######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023579 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 370 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أحكام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023579 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23579 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23579 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد صادق القمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار إحياء التراث العربي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # تعريف بالإمام الجصاص الحنفي المتوفى 370 سنة هجرية الإمام أحمد بن على ~~أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص نسبة إلى عمله بالجص هو إمام الحنفية في ~~عصره ومن المجتهدين المبرزين في المذهب. # ولد في بغداد سنة خمس وثلاثمائة هجرية، وتفقه على أبى سهل الزجاج وعلى ~~أبى الحسن الكرخي عن أبى سعيد البردعي عن موسى بن نصير الرازي عن محمد. # وروى الحديث عن عبد الباقي بن قانع. # خرج إلى الأهواز ثم عاد إلى بغداد ثم خرج إلى نيسابور مع الحاكم ~~النيسابوري برأى شيخه أبى الحسن الكرخي ومشورته فمات الكرخي وهو بنيسابور. # عاد الإمام إلى بغداد سنة أربعة وأربعون وثلاثمائة واستقر للتدريس بها ~~وخوطب في أن يلي القضاء فامتنع وأعيد عليه الخطاب فلم يفعل. # انتهت للإمام الزاهد رئاسة الأصحاب وأخذ عنه وتفقه عليه الكثيرون ومنهم ~~أبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجانى شيخ القدورى وأبو الحسن محمد بن أحمد ~~الزعفراني. # ومن مصنفات الإمام كتاب أحكام القرآن وشرح مختصر الكرخي وشرح مختصر ~~الطحاوي وشرح الجامع لمحمد بن الحسن وشرح الأسماء الحسنى وكتاب في أدب ~~القضاء وآخر في أصول الفقه هو بمثابة المقدمة لكتابه في أحكام القرآن وله ~~جوابات على مسائل وردت عليه. # توفى الإمام في السابع من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة هجرية وقد لخصنا ~~هذا التعريف بالإمام مما ذكر عنه وعن مؤلفاته في كتاب الفوائد البهية في ~~تراجم الحنفية لعبد الحي اللكنوى الهندي وفي كتاب كشف الظنون وفي كتاب ~~طبقات # PageV01P003 # القارئ وفي كتاب شرح المواهب اللدنية لمحمد بن عبد الباقي الزرقانى وكذلك ~~مما أورده صاحب القاموس في طبقاته للحنفية. # تغمد الله الإمام بواسع رحماته وأفاض علينا من خيراته وبركاته وصلى الله ~~وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب ~~العالمين. # PageV01P004 ### | سورة الفاتحة # بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر أحمد بن علي الرازي رضي الله عنه قد ~~قدمنا في صدر هذا الكتاب مقدمة «1» تشتمل على ذكر جمل مما لا يسع جهله من ~~أصول التوحيد وتوطئة لما يحتاج إليه ms0001 من معرفة طرق استنباط معاني القرآن ~~واستخراج دلائله وأحكام ألفاظه وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والأسماء ~~اللغوية والعبارات الشرعية إذ كان أولى العلوم بالتقديم معرفة توحيد الله ~~وتنزيهه عن شبه خلقه وعما نحله المفترون من ظلم عبيده والآن حتى انتهى بنا ~~القول إلى ذكر أحكام القرآن ودلائله والله نسأل التوفيق لما يقربنا إليه ~~ويزلفنا لديه إنه ولى ذلك والقادر عليه. ### | باب القول في بسم الله الرحمن الرحيم # قال أبو بكر الكلام فيها من وجوه أحدها معنى الضمير الذي فيها والثاني هل ~~هي من القرآن في افتتاحه والثالث هل هي من الفاتحة أم لا والرابع هل هي من ~~أوائل السور والخامس هل هي آية تامة أم ليست بآية تامة والسادس قراءتها في ~~الصلاة والسابع تكرارها في أوائل السور في الصلاة والثامن الجهر بها ~~والتاسع ذكر ما في مضمرها من الفوائد وكثرة المعاني فنقول إن فيها ضمير فعل ~~لا يستغني الكلام عنه لأن الباء مع سائر حروف الجر لا بد أن يتصل بفعل إما ~~مظهر مذكور وإما مضمر محذوف والضمير في هذا الموضع ينقسم إلى معنيين خبر ~~وأمر فإذا كان الضمير خبرا كان معناه أبدأ بسم الله فحذف هذا الخبر وأضمر ~~لأن القارئ مبتدئ فالحال المشاهدة منبئة عنه ومغنية عن ذكره وإذا كان أمرا ~~كان معناه ابدءوا بسم الله واحتماله لكل واحد من المعنيين على وجه واحد وفي ~~نسق تلاوة السورة دلالة على أنه أمر وهو قوله تعالى [إياك نعبد] ومعناه ~~قولوا إياك كذلك ابتداء الخطاب في معنى قوله بسم الله وقد ورد الأمر بذلك ~~في مواضع PageV01P005 # من القرآن مصرحا وهو قوله تعالى [اقرأ باسم ربك] فأمر في افتتاح القراءة ~~بالتسمية كما أمر أمام القراءة بتقديم الاستعاذة وهو إذا كان خبرا فإنه ~~يتضمن معنى الأمر لأنه لما كان معلوما أنه خبر من الله بأنه يبدأ باسم الله ~~ففيه أمر لنا بالابتداء به والتبرك بافتتاحه لأنه إنما أخبرنا به لنفعل ~~مثله ولا يبعد أن يكون الضمير لهما جميعا فيكون الخبر والأمر جميعا ms0002 مرادين ~~لاحتمال اللفظ لهما فإن قال قائل لو صرح بذكر الخبر لم يجز أن يريد به ~~المعنيين جميعا من الأمر والخبر كذلك يجب أن يكون حكم الضمير في انتفاء ~~إرادة الأمرين قيل له إذا أظهر صيغة الخبر امتنع أن يريدهما لاستحالة كون ~~لفظ واحد أمرا وخبرا في حال واحد لأنه متى أراد بالخبر الأمر كان اللفظ ~~مجازا وإذا أراد به حقيقة الخبر كان حقيقة وغير جائز أن يكون اللفظ الواحد ~~مجازا حقيقة لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه والمجاز ما عدل به عن ~~موضعه إلى غيره ويستحيل كونه مستعملا في موضعه ومعدولا به عنه في حال واحد ~~فلذلك امتنع إرادة الخبر والأمر بلفظ واحد وأما الضمير فغير مذكور وإنما هو ~~متعلق بالإرادة ولا يستحيل إرادتهما معا عند احتمال اللفظ لإضمار كل واحد ~~منهما فيكون معناه حينئذ أبدأ بسم الله على معنى الخبر وابدءوا أنتم أيضا ~~به اقتداء بفعلي وتبركا به غير أن جواز إرادتهما لا يوجب عند الإطلاق ~~إثباتهما إلا بدلالة إذ ليس هو عموم لفظ مستعمل على مقتضاه وموجبه وإنما ~~الذي يلزم حكم اللفظ إثبات ضمير محتمل لكل واحد من الوجهين وتعيينه في ~~أحدهما موقوف على الدلالة كذلك قولنا في نظائره نحو # قول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه) # لأن الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا ويحتمل المأثم لم يمتنع ~~إرادة الأمرين بأن لا يلزمه شيء ولا مأثم عليه عند الله لاحتمال اللفظ لهما ~~وجواز إرادتهما إلا أنه مع ذلك ليس بعموم لفظ فينتظمهما فاحتجنا في إثبات ~~المراد إلى دلالة من غيره وليس يمتنع قيام الدلالة على إرادة أحدهما بعينه ~~أو إرادتهما جميعا وقد يجيء من الضمير المحتمل لأمرين ما لا يصح إرادتهما ~~معا نحو ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إنما الأعمال بالنيات) # معلوم أن حكمه متعلق بضمير يحتمل جواز العمل ويحتمل أفضليته فمتى أراد ~~الجواز امتنعت # PageV01P006 # إرادة الأفضلية لأن إرادة الجواز تنفي ثبوت ms0003 حكمه مع عدم النية وإرادة ~~الأفضلية تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة مع إثبات النقصان فيه ونفي ~~الأفضلية ويستحيل أن يريد نفي الأصل ونفي الكمال الموجب للنقصان في حال ~~واحد وهذا مما لا يصح فيه إرادة المعنيين من نفي الأصل وإثبات النقص ولا ~~يصح قيام الدلالة على إرادتهما قال أبو بكر وإذا ثبت اقتضاؤه لمعنى الأمر ~~انقسم ذلك إلى فرض ونفل فالفرض هو ذكر الله عند افتتاح الصلاة في قوله ~~تعالى [قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى] فجعله مصليا عقيب الذكر فدل على ~~أنه أراد ذكر التحريمة وقال تعالى [واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا] قيل ~~إن المراد به ذكر الافتتاح # روي عن الزهري في قوله تعالى [وألزمهم كلمة التقوى] قال هي بسم الله ~~الرحمن الرحيم # وكذلك هو في الذبيحة فرض وقد أكده بقوله [فاذكروا اسم الله عليها صواف] ~~وقوله [ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق] وهو في الطهارة ~~والأكل والشرب وابتداء الأمور نفل فإن قال قائل هل لا أوجبتم التسمية على ~~الوضوء بمقتضى الظاهر لعدم الدلالة على خصوصه مع ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله ~~عليه) # قيل له الضمير ليس بظاهر فيعتبر عمومه وإنما ثبت منه ما قامت الدلالة ~~عليه # وقوله (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) # على جهة نفي الفضيلة لدلائل قامت عليه. ### | باب القول في أن البسملة من القرآن # قال أبو بكر لا خلاف بين المسلمين في أن بسم الله الرحمن الرحيم من ~~القرآن في قوله تعالى [إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم] # وروي أن جبريل عليه السلام أول ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ~~قال له اقرأ قال ما أنا بقارئ قال له [اقرأ باسم ربك الذي خلق] # وروى أبو قطن عن المسعودي عن الحرث العكلي أن النبي عليه السلام كتب في ~~أوائل الكتب باسمك اللهم حتى نزل [بسم الله مجراها ومرساها] ms0004 فكتب بسم الله ~~ثم نزل قوله تعالى [قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن] فكتب فوقه الرحمن فنزلت ~~قصة سليمان فكتبها حينئذ # ومما سمعنا # في سنن أبي داود قال قال الشعبي ومالك وقتادة وثابت إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى # PageV01P007 # نزلت سورة النمل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يكتب بينه ~~وبين سهيل ابن عمر وكتاب الهدنة بالحديبية قال لعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال له سهيل باسمك اللهم فإنا لا نعرف ~~الرحمن # إلى أن سمح بها بعد فهذا يدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم لم تكن من ~~القرآن ثم أنزلها الله تعالى في سورة النمل. ### | القول في أن البسملة من فاتحة الكتاب # قال أبو بكر ثم اختلف في أنها من فاتحة الكتاب أم لا فعدها قراء الكوفيين ~~آية منها ولم يعدها قراء البصريين وليس عن أصحابنا رواية منصوصة في أنها ~~آية منها إلا أن شيخنا أبا الحسن الكرخي حكى مذهبهم في ترك الجهر بها وهذا ~~يدل على أنها ليست منها عندهم لأنها لو كانت آية منها عندهم لجهر بها كما ~~جهر بسائر آي السور وقال الشافعي هي آية منها وإن تركها أعاد الصلاة وتصحيح ~~أحد هذين القولين موقوف على الجهل والإخفاء على ما سنذكره فيما بعد إن شاء ~~الله تعالى. ### | القول في البسملة هل هي من أوائل السور # قال أبو بكر ثم اختلف في أنها آية من أوائل السور أو ليست بآية منها على ~~ما ذكرنا من مذهب أصحابنا أنها ليست بآية من أوائل السور لترك الجهر بها ~~ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها إذ ليس من قول أحد ~~أنها ليست من فاتحة الكتاب وأنها من أوائل السور وزعم الشافعي أنها آية من ~~كل سورة وما سبقه إلى هذا القول أحد لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها ~~آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية ms0005 منها ولم يعدها أحد آية من سائر السور ~~ومن الدليل على أنها ليست من فاتحة الكتاب # حديث سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال (قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال الحمد لله رب ~~العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال مجدني عبدي أو ~~أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال فوض إلي عبدي وإذا قال إياك ~~نعبد وإياك نستعين قال هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فيقول عبدى اهدنا ~~الصراط المستقيم إلى آخرها قال لعبدي ما سأل) # فلو كانت من فاتحة # PageV01P008 # الكتاب لذكرها فيما ذكر من آي السورة فدل ذلك على أنها ليست منها ومن ~~المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة ~~الكتاب وجعلها نصفين فانتفى بذلك أن تكون بسم الله الرحمن الرحيم آية منها ~~من وجهين أحدهما أنه لم يذكرها في القسمة الثاني أنها لو صارت في القسمة ~~لما كانت نصفين بل كان يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد لأن بسم الله ~~الرحمن الرحيم ثناء على الله تعالى لا شيء للعبد فيه فإن قال قائل إنما لم ~~يذكرها لأنه قد ذكر الرحمن الرحيم في أضعاف السورة قيل له هذا خطأ من وجهين ~~أحدهما أنه إذا كانت آية غيرها فلا بد من ذكرها ولو جاز ما ذكرت لجاز ~~الاقتصار بالقرآن على ما في السورة منها دونها ووجه آخر وهو أن قوله بسم ~~الله فيه ثناء على الله وهو مع ذلك اسم مختص بالله تعالى لا يسمى به غيره ~~فالواجب لا محالة أن يكون مذكورا في القسمة إذ لم يتقدم له ذكر فيما قسم من ~~آي السورة وقد روي هذا الخبر على غير هذا الوجه وهو # ما حدثنا به محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك ~~عن العلاء ms0006 بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول سمعت ~~أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال الله قسمت الصلاة ~~بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل يقول العبد ~~الحمد لله رب العالمين فيقول الله حمدني عبدي فيقول الرحمن الرحيم يقول ~~الله أثنى علي عبدي يقول العبد مالك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي وهذه ~~الآية بيني وبين عبدي يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين فهذه بيني وبين ~~عبدي ولعبدي ما سأل) # فذكر في هذا الحديث في مالك يوم الدين أنه بيني وبين عبدي نصفين هذا غلط ~~من راويه لأن قوله تعالى مالك يوم الدين ثناء خالص لله تعالى لا شيء للعبد ~~فيه كقوله الحمد لله رب العالمين وإنما جعل قوله إياك نعبد وإياك نستعين ~~بينه وبين العبد لما انتظم من الثناء على الله تعالى ومن مسألة العبد ألا ~~ترى أن سائر الآي بعدها من قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم جعلها للعبد ~~خاصة إذ ليس فيه ثناء على الله وإنما هو مسألة من العبد لما ذكروا من جهة ~~أخرى أن قوله مالك يوم الدين لو كان بينه وبين العبد وكذلك قوله إياك نعبد ~~وإياك نستعين لما كان نصفين على قول من يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية بل ~~كان يكون لله تعالى أربع وللعبد ثلاث ومما يدل على أن البسملة ليست من ~~أوائل السور وإنما هي للفصل بينها ما حدثنا # PageV01P009 # محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن عون قال أخبرنا هشيم ~~عن عوف الأعرابي عن يزيد القاري قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال قلت ~~لعثمان بن عفان رضي الله عنه ما حملكم على أن عمدتم إلى براءة وهي من ~~المئين وإلى الأنفال وهي المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا ~~بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم # قال عثمان كان النبي صلى الله عليه وسلم لما ينزل عليه الآيات فيدعو بعض ~~من كان يكتب ms0007 له فيقول ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ~~وينزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك # وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من ~~القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فمن هناك وضعتهما في ~~السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فأخبر عثمان أن ~~بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن من السورة وأنه إنما كان يكتبها في فصل ~~السورة بينها وبين غيرها لا غير وأيضا فلو كانت من السور ومن فاتحة الكتاب ~~لعرفته الكافة بتوقيف من النبي عليه السلام أنها منها كما عرفت مواضع سائر ~~الآي من سورها ولم يختلف فيها وذلك أن سبيل العلم بمواضع الآي كهو بالآي ~~نفسها فلما كان طريق إثبات القرآن نقل الكافة دون نقل الآحاد وجب أن يكون ~~كذلك حكم مواضعه وترتيبه ألا ترى أنه غير جائز لأحد إزالة ترتيب آي القرآن ~~ولا نقل شيء منه عن مواضعه إلى غيره فإن فاعل ذلك بمنزلة من رام إزالته ~~ورفعه فلو كانت بسم الله الرحمن الرحيم من أوائل السور لعرفت الكافة موضعها ~~منها كسائر الآي وكموضعها من سورة النمل فلما لم نرهم نقلوا ذلك إلينا من ~~طريق التواتر الموجب للعلم لم يجز لنا إثباتها في أوائل السور فإن قال قائل ~~قد نقلوا إلينا جميع ما في المصحف على أنه القرآن وذلك كاف في إثباتها من ~~السور في مواضعها المذكورة في المصحف قيل له إنما نقلوا إلينا كتبها في ~~أوائلها ولم ينقلوا إلينا أنها منها وإنما الكلام بيننا وبينكم في أنها من ~~هذه السورة التي هي مكتوبة في أوائلها ونحن نقول بأنها من القرآن أثبتت في ~~هذه المواضع لا على أنها من السور وليس إيصالها بالسورة في المصحف وقراءتها ~~معها موجبين أن يكون منها لأن القرآن كله بعضه متصل ببعض وما قيل بسم الله ~~الرحمن الرحيم متصل بها ولا يجب من أجل ذلك أن يكون الجميع سورة واحدة فإن ~~قال قائل لما نقل ms0008 إلينا المصحف وذكروا أن ما فيه هو القرآن على نظامه ~~وترتيبه فلو لم تكن من أوائل السور مع النقل المستفيض لبينوا ذلك # PageV01P010 # وذكروا أنها ليست من أوائلها لئلا تشتبه قيل له هذا يلزم من يقول إنها ~~ليست من القرآن فأما من أعطى القول بأنها منه فهذا السؤال ساقط عنه فإن قيل ~~ولو لم تكن منها لعرفته الكافة حسب ما ألزمت من يقول إنها منها قيل له لا ~~يجب ذلك لأنه ليس عليهم نقل كل ما ليس من السورة أنه ليس منها كما ليس ~~عليهم نقل ما ليس من القرآن أنه ليس منه وإنما عليهم نقل ما هو من السورة ~~أنه منها كما عليهم نقل ما هو من القرآن أنه منه فإذا لم يرد النقل ~~المستفيض بكونها من السور واختلف فيه لم يجز لنا إثباتها كإثبات القرآن ~~نفسه ويدل أيضا على أنها ليست من أوائل السور # ما حدثنا محمد بن جعفر بن أبان قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا مسدد ~~قال حدثني يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال (سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى ~~غفر له تبارك الذي بيده الملك) # واتفق القراء وغيرهم أنها ثلاثون آية سوى بسم الله الرحمن الرحيم فلو ~~كانت منها كانت إحدى وثلاثين آية وذلك خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدل عليه أيضا اتفاق جميع قراء الأمصار وفقهائهم على أن سورة الكوثر ثلاث ~~آيات وسورة الإخلاص أربع آيات فلو كانت منها لكانت أكثر مما عدوا فإن قال ~~قائل إنما عدوا سواها لأنه لا إشكال فيها عندهم قيل له فكان لا يجوز لهم أن ~~يقول سورة الإخلاص أربع آيات وسورة الكوثر ثلاث آيات والثلاث والأربع إنما ~~هي بعض السورة ولو كان كذلك لوجب أن يقولوا في الفاتحة إنها ست آيات قال ~~أبو بكر رحمه الله # وقد روى عبد الحميد ابن جعفر عن نوح بن أبي جلال عن سعيد المقبري ms0009 عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول (الحمد لله رب العالمين ~~سبع آيات إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم) # وشك بعضهم في ذكر أبي هريرة في الإسناد # وذكر أبو بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي جلال عن سعيد ~~بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال (إذا قرأتم الحمد لله ~~رب العالمين فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها إحدى آياتها) # قال أبو بكر ثم لقيت نوحا فحدثني به عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله ~~ولم يرفعه ومثل هذا الاختلاف في السند والرفع يدل على أنه غير مضبوط في ~~الأصل فلم يثبت به توقيف عن النبي عليه السلام ومع ذلك فجائز أن يكون قوله ~~فإنها إحدى آياتها من قول أبي هريرة لأن الراوي قد يدرج كلامه في # PageV01P011 # الحديث من غير فصل بينهما لعلم السامع الذي حضره بمعناه وقد وجد مثل ذلك ~~كثيرا في الأخبار فغير جائز فيما كان هذا وصفه أن يعزى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالاحتمال وجائز أن يكون أبو هريرة قال ذلك من جهة أنه سمع النبي ~~عليه السلام يجهر بها وظنها من السورة لأن # أبا هريرة قد روى الجهر عن النبي صلى الله عليه وسلم # وأيضا لو ثبت هذا الحديث عاريا من الاضطراب في السند والاختلاف في الرفع ~~وزوال الاحتمال في كونه من قول أبي هريرة لما جاز لنا إثباتها من السورة إذ ~~كان طريق إثباتها نقل الأمة على ما بين آنفا. # فصل وأما القول في أنها آية أو ليست بآية فإنه لا خلاف أنها ليست بآية ~~تامة في سورة النمل وأنها هناك بعض آية وأن ابتداء الآية من قوله تعالى ~~[إنه من سليمان] ومع ذلك فكونها ليست آية تامة في سورة النمل لا يمنع أن ~~تكون آية في غيرها لوجودها مثلها في القرآن ألا ترى أن قوله [الرحمن ~~الرحيم] في أضعاف الفاتحة هو آية تامة وليست بآية تامة من قوله [بسم الله ms0010 ~~الرحمن الرحيم] عند الجميع # وكذلك قوله [الحمد لله رب العالمين] هو آية تامة في الفاتحة وهي بعض آية ~~في قوله تعالى [وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين] وإذا كان كذلك احتمل ~~أن تكون بعض آية في فصول السور واحتمل أن تكون آية على حسب ما ذكرنا وقد ~~دللنا على أنها ليست من الفاتحة فالأولى أن تكون أية تامة من القرآن من غير ~~سورة النمل لأن التي في سورة النمل ليست بآية تامة والدليل على أنها آية ~~تامة # حديث ابن أبي مليكة عن أم سلمة رضى الله تعالى عنها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرأ في الصلاة فعدها آية # وفي لفظ آخر # أن النبي عليه السلام كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة رواه ~~الهيثم بن خالد عن أبي عكرمة عن عمرو بن هارون عن أبي مليكة عن أم سلمة عن ~~النبي عليه السلام # وروى أيضا أسباط عن السدي عن عبد خير عن علي أنه كان يعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم آية # وعن ابن عباس مثله # وروى عبد الكريم عن أبي أمية البصري عن ابن أبي بردة عن أبيه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية أو سورة ~~لم تنزل على نبي بعد سليمان عليه السلام غيري فمشى واتبعته حتى انتهى إلى ~~باب المسجد وأخرج إحدى رجليه من أسكفة الباب وبقيت الرجل الأخرى ثم أقبل ~~علي بوجهه فقال بأى شيء تفتح القرآن # PageV01P012 # إذا افتتحت الصلاة فقلت ببسم الله الرحمن الرحيم قال ثم خرج) # قال أبو بكر فثبت بما ذكرنا أنها آية إذ لم تعارض هذه الأخبار أخبار ~~غيرها في نفي كونها آية فإن قال قائل يلزمك على ما أصلت أن لا تثبتها آية ~~بأخبار الآحاد حسب ما قلته في نفي كونها آية من أوائل السور قيل له لا يجب ~~ذلك من قبل أنه ليس على النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الأمة على مقاطع ~~الآية ومقاديرها ولم يتعبد بمعرفتها ms0011 فجائز إثباتها آية بخبر الواحد وأما ~~موضعها من السور فهو كإثباتها من القرآن سبيله النقل المتواتر ولا يجوز ~~إثباتها بأخبار الآحاد ولا بالنظر والمقاييس كسائر السور وكموضعها من سورة ~~النمل ألا ترى أنه قد كأنه يكون من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف على ~~موضع الآي على ما روى ابن عباس عن عثمان وقد قدمنا ذكره ولم يوجد عن النبي ~~عليه السلام توقيف في سائر الآي على مباديها ومقاطعها فثبت أنه غير مفروض ~~علينا مقادير الآي فإذ قد ثبت أنها آية فليست تخلو من أن تكون آية في كل ~~موضع هي مكتوبة فيه من القرآن وإن لم تكن من أوائل السور أو أن تكون آية ~~منفردة كررت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك ~~باسم الله تعالى فالأولى أن تكون آية في كل موضع هي مكتوبة فيه لنقل الأمة ~~أن جميع ما في المصحف من القرآن ولم يخصوا شيئا منه من غيره وليس وجودها ~~مكررة في هذه المواضع مخرجها من أن تكون من القرآن لوجودنا كثيرا منه ~~مذكورا على وجه التكرار ولا يخرجه ذلك من أن تكون كل آية منها وكل لفظة من ~~القرآن في الموضع المذكور فيه نحو قوله [الحي القيوم] في سورة البقرة مثله ~~في سورة آل عمران ونحو قوله [فبأي آلاء ربكما تكذبان] كل آية منها مفردة في ~~موضعها من القرآن لا على معنى تكرار آية واحدة وكذلك بسم الله الرحمن ~~الرحيم وقول النبي عليه السلام إنها آية يقتضي أن تكون آية في كل موضع ذكرت ~~فيه. # فصل وأما قراءتها في الصلاة فإن أبا حنيفة وابن أبي ليلى والثوري والحسن ~~بن صالح وأبا يوسف ومحمد وزفر والشافعي كانوا يقولون بقراءتها في الصلاة ~~بعد الاستعاذة قبل فاتحة الكتاب واختلفوا في تكرارها في كل ركعة وعند ~~افتتاح السورة # فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقرأها في كل ركعة مرة واحدة عند ابتداء ~~قراءة فاتحة الكتاب ولا يعيدها مع السورة # عند أبي حنيفة ms0012 وأبي يوسف وقال محمد والحسن بن زياد # PageV01P013 # عن أبي حنيفة إذا قرأها في أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن ~~يقرأها في تلك الصلاة حتى يسلم وإن قرأها مع كل سورة فحسن قال الحسن وإن ~~كان مسبوقا فليس عليه أن يقرأها فيما يقضي لأن الإمام قد قرأها في أول ~~صلاته وقراءة الإمام له قراءة قال أبو بكر وهذا يدل من قوله على أنه كان ~~يرى بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن في ابتداء القراءة وأنها ليست مفردة ~~على وجه التبرك فقط حسب إثباتها في ابتداء الأمور والكتب ولا منقولة عن ~~مواضعها من القرآن وروى هشام عن أبي يوسف قال سألت أبا حنيفة عن قراءة بسم ~~الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وتجديدها قبل السورة التي بعد فاتحة ~~الكتاب فقال أبو حنيفة يجزيه قراءتها قبل الحمد وقال أبو يوسف يقرأها في كل ~~ركعة قبل القراءة مرة واحدة ويعيدها في الأخرى أيضا قبل فاتحة الكتاب ~~وبعدها إذا أراد أن يقرأ سورة قال محمد فإن قرأ سورا كثيرة وكانت قراءته ~~يخفيها قرأها عند افتتاح كل سورة وإن كان يجهر بها لم يقرأها لأنه في الجهر ~~يفصل بين السورتين بسكتة قال أبو بكر وهذا من قول محمد يدل على أن قراءة ~~بسم الله الرحمن الرحيم إنما هي للفصل بين السورتين أو لابتداء القراءة ~~وأنها ليست من السورة ولا دلالة فيه على أنه كان لا يراها آية وأنها ليست ~~من القرآن وقال الشافعي هي من أول كل سورة فيقرأها عند ابتداء كل سورة قال ~~أبو بكر وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنها تقرأ في كل ركعة وعن إبراهيم قال ~~إذا قرأتها في أول كل ركعة أجزأك فيما بقي وقال مالك بن أنس لا يقرأها في ~~المكتوبة سرا ولا جهرا وفي النافلة إن شاء قرأ وإن شاء ترك والدليل على ~~أنها تقرأ في سائر الصلوات # حديث أم سلمة وأبي هريرة أن النبي عليه السلام كان يقرأ في الصلاة بسم ~~الله الرحمن الرحيم الحمد ms0013 لله رب العالمين # وروى أنس بن مالك قال صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ~~وعثمان فكانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم # وقال في بعضها يخفون وفي بعضها كانوا لا يجهرون ومعلوم أن ذلك كان في ~~الفرض لأنهم إنما كانوا يصلون خلفه في الفرائض لا في التطوع إذ ليس من سنة ~~التطوع فعلها في جماعة # وقد روي عن عائشة وعبد الله بن المغفل وأنس بن مالك أن النبي عليه السلام ~~كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين # وهذا إنما يدل على ترك الجهر بها ولا دلالة فيه على تركها رأسا فإن قال ~~قائل # روى أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال # PageV01P014 # كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب ~~العالمين ولم يسكت # قيل له ليس لمالك فيه دليل من قبل أنه إن ثبت أنه لم يقرأها في الثانية ~~فإنما ذلك حجة لمن يقتصر عليها في أول ركعة فأما أن يكون دليلا على تركها ~~رأسا فلا # وقد روي قراءتها في أول الصلاة عن على # وعمر وبن عباس وابن عمر من غير معارض لهم من الصحابة فثبت بذلك قراءتها ~~في الفرض والنفل لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة من غير ~~معارض لهم وعلى أنه لا فرق بين الفرض والنفل لا في الإثبات ولا في النفي ~~كما لا يختلفان في سائر سنن الصلاة وأما وجه ما روي عن أبي حنيفة في ~~اقتصاره على قراءتها في أول ركعة دون سائر الركعات وسورها فهو لما ثبت أنها ~~ليست من أوائل السور وإن كانت آية في موضعها على وجه الفصل بين السورتين ~~أمرنا بالابتداء بها تبركا ثم ثبت أنها مقروءة في أول الصلاة بما قدمناه ~~وكانت حرمة الصلاة حرمة واحدة وجميع أفعالها مبنية على التحريمة صار جميع ~~الصلاة كالفعل الواحد الذي يكتفى بذكر اسم الله تعالى في ابتدائه ولا يحتاج ~~إلى إعادته وإن طال كالابتداء بها في أوائل الكتب وكما ms0014 لم تعد عند ابتداء ~~الركوع والسجود والتشهد وسائر أركان الصلاة كذلك حكمها مع ابتداء السورة ~~والركعات ويدل على أنها موضوعة للفصل # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ~~عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يعرف فصل السورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم # وهذا يدل على أن موضوعها للفصل بين السورتين وأنها ليست من السور ولا ~~يحتاج إلى تكرارها عند كل سورة فإن قال قائل إذا كانت موضوعة للفصل بين ~~السورتين فينبغي أن يفصل بينهما بقراءتها على حسب موضوعها قيل له لا يجب ~~ذلك لأن الفصل قد عرف بنزولها وإنما يحتاج في الابتداء بها تبركا وقد وجد ~~ذلك في ابتداء الصلاة ولا صلاة هناك مبتدأة فيقرأ من أجلها فلذلك جاز ~~الاقتصار بها على أولها وأما من قرأها في كل ركعة فوجه قوله أن كل ركعة لها ~~قراءة مبتدأة لا ينوب عنها القراءة في التي قبلها فمن حيث احتيج إلى ~~استئناف القراءة فيها صارت كالركعة الأولى فلما كان المسنون فيها قراءتها ~~في الركعة الأولى كان كذلك حكم الثانية إذ كان فيها ابتداء قراءة ولا يحتاج ~~إلى إعادتها عند كل سورة لأنها فرض واحد وكان حكم السورة في الركعة الواحدة ~~حكم # PageV01P015 # ما قبلها لأنها دوام على فعل قد ابتدأه وحكم الدوام حكم الابتداء كالركوع ~~إذا أطاله وكذلك السجود وسائر أفعال الصلاة الدوام على الفعل الواحد منها ~~حكمه حكم الابتداء حتى إذا كان الابتداء فرضا كان ما بعده في حكمه وأما من ~~رأى إعادتها عند كل سورة فإنهم فريقان أحدهما من لم يجعلها من السورة ~~والآخر من جعلها من أوائلها فأما من جعلها من أوائلها فإنه رأى إعادتها كما ~~يقرأ سائر آي السورة وأما من لم يرها من السورة فإنه يجعل كل سورة كالصلاة ~~المبتدأة فيبتدئ فيها بقراءتها كما فعلها في أول الصلاة لأنها كذلك في ~~المصحف كما لو ابتدأ قراءة السورة في غير الصلاة ms0015 بدأ بها فلذلك إذا قرأ ~~قبلها سورة غيرها # وقد روى أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أنزلت علي سورة ~~آنفا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ إنا أعطيناك الكوثر) # إلى آخرها حتى ختمها # وروى أبو بردة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ [بسم الله الرحمن ~~الرحيم الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين] # فهذا يدل على أنه عليه السلام قد كان يبتدئ قراءة السورة في غير الصلاة ~~بها وكان سبيلها أن يكون كذلك حكمها في الصلاة وقد روى عبد الله بن دينار ~~عن ابن عمر أنه كان يفتتح أم القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم ويفتتح السورة ~~ببسم الله الرحمن الرحيم وروى جرير عن المغيرة قال أمنا إبراهيم فقرأ في ~~صلاة المغرب [ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل] حتى إذا ختمها وصل بخاتمتها ~~[لإيلاف قريش] ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم. # فصل وأما الجهر بها فإن أصحابنا والثوري قالوا يخفيها وقال ابن أبي ليلى ~~إن شاء جهر وإن شاء أخفى وقال الشافعي يجهر بها وهذا الاختلاف إنما هو في ~~الإمام إذا صلى صلاة يجهر فيها بالقراءة وقد روي عن الصحابة فيها اختلاف ~~كثير فروى عمر بن ذر عن أبيه قال صليت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم وروى حماد عن إبراهيم قال كان عمر يخفيها ثم يجهر بفاتحة الكتاب ~~وروى عنه أنس مثل ذلك قال إبراهيم كان عبد الله ابن مسعود وأصحابه يسرون ~~قراءة بسم الله الرحمن الرحيم لا يجهرون بها وروى أنس أن أبا بكر وعمر كانا ~~يسران ببسم الله الرحمن الرحيم وكذلك روى عنه عبد الله بن المغفل وروى ~~المغيرة عن إبراهيم قال جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة بدعة ~~وروى جرير عن عاصم الأحول قال ذكر لعكرمة الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في # PageV01P016 # الصلاة فقال أنا إذا أعرابي وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة قال بلغني عن ابن ~~مسعود قال الجهر في الصلاة ببسم ms0016 الله الرحمن الرحيم أعرابية وروى حماد بن ~~زيد عن كثير قال سئل الحسن عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ~~فقال إنما يفعل ذلك الأعرابى واختلفت الرواية عن ابن عباس فروى شريك عن ~~عاصم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه جهر بها وهذا يحتمل أن يكون في غير ~~الصلاة وروى عبد الملك بن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس في الجهر ببسم ~~الله الرحمن الرحيم قال ذلك فعل الأعراب # وروي عن علي أنه عدها آية # وأنه قال هي تمام السبع المثاني # ولم يثبت عنه الجهر بها في الصلاة # وقد روى أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد عن أبي وائل قال كان عمر وعلى لا ~~يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بآمين # وروي عن ابن عمر أنه جهر بها في الصلاة فهؤلاء الصحابة مختلفون فيها على ~~ما بينا # وروى أنس وعبد الله بن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ~~وعثمان كانوا يسرون وفي بعضها كانوا يخفون # وجعله عبد الله بن المغفل حدثا في الإسلام # وروى أبو الجوزاء عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح ~~الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ويختمها بالتسليم # حدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي رحمه الله قال حدثنا الحضرمي ~~قال حدثنا محمد بن العلاء حدثنا معاوية بن هشام عن محمد بن جابر عن حماد عن ~~إبراهيم عن عبد الله قال ما جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة ~~مكتوبة ببسم الله الرحمن الرحيم # ولا أبو بكر ولا عمر فإن قال قائل إذا كان عندك أنها آية من القرآن في ~~موضعها فالواجب الجهر بها كالجهر بالقراءة في الصلوات التي يجهر فيها ~~بالقرآن إذ ليس في الأصول الجهر ببعض القراءة دون بعض في ركعة واحدة قيل له ~~إذا لم تكن من فاتحة الكتاب على ما بينا وإنما هي على وجه الابتداء بها ~~تبركا جاز أن لا يجهر بها ألا ms0017 ترى أن قوله تعالى [إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض] الآية هو من القرآن ومن استفتح به الصلاة لا يجهر به مع ~~الجهر بسائر القراءة كذلك ما وصفنا قال أبو بكر وما ثبت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من إخفائها يدل على أنها ليست من الفاتحة إذ لو كانت منها ~~لجهر بها كجهره بسائرها فإن احتج محتج بما روى نعيم المجمر أنه صلى وراء ~~أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم لما سلم قال إني لأشبهكم صلاة ~~برسول # PageV01P017 # الله صلى الله عليه وسلم وبما # روى ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(كان يصلي في بيتها فيقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين) # وبما # روى جابر الجعفي عن أبي الطفيل عن علي وعمار أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم) # قيل له وأما حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة فلا دلالة فيه على الجهر بها ~~لأنه إنما ذكر بها أنه قرأها ولم يقل إنه جهر بها وجائز أن لا يكون جهر بها ~~وإن قرأها وكان علم الراوي بقراءتها إما من جهة أبي هريرة بإخباره إياه ~~بذلك أو من جهة أنه سمعها لقربه منه وإن لم يجهر بها كما # روي أن النبي عليه السلام كان يقرأ في الظهر والعصر ويسمعنا الآية أحيانا # ولا خلاف أنه لم يكن يجهر بها # وقد روى عبد الواحد بن زياد قال حدثنا عمارة بن القعقاع قال حدثنا أبو ~~زرعة بن عمرو بن جرير قال حدثنا أبو هريرة قال (كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا نهض في الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) # وهذا يدل على أنه لم يكن عنده أنها من فاتحة الكتاب وإذا لم يكن منها لم ~~يجهر بها لأن كل من لا يعدها آية منها لا يجهر بها وأما حديث أم سلمة فروى ~~الليث عن عبد الله بن عبيد بن أبي ms0018 مليكة عن معلى أنه سأل أم سلمة عن قراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعتت قراءته مفسرة حرفا حرفا ففي هذا الخبر ~~أنها نعتت قراءة النبي عليه السلام وليس فيه ذكر قراءتها في الصلاة ولا ~~دلالة فيه على جهر ولا إخفاء لأن أكثر ما فيه أنه قرأها ونحن كذلك نقول ~~أيضا ولكنه لا يجهر بها وجائز أن يكون النبي عليه السلام أخبرها بكيفية ~~قراءته فأخبرت بذلك ويحتمل أن تكون سمعته يقرأ غير جاهر بها فسمعته لقربها ~~منه ويدل عليه أنها ذكرت أنه كان يصلي في بيتها وهذه لم تكن صلاة فرض لأنه ~~عليه السلام كان لا يصلي الفرض منفردا بل كان يصليها في جماعة وجائز عندنا ~~للمنفرد والمتنفل أن يقرأ كيف شاء من جهر أو إخفاء وأما حديث جابر عن أبي ~~الطفيل فإن جابرا ممن لا تثبت به حجة لأمور حكيت عنه تسقط روايته منها أنه ~~كان يقول بالرجعة على ما حكي وكان يكذب في كثير مما يرويه وقد كذبه قوم من ~~أئمة السلف # وقد روى أبو وائل عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يجهر بها # ولو كان الجهر ثابتا عنده لما خالفه إلى غيره وعلى أنه لو تساوت الأخبار ~~في الجهر والإخفاء عن النبي عليه السلام كان الإخفاء أولى من وجهين أحدهما ~~ظهور عمل السلف بالإخفاء دون # PageV01P018 # الجهر منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن المغفل وأنس بن مالك وقول ~~إبراهيم الجهر بها بدعة إذ كان متى روي عن النبي عليه السلام خبران متضادان ~~وظهر عمل السلف بأحدهما كان الذي ظهر عمل السلف به أولى بالإثبات والوجه ~~الآخر أن الجهر بها لو كان ثابتا ورد النقل به مستفيضا متواترا كوروده في ~~سائر القراءة فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر علمنا أنه غير ثابت إذا ~~الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها كهي إلى معرفة مسنون الجهر في سائر فاتحة ~~الكتاب فإن احتج بما حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأصم قال حدثنا ربيع ~~بن ms0019 سليمان قال حدثنا الشافعي قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثني عبد الله ~~بن عثمان بن حنتم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن معاوية قدم ~~المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا ~~رفع فناداه المهاجرون حين سلم والأنصار أي معاوية سرقت الصلاة أين بسم الله ~~الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت فصلى بهم صلاة أخرى فقال ~~فيها ذلك الذي عابوا عليه قال فقد عرف المهاجرون والأنصار الجهر بها قيل له ~~لو كان ذلك كما ذكرت لعرفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن ~~المغفل وابن عباس ومن روينا عنهم الإخفاء دون الجهر ولكان هؤلاء أولى بعلمه # لقوله عليه السلام (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى) # وكان هؤلاء أقرب إليه في حال الصلاة من غيرهم من القول المجهولين الذين ~~ذكرت وعلى أن ذلك ليس باستفاضة لأن الذي ذكرت من قول المهاجرين والأنصار ~~إنما رويته من طريق الآحاد ومع ذلك فليس فيه ذكر الجهر وإنما فيه أنه لم ~~يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ونحن أيضا ننكر ترك قراءتها وإنما كلامنا في ~~الجهر والإخفاء أيهما أولى والله أعلم. # فصل والأحكام التي يتضمنها قوله بسم الله الرحمن الرحيم الأمر باستفتاح ~~الأمور للتبرك بذلك والتعظيم لله عز وجل به وذكرها على الذبيحة وشعار وعلم ~~من علام الدين وطرد الشيطان لأنه # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا سمى الله العبد على طعامه ~~لم ينل منه الشيطان وإذا لم يسمه نال منه معه) # وفيه إظهار مخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها ~~من المخلوقين الذين كانوا يعبدونهم وهو مفزع للخائف ودلالة من قائله على ~~انقطاعه إلى الله تعالى ولجأه إليه وأنس للسامع # PageV01P019 # وإقرار بالألوهية واعتراف بالنعمة واستعانة بالله تعالى وعياذة به وفيه ~~اسمان من أسماء الله تعالى المخصوصة به لا يسمى بهما غيره وهما الله ~~والرحمن. ### | باب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة # قال أصحابنا جميعا رحمهم الله يقرأ بفاتحة ms0020 الكتاب وسورة في كل ركعة من ~~الأوليين فإن ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها فقد أساء وتجزيه صلاته ~~وقال مالك بن أنس إذا لم يقرأ أم القرآن في الركعتين أعاد وقال الشافعي أقل ~~ما يجزي فاتحة الكتاب فإن ترك منها حرفا وخرج من الصلاة أعاد قال أبو بكر ~~روى الأعمش عن خيثمة عن عباد ابن ربعي قال قال عمر لا تجزي صلاة لا يقرأ ~~فيها بفاتحة الكتاب وآيتين فصاعدا وروى ابن علية عن الجريري عن ابن بريدة ~~عن عمران بن حصين قال لا تجزي صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وآيتين ~~فصاعدا وروى معمر عن أيوب عن أبي العالية قال سألت ابن عباس عن القراءة في ~~كل ركعة قال اقرأ منه ما قل أو أكثر وليس من القرآن شيء قليل وروي عن الحسن ~~وإبراهيم والشعبي أن من نسي قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها لم يضره وتجزيه ~~وروى وكيع عن جرير بن حازم عن الوليد بن يحيى أن جابر بن زيد قام يصلي ذات ~~يوم فقرأ [مدهامتان] ثم ركع قال أبو بكر وما روي عن عمر وعمران بن حصين في ~~أنها لا تجزي إلا بفاتحة الكتاب وآيتين محمول على جواز التمام لا على نفي ~~الأصل إذ لا خلاف بين الفقهاء في جوازها بقراءة فاتحة الكتاب وحدها والدليل ~~على جوازها مع ترك الفاتحة وإن كان مسيئا قوله تعالى [أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر] ومعناه قراءة الفجر في صلاة الفجر اتفاق ~~المسلمين على أنه لا فرض عليه في القراءة وقت صلاة الفجر إلا في الصلاة ~~والأمر على الإيجاب حتى تقوم دلالة الندب فاقتضى الظاهر جوازها بما قرأ ~~فيها من شيء إذ ليس فيه تخصيص لشيء منه دون غيره ويدل عليه أيضا قوله تعالى ~~[فاقرؤا ما تيسر من القرآن] والمراد به القراءة في الصلاة بدلالة قوله ~~تعالى [إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل] إلى قوله [فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن] ولم تختلف الأمة أن ذلك في شأن ms0021 الصلاة في الليل وقوله تعالى ~~[فاقرؤا ما تيسر من القرآن] عموم عندنا في صلاة الليل وغيرها من النوافل ~~والفرائض لعموم اللفظ ويدل على أن المراد به جميع الصلاة من فرض ونفل # حديث # PageV01P020 # أبي هريرة ورفاعة بن رافع في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي ~~الصلاة حين لم يحسنها فقال له ثم اقرأ ما تيسر من القرآن وأمره بذلك # عندنا إنما صدر عن القرآن لأنا متى وجدنا للنبي صلى الله عليه وسلم أمرا ~~يواطئ حكما مذكورا في القرآن وجب أن يحكم بأنه إنما حكم بذلك عن القرآن ~~كقطعه السارق وجلده الزاني ونحوها ثم لم يخصص نفلا من فرض فثبت أن مراد ~~الآية عام في الجميع فهذا الخبر يدل على جوازها بغير فاتحة الكتاب من وجهين ~~أحدهما دلالته على أن مراد الآية عام في جميع الصلوات والثاني أنه مستقل ~~بنفسه في جوازها بغيرها وعلى أن نزول الآية في شأن صلاة الليل لو لم يعاضده ~~الخبر لم يمنع لزوم حكمها في غيرها من الفرائض والنوافل من وجهين أحدهما ~~أنه إذا ثبت ذلك في صلاة الليل فسائر الصلوات مثلها بدلالة أن الفرض والنفل ~~لا يختلفان في حكم القراءة وأن ما جاز في النفل جاز في الفرض مثله كما لا ~~يختلفان في الركوع والسجود وسائر أركان الصلاة فإن قال قائل هما مختلفان ~~عندك لأن القراءة في الأخريين غير واجبة عندك في الفرض وهي واجبة في النفل ~~إذا صلاها قيل له هذا يدل على أن النفل آكد في حكم القراءة من الفرض إذا ~~جاز النفل مع ترك فاتحة الكتاب فالفرض أحرى أن يجوز والوجه الآخر أن أحدا ~~لم يفرق بينهما ومن أوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب في أحدهما أوجبها في الآخر ~~ومن أسقط فرضها في أحدهما أسقطه في الآخر فلما ثبت عندنا بظاهر الآية جواز ~~النفل بغيرها وجب أن يكون كذلك حكم الفرض فإن قال قائل فما الدلالة على ~~جواز تركها بالآية قيل له لأن قوله [فاقرؤا ما تيسر من القرآن] يقتضي ~~التخيير وهو بمنزلة ms0022 قوله اقرأ ما شئت ألا ترى أن من قال لرجل بع عبدي هذا ~~بما تيسر أنه مخير له في بيعه له بما رأى وإذا ثبت أن الآية تقتضي التخيير ~~لم يجز لنا إسقاطه والاقتصار على شيء معين وهو فاتحة الكتاب لأن فيه نسخ ما ~~اقتضته الآية من التخيير فإن قال قائل هو بمنزلة قوله [فما استيسر من ~~الهدي] ووجوب الاقتصار به على الإبل والبقر والغنم مع وقوع الاسم على غيرها ~~من سائر ما يهدى ويتصدق به فلم يكن فيه نسخ الآية قيل له إن خياره باق في ~~ذبحه أيها شاء من الأصناف الثلاثة فلم يكن فيه رفع حكمها من التخيير ولا ~~نسخه وإنما فيه التخصيص ونظير ذلك ما لو ورد أثر في قراءة آية دون ما هو ~~أقل منها لم يلزم منه نسخ الآية لأن خياره باق في أن يقرأ أيما شاء من آي # PageV01P021 # القرآن قال قائل قوله [فاقرؤا ما تيسر من القرآن] يستعمل فيما عدا فاتحة ~~الكتاب فلا يكون فيه نسخ لها قيل له لا يجوز ذلك من وجوه أحدها أنه جعل ~~الأمر بالقراءة عبارة عن الصلاة فيها فلا يجوز أن تكون عبادة إلا وهي من ~~أركانها التي لا تصح إلا بها الثاني أن ظاهره يقتضي التخيير في جميع ما ~~يقرأ في الصلاة فلا يجوز تخصيصه في بعض ما يقرأ فيها دون غيرها الثالث أن ~~قوله [فاقرؤا ما تيسر] أمر وحقيقته ومقتضاه الواجب فلا يجوز صرفه إلى الندب ~~من القراءة دون الواجب منها ومما يدل على ما ذكرنا من جهة الأثر # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مؤمل بن إسماعيل ~~حدثنا حماد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن على بن يحيى ابن خلاد عن ~~عمر أن رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي عليه السلام فرد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال له ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع الرجل فصلى كما ~~كان يصلي ثم جاء إلى النبي ms0023 عليه السلام فسلم فرد عليه ثم قال له ارجع فصل ~~فإنك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات فقال عليه السلام إنه لا تتم صلاة واحد ~~من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ويحمد الله تعالى ويثني ~~عليه ويقرأ بما شاء من القرآن ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن مفاصله # وذكر الحديث # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى ~~بن سعيد عن عبد الله قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن ~~رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم وذكر نحوه ثم قال إذا قمت إلى الصلاة ~~فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع # وذكر الحديث قال أبو بكر قال في الحديث الأول ثم اقرأ ما شئت وفي الثاني ~~ما تيسر فخيره في القراءة بما شاء ولو كانت قراءة فاتحة الكتاب فرضا لعلمه ~~إياها مع علمه بجهل الرجل بأحكام الصلاة إذ غير جائز الاقتصار في تعليم ~~الجاهل على بعض فروض الصلاة دون بعض فثبت بذلك أن قراءتها ليست بفرض # وحدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا أحمد بن علي الجزار قال حدثنا عامر ابن ~~سيار قال حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عثمان حدثنا سفيان عن أبي نضرة عن أبي ~~سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة إلا بقراءة يقرأ فيها ~~فاتحة الكتاب أو غيرها من القرآن) # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا وهب بن بقية عن خلد ~~عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خلاد عن رفاعة بن رافع بهذه القصة # PageV01P022 # قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم ~~اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ # وذكر تمام الحديث فذكر فيه قراءة أم القرآن وغيرها وهذا غير مخالف ~~للأخبار الأخر لأنه محمول على أنه يقرأ بها إن تيسر إذ غير جائز حمله على ~~تعيين الفرض ms0024 فيها لما فيه من نسخ التخيير المذكور في غيره ومعلوم أن أحد ~~الخبرين غير منسوخ بالآخر إذ كانا في قصة واحدة فإن قال قائل لما ذكر في ~~أحد الخبرين التخيير فيما يقرأ وذكر في الآخر الأمر بقراءة فاتحة الكتاب من ~~غير تخيير وأثبت التخيير فيما عداها بقوله وبما شاء الله أن تقرأ بعد فاتحة ~~الكتاب ثبت بذلك أن التخيير المذكور في الأخبار الأخر إنما هو فيما عدا ~~فاتحة الكتاب وأن ترك ذكر فاتحة الكتاب إنما هو إغفال من بعض الرواة ولأن ~~في خبرنا زيادة وهو الأمر بقراءة فاتحة الكتاب بلا تخيير قيل له غير جائز ~~حمل الخبر الذي فيه التخيير مطلقا على الخبر المذكور فيه فاتحة الكتاب على ~~ما ادعيت لإمكان استعمالهما من غير تخصيص بل الواجب أن نقول التخيير ~~المذكور في الخبر المطلق حكمه ثابت في الخبر المقيد بذكر فاتحة الكتاب ~~فيكون التخيير عاما في فاتحة الكتاب وغيرها كأنه قال اقرأ بأم القرآن إن ~~شئت وبما سواها فيكون في ذلك استعمال زيادة التخيير في فاتحة الكتاب دون ~~تخصيصه في بعض القراءة دون بعض ويدل عليه أيضا ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن موسى قال ~~حدثنا عيسى عن جعفر بن ميمون البصري قال حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي ~~هريرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (اخرج فناد في المدينة أنه ~~لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد) # وقوله لا صلاة إلا بالقرآن # يقتضي جوازها بما قرأ به من شيء # وقوله ولو بفاتحة الكتاب فما زاد # يدل أيضا على جوازها بغيرها لأنه لو كان فرض القراءة متعينا بها لما # قال ولو بفاتحة الكتاب فما زاد # ولقال بفاتحة الكتاب ومما يدل على ما ذكرنا # حديث ابن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (أيما صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي ~~خداج) ورواه مالك وابن جريج عن ms0025 العلاء عن أبي السائب مولى هشام ابن زهرة عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم # واختلافهما في السند على هذا الوجه لا يوهنه لأنه قد روي أنه قد سمع من ~~أبيه ومن أبي السائب جميعا فلما قال فهي # PageV01P023 # خداج والخداج الناقصة دل ذلك على جوازها مع النقصان لأنها لو لم تكن ~~جائزة لما أطلق عليها اسم النقصان لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها إذ لا ~~يجوز الوصف بالنقصان لما لم يثبت منه شيء ألا ترى أنه لا يقال للناقة إذا ~~حالت فلم تحمل إنها قد أخدجت وإنما يقال أخدجت وخدجت إذا ألقت ولدها ناقص ~~الخلقة أو وضعته لغير تمام في مدة الحمل فأما ما لم تحمل فلا توصف بالخداج ~~فثبت بذلك جواز الصلاة بغير فاتحة الكتاب إذ النقصان غير ناف للأصل بل ~~يقتضي ثبوت الأصل حتى يصح وصفها بالنقصان # وقد روى أيضا عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة عن النبي عليه السلام ~~قال (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) # فأثبتها ناقصة وإثبات النقصان يوجب ثبوت الأصل على ما وصفنا # وقد روي أيضا عن النبي عليه السلام (إن الرجل ليصلي الصلاة يكتب له نصفها ~~خمسها عشرها) # فلم يبطل جزء بنقصانها فإن قال قائل # قد روى هذا الحديث محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي السائب مولى هشام بن ~~زهرة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى صلاة ولم ~~يقرأ فيها شيئا من القرآن فهي خداج فهي خداج فهي خداج غير تمام) # وهذا الحديث يعارض حديث مالك وابن عيينة في ذكرهما فاتحة الكتاب دون ~~غيرها وإذا تعارضا سقطا فلم يثبت كونها ناقصة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب قيل له لا يجوز أن يعارض مالك وابن عيينة بمحمد بن عجلان بل السهو ~~والإغفال أجوز عليه منهما فلا يعترض على روايتهما به وعلى أنه ليس فيه ~~تعارض إذ جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قالهما جميعا قال مرة ms0026 ~~وذكر فاتحة الكتاب وذكر مرة أخرى القراءة مطلقة وأيضا فجائز أن يكون المراد ~~بذكر الإطلاق ما قيد في خبر هذين فإن قال قائل إذا جوزت أن يكون النبي عليه ~~السلام قد قال الأمرين فحديث محمد بن عجلان يدل على جواز الصلاة بغير قراءة ~~رأسا لإثباته إياها ناقصة مع عدم القراءة رأسا قيل له نحن نقبل هذا السؤال ~~ونقول كذلك يقتضي ظاهر الخبرين إلا أن الدلالة قامت على أن ترك القراءة ~~يفسدها فحملناه على معنى الخبر الآخر قال أبو بكر وقد رويت أخبار أخر في ~~قراءة فاتحة الكتاب يحتج بها من يراها فرضا فمنها # حديث العلاء بن عبد الرحمن عن عائشة وعن أبى السائب مولى هشام ابن زهرة ~~عن أبي هريرة عن النبي عليه السلام قال (يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني # PageV01P024 # وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي فإذا قال العبد الحمد لله رب ~~العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي) # وذكر الحديث قالوا فلما عبر بالصلاة عن قراءة فاتحة الكتاب دل على أنها ~~من فروضها كما أنه لما عبر عن الصلاة بالقرآن في قوله [وقرآن الفجر] وأراد ~~قراءة صلاة الفجر دل على أنها من فروضها وكما عبر عنها بالركوع فقال ~~[واركعوا مع الراكعين] دل على أنه من فروضها قيل له لم تكن العبارة عنهما ~~لما ذكرت موجبا لفرض القراءة والركوع فيها دون ما تناوله من لفظ الأمر ~~المقتضي للإيجاب وليس في قوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي أمر وإنما أكثر ~~ما فيه الصلاة بقراءة فاتحة الكتاب وذلك غير مقتض للإيجاب لأن الصلاة تشتمل ~~على النوافل والفروض وقد أفاد النبي عليه السلام بهذا الحديث نفي إيجابها ~~لأنه # قال في آخره فمن لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج # فأثبتها ناقصة مع عدم قراءتها ومعلوم أنه لم يرد نسخ أول كلامه بآخره فدل ~~ذلك على أن قول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين وذكر فاتحة ~~الكتاب لا يوجب أن يكون قراءتها فرضا فيها وهذا كما # روى شعبة عن عبد ربه ms0027 بن سعيد عن أنس ابن أبي أنس عن عبد الله بن نافع بن ~~العميان عن عبد الله بن الحارث عن المطلب ابن أبى وداعة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (الصلاة مثنى مثنى وتشهد في كل ركعتين وتبأس وتمكن ~~وتقنع لربك وتقول اللهم فمن لم يفعل فهي خداج) # ولم يوجب ذلك أن يكون ما سماه صلاة من هذه الأفعال فرضا فيها ومما يحتاج ~~به المخالفون أيضا # حديث عبادة ابن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا صلاة لمن ~~لم يقرأ بفاتحة الكتاب) # وبما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن بشار قال حدثنا ~~جعفر عن أبي عثمان عن أبي هريرة قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أنادي أن لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب # فما زاد # قال أبو بكر قوله عليه السلام (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) # يحتمل لنفى الأصل ونفي الكمال وإن كان ظاهره عندنا على نفي الأصل حتى ~~تقوم الدلالة على أن المراد نفي الكمال ومعلوم أنه غير جائز إرادة الأمرين ~~جميعا لأنه متى أراد نفي الأصل لم يثبت منه شيء وإذا أراد نفي الكمال ~~وإثبات النقصان فلا محالة بعضه ثابت وإرادتهما معا منتفية مستحيلة والدليل ~~على أنه لم يرد نفي الأصل أن إثبات ذلك إسقاط التخيير في قوله تعالى ~~[فاقرؤا ما تيسر من القرآن] وذلك نسخ وغير جائز نسخ القرآن # PageV01P025 # بأخبار الآحاد ويدل عليه أيضا ما # رواه أبو حنيفة وأبو معاوية وابن فضيل وأبو سفيان عن أبي نضرة عن سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد ~~لله وسورة) # في الفريضة وغيرها إلا أن أبا حنيفة قال معها غيرها وقال معاوية لا صلاة ~~ومعلوم أنه لم يرد نفي الأصل وإنما مراده نفي الكمال لاتفاق الجميع على ~~أنها مجزية بقراءة فاتحة الكتاب وإن لم يقرأ معها غيرها فثبت أنه أراد نفي ~~الكمال وإيجاب النقصان وغير جائز أن ms0028 يريد به نفي الأصل ونفي الكمال ~~لتضادهما واستحالة إرادتهما جميعا بلفظ واحد فإن قال قائل هذا حديث غير ~~حديث عبادة وأبي هريرة وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب فأوجب بذلك قراءتها وجعلها فرضا فيها وقال مرة أخرى ~~ما ذكره سعيد من قراءة فاتحة الكتاب وشيء معها وأراد به نفي الكمال إذا لم ~~يقرأ مع فاتحة الكتاب غيرها قيل له ليس معك تاريخ الحديثين ولا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ذلك في حالين ويحتاج إلى دلالة في إثبات كل واحد من ~~الخبرين في الحالين ولمخالفك أن يقول لما لم يثبت أن النبي عليه السلام قال ~~ذلك في وقتين وقد ثبت اللفظان جميعا جعلتهما حديثا واحدا ساق بعض الرواة ~~لفظه على وجهه وأغفل بعضهم بعض ألفاظه وهو ذكر السورة فهما متساويان حينئذ ~~ويثبت الخبر بزيادة في حالة واحدة ويكون لقول خصمك مزية على قولك وهو أن كل ~~ما لم يعرف تاريخه فسبيله أن يحكم بوجودهما معا وإذا ثبت أنه قالهما في وقت ~~واحد بزيادة السورة فمعلوم أنه مع ذكر السورة لم يرد نفي الأصل وإنما أراد ~~إثبات النقص حملناه على ذلك ويكون ذلك # كقوله عليه السلام (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ومن سمع النداء ~~فلم يجب فلا صلاة له ولا إيمان لمن لا أمانة له) # وكقوله تعالى [إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم] فنفاها بدأ وأثبتها ثانيا لأنه أراد نفي الكمال لا نفي الأصل أي ~~لا أيمان لهم وافية فيفون بها فإن قال قائل فهلا استعملت الأخبار على ~~ظواهرها واستعملت التخيير المذكور في الآية فيما عدا فاتحة الكتاب قيل له ~~لو انفردت الأخبار عن الآية لما كان فيها ما يوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب ~~لما بينا من أن فيها ما لا يحتمل إلا إثبات الأصل مع تركها واحتمال سائر ~~الأخبار الأخر لنفي الأصل ونفي الكمال وعلى أن هذه الأخبار لو كانت موجبة # PageV01P026 # لتعيين فرض ms0029 القراءة فيها لما جاز الاعتراض بها على الآية وصرفها عن ~~الواجب إلى النفل فيما عدا فاتحة الكتاب لما ذكرناه في أول المسألة فارجع ~~إليه فإنك تجده كافيا إن شاء الله تعالى. # فصل قال أبو بكر وقراءة فاتحة الكتاب مع ما ذكرنا من حكمها تقتضي أمر ~~الله تعالى إيانا بفعل الحمد وتعليم لنا كيف نحمده وكيف الثناء عليه وكيف ~~الدعاء له ودلالة على أن تقديم الحمد والثناء على الله تعالى على الدعاء ~~أولى وأحرى بالإجابة لأن السورة مفتتحة # بذكر الحمد ثم بالثناء على الله وهو قوله [الحمد لله رب العالمين] إلى ~~[مالك يوم الدين] # ثم الاعتراف بالعبادة له وإفرادها له دون غيره بقوله [إياك نعبد] ثم ~~الاستعانة به في القيام بعبادته في سائر ما بنا الحاجة إليه من أمور الدنيا ~~والدين وهو قوله [وإياك نستعين] # ثم الدعاء بالتثبيت على الهداية التي هدانا لها من وجوب الحمد له ~~واستحقاق الثناء والعبادة لأن قوله [اهدنا الصراط المستقيم] هو دعاء ~~للهداية والتثبيت عليها في المستقبل إذ غير جائز ذلك في الماضي وهو التوفيق ~~عما ضل عنه الكفار من معرفة الله وحمده والثناء عليه فاستحقوا لذلك غضبه ~~وعقابه والدليل على أن قوله تعالى [الحمد لله رب العالمين] مع أنه تعليم ~~لنا الحمد هو أمر لنا به قوله [إياك نعبد وإياك نستعين] فاعلم أن الأمر ~~بقول الحمد مضمر في ابتداء السورة وهو مع ما ذكرنا رقية وعوذة وشفاء لما # حدثنا به عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا سعيد بن المعلى ~~قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن جعفر بن إياس عن أبي نضرة عن أبي سعيد ~~قال كنا في سرية فمررنا بحي من العرب فقالوا سيد لنا لدغته العقرب فهل فيكم ~~راق قال قلت أنا ولم أفعله حتى جعلوا لنا جعلا جعلوا لنا شاة قال فقرأت ~~عليه فاتحة الكتاب سبع مرات فبرأ فأخذت الشاة ثم قلت حتى نأتي النبي عليه ~~السلام فأتيناه فأخبرناه فقال علمت أنها رقية حق اضربوا لي معكم بسهم # ولهذه ms0030 السورة أسماء منها أم الكتاب لأنها ابتدءوه قال الشاعر الأرض ~~معقلنا وكانت أمنا فسمى الأرض أما لنا لأنه منها ابتدأنا الله تعالى وهي أم ~~القرآن وإحدى العبارتين تغني عن الأخرى لأنه إذا قيل أم الكتاب فقد علم أن ~~المراد كتاب الله تعالى الذي هو القرآن فقيل تارة أم القرآن وتارة أم ~~الكتاب وقد رويت العبارة باللفظين جميعا عن النبي عليه السلام وكذلك فاتحة ~~الكتاب وهي السبع # PageV01P027 # المثاني قال سعيد بن جبير سألت ابن عباس عن السبع المثاني فقال السبع ~~المثاني هي أم القرآن وإنما أراد بالسبع أنها سبع آيات ومعنى المثاني أنها ~~تثنى في كل ركعة وذلك من سنتها وليس من سنة سائر القرآن إعادته في كل ركعة. ### | أحكام سورة البقرة # قوله تعالى [الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون] ~~يتضمن الأمر بالصلاة والزكاة لأنه جعلهما من صفات المتقين ومن شرائط التقوى ~~كما جعل الإيمان بالغيب وهو الإيمان بالله وبالبعث والنشور وسائر ما لزمنا ~~اعتقاده من طريق الاستدلال من شرائط التقوى فاقتضى ذلك إيجاب الصلاة ~~والزكاة المذكورتين في الآية وقد قيل في إقامة الصلاة وجوه منها إتمامها من ~~تقويم الشيء وتحقيقه ومنه قوله [وأقيموا الوزن بالقسط] وقيل يؤدونها على ما ~~فيها من قيام وغيره فعبر عنها بالقيام لأن القيام من فروضها وإن كانت تشتمل ~~على فروض غيره كقوله [فاقرؤا ما تيسر من القرآن] والمراد الصلاة التي فيها ~~القراءة وقوله تعالى [وقرآن الفجر] المراد القراءة في صلاة الفجر وكقوله ~~[وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون] وقوله [اركعوا واسجدوا] وقوله [واركعوا مع ~~الراكعين] فذكر ركنا من أركانها الذي هو من فروضها ودل به على أن ذلك فرض ~~فيها وعلى إيجاب ما هو من فروضها فصار قوله [يقيمون الصلاة] موجبا للقيام ~~فيها ومخبرا به عن فرض للصلاة ويحتمل [يقيمون الصلاة] يديمون فروضها في ~~أوقاتها كقوله تعالى [إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا] أي فرضا ~~في أوقات معلومة لها ونحوه قوله تعالى [قائما بالقسط] يعني يقيم القسط ولا ~~يفعل غيره والعرب تقول ms0031 في الشيء الراتب الدائم قائم وفي فاعله مقيم يقال ~~فلان يقيم أرزاق الجند وقيل هو من قول القائل قامت السوق إذا حضر أهلها ~~فيكون معناه الاشتغال بها عن غيرها ومنه قد قامت الصلاة وهذه الوجوه على ~~اختلافها تجوز أن تكون مرادة بالآية وقوله [ومما رزقناهم ينفقون] في فحوى ~~الخطاب دلالة على أن المراد المفروض من النفقة وهي الحقوق الواجبة لله ~~تعالى من الزكاة وغيرها كقوله تعالى وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت وقوله [وأنفقوا في سبيل الله] وقوله [والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله] والذي يدل على أن المراد المفروض منها ~~أنه قرنها # PageV01P028 # إلى الصلاة المفروضة وإلى الإيمان بالله وكتابه وجعل هذا الإنفاق من ~~شرائط التقوى ومن أوصافها ويدل على أن المراد المفروض من الصلاة والزكاة أن ~~لفظ الصلاة إذا أطلق غير مقيد بوصف أو شرط يقتضي الصلوات المعهودة المفروضة ~~كقوله [أقم الصلاة لدلوك الشمس] و [حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى] ~~ونحو ذلك فلما أراد بإطلاق اللفظ الصلاة المفروضة كان فيه دلالة على أن ~~المراد بالإنفاق ما فرض عليه منه ولما مدح هؤلاء بالإنفاق مما رزقهم الله ~~دل ذلك على أن إطلاق اسم الرزق إنما يتناول المباح منه دون المحظور وأن ما ~~اغتصبه وظلم فيه غيره لم يجعله الله له رزقا لأنه لو كان رزقا له لجاز ~~إنفاقه وإخراجه إلى غيره على وجه الصدقة والتقرب به إلى الله تعالى ولا ~~خلاف بين المسلمين أن الغاصب محظور عليه الصدقة بما اغتصبه وكذلك # قال النبي عليه السلام (لا تقبل صدقة من غلول) # والرزق الحظ في اللغة قال الله تعالى [وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون] أي ~~حظكم من هذا الأمر التكذيب به وحظ الرجل هو نصيبه وما هو خالص له دون غيره ~~ولكنه في هذا الموضع هو ما منحه الله تعالى عباده وهو المباح الطيب وللرزق ~~وجه آخر وهو ما خلقه الله تعالى من أقوات الحيوان فجائز إضافة ذلك إليه ~~لأنه جعله قوتا وغذاء # وقوله تعالى في ms0032 شأن المنافقين وإخباره عنهم بإظهار الإيمان للمسلمين من ~~غير عقيدة وإظهار الكفر لإخوانهم من الشياطين في قوله [ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] # وقوله [يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون] إلى قوله # [وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزؤن] يحتج به في استتابة الزنديق الذي اطلع منه على ~~إسرار الكفر متى أظهر الإيمان لأن الله تعالى أخبر عنهم بذلك ولم يؤمر ~~بقتلهم وأمر النبي عليه السلام بقبول ظاهرهم دون ما علمه هو تعالى من حالهم ~~وفساد اعتقادهم وضمائرهم ومعلوم أن نزول هذه الآيات بعد فرض القتال لأنها ~~نزلت بالمدينة وقد كان الله تعالى فرض قتال المشركين بعد الهجرة ولهذه ~~الآية نظائر في سورة براءة وسورة محمد عليه السلام وغيرهما في ذكر ~~المنافقين وقبول ظاهرهم دون حملهم على أحكام سائر المشركين الذين أمرنا ~~بقتالهم وإذا انتهينا إلى مواضعها ذكرنا أحكامها واختلاف الناس في الزنديق ~~واحتجاج من يحتج بها في ذلك وهو يظهر من # قوله عليه السلام (أمرت أن # PageV01P029 # أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) # وأنكر عن أسامة بن زيد حين قتل في بعض السرايا رجلا قال لا إله إلا الله ~~حين حمل عليه ليطعنه # فقال (هلا شققت عن قلبه) # يعني أنه محمول على حكم الظاهر دون عقد الضمير ولا سبيل لنا إلى العلم به ~~قال أبو بكر وقوله تعالى [ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما ~~هم بمؤمنين] يدل على أن الإيمان ليس هو الإقرار دون الاعتقاد لأن الله ~~تعالى قد أخبر عن إقرارهم بالإيمان ونفى عنهم سمته بقوله وما هم بمؤمنين ~~ويروى عن مجاهد أنه قال في أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتان في ~~نعت الكافرين وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين والنفاق اسم شرعي جعله سمة ~~لمن يظهر الإيمان ويسر الكفر خصوا بهذا الاسم للدلالة على معناه وحكمه ms0033 وإن ~~كانوا مشركين إذ كانوا مخالفين لسائر المبادين بالشرك في أحكامهم وأصله في ~~اللغة من نافقاء اليربوع وهو الجحر الذي يخرج منه إذا طلب لأن له أجحرة «1» ~~يدخل بعضها عند الطلب ثم يراوغ الذي يريد صيده فيخرج من جحر آخر قد أعده ~~وقوله تعالى [يخادعون الله والذين آمنوا] هو مجاز في اللغة لأن الخديعة في ~~الأصل هي الإخفاء وكأن المنافق أخفى الإشراك وأظهر الإيمان على وجه الخداع ~~والتمويه والغرور لمن يخادعه والله تعالى لا يخفى عليه شيء ولا يصح أن ~~يخادع في الحقيقة وليس يخلو هؤلاء القوم الذين وصفهم الله تعالى بذلك من ~~أحد وجهين إما أن يكونوا عارفين بالله تعالى قد علموا أنه لا يخدع بتساتر ~~بشيء أو غير عارفين فذلك أبعد إذ لا يصح أن يقصده لذلك ولكنه أطلق ذلك ~~عليهم لأنهم عملوا عمل المخادع ووبال الخداع راجع عليهم فكأنهم إنما ~~يخادعون أنفسهم وقيل إن المراد يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذف ~~ذكر النبي عليه السلام كما قال [إن الذين يؤذون الله ورسوله] والمراد يؤذون ~~أولياء الله وأي الوجهين كان فهو مجاز وليس بحقيقة ولا يجوز استعماله إلا ~~في موضع يقوم الدليل عليه وإنما خادعوا رسول الله تقية لتزول عنهم أحكام ~~سائر المشركين الذين أمر النبي عليه السلام والمؤمنون بقتلهم وجائز أن ~~يكونوا أظهروا الإيمان للمؤمنين ليوالوهم كما يوالي المؤمنون بعضهم بعضا ~~ويتواصلون فيما بينهم وجائز أن يكونوا يظهرون لهم الإيمان ليفشوا إليهم ~~أسرارهم PageV01P030 # فينقلوا ذلك إلى أعدائهم # وكذلك قول الله تعالى [الله يستهزئ بهم] مجاز وقد قيل فيه وجوه أحدها على ~~جهة مقابلة الكلام بمثله وإن لم يكن في معناه كقوله تعالى [وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها] والثانية ليست بسيئة بل حسنة ولكنه لما قابل بها السيئة أجرى عليها ~~اسمها وقوله تعالى [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] ~~والثاني ليس باعتداء وقوله تعالى [وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به] ~~والأول ليس بعقاب وإنما هو على مقابلة اللفظ بمثله ومزاوجته له وتقول العرب ms0034 ~~الجزاء بالجزاء والأول ليس بجزاء ومنه قول الشاعر: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ومعلوم أنه لم يمتدح بالجهل ولكنه جرى على عادتهم في ازدواج الكلام ~~ومقابلته وقيل إن ذلك أطلقه الله تعالى على التشبيه وهو أنه لما كان وبال ~~الاستهزاء راجعا عليهم ولا حقا لهم كان كأنه استهزأ بهم وقيل لما كانوا قد ~~أمهلوا في الدنيا ولم يعاجلوا بالعقوبة والقتل كسائر المشركين وأخر عقابهم ~~فاغتروا بالإمهال كانوا كالمستهزئ بهم ولما كانت أجرام المنافقين أعظم من ~~أجرام سائر الكفار المبادين بالكفر لأنه جمعوا الاستهزاء والمخادعة بقوله ~~[يخادعون الله] وقولهم [إنما نحن مستهزؤن] وذلك زيادة في الكفر وكذلك أخبر ~~الله تعالى أنهم [في الدرك الأسفل من النار] ومع ما أخبر بذلك من عقابهم ~~وما يستحقونه في الآخرة خالف بين أحكامهم في الدنيا وأحكام سائر المظهرين ~~للشرك في رفع القتل عنهم بإظهارهم الإيمان وأجراهم مجرى المسلمين في ~~التوارث وغيره ثبت أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الأجرام وإنما ~~هي على ما يعلم الله من المصالح فيها وعلى هذا أجرى الله تعالى أحكامه ~~فأوجب رجم الزاني المحصن ولم يزل عنه الرجم بالتوبة ألا ترى إلى # قوله عليه السلام في ما عز بعد رجمه وفي الغامدية بعد رجمها لقد تاب توبة ~~لو تابها صاحب مكس لغفر له والكفر أعظم من الزنا ولو كفر رجل ثم تاب قبلت ~~توبته # وقال تعالى [قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف] وحكم القاذف ~~بالزنا بجلد ثمانين ولم يوجب على القاذف بالكفر الحد وهو أعظم من الزنا ~~وأوجب على شارب الخمر الحد ولم يوجب على شارب الدم وآكل الميتة فثبت بذلك ~~أن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام ولأنه لما كان جائزا # PageV01P031 # في العقل أن لا يوجب في الزنا والقذف والسرقة حدا رأسا ويكل أمرهم إلى ~~عقوبات جاز أن يخالف بينها فيوجب في بعضها أغلظ ما يوجب في بعض ولذلك قال ~~أصحابنا لا يجوز إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريق ms0035 إثباتها التوقيف ~~أو الاتفاق وما ذكر الله تعالى من أمر المنافقين في هذه الآية وإقرارهم من ~~غير أمر لنا بقتالهم أصل فيما ذكرنا ولأن الحدود والعقوبات التي أوجبها من ~~فعل الإمام ومن قام بأمور الشريعة جارية مجرى ما يفعله هو تعالى من الآلام ~~على وجه العقوبة فلما جاز أن لا يعاقب المنافق في الدنيا بالآلام من جهة ~~الأمراض والأسقام والفقر والفاقة بل يفعل به أضداد ذلك ويكون عقابه المستحق ~~بكفره ونفاقه مؤجلا إلى الآخرة جاز أن لا يتعبدنا بقتله في الدنيا وتعجيل ~~عقوبة كفره ونفاقه وقد غير النبي عليه السلام بمكة بعد ما بعثه الله تعالى ~~ثلاث عشر سنة يدعو المشركين إلى الله وتصديق رسله غير متعبد بقتالهم بل كان ~~مأمورا بدعائهم في ذلك بلين القول وألطفه فقال تعالى [ادع إلى سبيل ربك ~~بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن] وقال [وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما] وقال [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ ~~عظيم] في نظائر ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالدعاء إلى الدين بأحسن ~~الوجوه ثم فرض القتال بعد الهجرة لعلمه تعالى بالمصلحة من كلا الحالين بما ~~تعبد به فجاز من أصل ما وصفنا أن يكون الأمر بالقتل والقتال خاصا في بعض ~~الكفار وهم المجاهرون بالكفر دون ما يظهر الإيمان ويسر الكفر وإن كان ~~المنافق أعظم جرما من غيره # وقوله تعالى [الذي جعل لكم الأرض فراشا] يعنى والله أعلم قرارا والإطلاق ~~لا يتناولها وإنما يسمى به مقيدا كقوله تعالى [والجبال أوتادا] وإطلاق اسم ~~الأوتاد لا يفيد الجبال وقوله [الشمس سراجا] ولذلك قال الفقهاء إن من حلف ~~لا ينام على فراش فنام على الأرض لا يحنث وكذلك لو حلف لا يقعد في سراج ~~فقعد في الشمس لأن الأيمان محمولة على المعتاد المتعارف من الأسماء وليس في ~~العادة إطلاق هذا الإسم للأرض والشمس هذا كما سمى الله تعالى الجاحد له ~~كافرا وسمى الزارع كافرا ms0036 والشاك السلاح كافرا ولا يتناولهما هذا الاسم في ~~الإطلاق وإنما يتناول الكافر بالله تعالى ونظائر ذلك من الأسماء المطلقة ~~والمقيدة كثيرة ويجب اعتبارها في كثير من الأحكام فما # PageV01P032 # كان في العادة مطلقا فهم على إطلاقه والمقيد فيها على تقييده ولا يتجاوز ~~به موضعه وفي هذه الآية دلالة على توحيد الله تعالى وإثبات الصانع الذي لا ~~يشبهه شيء القادر الذي لا يعجزه شيء وهو ارتفاع السماء ووقوفها بغير عمد ثم ~~دوامها على طول الدهر غير متزايلة ولا متغير كما قال تعالى [وجعلنا السماء ~~سقفا محفوظا] وكذلك ثبات الأرض ووقوفها على غير سند فيه أعظم الدلالة على ~~التوحيد وعلى قدرة خالقها وأنه لا يعجزه شيء وفيها تنبيه وحث على الاستدلال ~~بها على الله وتذكير بالنعمة وقوله تعالى [فأخرج به من الثمرات رزقا لكم] ~~نظير قوله [هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا] وقوله [وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض] وقوله [قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق] يحتج بجميع ذلك في أن الأشياء على الإباحة مما لا يحظره ~~العقل فلا يحرم منه شيء إلا ما قام دليله # وقوله تعالى [وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ~~وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين] فيه أكبر دلالة على صحة نبوة ~~نبينا عليه السلام من وجوه أحدها أنه تحداهم بالإتيان بمثله وقرعهم بالعجز ~~عنه مع ما هم عليه من الأنفة والحمية وأنه كلام موصوف بلغتهم وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم تعلم اللغة العربية وعنهم أخذ فلم يعارضه منهم ~~خطيب ولا تكلفه شاعر مع بذلهم الأموال والأنفس في توهين أمره وإبطال حججه ~~وكانت معارضته لو قدروا عليها أبلغ الأشياء في إبطال دعواه وتفريق أصحابه ~~عنه فلما ظهر عجزهم عن معارضته دل ذلك على أنه من عند الله الذي لا يعجز ~~شيء وأنه ليس في مقدور العباد مثله وإنما أكبر ما اعتذروا به أنه من أساطير ~~الأولين وأنه سحر فقال ms0037 تعالى [فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين] وقال ~~[فأتوا بعشر سور مثله مفتريات] فتحداهم بالنظم دون المعنى في هذه الصورة ~~وأظهر عجزهم عنه فكانت هذه معجزة باقية لنبينا صلى الله عليه وسلم إلى قيام ~~الساعة أبان الله تعالى بها نبوة نبيه وفضله بها لأن سائر معجزات الأنبياء ~~على سائر الأنبياء نقضت بانقضائهم وإنما يعلم كونها معجزة من طريق الأخبار ~~وهذه معجزة باقية بعده كل من اعتراض عليها بعده قرعناه بالعجز عنه فتبين له ~~حينئذ موضع الدلالة على تثبيت النبوة كما كان حكم من كان في عصره من لزوم ~~الحجة به وقيام الدلالة عليه والوجه الآخر من الدلالة أنه معلوم عند ~~المؤمنين بالنبي عليه السلام وعند الجاحدين لنبوته أنه من كان من أتم الناس ~~عقلا # PageV01P033 # وأكملهم خلقا وأفضلهم رأيا فما طعن عليه أحد في كمال عقله ووفور حلمه ~~وصحة فهمه وجودة رأيه وغير جائز على من كان هذا وصفه أن يدعي أنه نبي الله ~~قد أرسله إلى خلقه كافة ثم جعل علامة نبوته ودلالة صدقه كلاما يظهره ~~ويقرعهم به مع علمه بأن كل واحد منهم يقدر على مثله فيظهر حينئذ كذبه ~~وبطلان دعواه فدل ذلك على أنه لم يتحدهم بذلك ولم يقرعهم بالعجز عنه إلا هو ~~من عند الله لا يقدر العباد على مثله الثالث # قوله تعالى في نسق التلاوة [فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا] فأخبر أنهم لا ~~يعارضونه ولا يقع ذلك منهم وذلك إخبار بالغيب ووجد مخبره على ما هو به ولا ~~تتعلق هذه بإعجاز النظم بل هي قائمة بنفسها في تصحيح نبوته لأنه إخبار ~~بالغيب كما لو قال لهم الدلالة على صحة قولي أنكم مع صحة أعضائكم وسلامة ~~جوارحكم لا يقع من أحد منكم أن يمس رأسه وأن يقوم من موضعه فلم يقع ذلك ~~منهم مع سلامة أعضائهم وجوارحهم وتقريعهم به مع حرصهم على تكذيبه كان ذلك ~~دليلا على صحة نبوته إذ كان مثل ذلك لا يصح إلا كونه من قبل القادر الحكيم ~~الذي صرفهم عن ذلك في تلك ms0038 الحال قال أبو بكر وقد تحدى الله الخلق كلهم من ~~الجن والإنس بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن بقوله تعالى [قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا] فلما ظهر عجزهم قال [فأتوا بعشر سور مثله مفتريات] فلما عجزوا ~~قال [فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين] فتحداهم بالإتيان بمثل أقصر سورة ~~منه فلما ظهر عجزهم عن ذلك وقامت عليهم الحجة وأعرضوا عن طريق المحاجة ~~وصمموا على القتال والمغالبة أمر الله نبيه بقتالهم وقيل في قوله تعالى ~~[وادعوا شهداءكم من دون الله] إنه أراد به أصنامهم وما كانوا يعبدونهم من ~~دون الله لأنهم كانوا يزعمون أنها تشفع لهم عند الله وقيل إنه أراد جميع من ~~يصدقكم ويوافقكم على قولكم وأفاد بذلك عجز الجميع عنه في حال الاجتماع ~~والانفراد كقوله [لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا] فقد انتظمت فاتحة الكتاب من ~~ابتدائها إلى حيث انتهينا إليه من سورة البقرة الأمر والتبدئة باسم الله ~~تعالى وتعليمنا حمده والثناء عليه والدعاء له والرغبة إليه في الهداية إلى ~~الطريق المؤدى إلى معرفته وإلى جنته ورضوانه دون طريق المستحقين لغضبه ~~والضالين عن معرفته وشكره على نعمته ثم ابتدأ في سورة # PageV01P034 # البقرة بذكر المؤمنين ووصفهم ثم ذكر الكافرين وصفتهم ثم ذكر المنافقين ~~ونعتهم وتقريب أمرهم إلى قلوبنا بالمثل الذي ضربه بالذي استوقد نارا ~~وبالبرق الذي يضيء في الظلمات من غير بقاء ولا ثبات وجعل ذلك مثلا لإظهارهم ~~الإيمان وأن الأصل الذي يرجعون إليه وهم ثابتون عليه هو الكفر كظلمة الليل ~~والمطر اللذين يعرض في خلالهما برق يضيء لهم ثم يذهب فيبقون في ظلمات لا ~~يبصرون ثم ابتدأ بعد انقضاء ذكر هؤلاء بإقامة الدلالة على التوحيد بما لا ~~يمكن أحد دفعه من بسطه الأرض وجعلها قرارا ينتفعون بها وجعل معايشهم وسائر ~~منافعهم وأقواتهم منها وإقامتها على غير سند إذ لا بد أن يكون لها نهاية ~~لما ms0039 ثبت من حدوثها وأن ممسكها ومقيمها كذلك هو الله خالقها وخالقكم المنعم ~~عليكم بما جعل لكم فيها من أقواتكم وسائر ما أخرج من ثمارها لكم إذ لا يجوز ~~أن يقدر على مثل ذلك إلا القادر الذي لا يعجزه ولا يشبهه شيء فحثهم على ~~الاستدلال بدلائله ونبههم على نعمه ثم عقب ذلك بالدلالة على نبوة النبي ~~عليه السلام بما أظهر من عجزهم عن الإتيان بمثل سورة من القرآن ودعاهم في ~~ذلك كله إلى عبادة الله تعالى وحده المنعم علينا بهذه النعم فقال [فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون] يعني والله أعلم تعلمون أن ما تدعونه آلهة ~~لا تقدر على شيء من ذلك وأن الله هو المنعم عليكم به دونها وهو الخالق لها ~~وقيل في معنى قوله [وأنتم تعلمون] إنكم تعلمون الفصل بين الواجب وغير ~~الواجب ويكون معناه أن الله تعالى قد جعل لكم من العقل ما يمكنكم به الوصول ~~إلى معرفة ذلك فوجب تكليفكم ذلك إذ غير جائز في العقل إباحة الجهل بالله ~~تعالى مع إزاحة العلة والتمكن من المعرفة فلما قرر جميع ذلك عندهم بدلائله ~~الدالة عليه عقد عليه بذكر الوعيد بقوله [فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا ~~النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين] # ثم عقب بذكر ما وعد المؤمنين في الآخرة بقوله [وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار] إلى آخر ما ذكر قال أبو بكر ~~رحمه الله وقد تضمنت هذه الآيات مع ما ذكرنا من التنبيه على دلائل التوحيد ~~وإثبات النبوة الأمر باستعمال حجج العقول والاستدلال بدلائلها وذلك مبطل ~~لمذهب من نفى الاستدلال بدلائل الله تعالى واقتصر على الخبر بزعمه في معرفة ~~الله والعلم بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى لم يقتصر ~~فيما دعا الناس إليه من معرفة توحيده وصدق رسوله # PageV01P035 # على الخبر دون إقامة الدلالة على صحته من جهة عقولنا وقوله تعالى [وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار] يدل على ~~أن ms0040 البشارة هي الخبر السار والإظهار والأغلب أن إطلاقه يتناول من الأخبار ~~ما يحدث عنده الاستبشار والسرور وإن كان قد يجري على غيره مقيدا كقوله ~~[فبشرهم بعذاب أليم] وكذلك قال أصحابنا فيمن قال أي عبد بشرني بولادة فلانة ~~فهو حر فبشروه جماعة واحدا بعد واحد أن الأول يعتق دون غيره لأن البشارة ~~حصلت بخبره دون غيره ولم يكن هذا عندهم بمنزلة ما لو قال أي عبد أخبرني ~~بولادتها فأخبروه واحدا بعد واحد أنهم يعتقون جميعا لأنه عقد اليمين على ~~خبر مطلق فيتناول سائر المخبرين وفي البشارة عقدها على خبر مخصوص بصفة وهو ~~ما يحدث عنده السرور والاستبشار ويدل على أن موضوع هذا الخبر ما وصفنا ~~قولهم رأيت البشر في وجهه يعني الفرح والسرور قال الله في صفة وجوه أهل ~~الجنة [وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة] فأخبر عما ظهر في وجوههم من آثار ~~السرور والفرح بذكر الاستبشار ومنه سموا الرجل بشيرا تفاؤلا منهم إلى ~~الإخبار بالخير دون الشر وسموا ما يعطى البشير على هذا الخبر بشرى وهذا يدل ~~على أن الإطلاق يتناول الخير المفيد سرورا فلا ينصرف إلى غيره إلا بدلالة ~~وأنه متى أطلق في الشر فإنما يراد به الخبر فحسب وكذلك قوله تعالى [فبشرهم ~~بعذاب أليم] معناه أخبرهم ويدل على ما وصفنا من أن البشير هو المخبر الأول ~~فيما ذكرنا من حكم اليمين قولهم ظهرت لنا تباشير هذا الأمر يعنون أوله ولا ~~يقولون ذلك في الشر وفيما يغم وإنما يقولونه فيما يسر ويفرح ومن الناس من ~~يقول إن أصله فيما يسر ويغم لأن معناه ما يظهر أولا في بشرة الوجه من سرور ~~أو غم إلا أنه كثر فيما يسر فصار الإطلاق أخص به منه بالشر # وقوله تعالى [وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين] يدل على أنه علم الأسماء كلها لآدم أعني ~~الأجناس بمعانيها لعموم اللفظ في ذكر الأسماء وقوله [ثم عرضهم على ~~الملائكة] فيه دلالة على أنه أراد أسماء ذريته على ما ms0041 روي عن الربيع بن أنس ~~إلا أنه قد روي عن ابن عباس ومجاهد أنه علمه أسماء جميع الأشياء وظاهر ~~اللفظ يوجب ذلك فإن قيل لما قال عرضهم دل على أنه أسماء من يعقل لأن هم ~~إنما يطلق فيما يعقل دون ما لا يعقل قيل له لما أراد ما يعقل وما لا يعقل ~~جاز تغليب ما يعقل كقوله تعالى # PageV01P036 # [خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ~~ومنهم من يمشي على أربع] لما دخل في الجملة من يعقل أجرى الجميع مجرى واحدا ~~وهذه الآية تدل على أن أصول اللغات كلها توقيف من الله تعالى لآدم عليه ~~السلام عليها على اختلافها وأنه علمه إياها بمعانيها إذ لا فضيلة في معرفة ~~الأسماء دون المعاني وهي دلالة على شرف العلم وفضيلته لأنه تعالى لما أراد ~~إعلام الملائكة فضيلة آدم علمه الأسماء بمعانيها حتى أخبر الملائكة بها ولم ~~تكن الملائكة علمت منها ما علمه آدم فاعترفت له بالفضل في ذلك ومن الناس من ~~يقول إن لغة آدم وولده كانت واحدة إلى زمان الطوفان فلما أغرق الله تعالى ~~أهل الأرض وبقي من نسل نوح من بقي وتوفي نوح عليه السلام وتوالدوا وكثروا ~~أرادوا بناء صرح ببابل يمتنعون به من طوفان أن كان بلبل الله ألسنتهم فنسي ~~كل فرقة منهم اللسان الذي كان عليه وعلمها الله الألسنة التي توارثها بعد ~~ذلك ذريتهم عنهم وتفرقوا في البلدان وانتشروا في الأرض ومن الناس من يأبى ~~ذلك ويقول لا يجوز أن ينسى إنسان كامل العقل جميع لغته التي كان يتكلم بها ~~بالأمس وإنهم قد كانوا عارفين بجميع اللغات إلى أن تفرقوا فاقتصر كل أمة ~~منهم على اللسان الذي هم عليه اليوم وتركوا سائر الألسنة التي كانوا عرفوها ~~ولم تأخذها عنهم أولادهم ونسلهم فلذلك لم يعرف من نشأ بعدهم سائر اللغات. ### | باب السجود لغير الله تعالى # قال الله تعالى [وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا] روى شعبة عن ~~قتادة أن الطاعة كانت لله تعالى ms0042 في السجود لآدم أكرمه الله بذلك وروى معمر ~~عن قتادة في قوله [وخروا له سجدا] قال كانت تحيتهم السجود وليس يمتنع أن ~~يكون ذلك السجود عبادة الله تعالى وتكرمة وتحية لآدم عليه السلام وكذلك ~~سجود إخوة يوسف عليهم السلام وأهله له وذلك لأن العبادة لا تجوز لغير الله ~~تعالى والتحية والتكرمة جائز ان لمن يستحق ضربا من التعظيم ومن الناس من ~~يقول إن السجود كان لله وآدم كان بمنزلة القبلة لهم وليس هذا بشيء لأنه ~~يوجب أن لا يكون لآدم في ذلك حظ من التفضيل والتكرمة وظاهر ذلك يقتضي أن ~~يكون آدم مفضلا مكرما فذلك كظاهر الحمد إذا وقع لمن يستحق ذلك يحمل على ~~الحقيقة ولا يحمل على ما يطلق من ذلك مجازا كما يقال أخلاق فلان محمودة # PageV01P037 # ومذمومة لأن حكم اللفظ أن يكون محمولا على بابه وحقيقته ويدل على أن ~~الأمر بالسجود قد كان أراد به تكرمة آدم عليه السلام وتفضيله قول إبليس ~~فيما حكى الله عنه [أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي] ~~فأخبر إبليس أن امتناعه كان من السجود لأجل ما كان من تفضيل الله وتكرمته ~~بأمره إياه بالسجود له ولو كان الأمر بالسجود له على أنه نصب قبلة للساجدين ~~من غير تكرمة ولا فضيلة له لما كان لآدم في ذلك حظ ولا فضيلة تحسد كالكعبة ~~المنصوبة للقبلة وقد كان السجود جائزا في شريعة آدم عليه السلام للمخلوقين ~~ويشبه أن يكون قد كان باقيا إلى زمان يوسف عليه السلام فكان فيما بينهم لمن ~~يستحق ضربا من التعظيم ويراد إكرامه وتبجيله بمنزلة المصافحة والمعانقة ~~فيما بيننا وبمنزلة تقبيل اليد وقد روي عن النبي عليه السلام في إباحة ~~تقبيل اليد أخبار وقد روي الكراهة إلا أن السجود لغير الله تعالى على وجه ~~التكرمة والتحية منسوخ بما # روت عائشة وجابر بن عبد الله وأنس أن النبي عليه السلام قال (ما ينبغي ~~لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) # من ms0043 عظم حقه عليها لفظ حديث أنس بن مالك # قوله تعالى [وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به] ~~قيل إن فائدة قوله [ولا تكونوا أول كافر به] وإن كان الكفر قبيحا من الأول ~~والآخر منهيا عنه الجميع أن السابق إلى الكفر يقتدي به غيره فيكون أعظم ~~لمأثمه وجرمه كقوله تعالى [وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم] وقوله [من ~~أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا] # وروي عن النبي عليه السلام إن على ابن آدم القاتل كفلا من الإثم في كل ~~قتيل ظلما لأنه أول من سن القتل # وقال عليه السلام (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة # قوله تعالى [وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين] لا يخلو ~~من أن يكون راجعا إلى صلاة معهودة وزكاة معلومة وقد عرفها أو أن يكون ~~متناولا صلاة مجملة وزكاة مجملة موقوفة على البيان إلا أنا قد علمنا الآن ~~أنه قد أريد بهما فيما خوطبنا به من هذه الصلوات المفروضة والزكاة الواجبة ~~إما لأنه كان معلوما عند المخاطبين في حال ورود الخطاب أو أن يكون كان ذلك ~~مجملا ورد بعده بيان المراد فحصل ذلك معلوما وأما قوله [واركعوا مع ~~الراكعين] # PageV01P038 # فإنه يفيد إثبات فرض الركوع في الصلاة وقيل إنه إنما خص الركوع لأن أهل ~~الكتاب لم يكن لهم ركوع في صلاتهم فنص على الركوع فيها ويحتمل أن يكون قوله ~~[واركعوا] عبارة عن الصلاة نفسها كما عبر عنها بالقراءة في قوله [فاقرؤا ما ~~تيسر من القرآن] وقوله [وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا] والمعنى ~~صلاة الفجر فينتظم وجهين من الفائدة أحدهما إيجاب الركوع لأنه لم يعبر عنها ~~بالركوع إلا وهو من فرضها والثاني الأمر بالصلاة مع المصلين فإن قيل قد ~~تقدم لم ذكر الصلاة في قوله [وأقيموا الصلاة] فغير جائز أن يريد بعطف ~~الركوع عليها الصلاة بعينها قيل له هذا جائز إذا أريد ms0044 بالصلاة المبدوء ~~بذكرها الإجمال دون صلاة معهودة فيكون حينئذ قوله [واركعوا مع الراكعين] ~~إحالة لهم على الصلاة التي بينها بركوعها وسائر فروضها وأيضا لما كانت صلاة ~~أهل الكتاب بغير ركوع وكان في اللفظ احتمال رجوعه إلى تلك الصلاة بين أنه ~~لم يرد الصلاة التي تعبد بها أهل الكتاب بل التي فيها الركوع # وقوله تعالى [واستعينوا بالصبر والصلاة] ينصرف الأمر بالصبر على أداء ~~الفرائض التي فرضها الله واجتناب معاصيه وفعل الصلاة المفروضة وقد روى سعيد ~~عن قتادة أنهما معونتان على طاعة الله تعالى وفعل الصلاة لطف في اجتناب ~~معاصيه وأداء فرائضه كقوله [إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر] ويحتمل أن ~~يريد به الصبر والصلاة المندوب إليهما لا المفروضين وذلك نحو صوم التطوع ~~وصلاة النفل إلا أن الأظهر أن المراد المفروض منها لأن ظاهر الأمر للإيجاب ~~ولا يصرف إلى غيره إلا بدلالة وقوله تعالى [وإنها لكبيرة] فيه رد الضمير ~~على واحد مع تقدم ذكر اثنين كقوله [والله ورسوله أحق أن يرضوه] وقال [وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها] وقول الشاعر: # فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب # قوله تعالى [فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم] يحتج بها فيما ورد ~~من التوقيف في الأذكار والأقوال بأنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها إلى ~~غيرها وربما احتج به علينا المخالف في تجويزنا تحريمة الصلاة بلفظ التعظيم ~~والتسبيح وفي تجويز القراءة بالفارسية على مذهب أبى حنفية وفي تجويز النجاح ~~بلفظ الهبة والبيع بلفظ التمليك وما جرى مجرى ذلك وهذا لا يلزمنا فيما ~~ذكرنا لأن قوله تعالى [فبدل الذين ظلموا] إنما هو في القوم # PageV01P039 # الذين قيل لهم [ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة] يعني حط عنا ذنوبنا قال ~~الحسن وقتادة قال ابن عباس أمروا أن يستغفروا روى عنه أيضا أنهم أمروا أن ~~يقولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم وقال عكرمة أمروا أن يقولوا لا إله إلا ~~الله فقالوا بدل هذا حطنة حمراء تجاهلا واستهزاء وروي عن ابن عباس وغيره من ~~الصحابة وعن ms0045 الحسن إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى لفظ في ضد المعنى ~~الذي أمروا به إذ كانوا مأمورين بالاستغفار والتوبة فصاروا إلى الإصرار ~~والاستهزاء فأما من غير اللفظ مع اتفاق المعنى فلم تتناوله الآية إذ كانت ~~الآية إنما تضمنت الحكاية عن فعل قوم غيروا اللفظ والمعنى جميعا فالحق بهم ~~الذم بهذا الفعل وإنما يشاركهم في الذم من يشاركهم في الفعل مثلا بمثل فأما ~~من غير اللفظ وأتى بالمعنى فلم تتضمنه الآية وإنما نظير فعل القوم إجازة من ~~يجيز المتعة مع قوله تعالى [إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم] فقصر ~~استباحة البضع على هذين الوجهين فمن استباحه بلفظ المتعة مع مخالفة النكاح ~~وملك اليمين من جهة اللفظ والمعنى فهذا الذي يجوز أن يلحقه الذم بحكم الآية # وقوله تعالى [إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا- إلى ~~قوله- وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا ~~اضربوه ببعضها] إلى آخر الآية. قال أبو بكر في هذه الآيات وما اشتملت عليه ~~من قصة المقتول وذبح البقرة ضروب من الأحكام والدلائل على المعاني الشريفة ~~فأولها أن # قوله تعالى [وإذ قتلتم نفسا] وإن كان مؤخرا في التلاوة فهو مقدم في ~~المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة لأن الأمر بذبح البقرة إنما كان ~~سببه قتل النفس وقد قيل فيه وجهان أحدهما أن ذكر القتل وإن كان مؤخرا في ~~التلاوة فهو مقدم في النزول والآخر أن ترتيب نزولها على حسب ترتيب تلاوتها ~~ونظامها وإن كان مقدما في المعنى لأن الواو لا توجب الترتيب كقول القائل ~~اذكر إذ أعطيت ألف درهم زيدا إذ بنى داري والبناء مقدم على العطية والدليل ~~على أن ذكر البقرة مقدم في النزول # قوله تعالى [فقلنا اضربوه ببعضها] # فدل على أن البقرة قد ذكرت قبل ذلك ولذلك أضمرت ونظير ذلك قوله تعالى في ~~قصة نوح عليه السلام بعد ذكر الطوفان وانقضائه [قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن ms0046 معه إلا قليل] ومعلوم ~~أن ذلك كان قبل هلاكهم لأن تقديم الكلام وتأخيره إذا # PageV01P040 # كان بعضه معطوفا على بعض بالواو غير موجب ترتيب المعنى على ترتيب اللفظ ~~وقوله [إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة] قد دل على جواز ورود الأمر بذبح ~~البقرة بقرة مجهولة غير معروفة ولا موصوفة ويكون المأمور مخيرا في ذبح أدنى ~~ما يقع الاسم عليه وقد تنازع معناه الفريقان من نفاة العموم ومن مثبتيه ~~واحتج به كل واحد من الفريقين لمذهبه فأما القائلون بالعموم فاحتجوا به من ~~جهة وروده مطلقا فكان ذلك أمرا لازما في كل واحد من آحاد ما تناوله العموم ~~وأنهم لما تعنتوا رسول الله عليه السلام في المراجعة مرة بعد أخرى شدد الله ~~عليهم التكليف وذمهم على مراجعته بقوله [فذبحوها وما كادوا يفعلون] # وروى الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (والذي نفس محمد بيده لو ~~اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم) # وروي نحو ذلك عن ابن عباس وعبيدة وأبي العالية والحسن ومجاهد واحتج من ~~أبى القول بالعموم بأن الله تعالى لم يعنفهم على المراجعة بدأ ولو كان قد ~~لزمهم تنفيذ ذلك على ما ادعيتموه من اقتضاء عموم اللفظ لورد النكير في بدء ~~المراجعة وهذا ليس بشيء لأن النكير ظاهر عليهم في اللفظ من وجهين أحدهما ~~تغليظ المحنة عليهم وهذا ضرب من النكير كما قال الله تعالى [فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم] والثاني قوله [وما كادوا يفعلون] وهذا ~~يدل على أنهم كانوا تاركين للأمر بدا وأنه كان عليهم المسارعة إلى فعله فقد ~~حصلت الآية على معان أحدها وجوب اعتبار عموم اللفظ فيما يمكن استعماله ~~والثاني أن الأمر على الفور وأن على المأمور المسارعة إلى فعله على حسب ~~الإمكان حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير والثالث جواز ورود الأمر بشيء ~~مجهول الصفة مع تخيير المأمور في فعل ما يقع الاسم عليه منه والرابع وجوب ~~الأمر وأنه لا يصار إلى الندب إلا بدلالة إذ لم يلحقهم ms0047 الذم إلا بترك الأمر ~~المطلق من غير ذكر وعيد والخامس جواز النسخ قبل وقوع الفعل بعد التمكن منه ~~وذلك أن زيادة هذه الصفات في البقرة كل منها قد نسخ ما قبلها لأن قوله ~~تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة اقتضى ذبح بقرة أيها كانت وعلى أي وجه ~~شاءوا وقد كانوا متمكنين من ذلك فلما قالوا [ادع لنا ربك يبين لنا ما هي] ~~فقال [إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون] نسخ ~~التخيير الذي أوجبه الأمر الأول في ذبح البقرة الموصوفة بهذه الصفة وذبح ~~غيرها وقصروا على ما كان منها بهذه الصفة وقيل # PageV01P041 # لهم افعلوا ما تؤمرون فأبان أنه كان عليهم أن يذبحوا من غير تأخير على ~~هذه الصفة أي لون كانت وعلى أي حال كانت من ذلول أو غيرها فلما قالوا [ادع ~~لنا ربك يبين لنا ما لونها] نسخ التخيير الذي كان في ذبح أي لون شاءوا منها ~~وبقي التخيير في الصفة الأخرى من أمرها فلما راجعوا نسخ ذلك أيضا وأمروا ~~بذبحها على الصفة التي ذكر واستقر الفرض عليها بعد تغليظ المحنة وتشديد ~~التكليف وهذا الذي ذكرنا في أمر النسخ دل على أن الزيادة في النص بعد ~~استقرار حكمه يوجب نسخه لأن جميع ما ذكرنا من الأوامر الواردة بعد مراجعة ~~القوم إنما كان زيادة في نص كان قد استقر حكمه فأوجب نسخه ومن الناس من ~~يحتج بهذه القصة في جواز نسخ الفرض قبل مجيء وقته لأنه قد كان معلوما أن ~~الفرض عليهم بدأ قد كان بقرة معينة فنسخ ذلك عنهم قبل مجيء وقت الفعل وهذا ~~غلط لأن كل فرض من ذلك قد كان وقت فعله عقيب ورود الأمر في أول أحوال ~~الإمكان واستقر الفرض عليهم وثبت ثم نسخ قبل الفعل فلا دلالة فيه إذا على ~~جواز النسخ قبل مجيء وقت الفعل وقد بينا ذلك في أصول الفقه والسادس دلالة ~~قوله [لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك] على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن ~~في ms0048 الأحكام إذ لا يعلم أنها بين البكر والفارض إلا من طريق الاجتهاد ~~والسابع استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون في الباطن خلافه بقوله [مسلمة لا ~~شية فيها] يعني والله أعلم مسلمة من العيوب بريئة منها وذلك لا نعلمه من ~~طريق الحقيقة وإنما نعلمه من طريق الظاهر مع تجويز أن يكون بها عيب باطن ~~والثامن ما حكى الله عنهم في المراجعة الأخيرة [وإنا إن شاء الله لمهتدون] ~~لما قرنوا الخبر بمشيئة الله وفقوا لترك المراجعة بعدها ولوجود ما أمروا به ~~وقد روي أنهم لو لم يقولوا إن شاء الله لما اهتدوا لها أبدا ولدام الشر ~~بينهم وكذلك قوله [وما كادوا يفعلون] فأعلمنا الله ذلك لنطلب نجح الأمور ~~عند الإخبار عنها في المستقبل بذكر الاستثناء الذي هو مشيئة الله وقد نص ~~الله تعالى لنا في غير هذا الموضع على الأمر به في قوله [ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله] ففيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه ~~والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته وأنه مالكه والمدبر له والتاسع دلالة قوله ~~[أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين] على أن المستهزئ يستحق ~~سمة الجهل لانتفاء موسى عليه السلام أن يكون من أهل الجهل # بنفيه الاستهزاء عن نفسه # PageV01P042 # ويدل أيضا على أن الاستهزاء بأمر الدين من كبائر الذنوب وعظائمها لولا ~~ذلك لم يبلغ مأثمه النسبة إلى الجهل وذكر محمد بن مسعر أنه تقدم إلى عبيد ~~الله بن الحسن العنبري القاضي قال وعلي جبة صوف وكان عبيد الله كثير المزح ~~قال فقال له أصوف نعجة جبتك أم صوف كبش فقلت له لا تجهل أبقاك الله قال ~~وأنى وجدت المزاح جهلا فتلوت عليه أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين قال فأعرض واشتغل بكلام آخر وفيه دلالة على أن موسى عليه السلام ~~لم يكن متعبدا بقتل من ظهر منه الكفر وإنما كان مأمورا بالنظر بالقول لأن ~~قولهم لنبي الله أتتخذنا هزوا كفر وهو كقولهم لموسى [اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة] ms0049 ويدل على أن كفرهم هذا لم يوجب فرقة بين نسائهم وبينهم لأنه لم ~~يأمرهم بفراقهن ولا تقرير نكاح بينهم وبينهن وقوله تعالى [والله مخرج ما ~~كنتم تكتمون] يدل على أن ما يسره العبد من خير وشر ودام ذلك منه أن الله ~~سيظهره وهو كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن عبدا لو أطاع الله من وراء سبعين ~~حجابا لأظهر الله له ذلك على ألسنة الناس وكذلك المعصية) # وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام قل لبني إسرائيل يخفوا لي ~~أعمالهم وعلي أن أظهرها وقوله تعالى [والله مخرج ما كنتم تكتمون] عام ~~والمراد خاص لأن كلهم ما علموا بالقاتل بعينه ولذلك اختلفوا وجائز أن يكون ~~قوله [والله مخرج ما كنتم تكتمون] عاما في سائر الناس لأنه كلام مستقل ~~بنفسه وهو عاما فيهم وفي غيرهم وفي هذه القصة سوى ما ذكرنا حرمان ميراث ~~المقتول روى أبو أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني أن رجلا من بني ~~إسرائيل كان له ذو قرابة وهو وارثه فقتله ليرثه ثم ذهب فألقاه على باب قوم ~~آخرين وذكر قصة البقرة وذكر بعدها فلم يورث بعدها قاتل وقد اختلف في ميراث ~~القاتل # وروي عن عمر وعلي وابن عباس وسعيد بن المسيب أنه لا ميراث له سواء كان ~~القتل عمدا أو خطأ # وأنه لا يرث من ديته ولا من سائر ماله وهو قول أبي حنيفة والثوري وأبي ~~يوسف ومحمد وزفر إلا أن أصحابنا قالوا إن كان القاتل صبيا أو مجنونا ورث ~~وقال عثمان البتي قاتل الخطإ يرث دون قاتل العمد وقال ابن شبرمة لا يرث ~~قاتل الخطإ وقال ابن وهب عن مالك لا يرث القاتل عمدا من دية من قتل شيئا ~~ولا من ماله وإن قتله خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته وروي مثله عن الحسن ~~ومجاهد والزهري وهو قول الأوزاعي وقال المزني عن الشافعي إذا قتل الباغي ~~العادل # PageV01P043 # أو العادل الباغي لا يتوارثان لأنهما قاتلان قال أبو بكر لم يختلف ~~الفقهاء ms0050 في أن قاتل العمد لا يرث المقتول إذا كان بالغا غافلا بغير حق ~~واختلف في قاتل الخطإ على الوجوه التي ذكرنا # وقد حدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن محمد بن عنبسة بن لقيط الضبي قال ~~حدثنا علي بن حجر قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن ابن جريج والمثنى ويحيى بن ~~سعيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(ليس للقاتل من الميراث شيء) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا موسى بن زكريا التستري قال حدثنا سليمان بن ~~داود قال حدثنا حفص بن غياث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ~~عمر ابن الخطاب عن النبي عليه السلام قال (ليس للقاتل شيء) # وروى الليث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن الزهري عن حميد بن عبد ~~الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (القاتل لا يرث) # وروى يزيد بن هارون قال حدثنا محمد بن راشد عن مكحول قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (القاتل عمدا لا يرث من أخيه ولا من ذي قرابته شيئا ~~ويرث أقرب الناس إليه نسبا بعد القاتل) # وروى حصن بن ميسرة قال حدثني عبد الرحمن بن حرملة عن عدي الجذامي قال قلت ~~يا رسول الله كانت لي امرأتان فاقتتلتا فرميت إحداهما فقال اعقلها ولا ~~ترثها # فثبت بهذه الأخبار حرمان القاتل ميراثه من سائر مال المقتول وأنه لا فرق ~~في ذلك بين العامد والمخطئ لعموم لفظ النبي عليه السلام فيه وقد استعمل ~~الفقهاء هذا الخبر وتلقوه بالقبول فجرى مجرى التواتر # كقوله عليه السلام (لا وصية لوارث) # وقوله [لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها] # وإذا اختلف البيعان فالقول ما قاله البائع أو يترادان وما جرى مجرى ذلك ~~من الأخبار التي مخرجها من جهة الإفراد وصارت في حيز التواتر لتلقي الفقهاء ~~لها بالقبول من استعمالهم إياها فجاز تخصيص آية المواريث بها # ويدل على تسوية حكم العامد ms0051 والمخطئ في ذلك ما روي عن علي # وعمر وابن عباس من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليهم وغير جائز فيما كان ~~هذا وصفه من قول الصحابة في شيوعه واستفاضته أن يعترض عليه بقول التابعين ~~ولما وافق مالك على أنه لا يرث من ديته وجب أن يكون ذلك حكم سائر ماله من ~~وجوه أحدها أن ديته ماله وميراث عنه بدليل أنه تقتضي منها ديونه وتنفذ منها ~~وصاياه ويرثها سائر ورثته على فرائض الله تعالى كما يرثون سائر أمواله فلما ~~اتفقوا على أنه لا يرث من ديته كان ذلك # PageV01P044 # حكم سائر ماله في الحرمان كما أنه إذا ورث من سائر ماله ورث من ديته فمن ~~حيث كان حكم سائر ماله حكم ديته في الاستحقاق وجب أن يكون حكم سائر ماله ~~حكم ديته في الحرمان إذا كان الجميع مستحقا على سهام ورثته وأنه مبدوء به ~~في الدين على الميراث ومن جهة أخرى أنه لما ثبت أنه لا يرث من ديته لما ~~اقتضاه الأثر وجب أن يكون حكم سائر ماله كذلك لأن الأثر لم يفصل في وروده ~~بين شيء من ذلك وقال مالك إنما ورث قاتل الخطإ من سائر ماله سوى الدية لأنه ~~لا يتهم أن يكون قتله ليرثه وهذه العلة موجودة في ديته لأنها من التهمة ~~أبعد فواجب على مقتضى علته أن يرث من ديته ومن جهة أخرى أنهم لا يختلفون في ~~قاتل العمد وشبه العمد أنه لا يرث سائر ماله كما لا يرث من دينه إذا وجبت ~~فوجب أن يكون ذلك حكم قاتل الخطإ لاتفاقهما في حرمان الميراث من ديته وأيضا ~~إذا كان قتل العمد وشبه العمد إنما حرما الميراث للتهمة في إحراز الميراث ~~بقتله فهذا المعنى موجود في قتل الخطإ لأنه يجوز أن يكون إنما أظهر رمي ~~غيره وهو قاصد به قتله لئلا يقاد منه ولا يحرم الميراث فلما كانت التهمة ~~موجودة من هذا الوجه وجب أن يكون في معنى العمد وشبهه وأيضا توريثه بعض ~~الميراث دون بعض خارج من ms0052 الأصول لأن فيها أن من ورث بعض تركة ورث جميعها ~~ومن حرم بعضها حرم جميعها وإنما قال أصحابنا إن الصبي والمجنون لا يحرمان ~~الميراث بالقتل من قبل أنهما غير مكلفين وحرمان الميراث على وجه العقوبة في ~~الأموال فأجري قاتل الخطإ مجراه وإن لم يستحق العقاب بقتل الخطإ تغليظا ~~لأمر الدم ويجوز أن يكون قد قصد القتل برميه أو بضربه وأنه أوهم أنه قاصد ~~لغيره فأجري في ذلك مجرى من علم منه ذلك والصبي والمجنون على أي وجه كان ~~منهما ذلك لا يستحقان الدم # قال النبي عليه السلام (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى ينتبه وعن ~~المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم) # قال أبو بكر رحمه الله فظاهر هذا الخبر يقتضي سقوط حكم قتله رأسا من سائر ~~الوجوه ولولا قيام الدلالة لما وجبت الدية أيضا فإن قيل فإنه يحرم النائم ~~الميراث إذا انقلب على صبي فقتله قيل له هو مثل قاتل الخطإ يجوز أن يكون ~~أظهر أنه نائم ولم يكن نائما في الحقيقة أما قول الشافعي في العادل إذا قتل ~~الباغي حرم الميراث فلا وجه له لأنه قتله بحق وقد كان الباغي مستحقا للقتل ~~فغير جائز أن يحرم الميراث ولا نعلم خلافا أن من وجب له القود على # PageV01P045 # إنسان فقتله قودا أنه لا يحرم الميراث وأيضا فلو كان قتل العادل الباغي ~~يحرمه الميراث لوجب أنه إذا كان محاربا فاستحق القتل حدا أن لا يكون ميراثه ~~لجماعة المسلمين لأن الإمام قام مقام الجماعة في إجراء الحكم عليه فكأنه ~~قتلوه فلما كان المسلمون هم المستحقين لميراث من ذكرنا أمره وإن كان الإمام ~~قام مقامهم في قتله ثبت بذلك أن من قتل بحق لا يحرم قاتله ميراثه وقال ~~أصحابنا في حافر البئر وواضع الحجر في الطريق إذا عطب به إنسان إنه لا يحرم ~~الميراث لأنه غير قاتل في الحقيقة إذ لم يكن فاعلا للقتل ولا لسبب اتصل ~~بالمقتول والدليل على ذلك أن القتل على ثلاثة أوجه عمدا وخطأ وشبه العمد ~~وحافر البئر ms0053 وواضع الحجر خارج عن ذلك فإن قيل حفر البئر ووضع الحجر سبب ~~للقتل كالرامي والجارح أنهما قاتلان لفعلهما السبب قيل له الرمي وما تولد ~~منه من مرور السهم هو فعله وبه حصل القتل وكذلك الجرح فعله فصار قاتلا به ~~لاتصال فعله للمقتول وعثار الرجل بالحجر ووقوعه في البئر ليس من فعله فلا ~~يجوز أن يكون به قاتلا # وقوله تعالى [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ~~ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون] يدل على أن العالم بالحق المعاند ~~فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الصلاح من الجاهل لأن قوله تعالى ~~[أفتطمعون أن يؤمنوا لكم] يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد ~~العلم به # وقوله تعالى [وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة] قيل في معنى ~~معدودة إنها قليلة كقوله [وشروه بثمن بخس دراهم معدودة] أي قليلة وقال ابن ~~عباس وقتادة في قوله أياما معدودة إنها أربعون يوما مقدار ما عبدوا العجل ~~وقال الحسن ومجاهد سبعة أيام وقال تعالى [كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات] فسمى أيام الصوم في هذه الآية ~~معدودات وأيام الشهر كله وقد احتج شيوخنا لأقل مدة الحيض وأكثره أنها ثلاثة ~~وعشرة # بقول النبي صلى الله عليه وسلم (المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها) # وفي بعض الألفاظ # (دعي الصلاة أيام حيضك) # واستدلوا بذلك على أن مدة الحيض تسمى أياما وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة ~~لأن ما دون الثلاثة يقال يوم أو يومان وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر ~~يوما وإنما يتناول هذا الاسم ما بين الثلاثة إلى العشرة فدل ذلك على مقدار ~~أقله وأكثره فمن الناس من يعترض على هذا الاستدلال بقوله [أيام معدودات] ~~وهي أيام الشهر وقوله [إلا أياما معدودة] وقد قيل # PageV01P046 # فيه أربعون يوما وهذا عندنا لا يقدح في استدلالهم لأن قوله تعالى أياما ~~معدودات جائز أن يريد به أياما قليلة كقوله [دراهم معدودة] يعني قليلة ولم ~~يرد به تحديد ms0054 العدد وتوقيت مقداره وإنما المراد به أنه لم يفرض عليهم من ~~الصوم ما يشتد ويصعب ويحتمل أن يريد به وقتا مبهما كقولهم أيام بني أمية ~~وأيام الحجاج ولا يراد به تحديد الأيام وإنما المراد به زمان ملكهم # وقوله عليه السلام (دعي الصلاة أيام أقرائك) # قد أريد به لا محالة تحديد الأيام إذ لا بد من أن يكون للحيض وقت معين ~~مخصوص لا يتجاوزه ولا يقصر عنه فمتى أضيف ذكر الأيام إلى عدد مخصوص يتناول ~~إما بين الثلاثة إلى العشرة # وقوله تعالى [بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون] قد عقل منه استحقاق النار بما يكسب من السيئة وإحاطتها به ~~فكان الجزاء مستحقا بوجود الشرطين غير مستحق بوجود أحدهما وهذا يدل على أن ~~من عقد اليمين على شرطين في عتاق أو طلاق أو غيرهما أنه لا يحنث بوجود ~~أحدهما دون وجود الآخر # قوله تعالى [وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا] يدل على تأكيد حق الوالدين ووجوب الإحسان إليهما كافرين كانا أو ~~مؤمنين لأنه قرنه إلى الأمر بعبادته تعالى وقوله [وذي القربى] يدل على وجوب ~~صلة الرحم والإحسان إلى اليتامى والمساكين [وقولوا للناس حسنا] # روي عن أبي جعفر محمد بن علي وقولوا للناس حسنا كلهم # قال أبو بكر وهذا يدل على أنهم كانوا متعبدين بذلك في المسلم والكافر وقد ~~قيل إن ذلك على معنى قوله تعالى [ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن] والإحسان المذكور في الآية إنما هو الدعاء إليه ~~والنصح فيه لكل أحد وروي عن ابن عباس وقتادة أنها منسوخة بالأمر بالقتال ~~وقد قال تعالى [لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم] وقد أمر ~~الله تعالى بلعن الكفار والبراءة منهم والإنكار على أهل المعاصي وهذا مما ~~لا يختلف فيه شرائع الأنبياء عليهم السلام فدل ذلك على أن المأمور به من ~~القول الحسن أحد وجهين إما أن يكون ذلك خاصا في المسلمين ومن ms0055 لا يستحق ~~اللعن والنكير وإن كان عاما فهو الدعاء إلى الله تعالى والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وذلك كله حسن وأخبرنا الله تعالى أنه كان أخذ الميثاق على ~~بني إسرائيل بما ذكر والميثاق وهو العقد المؤكد إما بوعيد أو بيمين وهو نحو ~~أمر الله الصحابة بمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على # PageV01P047 # شرائطها المذكورة # وقوله تعالى [وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم] يحتمل وجهين أحدهما لا يقتل بعضكم بعضا كقوله تعالى [ولا تقتلوا ~~أنفسكم] وكذلك أخراهم من ديارهم وكقوله [وقاتلوا وقتلوا] والآخر أن لا يقتل ~~كل واحد نفسه إما بأن يباشر ذلك كما يفعله الهند وكثير ممن يغلب عليه اليأس ~~من الخلاص عند شدة هو فيها أو بأن يقتل غيره فيقتل به فيكون في معنى قتل ~~نفسه واحتمال اللفظ المعنيين يوجب أن يكون عليهما جميعا وهذا الذي أخبر ~~الله به من حكم شريعة التوراة مما كان يكتمه اليهود لما عليهم في ذلك الوكس ~~ويلزمهم في ذلك من الذم فأطلع الله نبيه عليه وجعله دلالة وحجة عليهم في ~~جحدهم نبوته إذ لم يكن عليه السلام ممن قرأ الكتب ولا عرف ما فيها إلا ~~بإعلام الله تعالى إياه وكذلك جميع ما حكى الله بعد هذه الآية عنهم من قوله ~~[وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا] وسائر ما ذمهم هو توقيف منه له ~~على ما كانوا يكتمون وتقريع لهم على ظلمهم وكفرهم وإظهار قبائحهم وجميعه ~~دلالة على نبوته عليه السلام # وقوله تعالى [وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض] دال على أن فداء أساراهم كان واجبا عليهم وكان ~~إخراج فريق منهم من ديارهم محرما عليهم فإذا أسر بعضهم عدوهم كان عليهم أن ~~يفادوهم فكانوا في إخراجهم كافرين ببعض الكتاب لفعلهم ما حظره الله عليهم ~~وفي مفاداتهم مؤمنين ببعض الكتاب بقيامهم بما أوجبه الله عليهم وهذا الحكم ~~من وجوب مفاداة الأسارى ثابت علينا # روى الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن جده أن ms0056 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفدوا اعانيهم ~~بالمعروف والإصلاح بين المسلمين # وروى منصور عن شقيق بن سلمة عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (أطعموا الطعام وأفشوا السلام وعودوا المريض وفكوا العاني) # فهذان الخبران يدلان على فكاك الأسير لأن العاني هو الأسير # وقد روى عمران بن حصين وسلمة بن الأكوع أن النبي عليه السلام فدى أسارى ~~من المسلمين بالمشركين # وروى الثوري عن عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب قال سئل الحسين بن علي ~~عليهما السلام على من فدى الأسيرى قال على الأرض التي يقاتل عنها # قوله تعالى [قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين] # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P048 # قال لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا أو لرأوا مقاعدهم من النار # ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون ~~أهلا ولا مالا وقال ابن عباس لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا وقيل في ~~تمني الموت وجهان أحدهما قول ابن عباس أنهم تحدوا بأن يدعوا بالموت على أن ~~الفريقين كان كاذبا وقال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس لما قالوا لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه قيل ~~لهم فتمنوا الموت فمن كان بهذه الصفة فالموت خير له من الحياة في الدنيا ~~فتضمنت الآية معنيين أحدهما إظهار كذبهم وتبكيتهم به والثاني الدلالة على ~~نبوة النبي عليه السلام وذلك أنه تحداهم بذلك كما أمر الله تعالى بتحدى ~~النصارى بالمباهلة فلولا علمهم بصدقه صلى الله عليه وسلم وكذبهم لسارعوا ~~إلى تمني الموت ولسارعت النصارى إلى المباهلة لا سيما وقد أخبر الفريقين ~~أنهم لو فعلوا ذلك لنزل الموت والعذاب بهم وكان يكون في إظهارهم التمني ~~والمباهلة تكذيب له ودحض لحجته إذا لم ينزل بهم ما أوعدهم فلما أحجموا عن ~~ذلك مع التحدي والوعيد مع ms0057 سهولة هذا القول دل ذلك على علمهم بصحة نبوته بما ~~عرفوه من كتبهم من نعته وصفته كما # قال تعالى [ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم] فيه دلالة أخرى على صحة ~~نبوته وهو إخبارهم أنهم لا يتمنون الموت مع خفة التمني وسهولته على المتلفظ ~~وسلامة ألسنتهم فكان ذلك بمنزلة لو قال لهم الدلالة على صحة نبوتي أن أحدا ~~منكم لا يمس رأسه مع صحة جوارحه وأنه إن مس أحد منكم رأسه فأنا مبطل فلا ~~يمس أحدا منهم رأسه مع شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه ومع سلامة أعضائهم ~~وصحة جوارحهم فيعلم بذلك أنه من عند الله تعالى من وجهين أحدهما أن عاقلا ~~لا يتحدى أعداء بمثله مع علمه بجواز وقوع ذلك منهم والثاني أنه إخبار ~~بالغيب إذ لم يتمن واحد منهم الموت وكون مخبره على ما أخبر به وهذا كقوله ~~حين تحداهم بالقرآن وقرعهم بالإتيان بسورة مثله وإخباره أنهم لا يفعلون ~~بقوله [فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا] فإن قال قائل إنهم لم يتمنوا لأنهم لو ~~تمنوا لكان ذلك ضميرا مغيبا علمه عن الناس وكان يمكنه أن يقول إنكم قد ~~تمنيتم بقلوبكم قيل له هذا يبطل من وجهين أحدهما أن للمتمنى صيغة معروفة ~~عند العرب وهو قول القائل ليت الله غفر لي وليت زيدا قدم وما جرى هذا ~~المجرى وهو أحد أقسام الكلام ومتى قال ذلك قائل كان ذلك عندهم متمنيا من ~~غير اعتبار لضميره واعتقاده كقولهم في الخبر والاستخبار والنداء # PageV01P049 # ونحو ذلك من أقسام الكلام والتحدي بتمني الموت إنما توجه إلى العبارة ~~التي في لغتهم أنها تمن والوجه الآخر أنه يستحيل أن يتحداهم عند الحاجة ~~والتكذيب والتوقيف على علمهم بصحة نبوته وبهتهم ومكابرتهم في أمره فيتحداهم ~~بأن يتمنوا ذلك بقلوبهم مع علم الجميع بأن التحدي بالضمير لا يعجز عنه أحد ~~فلا يدل على صحة مقاله ولا فسادها وأن المتحدى بذلك يمكنه أن يقول قد تمنيت ~~بقلبي ذلك ولا يمكن خصمه إقامة الدليل على كذبه وأيضا فلو انصرف ذلك إلى ~~التمني بالقلب ms0058 دون العبارة باللسان لقالوا قد تمنينا ذلك بقلوبنا فكانوا ~~مساوين له فيه ويسقط بذلك دلالته على كذبهم وعلى صحة نبوته فلما لم يقولوا ~~ذلك لأنهم لو قالوه لنقل كما لو عارضوا القرآن بأى كلام كان لقل فعلم أن ~~التحدي وقع بالتمني باللفظ والعبارة دون الضمير والاعتقاد. ### | باب السجود وحكم الساحر # قال الله تعالى [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان] إلى آخر القصة قال أبو بكر الواجب أن نقدم القول في السحر لخفائه ~~على كثير من أهل العلم فضلا عن العامة ثم نعقبه بالكلام في حكمه في مقتضى ~~الآية في المعاني والأحكام فنقول إن أهل اللغة يذكرون أن أصله في اللغة لما ~~لطف وخفى سببه والسحر عندهم بالفتح هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه قال لبيد: # أرنا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب # قيل فيه وجهان نعلل ونخدع كالمسحور والمخدوع والآخر نغذى وأي الوجهين كان ~~فمعناه الخفاء وقال آخر: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول ويحتمل أيضا أنه أراد ~~بالمسحر أنه ذو سحر والسحر الرئة وما يتعلق بالحلقوم وهذا يرجع إلى معنى ~~الخفاء ومنه قول عائشة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري ~~وقوله تعالى [إنما أنت من المسحرين] يعني من المخلوق الذي يطعم ويسقى ويدل ~~عليه قوله تعالى [وما أنت إلا بشر مثلنا] وكقوله تعالى [مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام ويمشي في الأسواق] ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا وإنما يذكر السحر ~~في مثل هذه المواضع لضعف هذه الأجساد ولطافتها ورقتها وبها مع ذلك قوام # PageV01P050 # الإنسان فمن كان بهذه الصفة فهو ضعيف محتاج وهذا هو معنى السحر في اللغة ~~ثم نقل هذا الاسم إلى كل أمر خفي سببه وتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى ~~التمويه والخداع ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله وقد أجري مقيدا فيما ~~يمتدح ويحمد # روي (إن من البيان لسحرا) # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا إبراهيم الحراني قال حدثنا ms0059 سليمان بن حرب قال ~~حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير قال قدم على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم فقال لعمرو خبرني عن ~~الزبرقان فقال مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره فقال ~~الزبرقان هو والله يعلم أني أفضل منه فقال عمرو إنه زمر المروءة ضيق العطن ~~أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما أرضاني فقلت أحسن ما علمت ~~وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت فقال عليه السلام (إن من البيان لسحرا) # وحدثنا إبراهيم الحراني قال حدثنا مصعب بن عبد الله قال حدثنا مالك بن ~~أنس عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال قدم رجلان فخطب أحدهما فعجب الناس لذلك ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن من البيان لسحرا) # قال وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى بن ~~فارس قال حدثنا سعيد بن محمد قال حدثنا أبو تميلة قال حدثنا أبو جعفر ~~النحوي عبد الله بن ثابت قال حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن ~~جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن من البيان لسحرا وإن ~~من العلم جهلا وإن من الشعر حكما وإن من القول عيالا) # قال صعصعة بن صوحان صدق نبي الله أما قوله إن من البيان لسحرا فالرجل ~~يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب ~~بالحق وأما قوله من العلم جهلا فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلمه فيجهله ~~ذلك وأما قوله إن من الشعر حكما فهي هذه الأمثال والمواعظ التي يتعظ بها ~~الناس وأما قوله إن من القول عيالا فعرضك كلامك وحديثك على من ليس من شأنه ~~ولا يريده فسمى النبي عليه السلام بعض البيان سحرا لأن صاحبه بين أن ينبئ ~~عن حق فيوضحه ويجليه بحسن بيانه بعد أن كان خفيا فهذا من السحر الحلال الذي ~~أقر النبي عليه السلام ms0060 عمر بن الأهتم عليه ولم يسخطه منه وروي أن رجلا تكلم ~~بكلام بليغ عند عمر بن عبد العزيز فقال عمر هذا والله السحر الحلال وبين أن ~~يصور الباطل في صورة الحق ببيانه ويخدع السامعين بتمويهه ومتى أطلق فهو اسم ~~لكل أمر مموه باطل لا حقيقة له ولا ثبات # PageV01P051 # قال الله تعالى [سحروا أعين الناس] يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم ~~وعصيهم تسعى وقال [يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى] فأخبر أن ما ظنوه سعيا ~~منها لم يكن سعيا وإنما كان تخييلا وقد قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت ~~زئبقا وكذلك الحبال كانت معمولة من أدم محشوة زئبقا وقد حفروا قبل ذلك تحت ~~المواضع أسرابا وجعلوا آزاجا وملؤها نارا فلما طرحت عليه وحمي الزئبق حركها ~~لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير فأخبر الله أن ذلك كان مموها ~~على غير حقيقة والعرب تقول لضرب من الحلي مسحور أي مموه على من رآه مسحور ~~به عينه فما كان من البيان على حق ويوضحه فهو من السحر الحلال وما كان منه ~~مقصودا به إلى تمويه وخديعة وتصوير باطل في صورة الحق فهو من السحر المذموم ~~فإن قيل إذا كان موضوع السحر التمويه والإخفاء فكيف يجوز أن يسمى ما يوضح ~~الحق وينبئ عنه سحرا وهو إنما أظهر بذلك ما خفي ولم يقصد به إلى إخفاء ما ~~ظهر وإظهاره غير حقيقة قيل له سمي ذلك سحرا من حيث كان الأغلب في ظن السامع ~~أنه لو ورد عليه المعنى بلفظ مستنكر غير مبين لما صادف منه قبولا ولا أصغى ~~إليه ومتى سمع المعنى بعبارة مقبولة عذبة لا فساد فيها ولا استنكار وقد ~~تأتى لها بلفظه وحسن بيانه بما لا يتأتى له الغبي الذي لا بيان له أصغى ~~إليه وسمعه وقبله فسمى استمالته للقلوب بهذا الضرب من البيان سحرا كما ~~يستميل الساحر قلوب الحاضرين إلى ما موه به ولبسه فمن هذا الوجه سمي البيان ~~سحرا لا من الوجه الذي ظننت ويجوز أن يكون ms0061 إنما سمى البيان سحرا لأن ~~المقتدر على البيان ربما قبح ببيانه بعض ما هو حسن وحسن عنده بعض ما هو ~~قبيح فسماه لذلك سحرا كما سمى ما موه به صاحبه وأظهر على غير حقيقة سحرا ~~قال أبو بكر رحمه الله واسم السحر إنما أطلق على البيان مجازا لا حقيقة ~~والحقيقة ما وصفنا ولذلك صار عند الإطلاق إنما يتناول كل أمر مموه قد قصد ~~به الخديعة والتلبيس وإظهار ما لا حقيقة له ولا ثبات وإذ قد بينا أصل السحر ~~في اللغة وحكمه عند الإطلاق والتقييد فلنقل في معناه في التعارف والضروب ~~الذي يشتمل عليها هذا الاسم وما يقصد به كل فريق من منتحليه والغرض الذي ~~يجري إليه مدعوه فنقول وبالله التوفيق إن ذلك ينقسم إلى أنحاء مختلفة فمنها ~~سحر أهل بابل الذين ذكرهم الله تعالى في قوله [يعلمون الناس السحر وما أنزل ~~على الملكين ببابل هاروت وماروت] # وكانوا قوما صابئين يعبدون الكواكب # PageV01P052 # السبعة ويسمونها آلهة ويعتقدون أن حوادث العالم كلها من أفعالها وهم ~~معطلة لا يعترفون بالصانع الواحد المبدع للكواكب وجميع أجرام العالم وهم ~~الذين بعث الله تعالى إليهم إبراهيم خليله صلوات الله عليه فدعاهم إلى الله ~~تعالى وحاجهم بالحجاج الذي بهرهم به وأقام عليهم به الحجة من حيث لم يمكنهم ~~دفعه ثم ألقوه في النار فجعلها الله تعالى بردا وسلاما ثم أمره الله تعالى ~~بالهجرة إلى الشام وكان أهل بابل وإقليم العراق والشام ومصر والروم على هذه ~~المقالة إلى أيام بيوراسب الذي تسمه # العرب الضحاك وإن أفريدون وكان من أهل دنباوند استجاش عليه بلاده وكاتب ~~سائر من يطيعه وله قصص طويلة حتى أزال ملكه وأسره وجهال العامة والنساء ~~عندنا يزعمون أن أفريدون حبس بيوراسب في جبل دنباوند العالي على الجبال ~~وأنه حي هناك مقيد وأن السحرة يأتونه هناك فيأخذون عنه السحر وأنه سيخرج ~~فيغلب على الأرض وأنه هو الدجال الذي أخبر به النبي عليه السلام وحذرنا به ~~وأحسبهم أخذوا ذلك عن المجوس وصارت مملكة إقليم بابل للفرس فانتقل بعض ~~ملوكهم ms0062 إليها في بعض الأزمان فاستوطنوها ولم يكونوا عبدة أوثان بل كانوا ~~موحدين مقرين بالله وحده إلا أنهم مع ذلك يعظمون العناصر الأربعة الماء ~~والنار والأرض والهواء لما فيها من منافع الخلق وأن بها قوام الحيوان وإنما ~~حدثت المجوسية فيهم بعد ذلك في زمان كشتاسب حين دعاه زرادشت فاستجاب له على ~~شرائط وأمور يطول شرحها وإنما غرضنا في هذا الموضع الإبانة عما كانت عليه ~~سحرة بابل ولما ظهرت الفرس على هذا الإقليم كانت تتدين بقتل السحرة ~~وإبادتها ولم يزل ذلك فيهم ومن دينهم بعد حدوث المجوسية فيهم وقبله إلى أن ~~زال عنهم الملك وكانت علوم أهل بابل قبل ظهور الفرس عليهم الحيل ~~والنيرنجيات وأحكام النجوم وكانوا يعبدون أوثانا قد عملوها على أسماء ~~الكواكب السبعة وجعلوا لكل واحد منها هيكلا فيه صنمه ويتقربون إليها بضروب ~~من الأفعال على حسب اعتقاداتهم من موافقة ذلك للكوكب الذي يطلبون منه ~~بزعمهم فعل خير أو شر فمن أراد شيئا من الخير والصلاح بزعمه يتقرب إليه بما ~~يوافق المشترى من الدخن الرقى والعقد والنفث عليها ومن طلب شيئا من الشر ~~والحرب والموت والبوار لغيره تقرب بزعمه إلى زحل بما يوافقه من ذلك ومن ~~أراد البرق والحرق والطاعون تقرب بزعمه إلى المريخ بما يوافقه من ذلك من ~~ذبح # PageV01P053 # بعض الحيوانات وجميع تلك الرقى بالنبطية تشتمل على تعظيم تلك الكواكب إلى ~~ما يريدون من خير أو شر ومحبة وبغض فيعطيهم ما شاءوا من ذلك فيزعمون أنهم ~~عند ذلك يفعلون ما شاءوا في غيرهم من غير مماسة ولا ملامسة سوى ما قدموه من ~~القربات للكوكب الذي طلبوا ذلك منه فمن العامة من يزعم أنه يقلب الإنسان ~~حمارا أو كلبا ثم إذا شاء أعاده ويركب البيضة والمكنسة والخابية ويطير في ~~الهواء فيمضي من العراق إلى الهند وإلى ما شاء من البلدان ثم يرجع من ليلته ~~وكانت عوامهم تعتقد ذلك لأنهم كانوا يعبدون الكواكب وكل ما دعا إلى تعظيمها ~~اعتقدوه وكانت الساحرة تحتال في خلال ذلك بحيل تموه بها على العامة إلى ms0063 ~~اعتقاد صحته بأن يزعم أن ذلك لا ينفذ ولا ينتفع به أحد ولا يبلغ ما يريد ~~إلا من اعتقد صحة قولهم وتصديقهم فيما يقولون ولم تكن ملوكهم تعترض عليهم ~~في ذلك بل كانت السحرة عندها بالمحل الأجل لما كان لها في نفوس العامة من ~~محل التعظيم والإجلال ولأن الملوك في ذلك الوقت كانت تعتقد ما تدعيه السحرة ~~للكواكب إلى أن زالت تلك الممالك ألا ترى أن الناس في زمن فرعون كانوا ~~يتبارون بالعلم والسحر والحبل والمحاريق ولذلك بعث إليهم موسى عليه السلام ~~بالعصا والآيات التي علمت السحرة أنها ليست من السحر في شيء وأنها لا يقدر ~~عليها غير الله تعالى فلما زالت تلك الممالك وكان من ملكهم بعد ذلك من ~~الموحدين يطلبونهم ويتقربون إلى الله تعالى بقتلهم وكانوا يدعون عوام الناس ~~وجهالهم سرا كما يفعله الساعة كثير ممن يدعي ذلك مع النساء والأحداث ~~الأغمار والجهال الحشو وكانوا يدعون من يعملون له ذلك إلى تصديق قولهم ~~والاعتراف بصحته والمصدق لهم بذلك يكفر من وجوه أحدها التصديق بوجوب تعظيم ~~الكواكب وتسميتها آلهة والثاني اعترافه بأن الكواكب تقدر على ضره ونفعه ~~والثالث أن السحرة تقدر على مثل معجزات الأنبياء عليهم السلام فبعث الله ~~إليهم ملكين يبينان للناس حقيقة ما يدعون وبطلان ما يذكرون ويكشفان لهم ما ~~به يموهون ويخبرانهم بمعاني تلك الرقى وأنها شرك وكفر وبحيلهم التي كانوا ~~يتوصلون بها إلى التمويه على العامة ويظهرون لهم حقائقها وينهونهم عن ~~قبولها والعمل بها بقوله [إنما نحن فتنة فلا تكفر] فهذا أصل سحر بابل ومع ~~ذلك فقد كانوا # يستعملون سائر وجوه السحر والحيل التي نذكرها ويموهون بها على العامة ~~ويعزونها إلى فعل الكواكب لئلا يبحث # PageV01P054 # عنها ويسلمها لهم فمن ضروب السحر كثير من التخييلات التي مظهرها على خلاف ~~حقائقها فمنها ما يعرفه الناس بجريان العادة بها وظهورها ومنها ما يخفى ~~ويلطف ولا يعرف حقيقته ومعنى باطنه إلا من تعاطى معرفة ذلك لأن كل علم لا ~~بد أن يشتمل على جلي وخفي وظاهر وغامض فالجلي منه ms0064 يعرفه كل من رآه وسمعه من ~~العقلاء والغامض الخفي لا يعرفه إلا أهله ومن تعاطى معرفته وتكلف فعله ~~البحث عنه وذلك نحو ما يتخيل راكب السفينة إذا سارت في النهر فيرى أن الشط ~~بما عليه من النخل والبنيان سائر معه وكما يرى القمر في مهب الشمال يسير ~~للغيم في مهب الجنوب وكدوران الدوامة فيها الشامة فيراها كالطوق المستدير ~~في أرجائها وكذلك يرى هذا في الرحى إذا كانت سريعة الدوران وكالعود في طرفه ~~الجمرة إذا أداره مديره رأى إذا تلك النار التي في طرفه كالطوق المستدير ~~وكالعنبة التي يراها في قدح فيه ماء كالخوخة والإجاصة عظما وكالشخص الصغير ~~يراه في الضباب عظيما جسيما وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها ~~عظيما فإذا فارقته وارتفعت صغرت وكما يرى المردى في الماء منكسرا أو معوجا ~~وكما يرى الخاتم إذا قربته من عينك في سعة حلقة السوار ونظائر ذلك كثيرة من ~~الأشياء التي تتخيل على غير حقائقها فيعرفها عامة الناس ومنها ما يلطف فلا ~~يعرفه إلا من تعاطاه وتأمله كخيط السحارة الذي يخرج مرة أحمر ومرة أصفر ~~ومرة أسود ومن لطيف ذلك ودقيقه ما يفعله المشعوذون من جهة الحركات وإظهار ~~التخيلات التي تخرج على غير حقائقها حتى يريك عصفورا معه أنه قد ذبحه ثم ~~يريكه وقد طار بعد ذبحه وإبانة رأسه وذلك لخفة حركته والمذبوح غير الذي طار ~~لأنه يكون معه اثنان قد خبأ أحدهما وأظهر الآخر ويخبأ لخفة الحركة المذبوح ~~ويظهر الذي نظيره ويظهر أنه قد ذبح إنسانا وأنه قد بلع سيفا معه وأدخله في ~~جوفه وليس لشيء منه حقيقة ومن نحو ذلك ما يفعله أصحاب الحركات للصور ~~المعمولة من صفر أو غيره فيرى فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر وينصرف ~~بحيل قد أعدت لذلك وكفارس من صفر على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من ~~النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد ولا يتقدم إليه وقد ذكر الكلبي أن ~~رجلا من الجند خرج ببعض نواحي الشام متصيدا ومعه كلب له ms0065 وغلام فرأى ثعلبا ~~فأغرى به الكلب فدخل الثعلب ثقبا في تل هناك ودخل الكلب خلفه فلم يخرج فأمر ~~الغلام أن يدخل فدخل وانتظره # PageV01P055 # صاحبه فلم يخرج فوقف متهيئا للدخول فمر به رجل فأخبره بشأن الثعلب والكلب ~~والغلام وأن واحدا منهم لم يخرج وأنه متأهب للدخول فأخذ الرجل بيده فأدخله ~~إلى هناك فمضيا إلى سرب طويل حتى أفضى بهما إلى بيت قد فتح له ضوء من موضع ~~ينزل إليه بمرقاتين فوقف به على المرقاة الأولى حتى أضاء البيت حينا ثم قال ~~له انظر فنظر فإذا الكلب والرجل والثعلب قتلى وإذا في صدر البيت رجل واقف ~~مقنع في الحديد وفي يده سيف فقال له الرجل أترى هذا لو دخل إليه هذا المدخل ~~ألف رجل لقتلهم كلهم فقال وكيف قال لأنه قد رتب وهندم على هيئة متى وضع ~~الإنسان رجله على المرقاة الثانية للنزول تقدم الرجل المعمول في الصدر ~~فضربه بالسيف الذي في يده فإياك أن تنزل إليه فقال فكيف الحيلة في هذا قال ~~ينبغي أن تحفر من خلفه سربا يفضي بك إليه فإن وصلت إليه من تلك الناحية لم ~~يتحرك فاستأجر الجندي أجراء وصناعا حتى حفروا سربا من خلف التل فأفضوا إليه ~~فلم يتحرك وإذا رجل معمول من صفر أو غيره قد ألبس السلاح وأعطي السيف فقلعه ~~ورأى بابا آخر في ذلك البيت ففتحه فإذا هو قبر لبعض الملوك ميت على سرير ~~هناك وأمثال ذلك كثيرة جدا ومنها الصور التي يصورها مصوروا الروم والهند ~~حتى لا يفرق الناظر بين الإنسان وبينها ومن لم يتقدم له علم أنها صورة لا ~~يشك في أنها إنسان وحتى تصورها ضاحكة أو باكية وحتى يفرق فيها بين الضحك من ~~الخجل # والسرور وضحك الشامت فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل وخفيها وما ~~ذكرناه قبل من جليها وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب على النحو الذي بينا ~~من حيلهم في العصي والحبال والذي ذكرناه من مذاهب أهل بابل في القديم ~~وسحرهم ووجوه حيلهم بعضه سمعناه من أهل المعرفة ms0066 بذلك وبعضه وجدناه في الكتب ~~قد نقلت حديثا من النبطية إلى العربية منها كتاب في ذكر سحرهم وأصنافه ~~ووجوهه وكلها مبنية على الأصل الذي ذكرناه من قربانات الكواكب وتعظيمها ~~وخرافات معها لا تساوي ذكرها ولا فائدة فيها وضرب آخر من السحر وهو ما ~~يدعونه من حديث الجن والشياطين وطاعتهم لهم بالرقى والعزائم ويتوصلون إلى ~~ما يريدون من ذلك بتقدمة أمور ومواطأة قوم قد أعدوهم لذلك وعلى ذلك كان ~~يجري أمر الكهان من العرب في الجاهلية وكانت أكثر مخارق الحلاج من باب ~~الموطآت ولولا أن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاء ذلك لذكرت منها # PageV01P056 # ما يوقف على كثير من مخاريقه ومخاريق أمثاله وضرر أصحاب العزائم وفتنتهم ~~على الناس غير يسير وذلك أنهم يدخلون على الناس من باب أن الجن إنما تطيعهم ~~بالرقى التي هي أسماء الله تعالى فإنهم يجيبون بذلك من شاءوا ويخرجون الجن ~~لمن شاءوا فتصدقهم العامة على اغترار بما يظهرون من انقياد الجن لهم بأسماء ~~الله تعالى التي كانت تطيع بها سليمان بن داود عليه السلام وأنهم يخبرونهم ~~بالخبايا وبالسرق وقد كان المعتضد بالله مع جلالته وشهامته ووفور عقله اغتر ~~بقول هؤلاء وقد ذكره أصحاب التواريخ وذلك أنه كان يظهر في داره التي كان ~~يخلو فيها بنسائه وأهله شخص في يده سيف في أوقات مختلفة وأكثره وقت الظهر ~~فإذا طلب لم يوجد ولم يقدر عليه ولم يوقف له على أثر مع كثرة التفتيش وقد ~~رآه هو بعينه مرارا فأهمته نفسه ودعا بالمعزمين فحضروا وأحضروا معهم رجالا ~~ونساء وزعموا أن فيهم مجانين وأصحاء فأمر بعض رؤسائهم بالعزيمة فعزم على ~~رجل منهم زعم أنه كان صحيحا فجن وتخبط وهو ينظر إليه وذكروا له أن هذا غاية ~~الحذق بهذه الصناعة إذ أطاعته الجن في تخبيط الصحيح وإنما كان ذلك من العزم ~~بمواطأة منه لذلك الصحيح على أنه متى عزم عليه جنن نفسه وخبط فجاز ذلك على ~~المتعضد فقامت نفسه منه وكرهه إلا أنه سألهم عن أمر الشخص الذي يظهر في ~~داره فمخرقوا عليه ms0067 بأشياء علقوا قلبه بها من غير تحصيل لشيء من أمر ما ~~سألهم عنه فأمرهم بالانصراف وأمر لكل واحد منهم ممن حضر بخمسة دراهم ثم ~~تحرز المعتضد بغاية ما أمكنه وأمر بالاستيثاق من سور الدار حيث لا يمكن فيه ~~حيلة من تسلق ونحوه وبطحت في أعلى السور خواب لئلا يحتال بإلقاء المعاليق ~~التي يحتال بها اللصوص ثم لم يوقف لذلك الشخص على خبر إلا ظهوره له الوقت ~~بعد الوقت إلى أن توفي المعتضد وهذه الخوابي المبطوحة على السور وقد رأيتها ~~على سور الثريا التي بناها المعتضد فسألت صديقا لي كان قد حجب للمقتدر ~~بالله عن أمر هذا الشخص وهل تبين أمره فذكر لي أنه لم يوقف على حقيقة هذا ~~الأمر إلا في أيام المقتدر وأن ذلك الشخص كان خادما أبيض يسمى يقق وكان ~~يميل إلى بعض الجواري اللاتي في داخل دور الحرم وكان قد اتخذ لحى على ألوان ~~مختلفة وكان إذا لبس بعض تلك اللحى لا يشك من رآه أنها لحيته وكان يلبس في ~~الوقت الذي يريده لحية منها ويظهر في ذلك الموضع وفي يده سيف أو غيره من ~~السلاح حيث يقع نظر المعتضد فإذا طلب دخل بين # PageV01P057 # الشجر الذي في البستان أو في بعض تلك الممرات أو العطفات فإذا غاب عن ~~أبصار طالبيه نزع اللحية وجعلها في كمه أو حزته ويبقى السلاح معه كأنه بعض ~~الخدم الطالبين للشخص ولا يرتابون به ويسألونه هل رأيت في هذه الناحية أحدا ~~فإنا قد رأيناه صار إليها فيقول ما رأيت أحدا وكان إذا وقع مثل هذا الفزع ~~في الدار خرجت الجواري من داخل الدور إلى هذا الموضع فيرى هو تلك الجارية ~~ويخاطبها بما يريد وإنما كان غرضه مشاهدة الجارية وكلامها فلم يزل دأبه إلى ~~أيام المقتدر ثم خرج إلى البلدان وصار إلى طرسوس وأقام بها إلى أن مات # وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه ووقف على احتياله فهذا خادم قد احتال بمثل ~~هذه الحيلة الخفية التي لم يهتد لها أحد مع شدة عناية المعتضد به ms0068 وأعياه ~~معرفتها والوقوف عليها ولم تكن صناعته الحيل والمخاريق فما ظنك بمن قد جعل ~~هذا صناعة ومعاشا وضرب آخر من السحر وهو السعي بالنميمة والوشاية بها ~~والبلاغات والإفساد والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك عام شائع في كثير من ~~الناس وقد حكي أن امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين فصارت إلى الزوجة فقالت ~~لها إن زوجك معرض وقد سحر وهو مأخوذ عنك وسأسحره لك حتى لا يريد غيرك ولا ~~ينظر إلى سواك ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام ~~وتعطينيها فإن بها يتم الأمر فاغترت المرأة بقولها وصدقتها ثم ذهبت إلى ~~الرجل وقالت له إن امرأتك قد علقت رجلا وقد عزمت على قتلك وقد وقفت على ذلك ~~من أمرها فأشفقت عليك ولزمني نصحك فتيقظ ولا تغتر فإنها عزمت على ذلك ~~بالموسى وستعرف ذلك منها فما في أمرها شك فتناوم الرجل في بيته فلما ظنت ~~امرأته أنه قد نام عمدت إلى موسى حاد وهوت به لتحلق من حلقه ثلاث شعرات ~~ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه فلم يشك في أنها أرادت ~~قتله فقام إليها فقتلها وقتل وهذا كثير لا يحصى وضرب آخر من السحر وهو ~~الاحتيال في إطعامه بعض الأدوية المبلدة المؤثرة في العقل والدخن المسدرة ~~المسكرة نحو دماغ الحمار إذا طعمه إنسان تبلد عقله وقلت فطنته مع أدوية ~~كثيرة هي مذكورة في كتب الطب ويتوصلون إلى أن يجعلوه في طعام حتى يأكله ~~فتذهب فطنته ويجوز عليه أشياء مما لو كان نام الفطنة لأنكرها فيقول الناس ~~إنه مسحور وحكمة كافية تبين لك أن هذا كله مخاريق وحيل لا حقيقة لما يدعون ~~لها أن # PageV01P058 # الساحر والمعزم لو قدرا على ما أدعيا من النفع والضرر من الوجوه التي ~~يدعون وأمكنهما الطيران والعلم بالغيوب وأخبار البلدان النائية والخبيئات ~~والسرق والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا لقدروا على إزالة الممالك ~~واستخراج الكنوز والغلبة على البلدان بقتل الملوك بحيث لا يبدأهم مكروه ~~ولما مسهم السوء ولا ms0069 امتنعوا عمن قصدهم بمكروه ولاستغنوا عن الطلب لما في ~~أيدي الناس فإذا لم يكن كذلك وكان المدعون لذلك أسوأ الناس حالا وأكثرهم ~~طمعا واحتيالا وتوصلا لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقرا وإملاقا علمت أنهم لا ~~يقدرون على شيء من ذلك ورؤساء الحشو والجهال من العامة من أسرع الناس إلى ~~التصديق بدعاوى السحرة والمعزمين وأشدهم نكيرا على من جحدها ويروون في ذلك ~~أخبارا مفتعلة متخرصة يعتقدون صحتها كالحديث الذي يروون أن امرأة أتت عائشة ~~فقالت إني ساحرة فهل لي توبة فقالت وما سحرك قالت سرت إلى الموضع الذي فيه ~~هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا لي يا أمة الله لا تختاري عذاب ~~الآخرة بأمر الدنيا فأبيت فقالا لي اذهبي فبولي على ذلك الرماد فذهبت لأبول ~~عليه ففكرت في نفسي فقلت لا فعلت وجئت إليهما فقلت قد فعلت فقالا ما رأيت ~~فقلت ما رأيت شيئا فقالا ما فعلت اذهبي فبولي عليه فذهبت وفعلت فرأيت كأن ~~فارسا قد خرج من فرجي مقنعا بالحديد حتى صعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما ~~فقالا ذلك إيمانك خرج عنك وقد أحسنت السحر فقلت وما هو فقالا لا تريدين ~~شيئا فتصورينه وهمك إلا كان فصورت في نفسي حبا من حنطة فإذا أنا بالحب فقلت ~~له انزرع فانزرع وخرج من ساعته سنبلا فقلت له انطحن وانخبز إلى آخر الأمر ~~حتى صار خبزا وإني كنت لا أصور في نفسي شيئا إلا كان فقالت لها عائشة ليست ~~لك توبة فيروي القصاص والمحدثون الجهال مثل هذا للعامة فتصدقه وتستعيده ~~وتسأله أن يحدثها بحديث ساحرة ابن هبيرة فيقول لها إن ابن هبيرة أخذ ساحرة ~~فأقرت له بالسحر فدعا الفقهاء فسألهم عن حكمها فقالوا القتل فقال ابن هبيرة ~~لست أقتلها إلا تغريقا قال فأخذ رحى البزر فشدها في رجلها وقذفها في الفرات ~~فقامت فوق الماء مع الحجر فجعلت تنحدر مع الماء فخافوا أن نفوتهم فقال ابن ~~هبيرة من يمسكها وله كذا وكذا فرغب رجل من السحرة كان حاضرا فيما بذله فقال # أعطوني قدح زجاج فيه ms0070 ماء فجاؤه به فقعد على القدح ومضى إلى الحجر فشق ~~الحجر # PageV01P059 # بالقدح فتقطع الحجر قطعة قطعة فغرقت الساحرة فيصدقونه ومن صدق هذا فليس ~~يعرف النبوة ولا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء عليهم السلام من هذا النوع ~~وأنهم كانوا سحرة وقال الله تعالى [ولا يفلح الساحر حيث أتى] وقد أجازوا من ~~فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع وذلك أنهم زعموا أن النبي عليه السلام ~~سحر وأن السحر عمل فيه حتى قال فيه إنه يتخيل لي أني أقول الشيء وأفعله ولم ~~أقله ولم أفعله وأن امرأة يهودية سحرته في جف طلعة ومشط ومشاقة حتى أتاه ~~جبريل عليه السلام فأخبره أنها سحرته في جف طلعة وهو تحت راعوفة البئر ~~فاستخرج وزال عن النبي عليه السلام ذلك العارض وقد قال الله تعالى مكذبا ~~للكفار فيما ادعوه من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال جل من قائل [وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا] ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين ~~تعليا بالحشوا الطغام واستجرارا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء ~~عليهم السلام والقدح فيها وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة وأن ~~جميعه من نوع واحد والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء عليهم السلام وإثبات ~~معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى [ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى] فصدق هؤلاء من كذبه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله ~~وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنا منها بأن ذلك يعمل في ~~الأجساد وقصدت به النبي عليه السلام فأطلع الله نبيه على موضع سرها وأظهر ~~جهلها فيما ارتكبت وظنت ليكون ذلك من دلائل نبوته لا أن ذلك ضره وخلط عليه ~~أمره ولم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه أمره وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ~~ولا أصل له والفرق بين معجزات الأنبياء وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات أن ~~معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها وبواطنها كظواهرها وكلما ~~تأملتها ازددت بصيرة في صحتها ولو جهد الخلق كلهم على ms0071 مضاهاتها ومقابلتها ~~بأمثالها ظهر عجزهم عنها ومخاريق السحرة وتخييلاتهم إنما هي ضرب من الحيلة ~~والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها وما يظهر منها على غير حقيقتها يعرف ذلك ~~بالتأمل والبحث ومتى شاء شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره ويأتي بمثل ما ~~أظهره سواه قال أبو بكر قد ذكرنا في معنى السحر وحقيقته ما يقف الناظر على ~~جملته وطريقته ولو استقصينا ذلك من وجوه الحيل لطال واحتجنا إلى استئناف ~~كتاب لذلك وإنما الغرض # PageV01P060 # في هذا الموضع بيان معنى السحر وحكمه والآن حيث انتهى بنا القول إلى ذكر ~~قول الفقهاء فيه وما تضمنته الآية من حكمه وما يجري على مدعي ذلك من ~~العقوبات على حسب منازلهم في عظم المأثم وكثرة الفساد والله أعلم بالصواب. ### | باب اختلاف الفقهاء في حكم الساحر وقول السلف فيه # حدثنا عبد الباقي حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال حدثنا عبد الرحمن بن رجاء ~~قال أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة عن عبد الله قال من أتى كاهنا أو ~~عرافا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله على محمد عليه السلام ~~وروى عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها فوجدوا سحرها ~~واعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها فبلغ ذلك عثمان فأنكره فأتاه ~~ابن عمر فأخبره أمرها وكان عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه وذكر ~~ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع بحالة يقول كنت كاتبا لجزي بن معاوية ~~فأتى كتاب عمر أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر وروى أبو عاصم ~~عن الأشعث عن الحسن قال يقتل الساحر ولا يستتاب وروى المثنى بن الصباح عن ~~عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب أخذ ساحرا فدفنه إلى صدره ثم تركه حتى مات ~~وروى سفيان عن عمرو عن سالم بن أبى الجعد قال كان قيس ابن سعد أميرا على ~~مصر فجعل يفشو سره فقال من هذا الذي يفشي سري فقالوا ساحر هاهنا فدعاه فقال ~~له ms0072 إذا نشرت الكتاب علمنا ما فيه فأما ما دام مختوما فليس نعلمه فأمر به ~~فقتل # وروى أبو إسحاق الشيباني عن جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال قال علي ~~بن أبي طالب عليه السلام إن هؤلاء العرافين كهان العجم فمن أتى كاهنا يؤمن ~~له بما يقول فهو بريء مما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام # وروى مبارك عن الحسن أن جندبا قتل ساحرا وروى يونس عن الزهري قال يقتل ~~ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر أهل الكتاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سحره ~~رجل من اليهود يقال له ابن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال لها زينب فلم ~~يقتلهما وعن عمر بن عبد العزيز قال يقتل الساحر قال أبو بكر اتفق هؤلاء ~~السلف على وجوب قتل الساحر ونص بعضهم على كفره واختلف فقهاء الأمصار في ~~حكمه على ما نذكره فروى ابن شجاع عن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال في ~~الساحر يقتل إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله إني أترك السحر ~~وأتوب منه # PageV01P061 # فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه وإن شهد عليه شاهدان أنه ساحر فوصفوا ذلك ~~بصفة يعلم أنه سحر قتل ولا يستتاب وإن أقر فقال كنت أسحر وقد تركت منذ زمان ~~قبل منه ولم يقتل وكذلك لو شهد عليه أنه كان مرة ساحرا وأنه ترك منذ زمان ~~لم يقتل إلا أن يشهدوا أنه الساعة ساحر وأقر بذلك فيقتل وكذلك العبد المسلم ~~والذمي والحر الذمي من أقر منهم أنه ساحر فقد حل دمه فيقتل ولا يقبل توبته ~~وكذلك لو شهد على عبد أو ذمي أنه ساحر ووصفوا ذلك بصفة يعلم أنه سحر لم ~~يقبل توبته ويقتل وإن أقر العبد أو الذمي أنه كان ساحرا وترك ذلك منذ زمان ~~قبل ذلك منه وكذلك لو شهدوا عليه أنه كان مرة ساحرا ولم يشهدوا أنه الساعة ~~ساحر لم يقتل وأما المرأة فإذا شهدوا عليها أنها ساحرة أو أقرت بذلك لم ~~تقتل وحبست وضربت حتى يستيقن ms0073 لهم تركها للسحر وكذلك الأمة والذمية إذا ~~شهدوا أنها ساحرة أو أقرت بذلك لم تقتل وحبست حتى يعلم منها ترك ذلك كله ~~وهذا كله قول أبي حنيفة قال ابن شجاع فحكم في الساحر والساحرة حكم المرتد ~~والمرتدة إلا أن يجيء فيقر بالسحر أو يشهد عليه بذلك أنه عمله فإنه جعل ذلك ~~بمنزلة الثبات على الردة وحكى محمد بن شجاع عن أبي علي الرازي قال سألت أبا ~~يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر يقتل ولا يستتاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد ~~فقال الساحر قد جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد والساعي بالفساد إذا ~~قتل قتل قال فقلت لأبي يوسف ما الساحر قال الذي يقتص له من العمل مثل ما ~~فعلت اليهود بالنبي عليه الصلاة والسلام وبما جاءت به الأخبار إذا أصاب به ~~قتلا فإذا لم يصب به قتلا لم يقتل لأن لبيد بن الأعصم سحر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يقتله إذ كان لم يصب به قتلا قال أبو بكر ليس فيما ذكر ~~بيان معنى السحر الذي يستحق فاعله القتل ولا يجوز أن يظن بأبي يوسف أنه ~~اعتقد في السحر ما يعتقده الحشو من إيصالهم الضرر إلى المسحور من غير مماسة ~~ولا سقي دواء وجائز أن يكون سحر اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم على جهة ~~إرادتهم التوصل إلى قتله بإطعامه وأطلعه الله على ما أردوا كما سمته زينب ~~اليهودية في الشاة المسمومة فأخبرته الشاة بذلك فقال إن هذه الشاة لتخبرني ~~أنها مسمومة قال أبو مصعب عن مالك في المسلم إذا تولى عمل السحر قتل ولا ~~يستتاب لأن المسلم إذا ارتد باطنا لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام قال ~~إسماعيل ابن إسحاق فأما ساحر أهل الكتاب فإنه لا يقتل عند مالك إلا أن يضر ~~المسلمين فيقتل # PageV01P062 # لنقض العهد وقال الشافعي إذا قال الساحر أنا أعمل عملا لأقتل فأخطئ وأصيب ~~وقد مات هذا الرجل من عملي ففيه الدية وإن قال عملي يقتل المعمول به وقد ~~تعمدت قتله قتل به ms0074 قودا وإن قال مرض منه ولم يمت أقسم أوليائه لمات منه ثم ~~تكون الدية قال أبو بكر فلم يجعل الشافعي الساحر كافرا بسحره وإنما جعله ~~جانيا كسائر الجناة وما قدمنا من قول السلف يوجب أن يكون مستحقا للقتل ~~باستحقاق سمة السحر فدل ذلك على أنهم رأوه كافرا وقول الشافعي في ذلك خارج ~~عن قول جميعهم يعتبر أحد منهم قتله لغيره بعمله السحر في إيجاب قتله قال ~~أبو بكر وقد بينا فيما سلف معاني السحر وضروبه وأما الضرب الأول الذي ذكرنا ~~من سحر أهل بابل في القديم ومذاهب الصابئين فيه وهو # الذي ذكر الله تعالى في قوله [وما أنزل على الملكين] فيما يرى والله أعلم ~~فإن القائل به والمصدق به والعامل به كافر وهو الذي قال أصحابنا فيه عندي ~~إنه لا يستتاب والدليل على أن المراد بالآية هذا الضرب من السحر ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا نظير قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ~~قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن عبد الله بن الأخنس قال حدثنا الوليد بن ~~عبد الله عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر # وهذا يدل على معنيين أحدهما أن المراد بالآية هو السحر الذي نسبه عاملوه ~~إلى النجوم وهو الذي ذكرناه من سحر أهل بابل والصابئين لأن سائر ضروب السحر ~~الذي ذكرنا ليس لها تعلق بالنجوم عند أصحابها والثاني أن إطلاق لفظ السحر ~~المذموم يتناول هذا الضرب منه وهذا يدل على أن التعارف عند السلف من السحر ~~هو هذا الضرب منه ومما يدعي فيه أصحابها المعجزات وإن لم يعلقوا ذلك بفعل ~~النجوم دون غيرها من الوجوه التي ذكرنا وأنه هو المقصود بقتل فاعله إذ لم ~~يفرقوا فيه بين عامل السحر بالأدوية والنميمة والسعاية والشعوذة وبين غيره ~~ومعلوم عند الجميع أن هذه الضروب من السحر لا توجب قتل فاعلها إذا لم يدع ~~فيه معجزة لا يمكن العباد ms0075 فعلها فدل ذلك على أن إيجابهم قتل الساحر إنما ~~كان لمن ادعى بسحره معجزات لا يجوز وجود مثلها إلا من الأنبياء عليهم ~~السلام دلالة على صدقهم وذلك ينقسم إلى معنيين أحدهما ما بدأنا بذكره من ~~سحر أهل بابل والآخر ما يدعيه المعزمون وأصحاب النيرنجيات من خدمة الشياطين ~~لهم والفريقان جميعا كافران أما الفريق الأول فلأن في # PageV01P063 # سحره تعظيم الكواكب واعتقادها آلهة وأما الفريق الثاني فلأنها وإن كانت ~~معترفة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنها حيث أجازت أن تخبرها الجن ~~بالغيوب وتقدر على تغيير فنون الحيوان والطيران في الهواء والمشي على الماء ~~وما جرى مجرى ذلك فقد جوزت وجود مثل أعلام الأنبياء عليهم السلام مع ~~الكذابين المتخرصين ومن كان كذلك فإنه لا يعلم صدق الأنبياء عليهم السلام ~~لتجويزه كون مثل هذه الأعلام مع غيرهم فلا يأمن من أن يكون جميع من ظهرت ~~على يده متخرصا كذابا فإنما كفر هذه الطائفة من هذا الوجه وهو جهله بصدق ~~الأنبياء عليهم السلام والأظهر من أمر الساحر الذي رأت الصحابة قتله من غير ~~بحث منهم عن حاله ولا بيان لمعاني سحره أنه الساحر المذكور في قوله تعالى ~~[يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين] وهو الساحر الذي بدأنا بذكره ~~عند ذكرنا ضروب السحر وهو سحر أهل بابل في القديم وعسى أن يكون هو الأغلب ~~الأعم في ذلك الوقت ولا يبعد أن يكون في ذلك الوقت من يتعاطى سائر ضروب ~~السحر الذي ذكرنا وكانوا يجرون في دعواهم الإخبار بالغيوب وتغيير صور ~~الحيوان على منهاج سحرة بابل وكذلك كهان العرب يشمل الجميع اسم الكفر لظهور ~~هذه الدعاوى منهم وتجويزهم مضاهاة الأنبياء في معجزاتهم وعلى أي وجه كان ~~معنى السحر عند السلف فإنه لم يحك عن أحد إيجاب قتل الساحر من طريق الجناية ~~على النفوس بل إيجاب قتله باعتقاده عمل السحر من غير اعتبار منهم لجنايته ~~على غيره فأما ما يفعله المشعوذون وأصحاب الحركات والخفة بالأيدي وما يفعله ~~من يتعاطى ذلك بسقي الأدوية المبلدة للعقل أو السموم ms0076 القاتلة ومن يتعاطى ~~ذلك بطريق السعي بالنمائم والوشاية والتضريب والإفساد فإنهم إذا اعترفوا ~~بأن ذلك حيل ومخاريق حكم من يتعاطى مثلها من الناس لم يكن كافرا وينبغي أن ~~يؤدب ويزجر عن ذلك والدليل على أن الساحر المذكور في الآية مستحق لاسم ~~الكفر قوله تعالى [واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر ~~سليمان] أي على عهد سليمان روي ذلك عن المفسرين وقوله تتلوا معناه تخبر ~~وتقرأ ثم قوله تعالى [وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا] يدل على أن ما ~~أخبرت به الشياطين وادعته من السحر على سليمان كان كفرا فنفاه الله عن ~~سليمان وحكم بكفر الشياطين الذين تعاطوه وعملوه ثم عطف على ذلك قوله تعالى ~~[وما أنزل على الملكين ببابل هاروت # PageV01P064 # وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر] # فأخبر عن الملكين أنهما يقولان لمن يعلمانه ذلك لا تكفر بعمل هذا السحر ~~واعتقاده فثبت أن ذلك كفر إذا عمل به واعتقده ثم قال [ولقد علموا لمن ~~اشتراه ما له في الآخرة من خلاق] يعني والله أعلم من استبدل السحر بدين ~~الله ماله في الآخرة من خلاق يعني من نصيب # ثم قال [ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا ~~لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون] فجعل ضد هذا الإيمان فعل السحر ~~لأنه جعل الإيمان في مقابلة فعل السحر وهذا يدل على أن الساحر كافر وإذا ~~ثبت كفره فإن كان مسلما قبل ذلك أو قد ظهر منه الإسلام في وقت كفره بفعل ~~السحر فاستحق القتل # بقوله عليه السلام (من بدل دينه فاقتلوه) # وإنما قال أبو حنيفة ولا نعلم أحدا من أصحابنا خالفه فيما ذكره الحسن عنه ~~إنه يقتل ولا يستتاب فأما ما روي عن أبي يوسف في فرق أبي حنيفة بين الساحر ~~وبين المرتدين فإن الساحر قد جمع إلى كفره السعي بالفساد في الأرض فإن قال ~~قائل فأنت لا تقتل الخناق والمحاربين إلا إذا قتلوا فهلا قلت مثله في ~~الساحر ms0077 قيل له يفترقان من جهة أن الخناق والمحارب لم يكفرا قبل القتل ولا ~~بعده فلم يستحقا القتل إذ لم يتقدم منهما سبب يستحقان به القتل وأما الساحر ~~فقد كفر بسحره قتل به أو لم يقتل فاستحق القتل بكفره ثم لما كان مع كفره ~~ساعيا في الأرض بالفساد كان وجوب قتله حدا فلم يسقط بالتوبة كالمحارب إذا ~~استحق القتل لم يسقط ذلك عنه بالتوبة فهو مشبه للمحارب الذي قتل في أن قتله ~~حد لا تزيله عنه التوبة ويفارق المرتد من جهة أن المرتد يستحق القتل ~~بإقامته على الكفر فحسب فمتى انتقل عنه زال عنه الكفر والقتل ولما وصفنا من ~~ذلك لم يفرقوا بين الساحر من أهل الذمة ومن المسلمين كما لا يختلف حكم ~~المحارب من أهل الذمة والإسلام فيما يستحقونه بالمحاربة ولذلك لم تقتل ~~المرأة الساحرة لأن المرأة من المحاربين عندهم لا تقتل حدا وإنما تقتل قودا ~~ووجه آخر لقول أبي حنيفة في ترك استتابة الساحر وهو ما ذكره الطحاوي قال ~~حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه أدخلها في ~~أماليه عليهم قال قال أبو حنيفة اقتلوا الزنديق سرا فإن توبته لا تعرف ولم ~~يحك أبو يوسف خلافه ويصح بناء مسألة الساحر عليه لأن الساحر يكفر سرا فهو ~~بمنزلة الزنديق فالواجب أن لا تقبل توبته فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن لا ~~يقتل # PageV01P065 # الساحر من أهل الذمة لأن كفره ظاهر وهو غير مستحق للقتل لأجل الكفر قيل ~~له الكفر الذي أقررناه عليه هو ما أظهره لنا وأما الكفر الذي صار إليه ~~بسحره فإنه غير مقر عليه ولم نعطه الذمة على إقراره عليه ألا ترى أنه لو ~~سألنا إقراره على السحر بالجزية لم نجبه إليه ولم نجز إقراره عليه ولا فرق ~~بينه وبين الساحر من أهل الملة وأيضا فلو أن الذمي الساحر لم يستحق القتل ~~بكفره لاستحقه بسعيه في الأرض بالفساد كالمحاربين على النحو الذي ذكرنا ~~وقولهم في ترك قبول توبة الزنديق يوجب أن لا يستتاب ms0078 الإسماعيلية وسائر ~~الملحدين الذين قد علم منهم اعتقاد الكفر كسائر الزنادقة وأن يقتلوا مع ~~إظهارهم التوبة ويدل على وجوب قتل الساحر ما # حدثنا به ابن قانع حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا ابن الأصبهاني قال حدثنا ~~أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن ابن جندب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال (حد الساحر ضربه بالسيف) # وقصة جندب في قتله الساحر بالكوفة عند الوليد بن عقبة مشهورة # وقوله عليه السلام (حد الساحر ضربه بالسيف) # قد دل على معنيين أحدهما وجوب قتله والثاني أنه حد لا يزيله التوبة كسائر ~~الحدود إذا وجبت ولما ذكرنا من قتله على وجه قتل المحارب قالوا فيما حدثنا ~~الحسن بن زياد إنه إذا قال كنت ساحرا وقد ثبت أنه لا يقتل كمن أقر أنه كان ~~محاربا وجاء تائبا أنه لا يقتل لقوله تعالى في شأن المحاربين [إلا الذين ~~تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم] فاستثنى التائب ~~قبل القدرة عليه من جملة من أوجب عليه الحد المذكور في الآية ويستدل بظاهر ~~قوله تعالى [إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا] ~~إلى آخر الآية على وجوب قتل الساحر حدا لأنه من أهل السعي في الأرض بالفساد ~~لعمله السحر واستدعائه الناس إليه وإفساده إياهم مع ما صار إليه من الكفر ~~وأما مالك بن أنس فإنه أجرى الساحر مجرى الزنديق فلم يقبل توبته كما لا ~~يقبل توبة الزنديق ولم يقتل ساحر أهل الذمة لأنه غير مستحق للقتل بكفره وقد ~~أقررناه عليه فلا يقتل إلا أن يضر بالمسلمين فيكون ذلك عنده نقضا للعهد ~~فيقتل كما يقتل الحربي وقد بينا موافقة الساحر الذمي للزنديق من قبل أنه ~~استحدث كفرا سرا لا يجوز إقراره عليه بجزية ولا غيرها فلا فرق بينه وبين ~~الساحر ممن ينتحل ملة الإسلام ومن جهة أخرى أنه في معنى المحارب فلا يختلف ~~حكم أهل الذمة ومنتحلي الذمة وأما مذهب الشافعي فقد # PageV01P066 # بينا خروجه عن أقاويل السلف لأن أحدا منهم لم ms0079 يعتبر قتله بسحره وأوجبوا ~~قتله على الإطلاق بحصول الاسم له وهو مع ذلك لا يخلوا من أحد وجهين في ذكره ~~قتل الساحر بغيره إما أن يجيز على الساحر قتل غيره من غير مباشرة ولا اتصال ~~سبب إليه على حسب ما يدعيه السحرة وذلك فظيع شنيع ولا يجيزه أحد من أهل ~~العلم بالله ورسوله من فعل السحرة لما وصفنا من مضاهاته أعلام الأنبياء ~~عليهم السلام أو أن يكون إنما أجاز ذلك من جهة سقي الأدوية ونحوها فإن كان ~~هذا أراد فإن من احتال في إيصال دواء إلى إنسان حتى شربه فإنه لا يلزمه دية ~~إذ كان هو الشارب له والجاني على نفسه كمن دفع إلى إنسان سيفا فقتل به نفسه ~~وإن كان إنما أو جره إياه من غير اختيار لشربه فإن هذا لا يكاد يقع إلا في ~~حال الإكراه والنوم ونحوه فإن كان أراد ذلك فإن هذا يستوي فيه الساحر وغيره ~~ثم قوله إذا قال الساحر قد أخطئ وأصيب وقد مات هذا الرجل من عملي ففيه ~~الدية فإنه لا معنى له لأن رجلا لو جرح رجلا بحديدة قد يموت المجروح من ~~مثله وقد لا يموت لكان عليه فيه القصاص فكان الواجب على قوله إيجاب القصاص ~~كما يجب في الحديدة وقوله قد يموت وقد لا يموت ليس بعلة في زوال القصاص ~~لوجودها في الجارح بحديدة بعد أن يقر الساحر أنه قد مات من عمله فإن قيل ~~فقد جعله بمنزلة شبه العمد والضرب بالعصا واللطمة التي قد تقتل وقد لا تقتل ~~قيل له ولم صار بالقتل بالعصا واللطمة أشبه منه بالحديدة فإن فرق بينهما من ~~جهة أن هذا سلاح وذاك ليس بسلاح لزمه في كل ما ليس بسلاح أن لا يقتص منه ~~ويلزمه حينئذ اعتبار السلاح دون غيره في إيجاب القود وقول الشافعي وإن قال ~~مرض منه ولم يمت أقسم أولياؤه لمات منه مخالف في النظر لأحكام الجنايات لأن ~~من جرح رجلا فلم يزل صاحب فراش حتى مات لزمه حكم جنايته وكان محكوما ms0080 بحدوث ~~الموت عند الجراحة ولا يحتاج إلى أيمان الأولياء في موته منها فكذلك يلزمه ~~مثله في الساحر إذا أقر أن المسحور مرض من سحره فإن قيل كذلك نقول في ~~المريض من الجراحة إذا لم يزل صاحب فراش حتى مات أنهم إذا اختلفوا لم يحكم ~~بالقتل حتى يقسم أولياء المجروح قيل له فينبغي أن تقول مثله لو ضربه بالسيف ~~ووالى بين الضرب حتى قتله من ساعته فقال الجارح مات من علة كانت به قبل ~~الضربة الثانية أو قال اخترمه الله تعالى ولم يمت من ضربتي أن تقسم ~~الأولياء وهذا لا يقوله أحد وكذلك ما وصفنا قال # PageV01P067 # أبو بكر قد تكلمنا في معنى السحر واختلاف الفقهاء بما فيه كفاية في حكم ~~الساحر ونتكلم الآن في معاني الآية ومقتضاها فنقول إن قوله تعالى [واتبعوا ~~ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان] فقد # روي فيه عن ابن عباس أن المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان ابن ~~داود عليهما السلام وفي زمن النبي صلى الله عليه وسلم وروي مثله عن ابن ~~جريح وابن إسحاق وقال الربيع بن أنس والسدي المراد به اليهود الذين كانوا ~~في زمن سليمان وقال بعضهم أراد الجميع من كان منهم في زمن سليمان ومن كان ~~منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأن متبعي السحر من اليهود لم يزالوا ~~منذ عهد سليمان إلى أن بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فوصف الله ~~هؤلاء اليهود الذين لم يقبلوا القرآن ونبذوه وراء ظهورهم مع كفرهم برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وهو يريد شياطين الجن والإنس ومعنى تتلو تخبر وتقرأ وقيل تتبع لأن التالي ~~تابع وقوله [على ملك سليمان] قيل فيه على عهده وقيل فيه على ملكه وقيل فيه ~~تكذب عليه لأنه إذا كان الخبر كذبا قيل تلا عليه وإذا كان صدقا قيل تلا عنه ~~وإذا أبهم جاز فيه الأمران جميعا قال الله تعالى [أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون] ms0081 وكانت اليهود تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أن ملكه كان به فبرأه ~~الله تعالى من ذلك ذكر ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وقال محمد بن ~~إسحاق قال بعض أحبار اليهود ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا ~~والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله تعالى [وما كفر سليمان] وقيل إن اليهود ~~إنما أضافت السحر إلى سليمان توصلا منهم إلى قبول الناس ذلك منهم ولتجوزه ~~عليهم وكذبوا عليه في ذلك وقيل إن سليمان جمع كتب السحر ودفنها تحت كرسيه ~~أو في خزانته لئلا يعمل به الناس فلما مات ظهر عليه فقالت الشياطين بهذا ~~كان يتم ملكه وشاع ذلك في اليهود وقبلته وأضافته إليه وجائز أن يكون المراد ~~شياطين الإنس وجائز أن يكون الشياطين دفنوا السحر تحت كرسي سليمان في حياته ~~من غير علمه فلما مات وظهر نسبوه إلى سليمان وجائز أن يكون الفاعلون لذلك ~~شياطين الإنس استخرجوه بعد موته وأوهموا الناس أن سليمان كان فعل ذلك ~~ليوهموهم ويخدعوهم به قوله تعالى [وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت] قد قرئ بنصب اللام وخفضها فمن قرأها بنصبها جعلهما من الملائكة ومن ~~قرأها بخفضها جعلهما من غير الملائكة وقد روي عن الضحاك أنهما كان علجين من ~~أهل بابل والقراءتان # PageV01P068 # صحيحتان غير متنافيتين لأنه جائز أن يكون الله أنزل ملكين في زمن هذين ~~الملكين لاستيلاء السحر عليهما واغترارهما وسائر الناس بقولهما وقبولهم ~~منهما فإذا كان الملكان مأمورين بإبلاغهما وتعريفهما وسائر الناس معنى ~~السحر ومخاريق السحرة وكفرها جاز أن نقول في إحدى القراءتين وما أنزل على ~~الملكين اللذين هما من الملائكة بأن أنزل عليهما ذلك ونقول في القراءة ~~الأخرى وما أنزل على الملكين من الناس لأن الملكين كانا مأمورين بإبلاغهما ~~وتعريفهما كما قال الله تعالى في خطاب رسوله [ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء] وقال في موضع آخر [قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا] فأضاف ~~الإنزال تارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتارة إلى المرسل إليهم وإنما ~~خص الملكين ms0082 بالذكر وإن كانا مأمورين بتعريف الكافة لأن العامة كانت تبعا ~~للملكين فكان أبلغ الأشياء في تقرير معاني السحر والدلالة على بطلانه تخصيص ~~الملكين به ليتبعهما الناس كما قال لموسى وهارون [اذهبا إلى فرعون إنه طغى ~~فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى] وقد كانا عليهما السلام رسولين إلى ~~رعاياه كما أرسلا إليه ولكنه خصه بالمخاطبة لأن ذلك أنفع في استدعائه ~~واستدعاء رعيته إلى الإسلام وكذلك كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ~~وقيصر وخصهما بالذكر دون رعاياهما وإن كان رسولا إلى كافة الناس لما وصفناه ~~من أن الرعية تبع للراعي وكذلك # قال صلى الله عليه وسلم في كتابه لكسرى (أما بعد فأسلم تسلم وإلا فعليك ~~إثم المجوس) # وقال لقيصر (أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسين) # يعني أنك إذا آمنت تبعتك الرعية وإن أبيت لم تستجب الرعية إلى الإسلام ~~خوفا منك فهم تبع لك في الإسلام والكفر فلذلك والله أعلم خص الملكين من أهل ~~بابل بإرسال الملكين إليهما كما قال الله تعالى [الله يصطفي من الملائكة ~~رسلا ومن الناس] فإن قيل فكيف يكون الملائكة مرسلا إليهم ومنزلا عليهم قيل ~~له هذا جائز شائع لأن الله تعالى قد يرسل الملائكة بعضهم إلى بعض كما ~~يرسلهم إلى الأنبياء كثف أجسامهم وجعلهم كهيئة بني آدم لئلا ينفروا منهم ~~قال الله تعالى [ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا] يعني هيئة الرجل وقوله ~~تعالى [يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين] معناه والله أعلم أن الله ~~أرسل الملكين ليبينا للناس معاني السحر ويعلموهم أنه كفر وكذب وتمويه لا ~~حقيقة له حتى يجتنبوه كما بين الله على ألسنة رسله سائر المحظورات ~~والمحرمات ليجتنبوه ولا يأتوه فلما كان السحر كفرا وتمويها وخداعا وكان أهل ~~ذلك # PageV01P069 # الزمان قد اغتروا به وصدقوا السحرة فيما ادعوه لأنفسهم به بين ذلك للناس ~~على لسان هذين الملكين ليكشفا عنهم غمة الجهل ويزجراهم عن الاغترار به كما ~~قال تعالى [وهديناه النجدين] يعني والله أعلم بينا سبيل الخير والشر ليجتبي ~~الخير ويجتنب الشر وكما ms0083 قيل لعمر ابن الخطاب فلان لا يعرف الشر قال أجدر أن ~~يقع فيه ولا فرق بين بيان معاني السحر والزجر عنه وبين بيان سائر ضروب ~~الكفر وتحريم الأمهات والأخوات وتحريم الزنا والربا وشرب الخمر ونحوه لأن ~~الغرض لما بينا في اجتناب المحظورات والمقبحات كهو في بيان الخير إذ لا يصل ~~إلى فعله إلا بعد العلم به كذلك اجتباء الطاعات والواجبات فمن حيث وجبت وجب ~~بيان الشر ليجتنبه إذ لا يصل إلى تركه واجتنابه إلا بعد العلم به ومن الناس ~~من يزعم أن قوله [وما أنزل على الملكين] معناه أن الشياطين كذبوا على ما ~~أنزل على الملكين كما كذبوا على سليمان وأن السحر الذي يتلوه هؤلاء لم ينزل ~~عليهما وزعم أن قوله تعالى [فيتعلمون منهما] معناه من السحر والكفر لأن ~~قوله [ولكن الشياطين كفروا] يتضمن الكفر فرجع الضمير إليهما كقوله تعالى ~~[سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى] أي يتجنب الأشقى الذكرى قال وقوله [وما ~~يعلمان من أحد] معناه أن الملكين لا يعلمان ذلك أحدا ومع ذلك لا يقتصران ~~على أن لا يعلماه حتى يبالغا في نهيه فيقولا [إنما نحن فتنة فلا تكفر] ~~والذي حمله على هذا التأويل استنكاره أن ينزل الله على الملكين السحر مع ~~ذمه السحر والساحر وهذا الذي ذهب إليه لا يوجب لأن المذموم من يعمل بالسحر ~~لا من بينه للناس ويزجرهم عنه كما أن على كل من علم من الناس معنى السحر أن ~~يبينه لمن لا يعلم وينهاه عنه ليجتنبه وهذا من الفروض التي ألزمنا إياها ~~الله تعالى إذا رأينا من اختدع به وتموه عليه أمره قوله تعالى [إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر] فإن الفتنة ما يظهر به حال الشيء في الخير والشر تقول العرب ~~فتنت الذهب إذا عرضته على النار لتعرف سلامته أو غشه والاختبار كذلك أيضا ~~لأن الحال تظهر فتصير كالمخبرة عن نفسها والفتنة العذاب في غير هذا الموضع ~~ومنه قوله تعالى [ذوقوا فتنتكم] فلما كان الملكان يظهران حقيقة السحر ~~ومعناه قالا إنما نحن فتنة وقال قتادة ms0084 إنما نحن فتنة بلاء وهذا سائغ أيضا ~~لأن أنبياء الله تعالى ورسله فتنته لمن أرسلوا إليهم ليبلوهم أيهم أحسن ~~عملا ويجوز أن يريد إنا فتنة وبلاء لأن من يعلم ذلك منهما يمكنه استعمال ~~ذلك في الشر ولا يؤمن # PageV01P070 # وقوعه فيه فيكون ذلك محنة كسائر العبادات وقولهما فلا تكفر يدل على أن ~~عمل السحر كفر لأنهما يعلمانه إياه لئلا يعمل به لأنهما علماهما ما السحر ~~وكيف الاحتيال ليجتنبه ولئلا يتموه على الناس أنه من جنس آيات الأنبياء ~~صلوات الله عليهم فيبطل الاستدلال بها وقوله تعالى [فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه] يحتمل التفريق من وجهين أحدهما أن يعمل به ~~السامع فيكفر فيقع به الفرقة بينه وبين زوجته إذا كانت مسلمة بالردة والوجه ~~الآخر أن يسعى بينهما بالنميمة والوشاية والبلاغات الكاذبة والإغراء ~~والإفساد وتمويه الباطل حتى يظن أنه حق فيفارقها قوله تعالى [وما هم بضارين ~~به من أحد إلا بإذن الله] الإذن # هنا العلم فيكون اسما إذا كان مخففا وإذا كان محركا كان مصدرا كما يقول ~~حذر الرجل حذرا فهو حذر فالحذر الإسم والحذر المصدر ويجوز أن يكون مما يقال ~~على وجهين كشبه وشبه ومثل ومثل وقيل فيه إلا بإذن الله أى تخليته أيضا وقال ~~الحسن من شاء الله منعه فلم يضره السحر ومن شاء خلى بينه وبينه فضره قوله ~~تعالى [ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق] قيل معناه من ~~استبدل السحر بدين الله ماله في الآخرة من خلاق وهو النصيب من الخير وقال ~~الحسن ماله من دين وهذا يدل على أن العمل بالسحر وقبوله كفر وقوله [ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم] قيل باعوا به أنفسهم كقول الشاعر: # وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه # يعني بعته وهذا أيضا يؤكد أن قبوله والعمل به كفر وكذلك قوله [ولو أنهم ~~آمنوا واتقوا] يقتضى ذلك أيضا # قوله تعالى [يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا] قال قطرب هي كلمة أهل ~~الحجاز على وجه الهزء وقيل إن اليهود ms0085 كانت تقولها كما قال الله في موضع آخر ~~[ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين] ~~وكانوا يقولون ذلك عن مواطأة بينهم يريدون الهزء كما قال الله تعالى [وإذا ~~جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله] لأنهم كانوا يقولون السام عليك يوهمون بذلك ~~أنهم يسلمون عليه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمرهم ~~ونهى المسلمون أن يقولوا مثله وقوله راعنا وإن كان يحتمل المراعاة ~~والانتظار فإنه لما احتمل الهزء على النحو الذي كانت اليهود تطلقه نهوا عن ~~إطلاقه لما فيه من احتمال المعنى المحظور إطلاقه وجائز أن يكون الإطلاق ~~مقتضيا # PageV01P071 # لمعنى الهزء وإن احتمل الانتظار ومثله موجود في اللغة ألا ترى أن اسم ~~الوعد يطلق على الخير والشر قال الله تعالى [النار وعدها الله الذين كفروا] ~~وقال تعالى [ذلك وعد غير مكذوب] ومتى أطلق عقل به الخير دون الشر فكذلك ~~قوله راعنا فيه احتمال الأمرين وعند الإطلاق يكون بالهزء أخص منه بالانتظار ~~وهذا يدل على أن كل لفظ احتمل الخير والشر فغير جائز إطلاقه حتى يقيد بما ~~يفيد الخير ويدل على أن الهزء محظور في الدين وكذلك اللفظ المحتمل له ~~ولغيره هو محظور والله أعلم بمعاني كتابه. ### | باب في نسخ القرآن بالسنة وذكر وجوه النسخ # قال الله تعالى [ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها] قال ~~قائلون النسخ هو الإزالة وقال آخرون هو الإبدال قال الله تعالى [فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان] أي يزيله ويبطله ويبدل مكانه آيات محكمات وقيل هو النقل ~~من قوله [إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون] وهذا الاختلاف إنما هو في موضوعه ~~في أصل اللغة ومهما كان في أصل اللغة معناه فإنه في إطلاق الشرع إنما هو ~~بيان مدة الحكم والتلاوة والنسخ قد يكون في التلاوة مع بقاء الحكم ويكون في ~~الحكم مع بقاء التلاوة دون غيره قال أبو بكر زعم بعض المتأخرين من غير أهل ~~الفقه أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد ms0086 صلى الله عليه وسلم وأن جميع ما ذكر ~~فيها من النسخ فإنما المراد به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين كالسبت ~~والصلاة إلى المشرق والمغرب قال لأن نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء ~~وشريعته ثابتة باقية إلى أن تقوم الساعة وقد كان هذا الرجل ذا حظ من ~~البلاغة وكثير من علم اللغة غير محظوظ من علم الفقه وأصوله وكان سليم ~~الاعتقاد غير مظنون به غير ظاهر أمره ولكنه بعد من التوفيق بإظهار هذه ~~المقالة إذ لم يسبقه إليها أحد بل قد عقلت الأمة سلفها وخلفها من دين الله ~~وشريعته نسخ كثير من شرائعه ونقل ذلك إلينا نقلا لا يرتابون به ولا يجيزون ~~فيه التأويل كما عقلت أن في القرآن عاما وخاصا ومحكما ومتشابها فكان دافع ~~وجود النسخ في القرآن والسنة كدافع خاصه وعامه ومحكمه ومتشابهه إذ كان ورود ~~الجميع ونقله على وجه واحد فارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة وفي ~~أحكامها أمورا خرج بها عن أقاويل الأمة مع تعسف المعاني واستكراهها وما ~~أدري ما الذي ألجأه إلى ذلك وأكثر ظني فيه أنه إنما أتى به من قلة علمه ~~بنقل الناقلين لذلك واستعمال رأيه فيه من غير معرفة منه بما قد قال السلف # PageV01P072 # فيه ونقلته الأمة وكان ممن # روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد ~~أخطأ والله يغفر لنا وله # وقد تكلمنا في أصول الفقه في وجوه النسخ وما يجوز فيه وما لا يجوز بما ~~يغني ويكفي وأما [أو ننسها] قيل إنه من النسيان وننسأها من التأخير يقال ~~نسأت الشيء أخرته والنسيئة الدين المتأخر ومنه قوله تعالى [إنما النسيء ~~زيادة في الكفر] يعني تأخير الشهور فإذا أريد به النسيان فإنما هو أن ~~ينسيهم الله تعالى التلاوة حتى لا يقرءوا ذلك ويكون على أحد وجهين إما أن ~~يؤمروا بترك تلاوته فينسوه على الأيام وجائز أن ينسوه دفعة ويرفع من ~~أوهامهم ويكون ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وأما معنى قراءة أو ~~ننسأها فإنما ms0087 هو بأن يؤخرها فلا ينزلها وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في ~~المصلحة أو يكون أصلح للعباد منها ويحتمل أن يؤخر إنزالها إلى وقت يأتي ~~فيأتي بدلا منها لو أنزلها في الوقت المتقدم فيقوم مقامها في المصلحة وأما ~~قوله [نأت بخير منها أو مثلها] فإنه روي عن ابن عباس وقتادة بخير منها لكم ~~في التسهيل والتيسير كالأمر بأن لا يولى واحد من عشرة في القتال ثم قال ~~[الآن خفف الله عنكم] أو مثلها كالأمر بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى ~~البيت المقدس وروي عن الحسن بخير منها في الوقت في كثرة الصلاح أو مثلها ~~فحصل من اتفاق الجميع أن المراد خير لكم إما في التخفيف أو في المصلحة ولم ~~يقل أحد منهم خير منها في التلاوة إذ غير جائز أن يقال إن بعض القرآن خير ~~من بعض في معنى التلاوة والنظم إذ جميعه معجز كلام الله قال أبو بكر وقد ~~احتج بعض الناس في امتناع جواز نسخ القرآن بالسنة لأن السنة على أي حال ~~كانت لا تكون خيرا من القرآن وهذا إغفال من قائله من وجوه أحدها أنه غير ~~جائز أن يكون المراد بخير منها في التلاوة والنظم لاستواء الناسخ والمنسوخ ~~في إعجاز النظم والآخر اتفاق السلف على أنه لم يرد النظم لأن قولهم فيه على ~~أحد المعنيين إما التخفيف أو المصلحة وذلك قد يكون بالسنة كما يكون بالقرآن ~~ولم يقل أحد منهم إنه أراد التلاوة فدلالة هذه الآية على جواز نسخ القرآن ~~بالسنة أظهر من دلالتها على امتناع جوازه بها وأيضا فإن حقيقة ذلك إنما ~~تقتضي نسخ التلاوة وليس للحكم في الآية لأنه ذكر قال تعالى [ما ننسخ من ~~آية] والآية إنما هي اسم للتلاوة وليس في نسخ التلاوة ما يوجب نسخ الحكم ~~وإذا كان كذلك جاز أن يكون معناه ما ننسخ من تلاوة آية أو ننسها نأت بخير ~~منها لكم من محكم من طريق السنة أو غيرها وقد # PageV01P073 # استقصينا القول في هذه المسألة في أصول الفقه بما ms0088 فيه كفاية فمن أرادها ~~فليطلبها هناك إن شاء الله تعالى # قوله تعالى [فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره] روى معمر عن قتادة في ~~هذه الآية قال نسختها [فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] وحدثنا أبو محمد ~~جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال قرئ ~~على أبي عبيد وأنا أسمع قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى [لست عليهم بمصيطر] وقوله تعالى ~~[وما أنت عليهم بجبار] وقوله تعالى [فاعف عنهم واصفح] وقوله تعالى [قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله] قال نسخ هذا كله قوله تعالى ~~[فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] وقوله تعالى [قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون] الآية ~~ومثله قوله تعالى [فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا] ~~وقوله تعالى [وجادلهم بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم] وقوله تعالى [وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما] يعني والله أعلم ~~متاركة فهذه الآيات كلها أنزلت قبل لزوم فرض القتال وذلك قبل الهجرة وإنما ~~كان الغرض الدعاء إلى الدين حينئذ بالحجاج والنظر في معجزات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما أظهره الله على يده وأن مثله لا يوجد مع غير الأنبياء ونحوه ~~قوله تعالى [قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة] وقوله تعالى [قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم] ~~وقوله تعالى [أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى فأنى تؤفكون] [أفلا ~~تعقلون] [فأنى تصرفون] ونحوها من الآي التي فيها الأمر بالنظر في أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وما أظهره الله تعالى له من أعلام النبوة والدلائل ~~الدالة على صدقه ثم لما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال بعد قطع ~~العذر في الحجاج وتقريره عندهم حين استقرت آياته ومعجزاته عند الحاضر ~~والبادي والداني ms0089 والقاصي بالمشاهدة والأخبار المستفيضة التي لا يكذب مثلها ~~وسنذكر فرض القتال عند مصيرنا إلى الآيات الموجبة له إن شاء الله تعالى # وقوله تعالى [ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين] روى معمر عن قتادة رضى ~~الله تعالى عنهم قال هو بخت نصر خرب بيت المقدس وأعان على ذلك النصارى ~~وقوله تعالى [أولئك # PageV01P074 # ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين] # قال هم النصارى لا يدخلونها إلا مسارقة فإن قدر عليهم عوقبوا لهم في ~~الدنيا خزي قال يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~في هذه الآية قال هم النصارى خربو بيت المقدس قال أبو بكر ما روي في خبر ~~قتادة يشبه أن يكون غلطا من راويه لأنه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار ~~الأولين أن عهد بخت نصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل ~~والنصارى إنما كانوا بعد المسيح وإليه ينتمون فكيف يكونون مع بخت نصر في ~~تخريب بيت المقدس والنصارى إنما استقاض دينهم في الشام والروم في أيام ~~قسطنطين الملك وكان قبل الإسلام بمائتي سنة وكسور وإنما كانوا قبل ذلك ~~صابئين عبدة أو ثان وكان من ينتحل النصرانية منهم مغمورين مستخفين بأديانهم ~~فيما بينهم ومع ذلك فإن النصارى تعتقد من تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد ~~اليهود فكيف أعانوا على تخريبه مع اعتقادهم فيه ومن الناس من يقول إن الآية ~~إنما هي في شأن المشركين حيث منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام ~~وإن سعيهم في خرابه إنما هو منعهم من عمارته بذكر الله وطاعته قال أبو بكر ~~في هذه الآية دلالة على منع أهل الذمة دخول المساجد من وجهين أحدهما قوله ~~[ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه] والمنع يكون من وجهين ~~أحدهما بالقهر والغلبة والآخر الاعتقاد والديانة والحكم لأن من اعتقد من ~~جهة الديانة المنع من ذكر الله في المساجد فجائز أن يقال فيه ms0090 قد منع مسجدا ~~أن يذكر فيه اسمه فيكون المنع هاهنا معناه الحظر كما جائز أن يقال منع الله ~~الكافرين من الكفر والعصاة من المعاصي بأن حظرها عليهم وأوعدهم على فعلها ~~فلما كان اللفظ منتظما للأمرين وجب استعماله على الاحتمالين وقوله [أولئك ~~ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين] يدل على أن على المسلمين إخراجهم منها ~~إذا دخلوها لولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها والوجه الثاني قوله [وسعى في ~~خرابها] وذلك يكون أيضا من وجهين أحدهما أن يخربها بيده والثاني اعتقاده ~~وجوب تخريبها لأن دياناتهم تقتضي ذلك وتوجبه ثم عطف عليه قوله [أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين] وذلك يدل على منعهم منها على ما بينا ويدل ~~على مثل دلالة هذه الآية قوله تعالى [ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله] وعمارتها تكون من وجهين أحدهما بناؤها وإصلاحها والثاني حضورها ~~ولزومها كما تقول فلان يعمر مجلس # PageV01P075 # فلان يعنى يحضره ويلزمه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له ~~بالإيمان) # وذلك لقوله عز وجل [إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله] فجعل حضوره ~~المساجد عمارة لها وأصحابنا يجيزون لهم دخول المساجد وسنذكر ذلك في موضعه ~~إن شاء الله تعالى ومما يدل على أنه عام في سائر المساجد وأنه غير مقصور ~~على بيت المقدس خاصة أو المسجد الحرام خاصة إطلاقه ذلك في المساجد فلا يخص ~~شيء منه إلا بدلالة فإن قيل جائز أن يقال لكل موضع من المسجد مسجد كما يقال ~~لكل موضع من المجلس مجلس فيكون الاسم واقعا على جملته تارة وعلى كل موضع ~~سجود فيه أخرى قيل له لا تنازع بين أهل اللسان أنه لا يقال للمسجد الواحد ~~مساجد كما لا يقال إنه مسجدان وكما لا يقال للدار الواحدة إنها دور فثبت أن ~~الإطلاق لا يتناوله وإن سمي موضع السجود مسجدا وإنما يقال ذلك مقيدا غير ~~مطلق وحكم الإطلاق فيما يقتضيه ما وصفنا وعلى أنك لا تمتنع من إطلاق ذلك في ~~جميع المساجد وإنما ms0091 تريد تخصيصه ببعضها دون بعض وذلك غير مسلم لك بغير ~~دلالة # قوله تعالى [ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله] # روى أبو أشعث السمان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ~~عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر ~~أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله ثم أصبحنا فذكرنا ذلك للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى [فأينما تولوا فثم وجه الله] # وروى أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه أن قوما خرجوا في سفر فصلوا ~~فتاهوا عن القبلة فلما فرغوا تبين لهم أنهم كانوا على غير القبلة فذكروا ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تمت صلاتكم وروى ابن لهيعة عن بكر ~~بن سوادة عن رجل سأل ابن عمر عمن يخطئ القبلة في السفر ويصلي قال فأينما ~~تولوا فثم وجه الله # وحدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ قال حدثنا محمد بن سليمان الواسطي ~~قال حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن العنبري قال وجدت في كتاب أبي عبيد ~~الله بن الحسن قال عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن ~~جابر بن عبد الله قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها ~~فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فقالت طائفة منا قد عرفنا القبلة هاهنا قبل ~~الشمال فصلوا وخطوا خطوطا وقالت طائفة القبلة هاهنا قبل الجنوب وخطوا خطوطا ~~فلما أصبحنا وطلعت الشمس وأصبحت تلك الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من ~~سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكت فأنزل الله [فأينما # PageV01P076 # تولوا فثم وجه الله] # أي حيث كنتم قال أبو بكر ففي هذه الأخبار أن سبب نزول الآية كان صلاة ~~هؤلاء الذين صلوا لغير القبلة اجتهادا # وروي عن ابن عمر في خبر آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ~~راحلته وهو مقبل من مكة نحو المدينة حيث توجهت ms0092 وفيه أنزلت [فأينما تولوا ~~فثم وجه الله] # وروى معمر عن قتادة في قوله [فأينما تولوا فثم وجه الله] قال هي القبلة ~~الأولى ثم نسختها الصلاة إلى المسجد الحرام وقيل فيه إن اليهود أنكروا ~~تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت ~~المقدس فأنزل الله ذلك ومن الناس من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مخيرا في أن يصلي إلى حيث شاء وإنما كان توجه إلى بيت المقدس على وجه ~~الاختيار لا على وجه الإيجاب حتى أمر بالتوجه إلى الكعبة وكان قوله [فأينما ~~تولوا فثم وجه الله] في وقت التخيير قبل الأمر بالتوجه إلى الكعبة قال أبو ~~بكر اختلف أهل العلم فيمن صلى في سفر مجتهدا إلى جهة ثم تبين أنه صلى لغير ~~القبلة وقال أصحابنا جميعا والثوري إن وجد من يسأله فعرفه جهة القبلة فلم ~~يفعل لم تجز صلاته وإن لم يجد من يعرفه جهتها فصلاها باجتهاده أجزأته صلاته ~~سواء صلاها مستدبر القبلة أو مشرقا أو مغربا عنها وروي نحو قولنا عن مجاهد ~~وسعيد بن المسيب وإبراهيم وعطاء والشعبي وقال الحسن والزهري وربيعة وابن ~~أبي سلمة يعيد في الوقت فإذا فات الوقت لم يعد وهو قول مالك رواه ابن وهب ~~عنه وروى أبو مصعب عنه إنما يعيد في الوقت إذا صلاها مستدبر القبلة أو شرق ~~أو غرب وإن تيامن قليلا أو تياسر قليلا فلا إعادة عليه وقال الشافعي من ~~اجتهد فصلى إلى المشرق ثم رأى القبلة في المغرب استأنف فإن كانت شرقا ثم ~~رأى أنه منحرف فتلك جهة واحدة وعليه أن ينحرف ويعتد بما مضى قال أبو بكر ~~ظاهر الآية يدل على جوازها إلى أي جهة صلاها وذلك أن قوله [فأينما تولوا ~~فثم وجه الله] معناه فثم رضوان الله وهو الوجه الذي أمرتم بالتوجه إليه ~~كقوله تعالى [إنما نطعمكم لوجه الله] يعني لرضوانه ولما أراده منا وقوله ~~[كل شيء هالك إلا وجهه] يعني ما كان لرضاه وإرادته وقد روي في حديث ms0093 عامر بن ~~ربيعة وجابر اللذين قدمنا أن الآية في هذا أنزلت فإن قيل روي أنها نزلت في ~~التطوع على الراحلة وروي أنها نزلت في بيان القبلة قيل له لا يمتنع أن يتفق ~~هذه الأحوال كلها في وقت واحد ويسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فينزل ~~الله تعالى الآية ويريد بها بيان حكم جميعها ألا ترى أنه لو نص على كل ~~واحدة # PageV01P077 # منها بأن يقول إذا كنتم عالمين بجهة القبلة ممكنين من التوجه إليها فذلك ~~وجه الله فصلوا إليها وإذا كنتم خائفين أو في سفر فالوجه الذي يمكنكم ~~التوجه إليه فهو وجه الله وإذا اشتبهت عليكم الجهات فصليتم إلى أي جهة كانت ~~فهي وجه الله وإذا لم تتناف إرادة جميع ذلك وجب حمل الآية عليه فيكون مراد ~~الله تعالى بها جميع هذه المعاني على الوجه الذي ذكرنا لا سيما وقد نصر ~~حديث جابر وعامر بن ربيعة أن الآية نزلت في المجتهد إذا أخطأ وأخبر فيه أن ~~المستدبر للقبلة والمتياسر والمتيامن عنها سواء لأن فيه بعضهم صلى إلى ~~ناحية الشمال والآخر إلى ناحية الجنوب وهاتان جهتان متضادتان ويدل على ~~جوازها أيضا # حديث رواه جماعة عن أبي سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا عبد الله بن جعفر ~~عن عثمان ابن محمد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ما بين المشرق والمغرب قبلة # وهذا يقتضي إثبات جميع الجهات قبلة إذ كان قوله ما بين المشرق والمغرب ~~كقوله جميع الآفاق ألا ترى أن قوله رب المشرق والمغرب أنه أراد به جميع ~~الدنيا وكذلك هو في معقول خطاب الناس متى أريد الإخبار عن جميع الدنيا ذكر ~~المشرق والمغرب فيشمل اللفظ جميعها وأيضا ما ذكرنا من قول السلف يوجب أن ~~يكون إجماعا لظهوره واستفاضته من غير خلاف من أحد من نظرائهم عليهم ويدل ~~عليه أيضا أن من غاب عن مكة فإنما صلاته إلى الكعبة لا تكون إلا عن اجتهاد ~~لأن أحدا لا يوقن بالجهة التي يصلي إليها في ms0094 محاذاة الكعبة غير منحرف عنها ~~وصلاة الجميع جائزة إذ لم يكلف غيرها فكذلك المجتهد في السفر قد أدى فرضه ~~إذ لم يكلف غيرها ومن أوجب الإعادة فإنما يلزم فرضا آخر وغير جائز إلزامه ~~فرضا بغير دلالة فإن ألزمونا عليه بالثوب يصلى فيه ثم تعلم نجاسته أو الماء ~~يتطهر به ثم يعلم أنه نجس قيل لهم لا فرق بينهم في أن كلا منهم قد أدى فرضه ~~وإنما ألزمناه بعد العلم فرضا آخر بدلالة قامت عليه ولم تقم دلالة على ~~إلزام المجتهد في جهة القبلة فرضا آخر لأن الصلاة تجوز إلى غير جهة القبلة ~~من غير ضرورة وهي صلاة النفل على الراحلة ومعلوم أنه لا ضرر به لأنه ليس ~~عليه فعلها فلما جازت إلى غير القبلة من غير ضرورة فإذا صلى الفرض إلى غير ~~جهتها على ما كلف لم يكن عليه عند التبين غيرها ولما لم تجز الصلاة في ~~الثوب النجس إلا لضرورة ولم تجز الطهارة بماء نجس بحال لزمته الإعادة ومن ~~جهة أخرى وهي أن المجتهد بمنزلة صلاة المتيمم إذا عدم الماء فلا يلزمه # PageV01P078 # الإعادة لأن الجهة التي توجه إليها قد قامت له مقام القبلة كالتيمم قائم ~~مقام الوضوء ولم يوجد للمصلي في الثوب النجس والمتطهر بماء نجس ما يقوم ~~مقام الطهارة فهو بمنزلة المصلي بغير تيمم ولا ماء ويدل على ذلك وهو أصل ~~يرد إليه مسألتنا صلاة الخائف لغير القبلة ويبنى عليها من وجهين أحدهما ~~أنها جهة لم يكلف غيرها في الحال والثاني قيام هذه الجهة مقام القبلة فلا ~~إعادة عليه كالمتيمم ويدل على أن المراد من قوله تعالى [فثم وجه الله] ~~الصلاة لغير القبلة أنه معلوم أن مقدار مساحة الكعبة لا يتسع لصلاة الناس ~~الغائبين عنها حتى يكون كل واحد منهم مصليا لمحاذاتها ألا ترى أن الجامع ~~مساحته أضعاف مساحة الكعبة وليس جميع من يصلي فيه محاذيا لسمتها وقد أجيزت ~~صلاة الجميع فثبت أنهم إنما كلفوا التوجه إلى الجهة التي هي في ظنهم أنها ~~محاذية الكعبة لا محاذاتها بعينها ms0095 وهذا يدل على أن كل جهة قد أقيمت مقام ~~جهة الكعبة في حال العذر فإن قيل إنما جازت صلاة الجميع في الأصل الذي ذكرت ~~لأن كل واحد منهم يجوز أن يكون هو المحاذي للكعبة دون من بعد منه ولم يظهر ~~في الثاني توجه إلى غير جهة الكعبة فأجزأته صلاته من أجل ذلك وليست هذه ~~نظير مسألتنا من قبل أن المجتهد في مسألتنا قد تبين أنه صلى إلى غيرها قيل ~~له لو كان هذا الاعتبار سائغا في الفرق بينهما لوجب أن لا تجيز صلاة الجميع ~~لأنه إذا كان محاذاة الكعبة مقدار عشرين ذراعا إذا كان مسامتها ثم قد رأينا ~~أهل الشرق والغرب قد أجزأتهم صلاتهم مع العلم بأن الذي حاذوهاهم القليل ~~الذين يقصر عددهم عن النسبة إلى الجميع لقلتهم وجائز مع ذلك أن يكون ليس ~~فيهم من يحاذي الكعبة حين لم يغادروها ثم أجزأت صلاة الجميع ولم يعتبر حكم ~~الأعم الأكثر مع تعلق الأحكام في الأصول بالأعم الأكثر ألا ترى أن الحكم في ~~كل من في دار الإسلام ودار الحرب يتعلق بالأعم الأكثر دون الأخص الأقل حتى ~~صار من في دار الإسلام محظورا قتله مع العلم بأن فيها من يستحق القتل من ~~مرتد وملحد وحربي ومن في دار الحرب يستباح قتله مع ما فيها من مسلم تاجر أو ~~أسير وكذلك سائر الأصول على هذا المنهاج يجرى حكمها ولم يكن للأكثر الأعم ~~حكم في بطلان الصلاة مع العلم بأنهم على غير محاذاة الكعبة ثبت أن الذي كلف ~~كل واحد منهم في وقته هو ما عنده أنه جهة الكعبة وفي اجتهاده في الحال التي ~~يسوغ الاجتهاد فيها وأن لا إعادة على واحد منهم في الثاني فإن قيل فأنت # PageV01P079 # توجب الإعادة على من صلى باجتهاده مع إمكان المسألة عنها # إذا تبين له خلافها قيل له ليس هذا موضع الاجتهاد مع وجود من يسئله عنها ~~وإنما أجزنا فيما وصفنا صلاة من اجتهد في الحال التي يسوغ الاجتهاد فيها ~~وإذا وجد من يسئله عن جهة الكعبة ms0096 لم يكلف فعل الصلاة باجتهاده وإنما كلف ~~المسألة عنها ويدل على ما ذكرنا أنه معلوم من غاب عن حضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنما يؤدي فرضه باجتهاده مع تجويزه أن يكون ذلك الفرض فيه نسخ ~~وقد ثبت أن أهل قبا كانوا يصلون إلى بيت المقدس فأتاهم آت فأخبرهم أن ~~القبلة قد حولت فاستداروا في صلاتهم إلى الكعبة وقد كانوا قبل ذلك مستدبرين ~~لها لأن من استقبل بيت المقدس وهو بالمدينة فهو مستدبر للكعبة ثم لم يؤمروا ~~بالإعادة حين فعلوا بعض الصلاة إلى بيت المقدس مع ورود النسخ إذ الأغلب ~~أنهم ابتدءوا الصلاة بعد النسخ لأن النسخ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو بالمدينة ثم سار المخبر إلى قبا بعد النسخ وبينهما نحو فرسخ فهذا يدل ~~على أن ابتداء صلاتهم كان بعد النسخ لامتناع أن يطول مكثهم في الصلاة هذه ~~المدة ولو كان ابتداؤها قبل النسخ كانت دلالته قائمة لأنهم فعلوا بعض ~~الصلاة إلى بيت المقدس بعد النسخ فإن قيل إنما جاز ذلك لأنهم ابتدءوها قبل ~~النسخ وكان ذلك فرضهم ولم يكن عليهم فرض غيره قيل له وكذلك المجتهد فرضه ما ~~أداه إليه اجتهاده ليس عليه فرض غيره فإن قيل إذا تبين أنه صلى إلى غير ~~الكعبة كان بمنزلة من اجتهد في حكم حادثة ثم وجد النص فيه فيبطل اجتهاده مع ~~النص قيل له ليس هذا كما ظننت لأن النص في جهة الكعبة إنما هو في حال ~~معاينتها أو العلم بها وليست للصلاة جهة واحدة يتوجه إليها المصلي بل سائر ~~الجهات للمصلين على حسب اختلاف أحوالهم فمن شاهد الكعبة أو علم بها وهو ~~غائب عنها ففرضه الجهة التي يمكنه التوجه إليها وليست الكعبة جهة فرضه ومن ~~اشتبهت عليه الجهة ففرضه ما أداه إليه اجتهاده فقولك إنه صار من الاجتهاد ~~إلى النص خطأ لأن جهة الكعبة لم تكن فرضه في حال الاجتهاد وإنما النص في ~~حال إمكان التوجه إليها والعلم بها وأيضا فقد كان له الاجتهاد مع العلم ~~بالكعبة ms0097 والجهل بجهتها فلو كان بمنزلة النص لما ساغ الاجتهاد مع العلم بأن ~~لله تعالى نصا على الحكم كما لا يسوغ الاجتهاد مع العلم بأن لله تعالى نصا ~~على الحكم في حادثة # وقوله تعالى [وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض] ~~قال أبو بكر فيه دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه # PageV01P080 # نفى الولد بإثبات الملك بقوله تعالى [بل له ما في السماوات والأرض] يعني ~~ملكه وليس بولده وهو نظير قوله [وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا] فاقتضى ذلك عتق ولده عليه إذا ملكه ~~وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذ ملكه ولده # فقال صلى الله عليه وسلم (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه) # فدلت الآية على عتق الولد إذا ملكه أبوه واقتضى خبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عتق الوالد إذا ملكه ولده وقال بعض الجهال إذا ملك أباه لم يعتق عليه ~~حتى يعتقه لقوله فيشتريه فيعتقه وهذا يقتضي عتقا مستأنفا بعد الملك فجهل ~~حكم اللفظ في اللغة والعرف جميعا لأن المعقول منه فيشتريه فيعتقه بالشرى إذ ~~قد أفاد أن شراه موجب لعتقه وهذا # كقول النبي صلى الله عليه وسلم (الناس غاديان فبائع نفسه فموبقها ومشتر ~~نفسه فمعتقها) # يريد أنه معتقها بالشرى لا باستئناف عتق بعده # قوله تعالى [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن] اختلف المفسرون فقال ~~ابن عباس ابتلاه بالمناسك وقال الحسن ابتلاه بقتل ولده والكواكب وروى طاوس ~~عن ابن عباس قال ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد فالخمسة في ~~الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وفي الجسد تقليم ~~الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عشرة من الفطرة وذكر هذه ~~الأشياء إلا أنه قال مكان الفرق إعفاء اللحية ولم يذكر فيه تأويل الآية ~~ورواه عمار ms0098 وعائشة وأبو هريرة # على اختلاف منهم في الزيادة والنقصان كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ~~ألفاظها إذ هي المشهورة وقد نقلها الناس قولا وعملا وعرفوها من سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما ذكر فيه من تأويل الآية مع ما قدمنا من اختلاف ~~السلف فيه فجائز أن يكون الله تعالى ابتلى إبراهيم بذلك كله ويكون مراد ~~الآية جميعه وأن إبراهيم عليه السلام أتم ذلك كله ووفى به وقام به على حسب ~~ما أمره الله تعالى به من غير نقصان لأن ضد الإتمام النقص وقد أخبر الله ~~بإتمامهن وما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العشر الخصال في الرأس والجسد من ~~الفطرة # فجائز أن يكون فيها مقتديا بإبراهيم عليه السلام بقوله تعالى [ثم أوحينا ~~إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا] وبقوله [أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده] وهذه الخصال قد ثبتت من سنة إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وهي تقتضي أن يكون التنظيف ونفي الأقذار # PageV01P081 # والأوساخ عن الأبدان والثياب مأمورا بها ألا ترى أن الله تعالى لما حظر ~~إزالة التفث والشعر في الإحرام أمر به عند الإحلال بقوله [ثم ليقضوا تفثهم] ~~ومن نحو ذلك ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في غسل يوم الجمعة أن يستاك وأن يمس من ~~طيب أهله # فهذه كلها خصال مستحسنة في العقول محمودة مستحبة في الأخلاق والعادات وقد ~~أكدها التوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم # وقد حدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن عمر بن حيان التمار قال حدثنا ~~أبو الوليد وعبد الرحمن بن المبارك قال حدثنا قريش بن حيان العجلي قال ~~حدثنا سليمان فروخ أبو واصل قال أتيت أبا أيوب فصافحته فرأى في أظفاري طولا ~~فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسئله عن خبر السماء فقال (يجيء ~~أحدكم يسئل عن خبر السماء وأظفاره كأنها أظفار الطير يجتمع فيها الخباثة ~~والتفث) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال حدثنا عبد الملك ms0099 بن ~~مروان الحذاء قال حدثنا الضحاك بن زيد الأهوازي عن إسماعيل بن خالد عن قيس ~~بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال قلنا يا رسول الله إنك تهم قال (وما ~~لي لا أهم ورفغ أحدكم بين أظفاره وأنامله) # وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقلم أظفاره ~~ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يروح إلى الجمعة # وحدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي ~~شيبة عن وكيع عن الأوزاعي عن حسان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ~~قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال ~~(أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره ورأى رجلا آخر عليه ثياب وسخة فقال أما ~~كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه) # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عقبة ~~السدوسي قال حدثنا أبو أمية بن يعلى قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة قالت خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن في سفر ولا حضر ~~المرآة والمكحلة والمشط والمدرى والسواك # وقد روي أنه وقت في ذلك أربعين يوما # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحسين بن المثنى عن معاذ قال حدثنا مسلم بن ~~إبراهيم قال حدثنا صدقة الدقيقي قال حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس بن مالك ~~قال وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلق العانة وقص الشارب ونتف ~~الإبط # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتنور # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا إدريس الحداد قال حدثنا عاصم بن علي قال ~~حدثنا كامل بن العلاء قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أم سلمة قالت كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا اطلى ولي مغابنه بيده # حدثنا # PageV01P082 # عبد الباقي حدثنا مطير حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن بن عيسى عمن ~~حدثه عن ابن أبي نجيح عن ms0100 مجاهد عن ابن عباس قال اطلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فطلاه رجل فستر عورته بثوب وطلى الرجل سائر جسده فلما فرغ قال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم اخرج عني ثم طلى النبي صلى الله عليه وسلم عورته ~~بيده # وقد روى حبيب بن أبي ثابت عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يتنور فإذا كثر شعره حلقه # وهذا يحتمل أن يريد به أن عادته كانت الحلق وأن ذلك كان الأكثر الأعم ~~ليصح الحديثان وأما ما ذكر من توقيت الأربعين في الحديث المتقدم فجائز أن ~~تكون الرخصة في التأخير مقدرة بذلك وأن تأخيرها إلى ما بعد الأربعين محظور ~~يستحق فاعله اللوم لمخالفة السنة لا سيما في قص الشارب وقص الأظفار قال أبو ~~بكر ذكر أبو جعفر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد في شعر ~~الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير عنه وإن كان معه حلق بعض الشعر ~~قال وقال ابن الهيثم عن مالك إحفاء الشارب عندي مثلة قال مالك وتفسير حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء الشارب الإطار وكان يكره أن يؤخذ من ~~أعلاه وإنما كان يوسع في الإطار منه فقط وذكر عنه أشهب قال وسألت مالكا عمن ~~أحفى شاربه قال رأى أن يوجع ضربا ليس حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الإحفاء كان يقول ليس يبدي حرف الشفتين الإطار ثم قال يحلق شاربه هذه بدع ~~تظهر في الناس كان عمر إذا حزبه أمر نفخ فجعل يفتل شاربه وسئل الأوزاعي عن ~~الرجل يحلق رأسه فقال أما في الحضر لا يعرف إلا في يوم النحر وهو في العرف ~~وكان عبدة ابن أبي لبابة يذكر فيه فضلا عظيما وقال الليث لا أحب أن يحلق ~~أحد شاربه حتى يبدو الجلد وأكرهه ولكن يقص الذي على طرف الشارب وأكره أن ~~يكون طويل الشارب وقال إسحاق أبي إسرائيل سألت عبد المجيد بن عبد العزيز بن ~~أبى داود عن حلق الرأس فقال أما بمكة فلا ms0101 بأس به لأنه بلد الحلق وأما في ~~غيره من البلدان فلا قال أبو جعفر ولم نجد في ذلك عن الشافعي شيئا منصوصا ~~وأصحابه الذين رأيناهم المزني والربيع كانا يحفيان شواربهما فدل على أنهما ~~أخذا ذلك عن الشافعي # وقد روت عائشة وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الفطرة عشرة منها ~~قص الشارب # وروى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من شواربه على ~~سواك # وهذا جائز مباح وإن كان غيره أفضل وجائز أن يكون فعله لعدم آلة الإحفاء ~~في الوقت # وروى عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجز شاربه # وهذا يحتمل # PageV01P083 # الإحفاء # وروى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال (أحفوا الشارب وأعفوا اللحى) # وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال (جزوا الشارب وأرخوا اللحى) # وهذا يحتمل الإحفاء أيضا # وروى عمر بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(أحفوا الشارب وأعفوا اللحى) # وهذا يدل على أن مراده بالخبر الأول الإحفاء والإحفاء يقتضي ظهور الجلد ~~بإزالة الشعر كما يقال رجل حاف إذا لم يكن في رجله شيء ويقال حفيت رجله ~~وحفيت الدابة إذا أصاب أسفل رجلها وهن من الحفا قال وروي عن أبي سعيد ~~الخدري وأبي أسيد ورافع بن خديج وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد ~~الله وأبي هريرة أنهم كانوا يحفون شواربهم وقال إبراهيم ابن محمد بن خطاب ~~رأيت ابن عمر يحلق شاربه كأنه ينتفه وقال بعضهم حتى يرى بياض الجلد قال أبو ~~بكر ولما كان التقصير مسنونا في الشارب عند الجميع كان الحلق أفضل # قال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله المحلقين ثلاثا ودعا للمقصرين مرة # فجعل حلق الرأس أفضل من التقصير وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل شاربه ~~إذا غضب فجائز أن يكون كان يتركه ms0102 حتى يمكن فتله ثم يحلقه كما ترى كثيرا من ~~الناس يفعله وقوله تعالى [إني جاعلك للناس إماما] فإن الإمام من يؤتم به في ~~أمور الدين من طريق النبوة وكذلك سائر الأنبياء أئمة عليهم السلام لما ألزم ~~الله تعالى الناس من اتباعهم والائتمام بهم في أمور دينهم فالخلفاء أئمة ~~لأنهم رتبوا في المحل الذي يلزم الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم ~~والقضاة والفقهاء أئمة أيضا ولهذا المعنى الذي يصلي بالناس يسمى إماما لأن ~~من دخل في صلاته لزمه الاتباع له والائتمام به # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به فإذا ركع ~~فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا) # وقال (لا تختلفوا على إمامكم) # فثبت بذلك أن اسم الإمامة مستحق لمن يلزم اتباعه والاقتداء به في أمور ~~الدين أو في شيء منها وقد يسمى بذلك من يؤتم به في الباطل إلا أن الإطلاق ~~لا يتناوله قال الله تعالى [وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار] فسموا أئمة ~~لأنهم أنزلوهم بمنزلة من يقتدى بهم في أمور الدين وإن لم يكونوا أئمة يجب ~~الاقتداء بهم كما قال الله تعالى [فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون] وقال ~~[وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا] يعنى في زعمك واعتقادك # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلون) # والإطلاق إنما يتناول من يجب الائتمام به في دين الله تعالى وفي الحق # PageV01P084 # والهدى ألا ترى أن قوله تعالى [إني جاعلك للناس إماما] قد أفاد ذلك من ~~غير تقييد وأنا لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله يدعون إلى النار وإذا ثبت ~~أن اسم الإمامة يتناول ما ذكرناه فالأنبياء عليهم السلام في أعلى رتبة ~~الإمامة ثم الخلفاء الراشدون بعد ذلك ثم العلماء والقضاة العدول ومن ألزم ~~الله تعالى الاقتداء بهم ثم الإمامة في الصلاة ونحوها فأخبر الله تعالى في ~~هذه الآية عن إبراهيم عليه السلام أنه جاعله للناس إماما وأن إبراهيم سأله ~~أن يجعل من ولده أئمة بقوله [ومن ذريتي] لأنه عطف على الأول فكان بمنزلة ms0103 ~~واجعل من ذريتي أئمة ويحتمل أن يريد بقوله ومن ذريتي مسألته تعريفه هل يكون ~~من ذريتي أئمة فقال تعالى في جوابه [لا ينال عهدي الظالمين] فحوى ذلك ~~معنيين أنه سيجعل من ذريته أئمة إما على وجه تعريفه ما سأله أن يعرفه إياه ~~وإما على وجه إجابته إلى ما سأل لذريته إذا كان قوله ومن ذريتي مسألته أن ~~يجعل من ذريته أئمة وجائز أن يكون أراد الأمرين جميعا وهو مسألته أن يجعل ~~من ذريته أئمة وأن يعرفه ذلك وأنه إجابة إلى مسألته لأنه لو لم يكن منه ~~إجابة إلى مسألته لقال ليس في ذريتك أئمة أو قال لا ينال عهدي من ذريتك أحد ~~فلما قال [لا ينال عهدي الظالمين] دل على أن الإجابة قد وقعت له في أن ~~ذريته أئمة ثم قال [لا ينال عهدي الظالمين] فأخبر أن الظالمين من ذريته لا ~~يكونون أئمة ولا يجعلهم موضع الاقتداء بهم وقد روي عن السدي في قوله تعالى ~~[لا ينال عهدي الظالمين] أنه النبوة وعن مجاهد أنه أراد أن الظالم لا يكون ~~إماما وعن ابن عباس أنه قال لا يلزم الوفاء بعهد الظالم فإذا عقد عليك في ~~ظلم فانقضه وقال الحسن ليس لهم عند الله عهد يعطيهم عليه خيرا في الآخرة ~~قال أبو بكر جميع ما روي من هذه المعاني يحتمله اللفظ وجائز أن يكون جميعه ~~مراد الله تعالى وهو محمول على ذلك عندنا فلا يجوز أن يكون الظالم نبيا ولا ~~خليفة لنبي ولا قاضيا ولا من يلزم الناس قبول قوله في أمور الدين من مفت أو ~~شاهد أو مخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا فقد أفادت الآية أن شرط ~~جميع من كان في محل الائتمام به في أمر الدين العدالة والصلاح وهذا يدل ~~أيضا على أئمة الصلاة ينبغي أن يكونوا صالحين غير فساق ولا ظالمين لدلالة ~~الآية على شرط العدالة لمن نصب منصب الائتمام به في أمور الدين لأن عهد ~~الله هو أوامره فلم يجعل قبوله عن الظالمين منهم وهو ms0104 ما أودعهم من أمور ~~دينه وأجاز قولهم فيه وأمر الناس بقوله منهم والاقتداء بهم فيه ألا ترى إلى ~~قوله تعالى [ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا # PageV01P085 # الشيطان إنه لكم عدو مبين] # يعني أقدم إليكم الأمر به وقال تعالى [الذين قالوا إن الله عهد إلينا] ~~ومنه عهد الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إنما هو ما يتقدم به إليهم ليحملوا ~~الناس عليه ويحكموا به فيهم وذلك لأن عهد الله إذا كان إنما هو أوامره لم ~~يخل قوله [لا ينال عهدي الظالمين] من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين أو ~~أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى وأحكامه ~~ولا يؤمنون عليها فلما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله ~~تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم وأنهم إنما استحقوا سمة الظلم لتركهم ~~أوامر الله ثبت الوجه الآخر وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى ~~وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين فثبت بدلالة هذه الآية بطلان ~~إمامة الفاسق وأنه لا يكون خليفة وأن من نصب نفسه في هذا المنصب وهو فاسق ~~لم يلزم الناس اتباعه ولا طاعته وكذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) # ودل أيضا على أن الفاسق لا يكون حاكما وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم ~~وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~فتياه إذا كان مفتيا وأنه لا يقدم للصلاة وإن كان لو قدم واقتدى به مقتد ~~كانت صلاته ماضية فقد حوى قوله [لا ينال عهدي الظالمين] هذه المعاني كلها ~~ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة تجويز إمامة الفاسق وخلافته وأنه يفرق ~~بينه وبين الحاكم فلا يجيز حكمه وذكر ذلك عن بعض المتكلمين وهو المسمى ~~زرقان وقد كذب في ذلك وقال بالباطل وليس هو أيضا ممن تقبل حكايته ولا فرق ~~عند أبي حنيفة بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد ms0105 منهما العدالة ~~وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكما كما لا تقبل شهادته ولا خبره لو ~~روى خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة ~~وأحكامه غير نافذة وكيف يجوز أن يدعى ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن ~~هبيرة في أيام بني أمية على القضاء وضربه فامتنع من ذلك وحبس فلج ابن هبيرة ~~وجعل يضربه كل يوم أسواطا فلما خيف عليه قال له الفقهاء فتول شيئا من ~~أعماله أي شيء كان حتى يزول عنك هذا الضرب فتولى له عد أحمال التبن الذي ~~يدخل فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك فأبى فحبسه حتى عدله اللبن الذي ~~كان يضرب لسور مدينة بغداد وكان مذهبه مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور ~~ولذلك قال الأوزاعي احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف يعني ~~قتال الظلمة فلم نحتمله وكان من # PageV01P086 # قوله وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول فإن لم يؤتمر له ~~فبالسيف على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وسأله إبراهيم الصائغ وكان ~~من فقهاء أهل خراسان ورواة الأخبار ونساكهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فقال هو فرض وحدثه # بحديث عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أفضل ~~الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه ~~عن المنكر فقتل) # فرجع إبراهيم إلى مرو وقام إلى أبي مسلم صاحب الدولة فأمره ونهاه وأنكر ~~عليه ظلمه وسفكه الدماء بغير حق فاحتمله مرارا ثم قتله وقضيته في أمر زيد ~~بن علي مشهورة وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ~~معه وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن وقال لأبي إسحاق ~~الفزاري حين قال له لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل قال مخرج ~~أخيك أحب إلي من مخرجك وكان أبو إسحاق قد خرج إلى البصرة وهذا إنما أنكره ~~عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم ms0106 فقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام فمن كان هذا مذهبه في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر كيف يرى إمامة الفاسق فإنما جاء غلط من غلط في ذلك إن لم ~~يكن تعمد الكذب من جهة قوله وقول سائر من يعرف قوله من العراقيين أن القاضي ~~إذا كان عدلا في نفسه فولي القضاء من قبل إمام جائر أن أحكامه نافذة ~~وقضاياه صحيحة وأن الصلاة خلفهم جائزة مع كونهم فساقا وظلمة وهذا مذهب صحيح ~~ولا دلالة فيه على أن من مذهبه تجويز إمامة الفاسق وذلك لأن القاضي إذا كان ~~عدلا فإنما يكون قاضيا بأن يمكنه تنفيذ الأحكام وكانت له يد وقدرة على من ~~امتنع من قبول أحكامه حتى يجبره عليها ولا اعتبار في ذلك بمن ولاه لأن الذي ~~ولاه إنما هو بمنزلة سائر أعوانه وليس شرط أعوان القاضي أن يكونوا عدولا ~~ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل ~~منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه ~~نافذا وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان وعلى هذا تولى شريح وقضاة ~~التابعين القضاء من قبل بني أمية وقد كان شريح قاضيا بالكوفة إلى أيام ~~الحجاج ولم يكن في العرب ولا آل مروان أظلم ولا أكفر ولا أفجر من عبد الملك ~~ولم يكن في عماله أكفر ولا أظلم ولا أفجر من الحجاج وكان عبد الملك أول من ~~قطع ألسنة الناس في الأمر بالمعروف # PageV01P087 # والنهي عن المنكر صعد المنبر فقال إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف ~~يعني عثمان ولا بالخليفة المصانع يعني معاوية وإنكم تأمروننا بأشياء ~~تنسونها في أنفسكم والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت ~~عنقه وكانوا يأخذون الأرزاق من بيوت أموالهم وقد كان المختار الكذاب يبعث ~~إلى ابن عباس ومحمد بن الحنفية وابن عمر بأموال فيقبلونها # وذكر محمد بن عجلان عن القعقاع قال كتب عبد العزيز بن مروان ms0107 إلى ابن عمر ~~ارفع إلي حوائجك فكتب إليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن اليد ~~العليا خير من اليد السفلى) # وأحسب أن اليد العليا يد المعطي وأن اليد السفلى يد الآخذ وإني لست سائلك ~~شيئا ولا رادا عليك رزقا رزقنيه الله منك والسلام وقد كان الحسن وسعيد بن ~~جبير والشعبي وسائر التابعين يأخذون أرزاقهم من أيدي هؤلاء الظلمة لا على ~~أنهم كانوا يتولونهم ولا يرون إمامتهم وإنما كانوا يأخذونها على أنها حقوق ~~لهم في أيدي قوم فجرة وكيف يكون ذلك على وجه موالاتهم وقد ضربوا وجه الحجاج ~~بالسيف وخرج عليه من القراء أربعة آلاف رجل هم خيار التابعين وفقهاؤهم ~~فقاتلوه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بالأهواز ثم بالبصرة ثم بدير ~~الجماجم من ناحية الفرات بقرب الكوفة وهم خالعون لعبد الملك بن مروان ~~لاعنون لهم متبرئون منهم وكذلك كان سبيل من قبلهم مع معاوية حين تغلب على ~~الأمر بعد قتل علي عليه السلام وقد كان الحسن والحسين يأخذان العطاء وكذلك ~~من كان في ذلك العصر من الصحابة وهم غير متولين له بل متبرئون منه على ~~السبيل التي كان عليها علي عليه السلام إلى أن توفاه الله تعالى إلى جنته ~~ورضوانه فليس إذا في ولاية القضاء من قبلهم ولا أخذ العطاء منهم دلالة على ~~توليتهم واعتقاد إمامتهم وربما احتج بعض أغبياء الرفضة بقوله تعالى [لا ~~ينال عهدي الظالمين] في رد إمامة أبي بكر رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه ~~لأنهما كانا ظالمين حين كانا مشركين في الجاهلية وهذا جهل مفرط لأن هذه ~~السمة إنما تلحق من كان مقيما على الظلم فأما التائب منه فهذه السمة زائلة ~~عنه فلا جائز أن يتعلق به حكم لأن الحكم إذا كان معلقا بصفة فزالت الصفة ~~زال الحكم وصفة الظلم صفة ذم فإنما يلحقه ما دام مقيما عليه فإذا زال عنه ~~زالت الصفة عنه كذلك يزول عنه الحكم الذي علق به من نفي نيل العهد في قوله ~~تعالى [لا ينال عهدي ms0108 الظالمين] ألا ترى أن قوله تعالى [ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا] إنما هو نهي عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم # PageV01P088 # وكذلك قوله تعالى [ما على المحسنين من سبيل] إنما هو ما أقاموا على ~~الإحسان فقوله [لا ينال عهدي الظالمين] لم ينف به العهد عمن تاب عن ظلمه ~~لأنه في هذه الحالة لا يسمى ظالما كما لا يسمى من تاب من الكفر كافرا ومن ~~تاب من الفسق فاسقا وإنما يقال كان كافرا وكان فاسقا وكان ظالما والله ~~تعالى لم يقل لا ينال عهدي من كان ظالما وإنما نفى ذلك عمن كان موسوما بسمة ~~الظالم والاسم لازم له باق عليه # وقوله تعالى [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا] البيت إما فإنه يريد ~~بيت الله الحرام واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه إذ كانا ~~يدخلان لتعريف المعهود أو الجنس وقد علم المخاطبون أنه لم يرد الجنس فانصرف ~~إلى المعهود عندهم وهو الكعبة وقوله [مثابة للناس] روي عن الحسن أن معناه ~~أنهم يثوبون إليه في كل عام وعن ابن عباس ومجاهد أنه لا ينصرف عنه أحد وهو ~~يرى أنه قد قضى وطرا منه فهم يعودون إليه وقيل فيه إنهم يحجون إليه فيثابون ~~عليه قال أبو بكر قال أهل اللغة أصله من ثاب يثوب مثابة وثوابا إذا رجع قال ~~بعضهم إنما أدخل الهاء عليه للمبالغة لما كثر من يثوب إليه كما يقال نسابة ~~وعلامة وسيارة وقال الفراء هو كما قيل المقامة والمقام وإذا كان اللفظ ~~محتملا لما تأوله السلف من رجوع الناس إليه في كل عام ومن قول من قال إنه ~~لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يحب العود إليه ومن أنهم يحجون إليه فيثابون ~~فجائز أن يكون المراد ذلك كله ويشهد لقول من قال إنهم يحبون العود إليه بعد ~~الانصراف قوله تعالى [فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم] وقد نص هذا اللفظ ~~على فعل الطواف إذ كان البيت مقصودا ومثابة للطواف ولا دلالة فيه على وجوبه ~~وإنما يدل على أنه يستحق ms0109 الثواب بفعله وربما احتج موجبو العمرة بهذه الآية ~~فقالوا إذا كان الله تعالى قد جعله مثابة للناس يعودون إليه مرة بعد أخرى ~~فقد اقتضى العود إليه للعمرة بعد الحج وليس هذا بشيء لأنه ليس في اللفظ ~~دليل الإيجاب وإنما فيه أنه جعل لهم العود إليه ووعدهم الثواب عليه وهذا ~~بما يقتضي الندب لا الإيجاب ألا ترى أن القائل لك أن تعتمر ولك أن تصلي لا ~~دلالة فيه على الوجوب وعلى أنه لم يخصص العود إليه بالعمرة دون الحج ومع ~~ذلك فإن الحج فيه طواف القدوم وطواف الزيارة وطواف الصدر ويحصل بذلك كله ~~العود إليه مرة بعد أخرى فإذا فعل ذلك فقد قضى عهدة اللفظ فلا دلالة فيه ~~إذا على وجوب العمرة وأما قوله تعالى [وأمنا] فإنه وصف البيت بالأمن ~~والمراد # PageV01P089 # جميع الحرم كما قال الله تعالى [هديا بالغ الكعبة] والمراد الحرم لا ~~الكعبة نفسها لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد وكقوله [والمسجد الحرام ~~الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد] قال ابن عباس وذلك أن الحرم كله ~~مسجد وكقوله تعالى [إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا] والمراد والله أعلم منعهم من الحج وحضورهم مواضع النسك ألا ترى إلى # قوله صلى الله عليه وسلم حين بعث بالبراءة مع علي رضي الله عنه وأن لا ~~يحج بعد العام مشرك # منبئا عن مراد الآية وقوله تعالى في آية أخرى [أولم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا] # وقال حاكيا عن إبراهيم عليه السلام [رب اجعل هذا بلدا آمنا] يدل ذلك على ~~أن وصفه البيت بالأمن اقتضى جميع الحرم ولأن حرمة الحرم لما كانت متعلقة ~~بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت لوقوع الأمن به وحظر القتال والقتل فيه ~~وكذلك حرمة الأشهر الحرم متعلقة بالبيت فكان أمنهم فيها لأجل الحج وهو ~~معقود بالبيت وقوله [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا] إنما هو حكم منه ~~بذلك لا خبر وكذلك قوله تعالى [رب اجعل هذا بلدا آمنا] [ومن دخله كان آمنا] ~~كل ms0110 هذا من طريق الحكم لا على وجه الإخبار بأن من دخله لم يلحقه سوء لأنه لو ~~كان خبرا لوجد مخبره على ما أخبر به لأن أخبار الله تعالى لا بد من وجودها ~~على ما أخبر به وقد قال في موضع آخر [ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم] فأخبر بوقوع القتل فيه فدل أن الأمر ~~المذكور إنما هو من قبل حكم الله تعالى بالأمن فيه وأن لا يقتل العائذ به ~~واللاجئ إليه وكذلك كان حكم الحرم منذ عهد إبراهيم عليه السلام إلى يومنا ~~هذا وقد كانت العرب في الجاهلية تعتقد ذلك الحرم وتستعظم القتل فيه على ما ~~كان بقي في أيديهم من شريعة إبراهيم عليه السلام # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة قال لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل ~~وسلط عليه رسوله والمؤمنين وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم هي حرام إلى يوم ~~القيامة لا يعضد شجرها ولا ينفذ صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها فقال ~~العباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا فقال صلى الله عليه ~~وسلم إلا الإذخر # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي # PageV01P090 # شيبة قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس في هذه القصة ~~ولا يختلى خلاها وقال إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد ~~قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار # وروى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس فلا يسفكن فيها ~~دم وإن الله أحلها لي ms0111 ساعة من نهار ولم يحلها للناس وأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض وحظر فيها سفك الدماء وأن ~~حرمتها باقية إلى يوم القيامة # وأخبر أن من تحريمها تحريم صيدها وقطع الشجر والخلا فإن قال قائل ما وجه ~~استثنائه الإذخر من الحظر عند مسألة العباس وقد أطلق قبل ذلك حظر الجميع ~~ومعلوم أن النسخ قبل التمكين من الفعل لا يجوز قيل له يجوز أن يكون الله ~~تعالى خير نبيه صلى الله عليه وسلم في إباحة الإذخر وحظره عند سؤال من ~~يسئله إباحته كما قال تعالى [فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم] ~~فخيره في الإذن عند المسألة ومع ما حرم الله تعالى من حرمتها بالنص ~~والتوقيف فإن من آياتها ودلالاتها على توحيدها الله تعالى واختصاصه لها ما ~~يوجب تعظيمها ما يشاهد فيها من أمن الصيد فيها وذلك أن سائر بقاع الحرم ~~مشبهة لبقاع الأرض ويجتمع فيها الظبي والكلب فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر ~~منه حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد هو إلى النفور والهرب وذلك ~~دلالة على توحيد الله سبحانه وتعالى وعلى تفضيل إسماعيل عليه السلام وتعظيم ~~شأنه وقد روي عن جماعة من الصحابة حظر صيد الحرم وشجره ووجوب الجزاء على ~~قتله أو قطعه قوله تعالى [واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] يدل على لزوم ~~ركعتي الطواف وذلك لأن قوله تعالى [مثابة للناس] لما اقتضى فعل الطواف ثم ~~عطف عليه قوله [واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] وهو أمر ظاهره الإيجاب دل ~~ذلك على أن الطواف موجب للصلاة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل ~~على أنه أراد به صلاة الطواف وهو # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ~~وذكر حجة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله استلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم الركن فرمل ms0112 ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ [واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى] فجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين فلما تلا ~~صلى الله عليه وسلم عند إرادته الصلاة خلف المقام [واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى] # دل ذلك على أن # PageV01P091 # المراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف وظاهره أمر فهو على الوجوب # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاهما عند البيت # وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن عمر ~~القواريري قال حدثني يحيى بن سعيد قال حدثنا السائب عن محمد المخزومي قال ~~حدثني محمد بن عبد الله بن السائب عن أبيه أنه كان يقود ابن عباس فيقيمه ~~عند الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي يلي الحجر مما يلي الباب فيقول ابن ~~عباس أثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هاهنا فيقوم فيصلي فدلت ~~هذه الآية # على وجوب صلاة الطواف ودل فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها تارة عند ~~المقام وتارة عند غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب وروى عبد الرحمن القاري ~~عن عمر أنه طاف بعد صلاة الصبح ثم ركب وأناخ بذي طوى فصلى ركعتي طوافه وعن ~~ابن عباس أنه صلاها في الحطيم وعن الحسن وعطاء أنه إن لم يصل خلف المقام ~~أجزأ وقد اختلف السلف في المراد بقوله تعالى [مقام إبراهيم] فقال ابن عباس ~~الحج كله مقام إبراهيم وقال عطاء مقام إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار وقال ~~مجاهد الحرم كله مقام إبراهيم وقال السدي مقام إبراهيم هو الحجر الذي كانت ~~زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم رجله عليه ~~وهو راكب فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحجر فوضعته تحت ~~الشق الآخر فغسلته فغابت رجله أيضا فيه فجعلها الله من شعائره فقال ~~[واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] وروي نحوه عن الحسن وقتادة والربيع بن أنس ~~والأظهر أن يكون هو المراد لأن الحرم لا يسمى على الإطلاق مقام ms0113 إبراهيم ~~وكذلك سائر المواضع التي تأوله غيرهم عليها مما ذكرنا ويدل على أنه هو ~~المراد ما # روى حميد عن أنس قال قال عمر قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم ~~مصلى فأنزل الله تعالى [واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] # ثم صلى فدل على أن مراد الله تعالى بذكر المقام هو الحجر ويدل عليه أمره ~~تعالى إيانا بفعل الصلاة وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا سائر المواضع الذي ~~تأويله عليها من ذكرنا قوله وهذا المقام دلالة على توحيد الله ونبوة ~~إبراهيم لأنه جعل للحجر رطوبة الطين حتى دخلت قدمه فيه وذلك لا يقدر عليه ~~إلا الله وهو مع ذلك معجزة لإبراهيم عليه السلام فدل على نبوته وقد اختلف ~~في المعنى المراد بقوله [مصلى] فقال فيه مجاهد مدعى وجعله من الصلاة إذ هي ~~الدعاء لقوله تعالى [يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه] وقال الحسن أراد به ~~قبلة وقال قتادة ... ... # PageV01P092 # والسدي أمروا أن يصلوا عنده وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ لأن لفظ ~~الصلاة إذا أطلق تعقل منه الصلاة المفعولة بركوع وسجود ألا ترى أن مصلى ~~المصر هو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد المصلى أمامك # يعني به موضع الصلاة المفعولة وقد دل عليه أيضا فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد تلاوته الآية وأما قول من قال قبلة فذلك يرجع إلى معنى الصلاة ~~لأنه إنما يجعله المصلي بينه وبين البيت فيكون قبلة له وعلى أن الصلاة فيها ~~الدعاء فحمله على الصلاة أولى لأنها تنتظم سائر المعاني التي تأولوا عليها ~~الآية قوله تعالى [وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود] قال قتادة وعبيد بن عمير ومجاهد وسعيد بن جبير ~~طهرا من الشرك وعبادة الأوثان التي كانت عليها المشركون قبل أن يصير في يد ~~إبراهيم عليه السلام # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما كان فتح مكة دخل المسجد ~~فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان فأمر بكسرها ms0114 وجعل يطعن فيها بعود في يده ~~ويقول (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) # وقيل فيه طهراه من فرث ودم كان المشركون يطرحونه عنده وقال السدى طهرا ~~بيتي ابنياه على الطهارة كما قال الله تعالى [أفمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان خير] الآية قال أبو بكر وجميع ما ذكر يحتمله اللفظ غير منافيه ~~فيكون معناه ابنياه على تقوى الله وطهراه مع ذلك من الفرث والدم ومن ~~الأوثان أن تجعل فيه أو تقربه وأما للطائفين فقد اختلف في مراد الآية منه ~~فروى جويبر عن الضحاك قال للطائفين من جاء من الحجاج والعاكفين أهل مكة وهم ~~القائمون وروى عبد الملك عن عطاء قال العاكفون من انتابه من أهل الأمصار ~~والمجاورين وروى أبو بكر الهذلي قال إذا كان طائفا فهو من الطائفين وإذا ~~كان جالسا فهو من العاكفين وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود وروى ابن ~~فضيل عن ابن عطاء عن سعيد عن ابن عباس في قوله [طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود] قال الطواف قبل الصلاة قال أبو بكر قول الضحاك من ~~جاء من الحجاج فهو من الطائفين راجع أيضا إلى معنى الطواف بالبيت لأن من ~~يقصد البيت فإنما يقصده للطواف به إلا أنه قد خص به الغرباء وليس في الآية ~~دلالة التخصيص لأن أهل مكة والغرباء في فعل الطواف سواء فإن قيل فإنما ~~تأوله الضحاك على الطائف الذي هو طارئ كقوله تعالى [فطاف عليها # PageV01P093 # طائف من ربك] # وقوله [إذا مسهم طائف من الشيطان] قيل له إنه وإن أراد ذلك فالطواف مراد ~~لا محالة لأن الطارئ إنما يقصده للطواف فجعله هو خاصا في بعضهم دون بعض ~~وهذا لا دلالة له فيه فالواجب إذا حمله على فعل الطواف فيكون قوله ~~والعاكفين من يعتكف فيه وهذا يحتمل وجهين أحدهما الاعتكاف المذكور في قوله ~~[وأنتم عاكفون في المساجد] فخص البيت في هذا الموضع الآخر المقيمون بمكة ~~اللائذون به إذا كان الاعتكاف هو اللبث وقيل في العاكفين المجاورون وقيل ~~أهل مكة وذلك ms0115 كله يرجع إلى معنى اللبث والإقامة في الموضع قال أبو بكر هو ~~على قول من تأول قوله الطائفين على الغرباء يدل على أن الطواف للغرباء أفضل ~~من الصلاة وذلك لأن قوله ذلك قد أفاد لا محالة الطواف للغرباء إذا كانوا ~~إنما يقصدونه للطواف وأفاد جواز الاعتكاف فيه بقوله والعاكفين وأفاد فعل ~~الصلاة فيه أيضا وبحضرته فخص الغرباء بالطواف فدل على أن فعل الطواف ~~للغرباء أفضل من فعل الصلاة والاعتكاف الذي هو اللبث من غير طواف وقد روي ~~عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل والصلاة لأهل مكة ~~أفضل فتضمنت الآية معاني منها فعل الطواف في البيت وهو قربة إلى الله تعالى ~~يستحق فاعله الثواب وأنه للغرباء أفضل من الصلاة وفعل الاعتكاف في البيت ~~وبحضرته بقوله والعاكفين وقد دل أيضا على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت ~~أو نفلا إذ لم تفرق الآية بين شيء منها وهو خلاف قول مالك في امتناعه من ~~جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في البيت يوم فتح مكة # فتلك الصلاة لا محالة كانت تطوعا لأنه صلاها حين دخل ضحى ولم يكن وقت ~~صلاة وقد دل أيضا على جواز الجوار بمكة لأن قوله والعاكفين يحتمله إذا كان ~~اسما للبث وقد يكون ذلك من المجاز على أن عطاء وغيره قد تأوله على ~~المجاورين ودل أيضا على أن الطواف قبل الصلاة لما تأوله عليه ابن عباس على ~~ما قدمناه فإن قيل ليس في تقديم الطواف على الصلاة في اللفظ دلالة على ~~الترتيب لأن الواو لا توجبه قيل له قد اقتضى اللفظ فعل الطواف والصلاة ~~جميعا وإذا ثبت طواف مع صلاة فالطواف لا محالة مقدم عليها من وجهين أحدهما ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم والثاني اتفاق أهل العلم على تقديمه عليها ~~فإن اعترض معترض على ما ذكرنا من دلالة الآية على جواز فعل الصلاة في البيت ~~وزعم أنه لا دلالة # PageV01P094 # في اللفظ عليه لأنه لم ms0116 يقل والركع السجود في البيت وكما لم يدل على جواز ~~فعل الطواف في جوف البيت وإنما دل على فعله خارج البيت كذلك دلالته مقصورة ~~على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجها إليه قيل له ظاهر قوله تعالى [طهرا ~~بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود] قد اقتضى فعل ذلك في البيت كما دل ~~على جواز فعل الاعتكاف في البيت وإنما خرج منه الطواف في كونه مفعولا خارج ~~البيت بدليل الاتفاق ولأن الطواف بالبيت إنما هو بأن يطوف حواليه خارجا منه ~~ولا يسمى طائفا بالبيت من طاف في جوفه والله سبحانه إنما أمرنا بالطواف فيه ~~به لا بالطواف بقوله تعالى [وليطوفوا بالبيت العتيق] ومن صلى داخل البيت ~~يتناوله الإطلاق بفعل الصلاة فيه وأيضا لو كان المراد التوجه إليه لما كان ~~لذكر تطهير البيت للركع والسجود وجه إذ كان حاضروا البيت والناءون عنه سواء ~~في الأمر بالتوجه إليه ومعلوم أن تطهيره إنما هو لحاضريه فدل على أنه لم ~~يرد به التوجه إليه دون فعل الصلاة فيه ألا ترى أنه أمر بتطهير نفس البيت ~~للركع السجود وأنت متى حملته على الصلاة خارجا كان التطهير لما حول البيت ~~وأيضا إذا كان اللفظ محتملا للأمرين فالواجب حمله عليهما فيكونان جميعا ~~مرادين فيجوز في البيت وخارجه فإن قيل كما قال الله تعالى [وليطوفوا بالبيت ~~العتيق] كذلك قال [فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره] وذلك يقتضي فعلها خارج البيت فيكون متوجها إلى شطره قيل له لو حملت ~~اللفظ على حقيقته فعلى قضيتك أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الحرام لأنه قال ~~[فول وجهك شطر المسجد الحرام] ومتى كان فيه فعلى قولك لا يكون متوجها إليه ~~قال فإن أراد بالمسجد الحرام البيت نفسه لاتفاق الجميع على أن التوجه إلى ~~المسجد الحرام لا يوجب جواز الصلاة إذا لم يكن متوجها إلى البيت قيل له فمن ~~كان في جوف البيت هو متوجه شطر البيت لأن شطره ناحية ولا محالة أن من كان ~~فيه فهو متوجه إلى ناحيته ms0117 ألا ترى أن من كان خارج البيت فتوجه إليه فإنما ~~يتوجه إلى ناحية منه دون جميعه وكذلك من كان في البيت فهو متوجه شطره ففعله ~~مطابق لظاهر الآيتين جميعا من قوله تعالى [طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود] وقوله تعالى [فول وجهك شطر المسجد الحرام] إذ من كان في ~~البيت فهو متوجه إلى ناحية من البيت ومن المسجد جميعا قال أبو بكر والذي ~~تضمنته الآية من # PageV01P095 # الطواف عام في سائر ما يطاف من الفرض والواجب والندب لأن الطواف عندنا ~~على هذه الأنحاء الثلاثة فالفرض هو طواف الزيارة بقوله تعالى [وليطوفوا ~~بالبيت العتيق] والواجب هو طواف الصدر ووجوبه مأخوذ من السنة # بقوله صلى الله عليه وسلم (من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت الطواف) # والمسنون والمندوب إليه وليس بواجب طواف القدوم للحج فعله النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين قدم مكة حاجا فأما طواف الزيارة فإنه لا ينوب عنه شيء يبقى ~~الحاج محرما من النساء حتى يطوفه وأما طواف الصدر فإن تركه يوجب دما إذا ~~رجع الحاج إلى أهله ولم يطفه وأما طواف القدوم فإن تركه لا يوجب شيئا والله ~~تعالى أعلم بالصواب. ### | باب ذكر صفة الطواف # قال أبو بكر رحمه الله تعالى كل طواف بعده سعي ففيه رمل في الثلاثة أشواط ~~الأول وكل طواف ليس بعده سعي بين الصفا والمروة فلا رمل فيه فالأول مثل ~~طواف القدوم إذا أراد السعي بعده وطواف الزيارة إذا لم يسع بين الصفا ~~والمروة حين قدم فإن كان قد سعى حين قدم عقيب طواف القدوم فلا رمل فيه ~~وطواف العمرة فيه رمل لأن بعده سعيا بين الصفا والمروة # وقد رمل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة حاجا رواه جابر بن عبد ~~الله وابن عباس في رواية عطاء عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك # روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في الثلاثة الأشواط من ~~الحجر إلى الحجر # وروى نحو ذلك عن عمرو ابن مسعود وابن عمر من قولهم ms0118 مثل ذلك # وروى أبو الطفيل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الركن ~~اليماني ثم مشى إلى الركن الأسود وكذلك رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # والنظر يدل على ما رواه الأولون من قبل اتفاق الأولين جميعا على تساوي ~~الأربع الأواخر في المشي فيهن كذلك يجب أن يستوي الثلاث الأول في الرمل ~~فيهن في جميع الجوانب إذ ليس في الأصول اختلاف حكم جوانبه في المشي ولا ~~الرمل في سائر أحكام الطواف وقد اختلف السلف في بقاء سنة الرمل فقال قائلون ~~إنما كان ذلك سنة حين فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرائيا به للمشركين ~~إظهار للتجلد والقوة في عمرة القضاء لأنهم قالوا قد أوهنتهم حمى يثرب ~~فأمرهم بإظهار الجلد لئلا يطمع فيهم وقال زيد بن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر ~~ابن الخطاب يقول فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام # PageV01P096 # ونفى الكفر وأهله ومع ذلك لا ندع شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال أبو الطفيل قلت لابن عباس إن قومك يزعمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رمل بالبيت وأنه سنة قال صدقوا وكذبوا # قد رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بسنة # قال أبو بكر ومذهب أصحابنا أنه سنة ثابتة لا ينبغي تركها وإن كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر به بديا لإظهار الجلد والقوة مراءاة للمشركين لأنه # قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع ولم يكن هناك ~~مشركون # وقد فعله أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر وغيرهم فثبت بقاء حكمه وليس ~~تعلقه بديا بالسبب المذكور مما يوجب زوال حكمه حيث زال السبب ألا ترى أنه ~~قد روي أن سبب رمي الجمار أن إبليس لعنه الله عرض لإبراهيم عليه السلام ~~بموضع الجمار فرماه ثم صار الرمي سنة باقية مع عدم ذلك السبب وروي أن سبب ~~السعي بين الصفا والمروة أن أم إسماعيل عليه ms0119 السلام صعدت الصفا تطلب الماء ~~ثم نزلت فأسرعت المشي في بطن الوادي لغيبة الصبي عن عينها ثم لما صعدت من ~~الوادي رأت الصبي فمشت على هينتها وصعدت المروة تطلب الماء فعلت ذلك سبع ~~مرات فصار السعي بينهما سنة وإسراع المشي في الوادي سنة مع زوال السبب الذي ~~فعل من أجله فكذلك الرمل في الطواف وقال أصحابنا يستلم الركن الأسود ~~واليماني دون غيرهما وقد روي ذلك عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وروي أيضا عن ابن عباس عنه وقال ابن عمر حين أخبر بقول عائشة إن الحجر بعضه ~~من البيت أنى لا أظن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك استلامهما إلا أنهما ~~ليسا على قواعد البيت ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك وقال يعلى بن ~~أمية طفت مع عمر بن الخطاب فلما كنت عند الركن الذي يلي الحجر أخذت أستلمه ~~فقال ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت بلى قال فرأيته يستلمه ~~قلت لا قال [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] قوله تعالى [وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا] الآية يحتمل وجهين أحدهما معنى مأمون فيه ~~كقوله تعالى [في عيشة راضية] يعني مرضية والثاني أن يكون المراد أهل البلد ~~كقوله تعالى [وسئل القرية] معناه أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا ~~يلحقان البلد وإنما يلحقان من فيه وقد اختلف في الأمن المسئول في هذه الآية ~~فقال قائلون سأل الأمن من القحط والجدب لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ~~ضرع ولم يسئله الأمن من الخسف والقذف لأنه كان آمنا من ذلك قبل وقد قيل إنه ~~سأل الأمرين جميعا قال أبو بكر هو كقوله # PageV01P097 # تعالى [مثابة للناس وأمنا] وقوله [ومن دخله كان آمنا] وقوله [وإذ قال ~~إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا] والمراد والله أعلم بذلك الأمن من القتل ~~وذلك أنه قد سأله مع رزقهم من الثمرات [رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله ~~من الثمرات] وقال عقيب ms0120 مسألة الأمن في قوله تعالى [رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام] ثم قال في سياق القصة [ربنا إني أسكنت من ~~ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم] إلى قوله [وارزقهم من الثمرات] ~~فذكر مع مسألته الأمن وأن يرزقهم من الثمرات فالأولى حمل معنى مسألة الأمن ~~على فائدة جديدة غير ما ذكره في سياق القصة ونص عليه من الرزق فإن قال قائل ~~إن حكم الله تعالى بأمنها من القتل قد كان متقدما لعهد إبراهيم عليه السلام # لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ~~لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار) # يعني القتال فيها قيل له هذا لا ينفى صحة مسألته لأنه قد يجوز نسخ تحريم ~~القتل والقتال فيها فسأله إدامة هذا الحكم فيها وتبقيته على ألسنة رسله ~~وأنبيائه بعده ومن الناس من يقول إنها لم تكن حرما ولا أمنا قبل مسألة ~~إبراهيم عليه السلام لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن إبراهيم عليه السلام حرم ~~مكة وإني حرمت المدينة) # والأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في (أن الله تعالى حرم مكة ~~يوم خلق السموات والأرض وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي) # أقوى وأصح من هذا الخبر ومع ذلك فلا دلالة فيه أنه لم تكن حرما قبل ذلك ~~لأن إبراهيم عليه السلام حرمها بتحريم الله تعالى إياها قبل ذلك فاتبع أمر ~~الله تعالى فيها ولا دلالة فيه على نفي تحريمها قبل عهد إبراهيم من غير ~~الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة والوجه الأول بمنع من اصطلام أهلها ~~ومن الخسف بهم والقذف الذي لحق غيرها وبما جعل في النفوس من تعظيمها ~~والهيبة لها والوجه الثاني بالحكم بأمنها على ألسنة رسله فأجابه الله تعالى ~~إلى ذلك قوله تعالى [ومن كفر] قد تضمن استجابته لدعوته وإخباره أنه يفعل ~~ذلك أيضا بمن كفر منهم في الدنيا وقد ms0121 كانت دعوة إبراهيم خاصة لمن آمن منهم ~~بالله واليوم الآخر فدلت الواو التي في قوله ومن كفر على إجابة دعوة ~~إبراهيم وعلى استقبال الأخبار بمتعة من كفر قليلا ولولا الواو لكان كلاما ~~متقطعا من الأول غير دال على استجابة دعوته فيما سأله وقيل في معنى أمتعه ~~أنه إنما يمتعه بالرزق الذي يرزقه # PageV01P098 # إلى وقت مماته وقيل أمتعه بالبقاء في الدنيا وقال الحسن أمتعه بالرزق ~~والأمن إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله إن أقام على كفره أو يجليه ~~عنها فتضمنت الآية حظر قتل من لجأ إليه من وجهين أحدهما قوله [رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا] مع وقوع الاستجابة له والثاني قوله [ومن كفر فأمتعه قليلا] لأنه ~~قد نفى قتله بذكر المتعة إلى وقت الوفاة # [وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل] الآية قواعد البيت أساسه ~~وقد اختلف في بناء إبراهيم عليه السلام هل بناه على قواعد قديمة أو أنشأها ~~هو ابتداء فروى معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله القواعد ~~من البيت قال القواعد التي كانت قبل ذلك قواعد البيت وروي نحوه عن عطاء ~~وروى منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمر قال خلق الله البيت قبل الأرض ~~بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته # وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة كانت تحج ~~البيت قبل آدم ثم حجه آدم عليه السلام # وروي عن مجاهد وعمرو بن دينار أن إبراهيم عليه السلام أنشأه بأمر الله ~~إياه وقال الحسن أول من حج البيت إبراهيم واختلف في الباني منهما للبيت ~~فقال ابن عباس كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهذا يدل على جواز ~~إضافة فعل البناء إليهما وإن كان أحدهما معينا فيه ومن أجل ذلك قلنا في # قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لو قدمت قبلي لغسلتك ودفنتك # يعني أعنت في غسلك وقال السدي وعبيد بن عمير هما بنياه جميعا وقيل في ~~رواية شاذة إن إبراهيم عليه السلام وحده ms0122 رفعها وكان إسماعيل صغيرا في وقت ~~رفعها وهو غلط لأن الله تعالى قد أضاف الفعل إليهما وكذلك أطلق عليهما إذ ~~رفعاه جميعا أو رفع أحدهما وناوله الآخر الحجارة والوجهان الأولان جائزان ~~والوجه الثالث لا يجوز ولما قال تعالى [طهرا بيتي للطائفين] وقال في آية ~~أخرى [وليطوفوا بالبيت العتيق] اقتضى ذلك الطواف بجميع البيت # وروى هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أهل الجاهلية اقتصروا في بناء الكعبة فادخلي الحجر وصلي عنده # ولذلك طاف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول الحجر ليحصل اليقين ~~بالطواف بجميع البيت ولذلك أدخله ابن الزبير في البيت لما بناه حين احترق ~~ثم لما جاء الحجاج أخرجه منه قوله تعالى [ربنا تقبل منا] معناه يقولان ربنا ~~تقبل فحذف لدلالة الكلام عليه كقوله تعالى [والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ~~أنفسكم] يعني يقولون أخرجوا أنفسكم والتقبل هو إيجاب # PageV01P099 # الثواب على العمل وقد تضمن ذلك كون بناء المساجد قربة لأنهما بنياه لله ~~تعالى فأخبرا باستحقاق الثواب به وهو # كقوله صلى الله عليه وسلم (من بنى مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له ~~بيتا في الجنة) # قوله تعالى [وأرنا مناسكنا] يقال إن أصل النسك في اللغة الغسل يقال منه ~~نسك ثوبه إذا غسله وقد أنشد فيه بيت شعر: # ولا ينبت المرعى سباخ عراعر ... ولو نسكت بالماء ستة أشهر # وفي الشرع اسم للعبادة يقال رجل ناسك أي عابد # وقال البراء بن عازب خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى فقال (إن ~~أول نسكنا في هذا اليوم الصلاة ثم الذبح فسمى الصلاة نسكا والذبيحة على وجه ~~القربة تسمى نسكا) # قال الله تعالى [ففدية من صيام أو صدقة أو نسك] يعني ذبح شاة ومناسك الحج ~~ما يقتضيه من الذبح وسائر أفعاله # قال النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة (خذوا عني مناسككم) # والأظهر من معنى قوله [وأرنا مناسكنا] سائر أعمال الحج لأن الله تعالى ~~أمرهما ببناء البيت للحج # وقد روى ابن أبي ms0123 ليلى عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (أتى جبرئيل إبراهيم عليهما السلام فراح به إلى مكة ثم ~~منى) # وذكر أفعال الحج على نحو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجته قال ~~ثم أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم [أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا] ~~وكذلك # أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم بعرفات وقوف خلفه وهو واقف بها ~~فقال كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم عليه السلام # قوله تعالى [ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه] يدل على لزوم ~~اتباع إبراهيم في شرائعه فيما لم يثبت نسخه وأفاد بذلك أن من رغب عن ملة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فهو راغب عن ملة إبراهيم إذ كانت ملة النبي صلى ~~الله عليه وسلم منتظمة لملة إبراهيم وزائدة عليها. ### | باب ميراث الجد # قال الله تعالى [أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا] فسمى الجد والعم كل واحد منهما أبا وقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه ~~السلام [واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب] وقد احتج ابن عباس بذلك ~~في توريث الجد دون الإخوة وروى الحجاج عن عطاء عن ابن عباس قال من شاء ~~لاعنته عند الحجر الأسود أن الجد أب والله ما ذكر الله جدا ولا جدة إلا ~~أنهم الآباء [واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق # PageV01P100 # ويعقوب] # واحتجاج ابن عباس في توريث الجد دون الإخوة وإنزاله منزلة الأب في ~~الميراث عند فقده يقتضي جواز الاحتجاج بظاهر قوله تعالى [وورثه أبواه فلأمه ~~الثلث] في استحقاقه الثلثين دون الإخوة كما يستحق الأب دونهم إذا كان باقيا ~~ودل ذلك على أن إطلاق اسم الأب يتناول الجد فاقتضى ذلك أن لا يختلف حكمه ~~وحكم الأب في الميراث إذا لم يكن أب وهو مذهب أبي بكر الصديق في آخرين من ~~الصحابة قال عثمان ms0124 قضى أبو بكر أن الجد أب وأطلق اسم الأبوة عليه وهو قول ~~أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي بقول زيد بن ثابت في الجد ~~أنه بمنزلة الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث فيعطى الثلث ولم ينقص منه ~~شيئا # وقال ابن أبي ليلى بقول علي بن أبي طالب عليه السلام في الجد أنه بمنزلة ~~أحد الإخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فيعطى السدس ولم ينقص منه شيئا # وقد ذكرنا اختلاف الصحابة فيه في شرح مختصر الطحاوي والحجاج للفرق ~~المختلفين فيه إلا أن الحجاج بالآية فيه من وجهين أحدهما ظاهر تسمية الله ~~تعالى إياه أبا والثاني احتجاج ابن عباس بذلك وإطلاقه أن الجد أب وكذلك أبو ~~بكر الصديق لأنهما من أهل اللسان لا يخفى عليهما حكم الأسماء من طريق اللغة ~~وإن كانا أطلقاه من جهة الشرع فحجته ثابتة إذ كانت أسماء الشرع طريقها ~~التوقيف ومن يدفع الاحتجاج بهذا الظاهر يقول إن الله تعالى قد سمى العم أبا ~~في الآية لذكره إسماعيل فيها وهو عمه ولا يقوم مقام الأب # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ردوا علي أبي يعني العباس وهو عمه # قال أبو بكر ويعترض عليه من جهة أن الجد إنما سمي أبا على وجه المجاز ~~لجواز انتفاء اسم الأب عنه لأنك لو قلت للجد إنه ليس بأب لكان ذلك نفيا ~~صحيحا وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال ومن جهة أخرى أن الجد إنما ~~سمي أبا بتقييد والإطلاق لا يتناوله فلا يصح الاحتجاج فيه بعموم لفظ ~~الأبوين في الآية ومن جهة أخرى أن الأب الأدنى في قوله تعالى [وورثه أبواه] ~~مراد بالآية فلا جائز أن يراد به الجد لأنه مجاز ولا يتناول الإطلاق ~~للحقيقة والمجاز في لفظ واحد قال أبو بكر فأما دفع الاحتجاج بعموم لفظ الأب ~~في إثبات الجد أبا من حيث سمي العم أبا في الآية مع اتفاق الجميع على أنه ~~لا يقوم مقام الأب بحال فإنه مما لا يعتمد لأن إطلاق اسم الأب ms0125 إن كان ~~يتناول الجد والعم في اللغة والشرع فجائز اعتبار عمومه في سائر ما أطلق فيه ~~فإن خص العم بحكم # PageV01P101 # دون الجد لا يمنع ذلك بقاء حكم العموم في الجد ويختلفان أيضا في المعنى ~~من قبل أن الأب إنما سمي بهذا الإسم لأن الإبن منسوب إليه بالولاد وهذا ~~المعنى موجود في الجد وإن كانا يختلفان من جهة أخرى أن بينه وبين الجد ~~واسطة وهو الأب ولا واسطة بينه وبين الأب والعم ليست له هذه المنزلة إذ لا ~~نسبة بينه وبينه من طريق الولاد ألا ترى أن الجد وإن بعد في المعنى بمعنى ~~من قرب في إطلاق الإسم وفي الحكم جميعا إذا لم يكن من هو أقرب منه فكان ~~للجد هذا الضرب من الاختصاص فجائز أن يتناوله إطلاق اسم الأب ولما لم يكن ~~للعم هذه المزية لم يسم به مطلقا ولا يعقل منه أيضا إلا بتقيد والجد مساو ~~للأب في معنى الولاد فجائز أن يتناوله اسم الأب وأن يكون حكمه عند فقده ~~حكمه وأما من دفع ذلك من جهة أن تسمية الجد باسم الأب مجاز وأن الأب الأدنى ~~مراد بالآية فغير جائز إرادة الجد به لانتفاء أن يكون اسم واحد مجازا حقيقة ~~فغير واجب من قبل أنه جائز أن يقال إن المعنى الذي من أجله سمي الأب بهذا ~~الاسم وهو النسبة إليه من طريق الولاد موجود في الجد ولم يختلف المعنى الذي ~~من أجله قد سمي كل واحد منهما فجاز إطلاق الاسم عليهما وإن كان أحدهما أخص ~~به من الآخر كالإخوة يتناول جميعهم هذا الاسم لأب كانوا أو لأب وأم ويكون ~~الذي للأب والأم أولى بالميراث وسائر أحكام الأخوة من الذين للأب والاسم ~~فيهما جميعا حقيقة وليس يمتنع أن يكون الاسم حقيقة في معنيين وإن كان ~~الإطلاق إنما يتناول أحدهما دون الآخر ألا ترى أن اسم النجم يقع على كل ~~واحد من نجوم السماء حقيقة والإطلاق عند العرب يتناول النجم الذي هو الثريا ~~يقول القائل منهم فعلت كذا وكذا والنجم على ms0126 قمة الرأس يعني الثريا ولا تعقل ~~العرب بقولها طلع النجم عند الإطلاق غير الثريا وقد سموا هذا الاسم لسائر ~~نجوم السماء على الحقيقة فكذلك اسم الأب لا يمتنع عند المحتج بما وصفنا أن ~~يتناول الأب والجد على الحقيقة وإن اختص الأب به في بعض الأحوال ولا يكون ~~في استعمال اسم الأب في الأب الأدنى والجد إيجاب كون لفظة واحدة حقيقة ~~مجازا فإن قيل لو كان اسم الأب مختصا بالنسبة من طريق الولاد للحق الأم هذا ~~الاسم لوجود الولاد فيها فكان الواجب أن تسمى الأم أبا وكانت الأم أولى ~~بذلك من الأب والجد لوجود الولادة حقيقة منها قيل له لا يجب ذلك لأنهم قد ~~خصوا الأم باسم دونه ليفرقوا بينها وبينه وإن كان # PageV01P102 # الولد منسوبا إلى كل واحد منهما بالولاد وقد سمى الله تعالى الأم أبا حين ~~جمعها مع الأب فقال تعالى [ولأبويه لكل واحد منهما السدس] ومما يحتج لأبي ~~بكر الصديق وللقائلين بقوله أن الجد يجتمع له الاستحقاق بالنسبة والتعصيب ~~معا ألا ترى أنه لو تركا بنتا وجدا كان للبنت النصف وللجد السدس وما بقي ~~بالنسبة والتعصيب كما لو ترك بنتا وأبا يستحق بالنسبة والتعصيب معا في حال ~~واحدة فوجب أن يكون بمنزلته في استحقاق الميراث دون الإخوة والأخوات ووجه ~~آخر وهو أن الجد يستحق بالتعصيب من طريق الولاد فوجب أن يكون بمنزلة الأب ~~في نفي مشاركة الإخوة إذ كانت الإخوة # إنما تستحقه بالتعصيب منفردا عن الولاد ووجه آخر في نفي الشركة بينه وبين ~~الإخوة على وجه المقاسمة وهو أن الجد يستحق السدس مع الابن كما يستحقه الأب ~~معه فلما لم يستحق الإخوة مع الأب بهذه العلة وجب أن لا يجب لهم ذلك مع ~~الجد فإن قيل الأم تستحق السدس مع الابن ولم ينتف بذلك توريث الإخوة معها ~~قيل له إنما نصف بهذه العلة لنفي الشركة بينه وبين الإخوة على وجه المقاسمة ~~وإذا انتفت الشركة بينهم وبينه في المقاسمة إذا انفردوا معه سقط الميراث ~~لأن كل من ورثهم معه يوجب ms0127 القسمة بينه وبينهم إذا لم يكن غيرهم على اعتبار ~~منهم في الثلث أو السدس وأما الأم فلا تقع بينها وبين الإخوة مقاسمة بحال ~~ونفي القسمة لا ينفي ميراثهم ونفي مقاسمة الإخوة للجد إذا انفردوا يوجب ~~إسقاط ميراثهم معه إذ كان من يورثهم معه إنما يورثهم بالمقاسمة وإيجاب ~~الشركة بينهم وبينه فلما سقطت المقاسمة ما وصفنا سقط ميراثهم معه إذ ليس ~~فيه إلا قولان قول من يسقط معه ميراثهم رأسا وقول من يوجب المقاسمة فلما ~~بطلت المقاسمة بما وصفنا ثبت سقوط ميراثهم معه فإن قال قائل إن الجد يدلي ~~بابنه وهو أبو الميت والأخ يدلي بأبيه فوجبت الشركة بينهما كمن ترك أباه ~~وابنه قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أنه لو صح هذا الاعتبار لما وجبت ~~المقاسمة بين الجد والأخ بل كان الواجب أن يكون للجد السدس وللأخ ما بقي ~~كمن ترك أبا وابنا للأب السدس والباقي للابن والوجه الآخر أنه يوجب أن يكون ~~الميت إذا ترك جد أب وعما أن يقاسمه العم لأن جد لأب يدلي بالجد الأدنى ~~والعم أيضا يدلي به لأنه ابنه فلما اتفق الجميع على سقوط ميراث العم مع جد ~~الأب مع وجود العلة التي وصفت دل ذلك على انتفاضها وفسادها ويلزمه أيضا على ~~هذا الاعتلال أن ابن # PageV01P103 # الأخ يشارك الجد في الميراث لأنه يقول أن ابن ابن الأب والجد أب الأب ولو ~~ترك أبا وابن ابن كان للأب السدس وما بقي لابن الابن # قوله تعالى [تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما ~~كانوا يعملون] يدل على ثلاثة معان أحدها أن الأبناء لا يثابون على طاعة ~~الآباء ولا يعذبون على ذنوبهم وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد ~~المشركين بذنوب الآباء ويبطل مذهب من يزعم من اليهود أن الله تعالى يغفر ~~لهم ذنوبهم بصلاح آبائهم وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى في نظائر ذلك من ~~الآيات نحو قوله تعالى [ولا تكسب كل نفس إلا عليها] [ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى] ms0128 وقال [فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم] # وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي رمثة ورآه مع ابنه ~~أهو ابنك فقال نعم قال أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه وقال صلى الله ~~عليه وسلم يا بنى هاشم لا تأتينى الناس بأعمالهم وتأتونى بأنسابكم فأقول لا ~~أغني عنكم من الله شيا # وقال صلى الله عليه وسلم (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) # قوله تعالى [فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم] إخبار بكفاية الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم أمر أعدائه فكفاه مع كثرة عددهم وحرصهم فوجد ~~مخبره على ما أخبر به وهو نحو قوله تعالى [والله يعصمك من الناس] فعصمه ~~منهم وحرسه من غوائلهم وكيدهم وهو دلالة على صحة نبوته إذ غير جائز اتفاق ~~وجود مخبره على ما أخبر به في جميع أحواله إلا وهو من عند الله تعالى عالم ~~الغيب والشهادة إذ غير جائز وجود مخبر أخبار المتخرصين والكاذبين على حسب ~~ما يخبرون بل أكثر أخبارهم كذب وزور يظهر بطلانه لسامعيه وإنما يتفق لهم ~~ذلك في الشاذ النادر إن اتفق # قوله تعالى [سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها] قال أبو بكر لم يختلف المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يصلي بمكة إلى بيت المقدس وبعد الهجرة مدة من الزمان فقال ابن عباس والبراء ~~بن عازب كان التحويل إلى الكعبة بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم لسبعة ~~عشر شهرا وقال قتادة لستة عشر وروي عن أنس بن مالك أنه تسعة أشهر وعشرة ~~أشهر ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة وقد نص الله في هذه الآيات على ~~أن الصلاة كانت إلى غير الكعبة ثم حولها إليها بقوله تعالى [سيقول السفهاء ~~من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها] الآية # وقوله تعالى [وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه] # وقوله تعالى [قد نرى تقلب ms0129 وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها] فهذه ~~الآيات كلها # PageV01P104 # دالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يصلي إلى غير الكعبة وبعد ~~ذلك حوله إليها وهذا يبطل قول من يقول ليس في شريعة النبي ناسخ ولا منسوخ ~~ثم اختلف في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان فرضا لا ~~يجوز غيره أو كان مخيرا في توجهه إليها وإلى غيرها فقال الربيع ابن أنس كان ~~مخيرا في ذلك وقال ابن عباس كان الفرض التوجه إليه بلا تخيير وأي الوجهين ~~كان فقد كان التوجه فرضا لمن يفعله لأن التخيير لا يخرجه من أن يكون فرضا ~~ككفارة اليمين أيها كفر به فهو الفرض وكفعل الصلاة في أول الوقت وأوسطه ~~وآخره # وحدثنا جعفر بن محمد اليمان قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن ~~صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة أمره الله ~~تعالى أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود بذلك فاستقبله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بضعة عشر شهرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة أبيه ~~إبراهيم عليه السلام ويدعو الله تعالى وينظر إلى السماء فأنزل الله [قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء] # الآية وذكر القصة فأخبر ابن عباس أن الفرض كان التوجه إلى بيت المقدس ~~وأنه نسخ بهذه الآية وهذا لا دلالة فيه على قول من يقول إن الفرض كان ~~التوجه إليه بلا تخيير ولأنه جائز أن يكون كان الفرض على وجه التخيير وورد ~~النسخ على التخيير وقصروا على التوجه إلى الكعبة بلا تخيير # وقد روي أن النفر الذين قصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ~~إلى مكة للبيعة قبل الهجرة كان فيهم البراء بن معرور فتوجه بصلاته إلى ~~الكعبة في طريقه وأبى الآخرون وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه ~~إلى بيت المقدس فلما قدموا ms0130 مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقالوا له فقال قد كنت على قبلة # يعني بيت المقدس لو ثبت عليها أجزك ولم يأمره باستئناف الصلاة فدل على ~~أنهم كانوا مخيرين وإن كان اختار التوجه إلى بيت المقدس فإن قيل له جائز أن ~~يكون المراد من القرآن المنسوخ التلاوة وجائز أن يكون قوله [سيقول السفهاء ~~من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها] وكان نزول ذلك قبل النسخ ~~وفيه إخبار بأنهم على قبلة غيرها وجائز أن يريد أول ما نسخ من القرآن فيكون ~~مراده الناسخ من القرآن دون المنسوخ وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال ~~أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة قال الله تعالى [ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه # PageV01P105 # الله] # ثم أنزل الله تعالى [سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها] إلى قوله [فول وجهك شطر المسجد الحرام] وهذا الخبر يدل على ~~معنيين أحدهما أنهم كانوا مخيرين في التوجه إلى حيث شاءوا والثاني أن ~~المنسوخ من القرآن هذا التخيير المذكور في هذه الآية بقوله [فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام] وقوله تعالى [سيقول السفهاء من الناس] قيل فيه إنه أراد ~~بذكر السفهاء هاهنا اليهود وأنهم الذين عابوا تحويل القبلة وروي ذلك عن ابن ~~عباس والبراء بن عازب وأرادوا به إنكار النسخ لأن قوما منهم لا يرون النسخ ~~وقيل إنهم قالوا يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها ارجع إليها نتبعك ~~ونؤمن بك وإنما أرادوا فتنته فكان إنكار اليهود لتحويله عن القبلة الأولى ~~إلى الثانية على أحد هذين الوجهين # وقال الحسن لما حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة من بيت ~~المقدس قال مشركوا العرب يا محمد رغبت من ملة آبائك ثم رجعت إليها آنفا ~~والله لترجعن إلى دينهم وقد بين الله تعالى المعنى الذي من أجله نقلهم الله ~~تعالى عن القبلة الأولى إلى الثانية بقوله تعالى [وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليها إلا لنعلم ms0131 من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه] # وقيل إنهم كانوا أمروا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا من ~~المشركين الذين كانوا بحضرتهم يتوجهون إلى الكعبة فلما هاجر النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة كانت اليهود المجاورون للمدينة يتوجهون إلى بيت ~~المقدس فنقلوا إلى الكعبة ليتميزوا من هؤلاء كما تميزوا من المشركين بمكة ~~باختلاف القبلتين فاحتج الله تعالى على اليهود في إنكارها النسخ بقوله ~~تعالى [قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم] وجه الاحتجاج ~~به أنه إذا كان المشرق والمغرب لله فالتوجه إليهما سواء لا فرق بينهما في ~~العقول والله تعالى يخص بذلك أي الجهات شاء على وجه المصلحة في الدين ~~والهداية إلى الطريق المستقيم ومن جهة أخرى أن اليهود زعمت أن الأرض ~~المقدسة أولى بالتوجه إليها لأنها من مواطن الأنبياء عليهم السلام وقد ~~شرفها تعالى وعظمها فلا وجه للتولي عنها فأبطل الله قولهم ذلك بأن المواطن ~~من المشرق والمغرب لله تعالى يخص منها ما يشاء في كل زمان على حسب ما يعلم ~~من المصلحة فيه للعباد إذ كانت المواطن بأنفسها لا تستحق التفضيل وإنما ~~توصف بذلك على حسب ما يوجب الله تعالى تعظيمها لتفضيل الأعمال فيها قال أبو ~~بكر هذه الآية يحتج بها من يجوز نسخ السنة بالقرآن لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس # PageV01P106 # وليس في القرآن ذكر ذلك ثم نسخ بهذه الآية ومن يأبى ذلك يقول ذكر ابن ~~عباس أنه نسخ قوله تعالى [فأينما تولوا فثم وجه الله] فكان التوجه إلى حيث ~~كان من الجهات في مضمون الآية ثم نسخ بالتوجه إلى الكعبة قال أبو بكر وقوله ~~[فأينما تولوا فثم وجه الله] ليس بمنسوخ عندنا بل هو مستعمل الحكم في ~~المجتهد إذا صلى إلى غير جهة الكعبة وفي الخائف وفي الصلاة على الراحلة وقد ~~روى ابن عمر وعامر بن ربيعة أنها نزلت في المجتهد إذا تبين أنه صلى إلى غير ~~جهة الكعبة وعن ابن عمر أيضا أنه فيمن صلى ms0132 على راحلته ومتى أمكننا استعمال ~~الآية من غير إيجاب نسخ لها لم يجز لنا الحكم بنسخها وقد تكلمنا في هذه ~~المسألة في الأصول بما يغني ويكفي وفي هذه الآية حكم آخر وهو ما # روى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي نحو البيت المقدس فنزلت [فول وجهك شطر المسجد الحرام] # فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرتم أن توجهوا وجوهكم شطر ~~المسجد الحرام فحولت بنو سلمة وجوهها نحو البيت وهم ركوع وقد روى عبد ~~العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال بينما الناس في صلاة ~~الصبح بقباء إذ جاءهم رجل فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل ~~عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها فاستداروا كهيئتهم إلى ~~الكعبة وكان وجه الناس إلى الشام وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال ~~لما صرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة بعد نزول قوله تعالى [قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء] مر رجل صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من ~~الأنصار وهم يصلون نحو بيت المقدس فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~صلى إلى الكعبة فانحرفوا قبل أن يركعوا وهم في صلاتهم قال أبو بكر وهذا خبر ~~صحيح مستفيض في أيدي أهل العلم قد تلقوه بالقبول فصار في حيز التواتر ~~الموجب للعلم وهو أصل في المجتهد إذا تبين له جهة القبلة في الصلاة أنه ~~يتوجه إليها ولا يستقبلها وكذلك الأمة إذا أعتقت في الصلاة أنها تأخذ ~~قناعها وتبني وهو أصل في قبول خبر الواحد في أمر الدين لأن الأنصار قبلت ~~خبر الواحد المخبر لهم بذلك فاستداروا إلى الكعبة بالنداء في تحويل القبلة ~~ومن جهة أخرى أمر النبي صلى الله عليه وسلم المنادى بالنداء وجه ولا فائدة ~~فإن قال قائل من أصلكم أن ما يثبت من طريق يوجب العلم لا يجوز قبول خبر ~~الواحد ms0133 في رفعه وقد كان القوم متوجهين إلى بيت المقدس بتوقيف من النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياهم عليه ثم تركوه إلى غيره بخبر الواحد قيل له لأنهم لم ~~يكونوا على يقين # PageV01P107 # من بقاء الحكم الأول بعد غيبتهم عن حضرته لتجويزهم ورود النسخ فكانوا في ~~بقاء الحكم الأول على غالب الظن دون اليقين فلذلك قبلوا خبر الواحد في رفعه ~~فإن قال قائل هلا أجزتم للمتيمم البناء على صلاته إذا وجد الماء كما بنى ~~هؤلاء عليها بعد تحويل القبلة قيل له هو مفارق لما ذكرت من قبل أن تجويز ~~البناء للمتيمم لا يوجب عليه الوضوء ويجيز له البناء بالتيمم مع وجود الماء ~~والقوم حين بلغهم تحويل القبلة استداروا إليها ولم يبقوا على الجهة التي ~~كانوا متوجهين إليها فنظير القبلة أن يؤمر المتيمم بالوضوء والبناء ولا ~~خلاف أن المتيمم إذا لزمه الوضوء لم يجز البناء عليه ومن جهة أخرى إن أصل ~~الفرض للمتيمم إنما هو الطهارة بالماء والتراب بدل منه فإذا وجد الماء عاد ~~إلى أصل فرضه كالماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه فلا يبني فكذلك المتيمم ~~ولم يكن أصل فرض المصلين إلى بيت المقدس حين دخلوا فيها الصلاة إلى الكعبة ~~وإنما ذلك فرض لزمهم في الحال وكذلك الأمة إذا أعتقت في الصلاة لم يكن ~~عليها قبل ذلك فرض الستر وإنما هو فرض لزمها في الحال فأشبهت الأنصار حين ~~علمت بتحويل القبلة وكذلك المجتهد فرضه التوجه إلى الجهة التي أداه إليها ~~اجتهاده لا فرض عليه غير ذلك بقوله [فأينما تولوا فثم وجه الله] فإنما ~~انتقل من فرض إلى فرض ولم ينتقل من بدل إلى أصل الفرض وفي الآية حكم آخر ~~وهو أن فعل الأنصار في ذلك على ما وصفنا أصل في أن الأوامر والزواجر إنما ~~يتعلق أحكامها بالعلم ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن أسلم في دار الحرب ولم ~~يعلم أن عليه صلاة ثم خرج إلى دار الإسلام إنه لا قضاء عليه فيما ترك لأن ~~ذلك يلزم من طريق السمع وما لم ms0134 يعلمه لا يتعلق عليه حكمه كما لم يتعلق حكم ~~التحويل على الأنصار قبل بلوغهم الخبر وهو أصل في أن الوكالات والمضاربات ~~ونحوهما من أوامر العباد لا ينسخ شيء منها إذا فسخها من له الفسخ إلا من ~~بعد علم الآخر بها وكذلك لا يتعلق حكم الأمر بها على من لم يبلغه ولذلك ~~قالوا لا يجوز تصرف الوكيل قبل العلم بالقبلة بالوكالة والله أعلم بالصواب. ### | باب القول في صحة الإجماع # قوله تعالى [وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس] قال أهل ~~اللغة الوسط العدل وهو الذي بين المقصر والغالي وقيل هو الخيار والمعنى ~~واحد لأن العدل هو الخيار قال زهير: # PageV01P108 # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم وقوله تعالى ~~[لتكونوا شهداء على الناس] معناه كي تكونوا ولأن تكونوا كذلك وقيل في ~~الشهداء إنهم يشهدون على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها في الدنيا ~~والآخرة كقوله تعالى [وجيء بالنبيين والشهداء] وقيل فيه إنهم يشهدون ~~للأنبياء عليهم السلام على أممهم المكذبين بأنهم قد بلغوهم لإعلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم إياهم وقيل لتكونوا حجة فيما تشهدون كما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شهيد بمعنى حجة دون كل واحد منها قال أبو بكر وكل هذه ~~المعاني يحتملها اللفظ وجائز أن يكون بأجمعها مراد الله تعالى فيشهدون على ~~الناس بأعمالهم في الدنيا والآخرة ويشهدون للأنبياء عليهم السلام على أممهم ~~بالتكذيب لإخبار الله تعالى إياهم بذلك وهم مع ذلك حجة على من جاء بعدهم في ~~نقل الشريعة وفيما حكموا به واعتقدوه من أحكام الله تعالى وفي هذه الآية ~~دلالة على صحة إجماع الأمة من وجهين أحدهما وصفه إياها بالعدالة وأنها خيار ~~وذلك يقتضي تصديقها والحكم بصحة قولها وناف لإجماعها على الضلال والوجه ~~الآخر قوله [لتكونوا شهداء على الناس] بمعنى الحجة عليهم كما أن الرسول لما ~~كان حجة عليهم وصفه بأنه شهيد عليهم ولما جعلهم الله تعالى شهداء على غيرهم ~~فقد حكم لهم بالعدالة وقبول القول لأن شهداء الله تعالى لا يكونون كفارا ms0135 ~~ولا ضلالا فاقتضت الآية أن يكونوا شهداء في الآخرة على من شاهدوا في كل عصر ~~بأعمالهم دون من مات قبل زمنهم كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهيدا على ~~من كان في عصره هذا إذا أريد بالشهادة عليهم بأعمالهم في الآخرة فأما إذا ~~أريد بالشهادة الحجة فذلك حجة على من شاهد وهم من أهل العصر الثاني وعلى من ~~جاء بعدهم إلى يوم القيامة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حجة على جميع ~~الأمة أولها وآخرها ولأن حجة الله إذا ثبتت في وقت فهي ثابتة أبدا ويدلك ~~على فرق ما بين الشهادة على الأعمال في الآخرة والشهادة التي هي الحجة قوله ~~تعالى [فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا] لما أراد ~~الشهادة على أعمالهم خص أهل عصره ومن شاهده بها وكما قال تعالى حاكيا عن ~~عيسى صلوات الله عليه [وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت ~~الرقيب عليهم] فتبين أن الشهادة بالأعمال إنما هي مخصوصة بحال الشهادة وأما ~~الشهادة التي هي الحجة فلا تختص بها أول الأمة وآخرها في كون النبي صلى ~~الله عليه وسلم حجة عليهم كذلك أهل كل عصر لما كانوا شهداء الله من # PageV01P109 # طريق الحجة وجب أن يكونوا حجة على أهل عصرهم الداخلين معهم في إجماعهم ~~وعلى من بعدهم من سائر أهل الأعصار فهو يدل على أن أهل عصر إذا أجمعوا على ~~شيء ثم خرج بعضهم عن إجماعهم أنه محجوج بالإجماع المتقدم لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد شهد لهذه الجماعة بصحة قولها وجعلها حجة ودليلا فالخارج ~~عنها بعد ذلك تارك لحكم دليله وحجته إذ غير جائز وجود دليل الله تعالى ~~عاريا عن مدلوله ويستحيل وجود النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيترك ~~حكمه من طريق النسخ فدل ذلك على أن الإجماع في أي حال حصل من الأمة فهو حجة ~~الله عز وجل غير سائغ لأحد تركه ولا الخروج عنه ومن حيث دلت الآية على صحة ms0136 ~~إجماع الصدر الأول فهي دالة على صحة إجماع أهل الأعصار إذ لم يخصص بذلك أهل ~~عصر دون عصر ولو جاز الاقتصار بحكم الآية على إجماع الصدر الأول دون أهل ~~سائر الإعصار لجاز الاقتصار به على إجماع أهل سائر الأعصار دون الصدر الأول ~~فإن قال قائل لما قال [وكذلك جعلناكم أمة وسطا] فوجه الخطاب إلى الموجودين ~~في حال نزوله دل ذلك على أنهم هم المخصوصون به دون غيرهم فلا يدخلون في ~~حكمهم إلا بدلالة قيل له هذا غلط لأن قوله تعالى [وكذلك جعلناكم أمة وسطا] ~~هو خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها من كان منهم موجودا في وقت نزول الآية ~~ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة كما أن قوله # تعالى [كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم] وقوله [كتب عليكم ~~القصاص] ونحو ذلك من الآي خطاب لجميع الأمة كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مبعوثا إلى جميعها من كان منهم موجودا في عصره ومن جاء بعده قال الله ~~تعالى [إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا] وقال تعالى [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين] وما أحسب مسلما يستجيز ~~إطلاق القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مبعوثا إلى جميع الأمة ~~أولها وآخرها وأنه لم يكن حجة عليها وشاهدا وأنه لم يكن رحمة لكافتها فإن ~~قال قائل لما قال الله تعالى [وكذلك جعلناكم أمة وسطا] واسم الأمة يتناول ~~الموجودين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة ~~فإنما حكم لجماعتها بالعدالة وقبول الشهادة وليس فيه حكم لأهل عصر واحد ~~بالعدالة وقبول الشهادة فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجة ~~على من بعدهم قيل له لما جعل من حكم له بالعدالة حجة على غيره فيما يخبر به ~~أو يعتقده من أحكام الله تعالى وكان معلوما أن ذلك صفة قد حصلت له في ~~الدنيا وأخبر # PageV01P110 # تعالى بأنهم شهداء على الناس فلو اعتبر أول الأمة وآخرها في كونها حجة له ms0137 ~~عليهم لعلمنا أن المراد أهل كل عصر لأن أهل كل عصر يجوز أن يسموا أمة إذ ~~كانت الأمة اسما للجماعة التي تؤم جهة واحدة وأهل كل عصر على حيالهم ~~يتناولهم هذا الاسم وليس يمنع إطلاق لفظ الأمة والمراد أهل عصر ألا ترى أنك ~~تقول أجمعت الأمة على تحريم الله تعالى الأمهات والأخوات ونقلت الأمة ~~والقرآن ويكون ذلك إطلاقا صحيحا قيل أن يوجد آخر القوم فثبت بذلك أن مراد ~~الله تعالى بذلك أهل كل عصر وأيضا فإنما قال الله تعالى [جعلناكم أمة وسطا] ~~فعبر عنهم بلفظ منكر حين وصفهم بهذه الصفة وجعلهم حجة وهذا يقتضي أهل كل ~~عصر إذ كان قوله جعلناكم خطابا للجميع والصفة لاحقة بكل أمة من المخاطبين ~~ألا ترى إلى قوله [ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق] وجميع قوم موسى أمة له ~~وسمى بعضهم على الانفراد أمة لما وصفهم بما وصفهم به فثبت بذلك أن أهل كل ~~عصر جائز أن يسمو أمة وإن كان الاسم قد يلحق أول الأمة وآخرها وفي الآية ~~دلالة على أن من ظهر كفره نحو المشبهة ومن صرح بالجبر وعرف ذلك منه لا يعتد ~~به في الإجماع وكذلك من ظهر فسقه لا يعتد به في الإجماع من نحو الخوارج ~~والروافض وسواء من فسق من طريق الفعل أو من طريق الاعتقاد لأن الله تعالى ~~إنما جعل الشهداء من وصفهم بالعدالة والخير وهذه الصفة لا تلحق الكفار ولا ~~الفساق ولا يختلف في ذلك حكم من فسق أو كفر بالتأويل أو برد النص إذ الجميع ~~شملهم صفة الذم ولا يلحقهم صفة العدالة بحال والله أعلم. ### | باب استقبال القبلة # قال الله تعالى [قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها] قيل ~~إن التقلب هو التحول وإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يقلب وجهه في ~~السماء لأنه كان وعد بالتحويل إلى الكعبة فكان منتظرا لنزول الوحي به وكان ~~يسأل الله ذلك فأذن الله تعالى له فيه لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا ~~يسئلون الله بعد الإذن ms0138 لأنهم لا يأمنون أن لا يكون فيه صلاح ولا يجيبهم ~~الله فيكون فتنة على قومه فهذا هو معنى تقلب وجهه في السماء وقد قيل فيه إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يحوله الله تعالى إلى الكعبة مخالفة ~~لليهود وتميزا منهم ويروى ذلك عن مجاهد وقال ابن عباس أحب ذلك لأنها قبلة ~~إبراهيم عليه السلام # PageV01P111 # وقيل إنه أحب ذلك استدعاء للعرب إلى الإيمان وهو معنى قوله [فلنولينك ~~قبلة ترضاها] وقوله [فول وجهك شطر المسجد الحرام] فإن أهل اللغة قد قالوا ~~إن الشطر اسم مشترك يقع على معنيين أحدهما النصف يقال شطرت الشيء أي جعلته ~~نصفين ويقولون في مثل لهم احلب حلبا لك شطره أي نصفه والثاني نحوه وتلقاؤه ~~ولا خلاف أن مراد الآية هو المعنى الثاني قاله ابن عباس وأبو العالية ~~ومجاهد والربيع بن أنس ولا يجوز أن يكون المراد المعنى الأول إذ ليس من قول ~~أحد أن عليه استقبال نصف المسجد الحرام واتفق المسلمون لو أنه صلى إلى جانب ~~منه أجزأه وفيه دلالة على أنه لو أتى ناحية من البيت فتوجه إليها في صلاته ~~أجزأه لأنه متوجه شطره ونحوه وإنما ذكر الله تعالى التوجه إلى ناحية المسجد ~~الحرام ومراده البيت نفسه لأنه لا خلاف أنه من كان بمكة فتوجه في صلاته نحو ~~المسجد أنه لا يجزيه إذا لم يكن محاذيا للبيت وقوله تعالى [وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره] خطاب لمن كان معاينا للكعبة ولمن كان غائبا عنها ~~والمراد لمن كان حاضرها إصابة عينها ولمن كان غائبا عنها النحو الذي هو ~~عنده أنه نحو الكعبة وجهتها في غالب ظنه لأنه معلوم أنه لم يكلف إصابة ~~العين إذ لا سبيل له إليها وقال تعالى [لا يكلف الله نفسا إلا وسعها] فمن ~~لم يجد سبيلا إلى إصابة عين الكعبة لم يكلفها فعلمنا أنه إنما هو مكلف ما ~~هو في غالب ظنه أنه جهتها ونحوها دون المغيب عند الله تعالى وهذا أحد ~~الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد في أحكام الحوادث ms0139 وأن كل واحد من ~~المجتهدين فإنما كلف ما يؤديه إليه اجتهاده ويستولي على ظنه ويدل أيضا على ~~أن للمشتبه من الحوادث حقيقة مطلوبة كما أن القبلة حقيقة مطلوبة بالاجتهاد ~~والتحري ولذلك صح تكليف الاجتهاد في طلبها كما صح تكليف طلب القبلة ~~بالاجتهاد لأن لها حقيقة لو لم يكن هناك قبلة رأسا لما صح تكليفنا طلبها # قوله تعالى لكل وجهة هو موليها] # الوجهة قيل فيها قبلة روي ذلك عن مجاهد وقال الحسن طريقة وهو ما شرع الله ~~تعالى من الإسلام وروي عن ابن عباس ومجاهد والسدي لأهل كل ملة من اليهود ~~والنصارى وجهة وقال الحسن لكل نبي فالوجهة واحدة وهي الإسلام وإن اختلفت ~~الأحكام كقوله تعالى [لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا] قال قتادة هو صلاتهم ~~إلى البيت المقدس وصلاتهم إلى الكعبة وقيل فيه لكل قوم من المسلمين من أهل ~~سائر الآفاق التي جهات الكعبة وراءها أو قدامها أو عن # PageV01P112 # يمينها أو عن شمالها كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها بأولى أن تكون قبلة ~~من غيرها وقد روي أن عبد الله بن عمر كان جالسا بإزاء الميزاب فتلا قوله ~~تعالى [فلنولينك قبلة ترضاها] # قال هذه القبلة فمن الناس من يظن عنى الميزاب وليس كذلك لأنه إنما أشار ~~إلى الكعبة ولم يرد به تخصيص جهة الميزاب دون غيرها وكيف يكون ذلك مع قوله ~~تعالى [واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] وقوله تعالى [فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام] مع اتفاق المسلمين على أن سائر جهات الكعبة قبلة لموليها وقوله ~~تعالى لكل وجهة هو موليها] # يدل على أن الذي كلف به من غاب عن حضرة الكعبة إنما هو التوجه إلى جهتها ~~في غالب ظنه لا إصابة محاذاتها غير زائل عنها إذ لا سبيل له إلى ذلك وإذ ~~غير جائز أن يكون جميع من غاب عن حضرتها محاذيا لها وقوله تعالى استبقوا ~~الخيرات] # يعني والله أعلم المبادرة والمسارعة إلى الطاعات وهذا يحتج به في أن ~~تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها ما لم تقم الدلالة على فضيلة ms0140 التأخير نحو ~~تعجيل الصلوات في أول أوقاتها وتعجيل الزكاة والحج وسائر الفروض بعد حضور ~~وقتها ووجود سببها ويحتج به بأن الأمر على الفور وأن جواز التأخير يحتاج ~~إلى دلالة وذلك أن الأمر إذا كان غير موقت فلا محالة عند الجميع أن فعله ~~على الفور من الخيرات فوجب بمضمون قوله تعالى استبقوا الخيرات] # إيجاب تعجيله لأنه أمر يقتضي الوجوب # قوله تعالى [لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم] من الناس ~~من يحتج به في الاستثناء من غير جنسه وقد اختلف أهل اللغة في معناه فقال ~~بعضهم هو استثناء منقطع ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ~~ويضعون موضع الحجة وهو كقوله تعالى [ما لهم به من علم إلا اتباع الظن] ~~معناه لكن اتباع الظن قال النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # معناه لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب وقيل فيه إنه أراد بالحجة المحاجة ~~والمجادلة فقال لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجونكم ~~بالباطل وقال أبو عبيدة إلا هاهنا بمعنى الواو وكأنه قال لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة ولا الذين ظلموا وأنكر ذلك الفراء وأكثر أهل اللغة قال الفراء لا ~~تجيء إلا بمعنى الواو إلا إذا تقدم استثناء كقول الشاعر: # PageV01P113 # ما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروان # كأنه قال بالمدينة دار إلا دار الخليفة ودار مروان وقال قطرب معناه لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا وأنكر هذا بعض النجاة. ### | باب وجوب ذكر الله تعالى # قوله تعالى [فاذكروني أذكركم] قد تضمن الأمر بذكر الله تعالى وذكرنا إياه ~~على وجوه وقد روي فيه أقاويل عن السلف قيل فيه اذكروني بطاعتي أذكركم ~~برحمتي وقيل فيه اذكروني بالثناء بالنعمة أذكركم بالثناء بالطاعة وقيل ~~اذكروني بالشكر أذكركم بالثواب وقيل فيه اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة ~~واللفظ محتمل لهذه المعاني وجميعها مراد الله تعالى لشمول اللفظ واحتماله ~~إياه فإن قيل لا يجوز أن يكون الجميع مراد الله تعالى بلفظ واحد لأنه لفظ ms0141 ~~مشترك لمعان مختلفة قيل له ليس كذلك لأن جميع وجوه الذكر على اختلافها ~~راجعة إلى معنى واحد فهو كاسم الإنسان يتناول الأنثى والذكر والأخوة تتناول ~~الإخوة المتفرقين وكذلك الشركة ونحوها وإن وقع على معان مختلفة فإن الوجه ~~الذي سمي به الجميع معنى واحد وكذلك ذكر الله تعالى لما كان المعنى فيه ~~طاعته والطاعة تارة بالذكر باللسان وتارة بالعمل بالجوارح وتارة باعتقاد ~~القلب وتارة بالفكر في دلائله وحججه وتارة في عظمته وتارة بدعائه ومسألته ~~جاز إرادة الجميع بلفظ واحد كلفظ الطاعة نفسها جاز أن يراد بها جميع ~~الطاعات على اختلافها إذا ورد الأمر بها مطلقا نحو قوله تعالى [أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول] وكالمعصية يجوز أن يتناول جميعها لفظ النهي فقوله فاذكروني ~~قد تضمن الأمر بسائر وجوه الذكر منها سائر وجوه طاعته وهو أعم الذكر ومنها ~~ذكره باللسان على وجه التعظيم والثناء عليه والذكر على وجه الشكر والاعتراف ~~بنعمه ومنها ذكره بدعاء الناس إليه والتنبيه على دلائله وحججه ووحدانيته ~~وحكمته وذكره بالفكر في دلائله وآياته وقدرته وعظمته وهذا أفضل الذكر وسائر ~~وجوه الذكر مبنية عليه وتابعة له وبه يصح معناها لأن اليقين والطمأنينة به ~~تكون قال الله تعالى [ألا بذكر الله تطمئن القلوب] يعني والله أعلم ذكر ~~القلب الذي هو الفكر في دلائل الله تعالى وحججه وآياته وبيناته وكلما ازددت ~~فيها فكرا ازددت طمأنينة وسكونا وهذا هو أفضل الذكر لأن سائر الأذكار إنما ~~يصح ويثبت حكمها بثبوته # وقد # PageV01P114 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (خير الذكر الخفي) # حدثنا ابن قانع قال حدثنا عبد الملك بن محمد قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~يحيى عن أسامة بن زيد عن محمد عن عبد الرحمن عن سعد بن مالك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال (خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي) # قوله تعالى [يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة] عقيب قوله ~~[فاذكروني أذكركم] يدل على أن الصبر وفعل الصلاة لطف في التمسك بما في ~~العقول من لزوم ذكر الله ms0142 تعالى الذي هو الفكر في دلائله وحججه وقدرته ~~وعظمته وهو مثل قوله تعالى [إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر] ثم عقبه ~~بقوله [ولذكر الله أكبر] والله أعلم أن ذكر الله تعالى بقلوبكم وهو التفكر ~~في دلائله أكبر من فعل الصلاة وإنما هو معونة ولطف في التمسك بهذا الذكر ~~وإدامته # قوله تعالى [ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون] فيه إخبار بإحياء الله تعالى الشهداء بعد موتهم ولا يجوز أن يكون ~~المراد أنهم سيحيون يوم القيامة لأنه لو كان هذا مراده لما قال ولكن لا ~~تشعرون لأن قوله [ولكن لا تشعرون] إخبار بفقد علمنا بحياتهم بعد الموت ولو ~~كان المراد الحياة يوم القيامة لكان المؤمنون قد شعروا به وعرفوه قبل ذلك ~~فثبت أن المراد الحياة الحادثة بعد موتهم قبل يوم القيامة وإذا جاز أن يكون ~~المؤمنون قد أحيوا في قبورهم قبل يوم القيامة وهم منعمون فيها جاز أن يحيا ~~الكفار في قبورهم فليعذبوا وهذا يبطل قول من ينكر عذاب القبر فإن قيل لما ~~كان المؤمنون كلهم منعمين بعد الموت فكيف خص المقتولين في سبيل الله قيل له ~~جائز أن يكون اختصهم بالذكر تشريفا لهم على جهة تقديم البشارة بذكر حالهم ~~ثم بين بعد ذلك ما يختصون به في آية أخرى وهو قوله تعالى [أحياء عند ربهم ~~يرزقون] فإن قيل كيف يجوز أن يكونوا أحياء ونحن نراهم رميما في القبور بعد ~~مرور الأزمان عليهم قيل له الناس في هذا على قولين منهم من يجعل الإنسان هو ~~الروح وهو جسم لطيف والنعيم والبؤس إنما هما له دون الجثة ومنهم من يقول إن ~~الإنسان هذا الجسم الكثيف المشاهد فهو يقول إن الله تعالى يلطف أجزاء منه ~~بمقدار ما تقوم به البنية الحيوانية ويوصل النعيم إليه وتكون تلك الأجزاء ~~اللطيفة بحيث يشاء الله تعالى أن تكون تعذب أو تنعم على حسب ما يستحقه ثم ~~يفنيه الله تعالى كما يفني سائر الخلق قبل يوم القيامة ثم يحيه يوم القيامة ~~للحشر ms0143 # وقد حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد # PageV01P115 # ابن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن يحيى بن أبي الربيع الجرجاني قال ~~أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن كعب بن مالك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (نسمة المسلم طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها إلى ~~جسده) # قوله تعالى [ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون- إلى قوله تعالى- وأولئك هم المهتدون] روي عن عطاء والربيع وأنس بن ~~مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ~~قال أبو بكر جائز والله أعلم أن يكون قدم إليهم ذكر ما علم أنه يصيبهم في ~~الله من هذه البلايا والشدائد المعنيين أحدهما ليوطنوا أنفسهم على الصبر ~~عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد من الجزع وأسهل عليهم بعد الورود والثاني ما ~~يتعجلون به من ثواب توطن النفس قوله تعالى [وبشر الصابرين] يعني والله أعلم ~~على ما قدم ذكره من الشدائد وقوله تعالى [الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون] يعني إقرارهم في تلك الحال بالعبودية والملك له ~~وأن له أن يبتليهم بما يشاء تعريضا منه لثواب الصبر واستصلاحا لهم لما هو ~~أعلم به إذ هو تعالى غير متهم في فعل الخير والصلاح إذ كانت أفعاله كلها ~~حكمة ففي إقرارهم بالعبودية تفويض الأمر إليه ورضى بقضائه فيما يبتليهم به ~~إذ لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى [والله يقضي بالحق والذين يدعون من ~~دونه لا يقضون بشيء] وقال عبد الله بن مسعود لأن أخر من السماء أحب إلي من ~~أن أقول لشيء قضاه الله تعالى ليته لم يكن وقوله تعالى [إنا لله وإنا إليه ~~راجعون] إقرار بالبعث والنشور واعتراف بأن الله تعالى سيجازي الصابرين على ~~قدر استحقاقهم فلا يضيع عنده أجر المحسنين # ثم أخبر بما لهم عند الله تعالى عند الصبر على هذه الشدائد في طاعة الله ~~تعالى فقال [أولئك ms0144 عليهم صلوات من ربهم ورحمة] يعني الثناء الجميل والبركات ~~والرحمة وهي النعمة التي لا يعلم مقاديرها إلا الله تعالى كقوله في آية ~~أخرى [إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب] ومن المصائب والشدائد المذكورة ~~في الآية ما هو من فعل المشركين بهم ومنها ما هو من فعل الله تعالى فأما ما ~~كان من فعل المشركين فهو أن العرب كلها كانت قد اجتمعت على عداوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم غير ما كان بالمدينة من المهاجرين والأنصار وكان خوفهم من ~~قبل هؤلاء لقلة المسلمين وكثرتهم وأما الجوع فلقلة ذات اليد والفقر الذي ~~نالهم وجائز أن يكون الفقر تارة من الله تعالى # PageV01P116 # بأن يفقرهم بتلف أموالهم وجائز أن يكون من قبل العدو بأن يغلبوا عليه ~~فيتلف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات يحتمل الوجهين جميعا لأن النقص من ~~الأموال جائز أن يكون سببه العدو وكذلك الثمرات لشغلهم إياهم بقتالهم عن ~~عمارة أراضيهم وجائز أن يكون من فعل الله تعالى بالجوانح التي تصيب الأموال ~~والثمار ونقص الأنفس جائز أن يكون المراد به من يقتل منهم في الحرب وأن ~~يريد به من يميته الله منهم من غير قتل فأما الصبرا على ما كان من فعل الله ~~فهو التسليم والرضا بما فعله والعلم بأنه لا يفعل إلا الصلاح والحسن وما هو ~~خير لهم وأنه ما منعهم إلا ليعطيهم وأن منعه إياهم إعطاء منه لهم وأما ما ~~كان من فعل العدو فإن المراد به الصبر على جهادهم وعلى الثبات على دين الله ~~تعالى ولا ينكلون عن الحرب ولا يزولون عن طاعة الله بما يصيبهم من ذلك ولا ~~يجوز أن يريد بالابتلاء ما كان منهم من فعل المشركين لأن الله تعالى لا ~~يبتلي أحدا بالظلم والكفر ولا يريده ولا يوجب الرضا به ولو كان الله تعالى ~~يبتلي بالظلم والكفر لوجب الرضا به كما رضيه بزعمهم حين فعله والله يتعالى ~~عن ذلك وقد تضمنت الآية مدح الصابرين على شدائد الدنيا وعلى مصائبها على ~~الوجوه التي ذكر والوعد بالثواب والثناء الجميل ms0145 والنفع العظيم لهم في ~~الدنيا والدين فأما في الدنيا فما يحصل له به من الثناء الجميل والمحل ~~الجليل في نفوس المؤمنين لائتماره لأمر الله تعالى ولأن في الفكر في ذلك ~~تسلية عن الهم ونفي الجزع الذي ربما أدى إلى ضرر في النفس وإلى إتلافها في ~~حال ما يعقبه ذلك في الدنيا من محمود العاقبة وأما في الآخرة فهو الثواب ~~الجزيل الذي لا يعلم مقداره إلا الله قال أبو بكر وقد اشتملت هذه الآية على ~~حكمين فرض ونفل فأما الفرض فهو التسليم لأمر الله والرضا بقضاء الله والصبر ~~على أداء فرائضه لا يثنيه عنها مصائب الدنيا ولا شدائدها وأما النفل فإظهار ~~القول بإنا الله وإنا إليه راجعون فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها فعل ما ~~ندب الله إليه ووعده الثواب عليه ومنها أن غيره يقتدي به إذا سمعه ومنها ~~غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله تعالى والثبات على طاعته ~~ومجاهدة أعدائه ويحكى عن دواد الطائي قال الزاهد في الدنيا لا يحب البقاء ~~فيها وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن للمصيبة لأنه ~~يعلم أن لكل مصيبة ثوابا والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P117 ### | باب السعي بين الصفا والمروة # قال الله تعالى [إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر ~~فلا جناح عليه أن يطوف بهما] # روي عن ابن عيينة عن الزهري عن عروة قال قرأت عند عائشة رضي الله تعالى ~~عنها [إن الصفا والمروة من شعائر الله] فقلت لا أبالي أن لا أفعل قالت ~~بئسما قلت يا ابن أختي قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون ~~فكانت سنة إنما كان من أهل لمناة الطاغية لا يطوف بهما فلما جاء الإسلام ~~كرهوا أن يطوفوا بهما حتى نزلت هذه الآية فطاف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكانت سنة # قال فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن فقال إن هذا العلم ولقد كان رجال ~~من أهل العلم يقولون إنما سأل عن هذا الرجال الذين ms0146 كانوا يطوفون بين الصفا ~~والمروة فأحسبها نزلت في الفريقين وروي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى ~~[إن الصفا والمروة من شعائر الله] قال كان على الصفا تماثيل وأصنام وكان ~~المسلمون لا يطوفون عليها لأجل الأصنام والتماثيل فأنزل الله تعالى [فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما] قال أبو بكر كان السبب في نزول هذه الآية عند ~~عائشة سؤال من كان لا يطوف بهما في الجاهلية لأجل إهلاله لمناة وعلى ما ذكر ~~ابن عباس وأبو بكر بن عبد الرحمن أن ذلك كان لسؤال من كان يطوف بين الصفا ~~والمروة وقد كان عليهما الأصنام فتجنب الناس الطواف بهما بعد الإسلام وجائز ~~أن يكون سبب نزول هذه الآية سؤال الفريقين وقد اختلف في السعي بينهما # فروى هشام بن عروة عن أبيه وأيوب عن ابن أبي مليكة جميعا عن عائشة قالت ~~ما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرئ حجة ولا عمرة ما لم يطف بين ~~الصفا والمروة # وذكر أبو الطفيل عن ابن عباس أن السعى بينهما سنة وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعله # وروى عاصم الأحول عن أنس قال كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت ~~هذه الآية والطواف بينهما تطوع وروي عن عطاء عن ابن الزبير قال من شاء لم ~~يطف بين الصفا والمروة وروي عن عطاء ومجاهد إن من تركه فلا شيء عليه وقد ~~اختلف فقهاء الأمصار في ذلك فقال أصحابنا والثوري ومالك إنه واجب في الحج ~~والعمرة وتركه يجزي عنه الدم وقال الشافعي لا يجزي عنه الدم إذا تركه وعليه ~~أن يرجع فيطوف قال أبو بكر هو عند أصحابنا من توابع الحج يجزي عنه الدم لمن ~~رجع إلى أهله مثل الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار وطواف الصدر والدليل على ~~أنه ليس من فروضه # قوله عليه السلام # PageV01P118 # في حديث الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالمزدلفة فقلت يا رسول الله جئت من جبل طي ما تركت جبلا إلا وقفت ~~عليه ms0147 فهل لي من حج فقال صلى الله عليه وسلم من صلى معنا هذه الصلاة ووقف ~~معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ليلا أو نهارا فقدتم حجه وقضى تفثه # فهذا القول منه صلى الله عليه وسلم ينفي كون السعي بين الصفا والمروة ~~فرضا في الحج من وجهين أحدهما إخباره بتمام حجته وليس فيه السعي بينهما ~~والثاني أن ذلك لو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه بجهله بالحكم فإن قيل ~~لم يذكر طواف الزيارة مع كونه من فروضه قيل له ظاهر اللفظ يقتضي ذلك وإنما ~~أثبتناه فرضا بدلالة فإن قيل فهذا يوجب أن لا يكون مسنونا ويكون تطوعا كما ~~روي عن أنس وابن الزبير قيل له كذلك يقتضى ظاهر اللفظ وإنما أثبتناه مسنونا ~~في توابع الحج بدلالة ومما يحتج به لوجوبه أن فرض الحج مجمل في كتاب الله ~~لأن الحج في اللغة القصد قال الشاعر يحج مأمومة في قعرها لجف يعني أنه يقصد ~~ثم نقل في الشرع إلى معان أخر لم يكن اسما موضوعا لها في اللغة وهو مجمل ~~مفتقر إلى البيان فمهما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو بيان ~~للمراد بالجملة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد مورد البيان فهو على ~~الوجوب فلما سعى بينهما النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك دلالة الوجوب حتى ~~تقوم دلالة الندب ومن جهة أخرى # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (خذوا عني مناسككم) # وذلك أمر يقتضي إيجاب الاقتداء به في سائر أفعال المناسك فوجب الاقتداء ~~به في السعي بينهما # وقد روى طارق بن شهاب عن أبي موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو بالبطحاء فقال بم أهللت فقلت أهللت بإهلال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أحسنت طف بالبيت والصفا والمروة ثم أحل فأمره بالسعي بينها # وهذا أمر يقتضي الإيجاب وقد روي فيه حديث مضطرب السند والمتن جميعا مجهول ~~الراوي وهو # ما رواه معمر عن واصل مولى أبى عيينة عن موسى ابن أبي ms0148 عبيد عن صفية بنت ~~شيبة عن امرأة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة (يقول كتب ~~عليكم السعي فاسعوا) # فذكرت في هذا الحديث أنها سمعته يقول ذلك بين الصفا والمروة ولم تذكر اسم ~~الرواية # وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح قال حدثتني ~~صفية بنت شيبة عن امرأة يقال لها حبيبة بنت أبى تجزءة قالت دخلت دار أبي ~~حسين ومعي نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت حتى إن ثوبه ~~ليدور به وهو يقول لأصحابه (اسعوا فإن الله تعالى قد كتب عليكم السعي) # PageV01P119 # فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك وهو في الطواف ~~فظاهر ذلك يقتضي أن يكون مراده السعي في الطواف وهو الرمل والطواف نفسه لأن ~~المشي يسمى سعيا قال الله تعالى [فاسعوا إلى ذكر الله] وليس المراد إسراع ~~المشي وإنما هو المصير إليه والخبر الأول الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ذلك وهو يسعى بين الصفا والمروة لا دلالة فيه على أنه أراد ~~السعي بينهما إذ جائز أن يكون مراد الطواف بالبيت والرمل فيه وهو سعي لأنه ~~إسراع المشي وأيضا فإن ظاهره يقتضي جواز أي سعي كان وهو إذا رمل فقد سعى ~~ووجوب التكرار لا دلالة عليه فالأخبار الأول التي ذكرناها دالة على وجوب ~~السعي لأنه سنة لا ينبغي تركها ولا دلالة فيها على أن من تركها لا ينوب عنه ~~دم والدليل على أن الدم ينوب عنه لمن تركه حتى يرجع إلى أهله اتفاق السلف ~~على جواز السعي بعد الإحلال من جميع الإحرام كما يصح الرمي وطواف الصدر ~~فوجب أن ينوب عنه الدم كما ناب عن الرمي وطواف الصدر فإن قيل طواف الزيارة ~~يفعل بعد الإحلال ولا ينوب عنه الدم قيل له ليس كذلك لأن بقاء طواف الزيارة ~~يوجب كونه محرما عن النساء وإذا طاف فقد حل له كل شيء بلا خلاف بين الفقهاء ~~وليس لبقاء السعي تأثير ms0149 في بقاء شيء من الإحرام كالرمي وطواف الصدر فإن قال ~~قائل فإن الشافعي يقول إذا طاف للزيارة لم يحل من النساء وكان حراما حتى ~~يسعى بالصفا والمروة قيل له قد اتفق الصدر الأول من التابعين والسلف بعدهم ~~أنه يحل بالطواف بالبيت لأنهم على ثلاثة أقاويل بعد الحلق فقال قائلون هو ~~محرم من اللباس والصيد والطيب حتى يطوف بالبيت وقال عمر بن الخطاب هو محرم ~~من النساء والطيب وقال ابن عمر وغيره هو محرم من النساء حتى يطوف فقد اتفق ~~السلف على أنه يحل من النساء بالطواف بالبيت دون السعي بين الصفا والمروة ~~وأيضا فإن السعي بينهما لا يفعل إلا تبعا للطواف ألا ترى أن من لا طواف ~~عليه لا سعي عليه وأنه لا يتطوع بالسعي بينهما كما لا يتطوع بالرمي فدل على ~~أنه من توابع الحج والعمرة فإن قيل الوقوف بعرفة لا يفعل إلا بعد الإحرام ~~وطواف الزيارة لا يفعل إلا بعد الوقوف وهما من فروض الحج قيل له لم نقل إن ~~من لا يفعل إلا بعد غيره فهو تبع فيلزمنا ما ذكرت وإنما قلنا ما لا يفعل ~~إلا على وجه التبع لأفعال الحج أو العمرة فهو تابع ليس بفرض فأما الوقوف ~~بعرفة فإنه غير مفعول على وجه التبع لغيره بل يفعل منفردا # PageV01P120 # بنفسه ولكن من شروطه شيئان الإحرام والوقت وما كان شرطه الإحرام أو الوقت ~~فلا دلالة على أنه مفعول على وجه التبع وكذلك ما تعلق جوازه بوقت دون غيره ~~فلا دلالة فيه على أنه تبع فرض غيره وطواف الزيارة إنما يتعلق جوازه بالوقت ~~والوقوف بعرفة إنما يتعلق جوازه بالإحرام والوقت ليس صحته موقوفة على وقوع ~~فعل آخر غير الإحرام فليس هو إذا تبعا لغيره وأما السعي بين الصفا والمروة ~~فإنه مع حضور وقته هو موقوف على فعل آخر غيره وهو الطواف فدل على أنه من ~~توابع الحج والعمرة وأنه ليس بفرض فأشبه طواف الصدر لما كانت صحته موقوفة ~~على طواف الزيارة كان تبعا في الحج ينوب عن تركه ms0150 دم وقوله تعالى [إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله] قد دل على أنه قربة لأن الشعائر هي معالم للطاعات ~~والقرب وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومن ذلك قولك شعرت بكذا وكذا ~~أي علمته ومنه إشعار البدنة أي إعلامها للقربة وشعار الحرب علاماتها التي ~~يتعارفون بها فالشعائر هي المعالم للقرب قال الله تعالى [ذلك ومن يعظم ~~شعائر الله فإنها من تقوى القلوب] وشعائر الحج معالم نسكه ومنه المشعر ~~الحرام فقد دلت الآية بفحواها على أن السعي بينهما قربة إلى الله تعالى في ~~قوله [من شعائر الله] ثم قوله [فلا جناح عليه أن يطوف بهما] فقد أخبرت ~~عائشة وغيرها أنه خرج مخرج الجواب لمن سأل عنهما وأن ظاهر هذا اللفظ لم ينف ~~إرادة الوجوب وإن لم يدل عليه وقد قامت الدلالة من غير الآية على وجوبه وهو # ما قدمنا ذكره وقد اختلف أهل العلم في السعي في بطن الوادي وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيه أخبار مختلفة ومذهب أصحابنا أن السعي فيه مسنون لا ~~ينبغي تركه كالرمل في الطواف # وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~تصوبت قدماه في الوادي سعى حتى خرج منه # وروى سفيان بن عيينة عن صدقة قال سئل ابن عمر أرأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يرمل بين الصفا والمروة قال كان في الناس فرملوا ولا أراهم فعلوا إلا ~~برمله # وقال نافع كان ابن عمر يسعى في بطن الوادي وروى مسروق أن عبد الله بن ~~مسعود سعى في بطن الوادي وروى عطاء عن ابن عباس قال من شاء يسعى بمسيل مكة ~~ومن شاء لم يسع وإنما يعني الرمل في بطن الوادي # وروى سعيد بن جبير قال رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة وقال إن مشيت ~~فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وإن سعيت فقد رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسعى # وروى عمرو عن عطاء عن # PageV01P121 # ابن عباس قال إنما سعى ms0151 رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة ~~ليري المشركين قوته # فأتيت ابن عباس فقال سعى النبي صلى الله عليه وسلم في بطن الوادي وذكر ~~السبب الذي من أجله فعل ذلك وهو إظهار الجلد والقوة للمشركين وتعلق فعله ~~بهذا السبب لا يمنع كونه سنة مع زواله على نحو ما ذكرنا في الرمل في الطواف ~~فيما تقدم وقد ذكرنا أن السبب في رمي الجمار كان رمي إبراهيم عليه السلام ~~إبليس لما عرض له بمنى وصار سنة بعد ذلك وكذلك كان سبب الرمل في الوادي أن ~~هاجر لما طلبت الماء لابنها إسماعيل وجعلت تتردد بين الصفا والمروة فكانت ~~إذا نزلت الوادي غاب الصبي عن عينها فأسرعت المشي وروى أبو الطفيل عن ابن ~~عباس أن إبراهيم عليه السلام لما علم المناسك عرض له الشيطان عند المسعى ~~فسبقه إبراهيم فكان ذلك سبب سرعة المشي هناك وهو سنة كنظائره مما وصفنا ~~والرمل في بطن الوادي في الطواف بين الصفا والمروة مما قد نقلته الأمة قولا ~~وفعلا ولم يختلف في أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وإنما اختلف في كونه ~~مسنونا بعده وظهور نقله فعلا إلى هذه الغاية دلالة على بقاء حكمه على ما ~~قدمنا من الدلالة والله تعالى أعلم. ### | باب طواف الراكب # قال أبو بكر قد اختلف في طواف الراكب بينهما فكره أصحابنا ذلك إلا من عذر # وذكر أبو الطفيل أنه قال لابن عباس إن قومك يزعمون أن الطواف بين الصفا ~~والمروة على الدابة سنة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فقال ~~صدقوا وكذبوا إنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان لا يدفع ~~عنه أحد وليست بسنة # وروى عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها شكت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة # وكان عروة إذا رآهم يطوفون على الدواب نهاهم فيتعللون بالمرض فيقول خاب ~~هؤلاء وخسروا وروى ابن أبي مليكة عن ms0152 عائشة قالت ما منعني من الحج والعمرة ~~إلا السعي بين الصفا والمروة وإني لأكره الركوب # وروي عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم جاء وقد اشتكى فطاف على بعير ومعه محجن كلما مر على الحجر استلمه فلما ~~فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين ولما ثبت من سنة الطواف بهما السعي في بطن ~~الوادي # على ما وصفنا وكان الراكب تاركا للسعي كان فعله خلاف السنة إلا أن يكون ~~معذورا على نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فيجوز. # PageV01P122 # (فصل) # روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر وذكر حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطوافه بالبيت إلى قوله فاستلم الحجر بعد الركعتين ثم خرج إلى الصفا حتى ~~بدا له البيت فقال نبدأ بما بدأ الله به # يدل على أن لفظ الآية لا يقتضي الترتيب إذ لو كان ذلك معقولا من الآية لم ~~يحتج أن يقول نبدأ بما بدأ الله به فإنما بدئ بالصفا قبل المروة # لقوله صلى الله عليه وسلم نبدأ بما بدأ الله به # ونفعله كذلك مع # قوله [خذوا عني مناسككم] # ولا خلاف بين أهل العلم أن المسنون على الترتيب أن يبدأ بالصفا قبل ~~المروة فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يعتد بذلك في الرواية المشهورة عن ~~أصحابنا وروي عن أبي حنيفة أنه ينبغي له أن يعيد ذلك الشوط فإن لم يفعل فلا ~~شيء عليه وجعله بمنزلة ترك الترتيب في أعضاء الطهارة قوله تعالى [ومن تطوع ~~خيرا] عقيب ذكر الطواف بهما يحتج به من يراه تطوعا وذلك لأنه معلوم رجوع ~~الكلام إلى ما تقدم ذكره من الطواف بهما ومعلوم مع ذلك أن الطواف لا يتطوع ~~به عند من يراه واجبا في الحج والعمرة وعند من لا يراه في غيرهما فوجب أن ~~يكون قوله [ومن تطوع خيرا] إخبار بأن من فعله في الحج والعمرة فإنما يفعله ~~تطوعا إذ لم يبق موضع لفعله في غيرهما لا تطوعا ولا غيره وهذا ms0153 لا دلالة فيه ~~على ما ذكروا لأنه جائز أن يكون المراد من تطوع بالحج والعمرة لتقدم ذكرهما ~~في الخطاب في قوله تعالى [فمن حج البيت أو اعتمر] . ### | باب في النهي عن كتمان العلم # قال الله تعالى [إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى] الآية ~~وقال في موضع آخر [إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا ~~قليلا] الآية وقال [وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ~~ولا تكتمونه] هذه الآي كلها موجبة لإظهار علوم الدين وتبيينه للناس زاجرة ~~عن كتمانها ومن حيث دلت على لزوم بيان المنصوص عليه فهي موجبة أيضا لبيان ~~المدلول عليه منه وترك كتمانه لقوله تعالى [يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى] وذلك يشتمل على سائر أحكام الله في المنصوص عليه والمستنبط لشمول ~~اسم الهدى للجميع وقوله تعالى [يكتمون ما أنزل الله من الكتاب] يدل على أنه ~~لا فرق في ذلك بين ما علم من جهة النص أو الدليل لأن في الكتاب الدلالة على ~~أحكام الله تعالى كما فيه النص عليها وكذلك قوله تعالى [لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه] # PageV01P123 # عام في الجميع وكذلك ما علم من طرق إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم قد ~~انطوت تحت الآية لأن في الكتاب الدلالة على قبول أخبار الآحاد عنه صلى الله ~~عليه وسلم فكل ما اقتضى الكتاب إيجاب حكمه من جهة النص أو الدلالة فقد ~~تناولته الآية ولذلك قال أبو هريرة لولا آية في كتاب الله عز وجل ما حدثتكم ~~ثم تلا [إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى] فأخبر أن الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى ~~وقال شعبة عن قتادة في قوله تعالى [وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب] ~~الآية فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه وإياكم ~~وكتمان العلم فإن كتمانه هلكة ونظيره في بيان العلم وإن لم يكن فيه ذكر ~~الوعيد لكاتمه قوله تعالى [فلولا نفر من ms0154 كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] # وقد روى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار) # فإن قيل روي عن ابن عباس أن الآية نزلت في شأن اليهود حين كتموا ما في ~~كتبهم من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له نزول الآية على على سبب ~~غير مانع من اعتبار عمومها في سائر ما انتظمته لأن الحكم عندنا للفظ لا ~~للسبب إلا أن تقوم الدلالة عندنا على وجوب الاقتصار به على سببه ويحتج بهذه ~~الآيات في قبول الأخبار المقصرة عن مرتبة إيجاب العلم لمخبرها في أمور ~~الدين وذلك لأن قوله تعالى [إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب] وقوله ~~تعالى [وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب] قد اقتضى النهى عن الكتمان ~~ووقوع البيان بالإظهار فلو لم يلزم السامعين قبوله لما كان المخبر عنه ~~مبينا لحكم الله تعالى إذ ما لا يوجب حكما فغير محكوم له بالبيان فثبت بذلك ~~أن المنهيين عن الكتمان متى أظهروا ما كتموا وأخبروا به لزم العمل بمقتضى ~~خبرهم وموجبه ويدل عليه قوله في سياق الخطاب [إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا] فحكم بوقوع العلم بخبرهم فإن قال قائل لا دلالة فيه على لزوم العمل ~~به وجائز أن يكون كل واحد منهم كان منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر ~~المخبرون ويتواتر الخبر قيل له هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ~~ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه ومن جاز منهم التوطؤ على الكتمان جاز منهم ~~التواطؤ على التقول فلا يكون خبرهم موجبا للعلم فقد دلت الآثار على قبول ~~الخبر المقصر عن المنزلة الموجبة للعلم بمخبره وعلى أن # PageV01P124 # ما ادعيته لا برهان عليه فظواهر الآي مقتضية لقبول ما أمروا به لوقوع ~~بيان حكم الله تعالى به وفي الآية حكم آخر وهو أنها من حيث دلت على لزوم ~~إظهار العلم وترك ms0155 كتمانه فهي دالة على امتناع جواز أخذ الأجرة عليه إذ غير ~~جائز استحقاق الأجر على ما عليه فعله ألا ترى أنه لا يصح استحقاق الأجر على ~~الإسلام # وقد روي أن رجلا قال النبي صلى الله عليه وسلم إني أعطيت قومي مائة شاة ~~على أن يسلموا فقال صلى الله عليه وسلم المائة شاة رد عليك وإن تركوا ~~الإسلام قاتلناهم # ويدل على ذلك من جهة أخرى قوله تعالى [إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا] وظاهر ذلك يمنع أخذ الأجر على الإظهار ~~والكتمان جميعا لأن قوله تعالى [ويشترون به ثمنا قليلا] مانع أخذ البدل ~~عليه من سائر الوجوه إذ كان الثمن في اللغة هو البدل قال عمر بن أبي ربيعة: # إن كنت حاولت دنيا أو رضيت بها ... فما أصبت بترك الحج من ثمن # فثبت بذلك بطلان الإجارة على تعليم القرآن وسائر علوم الدين # قوله تعالى [إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا] يدل على أن التوبة من ~~الكتمان إنما يكون بإظهار البيان وأنه لا يكتفى في صحة التوبة بالندم على ~~الكتمان فيما سلف دون البيان فيما استقبل. ### | باب لعن الكفار # قال الله تعالى [إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين] فيه دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافرا ~~وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنه لعنه والبراءة منه لأن قوله ~~[والناس أجمعين] قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لو ~~جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطا للعنه والبراءة منه وكذلك سبيل ~~ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح أن موت من كان كذلك أو جنونه ~~لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث هذه الحادثة فإن قيل روي عن أبي ~~العالية أن مراد الآية أن الناس يلعنونه يوم القيامة كقوله تعالى [ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا] قيل له هذا تخصيص بلا دلالة ولا ~~خلاف أنه يستحق اللعن من الله تعالى ms0156 والملائكة في الدنيا بالآية فكذلك من ~~الناس وإنما يشتبه ذلك على من يظن أن ذلك إخبار من الله تعالى أن الناس ~~يلعنونه وليس كذلك بل هو إخبار باستحقاقه اللعن من الناس لعنوه أو لم ~~يلعنوه # قوله تعالى [وإلهكم # PageV01P125 # إله واحد] # وصفه تعالى لنفسه بأنه واحد انتظم معاني كلها مرادة بهذا اللفظ منها أنه ~~واحد لا نظير له ولا شبيه ولا مثل ولا مساوي في شيء من الأشياء فاستحق من ~~أجل ذلك أن يوصف بأنه واحد دون غيره ومنها أنه واحد في استحقاق العبادة ~~والوصف له بالألوهية لا يشاركه فيها سواه ومنها أنه واحد ليس بذي أبعاض ولا ~~يجوز عليه التجزى والتقسيم لأن من كان ذا أبعاض وجاز عليه التجزى والتقسيم ~~فليس بواحد على الحقيقة ومنها أنه واحد في الوجود قديما لم يزل منفردا ~~بالقدم لم يكن معه وجود سواه فانتظم وصفه لنفسه بأنه واحد هذه المعاني كلها # قوله تعالى [إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار] الآية قد ~~انتظمت هذه الآية ضروبا من الدلالات على توحيد الله تعالى وأنه لا شبيه له ~~ولا نظير وفيها أمر لنا بالاستدلال بها وهو قوله [لآيات لقوم يعقلون] يعني ~~والله تعالى أعلم أنه نصبها ليستدل بها ويتوصل بها إلى معرفة الله تعالى ~~وتوحيده ونفي الأشباه عنه والأمثال وفيه إبطال لقول من زعم أنه إنما يعرف ~~الله تعالى بالخبر وأنه لا حظ للعقول في الوصول إلى معرفة الله تعالى فأما ~~دلالة السموات والأرض على الله فهو قيام السماء فوقنا على غير عمد مع عظمها ~~ساكنة غير زائلة وكذلك الأرض تحتنا مع عظمها فقد علمنا أن لكل واحد منهما ~~منتهى من حيث كان حيث كان موجودا في وقت واحد محتملا للزيادة والنقصان ~~وعلمنا أنه لو اجتمع الخلق على إقامة حجر في الهواء من غير علاقة ولا عمد ~~لما قدروا عليه فعلمنا أن مقيما أقام السماء على غير عمد والأرض على غير ~~قرار فدل ذلك على وجود الباري تعالى الخالق لهما ودل أيضا على أنه لا ms0157 يشبه ~~الأجسام وأنه قادر لا يعجزه شيء إذ كانت الأجسام لا تقدر على مثل ذلك وإذا ~~صح ذلك ثبت أنه قادر على اختراع الأجسام إذ ليس اختراع الأجسام واختراع ~~الأجرام بأبعد في العقول والأوهام من إقامتها مع عظمها وكثافتها على غير ~~قرار وعمد ومن جهة أخرى تدل على حدوث هذه الأجسام وهي امتناع جواز تعريها ~~من الأعراض المتضادة ومعلوم أن هذه الأعراض محدثة لوجود كل واحد منها بعد ~~أن لم يكن وما لم يوجد قبل المحدث فهو محدث فصح بذلك حدوث هذه الأجسام ~~والمحدث يقتضي محدثا كاقتضاء البناء للبانى والكتابة للكاتب والتأثر للمؤثر ~~فثبت بذلك أن السموات والأرض وما بينهما من آيات الله دالة عليه وأما دلالة ~~اختلاف الليل والنهار على الله تعالى فمن جهة أن كل واحد منهما حادث بعد # PageV01P126 # الآخر والمحدث يقتضي محدثا فدل ذلك على محدثهما وأنه لا يشبههما إذ كل ~~فاعل فغير مشبه لفعله ألا ترى أن الباني لا يشبه بنائه والكاتب لا يشبه ~~كتابته ومن جهة أخرى أنه لو أشبهه لجرى عليه ما يجري عليه من دلالة الحدوث ~~فكان لا يكون هو أولى بالحدوث من محدثه ولما صح أن محدث الأجسام والليل ~~والنهار قديم صح أنه لا يشبهها وهي تدل على أن محدثها قادر لاستحالة وجود ~~الفعل إلا من القادر ويدل أن محدثها حي لاستحالة وجود الفعل إلا من قادر حي ~~ويدل أيضا على أنه عالم لاستحالة الفعل المحكم المتقن المتسق إلا من عالم ~~به قبل إحداثه ولما كان اختلاف الليل والنهار جاريا على منهاج واحد لا ~~يختلف في كل صقع في الطول والقصر أزمان السنة على المقدار الذي عرف منهما ~~الزيادة والنقصان دل على أن مخترعهما قادر على ذلك عالم إذ لو لم يكن قادرا ~~لم يوجد منه الفعل ولو لم يكن عالما لم يكن فعله متقنا منتظما وأما دلالة ~~الفلك التي تجري في البحر على توحيد الله فمن جهة أنه معلوم أن الأجسام لو ~~اجتمعت على أن تحدث مثل هذا الجسم الرقيق السيال ms0158 الحامل للفلك وعلى أن تجري ~~الرياح المجرية للفلك لما قدرت على ذلك ولو سكنت الرياح بقيت راكدة على ظهر ~~الماء لا سبيل لأحد من المخلوقين إلى إجرائها وإزالتها كما قال تعالى في ~~موضع آخر [إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره] ففي تسخير الله تعالى ~~الماء لحمل السفن وتسخيره الرياح لإجرائها أعظم الدلائل على إثبات توحيد ~~الله تعالى القديم القادر العالم الحي الذي لا شبه له ولا نظير إذ كانت ~~الأجسام لا تقدر عليه فسخر الله الماء لحمل السفن على ظهره وسخر الرياح ~~لإجرائها ونقلها لمنافع خلقه ونبههم على توحيده وعظم نعمته واستدعى منهم ~~النظر فيها ليعلموا أن خالقهم قد أنعم بها فيشكروه على نعمه ويستحقوا به ~~الثواب الدائم في دار السلام قال أبو بكر وأما دلالة إنزاله الماء على ~~توحيده فمن قبل أنه قد علم كل عاقل أن من شأن الماء النزول والسيلان وأنه ~~غير جائز ارتفاع الماء من سفل إلى علو إلا بجاعل يجعله كذلك فلا يخلو الماء ~~الموجود في السحاب من أحد معنيين إما أن يكون محدث أحدثه هناك في السحاب أو ~~رفعه من معادنه # من الأرض والبحار إلى هناك وأيهما كان فدل ذلك على إثبات الواحد القديم ~~الذي لا يعجزه شيء ثم إمساكه في السحاب غير سائل منه حتى ينقله إلى المواضع ~~التي يريدها بالرياح المسخرة لنقله فيه أدل دليل على توحيده وقدرته فجعل ~~السحاب مركبا للماء والرياح مركبا للسحاب # PageV01P127 # حتى تسوقه من موضع إلى موضع ليعم نفعه لسائر خلقه كما قال تعالى [أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم ~~وأنفسهم] ثم أنزل ذلك الماء قطرة قطرة لا تلتقي واحدة مع صاحبتها في الجو ~~مع تحريك الرياح لها حتى تنزل كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض ~~ولولا أن مدبرا حكيما عالما قادرا دبره على هذا النحو وقدره بهذا الضرب من ~~التقدير كيف كان يجوز أن يوجد نزول الماء في السحاب مع كثرته وهو الذي تسيل ~~منه ms0159 السيول العظام على هذا النظام والترتيب ولو اجتمع القطر في الجو وأتلف ~~لقد كان يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها بعد نزولها إلى الأرض فيؤدي ~~إلى هلاك الحرث والنسل وإبادة جميع ما على الأرض من شجر وحيوان ونبات وكان ~~يكون كما وصف الله تعالى من حال الطوفان في نزول الماء من السماء في قوله ~~تعالى [ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر] فيقال إنه كان صبا كنحر السيول ~~الجارية في الأرض ففي إنشاء الله تعالى السحاب في الجو وخلق الماء فيه ~~وتصريفه من موضع إلى موضع أدل دليل على توحيده وقدرته وأنه ليس بجسم ولا ~~مشبه الأجسام إذ الأجسام لا يمكنها فعل ذلك ولا ترومه ولا تطمع فيه وأما ~~دلالة إحياء الله الأرض بعد موتها على توحيده فهي من جهة أن الخلق كلهم لو ~~اجتمعوا على إحياء شيء منها لما قدروا عليه ولما أمكنهم إنبات شيء من ~~النبات فيها فإحياء الله تعالى الأرض بالماء وإنباته أنواع النبات فيها ~~التي قد علمنا يقينا ومشاهدة أنه لم يكن فيها شيء منه ثم كل شيء من النبات ~~لو فكرت فيه على حياله لوجدته دالا على أنه من صنع صانع حكيم قادر عالم بما ~~قدره عليه من ترتيب أجزائه ونظمها على غاية الإحكام من أدل الدليل على أن ~~خالق الجميع واحد وأنه قادر عالم وأنه ليس من فعل الطبيعة على ما يدعيه ~~الملحدون في آيات الله تعالى إذ الماء النازل من السماء على طبيعة واحدة ~~وكذلك أجزاء الأرض والهواء ويخرج منه أنواع النبات والأزهار والأشجار ~~المثمرة والفواكه المختلفة الطعوم والألوان والأشكال فلو كان ذلك من فعل ~~الطبيعة لوجب أن يتفق موجبها إذ المتفق لا يوجب المختلف فدل ذلك على أنه من ~~صنع صانع حكيم قد خلقه وقدره على اختلاف أنواعه وطعومه وألوانه رزقا للعباد ~~ودلالة لهم على صنعه ونعمه وأما دلالة ما بث فيها من دابة على توحيده فهي ~~كذلك في الدلالة أيضا في اختلاف أنواعه إذ غير جائز أن تكون الحيوانات هي # PageV01P128 # المحدثة لأنفسها لأنها ms0160 لا تخلو من أن تكون أحدثتها وهي موجودة أو معدومة ~~فإن كانت موجودة فوجودها قد أغنى عن إحداثها وإن كانت معدومة فإنه يستحيل ~~إيجاد الفعل من المعدوم ومع ذلك فقد علمنا أنها بعد وجودها غير قادرة على ~~اختراع الأجسام وإنشاء الأجرام فهي في حال عدمها أحرى أن لا تكون قادرة ~~عليها وأيضا فإنه لا يقدر أحد من الحيوان على الزيادة في أجزائه فهو بنفي ~~القدرة على إحداث جميعه أولى فثبت أن المحدث لها هو القادر الحكيم الذي لا ~~يشبهه شيء ولو كان محدث هذه الحيوانات مشبها لها من وجه لكان حكمها في ~~امتناع جواز وقوع إحداث الأجسام وأما دلالة تصريف الرياح على توحيده فهي أن ~~الخلق لو اجتمعوا على تصريفها لما قدروا عليه ومعلوم أن تصريفها تارة جنوبا ~~وتارة شمالا وتارة صبا وتارة دبورا محدث فعلمنا أن المحدث لتصريفها هو ~~القادر الذي لا شبه له إذ كان معلوما استحالة إحداث ذلك من المخلوقين فهذه ~~دلائل قد نبه الله تعالى العقلاء عليها وأمرهم بالاستدلال بها وقد كان الله ~~تعالى قادرا على إحداث النبات من غير ماء ولا زراعة وإحداث الحيوانات بلا ~~نتاج ولا زواج ولكنه تعالى أجرى عادته في إنشاء خلقه على هذا تنبيها لهم ~~عند كل حادث من ذلك على قدرته والفكر في عظمته وليشعرهم في كل وقت ما ~~أغفلوه ويزعج خواطرهم # للفكر فيما أهملوه فخلق تعالى الأرض والسماء ثابتتين دائمتين لا تزولان ~~ولا تتغيران عن الحال التي جعلهما وخلقهما عليها بديا إلى وقت فنائها ثم ~~أنشأ الحيوان من الناس وغيرهم من الأرض ثم أنشأ للجميع رزقا منها وأقواتا ~~بها تبقى حياتهم ولم يعطهم ذلك الرزق جملة فيظنون أنهم مستغنون بما أعطوا ~~بل جعل لهم قوتا معلوما في كل سنة بمقدار الكفاية لئلا يبطروا ويكونوا ~~مستشعرين للافتقار إليه في كل حال ووكل إليهم في بعض الأسباب التي يتوصلون ~~بها إلى ذلك من الحرث والزراعة ليشعرهم أن للأعمال ثمرات من الخير والشر ~~فيكون ذلك داعيا لهم إلى فعل الخير فيجتنون ثمرته ms0161 واجتناب الشر ليسلموا من ~~شر مغبته ثم تولى هو لهم من إنزال الماء ما لم يكن في وسعهم وطاقتهم أن ~~ينزلوه لأنفسهم فأنشأ سحابا في الجو وخلق فيه ماء ثم أنزله على الأرض ~~بمقدار الحاجة ثم أنبت لهم به سائر أقواتهم وما يحتاجون إليه لملابسهم ثم ~~لم يقتصر فيما أنزله من السماء على منافعه في وقت منافعه حتى جعل لذلك ~~الماء مخازن وينابيع في الأرض يجتمع فيه ذلك الماء فيجري أولا فأولا # PageV01P129 # على مقدار الحاجة كما قال تعالى [ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع في الأرض] ولو كان على ما نزل من السماء من غير حبس له في ~~الأرض لوقت الحاجة لسال كله وكان في ذلك تلف سائر الحيوان الذي على ظهرها ~~لعدمه الماء فتبارك الله رب العالمين الذي جعل الأرض بمنزلة البيت الذي ~~يأوي إليه الإنسان وجعل السماء بمنزلة السقف وجعل سائر ما يحدثه من المطر ~~والنبات والحيوان بمنزلة ما ينقله الإنسان إلى بيته لمصالحه ثم سخر هذه ~~الأرض لنا وذللها للمشي عليها وسلوك طرقها ومكننا من الانتفاع بها في بناء ~~البيوت والدور ليسكن من المطر والحر والبرد وتحصنا من الأعداء لم تخرجنا ~~إلى غيرها فأي موضع منها أردنا الانتفاع به في إنشاء الأبنية مما هو موجود ~~فيها من الحجارة والجص والطين ومما يخرج منها من الخشب والحطب أمكننا ذلك ~~وسهل علينا سوى ما أودعهما من الجواهر التي عقد بها منافعنا من الذهب ~~والفضة والحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك كما قال تعالى [وقدر فيها ~~أقواتها] فهذه كلها وما يكثر تعداده ولا يحيط علمنا به من بركات الأرض ~~ومنافعها ثم لما كانت مدة أعمارنا وسائر الحيوان لا بد من أن تكون متناهية ~~جعلها كفاتا لنا بعد الموت كما جعلها في الحياة فقال تعالى [ألم نجعل الأرض ~~كفاتا أحياء وأمواتا] وقال تعالى [إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا] ثم لم يقتصر فيما خلق من ~~النبات والحيوان ms0162 على الملذ دون المألم ولا على الغذاء دون السم ولا على ~~الحلو دون المر بل مزج ذلك كله ليشعرنا أنه غير مريد منا الركون إلى هذه ~~اللذات ولئلا تطمئن نفوسنا إليها فنشتغل بها عن دار الآخرة التي خلقنا لها ~~فكان النفع والصلاح في الدين في الذوات المؤلمة المؤذية كهو في الملذة ~~السارة وليشعرنا في هذه الدنيا كيفية الآلام ليصح الوعيد بآلام الآخرة ~~ولنزجر عن القبائح فنستحق النعيم الذي لا يشوبه كدر ولا تنغيص فلو اقتصر ~~العاقل من دلائل التوحيد على ما ذكره الله تعالى في هذه الآية الواحدة لكان ~~كافيا شافيا في إثباته وإبطال قول سائر أصناف الملحدين من أصحاب الطبائع ~~ومن الثنوية ومن يقول بالتشبيه ولو بسطت معنى الآية وما تضمنته من ضروب ~~الدلائل لطال وكثر وفيما ذكرنا كفاية في هذا الموضع إذ كان الغرض فيه ~~التنبيه على مقتضى دلالة الآية بوجيز من القول دون الاستقصاء والله نسأل ~~حسن التوفيق للاستدلال بدلائله والاهتداء بهداه وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P130 ### | باب إباحة ركوب البحر # وفي قوله تعالى [والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس] دلالة على ~~إباحة ركوب البحر غازيا وتاجرا ومبتغيا لسائر المنافع إذ لم يخص ضربا من ~~المنافع دون غيره وقال تعالى [هو الذي يسيركم في البر والبحر] وقال [ربكم ~~الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله] وقوله [لتبتغوا من فضله] قد ~~انتظم التجارة وغيرها كقوله تعالى [فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله] وقال تعالى [ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم] ~~وقد روي عن جماعة من الصحابة إباحة التجارة في البحر وقد كان عمر بن الخطاب ~~منع الغزو في البحر إشفاقا على المسلمين وروي عن ابن عباس أنه قال لا يركب ~~أحد البحر إلا غازيا أو حاجا أو معتمرا وجائز أن يكون ذلك منه على وجه ~~المشورة والإشفاق على راكبه # وقد روي ذلك في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد بن بكر ~~البصري قال حدثنا أبو داود ms0163 قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا إسماعيل بن ~~زكريا عن مطرف عن بشر أبي عبيد الله عن بشير بن مسلم عن عبد الله بن عمر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يركب البحر إلا حاج أو معتمرا أو ~~غاز في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا # وجائز أن يكون ذلك على وجه الاستحباب لئلا يغرر بنفسه في طلب الدنيا ~~وأجاز ذلك في الغزو والحج والعمرة إذ لا غرر فيه لأنه إن مات في هذا الوجه ~~غرقا كان شهيدا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود حدثنا سليمان ابن داود العتكي ~~حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس ابن ~~مالك قال حدثتني أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نام عندهم فاستيقظ وهو يضحك قالت فقلت يا رسول الله وما أضحكك قال ~~رأيت قوما ممن يركب ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرة قالت قلت يا رسول ~~الله ادع الله يجعلني منهم قال فإنك منهم قالت ثم نام فاستيقظ وهو يضحك ~~قالت فقلت يا رسول الله ما أضحكك فقال مثل مقالته قلت يا رسول الله ادع ~~الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين # قال فتزوجها عبادة ابن الصامت فغزا في البحر فحملها معه فلما رجع قربت ~~لها بغلة لتركبها فصرعتها فاندقت عنقها فماتت # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وحدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم ~~الجوبرى الدمشقي قال حدثنا مروان قال أخبرنا هلال بن ميمون الرملي عن يعلى ~~بن شداد # PageV01P131 # عن أم حرام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (المائد في البحر الذي ~~يصيبه القيء له أجر شهيد والغرق له أجر شهيدين) # والله تعالى أعلم. ### | باب تحريم الميتة # قال الله تعالى [إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به ~~لغير الله] قال أبو بكر الميتة في الشرع اسم حيوان الميت غير ms0164 المذكى وقد ~~يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لآدمي فيه وقد يكون ميتة لسبب فعل ~~آدمي إذا لم يكن فعله فيه على وجه الذكاة المبيحة له وسنبين شرائط الذكاة ~~في موضعها إن شاء الله تعالى والميتة وإن كانت فعلا لله تعالى وقد علق ~~التحريم بها مع علمنا بأن التحريم والتحليل والحظر والإباحة إنما يتناولان ~~أفعالنا ولا يجوز أن يتناولا فعل غيرنا إذ غير جائز أن ينهى الإنسان عن فعل ~~غيره ولا أن يؤمر به فإن معنى ذلك لما كان معقولا عند المخاطبين جاز إطلاق ~~لفظ التحريم والتحليل فيه وإن لم يكن حقيقة وكان ذلك دليلا على تأكيد حكم ~~التحريم فإنه يتناول سائر وجوه المنافع ولذلك قال أصحابنا لا يجوز الانتفاع ~~بالميتة على وجه ولا يطعمها الكلاب والجوارح لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها ~~وقد حرم الله الميتة تحريما مطلقا معلقا بعينها مؤكدا به حكم الحظر فلا ~~يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص شيء منها بدليل يجب التسليم له وقد روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص ميتة السمك والجراد من هذه الجملة ~~بالإباحة # فروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والسمك ~~وأما الدمان فالطحال والكبد) # وروى عمرو بن دينار عن جابر في قصة جيش الخبط (أن البحر ألقى إليهم حوتا ~~فأكلوا منه نصف شهر ثم لما رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل ~~عندكم منه شيء تطعموني) # ولا خلاف بين المسلمين في إباحة السمك غير الطافي وفي الجراد ومن الناس ~~من استدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى [أحل لكم صيد البحر ~~وطعامه متاعا لكم] # وبقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صفوان بن سليم الزرقي عن سعيد بن ~~سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال في البحر (هو الطهور ms0165 ماؤه الحل ميتته) # وسعيد بن سلمة مجهول غير معروف بالثبت وقد خالفه في سنده يحيى بن سعيد ~~الأنصاري فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الاختلاف # PageV01P132 # في السند يوجب اضطراب الحديث وغير جائز تخصيص آية محكمة به # وقد روى ابن زياد بن عبد الله البكائي قال حدثنا سليمان الأعمش قال حدثنا ~~أصحابنا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (في البحر ذكي ~~صيده طهور ماؤه) # وهذا أضعف عند أهل النقل من الأول وقد روي فيه حديث آخر وهو # ما رواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة ~~عن أبي معاوية العلوي عن مسلم بن مخشي المدلجي عن الفراسي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال (في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته) # وهذا أيضا مما لا يحتج به لجهالة رواية ولا يخص به ظاهر القرآن # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أحمد بن ~~حنبل قال حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال حدثنا إسحاق بن حازم عن عبد ~~الله بن مقسم عن عطاء عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل عن البحر فقال (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) # قال أبو بكر وقد اختلف في السمك الطافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه ~~فكرهه أصحابنا والحسن بن حي وقال مالك والشافعي لا بأس به وقد اختلف السلف ~~فيه أيضا # فروى عطاء بن السائب عن ميسرة عن علي عليه السلام قال (ما طفا من ميتة ~~البحر فلا تأكله) # وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن أبي الهذيل عن ابن ~~عباس أنهما كرها الطافي فهؤلاء الثلاثة من الصحابة قد روي عنهم كراهته وروي ~~عن جابر بن زيد وعطاء وسعيد ابن المسيب والحسن وابن سيرين وإبراهيم كراهيته ~~وروي عن أبي ms0166 بكر الصديق وأبي أيوب إباحة أكل الطافي من السمك والذي يدل على ~~حظر أكله ظاهر قوله تعالى [حرمت عليكم الميتة] واتفق المسلمون على تخصيص ~~غير الطافي من الجملة فحصصناه واختلفوا في الطافي فوجب استعمال حكم العموم ~~فيه # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد ابن عبدة حدثنا ~~يحيى بن سليم الطائفي قال حدثنا إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر بن ~~عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ألقى البحر أو جزر عنه ~~فكلوه وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه) # وروى إسماعيل بن عياش قال حدثني عبد العزيز بن عبد الله عن وهب بن كيسان ~~ونعيم بن عبد الله المجمر عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال (ما جزر عنه البحر فلا تأكل وما ألقى فكل وما وجدته ميتا طافيا ~~فلا تأكله) # وقد روى بن أبى ذيب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا موسى # PageV01P133 # ابن زكريا قال حدثنا سهل بن عثمان قال حدثنا حفص عن يحيى بن أبي أنيسة عن ~~أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا ~~وجدتموه حيا فكلوه وما ألقى البحر حيا فمات فكلوه وما وجدتموه ميتا طافيا ~~فلا تأكلوه) # وحدثنا ابن قانع قال حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان الدهقان قال ~~حدثنا الحسين بن يزيد الطحان حدثنا حفص ابن غياث عن ابن أبى ذيب عن أبي ~~الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ~~صدتموه وهو حي فمات فكلوه وما ألقى البحر ميتا طافيا فلا تأكلوه) # فإن قيل قد روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير ~~موقوفا على جابر قيل له هذا لا يفسده عندنا لأنه جائز أن يرويه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم تارة ثم ms0167 يرسل عنه فيفتي به وفتياه بما رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم غير مفسد له بل يؤكده على أن إسماعيل بن أمية فيما ~~يرويه عن أبي الزبير ليس بدون من ذكرت وكذلك ابن أبي ذيب فزيادتهما في ~~الرفع مقبولة على هؤلاء فإن قيل # قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (أحلت لنا ميتتان ودمان السمك ~~والجراد) # وذلك عموم في جميعه قيل له يخصه ما ذكرنا وروينا في النهي عن الطافي ~~ويلزم مخالفنا على أصله في ترتيب الأخبار أن يبني العام على الخاص ~~فيستعملهما وأن لا يسقط الخاص بالعام وعلى أن هذا خبر في رفعه اختلاف فرواه ~~مرحوم العطار عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر موقوفا عليه ~~ورواه يحيى الحماني عن عبد الرحمن بن زيد مرفوعا فيلزمك فيه مثل ما رمت ~~إلزامنا إياه في خبر الطافي فإن احتج بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الطهور ماؤه الحل ميتته # ولم يخصص الطافي من غيره قيل له نستعملهما جميعا ونجعلهما كأنهما وردا ~~معا نستعمل خبر الطافي في النهي ونستعمل خبر الإباحة فيما عدا الطافي فإن ~~قيل فإن من أصل أبي حنيفة في الخاص والعام أنه متى اتفق الفقهاء على ~~استعمال أحد الخبرين واختلفوا في استعمال الآخر كان ما اتفق في الاستعمال ~~قاضيا على ما اختلف فيه # وقوله صلى الله عليه وسلم هو الحل ميتته وأحلت لنا ميتتان # متفق على استعمالهما وخبر الطافي مختلف فيه فينبغي أن يقضى عليه بالخبرين ~~الآخرين قيل له إنما يعرف ذلك من مذهبه وقوله فيما لم يعضده نص الكتاب فأما ~~إذا كان عموم الكتاب معاضدا للخبر المختلف في استعماله فإنا لا نعرف قوله ~~فيه وجائز أن يقال إنه لا يعتبر وقوع الخلاف في استعماله بعد أن يعضده عموم ~~الكتاب فيستعمل حينئذ مع العام المتفق على استعماله ويكون ذلك مخصوصا منه ~~فإن # PageV01P134 # احتجوا بحديث جابر في قصة جيش الخبط وإباحة النبي صلى الله عليه وسلم أكل ~~الحوت الذي ms0168 ألقاه البحر فليس ذلك عندنا بطاف وإنما الطافي ما مات حتف أنفه ~~في الماء من غير سبب حادث ومن الناس من يظن أن كراهة الطافي من أجل بقائه ~~في الماء حتى طفا عليه فيلزموننا عليه الحيوان المذكى إذا ألقي في الماء ~~حتى طفا عليه وهذا جهل منهم بمعنى المقالة وموضع الخلاف لأن السمك لو مات ~~ثم طفا على الماء لأكل ولو مات حتف أنفه ولم يطف على الماء لم يؤكل والمعنى ~~فيه عندنا هو موته في الماء حتف أنفه لا غير # وقد روى لنا عبد الباقي حديثا وقال لنا إنه حديث منكر فذكر أنه حدثه به ~~عبيد بن شريك البزاز قال حدثنا أبو الجماهر قال حدثنا سعيد بن بشير عن أبان ~~بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل ما طفا ~~على البحر) # وإبان بن عياش ليس هو ممن يثبت ذلك بروايته قال شعبة لأن أزني سبعين زنية ~~أحب إلي من أن أروي عن أبان بن عياش فإن احتج محتج بقوله تعالى [أحل لكم ~~صيد البحر وطعامه] وأنه عموم في الطافي وغيره قيل له الجواب عنه من وجهين ~~أحدهما أنه مخصوص بما ذكرنا من تحريم الميتة والأخبار الواردة في النهي عن ~~أكل الطافي والثاني أنه روي في التفسير في قوله تعالى وطعامه أنه ما ألقاه ~~البحر فمات وصيده ما اصطادوا وهو حي والطافي خارج منهما لأنه ليس مما ألقاه ~~البحر ولا مما صيد إذ غير جائز أن يقال اصطاد سمكا ميتا كما لا يقال اصطاد ~~ميتا فالآية لم تنتظم الطافي ولم تتناوله والله أعلم. ### | باب أكل الجراد # قال أصحابنا والشافعي رضي الله عنهم لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما ~~وجدته ميتا وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا أخذه حيا ثم قطع رأسه وشواه أكل ~~وما أخذ حيا فغفل عنه حتى مات لم يؤكل وإنما هو بمنزلة ما لو وجده ميتا قبل ~~أن يصطاده فلا يؤكل وهو قول الزهري وربيعة وقال ms0169 مالك وما قتله مجوسي لم ~~يؤكل وقال الليث بن سعد أكره أكل الجراد ميتا فأما الذي أخذته حيا فلا بأس ~~به قال أبو بكر # قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر (أحلت لنا ميتتان ودمان ~~السمك والجراد) # يوجب إباحته جميعه مما وجد ميتا ومما قتله آخذه وقد استعمل الناس جميعهم ~~هذا الخبر في إباحة أكل الجراد فوجب استعماله على عمومه من غير شرط لقتل ~~آخذه إذ لم يشترطه النبي صلى الله عليه وسلم # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا # PageV01P135 # الحسن بن المثنى قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا زكريا بن يحيى بن ~~عمارة الأنصاري قال حدثنا فائد أبو العوام عن أبى عثمان الهندي عن سلمان أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الجراد قال أكثر جنود الله لا آكله ولا ~~أحرمه # وما لم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم فهو مباح وتركه أكله لا يوجب حظره ~~إذ جائز ترك أكل المباح وغير جائز نفي التحريم عما هو محرم ولم يفرق بين ما ~~مات وبين ما قتله آخذه # وقال عطاء عن جابر غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا جرادا ~~فأكلناه # وقال عبد الله بن أبي أوفى غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع ~~غزوات نأكل الجراد ولا نأكل غيره # قال أبو بكر ولم يفرق بين ميته وبين مقتوله حدثنا عبد الباقي قال حدثنا ~~موسى بن زكريا التستري قال حدثنا أبو الخطاب قال حدثنا أبو عتاب حدثنا ~~النعمان عن عبيدة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها كانت تأكل الجراد ~~وتقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكله # قال أبو بكر فهذه الآثار الواردة في الجراد لم يفرق في شيء منها بين ميته ~~وبين مقتوله فإن قيل ظاهر قوله تعالى [حرمت عليكم الميتة] يقتضي حظر جميعها ~~فلا يخص منها إلا ما أجمعوا عليه وهو ما يقتله آخذه وما عداه فهو محمول على ~~ظاهر الآية في إيجاب تحريمه قيل له تخصه الأخبار الواردة ms0170 في إباحته وهي ~~مستعملة عند الجميع في تخصيص الآية ولم تفرق هذه الأخبار بين شيء منها فلم ~~يجز تخصيص شيء منها ولا الاعتراض عليها بالآية لاتفاق الجميع على أنها ~~قاضية على الآية مخصصة لها وليس الجراد عندنا مثل السمك في حظرنا للطافي ~~منه دون غيره لأن الأخبار الواردة في تخصيص السمك بالإباحة من جملة الميتة ~~بإزائها أخبار أخر في حظر الطافي منه فاستعملناها جميعا وقضينا بالخاص منها ~~على العام مع معاضدة الآية لأخبار الحظر وأيضا فإنه لما وافقنا مالك ومن ~~تابعه على إباحة المقتول منه دل ذلك على أنه لا فرق بينه وبين الميت من غير ~~قتل وذلك لأن القتل ليس بذكاة في حقه لأن الذكاة في الأصل على وجهين وهي ~~فيما له دم سائل أحدهما قطع الحلقوم والأوداج في حال إمكانه والآخر إسالة ~~دمه عند تعذر الذبح ألا ترى أن الصيد لا يكون مذكى بإصابته إلا أن يجرحه ~~ويسفح دمه فلما لم يكن للجراد دم سائل كان قتله وموته حتف أنفه سواء كما ~~كان قتل ماله دم سائل من غير سفح دمه وموته حتف أنفه سواء في كونه غير مذكى ~~فكذلك واجب أن يستوي حكم قتل الجراد وموته حتف أنفه إذ ليس هو مما يسفح دمه ~~فإن قيل قد فرقت بين السمك # PageV01P136 # الطافي وما قتله آخذه أو مات بسبب حادث فما أنكرت من فرقنا بين ما مات من ~~الجراد وما قتل منه قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن هذا هو القياس ~~في السمك لما لم يحتج في صحة ذكاته إلى سفح الدم إلا أنا تركنا القياس ~~للآثار التي ذكرنا ومن أصلنا تخصيص القياس بالآثار وليس معك الأثر في تخصيص ~~بعض الجراد بالإباحة دون بعض فوجب استعمال أخبار الإباحة في الكل والوجه ~~الآخر أن السمك له دم سائل فكان له ذكاة من جهة القتل ولم يحتج إلى سفح دمه ~~في شرط الذكاة لأن دمه ظاهر وهو يؤكل بدمه فلذلك شرط فيه موته بسبب حادث ~~يقوم له مقام ms0171 الذكاة في سائر ماله دم سائل وهذا المعنى غير موجود في الجراد ~~فلذلك اختلفا وقد روي عن ابن عمر أنه قال الجراد كله ذكي وعن عمر وصهيب ~~والمقداد إباحة أكل الجراد ولم يفرقوا بين شيء منه والله أعلم. ### | باب ذكاة الجنين # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في جنين الناقة والبقرة وغيرهما إذا خرج ~~ميتا بعد ذبح الأم فقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يؤكل إلا أن يخرج حيا ~~فيذبح وهو قول حماد وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمة الله عليهم يؤكل ~~أشعر أو لم يشعر وهو قول الثوري # وقد روي عن علي وابن عمر قالا ذكاة الجنين ذكاة أمه # وقال مالك إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا وهو قول سعيد بن المسيب ~~وقال الأوزاعي إذا تم خلقه فذكاة أمه ذكاته قال الله تعالى [حرمت عليكم ~~الميتة والدم] وقال في آخرها [إلا ما ذكيتم] وقال إنما [حرمت عليكم الميتة] ~~فحرم الله الميتة مطلقا واستثنى المذكى منها وبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذكاة في المقدور على ذكاته في النحر واللبة وفي غير مقدور على ذكاته بسفح ~~دمه # بقوله صلى الله عليه وسلم أنهر الدم بما شئت # وقوله في المعراض إذا خزق فكل وإذا لم يخزق فلا تأكل # فلما كانت الذكاة منقسمة إلى هذين الوجهين وحكم الله بتحريم الميتة حكما ~~عاما واستثنى منه المذكى بالصفة التي ذكرنا على لسان نبيه ولم تكن هذه ~~الصفة موجودة في الجنين كان محرما بظاهر الآية واحتج من أباح ذلك بأخبار ~~رويت من طرق منها # عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي أمامة وكعب بن مالك وابن عمر وأبي ~~أيوب وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذكاة الجنين ذكاة أمه # وهذه الأخبار كلها واهية السند عند أهل النقل كرهت الإطالة بذكر أسانيدها ~~وبيان ضعفها واضطرابها إذ ليس في شيء منها دلالة على موضع الخلاف # PageV01P137 # وذلك لأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة ~~له ms0172 ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكى أمه وأنه لا يؤكل بغير ذكاة ~~كقوله تعالى [وجنة عرضها السماوات والأرض] معناه كعرض السموات والأرض وكقول ~~القائل قولي قولك ومذهبي مذهبك والمعنى قولي كقولك ومذهبي كمذهبك قال ~~الشاعر: فعيناك عيناها وجيدك جيدها سوى أن عظم الساق منك دقيق ومعناه ~~فعيناك كعينيها وجيدك كجيدها وإذا احتمل اللفظ لما وصفنا ولم يجز أن يكون ~~المعنيان جميعا مرادين بالخبر لتنافيهما إذ كان في أحد المعنيين إيجاب ~~تذكيته فإنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه والآخر يبيح أكله بذكاة أمه إذ غير ~~معتبر ذكاته في نفسه لم يجز لنا أن تخصص الآية به ووجب أن يقول محمولا على ~~موافقة الآية إذ غير جائز تخصيص الآية بخبر الواحد واهي السند محتمل ~~لموافقتها ويدل على أن مراده إيجاب تذكيته كما تذكى الأم اتفاق الجميع على ~~أنه إذا خرج حيا وجب تذكيته ولم يجز الاقتصار على تذكية الأم فكان ذلك ~~مرادا بالخبر فلم يجز أن يريد به مع ذلك أن ذكاة أمه ذكاة له لتنافيهما ~~وتضادهما إذ كان في أحد المعنيين إيجاب تذكيته وفي الآخر نفيه فإن قال قائل ~~ما أنكرت أن نريد المعنيين في حالين بأن يجب ذكاته إذا خرج حيا ويقتصر على ~~ذكاة أمه إذا خرج ميتا قيل له ليس ذكر الحالين موجودا في الخبر وهو لفظ ~~واحد ولا يجوز أن يريد به الأمرين جميعا لأن في إرادة أحد المعنيين إثبات ~~زيادة حرف وليس في الآخر إثبات زيادة حرف وليس في الجائز أن يكون لفظ واحد ~~فيه حرف وغير حرف فلذلك بطل قول من يقول بإرادتهما فإن قيل إذا كان إرادة ~~أحد المعنيين توجب زيادة حرف وهو الكاف وليس في الآخر زيادة فحمله على ~~المعنى الذي لا يفتقر إلى زيادة أولى لأن حذف الحرف يوجب أن يكون اللفظ ~~مجازا وإذا لم يكن فيه حذف شيء فهو حقيقة وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من ~~حمله على المجاز قيل له كون الحرف محذوفا أو غير محذوف لا يزيل ms0173 عنه ~~الاحتمال لأنه وإن كان مجازا فهو مفهوم اللفظ محتمل له ولا فرق بين الحقيقة ~~والمجاز فيما هو من مقتضى اللفظ فلم يجز من أجل ذلك تخصيص الآية فإن قال ~~قائل ليس في اللفظ احتمال كونه غير مذكى بذكاة الأم لأنه لا يسمى جنينا إلا ~~في حال كونه في بطن أمه ومتى باينها لا يسمى جنينا والنبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما أثبت له الذكاة في حال اتصاله بالأم وذلك يوجب أن يكون مذكى # PageV01P138 # بتلك الحال في ذكاتها قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أنه جائز أن ~~يسمى بعد الانفصال جنينا لقرب عهده من الاجتنان في بطن أمه ولا يمتنع أحد ~~من إطلاق القول بأن الجنين لو خرج حيا ذكي كما تذكى الأم فيطلق عليه اسم ~~الجنين بعد الذكاة والانفصال # وقال حمل بن مالك كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بعمود فسطاط ~~فألقت جنينا ميتا فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة فسماه ~~جنينا بعد الإلقاء # وإذا كان ذلك كذلك جاز أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم ذكاة ~~الجنين ذكاة أمه أنه يذكى كما تذكى أمه إذا ألقته حيا والوجه الآخر أنه لو ~~كان مراده كونه مذكى وهو جنين لوجب أن يكون مذكى بذكاة الأم وإن خرج حيا ~~وأن موته بعد خروجه لا يكسبه حكم الميتات كموته في بطن أمه فلما اتفق ~~الجميع على أن خروجه حيا يمنع أن يكون ذكاة الأم ذكاته ثبت أنه لم يرد ~~إثبات ذكاة الأم له في حال اتصاله بالأم فإن قال قائل إنما أراد إثبات ~~الحكم بحال خروجه ميتا قيل له هذه دعواك لم يذكرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن جاز أن تشترط فيه موته في حال كونه جنينا وإن لم يذكره النبي صلى ~~الله عليه وسلم جاز لنا أن نشترط إيجاب ذكاته خرج حيا أو ميتا فمتى لم يوجد ~~له ذكاة في نفسه لم يجز أكله وعلى أنا متى شرطنا إيجاب ذكاته في نفسه ms0174 غير ~~معتبر بأمه استعملنا الخبر على عمومه فجعلنا إباحة الأكل معلقة بوجود ~~الذكاة فيه في حال كونه جنينا وبعد خروجه وحمل الخبر على ذلك أولى من ~~الاقتصار به على ما ذكرت وإثبات ضمير فيه لا ذكر له في الخبر ولا دلالة ~~عليه فإن قال قائل حمل الخبر على ما ذكرت في إيجاب ذكاته إذا خرج يسقط ~~فائدته لأن ذلك معلوم قبل وروده قيل له ليس كذلك من قبل أنه أفاد أنه إن ~~خرج حيا فقد وجبت ذكاته سواء مات في حال لم يقدر على ذكاته أو بقي وبطل ~~بذلك قول من يقول إنه إن مات في وقت لا يقدر على ذكاته كان مذكى بذكاة الأم ~~ومن جهة أخرى أنه حكم بإيجاب ذكاته وأنه إن خرج ميتا لم يؤكل إذ هو غير ~~مذكى فإن خرج حيا ذكي فأفاد أنه ميتة لا تؤكل وبطل به قول من يقول إنه لا ~~يحتاج إلى ذكاة إذا خرج ميتا فإن احتج محتج # بما ذكره ذكريا بن يحيى الساحى عن بندار وإبراهيم بن محمد التيمي قالا ~~حدثنا يحيى بن سعيد قالا حدثنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن الجنين يخرج ميتا فقال إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ~~ذكاة أمه # قيل له قد روى هذا الحديث جماعة من الثقات عن يحيى بن سعيد ولم يذكروا ~~فيه أنه خرج ميتا # ورواه جماعة عن مجالد منهم هشيم وأبو # PageV01P139 # أسامة وعيسى بن يونس ولم يذكروا فيه أنه خرج ميتا وإنما قالوا سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الجنين يكون في بطن الجزور أو البقرة أو الشاة فقال ~~كلوه فإن ذكاته ذكاة أمه ورواه أيضا ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك قال كل من يروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ممن قدمنا ذكره لم ~~يذكر واحد منهم أنه خرج ميتا ولم تجيء هذه اللفظة إلا في رواية الساجي ~~ويشبه أن ms0175 تكون هذه الزيادة من عنده فإنه غير مأمون فإن احتج بما روي عن ابن ~~عباس في قوله تعالى [أحلت لكم بهيمة الأنعام] أنها الأجنة قيل له إنه قد ~~روي عن ابن عباس أنها جميع الأنعام وأن قوله تعالى [إلا ما يتلى عليكم] ~~الخنزير وروي عن الحسن أن بهيمة الأنعام الشاة والبعير والبقر والأولى أن ~~تكون على جميع الأنعام ولا تكون مقصورة على الجنين دون غيره لأنه تخصيص بلا ~~دلالة وأيضا فإن كان المراد الأجنة فهي على إباحتها بالذكاة كسائر الأنعام ~~هي مباحة بشرط ذكاتها وكالجنين إذا خرج حيا هو مباح بشرط الذكاة وأيضا فإن ~~قوله تعالى [أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم] إذا كان المراد ما ~~سيتلى عليكم في المستقبل مما هو محرم في الحال فهو مجمل لا يصح الاحتجاج به ~~لأنه يكون بمنزلة ما لو قال بعض الأنعام مباح وبعضه محظور ولم يبينه فلا ~~يصح اعتبار عموم شيء منه فإن قال قائل لما كان حكم الجنين حكم أمه فيمن ضرب ~~بطن امرأة فماتت وألقت جنينا ميتا ولم ينفرد بحكم نفسه كان كذلك حكمه في ~~الذكاة إذا مات في بطن أمه بموتها ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم ~~نفسه دون أمه في إيجاب الغرة فيه فكذلك جنين الحيوان إذا مات بموت أمه وخرج ~~ميتا أكل وإذا خرج حيا لم يؤكل حتى يذكى قيل له هذا قياس فاسد لأنه قياس ~~حكم على حكم غيره وإنما القياس الصحيح الجمع بين المسألتين في حكم واحد ~~بعلة توجب رد إحداهما إلى الأخرى فأما في قياس مسألة على مسألة في حكمين ~~مختلفين فإن ذلك ليس بقياس وقد علمنا أن المسألة التي استشهدت بها إنما ~~حكمها ضمان الجنين في حال انفصاله منها حيا بعد موتها ومسألتنا إنما هي في ~~إثبات ذكاة الأم له في حال ومنعه في حال أخرى فكيف يصح رد هذه إلى تلك ومع ~~ذلك فلو ضرب بطن شاة أو غيرها فألقت جنينا ميتا لم يجب للجنين أرش ولا قيمة ms0176 ~~على الضارب وإنما يجب فيه نقصان الأم إن حدث بها نقصان وإذا لم يكن لجنين ~~البهائم بعد الانفصال حكم في حياة الأم وثبت ذلك لجنين # PageV01P140 # المرأة فكيف يجوز قياس البهيمة على الإنسان وقد اختلف حكمهما في نفس ما ~~ذكرت فإن قيل لما كان الجنين في حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها ~~كان بمنزلة العضو منها إذا ذكيت الأم فيحل بذكاتها قيل له غير جائز أن يكون ~~بمنزلة عضو منها لجواز خروجه حيا تارة في حياة الأم وتارة بعد موتها والعضو ~~لا يجوز أن يثبت له حكم الحياة بعد انفصاله منها فثبت أنه غير تابع لها في ~~حال حياتها ولا بعد موتها فإن قيل الواجب أن يتبع الجنين الأم في الذكاة ~~كما يتبع الولد الأم في العتاق والاستيلاد والكتابة ونحوها قيل له هذا غلط ~~من الوجه الذي قدمنا في امتناع قياس حكم على حكم آخر ومن جهة أخرى أنه غير ~~جائز إذا أعتقت الأمة أن ينفصل الولد منها غير حر وهو تابع للأم في الأحكام ~~التي ذكرت وجائز أن يذكى الأم ويخرج الولد حيا فلا يكون ذكاة الأم ذكاة له ~~فعلمنا أنه لا يتبع الأم في الذكاة إذ لو تبعها في ذلك لما جاز أن ينفرد ~~بعد ذكاة الأم بذكاة نفسه وأما مالك فإنه ذهب فيه إلى ما # روي في حديث سليمان أبي عمران عن ابن البراء عن أبيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى في أجنة الأنعام أن ذكاتها ذكاة أمها إذا أشعرت # وروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقولون إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ذكاة أمه وروي عن علي وابن عمر من ~~قولهما مثل ذلك فيقال له إذا ذكر الإشعار في هذا الخبر وأبهم في غيره من ~~الأخبار التي هي أصح منه وهو خبر جابر وأبي سعيد وأبي الدرداء وأبي أمامة ~~ولم يشترط فيها الإشعار فهلا سويت بينهما إذ لم تنف هذه الأخبار ما أوجبه ms0177 ~~خبر الإشعار إذ هما جميعا يوجبان حكما واحدا وإنما في أحدهما تخصيص ذلك ~~الحكم من غير نفي لغيره وفي الآخر إبهامه وعمومه ولما اتفقنا جميعا على أنه ~~إذا لم يشعر لم تعتبر فيه ذكاة الأم واعتبرت ذكاة نفسه وهو في هذه الحالة ~~أقرب أن يكون بمنزلة أعضائها منه بعد مباينته لها وجب أن يكون ذلك حكمه إذا ~~أشعر ويكون معنى قوله ذكاته ذكاة أمه على أنه يذكى كما تذكى أمه ويقال ~~لأصحاب الشافعي إذا كان قوله ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر ينفي ذكاته بأمه إذا ~~لم يشعر فهلا خصصت به الأخبار المبهمة أكان عندكم أن هذا الضرب من الدليل ~~يخص به العموم بل هو أولى منه ومما يحتج به على الشافعي أيضا في ذلك # قوله صلى الله عليه وسلم (أحلت لنا ميتتان ودمان) # ودلالة هذا الخبر يقتضي عنده تحريم سائر الميتات سواهما فيلزمه أن يحمل ~~معنى قوله ذكاة الجنين # PageV01P141 # ذكاة أمه على موافقة دلالة هذا الخبر. ### | باب جلود الميتة إذا دبغت # قوله تعالى [إنما حرم عليكم الميتة والدم] وقوله تعالى [قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما] يقتضي تحريم ~~الميتة بجميع أجزائها وجلدها من أجزائها لأنه قد حله الموت بدلا من الحياة ~~التي كانت فيه إلا أن قوله [على طاعم يطعمه] قد دل على الاقتصار بالتحريم ~~على ما يتأتى فيه الأكل وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في ~~جلد الميتة بعد الدباغ # بقوله إنما حرم أكلها وإنما حرم لحمها # وقد اختلف الفقهاء في حكم جلد الميتة بعد الدباغ فقال أبو حنيفة وأصحابه ~~والحسن بن صالح وسفيان الثوري وعبد الله بن الحسن العنبري والأوزاعي ~~والشافعي يجوز بيعه بعد الدباغ والانتفاع به قال الشافعي إلا جلد الكلب ~~والخنزير وأصحابنا لم يفرقوا بين جلد الكلب وغيره وجعلوه طاهرا بالدباغ إلا ~~جلد الخنزير خاصة وقال مالك ينتفع بجلود الميتة في الجلوس عليها ويغربل ~~عليها ولا تباع ولا يصلى عليها وقال الليث ms0178 بن سعد لا بأس ببيع جلود الميتة ~~قبل الدباغ إذا بينت أنها ميتة والحجة لمن طهرها وجعلها مذكاة ما ورد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار المتواترة من الوجوه المختلفة بألفاظ ~~مختلفة كلها يوجب طهارتها والحكم بذكاتها فمنها # حديث ابن عباس قال (أيما إهاب دبغ فقد طهر) # وحديث الحسن عن الجون بن قتادة عن سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتى في غزوة تبوك على بيت بفنائه قربة معلقة فاستسقى فقيل إنها ميتة ~~فقال (ذكاة الأديم دباغته) # وروى سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~(دباغ جلود الميتة طهورها) # وسماك عن عكرمة عن سودة بنت زمعة قالت كانت لنا شاة فماتت فطرحناها فجاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعلت شاتكم فقلنا رميناها فتلا قوله ~~تعالى [قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه] الآية أفلا ~~استمتعتم بإهابها فبعثنا إليها فسلخناها ودبغنا جلدها وجعلناه سقاء وشربنا ~~فيه حتى صار شنا # وقالت أم سلمة مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة فقال (ما على أهل ~~هذه لو انتفعوا بإهابها) # والزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة قالت مر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بشاة لهم ميتة فقال (ألا دبغوا إهابها فانتفعوا به) ~~فقالوا يا رسول الله إنها ميتة فقال (إنما حرم من الميتة أكلها) # في غير ذلك من الأخبار كلها يوجب طهارة جلد الميتة # PageV01P142 # بعد الدباغ كرهت الإطالة بذكرها وهذه الأخبار كلها متواترة موجبة للعلم ~~والعمل قاضية على الآية من وجهين أحدهما ورودها من الجهات المختلفة التي ~~يمنع من مثلها التواطؤ والاتفاق على الوهم والغلط والثاني جهة تلقي الفقهاء ~~إياها بالقبول واستعمالهم لها فثبت بذلك أنها مستعملة مع آية تحريم الميتة ~~وأن المراد بالآية تحريمها قبل الدباغ وما قدمنا من دلالة قوله على طاعم ~~يطعمه أن المراد بالآية فيما يتأتى فيه الأكل والجلد بعد الدباغ خارج عن حد ms0179 ~~الأكل فلم يتناوله التحريم ومع ذلك فإن هذه الأخبار لا محالة بعد تحريم ~~الميتة لولا ذلك لما رموا بالشاة الميتة ولما قالوا أنها ميتة ولم يكن # النبي صلى الله عليه وسلم ليقول (إنما حرم أكلها) # فدل ذلك على أن تحريم الميتة مقدم على هذه الأخبار وأن هذه الأخبار مبينة ~~أن الجلد بعد الدباغ غير مراد بالآية ولما وافقنا مالك على جواز الانتفاع ~~به بعد الدباغ فقد استعمل الأخبار الواردة في طهارتها ولا فرق في شيء منها ~~بين افتراشها والصلاة عليها وبين أن تباع أو يصلى عليها بل في سائر الأخبار ~~أن دبغها ذكاتها ودباغها طهورها وإذا كانت مذكاة لم يختلف حكم الصلاة عليها ~~وبيعها وحكم افتراشها والجلوس عليها كسائر جلود الحيوان المذكاة ألا ترى ~~أنها قبل الدباغ باقية على حكم التحريم في امتناع جواز الانتفاع بها من ~~سائر الوجوه كالانتفاع بلحومها فلما اتفقنا على خروجها عن حكم الميتة بعد ~~الدباغ فيما وصفنا ثبت أنها مذكاة طاهرة بمنزلة ذكاة الأصل ويدل على ذلك ~~أيضا أن التحريم متعلق بكونها مأكولة وإذا خرج عن حد الأكل صار بمنزلة ~~الثوب والخشب ونحو ذلك ويدل على ذلك أيضا موافقة مالك إيانا على جواز ~~الانتفاع بشعر الميتة وصوفها لامتناع أكله وذلك موجود في الجلد بعد الدباغ ~~فوجب أن يكون حكمه حكمها فإن قيل إنما جاز ذلك في الشعر والصوف لأنه يؤخذ ~~منه في حال الحياة قيل له ليس يمتنع أن يكون ما ذكرنا علة الإباحة وكذلك ما ~~ذكرت فيكون للإباحة علتان إحداهما أنه لا يتأتى فيه الأكل والأخرى أنه يؤخذ ~~منه في حال الحياة فيجوز الانتفاع به لأن موجبهما حكم واحد ومتى عللناه بما ~~وصفناه وجب قياس الجلد عليه وإذا عللته بما وصفت كان مقصور الحكم على ~~المعلول # وقد روى الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله ابن عكيم قال قرئ ~~علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ~~ولا عصب # فاحتج بذلك من حظر جلد الميتة ms0180 بعد الدباغ وغير جائز معارضة الأخبار ~~الواردة في الإباحة # PageV01P143 # بهذا الخبر من وجوه أحدها أن الأخبار التي قدمناها في حيز التواتر الموجب ~~للعلم وحديث عبد الله بن عكيم ورد من طريق الآحاد وقد روى عاصم بن علي عن ~~قيس بن الربيع عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله ~~بن عكيم قال كتب إلينا عمر ابن الخطاب أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا ~~عصب فذكر في هذا الحديث أن عمر كتب إليهم بذلك فلا يجوز معارضة الأخبار ~~التي قدمنا بمثله ومن جهة أخرى أنهما لو تساويا في النقل لكان خبر الإباحة ~~أولى لاستعمال الناس له وتلقيهم إياه بالقبول ووجه آخر وهو أن خبر عبد الله ~~بن عكيم لو انفرد عن معارضة الأخبار التي قدمنا لم يكن فيه ما يوجب تحريم ~~الجلد بعد الدباغ لأنه قال لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وهو إنما ~~يسمى إهابا قبل الدباغ والمدبوغ لا يسمى إهابا وإنما يسمى أديما فليس إذا ~~في هذا الخبر ما يوجب تحريمه بعد الدباغ وأما قول الليث بن سعد في إباحة ~~بيع جلد الميتة قبل الدباغ فقول خارج عن اتفاق الفقهاء لم يتابعه عليه أحد ~~ومع ذلك هو مخالف # لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) # لأنه قبل الدباغ يسمى إهابا والبيع من وجوه الانتفاع فوجب أن يكون محظورا # بقوله (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) # قال أبو بكر فإن قال قائل # قوله صلى الله عليه وسلم (إنما حرم من الميتة أكلها) # يدل على أن التحريم مقصور على الأكل دون البيع قيل له فينبغي أن تجيز بيع ~~لحمها بقوله إنما حرم أكلها فإذا لم يجز بيع اللحم مع قوله إنما حرم أكلها ~~كذلك حكم الجلد قبل الدباغ فإن قال قائل منعت بيع اللحم بقوله إنما حرم ~~أكلها قيل له وامنع بيع الجلد بقوله [حرمت عليكم الميتة] لأنه لم يفرق بين ~~الجلد واللحم وإنما خص من جملته ms0181 المدبوغ منه دون غيره وأيضا # فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لعن الله اليهود حرمت عليهم ~~الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها) # وإذا كان الجلد محرم الأكل قبل الدباغ كتحريم اللحم وجب أن لا يجوز بيعه ~~كبيع اللحم نفسه وكبيع سائر المحرمات لأعيانها كالخمر والدم ونحوهما وأما ~~جلد الكلب فيلحقه الدباغ ويطهر إذا كان ميتة # لقوله صلى الله عليه وسلم (أيما إهاب دبغ فقد طهر) # وقال (دباغ الأديم ذكاته) # ولم يفرق بين الكلب وغيره ولأنه تلحقه الذكاة عندنا لو ذبح لكان طاهرا ~~فإن قيل إذا كان نجسا في حال الحياة كيف يطهر بالدباغ قيل له كما يكون جلد ~~الميتة نجسا ويطهره الدباغ لأن الدباغ ذكاته كالذبح وأما الخنزير فلا تلحقه ~~الذكاة لأنه محرم العين بمنزلة الخمر والدم # PageV01P144 # فلا تعمل فيه الذكاة ألا ترى أنه لا يجوز الانتفاع به في حال الحياة ~~والكلب يجوز الانتفاع به في حال الحياة فليس هو محرم العين والله أعلم. ### | باب تحريم الانتفاع بدهن الميتة # قال الله تعالى [إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير] وقال [قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة] وهذان الظاهران ~~يحظران دهن الميتة كما أوجبا حظر لحمها وسائر أجزائها # وقد روى محمد بن إسحاق عن عطاء عن جابر قال لما قدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك فقالوا يا رسول الله ~~إنا نجمع هذه الأوداك وهي من الميتة وعكرها وإنما هي للأدم والسفن فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها ~~وأكلوا أثمانها) # فنهاهم عن ذلك فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تحريم الله تعالى إياها ~~على الإطلاق قد أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها وقد ذكر عن ابن جريج ~~عن عطاء أنه يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن وهو قول شاذ وقد ورد الأثر ~~بتحريمه واقتضى ظاهر الآية حظره. ### | باب الفأرة تموت في السمن # قال الله تعالى ms0182 [إنما حرم عليكم الميتة] وقوله تعالى [حرمت عليكم الميتة] ~~لم يقتض تحريم ما ماتت فيه من المائعات وإنما اقتضى تحريم عين الميتة وما ~~جاور الميتة فلا يسمى ميتة فلم ينتظمه لفظ التحريم ولكنه محرم الأكل بسنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما # روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الفأرة تقع في السمن فقال صلى الله عليه وسلم إن كان جامدا فألقوها ~~وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله # وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة ~~وقعت في سمن فماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ألقوها وما حولها ثم كلوه # وروى عبد الجبار ابن عمر عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن ~~عمر أنه أخبره أنه كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله رجل عن ~~فأرة وقعت في ودك لهم فقال أجامد هو قال نعم قال اطرحوها واطرحوا ما حولها ~~وكلوا ودككم قالوا يا رسول الله إنه مائع قال فانتفعوا به ولا تأكلوه # فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم جواز الانتفاع به من غير جهة الأكل وهذا ~~يقتضي جواز # PageV01P145 # بيعه لأنه ضرب من ضروب الانتفاع ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ~~منه وروي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري والحسن في آخرين ~~من السلف جواز الانتفاع به من غير جهة الأكل قال أبو موسى بيعوه ولا تطعموه ~~ولا نعلم أحدا من الفقهاء منع الانتفاع به من جهة الاستصباح ودبغ الجلود ~~ونحوه ويجوز بيعه عند أصحابنا أيضا ويبين عيبه وحكي عن الشافعي أن بيعه لا ~~يجوز ويجوز الاستصباح به وقد روي في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إطلاق الانتفاع من غير تخصيص منه لوجه دون وجه فدل ذلك على أن المحرم ~~منه الأكل ms0183 دون غيره وأن بيعه جائز كما يجوز بيع سائر الأشياء التي يجوز ~~الانتفاع بها من نحو الحمار والبغل إذ ليس لهذه الأشياء حق في منع البيع ~~وهو مما يجوز الانتفاع به وهو غير محرم العين فإن قيل يجوز الانتفاع بأم ~~الولد والمدبر ولا يجوز بيعهما قيل له هذا لا يلزم على ما ذكرنا لأنا قيدنا ~~المعنى بأنه لا حق لما جاز الانتفاع به من ذلك في منع بيعه فلم يمنع تحريم ~~أكله جواز بيعه من حيث جاز الانتفاع به من غير جهة الأكل ولا حق له في منع ~~البيع وأما المدبر وأم الولد فإنه قد ثبت لهما حق العتاق وفي جواز بيعهما ~~إبطال لحقهما فلذلك منع بيعهما مع إطلاق سائر وجوه الانتفاع فيهما وليس هذا ~~عندهم بمنزلة ودك الميتة لأنه محرم العين كلحمها ممنوع الانتفاع به من سائر ~~الوجوه وليس ما مات فيه الفأرة من المائعات بمحرم العين وإنما هو محرم ~~الأكل لمجاورته الميتة وسائر وجوه المنافع مطلقة فيه سوى الأكل فكان بيعه ~~بمنزلة بيع الحمار والبغل والكلب ونحوه مما يجوز الانتفاع به ولا يجوز أكله ~~وكذلك الرقيق يجوز بيعهم كسائر منافعهم وقد دل # قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بإلقاء الفأرة وما حولها في الجامد ~~منه # على معنيين أحدهما أن ما كان نجسا في نفسه فإنه ينجس بالمجاورة لحكمه ~~فيما جاور الفأرة منه بالنجاسة وأن ما ينجس بالمجاورة لا ينجس ما جاوره إذ ~~لم يحكم بنجاسة السمن المجاور للسمن النجس لأنه لو وجب الحكم بذلك لوجب ~~الحكم بتنجيس سائر سمن الإناء بمجاورة كل جزء منه لغيره فهذا أصل قد ثبت ~~بالسنة وكل ذلك يدل على اختلاف مراتب النجاسة في التغليظ والتخفيف وأنها ~~ليست متساوية المنازل فجاز من أجل ذلك أن يعتبر في بعضها أكثر من قدر ~~الدرهم وفي بعضها الكثير الفاحش على حسب قيام دلالة التخفيف والتغليظ والله ~~أعلم بالصواب. # PageV01P146 ### | باب القدر يقع فيها الطير فيموت # ذكر أبو جعفر الطحاوي قال سمعت أبا حازم القاضي يحدث عن ms0184 سويد بن سعيد عن ~~علي بن مسهر قال كنت عند أبي حنيفة رضي الله عنه فأتاه ابن المبارك بهيئة ~~خراساني فسأله عن رجل نصب له قدرا فيها لحم على النار فمر طير فوقع فيها ~~فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه ماذا ترون فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم ~~يؤكل بعد ما يغسل ويهراق المرق فقال أبو حنيفة بهذا نقول ولكن هو عندنا على ~~شريطة فإن كان وقع فيها في حال سكونها فكما في هذه الرواية وإن وقع فيها في ~~حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق فقال له ابن المبارك ولم ذلك فقال ~~لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم وإذا وقع في ~~حال سكونها فمات فإن الميتة وسخت اللحم فقال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين ~~هذا زرين بالفارسية يعني المذهب وروى ابن المبارك عن عباد بن راشد عن الحسن ~~مثل جواب أبي حنيفة رضي الله عنه وقد ذكر أبو حنيفة رضي الله عنه علة فرقه ~~بين وقوعه في حال الغليان وحال السكون وهو فرق ظاهر وقال ابن وهب عن مالك ~~في الدجاجة تقع في قدر اللحم وهي تطبخ فتموت فيها قال لا أرى أن آكل تلك ~~القدر لأن الميتة قد اختلطت بما كان في القدر وقال الأوزاعى يغسل اللحم ~~ويؤكل وقال الليث ابن سعد لا يؤكل ذلك اللحم حتى يغسل مرارا ويغلى على ~~النار حتى يذهب كل ما كان فيه وقد روى ابن المبارك عن عثمان بن عبد الله ~~الباهلي قال حدثني عكرمة عن ابن عباس في طير وقع في قدر فمات فقال يهراق ~~المرق ويؤكل اللحم ولم يذكر فيه حال الغليان وروى محمد بن ثوبان عن السائب ~~بن خباب أنه كان له قدر على النار فسقطت فيها دجاجة فماتت ونضجت مع اللحم ~~فسألت ابن عباس فقال اطرح الميتة وأهرق المرق وكل اللحم فإن كرهته فأرسل ~~إلي منه عضوا أو عضوين وهذا أيضا لا دلالة فيه على حال الغليان لأنه جائز ~~أن يكون وقعت ms0185 فيه بعد سكون الغليان والمرق حار فنضجت والله سبحانه أعلم. ### | باب النفحة الميتة ولبنها # قال أبو حنيفة لبن الميتة وإنفحتها طاهران لا يلحقهما حكم النجاسة وقال ~~أبو يوسف ومحمد والثوري يكره اللبن لأنه في وعاء نجس وكذلك الإنفحة إذا ~~كانت مائعة فإن كانت جامدة فلا بأس وقالوا جميعا في البيضة إذا كانت من ~~دجاجة ميتة فلا بأس بها وقال مالك # PageV01P147 # وعبد الله بن الحسن والشافعي لا يحل اللبن في ضروع الميتة وقال الليث بن ~~سعد لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة وقال عبد الله بن الحسن أكره ~~أن أرخص فيها قال أبو بكر اللبن لا يجوز أن يلحقه حكم الموت لأنه لا حياة ~~فيه ويدل عليه أنه يؤخذ منها وهي حية فيؤكل فلو كان مما يلحقه حكم الموت لم ~~يحل إلا بذكاة الأصل كسائر أعضاء الشاة وأيضا فإن قوله [نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين] عام في سائر الألبان ~~فاقتضى ذلك شيئين أحدهما أن اللبن لا يموت ولا يحرمه موت الشاة والثاني أنه ~~لا ينجس بموت الشاة ولا يكون بمنزلة لبن جعل في وعاء ميت فإن قيل ما الفرق ~~بينه وبين ما لو حلب من شاة حية ثم جعل في وعاء نجس وبين ما إذا كان في ضرع ~~الميتة قيل الفرق بينهما أن موضع الخلقة لا ينجس ما جاوره بما حدث فيه خلقة ~~والدليل على ذلك اتفاق المسلمين على جواز أكل اللحم بما فيه من العروق مع ~~مجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل لذلك فدل ذلك على أن موضع ~~الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه ودليل آخر وهو قوله [من بين فرث ودم ~~لبنا خالصا سائغا للشاربين] وهذا يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما ما ~~قدمناه آنفا في صدر المسألة في اقتضائه لبن الحية ولبن الميتة والثاني ~~إخباره بخروجه من بين فرث ودم هما بحسان مع الحكم بطهارته ولم تكن مجاورته ~~لهما موجبة لتنجيسه لأنه موضع الخلقة كذلك ms0186 كونه في ضرع ميتة لا يوجب تنجيسه ~~ويدل على ذلك أيضا # ما رواه شريك عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال أتي النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة الطائف بجبنة فجعلوا يقرعونها بالعصا فقال أين يصنع هذا ~~فقالوا بأرض فارس فقال اذكروا اسم الله عليه وكلوا # ومعلوم أن ذبائح المجوس ميتة وقد أباح صلى الله عليه وسلم أكلها مع العلم ~~بأنها من صنعة أهل فارس وأنهم كانوا إذ ذاك مجوسا ولا ينعقد الجبن إلا ~~بإنفحة فثبت بذلك أن إنفحة الميتة طاهرة # وقد روى القاسم بن الحكم عن غالب بن عبد الله عن عطاء بن أبي رباح عن ~~ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الجبن فقال ضعي السكين واذكري اسم الله تعالى وكلى # فأباح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أكل الجميع منه ولم يفصل ~~بين ما صنع منه بإنفحة ميتة أو غيرها # وقد روى عن على وعمرو سلمان وعائشة وابن عمر وطلحة بن عبيد الله وأم سلمة ~~والحسن بن علي إباحة أكل الجبن الذي فيه إنفحة الميتة # فدل ذلك على أن الإنفحة طاهرة وإن كانت # PageV01P148 # من ميتة وإذا ثبت بما وصفنا طهارة الإنفحة وإن كانت من ميتة ثبت طهارة ~~لبن الميتة وإنفحتها ووجب أن يكون ذلك حكم البيضة الخارجة من الدجاجة ~~الميتة لأنها تبين منها في حياتها وهي طاهرة يجوز أكلها فكذلك بعد موتها ~~لأنها لو كانت مما يحتاج إلى ذكاة لما أباحها إلا ذكاة الأصل كسائر أعضائها ~~لما كان شرط إباحتها الذكاة لم تحل إلا بذكاة الأصل. ### | باب شعر الميتة وصوفها والفراء وجلود السباع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومحمد بن صالح وعبيد الله بن الحسن ~~يجوز الانتفاع بعظام الميتة ولا بأس بشعر الميتة وصوفها ولا يكون ميتة لأنه ~~يؤخذ منها في حال الحياة وقال الليث لا ينتفع بعصب الميتة ولا بعقبها ولا ~~أرى بأسا بالقرن والظلف أن ينتفع به ولا بأس بعظام الميتة ms0187 ولا الشعر ولا ~~الصوف # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا سليمان ~~بن عبد الرحمن الدمشقي قال حدثنا يوسف ابن الشقر قال حدثنا الأوزاعي عن ~~يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال سمعت أم سلمة قالت سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرنها ~~إذا اغتسل بالماء) # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا الحسن ~~ابن عمر قال حدثنا عبد الله بن سلمة عن ابن أبي ليلى عن ثابت البناني عن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني أبي أنه كان عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأله رجل عن الصلاة في الفراء والمساتق قال وفي الدباغ عنكم # وروى يحيى الحماني قال حدثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن ~~أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الفراء والجبن والسمن فقال إن الحلال الذي أحل الله تعالى في القرآن ~~والحرام الذي حرم الله تعالى في القرآن وما سكت عنه فهو عفو منه # قال أبو بكر هذه الأخبار فيها إباحة الشعر والصوف والفراء والجبن من ~~وجهين أحدهما ما ذكرناه في حديث أم سلمة من النص على إباحة الشعر والصوف من ~~الميتة وحديث ابن أبي ليلى في إباحة الفراء والمساتق والآخر ما ذكر في حديث ~~سلمان وفيه دلالة على الإباحة من وجهين أحدهما أنه لو كان محرما لأجابه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريم والثاني أن ما لم يذكر بتحريم ولا تحليل ~~فهو مباح # بقوله وما سكت عنه فهو عفو # وليس في القرآن تحريم الشعر والصوف ونحوهما بل فيه ما يوجب الإباحة وهو ~~قوله [والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع] والدفء ما يتدفأ به من شعرها ~~ووبرها # PageV01P149 # وصوفها وذلك يقتضي إباحة الجميع من الميتة والحي وقال تعالى [ومن أصوافها ~~وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين] فعم الجميع بالإباحة من غير فصل ~~بين المذكى ms0188 منه وبين الميتة ومن حظر هذه الأشياء من الميتة احتج فيه بقوله ~~تعالى [حرمت عليكم الميتة] وذلك يتناولها بجميع أجزائها فإذا كان الصوف ~~والشعر والعظام ونحوها من أجزائها اقتضت الآية تحريم جميعها فيقال له إنما ~~المراد بالآية ما يتأتى فيه الأكل والدليل عليه قوله تعالى في الآية الأخرى ~~[قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه] فأخبر أن التحريم مقصور ~~على ما يتأتى فيه الأكل # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما حرم من الميتة لحمها) # وفي خبر آخر (إنما حرم أكلها) # فأبان النبي صلى الله عليه وسلم عن مراد الله تعالى بتحريم الميتة فلما ~~لم يكن الشعر والصوف والعظم ونحوها مما ذكرنا من المأكول لم يتناولها ~~التحريم ومن حيث خصصنا جلد الميتة والمدبوغ بالإباحة للآثار الواردة فيه ~~وجب تخصيص الشعر والصوف وما لا يتأتى فيه الأكل من جملة المحرم بالآثار ~~المروية فيها مما قدمنا ذكره ويدل عليه أيضا من جهة أخرى وهي أن جلد الميتة ~~لما كان خروجه عن حد الأكل بالدباغ مبيحا له وجب أن يكون ذلك حكم سائر ما ~~لا يتأتى فيه الأكل منها من الشعر والصوف ونحوهما ويدل عليه أيضا أن ~~الأخبار الواردة في إباحة الانتفاع بجلود الميتة لم يذكر فيها حلق الشعر ~~والصوف عنها بل فيها الإباحة على الإطلاق فاقتضى ذلك إباحة الانتفاع بها ~~بما عليها من الشعر والصوف ولو كان التحريم ثابتا في الصوف والشعر لبينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أن الجلود لا تخلوا من أجزاء الحيوان مما ~~ليس فيه حياة وما لا حياة فيه لا يلحقه حكم الموت والدليل على أن الشعر ~~ونحوه لا حياة فيه أن الحيوان لا يتألم بقطعها ولو كانت فيه حياة لتألم ~~بقطعها كما يألمه قطع سائر أعضائه فدل ذلك على أن الشعر والصوف والعظم ~~والقرن والظلف والريش لا حياة فيها فلا يلحقها حكم الموت ووجود النماء فيها ~~لا يوجب لها حياة لأن الشجر والنبات ينميان ولا حياة فيهما ولا يلحقهما حكم ~~الموت فكذلك ms0189 الشعر والصوف ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميت) # ويبين منها الشعر والصوف ولا يلحقهما حكم الموت فلو كان مما يلحقهما حكم ~~الموت لوجب أن لا يحل إلا بذكاة الأصل كسائر أعضاء الحيوان فدل ذلك على أنه ~~لا يلحقه حكم الموت ولا يحتاج إلى ذكاة وقد روي عن الحسن ومحمد بن سيرين ~~وسعيد بن المسيب # PageV01P150 # وإبراهيم إباحة شعر الميتة وصوفها وروي عن عطاء كراهية الميتة وعظام ~~الفيل وعن طاوس كراهة عظام الفيل وروي عن ابن عمر أنه رأى على رجل فروا ~~فقال لو أعلمه ذكيا لسرني أن يكون لي منه ثوب وذكر أنس أن عمر رأى على رجل ~~قلنسوة ثعلب فنزعها وقال ما يدريك لعله مما لم يذك وقد اختلف في جلود ~~السباع فكرهها قوم وأباحها أصحابنا ومن قدمنا ذكره من الصحابة والتابعين ~~وقد روى عطاء عن ابن عباس وأبو الزبير عن جابر ومطرف عن عمار إباحة ~~الانتفاع بجلود السباع # وعن علي بن حسين والحسن وإبراهيم والضحاك وابن سيرين لا بأس بلبس جلود ~~السباع # وعن عطاء عن عائشة في الفراء دباغها ذكاتها فإن قال قائل # روى قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ~~جلود السباع # وقتادة عن أبي شيخ الهنائي أن معاوية قال لنفر من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سروج النمور أن يركب ~~عليها قالوا نعم # وقد تنازع أهل العلم معنى هذين الحديثين فقال قائلون هذا نهي تحريم يقتضي ~~تحريم لبسها على كل حال وقال آخرون هو على وجه الكراهية والتشبه بزي العجم ~~كما # روى أبو إسحاق عن هبيرة بن مريم عن على قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن خاتم الذهب وعن لبس القسي وعن الثياب الحمر # وما روي عن الصحابة في إباحة لبس جلود السباع والانتفاع بها يدل على أن ~~النهي على وجه الكراهية والتشبه بالعجم وقد تقدم ms0190 ذكر حديث سلمان وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في إباحة لبس الفراء والانتفاع بها # وقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر # وقوله دباغ الأديم ذكاته عام في جلود السباع # وغيرها وهذا يدل على أن النهي عن جلود السباع ليس من جهة النجاسة بل على ~~وجه الكراهة والتشبه بالعجم. ### | باب تحريم الدم # قال الله تعالى [إنما حرم عليكم الميتة والدم] وقال [حرمت عليكم الميتة ~~والدم] فلو لم يرد في تحريمه غير هاتين الآيتين لاقتضى ذلك تحريم سائر ~~الدماء قليلها وكثيرها فلما قال في آية أخرى [قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا] دل ذلك على أن ~~المحرم من الدم هو المسفوح دون غيره فإن قال قائل قوله [أو دما مسفوحا] خاص ~~فيما كان منه على هذه الصفة وقوله في الآيتين الأخريين عام في سائر الدماء ~~فوجب إجراؤه على عمومه إذ ليس في الآية ما يخصه قيل # PageV01P151 # له قوله [أو دما مسفوحا] جاء فيه نفي لتحريم سائر الدماء إلا ما كان منه ~~بهذا الوصف لأنه قال [قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم- إلى قوله- ~~أو دما مسفوحا] وإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يخل من أن يكون قوله [إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم] متأخرا عن قوله [أو دما مسفوحا] أو أن يكونا نزلا ~~معا فلما عدمنا تاريخ نزول الآيتين وجب الحكم بنزولهما معا فلا يثبت حينئذ ~~تحريم الدم إلا معقودا بهذه الصفة وهو أن يكون مسفوحا وحدثنا أبو القاسم ~~عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسين بن أبي الربيع ~~الجرجاني أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ~~عكرمة قال لولا هذه الآية [أو دما مسفوحا] لا تبع المسلمون من العروق ما ~~اتبع اليهود وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله [أو دما مسفوحا] ms0191 قال حرم من الدم ~~ما كان مسفوحا وأما اللحم يخالطه الدم فلا بأس به وروى القاسم بن محمد عن ~~عائشة أنها سئلت عن الدم يكون في اللحم والمذبح قالت إنما نهى الله عن الدم ~~المسفوح ولا خلاف بين الفقهاء في جواز أكل اللحم مع بقاء أجزاء الدم في ~~العروق لأنه غير مسفوح ألا ترى أنه متى صب عليه الماء ظهرت تلك الأجزاء فيه ~~وليس هو بمحرم إذ ليس هو مسفوحا ولما وصفنا قال أصحابنا إن دم البراغيث ~~والبق والذباب ليس بنجس وقالوا أيضا إن دم السمك ليس بنجس لأنه يؤكل بدمه ~~وقال مالك في دم البراغيث إذا تفاحش غسله ويغسل دم الذباب ودم السمك وقال ~~الشافعي لا يفسد الوضوء إلا أن تقع منه نجاسة من دم أو بول أو غيره فعم ~~الدماء كلها فإن قال قائل قوله [حرمت عليكم الميتة والدم] وقوله [أو دما ~~مسفوحا] يوجب تحريم دم السمك لأنه مسفوح قيل له هذا مخصوص # بقوله صلى الله عليه وسلم (أحلت لي ميتتان ودمان السمك والجراد) # فلما أباح السمك بما فيه من الدم من غير إراقة دمه وقد تلقى المسلمون هذا ~~الخبر بالقبول في إباحة السمك من غير إراقة دمه وجب تخصيص الآية في إباحة ~~دم السمك إذ لو كان محظورا لما حل دون إراقة دمه كالشاة وسائر الحيوان ذوات ~~الدماء والله أعلم. ### | باب تحريم الخنزير # قال الله تعالى [إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير] وقال تعالى ~~[حرمت # PageV01P152 # عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير] # وقال تعالى [قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ~~ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير] فنص في هذه الآيات على تحريم لحم الخنزير ~~والأمة عقلت من تأويله ومعناه مثل ما عقلت من تنزيله واللحم وإن كان مخصوصا ~~بالذكر فإن المراد جميع أجزائه وإنما خص اللحم بالذكر لأنه أعظم منفعته وما ~~يبتغى منه كما نص على تحريم قتل الصيد على المحرم والمراد حظر جميع أفعاله ~~في الصيد وخص القتل ms0192 بالذكر لأنه أعظم ما يقصد به الصيد وكقوله تعالى [إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع] فخص البيع ~~بالنهي لأنه كان أعظم ما يبتغون من منافعهم والمعني جميع الأمور الشاغلة عن ~~الصلاة وإنما نص على البيع تأكيدا للنهي عن الاشتغال عن الصلاة كذلك خص لحم ~~الخنزير بالنهي تأكيدا لحكم تحريمه وحظرا لسائر أجزائه فدل على أن المراد ~~بذلك جميع أجزائه وإن كان النص خاصا في لحمه وقد اختلف الفقهاء في جواز ~~الانتفاع بشعر الخنزير فقال أبو حنيفة ومحمد يجوز الانتفاع به للخرز وقال ~~أبو يوسف أكره الخرز به وروي عنه الإباحة وقال الأوزاعي لا بأس أن يخاط ~~بشعر الخنزير ويجوز للخراز أن يشتريه ولا يبيعه وقال الشافعي لا يجوز ~~الانتفاع بشعر الخنزير قال أبو بكر لما كان المنصوص عليه في الكتاب من ~~الخنزير لحمه وكان ذلك تأكيدا لحكم تحريمه على ما بينا جاز أن يقال إن ~~التحريم قد يتناول الشعر وغيره وجائز أن يقال إن التحريم منصرف إلى ما كان ~~فيه الحياة منه مما لم يألم بأخذه منه فأما الشعر فإنه لما لم يكن فيه حياة ~~لم يكن من أجزاء الحي فلم يلحقه حكم التحريم كما بينا في شعر الميتة وأن ~~حكم المذكى والميتة في الشعر سواء إلا أن من أباح الانتفاع به من أصحابنا ~~فذكر أنه إنما أجازه استحسانا وهذا يدل على أن التحريم قد تناول الجميع ~~عندهم بما عليه من الشعر وإنما استحسنوا إجازة الانتفاع به للخرز دون جواز ~~بيعه وشرائه لما شاهدوا المسلمين وأهل العلم يقرون الأساكفة على استعماله ~~من غير نكير ظهر منهم عليهم فصار هذا عندهم إجماعا من السلف على جواز ~~الانتفاع به وظهور العمل من العامة في شيء مع إقرار السلف إياهم عليه ~~وتركهم النكير عليهم يوجب إباحته عندهم وهذا مثل ما قالوا في إباحة دخول ~~الحمام من غير شرط أجرة معلومة ولا مقدار معلوم لما يستعمله من الماء ولا ~~مقدار مدة لبثه فيه لأن هذا كان ظاهرا مستفضيا ms0193 في عهد السلف # PageV01P153 # من غير منكر به على فاعليه فصار ذلك إجماعا منهم وكذلك قالوا في ~~الاستصناع إنهم أجازوه لعمل الناس ومرادهم فيه إقرار السلف الكافة على ذلك ~~وتركهم النكير عليهم في استعماله فصار ذلك أصلا في جوازه ونظائر ذلك كثيرة ~~واختلف أهل العلم في خنزير الماء فقال أصحابنا لا يؤكل وقال مالك وابن أبي ~~ليلى والشافعي والأوزاعي لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر وقال الشافعي لا ~~بأس بخنزير الماء ومنهم من يسميه حمار الماء وقال الليث ابن سعد لا يؤكل ~~إنسان الماء ولا خنزير الماء قال أبو بكر ظاهر قوله [ولحم الخنزير] موجب ~~لحظر جميع ما يكون منه في البر وفي الماء لشمول الاسم له فإن قيل إنما ~~ينصرف هذا إلى خنزير البر لأنه الذي يسمى بهذا الاسم على الإطلاق وخنزير ~~الماء لا يطلق عليه الاسم وإنما يسمى به مقيدا واسمه الذي يطلق عليه في ~~العادة حمار الماء قيل له لا يخلو خنزير الماء من أن يكون على خلقة خنزير ~~البر وصفته أو على غير ذلك فإن كان على هذه الخلقة فلا فرق بينهما في إطلاق ~~الاسم عليه من قبل أن كونه في الماء لا يغير حكمه إذا كان في معناه وعلى ~~خلقته إلا أن تقوم الدلالة على خصوصه وإن كان على خلقة أخرى غيرها ومن ~~أجلها يسمى حمار الماء فكأنهم إنما أجروا اسم الخنزير على ما ليس بخنزير ~~ومعلوم أن أحدا لم يخطئهم في التسمية فدل ذلك على أنه خنزير على الحقيقة ~~وأن الاسم يتناوله على الإطلاق وتسميتهم إياه حمار الماء لا يسلبه اسم ~~الخنزير # إذ جائز أن يكونوا سموه بذلك ليفرقوا بينه وبين خنزير البر وكذلك كلب ~~الماء وكلب البر سواء لا فرق بينهما إذ كان الاسم يتناول الجميع وإن خالفه ~~في بعض أوصافه والله أعلم. ### | باب تحريم ما أهل به لغير الله # قال الله تعالى [إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به ~~لغير الله] ولا خلاف بين المسلمين أن المراد به ms0194 الذبيحة إذا أهل بها لغير ~~الله عند الذبح فمن الناس من يزعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين ~~كانوا يذبحون لأوثانهم كقوله تعالى [وما ذبح على النصب] وأجازوا ذبيحة ~~النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي ~~وسعيد بن المسيب وقالوا إن الله تعالى قد أباح أكل ذبائحهم مع علمه بأنهم ~~يهلون باسم المسيح على ذبائحهم وهو مذهب الأوزاعى والليث ابن سعد أيضا وقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والشافعي لا تؤكل # PageV01P154 # ذبائحهم إذا سموا عليها باسم المسيح وظاهر قوله تعالى [وما أهل به لغير ~~الله] يوجب تحريمها إذا سمي عليها باسم غير الله لأن الإهلال به لغير الله ~~هو إظهار غير اسم الله ولم يفرق في الآية بين تسمية المسيح وبين تسمية غيره ~~بعد أن يكون الإهلال به لغير الله وقوله في آية أخرى [وما ذبح على النصب] ~~وعادة العرب في الذبائح للأوثان غير مانع اعتبار عموم الآية فيما اقتضاه من ~~تحريم ما سمي عليه غير الله تعالى # وقد روى عطاء بن السائب عن زادان وميسرة أن عليا عليه السلام قال إذا ~~سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا ~~فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون # وأما ما احتج به القائلون بإباحة ذلك لإباحة الله طعام أهل الكتاب مع ~~علمه بما يقولون فليس فيه دلالة على ما ذكروا لأن إباحة طعام أهل الكتاب ~~معقودة بشريطة أن لا يهلوا لغير الله إذ كان الواجب علينا استعمال الآيتين ~~بمجموعهما فكأنه قال [وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم] ما لم يهلوا به ~~لغير الله فإن قال قائل إن النصراني إذا سمى الله فإنما يريد به المسيح ~~عليه السلام فإذا كان إرادته كذلك ولم تمنع صحة ذبيحته وهو مع ذلك مهل به ~~لغير الله كذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله تعالى ~~في إرادته المسيح قيل له لا يجب ذلك لأن الله تعالى إنما ms0195 كلفنا حكم الظاهر ~~لأن الإهلال هو إظهار القول فإذا أظهر اسم غير الله لم تحل ذبيحته لقوله ~~[وما أهل به لغير الله] وإذا أظهر اسم الله فغير جائز لنا حمله على اسم ~~المسيح عنده لأن حكم الأسماء أن تكون محمولة على حقائقها ولا تحمل على ما ~~لا يقع الاسم عليه عندنا ولا يستحقه ومع ذلك فليس يمتنع أن تكون العبادة ~~علينا في اعتبار إظهار الاسم دون الضمير ألا ترى أن من أظهر القول بالتوحيد ~~وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم كان حكمه حكم المسلمين مع جواز اعتقاده ~~للتشبيه المضاد للتوحيد وكذلك # قال صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) # وقد أعلمه الله أن في القوم منافقين يعتقدون غير ما يظهرون ولم يجرهم مع ~~ذلك مجرى سائر المشركين بل حكم لهم فيما يعاملون به من أحكام الدنيا بحكم ~~سائر المسلمين على ما ظهر من أمورهم دون ما بطن من ضمائرهم وكذلك جائز أن ~~تكون صحة ذكاة النصراني متعلقة بإظهار اسم الله تعالى وأنه متى أظهر اسم ~~المسيح لم تصح ذكاته كسائر المشركين إذا أظهروا على ذبائحهم # PageV01P155 # أسماء أوثانهم والله أعلم. ### | باب ذكر الضرورة المبيحة لأكل الميتة # قال الله تعالى [فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه] وقال في آية ~~أخرى [وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه] وقال [فمن اضطر في ~~مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم فقد ذكر الله تعالى الضرورة في ~~هذه الآيات وأطلق الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة وهو ~~قوله [وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه] فاقتضى ذلك وجود ~~الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها واختلف أهل العلم في ~~معنى قوله تعالى [فمن اضطر غير باغ ولا عاد] فقال ابن عباس والحسن ومسروق ~~[غير باغ] في الميتة [ولا عاد] في الأكل ms0196 وهو قول أصحابنا ومالك بن أنس ~~وأباحوا للبغاة الخارجين على المسلمين أكل الميتة عند الضرورة كما أباحوه ~~لأهل العدل وقال مجاهد وسعيد بن جبير إذا لم يخرج باغيا على إمام المسلمين ~~ولم يكن سفره في معصية فله أن يأكل الميتة إذا اضطر إليها وإن كان سفره في ~~معصية أو كان باغيا على الإمام لم يجز له أن يأكل وهو قول الشافعي وقوله ~~[إلا ما اضطررتم إليه] يوجب الإباحة للجميع من المطيعين والعصاة وقوله في ~~الآية الأخرى [غير باغ ولا عاد] وقوله [غير متجانف لإثم] لما كان محتملا أن ~~يريد به البغي والعدوان في الأكل واحتمل البغي على الإمام أو غيره لم يجز ~~لنا تخصيص عموم الآية الأخرى بالاحتمال بل الواجب حمله على ما يواطئ معنى ~~العموم من غير تخصيص وأيضا فقد اتفقوا على أنه لو لم يكن سفره في معصية بل ~~كان سفره لحج أو غزو أو تجارة وكان مع ذلك باغيا على رجل في أخذ ماله أو ~~عاديا في ترك صلاة أو ذكاة لم يكن ما هو عليه من البغي والعدوان مانعا من ~~استباحة الميتة للضرورة فثبت بذلك أن قوله [غير باغ ولا عاد] لم يرد به ~~انفاء البغي والعدان في سائر الوجوه وليس في الآية ذكر شيء منه مخصوص فيوجب ~~ذلك كون اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان فلا يجوز تخصيص الآية الأولى به ~~لتعذر استعماله على حقيقته وظاهره ومتى حملنا ذلك على البغي والتعدي في ~~الأكل استعملنا اللفظ على عمومه وحقيقته فيما أريد به وورد فيه فكان حمله ~~على ذلك أولى من وجهين أحدهما أنه يكون مستعملا على عمومه والآخر أنا لا ~~نوجب به تخصيص قوله [إلا ما اضطررتم # PageV01P156 # إليه] # وكذلك [غير متجانف لإثم] لا يخلو من أن يريد به مجانبة سائر الآثام حتى ~~يكون شرط الإباحة للمضطر أن يكون غير متجانف لإثم أصلا في الأكل وغيره حتى ~~إن كان مقيما على ترك رد مظلمة درهم أو ترك صلاة أو صوم لم يتب منه لا يحل ~~له الأكل ms0197 أو أن يكون جائز له الأكل مع كونه مقيما على ضرب من المعاصي بعد ~~أن لا يكون سفره في معصية ولا خارجا على إمام وقد ثبت عند الجميع أن إقامته ~~على بعض المعاصي لا تمنع استباحته للميتة عند الضرورة فثبت أن ذلك ليس ~~بمراد ثم بعد ذلك يحتاج في إثبات المأثم الذي يمنع الاستباحة إلى دلالة من ~~غير الآية وهذا يوجب إجمال اللفظ وافتقاره إلى البيان فيؤدي ذلك إلى وقوف ~~حكم الآية على بيان من غيرها ومتى أمكننا استعمال حكم الآية وجب علينا ~~استعمالها وجهة إمكان استعمالها ما وصفنا من إثبات المراد بغيا وتعديا في ~~الأكل بأن لا يتناول منها إلا بمقدار ما يمسك الرمق ويزيل خوف التلف وأيضا ~~قال الله تعالى [ولا تقتلوا أنفسكم] ومن امتنع من المباح حتى مات كان قاتلا ~~نفسه متلفا لها عند جميع أهل العلم ولا يختلف في ذلك عندهم حكم العاصي ~~والمطيع بل يكون امتناعه عند ذلك من الأكل زيادة على عصيانه فوجب أن يكون ~~حكمه وحكم المطيع سواء في استباحة الأكل عند الضرورة ألا ترى أنه لو امتنع ~~من أكل المباح من الطعام معه حتى مات كان عاصيا لله تعالى وإن كان باغيا ~~على الإمام خارجا في سفر معصية والميتة عند الضرورة بمنزلة المذكى في حال ~~الإمكان والسعة فإن قيل قد يمكنه الوصول إلى استباحة أكل الميتة بالتوبة ~~فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه قيل له أجل هو كما قلت إلا أنه غير مباح ~~له الجناية على نفسه بترك الأكل وإن لم يتب لأن ترك # التوبة لا يبيح له قتل نفسه وهذا العاصي متى ترك الأكل في حال الضرورة ~~حتى مات كان مرتكبا لضربين من المعصية أحدهما خروجه في معصية والثاني ~~جنايته على نفسه بترك الأكل وأيضا فالمطيع والعاصي لا يختلفان فيما يحل ~~لهما من المأكولات أو يحرم ألا ترى أن سائر المأكولات التي هي مباحة ~~للمطيعين هي مباحة للعصاة كسائر الأطعمة والأشربة المباحة وكذلك ما حرم من ~~الأطعمة والأشربة لا يختلف ms0198 في تحريمه حكم المطيعين والعصاة فلما كانت ~~الميتة مباحة للمطيعين عند الضرورة وجب أن يكون كذلك حكم العصاة فبها كسائر ~~الأطعمة المباحة في غير حال الضرورة فإن قال قائل إباحة الميتة رخصة للمضطر ~~ولا رخصة للعاصي # PageV01P157 # قيل له قد انتظمت هذه المعارضة الخطأ من وجهين أحدهما قولك إباحة الميتة ~~رخصة للمضطر وذلك لأن أكل الميتة فرض على المضطر والاضطرار يزيل الحذر ومتى ~~امتنع المضطر من أكلها حتى مات صار قاتلا لنفسه بمنزلة من ترك أكل الخبز ~~وشرب الماء في حال الإمكان حتى مات كان عاصيا لله جانيا على نفسه ولا خلاف ~~في أن هذا حكم المضطر إلى الميتة غير الباغي فقول القائل إباحة الميتة رخصة ~~للمضطر بمنزلة قوله لو قال إن إباحة أكل الخبز وشرب الماء رخصة لغير المضطر ~~ولا يطلق هذا أحد يعقل لأن الناس كلهم يقولون فرض على المضطر إلى الميتة ~~أكلها فلا فرق بينهما ولما لم يختلف العاصي والمطيع في أكل الخبز وشرب ~~الماء كذلك في أكل الميتة عند الضرورة وأما الوجه الثاني من الخطإ فهو قولك ~~إنه لا رخصة للعاصي وهذه قضية فاسدة بإجماع المسلمين لأنهم رخصوا للمقيم ~~العاصي الإفطار في رمضان إذا كان مريضا وكذلك يرخصون له في السفر التيمم ~~عند عدم الماء ويرخصون للمقيم العاصي أن يمسح يوما وليلة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمقيم يوما وليلة وللمسافر ~~ثلاثة أيام ولياليها # ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع فبان بما وصفنا فساد هذه المقالة وقوله ~~[فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه] وقوله [فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم] كل واحد من هذين فيه ضمير لا يستغني عنه ~~الكلام وذلك لأن وقوع الضرورة ليس من فعل المضطر فيكون قوله [فلا إثم عليه] ~~وقوله [فإن الله غفور رحيم] خبر له وقوله [فمن اضطر] لا بدله من خبر به تم ~~الكلام إذ لم يكن الحكم متعلقا بنفس الضرورة وخبره الذي يتم به الكلام ~~ضميره وهو ms0199 الأكل فكأن تقديره فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه ثم قوله [غير باغ ~~ولا عاد] على قول من يقول غير باغ في الميتة ولا عاد في الأكل فيكون البغي ~~والعدوان حالا للأكل وتقديره على قول من يقول غير باغ ولا عاد على المسلمين ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد على المسلمين فأكل فلا إثم عليه فيكون البغي ~~والعدوان حالا له عند الضرورة قبل أن يأكل فلا يكون ذلك صفة للأكل وعند ~~الأولين يكون صفة للأكل والحذف في هذا الموضع كالحذف في قوله [فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] والمعنى فأفطر فعدة من أيام أخر فحذف ~~فأفطر وقوله [فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام] ومعناه ~~فحلق ففدية وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالمحذوف # PageV01P158 # ودلالة الخطاب عليه وهذا يوجب أن يكون حمله على البغي والعدوان في الأكل ~~أولى منه على المسلمين وذلك لأنه لم يتقدم للمسلمين في الآية ذكر لا محذوفا ~~ولا مذكورا كحذف الأكل فحمله على ما في مقتضى الآية بأن يكون حالا له فيه ~~وصفة أولى من حمله على معنى لم يتضمنه اللفظ لا محذوفا ولا مذكورا وأما ~~قوله [إلا ما اضطررتم إليه] فلا ضمير فيه ولا حذف لأنه لفظ مستغن بنفسه إذ ~~هو استثناء من جملة مفهومة المعنى وهو التحريم بقوله [وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه] فإنه مباح لكم وهذا اللفظ مستغن عن الضمير ~~ومعنى الضرورة هاهنا هو خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل وقد ~~انطوى تحته معنيان أحدهما أن يحصل في موضع لا يجد غير الميتة والثاني أن ~~يكون غيرها موجودا ولكنه أكره على أكلها بوعيد يخاف منه تلف نفسه أو تلف ~~بعض أعضائه وكلا المعنيين مراد بالآية عندنا لاحتمالهما وقد روي عن مجاهد ~~أنه تأولها على ضرورة الإكراه ولأنه إذا كان المعنى في ضرورة الميتة ما ~~يخاف على نفسه من الضرر في ترك تناوله وذلك موجود في ضرورة ms0200 الإكراه وجب أن ~~يكون حكمه حكمه ولذلك قال أصحابنا فيمن أكره على أكل الميتة فلم يأكلها حتى ~~قتل كان عاصيا لله كمن اضطر إلى ميتة بأن عدم غيرها من المأكولات فلم يأكل ~~حتى مات كان عاصيا كمن ترك الطعام والشراب وهو واجدهما حتى مات فيموت عاصيا ~~لله بتركه الأكل لأن أكل الميتة مباح في حال الضرورة كسائر الأطعمة في غير ~~حال الضرورة والله أعلم. ### | باب المضطر إلى شرب الخمر # قال أبو بكر وقد اختلف في المضطر إلى شرب الخمر فقال سعيد بن جبير المطيع ~~المضطر إلى شرب الخمر يشربها وهو قول أصحابنا جميعا وإنما يشرب منها مقدار ~~ما يمسك به رمقه إذ كان يرد عطشه وقال الحارث العكلي ومكحول لا يشرب لأنها ~~لا تزيده إلا عطشا وقال مالك والشافعي لا يشرب لأنها لا تزيده إلا عطشا ~~وجوعا وقال الشافعى ولأنها تذهب بالعقل وقال مالك إنما ذكرت الضرورة في ~~الميتة ولم تذكر في الخمر قال أبو بكر في قول من قال إنها لا تزيل ضرورة ~~العطش والجوع لا معنى له من وجهين أحدهما أنه معلوم من حالها أنها تمسك ~~الرمق عند الضرورة وتزيل العطش ومن أهل الذمة فيما بلغنا من لا يشرب الماء ~~دهرا اكتفاء بشرب الخمر عنه فقولهم في ذلك غير المعقول # PageV01P159 # المعلوم من حال شاربها والوجه الآخر أنه إن كان كذلك كان الواجب أن نحيل ~~مسألة السائل عنها ونقول إن الضروره لا تقع إلى شرب الخمر وأما قول الشافعي ~~في ذهاب العقل فليس من مسألتنا في شيء لأنه سئل عن القليل الذي لا يذهب ~~العقل إذا اضطر إليه وأما قول مالك إن الضرورة إنما ذكرت في الميتة ولم ~~تذكر في الخمر فإنها في بعضها مذكورة في الميتة وما ذكر معها وفي بعضها ~~مذكورة في سائر المحرمات وهو قوله تعالى [وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما ~~اضطررتم إليه] وقد فصل لنا تحريم الخمر في مواضع من كتاب الله في قوله ~~تعالى [يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ms0201 كبير] وقوله تعالى [قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم] وقال [إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه] وذلك يقتضي التحريم ~~والضرورة المذكورة في الآية منتظمة لسائر المحرمات وذكره لها في الميتة وما ~~عطف عليها غير مانع من اعتبار عموم الآية الأخرى في سائر المحرمات ومن جهة ~~أخرى أنه إذا كان المعنى في إباحة الميتة إحياء نفسه بأكلها وخوف التلف في ~~تركها وذلك موجود في سائر المحرمات وجب أن يكون حكمها حكمها لوجود الضرورة ~~والله أعلم. ### | باب في مقدار ما يأكل المضطر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي فيما رواه عنه المزني لا ~~يأكل المضطر من الميتة إلا مقدار ما يمسك به رمقه وروى ابن وهب عن مالك أنه ~~قال يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها فإن وجد عنها غنى طرحها وقال عبد الله ~~بن الحسن العنبري يأكل منها ما يسد به جوعه قال أبو بكر قال الله تعالى ~~[إلا ما اضطررتم إليه] وقال [فمن اضطر غير باغ ولا عاد] فعلق الإباحة بوجود ~~الضرورة والضرورة هي خوف الضرر بترك الأكل إما على نفسه أو على عضو من ~~أعضائه فمتى أكل بمقدار ما يزول عنه الخوف من الضرر في الحال فقد زالت ~~الضرورة ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة لأن الجوع في الابتداء لا يبيح أكل ~~الميتة إذا لم يخف ضررا بتركه وأيضا في قوله تعالى [فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد] فقد بينا أن المراد منه غير باغ ولا عاد في الأكل ومعلوم أنه لم يرد ~~الأكل منها فوق الشبع لأن ذلك محظورا في الميتة وغيرها من المباحات فوجب أن ~~يكون المراد غير باغ في الأكل منها مقدار الشبع فيكون البغي والتعدي واقعين ~~في أكله منها مقدار # PageV01P160 # الشبع حتى يكون لاختصاصه الميتة بهذا الوصف وعقده الإباحة بهذه الشريطة ~~فائدة وهو أن لا يتناول منها إلا مقدار زوال خوف الضرورة ويدل على ذلك أيضا ~~أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما ms0202 إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول ~~الميتة ثم إذا أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة ~~وكذلك إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر حرم عليه أكلها إذ ليس أكل ~~الميتة بأولى بإباحة الأكل بعد زوال الضرورة من الطعام الذي هو مباح في ~~الأصل # وقد روى الأوزاعي عن حسان بن عطية الميثى أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال (إنا نكون بالأرض تصيبنا المخمصة) فمتى تحل لنا الميتة قال ~~(متى ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تجدوا بها بقلا فشأنكم بها) # فلم يبح لهم الميتة إلا إذا لم يجدوا صبوحا وهو شرب الغداء أو عبوقا وهو ~~شرب العشاء أو يجدوا بقلا يأكلونه لأن من وجد غداء أو عشاء أو بقلا فليس ~~بمضطر وهذا يدل على معنيين أحدهما أن الضرورة هي المبيحة للميتة دون حال ~~المضطر في كونه مطيعا أو عاصيا إذ لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم للسائل ~~بين حائل المطيع والعاصي في إباحته بل سوى بينهما والثاني أن إباحة الميتة ~~مقصورة على حال خوف الضرر والله أعلم. ### | باب هل في المال حق واجب سوى الزكاة # قال الله تعالى [ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب] الآية قيل ~~في قوله تعالى [ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق] إنه يريد به اليهود ~~والنصارى حين أنكرت نسخ القبلة فأعلم الله تعالى أن البر إنما هو طاعة الله ~~تعالى واتباع أمره لا في التوجه إلى المشرق والمغرب إذا لم يكن فيه اتباع ~~أمره وإن طاعة الله الآن في التوجه إلى الكعبة إذ كان التوجه إلى غيرها ~~منسوخا # وقوله تعالى [ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر] قيل إن فيه حذفا ~~ومعناه إن البر بر من آمن بالله وقيل إنه أراد به أن البار من آمن بالله ~~كقول الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا أدركت ... فإنما هي إقبال وإدبار # يعني مقبلة ومدبرة وقوله تعالى [وآتى المال على حبه] يعني ms0203 أن البار من ~~آتى المال على حبه قيل فيه إنه يعني حب المال كقوله تعالى [لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون] وقيل إنه يعني حب الإيتاء وأن لا يكون متسخطا عند ~~الإعطاء ويحتمل أن يكون أراد على حب # PageV01P161 # الله تعالى كقوله تعالى [قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني] وجائز أن يكون ~~مراده جميع هذه الوجوه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما يدل ~~على أنه أراد حب المال وهو # ما رواه جرير بن عبد الحميد عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي ~~هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي ~~الصدقة أفضل فقال (أن تصدق وأنت صحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى ~~إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان) # وحدثنا أبو القاسم عبد الله بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن زبيد عن مرة عن ~~عبد الله بن مسعود في قوله تعالى [وآتى المال على حبه] قال أن تؤتيه وأنت ~~صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر وقوله تعالى [وآتى المال على حبه ذوي القربى] ~~يحتمل به أن يريد به الصدقة الواجبة وأن يريد به التطوع وليس في الآية ~~دلالة على أنها الواجبة وإنما فيها حث على الصدقة ووعد بالثواب عليها وذلك ~~لأن أكثر ما فيها أنها من البر وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل إلا أن في ~~سياق الآية ونسق التلاوة ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة لقوله تعالى ~~[وأقام الصلاة وآتى الزكاة] فلما عطف الزكاة عليها دل على أنه لم يرد ~~الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها ومن الناس من يقول أراد به حقوقا واجبة في ~~المال سوى الزكاة نحو وجوب صلة الرحم إذا وجده ذا ضر شديد ويجوز أن يريد من ~~قد أجهده الجوع حتى يخاف عليه التلف فيلزمه أن يعطيه ما يسد جوعته # وقد روى شريك عن ms0204 أبي حمزة عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال (في المال حق سوى الزكاة) وتلا قوله تعالى [ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر] # الآية # وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ~~الإبل فقال إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق فحلها وإعارة ذلولها ومنحة ~~سمينها # فذكر في هذين الحديثين أن في المال حقا سوى الزكاة وبين في الحديث الأول ~~أنه تأويل قوله تعالى [ليس البر أن تولوا وجوهكم] الآية وجائز أن يريد ~~بقوله في المال حق سوى الزكاة ما يلزم من صلة الرحم بالإنفاق على ذوي ~~المحارم الفقراء ويحكم به الحاكم عليه لوالديه وذوي محارمه إذا كانوا فقراء ~~عاجز بن عن الكسب وجائز أن يريد به ما يلزمه من طعام الجائع المضطر وجائز ~~أن يريد به حقا مندوبا إليه لا واجبا إذ ليس قوله في المال حق يقتضي # PageV01P162 # الوجوب إذ من الحقوق ما هو ندب ومنها ما هو فرض # وحدثنا عبد الباقي حدثنا أحمد ابن حماد بن سفيان قال حدثنا كثير بن عبيد ~~حدثنا بقية عن رجل من بني تميم يكنى أبا عبد الله عن الضبي الشعبي عن مسروق ~~عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نسخت الزكاة كل صدقة) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا علي بن ~~سعيد قال حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي قال ~~نسخت الزكاة كل صدقة # فإن صح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فسائر الصدقات الواجبة ~~منسوخة بالزكاة وإن لم يصح ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجهالة ~~راويه فإن حديث علي عليه السلام حسن السند وهو يوجب أيضا إثبات نسخ الصدقات ~~التي كانت واجبة بالزكاة وذلك لا يعلم إلا من طريق التوقيف فيعلم بذلك أن ~~ما قاله علي هو ms0205 بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياه عليه وحينئذ يكون ~~المنسوخ من الصدقات صدقات قد كانت واجبة ابتداء بأسباب من قبل من يجب عليه ~~تقتضي لزوم إخراجها ثم نسخت بالزكاة نحو قوله تعالى [وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه] ونحو ما روي في قوله تعالى [وآتوا ~~حقه يوم حصاده] أنه منسوخ عند بعضهم بالعشر ونصف العشر فيكون المنسوخ ~~بالزكاة مثل هذه الحقوق الواجبة في المال من غير ضرورة وأما ما ذكرنا من ~~الحقوق التي تلزم من نحو الإنفاق على ذوي الأرحام عند العجز عن التكسب وما ~~يلزم من إطعام المضطر فإن هذه فروض لازمة ثابتة غير منسوخة بالزكاة وصدقة ~~الفطر واجبة عند سائر الفقهاء ولم تنسخ بالزكاة مع أن وجوبها ابتداء من قبل ~~الله تعالى غير متعلق بسبب من قبل العبد فهذا يدل على أن الزكاة لم تنسخ ~~صدقة الفطر # وقد روى الواقدي عن عبد الله بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة ~~قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل أن تفرض الزكاة ~~فلما فرضت الزكاة لم يأمرهم ولم ينههم وكانوا يخرجونها # فهذا الخبر لو صح لم يدل على نسخها لأن وجوب الزكاة لا ينفي بقاء وجوب ~~صدقة الفطر وعلى أن الأولى أن فرض الزكاة متقدم على صدقة الفطر لأنه لا ~~خلاف بين السلف في أن حم السجدة مكية وأنها من أوائل ما نزل من القرآن ~~وفيها وعيد تارك الزكاة عند قوله [وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون] والأمر بصدقة الفطر إنما كان بالمدينة فدل ذلك على أن ~~فرض الزكاة متقدم لصدقة الفطر وقد روي عن ابن عمر # PageV01P163 # ومجاهد في قوله تعالى [وآتوا حقه يوم حصاده] أنها محكمة وأنه حق واجب عند ~~القوم غير الزكاة وأما الحقوق التي تجب بأسباب من قبل العبد نحو الكفارات ~~والنذور فلا خلاف أن الزكاة لم تنسخها واليتامى المرادون بالآية هم الصغار ~~الفقراء الذين مات آباؤهم والمساكين مختلف فيه وسنذكر ذلك ms0206 في سورة براءة إن ~~شاء الله تعالى وابن السبيل روي عن مجاهد أنه المسافر وعن قتادة أنه الضيف ~~القول الأول أشبه لأنه إنما سمي ابن السبيل لأنه على الطريق كما قيل للطير ~~الإوز ابن ماء لملازمته له قال ذو الرمة: # وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق # والسائلين يعني به الطالبين للصدقة قال الله تعالى [في أموالهم حق معلوم ~~للسائل والمحروم] # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا محمد بن ~~كثير قال حدثنا سفيان قال حدثنا مصعب بن محمد قال حدثنا يعلى بن أبي يحيى ~~عن فاطمة بنت حسين ابن على رضى الله تعالى عنهم أجمعين قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (للسائل حق وإن جاء على فرس) # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبيد بن شريك حدثنا أبو الجماهر قال ~~حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال (أعطوا السائل وإن أتى على فرس) # والله تعالى أعلم. ### | باب القصاص # قال الله تعالى [كتب عليكم القصاص في القتلى] هذا كلام مكتف بنفسه غير ~~مفتقر إلى ما بعده ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما من لفظه ~~واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين في جميع القتلى والقصاص هو أن يفعل ~~به مثل ما فعل به من قولك اقتص أثر فلان إذا فعل مثل فعله قال الله تعالى ~~[فارتدا على آثارهما قصصا] وقال تعالى [وقالت لأخته قصيه] أى ابتغى أثره ~~وقوله [كتب عليكم] معناه فرض عليكم كقوله تعالى [كتب عليكم الصيام- وكتب ~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين] وقد كانت الوصية ~~واجبة ومنه الصلوات المكتوبات يعني بها المفروضات فانتظمت الآية إيجاب ~~القصاص على المؤمنين إذا قتلوا لمن قتلوا من سائر المقتولين لعموم لفظ ~~المقتولين والخصوص إنما هو في القاتلين لأنه لا يكون # PageV01P164 # القصاص مكتوبا عليهم إلا وهم قاتلون فاقتضى وجوب القصاص على كل قاتل ms0207 عمدا ~~بحديدة إلا ما خصه الدليل سواء كان المقتول عبدا أو ذميا ذكرا أو أنثى ~~لشمول لفظ القتلى للجميع وليس توجيه الخطاب إلى المؤمنين بإيجاب القصاص ~~عليهم في القتلى بموجب أن يكون القتلى مؤمنين لأن علينا اتباع عموم اللفظ ~~ما لم تقم دلالة الخصوص وليس في الآية ما يوجب خصوص الحكم في بعض القتلى ~~دون بعض فإن قال قائل يدل على خصوص الحكم في القتلى وجهان أحدهما في نسق ~~الآية [فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف] والكافر لا يكون أخا ~~للمسلم فدل على أن الآية خاصة في قتلى المؤمنين والثاني قوله [الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى] قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أنه إذا ~~كان أول الخطاب قد شمل الجميع فما عطف عليه بلفظ الخصوص لا يوجب تخصيص عموم ~~اللفظ وذلك نحو قوله تعالى [والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء] وهو عموم ~~في المطلقة ثلاثا وما دونها ثم عطف قوله تعالى [فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف] وقوله تعالى [وبعولتهن أحق بردهن في ذلك] وهذا ~~الحكم خاص في المطلق لما دون الثلاث ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ في ~~إيجاب ثلاثة قروء من العدة على جميعهن ونظائر هذا كثير في القرآن والوجه ~~الآخر أن يريد الإخوة من طريق النسب لا من جهة الدين كقوله تعالى [وإلى عاد ~~أخاهم هودا] وأما قوله [الحر بالحر والعبد بالعبد] فلا يوجب تخصيص عموم ~~اللفظ في القتلى لأنه إذا كان أول الخطاب مكتفيا بنفسه غير مفتقر إلى ما ~~بعده لم يجز لنا أن نقصره عليه وقوله [الحر بالحر] إنما هو بيان لما تقدم ~~ذكره على وجه التأكيد وذكر الحال التي خرج عليها الكلام وهو ما ذكره الشعبي ~~وقتادة أنه كان بين حيين من العرب قتال وكان لأحدهما طول على الآخر فقالوا ~~لا نرضى إلا أن نقتل بالعبد منا الحر منكم وبالأنثى منا الذكر منكم فأنزل ~~الله [كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد] مبطلا بذلك ما ~~أرادوه مؤكدا عليهم ms0208 فرض القصاص على القاتل دون غيره لأنهم كانوا يقتلون غير ~~القاتل فنهاهم الله عن ذلك وهو ما # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أعتى الناس على الله يوم القيامة ~~ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول الجاهلية) # وأيضا فإن قوله تعالى [الحر بالحر والعبد بالعبد] تفسير لبعض ما انتظمه ~~عموم اللفظ ولا يوجب ذلك تخصيص # PageV01P165 # اللفظ ألا ترى أن # قول النبي صلى الله عليه وسلم الحنطة بالحنطة مثلا بمثل # وذكره الأصناف الستة لم يوجب أن يكون حكم الربا مقصورا عليها ولا نفي ~~الربا عما عداها كذلك قوله [الحر بالحر] لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في قوله ~~[كتب عليكم القصاص في القتلى] ويدل على أن قوله [الحر بالحر] غير موجب ~~لتخصيص عموم القصاص ولم ينف القصاص عن غير المذكور اتفاق الجميع على قتل ~~العبد بالحر والأنثى بالذكر فثبت بذلك أن تخصيص الحر بالحر لم ينف موجب حكم ~~اللفظ في جميع القتلى فإن قال قائل كيف يكون القصاص مفروضا والولي مخير بين ~~العفو وبين القصاص قيل له لم يجعله مفروضا على الولي وإنما جعله مفروضا على ~~القاتل للولي بقوله تعالى [كتب عليكم القصاص في القتلى] وليس القصاص على ~~الولي وإنما هو حق له وهذا لا ينفي وجوبه على القاتل وإن كان الذي له ~~القصاص مخيرا فيه وهذه الآية تدل على قتل الحر بالعبد والمسلم بالذمي ~~والرجل بالمرأة لما بينا من اقتضاء أول الخطاب إيجاب عموم القصاص في سائر ~~القتلى وأن تخصصه الحر بالحر ومن ذكر معه لا يوجب الاقتصار بحكم القصاص ~~عليه دون اعتبار عموم ابتداء الخطاب في إيجاب القصاص ونظيرها من الآي في ~~إيجاب القصاص عاما قوله تعالى [ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا] ~~فانتظم ذلك جميع المقتولين ظلما وجعل لأوليائهم سلطانا وهو القود لاتفاق ~~الجميع على أن القود مراد بذلك في الحر المسلم إذا قتل حرا مسلما فكان ~~بمنزلة قوله تعالى فقد جعلنا لوليه قودا لأن ما حصل الاتفاق عليه من ms0209 معنى ~~الآية مراد فكأنه منصوص عليه فيها فلفظ السلطان وإن كان مجملا فقد عرف معنى ~~مراده من طريق الاتفاق وقوله [ومن قتل مظلوما] هو عموم يصح اعتباره على حسب ~~ظاهره ومقتضى لفظه ونظيرها أيضا من الآي قوله تعالى [وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس] فأخبر أن ذلك كان مكتوبا على بني إسرائيل وهو عموم في إيجاب ~~القصاص في سائر المقتولين وقد احتج أبو يوسف بذلك في قتل الحر بالعبد وهذا ~~يدل على أن مذهبه أن شريعة من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة علينا ما لم ~~يثبت نسخها على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نجد في القرآن ولا في ~~السنة ما يوجب نسخ ذلك فوجب أن يكون حكمه ثابتا علينا على حسب ما اقتضاه ~~ظاهر لفظه من إيجاب القصاص في سائر الأنفس ونظيره أيضا قوله تعالى [فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] # PageV01P166 # لأن من قتل وليه يكون معتدى وذلك عموم في سائر القتلى وكذلك قوله [وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به] يقتضي عمومه وجوب القصاص في الحر والعبد ~~والذكر والأنثى والمسلم والذمي مسألة في قتل الحر بالعبد قال أبو بكر وقد ~~اختلف الفقهاء في القصاص بين الأحرار والعبيد فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر رضي الله عنهم لا قصاص بين الأحرار والعبيد إلا في الأنفس ويقتل ~~الحر بالعبد والعبد بالحر وقال ابن أبي ليلى القصاص واجب بينهم في جميع ~~الجراحات التي نستطيع فيها القصاص وقال ابن وهب عن مالك ليس بين الحر ~~والعبد قود في شيء من الجراح والعبد يقتل بالحر ولا يقتل الحر بالعبد وقال ~~الليث بن سعد إذا كان العبد هو الجاني اقتص منه ولا يقتص من الحر للعبد ~~وقال إذا قتل العبد الحر فلولي المقتول أن يأخذ بها نفس العبد القاتل فيكون ~~له وإذا جنى على الحر فيما دون النفس فللمجروح القصاص إن شاء وقال الشافعي ~~من جرى عليه القصاص في النفس جرى عليه في الجراح ولا يقتل الحر بالعبد ولا ms0210 ~~يقتص له منه فيما دون النفس وجه دلالة الآية في وجوب القصاص بين الأحرار ~~والعبيد في النفس أن الآية مقصورة الحكم على ذكر القتلى وليس فيها ذكر لما ~~دون النفس من الجراح وسائر ما ذكرنا من عموم آي القرآن في بيان القتلى ~~والعقوبة والاعتداء يقتضي قتل الحر بالعبد ومن حيث اتفق الجميع على قتل ~~العبد بالحر وجب قتل الحر بالعبد لأن العبد قد ثبت أنه مراد الآية والآية ~~لم يفرق مقتضاها بين العبد المقتول والقاتل فهي عموم فيها جميعا # ويدل أيضا على ذلك قوله تعالى [ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب] ~~فأخبر أنه أوجب القصاص لأن فيه حياة لنا وذلك خطاب شامل للحر والعبد لأن ~~صفة أولي الألباب تشملهم جميعا فإذا كانت العلة موجودة في الجميع لم يجز ~~الاقتصار بحكمها على بعض من هي موجودة فيه دون غيره ويدل عليه من جهة السنة # قول النبي صلى الله عليه وسلم (المسلمون تتكافأ دماؤهم) # وهو عام في العبيد والأحرار فلا يخص منه شيء إلا بدلالة ويدل عليه من وجه ~~آخر وهو اتفاق الجميع على أن العبد إذا كان هو القاتل فهو مراد به كذلك إذا ~~كان مقتولا لأنه لم يفرق بينه إذا كان قاتلا أو مقتولا فإن قيل لما قال في ~~سياق الحديث ويسعى بذمتهم أدناهم وهو العبد يدل على أنه لم يرده بأول ~~الخطاب قيل له هذا غلط من قبل أنه لا خلاف أن العبد إذا كان قاتلا فهو مراد ~~ولم يمنع قوله ويسعى بذمتهم أدناهم # PageV01P167 # أن يكون مرادا إذا كان قاتلا كذلك لا يمنع إرادته إذا كان مقتولا على أن ~~قوله ويسعى بذمتهم أدناهم ليس فيه تخصيص العبد من غيره وإنما المراد أدناهم ~~عددا هو كقوله واحد منهم فلا تعلق لذلك في إيجاب اقتصار حكم أول اللفظ على ~~الحر دون العبد وعلى أنه لو قال ويسعى بذمتهم عبدهم لم يوجب تخصيص حكمه في ~~مكافأة دمه لدم الحر لأن ذلك حكم آخر استأنف له ذكرا وخص به العبد ليدل على ms0211 ~~أن غير العبد أولى بالسعي بذمتهم فإذا كان تخصيص العبد بالذكر في هذا الحكم ~~لم يوجب أن يكون مخصوصا به دون الآخر فلأن لا يوجب تخصيص حكم القصاص أولى ~~فإن قيل قوله المسلمون تتكافأ دماؤهم يقتضي التماثل في الدماء وليس العبد ~~مثلا للحر قيل له فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم مثلا له في الدم إذ ~~علق حكم التكافؤ منهم بالإسلام ومن قال ليس بمكاف له فهو خارج على حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم مخالف بغير دلالة ويدل عليه أيضا # ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا محمد بن ~~كثير قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن عبد الله ابن مسعود ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله ~~إلا الله وأني رسول الله إلا في إحدى ثلاث التارك للإسلام المفارق للجماعة ~~والثيب الزاني والنفس بالنفس) # فلم يفرق بين الحر والعبد وأوجب القصاص في النفس بالنفس وذلك موافق لما ~~حكى الله مما كتبه على بني إسرائيل فحوى هذا الخبر معنيين أحدهما أن ما كان ~~على بني إسرائيل من ذلك فحكمه باق علينا والثاني أنه مكتف بنفسه في إيجاب ~~القصاص عاما في سائر النفوس ويدل عليه أيضا من جهة السنة ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن زكريا التستري قال حدثنا سهل ~~بن عثمان العسكري أبو معاوية عن إسماعيل ابن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس ~~عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمد قود إلا أن يعفو ~~ولي المقتول # فقد دل هذا الخبر على معنيين أحدهما إيجاب القود في كل عمد وأوجب ذلك ~~القود على قاتل العبد والثاني نفى به وجوب المال لأنه لو وجب المال مع ~~القود على وجه التخيير لما اقتصر على ذكر القود دونه ويدل أيضا عليه من جهة ~~النظر أن العبد محقون الدم حقنا لا يرفعه مضي ms0212 الوقت وليس بولد للقاتل ولا ~~ملك له فأشبه الحر الأجنبي فوجب القصاص بينهما كما يجب على العبد إذا قتل ~~حرا بهذه العلة كذلك إذا قتله الحر لوجود العلة فيه وأيضا فمن منع أن يقاد ~~الحر بالعبد فإنما منعه لنقصان الرق الذي # PageV01P168 # فيه ولا اعتبار بالمساواة في الأنفس وإنما يعتبر ذلك فيما دونها والدليل ~~على ذلك أن عشرة لو قتلوا واحدا قتلوا به ولم تعتبر المساواة وكذلك لو أن ~~رجلا صحيح الجسم سليم الأعضاء قتل رجلا مفلوجا مريضا مدنفا مقطوع الأعضاء ~~قتل به وكذلك الرجل يقتل بالمرأة مع نقصان عقلها ودينها وديتها ناقصة عن ~~دية الرجل فثبت بذلك أن لا اعتبار بالمساواة في إيجاب القصاص في الأنفس وأن ~~الكامل يقاد منه للناقص وليس ذلك حكم ما دون النفس لأنهم لا يختلفون في أنه ~~لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء وتؤخذ النفس الصحيحة بالسقيمة # وروى الليث عن الحكم أن عليا وابن مسعود قالا من قتل عبدا عمدا فهو قود ### | باب قتل المولى لعبده # وقد اختلف في قتل المولى لعبده فقال قائلون وهم شواذ يقتل به وقال عامة ~~الفقهاء لا يقتل به فمن قتله احتج بظاهر قوله تعالى [كتب عليكم القصاص في ~~القتلى الحر بالحر] على نحو ما احتججنا به في قتل الحر بالحر وقوله [النفس ~~بالنفس] وقوله [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه] # وقوله صلى الله عليه وسلم (المسلمون تتكافأ دماؤهم) # وقد روى حديث عن سمرة ابن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من ~~قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه) # أما ظاهر الآي فلا حجة لهم فيها لأن الله تعالى إنما جعل القصاص فيها ~~للمولى بقوله تعالى [ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا] وولي العبد هو ~~مولاه في حياته وبعد وفاته لأن العبد لا يملك شيئا وما يملكه فهو لمولاه لا ~~من جهة الميراث لكن من جهة الملك فإذا كان هو الولي لم يثبت له القصاص على ~~نفسه وليس هو بمنزلة من قتل وارثه فيجب عليه القصاص ولا يرثه ms0213 لأن ما يحصل ~~للوارث إنما ينتقل عن ملك المورث إليه والقاتل لا يرث فوجب عليه القصاص ~~لغيره والعبد لا يملك شيئا فينتقل إلى مولاه ألا ترى أنه لو قتل ابن العبد ~~لم يثبت له القصاص على قاتله لأنه لا يملك فكذلك لا يثبت له القصاص على ~~غيره ومتى وجب له القود على قاتله فإنما يستحقه مولاه دونه فلم يجز من أجل ~~ذلك إيجاب القصاص على مولاه بقتله إياه ويدل على أن العبد لا يثبت له ذلك ~~قوله تعالى [ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء] فنفى بذلك ملك ~~العبد نفيا عاما عن كل شيء فلم يجز أن يثبت له بذلك على أحد شيء وإذا لم ~~يجز أن يثبت له ذلك لأجل أنه ملك لغيره والمولى # PageV01P169 # إذا استحق ما يجب له فلا يجب له القود على نفسه وليس العبد في هذا كالحر ~~لأن الحر يثبت له القصاص ثم من جهته ينتقل إلى وارثه ولذلك يستحقونه بينهم ~~على قدر مواريثهم فمن حرم ميراثه بالقتل لم يرثه القود فكان القود لمن يرثه ~~فإن قيل ليس دم العبد في هذا الوجه كماله لأن المولى لا يملك قتله ولا ~~الإقرار عليه بالقتل فهو بمنزلة الأجنبي فيه قيل له إن كان المولى لا يملك ~~قتله ولا الإقرار عليه به ولكنه وليه وهو المستحق للقصاص على قاتله إذا كان ~~أجنبيا من حيث كان مالكا لرقبته لا من جهة الميراث ألا ترى أنه المستحق ~~للقود على قاتله دون أقربائه فدل ذلك على أنه يملك القود به كما يملك رقبته ~~فإذا كان هو القاتل لم يجز أن يستحق القود غيره عليه فاستحال من أجل ذلك ~~وجوب القود له على نفسه وأيضا فقوله [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه] لا ~~يجوز أن يكون خطابا للمولى إذا كان هو المعتدي بقتل عبده لأنه وإن كان ~~معتديا على نفسه بقتل عبده وإتلاف ملكه فغير جائز خطابه باستيفاء القود من ~~نفسه وغير جائز أن يكون غيره مخاطبا باستيفاء القود منه لأنه غير ms0214 معتد عليه ~~والله تعالى إنما أوجب الحق لمن اعتدي عليه دون غيره فإن قال قائل يقيد ~~الإمام منه كما يقيد ممن قتل رجلا لا وارث له قيل له إنما يقوم الإمام بما ~~ثبت من القود لكافة المسلمين إذا كانوا مستحقين لميراثه والعبد لا يورث ~~فيثبت الحق في الاقتصاص من قاتله لكافة المسلمين ولا جائز أن يثبت ذلك ~~للإمام ألا ترى أنه لو قتل العبد خطأ كان المولى هو المستحق لقيمته على ~~قاتله دون سائر المسلمين ودون الإمام وأن الحر الذي لا وارث له لو قتل خطأ ~~كانت ديته لبيت المال فكذلك القود لو ثبت على المولى لما استحقه الإمام ~~ولكان المولى هو الذي يستحقه ويستحيل ثبوت ذلك له على نفسه فبطل وأما ~~الحديث الذي روي فيه فهو معارض بضده وهو ما # حدثنا ابن قانع قال حدثنا المقبري قال حدثنا خالد بن يزيد بن صفوان ~~النوفلي قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن عباس وعن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ~~ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده # به فنفى هذا الخبر ظاهر ما أثبته خبر سمرة بن جندب الذي احتجوا به مع ~~موافقته لما ذكرنا من ظاهر الآي ومعانيها من إيجاب الله تعالى القود للمولى ~~ومن نفيه لملك العبد # بقوله (لا يقدر على شيء) # ولو انفرد خبر سمرة عن معارضة الخبر الذي قدمناه لما جاز القطع به ~~لاحتماله لغير ظاهره وهو # PageV01P170 # أنه جائز أن يكون رجل أعتق عبده ثم قتله أو جدعه أو لم يقدم على ذلك ~~ولكنه هدده به فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم # فقال من قتل عبده قتلناه # يعني عبده المعتق الذي كان عبده وهذا الإطلاق شائع في اللغة والعادة # فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال حين أذن قبل طلوع الفجر # ألا إن العبد نام وقد كان حرا في ذلك الوقت # وقال على عليه السلام ادعو إلى هذا العبد ms0215 الأبظر # يعني شريحا حين قضى في ابني عم أحدهما أخ لأم بأن الميراث للأخ من الأم ~~لأنه كان قد جرى عليه رق في الجاهلية فسماه بذلك وقال تعالى [وآتوا اليتامى ~~أموالهم] والمراد الذين كانوا يتامى # وقال صلى الله عليه وسلم (تستأمر اليتيمة في نفسها) # يعني التي كانت يتيمة ولا يمتنع أن يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم # بقوله من قتل عبده قتلناه # ما وصفناه فيمن كان عبدا فأعتق وزال بهذا توهم متوهم لو ظن أن مولى ~~النعمة لا يقاد بمولاه الأسفل كما لا يقاد والد بولده وقد كان جائزا أن ~~يسبق إلى ظن بعض الناس أن لا يقاد به صلى الله عليه وسلم قد جعل حق مولى ~~النعمة كحق الوالد والدليل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم (لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه) # فجعل عتقه لأبيه كفاء لحقه ومساويا ليده عنده ونعمته لديه والله أعلم. ### | باب القصاص بين الرجال والنساء # قال الله تعالى [كتب عليكم القصاص في القتلى] وقال [ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا] فظاهر ما ذكر من ظواهر الآي الموجبة للقصاص في الأنفس ~~بين العبيد والأحرار موجب للقصاص بين الرجال والنساء فيها وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة لا قصاص ~~بين الرجال والنساء إلا في الأنفس وروي عن ابن شبرمة رواية أخرى أن بينهم ~~قصاصا فيما دون النفس وقال ابن أبي ليلى ومالك والثوري والليث والأوزاعي ~~والشافعي القصاص واقع فيما بين الرجال والنساء في الأنفس وما دونها إلا أن ~~الليث قال إذا جنى الرجل على امرأته عقلها ولم يقتص منه وقال عثمان البتي ~~إذا قتلت امرأة رجلا قتلت به وأخذ من مالها نصف الدية وكذلك إن أصابته ~~بجراحة قال وإن كان هو الذي قتلها أو جرحها فعليه القود ولا يرد عليه شيء ~~وقد روي عن السلف اختلاف في ذلك فروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن عمر قتل ~~نفرا من أهل صنعاء بامرأة أقادهم ms0216 بها وروي عن عطاء والشعبي ومحمد بن سيرين ~~أنه يقتل بها واختلف # عن علي عليه السلام فيها فروى ليث عن الحكم عن علي وعبد الله # PageV01P171 # قالا إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود # وروي عن عطاء والشعبي والحسن البصري أن عليا قال إن شاءوا قتلوه وأدوا ~~نصف الدية وإن شاءوا أخذوا نصف دية الرجل # وروى أشعث عن الحسن في امرأة قتلت رجلا عمدا قال تقتل وترد نصف الدية قال ~~أبو بكر ما روي عن علي من القولين في ذلك مرسل لأن أحدا من رواته لم يسمع ~~من علي شيئا ولو ثبتت الروايتان كان سبيلهما أن تتعارضا وتسقطا فكأنه لم ~~يرو عنه في ذلك شيء وعلى أن رواية الحكم في إيجاب القود دون المال أولى ~~لموافقتها لظاهر الكتاب وهو قوله تعالى [كتب عليكم القصاص في القتلى] وسائر ~~الآي الموجبة للقود ليس في شيء منها ذكر الدية وهو غير جائز أن يزيد في ~~النص إلا بنص مثله لأن الزيادة في النص توجب النسخ # حدثنا ابن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا محمد بن عبد ~~الله الأنصاري قال حدثنا حميد عن أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر لطمت ~~جارية فكسرت ثنيتها فعرض عليهم الأرش فأبوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأمرهم بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر فقال يا رسول الله تكسر سن الربيع ~~لا والذي بعثك بالحق فقال يا أنس كتاب الله القصاص فعفا القوم فقال صلى ~~الله عليه وسلم (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الذي في كتاب الله القصاص دون المال فلا ~~جائز إثبات المال مع القصاص ومن جهة أخرى أنه إذا لم يجب القصاص بنفس ~~المقتل فغير جائز إيجابه مع إعطاء المال لأن المال حينئذ يصير بدلا من ~~النفس وغير جائز قتل النفس بالمال ألا ترى أن من رضي أن يقتل ويعطى مالا ~~يكون لوارثه لم يصح ذلك ولم يجز أن يستحق النفس ms0217 بالمال فبطل أن يكون القصاص ~~موقوفا على إعطاء المال وأما مذهب الحسن وقول عثمان البتي في أن المرأة إذا ~~كانت القاتلة قتلت وأخذ من مالها نصف الدية فقول يرده ظاهر الآي الموجبة ~~للقصاص ويوجب زيادة حكم غير مذكور فيها # وقد روى قتادة عن أنس أن يهوديا قتل جارية وعليها أوضاح لها فأتي به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بها # وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل يقتل بالمرأة # وأيضا قد ثبت عن عمر بن الخطاب قتل جماعة رجال بالمرأة الواحدة من غير ~~خلاف ظهر من أحد من نظرائه مع استفاضة ذلك وشهرته عنه ومثله يكون إجماعا ~~ومما يدل على قتل الرجل بها من غير بدل مال ما قدمنا من سقوط اعتبار # PageV01P172 # المساواة بين الصحيحة والسقيمة وقتل العاقل بالمجنون والرجل بالصبي وهذا ~~يدل على سقوط اعتبار المساواة في النفوس وأما ما دون النفس فإن اعتبار ~~المساواة واجب فيه والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع أخذ اليد الصحيحة ~~بالشلاء وكذلك لم يوجب أصحابنا القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس ~~وكذلك بين العبيد والأحرار لأن ما دون النفس من أعضائها غير متساوية فإن ~~قال قائل هلا قطعت يد العبد ويد المرأة بيد الرجل كما قطعت اليد الشلاء ~~بالصحيحة قيل له إنما سقط القصاص في هذا الموضع لاختلاف أحكامها لا من جهة ~~النقص فصار كاليسرى لا تؤخذ باليمنى وأوجب أصحابنا القصاص بين النساء فيما ~~دون النفس لتساوي أعضائهما من غير اختلاف في أحكامهما ولم يوجبوا القصاص ~~فيما بين العبيد فيما دون النفس لأن تساويهما إنما يعلم من طريق التقويم ~~وغالب الظن كما لا تقطع اليد من نصف الساعد لأن الوصول إلى علمه من طريق ~~الاجتهاد وعندهم أن أعضاء العبد حكمها حكم الأموال في جميع الوجوه فلا يلزم ~~العاقلة منها شيء وإنما يلزم الجاني في ماله وليس كذلك النفس لأنها تلزم ~~العاقلة في الخطأ وتجب ms0218 فيها الكفارة ففارق الجنايات على الأموال والله ~~أعلم. ### | باب قتل المؤمن بالكافر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى وعثمان البتي يقتل ~~المسلم بالذمي وقال ابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي لا يقتل وقال ~~مالك والليث بن سعد إن قتله غيلة قتل به وإلا لم يقتل قال أبو بكر سائر ما ~~قدمنا من ظواهر الآي يوجب قتل المسلم بالذمي على ما بينا إذ لم يفرق شيء ~~منها بين المسلم والذمي وقوله تعالى [كتب عليكم القصاص في القتلى] عام في ~~الكل وكذلك قوله تعالى [الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى] وقوله ~~في سياق الآية [فمن عفي له من أخيه شيء] لا دلالة فيه على خصوص أول الآية ~~في المسلمين دون الكفار لاحتمال الأخوة من جهة النسب ولأن عطف بعض ما ~~انتظمه لفظ العموم عليه بحكم مخصوص لا يدل على تخصيص حكم الجملة على ما ~~بيناه فيما سلف عند ذكرنا حكم الآية وكذلك قوله تعالى [وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس] يقتضي عمومه قتل المؤمن بالكافر لأن شريعة من قبلنا من ~~الأنبياء ثابتة في حقنا ما لم ينسخها الله تعالى على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وتصير حينئذ شريعة النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P173 # قال الله تعالى [أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده] ويدل عن أن ما في ~~هذه الآية وهو قوله [النفس بالنفس] إلى آخرها هو شريعة لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم في إيجابه القصاص في السن في حديث أنس ~~الذي قدمنا حين قال أنس بن النضر لا تكثر ثنية الربيع كتاب الله القصاص ~~وليس في كتاب الله السن بالسن إلا في هذه الآية فأبان النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن موجب حكم الآية علينا ولو لم تلزمنا شريعة من قبلنا من الأنبياء ~~بنفس ورودها لكان قوله كافيا في بيان موجب حكم هذه الآية وأنها قد اقتضت من ~~حكمها علينا مثل ما كان على بني إسرائيل فقد دل قول النبي صلى الله عليه ms0219 ~~وسلم هذا على معنيين أحدهما لزوم حكم الآية لنا وثبوته علينا والثاني ~~إخباره أن ظاهر الكتاب قد ألزمنا هذا الحكم قبل إخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك فدل ذلك على ما حكاه الله في كتابه مما شرعه لغيره من الأنبياء ~~فحكمه ثابت ما لم ينسخ وإذا ثبت ما وصفنا وليس في الآية فرق بين المسلم ~~والكافر وجب إجراء حكمها عليهما ويدل عليه قوله عز وجل [ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا] وقد ثبت بالاتفاق أن السلطان المذكور في هذا الموضع قد ~~انتظم القود وليس فيها تخصيص مسلم من كافر فهو عليهما ومن جهة السنة ما # روي عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال (ألا ومن قتل قتيلا فوليه بخير ~~النظرين بين أن يقتص أو يأخذ الدية) # وروى أبو سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله # وحديث عثمان وابن مسعود وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم ~~امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس) # وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (العمد قود) # وهذه الأخبار يقتضي عمومها قتل المسلم بالذمي # وروى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن السلماني أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقاد مسلما بذمي وقال أنا أحق من وفى بذمته # وقد روى الطحاوي عن سليمان بن شعيب قال حدثنا يحيى بن سلام عن محمد بن ~~أبي حميد المدني عن محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله # وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله قتل المسلم بالذمي # حدثنا ابن قانع قال حدثنا علي بن الهيثم عن عثمان الفزاري قال حدثنا ~~مسعود بن جويرية قال حدثنا عبد الله بن خراش عن واسط عن الحسن بن ميمون عن ~~أبي الجنوب الأسدي قال جاء رجل من أهل ms0220 الحيرة إلى علي كرم الله وجهه فقال ~~يا أمير المؤمنين رجل من المسلمين قتل ابني ولي بينة فجاء الشهود فشهدوا ~~وسأل عنهم # PageV01P174 # فزكوا فأمر بالمسلم فأقعد وأعطي الحيري سيفا وقال أخرجوه معه إلى الجبانة ~~فليقتله وأمكناه من السيف فتباطأ الحيري فقال له بعض أهل هل لك في الدية ~~تعيش فيها وتصنع عندنا يدا قال نعم وغمد السيف وأقبل إلى علي فقال لعلهم ~~سبوك وتواعدوك قال لا والله ولكني اخترت الدية فقال علي أنت أعلم قال ثم ~~أقبل علي على القوم فقال أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون دماؤنا كدمائهم ~~ودياتنا كدياتهم # وحدثنا ابن قانع قال حدثنا معاذ ابن المثنى قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال ~~حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال ابن سبرة أن رجلا من المسلمين ~~قتل رجلا من العباديين فقدم أخوه على عمر بن الخطاب فكتب عمر أن يقتل ~~فجعلوا يقولون يا جبير اقتل فجعل يقول حتى يأتي الغيظ فكتب عمر أن لا يقتل ~~ويودى وروي في غير هذا الحديث أن الكتاب ورد بعد أن قتل وأنه إنما كتب أن ~~يسأل الصلح على الدية حين كتب إليه أنه من فرسان المسلمين # وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن إدريس عن ليث عن الحكم عن علي ~~وعبد الله بن مسعود قالا إذا قتل يهوديا أو نصرانيا قتل به # وروى حميد الطويل عن ميمون عن مهران أن عمر بن عبد العزيز أمر أن يقتل ~~مسلم بيهودي فقتل فهؤلاء الثلاثة أعلام الصحابة وقد روي عنهم ذلك وتابعهم ~~عمر بن عبد العزيز عليه ولا نعلم أحدا من نظرائهم خلافه واحتج مانعو قتل ~~المسلم بالذمي بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ~~رواه قيس بن عباد وحارثة بن قدامة وأبو جحيفة # وقيل لعلي هل عندكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد سوى القرآن فقال ~~ما عهدي إلا كتاب في قراب سيفي وفيه المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على ms0221 من ~~سواهم ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده # وحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~فتح مكة (لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده) # وقد روى ابن عمر أيضا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إدريس ابن ~~عبد الكريم الحدار قال حدثنا محمد بن الصباح حدثنا سليمان بن الحكم حدثنا ~~القاسم ابن الوليد عن سنان بن الحارث عن طلحة بن مطرف عن مجاهد عن عبد الله ~~بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو ~~عهد في عهده) # ولهذا الخبر ضروب من التأويل كلها توافق ما قدمنا ذكره من الآي والسنن ~~أحدها أنه قد ذكر أن ذلك كان في خطبته يوم فتح مكة وقد كان رجل من خزاعة ~~قتل رجلا من هذيل بذحل الجاهلية # PageV01P175 # فقال صلى الله عليه وسلم ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت ~~قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده # يعني والله أعلم بالكافر الذي قتله في الجاهلية وكان ذلك تفسيرا # لقوله كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي # لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان ~~بعد فتح مكة وأنه إنما كان قبل ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين عهود إلى مدد لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه وكان قوله ~~يوم فتح مكة لا يقتل مؤمن بكافر منصرفا إلى الكفار المعاهدين إذ لم يكن ~~هناك ذمي ينصرف الكلام إليه ويدل عليه قوله ولا ذو عهد في عهده كما قال ~~تعالى [فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم] وقال [فسيحوا في الأرض أربعة أشهر] ~~وكان المشركون حينئذ ضربين أحدهما أهل الحرب ومن لا عهد بينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم والآخر أهل عهد إلى مدة ولم يكن هناك أهل ذمة فانصرف ~~الكلام إلى الضربين ms0222 من المشركين ولم يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين ~~الوصفين وفي فحوى هذا الخبر ومضمونه ما يدل على أن الحكم المذكور في نفي ~~القصاص مقصور على الحربي المعاهد دون الذمي وذلك أنه عطف عليه قوله ولا ذو ~~عهد في عهده ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد في عهده غير مستقل بنفسه في إيجاب ~~الفائدة لو انفرد عما قبله فهو إذا مفتقر إلى ضمير وضميره ما تقدم ذكره ~~ومعلوم أن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد المستأمن هو الحربي فثبت أن ~~مراده مقصور على الحربي وغير جائز أن يجعل الضمير ولا يقتل ذو عهد في عهده ~~من وجهين أحدهما أنه لما كان القتل المبدو بذكره قتلا على وجه القصاص وكان ~~ذلك القتل بعينه سبيله أن يكون مضمرا في الثاني لم يجز لنا إثبات الضمير ~~قتلا مطلقا إذ لم يتقدم في الخطاب ذكر قتل مطلق غير مقيد بصفة وهو القتل ~~على وجه القود فوجب أن يكون هو المنفي بقوله ولا ذو عهد في عهده فصار ~~تقديره ولا يقتل مؤمن بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده بالكافر المذكور بديا ~~ولو أضمرنا قتلا مطلقا كنا مثبتين لضمير لم يجر له ذكر في الخطاب وهذا لا ~~يجوز وإذا ثبت ذلك وكان الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الكافر الحربي ~~كان قوله لا يقتل مؤمن بكافر بمنزلة قوله لا يقتل مؤمن بكافر حربي فلم يثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم نفي قتل المؤمن بالذمي والوجه الآخر أنه معلوم ~~أن ذكر العهد يحظر قتله ما دام في عهده فلو حملنا قوله ولا ذو عهد في عهده ~~على أنه لا يقتل ذو عهد في عهده لا خلينا اللفظ من الفائدة # PageV01P176 # وحكم كلام النبي صلى الله عليه وسلم حمله على مقتضاه في الفائدة وغير ~~جائز إلغاؤه ولا إسقاط حكمه فإن قال قائل # قد روي في حديث أبي جحيفة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتل ~~مؤمن بكافر # ولم يذكر ms0223 العهد وهذا اللفظ ينفي قتل المؤمن بسائر الكفار قيل هو حديث ~~واحد قد عزاه أبو جحيفة أيضا إلى الصحيفة وكذلك قيس بن عباد وإنما حذف بعض ~~الرواة ذكر العهد فأما أصل الحديث فواحد ومع ذلك فلو لم يكن في الخبر دليل ~~على أنه حديث واحد لكان الواجب حملهما على أنهما وردا معا وذلك لأنه لم ~~يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في وقتين مرة مطلقا من غير ذكر ~~ذي العهد وتارة مع ذكر ذي العهد وأيضا فقد وافقنا الشافعي على أن ذميا لو ~~قتل ذميا ثم أسلم لم يسقط عنه القود فلو كان الإسلام مانعا من القصاص ~~ابتداء لمنعه إذا طرئ بعد وجوبه قبل استيفائه ألا ترى أنه لما لم يجب ~~القصاص للابن على الأب إذا قتله كان ذلك حكمه إذا ورث ابنه القود من غيره ~~فمنع ما عرض من ذلك من استيفائه كما منع ابتداء وجوبه وكذلك لو قتل مرتدا ~~لم يجب القود ولو جرحه وهو مسلم ثم ارتد ثم مات من الجراحة سقط القود ~~فاستوى فيه حكم الابتداء والبقاء فلو لم يجب القتل بديا لما وجب إذا أسلم ~~بعد القتل وأيضا لما كان المعنى في إيجاب القصاص ما أراد الله تعالى من ~~بقاء حياة الناس بقوله [ولكم في القصاص حياة] وكان هذا المعنى موجودا في ~~الذمي لأن الله تعالى قد أراد بقاءه حين حقن دمه بالذمة وجب أن يكون ذلك ~~موجبا للقصاص بينه وبين المسلم كما يوجبه في قتل بعضهم بعضا فإن قيل يلزمك ~~على هذا قتل المسلم بالحربي المستأمن لأنه محظور الدم قيل له ليس كذلك بل ~~هو مباح الدم إباحة مؤجلة ألا ترى أنا لا نتركه في دار الإسلام ونلحقه ~~بمأمنه والتأجيل لا يزيل عنه حكم الإباحة كالثمن المؤجل لا يخرجه التأجيل ~~عن وجوبه واحتج أيضا من منع القصاص # بقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم # قالوا وهذا يمنع كون دم الكافر مكافيا لدم المسلم وهذا لا دلالة فيه على ~~ما قالوا ms0224 لأن # قوله المسلمون تتكافأ دماؤهم # لا ينفي مكافأة دماء غير المسلمين وفائدته ظاهرة وهي إيجاب التكافؤ بين ~~الحر والعبد والشريف والوضيع والصحيح والسقيم فهذه كلها فوائد هذا الخبر ~~وأحكامه ومن فوائده أيضا إيجاب القود بين الرجل والمرأة وتكافؤ دمائهما ~~ونفي لأخذ شيء من أولياء المرأة إذا قتلوا القاتل أو إعطاء نصف الدية من ~~مال المرأة مع قتلها إذا كانت هي القاتلة فإذا كان # قوله صلى الله عليه وسلم # PageV01P177 # المسلمون تتكافأ دماؤهم # قد أفاد هذه المعاني فهو حكم مقصور على المذكور ولا دلالة فيه على نفي ~~التكافؤ بينهم وبين غيرهم من أهل الذمة ويدل على ذلك أنه لم يمنع تكافي ~~دماء الكفار حتى يقاد من بعضهم لبعض إذا كانوا ذمة لنا فكذلك لا يمنع تكافي ~~دماء المسلمين وأهل الذمة ومما يدل على قتل المسلم بالذمي اتفاق الجميع على ~~أنه يقطع إذا سرقه فوجب أن يقاد منه لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله ألا ~~ترى أن العبد لا يقطع في مال مولاه ويقتل به واحتج الشافعي بأنه لا خلاف ~~أنه لا يقتل بالحربي المستأمن كذلك لا يقتل بالذمي وهما في تحريم القتل ~~سواء وقد بينا وجوه الفرق بينهما والذي ذكره الشافعي من الإجماع ليس كما ظن ~~لأن بشر بن الوليد قد روى عن أبي يوسف أن المسلم يقتل بالحربي المستأمن ~~وأما قول مالك والليث في قتل الغيلة فإنهما يريان ذلك حدا لا قودا والآيات ~~التي فيها ذكر القتل لم تفرق بين قتل الغيلة وغيره وكذلك السنن التي ذكرنا ~~وعمومها يوجب القتل على وجه القصاص لا على وجه الحد فمن خرج عنها بغير ~~دلالة كان محجوجا والله أعلم. ### | باب قتل الوالد بولده # اختلف الفقهاء في قتل الوالد بولده فقال عامتهم لا يقتل وعليه الدية في ~~ماله قال بذلك أصحابنا والأوزاعي والشافعي وسووا بين الأب والجد وقال الحسن ~~بن صالح بن حي يقاد الجد بابن الابن وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه ولا ~~يجيز شهادة الأب لابنه وقال عثمان البتي إذا قتل ابنه ms0225 عمدا قتل به وقال ~~مالك يقتل به وقد حكي عنه أنه إذا ذبحه قتل به وإن حذفه بالسيف لم يقتل به ~~والحجة لمن أبى قتله # حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول (لا يقتل والد بولده) # وهذا خبر مستفيض مشهور وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير ~~خلاف من واحد منهم عليه فكان بمنزلة قوله لا وصية لوارث ونحوه في لزوم ~~الحكم به وكان في حيز المستفيض المتواتر # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم بن الحسين قال ~~حدثنا عبد الله بن سنان المروزي قال حدثنا إبراهيم بن رستم عن حماد بن سلمة ~~عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول (لا يقاد الأب بابنه) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خلاد بن يحيى قال # PageV01P178 # حدثنا قيس عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يقاد الوالد بولده) # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل (أنت ومالك لأبيك) # فأضاف نفسه إليه كإضافة ماله وإطلاق هذه الإضافة ينفي القود كما ينفي أن ~~يقاد المولى بعبده لإطلاق إضافته إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر والأب ~~وإن كان غير مالك لابنه في الحقيقة فإن ذلك لا يسقط استدلالنا بإطلاق ~~الإضافة لأن القود يسقطه الشبهة وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه ويدل عليه ~~أيضا ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ~~وإن ولده من كسبه) # وقال صلى الله عليه وسلم (إن أولادكم من كسبكم فكلوا من كسب أولادكم) # فسمى ولده كسبا له كما أن عبده كسبه فصار ذلك شبهة في سقوط القود به ~~وأيضا فلو قتل عبد ابنه لم يقتل به ms0226 لأنه صلى الله عليه وسلم سماه كسبا له ~~كذلك إذا قتل نفسه وأيضا قال الله تعالى [ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه ~~وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك ~~على أن تشرك] الآية فأمر بمصاحبة الوالدين الكافرين بالمعروف وأمره بالشكر ~~لقوله تعالى [أن اشكر لي ولوالديك] وقرن شكرهما بشكره وذلك ينفي جواز قتله ~~إذا قتل وليا لابنه فكذلك إذا قتل ابنه لأن من يستحق القود بقتل الابن إنما ~~يثبت له ذلك من جهة الابن المقتول فإذا لم يستحق ذلك المقتول لم يستحق ذلك ~~عنه وكذلك قوله تعالى [إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما ~~أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ~~ارحمهما كما ربياني صغيرا] ولم يخصص حالا دون حال بل أمره بذلك أمرا مطلقا ~~عاما فغير جائز ثبوت حق القود له عليه لأن قتله له يضاده هذه الأمور التي ~~أمر الله تعالى لها في معاملة والده وأيضا # نهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان ~~مشركا محاربا لله ولرسوله # وكان مع قريش يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلو جاز للابن قتل ~~أبيه في حال لكان أولى الأحوال بذلك حال من قاتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو مشرك إذ ليس يجوز أن يكون أحد أولى باستحقاق العقوبة والذم والقتل ممن ~~هذه حاله فلما نهاه صلى الله عليه وسلم عن قتله في هذه الحال علمنا أنه لا ~~يستحق قتله بحال وكذلك قال أصحابنا إنه لو قذفه لم يحد له ولو قطع يده لم ~~يقتص منه ولو كان عليه دين له لم يحبس به لأن ذلك كله يضاد موجب الآي التي ~~ذكرنا ومن الفقهاء # PageV01P179 # من يجعل مال الابن لأبيه في الحقيقة كما يجعل مال العبد ومتى أخذ منه لم ~~يحكم برده عليه فلو لم يكن في سقوط القود به إلا اختلاف الفقهاء في حكم ms0227 ~~ماله على ما وصفنا لكان كافيا في كونه شبهة في سقوط القود به وجميع ما ~~ذكرنا من هذه الدلائل يخص آي القصاص ويدل على أن الوالد غير مراد بها والله ~~أعلم. ### | باب الرجلين يشتركان في قتل الرجل # قال الله تعالى [ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها] وقال ~~تعالى [ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة] ولا خلاف أن هذا الوعيد لا حق ~~بمن شارك غيره في القتل وأن عشرة لو قتلوا رجلا عمدا لكان كل واحد منهم ~~داخلا في الوعيد قاتلا للنفس المؤمنة وكذلك لو قتل عشرة رجلا خطأ كان كل ~~واحد منهم قاتلا في الحكم للنفس يلزمه من الكفارة ما يلزم المنفرد بالقتل ~~ولا خلاف أن ما دون النفس لا يجب فيه كفارة فيثبت أن كل واحد في حكم من ~~أتلف جميع النفس وقال تعالى [من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا] فالجماعة إذا ~~اجتمعت على قتل رجل فكل واحد في حكم القاتل للنفس ولذلك قتلوا به جميعا ~~وإذا كان كذلك فلو قتل اثنان رجل أحدهما عمدا والآخر خطأ أو أحدهما مجنون ~~والآخر عاقل فمعلوم أن المخطئ في حكم آخذ جميع النفس فيثبت لجميعها حكم ~~الخطإ فانتفى منهما حكم العمد إذ غير جائز ثبوت حكم الخطإ للجميع وحكم ~~العمد للجميع وكذلك المجنون والعاقل والصبي والبالغ ألا ترى أنه إذا ثبت ~~حكم الخطإ للجميع وجبت الدية كاملة وإذا ثبت حكم العمد للجميع وجب القود ~~فيه ولا خلاف بين الفقهاء في امتناع وجوب دية كاملة في النفس ووجوب القود ~~مع ذلك على جهة استيفائهما جميعا فوجب بذلك أنه متى وجب للنفس المتلفة على ~~وجه الشركة شيء من الدية أن لا يثبت معه قود على أحد لأن وجوب يوجب ثبوت ~~حكم العمد في الجميع وثبوت حكم العمد في الجميع ينفي وجوب الأرش لشيء منها ~~وقد اختلف الفقهاء في الصبي والبالغ والمجنون والعاقل والعمد والمخطئ ~~يقتلان رجلا ms0228 فقال أبو حنيفة وصاحباه لا قصاص على واحد منهما وكذلك لو كان ~~أحدهما أبا المقتول فعلى الأب والعاقل نصف الدية في ماله والمخطئ والمجنون ~~والصبي على عاقلته وهو قول الحسن بن صالح وقال مالك إذا اشترك الصبي # PageV01P180 # والبالغ في قتل الرجل وعلى عاقلة الصبي نصف الدية وقال الأوزاعي على ~~عاقلتهما الدية وقال الشافعي إذا قتل رجلا مع صبي رجلا فعلى الصبي العامد ~~نصف الدية في ماله وكذلك الحر والعبد إذا قتلا عبدا والمسلم والنصراني إذا ~~قتلا نصرانيا قال وإن شركه قاتل خطأ فعلى العامد نصف الدية في ماله وجناية ~~المخطئ على عاقلته قال أبو بكر أصل أصحابنا في ذلك أنه متى اشترك اثنان في ~~قتل رجل وأحدهما لا يجب عليه القود فلا قود على الآخر وما قدمناه من دلائل ~~الآي التي ذكرنا يمنع وجوب القود على أحدهما عمدا ويجب المال على الآخر ~~لحصول حكم الخطإ للنفس المتلفة ولا جائز أن يكون خطأ وعمدا موجبا للمال ~~والقود في حال واحدة وهي نفس واحدة لا تتبعض ألا ترى أنه غير جائز أن يكون ~~بعضها متلفا وبعضها حيا لأن ذلك يوجب أن يكون الإنسان حيا ميتا في حال ~~واحدة فلما امتنع ذلك ثبت أن كل واحد من القاتلين في حكم المتلف لجميعها ~~فوجب بذلك قسطها من الدية على من لا يجب عليه القود فيصير حينئذ محكوما ~~للجميع بحكم الخطإ فلا جائز مع ذلك أن يحكم لها بحكم العمد لأنه لو جاز ذلك ~~لوجب أن يكون فيهما جميع الدية ويشبه من هذا الوجه أيضا الواطئ لجارية بينه ~~وبين غيره في سقوط الحد عنه لأن فعله لم يتبعض في نصيبه دون نصيب شريكه ~~فلما لم يجب عليه الحد في نصيبه منع ذلك من وجوبه في نصيب شريكه لعدم ~~التبعيض فيه وعلى هذا قال أصحابنا في رجلين سرقا من ابن أحدهما إنه لا قطع ~~على واحد منهما لمشاركته في انتهاك الحرز من لا يستحق القطع فإن قال قائل ~~إن تعلق حكم العامد على العامد والصحيح والبالغ ms0229 موجب عليه القود بقضية ~~استدلالك بالآي التي تلوت إذا كان قاتلا لجميع النفس متلفا لجميع الحياة ~~ولذلك استحق الوعيد في حال الاشتراك والانفراد وكذلك الجماعة العامدون لقتل ~~رجل أوجب على كل واحد منهم القود إذ كان في حكم من أتلف الجميع منفردا به ~~وهذا يوجب قتل العاقل منهما وكذلك الصبي والبالغ وأن لا يسقط بمشاركة من لا ~~قود عليه قيل له هذا غير واجب من قبل أنه لا خلاف أن المشارك الذي # لا قود عليه يلزمه قسطه من الدية ولما وجب فيه الأرش انتفى عنه حكم العمد ~~في الجميع لما ذكرنا من امتناع تبعيضها في حال الإتلاف فصار الجميع في حكم ~~الخطإ وما لا قود فيه ولما كان الواجب على الشريك الذي لم يستحق عليه القود ~~قسطه من الدية دون جميعها ثبت أن الجميع قد صار في حكم الخطإ لولا ذلك # PageV01P181 # لوجب جميع الدية ألا ترى أنهم لو كانوا جميعا ممن يجب عليهم القود لأقدنا ~~منهم جميعا وكان كل واحد منهم في حكم القاتل منفردا به فلما وجب على ~~المشارك الذي لا قود عليه قسطه من الدية دل ذلك على سقوط القود وأن النفس ~~قد صارت في حكم الخطإ فلذلك انقسمت الدية على عددهم ومن حيث وافقنا الشافعي ~~في قاتلي العمد والخطإ أن لا قود على العامد منهما لزمه مثل ذلك في العاقل ~~والمجنون والصبي والبالغ لمشاركته في القتل من لا قود عليه فيه وأيضا ~~فوجدنا في الأصول امتناع وجوب المال والقود في شخص واحد ألا ترى أنه لو كان ~~القاتل واحدا فوجب المال انتفى وجوب القصاص وكذلك الوطء إذا وجب به المهر ~~سقط الحد وكذلك السرقة إذا وجب بها الضمان سقط القطع عندنا لأن المال لا ~~يجب في هذه المواضع إلا مع وجود الشبهة المسقطة للقود والحد فلما وجب المال ~~في مسألتنا بالاتفاق انتفى به وجوب القصاص ومما يدل على أن سقوط القود فيما ~~وصفنا أولى من إيجابه أن القود قد يتحول ما لا بعد ثبوته والمال لا يتحول ms0230 ~~قودا بوجه فكان مالا ينفسخ إلى غيره أولى بالإثبات مما ينفسخ بعد ثبوته إلى ~~الآخر وكان سقوط القود عن أحدهما مسقطا له عن الآخر فإن قيل فأنتم تقولون ~~في العامدين إذا قتلا رجلا ثم عفا الولي عن أحدهما أن الآخر يقتل فكذلك يجب ~~أن تقولوا في هذه المسألة قيل له هذا سؤال ساقط على أصل الشافعي لأنه يلزمه ~~أن يقيد من العامد إذا شاركه المخطئ إذا كانت الشركة لا حظ لها في نفي ~~القود عمن يجب عليه ذلك لو انفرد وإن كان سقوط القود عن أحد قاتلي العمد ~~بالعفو لا يسقط عن الآخر فلما لم يلزمه ذلك في المخطئ والعامد لم يلزمنا في ~~الصبي والبالغ والمجنون والعاقل والسؤال ساقط للآخرين أيضا من قبل أن هذا ~~كلام في الاستيفاء والاستيفاء لا يجب على وجه الشركة إذ له أن يقتل أحدهما ~~قبل الآخر وله أن يقتل من وجده منهما دون من لم يجد وأيضا مسألتنا في ~~الوجوب ابتداء إذا وقع القتل على وجه الشركة فيستحيل حينئذ أن يكون كل واحد ~~منهما قد صار في الحكم كمتلف دون الآخر واستحال انفراد أحدهما بالحكم دون ~~شريكه وأيضا فالوجوب حكم غير الاستيفاء فغير جائز إلزام الاستيفاء عليه إذ ~~غير جائز اعتبار حال الاستيفاء بحال الوجوب ألا ترى أنه يجوز أن يكون في ~~حال الاستيفاء تائبا وليا لله عز وجل وغير جائز أن يكون في حال القتل ~~الموجب للقود وليا لله تعالى وجائز أن يتوب الزاني فيكون # PageV01P182 # حق استيفاء الحد باقيا عليه وغير جائز وجوب الحد وهو على هذه الصفة فمن ~~اعتبر حال الوجوب بحال الاستيفاء فهو مغفل للواجب عليه وأيضا فإنه متى عفا ~~عن أحدهما سقط حكم قتله فصار الباقي في حكم المنفرد بقتله فلزمه القود ولم ~~يسقط عنه بسقوطه عن الآخر وأما المجنون ومن لم يجب عليه القود فحكم فعله ~~ثابت على وجه الخطإ وذلك موجب لحظر دم من شاركه إذ كان حكمه حكمه ~~لاشتراكهما فيه وإذا ثبت بما قدمنا من دلائل الكتاب والنظر ms0231 سقوط القود عمن ~~شاركه من لا يجب عليه القود جاز أن يخص بهما موجب حكم الآي المذكور فيها ~~القصاص من قوله [كتب عليكم القصاص في القتلى] وقوله [الحر بالحر] وقوله ~~[ومن قتل مظلوما- والنفس بالنفس] وما جرى مجرى ذلك من عموم السنن الموجبة ~~للقصاص ولأن جميع ذلك عام قد أريد به الخصوص بالاتفاق وما كان هذا سبيله ~~فجائز تخصيصه بدلائل النظر والله الموفق وذكر المزني أن الشافعي احتج على ~~محمد في منعه إيجاب القود على العامد إذا شاركه صبي أو مجنون فقال إن كنت ~~رفعت عنه القتل لأن القلم مرفوع عنهما وأن عمدهما خطأ فهلا أقدت من الأجنبي ~~إذا قتل عمدا مع الأب لأن القلم عن الأب ليس بمرفوع وهذا ترك لأصله قال ~~المزني قد شرك الشافعي محمدا فيما # أنكر عليه في هذه المسألة لأن رفع القصاص عن المخطئ والمجنون واحد وكذلك ~~حكم من شركهم في العمد واحد قال أبو بكر ما ذكره المزني عن الشافعي إلزام ~~في غير موضعه لأنه ألزمه عكس المعنى وإنما الذي يلزم على هذا الأصل أن كل ~~من كان عمده خطأ أن لا يقيد المشارك له في القتل وإن كان عامدا فأما من ليس ~~عمده خطأ فليس يلزمه أن يخالف بينهما في الحكم بل حكمه موقوف على دليله ~~لأنه عكس العلة وليس يلزم من اعتل بعلة في الشرع أن يعكسها ويوجب من الحكم ~~عند عدمها ضد موجبها عند وجودها ألا ترى أنا إذا قلنا وجود الغرر يمنع جواز ~~البيع لم يلزمنا على ذلك الحكم بجوازه عند عدم الغرر بل جائز أن يمنع ~~الجواز عند عدم الغرر لوجود معنى آخر وهو أن يكون مما لم يقبضه بائعه أو ~~شرط فيه شرطا لا يوجبه العقد أو يكون مجهول الثمن وما جرى مجرى ذلك من ~~المعاني المفسدة لعقود البياعات وجائز أن يجوز البيع عند زوال الغرر على ~~حسب قيام دلالة الجواز والفساد ونظائر ذلك كثيرة في مسائل العقد لا يخفى ~~على من له أدنى ارتياض بنظر الفقه ومما يحتج ms0232 به في ذلك # حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن قتيل خطإ العمد قتيل # PageV01P183 # السوط والعصا فيه الدية مغلظة # وقتيل الصبي والبالغ والمجنون والعاقل والمخطئ والعامد هو خطأ العمد من ~~وجهين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر قتيل خطإ العمد بأنه قتيل ~~السوط والعصا فإذا اشترك مجنون معه عصا وعاقل معه السيف فهو قتيل خطأ العمد ~~لقضية النبي صلى الله عليه وسلم فالواجب أن لا قصاص فيه والوجه الآخر أن ~~عمد الصبي والمجنون خطأ لأن القتل لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه إما خطأ أو ~~عمد أو شبه عمد فلما لم يكن قتل الصبي والمجنون عمدا وجب أن يكون في أحد ~~الحيزين الآخرين من الخطإ أو شبه العمد وأيهما كان فقد اقتضى ظاهر لفظ ~~النبي صلى الله عليه وسلم إسقاط القود عن مشاركه في القتل لأنه قتيل خطأ أو ~~قتيل خطإ العمد وأيضا فإنه أوجب فيمن استحق هذه التسمية دية مغلظة ومتى ~~وجبت الدية كاملة انتفى القود بالاتفاق فإن قيل إنما أراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله قتيل خطإ العمد إذا انفرد بقتله بالسوط والعصا قيل له ~~مشاركة غيره فيه بالسيف لا تخرجه من أن يكون قتيل السوط والعصا وقتيل خطأ ~~لأن كل واحد منهما من حيث كان قاتلا وجب أن يكون هو قتيلا لكل واحد منهما ~~فاشتمل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على المعنيين وانتفى به القصاص في ~~الحالين ويدل على صحة ما ذكرنا وأنه غير جائز اختلاف حكم مشاركة المجنون ~~للعاقل والمخطئ للعامد أن رجلا لو جرح رجلا وهو مجنون ثم أفاق وجرحه أخرى ~~بعد الإفاقة ثم مات المجروح منهما أنه لا قود على القاتل كما لو جرحه خطأ ~~ثم جرحه عمدا ومات منهما لم يجب عليه القود وكذلك لو جرحه مرتدا ثم أسلم ثم ~~جرحه ومات من الجراحتين لم يكن على الجارح القود وذلك يدل على معنيين ~~أحدهما أن موته من جراحتين إحداهما غير موجبة للقود والأخرى موجبة يوجب ms0233 ~~إسقاط القود ولم يكن لانفراد الجراحة التي لا شبهة فيها عن الأخرى حكم في ~~إيجاب القود بل كان الحكم للتي لم توجب قودا فوجب على هذا أنه إذا مات من ~~جراحة رجلين أحدهما لو انفرد أوجبت جراحته القود والأخرى لا توجبه أن يكون ~~حكم سقوطه أولى من حكم إيجابه لحدوث الموت منهما فكان حكم ما يوجب سقوط ~~القود أولى من حكم ما يوجبه والعلة فيهما موته من جراحتين إحداهما مما توجب ~~القود والأخرى مما لا توجبه والمعنى الآخر ما قسمنا الكلام عليه بديا هو ~~أنه لا فرق بين المخطئ والعامد وبين المجنون والعاقل عند الاشتراك كما لم ~~تختلف جناية المجنون في حال جنونه ثم في حال إفاقته إذا حدث الموت منهما ~~وجناية الخطإ والعمد إذا حدث الموت # PageV01P184 # منهما في سقوط القود في الحالين كذلك ينبغي أن لا يختلف حكم جناية الصحيح ~~لمشاركة المجنون وحكم جناية العامد لمشاركة المخطئ والله أعلم. ### | باب ما يجب لولي قتيل العمد # قال الله تعالى [كتب عليكم القصاص في القتلى] وقال تعالى [وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس] وقال تعالى [ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا] ~~وقد اتفقوا أن القود مراد به وقال تعالى [وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به] وقال [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] ~~فاقتضت هذه الآيات إيجاب القصاص لا غير وقد اختلف الفقهاء في موجب القتل ~~العمد فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك بن أنس والثوري وابن شبرمة والحسن بن ~~صالح ليس للولي إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضى القاتل وقال الأوزاعي ~~والليث والشافعي الولي بالخيار بين أخذ القصاص والدية وإن لم يرض القاتل ~~وقال الشافعي فإن عفا المفلس عن القصاص جاز ولم يكن لأهل الوصايا والدين ~~منعه لأن المال لا يملك بالعمد إلا بمشيئة المجني عليه إذا كان حيا أو ~~بمشيئة الورثة إذا كان ميتا قال أبو بكر ما تقدم ذكره من ظواهر آي القرآن ~~بما تضمنه من بيان المراد من غير اشتراك في اللفظ يوجب ms0234 القصاص دون المال ~~وغير جائز إيجاب المال على وجه التخيير إلا بمثل ما يجوز به نسخه لأن ~~الزيادة في نص القرآن توجب نسخه ويدل عليه أيضا قوله تعالى [يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم] ~~فحظر أخذ مال كل واحد من أهل الإسلام إلا برضاه على وجه التجارة وبمثله # قد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (لا يحل مال امرئ مسلم ~~إلا بطيبة من نفسه) # فمتى لم يرض القاتل بإعطاء المال ولم تطب به نفسه فماله محظور على كل أحد # وروي عن ابن عباس وقد ذكرنا سنده فيما تقدم قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (العمد قود إلا أن يعفو ولي المقتول) # وروى سليمان بن كثير قال حدثنا عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل في عميا أو في زحمة لم يعرف ~~قاتله أو رميا تكون بينهم بحجر أو سوط أو عصا فعقله عقل خطأ ومن قتل عمدا ~~فقود يديه فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) # فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين أن الواجب بالعمد هو القود ~~ولو كان له خيار في أخذ الدية لما اقتصر على ذكر القود دونها لأنه # PageV01P185 # غير جائز أن يكون له أحد شيئين على وجه التخيير ويقتصر صلى الله عليه ~~وسلم بالبيان على أحدهما دون الآخر لأن ذلك يوجب نفي التخيير ومتى ثبت فيه ~~تخيير بعده كان نسخا له فإن قيل قد روى ابن عيينة هذا الحديث الآخر عن عمرو ~~بن دينار عن طاوس موقوفا عليه ولم يذكر فيه ابن عباس ولا رفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قيل له كان ابن عيينة حدث به مرة هكذا غير مرفوع وحدث ~~به مرة أخرى كما حدث سليمان بن كثير وقد كان ابن عيينة سيئ الحفظ كثير ~~الخطإ ومع ذلك فجائز أن يكون طاوس ms0235 رواه مرة عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومرة أفتى به وأخبر عن اعتقاده فليس إذا في ذلك ما يوهن الحديث ~~وقد تنازع أهل العلم معنى قوله تعالى [فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان] فقال قائلون العفو ما سهل وما تيسر قال الله ~~تعالى [خذ العفو] يعني والله أعلم ما سهل من الأخلاق # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله) # يعني تيسير الله وتسهيله على عباده فقوله تعالى [فمن عفي له من أخيه شيء] ~~يعني الولي إذا أعطي شيئا من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف وليؤد القاتل ~~إليه بإحسان فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل وأخبر ~~أنه تخفيف منه ورحمة كما قال عقيب ذكر القصاص من سورة المائدة [فمن تصدق به ~~فهو كفارة له] فندبه إلى العفو والصدقة وكذلك ندبه بما ذكر في هذه الآية ~~إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء الدية ثم ~~أمر الولي بالاتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان وقال بعضهم المعنى فيه ما ~~روي عن ابن عباس وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحميدي قال ~~حدثنا سفيان الثوري قال حدثنا عمرو بن دينار قال سمعت مجاهدا يقول سمعت ابن ~~عباس يقول كان القصاص في بني إسرائيل ولم يكن فيهم الدية فقال الله لهذه ~~الأمة [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى - إلى قوله- فمن ~~عفي له من أخيه شيء] قال ابن عباس العفو أن يقبل الدية في العمد [فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة] فيما كان كتب على من ~~كان قبلكم [فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم] قال بعد قبول الدية فأخبر ابن ~~عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من حظر قبول الدية ~~وأباحت للولي قبول الدية إذا بذلها القاتل تخفيفا من الله علينا ورحمة بنا ~~فلو كان الأمر على ما ms0236 ادعاه مخالفنا من إيجاب التخيير لما قال فالعفو أن ~~يقبل الدية لأن # PageV01P186 # القبول لا يطلق إلا فيما بذله غيره لو لم يكن أراد ذلك لقال إذا اختار ~~الولي فثبت بذلك أن المعنى كان عند جواز تراضيهما على أخذ الدية وقد روي عن ~~قتادة ما يدل على أن الحكم الذي كان في بني إسرائيل من امتناع قبول الدية ~~ثابت على من قتل بعد أخذ الدية وهو ما حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق ~~المروزي قال حدثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني قال حدثنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى [فمن اعتدى بعد ذلك] قال يقول من قتل ~~بعد أخذ الدية فعليه القتل لا يقبل منه الدية وقد روي فيه معنى آخر وهو ما # روى سفيان بن حسين عن ابن أشوع عن الشعبي قال كان بين حيين من العرب قتال ~~فقتل من هؤلاء ومن هؤلاء فقال أحد الحيين لا نرضى حتى نقتل الرجل بالمرأة ~~وبالرجل الرجلين وارتفعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم القتل بواء أي سواء # فاصطلحوا على الديات ففضل لأحد الحيين على الآخر فهو قوله تعالى [كتب ~~عليكم القصاص- إلى قوله- فمن عفي له من أخيه شيء] قال سفيان فمن عفي له من ~~أخيه شيء يعني فمن فضل له على أخيه شيء فليؤده بالمعروف فأخبر الشعبي عن ~~السبب في نزول الآية وذكر سفيان أن معنى العفو هاهنا الفضل وهو معنى يحتمله ~~اللفظ قال الله تعالى [حتى عفوا] يعنى كثروا # وقال صلى الله عليه وسلم (أعفوا اللحى) # فتقدير الآية على ذلك فمن فضل له على أخيه شيء من الديات التي وقع ~~الاصطلاح عليها فليتبعه مستحقه بالمعروف وليؤد إليه بإحسان وقد ذكر فيه ~~معنى آخر وهو أنهم قالوا # هو في الدم بين جماعة إذا عفا بعضهم تحول نصيب الآخرين مالا وقد روي عن ~~عمر وعلي # وعبد الله ذلك ولم يذكروا أنه تأويل الآية وهذا تأويل لفظ الآية يوافقه ~~لأنه قال [فمن عفي ms0237 له من أخيه شيء] وهذا يقتضي وقوع العفو عن شيء من الدم ~~لا عن جميعه فيتحول نصيب الشركاء مالا وعليهم اتباع القتل بالمعروف عليه ~~أداؤه إليهم بإحسان وتأوله بعضهم على أن لولي الدم أخذ المال بغير رضى ~~القاتل وهذا تأويل يدفعه ظاهر الآية لأن العفو لا يكون مع أخذ الدية ألا ~~ترى # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (العمد قود إلا أن يعفو الأولياء) # فأثبت له أحد الشيئين قتل أو عفو ولم يثبت له مالا بحال فإن قال قائل إذا ~~عفا عن الدم ليأخذ المال كان عافيا ويتناوله لفظ الآية قيل له إن كان ~~الواجب أحد الشيئين فجائز أيضا أن يكون عافيا بترك المال وأخذ القود فعلى ~~هذا لا يخلو الولي من عفو قتل أو أخذ مال وهذا فاسد # PageV01P187 # لا يطلقه أحد ومن جهة أخرى ينفيه ظاهر الآية وهو أنه إذا كان الولي هو ~~العافي بترك القود وأخذ المال فإنه لا يقال له عفا له وإنما يقال له عفا ~~عنه فيتعسف فيقيم اللام مقام عن أو يحمله على أنه عفا له عن الدم فيضمر ~~حرفا غير مذكور ونحن متى استغنينا بالمذكور عن المحذوف لم يجز لنا إثبات ~~الحذف وعلى أن تأويلنا هو سائغ مستعمل على ظاهره من غير إثبات ضمير فيه وهو ~~أن يحمل على معنى التسهيل من جهة القاتل بإعطائه المال ومن جهة أخرى يخالف ~~ظاهرها هو أن قوله [من أخيه شيء] فقوله [من] تقتضي التبعيض لأن ذلك حقيقتها ~~وبابها إلا أن تقوم الدلالة على غيره فيوجب هذا أن يكون العفو عن بعض دم ~~أخيه وعند المخالف هو عفو عن جميع الدم وتركه إلى الدية وفيه إسقاط حكم من ~~ومن وجه آخر وهو قوله [شيء] وهذا أيضا يوجب العفو عن شيء من الدم لا عن ~~جميعه فمن حمله على الجميع لم يوف الكلام حظه من مقتضاه وموجبه لأنه يجعله ~~بمنزلة ما لو قال فمن عفي له عن الدم وطولب بالدية فأسقط حكم قوله [من- ~~وقوله- شيء] وغير جائز لأحد تأويل ms0238 الآية على وجه يؤدي إلى إلغاء شيء من ~~لفظها ما أمكن استعماله على حقيقته ومتى استعمل على ما ذكرنا كان موافقا ~~لظاهر الآية من غير إسقاط منه لأنه إن كان التأويل ما ذكره الشعبي من ~~نزولها على السبب وما فضل من بعضهم على بعض من الديات فهو موافق للفظ الآية ~~لأنه عفي له من أخيه بمعنى أنه فضل له شيء من المال فيه التقاضي وذلك بعض ~~من جملة وشيء منها فتناوله اللفظ على حقيقته وإن كان التأويل أنه إن سهل له ~~بإعطاء شيء من المال فالولي مندوب إلى قبوله موعود بالثواب عليه فذلك قد ~~يتناول أيضا للبعض بأن يبذل بعض الدية وذلك جزء من كل مما أتلفه وإن كان ~~التأويل الإخبار بنسخ ما كان على بني إسرائيل من إيجاب حكم القود ومنع أخذ ~~البدل فتأويلنا أيضا على هذا الوجه أشد ملاءمة لمعنى الآية لأنا نقول إن ~~الآية اقتضت جواز الصلح منهما على ما يقع الاصطلاح عليه من قليل أو كثير ~~فذكر البعض وأفاد به حكم الكل أيضا كقوله تعالى [فلا تقل لهما أف ولا ~~تنهرهما] نص على هذا القول بعينه وأراد به ما فوقه في نظائر لذلك في القرآن ~~وإن كان التأويل عفو بعض الأولياء عن نصيبه فهو أيضا يواطئ ظاهر الآية ~~لوقوع العفو عن البعض دون الجميع فعلى أي وجه يصرف تأويل المتأولين ممن ~~قدمنا قوله فتأويله موافق لظاهر الآية غير تأويل من تأوله على أن للولي ~~العفو عن # PageV01P188 # الجميع وأخذ المال وليس يمتنع أن يكون جميع المعاني التي قدمنا ذكرها عن ~~متأوليها مرادة بالآية فيكون نزولها على سبب نسخ بها ما كان على بني ~~إسرائيل وأبيح لنا أخذ قليل المال وكثيره ويكون الولي مندوبا إلى القبول ~~إذا تسهل له القاتل بإعطاء المال وموعودا عليه بالثواب ويكون السبب الذي ~~نزلت عليه الآية حصول الفضل من بعض على بعض في الديات فأمروا به بالاتباع ~~بالمعروف وأمر القاتل بالأداء إليهم بإحسان ويكون على اختلاف فيه بيان حكم ~~الدم إذا عفا عنه ms0239 بعض الأولياء فهذه الوجوه كلها على اختلاف معانيها ~~تحتملها الآية وهي مرادة من غير إسقاط شيء من لفظها فإن قال قائل وما تأوله ~~المخالفون في إيجاب الدية للولي باختياره من غير رضى القاتل تحتمله الآية ~~فوجب أن يكون مرادا إذ ليس فيه نفي لتأويلات الآخرين ويكون قوله [فمن عفي ~~له] معناه أنه ترك له من قولهم عفت المنازل إذا تركت حتى درست والعفو عن ~~الذنوب ترك العقوبة عليها فيفيد ذلك ترك القود إلى الدية قيل له إن كان ~~كذلك فينبغي أن يكون لو ترك الدية وأخذ القود أن يكون عافيا لأنه تارك لأخذ ~~الدية وقد يسمى ترك المال وإسقاطه عفوا قال الله [فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح] فأطلق # اسم العفو على الإبراء من المال ومعلوم عند الجميع امتناع إطلاق العفو ~~على من آثر أخذ القود وترك أخذ الدية فكذلك العادل عن القود إلى أخذ الدية ~~لا يستحق اسم العافي إذ كان إنما اختار أحد الشيئين كان مخيرا في اختيار ~~أيهما شاء لأن من كان مخيرا بين أحد شيئين فاختار أحدهما كان الذي اختاره ~~هو حقه الواجب له قد تعين عليه حكمه عند فعله كأنه لم يكن غيره ألا ترى أن ~~من اختار التكفير بالعتق في كفارة اليمين كان العتق هو كفارته كأنه لم يكن ~~غيره وسقط عنه حكم ما عداه أن يكون من فرضه كذلك هذا الولي لو كان مخيرا في ~~أحد شيئين من قود أو مال ثم اختار أحدهما لم يستحق اسم العافي لتركه أحدهما ~~إلى الآخر فلما كان اسم العفو منتفيا عمن ذكرنا حاله لم يجز تأويل الآية ~~عليه وكانت المعاني التي قدمنا ذكرها أولى بتأويلها ثم ليس يخلو الواجب ~~للولي بنفس القتل أن يكون القود والدية جميعا أو القود دون الدية أو أحدهما ~~على وجه التخيير لا جائز أن يكون حقه الأمرين جميعا بالاتفاق ولا يجوز أيضا ~~أن يكون الواجب أحدهما على حسب ما يختاره الولي كما في كفارة اليمين ms0240 ونحوها ~~لما بينا من أن الذي أوجبه الله تعالى في الكتاب # PageV01P189 # هو القصاص وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص ونفي لإيجاب ~~القصاص ومثله عندنا يوجب النسخ فإذا الواجب هو القود لا غيره فلا جائز له ~~أخذ المال إلا برضى القاتل لأن كل من له قبل غيره حق يمكن استيفاءه منه لم ~~يجز له نقله إلى بدل غيره إلا يرضى من عليه الحق وعلى أن قائل هذا القول ~~مخطئ في العبارة حين قال الواجب هو القود وله أن يأخذ المال لأنه لم يخرجه ~~من أن يكون مخيرا فيه إذ قد جعل له أن يستوفي القود إن شاء وإن شاء المال ~~فلو قال قائل الواجب هو المال وله نقله إلى القود بدلا منه كان مساويا له ~~فلما فسد قول هذا القائل من أن الواجب هو المال وله نقله إلى القود لإيجابه ~~التخيير كذلك قول من قال الواجب هو القود وله نقله إلى المال إذ لم ينفك في ~~الحالين من إيجاب التخيير بنفس القتل والله سبحانه إنما كتب على القاتل ~~القصاص بقوله [كتب عليكم القصاص في القتلى] ولم يقل كتب عليكم المال في ~~القتلى ولا كتب عليكم القصاص أو المال في القتلى والقائل بأن الواجب هو ~~القود وله نقله إلى المال إنما عبر عن التخيير الذي أوجبه له بغير اسمه ~~وأخطأ في العبارة عنه فإن قال قائل هذا كما تقول إن الواجب هو القصاص ولهما ~~جميعا نقله إلى المال بتراضيهما ولم يكن في جواز تراضيهما على نقله إلى ~~المال إسقاط لموجب حكم الآية من القصاص قيل له من قبل أنا قد بينا بديا أن ~~القصاص حق للولي على القاتل من غير إثبات تخيير له بين القود وغيره ~~وتراضيهما على نقله إلى البدل لا يخرجه من أن يكون هو الحق الواجب دون غيره ~~لأن ما تعلق حكمه بتراضيهما لا يؤثر في الأصل الذي كان واجبا من غير خيار ~~ألا ترى أن الرجل قد يملك العبد والدار ولغيره أن يشتريه منه برضاه ms0241 وليس في ~~جواز ذلك نفي لملك الأصل لمالكه الأول ولا موجبا لأن يكون ملكه موقوفا على ~~الخيار وكذلك الرجل يملك طلاق امرأته ويملك الخلع وأخذ البدل عن الطلاق ~~وليس في ذلك إثبات ملك الطلاق له بديا على أنه مخير في نقله إلى المال من ~~غير رضى المرأة وأنه لو كان له أن يطلق أو يأخذ المال بديا من غير رضاها ~~لكان ذلك موجبا لكونه مالكا لأحد شيئين من طلاق أو مال ويدل على أن الواجب ~~بالقتل هو القود لا غير حديث أنس الذي قدمنا إسناده في قصة الربيع حين كسرت ~~ثنية جارية # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص # فأخبر أن موجب الكتاب هو القصاص فغير جائز لأحد إثبات شيء معه ولا نقله ~~إلى غيره إلا بمثل ما يجوز # PageV01P190 # به نسخ الكتاب ولو سلمنا احتمال الآية لما ادعوه من تأويلها في جواز أخذ ~~المال من غير رضى القاتل في قوله [فمن عفي له من أخيه شيء] مع احتماله ~~للوجوه التي ذكرنا كان أكبر أحواله أن يكون اللفظ مشتركا محتملا للمعاني ~~فيوجب ذلك أن يكون متشابها ومعلوم أن قوله تعالى [كتب عليكم القصاص] محكم ~~ظاهر المعنى بين المراد لا اشتراك في لفظه لا احتمال في تأويله وحكم ~~المتشابه أن يحمل على معنى المحكم ويرد إليه بقوله تعالى [منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات- إلى قوله- وابتغاء تأويله] فأمر الله تعالى ~~برد المتشابه إلى المحكم لأن وصفه للمحكم بأنه أم الكتاب يقتضي أن يكون ~~غيره محمولا عليه ومعناه معطوفا عليه إذ كان أم الشيء ما منه ابتداؤه وإليه ~~مرجعه ثم ذم من اتبع المتشابه واكتفى بما احتمله اللفظ من تأويله من غير رد ~~له إلى المحكم وحمله على موافقته في معناه وحكم عليهم بالزيغ في قلوبهم ~~بقوله [فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله] وإذا ثبت أن قوله [كتب عليكم القصاص] محكم وقوله [فمن عفي ~~له من أخيه شيء] متشابه وجب حمل معناه ms0242 على معنى المحكم من غير مخالفة له ~~ولا إزالة لشيء من حكمه وهو أن يكون على أحد الوجوه التي ذكرنا مما لا ينفي ~~موجب لفظ الآية من القصاص من غير معنى آخر يضم إليه ولا عدول عنه إلى غيره ~~وكذلك قوله تعالى [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] إذ ~~كانت النفس مثلا فيما يستحقه الولي وهو القود فإذا كان المثل هو القود ~~وإتلاف نفسه كما أتلف كان بمنزلة متلف المال الذي له مثل ولا يعدل عنه إلى ~~غيره إلا بالتراضي لقوله تعالى [بمثل ما اعتدى عليكم] وبدلالة الأصول عليه ~~واحتج من أوجب للولي الخيار بين القود وأخذ المال من غير رضى القاتل بأخبار ~~منها # حديث يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين فتح مكة (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يقتل وإما ~~أن يودى) # وحديث يحيى بن سعيد عن أبى ذيب قال حدثني سعيد المقبري قال سمعت أبا شريح ~~الكعبي يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم فتح مكة (ألا إنكم ~~معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه ~~قتيل فأهله بين خيرتين بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا) # ورواه محمد بن إسحاق عن الحرث بن فضيل عن سفيان عن أبي العرجاء عن أبي ~~شريح الخزاعي قال قال رسول الله # PageV01P191 # صلى الله عليه وسلم من أصيب بدم أو بخبل يعنى بالخبل الجراح فوليه ~~بالخيار بين أحد ثلاث بين العفو أو يقتص أو يأخذ الدية # وهذه الأخبار غير موجبة لما ذكروا لاحتمالها أن يكون المراد أخذ الدية ~~برضى القاتل كما قال تعالى [فإما منا بعد وإما فداء] المعنى فداء برضى ~~الأسير فاكتفى بالمحذوف عن ذكره لعلم المخاطبين عند ذكر المال بأنه لا يجوز ~~إلزامه إياه بغير رضاه كذلك قوله أو يأخذ الدية وقوله أو يودى وكما يقول ~~القائل لمن له دين على غيره ms0243 إن شئت فخذ دينك دراهم وإن شئت دنانير وكما # قال صلى الله عليه وسلم لبلال حين أتاه بتمر أكل تمر خيبر هكذا فقال لا ~~ولكنا نأخذ الصاع منه بالصاعين والصاعين بثلاثة # فقال صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ولكن بع تمرك بعرض ثم خذ بالعرض # هذا ومعلوم أنه لم يرد أن يأخذ التمر بالعرض بغير رضى الآخر ويكون ذكره ~~الدية إبانة عما نسخه الله عما كان على بني إسرائيل من امتناع أخذ الدية ~~برضى القاتل وبغير رضاه تخفيفا عن هذه الأمة على ما روي عن ابن عباس أن ~~القصاص كان في بني إسرائيل ولم يكن فيهم أخذ الدية فخفف الله عن هذه الأمة ~~ويدل على ما وصفنا من أن المراد أخذ الدية برضى القاتل # أن الأوزاعي قد روى حديث أبي هريرة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ~~إما أن يقتل وإما أن يفادي) # والمفاداة إنما تكون بين اثنين كالمقاتلة والمضاربة والمشاتمة ونحو ذلك ~~فدل على أن مراده في سائر الأخبار أخذ الدية برضى القاتل وهذه الأخبار تبطل ~~قول من يقول إن الواجب على القاتل هو القود وللولي نقله إلى الدية لأن في ~~جميعها إثبات التخيير للولي بنفس القتل بين القود وأخذ الدية ولو كان ~~الواجب هو القود لا غير وإنما للولي نقله إلى الدية بعد ثبوته كما ينقل ~~الدين إلى العرض والعرض إلى الدين على وجه العوض عنه وليس هناك خيار موجب ~~بنفس القتل بل الواجب شيء واحد وهو القود والقائل بإيجاب القود بالقتل دون ~~غيره إلا أن ينقله الولي إلى الدية مخالف لهذه الآثار # وقد روى الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك في قصة الربيع أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال (كتاب الله القصاص) # وذلك ينفى كون المراد بالكتاب المال أو القصاص # وقد روى علقمة بن وائل عن أبيه وثابت البناني عن أنس أن رجلا قتل رجلا ms0244 ~~فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ولي المقتول ثم قال أتعفو قال لا ~~قال أفتأخذ الدية قال لا قال أما إنك إن قتلته كنت مثله فمضى الرجل فلحقه ~~الناس فقالوا إن رسول الله # PageV01P192 # صلى الله عليه وسلم قال أما إنك إن قتلته كنت مثله فعفا عنه # فاحتج الموجبون للخيار بين القود والمال بهذا الحديث وهذا لا دلالة فيه ~~على ما ذكروا وذلك لأنه يحتمل أن يريد أن يأخذ الدية برضى القاتل كما # قال صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس حين جاءت تشكوه أتردين عليه ~~حديقته قالت نعم # ومعلوم أن رضى ثابت قد كان مشروطا فيه وإن لم يكن مذكورا # في الخبر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلزم ثابتا الطلاق ولا ~~يملكه الحديقة إلا برضاه # وجائز أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد إلى أن يعقد عقدا على مال فيكون ~~موقوفا على رضى القاتل أو فسخه وجائز أن يكون أراد أن يؤدي الدية من عنده ~~كما فعل في قتيل الخزاعي بمكة وكما تحمل عن اليهود دية عبد الله بن سهل ~~الذي وجد قتيلا بخيبر # وقوله صلى الله عليه وسلم إن قتلته كنت مثله # يحتمل معنيين أحدهما أنك قاتل كما أنه قاتل لا أنك مثله في المأثم لأنه ~~استوفى حقا له فلا يستحق اللوم عليه والأول فعل ما لم يكن له فكان آثما ~~فعلمنا أنه لم يرد كنت مثله في المأثم والآخر أنك إذا قتلته فقد استوفيت ~~حقك منه ولا فضل لك عليه وقد ندب الله تعالى إلى الإفضال بالعفو بقوله ~~تعالى [فمن تصدق به فهو كفارة له] فإن قال قائل لما كان عليه إحياء نفسه ~~وجب أن يحكم عليه بذلك إذا اختار الولي أخذ المال قيل له وعلى كل أحد أن ~~يحيي غيره إذا خاف عليه التلف مثل أن يرى إنسانا قد قصد غيره بالقتل أو خاف ~~عليه الغرق وهو يمكنه تخليصه أو كان معه طعام وخاف عليه أن يموت من الجوع ~~فعليه إحياؤه ms0245 بإطعامه وإن كثرت قيمته وإن كان على القاتل إعطاء المال ~~لإحياء نفسه فعلى الولي أيضا إحياؤه إذا أمكنه ذلك فوجب على هذه القضية ~~إجبار الولي على أخذ المال إذا بذله القاتل وهذا يؤدي إلى بطلان القصاص ~~أصلا لأنه إذا كان على كل واحد منهما إحياء نفس القاتل فعليهما التراضي على ~~أخذ المال وإسقاط القود وأيضا فينبغي إذا طلب الولي داره أو عبده أو ديات ~~كثيرة أن يعطيه لأنه لا يختلف فيما يلزمه إحياء نفسه حكم القليل والكثير ~~فلما لم يلزمه إعطاء أكثر من الدية عند القائلين بهذه المقالة كان بذلك ~~انتقاض هذا الاعتلال وفساده واحتج المزني للشافعي في هذه المسألة بأنه لو ~~صالح من حد القذف على مال أو من كفالة بنفس لبطل الحد والكفالة ولم يستحق ~~شيئا ولو صالح من دم عمد على مال باتفاق الجميع قبل ذلك فدل ذلك على أن دم ~~العمد مال في الأصل لولا ذلك لما صح الصلح كما لم يصح عن حد القذف والكفالة ~~قال أبو بكر قد انتظم هذا الاحتجاج الخطأ والمناقضة # PageV01P193 # فأما الخطأ فهو أن من أصلنا أن الحد لا يبطل بالصلح ويبطل المال والكفالة ~~بالنفس فيها روايتان إحداهما لا تبطل أيضا والأخرى أنها تبطل وأما المناقضة ~~فهي اتفاق الجميع على جواز أخذ المال على الطلاق ولا خلاف أن الطلاق في ~~الأصل ليس بمال وأنه ليس للزوج أن يلزمها مالا عن طلاق بغير رضاها وعلى أن ~~الشافعي قد قال فيما حكاه المزني عنه إن عفو المحجور عليه عن الدم جائز ~~وليس لأصحاب الوصايا والدين منعه من ذلك لأن المال لا يملك في العمد إلا ~~باختيار المجني عليه فلو كان الدم مالا في الأصل لثبت فيه حق الغرماء ~~وأصحاب الوصايا وهذا يدل على أن موجب العمد عنده هو القود لا غير وأنه لم ~~يوجب له خيارا بين القتل وبين الدية فإن قال قائل قوله تعالى [ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا] يوجب لوليه الخيار بين أخذ القود والمال ~~إذا كان اسم السلطان ms0246 يقع عليهما والدليل عليه أن بعض المقتولين ظلما تجب ~~فيه الدية نحو قتيل شبه العمد والأب إذا قتل ابنه وبعضهم يجب فيه القود ~~وذلك يقتضي أن يكون جميع ذلك مرادا بالآية لاحتمال اللفظ لهما وقد تأوله ~~الضحاك بن مزاحم على ذلك فقال في معنى قوله [فقد جعلنا لوليه سلطانا] إنه ~~إن شاء قتل وإن شاء عفا وإن شاء أخذ الدية فلما احتمل السلطان ما وصفنا وجب ~~إثبات سلطانه في أخذ المال كهو في أخذ القود لوقوع الاسم عليهما ولأنه قد ~~ثبت باتفاق الجميع أن كل واحد منهما مراد الله تعالى في حال وحينئذ يكون ~~تقدير الآية ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا في القود والدية ولما ~~حصل الاتفاق على أنهما لا يجبان مجتمعين وجب أن يكون وجوبهما على وجه ~~التخيير وكما احتججتم في إيجاب القود بقوله [فقد جعلنا لوليه سلطانا] ~~لاتفاق الجميع على أن القود مراد وصار كالمنصوص عليه فيه وجعلتموه كعموم ~~لفظ القود فيلزمكم مثله في إثبات المال لوجودنا مقتولين ظلما يكون سلطان ~~الولي هو المال قيل له حمله على القود أولى من حمله على الدية وذلك لأنه ~~لما كان السلطان لفظا مشتركا محتملا للمعاني كان متشابها يجب رده إلى ~~المحكم وحمله على معناه وهي آية محكمة في إيجاب القصاص وهو قوله [كتب عليكم ~~القصاص في القتلى] فوجب أن يكون من حيث ثبت أن القود مراد بالسلطان المذكور ~~في هذه الآية أن يكون معطوفا على ما في الآية المحكمة من ذكر إيجاب # القصاص وليس معك آية محكمة في إيجاب المال على قاتل العمد فيكون معنى ~~المتشابه محمولا عليه فلذلك وجب الاقتصار # PageV01P194 # بمعنى الاسم على القود دون المال وغيره لموافقته لمعنى المحكم الذي لا ~~اشتراك فيه ومن حمله على تخييره في أخذ الدية أو القود فلم يلجأ إلى أصل له ~~من المحكم يحمله عليه فلذلك لم يصح إثبات التخيير مع احتمال اللفظ له وفي ~~فحوى الآية ما يدل على أن المراد القود دون ما سواه لأنه قال [ومن قتل ms0247 ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا] يعني ~~والله أعلم السرف في القصاص بأن يقتل غير قاتله أو أن يمثل بالقاتل فيقتله ~~على غير الوجه المستحق من القتل وفي ذلك دليل على أن المراد بقوله سلطانا ~~القود وأيضا لما ثبت أن القود مراد بالآية انتفت إرادة المال لأنه لو كان ~~مرادا مع القود لكان الواجب هما جميعا في حالة واحدة لا على وجه التخيير إذ ~~ليس في الآية ذكر التخيير فلما امتنع إرادتهما جميعا وكان القود لا محالة ~~مرادا علمنا أنه لم يرد المال وأن إيجابنا للدية في بعض المقتولين ظلما ليس ~~عن هذه الآية والله تعالى أعلم. ### | باب العاقلة هل تعقل العمد # قال الله تعالى [فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان] وقد قدمنا تأويل من تأوله على عفو بعض الأولياء عن نصيبه من الدم ~~ووجوب الأرش للباقين واحتمال اللفظ لذلك وفيه دلالة على أن الواجب على ~~القاتل الذي لم يعف في ماله وكذلك كل عمد فيه القود فهو على الجاني في ماله ~~كالأب إذا قتل ابنه وكالجراحة فيما دون النفس ولا يستطاع فيها القصاص نحو ~~قطع اليد من نصف الساعد والمنقلة والجائفة فالعامد والمخطئ إذا قتلا أن على ~~العامد نصف الدية في ماله والمخطئ على عاقلته وهو قول أصحابنا وعثمان البتي ~~والثوري والشافعي وقال ابن وهب وابن القاسم عن مالك هي على العاقلة وهو آخر ~~قول مالك قال ابن القاسم ولو قطع يمين رجل ولا يمين له كانت دية اليد في ~~ماله ولا تحملها العاقلة وقال الأوزاعي هو في مال الجاني فإن لم يبلغ ذلك ~~ماله حمل على عاقلته وكذلك إذا قتلت المرأة زوجها متعمدة ولها منه أولاد ~~فديته في مالها خاصة فإن لم يبلغ ذلك مالها حمل على عاقلتها قال أبو بكر ~~دلالة الآية ظاهرة على أن الصلح عن دم العمد وسقوط القود بعفو بعض الأولياء ~~يوجب الدية في مال الجاني لأنه تعالى قال [فمن عفي له من ms0248 أخيه شيء] وهو ~~يعني القاتل إذا كان المعنى عفو بعض الأولياء ثم قال [فاتباع بالمعروف] ~~يعني اتباع الولي للقاتل ثم قال [وأداء إليه بإحسان] يعني أداء القاتل # PageV01P195 # فاقتضى ذلك وجوبه في مال القاتل وكذلك تأويل من تأوله على التراضي عن ~~الصلح على مال ففيه وجوب الأداء على القاتل دون غيره إذ ليس للعاقلة ذكر في ~~الآية وإنما فيها ذكر الولي والقاتل وروى ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ~~ولا صلحا ولا اعترافا وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن الفضل الخطيب ~~قال حدثنا إسماعيل بن موسى قال حدثنا شريك عن جابر ابن عامر قال اصطلح ~~المسلمون على أن لا يعقلوا عبدا ولا عمدا ولا صلحا ولا اعترافا وروى عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة قتادة بن عبد الله المدلجي الذي قتل ابنه أن ~~عمر جعل عليه مائة من الإبل وأعطاها إخوته ولم يورثه منها شيئا فجعل ذلك في ~~ماله لما كان عمدا ولما ثبت ذلك في النفس ولم يخالف عمر فيه غيره من ~~الصحابة كان كذلك حكم ما دونها إذا سقط القصاص وروى هشام بن عروة عن أبيه ~~قال ليس على العاقلة عقل في عمد وإنما عليهم الخطأ وقال عروة أيضا ما كان ~~من صلح فلا تعقله العشيرة إلا أن تشاء وقال قتادة كل شيء لا يقاد منه فهو ~~في مال الجاني وقال أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم لا تعقل العاقلة صلحا ولا ~~عمدا ولا اعترافا # وقوله تعالى [ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب] فيه إخبار من الله ~~تعالى في إيجاب القصاص حياة للناس وسببا لبقائهم لأن من قصد قتل إنسان رده ~~عن ذلك علمه بأنه يقتل به ودل على وجوب القصاص عموما بين الحر والعبد ~~والرجل والمرأة والمسلم والذمي إذ كان الله تعالى مريد التبقية الجميع ~~فالعلة الموجبة للقصاص بين الحرين المسلمين موجودة في هؤلاء فوجب استواء ms0249 ~~الحكم في جميعهم وتخصيصه لأولي الألباب بالمخاطبة غير ناف مساواة غيرهم لهم ~~في الحكم إذ كان المعنى الذي حكم من أجله في ذوي الألباب موجودا في غيرهم ~~وإنما وجه تخصيصه لهم أن ذوي الألباب هم الذين ينتفعون بما يخاطبون به ~~وينتهون إلى ما يؤمرون به ويزدجرون عما يزجرون عنه وهكذا كقوله تعالى [إنما ~~أنت منذر من يخشاها] وهو منذر لجميع المكلفين ألا ترى إلى قوله تعالى [إن ~~هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد] ونحو قوله [هدى للمتقين] وهو هدى ~~للجميع وخص المتقين لانتفاعهم به ألا ترى إلى قوله في آية أخرى [شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس] فعم الجميع به وكقوله [قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا] # لأن التقي هو الذي يعيذ من استعاذ بالله وقد ذكر عن # PageV01P196 # بعض الحكماء أنه قال قتل البعض إحياء الجميع وعن غيره القتل أقل للقتل ~~وأكثروا القتل ليقل القتل وهو كلام سائر على ألسنة العقلاء وأهل المعرفة ~~وإنما قصدوا المعنى الذي في قوله تعالى [ولكم في القصاص حياة] ثم إذا مثلت ~~بينه وبينه وجدت بينهما تفاوتا بعيدا من جهة البلاغة وصحة المعنى وذلك يظهر ~~عند التأمل من وجوه أحدها أن قوله تعالى [في القصاص حياة] هو نظير قولهم ~~قتل البعض إحياء للجميع والقتل أقل للقتل وهو مع قلة عدد حروفه ونقصانها ~~عما حكي عن الحكماء قد أفاد من المعنى الذي يحتاج إليه ولا يستغني عنه ~~الكلام ما ليس في قولهم لأنه ذكر القتل على وجه العدل لذكره القصاص وانتظم ~~مع ذلك الغرض الذي إليه أجري بإيجابه القصاص وهو الحياة وقولهم القتل أقل ~~للقتل وقتل البعض إحياء الجميع والقتل أنفى للقتل إن حمل على حقيقته لم يصح ~~معناه لأنه ليس كل قتل هذه صفته بل ما كان منه على وجه الظلم والفساد فليست ~~هذه منزلته ولا حكمه فحقيقة هذا الكلام غير مستعملة ومجازه يحتاج إلى قرينة ~~وبيان في أن أي قتل هو إحياء للجميع فهذا كلام ناقص البيان مختل ms0250 المعنى غير ~~مكتف بنفسه في إفادة حكمه وما ذكره الله تعالى من قوله [ولكم في القصاص ~~حياة] مكتف بنفسه مفيد لحكمه على حقيقته من مقتضى لفظه مع قلة حروفه ألا ~~ترى أن قوله تعالى [في القصاص حياة] أقل حروفا من قولهم قتل البعض إحياء ~~للجميع والقتل أقل للقتل وأنفى للقتل ومن جهة أخرى يظهر فضل بيان قوله [في ~~القصاص حياة] على قولهم القتل أقل للقتل وأنفى للقتل أن في قولهم تكرار ~~اللفظ وتكرار المعنى بلفظ غيره أحسن في حد البلاغة أنه يصح تكرار المعنى ~~الواحد بلفظين مختلفين في خطاب واحد ولا يصلح مثله بلفظ واحد نحو قوله ~~تعالى [وغرابيب سود] ونحو قول الشاعر: وألفى قولها كذبا ومينا كرر المعنى ~~الواحد بلفظين وكان ذلك سائغا ولا يصح مثله في تكرار اللفظ وكذلك قوله ~~[ولكم في القصاص حياة] لا تكرار فيه مع إفادته للقاتل إذ كان ذكر القصاص ~~يفيد ذلك ألا ترى أنه لا يكون قصاصا إلا وقد تقدمه قتل من المقتص منه وفي ~~قولهم ذكر للقتل وتكرار له في اللفظ وذلك نقصان في البلاغة فهذا وأشباهه ~~مما يظهر به للمتأمل إبانة القرآن في جهة البلاغة والإعجاز من كلام البشر ~~إذ ليس يوجد في كلام الفصحاء من جمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة ~~مثل ما يوجد في كلام الله تعالى. # PageV01P197 ### | باب كيفية القصاص # قال الله تعالى [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى] وقال ~~في آية أخرى [والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم] وقال [وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به] فأوجب بهذه الآي ~~استيفاء المثل ولم يجعل لأحد ممن أوجب عليه أو على وليه أن يفعل بالجاني ~~أكثر مما فعل واختلف الفقهاء في كيفية القصاص فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر على أي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف وقال ابن القاسم عن مالك إن ~~قتله بعصا أو بحجر أو بالنار أو بالتغريق قتله بمثله فإن لم يمت بمثله فلا ~~يزال يكرر عليه ms0251 من جنس ما قتله به حتى يموت وإن زاد على فعل القاتل الأول ~~وقال ابن شبرمة نضربه مثل ضربه ولا نضربه أكثر من ذلك وقد كانوا يكرهون ~~المثلة ويقولون السيف يجزي عن ذلك كله فإن غمسه في الماء فإني لا أزال ~~أغمسه فيه حتى يموت وقال الشافعي إن ضربه بحجر فلم يقلع عنه حتى مات فعل به ~~مثل ذلك وإن حبسه بلا طعام ولا شراب حتى مات حبس فإن لم يمت في مثل تلك ~~المدة قتل بالسيف قال أبو بكر لما كان في مفهوم قوله [كتب عليكم القصاص في ~~القتلى] وقوله [الجروح قصاص] استيفاء المثل من غير زيادة عليه كان محظورا ~~على الولي استيفاء زيادة على فعل الجاني ومتى استوفى على مذهب من ذكرنا في ~~التحريق والتغريق والرضخ بالحجارة والحبس أدى ذلك إلى أن يفعل به أكثر مما ~~فعل لأنه إذا لم يمت بمثل ذلك الفعل قتله بالسيف أو زاد على جنس فعله وذلك ~~هو الاعتداء الذي زجر الله عنه بقوله [فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم] ~~لأن الاعتداء مجاوزة القصاص والقصاص أن يفعل به مثل فعله سواء إن أمكن وإن ~~تعذر فأن يقتله بأوحى وجوه القتل فيكون مقتصا من جهة إتلاف نفسه غير متعد ~~ما جعل له وقول مالك بتكرار مثل ذلك الفعل عليه حتى يموت زائد على فعل ~~القاتل خارج عن معنى القصاص وقول الشافعي إنه يفعل به مثل ما فعل ثم يقتله ~~مخالف لحكم الآية لأن القصاص إن كان من جهة أن يفعل به مثل ما فعل فقد ~~استوفى فقتله بعد ذلك تعد ومجاوزة لحد القصاص وقال تعالى [ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم نفسه] وإن كان معنى القصاص هو إتلاف نفس بنفس من غير مجاوزة ~~لمقدار الفعل فهو الذي نقوله فلا ينفك موجب القصاص على الوجه الذي ذهب إليه ~~مخالفونا من مخالفة الآية لمجاوزة # PageV01P198 # حد القصاص لأن فاعل ذلك داخل في حد الاعتداء الذي أوعد الله عليه وكذلك ~~قوله [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ms0252 ما اعتدى عليكم] وقوله [وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به] يمنع أن يجرح أكثر من جراحته أو يفعل به ~~أكثر مما فعل ويدل على أن المراد به مثل ما فعل لا زائدا عليه اتفاق الجميع ~~على أن من قطع يد رجل من نصف الساعد أنه لا يقتص منه لعدم التيقن بالاقتصار ~~على مقدار حقه وإن كان قد يغلب في الظن إذا اجتهد أنه قد وضع السكين في ~~موضعه من المجني عليه ولم يكن للاجتهاد في ذلك حظ فكيف يجوز القصاص على وجه ~~نعلم يقينا أنه مستوف لأكثر من حقه وجان عليه بأكثر من جنايته وأيضا لا ~~خلاف أنه يجوز للولي أن يقتله ولا يحرقه ولا يغرقه وهذا يدل على أن ذلك ~~مراد بالآية وإذا كان القتل بالسيف مرادا ثبت أن القصاص هو إتلاف نفسه ~~بأيسر وجوه القتل وإذا ثبت أن ذلك مراد انتفت إرادة التحريق والتغريق ~~والرضخ وما جرى مجرى ذلك لأن وجوب الاقتصار على قتله بالسيف ينفي وقوع غيره ~~فإن قيل اسم المثل في القصاص يقع على قتله بالسيف وعلى أن يفعل به مثل فعله ~~وله إن لم يمت أن يقتله بالسيف وله أن يقتصر بديا على قتله بالسيف فيكون ~~تاركا لبعض حقه وله ذلك قيل له غير جائز أن يكون الرضخ والتحريق مستحقا مع ~~قتله بالسيف لأن ذلك ينافي القصاص وفعل المثل ومن حيث أوجب الله تعالى ~~القصاص لا غير فغير جائز حمله على معنى ينافي مضمون اللفظ وحكمه وعلى أن ~~الرضخ بالحجارة والتحريق والتغريق والرمي لا يمكن استيفاء القصاص به لأن ~~القصاص إذا كان هو استيفاء المثل # فليس للرضخ حد معلوم حتى يعلم أنه في مقادير أجزاء رضخ القاتل للمقتول ~~وكذلك الرمي والتحريق لم يجز أن يكون ذلك مرادا بذكر القصاص فوجب أن يكون ~~المراد إتلاف نفسه بأوحى الوجوه ويدل على هذا ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفي القصاص في المنقلة والجائفة ~~لتعذر استيفائه على مقادير أجزاء الجناية # فكذلك القصاص بالرمي والرضخ ms0253 غير ممكن استيفاؤه في معنى الإيلام وإتلاف ~~الأجزاء التي أتلفها فإن قيل لما كان المثل ينتظم معنيين وكذلك القصاص ~~أحدهما إتلاف نفسه كما أتلف فيكون القصاص والمثل في هذا الوجه إتلاف نفس ~~بنفس والآخر أن يفعل به مثل ما فعل استعملنا حكم اللفظ في الأمرين لأن ~~عمومه يقتضيهما فقلنا نفعل به مثل ما فعل فإن مات وإلا استوفى المثل من جهة # PageV01P199 # إتلاف النفس قيل له لا يجوز أن يكون المراد بالمثل والقصاص جميع الأمرين ~~بأن يفعل به مثل ما فعل بالمقتول ثم يقتل وإن كان يجوز أن يكون المراد كل ~~واحد من المعنيين على الانفراد غير مجموع إلى الآخر لأن الاسم يتناوله وهو ~~غير مناف لحكم الآية وأما إذا جمعهما فغير جائز أن يكون مرادا على وجه ~~الجمع لأنه يخرج عن حد القصاص والمثل بل يكون زائدا عليه وغير جائز تأويل ~~الآية على معنى يضادها وينفي حكمها فلذلك امتنع إرادة القتل بالسيف بعد ~~الرضخ والتغريق والحبس والإجاعة # وقد روى سفيان الثوري عن جابر عن أبي عازب عن النعمان بن بشير قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قود إلا بالسيف # وهذا الخبر قد حوى معنيين أحدهما بيان مراد الآية في ذكر القصاص والمثل ~~والآخر أنه ابتداء عموم يحتج به في نفي القود بغيره ويدل عليه أيضا ما # روى يحيى بن أبي أنيسة عن الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا يستقاد من الجراح حتى تبرأ # وهذا ينفي قول المخالف لنا وذلك لأنه لو كان الواجب أن يفعل بالجاني كما ~~فعل لم يكن لاستثنائه وجه فلما ثبت الاستثناء دل على أن حكم الجراحة معتبر ~~بما يئول إليه حالها فإن قيل يحيى بن أبي أنيسة لا يحتج بحديثه قيل له هذا ~~قول جهال لا يلتفت إلى جرحهم ولا تعديلهم وليس ذلك طريقة الفقهاء في قبول ~~الأخبار وعلى أن علي بن المديني قد ذكر عن يحيى بن سعيد أنه قال يحيى بن ~~أبي أنيسة أحب إلي في ms0254 حديث الزهري من حديث محمد بن إسحاق ويدل عليه أيضا ما # روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم ~~فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح # فأوجب عموم لفظه أن من له قتل غيره أن يقتله بأحسن وجوه القتل وأوحاها ~~وأيسرها وذلك ينفي تعذيبه والمثلة به ويدل عليه ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يتخذ شيء من الحيوان غرضا # فمنع بذلك أن يقتل القاتل رميا بالسهام وحكي أن القسم بن معن حضر مع شريك ~~بن عبد الله عند بعض السلاطين فقال ما تقول فيمن رمى رجلا بسهم فقتله قال ~~يرمى فيقتل قال فإن لم يمت بالرمية الأولى قال يرمى ثانيا قال أفتتخذه غرضا # وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ شيء من الحيوان غرضا # قال شريك لم يموق فقال القسم يا أبا عبد الله هذا ميدان إن سابقناك فيه ~~سبقتنا يعني البذاء وقام ويدل عليه أيضا ما # روى عمران بن حصين وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقال ~~سمرة بن جندب # PageV01P200 # ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا أمرنا فيها بالصدقة ~~ونهانا عن المثلة # وهذا خبر ثابت قد تلقاه الفقهاء بالقبول واستعملوه وذلك يمنع المثلة ~~بالقاتل وقول مخالفينا فيه المثلة به وهو يثني عن مراد الآية في إيجاب ~~القصاص واستيفاء المثل فوجب أن يكون القصاص مقصورا على وجه لا يوجب المثلة ~~ويستعمل الآية على وجه لا يخالف معنى الخبر وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثل بالعرنيين فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ~~ماتوا ثم نسخ سمل الأعين بنهيه عن المثلة فوجب على هذا أن يكون معنى آية ~~القصاص محمولا على ما لا مثلة فيه واحتج مخالفونا في ذلك # بحديث همام عن قتادة عن أنس أن يهوديا رضخ رأس صبي ms0255 بين حجرين فأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يرضخ رأسه بين حجرين # وهذا الحديث لو ثبت كان منسوخا بنسخ المثلة وذلك لأن النهي عن المثلة ~~مستعمل عند الجميع والقود على هذا الوجه مختلف فيه ومتى ورد عنه صلى الله ~~عليه وسلم خبران واتفق الناس على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر ~~كان المتفق عليه منهما قاضيا على المختلف فيه خاصا كان أو عاما ومع ذلك ~~فجائز أن يكون قتل اليهودي على وجه الحد كما # روى شعبة عن هشام بن زيد عن أنس قال عدا يهودي على جارية فأخذ أوضاحا ~~كانت عليها ورضخ رأسها فأتى بها أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في ~~آخر رمق فقال صلى الله عليه وسلم من قتلك فلان فأشارت برأسها أي لا ثم قال ~~فلان يعني اليهودي قالت نعم فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضخ ~~رأسه بين حجرين # فجائز أن يكون قتله حدا لما أخذ المال وقتل وقد كان ذلك جائز على وجه ~~المثلة كما سمل العرنيين ثم نسخ بالنهي عن المثلة # وقد روى ابن جريج عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس أن رجلا من اليهود ~~رضخ رأس جارية على حلي لها فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجم حتى ~~قتل # فذكر في هذا الحديث الرجم وليس ذلك بقصاص عند الجميع وجائز أن يكون ~~اليهودي نقض العهد ولحق بدار الحرب لقرب محال اليهود كانت حينئذ من المدينة ~~فأخذ بعد ذلك فقتله على أنه حربي ناقض للعهد متهم بقتل صبي لأنه غير جائز ~~أن يكون قتله بإيماء الصبية وإشارتها أنه قتلها لأن ذلك لا يوجب قتل المدعى ~~عليه القتل عند الجميع فلا محالة قد كان هناك سبب آخر استحق به القتل لم ~~ينقله الراوي على جهته ويدل على صحة ما ذكرنا من أن المراد بالقصاص إتلاف ~~نفسه بأيسر الوجوه وهو السيف اتفاق الجميع على أنه لو أوجره خمرا حتى مات ~~لم يجز أن يوجره خمرا وقتل ms0256 بالسيف فإن قيل لأن شرب # PageV01P201 # الخمر معصية قيل له كذلك المثلة معصية والله أعلم. ### | باب القول في وجوب الوصية # قال الله تعالى [كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين] قال أبو بكر لم يختلف السلف ~~ممن روي عنه أن قوله [خيرا] أراد به مالا واختلفوا في المقدار المراد ~~بالمال الذي أوجب الله الوصية فيه حين كانت الوصية فرضا لأن قوله [كتب ~~عليكم] معناه فرض عليكم كقوله تعالى [كتب عليكم الصيام- وقوله- إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا] يعني فرضا موقتا # وروي عن علي كرم الله وجهه أنه دخل على مولى له في مرضه وله سبعمائة درهم ~~أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي قال لا إنما قال الله تعالى [إن ترك خيرا] ~~وليس لك كثير مال # وروي عن علي أنه قال أربعة آلاف درهم وما دونها نفقة # وقال ابن عباس لا وصية في ثمان مائة درهم وقالت عائشة رضي الله عنها في ~~امرأة أرادت الوصية فمنعها أهلها وقالوا لها ولد وما لها يسير فقالت كم ~~ولدها قالوا أربعة قالت فكم مالها قالوا ثلاثة آلاف فكأنها عذرتهم وقالت ما ~~في هذا المال فضل وقال إبراهيم ألف درهم إلى خمس مائة درهم وروى همام عن ~~قتادة إن ترك خيرا قال كان يقال خير المال ألف درهم فصاعدا وقال الزهري هي ~~في كل ما وقع عليه اسم المال من قليل أو كثير وكل هؤلاء القائلين فإنما ~~تأولوا تقدير المال على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب للمقادير ~~المذكورة وكان ذلك منهم على طريق الاجتهاد فيما تلحقه هذه الصفة من المال ~~ومعلوم في العادة أن من ترك درهما لا يقال ترك خيرا فلما كانت هذه التسمية ~~موقوفة على العادة وكان طريق التقدير فيها على الاجتهاد وغالب الرأي مع ~~العلم بأن القدر اليسير لا تلحقه هذه التسمية وأن الكثير تلحقه فكان طريق ~~الفصل فيها الاجتهاد وغالب الرأي مع ما كانوا عرفوا من سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms0257 وقوله الثلث والثلث كثير وأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ~~عالة يتكففون الناس واختلف الناس في الوصية المذكورة في هذه الآية هل كانت ~~واجبة أم لا فقال قائلون إنها لم تكن واجبة وإنما كانت ندبا وإرشادا وقال ~~آخرون قد كانت فرضا ثم نسخت على الاختلاف منهم في المنسوخ منها واحتج من ~~قال إنها لم تكن واجبة بأن في سياق الآية وفحواها دلالة على نفي وجوبها وهو ~~قوله [الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف] فلما # PageV01P202 # قيل فيها بالمعروف وإنها على المتقين دل على أنها غير واجبة من ثلاثة ~~أوجه أحدهما قوله [بالمعروف] لا يقتضي الإيجاب والآخر قوله [على المتقين] ~~وليس يحكم على كل أحد أن يكون من المتقين الثالث تخصيصه للمتقين بها ~~والواجبات لا يختلف فيها المتقون وغيرهم قال أبو بكر ولا دلالة فيما ذكره ~~هذا القائل على نفي وجوبها لأن إيجابها بالمعروف لا ينفي وجوبها لأن ~~المعروف معناه العدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير كقوله تعالى [وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف] ولا خلاف في وجوب هذا الرزق والكسوة وقوله ~~تعالى [وعاشروهن بالمعروف] بل المعروف هو الواجب قال الله تعالى [وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر- وقال- يأمرون بالمعروف] فذكر المعروف فيما أوجب ~~الله تعالى من الوصية لا ينفي وجوبها بل هو يؤكد وجوبها إذ كان جميع أوامر ~~الله معروفا غير منكر ومعلوم أيضا أن ضد المعروف هو المنكر وأن ما ليس ~~بالمعروف هو منكر والمنكر مذموم مزجور عنه فإذا المعروف واجب وأما قوله ~~[حقا على المتقين] ففيه تأكيد لإيجابها لأن على الناس أن يكونوا متقين قال ~~الله تعالى [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله] ولا خلاف بين المسلمين أن ~~تقوى الله فرض فلما جعل تنفيذ هذه الوصية من شرائط التقوى فقد أبان عن ~~إيجابها وأما تخصيصه المتقين بالذكر فلا دلالة فيه على نفي وجوبها وذلك لأن ~~أقل ما فيه اقتضاء الآية وجوبها على المتقين وليس فيه نفيها عن غير المتقين ~~كما أنه ليس في قوله [هدى للمتقين] نفي أن يكون هدى ms0258 لغيرهم وإذا وجبت على ~~المتقين بمقتضى الآية وجبت على غيرهم وفائدة تخصيصه المتقين بالذكر أن فعل ~~ذلك من تقوى الله وعلى الناس أن يكونوا كلهم متقين فإذا عليهم فعل ذلك ~~ودلالة الآية ظاهرة في إيجابها وتأكيد فرضها لأن قوله [كتب عليكم] معناه ~~فرض عليكم على ما بينا فيما سلف ثم أكده بقوله [بالمعروف حقا على المتقين] ~~ولا شيء في ألفاظ الوجوب آكد من قول القائل هذا حق عليك وتخصيصه المتقين ~~بالذكر على وجه التأكيد كما بيناه آنفا مع اتفاق أهل التفسير من السلف أنها ~~كانت واجبة بهذه الآية وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ~~أنها كانت واجبة وهو ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا سليمان بن الفضل بن جبريل قال حدثنا ~~عبد الله بن أيوب قال حدثنا عبد الوهاب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (لا يحل لمؤمن يبيت ثلاثا إلا ووصيته عنده) # وحدثنا عبد # PageV01P203 # الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال ~~حدثنا أيوب قال سمعت نافعا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه ليلتان إلا ووصيته عنده ~~مكتوبة) # وقد رواه هشام بن الغازي عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال (ما ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة) # وهذا يدل على أن الوصية قد كانت واجبة ثم اختلف القائلون بوجوبها بديا ~~فقالت منهم طائفة جميع ما في هذه الآية من إيجاب الوصية منسوخ منهم ابن ~~عباس حدثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن أحمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل ~~جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية ~~[إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين] قال نسختها هذه الآية ms0259 [للرجال ~~نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا] وروى ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس في ~~قوله تعالى [إن ترك خيرا] قال نسخ من ذلك من يرث ولم ينسخ من لا يرث ~~فاختلفت الرواية عن ابن عباس في ذلك في أحديهما أن الجميع منسوخ وفي الأخرى ~~أنه منسوخ ممن يرث من الأقربين دون من لا يرث وحدثنا أبو محمد جعفر بن محمد ~~قال حدثنا أبو الفضل المؤدب قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو مهدي عن عبد ~~الله ابن المبارك عن عمارة أبي عبد الرحمن قال سمعت عكرمة يقول في هذه ~~الآية [إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين] نسختها الفرائض وقال ابن ~~جريج عن مجاهد كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين فهي منسوخة ~~وقالت طائفة أخرى قد كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت عمن يرث ~~وجعلت للوالدين والأقربين الذين لا يرثون رواه يونس وأشعث عن الحسن وروي عن ~~الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى في الرجل يوصي لغير ذي القرابة وله ~~ذو قرابة ممن لا يرثه أن ثلثي الثلث لذي القرابة وثلث الثلث لمن أوصى له ~~وقال طاوس يرد كله إلى ذوي القرابة وقال الضحاك لا وصية إلا لذي قرابة إلا ~~أن لا يكون له ذو قرابة وقالت طائفة أخرى قد كانت الوصية في الجملة واجبة ~~لذي القرابة ولم يكن على الموصي أن يوصي بها لجميعهم بل كان له الاقتصار ~~على الأقربين منهم فلم تكن واجبة للأبعدين ثم نسخت الوصية للأقربين فبقي ~~الأبعدون # PageV01P204 # على ما كانوا عليه من جواز الوصية لهم أو تركها ثم اختلف القائلون بنسخها ~~فيما نسخت به وقد روينا عن ابن عباس وعكرمة أن آية المواريث نسختها وذكر ~~ابن عباس قوله تعالى [للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون] وقال آخرون ~~نسخها ما # ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا وصية لوارث) رواه شهر بن حوشب ~~عن عبد الرحمن بن عثمان عن ms0260 عمرو بن خارجة عنه صلى الله عليه وسلم قال (لا ~~وصية لوارث) # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا ~~يجوز لوارث وصية) # وإسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع (ألا إن الله قد ~~أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) # وحجاج بن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (لا يجوز لوارث وصية إلا أن يجيزها الورثة) # وروي ذلك عن جماعة من الصحابة رواه حجاج عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ~~قال لا وصية لوارث # وعبد الله بن بدر عن ابن عمر قال لا يجوز لوارث وصية وهذا الخبر المأثور ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم # في ذلك ووروده من الجهات التي وصفنا هو عندنا في حيز التواتر لاستفاضته ~~وشهرته في الأمة وتلقي الفقهاء إياه بالقبول واستعمالهم له وجائز عندنا نسخ ~~القرآن بمثله إذ كان في حيز ما يوجب العلم والعمل من الآيات فأما إيجاب ~~الله تعالى الميراث للورثة فغير موجب نسخ الوصية لجواز اجتماع الميراث ~~والوصية معا ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قد أجازها للوارث إذا أجازتها ~~الورثة فلم يكن يستحيل اجتماع الميراث والوصية لواحد لو لم يكن إلا آية ~~الميراث على أن الله إنما جعل الميراث بعد الوصية فما الذي كان يمنع أن ~~يعطى قسطه من الوصية ثم يعطى الميراث بعدها وقال الشافعي في كتاب الرسالة ~~يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية ويحتمل أن تكون ثابتة معها فلما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق مجاهد وهو منقطع أنه قال لا ~~وصية لوارث # استدللنا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك على أن المواريث ~~ناسخة للوصية للوالدين والأقربين مع الخبر المنقطع قال أبو بكر قد أعطى ~~القول باحتمال اجتماع الوصية والميراث فإذا ليس في ms0261 نزول آية الميراث ما ~~يوجب نسخ الوصية للوارث فلم تكن الوصية منسوخة بالميراث لجواز اجتماعهما ~~والخبر لم يثبت عنده لأنه ورد من طريق منقطع وهو لا يقبل المرسل ولو ورد من ~~جهة الاتصال والتواتر لما قضى به على حكم الآية إذ غير جائز عنده نسخ # PageV01P205 # القرآن بالسنة فواجب أن تكون الوصية للوالدين والأقربين ثابتة الحكم غير ~~منسوخة إذا لم يرد ما يوجب نسخها قال الشافعي # وحكم النبي صلى الله عليه وسلم في ستة مملوكين أعتقهم رجل لا مال له ~~غيرهم فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة ~~والذي أعتقهم رجل من العرب والعرب إنما تملك من لا قرابة بينه وبينه من ~~العجب فأجاز لهم النبي صلى الله عليه وسلم الوصية # فدل ذلك على أن الوصية لو كانت تبطل لغير قرابة بطلت للعبيد المعتقين ~~لأنهم ليسوا بقرابة للميت وبطلت وصية الوالدين قال أبو بكر هذا كلام ظاهر ~~الاختلال منتقض على أصله فأما اختلاله فقوله إن العرب إنما تملك من لا ~~قرابة بينه وبينه من العجم وهذا خطأ من قبل أنه جائز أن تكون أمه أعجمية ~~فيكون أقرباؤه من قبل أمه عجما فيكون العتق الذي أوقعه المريض وصية ~~لأقرباؤه ومن جهة أخرى أنه لو ثبت أن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين ~~والأقربين فإنما نسختها لمن كان منهم وارثا فأما من لا يرث منهم فليس في ~~إثبات الميراث لغيره ما يوجب نسخ وصيته وأما انتقاضه على أصله فإيجابه نسخ ~~الوصية للأقربين بخبر عمران بن حصين في عتق المريض لعبيده ومن أصله أن ~~السنة لا تنسخ القرآن وقد روي عن جماعة من الصدر الأول والتابعين تجويز ~~الوصية للأجانب وأنها تنفذ على ما أوصى بها وروي أن عمر أوصى لأمهات أولاده ~~لكل امرأة منهن بأربعة آلاف درهم وعن عائشة وإبراهيم وسعيد بن المسيب وسالم ~~بن عبد الله وعمرو بن دينار والزهري قالوا تنفذ وصيته حيث جعلها وقد حصل ~~الاتفاق من الفقهاء بعد عصر التابعين على جواز الوصايا للأجانب والأقارب ~~والذي ms0262 أوجب نسخ الوصية عندنا للوالدين والأقربين قوله تعالى في سياق آية ~~المواريث [من بعد وصية يوصي بها أو دين] فأجازها مطلقة ولم يقصرها على ~~الأقربين دون غيرهم وفي ذلك إيجاب نسخها للوالدين والأقربين لأن الوصية لهم ~~قد كانت فرضا وفي هذه إجازة تركها لهم والوصية لغيرهم وجعل ما بقي ميراثا ~~للورثة على سهام مواريثهم وليس يجوز ذلك إلا وقد نسخ تلك الوصية فإن قيل ~~يحتمل أن يريد بهذه الوصية المذكورة في آية المواريث وإيجاب المواريث بعدها ~~الوصية الواجبة للوالدين والأقربين فيكون حكمها ثابتا لمن لا يرث منهم قيل ~~له هذا غلط من قبل أنه أطلق الوصية في هذا الموضع بلفظ منكور يقتضي شيوعها ~~في الجنس إذ كان ذلك حكم النكرات والوصية المذكورة # PageV01P206 # للوالدين والأقربين لفظها لفظ المعرفة فغير جائز صرفها إليها إذ لو ~~أرادها لقال من بعد الوصية حتى يرجع الكلام إلى المعرف المعهود من الوصية ~~التي قد علمت كما قال تعالى [والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم] وقال في آية أخرى لما أراد الشهداء المذكورين [فإذ لم ~~يأتوا بالشهداء] فعرفهم بالألف واللام إذ كان المراد أولئك الشهداء فلما ~~أطلق الوصية في آية المواريث بلفظ منكور ثبت أنه لم يرد بها الوصية ~~المذكورة للوالدين والأقربين وأنها مطلقة جائزة لسائر الناس إلا ما خصته ~~السنة أو الإجماع من الوصية للوارث أو للقاتل ونحوهما وفي ثبوت ذلك نسخ ~~الوصية للوالدين والأقربين قال أبو بكر استدل محمد بن الحسن رحمه الله على ~~أن الوالدين ليسوا من الأقرباء بقوله تعالى [الوصية للوالدين والأقربين] ~~ولأنهم لا يدلون بغيرهم ورحمهم بأنفسهم وسائر الأرحام سواهما إنما يدلون ~~بغيرهم فالأقربون من يقرب إليه بغيره وقال إن ولد الصلب ليسوا من الأقربين ~~أيضا لأنه بنفسه يدلي برحمه لا بواسطة بينه وبين والده ولأنه إذا لم يكن ~~الوالدان من الأقربين والولد أقرب إلى والده من الوالد إلى ولده فهو أحرى ~~أن لا يكون من الأقربين ولذلك قال فيمن أوصى لأقرباء بني فلان إنه لا يدخل ~~فيها ولده ms0263 ولا والده ويدخل فيها ولد الولد والجد والإخوة ومن جرى مجراهم ~~لأن كلا منهم يدلي إليه بواسطة غير مدل بنفسه وفي معنى الأقرباء خلاف والله ~~أعلم. ### | باب الوصية للوارث إذا أجازتها الورثة # قال أبو بكر قد بينا نسخ الوصية للورثة بما قدمنا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا وصية لوارث إلا أن ~~يجيزها الورثة) # وفيه بيان أن الأخبار الواردة بأن لا وصية لوارث من غير ذكر إجازة الورثة ~~هي محمولة على أن الورثة لم يجيزوها ويدل أيضا على أن إجازة الورثة هي ~~محمولة على أن إجازتهم معتبرة بعد الموت لأنهم في حال حياته ليسوا بورثة ~~وإنما تحصل لهم هذه السمة بعد موت المورث فمتى أجاز وليس بوارث فإجازته ~~باطلة لعموم قوله لا وصية لوارث ودل على أن الورثة متى أجازت الوصية لم يكن ~~ذلك هبة مستأنفة من جهتهم فتحمل على أحكام الهبات في شرط القبض والتسليم ~~ونفي الشيوع فيما يقسم والرجوع فيها بل تكون محمولة على أحكام الوصايا ~~الجائزة دون الهبات من قبل مجيزيها من الورثة ودل أيضا على جواز العقود ~~الموقوفة التي لها مجيز لأن الميت عقد # PageV01P207 # الوصية على مال هو للوارث في حال وقوع الوصية وجعلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم موقوفة على إجازة الوارث فصار ذلك أصلا فيمن عقد عقد بيع أو عتق أو ~~هبة أو رهن أو إجارة على مال الغير أنه يقف على إجازة مالكه إذ كان عقدا له ~~مالك يملك ابتداءه وإيقاعه وقد دل أيضا على أنه إذا أوصى بأكثر من الثلث ~~كانت موقوفة على إجازة الورثة كما وقفها النبي صلى الله عليه وسلم على ~~إجازتهم إذا أوصى بها لوارث فهذه المعاني كلها في ضمن # قوله صلى الله عليه وسلم (لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة) # وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الورثة قبل الموت ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن ~~إذا أجازوه في حياته لم يجز ms0264 ذلك حتى يجيزوه بعد الموت وروي نحو ذلك عن عبد ~~الله بن مسعود وشريح وإبراهيم وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي ليس لهم أن ~~يرجعوا فيه بعد الموت وهي جائزة عليهم وقال ابن القاسم عن مالك إذا ~~استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت مثل الولد الذي قد بان عن أبيه والأخ وابن ~~العم الذين ليسوا في عياله فإنهم ليس لهم أن يرجعوا وأما امرأته وبناته ~~اللاتي لم يبن منه وكل من في عياله وإن كان قد احتلم فلهم أن يرجعوا وكذلك ~~العم وابن العم ومن خاف منهم إن لم يجز لحقه ضرر منه في قطع النفقة إن صح ~~فلهم أن يرجعوا وروى ابن وهب عن مالك في المريض يستأذن ورثته في الوصية ~~لبعض ورثته فأذنوا له فليس لهم أن يرجعوا في شيء من ذلك ولو كان استأذنهم ~~في الصحة فلهم أن يرجعوا إن شاءوا وإنما يجوز إذنهم في حال المرض لأنه يحجب ~~عن ماله بحقهم فيجوز ذلك عليهم وقول الليث في ذلك كقول مالك ولا خلاف بين ~~الفقهاء أنهم إذا أجازوه بعد الموت فليس لهم أن يرجعوا فيه وروي عن طاوس ~~وعطاء أنهم إذا أجازوه في الحياة جاز عليهم قال أبو بكر عموم # قوله صلى الله عليه وسلم (لا وصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة) # ينفي جواز الوصية في كل حال فلما خص ذلك بقوله إلا أن يجيزها الورثة وهم ~~إنما يكونون ورثة على الحقيقة بعد الموت لا قبله فالمخصوص من الجملة ~~إجازتهم بعد الموت وما عدا ذلك فهو محمول على عموم بقية الوصية والنظر يدل ~~على ذلك إذ ليسوا مالكين للمال في حال الحياة فلا تعمل إجازتهم فيه كما لا ~~تجوز هبتهم ولا بيعهم وإن حدث الموت بعده فالإجازة أبعد من ذلك ولما كان ~~الموصى له إنما تقع الوصية له بعد الموت فكذلك الإجازة حكمها أن يكون في ~~حال وقوع الوصية وأن # PageV01P208 # لا تعمل الإجازة قبل وقوعها وأيضا لما كان للميت إبطال الوصية في حال ~~الحياة مع كونه مالكا ms0265 فالورثة أحرى بجواز الرجوع عما أجازوه وإذا جاز لهم ~~الرجوع فقد علمت أن الإجازة لا تصح فإن قيل لما كان حق الورثة ثابتا في ~~ماله بالمرض ومن أجله منع ذلك في المرض عن التصرف فيه بأكثر من الثلث كما ~~منع بعد الموت وجب أن يكون حال المرض حال الموت في باب لزومهم حكم الإجازة ~~إذا أجازوا قيل له تصرف المريض جائز عندنا في جميع ماله بالهبة والصدقة ~~والعتق وسائر معاني التصرف ووجوهه وإنما نسخ منها بعد الموت ما زاد على ~~الثلث لثبوت حق الورثة بالموت وأما قبل ذلك فلا اعتبار بقول الوارث فيه ألا ~~ترى أن الوارث ليس له أن يفسخ عقوده قبل الموت وإنما ثبت له ذلك بعد الموت ~~عند ثبوت حقه في ماله فكذلك إجازته قبل موته كلا إجازة كما لا يعمل فسخه في ~~عقوده وأما ما فرق به مالك بين من يخشى ضررا من جهته في ترك الإجازة وبين ~~من لا يخشى ذلك منه فلا معنى له من قبل أن خشية الضرر من جهته لا تمنع صحة ~~عقوده وقوله إذ ليس يكسبه ذلك حكم المكره ألا ترى أنه لو باع منه شيئا طلبه ~~منه وقال خشيت أن تقطع عني نفقته وجرايته بترك إجابته لم يكن ذلك عذرا في ~~إبطال البيع وكذلك لو استوهبه المريض شيئا فوهبه له لم يكن ما يخافه بترك ~~إجابته مؤثرا في هبته فكان ذلك بمنزلة من يخشى من قبله ضررا فإذا لا اعتبار ~~لخوف الضرر في قطع النفقة والجراية في إيجاب العتق بين من هو في عياله أو ~~ليس في عياله والله الموفق بمنه وكرمه. ### | باب تبديل الوصية # قال الله سبحانه وتعالى [فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه] قيل إن الهاء التي في قوله [فمن بدله] عائدة على الوصية وجائز ~~فيها التذكير لأن الوصية والإيصاء واحد وأما الهاء في قوله [إثمه] فإنما هي ~~عائدة على التبديل المدلول عليه بقوله [فمن بدله] وقوله [فمن بدله بعد ما ~~سمعه] يحتمل أن ms0266 يريد به الشاهد على الوصية فيكون معناه زجره عن التبديل على ~~نحو قوله تعالى [ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها] ويحتمل أن يريد ~~الوصي لأنه هو المتولي لإمضائها والمالك لتنفيذها فمن أجل ذلك قد أمكنه ~~تغييرها ويبعد أن يكون ذلك عموما في سائر الناس إذ لا مدخل لهم في ذلك ولا ~~تصرف لهم فيه # PageV01P209 # وهو عندنا على المعنيين الأولين من الشاهد والوصي لاحتمال اللفظ لهما ~~والشاهد إذا احتيج إليه مأمور بأداء ما سمع على وجهه من غير تغيير ولا ~~تبديل والوصي مأمور بتنفيذها على حسب ما سمعه مما تجوز الوصية به وروي عن ~~عطاء ومجاهد قالا هي الوصية تصيب الولي الشاهد وقال الحسن هي الوصية من سمع ~~الوصية ثم بدلها بعد ما سمعها فإنما إثمها على من بدلها قال أبو بكر وجائز ~~أن يكون الحاكم مرادا بذلك لأن له فيه ولاية وتصرفا إذا رفع إليه فيكون ~~مأمورا بإمضائها إذا جازت في الحكم منهيا عن تبديلها وفيها الأمر بإمضائها ~~وتنفيذها على الحق والصدق وقوله [فمن بدله بعد ما سمعه] قد اقتضى جواز ~~تنفيذ الوصي ما سمعه من وصية الموصى كان عليها شهودا ولم تكن وهو أصل في كل ~~من سمع شيئا فجائز له إمضاؤه عند الإمكان على مقتضاه وموجبه من غير حكم ~~حاكم ولا شهادة شهود فقد دل على أن الميت متى أقر بدين لرجل بعينه عند ~~الوصي فجائز له أن يقضيه من غير علم وارث ولا حاكم ولا غيره لأن في تركه ~~ذلك بعد السماع تبديلا لوصية الموصي وقوله [فإنما إثمه على الذين يبدلونه] ~~قد حوى معاني أحدها أنه معلوم أن ذلك عطف على الوصية المفروضة كانت ~~للوالدين والأقربين وهي لا محالة مضمرة فيه لولا ذلك لم يستقم الكلام لأن ~~قوله [فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه] غير مستقل بنفسه ~~في إيجاب الفائدة لما انتظم من الكناية والضمير اللذين لا بدلهما من مظهر ~~مذكور وليس في الآية مظهر غير ما تقدم ذكره في أولها وإذا ms0267 كان كذلك فقد ~~أفادت الآية سقوط الفرض عن الموصي بنفس الوصية وأنه لا يلحقه بعد ذلك من ~~مأثم التبديل شيء بعد موته وفيه دلالة على بطلان قول من أجاز تعذيب الأطفال ~~بذنوب آبائهم وهو نظير قوله [ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى] وقد دلت الآية أيضا على أن من كان عليه دين فأوصى بقضائه أنه قد برىء ~~من تبعته في الآخرة وأن ترك الورثة قضاءه بعد موته لا يلحقه تبعة ولا إثم ~~وأن إثمه على من بدله دون من أوصى به وفيه الدلالة على أن من كان عليه زكاة ~~ماله فمات ولم يوص به أنه قد صار مفرطا مانعا مستحقا لحكم مانعي الزكاة ~~لأنها لو كانت قد تحولت في المال حسب تحول الديون لكان بمنزلة من أوصى بها ~~عند الموت فينجو من مأثمها ويكون حينئذ المبدل لها مستحقا لمأثمها وكذلك ~~حكى الله تعالى عن مانع الزكاة عند الموت سؤال الرجعة في قوله # PageV01P210 # [وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني ~~إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين] فأخبر بحصول التفريط وفوات الأداء إذ ~~لو كان الأداء باقيا على الوارث أو الوصي من ميراث الميت لكانوا هم ~~المستحقين للوم والتعنيف في تركه وكان الميت خارجا عن حكم التفريط فدل ذلك ~~على صحة ما وصفنا من امتناع وجوب أداء زكاته من ميراثه من غير وصية منه به ~~فإن قيل هل يفترق حكم الموصي عند الله في حال تنفيذ وصيته أو تبديلها وهل ~~يكون ما يستحقه من الثواب في الحالين سواء قيل له إن وصية الموصي قد تضمنت ~~شيئين أحدهما استحقاقه الثواب على الله بوصيته والآخر أن وصول ذلك إلى ~~الموصى له يستوجب منه الشكر لله والدعاء للموصي وذلك لا يكون ثوابا للموصي ~~ولكن الموصي يصل إليه من دعاء الموصى له وشكره لله تعالى جزاء له # لا للموصي فينتفع الموصي بذلك من وجهين إذا أنفذت الوصية ومتى لم تنفذ ~~كان نفعه مقصورا ms0268 على الثواب الذي استحقه بوصية دون غيرها فإن قيل فمن كان ~~عليه دين فلم يوص بقضائه وقضاه الورثة هل يبرأ الميت من تبعته قيل له ~~امتناعه من قضاء الدين قد تضمن شيئين أحدهما حق الله تعالى والآخر حق ~~الآدمي فإذا استوفى الآدمي حقه فقد برىء من تبعته وبقي من حق الآدمي ما ~~أدخل عليه من الظلم والضرر بتأخيره فإذا لم يتب منه كان مؤاخذا به في ~~الآخرة وبقي حق الله وهو الظلم الواقع منه في حياته لم تكن توبة منه فيه ~~فهو مؤاخذ به فيما بينه وبين الله تعالى ألا ترى أن من غصب من رجل مالا ~~وأصر على منعه كان مكتسبا بذلك المأثم من وجهين أحدهما حق الله بارتكاب ~~نهيه والآخر حق الآدمي بظلمه له وإضراره به فلو أن الآدمي أخذ حقه منه من ~~غير إرادة الغاصب لذلك لكان قد برىء من حقه وبقي حق الله يحتاج إلى التوبة ~~منه فإذا مات غير تائب كانت تبعته باقية عليه لاحقة به وقوله تعالى [فمن ~~بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه] إنما هو فيمن بدل ذلك إذا ~~وقع على وجه الصحة والجواز والعدل فأما إذا كانت الوصية جورا فالواجب ~~تبديلها وردها إلى العدل قال الله تعالى [غير مضار وصية من الله] فإنما ~~تنفذ الوصية إذا وقعت عادلة غير جائرة وقد بين الله تعالى ذلك في الآية ~~التي تليها. ### | باب الشاهد والوصي إذا علما الجور في الوصية # قال الله تعالى [فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه] ~~قال أبو # PageV01P211 # بكر حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى [فمن خاف من موص ~~جنفا أو إثما] قال هو الرجل يوصي فيجنف في وصيته فيردها الولي إلى العدل ~~والحق وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال الجنف الخطأ والإثم العمد ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وابن ms0269 طاوس عن أبيه فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~قال هو الموصي لابن ابنه يريد لبنيه وروى المعتمر بن سليمان عن أبيه عن ~~الحسن في الرجل يوصي للأباعد ويترك الأقارب قال يجعل وصيته ثلاثة أثلاث ~~للأقارب الثلثين وللأباعد الثلث وروي عن طاوس في الرجل يوصى للأباعد قال ~~ينزع منهم فيدفع للأقارب إلا أن يكون فيهم فقير قال أبو بكر الجنف الميل عن ~~الحق وقد حكينا عن الربيع بن أنس أنه قال الجنف الخطأ ويجوز أن يكون مراده ~~الميل عن الحق على وجه الخطإ والإثم ميله عنه على وجه العمد وهو تأويل ~~مستقيم وتأوله الحسن على الوصية للأجنبي وله أقرباء أن ذلك جنف وميل عن ~~الحق لأن الوصية كانت عنده للأقارب الذين لا يرثون وتأوله طاوس على معنيين ~~أحدهما الوصية للأباعد فترد إلى الأقارب والآخر أن يوصي لابن ابنته يريد ~~ابنته وقد نسخ وجوب الوصية للوالدين والأقربين فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~غير موجب أن يكون هذا الحكم مقصورا على الوصية المذكورة قبلها لأنه كلام ~~مستقل بنفسه يصح ابتداء الخطاب به غير مضمن بما قبله فهو عام في سائر ~~الوصايا إذا عدل بها عن جهة العدل إلى الجور منتظمة للوصية التي كانت واجبة ~~للوالدين والأقربين في حال بقاء وجوبها وشاملة لسائر الوصايا غيرها فمن خاف ~~من سائر الناس من موص ميلا عن الحق وعدولا إلى الجور فالواجب عليه إرشاده ~~إلى العدل والصلاح ولا يختص بذلك الشاهد والوصي والحاكم دون سائر الناس لأن ~~ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن قيل فما معنى قوله تعالى ~~[فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم] والخوف إنما يختص بما يمكن ~~وقوعه في المستقبل وأما الماضي فلا يكون فيه خوف قيل له يجوز أن يكون قد ~~ظهر له من أحوال الموصي ما يغلب معه على ظنه أنه يريد الجور وصرف الميراث ~~عن الوارث فعلى من خاف ذلك منه رده إلى العدل ويخوفه ذميم عاقبة الجور أو ~~يدخل بين الموصى ms0270 له وبين الورثة على وجه الصلاح وقد قيل إن معنى قوله [فمن ~~خاف] أنه علم أن # PageV01P212 # فيها جورا فيردها إلى العدل وإنما قال تعالى [فلا إثم عليه] ولم يقل ~~فعليه ردها إلى العدل والصلاح ولا ذكر له فيه استحقاق الثواب لأن أكثر ~~أحوال الداخلين بين الخصوم على وجه الإصلاح أن يسألوا كل واحد منهما ترك ~~بعض حقه فيسبق مع هذه الحال إلى ظن المصلح أن ذلك غير سائغ له ولأنه إنما ~~يعمل في كثير منه على غالب ظنه دون الحقيقة فرخص الله تعالى في الإصلاح ~~بينهم وأزال ظن الظان لامتناع جواز ذلك فلذلك قال [فلا إثم عليه] في هذا ~~الموضع وقد وعد بالثواب على مثله في غيره فقال تعالى [لا خير في كثير من ~~نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء ~~مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما] وروي في تغليظ الجنف في الوصية ما حدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن الحسن قال حدثنا عبد الصمد بن حسان ~~قال حدثنا سفيان الثوري عن عكرمة عن ابن عباس قال الإضرار في الوصية من ~~الكبائر ثم قرأ [تلك حدود الله فلا تعتدوها] # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قالا حدثنا ~~عبد الله بن يوسف قال حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإضرار في الوصية من ~~الكبائر) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا طاهر بن عبد الرحمن بن إسحاق القاضي حدثنا ~~يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أشعث عن شهر بن حوشب ~~عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليعمل بعمل ~~أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار ~~وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير ~~عمله فيدخل ms0271 الجنة) # وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبدة بن عبد الله قال ~~حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا نصر بن علي الحداني قال حدثني ~~الأشعث بن جابر قال حدثني شهر ابن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال (إن الرجل والمرأة ليعملان بطاعة الله ستين سنة ثم ~~يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار) ثم قرأ علي أبو هريرة من ~~هاهنا [من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار- حتى بلغ- ذلك الفوز العظيم] # فهذه الأخبار مع ما قدمنا توجب على من علم جنفا في الوصية من موص أن يرده ~~إلى العدل إذا أمكنه ذلك فإن قيل على ماذا يعود الضمير الذي في قوله ~~[بينهم] قيل # PageV01P213 # له لما ذكر الله الموصي أفاد بفحوى الخطاب أن هناك موصى له ووارثا ~~تنازعوا فعاد الضمير إليهم بفحوى الخطاب في الإصلاح بينهم وأنشد الفراء: # وما أدرى إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه ~~أم الشر الذي هو يبتغيني فكنى في البيت الأول عن الشر بعد ذكر الخير وحده ~~لما في فحوى اللفظ من الدلالة عليه عند ذكر الخير وغيره وقد قيل إن الضمير ~~عائدا على المذكورين في ابتداء الخطاب وهم الوالدان والأقربون وقد أفادت ~~هذه الآية على أن على الوصي والحاكم والوارث وكل من وقف على جور في الوصية ~~من جهة الخطإ أو العمد ردها إلى العدل ودل على أن قوله تعالى [فمن بدله بعد ~~ما سمعه] خاص في الوصية العادلة دون الجائرة وفيها الدلالة على جواز اجتهاد ~~الرأي والعمل على غالب الظن لأن الخوف من الميل يكون في غالب ظن الخائف ~~وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الإصلاح مع ما فيه من زيادة أو نقصان ~~عن الحق بعد أن يكون ذلك بتراضيهم والله الموفق. ### | باب فرض الصيام # قال الله تعالى [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون] فالله ms0272 تعالى أوجب علينا فرض الصيام بهذه الآية لأن ~~قوله [كتب عليكم] معناه فرض عليكم كقوله [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] ~~وقوله [إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا] يعنى فرضا موقتا والصيام ~~في اللغة هو الإمساك قال الله تعالى [إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ~~إنسيا] يعني صمتا فسمى الإمساك عن الكلام صوما ويقال خيل صيام إذا كانت ~~ممسكة عن العلف وصامت الشمس نصف النهار لأنها ممسكة عن السير والحركة فهذا ~~حكم هذا اللفظ في اللغة وهو في الشرع اسم للكف عن الأكل والشرب وما في ~~معناه وعن الجماع في نهار الصوم مع نية القرابة أو الفرض وهو لفظ مجمل ~~مفتقر إلى البيان عند وروده لأنه اسم شرعي موضوع لمعان لم تكن معقولة في ~~اللغة إلا أنه بعد ثبوت الفرض واستقرار أمر الشريعة قد عقل معناه الموضوع ~~له فيها بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها وقوله تعالى [كما كتب ~~على الذين من قبلكم] يعتوره معان ثلاثة كل واحد منها مروي عن السلف قال ~~الحسن والشعبي وقتادة إنه كتب على # PageV01P214 # الذين من قبلنا وهم النصارى شهر رمضان أو مقدار من عدد الأيام وإنما ~~حولوه وزادوا فيه وقال ابن عباس والربيع بن أنس والسدي كان الصوم من العتمة ~~إلى العتمة ولا يحل بعد النوم مأكل ولا مشرب ولا منكح ثم نسخ وقال آخرون ~~معناه أنه كتب علينا صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيام ولا دلالة فيه على ~~مساواته في المقدار بل جائز فيه الزيادة والنقصان وروي عن مجاهد وقتادة ~~الذين من قبلكم أهل الكتاب وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال ~~أحيل الصيام ثلاثة أحوال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل ~~الصوم كل شهر ثلاثة أيام ويوم عاشوراء ثم إن الله تعالى فرض الصيام بقوله ~~[كتب عليكم الصيام] وذكر نحو قول ابن عباس الذي قدمنا قال أبو بكر لما لم ~~يكن في قوله [كما كتب على الذين من قبلكم] دلالة ms0273 على المراد في العدد أو في ~~صفة الصيام أو في الوقت كان اللفظ مجملا ولو علمنا وقت صيام من قبلنا وعدده ~~كان جائزا أن يكون مراده صفة الصيام وما حظر على الصائم فيه بعد النوم فلم ~~يكن لنا سبيل إلى استعمال ظاهر اللفظ في احتداء صوم من قبلنا # وقد عقبه تعالى بقوله [أياما معدودات] وذلك جائز وقوعه على قليل الأيام ~~وكثيرها # فلما قال تعالى في نسق التلاوة [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه] بين بذلك عدد ~~الأيام المعدودات ووقتها وأمر بصومها وقد روي هذا المعنى عن ابن أبي ليلى ~~وروي عن ابن عباس وعطاء أن المراد بقوله تعالى [أياما معدودات] صوم ثلاثة ~~أيام من كل شهر قبل أن ينزل رمضان ثم نسخ برمضان قوله تعالى [فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] قال أبو بكر ظاهره يقتضي جواز الإفطار ~~لمن لحقه الاسم سواء كان الصوم يضره أولا إلا أنا لا نعلم خلافا أن المريض ~~الذي لا يضره الصوم غير مرخص له في الإفطار فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~إذا خاف أن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر وقال مالك في الموطأ من أجهده ~~الصوم أفطر وقضى ولا كفارة عليه والذي سمعته أن المريض إذا أصابه المرض شق ~~عليه فيه الصيام فيبلغ منه ذلك فله أن يفطر ويقضي قال مالك وأهل العلم يرون ~~على الحامل إذا اشتد عليها الصيام الفطر والقضاء ويرون ذلك مرضا من الأمراض ~~وقال الأوزاعي أي مرض إذا مرض الرجل حل له الفطر فإن لم يطق أفطر فأما إذا ~~أطاق وإن شق عليه فلا يفطر وقال الشافعي إذا # PageV01P215 # ازداد مرض المريض شدة زيادة بينة أفطر وإن كانت زيادة محتملة لم يفطر ~~فثبت باتفاق الفقهاء أن الرخصة في الإفطار للمريض موقوفة على زيادة المرض ~~بالصوم وأنه ما لم يخش الضرر فعليه أن يصوم ويدل على أن الرخصة في الإفطار ~~للمريض متعلقة بخوف ms0274 الضرر ما # روى أنس بن مالك القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله وضع عن ~~المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع) # ومعلوم أن رخصتهما موقوفة على خوف الضرر على أنفسهما أو على ولديهما فدل ~~ذلك على أن جواز الإفطار في مثله متعلق بخوف الضرر إذ الحامل والمرضع ~~صحيحتان لا مرض بهما وأبيح لهما الإفطار لأجل الضرر وأباح الله تعالى ~~للمسافر الإفطار وليس للسفر حد معلوم في اللغة يفصل به بين أقله وبين ما هو ~~دونه فإذا كان ذلك كذلك وقد اتفقوا على أن للسفر المبيح للإفطار مقدارا ~~معلوما في الشرع واختلفوا فيه فقال أصحابنا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها وقال ~~آخرون مسيرة يومين وقال آخرون مسيرة يوم ولم يكن للغة في ذلك حظ إذ ليس ~~فيها حصر أقله بوقت لا يجوز النقصان منه لأنه اسم مأخوذ من العادة وكل ما ~~كان حكمه مأخوذا من العادة فغير ممكن تحديده بأقل القليل وقد قيل إن السفر ~~مشتق من السفر الذي هو الكشف من قولهم سفرت المرأة عن وجهها وأسفر الصبح ~~إذا أضاء وسفرت الريح السحاب إذا قشعته والمسفرة المكنسة لأنها تسفر عن ~~الأرض بكنس التراب وأسفر وجهه إذا أضاء وأشرق ومنه قوله تعالى [وجوه يومئذ ~~مسفرة] يعني مشرقة مضيئة فسمي الخروج إلى الموضع البعيد سفرا لأنه يكشف عن ~~أخلاق المسافر وأحواله ومعلوم أنه إذا كان معنى السفر ما وصفنا أن ذلك لا ~~يتبين في الوقت اليسير واليوم واليومين لأنه قد يتصنع في الأغلب لمثل هذه ~~المسافة فلا يظهر فيه ما يكشفه البعيد من أخلاقه فإن اعتبر بالعادة علمنا ~~أن المسافة القريبة لا تسمى سفرا والبعيدة تسمى إلا أنهم اتفقوا على أن ~~الثلاثة سفر صحيح فيما يتعلق به من أحكام الشرع فثبت أن الثلاث سفر وما ~~دونها لم يثبت لعدم معنى الاسم فيه وفقد التوقيف والاتفاق بتحديده وأيضا قد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تقتضي اعتبار الثلاث في كونها سفرا ~~في أحكام الشرع فمنها # حديث ابن عمر عن ms0275 النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تسافر امرأة ثلاثة ~~أيام إلا مع ذي محرم # واختلف الرواة # عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم ثلاثة أيام ~~وقال بعضهم يومين # فهذه الألفاظ # PageV01P216 # المختلفة # قد رويت في حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلف أيضا عن ~~أبي هريرة فروى سفيان عن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال (لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم) # وروى كثير بن زيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (يا نساء المؤمنات لا تخرج امرأة من مسيرة ليلة ~~إلا مع ذي محرم) # وكل واحد من أخبار أبي سعيد وأبي هريرة إنما هو خبر واحد اختلفت الرواية ~~في لفظه ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في أحوال فالواجب أن يكون ~~خبر الزائد أولى وهو الثلاث لأنه متفق على استعماله وما دونها مختلف فيه ~~فلا يثبت لاختلاف الرواة فيه وأخبار ابن عمر لاختلاف فيها فهي ثابتة وفيها ~~ذكر الثلاث ولو أثبتنا ذكر أخبار أبي سعيد وأبي هريرة على اختلافها لكان ~~أكثر أحوالها أن تتضاد وتسقط كأنها لم ترد وتبقى لنا أخبار ابن عمر في ~~اعتبار الثلاث من غير معارض فإن قيل أخبار أبي سعيد وأبي هريرة غير متعارضة ~~لأنا نثبت جميع ما روى فيها من التوقيف فنقول لا تسافر يوما ولا يومين ولا ~~ثلاثة قيل له متى استعملت ما دون الثلاث فقد ألغيت الثلاث وجعلت ورودها ~~وعدمها بمنزلة فأنت غير مستعمل لخبر الثلاث مع استعمالك خبر ما دونها وإذا ~~لم يكن إلا استعمال بعضها وإلغاء البعض فاستعمال خبر الثلاث أولى لما فيه ~~من ذكر الزيادة وأيضا قد يمكن استعمال الثلاث مع إثبات فائدة الخبر في ~~اليوم واليومين وهو أنها متى أرادت سفر الثلاث لم تخرج اليوم ولا اليومين ~~من الثلاث إلا مع ذي ms0276 محرم وقد يجوز أن يظن ظان أنه لما حد الثلاث فمباح لها ~~الخروج يوم أو يومين مع غير ذي محرم وإن أرادت سفر الثلاث فأبان صلى الله ~~عليه وسلم حظر ما دونها متى أرادتها وإذا ثبت تقدير الثلاث في حظر الخروج ~~إلا مع ذي محرم ثبت ذلك تقديرا في إباحة الإفطار في رمضان من وجهين أحدهما ~~أن كل من اعتبر في خروج المرأة الثلاث اعتبرها في إباحة الإفطار وكل من ~~قدره بيوم أو يومين كذلك قدره في الإفطار والوجه الآخر أن الثلاث قد تعلق ~~بها حكم وما دونها لم يتعلق به حكم في الشرع فوجب تقديرها في إباحة الإفطار ~~لأنه حكم متعلق بالوقت المقدر وليس فيما دون الثلاث حكم يتعلق به فصار ~~بمنزلة خروج ساعة من النهار وأيضا # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في المسح للمقيم يوما وليلة ~~وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها # ومعلوم أن ذلك ورد مورد بيان الحكم لجميع المسافرين لأن ما ورد # PageV01P217 # مورد البيان فحكمه أن يكون شاملا لجميع ما اقتضى البيان من التقدير فما ~~من مسافر إلا وهو الذي يكون سفره ثلاثا ولو كان ما دون الثلاث سفرا في ~~الشرع لكان قد بقي مسافر لم يتبين حكمه ولم يكن اللفظ مستوعبا لجميع ما ~~اقتضى البيان وذلك يخرجه عن حكم البيان ومن جهة أخرى أن المسافر اسم للجنس ~~لدخول الألف واللام عليه فما من مسافر إلا وقد انتظمه هذا الحكم فثبت أن من ~~خرج عنه فليس بمسافر يتعلق بسفره حكم وفي ذلك أوضح الدلالة على أن السفر ~~الذي يتعلق به الحكم هو سفر ثلاث وأن ما دونه لا حكم له في إفطار ولا قصر ~~ومن جهة أخرى أن هذا الضرب من المقادير لا يؤخذ من طريق المقاييس وإنما ~~طريق إثباته الاتفاق أو التوقيف فلما عد منا فيما دون الثلاث الاتفاق ~~والتوقيف وجب الوقوف عند الثلاث لوجود الاتفاق فيه أنه سفر يبيح الإفطار ~~وأيضا لما كان لزوم فرض الصوم هو الأصل واختلفوا في مدة رخصة ms0277 الإفطار لم ~~يجز لنا عند الاختلاف ترك الفرض إلا بالإجماع وهو الثلاث لأن الفروض يحتاط ~~لها ولا يحتاط عليها وقد روي عن عبد الله ابن مسعود وعمار وابن عمر أنه لا ~~يفطر في أقل من الثلاث قوله تعالى [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] ~~اختلف الفقهاء من السلف في تأويله فروى المسعودي عن عمرو بن مرة عن عبد ~~الرحمن بن بي ليلى عن معاذ بن جبل قال أحيل الصيام على ثلاثة أحوال ثم أنزل ~~الله [كتب عليكم الصيام- إلى قوله- وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] ~~فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا وأجزى عنه ثم أنزل الله الآية ~~الأخرى [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن- إلى قوله- فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه] فأثبت الله تعالى صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض ~~والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام وعن عبد الله بن مسعود ~~وابن عمر وابن عباس وسلمة بن الأكوع وعلقمة والزهري وعكرمة في قوله [وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] قال كان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى ~~وأطعم كل يوم مسكينا حتى نزل [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] وروي فيه وجه آخر ~~وهو ما # روى عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن الحرث عن علي كرم الله ~~وجهه قال من أتى عليه رمضان وهو مريض أو مسافر فليفطر وليطعم كل يوم مسكينا ~~صاعا فذلك قوله [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] # ووجه آخر وهو ما روى منصور عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأها [وعلى ~~الذين # PageV01P218 # يطوقونه فدية طعام مسكين] قال الشيخ الكبير الذي كان يطيق الصوم وهو شاب ~~فأدركه الكبر وهو لا يستطيع أن يصوم من ضعف ولا يقدر أن يترك الطعام فيفطر ~~ويطعم عن كل يوم مسكينا نصف صاع وعن سعيد بن المسيب مثله وكانت عائشة تقرأ ~~[وعلى الذين يطوقونه] وروى خالد الحذاء عن عكرمة أنه كان يقرأ [وعلى الذين ~~يطيقونه] قال إنها ليست بمنسوخة # وروى الحجاج عن أبى إسحاق ms0278 عن الحرث عن على [وعلى الذين يطيقونه] قال ~~الشيخ والشيخة # قال أبو بكر فقالت الفرقة الأولى من الصحابة والتابعين وهم الأكثرون عددا ~~إن فرض الصوم بديا نزل على وجه التخيير لمن يطيقه بين الصيام وبين الفدية ~~وإنه نسخ عن المطيق بقوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] وقالت الفرقة ~~الثانية هي غير منسوخة بل هي ثابتة على المريض والمسافر يفطران ويقضيان ~~وعليهما الفدية مع القضاء وكان ابن عباس وعائشة وعكرمة وسعيد بن المسيب ~~يقرءونها [وعلى الذين يطوقونه] فاحتمل هذا اللفظ معاني منها ما بينه ابن ~~عباس أنه أراد الذين كانوا يطيقونه ثم كبروا فعجزوا عن الصوم فعليهم ~~الإطعام والمعنى الآخر أنهم يكلفونه على مشقة فيه وهم لا يطيقونه لصعوبته ~~فعليهم الإطعام ومعنى آخر وهو أن حكم التكليف يتعلق عليهم وإن لم يكونوا ~~مطيقين للصوم فيقوم لهم الفدية مقام ما لحقهم من حكم تكليف الصوم ألا ترى ~~أن حكم تكليف الطهارة بالماء قائم على التيمم وإن لم يقدر عليه حتى أقيم ~~التراب مقامه ولولا ذلك لما كان التيمم بدلا منه وكذلك حكم تكليف الصلاة ~~قائم على النائم والناسي في باب وجوب القضاء لا على وجه لزمه بالترك فلما ~~أوجب تعالى عليه الفدية في حال العجز والإياس عن القضاء أطلق فيه اسم ~~التكليف بقوله [وعلى الذين يطيقونه] إذ كانت الفدية هي ما قام مقام غيره ~~فالقراءتان على هذا الوجه مستعملتان إلا أن الأولى وهي قوله [وعلى الذين ~~يطيقونه] لا محالة منسوخة لما ذكره من روينا عنه من الصحابة وأخبارهم عن ~~كيفية الفرض وصفته بديا وأن المطيق للصوم منهم كان مخيرا بين الصيام ~~والإفطار والفدية وليس هذا من طريق الرأي لأنه حكاية حال شاهدوها وعلموا ~~أنها بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم عليها وفي مضمون الخطاب من ~~أوضح الدلالة على ذلك ما لو لم يكن معنا رواية عن السلف في معناه لكان ~~كافيا في الإبانة عن مراده وهو قوله تعالى [ومن كان مريضا أو على سفر فعدة ~~من أيام أخر] فابتدأ تعالى ms0279 بيان حكم المريض والمسافر وأوجب عليهما # PageV01P219 # القضاء إذا أفطرا # ثم عقبه بقوله [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] فغير جائز أن يكون ~~هؤلاء هم المرضى والمسافرين إذ قد تقدم ذكر حكمهما وبيان فرضهما بالاسم ~~الخاص لهما فغير جائز أن يعطف عليهما بكناية عنهما مع تقديمه ذكرهما منصوصا ~~معينا ومعلوم أن ما عطف عليه فهو غيره لأن الشيء لا يعطف على نفسه ويدل على ~~أن المراد المقيمون المطيقون للصوم أن المريض المذكور في الآية هو الذي ~~يخاف ضرر الصوم فكيف يعبر عنه بإطاقة الصوم وهو إنما رخص له لفقد الإطاقة ~~وللضرر المخوف منه ويدل على ذلك ما ذكره في نسق التلاوة من قوله تعالى [وأن ~~تصوموا خير لكم] وليس الصوم خيرا للمريض الخائف على نفسه بل هو في هذه ~~الحال منهي عن الصوم ويدل على أن المريض والمسافر لم يرادا بالفدية وأنه لا ~~فدية عليهما أن الفدية ما قام مقام الشيء وقد نص الله تعالى على إيجاب ~~القضاء على المريض والمسافر والقضاء قائم مقام الفرض فلا يكون الإطعام ~~حينئذ فدية وفي ذلك دلالة على أنه لم يرد بالفدية المريض والمسافر بقوله ~~تعالى [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] منسوخ بما قدمنا وهذه الآية ~~تدل على أن أصل الفرض كان الصوم وأنه جعل له العدول عنه إلى الفدية على وجه ~~البدل عن الصوم لأن الفدية ما يقوم مقام الشيء ولو كان الإطعام مفروضا في ~~نفسه كالصوم على وجه التخيير لما كان بدلا كما أن المكفر عن يمينه بما شاء ~~من الثلاثة الأشياء لا يكون ما كفر به منها بدلا ولا فدية عن غيرها وإن حمل ~~معناه على قول من قال المراد به الشيخ الكبير لم يكن منسوخا ولكن يحتاج إلى ~~ضمير وهو وعلى الذين كانوا يطيقونه ثم عجزوا بالكبر مع اليأس عن القضاء ~~وغير جائز إثبات ذلك إلا باتفاق أو توقيف ومع ذلك فيه إزالة اللفظ عن ~~حقيقته وظاهره من غير دلالة تدل عليه وعلى أن في حمله على ذلك إسقاط فائدة ms0280 ~~قوله [وعلى الذين يطيقونه] لأن الذين كانوا يطيقونه بعد لزوم الفرض والدين ~~لحقهم فرض الصوم وهم عاجزون عنه بالكبر سواء في حكمه ويحمل معناه على أن ~~الشيخ الكبير العاجز عن الصائم المأيوس من القضاء عليه الفدية فسقط فائدة ~~قوله [وعلى الذين يطيقونه] إذ لم يتعلق فيه بذكر الإطاقة حكم ولا معنى ~~وقراءة من قرأ [يطوقونه] يحتمل الشيخ المأيوس منه القضاء من إيجاب الفدية ~~عليه لأن قوله يطوقونه قد اقتضى تكليفهم حكم الصوم مع مشقة شديدة عليهم في ~~فعله وجعل لهم الفدية قائمة مقام الصوم فهذه القراءة إذا كان معناها ما ~~وصفنا فهي غير # PageV01P220 # منسوخة بل هي ثابتة الحكم إذا كان المراد بها الشيخ المأيوس منه القضاء ~~العاجز عن الصوم والله الموفق بمنه وكرمه. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في الشيخ الفاني # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام ~~يفطر ويطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة ولا شيء عليه غير ذلك وقال الثوري ~~يطعم ولم يذكر مقداره وقال المزني عن الشافعي يطعم مدا من حنطة كل يوم وقال ~~ربيعة ومالك لا أرى عليه الإطعام وإن فعل فحسن قال أبو بكر قد ذكرنا في ~~تأويل الآية ما روي عن ابن عباس في قراءته [وعلى الذين يطوقونه] وأنه الشيخ ~~الكبير فلولا أن الآية محتملة لذلك لما تأولها ابن عباس ومن ذكر ذلك عنه ~~عليه فوجب استعمال حكمها من إيجاب الفدية في الشيخ الكبير # وقد روي عن علي أيضا أنه تأول قوله [وعلى الذين يطيقونه] على الشيخ ~~الكبير # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (من مات وعليه صوم فليطعم عنه وليه ~~مكان كل يوم مسكينا) # وإذا ثبت ذلك في الميت الذي عليه الصيام فالشيخ أولى بذلك من الميت لعجز ~~الجميع عن الصوم فإن قيل هلا كان الشيخ كالمريض الذي يفطر في رمضان ثم لا ~~يبرأ حتى يموت ولا يلزمه القضاء قيل له لأن المريض مخاطب بقضائه في أيام ~~أخر فإنما تعلق الفرض عليه في أيام القضاء ms0281 لقوله [فعدة من أيام أخر] فمتى ~~لم يلحق العدة لم يلزمه شيء كمن لم يلحق رمضان وأما الشيخ فلا يرجى له ~~القضاء في أيام أخر فإنما تعلق عليه حكم الفرض في إيجاب الفدية في الحال ~~فاختلفا من أجل ذلك وقد ذكرنا قول السلف في الشيخ الكبير وإيجاب الفدية ~~عليه في الحال من غير خلاف أحد من نظرائهم فصار ذلك إجماعا لا يسمع خلافه ~~وأما الوجه في إيجاب الفدية نصف صاع من بر فهو ما # حدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أخو خطاف قال حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن سعيد المستملي قال حدثنا إسحاق الأزرق عن شريك عن أبي ليلى عن نافع ~~عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من مات وعليه رمضان فلم ~~يقضه فليطعم عنه مكان كل يوم نصف صاع لمسكين) # وإذا ثبت ذلك في المفطر في رمضان إذا مات ثبت في الشيخ الكبير من وجوه ~~أحدها أنه عموم في الشيخ الكبير وغيره لأن الشيخ الكبير قد تعلق عليه حكم ~~التكليف على ما وصفنا فجائز بعد موته أن يقال إنه قد مات وعليه صيام رمضان ~~فقد تناوله عموم اللفظ ومن جهة # PageV01P221 # أخرى أنه قد ثبت أن المراد بالفدية المذكورة في الآية هذا المقدار وقد ~~أريد بها الشيخ الكبير فوجب أن يكون ذلك هو المقدار الواجب عليه ومن جهة ~~أخرى أنه إذا ثبت ذلك فيمن مات وعليه قضاء رمضان وجب أن يكون ذلك مقدار ~~فدية الشيخ الكبير لأن أحدا من موجبي الفدية على الشيخ الكبير لم يفرق ~~بينهما وقد روى عن ابن عباس وقيس ابن السائب الذي كان شريك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الجاهلية وعائشة وأبي هريرة وسعيد ابن المسيب في الشيخ ~~الكبير أنه يطعم عن كل يوم نصف صاع بر # وأوجب النبي صلى الله عليه وسلم على كعب بن عجرة إطعام ستة مساكين كل ~~مسكين نصف صاع بر # وهذا يدل على أن تقدير فدية الصوم بنصف صاع أولى منه بالمد ms0282 لأن التخيير ~~في الأصل قد تعلق بين الصوم والفدية في كل واحد منهما وقد روي عن ابن عمر ~~وجماعة من التابعين عن كل يوم مد والأول أولى لما رويناه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولما عضده قول الأكثرين عدادا من الصحابة والتابعين وما دل عليه ~~من النظر وقوله تعالى [وعلى الذين يطيقونه] قد اختلف في ضمير كنايته فقال ~~قائلون هو عائد على الصوم وقال آخرون إلى الفدية والأول أصح لأن مظهره قد ~~تقدم والفدية لم يجز لها ذكر والضمير إنما يكون لمظهر متقدم ومن جهة أخرى ~~أن الفدية مؤنثة والضمير في الآية للمذكر في قوله [يطيقونه] وقد دل ذلك على ~~بطلان قول المجبرة القائلين بأن الله يكلف عباده ما لا يطيقون وأنهم غير ~~قادرين على الفعل قبل وقوعه ولا مطيقين له لأن الله قد نص على أنه مطيق له ~~قبل أن يفعله بقوله [وعلى الذين يطيقونه فدية] فوصفه بالإطاقة مع تركه ~~للصوم والعدول عنه إلى الفدية ودلالة اللفظ قائمة على ذلك أيضا إذا كان ~~الضمير هو الفدية لأنه جعله مطيقا لها وإن لم يفعلها وعدل إلى الصوم # وقوله عز وجل [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان] يدل على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله لم يهد الكفار لأنه ~~قد أخبر في هذه الآية أن القرآن هدى لجميع المكلفين كما قال في آية أخرى ~~[وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى - وقوله تعالى- فمن تطوع ~~خيرا فهو خير له] يجوز أن يكون ابتداء كلام غير متعلق بما قبله لأنه قائم ~~بنفسه في إيجاب الفائدة يصح ابتداء الخطاب به فيكون حثا على التطوع ~~بالطاعات وجائز أن يريد به التطوع بزيادة طعام الفدية لأن المقدار المفروض ~~منه نصف صاع فإن تطوع بصاع أو صاعين فهو خير له # PageV01P222 # وقد روي هذا المعنى عن قيس بن السائب أنه كبر فلم يقدر على الصوم فقال ~~يطعم عن كل إنسان لكل يوم مدين فأطعموا عني ثلاثا وغير جائز أن يكون ms0283 المراد ~~أحد ما وقع عليه التخيير فيه من الصيام أو الإطعام لأن كل واحد منهما إذا ~~فعله منفردا فهو فرض لا تطوع فيه فلم يجز أن يكون واحد منهما مراد الآية ~~وجائز أن يكون المراد الجمع بين الصيام والطعام فيكون الفرد أحدهما والآخر ~~التطوع وأما قوله تعالى [وأن تصوموا خير لكم] فإنه يدل على أن أول الآية ~~فيمن يطيق الصوم من الأصحاء المقيمين غير المرضى ولا المسافرين ولا الحامل ~~والمرضع وذلك لأن المريض الذي يباح له الإفطار هو الذي يخاف ضرر الصوم وليس ~~الصوم بخير لمن كان هذا حاله لأنه منهي عن تعريض نفسه للتلف بالصوم والحامل ~~والمرضع لا تخلو ان من أن يضربهما الصوم أو بولديهما وأيهما كان فالإفطار ~~خير لهما والصوم محظور عليهما وإن كان لا يضربهما ولا بولديهما فعليهما ~~الصوم وغير جائز لهما الفطر فعلمنا أنهما غير داخلتين في قوله تعالى [وعلى ~~الذين يطيقونه] وقوله [وأن تصوموا خير لكم] عائد إلى من تقدم ذكره في أول ~~الخطاب وجائز أن يكون قوله [وأن تصوموا خير لكم] عائدا إلى المسافرين أيضا ~~مع عوده على المقيمين المخيرين بين الصوم والإطعام فيكون الصوم خيرا للجميع ~~إذ كان أكثر المسافرين يمكنهم الصوم في العادة من غير ضرر وإن كان الأغلب ~~فيه المشقة ودلالته واضحة على أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار وفيه ~~الدلالة على أن صوم يوم تطوعا أفضل من صدقة نصف صاع لأنه في الفرض كذلك ألا ~~ترى أنه لما خيره في الفرض بين صوم يوم وصدقة نصف صاع جعل الصوم أفضل منها ~~فكذلك يجب أن يكون حكمهما في التطوع والله الموفق. ### | باب الحامل والمرضع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن حي وإذا خافتا على ~~ولديهما أو على أنفسهما فإنهما تفطران وتقضيان ولا كفارة عليهما وقال مالك ~~في المرضع إذا خافت على ولدها ولا يقبل الصبي من غيرها فإنها تفطر وتقضي ~~وتطعم عن كل يوم مدا مسكينا والحامل إذا أفطرت لا إطعام عليها وهو قول ~~الليث ms0284 بن سعد وقال مالك وإن خافتا على أنفسهما فهما مثل المريض وقال ~~الشافعي إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما # PageV01P223 # القضاء والكفارة وإن لم تقدرا على الصوم فهما مثل المريض عليهما القضاء ~~بلا كفارة وروي عنه في البويطي أن الحامل لا إطعام عليها واختلف السلف في ~~ذلك على ثلاثة أوجه # فقال علي كرم الله وجهه عليهما القضاء إذا أفطرتا ولا فدية عليهما # وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء وقال ابن عباس عليهما الفدية بلا قضاء وقال ~~ابن عمر ومجاهد عليهما الفدية والقضاء والحجة لأصحابنا ما # حدثنا جعفر بن محمد بن أحمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ~~أيوب قال حدثني أبو قلابة هذا الحديث ثم قال هل لك في صاحب الحديث الذي ~~حدثني قال فدلني عليه فلقيته فقال حدثني قريب لي يقال له أنس بن مالك قال ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل لجار لي أخذت فوافقته وهو يأكل ~~فدعاني إلى طعامه فقلت إني صائم فقال إذا أخبرك عن ذلك أن الله وضع عن ~~المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع قال فكان يتلهف بعد ذلك يقول ~~ألا أكون أكلت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاني # قال أبو بكر شطر الصلاة مخصوص به المسافر إذ لا خلاف أن الحمل والرضاع لا ~~يبيحان قصر الصلاة ووجه دلالته على ما ذكرنا إخباره عليه السلام بأن وضع ~~الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر ألا ترى أن وضع الصوم الذي ~~جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل لأنه عطفهما عليه ~~من غير استئناف ذكر شيء غيره فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع ~~هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق بينهما ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر ~~إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية فوجب أن يكون ذلك حكم ~~الحامل ms0285 والمرضع وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا ~~على أنفسهما أو ولديهما إذ لم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وأيضا ~~لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف ~~على النفس أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر فإن ~~احتج القائلون بإيجاب القضاء والفدية بظاهر قوله [وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين] لم يصح لهم وجه الدلالة منه على ما ادعوه وذلك لما روينا عن ~~جماعة من الصحابة الذين قدمنا ذكرهم أن ذلك كان فرض المقيم الصحيح وأنه كان ~~مخيرا بين الصيام والفدية وبينا أن ما جرى مجرى ذلك فليس القول فيه من طريق ~~الرأي وإنما يكون # PageV01P224 # توقيفا فالحامل والمرضع لم يجر لهما ذكر فيما حكوا فوجب أن يكون تأويلهما ~~محمولا على ما ذكرنا وقد ثبت نسخ ذلك بقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه] ومن جهة أخرى لا يصح الاحتجاج لهم به وهو قوله تعالى في سياق ~~الخطاب [وأن تصوموا خير لكم] ومعلوم أن ذلك خطاب لمن تضمنه أول الآية وليس ~~ذلك حكم الحامل والمرضع لأنهما إذا خافتا الضرر لم يكن الصوم خيرا لهما بل ~~محظور عليهما فعله وإن لم تخشيا ضررا على أنفسهما أو ولديهما فغير جائز ~~لهما الإفطار وفي ذلك دليل واضح على أنهما لم ترادا بالآية ويدل على بطلان ~~قول من تأول الآية على الحامل والمرضع من القائلين بإيجاب الفدية والقضاء ~~أن الله تعالى سمى هذا الطعام فدية والفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه ~~فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية لأن القضاء إذا وجب فقد قام ~~مقام المتروك فلا يكون الإطعام فدية وإن كان فدية صحيحة فلا قضاء لأن ~~الفدية قد أجزأت عنه وقامت مقامه فإن قيل ما الذي يمنع أن يكون القضاء ~~والإطعام قائمين مقام المتروك قيل له لو كان مجموعهما قائمين مقام المتروك ~~من الصوم لكان الإطعام بعض الفدية ولم يكن جميعها والله تعالى قد سمى ذلك ~~فدية وتأويلك ms0286 يؤدي إلى خلاف مقتضى الآية وأيضا إذا كان الأصل المبيح للحامل ~~والمرضع الإفطار والموجب عليهما الفدية هو قوله تعالى [وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين] وقد ذكر السلف الذين قدمنا قولهم أن الواجب كان أحد شيئين ~~من فدية أو صيام لا على وجه الجمع فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع ~~بينهما على الحامل والمرضع ومن جهة أخرى أنه معلوم أن في قوله تعالى [وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] حذف الإفطار كأنه قال وعلى الذين يطيقونه ~~إذا أفطروا فدية طعام مسكين فإذا كان الله تعالى إنما اقتصر بالإيجاب على ~~ذكر الفدية فغير جائز إيجاب غيرها معها لما فيه من الزيادة في النص وغير ~~جائز الزيادة في المنصوص إلا بنص مثله وليستا كالشيخ الكبير الذي لا يرجى ~~له الصوم لأنه مأيوس من صومه فلا قضاء عليه والإطعام الذي يلزمه فدية له إذ ~~هو بنفسه قائم مقام المتروك من صومه والحامل والمرضع يرجى لهما القضاء فهما ~~كالمريض والمسافر وإنما يسوغ الاحتجاج بظاهر الآية لابن عباس لاقتصاره على ~~إيجاب الفدية دون القضاء ومع ذلك فإن الحامل والمرضع إذا كانتا إنما تخافان ~~على ولديهما دون أنفسهما فهما تطيقان الصوم فيتناولهما ظاهر قوله [وعلى # PageV01P225 # الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] # وكذلك قال ابن عباس حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى ~~بن إسماعيل قال حدثنا أبان قال حدثنا قتادة أن عكرمة حدثه أن ابن عباس حدثه ~~في قوله [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] قال أثبتت للحامل والمرضع ~~وحدثنا محمد بن بكر قال # حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن ~~قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين] # قال كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما ~~مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا ~~فاحتج ابن عباس بظاهر الآية وأوجب الفدية دون القضاء عند خوفهما على ~~ولديهما ms0287 إذ هما تطيقان الصوم فشملهما حكم الآية قال أبو بكر ومن أبى ذلك من ~~الفقهاء ذهب إلى أن ابن عباس وغيره ذكروا أن ذلك كان حكم سائر المطيقين ~~للصوم في إيجاب التخيير بين الصوم والفدية وهو لا محالة قد يتناول الرجل ~~الصحيح المطيق للصوم فغير جائز أن يتناول الحامل والمرضع لأنهما غير ~~مخيرتين لأنهما إما أن تخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير ولا تخافا فعليهما ~~الصيام بلا تخيير وغير جائز أن تتناول الآية فريقين بحكم يقتضي ظاهرها ~~إيجاب الفدية ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير بين الإطعام والصيام ~~وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا ~~تخيير وقد تناولهما لفظ الآية على وجه واحد فثبت بذلك أن الآية لم تتناول ~~الحامل والمرضع ويدل عليه أيضا في نسق التلاوة [وأن تصوموا خير لكم] وليس ~~ذلك بحكم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما لأن الصيام لا يكون خيرا ~~لهما ويدل عليه أيضا ما قدمنا من حديث أنس بن مالك القشيري في تسوية النبي ~~صلى الله عليه وسلم بين المريض والمسافر وبين الحامل والمرضع في حكم الصوم ~~وقوله تعالى [شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن] الآية قال أبو بكر قد بينا ~~فيما سلف قول من قال إن الفرض الأول كان صوم ثلاثة أيام من كل شهر بقوله ~~[كتب عليكم الصيام] وقوله تعالى [أياما معدودات] وأنه نسخ بقوله [شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن] وقوله من قال إن شهر رمضان بيان للموجب بقوله [كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم] وقوله [أياما معدودات] فيصير ~~تقديره أياما معدودات هي شهر رمضان فإن كان صوم الأيام المعدودات منسوخا ~~بقوله [شهر رمضان] إلى قوله # PageV01P226 # [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] فقد انتظم قوله [شهر رمضان] نسخ حكمين من ~~الآية الأولى أحدهما الأيام المعدودات التي هي غير شهر رمضان والآخر ~~التخيير بين الصيام والإطعام في قوله [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] ~~على نحو ما قدمنا ذكره عن السلف وإن كان قوله [شهر ms0288 رمضان] بيانا لقوله ~~[أياما معدودات] فقد كان لا محالة بعد نزول فرض رمضان التخيير ثابتا بين ~~الصوم والفدية في أول أحوال إيجابه فكان هذا الحكم مستقرا ثابتا ثم ورد ~~عليه النسخ بقوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] إذ غير جائز ورود النسخ قبل ~~وقت الفعل والتمكن منه والصحيح هو القول الثاني لاستفاضة الرواية عن السلف ~~بأن التخيير بين الصوم والفدية كان في شهر رمضان وأنه نسخ بقوله [فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه] فإن قيل في فحوى الآية دلالة على أن المراد بقوله ~~[أياما معدودات] غير شهر رمضان لأنه لم يرد إلا مقرونا بذكر التخيير بينه ~~وبين الفدية ولو كان قوله [أياما معدودات] فرضا مجملا موقوف الحكم على ~~البيان لما كان لذكر التخيير قبل ثبوت الفرض معنى قيل له لا يمتنع ورود فرض ~~مجملا مضمنا بحكم مفهوم المعنى موقوف على البيان فمتى ورد البيان بما أريد ~~منه كان الحكم المضمن به ثابتا معه فيكون تقديره أياما معدودات حكمها إذا ~~بين وقتها ومقدارها أن يكون المخاطبون به مخيرين بين الصوم والفدية كما قال ~~تعالى [خذ من أموالهم صدقة تطهرهم] فاسم الأموال عموم يصح اعتباره فيما علق ~~به من الحكم والصدقة مجملة مفتقرة إلى البيان فإذا ورد بيان الصدقة كان ~~اعتبار عموم اسم الأموال سائغا فيها ولذلك نظائر كثيرة ويحتمل أن يكون قوله ~~[وعلى الذين يطيقونه] متأخرا في التنزيل وإن كان مقدما في التلاوة فيكون ~~تقدير الآيات وترتيب معانيها أياما معدودات هي شهر رمضان [فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] ~~فيكون هذا حكما ثابتا مستقرا مدة من الزمان ثم نزل قوله [فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه] فنسخ به التخيير بين الفدية والصوم على نحو ما ذكرنا في قوله ~~عز وجل [وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة] مؤخرا # في اللفظ وكان ذلك يعتوره معنيان أحدهما أنه وإن كان مؤخرا في التلاوة ~~فهو مقدم في التنزيل والثاني أنه معطوف عليه ms0289 بالواو وهي لا توجب الترتيب ~~فكأن الكل مذكور معا فكذلك قوله [أياما معدودات- إلى قوله- شهر رمضان] # PageV01P227 # يحتمل ما احتملته قصة البقرة وأما قوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ففيه ~~عدة أحكام منها إيجاب الصيام على من شهد الشهر دون من لم يشهد فلو كان ~~اقتصر قوله [كتب عليكم- إلى قوله- شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن] لاقتضى ~~ذلك لزوم الصوم سائر الناس المكلفين فلما عقب ذلك بقوله [فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه] بين أن لزوم صوم الشهر مقصور على بعضهم دون بعض وهو من شهد ~~الشهر دون من لم يشهده وقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر] يعتوره معان منها ~~من كان شاهدا يعني مقيما غير مسافر كما يقال للشاهد والغائب المقيم ~~والمسافر فكان لزوم الصوم مخصوصا به المقيمون دون المسافرين ثم لو اقتصر ~~على هذا لكان المفهوم منه الاقتصار بوجوب الصوم عليهم دون المسافرين ثم لو ~~اقتصر على هذا لكان المفهوم منه الاقتصار بوجوب الصوم عليهم دون المسافرين ~~إذ لم يذكروا فلا شيء عليهم من صوم ولا قضاء فلما قال تعالى [ومن كان مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر] بين حكم المريض والمسافر في إيجاب القضاء ~~عليهم إذا أفطروا هذا إذا كان التأويل في قوله [فمن شهد منكم الشهر] ~~الإقامة في الحضر ويحتمل قوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] أن يكون بمعنى ~~شاهد الشهر أي علمه ويحتمل قوله [فمن شهد منكم الشهر] فمن شهده بالتكليف ~~لأن المجنون ومن ليس بأهل التكليف في حكم من ليس بموجود في انتفاء لزوم ~~الفرض عنه فأطلق اسم شهود الشهر عليهم وأراد به التكليف كما قال تعالى [صم ~~بكم عمي] لما كانوا في عدم الانتفاع بما سمعوا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع ~~سماهم بكما عميا وكذلك قوله [إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب] يعني عقلا ~~لأن من لم ينتفع بعقله فكأنه لا قلب له إذ كان العقل بالقلب فكذلك جائز أن ~~يكون جعل شهود الشهر عبارة عن كونه من أهل التكليف إذ كان من ms0290 ليس من أهل ~~التكليف بمنزلة من ليس بموجود في باب سقوط حكمه عنه ومن الأحكام المستفادة ~~بقوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] غير ما قدمنا ذكره تعيين فرض رمضان فإن ~~المراد بشهود الشهر كونه فيه من أهل التكليف وأن المجنون ومن ليس من أهل ~~التكليف غير لازم له صوم الشهر والله أعلم بالصواب. ### | باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن جن رمضان كله أو بعضه # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري إذا كان مجنونا في رمضان كله ~~فلا قضاء عليه وإن أفاق في شيء منه قضاه كله وقال مالك ابن أنس فيمن بلغ ~~وهو مجنون مطيق # PageV01P228 # فمكث سنين ثم أفاق فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا يقضي الصلاة وقال عبيد ~~الله بن الحسن في المعتوه يفيق وقد ترك الصلاة والصوم فليس عليه قضاء ذلك ~~وقال في المجنون الذي يجن ثم يفيق أو الذي يصيبه المرة ثم يفيق أرى على هذا ~~أن يقضي وقال الشافعي في البويطي ومن جن في رمضان فلا قضاء عليه وإن صح في ~~يوم من رمضان قبل أن تغيب الشمس كذلك لا قضاء عليه قال أبو بكر قوله تعالى ~~[فمن شهد منكم الشهر فليصمه] يمنع وجوب القضاء على المجنون الذي لم يفق في ~~شيء من الشهر إذ لم يكن شاهد الشهر وشهوده الشهر كونه مكلفا فيه وليس ~~المجنون من أهل التكليف # لقوله صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن ~~الصغير حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق) # فإن قيل إذا احتمل قوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] شهوده بالإقامة وترك ~~السفر دون ما ذكرته من شهوده بالتكليف فما الذي أوجب حمله على ما ادعيت دون ~~ما ذكرنا من حال الإقامة قيل له لما كان اللفظ محتملا للمعنيين وهما غير ~~متنافيين بل جائز إرادتهما معا وكونهما شرطا في لزوم الصوم وجب حمله عليهما ~~وهو كذلك عندنا لأنه لا يكون مكلفا للصوم غير مرخص له في تركه إلا أن يكون ~~مقيما من أهل التكليف ms0291 ولا خلاف أن كونه من أهل التكليف شرط في صحة الخطاب ~~به وإذا ثبت ذلك ولم يكن المجنون من أهل التكليف في الشهر لم يتوجه إليه ~~الخطاب بالصوم ولم يلزمه القضاء ويدل عليه ظاهر # قول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ ~~وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم) # ورفع القلم هو إسقاط التكليف عنه ويدل عليه أيضا أن الجنون معنى يستحق به ~~الولاية عليه إذا دام به فكان بمنزلة الصغير إذا دام به الشهر كله في سقوط ~~فرض الصوم ويفارق الإغماء هذا المعنى بعينه لأنه لا يستحق عليه الولاية ~~بالإغماء وإن طال وفارق المغمى عليه المجنون والصغير وأشبه الإغماء النوم ~~في باب نفي ولاية غيره عليه من أجله فإن قيل لا يصح خطاب المغمى عليه كما ~~لا يصح خطاب المجنون والتكليف زائل عنهما جميعا فوجب أن لا يلزمه القضاء ~~بالإغماء قيل له الإغماء وإن منع الخطاب بالصوم في حال وجوده فإن له أصلا ~~آخر في إيجاب القضاء وهو قوله [ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] ~~وإطلاق اسم المريض على المغمى عليه جائز سائغ فوجب اعتبار عمومه في إيجاب ~~القضاء عليه وإن لم يكن مخاطبا به حال الإغماء وأما المجنون فلا يتناوله ~~اسم المريض # PageV01P229 # على الإطلاق فلم يدخل فيمن أوجب الله عليه القضاء وأما من أفاق من جنونه ~~في شيء من الشهر فإنما ألزموه القضاء بقوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ~~وهذا قد شهد الشهر إذ كان من أهل التكليف في جزء منه إذ لا يخلو قوله [فمن ~~شهد منكم الشهر] أن يكون المراد به شهود جميع الشهر أو شهود جزء منه وغير ~~جائز أن يكون شرط لزوم الصوم شهود الشهر جميعه من وجهين (أحدهما) تناقض ~~اللفظ به وذلك لأنه لا يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه كله ويستحيل أن ~~يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل الصوم فيه ~~فعلمنا أنه لم يرد ms0292 شهود الشهر جميعه والوجه الآخر أنه لا خلاف أن من طرئ ~~عليه شهر رمضان وهو من أهل التكليف أن عليه الصوم في أول يوم منه لشهوده ~~جزأ من الشهر فثبت بذلك أن شرط تكليف صوم الشهر كونه من أهل التكليف في شيء ~~منه فإن قيل فواجب إذا كان ذلك على ما وصفت من أن المراد إدراك جزء من ~~الشهر أن لا يلزمه إلا صوم الجزء الذي أدركه دون غيره إذ قد ثبت أن المراد ~~شهود بعض الشهر شرطا للزوم الصوم فيكون تقديره فمن شهد بعض الشهر فليصم ذلك ~~البعض قيل له ليس ذلك على ما ظننت من قبل أنه لولا قيام الدلالة على أن شرط ~~لزوم الصوم شهود بعض الشهر لكان الذي يقتضيه ظاهر اللفظ استغراق الشهر كله ~~في شرط اللزوم فلما قامت الدلالة على أن المراد البعض دون الجميع في شرط ~~اللزوم حملناه عليه وبقي حكم اللفظ في إيجاب الجميع إذ كان الشهر اسما ~~لجميعه فكان تقديره فمن شهد منكم شيئا من الشهر فليصم جميعه فإن قيل فإذا ~~أفاق وقد بقيت أيام من الشهر يلزمك أن لا توجب عليه قضاء ما مضى لاستحالة ~~تكليفه صوم الماضي من الأيام وينبغي أن يكون الوجوب منصرفا إلى ما بقي من ~~الشهر قيل له إنما يلزمه قضاء الأيام الماضية لا صومها بعينها وجائز لزوم ~~القضاء مع امتناع خطابه بالصوم فيما أمر به من القضاء ألا ترى أن الناسي ~~والمغمى عليه والنائم كل واحد من هؤلاء يستحيل خطابه بفعل الصوم في هذه ~~الأحوال ولم تكن استحالة تكليفهم فيها مانعة من لزوم القضاء وكذلك ناسي ~~الصلاة والنائم عنها فإن الخطاب بفعل الصوم يتوجه إليه على معنيين أحدهما ~~فعله في وقت التكليف والآخر قضاؤه في وقت غيره وإن لم يتوجه إليه الخطاب ~~بفعله في حال الإغماء والنسيان والله أعلم. # PageV01P230 ### | باب الغلام يبلغ والكافر يسلم ببعض رمضان # قال الله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] وقد بينا أن المراد شهود ~~بعضه واختلف الفقهاء في الصبي يبلغ في ms0293 بعض رمضان أو الكافر يسلم فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك بن أنس في الموطأ وعبيد الله بن الحسن ~~والليث والشافعي يصومان ما بقي وليس عليهما قضاء ما مضى ولا قضاء اليوم ~~الذي كان فيه البلوغ أو الإسلام وقال ابن وهب عن مالك أحب إلي أن يقضيه ~~وقال الأوزاعي في الغلام إذا احتلم في النصف من رمضان أنه يقضى منه فإنه ~~كان يطيق الصوم وقال في الكافر إذا أسلم لا قضاء عليه فيما مضى وقال ~~أصحابنا يستحب لهما الإمساك عما يمسك عنه الصائم في اليوم الذي كان فيه ~~الاحتلام أو الإسلام قال أبو بكر رحمه الله قال الله تعالى [فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه] وقد بينا معناه وأن كونه من أهل التكليف شرط في لزومه والصبي ~~لم يكن من أهل التكليف قبل البلوغ فغير جائز إلزامه حكمه وأيضا الصغر ينافي ~~صحة الصوم لأن الصغير لا يصح صومه وإنما يؤمر به على وجه التعليم وليعتاده ~~ويمرن عليه ألا ترى أنه متى بلغ لم يلزمه قضاء الصلاة المتروكة ولا قضاء ~~الصيام المتروك في حال الصغر فدل ذلك على أنه غير جائز إلزامه القضاء فيما ~~تركه في حال الصغر ولو جاز إلزامه قضاء ما مضى من الشهر لجاز إلزامه قضاء ~~الصوم للعام الماضي إذا كان يطيقه فلما اتفق المسلمون على سقوط القضاء ~~للسنة الماضية مع إطاقته للصوم وجب أن يكون ذلك حكمه في الشهر الذي أدرك في ~~بعضه وأما الكافر فهو في حكم الصبي من هذا الوجه لاستحالة تكليفه للصوم إلا ~~على شرط تقديم الإيمان ومنافاة الكفر لصحة الصوم فأشبه الصبي وليسا ~~كالمجنون الذي يفيق في بعض الشهر في إلزامه القضاء لما مضى من الشهر لأن ~~الجنون لا ينافي صحة الصوم بدلالة أن من جن في صيامه لم يبطل صومه وفي هذا ~~دليل على أن الجنون لا ينافي صحة صومه وأن الكفر ينافيها فأشبه الصغير من ~~هذا الوجه وإن اختلفا في باب استحقاق الكافر العقاب على تركه والصغير لا ~~يستحقه ويدل ms0294 على سقوط القضاء لما مضى عمن أسلم في بعض رمضان قوله تعالى [قل ~~للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف] # وقوله صلى الله عليه وسلم (الإسلام يجب ما قبله والإسلام يهدم ما قبله) # وإنما قال أصحابنا يمسك المسلم في بعض رمضان والصبي بقية يومهما عن الأكل ~~والشرب من قبل أنه قد طرئ عليهما وهما مفطران # PageV01P231 # حال لو كانت موجودة في أول النهار كانا مأمورين بالصيام فواجب أن يكونا ~~مأمورين بالإمساك في مثله إذا كانا مفطرين والأصل فيه ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء ~~فقال من أهل فليمسك بقية يومه ومن لم يأكل فليصم # وروي أنه أمر الآكلين بالقضاء وأمرهم بالإمساك مع كونهم مفطرين # لأنهم لو لم يكونوا قد أكلوا لأمروا بالصيام فاعتبرنا بذلك كل حال تطرأ ~~عليه في بعض النهار وهو مفطر بما لو كانت موجودة في أوله كيف كان يكون حكمه ~~فإن كان مما يلزمه بها الصوم أمر بالإمساك وإن كان مما لا يلزمه لم يؤمر به ~~ومن أجل ذلك قالوا في الحائض إذا طهرت في بعض النهار والمسافر إذا قدم وقد ~~أفطر في سفره إنهما مأموران بالإمساك إذ لو كانت حال الطهر والإقامة موجودة ~~في أول النهار كانا مأمورين بالصيام وقالوا لو حاضت في بعض النهار لم تؤمر ~~بالإمساك إذ الحيض لو كان موجودا في أول النهار لم تؤمر بالصيام فإن قيل ~~فهلا أبحت لمن كان مقيما في أول النهار ثم سافر أن يفطر لأن حال السفر لو ~~كانت موجودة في أول النهار ثم سافر كان مبيحا للإفطار قيل له لم نجعل ما ~~قدمنا علة للإفطار ولا للصوم وإنما جعلناه علة لإمساك المفطر فأما إباحة ~~الإفطار وحظره فله شرط آخر غير ما ذكرنا وقد حوى قوله تعالى [فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه] أحكاما أخر غير ما ذكرنا منها دلالته على أن من استبان له ~~بعد ما أصبح أنه من رمضان فعليه أن يبتدئ صومه لأن الآية لم ms0295 تفرق بين من ~~علمه من الليل أو في بعض النهار وهي عامة في الحالين جميعا فاقتضى ذلك جواز ~~ترك نية صوم رمضان من الليل وكذلك المغمى عليه والمجنون إذا أفاقا في بعض ~~النهار ولم يتقدم لهما نية الصوم من الليل فواجب عليهما أن يبتدئا الصيام ~~في ذلك الوقت لأنهما قد شهدا الشهر وقد جعل الله شهود الشهر شرطا للزوم ~~الصوم وفي الآية حكم آخر تدل أيضا على أن من نوى بصيامه في شهر رمضان تطوعا ~~أو عن فرض آخر أنه مجزئ عن رمضان لأن الأمر بفعل الصوم فيه ورد مطلقا غير ~~مقيد بوصف ولا مخصوص بشرط نية الفرض فعلى أي وجه صام فقد قضى عهدة الآية ~~وليس عليه غيره وفيها حكم آخر تدل أيضا على لزوم صوم أول يوم من رمضان لمن ~~رأى الهلال وحده دون غيره وأنه غير جائز له الإفطار مع كون اليوم محكوما ~~عند سائر الناس أنه من شعبان وقد روى روح بن عبادة عن هشام وأشعث عن الحسن ~~فيمن رأى الهلال # PageV01P232 # وحده أنه لا يصوم إلا مع الإمام وروى ابن المبارك عن ابن جريج عن عطاء بن ~~أبي رباح في رجل رأى هلال شهر رمضان قبل الناس بليلة لا يصوم قبل الناس ولا ~~يفطر قبلهم أخشى أن يكون شبه له فأما الحسن فإنه أطلق الجواب في أنه لا ~~يصوم وهذا يدل على أنه وإن تيقن الرؤية من غير شك ولا شبهة أنه لا يصوم ~~وأما عطاء فإنه يشبه أن يكون أباح له الإفطار إذا جوز على نفسه الشبهة في ~~الرؤية وأنه لم يكن رأى حقيقة وإنما تخيل له ما ظنه هلالا وظاهر الآية يوجب ~~الصوم على من رآه إذ لم يفرق بين من رآه وحده ومن رآه مع الناس وفيها حكم ~~آخر ومن الناس من يقول إنه إذا لم يكن عالما بدخول الشهر لم يجزه صومه ~~ويحتج بقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] قال فإنما ألزم الفرض على ~~من علم به لأن قوله [فمن شهد] ms0296 بمعنى شاهد وعلم فمن لم يعلم فهو غير مؤد ~~لفرضه وذلك كنحو من يصوم رمضان على شك ثم يصير إلى اليقين ولا اشتباه ~~كالأسير في دار الحرب إذا صام شهرا فإذا هو شهر رمضان فقالوا لا يجزى من ~~كان هذا وصفه ويحكى هذا القول عن جماعة من السلف وعن مالك والشافعي فيه ~~قولان أحدهما أنه يجزى والآخر أنه لا يجزى وقال الأوزاعي في الأسير إذا ~~أصاب عين رمضان أجزأه وكذلك إذا أصاب شهرا بعده وأصحابنا يجيزون صومه بعد ~~أن يصادف عين الشهر أو بعده ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أنه إذا تحرى شهر ~~أو غلب على ظنه أنه رمضان ثم صار إلى اليقين ولا اشتباه أنه رمضان أنه ~~يجزيه وكذلك إذا تحرى وقت صلاة في يوم غيم وصلى على غالب الظن ثم تيقن أنه ~~الوقت يجزيه وقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] إن احتمل العلم به ~~فغير مانع من جوازه وإن لم يعلم به من قبل أن ذلك إنما هو شرط في لزومه ~~ومنع تأخيره وأما نفي الجواز فلا # دلالة فيه عليه ولو كان الأمر على ما قال من منع جوازه لوجب أن لا يجب ~~على من اشتبهت عليه الشهور وهو في دار الحرب ولم يعلم برمضان القضاء لأنه ~~لم يشاهد الشهر ولم يعلم به فلما اتفق المسلمون على لزوم القضاء على من لم ~~يعلم بشهر رمضان دل ذلك على أنه ليس شرط جواز صومه العلم به كما لم يكن شرط ~~وجوب قضائه العلم به ولما كان من وصفنا حاله من فقد علمه بالشهر شاهدا له ~~في باب لزومه قضاءه إذا لم يصم وجب أن يكون شاهدا له في باب جواز صومه متى ~~صادف عينه وأيضا إذا احتمل قوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر] أن يعني به ~~كونه من أهل التكليف في الشهر على ما تقدم # PageV01P233 # بيانه فواجب أن يجزيه على أي حال شهد الشهر وهذا شاهد للشهر من حيث كان ~~من أهل التكليف فاقتضى ظاهرا الآية جوازه وإن ms0297 لم يكن عالما بدخوله واحتج ~~أيضا من أبى جوازه عند فقد العلم # بقوله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) # قالوا فإذا كان مأمورا بفعل الصوم لرؤيته متقدمة فإنه متى لم يره أن يحكم ~~به أنه من شعبان فغير جائز له صومه مع الحكم به من شعبان إذ كان صوم شعبان ~~غير مجزئ عن رمضان وهذا أيضا غير مانع جوازه كما لا يمنع وجوب القضاء إذا ~~علم بعد ذلك أنه من رمضان وإنما كان محكوما بأنه من شعبان على شرط فقد ~~العلم فإذا علم بعد ذلك أنه من رمضان فمتى علم أنه من رمضان فهو محكوم له ~~به من الشهر وينتقض ما كنا حكمنا به بديا من أنه من شعبان فكان حكمنا بذلك ~~منتظرا مراعى وكذلك يكون صوم يومه ذلك مراعى فإن استبان أنه من رمضان أجزأه ~~وإن لم يستبن له فهو تطوع فإن قيل وجوب قضائه إذا أفطر فيه غير دال على ~~جوازه إذا صامه لأن الحائض يلزمها القضاء ولم يدل وجوب القضاء على الجواز ~~قيل له إذا كان المانع من جواز صومه فقد العلم به فواجب أن يكون هذا المعنى ~~بعينه مانعا من لزوم قضائه إذا أفطر فيه كالمجنون والصبي لأنك زعمت أن ~~المانع من جوازه كونه غير شاهد للشهر وغيره عالم به ومن لم يشهد الشهر فلا ~~قضاء عليه إن كان حكم الوجوب مقصورا على من شهده دون من لم يشهده ولا يختلف ~~على هذا الحد حكم الجواز إذا صام وحكم القضاء إذا أفطر وأما الحائض فلا ~~يتعلق عليها حكم تكليف الصوم من جهة شهودها للشهر وعلمها به لأنها مع علمها ~~به لا يجزيها صومه ولم يتعلق مع ذلك وجوب القضاء بإفطارها إذ ليس لها فعل ~~في الإفطار فلذلك لم يجب سقوط القضاء عنها من حيث لم يجزها صومها وفيها وجه ~~آخر من الحكم وهو أن من الناس من يقول # إذا طرئ عليه شهر رمضان وهو مقيم ثم سافر ms0298 فغير جائز له الإفطار ويروى ذلك ~~عن علي كرم الله وجهه # وعن عبيدة وأبي مجلز وقال ابن عباس والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم ~~والشعبي إن شاء أفطر إذا سافر وهو قول فقهاء الأمصار واحتج الفريق الأول ~~بقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] وهذا قد شهد الشهر فعليه إكمال ~~صومه بمقتضى ظاهر اللفظ وهذا معناه عند الآخرين إلزام فرض الصوم في حال ~~كونه مقيما لأنه قد بين حكم المسافر عقيب ذلك بقوله [ومن كان # PageV01P234 # مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] # ولم يفرق بين من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر وبين من كان مسافرا في ~~ابتدائه فدل ذلك على أن قوله [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] مقصور الحكم على ~~حال الإقامة دون حال السفر بعدها وأيضا لو كان المعنى فيه ما ذكروا لوجب أن ~~يجوز لمن كان مسافرا في أول الشهر ثم أقام أن يفطر لقوله تعالى [ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] وقد كان هذا مسافرا وكذلك من كان مريضا ~~في أوله ثم برىء وجب أن يجوز له الإفطار بقضية ظاهرة إذ قد حصل له اسم ~~المسافر والمريض فلما لم يكن قوله [ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر] مانعا من لزوم صومه إذا أقام أو برىء في بعض الشهر وكان هذا الحكم ~~مقصورا على حال بقاء السفر والمرض كذلك قوله [فمن شهد منكم الشهر] مقصور ~~على حال بقاء الإقامة وقد نقل أهل السير وغيرهم إنشاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم السفر في رمضان في عام الفتح وصومه في ذلك السفر وإفطاره بعد صومه ~~وأمره الناس بالإفطار مع آثار مستفيضة وهي مشهورة غير محتاجة إلى ذكر ~~الأسانيد وهذا يدل على أن مراد الله في قوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه] مقصور على حال بقاء الإقامة في إلزام الصوم وترك الإفطار قوله ~~تعالى [فليصمه] قال أبو بكر رحمه الله قد تكلمنا في معنى قوله جل وعلا [فمن ~~شهد منكم ms0299 الشهر] وما تضمنه من الأحكام وحواه من المعاني بما حضر ونتكلم ~~الآن بمشيئة الله وعونه في معنى قوله [فليصمه] وما حواه من الأحكام وانتظمه ~~من المعاني فنقول إن الصوم على ضربين صوم لغوي وصوم شرعي فأما الصوم اللغوي ~~فأصله الإمساك ولا يختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما بل كل إمساك ~~فهو مسمى في اللغة صوما قال الله تعالى [إني نذرت للرحمن صوما] والمراد ~~الإمساك عن الكلام يدل عليه قوله عقيبه [فلن أكلم اليوم إنسيا] وقال ~~الشاعر: # وخيل صيام يلكن اللجم وقال النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # وتقول العرب صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن ~~الحركة وقال امرؤ القيس: # PageV01P235 # فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # فهذا معنى اللفظ في اللغة وهو في الشرع يتناول ضربا من الإمساك على شرائط ~~معلومة لم يكن الاسم يتناوله في اللغة ومعلوم أنه غير جائز أن يكون الصوم ~~الشرعي هو الإمساك عن كل شيء لاستحالة كون ذلك من الإنسان لأن ذلك يوجب خلو ~~الإنسان من المتضادات حتى لا يكون ساكنا ولا متحركا ولا آكلا ولا تاركا ولا ~~قائما ولا قاعدا ولا مضطجعا وهذا محال لا يجوز ورود العبادة به فعلمنا أن ~~الصوم الشرعي ينبغي أن يكون مخصوصا بضرب من الإمساك دون جميع ضروبه فالضرب ~~الذي حصل عليه اتفاق المسلمين هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وشرط فيه ~~عامة فقهاء الأمصار مع ذلك الإمساك عن الحقنة والسعوط والاستقاء عمدا إذا ~~ملأ الفم ومن الناس من لا يوجب في الحقنة والسعوط قضاء وهو قول شاذ ~~والجمهور على خلافه وكذلك الاستقاء وروي عن ابن عباس أنه قال الفطر مما دخل ~~وليس مما خرج وهو قول طاوس وعكرمة وفقهاء الأمصار على خلافه لأنهم يوجبون ~~على من استقاء عمدا القضاء واختلفوا فيما وصل إلى الجوف من جراحة جائفة ~~وآمة فقال أبو حنيفة والشافعي عليه القضاء وقال أبو يوسف ومحمد لا قضاء ~~عليه وهو قول الحسن بن ms0300 صالح وقد اختلف في ترك الحجامة هل هو من الصوم فقال ~~عامة الفقهاء الحجامة لا تفطره وقال الأوزاعي تفطره واختلف أيضا في بلع ~~الحصاة فقال أصحابنا ومالك والشافعي تفطره وقال الحسن بن صالح لا تفطره ~~واختلفوا في الصائم يكون بين أسنانه شيء فيأكله متعمدا فقال أصحابنا ومالك ~~والشافعي لا قضاء عليه وروى الحسن بن زياد عن زفر أنه قال إذا كان بين ~~أسنانه شيء من لحم أو سويق وخبز فجاء على لسانه منه شيء فابتلعه وهو ذاكر ~~فعليه القضاء والكفارة قال وقال أبو يوسف عليه القضاء ولا كفارة عليه وقال ~~الثوري أستحب له أن يقضي وقال الحسن اين صالح إذا دخل الذباب جوفه فعليه ~~القضاء وقال أصحابنا ومالك لا قضاء عليه ولا خلاف بين المسلمين أن الحيض ~~يمنع صحة الصوم واختلفوا في الجنب فقال عامة فقهاء الأمصار لا قضاء عليه ~~وصومه تام مع الجنابة وقال الحسن بن حي مستحب له أن يقضي ذلك اليوم وكان ~~يقول يصوم تطوعا وإن أصبح جنبا وقال في الحائض إذا طهرت من الليل ولم تغتسل ~~حتى أصبحت فعليها قضاء ذلك اليوم فهذه أمور منها متفق # PageV01P236 # عليه في # أن الإمساك عنه صوم ومنها مختلف فيه على ما بينا فالمتفق عليه هو الإمساك ~~عن الجماع والأكل والشرب في المأكول والمشروب والأصل فيه # قوله تعالى [أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم- إلى قوله- فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل] فأباح الجماع والأكل ~~والشرب في ليالي الصوم من أولها إلى طلوع الفجر ثم أمر بإتمام الصيام إلى ~~الليل وفي فحوى هذا الكلام ومضمونه حظر ما أباحه بالليل مما قدم ذكره من ~~الجماع والأكل والشرب فثبت بحكم الآية أن الإمساك عن هذه الأشياء الثلاثة ~~هو من الصوم الشرعي ولا دلالة فيه على أن الإمساك عن غيرها ليس من الصوم بل ~~هو موقوف على دلالته وقد ثبت بالسنة واتفاق علماء الأمة أن الإمساك عن ms0301 غير ~~هذه الأشياء من الصوم الشرعي على ما سنبينه إن شاء الله تعالى ومما هو من ~~شرائط لزوم الصوم الشرعي وإن لم يكن هو إمساكا ولا صوما الإسلام والبلوغ إذ ~~لا خلاف أن الصغير غير مخاطب بالصوم في أحكام الدنيا فإن الكافر وإن كانا ~~مخاطبا به معاقبا على تركه فهو في حكم من لم يخاطب به في أحكام الدنيا فإنه ~~لا يجب عليه قضاء المتروك منه في حال الكفر وطهر المرأة عن الحيض من شرائط ~~تكليف صوم الشهر وكذلك العقل والإقامة والصحة وإن وجب القضاء في الثاني ~~والعقل مختلف فيه على ما بينا من أقاويل أهل العلم في المجنون في رمضان ~~والنية من شرائط صحة سائر ضروب الصوم وهو على ثلاثة أنحاء صوم مستحق العين ~~وهو صوم رمضان ونذر يوم بعينه وصوم التطوع وصوم في الذمة فالصوم المستحق ~~العين وصوم التطوع يجوز فيهما ترك النية من الليل إذا نواه قبل الزوال وما ~~كان في الذمة فغير جائز إلا بتقدمة النية من الليل وقال زفر يجوز صوم رمضان ~~بغير نية وقال مالك يكفي للشهر كله نية واحدة وإنما قلنا إن بلع الحصاة ~~ونحوها يوجب الإفطار وإن لم يكن مأكولا في العادة وأنه ليس بغذاء ولا دواء ~~من قبل أن قوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] قد انطوى تحته الأكل فهو عموم ~~في جميع ما أكل ولا خلاف أنه لا يجوز له بلع الحصاة مع اختلافهم في إيجاب ~~الإفطار واتفاقهم على أن النهي عن بلع الحصاة صدر عن الآية فيوجب ذلك أن ~~يكون مرادا بها فاقتضى إطلاق الأمر بالصيام عن الأكل والشرب دخول الحصاة ~~فيه كسائر المأكولات فمن حيث دلت الآية على وجوب القضاء # PageV01P237 # في سائر المأكولات فهي دالة أيضا على وجوبه في أكل الحصاة ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم من أكل أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه # وهذا يدل على أن حكم سائر ما يأكله لا يختلف في وجوب القضاء إذا أكله ~~عمدا وأما السعوط والدواء الواصل ms0302 بالجائفة أو الآمة فالأصل فيه # حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الاستنشاق إلا أن ~~تكون صائما فأمره بالمبالغة في الاستنشاق ونهاه عنها لأجل الصوم # فدل ذلك على أن ما وصل بالاستنشاق إلى الحلق أو إلى الدماغ أنه يفطر لولا ~~ذلك لما كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى مع أمره بها في غير الصوم وصار ذلك ~~أصلا عند أبي حنيفة في إيجاب القضاء في كل ما وصل إلى الجوف واستقر فيه مما ~~يستطاع الامتناع منه سواء كان وصوله من مجرى الطعام والشراب أو من مخارق ~~البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان أو من غيرها لأن المعنى في الجميع ~~وصوله إلى الجوف واستقراره فيه مع إمكان الامتناع منه في العادة ولا يلزم ~~على ذلك الذباب والدخان والغبار يدخل حلقه لأن جميع ذلك لا يستطاع الامتناع ~~منه في العادة ولا يمكن التحفظ منه بإطباق الفم فإن قيل فإن أبا حنيفة لا ~~يوجب بالإفطار في الإحليل القضاء قيل له إنما لم يوجبه لأنه كان عنده أنه ~~لا يصل إلى المثانة وقد روي ذلك عنه منصوصا وهذا يدل على أن عنده إن وصل ~~إلى المثانة أفطر وأما أبو يوسف ومحمد فإنهما اعتبرا وصوله إلى الجوف من ~~مخارق البدن التي هي خلقة في بنية الإنسان وأما وجه إيجاب القضاء على من ~~استقاء عمدا دون من ذرعه القيء فإن القياس أن لا يفطره الاستقاء عمدا لأن ~~الفطر في الأصل هو من الأكل وما جرى مجراه من الجماع كما قال ابن عباس إنه ~~لا يفطره الاستقاء عمدا لأن الإفطار مما يدخل وليس مما يخرج والوضوء مما ~~يخرج وليس مما يدخل وكسائر الأشياء الخارجة من البدن لا يوجب الإفطار ~~بالاتفاق فكان خروج القيء بمثابتها وإن كان من فعله إلا أنهم تركوا القياس ~~للأثر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولاحظ للنظر مع الأثر ~~والأثر الثابت هو # حديث عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين ms0303 عن أبي هريرة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذرعه القيء لم يفطر ولا قضاء عليه ومن ~~استقاء عمدا فعليه القضاء # فإن قيل خبر هشام بن حسان عن ابن سيرين في ذلك غير محفوظ وإنما الصحيح من ~~هذا الطريق في الأكل ناسيا قيل له قد روى عيسى بن يونس لخبرين معا عن هشام ~~بن حسان وعيسى بن يونس هو # PageV01P238 # الثقة المأمون المتفق على ثبته وصدقه # قد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال روى أيضا حفص بن غياث عن ~~هشام مثله وروى الأوزاعي عن يعيش بن الوليد أن معدان ابن أبي طلحة حدثه أن ~~أبا الدرداء حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال فلقيت ثوبان ~~فذكرت له ذلك فقال صدق وأنا صببت له وضوءه # وروى وهب ابن جرير قال حدثنا أبي قال سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن ~~أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حبيش عن فضالة بن عبيد قال كنت عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشرب ماء فقلت يا رسول الله ألم تك صائما فقال بلى ولكني ~~قئت # وإنما تركوا القياس في الاستقاء لهذه الآثار فإن قيل قد روى أن القيء لا ~~يفطر # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا ~~سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من الصحابة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (لا يفطر من قاء ولا من احتلم ولا من احتجم) # قيل له # وروى هذا الحديث محمد بن أبان عن زيد ابن أسلم عن أبي عبيد الله الصنابحي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أصبح صائما فذرعه القيء فلم يفطر ~~ومن احتلم فلم يفطر ومن احتجم فلم يفطر) # فبين في هذا الحديث القيء الذي لا يوجب الإفطار ولو لم يذكره على هذا ~~البيان لكان الواجب حمله على معناه وأن لا يسقط أحد الحديثين بالآخر وذلك ~~لأنه متى روي ms0304 عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران متضادان وأمكن استعمالهما ~~على غير وجه التضاد استعملناهما جميعا ولم يبلغ أحدهما وإنما قالوا إنه إذا ~~استقاء أقل من ملء فيه لم يفطره من قبل أنه لا يتناوله اسم القيء ألا ترى ~~أن من ظهر على لسانه شيء بالجشاء لا يقال إنه قد تقيأ وإنما يتناوله هذا ~~الاسم عند كثرته وخروجه وقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول في ~~تقدير ملء الفم هو الذي لا يمكنه إمساكه في الفم لكثرته فيسمى حينئذ قيئا ~~وأما الحجامة فإنما قالوا إنها لا تفطر الصائم لأن الأصل أن الخارج من ~~البدن لا يوجب الإفطار كالبول والغائط والعرق واللبن ولذلك لو جرح إنسان أو ~~افتصد لم يفطره فكانت الحجامة قياس ذلك ولأنه لما ثبت أن الإمساك عن كل شيء ~~ليس من الصوم الشرعي لم يجزلنا أن نلحق به إلا ما ورد به التوقيف أو اتفقت ~~الأمة عليه وقد ورد بإباحة الحجامة للصائم آثار عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمن ذلك ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبيد بن شريك البزاز قال حدثنا أبو ~~الجماهر قال حدثنا عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي ~~سعيد الخدري أن رسول # PageV01P239 # الله صلى الله عليه وسلم قال (ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والاحتلام ~~والحجامة) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا ~~شعبة عن يزيد بن أبى زيادة عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم احتجم صائما محرم # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن ~~بن سهم قال حدثنا عيسى بن يونس عن أيوب بن محمد اليماني عن المثنى بن عبد ~~الله عن أنس بن مالك قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة ثماني عشرة ~~من رمضان برجل وهو يحتجم فقال صلى الله عليه وسلم (أفطر الحاجم والمحجوم) ms0305 ~~ثم أتاه رجل بعد ذلك فسأله عن الحجامة في شهر رمضان فقال (إذا تبيغ أحدكم ~~بالدم فليحتجم) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن الحسن بن حبيب أبو حصن الكوفي قال ~~حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال حدثنا أبو مالك عن الحجاج عن الحكم عن ~~مقسم عن ابن عباس قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فغشي ~~عليه فلذلك كرهه # وحدثنا محمد بن أبى بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا ~~سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت قال قال أنس ما كنا ندع الحجامة للصائم ~~إلا كراهية الجهد فإن قال قائل # قد روى مكحول عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أفطر الحاجم ~~والمحجوم # وروى أبو قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أتى على رحل بالبقيع وهو يحتجم وهو آخذ بيدي لثماني عشرة خلت من رمضان ~~فقال أفطر الحاجم والمحجوم # قيل له قد اختلف في صحة هذا الخبر وهو غير صحيح على مذهب أهل النقل لأن ~~بعضهم رواه عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وبعضهم رواه عن أبي قلابة ~~عن شداد بن أوس ومثل هذا الاضطراب في السند يوهنه فأما حديث مكحول فإن أصله ~~عن شيخ من الحي مجهول عن ثوبان وعلى أنه ليس في قوله أفطر الحاجم والمحجوم ~~إذا أشار به إلى عين دلالة على وقوع الإفطار بالحجامة لأن ذكر الحجامة في ~~مثله تعريف لهما كقولك أفطر القائم والقاعد وأفطر زيد إذا أشرت به إلى عين ~~فلا دلالة فيه على أن القيام يفطر وعلى أن كونه زيدا يفطره كذلك قوله أفطر ~~الحاجم والمحجوم لما أشار به إلى رجلين بأعينهما فلا دلالة فيه على وقوع ~~الفطر بالحجامة وجائز أن يكون شاهدهما على حال توجب الإفطار من أكل أو غيره ~~فأخبر بالإفطار من غير ذكر علته وجائز أن يكون شاهدهما على غيبة منهما ~~للناس فقال إنهما أفطرا كما # روى يزيد بن ms0306 أبان عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الغيبة ~~تفطر # PageV01P240 # الصائم) # وليس المعنى فيه عند الفقهاء الخروج منه وإنما المراد منه إبطال ثوابه ~~فاحتمل أن يكون ذكر إفطار الحاجم والمحجوم لهذا المعنى وعلى أن الأخبار ~~التي روينا فيها ذكر تاريخ الرخصة بعد النهي وجائز أيضا أن يكون النهي عن ~~الحجامة كان لما يخاف من الضعف كما نهى عن الصوم في السفر حين رأى رجلا قد ~~ظلل عليه وأما وجه قولهم فيمن بلع شيئا بين أسنانه لم يفطره فهو أن ذلك ~~بمنزلة أجزاء الماء الباقية في فمه بعد غسل فمه للمضمضة ومعلوم وصولها إلى ~~جوفه ولا حكم لها كذلك الأجزاء الباقية في فيه هي بمنزلة ما وصفنا ألا ترى ~~أن من أكل بالليل سويقا أنه لا يخلو إذا أصبح من بقاء شيء من أجزائه بين ~~أسنانه ولم يأمره أحد بتقصي إخراجها بالأخلة والمضمضة فدل ذلك على أن تلك ~~الأجزاء لا حكم لها وأما الذباب الواصل إلى جوفه من غير إرادته فإنما لم ~~يفطره من قبل أن ذلك في العادة غير متحفظ منه ألا ترى أنه لا يؤمر بإطباق ~~الفم وترك الكلام خوفا من وصوله إلى جوفه فأشبه الغبار والدخان يدخل إلى ~~حلقه فلا يفطره وليس هو بمنزلة من أوجر ماء وهو صائم مكرها فيفطر من قبل ~~أنه ليس للعادة في هذا تأثير وإنما بينا حكم وصول الذباب إلى جوفه معلوما ~~على العادة في فتح الفم بالكلام وما كان مبنيا على العادة مما يشق الامتناع ~~عنه فقد خفف الله عن العباد فيه قال الله [وما جعل عليكم في الدين من حرج] ~~وأما الجنابة فإنها غير مانعة من صحة الصوم لقوله [فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل] فأطلق الجماع من أول الليل إلى آخره ~~ومعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه من الجماع طلوع الفجر أنه يصبح ~~جنبا وقد حكم ms0307 الله بصحة صيامه بقوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] وروت ~~عائشة وأم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير ~~احتلام ثم يصوم يومه ذلك # وروى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ثلاث لا يفطرن ~~الصائم القيء والحجامة والاحتلام) # وهو يوجب الجنابة وحكم النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك بصحة صومه فدل ~~على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم # وقد روى أبو هريرة خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أصبح ~~جنبا فلا يصومن يومه ذلك) # إلا أنه لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لا علم لي بهذا أخبرني به الفضل بن العباس وهذا مما يوهن خبره لأنه قال ~~بديا ما أنا قلت ورب الكعبة من أصبح جنبا فقد أفطر محمد قال # PageV01P241 # ذلك ورب الكعبة وأفتى السائل عن ذلك بالإفطار فلما أخبر برواية عائشة وأم ~~سلمة تبرأ من عهدته وقال لا علم لي بهذا إنما أخبرني به الفضل وقد روي عن ~~أبي هريرة الرجوع عن فتياه بذلك حدثنا عبد الباقي قال حدثنا إسماعيل بن ~~الفضل قال حدثنا ابن شبابة قال حدثنا عمرو بن الهيثم قال حدثنا هشام عن ~~قتادة عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رجع عن الذي كان يفتي من أصبح جنبا ~~فلا يصوم وعلى أنه لو ثبت خبر أبي هريرة احتمل أن لا يكون معارضا لرواية ~~عائشة وأم سلمة بأن يريد من أصبح على موجب الجنابة بأن يصبح مخالطا لامرأته ~~ومتى أمكننا تصحيح الخبرين واستعمالهما معا استعملناهما على ما أمكن من غير ~~تعارض فإن قيل جائز أن يكون رواية عائشة وأم سلمة مستعملة فيما وردت بأن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك دون أمته لأنهما أضافتا ذلك إلى ~~فعله وخبر أبي هريرة مستعمل في سائر الناس قيل له قد عقل أبو هريرة من ~~روايته مساواة النبي صلى الله عليه وسلم لغيره في هذا الحكم لأنه ms0308 قال حين ~~سمع رواية عائشة وأم سلمة لا علم لي بهذا وإنما أخبرني به الفضل بن العباس ~~ولم يقل إن رواية هاتين المرأتين غير معارضة لروايتي إذ كانت روايتهما ~~مقصورة على حال النبي صلى الله عليه وسلم وروايتي إنما هي في غيره من الناس ~~فهذا يبطل تأويلك وأيضا فإنه صلى الله عليه وسلم مساو للأمة في سائر ~~الأحكام إلا ما خصه الله تعالى به وأفرده من الجملة بتوقيف للأمة عليه ~~بقوله تعالى [فاتبعوه] وقوله [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] فهذه ~~الأمور التي ذكرنا مما تعبدنا فيه بالإمساك عنه في نهار رمضان هي من الصوم ~~المراد به في قوله تعالى [ثم أتموا الصيام إلى الليل] وقوله تعالى [فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه] فهي إذا من الصوم اللغوي والشرعي جميعا وأما ما ليس ~~بإمساك مما وصفنا فإنما هو من شرائطه ولا يكون الإمساك على الوجوه التي ~~ذكرنا صوما شرعيا إلا بوجود هذه الشرائط وذلك الإسلام والبلوغ والنية وأن ~~تكون المرأة غير حائض فمتى عدم شيء من هذه الشرائط خرج عن أن يكون صوما ~~شرعيا وأما الإقامة والصحة فهما شرط صحة لزومه ووجود المرض والسفر لا ينافي ~~صحة الصوم وإنما ينافي لزوم الصوم على جهة الوجوب ولو صاما لصح صومهما ~~وإنما قلنا البلوغ شرط في صحة لزومه # لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ ~~وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم) # ولا خلاف أنه لا يلزمه سائر العبادات فكذلك الصوم وقد يؤمر به المراهق ~~على # PageV01P242 # وجه التعليم ليعتاده وليمرن عليه لقوله تعالى [قوا أنفسكم وأهليكم نارا] ~~قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (مروهم بالصلاة لسبع ~~واضربوهم عليها لعشر) # وليس ذلك على وجه التكليف وإنما هو على وجه التعليم والتأديب وأما ~~الإسلام فإنما كان شرطا في صحة فعله لقوله [لئن أشركت ليحبطن عملك] فلا تصح ~~له قربة إلا على شرط كونه مؤمنا وأما العقل ms0309 فإن فقدت معه النية والإرادة ~~فإنما ينفى عنه صحة الصوم لعدم النية فإن وجدت منه النية من الليل ثم عزب ~~عقله لم ينف ذلك صحة صومه وإنما قلنا إن النية شرط في صحة الصوم من قبل أنه ~~لا يكون صوما شرعيا إلا بأن يكون فاعله متقربا به إلى الله عز وجل ولا تصح ~~القربة إلا بالنية والقصد لها قال الله تعالى [لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها ولكن يناله التقوى منكم] فأخبر عز وجل أن شرط التقوى تحري موافقة ~~أمره ولما كان الشرط كونه متقيا فعل الصوم من المفروض لم يحصل له ذلك إلا ~~بالنية لأن التقوى لا تحصل له إلا بتحري موافقة أمر الله والقصد إليه وقال ~~تعالى [وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين] ولا يكون إخلاص الدين ~~له إلا بقصده به إليه راغبا عن أن يريد به غيره فهذه أصول في تعلق صحة ~~الفروض بالنيات ولا خلاف بين المسلمين في أن من شرط الصلاة والزكاة والحج ~~والكفارات إيجاد النية لها لأنها فروض مقصوده لأعينها فكان حكم الصوم حكمها ~~لهذه العلة بعينها فإن قيل جميع ما استدللت به على كون النية شرطا في الصوم ~~وفي سائر الفروض يلزمك شرط النية في الطهارة إذ كانت فرضا من الفروض قيل له ~~ليس ذلك على ما ظننت لأن الطهارة ليست فرضا مقصودا لعينها وإنما المقصود ~~غيرها وهي شرط فيه فقيل لنا لا تصلوا إلا بطهارة كما قيل لا تصلوا إلا ~~بطهارة من بحاسة ولا تصلوا إلا بستر العورة فليست هذه الأشياء مفروضة ~~لأنفسها فلم يلزم إيجاد النية لها ألا ترى أن النية نفسها لما كانت شرطا ~~لغيرها ولم تكن مفروضة لنفسها صحة بغير نية توجد لها فانفصل بما ذكرنا حكم ~~الفروض المقصودة لأعيانها وحكم ما جعل منها شرطا لغيره وليس هو بمفروض ~~لنفسه فلما كانت الطهارة بالماء شرطا لغيرها وليست أيضا ببدل عن سواها لم ~~يلزم فيها النية ولا يلزم على هذا إيجابنا النية في التيمم لأنه بدل عن ~~غيره ms0310 فلا يكون طهورا إلا بانضمام النية إليه إذ ليس هو طهورا في نفسه بل هو ~~بدل عن غيره ولم يختلف الأمة في أن كل صوم واجب في الذمة فشرط صحته # PageV01P243 # إيجاد النية له فوجب أن يكون كذلك حكم صوم رمضان في كون النية شرطا لصحته ~~وشبه زفر صوم رمضان بالطهارة في إسقاط النية لهما من قبل أن الطهارة مفروضة ~~في أعضاء بعينها فكان الصوم مشبها لها في كونه مفروضا في وقت مستحق العين ~~له وهذا عند سائر الفقهاء ليس كذلك لأن العلة التي ذكرها للطهارة غير ~~موجودة في الصوم إذ جعل علة الطهارة أنها مفروضة في موضع بعينه وهذا المعنى ~~غير موجود في الصوم لأنه غير موضوع في موضع بعينه وإنما هو موضوع في وقت ~~معين لا في موضع معين وعلى أن هذه العلة منتقضة بالطواف لأنه مفروض في موضع ~~معين ولو عدا رجل خلف غريم له يوم النحر حوالي البيت لم يكن طائفا طواف ~~الزيارة وكذلك لو كان يسقي الناس هناك وبين الصفا والمروة لم يجزه ذلك من ~~الواجب فإذا كانت هذه العلة غير موجبة للحكم في معلولها من الطواف والسعي ~~فبأن لا يوجب حكمها فيما ليست فيه موجودة أولى وعلى أن الطهارة مخالفة ~~للصوم لما بينا من أنها غير مفروضة لنفسها وإنما هي شرط لغيرها لا على وجه ~~البدل فلم تجب أن تكون النية شرطا فيها كأنه قيل لا تصل إلا وأنت طاهر من ~~الحدث ومن النجاسة ولا تصل إلا مستور العورة وليس شرط غسل النجاسة وستر ~~العورة النية كذلك الطهارة بالماء وأما الصوم فإنه مفروض مقصود لعينه كسائر ~~الفروض التي ذكرنا فوجب أن يكون شرط صحته إيجاد النية له ومعنى آخر وهو أنا ~~قد علمنا أن الصوم على ضربين منه الصوم اللغوي ومنه الصوم الشرعي وأن ~~أحدهما إنما ينفصل من الآخر بالنية مع ما قدمنا من شرائطه ومتى لم توجد له ~~النية كان صوما لغويا لا حظ فيه للشرع فلذلك وجب اعتبار النية في صوم رمضان ~~ألا ms0311 ترى أن من أمسك في يوم من غير رمضان عما # يمسك عنه الصائم ولم يكن له نية الصوم أن صومه ذلك لا يكون صوم شرع وصوم ~~التطوع مشبه لصوم رمضان في جواز ترك النية له من الليل فلما لم يكن صائما ~~متطوعا بالإمساك دون النية وجب أن يكون صوم رمضان كذلك ويلزم زفر أن يجعل ~~المغمى عليه أياما في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب صائما لوجود الإمساك وهذا ~~إن التزمه قائل كان قائلا قولا مستشنعا وإنما قلنا إنه يحتاج إلى إيجاد ~~النية كل يوم إما من الليل أو قبل الزوال من قبل أنا قد بينا أن صوم رمضان ~~لا يصح إلا بنية ومن حيث افتقر إلى نية في أول الشهر وجب أن يكون اليوم ~~الثاني مثله لأنه يخرج بالليل من الصوم ومتى خرج منه # PageV01P244 # احتاج في دخوله فيه إلى نية وقال مالك ما لم يكن وجوبه معينا من الصيام ~~لم يصح إلا بنية من الليل وما كان وجوبه في وقت بعينه كأن يعلمه ذلك الوقت ~~صائما واستغنى عن نية الصيام بذلك فإذا قال لله علي أن أصوم شهرا متتابعا ~~فصام أول يوم أنه يجزيه باقي الأيام بغير نية وهو قول الليث بن سعد وقال ~~الثوري في صوم التطوع إذا نواه في آخر النهار أجزأه قال وقال إبراهيم ~~النخعي له أجر ما يستقبل وهو مذهب الحسن بن صالح وقال الثوري يحتاج في صوم ~~رمضان أن ينويه من الليل وقال الأوزاعي يجزيه نية صوم رمضان بعد نصف النهار ~~وقال الشافعي لا يجزي كل صوم واجب رمضان وغيره إلا بنية من الليل ويجزي صوم ~~التطوع بنية قبل الزوال فأما الدلالة على بطلان قول من اكتفى بنية واحدة ~~للشهر كله فهو ما قدمنا من افتقار صوم اليوم الثاني إلى الدخول فيه والدخول ~~في الصوم لا يصح إلا بنية فوجب أن يكون شرط اليوم الثاني إيجاد النية ~~كاليوم الأول فإن قيل يكتفي بالنية الأولى وهي نية لجميع الشهر كما يتجزى ~~في الصلاة بنية واحدة ms0312 في أولها ولا يحتاج إلى تجديد النية لكل ركعة والمعنى ~~الجامع بينهما أن الصلاة الواحدة لا تتخلل ركعاتها صلاة أخرى غيرها كما لا ~~يتخلل صيام شهر رمضان صيام من غيره قيل له لو جاز أن يكتفي بنية واحدة ~~للشهر لجاز أن يكتفي بها لعمره كله فلما بطل هذا واحتاج إلى نية لأول يوم ~~لم يجز أن تكون تلك النية لسائر أيام الشهر كما لا يجوز أن تكون لسائر عمره ~~وأما تشبيهه بالصلاة فلا معنى له لأن الصلاة إنما اكتفي فيها بنية واحدة ~~لأن الجميع مفعول بتحريمة واحدة ألا ترى أنه لا يصح بعضها دون بعض فكانت ~~الركعات كلها مبنية على تلك التحريمة ألا ترى أنه متى ترك ركعة حتى خرج ~~منها بطلت صلاته كلها وأنه لو ترك صوم يوم من رمضان بأن أفطر فيه لم يبطل ~~عليه صوم سائر الشهر ومن جهة أخرى أنه لا يخرج من الصلاة بفعل الركعة ~~الأولى فلم يحتج إلى نية أخرى إذ النية إنما يحتاج إليها للدخول فيها فأما ~~الصوم فإنه إذا دخل الليل خرج من الصوم ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أقبل الليل من هاهنا وغابت الشمس فقد ~~أفطر الصائم) # فاحتاج بعد الخروج من صوم اليوم الأول إلى الدخول في اليوم الثاني فلم ~~يصح له ذلك إلا بالنية المتجددة وإنما أجاز أصحابنا ترك النية من الليل في ~~كل صوم مستحق العين إذا نواه قبل الزوال لقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه] وهذا قد شهد الشهر فواجب أن يكون مأمورا بصومه # PageV01P245 # وواجب أن يجزيه إذا فعل ما أمر به ومن جهة السنة وهو ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء ~~فقال من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم بقية يومه # وقد روي أنه أمر الآكلين بالقضاء # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن علي بن مسلم قال حدثنا محمد ~~بن منهال قال حدثنا يزيد بن ربيع قال حدثنا شعبة عن قتادة ms0313 عن عبد الرحمن ~~ابن سلمة عن عمه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال ~~(أصمتم يومكم هذا قالوا لا قال فأتموا يومكم هذا واقضوا) # فدل ذلك على معنيين أحدهما أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا ولذلك أمر ~~بالقضاء من أكل والثاني أنه فرق بين الآكلين ومن لم يأكل فأمر الآكلين ~~بالإمساك والقضاء والذين لم يأكلوا بالصوم فدل ذلك على أن من الصوم ما كان ~~مفروضا في وقت بعينه فجائز ترك النية من الليل لأنه لو كان شرط صحته إيجاد ~~النية له من الليل لما أمرهم بالصيام ولكانوا حينئذ بمنزلة الآكلين في باب ~~امتناع صحة صومهم ووجوب القضاء عليهم فثبت بما وصفنا أنه ليس شرط صحة الصوم ~~المستحق العين وجود النية له من الليل وأنه جائز له أن يبتدئ النية له في ~~بعض النهار فإن قيل إنما جاز ترك النية له من الليل لأن الفرض لم يكن تقدم ~~قبل ذلك الوقت وإنما هو فرض مبتدأ لزمهم في بعض النهار فلذلك أجزى له مع ~~ترك النية من الليل وأما بعد ثبوت فرض الصوم فغير جائز إلا أن يوجد له نية ~~من الليل قيل له لو كان إيجاد النية من الليل من شرائط صحته لوجب أن يكون ~~عدمها مانعا صحته كما أنه لما كان ترك الأكل من شرائط صحة الصوم كان وجوده ~~مانعا منه وأن لا يختلف في ذلك حكم الفرض المبتدأ في بعض النهار وحكم ما ~~تقدم فرضه فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين بالإمساك وأمرهم مع ~~ذلك بالقضاء لأن ترك الأكل من شرط صحته ولم يأمر تاركي النية من الليل ~~بالقضاء وحكم لهم بصحة صومهم إذا ابتدءوه في بعض النهار ثبت بذلك أن إيجاد ~~النية من الليل ليس بشرط في الصوم المستحق العين وصار ذلك أصلا في نظائره ~~مما يوجبه الإنسان على نفسه من الصوم في وقت بعينه أنه يصح بنية يحدثها ~~بالنهار قبل الزوال فإن قيل فرض صوم عاشوراء منسوخ برمضان فكيف يستدل ~~بالمنسوخ على ms0314 صوم ثابت الحكم مفروض قيل له أنه وإن نسخ فرضه فلم ينسخ ~~دلالته فيما دلت عليه من نظائره ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس قد ~~نسخ ولم ينسخ بذلك سائر أحكام الصلاة وكذلك قد نسخ فرض صلاة الليل ولم ينسخ ~~سائر أحكام # PageV01P246 # الصلاة ولم يمنع نسخها من الاستدلال بقوله تعالى [فاقرؤا ما تيسر من ~~القرآن] في إثبات التخيير في إيجاب القراءة بما شاء منه وإن كان ذلك نزل في ~~شأن صلاة الليل وإنما قالوا إنه يجزي أن ينويه قبل الزوال ولا يجوز بعده ~~لما # روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي ~~فقال (من تغدى منكم فيمسك ومن لم يتغد فليصم) # والغداء على ما قبل الزوال ثم لا يخلو ذكر الغداء من وجهين إما أن يكون ~~قال ذلك بالغداء قبل الزوال أو بين لهم أن جواز النية متعلق بوجودها قبل ~~الزوال في وقت يسمى غداء وإلا كان اقتصر على ذكر الأكل دون ذكر الغداء لو ~~كان حكم ما قبل الزوال وبعده سواء فلما أوجب أن يكسو هذا اللفظ فائدته لئلا ~~يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن فائدة وجب أن يختلف حكم نيته قبل ~~الزوال وبعده وإنما أجازوا ترك النية من الليل في صوم التطوع بما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال حدثنا ~~مسلم بن عبد الرحمن السلمي البلخي قال حدثنا عمر بن هارون عن يعقوب بن عطاء ~~عن أبيه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع للصوم ~~فيبدو له فيصوم قالت عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقول (هل ~~عندكم من طعام فإن كان وإلا قال فإني إذا صائم) # فإن قيل إذا لم يعزم النية من الليل حتى أصبح فقد وجد غير صائم في بعض ~~النهار فكان بمنزلة الآكل فلا يصح له صوم يومه قيل له # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء ms0315 صوم التطوع في بعض النهار # واتفق الفقهاء عليه ولم يجعلوا ما مضى من النهار عاريا من نية متقدمة ~~مانعا من صحة صومه ولم يكن ذلك بمنزلة الأكل في أول النهار في منع صحة صوم ~~التطوع فكذلك عدم نية الصوم في المستحق العين من الصيام لا يمنع ابتداء ~~صومه ولا يكون عدم النية في أوله بمنزلة وجود الأكل فيه كما لم يكن ذلك ~~حكمه في التطوع وأيضا فلو نوى الصوم من الليل ثم عزبت نيته لم يكن عزوب ~~نيته مانعا من صحة صومه ولم يكن شرط بقائه استصحاب النية له فلذلك جاز ترك ~~النية في أول النهار لبعض من الصوم على حسب قيام الدلالة عليه ولا يمنع ذلك ~~صحة صومه ولو ترك الأكل في أول النهار ثم أكل في آخره كان ذلك مبطلا لصومه ~~ولم يكن وجود الأكل بمنزلة عزوب النية فاستوى حكم الأكل في الابتداء ~~والبقاء واختلف ذلك في حكم النية فلذلك اختلفا ولم يمتنع أن يكون غير ناو ~~للصوم في أوله ثم ينويه في بعض النهار فيكون ما مضى من اليوم محكوما له ~~بحكم الصوم كما يحكم # PageV01P247 # له بحكم الصوم مع عزوب النية فإن قيل لما لم يصح له الدخول في الصلاة إلا ~~بنية مقارنة لها كان كذلك حكم الصوم قيل له هذا غلط لأنه لا خلاف بين ~~المسلمين في جواز صوم من نواه من الليل ثم نام فأصبح نائما وأن صومه تام ~~صحيح من غير مقارنة نية الصوم بحال الدخول ولو نوى الصلاة ثم اشتغل عنها ثم ~~تحرم بالصلاة لم تصح إلا بنية يحدثها عند إرادته الدخول فلما لم يكن شرط ~~الدخول في الصوم مقارنة النية له عند الجميع وكان شرط الدخول في الصلاة ~~مقارنة النية لم يجز أن يحكم له بحكم الصلاة إلا بعد وجود نية الدخول في ~~ابتدائها ولم يجز اعتبار الصوم بالصلاة في حكم النية وأيضا # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ صوم التطوع في بعض ~~النهار # واتفق الفقهاء على ms0316 تلقي هذا الخبر بالقبول واستعمالهم له واتفقوا أيضا ~~أنه لا يصح له الدخول في صلاة التطوع إلا بنية تقارنها فعلمنا أن نية الصوم ~~غير معتبرة بنية الصلاة من الوجه الذي ذكرت وأما ما كان من الصوم الواجب في ~~الذمة غير مفروض في وقت معين فإنه لا يجوز ترك النية فيه من الليل والأصل ~~فيه # حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا صيام لمن يعزم عليه ~~من الليل) # وكان عموم ذلك يقتضى إيجاب النية من الليل لسائر ضروب الصوم إلا أنه لما ~~قامت الدلالة في الصوم المستحق العين وصوم التطوع سلمناه للدلالة وخصصناه ~~من الجملة وبقي حكم اللفظ فيما عداه ولا يختلف على ذلك صوم شهرين متتابعين ~~وقضاء رمضان لأن صوم الشهرين المتتابعين غير مستحق العين وأي وقت ابتدأ فيه ~~فهو وقت فرضه فكان كسائر الصوم الواجب في الذمة والأحكام المستفادة من قوله ~~[فمن شهد منكم الشهر فليصمه] إلزام صوم الشهر من كان منهم شاهدا له وشهود ~~الشهر ينقسم إلى أنحاء ثلاثة العلم به من قولهم شاهدت كذا وكذا والإقامة في ~~الحضر من قولك مقيم ومسافر وشاهد وغائب وأن يكون من أهل التكليف على ما ~~بينا ثم أفاد من نسخ فرض أيام معدودات على قول من قال إن صوم الأيام ~~المعدودات كان فرضا غير رمضان ثم نسخ به ونسخ به أيضا التخيير بين الفدية ~~والصوم للصحيح المقيم وأفاد أن من رأى الهلال وحده فعليه صومه وحكم آخر وهو ~~أن من علم بالشهر بعد ما أصبح أو كان مريضا فبرأ ولم يأكل ولم يشرب أو ~~مسافر قدم فعليهم صومه إذ هم شاهدون للشهر وأفاد أن فرض الصيام مخصوص بمن ~~شهد الشهر دون غيره وأن من ليس من أهل التكليف أو ليس بمقيم # PageV01P248 # أو لم يعلم به فغير لازم له وأفاد تعيين الشهر لهذا الفرض حتى لا يجوز ~~تقديمه عليه ولا تأخيره عنه لمن شهده وأفاد أن مراده بعض الشهر لا جميعه في ~~شرط لزوم الصوم وأن الكافر إذا ms0317 أسلم في بعضه والصبي إذا بلغ فعليهما صوم ~~بقية الشهر وأفاد أن من نوى بصيامه تطوعا أجزأه لورود الأمر مطلقا بفعل ~~الصوم غير مخصوص بصفة ولا مقيد بشرط فاقتصر جوازه على أي وجه صامه ويحتج به ~~من يقول إنه إذا صام وهو غير عالم بالشهر لم يجزه ويحتج به أيضا من يقول ~~إذا طرئ عليه شهر رمضان وهو مقيم ثم سافر لم يفطر لقوله تعالى [فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه] فهذا الذي حضرنا من ذكر فوائد قوله [فمن شهد منكم ~~الشهر] ولا ندفع أن يكون فيه عدة فوائد غيرها لم يحط علمنا بها وعسى أن نقف ~~عليها في وقت غيره أو يستنبطها غيرنا وأما ما تضمنه قوله [فليصمه] فهو ما ~~قدمنا ذكره من الأمور التي أمرنا بالإمساك عنها في حال الصوم منها متفق ~~عليه ومنها مختلف فيه وما قدمناه من ذكر شرائطه وإن لم يكن صوما في نفسه ~~وقد تقدم بيان حكم المريض والمسافر بعون الله وكرمه. ### | باب كيفية شهود الشهر # قال الله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] # وقال تعالى [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان ابن داود قال ~~حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (الشهر تسع وعشرون ولا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم ~~عليكم فاقدروا له) # قال وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسع وعشرين نظر له فإن رأى فذلك وإن لم ~~يرو لم يحل دون منظره سحاب أو قترة أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو ~~قترة أصبح صائما قال وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب قال ~~أبو بكر # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته) # موافق لقوله تعالى [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] واتفق ~~المسلمون على معنى الآية والخبر في اعتبار رؤية الهلال في إيجاب صوم رمضان ~~فدل ms0318 ذلك على أن رؤية الهلال هي شهود الشهر وقد دل قوله [يسئلونك عن الأهلة] ~~على أن الليلة التي يرى فيها الهلال من الشهر المستقبل دون الماضي وقد ~~اختلف في معنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم (فإن غم عليكم فاقدروا له) # فقال قائلون أراد به اعتبار منازل # PageV01P249 # القمر فإن كان في موضع القمر لو لم يحل دونه سحاب وقترة ورؤي يحكم له ~~بحكم الرؤية في الصوم والإفطار وإن كان على غير ذلك لم يحكم له بحكم الرؤية ~~وقال آخرون فعدوا شعبان ثلاثين يوما أما التأويل الأول فساقط الاعتبار لا ~~محالة لإيجابه الرجوع إلى قول المنجمين ومن تعاطى معرفة منازل القمر ~~ومواضعه وهو خلاف قول الله تعالى [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس] ~~فعلق الحكم فيه برؤية الأهلة ولما كانت هذه عبادة تلزم الكافة لم يجز أن ~~يكون الحكم فيه متعلقا بما لا يعرفه إلا خواص من الناس ممن عسى لا يسكن إلى ~~قولهم والتأويل الثاني هو الصحيح وهو قول عامة الفقهاء وابن عمر راوي الخبر ~~وقد ذكر عنه في الحديث أنه لم يكن يأخذ بهذا الحساب وقد بين في حديث آخر ~~معنى قوله فاقدروا له بنص لا تأويل فيه وهو ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن العباس المؤدب قال حدثنا ~~شريح بن النعمان قال حدثنا فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذكر عنده شهر رمضان فقال (لا تصوموا حتى تروا الهلال ~~فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين) # فأوضح هذا الخبر معنى قوله فاقدروا بما سقط به تأويل المتأولين ويدل على ~~بطلان تأويلهم أيضا ما # رواه حماد بن سلمة عن سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبين ~~منظره سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين) فأمر صلى الله عليه وسلم بعد ثلاثين # مع جواز الرؤية لو لم يحل بيننا وبينه سحاب أو قترة ms0319 ولم يوجب الرجوع إلى ~~قول من يقول لو لم يحل بيننا وبينه حائل من سحاب أو غيره لرأيناه وقد روي ~~في ذلك أيضا ما هو أوضح من هذا وهو ما # حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال حدثنا يونس بن حبيب قال ~~حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صوموا رمضان لرؤيته فإن حال بينكم ~~غمامة أو ضبابة فأكملوا عدة شهر شعبان ثلاثين ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم ~~من شعبان # فأوجب عد شعبان ثلاثين عند حدوث الحائل بيننا وبين رؤيته من سحاب أو نحوه ~~فالقائل باعتبار منازل القمر وحساب المنجمين خارج عن حكم الشريعة وليس هذا ~~القول مما يسوغ الاجتهاد فيه لدلالة الكتاب ونص السنة وإجماع الفقهاء ~~بخلافه # وقوله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين) # هو أصل في اعتبار الشهر ثلاثين # PageV01P250 # ثلاثين إلا أن يرى قبل ذلك الهلال فإن كل شهر غم علينا هلاله فعلينا أن ~~نعده ثلاثين هذا في سائر الشهور التي يتعلق بها الأحكام وإنما يصير إلى أقل ~~من ثلاثين برؤية الهلال ولذلك قال أصحابنا من آجر داره عشرة أشهر وهو في ~~بعض الشهر أنه يكون تسعة أشهر بالأهلة وشهر ثلاثين يوما يكمل الشهر الأول ~~من آخر شهر بمقدار نقصانه لأن الشهر الأول ابتداؤه بغير هلال فاستوفى له ~~ثلاثين يوما وسائر الشهور بالأهلة فلم يعتبر غيرها وقالوا لو آجره في أول ~~الشهر لكانت كلها بالأهلة وقد اختلف في الشهادة على رؤية الهلال فقال ~~أصحابنا جميعا تقبل في رؤية هلال رمضان شهادة رجل عدل إذا كان في السماء ~~علة وإن لم تكن في السماء علة لم يقبل إلا شهادة الجماعة الكثيرة التي يوجب ~~خبرها العلم وقد حكي عن أبي يوسف أنه حد في ذلك خمسين رجلا وكذلك هلال شوال ~~وذي الحجة إذا لم يكن بالسماء علة فإن كان بالسماء علة لم يقبل فيها ms0320 إلا ~~شاهد عدلين يقبل مثلهما في الحقوق وقال مالك والثوري والأوزاعي والليث ~~والحسن بن حي وعبيد الله لا يقبل في هلال رمضان وشوال إلا شهادة عدلين وقال ~~المزني عن الشافعي إن شهد على رؤية هلال رمضان عدل واحد رأيت أن أقبله ~~للأثر فيه والاحتياط والقياس في ذلك أن لا يقبل إلا شاهدان ولا أقبل على ~~رؤية هلال الفطر إلا عدلين قال أبو بكر إنما اعتبر أصحابنا إذا لم يكن ~~بالسماء علة شهادة الجمع الكثير الذين يقع العلم بخبرهم لأن ذلك فرض قد عمت ~~الحاجة إليه والناس مأمورون بطلب الهلال فغير جائز أن يطلبه الجمع الكثير ~~ولا علة بالسماء مع توافي هممهم وحرصهم على رؤيته ثم يراه النفر اليسير ~~منهم ولا يراه الباقون مع صحة أبصارهم وارتفاع الموانع عنهم فإذا أخبر بذلك ~~النفر اليسير منهم دون كافتهم علمنا أنهم غالطون غير مصيبين فإما أن يكونوا ~~رأوا خيالا فظنوه هلالا أو تعمدوا الكذب إذ جواز ذلك عليهم غير ممتنع وهذا ~~أصل صحيح تقتضي العقول بصحته وعليه مبنى أمر الشريعة والخطأ فيه يعظم ضرره ~~ويتوصل به الملحدون إلى إدخال الشبهة على الأغمار والحشو وعلى من لم يتيقن ~~ما ذكرنا من الأصل ولذلك قال أصحابنا ما كان من أحكام الشريعة بالناس حاجة ~~إلى معرفته فسبيل ثبوته الاستفاضة والخبر الموجب للعلم وغير جائز إثبات ~~مثله بأخبار الآحاد نحو إيجاب الوضوء من مس الذكر ومس المرأة والوضوء مما ~~مست النار والوضوء مع عدم تسمية الله عليه فقالوا لما كانت البلوى # PageV01P251 # عامة من كافة الناس بهذه الأمور ونظائرها فغير جائز أن يكون فيه حكم الله ~~تعالى من طريق التوقيف إلا وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ووقف ~~الكافة عليه وإذا عرفته الكافة فغير جائز عليها ترك النقل والاقتصار على ما ~~ينقله الواحد منهم بعد الواحد لأنهم مأمورون بنقله وهم الحجة على ذلك ~~المنقول إليهم وغير جائز لها تضييع موضع الحجة فعلمنا بذلك أنه لم يكن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في هذه الأمور ms0321 ونظائرها وجائز أن يكون كان ~~منه قول يحتمل المعاني فحمله الناقلون الأفراد على الوجه الذي ظنوه دون ~~الوجه الآخر نحو الوضوء من مس الذكر يحتمل غسل اليد على نحو # قوله صلى الله عليه وسلم (إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا ~~قبل أن يدخلها في الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده) # وقد بينا أصل ذلك في أصول الفقه وبتضييع هذا الأصل دخلت الشبهة على قوم ~~في انتحالهم القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على رجل بعينه واستخلفه ~~على الأمة وأن الأمة كتمت ذلك وأخفته فضلوا وأضلوا وردوا معظم شرائع ~~الإسلام وادعوا فيه أشياء ليست لها حقيقة ولا ثبات لا من جهة نقل الجماعات ~~ولا من جهة نقل الآحاد وطرقوا للملحدين أن يدعوا في الشريعة ما ليس منها ~~وسهلوا للإسماعيلية والزنادقة السبيل إلى استدعاء الضعفة والأغمار إلى أمر ~~مكتوم زعموا حين أجابوهم إلى تجويز كتمان الإمامة مع عظمها في النفوس ~~وموقعها من القلوب فحين سمحت نفوسهم بالإجابة إلى ذلك وضعوا لهم شرائع ~~زعموا أنها من المكتوم وتأولوها تأويلات زعموا أن ذلك تأويل الإمام فسلخوهم ~~من الإسلام وأدخلوهم في مذهب الخزمية في حال والصابئين في أخرى على حسب ما ~~صادفوا من قبول المستجيبين لهم وسماحة أنفسهم بالتسليم لهم ما ادعوه وقد ~~علمنا أن مجوز كتمان ذلك لا يمكنه إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~تصحيح معجزاته وكذلك سائر الأنبياء لأن مثلهم مع كثرة عددهم واختلاف هممهم ~~وتباعد أوطانهم إذا جاز عليهم كتمان أمر الإمامة فجائز عليهم أيضا التواطؤ ~~على الكذب إذ كان ما يجوز فيه التواطؤ على الكتمان فجائز فيه التواطؤ على ~~وضع خبر لا أصل له فيوجب ذلك أن لا نأمن أن يكون المخبرون بمعجزات النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانوا متواطئين على ذلك كاذبين فيه كما تواطؤ على كتمان ~~النص على الإمام ومن جهة أخرى أن الناقلين لمعجزات النبي صلى الله عليه ~~وسلم هم الذين زعمت هذه الفرقة الضالة أنها كفرت وارتدت بعد موت ms0322 النبي صلى ~~الله عليه وسلم بكتمانها أمر الإمام وأن الذين لم يرتدوا منهم كانوا خمسة ~~أو ستة # PageV01P252 # وخبر هذا القدر من العدد لا يوجب العلم ولا تثبت به معجزة وخبر الجم ~~الغفير والجمهور الكثير منهم غير مقبول عندهم لجواز اجتماعهم عندهم على ~~الكذب فصار صحة النقل مقصورة على العدد اليسير فلزمهم دفع معجزات النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإبطال نبوته فإن قيل أمر الأذان والإقامة ورفع اليدين في ~~تكبير الركوع وتكبيرات العيدين وأيام التشريق مما عمت البلوى به وقد ~~اختلفوا فيه فكل من يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا فإنما يرويه ~~من طريق الآحاد فلا يخلو حينئذ ذلك من أحد وجهين إما أن يكون لم يكن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة مع عموم الحاجة إليه وفي هذا ما ~~يبطل أصلك الذي بنيت عليه من أن كل ما بالناس إليه حاجة عامة فلا بد أن ~~يكون من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الأمة عليه أو أن يكون قد كان من ~~النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة على شيء بعينه فلم تنقله حين ورد ~~إلينا من طريق الآحاد وفي ذلك هدم قاعدتك أيضا في اعتبار نقل الكافة فيما ~~عمت به البلوى قيل له هذا سؤال من لم يضبط الأصل الذي بنينا عليه الكلام في ~~المسألة وذلك أنا قلنا ذلك فيما يلزم الكافة ويكونون متعبدين فيه بفرض لا ~~يجوز لهم تركه ولا مخالفته وذلك مثل الإمامة والفروض التي تلزم العامة وأما ~~ما ليس بفرض فهم مخيرون في أن يفعلوا ما شاءوا منه وإنما الخلاف بين ~~الفقهاء فيه في الأفضل منه وليس على النبي صلى الله عليه وسلم توقيفهم على ~~الأفضل مما خيرهم فيه وهذا سبيل ما ذكرت من أمر الأذان والإقامة وتكبير ~~العيدين والتشريق ونحوها من الأمور التي نحن مخيرون فيها وإنما الخلاف بين ~~الفقهاء في الأفضل منها فلذلك جاز ورود بعض الأخبار فيه من طريق الآحاد ~~ويحمل الأمر على أن النبي صلى الله عليه ms0323 وسلم قد كان منه جميع ذلك تعليما ~~منه على وجه التخيير وليس ذلك مثل ما قد وقفوا عليه وحظر عليهم مجاوزته ~~وتركه إلى غيره مع بلواهم به فالذي ذكرناه من الخبر عن رؤية الهلال إذا لم ~~تكن بالسماء علة من الأصل الذي قدمنا أن ما عمت به البلوي فسبيل وروده ~~أخبار التواتر الموجبة للعلم وأما إذا كان بالسماء علة فإن مثله يجوز خفاؤه ~~على الجماعة حتى لا يراه منهم إلا الواحد والاثنان من خلل السحاب إذا انجاب ~~عنه لم يستره قبل أن # يتبينه الآخرون فلذلك قبل فيه خبر الواحد والاثنين ولم يشترط فيه ما يوجب ~~العلم وإنما قبل أصحابنا خبر الواحد في هلال رمضان لما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن # PageV01P253 # عكرمة عن ابن عباس أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا ولا ~~يصوموا فجاء أعرابي من الحرة فشهد أنه رأى الهلال فأتي به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال (أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال نعم وشهد أنه ~~رأى الهلال فأمر بلالا أن ينادي في الناس فنادى في الناس أن يقوموا وأن ~~يصوموا) # قال أبو داود وأن يقوموا كلمة لم يقلها إلا حماد بن سلمة وحدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد وعبد الله بن عبد الرحمن ~~السمرقندي وأنا بحديثه أتقن قالا حدثنا مروان بن محمد عن عبد الله ابن وهب ~~عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال ~~تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام ~~وأمر الناس بصيامه وأيضا فإن صوم رمضان فرض يلزم من طريق الدين فإذا تعذر ~~وجود الاستفاضة فيه وجب قبول أخبار الآحاد كأخبار الآحاد المروية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أحكام الشرع الذي ليس من شرطه ms0324 الاستفاضة ولذلك قبلوا ~~خبر المرأة والعبد والمحدود في القذف إذا كان عدلا كما يقبل في الرواية عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما عاضد القياس من الآثار المروية فيه ~~وأما هلال شوال وذي الحجة فإنهم لم يقبلوا فيه إلا شهادة رجلين عدلين ممن ~~تقبل شهادتهم في الأحكام لما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو ~~يحيى البزاز قال أخبرنا سعيد بن سليمان قال حدثنا عباد عن أبي مالك الأشجعى ~~قال حدثنا حسين بن الحرث الجدلي من جديلة قيس أن أمير مكة خطب ثم قال عهد ~~إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك لرؤية الهلال فإن لم نره وشهد ~~شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما # فسألت الحسين بن الحرث من أمير مكة فقال لا أدري ثم لقيني بعد ذلك فقال ~~هو الحرث بن حاطب أخو محمد بن حاطب ثم قال الأمير إن فيكم من هو أعلم بالله ~~ورسوله مني وشهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومأ بيده إلى رجل ~~قال الحسين فقلت لشيخ إلى جنبي من هذا الذي أومأ إليه الأمير قال عبد الله ~~بن عمر وصدق كان أعلم بالله منه فقال بذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # فقوله أمرنا أن ننسك لرؤية الهلال إنما هو على صلاة العيد والذبح يوم ~~النحر لوقوع اسم النسك عليهما دون صوم رمضان لأن الصوم لا يتناوله هذا ~~الاسم مطلقا وقد يتناول الصلاة والذبح ألا ترى إلى قوله تعالى [ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك] فجعل النسك غير الصيام والدليل على أن النسك يقع على ~~صلاة العيد # حديث البراء بن عازب أن # PageV01P254 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم النحر (إن أول نسكنا في يومنا هذا ~~الصلاة ثم الذبح) # فسمى الصلاة نسكا وقد سمى الله الذبح نسكا في قوله [إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله] وفي قوله [أو صدقة أو نسك] فثبت بذلك أن قوله عهد إلينا ~~رسول ms0325 الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك بشهادة شاهدي عدل قد انتظم صلاة ~~العيد للفطر والذبح يوم النحر فوجب أن لا يقبل فيه أقل من شاهدين ومن جهة ~~أخرى أن الاستظهار بفعل الفرض أولى من الاستظهار بتركه فاستظهروا للفطر ~~بشهادة رجلين لأن الإمساك فيما لا صوم فيه خير من الأكل في يوم الصوم فإن ~~قيل في هذا ترك الاستظهار لأنه جائز أن يكون يوم الفطر وقد شهد به شاهد ~~فإذا لم تقبل شهادته واعتبرت الاستظهار برجلين فلست تأمن أن تكون صائما يوم ~~الفطر وفيه مواقعة المحظور وضد الاحتياط قيل له إنما حظر علينا الصوم فيه ~~إذا علمنا أنه يوم الفطر فأما إذا لم يثبت عندنا أنه يوم الفطر فالصيام فيه ~~غير محظور فإذا لم يثبت يوم الفطر ووقفنا بين فعل الصوم وتركه كان فعله ~~أحوط من تركه لما بينا حتى يثبت أنه يوم الفطر بشهادة من يقطع الحقوق ~~بشهادته وقوله عز وجل [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] يدل على النهي عن صيام ~~يوم الشك من رمضان لأن الشاك غير شاهد للشهر إذ هو غير عالم به فغير جائز ~~له أن يصومه عن رمضان ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا شعبان ثلاثين) # فحكم لليوم الذي غم علينا هلاله بأنه من شعبان وغير جائز أن يصام شعبان ~~عن رمضان مستقبل ويدل عليه ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الفضل بن مخلد المؤدب قال حدثنا محمد ~~بن ناصح قال حدثنا بقية عن علي القرشي قال أخبرني محمد بن عجلان عن صالح ~~مولى التوأمة عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم ~~يوم الدأدأة وهو اليوم الذي يشك فيه لا يدرى من شعبان هو أم من رمضان # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله بن ~~نمير قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عن صلة ms0326 قال ~~كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتي بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار ~~من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) # ولا تقدموا بين يديه بصيام يوم # PageV01P255 # ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم ومعاني هذه الآثار ~~موافقة لدلالة قوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ولا يرى أصحابنا ~~بأسا بأن يصومه تطوعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكم بأنه من شعبان ~~فقد أباح صومه تطوعا وقد اختلف في الهلال يرى نهارا فقال أبو حنيفة ومحمد ~~ومالك والشافعي إذا رأى الهلال نهارا فهو لليلة المستقبلة ولا فرق عندهم ~~بين رؤيته قبل الزوال وبعده وروي مثله عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعبد ~~الله بن مسعود وعثمان بن عفان وأنس بن مالك وأبي وائل وسعيد ابن المسيب ~~وعطاء وجابر بن زيد وروي عن عمر بن الخطاب فيه روايتان إحداهما أنه إذا رأى ~~الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رآه بعد الزوال فهو لليلة ~~المستقبلة وبه أخذ أبو يوسف والثوري وروى سفيان الثوري عن الركين بن الربيع ~~عن أبيه قال كنت مع سليمان بن ربيعة ببلنجر فرأيت الهلال ضحى فأخبرته فجاء ~~فقام تحت شجرة فنظر إليه فلما رآه أمر الناس أن يفطروا قال أبو بكر قال ~~الله تعالى [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل] وقد كان هذا الرجل مخاطبا بفعل الصوم في ~~آخر رمضان مرادا بقوله تعالى [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر] فواجب أن يكون داخلا في خطاب قوله [ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل] لأن الله تعالى لم يخص حالا من حال ms0327 فهو على سائر الأحوال سواء ~~رأى الهلال بعد ذلك أو لم يره ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن رؤيته ~~بعد الزوال لم يزل عنه الخطاب بإتمام الصوم بل كان داخلا في حكم اللفظ ~~فكذلك رؤيته قبل الزوال لدخوله في عموم اللفظ ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته # ومعلوم أن مراده صوم يستقبله بعد الرؤية والدلالة على ذلك من وجهين ~~أحدهما استحالة الأمر بصوم يوم ماض والآخر اتفاق المسلمين على أنه إذا رأى ~~الهلال في آخر ليلة من شعبان كان عليه صيام ما يستقبل من الأيام فثبت أن # قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته # إنما هو صوم بعد الرؤية فمن رأى الهلال نهارا قبل الزوال في آخر يوم من ~~شعبان لزمه صوم ما يستقبل دون ما مضى لقصور مراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~على صوم يفعله بعد الرؤية وأيضا # قال النبي صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين) # فأوجب بذلك اعتبار الثلاثين لكل شهر يخفى علينا رؤية الهلال فيه فلو ~~احتمل # PageV01P256 # الهلال الذي رأى نهارا الليلة الماضية واحتمل الليلة المستقبلة لكان ~~الاحتمال لذلك جاعله في حكم ما خفي علينا رؤيته فواجب أن يعد الشهر ثلاثين ~~يوما بقضية قوله صلى الله عليه وسلم فإن قيل لما # قال صلى الله عليه وسلم وأفطروا لرؤيته # اقتضى ظاهر الأمر بالإفطار أي وقت رأى الهلال فيه فلما اتفق الجميع على ~~أنه مزجور عن الإفطار لرؤيته بعد الزوال خصصناه منه وبقي حكم العموم في ~~رؤيته قبل الزوال قيل له مراده صلى الله عليه وسلم رؤيته ليلا بدلالة أن ~~رؤيته بعد الزوال لا توجب له الإفطار لأنه رآه نهارا وكذلك حكمه قبل الزوال ~~لوجود هذا المعنى وأيضا لو كان ذلك محمولا على حقيقته لاقتضى أن يكون ما ~~بعد الرؤية من ذلك اليوم من شوال وما قبله من رمضان لحصول اليقين بأن مراده ~~الإفطار لرؤية متقدمة لا لرؤية متأخرة عنه لاستحالة أمره بالإفطار ms0328 في وقت ~~قد تقدم الرؤية فيوجب ذلك أن يكون ما بعد الرؤية من هذا اليوم من شوال وما ~~قبلها من رمضان فيكون الشهر تسعة وعشرين يوما وبعض يوم وقد حكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم للشهر بأحد عددين من ثلاثين أو تسعة وعشرين # لقوله صلى الله عليه وسلم الشهر تسعة وعشرون # وقوله الشهر ثلاثون # واتفقت الأمة على وجوب اعتقاد معنى هذا الخبر في أن الشهر لا ينفك من أن ~~يكون على أحد العددين اللذين ذكرنا وأن الشهور التي تتعلق بها الأحكام لا ~~تكون إلا على أحد وجهين دون أن يكون تسعا وعشرين وبعض يوم وإنما النقصان ~~والزيادة بالكسور إنما يكون في غير الشهور الإسلامية نحو شهور الروم التي ~~منها ما هو ثمانية وعشرون يوما وربع يوم وهو شباط إلا في السنة الكبيسة ~~فإنه يكون تسعة وعشرين يوما ومنها ما هو واحد وثلاثون ومنها ما هو ثلاثون ~~وليس ذلك في الشهور الإسلامية كذلك فلما امتنع أن يكون الشهر إلا ثلاثين ~~يوما أو تسعة وعشرين يوما علمنا أنه لم يرد بقوله صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته إلا أن يرى ليلا وأنه لا اعتبار برؤيته نهارا لإيجابه كون بعض يوم ~~من هذا الشهر وبعضه من شهر غيره وأيضا فإن الذي قال صوموا لرؤيته وأفطروا ~~لرؤيته هو الذي قال فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ورؤيته نهارا في معنى ما قد ~~غمي علينا لاشتباه الأمر في كونه لليلة الماضية أو المستقبلة وذلك يوجب عده ~~ثلاثين وأيضا # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ~~فإن حال بينكم وبينه سحاب أو قترة فعدوا ثلاثين رواه ابن عباس # وقد تقدم ذكر سنده فحكم النبي صلى الله عليه وسلم للهلال الذي قد حال ~~بيننا وبينه حائل # PageV01P257 # من سحاب بحكم ما لم ير لو لم يكن سحاب مع العلم بأنه لو لم يكن بيننا ~~وبينه حائل من سحاب لرؤى لولا ذلك لم يكن لقوله فإن حال بينكم وبينه سحاب ~~أو قترة فعدوا ثلاثين معنى ms0329 لأنه لو كان يستحيل وقوع العلم لنا بأن بيننا ~~وبينه حائلا من سحاب لما # قال صلى الله عليه وسلم فإن حال بينكم وبينه سحاب فعدوا ثلاثين # فيجعل ذلك شرطا لعد ثلاثين مع علمه باليأس من وقوع علمنا بذلك وإذا كان ~~ذلك كذلك فقد اقتضى هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم أنا متى علمنا ~~أن بيننا وبين الهلال حائلا من سحاب لو لم يكن لرأيناه أن نحكم لهذا اليوم ~~بغير حكم الرؤية فاعتبار عدم الرؤية من الليل فيما رأيناه نهارا أولى فأوجب ~~ذلك أن يكون حكم هذا اليوم حكم ما قبله ويكون من الشهر الماضي دون المستقبل ~~لعدم الرؤية من الليل بل هو أضعف أمرا مما حال بيننا وبين رؤيته سحاب لأن ~~ذلك قد يحيط العلم به وهذا لا يحيط علمنا بأنه من الليلة الماضية بل أحاط ~~العلم بأنا لم نره الليلة الماضية مع عدم الحائل بيننا وبينه من سحاب أو ~~غيره والله الموفق للصواب. ### | باب قضاء رمضان # قال الله تعالى [ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة] قال الشيخ أبو بكر قد دل ما ~~تلونا من الآية على جواز قضاء رمضان متفرقا من ثلاثة أوجه أحدها أن قوله ~~[فعدة من أيام أخر] قد أوجب القضاء في أيام منكورة غير معينة وذلك يقتضي ~~جواز قضائه متفرقا إن شاء أو متتابعا ومن شرط فيه التتابع فقد خالف ظاهر ~~الآية من وجهين أحدهما إيجاب صفة زائدة غير مذكورة في اللفظ وغير جائز ~~الزيادة في النص إلا بنص مثله ألا ترى أنه لما أطلق الصوم في ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجع لم يلزمه التتابع إذ هو غير مذكور فيه والآخر تخصيصه ~~القضاء في أيام غير معينة وغير جائز تخصيص العموم إلا بدلالة والوجه الثاني ~~قوله تعالى [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] فكل ما كان أيسر عليه ~~فقد اقتضى الظاهر جواز فعله وفي إيجاب التتابع ms0330 نفي اليسر وإثبات العسر وذلك ~~منتف بظاهر الآية والوجه الثالث قوله تعالى [ولتكملوا العدة] يعني والله ~~أعلم قضاء عدد الأيام التي أفطر فيها وكذلك روي عن الضحاك وعبد الله بن زيد ~~بن أسلم فأخبر الله أن الذي يريده منا إكمال عدد ما أفطر فغير سائغ لأحد أن ~~يشترط فيه غير هذا المعنى لما فيه من # PageV01P258 # الزيادة في حكم الآية وقد بينا بطلان ذلك في مواضع وقد اختلف السلف في ~~ذلك فروي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح وأنس بن مالك وأبي ~~هريرة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء قالوا إن شئت قضيته متفرقا وإن شئت ~~متتابعا # وروى شريك عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال اقض رمضان متتابعا فإن فرقته ~~أجزأك # وروى الحجاج عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي في قضاء رمضان قال لا يفرق # وجائز أن يكون ذلك على وجه الاستحباب وأنه إن فرق أجزأه كما رواه شريك ~~وروي عن ابن عمر في قضاء رمضان صمه كما أفطرته وروى الأعمش عن إبراهيم قال ~~كانوا يقولون قضاء رمضان متتابع وروى مالك عن حميد بن قيس المكي قال كنت ~~أطوف مع مجاهد فسأله رجل عن صيام من أفطر في رمضان أيتابع قلت لا فضرب ~~مجاهد في صدري وقال إنها في قراءة أبي متتابعات وقال عروة بن الزبير يتابع ~~وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والأوزاعي والشافعي إن شاء تابع وإن ~~شاء فرق وقال مالك والثوري والحسن ابن صالح يقضيه متتابعا أحب إلينا وإن ~~فرق أجزأه فحصل من إجماع فقهاء الأمصار جواز قضائه متفرقا وقد قدمنا ذكر ~~دلالة الآية عليه # وقد روى حماد بن سلمة عن سماك ابن حرب عن هارون بن أم هانئ أو ابن بنت ~~هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم ناولها فضل شرابه فشربت ثم قلت يا رسول ~~الله إني كنت صائمة وإني كرهت أن أرد سؤرك فقال إن كان من قضاء رمضان فصومي ~~يوما مكانه وإن كان تطوعا فإن شئت ms0331 فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه # فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء يوم مكانه ولم يأمرها ~~باستئناف الصوم إن كان ذلك منه فدل ذلك على معنيين أحدهما أن التتابع غير ~~واجب والثاني أنه ليس بأفضل من التفريق لأنه لو كان أفضل منه لأرشدها النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليه وبينه لها ومما يدل على ذلك من طريق النظر أن صوم ~~رمضان نفسه غير متتابع وإنما هو في أيام متجاورة وليس التتابع من شرط صحته ~~بدلالة أنه لو أفطر منه يوما لم يلزمه استقبال الصوم وجاز ما صام منه غير ~~متتابع فإذا لم يكن أصله متتابعا فقضاؤه أحرى بأن لا يكون متتابعا ولو كان ~~صوم رمضان متتابعا لكان إذا أفطر منه يوما لزمه التتابع ألا ترى أنه إذا ~~أفطر يوما من الشهرين المتتابعين لزمه استئنافهما فإن قيل قد أطلق الله ~~تعالى صيام كفارة اليمين غير معقود بشرط التتابع وقد شرطتم ذاك فيه وزدتم ~~في نص الكتاب قيل له لأنه قد ثبت أنه # PageV01P259 # كان في حرف عبد الله متتابعات وروى يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن عون قال ~~سألت إبراهيم عن الصيام في كفارة اليمين فقال كما في قراءتنا فصيام ثلاثة ~~أيام متتابعات وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال ~~كان أبى يقرأها فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقد بينا ذلك مستقصى في أصول ~~الفقه فإن قيل لما قال الله [فعدة من أيام أخر] وكان الأمر عندنا جميعا على ~~الفور وجب أن يلزمه القضاء في أول أحوال الإمكان من غير تأخير وذلك يقتضي ~~تعجيل قضائه يوما بعد يوم وفي وجوب ذلك إلزام التتابع قيل له ليس كون الأمر ~~على الفور من لزوم التتابع في شيء ألا ترى أن ذلك إنما يلزم على الفور على ~~حسب الإمكان وأنه لو أمكنه صوم أول يوم فصامه ثم مرض فأفطر لم يلزمه من كون ~~الأمر على الفور التتابع ولا استئناف اليوم الذي أفطر فيه فدل ذلك على أن ~~لزوم التتابع غير ms0332 متعلق بكون الأمر بالقضاء على الفور دون المهلة وأن ~~التتابع له صفة أخرى غيره والله أعلم. ### | باب في جواز تأخير قضاء رمضان # قال الله تعالى [فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] فأوجب ~~العدة في أيام غير معينة في الآية فقال أصحابنا جائز له أن يصوم أى وقت شاء ~~ولا يحفظ عنهم رواية في جواز تأخيره إلى انقضاء السنة والذي عندي أنه لا ~~يجوز تأخيره إلى أن يدخل رمضان آخر وهو عندي على مذهبهم وذلك لأن الأمر ~~عندهم إذا كان غير موقت فهو على الفور وقد بينا ذلك في أصول الفقه وإذا كان ~~كذلك فلو لم يكن قضاء رمضان موقتا بالسنة لما جاز له التأخير عن ثاني يوم ~~الفطر إذ غير جائز أن يلحقه التفريط بالتأخير من غير علم منه بآخر وقت وجوب ~~الفرض الذي لا يجوز له تأخيره عنه كما لا يجوز ورود العبادة بفرض مجهول عند ~~المأمور ثم يلحقه التعنيف واللوم بتركه قبل البيان لا فرق بينهما وإذا كان ~~كذلك وقد علمنا أن مذهبهم جواز تأخير قضاء رمضان عن أول أوقات إمكان قضائه ~~ثبت أن تأخيره موقت بمضي السنة فكان ذلك بمنزلة وقت الظهر لما كان أوله ~~وآخره معلومين جاز ورود العبادة بفعلها من أوله إلى آخره وجاز تأخيرها إلى ~~الوقت الذي يخاف فوتها بتركها لأن آخر وقتها الذي يكون مفرطا بتأخيرها ~~معلوم وقد روي جواز تأخيره في السنة عن جماعة من السلف وروى يحيى بن سعيد ~~عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال # PageV01P260 # قالت عائشة إن كان ليكون علي الصوم من شهر رمضان فما استطيع أن أقضيه حتى ~~يأتى شعبان وروى عن عمرو أبى هريرة قالا لا بأس بقضاء رمضان في العشر وكذلك ~~عن سعيد ابن جبير وقال عطاء وطاوس ومجاهد اقض رمضان متى شئت فهؤلاء السلف ~~قد اتفقوا على جواز تأخيره عن أول أوقات إمكان قضائه وقد اختلف الفقهاء ~~فيمن أخر القضاء حتى حضر رمضان آخر فقال أصحابنا جميعا يصوم الثاني عن ms0333 نفسه ~~ثم يقضي الأول ولا فدية عليه وقال مالك والثوري والشافعي والحسن بن صالح إن ~~فرط في قضاء الأول أطعم مع القضاء كل يوم مسكينا وقال الثوري والحسن بن حي ~~لكل يوم نصف صاع بر وقال مالك والشافعي كل يوم مدا وإن لم يفرط بمرض أو سفر ~~فلا إطعام عليه وقال الأوزاعى إذا فرط في قضاء الأول ومرض في الآخر حتى ~~انقضى ثم مات فإنه يطعم عن الأول لكل يوم مدين مدا لتضييعه ومدا للصيام ~~ويطعم عن الآخر مدا مدا لكل يوم واتفق من تقدم ذكر قوله قبل الأوزاعي أنه ~~إذا مرض في رمضان ثم مات قبل أن يصح أنه لا يجب أن يطعم عنه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال حدثنا ~~إبراهيم ابن إسحاق الضبي قال حدثنا قيس عن الأسود بن قيس عن أبيه عن عمر بن ~~الخطاب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى بأسا بقضاء رمضان في ~~ذي الحجة # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال ~~حدثنا ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن أبي تميم الجيشاني قال جمعنا المجلس ~~بطرابلس ومعنا هبيب بن معقل الغفاري وعمرو بن العاص صاحبا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال عمرو أفصل رمضان وقال الغفاري لا نفرق بين رمضان فقال ~~عمرو نفرق بين قضاء رمضان إنما قال الله تعالى [فعدة من أيام أخر] # وحدثنا عبد الله بن عبد ربه البغلاني قال حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ~~قال حدثنا بقية عن سليمان بن أرقم عن الحسن عن أبي هريرة قال قال رجل يا ~~رسول الله علي أيام من رمضان أفأفرق بينه قال نعم أرأيت لو كان عليك دين ~~فقضيته متفرقا أكان يجزيك قال نعم قال فإن الله أحق بالتجاوز والعفو # فهذه الأخبار كلها تنبئ عن جواز تأخير قضاء رمضان عن أول وقت إمكان قضائه ~~وقد روي عن جماعة من الصحابة إيجاب الفدية على من ms0334 أخر قضاء رمضان إلى العام ~~القابل منهم ابن عباس روي عن يزيد بن هارون عن عمرو بن ميمون بن مهران عن ~~أبيه قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال مرضت رمضانين فقال # PageV01P261 # ابن عباس أستمر بك مرضك أو صححت فيما بينهما قال بل صححت فيما بينهما قال ~~أكان هذا قال لا قال فدعه حتى يكون فقام إلى أصحابه فأخبرهم فقالوا ارجع ~~فأخبره أنه قد كان فرجع هو أو غيره وسأله فقال أكان هذا قال نعم قال صم ~~رمضانين وأطعم ثلاثين مسكينا وقد روى روح بن عبادة عن عبد الله بن عمر عن ~~نافع عن ابن عمر في رجل فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر قال يصوم ~~الذي أدركه ويطعم عن الأول كل يوم مدا من بر ولا قضاء عليه وهذا يشبه مذهبه ~~في الحامل أنها تطعم ولا قضاء عليها مع ذلك وقد روي عن أبي هريرة مثل قول ~~ابن عباس وقد روي عن ابن عمر في ذلك قول آخر روى حماد بن سلمة عن أيوب ~~وحميد عن أبي يزيد المدني أن رجلا احتضر فقال لأخيه إن لله علي دينا وللناس ~~علي دين فابدأ بدين الله فاقضه ثم اقض دين الناس إن علي رمضانين لم أصمهما ~~فسأل ابن عمر فقال بدنتان مقلدتان فسأل ابن عباس وأخبره بقول ابن عمر فقال ~~يرحم الله أبا عبد الرحمن ما شأن البدن وشأن الصوم أطعم عن أخيك ستين ~~مسكينا قال أيوب وكانوا يرون أنه قد كان صح بينهما وذكر الطحاوي عن ابن أبي ~~عمران قال سمعت يحيى بن أكثم أنه يقول وجدته يعني وجوب الإطعام عن ستة من ~~الصحابة ولم أجد لهم من الصحابة مخالفا وهذا جائز أن يريد به من مات قبل ~~القضاء وقوله تعالى [فعدة من أيام أخر] قد دل على جواز التفريق وعلى جواز ~~التأخير وعلى أن لا فدية عليه لأن في إيجاب الفدية مع القضاء زيادة في النص ~~ولا تجوز الزيادة في النص إلا بنص مثله وقد اتفقوا على ms0335 أن تأخيره إلى آخر ~~السنة لا يوجب الفدية وأن الآية إنما أوجبت قضاء العدة دون غيرها من الفدية ~~ومعلوم أن قضاء العدة في السنة الثانية واجب بالآية فغير جائز أن يكون ~~المراد في بعض ما انتظمته الآية القضاء دون الفدية وفي بعضه القضاء والفدية ~~مع دخولهما فيها على وجه واحد ألا ترى أنه غير جائز أن يكون على بعض السراق ~~المراد بالآية القطع وزيادة غرم وكذلك لا يجوز أن يكون بعضهم لا يقطع إلا ~~في عشرة وبعضهم يقطع فيما دونها كذلك لا يجوز أن يكون بعض المرادين بقوله ~~[فعدة من أيام أخر] مخصوصا بإيجاب القضاء دون الفدية وبعضهم مراد بالقضاء ~~والفدية ومن جهة أخرى أنه غير جائز إثبات الكفارات إلا من طريق التوقيف أو ~~الاتفاق وذلك معدوم فيما وصفنا فلم يجز إثبات الفدية قياسا وأيضا فإن ~~الفدية ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه # PageV01P262 # فإنما يختص وجوبها بمن لا يجب عليه القضاء كالشيخ الكبير ومن مات مفرطا ~~قبل أن يقضى فأما اجتماع الفدية والقضاء فممتنع على ما بينا في باب الحامل ~~والمرضع فمذهب ابن عمر في هذا أظهر في إيجابه الفدية دون القضاء من مذهب من ~~جمعهما ومن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قدمنا ذكره ~~على أن تأخيره لا يوجب الفدية من وجهين أحدهما أنه لم يذكر الفدية عند ذكر ~~التفريق ولو كان تأخيره يوجب الفدية لبينه صلى الله عليه وسلم والثاني ~~تشبيهه إياه بالدين ومعلوم أن تأخير الدين لا يلزمه شيئا غير قضائه فكذلك ~~ما شبهه به من قضاء رمضان فإن قيل لما اتفقنا على أنه منهي عن تأخيره إلى ~~العام القابل وجب أن يجعل مفرطا بذلك فيلزمه الفدية كما لو مات قبل أن ~~يقضيه لزمته الفدية بالتفريط قيل له إن التفريط لا يلزمه الفدية وإنما الذي ~~يلزمه الفدية فوات القضاء بعد الإمكان بالموت والدليل على ذلك أنه لو أكل ~~في رمضان متعمدا كان مفرطا وإذا قضاه في تلك السنة لم تلزمه الفدية عند ~~الجميع ms0336 فدل ذلك على أن حصول التفريط منه ليس بعلة لإيجاب الفدية وحكى علي ~~بن موسى القمي أن داود الأصفهاني قال يجب على من أفطر يوما # من رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط فخرج ~~بذلك عن اتفاق السلف والخلف معا وعن ظاهر قوله تعالى [فعدة من أيام أخر] ~~وقوله [ولتكملوا العدة] وخالف السنن التي روينا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك قال علي بن موسى سألته يوما فقلت له لم قلت ذلك قال لأنه إن لم ~~يصم اليوم الثاني من شوال فمات فكل أهل العلم يقولون إنه آثم مفرط فدل ذلك ~~على أن عليه أن يصوم ذلك اليوم لأنه لو كان موسعا له أن يصومه بعد ذلك ما ~~لزمه التفريط إن مات من ليلته قال فقلت له ما تقول في رجل وجب عليه عتق ~~رقبة فوجد رقبة تباع بثمن موافق هل له أن يتعداها ويشتري غيرها فقال لا ~~فقلت لم قال لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فإذا وجد رقبة لزمه ~~الفرض فيها وإذا لزمه الفرض في أول رقبة لم يجزه غيرها إذا كان واجدا لها ~~فقلت فإن اشترى رقبة غيرها فأعتقها وهو واجد للأولى فقال لا يجزيه ذلك قلت ~~فإن كان عنده رقبة فوجب عليه عتق رقبة هل يجزيه أن يشتري غيرها قال لا فقلت ~~لأن العتق صار عليه فيها دون غيرها فقال نعم فقلت فما تقول إن ماتت هل يبطل ~~عنه العتق كما أن من نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره فقال لا بل ~~عليه أن يعتق # PageV01P263 # غيرها لأن هذا إجماع فقلت وكذلك من وجب عليه رقبة بالإجماع أن له أن يعتق ~~غيرها فقال عمن تحكي هذا الإجماع فقلت له وعمن تحكي أنت الإجماع الأول فقال ~~الإجماع لا يحكى فقلت والإجماع الثاني أيضا لا يحكى وانقطع قال أبو بكر ~~وجميع ما قاله داود من تعيين فرض القضاء باليوم الثاني من شوال وأن من وجب ~~عليه رقبة ms0337 فوجدها أنه لا يتعداها إلى غيرها خلاف إجماع المسلمين كلهم وما ~~ادعاه على أهل العلم بأنهم يجعلونه مفرطا إذا مات وقد أخره عن اليوم الثاني ~~فليس كما ادعى فإن من جعل له التأخير إلى آخر السنة لا يجعله مفرطا بالموت ~~لأن السنة كلها إلى أن يجيء رمضان ثان وقت القضاء موسع له في التأخير كوقت ~~الصلاة أنه لما كان موسعا عليه في التأخير من أوله إلى آخره لم يكن مفرطا ~~بتأخيره إن مات قبل مضي الوقت فكذلك يقولون في قضاء رمضان فإن قيل لو لم ~~يكن مفرطا لما لزمته الفدية إذا مات قبل مضي السنة ولم يقضه قيل له ليس ~~لزوم الفدية علما للتفريط لأن الشيخ الكبير يلزمه الفدية مع عدم التفريط ~~وقول داود الإجماع لا يحكى خطأ فإن الإجماع يحكى كما تحكى النصوص وكما يحكى ~~الاختلاف فإن أراد بذلك أن كل واحد من المجمعين لا يحتاج إلى حكاية ~~أقاويلهم بعد أن ينشر القول عن جماعة منهم وهم حضور يسمعون ولا يخالفون فإن ~~ذلك على ما قال ومع ذلك لا يجوز إطلاق القول بأن الإجماع لا يحكى لأن من ~~الإجماع ما يحكى فيه أقاويل جماعتهم فيكون ما يحكيه من إجماعهم حكاية صحيحة ~~ومنه ما يحكى أقاويل جماعة منهم منتشرة مستفيضة مع سماع الآخرين لها وترك ~~إظهار المخالفة فهذا أيضا إجماع يحكى إذ كان ترك الآخرين إظهار النكير ~~والمخالفة قائما مقام الموافقة فهذان الضربان من إجماع الخاصة والفقهاء ~~يحكيان جميعا وإجماع آخر وهو ما تشترك فيه الخاصة والعامة كإجماعهم على ~~تحريم الزنا والربا ووجوب الاغتسال من الجنابة والصلوات الخمس ونحوها فهذه ~~أمور قد علم اتفاق المسلمين عليها وإن لم يحك عن كل واحد منهم بعينه ~~اعتقاده والتدين به فإن عني هذا الضرب من الإجماع فقد يسوغ أن يقال إن مثله ~~لا يحكى وقد يسوغ أن يقال إن هذا الضرب أيضا يحكى لعلمنا بإجماع أهل الصلاة ~~على اعتقاده والتدين به فجائز أن يحكى عنهم اعتقادهم لذلك والتدين به وأنهم ~~مجمعون عليه كما ms0338 إذا ظهر لنا إسلام رجل وإظهار اعتقاده الإيمان أن يحكى عنه ~~أنه مسلم وقال الله تعالى [فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار] ~~وبالله التوفيق. # PageV01P264 ### | باب الصيام في السفر # قال الله تعالى [ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] في هذه الآية دلالة واضحة على أن الإفطار في ~~السفر رخصة يسر الله بها علينا ولو كان الإفطار فرضا لازما لزالت فائدة ~~قوله [يريد الله بكم اليسر] فدل على أن المسافر مخير بين الإفطار وبين ~~الصوم كقوله تعالى [فاقرؤا ما تيسر من القرآن] وقوله [فما استيسر من الهدي] ~~فكل موضع ذكر فيه اليسر ففيه الدلالة على التخيير وروى عبد الرحيم الجزري ~~عن طاوس عن ابن عباس قال لا نعيب على من صام ولا على من أفطر لأن الله قال ~~[يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] فأخبر ابن عباس أن اليسر المذكور ~~فيه أريد به التخيير فلولا احتمال الآية لما تأولها عليه وأيضا فقال الله ~~[فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ثم عطف عليه قوله [ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر] فلم يوجب عليه الإفطار ولا الصوم والمسافر شاهد للشهر من ~~وجهين أحدهما العلم به وحضوره والآخر أنه من أهل التكليف فهذا يدل على أنه ~~من أهل الخطاب بصوم الشهر وأنه مع ذلك مرخص له في الإفطار وقوله [ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] معناه فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله ~~تعالى [فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام] المعنى فحلق ~~ففدية من صيام ويدل على أن ذلك مضمر فيه اتفاق المسلمين على أن المريض متى ~~صام أجزأه ولا قضاء عليه إلا أن يفطر فدل على أن الإفطار مضمر فيه وإذا كان ~~كذلك فذلك الضمير بعينه هو مشروط للمسافر كهو للمريض لذكرهما جميعا في ~~الآية على وجه العطف وإذا كان الإفطار مشروطا في إيجاب العدة فمن أوجب ms0339 على ~~المسافر القضاء إذا صام فقد خالف حكم الآية واتفقت الصحابة ومن بعدهم من ~~التابعين وفقهاء الأمصار على جواز صوم المسافر غير شيء # يروى عن أبي هريرة أنه قال من صام في السفر فعليه القضاء # وتابعه عليه شواذ من الناس لا يعدون خلافا # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المستفيض الموجب للعلم بأنه ~~صام في السفر # وثبت عنه أيضا إباحة الصوم في السفر منه # حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة بن عمر والأسلمى قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصوم في السفر فقال صلى الله عليه وسلم إن شئت فصم ~~وإن شئت فأفطر # وروى ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأبو ~~الدرداء وسلمة بن # PageV01P265 # المحبق صيام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر # واحتج من أبى جواز صوم المسافر وأوجب عليه القضاء بظاهر قوله [ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] قالوا فالعدة واجبة في الحالين إذ ليس ~~في الآية فرق بين الصائم والمفطر وبما # روى كعب بن عاصم الأشعري وجابر بن عبد الله وأبو هريرة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال (ليس من البر الصيام في السفر) # ومما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال حدثنا ~~إبراهيم بن منذر الحزامي قال حدثنا عبد الله بن موسى التيمي عن أسامة بن ~~زيد عن الزهري عن أبى سلمة ابن عبد الرحمن عن أبيه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (الصائم في السفر كالمفطر في الحضر) # ومما # روى أنس بن مالك القشيري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ~~وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع # فأما الآية فلا دلالة لهم فيها بل هي دالة على جواز صوم المسافر لما بينا ~~وأما ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ليس من البر الصيام في السفر) # فإنه كلام خرج ms0340 على حال مخصوصة فهو مقصور الحكم عليها وهي ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا ~~شعبة عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن محمد بن عمرو بن الحسن عن ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يظلل عليه ~~والزحام عليه فقال (ليس من البر الصيام في السفر) # فجائز أن يكون كل من روى ذلك فإنما حكى ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ~~في تلك الحال وساق بعضهم ذكر السبب وحذفه بعضهم واقتصر على حكاية قوله صلى ~~الله عليه وسلم # وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم عام الفتح في رمضان ثم إنه قال لهم إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر ~~أقوى لكم فأفطروا # فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سعيد ثم لقد رأيتني ~~أصوم مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وبعد ذلك حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ابن وهب قال حدثني معاوية ~~عن ربيعة بن يزيد أنه حدثه عن قزعة قال سألت أبا سعيد الخدري عن صيام رمضان ~~في السفر وذكر الحديث فذكر أيضا في هذا الحديث علة أمره بالإفطار وأنها ~~كانت لأنه أقوى لهم على قتال عدوهم وذلك لأن الجهاد كان فرضا عليهم ولم يكن ~~فعل الصوم في السفر فرضا فلم يكن جائزا لهم ترك الفرض لأجل الفضل وأما حديث ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه فإن أبا سلمة ليس له سماع من أبيه فكيف ~~يجوز ترك الأخبار المتواترة في جواز الصوم بحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من # PageV01P266 # الناس ومع ذلك فجائز أن يكون كلاما خرج على سبب وهو حال لزوم القتال مع ~~العلم بالعجز عنه مع فعل الصوم فكان حكمه مقصورا على تلك الحال لمخالفة أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولما يؤدي ms0341 إليه من ترك الجهاد وأما قوله إن الله ~~وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم وعن الحامل والمرضع فإنما يدل على أن ~~الفرض لم يتعين عليه لحضور الشهر وأن له أن يفطر فيه ولا دلالة فيه على نفي ~~الجواز إذا صامه كما لم ينف جواز صوم الحامل والمرضع وقال أصحابنا الصوم في ~~السفر أفضل من الإفطار وقال مالك والثوري الصوم في السفر أحب إلينا لمن قوي ~~عليه وقال الشافعي إن صام في السفر أجزأه ومما يدل على أن الصوم فيه أفضل ~~قوله تعالى [كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ~~أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر- إلى قوله- ~~وأن تصوموا خير لكم] وذلك عائد إلى جميع المذكور في الآية إذ كان الكلام ~~معطوفا بعضه على بعض فلا يخص شيء منه إلا بدلالة فاقتضى ذلك أن يكون صوم ~~المسافر خيرا له من الإفطار فإن قيل هو عائد على ما يليه دون ما تقدمه وهو ~~قوله [وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] قيل له لما كان قوله [كتب عليكم ~~الصيام] خطابا للجميع من المسافرين والمقيمين فواجب أن يكون قوله [وأن ~~تصوموا خير لكم] خطابا لجميع من شمله الخطاب في ابتداء الآية وغير جائز ~~الاقتصار به على البعض وأيضا فقد ثبت جوازه عن الفرض بما قدمناه وما كان ~~كذلك فهو من الخيرات وقال الله استبقوا الخيرات] # مدح قوما فقال [إنهم كانوا يسارعون في الخيرات] فالمسارعة إلى فعل ~~الخيرات وتقديمها أفضل من تأخيرها وأيضا فعل الفروض في أوقاتها أفضل من ~~تأخيرها إلى غيرها وأيضا # قال النبي صلى الله عليه وسلم (من أراد أن يحج فليعجل) # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعجيل الحج فكذلك ينبغي أن يكون سائر ~~الفرائض المفعولة في وقتها أفضل من تأخيرها عن وقتها # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عقبة بن مكرم قال حدثنا ~~أبو قتيبة قال حدثنا عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي قال حدثني ms0342 حبيب ~~بن عبد الله قال سمعت سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي يحدث عن أبيه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كانت له حمولة يأوي إلى شبع فليصم رمضان ~~حيث أدركه) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن المهاجر قال ~~حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا عبد الصمد بن حبيب # PageV01P267 # قال حدثني أبي عن سنان بن سلمة عن سلمة بن المحبق قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (من أدركه رمضان في السفر) # فذكر معناه فأمره بالصوم في السفر وهذا على وجه الدلالة على الأفضلية لا ~~على جهة الإيجاب لأنه لا خلاف أن الصوم في السفر غير واجب عليه وقد روى ~~عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك أن الصوم في السفر أفضل من الإفطار ~~والله أعلم. ### | باب من صام في السفر ثم أفطر # وقد اختلف فيمن صام في السفر ثم أفطر من غير عذر فقال أصحابنا عليه ~~القضاء ولا كفارة وكذلك لو أصبح صائما ثم سافر فأفطر أو كان مسافرا فصام ~~وقدم فأفطر فعليه القضاء في هذه الوجوه ولا كفارة عليه وذكر ابن وهب عن ~~مالك في الصائم في السفر إذا أفطر عليه القضاء والكفارة وقال مرة لا كفارة ~~وروى ابن القاسم عن مالك أن عليه الكفارة وقال لو أصبح صائما في حضره ثم ~~سافر فأفطر فليس عليه إلا القضاء وقال الأوزاعي لا كفارة على المسافر في ~~الإفطار وقال الليث عليه الكفارة قال أبو بكر الأصل في ذلك أن كفارة رمضان ~~تسقطها الشبهة فهي بمنزلة الحد والدليل على ذلك أنها لا تستحق إلا بمأثم ~~مخصوص كالحدود فلما كانت الحدود تسقطها الشبهة كانت كفارة رمضان بمثابتها ~~فإذا ثبت ذلك قلنا إنه متى أفطر في حال السفر فإن وجود هذه الحال مانع من ~~وجوب الكفارة لأن السفر يبيح الإفطار فأشبه عقد النكاح وملك اليمين في ~~إباحتهما الوطء وإن كانا غير مبيحين لوطئ الحائض إلا أنهم متفقون على أن ~~وجود ms0343 السبب المبيح للوطء في الأصل مانع من وجوب الحد وإن لم يبح هذا الوطء ~~بعينه كذلك السفر وإن لم يبح الإفطار بعد الدخول في الصوم فإنه يمنع وجوب ~~الكفارة إذ كان في الأصل قد جعل سببا لإباحة الإفطار فلذلك قلنا إذا أفطر ~~وهو مسافر فلا كفارة عليه # وقد روى ابن عباس وأنس بن مالك وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر ~~في السفر بعد ما دخل في الصوم # وذلك لتعليم الناس جواز الإفطار فيه فغير جائز فيما كان هذا وصفه إيجاب ~~الكفارة على المفطر فيه ووجه آخر وهو أنه لما لم يكن فعل الصوم مستحقا عليه ~~في السفر أشبه الصائم في قضاء رمضان أو في صوم نذر أو كفارة فلا تجب عليه ~~الكفارة بإفطاره فيه إذ كان له بديا أن لا يصومه ولم يكن لزوم إتمامه ~~بالدخول فيه موجبا عليه # PageV01P268 # الكفارة عند الإفطار فكذلك المسافر إذا صام ثم أفطر وأما إذا أصبح مقيما ~~ثم سافر فأفطر فهو كما وصفنا من وجود الحال المبيحة للإفطار وهي حال السفر ~~كوجود النكاح وملك اليمين في إباحة الوطء وإن لم يبح وطئ الحائض فإن قيل ~~فهذا لم يكن له في ابتداء النهار ترك الصوم لكونه مقيما فينبغي أن يوجب ~~عليه الكفارة إذ كان فعل الصوم مستحقا عليه في ابتداء النهار قيل له لا يجب ~~ذلك لأنه قد طرئ من الحال ما يمنع وجوب الكفارة وهو ما وصفنا وأما إذا كان ~~مسافرا فقدم ثم أفطر فلا كفارة عليه لأنه قد كان له أن لا يصوم بديا فأشبه ~~الصائم في قضاء رمضان وكفارة اليمين ونحوها واختلف في المسافر يفطر ثم يقدم ~~من يومه والحائض تطهر في بعض النهار فقال أصحابنا والحسن ابن صالح ~~والأوزاعي عليهما القضاء ويمسكان بقية يومهما عما يمسك عنه الصائم وهو قول ~~عبيد الله بن الحسن وقال ابن شبرمة في المسافر إذا قدم ولم يأكل شيء إنه ~~يصوم بقية يومه ويقضي ولو طهرت المرأة من حيضها فإنها تأكل ولا تصوم وقال ~~ابن ms0344 القاسم عن مالك في المرأة تطهر والمسافر يقدم وقد أفطر في السفر إنه ~~يأكل ولا يمسك وهو قول الشافعي وروي عن جابر بن زيد مثله وروى الثوري عن ~~عبد الله أنه قال من أكل أول النهار فليأكل آخره ولم يذكر سفيان عن نفسه ~~خلاف ذلك وقال ابن القاسم عن مالك لو أصبح ينوي الإفطار وهو لا يعلم أنه من ~~رمضان فإنه يكف عن الأكل والشرب ويقضي فإن أكل أو شرب بعد أن علم في يومه ~~ذلك فلا كفارة عليه إلا أن يكون أكل جرأة على ما ذكرت لك فتجب عليه الكفارة ~~قال أبو بكر لما اتفقوا على أن من غم عليه هلال رمضان فأكل ثم علم به يمسك ~~عما يمسك عنه الصائم كذلك الحائض والمسافر والمعنى الجامع بينهما أن الحال ~~الطارئة عليهم بعد الإفطار لو كانت موجودة في أول النهار كانوا مأمورين ~~بالصيام فكذلك إذا طرأت عليهم وهم مفطرون أمروا بالإمساك ويدل على صحة ذلك ~~أيضا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين يوم عاشوراء بالإمساك مع إيجاب ~~القضاء عليهم فصار ذلك أصلا في نظائره مما وصفناه وأما قول مالك في إيجابه ~~الكفارة عليه إذا أكل جرأة على ذلك فلا معنى له لأن هذه كفارة يختص وجوبها ~~بإفساد الصوم على وصف وهذا الآكل لم يفسد صوما بأكله فلا تجب عليه فيه ~~كفارة والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV01P269 ### | باب في المسافر يصوم رمضان عن غيره # واختلف في المسافر يصوم رمضان عن واجب غيره فقال أبو حنيفة هو عما نوى ~~فإن صامه تطوعا فعنه روايتان إحداهما أنه عن رمضان والأخرى أنه تطوع وقال ~~أبو يوسف ومحمد هو عن رمضان في الوجهين جميعا وقال أصحابنا جميعا في المقيم ~~إذا نوى بصيامه واجبا غيره أو تطوعا إنه عن رمضان ويجزيه وقال الثوري ~~والأوزاعي في امرأة صامت رمضان تطوعا فإذا هو من شهر رمضان أجزأها وقالا من ~~صام في أرض العدو تطوعا وهو لا يعلم أنه رمضان أجزى عنه وقال مالك والليث ~~من صام في أول ms0345 يوم من رمضان وهو لا يعلم أنه رمضان لم يجزه وقال الشافعي ~~ليس لأحد أن يصوم دينا ولا قضاء لغيره في رمضان فإن فعل لم يجزه في رمضان ~~ولا لغيره قال أبو بكر نبتدئ بعون الله تعالى بالكلام في المقيم يصوم رمضان ~~تطوعا فنقول الدلالة على صحة قول أصحابنا من طريق الظاهر وجوه أحدها قوله ~~عز وجل [كتب عليكم الصيام- إلى قوله- وأن تصوموا خير لكم] ولم يخصص صوما ~~فهو على سائر ما يصومه من تطوع أو فرض في كونه مجزيا عن الفرض لأنه لا يخلو ~~الصائم تطوعا أو واجبا غيره أن يكون صوما عما نوى دون رمضان أو يكون ملغى ~~لا حكم له بمنزلة من لم يصم أو مجزيا عن رمضان فلما كان وقوعه عما نوى ~~وكونه ملغى مانعين من أن يكون هذا الصيام خيرا له بل يكون وقوعه عن رمضان ~~خيرا له وجب أن لا يكون ملغى ولا عما نوى من غير رمضان ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ثم قال في نسق التلاوة [ومن كان مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر] ومعلوم عند جميع فقهاء الأمصار إضمار الإفطار ~~فيه وأن تقديره فأفطر فعدة من أيام أخر فإنما أوجب القضاء على المسافر ~~والمريض إذا أفطرا فيه فثبت بذلك أن من صام من المقيمين ولم يفطر فلا قضاء ~~عليه إذا قد تضمنت الآية وأن صيام الجميع من المخاطبين إلا من أفطر من ~~المرضى والمسافرين ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين # فاقتضى ظاهر ذلك جوازه على أي وجه أوقع صومه من تطوع أو غيره ومن جهة ~~النظر أن صوم رمضان لما كان مستحق العين في هذا الوقت أشبه طواف الزيارة في ~~يوم النحر فعلى أي وجه أوقعه أجزأ عن الفرض على أنه لو نواه عن غيره لم يكن ~~عما نواه فلولا أنه قد أجرى # PageV01P270 # عن الفرض لوجب أن يجزيه عما نوى كصيام سائر الأيام عما ms0346 نوى فإن قيل إن ~~صلاة الظهر مستحقة العين لهذا الوقت إذا بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه ~~الظهر ولم يوجب ذلك جوازها بنية النفل قيل له وقت الظهر غير مستحق العين ~~لفعلها لأنه يتسع لفعلها ولغيرها ولا فرق بين أول الوقت وآخره فإذا كان فعل ~~التطوع في أوله لا يجزي عن الفرض كذلك في آخره وأيضا فإنه إذا نوى بصلاته ~~في آخر الوقت تطوعا أو فرضا غيره كان كما نوى وقد اتفقنا على أن صوم عين ~~رمضان لا يجزي عن غيره فدل أنه مستحق العين لامتناع جواز صوم آخر فيه ولأنه ~~وقت يستغرق الفرض لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه والظهر لها وقت غير ~~أنه إذا أخره كان جائزا له فعلها فيه فإن قيل # قوله صلى الله عليه وسلم (الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) # يمنع جواز صوم رمضان بنية التطوع قيل له أما قوله صلى الله عليه وسلم ~~الأعمال بالنيات فلا يصح الاحتجاج به لأن فيه ضميرا محتملا لمعان من جواز ~~وفضيلة وهو غير مذكور في اللفظ ومتى تنازعنا فيه احتيج إلى دلالة في إثباته ~~فسقط الاحتجاج به وأما قوله ولكل امرئ ما نوى فإن خصمنا يوافقنا في هذه ~~المسألة أنه ليس له ما نوى من تطوع ولا فرض غيره لأنا نقول لا يكون تطوعا ~~ولا فرضا غير رمضان وهو يقول لا يكون عن رمضان ولا عما نوى فحصل باتفاق ~~الجميع أن قوله ولكل امرئ ما نوى غير مستعمل على ظاهره في هذه المسألة ~~وأيضا قوله ولكل امرئ ما نوى غير مستعمل عند الجميع على حقيقته لأنه يقتضي ~~أن من نوى الصوم كان صائما ومن نوى الصلاة كان مصليا وإن لم يفعل شيئا من ~~ذلك وقد علم أنه لا يحصل له الصلاة بمجرد النية دون فعلها وكذلك الصوم ~~وسائر الفروض والطاعات فثبت بذلك أن هذا اللفظ غير مكتف بنفسه في إثبات ~~حكمه إلا بقرينة فسقط احتجاج المخالف به من وجهين أحدهما أن الحكم متعلق ~~بمعنى محذوف ms0347 ويحتاج إلى دلالة في إثباته وما كان هذا وصفه فالاحتجاج بظاهره ~~ساقط والوجه الآخر أن # قوله صلى الله عليه وسلم ولكل امرئ ما نوى # يقتضي جواز صومه إذا نواه تطوعا فإذا جاز صومه وقع عن الفرض لاتفاقنا أنه ~~إذا لم يجز عن الفرض لم يحصل له ما نوى فوجب بقضية قوله ولكل امرئ ما نوى ~~إن يحصل له ما نوى وإلا فقد ألغينا حكم اللفظ رأسا وأيضا معلوم من فحوى ~~قوله ولكل امرئ ما نوى ما يقتضيه نيته من ثواب فرض أو فضيلة أو نحوها ~~فيستحق ذلك ولأنه غير جائز أن # PageV01P271 # يكون مراده وقوع الفعل لأن الفعل حاصل موجود مع وجود النية وعدمها والنية ~~هي التي تصرف أحكامه على حسب مقتضاها وموجبها من استحقاق ثواب الفرض أو ~~الفضيلة أو الحمد أو الذم إن كانت النية تقتضي حمده أو ذمه وإذا كان ذلك ~~كذلك فليس يخلو القول فيها من أحد معنيين إما أن يسقط اعتبار حكم اللفظ في ~~دلالته على جواز الصوم أو بطلانه ووجب طلب الدلالة عليه من غيره أو أن ~~يستعمل حكمه فيما يقتضيه مضمونه من إفادة ما يتعلق به من ثواب أو حمد أو ذم ~~فإذا وجب استعماله على ذلك وقد توجهت نيته إلى ضرب من القرب فواجب أن يحصل ~~له ذلك ثم أقل أحواله في ذلك إن لم يكن ثوابه مثل ثواب ناوي الفرض أن يكون ~~أنقص منه ونقصان الثواب لا يمنع جوازه عن الفرض والدليل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليصلي الصلاة فيكتب له نصفها ربعها ~~خمسها عشرها) # فأخبر بنقصان الثواب مع الجواز ويدل على صحة ما ذكرنا من تعلق حكم اللفظ ~~بالثواب والعقاب أو الحمد والذم # قوله صلى الله عليه وسلم (ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) # وزعم الشافعي أن من عليه حجة الإسلام فأحرم ينوي تطوعا أنه يجزيه من ms0348 حجة ~~الإسلام فأسقط نية التطوع وجعلها للفرض مع قوله إن فرض الحج على المهلة ~~وإنه غير مستحق الفعل في وقت معين وذلك أبعد في الجواز من صوم رمضان لأن ~~صوم رمضان مستحق العين في وقت لا يجوز له تقديمه عليه ولا تأخيره عنه فترك ~~ظاهر قوله على أصله الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ولم يلجأ فيه إلى نظر ~~صحيح يعضد مقالته وكان الواجب على أصلهم اعتبار ما يدعونه ظاهرا من هذا ~~الخبر وأما على أصلنا فقد بينا أن الاحتجاج به ساقط وأوضحنا عن معناه ~~ومقتضاه وأنه يوجب جوازه عن الفرض فسلم لنا ما استدللنا به من الظواهر ~~والنظر ولم يعترض عليه هذا الأثر وأما المسافر إذا صام رمضان عن واجب عليه ~~فإنما أجاز ذلك أبو حنيفة عما نوى لأن فعل الصوم غير مستحق عليه في هذه ~~الحال وهو مخير مع الإمكان من غير ضرر بين فعله وتركه فأشبه سائر الأيام ~~غير رمضان فلما كان سائر الأيام جائزا لمن صامه عما نواه فكذلك حكم رمضان ~~للمسافر وعلى هذا ينبغي أنه متى نواه تطوعا أن يكون تطوعا على الرواية التي ~~رويت وهي أقيس # PageV01P272 # الروايتين فإن قيل على هذا يلزمه أن يجزي صوم المريض الذي يجوز له ~~الإفطار عن غير رمضان بأن نواه تطوعا أو عن واجب عليه للعلة التي ذكرتها في ~~المسافر قيل له لا يلزم ذلك لعدم العلة التي ذكرتها في المسافر وذلك لأن ~~المعنى الذي وجب القول في المسافر بما وصفناه وأنه مخير بين الصوم وتركه من ~~غير ضرر يلحقه وأشبه ذلك حاله في غير رمضان وأما المريض فليس كذلك لأنه لا ~~يجوز له الفطر إلا مع خشية زيادة العلة والضرر اللاحق بالصوم فهو لا يخلو ~~من أن لا يضر به الصوم فعليه فعله أو أن يضره فغير جائز له الصوم فلما كان ~~كذلك كان فعل الصوم مستحقا عليه أو تركه من غير تخيير فمتى صامه وقع عن ~~الفرض إذ كانت إباحة الإفطار متعلقة بخشية الضرر فمتى فعل الصوم ms0349 فقد زال ~~المعنى وصار بمنزلة الصحيح فأجزى عن صوم الشهر على أي وجه صام والله أعلم. ### | باب في عدد قضاء رمضان # قال الله تعالى [فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] فذكر ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف وهشام عن محمد من غير خلاف من أحد من أصحابنا ~~قالوا إذا صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية وفي البلد رجل مريض لم يصم ~~فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما فإن صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية وصام أهل ~~بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية فعلم بذلك من صام تسعة وعشرين يوما فإن عليهم ~~أن يقضوا يوما وعلى المريض المفطر قضاء ثلاثين يوما وحكى بعض أصحاب مالك بن ~~أنس عنه أنه يقضي رمضان بالأهلة وذكر عنه أشهب أنه سئل عمن مرض سنتين ثم ~~مات عن غير قضاء أنه يطعم عنه ستين مسكينا لكل مسكين مدا وقال الثوري فيمن ~~مرض رمضان وكان تسعة وعشرين يوما إنه يصوم الذي كان عليه وقال الحسن بن ~~صالح إن مرض رجل شهر رمضان فأفطره من أوله إلى آخره ثم ابتدأ شهرا يقضيه ~~فكان هذا الشهر الذي يقضي فيه تسعة وعشرين يوما أجزأه عن شهر رمضان الذي ~~أفطر وإن كان ثلاثين يوما لأنه جزاء شهر بشهر وإن كان ابتداء القضاء على ~~غير استقبال شهر أتم ثلاثين يوما وإن كان شهر رمضان تسعة وعشرين يوما لأن ~~الشهر لا يكون تسعة وعشرين يوما إلا شهرا من أوله إلى آخره قال أبو بكر أما ~~إذا كان الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين يوما ثم أراد المريض القضاء فإنه ~~يقضيه بعدد أيام شهر الصوم الذي أفطر فيه سواء ابتدأ بالهلال أو من بعض # PageV01P273 # الشهر وذلك لقوله عز وجل [فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر] ومعناه فعدد من أيام أخر يدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) # يعني العدد وإذا كان الله سبحانه قد أوجب عليه قضاء العدد من أيام ms0350 أخر لم ~~يجز الزيادة عليه ولا النقصان منه سواء كان الشهر الذي يقضيه ناقصا أو تاما ~~فإن قيل إن كان الذي أفطر فيه شهرا # وقد قال صلى الله عليه وسلم (الشهر تسعة وعشرون الشهر ثلاثون) # فأي شهر أتى به فقد قضى ما عليه لأنه شهر بشهر قيل له لم يقل الله تعالى ~~فشهر من أيام أخر وإنما قال فعدة من أيام أخر فأوجب استيفاء عدد ما أفطر ~~فوجب اتباع ظاهر الآية ولم يجز العدول عنها إلى معنى غير مذكور ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى [ولتكملوا العدة] يعني العدد فإذا كان الشهر الذي أفطر فيه ~~ثلاثين فعليه إكمال عدده من غيره ولو اقتصر على شهر هو تسعة وعشرون لما كان ~~مكملا للعدة فثبت بذلك بطلان قول من اعتبر شهرا بشهر وأسقط اعتبار العدد ~~ويدل على ذلك اتفاق الجميع على أن إفطاره بعض رمضان يوجب قضاء ما أفطر ~~بعدده كذلك يجب أن يكون حكم إفطار جميعه في اعتبار عدده وأما إذا صام أهل ~~مصر للرؤية تسعة وعشرين يوما وأهل مصر آخر للرؤية ثلاثين يوما فإنما أوجب ~~أصحابنا على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم لقوله تعالى [ولتكملوا ~~العدة] فأوجب إكمال عدة الشهر وقد ثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون يوما ~~فوجب على هؤلاء إكمالها لأن الله لم يخصص بإكمال العدة قوما دون قوم فهو ~~عام في جميع المخاطبين ويحتج له بقوله تعالى [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ~~وقد أريد بشهود الشهر العلم به لأن من لا يعلم به فليس عليه صومه فلما صح ~~له العلم بأن الشهر ثلاثون يوما برؤية أهل البلد الذين رأوه وجب عليه صومه ~~فإن قيل إنما هو على من علم به في أوله قيل له هو على من علم به في أوله ~~وبعد انقضائه ألا ترى أن من كان في دار الحرب فلم يعلم بشهر رمضان ثم علم ~~بمضيه أن عليه أن يقضيه فدل ذلك على أن الأمر قد تناول الجميع ويدل عليه ~~أيضا # قوله صلى ms0351 الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين) # والذين صاموا تسعة وعشرين قد غم عليهم رؤية أولئك فكان ذلك بمنزلة الحائل ~~بينهم وبين الرؤية فوجب عليهم أن يعدوا ثلاثين فإن قيل # قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته # يوجب اعتبار رؤية كل قوم في بلدهم دون اعتبار رؤية غيرهم في سائر البلدان # PageV01P274 # وكل قوم رأوا الهلال فالفرض عليهم العمل على رؤيتهم في الصيام والإفطار # بقوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته # ويدل عليه اتفاق الجميع على أن على أهل كل بلد أن يصوموا لرؤيتهم وأن ~~يفطروا لرؤيتهم وليس عليهم انتظار رؤية غيرهم من أهل سائر الآفاق فثبت بذلك ~~أن كلا منهم مخاطب برؤية أهل بلده دون غيرهم قيل له معلوم أن # قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته # عام في أهل سائر الآفاق وأنه غير مخصوص بأهل بلد دون غيرهم وإذا كان كذلك ~~فمن حيث وجب اعتبار رؤية أهل بلد في الصوم والإفطار وجب اعتبار رؤية غيرهم ~~أيضا فإذا صاموا للرؤية تسعة وعشرين يوما وقد صام غيرهم أيضا للرؤية ثلاثين ~~فعلى هؤلاء قضاء يوم لوجود الرؤية منهم بما يوجب صوم ثلاثين يوما وأما ~~المحتج باتفاق الجميع على أن على كل أهل بلد من الآفاق اعتبار رؤيتهم دون ~~انتظار رؤية غيرهم فإنما يوجب ذلك عندنا على شريطة أن لا تكون رؤية غيرهم ~~مخالفة لرؤيتهم في حكم العدد فكلفوا في الحال ما أمكنهم اعتباره ولم يكلفوا ~~ما لا سبيل لهم إليه في معرفته في ذلك الوقت فمتى يتبين لهم غيره عملوا ~~عليه كما لو حال بينهم وبين منظره سحاب أو ضباب وشهد قوم من غيرهم أنهم قد ~~رأوه قبل ذلك لزمهم العمل على ما أخبرهم به دون ما كان عندهم من الحكم بعدم ~~الرؤية وقد روي في ذلك حديث يحتج به المخالف في هذه المقالة وهو ما حدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ms0352 ~~إسماعيل بن جعفر قال حدثني محمد بن أبي حرملة قال أخبرنى كريب أن أم الفضل ~~بنت الحرث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل ~~رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر ~~فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت ليلة الجمعة ~~فقال أنت رأيته قلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية فقال لكنا رأيناه ~~ليلة السبت فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين أو نراه فقلت أولا تكتفي ~~برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ~~لا يدل على ما ذكر لأنه لم يحك جواب النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ~~هذه بعينها فأجاب به وإنما قال هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويشبه أن يكون تأول فيه # قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته # على ما قالوا بل وجه دلالته على ما قلنا ظاهر على ما قدمنا فلم يصح ~~الاحتجاج به فيما اختلفنا وقد ذكر عن الحسن البصري ما حدثنا # PageV01P275 # محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن معاذ قال حدثني ~~أبي قال حدثني الأشعث عن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار فصام يوم ~~الاثنين وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد قال لا يقضي ذلك اليوم ~~ذلك الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن أهل مصر من الأمصار قد صاموا يوم ~~الأحد فيقضوه وليس في هذا الخبر أنهم صاموا لرؤية أو لغيرها ومسألتنا إنما ~~هي في أهل بلدين صام كل واحد منهم لرؤية غير رؤية الآخرين وقد يحتج المخالف ~~في ذلك # بما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبيد قال ~~حدثنا حماد في حديث أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبى هريرة ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيه قال (وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وكل عرفة ~~موقف وكل منى منحر وكل ms0353 فجاج مكة منحر وكل جمع موقف) # وروى أبو خيثمة قال حدثنا محمد بن الحسن المدني قال حدثني عبد الله بن ~~جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال (الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) # قالوا وهذا يوجب أن يكون صوم كل قوم يوم صاموا وفطرهم يوم أفطروا وهذا قد ~~يجوز أن يريد به ما لم يتبين غيره ومع ذلك فلم يخصص به أهل بلد دون غيرهم ~~فإن وجب أن يعتبر صوم من صام الأقل فيما لزمهم فهو موجب صوم من صام الأكثر ~~فيكون ذلك صوما للجميع ويلزم من صام الأقل قضاء يوم وقد اختلف مع ذلك في ~~صحة هذا الخبر من طريق النقل فثبته بعضهم ولم يثبته الآخرون وقد تكلم أيضا ~~في معناه فقال قائلون معناه أن الجميع إذا اتفقوا على صوم يوم فهو صومهم ~~وإذا اختلفوا احتاجوا إلى دلالة من غيره لأنه لم يقل صومكم يوم يصوم بعضكم ~~وإنما قال يوم تصومون وذلك يقتضي صوم الجميع وقال آخرون هذا خطاب لكل واحد ~~في نفسه وإخبار بأنه متعبد بما عنده دون ما هو عند غيره فمن صام يوما على ~~أنه من رمضان فقد أدى ما كلف وليس عليه مما عند غيره شيء لأن الله تعالى ~~إنما كلفه بما عنده لا بما عند غيره ولم يكلفه المغيب عند الله أيضا قوله ~~تعالى [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] قال أبو بكر روي عن ابن ~~عباس وقتادة ومجاهد والضحاك أن اليسر الإفطار في السفر والعسر الصوم فيه ~~وفي المرض ويحتمل ما ذكر من الإفطار في السفر لمن يجهده الصوم ويضره كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل الذي ظلل عليه في # PageV01P276 # السفر وهو صائم ليس من البر الصيام في السفر # فأفادت الآية أن الله يريد منكم من الصوم ما تيسر لا ما تعسر وشق # لأنه صلى الله عليه وسلم قد صام في ms0354 السفر وأباح الصوم فيه لمن لا يضره # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متبعا لأمر الله عاملا بما يريده ~~الله منه فدل ذلك على أن قوله [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] ~~غير ناف لجواز الصوم في السفر بل هو دال على أنه إن كان يضره فالله سبحانه ~~غير مريد منه ذلك وأنه مكروه له ويدل على أن من صام في السفر أجزأه ولا ~~قضاء عليه لأن في إيجاب القضاء إثبات العسر ولأن لفظ اليسر يقتضي التخيير ~~كما روي عن ابن عباس وإذا كان مخيرا في فعل الصوم وتركه فلا قضاء عليه ويدل ~~أيضا على أن المريض والحامل والمرضع وكل من خشي ضرر الصوم على نفسه أو على ~~الصبي فعليه أن يفطر لأن في احتمال ضرر الصوم ومشقته ضربا من العسر وقد نفى ~~الله تعالى عن نفسه إرادة العسر بنا وهو نظير ما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما # وهذه الآية أصل في أن كل ما يضر بالإنسان ويجهده ويجلب له مرضا أو يزيد ~~في مرضه أنه غير مكلف به لأن ذلك خلاف اليسر نحو من يقدر على المشي إلى ~~الحج ولا يجد زادا وراحلة فقد دلت الآية أنه غير مكلف به على هذا الوجه ~~لمخالفته اليسر وهو دال أيضا على أن من فرط في قضاء رمضان إلى القابل فلا ~~فدية عليه لما فيه من إثبات العسر ونفي اليسر ويدل على أن سائر الفروض ~~والنوافل إنما أمر بفعلها أو أبيحت له على شريطة نفي العسر والمشقة الشديدة ~~ويدل أيضا على أن له أن يقضي رمضان متفرقا لأنه ذكر ذلك عقيب قوله [فعدة من ~~أيام أخر] ودلالة ذلك عليه من وجهين أحدهما أن قوله [يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر] قد اقتضى تخيير العبد في القضاء والثاني أن قضاءه ~~متفرقا أولى بمعنى اليسر وأبعد من العسر وهو ينفي أيضا إيجاب التتابع لما ~~فيه من العسر ويدل على ms0355 بطلان قول من أوجب القضاء على الفور ومنعه التأخير ~~لأنه بنفي معنى اليسر ويثبت العسر وقد دلت الآية على بطلان قوله أهل الجبر ~~والقائلين بأن الله يكلف عباده ما لا يطيقون لأن تكليف العبد ما لا يطيق ~~وما ليس معه القدرة عليه من أعسر العسر وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة ~~العسر لعباده ويدل على بطلان قولهم من وجه آخر وهو أنه من حمل نفسه على ~~المشقة الشديدة التي يلحقه ضرر عظيم في الصوم فاعل لما لم يرده الله منه ~~بقضية الآية وأهل الجبر يزعمون أن كل ما فعله العبد من # PageV01P277 # معصية أو كفر فإن الله مريده منه وقد نفى الله بهذا ما نسبوه إليه من ~~إرادة المعاصي ويدل أيضا من وجه آخر على بطلان قولهم وهو أن الله تعالى قد ~~أخبر في هذه الآية أنه يريد بهم اليسر ليحمدوه ويشكروه وأنه لم يرد منهم أن ~~يكفروا ليستحقوا عقابه لأن مريد ذلك غير مريد لليسر بل هو مريد للعسر ولما ~~لا يستحق الشكر والحمد عليه فهذه الآية دالة من هذه الوجوه على بطلان قول ~~أهل الجبر وأنهم وصفوا الله تعالى بما نفاه عن نفسه ولا يليق به قوله عز ~~وجل [ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم] قال أبو بكر قد دل قوله ~~[ولتكملوا العدة] على معان منها أنه متى غم علينا هلال شهر رمضان فعلينا ~~إكمال العدة ثلاثين يوما أي شهر كان لبيان النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~على الوجه الذي بينا # فقال (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) # فجعل إكمال العدة اعتبار الثلاثين عند خفاء الهلال ويدل أيضا على جواز ~~قضاء رمضان متتابعا أو متفرقا لإخباره أن الفرض فيه إكمال العدة وذلك يحصل ~~به متفرقا كان أو متتابعا ويدل على أن وجوب قضائه ليس على الفور لأنه إذا ~~كان المقصد إكمال العدة وذلك قد يحصل على أي وجه صام فلا فرق بين فعله على ~~الفور أو على المهلة مع حصول إكمال العدة ms0356 ويدل على أنه لا فدية على من أخر ~~قضاء رمضان وأنه ليس عليه غير القضاء شيء لأنه أخبر أن مراده منا إكمال ~~العدة وقد وجد في إيجاب الفدية زيادة في النص وإثبات ما ليس هو من المقصد ~~ويدل على أن من أفطر في شهر رمضان وهو ثلاثون يوما أنه غير جائز له أن يصوم ~~شهرا بالهلال تسعة وعشرين يوما لقوله تعالى [ولتكملوا العدة] وذلك يقتضي ~~استيفاء العدد فالقائل بجواز الاقتصار على نقصان العدد مخالف لحكم الآية ~~ويدل على أن أهل بلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوما للرؤية وأهل بلد آخر إذا ~~صاموا للرؤية ثلاثين أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما أن يقضوا يوما ~~لقوله تعالى [ولتكملوا العدة] وقد حصل عدة رمضان ثلاثين لأهل ذلك البلد ~~فعلى الآخرين أن يكملوها كما كان على أولئك إكمالها إذ كان الله لم يخصص ~~بعضا من كل وأما قوله [ولتكبروا الله على ما هداكم] فإنه روي عن ابن عباس ~~أنه كان يقول حقا على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى ~~يفرغوا من عيدهم وذلك لقوله [ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم] # وروي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يكبر يوم الفطر # PageV01P278 # إذا خرج إلى المصلى وإذا قضى الصلاة قطع التكبير # وقد روي عن علي وأبي قتادة وابن عمر وسعيد بن المسيب وعروة والقاسم ~~وخارجة بن زيد ونافع بن جبير بن مطعم وغيرهم أنهم كانوا يكبرون يوم العيد ~~إذا خرجوا إلى المصلى # وروى جيش بن المعتمر عن علي أنه ركب بغلته يوم الأضحى فلم يزل يكبر حتى ~~أتى الجبانة # وروى ابن أبى ذيب عن شعبة مولى ابن عباس قال كنت أقود ابن عباس إلى ~~المصلى فيسمع الناس يكبرون فيقول ما شأن الناس أكبر الإمام فأقول لا فيقول ~~أمجانين الناس فأنكر ابن عباس في هذا الخبر التكبير في طريق المصلى وهذا ~~يدل على أن المراد عنده التكبير المذكور في الآية وهو التكبير الذي يكبره ~~الإمام في الخطبة ms0357 مما يصلح أن يكبر الناس معه وما روي عنه أنه حق على ~~المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا حتى يفرغوا من عيدهم فليس فيه ~~دلالة على الجهر به وجائز أن يريد به تكبيرهم في أنفسهم وقد روي عن ابن عمر ~~أنه كان إذا خرج يوم الفطر ويوم الأضحى يكبر ويرفع صوته حتى يجيء المصلى ~~وروي عن زيد بن أسلم أنه تأول على تكبير يوم الفطر واختلف فقهاء الأمصار في ~~ذلك فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال يكبر الذي يذهب إلى العيد ~~يوم الأضحى ويجهر بالتكبير ولا يكبر يوم الفطر وقال أبو يوسف يكبر يوم ~~الأضحى والفطر وليس فيه شيء موقت لقوله تعالى [ولتكبروا الله على ما هداكم] ~~وقال عمرو سألت محمدا عن التكبير في العيدين فقال نعم يكبر وهو قولنا وقال ~~الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن التكبير في العيدين ليس بواجب في الطريق ولا ~~في المصلى وإنما التكبير الواجب في صلاة العيد وذكر الطحاوي أن ابن أبي ~~عمران كان يحكي عن أصحابنا جميعا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن يكبروا في ~~الطريق إلى المصلى حتى يأتوه ولم نكن نعرف ما حكاه المعلى عنهم وقال ~~الأوزاعي ومالك يكبر في خروجه إلى المصلى في العيدين جميعا قال مالك ويكبر ~~في المصلى إلى أن يخرج الإمام فإذا خرج الإمام قطع التكبير ولا يكبر إذا ~~رجع وقال الشافعي أحب إظهار التكبير ليلة الفطر وليلة النحر وإذا غدوا إلى ~~المصلى حتى يخرج الإمام وقال في موضع آخر حتى يفتح الإمام الصلاة قال أبو ~~بكر تكبير الله هو تعظيمه وذلك يكون بثلاثة معان عقد الضمير والقول والعمل ~~فعقد الضمير هو اعتقاد توحيد الله تعالى وعدله وصحة المعرفة به وزوال ~~الشكوك وأما القول فالإقرار بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وسائر # PageV01P279 # ما مدح به نفسه وأما العمل فعبادته بما يعد به من الأعمال بالجوارح ~~كالصلاة وسائر المفروضات وكل ذلك غير مقبول إلا بعد تقدمة الاعتقاد له ~~بالقلب على الحد الذي وصفنا ms0358 وأن يتحرى بجميع ذلك موافقة أمر الله كما قال ~~عز وجل [ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا] ~~فشرط بديا تحري موافقة أمر الله بذكره إرادة الآخرة ولم يقتصر عليه حتى ذكر ~~العمل لله وهو السعي وعقد ذلك كله بشريطة الإيمان بقوله [وهو مؤمن] ثم عقبه ~~بذكر الوعد لمن حصلت له هذه الأعمال نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل هذه ~~الآية وأن يوفقنا إلى ما يؤدينا إلى مرضاته وإذا كان تكبير الله تعالى ~~ينقسم إلى هذه المعاني التي ذكرنا وقد علمنا لا محالة أن اعتقاد التوحيد ~~والإيمان بالله ورسله شرط في سائر القرب وذلك غير مختص بشيء من الطاعات دون ~~غيرها ومعلوم أيضا أن سائر المفروضات التي يتعلق وجوبها بأسباب أخر غير ~~مبنية على صيام رمضان ثبت أن التعظيم المذكور في هذه الآية ينبغي أن يكون ~~متعلقا بإكمال عدة رمضان وأولى الأشياء به إظهار لفظ التكبير ثم جائز أن ~~يكون تكبيرا يفعله الإنسان في نفسه عند رؤية هلال شوال وجائز أن يكون ~~المراد ما تأوله كثير من السلف على أنه تكبير المفعول في الخروج إلى المصلى ~~وجائز أن يريد به تكبيرات صلاة العيد كل ذلك يحتمله اللفظ ولا دلالة فيه ~~على بعض دون بعض فأيها فعل فقد قضى عهدة الآية وفعل مقتضاها ولا دلالة في ~~اللفظ على وجوبه لأن قوله تعالى [ولتكبروا الله] لا يقتضي الوجوب إذ جائز ~~أن يتناول ذلك النفل ألا ترى أنا نكبر لله أو نعظمه بما نظهره من التكبير ~~نفلا ولا خلاف بين الفقهاء أن إظهار التكبير ليس بواجب ومن كبر فإنما فعله ~~استحبابا ومع ذلك فإنه متى فعل أدنى ما يسمى تكبيرا فقد وافق مقتضى الآية ~~إلا أن ما روي من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف # من الصدر الأول والتابعين في تكبيرهم يوم الفطر في طريق المصلى يدل على ~~أنه مراد الآية فالأظهر من ذلك أن فعله مندوب إليه ومستحب لا حتما واجبا ~~والذي ذكره ms0359 ابن أبي عمران هو أولى بمذهب أبي حنيفة وسائر أصحابنا لما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الزهري وإن كان مرسلا وعن السلف فلأن ~~ذلك موافق لظاهر الآية إذ كانت تقتضي تحديد تكبير عند إكمال العدة والفطر ~~أولى بذلك من الأضحى وإذا كان ذلك عنده مسنونا في الأضحى فالفطر كذلك لأن # PageV01P280 # صلاتي العيد لا تختلفان في حكم التكبير فيهما والخطبة بعدهما وسائر ~~سننهما فكذلك ينبغي أن تكون سنة التكبير في الخروج إليهما وفي هذه الآية ~~دلالة على بطلان قول أهل الجبر لأن فيها أن الله قد أراد من المكلفين إكمال ~~العدة واليسر وليكبروه ويحمده ويشكروه على نعمته وهدايته لهم إلى هذه ~~الطاعات التي يستحقون بها الثواب الجزيل فقد أراد من الجميع هذه الطاعات ~~وفعل الشكر وإن كان فيهم من يعصيه ولا يشكره فثبت بدلالة هذه الآية أن الله ~~لم يرد من أحد أن يعصيه ولا أن يترك فروضه وأوامره بل أراد من الجميع أن ~~يطيعوه ويشكروه مع ما دلت العقول عليه بأن فاعل ما أريد منه مطيع للمريد ~~متبع لأمره فلو كان الله تعالى مريدا للمعاصي لكان العصاة مطيعين له فدلالة ~~العقول موافقة لدلالة الآية والله سبحانه وتعالى الموافق للصواب. ### | باب الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام # قال الله تعالى [أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم- إلى قوله- ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل] روي عن ابن عباس أن ذلك كان في الفرض الأول من ~~الصيام بقوله تعالى [كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم] وأنه ~~كان صومه ثلاثة أيام من كل شهر وأنه كان من حين يصلي العتمة يحرم عليهم ~~الطعام والشراب والجماع إلى القابلة رواه عطية عن ابن عباس وروى عكرمة عن ~~ابن عباس مثله ولم يذكر أنه كان في الصوم الأول وروى عطاء عن ابن عباس أنه ~~كان إذا صلى العتمة ورقد حرم عليه الطعام والشراب والجماع وروى الضحاك أنه ~~كان يحرم ذلك عليهم من حين يصلون العتمة وعن معاذ أنه كان يحرم ذلك عليهم ms0360 ~~بعد النوم وكذلك ابن أبي ليلى عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا ثم ~~إن رجلا من الأنصار لم يأكل ولم يشرب حتى نام فأصبح صائما فأجهده الصوم ~~وجاء عمر وقد أصاب امرأته بعد ما نام فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله تعالى [أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم] ونسخ به ~~تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم # والرفث للذكور هو الجماع لا خلاف بين أهل العلم فيه واسم الرفث يقع على ~~الجماع وعلى الكلام الفاحش ويكنى به عن الجماع قال ابن عباس في قوله [فلا ~~رفث ولا فسوق] إنه مراجعة النساء بذكر الجماع. قال العجاج: # عن اللغا ورفث التكلم # PageV01P281 # فأولى الأشياء بمعنى الآية هو الجماع نفسه لأن رفث الكلام غير مباح ~~ومراجعة النساء بذكر الجماع ليس لها حكم يتعلق بالصوم لا فيما سلف ولا في ~~المستأنف فعلم أن المراد هو ما كان محرما عليهم من الجماع فأبيح لهم بهذه ~~الآية ونسخ به ما تقدم من الحظر وقوله تعالى [هن لباس لكم وأنتم لباس لهن] ~~بمعنى هن كاللباس لكم في إباحة المباشرة وملابسة كل واحد منهما لصاحبه قال ~~النابغة الجعدي: # إذا ما الضجيع ثنى عطفه ... تثنت عليه فكانت لباسا # ويحتمل أن يريد باللباس الستر لأن اللباس هو ما يستر وقد سمى الله تعالى ~~الليل لباسا لأنه يستر كل شيء يشتمل عليه بظلامه فإن كان المعنى ذلك ~~فالمراد كل واحد منهما ستر صاحبه عن التخطي إلى ما يهتكه من الفواحش ويكون ~~كل واحد منهما متعففا بالآخر مستترا به وقوله تعالى [علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم] ذكر للحال التي خرج عليها الخطاب واعتداد بالنعمة علينا ~~بالتخفيف بإباحة الجماع والأكل والشرب في ليالي الصوم واستدعاء لشكره عليها ~~ومعنى قوله [تختانون أنفسكم] أي يستأثر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من ~~الجماع والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم كقوله [تقتلون أنفسكم] يعني ~~يقتل بعضكم بعضا ويحتمل أن يريد به كل واحد في نفسه بأنه يخونها وسماه ~~خائنا لنفسه ms0361 من حيث كان ضرره عائدا عليه ويحتمل أن يريد به أنه يعمل عمل ~~المستأثر له فهو يعامل نفسه بعمل الخائن لها والخيانة هي انتقاص الحق على ~~جهة المساترة قوله تعالى [فتاب عليكم] يحتمل معنيين أحدهما قبول التوبة من ~~خيانتهم لأنفسهم والآخر التخفيف عنكم بالرخصة والإباحة كقوله تعالى [علم أن ~~لن تحصوه فتاب عليكم] يعني والله أعلم خفف عنكم وكما قال عقيب ذكر حكم قتل ~~الخطإ [فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله] يعني تخفيفه. لأن ~~قاتل الخطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه وقوله تعالى [وعفا عنكم] يحتمل ~~أيضا العفو عن الذنب الذي اقترفوه بخيانتهم لأنفسهم ثم لما أحدثوا التوبة ~~منه عفا عنهم في الخيانة ويحتمل أيضا التوسعة والتسهيل بإباحة ما أباح من ~~ذلك لأن العفو يعبر به في اللغة عن التسهيل # كقول النبي صلى الله عليه وسلم (أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله) # يعني تسهيله وتوسعته وقوله تعالى [فالآن باشروهن] إباحة للجماع المحظور ~~كان قبل ذلك في ليالي الصوم والمباشرة هي إلصاق البشر بالبشرة وهي في هذا ~~الموضع # PageV01P282 # كناية عن الجماع قال زيد بن أسلم هي المواقعة والجماع وقال في المباشرة ~~مرة هي إلصاق الجلد بالجلد وقال الحسن المباشرة النكاح وقال مجاهد الجماع ~~وهو مثل قوله عز وجل [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] وقوله ~~[وابتغوا ما كتب الله لكم] قال عبد الوهاب عن أبيه عن ابن عباس قال الولد ~~وعن مجاهد والحسن والضحاك والحكم مثله وروى معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن ~~عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وابتغوا ما كتب الله لكم قال ليلة ~~القدر وقال قتادة في قوله [وابتغوا ما كتب الله لكم] قال الرخصة التي كتب ~~الله لكم قال أبو بكر إذا كان المراد بقوله [فالآن باشروهن] الجماع فقوله ~~[وابتغوا ما كتب الله لكم] لا ينبغي أن يكون محمولا على الجماع لما فيه من ~~تكرار المعنى في خطاب واحد ونحن متى أمكننا استعمال كل لفظ على فائدة مجددة ms0362 ~~فغير جائز الاقتصار بها على فائدة واحدة وقد أفاد قوله [فالآن باشروهن] ~~إباحة الجماع فالواجب أن يكون قوله [وابتغوا ما كتب الله لكم] على غير ~~الجماع ثم لا يخلو من أن يكون المراد به ليلة القدر على ما رواه أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس أو الولد على ما روي عنه وعن غيره ممن قدمنا ذكره أو ~~الرخصة على ما روي عن قتادة فلما كان اللفظ محتملا لهذه المعاني ولولا ~~احتماله لها لما تأوله السلف عليها وجب أن يكون محمولا على الجميع وعلى أن ~~الكل مراد الله تعالى فيكون اللفظ منتظما لطلب ليلة القدر في رمضان ولاتباع ~~رخصة الله تعالى ولطلب الولد فيكون العبد مأجورا على ما يقصده من ذلك ويكون ~~الأمر بطلب الولد على معنى ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (تزوجوا الودود الولود فإني ~~مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) # وكما سأل زكريا ربه أن يرزقه ولدا بقوله [فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث ~~من آل يعقوب] وقوله [وكلوا واشربوا] إطلاق من حظر كقوله [فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله] وقوله [وإذا حللتم فاصطادوا] ~~ونظائر ذلك من الإباحة الواردة بعد الحظر فيكون حكم اللفظ مقصورا على ~~الإباحة لا على الإيجاب ولا الندب وأما قوله [حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر] قال أبو بكر قد اقتضت الآية إباحة الأكل والشرب ~~والجماع إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر روي أن رجالا ~~منهم حملوا ذلك على حقيقة الخيط الأبيض والأسود وتبين أحدهما من الآخر منهم # عدي بن حاتم حدثنا # PageV01P283 # محمد بن بكر قال أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا حصين بن نمير قال ~~وحدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ابن إدريس المعني ~~عن حصين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت هذه الآية [حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود] قال أخذت عقالا أبيض وعقالا أسود فوضعتهما ms0363 ~~تحت وسادتي فنظرت فلم أتبين فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ~~فقال (إن وسادك إذا لعريض طويل إنما هو الليل والنهار) # قال عثمان إنما هو سواد الليل وبياض النهار قال وحدثنا أبو محمد جعفر بن ~~محمد الواسطي قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد اليماني قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا ابن أبي مريم عن أبي غسان محمد بن مطرف قال أخبرنا أبو حازم عن ~~سهل بن سعد قال لما نزل قوله [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود] ولم ينزل [من الفجر] قال فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط ~~أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا ~~له فأنزل الله بعد ذلك [من الفجر] فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار ~~قال أبو بكر إذا كان قوله [من الفجر] مبينا فيه فلا إلباس على أحد في أنه ~~لم يرد به حقيقة الخيط لقوله [من الفجر] ويشبه أن يكون إنما اشتبه على عدي ~~وغيره ممن حمل اللفظ على حقيقته قبل نزول قوله [من الفجر] وذلك لأن الخيط ~~اسم للخيط المعروف حقيقة وهو مجاز واستعارة في سواد الليل وبياض النهار ~~وجائز أن يكون ذلك قد كان شائعا في لغة قريش ومن خوطبوا به ممن كان بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية وأن عدي بن حاتم ومن أشكل عليه ~~ذلك لم يكونوا عرفوا هذه اللغة لأنه ليس كل العرب تعرف سائر لغاتها وجائز ~~مع ذلك أن يكونوا عرفوا ذلك اسما للخيط حقيقة ولبياض النهار وسواد الليل ~~مجازا ولكنهم حملوا اللفظ على الحقيقة فلما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبرهم بمراد الله تعالى منه وأنزل الله تعالى بعد ذلك [من الفجر] فزال ~~الاحتمال وصار المفهوم من اللفظ سواد الليل وبياض النهار وقد كان ذلك اسما ~~لسواد الليل وبياض النهار في الجاهلية قبل الإسلام مشهورا ذلك عندهم قال ~~أبو داود الإيادي: # ولما أضاءت لنا ظلمة ... ولاح من الصبح خيط ms0364 أنارا # وقال آخر في الخيط الأسود: # قد كاد يبدو أو بدت تباشره ... وسدف الخيط البهيم ساتره # PageV01P284 # فقد كان ذلك مشهورا في اللسان قبل نزول القرآن به وقال أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى الخيط الأبيض هو الصبح والخيط الأسود الليل قال والخيط هو اللون فإن ~~قيل كيف شبه الليل بالخيط الأسود وهو مشتمل على جميع العالم وقد علمنا أن ~~الصبح إنما شبه بالخيط لأنه مستطيل أو مستعرض في الأفق فأما الليل فليس ~~بينه وبين الخيط تشابه ولا مشاكلة قيل له إن الخيط الأسود هو السواد الذي ~~في الموضع قبل ظهور الخيط الأبيض فيه وهو في ذلك الموضع مساو للخيط الأبيض ~~الذي يظهر بعده فمن أجل ذلك سمي الخيط الأسود وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في تحديد الوقت الذي يحرم به الأكل والشرب على الصائم ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا حماد بن ~~زيد عن عبد الله بن سوادة القشيري عن أبيه قال سمعت سمرة بن جندب يخطب وهو ~~يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا ~~بياض الأفق الذي هكذا حتى يستطير) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا ~~ملازم بن عمرو عن عبد الله بن النعمان قال حدثني قيس بن طلق عن أبيه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلوا واشربوا ولا يهدينكم الساطع المصعد ~~فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر) # فذكر في هذا الخبر الأحمر ولا خلاف بين المسلمين أن الفجر الأبيض المعترض ~~في الأفق قبل ظهور الحمرة يحرم به الطعام والشراب على الصائم # وقال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم (إنما هو بياض النهار وسواد الليل) # ولم يذكر الحمرة فإن قيل # قد روي عن حذيفة قال تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نهارا ~~إلا أن الشمس لم تطلع # قيل له لا يثبت ذلك عن حذيفة وهو ms0365 مع ذلك من أخبار الآحاد فلا يجوز ~~الاعتراض به على القرآن قال الله تعالى [حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر] فأوجب الصوم والإمساك عن الأكل والشرب بظهور الخيط ~~الذي هو بياض الفجر وحديث حذيفة إن حمل على حقيقته كان مبيحا لما حظرته ~~الآية # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم هو بياض النهار وسواد ~~الليل # فكيف يجوز الأكل نهارا في الصوم مع تحريم الله تعالى إياه بالقرآن والسنة ~~ولو ثبت حديث حذيفة من طريق النقل لم يوجب جواز الأكل في ذلك الوقت لأنه لم ~~يعز الأكل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما أخبر عن نفسه أنه أكل في ذلك ~~الوقت لا عن النبي صلى الله عليه وسلم فكونه مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في وقت الأكل لا دلالة فيه على علم # PageV01P285 # النبي صلى الله عليه وسلم بذلك منه وإقراره عليه ولو ثبت أنه صلى الله ~~عليه وسلم علم بذلك وأقره عليه احتمل أن يكون ذلك كان في آخر الليل قرب ~~طلوع الفجر فسماه نهارا لقربه منه كما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال ~~حدثنا حماد بن خالد الخياط قال حدثنا معاوية بن صالح عن يونس بن سيف عن ~~الحرث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض بن سارية قال دعاني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان فقال هلم إلى الغداء المبارك # فسمى السحور غداء لقربه من الغداء كذلك لا يمتنع أن يكون حذيفة سمى الوقت ~~الذي تسحر فيه نهارا لقربه من النهار قال أبو بكر فقد وضح بما تلونا من ~~كتاب الله وتوقيف نبيه صلى الله عليه وسلم أن أول وقت الصوم هو طلوع الفجر ~~الثاني المعترض في الأفق وأن الفجر المستطيل إلى وسط السماء هو من الليل ~~والعرب تسميه ذنب السرحان وقد اختلف أهل العلم في حكم الشاك في الفجر فذكر ~~أبو يوسف في الإملاء أن ms0366 أبا حنيفة قال يدع الرجل السحور إذا شك في الفجر ~~أحب إلي فإن تسحر فصومه تام وهو قولهم جميعا في الأصل وقال إن أكل فلا قضاء ~~عليه وحكى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه إن أكل وهو شاك قضى يوما ~~وقال أبو يوسف ليس عليه في الشك قضاء وقال الحسن ابن زياد عن أبي حنيفة أنه ~~إن كان في موضع يستبين الفجر ويرى مطلعه من حيث يطلع وليس هناك علة فليأكل ~~ما لم يستبن له الفجر وهو قول الله تعالى [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] قال وقال أبو حنيفة إن كان في موضع ~~لا يرى فيه الفجر أو كانت مقمرة وهو يشك في الفجر فلا يأكل وإن أكل فقد ~~أساء وإن كان أكبر رأيه إن أكل والفجر طالع قضى وإلا لم يقض وسواء كان في ~~سفر أو حضر وهذا قول زفر وأبي يوسف وبه نأخذ وكذلك روي عنهم في الشك في ~~غيبوبة الشمس على هذا الاعتبار قال أبو بكر وينبغي أن يكون رواية الأصل ~~ورواية الإملاء في كراهيتهم الأكل عند الشك في الفجر محمولين على ما رواه ~~الحسن بن زياد لأنه فسر ما أجملوه في الروايتين الأخريين ولأنها موافقة ~~لظاهر الكتاب وقد روي عن ابن عباس أنه بعث رجلين لينظرا له طلوع الفجر في ~~الصوم فقال أحدهما قد طلع وقال الآخر لم يطلع فقال اختلفتما فأكل وكذلك روي ~~عن ابن عمر وذلك في حال أمكن فيها الوصول إلى معرفة طلوع الفجر من طريق ~~المشاهدة وقال تعالى [حتى يتبين # PageV01P286 # لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] # فأباح الأكل إلى أن يتبين والتبين إنما هو حصول العلم الحقيقي ومعلوم أن ~~ذلك إنما أمروا به في حال يمكنهم فيها الوصول إلى العلم الحقيقي بطلوعه ~~وأما إذا كانت ليلة مقمرة أو ليلة غيم أو في موضع لا يشاهد مطلع الفجر فإنه ~~مأمور بالاحتياط للصوم إذ لا سبيل له إلى العلم بحال الطلوع فالواجب ms0367 عليه ~~الإمساك استبراء لدينه لما # حدثنا شعبة قال حدثنا يزيد بن أبي مريم السلولي قال سمعت أبا الجوزاء ~~السعدي قال قلت للحسن بن علي ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~كان يقول (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا ~~أبو شهاب حدثنا ابن عون عن الشعبي قال سمعت النعمان بن بشير ولا أسمع أحدا ~~بعده يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الحلال بين وإن ~~الحرام بين وبينهما أمور متشابهات وسأضرب في ذلك مثلا إن الله حمى حمى وإن ~~حمى الله ما حرم وأنه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه وإنه من يخالط ~~الريبة يوشك أن يجسر) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ~~قال أخبرنا عيسى قال حدثنا زكريا عن عامر قال سمعت النعمان بن بشير يقول ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث قال (وبينهما أمور متشابهات ~~لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ عرضه ودينه ومن وقع في ~~الشبهات وقع في الحرام) # فهذه الأخبار تمنع من الإقدام على المشكوك فيه أنه من المباح أو المحظور ~~فوجب استعمالهما فمن شك فلا سبيل له إلى تبين طلوع الفجر في أول ما يطلع ~~حتى يكون مستبرئا لدينه وعرضه مجتنبا للريبة غير مواقع لحمى الله تعالى ~~فاستعملنا قوله [حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] ~~فيمن يمكنه معرفة طلوعه في أول أحواله فهذا مذهب أصحابنا وحجاجه فيما ذكرنا ~~وقال مالك بن أنس أكره أن يأكل إذا شك في الفجر وإن أكل فعليه القضاء وقال ~~الثوري يتسحر الرجل ما شك حتى يرى الفجر وقال عبيد الله بن الحسن والشافعي ~~إن أكل شاكا في الفجر فلا شيء عليه وأما قول من قال إنه يأكل شاكا من غير ~~اعتبار منه بحال إمكان ms0368 التبين في حال طلوعه أو تعذر ذلك عليه فذلك إغفال ~~منه لأن ضريرا لو كان في موضع ليس بحضرته من يعرفه طلوع الفجر لم يجز له ~~الإقدام على الأكل بالشك وهو لا يأمن أن يكون قد أصبح وكذلك من كان # PageV01P287 # في بيت مظلم لا يأمن من طلوع الفجر لم يجز له الإقدام على الأكل بالشك ~~فإن أجاز هذا وألغى الشك لزمه إلغاء الشك في كل موضع والإقدام على كل ما لا ~~يأمن أن يكون محظورا من وطئ أو غيره وفي استعمال ذلك مخالفة لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من اجتناب الشبهات وترك الريب إلى اليقين ومخالفة ~~إجماع المسلمين لأنهم لا يختلفون أنه غير جائز له الإقدام على وطئ امرأة لا ~~يعرفها وهو شاك في أنها زوجته وكذلك من طلق إحدى نسائه بعينها ثلاثا ونسيها ~~فغير جائز له الإقدام على وطئ واحدة منهن باتفاق الفقهاء إلا بعد العلم ~~بأنها ليست المطلقة وأما القول بإيجاب القضاء على من أكل شاكا في الفجر ~~فإنه لا يبيح له الإقدام على المشكوك فيه فكذلك لا يوجب عليه القضاء بالشك ~~لأنه إذا كان الأصل براءة الذمة من الفرض فلا جائز إلزامه بالشك والذي ~~تضمنته هذه الآية من الحكم من عند قوله [أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم- إلى قوله- من الخيط الأسود من الفجر] نسخ تحريم الجماع والأكل ~~والشرب في ليالي الصوم بعد العتمة أو بعد النوم وفيها الدلالة على نسخ ~~السنة بالقرآن لأن الحظر المتقدم إنما كان ثبوته بالسنة لا بالقرآن ثم نسخ ~~بالإباحة المذكورة في القرآن وفيها الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة ~~الصوم لما فيه من إباحة الجماع من أول الليل إلى آخره مع العلم بأن المجامع ~~في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر يصبح جنبا ثم حكم مع ذلك ~~بصحة صومه بقوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] وفيها حث على طلب الولد بقوله ~~[وابتغوا ما كتب الله لكم] مع تأويل من تأوله واحتمال الآية له وفيها ms0369 ~~الدلالة على أن ليلة القدر في رمضان لأن ابن عباس قد تأوله على ذلك فلولا ~~أنه محتمل له لما جاز أن يتأوله عليه وفيها الندب إلى الترخص برخصة الله ~~لتأويل من تأوله على ما بينا فيما سلف وفيها الدلالة على أن آخر الليل إلى ~~طلوع الفجر الثاني بقوله [أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم- إلى قوله- ~~حتى يتبين لكم] فثبت أن الليل إلى طلوع الفجر وأن ما بعد طلوعه فهو من ~~النهار وفيها الدلالة على إباحة الأكل والشرب والجماع إلى أن يحصل له ~~الاستبانة واليقين بطلوع الفجر وأن الشك لا يحظر عليه ذلك إذ غير جائز وجود ~~الاستبانة مع الشك وهذا فيمن يصل إلى الاستبانة وقت طلوعه وأما من لا يصل ~~إلى ذلك لساتر أو ضعف بصره أو نحو ذلك فغير داخل في هذا الخطاب لما بينا ~~آنفا قبل # PageV01P288 # هذا الفصل وورود لفظ الإباحة بعد الحظر دليل على أنه لم يرد به الإيجاب ~~لأن ذلك حكم لفظ الإطلاق إذا كان وروده بعد الحظر على نحو ما ذكرنا من ~~نظائره في قوله [وإذا حللتم فاصطادوا] وقوله [فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض] ومع ذلك فليس يمتنع أن يكون بعض الأكل والشرب مندوبا وهو ما يكون في ~~آخر الليل على جهة السحور # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم الحربي قال حدثنا مسدد ~~قال حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(تسحروا فإن في السحور بركة) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد ~~الله بن المبارك عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن أبي قيس مولى عمرو بن ~~العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن فصلا بين صيامكم وصيام أهل ~~الكتاب أكلة السحور) # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن عمرو الزئبقي قال حدثنا عبد الله بن ~~شبيب قال حدثنا عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ms0370 أبيه عن ~~ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (نعم غداء المؤمن السحور وإن ~~الله وملائكته يصلون على المتسحرين) # فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى السحور وليس يمتنع أن يكون مراد ~~الله بقوله [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر] في بعض ما انتظمه أكلة السحور فيكون مندوبا إليها بالآية فإن قيل قد ~~تضمنت الآية لا محالة الرخصة في إباحة الأكل وهو ما كان منه في أول الليل ~~لا على وجه السحور فكيف يجوز أن ينتظم لفظ واحد ندبا وإباحة قيل له لم يثبت ~~ذلك بظاهر الآية وإنما استدللنا عليه بظاهر السنة فأما ظاهر اللفظ فهو ~~إطلاق إباحة على ما بينا وفيها الدلالة على أن الغاية قد لا تدخل في الحكم ~~المقدر بها بقوله عز وجل [حتى يتبين لكم الخيط الأبيض] وحال التبين غير ~~داخلة في إباحة الأكل فيها ولا مرادة بها ثم قال الله تعالى [ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل] فجعل الليل غاية الصيام ولم تدخل فيه وقد دخلت في بعض ~~المواضع وهو قوله [ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا] والغاية مرادة في ~~إباحة الصلاة بعدها وكذلك قوله تعالى [وأيديكم إلى المرافق- وأرجلكم إلى ~~الكعبين] قد دخلت الغاية في المراد وذلك أصل في أن الغاية قد تدخل في حال ~~ولا تدخل في أخرى وأنها تحتاج إلى دلالة في إسقاط حكمها أو إثباته وأما ~~قوله تعالى [ثم أتموا الصيام إلى الليل] فإن عطفه على ما تقدم ذكره من ~~إباحة الجماع # PageV01P289 # والأكل والشرب يدل على أن الصوم المأمور به هو الإمساك عن هذه الأمور ~~التي ذكر إباحتها ليلا وقد تقدم بيان ذلك مع ما يقتضيه الصوم الشرعي من ~~المعاني التي بعضها إمساك وبعضها شرط لكون الإمساك صوما شرعيا وفي قوله [ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل] دلالة على أن من حصل مفطرا بغير عذر أنه غير جائز ~~له الأكل بعد ذلك وأن عليه أن يمسك عما يمسك عنه الصائم لأن هذا الإمساك ms0371 ~~ضرب من الصيام # وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال ~~(من أكل فليصم بقية يومه ومن لم يأكل فليتم صومه) # فسمى الإمساك بعد الأكل صوما فإن قيل إذا لم يكن صوما شرعيا لم يتناوله ~~اللفظ لأن قوله تعالى [ثم أتموا الصيام إلى الليل] المراد به الصوم الشرعي ~~لا الصوم اللغوي قيل له هذا عندنا صوم شرعي قد أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع إيجابه القضاء ووجوب القضاء لا يخرجه من أن يكون صوما مندوبا إليه ~~مستحقا للثواب عليه وفيه الدلالة على أن من أصبح في رمضان غيرنا وللصوم أن ~~عليه أن يتم صومه ويجزيه من فرضه ما لم يفعل ما ينافي صحة الصوم من أكل أو ~~شرب أو جماع فإن قيل الذي يقتضيه الظاهر الأمر بإتمام الصوم والإتمام يطلق ~~فيما قد صح الدخول فيه وهو فلم يدخل فيه حتى يلحقه الخطاب بالإتمام قيل له ~~لما أصبح ممسكا عما يجب على الصائم الإمساك عنه فقد حصل له الدخول في الصوم ~~لما بينا من أن الإمساك قد يكون صوما شرعيا وإن لم يحصل به قضاء فرض ولا ~~تطوع ويدل على أن ذلك صوم مع عدم النية اتفاق جميع فقهاء الأمصار على أن من ~~أصبح في غير رمضان ممسكا عما يمسك عنه الصائم غير ناو للصوم أنه جائز له أن ~~يبتدئ نية التطوع ويجزيه ولو لم يكن ما مضى صوما يتعلق به حكم الصوم الشرعي ~~لما جاز أن يثبت له حكم الصوم بإيجاد النية بعده ألا ترى أنه لو أكل أو شرب ~~ثم أراد أن ينوي صياما تطوعا لم يصح له ذلك فثبت بما وصفنا صحة دلالة قوله ~~[ثم أتموا الصيام إلى الليل] على جواز نية صيام رمضان في بعض النهار والله ~~تعالى أعلم بالصواب. ### | باب لزوم صوم التطوع بالدخول فيه # قوله عز وجل [ثم أتموا الصيام إلى الليل] يدل على أن من دخل في صوم ~~التطوع لزمه إتمامه وذلك لأن قوله [أحل لكم ms0372 ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم] ~~عام في سائر الليالي التي يريد الناس الصوم في صبيحتها وغير جائز الاقتصار ~~به على ليالي صيام رمضان دون # PageV01P290 # غيره لما فيه من تخصيص العموم بلا دلالة ولما كان حكم اللفظ مستعملا في ~~إباحة الأكل والشرب في ليالي صوم التطوع ثبت أنها مرادة باللفظ فإذا كان ~~كذلك ثم عطف عليه قوله ( [ثم أتموا الصيام إلى الليل] اقتضى ذلك لزوم إتمام ~~الصوم الذي صح له الدخول فيه تطوعا كان ذلك الصوم أو فرضا وأمر الله تعالى ~~على الوجوب فغير جائز لأحد دخل في صوم التطوع أو الفرض الخروج منه بغير عذر ~~وإذا لزم المضي فيه وإتمامه بظاهر الآية فقد صح عليه وجوبه ومتى أفسده لزمه ~~قضاؤه كسائر الواجبات فإن قيل قد روي أن الآية نزلت في صوم الفرض فوجب أن ~~يكون مقصور الحكم عليه قيل له نزول الآية على سبب لا يمنع عندنا اعتبار ~~عموم اللفظ لأن الحكم عندنا للفظ لا للسبب ولو كان الحكم في ذلك مقصورا على ~~السبب لوجب أن يكون خاصا في الذين اختانوا أنفسهم منهم فلما اتفق الجميع ~~على عموم الحكم فيهم وفي غيرهم ممن ليس في مثل حالهم دل ذلك على أن الحكم ~~غير مقصور على السبب وأنه عام في سائر الصيام كهو في سائر الناس في صوم ~~رمضان فصح بما وصفنا وجه الاستدلال بقوله تعالى [ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل] على لزوم الصوم بالدخول فيه وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر من دخل في صيام التطوع أو صلاة التطوع فأفسده ~~أو عرض له فيه ما يفسده فعليه القضاء وهو قول الأوزاعي إذا أفسده وقال ~~الحسن بن صالح إذا دخل في صلاة التطوع فأقل ما يلزمه ركعتان وقال مالك إن ~~أفسده هو فعليه القضاء ولو طرئ عليه ما أخرجه منه فلا قضاء عليه وقال ~~الشافعى رحمه الله إن أفسد ما دخل فيه تطوعا فلا قضاء عليه وروي عن ابن ~~عباس وابن عمر مثل قولنا حدثنا ms0373 عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى ~~قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا هشيم قال حدثنا عثمان البتي عن أنس بن ~~سيرين قال صمت يوما فأجهدت فأفطرت فسألت ابن عباس وابن عمر فأمر انى أن ~~أصوم يوما مكانه وروى طلحة بن يحيى عن مجاهد قال هو بمنزلة الصدقة يخرجها ~~الرجل من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها ولم يختلفوا في الحج والعمرة ~~إذا أحرم بهما تطوعا ثم أفسدهما أن عليه قضاؤهما وإن أحصر فيهما فقد اختلف ~~الناس فيه أيضا فقال أصحابنا ومن تابعهم عليه القضاء وقال مالك والشافعي لا ~~قضاء عليه وما قدمنا من دلالة قوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] يوجب ~~القضاء سواء خرج منه بعذر أو بغير # PageV01P291 # عذر لأن الآية قد اقتضت الإيجاب بالدخول وإذا وجب لم يختلف حكمه في إيجاب ~~القضاء إذا كان خروجه بعذر أو بغير عذر كسائر ما أوجبه الله عليه من صيام ~~أو صلاة أو غيرهما كالنذور ونظير هذه الآية في إيجاب القرب فالدخول فيها ~~قوله [وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها] والابتداع قد ~~يكون بالفعل وقد يكون بالقول ثم ذم تاركي رعايتها بعد الابتداع فدل ذلك على ~~أن من يبتدع قربة بالدخول فيها أو بإيجابها بالقول أن عليه إتمامها لأنه ~~متى قطعها قبل إتمامها فلم يرعها حق رعايتها والذم لا يستحق إلا بترك ~~الواجبات فدل ذلك على أن لزومها بالدخول كهو بالنذر والإيجاب بالقول ويحتج ~~في مثله أيضا بقوله [ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا] جعله ~~الله مثلا لمن عهد الله عهدا أو حلف بالله ثم لم يف به ويقضه هو عموم في كل ~~من دخل في قربة فيكون منهيا عن نقضها قبل إتمامها لأنه متى نقضها فقد أفسد ~~ما مضى منها بعد تضمن تصحيحها بالدخول فيها ويصير بمنزلة ناقضة غزلها بعد ~~فتلها بقواها وهذا يوجب أن كل من ابتدأ في حق ms0374 الله وإن كان متطوعا بديا ~~فعليه إتمامه والوفاء به لئلا يكون بمنزلة ناقضة غزلها فإن قيل إنما نزلت ~~هذه الآية فيمن نقض العهد والأيمان بعد توكيدها لأنه # قال تعالى [وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم] ثم عطف عليه قوله [ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة] قيل له نزولها على سبب لا يمنع اعتبار عموم ~~لفظها وقد بينا ذلك في مواضع ويدل عليه أيضا قوله تعالى [ولا تبطلوا ~~أعمالكم] وقد علمنا أن أقل ما يصح في الفرض من الصوم يوم كامل وفي الصلاة ~~ركعتان ولا تصح النوافل وتكون قربة إلا حسب موضوعها في الفروض بدلالة أنه ~~يحتاج إلى استيفاء شروطها ألا ترى أن صوم النفل مثل صوم الفرض في لزوم ~~الإمساك عن الجماع والأكل والشرب وكذلك صلاة التطوع تحتاج من القراءة ~~والطهارة والستر إلى مثل ما شرط في الفروض ولما لم يكن في أصل الفرض ركعة ~~واحدة ولا صوم بعض يوم وجب أن يكون كذلك حكم النفل فمتى دخل في شيء منه ثم ~~أفسده قبل إتمامه فقد أبطله وأبطل ثواب ما فعله منه وقوله تعالى [ولا ~~تبطلوا أعمالكم] يمنع الخروج منه قبل إتمامه لنهي الله تعالى إياه عن ~~إبطاله وإذا لزمه إتمامه فقد وجب عليه قضاؤه إذا خرج منه قبل إتمامها ~~معذورا كان في خروجه أو غير معذور # PageV01P292 # ويدل عليه من جهة السنة ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البتيراء # وهو أن يوتر الرجل بركعة فاقتضى هذا اللفظ إيجاب إتمامه وإذا وجب إتمامها ~~فقد لزمته فمتى أفسدها أو فسدت عليه بغير اختياره لزمه قضاؤها كسائر ~~الواجبات ويدل عليه # حديث الحجاج ابن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من ~~كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل) # قال عكرمة فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا صدق فصارت رواته عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وذلك يدل على معنيين أحدهما إلزامه بالدخول ~~فيه لأنه لم يفرق بين الفرض والنفل والثاني ms0375 أنه وإن خرج منه بغير اختيار ~~منه فإن القضاء واجب عليه ويدل عليه أيضا ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ~~عبد الله بن وهب قال أخبرني حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن زميل مولى عروة ~~عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت أهدي لي ولحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا ~~ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله أهديت لنا هدية ~~فاشتهيناها فأفطرنا فقال (لا عليكما صوما مكانه يوما آخر) # وهذا يدل على وجوب القضاء في التطوع لأنه لم يسألهما عن جهة صومهما # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا ~~القعنبي قال حدثنا عبد الله بن عمر عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت ~~أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعين فأهدي لنا طعام فأفطرنا فسألت حفصة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال (اقضيا يوما مكانه) # قال عبد الباقي وحدثنا عبد الله بن أسيد الأصبهاني الأكبر قال حدثنا أزهر ~~بن جميل قال حدثنا أبو همام محمد بن الزبرقان عن عبد الله بن عمر عن الزهري ~~عن عروة عن عائشة نحوه # قال عبد الباقي وحدثنا إسحاق قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ~~الزهري أن حفصة وعائشة وذكر نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقضيا ~~مكانه يوما) # وأصحاب حديث يتكلمون في إسناد هذا الحديث بأشياء يطعنون بها فيه أحدها ما ~~حدثنا به عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال ~~سمعت سفيان يحدثه عن الزهري فقيل للزهري هو من حديث عروة فقال الزهري ليس ~~هو من حديث عروة قال الحميدي وأخبرني غير واحد عن معمر أنه قال لو كان من ~~حديث الزهري ما نسيته وهذا الذي ذكروه لا يبطله عندنا لأنه جائز أن يريد ~~الزهري بذلك أنه لم يسمعه من عروة وسمعه من غير عروة وأكثر أحواله أن يكون ~~مرسلا عن ms0376 # PageV01P293 # عروة وإرساله لا يفسده عندنا وأما قول معمر لو كان من حديث الزهري ما ~~نسيته فليس بشيء لأن النسيان جائز عليه في حديث الزهري كجوازه في حديث غيره ~~وأكثر أحواله أن لا يكون معمر قد سمعه من الزهري وغير معمر قد سمعه من ~~الزهري ورواه عنه فلا يفسده أن لا يكون معمر قد رواه عنه وقد رواه زميل ~~مولى عروة عن عروة ويطعنون فيه أيضا بما ذكره ابن جريج أنه قال للزهري في ~~هذا الحديث أسمعته من عروة قال إنما أخبرنى به رجل بباب عبد الملك وروي في ~~غير هذا الحديث أن الرجل سليمان بن أرقم وكيفما تصرفت به الحال فليس فيه ما ~~يفسده على مذهب الفقهاء وما يعترض به أصحاب الحديث من مثل هذا لا يفسد ~~الحديث ولا يقدح فيه عندهم # وقد روى أيضا خصيف عن عكرمة عن ابن عباس أن حفصة وعائشة أصبحتا صائمتين ~~فأهدي لهما طعام فأفطرتا فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضيا يوما ~~مكانه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن ~~عباد قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أبي حمزة عن الحسن عن أبي سعيد الخدري ~~أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين فأهدي لهما طعام فدخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهما تأكلان فقال (ألم تصبحا صائمتين قالتا بلى قال اقضيا يوما مكانه ~~ولا تعودا) # وقد روي من طريق آخر وهو ما حدثنا عبد الباقي قال حدثنا إسماعيل بن الفضل ~~بن موسى قال حدثنا حرملة قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا جرير بن حازم عن يحيى ~~بن سعيد عن عروة عن عائشة قالت أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين فأهدي ~~إلينا طعام فأعجبنا فأفطرنا فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بدرتني حفصة ~~فسألته وهي ابنة أبيها فقال صلى الله عليه وسلم (صوما يوما مكانه) # وروى الحجاج بن أرطاة عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل ذلك وقد روى عبيد ~~الله بن عمر عن نافع عن عبد الله ms0377 بن عمر هذه القصة وذكر نحوها إلا أنه لم ~~يذكر تطوعا فهذه آثار مستفيضة قد رويت من طرق في بعضها أنها أصبحتا صائمتين ~~متطوعتين وفي بعضها لم يذكر التطوع وفي كلها الأمر بالقضاء ويدل على وجوب ~~القضاء # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عيسى ~~بن يونس قال حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ذرعه قيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن ~~استقاء فليقض) # وفي هذا الحديث ما يوجب القضاء على الصائم المتطوع إذا استقاء عمدا لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين المتنفل وبين من يصوم فرضا # PageV01P294 # ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على أن المتصدق بصدقة تطوعا إذا ~~قبضها من تصدق بها عليه لا يرجع فيها لما فيه من إبطال القربة التي حصلت له ~~بها فكذلك الداخل في صلاة أو صوم تطوعا غير جائز له الخروج منها قبل ~~إتمامها لما فيه من إبطال ما تقدم منه فهو بمنزلة الصدقة المقبوضة فإن قيل ~~هو بمنزلة الصدقة التي لم تقبض لأنه إنما امتنع من فعل باقي أجزاء الصلاة ~~والصوم بمنزلة الممتنع من تسليم الصدقة قيل له لو لم يكن إلا كذلك لكان كما ~~ذكرت لكنه لما كان في الخروج منه قبل إتمامه إبطال ما تقدم لم يكن له سبيل ~~إلى ذلك ومتى فعله لزمه القضاء ألا ترى أنه لا يصح صوم بعض النهار دون بعض ~~وأن من أكل في أول النهار لا يصح له صوم بقيته وكذلك من صام أوله ثم أفطر ~~في باقيه فقد أخرج نفسه من حكم صوم ذلك اليوم رأسا وأبطل به حكم ما فعله ~~كالراجع في الصدقة المقبوضة فصار كما إذا رجع في صدقة مقبوضة لزمه ردها إلى ~~المتصدق بها عليه ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المحرم بحج أو عمرة ~~تطوعا متى أفسده لزمه القضاء وكان الدخول فيه بمنزلة الإيجاب بالقول ms0378 فإن ~~قيل إنما لزمه القضاء لأن فساده لا يخرجه منه وليس ذلك كسائر القرب من ~~الصلاة والصوم إذ هو يخرج منهما بالإفساد قيل له هذا الفرق لا يمنع ~~تساويهما في جهة الإيجاب بالدخول ولا يخلو هذا المحرم من أن يكون قد لزمه ~~الإحرام بالدخول ووجب عليه إتمامه أو لم يلزمه فإن كان قد لزمه إتمامه ~~فالواجب عليه القضاء سواء أحصر أو أفسده بفعله لأن ما قد وجب لا يختلف حكمه ~~في وقوع الفساد فيه بفعله أو غير فعله مثل النذر وحجة الإسلام فمتى اتفقنا ~~على أنه متى أفسده لزمه قضاؤه وجب أن يكون ذلك حكمه إذا أحصر وتعذر فعله من ~~غير جهته كسائر الواجبات وعلى أن السنة قد قضت ببطلان قول الخصم وهو # قول النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل # فأوجب عليه القضاء مع وقوع المنع من قبل غيره وإذا ثبت ذلك في الحج ~~والعمرة وجب مثله في سائر القرب التي شرط صحتها إتمامها وكان بعضها منوطا ~~ببعض وذلك مثل الصلاة والصيام ويجب أن لا يختلف في وجوب قضائه حكم خروجه ~~منها بفعله أو غير فعله كما في سائر الواجبات واحتج من خالف في ذلك # بحديث أم هانئ حين ناولها النبي صلى الله عليه وسلم سؤره فشربته ثم قالت ~~إني كنت صائمة وكرهت أن أرد سؤرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إن كان من ~~قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه وإن كان تطوعا فإن شئت # PageV01P295 # فاقضي وإن شئت فلا تقضي) # وهذا حديث مضطرب السند والمتن جميعا فأما اضطراب سنده فإن سماك بن حرب ~~يرويه مرة عمن سمع أم هانئ ومرة يقول هارون بن أم هانئ أو ابن ابنة أم هانئ ~~ومرة يرويه عن ابني أم هانئ ومرة عن ابن أم هانئ قال أخبرني أهلنا ومثل هذا ~~الاضطراب في الإسناد يدل على قلة ضبط رواته وأما اضطراب المتن فمن قبل ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان ms0379 بن أبي شيبة قال ~~حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث عن أم ~~هانئ قالت لما كان يوم الفتح فتح مكة جاءت فاطمة فجلست عن يسار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأم هانئ عن يمينه قال فجاءت الوليدة بإناء فيه شراب ~~فناولته فشرب منه ثم ناوله أم هانئ فشربت منه ثم قالت يا رسول الله أفطرت ~~وكنت صائمة فقال (لها أكنت تقضين شيئا قالت لا قال فلا يضرك إن كان تطوعا) # فذكر في هذا الحديث أنه قال لا يضرك وليس في ذلك نفي لوجوب القضاء لأنا ~~كذلك نقول إنه لم يضرها لأنها لم تعلم أنه لا يجوز لها الإفطار أو علمت ذلك ~~ورأت اتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالشرب والإفطار أولى من المضي فيه # وحدثنا عبد الله بن جعفر ابن أحمد بن فارس قال حدثنا يونس بن حبيب قال ~~حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة قال أخبرني جعدة رجل من قريش وهو ~~ابن أم هانئ وكان سماك بن حرب يحدثه يقول أخبرني ابنا أم هانئ قال شعبة ~~فلقيت أنا أفضلهما جعدة فحدثني عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دخل عليها فناولته شرابا فشرب ثم ناولها فشربت فقالت يا رسول الله إني كنت ~~صائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصائم المتطوع أمين نفسه أو ~~أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) # فقلت لجعدة سمعته أنت من أم هانئ فقال أخبرني أهلنا وأبو صالح مولى أم ~~هانئ عن أم هانئ ورواه سماك عمن سمع أم هانئ وذكر فيه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال (المتطوع بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر) # وروى سماك عن هارون ابن أم هانئ عن أم هانئ وقال فيه (إن كان من قضاء ~~رمضان فصومي يوما مكانه وإن كان تطوعا فإن شئت فصومي وإن شئت فأفطري) # ولم يذكر في شيء من هذه الأخبار نفي القضاء وإنما ذكر ms0380 فيه أن الصائم ~~بالخيار وأنه أمين نفسه وأن له أن يفطر في التطوع ولم يقل لا قضاء عليك ~~وهذا الاختلاف في متنه يدل على أنه غير مضبوط ولو ثبتت هذه الألفاظ لم يكن ~~فيها ما ينفي وجوب القضاء لأن أكثر ما فيها إباحة الإفطار وإباحة الإفطار # PageV01P296 # لا تدل على سقوط القضاء وقوله الصائم أمين نفسه والصائم بالخيار جائز أن ~~يريد به من أصبح ممسكا عما يمسك عنه الصائم من غير نية للصوم أنه بالخيار ~~في أن ينوى صوم التطوع أو يفطر والمسك عما يمسك عنه الصائم يمسي صائما كما # قال صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء (من أكل فليصم بقية يومه) # ومراده الإمساك عما يمسك عنه الصائم كذلك # قوله (الصائم بالخيار والصائم أمين نفسه) # هو على هذا المعنى فإن وجد في بعض ألفاظ هذا الحديث فإن شئت فاقضي وإن ~~شئت فلا تقضي فإنما هو تأويل من الراوي لقوله لا يضرك وإن شئت فأفطري ~~والصائم بالخيار وإذا كان كذلك لم يثبت نفي القضاء بما ذكرت على أنه لو ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم نفي إيجاب القضاء من غير احتمال التأويل مع ~~صحة السند واتساق المتن لكانت الأخبار الموجبة للقضاء أولى من وجوه أحدها ~~أنه متى ورد خبران أحدهما مبيح والآخر حاظر كان خبر الحظر أولى بالاستعمال ~~وخبرنا حاظر لترك القضاء وخبرهم مبيح فكان خبرنا أولى من هذا الوجه ومن جهة ~~أخرى أن الخبر النافي للقضاء وارد على الأصل والخبر الموجب له ناقل عنه ~~والخبر الناقل أولى لأنه في المعنى وارد بعده كأنه قد علم تاريخه ومن جهة ~~أخرى وهو أن ترك الواجب يستحق به العقاب وفعل المباح لا يستحق به العقاب ~~فكان استعمال خبر الوجوب أولى من خبر النفي ومما يعارض خبر أم هانئ في ~~إباحة الإفطار ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله ابن سعيد قال ~~حدثنا أبو خالد عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ms0381 ~~الله عليه وسلم (إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما ~~فليصل) قال أبو داود رواه حفص بن غياث # أيضا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان ~~عن أبى الزناد عن الأعراج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم) # فهذان خبران يحظران على الصائم الإفطار من غير عذر ولم يفرق النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين الصائم تطوعا أو من فرض ألا ترى أنه قال في الخبر الأول ~~وإن كان صائما فليصل والصلاة تنافي الإفطار وفرق أيضا بين المفطر والصائم ~~فلو جاز للصائم الإفطار لقال فليأكل فإن قيل إنما أراد بالصلاة الدعاء ~~والدعاء لا ينافي الأكل قيل له بل هو على الصلاة المعهودة عند الإطلاق وهي ~~التي بركوع وسجود وصرفه إلى الدعاء غير جائز إلا بدلالة فلو كان المراد ~~الدعاء # PageV01P297 # لكانت دلالته قائمة على أنه لا يفطر حين فرق بين المفطر والصائم بما ~~ذكرنا # وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث فليقل إني صائم # يدل على أن الصوم يمنعه من الأكل وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد جعل إجابة الدعوة من حق المسلم كالسلام وعيادة المريض وشهود الجنازة ~~فلما منعه الإجابة وقال فليقل إني صائم دل ذلك على حظر الإفطار في سائر ~~الصيام من غير عذر فإن قيل قد روي عن أبي الدرداء وجابر أنهما كانا لا ~~يريان بالإفطار في صيام التطوع بأسا وأن عمر بن الخطاب دخل المسجد فصلى ~~ركعة ثم انصرف فتبعه رجل فقال يا أمير المؤمنين صليت ركعة واحدة فقال هو ~~التطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص قيل له قد روينا عن ابن عباس وابن عمر ~~إيجاب القضاء على من أفطر في صيام التطوع وأما ما روي عن أبي الدرداء وجابر ~~فليس فيه نفي القضاء وإنما فيه إباحة الإفطار وحديث عمر يحتمل أن يريد به ~~من دخل في صلاة ms0382 يظن أنها عليه ثم ذكر أنها ليست عليه أنها تكون تطوعا وجائز ~~أن يقطعها ولم يجب عليه القضاء وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال ما ~~أجزأت ركعة قط فإن قيل قوله تعالى [فاقرؤا ما تيسر من القرآن] يدل على جواز ~~الاقتصار على ركعة قيل له إنما ذلك تخيير في القراءة لا في ركعات الصلاة ~~والتخيير فيها لا يوجب تخييرا في سائر أركانها فلا دلالة في ذلك حكم ~~الركعات وقال الشافعي عليه في الأضحية البدل إذا استهلكها فيلزمه مثله في ~~سائر القرب ومن دلالات قوله تعالى [ثم أتموا الصيام إلى الليل] على الأحكام ~~أن من أصبح مقيما صائما ثم سافر أنه لا يجوز له الإفطار في يومه ذلك بدلالة ~~ظاهر قوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] ولم يفرق بين من سافر بعد الدخول في ~~الصوم وبين من أقام وفيه الدلالة على أن من أكل بعد طلوع الفجر وهو يظن أن ~~عليه ليلا أو أكل قبل قبل غروب الشمس وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم تبين أن ~~عليه القضاء لقوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] وهذا لم يتم الصيام لأن ~~الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وهو لم يمسك فليس هو إذا صائم ~~وقد اختلف السلف في ذلك فقال مجاهد وجابر ابن زيد والحكم إن صومه تام ولا ~~قضاء عليه هذا في المتسحر الذي يظن أن عليه ليلا وقال مجاهد لو ظن أن الشمس ~~قد غابت فأفطر ثم علم أنها لم تغب كان عليه القضاء فرق بين المتسحر وبين من ~~أكل قبل غروب الشمس على ظن منه ثم علم قال لأن الله تعالى قال [حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] فما لم يتبين فالأكل # PageV01P298 # له مباح فلا قضاء عليه فيما أكل قبل أن يتبين له طلوع الفجر وأما الذي ~~أفطر على ظن منه بغيبوبة الشمس فقد كان صومه يقينا فلم يكن جائزا له ~~الإفطار حتى يتبين له غروب الشمس وقال محمد بن سيرين ms0383 وسعيد بن جبير ~~وأصحابنا جميعا ومالك والثوري والشافعي يقضي في الحالين إلا أن مالكا قال ~~في صوم التطوع يمضي فيه وفي الفرض يقضي وروى الأعمش عن زيد بن وهب أن عمر ~~أفطر هو والناس في يوم غيم ثم طلعت الشمس فقال لا تجانفنا لإثم والله لا ~~نقضيه وروي عنه أنه قال الخطب يسير نقضي يوما وظاهر قوله [ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل] يقضي ببطلان صيامه إذ لم يتممه ولم تفصل الآية بين من أكل جاهلا ~~بالوقت أو عالما به فإن قيل قال الله تعالى [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] فما لم يتبين له ذلك فالأكل له ~~مباح قيل له لا يخلو هذا الأكل من أحد حالين إما أن يكون ممن أمكنه استبانة ~~طلوع الفجر والوصول إلى علمه من جهة اليقين بأن يكون عارفا به وليس بينه ~~وبينه حائل فإن كان كذلك ثم لم يستبن فإن هذا لا يكون إلا من تفريطه في ~~تأمله وترك مراعاته ومن كانت هذه حاله فغير جائز له الإقدام على الأكل فإذا ~~أكل فقد فعل ما لم يكن له أن يفعله إذ قد كان في وسعه وإمكانه الوصول إلى ~~اليقين والاستبانة ففرط فيه ولم يفعله وتفريطه غير مسقط عنه فرض الصوم وإن ~~كان هذا الآكل ممن لا يعرف الفجر بصفته أو بينه وبينه حائل أو قمر # أو ضعف بصر أو نحو ذلك فهذا أيضا ممن لا يجوز له العمل على الظن بل عليه ~~أن يصير إلى اليقين ولا يأكل وهو شاك وإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يسقط ~~عنه القضاء بتركه الاحتياط للصوم وكذلك من أكل على ظن منه بغيبوبة الشمس في ~~يوم غيم فهو بهذه المنزلة بمقتضى ظاهر قوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] ~~فإن قيل لم يكلف تبين الفجر عند الله تعالى وإنما كلف ما عنده قيل له إذا ~~أمكنه الوصول إلى معرفة طلوع الفجر الذي هو عند الله فعليه مراعاته فمتى لم ~~يكن هناك حائل ms0384 استحال أن لا يعلمه ومع ذلك فإنه إن غفل أبيح له الأكل في ~~حال غفلته فإن إباحة الأكل غير مسقطة للقضاء كالمريض والمسافر وهما أصل في ~~ذلك لأنهما معذوران والذي اشتبه عليه طلوع الفجر أو ظنه قد طلع معذور في ~~الأكل والعذر لا يسقط القضاء بدلالة ما وصفنا ويدل عليه اتفاق الجميع أنه ~~لو غم عليهم الهلال في أول ليلة من رمضان فأفطروا ثم علموا بعد ذلك أنه كان # PageV01P299 # من رمضان كان عليهم القضاء فكذلك من وصفنا أمره وكذلك الأسير في دار ~~الحرب إذا لم يعلم بشهر رمضان حتى مضى ثم علم به كان عليه القضاء ولم يكن ~~مكلفا في حال الإفطار إلا علمه ثم لم يكن جهله بالوقت مسقطا للقضاء فكذلك ~~من خفي عليه طلوع الفجر وغروب الشمس فإن قيل هلا كان بمنزلة التأسي في سقوط ~~القضاء لأنه لم يعلم في حال الأكل بوجوب الصوم عليه قيل له هذا اعتلال فاسد ~~لوجوده فيمن غم عليه هلال رمضان مع إيجاب الجميع عليه القضاء متى علم أنه ~~من رمضان وكذلك الأسير في دار الحرب إذا لم يعلم بالشهر حتى مضى عليه ~~القضاء عند الجميع من جهله بوجوب الصوم عليه وقال أصحابنا في الآكل ناسيا ~~القياس أن يجب القضاء عليه وإنما تركوا القياس للأثر ولو كان ظاهر الآية ~~ينفي صحة صوم الناسي لأنه لم يتم صومه والله سبحانه قال [ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل] والصوم هو الإمساك ولم يوجد منه ذلك ألا ترى أنه لو نسي الصوم ~~رأسا أنه لا خلاف أن عليه القضاء ولم يكن نسيانه مسقطا القضاء عنه وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن ~~العلاء المعنى قالا حدثنا أبو أسامة قال حدثنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت ~~المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت أفطرنا يوما في رمضان في غيم في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم طلعت الشمس قال أبو أسامة قلت لهشام أمروا ~~بالقضاء قال ms0385 وبد من ذلك وقوله [ثم أتموا الصيام إلى الليل] يوجب أيضا إبطال ~~صوم المكره على الأكل لأنه لم يتمه على ما قدمنا وكذلك إبطال صوم من جن ~~فأكل في حال جنونه لأن الله تعالى حكم بصحة الصوم لمن أتمه إلى الليل فمن ~~وجد منه فعل يحظره الصوم فهو غير متم لصومه إلى الليل فيلزمه القضاء وأما ~~الوقت الذي هو نهاية الصوم ويجب به الإفطار هو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله ~~بن داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر عن أبيه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (إذا جاء الليل من هاهنا وذهب النهار من هاهنا وغابت ~~الشمس فقد أفطر الصائم) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد ~~الواحد قال حدثنا سليمان الشيباني قال سمعت عبد الله بن أبي أوفى قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر ~~الصائم وأشار بأصبعه قبل المشرق) # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا سقط القرص # PageV01P300 # أفطر) # ولا خلاف في أنه إذا غابت الشمس فقد انقضى وقت الصوم وجاز للصائم الأكل ~~والشرب والجماع وسائر ما حظره عليه الصوم # وقوله صلى الله عليه وسلم (إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم) # يوجب أن يكون مفطرا بغروب الشمس أكل أو لم يأكل لأن الصوم لا يكون بالليل ~~ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال لأنه يترك الطعام ~~والشراب وهو مفطر والوصال أن يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل شيئا ولا يشرب ~~فإن أكل أو شرب في أى وقت كان شيئا قليلا فقد خرج من الوصال # وقد روى ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبى سعيد الخدري عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوصال قالوا يا رسول الله إنك تواصل فقال ~~(إنكم ms0386 لستم كهيئتي إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني فأيكم واصل فمن ~~السحر إلى السحر) # فأخبر أنه إذا أكل أو شرب سحرا فهو غير مواصل وأخبر صلى الله عليه وسلم ~~أنه لا يواصل لأن الله يطعمه ويسقيه # وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قيل له إنك تواصل ~~فقال (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) # ومن الناس من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بإباحة الوصال ~~دون أمته وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الله يطعمه ويسقيه ومن كان كذلك ~~فلم يواصل والله أعلم بالصواب. ### | باب الاعتكاف # قال الله تعالى [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] ومعنى الاعتكاف ~~في أصل اللغة هو اللبث قال الله [ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون] ~~وقال تعالى [فنظل لها عاكفين] وقال الطرماح: # فباتت بنات الليل حولي عكفا ... عكوف البواكي بينهن صريع # ثم نقل في الشرع إلى معان أخر مع اللبث لم يكن الاسم يتناولها في اللغة ~~منها الكون في المسجد ومنها الصوم ومنها ترك الجماع رأسا ونية التقرب إلى ~~الله عز وجل ولا يكون معتكفا إلا بوجود هذه المعاني وهو نظير ما قلنا في ~~الصوم إنه اسم للإمساك في اللغة ثم زيد فيه معان أخر لا يكون الإمساك صوما ~~شرعيا إلا بوجودها وأما شرط اللبث في المسجد فإنه للرجال خاصة دون النساء ~~وأما شرط كونه في المسجد في الاعتكاف فالأصل فيه قوله عز وجل [ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد] فجعل من شرط الاعتكاف الكون في المسجد وقد اختلف ~~السلف في المسجد الذي يجوز الاعتكاف فيه # PageV01P301 # على أنحاء وروي عن أبي وائل عن حذيفة أنه قال لعبد الله رأيت ناسا عكوفا ~~بين دارك ودار الأشعري لا تعير وقد علمت أن لا اعتكاف إلا في المساجد ~~الثلاثة أو في المسجد الحرام فقال عبد الله لعلهم أصابوا وأخطأت وحفظوا ~~ونسيت وروى إبراهيم النخعي أن حذيفة قال لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد ~~المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ms0387 صلى الله عليه وسلم وروي عن ~~قتادة عن سعيد بن المسيب لا اعتكاف إلا في مسجد نبي وهذا موافق لمذهب حذيفة ~~لأن المساجد الثلاثة هي مساجد الأنبياء عليهم السلام وقول آخر وهو ما # روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي قال لا اعتكاف إلا في المسجد ~~الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم # وروي عن عبد الله بن مسعود وعائشة وإبراهيم وسعيد بن جبير وأبي جعفر ~~وعروة بن الزبير لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة فحصل من اتفاق جميع السلف أن ~~من شرط الاعتكاف الكون في المسجد على اختلاف منها في عموم المساجد وخصوصها ~~على الوجه الذي بينا ولم يختلف فقهاء الأمصار في جواز الاعتكاف في سائر ~~المساجد التي تقام فيها الجماعات إلا شيء يحكى عن مالك ذكره عنه ابن عبد ~~الحكم قال لا يعتكف أحد إلا في المسجد الجامع أو في رحاب المساجد التي تجوز ~~فيها الصلاة وظاهر قوله [وأنتم عاكفون في المساجد] يبيح الاعتكاف في سائر ~~المساجد لعموم اللفظ ومن اقتصر به على بعضها فعليه بإقامة الدلالة وتخصيصه ~~بمساجد الجماعات لا دلالة عليه كما أن تخصيص من خصه بمساجد الأنبياء لما لم ~~يكن عليه دليل سقط اعتباره فإن قيل # قوله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجد الحرام ~~ومسجد بيت المقدس ومسجدي هذا) # يدل على اعتبار تخصيص هذه المساجد وكذلك # قوله صلى الله عليه وسلم (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره ~~إلا المسجد الحرام) # يدل على اختصاص هذين المسجدين بالفضيلة دون غيرهما قيل له لعمري إن هذا ~~القول من النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيصه المساجد الثلاثة في حال ~~والمسجدين في حال دليل على تفضيلهما على سائر المساجد وكذلك نقول كما قال ~~صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا دلالة فيه على نفي جواز الاعتكاف في غيرهما ~~كما لا دلالة على نفي جواز الجمعات والجماعات في غيرهما فغير جائز لنا ~~تخصيص عموم الآية بما لا ms0388 دلالة فيه على تخصيصهما وقول مالك في الرواية التي ~~رويت عنه في تخصيص مساجد الجماعات دون مساجد الجماعات لا معنى له وكما لا ~~تمنع صلاة الجمعة في سائر المساجد كذلك # PageV01P302 # لا يمتنع الاعتكاف فيها فكيف صار الاعتكاف مخصوصا بمساجد الجمعات دون ~~مساجد الجماعات وقد اختلف الفقهاء في موضع اعتكاف النساء فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها ولا تعتكف في مسجد ~~جماعة وقال مالك تعتكف المرأة في مسجد الجماعة ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد ~~بيتها وقال الشافعي العبد والمرأة والمسافر يعتكفون حيث شاءوا لأنه لا جمعة ~~عليهم # قال أبو بكر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تمنعوا إماء ~~الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن # فأخبر أن بيتها خير لها ولم يفرق بين حالها في الاعتكاف وفي الصلاة ولما ~~أجاز للمرأة الاعتكاف باتفاق الفقهاء وجب أن يكون ذلك في بيتها # لقوله صلى الله عليه وسلم (وبيوتهن خير لهن) # فلو كانت ممن يباح لها الاعتكاف في المسجد لكان اعتكافها في المسجد أفضل ~~ولم يكن بيوتهن خير لهن لأن الاعتكاف شرطه الكون في المساجد لمن يباح له ~~الاعتكاف فيه ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم (صلاة المرأة في دارها أفضل من صلاتها في مسجدها ~~وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها وصلاتها في مخدعها أفضل من ~~صلاتها في بيتها) # فلما كانت صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد كان اعتكافها كذلك ~~ويدل على كراهة الاعتكاف في المساجد للنساء # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة ~~قال حدثنا أبو معاوية ويعلى بن عبيد عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل ~~معتكفه قالت وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان قالت فأمر ~~ببنائه فضرب فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب قالت ms0389 وأمر غيري من أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ببنائه فضرب فلما صلى الفجر نظر إلى الأبنية فقال ما ~~هذه آلبر تردن قالت ثم أمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر ~~الاعتكاف إلى العشر الأول يعني من شوال # وهذا الخبر يدل على كراهية الاعتكاف للنساء في المسجد بقوله آلبر تردن ~~يعني أن هذا ليس من البر ويدل على كراهية ذلك منهن أنه لم يعتكف في ذلك ~~الشهر ونقض بناءه حتى نقضن أبنيتهن ولو ساغ لهن الاعتكاف عنده لما ترك ~~الاعتكاف بعد العزيمة ولما جوز لهن تركه وهو قربة إلى الله تعالى وفي هذا ~~دلالة على أنه قد كره اعتكاف النساء في المساجد فإن قيل قد روى سفيان بن ~~عيينة هذا الحديث عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة وقالت فيه فاستأذنت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف فأذن لي # PageV01P303 # ثم استأذنته زينب فأذن لها فلما صلى الفجر رأى في المسجد أربعة أبنية ~~فقال ما هذا فقالوا لزينب وحفصة وعائشة فقال آلبر تردن فلم يعتكف فأخبرت في ~~هذا الحديث بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له ليس فيه أنه أذن لهن ~~في الاعتكاف في المسجد ويحتمل أن يكون الإذن انصرف إلى اعتكافهن في بيوتهن ~~ويدل عليه أنه لما رأى أبنيتهن في المسجد ترك الاعتكاف حتى تركن أيضا وهذا ~~يدل على أن الإذن بديا لم يكن إذنا لهن في الاعتكاف في المسجد وأيضا فلو صح ~~أن الإذن بديا انصرف إلى فعله في المسجد لكانت الكراهة دالة على نسخه وكان ~~الآخر من أمره أولى مما تقدم فإن قيل لا يجوز أن يكون ذلك نسخا للإذن لأن ~~النسخ عندكم لا يجوز قبل التمكن من الفعل قيل له قد كن مكن من الفعل لأدنى ~~الاعتكاف لأنه من حين طلوع الفجر من ذلك اليوم أن صلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنكر فعلهن ذلك فقد حصل التمكين من الاعتكاف فلذلك جاز ورود النسخ ~~بعده وأما قول الشافعي فيمن لا جمعة ms0390 عليه إن له أن يعتكف حيث شاء فلا معنى ~~له لأنه ليس الاعتكاف تعلق بالجمعة وقد وافقنا الشافعي على جواز الاعتكاف ~~في سائر المساجد فيمن عليه جمعة ومن ليست عليه لا يختلفان في موضع الاعتكاف ~~وإنما كره ذلك للمرأة في المسجد لأنها تصير لابثة مع الرجال في المسجد وذلك ~~مكروه لها سواء كانت معتكفة أو غير معتكفة فأما من سواها فلا يختلف الحكم ~~فيه لقوله تعالى [وأنتم عاكفون في المساجد] فلم يخصص من عليه جمعة من غيرهم ~~فلا يختلف في الاعتكاف من عليه جمعة ومن ليست عليه لأنه نافلة ليس بفرض على ~~أحد وقد اختلف الفقهاء في مدة الاعتكاف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والشافعي له أن يعتكف يوما وما شاء وقد اختلفت الرواية عن أصحابنا في ~~من دخل في الاعتكاف من غير إيجاب بالقول في إحدى الروايتين هو معتكف ما دام ~~في المسجد وله أن يخرج متى شاء بعد أن يكون صائما في مقدار لبثه فيه ~~والرواية الأخرى وهي في غير الأصول أن عليه أن يتمه يوما وروى ابن وهب عن ~~مالك قال ما سمعت أن أحدا اعتكف دون عشر ومن صنع ذلك لم أر عليه شيئا وذكر ~~ابن القاسم عن مالك أنه كان يقول الاعتكاف يوم وليلة ثم رجع وقال لا اعتكاف ~~أقل من عشرة أيام وقال عبيد الله بن الحسن لا أستحب أن يعتكف أقل من عشرة ~~أيام قال أبو بكر تحديد مدة الاعتكاف لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق وهما ~~معدومان فالموجب لتحديده متحكم قائل بغير دلالة # PageV01P304 # فإن قيل تحديد العشرة لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان # وروي أنه اعتكف العشر الأواخر من شوال في بعض السنين # ولم يرو أنه اعتكف أقل من ذلك قيل له لم يختلف الفقهاء أن فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم للاعتكاف ليس على الوجوب وأنه غير موجب على أحد اعتكافا ~~فإذا لم يكن فعله للاعتكاف على الوجوب فتحديد العشرة أولى ms0391 أن لا يثبت بفعله ~~ومع ذلك فإنه لم ينف عن غيره فنحن نقول إن اعتكاف العشرة جائز ونفي ما ~~دونها يحتاج إلى دليل وقد أطلق الله تعالى ذكر الاعتكاف فقال [ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد] ولم يحده بوقت ولم يقدره بمدة فهو على إطلاقه ~~وغير جائز تخصيصه بغير دلالة والله أعلم. ### | باب الاعتكاف هل يجوز بغير صوم # قال الله تعالى [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] وقد بينا أن ~~الاعتكاف اسم شرعي وما كان هذا حكمه من الأسماء فهو بمنزلة المجمل الذي ~~يفتقر إلى البيان وقد اختلف السلف في ذلك فروى عطاء عن ابن عمر عن ابن عباس ~~وعائشة قالوا المعتكف عليه الصوم وقال سعيد بن المسيب عن عائشة من سنة ~~المعتكف أن يصوم # وروى حاتم ابن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال لا اعتكاف إلا ~~بصوم # وهو قول الشعبي وإبراهيم ومجاهد وقال آخرون يصح بغير صوم روى الحكم عن ~~علي وعبد الله وقتادة عن الحسن وسعيد وأبو معشر عن إبراهيم قالوا إن شاء ~~صام وإن شاء لم يصم وروى طاوس عن ابن عباس مثله واختلف فيه أيضا فقهاء ~~الأمصار فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والحسن بن صالح ~~لا اعتكاف إلا بصوم وقال الليث بن سعد الاعتكاف في رمضان والجوار في غير ~~رمضان ومن جاور فعليه ما على المعتكف من الصيام وغيره وقال الشافعي يجوز ~~الاعتكاف بغير صوم قال أبو بكر لما كان الاعتكاف اسما مجملا لما بينا كان ~~مفتقرا إلى البيان فكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه فهو ~~وارد مورد البيان فيجب أن يكون على الوجوب لأن فعله إذا ورد مورد البيان ~~فهو على الوجوب إلا ما قام دليله فلما # ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لا اعتكاف إلا بصوم # وجب أن يكون الصوم من شروطه التي لا يصح إلا به كفعله في الصلاة لأعداد ~~الركعات # PageV01P305 # والقيام والركوع والسجود لما كان على وجه البيان كان ms0392 على الوجوب ومن جهة ~~السنة # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن بديل بن ورقاء الليثي عن عمرو بن ~~دينار عن ابن عمر أن عمر جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند ~~الكعبة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال اعتكف وصم # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن عمر بن ~~محمد بن أبان بن صالح القرشي قال حدثنا عمرو بن محمد عن عبد الله بن بديل ~~بإسناده نحوه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب فثبت بذلك أنه من ~~شروط الاعتكاف ويدل عليه أيضا قول عائشة رضى الله تعالى عنها من سنة ~~المعتكف أن يصوم ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على لزومه بالنذر ~~فلولا ما يتضمنه من الصوم لما لزم بالنذر لأن ما ليس له أصل في الوجوب لا ~~يلزم بالنذر ولا يصير واجبا كما أن ما ليس له أصل في القرب لا يصير قربة ~~وإن تقرب به ويدل عليه أن الاعتكاف لبث في مكان فأشبه الوقوف بعرفة والكون ~~بمنى لما كان لبثا في مكان لم يصر قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه هو في ~~نفسه قربة فالوقوف بعرفة الإحرام والكون بمنى الرمي فإن قيل لو كان من شرطه ~~الصوم لما صح بالليل لعدم الصوم فيه قيل له قد اتفقوا على أن من شرطه اللبث ~~في المسجد ثم لا يخرجه من الاعتكاف خروجه لحاجة الإنسان وللجمعة ولم ينف ~~ذلك كون اللبث في المسجد شرطا فيه كذلك من شرطه الصوم وصحته بالليل مع عدم ~~الصوم غير مانع أن يكون من شرطه وكذلك اللبث بمنى قربة لأجل الرمي ثم يكون ~~اللبث بالليل بها قربة لرمي يفعله في غد كذلك الاعتكاف بالليل صحيح بصوم ~~يستقبله في غد والله أعلم. ### | باب ما يجوز للمعتكف أن يفعله # قال الله تعالى [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] ms0393 يحتمل اللفظ ~~حقيقة المباشرة التي هي إلصاق البشرة بالبشرة من أي موضع كان من البدن ~~ويحتمل أن يكون كناية عن الجماع كما كان المسيس كناية عن الجماع وحقيقته ~~المس باليد وبسائر الأعضاء وكما قال [فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله ~~لكم] والمراد الجماع فلما اتفق الجميع أن هذه الآية قد حظرت الجماع على ~~المعتكف وأنه مراد بها وجب أن تنتفي إرادة المباشرة التي هي حقيقة لامتناع ~~كون لفظ واحد حقيقة مجازا وقد اختلف الفقهاء في مباشرة # PageV01P306 # المعتكف فقال أصحابنا لا بأس بها إذا لم تكن بشهوة وأمن على نفسه ولا ~~ينبغي أن يباشرها بشهوة ليلا ولا نهارا فإن فعل فأنزل فسد اعتكافه فإن لم ~~ينزل لم يفسد وقد أساء وقال ابن القاسم عن مالك إذا قبل امرأته فسد اعتكافه ~~وقال المزني عن الشافعي إن باشر فسد اعتكافه وقال في موضع آخر لا يفسد ~~الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحد قال أبو بكر قد بينا أن مراد الآية في ~~المباشرة هو الوطء دون المباشرة باليد والقبلة وكذلك قال أبو يوسف إن قوله ~~[ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] إنما هو على الجماع وروي عن الحسن ~~البصري قال المباشرة النكاح وقال ابن عباس إذا جامع المعتكف فسد اعتكافه ~~وقال الضحاك كانوا يجامعون وهم معتكفون حتى نزل [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد] وقال قتادة كان الناس إذا اعتكفوا خرج الرجل منهم فباشر أهله ~~ثم رجع إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك بقوله [ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد] وهذا من قولهم يدل على أنهم عقلوا من مراد الآية الجماع دون اللمس ~~والمباشرة باليد ويدل على أن المباشرة لغير شهوة مباحة للمعتكف حديث الزهري ~~عن عروة عن عائشة أنها كانت رجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~معتكف فكانت لا محالة تمس بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها فدل على ~~أن المباشرة لغير شهوة غير محظورة على المعتكف وأيضا لما ثبت أن الاعتكاف ~~بمعنى الصوم في باب حظر ms0394 الجماع # ولم يكن الصوم مانعا من المباشرة أو القبلة لغير شهوة إذا أمن على نفسه ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم # في آثار مستفيضة وجب أن لا يمنع الاعتكاف القبلة لغير شهوة ولما كانت ~~المباشرة والقبلة لشهوة محظورتين في الصوم وجب أن يكون ذلك حكمهما في ~~الاعتكاف ولما كانت المباشرة في الصوم إذا حدث عنها إنزال فسد الصوم وجب أن ~~يفسد الاعتكاف لأن الاعتكاف والصوم قد جريا مجرى واحدا في اختصاصهما بحظر ~~الجماع دون دواعيه من الطيب ودون اللباس فإن قيل المحرم إذا قبل بشهوة لزمه ~~دم وإن لم ينزل فهلا أفسدت اعتكاف بمثله قيل له ليس الإحرام بأصل للاعتكاف ~~ألا ترى أنه ممنوع في الإحرام من الجماع ودواعيه من الطيب ومحظور عليه ~~اللبس والصيد وإزالة التفث عن نفسه وليس يحظر ذلك عليه الاعتكاف فثبت بذلك ~~أن الإحرام ليس بأصل للاعتكاف وأن الإحرام أكبر حرمة فيما يتعلق به من ~~الأحكام فلما كان المحرم ممنوعا من الاستمتاع # PageV01P307 # وقد حصل له ذلك بالمباشرة وإن لم ينزل وجب عليه دم لحصول الاستمتاع بما ~~هو محظور عليه فأشبه الاستمتاع بالطيب واللباس فلزمه من أجل ذلك دم فإن قيل ~~فلا يفسد اعتكافه وإن حدث عنها إنزال كما لا يفسد إحرامه قيل له لم نجعل ما ~~وصفنا علة في فساد الاعتكاف حتى يلزمنا علتها وإنما أفسدنا اعتكافه ~~بالإنزال عن المباشرة كما أفسدنا صومه وأما الإحرام فهو مخصوص في إفساده ~~بالجماع في الفرج وسائر الأمور المحظورة في الإحرام لا يفسده ألا ترى أن ~~اللبس والطيب والصيد كل ذلك محظور في الإحرام ولا يفسده إذا وقع فيه ~~فالإحرام في باب البقاء مع وجود ما يحظره أكبر من الاعتكاف والصوم ألا ترى ~~أن بعض الأشياء التي يحظرها الصوم يفسده مثل الأكل والشرب وكذلك يفسد ~~الاعتكاف فلذلك قلنا إن المباشرة في الاعتكاف إذا حدث عنها إنزال أفسدته ~~كما تفسد الصوم ومتى لم يحدث عنها لم يكن لها تأثير في إفساد الاعتكاف كما ~~لم تؤثر في إفساد الصوم واختلف ms0395 فقهاء الأمصار في أشياء من أمر المعتكف فقال ~~أصحابنا لا يخرج المعتكف من المسجد في اعتكاف واجب ليلا ولا نهارا إلا لما ~~لا بد منه من الغائط والبول وحضور الجمعة ولا يخرج لعيادة مريض ولا لشهود ~~جنازة قالوا ولا بأس بأن يبيع ويشتري ويتحدث في المسجد ويتشاغل بما لا مأثم ~~فيه ويتزوج وليس فيه صمت وبه قال الشافعي وقال ابن وهب عن مالك لا يعرض ~~المعتكف لتجارة ولا غيرها بل يشتغل باعتكافه ولا بأس أن يأمر بصنعته ومصلحة ~~أهله وبيع ماله أو شيئا لا يشغله في نفسه ولا بأس به إذا كان خفيفا قال ~~مالك ولا يكون معتكفا حتى يجتنب ما يجتنب المعتكف ولا بأس بنكاح المعتكف ما ~~لم يكن الوقاع وقال ابن القاسم عن مالك لا يقوم المعتكف إلى رجل يعزيه ~~بمصيبة ولا يشهد نكاحا يعقد في المسجد يقوم إليه في المسجد ولكن لو غشيه ~~ذلك في مجلسه لم أر به بأسا ولا يقوم إلى الناكح فيهنيه ولا يتشاغل في مجلس ~~العلم ولا يكتب العلم في المجلس وكرهه ويشتري ويبيع إذا كان خفيفا وقال ~~سفيان الثوري المعتكف يعود المريض ويشهد الجمعة وما لا يحسن به أن يصنعه في ~~المسجد أتى أهله فصنعه ولا يدخل سقفا إلا أن يكون ممره فيه ولا يجلس عند ~~أهله وليوصهم بحاجته وهو قائم أو يمشي ولا يبيع ولا يبتاع وإن دخل سقفا بطل ~~اعتكافه وقال الحسن بن صالح إذا دخل المعتكف بيتا ليس فيه طريقه أو جامع ~~بطل # PageV01P308 # اعتكافه ويحضر الجنازة ويعود المريض ويأتي الجمعة ويخرج للوضوء ويدخل بيت ~~المريض ويكره أن يبيع ويشتري قال أبو بكر روى الزهري عن سعيد بن المسيب ~~وعروة ابن الزبير عن عائشة قالت إن من السنة في المعتكف أن لا يخرج إلا ~~لحاجة الإنسان ولا يتبع الجنازة ولا يعود مريضا ولا يمس امرأة ولا يباشرها ~~وعن سعيد بن المسيب ومجاهد قالا لا يعود المعتكف مريضا ولا يجيب دعوة ولا ~~يشهد جنازة وروى مجاهد عن ابن عباس قال ليس ms0396 على المعتكف أن يعود مريضا ولا ~~يتبع جنازة فهؤلاء السلف من الصحابة والتابعين قد روي عنهم في المعتكف ما ~~وصفنا وروي عن غيرهم خلاف ذلك # وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال المعتكف يشهد الجمعة ويعود ~~المريض ويتبع الجنازة # وروي مثله عن الحسن وعامر وسعيد بن جبير وروى سفيان بن عيينة عن عمار بن ~~عبد الله بن يسار عن أبيه عن علي أنه لم ير بأسا أن يخرج المعتكف ويبتاع # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن ~~شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل ~~البيت إلا لحاجة الإنسان # فهذا الحديث يقتضي حظر الخروج إلا لحاجة الإنسان مما وصفنا من أن فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم للاعتكاف وارد مورد البيان وفعله إذا ورد مورد ~~البيان فهو على الوجوب فأوجب ما ذكرنا من فعله حظر الخروج على المعتكف إلا ~~لحاجة الإنسان وإنما يعنى به البول والغائط ولما كان من شرط الاعتكاف اللبث ~~في المسجد وبذلك قرنه الله تعالى عند ذكره في قوله [ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد] وجب أن لا يخرج إلا لما لا بد منه من حاجة الإنسان ~~وقضاء فرض الجمعة ولأنه معلوم أنه لم يعقد على نفسه اعتكافا هو منتقل ~~بإيجابه وهو يريد ترك شهود الجمعة وهي فرض عليه فصار حضورها مستثنى من ~~اعتكافه فإن قيل أليس في قوله [وأنتم عاكفون في المساجد] دلالة على أن من ~~شرطه دوام اللبث فيه لأنه إنما ذكر الحال التي يكونون عليها وعلق به حظر ~~الجماع إذا كانوا من بهذه الصفة ولا دلالة على حظر الخروج من المسجد في حال ~~الاعتكاف قيل له هذا خطأ من وجهين أحدهما أنه معلوم أن حظر الجماع على ~~المعتكف غير متعلق يكونه في المسجد لأنه لا خلاف بين أهل العلم أنه ليس له ms0397 ~~أن يجامع امرأته في بيته في # PageV01P309 # حال الاعتكاف وقد حكينا عن بعض السلف أن الآية نزلت فيمن كان يخرج من ~~المسجد في حال اعتكافه إلى بيته ويجامع فلما كان ذلك كذلك ثبت أن ذكر ~~المسجد في هذا الموضع إذا لم يعلق به حظر الجماع إنما هو لأن ذلك شرط ~~الاعتكاف ومن أوصافه التي لا يصح إلا به والوجه الآخر أن الاعتكاف لما كان ~~أصله في اللغة اللبث في الموضع ثم ذكر الله تعالى الاعتكاف فاللبث لا محالة ~~مراد به وإن أضيف إليه معان أخر لم يكن الاسم لها في اللغة كما أن الصوم ~~لما كان في اللغة هو الإمساك ثم نقل في الشرع إلى معان أخر لم يخرجه ذلك من ~~أن يكون من شرطه وأوصافه التي لا يصح إلا به فثبت أن الاعتكاف هو اللبث في ~~المسجد فواجب على هذا أن لا يخرج إلا لما لا بد منه أو لشهود الجمعة إذ ~~كانت فرضا مع ما عاضد هذه المقالة ما قدمنا من السنة ولما لم يتعين فرض ~~شهود الجنازة وعيادة المريض لم يجز له الخروج لهما # وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فما يعرج عليه يسئل عنه ويمضي # وروى الزهري عن عمرة عن عائشة مثله من فعلها ولما اتفق الجميع ممن ذكرنا ~~قوله أنه غير جائز للمعتكف أن يخرج فينصرف في سائر أعمال البر من قضاء ~~حوائج الناس والسعي على عياله وهو من البر وجب أن يكون كذلك حكم عيادة ~~المريض وكما لا يجيبه إلى دعوته كذلك عيادته لأنهما سواء في حقوق بعضهم على ~~بعض فالكتاب والأثر والنظر يدل على صحة ما وصفنا فإن احتج محتج بما # روى الهياج الخراساني قال حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن عن عبد الخالق عن ~~أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المعتكف يتبع الجنازة ويعود ~~المريض وإذا خرج من المسجد قنع رأسه حتى يعود إليه) # قيل له ms0398 هذا حديث مجهول السند لا يعارض به حديث الزهري عن عمرة عن عائشة ~~وأما قول من قال إنه إن دخل سقفا بطل اعتكافه فتخصيصه السقف دون غيره لا ~~دلالة عليه ولا فرق بين السقف وغيره من الفضاء فإن كونه في الفضاء والصحراء ~~لا يفسد اعتكافه فكذلك السقف مثله وأما البيع والشراء من غير إحضار السلعة ~~والميزان فلا بأس عندهم به وإنما أرادوا البيع بالقول فحسب لا إحضار السلع ~~والأثمان وإنما جاز ذلك لأنه مباح فهو كسائر كلامه في الأمور المباحة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصمت يوم إلى الليل # فإذا كان الصمت محظورا فهو لا محالة مأمور بالكلام فسائر ما ينافي الصمت # PageV01P310 # من مباح الكلام قد انتظمه اللفظ # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي ~~قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن صفية ~~قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم ~~قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان ~~من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال صلى الله عليه ~~وسلم (على رسلكما إنها صفية بنت حيي قالا سبحان الله يا رسول الله قال إن ~~الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو قال ~~شرا) فتشاغل في اعتكافه بمحادثة صفية ومشى معها إلى باب المسجد # وهذا يبطل قول من قال لا يتشاغل بالحديث ولا يقوم فيمشي إلى أملاك في ~~المسجد # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب ومسدد ~~قالا حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكون متعكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلال ~~الحجرة فأغسل رأسه وأرجله وأنا حائض # وقد حوى هذا الخبر أحكاما منها إباحة غسل الرأس وهو في ms0399 المسجد ومنها جواز ~~المباشرة واللمس بغير شهوة للمعتكف ومنها جواز غسل الرأس في حال الاعتكاف ~~وغسل الرأس إنما هو لإصلاح البدن فدل ذلك على أن للمعتكف أن يفعل ما فيه ~~صلاح بدنه ودل أيضا على أنه له أن يشتغل بما فيه صلاح ماله كما أبيح له ~~الاشتغال بإصلاح بدنه لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال (قتال المؤمن كفر وسبابه فسق وحرمة ماله ~~كحرمة دمه) # ودل أيضا على أن للمعتكف أن يتزين لأن ترجيل الرأس من الزينة ويدل على أن ~~من كان في المسجد فأخرج رأسه فغسله كان غاسلا له في المسجد وهو يدل على ~~قولهم فيمن حلف لا يغسل رأس فلان في المسجد أنه يحنث إن أخرج رأسه من ~~المسجد فغسله والحالف خارج المسجد وأنه إنما يعتبر موضع المغسول لا الغاسل ~~لأن الغسل لا يكون إلا وهو متصل به يقتضي وجود المغسول ولذلك قالوا فيمن ~~حلف لا يضرب فلانا في المسجد إنه يعتبر وجود المضروب في المسجد لا الضارب ~~ويدل أيضا على طهارة يد الحائض وسؤرها وأن حيضها لا يمنع طهارة بدنها وهو # كقوله صلى الله عليه وسلم ليس حيضك في يدك # والله أعلم. ### | باب ما يحله حكم الحاكم وما لا يحله # قال الله تعالى [ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا # PageV01P311 # فريقا من أموال الناس بالإثم] # والمراد والله أعلم لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل كما قال تعالى [ولا ~~تقتلوا أنفسكم] وقوله [ولا تلمزوا أنفسكم] يعنى بعضكم بعضا وكما # قال صلى الله عليه وسلم (أموالكم وأعراضكم عليكم حرام) # يعني أموال بعضكم على بعض وأكل المال بالباطل على وجهين أحدهما أخذه على ~~وجه الظلم والسرقة والخيانة والغصب وما جرى مجراه والآخر أخذه من جهة ~~محظورة نحو القمار وأجرة الغناء والقيان والملاهي والنائحة وثمن الخمر ~~والخنزير والحر وما لا يجوز أن يتملكه وإن كان بطيبة نفس من مالكه وقد ~~انتظمت الآية حظر أكلها من هذه الوجوه كلها ثم قوله [وتدلوا بها إلى ~~الحكام] فيما يرفع إلى الحاكم ms0400 فيحكم به في الظاهر ليحلها مع علم المحكوم له ~~أنه غير مستحق له في الظاهر فأبان تعالى أن حكم الحاكم به لا يبيح أخذه ~~فزجر عن أكل بعضنا لمال بعض بالباطل ثم أخبر أن ما كان منه بحكم الحاكم فهو ~~في حيز الباطل الذي هو محظور عليه أخذه وقال في آية أخرى [يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم] ~~فاستثنى من الجملة ما وقع من التجارة بتراض منهم به ولم يجعله من الباطل ~~وهذا هو في التجارة الجائزة دون المحظورة وما تلونا من الآي أصل في أن حكم ~~له الحاكم بالمال لا يبيح له أخذ المال الذي لا يستحقه وبمثله وردت الأخبار ~~والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال ~~حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن رافع عن أم ~~سلمة قالت كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجلان يختصمان في ~~مواريث وأشياء قد درست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أقضي ~~بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه فمن قضيت له بحجة أراها فاقتطع بها قطعة ~~ظلما فإنما يقطع قطعة من النار يأتي بها إسطاما يوم القيامة في عنقه) فبكى ~~الرجلان فقال كل واحد منهما يا رسول الله حقي له فقال صلى الله عليه وسلم ~~(لا ولكن اذهبا فتوخيا للحق ثم استهما وليحلل كل واحد منكما صاحبه) # ومعنى هذا الخبر مواطئ لما ورد به نص التنزيل في أن حكم الحاكم له بالمال ~~لا يبيح له أخذه وقد حوى هذا الخبر معاني أخر منها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد كان يقضي برأيه واجتهاده فيما لم ينزل به وحى # لقوله صلى الله عليه وسلم (أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه) # وقد دل ذلك أيضا على أن الذي كلف الحاكم من ذلك الأمر الظاهر ms0401 وأنه لم ~~يكلف المغيب عند الله تعالى وفيه الدلالة على أن كل مجتهد فيما يسوغ فيه ~~الاجتهاد # PageV01P312 # مصيب إذ لم يكلف غير ما أداه إليه اجتهاده ألا ترى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أخبر أنه مصيب في حكمه بالظاهر وإن كان الأمر في المغيب خلافه ~~ولم يبح مع ذلك للمقتضي له أخذ ما قضى له به ودل أيضا على أن الحاكم جائز ~~له أن يعطي إنسانا مالا ويأمر له به وإن لم يسع المحكوم له أخذه إذا علم ~~أنه غير مستحق # ودل أيضا على جواز الصلح عن غير إقرار لأن واحدا منهما لم يقر بالحق ~~وإنما بذل ماله لصاحبه فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم بالصلح وأن يستهما ~~عليه # والاستهام هو الاقتسام ويدل على أن القسمة في العقار وغيره واجبة إذا ~~طلبها أحدهما ويدل أيضا على أن الحاكم يأمر بالقسمة ويدل على جواز البراءة ~~من المجاهيل أيضا لأنه أخبر بجهالة المواريث التي قد درست ثم أمرهما مع ذلك ~~بالتحليل وعلى أنه لو لم يذكر فيه أنها مواريث قد درست لكان يقتضي قوله ~~وليحلل كل واحد منكما صاحبه جواز البراءة من المجاهيل لعموم اللفظ إذ لم ~~يفرق بين المجهول من ذلك والمعلوم ودل أيضا على جواز تراضي الشريكين على ~~القسمة من غير حكم الحاكم ودل أيضا على أن من له قبل رجل حق فوهبه له فلم ~~يقبله أنه لا يصح ويعود الملك إلى الوهاب لأن كل واحد منهما رد ما وهبه ~~الآخر وجعل حق نفسه لصاحبه ولما لم يفرق في ذلك بين الأعيان والديون وجب أن ~~يستوي حكم الجميع إذا رد البراءة والهبة في وجوب بطلانهما ويدل أيضا على أن ~~قول القائل لفلان من مالي ألف درهم أنه هبة منه وليس بإقرار لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يجعل قول كل واحد منهما الذي لي له إقرارا لأنه لو جعل إقرارا ~~لجاز عليه ولم يحتاجا بعد ذلك إلى الصلح والتحليل والقسمة وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن قال لفلان من مالي ms0402 ألف درهم ويدل أيضا على جواز التحري ~~والاجتهاد في موافقة الحق وإن لم يكن يقينا # لقوله صلى الله عليه وسلم وتوخيا للحق # أى تحريا واجتهادا ويدل أيضا على أن الحاكم جائز له أن يرد الخصوم للصلح ~~إذا رأى ذلك وأن لا يحملها على مر الحكم ولهذا قال عمر ردوا الخصوم كي ~~يصطلحوا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال ~~أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه فأقضي له على نحو مما أسمع منه فمن قضيت ~~له من حق أخيه بشيء فلا يؤخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار) # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا # PageV01P313 # أبو داود قال حدثنا الربيع بن نافع قال حدثنا ابن المبارك عن أسامة بن ~~زيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلا دعواهما ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما ~~حقي لك فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم (أما إذ فعلتما ما فعلتما ~~فاقتسما وتوخيا الحق ثم استهما ثم تحالا) # وهذان الحديثان في معنى الحديث الذي قدمناه في حظر أخذ ما يحكم له به ~~الحاكم إذا علم أنه غير مستحق له وفيهما فوائد أخر منها أن قوله في حديث ~~زينب بنت أم سلمة أقضي له على نحو مما أسمع يدل على جواز إقرار المقر بما ~~أقر به على نفسه لإخباره أنه يقضي بما يسمع وكذلك قد اقتضى الحكم بمقتضى ما ~~يسمعه من شهادة الشهود واعتبار لفظهما فيما يقتضيه ويوجبه وقال في حديث عبد ~~الله بن رافع هذا اقتسما وتوخيا الحق ثم استهما وهذا الاستهام هو القرعة ms0403 ~~التي يقرع بها عند القسمة وفيه دلالة على جواز القرعة في القسمة والذي ورد ~~التنزيل من حظر ما حكم له به الحاكم إذا علم المحكوم له أنه غير محكوم له ~~بحق قد اتفقت الأمة عليه فيمن ادعى حقا في يدي رجل وأقام بينة فقضى له أنه ~~غير جائز له أخذه وأن حكم الحاكم لا يبيح له ما كان قبل ذلك محظورا عليه ~~واختلفوا في حكم الحاكم بعقد أو فسخ عقد بشهادة شهود إذا علم المحكوم له ~~أنهم شهود زور فقال أبو حنيفة إذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد مما ~~يصح أن يبتدأ فهو نافذ ويكون كعقد نافذ عقداه بينهما وإن كان الشهود شهود ~~زور أبو يوسف ومحمد والشافعي حكم الحاكم في الظاهر كهو في الباطن وقال أبو ~~يوسف فإن حكم بفرقة لم تحل للمرأة أن تتزوج ولا يقربها زوجها أيضا قال أبو ~~بكر روي نحو قول أبي حنيفة # عن علي وابن عمر والشعبي ذكر أبو يوسف عن عمرو بن المقدام عن أبيه أن ~~رجلا من الحي خطب امرأة وهو دونها في الحسب فأبت أن تزوجه فادعى أنه تزوجها ~~وأقام شاهدين عند علي فقالت إني لم أتزوجه قال قد زوجك الشاهدان فأمضى ~~عليهما النكاح # قال أبو يوسف وكتب إلي شعبة بن الحجاج يرويه عن زيد أن رجلين شهدا على ~~رجل أنه طلق امرأته بزور ففرق القاضي بينهما ثم تزوجها أحد الشاهدين قال ~~الشعبي ذلك جائز وأما ابن عمر فإنه باع عبدا بالبراءة فرفعه المشتري إلى ~~عثمان فقال عثمان أتحلف بالله ما بعته وبه داء كتمته فأبى أن يحلف فرده ~~عليه عثمان فباعه من غيره بفضل كثير فاستجاز ابن عمر بيع العبد مع علمه بأن ~~باطن ذلك الحكم خلاف # PageV01P314 # ظاهره وأن عثمان لو علم منه مثل علم ابن عمر لما رده فثبت بذلك أنه كان ~~من مذهبه أن فسخ الحاكم العقد يوجب عوده إلى ملكه وإن كان في الباطن خلافه ~~ومما يدل على صحة قول أبي حنيفة في ذلك # حديث ms0404 ابن عباس في قصة هلال بن أمية ولعان النبي صلى الله عليه وسلم ~~بينهما ثم قال إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به ~~على صفة أخرى فهو لشريك بن سحماء الذي رميت به فجاءت به على الصفة المكروهة ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن # ولم تبطل الفرقة الواقعة بلعانهما مع علمه بكذب المرأة وصدق الزوج فصار ~~ذلك أصلا في أن العقود وفسخها متى حكم بها الحاكم مما لو ابتدأ أيضا بحكم ~~الحاكم وقع ويدل على ذلك أيضا أن الحاكم مأمور بإمضاء الحكم عند شهادة ~~الشهود الذين ظاهرهم العدالة ولو توقف عن إمضاء الحكم بما شهد به الشهود من ~~عقد أو فسخ عقد لكان آثما تاركا لحكم الله تعالى لأنه إنما كلف الظاهر ولم ~~يكلف علم الباطن المغيب عند الله تعالى وإذا مضى الحكم بالعقد صار ذلك كعقد ~~مبتدأ بينهما وكذلك إذا حكم بالفسخ صار كفسخ فيما بينهما وإنما نفذ العقد ~~والفسخ إذا تراضى المتعاقدان بحكم الله عز وجل بذلك وكذلك حكم الحاكم فإن ~~قيل فلو حكم بشهادة عبيد لم ينفذ حكمه إذا تبين مع كونه مأمورا بإمضاء ~~الحكم به قيل له إنما لم ينفذ حكمه من قبل أن الرق معنى يصح ثبوته من طريق ~~الحكم وكذلك الشرك والحد في القذف فجاز فسخ حكم الحاكم به بعد وقوعه ألا ~~ترى أنه يصح قيام البينة به والخصومة فيه عند الحاكم فلذلك جاز أن لا ينفذ ~~حكم الحاكم بشهادة هؤلاء لوجود ما ذكرنا من المعاني التي يصح إثباتها من ~~طريق الحكم وأما الفسق وجرح الشهادة من قبل أنهم شهود زور فليس هو معنى يصح ~~إثباته من طريق الحكم ولا يتقبل فيه الخصومة فلم ينفسخ ما أمضاه الحاكم فإن ~~ألزمنا على العقد وفسخه الحكم بملك مطلق ولم نبح له أخذه لم يلزمنا ذلك لأن ~~الحاكم عندنا إنما يحكم له بالتسليم لا بالملك لأنه لو حكم له بالملك ~~لاحتيج ms0405 إلى ذكر جهة الملك في شهادة الشهود فلما اتفق الجميع على أنه تقبل ~~شهادة الشهود من غير ذكر جهة الملك دل ذلك على أن المحكوم به هو التسليم ~~والحكم بالتسليم ليس بسبب لنقل الملك فلذلك كان الشيء باقيا على ملك مالكه ~~وقوله [لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون] يدل على أن ذلك ~~فيمن علم أنه أخذ ما ليس له فأما من لم يعلم فجائز له أن يأخذه بحكم الحاكم # PageV01P315 # له بالمال إذا قامت بينة وهذا يدل على أن البينة إذا قامت بأن لأبيه ~~الميت على هذا ألف درهم أو أن هذه الدار تركها الميت ميراثا أنه جائز ~~للوارث أن يدعي ذلك ويأخذه بحكم الحاكم له به وإن لم يعلم صحة ذلك إذ هو ~~غير عالم بأنه مبطل فيما يأخذه والله تعالى إنما ذم العالم به إذا أخذه ~~بقوله [لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون] ومما يدل على ~~نفاذ حكم الحاكم بما وصفنا من العقود وفسخها اتفاق الجميع على أن ما اختلف ~~فيه الفقهاء إذا حكم الحاكم بأحد وجوه الاختلاف نفذ حكمه وقطع ما أمضاه ~~تسويغ الاجتهاد في رده ووسع المحكوم له أخذه ولم يسع المحكوم عليه منعه وإن ~~كان اعتقادهما خلافه كنحو الشفعة بالجوار والنكاح بغير ولي ونحوهما من ~~اختلاف الفقهاء. ### | باب الإهلال # قوله تعالى [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] وإنما يسمى ~~هلالا في أول ما يرى وما قرب منه لظهوره في ذلك الوقت بعد خفائه ومنه ~~الإهلال بالحج وهو إظهار التلبية واستهلال الصبي ظهور حياته بصوت أو حركة ~~ومن الناس من يقول إن الإهلال هو رفع الصوت وإن إهلال الهلال من ذلك لرفع ~~الصوت بذكره عند رؤيته والأول أبين وأظهر ألا ترى أنهم يقولون تهلل وجهه ~~إذا ظهر منه البشر والسرور وليس هناك صوت مرفوع وقال تأبط شرا: وإذا نظرت ~~إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل يعني الظاهر وقد اختلف أهل اللغة ~~في الوقت الذي يسمى هلالا فمنهم من قال يسمى ms0406 هلالا لليلتين من الشهر ومنهم ~~من قال يسمى لثلاث ليال ثم يسمى قمرا وقال الأصمعي يسمى هلالا حتى يحجر ~~وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة ومنهم من يقول يسمى هلالا حتى يبهر ضوءه سواد ~~الليل فإذا غلب ضوءه سمي قمرا قالوا وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة ~~وقال الزجاج الأكثر يسمونه هلالا لابن ليلتين وقيل إن سؤالهم وقع عن وجه ~~الحكمة في زيادة الأهلة ونقصانها فأجابهم إنها مقادير لما يحتاج إليه الناس ~~في صومهم وحجهم وعدد نسائهم ومحل الديون وغير ذلك من الأمور فكانت هذه ~~منافع عامة لجميعهم وبها عرفوا الشهور والسنين وما لا يحصيه من المنافع ~~والمصالح غير الله تعالى وفي هذه الآية دلالة على جواز الإحرام بالحج في ~~سائر السنة لعموم اللفظ في سائر # PageV01P316 # الأهلة أنها مواقيت للحج ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج فوجب أن يكون ~~المراد الإحرام وقوله تعالى [الحج أشهر معلومات] لا ينفي ما قلنا لأن قوله ~~[الحج أشهر معلومات] فيه ضمير لا يستغني عنه الكلام وذلك لاستحالة كون الحج ~~أشهرا لأن الحج هو فعل الحاج وفعل الحاج لا يكون أشهرا لأن الأشهر إنما هي ~~مرور الأوقات ومرور الأوقات هو فعل الله ليس بفعل للحاج والحج فعل الحاج ~~فثبت أن في الكلام ضميرا لا يستغنى عنه ثم لا يخلو ذلك الضمير من أن يكون ~~فعل الحج أو الإحرام بالحج وليس لأحد صرفه إلى أحد المعنيين دون الآخر إلا ~~بدلالة فلما كان في اللفظ هذا الاحتمال لم يجز تخصيص قوله تعالى [قل هي ~~مواقيت للناس والحج] به إذ غير جائز لنا تخصيص بالاحتمال والوجه الآخر أنه ~~إن كان المراد إحرام الحج فليس فيه نفي لصحة الإحرام في غيرها وإنما فيها ~~إثبات الإحرام فيها وكذلك نقول إن الإحرام جائز فيها بهذه الآية وجائز في ~~غيرها بالآية الأخرى إذ ليس في إحداهما ما يوجب تخصيص الأخرى به والذي ~~يقتضيه ظاهر اللفظ أن يكون المراد أفعال الحج لا إحرامه إلا أن فيه ضمير ~~حرف الظرف وهو «في» فمعناه ms0407 حينئذ الحج في أشهر معلومات وفيه تخصيص أفعال ~~الحج في هذه الأشهر دون غيرها وكذلك قال أصحابنا فيمن أحرم بالحج قبل أشهر ~~الحج فطاف له وسعى بين الصفا والمروة قبل أشهر الحج إن سعيه ذلك لا يجزيه ~~وعليه أن يعيده لأن أفعال الحج لا تجزي قبل أشهر الحج فعلى هذا يكون معنى ~~قوله [الحج أشهر معلومات] أن أفعاله في أشهر الحج معلومات وقوله تعالى ~~[يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] عموم في إحرام الحج لا في ~~أفعال الحج الموجبة وغير جائز أن يكون مراده في قوله [قل هي مواقيت للناس ~~والحج] أهلة مخصوصة بأشهر الحج كما لا يجوز أن تكون هذه الأهلة في مواقيت ~~الناس وآجال ديونهم وصومهم وفطرهم مخصوصة بأشهر الحج دون غيرها فلما ثبت ~~عموم المراد في سائر الأهلة فيما تضمنه اللفظ من مواقيت الناس وجب أن يكون ~~ذلك حكمه في الحج لأن الأهلة المذكورة لمواقيت الناس هي بعينها الأهلة ~~المذكورة للحج وعلى أنا لو حملناه على أفعال الحج وجعلناها مقصورة المعنى ~~على المذكور في الآية في قوله تعالى [الحج أشهر معلومات] لأدى ذلك إلى ~~إسقاط فائدته وإزالة حكمه وتخصيص لفظه بغير دلالة توجب الاقتصار به على ~~معنى قوله [الحج أشهر معلومات] # PageV01P317 # فلما وجب أن يوفى كل لفظ حقه مما اقتضاه من الحكم والفائدة وجب أن يكون ~~محمولا على سائر الأهلة وأنها مواقيت لإحرام الحج وسنتكلم في المسألة عند ~~بلوغنا إليها إن شاء الله وقوله [قل هي مواقيت للناس] قد دل على أن العدتين ~~إذا وجبتا من # رجل واحد يكتفى فيهما بمضيها لهما جميعا ولا تستأنف لكل واحد منهما حيضا ~~ولا شهورا غير مدة الأخرى لأن الله تعالى لم يخصص إحداهما حين جعلها وقتا ~~لجميع الناس ببعضه دون بعض ومضي مدة العدة هو وقت لكل واحدة منهما لقوله ~~[فما لكم عليهن من عدة تعتدونها] فجعل العدة حقا للزوج ثم لما كانت العدة ~~مرور الأوقات وقد جعل الله الأهلة وقتا للناس كلهم وجب أن يكتفى بمضي واحدة ms0408 ~~للعدتين ألا ترى أن قوله تعالى [قل هي مواقيت للناس] قد عقل من مفهوم خطابه ~~أنها تكون مدة لإجارة جميع الناس ومحلا لجميع ديونهم وإن كان واحد منهم لا ~~يحتاج إلى أن يختص لنفسه ببعض الأهلة دون بعض كذلك مفهوم الآية في العدة قد ~~اقتضى مضي مدة واحدة لرجلين وقد دل قوله تعالى [قل هي مواقيت للناس] على أن ~~العدة إذا كان ابتداؤها بالهلال وكانت بالشهور أنه إنما يجب استيفاؤها ~~بالأهلة ثلاثة أشهر إن كانت ثلاثة وإن كانت عدة الوفاة فأربعة أشهر بالأهلة ~~وأن لا تعتبر عدد الأيام وكذلك يدل على أن شهر الصوم معتبر بالهلال في ~~ابتدائه وانتهائه وأنه إنما يرجع إلى العدد عند فقد رؤية الهلال ويدل أيضا ~~على أن من آلى من امرأته في أول الشهر أن مضي الأربعة الأشهر معتبر بالأهلة ~~في إيقاع الطلاق دون اعتبار الثلاثين وكذلك هذا في الإجارات والأيمان وآجال ~~الديون متى كان ابتداؤها بالهلال كان جميعها كذلك وسقط اعتبار عدد الثلاثين ~~وبذلك # حكم النبي صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين) # بالرجوع إلى اعتبار العدد عند فقد الرؤية وأما قوله [وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها] فإنه قد قيل فيه ما حدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ~~عن الزهري قال كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين ~~السماء شيء ويتحرجون من ذلك وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فيبدو له الحاجة ~~بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن ~~يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم على حجرته فيأمر # PageV01P318 # بحاجته فيخرج من بيته وبلغنا # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل من الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ~~فدخل في إثره رجل من الأنصار من بني سلمة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~إني أحمس قال الزهري ms0409 وكانت الحمس لا يبالون ذلك فقال الأنصاري وأنا أحمس ~~يقول وأنا على دينك فأنزل الله تعالى [ليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها] # وروى ابن عباس والبراء وقتادة وعطاء أنه كان قوم من الجاهلية إذا أحرموا ~~نقبوا في ظهور بيوتهم نقبا يدخلون منه ويخرجون فنهوا عن التدين بذلك وأمروا ~~أن يأتوا البيوت من أبوابها وقيل فيه إنه مثل ضربه الله لهم بأن يأتوا البر ~~من وجهه وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به وليس يمتنع أن يكون مراد الله ~~تعالى به جميع ذلك فيكون فيه بيان أن إتيان البيوت من ظهورها ليس بقربة إلى ~~الله تعالى ولا هو مما شرعه ولا ندب إليه ويكون مع ذلك مثلا أرشد بابه إلى ~~أن يأتى الأمور من مأتاها الذي أمر الله تعالى به وندب إليه وفيه بيان أن ~~ما لم يشرعه قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة ولا دينا بأن يتقرب به متقرب ~~ويعتقده دينا ونظيره من السنة ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من نهيه عن صمت يوم إلى الليل # وأنه رأى رجلا في الشمس فقال ما شأنه فقيل إنه نذر أن يقوم في الشمس ~~فأمره بأن يتحول إلى الفيء # وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال لأن الليل لا صوم فيه فنهى أن ~~يعتقد صومه # وترك الأكل فيه قربة وهذا كله أصل في أن من نذر ما ليس بقربة لم يلزمه ~~بالنذر ولا يصير قربة بالإيجاب ويدل أيضا على أن ما ليس له أصل في الوجوب ~~وإن كان قربة لا يصير واجبا بالنذر نحو عيادة المريض وإجابة الدعوة والمشي ~~إلى المسجد والقعود فيه والله تعالى أعلم. ### | باب فرض الجهاد # قال الله تعالى [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين] قال أبو بكر لم تختلف الأمة أن القتال كان محظورا ~~قبل الهجرة بقوله [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها ms0410 إلا ذو حظ عظيم] وقوله [فاعف ~~عنهم واصفح] وقوله [وجادلهم بالتي هي أحسن] وقوله [فإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب] وقوله [وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما] # وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابا ~~له كانت أموالهم بمكة فقالوا يا رسول الله كنا في عزة ونحن مشركون # PageV01P319 # فلما آمنا صرنا أذلاء فقال صلى الله عليه وسلم (إني أمرت بالعفو فلا ~~تقاتلوا القوم) # فلما حوله إلى المدينة أمروا بالقتال فكفوا فأنزل الله [ألم تر إلى الذين ~~قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال ~~إذا فريق منهم يخشون الناس] وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا أبو ~~الفضل جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن ~~صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل [لست عليهم بمصيطر] ~~وقوله [وما أنت عليهم بجبار] وقوله [فاعف عنهم واصفح] وقوله [قل للذين ~~آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله] قال نسخ هذا كله قوله تعالى ~~[فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] وقوله تعالى [قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر- إلى قوله- صاغرون] وقد اختلف السلف في أول آية ~~نزلت في القتال فروي عن الربيع بن أنس وغيره أن قوله [وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم] أول آية نزلت وروي عن جماعة آخرين منهم أبو بكر الصديق ~~والزهري وسعيد بن جبير أن أول آية نزلت في القتال [أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا] الآية وجائز أن يكون [وقاتلوا في سبيل الله] أول آية نزلت في إباحة ~~قتال من قاتلهم والثانية في الإذن في القتال عامة لمن قاتلهم ومن لم ~~يقاتلهم من المشركين وقد اختلف في معنى قوله [وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم] فقال الربيع بن أنس هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين ويكف عمن كف ~~عنه إلى أن أمر بقتال ms0411 الجميع قال أبو بكر وهو عنده بمنزلة قوله [فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] وقال محمد بن جعفر بن الزبير أمر ~~أبو بكر بقتال الشمامسة لأنهم يشهدون القتال وأن الرهبان من رأيهم أن لا ~~يقاتلوا فأمر أبو بكر رضى الله عنه بأن لا يقاتلوا وقد قال الله تعالى ~~[وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم] فكانت الآية على تأويله ثابتة ~~الحكم ليس فيها نسخ وعلى قول الربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين كانوا مأمورين بعد نزول الآية بقتال من قاتل دون من كف سواء كان ~~ممن يتدين بالقتال أو لا يتدين وروي عن عمر بن عبد العزيز في قوله [وقاتلوا ~~في سبيل الله الذين يقاتلونكم] أنه في النساء والذرية ومن لم ينصب لك الحرب ~~منهم كأنه ذهب إلى أن المراد به من لم يكن من أهل القتال في الأغلب لضعفه ~~وعجزه لأن ذلك حال النساء والذرية # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P320 # في آثار شائعة النهي عن قتل النساء والولدان # وروي عنه أيضا النهي عن قتل أصحاب الصوامع رواه داود بن الحصين عن عكرمة ~~عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم # فإن كان معنى الآية على ما قال الربيع بن أنس أنه أمر فيها بقتال من قاتل ~~والكف عمن لا يقاتل فإن قوله [قاتلوا الذين يلونكم من الكفار] ناسخ لمن يلي ~~وحكم الآية كان باقيا فيمن لا يلينا منهم # ثم لما نزل قوله [واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم- إلى ~~قوله- ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام] فكان ذلك أعم من الأول الذي فيه ~~الأمر بقتال من يلينا دون من لا يلينا إلا أن فيه ضربا من التخصيص بحظره ~~القتال عند المسجد الحرام إلا على شرط أن يقاتلونا فيه بقوله [ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم] ثم نزل الله فرض ~~قتال المشركين كافة بقوله [وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة] ~~وقوله [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] ms0412 وقوله تعالى [فإذا انسلخ الأشهر ~~الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] فمن الناس من يقول إن قوله [ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام] منسوخ بقوله [فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] ~~ومنهم من يقول هذا الحكم ثابت لا يقاتل في الحرم إلا من قاتل ويؤيد ذلك ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم فتح مكة (إن مكة حرام حرمها ~~الله يوم خلق السموات والأرض فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيها فإنما أحلت له ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم القيامة) # فدل ذلك على أن حكم الآية باق غير منسوخ وأنه لا يحل أن نبتدئ فيها ~~بالقتال لمن لم يقاتل وقد كان القتال محظورا في الشهر الحرام بقوله ~~[يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد] ثم نسخ بقوله ~~[فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] ومن الناس من ~~يقول هو غير منسوخ والحظر باق وأما قوله [واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم ~~من حيث أخرجوكم] فإنه أمر بقتل المشركين إذا ظفرنا بهم وهي عامة في قتال ~~سائر المشركين من قاتلنا منهم ومن لم يقاتلنا بعد أن يكونوا من أهل القتال ~~لأنه لا خلاف أن قتل النساء والذراري محظورا وقد نهى عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعن قتل أهل الصوامع فإن كان المراد بقوله [وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم] الأمر بقتال من قاتلنا ممن هو أهل القتال دون من كف عنا ~~منهم وكان قوله [ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين] نهى عن قتال من لم ~~يقاتلنا فهي لا محالة # PageV01P321 # منسوخة بقوله [واقتلوهم حيث ثقفتموهم] لإيجابه قتل من حظر قتله في الآية ~~الأولى بقوله [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا] إذ كان ~~الاعتداء في هذا الموضع هو قتال من لم يقاتل وقوله [وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم] يعني والله أعلم من مكة إن أمكنكم ذلك لأنهم قد كانوا آذوا ~~المسلمين بمكة حتى اضطروهم إلى الخروج فكانوا مخرجين لهم وقد ms0413 قال الله ~~تعالى [وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك] فأمرهم الله ~~تعالى عند فرضه القتال بإخراجهم إذا تمكنوا من ذلك إذ كانوا منهيين عن ~~القتال فيها إلا أن يقاتلوهم فيكون قوله [واقتلوهم حيث ثقفتموهم] عاما في ~~سائر المشركين إلا فيمن كان بمكة فإنهم أمروا بإخراجهم منها إلا لمن قاتلهم ~~فإنه أمر بقتالهم حينئذ والدليل على ذلك قوله في نسق التلاوة [ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه] فثبت أن قوله [واقتلوهم حيث ثقفتموهم] ~~فيمن كان بغير مكة وقوله [والفتنة أشد من القتل] روي عن جماعة من السلف أن ~~المراد بالفتنة هاهنا الكفر وقيل إنهم كانوا يفتنون المؤمنين بالتعذيب ~~ويكرهونهم على الكفر ثم عيروا المؤمنين بأن قتل واقد بن عبد الله وهو من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي وكان مشركا في الشهر ~~الحرام وقالوا قد استحل محمد القتال في الشهر الحرام فأنزل الله [والفتنة ~~أشد من القتل] يعني كفرهم وتعذيبهم المؤمنين في البلد الحرام وفي الشهر ~~الحرام أشد وأعظم مأثما من القتل في الشهر الحرام وأما قوله [ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه] فإن المراد بقوله [حتى يقاتلوكم فيه] ~~حتى يقتلوا بعضكم كقوله [ولا تلمزوا أنفسكم] يعني بعضكم بعضا إذ غير جائز ~~أن يأمر بقتلهم بعد أن يقتلوهم كلهم وقد أفادت الآية حظر القتل بمكة لمن لم ~~يقتل فيها فيحتج بها في حظر قتل المشرك الحربي إذا لجأ إليها ولم يقاتل ~~ويحتج أيضا بعمومها فيمن قتل ولجأ إلى الحرم في أنه لا يقتل لأن الآية لم ~~تفرق بين من قتل وبين من لم يقتل في حظر قتل الجميع فلزم بمضمون الآية أن ~~لا نقتل من وجدنا في الحرم سواء كان قاتلا أو غير قاتل إلا أن يكون قد قتل ~~في الحرم فحينئذ يقتل بقوله [فإن قاتلوكم فاقتلوهم] فإن قيل هو منسوخ بقوله ~~[وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله] قيل له إذا أمكن استعمالهما ~~لم يثبت النسخ لا سيما ms0414 مع اختلاف الناس في نسخه فيكون قوله [وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة] في غير الحرم ونظيره في حظر # PageV01P322 # قتل من لجأ إلى الحرم وإن كان جانيا قوله [ومن دخله كان آمنا] وقد تضمن ~~ذلك أمنا من خوف القتل فدل على أن المراد من دخله وقد استحق القتل أنه يأمن ~~بدخوله وكذلك قوله [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا] كل ذلك دل على أن ~~اللاجئ إلى الحرم المستحق للقتل يأمن به ويزول عنه القتل بمصيره إليه ومع ~~ذلك فإن قوله [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله] إذا كان نازلا ~~مع أول الخطاب عند قوله [ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام] فغير جائز أن ~~يكون ناسخا له لأن النسخ لا يصح إلا بعد التمكن من الفعل وغير جائز وجود ~~الناسخ والمنسوخ # في خطاب واحد وإذا كان الجميع مذكورا في خطاب واحد على ما يقتضيه نسق ~~التلاوة ونظام التنزيل فغير جائز لأحد إثبات تاريخ الآيتين وتراخي نزول ~~إحداهما عن الأخرى إلا بالنقل الصحيح ولا يمكن أحد دعوى نقل صحيح في ذلك ~~وإنما روي ذلك عن الربيع بن أنس فقال هو منسوخ بقوله [وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة] وقال قتادة هو منسوخ بقوله [فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] وجائز أن ~~يكون ذلك تأويلا منه ورأيا لأن قوله [فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] لا ~~محالة نزل بعد سورة البقرة لا يختلف أهل النقل في ذلك وليس فيه مع ذلك ~~دلالة على النسخ لإمكان استعمالهما بأن يكون قوله [فاقتلوا المشركين] مرتبا ~~على قوله [ولا تقاتلوهم عند المسجد] فيصير قوله اقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم إلا عند المسجد الحرام إلا أن يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ~~ويدل عليه أيضا # حديث ابن عباس وأبي شريح الخزاعي وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خطب يوم فتح مكة فقال (يا أيها الناس إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار ثم عادت حراما إلى يوم ms0415 القيامة) # وفي بعض الأخبار فإن ترخص مترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإنما أحلت لي ساعة من نهار # فثبت بذلك حظر القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا # وقد روى عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق قال حدثني سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن أبي شريح الخزاعي هذا الحديث وقال فيه وإنما أحل لي القتال بها ~~ساعة من نهار # ويدل عليه أيضا # ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب يومئذ حين قتل رجل من خزاعة ~~رجلا من هذيل ثم قال (إن أعتى الناس على الله ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل ~~قتل في الحرم ورجل قتل بذحل الجاهلية) # وهذا يدل على # PageV01P323 # تحريم القتل في الحرم لمن لم يجن فيه من وجهين أحدهما عموم الذم للقاتل ~~في الحرم والثاني قد ذكر معه قتل من لم يستحق القتل فثبت أن المراد قتل من ~~استحق القتل فلجأ وأن ذلك إخبار منه بأن الحرم يحظر قتل من لجأ إليه وهذه ~~الآي التي تلوناها في حظر قتل من لجأ إلى الحرم فإن دلالتها مقصورة على حظر ~~القتل فحسب ولا دلالة فيها على حكم ما دون النفس لأن قوله [ولا تقاتلوهم ~~عند المسجد الحرام] مقصور على حكم القتل وكذلك قوله [ومن دخله كان آمنا] ~~وقوله [مثابة للناس وأمنا] ظاهره الا من من القتل وإنما يدخل ما سواه ~~بدلالة لأن قوله [ومن دخله] اسم للإنسان وقوله [كان آمنا] راجع إليه فالذي ~~اقتضت الآية أمانه هو الإنسان لا أعضاؤه ومع ذلك فإن كان اللفظ مقتضيا ~~للنفس فما دونها فأما ما خصصنا دونها بدلالة وحكم اللفظ باق في النفس ولا ~~خلاف أيضا أن من لجأ إلى الحرم وعليه دين أنه يحبس به وأن دخوله الحرم لا ~~يعصمه من الحبس كذلك كل ما لم يكن نفسا من الحقوق فإن الحرم لا يعصمه منه ~~قياسا على الديون # وأما قوله عز وجل [فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم] يعني فإن انتهوا عن ~~الكفر فإن الله يغفر ms0416 لهم لأن قوله [فإن انتهوا] شرط يقتضي جوابا وهذا يدل ~~على أن قاتل العمد له توبة إذ كان الكفر أعظم مأثما من القتل وقد أخبر الله ~~أنه يقبل التوبة منه ويغفر له # وقوله تعالى [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله] يوجب فرض قتال ~~الكفار حتى يتركوا الكفر قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع بن أنس الفتنة ~~هاهنا الشرك وقيل إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما يؤدي إليه ~~الفتنة وقيل إن الفتنة هي الاختبار والكفر عند الاختبار إظهار الفساد وأما ~~الدين فهو الانقياد لله بالطاعة وأصله في اللغة ينقسم إلى معنيين أحدهما ~~الانقياد كقول الأعشى: # هو دان الرباب اذكر هو الدين ... دراكا بغزوة وصيال # ثم دانت بعد الرباب وكانت ... كعذاب عقوبة الأقوال # والآخر العادة من قول الشاعر: # تقول وقد درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني # والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له على وجه المداومة ~~والعادة وهذه الآية خاصة في المشركين دون أهل الكتاب لأن ابتداء الخطاب جرى ~~بذكرهم # PageV01P324 # في قوله عز وجل [واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم] وذلك ~~صفة مشركي أهل مكة الذين أخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يدخل ~~أهل الكتاب في هذا الحكم وهذا يدل على أن مشركي العرب لا يقبل منهم إلا ~~الإسلام أو السيف لقوله [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة- يعنى كفرا- ويكون ~~الدين لله] ودين الله هو الإسلام لقوله [إن الدين عند الله الإسلام] وقوله ~~[فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين] المعنى فلا قتل إلا على الظالمين ~~يعني والله أعلم القتل المبدوء يذكره في قوله [وقاتلوهم] وسمى القتل الذي ~~يستحقونه بكفرهم عدوانا لأنه جزاء الظلم فسمي باسمه كقوله تعالى [وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها] # وقوله [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] وإن لم يكن ~~الجزاء اعتداء ولا سيئة قوله تعالى [الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات ~~قصاص] # روي عن الحسن أن مشركي العرب قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنهيت عن ~~قتالنا في ms0417 الشهر الحرام قال نعم وأراد المشركون أن يغيروه في الشهر الحرام ~~فيقاتلوه فأنزل الله تعالى [الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص] # يعني إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثله وروى ابن ~~عباس والربيع بن أنس وقتادة والضحاك أن قريشا لما ردت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام في الشهر ~~الحرام فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة فقضى عمرته وأقصه بما ~~حيل بينه وبينه في يوم الحديبية ويمتنع أن يكون المراد الأمرين فيكون ~~إخبارا بما أقصه الله من الشهر الحرام الذي صده المشركون عن البيت بشهر ~~مثله في العام القابل وقد تضمن مع ذلك إباحة القتال في الشهر الحرام إذا ~~قاتلهم المشركون لأن لفظا واحدا لا يكون خبرا وأمرا ومتى حصل على أحد ~~المعنيين انتفى الآخر إلا أنه جائز أن يكون إخبارا بما عوض الله نبيه من ~~فوات العمرة في الشهر الحرام الذي صده المشركون عن البيت شهرا مثله في ~~العام القابل وكانت حرمة الشهر الذي أبدل كحرمة الشهر الذي فات فلذلك قال ~~[والحرمات قصاص] ثم عقب تعالى ذلك بقوله [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم] فأفاد أنهم إذا قاتلوهم في الشهر الحرام فعليهم أن ~~يقاتلوهم فيه وإن لم يجز لهم أن يبتدئوهم بالقتال وسمى الجزاء اعتداء لأنه ~~مثله في الجنس وقدر الاستحقاق على ما يوجبه فسمي باسمه على وجه المجاز لأن ~~المعتدي في الحقيقة هو الظالم وقوله تعالى # PageV01P325 # [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] عموم في أن من ~~استهلك لغيره ما لا كان عليه مثله وذلك المثل ينقسم إلى وجهين أحدهما مثله ~~في جنسه وذلك في المكيل والموزون والمعدود والآخر مثله في قيمته لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما وهو موسر أن ~~عليه ضمان نصف قيمته فجعل المثل اللازم بالاعتداء هو القيمة # فصار أصلا في هذا الباب وفي أن المثل قد يقع ms0418 على القيمة ويكون اسما لها ~~ويدل على أن المثل قد يكون اسما لما ليس هو من جنسه إذا كان في وزانه ~~وعروضه في المقدار المستحق من الجزاء أن من اعتدى على غيره بقذف لم يكن ~~المثل المستحق عليه أن يقذف بمثل قذفه بل يكون المثل المستحق عليه هو جلد ~~ثمانين وكذلك لو شتمه بما دون القذف كان عليه التعزير وذلك مثل لما نال منه ~~فثبت بذلك أن اسم المثل قد يقع على ما ليس من جنسه بعد أن يكون في وزانه ~~وعروضه في المقدار المستحق من طريق الجزاء ويحتج بذلك في أن من غصب ساجة ~~فأدخلها في بنائه أن عليه قيمتها لأن القيمة قد تناولها اسم المثل فمن حيث ~~كان الغاصب معتديا بأخذها كان عليه مثلها لحق العموم فإن قيل إذا نقضنا ~~بناءه وأخذناها بعينها فقد اعتدينا عليه بمثل ما اعتدى قيل له أخذ ملكه ~~بعينه لا يكون اعتداء على الغاصب كما أن من له عند رجل وديعة فأخذها لم يكن ~~معتديا عليه وإنما الاعتداء عليه أن يزيل من ملكه مثل ما أزال أو يزيل يده ~~عن مثل ما أزال عنه يد المغصوب منه فأما أخذ ملكه بعينه فليس فيه اعتداء ~~على أحد ولا فيه أخذ المثل ويحتج به في إيجاب القصاص فيما يمكن استيفاء ~~المماثلة والمساواة فيه دون ما لم يعلم فيه استيفاء المماثلة وذلك نحو قطع ~~اليد من نصف الساعد والجائفة والآمة في سقوط القصاص فيها لتعذر استيفاء ~~المثل إذ كان الله تعالى إنما أمرنا باستيفاء المثل ويحتج به أبو حنيفة ~~فيمن قطع يد رجل وقتله أن لوليه أن يقطع يده ثم يقتله لقوله [فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] فله أن يفعل به مثل ما فعل بمقتضى ~~الآية # وقوله تعالى [وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] قال ~~أبو بكر قد قيل فيه وجوه أحدها ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ~~قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال ms0419 حدثنا ابن وهب عن حيوة بن شريح وابن ~~لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال غزونا بالقسطنطينية وعلى ~~الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصوق # PageV01P326 # ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس مه مه لا إله إلا ~~الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقال أبو أيوب إنما نزلت هذه الآية فينا معشر ~~الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه الإسلام قلنا هلم نقيم في أموالنا ~~ونصلحها فأنزل الله تعالى [وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة] فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع ~~الجهاد قال أبو عمران فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن ~~بالقسطنطينية فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد ~~في سبيل الله وأن الآية في ذلك نزلت وروي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن ~~وقتادة ومجاهد والضحاك وروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني الإلقاء ~~بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي وقيل هو الإسراف ~~في الإنفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف وقيل هو أن يقتحم الحرب من غير ~~نكاية في العدو وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهم أبو أيوب وأخبر فيه ~~بالسبب وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية لاحتمال اللفظ ~~لها وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تناف فأما حمله على الرجل الواحد يحمل ~~على حلبة العدو فإن محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير أن رجلا لو حمل على ~~ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية فإن كان ~~لا يطمع في نجاة ولا نكاية فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف من غير ~~منفعة للمسلمين وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو ~~منفعة للمسلمين فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجرئ المسلمين ~~بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فيقتلون وينكون في العدو فلا ms0420 بأس بذلك إن شاء ~~الله لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر ~~بأسا أن يحمل عليهم فكذلك إذا طمع أن ينكى غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس ~~بذلك وأرجو أن يكون فيه مأجورا وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على ~~وجه من الوجوه وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا ~~بأس بذلك لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين والذي قال محمد من هذه ~~الوجوه صحيح لا يجوز غيره وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من تأول في حديث أبي ~~أيوب أنه ألقى بيده إلى التهلكة بحمله على العدو إذ لم يكن عندهم في ذلك ~~منفعة وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة عائدة على الدين ~~ولا على # PageV01P327 # المسلمين فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف ~~مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله [إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون] وقال [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون] وقال [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله] في نظائر ~~ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله وعلى ذلك ينبغي أن يكون ~~حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه ~~فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء قال الله تعالى [وأمر بالمعروف وانه ~~عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور] # وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أفضل ~~الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله) # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أفضل الجهاد ~~كلمة حق عند سلطان جائر) # وحدثنا محمد بن ms0421 بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن الجراح عن ~~عبد الله بن يزيد عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان ~~قال سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (شر ما في ~~الرجل شح هالع وجبن خالع) # وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين وإن أيقن ~~فيه بالتلف والله تعالى أعلم بالصواب. ### | باب العمرة هل هي فرض أم تطوع # قال الله تعالى [وأتموا الحج والعمرة لله] واختلف السلف في تأويل هذه ~~الآية # فروي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس قالوا إتمامهما أن تحرم بهما من ~~دويرة أهلك # وقال مجاهد إتمامهما بلوغ آخرهما بعد الدخول فيهما وقال سعيد بن جبير ~~وعطاء هو إقامتهما إلى آخر ما فيهما لله تعالى لأنهما واجبان كأنهما تأولا ~~ذلك على الأمر بفعلهما كقوله لو قال حجوا واعتمروا وروي عن ابن عمر وطاوس ~~قالا إتمامهما إفرادهما وقال قتادة إتمام العمرة الاعتمار في غير أشهر الحج ~~وروي عن علقمة في قوله تعالى [العمرة لله] قال لا تجاوز بها البيت وقد ~~اختلف السلف في وجوب العمرة فروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي ~~والشعبي أنها تطوع وقال مجاهد في قوله [وأتموا الحج والعمرة لله] قال ما ~~أمرنا به فيهما وقالت عائشة وابن عباس وابن عمر # PageV01P328 # والحسن وابن سيرين هي واجبة وروي نحوه عن مجاهد وروي عن طاوس عن أبيه قال ~~العمرة واجبة واحتج من أوجبها بظاهر قوله [وأتموا الحج والعمرة لله] قالوا ~~واللفظ يحتمل إتمامهما بعد الدخول فيهما ويحتمل الأمر بابتداء فعلهما ~~فالواجب حمله على الأمرين بمنزلة عموم يشتمل على مشتمل فلا يخرج منه شيء ~~إلا بدلالة قال أبو بكر ولا دلالة في الآية على وجوبها وذلك لأن أكثر ما ~~فيها الأمر بإتمامها وذلك إنما يقتضي نفي النقصان عنهما إذا فعلت لأن ضد ~~التمام هو النقصان لا البطلان ألا ترى أنك تقول للناقص إنه غير تام ولا ~~تقول مثله لما ms0422 لم يوجد منه شيء فعلمنا أن الأمر بالإتمام إنما اقتضى نفي ~~النقصان ولذلك # قال علي وعمر إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك # يعني الأبلغ في نفي النقصان الإحرام بهما من دويرة أهلك وإذا كان ذلك على ~~ما وصفنا كان تقديره أن لا يفعلهما ناقصين وقوله لا يفعلهما ناقصين لا يدل ~~على الوجوب لجواز إطلاق ذلك على النوافل ألا ترى أنك تقول لا تفعل الحج ~~التطوع ولا العمرة التطوع ناقصين ولا صلاة النفل ناقصة فإذا كان الأمر ~~بالإتمام يقتضي نفي النقصان فلا دلالة فيه إذا على وجوبها ويدل على صحة ذلك ~~أن العمرة التطوع والحج النفل مرادان بهذه الآية في النهي عن فعلهما ناقصين ~~ولم يدل ذلك على وجوبهما في الأصل وأيضا فإن الأظهر من لفظ الإتمام إنما ~~يطلق بعد الدخول فيه قال الله عز وجل [وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل] فأطلق عليه ~~لفظ الإتمام بعد الدخول # قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) # فأطلق لفظ الإتمام عليها بعد الدخول فيها ويدل على أن المراد إيجاب ~~إتمامهما بعد الدخول فيهما أن الحج والعمرة نافلتين يلزمه إتمامهما بعد ~~الدخول فيهما بالآية فكان بمنزلة قوله أتموهما بعد الدخول فيهما فغير جائز ~~إذا ثبت أن المراد لزوم الإتمام بعد الدخول حمله على الابتداء لتضاد ~~المعنيين ألا ترى أنه إذا أراد به الإلزام بالدخول انتفى أن يريد به ~~الإلزام قبل الدخول ناف لكونه واجبا بالدخول ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال ~~إن حجة الإسلام إنما تلزم بالدخول وإن صلاة الظهر متعلق لزومها بالدخول ~~فيها وهذا يدل على أنه غير جائز إرادة إيجابهما بالدخول وإيجابهما ابتداء ~~قبل الدخول فيهما فثبت بما وصفنا أنه لا دلالة في هذه الآية على وجوب ~~العمرة قبل الدخول فيها ومما يدل على # PageV01P329 # أنها ليست بواجبة ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (العمرة هي الحج الأصغر) # وروي عن عبد ms0423 الله بن شداد ومجاهد قالا العمرة هي الحج الأصغر وإذا ثبت أن ~~اسم الحج يتناول العمرة ثم ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن ~~أبي شيبة قالا حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان ~~الدؤلي عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة قال (بل مرة واحدة فمن زاد ~~فتطوع) # فلما سمى النبي صلى الله عليه وسلم العمرة في الخبر الأول حجا وقال ~~للأقرع الحج مرة واحدة فمن زاد فتطوع انتفى بذلك وجوب العمرة إذ كانت قد ~~تسمى حجا ويدل عليه ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال حدثنا أبو ~~عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال حدثنا عبد الرحمن بن سليمان عن حجاج بن ~~أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال سأل رجل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الصلاة والحج أواجب قال نعم وسأله عن العمرة أهي واجبة قال لا ~~ولأن تعتمر خير لك # ورواه أيضا عباد بن كثير عن محمد ابن المنكدر مثل حديث الحجاج وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا ابن الأصبهاني قال حدثنا ~~شريك وجرير وأبو الأحوص عن معاوية بن إسحاق عن أبي صالح قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (الحج جهاد والعمرة تطوع) # ويدل عليه أيضا # حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) # ومعناه أنه ناب عنها لأن أفعال العمرة موجودة في أفعال الحج وزيادة ولا ~~يجوز أن يكون المراد أن وجوبها كوجوب الحج لأنه حينئذ لا تكون العمرة بأولى ~~أن تدخل في الحج من الحج بأن يدخل في العمرة إذ هما ms0424 جميعا واجبان كما لا ~~يقال دخلت الصلاة في الحج لأنها واجبة كوجوب الحج ويدل عليه # حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين أحرموا بالحج أن ~~يحلوا منه بعمرة وأن سراقة بن مالك قال أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ~~فقال بل للأبد # ومعلوم أن هذه كانت عمل عمرة يحلل بها من إحرام الحج كما يتحلل الذي ~~يفوته الحج بعمل عمرة وهي غير مجزية عن فرض العمرة عند من يراها فرضا فدل ~~ذلك على أن العمرة غير مفروضة لأنها لو كانت مفروضة لما قال عمرتكم هذه ~~للأبد وفيه إخبار بأنه لا عمرة عليهم غيرها ويدل على أن ما يتحلل به من ~~إحرام # PageV01P330 # الحج ليس بعمرة أنه لو بقي الذي يفوته الحج على إحرامه حتى تحلل منه ~~بعمرة في أشهر الحرم وحج من عامه أنه لا يكون متمتعا ومما يحتج به لذلك من ~~طريق النظر بأن الفروض مخصوصة بأوقات يتعلق وجوبها بوجودها كالصلاة والصيام ~~والزكاة والحج فلو كانت العمرة فرضا لوجب أن تكون مخصوصة بوقت فلما لم تكن ~~مخصوصة بوقت كانت مطلقة له أن يفعلها متى شاء فأشبهت الصلاة التطوع والصوم ~~النفل فإن قيل إن الحج النفل مخصوص بوقت ولم يدل ذلك على وجوبه قيل له هذا ~~لا يلزم لأنا قلنا إن من شرط الفروض التي تلزم كل أحد في نفسه كونها مخصوصة ~~بأوقات وما ليس مخصوصا بوقت فليس بفرض وليس يمتنع على ذلك أن يكون بعض ~~النوافل مخصوصا بوقت وبعضها مطلق غير مخصوص بوقت فكل ما كان غير مخصوص بوقت ~~فهو نافلة وما هو مخصوص بوقت فعلى ضربين منه فرض ومنه نفل ومما يحتج به ~~أيضا من طريق الأثر ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا هشام بن ~~عمار قال حدثنا الحسن ابن يحيى الحسنى قال حدثنا عمر بن قيس قال حدثني طلحة ~~بن موسى عن عمه إسحاق بن طلحة عن طلحة بن عبد الله أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه ms0425 وسلم يقول الحج جهاد والعمرة تطوع # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن يحتر العطار قال حدثنا محمد بن بكر ~~قال حدثنا محمد بن الفضل ابن عطية عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج جهاد والعمرة تطوع # واحتج من رآها واجبة بما # روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(الحج والعمرة فريضتان واجبتان) # وبما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم لكم) # وأمره على الوجوب وبما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الإسلام فذكر الصلاة وغيرها ~~ثم قال وأن تحج وتعتمر # وبقول صبي بن معبد وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي قال ذلك لعمر فلم ينكر ~~عليه وقال له اجمعهما # وبحديث أبي رزين رجل من بني عامر أنه قال يا رسول الله إن أبي شيخ كبير ~~لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن قال (احجج عن أبيك واعتمر) # فأما حديث جابر في وجوب العمرة من طريق ابن لهيعة فهو ضعيف كثير الخطإ ~~يقال احترقت كتبه فعول على حفظه وكان سيئ الحفظ وإسناد حديث جابر الذي ~~رويناه في عدم وجوبها أحسن من إسناد حديث ابن لهيعة ولو تساويا لكان أكبر # PageV01P331 # أحوالهما أن يتعارضا فيسقطا جميعا ويبقى لنا حديث طلحة وابن عباس من غير ~~معارض فإن قال قائل ليس حديث الحجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر الذي رويته ~~في نفي الإيجاب بمعارض لحديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر في إيجابها لأن ~~حديث الحجاج وارد على الأصل وحديث ابن لهيعة ناقل عنه ومتى ورد خبر ان ~~أحدهما ناف والآخر مثبت فالمثبت منهما أولى وكذلك إذا كان أحدهما موجبا ~~والآخر غير موجب لأن الإيجاب يقتضي حظر تركه ونفيه لا حظر فيه ولخبر الحاظر ~~أولى من المبيح قيل له هذا لا يجب من قبل أن حديث ابن لهيعة في ms0426 إيجابها لو ~~كان ثابتا لورد النقل به مستفيضا لعموم الحاجة إليه ولوجب أن يعرفه كل من ~~عرف وجوب الحج إذ كان وجوبها كوجوب الحج ومن خوطب به فهو مخاطب بها فغير ~~جائز فيما كان هذا وصفه أن يكون وروده من طريق الآحاد مع ما في سنده من ~~الضعف ومعارضة غيره إياه وأيضا فمعلوم أن الروايتين وردتا عن رجل واحد فلو ~~كان خبر الوجوب متأخرا في التاريخ عن خبر نفيه لبينه جابر في حديثه ولقال ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة إنها تطوع ثم قال بعد ذلك إنها ~~واجبة إذ غير جائز أن يكون عنده الخبران جميعا مع علمه بتاريخهما فيطلق ~~رواية تارة بإيجاب وتارة بضده من غير ذكر تاريخ فدل ذلك على أن هذين ~~الخبرين وردا متعارضين وإنما يعتبر خبر المثبت والنافي على ما ذكرنا من ~~الاعتبار إذا وردت الروايتان من جهتين وأما حديث سمرة وقوله فاعتمروا فإنه ~~على الندب بالدلائل التي قدمنا فأما قوله حين سئل عن الإسلام فذكر الصلاة ~~وغيرها ثم قال وأن تحج وتعتمر فإن النوفل من الإسلام وكذلك كل ما يتقرب به ~~إلى الله تعالى لأنه من شرائعه وقد روي أن الإسلام بضع وسبعون خصلة منها ~~إماطة الأذى عن الطريق وأما قول صبي بن معبد لعمر وجدت الحج والعمرة ~~مكتوبين علي وسكوت عمر عنه وتركه النكير عليه فإنه إنما قال هما مكتوبان ~~على ولما يقل مكتوبتان على الناس فظاهره يقتضي أن يكون نذرهما فصارا ~~مكتوبين عليه بالنذر وأيضا فإنه إنما قاله تأويل منه للآية وفيه مساغ ~~للتأويل فلم ينكره عمر لاحتمالها له وهو بمنزلة قول القائل بوجوب العمرة ~~فلا يستحقون النكير إذ كان الاجتهاد سائغا فيه وأما # قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سئله عن الحج عن أبيه وقوله حج ~~عن أبيك واعتمر # فلا دلالة فيه على وجوبها لأنه لا خلاف أن هذا القول لم يخرج مخرج ~~الإيجاب إذ ليس عليه أن # PageV01P332 # يحج عن أبيه ولا أن يعتمر ومن الناس من يحتج ms0427 لإيجاب العمرة بقوله تعالى ~~[وافعلوا الخير] لأنها خير فظاهر اللفظ يقتضي إيجاب جميع الخير وهذا يسقط ~~من وجوه أحدها أنه يحتاج أن يثبت أن فعل العمرة مع اعتقاد وجوبها خيرا لأن ~~من لا يراها واجبة فغير جائز أن يفعلها على أنها واجبة ولو فعلها على هذا ~~الاعتقاد لم يكن ذلك خيرا كمن صلى تطوعا واعتقد فيه الفرض وآخر وهو أن قوله ~~[وافعلوا الخير] لفظ مجمل لاشتماله على المجمل الذي لا يلزم استعماله بورود ~~اللفظ ألا ترى أنه يدخل فيه الصلاة والزكاة والصوم وهذه كلها فروض مجملة ~~ومتى انتظم اللفظ ما هو مجمل فهو مجمل يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل من ~~غيره ووجه آخر وهو أن الخير بالألف واللام لفظ جنس لا يمكن استغراقه ~~فيتناول أدنى ما يقع عليه الاسم كقولك إن شربت الماء وتزوجت النساء فإذا ~~فعل أدنى ما يسمى به فقد قضى عهدة اللفظ وأيضا فقد علمنا مع ورود اللفظ أن ~~المراد البعض لتعذر استيعاب الكل فصار كقوله افعلوا بعض الخير فيحتاج إلى ~~بيان في لزوم الأمر واحتج من أوجبها بأنا لم نجد شيئا يتطوع به إلا وله أصل ~~في الفرض فلو كانت العمرة تطوعا لكان لها أصل في الفرض فيقال له العمرة ~~إنما هي الطواف والسعي ولذلك أصل في الفرض فإن قيل لا يوجد طواف وسعي مفردا ~~فرضا غير العمرة وإنما يوجد ذلك في الفرض تابعا قيل له قد يتطوع بالطواف ~~بالبيت وإن لم يكن له أصل في الفرض مفردا فكذلك العمرة يتطوع بها إذ كانت ~~طوافا وسعيا وإن لم يكن لها أصل في الفرض واحتج الشافعي بأنه لما جاز الجمع ~~بينها وبين الحج دل على أنها فرض لأنها لو كانت تطوعا ما جاز أن يعمل مع ~~عمل الحج كما لا يجمع بين صلاتين إحداهما فرض والأخرى تطوع ويجمع بين أربعة ~~ركعات فرض قال أبو بكر وهذه قضية فاسدة يبطل عليه القول بوجوب العمرة لأنه ~~يقال له لما جاز الجمع بينهما ولم يجز بين صلاتي فرض دل ms0428 على أنها ليست بفرض ~~وأما قوله ويجمع بين عمل أربع ركعات فإن الأربع كلها صلاة واحدة كالحج ~~الواحد المشتمل على سائر أركانه وكالطواف الواحد المشتمل على سبعة أشواط ~~وهو مع ذلك منتقض على أصله لأنه لو اعتمر ثم حج حجة الفريضة وقرن معها عمرة ~~كانت العمرة تطوعا والحج فرضا فقد صح الجمع بين الفرض والنفل في الحج ~~والعمرة فانتقض بذلك استدلال من استدل بجواز جمعها إلى الحج على وجوبها ~~واحتج الشافعي أيضا بأنه لما جعل لها ميقات كميقات # PageV01P333 # الحج دل على أنها فرض فيقال له إذا اعتمر عمرة الفريضة ورجع إلى أهله ثم ~~أراد أن يرجع للعمرة كان لها ميقات كميقات الحج وهي تطوع فشرط الميقات ليس ~~بدلالة على الوجوب وكذلك الحج التطوع له ميقات كميقات الواجب واحتج أيضا ~~بوجوب الدم على القارن ولم يبين منه وجه الدلالة على الوجوب ولكن ادعى دعوى ~~عارية من البرهان ومع ذلك فإنه منتقض لأنه لو قرن حجة فريضة مع عمرة تطوع ~~لكان عليه دم فكذلك لو جمع بينهما وهما نافلتان لوجب الدم قوله تعالى [فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي] # قال الكسائي وأبو عبيدة وأكثر أهل اللغة الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب ~~النفقة والحصر حصر العدو ويقال أحصره المرض وحصره العدو وحكي عن الفراء أنه ~~أجاز كل واحد منهما مكان الآخر وأنكره أبو العباس المبرد والزجاج وقال هما ~~مختلفان في المعنى ولا يقال في المرض حصره ولا في العدو أحصره قالا وإنما ~~هذا كقولهم حبسه إذا جعله في الحبس وأحبسه أي عرضه للحبس وقتله أوقع به ~~القتل وأقتله أي عرضه للقتل وقبره دفنه في القبر وأقبره عرضه للدفن في ~~القبر وكذلك حصره حبسه وأوقع به الحصر وأحصره عرضه للحصر وروى ابن أبي نجيح ~~عن عطاء عن ابن عباس قال لا حصر إلا حصر عدو فأما من حبسه الله بكسر أو مرض ~~فليس بحصر فأخبر ابن عباس أن الحصر يختص بالعدو وأن المرض لا يسمى حصرا ~~وهذا موافق لقول من ذكرنا قولهم # من أهل ms0429 اللغة في معنى الاسم ومن الناس من يظن أن هذا يدل من قوله على أن ~~المريض لا يجوز له أن يحل ولا يكون محصرا وليس في ذلك دلالة على ما ظن لأنه ~~إنما أخبر عن معنى الاسم ولم يخبر عن معنى الحكم فأعلم أن اسم الإحصار يختص ~~بالمرض والحصر يختص بالعدو وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء ~~روي عن ابن مسعود وابن عباس العدو والمرض سواء يبعث بدم ويحل به إذا نحر في ~~الحرم وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والثاني قول ابن ~~عمران المريض لا يحل ولا يكون محصرا إلا بالعدو وهو قول مالك والليث ~~والشافعي والثالث قول ابن الزبير وعروة بن الزبير إن المرض والعدو سواء لا ~~يحل إلا بالطواف ولا نعلم لهما موافقا من فقهاء الأمصار قال أبو بكر ولما ~~ثبت بما قدمته من قول أهل اللغة أن اسم الإحصار يختص بالمرض وقال الله [فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي] وجب أن يكون اللفظ مستعملا فيما هو حقيقة # PageV01P334 # فيه وهو المرض ويكون العدو داخلا فيه بالمعنى فإن قيل فقد حكي عن الفراء ~~أنه أجاز فيهما لفظ الإحصار قيل له لو صح ذلك كانت دلالة الآية قائمة في ~~إثباته في المرض لأنه لم يدفع وقوع الاسم على المرض وإنما أجازه في العدو ~~فلو وقع الاسم على الأمرين لكان عموما فيهما موجبا للحكم في المريض ~~والمحصور بالعدو جميعا فإن قيل لم تختلف الرواة أن هذه الآية نزلت في شأن ~~الحديبية وكان النبي صلى الله عليه سلم وأصحابه ممنوعين بالعدو فأمرهم الله ~~بهذه الآية بالإحلال من الإحرام فدل على أن المراد بالآية هو العدو قيل له ~~لما كان سبب نزول الآية هو العدو ثم عدل عن ذكر الحصر وهو يختص بالعدو إلى ~~الإحصار الذي يختص بالمرض دل ذلك على أنه أراد إفادة الحكم في المرض ~~ليستعمل اللفظ على ظاهره ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~بالإحلال وحل هو دل على أنه أراد ms0430 حصر العدو من طريق المعنى لا من جهة اللفظ ~~فكان نزول الآية مفيدا للحكم في الأمرين ولو كان مراد الله تعالى تخصيص ~~العدو بذلك دون المرض لذكر لفظا يختص به دون غيره ومع ذلك لو كان اسما ~~للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبا للاقتصار بحكمه عليه بل كان الواجب ~~اعتبار عموم اللفظ دون السبب يدل عليه من جهة السنة ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ~~حجاج الصواف قال حدثني يحيى بن أبي كثير عن عكرمة قال سمعت الحجاج بن عمرو ~~الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كسر أو عرج فقد حل وعليه ~~الحج من قابل # قال عكرمة فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا صدق ومعنى قوله فقد حل فقد ~~جاز له أن يحل كما يقال حلت المرأة للزوج يعني جاز لها أن تتزوج فإن قيل ~~روى حماد وابن زيد عن أيوب عن عكرمة أنه قال في المحصر يبعث بالهدي فإذا ~~بلغ الهدي محله حل وعليه الحج من قابل وقال لقد رضي الله سبحانه بالقصاص من ~~عباده ويأخذ منهم العدو أن عليه حج مكان حج وإحرام مكان إحرام فزعم هذا ~~القائل أنه لو كان عند عكرمة هذا الحديث لما كان قال يبعث بالهدي ولقال يحل ~~كما روي في الخبر وهذا القائل إنما غلط حين ظن أن المعنى في قوله حل وقوع ~~الإحلال بنفس الإحصار وليس هو كما ظن وإنما معناه أنه جاز له أن يحل كما ~~ذكرنا مثله فيما يطلقه الناس من قولهم حلت المرأة للأزواج يريدون به قد جاز ~~له أن تحل بالتزويج ويدل عليه من جهة النظر أن المحصر بالعدو لما جاز له ~~الإحلال لتعذر وصوله إلى البيت وكان ذلك # PageV01P335 # موجودا في المرض وجب أن يكون بمنزلته وفي حكمه ألا ترى أنه متى لم يتعذر ~~وصوله إلى البيت بمنع العدو لم يجز له أن يحل فدل ذلك على أن المعنى فيه ~~تعذر وصوله إلى ms0431 البيت ويدل على ذلك موافقة مخالفينا إيانا على أن المرأة ~~إذا منعها زوجها من حجة التطوع بعد الإحرام جاز لها الإحلال وكانت بمنزلة ~~المحصر مع عدم العدو وكذلك من حبس في دين أو غيره فتعذر عليه الوصول إلى ~~البيت كان في حكم المحصر فكذلك المريض ويدل عليه أن سائر الفروض لا يختلف ~~حكمها في كون المنع منها بالعدو أو المرض ألا ترى أن الخائف جائز له فعل ~~الصلاة بالإيماء أو قاعدا إذا تعذر عليه فعلها قائما كما يجوز ذلك للمريض ~~فكذلك المضي في الإحرام واجب أن لا يختلف حكمه عند تعذر الوصول إلى البيت ~~لمرض كان ذلك أو لخوف عدو وكذلك هذا في استقبال القبلة إذا كان خائفا أو ~~مريضا وكذلك من عدم الماء أو كان مريضا ومن لا يجد ما يحتمل به للجهاد ومن ~~كان مريضا لم يختلف حكم الإعذار في سقوط الفرض كذلك ينبغي أن لا يختلف ~~حكمها في باب سقوط فرض المضي على الإحرام وجواز الإحلال منه والمعنى في ~~الجميع تعذر الفعل فإن قيل لما قال تعالى [فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي] ~~ثم عقب ذلك بقوله [فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو ~~صدقة] دل ذلك من وجهين على أن المريض غير مراد بذكر الإحصار لأنه لو كان ~~كذلك لما استأنف له ذكرا مع كونه في أول الخطاب والوجه الآخر أنه لو كان ~~مرادا به لكان يحل بذلك الدم ولم يكن يحتاج إلى فدية قيل له لما قال الله ~~تعالى [ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله] منعه الإحلال مع وجود ~~الإحصار إلى وقت بلوغ الهدى محله وهو ذيحه في الحرم فأبان عن حكم المريض ~~قبل بلوغ الهدي محله وأباح له حلق الرأس مع إيجاب الفدية ووجه آخر وهو أنه ~~ليس كل مرض يمنع الوصول إلى البيت ألا ترى # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة (أتؤذيك هوام رأسك) قال ~~نعم فأنزل الله الآية # ولم تكن هوام ms0432 رأسه مانعته من الوصول إلى البيت فرخص الله له في الخلق ~~وأمره بالفدية وكذلك المرض المذكور في الآية جائز أن يكون المرض الذي ليس ~~معه إحصار والله سبحانه إنما جعل المرض إحصارا إذا منع الوصول إلى البيت ~~فليس في ذكره حكم المريض بما وصف ما يمنع كون المرض إحصارا ووجه آخر وهو ~~قوله [فمن كان منكم مريضا] يجوز أن يكون عائدا # PageV01P336 # إلى أول الخطاب كما عاد إليه حكم الإحصار وهو قوله [وأتموا الحج والعمرة ~~لله] ثم عطف عليه قوله [فإن أحصرتم] فبين حكمهم إذا أحصروا ثم عقبه بقوله ~~[فمن كان منكم مريضا] يعنى أيها المحرمون بالحج والعمرة فبين حكمهم إذا ~~مرضوا قبل الإحصار كما بين حكمهم عند الإحصار فليس إذا في قوله [فمن كان ~~منكم مريضا] دلالة على أن المرض لا يكون إحصارا فإن قيل لما قال في سياق ~~الآية [فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] دل على أن مراده العدو ~~المخوف لأن الأمن يقتضي الخوف قيل له ما الذي يمنع أن يكون المراد الأمن ~~ضرر المرض المخوف ولم جعلته مخصوصا بالعدو دون المرض والأمن والخوف موجودان ~~فيهما وقد روي عن عروة بن الزبير في قوله [فإذا أمنتم] يعني إذا أمنت من ~~كسرك ووجعك فعليك أن تأتي البيت فإن قيل الفرق بين العدو والمرض أن المحصر ~~بعدو إن لم يمكنه أن يتقدم أمكنه الرجوع والمريض لا يختلف حاله في التقدم ~~والرجوع قيل له فهذا أحرى أن يكون محصرا لتعذر الأمرين عليه فهو أعذر ممن ~~يمكنه الرجوع وإن تعذر عليه المضي للخوف ويقال أيضا ما تقول في المحصر ~~بالعدو إذا كان محيطا به ولم يمكنه الرجوع ولا التقدم أليس جائزا له ~~الإحلال بلا خلاف بين الفقهاء فقد انتقضت علتك في الفرق بينهما ومع ذلك فقد ~~قال الشافعي في المحرمة إذا منعها زوجها والمحبوس إنهما محصران وجائز لهما ~~الإحلال وحال التقدم والرجوع لهما سواء لأنهما ممنوعان من الأمرين وزعم ~~الشافعي أن الفرق بين المريض والخائف أن الله تعالى قد أباح للخائف ms0433 في ~~القتال أن يتحيز إلى فئة فينتقل بذلك من الخوف إلى الأمن فيقال له وكذلك قد ~~أباح للمريض ترك القتال رأسا بقوله [ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا ~~على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج] فكانت رخصة المريض أوسع من رخصة الخائف ~~لأن الخائف غير معذور في ترك حضور القتال والمريض معذور فيه وإنما عذر ~~الخائف أن يتحيز إلى فئة ولم يعذر في ترك القتال رأسا فالمريض أولى بالعذر ~~في الإحلال من إحرامه قال الشافعي فلما قال الله تعالى [وأتموا الحج ~~والعمرة لله] ثم قال في شأن المحصر الخائف ما قال وجب أن لا يزول فرض تمام ~~الحج والعمرة إلا عن الخائف فيقال له الذي قال [وأتموا الحج والعمرة لله] ~~هو الذي قال [فإن أحصرتم] وهو عموم في الخائف وغيره فلا يخرج شيء منه إلا ~~بدلالة فما الدلالة على تخصيصه بالخائف دون غيره وقد # PageV01P337 # نقضت ذلك بإطلاقك للمرأة الإحلال إذا منعها زوجها وليست بخائفة وكذلك ~~المحبوس لا يخاف القتل وقال المزني جعل الإحلال رخصة للخائف من العدو ولا ~~يشبه به غير غيره كما جعل المسح على الخفين خاصا لا يشبه به القفازين فيقال ~~له إن كان المعنى فيه أنه رخصة فينبغي أن لا يقاس على شيء من الرخص فإذا ~~رخص النبي صلى الله عليه وسلم الاستنجاء بالأحجار وجب أن لا يشبه به غيره ~~في جواز الاستنجاء بالخرق والخشب ولما كان حلق الرأس من أذى رخصة وجب أن لا ~~يشبه به الأذى في البدن في إباحة الحلق والفدية ويلزمه أن لا يشبه بالخائف ~~المحبوس والمرأة إذا منعها زوجها وجميع ما ذكرنا ينقض اعتلاله. # (فصل) قال أبو بكر رضي الله عنه والإحصار من الحج والعمرة سواء وحكي عن ~~محمد بن سيرين أن الإحصار يكون من الحج دون العمرة وذهب إلى أن العمرة غير ~~موقتة وأنه لا يخشى الفوات # وقد تواترت الأخبار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان محرما بالعمرة عام ~~الحديبية وأنه أحل من عمرته بغير طواف ثم قضاها في ms0434 العام القابل في ذي ~~القعدة وسميت عمرة القضاء # وقال الله تعالى [وأتموا الحج والعمرة لله- ثم قال- فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي] وذلك حكم عائد إليهما جميعا وغير جائز الاقتصار على ~~أحدهما دون الآخر لما فيه من تخصيص حكم اللفظ بغير دلالة وقوله تعالى [فما ~~استيسر من الهدي] قال أبو بكر قد اختلف السلف في ذلك فروي عن عائشة وابن ~~عمر أنهما قالا لا يكون الهدي إلا من الإبل والبقر وقال ابن عباس شاة ~~واختلف فقهاء الأمصار فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ~~والشافعي الهدي من الأصناف الثلاثة الإبل والبقر والغنم وهو قول ابن شبرمة ~~قال ابن شبرمة والبدن من الإبل خاصة وقال أصحابنا والشافعي من الإبل والبقر ~~واختلفوا في السن فقال أصحابنا والشافعي لا يجز في الهدي من الإبل والبقر ~~والغنم إلا الثني فصاعدا إلا الجذع من الضأن فإنه يجزي وقال مالك لا يجزي ~~من الهدي إلا الثني فصاعدا وقال الأوزاعي يهدي الذكور من الإبل ويجوز الجذع ~~من الإبل والبقر ويجزي كل واحد منهما عن سبعة قال أبو بكر الهدي اسم لما ~~يهدى إلى البيت على وجه التقرب به إلى الله تعالى وجائز أن يسمى به ما يقصد ~~به الصدقة وإن لم يهد إلى البيت # قال النبي صلى الله عليه وسلم (المبكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي ~~يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم ~~الذي يليه كالمهدي بيضة) # فسمى الدجاجة # PageV01P338 # والبيضة هديا وإن لم يرد به إهداءه إلى البيت وإنما أراد به الصدقة ~~وإخراجها مخرج القربة ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لله علي أن أهدي ثوبي هذا ~~أو داري هذه أن عليه أن يتصدق به واتفق الفقهاء على أن ما عدا هذه الأصناف ~~الثلاثة من الإبل والبقر والغنم ليس من الهدي المراد بقوله [فما استيسر من ~~الهدي] واختلفوا فيما أريد به منها على ما ذكرنا وظاهر الآية يقتضي دخول ~~الشاة فيه لوقوع الاسم عليها ولم يختلفوا في معنى قوله ms0435 [هديا بالغ الكعبة] ~~أن الشاة منه وأنه يكون هديا في جزاء الصيد # وروى إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى غنما ~~مرة # وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال كان فيما أهدى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غنم مقلدة # فإن قيل الرواية عن عائشة في هدي الغنم لا يصح لأن القاسم قد روى عنها ~~أنها كانت لا ترى الغنم مما يستيسر من الهدي قيل له إنما معناه أنه لا يصير ~~محرما بها وأن هدي الإبل والبقر يوجب الإحرام إذا أراده وقلدهما وأما ~~اعتبار الثني فلما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أبي بردة بن نيار حين ضحى قبل ~~الصلاة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادتها فقال عندي جذعة من المعز ~~خير من شاتي لحم فقال تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك # فمنع الجذع في الأضحية والهدي مثلها لأن أحدا لم يفرق بينهما وإنما ~~أجازوا الجذع من الضأن لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بأن يضحى بالجذع من الضأن # إذا فرض له ستة أشهر وقد بينا ذلك في شرح المختصر وقد اختلفوا في جواز ~~الشركة في دم الهدايا الواجبة فقال أصحابنا والشافعي تجوز البدنة عن سبعة ~~والبقرة عن سبعة وقال مالك يجوز ذلك في التطوع ولا يجزي في الواجب # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل يوم الحديبية البدنة عن ~~سبعة والبقرة عن سبعة # وتلك كانت واجبة لأنها كانت عن إحصار ولما اتفقوا على جوازها عن سبعة في ~~التطوع كان الواجب مثله لأنهما لا يختلفان في الجواز في سائر الوجوه ويدل ~~عليه قوله [فما استيسر من الهدي] ظاهره يقتضي التبعيض فوجب أن يجزي بعض ~~الهدي بحق الظاهر والله أعلم. ### | باب المحصر أين يذبح الهدي # قال الله تعالى [ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله] واختلف السلف في ~~المحل ما هو فقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن ~~وابن ms0436 سيرين هو الحرم وهو قول أصحابنا والثوري وقال مالك والشافعي محله ~~الموضع الذي أحصر # PageV01P339 # فيه فيذبحه ويحل والدليل على صحة القول الأول أن المحل اسم لشيئين يحتمل ~~أن يراد به الوقت ويحتمل أن يراد به المكان ألا ترى أن محل الدين هو وقته ~~الذي تجب المطالبة به # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير (اشترطي في الحج وقولي ~~محلي حيث حبستني) # فجعل المحل في هذا الموضع اسما للمكان فلما كان محتملا للأمرين ولم يكن ~~هدي الإحصار في العمرة موقنا عند الجميع وهو لا محالة مراد بالآية وجب أن ~~يكون مراده المكان فاقتضى ذلك أن لا يحل حتى يبلغ مكانا غير مكان الإحصار ~~لأنه لو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا محله بوقوع الإحصار ولأدى ~~ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية فدل ذلك على أن المراد بالمحل هو ~~الحرم لأن كل من لا يجعل موضع الإحصار محلا للهدي فإنما يجعل المحل الحرم ~~ومن جعل محل الهدي موضع الإحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناها ومن جهة ~~أخرى وهو أن قوله [وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم- إلى قوله- لكم ~~فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق] ودلالته على صحة قولنا ~~في المحل من وجهين أحدهما عمومه في سائر الهدايا والآخر ما فيه من بيان ~~معنى المحل الذي أجمل ذكره في قوله [حتى يبلغ الهدي محله] فإذا كان الله قد ~~جعل المحل البيت العتيق فغير جائز لأحد أن لا يجعل المحل غيره ويدل عليه ~~قوله في جزاء الصيد [هديا بالغ الكعبة] فجعل بلوغ الكعبة من صفات الهدي فلا ~~يجوز شيء منه دون وجوده فيه كما أنه لما قال في الظهار وفي القتل [فصيام ~~شهرين متتابعين] فقيدهما بفعل التتابع لم يجز فعلهما إلا على هذا الوجه ~~وكذلك قوله [فتحرير رقبة مؤمنة] لا يجوز إلا على الصفة المشروطة وكذلك قال ~~أصحابنا في سائر الهدايا التي تذبح إنها لا تجوز إلا في الحرم ويدل عليه ~~أيضا قوله في سياق الخطاب ms0437 بعد ذكر الإحصار [فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك] فأوجب على المحصر دما ونهاه عن ~~الحلق حتى يذبح هديه فلو كان ذبحه في الحل جائز الذبح صاحب الأذى هديه عن ~~الإحصار وحل به واستغنى عن فدية الأذى فدل ذلك على أن الحل ليس بمحل الهدي ~~فإن قيل هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار قيل له لا يجوز أن يكون ذلك خطابا ~~فيمن لا يجد الدم لأنه خيره بين الصيام والصدقة والنسك ولا يكون مخيرا بين ~~الأشياء الثلاثة إلا وهو واجد لها لأنه لا يجوز التخيير بين ما يجد وبين ما ~~لا يجد فثبت بذلك أن محل الهدى هو # PageV01P340 # الحرم دون محل الإحصار ومن جهة النظر لما اتفقوا في جزاء الصيد أن محله ~~الحرم وأنه لا يجزي في غيره وجب أن يكون كذلك حكم كل دم تعلق وجوبه ~~بالإحرام والمعنى الجامع بينهما تعلق وجوبهما بالإحرام فإن قيل قال الله ~~تعالى [هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ ~~محله] وذلك في شأن الحديبية وفيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه نحروا هديهم في غير الحرم لولا ذلك لكان بالغا محله قيل له هذا من ~~أدل شيء على أن محله الحرم لأنه لو كان موضع الإحصار هو الحل محلا للهدي ~~لما قال [والهدي معكوفا أن يبلغ محله] فلما أخبر عن منعهم الهدي عن بلوغ ~~محله دل ذلك على أن الحل ليس بمحل له وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في ~~المسألة فإن قيل فإن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ذبحوا الهدي ~~في الحل فما معنى قوله [والهدي معكوفا أن يبلغ محله] قيل له لما حصل أدنى ~~منع جاز أن يقال إنهم منعوا وليس يقتضي ذلك أن يكون أبدا ممنوعا ألا ترى أن ~~رجلا لو منع رجلا حقة جاز أن يقال منعه حقه كما يقال حبسه ولا يقتضي ذلك أن ~~يكون أبدا محبوسا فلما ms0438 كان المشركون منعوا الهدي بديا من الوصول إلى الحرم ~~جاز إطلاق الاسم عليهم بأنهم منعوا الهدي عن بلوغ محله وإن أطلقوا ألا ترى ~~أنه قد وصف المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام وإن كانوا قد أطلقوا ~~لهم بعد ذلك الوصول إليه في العام القابل وقال الله عز وجل [قالوا يا أبانا ~~منع منا الكيل] وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر فكذلك منعوا الهدي ~~بديا ثم لما وقع الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم أطلقوه حتى ~~ذبحه في الحرم وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ساق البدن ليذبحها بعد ~~الطواف بالبيت فلما منعوه من ذلك قال الله تعالى [والهدي معكوفا أن يبلغ ~~محله] لقصوره عن الوقت # المقصود فيه ذبحه ويحتمل أن يريد به المحل المستحب فيه الذبح وهو عند ~~المروة أو بمنى فلما منع ذلك أطلق ما فيه ما وصفت وقد ذكر المسور بن مخرمة ~~ومروان بن الحكم أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم وأن مضرب النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان في الحل ومصلاه كان في الحرم فإذا أمكنه أن يصلي في ~~الحرم فلا محالة قد كان الذبح ممكنا فيه # وقد روي أن ناجية بن جندب الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم ابعث معي ~~الهدي حتى آخذ به في الشعاب والأودية فأذبحها بمكة ففعل # وجائز أن يكون بعث معه بعضه ونحر هو بعضه في الحرم والله أعلم. # PageV01P341 ### | باب وقت ذبح هدي الإحصار # قال الله تعالى [فما استيسر من الهدي] ولم يختلف أهل العلم ممن أباح ~~الإحلال بالهدي أن ذبح هدي العمرة غير موقت وأن له أن يذبحه متى شاء ويحل ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محصرين بالحديبية وكانوا محرمين ~~بالعمرة فحلوا منها بعد الذبح وكان ذلك في ذي العقدة واختلفوا في هدي ~~الإحصار في الحج فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي له أن يذبحه متى شاء ويحل ~~قبل يوم النحر وقال أبو يوسف والثوري ومحمد لا يذبح قبل يوم النحر ms0439 وظاهر ~~قوله [فما استيسر من الهدي] يقتضي جوازه غير موقت وفي إثبات التوقيت تخصيص ~~اللفظ وذلك غير جائز إلا بدليل فإن قيل لما قال تعالى [ولا تحلقوا رؤسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله] والمحل اسم يقع على التوقيت وجب أن يكون موقتا قيل له ~~قد بينا أن المحل اسم للموضع وإن كان قد يقع على الوقت فقد اتفق الجميع على ~~أن المكان مراد بذكر المحل فإذا بلغ الحرم وذبح جاز بظاهر الآية وحينئذ ~~يصير شرط الوقت زيادة فيه لأن أكثر أحواله أن يكون الاسم لما تناولهما ~~جميعا فواجب أن يجزي بأيهما وجد لأنه جعل بلوغ المحل غاية الإحرام وقد وجد ~~بذبحه في الحرم ولما قال تعالى [والهدي معكوفا أن يبلغ محله] وكان هذا ~~المحل هو الحرم ثم قال في هذه القصة بعينها [حتى يبلغ الهدي محله] وجب أن ~~يكون هو المحل المذكور في الآية الأخرى وهو الحرم ومما يدل على أنه غير ~~موقت أن قوله عز وجل [فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي] عائد إلى الحج ~~والعمرة والمبدوء بذكرهما في قوله [وأتموا الحج والعمرة لله] والهدي ~~المذكور للحج هو المذكور للعمرة واتفق الجميع على أنه لم يرد به التوقيت ~~للعمرة فكذلك الحج إذ قد أريد باللفظ الإطلاق ويدل عليه أيضا قوله تعالى ~~[حتى يبلغ الهدي محله] والمراد بمحله للعمرة هو الحرم دون الوقت فصار ~~كالمنطوق به فيه فاقتضى ذلك جواز ذبحه في الحرم أي وقت شاء في العمرة فكذلك ~~هو للحج وأيضا لما كان الإطلاق قد تناول العمرة لم يجز أن يكون مقيدا للحج ~~لأنه دخل فيهما على وجه واحد بلفظ واحد فغير جائز أن يراد في بعض ما انتظمه ~~اللفظ الوقت وفي بعضه المكان كما لا يجوز أن يريد بقوله [السارق والسارقة] ~~في بعضهم سارق العشرة وفي بعضهم سارق ربع دينار ويدل على ذلك من جهة السنة # حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو # PageV01P342 # عرج فقد حل وعليه الحج من قابل # ومعناه فقد ms0440 جاز له أن يحل إذ لا خلاف أنه لا يحل بالكسر والعرج ويدل عليه # حديث ضباعة بنت الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها اشترطي وقولي ~~إن محلي حيث حبستني # ومعنى ذلك إعلامها أن ذلك محلها بدلالة الأصول أن موجب الإحرام لا ينتفي ~~بالشرط ثم لم يوقت المحل ويحتج له من جهة النظر باتفاق الجميع على أن ~~العمرة التي تحلل بها عند الفوات لا وقت لها إذا وجبت كذلك هذا الدم لما ~~وجب عند الإحصار وجب أن يكون غير موقت لأنه يقع به إحلال على وجه الفسخ ~~كعمرة الفوات قوله تعالى [ولا تحلقوا رؤسكم] هو نهي عن حلق الرأس في ~~الإحرام للحاج والمعتمر جميعا لأنه معطوف على قوله [وأتموا الحج والعمرة ~~لله] وقد اقتضى حظر حلق بعضنا رأس بعض وحلق كل واحد رأس نفسه لاحتمال اللفظ ~~للأمرين كقوله تعالى [ولا تقتلوا أنفسكم] اقتضى النهي عن قتل كل واحد منا ~~لنفسه ولغيره فيدل ذلك على أن المحرم محظور عليه حلق رأس غيره ومتى فعله ~~لزمه الجزاء ويدل على أن الذبح مقدم على الحلق في القران والتمتع لأنه عموم ~~في كل من عليه حلق وهدي في وقت واحد فيحتج فيمن حلق قبل أن يذبح أن عليه ~~دما لمواقيته المحظور في تقديم الحلق على الهدي وقد اختلفوا في المحصر هل ~~عليه حلق أم لا فقال أبو حنيفة ومحمد لا حلق عليه وقال أبو يوسف في إحدى ~~الروايتين يحلق فإن لم يحلق فلا شيء عليه وروي عنه أنه لا بد من الحلق ولم ~~يختلفوا في المرأة تحرم تطوعا بغير إذن زوجها والعبد يحرم بغير إذن مولاه ~~أن للزوج والمولى أن يحللاهما بغير حلق ولا تقصير وذلك بأن يفعل بهما أدنى ~~ما يحظره الإحرام من طيب أو لبس وهذا يدل على أن الحلق غير واجب على المحصر ~~لأن هذين بمنزلة المحصر وقد جاز لمن يملك إحلالهما أن يحللهما بغير حلق ولو ~~كان الحلق واجبا وهو ممكن لكان عليه أن يحلل العبد بالحلق والمرأة ms0441 بالتقصير ~~وأيضا فالحلق إنما ثبت نسكا مرتبا على قضاء المناسك ولم يثبت على غير هذا ~~الوجه فغير جائز إثباته نسكا إلا عند قيام الدلالة إذ قد ثبت أن الحلق في ~~الأصل ليس بنسك ويقاس بهذه العلة على العبد والمرأة أن المولى والزوج لما ~~جاز لهما إحلال العبد والمرأة بغير حلق ولا تقصير إذا لم يفعلا سائر ~~المناسك التي رتب عليها الحلق وجب أن يجوز لسائر المحصرين الإحلال بغير حلق ~~لهذه العلة ويدل على ذلك أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حين أمرها برفض العمرة قبل استيعاب ~~أفعالها انقضي # PageV01P343 # رأسك وامتشطي ودعي العمرة واغتسلي وأهلي بالحج # فلم يأمرها بالحلق ولا بالتقصير حين لم تستوعب أفعال العمرة فدل ذلك على ~~أن من جاز له الإحلال من إحرامه قبل قضاء المناسك فليس عليه الإحلال بالحلق ~~وفيه دليل على أن الحلق مرتب على قضاء المناسك كترتيب سائر أفعال المناسك ~~بعضها على بعض وقد احتج محمد لذلك بأنه لما سقط عنه سائر المناسك سقط الحلق ~~ويحتمل ذلك من قوله وجهين أحدهما أن يكون مراده المعنى الذي ذكرنا أن الحلق ~~مرتب على قضاء المناسك فلما سقط عنه سائر المناسك سقط الحلق ويحتمل أنه لما ~~كان الحلق إذا وجب في الإحرام كان نسكا وقد سقط عن المحصر سائر المناسك وجب ~~أن يسقط عنه الحلق فإن قيل إنما سقط عنه سائر المناسك لتعذر فعلها والحلق ~~غير متعذر فعليه فعله قيل له هذا غلط لأن المحصر لو أمكنه الوقوف بالمزدلفة ~~ورمي الجمار ولم يمكنه الوصول إلى البيت ولا الوقوف بعرفة لا يلزمه الوقوف ~~بالمزدلفة ولا رمي الجمار مع إمكانهما لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما ~~كذلك لما كان الحلق مرتبا على أفعال أخر لم يكن فعله قبلهما نسكا فقد سقط ~~بما ذكرنا اعتراض السائل لوجودنا مناسك يمكنه فعلها ولم تلزمه مع ذلك عند ~~كونه محصرا فإن احتج محتج لأبى يوسف بقوله [ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله] فجعل بلوغه محله غاية لزوال الحظر وواجب أن يكون حكم ms0442 الغاية ~~بضد ما قبلها فيكون تقديره ولا تلحقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فإذا بلغ ~~فاحلقوا وذلك يقتضي وجوب الحلق قيل له هذا غلط لأن الإباحة هي ضد الحظر كما ~~أن الإيجاب ضده فليست في صرفه إلى أحد الضدين وهو الإيجاب بأولى من الآخر ~~وهو الإباحة وأيضا فإن ارتفاع الحظر غير موجب لفعل ضده على جهة الإيجاب ~~وإنما الذي يقتضيه زوال الحظر بقاء الشيء على ما كان عليه قبله فيكون ~~بمنزلته قبل الإحرام فإن شاء حلق وإن شاء ترك ألا ترى أن زوال حظر البيع ~~بفعل الجمعة وزوال حظر الصيد بالإحلال لم يقتض إيجاب البيع ولا الاصطياد ~~وإنما اقتضى إباحتهما ويحتج لأبي يوسف # بقول النبي صلى الله عليه وسلم (رحم الله المحلقين ثلاثا ودعا للمقصرين ~~مرة) # وذلك في عمرة الحديبية عند الإحصار فدل ذلك على أنه نسك وإذا كان نسكا ~~وجب فعله كما يجب عند قضاء المناسك لغير المحصر والجواب أن أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم اشتد عليهم الحلق والإحلال قبل الطواف بالبيت # فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال # PageV01P344 # توقفوا رجاء أن يمكنهم الوصول وعاد عليهم القول ثم إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بدأ فنحر هديه وحلق رأسه فلما رأوه كذلك حلق بعض وقصر بعض فدعا ~~للمحلقين لمبالغتهم في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ومسارعتهم إلى أمره ~~ولما قيل له يا رسول الله دعوت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة فقال إنهم لم ~~يشكوا # ومعنى ذلك أنهم لم يشكوا أن الحلق أفضل من التقصير فاستحقوا من الثواب ~~بعلمهم لذلك ما لم يستحقه الآخرون فإن قيل فكيفما جزى الأمر فقد أمرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق وأمره على الوجوب ودعاؤه للفريقين من ~~المحلقين والمقصرين دليل على أنه نسك وما ذكرته من أن القوم كرهوا الحلق ~~قبل الوصول إلى البيت وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم به ليس بناف وجه ~~الدلالة منه على كونه نسكا فإنه يقال # قد روى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الحديبية ms0443 فقالا فيه فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم (أحلوا وانحروا) # وذكر في بعض الأخبار الحلق فنستعمل اللفظين فنقول ما حل به من شيء فهو ~~حلال # لقوله صلى الله عليه وسلم أحلوا # وقوله احلقوا # المقصد به الإحلال لا تعيينه بالحلق دون غيره وإنما استحقوا الثواب ~~لإحلالهم وائتمارهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحلق أفضل من ~~التقصير لجدهم واجتهادهم في متابعة أمره صلى الله عليه وسلم والله أعلم ~~بالصواب. ### | باب ما يجب على المحصر بعد إحلاله من الحج بالهدي # قال الله تعالى بعد ما ذكر في شأن المحصر [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي] واختلف السلف وفقهاء الأمصار في المحصر بالحج إذا حل ~~بالهدي فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ومجاهد عن عبد الله بن مسعود قالا ~~عليه عمرة وحجة فإن جمع بينهما في أشهر الحج فعليه دم وهو متمتع وإن لم ~~يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه وكذلك قال علقمة والحسن وإبراهيم وسالم ~~والقاسم ومحمد بن سيرين وهو قول أصحابنا وروى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ~~قال أمر الله بالقصاص أو يأخذ منكم العدوان حجة بحجة وعمرة بعمرة وروي عن ~~الشعبي قال عليه حجة وإنما يوجب أبو حنيفة عليه حجة وعمرة إذا أحل بالدم ثم ~~لم يحج من عامه ذلك فلو أنه أحل من إحرامه قبل يوم النحر ثم زال الإحصار ~~فأحرم بالحج وحج من عامه لم يكن عليه عمرة وذلك لأن هذه العمرة إنما هي ~~التي تلزم بالفوات لأن من فاته الحج فعليه أن يتحلل بعمل عمرة فلما حصل حجه ~~فائتا كان عليه عمرة للفوات والدم الذي عليه في الإحصار إنما هو للإحلال ~~ولا يقوم # PageV01P345 # مقام العمرة التي تلزم بالفوات وذلك لأنه ليس في الأصول عمرة يقوم مقامها ~~دم ألا ترى أن من نذر عمرة لم ينب عنها دم لا في حال العذر ولا في حال ~~الإمكان وكذلك من يجعل العمرة فريضة لا يجعل الدم نائبا عنها بحال فلما كان ms0444 ~~الفوات قد ألزمه عمل عمرة لم يجز أن ينوب عنها دم فثبت بذلك أن الدم إنما ~~هو للإحلال فحسب ويدل على ذلك أن العمرة التي تلزم بالفوات غير جائز فعلها ~~قبل الفوات لعدم وقتها وسببها ودم الإحصار يجوز ذبحه والإحلال به قبل ~~الفوات باتفاق منا ومن مخالفينا فدل ذلك على أن الدم هو للإحلال لا على أنه ~~قائم مقام العمرة ولا يسوغ لمالك والشافعي أن يجعلا دم الإحصار قائما مقام ~~العمرة الواجبة بالفوات لأنهما يقولان الذي يفوته الحج عليه مع عمرة الفوات ~~هدي فهدي الإحصار عندهما هو الذي يلزم بالفوات فلا يقوم مقام العمرة كما لا ~~يقوم مقامه بعد الفوات فإن قيل فأنت تجيز صوم ثلاثة أيام المتعة بعد إحرام ~~العمرة قبل يوم النحر وهو بدل من الهدي والهدي نفسه لا يجوز ذبحه قبل يوم ~~النحر قيل له إنما جاز ذلك لوجود سبب المتعة وهو العمرة فجاز تقديم بعض ~~الصوم على وقت ذبح الهدي ولم يوجد للمحصر سبب للزوم العمرة لأن سببه إنما ~~هو طلوع الفجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة فلذلك لم يقم الدم مقام العمرة ~~التي تلزم بالفوات ويدل على أن الدم غير قائم مقام العمرة التي تلزم ~~بالفوات أنه يلزم المعتمر وهو لا يخشى الفوات لأنها غير موقتة فدل ذلك على ~~أن هذا الدم لا يتعلق بالفوات وأنه موضوع لتعجيل الإحلال بدلالة أنه لم ~~يختلف فيه حكم ما يخشى فوته وحكم ما لا يخشى فوته في لزوم الدم فإن قيل # في حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل # ولم يذكر فيه عمرة ولو كانت واجبة معه لذكرها كما ذكر وجوب قضاء الحج قيل ~~له ولم يذكر دما ومع ذلك فلا يجوز له أن يحل إلا بدم وإنما أراد صلى الله ~~عليه وسلم الإخبار عن الإحصار بالمرض ووجوب قضاء ما يحل فيه وقد ذهب عبد ~~الله بن مسعود وابن عباس في رواية ms0445 سعيد بن جبير إلى أن قوله عقيب ذكر حكم ~~المحصر [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] أراد به العمرة التي تجب بالإحلال من ~~الحج إذا جمعها إلى الحج الذي أحل منه في أشهر الحج فعليه الفداء وروي عن ~~ابن عباس قول آخر في المحصر وهو ما رواه عبد الرزاق قال حدثنا الثوري عن ~~ابن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس قال # PageV01P346 # الحبس حبس العدو فإن حبس وليس معه هدي حل مكانه وإن كان معه هدي حل به ~~ولم يحل حتى ينحر الهدي وليس عليه حجة ولا عمرة وقد روي عن عطاء إنكار ذلك ~~على رواية رواها محمد بن بكر قال أخبرنا ابن جريج عن عمرو بن دينار قال قال ~~ابن عباس ليس على من حصره العدو هدي حسب أنه قال ولا حج ولا عمرة قال ابن ~~جريج فذكرت ذلك لعطاء قلت هل سمعت ابن عباس يقول ليس على المحصر هدي ولا ~~قضاء إحصاره قال لا وأنكره وهذه رواية لعمري منكرة خلاف نص التنزيل وما ورد ~~بالنقل المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى [فإن أحصرتم ~~فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله] وقوله [فما ~~استيسر من الهدي] على أحد وجهين أحدهما فعليه ما استيسر من الهدي والآخر ~~فليهد ما استيسر من الهدي فاقتضى ذلك إيجاب الهدي على المحصر متى أراد ~~الإحلال ثم عقبه بقوله [ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله] فكيف يسوغ ~~لقائل أن يقول جائز له الإحلال بغير هدي مع # ورود النص بإيجابه ومع نقل إحصار النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية ~~وأمره إياهم بالذبح والإحلال # واختلف الفقهاء في المحصر إذا لم يحل حتى فاته الحج ووصل إلى البيت فقال ~~أصحابنا والشافعي عليه أن يتحلل بالعمرة ولا يصح له فعل الحج بالإحرام ~~الأول وقال مالك يجوز له أن يبقى حراما حتى يحج في السنة الثانية وإن شاء ~~تحلل بعمل عمرة والدليل على أنه غير جائز له أن يفعل بذلك الإحرام ms0446 الأول ~~حجا بعد الفوات اتفاق الجميع على أن له أن يتحلل بعمل عمرة فلولا أن إحرامه ~~قد صار بحيث لا يفعل به حجا لما جاز له التحلل منه ألا ترى أنه غير جائز له ~~أن يتحلل منه في السنة الأولى حين أمكنه فعل الحج به وفي ذلك دليل على أن ~~إحرامه قد صار بحيث لا يفعل به حجا وأيضا فإن فسخ الحج منسوخ بقوله تعالى ~~[وأتموا الحج والعمرة لله] فعلمنا حين جاز له الإحلال أن موجبه في هذه ~~الحال هو عمل العمرة لا عمل الحج لأنه لو أمكنه عمل الحج فجعله عمرة ~~بالإحلال لكان فاسخا لحجه مع إمكان فعله وهذا لم يكن قط إلا في السنة التي ~~حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ وهو معنى قول عمر متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما ~~متعة النساء ومتعة الحج فأراد بمتعة الحج فسخه على نحو ما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم به أصحابه في حجة الوداع واختلفوا أيضا فيمن أحصر وهو محرم ~~بحج تطوع أو بعمرة تطوع فقال أصحابنا عليه القضاء سواء كان # PageV01P347 # الإحصار بمرض أو عدو إذا حل منهما بالهدي وأما مالك والشافعي فلا يريان ~~الإحصار بالمرض ويقولان إن أحصر بعدو فحل فلا قضاء عليه في الحج ولا في ~~العمرة والدليل على وجوب القضاء قوله تعالى [وأتموا الحج والعمرة لله] وذلك ~~يقتضي الإيجاب بالدخول ولما وجب بالدخول صار بمنزلة حجة الإسلام والنذر ~~فيلزمه القضاء بالخروج منه قبل إتمامه سواء كان معذورا فيه أو غير معذور ~~لأن ما قد وجب لا يسقطه العذر فلما اتفقوا على وجوب القضاء بالإفساد وجب ~~عليه مثله بالإحصار ويدل عليه من جهة السنة حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري ~~من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل ولم يفرق بين حجة الإسلام والتطوع ~~وأيضا فإن من ترك موجبات الإحرام لا يختلف فيه المعذور وغيره في ترك لزوم ~~حكمه والدليل عليه أن الله ms0447 قد عذر حالق رأسه من أذى ولم يخله من إيجاب فدية ~~سواء كان ذلك في إحرام فريضة أو تطوع فكذلك ينبغي أن يكون حكم المحصر بحجة ~~فرض أو نفل في وجوب القضاء وواجب أيضا أن يستوي حكم إفساده إياه بالجماع ~~وخروجه منه بإحصار كما لم يخل من إيجاب كفارة في الجنايات الواقعة في ~~الإحرام المعذور وغيره ويدل على وجوب القضاء على المحصر وإن كان معذورا ~~اتفاق الجميع أن على المريض القضاء إذا فاته الحج وإن كان معذورا في الفوات ~~كما يلزمه لو قصد إلى الفوات من غير عذر والمعنى في استواء حكم المعذور ~~وغير المعذور ما لزمه من الإحرام بالدخول وهو موجود في المحصر فوجب أن لا ~~يسقط عنه القضاء ويدل عليه أيضا قصة عائشة حين حاضت وهي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع وكانت محرمة بعمرة # فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم (انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي ~~العمرة) ثم لما فرغت من الحج أمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم ~~وقال هذه مكان عمرتك # فأمرها بقضاء ما رفضته من العمرة للعذر فدل ذلك على أن المعذور في خروجه ~~من الإحرام لا يسقط عنه القضاء ويدل عليه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما أحصر هو وأصحابه بالحديبية وكانوا محرمين بالعمرة وقضوها في العام ~~المقبل سميت عمرة القضاء ولو لم تكن لزمت بالدخول ووجب القضاء لما سميت ~~عمرة القضاء ولكانت تكون حينئذ عمرة مبتدأة وفي ذلك دليل على لزوم القضاء ~~بالإحلال والله الموفق. # PageV01P348 ### | باب المحصر لا يجد هديا # قال الله تعالى [فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي] واختلف أهل العلم في ~~المحصر لا يجد هديا فقال أصحابنا لا يحل حتى يجد هديا فيذبح عنه وقال عطاء ~~يصوم عشرة أيام ويحل كالمتمتع إذا لم يجد هديا وللشافعي فيه قولان أحدهما ~~أنه لا يحل أبدا إلا بهدي والآخر إذا لم يقدر على شيء حل وأهراق دما إذا ~~قدر عليه وقيل إذا لم يقدر أجزأه ms0448 وعليه الطعام أو صيام إن لم يجد ولم يقدر ~~قال أبو بكر واحتج محمد لذلك بأن هدي المتعة منصوص عليه وكذلك حكم المتمتع ~~منصوص عليه فيما يلزم من هدي أو صيام إن لم يجد هديا والمنصوصات لا يقاس ~~بعضها على بعض ووجه آخر وهو أنه غير جائز إثبات الكفارات بالقياس فلما كان ~~الدم مذكورا للمحصر لم يجز لنا إثبات شيء غيره قياسا لأن ذلك دم جناية على ~~وجه الكفارة لامتناع جواز إثبات الكفارة قياسا وأيضا فإن فيه ترك المنصوص ~~عليه بعينه لأنه قال [ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله] فمن أباح له ~~الحلق قبل بلوغ الهدي محله فقد خالف النص ولا يجوز ترك النص بالقياس والله ~~أعلم. ### | باب إحصار أهل مكة # قال أبو بكر روي عن عروة بن الزبير والزهري أنهما قالا ليس على أهل مكة ~~إحصار إنما إحصارهم أن يطوفوا بالبيت وكذلك قال أصحابنا إذا أمكنهم الوصول ~~إلى البيت وذلك لأنه لا يخلو من أن يكون محرما بحج أو عمرة فإن كان معتمرا ~~فلعمرة إنما هي الطواف والسعي وليس بمحصر عن ذلك وإن كان حاجا فله أن يؤخر ~~الخروج إلى عرفات إلى آخر وقته لو لم يكن محصرا فإذا فاته الوقوف فقد فاته ~~الحج وعليه أن يتحلل بعمرة فيكون مثل المعتمر فلا يكون محصرا والله أعلم. ### | باب المحرم يصيبه أذى من رأسه أو مرض # قال الله تعالى [ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه] إلى آخر الآية يعني والله أعلم فمن كان منكم ~~مريضا من المحرمين محصرين أو غير محصرين فأصابه مرض أو أذى في رأسه ففدية ~~من صيام فدل ذلك على أن المحصر # PageV01P349 # لا يجوز له الحلق قبل بلوغ الهدي محله وأنه إذا كان مريضا أو به أذى من ~~رأسه فحلق فعليه الفدية وإن كان غير محصر فهو في حكم المحصر الذي لم يبلغ ~~هديه محله فدل ذلك على التسوية بين المحصرين وغير المحصرين في أن كل واحد ms0449 ~~منهم لا يجوز له الحلق في الإحرام إلا على الشرط المذكور وقوله تعالى [فمن ~~كان منكم مريضا] عنى المرض الذي يحتاج فيه إلى لبس أو شيء يحظره الإحرام ~~فيفعل ذلك لدفع الأذى ويفتدي وكذلك قوله [أو به أذى من رأسه] إنما هو على ~~أذى يحتاج فيه إلى استعمال بعض ما يحظره الإحرام من حلق أو تغطية فأما إن ~~كان مريضا أو به أذى في رأسه لا يحتاج فيه إلى حلق ولا إلى استعمال بعض ما ~~يحظره الإحرام فهو في هذه الحال بمنزلة الصحيح في حظر ما يحظره الإحرام # وقد روي في أخبار متظاهرة عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~به في عام الحديبية والقمل تتناثر على وجهه فقال أتؤذيك هوام رأسك فقلت نعم ~~فأمره بالفدية # فكان كثرة القمل من الأذى المراد بالآية ولو كان به قروح في رأسه أو خراج ~~فاحتاج إلى شده أو تغطيته كان ذلك حكمه في جواز الفدية وكذلك سائر الأمراض ~~التي تصيبه ويحتاج إلى لبس الثياب جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدي لأن الله لم ~~يخصص شيئا من ذلك فهو عام في الكل فإن قيل قوله [فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه] معناه فحلق ففدية من صيام قيل له الحلق غير مذكور وإن كان ~~مرادا وكذلك اللبس وتغطية الرأس كل ذلك غير مذكور وهو مراد لأن المعنى فيه ~~استباحة ما يحظره الإحرام للعذر وكذلك لو لم يكن مريضا وكان به أذى في بدنه ~~يحتاج فيه إلى حلق الشعر كان في حكم الرأس في باب الفدية إذ كان المعنى ~~معقولا في الجميع وهو استباحة ما يحظره الإحرام في حال العذر وأما قوله ~~تعالى [ففدية من صيام] فإنه # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام ثلاثة أيام في حديث كعب بن ~~عجرة # وهو قول جماعة السلف وفقهاء الأمصار إلا شيء روي عن الحسن وعكرمة أن ~~الصيام عشرة أيام كصيام المتعة وأما الصدقة فإنه روي في مقدارها عن ms0450 كعب بن ~~عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات مختلفة الظاهر فمنها ما # حدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب قال حدثنا سهل ~~بن محمد قال حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه قال حدثني عبد الرحمن بن ~~الأصبهاني عن عبد الله بن مغفل أن كعب بن عجرة حدثه أنه خرج مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم محرما فقمل رأسه ولحيته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فدعا # PageV01P350 # بحلاق فحلق رأسه وقال هل تجد نسكا قال ما أقدر عليه فأمره أن يصوم ثلاثة ~~أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين صاعا وأنزل الله [ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك] # للمسلمين عامة ورواه صالح بن أبي مريم عن مجاهد عن كعب بن عجرة بمثل ذلك # وروى داود بن أبي هند عن عامر عن كعب بن عجرة وقال فيه صدق بثلاثة آصع من ~~تمر بين كل مسكينين صاع # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن الحسن بن أحمد قال حدثنا عبد ~~العزيز بن داود قال حدثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن ~~عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~له (انسك نسيكة أو صم ثلاثة أيام أو أطعم ثلاثة آصع من طعام لستة مساكين) # فذكر في الخبر الأول ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين وفي خبر ستة آصع ~~وهذا أولى لأن فيه زيادة ثم قوله ثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين ينبغي ~~أن يكون المراد به الحنطة لأن هذا ظاهره والمعتاد المتعارف منه فيحصل من ~~ذلك أن يكون من التمر ستة آصع ومن الحنطة ثلاثة آصع وعدد المساكين الذين ~~يتصدق عليهم ستة بلا خلاف وأما النسك فإن # في أخبار كعب بن عجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينسك نسيكة ~~وفي بعضها شاة # ولا خلاف بين الفقهاء أن أدناه شاة وإن شاء جعله بعيرا أو بقرة ms0451 ولا خلاف ~~أنه مخير بين هذه الأشياء الثلاثة يبتدئ بأيها شاء وذلك مقتضى الآية وهو ~~قوله [فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك] ~~واو للتخير هذا حقيقتها وبابها إلا أن تقوم الدلالة على غير هذا في الإثبات ~~وقد بيناه في مواضع واختلف الفقهاء في موضع الفدية من الدم والصدقة مع ~~اتفاقهم على أن الصوم غير مخصوص بموضع فإن له أن يصوم في أي موضع شاء فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر الدم بمكة والصيام والصدقة حيث شاء وقال ~~مالك بن أنس الدم والصدقة والصيام حيث شاء وقال الشافعي الصدقة والدم بمكة ~~والصيام حيث شاء فظاهر قوله [ففدية من صيام أو صدقة أو نسك] يقتضى إطلاقها ~~حيث شاء المفتدى غير مخصوم بموضع لو لم يكن في غيرها من الآي دلالة على ~~تخصيصه بالحرم وهو قوله [لكم فيها منافع إلى أجل مسمى] يعني الأنعام التي ~~قدم ذكرها ثم قال [ثم محلها إلى البيت العتيق] وذلك عام في سائر الأنعام ~~التي تهدى إلى البيت فوجب بعموم هذه الآية أن كل هدي متقرب به مخصوص بالحرم ~~لا يجزي في غيره ويدل عليه قوله تعالى [هديا # PageV01P351 # بالغ الكعبة] # وذلك جزاء الصيد فصار بلوغ الكعبة صفة للهدى ولا يجزى دونها وأيضا لما ~~كان ذلك ذبحا تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن يكون مخصوصا بالحرم كجزاء الصيد ~~وهدي المتعة فإن قيل لما # قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة أو اذبح شاة # ولم يشترط له مكانا وجب أن لا يكون مخصوصا بموضع قيل له إن كعب بن عجرة ~~أصابه ذلك وهو بالحديبية وبعضها من الحل وبعضها من الحرم فجائز أن يكون ترك ~~ذكر المكان اكتفاء بعلم كعب بن عجرة بأن ما تعلق من ذلك بالإحرام فهو مخصوص ~~بالحرم وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك عالمين بحكم تعلق ~~الهدايا بالحرم لما كان يرون النبي صلى الله عليه وسلم يسوق البدن إلى ~~الحرم لينحرها ms0452 هناك وأما الصدقة والصوم فحيث شاء لأن الله تعالى أطلق ذلك ~~غير مقيد بذكر المكان فغير جائز لنا تقييده بالحرم لأن المطلق على إطلاقه ~~كما أن المقيد على تقييده ويدل عليه أنه ليس في الأصول صدقة مخصوصة بموضع ~~لا يجوز أداؤها في غيره فلما كانت هذه صدقة لم تجز أن تكون مخصوصة بموضع لا ~~يجوز أداؤها في غيره لأن ذلك مخالف للأصول خارج عنها فإن قيل ينبغي أن تكون ~~الصدقة في الحرم لأن للمساكين بالحرم فيها حقا كالذبائح قيل له الذبح لم ~~يتعلق جوازه بالحرم لأجل حق المساكين لأنه لو ذبحه في الحرم ثم أخرجه منه ~~وتصدق به في غير الحرم أجزأه ومع ذلك فإنه لا يختص ذلك بمساكين الحرم دون ~~غيرهم لأنه لو كان حقا لهم لكان لهم المطالبة به ولما لم تكن لهم المطالبة ~~به دل على أنه ليس بحق لهم وإنما هو حق الله قد لزمه إخراجه إلى المساكين ~~على وجه القربة كالزكاة وسائر الصدقات التي لا تختص بموضع دون غيره وأيضا ~~لما لم تكن القربة فيها إراقة الدم وجب أن لا يختص بالحرم كالصيام وقد ~~اختلف السلف في ذلك فروي عن الحسن وعطاء وإبراهيم قالوا ما كان دم فبمكة ~~وما كان من صيام أو صدقة فحيث شاء وعن مجاهد قال اجعل الفدية حيث شئت وقال ~~طاوس النسك والصدقة بمكة والصيام حيث شئت # وروي أن عليا نحر عن الحسين بعيرا وكان قد مرض وهو محرم وأمر بحلقه ونحر ~~البعير عنه بالسقيا وقسمه على أهل الماء # وليس في ذلك دلالة على أنه رأى جواز الذبح في غير الحرم لأنه جائز أن ~~يكون جعل اللحم صدقة وذلك جائز عندنا والله أعلم. # PageV01P352 ### | باب التمتع بالعمرة إلى الحج # قال الله تعالى [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي] قال أبو ~~بكر هذا الضرب من التمتع ينتظم معنيين أحدهما الإحلال والتمتع إلى النساء ~~والآخر جمع العمرة إلى الحج في أشهر الحج ومعناه الارتفاق بهما وترك إنشاء ~~سفرين لهما وذلك لأن ms0453 العرب في الجاهلية كانت لا تعرف العمرة في أشهر الحج ~~وتنكرها أشد الإنكار ويروى عن ابن عباس وعن طاوس أن ذلك عندهم كان من أفجر ~~الفجور ولذلك رجع النبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا بعمرة على ~~عادتهم كانت في ذلك # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن المثنى قال حدثنا عفان قال ~~حدثنا وهيب قال حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال كانوا يرون ~~العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون ~~إذا برىء الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فلما قدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم صبيحة رابعه مهلين بالحج أمرهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحلوا فتعاظم ذلك عندهم قالوا يا رسول الله أي الحل قال الحل كله # فمتعة الحج تنتظم هذين المعنيين إما استباحة التمتع بالنساء بالإحلال ~~وإما الارتفاق بالجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج والاقتصار بهما على ~~سفر واحد بعد أن كانوا لا يستحلون ذلك في الجاهلية ويفردون لكل واحد سفرا ~~ويحتمل التمتع بالعمرة إلى الحج الانتفاع بهما بجمعهما في أشهر الحج ~~واستحقاق الثواب بهما إذا فعلا على هذا الوجه فدل ذلك على زيادة نفع وفضيلة ~~تحصل لفاعلهما والمتعة على أربعة أوجه أحدها القارن والمحرم بعمرة في أشهر ~~الحج إذا حج من عامه في سفر واحد لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~والمحصر على قول من لا يرى له الإحلال ولكنه يمكث على إحرامه حتى يصل إلى ~~البيت فيتحلل من حجه بعمل العمرة بعد فوت الحج وفسخ الحج بالعمرة وقد اختلف ~~في تأويل قوله تعالى [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي] فقال ~~ابن مسعود وعلقمة هو عطف على قوله [فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي] يعني ~~الحاج إذا أحصر فحل من إحرامه بهدي أن عليه قضاء عمرة وحجة فإن هو تمتع ~~بهما وجمع بينهما في أشهر الحج في سفر واحد فعليه دم ms0454 آخر للتمتع وإن اعتمر ~~في أشهر الحج ثم عاد إلى أهله ثم حج من عامه فلا دم عليه قال عبد الله بن ~~مسعود سفران وهدي أو هديان وسفر يعني بقوله سفران # PageV01P353 # وهدي أن هذا المحصر إن اعتمر بعد إحلاله من الحج في أشهر الحج ورجع إلى ~~أهله ثم عاد فحج من عامه فعليه هدي واحد وهو هدي الإحصار وذلك لأنه فعلهما ~~في سفرين أو هديان وسفر يعني إذا لم يرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى أهله ~~فعليه هدى التمتع والهدى الأول للإحصار فلذلك هديان وسفر وقال ابن عباس ~~فيما رواه ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس كان يقول بجمع الآية المحصر ~~والمخلى سبيله يعني قوله [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] قال عطاء وإنما سميت ~~متعة من أجل أنه اعتمر في أشهر الحج ولم تسم متعة من أجل أنه يحل أن يتمتع ~~إلى النساء فكأن مذهب ابن عباس أن الآية قد انتظمت الأمرين من المحصرين إذا ~~أرادوا قضاء الحج مع العمرة التي لزمت بالفوات ومن غير المحصرين ممن أراد ~~التمتع بالعمرة إلى الحج فكان عند عبد الله بن مسعود أن ذلك لما كان معطوفا ~~على المحصرين فحكمه أن يكونوا هم المرادين به فيفيد إيجاب عمرة بالفوات ~~ويفيد الحكم بأنه إذا جمعهما مع قضاء الحج الفائت في سفر واحد في أشهر الحج ~~فعليه دم وإن فعلهما في سفرين فلا دم عليه وليس مذهب ابن مسعود في ذلك ~~مخالفا لقول ابن عباس إلا أن ابن عباس قال الآية عامة في المحصرين وغيرهم ~~وهي مقيدة في المحصرين بما ذكره ابن مسعود ومقيدة في غير المحصرين في جواز ~~التمتع لهم وبيان حكمهم إذا تمتعوا وقال ابن مسعود الآية في فحواها خاصة في ~~المحضرين وإن كان غير المحصرين إذا تمتعوا كانوا بمنزلتهم والقارن والذي ~~يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه في سفر واحد متمتعان من وجهين أحدهما ~~الارتفاق بالجمع بينهما في سفر واحد والآخر حصول فضيلة الجمع فيدل ذلك على ~~أن ذلك أفضل ms0455 من الإفراد بكل واحد منهما في سفر أو تفريقهما بأن يفعل العمرة ~~في غير أشهر الحج وقد روي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المتعة ~~روايات ظاهرها يقتضي الاختلاف في إباحتها وإذا حصلت كان الاختلاف في الأفضل ~~لا في الحظر والإباحة فممن روي عنه النهي عن ذلك عمر بن الخطاب وعثمان بن ~~عفان وأبو ذر والضحاك بن قيس حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن ~~محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن أبي مريم عن مالك ~~بن أنس عن ابن شهاب أن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل حدثه أنه سمع ~~سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية وهما يتذكران التمتع بالعمرة ~~إلى الحج فقال الضحاك لا بصنع # PageV01P354 # ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى قال سعد بئس ما قلت يا ابن أخى فقال ~~الضحاك فإن عمر ابن الخطاب قد نهى عنه قال سعد صنعها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وصنعناها معه # وحدثنا جعفر ابن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن شعبة عن قتادة قال سمعت جري بن كليب يقول رأيت ~~عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها فأتيت عليا فقلت إن بينكما لشرا أنت ~~تأمر بها وعثمان ينهى عنها فقال ما بيننا إلا خير ولكن خيرنا أتبعنا لهذا ~~الدين # وقد روي عن عثمان أنه لم يكن ذلك منه على وجه النهي ولكن على وجه ~~الاختيار وذلك لمعان أحدها الفضيلة ليكون الحج في أشهره المعلومة له ويكون ~~العمرة في غيرها من الشهور والثاني أنه أحب عمارة البيت وأن يكثر زواره في ~~غيرها من الشهور والثالث أنه رأى إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس ~~إليهم فقد جاءت بهذه الوجوه أخبار مفسرة عنه حدثنا جعفر بن محمد المؤدب قال ~~حدثنا أبو الفصل جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثني يحيى بن ms0456 سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر بن الخطاب ~~أن تفرقوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم الحج ~~أحدكم وأتم لعمرته قال أبو عبيد وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل ~~عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله عن أبيه قال كان عمر يقول إن الله قال ~~[وأتموا الحج والعمرة لله] وقال [الحج أشهر معلومات] فأخلصوا أشهر الحج ~~للحج واعتمروا فيما سواها من الشهور وذلك لأن من اعتمر في أشهر الحج لم تتم ~~عمرته إلا بهدي ومن اعتمر في غير أشهر الحج تمت عمرته إلا أن يتطوع بهدي ~~غير واجب فأخبر في هذا الخبر بجهة اختياره للتفريق بينهما قال أبو عبيد ~~وحدثنا أبو معاوية هشام عن عروة عن أبيه قال إنما كره عمر العمرة في أشهر ~~الحج إرادة أن لا يتعطل البيت في غير أشهر الحج فذكر في هذا الخبر وجها آخر ~~لاختياره التفريق بينهما قال أبو عبيد وحدثنا هشيم قال حدثنا أبو بشر عن ~~يوسف بن ماهك قال إنما نهى عمر عن المتعة لمكان أهل البلد ليكون موسمان في ~~عام فيصيبهم من منفعتهما فذكر في هذا الخبر أنه اختاره لمنفعة أهل البلد ~~وقد روي عن عمر اختيار المتعة على غيرها حدثنا جعفر ابن محمد قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ~~عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس قال سمعت عمر يقول لو اعتمرت # PageV01P355 # ثم اعتمرت ثم اعتمرت ثم حججت لتمتعت ففي هذا الخبر اختياره للمتعة فثبت ~~بذلك أنه لم يكن ما كان منه في أمر المتعة على وجه اختيار المصلحة لأهل ~~البلد تارة ولعمارة البيت أخرى وبين الفقهاء خلاف في الأفضل من إفراد كل ~~واحد منهما أو القران أو التمتع فقال أصحابنا القران أفضل ثم التمتع ثم ~~الإفراد وقال الشافعي الإفراد أفضل والقران والتمتع حسنان وقد روى عبيد ~~الله عن نافع عن ms0457 ابن عمر لأن أعتمر في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة ~~في شهر يجب علي فيه الهدي أحب إلي من أن أعتمر في شهر لا يجب علي فيه الهدي ~~وقد روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال سألت ابن مسعود عن امرأة أرادت أن ~~تجمع مع حجها عمرة فقال أسمع الله يقول [الحج أشهر معلومات] ما أراها إلا ~~أشهر الحج ولا دلالة في هذا الخبر على أنه كان يرى الإفراد أفضل من التمتع ~~والقران وجائز أن يكون مراده البيان عن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالجمع ~~بين الحج والعمرة # وقال علي كرم الله وجهه تمام العمرة أن تحرم من حيث ابتدأت من دويرة أهلك # فهذا يدل على أنه أراد التمتع والقران بأن يبدأ بالعمرة من دويرة أهله ~~إلى الحج لا يلم بأهله وتأوله أبو عبيد القاسم بن سلام على أنه يخرج من ~~منزله ناويا العمرة خالصة لا يخلطها بالحج قال لأنه إذا أحرم بها من دويرة ~~أهله كان خلاف السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وقت المواقيت وهذا ~~تأويل ساقط لأنه # قد روي عن علي تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك # فنص الإحرام بهما من دويرة أهله والذي ذكره من السنة على خلاف ما ظن لأن ~~السنة إنما قضت بحظر مجاورتها إلا محرما لمن أراد دخول مكة فأما الإحرام ~~بها قبل الميقات فلا خلاف بين الفقهاء فيه وروي عن الأسود بن يزيد قال ~~خرجنا عمارا فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر فقال أحلقتم الشعث وقضيتم التفث ~~أما إن العمرة من مدركم وتأوله أبو عبيد على ما تأول عليه حديث علي وإنما ~~أراد أبو ذر أن الأفضل إنشاء العمرة من أهلك كما # روي عن علي تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة أنه قرن بين الحج ~~والعمرة # حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال ms0458 حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي وائل عن صبي بن معبد أنه ~~كان نصرانيا فأسلم فأراد الجهاد فقيل له ابدأ بالحج فأتى أبا موسى الأشعري ~~فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل # PageV01P356 # فبينما هو يلبي بهما إذ مر زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال أحدهما هذا ~~أضل من بعيره فسمعهما صبي فكبر عليه فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك ~~فقال عمر إنهما لا يقولان شيئا هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم قال أبو ~~عبيد # وحدثنا ابن أبى زائدة عن الحجاج ابن أرطاة عن الحسن بن سعيد عن ابن عباس ~~قال أنبأني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة # قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا الحجاج عن شعبة قال حدثني حميد ابن هلال ~~قال سمعت مطرف بن عبد الله بن الشخير يقول قال عمران بن الحصين أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات # ولم ينزل قرآن بتحريمه # قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا حميد عن بكر بن عبد الله ~~قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج ~~والعمرة # قال بكر فحدثت ابن عمر بذلك قال لبى بالحج وحده # قال بكر فلقيت أنس بن مالك فحدثته بقول ابن عمر فقال ما يعدونا إلا ~~صبياننا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك عمرة وحجا # قال أبو بكر وجائز أن يكون ابن عمر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~لبيك بحجة وسمعه أنس في وقت آخر يقول لبيك بعمرة وحجة وكان قارنا وجائز ~~للقارن أن يقول مرة لبيك بعمرة وحجة وتارة لبيك بحجة وأخرى لبيك بعمرة فليس ~~في حديث ابن عمر نفي لما رواه أنس # وقالت عائشة اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر أحدها مع حجة ~~الوداع # وروى يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن ms0459 عباس سمعت عمر بن الخطاب يقول ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بوادي العقيق (أتاني الليلة آت ~~من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل حجة وعمرة) # وروي عمرة في حجة # وفي حديث جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يجعلوا ~~حجهم عمرة وقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة # وقال لعلى بماذا أهللت قال بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~إني سقت الهدي ولا أحل إلى يوم النحر فلو لم يكن هديه هدى تمتع وقران لما ~~منعه الإحلال لأن هدي التطوع لا وقت له يجوز ذبحه متى شاء # فدل ذلك على أن هديه كان هدي قران ولذلك منعه الإحلال لأنه لا يجوز ذبحه ~~قبل يوم النحر فهذه الأخبار توجب كون النبي صلى الله عليه وسلم قارنا ~~ورواية من روى أنه كان مفردا غير معارض لها من وجوه أحدها أنها ليست في وزن ~~الأخبار التي فيها ذكر القران في الاستفاضة والشيوع والثاني أن الراوي ~~للإفراد # أكثر ما أخبر # PageV01P357 # أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبيك بحجة # وذلك لا ينفي كونه قارنا لأنه جائز للقارن أن يذكر الحج وحدة تارة وتارة ~~العمرة وحدها وأخرى ويذكرهما والثالث أنهما لو تساويا في النقل والاحتمال ~~لكان خبر الزائد أولى وإذا ثبت بما ذكرنا # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وقد قال صلى الله عليه وسلم خذوا ~~عني مناسككم # فأولى الأمور وأفضلها الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعله ~~لا سيما # وقد قال لهم خذوا عني مناسككم # فأولى الأمور وأفضلها الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما فعله وقال ~~الله تعالى [فاتبعوه] وقال [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة] ولأنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يختار من الأعمال إلا أفضلها وفي ذلك دليل على أن القران ~~أفضل من التمتع ومن الإفراد ويدل عليه أن فيه زيادة نسك وهو الدم لأن دم ~~القران ms0460 عندنا دم نسك وقربة يؤكل منه كالأضحية بدلالة قوله [فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت ~~العتيق] وليس شيء من الدماء ترتب عليه هذه الأفعال إلا دم القران والتمتع ~~ويدل عليه قوله [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] وقد بينا أن التمتع يجوز أن ~~يكون اسما للحج للنفع الذي يحصل له بجمعه بينهما والفضيلة التي يستحقها به ~~ويجوز أن يكون اسما للارتفاق بالجمع من غير إحداث سفر آخر وهو عليهما جميعا ~~فجائز أن يكون المعنيان جميعا مرادين بالآية فينتظم القارن والمتمتع من ~~وجهين أحدهما الفضيلة الحاصلة بالجمع والثاني الارتفاق بالجمع من غير إحداث ~~سفر ثان وهذه المتعة مخصوص بها من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لقوله ~~[ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام] ومن كان وطنه المواقيت فما ~~دونها إلى مكة فليس له متعة ولا قران وهو قول أصحابنا فإن قرن أو تمتع فهو ~~مخطئ وعليه دم ولا يأكل منه لأنه ليس بدم متعة وإنما هو دم جناية إذ لا ~~متعة لمن كان من أهل هذه المواضع لقوله [ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام] وقد روي عن ابن عمر أنه قال إنما التمتع رخصة لمن لم يكن أهله ~~حاضري المسجد الحرام وقال بعضهم إنما معنى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام لا دم عليهم إذا تمتعوا ومع ذلك فلهم أن يتمتعوا بلا هدي ~~فظاهر الآية يوجب خلاف ما قالوه لأنه تعالى قال [ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام] والمراد المتعة ولو كان المراد الهدي لقال ذلك على من لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام فإن قيل يجوز أن يكون معنى ذلك على من لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام لأن اللام قد تقام مقام # PageV01P358 # على كما قال تعالى [ولهم اللعنة ولهم سوء الدار] ومعناه وعليهم اللعنة ~~قيل لا يجوز إزالة اللفظ عن حقيقته وصرفه إلى المجاز إلا بدلالة ولكل واحدة ~~من هذه الأدوات معنى هي موضوعة له حقيقة ms0461 فعلى حقيقتها خلاف حقيقة اللام ~~فغير جائز حملها عليها إلا بدلالة وأيضا فإن التمتع لأهل سائر الآفاق إنما ~~هو تخفيف من الله تعالى وإزالة المشقة عنهم في إنشاء سفر لكل واحد منهما ~~وأباح لهم الاقتصار على سفر واحد في جميعها جميعا إذ لو منعوا عن ذلك لأدى ~~ذلك إلى مشقة وضرر وأهل مكة لا مشقة عليهم ولا ضرر في فعل العمرة في غير ~~أشهر الحج ويدل عليه أن اسم التمتع يقتضي الارتفاق بالجمع بينهما وإسقاط ~~تجديد سفر العمرة على ما روي من تأويله عمن قدمنا قوله وهو مشبه لمن أوجب ~~على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام فإذا ركب لزمه دم لارتفاقه بالركوب غير ~~أن هذا الدم لا يؤكل منه ودم المتعة يؤكل منه فاختلافهما من هذا الوجه لا ~~يمنع اتفاقهما من الوجه الذي ذكرنا وقد حكي عن طاوس أنه قال ليس على أهل ~~مكة متعة فإن فعلوا وحجوا فعليهم ما على الناس وجائز أن يريد به أن عليهم ~~الهدي ويكون هدي جناية لا نسكا واتفق أهل العلم السلف منهم والخلف أنه إنما ~~يكون متمتعا بأن يعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه ذلك ولو أنه اعتمر في هذه ~~السنة ولم يحج فيها وحج في عام قابل أنه غير متمتع ولا هدى عليه واختلف أهل ~~العلم فيمن اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى أهله وعاد فحج من عامه فقال ~~أكثرهم إنه ليس بمتمتع منهم سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم ~~والحسن في إحدى الروايتين وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء وروى أشعث عن ~~الحسن أنه قال من اعتمر في أشهر الحج ثم حج من عامه فهو متمتع رجع أو لم ~~يرجع ويدل على صحة القول الأول أن الله تعالى خص أهل مكة بأن لم يجعل لهم ~~متعة وجعلها # لسائر أهل الآفاق وكان المعنى فيه إلمامهم بأهاليهم بعد العمرة مع جواز ~~الإحلال منها وذلك موجود فيمن رجع إلى أهله لأنه قد حصل له إلمام بعد ~~العمرة فكان بمنزلة أهل مكة ms0462 وأيضا فإن الله جعل على المتمتع الدم بدلا من ~~أحد السفرين اللذين اقتصر على أحدهما فإذا فعلهما جميعا لم يكن الدم قائما ~~مقام شيء فلا يجب واختلفوا أيضا فيمن لم يرجع إلى أهله وخرج من مكة حتى ~~جاوز الميقات فقال أبو حنيفة هو متمتع إن حج من عامه ذلك لأنه إذا لم يحصل ~~له إلمام بأهله بعد العمرة فهو بمنزلة كونه بمكة وروي عن أبي يوسف أنه ليس # PageV01P359 # بمتمتع لأن ميقاته الآن في الحج ميقات أهل بلده لأن الميقات قد صار بينه ~~وبين أهل مكة فصار بمنزلة عوده إلى أهله والصحيح هو الأول لما بينا واختلف ~~أهل العلم فيمن ينشئ العمرة في رمضان ويدخل مكة في شوال أو قبله فروى قتادة ~~عن ابن عياض قال عمرته في الشهر الذي يهل فيه وقال الحسن والحكم عمرته في ~~الشهر الذي يحل فيه وروي عن إبراهيم مثله وقال عطاء وطاوس عمرته في الشهر ~~الذي دخل فيه الحرم وروي عن الحسن وإبراهيم رواية أخرى قالا عمرته في الشهر ~~الذي يطوف فيه وهو قول مجاهد وكذلك قال أصحابنا إنه يعتبر الطواف فإن فعل ~~أكثر الطواف في رمضان فهو غير متمتع وإن فعل أكثره في شوال فهو متمتع وذلك ~~لأن من أصلهم أن فعل الأكثر بمنزلة الكل في باب امتناع ورود الفساد عليها ~~فإذا تمت عمرته في رمضان فهو غير جامع بينهما في أشهر الحج وبقاء الإحرام ~~لا حكم له ألا ترى أنه لو أحرم بعمرة فأفسدها ثم حل منها ثم حج من عامه لم ~~يكن متمتعا لأن العمرة لم تتم في أشهر الحج مع اجتماع إحراميهما في أشهر ~~الحج وكذلك لو قرن ثم وقف بعرفات قبل أن يطوف لعمرته لم يكن متمتعا فلا ~~اعتبار إذا باجتماع الإحرامين في أشهر الحج وإنما الواجب اعتبار فعل العمرة ~~مع الحج في أشهر الحج وكذلك قول من قال عمرته في الشهر الذي يهل فيه لا ~~معنى له لما بينا من سقوط اعتبار الإحرام دون أفعالها والله أعلم بالصواب. ### | باب ms0463 ذكر اختلاف أهل العلم في حاضري المسجد الحرام # قال أبو بكر اختلف الناس في ذلك على أربعة أوجه فقال عطاء ومكحول من دون ~~المواقيت إلى مكة وهو قول أصحابنا إلا أن أصحابنا يقولون أهل المواقيت ~~بمنزلة دونها وقال ابن عباس ومجاهد هم أهل الحرم وقال الحسن وطاوس ونافع ~~وعبد الرحمن الأعرج هم أهل مكة وهو قول مالك بن أنس وقال الشافعي هم من كان ~~أهله دون ليلتين وهو حينئذ أقرب المواقيت وما كان وراء فعليهم المتعة قال ~~أبو بكر لما كان أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة لهم أن يدخلوها بغير إحرام ~~وجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة ألا ترى أن من خرج من مكة فما لم يجاوز ~~الميقات فله الرجوع ودخولها بغير إحرام وكان تصرفهم في الميقات فما دونه ~~بمنزلة تصرفهم في مكة فوجب أن يكونوا بمنزلة أهل مكة في حكم المتعة ويدل ~~على أن الحرم وما قرب منه أهل من حاضري المسجد الحرام قوله تعالى # PageV01P360 # [إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام] وليس أهل مكة منهم لأنهم كانوا قد ~~أسلموا حين فتحت فإنما نزلت الآية بعد الفتح في حجة أبي بكر وهم بنو مدلج ~~وبنو الدئل وكانت منازلهم خارج مكة في الحرم وما قرب منه فإن قيل كيف يكون ~~أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام وبينهم وبينها مسيرة عشر ليال قيل ~~له إنهم وإن لم يكونوا من حاضري المسجد الحرام فهم في حكمهم في باب جواز ~~دخولهم مكة بغير إحرام وفي باب أنهم متى أرادوا الإحرام أحرموا من منازلهم ~~كما أن أهل مكة إذا أرادوا الإحرام أحرموا من منازلهم فيدل ذلك على أن ~~المعنى حاضروا المسجد الحرام ومن في حكمهم وقال الله عز وجل في شأن البدن ~~[ثم محلها إلى البيت العتيق] # وقال صلى الله عليه وسلم (منى منحر وفجاج مكة منحر) # فكان مراد الله بذكر البيت ما قرب من مكة وإن كان خارجا منها وقال تعالى ~~[والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد] وهي مكة ms0464 وما ~~قرب منها فهاتان المتعتان قد بينا حكمهما وهما القران والتمتع وأما المتعة ~~الثالثة فإنها على قول عبد الله بن الزبير وعروة بن الزبير أن يحصر الحاج ~~المفرد بمرض أو أمر يحبسه فيقدم فيجعلها عمرة ويتمتع بحجة إلى العام المقبل ~~ويحج فهذا المتمتع بالعمرة إلى الحج فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه ~~يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر يوم يحلق ويبقى على إحرامه ~~حتى يقدم مكة فيتحلل من حجه بعمل عمرة وهذا خلاف قول الله تعالى [وأتموا ~~الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي] ثم قال [ولا تحلقوا ~~رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله] ولم يفرق بين الحج والعمرة فيما أباح من ~~الإحلال بالحلق ولا خلاف أن هذا الحلق للإحلال من العمرة فكذلك الحج والنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلق هو وحل وأمرهم ~~بالإحلال ومع ذلك فإن عمل العمرة الذي يلزم بالفوات ليس بعمرة وإنما هو عمل ~~عمرة مفعول بإحرام الحج والله سبحانه إنما قال [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] ~~وليس الذي يفوته الحج بالمعتمر وأيضا فإنه قال [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي] وهو إنما أوجب عليه الهدي ليصل به إلى الحلق يوم ~~النحر سواء حج بعد ذلك أو لم يحج ألا ترى أنه لو لم يحج إلا بعد عشر سنين ~~لكان الهدي قائما فدل ذلك على أن المتمتع المذكور في الآية ليس هو ما ذهب ~~إليه ابن الزبير لأن ما في الآية من ذلك إنما يتعلق الهدي فيه بفعل العمرة ~~والحج والدم الذي يلزمه # PageV01P361 # بالإحصار غير متعلق بوجود الحج بعد العمرة وهذه المتعة هي الإحلال إلى ~~النساء إلا على الوجه الذي ذكرناه من الجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج ~~وأما المتعة الرابعة فهي فسح الحاج إذا طاف له قبل يوم النحر وما نعلم أحدا ~~من الصحابة قال بذلك غير ابن عباس فإنه حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ms0465 قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد ~~عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس قال لا يطوف بالبيت أحد إلا أحل ~~قال قلت إنما هذا بعد المعروف قال كان ابن عباس يراه قبل وبعد قال قلت من ~~أين كان يأخذ هذا فقال من أمر # رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أمرهم أن يحلوا # ومن قول الله [ثم محلها إلى البيت العتيق] قال أبو عبيد وحدثنا حجاج عن ~~شعبة عن قتادة قال سمعت أبا حسان الأعرج يقول قال رجل لابن عباس ما هذه ~~الفتيا التي قد شعبت الناس يعني فرقت بينهم في الفتيا أنه من طاف فقد حل ~~فقال سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإن رغمتم قال أبو بكر # وقد وردت آثار متواترة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجة ~~الوداع بفسخ الحج ولم يكن معه منهم هدي ولم يحل هو صلى الله عليه وسلم وقال ~~إني سقت الهدي ولا أحل إلى يوم النحر ثم أمرهم فأحرموا بالحج يوم التروية ~~حين أرادوا الخروج إلى منى # وهي إحدى المتعتين اللتين قال عمر بن الخطاب متعتان كانتا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما متعة الحج ومتعة ~~النساء وقال طارق بن شهاب عن أبي موسى في قصة نهي عمر بن الخطاب عن هذه ~~المتعة قال فقلت يا أمير المؤمنين ما هذا الذي أحدثت في شأن النساء فقال إن ~~نأخذ بكتاب الله فإن الله يقول [وأتموا الحج والعمرة لله] وإن نأخذ بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم ما حل حتى نحر الهدي ~~فأخبر عمر أن هذه المتعة منسوخة بقوله [وأتموا الحج والعمرة لله] وهذا من ~~قوله يدل على جواز نسخ السنة بالقرآن # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك كان خاصا لأولئك # حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد ms0466 قال حدثنا نعيم عن عبد العزيز بن محمد عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن ~~عن الحرث بن بلال بن الحرث عن أبيه بلال ابن الحرث المزني قال قلت يا رسول ~~الله فسخ الحج لنا أو لمن بعدنا قال لا بل لنا خاصة # وقال أبو ذر لم يكن فسخ الحج بعمرة إلا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # وروي عن علي وعثمان وجماعة من الصحابة إنكار فسخ الحج بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم # وفي قول عمر متعتان كانتا على عهد # PageV01P362 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم الصحابة بها ما يوجب أن يكونوا قد ~~علموا من نسخها مثل علمه لولا ذلك ما أقروه على النهي عن سنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلم الصحابة من غير ثبوت النسخ وقد # روي عن جابر من طرق صحيحة أن سراقة بن مالك قال يا رسول الله أعمرتنا هذه ~~لعامنا أم للأبد فقال هي لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة # فأخبر في هذا الحديث أن العمرة التي فسخوا بها الحج كانت خاصة في تلك ~~الحال وأن مثلها لا يكون وأما # قوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة # فإنه مما # حدثنا به جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد وقوله دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة # يفسر تفسيرين أحدهما أن يكون دخول العمرة في الحج هو الفسخ بعينه وذلك ~~أنه يهل الرجل بالحج ثم يحل منه بعمرة إذا طاف بالبيت والآخر أن يكون دخول ~~العمرة في الحج هو المتعة نفسه وذلك أن يفرد الرجل العمرة في أشهر الحج ثم ~~يحل منها بحج من عامه قال أبو بكر وكلا الوجهين ملبس غير لائق باللفظ والذي ~~يقتضيه ظاهره أن الحج نائب عن العمرة والعمرة داخلة فيه فمن فعل الحج فقد ~~كفاه ms0467 عن العمرة كما تقول الواحد داخل في العشرة يعني أن العشرة مغنية عنه ~~وموفية عليه فلا يحتاج إلى استئناف حكمه ولا ذكره وقد قيل في أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه بالإحلال معنى آخر وهو ما رواه عمر بن ذر عن مجاهد ~~في قصة إحلال النبي صلى الله عليه وسلم وقال في آخره قلت لمجاهد أكانوا ~~فرضوا الحج وأمرهم أن يهلوا أو ينتظرون ما يؤمرون به وقال أهلوا بإهلال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وانتظروا ما يؤمرون به وكذلك # قال كل واحد من علي وأبي موسى أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم بديا ويدل عليه # قوله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة # فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به وبه أمر أصحابه ويدل عليه قوله أتاني آت من ~~ربي في هذا الوادي المبارك وهو وادي العقيق فقال صل في هذا الوادي المبارك ~~وقل حجة في عمرة فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ينتظر ما ~~يؤمر به فلما بلغ الوادي أمر بحجة في عمرة ثم أهل أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالحج وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بذلك فجاز لهم ~~مثله فلما أحرم منهم من أحرم بالحج لم يكن إحرامه صحيحا وكان موقوفا كما ~~كان إحرام علي وأبي موسى موقوفا ونزل الوحي وأمروا بالمتعة بأن يطوفوا ~~بالبيت ويحلوا ويعملوا عمل # PageV01P363 # العمرة ويحرموا بالحج كما يؤمر من يحرم بشيء لا يسميه لأنه يجعله عمرة إن ~~شاء وإن لم تكن تسميتهم الحج تسمية صحيحة إذ كانوا مأمورين بانتظار أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فكان وجه الخصوص لأولئك الصحابة أنهم أحرموا ~~بالحج ولم يصح تعيينهم له فكانوا بمنزلة من أحرم بشيء لا ينويه بعينه إذ ~~كانوا مأمورين بانتظار أمره صلى الله عليه وسلم وغيرهم من سائر الناس من ~~أحرم بشيء بعينه لزمه حكمه وليس له صرفه إلى غيره وقد أنكر ms0468 قوم أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بفسخ الحج على حال واحتجوا بما روى زيد بن ~~هارون قال حدثنا محمد بن عمر عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عائشة قالت ~~خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنواعا فمنا من أهل بحج مفردا ومنا ~~من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة فمن أهل بالحج مفردا لم يحل مما أحرم ~~عليه حتى يقضي مناسك الحج ومن أهل بعمرة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا ~~والمروة وحل من حرمه حتى يستقبل حجا وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثني أبو عبيد قال حدثني عبد الرحمن ابن مهدي ~~عن مالك بن أنس عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالحج والعمرة ومنا من ~~أهل بالعمرة قالت وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فأما من أهل ~~بالعمرة فطاف بالبيت وسعى وحل وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحل ~~إلى يوم النحر وقال حدثنا أبو عبيد قال حدثني عبد الرحمن عن مالك عن أبي ~~الأسود عن سليمان بن يسار مثل ذلك إلا أنه لم يذكر إهلال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقد روي عن عائشة خلاف ذلك # حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد أن عمرة بنت عبد الرحمن أخبرته أنها سمعت ~~عائشة تقول خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة ~~ونحن لا نرى إلا الحج فلما قربنا أو دنونا أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة قالت فأحل الناس كلهم إلا من كان ~~معه هدي # قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد عن ~~عمرة عن عائشة ms0469 عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وزاد فيه قال يحيى ~~فذكرت ذلك للقاسم بن محمد فقال جاءتك بالحديث على وجهه وهذا هو الصحيح لما ~~ورد فيه من الآثار المتواترة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ ~~الحج وقول عمر بحضرة الصحابة متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما # PageV01P364 # متعة النساء ومتعة الحج وهو يعني هذه المتعة فلم يظهر من أحد منهم إنكاره ~~ولا الخلاف عليه ولو تعارضت أخبار عائشة لكان سبيلها أن تسقط كأنه لم يرو ~~عنها شيء وتبقى الأخبار الأخر في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ ~~الحج من غير معارض ويكون منسوخا بقوله [وأتموا الحج والعمرة لله] على ما ~~روي عن عمر رضي الله عنه وقوله [فما استيسر من الهدي] قال أبو بكر الهدى ~~المذكور هاهنا مثل الهدي المذكور للإحصار وقد بينا أن أدناه شاة وأن من شاء ~~جعله بقرة أو بعيرا فيكون أفضل وهذا الهدي لا يجزى إلا يوم النحر لقوله ~~تعالى [فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم ~~وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق] وقضاء التفث وطواف الزيارة لا يكون ~~قبل يوم النحر ولما رتب هذه الأفعال على ذبح هذه البدن دل على أنها بدن ~~القران والتمتع لاتفاق الجميع على أن سائر الهدايا لا تترتب عليها هذه ~~الأفعال وأن له أن ينحرها متى شاء فثبت بذلك أن هدى المتعة غير مجزى قبل ~~يوم النحر ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة # وقد كان عليه السلام قارنا وقد ساق الهدي وأخبر أنه لو استقبل من أمره ما ~~استدبر ما ساق الهدي # ولو جاز ذبح هدي المتعة قبل يوم النحر لذبحه وحل كما أمر أصحابه وكان لا ~~يكون مستدركا في المستدبر شيئا قد فاته # وقال لعلي حين قال أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم إني سقت ~~الهدي ms0470 وإني لا أحل إلى يوم النحر # ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عنى مناسككم # وهو صلى الله عليه وسلم نحر بدنة يوم النحر # فلزم اتباعه ولم يجز تقديمه على وقته والله سبحانه والله أعلم. ### | باب صوم التمتع # قال الله تعالى [فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم] ~~قال أبو بكر قد اختلف في معنى قوله [فصيام ثلاثة أيام في الحج] # فروي عن علي أنه قبل يوم التروية بيوم ويوم التروية ويوم عرفة # وقالت عائشة وابن عمر من حين أهل الحج إلى يوم عرفة قال ابن عمر ولا ~~يصومهن حتى يحرم قال عطاء يصومهن في العشر حلالا إن شاء وهو قول طاوس وقالا ~~لا يصومهن قبل أن يعتمر قال عطاء وإنما يؤخرهن إلى العشر لأنه لا يدري عسى ~~يتيسر له الهدي قال أبو بكر هذا يدل على أن ذلك عندهما على جهة الاستحباب ~~لا على جهة الإيجاب فيكون بمنزلة استحبابنا لمن لا يجد الماء تأخير التيمم # PageV01P365 # إلى آخر الوقت إذا رجا وجود الماء وقول علي وعطاء وطاوس يدل على جواز ~~صومهن في العشر حلالا أو حراما لأنهم لم يفرقوا بين ذلك وأصحابنا يجيزون ~~صومهن بعد إحرامه بالعمرة ولا يجيزونه قبل ذلك وذلك لأن الإحرام بالعمرة هو ~~سبب التمتع قال الله [فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] فمتى وجد السبب جاز ~~تقديمه على وقت الوجوب كتعجيل الزكاة لوجود النصاب وتعجيل كفارة القتل ~~لوجود الجراحة ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه أنا قد علمنا ~~أن وجوب الهدي متعلق بوجوب تمام الحج وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة لأن قبل ~~ذلك يجوز ورود الفساد عليه فلا يكون الهدي واجبا عليه وإذا كان كذلك وقد ~~جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به ~~موجبا له إذ كان وجوبه متعلقا بتمام الحج والعمرة جميعا ثبت جوازه بعد وجود ~~سببه وهو العمرة ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة إذا فعله بعد إحرام ~~الحج ms0471 إنما هو لأجل وجود سببه وذلك موجود بعد إحرام العمرة فإن قيل لو كان ~~ما ذكرت سببا للجواز لوجب أن يجوز السبعة أيضا لوجود السبب قيل له لو لزمنا ~~ذلك على قولنا في جوازه بعد إحرام العمرة للزمك مثله في إجازتك له بعد ~~إحرام الحج لأنك تجيز صوم الثلاثة الأيام بعد إحرام الحج ولا تجيز السبعة ~~فإن قيل فإذا كان الصيام بدلا من الهدي والهدي لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ~~فكيف جاز الصوم قيل له لا خلاف في جواز الصوم قبل يوم النحر وقد ثبت بالسنة ~~امتناع جواز ذبح الهدي قبل يوم النحر وأحدهما ثابت بالاتفاق وبدليل قوله ~~[فصيام ثلاثة أيام في الحج] والآخر ثابت بالسنة فالاعتراض عليهما بالنظر ~~ساقط وأيضا فإن الصوم يقع مراعى منتظر به شيئان أحدهما إتمام العمرة والحج ~~في أشهر الحج والثاني أن لا يجد الهدي حتى يحل فإذا وجد المعنيان صح الصوم ~~عن المتعة وإذا عدم أحدهما بطل أن يكون صوم المتعة وصار تطوعا وأما الهدي ~~فقد رتب عليه أفعال أخر من حلق وقضاء التفث وطواف الزيارة فلذلك اختص بيوم ~~النحر فإن قيل قال الله [فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج] فلا يجوز ~~تقديمه على الحج قيل له لا يخلو قوله [فصيام ثلاثة أيام في الحج] من أحد ~~معان إما أن يريد به في الأفعال التي هي عمدة للحج وما سماه النبي صلى الله ~~عليه وسلم حجا وهو الوقوف بعرفة لأنه قال الحج عرفة أو أن يريد في إحرام ~~الحج أو في أشهر الحج لأن الله تعالى قال [الحج أشهر # PageV01P366 # معلومات] # وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذي لا يصح إلا به لأن ذلك إنما هو ~~يوم عرفة بعد الزوال ويستحيل صوم الثلاثة الأيام فيه ومع ذلك فلا خلاف في ~~جوازه قبل يوم عرفة فبطل هذا الوجه وبقي من وجوه الاحتمال في إحرام الحج أو ~~في أشهر الحج وظاهره يقتضي جواز فعله بوجود أيهما كان لمطابقته اللفظ في ~~الآية وأيضا قوله ms0472 [فصيام ثلاثة أيام في الحج] معلوم أن جوازه معلق بوجود ~~سببه لا بوجوبه فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه بالعمرة وجب أن يجزى ~~ولا يكون ذلك خلاف الآية كما أن قوله [ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة] لا يمنع جواز تقديمها على القتل لوجود الجراحة وكذلك قوله لا زكاة ~~في مال حتى يحول عليه الحول لم يمنع جواز تعجيلها لوجود سببها وهو النصاب ~~فكذلك قوله [فصيام ثلاثة أيام في الحج] غير مانع جواز تعجيله لأجل وجود ~~سببه الذي به جاز فعله في الحج فإن قيل لم نجد بدلا يجوز تقديمه على وقت ~~المبدل عنه ولما كان الصوم بدلا من الهدي لم يجز تقديمه عليه قيل له هذا ~~اعتراض على الآية لأن نص التنزيل قد أجاز ذلك في الحج قبل يوم النحر وأيضا ~~فإنا لم # نجد ذلك فيما تقدم البدل كله على وقت المبدل عنه وها هنا إنما جاز تقديم ~~بعض الصيام على وقت الهدي وهو صوم الثلاثة الأيام والسبعة التي معها غير ~~جائز تقديمها عليه لأنه تعالى قال [وسبعة إذا رجعتم] فإنما أجيز له من ذلك ~~مقدار ما يحل به يوم النحر إذا لم يجد الهدي وأيضا فإن الصوم لما كان بدلا ~~من الهدي وهدي العمرة يصح إيجابه بعد إحرام العمرة ويتعلق به حكم التمتع في ~~باب المنع من الإحلال إلى أن يذبحه فكذلك يجوز الصيام بدلا منه من حيث صح ~~هديا للمتعة ويدل أيضا على صحة كونه عن المتعة أنه متى بعث بهدي المتعة ثم ~~خرج يريد الإحرام أنه يصير محرما قبل أن يلحقه فدل ذلك على صحة هدي المتعة ~~بالسوق فكذلك يصح الصوم بدلا منه إذا لم يجد فإن قيل فقد يصح هديا قبل أن ~~يحرم بالعمرة ولا يجوز الصوم في تلك الحال قيل له قبل إحرام المتعة لم ~~يتعلق به حكم المتعة والدليل على ذلك أنه لا تأثير له في هذه الحال في حكم ~~الإحرام ووجوده وعدمه سواء فلم يصح الصوم معه قبل إحرام العمرة ms0473 فإذا أحرم ~~بعمرة ثبت لها حكم الهدي في منعه الإحلال فلذلك جاز الصوم في تلك الحال كما ~~صح هديا للمتعة ويدل على جواز تقديم الصوم على إحرام الحج أن سنة المتمتع ~~أن يحرم بالحج يوم التروية # وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه # PageV01P367 # حين أحلوا من إحرامهم بعمرة # ولا يكون إلا وقد تقدم الصوم قبل ذلك. ### | باب المتمتع إذ لم يصم قبل يوم النحر # قال الله تعالى [فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج] واختلف السلف فيمن ~~لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر فقال عمر بن الخطاب ~~وابن عباس وسعيد ابن جبير وإبراهيم وطاوس لا يجزيه إلا الهدي وهو قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد وقال ابن عمر وعائشة يصوم أيام منى وهو قول مالك # وقال علي بن أبي طالب يصوم بعد أيام التشريق # وهو قول الشافعي # قال أبو بكر قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن صوم يوم الفطر ~~ويوم النحر وأيام التشريق # في أخبار متواترة مستفيضة واتفق الفقهاء على استعمالهما وأنه غير جائز ~~لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة لا من فرض ولا من نفل فلم يجز ~~صومها عن المتعة لعموم النهي عن الجميع ولما اتفقوا على أنه لا يجوز أن ~~يصوم يوم النحر وهو من أيام الحج للنهي الوارد فيه كذلك لا يجوز الصوم أيام ~~منى ولما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان لقوله [فعدة من أيام أخر] وكان ~~الحظر المذكور في هذه الأخبار قاضيا على إطلاق الآية موجبا لتخصيص القضاء ~~في غيرها وجب أن يكون ذلك حكم صوم التمتع وأن يكون قوله تعالى [فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج] في غير هذه الأيام قال أبو بكر وأيضا لما قال [فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج] ولم يكن صوم هذه الأيام في الحج لأن الحج فائت في هذا الوقت ~~لم يجز أن يصومها فإن قيل لما قال [فصيام ثلاثة أيام في الحج] وهذه من أيام ~~الحج ms0474 وجب أن يجوز صومهن فيها قيل له لا يجب ذلك من وجوه أحدها # أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم هذه الأيام قاض عليه ومخصص له # كما خص قوله تعالى [فعدة من أيام أخر] نهيه عن صيام هذه الأيام والثاني ~~أنه لو كان جائز إلا أنه من أيام الحج لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز ~~لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام والثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خص يوم عرفة بالحج # بقوله الحج عرفة # فقوله [فصيام ثلاثة أيام في الحج] يقتضي أن يكون آخرها يوم عرفة والرابع ~~أنه # روي أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة # وروي أنه يوم النحر # وقد اتفقوا أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج فما لم يسم يوم الحج ~~من الأيام المنهي عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها وأيضا فإن الذي يبقى بعد ~~يوم النحر إنما هو من توابع الحج # PageV01P368 # وهو رمي الجمار فلا اعتبار به في ذلك فليس هو إذا من أيام الحج فلا يكون ~~صومها صوما في الحج وأما القول في صومها بعد أيام منى فإن أصحابنا لم ~~يجيزوه لقوله تعالى [فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج] فجعل أصل الفرض هو الهدي ونقله إلى صوم مقيد بصفة وقد فات فوجب أن ~~يكون الواجب هو الهدي كقوله [فصيام شهرين متتابعين] وقوله [فتحرير رقبة ~~مؤمنة] فغير جائز وقوعها عن الكفارة إلا على الصفة المشروطة فإن قيل أكثر ~~ما فيه إيجاب فعله في وقت فلا يسقطه فواته كقوله تعالى [أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس- وحافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى] وقوله [وقرآن الفجر] وما جرى ~~مجرى ذلك من الفروض المخصوصة بأوقاتها ثم لم يكن فواتها مسقطا لها فالجواب ~~عن هذا من وجهين أحدهما أن كل فرض مخصوص بوقت فإن فوات الوقت يسقطه وإنما ~~يحتاج إلى دلالة أخرى في إيجاب فرض آخر لأن المفروض في هذا الوقت الثاني هو ~~غير المفروض في الوقت الأول ولولا # قول النبي ms0475 صلى الله عليه وسلم (من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها) # لما وجب قضاء الصلاة إذا فاتت عن أوقاتها وكذلك لولا قوله [فعدة من أيام ~~أخر] لما وجب قضاء صوم رمضان بعد فواته عن وقته ولما كان صوم الثلاثة ~~الأيام مخصوصا بوقت ومعقودا بصفة وهو فعله في الحج ثم لم يفعله على الصفة ~~المشروطة وفي الوقت المخصوص به لم يجز إيجاب قضائه وإقامة غيره مقامه إلا ~~بتوقيف والثاني أن صوم الثلاثة الأيام جعل بدلا من الهدي عند عدمه بهذه ~~الشريطة فغير جائز إثباته بدلا إلا على هذا الوصف ألا ترى أن التيمم لما ~~كان بدلا عن الماء لم يجز لنا أن نقيم غير التراب مقام التراب عند عدمه مثل ~~الدقيق والأشنان ونحوهما كذلك لما جعل الصوم بدلا عن الهدي على أن يفعله ~~على صفة لا يجوز أن نقيم مقامه صوما غيره على غير تلك الصفة وليس كذلك حكم ~~الصلوات الفوائت لأنا لم نقم القضاء بدلا منها عند عدمها وإنما هي فروض ~~ألزمها عند الفوات فإن قيل شرط الله تعالى صوم الظهار قبل المسيس فإن مسها ~~لم ينتقل إلى العتق كذلك صوم هذه الأيام وإن كان مشروطا في الحج فإن فواته ~~فيه لا يسقط ولا يوجب الرجوع إلى الهدي قيل له من قبل أن صوم الظهار مشروط ~~قبل المسيس والنهي عن المسيس قائم قبله وبعده فالصفة التي علق بها فعل ~~البدل موجودة فلذلك جاز والحج الذي علق به جواز البدل الذي هو الصوم غير ~~موجود # PageV01P369 # لأن الحج قد فات ففات فعل الصوم بفواته وأيضا فإن ظاهره يقتضى سقوطه ~~بوجوده قبل المسيس ولولا قيام الدلالة من غير الآية على جوازه لما أجزناه ~~ومن الناس من لا يوجب كفارة الظهار بعد المسيس وأظنه مذهب طاوس ولكنه # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي المظاهر عن الجماع بعد المسيس ~~حتى يكفر # والله أعلم. ### | باب ذكر اختلاف الفقهاء فيمن دخل في صوم المتعة ثم وجد الهدي # قال أصحابنا إذا وجد الهدي ms0476 بعد دخوله في الصوم أو بعد ما صام قبل أن يحل ~~فعليه الهدي ولا يجزيه غيره وهو قول إبراهيم النخعي وقال مالك والشافعي إذا ~~دخل في الصوم ثم وجد الهدي أجزأه الصوم وليس عليه هدي وروي مثله عن الحسن ~~والشعبي وقال عطاء إذا صام يوما ثم أيسر فعليه الهدي وإن صام ثلاثة أيام ثم ~~أيسر فليس عليه هدي وليصم السبعة والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى ~~[فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج] ففرض الهدي قائم عليه ما لم يحل أو يمضي أيام النحر التي هي ~~مسنونة للحلق فمتى وجده فعليه أن يهدي وبطل صومه ومعلوم أن الهدي مشروط ~~للإحلال لأنه لا يجوز أن يحل قبل ذبح الهدي لقوله تعالى [ولا تحلقوا رؤسكم ~~حتى يبلغ الهدي محله] فمتى لم يحل حتى وجد الهدي فعليه الهدي لأن الله ~~تعالى لم يفرق في إيجابه الهدي بين حاله قبل دخوله في الصوم وبعده ويدل على ~~أن الهدي مشروط للإحلال قوله تعالى [فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم] فأمرهم بقضاء التفث بعد ذبح ~~الهدي فإذا كان كذلك وجب أن يراعى وقوع الإحلال فإن صام رجل ثم وجد الهدي ~~لم ينتقض صومه ولم يلزمه الهدي لوجود المعنى الذي من أجله شرط الهدي ثم نقل ~~عند عدمه إلى البدل وهو بمنزلة المتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة ~~والعاري إذا وجد ثوبا والمظاهر إذا فرغ من الصوم ثم وجد الرقبة لأن الفرض ~~قد سقط عنه فلا ينتقض حكم المفعول منه وأما قبل الفراغ من هذه الأشياء التي ~~ذكرنا فإن حكم البدل مراعى فإن تم وفرغ منه فقد وقع موقع البدل وأجزى عن ~~أصل الفرض وإن وجد الأصل قبل الفراغ مما شرط له انتقض حكمه وعاد إلى أصل ~~فرضه ألا ترى أن دخوله في الصلاة مراعى ومنتظر بها آخرها لأن ما يفسد آخرها ~~يفسد أولها فوجب أن يكون ms0477 حكم التيمم بعد دخوله في الصلاة # PageV01P370 # منتظرا مراعى وكذلك صوم الظهار إذا دخل فيه فهو مراعى منتظر ألا ترى أنه ~~لو أفطر فيه يوما انتقض كله وعاد إلى أصل فرضه كذلك إذا وجد الرقبة وهو في ~~الصوم وجب أن ينتقض صومه عن الظهار ويعود إلى أصل فرضه كما لو تيمم ولم ~~يدخل في الصلاة حتى وجد الماء انتقض تيممه لأنه وقع مراعى على شريطة أن لا ~~يجد الماء حتى يقضي به الفرض وزعم بعض المخالفين أنه إذا ابتدأ بصوم الظهار ~~فقد سقط عنه فرض الرقبة لصحة الجزء المفعول وكذلك الداخل في الصلاة بالتيمم ~~فقد سقط عنه فرض الطهارة بالماء لهذه الصلاة وكذلك إذا دخل في صوم التمتع ~~فقد سقط عنه فرض الهدي لأن الجزء المفعول منه قد صح وفي الحكم بصحة ذلك ~~إسقاط فرض الأصل قال وليس كذلك المتيمم إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة ~~لأن التيمم غير مفروض في نفسه وإنما هو مفروض لأجل الصلاة وهو مراعى فمتى ~~وجد الماء قبل دخوله في الصلاة بطل تيممه والذي في عروض التيمم بعد الدخول ~~دخوله في الصوم وهذا الذي قاله شديد الإختلاف ظاهر الفساد لأن الفرض لم ~~يسقط بدخوله في صوم المتعة ولا في صوم الظهار ولا في الصلاة بل دخوله مراعى ~~موقوف الحكم على آخره والدليل عليه أنه متى أفسد باقي الصلاة فسد ما قبله ~~وكذلك إذا فسد باقي صوم الظهار فسد ما تقدم منه وكذلك لو دخل في صوم المتعة ~~ثم أفسده في أول يوم منه فسد فإن كان واجدا للهدي لم يجزه الصوم بالاتفاق ~~فقوله لما حكمنا بصحة الجزء المفعول من البدل سقط عنه فرض الأصل خطأ لأن ~~الحكم لم يقع بصحته وإنما حكمه أن يكون منتظرا به آخره فإن تم مع عدل فرض ~~الأصل ثبت حكمه وإن وجد الأصل قبل تمامه بطل حكمه وعاد إلى أصل فرضه ومن ~~حيث حكم للمتيمم بحكم الانتظار إلى أن يدخل في الصلاة وجب أن يكون حكمه بعد ~~الدخول في الصلاة ms0478 لأن الصلاة المفعولة به منتظر بها الفراغ منها فوجب أن لا ~~يختلف حكمه في وجود الماء قبل دخوله في الصلاة وبعده وكذلك سائر ما ذكرنا ~~من صوم التمتع وصوم الظهار ونحوه وقالوا جميعا في الصغيرة المدخول بها إذا ~~فارقها # زوجها إن عدتها الشهور وإنه لا يختلف حكمها عند عدم الحيض في وجوده قبل ~~الطلاق أو بعده بعد وجوب الشهور في انتقالها إلى الحيض وكذلك قالوا في ~~الماسح على الخفين إذا خرج وقت مسحه وهو في الصلاة أو قبلها وتساوى حكم ~~الحالين من الابتداء والبقاء في منع الصلاة ولزوم غسل الرجلين # PageV01P371 # وكذلك قال الشافعي في المستحاضة إذا زالت استحاضتها وهي في الصلاة أو قبل ~~دخولها فيها في استواء حكم الحالين في باب المنع منها إلا بعد تجديد ~~الطهارة لها وذكر بعض أصحاب مالك أن المرأة إذا طلقها زوجها طلاقا رجعيا ثم ~~مات عنها كانت عليها عدة الوفاة لأنها كانت في حكم الزوجات عند الموت قال ~~فلو أن رجلا كانت تحته أمة وطلقها كانت عليها عدة الأمة فإن عتقت وهي في ~~العدة لم تنتقل عدتها إلى عدة الحرة وإن كان زوجها يملك رجعتها قال لأنه لم ~~يحدث هناك شيء يجب به عدة كما حدث الموت في المسألة التي قبلها وهو موجب ~~للعدة ويلزمه على هذا أن لا تنتقل عدة الصغيرة إذا حاضت لأنه لم يحدث ما ~~يوجب العدة وهو وجود الحيض كما لا يجب بالعتق كما اقتضاه اعتلاله قوله ~~تعالى [وسبعة إذا رجعتم] روي عن عطاء قال إن شاء صامهن بمكة وإن شاء إذا ~~رجع إلى أهله وروى الحسن قال إن شاء صام في الطريق وإن شاء إذا رجع إلى ~~أهله وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقال بن عمر والشعبي يصومهن إذا رجع ~~إلى أهله وقوله تعالى [إذا رجعتم] محتمل للرجوع من منى وللرجوع إلى أهله ~~فهو على أول الرجوعين وهو الرجوع من منى ويدل عليه أن الله حظر صيام أيام ~~التشريق وأباح السبعة بعد الرجوع فالأولى أن يكون المراد الوقت ms0479 الذي أباح ~~فيه الصوم بعد حظره وهو انقضاء أيام التشريق قوله تعالى [تلك عشرة كاملة] ~~قال أبو بكر قد قيل فيه وجوه منها أنها كاملة في قيامها مقام الهدي فيما ~~يستحق من الثواب وذلك لأن الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب جواز الإحلال ~~بها يوم النحر قبل صيام السبعة فكان جائزا أن يظن ظان أن الثلاثة قد قامت ~~مقام الهدي في باب استكمال الثواب فأعلمنا الله أن العشرة بكمالها هي ~~القائمة مقامه في استحقاق ثوابه وأن الحكم قد تعلق بالثلاثة في جواز ~~الإحلال بها وفي ذلك أعظم الفوائد في الحث على فعل السبعة والأمر بتعجيلها ~~بعد الرجوع لاستكمال ثواب الهدي وقيل فيه إنه أزال احتمال التخيير وأن تكون ~~الواو فيه بمعنى أو إذ كانت الواو قد تكون في معنى أو في بعض المواضع فأزال ~~هذا الاحتمال بقوله [تلك عشرة كاملة] وقيل المعنى تأكيده في نفس المخاطب ~~والدلالة على انقطاع التفصيل في العدد كما قال الشاعر «1» : # ثلاث واثنتين فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمام «2» PageV01P372 # وجعل الشافعي هذا أحد أقسام البيان وذكر أنه من البيان الأول ولم يجعل ~~أحد من أهل العلم ذلك من أقسام البيان لأن قوله ثلاثة وسبعة غير مفتقر إلى ~~البيان ولا إشكال على أحد فيه فجاعله من أقسام البيان مغفل في قوله # قوله تعالى [الحج أشهر معلومات] قال أبو بكر قد اختلف السلف في أشهر الحج ~~ما هي فروي عن ابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد أنها شوال وذو القعدة ~~وعشر من ذي الحجة وروى عن عبد الله ابن مسعود أنها شوال وذو القعدة وذو ~~الحجة وروي عن ابن عباس وابن عمر في راوية أخرى مثله وكذلك روي عن عطاء ~~ومجاهد وقال قائلون وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا في الحقيقة وأن يكون مراد ~~من قال وذو الحجة أنه بعضه لأن الحج لا محالة إنما هو في بعض الأشهر لا في ~~جميعها لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شيء من مناسك الحج وقالوا ms0480 ~~ويحتمل أن يكون من تأوله على ذي الحجة كله مراده أنها لما كانت هذه أشهر ~~الحج كان الاختيار عنده فعل العمرة في غيرها كما روي عن عمر وغيره من ~~الصحابة استحبابهم لفعل العمرة في غير أشهر الحج على ما قدمنا وحكى الحسن ~~بن أبي مالك عن أبي يوسف قال شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة لأن من ~~لم يدرك الوقوف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فحجه فائت ولا تنازع بين ~~أهل اللغة في تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث بقوله [أشهر معلومات] كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى ثلاثة وإنما هي يومان وبعض الثالث # ويقولون حججت عام كذا وإنما الحج في بعضه ولقيت فلانا سنة كذا وإنما كان ~~لقاؤه في بعضها وكلمته يوم الجمعة والمراد البعض وذلك من مفهوم الخطاب إذا ~~تعذر استغراق الفعل للوقت كان المعقول منه البعض قال أبو بكر ولقول من قال ~~إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة وجه آخر وهو شائع مستقيم وهو ينتظم القولين ~~من المختلفين في معنى الأشهر المعلومات وهو أن أهل الجاهلية قد كانوا ~~ينسئون الشهور فيجعلون صفر المحرم ويستحلون المحرم على حسب ما يتفق لهم من ~~الأمور التي يريدون فيها القتال فأبطل الله تعالى النسيء وأقر وقت الحج على ~~ما كان ابتداؤه عليه يوم خلق السموات كما # قال صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع ألا إن الزمان قد استدار كهيئته ~~يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم شوال وذو ~~القعدة وذو الحجة ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان # قال الله تعالى [الحج أشهر معلومات] # PageV01P373 # يعني بها هذه الأشهر التي ثبت وقت الحج فيها دون ما كان أهل الجاهلية ~~عليه من تبديل الشهور وتأخير الحج وتقديمه وقد كان وقت الحج معلقا عندهم ~~وهذه الثلاثة التي يأمنون فيها واردين وصادرين فذكر الله هذه الأشهر ~~وأخبرنا باستقرار أمر الحج وحظر بذلك تغييرها وتبديلها إلى غيرها وفيه وجه ~~آخر وهو أن الله لما قدم ms0481 ذكر التمتع بالعمرة إلى الحج ورخص فيه وأبطل به ما ~~كانت العرب تعتقده من حظر العمرة في الأشهر قال [الحج أشهر معلومات] فأفاد ~~بذلك أن الأشهر التي يصح فيها التمتع بالعمرة إلى الحج وثبت حكمه فيها هذه ~~الأشهر وأن من اعتمر في غيرها ثم حج لم يكن له حكم التمتع والله أعلم. ### | باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج # قال أبو بكر قد اختلف السلف في جواز الإحرام قبل أشهر الحج فروى مقسم عن ~~ابن عباس قال من سنة الحج أن لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج وأبو الزبير عن ~~جابر قال لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج وروى مثله عن طاوس وعطاء ~~ومجاهد وعمرو بن ميمون وعكرمة وقال عطاء من أحرم بالحج قبل أشهر الحج ~~فليجعلها عمرة # وقال علي رضي الله عنه في قوله تعالى [وأتموا الحج والعمرة لله] إن ~~إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ولم يفرق بين من كان بين دويرة أهله # وبين مكة مسافة بعيدة أو قريبة فدل ذلك على أنه كان من مذهبه جواز ~~الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وما رواه مقسم عن ابن عباس أن من سنة الحج أن ~~لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج يدل ظاهره على أنه لم يرد بذلك حتما واجبا ~~وروي عن إبراهيم النخعي وأبي نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وهو ~~قول أصحابنا جميعا ومالك والثوري والليث بن سعد وقال الحسن بن صالح بن حي ~~إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج جعله عمرة فإذا أدركته أشهر الحج قبل أن ~~يجعلها عمرة مضى في الحج وأجزأه وقال الأوزاعي يجعلها عمرة وقال الشافعي ~~يكون عمرة قال أبو بكر قد قدمنا فيما سلف ذكر وجه الدلالة على جواز ذلك من ~~قوله تعالى [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] وأن ذلك عموم في ~~كون الأهلة كلها وقتا للحج ولما كان معلوما أنها ليست ميقاتا لأفعال الحج ~~وجب أن يكون حكم اللفظ مستعملا في إحرام الحج فاقتضى ذلك جوازه عند ms0482 سائر ~~الأهلة وغير جائز الاقتصار على بعضها # PageV01P374 # دون بعض لاتفاق الجميع على أن إرادة الله تعالى عموم جميع الأهلة فيما ~~جعله مواقيت للناس وأنه لم يرد به بعض الأهلة دون بعض فمن حيث انتظم فيما ~~جعله مواقيت للناس جميعا وجب أن يكون ذلك حكمها فيما جعله للحج منها إذ هما ~~جميعا قد انطويا تحت لفظ واحد فإن قيل لما جعلها مواقيت للحج والحج في ~~الحقيقة هو الأفعال الموجبة بالإحرام ولم يكن الإحرام هو الحج وجب أن يحمل ~~على حقيقته فتكون الأهلة التي هي مواقيت للحج شوالا وذا العقدة وذا الحجة ~~لأن هذه الأشهر هي التي تصح فيها أفعال الحج لأنه لو طاف وسعى للحج قبل ~~أشهر الحج لم يصح عند الجميع فيكون لفظ الحج مستعملا على حقيقته قيل له هذا ~~غلط لما فيه من إسقاط حكم اللفظ رأسا وذلك لأن قوله [يسئلونك عن الأهلة قل ~~هي مواقيت للناس والحج] يقتضي أن تكون الأهلة نفسها ميقاتا للحج وفروض الحج ~~ثلاثة الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيارة ومعلوم أن الأهلة ليست ميقاتا ~~للوقوف ولا لطواف الزيارة إذ هما غير مفعولين في وقت الهلال فلم تبق الأهلة ~~ميقاتا إلا للإحرام دون غيره من فروضه ولو حملناه على ما ذكرت لم يكن شيء ~~من هذه الفروض متعلقا بالأهلة ولا كانت الأهلة ميقاتا لها فيؤدي ذلك إلى ~~إسقاط ذكر الأهلة وزوال فائدته فإن قيل إذا كانت معرفة وقت الوقوف متعلقة ~~بالهلال جاز أن يقال إن الهلال ميقات له قيل له ليس ذلك كما ظننت لأن ~~الهلال له وقت معلوم على ما قدمنا فيما سلف ولا يسمى بعد مضي ذلك الوقت ~~هلالا ألا ترى أنه لا يقال للقمر ليلة الوقوف هلالا والله تعالى إنما جعل ~~الهلال نفسه ميقاتا للحج وأنت إنما تجعل غير الهلال ميقاتا وفي ذلك إسقاط ~~حكم اللفظ ودلالته ألا ترى أنه إذا جعل محل الدين هلالا شهر كذا كان الهلال ~~نفسه وقتا لثبوت حق المطالبة ووجوب أدائه إليه لا ما بعده من الأيام وكذلك ms0483 ~~الإجارات إذا عقدت على الأهلة فإنما يعتبر فيها وقت رؤية الهلال وذلك مفهوم ~~من اللفظ لا يشكل مثله على ذي فهم وأما قوله إن الحج هو اسم للأفعال ~~الموجبة بالإحرام وإن الإحرام لا يسمى حجا فإن الإحرام إذا كان سببا لتلك ~~الأفعال ولا يصح حكمها إلا به فجائز أن يسمى باسمه على ما بينا في أول ~~الكتاب من تسمية الشيء باسم غيره إذا كان سببا أو مجاورا فسمي الإحرام حجا ~~على هذا الوجه وأيضا فإنه إذا كان جائزا إضمار الإحرام حتى يكون في معنى قل ~~هي مواقيت للناس # PageV01P375 # ولإحرام الحج على نحو قوله [وسئل القرية] ومعناه أهل القرية وقوله [ولكن ~~البر من اتقى] ومعناه ولكن البر من اتقى وجب استعماله على هذا المعنى ليصح ~~إثبات حكم اللفظ في جعله الأهلة مواقيت الحج وأيضا لما كان الحج في اللغة ~~اسما للقصد وإن كان في الشرع قد علق به أفعال أخر يصح إطلاق الاسم عليه لم ~~يمتنع أن يسمى الإحرام حجا لأن أول قصد يتعلق به حكم هو الإحرام وقبل ~~الإحرام لا يتعلق بذلك القصد حكم فجائز من أجل ذلك أن يسمى الإحرام حجا إذ ~~هو أوله فيكون قوله [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] منتظما ~~للإحرام وغيره من أفعال # الحج ومناسكه لو خلينا وظاهره فلما خصت الأفعال بأوقات محصورة خصصناها من ~~الجملة وبقي حكم اللفظ في الإحرام ويدل على أن الحج في اللغة هو القصد قول ~~الشاعر: # يحج مأمومة في قعرها لجف يعني يقصدها ليعرف مقدارها وليس يجب من حيث علق ~~بالقصد أفعال أخر لا يستحق القصد اسم الحج في الشرع إلا بها إسقاط اعتبار ~~القصد فيه ألا ترى أن الصوم في أصل اللغة اسم للإمساك وهو في الشرع اسم ~~لمعان أخر معه ولم يسقط مع ذلك اعتبار الإمساك في صحته وكذلك الاعتكاف اسم ~~اللبث وهو في الشرع اسم لمعان أخر مع اللبث فكان معنى الاسم الموضوع له ~~معتبرا وإن ألحقت به في الشرع معان أخر لا يثبت حكم ms0484 الاسم في الشرع إلا ~~بوجودها وكذلك الحج لما كان اسما في اللغة للقصد ثم كان حكم ذلك القصد ~~متعلقا بالإحرام وما قبله لا حكم له جاز أن يكون الإحرام مسمى بهذا الاسم ~~كما سمي به الطواف والوقوف بعرفة وأفعال المناسك فوجب بحق العموم كون ~~الأهلة كلها ميقاتا للإحرام وقد اقتضى العموم ذلك لسائر أفعال الحج لولا ~~قيام الدلالة على تخصيصها بأوقات محصورة دليل آخر وهو قوله [الحج أشهر ~~معلومات] وقد قدمنا ذكر أقاويل السلف في الأشهر وأن منهم من قال شوال وذو ~~القعدة وعشر من ذي الحجة وقال آخرون شوال وذو القعدة وذو الحجة فحصل من ~~اتفاقهم أن يوم النحر من أشهر الحج فوجب بعموم قوله [أشهر معلومات] جواز ~~الإحرام بالحج يوم النحر وإذا صح يوم النحر جاز في سائر السنة لأن أحدا لم ~~يفرق في جوازه بين يوم النحر وبين سائر أيام السنة فإن قيل إن من قال عشر ~~من ذي الحجة إنما أراد به عشر ليال ولم يجعل يوم النحر منها لأنه يكون الحج ~~فائتا بطلوع # PageV01P376 # الفجر من يوم النحر قيل له قول من قال عشرا إن كان مراده عشر ليال فإن ~~ذكر الليالي يقتضي دخول ما بإزائها من الأيام كقوله في موضع [ثلاث ليال ~~سويا] وقد أراد الأيام ألا ترى إلى قوله في موضع آخر عند ذكر هذه القصة ~~بعينها [ثلاثة أيام إلا رمزا] وقال تعالى [والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا] وهي أربعة أشهر وعشرة أيام # وقد روي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن شداد وعبد الله بن أبي أوفى في ~~آخرين أن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر # ويستحيل أن يكون يوم النحر يوم الحج الأكبر ولا يكون من أشهر الحج ومع ~~ذلك فإن قوله [الحج أشهر معلومات] يقتضي ظاهره استيعاب الشهور الثلاثة ولا ~~ينقص شيء منه إلا بدلالة فثبت بذلك أن يوم النحر من أشهر الحج وقد أباح ~~الله الإحرام فيه بقوله [الحج أشهر معلومات] فوجب أن يصح ms0485 ابتداء الإحرام ~~فيه وإذا صح فيه صح في سائر أيام السنة بالاتفاق وفي هذه الآية دلالة من ~~وجه آخر على جواز الإحرام قبل دخول أشهر الحج وهو قوله في سياق الخطاب [فمن ~~فرض فيهن الحج] معنى فرض الحج فيهن إيجابه فيها لأن سائر الأفعال موجبة به ~~ولم يوقت للفرض وقتا وإنما وقته للفعل لأن الفرض المذكور في هذا الموضع هو ~~لا محالة غير الحج الذي علقه به وإذا كان كذلك كان الوقت وقتا لأفعال ~~المناسك وألزمه إياها بفرض غير موقت وجب أن يصح فعل إحرام الحج قبل أشهر ~~الحج يوجب أفعال المناسك ويدلك على ما ذكرنا أنه يصح أن يبتدئ حجا بنذر قبل ~~أشهر الحج فيكون موجبا للحج في وقته المشروط وإن كان إيجابه قبله ومن قال ~~لله علي أن أصوم غدا كان في هذا الوقت موجبا لصوم غد قبل وجوده فكذلك جائز ~~أن يقال لمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج إنه موجب للحج في أشهر الحج وإن كان ~~فرضه وابتداء إحرامه في غيره فاقتضى ظاهر قوله تعالى [فمن فرض فيهن الحج] ~~إيجاب فعل الحج بفرض قبلهن أو فيهن إذ كان ظاهر اللفظ يتناول الفروض في ~~الوقتين ويدل عليه من جهة السنة # حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أراد الحج فليتعجل) # وذلك على الإحرام وأفعاله إلا ما قال دليله مما لا يجوز تقديمه على وقته ~~ويدل عليه أيضا قوله في ذكر المواقيت هن لأهلهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ~~ممن أراد الحج والعمرة وذلك عموم في جواز الإحرام بالحج في أي وقت مر عليهن ~~من السنة ويدل عليه من جهة # PageV01P377 # النظر اتفاق الجميع على بقاء إحرام الحج بكماله بعد طلوع الفجر يوم النحر ~~قبل رمي الجمار ولو كان الإحرام بالحج لا يجوز قبل أشهر الحج لوجب أن لا ~~يبقى بكماله في الوقت الذي لا يصح فيه ابتداء الإحرام وفي بقاء إحرامه يوم ~~النحر قبل رمي الجمار دليل على جواز ابتدائه وذلك لأن مناسك الحج ms0486 محصورة ~~بأوقات غير جائز تقديمها عليها فلو لم يكن يوم النحر وقتا للإحرام لما جاز ~~بقاؤه فيه ألا ترى أن الجمعة لما كانت محصورة بوقت لا يجوز تقديمها عليه لم ~~يجز أن تبقى الجمعة بعد الدخول فيها في وقت لا يصح ابتداؤها فيه نحو أن ~~يدخل في الجمعة ثم يدخل وقت العصر قبل الفراغ منها فتبطل ولا يبقى حكمها ~~بعد خروج الوقت كما لا يصح ابتداؤها فيه فكذلك إحرام الحج لو كان محصورا ~~بأشهر الحج لما صح بقاؤه بكماله بعد انقضائه كما لا يصح عند مخالفينا ~~ابتداؤه فلما صح بقاؤه في يوم النحر صح ابتداؤه ويدل على ذلك اتفاق الجميع ~~على جواز الإحرام بالحج في وقت يتراخى عنه أفعاله ولا يصح إيقاعها فيه فوجب ~~أن يجوز تقديمه على أشهر الحج كما صح فعله فيها لأن موجبه من الأفعال متراخ ~~عنه وأيضا لو كان الإحرام موقتا لوجب أن يتصل به موجب أفعاله كما أن إحرام ~~الصلاة لما كان موقتا كان موجبه من فرضه متصلا به ولم يجز تراخيه عنه ويحتج ~~لذلك أيضا باتفاق الجميع على أن المتمتع هو الجامع بين أفعال العمرة والحج ~~في سفر واحد ممن ليس من حاضري المسجد الحرام ولا يختلف حكم إحرام العمرة ~~بأن يكون في أشهر الحج أو قبله فيما يقتضيه حكم المتمتع كذلك يجب أن لا ~~يختلف حكم إحرام الحج في كونه في أشهر الحج أو قبله والمعنى الجامع بينهما ~~أن حكم كل واحد من موجب الإحرامين من الأفعال متعلق بوقوعه في أشهر الحج ~~فوجب استواء حكم الإحرامين في الوجه الذي ذكرنا كما استوى حكم أفعالهما في ~~صحة وقوعهما في أشهر الحج واحتج من أبى تجويز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج ~~بظاهر قوله تعالى [الحج أشهر معلومات] وقد ذكرنا وجه الدلالة منه على جوازه ~~قبل أشهر الحج ومع ذلك فإن قوله [الحج أشهر معلومات] حكمه متعلق بضمير لا ~~يستغني عنه الكلام وذلك أنه معلوم أن الحج لا يكون أشهرا لأن الحج هو فعل ~~الحاج والأشهر ms0487 هي فعل الله تعالى وغير جائز أن يكون فعل الله هو فعل العبد ~~فثبت أن فيه ضميرا ويحتمل أن يكون الضمير فعل الحج في أشهر معلومات وليس في ~~شيء منه نفي لجواز إحرامه قبل أشهر الحج وإنما يفيد أن # PageV01P378 # فعل الحج في هذه الأشهر وأن الإحرام جائز فيها وليس في تجويز الإحرام ~~فيها نفي لجوازه في غيرها فإن قيل قد تضمن ذلك الأمر بإحرام الحج أو أفعاله ~~فيها فغير جائز فعلها في غيرها قيل له هذا غلط لأنه ليس في اللفظ دلالة على ~~الأمر وإنما فيه الدلالة على جوازه فيها فأما الإيجاب فلا دلالة عليه من ~~اللفظ وإذا كان كذلك فأكثر ما فيه تجويز إحرام الحج وأفعاله في هذه الأشهر ~~وليس فيه نفي لجوازه في غيرها فإن قيل فإذا كان الإحرام جائزا في سائر ~~السنة فلا معنى لتوقيت الأشهر له وهذا المذهب يؤدي إلى إسقاط فائدة التوقيت ~~قيل له ليس كذلك بل فيه عدة فوائد منها أنه أفاد أن أفعال الحج مخصوصة بهذه ~~الأشهر ألا ترى أنا نقول إنه لو كان طاف وسعى قبل أشهر الحج أنه لا يعتد به ~~ويعيده ومنها أن التمتع إنما يتعلق حكمه بفعل العمرة مع الحج في هذه الأشهر ~~حتى لو قدم طواف العمرة على أشهر الحج وحج من عامه لم يكن متمتعا ولذلك قال ~~أصحابنا فيمن قرن ودخل مكة قبل أشهر الحج وطاف للعمرة وسعى ومضى على قرانه ~~إنه ليس بمتمتع وليس عليه دم القران فأفادت الآية أن هذه الأشهر هي التي ~~يتعلق بها حكم التمتع إذا جمع بين العمرة والحج فيها ومع ذلك فلو كان قوله ~~تعالى [الحج أشهر معلومات] يوجب الاقتصار # به عليها دون غيرها من الشهور لوجب أن نصرفه إلى أفعال الحج دون إحرامه ~~ليسلم لنا عموم قوله [يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] في جواز ~~الإحرام في سائر الأهلة ولو حملناه على الإحرام لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ~~قوله [قل هي مواقيت للناس والحج] والاقتصار به على معنى ms0488 قوله [الحج أشهر ~~معلومات] ومع ذلك فلا نكون مستعملين له لأن الله قد أخبر أنه جعل الأهلة ~~وقتا للحج ومتى قصرناه على أشهر الحج لم يتعلق حكمه بالأهلة وكان متعلقا ~~بأوقات أخر غيرها مثل يوم عرفة للوقوف ويوم النحر للطواف والرمي ونحوه ~~وأيضا فغير جائز أن يريد الإحرام وأفعاله ومتى أراد الأفعال انتفى الإحرام ~~لامتناع إرادتهما بلفظ واحد لأن أحدهما هو المقصود بعينه وهو أفعال المناسك ~~والآخر سبب له سمي باسمه على طريق المجاز فغير جائز أن يرادا جميعا بلفظ ~~واحد ألا ترى أن من حج ولم يقف فجائز أن يقال إنه لم يحج ومتى وقف أطلق ~~عليه اسم الحاج وأيضا لما قال تعالى [الحج أشهر معلومات] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم الحج عرفة # وجب أن يكون ذلك تعريفا للحج المذكور في قوله [الحج أشهر معلومات] فتكون # PageV01P379 # الألف واللام لتعريف المعهود فيصير حينئذ تقدير الآية مع الخبر الحج الذي ~~هو الوقوف بعرفة في أشهر معلومات ويكون فائدة ذكر الأشهر ما قدمنا وأيضا لو ~~صح إرادة الوقت للإحرام وجب استعماله في الأشهر على الندب وقوله [مواقيت ~~للناس والحج] على الجواز حتى يوفى كل واحد من اللفظين حظه من الفائدة وقسطه ~~من الحكم فإن قيل إذا أراد به الإحرام لم يجز تقديمه على وقته ويصير بمنزلة ~~قوله [أقم الصلاة لدلوك الشمس] وقوله [أقم الصلاة طرفي النهار] ونحو ذلك من ~~الآي التي فيها توقيت العبادات قيل له قد بينا أن قوله [الحج أشهر معلومات] ~~لا دلالة فيه على الوجوب لأنه ليس بأمر وفيه ضمير يحتاج في إثباته إلى ~~دلالة من غيره لاحتماله أن يكون المراد جواز الحج ويحتمل أن يريد به فضيلة ~~الحج فليس في ظاهر اللفظ دليل على أن المراد بالتوقيت المذكور فيه لماذا هو ~~فلذلك لم يصح الاستدلال على توقيت الإحرام بالأشهر على جهة الإيجاب وأما ~~الصلاة فإن الله تعالى نص فيها على الأوقات المذكورة بلفظ يقتضي الإيجاب ~~فيها من غير احتمال لغيرها بقوله [أقم الصلاة لدلوك الشمس] وما جرى ms0489 مجراه ~~من الأوامر الموقتة ووجه آخر وهو أنا سلمنا لهم أن ذلك وقت الإحرام لم تلزم ~~الصلاة عليه من قبل أن تقديم إحرام الصلاة على وقتها إنما لم يجز من حيث ~~اتصلت فروضها وأركانها بالإحرام وسائر فروضها غير جائزة متراخية عن ~~تحريمتها فلذلك كان حكم تحريمتها حكم سائر أفعالها ولا خلاف في جواز إحرام ~~الحج في وقت يتراخى عنه سائر أفعاله وغير جائز شيء من فروضه عقيب إحرامه ~~فلذلك اختلفا ومن جهة أخرى وهو أن كونه منهيا عن فعل الإحرام لا يمنع صحة ~~لزومه وكون الصلاة منهيا عنها يمنع صحة الدخول فيها والدليل على ذلك أن من ~~تحرم بالصلوة محدثا أو غير مستقبل القبلة عامدا أو عاريا وهو يجد ثوبا لم ~~يصح دخوله فيها ولو أحرم بالحج وهو مخالط لامرأته أو لابس ثيابا كان إحرامه ~~واقعا ولزمه حكمه مع مقارنة ما يفسده فلم يجز اعتبار أحكام إحرام الحج ~~بالصلوة ووجه آخر وهو أن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها مثل الحدث والكلام ~~والمشي وما جرى مجرى ذلك وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده لأنه لو تطيب أو ~~لبس أو اصطاد لم يفسده مع كون ترك هذه الأمور فرضا فيه وأيضا وجدنا من فروض ~~الحج ما يفعل بعد أشهر الحج ويكون مفعولا في وقته وهو طواف الزيارة ولم نجد ~~شيئا من # PageV01P380 # فروض الصلاة يفعل بعد خروج وقتها إلا على وجه القضاء فلم يجز أن تكون ~~الصلاة أصلا للإحرام ويمكن أن يجعل ذلك دليلا في أصل المسألة بأن يقال لما ~~كان بعض فروض الحج مفعولا بعد أشهر الحج ويكون ذلك وقتا له كذلك جائز أن ~~يكون إحرامه قبل أشهر الحج ويكون ذلك وقتا لأنه لو لم يجز تقديمه على أشهر ~~الحج لما جاز تأخير شيء من فروضه عنه كالصلاة فإن قيل لما اتفق الجميع على ~~أن من فاته الحج لا يجوز أن يفعل بإحرامه ذلك حجا في القابل وكان عليه أن ~~يتحلل بعمل عمرة دل ذلك على أن الإحرام بالحج في غير أشهر ms0490 الحج يوجب عمرة ~~وأنه غير جائز أن يفعل به حجا قيل له فقد جاز أن يبقى إحرامه كاملا بعد ~~أشهر الحج وهو يوم النحر قبل رمي الجمار حتى زعم الشافعي أنه إن جامع يوم ~~النحر قبل رمي الجمار فسد حجه وقد ذكرنا فيما سلف وجه الاستدلال من ذلك على ~~جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج إذ لم يكن يوم النحر عنده من أشهر الحج ~~وقد جاز بقاء إحرامه بكماله فيه فدل على معنيين أحدهما سقوط سؤال السائل ~~لنا واعتراضه بما ذكره إذ قد جاز وجود إحرام صحيح بالحج قبل أشهر الحج ~~والمعنى الثاني أنه دل على جواز ابتداء إحرام الحج قبل أشهر الحج إذ قد جاز ~~بقاؤه فيه على ما بيناه فيما سلف وأما قول الشافعي في أن المحرم بالحج قبل ~~أشهر الحج يكون محرما بعمرة فإنه قول ظاهر الاختلال والفساد لأنه لا يخلو ~~من أن يلزمه إحرام الحج على ما عقده على نفسه أو لا يلزمه فإن لم يلزمه كان ~~كمن لم يحرم وبمنزلة من أحرم بالظهر قبل دخول وقتها فلا يلزمه شيء # ولا يكون داخلا فيها ولا في غيرها وإن يلزمه الحج فقد جاز أداء الإحرام ~~بالحج قبل أشهر الحج وإذا صح إحرامه وأمكنه المضي فيه لم يجز له أن يتحلل ~~منه بعمرة فإن قيل هو بمنزلة من فاته الحج فيلزمه أن يتحلل بعمرة قيل له ~~ليس ذلك بعمرة وإنما هو عمل عمرة يتحلل به من إحرام الحج ألا ترى أن من ~~فاته الحج وهو بمكة أنه غير مأمور بالخروج منها إلى الحل لأجل ما لزمه من ~~عمل العمرة إذ كان وقت العمرة لمن كان بمكة الحل ولو أراد أن يبتدئ عمرة ~~لأمر بالخروج إلى الحل فدل ذلك على أن ما يفعله بعد الفوات ليس بعمرة وإنما ~~هو عمل عمرة يتحلل به من إحرام الحج وإحرام الحج باق مع الفوات وأيضا فالذي ~~فاته قد لزمه إحرام الحج وإنما احتاج إلى الإحلال منه بعمل عمرة فهل يقول ~~الشافعي إن ms0491 المحرم بالحج قبل أشهر الحج قد لزمه الحج ويتحلل منه بعمل عمرة # PageV01P381 # ويوجب عليه قضاء الحج فإذا لم يكن عنده محرما بالحج فقد لزمه في ذلك ~~شيئان أحدهما أنه لزمه عمرة لم يعقدها على نفسه ولم ينوها والثاني أنه جعله ~~بمنزلة الذي يفوته الحج بعد الإحرام وهذا لم يحرم قط به فألزمه عمرة لا سبب ~~لها # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى # فإذا أحرم ونوى الحج فواجب أن يلزمه ما نوى بقضية # قوله صلى الله عليه وسلم وإنما لكل امرئ ما نوى # قوله تعالى [فمن فرض فيهن الحج] قال أبو بكر قد اختلف السلف في تأويله ~~فقال ابن عباس رواية والحسن وقتادة فمن أحرم وروى شريح عن أبي إسحاق عن ابن ~~عباس [فمن فرض فيهن الحج] قال التلبية وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود وابن ~~عمر وإبراهيم النخعي وطاوس ومجاهد وعطاء وقالت عمرة عن عائشة لا إحرام إلا ~~لمن أهل ولبى قال أبو بكر قول من تأول قوله تعالى [فمن فرض فيهن الحج] على ~~من أحرم لا يدل على أنه رأى الإحرام جائزا بغير تلبية لأنه جائز أن يقول ~~فمن أحرم وشرط الإحرام أن يلبي فلم يثبت عن أحد من السلف جواز الدخول في ~~الإحرام بغير تلبية أو ما يقوم مقامها من تقليد الهدي وسوقه وأصحابنا لا ~~يجيزون الدخول في الإحرام إلا بالتلبية؟؟ وتقليد الهدى وسوقه والدليل على ~~ذلك # حديث فراد بن أبي نوح قال حدثنا نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي كأنها حزينة فقال مالك ~~فقالت لا أنا قضيت عمرتي وألفاني الحج عاركا قال ذلك شيء كتبه الله على ~~بنات آدم فحجي وقولي ما يقول المسلمون في حجهم # وذلك يدل على وجوب التلبية لأنها الذي يقوله المسلمون عند الإحرام وأمره ~~صلى الله عليه وسلم على الوجوب ويدل # قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم # والتلبية من ms0492 المناسك وقد فعلها عند الإحرام ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام فقال مر أمتك يرفعوا ~~أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج فيضمن ذلك معنيين فعل التلبية ورفع ~~الصوت بها # وقد اتفقوا على أن رفع الصوت غير واجب فبقي حكمه في فعل التلبية ويدل ~~عليه أن الحج والعمرة ينتظمان أفعالا متغايرة مختلفة مفعولة بتحريمة واحدة ~~فأشبهت الصلاة لما تضمنت أفعالا متغايرة مختلفة مفعولة بتحريمة واحدة كان ~~شرط الدخول فيها الذكر كذلك الحج والعمرة واجب أن يكون الدخول فيهما بالذكر ~~أو ما يقوم مقامه وقال أصحابنا إذا قلد بدنة وساقها وهو يريد الإحرام فقد ~~أحرم # وقد روى ابنا جابر عن أبيهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قلد بدنة ~~فقد أحرم # واختلف # PageV01P382 # السلف في ذلك فقال ابن عمر # إذا قلد بدنته فقد أحرم وكذلك روي عن علي # وقيس بن سعد وابن مسعود وابن عباس وطاوس وعطاء ومجاهد والشعبي ومحمد بن ~~سيرين وجابر ابن زيد وسعيد بن جبير وإبراهيم وهذا على أنه قلدها وساقها وهو ~~يريد الإحرام لأنه لا خلاف أنه إذا لم يرد الإحرام لا يكون محرما # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني قلدت الهدي فلا أحل إلى ~~يوم النحر # فأخبر أن تقليد الهدي وسوقه كان المانع له من الإحرام فدل على أن لذلك ~~تأثيرا في الإحرام وأنه قائم مقام التلبية في باب الدخول فيه كما كان له ~~تأثير في منع الإحلال والدليل على أن التقليد بانفراده لا يوجب الإحرام ما # روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث بهديه ويقيم فلا ~~يحرم عليه شيء # وكذلك قالت عائشة لا يحرم إلا من أهل ولبى تعني ممن لم يسق هديه ولم يخرج ~~معه قوله تعالى [فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج] اختلف السلف في تأويل ~~الرفث فقال ابن عمر هو الجماع وروي عن ابن عباس مثله وروي عنه أنه التعريض ~~بالنساء وكذلك عن ابن الزبير وروي ms0493 عن ابن عباس أنه أنشد في حرامه: # وهن يمشين بنا هميسا ... إن يصدق الطير ننك لميسا # فقيل له في ذلك فقال إنما الرفث مراجعة النساء بذكر الجماع وقال عطاء ~~الرفث الجماع فما دونه من قول الفحش وقال عمرو بن دينار هو الجماع فما دونه ~~من شأن النساء قال أبو بكر قد قيل إن أصل الرفث في اللغة هو الإفحاش في ~~القول وبالفرج الجماع وباليد الغمز للجماع وإذا كان كذلك قد تضمن نهيه عن ~~الرفث في الحج هذه الوجوه كلها وحصل من اتفاق جميع من روي عنه تأويله أن ~~الجماع مراد به في هذه الآية ويدل على أن الرفث الفحش في المنطق # قوله صلى الله عليه وسلم (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن ~~جهل عليه فليقل إني صائم) # والمراد فحش القول وإن كان المراد بالرفث هو التعريض بذكر النساء في ~~الإحرام فاللمس والجماع أولى أن يكون محظورا كما قال تعالى [فلا تقل لهما ~~أف ولا تنهرهما] عقل منه النهي عن السب والضرب وقد ذكر الله تعالى الرفث في ~~شأن الصوم فقال [أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم] ولا خلاف أنه يريد ~~به الجماع وعقل منه إباحة ما دونه كما أن حظره الرفث في الحج وهو التعريض ~~واللمس قد عقل به حظر ما فوقه من الجماع لأن حظر القليل يدل على الكثير من ~~جنسه وإباحة الكثير تدل على إباحة القليل من جنسه # PageV01P383 # وقد روي عن محمد بن راشد قال خرجنا حجاجا فمررنا بالرويثة فإذا بها شيخ ~~يقال له أبو هرم قال سمعت أبا هريرة يقوم للمحرم من امرأته كل شيء إلا ~~الجماع قال فأهوى رجل منا إلى امرأته فقبلها فقدمنا مكة فذكرنا ذلك لعطاء ~~فقال قاتله الله قعد على طريق من طرق المسلمين يفتنهم بالضلالة ثم قال للذي ~~قبل امرأته أهرق دما وهذا شيخ مجهول وما ذكره قد اتفقت الأمة على خلافه ~~وعلى أن # من قبل امرأته في إحرامه بشهوة فعليه دم وروي ذلك عن علي # وابن ms0494 عباس وابن عمر والحسن وعطاء وعكرمة وإبراهيم وسعيد بن المسيب وسعيد ~~بن جبير ذلك وهو قول فقهاء الأمصار ولما ثبت بما ذكرنا حظر مراجعة النساء ~~بذكر الجماع في حال الإحرام والتعريض به واللمس وذلك كله من دواعي الجماع ~~دل ذلك على أن الجماع ودواعيه محظورة على المحرم وذلك دليل على حظر التطيب ~~لهذا المعنى بعينه ولما ورد فيه من السنة وأما الفسوق فروي عن ابن عمر قال ~~الفسوق السباب والجدال المراء وقال ابن عباس الجدال أن تجادل صاحبك حتى ~~تغيظه والفسوق المعاصي وروي عن مجاهد لا جدال في الحج قال قد أعلم الله ~~تعالى أشهر الحج فليس فيها شك ولا خلاف قال أبو بكر جميع ما ذكر من هذه ~~المعاني عن المتقدمين جائز أن يكون مراد الله تعالى فيكون المحرم منهيا عن ~~السباب والمماراة في أشهر الحج وفي غير ذلك وعن الفسوق وسائر المعاصي ~~فتضمنت الآية الأمر بحفظ اللسان والفرج عن كل ما هو محظور من الفسوق ~~والمعاصي والمعاصي والفسوق وإن كانت محظورة قبل الإحرام فإن الله نص على ~~حظرها في الإحرام تعظيما لحرمة الإحرام ولأن المعاصي في حال الإحرام أعظم ~~وأكبر عقابا منها في غيرها كما # قال صلى الله عليه وسلم (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن ~~جهل عليه فليقل إني امرؤ صائم) # وقد روي أن الفضل بن العباس كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المزدلفة إلى منى فكان يلاحظ النساء وينظر إليهن فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يصرف وجهه بيده من خلفه وقال (إن هذا يوم من ملك سمعه وبصره غفر له) # ومعلوم حظر ذلك في غير ذلك اليوم ولكنه خص اليوم تعظيما لحرمته فكذلك ~~المعاصي والفسوق والجدال والرفث كل ذلك محظور ومراد بالآية سواء كان مما ~~حظره الإحرام أو كان محظورا فيه وفي غيره بعموم اللفظ ويكون تخصيصه إياها ~~بحال الإحرام تعظيما للإحرام وإن كانت محظورة في غيره # وقد روى مسعود عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة ms0495 عن النبي # PageV01P384 # صلى الله عليه وسلم قال (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) # وهذا موافق لدلالة الآية وذلك لأن الله تعالى لما نهى عن المعاصي والفسوق ~~في الحج فقد تضمن ذلك الأمر بالتوبة منها لأن الإصرار على ذلك هو من الفسوق ~~والمعاصي فأراد الله تعالى أن يحدث الحاج توبة من الفسوق والمعاصي حتى يرجع ~~من ذنوبه كيوم ولدته أمه على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقوله ~~تعالى [ولا جدال في الحج] قد تضمن النهي عن مماراة صاحبه ورفيقه وإغضابه ~~وحظر الجدال في وقت الحج على ما كان عليه أمر الجاهلية لأنه قد استقر على ~~وقت واحد وأبطل به النسيء الذي كان أهل الجاهلية عليه وهو معنى # قوله صلى الله عليه وسلم ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات ~~والأرض # يعني عود الحج إلى الوقت الذي جعله الله له واتفق ذلك في حجة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقوله [فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج] وإن كان ظاهره ~~الخبر فهو نهي عن هذه الأفعال وعبر بلفظ النفي عنها لأن المنهي عنه سبيله ~~أن يكون منفيا غير مفعول وهو كقوله في الأمر [والوالدات يرضعن أولادهن ~~ويتربصن بأنفسهن] وما جرى مجراه صيغته صيغة الخبر ومعناه الأمر قوله تعالى ~~[وتزودوا فإن خير الزاد التقوى] روي عن مجاهد والشعبي أن أناسا من أهل ~~اليمن كانوا لا يتزودون في حجهم حتى نزلت [وتزودوا فإن خير الزاد التقوى] ~~وقال سعيد بن جبير الزاد الكعك والزيت وقيل فيه إن قوما كانوا يرمون ~~بأزوادهم يتسمون بالمتوكلة فقيل لهم تزودوا من الطعام ولا تطرحوا كلكم على ~~الناس وقيل فيه إن معناه أن تزودوا من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد ~~التقوى قال أبو بكر لما احتملت الآية الأمرين من زاد الطعام وزاد التقوى ~~وجب أن يكون عليهما إذ لم تقم دلالة على تخصيص زاد من زاد وذكر التزود من ~~الأعمال الصالحة في الحج لأنه أحق شيء بالاستكثار من أعمال البر ms0496 فيه ~~لمضاعفة الثواب عليه كما نص على حظر الفسوق والمعاصي فيه وإن كانت محظورة ~~في غيره تعظيما لحرمة الإحرام وإخبارا أنها فيه أعظم مأثما فجمع الزادين في ~~مجموع اللفظ من الطعام ومن زاد التقوى ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء ~~نفعه ودوام ثوابه وهذا يدل على بطلان مذهب المتوصفة الذين يتسمون بالمتوكلة ~~في تركهم التزود والسعي في المعاش وهو يدل على أن من شرط استطاعة الحج ~~الزاد والراحلة لأنه خاطب بذلك من خاطبه بالحج وعلى هذا المعنى # قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الاستطاعة فقال هي الزاد ~~والراحلة # والله الموفق. # PageV01P385 ### | باب التجارة في الحج # قال الله عقيب ذكر الحج والتزود له [ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم] يعني المخاطبين بأول الآية وهم المأمورون بالتزود للحج وأباح لهم ~~التجارة فيه # وروى أبو يوسف عن العلاء بن السائب عن أبي أمامة قال قلت لابن عمر إني ~~رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزي من حجتي قال ألست تلبي فتقف وترمي الجمار ~~قلت بلى قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ما سألتني فلم ~~يجبه حتى أنزل الله هذه الآية [ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم] ~~فقال صلى الله عليه وسلم أنتم حاج # وقال عمرو بن دينار قال ابن عباس كانت ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في ~~الجاهلية فلما كان الإسلام تركوا حتى نزلت [ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم] في مواسم الحج وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أتاني رجل فقال ~~إني آجرت نفسي من قوم على أن أخدمهم ويحجون بي فهل لي من حج فقال ابن عباس ~~هذا من الذين قال الله تعالى [لهم نصيب مما كسبوا] وروي نحو ذلك عن جماعة ~~من التابعين منهم الحسن وعطاء ومجاهد وقتادة ولا نعلم أحدا روي عنه خلاف ~~ذلك إلا شيئا رواه سفيان الثوري عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير قال سأله ~~رجل أعرابي فقال إنى أكرى إبلى ms0497 وأنا أريد الحج أفيجزيني قال لا ولا كرامة ~~وهذا قول شاذ خلاف ما عليه الجمهور وخلاف ظاهر الكتاب في قوله [ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم] فهذا في شأن الحاج لأن أول الخطاب فيهم وسائر ~~ظواهر الآي المبيحة لذلك دالة على مثل ما دلت عليه هذه الآية نحو قوله ~~[وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله] وقوله [وأذن في الناس بالحج ~~يأتوك رجالا وعلى كل ضامر- إلى قوله- ليشهدوا منافع لهم] ولم يخصص شيئا من ~~المنافع دون غيرها فهو عام في جميعها من منافع الدنيا والآخرة وقال تعالى ~~[وأحل الله البيع وحرم الربا] ولم يخصص منه حال الحج وجميع ذلك على أن الحج ~~لا يمنع التجارة وعلى هذا أمر الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~يومنا هذا في مواسم منى ومكة في أيام الحج والله أعلم. ### | باب الوقوف بعرفة # قال الله تعالى [فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام] ~~قال أبو بكر # PageV01P386 # قد دل ذلك على أن مناسك الحج الوقوف بعرفة وليس في ظاهره دلالة على أنه ~~من فروضه فلما قال في سياق الخطاب [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] أبان بذلك ~~عن فرض الوقوف ولزومه وذلك لأن أمره بالإضافة مقتض للوجوب ولا تكون الإفاضة ~~فرضا إلا والكون بها فرضا حتى يفيض منها إذ لا يتوصل إلى الإفاضة إلا بكونه ~~قبلها هناك وقد اختلف في تأويل قوله [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] فروي عن ~~عائشة وابن عباس وعطاء والحسن ومجاهد وقتادة والسدي أنه أراد الإفاضة من ~~عرفة قالوا وذلك لأن قريشا ومن دان دينها يقال لهم الحمس كانوا يقفون ~~بالمزدلفة ويقف سائر العرب بعرفات فلما جاء الإسلام أنزل الله تعالى على ~~نبيه [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] # فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ومن دان دينها أن يأتوا عرفات ~~فيقفوا بها مع الناس ويفيضوا من حيث أفاض الناس # وحكي عن الضحاك أنه أراد به الوقوف بالمزدلفة وأن يفيضوا من حيث ms0498 أفاض ~~إبراهيم عليه السلام وقيل إنه إنما قال [الناس] وأراد إبراهيم وحده كما قال ~~تعالى [الذين قال لهم الناس] وكان رجلا واحدا ولأن إبراهيم عليه السلام لما ~~كان الإمام المقتدى به سماه الله تعالى أمة كان بمنزلة الأمة التي تتبع ~~سنته جاز إطلاق اسم الناس والمراد به هو وحده والتأويل الأول هو الصحيح ~~لاتفاق السلف عليه والضحاك لا يزاحم به هؤلاء فهو قول شاذ وإنما ذكر الناس ~~هاهنا وأمر قريشا بالإفاضة من حيث أفاض الناس لأنهم كانوا أعظم الناس وكانت ~~قريش ومن دان دينها قليلة بالإضافة إليهم فلذلك قال [من حيث أفاض الناس] ~~فإن قيل لما قال فإذا أفضتم من عرفات ثم عقب ذلك بقوله [ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس] وثم يقتضي الترتيب لا محالة علمنا أن هذه الإفاضة هي بعد ~~الإفاضة من عرفات وليس بعدها إفاضة إلا من المزدلفة وهي المشعر الحرام فكان ~~حمله على ذلك أولى منه على الإفاضة من عرفة ولأن الإفاضة من عرفة قد تقدم ~~ذكرها فلا وجه لإعادتها قيل له إن قوله تعالى [ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس] عائد إلى أول الكلام وهو الخطاب بذكر الحج وتعليم مناسكه وأفعاله ~~فكأنه قال يا أيها المأمورون بالحج من قريش بعد ما تقدم ذكرنا له أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس فيكون ذلك راجعا إلى صلة خطاب المأمورين وهو كقوله تعالى ~~[ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن] والمعنى بعد ما ذكرنا لكم ~~أخبرنا كم أنا آتينا موسى # PageV01P387 # الكتاب تماما على الذي أحسن ويجوز أن يكون ثم بمعنى الواو فيكون تقديره ~~وأفيضوا من حيث أفاض الناس كما قال تعالى [ثم كان من الذين آمنوا] معناه ~~وكان من الذين آمنوا وقوله [ثم الله شهيد على ما يفعلون] معناه والله شهيد ~~فإذا كان ذلك سائغا في اللغة ثم روي عن السلف ما ذكرنا لم يجز العدول عنه ~~إلى غيره وأما قولك إن ذكر عرفات # قد تقدم في قوله [فإذا أفضتم من عرفات] فلا يكون # لقوله [ثم أفيضوا من ms0499 حيث أفاض الناس] وجه فليس كذلك لأن قوله [فإذا أفضتم ~~من عرفات] لا دلالة فيه على إيجاب الوقوف وقوله [ثم أفيضوا من حيث أفاض ~~الناس] هو أمر لمن لم يكن يقف بعرفة من قريش فقد أفاد به من إيجاب الوقوف ~~ما لم يتضمنه قوله [فإذا أفضتم من عرفات] إذ لا دلالة في قوله [فإذا أفضتم ~~من عرفات] على فرض الوقوف ومع ذلك فلو اقتصر على قوله [فإذا أفضتم من ~~عرفات] لكان جائزا أن يظن ظان أنه خطاب لمن كان يقف بها دون من لم يكن يرى ~~الوقوف بها فيكون التاركون للوقوف على جملة أمرهم في الوقوف بالمزدلفة دون ~~عرفات فأبطل ظن الظان لذلك بقوله [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] واتفقت ~~الأمة مع ذلك على # أن تارك الوقوف بعرفة لا حج له ونقلته عن النبي صلى الله عليه وسلم قولا ~~وعملا # وروى بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كيف الحج قال (الحج يوم عرفة من جاء عرفة ليلة جمع قبل ~~الصبح أو يوم جمع فقد تم حجه) # وروى الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~بالمزدلفة (من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف وقد وقف بعرفة قبل ~~ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه) # وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر إذا وقف قبل طلوع الفجر ~~فقد تم حجه والفقهاء مجمعون على ذلك وقد اختلف الفقهاء فيمن لم يقف بعرفة ~~ليلا فقال سائرهم إذا وقف نهارا فقد تم حجه وإن دفع منها قبل غروب الشمس ~~فعليه دم عند أصحابنا إن لم يرجع قبل الإمام وقال مالك بن أنس إن لم يرجع ~~حتى طلع الفجر بطل حجه وأصحابه يزعمون أنه قال ذلك لأن مذهبه أن فرض الوقوف ~~بالليل دون النهار وأن الوقوف نهارا غير مفروض إنما هو مسنون وروي عن ابن ~~الزبير أن من دفع من ms0500 عرفات قبل غروب الشمس فسد حجه والدليل على صحة القول ~~الأول # قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عروة ابن مضرس وأفاض من عرفة قبل ذلك ~~ليلا أو نهارا فقدتم حجه وقضى تفثه فحكم بصحة # PageV01P388 # حجه وإتمامه بوقوفه في أحد الوقتين من ليل أو نهار # ويدل عليه أيضا قوله تعالى [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] وحيث اسم ~~للموضع وهو عرفات فكان بمنزلة قوله أفيضوا من عرفات ولم يخصصه بليل ولا ~~نهار وليس فيه ذكر للوقت فاقتضى ذلك جوازه في أي وقت وقف فيه ويدل عليه من ~~جهة النظر أنا وجدنا سائر المناسك ابتداؤها بالنهار وإنما يدخل فيه الليل ~~تبعا ولم نجد شيئا منها يختص بالليل حتى لا يصح فعله في غيره فقول من جعل ~~فرض الوقوف بالليل خارج عن الأصول ألا ترى أن طواف الزيارة والوقوف ~~بالمزدلفة والرمي والذبح والحلق كل ذلك مفعول بالنهار وإنما يفعل بالليل ~~على أنه يؤخر عن وقته على وجه التبع للنهار فوجب أن يكون ذلك حكم الوقوف ~~بعرفة وأيضا # قد نقلت الأمة وقوف النبي صلى الله عليه وسلم نهارا # إلى يومنا هذا وأنه دفع منها عند سقوط الفرض وهذا يدل على أن وقت الوقوف ~~هو النهار ووقت الغروب هو الدفع فاستحال أن يكون الدفع هو وقت الفرض ووقت ~~الوقوف لا يكون وقتا للفرض وأيضا لما قيل يوم عرفة ونقلت هذه التسمية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار كثيرة منها إن الله تعالى يباهي ملائكته ~~يوم عرفة ومنها إن صيام يوم عرفة يعدل صيام سنة ولذلك أطلقت الأمة ذلك عليه ~~دل على أن النهار وقت الفرض فيه وأن الوقوف ليلا إنما يفعله من وقف فائتا ~~ألا ترى أنه لما قيل يوم الجمعة ويوم الأضحى ويوم الفطر كانت هذه الأفعال ~~واقعة في هذه الأيام نهارا ولذلك أضيفت إليها فدل ذلك على أن فرض الوقوف ~~يوم عرفة وأنه يفعل ليلا على وجه القضاء لما فاته كما يرمي الجمار ليلا على ~~وجه القضاء لما فاته نهارا ms0501 وكذلك الطواف والذبح والحلق واختلف في موضع ~~الوقوف # فروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل عرفات موقف ~~وارفعوا عن عرنة وكل مزدلفة موقف وارفعوا عن محسر # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل عرفة موقف # وقال ابن عباس ارتفعوا عن وادي عرنة والمنبر عن مسيلة فما فوق ذلك موقف ~~ولم يختلف رواة الأخبار # أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من عرفة بعد غروب الشمس # وقد روي أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون منها إذا صارت الشمس على رؤس ~~الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم وأنهم كانوا يدفعون من المزدلفة بعد ~~طلوع الشمس فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفع من عرفات بعد الغروب ومن ~~المزدلفة قبل الطلوع # وروى سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال خطب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الناس # PageV01P389 # يوم عرفة فقال (يا أيها الناس ليس البر في إيجاب الخيل ولا في إيضاع ~~الإبل ولكن سيرا حسنا جميلا ولا تواطئوا ضعيفا ولا تؤذوا مسلما) # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد قال كان سيرنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين يدفع من عرفات العنق غير أنه كان إذا وجد فجوة نص ~~والله أعلم. ### | باب الوقوف بجمع # قال الله تعالى [فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام] ~~ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة وتسمى جمعا فمن الناس من ~~يقول إن هذا الذكر هو صلاة المغرب والعشاء اللتين يجمع بينهما بالمزدلفة ~~والذكر الثاني في قوله [واذكروه كما هداكم] هو الذكر المفعول عند الوقوف ~~بالمزدلفة غداة جمع فيكون الذكر الأول غير الثاني والصلاة تسمى ذكرا # قال النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها) وتلا عند ذلك قوله تعالى [وأقم الصلاة لذكري] # فسمى الصلاة ذكرا فعلى هذا قد اقتضت الآية تأخير صلاة المغرب إلى أن تجمع ~~مع العشاء بالمزدلفة # وروى أسامة ms0502 بن زيد وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى ~~المزدلفة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق المزدلفة الصلاة فقال ~~الصلاة أمامك فلما أتى المزدلفة صلاها مع العشاء الآخرة # والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم متواترة في جمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وقد اختلف فيمن صلى المغرب قبل أن ~~يأتي المزدلفة فقال أبو حنيفة ومحمد لا تجزيه وقال أبو يوسف تجزيه وظاهر ~~قوله تعالى [فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام] إذا كان ~~المراد به الصلاة يمنع جوازها قبله وكذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة أمامك # وحمله على ذلك أولى من حمله على الذكر المفعول في حال الوقوف بجمع لأن ~~قوله تعالى [واذكروه كما هداكم] هو الذكر في موقف جمع فواجب أن نحمل الذكر ~~الأول على الصلاة حتى نكون قد وفينا كل واحد من الذكرين حظه من الفائدة ولا ~~يكون تكرارا وأيضا فإن قوله [فاذكروا الله عند المشعر الحرام] هو أمر يقتضي ~~الإيجاب والذكر المفعول بجمع ليس بواجب عند الجميع ومتى حمل على فعل صلاة ~~المغرب بجمع كان محمولا على مقتضاه من الوجوب فوجب حمله عليه وقد اختلف أهل ~~العلم في الوقوف بالمزدلفة هل هو من فروض الحج أم لا فقال قائلون هو من ~~فروض الحج ومن فاته فلا حج له كمن فاته الوقوف بعرفة # PageV01P390 # وقال جمهور أهل العلم حجه تام ولا يفسده ترك الوقوف بالمزدلفة واحتج من ~~لم يجعله من فروضه بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (الحج عرفة فمن وقف قبل أن يطلع الفجر ~~فقد تم حجه) # وقال في بعض الأخبار من أدرك عرفة فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة فقد فاته ~~الحج # فحكم بصحة حجه بإدراك عرفة ولم يشترط معه الوقوف بجمع ويدل عليه ما # روى ابن عباس وابن عمرو نقله الناس قائلين له ms0503 إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قدم ضعفة أهله بليل # وفي بعض الأخبار ضعفة الناس من المزدلفة ليلا وقال لهم لا ترموا جمرة ~~العقبة حتى تطلع الشمس # فلو كان الوقوف بها فرضا لما رخص لهم في تركه للضعف كما لا يرخص في ~~الوقوف بعرفة لأجل الضعف فإن قيل لأنهم كانوا وقفوا ليلا وهو وقت الوقوف ~~بها وروى سالم بن عمرو هو أحد من روى حديث تقديم ضعفة الناس من المزدلفة ~~فكان يقدم ضعفة أهله من المزدلفة فيقفون عند المشعر الحرام بليل فيذكرون ما ~~بدا لهم ثم يدفعون قيل له وقت الوقوف بها بعد طلوع الفجر # وقد نقل الناس وقوف النبي صلى الله عليه وسلم بها بعد طلوع الفجر ولم ~~يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله بالوقوف حين عجلهم منها ليلا # ولو كان ذلك وقت الوقوف لأمرهم به ولم يرخص لهم في تركه مع إمكانه من غير ~~عذر وما روي عن ابن عمر فإنما هو من فعله ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يقل ابن عمر أيضا إن هذا وقت الوقوف وإنما كان ذلك على وجه الاستحباب ~~للذكر قبل الرجوع إلى منى ويدل على أن وقت الوقوف بعد طلوع الفجر أنا وجدنا ~~سائر أفعال المناسك إنما وقتها بالنهار والليل يدخل فيه على وجه التبع على ~~ما بينا واحتج من جعل الوقوف بها فرضا بظاهر قوله تعالى [فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام] فظاهره يقتضي الوجوب ويحتجون أيضا # بحديث مطرف بن طريف عن الشعبي عن عروة بن مضرس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال (من أدرك جمعا والإمام واقف فوقف مع الإمام ثم أفاض مع الناس فقد ~~أدرك الحج ومن لم يدرك فلا حج له) # وبما روى يعلى بن عبيد قال حدثنا سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن ~~يعمر الديلي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات فأقبل ناس ~~من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال (الحج يوم ms0504 عرفة ومن أدرك جمعا قبل الصبح ~~فقد أدرك الحج) # فأما قوله [فاذكروا الله عند المشعر الحرام] فلا دلالة فيه على ما ذكروا ~~وذلك لأنه أمر بالذكر وقد اتفق الجميع على أن الذكر هناك # PageV01P391 # غير مفروض فإن تركه لا يوجب نقصا في الحج وليس للوقوف ذكر في الآية فسقط ~~الاحتجاج به ومع ذلك فقد بينا أن المراد بهذا الذكر هو فعل صلاة المغرب ~~هناك وأما # حديث مطرف بن طريف عن الشعبي فإنه قد رواه خمسة من الرواة غير مطرف منهم ~~زكريا بن أبي زائدة وعبد الله بن أبي السفر وسيار وغيرهم عن الشعبي عن عروة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا فيه أنه قال (من صلى معنا هذه الصلاة ~~ووقف معنا هذا الموقف وأفاض قبل ذلك من عرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى ~~تفثه) # ولم يذكر منهم أحد أنه قال فلا حج له ومع ذلك فقد اتفقوا أن ترك الصلاة ~~هناك لا يفسد الحج وقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك الوقوف وقوله ~~فلا حج له يحتمل أن يريد به نفي الفضل لا نفى الأصل كما # قال صلى الله عليه وسلم (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) # وكما # روى عمر من قدم نفله فلا حج له # وأما حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه # قد روى هذا الحديث محمد بن كثير عن سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن ~~بن يعمر الديلي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه (من وقف قبل أن يطلع ~~الفجر فقد تم حجه) # فعلمنا أن المراد بذلك الوقوف بعرفة في شرط إدراك الحج وأن رواية من روى ~~من أدرك جمعا قبل الصبح وهم وكيف لا يكون وهما وقد نقلت الأمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقوفه بها بعد طلوع الفجر ولم يرو عنه أنه أمر أحدا بالوقوف ~~بها ليلا ومع ذلك فقد عارضته الأخبار الصحيحة التي رويت من قوله من صلى ms0505 ~~معنا هذه الصلاة ثم وقف معنا هذا الموقف وسائر أخبار عبد الرحمن بن يعمر ~~أنه قال من أدرك عرفة فقد أدرك الحج وقد تم حجه ومن فاته عرفة فقد فاته ~~الحج وذلك ينفي رواية من شرط معه الوقوف بالمزدلفة وأظن الأصم وابن علية ~~القائلين بهذه المقالة واحتجوا فيه من طريق النظر بأنه لما كان في الحج ~~وقوفان واتفقنا على فرضية أحدهما وهو الوقوف بعرفة وجب أن يكون الآخر فرضا ~~لأن الله عز وجل ذكرهما في القرآن كما أنه لما ذكر الركوع والسجود كانا ~~فرضين في الصلاة فقال له أما قولك إنهما لما كانا مذكورين في القرآن كانا ~~فرضين فإنه غلط فاحش لأنه يقتضي أن يكون كل مذكور في القرآن فرضا وهذا خلف ~~من القول وعلى أن الله تعالى لم يذكر الوقوف وإنما قال [فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام] والذكر ليس بمفروض عند الجميع فكيف يكون الوقوف فرضا ~~فالاحتجاج به من هذا الوجه ساقط فإن كان أوجبه قياسا على الوقوف بعرفة فإنه ~~يطالب # PageV01P392 # بالدلالة على صحة العلة الموجبة لهذا القياس وذلك معدوم ويقال له أليس # قد طاف النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة وسعى ثم طاف أيضا يوم النحر ~~وطاف للصدر وأمر به # فهل وجب أن يكون لهذا الطواف كله حكم واحد في باب الإيجاب فإذا جاز أن ~~يكون بعض الطواف ندبا وبعضه واجبا فما ينكر أن يكون حكم الوقوف كذلك فيكون ~~بعضه ندبا وبعضه واجبا # قوله تعالى [فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم] قضاء ~~المناسك هو فعلها على تمام ومثله قوله [فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا] وقوله [فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض] ومنه # قوله صلى الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) # يعني افعلوا على التمام وقوله [فاذكروا الله كذكركم آباءكم] قد قيل فيه ~~وجهان أحدهما الأذكار المفعولة في سائر أحوال المناسك كقوله [إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة] # وهو مأمور به قبل الطلاق على مجرى قولهم إذا حججت فطف بالبيت ms0506 وإذا أحرمت ~~فاغتسل وإذا صليت فتوضأ وقوله تعالى [إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم] ~~وإنما هو قبل الصلاة وكذلك [فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله] جائز أن يريد ~~الأذكار المسنونة بعرفات والمزدلفة وعند الرمي والطواف وقيل فيه إن أهل ~~الجاهلية كانوا يقفون عند قضاء المناسك فيذكرون مآثرهم ومفاخر آبائهم ~~فأبدلهم الله به ذكره وشكره على نعمه والثناء عليه # فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات (إن الله قد أذهب عنكم نخوة ~~الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي ~~إلا بالتقوى) # ثم تلا [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم] فكان خروج الكلام على حال لأهل ~~الجاهلية في ذكرهم آباءهم والله أعلم. ### | باب أيام منى والنفر فيها # قال الله عز وجل [واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه] # قال أبو بكر روى سفيان وشعبة عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر ~~الديلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام منى ثلاثة أيام التشريق ~~فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه # واتفق أهل العلم على أن قوله بيان المراد الآية في قوله [أيام معدودات] ~~ولا خلاف بين أهل العلم # أن المعدودات أيام التشريق وقد روي ذلك عن علي # وعمر # PageV01P393 # وابن عباس وابن عمر وغيرهم إلا شيء # رواه ابن أبي ليلى عن المنهال عن زر عن علي قال المعدودات يوم النحر ~~ويومان بعده اذبح في أيها شئت # وقد قيل إن هذا وهم والصحيح # عن علي أنه قال ذلك في المعلومات # وظاهر الآية ينفي ذلك أيضا لأنه قال [فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه] ~~وذلك لا يتعلق بالنحر وإنما يتعلق برمي الجمار والمفعول في أيام التشريق ~~وأما المعلومات # فقد روي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده واذبح في ~~أيها شئت # قال ابن عمر المعدودات أيام التشريق وقال سعيد بن ms0507 جبير عن ابن عباس ~~المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم عن ~~مقسم عن ابن عباس المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده أيام التشريق ~~والمعدودات يوم النحر وثلاثة أيام بعده التشريق وروى عبد الله بن موسى ~~أخبرنا عمارة بن ذكوان عن مجاهد عن ابن عباس قال المعدودات أيام العشر ~~والمعلومات أيام النحر فقوله المعدودات إنها أيام العشر لا شك في أنه خطأ ~~ولم يقل به أحد وهو خلاف الكتاب قال الله تعالى [فمن تعجل في يومين فلا إثم ~~عليه] وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثلاث وقد روي عن ابن عباس ~~بإسناد صحيح أن المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق وهو قول الجمهور ~~من التابعين منهم الحسن ومجاهد وعطاء والضحاك وإبراهيم في آخرين منهم وقد ~~روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن المعلومات العشر والمعدودات أيام ~~التشريق وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد قال كتب ~~أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسأله عن الأيام المعلومات فأملى علي أبى ~~يوسف جواب كتابه اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # فروي عن علي وابن عمر أنها أيام النحر # وإلى ذلك أذهب لأنه قال [على ما رزقهم من بهيمة الأنعام] وذكر شيخنا أبو ~~الحسن الكرخي عن أحمد القاري عن محمد عن أبي حنيفة أن المعلومات العشر وعن ~~محمد أنها أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده قال أبو بكر فحصل من ~~رواية أحمد القاري عن محمد ورواية بشر ابن الوليد عن أبي يوسف أن المعلومات ~~يوم النحر ويومان بعده ولم تختلف عن أبي حنيفة أن المعلومات أيام العشر ~~والمعدودات أيام التشريق وهو قول ابن عباس المشهور وقوله تعالى [على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام] لا دلالة فيه على أن المراد أيام النحر لاحتماله ~~أن يريد لما رزقهم من بهيمة الأنعام كقوله [ولتكبروا الله على ما هداكم] ~~والمعنى لما # PageV01P394 # هداكم وأيضا يحتمل أن يريد بها أيام العشر لأن فيها يوم النحر ms0508 وفيه الذبح ~~ويكون بتكرار السنين عليه أياما وذكر أهل اللغة أن المعدودات منفصلة عن ~~المعلومات بدلالة اللفظ على افتراقهما في باب العدد وذلك لأن وصفها ~~بالمعدودات دلالة التقليل كقوله تعالى [بخس دراهم معدودة] وإنما يوصف ~~بالعدد إذا أريد به التقليل لأنه يكون نقيض كثرة فهو كقولك قليل وكثير ~~فعرفت المعدودات بالتقليل وقيل للأخرى معلومات فعرفت بالشهرة لأنها عشرة ~~ولم يختلف أهل العلم أن أيام منى ثلاثة يوم النحر وبعد أن للحاج أن يتعجل ~~في اليوم الثاني منها إذا رمى الجمار وينفر وأن له أن يتأخر إلى اليوم ~~الثالث حتى يرمي الجمار فيه ثم ينفر واختلف فيمن لم ينفر حتى غابت الشمس من ~~اليوم الثاني فروي عن عمر وابن عمر وجابر بن زيد والحسن وإبراهيم أنه إذا ~~غابت الشمس من اليوم الثاني قبل أن ينفر فلا ينفر حتى يرمي الجمار من الغد ~~وروي عن الحسن البصري أن له أن ينفر في اليوم الثاني إذا رمى وقت الظهر كله ~~فإن أدركته صلاة العصر بمنى فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث وقال أصحابنا ~~إنه إذا لم ينفر حتى غابت الشمس فلا ينبغي له أن ينفر حتى يرمي جمرة اليوم ~~الثالث ولا يلزمه ذلك إلا أن يصبح بمنى فحينئذ يلزمه رمي اليوم الثالث ولا ~~يجوز تركه ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن من أقام بمنى إلى اليوم الثالث ~~أنه لا يجوز له النفر حتى يرمي وإنما قالوا إنه لا يلزمه رمي اليوم الثالث ~~بإقامته بمنى إلى أن يمسي من قبل أن الليلة التي تلي اليوم الثاني هي تابعة ~~له حكمها حكمه وليس حكمها حكم الذي بعدها ألا ترى أنه لو ترك الرمي في ~~اليوم الأول رماه في ليلته ولم يكن مؤخرا له عن وقته # لأنه صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أن يرموا ليلا # فكان حكم الليلة حكم اليوم الذي قبلها ولم يكن حكمها حكم الذي بعدها ~~فلذلك قالوا إن إقامته في اليوم الثاني بمنى إلى أن يمسي بمنزلة إقامته بها ~~نهارا وإذا ms0509 أقام حتى يصبح من اليوم الثالث لزمه الرمي بلا خلاف وهذا مما ~~يستدل به على صحة قول أبي حنيفة في تجويزه رمي اليوم الثالث قبل الزوال إذ ~~قد صار وقتا للزوم الرمي ويستحيل أن يكون وقتا لوجوبه ثم لا يصح فعله فيه ~~وأما قوله تعالى [فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~لمن اتقى] فإنه قد قيل فيه وجهان أحدهما فلا إثم عليه لتكفير سيئاته وذنوبه ~~بالحج المبرور وروي نحوه عن عبد الله بن مسعود ومثله ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع # PageV01P395 # كيوم ولدته أمه # والوجه الثاني أنه لا مأثم عليه في التعجيل وروي نحوه عن الحسن وغيره ~~وقال [من تأخر فلا إثم عليه] لأنه مباح له التأخير وقوله [لمن اتقى] يحتمل ~~لمن اتقى ما نهى الله عنه في الإحرام بقوله [فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج] وإن لم يتق فغير موعود بالثواب. # قوله تعالى [ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا] الآية قال أبو ~~بكر فيه تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه من حلاوة المنطق ~~والاجتهاد في تأكيد ما يظهره فأخبر الله تعالى أن من الناس من يظهر بلسانه ~~ما يعجبك ظاهره [ويشهد الله على ما في قلبه] وهذه صفة المنافقين مثل قوله ~~تعالى [قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة] وقوله [وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ~~وإن يقولوا تسمع لقولهم] فأعلم الله تعالى نبيه ضمائرهم لئلا يغتر بظاهر ~~أقوالهم وجعله عبرة لنا في أمثالهم لئلا نتكل على ظاهر أمور الناس وما ~~يبدونه من أنفسهم وفيه الأمر بالاحتياط فيما يتعلق بأمثالهم من أمور الدين ~~والدنيا فلا نقتصر فيما أمرنا بائتمان الناس عليه من أمر الدين والدنيا على ~~ظاهر حال الإنسان دون البحث عنه وفيه دليل على أن عليه استبراء حال من يراد ~~للقضاء والشهادة والفتية والإمامة وما جرى مجرى ذلك ms0510 في أن لا يقبل منهم ~~ظاهرهم حتى يسئل ويبحث عنهم إذ قد حذرنا الله تعالى أمثالهم في توليتهم على ~~أمور المسلمين # ألا ترى أنه عقبه بقوله [وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل] فكان ذكر التولي في هذا الموضع إعلاما لنا أنه غير جائز الاقتصار ~~على ظاهر ما يظهره دون الاستبراء لحاله من غير جهته قوله تعالى [وهو ألد ~~الخصام] هو وصف له بالمبالغة في شدة الخصومة والقتل للخصم بها عن حقه ~~وإحالته إلى جانبه ويقال لده عن كذا إذا حبسه وعلى هذا المعنى # قال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن ~~بحجته من بعض وإنما أقضي بما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع ~~له قطعة من النار # فكان معنى قوله [وهو ألد الخصام] أنه أشد المخاصمين خصومة وقوله [والله ~~لا يحب الفساد] نص على بطلان مذهب أهل الإجبار لأن ما لا يحبه الله فهو لا ~~يريده وما يريده فهو لا يحبه فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يحب ~~الفساد وهذا يوجب أن لا يفعل الفساد لأنه لو فعله لكان مريدا له ومحبا له ~~وهو # PageV01P396 # مثل قوله [وما الله يريد ظلما للعباد] فنفى عن نفسه فعل الظلم لأنه لو ~~فعله لكان مريدا له لاستحالة أن يفعل ما لا يريد ويدل على أن محبته لكون ~~الفعل هي إرادته له أنه غير جائز أن يجب كونه ولا يريد أن يكون بل يكره أن ~~يكون وهذا هو التناقض كما لو قال يريد الفعل ويكرهه لكان مناقضا مختلا في ~~كلامه ويدل عليه قوله تعالى [إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم] والمعنى إن الذين يريدون فدل على أن المحبة هي ~~الإرادة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الله أحب لكم ثلاثا ~~وكره لكم ثلاثا أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تناصحوا من ولاه ~~الله أمركم وكره لكم ms0511 القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) # فجعل الكراهة في مقابلة المحبة فدل أن ما أراده فقد أحبه كما أن ما كرهه ~~فلم يرده إذ كانت الكراهة في مقابلة الإرادة كما هي في مقابلة المحبة فلما ~~كانت الكراهة نقيضا لكل واحدة من الإرادة والمحبة دل على أنهما سواء # قوله تعالى [فاعلموا أن الله عزيز حكيم] فإن العزيز هو المنيع القادر على ~~أن يمنع ولا يمنع لأن أصل العزة الامتناع ومنه يقال أرض عزاز إذا كانت ~~ممتنعة بالشدة والصعوبة وأما الحكيم فإنه يطلق في صفة الله تعالى على ~~معنيين أحدهما العالم إذا أريد به ذلك جاز أن يقال لم يزل حكيما والمعنى ~~الآخر من الفعل المتقن المحكم وإذا أريد به ذلك لم يجز أن يقال لم يزل ~~حكيما كما لا يجوز أن يقال لم يزل فاعلا فوصفه لنفسه بأنه حكيم يدل على أنه ~~لا يفعل الظلم والسفه والقبائح ولا يريدها لأن من كان كذلك فليس بحكيم عند ~~جميع أهل العقل وفيه دليل على بطلان قول أهل الجبر # وقوله تعالى [هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة] ~~هذا من المتشابه الذي أمرنا الله برده إلى المحكم في قوله [هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه] # وإنما كان متشابها لاحتماله حقيقة اللفظ وإتيان الله واحتماله أن يريد ~~أمر الله ودليل آياته كقوله في موضع آخر [هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك] فجميع هذه الآيات المتشابهة محمولة على ~~ما بينه في قوله [أو يأتي ربك] لأن الله تعالى لا يجوز عليه الإتيان ولا ~~المجيء ولا الانتقال ولا الزوال لأن ذلك من صفات الأجسام ودلالات الحدث ~~وقال تعالى في آية محكمة [ليس كمثله شيء] وجعل إبراهيم عليه السلام ما شهده ~~من حركات النجوم وانتقالها # PageV01P397 # دليلا على حدثها واحتج به على قومه فقال الله عز وجل [وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم ms0512 على قومه] يعني في حدث الكواكب والأجسام تعالى الله عن قول المشبهة ~~علوا كبيرا فإن قيل فهل يجوز أن يقال جاء ربك بمعنى جاء كتابه أو جاء رسوله ~~أو ما جرى مجرى ذلك قيل له هذا مجاز والمجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم ~~الدليل عليه وقد قال تعالى [وسئل القرية التي كنا فيها] وهو يريد أهل ~~القرية وقال [إن الذين يؤذون الله ورسوله] وهو يعني أولياء الله والمجاز ~~إنما يستعمل في الموضع الذي يقوم الدليل على استعماله فيه أو فيما لا يشتبه ~~معناه على السامع وقوله عز وجل [وإلى الله ترجع الأمور] فيه وجهان أحدهما ~~أنه لما كانت الأمور كلها قبل أن يملك العباد شيئا منها له خاصة ثم ملكهم ~~كثيرا من الأمور ثم تكون الأمور كلها في الآخرة إليه دون خلقه جاز أن يقول ~~ترجع إليه الأمور والمعنى الآخر أن يكون بمعنى قوله [ألا إلى الله تصير ~~الأمور] يعني أنه لا يملكها غيره لا على أنها لم تكن إليه ثم صارت إليه لكن ~~على أنه لا يملكها أحد سواه كما قال لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وإنما عنى على أنه يصير رمادا لا على أنه كان رمادا مرة ثم رجع إلى ما ~~كان # قوله تعالى [كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين] الآية قيل فيه إنهم ~~كانوا أمة واحدة على الكفر وإن كانوا مختلفين في مذاهبهم وجائز أن يكون ~~فيهم مسلمون إلا أنهم قليلون في نفسهم وجائز إذا كان كذلك إطلاق اسم الأمة ~~على الجماعة لانصرافه إلى الأعم الأكثر وقال قتادة والضحاك كانوا أمة واحدة ~~على الحق فاختلفوا وقوله [فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه] فإن # عبد الله بن طاوس يروي عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أن كل أمة أوتوا الكتاب ~~قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له ms0513 ~~ولليهود غدو للنصارى بعد غد) # وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ~~إلا أنه قال هدانا الله له يوم الجمعة لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى # ففي هذا الحديث أن المراد بقوله [فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه] ~~هو يوم الجمعة وعموم اللفظ يقتضي سائر الحق الذي هدي له المؤمنون ويكون يوم ~~الجمعة أحدها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # PageV01P398 ### | باب من يبدأ به في النفقة عليه # قال الله تعالى [يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين] الآية فالسؤال واقع عن مقدار ما ينفق والجواب صدر عن القليل ~~والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة فقال تعالى [قل ما أنفقتم من خير] ~~فذاك يتناول القليل والكثير لشمول اسم الخير لجميع الإنفاق الذي يطلب به ~~وجه الله وبين فيمن تصرف إليه بقوله [فللوالدين والأقربين] ومن ذكر في ~~الآية وأن هؤلاء أولى من غيرهم ممن ليس هو في منزلتهم بالقرب والفقر وقد ~~بين في آية أخرى ما يجب عليه فيه النفقة وهو قوله [ويسئلونك ماذا ينفقون قل ~~العفو] فروي عن ابن عباس قال ما يفضل عن أهلك وقال قتادة العفو الفضل فأخبر ~~في هذه الآية أن النفقة فيما يفضل عن نفسه وأهله وعياله وعلى هذا المعنى # قال صلى الله عليه وسلم (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وفي خبر آخر- خير ~~الصدقة ما أبقت غنى وابدأ بمن تعول) # فهذا موافق لقوله [ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو] وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أخبار في التبدئة بالأقرب فالأقرب في النفقة فمنها # حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم اليد العليا خير من اليد ~~السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأبوك وأختك وأخوك وأدناك فأدناك # وروى مثله ثعلبة بن زهدم وطارق عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد دل ذلك ~~على معنى الآية في قوله [قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين] وإنما ~~المراد بها تقديم الأقرب فالأقرب في الإنفاق ms0514 وروي عن الحسن البصري أن الآية ~~في الزكاة والتطوع جميعا وأنها ثابتة الحكم غير منسوخة عليه وقال السدي هي ~~منسوخة بفرض الزكاة قال أبو بكر هي ثابتة الحكم عامة في الفرض والتطوع أما ~~الفرض فلم يرد به الوالدين ولا الولد وإن سلفوا لقيام الدلالة عليه وأما ~~التطوع فهي عامة في الجميع ومتى أمكننا استعمالهما مع فرض الزكاة فغير جائز ~~الحكم بنسخها وكذلك حكم سائر الآيات متى أمكن الجمع بين جميعها في أحكامها ~~من غير إثبات نسخ لها لم يجز لنا الحكم بنسخ شيء منها وليس يمتنع أن يكون ~~المراد به النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا محتاجين وذلك إذا كان ~~الرجل غنيا لأن قوله تعالى [قل العفو] قد دل على أن النفقة إنما تجب عليه ~~فيما يفضل فإذا كان هو وعياله محتاجين لا يفضل عنهم شيء فليس عليه نفقة وقد ~~دلت الآية على معان منها أن القليل والكثير من النفقة يستحق به الثواب على ~~الله تعالى إذا أراد بها وجه الله وينتظم # PageV01P399 # ذلك الصدقات من النوافل والفروض ومنها أن الأقرب فالأقرب أولى بذلك بقوله ~~[فللوالدين والأقربين] مع # بيان النبي صلى الله عليه وسلم لمراد الله بقوله ابدأ بمن تعول أمك وأباك ~~وأختك وأخاك وأدناك فأدناك # وفيه الدلالة على وجوب نفقة الوالدين والأقربين عليه فإن قيل فينبغي أن ~~يلزمه نفقة المساكين وابن السبيل وجميع من ذكر في الآية قيل له قد اقتضى ~~ظاهرها ذلك وخصصنا بعضها من النفقة التي تستحقها الأقارب بدلالة وهم داخلون ~~في الزكاة والتطوع وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال ~~حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا سفيان عن مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة ~~قال دينار أعطيته في سبيل الله ودينار أعطيته مسكينا ودينار أعطيته في رقبة ~~ودينار أنفقته على أهلك فإن الدينار الذي أنفقته على أهلك أعظمها أجرا وقد ~~روى ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عبد الباقي قال حدثنا ~~محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا عاصم ms0515 بن علي قال حدثنا المسعودي عن مزاحم ~~بن زفر عن مجاهد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا محمد بن كثير قال ~~حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله ابن زيد عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إن المسلم إذا أنفق نفقة على أهله كانت له صدقة # فهذه الآثار موافقة لمعنى قوله [يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو] وقد اختلف ~~في المراد به فقال ابن عباس وقتادة الفضل عن الغنى قال الحسن وعطاء الوسط ~~من غير إسراف وقال مجاهد أراد به الصدقة المفروضة قال أبو بكر إذا كان ~~العفو ما فضل فجائز أن يريد به الزكاة المفروضة في أنها لا تجب إلا فيما ~~فضل عن مقدار الحاجة وحصل به الغنى وكذلك سائر الصدقات الواجبة ويجوز أن ~~يريد به صدقة التطوع فيتضمن ذلك الأمر بالإنفاق على نفسه وعياله والأقرب ~~فالأقرب منه ثم بعد ذلك ما يفضل يصرفه إلى الأجانب ويحتج به في أن صدقة ~~الفطر وسائر الصدقات لا تجب على الفقير إذ كان الله تعالى إنما أمرنا ~~بالإنفاق من العفو والفاضل عن الغنى. # قوله تعالى [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] هذا يدل على فرض القتال لأن ~~قوله [كتب عليكم] بمعنى فرض عليكم كقوله [كتب عليكم الصيام] ثم لا يخلو ~~القتال المذكور في الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه المخاطبون أو لم ~~يرجع إلى معهود لأن الألف واللام تدخلان للجنس أو للمعهود فإن كان المراد ~~قتالا قد عرفوه رجع الكلام # PageV01P400 # إليه نحو قوله تعالى [وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة] وقوله ~~[ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم] ~~فإن كان كذلك فإنما هو أمر بقتال على وصف وهو أن نقاتل المشركين إذا ~~قاتلونا فيكون حينئذ كلاما مبنيا على معهود قد علم حكمه مكرر ذكره تأكيدا ~~وإن لم يكن راجعا إلى معهود فهو لا محالة مجمل مفتقر إلى ms0516 البيان وذلك أنه ~~معلوم عند وروده أنه لم يأمرنا بقتال الناس كلهم فلا يصح اعتقاد العموم فيه ~~وما لا يصح اعتقاد العموم فيه فهو مجمل مفتقر إلى البيان وسنبين اختلاف أهل ~~العلم في فرض الجهاد وكيفيته عند مصيرنا إلى قوله [فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم] إن شاء الله تعالى وقوله [وهو كره لكم] معناه مكروه لكم أقيم فيه ~~المصدر مقام المفعول كقولك فلان رضى أى مرضى # وقوله تعالى [يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام] قد تضمنت هذه الآية تحريم القتال في ~~الشهر الحرام ونظيره في الدلالة على مثله قوله [الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمات قصاص] وقوله [إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ~~يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم] # وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن الليث بن سعد قال حدثني أبو الزبير عن جابر بن ~~عبد الله قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام ~~إلا أن يغزى فإذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ # وقد اختلف في نسخ ذلك فقالت طائفة حكمه باق لم ينسخ وممن قال ذلك عطاء بن ~~أبي رباح حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن ~~جريج قال قلت لعطاء ما لهم إن ذلك لم يكن يحل لهم أن يغزوا في الشهر الحرام ~~ثم غزوهم بعد فيه قال فحلف لي ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ولا في الشهر ~~الحرام إلا أن يقاتلوا قال وما نسخت وروى سليمان بن يسار وسعيد بن المسيب ~~أن القتال جائز في الشهر الحرام وهو قول فقهاء الأمصار والأول منسوخ بقوله ~~[فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم] وقوله [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر] الآية لأنها نزلت بعد حظر القتال في الشهر الحرام ms0517 وقد اختلف ~~في السائلين عن ذلك من هم فقال الحسن وغيره إن الكفار سألوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر ~~الحرام وقال آخرون المسلمون سألوا # PageV01P401 # عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه وقيل إنها نزلت على سبب وهو قتل واقد بن ~~عبد الله عمرو بن الحضرمي مشركا فقال المشركون قد استحل محمد القتال في ~~الشهر الحرام وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون تحريم القتال في هذه الأشهر ~~فأعلمهم الله تعالى بقاء حظر القتال في الشهر الحرام وأرى المشركين مناقصة ~~بإقامتهم على الكفر مع استعظامهم القتل في الشهر الحرام مع أن الكفر أعظم ~~الإجرام ومع إخراج أهل المسجد الحرام منه وهم المؤمنون لأنهم أولى بالمسجد ~~الحرام من الكفار لقوله [إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر] ~~فأعلمهم الله أن الكفر بالله وبالمسجد الحرام وهو أن الله جعل المسجد ~~للمؤمنين ولعبادتهم إياه فيه فجعلوه لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه فكان ذلك ~~كفرا بالمسجد الحرام وأخرجوا أهله منه وهم المؤمنون لأنهم أولى به من ~~الكفار فأعلمهم الله أن الكفار مع هذه الإجرام أولى بالعيب من قتل رجل من ~~المشركين في الشهر الحرام والله سبحانه وتعالى أعلم. # تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب تحريم الخمر # PageV01P402 # [الجزء الثاني] # [تتمة سورة البقرة] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب تحريم الخمر # قال الله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهما أكبر من نفعهما هذه الآية قد اقتضت تحريم الخمر لو لم يرد غيرها في ~~تحريمها لكانت كافية مغنية وذلك لقوله قل فيهما إثم كبير والإثم كله محرم ~~بقوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم فأخبر أن ~~الإثم محرم ولم يقتصر على إخباره بأن فيها إثما حتى وصفه بأنه كبير تأكيدا ~~لحظرها وقوله ومنافع للناس لا دلالة فيه على إباحتها لأن المراد منافع ~~الدنيا وأن في سائر الحرمات منافع لمرتكبيها في دنياهم إلا أن تلك المنافع ~~لا ms0518 تفي بضررها من العقاب المستحق بارتكابها فذكره لمنافعها غير دال على ~~إباحتها لا سيما وقد أكد حظرها مع ذكر منافعها بقوله في سياق الآية وإثمهما ~~أكبر من نفعهما يعني أن ما يستحق بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل الذي ~~ينبغي منهما ومما نزل في شأن الخمر قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وليس في هذه الآية دلالة ~~على تحريم ما لم يسكر منها وفيها الدلالة على تحريم ما يسكر منها لأنه إذا ~~كانت الصلاة فرضا نحن مأمورون بفعلها في أوقاتها فكل ما أدى إلى المنع منها ~~فهو محظور فإذا كانت الصلاة ممنوعة في حال السكر وكان شربها مؤديا إلى ترك ~~الصلاة كان محظورا لأن فعل ما يمنع من الفرض محظور ومما نزل في شأن الخمر ~~مما لا مساغ للتأويل فيه قوله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ~~رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه- إلى قوله- فهل أنتم منتهون فتضمنت هذه الآيات ~~ذكر تحريمها من وجوه أحدها قوله رجس من عمل الشيطان وذلك لا يصح إطلاقه إلا ~~فيما كان محظورا محرما ثم أكده بقوله فاجتنبوه وذلك أمر يقتضي لزوم اجتنابه ~~ثم قال تعالى فهل أنتم منتهون ومعناه فانتهوا فإن قيل ليس في قوله تعالى ~~فيهما إثم كبير دلالة على تحريم القليل منها لأن مراد الآية ما يلحق من ~~المأثم بالسكر وترك الصلاة والمواثبة # PageV02P002 # والقتال فإذا حصل المأثم بهذه الأمور فقد وفينا ظاهر الآية مقتضاها من ~~التحريم ولا دلالة فيه على تحريم القليل منها قيل له معلوم أن في مضمون ~~قوله فيهما إثم كبير ضمير شربها لأن جسم الخمر هو فعل الله تعالى ولا مأثم ~~فيها وإنما المأثم مستحق بأفعالنا فيها فإذا كان الشرب مضمرا كان تقديره في ~~شربها وفعل الميسر إثم كبير فيتناول ذلك شرب القليل منها والكثير كما لو ~~حرمت الخمر لكان معقولا أن المراد به شربها والانتفاع بها فيقتضي ذلك تحريم ~~قليلها وكثيرها وقد روي في ذلك حديث حدثنا جعفر بن محمد ms0519 الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله يسئلونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير قال الميسر هو القمار كان الرجل في الجاهلية ~~يخاطر على أهله وماله وقال وقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون قال كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء ~~شربوها ثم إن ناسا من المسلمين شربوها فقاتل بعضهم بعضا وتكلموا بما لا ~~يرضي الله عز وجل فأنزل الله إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه قال فالميسر القمار والأنصاب الأوثان والأزلام القداح ~~كانوا يستقسمون بها قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي عن ~~سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال قال عمر اللهم بين لنا في الخمر فنزلت ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فقال اللهم بين لنا في ~~الخمر فنزلت قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما فقال ~~اللهم بين لنا في الخمر فنزلت إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه- إلى قوله- فهل أنتم منتهون فقال عمر انتهينا إنها ~~تذهب المال وتذهب العقل قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم قال أخبرنا ~~المغيرة عن أبي رزين قال شربت الخمر بعد الآية التي نزلت في البقرة وبعد ~~الآية التي في النساء فكانوا يشربونها حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت تركوها ثم ~~حرمت في المائدة في قوله فهل أنتم منتهون فانتهى القوم عنها فلم # يعودوا فيها فمن الناس من يظن أن قوله قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس لم ~~يدل على التحريم لأنه لو كان دالا لما شربوه ولما أقرهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولما سئل عمر البيان بعده وليس هذا كذلك عندنا وذلك لأنه جائز أن ~~يكونوا تأولوا في قوله # PageV02P004 # ومنافع للناس جواز استباحة منافعها فإن الإثم مقصور على بعض الأحوال ms0520 دون ~~بعض فإنما ذهبوا عن حكم الآية بالتأويل وأما قوله إنها لو كانت حراما لما ~~أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على شربها فإنه ليس في شيء من الأخبار علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بشربها ولا إقرارهم عليه بعد علمه وأما سؤال عمر ~~رضي الله عنه بيانا بعد نزول هذه الآية فلأنه كان للتأويل فيه مساغ وقد علم ~~هو وجه دلالتها على التحريم ولكنه سأل بيانا يزول معه احتمال التأويل فأنزل ~~الله تعالى إنما الخمر والميسر الآية ولم يختلف أهل النقل في أن الخمر قد ~~كانت مباحة في أول الإسلام وأن المسلمين قد كانوا يشربونها بالمدينة ~~ويتبايعون بها مع علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإقرارهم عليه إلى أن ~~حرمها الله تعالى فمن الناس من يقول إن تحريمها على الإطلاق إنما ورد في ~~قوله إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه- ~~إلى قوله- فهل أنتم منتهون وقد كانت محرمة قبل ذلك في بعض الأحوال وهي ~~أوقات الصلاة بقوله لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى وأن بعض منافعها قد كان ~~مباحا وبعضها محظورا بقوله قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس إلى أن أتم ~~تحريمها بقوله فاجتنبوه وقوله فهل أنتم منتهون وقد بينا ما يقتضيه ظاهر كل ~~واحد من حكم الآيات من حكم التحريم وقد اختلف فيما يتناوله اسم الخمر من ~~الأشربة فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء اسم الخمر في الحقيقة يتناول التي ~~المشتد من ماء العنب وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعي أن كل ما ~~أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر والدليل على أن اسم الخمر مخصوص بالتي ~~المشتد من ماء العنب دون غيره وأن غيره إن سمي بهذا الاسم فإنما هو محمول ~~عليه ومشبه به على وجه المجاز # حديث أبي سعيد الخدري قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال له ~~أشربت خمرا فقال ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فماذا شربت قال ~~الخليطين قال فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين # فنفى الشارب ms0521 اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~ينكره عليه ولو كان ذلك يسمى خمرا من جهة لغة أو شرع لما أقره عليه إذ كان ~~في نفي التسمية التي علق بها حكم نفي الحكم ومعلوم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يقر أحدا على حظر مباح ولا على استباحة محظور وفي ذلك دليل على أن ~~اسم الخمر منتف عن سائر الأشربة إلا من الني المشتد من ماء العنب لأنه إذا ~~كان الخليطان لا يسميان خمرا مع وجود قوة الإسكار منهما علمنا أن الاسم ~~مقصور على ما وصفنا ويدل عليه # PageV02P005 # ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا ~~العباس بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن ~~الحارث عن علي رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الأشربة عام حجة الوداع فقال حرام الخمر بعينها والسكر من كل شراب # قال عبد الباقي وحدثنا محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا شعيب بن واقد قال ~~حدثنا قيس عن قطن عن منذر عن محمد بن الحنفية عن علي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحوه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال حدثنا عياش بن الوليد قال ~~حدثنا علي بن عباس قال حدثنا سعيد بن عمارة قال حدثنا الحارث بن النعمان ~~قال سمعت أنس بن مالك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخمر ~~بعينها حرام والسكر من كل شراب # وقد روى عبد الله بن شداد عن ابن عباس من قوله مثل ذلك وروي عنه أيضا ~~مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد حوى هذا الخبر معاني منها أن اسم ~~الخمر مخصوص بشراب بعينه دون غيره وهو الذي لم يختلف في تسميته بها دون ~~غيرها من ماء العنب وأن غيرها من الأشربة غير مسمى بهذا الاسم لقوله والسكر ~~من كل شراب وقد دل أيضا على أن المحرم من سائر ms0522 الأشربة هو ما يحدث عنده ~~السكر لولا ذلك لما اقتصر منها على السكر دون غيره ولما فصل بينها وبين ~~الخمر في جهة التحريم ودل أيضا على أن تحريم الخمر حكم مقصور عليها غير ~~متعد إلى غيرها قياسا ولا استدلالا إذ علق حكم التحريم بعين الخمر دون معنى ~~فيها سواها وذلك ينفي جواز القياس عليها لأن كل أصل ساغ القياس عليه فليس ~~الحكم المنصوص عليه مقصورا عليه ولا متعلقا به بعينه بل يكون الحكم منصوبا ~~على بعض أوصافه مما هو موجود في فروعه فيكون الحكم تابعا للوصف جاريا معه ~~في معلولاته ومما يدل على أن سائر الأشربة المسكرة لا يتناولها اسم الخمر # قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عنه الخمر من هاتين الشجرتين ~~النخلة والعنبة # فقوله الخمر اسم للجنس لدخول الألف واللام عليه فاستوعب به جميع ما يسمى ~~بهذا الاسم فلم يبق شيء من الأشربة يسمى به إلا وقد استغرقه ذلك فانتفى ~~بذلك أن يكون ما يخرج من غير هاتين الشجرتين يسمى خمرا ثم نظرنا فيما يخرج ~~منهما هل جميع الخارج منهما مسمى باسم الخمر أم لا فلما اتفق الجميع على أن ~~كل ما يخرج منهما من الأشربة غير مسمى باسم الخمر لأن العصير والدبس والخل ~~ونحوه من هاتين الشجرتين ولا يسمى شيء منه خمرا علمنا أن مراده بعض الخارج ~~من هاتين الشجرتين # PageV02P006 # وذلك البعض غير مذكور في الخبر فاحتجنا إلى الاستدلال على مراده من غيره ~~في إثبات اسم الخمر للخارج منهما فسقط الاحتجاج به في تحريم جميع الخارج ~~منهما وتسميته باسم الخمر ويحتمل مع ذلك أن يكون مراده أن الخمر أحدهما ~~كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان- وامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم # والمراد أحدهما فكذلك جائز أن يكون المراد في قوله الخمر من هاتين ~~الشجرتين أحدهما فإن كان المراد هما جميعا فإن ظاهر اللفظ يدل على أن ~~المسمى بهذا الاسم هو أول شراب يصنع منهما لأنه لما كان معلوما أنه لم يرد ~~بقوله من هاتين الشجرتين ms0523 بعض كل واحدة منهما لاستحالة كون بعضها خمرا دل ~~على أن المراد أول خارج منهما من الأشربة لأن من يعتورها معان في اللغة ~~منها التبعيض ومنها الابتداء كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب من فلان وما ~~جرى مجرى ذلك فيكون معنى من في هذا الموضع على ابتداء ما يخرج منهما وذلك ~~إنما يتناول العصير المشتد والدبس السائل من النخل إذا اشتد ولذلك قال ~~أصحابنا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا إنه على رطبها وتمرها ودبسها ~~لأنهم حملوا من ما ذكرنا من الابتداء قال أبو بكر ويدل على ما ذكرنا من ~~انتفاء اسم الخمر عن سائر الأشربة إلا ما وصفنا ما روي عن ابن عمر أنه قال ~~لقد حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة يومئذ منها شيء وابن عمر رجل من أهل ~~اللغة ومعلوم أنه قد كان بالمدينة السكر وسائر الأنبذة المتخذة من التمر ~~لأن تلك كانت أشربتهم ولذلك قال جابر بن عبد الله نزل تحريم الخمر وما يشرب ~~الناس يومئذ إلا البسر والتمر وقال أنس بن مالك كنت ساقي عمومتي من الأنصار ~~حين نزل تحريم الخمر فكان شرابهم يومئذ الفضيح فلما سمعوا أراقوها فلما نفى ~~ابن عمر اسم الخمر عن سائر الأشربة التي كانت بالمدينة دل ذلك على أن الخمر ~~عنده كانت شراب العنب التي المشتد وأن ما سواها غير مسمى بهذا الاسم ويدل ~~عليه أن العرب كانت تسمي الخمر سبيئة ولم تكن تسمي بذلك سائر الأشربة ~~المتخذة من تمر النخل لأنها كانت تجلب إليها من غير بلادها ولذلك قال ~~الأعشى: # وسبيئة مما يعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريا لها # وتقول سبأت الخمر إذا شريتها فنقلوا الاسم إلى المشترى بعد أن كان الأصل ~~إنما هو بجلبها من موضع إلى موضع على عادتها في الاتساع في الكلام ويدل ~~عليه أيضا قول # PageV02P007 # أبي الأسود الدؤلي وهو رجل من أهل اللغة حجة فيما قال منها فقال: # دع الخمر تشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا لمكانها # فإن لا تكنه أو يكنها فإنه ms0524 ... أخوها غذته أمه بلبانها # فجعل غيرها من الأشربة أخا لها بقوله رأيت أخاها مغنيا لمكانها ومعلوم ~~أنه لو كان يسمى خمرا لما سماه أخا لها ثم أكده بقوله فإن لا تكنه أو يكنها ~~فإنه أخوها فأخبر أنها ليست هو فثبت بما ذكرنا من الأخبار عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعن الصحابة وأهل اللغة أن اسم الخمر مخصوص بما وصفنا ~~ومقصور عليه دون غيره ويدل على ذلك أنا وجدنا بلوى أهل المدينة بشرب ~~الأشربة المتخذة من التمر والبسر كانت أعم منها بالخمر وإنما كانت بلواهم ~~بالخمر خاصة قليلة لقلتها عندهم فلما عرف الكل من الصحابة تحريم الني ~~المشتد واختلفوا فيما سواها وروي عن عظماء الصحابة مثل عمر وعبد الله وأبي ~~ذر وغيرهم شرب النبيذ الشديد وكذلك سائر التابعين ومن بعدهم من أخلافهم من ~~الفقهاء من أهل العراق لا يعرفون تحريم هذه الأشربة ولا يسمونها باسم الخمر ~~بل ينفونه عنها دل ذلك على معنيين أحدهما أن اسم الخمر لا يقع عليها ولا ~~يتناولها لأن الجميع متفقون على ذم شارب الخمر وأن جميعها محرم محظور ~~والثاني أن النبيذ غير محرم لأنه لو كان محرما لعرفوا تحريمهم كمعرفتهم ~~بتحريم الخمر إذا كانت الحاجة إلى معرفة تحريمها أمس منها إلى معرفة تحريم ~~الخمر لعموم بلواهم بها دونها وما عمت البلوى من الأحكام فسبيل وروده نقل ~~التواتر الموجب للعلم والعمل وفي ذلك دليل على أن تحريم الخمر لم يعقل به ~~تحريم هذه الأشربة ولا عقل الخمر اسما لها واحتج من زعم أن سائر الأشربة ~~التي يسكر كثيرها خمر بما # روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (كل مسكر خمر) # وبما # روي عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~الخمر من خمسة أشياء (التمر والعنب والحنطة والشعير والعسل) # وروي عن عمر من قوله نحوه وبما روي عن عمر الخمر ما خامر العقل وبما # روي عن طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله ms0525 عليه وسلم قال (كل خمر وكل ~~مسكر حرام) # وبما روي عن أنس قال كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبي طلحة وما ~~كان خمرنا يومئذ إلا الفضيح فحين سمعوا تحريم الخمر أهراقوا الأواني ~~وكسروها وقالوا فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأشربة خمرا وكذلك ~~عمر وأنس وعقلت الأنصار من تحريم الخمر تحريم الفضيح وهو نقيع البسر ولذلك # PageV02P008 # أراقوها وكسروا الأواني ولا تخلو هذه التسمية من أن تكون واقعة على هذه ~~الأشربة من جهة اللغة أو الشرع وأيهما كان فحجته ثابتة والتسمية صحيحة فثبت ~~بذلك أن ما أسكر من الأشربة كثيره فهو خمر وهو محرم بتحريم الله إياها من ~~طريق اللفظ والجواب عن ذلك وبالله التوفيق أن الأسماء على ضربين ضرب سمي به ~~الشيء حقيقة لنفسه وعبارة عن معناه والضرب الآخر ما سمي به الشيء مجازا ~~فأما الضرب الأول فواجب استعماله حيث ما وجد وأما الضرب الآخر فإنما يجب ~~استعماله عند قيام الدلالة عليه نظير الضرب الأول قوله تعالى يريد الله ~~ليبين لكم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما فأطلق لفظ الإرادة في هذه المواضع حقيقة ونظير الضرب الثاني ~~قوله فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأطلق لفظ الإرادة في هذا الموضع مجاز ~~لا حقيقة ونحو قوله إنما الخمر والميسر فاسم الخمر في هذا الموضع حقيقة ~~فيما أطلق فيه وقال في موضع آخر إني أراني أعصر خمرا فأطلق اسم الخمر في ~~هذا الموضع مجازا لأنه إنما يعصر العنب لا الخمر ونحو قوله ربنا أخرجنا من ~~هذه القرية الظالم أهلها فاسم القرية فيها حقيقة وإنما أراد البنيان ثم ~~قوله وسئل القرية التي كنا فيها مجاز لأنه لم يرد بها ما وضع اللفظ له ~~حقيقة وإنما أراد أهلها وتنفصل الحقيقة من المجاز بأن ما لزم مسمياته فلم ~~ينتف عنه بحال فهو حقيقة فيه وما جاز انتفاؤه عن مسمياته فهو مجاز ألا ترى ~~أنك إذا قلت إنه ليس للحائط إرادة كنت صادقا ولو ms0526 قال قائل إن الله لا يريد ~~شيئا أو الإنسان العاقل ليست له إرادة كان مبطلا في قوله وكذلك جائز أن ~~تقول إن العصير ليس بخمر وغير جائز أن يقال إن الني المشتد من ماء العنب ~~ليس بخمر ونظائر ذلك كثيرة في اللغة والشرع والأسماء الشرعية في معنى أسماء ~~المجاز لا تتعدى بها مواضعها التي سميت بها فلما وجدنا اسم الخمر قد ينتفي ~~عن سائر الأشربة سوى الني المشتد من ماء العنب علمنا أنها ليست بخمر في ~~الحقيقة والدليل على جواز انتفاء اسم الخمر عما وصفنا # حديث أبي سعيد الخدري قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنشوان فقال ~~أشربت خمرا فقال والله ما شربتها منذ حرمها الله ورسوله قال فماذا شربت قال ~~شربت الخليطين فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخليطين يومئذ # فنفى اسم الخمر عن الخليطين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فأقره عليه ~~ولم ينكره فدل ذلك على أنه ليس بخمر وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة ~~يومئذ منها شيء فنفى اسم الخمر عن أشربة تمر # PageV02P009 # النخل مع وجودها عندهم يومئذ ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين # وهو أصح إسنادا من الأخبار التي ذكر فيها أن الخمر من خمسة أشياء فنفى ~~بذلك أن يكون ما خرج من غيرهما خمرا إذا كان قوله الخمر من هاتين الشجرتين ~~اسما للجنس مستوعبا لجميع ما يسمى بهذا الاسم فهذا الخبر معارض ما روي من ~~أن الخمر من خمسة أشياء وهو أصح إسنادا منه ويدل عليه أنه لا خلاف أن مستحل ~~الخمر كافر وأن مستحل هذه الأشربة لا تلحقه سمة الفسق فكيف بأن يكون كافرا ~~فدل ذلك على أنها ليست بخمر في الحقيقة ويدل عليه أن خل هذه الأشربة لا ~~يسمى خل خمر وأن خل الخمر هو الخل المستحيل من ماء العنب الني المشتد فإذا ~~ثبت بما ذكرنا انتفاء اسم الخمر عن هذه الأشربة ثبت أنه ليس باسم لها في ~~الحقيقة وأنه إن ثبت ms0527 تسميتها باسم الخمر في حال فهو على جهة التشبيه بها ~~عند وجود السكر منها فلم يجز أن يتناولها إطلاق تحريم الخمر لما وصفنا من ~~أن أسماء المجاز لا يجوز دخولها تحت إطلاق أسماء الحقائق فينبغي أن يكون ~~قوله الخمر من خمسة أشياء محمولا على الحال التي يتولد منها السكر فسماها ~~باسم الخمر في تلك الحال لأنها قد عملت عمل الخمر في توليد السكر واستحقاق ~~الحد ويدل عليه أن هذه التسمية إنما تستحقها في حال توليدها السكر قول عمر ~~الخمر ما خامر العقل وقليل النبيذ لا يخامر العقل لأن ما خامر العقل هو ما ~~غطاه وليس ذلك بموجود في قليل ما أسكر كثيره من هذه الأشربة وإذا ثبت بما ~~وصفنا أن اسم الخمر مجاز في هذه الأشربة فلا يستعمل إلا في موضع يقوم ~~الدليل عليه فلا يجوز أن ينطوي تحت إطلاق تحريم الخمر ألا ترى # أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى فرسا لأبي طلحة ركبه لفزع كان بالمدينة ~~فقال وجدناه بحرا فسمى الفرس بحرا # إذ كان جوادا واسع الخطو ولا يعقل بإطلاق اسم البحر الفرس الجواد وقال ~~النابغة للنعمان بن المنذر: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ولم تكن الشمس اسما له ولا الكواكب اسما للملوك فصح بما وصفنا أن اسم ~~الخمر لا يقع على هذه الأشربة التي وصفنا وأنه مخصوص بماء العنب الني ~~المشتد حقيقة وإنما يسمى به غيرها مجازا والله أعلم. ### | باب تحريم الميسر # قال الله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير قال أبو بكر ~~دلالته # PageV02P010 # على تحريم الميسر كهي على ما تقدم من بيانه ويقال إن اسم الميسر في أصل ~~اللغة إنما هو للتجزئة وكل ما جزأته فقد يسرته يقال لجاز الياسر لأنه يجزئ ~~الجزور والميسر الجزور نفسه إذا تجزى وكانوا ينحرون جزورا ويجعلونه أقساما ~~يتقامرون عليها بالقداح على عادة لهم على ذلك فكل من خرج له قدح نظروا إلى ~~ما عليه من السمة فيحكمون له بما يقتضيه أسماء القداح ms0528 فسمي على هذا سائر ~~ضروب القمار ميسرا وقال ابن عباس وقتادة ومعاوية بن صالح وعطاء وطاوس ~~ومجاهد الميسر القمار وقال عطاء وطاوس ومجاهد حتى لعب الصبيان بالكعاب ~~والجوز # وروي عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة عن أبي موسى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجرا فإنها ~~من الميسر) # وروى سعيد بن أبي هند عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من ~~لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) # وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن حلاس أن رجلا قال لرجل إن أكلت كذا وكذا ~~بيضة فلك كذا وكذا فارتفعا إلى علي فقال هذا قمار ولم يجزه ولا خلاف بين ~~أهل العلم في تحريم القمار وأن المخاطرة من القمار قال ابن عباس إن ~~المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة وقد كان ~~ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه وقد خاطر أبو بكر الصديق المشركين حين نزلت ~~الم غلبت الروم # وقال له النبي صلى الله عليه وسلم زد في الخطر وأبعد في الأجل # ثم حظر ذلك ونسخ بتحريم القمار ولا خلاف في حظره إلا ما رخص فيه من ~~الرهان في السبق في الدواب والإبل والنصال إذا كان الذي يستحق واحدا إن سبق ~~ولا يستحق الآخر إن سبق وإن شرط أن من سبق منهما أخذ ومن سبق أعطى فهذا ~~باطل فإن أدخلا بينهما رجلا إن سبق استحق وإن سبق لم يعط فهذا جائز وهذا ~~الدخيل الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم محللا # وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا سبق إلا في خف أو حافر ~~أو نصل # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سابق بين الخيل # وإنما خص ذلك لأن فيه رياضة للخيل وتدريبا لها على الركض وفيه استظهار ~~وقوة على العدو قال الله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة روى أنها ~~الرمي ومن رباط الخيل فظاهر ms0529 قوله ومن رباط الخيل يقتضي جواز السبق بها لما ~~فيه من القوة على العدو وذلك الرمي وما ذكره الله تعالى من تحريم الميسر ~~وهو القمار يوجب تحريم القرعة في العبيد يعتقهم المريض ثم يموت لما فيه من ~~القمار وإحقاق بعض وإنجاح بعض وهذا هو معنى # PageV02P011 # القمار بعينه وليست القرعة في القسمة كذلك لأن كل واحد يستوفى في نصيبه ~~لا يحقق واحد منهم والله أعلم. ### | باب التصرف في مال اليتيم # قال الله تعالى ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم قال أبو بكر اليتيم المنفرد عن أحد أبويه فقد يكون يتيما من الأم ~~مع بقاء الأب وقد يكون يتيما من الأب مع بقاء الأم إلا أن الأظهر عند ~~الإطلاق هو اليتيم من الأب وإن كانت الأم باقية ولا يكاد يوجد الإطلاق في ~~اليتيم من الأم إذا كان الأب باقيا وكذلك سائر ما ذكر الله من أحكام ~~الأيتام إنما المراد بها الفاقدون لآبائهم وهم صغار ولا يطلق ذلك عليهم بعد ~~البلوغ إلا على وجه المجاز لقرب عهدهم باليتيم والدليل على أن اليتيم اسم ~~للمنفرد تسميتهم للمرأة المنفردة عن الزوج يتيمة سواء كانت كبيرة أو صغيرة ~~قال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى # وتسمى الرابية يتيمة لانفرادها عما حواليها قال الشاعر يصف ناقته: # قو داء تملك رحلها ... مثل اليتيم من الأرانب # يعني الرابية ويقال درة يتيمة لأنها مفردة لا نظير لها وكتاب لابن المقفع ~~في مدح أبي العباس السفاح واختلاف مذاهب الخوارج وغيرهم يسمى اليتيمة قال ~~أبو تمام: # وكثير عزة يوم بين ينسب ... وابن المقفع في اليتيمة يسهب # وإذا كان اليتيم اسما للانفراد كان شاملا لمن فقد أحد أبويه صغيرا أو ~~كبيرا إلا أن الإطلاق إنما يتناول ما ذكرنا من فقد الأب في حال الصغر حدثنا ~~جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ms0530 ~~في قوله عز وجل ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير قال الله تعالى لما ~~أنزل إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا # كره المسلمون أن يضموا اليتامى إليهم وتحرجوا أن يخالطوهم وسألوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنه فأنزل الله ويسئلونك عن اليتامى - إلى قوله- ولو ~~شاء الله لأعنتكم # قال لو شاء الله لأخرجكم وضيق عليكم ولكنه وسع ويسر فقال ومن # PageV02P012 # كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها ~~الصدقة # ويروى ذلك موقوفا على عمر وعن عمر وعائشة وابن عمر وشريح وجماعة من ~~التابعين دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة به وقد حوت هذه الآية ضروبا من ~~الأحكام أحدها قوله قل إصلاح لهم خير فيه الدلالة على جواز خلط ماله بماله ~~وجواز التصرف فيه بالبيع والشرى إذا كان ذلك صلاحا وجواز دفعه مضاربة إلى ~~غيره وجواز أن يعمل ولي اليتيم مضاربة أيضا وفيه الدلالة على جواز الاجتهاد ~~في أحكام الحوادث لأن الإصلاح الذي تضمنته الآية إنما يعلم من طريق ~~الاجتهاد وغالب الظن ويدل على أن لولي اليتيم أن يشتري من ماله لنفسه إذا ~~كان خير لليتيم وذلك بأن ما يأخذه اليتيم أكثر قيمة مما يخرج عن ملكه وهو ~~قول أبي حنيفة ويبيع أيضا من مال نفسه لليتيم لأن ذلك من الإصلاح له ويدل ~~أيضا على أن له تزويج اليتيم إذا كان ذلك من الإصلاح وذلك عندنا فيمن كان ~~ذا نسب منه دون الوصي الذي لا نسب بينه وبينه لأن الوصية نفسها لا يستحق ~~بها الولاية في التزويج ولكنه قد اقتضى ظاهره أن للقاضي أن يزوجه ويتصرف في ~~ماله على وجه الإصلاح ويدل على أن له أن يعلمه ما له فيه صلاح من أمر الدين ~~والأدب ويستأجر له على ذلك وأن يؤاجره ممن يعلمه الصناعات والتجارات ونحوها ~~لأن جميع ذلك قد يقع على وجه الإصلاح ولذلك قال أصحابنا إن كل من كان ~~اليتيم ms0531 في حجره من ذوى الرحم المحرم فله أن يؤاجره ليعلم الصناعات وقال ~~محمد له أن ينفق عليه من ماله وقالوا إنه إذا وهب لليتيم مال فلمن هو في ~~حجره أن يقبضه له لما له فيه من الإصلاح فظاهر الآية قد اقتضى جميع ذلك كله ~~وقوله ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير إنما عنى بالمضمرين في قوله ~~ويسئلونك القوام على الأيتام الكافلين لهم وذلك ينتظم كل ذي رحم محرم لأن ~~له إمساك اليتيم وحفظه وحياضته وحضانته وقد انتظم قوله قل إصلاح لهم خير ~~سائر الوجوه التي ذكرنا من التصرف في ماله على وجه الإصلاح والتزويج ~~والتقويم والتأديب وقوله خير قد دل على معان منها إباحة التصرف على اليتامى ~~من الوجوه التي ذكرنا ومنها أن ذلك مما يستحق به الثواب لأنه سماه خيرا وما ~~كان خيرا فإنه يستحق به الثواب ومنها أنه لم يوجبه وإنما وعد به الثواب فدل ~~على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ماله بالتجارة ولا هو مجبر على تزويجه # PageV02P013 # لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد وقوله وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم فيه إباحة خلط ماله بماله والتجارة والتصرف فيه ويدل على أنه له ~~أن يخالط اليتيم بنفسه في الصهر والمناكحة وأن يزوجه بنته أو يزوج اليتيمة ~~بعض ولده فيكون قد خلط اليتامى بنفسه وعياله واختلط هو بهم فقد انتظم قوله ~~وإن تخالطوهم إباحة خلط ماله بماله والتصرف فيه وجواز تزويجه بعض ولده ومن ~~يلي عليه فيكون قد خلطه بنفسه والدليل على أن اسم المخالطة يتناول جميع ذلك ~~قولهم فلان خليط فلان إذا كان شريكا وإذا كان يعامله ويبايعه ويشاريه ~~ويداينه وإن لم يكن شريكا وكذلك يقال قد اختلط فلان بفلان إذا صاهره وذلك ~~كله مأخوذ من الخلطة التي هي الاشتراك في الحقوق من غير تمييز بعضهم من بعض ~~فيها وهذه المخالطة معقودة بشريطة الإصلاح من وجهين أحدهما تقديمه ذكر ~~الإصلاح فيما أجاب به من أمر اليتامى والثاني قوله عقيب ذكر المخالطة والله ~~يعلم المفسد من المصلح ms0532 وإذا كانت الآية قد انتظمت جواز خلطه مال اليتيم ~~بماله في مقدار ما يغلب في ظنه أن اليتيم يأكله على ما روي عن ابن عباس فقد ~~دل على جواز المناهدة التي يفعلها الناس في الأسفار فيخرج كل واحد منهم ~~شيئا معلوما فيخلطونه ثم ينفقونه وقد يختلف أكل الناس فإذا كان الله قد ~~أباح في أموال الأيتام فهو في مال العقلاء البالغين بطيبة أنفسهم أجوز ~~ونظيره في تجويزه المناهدة قوله تعالى في قصة أهل الكهف فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما # فكان الورق لهم جميعا لقوله بورقكم فأضافه إلى الجماعة وأمره بالشراء ~~ليأكلوا جميعا منه وقوله وإن تخالطوهم فإخوانكم قد دل على ما ذكرنا من جواز # المشاركة والخلطة على أنه يستحق الثواب بما يتحرى فيه الإصلاح من ذلك لأن ~~قوله فإخوانكم قد دل على ذلك إذ هو مندوب إلى معونة أخيه وتحري مصالحه ~~لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (والله في عون العبد ما دام العبد في عون ~~أخيه) # فقد انتظم قوله فإخوانكم الدلالة على الندب والإرشاد واستحقاق الثواب بما ~~يليه منه وقوله ولو شاء الله لأعنتكم يعني به لضيق عليكم في التكليف ~~فيمنعكم من مخالطة الأيتام والتصرف لهم في أموالهم ولأمركم بإفراد أموالكم ~~عن أموالهم أو لأمركم على جهة الإيجاب بالتصرف لهم وطلب الأرباح بالتجارات ~~لهم ولكنه وسع ويسر وأباح لكم التصرف لهم على وجه الإصلاح ووعدكم # PageV02P014 # الثواب عليه ولم يلزمكم ذلك على جهة الإيجاب فيضيق عليكم تذكيرا بنعمه ~~وإعلاما منه اليسر والصلاح لعباده وقوله فإخوانكم يدل على أن أطفال ~~المؤمنون هم مؤمنون في الأحكام لأن الله تعالى سماهم إخوانا لنا والله ~~تعالى قد قال إنما المؤمنون إخوة والله تعالى أعلم. ### | باب نكاح المشركات # قال الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن حدثنا جعفر بن محمد الواسطي ~~قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله ~~بن صالح عن معاوية ابن صالح ms0533 عن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن قال ثم استثنى أهل الكتاب فقال والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ~~قال عفائف غير زوان فأخبر ابن عباس أن قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~مرتب على قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وأن الكتابيات ~~مستثنيات منهن وروي عن ابن عمر أنها عامة في الكتابيات وغيرهن حدثنا جعفر ~~بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن نافع عن ابن عمر كان لا يرى بأسا بطعام أهل ~~الكتاب وكره نكاح نسائهم قال أبو عبيد وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث ~~قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية ~~قال إن الله حرم المشركات على المسلمين قال فلا أعلم من الشرك شيئا أكبر أو ~~قال أعظم من أن تقول ربها عيسى أو عبد من عبيد الله فكرهه في الحديث الأول ~~ولم يذكر التحريم وتلافى الحديث الثاني الآية ولم يقطع فيها بشيء وأخبر أن ~~مذهب النصارى شرك قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا على بن سعد عن أبى المليح ~~عن ميمون ابن مهران قال قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب ~~فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فقرأ علي آية التحليل وآية التحريم قال قلت ~~إني أقرأ ما تقرأ فننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فأعاد علي آية التحليل ~~وآية التحريم قال أبو بكر عدو له بالجواب بالإباحة والحظر إلى تلاوة الآية ~~دليل على أنه كان واقفا في الحكم غير قاطع فيه بشيء وما ذكر عنه من الكراهة ~~يدل على أنه ليس على وجه التحريم كما يكره تزوج نساء أهل # PageV02P015 # الحرب من الكتابيات لا على وجه التحريم وقد روي عن جماعة من الصحابة ~~والتابعين إباحة نكاح الكتابيات حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر ~~بن ms0534 محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثني سعيد بن أبي مريم عن يحيى ~~بن أيوب ونافع بن يزيد عن عمر مولى عفرة قال سمعت عبد الله بن علي بن ~~السائب يقول إن عثمان تزوج نائلة بنت الفراصة الكلبية وهي نصرانية على ~~نسائه وبهذا الإسناد من غير ذكر نافع أن طلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من ~~أهل الشام وروي عن حذيفة أيضا أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها ~~فكتب إليه حذيفة أحرام هي فكتب إليه عمر لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات ~~منهن وروي عن جماعة من التابعين إباحة تزويج الكتابيات منهم الحسن وإبراهيم ~~والشعبي ولا نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين تحريم نكاحهن وما روي عن ابن ~~عمر فيه فلا دلالة فيه فلا دلالة فيه على أنه رآه محرما وإنما فيه عنه ~~الكراهة كما روي كراهة عمر لحذيفة تزويج الكتابية من غير تحريم وقد تزوج ~~عثمان وطلحة وحذيفة الكتابيات ولو كان ذلك محرما عند الصحابة لظهر منهم ~~نكير أو خلاف وفي ذلك دليل على اتفاقهم على جوازه وقوله ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن غير موجب لتحريم الكتابيات من وجهين أحدهما أن ظاهر لفظ ~~المشركات إنما يتناول عبدة الأوثان منهم عند الإطلاق ولا يدخل فيه ~~الكتابيات إلا بدلالة ألا ترى إلى قوله ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ~~ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم وقال لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب والمشركين منفكين ففرق بينهم في اللفظ وظاهره يقتضي أن المعطوف غير ~~المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على شمول الاسم للجميع وأنه أفرد بالذكر ~~لضرب من التعظيم أو التأكيد كقوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال فأفردهما بالذكر تعظيما لشأنهما مع كونهما من جملة الملائكة ~~إلا أن الأظهر أن المعطوف غير المعطوف عليه إلا أن تقوم الدلالة على أنه من ~~جنسه فاقتضى عطفه أهل الكتاب على المشركين أن يكونوا غيرهم وأن يكون ~~التحريم مقصورا على عبدة ms0535 الأوثان من المشركين والوجه الآخر أنه لو # كان عموما في الجميع لوجب أن يكون مرتبا على قوله والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وأن لا تنسخ إحداهما بالأخرى ما أمكن استعمالهما فإن ~~قيل قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # PageV02P016 # إنما أراد به اللاتي أسلمن من أهل الكتاب كقوله تعالى وإن من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وقوله من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات ~~الله آناء الليل وهم يسجدون قيل له هذا خلف من القول دال على غباوة قائله ~~والمحتج به وذلك من وجهين أحدهما أن هذا الاسم إذا أطلق فإنما يتناول ~~الكفار منهم كقوله من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وقوله ومن ~~أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك وما جرى مجرى ذلك من الألفاظ ~~المطلقة فإنما يتناول اليهود والنصارى ولا يعقل به من كان من أهل الكتاب ~~فأسلم إلا بتقييد ذكر الإيمان ألا ترى أن الله تعالى لما أراد به من أسلم ~~منهم ذكر الإسلام مع ذكره أنهم من أهل الكتاب فقال ليسوا سواء من أهل ~~الكتاب أمة قائمة وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله واليوم الآخر والوجه ~~الآخر أنه ذكر في الآية المؤمنات وقد انتظم ذكر المؤمنات اللاتي كن من أهل ~~الكتاب فأسلمن ومن كن مؤمنات في الأصل لأنه قال والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم فكيف يجوز أن يكون مراده ~~بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من المؤمنات المبدوء بذكرهن وربما احتج ~~بعض القائلين بهذه المقالة بما # روي عن علي بن أبي طلحة قال أراد كعب بن مالك أن يتزوج امرأة من أهل ~~الكتاب فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه وقال إنها لا تحصنك # قال فظاهر النهي يقتضي الفساد فيقال إن هذا حديث مقطوع من هذا الطريق ولا ~~يجوز الاعتراض بمثله على ظاهر القرآن في إيجاب نسخه ولا تخصيصه وإن ثبت ~~فجائز أن يكون على وجه الكراهية كما روي عن ms0536 عمر من كراهته لحذيفة تزويج ~~اليهودية لا على وجه التحريم ويدل عليه قوله إنها لا تحصنك ونفي التحصين ~~غير موجب لفساد النكاح لأن الصغيرة لا تحصنه وكذلك الأمة ويجوز نكاحهما وقد ~~اختلف في تزويج الكتابية الحربية فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عباد بن العوام عن ~~سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال لا تحل نساء أهل الكتاب ~~إذا كانوا حربا قال وتلا هذه الآية قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر- إلى قوله- وهم صاغرون قال الحكم فحدثت به إبراهيم فأعجبه قال ~~أبو بكر يجوز أن يكون ابن عباس رأى ذلك على وجه الكراهية وأصحابنا يكرهونه ~~من غير تحريم # وقد روي عن علي أنه كره نساء أهل «2- أحكام في» # PageV02P017 # الحرب من أهل الكتاب # وقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم لم يفرق فيه بين ~~الحربيات والذميات وغير جائز تخصيصه بغير دلالة وقوله تعالى قاتلوا الذين ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر لا تعلق له بجواز النكاح ولا فساده ولو ~~كان وجوب القتال علة لفساد النكاح لوجب أن لا يجوز نكاح نساء الخوارج وأهل ~~البغي لقوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فبان بما وصفنا ~~أنه لا تأثير لوجوب القتال في إفساد النكاح وأن ما كرهه أصحابنا لقوله ~~تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم والنكاح يوجب المودة ~~لقوله تعالى وجعل بينكم مودة ورحمة فلما أخبر أن النكاح سبب المودة والرحمة ~~ونهانا عن موادة أهل الحرب كرهوا ذلك وقوله يوادون من حاد الله ورسوله إنما ~~هو في أهل الحرب دون أهل الذمة لأنه لفظ مشتق من كونهم في حد ونحن في حد ~~وكذلك المشاقة وهو أن يكونوا في شق ونحن في شق وهذه صفة أهل الحرب دون أهل ~~الذمة فلذلك كرهوه ومن جهة أخرى وهو ms0537 أن ولده ينشأ في دار الحرب على أخلاق ~~أهلها وذلك منهي عنه # قال صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين # وقال صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم مع مشرك # فإن قيل ما أنكرت أن يكون قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله مخصصا لقوله والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم قاصرا لحكمه على الذميات منهن دون الحربيات قيل له الآية ~~إنما اقتضت النهي عن الوداد والتحاب فأما نفس عقد النكاح فلم تتناوله الآية ~~وإن كان قد يصير سببا للموادة والتحاب فنفس العقد ليس هو الموادة والتحاب ~~إلا أنه يؤدي إلى ذلك فاستحسنوا له غيرهن فإن قيل لما قال عقيب تحريم نكاح ~~المشركات أولئك يدعون إلى النار دل على أنه لهذه العلة حرم نكاحهن وذلك ~~موجود في نكاح الكتابيات الذميات والحربيات منهن فوجب تحريم نكاحهن لهذه ~~العلة كتحريم نكاح المشركات قيل له معلوم أن هذه ليست علة موجبة لتحريم ~~النكاح لأنها لو كانت كذلك لكان غير جائز إباحتهن بحال فلما وجدنا نكاح ~~المشركات قد كان مباحا في أول الإسلام إلى أن نزل تحريمهن مع وجود هذا ~~المعنى وهو دعاء الكافرين لنا إلى النار دل على أن هذا المعنى ليس بعلة ~~موجبة لتحريم النكاح وقد كانت امرأة نوح وامرأة لوط كافرتين تحت نبيين من ~~أنبياء الله تعالى # PageV02P018 # قال الله تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا ~~تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ~~ادخلا النار مع الداخلين فأخبر بصحة نكاحهما مع وجود الكفر منهما فثبت بذلك ~~أن الكفر ليس بعلة موجبة لتحريم النكاح وإن كان الله تعالى قد قال في سياق ~~تحريم المشركات أولئك يدعون إلى النار فجعله علما لبطلان نكاحهن وما كان ~~كذلك من المعاني التي تجري مجرى العلل الشرعية فليس فيه تأكيد فيما يتعلق ~~به الحكم من الاسم فيجوز تخصيصه كتخصيص الاسم وإذا كان ms0538 قوله والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب يجوز به تخصيص التحريم الذي علق بالاسم جاز أيضا تخصيص ~~الحكم المنصوب على المعنى الذي أجري مجرى العلل الشرعية ونظير ذلك قوله ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم ~~عن ذكر الله فذكر ما يحدث عن شرب الخمر من هذه الأمور المحظورة وأجراها ~~مجرى العلة وليس بواجب إجراؤها في معلولاتها لأنه لو كان كذلك لوجب أن يحرم ~~سائر البياعات والمناكحات وعقود المداينات لإرادة الشيطان إيقاع العداوة ~~والبغضاء بيننا في سائرها وأن يصدنا بها عن ذكر الله فلما لم يجب اعتبار ~~المعنى في سائر ما وجد فيه بل كان مقصور الحكم على المذكور دون غيره كان ~~كذلك حكم سائر العلل الشرعية المنصوص عليها منها والمقتضية والمستدل عليها ~~وهذا مما يستدل به على تخصيص العلل الشرعية فوجب بما وصفنا أن يكون حكم ~~التحريم مقصورا فيما وصفنا على المشركات منهن دون غيرهن ويكون ذكر دعائهم ~~إيانا إلى النار تأكيدا للحظر في المشركات غير متعد به إلى سواهن لأن الشرك ~~والدعاء إلى النار هما علما تحريم النكاح وذلك غير موجود في الكتابيات وقد ~~قيل إن ذلك في مشركي العرب المحاربين كانوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وللمؤمنين فنهوا عن نكاحهن لئلا يمكن بهم إلى مودة أهاليهن من المشركين ~~فيؤدي ذلك إلى التقصير منهم في قتالهم دون أهل الذمة الموادين الذين أمرنا ~~بترك قتالهم إلا أنه إن كان كذلك فهو يوجب تحريم نكاح الكتابيات الحربيات ~~لوجود هذا المعنى ولا نجد بدا من الرجوع إلى حكم معلول هذه العلة بما قدمنا ~~وقوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود ~~الطول إلى الحرة لأن الله تعالى أمر المؤمنين بتزويج الأمة المؤمنة بدلا من ~~الحرة المشركة التي تعجبهم ويجدون الطول إليها وواجد الطول إلى الحرة # PageV02P019 # المشركة هو واجده إلى الحرة المسلمة إذ لا فرق بينهما في العادة في ~~المهور فإذا كان كذلك وقد قال الله تعالى ولأمة مؤمنة خير من ms0539 مشركة ولو ~~أعجبتكم ولا يصح الترغيب في نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشركة إلا وهو ~~يقدر على تزويج الحرة المسلمة فتضمنت الآية جواز نكاح الأمة مع وجود الطول ~~إلى الحرة ويدل من وجه آخر على ذلك وهو أن النهي عن نكاح المشركات عام في ~~واجد الطول او غير واجده للغني والفقير منهم ثم عقب ذلك بقوله ولأمة مؤمنة ~~خير من مشركة فأباح نكاحها لمن حظر عليه نكاح المشركة فكان عموما في الغني ~~والفقير موجبا لجواز نكاح الأمة للفريقين. ### | باب الحيض # قوله تعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ~~والمحيض قد يكون اسما للحيض نفسه ويجوز أن يسمى به موضع الحيض كالمقيل ~~والمبيت هو موضع القيلولة وموضع البيتوتة ولكن في فحوى اللفظ ما يدل على أن ~~المراد بالمحيض في هذا الموضع هو الحيض لأن الجواب ورد بقوله هو أذى وذلك ~~صفة لنفس الحيض لا الموضع الذي فيه وكانت مسألة القوم عن حكمه وما يجب ~~عليهم فيه وذلك لأنه قد كان قوم من اليهود يجاورونهم بالمدينة وكانوا ~~يجتنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالسهن في حال الحيض فأرادوا أن يعلموا ~~حكمه في الإسلام فأجابهم الله بقوله هذا هو أذى يعني أنه نجس وقذر ووصفه له ~~بذلك قد أفاد لزوم اجتنابه لأنهم كانوا عالمين قبل ذلك بلزوم اجتناب ~~النجاسات فأطلق فيه لفظا علقوا منه الأمر بتجنبه ويدل على أن الأذى اسم يقع ~~على النجاسات # قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أصاب نعل أحدكم أذى فليمسحها بالأرض ~~وليصل فيها فإنه لها طهور) # فسمى النجاسة أذى وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله قل هو أذى ~~الإخبار عن حاله في تأذي الإنسان به لأن ذلك لا فائدة فيه علمنا أنه أراد ~~الإخبار بنجاسته ولزوم اجتنابه وليس كل أذى نجاسة قال الله تعالى ولا جناح ~~عليكم إن كان بكم أذى من مطر والمطر ليس بنجس وقال ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإنما كان الأذى المذكور ms0540 في ~~الآية عبارة عن النجاسة ومفيدا لكونه قذرا يجب اجتنابه لدلالة الخطاب عليه ~~ومقتضى سؤال السائلين عنه وقد اختلف الفقهاء فيما يلزم اجتنابه من الحائض ~~بعد اتفاقهم على أن له أن يستمتع منها بما # PageV02P020 # فوق المئزر وورد به التوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم # روته عائشة وميمون ة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر نساءه وهن ~~حيض فوق الإزار # واتفقوا أيضا أن عليه اجتناب الفرج منها واختلفوا في الاستمتاع منها بما ~~تحت الإزار بعد أن يجتنب شعائر الدم # فروي عن عائشة وأم سلمة أن له أن يطأها فيما دون الفرج # وهو قول الثوري ومحمد بن الحسن وقالا يجتنب موضع الدم وروي مثله عن الحسن ~~والشعبي وسعيد بن المسيب والضحاك وروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس أن له ~~منها ما فوق الإزار وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف والأوزاعي ومالك والشافعي ~~قال أبو بكر قوله فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن قد ~~انتظم الدلالة من وجهين على حظر ما تحت الإزار أحدهما قوله فاعتزلوا النساء ~~في المحيض ظاهره يقتضي لزوم اجتنابها فيما تحت المئزر وفوقه فلما اتفقوا ~~على إباحة الاستمتاع منها بما فوقه سلمناه للدلاة وحكم الحظر قائم فيما ~~دونه إذ لم تقم الدلالة عليه والوجه الآخر قوله ولا تقربوهن وذلك في حكم ~~اللفظ الأول في الدلالة على مثل ما دل عليه فلا يخص منه عند الاختلاف إلا ~~ما قامت الدلالة عليه ويدل عليه أيضا من جهة السنة # حديث يزيد ابن أبي أنيسة عن أبي إسحاق عن عمير مولى عمر بن الخطاب أن ~~نفرا من أهل العراق سألوا عمر عما يحل لزوج الحائض منها وغير ذلك فقال سألت ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لك منها ما فوق الإزار وليس لك منها ~~ما تحته # ويدل عليه أيضا # حديث الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت كانت ~~إحدانا إذا كانت حائضا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزر في ms0541 فور ~~حيضها ثم يباشرها # فأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وروى ~~الشيباني أيضا عن عبد الله بن شداد عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~عنه مثله ومن أباح له ما دون المئزر احتج # بحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من ~~البيت ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت فسئل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى ويسئلونك عن المحيض الآية فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح) # وبما # روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ناوليني الخمرة فقالت ~~إني حائض فقال ليست حيضتك في يدك # قالوا وهذا يدل على أن كل عضو منها ليس فيه الحيض حكمه حكم ما كان فيه ~~قبل الحيض في الطهارة وفي جواز الاستمتاع والجواب عن ذلك لمن رأى حظر ما ~~دون مئزرها أن قوله في حديث أنس # PageV02P021 # إنما فيه ذكر سبب نزول الآية وما كانت اليهود تفعله فأخبر عن مخالفتهم في ~~ذلك وأنه ليس علينا إخراجها من البيت وترك مجالستها وقوله اصنعوا كل شيء ~~إلا النكاح جائز أن يكون المراد به الجماع فيما دون الفرج لأنه ضرب من ~~النكاح والمجامعة وحديث عمر الذي ذكرناه قاض عليه متأخر عنه والدليل على ~~ذلك أن في حديث أنس إخبارا عن حال نزول الآية وحديث عمر بعد ذلك لأنه لم ~~يخبر عن حال نزول الآية وقد أخبر فيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما ~~يحل من الحائض وذلك لا محالة بعد حديث أنس من وجهين أحدهما أنه لم يسئل عما ~~يحل منها إلا وقد تقدم تحريم إتيان الحائض والثاني أنه لو كان السؤال في ~~حال نزول الآية عقيبها لاكتفى بما # ذكره أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اصنعوا كل شيء إلا النكاح # وفي ذلك دليل على أن سؤال عمر كان بعد ذلك ومن جهة أخرى أنه ms0542 لو تعارض ~~حديث عمر وحديث أنس لكان حديث عمر أولى بالاستعمال لما فيه من حظر الجماع ~~فيما دون الفرج وفي ظاهر حديث أنس الإباحة والحظر والإباحة إذا اجتمعا ~~فالحظر أولى ومن جهة أخرى وهو أن خبر عمر يعضده ظاهر القرآن وهو قوله تعالى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن وخبر أنس يوجب تخصيصه وما ~~يوافق القرآن من الأخبار فهو أولى مما يخصه ومن جهة أخرى وهو أن خبر أنس ~~مجمل عام ليس فيه بيان إباحة موضع بعينه وخبر عمر مفسر فيه بيان الحكم في ~~الموضعين مما تحت الإزار وما فوقه والله أعلم. ### | باب بيان معنى الحيض ومقداره # قال أبو بكر الحيض اسم لمقدار من الدم يتعلق به أحكام منها تحريم الصلاة ~~والصوم وحظر الجماع وانقضاء العدة واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة ~~القرآن وتصير المرأة به بالغة فإذا تعلق بوجود الدم هذه الأحكام كان له ~~مقدار ما سمي حيضا وإذا لم يتعلق به هذه الأحكام لم يسم حيضا ألا ترى أن ~~الحائض ترى الدم في أيامها وبعد أيامها على هيئة واحدة فيكون ما في أيامها ~~منه حيضا لتعلق هذه الأحكام به مع وجوده وما بعد أيامها فليس بحيض لفقد هذه ~~الأحكام مع وجوده وكذلك نقول في الحامل إنها لا تحيض وهي قد ترى الدم ولكن ~~ذلك الدم لما لم يتعلق به ما ذكرنا من الأحكام لم يسم حيضا فالمستحاضة قد ~~ترى الدم السائل دهرا ولا يكون حيضا وإن كان كهيئة الدم الذي # PageV02P022 # يكون مثله حيضا إذا رأته في أيامها فالحيض اسم لدم يفيد في الشرع تعلق ~~هذه الأحكام به إذا كان له مقدار ما والنفاس والحيض فيما يتعلق بهما من ~~تحريم الصلاة والصوم وجماع الزوج واجتناب ما يجتنبه الحائض سواء وإنما ~~يختلفان من وجهين أحدهما أن مقدار مدة الحيض ليس هو مقدار مدة النفاس ~~والثاني أن النفاس لا تأثير له في انقضاء العدة ولا في البلوغ وكان أبو ~~الحسن يحد الحيض بأنه الدم الخارج من الرحم الذي تكون ms0543 به المرأة بالغة في ~~ابتدائه بها وما تعتاده النساء في الوقت بعد الوقت وإنما أراد بذلك عندنا ~~أن تكون بالغة في ابتدائه بها إذا لم يكن قد تقدم بلوغها قبل ذلك من جهة ~~السن أو الاحتلام أو الإنزال عند الجماع فأما إذا تقدم بلوغها قبل ذلك بما ~~وصفنا ثم رأت دما فهو حيض إذا رأته مقدار مدة الحيض وإن لم تصر بالغة في ~~ابتدائه بها وقد اختلف الفقهاء في مقدار مدة الحيض فقال أصحابنا أقل مدة ~~الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة وهو قول سفيان الثوري وهو المشهور عن أصحابنا ~~جميعا وقد روي عن أبي يوسف ومحمد إذا كان يومين وأكثر اليوم الثالث فهو حيض ~~والمشهور عن محمد مثل قول أبي حنيفة وقال مالك لا وقت لقليل الحيض ولا ~~لكثيره وحكى عبد الرحمن بن مهدي عن مالك أنه كان يرى أن أكثر الحيض خمسة ~~عشر يوما حدثنا عبد الله بن جعفر بن فارس قال حدثنا هارون ابن سليمان ~~الجزار قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي بذلك وقال الشافعي أقل الحيض يوم ~~وليلة وأكثره خمسة عشر يوما وروى عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن ~~علي بن ثابت عن محمد بن زيد عن سعيد بن جبير قال الحيض إلى ثلاثة عشر فإذا ~~زادت فهي استحاضة وقال عطاء إذا زادت على خمسة عشر فهي استحاضة وقد كان أبو ~~حنيفة يقول بقول عطاء إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر ثم رجع عنه ~~إلى ما ذكرنا ومما يحتج به للقائلين بأن أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة # حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أقل الحيض ~~ثلاثة أيام وأكثره عشرة # فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد ويدل عليه أيضا حديث عثمان بن أبي ~~العاص الثقفي وأنس بن مالك أنهما قالا الحيض ثلاثة أيام أربعة أيام إلى ~~عشرة أيام وما زاد فهو استحاضة ويدل ذلك على ما وصفنا من وجهين أحدهما أن ~~القول إذا ظهر عن ms0544 جماعة من الصحابة واستفاض ولم يوجد له منهم مخالف فهو ~~إجماع وحجة على من بعدهم وقد روي ما وصفنا عن هذين الصحابيين من غير خلاف # PageV02P023 # ظهر من نظرائهم عليهم فثبت حجته والثاني أن هذا الضرب من المقادير التي ~~هي حقوق الله تعالى وعبادات محضة طريق إثباتها التوقيف أو الاتفاق مثل ~~أعداد ركعات الصلوات المفروضات وصيام رمضان ومقادير الحدود وفرائض الإبل في ~~الصدقات ومثله مقدار مدة الحيض والطهر ومنه مقدار المهر الذي هو مشروط في ~~عقد النكاح والقعود قدر التشهد في آخر الصلاة فمتى روي عن صحابي فيما كان ~~هذا وصفه قول في تحديد شيء من ذلك وإثبات مقداره فهو عندنا توقيف إذ لا ~~سبيل إلى إثباته من طريق المقاييس فإن قيل ليس يمتنع أن يكون مقدار الحيض ~~معتبرا بعادات النساء فيجب الرجوع إليها فيه ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستا أو سبعا ~~كما تحيض النساء في كل شهر فردها إلى العادة # وأثبتها ستا أو سبعا فجائز على هذا أن يكون قول من قال بالعشرة في أكثره ~~وبالثلاث في أقله إنما صدر عن العادة عنده قيل له إنما الكلام بيننا وبين ~~مخالفينا في الأقل الذي لا نقص عنه وفي الأكثر الذي لا يزاد عليه وقد اتفق ~~الجميع على المذكور من العدد وفي قصة حمنة وهو ست أو سبع ليس بحد في ذلك ~~وأنه لا اعتبار به في إثبات التحديد فسقط الاحتجاج به في موضع الخلاف وقوله ~~لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر يصلح أن ~~يكون دليلا مبتدأ لصحة قولنا من قبل أن # قوله كما تحيض النساء في كل شهر # لما كان مستوعبا لجنس النساء اقتضى أن يكون ذلك حكم جميع النساء وذلك ~~ينفي أن يكون حيض امرأة أقل من ذلك فلولا قيام دلالة الإجماع على أن الحيض ~~قد يكون ثلاثا لما جاز لأحد أن يجعل الحيض أقل من ست أو سبع فلما حصل ~~الاتفاق ms0545 على كون الثلاث حيضا خصصناه من عموم الخبر وبقي حكم ما دون الثلاث ~~منفيا بمقتضى الخبر ويحتج بمثله في أكثر الحيض ويدل على ذلك أيضا ما # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ~~ذوي الألباب منهن فقيل ما نقصان دينهن فقال تمكث إحداهن الأيام والليالي لا ~~تصلي # فدل على أن مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام والليالي وأقلها ثلاثة أيام ~~وأكثرها عشرة أيام ويدل عليه # حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش اجتنبي الصلاة أيام محيضك ثم اغتسلي وتوضأى ~~لكل صلاة # وروى الحكم عن أبي جعفر أن سودة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني ~~أستحاض فأمرها أن تقعد أيام حيضها فإذا مضت توضأت # PageV02P024 # لكل صلاة وصلت # وفي بعض ألفاظ حديث فاطمة بنت أبي حبيش دعي الصلاة بعدد الأيام التي كنت ~~تحيضين فيها ثم اغتسلي # وفي حديث أم سلمة عنه صلى الله عليه وسلم في المرأة التي سألته أنها ~~تهراق الدم فقال لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ~~فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر ثم لتغتسل ولتصل # وروى شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عنه صلى الله ~~عليه وسلم قال المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة # وفي بعض ألفاظ هذا الحديث تدع الصلاة أيام أقرائها # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت أبي حبيش والمرأة التي روت ~~قصتها أم سلمة أن تدع الصلاة أيام حيضها من غير مسألة منه لها عن مقدار ~~حيضها قبل ذلك وجب بذلك أن تكون مدة الحيض ما يقع عليه اسم الأيام وهو ما ~~بين الثلاثة إلى العشرة ولو كان الحيض يكون أقل من ثلاث لما أجابها بذكر ~~الأيام والليالي # وقال في حديث عدي بن ثابت المستحاضة تدع الصلاة أيام حيضها # وذلك لفظ عام في سائر النساء واسم الأيام ms0546 إذا أطلقت في عدد محصور يقع ~~أقله على ثلاثة وأكثره على عشرة ولا بد من أن يكون له عدد محصور يضاف إليه ~~الأيام فوجب أن يكون عدده ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ووجه آخر وهو ~~أنه متى تقدمت معرفة الوقت الذي أضيفت إليه الأيام فإن اسم الأيام لا ~~يتناول عددا محصورا نظيره قول القائل أيام السنة فلا تختص بالثلاثة ولا ~~بالعشرة وقوله أياما معدودات لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه قال ~~كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم فلما أضافها إلى الوقت الذي ~~قد تقررت معرفته عند المخاطبين لم تختص بما بين الثلاثة إلى العشرة وقوله ~~تدع الصلاة أيام حيضها وأيام أقرائها لم يتقدم عند السامعين عدد أيامها ~~فيكون ذكر الأيام راجعا إليها دون ما تختص به من العدد فوجب أن يكون محمولا ~~على ما يختص به من هذا العدد وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة وإنما كان ذلك ~~كذلك لأن اسم الأيام قد تطلق ويراد بها وقت مبهم كما يطلق اسم الليالي على ~~وقت مبهم ولا يراد بها سواد الليل فإذا تقدمت معرفة الوقت المضاف إليه ~~الأيام فذكر الأيام فيه بمعنى الوقت المبهم الذي لا يراد به عدد قال ~~الشاعر: # ليالي تصطاد الرجال بفاحم ولم يرد به سواد الليل دون بياض النهار وقال ~~آخر: # PageV02P025 # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا # وليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا # ولم يرد بذكر الأيام بياض النهار ولا بذكر العشيات أواخره وإنما أراد ~~وقتا قد تقررت معرفته عند المخاطب وكقوله تعالى فأصبح من النادمين ولم يرد ~~به أول النهار دون آخره وقال الشاعر: # أصبحت عاذلتي معتله ولم يرد به الصباح دون المساء وقال لبيد: # وأمسى كأحلام النيام نعيمهم ... وأي نعيم خلته لا يزايل # ولم يرد به المساء دون الصباح وإنما أراد وقتا مبهما وهذا أشهر في اللغة ~~من أن يحتاج فيه إلى الإكثار من الشواهد فلما انقسم اسم الأيام إلى ms0547 هذين ~~المعنيين قلنا فيما تقررت معرفته إذا أضيف إليه الأيام فمعناه الوقت وما ~~كان منه حكما مبتدأ فهو محمول على ما تصح إضافة الأيام إليه فمعناها إذا ~~عين وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة ووجه آخر وهو أنه لما كان في مفهوم لسان ~~العرب أن اسم الأيام إذا أضيف إلى عدد لم يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى ~~العشرة ولا يفارق هذا العدد اسم الأيام بحال لأنك إذا قلت أحد عشر لم تقل ~~أياما وإنما تقول أحد عشر يوما وكذلك إذا أطلقت أيام الشهر فقلت ثلاثين لم ~~يحسن عليه اسم الأيام وقلت ثلاثين يوما فلما كان اسم الأيام مع ذكر العدد ~~المضاف لا يقع إلا على ما بين الثلاثة إلى العشرة علمنا أنها حقيقة فيه ~~محمولة على حقيقته ولا تصرف عنه إلى غيره إلا بدلالة لأنه مجاز من حيث جاز ~~أن ينفى عنه اسم الأيام بحال وهو إذا عين عدده أضيفت الأيام إليه فإن قيل ~~لما قال دعي الصلاة أيام أقرائك فجعل الأيام وأقلها ثلاثة للأقراء وهي جمع ~~أقله ثلاثة حصل لكل يوم قرء قيل له المراد بقوله أيام أقرائك حيضة واحدة ~~بدلالة أن من كانت عادتها في الحيض ما بين الثلاثة إلى العشرة مراده ذلك لا ~~محالة ومعلوم أن المراد في مثلهما # بقوله أقرائك حيضة واحدة # فكذلك من لا عادة لها ويدل على ذلك # قوله ثم اغتسلي وتوضأى لكل صلاة # ومعلوم أن مراده عند مضي كل حيضة فعلمنا أن المراد # بقوله أيام إقرائك أيام حيضة # وأيضا قال في حديث الأعمش الذي ذكرنا أيام محيضك وفي غيره أيام حيضك وقال ~~فلتدع الصلاة الأيام والليالي التي كانت # PageV02P026 # تقعد وقال نقصان دينهن تمكث إحداهن الأيام والليالي لا تصلي ولم يذكر ~~الأقراء في هذه الأخبار وإنما ذكر الحيض فوجب بمقتضاها أن يكون الحيض أياما ~~وأن ما لا يقع عليه اسم الأيام فليس بحيض لأنه صلى الله عليه وسلم قصد إلى ~~بيان حكم جميع النساء في الحيض # وقد حدث محمد بن شجاع قال ms0548 حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا إسرائيل عن ~~عثمان بن سعيد عن عبد الله بن أبي مليكة عن فاطمة بنت أبي حبيش ذكرت قصتها ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة (مري فاطمة فلتمسك كل شهر عدد ~~أيام أقرائها ثم تغتسل) # فأبان في هذا الحديث عن مراده بذكر الأقراء وأنها حيضة في كل شهر لأنه ~~قال تمسك كل شهر عدد أيام أقرائها # وقد أخبر في حديث آخر أن عادة النساء في كل شهر حيضة واحدة بقوله لحمنة ~~تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر # فإن قيل كيف يجوز أن تسمى الحيضة الواحدة أقراء والحيضة الواحدة إنما هي ~~قرء واحد فينبغي أن تكون الأقراء اسما لجماعة حيض قيل له لما كان القراء ~~اسما لدم الحيض جاز أن تسمى الحيضة الواحدة أقراء على أنها عبارة عن أجزاء ~~الدم كما يقال ثوب أخلاق يراد به العبارة عن كل قطعة منه وقال الشاعر: # جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منه التواق # فسمى القميص الواحد أخلاقا لأنه أراد العبارة عن كل قطعة منه كذلك جاز أن ~~تسمى الحيضة الواحدة أقراء عبارة بها عن أجزاء الدم فإن قيل إن اسم الأيام ~~قد يقع على يومين فيجب أن يجعل أقل الحيض يومين لوقوع الاسم عليها قيل له ~~إنما يطلق اسم الأيام عليهما مجازا وحقيقتها ثلاثة فما فوقها وحكم اللفظ أن ~~يحمل على حقيقته حتى تقوم الدلالة على جواز صرفه إلى المجاز ودليل آخر وهو ~~أن مدة أقل الحيض وأكثره لما لم يكن لنا سبيل إلى إثبات مقدارها من طريق ~~المقابيس وكان طريقها التوقيف أو الاتفاق على ما تقدم من بيانه في هذا ~~الباب ثم اتفق الجميع على أن الثلاث حيض وكذلك العشر واختلفوا فيما دون ~~الثلاث وفوق العشر أثبتنا ما اتفقوا عليه ولم نثبت ما اختلفوا فيه لعدم ما ~~يوجبه من توقيف أو اتفاق فإن قيل فقد اتفق الجميع على أن المبتدأة تترك ~~الصلاة في أول ما ترى الدم ms0549 وإن كانت رؤيته يوما وليلة فدل على أن اليوم ~~والليلة حيض ومن ادعى أن ذلك الدم لم يكن حيضا احتاج إلى دلالة لأنه قد حكم ~~له بحكم الحيض بديا فلا # PageV02P027 # ينقض هذا الحكم إلا بدلالة توجب نقضه وهذا يوجب أن يكون الحيض يوما وليلة ~~قيل له وقد اتفقوا على أنها تترك الصلاة إذا رأته وقت صلاة فينبغي أن يكون ~~ذلك دليلا على أن مدة الحيض وقت صلاة فلما لم يدل أمرنا إياها بترك الصلاة ~~إذا رأت الدم وقت صلاة على أن أقل الحيض وقت صلاة بل كان حكم ذلك الدم ~~مراعى منتظرا به استكمال مدة الحيض على اختلافهم فيها كذلك اليوم والليلة ~~فإن قيل لما قال الله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ~~فقد أوجب علينا الرجوع إلى قولها حين وعظها بترك الكتمان قيل له ليس هذا من ~~مسألتنا في شيء وإنما هو كلام في قبول خبرها إذا أخبرت عما خلق الله في ~~رحمها ونحن نجعل القول قولها في ذلك وأما الحكم بأن ذلك الدم حيض أو ليس ~~بحيض فليس ذلك إليها لأن ذلك حكم وليس الحكم مخلوقا في رحمها فنرجع إلى ~~قولها قال أبو بكر وجميع ما قدمنا من ذلك منتظم دلالة على بطلان قول من حد ~~مقدار أقل الحيض بيوم وليلة وعلى بطلان قول من لم يجعل لقليل الحيض ولا ~~لكثيره مقدارا معلوما وعلى فساد قول من اعتبر عادة نسائها ويدل على بطلان ~~قول من أسقط اعتبار المقدار في قليله وكثيره أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ~~الحيض هو الدم الموجود منها فيجب على هذه القضية أن لا تكون في الدنيا ~~مستحاضة لوجود الدم وكون جميعه حيضا وقد علمنا بطلان ذلك بالسنة واتفاق ~~الأمة فإن فاطمة بنت أبى حبيش قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أستحاض ~~فلا أطهر فأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ واستحيضت حمنة سبع سنين فلم ~~يقل الشارع لهما إن جميع ذلك حيض بل أخبرهما أن ms0550 منه ما هو حيض ومنه ما هو ~~استحاضة فلا بد من أن يكون لما كان منه حيضا مقدار موقت وهو ما أخبر عن ~~مقداره بذكر الأيام ويلزم أيضا من لا يجعل لأقل الحيض ولا لأكثره مقدارا ~~معلوما أن يجعل دم المبتدأة إذا استمر بها كله حيضا وإن رأته سنة لفقد عادة ~~الحيض منها ووجود الدم في رحمها وهذا خلف من القول متفق على بطلانه فإن قيل ~~لما كان النفاس مثل الحيض فيما يتعلق به من الحكم ولم يكن لأقله حد معلوم ~~فكذلك الحيض قيل له إنما أثبتنا ذلك نفاسا بالاتفاق ولم نقس عليه الحيض إذ ~~ليس طريق إثباته المقاييس وقد احتج الفريقان من مثبتي القليل والكثير من ~~الدم حيضا وممن قدره بيوم وليلة بقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض # وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) # إذ كان # PageV02P028 # ظاهره يقتضي القليل والكثير لأنه ليس في اللفظ توقيت فإذا رأت الدم يوما ~~وليلة فقد تناوله الظاهر فيقال لهم إنما يجب أن يثبت ذلك حيضا حتى يعتزلها ~~فيه إذ ليس في اللفظ دلالة على كيفية الحيض ولا على معناه وصفته فإذا ثبت ~~أنه حيض حينئذ أجري فيه حكم الآية والخبر ومتى اختلفوا فيه لم يكن في هذه ~~الآية دليل على معناه ودعوى الخصم تكون دليلا في المسألة فإن قيل قد بين ~~الشارع علامة دم الحيض وصفته بما يغني عن اعتبار المقدار معه بقوله دم ~~الحيض هو الأسود المحتدم فمتى وجد الدم بهذه الصفة كان حيضا قيل له لا خلاف ~~أن الدم الذي ليست هذه صفته قد يكون حيضا إذا رأته في أيامها أو رأته وهي ~~مبتدأة وقد يوجد على هذه الصفة بعد أيامها أو في أيامها فيكون ما في أيامها ~~منه حيضا وما بعد أيامها استحاضة فغير جائز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم جعل وجود هذه الصفة علما للحيض ودليلا عليه وهي توجد مع عدمه وتعدم مع ~~وجوده وإنما وجه ذلك عندنا أنه علم ذلك من ms0551 حال امرأة بعينها وأن حيضها أبدا ~~يكون بهذه الصفة فأخبر عن حكمها خاصة دون غيرها فلم يجز اعتباره في غيرها ~~وقد احتج الفريقان أيضا من مثبتي مقدار أقل الحيض يوما وليلة ومن نافي ~~تقديره بقوله تعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فزعم من أسقط اعتبار ~~المقدار أنه لما وصف الحيض بكونه أذى فحيثما وجد الأذى فهو حيض بغير اعتبار ~~التوقيف إذ ليس في الآية ذكر المقدار ومن قال باليوم والليلة يقول إن ظاهره ~~يقتضي وجود الأذى في اليوم والليلة حيضا وفيما دونه وخصصنا ما دونه بدلالة ~~فبقي حكم اللفظ في اليوم والليلة فيقال لهم ينبغي أن يثبت الحيض أو لا حتى ~~تثبت هذه الصفة وهي كونه أذى لأنه تعالى إنما جعل الحيض أذى ولم يجعل الأذى ~~حيضا وقد علمنا أنه ليس كل أذى حيضا وأن كل حيض أذى كما أنه ليس كل نجاسة ~~حيضا وإن كان كل حيض نجاسة فوجب أن يثبت الحيض حتى يكون أذى وأيضا معلوم ~~أنه لو كان مراده أن يجعل الأذى اسم المحيض أنه لم يرد به أن كل أذى حيض ~~لأن سائر ضروب الأذى ليست بحيض فيحصل حينئذ المراد أذى منكرا إذ يحتاج في ~~معرفته إلى دلالة من غيره حتى إذا حصلت لنا معرفته حكمنا فيه بحكم الحيض ~~وأيضا فإن الأذى اسم مشترك يقع على أشياء مختلفة المعاني وما كان هذا وصفه ~~من الأسماء فليس يجوز أن يكون عموما واحتج بعض من جعل أكثر الحيض خمسة عشر ~~يوما # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما رأيت ناقصات # PageV02P029 # عقل ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن # فقيل وما نقصان دينهن فقال تمكث إحداهن نصف عمرها لا تصلي قال وهذا يدل ~~على أن الحيض خمسة عشر يوما ويكون الطهر خمسة عشر يوما لأنه أقل الطهر ~~فيكون الحيض نصف عمرها ولو كان أكثر الحيض أقل من ذلك لم توجد امرأة لا ~~تصلي نصف عمرها فيقال له لم يرو أحد نصف عمرها وإنما روي على وجهين أحدهما ~~شطر ms0552 عمرها والآخر تمكث إحداهن الأيام والليالى تصلي فأما ذكر نصف عمرها فلم ~~يوجد في شيء من الأخبار وقوله شطر عمرها لا دلالة فيه على أنه أراد النصف ~~لأن الشطر هو بمنزلة قوله طائفة وبعض ونحو ذلك قال الله تعالى فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وإنما أراد ناحيته وجهته ولم يرد نصفه وقد بين مقدار ذلك ~~الشطر في # قوله صلى الله عليه وسلم تمكث إحداهن الأيام والليالى لا تصلى # فوجب أن لا يكون هو المراد دون غيره ومع ذلك فإنه لا يوجد في الدنيا ~~امرأة تكون حائضا نصف عمرها لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ من عمرها وهو ~~طهر بلا حيض فلو جاز أن يكون الحيض بعد البلوغ خمسة عشر يوما إلى انقضاء ~~عمرها وكان طهرها مع ذلك خمسة عشر لما حصل الحيض نصف عمرها فعلمنا بطلان ~~قول من زعم أن حيضها قد يكون نصف عمرها. ### | ذكر الاختلاف في أقل مدة الطهر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح والشافعي أقل ~~الطهر خمسة عشر يوما وهو قول عطاء وأما مالك بن أنس فإنه لا يوقت فيه شيئا ~~في إحدى الروايات وفي رواية عبد الملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون أقل من ~~خمسة عشر وقال الأوزاعي قد يكون الطهر أقل من خمسة عشر ويرجع فيه إلى مقدار ~~طهر المرأة قبل ذلك وقد حكى عن الشافعى أنه إن علم أن طهر المرأة أقل من ~~خمسة عشر جعل القول قولها وذكر الطحاوي عن أبي عمران عن يحيى بن أكثم أنه ~~قال أقل الطهر تسعة عشر يوما واحتج فيه بأن الله تعالى جعل عدل كل حيضة ~~وطهر شهرا والحيض في العادة أقل من الطهر فلم يجز أن يكون الحيض خمسة عشر ~~فوجب أن يكون عشرة وأن يكون باقي الشهر طهرا وهو تسعة عشر لأن الشهر قد ~~يكون تسعة وعشرين يوما وقد حكينا عن سعيد بن جبير أن الطهر أقله ثلاثة عشر ~~يوما والدليل على أن أقله خمسة عشر ms0553 يوما أنه لما كان أكثر الحيض # PageV02P030 # عشرة أيام وقد جعل الله تعالى الشهر الواحد بدلا من حيض وطهر وجب أن يكون ~~الطهر أكثر منه لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما ~~تحيض النساء في كل شهر # فأثبت الست أو السبع حيضا وجعل في الشهر طهرا اقتضى ذلك أن يكون هذا حكم ~~جميع النساء ما لم تقم الدلالة على خمسة عشر يوما ولم تقم على عشرة ولا على ~~ثلاثة عشر فلا يكون ذلك طهرا صحيحا وأيضا لما كان الطهر من الحيض يلزم به ~~الصلوات أشبه الإقامة فلما كان أقل الإقامة عندنا خمسة عشر يوما ولم يكن ~~لأكثرها غاية وجب أن يكون الطهر من الحيض كذلك وأيضا فإن طريق إثبات مقدار ~~الطهر التوقيف أو الاتفاق وقد ثبت باتفاق فقهاء السلف أن خمسة عشر يكون ~~طهرا صحيحا واختلفوا فيما دونها وقفنا عند الاتفاق ولم نثبت ما دونها طهرا ~~لعدم التوقيف والاتفاق فيه وأما ما حكي عن يحيى بن أكثم من تقديره الطهر ~~تسعة عشر يوما فإنه يفسد من وجوه أحدها أن اتفاق السلف قد سبقه في كون ~~الطهر خمسة عشر فلا يكون خلافا عليهم ولأن من تقدمه اختلفوا فيه على ثلاثة ~~أوجه قال عطاء خمسة عشر يوما وقال سعيد بن جبير ثلاثة عشر يوما وقال مالك ~~في بعض الروايات خمسة عشر وفي بعضها عشرة ولم يقل أحد منهم تسعة عشر ويفسد ~~من جهة أنه أثبت له مقدارا من غير توقيف ولا اتفاق وذلك غير جائز فيما هذا ~~وصفه وأما احتجاجه بما قدمنا ذكره فلا معنى له ولا يوجب ما ذكرنا وذلك لأنه ~~معلوم أن ما أقامه الله من الشهر الواحد مقام حيضة وطهر غير مانع وجود حيضة ~~وطهر في أقل من شهر لأنه لو كان حيضها ثلاثة أيام حصل لها حيضة وطهر في أقل ~~من شهر وإذا لم يدل إيجاب الله تعالى شهرا عن حيضة وطهر على وجود حيضة وطهر ~~في أقل منه وجاز ms0554 نقصان الحيض عن عشرة حتى تستوفى لها حيضة وطهر في أقل من ~~شهر وتنقضي عدتها بالحيض في أقل من ثلاثة أشهر وإن لم يجز أن تنقضي عدتها ~~إذا كانت بالشهور في أقل من ثلاثة أشهر لم يمتنع أن ينقص الطهر بعد استيفاء ~~الحيضة عشرا فيكون أقل من تسعة عشر يوما فبان بما وصفنا أن ما ذكره ليس ~~بدليل على وجوب الاقتصار في أقل الطهر على تسعة عشر يوما وإنما يدل ذلك على ~~أن الطهر قد يكون هذا القدر ولا دلالة فيه على أنه لا يكون أقل منه والله ~~أعلم. ### | ذكر الاختلاف في الطهر العارض في حال الحيض # قال أصحابنا جميعا فيمن ترى يوما دما ويوما طهرا إن ذلك كدم متصل وكذلك ~~قال # PageV02P031 # أبو يوسف إذا كان الطهر بين الدمين أقل من خمسة عشر فهو كدم متصل وقال ~~محمد إذا كان الطهر الذي بين الدمين أقل من ثلاثة أيام فهو كدم متصل وإذا ~~كان ثلاثة أيام أو أكثر من العشرة فإنه ينظر إلى الدمين والطهر الذي بينهما ~~فإن كان الطهر أكثر منهما فصل بين الدمين وإن كانا سواء أو أقل فهو كدم ~~متصل ومتى كان الطهر أكثر من الدمين ففصل بينهما اعتبر كل واحد من الدمين ~~بنفسه فإن كان الأول منهما ثلاثة أيام فإنه يكون حيضا وكذلك إن لم يكن ~~الأول ثلاثا وكان الآخر منهما ثلاثا فالآخر حيض وإن لم يكن واحد منهما ~~ثلاثا فليس واحد منهما بحيض وقال مالك إذا رأت يوما دما ويوما طهرا أو ~~يومين ثم رأت دما كذلك فإنه تلغى أيام الطهر وتضم أيام الدم بعضها إلى بعض ~~فإن دام بها ذلك استظهرت بثلاثة أيام على أيام حيضها فإن رأت في خلال أيام ~~الاستظهار أيضا طهر ألغاه حتى يحصل ثلاثة أيام دم الاستظهار وأيام الطهر ~~تصلي وتصوم ويأتيها زوجها ويكون ما جمع من أيام الدم بعضه إلى بعض حيضة ~~واحدة ولا يعتد بأيام الطهر في عدة من طلاق فإذا استظهرت بثلاثة أيام بعد ~~أيام حيضها تتوضأ لكل ms0555 صلاة وتغتسل كل يوم إذا انقطع عنها من أيام الطهر ~~وإنما أمرت بالغسل لأنها لا تدري لعل الدم لا يرجع إليها وحكى الربيع عن ~~الشافعي نحو ذلك قال أبو بكر معلوم أن الحائض لا ترى الدم أبدا سائلا وكذلك ~~المستحاضة إنما تراه في وقت وينقطع في وقت ولا خلاف أن انقطاع دمها ساعة ~~ونحوها لا يخرجها من حكم الحيض في وقت رؤية الطهر وانقطاع الدم في مثل هذا ~~الوقت وأن ذلك كله كدم متصل كما قالوا جميعا في انقطاعه ساعة ونحوها ولأن ~~الطهر الذي بينهما ليس بطهر صحيح عند الجميع لأن أحدا لا يجعل الطهر الصحيح ~~يوما ولا يومين ولم يقل أحد إن الطهر الذي بين الحيضتين يكون أقل من عشرة ~~أيام على ما بيناه فيما سلف وأيضا لو كان طهر اليوم واليومين الذي بين ~~الدمين طهرا يوجب الصلاة والصوم لوجب أن يكون كل واحد من الدمين حيضة تامة ~~فلما اتفق الجميع على أن هذا القدر من الطهر غير معتد به في الفصل بين ~~الدمين وجعل كل واحد منهما حيضة تامة وجب أن يسقط حكمه ويصير مع ما قبله ~~وبعده من الدم كدم متصل وقد اختلف في الصفرة والكدرة في أيام الحيض فروي عن ~~أم عطية الأنصارية قالت كنا لا نعتد بالصفرة ولا بالكدرة بعد الغسل شيئا ~~واتفق فقهاء الأمصار على أن الصفرة في أيام الحيض حيض # PageV02P032 # منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والليث وعبد الله بن الحسن ~~والشافعي واختلفوا في الكدرة فقال جميع من قدمنا ذكرهم إنها حيض في أيام ~~الحيض وإن لم يتقدمها دم وقال أبو يوسف لا تكون الكدرة حيضا إلا بعد الدم ~~وقد روي عن عائشة وأسماء بنت أبي بكر قالتا لا تصلي الحائض حتى ترى القصة ~~البيضاء ولم يختلفوا في أن الكدرة حيض بعد الدم فلما كان وجودها عقيب الدم ~~دليلا على أن الكدرة من اختلاط أجزاء الدم وجب أن يكون ذلك حكمها إذا وجدت ~~في أيام الحيض وإن لم يتقدمها دم وأن ms0556 يكون الوقت المعتاد فيه الدم دلالة ~~على أن الكدرة من اختلاط أجزاء الدم بالبياض والدليل على أن للوقت تأثيرا ~~في ذلك أن المرأة ترى الدم في أيام حيضها وبعدها فيكون ما رأته في أيامها ~~حيضا وما بعد أيامها غير حيض وكان الوقت علما لكونه حيضا ودلالة عليه فكذلك ~~يجب أن يكون الوقت دليلا على أن الكدرة من أجزاء دم الحيض وأن يكون حيضا ~~وقد اختلف في حيض المبتدأة إذا رأت الدم واستمر بها فقال أصحابنا وجميعا ~~عشرة منها حيض وما زاد فهو استحاضة إلى آخر الشهر فيكون حيضها عشرة وطهرها ~~عشرين ولم يذكر عنهم خلاف في الأصول وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف تأخذ ~~في الصلاة بالثلاث أقل الحيض وفي الزوج بالعشرة ولا تقضي صوما عليها إلا ~~بعد العشرة وتصوم العشر من رمضان # وتقضي سبعا منها وقال إبراهيم النخعي تقعد مثل أيام نسائها وقال مالك ~~تقعد ما تقعد نحوها من النساء ثم هي مستحاضة بعد ذلك وقال الشافعي حيضها ~~أقل ما يكون يوما وليلة والدليل على صحة القول الأول اتفاق الجميع على أنها ~~مأمورة بترك الصلاة إلى أكثر الحيض على اختلافهم فيه فصارت محكوما لها بحكم ~~الحيض في هذه الأيام ومثلها يجوز أن يكون حيضا فوجب أن تكون العشرة كلها ~~حيضا لوقوع الحكم لها بذلك وعدم عادتها لخلافه ألا ترى أن الكل يقولون إن ~~الدم لو انقطع عن العشرة لكان كله حيضا فثبت أن العشرة محكوم لها فيها لحكم ~~الحيض وغير جائز نقض ذلك إلا بدلالة وأيضا فلو كان ما زاد على الأقل مشكوكا ~~فيه بعد وجود الزيادة على الأكثر لكان الأولى أن لا ينقض ما حكمنا به حيضا ~~بالشك ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم حكم للشهر الذي يغم الهلال في آخره ~~بثلاثين # بقوله فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين # لما كان ابتداء الشهر يقينا لم يحكم بانقضائه بالشك فإن قيل فمن كانت لها ~~عادة دون العشر فزاد الدم ردت إلى أيام «3- أحكام في» # PageV02P033 # عادتها ولم يكن حكمنا ms0557 لها بديا في الزيادة بحكم الحيض مانعا من اعتبار ~~أيامها وكذلك من رأت الدم في أول أيامها كانت مأمورة بترك الصلاة ولو دون ~~الثلاث فإن انقطع ما دون الثلاث حكمنا بأن ما رأته لم يكن حيضا وإن تم ~~ثلاثا كان حيضا قيل له أما التي كان لها أيام معروفة فإن حكم الزيادة لم ~~يقع إلا مراعى معتبرا بانقطاعه في العشرة # لقوله صلى الله عليه وسلم المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها # فاقتضى ذلك كون الزيادة مراعاة لعلمنا بأن لها أياما معروفة وأما ~~المبتدأة فلم يكن لها قبل ذلك أيام يجب اعتبارها فلذلك كانت رؤيتها الدم في ~~العشرة غير مراعاة بل عندنا أن ما رأته المبتدأة في العشرة فهو كالعادة ~~يصير ذلك أياما لها في العدد والوقت وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الدم ~~الذي رأته المبتدأة في العشر مراعى بل واجب أن يحكم لها فيه بحكم الحيض إذ ~~كان مثله يكون حيضا وأما من رأت الدم في أول أيامها وحكمنا لها فيه بحكم ~~الحيض في باب الأمر بترك الصلاة والصيام ثم انقطاعه دون الثلاث يخرجه عن ~~كونه حيضا فلأن ذلك وقع مراعى في الابتداء لعلمنا بأن لأقل الحيض مقدارا ~~متى قصر عنه لم يكن الدم الذي رأته حيضا فمن أجل ذلك وقع مراعى وليس ~~للمبتدأة بعد رؤيتها للدم ثلاثا حال يجب مراعاتها فوجب أن تكون العشرة كلها ~~حيضا لعدم الدلالة الموجبة للاقتصار به على ما دونها وأما أبو يوسف فإنه ~~جعلها بمنزلة من كان حيضها خمسا أو ستا فكانت شاكة في الستة وقالوا جميعا ~~إنها تأخذ بالأقل في الصلاة وكذلك الميراث والرجعة وتأخذ في الأزواج ~~بالأكثر احتياطا وكذلك المبتدأة قال أبو بكر وليس هذا نظيرا لمسألتنا من ~~قبل أن هذه قد كانت لها أيام معلومة وقد تيقنا الخمسة وشككنا في الستة ~~فاحتطنا لها في الصلاة والصوم واحتطنا أيضا في الأزواج فلم نبحها لهم بالشك ~~والمبتدأة ليس لها أيام يجب اعتبارها فما رأته من الدم الذي يكون مثله حيضا ~~فهو حيض ms0558 ولا معنا لردها إلى أقل الحيض إذ ليس معنا دلالة توجب ذلك ويفسد ~~هذا القول أيضا من جهة أن أقل الحيض ليس بعادة لها فلا فرق بينه وبين ما ~~زاد عليه في امتناع وجوب الرد إليه فوجب حينئذ اعتبار الأكثر لوقوع الحكم ~~بكونه حيضا وعدم الدلالة على نقض هذا الحكم ويدل أيضا على صحة قول أبي ~~حنيفة أن الله تعالى جعل عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر بدلا من الحيض ~~فجعل مكان كل حيضة وطهر شهرا فدل ذلك على أنه إذا استمر بها الدم ولم تكن ~~لها عادة فواجب أن تستوفى لها حيضة وطهر # PageV02P034 # ومعلوم أنه ليس لأكثر الطهر حد معلوم ولأكثر الحيض مقدار معلوم فوجب أن ~~يستوفى لها أكثر الحيض ويكون بقية الشهر طهرا لأنه ليس مقدار من الطهر في ~~بقية الشهر بالاعتبار أولى من غيره فوجب أن يكون المعتبر من الطهر لبقية ~~الشهر هو الذي يبقى بعد أكثر الحيض ألا ترى أنك إذا نقصت الحيض من العشرة ~~احتجت أن تزيد ما نقصته منها في الطهر وليس زيادة الطهر بأن يكون خمسة أو ~~ستة فوجب أن يعتبر أكثر الحيض ويجعل الباقي من الشهر طهرا ويدل على وجوب ~~استيفاء حيضة وطهر في الشهر لهذه المبتدأة # قوله صلى الله عليه وسلم لحمنة تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض ~~النساء في كل شهر # فأخبر أن عادة النساء في كل شهر حيضة وطهر فإن قيل فهلا اعتبرت لها ستا ~~أو سبعا كما قال صلى الله عليه وسلم قيل له لم نقل ذلك لوجوه أحدها أنا لا ~~نعلم أحدا من أهل العلم قال ذلك في المبتدأة والثاني أن هذه كانت عادة ~~المرأة المخاطبة بذلك أعني ستا أو سبعا فلا يعتبر بها غيرها فاستدلالنا من ~~الخبر بما وصفنا صحيح لأنا أردنا إثبات الحيضة والطهر في الشهر في المتعارف ~~المعتاد وأما قول من قال إنها تقعد مثل حيض نسائها فلا معنى له لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يرد المستحاضة إلى وقت نسائها ms0559 وإنما رد واحدة إلى ~~عادتها # فقال تقعد أيام أقرائها # وأمر أخرى أن تقعد في علم الله ستا أو سبعا وأمر أخرى أن تغتسل لكل صلاة ~~ولم يقل لواحدة منهن اقعدي أيام نسائك وأيضا فإن أيام نسائها والأجنبيات ~~ومن كان دون سنها وفوقها سواء وقد يتفقن في السن مع اختلاف عاداتهن في ~~الحيض فليس لنسائها في ذلك خصوصية دون غيرهن وقد تنازع أهل العلم في قوله ~~تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن فمن الناس من يقول إن ~~انقطاع الدم يوجب إباحة وطئها ولم يفرقوا في ذلك بين أقل الحيض وأكثره ~~ومنهم من لا يجوز وطأها إلا بعد الاغتسال في أقل الحيض وأكثره وهو مذهب ~~الشافعي وقال أصحابنا إذا انقطع دمها وأيامها دون العشرة فهي في حكم الحائض ~~حتى تغتسل: إذا كانت واجدة للماء أو يمضي عليها وقت الصلاة فإذا كان أحد ~~هذين خرجت من الحيض وحل لزوجها وطؤها وانقضت عدتها إن كانت آخر حيضة وإذا ~~كانت أيامها عشرة ارتفع حكم الحيض بمضي العشرة وتكون حينئذ بمنزلة امرأة ~~جنب في إباحة وطء الزوج وانقضاء العدة وغير ذلك. # واحتج من أباح وطأها في سائر الأحوال عند مضي أيام حيضها وانقطاع دمها ~~قبل # PageV02P035 # الاغتسال بقوله ولا تقربوهن حتى يطهرن وحتى غاية تقتضي أن يكون حكم ما ~~بعدها بخلافها فذلك عموم في إباحة وطئها بانقطاع الدم كقوله تعالى حتى مطلع ~~الفجر فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا فكانت هذه نهايات لما قدر بها وكان حكم ما بعدها بخلافها فكذلك ~~قوله حتى يطهرن إذا قرئ بالتخفيف فمعناها انقطاع الدم وقالوا وقد قرئ حتى ~~يطهرن بالتشديد وهو يحتمل ما يحتمله قوله حتى يطهرن بالتخفيف فيراد به ~~انقطاع الدم إذ جائز أن يقال طهرت المرأة وتطهرت إذا انقطع دمها كما يقال ~~تقطع الحبل وتكسر الكوز والمعنى انقطع وانكسر ولا يقتضي ذلك فعلا من ~~الموصوف بذلك. # واحتج من حظر وطأها في كل حال حتى تغتسل بقوله فإذا تطهرن ms0560 فأتوهن من حيث ~~أمركم الله فشرط في إباحته شيئين أحدهما انقطاع الدم والآخر الاغتسال لأن ~~قوله فإذا تطهرن لا يحتمل غير الغسل وهو كقول القائل لا تعط زيدا شيئا حتى ~~يدخل الدار فإذا دخلها وقعد فيها فأعطه دينارا فيعقل به أن استحقاق الدينار ~~موقوف على الدخول والقعود جميعا وكقوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا فشرط الأمرين في إحلالها ~~للأول فلا تحل له فأحدهما كذلك قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن مشروط في ~~إباحة الوطء المعنيان وهو الطهر الذي يكون بانقطاع الدم والاغتسال قال أبو ~~بكر قوله تعالى حتى يطهرن إذا قرئ بالتخفيف فإنما هو انقطاع الدم لا ~~الاغتسال لأنها لو اغتسلت وهي حائض لم تطهر فلا يحتمل قوله حتى يطهرن إلا ~~معنى واحدا وهو انقطاع الدم الذي به يكون الخروج من الحيض وإذا قرئ ~~بالتشديد احتمل الأمرين من انقطاع الدم ومن الغسل لما وصفنا آنفا فصارت ~~قراءة التخفيف محكمة وقراءة التشديد متشابهة وحكم المتشابه أن يحمل على ~~المحكم ويرد إليه فيحصل معنى القراءتين على وجه واحد وظاهرهما يقتضي إباحة ~~الوطء بانقطاع الدم الذي هو خرج من الحيض وأما قوله فإذا تطهرن فإنه يحتمل ~~ما احتملته قراءة التشديد في قوله حتى يطهرن من المعنيين فيكون بمنزلة قوله ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن ويكون كلاما سائغا مستقيما كما ~~تقول لا تطعه حتى يدخل الدار فإذا دخلها فأعطه ويكون تأكيدا لحكم الغاية ~~وإن كان حكمنا بخلاف ما قبلها وإذا # PageV02P036 # كان للاحتمال فيه مساغ على الوجه الذي ذكرنا وكان واجبا حمل الغاية على ~~حقيقتها فالذي يقتضيه ظاهر التلاوة إباحة وطئها بانقطاع الدم الذي يخرج به ~~من الحيض ومن جهة أخرى فيها احتمال وهو أن يكون معنى قوله فإذا تطهرن فإذا ~~حل لهن أن يتطهرن بالماء أو التيمم # كقوله إذا غابت الشمس فقد أفطر الصائم # معناه قد حل له الإفطار # وقوله من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل # معناه ms0561 فقد جاز له أن يحل وكما يقال للمطلقة إذا انقضت عدتها إنها قد حلت ~~للأزواج ومعناه قد حل لها أن تتزوج وعلى هذا المعنى # قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس إذا حللت فآذنيني # وإذا احتمل ذلك لم تزل الغاية عن حقيقتها بحظر الوطء بعدها وأما قوله ~~تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن الغاية في هذا الموضع ~~مستعملة على حقيقتها ونكاح الزوج وهو وطؤه إياها هو الذي يرفع التحريم ~~الواقع بالثلاث ووطء الزوج الثاني مشروط لذلك وقد ارتفع ذلك بالوطء قبل ~~طلاقه إياها وطلاق الزوج الثاني غير مشروط في رفع التحريم الواقع بالثلاث ~~فإذا لا دليل للشافعي في الآية على الحد الذي ذكرنا على صحة مذهبه ولا على ~~نفي قول مخالفيه وأما على مذهبنا فإن الآية مستعملة على ما احتملت من ~~التأويل على حقيقتها في الحالتين اللتين يمكن استعمالهما فنقول إن قوله ~~يطهرن إذا قرئ بالتخفيف فهو مستعمل على حقيقته فيمن كانت أيامها عشرا فيجوز ~~للزوج استباحة وطئها بمضى العشر وقوله يطهرن بالتشديد فإذا تطهرن مستعملان ~~في الغسل إذا كانت أيامها دون العشر ولم يمض وقت الصلاة لقيام الدلالة على ~~أن مضى وقت الصلاة يبيح وطئها على ما سنبينه فيما بعد ولا يكون فيه استعمال ~~واحد من الفعلين على المجاز بل مستعملان على الحقيقة في الحالين فإن قيل ~~هلا كانت القراءتان كالآيتين تستعملان معا في حال واحدة قيل له لو جعلناهما ~~كالآيتين كان ما ذكرنا أولى من قبل أنه لو وردت آيتان تقتضي إحداهما انقطاع ~~غاية الدم لإباحة الوطء والأخرى تقتضي الغسل غاية لها لكان الواجب ~~استعمالهما على حالين على أن تكون كل واحدة منهما مقرة على حقيقتها فيما ~~اقتضته من حكم الغاية ولا يمكن ذلك إلا باستعمالهما في حالين على الوجه ~~الذي بينا ولو استعملناهما على ما يقول المخالف كان فيه إسقاط إحدى ~~الغايتين لأنه يقول إنها وإن طهرت وانقطع دمها لم يحل له أن يطأها حتى ~~تغتسل فلو جعلنا ذلك دليلا ms0562 مبتدأ كان سائغا مقنعا وإنما اعتبر أصحابنا فيمن # PageV02P037 # كان أيامها دون العشر فانقطع دمها بما وصفنا من قبل أنه جائز أن يعاودها ~~الدم فيكون حيضا إذ ليس كل طهر تراه المرأة يكون طهرا صحيحا لأن الحائض ترى ~~الدم سائلا مرة ومنقطعا مرة فليس في انقطاعه في وقت يجوز أن يكون حائضا فيه ~~وقوع الحكم بزوال الحيض فقالوا إن انقطاع الدم فيمن وصفنا حالها معتبر بأحد ~~شيئين إما بالاغتسال فيزول عنها حكم الحيض بالاتفاق وباستباحتها الصلاة ~~وذلك ينافي حكم الحيض أو بمضي وقت صلاة فيلزمها فرض الصلاة ولزوم فرضها ~~مناف لبقاء حكم الحيض إذ غير جائز أن يلزم الحائض فرض الصلاة فإذا انتفى ~~حكم الحيض وثبت حكم الطهر ولم يبق إلا الاغتسال لم يمنع الوطء بمنزلة امرأة ~~جنب جائز لزوجها وطؤها وعلى هذا المعنى عندنا ما روي عن الصحابة في اعتبار ~~الاغتسال في انقضاء العدة وقد روى عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا ~~من الصحابة الخبر فالخبر منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس قالوا ~~الرجل أحق بامرأته ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة وروي مثله عن علي وعبادة ~~بن الصامت وأبي الدرداء وأما إذا كانت أيامها عشرة فإنه غير جائز عندنا ~~وجود الحيض بعد العشرة فوجب الحكم بانقضائه لامتناع جواز بقاء حكمه والله ~~تعالى إنما منع من وطء الحائض أو ممن يجوز أن يكون حائضا فأما مع ارتفاع ~~حكم الحيض وزواله فهو غير ممنوع من وطء زوجته لأنه تعالى قال فاعتزلوا ~~النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن وقد طهرت لا محالة ألا ترى أنها ~~منقضية العدة إن كانت معتدة وأن حكمها حكم سائر الطاهرات ولا تأثير لوجوب ~~الاغتسال عليها في منع وطئها على ما بيناه فإن قيل إذا انقطع دمها فيما دون ~~العشرة فقد وجب عليها الغسل ولزوم الغسل ينافي بقاء حكم الحيض إذ غير جائز ~~لزوم الغسل على الحائض كما قلت في لزوم فرض الصلاة قيل له إذا كان الغسل من ~~موجبات الحيض فلزومه غير ms0563 مناف لحكمه وبقائه ألا ترى أن السلام لما كان من ~~موجبات تحريمه الصلاة لم يكن لزومه بانتهائه إلى آخرها نافيا لبقاء حكمها ~~وكذلك الحلق لما كانت من موجبات الإحرام لم يكن لزومه نافيا لبقاء إحرامه ~~ما لم يحلق كذلك الغسل لما كان من موجبات الحيض لم يكن وجوبه عليها مانعا ~~من بقاء حكم الحيض وأما الصلاة فليست من موجبات الحيض وإنما هو حكم آخر ~~يختص لزومه بالطاهر من النساء دون الحائض ففي لزومها نفي لحكم الحيض وقوله ~~حتى يطهرن فإذا تطهرن لما احتمل # PageV02P038 # الغسل صار كقوله # وإن كنتم جنبا فاطهروا ويدل على أن على الحائض الغسل بعد انقضاء حيضها ~~وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم # واتفقت الأمة عليه قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله قال ~~أبو بكر هو إطلاق من حظر وإباحة وليس هو على الوجوب كقوله تعالى فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وإذا حللتم فاصطادوا وهو إباحة وردت بعد حظر ~~وقوله من حيث أمركم الله قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس يعني ~~في الفرج وهو الذي أمر بتجنبه في الحيض في أول الخطاب في قوله فاعتزلوا ~~النساء في المحيض وقال السدي والضحاك من قبل الطهر دون الحيض وقال ابن ~~الحنفية من قبل النكاح دون الفجور قال أبو بكر هذا كله مراد الله تعالى ~~لأنه مما أمر الله به فانتظمت الآية جميع ذلك قوله إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين روي عن عطاء المتطهرين بالماء للصلاة وقال مجاهد المتطهرين ~~من الذنوب قال أبو بكر المتطهرين بالماء أشبه لأنه قد تقدم في الآية ذكر ~~الطهارة فالمراد بها الطهارة بالماء للصلاة في قوله فإذا تطهرن فأتوهن ~~فالأظهر أن يكون قوله ويحب المتطهرين مدحا لمن تطهر بالماء للصلاة وقال ~~تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين وروي أنه مدحهم لأنهم ~~كانوا يستنجون بالماء # وقوله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم الحرث المزدرع وجعل في ~~هذا الموضع كناية عن الجماع وسمى ms0564 النساء حرثا لأنهن مزدرع الأولاد وقوله ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم يدل على أن إباحة الوطء مقصورة على الجماع في الفرج ~~لأنه موضع الحرث واختلف في إتيان النساء في أدبارهن فكان أصحابنا يحرمون ~~ذلك وينهون عنه أشد النهي وهو قول الثوري والشافعي فيما حكاه المزني قال ~~الطحاوي وحكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول ما ~~صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا تحليله شيء والقياس أنه ~~حلال وروى أصبغ بن الفرج عن ابن القاسم عن مالك قال ما أدركت أحدا أقتدي به ~~في ديني يشك فيه أنه حلال يعني وطء المرأة في دبرها ثم قرأ نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم قال فأي شيء أبين من هذا وما أشك فيه قال ابن القاسم ~~فقلت لمالك بن أنس إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدثنا عن الحارث بن يعقوب ~~عن أبي الحباب سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر ما تقول في الجواري أنحمض لهن ~~فقال وما التحميض فذكرت الدبر قال ويفعل ذلك أحد من # PageV02P039 # المسلمين فقال مالك فأشهد على ربيعة بن أبي عبد الرحمن يحدثني عن أبي ~~الحباب سعيد ابن يسار أنه سأل ابن عمر عنه فقال لا بأس به قال ابن القاسم ~~فقال رجل في المجلس يا أبا عبد الله فإنك تذكر عن سالم أنه قال كذب العبد ~~أو كذب العلج على أبي يعني نافعا كما كذب عكرمة على ابن عباس فقال مالك ~~وأشهد على يزيد بن رومان يحدثني عن سالم عن أبيه أنه كان يفعله قال أبو بكر ~~قد روى سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن ابن عمر أن رجلا أتى امرأته في ~~دبرها فوجد في نفسه من ذلك فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~إلا أن زيد بن أسلم لا يعلم له سماع من ابن عمر وروى الفضل بن فضالة عن عبد ~~الله بن عباس عن كعب بن علقمة عن أبي النضر أنه ms0565 قال لنافع مولى ابن عمر إنه ~~قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في ~~أدبارهن قال نافع كذبوا علي إن ابن عمر عرض المصحف يوما حتى بلغ نساؤكم حرث ~~لكم فقال يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية قلت لا قال إنا كنا معشر قريش ~~نجبي النساء وكانت نساء الأنصار قد أخذن عن اليهود أنما يؤتين على جنوبهن ~~فأنزل الله هذه فهذا يدل على أن السبب غير ما ذكره زيد بن أسلم عن ابن عمر ~~لأن نافعا قد حكي عنه غير ذلك السبب وقال ميمون بن مهران أيضا قال ذلك نافع ~~يعني تحليل وطء النساء في أدبارهن بعد ما كبر وذهب عقله قال أبو بكر ~~المشهور عن مالك إباحة ذلك وأصحابه ينفون عنه هذه المقالة لقبحها وشناعتها ~~وهي عنه أشهر من أن يندفع بنفيهم عنه وقد حكى محمد بن سعيد عن أبي سليمان ~~الجوزجاني قال كنت عند مالك بن أنس فسئل عن النكاح في الدبر فضرب بيده إلى ~~رأسه وقال الساعة اغتسلت منه وقد رواه عنه ابن القاسم على ما ذكرنا وهو ~~مذكور في الكتب الشرعية ويروى عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك ~~بأسا ويتأول فيه قوله تعالى أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ~~ربكم من أزواجكم مثل ذلك إن كنتم تشتهون وروي عن ابن مسعود أنه قال محاش ~~النساء حرام وقال عبد الله بن عمرو هي اللوطية الصغرى وقد اختلف عن ابن عمر ~~فيه فكأنه لم يرو عنه فيه شيء لتعارض ما روي عنه فيه وظاهر الكتاب يدل على ~~أن الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج الذي هو موضع الحرث وهو الذي يكون ~~منه الولد وقد رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في تحريمه # رواه خزيمة بن ثابت وأبو هريرة وعلي بن طلق كلهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال (لا تأتوا النساء # PageV02P040 # في أدبارهن) # وروى عمرو بن شعيب عن ms0566 أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هي ~~اللوطية الصغرى # يعني إتيان النساء في أدبارهن # وروى حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال (من أتى حائضا أو امرأته في دبرها فقد كفر بما ~~أنزل على محمد) # وروى ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن جابر أن اليهود قالوا للمسلمين من ~~أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج) # وروت حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال في صمام واحد # وروى مجاهد عن ابن عباس مثله في تأويل الآية قال يعني كيف شئت في موضع ~~الولد # وروى عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ينظر ~~الله إلى الرجل أتى امرأته في دبرها) # وذكر ابن طاوس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن الذي يأتي امرأته في دبرها ~~فقال هذا يسألني عن الكفر وقد روي عن ابن عمر في قوله نساؤكم حرث لكم قال ~~كيف شئت إن شئت عزلا أو غير عزل رواه أبو حنيفة عن كثير الرياح الأصم عن ~~ابن عمر وروي نحوه عن ابن عباس وهذا عندنا في ملك اليمين وفي الحرة إذا ~~أذنت فيه وقد روي ذلك على ما ذكرنا من مذهب أصحابنا عن أبي بكر وعمر وعثمان ~~وابن مسعود وابن عباس وآخرين غيرهم فإن قيل قوله عز وجل والذين هم لفروجهم ~~حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم يقتضي إباحة وطئهن في الدبر ~~لورود الإباحة مطلقة غير مقيدة ولا مخصوصة قيل له لما قال الله تعالى ~~فأتوهن من حيث أمركم الله ثم قال في نسق التلاوة فأتوا حرثكم أنى شئتم أبان ~~بذلك موضع المأمور به وهو موضع الحرث ولم يرد إطلاق الوطء بعد حظره إلا ms0567 في ~~موضع الولد فهو مقصور عليه دون غيره وهو قاض مع ذلك على قوله تعالى إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم كما كان حظر وطء الحائض قاضيا على قوله إلا على ~~أزواجهم فكانت هذه الآية مرتبة على ما ذكر من حكم الحائض ومن يحظر ذلك يحتج ~~بقوله قل هو أذى فحظر وطء الحائض للأذى الموجود في الحيض وهو القذر ~~والنجاسة وذلك موجود في غير موضع الولد في جميع الأحوال فاقتضى هذا التحليل ~~حظر وطئهن إلا في موضع الولد ومن يبيحه يجيب عن ذلك بأن المستحاضة يجوز ~~وطؤها باتفاق من الفقهاء مع وجود الأذى هناك وهو دم الاستحاضة وهو نجس # PageV02P041 # كنجاسة دم الحيض وسائر الأنجاس ويجيبون أيضا على تخصيصه إباحة موضع الحرث ~~باتفاق الجميع على إباحة الجماع فيما دون الفرج وإن لم يكن موضعا للولد فدل ~~على أن الإباحة غير مقصورة على موضع الولد ويجابون عن ذلك بأن ظاهر الآية ~~يقتضي كون الإباحة مقصورة على الوطء في الفرج وأنه هو الذي عناه الله تعالى ~~بقوله من حيث أمركم الله إذ كان معطوفا عليه ولولا قيام دلالة الإجماع لما ~~جاز الجماع فيما دون الفرج ولكنا سلمناه للدلالة وبقي حكم الحظر فيما لم ~~تقم الدلالة عليه. # قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الآية قد قيل فيه وجهان أحدهما ~~أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس فإذا طلب منه ذلك ~~قال قد حلفت فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو هو مأمور ~~به من البر والتقوى والإصلاح فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعل وليدع ~~يمينه ويروى ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وطاوس وهو نظير ~~قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وروى أشعث عن ابن سيرين قال حلف أبو بكر ~~في يتيمين كانا في حجره كانا فيمن خاض في أمر عائشة أحدهما مسطح وقد شهد ~~بدرا أن لا يصلهما وأن لا ms0568 يصلهما منه خيرا فنزلت هذه الآية ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم فكسا أحدهما وحمل الآخر وقد ورد معناه في السنة أيضا # وقد روى أنس بن مالك وعدي بن حاتم وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر ~~عن يمينه) # وهذا هو معنى قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم على التأويل الذي ~~ذكرنا لأن معناه على هذا التأويل أن لا يمنع بيمينه من فعل ما هو خير بل ~~يفعل الذي هو خير ويدع يمينه والوجه الثاني أن يكون قوله عرضة لأيمانكم ~~يريد به كثرة الحلف وهو ضرب من الجرأة على الله تعالى وابتذال لاسمه في كل ~~حق وباطل لأن تبروا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها وروي نحوه عن عائشة من ~~أكثر ذكر شيء فقد جعله عرضة يقول القائل قد جعلتني عرضة للوم وقال الشاعر ~~لا تجعليني عرضة اللوائم وقد ذم الله تعالى مكثري الحلف بقوله ولا تطع كل ~~حلاف مهين فالمعنى لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء لأن تبروا إذا ~~حلفتم وتتقوا المأثم فيها إذا قلت أيمانكم لأن كثرتها تبعد من البر والتقوى # PageV02P042 # وتقرب من المآثم والجرأة على الله تعالى فكأن المعنى إن الله ينهاكم عن ~~كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى لما في توقي ذلك من البر والتقوى ~~والإصلاح فتكونون بررة أتقياء لقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس وإذا كانت ~~الآية محتملة للمعنيين وليسا متضادين فالواجب حملها عليهما جميعا فتكون ~~مفيدة لحظر ابتذاله اسم الله تعالى واعتراضه باليمين في كل شيء حقا كان أو ~~باطلا ويكون مع ذلك محظورا عليه أن يجعل يمينه عرضة مانعة من البر والتقوى ~~والإصلاح وإن لم يكثر بل الواجب عليه أن لا يكثر اليمين ومتى حلف لم يحتجر ~~بيمينه عن فعل ما حلف عليه إذا كان طاعة وبرا وتقوى وإصلاحا كما # قال صلى الله عليه وسلم (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو ms0569 خير وليكفر عن يمينه) # قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم الآية قال أبو بكر رحمه ~~الله قد ذكر الله تعالى اللغو في مواضع فكان المراد به معاني مختلفة على ~~حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى لا تسمع فيها لاغية يعنى ~~كلمة فاحشة قبيحة ولا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما على هذا المعنى وقال ~~وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه يعني الكفر والكلام القبيح وقال والغوا فيه ~~يعني الكلام الذي لا يفيد شيئا ليشغلوا السامعين عنه وقال وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما يعني الباطل ويقال لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة ~~فيه وقد روي في لغو اليمين معان عن السلف فروي عن ابن عباس أنه قال هو ~~الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك فلا يكون وكذلك روي عن مجاهد وإبراهيم قال ~~مجاهد ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أن تحلف على الشيء وأنت تعلم وهذا في ~~معنى # قوله بما كسبت قلوبكم وقالت عائشة هو قول الرجل لا والله وبلى والله وروي ~~عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم # وذلك عندنا في النهي عن اليمين على الماضي رواه عنها عطاء أنها قالت قول ~~الرجل فعلنا والله كذا وصنعنا والله كذا وروي مثله عن الحسن والشعبي وقال ~~سعيد بن جبير هو الرجل يحلف على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه وهذا التأويل ~~موافق لتأويل من تأول قوله عرضة لأيمانكم أن يمتنع باليمين من فعل مباح أو ~~يقدم بها على فعل محظور وإذا كان اللغو محتملا لهذه المعاني ومعلوم أنه لما ~~عطف قوله ولكن يؤاخذكم بما كسبت أن مراده ما عقد قلبه فيه على الكذب والزور ~~وجب أن تكون هذه المؤاخذة هي عقاب الآخرة وأن لا تكون الكفارة المستحقة ~~بالحنث لأن تلك الكفارة غير متعلقة بكسب القلب لاستواء حال # PageV02P043 # القاصد بها للخير والشر وتساوي حكم العمد والسهو فعلم أن مراده ما يستحق ~~من العقاب بقصده إلى اليمين الغموس وهي اليمين على الماضي قال القاصد بها ~~خلافها إلى الكذب فينبغي ms0570 أن يكون اللغو هي التي لا يقصد بها إلى الكذب وهي ~~على الماضي ويظن أنه كما حلف عليه فسماها لغوا من حيث لم يتعلق بها حكم في ~~إيجاب كفارة ولا في استحقاق عقوبة وهي التي روي معناها عن ابن عباس وعائشة ~~أنها قول الرجل لا والله وبلى والله في عرض كلامه وهو يظن أنه صادق فكان ~~بمنزلة اللغو من الكلام الذي لا فائدة فيه ولا حكم له ويحتمل أن يريد به ما ~~قال سعيد بن جبير فيمن حلف على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه يعني به عقاب ~~الآخرة وإن كانت الكفارة واجبة إذا حنث وقال مسروق كل يمين ليس له الوفاء ~~بها فهي لغو لا تجب فيها كفارة وهذا موافق لقول سعيد بن جبير والأولى الذي ~~قدمنا إلا أن سعيدا يوجب الكفارة ومسروقا لا يوجبها وإن حنث وقد روي عن ابن ~~عباس رواية أخرى وهي أن لغو اليمين ما تجب فيه الكفارة منها وروي مثله عن ~~الضحاك وروي عن ابن عباس أن لغو اليمين حنث النسيان. ### | باب الإيلاء # قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر قال أبو بكر ~~الإيلاء في اللغة هو الحلف يقولون آلى يؤلي إيلاء وألية قال كثير: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن بدرت منه الألية برت # فهذا أصله في اللغة وقد اختص في الشرع بالحلف على ترك الجماع الذي يكسب ~~الطلاق بمضي المدة حتى إذا قيل آلى فلان من امرأته عقل به ذلك وقد اختلف ~~فيما يكون به موليا على وجوه أحدها # ما روي عن علي وابن عباس رواية الحسن وعطاء أنه إذا حلف أن لا يقربها ~~لأجل الرضاع لم يكن موليا وإنما يكون موليا إذا حلف أن لا يجامعها على وجه ~~الضرار والغضب # والثاني ما روي عن ابن عباس أن كل يمين حالت دون الجماع إيلاء ولم يفرق ~~بين الرضا والغضب وهو قول إبراهيم وابن سيرين والشعبي والثالث ما روي عن ~~سعيد بن المسيب أنه في الجماع وغيره من الصفات نحو أن يحلف ms0571 أن لا يكلمها ~~فيكون موليا وقد روى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال تزوجت امرأة فلقيت ~~ابن عباس فقال بلغني أن في حلقها شيئا قال تالله لقد خرجت وما أكلمها قال ~~عليك بها قبل أن # PageV02P044 # تمضي أربعة أشهر فهذا يدل على موافقة قول سعيد بن المسيب ويدل على موافقة ~~ابن عمر في أن الهجران من غير يمين هو الإيلاء والرابع قول ابن عمر أنه إن ~~هجرها فهو إيلاء ولم يذكر الحلف فأما من فرق بين حلفه على ترك جماعها ضرارا ~~وبينه على غير وجه الضرار فإنه ذهب إلى أن الجماع حق لها ولها المطالبة به ~~وليس له منعها حقها من ذلك فإذا حلف على ترك حقها من الجماع كان موليا حتى ~~تصل إلى حقها من الفرقة إذ ليس له إلا إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان وأما ~~إذا قصد الصلاح في ذلك بأن تكون مرضعة فحلف أن لا يجامعها لئلا يضر ذلك ~~بالصبي فهذا لم يقصد منع حقها ولا هو غير ممسك لها بمعروف فلا يلزم التسريح ~~بالإحسان ولا يتعلق بيمينه حكم الفرقة وقوله فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم ~~يستدل من اعتبر الضرار لأن ذلك يقتضي أن يكون مذنبا يقتضي الفيء غفرانه ~~وهذا عندنا لا يدل على تخصيصه من كان هذا وصفه لأن الآية قد شملت الجميع ~~وقاصد الضرر أحد من شمله العموم فرجع هذا الحكم إليه دون غيره ويدل على ~~استواء حال المطيع والعاصي في ذلك أنهما يستويان في وجوب الكفارة بالحنث ~~كذلك يجب أن يستويا في إيجاب الطلاق بمضي المدة وأيضا سائر الأيمان ~~المعقودة لا يختلف فيها حكم المطيع والعاصي فيما يتعلق بها من إيجاب ~~الكفارة وجب أن يكون كذلك حكم الطلاق لأنهما جميعا يتعلقان باليمين وأيضا ~~لا يختلف حكم الرجعة على وجه الضرار وغيره كذلك الإيلاء وفقهاء الأمصار على ~~خلاف ذلك لأن الآية لم تفرق بين المطيع والعاصي فهي عامة في الجميع وأما ~~قول من قال إنه إذا قصد ضرارها بيمين على الكلام ونحوه فلا ms0572 معنى له لأن ~~قوله للذين يؤلون من نسائهم لا خلاف أنه قد أضمر فيه اليمين على ترك الجماع ~~لاتفاق الجميع على أن الحالف على ترك جماعها مول فترك الجماع مضمر في الآية ~~عند الجميع فأثبتناه وما عدا ذلك من ترك الكلام ونحوه لم تقم الدلالة على ~~إضماره في الآية فلم يضمره ويدل على ما بيناه قوله فإن فاؤ فإن الله غفور ~~رحيم ومعلوم عند الجميع أن المراد بالفيء هو الجماع ولا خلاف بين السلف فيه ~~فدل ذلك على أن المضمر في قوله للذين يؤلون من نسائهم هو الجماع دون غيره ~~وأما ما روي عن ابن عمر من أن الهجران يوجب الطلاق فإنه قول شاذ وجائز أن ~~يكون مراده إذا حلف ثم هجرها مدة الإيلاء وهو مع ذلك خلاف الكتاب قال الله ~~تعالى للذين يؤلون من نسائهم والألية اليمين على ما بينا وهجرانها ليس # PageV02P045 # بيمين فلا يتعلق به وجوب الكفارة وروى أشعث عن الحسن أن أنس بن مالك كانت ~~عنده امرأة في خلقها سوء فكان يهجرها خمسة أشهر وستة أشهر ثم يرجع إليها ~~ولا يرى ذلك إيلاء وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في المدة التي إذا ~~حلف عليها يكون موليا فقال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء إذا حلف على أقل ~~من أربعة أشهر ثم تركها أربعة أشهر لم يجامعها لم يكن موليا وهو قول ~~أصحابنا ومالك والشافعي والأوزاعي وروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم ~~والحكم وقتادة وحماد أنه يكون موليا إن تركها أربعة أشهر بانت وهو قول ابن ~~شبرمة والحسن بن صالح قال الحسن بن صالح وكذلك إن حلف أن لا يقربها في هذا ~~البيت فهو مول فإن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء وإن قربها في غيره قبل ~~المدة سقط الإيلاء ولو حلف أن لا يدخل هذه الدار وفيها امرأته ومن أجلها ~~حلف فهو مول قال أبو بكر قال الله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر والإيلاء هو اليمين # وقد ثبت بما قدمنا أن ترك جماعها ms0573 بغير يمين لا يكسبه حكم الإيلاء وإذا ~~حلف على أقل من أربعة أشهر فمضت مدة اليمين كان تاركا لجماعها فيما بقي من ~~مدة الأربعة الأشهر التي هي التربص بغير يمين وترك جماعها بغير يمين لا ~~تأثير له في إيجاب البينونة وما دون الأربعة أشهر لا يكسبه حكم البينونة ~~لأن الله تعالى قد جعل له تربص أربعة أشهر فلم يبق هناك معنى يتعلق به ~~إيجاب الفرقة فكان بمنزلة تارك جماعها بغير يمين فلا يلحقه حكم الإيلاء ~~وأما قول الحسن بن صالح إنه إذا حلف أن لا يقربها في هذا البيت أنه يكون ~~موليا فلا معنى له لأن الإيلاء كل يمين في زوجة يمنع جماعها أربعة أشهر لا ~~يحنث على ما بينا وهذه اليمين لم تمنعه جماعها هذه المدة لأنه يمكنه الوصول ~~إلى جماعها بغير حنث بأن يقربها في غير ذلك البيت وقد اختلف أيضا فيمن حلف ~~على أربعة أشهر سواء فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والثوري هو مول ~~فإن لم يقربها في المدة حتى مضت بانت بالإيلاء وروى عطاء عن ابن عباس قال ~~كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله تعالى لهم أربعة أشهر فمن ~~كان إيلاؤه دون ذلك فليس بمول وقال مالك والشافعي إذا حلف على أربعة أشهر ~~فليس بمول حتى يحلف على أكثر من ذلك قال أبو بكر هذا قول يدفعه ظاهر الكتاب ~~وهو قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فجعل هذه المدة ~~تربصا للفيء فيها ولم يجعل له التربص أكثر منها فمن # PageV02P046 # امتنع من جماعها باليمين هذه المدة أكسبه ذلك حكم الإيلاء الطلاق ولا فرق ~~بين الحلف على الأربعة الأشهر وبينه على أكثر منها إذ ليس له تربص أكثر من ~~هذه المدة ومع ذلك فإن ظاهر الكتاب يقتضي كونه موليا في حلفه على أربعة ~~أشهر وأقل منها وأكثر منها لأن مدة الحلف غير مذكورة في الآية وإنما خصصنا ~~ما دونها بدلالة وبقي حكم اللفظ في الأربعة الأشهر وما فوقها فإن قيل إذا ms0574 ~~حلف على أربعة أشهر سواء لم يصح تعلق الطلاق بها لأنك توقع الطلاق بمضيها ~~ولا إيلاء هناك قيل له لا يمتنع لأن مضي المدة إذا كان سببا للإيقاع لم يجب ~~اعتبار بقاء اليمين في حال وقوعه ألا ترى أن مضي الحول لما كان سببا لوجوب ~~الزكاة فليس بواجب أن يكون الحول موجودا في حال الوجوب بل يكون معدوما ~~منقضيا وأن من قال لامرأته إن كلمت فلانا فأنت طالق كانت هذه يمينا معقودة ~~فإن كلمته طلقت في الحال وقد انحلت فيها اليمين وبطلت كذلك مضي مدة الإيلاء ~~لما كان سببا لوقوع الطلاق لم يمتنع وقوعه واليمين غير موجودة وقوله تعالى ~~فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم قال أبو بكر الفيء في اللغة هو الرجوع إلى ~~الشيء ومنه قوله تعالى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل يعني حتى ترجع من البغي إلى العدل الذي هو أمر الله وإذا كان الفيء ~~الرجوع إلى الشيء اقتضى ظاهر اللفظ أنه إذا حلف أن لا يجامعها على وجه ~~الضرار ثم قال لها قد فئت إليك وقد أعرضت عما عزمت عليه من هجران فراشك ~~باليمين أن يكون قد فاء إليها سواء كان قادرا على الجماع أو عاجزا هذا هو ~~مقتضى ظاهر اللفظ إلا أن أهل العلم متفقون على أنه إذا أمكنه الوصول إليها ~~لم يكن فيئه إلا الجماع واختلفوا فيمن آلى وهو مريض أو بينه وبينها مسيرة ~~أربعة أشهر أو هي رتقاء أو صغيرة أو هو مجبوب فقال أصحابنا إذا فاء إليها ~~بلسانه ومضت المدة والعذر قائم فذلك فيء صحيح ولا تطلق بمضي المدة ولو كان ~~محرما بالحج وبينه وبين الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا الجماع وقال زفر ~~فيئه بالقول وقال ابن القاسم إذا آلى وهي صغيرة لا تجامع مثلها لم يكن ~~موليا حتى تبلغ الوطء ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر مذ بلغت الوطء وهو رأي ~~ابن القاسم بن عمرو ولم يروه عن مالك وقال ابن وهب عن مالك في ms0575 المولي إذا ~~وقف عند انقضاء الأربعة الأشهر ثم راجع امرأته إنه إن لم يصبها حتى تنقضي ~~عدتها فلا سبيل له إليها ولا رجعة إلا أن يكون له عذر من مرض أو سجن أو ما ~~أشبه # PageV02P047 # ذلك فإن ارتجاعه إياها ثابت عليها وإن # مضت عدتها ثم تزوجها بعد ذلك فإن لم يصبها حتى ينقضي أربعة أشهر وقف أيضا ~~وقال إسماعيل بن إسحاق قال مالك إن مضى الأربعة الأشهر وهو مريض أو محبوس ~~لم يوقف حتى يبرأ لأنه لا يكلف ما لا يطيق وقال مالك لو مضت أربعة أشهر وهو ~~غائب إن شاء كفر عن يمينه وسقط عنه الإيلاء قال إسماعيل وإنما قال ذلك في ~~هذا الموضع لأن الكفارة قبل الحنث جائزة عنده وإن كان لا يستحب أن يكون إلا ~~بعد الحنث وقال الأشجعي عن الثوري في المولي إذا كان له عذر من مرض أو كبر ~~أو حبس أو كانت حائضا أو نفساء فليفىء بلسانه يقول قد فئت إليك يجزيه ذلك ~~وهو قول الحسن بن صالح وقال الأوزاعي إذا آلى من امرأته ثم مرض أو سافر ~~فأشهد على الفيء من غير جماع وهو مريض أو مسافر ولا يقدر على الجماع فقد ~~فاء فليكفر عن يمينه وهي امرأته وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر أو حاضت ~~أو طرده السلطان فإنه يشهد على الفيء ولا إيلاء عليه وقال الليث بن سعد إذا ~~مرض بعد الإيلاء ثم مضت أربعة أشهر فإنه يوقف كما يوقف الصحيح فإما فاء ~~وإما طلق ولا يؤخر إلى أن يصح وقال المزني عن الشافعي إذا آلى المجبوب ~~ففيئه بلسانه وقال في الإيلاء لا إيلاء على المجبوب قال ولو كانت صبية فآلى ~~منها استؤنفت به أربعة أشهر بعد ما تصير إلى حال يمكن جماعها والمحبوس يفيء ~~باللسان ولو أحرم لم يكن فيئه إلا الجماع ولو آلى وهي بكر فقال لا أقدر على ~~اقتضاضها أجل أجل العنين قال أبو بكر الدليل على أنه إذا لم يقدر على ~~جماعها في المدة كان فيئه باللسان ms0576 قوله فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم وهذا قد ~~فاء لأن الفيء الرجوع إلى الشيء وهو قد كان ممتنعا من وطئها بالقول وهو ~~اليمين فإذا فاء بالقول فقال قد فئت إليك فقد رجع عما منع نفسه منه بالقول ~~إلى ضده فتناوله العموم وأيضا لما تعذر جماعها قام القول فيه مقام الوطء في ~~المنع من البينونة وأما تحريم الوطء بالإحرام والحيض فليس بعذر أما الإحرام ~~فلأنه كان يفعله ولا يسقط حقها من الوطء وأما الحيض والنفاس فإن الله جعل ~~للمولي تربص أربعة أشهر مع علمه بوجود الحيض فيها واتفق السلف على أن ~~المراد الفيء بالجماع في حال إمكان الجماع فلم يجز أن ينقله عنه إلى غيره ~~مع إمكان وطئها وتحريم الوطء لا يخرجه من إمكانه فصار بمنزلة الإحرام ~~والظهار ونحو ذلك لأنه منع من الوطء بتحريمه لا بالعجز وتعذره ولأن حقها ~~باق في الجماع ويدل على ذلك على أنه لو أبانها # PageV02P048 # يخلع وهو مول منها لم يكن التحريم الواقع موجبا لجواز فيئه بالقول وهو مع ~~ذلك لو وطئها في هذه الحال بطل الإيلاء فإن قيل إذا كان الفيء بالقول لا ~~يسقط اليمين فواجب بقاؤها إذ لا تأثير للفيء بالقول في إسقاطها قيل له هذا ~~غير واجب من قبل أنه جائز ببقاء اليمين وبطلان الإيلاء من جهة ما تعلق به ~~من الطلاق ألا ترى أنه إذا طلقها ثلاثا ثم عادت إليه بعد زوج كانت اليمين ~~باقية لو وطئها حنث ولم يلحقها بها طلاق وإن ترك وطئها وكذلك لو أن رجلا ~~قال لامرأة أجنبية والله لا أقربك لم يكن إيلاء فإن تزوجها كانت اليمين ~~باقية لو وطئها لزمته الكفارة ولا يكون موليا في حكم الطلاق فليس بقاء ~~اليمين إذا علة في حكم الطلاق فجاز من أجل ذلك أن يفيء إليها بلسانه فيسقط ~~حكم الطلاق في هذه اليمين ويبقى حكم الحنث بالوطء وإنما شرط أصحابنا في صحة ~~الفيء بالقول وجود الضرر في المدة كلها ومتى كان الوطء مقدورا عليه في شيء ~~من المدة لم ms0577 يكن فيئه عندهم إلا الجماع من قبل أن الفيء بالقول قائم مقام ~~الوطء عند عدمه لئلا يقع الطلاق بمضي المدة فمتى قدر على الوطء في المدة ~~بطل الفيء بالقول كالمتيمم إذا أقيم تيممه مقام الطهارة بالماء في إباحة ~~الصلاة كان متى وجد الماء قبل الفراغ منها بطل تيممه وعاد إلى أصل فرضه ~~سواء كان وجوده للماء في أول الصلاة أو في آخرها كذلك القدرة على الوطء في ~~المدة تبطل حكم الفيء بالقول وقال محمد إذا فاء بالقول لوجود العذر في ~~المدة ثم انقضت المدة والعذر قائم فقد # بطل حكم الإيلاء منها فكان بمنزلة من حلف على أجنبية أن لا يقربها ثم ~~تزوجها فيكون يمينه باقية إن قربها حنث وإن ترك جماعها أربعة أشهر لم تطلق. # قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم قال أبو بكر اختلف السلف ~~في عزيمة الطلاق إذا لم يفيء على ثلاثة أوجه فقال ابن عباس عزيمة الطلاق ~~انقضاء الأربعة الأشهر وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان بن عفان ~~وقالوا إنها تبين بتطليقة واختلف عن علي وابن عمر وأبي الدرداء فروي عنهم ~~مثل قول الأولين وروي عنهم أنه يوقف بعد مضي المدة فإما أن يفيء إليها وإما ~~أن يطلقها وهو قول عائشة وأبي الدرداء والقول الثالث قول سعيد بن المسيب ~~وسالم بن عبد الله وأبي بكر بن عبد الرحمن والزهري وعطاء وطاوس قالوا إذا ~~مضت أربعة أشهر فهي تطليقة رجعية وذهب أصحابنا إلى قول ابن عباس ومن تابعه ~~فقالوا إذا مضت أربعة أشهر قبل أن يفيء بانت بتطليقة وهو قول «4- أحكام في» # PageV02P049 # الثوري والحسن بن صالح وقال مالك والليث والشافعي بما روي عن أبي الدرداء ~~وعائشة أنه يوقف بعد مضي المدة فإما أن يفيء وإما أن يطلق ويكون تطليقة ~~رجعية إذا طلق قال مالك ولا تصح رجعته حتى يطأها في العدة وقال الشافعى ولو ~~عفت عن ذلك بعد المدة كان لها بعد ذلك أن تطلب ولا يؤجل في الجماع أكثر من ~~يوم وقال ms0578 الأوزاعي بقول سعيد بن المسيب وسالم ومن تابعهما أنها تطلق واحدة ~~رجعية بمضي المدة قال أبو بكر قوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع ~~عليم يحتمل الوجوه التي حصل عليها اختلاف السلف ولولا احتماله لها لما ~~تأولوه عليها لأنه غير جائز تأويل اللفظ المأول على ما لا احتمال فيه وقد ~~كان السلف من أهل اللغة والعالمين بما يحتمل من الألفاظ والمعاني المختلفة ~~وما لا يحتملها فلما اختلفوا فيه على هذه الوجوه دل ذلك على احتمال اللفظ ~~لها ومن جهة أخرى وهي أن هذا الاختلاف قد كان شائعا مستفيضا فيما بينهم من ~~غير نكير ظهر من واحد منهم على غيره فصار ذلك إجماعا منهم على توسع ~~الاجتهاد في حمله على أحد هذه الوجوه وإذا ثبت ذلك احتجنا أن ننظر في ~~الأولى من هذه الأقاويل وأشبهها بالحق فوجدنا ابن عباس قد قال عزيمة الطلاق ~~انقضاء الأربعة الأشهر قبل الفيء إليها فسمى ترك الفيء حتى تمضي المدة ~~عزيمة الطلاق فوجب أن يصير ذلك اسما له لأنه لم يخل من أن يكون قاله شرعا ~~أو لغة وأي الوجهين كان فحجته ثابتة واعتبار عمومه واجب إذا كانت أسماء ~~الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا وإذا كان هكذا وقد علمنا أن حكم الله في المولي ~~أحد شيئين إما الفيء وإما عزيمة الطلاق وجب أن يكون الفيء مقصورا على ~~الأربعة الأشهر وأنه فائت بمضيها فتطلق لأنه لو كان الفيء باقيا لما كان ~~مضي المدة عزيمة للطلاق ومن جهة أخرى وهو أنه معلوم أن العزيمة إنما هي في ~~الحقيقة عقد القلب على الشيء تقول عزمت على كذا أي عقدت قلبي على فعله وإذا ~~كان كذلك وجب أن يكون مضي المدة أولى بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف لأن ~~الوقف يقتضي إيقاع طلاق بالقول إما أن يوقعه الزوج وإما أن يطلقها القاضي ~~عليه على قول من يقول بالوقف وإذا كان كذلك كان وقوع الفرقة بمضي المدة ~~لتركه الفيء فيها أولى بمعنى الآية لأن الله لم يذكر إيقاعا مستأنفا وإنما ~~ذكر ms0579 عزيمة فغير جائز أن نزيد في الآية ما ليس فيها ووجه آخر وهو أنه لما ~~قال للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فإن الله غفور رحيم وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم # PageV02P050 # اقتضى ذلك أحد أمرين من فيء أو عزيمة طلاق لا ثالث لهما والفيء إنما هو ~~مراد في المدة مقصور الحكم عليها والدليل عليه قوله تعالى فإن فاؤ والفاء ~~للتعقيب يقتضي أن يكون الفيء عقيب اليمين لأنه جعل الفيء عقيب اليمين لأنه ~~جعل الفيء لمن له تربص أربعة أشهر وإذا كان حكم الفيء مقصورا على المدة ثم ~~فات بمضيها وجب حصول الطلاق إذ غير جائز له أن يمنع الفيء والطلاق جميعا ~~ويدل على أن المراد الفيء في المدة اتفاق الجميع على صحة الفيء فيها فدل ~~على أنه مراد فيها فصار تقديره فإن فاؤا فيها وكذلك قرئ في حرف عبد الله بن ~~مسعود فحصل الفيء مقصورا عليها دون غيرها وتمضي المدة بفوت # الفيء وإذا فات الفيء حصل الطلاق فإن قيل لما قال تعالى للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ فعطف بالفاء على التربص في المدة دل على أن ~~الفيء مشروط بعد التربص وبعد مضي المدة وأنه متى ما فاء فإنما عجل حقا لم ~~يكن عليه تعجيله كمن عجل دينا مؤجلا قيل له لولا أن الفيء مراد الله تعالى ~~لما صح وجوده فيها وكان يحتاج بعد هذا الفيء إلى فيء بعد مضيها فلما صح ~~الفيء في هذه المدة دل على أنه مراد الله بالآية ولذلك بطل معه عزيمة ~~الطلاق ثم قولك إن المراد بالفيء إنما هو بعد المدة مع قولك إن الفيء في ~~المدة صحيح كهو بعدها تبطل معه عزيمة الطلاق مناقضة منك في اللفظ كقولك إنه ~~مراد في المدة غير مراد فيها وقولك إنه كالدين المؤجل إذا عجله لا يزيد عنك ~~ما وصفنا من المناقضة لأن الدين المؤجل لا يخرجه التأجيل من حكم اللزوم ~~ولولا ذلك لما صح البيع بثمن مؤجل لأن ما ms0580 تعلق ملكه من الأثمان على وقت ~~مستقبل لا يصح عقد البيع عليه ألا ترى أنه لو قال بعتكه بألف درهم لا يلزمك ~~إلا بعد أربعة أشهر كان البيع باطلا والتأجيل الذي ذكرت لا يخرجه من أن ~~يكون الثمن واجبا ملكا للبائع ومتى عجله وأسقط الأجل كان ذلك من موجب العقد ~~إلا أنه مخالف للفيء في الإيلاء من قبل أن فوات الفيء يوجب الطلاق وإذا كان ~~الفيء مرادا في المدة فواجب أن يكون فواته فيها موجبا للطلاق على ما بينا ~~وأيضا فإن قوله تعالى فإن فاؤ فيه ضمير المولي المبدوء بذكره في الآية وهو ~~الذي له تربص أربعة أشهر والذي يقتضيه الظاهر إيقاع الفيء عقيب اليمين ~~ودليل آخر وهو قوله تربص أربعة أشهر كقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء فلما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الأقراء وجب أن ~~يكون كذلك # PageV02P051 # حكم تربص الإيلاء من وجوه أحدها أنا لو وقفنا المولي لحصل التربص أكثر من ~~أربعة أشهر وذلك خلاف الكتاب ولو غاب المولي عن امرأته سنة أو سنتين ولم ~~ترفعه المرأة ولم تطالب بحقها لكان التربص غير مقدور بوقت وذلك خلاف الكتاب ~~والوجه الثاني أنه لما كانت البينونة واقعة بمضي المدة في تربص الأقراء وجب ~~مثله في الإيلاء والمعنى الجامع بينهما ذكر التربص في كل واحدة من المدتين ~~والوجه الثالث أن كل واحدة من المدتين واجبة عن قوله وتعلق بها حكم ~~البينونة فلما تعلقت في إحداهما بمضيها كانت الأخرى مثلها للمعنى الذي ~~ذكرناه فإن قيل تأجيل العنين حولا بالاتفاق تخيير امرأته بعد مضي الحول إذا ~~لم يصل إليها في الحول ولم يوجب ذلك زيادة في الأجل كذلك ما ذكرت من حكم ~~الإيلاء إيجاب الوقف بعد المدة لا يوجب زيادة فيها قيل له ليس في الكتاب ~~ولا في السنة تقدير أجل العنين وإنما أخذ حكمه من قول السلف والذين قالوا ~~إنه يؤجل حولا هم الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها ولم يوقعوا الطلاق ~~قبل مضي المدة ومدة الإيلاء مقدرة بالكتاب ms0581 من غير ذكر التخيير معها فالزائد ~~فيها مخالف لحكمه وأيضا فإن أجل العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه وأجل ~~المولي عندك إنما يوجب عليه الفيء فإن قال أفيء لم يفرق بينهما ولو قال ~~العنين أنا أجامعها بعد ذلك لم يلتفت إلى قوله وفرق بينهما باختيارها فإن ~~قيل لما لم يكن الإيلاء بصريح الطلاق ولا كناية عنه فالواجب أن لا يقع ~~الطلاق قيل له وليس اللعان بصريح الطلاق ولا كناية عنه فيجب على قول ~~المخالف أن لا توقع الفرقة حتى يفرق الحاكم ولا يلزمنا على أصلنا لأن ~~الإيلاء يجوز أن يكون كناية عن الفرقة إذ كان قوله لا أقربك يشبه كناية ~~الطلاق ولما كان أضعف أمرا من غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر ~~إليه وهو مضي المدة على النحو الذي يقوله إذ قد وجدنا من الكنايات ما لا ~~يقع فيه الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو قول الزوج ~~لامرأته قد خيرتك وقوله أمرك بيدك فلا يقع الطلاق فيه إلا باختيارها فكذلك ~~لا يمتنع أن يقال في الإيلاء إنه كناية إلا أنه أضعف حالا من سائر الكنايات ~~فلا يقع فيه الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه فأما اللعان فلا دلالة ~~فيه على معنى الكنايات لأن قذفه إياها بالزنا وتلاعنهما لا يصلح أن يكون ~~عبارة # عن البينونة بحال وأيضا فإن اللعان مخالف للإيلاء من جهة أن حكمه لا يثبت ~~إلا عند الحاكم # PageV02P052 # والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم فكذلك ما يتعلق به من الفرقة وبهذا ~~المعنى فارق العنين أيضا لأن تأجيل متعلق بالحاكم والإيلاء يثبت حكمه من ~~غير حاكم فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة واحتج من قال بالوقف بقوله تعالى ~~وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم أنه لما قال سميع عليم دل على أن هناك ~~قولا مسموعا وهو الطلاق قال أبو بكر وهذا جهل من قائله من قبل أن السميع لا ~~يقتضي مسموعا لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموعا وأيضا قال الله ms0582 تعالى ~~وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم وليس هناك # قول لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تتمنوا لقاء العدو فإذا ~~لقيتموهم فاثبتوا وعليكم بالصمت) # وأيضا جائز أن يكون ذلك راجعا إلى أول الكلام وهو قوله تعالى للذين يؤلون ~~من نسائهم فأخبر أنه سامع لما تكلم به عليم بما أضمره وعزم عليه ومما يدل ~~على وقوع الفرقة بمضي المدة أن القائلين بالوقف يثبتون هناك معاني أخر غير ~~مذكورة في الآية إذ كانت الآية إنما اقتضت أحد شيئين من فيء أو طلاق وليس ~~فيها ذكر مطالبة المرأة ولا وقف القاضي الزوج على الفيء أو الطلاق فلم يجز ~~لنا أن نلحق بالآية ما ليس فيها ولا أن نزيد فيها ما ليس منها وقول ~~مخالفينا يؤدي إلى ذلك ولا يوجب الاقتصار على موجب حكم الآية وقولنا يوجب ~~الاقتصار على حكم الآية من غير زيادة فيها فكان أولى ومعلوم أيضا أن الله ~~تعالى إنما حكم في الإيلاء بهذا الحكم لإيصال المرأة إلى حقها من الجماع أو ~~الفرقة وهو على معنى قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقول من قال ~~بالوقف يقول إن لم يفيء أمره بالطلاق فإذا طلق لم يخل من أن يجعله طلاقا ~~بائنا أو رجعيا فإن جعله بائنا فإن صريح الطلاق لا يكون بائنا عند أحد فيما ~~دون الثلاث وإن جعله رجعيا فلا حظ للمرأة في ذلك لأنه متى شاء راجعها فتكون ~~امرأته كما كانت فلا معنى لإلزامه طلاقا لا تملك به المرأة بضعها وتصل به ~~إلى حقها وأما قول مالك إنه لا يصح رجعته حتى يطأها في العدة فقول شديد ~~الاختلال من وجوه أحدها أنه قال إذا طلقها طلاقا رجعيا والطلاق الرجعي لا ~~تكون الرجعة فيه موقوفة على معنى غيرها والثاني أنه إذا منعه الرجعة إلا ~~بعد الوطء فقد نفى أن يكون رجعيا وهو لو راجعها لم تكن رجعة والثالث أنه ~~محظور عليه الوطء بعد الطلاق عنده ولا تقع الرجعة فيه بنفس الوطء فكيف يباح ~~له ms0583 وطؤها وأما قول من قال إنه تقع تطليقة رجعية بمضي المدة فإنه قول ظاهر ~~الفساد من وجوه # PageV02P053 # أحدها ما قدمنا ذكره في الفصل الذي قبل هذا والثاني أن سائر الفرق ~~الحادثة في الأصول بغير تصريح فإنها توجب البينونة من ذلك فرقة العنين ~~واختيار الأمة وردة الزوج واختيار الصغيرين فلما لم يكن معه تصريح بإيقاع ~~الطلاق وجب أن يكون بائنا وقد اختلف في إيلاء الذمي فقال أصحابنا جميعا إذا ~~حلف بعتق أو طلاق أن لا يقربها فهو مول وإن حلف بصدقة أو حج لم يكن موليا ~~وإن حلف بالله كان موليا في قول أبي حنيفة ولم يكن موليا في قول صاحبيه ~~وقال مالك لا يكون موليا في شيء من ذلك وقال الأوزاعي إيلاء الذمي صحيح ولم ~~يفصل بين شيء من ذلك وقال الشافعي الذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء قال ~~أبو بكر لما كان معلوما أن الإيلاء إنما يثبت حكمه لما يتعلق بالحنث من ~~الحق الذي يلزمه فواجب على هذا أن يصح إيلاء الذمي إذا كان بالعتق والطلاق ~~لأن ذلك يلزمه كما يلزم المسلم وأما الصدقة والصوم والحج فلا يلزمه إذا حنث ~~لأنه لو أوجبه على نفسه لم يلزمه بإيجابه ولأنه لا يصح منه فعل هذه القرب ~~لأنه لا قربة له ولذلك لم يلزمه الزكوات والصدقات الواجبة على المسلمين في ~~أموالهم في أحكام الدنيا فوجب على هذا أن لا يكون موليا بحلفه الحج والعمرة ~~والصدقة والصيام إذ لا يلزمه بالجماع شيء فكان بمنزلة من لم يحلف وقوله ~~تعالى للذين يؤلون من نسائهم يقتضي عموم المسلم والكافر ولكنا خصصناه بما ~~وصفنا وأما إذا حلف بالله تعالى فإن أبا حنيفة جعله موليا وإن لم تلزمه ~~كفارة في أحكام الدنيا من قبل أن حكم تسمية الله تعالى قد تعلق على الكافر ~~كهي على المسلم بدلالة أن إظهار الكافر تسمية الله تعالى على الذبيحة يبيح ~~أكلها كالمسلم ولو سمى الكافر باسم المسيح لم تؤكل فثبت حكم تسميته وصار ~~كالمسلم في حكمها فكذلك الإيلاء لأنه يتعلق ms0584 به حكمان أحدهما الكفارة والآخر ~~الطلاق فثبت حكم التسمية عليه في باب الطلاق ومن الناس من يزعم أن الإيلاء ~~لا يكون إلا بالحلف بالله عز وجل وأنه لا يكون بحلفه بالعتاق والطلاق ~~والصدقة ونحوها وهذا غلط من قائله لأن الإيلاء إذا كان هو الحلف وهو حالف ~~بهذه الأمور ولا يصل إلى جماعها إلا بعتق أو طلاق أو صدقة يلزمه وجب أن ~~يكون موليا كحلفه بالله لأن عموم اللفظ ينتظم # الجميع إذ كان من حلف بشيء منه فهو مول. # (فصل) ومما تفيد هذه الآية من الأحكام ما استدل به منها محمد بن الحسن ~~على # PageV02P054 # امتناع جواز الكفارة قبل الحنث فقال لما حكم الله للمولي بأحد حكمين من ~~فيء أو عزيمة الطلاق فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث لسقط الإيلاء بغير ~~فيء ولا عزيمة طلاق لأنه إن حنث لا يلزمه بالحنث شيء ومتى لم يلزم الحالف ~~بالحنث شيء لم يكن موليا وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ~~ذكر الله وذلك خلاف الكتاب والله الموفق للصواب. ### | باب الأقراء # قال الله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء واختلف السلف في ~~المراد بالقرء المذكور في هذه الآية # فقال علي وعمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو موسى هو الحيض # وقالوا هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وروى وكيع عن عيسى ~~الحافظ عن الشعبي عن ثلاثة عشر رجلا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~الخبر فالخبر منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس قالوا الرجل أحق ~~بامرأته ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن ~~المسيب وقال ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا ~~سبيل له عليها قالت عائشة الأقراء الأطهار وروي عن ابن عباس رواية أخرى ~~أنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها ولا تحل للأزواج حتى ~~تغتسل وقال أصحابنا جميعا الأقراء الحيض وهو قول الثوري والأوزاعي والحسن ~~بن صالح إلا أن أصحابنا ms0585 قد قالوا لا تنقضي عدتها إذا كانت أيامها دون ~~العشرة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة وهو قول الحسن بن ~~صالح إلا أنه قال اليهودية والنصرانية في ذلك مثل المسلمة وهذا لم يقله أحد ~~ممن جعل الأقراء الحيض غير الحسن ابن صالح وقال أصحابنا الذمية تنقضي عدتها ~~بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة لا غسل عليها فهي في معنى من اغتسلت فلا ~~تنتظر بعد انقطاع الدم شيئا آخر وقال ابن شبرمة إذا انقطع من الحيضة ~~الثالثة بطلت الرجعة ولم يعتبر الغسل وقال مالك والشافعي الأقراء الأطهار ~~فإذا طعنت في الحيضة الثالثة فقد بانت وانقطعت الرجعة قال أبو بكر قد حصل ~~من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من ~~وجهين أحدهما أن اللفظ لو لم يكن محتملا لهما لما تأوله السلف عليهما لأنهم ~~أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء وما يتصرف عليه المعاني من العبارات ~~فلما تأولها فريق على الحيض وآخرون على الأطهار # PageV02P055 # علمنا وقوع الاسم عليهما ومن جهة أخرى أن هذا الاختلاف قد كان شائعا ~~بينهم مستفيضا ولم ينكر واحد منهم على مخالفيه في مقالته بل سوغ له القول ~~فيه فدل ذلك على احتمال اللفظ للمعنيين وتسويغ الاجتهاد فيه ثم لا يخلو من ~~أن يكون الاسم حقيقة فيهما أو مجازا فيهما أو حقيقة في أحدهما مجازا في ~~الآخر فوجدنا أهل اللغة مختلفين في معنى القرء في أصل اللغة فقال قائلون ~~منهم هو اسم للوقت حدثنا بذلك أبو عمر وغلام ثعلب عن ثعلب أنه كان إذا سئل ~~عن معنى القرء لم يزدهم على الوقت وقد استشهد لذلك بقول الشاعر: # يا رب مولى حاسد مباغض ... علي ذي ضغن وضب فارض # له قروء كقروء الحائض يعني وقتا تهيج فيه عداوته وعلى هذا تألوا قول ~~الأعشى: # وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة ما لا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # يعني وقت وطئهن ومن الناس من يتأوله على الطهر نفسه ms0586 كأنه قال لما ضاع ~~فيها من طهر نسائك وقال الشاعر: # كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح # يعني لوقتها في الشتاء وقال آخرون هو الضم والتأليف ومنه قوله: # تريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا # ذراعي عطيل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا # يعني لم تضم في بطنها جنينا ومنه قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته ~~وقروت الأرض إذا جمعت شيئا إلى شيء وسيرا إلى سير ويقولون ما قرأت الناقة ~~سلى قط أي ما اجتمع رحمها على ولد قط ومنه أقرأت النجوم إذا اجتمعت في ~~الأفق ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت فهي مقرئ ذكره الأصمعي والكسائي والفراء ~~وحكي عن بعضهم أنه قال هو الخروج من شيء إلى شيء وهذا قول ليس عليه شاهد من ~~اللغة ولا هو ثابت عمن يوثق به من أهلها وليس فيما ذكرنا من الشواهد ما ~~يليق بهذا المعنى فهو ساقط مردود ثم يقول وإن كانت حقيقته الوقت فالحيض ~~أولى به لأن الوقت إنما يكون وقتا لما يحدث فيه والحيض هو الحادث وليس ~~الطهر شيئا أكثر من عدم الحيض وليس هو شيء حادث # PageV02P056 # فوجب أن يكون الحيض أولى بمعنى الاسم وإن كان هو الضم والتأليف فالحيض ~~أولى به لأن دم الحيض إنما يتألف ويجتمع من سائر أجزاء البدن في حال الحيض ~~فمعناه أولى بالاسم أيضا فإن قيل إنما يتألف الدم ويجتمع في أيام الطهر ثم ~~يسيل في أيام الحيض قيل له أحسبت إن الأمر كذلك ودلالته قائمة على ما ذكرنا ~~لأنه قد صار القرء اسما للدم إلا أنك زعمت أنه يكون اسما له في حال الطهر ~~وقلنا يكون اسما له في حال الحيض فلا مدخل إذا للطهر في تسميته بالقرء لأن ~~الطهر ليس هو الدم ألا ترى أن الطهر قد يكون موجودا مع عدم الدم تارة ومع ~~وجوده أخرى على أصلك فإذا القرء اسم للدم وليس باسم للطهر ولكنه لا يسمى ~~بهذا الاسم إلا بعد ظهوره لأنه لا يتعلق به حكم ms0587 إلا في هذه الحال ومع ذلك ~~فلا يتيقن كونه في الرحم في حال الطهر فلم يحركونه في حال الطهر أن نسميه ~~باسم القرء لأن القرء اسم يتعلق به حكم ولا حكم له قبل سيلانه وقبل العلم ~~بوجوده وأيضا فمن أين لك العلم باجتماع الدم في الرحم في حال الطهر ~~واحتباسه فيه ثم سيلانه في وقت الحيض فإن هذا قول عار من دليل يقوم عليه ~~ويرده ظاهر الكتاب قال الله تعالى ويعلم ما في الأرحام فاستأثر تعالى بعلم ~~ما في الأرحام ولم يطلع عباده عليه فمن أين لك القضاء باجتماع الدم في حال ~~الطهر ثم سيلانه في وقت الحيض وما أنكرت ممن قال إنما يجتمع من سائر البدن ~~ويسيل في وقت الحيض لا قبل ذلك ويكون أولى بالحق منك لأنا قد علمنا يقينا ~~وجوده في هذا الوقت ولم نعلم وجوده في وقت قبله فلا يحكم به لوقت متقدم وإذ ~~قد بينا وقوع الاسم عليهما وبينا حقيقة ما يتناوله هذا الاسم في اللغة ~~فليدل على أنه اسم للحيض دون الطهر في الحقيقة وأن إطلاقه على الطهر إنما ~~هو مجاز واستعارة وإن كان ما قدمنا من شواهد اللغة وما يحتمله اللفظ من ~~حقيقتها كافية في الدلالة على أن حقيقته تختص بالحيض دون الطهر فنقول لما ~~وجدنا أسماء الحقائق التي لا تنتفي عن مسمياتها بحال ووجدنا أسماء المجاز ~~قد يجوز أن تنتفي عنها في حال وتلزمها في أخرى ثم وجدنا اسم القرء غير منتف ~~عن الحيض بحال ووجدناه قد ينتفي عن الطهر لأن الطهر موجود في الآيسة ~~والصغيرة وليستا من ذوات الأقراء علمنا أن اسم القرء للطهر الذي بين ~~الحيضتين مجاز وليس بحقيقة سمي بذلك لمجاورته للحيض كما يسمى الشيء باسم ~~غيره إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب ألا ترى أنه حين جاور الحيض سمي به ~~وحين لم # PageV02P057 # يجاوره لم يسم به فدل ذلك على أنه مجاز في الطهر حقيقة في الحيض ومما يدل ~~على أن المراد الحيض دون الطهر أنه لما كان ms0588 اللفظ محتملا للمعنيين واتفقت ~~الأمة على أن المراد أحدهما فلو أنهما تساويا في الاحتمال لكان الحيض ~~أولاها وذلك لأن لغة النبي صلى الله عليه وسلم وردت بالحيض دون الطهر بقوله ~~المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها وقال لفاطمة بنت أبي حبيش فإذا أقبل ~~قرؤك فدعي الصلاة وإذا أدبر فاغتسلي وصلي ما بين القرء إلى القرء فكان لغة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن القرء الحيض فوجب أن لا يكون معنى الآية إلا ~~محمولا عليه لأن القرآن لا محالة نزل بلغته صلى # الله عليه وسلم وهو المبين عن الله عز وجل مراد الألفاظ المحتملة للمعاني ~~ولم يرد لغته بالطهر فكان حمله على الحيض أولى منه على الطهر ويدل عليه # ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن مسعود ~~قال حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم بن محمد عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (طلاق الأمة ثنتان وقرؤها حيضتان) # قال أبو عاصم فحدثني مظاهر قال حدثني به القاسم عن عائشة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال وعدتها حيضتان # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد ابن شاذان قال حدثنا معلى قال ~~حدثنا عمر بن شبيب عن عبد الله بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال تطليق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان # فنص على الحيضتين في عدة الأمة وذلك خلاف قول مخالفينا لأنهم يزعمون أن ~~عدتها طهران ولا يستوعبون لها حيضتين وإذا ثبت أن عدة الأمة حيضتان كانت ~~عدة الحرة ثلاث حيض وهذان الحديثان وإن كان ورودهما من طريق الآحاد فقد ~~اتفق أهل العلم على استعمالها في أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة ~~فأوجب ذلك صحته ويدل عليه أيضا # حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبايا ~~أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة # ومعلوم أن ms0589 أصل العدة موضوع للاستبراء فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~استبراء الأمة بالحيضة دون الطهر وجب أن تكون العدة بالحيض دون الطهر إذ كل ~~واحد منهما موضوع في الأصل للاستبراء أو لمعرفة براءة الرحم من الحبل وإن ~~كان قد تجب العدة على الصغيرة والآيسة لأن الأصل للاستبراء ثم حمل عليه ~~غيره من الآيسة والصغيرة لئلا يترخص في التي قاربت البلوغ وفي الكبيرة التي ~~قد يجوز أن تحيض وترى الدم بترك العدة فأوجب على الجميع العدة احتياطا ~~للاستبراء الذي ذكرنا ويدل عليه # PageV02P058 # أيضا قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر فأوجب الشهور عند عدم الحيض فأقامها مقامها فدل ذلك على أن ~~الأصل هو الحيض كما أنه لما قال فلم تجدوا ماء فتيمموا علمنا أن الأصل الذي ~~نقل عنه إلى الصعيد هو الماء ويدل عليه أن الله حصر الأقراء بعدد يقتضي ~~استيفاءه للعدة وهو قوله تعالى ثلاثة قروء واعتبار الطهر فيه يمنع ~~استيفاءها بكمالها فيمن طلقها للسنة لأن طلاق السنة أن يوقعه في طهر لم ~~يجامعها فيه فلا بد إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرا قد مضى بعضه ثم ~~تعتد بعده بطهرين آخرين فهذان طهران وبعض الثالث فلما تعذر استيفاء الثلاث ~~إذا أراد طلاق السنة علمنا أن المراد الحيض الذي يمكن استيفاء العدد ~~المذكور في الآية بكماله وليس هذا كقوله تعالى الحج أشهر معلومات فالمراد ~~شهران وبعض الثالث لأنه لم يحصرها بعدد وإنما ذكرها بلفظ الجمع والأقراء ~~محصورة بعدد وإنما ذكرها بلفظ الجمع والأقراء محصورة بعدد لا يحتمل الأقل ~~منه ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول رأيت ثلاثة رجال ومرادك رجلان وجائز أن ~~تقول رأيت رجالا والمراد رجلان وأيضا فإن قوله تعالى الحج أشهر معلومات ~~معناه عمل الحج في أشهر معلومات ومراده في بعضها لأن عمل الحج لا يستغرق ~~الأشهر وإنما يقع في بعض الأوقات منها فلم يحتج فيه إلى استيفاء العدد وأما ~~الإقراء فواجب استيفاؤها للعدة فإن كانت الإفراد الأطهار فواجب ms0590 أن يستوفى ~~العدد المذكور كما يستغرق الوقت كله فيكون جميع أوقات الطهر عدة إلى انقضاء ~~عددها فلم يجز الاقتصار به على ما دون العدد المذكور فوجب أن يكون المراد ~~الحيض إذا أمكن استيفاء العدد عند إيقاع طلاق السنة وكما لم يجز الاقتصار ~~في هذه الآيسة والصغيرة على شهرين وبعض الثالث بقوله تعالى فعدتهن ثلاثة ~~أشهر كذلك لما ذكر ثلاثة قروء على شهرين وبعض الثالث فإن قيل إذا طلقها في ~~الطهر فبقيته قرء تام قيل له فينبغي أن تنقضي عدتها بوجود جزء من الطهر ~~الثالث إذا كان الجزء منه قرءا تاما فإن قيل القرء هو الخروج من حيض أو من ~~طهر إلى حيض إلا أنهم قد اتفقوا أنه لو طلقها وهي حائض لم يكن خروجها من ~~حيض إلى طهر معتدا به قرء فإذا ثبت أن خروجها من حيض إلى طهر غير مراد بقي ~~الوجه الآخر وهو خروجها من طهر إلى حيض ويمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة ~~إذا طلقها في الحيض قيل له قول القائل القرء هو خروج من طهر إلى حيض أو من ~~حيض إلى طهر قول يفسد من وجوه أحدها أن السلف اختلفوا # PageV02P059 # في معنى قوله تعالى يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فقال منهم قائلون هي الحيض ~~وقال آخرون هي الأطهار ولم يقل أحد منهم إنه خروج من حيض إلى طهر أو من طهر ~~إلى حيض فقول القائل بما وصفت خارج عن إجماع السلف وقد انعقد الإجماع منهم ~~بخلافه فهو ساقط ومن جهة أخرى أن أهل اللغة اختلفوا في معناه في أصل اللغة ~~على ما قدمنا من أقوالهم فيه ولم يقل منهم أحد فيما ذكر من حقيقته ما يوجب ~~احتمال خروجها من حيض فيفسد من هذا الوجه أيضا ويفسد أيضا من جهة أن كل من ~~ادعى معنى لاسم من طريق اللغة فعليه أن يأتي بشاهد منها عليه أو رواية عن ~~أهلها فيه فلما عري هذا القول من دلالة اللغة ورواية فيها سقط وهن أخرى ومن ~~جهة وهي أنه لو كان القرء ms0591 اسما للانتقال على الوجه الذي ذكرت لوجب أن يكون ~~قد سمي به في الأصل غيره على وجه الحقيقة ثم ينتقل من الانتقال من طهر إلى ~~حيض إذ معلوم أنه ليس باسم موضوع له في أصل اللغة وإنما هو منقول من غيره ~~فإذا لم يسم شيء من ضروب الانتقال بهذا الاسم علمنا أنه ليس باسم # له وأيضا لو كان كذلك لوجب أن يكون انتقالها من الطهر إلى الحيض قرءا ثم ~~انتقالها من الحيض إلى الطهر قرءا ثانيا ثم انتقالها من الطهر الثاني إلى ~~الحيض قرءا ثالثا فتنقضي عدتها بدخولها في الحيضة الثانية إذ ليس بحيض على ~~أصلك اسم القرء بالانتقال من الحيض إلى الطهر دون الانتقال من الطهر إلى ~~الحيض فإن قيل الظاهر يقتضيه إلا أن دلالة الإجماع منعت منه قيل له ما ~~أنكرت ممن قال لك إن المراد الانتقال من الحيض إلى الطهر إلا أنه إذا طلقها ~~في الحيض لم يعتد بانتقالها من الحيض إلى الظهر فيه بدلالة الإجماع وحكم ~~اللفظ باق بعد ذلك في سائر الانتقالات من الحيض إلى الطهر فإذا لم يمكنه ~~الانفصال مما ذكرنا وتعارضا سقطا وزال الاحتجاج به فإن قيل اعتبار خروجها ~~من طهر إلى حيض أولى من اعتبار خروجها من حيض إلى طهر لأن في انتقالها من ~~طهر إلى حيض دلالة على براءة رحمها من الحبل وخروجها من حيض إلى طهر غير ~~دال على ذلك لأنه قد يجوز أن تحبل المرأة في آخر حيضها ويدل عليه قول تأبط ~~شرا: # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # يعني أن أمه لم تحبل به في بقية حيضها فيقال له قولك إنه يجوز أن تحبل به ~~في بقية حيضها قول خطأ لأن الحبل لا يجامعه الحيض # قال النبي صلى الله عليه وسلم لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل # PageV02P060 # حتى تستبرئ بحيضة # فجعل وجود الحيض علما لبراءة رحمها من الحبل فثبت أن الحمل والحيض لا ~~يجتمعا ومتى حملت المرأة وهي حائض ارتفع الحيض ولا يكون الدم ms0592 الموجود من ~~الحبل حيضا وإنما يكون دم استحاضة وإذا كان كذلك فقولك إن خروجها من الحيض ~~إلى الطهر لا دلالة فيه على براءة رحمها قول خطأ وأما استشهاده بقول تأبط ~~شرا فإنه من العجائب وما علم هذا الشاعر الجاهل بذلك وقد قال الله تعالى ~~ويعلم ما في الأرحام وقال تعالى عالم الغيب يعني أنه استأثر بعلم ذلك دون ~~خلقه وأن الخلق لا يعلمون منه إلا ما علمهم مع دلالة قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم على انتفاء اجتماع الحيض والحبل ومع ذلك فإن ما ذكره هذا القائل ~~دلالة على صحة قولنا لأنه إذا كانت العدة بالأقراء إنما هي لاستبراء الرحم ~~من الحبل والطهر لا استبراء فيه لأن الحمل طهر وجب أن يكون الاعتبار بالحيض ~~التي هي علم لبراءة الرحم من الحبل إذ ليس في الطهر دلالة عليه ويدل على أن ~~العدة بالأقراء استبراء أنها لو رأت الدم ثم ظهر بها حبل كانت العدة هي ~~الحبل فدل ذلك على أن العدة لذوات الأقراء إنما هي استبراء من الحبل ~~والاستبراء من الحبل إنما يكون بالحيض لا بالطهر من وجهين أحدهما أن عدة ~~الشهور للصغيرة والآيسة طهر صحيح وليس باستبراء والمعنى الآخر أن الطهر ~~مقارن للحبل فدل على أن الاستبراء لا يقع بما يقارنه وإنما يقع بما ينافيه ~~وهو الحيض فيكون دلالة على براءة رحمها من الحبل فوجب أن تكون العدة بالحيض ~~دون الأطهار واحتج من اعتبر الأطهار بقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين طلق ابنه امرأته حائضا مره ~~فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق بها النساء # قال فهذا يدل من وجهين على أنها بالأطهار أحدهما قوله بعد ذكره الطلاق في ~~الطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء وذلك إشارة إلى الطهر ~~دون الحيض فدل على أن العدة بالأطهار دون الحيض والثاني قوله تعالى وأحصوا ~~العدة وذلك عقيب الطلاق في الطهر فوجب أن يكون ms0593 المحصى هو بقية الطهر وهو ~~الذي يلي الطلاق فيقال له أما قولك فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها ~~النساء فإن اللام قد تدخل في ذلك لحال ماضية ومستقبلة ألا ترى إلى # قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته # يعني لرؤية ماضية وقال تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها يعنى الآخرة ~~فاللام هاهنا للاستقبال والتراخي ويقولون تأهب للشتاء يعني وقتا مستقبلا # PageV02P061 # متراخيا عن حال التأهب وإذا كان اللفظ محتملا للماضي والمستقبل ومتى ~~تناول المستقبل فليس في مقتضاه وجوده عقيب المذكور بلا فصل وإذا كان كذلك ~~ووجدنا قوله صلى الله عليه وسلم لابن عمر فيه ذكر حيضة ماضية والحيضة ~~المستقبلة معلومة وإن لم تكن مذكورة وذلك في قوله مره فليراجعها ثم ليدعها ~~حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم ليطلقها إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن ~~يطلق لها النساء فاحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الحيضة الماضية فيدل ذلك على ~~أن العدة إنما هي الحيض وجائز أن يريد حيضة مستقبلة إذ هي معلوم كونها على ~~مجرى العادة فليس الطهر حينئذ بأولى بالاعتبار من الحيض لأن الحيض في ~~المستقبل وإن لم يكن مذكورا فجائز أن يراد به إذا كان معلوما كما أنه لم ~~يذكر طهرا بعد الطلاق وإنما ذكر طهرا قبله ولكن الطهر لما كان معلوما وجوده ~~بعد الطلاق إذا طلقها فيه على مجرى العادة جاز عندك رجوع الكلام إليه ~~وإرادته باللفظ ومع ذلك فجائز أن تحيض عقيب الطلاق بلا فصل فليس إذا في ~~اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون الحيض ومع ذلك فقد ~~دل على أنه لو طلقها في آخر الطهر فحاضت عقيب الطلاق بلا فصل أن عدتها ~~ينبغي أن تكون الحيض دون الطهر بمقتضى لفظه صلى الله عليه وسلم إذ ليس في ~~اللفظ ذكر حيض بعد الطلاق ولا طهر فإذا حاضت عقيب الطلاق كان ذلك عدتها ثم ~~لم يفرق أحد في اعتبار الحيض بين وجوده عقيب الطلاق ومتراخيا عنه فأوجب ذلك ms0594 ~~أن يكون الحيض هو المعتد به من الأقراء دون الطهر فإن قيل الحيضة الماضية ~~غير جائز أن تكون مرادة بالخبر لأن ما قبل الطلاق من الحيض لا يكون عدة قيل ~~له إذا كانت تعتد به بعد الطلاق جاز أن يسميها عدة كما قال تعالى حتى تنكح ~~زوجا غيره فسماه زوجا قبل النكاح ويلزم مخالفنا من ذلك ما لزمنا لأنه صلى ~~الله عليه وسلم ذكر الطهر وأمره أن يطلقها فيه ولم يذكر الطهر الذي بعد ~~الطلاق فقد سمى الطهر الذي قبله عدة لأنه به تعتد عندك فما أنكرت أن تسمى ~~التي قبل الطلاق عدة إذ كانت بها تعتد وأما قوله تعالى وأحصوا العدة فإن ~~الإحصاء ليس بمختص بالطهر دون الحيض لأن كل ذي عدد فالإحصاء يلحقه فإن قيل ~~إذا كان الذي يلي الطلاق هو الطهر وقد أمرنا بالإحصاء فأوجب أن ينصرف الأمر ~~بالإحصاء إليه لأن الأمر على الفور قيل له هذا غلط لأن الإحصاء إنما ينصرف ~~إلى أشياء ذوي عدد فأما شيء واحد قبل انضمام غيره إليه فلا عبرة بإحصائه ~~فإذا لزوم الإحصاء يتعلق بما يوجد في # PageV02P062 # المستقبل من الأقراء متراخيا عن وقت الطلاق ثم حينئذ الطهر لا يكون أولى ~~به من الحيض إذ كانت سمة الإحصاء تناولهما جميعا وتلحقهما على وجه واحد ~~وأيضا فيلزمك على هذا أن تقول إنها لو حاضت عقيب الطلاق أن تكون عدتها ~~بالحيض للزوم الإحصاء عقيبه والذي يليه في هذه المحال الحيض فينبغي أن يكون ~~هو العدة وقال بعض المخالفين ممن صنف في أحكام القرآن قوله تعالى فطلقوهن ~~لعدتهن معناه في عدتهن كما يقول الرجل كتب لغرة الشهر معناه في هذا الوقت ~~وهذا غلط لأن في هي ظرف واللام وإن كانت متصرفة على معان فليس في أقسامها ~~التي تتصرف عليها وتحتملها كونها ظرفا والمعاني التي تنقسم إليها لام ~~الإضافة خمسة منها لام الملك كقولك له مال ولام الفعل كقولك له كلام وله ~~حركة ولام العلة كقولك قام لأن زبدا جاءه وأعطاه لأنه سأله ولام النسبة ~~كقولك ms0595 له أب وله أخ ولام الاختصاص كقولك له علم وله إرادة ولام الاستغاثة ~~كقولك يا لبكر ويا لدارم ولام كي وهو قوله تعالى وليرضوه وليقترفوا ولام ~~العاقبة كقوله تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا فهذه المعاني التي تنقسم إليها ~~هذه اللام ليس في شيء منها ما ذكره هذا القائل وهو مع ذلك ظاهر الفساد لأنه ~~إذا كان قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن معناه في عدتهن فينبغي أن تكون العدة ~~موجودة حتى يطلقها فيها كما لو قال قائل طلقها في شهر رجب لم يجز له أن # يطلقها قبل أن يوجد منه شيء فبان بذلك فساد قول هذا القول وتناقضه ومما ~~يدل على أن قوله تعالى وأحصوا العدة لا دلالة فيه على أنه الطهر الذي مسنون ~~فيه طلاق السنة أنه لو طلقها بعد الجماع في الطهر لكان مخالفا للسنة ولم ~~يختلف حكم ما تعتد به عند الفريقين بكونه جميعا من حيض أو طهر فدل ذلك على ~~أنه لا تعلق لإيقاع طلاق السنة في وقت الطهر بكونه عدة محصاة منها ويدل ~~عليه أنه لو طلقها وهي حائض لكانت معتدة عقيب الطلاق ونحن مخاطبون بإحصاء ~~عدتها فدل على أنه لا تعلق للزوم الإحصاء ولا لوقت طلاق السنة لكونه هو ~~المعتد به دون غيره وقال القائل الذي قدمنا ذكر اعتراضه في هذا الفصل وقد ~~اعتبرتم يعني أهل العراق معاني أخر غير الأقراء من الاغتسال أو مضي وقت ~~الصلاة والله تعالى إنما أوجب العدة بالأقراء وليس الاغتسال ولا مضي وقت ~~الصلاة في شيء فيقال له لم نعتبر غير الأقراء التي هي عندنا ولكنا لم نتيقن ~~انقضاء الحيض والحكم بمضيه إلا بأحد معنيين لمن كانت أيامها دون العشرة وهو # PageV02P063 # الاغتسال واستباحة الصلاة به فتكون طاهرا بالاتفاق على ما # روي عن عمر وعلي وعبد الله وعظماء السلف من بقاء الرجعة إلى أن تغتسل أو ~~يمضي عليها وقت الصلاة # فيلزمها فرضها فيكون لزوم فرض الصلاة منافيا لبقاء حكم الحيض وهذا إنما ~~هو كلام في مضي الحيضة الثالثة ووقوع الطهر منها وليس ms0596 ذلك من الكلام في ~~المسألة في شيء ألا نرى أنا نقول إن أيامها إذا كانت عشرة انقضت عدتها بمضي ~~العشرة اغتسلت أو لم تغتسل لحصول اليقين بانقضاء الحيضة إذ لا يكون الحيض ~~عندنا أكثر من عشرة فالملزم لنا ذلك على اعتبار الحيض مغفل في إلزامه واضع ~~للأقراء في غير موضعها قال أبو بكر رحمه الله وقد أفردنا لهذه المسألة ~~كتابا واستقصينا القول فيها أكثر من هذا وفيما ذكرناه هاهنا كفاية وهذا ~~الذي ذكره الله تعالى من العدة ثلاثة قروء ومراده مقصور على الحرة دون ~~الأمة وذلك لأنه لا خلاف بين السلف أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة # وقد روينا عن علي وعمر وعثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرين منهم أن عدة ~~الأمة على النصف من عدة الحرة # وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها ~~حيضتان # والسنة والإجماع قد دلا على أن مراد الله تعالى في قوله ثلاثة قروء هو ~~الحرائر دون الإماء قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن روى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن أبي بن كعب قال كان من ~~الأمانة أن اؤتمنت المرأة على فرجها وروى نافع عن ابن عمر في قوله تعالى ~~ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن قال الحيض والحبل وقال عكرمة ~~الحيض والحكم عن مجاهد وإبراهيم أحدهما الحمل وقال الآخر الحيض # وعن علي أنه استحلف امرأة أنها لم تستكمل الحيض # وقضى بذلك عثمان وقال أبو بكر لما وعظها بترك الكتمان دل على أن القول ~~قولها في وجود الحيض أو عدمه وكذلك في الحبل لأنهما جميعا مما خلق الله في ~~رحمها ولولا أن قولها فيه مقبول لما وعظت بترك الكتمان ولا كتمان لها فثبت ~~بذلك أن المرأة إذا قالت أنا حائض لم يحل لزوجها وطؤها وأنها إذا قالت قد ~~طهرت حل له وطؤها وكذلك قال أصحابنا أنه إذا قال لها أنت طالق إن حضت فقالت ~~قد ms0597 حضت طلقت وكان قولها كالبينة وفرقوا بين ذلك وبين سائر الشروط إذا علق ~~بها الطلاق نحو قوله إن دخلت الدار وكلمت زيدا فقالوا لا يقبل قولها إذا لم ~~يصدقها الزوج إلا ببينة وتصدق في الحيض والطهر لأن الله تعالى قد أوجب ~~علينا # PageV02P064 # قبول قولها في الحيض والحبل وفي انقضاء العدة وذلك معنى يخصها ولا يطلع ~~عليه غيرها فجعل قولها كالبينة فكذلك سائر ما تعلق من الأحكام بالحيض ~~فقولها مقبول فيه وقالوا لو قال لها عبدي حر إن حضت فقالت قد حضت لم تصدق ~~لأن ذلك حكم في غيرها أعني عتق العبد والله تعالى إنما جعل قولها كالبينة ~~في الحيض فيما يخصها من انقضاء عدتها ومن إباحة وطئها أو حظره فأما فيما لا ~~يخصها ولا يتعلق بها فهو كغيره من الشروط فلا تصدق عليه ونظير هذه الآية في ~~تصديق المؤتمن فيما اؤتمن عليه قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق ~~الله ربه ولا يبخس منه شيئا كما وعظه بترك البخس دل ذلك على أن القول قوله ~~فيه ولولا أنه مقبول القول فيه لما كان موعوظا بترك البخس وهو لو بخس لم ~~يصدق عليه ومنه أيضا قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه دل ذلك على أن الشاهد إذا كتم أو أظهر كان المرجع إلى قوله فيما كتم ~~وفيما أظهر لدلالة وعظه إياه بترك الكتمان على قبول قوله فيها وذلك كله أصل ~~في أن كل من اؤتمن على شيء فالقول قوله فيه كالمودع إذا قال قد ضاعت ~~الوديعة أو قد رددتها وكالمضارب والمستأجر وسائر المأمونين على الحقوق ~~ولذلك قلنا إن قوله تعالى فرهان مقبوضة ثم قوله تعالى عطفا عليه فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه فيه دلالة على أن الرهن ~~ليس بأمانة لأنه لو كان أمانة لما عطف الأمانة عليه إذ كان الشيء لا يعطف ~~على نفسه وإنما يعطف على غيره ومن الناس من يقول إن قوله تعالى ولا يحل لهن ~~أن يكتمن ما ms0598 خلق الله في أرحامهن إنما هو مقصور الحكم على الحبل دون الحيض ~~لأن الدم إنما يكون حيضا إذا سال ولا يكون حيضا وهو في الرحم لأن الحيض هو ~~حكم يتعلق بالدم الخارج فما دام في الرحم فلا حكم له ولا معنى لاعتباره ولا ~~ائتمان المرأة عليه قال أبو بكر هذا صحيح إذ الدم لا يكون حيضا إلا بعد ~~خروجه من الرحم ولكن دلالة الآية قائمة على ما ذكرنا وذلك لأن وقت الحيض ~~إنما يرجع فيه إلى قولها إذ ليس كل دم سائل حيضا وإنما يكون حيضا بأسباب ~~أخر نحو الوقت والعادة وبراءة الرحم عن الحبل وإذا كان كذلك وكانت هذه ~~الأمور إنما تعلم من جهتها فهي إذا قالت قد حضت ثلاث حيض فالقول قولها ~~بمقتضى الآية وكذلك إذا قالت لم أرد ما ولم تنقض عدتي فالقول قولها وكذلك ~~إذا قالت قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه وانقضت عدتي فالقول قولها وإنما ~~التصديق متعلق بحيض قد وجد ودم قد «5- أحكام في» # PageV02P065 # سال وفي هذه الآية دلالة على أن الحيض لا يتعلق حكمه بلون الدم لأنه لو ~~كان كذلك لما اختصت هي بالرجوع إلى قولها دوننا لأنها وإيانا متساوون في ~~التفرقة بين الألوان فدل ذلك على أن دم الحيض غير متميز بلونه من لون دم ~~الاستحاضة وأنهما على صفة واحدة ففيه دلالة على بطلان قول من اعتبر الحيض ~~بلون الدم وإنما لم يعلم ذلك إلا من جهتها عند سقوط اعتبار لون الدم لما ~~وصفنا من أن وقت الحيض والعادة فيه ومقداره وأوقات الطهر إنما يعلم من ~~جهتها إذ ليس كل دم حيضا وكذلك وجود الحمل النافي لكون الدم حيضا وإسقاط ~~سقط كل ذلك المرجع فيه إلى قولها لأنا لا نعلمه # نحن ولا نقف عليه إلا من جهتها فلذلك جعل القول فيه قولها وذكر هشام عن ~~محمد أن قول المرأة مقبول في وجود الحيض ويحكم ببلوغها إذا كانت قد بلغت ~~سنا تحيض مثلها وذلك لما ذكرنا من قوله تعالى ولا يحل لهن أن ms0599 يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن قال محمد ولو قال صبي مراهق قد احتلمت لم يصدق فيه حتى ~~يعلم الاحتلام أو بلوغ سن يكون مثله بالغا فيها ففرق بين الحيض والاحتلام ~~والفرق بينهما أن الحيض إنما يعلم من جهتها لتعلقه بالأوقات والعادة ~~والمعاني التي لا تعلم من جهة غيرها ودلالة الآية على قبول قبولها فيه وليس ~~كذلك الاحتلام لأنه لا يتعلق خروج المني على وجه الدفق والشهوة بأسباب أخر ~~غير خروجه ولا اعتبار فيه بوقت ولا عادة فلما كان كذلك لم يعتبر قوله فيه ~~حتى نعلم يقينا صحة ما قال ومن جهة أخرى أن دم الحيض والاستحاضة لما كانا ~~على صفة واحدة لم يجز لمن شاهد الدم أن يقضي له بحكم الحيض فوجب الرجوع إلى ~~قولها إذ كان إنما هو شيء تعلمه هي دوننا وأما الاحتلام فلا يشتبه فيه خروج ~~المني على أحد شاهده وهو يدرك ويعلم من غير التباس منه بغيره فلذلك لم نحتج ~~فيه إلى الرجوع إلى قوله وقوله تعالى إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ليس ~~بشرط في النهي عن الكتمان وإنما هو على وجه التأكيد وأنه من شرائط الإيمان ~~فعليها أن لا تكتم ومن يؤمن ومن لا يؤمن في هذا النهي سواء وهو كقوله تعالى ~~ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وقول ~~مريم إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا قد تضمن ضروبا من ~~الأحكام أحدها أن ما دون الثلاث لا يرفع الزوجية ولا يبطلها وإخبار ببقاء ~~الزوجية معه لأنه سماه بعلا بعد الطلاق فدل ذلك على بقاء التوارث وسائر ~~أحكام الزوجية ما دامت معتدة ودل على أن له الرجعة # PageV02P066 # ما دامت معتدة لأنه قال في ذلك يعني فيما تقدم ذكره من الثلاثة قروء ودل ~~على أن إباحة هذه الرجعة مقصورة على حال إرادة الإصلاح ولم يرد بها الإضرار ~~بها وهو كقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا فإن قيل ms0600 فما معنى قوله ~~تعالى أحق بردهن في ذلك مع بقاء الزوجية وإنما يقال ذلك فيما قد زال عنه ~~ملكه فأما فيما هو في ملكه فلا يصح أن يقال بردها إلى ملكه مع بقاء ملكه ~~فيها قيل له لما كان هناك سبب قد تعلق به زوال النكاح عند انقضاء العدة جاز ~~إطلاق اسم الرد عليه ويكون ذلك بمعنى المانع من زوال الزوجية بانقضاء العدة ~~فسماه ردا إذ كان رافعا لحكم السبب الذي تعلق به زوال الملك وهو كقوله ~~تعالى فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف وهو ممسك لها في هذه ~~الحال لأنها زوجته وإنما المراد الرجعة الموجبة لبقاء النكاح بعد انقضاء ~~الحيض التي لو لم تكن الرجعة لكانت مزيلة للنكاح وهذه الرجعة وإن كانت ~~إباحتها معقودة بشريطة إرادة الإصلاح فإنه لا خلاف بين أهل العلم أنه إذا ~~راجعها مضارا في الرجعة مريدا لتطويل العدة عليها أن رجعته صحيحة وقد دل ~~على ذلك قوله تعالى فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ثم عقبه بقوله تعالى ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه فلو ~~لم تكن الرجعة صحيحة إذا وقعت على وجه الضرار لما كان ظالما لنفسه بفعلها ~~وقد دلت الآية أيضا على جواز إطلاق لفظ العموم في مسميات ثم يعطف عليه بحكم ~~يختص به بعض ما انتظمه العموم فلا يمنع ذلك اعتبار عموم اللفظ فيما يشمله ~~في غير ما خص به المعطوف لأن قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء عام في المطلقة ثلاثا وفيما دونها لا خلاف في ذلك ثم قوله تعالى ~~وبعولتهن أحق بردهن حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث ولم يوجب ذلك ~~الاقتصار بحكم قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء على ما دون ~~الثلاث ولذلك نظائره كثيرة في القرآن والسنة نحو قوله تعالى ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا وذلك عموم في الوالدين الكافرين والمسلمين ثم عطف عليه قوله ~~تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم # وذلك خاص في ms0601 الوالدين المشركين فلم يمنع ذلك عموم أول الخطاب في الفريقين ~~من المسلمين والكفار والله أعلم بالصواب. # PageV02P067 ### | باب حق الزوج على المرأة وحق المرأة على الزوج # قال الله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة قال أبو ~~بكر رحمه الله أخبر الله تعالى في هذه الآية أن لكل واحد من الزوجين على ~~صاحبه حقا وأن الزوج مختص بحق له عليها ليس لها عليه مثله بقوله تعالى ~~وللرجال عليهن درجة ولم يبين في هذه الآية ما لكل واحد منهما على صاحبه من ~~الحق مفسرا وقد بينه في غيرها وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فمما ~~بينه الله تعالى من حق المرأة عليه قوله تعالى وعاشروهن بالمعروف وقوله ~~تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقال تعالى وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف وقال تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم ~~على بعض وبما أنفقوا من أموالهم وكانت هذه النفقة من حقوقها عليه وقال ~~تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فجعل من حقها عليه أن يوفيها صداقها وقال ~~تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا فجعل من حقها عليه أن لا يأخذ مما أعطاها شيئا إذا أراد فراقها وكان ~~النشوز من قبله لأن ذكر الاستبدال يدل على ذلك وقال تعالى ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فجعل من ~~حقها عليه ترك إظهار الميل إلى غيرها وقد دل ذلك على أن من حقها القسم ~~بينها وبين سائر نسائه لأن فيه ترك إظهار الميل إلى غيرها ويدل عليه أن ~~عليه وطأها بقوله تعالى فتذروها كالمعلقة يعني لا فارغة فتتزوج ولا ذات زوج ~~إذ لم يوفها حقها من الوطء ومن حقها أن لا يمسكها ضرارا على ما تقدم من ~~بيانه وقوله تعالى فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ~~إذا كان خطابا للزوج فهو يدل على أن من حقها إذا لم يمل إليها أن لا يعضلها ms0602 ~~عن غيره بترك طلاقها فهذه كلها من حقوق المرأة على الزوج وقد انتظمت هذه ~~الآيات إثباتها لها ومما بين الله من حق الزوج على المرأة قوله تعالى ~~فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله فقيل فيه حفظ مائه في رحمها ~~ولا تحتال في إسقاطه ويحتمل حفظ فراشها عليه ويحتمل حافظات لما في بيوتهن ~~من مال أزواجهن ولأنفسهن وجائز أن يكون المراد جميع ذلك لاحتمال اللفظ له ~~وقال تعالى الرجال قوامون على النساء قد أفاد ذلك لزومها طاعته لأن وصفه ~~بالقيام عليها يقتضي ذلك وقال تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن # PageV02P068 # واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ويدل على ~~أن عليها طاعته في نفسها وترك النشوز عليه وقد روي في حق الزوج على المرأة ~~وحق المرأة عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار بعضها مواطئ لما دل ~~عليه الكتاب وبعضها زائد عليه من ذلك # ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن ~~محمد النفيلي وغيره قال حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا جعفر بن محمد عن ~~أبيه عن جابر بن عبد الله قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فقال ~~(اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة ~~الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا ~~غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) # وروى ليث عن عبد الملك عن عطاء عن ابن عمر قال جاءت امرأة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت يا رسول الله ما حق الزوج على الزوجة فذكر فيها أشياء لا ~~تصدق بشيء من بيته إلا بإذنه فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر فقالت يا ~~رسول الله ما حق الزوج على زوجته قال لا تخرج من بيته إلا بإذنه ولا تصوم ~~يوما إلا بإذنه # وروى مسعر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خير النساء (امرأة إذا نظرت إليها ms0603 سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت ~~عنها حفظتك في مالك ونفسها ثم قرأ الرجال قوامون على النساء الآية) # قال أبو بكر ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب التفريق إذا أعسر ~~الزوج بنفقتها لأن الله تعالى جعل لهن من الحق عليها مثل الذي عليهن فسوى ~~بينها فغير جائز أن يستبيح بضعها من غير نفقة ينفقها عليها وهذا غلط من ~~وجوه أحدها أن النفقة ليست بدلا عن البضع فيفرق بينهما ويستحق البضع عليها ~~من أجلها لأنه قد ملك البضع بعقد النكاح وبدله هو المهر والوجه الثاني أنها ~~لو كانت بدلا لما استحقت التفريق بالآية لأنه عقب ذلك قوله تعالى وللرجال ~~عليهن درجة فاقتضى ذلك تفضيله عليها فيما يتعلق بينهما من حقوق النكاح وأن ~~يستبيح بعضها وإن لم يقدر على نفقتها وأيضا فإن كانت النفقة مستحقة عليها ~~بتسليمها نفسها في بيته فقد أوجبنا لها عليه مثل ما أبحنا منها له وهو فرض ~~النفقة وإثباتها في ذمته لها فلم تخل في هذه الحال من إيجاب الحق لها كما ~~أوجبناه له عليها ومما تضمنه قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف من ~~الدلالة على الأحكام إيجاب مهر المثل إذا لم يسم لها مهرا لأنه قد ملك ~~عليها بضعها بالعقد واستحق عليها تسليم نفسها إليه فعليه # PageV02P069 # لها مثل ملكه عليها ومثل البضع هو قيمته وهي مهر المثل كقوله تعالى فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فقد عقل به وجوب قيمة ما ~~يستملكه عليه بما لا مثل له من جنسه وكذلك مثل البضع هو مهر المثل وقوله ~~تعالى بالمعروف يدل على أن الواجب من ذلك ما لا شطط فيه ولا تقصير كما # قال صلى الله عليه وسلم في المتوفى عنها زوجها ولم يسم لها مهرا ولم يدخل ~~بها لها مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط # وقوله أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها ~~مهر مثل نسائها ولا وكس ولا شطط # فهذا هو المعنى المعروف المذكور في ms0604 الآية وقد دلت الآية أيضا على أنه لو ~~تزوجها على أنه لا مهر لها أن المهر واجب لها إذ لم تفرق بين من شرط نفي ~~المهر في النكاح وبين من لم يشرط في إيجابه لها مثل الذي عليها وقوله ~~وللرجال عليهن درجة قال أبو بكر مما فضل به الرجل على المرأة ما ذكره الله ~~من قوله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض فأخبر ~~بأنه مفضل عليها بأن جعل قيما عليها وقال تعالى وبما أنفقوا من أموالهم ~~فهذا أيضا مما يستحق به التفضيل عليها ومما فضل به عليها ما ألزمها الله من ~~طاعته بقوله تعالى فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ومن درجات التفضيل ما ~~أباحه للزوج من ضربها عند النشوز وهجران فراشها ومن وجوه التفضيل عليها ما ~~ملك الرجل من فراقها بالطلاق ولم تملكه ومنها أنه جعل له أن يتزوج عليها ~~ثلاثا سواها ولم يجعل لها أن تتزوج غيره ما دامت في حباله أو في عدة منه ~~ومنها زيادة الميراث على قسمها ومنها أن عليها أن تنتقل إلى حيث يريد الزوج ~~وليس على الزوج اتباعها في النقلة والسكنى وأنه ليس لها أن تصوم تطوعا إلا ~~بإذن زوجها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ضروب أخر من التفضيل سوى ~~ما ذكرنا منها # حديث إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن # وحديث خلف بن خليفة عن حفص بن أخي أنس عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال (لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه ~~إلى مفرق رأسه قرحة بالقيح والصديد ثم لحسته لما أدت حقه) # وروى الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ms0605 ~~وسلم (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها ~~الملائكة # PageV02P070 # حتى تصبح) # وفي حديث حصين بن محصن عن عمة له أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~أذات زوج أنت فقالت نعم قال فأين أنت منه قالت ما آلوه إلا ما عجزت عنه قال ~~فانظري أين أنت منه فإنما هو جنتك أو نارك # وروى سفيان عن أبى زياد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا تصوم المرأة يوما وزوجها شاهد من غير رمضان إلا بإذنه # وحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم النساء أن يصمن إلا بإذن أزواجهن # فهذه الأخبار مع ما تضمنته دلالة الكتاب توجب تفضيل الزوج على المرأة في ~~الحقوق التي يقتضيها عقد النكاح وقد ذكر في قوله تعالى والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء نسخ في مواضع أحدها # ما رواه مطرف عن أبي عثمان النهدي عن أبي بن كعب قال لما نزلت عدة النساء ~~في الطلاق والمتوفى عنها زوجها قلنا يا رسول الله قد بقي نساء لم تنزل ~~عدتهن بعد الصغار والكبار والحبلى فنزلت واللائي يئسن من المحيض من نسائكم- ~~إلى قوله- وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # وروى عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء فجعل عدة المطلقة ثلاث حيض ثم نسخ منها التي لم يدخل بها في العدة ~~ونسخ من الثلاثة القروء امرأتان واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فهذه العجوز التي لا تحيض واللائي لم يحضن فهذه البكر عدتها ثلاثة ~~أشهر وليس الحيض من أمرها في شيء ونسخ من الثلاثة القروء الحامل فقال ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن فهذه أيضا ليست من القروء في شيء إنما ~~أجلها أن تضع حملها قال أبو بكر أما حديث أبي بن كعب فلا دلالة فيه على نسخ ~~شيء وإنما أكثر ما فيه أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن عدة الصغيرة ~~والآيسة ms0606 والحبلى فهذا يدل على أنهم علموا خصوص الآية وأن الحبلى لم تدخل ~~فيها مع جواز أن تكون مرادة بها وكذلك الصغيرة لأنه كان جائزا أن يشترط ~~ثلاثة قروء بعد بلوغها وإن طلقت وهي صغيرة وأما الآيسة فقد عقل من الآية ~~أنها لم ترد بها لأن الآيسة هي التي لا ترجى لها حيض فلا جائر أن يتناولها ~~مراد الآية بحال وأما حديث قتادة فإنه ذكر أن الآية كانت عامة في اقتضائها ~~إيجاب العدة بالأقراء في المدخول بها وغير المدخول بها وأنه نسخ منها غير ~~المدخول بها وهذا ممكن أن يكون كما قال وأما قوله ونسخ عن الثلاثة قروء ~~امرأتان وهي الآيسة والصغيرة فإنه أطلق لفظ النسخ في الآية وأراد به ~~التخصيص وكثيرا ما يوجد # PageV02P071 # عن ابن عباس وعن غيره من أهل التفسير إطلاق لفظ النسخ ومرادهم التخصيص ~~فإنما أراد قتادة بذكر النسخ في الآيسة التخصيص لا حقيقة النسخ لأنه غير ~~جائز ورود النسخ إلا فيما قد استقر حكمه وثبت وغير جائز أن تكون الآيسة ~~مرادة بعدة الأقراء مع استحالة وجودها منها فدل على أنه أراد التخصيص وقد ~~يحتمل وجها على بعد عندنا وهو أن يكون مذهب قتادة أن التي ارتفع حيضها وإن ~~كانت شابة تسمى آيسة وأن عدتها مع ذلك الأقراء وإن طالت المدة فيها وقد روي ~~عن عمر أن التي ارتفع حيضها من الآيسات وتكون عدتها عدة الآيسة وإن كانت ~~شابة وهو مذهب مالك فإن كان إلى هذا ذهب في معنى الآيسة فهذه جائز أن تكون ~~مرادة بالأقراء لأنها يرجى وجودها منها وأما قوله ونسخ من الثلاثة قروء ~~الحامل فإن هذا أيضا جائز سائغ لأنه لا يمتنع ورود العبارة بأن عدة الحامل ~~ثلاث حيض بعد وضع الحمل وإن كانت ممن لا تحيض وهي حامل فجائز أن يكون عدتها ~~ثلاثة قروء بعد وضع الحمل فنسخ بالحمل إلا أن أبي بن كعب قد أخبر أن الحامل ~~لم تكن مرادة بعدة الأقراء وأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فأخبر بأنه ms0607 لم تنزل في الحامل والآيسة والصغيرة فأنزل الله تعالى ذلك وليس ~~يجوز إطلاق النسخ على الحقيقة إلا فيما قد علم ثبوت حكمه وورود الحكم ~~الناسخ له متأخرا عنه إلا أن يطلق لفظ النسخ والمراد التخصيص على وجه ~~المجاز فلا يضيق وأولى الأشياء بنا حمله على وجه التخصيص فيكون قوله تعالى ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن لم يرد إلا خاصا في المطلقات ذوات الحيض المدخول ~~بهن وأن الآيسة والصغيرة والحامل لم يردن قط بالآية إذ ليس معنا تاريخ ~~لورود هذه الأحكام ولا علم باستقرار حكمها ثم نسخه بعده فكأن هذه الآيات ~~وردت معا وترتبت أحكامها على ما اقتضاها من استعمالها وبني العام على الخاص ~~منها وقد روي عن ابن عباس وجه آخر من النسخ في هذه الآية وهو ما روى الحسين ~~بن الحسن بن عطية عن أبيه عطية عن ابن عباس قال والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء- إلى قوله- وبعولتهن أحق بردهن في ذلك وذلك أن الرجل كان إذا ~~طلق امرأته كان أحق بردها وإن طلقها ثلاثا فنسختها هذه الآية يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن- إلى قوله- جميلا ~~وعن الضحاك بن مزاحم والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقال فعدتهن ~~ثلاثة أشهر فنسخ واستثنى منها فقال إذا نكحتم المؤمنات ثم # PageV02P072 # طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وروي فيها وجه ~~آخر وهو ما روى مالك عن هشام بن عروة # عن أبيه قال كان الرجل إذا طلق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ~~ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأته فطلقها حتى إذا شارفت انقضاء ~~العدة راجعها ثم طلقها ثم قال والله لا آويك إلي ولا تحلين مني أبدا فأنزل ~~الله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فاستقبل الناس ~~الطلاق جديدا من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق وروى شيبان عن قتادة في ~~قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن في ذلك قال في القروء الثلاثة ثم قال الطلاق ~~مرتان ms0608 لكل مرة قرء فنسخت هذه الآية ما كان قبلها فجعل الله حد الطلاق ثلاثا ~~فجعله أحق برجعتها ما لم تطلق ثلاثا. ### | باب عدد الطلاق # قال الله عز وجل الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال أبو بكر ~~قد ذكرت في معناه وجوه أحدها أنه بيان للطلاق الذي نثبت معه الرجعة يروى ~~ذلك عن عروة بن الزبير وقتادة والثاني أنه بيان لطلاق السنة المندوب إليه ~~ويروى ذلك عن ابن عباس ومجاهد والثالث أنه أمر بأنه إذا أراد أن يطلقها ~~ثلاثا فعليه تفريق الطلاق فيتضمن الأمر بالطلاق مرتين ثم ذكر بعدهما ~~الثالثة قال أبو بكر فأما قول من قال إنه بيان لما يبقى معه الرجعة من ~~الطلاق وإن ذكر معه الرجعة عقيبه فإن ظاهره يدل على أنه قصد به بيان المباح ~~منه وأما ما عداه فمحظور وبين مع ذلك حكمه إذا أوقعه على الوجه المأمور به ~~بذكر الرجعة عقيبه والدليل على أن المقصد فيه الأمر بتفريق الطلاق وبيان ~~حكم ما يتعلق بإيقاع ما دون الثلاث من الرجعة أنه قال الطلاق مرتان وذلك ~~يقتضي التفريق لا محالة لأنه لو طلق اثنتين معا لما جاز أن يقال طلقها ~~مرتين وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين حتى ~~يفرق الدفع فحينئذ يطلق عليه وإذا كان هذا هكذا فلو كان الحكم المقصود ~~باللفظ هو ما تعلق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ~~ذكر المرتين إذا كان هذا الحكم ثابتا في المرة الواحدة إذا طلق اثنتين فثبت ~~بذلك أن ذكره للمرتين إنما هو أمر بإيقاعه مرتين ونهي عن الجمع بينهما في ~~مرة واحدة ومن جهة أخرى أنه لو كان اللفظ محتملا للأمرين لكان الواجب حمله # PageV02P073 # على إثبات الحكم في إيجاب الفائدتين وهو الأمر بتفريق الطلاق متى أراد ~~يطلق اثنتين وبيان حكم الرجعة إذا طلق كذلك فيكون اللفظ مستوعبا للمعنيين ~~وقوله تعالى الطلاق مرتان وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر كقوله تعالى ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ms0609 والوالدات يرضعن أولادهن وما جرى هذا ~~المجرى مما هو في صيغة الخبر ومعناه الأمر والدليل على أنه أمر وليس بخبر ~~أنه لو كان خبرا لوجد مخبره على ما أخبر به لأن أخبار الله لا تنفك من وجود ~~مخبراتها فلما وجدنا الناس قد يطلقون الواحدة والثلاث معا ولو كان قوله ~~تعالى الطلاق مرتان اسما للخبر لاستوعب جميع ما تحته ثم وجدنا في الناس من ~~يطلق لا على الوجه المذكور في الآية علمنا أنه لم يرد الخبر وأنه تضمن أحد ~~معنيين إما الأمر بتفريق الطلاق متى أردنا الإيقاع أو الإخبار عن المسنون ~~المندوب إليه منه وأولى الأشياء حمله على الأمر إذ قد ثبت أنه لم يرد به ~~حقيقة الخبر لأنه حينئذ يصير بمعنى قوله طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق وذلك ~~يقتضي الإيجاب وإنما ينصرف إلى الندب بدلالة ويكون كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى والتشهد في كل ركعتين ~~وتمكن وخشوع # فهذه صيغة الخبر والمراد الأمر بالصلاة على هذه الصفة وعلى أنه إن حمل ~~على أن المراد بيان المسنون من الطلاق كانت دلالته قائمة على حظر جمع ~~الاثنين والثلاث لأن قوله الطلاق مرتان منتظم لجميع الطلاق المسنون فلا ~~يبقى شيء من مسنون الطلاق إلا وقد انطوى تحت هذا اللفظ فإذا ما خرج عنه فهو ~~على خلاف السنة فثبت بذلك أن من جمع اثنتين أو ثلاثا في كلمة فهو مطلق لغير ~~السنة فانتظمت هذه الآية الدلالة على معان منها أن مسنون الطلاق التفريق ~~بين أعداد الثلاث إذا أراد أن يطلق ثلاثا ومنها أن له أن يطلق اثنتين في ~~مرتين ومنها أن ما دون الثلاث تثبت معه الرجعة ومنها أنه إذا طلق اثنتين في ~~الحيض وقعتا لأن الله قد حكم بوقوعهما ومنها أنه نسخ هذه الآية الزيادة على ~~الثلاث على ما روي عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يطلقون ما شاءوا من العدد ~~ثم يراجعون فقصروا على الثلاث ونسخ به ما زاد ففي هذه الآية دلالة على حكم ~~العدد المسنون من ms0610 الطلاق وليس فيها ذكر الوقت المسنون فيه إيقاع الطلاق وقد ~~بين الله ذلك في قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن وبين لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم طلاق العدة # فقال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض ما هكذا أمرك الله إنما طلاق ~~العدة أن تطلقها طاهرا من غير جماع # PageV02P074 # أو حاملا وقد استبان حملها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها # النساء فكان طلاق السنة معقودا بوصفين أحدهما العدد والآخر الوقت فأما ~~العدد فأن لا يزيد في طهر واحد على واحدة وأما الوقت فأن يطلقها طاهرا من ~~غير جماع أو حاملا قد استبان حملها وقد اختلف أهل العلم في طلاق السنة ~~لذوات الأقراء فقال أصحابنا أحسن الطلاق أن يطلقها إذا طهرت قبل الجماع ثم ~~يتركها حتى تنقضي عدتها وإن أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر واحدة ~~قبل الجماع وهو قول الثوري وقال أبو حنيفة وبلغنا عن إبراهيم عن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يستحبون أن لا يزيدوا في الطلاق على ~~واحدة حتى تنقضي العدة وأن هذا عندهم أفضل من أن يطلقها ثلاثا عند كل طهر ~~واحدة وقال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والليث بن سعد والحسن بن ~~صالح والأوزاعي طلاق السنة أن يطلقها في طهر قبل الجماع تطليقة واحدة ~~ويكرهون أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار لكنه إن لم يرد رجعتها تركها حتى ~~تنقضي عدتها من الواحدة وقال الشافعي فيما رواه عنه المزني لا يحرم عليه أن ~~يطلقها ثلاثا ولو قال لها أنت طالق ثلاثا للسنة وهي طاهر من غير جماع طلقت ~~ثلاثا معا قال أبو بكر فنبدأ بالكلام على الشافعي في ذلك فنقول إن دلالة ~~الآية التي تلوتها ظاهرة في بطلان هذه المقالة لأنها تضمنت الأمر بإيقاع ~~الاثنتين في مرتين فمن أوقع الاثنتين في مرة فهو مخالف لحكمها ومما يدل على ~~ذلك قوله تعالى لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم وظاهره يقتضي تحريم الثلاث ~~لما فيها من تحريم ما أحل ms0611 لنا من الطيبات والدليل على أن الزوجات قد ~~تناولهن هذا العموم قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء فوجب بحق ~~العموم حظر الطلاق الموجب لتحريمها ولولا قيام الدلالة في إباحة إيقاع ~~الثلاث في وقت السنة وإيقاع الواحدة لغير المدخول بها لاقتضت الآية حظره ~~ومن جهة أخرى من دلائل الكتاب أن الله تعالى لم يبح الطلاق ابتداء لمن تجب ~~عليها العدة لا مقرونا بذكر الرجعة منها قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك ~~بمعروف وقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقوله تعالى وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف- أو فارقوهن ~~بمعروف فلم يبح الطلاق المبتدأ لذوات العدد إلا مقرونا بذكر الرجعة وحكم ~~الطلاق مأخوذ من هذه الآيات لولاها لم يكن الطلاق من أحكام الشرع فلم يجز ~~لنا إثباته مسنونا إلا على هذه # PageV02P075 # الشريطة وبهذا الوصف # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل في أمرنا ما ليس منه فهو رد # وأقل أحوال هذا اللفظ حظر خلاف ما تضمنته الآيات التي تلونا من إيقاع ~~الطلاق المبدأ مقرونا بما يوجب الرجعة ويدل عليه من جهة السنة ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن ~~عمر أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل ~~عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال مره فليراجعها ثم ~~ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل ~~أن يمس فتلك العدة أمر الله أن يطلق لها النساء # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ~~عنبسة قال حدثنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرنى سالم ابن عبد الله عن أبيه ~~أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم ~~تحيض ms0612 ثم تطهر ثم إن شاء طلقها طاهرا قبل أن يمس فذلك الطلاق للعدة كما أمر ~~الله # فذكر سالم في رواية الزهري عنه ونافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره أن يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق أو ~~أمسك # وروي عن عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر مثله وروى يونس وأنس بن ~~سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم قال إن شاء طلق وإن شاء أمسك # والأخبار الأول لما فيها من الزيادة ومعلوم أن جميع ذلك إنما ورد في قصة ~~واحدة وإنما ساوى بعضهم لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه وحذف بعضهم ~~ذكر الزيادة إغفالا أو نسيانا فوجب استعماله بما فيه من زيادة ذكر الحيضة ~~إذ لم يثبت أن الشارع صلى الله عليه وسلم قال ذلك عاريا من ذكر الزيادة ~~وذكره مرة مقرونا بها إذ كان فيه إثبات القول منه في حالين وهذا مما لا ~~نعلمه فغير جائز إثباته وعلى أنه لو كان الشارع صلى الله عليه وسلم قد قال ~~ذلك في حالين لم يخل من أن يكون المتقدم منهما هو الخبر الذي فيه الزيادة ~~والآخر متأخرا عنه فيكون ناسخا له وأن يكون الذي لا زيادة فيه هو المتقدم ~~ثم ورد بعده ذكر الزيادة فيكون ناسخا للأول بإثبات الزيادة ولا سبيل لنا ~~إلى العلم بتاريخ الخبرين لا سيما وقد أشار الجميع من الرواة إلى قصة واحدة ~~فإذا لم يعلم التاريخ وجب إثبات الزيادة من وجهين أحدهما أن كل شيئين لا ~~يعلم تاريخهما فالواجب الحكم بهما معا ولا يحكم بتقدم أحدهما على الآخر ~~كالغرقى والقوم يقع عليهم البيت وكما نقول في البيعين # PageV02P076 # من قبل رجل واحد إذا قامت عليهما البينة ولم يعلم تاريخهما فيحكم ~~بوقوعهما معا فكذلك هذان الخبران وجب الحكم بهما معا إذ لم يثبت لهما تاريخ ~~فلم يثبت الحكم إلا مقرونا ms0613 بالزيادة المذكورة فيه والوجه الآخر أنه قد ثبت ~~أن الشارع قد ذكر الزيادة وأثبتها وأمر باعتبارها بقوله مره فليدعها حتى ~~تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء لورودها من طرق صحيحة فإذا كانت ~~ثابتة في وقت واحتمل أن تكون منسوخة بالخبر الذي فيه حذف الزيادة واحتمل أن ~~تكون غير منسوخة لم يجز لنا إثبات النسخ بالاحتمال ووجب بقاء حكم الزيادة ~~ولما ثبت ذلك وأمر الشارع صلى الله عليه وسلم بالفصل بين التطليقة الموقعة ~~في الحيض وبين الأخرى التي أمره بإيقاعها بحيضة ولم يبح له إيقاعها في ~~الطهر الذي يلي الحيضة ثبت إيجاب الفصل بين كل تطليقتين بحيضة وأنه غير ~~جائز له الجمع بينهما في طهر واحد لأنه صلى الله عليه وسلم كما أمره ~~بإيقاعها في الطهر ونهاه عنها في الحيض فقد أمره أيضا بأن لا يواقعها في ~~الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيه ولا فرق بينهما فإن قيل قد روي عن ~~أبي حنيفة أنه إذا طلقها ثم راجعها في ذلك الطهر جاز له إيقاع تطليقة أخرى ~~في ذلك الطهر فقد خالف بذلك ما أردت تأكيده من الزيادة المذكورة في الخبر ~~قيل له ذكرنا هذه المسألة في الأصول ومنعه من إيقاع التطليقة الثانية في ~~ذلك الطهر وإن راجعها حتى يفصل بينهما بحيضة وهذا هو الصحيح والرواية ~~الأخرى غير معمول عليها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ~~إيقاع الثلاث مجموعة بما لا مساغ للتأويل فيه وهو ما # حدثنا ابن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان الجوهري قال حدثنا معلى بن منصور ~~قال حدثنا سعيد بن زريق أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن قال حدثنا عبد ~~الله بن عمر أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين ~~أخريين عند القرئين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله إنك قد أخطأت السنة والسنة أن تستقبل الطهر ~~فتطلق لكل قرء فأمرني رسول الله فراجعتها ms0614 وقال إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو ~~أمسك فقلت يا رسول الله أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها قال ~~لا كانت تبين وتكون معصية # فأخبر صلى الله عليه وسلم نصا في هذا الحديث بكون الثلاث معصية فإن قيل ~~لما قال النبي صلى الله عليه وسلم في سائر أخبار ابن عمر حين ذكر الطهر ~~الذي هو وقت لإيقاع طلاق السنة ثم ليطلقها إن شاء ولم يخصص ثلاثا مما دونها ~~كان ذلك إطلاقا للاثنتين والثلاث معا قيل # PageV02P077 # له لما ثبت بما قدمنا من إيجابه الفصل بين التطليقتين بحيضة ثم عطف عليه ~~بقوله ثم ليطلقها إن شاء علمنا أنه إنما أراد واحدة لا أكثر منها لاستحالة ~~إرادته نسخ ما أوجبه بديا من إيجابه الفصل بينهما وما اقتضاه ذلك من حظر ~~الجمع بين تطليقتين إذ غير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد لأن ~~النسخ لا يصح إلا بعد استقرار الحكم والتمكن من الفعل ألا ترى أنه لا يجوز ~~أن يقول في خطاب واحد قد أبحت لكم ذا الناب من السباع وقد حظرته عليكم لأن ~~ذلك عبث والله تعالى منزه عن فعل العبث وإذا ثبت ذلك علمنا أن قوله ثم ~~ليطلقها إن شاء مبني على ما تقدم من حكمه في ابتداء الخطاب وهو أن لا يجمع ~~بين اثنتين في طهر واحد وأيضا فلو خلا هذا اللفظ من دلالة حظر الجمع بين ~~التطليقتين في طهر واحد لما دل على إباحته لوروده مطلقا عاريا من ذكر ما ~~تقدم لأن # قوله ثم ليطلقها إن شاء # لم يقتض اللفظ أكثر من واحد وكذلك نقول في نظائر ذلك من الأوامر أنه إنما ~~يقتضي أدنى ما يتناوله الاسم وإنما يصرف إلى الأكثر بدلالة كقول الرجل لآخر ~~طلق امرأتي أن الذي يجوز له إيقاعه بالأمر إنما هو تطليقة واحدة لا أكثر ~~منها وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لعبده تزوج أنه يقع على امرأته واحدة فإن ~~تزوج اثنتين لم يجز نكاح واحدة منهما إلا أن يقول المولى أردت ms0615 اثنتين وكذلك # قوله فليطقها إن شاء # لم يقتض إلا تطليقة واحدة وما زاد عليها فإنما يثبت بدلالة فهذا الذي ~~قدمناه من دلالة الكتاب والسنة على حظر جمع الثلاث والاثنتين في كلمة واحدة ~~قد ورد بمثله اتفاق السلف من ذلك ما روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ~~عن عبد الله أنه قال طلاق السنة أن يطلقها تطليقة واحدة وهي طاهر في غير ~~جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وقال إبراهيم مثل ذلك وروى زهير عن أبي ~~إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال من أراد الطلاق الذي هو الطلاق فليطلق ~~عند كل طهر من غير جماع فإن بدا له أن يراجعها وأشهد رجلين وإذا كانت ~~الثانية في مرة أخرى فكذلك فإن الله تعالى يقول الطلاق مرتان # وروى ابن سيرين عن علي قال لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم أحد على ~~امرأة يطلقها وهي طاهر من غير جماع أو حاملا قد تبين حملها فإذا بدا له أن ~~يراجعها راجعها وإن بدا له أن يخلى سبيلها # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حميد بن مسعدة قال ~~حدثنا إسماعيل قال أخبرنا أيوب عن عبد الله بن كثير عن مجاهد # PageV02P078 # قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال له إنه طلق امرأته ثلاثا قال فسكت ~~ابن عباس حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال يطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول ~~يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله تعالى قال ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك امرأتك وإن الله ~~تعالى قال يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن أي قبل عدتهن وعن ~~عمران بن حصين أن رجلا قال له إني طلقت امرأتي ثلاثا فقال أثمت بربك وحرمت ~~عليك امرأتك وأبو قلابة قال سئل ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن ~~يدخل بها فقال لا أرى من فعل ذلك إلا قد حرج ms0616 وروى ابن عون عن الحسن قال ~~كانوا ينكلون من طلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد وروي عن ابن عمران أنه كان ~~إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد أوجعه ضربا وفرق بينهما فقد ~~ثبت عن هؤلاء الصحابة حظر جمع الثلاث ولا يروى عن أحد من الصحابة خلافه ~~فصار إجماعا فإن قيل قد روي أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ثلاثا في مرضه ~~وأن ذلك لم يعب عليه ولو كان جمع الثلاث محظورا لما فعله وتركهم النكير ~~عليه دليل على أنهم رأوه سائغا له قيل له ليس في الحديث الذي ذكرت ولا في ~~غيره أنه طلق ثلاثا في كلمة واحدة وإنما أراد أنه طلقها ثلاثا على الوجه ~~الذي جوز عليه الطلاق وقد بين ذلك في أحاديث رواها جماعة عن الزهري عن طلحة ~~بن عبد الله بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر تطليقتين ثم قال ~~لها في مرضه إن أخبرتينى بطهرك لأطلقنك فبين في هذا الحديث أنه لم يطلقها ~~ثلاثا مجتمعة # وقد روي في حديث فاطمة بنت قيس شبيها بهذا وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبان ابن يزيد العطار ~~قال حدثنا يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت ~~قيس حدثته أن أبا حفص بن المغيرة طلقها وأن خالد بن الوليد ونفر من بني ~~مخزوم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله إن أبا حفص بن ~~المغيرة طلق امرأته ثلاثا وإنه ترك لها نفقة يسيرة فقال لا نفقة لها # وساق الحديث فيقول المحتج لإباحة إيقاع الثلاث معا بأنهم قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم إنه طلقها ثلاثا فلم ينكره وهذا خبر قد أجمل فيه ما فسر في ~~غيره وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد ~~الرملي قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي ms0617 سلمة عن فاطمة بنت قيس ~~أنها أخبرته أنها كانت عند # PageV02P079 # أبي حفص بن المغيرة وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات فزعمت ~~أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث قال أبو داود وكذلك ~~رواه صالح بن كيسان وابن جريج وشعيب بن أبي حمزة كلهم عن الزهري فبين في ~~هذا الحديث ما أجمل في الحديث الذي قبله أنه إنما طلقها آخر ثلاث تطليقات ~~وهو أولى لما فيه من الإخبار عن حقيقة الأمر والأول فيه ذكر الثلاث ولم ~~يذكر إيقاعهن معا فهو محمول على أنه فرقهن على ما ذكر في هذا الحديث الذي ~~قبله فثبت بما ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة واتفاق السلف أن جمع الثلاث ~~محظور فإن قيل فيما قدمناه من دلالة قوله تعالى الطلاق مرتان على حظر جمع ~~الاثنتين في كلمة واحدة إنه من حيث دل على ما ذكرت فهو دليل على أن له أن ~~يطلقها في طهر واحد مرتين إذ ليس في الآية تفريقهما في طهرين وفيه إباحة ~~تطليقتين في مرتين وذلك يقتضي إباحة تفريق الاثنتين في طهر واحد وإذا جاز ~~ذلك في طهر واحد جاز جمعهما بلفظ واحد إذ لم يفرق أحد بينهما قيل له هذا ~~غلط من قبل أن ذلك اعتبار يؤدي إلى إسقاط حكم اللفظ ورفعه رأسا وإزالة ~~فائدته وكل قول يؤدي إلى رفع حكم اللفظ فهو ساقط وإنما صار مسقطا لفائدة ~~اللفظ وإزالة حكمه من قبل أن قوله تعالى الطلاق مرتان قد اقتضى تفريق ~~الاثنتين وحظر جمعهما في لفظ واحد على ما قدمنا من بيانه وإباحتك لتفريقهما ~~في طهر واحد يؤدي إلى إباحة جمعهما في كلمة واحدة وفي ذلك رفع حكم اللفظ ~~ومتى حظرنا تفريقهما وجمعهما في طهر واحد وأبحناه في طهرين فليس فيه وقع ~~حكم اللفظ بل فيه استعماله على الخصوص في بعض المواضع دون بعض فلم يؤد ~~قولنا بالتفريق في طهرين إلى رفع حكمه وإنما أوجب تخصيصه إذ كان اللفظ ~~موجبا للتفريق واتفق الجميع على أنه إذا أوجب ms0618 التفريق فرقهما في طهرين ~~فحصصنا تفريقهما في طهر واحد بدلالة الاتفاق مع استعمال حكم اللفظ ومتى ~~أبحنا التفريق في طهر واحد أدى ذلك إلى رفع حكم اللفظ رأسا حتى يكون ذكره ~~للطلاق مرتين وتركه سواء وهذا قول ساقط مردود واحتج من أباح ذلك أيضا # بحديث عويمر العجلاني حين لاعن النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين ~~امرأته فلما فرغا من لعانهما قال كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثا ~~ففارقها قبل أن يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما # قال فلما لم ينكر الشارع صلى الله عليه وسلم إيقاع الثلاث معا دل على ~~إباحته وهذا الخبر لا يصح للشافعي الاحتجاج به لأن من مذهبه # PageV02P080 # أن الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج قبل لعان المرأة فبانت منه ولم ~~يلحقها طلاق فكيف كان ينكر عليها طلاقا لم يقع ولم يثبت حكمه فإن قيل فما ~~وجهه على مذهبك قيل له جائز أن يكون ذلك قبل أن يسن الطلاق للعدة ومنع ~~الجمع بين التطليقات في طهر واحد فلذلك لم ينكر عليه الشارع صلى الله عليه ~~وسلم وجائز أيضا أن تكون الفرقة لما كانت مستحقة من غير جهة الطلاق لم ينكر ~~عليه إيقاعها بالطلاق وأما من قال سنة الطلاق أن لا يطلق إلا واحدة وهو ما ~~حكيناه عن مالك بن أنس والليث والحسن بن حي والأوزاعي فإن الذي يدل على ~~إباحة الثلاث في الأطهار المتفرقة قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان وفي ذلك إباحة لإيقاع الاثنتين ولما اتفقنا على أنه لا ~~يجمعهما في طهر واحد وجب استعمال حكمهما في الطهرين وقد روي في قوله تعالى ~~أو تسريح بإحسان أنه للثالثة وفي تخيير له في إيقاع الثلاث قبل الرجعة ويدل ~~عليه قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن قد انتظم ~~إيقاع الثلاث للعدة وذلك لأنه معلوم أن المراد لأوقات العدة كما بينه ~~الشارع صلى الله عليه وسلم في # قوله يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها فتلك ms0619 العدة التي ~~أمر الله أن تطلق لها النساء # وإذا كان المراد به أوقات الأطهار تناول الثلاث كقوله تعالى أقم الصلاة ~~لدلوك الشمس قد عقل منه تكرار فعل الصلاة لدلوكها في سائر الأيام كذلك قوله ~~فطلقوهن لعدتهن لما كان عبارة عن أوقات الأطهار اقتضى تكرار الطلاق في سائر ~~الأوقات وأيضا لما جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الأول لأنها طاهر من غير ~~جماع طهرا لم يوقع فيه طلاقا جاز إيقاعه في الطهر الثاني لهذه العلة وأيضا ~~لما اتفقوا على أنه لو راجعها جاز له إيقاع الطلاق في الطهر الثاني وجب أن ~~يجوز ذلك له إذا لم يراجعها لوجود المعنى الذي من أجله جاز إيقاعه في الطهر ~~الأول إذ لا حظ للرجعة في إباحة الطلاق ولا في حظره ألا ترى أنه لو راجعها ~~ثم جامعها في ذلك الطهر لم يجز له إيقاع الطلاق فيه ولم يكن للرجعة تأثير ~~في إباحته فوجب أن يجوز له أن يطلقها في الطهر الثاني قبل الرجعة كما جاز ~~له ذلك لو لم يراجع فإن قيل لا فائدة في الثانية والثالثة لأنه إن أراد أن ~~يبينها أمكنه ذلك بالواحدة بأن يدعها حتى تنقضي عدتها وقال تعالى ولا ~~تتخذوا آيات الله هزوا وهذا هو الفرق بينه إذا راجعها أو لم يراجعها في ~~إباحة الثانية والثالثة إذا راجع وحظرهما إذا لم يراجع قيل له في إيقاع ~~الثانية «6- أحكام في» # PageV02P081 # والثالثة فوائد بتعجلها لو لم يوقع الثانية والثالثة لم تحصل له وهو أن ~~تبين منه بإيقاع الثالثة قبل انقضاء عدتها فيسقط ميراثها منه لو مات ويتزوج ~~أختها وأربعا سواها على قول من يجيز ذلك في العدة فلم يخل في إيقاع الثانية ~~والثالثة من فوائد وحقوق تحصل له فلم تكن لغوا مطرحا وجاز من أجلها إيقاع ~~ما بقي من طلاقها في أوقات السنة كما يجوز ذلك لو راجعها وبالله التوفيق. ### | ذكر الاختلاف في الطلاق بالرجال # قال أبو بكر رحمه الله اتفق السلف ومن بعدهم من فقهاء الأمصار على أن ~~الزوجين المملوكين خارجان ms0620 من قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان واتفقوا على أن الرق يوجب نقصان الطلاق # فقال علي وعبد الله الطلاق بالنساء # يعني أن المرأة إن كانت حرة فطلاقها ثلاث حرا كان زوجها أو عبدا وأنها إن ~~كانت أمة فطلاقها اثنتان حرا كان زوجها أو عبدا وهو قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح وقال عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ~~الطلاق بالرجال يعنون أن الزوج إن كان عبدا فطلاقه اثنتان سواء كانت الزوجة ~~حرة أو أمة وإن كان حرا فطلاقه ثلاث حرة كانت الزوجة أو أمة وهو قول مالك ~~والشافعي وقال ابن عمر أيهما رق نقص الطلاق برقه وهو قول عثمان البتي وقد ~~روى هشيم عن منصور بن زادان عن عطاء عن ابن عباس قال الأمر إلى المولى في ~~الطلاق أذن له العبد أو لم يأذن ويتلو هذه الآية ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ~~لا يقدر على شيء روى هشام عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس أن ~~غلاما ما كان لابن عباس طلق امرأته تطليقتين فقال له ابن عباس ارجعها لا أم ~~لك فإنه ليس لك من الأمر شيء فأبى فقال هي لك فاتخذها فهذا يدل على أنه رأى ~~طلاقه واقعا لولاه لم يقل له ارجعها وقوله هي لك يدل على أنها كانت أمة ~~وجائز أن يكون الغلام حرا لأنهما إذا كانا مملوكين فلا خلاف أن رقهما ينقص ~~الطلاق وقد روي في ذلك حديث يدل على أنه كان لا يرى طلاق العبد شيئا ويرويه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما # حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب قال حدثنا ~~يحيى بن سعيد قال حدثنا علي بن المبارك قال حدثنا يحيى بن أبي كثير أن عمر ~~بن معتب أخبره أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في ~~مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم أعتقا بعد # PageV02P082 # ذلك هل يصلح له أن ms0621 يخطبها بعد ذلك قال نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # قال أبو داود وقد سمعت أحمد بن حنبل قال قال عبد الرزاق قال ابن المبارك ~~لعمر من أبو حسن هذا لقد تحمل صخرة عظيمة قال أبو داود وأبو حسن هذا روى ~~عنه الزهري وكان من الفقهاء قال أبو بكر وهذا الحديث يرده الإجماع لأنه لا ~~خلاف بين الصدر الأول ومن بعدهم من الفقهاء أنهما إذا كانا مملوكين أنها ~~تحرم بالاثنتين ولا تحل له إلا بعد زوج والذي يدل على أن الطلاق بالنساء # حديث ابن عمر وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم طلاق الأمة تطليقتان ~~وعدتها حيضتان # وقد تقدم ذكر سنده وقد استعملت الأمة هذين الحديثين في نقصان العدة وإن ~~كان وروده من طريق الآحاد فصار في حيز التواتر لأن ما تلقاه الناس بالقبول ~~من أخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر لما بيناه في مواضع ولم يفرق ~~الشارع في قوله وعدتها حيضتان بين من كان زوجها حرا أو عبدا فثبت بذلك ~~اعتبار الطلاق بها دون الزوج ودليل آخر وهو أنه لما اتفق الجميع على أن ~~الرق يوجب نقص الطلاق كما يوجب نقص الحد ثم كان الاعتبار في نقصان الحد برق ~~من يقع به دون من يوقعه وجب أن يعتبر نقصان الطلاق برق من يقع به دون من ~~يوقعه وهو المرأة ويدل عليه أنه لا يملك تفريق الثلاث عليها على الوجه ~~المسنون وإن كان حرا إذا كانت الزوجة أمة ألا ترى أنه إذا أراد تفريق ~~الثلاث عليها في أطهار متفرقة لم يمكنه إيقاع الثالثة بحال فلو كان مالكا ~~للجميع لملك التفريق على الوجه المسنون كما لو كانت حرة وفي ذلك دليل على ~~أنه غير مالك الثلاث إذا كانت الزوجة أمة والله أعلم. ### | ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا # قال أبو بكر قوله تعالى الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~الآية يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنها وذلك لأن قوله الطلاق ~~مرتان قد أبان ms0622 عن حكمه إذا أوقع اثنين بأن يقول أنت طالق أنت طالق في طهر ~~واحد وقد بينا أن ذلك خلاف السنة فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع ~~الاثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا لأن أحدا لم ~~يفرق بينهما وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو # قوله تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فحكم بتحريمها عليه ~~بالثالثة بعد الاثنتين ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد أو في أطهار # PageV02P083 # فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح ~~أو محظور فإن قيل قدمت بديا في معنى الآية أن المراد بها بيان المندوب إليه ~~والمأمور به من الطلاق وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك فكيف ~~نحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنها على هذا الوجه ~~قيل له قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث الغير ~~السنة وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار وليس يمتنع أن يكون ~~مراد الآية جميع ذلك ألا ترى أنه لو قال طلقوا ثلاثا في الأطهار وإن طلقتم ~~جميعا معا وقعن كان جائزا وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتها الآية وجب ~~حملها عليهما فإن قيل معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله فطلقوهن ~~لعدتهن وقد بين الشارع الطلاق للعدة وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد ~~إيقاع الثلاث ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه قيل له نستعمل الآيتين على ما ~~تقتضيانه من أحكامهما فنقول إن المندوب إليه المأمور به هو الطلاق للعدة ~~على ما بينه في هذه الآية وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن لما اقتضته ~~الآية الأخرى وهي قوله تعالى الطلاق مرتان وقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد إذ ليس في قوله فطلقوهن نفي لما اقتضه هذه الآية الأخرى على أن ~~في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير ~~العدة وهو ms0623 قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن- إلى قوله تعالى- وتلك حدود الله ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ~~ظالما لنفسه بإيقاعه ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه وفي هذه الآية دلالة على ~~وقوعها إذا طلق لغير العدة ويدل عليه قوله تعالى في نسق الخطاب ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا يعني والله أعلم أنه إذا أوقع الطلاق على ما أمره الله ~~كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة وعلى هذا المعنى تأوله ابن ~~عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا إن الله يقول ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك وبانت منك ~~امرأتك ولذلك # قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم ~~رجل طلق امرأته # فإن قيل لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع إذ ليس هو الطلاق ~~المأمور به كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم ~~يقع إذا جمعهن في طهر واحد قيل له أما كونه عاصيا في الطلاق # PageV02P084 # فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف ومع ذلك فإن الله جعل ~~الظهار منكرا من القول وزورا وحكم مع ذلك بصحة وقوعه فكونه عاصيا لا يمنع ~~لزوم حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام ولم يمنع عصيانه من لزوم ~~حكمه وفراق امرأته وقد نهاه الله عن مراجعتها ضرارا بقوله تعالى ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته ~~وأما الفرق بينه وبين الوكيل فهو أن الوكيل إنما يطلق لغيره وعنه يعبر وليس ~~يطلق لنفسه ولا يملك ما يوقعه ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق ~~وأحكامه فلما لم يكن مالكا لما يوقعه وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر ~~إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر وأما الزوج فهو ~~مالك ms0624 الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان ~~مالكا للثلاث وارتكاب النهي في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار ~~والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا ألا ترى أنه لو وطئ أم امرأته بشبهة ~~حرمت عليه امرأته وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من ~~الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك ويدل ~~عليه من جهة السنة # حديث ابن عمر الذي ذكرناه سنده حين قال أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان لي أن ~~أراجعها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا كانت تبين ويكون معصية # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا جرير بن حازم عن الزبير ~~بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق ~~امرأته ألبتة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أردت بالبتة قال ~~واحدة قال الله قال الله قال هو على ما أردت فلو لم تقع الثلاث إذا أراها ~~لما استحلفه بالله ما أراد إلا واحدة # وقد تقدم ذكر أقاويل السلف فيه وأنه يقع وهو معصية فالكتاب والسنة وإجماع ~~السلف توجب إيقاع الثلاث معا وإن كانت معصية وذكر بشر بن الوليد عن أبي ~~يوسف أنه قال كان الحجاج بن أرطاة خشنا وكان يقول طلاق الثلاث ليس بشيء ~~وقال محمد بن إسحاق الطلاق الثلاث ترد إلى الواحدة واحتج بما # رواه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ركانة بن عبد يزيد ~~امرأته ثلاثا في مجلس فحزن عليها حزنا شديدا فسأله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف طلقتها فقال طلقتها ثلاثا قال في مجلس واحد قال نعم قال فإنما تلك ~~واحدة فارجعها إن شئت قال فرجعتها # وبما روى أبو عاصم عن ابن جريج عن # PageV02P085 # ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت ~~على عهد رسول ms0625 الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى ~~الواحدة قال نعم وقد قيل إن هذين الخبرين منكران وقد روى سعيد بن جبير ~~ومالك ابن الحارث ومحمد بن إياس والنعمان بن أبي عياش كلهم عن ابن عباس ~~فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته وقد روي حديث أبي ~~الصهباء على غير هذا الوجه وهو أن ابن عباس قال كان الطلاق الثلاث على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر واحدة فقال عمر ~~لو أجزناه عليهم وهذا معناه عندنا أنهم إنما كانوا يطلقون ثلاثا فأجازها ~~عليهم # وقد روى ابن وهب قال أخبرني عياش بن عبد الله الفهري عن ابن شهاب عن سهل ~~بن سعد أن عويمر العجلاني لما لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ~~وبين امرأته قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا ~~فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك عليه # وما قدمنا من دلالة الآية والسنة والاتفاق يوجب إيقاع الطلاق في الحيض ~~وإن كان معصية وزعم بعض الجهال ممن لا يعد خلافه أنه لا يقع إذا طلق في ~~الحيض واحتج بما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ~~عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن ~~بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال كيف ترى في رجل طلق ~~امرأته حائضا فقال طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عبد الله طلق وهي ~~حائض فقال فردها علي ولم يرها شيئا وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك # قيل له هذا غلط فقد رواه جماعة عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة من ذلك ~~ما ms0626 # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا يزيد ~~بن إبراهيم عن محمد بن سيرين قال حدثنا يونس بن جبير قال سألت عبد الله ابن ~~عمر قال قلت رجل طلق امرأته وهي حائض قال تعرف عبد الله بن عمر قلت نعم قال ~~فإنه طلق امرأته وهي حائض فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال ~~مره فليراجعها ثم ليطلقها في قبل عدتها # قال قلت فيعتد بها قال فمه أرأيت إن عجزوا ستحمق فهذا خبر ابن عمر في هذا ~~الحديث أنه اعتد بتلك التطليقة ومع ذلك فقد روي في سائر أخبار ابن عمر أن ~~الشارع أمره بأن يراجعها ولو لم يكن الطلاق واقعا لما احتاج إلى الرجعة ~~وكانت لا تصح # PageV02P086 # رجعته لأنه لا يجوز أن يقال راجع امرأته ولم يطلقها إذ كانت الرجعة لا ~~تكون إلا بعد الطلاق ولو صح ما روي أنه لم يره شيئا كان معناه أنه لم يبنها ~~منه بذلك الطلاق ولم تقع الزوجية قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~قال أبو بكر لما كانت الفاء للتعقيب وقال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان اقتضى ذلك كون الإمساك المذكور بعد الطلاق وهذا الإمساك إنما ~~هو الرجعة لأنه ضد الطلاق وقد كان وقوع الطلاق موجبه التفرقة عند انقضاء ~~العدة فسمى الله الرجعة إمساكا لبقاء النكاح بها بعد مضي ثلاث حيض ورفع حكم ~~البينونة المتعلقة بانقضاء العدة وإنما أباح له إمساكها على وصف وهو أن ~~يكون بمعروف وهو وقوعه على وجه يحسن ويجمل فلا يقصد به ضرارها على ما ذكره ~~في قوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا وإنما أباح له الرجعة على هذه ~~الشريطة ومتى أرجع بغير معروف كان عاصيا فالرجعة صحيحة بدلالة قوله تعالى ~~ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه فلولا صحة الرجعة لما ~~كان لنفسه ظالما بها وفي قوله تعالى فإمساك بمعروف دلالة على وقوع الرجعة ~~بالجماع لأن الإمساك على النكاح إنما هو الجماع وتوابعه من ms0627 اللمس والقبلة ~~ونحوها والدليل عليه أن من يحرم عليه جماعها تحريما مؤبدا لا يصح له عقد ~~النكاح عليها فدل ذلك على أن الإمساك على النكاح مختص بالجماع فيكون ~~بالجماع ممسكا لها وكذلك اللمس والقبلة للشهوة والنظر إلى الفرج بشهوة إذ ~~كانت صحة عقد النكاح مختصة باستباحة هذه الأشياء فمتى فعل شيئا من ذلك كان ~~ممسكا لها بعموم قوله تعالى فإمساك بمعروف وأما قوله أو تسريح بإحسان فقد ~~قيل فيه وجهان أحدهما أن المراد به الثالثة وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حديث غير ثابت من طريق النقل ويرده الظاهر أيضا وهو ما # حدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين ~~قال قال رجل يا رسول الله أسمع الله يقول الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان فأين الثالثة قال التسريح بإحسان # وقد روي عن جماعة من السلف منهم السدي والضحاك أنه تركها حتى تنقضي عدتها ~~وهذا التأويل أصح إذ لم يكن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك ثابتا وذلك من وجوه أحدها أن سائر المواضع الذي ذكره الله فيها عقيب ~~الطلاق الإمساك والفراق فإنما أراد به ترك الرجعة # PageV02P087 # حتى تنقضي عدتها منه قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف والمراد بالتسريح ترك الرجعة إذ معلوم أنه لم يرد ~~فأمسكوهن بمعروف أو طلقوهن واحدة أخرى ومنه قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ولم يرد به إيقاعا مستقبلا وإنما أراد ~~به تركها حتى تنقضي عدتها والجهة الأخرى أن الثالثة مذكورة في نسق الخطاب ~~في قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإذا كانت ~~الثالثة مذكورة في صدر هذا الخطاب مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد ~~زوج وجب حمل قوله تعالى أو تسريح بإحسان على فائدة مجددة وهي وقوع البينونة ~~بالاثنتين بعد انقضاء العدة ms0628 وأيضا لما كان معلوما أن المقصد فيه عدد الطلاق ~~الموجب للتحريم ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق وبلا عدد محصور فلو كان ~~قوله تعالى أو تسريح بإحسان هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع ~~التحريم بالثلاث إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها ~~إلا بعد زوج وإنما علم التحريم بقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره فوجب أن لا يكون قوله تعالى أو تسريح بإحسان هو الثالثة ~~وأيضا لو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى فإن طلقها ~~عقيب ذلك هي الرابعة لأن الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ~~ذكره فثبت بذلك أن قوله تعالى أو تسريح بإحسان هو تركها حتى تنقضي عدتها ~~قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره منتظم لمعان ~~منها تحريمها على المطلق ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره مفيد في شرط ارتفاع ~~التحريم الواقع بالطلاق الثلاث العقد والوطء جميعا لأن النكاح هو الوطء في ~~الحقيقة وذكر الزوج يفيد العقد وهذا من الإيجاز والاقتصار على الكناية ~~المفهمة المغنية عن التصريح وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار ~~مستفيضة في أنها لا تحل للأول حتى يطأها الثاني منها # حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا فتزوجت ~~عبد الرحمن بن الزبير فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي ~~الله إنها كانت تحت رفاعة فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجت بعده عبد الرحمن ~~بن الزبير وإنه يا رسول الله ما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك # PageV02P088 # وروى ابن عمر وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ولم يذكر ~~قصة امرأة رفاعة وهذه أخبار وقد تلقاها الناس بالقبول واتفق الفقهاء على ~~استعمالها فهي عندنا في حيز التواتر ms0629 ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك إلا شيء ~~يروى عن سعيد بن المسيب أنه قال إنها لا تحل للأول بنفس عقد النكاح دون ~~الوطء ولم نعلم أحدا تابعه عليه فهو شاذ وقوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره ~~غاية التحريم الموقع بالثلاث فإذا وطئها الزوج الثاني ارتفع ذلك التحريم ~~الموقع وبقي التحريم من جهة أنها تحت زوج كسائر النساء الأجنبيات فمتى ~~فارقها الثاني وانقضت عدتها حلت للأول وقوله تعالى فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا مرتب على ما أوجب من العدة على المدخول بها في قوله ~~تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وقوله تعالى ولا تعزموا عقدة ~~النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله ونحوها من الآي الحاظرة للنكاح في العدة وقوله ~~تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا نص على ذكر الطلاق ولا خلاف أن ~~الحكم في إباحتها للزوج الأول غير مقصور على الطلاق وأن سائر الفرق الحادثة ~~بينهما من نحو موت أو ردة أو تحريم بمنزلة الطلاق وإن كان المذكور نفسه هو ~~الطلاق وفيه الدلالة أيضا على جواز النكاح بغير ولى لأنه أضاف التراجع ~~إليها من غير ذكر الولي وفيه أحكام أخر نذكرها عند ذكرنا لأحكام الخلع بعد ~~ذلك ولكنا قدمنا ذكر الثالثة لأنه يتصل به في المعنى بذكر الاثنتين وإن ~~تخللهما ذكر الخلع وبالله التوفيق. ### | باب الخلع # قال الله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله فحظر على الزوج بهذه الآية أن يأخذ منها شيئا مما ~~أعطاها إلا على الشريطة كما أن قوله تعالى فلا تقل لهما أف قد دل على حظر ~~ما فوقه من ضرب أو شتم وقوله تعالى إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله قال ~~طاوس يعني فيما افترض على كل واحد منهما في العشرة والصحبة وقال القاسم بن ~~محمد مثل ذلك وقال الحسن هو أن تقول المرأة والله لا أغتسل لك من جنابة ~~وقال أهل اللغة إلا أن يخافا معناه إلا أن يظنا وقال أبو ms0630 محجن الثقفي أنشده ~~الفراء رحمه الله تعالى: # إذا مت فادفني إلى جب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها # PageV02P089 # ولا تدفني بالعراء فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # وقال آخر: # أتاني كلام عن نصيب يقوله ... وما خفت يا سلام أنك عائبي # يعني ما ظننت وهذا الخوف من ترك إقامة حدود الله على وجهين إما أن يكون ~~أحدهما سىء الخلق أو جميعا فيفضي بهما ذلك إلى ترك إقامة حدود الله فيما ~~ألزم كل واحد منهما من حقوق النكاح في قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وإما أن يكون أحدهما مبغضا للآخر فيصعب عليه حسن العشرة والمجاملة ~~فيؤد به ذلك إلى مخالفة أمر الله في تقصيره في الحقوق التي تلزمه وفيما ~~ألزم الزوج من إظهار الميل إلى غيرها في قوله تعالى فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة فإذا وقع أحد هذين وأشفقا من ترك إقامة حدود الله التي ~~حدها لهما حل الخلع # وروى جابر الجعفي عن عبد الله بن يحيى عن علي كرم الله وجهه أنه قال ~~كلمات إذا قالتهن المرأة حل له أن يأخذ الفدية إذا قالت له لا أطيع لك أمرا ~~ولا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة # وقال المغيرة عن إبراهيم قال لا يحل للرجل أن يأخذ الفدية من امرأته إلا ~~أن تعصيه ولا تبر له قسما وإذا فعلت ذلك وكان من قبلها حلت له الفدية وإن ~~أبى أن يقبل منها الفدية وأبت أن تعطيه بعثا حكمين حكما من أهله وحكما من ~~أهلها وذكر علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال تركها إقامة حدود الله ~~استخفافا بحق الزوج وسوء خلقها فتقول والله لا أبر لك قسما ولا أطأ لك ~~مضجعا ولا أطيع لك أمرا فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ولا يأخذ أكثر ~~مما أعطاها شيئا ويخلي سبيلها وإن كانت الإساءة من قبلها ثم قال فإن طبن ~~لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا يقول إن كان عن غير ضرار ولا ms0631 خديعة ~~فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى وقد اختلف في نسخ هذه الآية فروى حجاج عن ~~عقبة بن أبي الصهباء قال سألت بكر بن عبد الله عن رجل تريد منه امرأته ~~الخلع قال لا يحل له أن يأخذ منها شيئا قلت له يقول الله في كتابه فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به قال هذه نسخت بقوله وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ~~وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا وروى أبو عاصم عن ابن جريج قال ~~قلت لعطاء أرأيت إذا كانت له ظالمة مسيئة فدعاها إلى الخلع أيحل له قال لا ~~إما أن يرضى فيمسك وإما أن يسرح قال أبو بكر وهو قول شاذ يرده ظاهر الكتاب ~~والسنة واتفاق # PageV02P090 # السلف ومع ذلك فليس في قوله وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج الآية ما ~~يوجب نسخ قوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به لأن كل واحدة منهما مقصورة الحكم على حال مذكورة فيها فإنما حظر ~~الخلع إذا كان النشوز من قبله وأراد استبدال زوج مكان زوج غيرها وأباحه إذا ~~خافا أن لا يقيما حدود الله بأن تكون مبغضة له أو سيئة الخلق أو كان هو سيئ ~~الخلق ولا يقصد مع ذلك الإضرار بها لكنهما يخافان أن لا يقيما حدود الله في ~~حسن العشرة وتوفية ما لزمهما الله من حقوق النكاح وهذه الحال غير تلك فليس ~~في إحداهما ما يعترض به على الأخرى ولا يوجب نسخها ولا تخصيصها أيضا إذ كل ~~واحدة مستعملة فيما وردت فيه وكذلك قوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن إذا كان خطابا للأزواج فإنما حظر عليهم أخذ شيء من مالها إذا كان ~~النشوز من قبله قاصدا للإضرار بها إلا أن يأتى بفاحشة مبينة فقال ابن سيرين ~~وأبو قلابة يعني أن يظهر منها على زنا وروي عن عطاء والزهري وعمر وابن شعيب ~~أن الخلع لا يحل إلا من الناشز فليس في شيء من هذه الآيات نسخ وجميعها ~~مستعمل والله ms0632 أعلم. ### | ذكر اختلاف السلف وسائر فقهاء الأمصار فيما يحل أخذه بالخلع # روي عن علي رضي الله عنه أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها # وهو قول سعيد ابن المسيب والحسن وطاوس وسعيد بن جبير وروي عن عمر وعثمان ~~وابن عمر وابن عباس ومجاهد وإبراهيم والحسن رواية أخرى أنه جائز له أن ~~يخلعها على أكثر مما أعطاها ولو بعقاصها وقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ~~ومحمد إذا كان النشوز من قبلها حل له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزداد وإن ~~كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ منها شيئا فإن فعل جاز في القضاء ~~وقال ابن شبرمة تجوز المبارأة إذا كانت من غير إضرار منه وإن كانت على ~~إضرار منه لم تجز وقال ابن وهب عن مالك إذا علم أن زوجها أضر بها وضيق ~~عليها وأنه ظالم لها قضى عليها الطلاق ورد عليها مالها وذكر ابن القاسم عن ~~مالك أنه جائز للرجل أن يأخذ منها في الخلع أكثر مما أعطاها ويحل له وإن ~~كان النشوز من قبل الزوج حل له أن يأخذ ما أعطته على الخلع إذا رضيت بذلك ~~ولم يكن في ذلك ضرر منه لها وعن الليث نحو ذلك وقال الثوري إذا كان الخلع ~~من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها شيئا وإذا # PageV02P091 # كان من قبله فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا وقال الأوزاعي في رجل خالع ~~امرأته وهي مريضة إن كانت ناشزة كان في ثلثها وإن لم تكن ناشزة رد عليها ~~وكانت له عليها الرجعة وإن خالعها قبل أن يدخل بها على جميع ما أصدقها ولم ~~يتبين منها نشوز أنهما إذا اجتمعا على فسخ النكاح قبل أن يدخل بها فلا أرى ~~بذلك بأسا وقال الحسن بن حي إذا كانت الإساءة من قبله فليس له أن يخلعها ~~بقليل ولا كثير وإذا كانت الإساءة من قبلها والتعطيل لحقه كان له أن ~~يخالعها على ما تراضيا عليه وكذلك قول عثمان البتي وقال الشافعي إذا كانت ~~المرأة مانعة ms0633 ما يجب عليها لزوجها حلت الفدية للزوج وإذا حل له أن يأكل ما ~~طابت به نفسا على غير فراق حل له أن يأكل ما طابت به نفسا وتأخذ الفراق به ~~قال أبو بكر قد أنزل الله تعالى في الخلع آيات منها قوله تعالى وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه ~~بهتانا وإثما مبينا فهذا يمنع أخذ شيء منها إذا كان النشوز من قبله فلذلك ~~قال أصحابنا لا يحل له أن يأخذ منها في هذه الحال شيئا وقال تعالى في آية ~~أخرى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود ~~الله فأباح في هذه الآية الأخذ عند خوفهما ترك إقامة حدود الله وذلك على ما ~~قدمنا من بغض المرأة لزوجها وسوء خلقها أو كان ذلك منهما فيباح له أخذ ما ~~أعطاها ولا يزداد والظاهر يقتضي جواز أخذ الجميع ولكن ما زاد مخصوص بالسنة ~~وقال تعالى في آية أخرى لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قيل فيه إنه خطاب ~~للزوج وحظر به أخذ شيء مما أعطاها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة قيل فيها إنها ~~هي الزنا وقيل فيها إنها النشوز من قبلها وهذه نظير قوله تعالى فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال تعالى في آية أخرى ~~وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها وسنذكر حكمها في ~~مواضعها إن الله تعالى وذكر الله تعالى إباحة أخذ المهر في غير هذه الآية ~~إلا أنه لم يذكر حال الخلع في قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم ~~عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وقال وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة ~~النكاح وهذه الآيات كلها مستعملة على مقتضى أحكامها فقلنا إذا كان النشوز ms0634 ~~من قبله لم يحل له # PageV02P092 # أخذ شيء منها بقوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا وقوله تعالى ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن وإذا كان النشوز من قبلها أو خافا لسوء خلقها أو ~~بعض كل واحد منهما لصاحبه أن لا يقيما جاز له أن يأخذ ما أعطاها لا يزداد ~~وكذلك ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة # وقد قيل فيه إلا أن تنشز فيجوز له عند ذلك أخذ ما أعطاها. # وأما قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فهذا في ~~غير حال الخلع بل في حال الرضا بترك المهر بطيبة من نفسها به وقول من قال ~~إنه لما أجاز أخذ مالها بغير خلع فهو جائز والخلع خطأ لأن الله تعالى قد نص ~~على الموضعين في أحدهما بالحظر وهو قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج وقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا ~~يقيما حدود الله وفي الآخر بالإباحة وهو قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا فقول القائل لما جاز أن يأخذ مالها بطيبة نفسها من ~~غير خلع جاز في الخلع قول مخالف لنص الكتاب # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخلع ما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو دود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد ~~الرحمن بن سعد بن زرارة عن حبيبة بنت سهل الأنصارية أنها كانت تحت ثابت بن ~~قيس بن الشماس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصبح فوجد حبيبة ~~بنت سهل عند بابه في الغلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه قالت ~~أنا حبيبة بنت سهل قال ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها فلما ~~جاءه ثابت بن قيس قال له هذه حبيبة بنت سهل فذكرت ما شاء الله أن تذكر ~~فقالت حبيبة كل ما ms0635 أعطاني عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت خذ ~~منها فأخذ منها وجلست في أهلها وروي فيه ألفاظ مختلفة في بعضها خلى سبيلها ~~وفي بعضها فارقها # وإنما قالوا إنه لا يسعه أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها لما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~محمد بن يحيى بن أبي سمينة قال حدثنا الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء ~~عن ابن عباس أن رجلا خاصم امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم تردين إليه ما أخذت منه قالت نعم وزيادة فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أما الزيادة فلا # وقال أصحابنا لا يأخذ منه الزيادة لهذا الخبر وخصوا به ظاهر الآية وإنما ~~جاز تخصيص هذا الظاهر # PageV02P093 # بخبر الواحد من قبل أن قوله تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به لفظ محتمل لمعان والاجتهاد سائغ فيه وقد روي عن السلف ~~فيه وجوه مختلفة وكذلك قوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ~~إلا أن يأتين بفاحشة مبينة محتمل لمعان على ما وصفنا فجاز تخصيصه بخبر ~~الواحد وهو كقوله تعالى أو لامستم النساء وقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن لما كان محتملا للوجوه واختلف السلف في المراد به جاز قبول خبر ~~الواحد في معناه المراد به. وإنما قال أصحابنا إذا خلعها على أكثر مما ~~أعطاها أو خلعها على مال والنشوز من قبله إن ذلك جائز في الحكم وإن لم يسعه ~~فيما بينه وبين الله تعالى من قبل أنه أعطته بطيبة من نفسها غير مجبرة عليه # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من ~~نفسه # وأيضا فإن النهي لم يتعلق بمعنى في نفس العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره ~~وهو أنه لم يعطها مثل ما أخذ منها ولو كان قد أعطاها مثل ذلك لما كان ذلك ~~مكروها فلما تعلق النهي ms0636 بمعنى في غير العقد لم يمنع ذلك جواز العقد كالبيع ~~عند أذان الجمعة وبيع حاضر لباد وتلقي الركبان ونحو ذلك وأيضا لما جاز ~~العتق على قليل المال وكثيره وكذلك الصلح عن دم العمد كان كذلك الطلاق ~~وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر المثل وهو بدل البضع كذلك جاز أن ~~تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها لأنه بدل من البضع في الحالين فإن قيل لما ~~كان الخلع فسخا لعقد النكاح لم يجز بأكثر مما وقع عليه العقد كما لا يجوز ~~الإقالة بأكثر من الثمن قيل له قولك إن الخلع فسخ للعقد خطأ وإنما هو طلاق ~~مبتدأ كهو لو لم يشرط فيه بدل ومع ذلك فلا خلاف أنه ليس بمنزلة الإقالة ~~لأنه لو خلعها على أقل مما أعطاها جاز بالاتفاق والإقالة غير جائزة بأقل من ~~الثمن ولا خلاف أيضا في جواز الخلع بغير شيء وقد اختلف السلف في الخلع دون ~~السلطان فروي عن الحسن وابن سيرين أن الخلع لا يجوز إلا عند السلطان وقال ~~سعيد بن جبير لا يكون الخلع حتى يعظها فإن اتعظت وإلا هجرها فإن اتعظت وإلا ~~ضربها فإن اتعظت وإلا ارتفعا إلى السلطان فيبعث حكما من أهله وحكما من ~~أهلها فيردان ما يسمعان إلى السلطان فإن رأى بعد ذلك أن يفرق فرق وإن رأى ~~أن يجمع جمع # وروي عن علي وعمر وعثمان وابن عمر وشريح وطاوس والزهري في آخرين أن الخلع ~~جائز دون السلطان # وروى سعيد عن قتادة قال كان زياد أول من # PageV02P094 # رد الخلع دون السلطان ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في جوازه دون السلطان ~~وكتاب الله يوجب جوازه وهو قوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال ~~تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~فأباح الأخذ منها بتراضيهما من غير سلطان # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس أتردين عليه حديقته ~~فقالت نعم فقال للزوج خذها وفارقها # يدل على ذلك أيضا لأنه لو كان الخلع إلى ms0637 السلطان شاء الزوجان أو أبيا إذا ~~علم أنهما لا يقيمان حدود الله لم يسئلهما النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~ولا خاطب الزوج بقوله اخلعها بل كان يخلعها منه ويرد عليه حديقته وإن أبيا ~~أو واحد منهما كما لما كانت فرقة المتلاعنين إلى الحاكم لم يقل للملاعن خل ~~سبيلها بل فرق بينهما كما روى سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق ~~بين المتلاعنين كما # قال في حديث آخر لا سبيل لك عليها ولم يرجع ذلك إلى الزوج # فثبت بذلك جواز الخلع دون السلطان ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ إلا بطيبة من نفسه # وقد اختلف في الخلع هل هو طلاق أم ليس بطلاق فروي عن عمر وعبد الله ~~وعثمان والحسن وأبي سلمة وشريح وإبراهيم والشعبي ومكحول أن الخلع تطليقة ~~بائنة وهو قول فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه وروي عن ابن عباس أنه ليس ~~بطلاق حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أبو ~~الوليد قال حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال سأل رجل طاوسا عن ~~الخلع فقال ليس بشيء فقلت لا تزال تحدثنا بشيء لا نعرفه فقال والله لقد جمع ~~ابن عباس بين امرأة وزوجها بعد تطليقتين وخلع ويقال هذا مما أخطأ فيه طاوس ~~وكان كثير الخطأ مع طلالته وفضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها أنه روى عن ~~ابن عباس أنه قال من طلق ثلاثا كانت واحدة وروى من غير وجه عن ابن عباس أن ~~من طلق امرأته عدد النجوم بانت منه بثلاث قالوا وكان أيوب يتعجب من كثرة ~~خطإ طاوس وذكر ابن أبي نجيح عن طاوس أنه قال الخلع ليس بطلاق قال فأنكره ~~عليه أهل مكة فجمع ناسا منهم واعتذر إليهم وقال إنما سمعت ابن عباس يقول ~~ذلك # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال ~~حدثنا أبو همام قال حدثنا الوليد عن أبي ms0638 سعيد روح بن جناح قال سمعت زمعة بن ~~أبي عبد الرحمن قال سمعت سعيد بن المسيب يقول جعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الخلع تطليقة # ويدل على أنه طلاق # قوله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس حين # PageV02P095 # نشزت عليه امرأته خل سبيلها وفي بعض الألفاظ فارقها بعد ما قال للمرأة ~~ردى عليه حديقته فقالت قد فعلت # ومعلوم أن من قال لامرأته قد فارقتك أو قد خليت سبيلك ونيته الفرقة أنه ~~يكون طلاقا فدل ذلك على أن خلعه إياها بأمر الشارع كان طلاقا وأيضا لا خلاف ~~أنه لو قال لها قد طلقتك على مال أو قد جعلت أمرك إليك بمال كان طلاقا ~~وكذلك لو قال قد خلعتك بغير مال يريد به الفرقة كان طلاقا كذلك إذا خلعها ~~بمال فإن قيل إذا قال بلفظ الخلع كان بمنزلة الإقالة في البيع فتكون فسخا ~~لا بيعا مبتدأ قيل له لا خلاف في جواز الخلع بغير مال وعلى أقل من المهر ~~والإقالة لا تجوز إلا بالثمن الذي كان في العقد ولو كان الخلع فسخا ~~كالإقالة لما جاز إلا بالمهر الذي تزوجها عليه وفي اتفاق الجميع على جوازه ~~بغير مال وبأقل من المهر دلالة على أنه طلاق بمال وأنه ليس بفسخ وأنه لا ~~فرق بينه وبين قوله قد طلقنك على هذا المال ومما يحتج به من يقول أنه ليس ~~بطلاق إن الله تعالى لما قال الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~ثم عقب ذلك بقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلى أن ~~قال في نسق التلاوة فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فأثبت ~~الثالثة بعد الخلع دل ذلك على أن الخلع ليس بطلاق إذ لو كان طلاقا لكانت ~~هذه رابعة لأنه ذكر الخلع بعد التطليقتين ثم ذكر الثالثة بعد الخلع وهذا ~~ليس عندنا على هذا التقدير وذلك لأن قوله تعالى الطلاق مرتان أفاد حكم ~~الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع وأثبت معهما الرجعة ms0639 بقوله تعالى ~~فإمساك بمعروف ثم ذكر حكمهما إذا كانتا على وجه الخلع وأبان عن موضع الحظر ~~والإباحة فيهما والحال التي يجوز فيها أخذ المال أو لا يجوز ثم عطف على ذلك ~~قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره # فعاد ذلك إلى الاثنتين المقدم ذكرهما على وجه الخلع تارة وعلى غير وجه ~~الخلع أخرى فإذا ليس فيه دلالة على أن الخلع بعد الاثنتين ثم الرابعة بعد ~~الخلع وهذا مما يستدل به على أن المختلعة يلحقها الطلاق لأنه لما اتفق ~~فقهاء الأمصار على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما وصفنا وحصلت ~~الثالثة بعد الخلع وحكم الله بصحة وقوعها وحرمتها عليه أبدا إلا بعد زوج ~~فدل ذلك على أن المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة ويدل على أن ~~الثالثة بعد الخلع قوله تعالى في نسق التلاوة فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله عطف # PageV02P096 # على ما تقدم ذكره وقوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فأباح لهما التراجع بعد التطليقة الثالثة ~~بشريطة زوال ما كانا عليه من الخوف لترك إقامة حدود الله لأنه جائز أن ~~يندما بعد الفرقة ويحب كل واحد منهما أن يعود إلى الألفة فدل ذلك على أن ~~الثالثة مذكورة بعد الخلع وقوله تعالى إن ظنا أن يقيما حدود الله يدل على ~~جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث لأنه علق الإباحة بالظن فإن قيل قوله تعالى ~~فلا تحل له من بعد عائد على قوله الطلاق مرتان دون الفدية المذكورة بعدها ~~قيل له هذا يفسد من وجوه أحدها أن قوله ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا خطاب مبتدأ بعد ذكر الاثنتين غير مرتب عليهما لأنه معطوف عليه بالواو ~~وإذا كان كذلك ثم قال عقيب ذكر الفدية فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره وجب أن يكون مرتبا على الفدية لأن الفاء للتعقيب وغير ms0640 جائز ~~ترتيبه على الاثنتين المبدوء بذكرهما وترك عطفه على ما يليه إلا بدلالة ~~تقتضي ذلك وتوجبه كما تقول في الاستثناء بلفظ التخصيص إنه عائد على ما يليه ~~ولا يرد ما تقدمه إلا بدلالة ألا ترى إلى قوله تعالى وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ~~أن شرط الدخول عائد على الربائب دون أمهات النساء إذ كان العطف بالفاء ~~يليهن دون أمهات النساء مع أن هذا أقرب مما ذكرت من عطف قوله تعالى فإن ~~طلقها على قوله تعالى الطلاق مرتان دون ما يليه في الفدية لأنك لا تجعله ~~عطفا على ما يليه من الفدية وتجعله عطفا على ما تقدم دون ما توسط بينهما من ~~ذكر الفدية وأيضا فإنا نجعله # عطفا على جميع ما تقدم من الفدية ومما تقدمها من التطليقتين على غير وجه ~~الفدية فيكون منتظما لفائدتين إحداهما جواز طلاقها بعد الخلع بتطليقتين ~~والأخرى بعد التطليقتين إذا أوقعهما على غير وجه الفدية والله أعلم. ### | باب المضارة في الرجعة # قال الله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف قال أبو بكر المراد بقوله فبلغن أجلهن مقاربة البلوغ والإشراف عليه ~~لا حقيقته لأن الأجل المذكور هو العدة وبلوغه هو انقضاؤها ولا رجعة بعد ~~انقضاء العدة وقد عبر عن العدة بالأجل في مواضع منها قوله تعالى فإذا بلغن ~~أجلهن فأمسكوهن «7- أحكام في» # PageV02P097 # بمعروف أو فارقوهن بمعروف ومعناه معنى ما ذكر في هذه الآية وقال تعالى ~~وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وقال وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فلا تعضلوهن وقال ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله فكان المراد ~~بالآجال المذكورة في هذه الآي العدد ولما ذكره الله تعالى في قوله فإذا ~~بلغن أجلهن والمراد مقاربته دون انقضائه ونظائره كثيرة في القرآن واللغة ~~قال الله تعالى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ومعناه إذا أردتم الطلاق ~~وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة وقال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ~~معناه إذا ms0641 أردت قراءته وقال وإذا قلتم فاعدلوا # وليس المراد العدل بعد القول ولكن قبله يعزم على أن لا يقول إلا عدلا ~~فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل وأراد به مقاربته دون وجود نهايته وإنما ذكر ~~مقاربته البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف وإن كان عليه ذلك في سائر ~~أحوال بقاء النكاح لأنه قرن إليه التسريح وهو انقضاء العدة وجمعهما في ~~الأمر والتسريح إنما له حال واحد ليس يدوم فخص حال بلوغ الأجل بذلك لينتظم ~~المعروف الأمرين جميعا وقوله تعالى فأمسكوهن بمعروف المراد به الرجعة قبل ~~انقضاء العدة وروي ذلك عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وقوله تعالى أو ~~سرحوهن بمعروف معناه تركها حتى تنقضي عدتها وأباح الإمساك بالمعروف وهو ~~القيام بما يجب لها من حق على ما تقدم من بيانه وأباح التسريح أيضا على وجه ~~يكون معروفا بأن لا يقصد مضارتها بتطويل العدة عليها بالمراجعة وقد بينه ~~عقيب ذلك بقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا ويجوز أن يكون من الفراق بالمعروف ~~أن يمتعها عند الفرقة ومن الناس من يحتج بهذه الآية وبقوله فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسان في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين امرأته ~~لأن الله تعالى إنما خيره بين أحد شيئين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ~~وترك الإنفاق ليس بمعروف فمتى عجز عنه تعين عليه التسريح فيفرق الحاكم ~~بينهما قال أبو بكر رحمه الله وهذا جهل من قائله والمحتج به لأن العاجز عن ~~نفقة امرأته يمسكها بمعروف إذ لم يكلف الإنفاق في هذا الحال قال الله تعالى ~~ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ~~سيجعل الله بعد عسر يسرا فغير جائز أن يقال إن المعسر غير ممسك بالمعروف إذ ~~كان ترك الإمساك بمعروف ذما والعاجز غير مذموم بترك الإنفاق ولو كان العاجز ~~عن النفقة غير ممسك # PageV02P098 # بمعروف لوجب أن يكون أصحاب الصفة وفقراء الصحابة الذين عجزوا عن النفقة ~~على أنفسهم فضلا عن نسائهم غير ممسكين بمعروف وأيضا فقد علمنا أن القادر ms0642 ~~على الإنفاق الممتنع منه غير ممسك بمعروف ولا خلاف أنه لا يستحق التفريق ~~فكيف يجوز أن يستدل بالآية على وجوب التفريق على العاجز دون القادر والعاجز ~~ممسك بمعروف والقادر غير ممسك وهذا خلفه من القول قوله تعالى ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا روي عن مسروق والحسن ومجاهد وقتادة وإبراهيم هو تطويل العدة ~~عليها بالمراجعة إذا قاربت انقضاء عدتها ثم يطلقها حتى تستأنف العدة فإذا ~~قاربت انقضاء العدة راجعها فأمر الله بإمساكها بمعروف ونهاه عن مضارتها ~~بتطويل العدة عليها وقوله تعالى ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه دل على وقوع ~~الرجعة وإن قصد بها مضارتها لولا ذلك ما كان ظالما لنفسه إذ لم يثبت حكمها ~~وصارت رجعته لغوا لا حكم لها وقوله تعالى ولا تتخذوا آيات الله هزوا # روى عن عمر وعن الحسن عن أبي الدرداء قال كان الرجل يطلق امرأته ثم يرجع ~~فيقول كنت لاعبا فأنزل الله تعالى ولا تتخذوا آيات الله هزوا فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من طلق أو حرر أو نكح فقال كنت لاعبا فهو جاد # فأخبر أبو الدرداء أن ذلك تأويل الآية وأنها نزلت فيه فدل ذلك على أن لعب ~~الطلاق وجده سواء وكذلك الرجعة لأنه ذكر عقيب الإمساك أو التسريح فهو عائد ~~عليهما وقد أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بينه # وروى عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة # وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال أربع واجبات على كل من تكلم بهن العتاق ~~والطلاق والنكاح والنذر # وروى جابر عن عبد الله بن لحي عن علي أنه قال ثلاث لا يلعب بهن الطلاق ~~والنكاح والصدقة # وروى القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله قال إذا تكلمت بالنكاح فإن النكاح ~~جده ولعبه سواء كما أن جد الطلاق ولعبه سواء وروي ذلك عن جماعة من التابعين ~~ولا نعلم فيه خلافا بين فقهاء الأمصار وهذا ms0643 أصل في إيقاع طلاق المكره لأنه ~~لما استوى حكم الجاد والهازل فيه وكانا إنما يفترقان مع قصدهما إلى القول ~~من جهة وجود إرادة أحدهما لإيقاع حكم ما لفظ به والآخر غير مريد الإيقاع ~~حكمه لم يكن للنية تأثير في دفعه وكان المكره قاصدا إلى القول غير مريد ~~لحكمه لم يكن لفقد نية الإيقاع تأثير في دفعه فدل ذلك على أن شرط # PageV02P099 # وقوعه وجود لفظ الإيقاع من مكلف والله أعلم. ### | باب النكاح بغير ولي # قال الله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن ~~أزواجهن الآية وقوله تعالى فبلغن أجلهن المراد حقيقة البلوغ بانقضاء العدة ~~والعضل يعتوره معنيان أحدهما المنع والآخر الضيق يقال عضل الفضاء بالجيش ~~إذا ضاق بهم والأمر المعضل هو الممتنع وداء عضال ممتنع وفي التضييق يقال ~~عضلت عليهم الأمراء أضيقت وعضلت المرأة بولدها إذا عسر ولادها وأعضلت ~~والمعنيان متقاربان لأن الأمر الممتنع يضيق فعله وزواله والضيق ممتنع أيضا ~~وروى الشعبي سئل عن مسألة صعبة فقال زباء ذات وبر لا تنساب ولا تنقاد ولو ~~نزلت بأصحاب محمد لأعضلت بهم وقوله تعالى ولا تعضلوهن معناه لا تمنعوهن أو ~~لا تضيقوا عليهن في التزويج وقد دلت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا ~~عقدت على نفسها بغير ولي ولا إذن وليها أحدها إضافة العقد إليها من غير شرط ~~إذن الولي والثاني نهيه عن العضل إذا تراضى الزوجان فإن قيل لولا أن الولي ~~يملك منعها عن النكاح لما نهاه عنه كما لا ينهى الأجنبي الذي لا ولاية له ~~عنه قيل له هذا غلط لأن النهي يمنع أن يكون له حق فيما نهي عنه فكيف يستدل ~~به على إثبات الحق وأيضا فإن الولي يمكنه أن يمنعها من الخروج والمراسلة في ~~عقد النكاح فجائز أن يكون النهي عن العضل منصرفا إلى هذا الضرب من المنع ~~لأنها في الأغلب تكون في يد الولي بحيث يمكنه منعها من ذلك ووجه آخر من ~~دلالة الآية على ما ذكرنا وهو أنه لما كان الولي منهيا ms0644 عن العضل إذا زوجت ~~هي نفسها من كفؤ فلا حق له في ذلك كما لو نهي عن الربا والعقود الفاسدة لم ~~يكن له حق فيما قد نهي عنه فلم يكن له فسخه وإذا اختصموا إلى الحاكم فلو ~~منع الحاكم من مثل هذا العقد كان ظالما مانعا مما هو محظور عليه منعه فيبطل ~~حقه أيضا في الفسخ فيبقى العقد لا حق لأحد في فسخه فينفذ ويجوز فإن قيل ~~إنما نهى الله سبحانه الولي عن العضل إذا تراضوا بينهم بالمعروف فدل ذلك ~~على أنه ليس بمعروف إذا عقده غير الولي قيل له قد علمنا أن المعروف مهما ~~كان من شيء فغير جائز أن يكون عقد الولي وذلك لأن في نص الآية جواز عقدها ~~ونهى الولي عن منعها فغير جائز أن يكون معنى المعروف أن لا يجوز عقدها لما ~~فيه من نفي موجب # PageV02P100 # الآية وذلك لا يكون إلا على وجه النسخ ومعلوم امتناع جواز الناسخ ~~والمنسوخ في خطاب لأن النسخ لا يجوز إلا بعد استقرار الحكم والتمكن من ~~الفعل فثبت بذلك أن المعروف المشروط في تراضيهما ليس هو الولي وأيضا فإن ~~الباء تصحب الأبدال فإنما انصرف ذلك إلى مقدار المهر وهو أن يكون مهر مثلها ~~لا نقص فيه ولذلك قال أبو حنيفة إنها إذا نقضت من مهر المثل فللأولياء أن ~~يفرقوا بينهما ونظير هذه الآية في جواز النكاح بغير ولي قوله تعالى فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا قد حوى الدلالة من وجهين على ما ذكرنا أحدهما إضافته عقد النكاح ~~إليها في قوله حتى تنكح زوجا غيره والثاني فلا جناح عليهما أن يتراجعا فنسب ~~التراجع إليهما من غير ذكر الولي ومن دلائل القرآن على ذلك قوله تعالى فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فجاز فعلها في ~~نفسها من غير شرط الولي وفي إثبات شرط الولي في صحة العقد نفى الموجب الآية ~~فإن قيل إنما أراد بذلك ms0645 اختيار الأزواج وأن لا يجوز العقد عليها إلا بإذنها ~~قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما عموم اللفظ في اختيار الأزواج وفي غيره ~~والثاني أن اختيار الأزواج لا يحصل لها به فعل في نفسها وإنما يحصل ذلك ~~بالعقد الذي يتعلق به أحكام النكاح وأيضا فقد ذكر الاختيار مع العقد بقوله ~~إذا تراضوا بينهم بالمعروف. ### | ذكر الاختلاف في ذلك # اختلف الفقهاء في عقد المرأة على نفسها بغير ولي فقال أبو حنيفة لها أن ~~تزوج نفسها كفوا وتستوفي المهر ولا اعتراض للولي عليها وهو قول زفر وإن ~~زوجت نفسها غير كفو فالنكاح جائز أيضا وللأولياء أن يفرقوا بينهما وروي عن ~~عائشة أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من المنذر بن الزبير وعبد ~~الرحمن غائب فهذا يدل على أن من مذهبهما جواز النكاح بغير ولي وهو قول محمد ~~بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة وقال أبو يوسف لا يجوز النكاح بغير ولي ~~فإن سلم الولي جاز وإن أبى أن يسلم والزوج كفو أجازه القاضي وإنما يتم ~~النكاح عنده حين يجيزه القاضي وهو قول محمد وقد روي عن أبي يوسف غير ذلك ~~والمشهور عنه ما ذكرناه قال الأوزاعي إذا ولت أمرها رجلا فزوجها كفوا ~~فالنكاح جائز وليس للولي أن يفرق بينهما وقال ابن أبي ليلى والثوري والحسن ~~بن # PageV02P101 # صالح والشافعي لا نكاح إلا بولي وقال ابن شبرمة لا يجوز النكاح وليس ~~الوالدة بولي ولا أن تجعل المرأة وليها رجلا إلا قاض من قضاة المسلمين وقال ~~ابن القاسم عن مالك إذا كانت امرأة معتقة أو مسكينة أو دنية لا حظ لها فلا ~~بأس أن تستخلف رجلا ويزوجها ويجوز وقال مالك وكل امرأة لها مال وغنى وقدر ~~فإن تلك لا ينبغي أن يزوجها إلا الأولياء أو السلطان قال وأجاز مالك للرجل ~~أن يزوج المرأة وهو من فخذها وإن كان غيره أقرب منه إليها وقال الليث في ~~المرأة تزوج بغير ولي إن غيره أحسن منه يرفع أمرها إلى السلطان فإن كان ~~كفوا أجازه ولم يفسخه ms0646 وذلك في الثيب وقال في السوداء تزوج بغير ولي إنه ~~جائز قال والبكر إذا زوجها غير ولي والولي قريب حاضر فهذا الذي أمره إلى ~~الولي يفسخه له السلطان إن رأى لذلك وجها والولي من قبل هذا أولى من الذي ~~أنكحها قال أبو بكر وجميع ما قدمنا من دلائل الآي الموجبة لجواز عقدها تقضي ~~بصحة قول أبي حنيفة في هذه المسألة ومن جهة السنة # حديث ابن عباس حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن ~~علي قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن صالح بن كيسان عن نافع بن جبير ~~بن مطعم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس للولي مع ~~الثيب أمر # قال أبو داود وحدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن مسلمة قالا حدثنا مالك عن ~~عبد الله بن الفضل عن نافع بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الأيم أحق بنفسها من وليها # فقوله ليس للولي مع الثيب أمر # يسقط اعتبار الولي في العقد # وقوله الأيم أحق بنفسها من وليها # يمنع أن يكون له حق في منعها العقد على نفسها # كقوله صلى الله عليه وسلم الجار بصقبه # وقوله لأم الصغير أنت أحق به ما لم تنكحي # فنفى بذلك كله أن يكون له معها حق ويدل عليه # حديث الزهري عن سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم مالي في النساء من أرب فقام رجل فسأله ~~أن يزوجها فزوجها ولم يسألها هل لها ولي أم لا # ولم يشترط الولي في جواز عقدها # وخطب النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة فقالت ما أحد من أوليائي شاهد ~~فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكرهني ~~فقالت لابنها وهو غلام صغير قم فزوج أمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتزوجها صلى الله عليه وسلم بغير ولي # فإن ms0647 قيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان وليها وولي المرأة التي وهبت ~~نفسها له لقوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم قيل له هو أولى بهم ~~فيما يلزمه من اتباعه وطاعته فيما يأمرهم به فأما أن يتصرف عليهم في # PageV02P102 # أنفسهم وأموالهم فلا ألا ترى أنه لم يقل لها حين قالت له ليس أحد من ~~أوليائي شاهد وما عليك من أوليائك وأنا أولى بك منهم بل قال ما أحد منهم ~~يكرهني وفي هذا دلالة على أنه لم يكن وليا لهن في النكاح ويدل عليه من جهة ~~النظر اتفاق الجميع على جواز نكاح الرجل إذا كان جائز التصرف في ماله كذلك ~~المرأة لما كانت جائزة التصرف في مالها وجب جواز عقد نكاحها والدليل على أن ~~العلة في جواز نكاح الرجل ما وصفنا أن الرجل إذا كان مجنونا غير جائز ~~التصرف في ماله لم يحز نكاحه فدل على صحة ما وصفنا واحتج من خالف في ذلك ~~بحديث شريك عن سماك عن أبي أخي معقل بن يسار عن معقل أن أخت معقل كانت تحت ~~رجل فطلقها ثم أراد أن يراجعها فأبى عليها معقل فنزلت هذه الآية فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن # وقد روي عن الحسن أيضا هذه القصة وأن الآية نزلت فيها وأنه صلى الله عليه ~~وسلم دعا معقلا وأمره بتزويجها # وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل لما في سنده من الرجل المجهول ~~الذي روى عنه سماك وحديث الحسن مرسل ولو ثبت لم ينف دلالة الآية على جواز ~~عقدها من قبل أن معقلا فعل ذلك فنهاه الله عنه فبطل حقه في العضل فظاهر ~~الآية يقتضي أن يكون ذلك خطابا للأزواج لأنه قال وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن فقوله تعالى فلا تعضلوهن إنما هو خطاب لمن طلق وإذا كان ~~كذلك كان معناه عضلها عن الأزواج بتطويل العدة عليها كما قال ولا تمسكوهن ~~ضرارا لتعتدوا وجائز أن يكون قوله تعالى ولا تعضلوهن خطابا للأولياء ~~وللأزواج ولسائر الناس والعموم يقتضي ذلك واحتجوا ms0648 أيضا بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما امرأة نكحت بغير وليها ~~فنكاحها باطل # وبما # روي من قوله لا نكاح إلا بولي # وبحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تزوج المرأة المرأة ولا ~~تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها # فأما الحديث الأول فغير ثابت وقد بينا علله في شرح الطحاوي وقد روي في ~~بعض الألفاظ أيما امرأة تزوجت بغير إذن مواليها وهذا عندنا على الأمة تزوج ~~نفسها بغير إذن مولاها وقوله لا نكاح إلا بولي لا يعترض على موضع الخلاف ~~لأن هذا عندنا نكاح بولي لأن المرأة ولي نفسها كما أن الرجل ولي نفسه لأن ~~الولي هو الذي يستحق الولاية على من يلي عليه والمرأة تستحق الولاية ~~والتصرف على نفسها في مالها فكذلك في بعضها وأما حديث أبي هريرة فمحمول على ~~وجه الكراهة لحضور المرأة مجلس الإملاك لأنه # PageV02P103 # مأمور بإعلان النكاح ولذلك يجمع له الناس فكره للمرأة حضور ذلك المجمع ~~وقد ذكر أن # قوله الزانية هي التي تنكح نفسها # من قول أبي هريرة وقد روي في حديث آخر عن أبي هريرة هذا الحديث وذكر فيه ~~أن أبا هريرة قال كان يقال الزانية هي التي تنكح نفسها وعلى أن هذا اللفظ ~~خطأ بإجماع المسلمين لأن تزويجها نفسها ليس بزنا عند أحد من المسلمين ~~والوطء غير مذكور فيه فإن حملته على أنها زوجت نفسها ووطئها الزوج فهذا ~~أيضا لا خلاف فيه أنه ليس بزنا لأن من لا يجيزه إنما يجعله نكاحا فاسدا ~~يوجب المهر والعدة ويثبت به النسب إذا وطئ وقد استقصينا الكلام في هذه ~~المسألة في شرح الطحاوي وقوله عز وجل ذلكم أزكى لكم وأطهر يعني إذا لم ~~تعضلوهن لأن العضل ربما أدى إلى ارتكاب المحظور منهما على غير وجه العقد ~~وهو معنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا ~~تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ms0649 محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال ~~حدثنا حاتم بن إسماعيل قال سمعت عبد الله بن هرمز قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة ~~في الأرض وفساد عريض ### | باب الرضاع # قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين الآية قال أبو بكر ~~ظاهره الخبر ولكنه معلوم من مفهوم الخطاب أنه لم يرد به الخبر لأنه لو كان ~~خبرا لوجد مخبره فلما كان في الوالدات من لا يرضع علم أنه لم يرد به الخبر ~~ولا خلاف أيضا في أنه لم يرد به الخبر وإذا لم يكن المراد حقيقة اللفظ الذي ~~هو الخبر لم يخل من أن يكون المراد إيجاب الرضاع على الأم وأمرها به إذ قد ~~يرد الأمر في صيغة الخبر كقوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وأن ~~يريد به إثبات حق الرضاع للأم وإن أبى الأب أو تقدير ما يلزم الأب من نفقة ~~الرضاع فلما قال في آية أخرى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقال تعالى وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى دل ذلك على أنه ليس المراد الرضاع شاءت الأم أو أبت ~~وأنها مخيرة في أن ترضع أو لا ترضع فلم يبق إلا الوجهان الآخران وهو أن ~~الأب إذا أبى استرضاع الأم أجبر عليه وأن أكثر ما يلزمه في نفقة الرضاع ~~للحولين فإن أبى أن ينفق نفقة الرضاع أكثر منهما لم يجبر عليه # PageV02P104 # ثم لا يخلوا بعد ذلك قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن من أن يكون ~~عموما في سائر الأمهات مطلقات كن أو غير مطلقات أو أن يكون معطوفا على ما ~~تقدم ذكره من المطلقات مقصور الحكم عليهن فإن كان المراد سائر الأمهات ~~المطلقات منهن والمزوجات فإن النفقة الواجبة للمزوجات منهن هي نفقة الزوجية ~~وكسوتها لا للرضاع لأنها لا تستحق نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية فتجتمع لها ~~نفقتان إحداهما للزوجية والأخرى للرضاع وإن كانت مطلقة فنفقة الرضاع أيضا ~~مستحقة بظاهر الآية لأنه أوجبها بالرضاع وليست في هذه الحال ms0650 زوجة ولا معتدة ~~منه لأنه يكون معطوفا على قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن فتكون منقضية العدة بوضع الحمل وتكون النفقة ~~المستحقة أجرة الرضاع وجائز أن يكون طلقها بعد الولادة فتكون عليها العدة ~~بالحيض وقد اختلفت الرواية من أصحابنا في وجوب نفقة الرضاع ونفقة العدة معا ~~ففي إحدى الروايتين أنهما تستحقهما معا وفي الأخرى أنها لا تستحق للرضاع ~~شيئا مع نفقة العدة فقد حوت الآية الدلالة على معنيين أحدهما أن الأم أحق ~~برضاع ولدها في الحولين وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ~~ترضعه والثاني أن الذي يلزم الأب في نفقة الرضاع إنما هو سنتان وفي الآية ~~دلالة على أن الأب لا يشارك في نفقة الرضاع لأن الله تعالى أوجب هذه النفقة ~~على الأب للأم وهما جميعا وارثان ثم جعل الأب أولى بإلزام ذلك من الأم مع ~~اشتراكهما في الميراث فصار ذلك أصلا في اختصاص الأب بإلزام النفقة دون غيره ~~كذلك حكمه في سائر ما يلزمه من نفقة الأولاد الصغار والكبار الزمنى يختص هو ~~بإيجابه عليه دون مشاركة غيره فيه لدلالة الآية عليه وقوله تعالى رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف يقتضي وجوب النفقة والكسوة لها في حال الزوجية لشمول ~~الآية لسائر الوالدات من الزوجات والمطلقات وقوله تعالى بالمعروف يدل على ~~أن الواجب من النفقة والكسوة هو على قدر حال الرجل في إعساره ويساره إذ ليس ~~من المعروف إلزام المعسر أكثر مما يقدر عليه ويمكنه ولا إلزام الموسر الشيء ~~الطفيف ويدل أيضا على أنها على مقدار الكفاية مع اعتبار حال الزوج وقد بين ~~ذلك بقوله عقيب ذلك لا تكلف نفس إلا وسعها فإذا اشتطت المرأة وجلبت من ~~النفقة أكثر من المعتاد # PageV02P105 # المتعارف لمثلها لم تعط وكذلك إذا قصر الزوج عن مقدار نفقة مثلها في ~~العرف والعادة لم يحل ذلك وأجبر على نفقة مثلها وفي هذه الآية دلالة على ~~جواز استئجار الظئر بطعامها وكسوتها لأن ما أوجبه الله تعالى في هذه الآية ~~للمطلقة هما أجرة ms0651 الرضاع وقد بين ذلك بقوله تعالى فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن وفي هذه الآية دلالة على تسويغ اجتهاد الرأي في أحكام الحوادث إذ لا ~~توصل إلى تقدير النفقة بالمعروف إلا من جهة غالب الظن وأكثر الرأي إذ كان ~~ذلك معتبرا بالعادة وكل ما كان مبنيا على العادة فسبيله الاجتهاد وغالب ~~الظن إذ ليست العادة مقصورة على مقدار واحد لا زيادة عليه ولا نقصان ومن ~~جهة أخرى هو مبني على الاجتهاد وهو اعتبار حاله في إعساره ويساره ومقدار ~~الكفاية والإمكان بقوله لا تكلف نفس إلا وسعها # واعتبار الوسع مبني على العادة وقوله تعالى لا تكلف نفس إلا وسعها يوجب ~~بطلان قول أهل الإجبار في اعتقادهم أن الله يكلف عباده ما لا يطيقون وإكذاب ~~لهم في نسبتهم ذلك إلى الله تعالى الله عما يقولون وينسبون إليه من السفه ~~والعبث علوا كبيرا قوله تعالى لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده روي ~~عن الحسن ومجاهد وقتادة قالوا هو المضارة في الرضاع وعن سعيد بن جبير ~~وإبراهيم قالا إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم قال أبو بكر فمعناه لا ~~تضار والدة بولدها بأن لا تعطى إذا رضيت بأن ترضعه بمثل ما ترضعه به ~~الأجنبية بل تكون هي أولى على ما تقدم في أول الآية من قوله والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف فجعل الأم أحق برضاع الولد هذه المدة ثم أكد ذلك بقوله ~~تعالى لا تضار والدة بولدها يعني والله أعلم أنها إذا رضيت بأن ترضع بمثل ~~ما ترضع به غيرها لم يكن للأب أن يضارها فيدفعه إلى غيرها وهو كما قال في ~~آية أخرى فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن فجعلها أولى بالرضاع ثم قال وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى فلم يسقط حقها من الرضاع إلا عند التعاسر ويحتمل أن ~~يريد به أنها لا تضار بولدها إذا لم تختر أن ترضعه بأن ينتزع منها ولكنه ~~يؤمر الزوج بأن يحضر الظئر إلى عندها ms0652 حتى ترضعه في بيتها وكذلك قول أصحابنا ~~ولما كانت الآية محتملة للمضارة في نزع الولد منها واسترضاع غيرها وجب حمله ~~على المعنيين فيكون الزوج ممنوعا من استرضاع غيرها إذا رضيت هي بأن ترضعه ~~بأجرة # PageV02P106 # مثلها وهي الرزق والكسوة بالمعروف وإن لم ترضع أجبر الزوج على إحضار ~~المرضعة حتى ترضعه في بيتها حتى لا يكون مضارا لها بولدها وفي هذا دلالة ~~على أن الأم أحق بإمساك الولد ما دام صغيرا وإن استغنى عن الرضاع بعد ما ~~يكون ممن يحتاج إلى الحضانة لأن حاجته إلى الأم بعد الرضاع كهي قبله فإذا ~~كانت في حال الرضاع أحق به وإن كانت المرضعة غيرها علمنا في كونه عند الأم ~~حقا لها وفيه حق للولد أيضا وهو أن الأم أرفق به وأحنى عليه وذلك في الغلام ~~عندنا إلا أن يأكل وحده ويشرب وحده ويتوضأ وحده وفي الجارية حتى تحيض لأن ~~الغلام إذا بلغ الحد الذي يحتاج فيه إلى التأديب ويعقله ففي كونه عند الأم ~~دون الأب ضرر عليه والأب مع ذلك أقوم بتأديبه وهي الحال التي # قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها ~~لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع # فمن كان سنه سبعا فهو مأمور بالصلاة على وجه التعليم والتأديب لأنه ~~يعقلها فكذلك سائر الأدب الذي يحتاج إلى تعلمه وفي كونه عندها في هذه الحال ~~ضرر عليه ولا ولاية لأحد على الصغير فيما يكون فيه ضرر عليه وأما الجارية ~~فلا ضرر عليها في كونها عند الأم إلى أن تحيض بل كونها عندها أنفع لها ~~لأنها تحتاج إلى آداب النساء ولا تزول هذه الولاية عنها إلا بالبلوغ لأنها ~~تستحقها عليها بالولادة ولا ضرر عليها في كونها عندها فلذلك كانت أولى إلى ~~وقت البلوغ فإذا بلغت احتاجت إلى التحصين والأب أقوم بتحصينها فلذلك كان ~~أولى بها وبمثل دلالة القرآن على ما وصفنا ورد الأثر عن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو ما # روي عن علي كرم الله وجهه وابن عباس أن عليا اختصم هو ms0653 وزيد بن حارثة ~~وجعفر بن أبي طالب في بنت حمزة وكانت خالتها تحت جعفر فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ادفعوها إلى خالتها فإن الخالة والدة # فكان هذا الخبر أنه جعل الخالة أحق من العصبة كما حكمت الآية بأن الأم ~~أحق بإمساك الولد من الأب وهذا أصل في أن ذوات الرحم المحرم أولى بإمساك ~~الصبي وحضانته من حضانة العصبة من الرجال الأقرب فالأقرب منهم وقد حوى هذا ~~الخبر معاني منها أن الخالة لها حق الحضانة وأنها أحق به من العصبة وسماها ~~والدة ودل ذلك على أن كل ذات رحم محرم من الصبي فلها هذا الحق الأقرب ~~فالأقرب إذ لم يكن هذا الحق مقصورا على الولادة # وقد روى عمر بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن امرأة جاءت بابن لها ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله حين كان بطني له وعاء ~~وثديى له # PageV02P107 # سقاء وحجري له حواء أراد أبوه أن ينتزعه مني فقال أنت أحق به ما لم ~~تتزوجي # وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة منهم علي وأبو بكر وعبد الله بن مسعود ~~والمغيرة بن شعبة في آخرين من الصحابة والتابعين وقال الشافعي يخير الغلام ~~إذا أكل أو شرب وحده فإن اختار الأب كان أولى به وكذلك إن اختار الأم كان ~~عندها # وروي فيه حديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاما ~~بين أبويه فقال له اختر أيهما شئت # وروى عبد الرحمن ابن غنم قال شهدت عمر بن الخطاب خير صبيا بين أبويه فأما ~~ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فجائز أن يكون بالغا لأنه قد يجوز أن ~~يسمى غلاما بعد البلوغ # وقد روي عن علي أنه خير غلاما وقال لو قد بلغ هذا يعني أخا له صغيرا ~~لخيرته # فهذا يدل على أن الأول كان كبيرا # وقد روي في حديث أبي هريرة أن امرأة خاصمت زوجها إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقالت إنه طلقني وإنه ms0654 يريد أن ينزع مني ابني وقد نفعني وسقاني من بئر ~~أبي عنبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استهما عليه فقال من يحاجني في ~~ابني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا غلام هذه أمك وهذا أبوك فاختر ~~أيهما شئت فأخذ الغلام بيد أمه # وقول الأم قد سقاني من بئر أبي عنبة يدل على أنه كان كبيرا وقد اتفق ~~الجميع أنه لا اختيار للصغير في سائر حقوقه وكذلك في الأبوين قال محمد بن ~~الحسن لا يخير الغلام لأنه لا يختار إلا شر الأمرين قال أبو بكر هو كذلك ~~لأنه يختار اللعب والإعراض عن تعلم الأدب والخير وقال الله تعالى قوا ~~أنفسكم وأهليكم نارا ومعلوم أن الأدب أقوم بتأديبه وتعليمه وأن في كونه عند ~~الأم ضررا عليه لأنه ينشأ على أخلاق النساء وأما قوله تعالى ولا مولود له ~~بولده فإنه عائد على المضارة نهي الرجل أن يضارها بولدها ونهي المرأة أيضا ~~أن تضار بولده والمضارة من جهتها قد تكون في النفقة وغيرها فأما في النفقة ~~فأن تشتط عليه وتطلب فوق حقها وفي غير النفقة أن تمنعه من رؤيته والإلمام ~~به ويحتمل أن تغترب به وتخرجه عن بلده فتكون مضارة له بولده ويحتمل أن تريد ~~أن لا يطيعه وتمتنع من تركه عنده فهذه الوجوه كلها محتملة ينطوي عليها قوله ~~تعالى ولا مولود له بولده فوجب حمل الآية عليها قوله تعالى وعلى الوارث مثل ~~ذلك هو عطف على جميع المذكور قبله من عند قوله وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف لأن الكلام كله معطوف بعضه على بعض بالواو وهي حرف الجمع ~~فكان الجميع مذكورا في حال واحدة النفقة والكسوة والنهي لكل واحد منهما عن ~~مضارة الآخر # PageV02P108 # على ما اعتورها من المعاني التي قدمنا ذكرها ثم قال الله وعلى الوارث مثل ~~ذلك يعني النفقة والكسوة وأن لا يضارها ولا تضاره إذ كانت المضارة قد تكون ~~في غيرها فلما قال عطفا على ذلك وعلى الوارث مثل ذلك كان ذلك موجبا على ~~الوارث جميع ms0655 المذكور وقد روي عن عمر وزيد بن ثابت والحسن وقبيصة بن ذؤيب ~~وعطاء وقتادة في قوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك قالوا النفقة وعن ابن عباس ~~والشعبي عليه أن لا يضار قال أبو بكر قولهما عليه أن لا يضار لا دلالة فيه ~~على أنهما لم يريا النفقة واجبة على الوارث لأن المضارة قد تكون في النفقة ~~كما تكون في غيرها فعوده على المضارة لا ينفي إلزامه النفقة ولولا أن عليه ~~النفقة ما كان لتخصيصه بالنهي عن المضارة فائدة إذ هو في ذلك كالأجنبي ويدل ~~على أن المراد المضارة في النفقة وفي غيرها قوله تعالى عقيب ذلك وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم فدل ذلك على أن المضارة قد انتظمت ~~الرضاع والنفقة وقد اختلف السلف فيمن تلزمه نفقة الصغير فقال عمر بن الخطاب ~~إذا لم يكن له أب فنفقته على العصبات وذهب في ذلك إلى أن الله تعالى أوجب ~~النفقة على الأب دون الأم لأنه عصبة فوجب أن تختص بها العصبات بمنزلة العقل ~~وقال زيد بن ثابت النفقة على الرجال والنساء على قدر مواريثهم وهو قول ~~أصحابنا وروي عن ابن عباس ما ذكرنا من أن على الوارث أن لا يضارها وقد بينا ~~أن هذا يدل على أنه رأى على الوارث النفقة لأن المضارة تكون فيها وقال مالك ~~لا نفقة على أحد إلا الأب خاصة ولا تجب على الجد وعلى ابن الابن للجد وتجب ~~على الابن للأب وقال الشافعي لا تجب نفقة الصغير على أحد من قرابته إلا ~~الوالد والولد والجد وولد الولد قال أبو بكر وظاهر قوله وعلى الوارث مثل ~~ذلك واتفاق السلف على ما وصفنا من إيجاب النفقة يقضيان بفساد هذين القولين ~~لأن قوله وعلى الوارث مثل ذلك عائد على جميع المذكورين في النفقة والمضارة ~~وغير جائز لأحد تخصيصه بغير دلالة وقد ذكرنا اختلاف السلف فيمن تجب عليه من ~~الورثة ولم يقل أحد منهم إن الأخ والعم لا تجب عليهما النفقة وقول مالك ~~والشافعي خارج عن قول الجميع ms0656 ومن حيث وجب على الأب وهو ذو رحم محرم وجب على ~~من هو بهذه الصفة الأقرب فالأقرب لهذه العلة ويدل عليه قوله تعالى ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم- إلى قوله تعالى- أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ~~فذكر ذوي الرحم المحرم وجعل لهم أن # PageV02P109 # يأكلوا من بيوتهم فدل على أنهم مستحقون لذلك لولاه لما أباحه لهم فإن قيل ~~قد ذكرنا فيه أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم # ولا يستحقان النفقة قيل له هو منسوخ عنهم بالاتفاق ولم يثبت نسخ ذوى ~~الرحم المحرم فإن قيل فأوجبوا النفقة على ابن العم إذا كان وارثا قيل له ~~الظاهر يقتضيه وخصصناه بدلالة فإن قيل فإن كان قوله وعلى الوارث مثل ذلك ~~موجبا للنفقة على كل وارث فالواجب إيجاب النفقة على الأب والأم على قدر ~~مواريثهما منه قيل له إنما المراد وعلى الوارث غير الأب وذلك لأنه قد تقدم ~~ذكر الأب في أول الخطاب بإيجاب جميع النفقة عليه دون الأم ثم عطف عليه قوله ~~وعلى الوارث مثل ذلك وغير جائز أن يكون مراده الأب مع سائر الورثة لأنه نسخ ~~ما قد تقدم وغير جائز وجود الناسخ والمنسوخ في شيء واحد في خطاب إذ كان ~~النسخ غير جائز إلا بعد استقرار الحكم والتمكين من الفعل وذكر إسماعيل بن ~~إسحاق أنه إذا ولد مولود وأبوه ميت أو معدوم فعلى أمه أن ترضعه لقوله تعالى ~~والوالدات يرضعن أولادهن فلا يسقط عنها بسقوط ما كان يجب على الأب فإن ~~انقطع لبنها بمرض أو غيره فلا شيء عليها وإن كان يمكنها أن تسترضع فلم تفعل ~~وخافت عليه الموت وجب عليها أن تسترضع لا من جهة ما على الأب لكن من جهة أن ~~على كل واحد إعانة من يخاف عليه إذا أمكنه وهذا الفصل من كلامه يشتمل على ~~ضروب من الاختلال أحدها أنه أوجب الرضاع على الأم لقوله والوالدات يرضعن ~~أولادهن وأعرض عن ذكر ما يتصل به من قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف فإنما جعل عليها الرضاع بحذاء ما ms0657 أوجب لها من النفقة والكسوة فكيف ~~يجوز إلزامها ذلك بغير بدل ومعلوم أن لزوم النفقة للأب بدلا من الرضاع يوجب ~~أن تكون تلك المنافع في الحكم حاصلة للأب ملكا باستحقاق البدل عليه فاستحال ~~إيجابها على الأم وقد أوجبها الله تعالى على الأب بإلزامها بدل من النفقة ~~والكسوة والثاني قوله يرضعن أولادهن ليس فيه إيجاب الرضاع عليها وإنما جعل ~~به الرضاع حقا لها لأنه لا خلاف أنها لا تجبر على الرضاع إذا أبت وكان الأب ~~حيا وقد نص الله على ذلك في قوله وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى فلا يصح ~~الاستدلال بالآية على إيجاب الرضاع عليها في حال فقد الأب وهو لم يقتض ~~إيجابه عليها في حال حياته وهو المنصوص عليه في الآية ثم زعم أنه إن انقطع ~~لبنها # PageV02P110 # بمرض أو غيره فلا شيء عليها وإن أمكنها أن تسترضع وهذا أيضا متنقض لأنها ~~إن كانت منافع الرضاع مستحقة عليها للولد في حال فقد الأب فواجب أن يكون ~~ذلك عليها في مالها إذا تعذر عليها الرضاع كما وجب على الأب استرضاعه وإن ~~لم تكن منافع الرضاع مستحقة عليها في مالها فغير جائز إلزامها الرضاع وما ~~الفرق بين لزومها منافع الرضاع وبين لزوم ذلك في مالها إذا تعذر عليها ثم ~~ناقض فيه من وجه آخر وهو أنه لم يلزمها نفقته بعد انقضاء الرضاع ويفرق بين ~~الرضاع وبين النفقة بعد الرضاع وهما جميعا من نفقة الصغير فمن أين أوجب ~~الفرق بينهما ولو جازت الفرقة من هذا الوجه لجاز مثله في الأب حتى يقال إن ~~الذي يلزمه إنما هو نفقة الرضاع فإذا انقضت مدة الرضاع فلا نفقة عليه ~~للصغير لأن الله تعالى إنما أوجب عليه نفقتها وكسوتها للرضاع ثم زعم أنه ~~إذا أمكنها أن تسترضع وخافت عليه الموت فعليها أن تسترضع على الوجه الذي ~~يلزمها ذلك لو خافت عليه الموت فإن كان ذلك على هذا المعنى فكيف خصها ~~بإلزامها ذلك دون جيرانها ودون سائر الناس وهذا كله تخليط وتشبه غير مقرون ~~بدلالة ولا مستند إلى ms0658 شبهة وقد حكي مثل ذلك عن مالك أنه لا يوجب النفقة إلا ~~على الأب للابن وعلى الابن للأب ولا يوجبها للجد على ابن الابن وهو قول ~~خارج عن أقاويل السلف والخلف جميعا لا نعلم عليه موافقا ومع ذلك فإن ظاهر ~~الكتاب يرده وهو قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على ~~وهن- إلى قوله تعالى- وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا والجد داخل في هذه الجملة لأنه أب قال ~~الله تعالى ملة أبيكم إبراهيم وهو مأمور بمصاحبته بالمعروف لا خلاف في ذلك ~~وليس من الصحبة بالمعروف تركه جائعا مع القدرة على سد جوعته # ويدل عليه أيضا قوله ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ~~فذكر بيوت هؤلاء الأقرباء ولم يذكر بيت الابن ولا ابن الابن لأن قوله من ~~بيوتكم قد اقتضى ذلك # كقوله أنت ومالك لأبيك # فأضاف إليه ملك الابن كما أضاف إليه بيت الابن واقتصر على إضافة البيوت ~~إليه والدليل على أنه أراد بيوت الابن وابن الابن أنه قد كان معلوما قبل ~~ذلك أن الإنسان غير محظور عليه مال نفسه فإنه لا وجه لقول القائل لا جناح ~~عليك في أكل مال نفسك فدل ذلك على أن المراد بقوله أن تأكلوا من بيوتكم هي ~~بيوت الأبناء وأبناء الأبناء إذ لم يذكرهما جميعا كما ذكر سائر الأقرباء ~~وقد اختلف # PageV02P111 # موجبو النفقة على الورثة على قدر مواريثهم فقال أصحابنا هي على كل من كان ~~من أهل الميراث على قدر ميراثه من الصبي إذا كان ذا رحم محرم منه ولا نفقة ~~على من لم يكن ذا رحم محرم من الصبي وإن كان وارثا ولذلك أوجبوا النفقة على ~~الخال والميراث لابن العم لأن ابن العم ليس رحم محرم والخال وإن لم يكن ~~وارثا في هذه الحال فهو من أهل الميراث ذو رحم محرم وذلك لأنه معلوم أنه لم ~~يرد به وارثا في حال الحياة لأن الميراث لا يكون في حال الحياة ms0659 وبعد الموت ~~لا يدرى من يرثه وعسى أن يكون هذا الصبي يرث هذا الذي عليه النفقة بموته ~~قبله وجائز أن يحدث له من الورثة من يحجب من أوجبنا عليه ولما كان ذلك كذلك ~~علمنا أنه ليس المراد حصول الميراث وإنما المعنى أنه ذو رحم محرم من أهل ~~الميراث وقال ابن أبي ليلى النفقة واجبة على كل وارث ذا رحم محرم كان أو ~~غير ذي رحم محرم فيوجبها على ابن العم دون الخال والدليل على صحة ما ذكرنا ~~اتفاق الجميع على أن مولى العتاقة لا تجب عليه النفقة وإن كان وارثا وكذلك ~~المرأة لا تجب عليها نفقة زوجها الصغير وهي ممن يرثه فدل ذلك على أن كونه ~~ذا رحم محرم شرط في إيجاب النفقة وأما قوله عز وجل حولين كاملين لمن أراد ~~أن يتم الرضاعة فإنه لا يخلو توقيت الحولين من أحد المعنيين إما أن يكون ~~تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم أو لما يلزم الأب من نفقة الرضاع فلما ~~قال في نسق التلاوة بعد ذكر الحولين فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور ~~فلا جناح عليهما دل ذلك على أن الحولين ليسا تقديرا لمدة الرضاع الموجب ~~للتحريم لأن الفاء للتعقيب فواجب أن يكون الفصال الذي علقه بإرادتهما بعد ~~الحولين وإذا كان الفصال معلقا بتراضيهما وتشاورهما بعد الحولين فقد دل ذلك ~~على أن ذكر الحولين ليس هو من جهة توقيت نهاية الرضاع الموجب للتحريم وأنه ~~جائز أن يكون بعدهما رضاع وقد روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة ثم قال فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح إن أراد ~~أن يفطماه قبل الحولين أو بعده فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن قوله تعالى ~~فإن أرادا فصالا على ما قبل الحولين وبعده ويدل عليه قوله تعالى وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم وظاهره الاسترضاع بعد الحولين لأنه ~~معطوف على ذكر ms0660 الفصال الذي علقه بتراضيهما # PageV02P112 # فأباحه لهما وأباح للأب الاسترضاع بعد ذلك كما أباح لهما الفصال إذا كان ~~فيه صلاح الصبي ودل ما وصفنا على أن ذكر الحولين إنما هو توقيت لما يلزم ~~الأب في الحكم من نفقة الرضاع ويجبره الحاكم عليه والله أعلم. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في وقت الرضاع # قال أبو بكر قد كان بين السلف اختلاف في رضاعة الكبير فروي عن عائشة أنها ~~كانت ترى رضاع الكبير موجبا للتحريم كرضاع الصغير وكانت تروي في ذلك # حديث سالم مولى أبي حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسهلة بنت ~~سهيل وهي امرأة أبي حذيفة أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك # وكانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها رجل أمرت أختها أم كلثوم أن ترضعه ~~خمس رضعات ثم يدخل عليها بعد ذلك وأبى سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك وقلن لعل هذه كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم وحده # وقد روي أن سهلة بنت سهيل قالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من ~~دخول سالم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه يذهب ما في وجه أبي ~~حذيفة # فيحتمل أن يكون ذلك خاصا لسالم كما تأوله سائر نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما خص أبا زياد ابن دينار بالجذعة في الأضحية وأخبر أنها لا تجزي عن ~~أحد بعده وقد روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن رضاع ~~الكبير لا يحرم وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا ~~سفيان عن أشعث بن سليم عن أبيه عن مسروق عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فقالت يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة ~~فقال صلى الله عليه وسلم انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة # من المجاعة فهذا يوجب أن يكون حكم الرضاع مقصورا على حال الصغير وهي ~~الحال التي يسد اللبن ms0661 فيها جوعته ويكتفى في غذائه وقد روي عن أبي موسى أنه ~~كان يرى رضاع الكبير وروي عنه ما يدل على رجوعه وهو ما روى أبو حصين عن أبي ~~عطية قال قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت فتورم ثديها فجعل يمجه ويصبه ~~فدخل في بطنه جرعة منه فسأل أبا موسى فقال بانت منك فأتى ابن مسعود فأخبره ~~ففصل فأقبل بالأعرابي إلى الأشعري فقال أرضيعا ترى هذا الأشمط إنما يحرم من ~~الرضاع ما ينبت اللحم والعظم فقال الأشعري لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر ~~بين أظهركم وهذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول إلى قول ابن مسعود «8- ~~أحكام في» # PageV02P113 # إذ لولا ذلك لم يقل لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهركم وكان باقيا ~~على مخالفته وأن ما أفتى به حق # وقد روي عن علي وابن عباس وعبد الله وأم سلمة وجابر بن عبد الله وابن عمر ~~أن رضاع الكبير لا يحرم # ولا نعلم أحدا من الفقهاء قال برضاع الكبير إلا شيء يروى عن الليث بن سعد ~~يرويه عنه أبو صالح أن رضاع الكبير يحرم وهو قول شاذ لأنه قد روي عن عائشة ~~ما يدل على أنه لا يحرم وهو ما روى الحجاج عن الحكم عن أبي الشعثاء عن ~~عائشة قالت يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم # وقد روى حرام بن عثمان عن ابن جابر عن أبيهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الذي قدمنا إنما الرضاعة ~~من المجاعة # وفي حديث آخر ما أنبت اللحم وأنشز العظم # وهذا ينفي كون الرضاع في الكبير وقد روي حديث عائشة الذي قدمناه في رضاع ~~الكبير على وجه آخر وهو ما روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كانت ~~تأمر بنت عبد الرحمن بن أبي بكر أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا ~~صاروا رجالا فإذا ثبت شذوذ قول من أوجب رضاع ms0662 الكبير فحصل الاتفاق على أن ~~رضاع الكبير غير محرم وبالله التوفيق وقد اختلف فقهاء الأمصار في مدة ذلك ~~فقال أبو حنيفة ما كان من رضاع في الحولين وبعدهما بستة أشهر وقد فطم أو لم ~~يفطم فهو يحرم وبعد ذلك لا يحرم فطم أو لم يفطم وقال زفر ابن الهذيل ما دام ~~يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين وقال أبو يوسف ~~ومحمد والثوري والحسن بن صالح والشافعي يحرم في الحولين ولا يحرم بعدهما ~~ولا يعتبر الفطام وإنما يعتبر الوقت وقال ابن وهب عن مالك قليل الرضاع ~~وكثيره محرم في الحولين وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم قليله ولا كثيره ~~وقال ابن القاسم عن مالك الرضاع حولان وشهر أو شهران بعد ذلك ولا ينظر إلى ~~إرضاع أمه إياه إنما ينظر إلى الحولين وشهر أو شهرين قال وإن فصلته قبل ~~الحولين وأرضعته قبل تمام الحولين فهو فطيم فإن ذلك لا يكون رضاعا إذا كان ~~قد استغنى قبل ذلك عن الرضاع فلا يكون ما أرضع بعده رضاعا وقال الأوزاعي ~~إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم لم ~~يكن رضاعا بعد الحولين وقد روي عن السلف في ذلك أقاويل # فروي عن علي لا رضاع بعد فصال # وعن عمر وابن عمر لا رضاع إلا ما كان في الصغر وهذا يدل من قولهم على # PageV02P114 # ترك اعتبار الحولين لأن عليا علق الحكم بالفصال وعمر وابنه بالصغر من غير ~~توقيت وعن أم سلمة أنها قالت إنما يحرم من الرضاع ما كان في الثدي قبل ~~الفطام وعن أبي هريرة لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان في الثدي ~~قبل الفطام فعلق الحكم بما كان قبل الفطام وبما فتق الأمعاء وهو نحو ما روي ~~عن عائشة أنها قالت إنما يحرم من الرضاعة ما أنبت اللحم والدم فهذا كله يدل ~~على أنه لم يكن من مذهبهم اعتبار الحولين وقد روي عن عبد الله بن مسعود ~~وعبد الله ms0663 بن عباس أنهما قالا لا رضاع بعد الحولين وما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الرضاعة من المجاعة # يدل على أنه غير متعلق بالحولين لأنه لو كان الحولان توقيتا له لما قال ~~الرضاعة من المجاعة ولقال الرضاعة في الحولين فلما لم يذكر الحولين وذكر ~~المجاعة ومعناها أن اللبن إذا كان يسد جوعته ويقوى عليه بدنه فالرضاعة في ~~تلك الحال وذلك قد يكون بعد الحولين فاقتضى ظاهر ذلك صحة الرضاع الموجب ~~للتحريم بعد الحولين # وفي حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا رضاع بعد فصال # وذلك يوجب أنه إذا فصل بعد الحولين أن ينقطع حكمه بعد ذلك وكذلك ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الرضاعة ما أنبت اللحم وأنشز ~~العظم # دلالته على نفي توقيت الحولين بمدة الرضاع لدلالة الأخبار المتقدمة وقد ~~حكي عن ابن عباس قول لست أثق بصحة النقل فيه هو أنه يعتبر ذلك بقوله تعالى ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فإن ولدت المرأة لستة أشهر فرضاعه حولان كاملان ~~وإن ولدت لتسعة أشهر فأحد وعشرون شهرا وإن ولدت لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون ~~شهرا يعتبر فيه تكملة ثلاثين شهرا بالحمل والفصال جميعا ولا نعلم أحدا من ~~السلف والفقهاء بعدهم اعتبر ذلك ولما كانت أحوال الصبيان تختلف في الحاجة ~~إلى الرضاع فمنهم من يستغني عنه قبل الحولين ومنهم من لا يستغني عنه بعد ~~كمال الحولين واتفق الجميع على نفي الرضاع للكبير وثبوت الرضاع للصغير على ~~ما قدمنا من الرواية فيه عن السلف ولم يكن الحولان حدا للصغير إذ لا يمتنع ~~أحد أن يسميه صغيرا وإن أتى عليه حولان علمنا أن الحولين ليس بتوقيف لمدة ~~الرضاع ألا ترى # أنه صلى الله عليه وسلم لما قال الرضاعة من المجاعة # وقال الرضاعة ما أنبت اللحم وأنشز العظم # فقد اعتبر معنى تختلف فيه أحوال الصغار وإن كان الأغلب أنهم قد يستغنون ~~عنه بمضي الحولين فسقط اعتبار الحولين في ذلك ثم مقدار الزيادة عليهما ~~طريقه الاجتهاد لأنه تحديد ms0664 بين الحال التي يكتفي فيها باللبن في غذائه ~~وينبت عليه # PageV02P115 # لحمه وبين الانتقال إلى الحال التي يكتفي فيها بالطعام ويستغني عن اللبن ~~وكان عند أبي حنيفة أنه ستة أشهر بعد الحولين وذلك اجتهاد في التقدير ~~والمقادير التي طريقها الاجتهاد لا يتوجه على القائل بها سؤال نحو تقويم ~~المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف وتقدير متعة النساء ~~بعد الطلاق وما جرى مجرى ذلك ليس لأحد مطالبة من غلب على ظنه شيء من هذه ~~المقادير بإقامة الدلالة عليه فهذا أصل صحيح في هذا الباب يجرى مسائله فيه ~~على منهاج واحد ونظيره ما قال أبو حنيفة في حد البلوغ إنه ثماني عشرة سنة ~~وإن المال لا يدفع إلى البالغ الذي لم يؤنس رشده إلا بعد خمس وعشرين سنة في ~~نظائر لذلك من المسائل التي طريق إثبات المقادير فيها الاجتهاد فإن قال ~~قائل وإن كان طريقه الاجتهاد فلا بد من جهة يغلب معها في النفس اعتبار هذا ~~المقدار بعينه دون غيره فما المعنى الذي أوجب من طريق الاجتهاد اعتبار ستة ~~أشهر بعد الحولين دون سنة تامة على ما قال زفر قيل له أحد ما يقال في ذلك ~~أن الله تعالى لما قال وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ثم قال وفصاله في عامين ~~فعقل من مفهوم الخطابين كون الحمل ستة أشهر ثم جارت الزيادة عليه إلى تمام ~~الحولين إذ لا خلاف أن الحمل قد يكون حولين ولا يكون عندنا الحمل أكثر ~~منهما فلا يخرج الحمل المذكور في هذه الجملة من جملة الحولين كذلك الفصال ~~لا يخرج من جملة ثلاثين شهرا لأنهما جميعا قد انتظمتهما الجملة المذكورة في ~~قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وكان أبو الحسن يقول في ذلك لما كان ~~الحولان هما الوقت المعتاد للفطام وقد جازت الزيادة عليه بما ذكرنا وجب أن ~~تكون مدة الانتقال من غذاء اللبن بعد الحولين إلى غذاء الطعام ستة أشهر كما ~~كانت مدة انتقال الولد في بطن الأم إلى غذاء الطعام بالولادة ستة أشهر وذلك ~~أقل مدة ms0665 الحمل فإن قال قائل قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة نص على أن الحولين تمام الرضاع فغير جائز ~~أن يكون بعده رضاع قيل له إطلاق لفظ الإتمام غير مانع من الزيادة عليه ألا ~~ترى أن الله تعالى قد جعل مدة الحمل ستة أشهر في قوله وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا وقوله تعالى وفصاله في عامين فجعل مجموع الآيتين الحمل ستة أشهر ثم لم ~~تمتنع الزيادة عليها فكذلك ذكر الحولين للرضاع غير مانع جواز الزيادة ~~عليهما # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك عرفة فقد تم حجه # ولم تمتنع زيادة الفرض عليها تقدير لما يلزم الأب من # PageV02P116 # أجرة الرضاع وأنه غير مجبر على أكثر منهما لإثباته الرضاع بتراضيهما ~~بقوله تعالى فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وبقوله ~~تعالى وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم فلما ثبت الرضاع بعد ~~الحولين دل ذلك على أن حكم التحريم به غير مقصور عليهما فإن قيل هلا اعتبرت ~~الفطام على ما اعتبره مالك في الحولين في حال استغناء الصبي عن اللبن ~~بالطعام بدلالة ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا رضاع بعد فصال # وبما روي عن الصحابة فيه على نحو ما قدمنا ذكره مما يدل كله على اعتبار ~~الفطام قيل له لو وجب ذلك لوجب اعتبار حال الصبي بعد الحولين في حاجته إلى ~~اللبن واستغنائه عنه لأن من الصبيان من يحتاج إلى الرضاع بعد الحولين فلما ~~اتفق الجميع على سقوط اعتبار ذلك بعد الحولين دل على سقوط اعتباره في ~~الحولين ووجب أن يكون حكم التحريم معلقا بالوقت دون غيره فإن قال قائل # قد روي في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا رضاع بعد ~~الحولين # قيل له المشهور عنه لا رضاع بعد فصال فجائز أن يكون هذا هو أصل الحديث ~~وأن من ذكر الحولين حمله على المعنى وحده وأيضا لو ثبت هذا اللفظ احتمل أن ~~يريد أيضا لا رضاع ms0666 على الأب بعد الحولين على نحو تأويل قوله تعالى حولين ~~كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وقد تقدم ذكره وأيضا لو كان الحولان هما ~~مدة الرضاع وبهما يقع الفصال لما قال تعالى فإن أرادا فصالا وهذا القول يدل ~~من وجهين على أن الحولين ليسا توقيتا للفصال أحدهما ذكره للفصال منكورا في ~~قوله تعالى فصالا ولو كان الحولان فصالا لقال الفصال حتى يرجع ذكر الفصال ~~إليهما لأنه معهود مشار إليه فلما أطلق فيه لفظ النكرة دل على أنه لم يرد ~~به الحولين والوجه الآخر تعليقه الفصال بإرادتهما وما كان مقصورا على وقت ~~محدود لا يعلق بالإرادة والتراضي والتشاور وفي ذلك دليل على ما ذكرنا وقوله ~~تعالى فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور يدل على جواز الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح أمر ~~الصغير وذلك موقوف على غالب ظنهما لا من جهة اليقين والحقيقة وفيه أيضا ~~دلالة على أن الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما وأنه ليس لأحدهما أن ~~يفطمه دون الآخر لقوله تعالى فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فأجاز ~~ذلك بتراضيهما وتشاورهما وقد روي نحو ذلك عن مجاهد وقد روي عن بعض السلف ~~نسخ في هذه الآية روى شيبان عن قتادة في قوله تعالى # PageV02P117 # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ثم أنزل التخفيف بعد ذلك فقال ~~تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة قال أبو بكر كأنه عنده كان رضاع الحولين ~~واجبا ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من مدة الرضاع بقوله تعالى لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مثل قتادة وروى علي بن أبي ~~طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة ثم قال فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا حرج ~~إن أرادا أن يفطما قبل الحولين أو بعدهما والله أعلم. ### | باب ذكر عدة المتوفى عنها زوجها # قال الله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ms0667 أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا والتربص بالشيء الانتظار به قال الله تعالى فتربصوا به حتى حين ~~وقال تعالى ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر يعني ~~ينتظر وقال تعالى أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون فأمرها الله تعالى ~~بأن يتربصن بأنفسهن هذه المدة عن الأزواج ألا ترى أنه عقبه بقوله تعالى ~~فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن وقد كانت عدة المتوفى ~~عنها زوجها سنة بقوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فتضمنت هذه الآية أحكاما منها توقيت ~~العدة سنة ومنها أن نفقتها وسكناها كانت في تركة زوجها ما دامت معتدة بقوله ~~تعالى وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ومنها أنها كانت ممنوعة من الخروج في ~~هذه السنة فنسخ منها من المدة ما زاد على أربعة أشهر وعشرا ونسخ أيضا وجوب ~~نفقتها وسكناها في التركة بالميراث لقوله تعالى أربعة أشهر وعشرا من غير ~~إيجاب نفقة ولا سكنى ولم يثبت نسخ الإخراج فالمنع من الخروج في العدة ~~الثانية قائم إذ لم يثبت نسخه وقد حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج ~~وعثمان بن عطاء عن عطاء الخرسانى عن ابن عباس في هذه الآية يعني قوله تعالى ~~وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج قال كان للمتوفى عنها زوجها ~~نفقتها وسكناها سنة فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك ~~الزوج # قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا وصية لوارث إلا أن يرضى ~~الورثة) # PageV02P118 # قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا يزيد عن يحيى بن سعيد عن حميد عن نافع أنه ~~سمع زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة وأم حبيبة أن امرأة أتت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت أن بنتا لها توفي عنها زوجها واشتكت عينها وهي تريد أن ~~تكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد ms0668 كانت إحداكن ترمي بالبعرة ~~عند رأس الحول وإنما هي أربعة أشهر وعشرا) # قال حميد فسألت زينب وما رميها بالبعرة فقالت كانت المرأة في الجاهلية ~~إذا توفي عنها زوجها عمدت إلى شرى بيت لها فجلست فيه سنة فإذا مرت سنة خرجت ~~فرمت ببعرة من ورائها رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمر وعن حميد عن ~~نافع عن زينب بنت أبي سلمة وذكرت الحديث وقالت فيه كانت المرأة في الجاهلية ~~إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى ~~تمر سنة ثم تؤتى بدابة حمار وشاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ~~ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن عدة الحول منسوخة بأربعة أشهر وعشرا وأخبر ~~ببقاء حظر الطيب عليها في العدة وعدة الحول وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي ~~متقدمة في التنزيل وعدة الشهور متأخرة عنها ناسخة لها لأن نظام التلاوة ليس ~~هو على نظام التنزيل وترتيبه واتفق أهل العلم على أن عدة الحول منسوخة بعدة ~~الشهور على ما وصفنا وأن وصية النفقة والسكنى للمتوفى عنها زوجها منسوخة ~~إذا لم تكن حاملا واختلفوا في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها أيضا وسنذكر ~~ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ولا خلاف بين أهل العلم أيضا في أن هذه ~~الآية خاصة في غير الحامل واختلفوا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها على ~~ثلاثة أنحاء # فقال علي وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس عدتها أبعد الأجلين # وقال عمر وعبد الله وزيد بن ثابت وابن عمر وأبو هريرة في آخرين عدتها أن ~~تضع حملها وروي عن الحسن أن عدتها أن تضع حملها وتطهر من نفاسها ولا يجوز ~~لها أن تتزوج وهي ترى الدم وأما علي فإنه ذهب إلى أن قوله تعالى أربعة أشهر ~~وعشرا يوجب الشهور وقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن يوجب ~~انقضاء العدة بوضع ms0669 الحمل فجمع بين الآيتين في إثبات حكمهما للمتوفى عنها ~~زوجها وجعل انقضاء عدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل أو مضي الشهور وقال عبد ~~الله بن مسعود من شاء باهلته أن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن نزل بعد قوله أربعة أشهر وعشرا # PageV02P119 # فحصل بما ذكرنا اتفاق الجميع على أن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن عام ~~في المطلقة والمتوفى عنها زوجها وإن كان مذكورا عقيب ذكر الطلاق لاعتبار ~~الجميع بالحمل في انقضاء العدة لأنهم قالوا جميعا إن مضي الشهور لا تنقضي ~~به عدتها إذا كانت حاملا حتى تضع حملها فوجب أن يكون قوله تعالى وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن مستعملا على مقتضاه وموجبه وغير جائز اعتبار ~~الشهور معه ويدل على ذلك أيضا عدة الشهور خاصة في غير المتوفى عنها زوجها ~~ويدل عليه أيضا أن قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء مستعمل ~~في المطلقات غير الحوامل وأن الأقراء غير مشروطة مع الحمل في الحامل بل ~~كانت عدة الحامل المطلقة وضع الحمل من غير ضم الأقراء إليها وقد كان جائزا ~~أن يكون الحمل والأقراء مجموعين عدة لها بأن لا تنقضي عدتها بوضع الحمل حتى ~~تحيض ثلاث حيض فكذلك يجب أن تكون عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي الحمل ~~غير مضموم إليه الشهور # وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله في هذه الآية ~~حين نزلت وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن في المطلقة والمتوفى عنها ~~زوجها قال فيهما جميعا # وقد روت أم سلمة أن سبيعة بنت الحارث ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة ~~فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج # وروى منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبو السنابل بن بعكك أن سبيعة بنت ~~الحارث وضعت بعد وفاة زوجها ببضع وعشرين ليلة فأمرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تتزوج # وهذا حديث قد ورد من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنه مع ما عضده من ~~ظاهر الكتاب وهذه ms0670 الآية خاصة في الحرائر دون الإماء لأنه لا خلاف بين السلف ~~فيما نعلمه وبين فقاء الأمصار في أن عدة الأمة المتوفى عنها زوجها شهران ~~وخمسة أيام نصف عدة الحرة وقد حكي عن الأصم أنها عامة في الأمة والحرة ~~وكذلك يقول في عدة الأمة في الطلاق إنها ثلاث حيض وهو قول شاذ خارج عن ~~أقاويل السلف والخلف مخالف للسنة لأن السلف لم يختلفوا في أن عدة الأمة من ~~الحيض والشهور على النصف من عدة الحرة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم (طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) # وهذا خبر قد تلقاه الفقهاء بالقبول واستعملوه في تنصيف عدة الأمة فهو في ~~حيز التواتر الموجب للعلم عندنا واختلف السلف في المتوفى عنها زوجها إذا لم ~~تعلم بموته وبلغها الخبر فقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر # PageV02P120 # وعطاء وجابر بن زيد عدتها منذ يوم يموت وكذلك في الطلاق من يوم طلق وهو ~~قول الأسود بن زيد في آخرين وهو قول فقهاء الأمصار # وقال على والحسن البصري وخلاس ابن عمرو من يوم يأتيها # الخبر في الموت وفي الطلاق من يوم طلق وهو قول ربيعة وقال الشعبي وسعيد ~~بن المسيب إذا قامت البينة فالعدة من يوم يموت وإذا لم تقم بينة فمن يوم ~~يأتيها الخبر وجائز أن يكون مذهب علي على هذا المعنى بأن يكون قد خفي عليها ~~وقت الموت فأمرها بالاحتياط من يوم يأتيها الخبر وذلك لأن الله تعالى نص ~~على وجوب العدة بالموت والطلاق بقوله والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن كما قال تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فأوجب ~~العدة فيهما بالموت وبالطلاق فواجب أن تكون العدة فيهما من يوم الموت ~~والطلاق ولما اتفقوا على أن عدة المطلقة من يوم طلق ولم يعتبروا وقت بلوغ ~~الخبر كذلك عدة الوفاء لأنهما جميعا سببا وجوب العدة وأيضا فإن العدة ليست ~~هي فعلها فيعتبر فيها علمها وإنما هي مضي الأوقات ولا فرق بين علمها بذلك ~~وبين جهلها به وأيضا لما كانت العدة موجبة عن الموت كالميراث ms0671 وإنما يعتبر ~~في الميراث وقت الوفاة لا وقت بلوغ خبرها وجب أن تكون كذلك العدة وأن لا ~~يختلف فيها حكم العلم والجهل كما لا يختلف في الميراث وأيضا فإن أكثر ما في ~~العلم أن تجتنب ما تجتنبه المعتدة من الخروج والزينة إذا علمت فإذا لم تعلم ~~فترك اجتناب ما يلزم اجتنابه في العدة لم يكن مانعا من انقضاء العدة لأنها ~~لو كانت عالمة بالموت فلم تجتنب الخروج والزينة لم يؤثر ذلك في انقضاء ~~العدة فكذلك إذا لم تعلم به قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا ذكر سليمان بن ~~شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في المتوفى عنها زوجها ~~والمعتدة من الطلاق بالشهور إنه إن وجبت مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة كان ~~الشهر ناقصا أو تاما وإن كانت العدة وجبت في بعض شهر لم تعمل على الأهلة ~~واعتدت تسعين يوما في الطلاق وفي الوفاة مائة وثلاثين يوما وذكر أيضا ~~سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة بخلاف ذلك قال إن ~~كانت العدة وجبت في بعض شهر فإنها تعتد بما بقي من ذلك الشهر أياما ثم تعتد ~~لما يمر عليها من الأهلة شهورا ثم تكمل الأيام الأول ثلاثين يوما وإذا وجبت ~~العدة مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وروي ~~عن مالك في الإجارة مثله وقال ابن # PageV02P121 # القاسم وكذلك قوله في الأيمان والطلاق وكذلك قال أصحابنا في الإجارة وروى ~~عمرو ابن خالد عن زفر في الإيلاء في بعض الشهر أنها تعتد بكل شهر يمر عليها ~~ناقصا أو تاما قال وقال أبو يوسف تعتد بالأيام حتى تستكمل مائة وعشرين يوما ~~ولا تنظر إلى نقصان الشهر ولا إلى تمامه قال أبو بكر وهذا على ما حكاه ~~سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في عدة الشهور ولا خلاف ~~بين الفقهاء في مدة العدد وأجل الإيلاء والأيمان والإجارات إذا عقدت على ~~الشهور مع رؤية الهلال أنه تعتير ms0672 الأهلة في سائر شهوره سواء كانت ناقصة أو ~~تامة وإذا كان ابتداء المدة في بعض الشهر فهو على الخلاف الذي ذكرنا وأما ~~وجه من اعتبر في ذلك بقية الشهر الأول بالعدد ثلاثين يوما وسائر الشهود ~~بالأهلة ثم يكمله الشهر الآخر بالأيام مع بقية الشهر الأول فإنه ذهب إلى ~~معنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فأكملوا عدة شعبان ثلاثين # فدل ذلك على معنيين أحدهما أن كل شهر ابتداؤه وانتهاؤه بالهلال واحتجنا ~~إلى اعتباره فواجب اعتباره بالهلال ناقصا كان أو تاما كما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم باعتباره في صوم رمضان وشعبان وكل شهر لم يكن ابتداؤه ~~وانتهاؤه بالأهلة فهو ثلاثون وإنما ينقص بالهلال فلما لم يكن ابتداء الشهر ~~الأول بالهلال وجب فيه استيفاء ثلاثين يوما من آخر المدة وسائر الشهور لما ~~أمكن استيفاؤها بالأهلة وجب اعتبارها بها وعلى قول من اعتبر سائر الشهور ~~بالأيام يقول لما لم يكن ابتداء المدة بالهلال وجب استيفاء هذا الشهر ~~بالأيام ثلاثون يوما فيكون انقضاؤه في بعض الشهر الذي يليه ثم يكون كذلك ~~حكم سائر الشهور قالوا ولا يجوز أن يجبر هذا الشهر من أحد الشهور ويجعل ما ~~بينهما شهورا بالأهلة لأن الشهور سبيلها أن تكون أيامها متصلة متوالية فوجب ~~استيفاء شهر كامل ثلاثين يوما منذ أول المدة أياما متوالية فيقع ابتداء ~~الشهر الثاني في بعض الشهر الثاني فتكون الشهور وأيامها متوالية متصلة ومن ~~يعتبر الأهلة فيما يستقبل من الشهور بعد بقية الشهر الأول فإنه يحتج بما ~~قدمنا ذكره من أنه قد استقبل الشهر الذي يليه بالهلال فوجب أن يكون انتهاؤه ~~بالهلال قال الله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واتفق أهل العلم بالنقل ~~أنها كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشرا من ربيع الآخر ~~فاعتبر الهلال فيما يأتي من الشهور دون عدد الأيام فوجب مثله في نظائره من ~~المدة وقوله تعالى وعشرا # PageV02P122 # ظاهرها أنها الليالي والأيام مرادة معها ولكن غلبت الليالي على الأيام ms0673 ~~إذا اجتمعت في التاريخ وغيره لأن ابتداء شهور الأهلة بالليالي منذ طلوع ~~الأهلة فلما كان ابتداؤها الليل غلبت الليالي وخصت بالذكر دون الأيام وإن ~~كانت تفيد ما بإزائها من الأيام ولو ذكر جمعا من الأيام أفادت ما بإزائها ~~من الليالي والدليل عليه قوله تعالى ثلاثة أيام إلا رمزا وقال تعالى في ~~موضع آخر ثلاث ليال سويا والقصة واحدة فاكتفى تارة بذكر الأيام عن الليالي ~~وتارة بذكر الليالي عن الأيام # وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشهر تسع وعشرون وفي لفظ آخر تسعة وعشرون # فدل على أن كل واحد من العددين إذا أطلق أفاد ما بإزائه من الآخر ألا ترى ~~أنه لما اختلف العددان من الليالي والأيام فصل بينهما في اللفظ في قوله ~~تعالى سبع ليال وثمانية أيام حسوما وذكر الفراء أنهم يقولون صمنا عشرا من ~~شهر رمضان فيعبرون بذكر الليالي عن الأيام لأن عشرا لا تكون إلا الليالى ~~ألا ترى أنه لو قال عشرة أيام لم يجز فيها إلا التذكير وأنشد الفراء: # أقامت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا # فقال ثلاثا وهي الليالي وذكر اليوم والليلة في المراد وإذا ثبت ما وصفنا ~~كان قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا مفيدا لكون المدة أربعة أشهر على ما قدمنا ~~من الاعتبار وعشرة أيام زائدة عليها وإن كان لفظ العدد واردا بلفظ التأنيث. ### | ذكر الاختلاف في خروج المعتدة من بيتها # قال أصحابنا لا تنتقل المبتوتة ولا المتوفى عنها زوجها عن بيتها الذي ~~كانت تسكنه وتخرج المتوفى عنها زوجها بالنهار ولا تبيت في غير منزلها ولا ~~تخرج المطلقة ليلا ولا نهارا إلا من عذر وهو قول الحسن وقال مالك لا تنتقل ~~المطلقة المبتوتة ولا الرجعية ولا المتوفى عنها ولا يخرجن بالنهار ولا يبتن ~~عن بيوتهن وقال الشافعي ولم يكن الإحداد في سكنى البيوت فتسكن المتوفى عنها ~~زوجها أي بيت كانت فيه جيدا أو رديا وإنما الإحداد في الزينة قال أبو بكر ~~أما المطلقة فلقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ms0674 أن يأتين ~~بفاحشة مبينة فحظر خروجها وإخراجها في العدة إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~وذلك ضرب من العذر فأباح خروجها لعذر وقد اختلف في الفاحشة المذكورة في هذه ~~الآية وسنذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى وأما المتوفى عنها زوجها فإن ~~الله تعالى قال في العدة الأولى # PageV02P123 # متاعا إلى الحول غير إخراج ثم نسخ منها ما زاد على الأربعة الأشهر والعشر ~~فبقي حكم هذه العدة الثانية على ما كان عليه من ترك الخروج إذ لم يرد لها ~~نسخ وإنما النسخ فيما زاد وقد وردت السنة بمثل ما دل عليه الكتاب # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن سلمة ~~القعنبي عن مالك عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب بن ~~عجرة أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها أنها ~~جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ~~فإن زوجها قتله عبد له فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى ~~أهلي فإنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نعم قالت فخرجت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال ~~كيف قلت فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي قالت فقال امكثي في بيتك ~~حتى يبلغ الكتاب أجله # قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت فلما كان عثمان أرسل إلي وسألني ~~عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به وقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك حدثنا محمد بن ~~بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا موسى بن ~~مسعود قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح قال قال عطاء قال ابن عباس نسخت هذه ~~الآية عدتها عند أهله فتعتد حيث شاءت وهو قول الله عز وجل غير إخراج قال ~~عطاء إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في منزلها وإن شاءت ms0675 خرجت لقول الله ~~تعالى فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن قال عطاء ثم جاء الميراث فنسخ ~~السكنى فتعتد حيث شاءت قال أبو بكر ليس في إيجاب الميراث ما يوجب نسخ الكون ~~في المنزل وقد يجوز اجتماعهما فليس في ثبوت أحدهما نفي الآخر وقد ثبت ذلك ~~أيضا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نسخ الحول وإيجاب الميراث لأن عدة ~~الفريعة كانت أربعة أشهر وعشرا وقد نهاها النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~النقلة وما روينا من قصة الفريعة قد دل على معنيين أحدهما لزوم السكون في ~~المنزل الذي كانت تسكنه يوم الوفاة والنهي عن النقلة والثاني جواز الخروج ~~إذ لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم الخروج ولو كان الخروج محظورا لنهاها ~~عنه وقد روي مثل ذلك عن جماعة من السلف منهم عبد الله بن مسعود وعمر وزيد ~~بن ثابت وأم سلمة وعثمان أنهم قالوا المتوفى عنها زوجها تخرج بالنهار ولا ~~تبيت عن بيتها # وروى عبد الرزاق عن ابن كثير عن مجاهد قال استشهد رجال يوم أحد فآمنت ~~نساؤهم وكن متجاورات في دار # PageV02P124 # فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نبيت عند إحدانا فقال تزاورن ~~بالنهار فإذا كان الليل فلتأو كل واحدة منكن إلى بيتها # وروي عن جماعة من السلف أن المتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت منهم علي ~~وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وما قدمنا من دليل الكتاب والسنة يوجب ~~صحة القول الأول فإن قيل قال الله تعالى متاعا إلى الحول غير إخراج فإن ~~خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف فهذا يدل على أن لها أن ~~تنتقل قيل له المعنى فإذا خرجن بعد انقضاء العدة كما قال في الآية الأخرى ~~فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ويدل على أن المراد ما ~~ذكرنا أنها لو خرجت قبل انقضاء العدة لم يكن لها أن تتزوج بالاتفاق فدل ذلك ~~على أن المراد فإذا خرجن بعد انقضاء العدة وإذا ms0676 كان ذلك على ما وصفنا كان ~~حظر الانتقال باقيا على المتوفى عنها زوجها وإنما قالوا إن المطلقة لا تخرج ~~ليلا ولا نهارا لقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن وذلك عموم في ~~جميعهن وحظر عن خروجهن في سائر الأوقات وخالفت المتوفى عنها زوجها فهي ~~مستغنية عن الخروج والله أعلم. ### | باب ذكر إحداد المتوفى عنها زوجها # روي عن جماعة من الصحابة أن عليها اجتناب الزينة والطيب منهم عائشة وأم ~~سلمة وابن عمر وغيرهم ومن التابعين سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وحكاه ~~عن فقهاء المدينة وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار لا خلاف بينهم فيه ~~وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد ~~الله بن أبي بكر عن حميد بن نافع عن زينت بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه ~~الأحاديث قالت زينب دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت بطيب ~~فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله مالي ~~بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل ~~لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليالي إلا على زوج ~~أربعة أشهر وعشرا قالت زينب ودخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت ~~بطيب فمست منه ثم قالت والله مالي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت ~~زينب وسمعت أمي أم سلمة تقول # PageV02P125 # جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ~~ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لامرأتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا ثم قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms0677 إنما هي أربعة أشهر وعشرا # وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول قال حميد فقلت ~~لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي ~~عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها ~~سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم ~~تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره فحظر عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الاكتحال في العدة وأخبر بالعدة التي كانت ~~تعتد إحداهن وما تجتنبه من الزينة والطيب ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشرا ~~فدل بذلك على أن هذه العدة محتدا بها العدة التي كانت سنة في اجتناب الطيب ~~والزينة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير قال حدثنا يحيى بن ~~أبي بكير قال حدثنا إبراهيم بن طهمان قال حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن ~~صفية بنت شيبة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا ~~الممشقة ولا الحلية ولا تختضب ولا تكتحل) # وروى أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتوفى عنها زوجها لا ~~تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل # وروت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها وهي معتدة من ~~زوجها (لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب) # قوله عز وجل والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم الآية قد ~~تضمنت هذه الآية أربعة أحكام أحدها الحول وقد نسخ منه ما زاد على أربعة ~~أشهر وعشرا والثاني نفقتها وسكناها في مال الزوج فقد نسخ بالميراث على ما ~~روي عن ابن عباس وغيره لأن الله تعالى أوجبها لها على وجه الوصية لأزواجهم ~~كما كانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين فنسخت بالميراث # وقول ms0678 النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث # ومنها الإحداد الذي دلت عليه الدلالة من الآية فحكمه باق بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومنها انتقالها عن بيت زوجها فحكمه باق في حظره فنسخ من ~~الآية حكمان وبقي حكمان ولا نعلم آية اشتملت على أربعة أحكام فنسخ منها ~~اثنان وبقي اثنان غيرها ويحتمل أن يكون قوله تعالى غير إخراج منسوخا لأن ~~المراد به السكنى الواجبة في مال الزوج فقد نسخ كونها في مال الزوج فصار ~~حظر # PageV02P126 # الإخراج منسوخا إلا أن قوله تعالى غير إخراج قد تضمن معنيين أحدهما وجوب ~~السكنى في مال الزوج والثاني حظر الخروج والإخراج لأنهم إذا كانوا ممنوعين ~~من إخراجها فهي لا محالة مأمورة باللبس فإذا نسخ وجوب السكنى في مال الزوج ~~بقي حكم لزوم اللبث في البيت وقد اختلف أهل العلم في نفقة المتوفى عنها ~~زوجها فقال ابن عباس وجابر بن عبد الله نفقتها على نفسها حاملا كانت أو غير ~~حامل وهو قول الحسن وسعيد ابن المسيب وعطاء وقبيصة بن ذؤيب # وروى الشعبي عن على وعبد الله قالا إذا مات عنها زوجها فنفقتها من جميع ~~المال # وروى الحكم عن إبراهيم قال كان أصحاب عبد الله يقضون في الحامل المتوفى ~~عنها زوجها إن كان المال كثيرا فنفقتها من نصيب ولدها وإن كان قليلا فمن ~~جميع المال وروى الزهري عن سالم عن ابن عمر قال ينفق عليها من جميع المال ~~وقال أصحابنا جميعا لا نفقة لها ولا سكنى في مال الميت حاملا كانت أو غير ~~حامل وقال ابن أبي ليلى هي في مال الزوج بمنزلة الدين على الميت إذا كانت ~~حاملا وقال مالك بن أنس نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ولها السكنى إن ~~كانت الدار للزوج وإن كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى تنقضي عدتها ~~وإن كانت في بيت بكراء فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال الزوج هذا رواية ~~ابن وهب عنه وقال ابن القاسم عنه لا نفقة لها في مال الميت ولها السكنى ms0679 إن ~~كانت الدار للميت وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء وتباع ~~للغرماء ويشترط السكنى على المشتري وقال الثوري إن كانت حاملا أنفق عليها ~~من جميع المال حتى تضع فإذا وضعت أنفق على الصبي من نصيبه هذه رواية ~~الأشجعي عنه وروى عنه المعافى أن نفقتها من حصتها وقال الأوزاعي في المرأة ~~يموت زوجها وهي حامل فلا نفقة لها وإن كانت أم ولد فلها النفقة من جميع ~~المال حتى تضع وقال الليث بن سعد في أم الولد إذا كانت حاملا منه فإنه ينفق ~~عليها من المال فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها وإن لم تلد كان ذلك دينا يتبع ~~به وقال الحسن بن صالح للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال وقال ~~الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين أحدهما لها النفقة والسكنى والآخر لا ~~نفقة لها ولا سكنى قال أبو بكر لا تخلو نفقة الحامل من أحد ثلاثة أوجه إما ~~أن تكون واجبة على حسب وجوبها بديا حين كانت عدتها حولا في قوله تعالى وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج أو أن تكون واجبة على حسب وجوبها ~~للمطلقة المبتوتة أو تجب للحامل # PageV02P127 # دون غيرها لأجل الحمل والوجه الأول باطل لأنها كانت واجبة على وجه الوصية ~~والوصية للوارث منسوخة والوجه الثاني لا يصح أيضا من قبل أن النفقة لم تكن ~~واجبة في حال الحياة وإنما تجب حالا فحالا على حسب مضي الأوقات وتسليم ~~نفسها في بيت الزوج ولا يجوز إيجابها بعد الموت من وجهين أحدهما أن سبيلها ~~أن يحكم بها الحاكم على الزوج ويثبتها في ذمته وتؤخذ من ماله وليس للزوج ~~ذمة فتثبت فيها فلم يجز أخذها من ماله إذا لم تثبت عليه والثاني أن ذلك ~~الميراث قد انتقل إلى الورثة بالموت إذا لم يكن هناك دين عند الموت فغير ~~جائز إثباتها في مال الورثة ولا في مال الزوج فتؤخذ منه وإن كانت حاملا لم ~~يخل إيجاب النفقة لها في مال الزوج من أحد وجهين إما أن يكون ms0680 وجوبها متعلقا ~~بكونها في العدة أو لأجل الحمل وقد بينا أن إيجابها لأجل العدة غير جائز ~~ولا يجوز إيجابها لأجل الحمل لأن الحمل نفسه لا يستحق نفقة على الورثة إذ ~~هو موسر مثلهم بميراثه ولو ولدته لم تجب نفقته على الورثة فكيف تجب له في ~~حال الحمل فلم يبق وجه يستحق به النفقة والله أعلم. ### | باب التعريض بالخطبة في العدة # قال الله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم ~~في أنفسكم الآية وقد قيل في الخطبة إنها الذكر الذي يستدعى به إلى عقدة ~~النكاح والخطبة بالضم الموعظة المتسقة على ضروب من التأليف وقد قيل أيضا إن ~~الخطبة ما له أول وآخر كالرسالة والخطبة للحال نحو الجلسة والقعدة وقيل في ~~التعريض إنه ما تضمن الكلام من الدلالة على شيء من غير ذكر له كقول القائل ~~ما أنا بزان يعرض بغيره أنه زان ولذلك رأى عمر فيه الحد وجعله كالتصريح ~~والكناية العدول عن صريح اسمه إلى ذكر يدل عليه كقوله تعالى إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر يعني القرآن فالهاء كناية عنه وقال ابن عباس التعريض بالخطبة أن ~~يقول لها إني أريد أن أتزوج امرأة من أمرها وأمرها يعرض لها بالقول وقال ~~الحسن هو أن يقول لها إني بك لمعجب وإني فيك لراغب ولا تفوتينا نفسك # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس وهي في العدة لا تفوتينا ~~نفسك ثم خطبها بعد انقضاء العدة على أسامة بن زيد # وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال هو أن يقول لها وهي في العدة إنك ~~لكريمة وإنى فيك لراغب وإن الله لسائق إليك خيرا أو نحو هذا من القول # PageV02P128 # وقال عطاء هو أن يقول إنك لجميلة وإني فيك لراغب وإن قضى الله شيئا كان ~~فكان التعريض أن يتكلم بكلام يدل فحواه على رغبته فيها ولا يخطبها بصريح ~~القول قال سعيد ابن جبير في قوله تعالى إلا أن تقولوا قولا معروفا أن يقول ~~إني فيك لراغب وإني لأرجو ms0681 أن نجتمع وقوله تعالى أو أكننتم في أنفسكم يعني ~~أضمرتموه من التزويج بعد انقضاء عدتها فأباح التعريض بالخطبة وإضمار نكاحها ~~من غير إفصاح به وذكر إسماعيل ابن إسحاق عن بعض الناس أنه احتج في نفي الحد ~~في التعريض بالقذف بأن الله تعالى لم يجعل التعريض في هذا الموضع بمنزلة ~~التصريح كذلك لا يجعل التعريض بالقذف كالتصريح قال إسماعيل فاحتج بما هو ~~حجة عليه إذ التعريض بالنكاح قد فهم به مراد القائل فإذا فهم به مراده وهو ~~القذف حكم عليه بحكم القاذف قال وإنما يزيل الحد عن المعرض بالقذف من يزيله ~~لأنه لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف إذ كان محتملا لغيره قال وينبغي على ~~قوله هذا أن يزعم أن التعريض بالقذف جائز مباح كما أبيح التعريض بالخطبة ~~بالنكاح قال وإنما اختير التعريض بالنكاح دون التصريح لأن النكاح لا يكون ~~إلا منهما ويقتضي خطبته جوابا منها ولا يقتضي التعريض جوابا في الأغلب ~~فلذلك افترقا قال أبو بكر الكلام الأول الذي حكاه عن خصمه في الدلالة به ~~على نفي الحد بالتعريض صحيح ونقضه ظاهر الاختلال واضح الفساد ووجه ~~الاستدلال به على نفي الحد بالتعريض أنه لما حظر عليه المخاطبة بعقد النكاح ~~صريحا وأبيح له التعريض به اختلف حكم التعريض والتصريح في ذلك على أن ~~التعريض بالقذف مخالف لحكم التصريح وغير جائز التسوية بينهما كما خالف الله ~~بين حكمهما في خطبة النكاح وذلك لأنه معلوم أن الحدود مما يسقط بالشبهة فهي ~~في حكم السقوط والنفي آكد من النكاح فإذا لم يكن التعريض في النكاح ~~كالتصريح وهو آكد في باب الثبوت من الحد كان الحد أولى أن لا يثبت بالتعريض ~~من حيث دل على أنه لو خطبها بعد انقضاء العدة بالتعريض لم يقع بينهما عقد ~~النكاح فكان تعريضه بالعقد مخالفا للتصريح فالحد أولى أن لا يثبت بالتعريض ~~وكذلك لم يختلفوا أن الإقرار في العقود كلها لا يثبت بالتعريض ويثبت ~~بالتصريح لأن الله فرق بينهما في النكاح فكان الحد أولى أن لا يثبت به وهذه ms0682 ~~الدلالة واضحة على الفرق بينهما في سائر ما يتعلق حكمه بالقول وهي كافية ~~مغنية في جهة الدلالة على ما وصفنا وإن أردنا رده إليه من جهة القياس «9- ~~أحكام في» # PageV02P129 # لعلة تجمعهما كان سائغا وذلك أن النكاح حكمه متعلق بالقول كالقذف فلما ~~اختلف حكم التصريح والتعريض بالخطبة بهذا المعنى ثبت حكمه بالتعريض وإن كان ~~حكمه ثابتا بالإفصاح والتصريح كما حكم الله به في النكاح وأما قوله إن ~~التعريض بالقذف ينبغي أن يكون بمنزلة التصريح لأنه قد عرف مراده كما عرف ~~بالتصريح فإني أظنه نسي عند هذا القول حكم الله تعالى في الفصل بين التعريض ~~والتصريح بالخطبة إذ كان المراد مفهوما مع الفرق بينهما لأنه إن كان الحكم ~~متعلقا بمفهوم المراد فلذلك بعينه موجود في الخطبة فينبغي أن يستوي حكمهما ~~فيها فإذا كان نص التنزيل قد فرق بينهما فقد انتقض هذا الإلزام وصح ~~الاستدلال به على ما وصفنا وأما قوله إن من أزال الحد عن المعرض بالقذف ~~فإنما أزاله لأنه لم يعلم بتعريضه أنه أراد القذف لاحتمال كلامه لغيره ~~فإنها وكالة لم تثبت عن الخصم وقضاء على غائب بغير بينة وذلك لأن أحدا لا ~~يقول بأن حد القذف متعلق بإرادته وإنما يتعلق عند خصومه بالإفصاح به دون ~~غيره فالذي يحيل به خصمه من أنه أزال الحد لأنه لم يعلم مراده لا يقبلونه ~~ولا يعتمدونه وأما إلزامه خصمه أن يبيح التعريض بالقذف كما يبيح التعريض ~~بالنكاح فإنه كلام رجل غير مثبت فيما يقوله ولا ناظر في عاقبة ما يئول إليه ~~حكم إلزامه له فنقول إن خصمه الذي احتج به لم يجعل ما ذكره علة للإباحة حتى ~~يلزم عليه إباحة التعريض بالقذف وإنما استدل بالآية على إيجاب الفرق بين ~~التعريض والتصريح فأما الحظر موقوفان على دلالتهما من غير هذا الوجه وأما ~~قوله إنما حيز التعريض بالنكاح دون التصريح # لأن النكاح لا يكون إلا منهما ويقتضي خطبته جوابا منها ولا يقتضي التعريض ~~جوابا في الأغلب فإنه كلام فارغ لا معنى تحته وهو مع ذلك منتقض ms0683 وذلك ~~التعريض بالنكاح والتصريح به لا يقتضي واحد منهما جوابا لأن النهي إنما ~~انصرف إلى خطبتها لوقت مستقبل بعد انقضاء العدة بقوله تعالى ولكن لا ~~تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا وذلك لا يقتضي الجواب كما لا يقتضي ~~التعريض ولم يجز الخطاب عن النهي عن العقد المقتضي للجواب حتى يفرق بينهما ~~بما ذكر فقد بان بذلك أنه لا فرق بين التعريض والتصريح في نفي اقتضاء ~~الجواب وهذا الموضع هو الذي فرقت الآية فيه بين الأمرين فأما العقد المقتضي ~~للجواب فإنما هو منهي عنه بقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله وإن كان نهيه عن العقد نفسه فقد # PageV02P130 # اقتضاه نهيه عن الإفصاح بالخطبة من جهة الدلالة كدلالة قوله تعالى فلا ~~تقل لهما أف على حظر الشتم والضرب وأما وجه انتقاضه فإنه لا خلاف أن العقود ~~المقتضية للجواب لا تصح بالتعريض وكذلك الإقرارات لا تصح بالتعريض وإن لم ~~تقتض جوابا من المقر له فلم يختلف حكم ما يقتضي من ذلك جوابا وما لا يقتضيه ~~فعلمت أن اختلافهما من هذا الوجه لا يوجب الفرق بينهما وأما قوله تعالى ~~ولكن لا تواعدوهن سرا فإنه مختلف في المراد به فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~والشعبي ومجاهد مواعدة السر أن يأخذ عليها عهدا أو ميثاقا أن تحبس نفسها ~~عليه ولا تنكح زوجا غيره وقال الحسن وإبراهيم وأبو مجلز ومحمد وجابر بن زيد ~~لا تواعدوهن سرا الزنا وقال زيد بن أسلم لا تواعدوهن سرا لا تنكح المرأة في ~~عدتها ثم تقول سأسره ولا يعلم به أو يدخل عليها فيقول لا يعلم بدخولي حتى ~~تنقضي العدة قال أبو بكر اللفظ محتمل لهذه المعانى كلها لأن الزنا قد يسمى ~~سرا قال الحطيئة: # ويحرم سر جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع # وأراد بالسر الزنا وصفهم بالعفة عن نساء جيرانهم وقال رؤبة يصف حمار ~~الوحش وأتانه لما كف عنها حين حملت: # قد أحضنت مثل دعاميص الرنق ... أجنة في مستكنات الحلق # فعف عن أسرارها بعد العسق يعنى ms0684 بعد للزوق يقال عسق به إذا لزق به وأراد ~~بالسر هاهنا الغشيان وعقد النكاح نفسه يسمى سرا كما يسمى به الوطء ألا ترى ~~أن الوطء والعقد كل واحد منهما يسمى نكاحا ولذلك ساغ تأويل الآية على الوطء ~~وعلى العقد وعلى التصريح بالخطبة لما بعد انقضاء العدة وأظهر الوجوه ~~وأولاها بمراد الآية مع احتمالها لسائر ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس ومن ~~تابعه وهو التصريح بالخطبة وأخذ العهد عليها أن تحبس نفسه عليه ليتزوجها ~~بعد انقضاء العدة لأن التعريض المباح إنما هو في عقد يكون بعد انقضاء العدة ~~وكذلك التصريح واجب أن يكون حظره من هذا الوجه بعينه ومن جهة أخرى أن ذلك ~~معنى لم نستفده إلا بالآية فهو لا محالة مراد بها وأما حظر إيقاع العقد في ~~العدة فمذكور باسمه في نسق التلاوة بقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله فإذا كان ذلك # PageV02P131 # مذكورا في نسق الخطاب بصريح اللفظ دون التعريض وبالإفصاح دون الكناية ~~فإنه يبعد أن يكون مراده بالكناية المذكورة بقوله سرا هو والذي قد أفصح به ~~في المخاطبة وكذلك تأويل من تأوله على الزنا فيه بعد لأن المواعدة بالزنا ~~محظورة في العدة وغيرها إذ كان تحريم الله الزنا تحريما مبهما مطلقا غير ~~مقيد بشرط ولا مخصوص بوقت فيؤدي ذلك إلى إبطال فائدة تخصيصه حظر المواعدة ~~بالزنا بكونها في العدة وليس يمتنع أن يكون الجميع مرادا لاحتمال اللفظ له ~~بعد أن لا يخرج منه تأويل ابن عباس الذي ذكرناه وقوله تعالى علم الله أنكم ~~ستذكرونهن يعني أن الله علم أنكم ستذكرونهن بالتزويج لرغبتكم فيهن ولخوفكم ~~أن يسبقكم إليهن غيركم وأباح لهم التوصل إلى المراد من ذلك بالتعريض دون ~~الإفصاح وهذا يدل على ما اعتبره أصحابنا في جواز التوصل إلى استباحة ~~الأشياء من الوجوه المباحة وإن كانت محظورة من وجوه أخر ونحوه ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه بلال بتمر جيد فقال أكل تمر ~~خيبر هكذا فقال لا إنما نأخذ الصاع بالصاعين ms0685 والصاعين بالثلاثة فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا ولكن بيعوا تمركم بعرض ثم اشتروا به هذا ~~التمر فأرشدهم إلى التوصل إلى أخذ التمر الجيد # ولهذا الباب موضع غير هذا سنذكره إن شاء الله وقوله تعالى علم الله أنكم ~~ستذكرونهن كقوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم وأباح لهم الأكل ~~والجماع في ليالي رمضان علمنا أنه لو لم يبح لهم لكان فيهم من يواقع ~~المحظور عنه فخفف عنهم رحمة منه بهم وكذلك قوله تعالى علم الله أنكم ~~ستذكرونهن هو على هذا المعنى قوله عز وجل ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله قيل فيه إن أصل العقدة في اللغة هو الشد تقول عقدت الحبل وعقدت ~~العقد تشبيها له بعقد الحبل في التوثق وقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح ~~معناه ولا تعقدوه ولا تعزموا عليه أن تعقدوه في العدة وليس المعنى أن لا ~~تعزموا بالضمير على إيقاع العقد بعد انقضاء العدة لأنه قد أباح إضمار عقد ~~بعد انقضاء العدة بقوله ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو ~~أكننتم في أنفسكم والإكنان في النفس هو الإضمار فيها فعلمنا أن المراد ~~بقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح إنما تضمن النهي عن إيقاع العقد في ~~العدة وعن العزيمة عليه فيها وقوله تعالى حتى يبلغ الكتاب أجله يعني به ~~انقضاء العدة وذلك في مفهوم الخطاب غير محتاج إلى بيان ألا ترى # أن فريعة بنت مالك حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم أجابها # PageV02P132 # بأن قال لا حتى يبلغ الكتاب أجله فعقلت من مفهوم خطابه انقضاء العدة # ولم يحتج إلى بيان من غيره ولا خلاف بين الفقهاء أن من عقد على امرأة ~~نكاحا وهي في عدة من غيره أن النكاح فاسد وقد اختلف السلف ومن بعدهم في حكم ~~من تزوج امرأة في عدتها من غيره # فروى ابن المبارك قال حدثنا أشعث عن الشعبي عن مسروق قال بلغ عمر أن ~~امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف في عدتها فأرسل إليهما ms0686 ففرق بينهما ~~وعاقبهما وقال لا ينكحها أبدا وجعل الصداق في بيت المال وفشا ذلك بين الناس ~~فبلغ عليا كرم الله وجهه فقال رحم الله أمير المؤمنين ما بال الصداق وبيت ~~المال إنهما جهلا فينبغي للإمام أن يردهما إلى السنة قيل فما تقول أنت فيها ~~قال لها الصداق بما استحل من فرجها ويفرق بينهما ولا جلد عليهما وتكمل ~~عدتها من الأول ثم تكمل العدة من الآخر ثم يكون خاطبا فبلغ ذلك عمر فقال يا ~~أيها الناس ردوا الجهالات إلى السنة وروى ابن أبي زائدة عن أشعث مثله وقال ~~فيه فرجع عمر إلى قول علي # قال أبو بكر قد اتفق علي وعمر على قول واحد لما روي أن عمر رجع إلى قول ~~علي واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~يفرق بينهما ولها مهر مثلها فإذا انقضت عدتها من الأول تزوجها الآخر إن شاء ~~وهو قول الثوري والشافعي وقال مالك والأوزاعي والليث بن سعد لا تحل له أبدا ~~قال مالك والليث ولا بملك اليمين قال أبو بكر لا خلاف بين من ذكرنا قوله من ~~الفقهاء أن رجلا لو زنى بامرأة جاز له أن يتزوجها والزنا أعظم من النكاح في ~~العدة فإذا كان الزنا لا يحرمها عليه تحريما مؤبدا فالوطء بشبهة أحرى أن لا ~~يحرمها عليه وكذلك من تزوج أمة على حرة أو جمع بين أختين ودخل بهما لم تحرم ~~عليه تحريما مؤبدا فكذلك الوطء عن عقد كان في العدة لا يخلو من أن يكون وطأ ~~بشبهة أو زنا وأيهما كان فالتحريم غير واقع به فإن قيل قد يوجب الزنا ~~والوطء بالشبهة تحريما مؤبدا عندكم كالذي يطأ أم امرأته أو ابنتها فتحرم ~~عليه تحريما مؤبدا قيل له ليس هذا مما نحن فيه بسبيل لأن كلامنا إنما هو في ~~وطء يوجب تحريم الموطوءة نفسها فأما وطء يوجب تحريم غيرها فإن ذلك حكم كل ~~وطء عندنا زنا كان أو وطء بشبهة أو مباحا وأنت لم تجد في الأصول وطأ ms0687 يوجب ~~تحريم الموطوءة فكان قولك خارجا عن الأصول وعن أقاويل السلف أيضا لأن عمر ~~قد رجع إلى قول علي في هذه المسألة وأما ما روي عن عمر أنه جعل المهر في ~~بيت المال # PageV02P133 # فإنه ذهب إلى أنه مهر حصل لها من وجه محظور فسبيله أن يتصدق به فلذلك ~~جعله في بيت المال ثم رجع فيه إلى قول علي رضي الله عنه ومذهب عمر في جعل ~~مهرها لبيت المال إذ قد حصل لها ذلك من وجه محظور يشبه ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشاة المأخوذة بغير إذن مالكها قدمت ~~إليه مشوية فلم يكد يسيغها حين أراد الأكل منها فقال إن هذه تخبرني أنها ~~أخذت بغير حق فأخبروه بذلك فقال أطعموها الأسارى # ووجه ذلك عندنا إنما صارت لهم بضمان القيمة فأمرهم بالصدقة بها لأنها ~~حصلت لهم من وجه محظور ولم يكونوا قد أدوا القيمة إلى أصحابها وقد روي عن ~~سليمان بن يسار أن مهرها لبيت المال وقال سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري ~~الصداق لها على ما روي عن علي وفي اتفاق عمر وعلي على أن لاحد عليهما دلالة ~~على أن النكاح في العدة لا يوجب الحد مع العلم بالتحريم لأن المرأة كانت ~~عالمة بكونها في العدة ولذلك جلدها عمر وجعل مهرها في بيت المال وما ~~خالفهما في ذلك أحد من الصحابة فصار ذلك أصلا في أن كل وطء عن عقد فاسد أنه ~~لا يوجب الحد سواء كانا عالمين بالتحريم أو غير عالمين به وهذا يشهد لأبي ~~حنيفة فيمن وطئ ذات محرم منه بنكاح أنه لا حد عليه وقد اختلف الفقهاء في ~~العدة إذا وجبت من رجلين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك في ~~رواية ابن القاسم عنه والثوري والأوزاعي إذا وجبت عليها العدة من رجلين فإن ~~عدة واحدة تكون لهما جميعا سواء كانت العدة بالحمل أو بالحيض أو بالشهور ~~وهو قول إبراهيم النخعي وقال الحسن بن صالح والليث والشافعي تعتد لكل واحد ~~عدة مستقبلة والذي يدل ms0688 على صحة القول الأول قوله تعالى والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء يقتضي كون عدتها ثلاثة قروء إذا طلقها زوجها ووطئها رجل ~~بشبهة لأنها مطلقة قد وجبت عليها عدة ولو أوجبنا عليها أكثر من ثلاثة قروء ~~كنا زائدين في الآية ما ليس فيها إذ لم تفرق بين من وطئت بشبهة من المطلقات ~~وبين غيرها ويدل عليه أيضا قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ولم يفرق بين مطلقة قد وطئها ~~أجنبي بشبهة وبين من لم توطأ فاقتضى ذلك أن تكون عدتها ثلاثة أشهر في ~~الوجهين جميعا ويدل عليه أيضا قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن ولم يفرق بين من عليها عدة من رجل أو رجلين ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى يسئلونك عن الأهلة قل هي # PageV02P134 # مواقيت للناس والحج لأن العدة إنما هي بمضي الأوقات والأهلة والشهور وقد ~~جعلها الله وقتا لجميع الناس فوجب أن تكون الشهور والأهلة وقتا لكل واحد ~~منهما لعموم الآية ويدل عليه اتفاق الجميع على أن الأول لا يجوز له عقد ~~النكاح عليها قبل انقضاء عدتها منه فعلمنا أنها في عدة من الثاني لأن العدة ~~منه لا تمنع من تزويجها فإن قيل منع من ذلك لأن العدة منه نتلوها عدة من ~~غيرها قيل له فقد يجوز أن يتزوجها ثم يموت هو قبل بلوغها مواضع الاعتداد من ~~الثاني فلا تلزمها عدة من الثاني فلو لم تكن في هذه الحال معتدة منه لما ~~منع العقد عليها لأن عدة تجب في المستقبل لا ترفع عقدا ماضيا ويدل عليه أن ~~الحيض إنما هو استبراء للرحم من الحبل فإذا طلقها الأول ووطئها الثاني ~~بشبهة قبل أن تحيض ثم حاضت ثلاث حيض فقد حصل الاستبراء ويستحيل أن يكون ~~استبراء من حمل الأول غير استبراء من حمل الثاني فوجب أن تنقضي به العدة ~~منهما جميعا ويدل عليه أن من طلق امرأته وأبانها ثم وطئها في العدة بشبهة ~~أن عليها عدتين عدة من الوطء وتعتد ms0689 بما بقي من العدة الأولى من العدتين ولا ~~فرق بين أن تكون العدة من رجلين أو رجل واحد فإن قيل إن هذا حق واجب لرجل ~~واحد والأول واجب لرجلين قيل له لا فرق بين الرجل الواحد والرجلين لأن ~~الحقين إذا وجبا لرجل واحد فواجب إيفاؤهما إياه جميعا كوجوبهما لرجلين في ~~لزوم توفيتهما إياهما ألا ترى أنه لا فرق بين الرجلين والرجل الواحد في ~~آجال الديون ومواقيت الحج والإجارات ومدد الإيلاء في أن مضي الوقت الواحد ~~يصير كل واحد منهما مستوفيا لحقه فتكون الشهور التي لهذا هي بعينها للآخر ~~وقد روى أبو الزناد عن سليمان بن يسار عن عمر في التي تزوجت في العدة أنه ~~أمرها أن تعتد منهما وظاهر ذلك يقتضي أن تكون عدة واحدة منهما فإن قيل روى ~~الزهري عن سليمان بن يسار عن عمر أنه قال تعتد بقية عدتها من الأول ثم تعتد ~~من الآخر قيل له ليس فيه أنها تعتد من الآخر عدة مستقبلة فوجب أن يحمل ~~معناه على بقية العدة ليوافق أبي # الزناد والله أعلم. ### | باب متعة المطلقة # قال الله عز وجل لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا ~~لهن فريضة ومتعوهن تقديره ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ألا ترى أنه ~~عطف # PageV02P135 # عليه # قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم فلو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا ~~لما عطف عليها المفروض لها فدل ذلك على أن معناه ما لم تمسوهن ولم تفرضوا ~~لهن فريضة وقد تكون أو بمعنى الواو قال الله تعالى ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا معناه ولا كفورا وقال تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد ~~منكم من الغائط والمعنى وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى ومسافرون وقال ~~تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون معناه ويزيدون فهذا موجود في اللغة ~~وهي النفي أظهر في دخولها عليه أنها ms0690 بمعنى الواو منه ما قدمنا من قوله ~~تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا معناه ولا كفورا لدخولها على النفي وقال ~~تعالى حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط ~~بعظم أو في هذه المواضع بمعنى الواو فوجب على هذا أن يكون قوله تعالى لا ~~جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة لما دخلت على ~~النفي أن تكون بمعنى الواو فيكون شرط وجوب المتعة المعنيين جميعا من عدم ~~المسيس والتسمية جميعا بعد الطلاق وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يطلق ~~امرأته قبل الدخول بها في الحيض وأنها ليست كالمدخول بها لإطلاقه إباحة ~~الطلاق من غير تفصيل منه بحال الطهر دون الحيض وقد اختلف السلف وفقهاء ~~الأمصار في وجوب المتعة # فروي عن علي أنه قال لكل مطلقة متعة # وعن الزهري مثله وقال ابن عمر لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها ~~صداق ولم تمس فحسبها نصف ما فرض لها وروي عن القاسم بن محمد مثله وقال شريح ~~وإبراهيم والحسن تخير التي تطلق قبل الدخول ولم يفرض على المتعة وقال شريح ~~وقد سألوه في متاع فقال لا نأبى أن نكون من المتقين فقال إني محتاج فقال لا ~~نأبى أن نكون من المحسنين وقد روي عن الحسن وأبي العالية لكل مطلقة متاع ~~وسئل سعيد بن جبير عن المتعة على الناس كلهم فقال لا على المتقين وروى ابن ~~أبي الزناد عن أبيه في كتاب البغية وكانوا لا يرون المتاع للمطلقة واجبا ~~ولكنها تخصيص من الله وفضل وروى عطاء عن ابن عباس قال إذا فرض الرجل وطلق ~~قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع وقال محمد بن على المتعة التي لم يفرض لها ~~والتي قد فرض لها ليس لها متعة وذكر محمد بن إسحاق عن نافع قال كان ابن عمر ~~لا يرى للمطلقة متعة واجبة إلا للتي أنكحت بالعوض ثم يطلقها قبل أن # PageV02P136 # يدخل بها وروى معمر عن الزهري قال متعتان إحداهما يقضي ms0691 بها السلطان ~~والأخرى حق على المتقين من طلق قبل أن يفرض ولم يدخل أخذ المتعة لأنه لا ~~صداق عليه ومن طلق بعد ما يدخل أو يفرض فالمتعة حق عليه وعن مجاهد نحو ذلك ~~فهذا قول السلف فيها وأما فقهاء الأمصار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا ~~وزفر قالوا المتعة واجبة للتي طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا وإن دخل ~~بها فإنه يمتعها ولا يجبر عليها وهو قول الثوري والحسن بن صالح والأوزاعي ~~إلا أن الأوزاعي زعم أن أحد الزوجين إذا كان مملوكا لم تجب المتعة وإن ~~طلقها قبل الدخول ولم يسم لها مهرا وقال ابن أبي ليلى وأبو الزناد المتعة ~~ليست واجبة إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ولا يجبر عليها ولم يفرقا بين ~~المدخول بها وبين غير المدخول بها وبين من سمي لها وبين من لم يسم لها وقال ~~مالك والليث لا يجبر أحد على المتعة سمى لها أو لم يسم لها دخل بها أو لم ~~يدخل وإنما هي مما ينبغي أن يفعله ولا يجبر عليها قال مالك وليس للملاعنة ~~متعة على حال من الحالات وقال الشافعي المتعة واجبة لكل مطلقة ولكل زوجة ~~إذا كان الفراق من قبله أو يتم به إلا التي سمى لها وطلق قبل الدخول قال ~~أبو بكر نبدأ بالكلام في إيجاب المتعة ثم نعقبه بالكلام على من أوجبها لكل ~~مطلقة والدليل على وجوبها قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وقال تعالى في آية أخرى يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من ~~عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا وقال في آية أخرى وللمطلقات متاع ~~بالمعروف حقا على المتقين فقد حوت هذه الآيات الدلالة على وجوب المتعة من ~~وجوه أحدها قوله تعالى فمتعوهن لأنه أمر والأمر يقتضي الوجوب حتى تقوم ~~الدلالة على الندب والثاني ms0692 قوله تعالى متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ~~وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قوله حقا عليه والثالث قوله تعالى حقا على ~~المحسنين تأكيد لإيجابه إذ جعلها من شرط الإحسان وعلى كل أحد أن يكون من ~~المحسنين وكذلك قوله تعالى حقا على المتقين قد دل قوله حقا عليه على الوجوب ~~وقوله تعالى حقا على المتقين تأكيدا لإيجابها وكذلك قوله تعالى فمتعوهن ~~وسرحوهن سراحا جميلا قد دل على الوجوب من حيث هو أمر وقوله تعالى وللمطلقات ~~متاع # PageV02P137 # بالمعروف يقتضي الوجوب أيضا لأنه جعلها لهم وما كان للإنسان فهو ملكه له ~~المطالبة به كقولك هذه الدار لزيد فإن قيل لما خص المتقين والمحسنين بالذكر ~~في إيجاب المتعة عليهم دل على أنها غير واجبة وأنها ندب لأن الواجبات لا ~~يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم قيل له إنما ذكر المتقين والمحسنين ~~تأكيدا لوجوبها وليس تخصيصهم بالذكر نفيا على غيرهم كما قال تعالى هدى ~~للمتقين وهو هدى للناس كافة وقوله # تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس فلم يكن قوله تعالى هدى ~~للمتقين موجبا لأن لا يكون هدى لغيرهم كذلك قوله تعالى حقا على المتقين ~~وحقا على المحسنين غير ناف أن يكون حقا على غيرهم وأيضا فإنا نوجبها على ~~المتقين والمحسنين بالآية ونوجبها على غيرهم بقوله تعالى فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا وذلك عام في الجميع بالاتفاق لأن كل من أوجبها من فقهاء ~~الأمصار على المحسنين والمتقين أوجبها على غيرهم ويلزم هذا السائل أن لا ~~يجعلها ندبا أيضا لأن ما كان ندبا لا يختلف فيه المتقون وغيرهم فإذا جاز ~~تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في المندوب إليه من المتعة وهم وغيرهم فيه ~~سواء فكذلك جائز تخصيص المحسنين والمتقين بالذكر في الإيجاب ويكونون هم ~~وغيرهم فيه سواء فإن قيل لما لم يخصص المتقين والمحسنين في سائر الديون من ~~الصداق وسائر عقود المداينات عند إيجابهم عليهم وخصهم بذلك عند ذكر المتعة ~~دل على أنها ليست بواجبة قيل له إذا كان لفظ الإيجاب موجودا في الجميع ~~فالواجب علينا الحكم ms0693 بمقتضى اللفظ ثم تخصيصه بعض من أوجب عليه الحق بذكر ~~التقوى والإحسان إنما هو على وجه التأكيد ووجوه التأكيد مختلفة فمنها ما ~~يكون ذكر بتقييد التقوى والإحسان ومنها ما يكون بتخصيص لفظ الأداء نحو قوله ~~تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وقوله تعالى فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~وليتق الله ربه ومنها ما يكون بالأمر بالإشهاد عليه والرهن به فكيف يستدل ~~بلفظ التأكيد على نفي الإيجاب وأيضا فإنا وجدنا عقد النكاح لا يخلو من ~~إيجاب البدل إن كان مسمى فالمسمى وإن لم يكن فيه تسمية فمهر المثل ثم كانت ~~حاله إذا كان فيه تسمية أن البضع لا يخلو من استحقاق البدل له مع ورود ~~الطلاق قبل الدخول وفارق النكاح بهذا المعنى سائر العقود لأن عود المبيع ~~إلى ملك البائع يوجب سقوط الثمن كله وسقوط حق الزوج عن بضعها بالطلاق قبل ~~الدخول لا يخرجه من استحقاق بدل ما هو نصف المسمى فوجب # PageV02P138 # أن يكون ذلك حكمه إذا لم تكن فيه تسمية والمعنى الجامع بينها ورود الطلاق ~~قبل الدخول وأيضا فإن مهر المثل مستحق بالعقد والمتعة هي بعض مهر المثل ~~فتجب كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول فإن قيل مهر المثل دراهم ~~ودنانير والمتعة إنما هي أثواب قيل له المتعة أيضا عندنا دراهم ودنانير لو ~~أعطاها لم يجبر على غيرها وهذا الذي ذكرناه من أنها بعض مهر المثل يسوغ على ~~مذهب محمد لأنه يقول إذا رهنها بمهر المثل رهنا ثم طلقها قبل الدخول كان ~~رهنا بالمتعة محبوسا بها إن هلك هلك بها وأبو يوسف فإنه لا يجعله رهنا ~~بالمتعة فإن هلك هلك بغير شيء والمتعة واجبة باقية عليه فهذا يدل على أنه ~~لم يرها بعض مهر المثل ولكنه أوجبها بمقتضى ظاهر القرآن وبالاستدلال ~~وبالأصول على أن البضع لا يخلو من بدل مع ورود الطلاق قبل الدخول وأنه لا ~~فرق بين وجود التسمية في العقد وبين عدمها إذ غير جائز حصول ملك البضع له ~~بغير بدل فوجوب مهر المثل بالعقد عند عدم التسمية ms0694 كوجوب المسمى فيه فوجب أن ~~يستوي فيه حكمهما في وجوب بدل البضع عند ورود الطلاق قبل الدخول وأن تكون ~~المتعة قائم مقام بعض مهر المثل وإن لم تكن بعضه كما تقوم القيم مقام ~~المستهلكات وقد قال إبراهيم في المطلقة قبل الدخول وقد سمي لها أن لها نصف ~~الصداق هو متعتها فكانت المتعة اسما لما يستحق بعد الطلاق قبل الدخول ويكون ~~بدلا من البضع فإن قيل إذا قامت مقام بعض مهر المثل فهو عوض من المهر ~~والمهر لا يجب له عوض قبل الطلاق فكذلك بعده قيل له لم نقل إنه لم بدل منه ~~وإن قام مقامه كما لا نقول إن قيم المستهلكات أبدال لها بل كأنها هي حين ~~قامت مقامها ألا ترى أن المشتري لا يجوز له أخذ بدل المبيع قبل القبض ببيع ~~ولا غيره ولو كان استهلكه مستهلك كان له أخذ القيمة منه لأنها تقوم مقامه ~~كأنها هو لا على معنى العوض فكذلك المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من ~~البضع كما يجب نصف المسمى بدلا من البضع مع الطلاق فإن قيل لو كانت المتعة ~~تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع لوجب اعتبارها بالمرأة كما يعتبر ~~مهر المثل بحالها دون حال الزوج فلما أوجب الله تعالى # اعتبار المتعة بحال الرجل في قوله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره دل على أنها ليست بدلا من البضع وإذا لم تكن بدلا من البضع لم ~~يجز أن تكون بدلا من الطلاق لأن البضع يحصل لها بالطلاق فلا يجوز أن تستحق ~~بدل ما يحصل لها وهذا يدل على أنها # PageV02P139 # ليست بدلا عن شيء وإذا كان كذلك علمنا أنها ليست بواجبة قيل له أما قولك ~~في اعتبار حاله دون حالها فليس كذلك عندنا وأصحابنا المتأخرون مختلفون فيه ~~فكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يقول يعتبر فيها حال المرأة أيضا وليس فيه ~~خلاف الآية لأنا نستعمل حكم الآية مع ذلك في اعتبار حال الزوج ومنهم من ~~يقول يعتبر حاله دون حالها ms0695 ومن قال بهذا يلزمه سؤال هذا السائل أيضا لأنه ~~يقول إن مهر المثل إنما وجب اعتباره بها في الحال التي يحصل البضع للزوج ~~إما بالدخول وإما بالموت القائم مقام الدخول في استحقاق كمال المهر فكان ~~بمنزلة قيم المتلفات في اعتبارها بأنفسها وأما المتعة فإنها لا تجب عندنا ~~إلا في حال سقوط حقه من بضعها لسبب من قبله قبل الدخول أو ما يقوم مقامه ~~فلم يجب اعتبار حال المرأة إذ البضع غير حاصل للزوج بل حصل لها بسبب من ~~قبله من غير ثبوت حكم الدخول فلذلك اعتبر حاله دونها وأيضا لو سلمنا لك ~~أنها ليست بدلا عن شيء لم يمنع ذلك وجوبها لأن النفقة ليست بدلا عن شيء ~~بدلالة أن بدل البضع هو المهر وقد ملكه بعقد النكاح والدخول والاستمتاع ~~إنما هو تصرف في ملكه وتصرف الإنسان في ملكه لا يوجب عليه بدلا ولم يمنع ~~ذلك وجوبها ولذلك تلزمه نفقة أبيه وابنه الصغير بنص الكتاب والإنفاق ليس ~~بدلا عن شيء ولم يمنع ذلك وجوبها والزكوات والكفارات ليست بدلا عن شيء وهن ~~واجبات فالمستدل بكونها غير بدل عن شيء على نفي إيجابها مغفل وأيضا ~~فاعتبارها بالرجل وبالمرأة إنما هو كلام في تقديرها والكلام في التقدير ليس ~~يتعلق بالإيجاب ولا بنفيه وأيضا لو لم تكن واجبة لم تكن مقدرة بحال الرجل ~~فلما قال تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره دل على الوجوب إذ ما ليس ~~بواجب غير معتبر بحال الرجل إذ له أن يفعل ما شاء منه في حال اليسار ~~والإعسار فلما قدرها بحال الرجل ولم يطلقها فيخير الرجل فيها دل على وجوبها ~~وهذا يصلح أن يكون ابتداء دليل في المسألة وقال هذا القائل أيضا لما قال ~~تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره اقتضى ذلك أن لا تلزم المقتر الذي ~~لا يملك شيئا وإذا لم تلزمه لم تلزم الموسر ومن ألزمها المقتر فقد خرج من ~~ظاهر الكتاب لأن من لا مال له لم تقتض الآية إيجابها عليه إذ لا مال له ms0696 ~~فيعتبر قدره فغير جائز أن نجعلها دينا عليه وأن لا يكون مخاطبا بها قال أبو ~~بكر هذا الذي ذكره هذا القائل إغفال منه لمعنى الآية لأن الله تعالى لم يقل ~~على الموسع على قد ماله # PageV02P140 # وعلى المقتر على قدر ماله وإنما قال تعالى على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره وللمقتر قدر يعتبر به وهو ثبوته في ذمته حتى يجد فيسلمه كما قال الله ~~تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف فأوجبها عليه بالمعروف ولو ~~كان معسرا لا يقدر على شيء لم يخرج عن حكم الآية لأن له ذمة تثبت فيها ~~النفقة بالمعروف حتى إذا وجدها أعطاها كذلك المقتر في حكم المتعة وكسائر ~~الحقوق التي تثبت في الذمة وتكون الذمة كالأعيان ألا ترى أن شراء المعسر ~~بمال في ذمته جائز وقامت الذمة مقام العين في باب ثبوت البدل فيها فكذلك ~~ذمة الزوج المقتر ذمة صحيحة يصح إثبات المتعة فيها كما تثبت فيها النفقات ~~وسائر الديون قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على جواز النكاح بغير تسمية ~~مهر لأن الله تعالى حكم بصحة الطلاق فيه مع عدم التسمية والطلاق لا يقع إلا ~~في نكاح صحيح وقد تضمنت الدلالة على أن شرطه أن لا صداق لها لا يفسد النكاح ~~لأنها لما لم يفرق بين من سكت عن التسمية وبين من شرط أن لا صداق فهي على ~~الأمرين جميعا وزعم مالك أنه إذا شرط أن لا مهر لها فالنكاح فاسد فإن دخل ~~بها صح النكاح ولها مهر مثلها وقد قضت الآية بجواز النكاح وشرطه # أن لا مهر لها ليس بأكثر من ترك التسمية فإذا كان عدم التسمية لا يقدح في ~~العقد فكذلك شرطه أن لا مهر لها وإنما قال أصحابنا إنها غير واجبة للمدخول ~~بها لأنا قد بينا أن المتعة بدل من البضع وغير جائز أن تستحق بدلين فلما ~~كانت مستحقة بعد الدخول المسمى أو مهر المثل لم يجز أن تستحق معه المتعة ~~ولا خلاف أيضا بين الفقهاء الأمصار أن المطلقة قبل الدخول ms0697 لا تستحقها على ~~وجه الوجوب إذا وجب لها نصف المهر فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا أحدهما ~~أنها لم تستحقه مع وجوب بعض المهر فأن لا تستحقه مع وجوب جميعه أولى ~~والثاني أن المعنى فيه أنها قد استحقت شيئا من المهر وذلك موجود في المدخول ~~بها فإن قيل لما وجبت المتعة حين لم يجب شيء من المهر وجب أن يكون وجوبها ~~عند استحقاق المهر أولى قيل فينبغي أن تستحقها إذا وجب نصف المهر لوجوبها ~~عند عدم شيء منه وأيضا فإنما استحقها عند فقد شيء من المهر لعلة أن البضع ~~لا يخلو من بدل قيل الطلاق وبعده فلما لم يجب المهر وجبت المتعة ولما ~~استحقت بدلا آخر لم يجز أن تستحقها فإن قيل قال الله تعالى وللمطلقات متاع ~~بالمعروف حقا على المتقين وذلك عام في سائرهن إلا ما خصه الدليل قيل له هو ~~كذلك إلا أن المتاع اسم لجميع ما ينتفع به قال الله تعالى # PageV02P141 # وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم وقال تعالى متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وقال تعالى إنما هذه الحياة الدنيا متاع وقال الأفوه الأودي: # إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار # فالمتعة والمتاع اسم يقع على جميع ما ينتفع به ونحن فمتى أوجبنا للمطلقات ~~شيئا مما ينفع به من مهر أو نفقة فقد قضينا عهدة الآية فمتعة التي لم يدخل ~~بها نصف المهر المسمى والتي لم يسم لها على قدر حال الرجل والمرأة وللمدخول ~~بها تارة المسمى وتارة المثل إذا لم يكن مسمى وذلك كله متعة وليس بواجب إذا ~~أوجبنا لها ضربا من المتعة أن توجب لها سائر ضروبها لأن قوله تعالى ~~وللمطلقات متاع إنما يقتضي أدنى ما يقع عليه الاسم فإن قيل قوله تعالى ~~وللمطلقات متاع يقتضي إيجابه بالطلاق ولا يقع على ما استحقته قبله من المهر ~~قيل له ليس كذلك لأنه جائز أن تقول وللمطلقات المهور التي كانت واجبة لهن ~~قبل الطلاق فليس في ذكر وجوبه بعد الطلاق ما ينفي وجوبه قبله إذ لو ms0698 كان ~~كذلك لما جاز ذكر وجوبه في الحالين مع ذكر الطلاق فيكون فائدة وجوبه بعد ~~الطلاق إعلامنا أن مع الطلاق يجب المتاع إذ كان جائزا أن يظن ظان أن الطلاق ~~يسقط ما وجب فأبان عن إيجابه بعده كهو قبله وأيضا إن كان المراد متاعا وجب ~~بالطلاق فهو على ثلاثة أنحاء إما نفقة العدة للمدخول بها أو المتعة أو نصف ~~المسمى لغير المدخول بها وذلك متعلق بالطلاق لأن النفقة تسمى متاعا على ما ~~بينا كما قال تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول غير إخراج # فسمى النفقة والسكنى الواجبتين لها متاعا ومما يدل على أن المتعة غير ~~واجبة مع المهر اتفاق الجميع على أنه ليس لها المطالبة بها قبل الطلاق فلو ~~كانت المتعة تجب مع المهر بعد الطلاق لوجبت قبل الطلاق إذ كانت بدلا من ~~البضع وليست بدلا من الطلاق فكان يكون حكمها حكم المهر وفي ذلك دليل على ~~امتناع وجوب المتعة والمهر فإن قيل فأنتم توجبونها بعد الطلاق لمن لم يسم ~~لها ولم يدخل بها ولا توجبونها قبله ولم يكن انتفاء وجوبها قبل الطلاق ~~دليلا على انتفاء وجوبها بعده وكذلك قلنا في المدخول بها قيل له إن المتعة ~~بعض مهر المثل إذ قام مقام بعضه وقد كانت المطالبة لها واجبة بالمهر قبل ~~الطلاق فلذلك صحت ببعضه بعده وأنت فلست تجعل المتعة بعض المهر فلم يخل ~~إيجابها من أن تكون بدلا من البضع أو من الطلاق فإن كانت بدلا من البضع مع # PageV02P142 # مهر المثل فواجب أن تستحقها قبل الطلاق وإن لم تكن بدلا من البضع استحال ~~وجوبها عن الطلاق في حال حصول البضع لها والله تعالى أعلم. ### | ذكر تقدير المتعة الواجبة # قال الله تعالى ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف ~~وإثبات المقدار على اعتبار حاله في الإعسار واليسار طريقه الاجتهاد وغالب ~~الظن ويختلف ذلك في الأزمان أيضا لأن الله تعالى شرط في مقدارها شيئين ~~أحدهما اعتبارها بيسار الرجل وإعساره والثاني أن يكون بالمعروف مع ms0699 ذلك فوجب ~~اعتبار المعنيين في ذلك وإذا كان كذلك وكان المعروف منهما موقوفا على عادات ~~الناس فيها والعادات قد تختلف وتتغير وجب بذلك مراعاة العادات في الأزمان ~~وذلك أصل في جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث إذ كان ذلك حكما مؤديا إلى ~~اجتهاد رأينا وقد ذكرنا أن شيخنا أبا الحسن رحمه الله يقول يجب مع ذلك ~~اعتبار حال المرأة وذكر ذلك أيضا علي بن موسى القمي في كتابه واحتج بأن ~~الله تعالى علق الحكم في تقدير المتعة بشيئين حال الرجل بيساره وإعساره وأن ~~يكون مع ذلك بالمعروف قال فلو اعتبرنا حال الرجل وحده عاريا من اعتبار حال ~~المرأة لوجب أن يكون لو تزوج امرأتين أحدهما شريفة والأخرى دنية مولاة ثم ~~طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما أن تكونا متساويتين في المتعة فتجب لهذه ~~الدنية كما تجب لهذه الشريفة وهذا منكر في عادات الناس وأخلاقهم غير معروف ~~قال ويفسد من وجه آخر قول من اعتبر حال الرجل وحده دونها وهو أنه لو كان ~~رجلا موسرا عظيم الشأن فيتزوج امرأة دنية مهر مثلها دينار أنه لو دخل بها ~~وجب لها مهر مثلها إذ لم يسم لها شيئا دينار واحد ولو طلقها قبل الدخول ~~لزمته المتعة على قدر حاله وقد يكون ذلك أضعاف مهر مثلها فتستحق قبل الدخول ~~بعد الطلاق أكثر مما تستحقه بعد الدخول وهذا خلف من القول لأن الله تعالى ~~قد أوجب للمطلقة قبل الدخول نصف ما أوجبه لها بعد الدخول فإذا كان القول ~~باعتبار حال دونها يؤدي إلى مخالفة معنى الكتاب ودلالته وإلى خلاف المعروف ~~في العادات سقط ووجب اعتبار حالها معه ويفسد أيضا من وجه آخر وهو أنه لو ~~تزوج رجلان موسران أختين فدخل أحدهما بامرأته كان لها مهر مثلها ألف درهم ~~إذ لم يسم لها مهرا وطلق الآخر امرأته قبل الدخول من غير تسمية أن تكون ~~المتعة لها على قدر # PageV02P143 # حال الرجل وجائز أن يكون ذلك ضعاف مهر أختها فيكون ما تأخذه المدخول بها ~~أقل مما تأخذه المطلقة وقيمة ms0700 البضعين واحدة وهما متساويتان في المهر فيكون ~~الدخول مدخلا عليها ضررا ونقصانا في البدن وهذا منكر غير معروف فهذه الوجوه ~~كلها تدل على اعتبار حال المرأة معه وقال أصحابنا إنه إذا طلقها قبل الدخول ~~ولم يسم لها وكانت متعتها أكثر من نصف مهر مثلها أنها لا تجاوز بها نصف مهر ~~مثلها فيكون لها الأقل من نصف مهر مثلها ومن المتعة لأن الله تعالى لم يجعل ~~المسمى لها أكثر من نصف التسمية مع الطلاق قبل الدخول فغير جائز أن يعطيها ~~عند عدم التسمية أكثر من النصف مهر المثل ولما كان المسمى مع ذلك أكثر من ~~مهر المثل فلم تستحق بعد الطلاق أكثر من النصف ففي مهر المثل أولى ولم يقدر ~~أصحابنا لها مقدارا معلوما لا يتجاوز به ولا يقصر عنه وقالوا هي على قدر ~~المعتاد المتعارف في كل وقت وقد ذكر عنهم ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار ~~والإزار هو الذي تستتر به بين الناس عند الخروج وقد ذكر عن السلف في ~~مقدارها أقاويل مختلفة على حسب ما غلب في رأي كل واحد منهم فروى إسماعيل بن ~~أمية عن عكرمة عن ابن عباس قال أعلى المتعة الخادم ثم دون ذلك النفقة ثم ~~دون ذلك الكسوة وروى إياس بن معاوية عن أبي مجلز قال قلت لابن عمر أخبرني ~~على قدري فإني موسر أكسو كذا أكسو كذا فحسبت ذلك فوجدته قيمته ثلاثين درهما ~~وروى عمرو عن الحسن قال ليس في المتعة شيء بوقت على قدر الميسرة وكان حماد ~~يقول يمتعها بنصف مهر مثلها وقال عطاء أوسع المتعة درع وخمار وملحفة وقال ~~الشعبي كسوتها في بيتها درع وخمار وملحفة وجلبابة وروى يونس عن الحسن قال ~~كان منهم من يمتع بالخادم والنفقة ومنهم من يمتع بالكسوة والنفقة ومن كان ~~دون ذلك فثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة ومن كان دون ذلك متع بثوب واحد وروى ~~عمرو بن شعيب عن سعيد بن # المسيب قال أفضل المتعة خمارا وأوضعها ثوب وروى الحجاج عن أبي إسحاق أنه ~~سأل عبد الله ms0701 بن مغفل عنها فقال لها المتعة على قدر ماله وهذه المقادير ~~كلها صدرت عن اجتهاد آرائهم ولم ينكر بعضهم على بعض ما صار إليه من مخالفته ~~فيه فدل على أنها عندهم موضوعة على ما يؤديه إليه اجتهاده وهي بمنزلة تقويم ~~المتلفات وأروش الجنايات التي ليس لها مقادير معلومة في النصوص قوله عز وجل ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف # PageV02P144 # ما فرضتم قيل إن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها تميز بينها والفرضة ~~العلامة في قسم الماء على خشب أو جص أو حجارة يعرف بها كل ذي حق نصيبه من ~~الشرب وقد سمي الشط الذي ترفأ فيه السفن فرضة لحصول الأثر فيه بالنزول إلى ~~السفن والصعود منها ثم صار اسم الفرض في الشرع واقعا على المقدار وعلى ما ~~كان في أعلى راتب الإيجاب من الواجبات وقوله تعالى إن الذي فرض عليك القرآن ~~معناه أنزل وأوجب عليك أحكامه وتبليغه وقوله تعالى عند ذكر المواريث فريضة ~~من الله ينتظم الأمرين من معنى الإيجاب لمقادير الأنصباء التي بينها لذوي ~~الميراث وقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~المراد بالفرض هاهنا تقدير المهر وتسميته في العقد ومنه فرائض الإبل وهي ~~المقادير الواجبة فيها على اعتبار أعدادها وأسنانها فسمى التقدير فرضا ~~تشبيها له بالحز الواقع في القداح التي تتميز به من غيرها وكذلك سبيل ما ~~كان مقدار من الأشياء فقد حصل التمييز به بينه وبين غيره والدليل على أن ~~المراد بقوله تعالى وقد فرضتم لهن فريضة تسمية المقدار في العقد أنه قدم ~~ذكر المطلقة التي لم يسم لها بقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما ~~لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ثم عقبه بذكر من فرض لها وطلقت بعد الدخول ~~فلما كان الأول على نفي التسمية كان الثاني على إثباتها فأوجب الله لها نصف ~~المفروض بنص التنزيل وقد اختلف فيمن سمي لها بعد العقد ثم طلقت قبل الدخول ~~فقال أبو حنيفة لها مهر ms0702 مثلها وهو قول محمد وكان أبو يوسف يقول لها نصف ~~الفرض ثم رجع إلى قولهما وقال مالك والشافعي لها نصف الفرض والدليل على أن ~~لها مهر مثلها أن موجب هذا العقد مهر المثل وقد اقتضى وجوب مهر المثل ~~بالعقد وجوب المتعة بالطلاق قبل الدخول فلما تراضيا على تسمية لم ينتف موجب ~~العقد من المتعة والدليل على ذلك أن هذا الفرض لم يكن مسمى في العقد كما لم ~~يكن مهر المثل مسمى فيه وإن كان واجبا به فلما كان ورود الطلاق قبل الدخول ~~مسقطا لمهر المثل بعد وجوبه إذ لم يكن مسمى في العقد وجب أن يكون كذلك حكم ~~المفروض بعده إذ لم يكن مسمى فيه فإن قيل مهر المثل لم يوجبه العقد وإنما ~~وجب بالدخول قيل له هذا غلط لأنه غير جائز استباحة البضع بغير بدل والدليل ~~على ذلك أنه لو شرط في العقد أنه لا مهر لها لوجب لها المهر فلما كان المهر ~~بدلا من استباحة البضع ولم يجز نفيه بالشرط وجب أن يكون «10- أحكام نى» # PageV02P145 # من حيث استباح البضع أن يلزمه المهر ويدل على ذلك أن الدخول بعد صحة ~~العقد إنما هو تصرف فيما قد ملكه وتصرف الإنسان في ملكه لا يلزمه بدلا ألا ~~ترى أن تصرف المشتري في السلعة لا يوجب عليه بدلا بالتصرف فدل ذلك على ~~استحقاقهما لمهر المثل بالعقد ويدل على ذلك أيضا اتفاق الجميع على أن لها ~~أن تمنع نفسها بمهر المثل ولو لم تكن قد استحقته بالعقد كيف كان يجوز لها ~~أن تمنع نفسها بما لم يجب بعد ويدل على ذلك أيضا أن لها المطالبة به ولو ~~خاصمته إلى القاضي لقضى به لها والقاضي لا يبتدئ إيجاب مهر لم تستحقه كما ~~يبتدئ إيجاب سائر الديون إذا لم تكن مستحقة وذلك كله دليل على أن التي لم ~~يفرض لها مهر قد استحقت مهر المثل بالعقد وملكته على الزوج حسب ملكها ~~للمسمى لو كانت في العقد تسمية فإن قيل لو كان مهر المثل واجبا بالعقد ms0703 لما ~~سقط كله بالطلاق قبل الدخول كما لا يسقط جميع المسمى قيل له لم يسقط كله ~~لأن المتعة بعضه على ما قدمنا وهي بإزاء نصف المسمى لمن طلقت قبل الدخول ~~وزعم إسماعيل # بن إسحاق أن المهر لا يجب بالعقد وإن استباح الزوج البضع قال لأن الزوج ~~بإزاء الزوجة كالثمن بإزاء المبيع فإن كان كما قال فواجب أن لا يلزمه المهر ~~بالدخول لأن الوطء كان مستحقا لها على الزوج كما استحق هو التسليم عليها إذ ~~ما استباحه كل واحد منهما بإزاء ما استباحه الآخر فمن أين صار الزوج مخصوصا ~~بإيجاب المهر إذا دخل بها وينبغي أن لا يكون لها أن تحبس نفسها بالمهر إذا ~~لم تستحق ذلك بالعقد وواجب أيضا أن لا تصح تسمية المهر لأنه قد صح من جهته ~~بما عقد عليه كما صح من جهتها فلا يلزمه المهر كما لا يلزمها له شيء وواجب ~~على هذا أن لا يقوم البضع عليها بالدخول وبالوطء بالشبهة وأن لا يصح أخذ ~~البدل منها لسقوط حقه عن بعضها وهذا كله مع ما عقلت الأمة من أن الزوج يجب ~~عليه المهر بدلا من استباحة البضع يدل على سقوط قول هذا القائل # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سهل ابن سعد الساعدي حين قال ~~للرجل الذي خطب إليه المرأة التي وهبت نفسها منه قد ملكتها بما معك من ~~القرآن # يدل على أن الزوج في معنى الملك لبضعها ومن الدليل على أن الفرض الواقع ~~بعد العقد يسقطه الطلاق قبل الدخول أن الفرض إنما أقيم مقام مهر المثل لأنه ~~غير جائز إيجابه مع مهر المثل ولما كان كذلك وجب أن يسقطه الطلاق قبل ~~الدخول كما يسقط مهر المثل ومن جهة أخرى أن الفرض إنما ألحق بالعقد ولم يكن ~~موجودا فيه فمن حيث بطل العقد بطل # PageV02P146 # ما ألحق به فإن قيل فالمسمى في العقد ثبوته كان بالعقد ولا يبطل ببطلانه ~~قيل له قد كان أبو الحسن رحمه الله يقول إن المسمى قد بطل وإنما يجب نصف ms0704 ~~المهر حسب وجوب المتعة وكذلك قال إبراهيم النخعي هذا متعتها ومن الناس من ~~يحتج بهذه الآية في أن المهر قد يكون أقل من عشرة دراهم لأن الله تعالى قال ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم فإذا سمى ~~درهمين في العقد وجب بقضية الآية أن لا تستحق بعد الطلاق أكثر من درهم وهذا ~~لا يدل عندنا على ما قالوا وذلك لأن تسمية الدرهمين عندنا تسمية العشرة لأن ~~العشرة لا تتبعض في العقد وتسمية لبعضها تسمية لجميعها كما أن الطلاق لما ~~لم يتبعض كان إيقاعه لنصف تطليقة إيقاعا لجميعها والذي قد فرض أقل من عشرة ~~قد فرض العشرة عندنا فيجب نصفها بعد الطلاق وأيضا فإن الذي اقتضته الآية ~~وجوب نصف المفروض ونحن نوجب نصف المفروض ثم نوجب الزيادة إلى تمام خمسة ~~دراهم بدلالة أخرى والله أعلم. ### | ذكر اختلاف أهل العلم في الطلاق بعد الخلوة # قال أبو بكر تنازع أهل العلم في معنى قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم واختلفوا في المسيس المراد ~~بالآية # فروي عن على وابن عمر وزيد بن ثابت إذا أغلق بابا وأرخى سترا ثم طلقها ~~فلها جميع المهر # وروى سفيان الثوري عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال # لها الصداق كاملا وهو قول علي بن الحسين # وإبراهيم في آخرين من التابعين وروى فراس عن الشعبي عن ابن مسعود قال لها ~~نصف الصداق وإن قعد بين رجليها والشعبي عن ابن مسعود مرسل وروي عن شريح مثل ~~قول ابن مسعود وروى سفيان الثوري عن عمر عن عطاء عن ابن عباس إذا فرض الرجل ~~قبل أن يمس فليس لها إلا المتاع فمن الناس من ظن أن قوله في هذا كقول عبد ~~الله ابن مسعود وليس كذلك لأن قوله فرض يعني أنه لم يسم لها مهرا وقوله قبل ~~أن يمس يريد قبل الخلوة لأنه قد تأوله على الخلوة في حديث طاوس عنه فأوجب ~~لها المتعة قبل ms0705 الخلوة واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر الخلوة الصحيحة تمنع سقوط شيء من المهر بعد الطلاق ~~وطئ أو لم يطأ وهي أن لا يكون أحدهما محرما أو مريضا أو لم تكن حائضا أو ~~صائمة في رمضان أو رتقاء فإنه إن كان # PageV02P147 # كذلك ثم طلقها وجب لها نصف المهر إذا لم يطأها والعدة واجبة في هذه ~~الوجوه كلها إن طلقها فعليها العدة وقال سفيان الثوري لها المهر كاملا إذا ~~خلا بها ولم يدخل بها إذا جاء ذلك من قبله وإن كانت رتقاء فلها نصف المهر ~~وقال مالك إذا خلا بها وقبلها وكشفها إن كان ذلك قريبا فلا أرى لها إلا نصف ~~المهر وإن تطاول ذلك فلها المهر إلا أن تضع له ما شاءت وقال الأوزاعي إذا ~~تزوج امرأة فدخل بها عند أهلها قبلها ولمسها ثم طلقها ولم يجامعها أو أرخى ~~عليها سترا أو أغلق بابا فقد تم الصداق وقال الحسن بن صالح إذا خلا بها ~~فلها نصف المهر إذ لم يدخل بها وإن ادعت الدخول بعد الخلوة فالقول قولها ~~بعد الخلوة وقال الليث إذا أرخى عليها سترا فقد وجب الصداق وقال الشافعي ~~إذا خلا بها ولم يجامعها حتى طلق فلها نصف المهر ولا عدة عليها قال أبو بكر ~~مما يحتج به في ذلك من طريق الكتاب قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ~~فأوجب إيفاء الجميع فلا يجوز إسقاط شيء منه إلا بدليل ويدل عليه قوله تعالى ~~وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض فيه ~~وجهان من الدلالة على ما ذكرنا أحدهما قوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا ~~والثاني وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وقال الفراء الإفضاء الخلوة ~~دخل بها أو لم يدخل وهو حجة في اللغة وقد أخبر أن الإفضاء اسم للخلوة فمنع ~~الله تعالى أن يأخذ منه شيئا بعد الخلوة وقد دل على أن ms0706 المراد هو الخلوة ~~الصحيحة التي لا تكون ممنوعا فيها من الاستمتاع لأن الإفضاء مأخوذ من ~~الفضاء من الأرض وهو الموضع الذي لا بناء فيه ولا حاجز يمنع من إدراك ما ~~فيه فأفاد بذلك استحقاق المهر بالخلوة على وصف وهي التي لا حائل بينها ولا ~~مانع من التسليم والاستمتاع إذ كان لفظ الإفضاء يقتضيه ويدل عليه أيضا قوله ~~تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف وقوله تعالى فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة يعني مهورهن وظاهره يقتضي وجوب ~~الإيتاء في جميع الأحوال إلا ما قام دليله قال أبو بكر ويدل عليه من جهة ~~السنة ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال أخبرنا معلى بن ~~منصور قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ~~ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كشف خمار امرأة ونظر إليها ~~وجب الصداق دخل بها أو لم # PageV02P148 # يدخل # وهو عندنا اتفاق الصدر الأول لأن حديث فراس عن الشعبي عن عبد الله بن ~~مسعود لا يثبته كثير من الناس من طريق فراس وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال ~~حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى ~~قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب ~~المهر ووجبت العدة فأخبر أنه قضاء الخلفاء الراشدين # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين من بعدي وعضوا عليها بالنواجذ # ومن طريق النظر أن المعقود عليه من جهتها لا يخلو إما أن يكون الوطء أو ~~التسليم فلما اتفق الجميع على جواز نكاح المجبوب مع عدم الوطء دل ذلك على ~~أن صحة العقد غير متعلقة بالوطء إذ لو كان كذلك لوجب أن لا يصح العقد عند ~~عدم الوطء ألا ترى أنه لما تعلقت صحته بصحة التسليم كان من لا يصح منها ~~التسليم من ذوات المحارم لم يصح عليها العقد ms0707 وإذا كانت صحة العقد متعلقة ~~بصحة التسليم من جهتها فواجب أن تستحق كمال المهر بعد صحة التسليم بحصول ما ~~تعلقت به صحة العقد له وأيضا فإن المستحق من قبلها هو التسليم ووقوع الوطء ~~إنما هو من قبل الزوج فعجزه وامتناعه لا يمنع من صحة استحقاق المهر ولذلك ~~قال عمر رضي الله عنه في المخلو بها لها المهر كاملا ما ذنبهن إن جاء العجز ~~من قبلكم وأيضا لو استأجر دار أو خلى بينهما وبينه استحق الأجر لوجود ~~التسليم كذلك الخلوة في النكاح وإنما قالوا إنها إذا كانت محرمة أو حائضا ~~أو مريضة أن ذلك لا تستحق به كمال المهر من قبل أن هناك تسليم آخر صحيحا ~~تستحق به كمال المهر إذ ليس ذلك تسليما صحيحا ولما لم يوجد التسليم المستحق ~~بعقد النكاح لم تستحق كمال المهر واحتج من أبى ذلك بظاهر قوله تعالى وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم وقال تعالى ~~في آية أخرى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فعلق استحقاق كمال المهر ووجوب العدة بوجود المسيس ~~وهو الوطء إذ كان معلوما أنه لم يرد به وجود المس باليد والجواب عن ذلك أن ~~قوله تعالى من قبل أن تمسوهن قد اختلف الصحابة فيه على ما وصفنا فتأوله علي ~~وعمر وابن عباس وزيد وابن عمر على الخلوة فليس يخلو هؤلاء من أن يكونوا ~~تأولوها من طريق اللغة أو من جهة أنه اسم له في الشرع إذ غير جائز تأويل ~~اللفظ على ما ليس باسم له في الشرع ولا في اللغة فإن كان ذلك عندهم # PageV02P149 # اسما له من طريق اللغة فهم حجة فيها لأنهم أعلم باللغة ممن جاء بعدهم وإن ~~كان من طريق الشرع فأسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا وإذا صار ذلك اسما لها ~~صار تقدير الآية وإن طلقتموهن من قبل الخلوة فنصف ما فرضتم وأيضا لما ~~اتفقوا على أنه لم يرد به حقيقة المس ms0708 باليد وتأوله بعضهم على الجماع وبعضهم ~~على الخلوة ومتى كان اسما للجماع كان كناية عنه وجائز أن يكون حكمه كذلك ~~وإذا أريد به الخلوة سقط اعتبار ظاهر اللفظ لاتفاق الجميع على أنه لم يرد ~~حقيقة معناه وهو المس باليد ووجب طلب الدليل على الحكم من غيره وما ذكرناه ~~من الدلالة يقتضي أن مراد الآية هو الخلوة دون الجماع فأقل أحواله أن لا ~~يخص به ما ذكرنا من ظواهر الآي والسنة وأيضا لو اعتبرنا حقيقة اللفظ اقتضى ~~ذلك أن يكون لو خلا بها ومسها بيده أن تستحق كمال المهر لوجود حقيقة المس ~~وإذا لم يخل بها ومسها بيده خصصناه بالإجماع وأيضا لو كان المراد الجماع ~~فليس يمتنع أن يقوم مقامه ما هو مثله وفي حكمه من صحة التسليم كما قال ~~تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا وما قام مقامه من الفرقة فحكمه ~~حكمه في إباحتها للزوج الأول وقد حكي عن الشافعي في المجبوب إذا جامع ~~امرأته أن عليه كمال المهر إن طلق من غير وطء فعلمنا أن الحكم غير متعلق ~~بوجود الوطء وإنما هو متعلق بصحة التسليم فإن قيل لو كان التسليم قائما ~~مقام الوطء لوجب أن يحلها للزوج الأول كما يحلها الوطء قيل له هذا غلط لأن ~~التسليم إنما هو علة لاستحقاق كمال المهر وليس بعلة لإحلالها للزوج الأول ~~ألا ترى أن الزوج لو مات عنها قبل الدخول استحقت كمال المهر وكان الموت ~~بمنزلة الدخول ولا يحلها ذلك للزوج الأول قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفوا ~~الذي بيده عقدة النكاح قوله تعالى إلا أن يعفون المراد به الزوجات لأنه لو ~~أراد الأزواج لقال إلا أن يعفوا ولا خلاف في ذلك وقد روي أيضا عن ابن عباس ~~ومجاهد وجماعة من السلف ويكون عفوها أن تترك بقية الصداق وهو النصف الذي ~~جعله الله لها بعد الطلاق بقوله تعالى # فنصف ما فرضتم فإن قيل قد يكون الصداق عرضا بعينه وعقارا لا يصح فيه ~~العفو قيل له ليس معنى العفو في ms0709 هذا الموضع أن تقول قد عفوت وإنما العفو هو ~~التسهيل أو الترك والمعنى فيه أن تتركه له على الوجه الجائز في عقود ~~التمليكات فكان تقدير الآية أن تملكه إياه وتتركه له تمليكا بغير عوض تأخذه ~~منه فإن قال قائل في هذا دلالة على جواز # PageV02P150 # هبة المشاع فيما يقسم لإباحة الله تعالى لها تمليك نصف الفريضة إياه بعد ~~الطلاق ولم يفرق بين ما كان منها عينا أو دينا ولا بين ما يحتمل القسمة أو ~~لا يحتملها فوجب بقضية الآية جواز هبة المشاع فيقال له ليس الأمر كما ظننت ~~لأنه ليس المعنى في العفو أن تقول قد عفوت إذ لا خلاف أن رجلا لو قال لرجل ~~قد عفوت لك عن داري هذه أو قد أبرأتك من داري هذه أن ذلك لا يوجب تمليكا ~~ولا يصح به عقد هبة وإذا كان كذلك وما نص عليه في الآية من العفو غير موجب ~~لجواز عقود التمليكات به علم أن المراد به تمليكها على الوجه الذي تجوز ~~عليه عقود الهبات والتمليكات إذ كان اللفظ الذي به يصح التمليك غير مذكور ~~فصار حكمه موقوفا على الدلالة فما جاز في الأصول جاز في ذلك وما لم يجز في ~~الأصول من عقود الهبات لم يجز في هذا ومع هذا فإن كان هذا السائل عن ذلك من ~~أصحاب الشافعي فإنه يلزمه أن يجيز الهبة غير مقبوضة لأن الله سبحانه لم ~~يفرق بين المهر المقبوض وغير المقبوض فإذا عفت وقد قبضت فواجب أن يجوز من ~~غير تسليمه إلى الزوج وإذا لم يجز ذلك وكان محمولا على شروط الهبات كذلك في ~~المشاع وإن كان من أصحاب مالك واحتج به في جوازها في المشاع وقبل القبض كان ~~الكلام على ما قدمناه وأما قوله تعالى أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح فإن ~~السلف قد اختلفوا فيه فقال علي وجبير بن مطعم ونافع بن جبير وسعيد بن ~~المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب وقتادة ونافع هو الزوج وكذلك قال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد ms0710 وزفر والثوري وابن شبرمة والأوزاعي والشافعي قالوا ~~عفوه أن يتم لها كمال المهر بعد الطلاق قبل الدخول قالوا وقوله تعالى إلا ~~أن يعفون البكر والثيب وقد روي عن ابن عباس في ذلك روايتان إحداهما ما رواه ~~حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال هو الزوج ~~وروى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال رضي الله بالعفو ~~وأمر به وإن عفت فكما عفت وإن ضنت وعفى وليها جاز وإن أبت وقال علقمة ~~والحسن وإبراهيم وعطاء وعكرمة وأبو الزناد هو الولي وقال مالك بن أنس إذا ~~طلقها قبل الدخول وهي بكر جاز عفو أبيها عن نصف الصداق وقوله تعالى إلا أن ~~يعفون اللاتي قد دخل بهن قال ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شيء من الصداق إلا ~~الأب وحده لا وصي ولا غيره وقال الليث لأبي البكر أن يضع من صداقها عند ~~عقدة # PageV02P151 # النكاح ويجوز ذلك عليها وبعد عقدة النكاح ليس له أن يضع شيئا من صداقها ~~ولا يجوز أيضا عفوه عن شيء من صداقها بعد الطلاق قبل الدخول ويجوز له ~~مبارأة زوجها وهي كارهة إذا كان ذلك نظرا من أبيها لها فكما لم يجز للأب أن ~~يضع شيئا من صداقها بعد النكاح كذلك لا يعفو عن نصف صداقها بعد ذلك وذكر ~~ابن وهب عن مالك أن مبارأته عليها جائزة قال أبو بكر قوله تعالى أو يعفوا ~~الذي بيده عقدة النكاح متشابه لاحتماله الوجهين اللذين تأولهما السلف ~~عليهما فوجب رده إلى المحكم وهو قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن ~~طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا وقال تعالى في آية أخرى وإن ~~أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا وقال ~~تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما ~~حدود الله فهذه الآيات محكمة لا احتمال فيها لغير المعنى الذي اقتضته فوجب ~~رد الآية المتشابهة ms0711 وهي قوله تعالى أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح إليها # لأمر الله تعالى الناس برد المتشابه إلى المحكم وذم متبعي المتشابه من ~~غير حمله على معنى المحكم بقوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وأيضا لما كان اللفظ محتملا للمعاني وجب حمله على ~~موافقة الأصول ولا خلاف أنه غير جائز للأب هبة شيء من مالها للزوج ولا ~~لغيره فكذلك المهر لأنه مالها وقوله من حمله على الولي خارج عن الأصول لأن ~~أحدا لا يستحق الولاية على غيره في هبة مالها فلما كان قول القائلين بذلك ~~مخالفا للأصول خارجا عنها وجب حمل معنى الآية على موافقتها إذ ليس ذلك أصلا ~~بنفسه لاحتماله للمعاني وما ليس بأصل في نفسه فالواجب رده إلى غيره من ~~الأصول واعتباره بها وأيضا فلو كان المعنيان جميعا في حيز الاحتمال ووجد ~~نظائرهما في الأصول لكان في مقتضى اللفظ ما يوجب أن يكون الزوج أولى بظاهر ~~اللفظ من الولي وذلك لأن قوله تعالى أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح لا ~~يجوز أن يتناول الولي بحال لا حقيقة ولا مجازا لأن قوله تعالى الذي بيده ~~عقدة النكاح يقتضي أن تكون العقدة موجودة وهي في يد من هي في يده فأما عقدة ~~غير موجودة فغير جائز إطلاق اللفظ عليها بأنها في يد أحد فلما لم تكن هناك ~~عقدة موجودة في يد الولي قبل العقد ولا بعده وقد كانت العقدة في يد الزوج ~~قبل الطلاق فقد تناوله اللفظ بحال فوجب أن يكون حمله على الزوج أولى منه ~~على الولي فإن قيل إنما حكم # PageV02P152 # الله بذلك بعد الطلاق وليست عقدة النكاح بيد الزوج بعد الطلاق قيل له ~~يحتمل اللفظ بأن يريد الذي كان بيده عقدة النكاح والولي لم يكن بيده عقدة ~~النكاح ولا هي في يده في الحال فكان الزوج أولى بمعنى الآية من الولي ويدل ~~على ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة ولا تنسوا الفضل بينكم فندبه إلى الفضل ~~وقال تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى ms0712 وليس في هبة مال الغير إفضال منه على ~~غيره والمرأة لم يكن منها إفضال وفي تجويز عفو الولي إسقاط معنى الفضل ~~المذكور في الآية وجعله تعالى بعد العفو أقرب للتقوى ولا تقوى له في هبة ~~مال غيره وذلك الغير لم يقصد إلى العفو فلا يستحق به سمة التقوى وأيضا فلا ~~خلاف أن الزوج مندوب إلى ذلك وعفوه وتكميل المهر لها جائز منه فوجب أن يكون ~~مرادا بها وإذا كان الزوج مرادا انتفى أن يكون الولي مرادا بها لأن السلف ~~تأولوه على أحد معنيين إما الزوج وإما الولي وإذ قد دللنا على أن الزوج ~~مراد وجب أن تمتنع إرادة الولي فإن قال قائل على ما قدمنا فيما تضمنته ~~الآية من الندب إلى الفضل وإلى ما يقرب من التقوى وإن كان ذلك خطابا مخصوصا ~~به المالك دون من يهب مال الغير ليس يمتنع في الأصول أن تلحق هذه التسمية ~~للولي وإن فعل ذلك في مال من يلي عليه والدليلى على ذلك أنه يستحق الثواب ~~بإخراج صدقة الفطر عن الصغير من مال الصغير وكذلك الأضحية والختان قيل ~~أغفلت موضع الحجاج مما قدمناه وذلك أنا قلنا هو غير مستحق للثواب والفضل ~~بالتبرع بمال الغير فعارضتنا بمن وجب عليه حق في ماله فأخرجه عنه وليه وهو ~~الأب ونحن نجيز للوصي ولغير الوصي أن يخرج عنه هذه الحقوق ولا نجيز عفوهم ~~عنه فكيف تكون الأضحية وصدقة الفطر والحقوق الواجبة بمنزلة التبرع وإخراج ~~ما لا يلزم من ملكها وزعم بعض من احتج لمالك أنه أراد الزوج لقال إلا أن ~~يعفون أو يعفو الزوج لما قد تقدم من ذكر الزوجين فيكون الكلام راجعا إليهما ~~جميعا فلما عدل عن ذلك إلى ذكر من لا يعرف إلا بالصفة علم أنه لم يرد الزوج ~~قال أبو بكر وهذا الكلام فارغ لا معنى تحته لأن الله تعالى يذكر إيجاب ~~الأحكام تارة بالنصوص وتارة بالدلالة على المعنى المراد من غير نص عليه ~~وتارة بلفظ يحتمل للمعاني وهو في بعضها أظهر وبه أولى وتارة ms0713 بلفظ مشترك ~~يتناول معاني مختلفة يحتاج في الوصول إلى المراد بالاستدلال عليه من غيره ~~وقد وجد ذلك كله في القرآن وقوله لو أراد الزوج # PageV02P153 # لقال أو يعفو حتى يرجع الكلام إلى الزوج دون غيره ولما عدل عنه إلى لفظ ~~محتمل خلف من القول لا معنى له ويقال له لو أراد الولي # لقال الولي ولم يورد لفظا يشترك فيه الولي وغيره وقال هذا القائل إن ~~العافي هو التارك لحقه وهي إذا تركت النصف الواجب لها فهي عافية وكذلك ~~الولي فإن الزوج إذا أعطاها شيئا غير واجب لها لا يقال له عاف وإنما هو ~~واهب وهذا أيضا كلام ضعيف لأن الذي تأولوه على الزوج قالوا إن عفوه هو ~~إتمام الصداق لها وهم الصحابة والتابعون وهم أعلم بمعاني اللغة وما تحتمله ~~من هذا القائل وأيضا فإن العفو في هذا الموضع ليس هو قوله قد عفوت وإنما ~~المعنى فيه تكميل المهر من قبل الزوج أو تمليك المرأة النصف الباقي بعد ~~الطلاق إياه ألا ترى أن المهر لو كان عبدا بعينه لكان حكم الآية مستعملا ~~فيه والندب المذكور فيها قائما فيه ويكون عفو المرأة أن تملكه النصف الباقي ~~لها بعد الطلاق لا بأن تقول قد عفوت ولكن على الوجه الذي يجوز فيه عقود ~~التمليكات فكذلك العفو من قبل الزوج ليس هو أن يقول قد عفوت لكن بتمليك ~~مبتدأ على حسب ما تجوز التمليكات وكذلك لو كانت المرأة قد قبضت المهر ~~واستهلكته كان عفو الزوج في هذه الحالة إبراءها من الواجب عليها ولو كان ~~المهر دينا في ذمة الزوج كان عفوها إبراءه من الباقي فكل عفو أضيف إلى ~~المرأة فمثله يضاف إلى الزوج ويقال فما تقول في عفو الولي على أي صفة هو ~~فإنا نجعل عفو الزوج على مثلها فالاشتغال بمثل ذلك لا يجدي نفعا لأن ذلك ~~كلام في لفظ العفو والعدول عنه وهو مع ذلك منتقض على قائله إلا أني ذكرته ~~إبانة عن اختلال قول المخالفين ولجأهم إلى تزويق الكلام بما لا دلالة فيه ~~وقوله ms0714 تعالى إلا أن يعفون يدل على بطلان قول من يقول إن البكر إذا عفت عن ~~نصف الصداق بعد الطلاق أنه لا يجوز وهو قول مالك لأن الله تعالى لم يفرق ~~بين البكر والثيب في قوله تعالى إلا أن يعفون ولما كان قوله وابتداء خطابه ~~حين قال تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم عاما في الأبكار والثيب وجب أن يكون ما عطف عليه من قوله تعالى إلا ~~أن يعفون عاما في الفريقين منهما وتخصيص الثيب بجواز العفو دون البكر لا ~~دلالة عليه وقوله تعالى فنصف ما فرضتم يوجب أن يكون إذا تزوجها على ألف ~~درهم ودفعها إليها ثم طلقها قبل الدخول وقد اشترت بها متاعا أن يكون لها ~~نصف الألف وتضمن # PageV02P154 # للزوج النصف وقال مالك يأخذ الزوج نصف المتاع الذي اشترته والله تعالى ~~إنما جعل له نصف المفروض وكذلك المرأة فكيف يجوز أن يؤخذ منها ما لم يكن ~~مفروضا ولا هو قيمة له وهو أيضا خلاف الأصول لأن رجلا لو اشترى عبدا بألف ~~درهم وقبض البائع ألف واشترى بها متاعا ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فرد لم ~~يكن له على المتاع الذي اشتراه البائع سبيل وكان المتاع كله للبائع وعليه ~~أن يرد على المشتري ألفا مثلها فالنكاح مثله لا فرق بينهما إذ لم يقع عقد ~~النكاح على المتاع كما لم يقع عقد البيع عليه وإنما وقع على الألف والله ~~تعالى أعلم. ### | باب الصلاة الوسطى وذكر الكلام في الصلاة # قال الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فيه أمر بفعل الصلاة ~~وتأكيد وجوبها بذكر المحافظة وهي الصلاة الخمس المكتوبات المعهودات في ~~اليوم والليلة وذلك لدخول الألف واللام عليها إشارة بها إلى معهود وقد ~~انتظم ذلك القيام بها واستيفاء فروضها وحفظ حدودها وفعلها في مواقيتها وترك ~~التقصير فيها إذ كان الأمر بالمحافظة يقتضي ذلك كله وأكد الصلاة الوسطى ~~بإفرادها بالذكر مع ذكره سائر الصلوات وذلك يدل على معنيين إما أن تكون ~~أفضل الصلوات وأولاها بالمحافظة ms0715 عليها فلذلك أفردها بالذكر عن الجملة وإما ~~أن تكون المحافظة عليها أشد من المحافظة على غيرها وقد روي في ذلك روايات ~~مختلفة يدل بعضها على الوجه الأول وبعضها على الوجه الثاني فمنها ما روي عن ~~زيد بن ثابت أنه قال هي الظهر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~بالهجير ولا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم ~~فأنزل الله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وفي بعض ألفاظ الحديث ~~فكانت أثقل الصلوات على الصحابة فأنزل الله تعالى ذلك قال زيد بن ثابت ~~وإنما سماها وسطى لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين وروي عن ابن عمر وابن ~~عباس أن الصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها صلاة ~~الفجر وقد روي عن عائشة وحفصة وأم كلثوم أن في مصحفهن حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى صلاة العصر روى عن البراء بن عازب قال نزلت حافظوا على ~~الصلوات وصلاة العصر وقرأتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~نسخها الله تعالى فأنزل حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فأخبر البراء أن ~~ما في مصحف # PageV02P155 # هؤلاء من ذكر صلاة العصر منسوخ # وقد روى عاصم عن زر عن علي قال قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر حتى ~~كادت الشمس أن تغيب فقال النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم املأ قلوب الذين ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى نارا) قال علي كنا نرى أنها صلاة الفجر وروى عكرمة ~~وسعيد بن جبير ومقسم عن ابن عباس مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها صلاة العصر وكذلك روى ~~سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وروي عن علي من قوله أنها صلاة العصر # وكذلك عن أبي بن كعب وعن قبيصة بن ذؤيب المغرب وقيل إنما سميت صلاة العصر ~~الوسطى لأنها بين صلاتين من صلاة النهار وصلاتين من صلاة الليل وقيل إن أول ~~الصلوات وجوبا كانت الفجر وآخرها ms0716 العشاء الآخرة فكانت العصر هي الوسطى في ~~الوجوب ومن قال إن الوسطى الظهر يقول لأنها وسطى صلاة النهار بين الفجر ~~والعصر ومن قال الصبح فقد قال ابن عباس لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض ~~من النهار فجعلها وسطى في الوقت ومن الناس من يستدل بقوله تعالى والصلاة ~~الوسطى على نفي وجوب الوتر لأنها لو كانت واجبة لما كان لها وسطى لأنها ~~تكون حينئذ ستا فيقال له إن كانت الوسطى العصر فوجهه ما قيل إنها وسطى في ~~الإيجاب وإن كانت الظهر فلأنها بين صلاتي النهار الفجر والعصر فلا دلالة ~~على نفي وجوب الوتر التي هي من صلاة الليل وأيضا فإنها وسطى الصلوات ~~المكتوبات وليس الوتر من المكتوبات وإن كانت واجبة لأنه ليس كل واجب فرضا ~~إذا كان الفرض هو أعلى في مراتب الوجوب وأيضا فإن فرض الوتر زيادة وردت بعد ~~فرض المكتوبات # لقوله صلى الله عليه وسلم إن الله زادكم إلى صلاتكم صلاة وهي الوتر وإنما ~~سميت وسطى قبل وجوب الوتر # وأما قوله عز وجل وقوموا لله قانتين فإنه قد قيل في معنى القنوت في أصل ~~اللغة إنه الدوام على الشيء وروي عن السلف فيه أقاويل روي عن ابن عباس ~~والحسن وعطاء والشعبي وقوموا لله قانتين مطيعين وقال نافع عن ابن عمر قال ~~القنوت طول القيام وقرأ أمن هو قانت آناء الليل # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الصلاة طول القنوت يعني ~~القيام # وقال مجاهد القنوت السكوت والقنوت الطاعة ولما كان أصل القنوت الدوام على ~~الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا وكذلك من أطال القيام والقراءة ~~والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلو القنوت # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يدعوا فيه # PageV02P156 # على حي من أحياء العرب # والمراد به أطال قيام الدعاء # وقد روى الحارث عن شبل عن أبي عمرو الشيباني قال كنا نتكلم في الصلاة على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا ms0717 بالسكوت # فاقتضى ذلك النهي عن الكلام في الصلاة # وقال عبد الله بن مسعود كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الصلاة فيرد علينا قبل أن نأتي أرض الحبشة فلما رجعت سلمت عليه فلم يرد علي ~~فذكرت ذلك له فقال إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإنه قضى أن لا تتكلموا في ~~الصلاة # وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرد عليه بالإشارة فلما سلم قال كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا ~~عن ذلك # وروى إبراهيم الهجري عن ابن عياض عن أبي هريرة قال كانوا يتكلمون في ~~الصلاة فنزل وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا # وفي حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير ~~وقراءة القرآن # ففي هذه الأخبار حظر الكلام في الصلاة ولم تختلف الرواة أن الكلام كان ~~مباحا في الصلاة إلى أن حظره واتفق الفقهاء على حظره إلا أن مالكا قال يجوز ~~فيها لإصلاح الصلاة وقال الشافعي كلام السهو لا يفسدها ولم يفرق أصحابنا ~~بين شيء منه وأفسدوا الصلاة بوجوده فيها على وجه السهو وقع أو لإصلاح ~~الصلاة والدليل عليه أن الآية التي تلونا من قوله تعالى وقوموا لله قانتين ~~ورواية من روى أنها نزلت في حظر الكلام في الصلاة مع احتماله له لو لم ترد ~~الرواية بسبب نزولها ليس فيها فرق بين الكلام الواقع على وجه السهو والعمد ~~وبينه إذا قصد به إصلاح الصلاة أو لم يقصد وكذلك سائر الأخبار المأثورة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حظره فيها لم يفرق فيها بين ما قصد به ~~إصلاح الصلاة وبين غيره ولا بين السهو والعمد منه فهي عامة في الجميع فإن ~~قيل النهي عن الكلام في الصلاة مقصور على العامد دون الناسي لاستحالة نهي ~~الناسي قيل له حكم النهي قد يجوز أن يتعلق على الناسي ms0718 كهو على العامد وإنما ~~يختلفان في المأثم واستحقاق الوعيد فأما في الأحكام التي هي فساد الصلاة ~~وإيجاب قضائها فلا يختلفان ألا ترى أن الناسي بالأكل والحدث والجماع في ~~الصلاة في حكم العامد فيما يتعلق عليه من أحكام هذه الأفعال من إيجاب ~~القضاء وإفساد الصلاة وإن كانا مختلفين في حكم المأثم واستحقاق الوعيد وإذا ~~كان ذلك على ما وصفنا كان حكم النهي فيما يقتضيه من إيجاب القضاء معلقا ~~بالناسي كهو بالعامد لا فرق # PageV02P157 # بينهما فيه وإن اختلفا في حكم المأثم والوعيد فقد دلت هذه الأخبار على ~~فساد قول من فرق بين ما قصد به الإصلاح للصلاة وبين ما لم يقصد به إصلاحها ~~وعلى فساد قول من فرق بين الناسي والعامد ويدل على ذلك أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية بن الحكم إن صلاتنا هذه لا ~~يصلح فيها شيء من كلام الناس # وحقيقته الخبر فهو محمول على حقيقته فاقتضى ذلك إخبارا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس فلو بقي مصليا بعد الكلام ~~لكان قد صلح الكلام فيها من وجه فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس ~~بصلاة ليكون مخبره خبرا موجودا في سائر ما أخبر به ومن وجه آخر أن ضد ~~الصلاح هو الفساد وهو يقتضيه في مقابلته فإذا لم يصلح فيها ذلك فهي فاسدة ~~إذا وقع الكلام فيها ولو لم يكن كذلك لكان قد صلح الكلام فيها من غير إفساد ~~وذلك خلاف مقتضى الخبر واحتج الفريقان جميعا من مخالفينا الذين حكينا من ~~قولهما بحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين # وروي من طرق قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ~~الظهر أو العصر ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها إحداهما على ~~الآخر يعرف في وجهه الغضب قال وخرج سرعان الناس فقالوا أقصرت الصلاة وفي ~~الناس أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه فقام رجل طويل اليدين كان رسول الله ~~صلى ms0719 الله عليه وسلم يسميه ذا اليدين فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت ~~الصلاة فقال له لم أنس ولم تقصر الصلاة فقال بل نسيت فأقبل على القوم فقال ~~أصدق ذو اليدين قالوا نعم فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين وسلم وسجد ~~سجدتي السهو # قالوا فأخبر أبو هريرة بما كان منه ومنهم من الكلام ولم يمتنع من البناء ~~وقد كان أبو هريرة متأخر الإسلام وروى يحيى بن سعيد القطان قال حدثنا ~~إسماعيل ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال أتينا أبا هريرة فقلنا حدثنا ~~فقال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين وقد روي عنه أنه قدم ~~المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج خلفه وقد فتح النبي صلى الله ~~عليه وسلم خيبر قالوا فإذا كانت هذه القصة بعد إسلام أبي هريرة ومعلوم أن ~~نسخ الكلام كان بمكة لأن عبد الله بن مسعود لما قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من أرض الحبشة كان الكلام في الصلاة محظورا لأنه سلم عليه فلم ~~يرد عليه وأخبره بنسخ الكلام في الصلاة فثبت بذلك أن ما في حديث ذي اليدين ~~كان بعد حظر الكلام في الصلاة وقال أصحاب مالك إنما لم تفسد به الصلاة لأنه ~~كان لإصلاحها وقال الشافعي لأنه وقع ناسيا # PageV02P158 # فيقال لهم لو كان حديث ذي اليدين بعد نسخ الكلام لكان مبيحا للكلام فيها ~~ناسخا لحظره المتقدم له لأنه لم يخبرهم أن جواز ذلك مخصوص بحال دون حال # وقد روى سفيان ابن عيينة عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من نابه في صلاته شيء فليقل سبحان الله إنما التصفيق للنساء ~~والتسبيح للرجال # وروى سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال التسبيح للرجال والتصفيق للنساء فمنع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لمن نابه شيء في صلاته من الكلام وأمر بالتسبيح # فلما لم يكن من القول تسبيح في قصة ذي ms0720 اليدين ولا أنكر عليهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم تركه دل ذلك على أن قصة ذي اليدين كانت قبل أن يعلمهم ~~التسبيح إذ غير جائز أن يكون قد علمهم التسبيح ثم يخالفونه إلى غيره ولو ~~كانوا خالفوا ما أمروا به من التسبيح في مثل هذه الحال لظهر فيه النكير ~~عليهم في تركهم التسبيح المأمور به إلى الكلام المحظور وفي هذا دليل على أن ~~قصة ذي اليدين كانت على على أحد وجهين إما قبل حظر الكلام ثم حظر الكلام في ~~الصلاة وإما أن تكون بعد حظر الكلام بديا منه ثم أبيح الكلام ثم حظر بقوله ~~التسبيح للرجال والتصفيق للنساء وقد كان نسخ الكلام بالمدينة بعد الهجرة ~~ويدل عليه ما # روى معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر وذكر الحديث # قال الزهري فكان هذا قبل بدر ثم استحكمت الأمور بعده وقال زيد بن أرقم ~~كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا لله قانتين فأمرنا بالسكوت # وقال أبو سعيد الخدري سلم رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه ~~إشارة وقال كنا نرد السلام في الصلاة فنهينا عن ذلك # وأبو سعيد الخدري من أصاغر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على صغر ~~سنه ما روى هشام عن أبيه عن عائشة قالت وما علم أبي سعيد الخدري وأنس بن ~~مالك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كانا غلامين صغيرين وكان ~~قدوم عبد الله بن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم من الحبشة إنما كان ~~بالمدينة وروى الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى بكر بن عبد الرحمن وعروة ابن ~~الزبير أن عبد الله بن مسعود ومن كان معه بالحبشة قدموا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة وقد روى أهل السير أن عبد الله بن مسعود لما قتل ~~أبا جهل يوم بدر بعد ما أثخنه ابنا عفراء وإذا كان كذلك فقد أخبر عبد ms0721 الله ~~بن مسعود بحظر الكلام في الصلاة عند قدومه من الحبشة وكان ذلك والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يريد الخروج إلى بدر وروى عبد الله بن وهب # PageV02P159 # عن عبد الله بن العمري عن نافع عن ابن عمر أنه ذكر له حديث ذي اليدين ~~فقال كان إسلام أبي هريرة بعد ما قتل ذو اليدين ثبت بذلك أن ما رواه أبو ~~هريرة كان قبل إسلامه لأن إسلامه كان عام خيبر فثبت أن أبا هريرة لم يشهد ~~تلك القصة وإن حدث بها كما قال البراء ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سمعناه ولكن سمعنا وحدثنا أصحابنا وروى حماد بن سلمة عن ~~حميد عن أنس قال والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا وقد روى ابن جريج ~~قال أخبرني عمرو عن يحيى بن جعدة أنه أخبره عن عبد الرحمن بن عبد القاري ~~أنه سمع أبا هريرة يقول لا ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدرك الصبح وهو جنب ~~فليفطر ولكن محمد قاله ورب هذا البيت ثم لما أخبر # برواية عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من غير ~~احتلام ثم يصوم يومه ذلك # قال لا علم لي بهذا إنما أخبرني به الفضل بن العباس فليس في روايته بحديث ~~ذي اليدين ما يدل على مشاهدته فإن قيل فقد روي في بعض أخباره أنه قال صلى ~~بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له يحتمل أن يكون مراده أنه صلى ~~بالمسلمين وهو منهم كما # روى مسعر بن كدام عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف فأنتم ~~اليوم بنو عبد الله ونحن بنو عبد الله # إنما يعني أنه قال ذلك لقومه فإن قيل لو كان حظر الكلام في الصلاة متقدما ~~لبدر ms0722 لما شهده زيد بن أرقم لأنه كان صغير السن وكان يتيما في حجر عبد الله ~~بن رواحة حين خرج إلى مؤتة ومثله لا يدرك قصة كانت قبل بدر قيل له إن كان ~~زيد بن أرقم قد شهد إباحة الكلام في الصلاة فإنه جائز أن يكون قد أبيح بعد ~~الحظر وجائز أن يكون أبو هريرة أيضا قد شهد إباحة الكلام في الصلاة بعد ~~حظره ثم حظر بعد ذلك إلا أن إخباره عن قصة ذي اليدين لا محالة لم يكن عن ~~مشاهدة لأنه أسلم بعدها وجائز أن يكون زيد بن أرقم أخبر عن حال المسلمين في ~~كلامهم في الصلاة إلى نزول قوله تعالى وقوموا لله قانتين ويكون معنى قوله ~~كنا نتكلم في الصلاة إخبارا عن المسلمين وهو منهم كما قال النزال بن سبرة ~~قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما قال الحسن خطبنا ابن عباس ~~بالبصرة وهو لم يكن بها يومئذ إنما طرئ عليها بعده ومما يدل على أن قصة ذي ~~اليدين كانت في حال إباحة الكلام أن فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استند إلى جذع في المسجد وأن سرعان الناس خرجوا فقالوا أقصرت الصلاة وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P160 # أقبل على القوم فسألهم فقالوا صدق وبعض هذا الكلام كان عمدا وبعضه كان ~~لغير إصلاح الصلاة فدل على أنها كانت في حال إباحة الكلام وجملة الأمر في ~~ذلك إن كان في حال إباحة الكلام بديا قبل حظره فلا حجة للمخالف فيه وإن كان ~~بعد حظر الكلام فليس يمتنع أن يكون أبيح بعد الحظر ثم حظر فكان آخر أمره ~~الحظر ونسخ به ما في حديث أبي هريرة وقد بينا أن قوله التسبيح للرجال ~~والتصفيق للنساء كان بعد حديث أبي هريرة إذ لو كان متقدما لأنكر عليه ترك ~~المأمور به من التسبيح ولكان القوم لا يخالفونه إلى الكلام مع علمهم بحظر ~~الكلام والأمر بالتسبيح وفي ذلك دليل على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لحظر ~~الكلام متأخر عنه فوجب أن يكون ms0723 ما في حديث أبي هريرة مختلفا في استعماله ~~فوجب أن تقضي عليه الأخبار الواردة في الحظر لأن من أصلنا أنه متى ورد ~~خبران أحدهما خاص والآخر عام واتفقوا على استعمال العام واختلفوا في ~~استعمال الخاص كان الخبر المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه فإن ~~قيل قد فرقتم بين حدث الساهي والعامد فهلا فرقتم بين سهو الكلام وعمده قيل ~~له هذا سؤال فارغ لا يستحق الجواب إلا أن يتبين وجه الدلالة في إحدى ~~المسألتين على الأخرى ومع ذلك فإنه لا فرق عندنا بين حدث الساهي والعامد في ~~إفساد الصلاة بعد أن يكون من فعله وإنما الفرق بين ما كان من فعله أو سبقه ~~من غير فعله فأما لو سهى فحك قرحة وخرج منها دم أو تقيأ فسدت صلاته وإن كان ~~ساهيا فإن قيل فقد فرقتم بين سلام الساهي والعامد وهو كلام في الصلاة فكذلك ~~سائر الكلام فيها قيل له إنما السلام ضرب من الذكر مسنون به الخروج من ~~الصلاة فإذا قصد إليه عامدا فسدت به الصلاة كما يخرج به منها في آخر وإذا ~~كان ساهيا فهو ذكر من الأذكار لا يخرج به من الصلاة وإنما كان ذكر لأنه ~~سلام على الملائكة وعلى حضره من المصلين وهو لو قال السلام على ملائكة الله ~~وجبريل وميكال أو على نبي الله لا تفسد صلاته فلما كان ضربا من الأذكار لم ~~يخرج به من الصلاة إلا أن يكون عامدا له ويدل على هذا أنه موجود مثله في ~~الصلاة لا يفسدها وهو قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا كان مثله قد يوجد في الصلاة ~~ذكرا مسنونا لم يكن مفسدا لها إذا وقع منه ناسيا لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام ~~الناس # وما أبيح في الصلاة من الكلام فليس بداخل فيه «11 أحكام ني» # PageV02P161 # فلا تفسد به الصلاة ولم يتناوله الخبر وإنما أفسدنا به الصلاة إذا تعمد ms0724 ~~لا من حيث كان من كلام الناس المحظور في الصلاة ولكن من جهة أنه مسنون ~~للخروج من الصلاة فإذا عمد له فقد قصد الوجه المسنون له فقطع صلاته وأيضا ~~لما كان من شرط الصلاة الشرعية ترك الكلام فيها ومتى تعمد الكلام لم تكن ~~صلاة عند الجميع إذا لم يقصد به إلى إصلاحها وجب أن يكون وجود الكلام فيها ~~مخرجا لها من أن تكون صلاة شرعية كالطهارة لما كانت من شرطها لم يختلف ~~حكمها في ترك الطهارة سهوا أو عمدا وكذلك ترك القراءة والركوع والسجود ~~وسائر فروضها لا يختلف حكم السهو والعمد فيها لأن الصلاة لما كانت اسما ~~شرعيا وكان صحة هذا الاسم لها متعلقة بشرائطه متى عدمت زال الاسم وكان من ~~شروطها ترك الكلام وجب أن يكون وجوده فيها يسلبها اسم الصلاة الشرعية ولم ~~يكن فاعلا للصلاة فلم نجزه فإن ألزمونا على ذلك الصيام وما شرط فيه من ترك ~~الأكل وتعلق الاسم الشرعي به ثم اختلف فيه حكم السهو والعمد فإنا نقول إن ~~القياس فيهما سواء ولذلك قال أصحابنا لولا الأثر لوجب أن لا يختلف فيه حكم ~~الأكل سهوا أو عمدا وإذا سلموا القياس فقد استمرت العلة وصحت # قوله عز وجل فإن خفتم فرجالا أو ركبانا الآية ذكر الله تعالى في أول ~~الخطاب الأمر بالصلاة والمحافظة عليها وذلك يدل على لزوم استيفاء فروضها ~~والقيام بحدودها لاقتضاء ذكر المحافظة لها وأكد الصلاة الوسطى بإفرادها ~~بالذكر لما بينا فيما سلف من فائدة ذكر التأكيد لها ثم عطف عليه قوله تعالى ~~وقوموا لله قانتين فاشتمل ذلك على لزوم السكوت والخشوع فيها وترك المشي ~~والعمل فيها وذلك في حال الأمن والطمأنينة ثم عطف عليه حال الخوف وأمر ~~بفعلها على الأحوال كلها ولم يرخص في تركها لأجل الخوف فقال تعالى فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا قوله فرجالا جمع راجل لأنك تقول راجل ورجال كتاجر وتجار ~~وصاحب وصحاب وقائم وقيام وأمر بفعلها في حال الخوف راجلا ولم يعذب في تركها ~~كما أمر المريض بفعلها على الحال ms0725 التي يمكنه فعلها من قيام وقعود وعلى جنب ~~وأمره بفعل الصلاة راكبا في حال الخوف إباحة لفعلها بالإيماء لأن الراكب ~~إنما يصلي بالإيماء لا يفعل فيها قياما ولا ركوعا ولا سجودا وقد روي عن ابن ~~عمر في صلاة الخوف قال فإن كان خوفا أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على ~~أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع # PageV02P162 # لا أرى ابن عمر وقال ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمذكور ~~في هذه الآية إنما هو الخوف دون القتال فإذا خاف وقد حصره العدو جاز له ~~فعلها كذلك ولما أباح له فعلها راكبا لأجل الخوف لم يفرق بين مستقبل القبلة ~~من الركبان وبين من ترك استقبالها تضمنت الدلالة على جواز فعلها من غير ~~استقبالها لأن الله تعالى أمر بفعلها على كل حال ولم يفرق بين من أمكنه ~~استقبالها وبين من لم يمكنه فدل على أن من لا يمكنه استقبالها فجائز له ~~فعلها على الحال التي يقدر عليها ويدل من جهة أخرى على ذلك وهو أن القيام ~~والركوع والسجود من فروض الصلاة وقد أباح تركها حين أمره بفعلها راكبا فترك ~~القبلة أحرى بالجواز إذا كان فعل الركوع والسجود آكد من القبلة فإذا جاز ~~الركوع والسجود فترك القبلة أحرى بالجواز فإن قيل على ما ذكرناه من أن الله ~~لم يبح ترك الصلاة في حال الخوف وأمر بها على الحال التي يمكن فعلها قد كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ترك أربع صلوات يوم الخندق حتى كان هوى الليل ثم ~~قضاهن على الترتيب وفي ذلك دليل على جواز ترك الصلاة في حال الخوف قيل له ~~إن الذي اقتضته هذه الآية الأمر بالصلاة في حال الخوف بعد تقديم تأكيد ~~فروضها لأنه عطف على قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ثم ~~زادها تأكيدا بقوله تعالى وقوموا لله قانتين فأمر فيها بالدوام على الخشوع ~~والسكون والقيام وحظر فيها التنقل من حال إلا إلى حال هي الصلاة من الركوع ~~والسجود ولو اقتصر على ذلك ms0726 لكان جائزا أن يظن ظان أن شرط جواز الصلاة فعلها ~~على هذه الأوصاف فبين حكم هذه الصلوات المكتوبات في حال الخوف فقال تعالى ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فأمر بفعلها في هذه الحال ولم يعذر أحدا من ~~المكلفين في تركها ولم يذكر حال القتال إذ ليس جميع أحوال الخوف هي أحوال ~~القتال لأن حضور العدو يوجب الخوف وإن لم يكن قتال قائم فإنما أمر بفعلها ~~في هذه الحال ولم يذكر حال القتال والنبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل ~~يوم الخندق لأنه كان مشغولا بالقتال والاشتغال بالقتال يمنع الصلاة ولذلك # قال صلى الله عليه وسلم ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى # وكذلك يقول أصحابنا إن الاشتغال بالقتال يفسدها فإن قيل ما أنكرت من أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يصل يوم الخندق لأنه لم يكن نزلت ~~صلاة الخوف قيل له قد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي جميعا أن غزوة ذات الرقاع ~~كانت قبل الخندق وقد صلى النبي # PageV02P163 # صلى الله عليه وسلم فيها صلاة الخوف فدل ذلك على أن ترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف إنما كان للقتال لأنه يمنع صحتها وينافيها ويستدل ~~بهذه الآية من يقول إن الخائف تجوز له الصلاة وهو ماش وإن كان طالبا لقوله ~~تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا وليس هذا كذلك لأنه ليس في الآية ذكر ~~المشي ومع ذلك فالطالب غير خائف لأنه إن انصرف لم يخف والله سبحانه إنما ~~أباح ذلك للخائف وإذا كان مطلوبا فجائز له أن يصلي راكبا وماشيا إذا خاف ~~وأما قوله فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون لما ذكر ~~الله تعالى حال الخوف وأمر بالصلاة على الوجه الممكن من راجل وراكب ثم عطف ~~عليه حال الأمن بقوله تعالى فإذا أمنتم فاذكروا الله دل ذلك على أن المراد ~~ما تقدم بيانه في حال الخوف وهو الصلاة فاقتضى ذلك إيجاب الذكر في الصلاة ~~وهو نظير قوله تعالى فاذكروا ms0727 الله قياما وقعودا ونظيره أيضا قوله تعالى ~~وذكر اسم ربه فصلى وقوله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~فتضمنت هذه المخاطبة من عند قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~الأمر بفعل الصلاة واستيفاء فروضها وشروطها وحفظ حدودها وقوله تعالى وقوموا ~~لله قانتين تضمن إيجاب القيام فيها ولما كان القنوت اسما يقع على الطاعة ~~اقتضى أن يكون جميع أفعال الصلاة طاعة وأن لا يتخللها غيرها لأن القنوت هو ~~الدوام على الشيء فأفاد ذلك النهي عن الكلام فيها وعن المشي وعن الاضطجاع ~~وعن الأكل والشرب وكل فعل ليس بطاعة لما تضمنوا للفظ من الأمر بالدوام على ~~الطاعات التي هي من أفعال الصلاة والنهي عن قطعها بالاشتغال بغيرها لما فيه ~~من ترك القنوت الذي هو الدوام عليها واقتضى أيضا الدوام على الخشوع والسكون ~~لأن اللفظ ينطوي عليه ويقتضيه فانتظم هذا اللفظ مع قلة حروفه جميع أفعال ~~الصلاة وأذكارها ومفروضها ومسنونها واقتضى النهي عن كل فعل ليس بطاعة فيها ~~والله الموفق والمعين. ### | باب الفرار من الطاعون # قال الله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ~~فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم قال ابن عباس كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا ~~من الطاعون فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم ~~الله وروي عن الحسن أيضا أنهم # PageV02P164 # فروا من الطاعون وقال عكرمة فروا من القتال وهذا يدل على أن الله تعالى ~~كره فرارهم من الطاعون وهو نظير قوله تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت ولو ~~كنتم في بروج مشيدة وقوله تعالى قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ~~وقوله تعالى قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وقوله تعالى ~~فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون وإذا كانت الآجال موقتة ~~محصورة لا يقع فيها تقديم ولا تأخير عما قدرها الله عليه فالفرار من ~~الطاعون عدول عن مقتضى ذلك وكذلك الطيرة والزجر والإيمان بالنجوم كل ذلك ~~فرارا من قدر الله عز وجل ms0728 الذي لا محيص لأحد عنه # وقد روي عن عمرو بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف والصابر فيه ~~كالصابر في الزحف # روى يحيى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب عن سعد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا عدوى ولا طيرة وإن تكن الطيرة في شيء فهي في الفرس والمرأة ~~والدار وإذا سمعتم بالطاعون بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليه وإذا كان وأنتم ~~بها فلا تخرجوا فرارا عنه وروي عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثله في الطاعون # وروى الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن الحارث ابن عبد ~~الله بن نوفل عن ابن عباس أن عمر خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه ~~التجار فقالوا الأرض سقيمة فاستشار المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه فعزم ~~على الرجوع فقال له أبو عبيدة أفرارا من قدر الله فقال له عمر لو غيرك ~~يقولها يا أبا عبيدة نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل ~~فهبطت بها واديا له عدوتان أحدهما خصيبة والأخرى جديبة ألست إن رعيت ~~الخصيبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجديبة رعيتها بقدر الله فجاء عبد ~~الرحمن بن عوف فقال عندي من هذا علم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا ~~تخرجوا فرارا منه فحمد الله عمر وانصرف # ففي هذه الأخبار النهي عن الخروج عن الطاعون فرارا منه والنهي عن الهبوط ~~عليه أيضا فإن قال قائل إذا كانت الآجال مقدرة محصورة لا تتقدم ولا تتأخر ~~عن وقتها فما وجه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول أرض بها الطاعون ~~وهو قد منع الخروج منها بديا لأجله ولا فرق بين دخولها وبين البقاء فيها ~~قيل له إنما وجه النهي أنه إذا دخلها وبها الطاعون فجائز ms0729 أن تدركه منيته ~~وأجله بها فيقول قائل لو لم يدخلها ما مات فإنما نهاه # PageV02P165 # عن دخولها لئلا يقال هذا وهو كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا ~~عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم فكره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يدخلها فعسى يموت فيها بأجله فيقول قوم من الجهال لو لم ~~يدخلها لم يمت وقد أصاب بعض الشعراء في هذا المعنى حين قال. # يقولون لي لو كان بالرمل لم تمت بثينة والأنباء يكذب قيلها ولو أنني ~~استودعتها الشمس لاهتدت إليها المنايا عينها ودليلها وعلى هذا المعنى الذي ~~قدمنا ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوردن ذو عاهة على مصح # مع قوله لا عدوى ولا طيرة لئلا يقال إذا أصاب الصحيح عاهة بعد إيراد ذي ~~عاهة عليه إنما أعداه ما ورد عليه # وقيل له يا رسول الله إن النقبة تكون بمشفر البعير فتجرب لها الإبل فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فما أعدى الأول # وقد روى هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير استفتح مصرا فقيل له إن هنا ~~طاعونا فدخلها وقال ما جئنا إلا للطعن والطاعون وقد روي أن أبا بكر لما جهز ~~الجيوش إلى الشام شيعهم ودعا لهم وقال اللهم أفهم بالطعن والطاعون فاختلف ~~أهل العلم في معنى ذلك فقال قائلون لما رآهم على حال الاستقامة والبصائر ~~الصحيحة والحرص على جهاد الكفار خشي عليهم الفتنة وكانت بلاد الشام بلاد ~~الطاعون مشهور ذلك بها أحب أن يكون موتهم على الحال التي خرجوا عليها قبل ~~أن يفتتنوا بالدنيا وزهرتها وقال آخرون # قد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال فناء أمتي بالطعن والطاعون # يعني عظم الصحابة وأخبر أن الله سيفتح البلاد بمن هذه صفته فرجا أبو بكر ~~أن يكون هؤلاء الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر عن حالهم ولذلك ~~لم يجب أبو عبيدة الخروج من الشام وقال ms0730 معاذ لما وقع الطاعون بالشام وهو ~~بها قال اللهم اقسم لنا حظا منه ولما طعن في كفه أخذ يقبلها ويقول ما يسرني ~~بها كذا وكذا وقال لئن كنت صغيرا فرب صغير يبارك الله فيه أو كلمة نحوها ~~يتمنى الطاعون ليكون من أهل الصفة التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بها ~~أمته الذين يفتح الله بهم البلاد ويظهر بهم الإسلام وفي هذه الآية دلالة ~~على بطلان قول من أنكر عذاب القبر وزعم أنه من القول بالتناسخ لأن الله ~~أخبر أنه أمات هؤلاء القوم ثم أحياهم فكذلك يحييهم في القبر ويعذبهم إذا ~~استحقوا ذلك # وقوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن # PageV02P166 # الله سميع عليم هو أمر بالقتال في سبيل الله وهو مجمل إذ ليس فيه بيان ~~السبيل المأمور بالقتال فيه وقد بينه في مواضع غيره وسنذكره إذا انتهينا ~~إليه إن شاء الله تعالى # وقوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~إنما هو تأكيدا لاستحقاق الثواب به إذ لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق به ~~وجهلت اليهود ذلك أو تجاهلت لما نزلت هذه الآية فقالوا إن الله يستقرض منا ~~فنحن أغنياء وهو فقير إلينا فأنزل الله تعالى لقد سمع الله قول الذين قالوا ~~إن الله فقير ونحن أغنياء وعرف المسلمون معناه ووثقوا بثواب الله ووعده ~~وبادروا إلى الصدقات # فروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء أبو الدحداح إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال يا رسول الله ألا ترى ربنا يستقرض منا مما أعطانا لأنفسنا وإن لي ~~أرضين إحداهما بالعالية والأخرى بالسافلة وإنى قد جعلت خيرهما صدقة. # وقوله تعالى إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا الآية يدل على أن الإمامة ليست وراثة لإنكار الله تعالى عليهم ما ~~أنكروه من التمليك عليهم من ليس من أهل النبوة ولا الملك وبين أن ذلك مستحق ~~بالعلم والقوة لا بالنسب ودل ذلك أيضا على أنه لا حظ للنسب مع العلم وفضائل ~~النفس ms0731 وأنها مقدمة عليه لأن الله أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته وإن ~~كانوا أشرف منه نسبا وذكره للجسم هاهنا عبارة عن فضل قوته لأن في العادة من ~~كان أعظم جسما فهو أكثر قوة ولم يرد بذلك عظم الجسم بلا قوة لأن ذلك لا حظ ~~له في القتال بل هو وبال على صاحبه إذا لم يكن ذا قوة فاضلة # قوله عز وجل فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~يدل على أن الشرب من النهر إنما هو الكرع فيه ووضع الشفة عليه لأنه قد كان ~~حظر الشرب وحظر الطعم منه إلا لمن اغترف غرفة بيده وهذا يدل على صحة قول ~~أبي حنيفة فيمن قال إن شربت من الفرات فعبدي حر أنه على أن يكرع فيه وإن ~~اغترف منه أو شرب بإناء لم يحنث لأن الله قد كان حظر عليهم الشرب من النهر ~~وحظر مع ذلك أن يطعم منه واستثنى من الطعم الاغتراف فحظر الشرب باق على ما ~~كان عليه فدل على أن الاغتراف ليس بشرب منه # قوله تعالى لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي روي عن الضحاك ~~والسدي وسليمان بن موسى أنه منسوخ بقوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين وقوله تعالى فاقتلوا المشركين وروي عن الحسن وقتادة أنها خاصة ~~في أهل # PageV02P167 # الكتاب الذين يقرون على الجزية دون مشركي العرب لأنهم لا يقرون على ~~الجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وقيل إنها نزلت في بعض أبناء ~~الأنصار كانوا يهودا فأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام وروي ذلك عن ابن ~~عباس وسعيد بن جبير وقيل فيه أي لا تقولوا لمن أسلم بعد حرب إنه أسلم مكرها ~~لأنه إذا رضي وصح إسلامه فليس بمكره قال أبو بكر لا إكراه في الدين أمر في ~~صورة الخبر وجائز نزول ذلك قبل الأمر بقتال المشركين فكان في سائر الكفار ~~كقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~وكقوله تعالى ms0732 ادفع بالتي هي أحسن السيئة وقوله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن ~~وقوله تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما فكان القتال محظورا في أول ~~الإسلام إلى أن قامت عليهم الحجة بصحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~عاندوه بعد البيان أمر المسلمون بقتالهم فنسخ ذلك عن مشركي العرب بقوله ~~تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وسائر الآي الموجبة لقتال أهل الشرك ~~وبقي حكمه على أهل الكتاب إذا أذعنوا بأداء الجزية ودخلوا في حكم أهل ~~الإسلام وفي ذمتهم ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل من ~~المشركى العرب إلا الإسلام أو السيف وجائز أن يكون حكم هذه الآية ثابتا في ~~الحال على أهل الكفر لأنه ما من مشرك إلا وهو لو تهود أو تنصر لم يجبر على ~~الإسلام وأقررناه على دينه بالجزية وإذا كان ذلك حكما ثابتا في سائر من ~~انتحل دين أهل الكتاب ففيه دلالة على بطلان قول الشافعي حين قال من تهود من ~~المجوس أو النصارى أجبرته على الرجوع إلى دينه أو إلى الإسلام والآية دالة ~~على بطلان هذا القول لأن فيها الأمر بأن لا نكره أحدا على الدين وذلك عموم ~~يمكن استعماله في جميع الكفار على الوجه الذي ذكرنا فإن قال قائل فمشركوا ~~العرب الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم وأن لا يقبل منهم إلا ~~الإسلام أو السيف قد كانوا مكرهين على الدين ومعلوم أن من دخل في الدين ~~مكرها فليس بمسلم فما وجه إكراههم عليه قيل له إنما أكرهوا على إظهار ~~الإسلام لا على اعتقاده لأن الاعتقاد لا يصح منا الإكراه عليه ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن القتال إنما كان على إظهار الإسلام وأما ~~الاعتقادات فكانت موكولة إلى الله تعالى ولم يقتصر بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على القتال # PageV02P168 # دون أن أقام ms0733 عليهم الحجة والبرهان في صحة نبوته فكانت الدلائل منصوبة ~~للاعتقاد وإظهار الإسلام معا لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد ~~الإسلام فقد اقتضت منه الإظهار والقتال لإظهار الإسلام وكان في ذلك أعظم ~~المصالح منها أنه إذا أظهر الإسلام وإن كان غير معتقد له فإن مجالسته ~~للمسلمين وسماعه القرآن ومشاهدته لدلائل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ~~ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام وتوضح عنده فساد اعتقاده ومنها أن يعلم ~~الله أن في نسلهم من يوقن ويعتقد التوحيد فلم يجز أن يقتلوا مع العلم بأنه ~~سيكون في أولادهم من يعتقد الإيمان وقال أصحابنا فيمن أكره من أهل الذمة ~~على الإيمان إنه يكون مسلما في الظاهر ولا يترك والرجوع إلى دينه إلا أنه ~~لا يقتل إن رجع إلى دينه ويجبر على الإسلام من غير قتل لأن الإكراه لا يزيل ~~عنه حكم الإسلام إذا أسلم وإن كان دخوله فيه مكرها دالا على أنه غير معتقد ~~له لما وصفنا من إسلام من أسلم من المشركين بقتال النبي صلى الله عليه وسلم # وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم إظهار الإسلام عند القتال إسلاما في الحكم ~~فكذلك المكره على الإسلام من أهل الذمة واجب أن يكون مسلما في الحكم ولكنهم ~~لم يقتلوا للشبهة ولا نعلم خلافا أن أسيرا من أهل الحرب لو قدم ليقتل فأسلم ~~أنه يكون مسلما ولم يكن إسلامه خوفا من القتل مزيلا عنه حكم الإسلام فكذلك ~~الذمي فإن قال قائل قوله تعالى لا إكراه في الدين يحظر إكراه الذمي على ~~الإسلام وإذا كان الإكراه على هذا الوجه محظورا وجب أن لا يكون مسلما في ~~الحكم وأن لا يتعلق عليه حكمه ولا يكون حكم الذمي في هذا حكم الحربي لأن ~~الحربي يجوز أن يكره على الإسلام لإبائه الدخول في الذمة ومن دخل في الذمة ~~لم يجز إكراهه على الإسلام قيل له إذا ثبت أن الإسلام لا ms0734 يختلف حكمه في ~~الإكراه والطوع لمن يجوز إجباره عليه أشبه في هذا الوجه العتق والطلاق ~~وسائر ما لا يختلف فيه حكم جده وهزله ثم لا يختلف بعد ذلك أن يكون الإكراه ~~مأمورا به أو مباحا كما لا يختلف حكم العتق والطلاق في ذلك لأن رجلا لو ~~أكره رجلا على طلاق أو عتاق ثبت حكمهما عليه وإن كان المكره ظالما في ~~إكراهه منهيا عنه وكونه منهيا عنه لا يبطل حكم العتق والطلاق عندنا كذلك ما ~~وصفنا من أمر الإكراه على الإسلام. # قوله عز وجل ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك ~~الآية قال أبو بكر # PageV02P169 # إن إيتاء الله الملك للكافر إنما هو من جهة كثرة المال واتساع الحال وهذا ~~جائز أن ينعم الله على الكافرين به في الدنيا ولا يختلف حكم الكافر والمؤمن ~~في ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا فهذا الضرب من الملك جائز ~~أن يؤتيه الله الكافر وأما الملك الذي هو تمليك الأمر والنهي وتدبير أمور ~~الناس فإن هذا لا يجوز أن يعطيه الله أهل الكفر والضلال لأن أوامر الله ~~تعالى وزواجره إنما هي استصلاح للخلق فغير جائز استصلاحهم بمن هو على ~~الفساد مجانب للصلاح ولأنه لا يجوز أن يأتمن أهل الكفر والضلال على أوامره ~~ونواهيه وأمور دينه كما قال تعالى في آية أخرى لا ينال عهدي الظالمين وكانت ~~محاجة الملك الكافر لإبراهيم عليه السلام وهو النمروذ بن كنعان أنه دعاه ~~إلى اتباعه وحاجه بأنه ملك يقدر على الضر والنفع فقال إبراهيم عليه السلام ~~فإن ربي الذي يحيي ويميت وأنت لا تقدر على ذلك فعدل عن موضع احتجاج إبراهيم ~~عليه السلام إلى معارضته بالإشراك في العبارة دون حقيقة المعنى لأن إبراهيم ~~عليه السلام حاجه بأن أعلمه أن ربه هو الذي يخلق الحياة والموت على سبيل ~~الاختراع فجاء الكافر برجلين فقتل أحدهما وقال قد أمته وخلى الآخر ms0735 وقال قد ~~أحييته على سبيل مجاز الكلام لا على الحقيقة لأنه كان عالما بأنه غير قادر ~~على اختراع الحياة والموت فلما قرر عليه الحاجة وعجز الكافر عن معارضته ~~بأكثر مما أورد زاده حجاجا لا يمكنه مع معارضته ولا إيراد شبهة يموه بها ~~على الحاضرين وقد كان الكافر عالما بأن ما ذكره ليس بمعارضة لكنه أراد ~~التمويه على أغمار أصحابه كما قال فرعون حين آمنت السحرة عند إلقاء موسى ~~عليه السلام العصا وتلقفها جميع ما لقوا من الحبال والعصي وعلموا أن ذلك ~~ليس بسحر وأنه من فعل الله فأراد فرعون التمويه عليهم فقال إن هذا لمكر ~~مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها يعني تواطأتم عليه مع موسى قبل هذا ~~الوقت حتى إذا اجتمعتم أظهرتم العجز عن معارضته والإيمان به وكان ذلك مما ~~موه به على أصحابه وكذلك الكافر الذي حاج إبراهيم عليه السلام ولم يدعه ~~إبراهيم عليه السلام وما رام حتى أتاه بما لم يمكنه دفعه بحال ولا معارضة ~~فقال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فانقطع وبهت ولم ~~يمكنه أن يلجأ إلى معارضة أو شبهة وفي حجاج إبراهيم عليه السلام بهذا اللطف ~~دليل وأوضح برهان لمن عرف معناه وذلك أن القوم الذين # PageV02P170 # بعث فيهم إبراهيم عليه السلام كانوا صابئين عبدة أوثان على أسماء الكواكب ~~السبعة وقد حكى الله عنهم في غير هذا الموضع أنهم كانوا يعبدون الأوثان ولم ~~يكونوا يقرون بالله تعالى وكانوا يزعمون حوادث العالم كلها في حركات ~~الكواكب السبعة وأعظمها عندهم الشمس ويسمونها وسائر الكواكب آلهة والشمس ~~عندهم هو الإله الأعظم الذي ليس فوقه إله وكانوا لا يعترفون بالباري جل وعز ~~وهم لا يختلفون وسائر من يعرف مسير الكواكب أن لها ولسائر الكواكب حركتين ~~متضادتين إحداهما من المغرب إلى المشرق وهي حركتها التي تختص بها لنفسها ~~والأخرى تحريك الفلك لها من المشرق إلى المغرب وبهذه الحركة تدور علينا كل ~~يوم وليلة دورة وهذا أمر مقرر عند من يعرف مسيرها فقال له إبراهيم عليه ~~السلام ms0736 إنك تعترف أن الشمس التي تعبدها وتسميها إلها لها حركة قسر ليس هي ~~حركة نفسها بل هي بتحريك غيرها لها يحركها من المشرق إلى المغرب والذي ~~أدعوك إلى عبادته هو فاعل هذه الحركة في الشمس ولو كانت إلها لما كانت ~~مقسورة ولا مجبرة فلم يمكنه عند ذلك دفع هذا الحجاج بشبهة ولا معارضة إلا ~~قوله حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين وهاتان الحركتان المتضادتان ~~للشمس ولسائر الكواكب لا توجدان لها في حال واحدة لاستحالة وجود ذلك في جسم ~~واحد في وقت واحد ولكنها لا بد من أن تتخلل إحداهما سكون فتوجد الحركة ~~الأخرى في وقت لا توجد فيه الأولى قال أبو بكر فإن قيل كيف ساغ لإبراهيم ~~عليه السلام # الانتقال عن الحجاج الأول إلى غيره قيل له لم ينتقل عنه بل كان ثابتا ~~عليه وإنما أردفه بحجاج آخر كما أقام الله الدلائل على توحيده من عدة وجوه ~~وكل ما في السموات والأرض دلائل عليه وأيد نبيه صلى الله عليه وسلم بضروب ~~من المعجزات كل واحدة منها لو انفردت لكانت كافية مغنية وقد حاجهم إبراهيم ~~عليه السلام بغير ذلك من الحجاج في قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي روي في التفسير أنه أراد تقرير قومه على صحة استدلاله وبطلان قولهم ~~فقال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين وكان ذلك في ليلة يجتمعون فيها ~~في هياكلهم وعند أصنامهم عيدا لهم فقررهم ليلا على أمر الكواكب عند ظهوره ~~وأفوله وحركته وانتقاله وأنه لا يجوز أن يكون مثله إلها لما ظهرت فيه من ~~آيات الحدث ثم كذلك في القمر ثم لما أصبح قررهم على مثله في # PageV02P171 # الشمس حتى قامت الحجة عليهم ثم كسر أصنامهم وكان من أمره ما حكاه الله ~~عنه وهذه الآية تدل على صحة المحاجة في الدين واستعمال حجج العقول ~~والاستدلال بدلائل الله تعالى على توحيده وصفاته الحسنى وتدل على أن ~~المحجوج المنقطع يلزمه اتباع الحجة ms0737 وترك ما هو عليه من المذهب الذي لا حجة ~~له فيه وتدل على بطلان قول من لا يرى الحجاج في إثبات الدين لأنه لو كان ~~كذلك لما حاجه إبراهيم عليه السلام وتدل على أن المحجوج عليه أن ينظر فيما ~~ألزم من الحجاج فإذا لم يجد منه مخرجا صار إلى ما يلزمه وتدل على أن الحق ~~سبيله أن لا يقبل بحجته إذ لا فرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ~~ودحض حجة الباطل وإلا فلولا الحجة التي بان بها الحق من الباطل لكانت ~~الدعوى موجودة في الجميع فكان لا فرق بينه وبين الباطل وتدل على أن الله ~~تعالى لا يشبهه شيء وأن طريق معرفته ما نصب من الدلائل على توحيده لأن ~~أنبياء الله عليهم السلام إنما حاجوا الكفار بمثل ذلك ولم يصفوا الله تعالى ~~بصفة توجب التشبيه وإنما وصفوه بأفعاله واستدلوا بها عليه # قوله عز وجل قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام قول هذا ~~القائل لم يكن كذبا وقد أماته الله مائة عام لأنه أخبر عما عنده فكأنه قال ~~عندي أني لبثت يوما أو بعض يوم ونظيره أيضا ما حكاه الله تعالى عن أصحاب ~~الكهف قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وقد كانوا لبثوا ~~ثلاثمائة وتسع سنين ولم يكونوا كاذبين فيما أخبروا عما عندهم كأنهم قالوا ~~عندنا في ظنوننا إنما لبثنا يوما أو بعض يوم ونظيره # قول النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى ركعتين وسلم في إحدى صلاة العشاء ~~فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت فقال لم تقصر ولم أنس # وكان صلى الله عليه وسلم صادقا لأنه أخبر عما عنده في ظنه وكان عنده أنه ~~قد أتمها فهذا كلام سائغ جائز غير ملوم عليه قائله إذا أخبر عن اعتقاده ~~وظنه لا عن حقيقة مخبره ولذلك عفا الله عن الحالف بلغو اليمين وهو فيما روى ~~قول الرجل لمن سأله هل كان كذا وكذا فيقول على ما عنده لا ms0738 والله أو يقول ~~بلى والله وإن اتفق مخبره خلافه لأنه إنما أخبر عن عقيدته وضميره والله ~~الموفق. ### | باب الامتنان بالصدقة # قال الله تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما ~~أنفقوا منا ولا أذى الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق # PageV02P172 # ماله رئاء الناس وقال تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى ~~وقال تعالى وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون أخبر الله تعالى في هذه ~~الآيات أن الصدقات إذا لم تكن خالصة لله عارية من من وأذى فليست بصدقة لأن ~~إبطالها هو إحباط هو إحباط ثوابها فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق وكذلك ~~سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة إلى الله تعالى فغير جائز أن ~~يشوبه رياء ولا وجه غير القربة فإن ذلك يبطله كما قال تعالى ولا تبطلوا ~~أعمالكم وقال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فما ~~لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله ونظيره أيضا قوله تعالى ~~من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ~~وما له في الآخرة من نصيب ومن أجل ذلك قال أصحابنا لا يجوز الاستيجار على ~~الحج وفعل الصلاة وتعليم القرآن وسائر الأفعال التي شرطها أن تفعل على وجه ~~القربة لأن أخذ الأجر عليها يخرجها عن أن تكون قربة لدلائل هذه الآيات ~~ونظائرها وروى عمرو عن الحسن في قوله تعالى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~قال هو المتصدق يمن بها فنهاه الله عن ذلك وقال ليحمد الله إذ هداه للصدقة # وعن الحسن في قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ~~وتثبيتا من أنفسهم قال يتثبتون أين يضعون أموالهم وعن الشعبي قال تصديقا ~~ويقينا من أنفسهم وقال قتادة ثقة من أنفسهم والمن في الصدقة أن يقول ~~المتصدق قد ms0739 أحسنت إلى فلان ونعشته وأغنيته فذلك ينغصها على المتصدق بها ~~عليه والأذى قوله أنت أبدا فقير وقد بليت بك وأراخنى الله منك ونظيره من ~~القول الذي فيه تعبير له بالفقر فقال تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة ~~يتبعها أذى يعني والله أعلم ردا جميلا ومغفرة قيل فيها ستر الخلة على ~~السائر وقيل العفو عمن ظلمه خير من صدقة يتبعها أذى لأنه يستحق المأثم ~~بالمن والأذى ورد السائل بقول جميل فيه السلامة من المعصية فأخبر الله ~~تعالى أن ترك الصدقة برد جميل خير من صدقة يتبعها أذى وامتنان وهو نظير ~~قوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ~~والله تعالى الموفق. # PageV02P173 ### | باب المكاسبة # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض فيه إباحة المكاسب وإخبار أن فيها طيبا والمكاسب وجهان ~~أحدهما إبدال الأموال وإرباحها والثاني إبدال المنافع وقد نص الله تعالى ~~على إباحتها في مواضع من كتابه نحو قوله تعالى وأحل الله البيع وقوله تعالى ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ~~وقال تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم يعنى والله أعلم من يتجر ~~ويكرى ويحتج مع ذلك وقال تعالى في إبدال المنافع فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن وقال شعيب عليه السلام إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن ~~تأجرني ثماني حجج # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من استأجر أجيرا فليعلمه أجره # وقال صلى الله عليه وسلم لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن يسأل ~~الناس أعطوه أو منعوه # وقد روى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه # وقد روي عن جماعة من السلف في قوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم أنه ~~من التجارات منهم الحسن ومجاهد وعموم هذه الآية يوجب الصدقة ms0740 في سائر ~~الأموال لأن قوله تعالى ما كسبتم ينتظمها وإن كان غير مكتف بنفسه في ~~المقدار الواجب فيها فهو عموم في أصناف الأموال مجمل في المقدار الواجب ~~فيها فهو مفتقر إلى البيان ولما ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذكر مقادير الواجبات فيها صح الاحتجاج بعمومها في كل مال اختلفنا في إيجاب ~~الحق فيه نحو أموال التجارة ويحتج بظاهر الآية على من ينفى إيجاب الزكاة في ~~العروض ويحتج فيه أيضا في إيجاب صدقة الخيل وفي كل ما اختلف فيه من الأموال ~~وذلك لأن قوله تعالى أنفقوا المراد به الصدقة والدليل عليه قوله تعالى ولا ~~تيمموا الخبيث منه تنفقون يعني تتصدقون ولم يختلف السلف والخلف في أن ~~المراد به الصدقة ومن أهل العلم من قال إن هذا في صدقة التطوع لأن الفرض ~~إذا أخرج عنه الرديء كان الفضل باقيا في ذمته حتى يؤدى وهذا عندنا يوجب صرف ~~اللفظ عن الوجوب إلى النفل من وجوه أحدها أن قوله أنفقوا أمر والأمر عندنا ~~على الوجوب حتى تقوم دلالة الندب وقوله ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون لا ~~دلالة فيه على أنه ندب إذ لا يختص # PageV02P174 # النهى عن إخراج الردى بالنفل دون الفرض وأن يجب عليه إخراج فضل ما بين ~~الردى إلى الجيد لأنه لا ذكر له في الآية وإنما يعلم ذلك بدلالة أخرى فلا ~~يعترض ذلك على مقتضى الآية في إيجاب الصدقة ومع ذلك لو دلت الدلالة من ~~الآية على أنه ليس عليه إخراج غير الردى الذي أخرجه لم يوجب ذلك صرف حكم ~~الآية عن الإيجاب إلى الندب لأنه جائز أن يبتدئ الخطاب بالإيجاب ثم يعطف ~~عليه بحكم مخصوص في بعض ما اقتضاه عمومه ولا يوجب ذلك الاقتصار بحكم ابتداء ~~الخطاب على الخصوص وصرفه عن العموم ولذلك نظائر كثيرة قد بيناها في مواضع ~~وقوله تعالى ومما أخرجنا لكم من الأرض عموم في إيجابه الحق في قليل ما ~~تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف الخارجة منها ويحتج به لأبي حنيفة رضي ~~الله عنه ms0741 في إيجابه العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره في سائر الأصناف ~~الخارجة منها مما تقصد الأرض بزراعتها ومما يدل من فحوى الآية على أن ~~المراد بها الصدقات الواجبة قوله تعالى في نسق التلاوة ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه وهذا إنما هو في الديون إذا اقتضاها صاحبها لا يتسامح بالردى عن ~~الجيد إلا على إغماض وتساهل فدل ذلك على أن المراد الصدقة الواجبة والله ~~أعلم إذا ردها إلى الإغماض في اقتضاء الدين ولو كان تطوعا لم يكن فيها ~~إغماض إذ له أن يتصدق بالقليل والكثير وله أن لا يتصدق وفي ذلك دليل على أن ~~المراد الصدقة الواجبة وأما قوله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # روى الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن نوعين من التمر الجعرور ولون الحبيق # قال وكان ناس يخرجون شر ثمارهم في الصدقة فنزلت ولا تيمموا الخبيث منه ~~تنفقون وروي عن البراء بن عازب مثل ذلك قال في قوله تعالى ولستم بآخذيه إلا ~~أن تغمضوا فيه لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لما أخذه إلا على إغماض ~~وحياء وقال عبيدة إنما ذلك في الزكاة والدرهم الزائف أحب إلى من الثمرة وعن ~~ابن معقل في هذه الآية قال ليس في أموالهم خبيث ولكنه الدرهم القسي والزيف ~~ولستم بآخذيه قال لو كان لك على رجل حق لم تأخذ الدرهم القسي والزيف ولم ~~تأخذ من الثمر إلا الجيد إلا أن تغمضوا فيه تجوزوا فيه وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نحو هذا وهو ما كتبه في كتاب الصدقة وقال فيه ولا تؤخذ ~~هرمة ولا ذات عوار رواه الزهري عن سالم عن أبيه وقد قيل عن ابن عباس في ~~قوله # PageV02P175 # تعالى إلا أن تغمضوا فيه إلا أن تحطوا من الثمن وعن الحسن وقتادة مثله ~~وقال البراء ابن عازب إلا أن تتساهلوا فيه وقيل لستم بآخذيه إلا بوكس فكيف ~~تعطونه في الصدقة هذه الوجوه ms0742 كلها محتملة وجائز أن يكون جميعها مراد الله ~~تعالى بأنهم لا يقبلونه في الهدية إلا بإغماض ولا يقبضونه من الجيد إلا ~~بتساهل ومسامحة ولا يبيعون بمثله إلا بحبط ووكس وقد اختلف أصحابنا فيمن أدى ~~من المكيل والموزون دون الواجب في الصفة فأدى عن الجيد رديا فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف لا يجب عليه أداء الفضل وقال محمد عليه أن يؤدي الفضل الذي ~~بينهما وقالوا جميعا في الغنم والبقر وجميع الصدقات مما لا يكال ولا يوزن ~~إن عليه أداء الفضل فيجوز أن يحتج لمحمد بهذه الآية وقوله تعالى ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون والمراد به الردى منه وقوله تعالى ولستم بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا فيه ولصاحب الحق أن لا يغمض فيه ولا يتساهل ويطالب بحقه من الجودة ~~فهذا يدل على أن عليه أداء الفضل حتى لا يقع فيه إغماض لأن الحق في ذلك لله ~~تعالى وقد نفى الإغماض في الصدقة بنهيه عن عطاء الردى فيها وأما أبو حنيفة ~~وأبو يوسف فإنهما قالا كل ما لا يجوز التفاضل فيه فإن الجيد والردى حكمهما ~~سواء في حظر التفاضل بينهما وإن قيمته من جنسه لا يكون إلا بمثله ألا ترى ~~أنه لو اقتضى دينا على أنه جيد فأنفقه ثم علم أنه كان رديا أنه لا يرجع على ~~الغريم بشيء وأن ما بينهما من الفضل لا يغرمه وإنما يقول أبو يوسف فيه إنه ~~يغرم مثل ما قبض من الغريم ويرجع بدينه وغير ممكن مثله في الصدقة لأن ~~الفقير لا يغرم شيئا فلو غرمه لم تكن له مطالبة المتصدق برد الجيد عليه ~~فلذلك لم يلزمه إعطاء الفضل وإنما نهى الله تعالى المتصدق عن قصد الردى ~~بالإخراج وقد وجب إخراج الجيد فإنهم يقولون إنه منهي عنه ولكن لما كان حكم ~~ما أعطى حكم الجيد فيما وصفنا أجزأ عنه وأما ما يجوز فيه التفاضل فإنه ~~مأمور بإخراج الفضل فيه لأنه جائز أن تكون قيمته من جنسه أكثر منه ويباع ~~بعضه ببعض متفاضلا وأما محمد فإنه لم يجز إخراج ms0743 الردى من الجيد إلا بمقدار ~~قيمته منه فأوجب عليه إخراج الفضل إذ ليس بين العبد وبين سيده ربا وفي هذه ~~الآية دلالة على جواز اقتضاء الردى عن الجيد في سائر الديون لأن الله تعالى ~~أجاز الإغماض في الديون بقوله تعالى إلا أن تغمضوا فيه ولم يفرق بين شيء ~~منه فدل ذلك على معان منها جواز اقتضاء الزيوف التي أقلها غش وأكثرها # PageV02P176 # فضة عن الجياد في رأس مال السلم وثمن الصرف اللذين لا يجوز أن يأخذ عنهما ~~غيرهما ودل على أن حكم الردى في ذلك حكم الجيد وهذا يدل أيضا على جواز بيع ~~الفضة الجيدة بالردية وزنا بوزن لأن ما جاز اقتضاء بعضه عن بعض جاز بيعه به ~~ويدل على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب مثلا بمثل إنما ~~أراد المماثلة في الوزن لا في الصفة وكذلك سائر ما ذكره معه ويدل على جواز ~~اقتضاء الجيد عن الردى برضا الغريم كما جاز اقتضاء الردى عن الجيد إذ لم ~~يكن لاختلافهما في الصفة حكم # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خيركم أحسنكم قضاء # قال جابر بن عبد الله قضاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وزادني وروي عن ~~ابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم والشعبي قالوا لا بأس إذا أقرضه ~~دراهم سودا أن يقبضه بيضا إذا لم يشرط ذلك عليه وروى سليمان التيمي عن أبي ~~عثمان النهدي عن ابن مسعود أنه كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيرا منها ~~وهذا ليس فيه دلالة على أنه كرهه إذا رضي المستقرض وإنما لا يجوز له أن ~~يأخذ خيرا منها إذا لم يرض صاحبه # قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء قد قيل إن الفحشاء تقع ~~على وجوه والمراد بها في هذا الموضع البخل والعرب تسمى البخيل فاحشا والبخل ~~فحشا قال الشاعر: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد يعني مال البخيل ~~وفي هذه الآية ذم البخيل والبخل # وقوله عز وجل إن تبدوا الصدقات فنعما هي ms0744 الآية روي عن ابن عباس أنه قال ~~هذا في صدقة التطوع فأما في الفريضة فإظهارها أفضل لئلا تلحقه تهمة وعن ~~الحسن ويزيد بن أبي حبيب وقتادة الإخفاء في جميع الصدقات أفضل وقد مدح الله ~~تعالى على إظهار الصدقة كما مدح على إخفائها في قوله تعالى الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم وجائز أن يكون ~~قوله تعالى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم في صدقة التطوع على ما ~~روي عن ابن عباس وجائز أن يكون في جميع الصدقات الموكول أداؤها إلى أربابها ~~من نفل أو فرض دون ما كان منها أخذه إلى الإمام إلا أن عموم اللفظ يقتضي ~~جميعها لأن الألف واللام هنا للجنس فهي شاملة لجميعها وهذا يدل على أن جميع ~~الصدقات مصروفة إلى الفقراء وأنها إنما تستحق بالفقر لا غير وأن ما ذكر ~~الله تعالى من أصناف من تصرف إليهم الصدقة في قوله تعالى إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين إنما «12- أحكام في» # PageV02P177 # يستحق منهم من يأخذها صدقة بالفقر دون غيره وإنما ذكر الأصناف لما يعمهم ~~من أسباب الفقر دون من لا يأخذها صدقة من المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها ~~فإنهم لا يأخذونها صدقة وإنما تحصل في يد الإمام صدقة للفقراء ثم يصرف إلى ~~المؤلفة قلوبهم والعاملين ما يعطون على أنه ليس بصدقة لكن عوضا من العمل ~~ولدفع أذيتهم عن أهل الإسلام أو ليستمالوا به إلى الإيمان ومن المخالفين من ~~يحتج بذلك في جواز إعطاء جميع الصدقات للفقراء دون الإمام وأنهم إذا أعطوا ~~الفقراء صدقة المواشي سقط حق الإمام في الأخذ لقوله تعالى وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم وذلك عام في سائرها لأن الصدقة هاهنا اسم ~~للجنس وليس في هذا عندنا دلالة على ما ذكروا لأن أكثر ما فيه أنه خير ~~للمعطي فليس فيه سقوط حق الإمام في الأخذ وليس كونها خيرا له نافيا لثبوت ~~حق الإمام في الأخذ إذ لا يمتنع أن يكون خيرا لهم ويأخذها الإمام فيتضاعف ~~الخير بأخذها ثانيا وقد قدمنا ms0745 قول من يقول إن هذا في صدقة التطوع ومن أهل ~~العلم من يقول إن الإجماع قد حصل على أن إظهار صدقة الفرض أولى من إخفائها ~~كما قالوا في الصلوات المفروضة ولذلك أمروا بالاجتماع عليها في الجماعات ~~بأذان وإقامة وليصلوها ظاهرين فكذلك سائر الفروض لئلا يقيم نفسه مقام تهمة ~~في ترك أداء الزكاة وفعل الصلاة قالوا فهذا يوجب أن يكون قوله تعالى وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم في التطوع خاصة لأن ستر الطاعات ~~النوافل أفضل من إظهارها لأنه أبعد من الرياء # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سبعة يظلهم الله في ظل عرشه ~~أحدهم رجل تصدق بصدقة لم تعلم شماله ما تصدقت به يمينه وهذا إنما هو في ~~التطوع دون الفرض # ويدل على أن المراد صدقة التطوع أنه لا خلاف أن العامل إذا جاء قبل أن ~~تؤدى صدقة المواشي فطالبه بأدائها أن الفرض عليه أداؤها إليه فصار إظهار ~~أدائها في هذه الحال فرضا وفي ذلك دليل على أن المراد بقوله تعالى وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء صدقة التطوع والله تعالى أعلم بالصواب. ### | باب إعطاء المشرك من الصدقة # قال الله تعالى ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم قال أبو بكر ما تقدم في هذا الخطاب وما جاء في نسقه يدل على أن ~~قوله تعالى # PageV02P178 # ليس عليك هداهم إنما معناه في الصدقة عليهم لأنه ابتدأ الخطاب بقوله ~~تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي ثم عطف عليه قوله تعالى ليس عليك هداهم ثم ~~عقب ذلك بقوله تعالى وما تنفقوا من خير فلأنفسكم فدل ما تقدم من الخطاب في ~~ذلك وتأخر عنه من ذكر الصدقة أن المراد إباحة الصدقة عليهم وإن لم يكونوا ~~على دين الإسلام # وقد روي ذلك عن جماعة من السلف روي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن ~~جبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا إلا على أهل دينكم ~~فأنزل الله ليس عليك هداهم فقال ms0746 صلى الله عليه وسلم تصدقوا على أهل الأديان # وروى الحجاج عن سالم المكي عن ابن الحنفية قال كره الناس أن يتصدقوا على ~~المشركين فأنزل الله ليس عليك هداهم فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة قال ~~أبو بكر لا ندري هذا من كلام من هو أعني قوله فتصدق الناس عليهم من غير ~~الفريضة وجائز أن يريد به من غير الزكاة وصدقات المواشي دون كفارات الأيمان ~~ونحوها وأيضا قوله فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة لا يوجب تخصيص الآية ~~لأن فعلهم لا يقتضي الوجوب ومع ذلك فهم مخيرون بين أن يتصدقوا عليهم وبين ~~أن لا يتصدقوا وروى الأعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال كان ناس لهم أنساب وقرابة من قريظة والنضير فكانوا يتقون أن يتصدقوا ~~عليهم ويريدونهم على الإسلام فنزلت ليس عليك هداهم إلى آخر الآية # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء قالت أتتني أمي في عهد قريش ~~راغبة وهي مشركة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أصلها قال نعم # قال أبو بكر ونظير هذه الآية في دلالتها على ما دلت عليه قوله تعالى ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا فروي عن الحسن قال هم الأسراء ~~من أهل الشرك وروي عن سعيد بن جبير وعطاء قال هم أهل القبلة وغيرهم قال أبو ~~بكر الأول أظهر لأن الأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا ونظيرها أيضا ~~قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إلى آخر القصة فأباح برهم وإن كانوا مشركين ~~إذا لم يكونوا أهل حرب لنا والصدقات من البر فاقتضى جواز دفع الصدقات إليهم ~~وظواهر هذه الآي توجب جواز دفع سائرها إليهم إلا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد خص منها الزكوات وصدقات المواشي وكل ما كان أخذه من الصدقات إلى ~~الإمام بقوله أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم وقال لمعاذ ~~أعلمهم # PageV02P179 # أن الله ms0747 فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم ~~فكانت الصدقات التي أخذها إلى الإمام مخصوصة من هذه الجملة فلذلك قال أبو ~~حنيفة كل صدقة ليس أخذها إلى الإمام فجائز إعطاؤها أهل الذمة وما كان أخذها ~~إلى الإمام لا يعطى أهل الذمة فيجيز إعطاء الكفارات والنذور وصدقة الفطر ~~أهل الذمة فإن قيل فزكاة المال ليس أخذها إلى الإمام ولا يجوز أن تعطى أهل ~~الذمة قيل أخذها في الأصل إلى الإمام وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يأخذها وكذلك أبو بكر وعمر فلما كان عثمان قال للناس إن هذا شهر زكاتكم فمن ~~كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل أرباب الأموال وكلاء له في ~~أدائها ولم يسقط في ذلك حق الإمام في أخذها وقال أبو يوسف كل صدقة واجبة ~~فغير جائز دفعها إلى الكفار قياسا على الزكاة # قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ~~الآية يعني والله أعلم النفقة المذكورة بديا والمراد بها الصدقة وروي عن ~~مجاهد والسدي المراد فقراء المهاجرين وقوله تعالى أحصروا في سبيل الله قيل ~~إنهم منعوا أنفسهم التصرف في التجارة خوف العدو من الكفار روى ذلك عن قتادة ~~لأن الإحصار منع النفس عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة فإذا منعه العدو ~~قيل أحصره وقوله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف يعني والله أعلم ~~الجاهل بحالهم وهذا يدل على أن ظاهر هيئتهم وبزتهم يشبه حال الأغنياء ولولا ~~ذلك لما ظنهم الجاهل أغنياء لأن ما يظهر من دلالة الفقر شيئان أحدهما بذاذة ~~الهيئة ورئاثة الحال والآخر المسألة على أنه فقير فليس يكاد يحسبهم الجاهل ~~أغنياء إلا لما يظهر له من حسن البزة الدالة على الغنى في الظاهر وفي هذه ~~الآية دلالة على أن من له ثياب الكسوة ذات قيمة كثيرة لا تمنعه إعطاء ~~الزكاة لأن الله تعالى قد أمرنا بإعطاء الزكاة من ظاهر حاله مشبه لأحوال ~~الأغنياء ويدل على أن الصحيح الجسم جائز أن يعطى من الزكاة ms0748 لأن الله تعالى ~~أمر بإعطاء هؤلاء القوم وكانوا من المهاجرين الذين كانوا يقاتلون مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم المشركين ولم يكونوا مرضى ولا عميانا وقوله عز وجل ~~تعرفهم بسيماهم فإن السيما العلامة قال مجاهد المراد به هنا التخشع وقال ~~السدي والربيع بن أنس هو علامة الفقر وقال الله تعالى سيماهم في وجوههم من ~~أثر السجود يعني علامتهم فجائز أن تكون العلامة المذكورة في قوله تعالى ~~تعرفهم بسيماهم ما يظهر في وجه الإنسان من كسوف # PageV02P180 # البال وسوء الحال وإن كانت بزتهم وثيابهم وظاهر هيئتهم حسنة جميلة وجائز ~~أن يكون الله تعالى قد جعل لنبيه علما يستدل به إذا رآهم عليه على فقرهم ~~وإن كنا لا نعرف ذلك مهم إلا بظهور المسألة منهم أو بما يظهر من بذاذة ~~هيئتهم وهذا يدل على أن لما يظهر ذلك عليه وقد اعتبر أصحابنا ذلك في الميت ~~في دار الإسلام أو في دار الحرب إذا لم يعرف أمره قبل ذلك في إسلام أو كفر ~~أنه ينظر إلى سيماه فإن كانت عليه سيما أهل الكفر من شد زنار أو عدم ختان ~~وترك الشعر على حسب ما يفعله رهبان النصارى حكم له بحكم الكفار ولم يدفن في ~~مقابر المسلمين ولم يصل عليه وإن كان عليه سيما أهل الإسلام حكم له بحكم ~~المسلمين في الصلاة والدفن وإن لم يظهر عليه شيء من ذلك فإن كان في مصر من ~~الأمصار التي للمسلمين فهو مسلم وإن كان في دار الحرب فمحكوم له بحكم الكفر ~~فجعلوا اعتبار سيماه بنفسه أولى منه بموضعه الموجود فيه فإذا عدمنا السيما ~~حكمنا له بحكم أهل الموضع وكذلك اعتبروا في اللقيط ونظيره أيضا قوله تعالى ~~إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر ~~فكذبت وهو من الصادقين فاعتبر العلامة ومن نحوه قوله تعالى ولتعرفنهم في ~~لحن القول وإخوة يوسف عليه السلام لطخوا قميصه بدم وجعلوه علامة لصدقهم قال ~~الله تعالى وجاؤ على قميصه بدم كذب وقوله تعالى لا ms0749 يسئلون الناس إلحافا ~~يعني والله أعلم إلحاحا وإدامة للمسألة لأن إلحاف المسألة هو الاستقصاء ~~فيها وإدامتها وهذا يدل على كراهة الإلحاف في المسألة فإن قيل فإنما قال ~~الله عز وجل لا يسئلون الناس إلحافا فنفى عنهم الإلحاف في المسألة ولم ينف ~~عنهم المسألة رأسا قيل له في فحوى الآية ومضمون المخاطبة ما يدل على نفي ~~المسألة رأسا وهو قوله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف فلو كانوا ~~أظهروا المسألة وإن لم تكن إلحافا لما حسبهم أغنياء وكذلك قوله تعالى من ~~التعفف لأن التعفف هو القناعة وترك المسألة فدل ذلك على وصفهم بترك المسألة ~~أصلا ويدل على أن التعفف هو ترك المسألة # قول النبي صلى الله عليه وسلم من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله # وإذا ثبت بما ذكرنا من دلالة الآي أن ثياب الكسوة لا تمنع الزكاة وإن ~~كانت سرية وجب أن يكون كذلك حكم المسكن والأثاث والفرس والخادم لعموم ~~الحاجة إليه فإذا كانت الحاجة إلى هذه الأشياء حاجة ماسة فهو غير غني بها ~~لأن الغنى هو ما فضل # PageV02P181 # عن مقدار الحاجة واختلف الفقهاء في مقدار ما يصير به غنيا فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا فضل عن مسكنه وكسوته وأثاثه وخادمه وفرسه ما ~~يساوي مائتي درهم لم تحل له الزكاة وإن كان أقل من مائتي درهم حلت له ~~الزكاة وقال مالك في رواية ابن القاسم يعطى من الزكاة من له أربعون درهما ~~وروى غيره عن مالك أنه لا يعطى من له أربعون درهما وقال الثوري والحسن بن ~~صالح لا يأخذ الزكاة من له خمسون درهما وقال عبد الله بن الحسن من لا يكون ~~عنده ما يقوته أو يكفيه سنة فإنه يعطى من الصدقة وقال الشافعي يعطى الرجل ~~على قدر حاجته حتى يخرجه ذلك من حد الفقر إلى الغنى كان ذلك تجب فيه الزكاة ~~أو لا تجب ولا أجد في ذلك حدا ذكره المزني والربيع وحكي عنه أنها لا تحل ~~للقوي المكتسب وإن كان فقيرا والدليل على ms0750 صحة ما ذكرنا من اعتبار مائتي ~~درهم فاضلا عما يحتاج إليه ما # روى عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخطب وهو يقول من استغنى أغناه الله ومن استعفف أعفه الله ومن ~~سأل الناس وله عدل خمس أواق سأل إلحافا # فدل ذكره لهذا المقدار أنه هو الذي يخرج به من حد الفقر إلى الغنى ويوجب ~~تحريم المسألة ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها على ~~فقرائكم ثم قال في مائتي درهم خمسة دراهم وليس فيما دونها شيء # فجعل حد الغنى مائتي درهم فوجب اعتبارها دون غيرها ودل أيضا على أن الذي ~~لا يملك هذا القدر يعطى من الزكاة لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الناس صنفين ~~أغنياء وفقراء فجعل الغني من ملك هذا المقدار وأمر بأخذ الزكاة منه وجعل ~~الفقير الذي يرد عليه هو الذي لا يملك هذا القدر # وقد روى أبو كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قلت ~~يا رسول الله ما ظهر غناه قال أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم # وقد روى زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال أتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسمعته يقول لرجل من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها فقد ~~سأل إلحافا # والأوقية يومئذ أربعون درهما # وروى محمد بن عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن مسعود قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاءت شيئا أو كدوحا ~~أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا رسول الله وما غناه قال خمسون درهما ~~أو حسابها من الذهب # وهذه واردة في # PageV02P182 # كراهة المسألة ولا دلالة فيها على تحريم الصدقة عليه وقد كان النبي صلى ~~الله عليه ms0751 وسلم يستحب ترك المسألة لمن يملك ما يغديه ويعشيه إذ كان هناك من ~~فقراء المسلمين وأهل الصفة من لا يقدر على غداء ولا عشاء فاختار النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمن يملك هذا القدر الاقتصار على ما يملكه والتعفف بترك ~~المسألة ليصل ذلك إلى من هو أحوج منه إليه لا على وجه التحريم ولما اتفق ~~الجميع على أن سبيل استباحة الصدقة ليست سبيل الضرورة إلى الميتة إذ كانت ~~الميتة لا تحل إلا عند الخوف على النفس والصدقة تحل بإجماع المسلمين لمن ~~احتاج ولم يخف الموت إذا لم يكن عنده شيء فوجب أن يكون المبيح لها الفقر ~~وأيضا لما كانت هذه الأخبار مختلفا في استعمال حكمها وهي في أنفسها مختلفة ~~واتفق الجميع على استعمال الخبر الذي روينا في مائتي درهم وتحريم الصدقة ~~معها وجب أن يكون ثابت الحكم وما عداه إما أن يكون على وجه الكراهة للمسألة ~~أو منسوخة بخبرنا إن كان المراد بها تحريم الصدقة. ### | باب الربا # قال الله تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس- إلى قوله- وأحل الله البيع وحرم الربا قال أبو بكر أصل ~~الربا في اللغة هو الزيادة ومنه الرابية لزيادتها على ما حواليها من الأرض ~~ومنه الربوة من الأرض وهي المرتفعة ومنه قولهم أربى فلان على فلان في القول ~~أو الفعل إذا زاد عليه وهو في الشرع يقع على معان لم يكن الاسم موضوعا لها ~~في اللغة ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى النساء ربا # في حديث أسامة بن زيد فقال إنما الربا في النسيئة # وقال عمر بن الخطاب إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن يعني ~~الحيوان وقال عمر أيضا إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبض قبل أن يبينه لنا فدعوا الربا والريبة فثبت بذلك أن ~~الربا قد صار اسما شرعيا لأنه لو كان باقيا على حكمه في أصل اللغة لما خفي ~~على ms0752 عمر لأنه كان عالما بأسماء اللغة لأنه من أهلها ويدل عليه أن العرب لم ~~تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربا وهو ربا في الشرع وإذا ~~كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان ~~وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعا لها في ~~اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال ~~بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع # PageV02P183 # بذلك وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا من مراد الله بالآية نصا ~~وتوفيقا ومنه ما بينه دليلا فلم يخل مراد الله من أن يكون معلوما عند أهل ~~العلم بالتوقيف والاستدلال والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان ~~قرض والدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون ~~به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد وإذا كان متفاضلا من جنس واحد هذا كان ~~المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى وما آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس فلا يربوا عند الله فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ~~ربا في المال العين لأنه لا عوض لها من جهة المقرض وقال تعالى لا تأكلوا ~~الربوا أضعافا مضاعفة إخبارا عن الحال التي خرج عليها الكلام من شرط ~~الزيادة أضعافا مضاعفة فأبطل الله تعالى الربا الذي كانوا يتعاملون به ~~وأبطل ضروبا أخر من البياعات وسماها ربا فانتظم قوله تعالى وحرم الربا ~~تحريم جميعها لشمول الاسم عليها من طريق الشرع ولم يكن تعاملهم بالربا إلا ~~على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة واسم ~~الربا في الشرع يعتوره معان أحدها الربا الذي كان عليه أهل الجاهلية ~~والثاني التفاضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون على قول أصحابنا ومالك ~~ابن أنس يعتبر مع الجنس أن يكون مقتاتا مدخرا والشافعي يعتبر الأكل مع ~~الجنس فصار الجنس معتبرا عند الجميع فيما يتعلق به من تحريم ms0753 التفاضل عند ~~انضمام غيره إليه على ما قدمنا والثالث النساء وهو على ضروب منها في الجنس ~~الواحد من كل شيء لا يجوز بيع بعضه ببعض نساء سواء كان من المكيل أو من ~~الموزون أو من غيره فلا يجوز عندنا بيع ثوب مروي بثوب مروي نساء لوجود ~~الجنس ومنها وجود المعنى المضموم إليه الجنس في شرط تحريم التفاضل وهو ~~الكيل والوزن في غير الأثمان التي هي الدراهم والدنانير فلو باع حنطة بجص ~~نساء لم يجز لوجود الكيل ولو باع حديدا بصفر نساء لم يجز لوجود الوزن والله ~~تعالى الموفق. ### | ومن أبواب الربا الشرعي السلم في الحيوان # قال عمر رضى الله عنه إن من الربا أبوابا لا تخفى منها السلم في السن ولم ~~تكن العرب تعرف ذلك ربا فعلم أنه قال ذلك توقيفا فجملة ما اشتمل عليه اسم ~~الربا في الشرع النساء والتفاضل على شرائط قد تقرر معرفتها عند الفقهاء ~~والدليل على ذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P184 # الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا والشعير بالشعير مثلا بمثل ~~يدا بيد والفضل ربا وذكر التمر والملح والذهب والفضة # فسمى الفضل في الجنس الواحد من المكيل والموزون ربا # وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد الذي رواه عنه عبد الرحمن ~~بن عباس إنما الربا في النسيئة وفي بعض الألفاظ لا ربا إلا في النسيئة # فثبت أن اسم الربا في الشرع يقع على التفاضل تارة وعلى النساء أخرى وقد ~~كان ابن عباس يقول لا ربا إلا في النسيئة ويجوز بيع الذهب بالذهب والفضة ~~بالفضة متفاضلا ويذهب فيه إلى حديث أسامة بن زيد ثم لما تواتر عنده الخبر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم التفاضل في الأصناف الستة رجع عن قوله ~~قال جابر بن زيد رجع ابن عباس عن قوله في الصرف وعن قوله في المتعة وإنما ~~معنى # حديث أسامة النساء في الجنسين كما روى في حديث عبادة بن الصامت وغيره عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms0754 الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد وذكر ~~الأصناف الستة ثم قال بيعوا الحنطة بالشعير كيف شئتم يدا بيد وفي بعض ~~الأخبار وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد # فمنع النساء في الجنسين من المكيل والموزون وأباح التفاضل فحديث أسامة بن ~~زيد محمول على هذا ومن الربا المراد بالآية شرى ما يباع بأقل من ثمنه قبل ~~نقد الثمن والدليل على أن ذلك ربا حديث يونس بن إسحاق عن أبيه عن أبي ~~العالية قال كنت عند عائشة فقالت لها امرأة إني بعت زيد بن أرقم جارية إلى ~~عطائه بثمان مائة درهم وإنه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستمائة فقالت ~~بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب فقالت يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ ~~إلا رأس مالي فقالت فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى ~~الله فدلت تلاوتها الآية الربا عند قولها أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي أن ~~ذلك كان عندها من الربا وهذه التسمية طريقها التوقيف وقد روى ابن المبارك ~~عن حكم بن زريق عن سعيد بن المسيب قال سألته عن رجل إلى باع طعاما من رجل ~~أجل فأراد الذي اشترى الطعام أن يبيعه بنقد من الذي باعه منه فقال هو ربا ~~ومعلوم أنه أراد شراءه بأقل من الثمن الأول إذ لا خلاف أن شراءه بمثله أو ~~أكثر منه جائز فسمى سعيد بن المسيب ذلك ربا وقد روي النهي عن ذلك عن ابن ~~عباس والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم والشعبي وقال الحسن وابن سيرين في ~~آخرين إن باعه بنقد جاز أن يشتريه فإن كان باعه بنسيئة لم # PageV02P185 # يشتره بأقل منه إلا بعد أن يحل الأجل وروي عن ابن عمر أنه إذا باعه ثم ~~اشتراه بأقل من ثمنه جاز ولم يذكر فيه قبض الثمن وجائز أن يكون مراده إذا ~~قبض الثمن فدل قول عائشة وسعيد بن المسيب أن ذلك ربا ms0755 فعلمنا أنهما لم ~~يسمياه ربا إلا توقيفا إذ لا يعرف ذلك اسما له من طريق اللغة فلا يسمى به ~~إلا من طريق الشرع وأسماء الشرع توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم والله ~~أعلم بالصواب. ### | ومن أبواب الربا الدين بالدين # وقد روى موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى عن الكالئ بالكالئ وفي بعض الألفاظ عن الدين بالدين # وهما سواء وقال في حديث أسامة بن زيد إنما الربا في النسيئة إلا أنه في ~~العقد عن الدين بالدين وأنه معفو عنه بمقدار المجلس لأنه جائز له أن يسلم ~~دراهم في كر حنطة وهما دين بدين إلا أنهما إذا افترقا قبل قبض الدراهم بطل ~~العقد وكذلك بيع الدراهم بالدنانير جائز وهما دينان وإن افترقا قبل التقابض ~~بطل. ### | ومن أبواب الربا الذي تضمنت الآية تحريمه # الرجل يكون عليه ألف درهم دين مؤجل فيصالحه منه على خمس مائة حالة فلا ~~يجوز وقد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال سألت ابن عمر يكون لي على الرجل ~~الدين إلى أجل فأقول عجل لي وأضع عنك فقال هو ربا وروي عن زيد بن ثابت أيضا ~~النهي عن ذلك وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم وهو قول أصحابنا وعامة ~~الفقهاء وقال ابن عباس وإبراهيم النخعي لا بأس بذلك والذي يدل على بطلان ~~ذلك شيئان أحدهما تسمية ابن عمر إياه ربا وقد بينا أن أسماء الشرع توقيف ~~والثاني أنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة ~~فكانت الزيادة بدلا من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه # وقال وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم وقال تعالى وذروا ما بقي من الربا حظر أن ~~يؤخذ للأجل عوض فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله فإنما ~~جعل الحط بحذاء الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على ~~تحريمه ولا خلاف أنه لو كان عليه ألف درهم حالة فقال له أجلني ms0756 وأزيدك فيها ~~مائة درهم لا يجوز لأن المائة # PageV02P186 # عوض من الأجل كذلك الحط في معنى الزيادة إذ جعله عوضا من الأجل وهذا هو ~~الأصل في امتناع جواز أخذ الأبدال عن الآجال ولذلك قال أبو حنيفة فيمن دفع ~~إلى خياط ثوبا فقال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم إن ~~الشرط الثاني باطل فإن خاطه غدا فله أجر مثله لأنه جعل الحط بحذاء الأجل ~~والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم يجزه لأنه بمنزلة بيع الأجل على النحو ~~الذي بيناه ومن أجاز من السلف إذا قال عجل لي وأضع عنك فجائز أن يكون ~~أجازوه إذا لم يجعله شرطا فيه وذلك بأن يضع عنه بغير شرط ويعجب الآخر ~~الباقي بغير شرط وقد ذكرنا الدلالة على أن التفاضل قد يكون ربا على حسب ما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأصناف الستة وأن النساء قد يكون ربا في ~~البيع # بقوله صلى الله عليه وسلم وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد # وقوله إنما الربا في النسيئة وأن السلم في الحيوان # قد يكون ربا # بقوله إنما الربا في النسيئة # وقوله إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد # وتسمية عمر إياه ربا وشرى ما بيع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن لما بينا ~~وشرط التعجيل مع الحط وقد اتفق الفقهاء على تحريم التفاضل في الأصناف الستة ~~التي ورد بها الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة وهو عندنا ~~في حيز التواتر لكثرة رواته واتفاق الفقهاء على استعماله واتفقوا أيضا في ~~أن مضمون هذا النص معني به تعلق الحكم يجب اعتباره في غيره واختلفوا فيه ~~بعد اتفاقهم على اعتبار الجنس على الوجوه التي ذكرنا فيما سلف من هذا الباب ~~وأن حكم تحريم التفاضل غير مقصور على الأصناف الستة وقد قال قوم هم شذوذ ~~عندنا لا يعدون خلافا إن حكم تحريم التفاضل مقصور على الأصناف التي ورد ~~فيها التوقيف دون تحريم غيرها ولما ذهب إليه أصحابنا في ms0757 اعتبار الكيل ~~والوزن دلائل من الأثر والنظر وقد ذكرناها في مواضع ومما يدل عليه من فحوى ~~الخبر قوله الذهب بالذهب مثلا بمثل وزنا بوزن والحنطة بالحنطة مثلا بمثل ~~كيلا بكيل فأوجب استيفاء المماثلة بالوزن في الموزون وبالكيل في المكيل فدل ~~ذلك على أن الاعتبار في التحريم الكيل والوزن مضموما إلى الجنس ومما يحتج ~~به المخالف من الآية على الاعتبار الأكل قوله عز وجل الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وقوله تعالى لا تأكلوا ~~الربوا فأطلق اسم الربا على المأكول قالوا فهذا عموم في إثبات الربا في ~~المأكول وهذا عندنا لا يدل # PageV02P187 # على ما قالوا من وجوه أحدها ما قدمنا من إجمال لفظ الربا في الشرع ~~وافتقاره إلى البيان فلا يصح الاحتجاج بعمومه وإنما يحتاج إلى أن يثبت ~~بدلالة أخرى أنه ربا حتى يحرمه بالآية ولا يأكله والثاني أن أكثر ما فيه ~~إثبات الربا في مأكول وليس فيه أن جميع المأكولات فيها ربا ونحن قد أثبتنا ~~الربا في كثير من المأكولات وإذا فعلنا ذلك فقد قضينا عهدة الآية ولما ثبت ~~بما قدمنا من التوقيف والاتفاق على تحريم بيع ألف بألف ومائة كما بطل بيع ~~ألف بألف إلى أجل فجرى الأجل المشروط مجرى النقصان في المال وكان بمنزلة ~~بيع ألف بألف ومائة وجب أن لا يصح الأجل في القرض كما لا يجوز قرض ألف بألف ~~ومائة إذ كان نقصان الأجل كنقصان الوزن وكان الربا تارة من جهة نقصان الوزن ~~وتارة من جهة نقصان الأجل وجب أن يكون القرض كذلك فإن قال قائل ليس القرض ~~في ذلك كالبيع لأنه يجوز له مفارقته في القرض قبل قبض البدل ولا يجوز مثله ~~في بيع ألف بألف قيل له إنما يكون الأجل نقصانا إذا كان مشروطا فأما إذا لم ~~يكن مشروطا فإن ترك القبض لا يوجب نقصا في أحد المالين وإنما بطل البيع ~~لمعنى آخر غير نقصان أحدهما عن الآخر ألا ترى أنه لا يختلف الصنفان والصنف ~~الواحد في ms0758 وجوب التقابض في المجلس أعني الذهب بالفضة مع جواز التفاضل فيهما ~~فعلمنا أن الموجب لقبضهما ليس من جهة أن ترك القبض موجب للنقصان في غير ~~المقبوض ألا ترى أن رجلا لو باع من رجل عبدا بألف درهم ولم يقبض ثمنه سنين ~~جاز للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة ولو كان باعه بألف إلى شهر ثم حل ~~الأجل لم يكن للمشتري بيعه مرابحة على ألف حالة حتى يبين أنه اشتراه بثمن ~~مؤجل فدل ذلك على أن الأجل المشروط في العقد يوجب نقصا في الثمن ويكون ~~بمنزلة نقصان الوزن في الحكم فإذا كان كذلك فالتشبيه بين القرض والبيع من ~~الوجه الذي ذكرنا صحيح لا يعترض عليه هذا السؤال ويدل على بطلان التأجيل ~~فيه # قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الربا في النسيئة # ولم يفرق بين البيع والقرض فهو على الجميع ويدل عليه أن القرض لما كان ~~تبرعا لا يصح إلا مقبوضا أشبه الهبة فلا يصح فيه التأجيل كما لا يصح في ~~الهبة وقد أبطل النبي صلى الله عليه وسلم التأجيل فيها # بقوله من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده # فأبطل التأجيل المشروط في الملك وأيضا فإن قرض الدراهم عاريتها وعاريتها ~~قرضها لأنها تمليك المنافع إذ لا يصل إليها إلا باستهلاك عينها ولذلك قال ~~أصحابنا إذا # PageV02P188 # أعاره دراهم فإن ذلك قرض ولذلك لم يجيزوا استيجار الدراهم لأنها قرض ~~فكأنه استقرض دراهم على أن يرد عليه أكثر منها فلما لم يصح الأجل في ~~العارية لم يصح في القرض ومما يدل على أن قرض الدراهم عارية # حديث إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تدرون أي الصدقة خير قالوا الله ورسوله أعلم قال خير الصدقة ~~المنحة أن تمنح أخاك الدراهم أو ظهر الدابة أو لبن الشاة والمنحة هي ~~العارية # فجعل قرض الدراهم عاريتها ألا ترى إلى قوله في حديث آخر والمنحة مردودة ~~فلما لم يصح التأجيل في العارية لم يصح في القرض وأجاز الشافعي ms0759 التأجيل في ~~القرض وبالله التوفيق ومنه الإعانة. ### | باب البيع # قوله عز وجل وأحل الله البيع عموم في إباحة سائر البياعات لأن لفظ البيع ~~موضوع لمعنى معقول في اللغة وهو تمليك المال بمال بإيجاب وقبول عن تراض ~~منهما وهذا هو حقيقة البيع في مفهوم اللسان ثم منه جائز ومنه فاسد إلا أن ~~ذلك غير مانع من اعتبار عموم اللفظ متى اختلفنا في جواز بيع أو فساده ولا ~~خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية وإن كان مخرجها مخرج العموم فقد أريد به ~~الخصوص لأنهم متفقون على حظر كثير من البياعات نحو بيع ما لم يقبض وبيع ما ~~ليس عند الإنسان وبيع الغرر والمجاهيل وعقد البيع على المحرمات من الأشياء ~~وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات وإنما خصت منها بدلائل إلا أن ~~تخصيصها غير مانع اعتبار عموم لفظ الآية فيما لم تقم الدلالة على تخصيصه ~~وجائز أن يستدل بعمومه على جواز البيع الموقوف لقوله تعالى وأحل الله البيع ~~والبيع اسم للإيجاب والقبول وليست حقيقته وقوع الملك به للعاقد ألا ترى أن ~~البيع المعقود على شرط خيار المتبايعين لم يوجب ملكا وهو بيع والوكيلان ~~يتعاقدان البيع ولا يملكان وقوله تعالى وحرم الربا حكمه ما قدمناه من ~~الإجمال والوقف على ورود البيان فمن الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ~~ربا أهل الجاهلية وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض وفي ~~سياق الآية ما أوجب تخصيص ما هو ربا من البياعات من عموم قوله تعالى وأحل ~~الله البيع وظن الشافعي أن لفظ الربا لما كان مجملا أنه يوجب إجمال لفظ ~~البيع وليس كذلك عندنا لأن ما لا يسمى ربا من البياعات فحكم # PageV02P189 # العموم جار فيه وإنما يجب الوقوف فيما شككنا أنه ربا أو ليس بربا فأما ما ~~تيقنا أنه ليس بربا فغير جائز الاعتراض عليه بآية تحريم الربا وقد بينا ذلك ~~في أصول الفقه وأما قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا حكاية ~~عن المعتقدين لإباحته ms0760 من الكفار فزعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة ~~على وجه الربا وبين سائر الأرباح المكتسبة بضروب البياعات وجهلوا ما وضع ~~الله أمر الشريعة عليه من مصالح الدين والدنيا فذمهم الله على جهلهم وأخبر ~~عن حالهم يوم القيامة وما يحل بهم من عقابه قوله تعالى وأحل الله البيع ~~يحتج به في جواز بيع ما لم يره المشتري ويحتج فيمن اشترى حنطة بحنطة بعينها ~~متساوية أنه لا يبطل بالافتراق قبل القبض وذلك لأنه معلوم من ورود اللفظ ~~لزوم أحكام البيع وحقوقه من القبض والتصرف والملك وما جرى مجرى ذلك فاقتضى ~~ذلك بقاء هذه الأحكام مع ترك التقابض وهو كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم ~~المراد تحريم الاستمتاع بهن ويحتج أيضا لذلك بقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم من وجهين أحدهما ما اقتضاه ~~من إباحة الأكل قبل الافتراق وبعده من غير قبض والآخر إباحة أكله لمشتريه ~~قبل قبض الآخر بعد الفرقة وأما قوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف وأمره إلى الله فالمعنى فيه أن من انزجر بعد النهي فله ما سلف ~~من المقبوض قبل نزول تحريم الربا ولم يرد به ما لم يقبض لأنه قد ذكر في نسق ~~التلاوة حظر ما لم يقبض منه وإبطاله بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فأبطل الله من الربا ما لم يكن ~~مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول التحريم ولم يتعقب بالفسخ ما كان منه ~~مقبوضا بقوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وقد روي ذلك ~~عن السدي وغيره من المفسرين وقال تعالى وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين فأبطل منه ما بقي مما لم يقبض ولم يبطل المقبوض ثم قال تعالى وإن ~~تبتم فلكم رؤس أموالكم وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال ~~الذي لا ربا فيه ولا زيادة # وروي عن ابن عمر وجابر ms0761 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته يوم ~~حجة الوداع بمكة وقال جابر بعرفات إن كل ربا في الجاهلية فهو موضوع # وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فكان فعله صلى الله عليه وسلم ~~مواطئا لمعنى الآية في إبطال الله تعالى من الربا ما لم يكن مقبوضا وإمضائه ~~ما كان # PageV02P190 # مقبوضا وفيما روي في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم ضروب من الأحكام ~~أحدها أن كل ما طرأ على عقد البيع قبل القبض مما يوجب تحريمه فهو كالموجود ~~في حال وقوعه وما طرأ بعد القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد لم يوجب فسخه ~~وذلك نحو النصرانيين إذا تبايعا عبدا بخمر فالبيع جائز عندنا وإن أسلم ~~أحدهما قبل قبض الخمر بطل العقد وكذلك لو اشترى رجل مسلم صيدا ثم أحرم ~~البائع أو المشتري بطل البيع لأنه قد طرأ عليه ما يوجب تحريم العقد قبل ~~القبض كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض لأنه طرأ عليه ما يوجب ~~تحريمه قبل القبض وإن كانت الخمر مقبوضة ثم أسلما أو أحرما لم يبطل البيع ~~كما لم يبطل الله الربا المقبوض حين أنزل التحريم فهذا جائز في نظائره من ~~المسائل ولا يلزم عليه أن يقتل العبد المبيع قبل القبض ولا يبطل البيع ~~وللمشتري اتباع الجاني من قبل أنه لم يطرأ على العقد ما يوجب تحريم العقد ~~لأن العقد باق على هيئته التي كان عليها والقيمة قائمة مقام المبيع وإنما ~~يعتبر المبيع وللمشتري الخيار فحسب وفيها دلالة على أن هلاك المبيع في يد ~~البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد وهو قول أصحابنا والشافعي وقال ~~مالك لا يبطل والثمن لازم للمشتري إذا لم يمنعه ودلالة الآية ظاهرة على أن ~~قبض المبيع من تمام البيع وأن سقوط القبض يوجب بطلان العقد وذلك لأن الله ~~تعالى لما أسقط قبض الربا أبطل العقد الذي عقداه وأمر بالاقتصار على رأس ~~المال فدل ذلك على أن قبض المبيع من شرائط صحة العقد وأنه متى طرأ ms0762 على ~~العقد ما يسقطه أوجب ذلك بطلانه وفيها الدلالة على أن العقود الواقعة في ~~دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ وإن كانت معقودة على ~~فساد لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية وبين خطبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل ~~الفتح ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية مما كان ~~منها بعد نزولها فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين ~~المسلمين إذا ظهر عليها الإمام لا يفسخ منها ما كان مقبوضا وقوله تعالى فمن ~~جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف يدل على ذلك أيضا لأنه قد جعل له ما ~~كان مقبوضا منه قبل الإسلام وقد قيل إن معنى قوله تعالى فله ما سلف من ~~ذنوبه على معنى أن الله يغفرها له وليس هذا كذلك لأن الله تعالى قد قال ~~وأمره إلى الله يعني فيما يستحقه من عقاب أو ثواب # PageV02P191 # فلم يعلمنا حكمه في الآخرة ومن جهة أخرى أنه لو كان هذا مرادا لم ينتف به ~~ما ذكرنا فيكون على الأمرين جميعا لاحتماله لهما فيغفر الله ذنوبه ويكون له ~~المقبوض من ذلك قبل إسلامه وذلك يدل على أن بياعات أهل الحرب كلها ماضية ~~إذا أسلموا بعد التقابض فيها لقوله تعالى فله ما سلف وأمره إلى الله قوله ~~عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله قال أبو بكر يحتمل ذلك ~~معنيين أحدهما إن لم تقبلوا أمر الله تعالى ولم تنقادوا له والثاني إن لم ~~تذروا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر بتركه فأذنوا بحرب من الله ورسوله ~~وإن اعتقدوا تحريمه وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع بن أنس فيمن أربى ~~أن الإمام يستتيبه فإن تاب وإلا قتله وهذا محمول على أن يفعله مستحلا له ~~لأنه لا ms0763 خلاف بين أهل العلم أنه ليس بكافر إذا اعتقد تحريمه وقوله تعالى ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله لا يوجب إكفارهم لأن ذلك قد يطلق على ما دون ~~الكفر من المعاصي # قال زيد بن أسلم عن أبيه إن عمر رأى معاذا يبكي فقال ما يبكيك فقال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء ~~الله فقد بارز الله بالمحاربة # فأطلق اسم المحاربة عليه وإن لم يكفر # وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أنا حرب لمن ~~حاربتم سلم لمن سالمتم # وقال تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ~~والفقهاء متفقون على أن ذلك حكم جار في أهل الملة وأن هذه السمة تلحقهم ~~بإظهارهم قطع الطريق وقد دل على أنه جائز إطلاق اسم المحاربة لله ورسوله ~~على من عظمت معصيته وفعلها مجاهرا بها وإن كانت دون الكفر وقوله تعالى ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله أخبار منه بعظم معصية وأنه يستحق بها المحاربة ~~عليها وإن لم يكن كافرا وكان ممتنعا على الإمام فإن لم يكن ممتنعا عاقبه ~~الإمام بمقدار ما يستحقه من التعزير والردع وكذلك ينبغي أن يكون حكم سائر ~~المعاصي التي أوعد الله عليها العقاب إذا أصر الإنسان عليها وجاهر بها وإن ~~كان ممتنعا حورب عليها هو ومتبعوه وقوتلوا حتى ينتهوا وإن كانوا غير ~~ممتنعين عاقبهم الإمام بمقدار ما يرى من العقوبة وكذلك حكم من يأخذ أموال ~~الناس من المتسلطين الظلمة وآخذي الضرائب واجب على كل المسلمين قتالهم ~~وقتلهم إذا كانوا # PageV02P192 # ممتنعين وهؤلاء أعظم جرما من آكلي الربا لانتهاكهم حرمة النهي وحرمة ~~المسلمين جميعا وآكل الربا إنما انتهك حرمة الله تعالى في أخذ الربا ولم ~~ينتهك لمن يعطيه ذلك حرمة لأنه أعطاه بطيبة نفسه وآخذو الضرائب في معنى ~~قطاع الطريق المنتهكين لحرمة نهي الله تعالى وحرمة المسلمين إذ كانوا ~~يأخذونه جبرا ms0764 وقهرا لا على تأويل ولا شبهة فجائز لمن علم من المسلمين إصرار ~~هؤلاء على ما هم عليه من أخذ أموال الناس على وجه الضريبة أن يقتلهم كيف ~~أمكنه قتلهم وكذلك أتباعهم وأعوانهم الذين بهم يقومون على أخذ الأموال وقد ~~كان أبو بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة لموافقة من الصحابة إياه على ~~شيئين أحدهما الكفر والآخر منع الزكاة وذلك لأنهم امتنعوا من قبول فرض ~~الزكاة ومن أدائها فانتظموا به معنيين أحدهما الامتناع من قبول أمر الله ~~تعالى وذلك كفر والآخر الامتناع من أداء الصدقات المفروضة في أموالهم إلى ~~الإمام فكان قتاله إياهم للأمرين جميعا ولذلك قال لو منعوني عقالا وفي بعض ~~الأخبار عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم ~~عليه فإنما قلنا إنهم كانوا كفارا ممتنعين من قبول فرض الزكاة لأن الصحابة ~~سموهم أهل الردة وهذه السمة لازمة لهم إلى يومنا هذا وكانوا سبوا نساءهم ~~وذراريهم ولو لم يكونوا مرتدين لما سار فيهم هذه السيرة وذلك شيء لم يختلف ~~فيه الصدر الأول ولا من بعدهم من المسلمين أعني في أن القوم الذين قاتلهم ~~أبو بكر كانوا أهل الردة فالمقيم على أكل الربا إن كان مستحلا له فهو كافر ~~وإن كان ممتنعا بجماعة تعضده سار فيهم الإمام بسيرته في أهل الردة إن كانوا ~~قبل ذلك من جملة أهل الملة وإن اعترفوا بتحريمه وفعلوه غير مستحلين له ~~قاتلهم الإمام إن كانوا ممتنعين حتى يتوبوا وإن لم يكونوا ممتنعين ردعهم عن ~~ذلك بالضرب والحبس حتى ينتهوا # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران وكانوا ذمة نصارى ~~إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله # وروى أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثني أيوب الدمشقي قال حدثني سعدان بن ~~يحيى عن عبد الله ابن أبي حميد عن أبي مليح الهذلي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صالح أهل نجران فكتب كتابا في آخره على أن لا تأكلوا الربا فمن ms0765 ~~أكل الربا فذمتي منه بريئة # فقوله تعالى فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله عقيب قوله يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا هو عائد عليهما جميعا من رد ~~الأمر على حاله ومن الإقامة على أكل الربا مع قبول الأمر «13- أحكام في» # PageV02P193 # فمن رد الأمر قوتل على الردة ومن قبل الأمر وفعله محرما له قوتل على تركه ~~إن كان ممتنعا ولا يكون مرتدا وإن لم يكن ممتنعا عزر بالحبس والضرب على ما ~~يرى الإمام وقوله تعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله إعلام بأنهم إن لم ~~يفعلوا ما أمروا به في هذه الآية فهم محاربون الله ورسوله وذلك إخبار منه ~~بمقدار عظم الجرم وأنهم يستحقون به هذه السمة وهي أن يسموا محاربين الله ~~ورسوله وهذه السمة يعتورها معنيان أحدهما الكفر إذا كان مستحلا والآخر ~~الإقامة على أكل الربا مع اعتقاد التحريم على ما بينا ومن الناس من يحمله ~~على أنه إعلام منه بأن الله تعالى يأمر رسوله والمؤمنين بمحاربتهم ويكون ~~إيذانا لهم بالحرب حتى لا يؤتوا على غرة قبل العلم بها كقوله تعالى وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين فإذا حمل ~~على هذا الوجه كان الخطاب بذلك متوجها إليهم إذا كانوا ذوي منعة وإذا ~~حملناه على الوجه الأول دخل كل واحد من فاعلي ذلك في الخطاب وتناوله الحكم ~~المذكور فيه فهو أولى # قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فيه تأويلان أحدهما وإن كان ~~ذو عسرة غريما لكم فنظرة إلى ميسرة والثاني على أن المكتفية باسمها على ~~معنى وإن وقع ذو عسرة أو إن وجد ذو عسرة كقول الشاعر: # فدى لبنى شيبان رحلي ونافتى إذا كان يوم ذو كواكب أشهب معناه إذا وجد يوم ~~كذلك وقد اختلف في معنى قوله وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة فروي عن ابن ~~عباس وشريح وإبراهيم أنه في الربا خاصة وكان شريح يحبس المعسر في غيره من ~~الديون وروي ms0766 عن إبراهيم والحسن والربيع بن خيثم والضحاك أنه في سائر الديون ~~وروي عن ابن عباس رواية أخرى مثل ذلك وقال آخرون إن الذي في الآية إنظار ~~المعسر في الربا وسائر الديون في حكمه قياسا عليه قال أبو بكر لما كان قوله ~~تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة محتملا أن يكون شاملا لسائر الديون ~~على ما بينا من وجه الاحتمال ولتأويل من تأوله من السلف على ذلك إذ غير ~~جائز أن يكونوا تأولوه على ما لا احتمال فيه وجب حمله على العموم وأن لا ~~يقتصر به على الربا إلا بدلالة لما فيه من تخصيص لفظ العموم من غير دلالة ~~فإن قيل لما كان قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة غير مكتف ~~بنفسه في إفادة الحكم وكان متضمنا لما # PageV02P194 # قبله وجب أن يكون حكمه مقصورا عليه قيل هو كلام مكتف بنفسه لما في فحواه ~~من الدلالة على معناه وذلك لأن ذكر الإعسار والإنظار قد دل على دين تجب ~~المطالبة به والإنظار لا يكون إلا في حق قد ثبت وجوبه وصحت المطالبة به إما ~~عاجلا وإما آجلا فإذا كان في مضمون اللفظ دلالة على دين يتعلق به في حكم ~~الإنظار إذا كان ذو عسرة كان اللفظ مكتفيا بنفسه ووجب اعتباره على عمومه ~~ولم يجب الاقتصار به على الربا دون غيره وزعم بعض الناس ممن نصر هذا القول ~~الذي ذكرناه أن هذا لا يجوز أن يكون في الربا لأن الله تعالى قد أبطله فكيف ~~يكون منظرا به قال فالواجب أن تكون الآية عامة في سائر الديون وهذا الحجاج ~~ليس بشيء لأن الله تعالى إنما أبطل الربا وهو الزيادة المشروطة ولم يبطل ~~رأس المال لأنه قال وذروا ما بقي من الربا والربا هو الزيادة ثم قال وإن ~~تبتم فلكم رؤس أموالكم ثم عقب ذلك بقوله وإن كان ذو عسرة يعني سائر الديون ~~ورأس المال أحدها وإبطال ما بقي من الربا لم يبطل رأس المال بل هو دين عليه ~~يجب أداؤه ms0767 فإن قيل إذا كان الإنظار مأمورا به في رأس المال فهو وسائر ~~الديون عليه سواء قيل له إنما كلامنا فيما شمله العموم من حكم الآية فإن ~~كان ذلك في رأس مال الربا فلم يتناول غيره من طريق النص وإنما يتناوله من ~~جهة العموم للمعنى فيحتاج حينئذ إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه ورده إلى ~~المذكور في الآية بمعنى يجمعهما وليس الكلام بينك وبين الخصم من جهة القياس ~~وإنما اختلفتما في عموم الآية وخصوصها والكلام في القياس ورد غير المذكور ~~إلى المذكور مسألة أخرى. # وقوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم قد اقتضى ثبوت المطالبة لصاحب ~~الدين على الدين وجواز أخذ رأس مال نفسه منه بغير رضاه لأنه تعالى جعل ~~اقتضاؤه ومطالبته من غير شرط رضى المطلوب وهذا يوجب أن من له على غيره دين ~~فطالبه به فله أخذه منه شاء أم أبى وبهذا المعنى # ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت له هند إن أبا سفيان رجل ~~شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي فقال خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف # فأباح لها أخذ ما استحقته على أبي سفيان من النفقة من غير رضى أبي سفيان ~~وفي الآية دلالة على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ~~ظالما ودلالتها على ذلك من وجهين أحدهما قوله تعالى وإن تبتم فلكم رؤس ~~أموالكم فجعل له المطالبة # PageV02P195 # برأس المال وقد تضمن ذلك أمر الذي عليه الدين بقضائه وترك الامتناع من ~~أدائه فإنه متى امتنع منه كان له ظالما ولاسم الظلم مستحقا وإذا كان كذلك ~~استحق العقوبة وهي الحبس والوجه الآخر من الدلالة عليه قوله تعالى في نسق ~~التلاوة لا تظلمون ولا تظلمون يعني والله أعلم لا تظلمون بأخذ الزيادة ولا ~~تظلمون بالنقصان من رأس المال فدل ذلك على أنه متى امتنع من أداء جميع رأس ~~المال إليه كان ظالما له مستحقا للعقوبة واتفق الجميع على أنه لا يستحق ~~العقوبة بالضرب فوجب أن يكون حبسا ms0768 لاتفاق الجميع على أن ما عداه من ~~العقوبات ساقط عنه في أحكام الدنيا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثل ما دلت عليه الآية وهو # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن وبر بن أبي دليلة عن محمد بن ~~ميمون عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ~~الواجد يحل عرضه وعقوبته قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس # وروى ابن عمر وجابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مطل ~~الغني ظلم وإذا أحيل أحدكم على ملئ فليحتل # فجعل مطل الغني ظلما والظالم لا محالة مستحق العقوبة وهي الحبس لاتفاقهم ~~على أنه لم يرد غيره # وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا معاذ بن أسد قال ~~أخبرنا النضر بن شميل قال أخبرنا هرماس بن حبيب رجل من أهل البادية عن أبيه ~~عن جده قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بغريم لي فقال لي الزمه ثم قال ~~يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك # وهذا يدل على أن له حبس الغريم لأن الأسير يحبس فلما سماه أسيرا له دل ~~على أن له حبسه وكذلك قوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته والمراد بالعقوبة ~~هنا الحبس لأن أحدا لا يوجب غيره واختلف الفقهاء في الحال التي توجب الحبس ~~فقال أصحابنا إذا ثبت عليه شيء من الديون من أي وجه ثبت فإنه يحبس شهرين أو ~~ثلاثة ثم يسئل عنه فإن كان موسرا تركه في الحبس أبدا حتى يقضيه وإن كان ~~معسرا أخلى سبيله وذكر ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة أن المطلوب إذا قال ~~إني معسر وأقام البينة على ذلك أو قال فسل عني فلا يسأل عنه أحدا وحبسه ~~شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه إلا أن يكون معروفا بالعسر فلا يحبسه وذكر ~~الطحاوي عن أحمد ms0769 بن أبي عمران قال كان متأخرو أصحابنا منهم محمد بن شجاع ~~يقولون إن كل دين كان أصله من مال وقع في يدي المدين كأثمان البياعات ~~والعروض ونحوها فإنه # PageV02P196 # يحبسه به وما لم يكن أصله من مال وقع في يده مثل المهر والجعل من الخلع ~~والصلح من دم العمد والكفالة لم يحبسه به حتى يثبت وجوده وملاؤه وقال ابن ~~أبي ليلى يحبسه في الديون إذا أخبر أن عنده مالا وقال مالك لا يحبس الحر ~~ولا العبد في الدين ولا يستبرأ أمره فإن اتهم أنه قد خبأ مالا حبسه وإن لم ~~يجد له شيئا لم يحبسه وخلاه وقال الحسن بن حي إذا كان موسرا حبس وإن كان ~~معسرا لم يحبس وقال الشافعي إذا ثبت عليه دين بيع ما ظهر ودفع ولم يحبس فإن ~~لم يظهر حبس وبيع ما قدر عليه من ماله فإن ذكر عسره وقبلت منه البينة بقوله ~~تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأحلفه مع ذلك بالله ومنع غرماءه من ~~لزومه قال أبو بكر إنما قال أصحابنا إنه يحبسه في أول ما ثبت عند القاضي ~~دينه لما دللنا عليه من الآية والأثر على كونه ظالما في الامتناع من قضاء ~~ما ثبت عليه وأنه مستحق للعقوبة متى امتنع من أداء ما وجب عليه فالواجب ~~بقاء العقوبة عليه حتى يثبت زوالها عنه بالإعسار فإن قيل إنما يكون ظالما ~~إذا امتنع من أدائه مع الإمكان لأن الله تعالى لا يذمه على ما لم يقدره ~~عليه ولم يمكنه منه ولذلك شرط النبي صلى الله عليه وسلم الوجود في استحقاق ~~العقوبة # بقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته # وإذا كان شرط استحقاق العقوبة وجود المال الذي يمكنه أداؤه منه فغير جائز ~~حبسه وعقوبته إلا بعد أن يثبت أنه واجد ممتنع من أداء ما وجب عليه وليس ~~ثبوت الدين عليه علما لإمكان أدائه على الدوام إذ جائز أن يحدث الإعسار بعد ~~ثبوت الدين قيل له أما الديون التي حصلت أبدالها في يده فقد علمنا يساره ms0770 ~~بأدائها يقينا ولم نعلم إعساره بها فوجب كونه باقيا على حكم اليسار والوجود ~~حتى يثبت الإعسار وأما ما كان لزمه منها من غير بدل حصل في يده يمكنه أداؤه ~~منه فإن دخوله في العقد الذي ألزمه ذلك اعتراف منه بلزوم أدائه وتوجه ~~المطالبة عليه بقضائه ودعواه الإعسار به بمنزلة دعوى التأجيل للموسر فهو ~~غير مصدق عليه ولذلك سوى أصحابنا بين الديون التي قد علم حصول أبدالها في ~~يده وبين ما لم تحصل في يده إذ كان دخوله في العقد الموجب عليه ذلك الدين ~~اعترافا منه بلزوم الأداء وثبوت حق المطالبة للمطالب وذلك لأن كل متعاقدين ~~دخلا في عقد فدخولهما فيه اعتراف منهما بلزوم موجب العقد من الحقوق وغير ~~مصدق بعد العقد واحد منهما على نفي موجبه ومن أجل ذلك قلنا إن ذلك يقتضي ~~اعترافا منهما بصحته إذ كان ذلك # PageV02P197 # مضمنا للزوم حقوقه وفي تصديقه على فساده نفي ما لزمه بظاهر العقد ولا ~~نعلم خلافا بين أهل العلم في أن مدعي الفساد منهما بعد وقوع العقد بينهما ~~وصحته في الظاهر غير مصدق عليه وأن القول قول مدعي الصحة منهما وفي ذلك ~~دليل على صحة ما ذكرنا من أن من ألزم نفسه دينا بعقد عقده على نفسه أنه ~~يلزمه أداؤه ومحكوم عليه بأنه موسر به وغير مصدق على الإعسار المسقط عنه ~~المطالبة كما لا يصدق على التأجيل بعد ثبوته عليه حالا وإنما قال أصحابنا ~~إنه يحبسه في أول ما يرفعه إلى القاضي إذا طلب ذلك الطالب ولا يسئل عنه من ~~قبل أنه توجهت عليه المطالبة بأدائه ومحكوم له باليسار في قضائه فالواجب أن ~~يستبرئ أمره بديا إذ جائز أن يكون له مال قد خبأه لا يقف عليه غيره فلا ~~يوقف بذلك على إعساره فينبغي له أن يحبسه استظهارا لما عسى أن يكون عنده إذ ~~كان في الأغلب أنه إن كان عنده شيء آخر أضجره الحبس وألجأه إلى إخراجه فإذا ~~حبسه هذه المدة فقد استظهر في الغالب فحينئذ يسئل عنه لأنه جائز أن ms0771 يكون ~~هناك من يعلم يساره سرا فإذا ثبت عنده إعساره خلاه من الحبس وقد روي عن ~~شريح أنه كان يحبس المعسر في غير الربا من الديون فقال له معسر قد حبسه قال ~~الله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة- فقال شريح- إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها والله لا يأمرنا بشيء ثم يعذبنا عليه وقد قدمنا ~~ذكر مذهب شريح في تأويل الآية وأن قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة مقصور على الربا دون غيره وأن غيره من الديون لا يختلف في الحبس فيها ~~الموسر والمعسر ويشتبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أنه لا سبيل لنا إلى معرفة ~~الإعسار على الحقيقة إذ جائز أن يظهر الإعسار وحقيقة أمره اليسار فاقتصر ~~بحكم الإنظار على رأس مال الربا الذي نزل به القرآن وحمل ما عداه على موجب ~~عقد المدينة من لزوم القضاء وتوجه المطالبة عليه بالأداء وقد بينا وجه فساد ~~هذا القول بما قد دللنا عليه من مقتضى عموم اللفظ لسائر الديون ومع ذلك فلو ~~كان نص التنزيل واردا في الربا دون غيره لكان سائر الديون بمنزلته قياسا ~~عليه إذ لا فرق في حال اليسار بينهما في صحة لزوم المطالبة بهما ووجوب ~~أدائهما فوجب أن لا يختلفا في حال الأداء في سقوط الحبس فيها دونه فأما ~~قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها واحتجاج شريح به في ~~حبس المطلوب فإن الآية إنما هي في الأعيان الموجودة في يده لغيره فعليه ~~أداؤه وأما الديون # PageV02P198 # المضمونة في ذمته فإنما المطالبة بها معلقة بإمكان أدائها فمن كان معسرا ~~فإن الله لم يكلفه إلا ما في إمكانه قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا ~~ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا فإذا لم يكن مكلفا لأدائها لم يجز أن ~~يحبس بها فإن قيل إن الدين من الأمانات لقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته وإنما يريد به الدين المذكور في قوله تعالى يا ~~أيها ms0772 الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قيل # له إن كان الدين مرادا بقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها فإن الأمر بذلك توجه إليه على شريطة الإمكان لما وصفنا من أن الله ~~تعالى لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يتسع لفعله وهو محكوم له من ظاهر ~~إعساره أنه غير قادر على أدائه ولم يكن شريح ولا أحد من السلف يخفى عليهم ~~أن الله لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه بل كانوا عالمين بذلك ولكنه ذهب عندي ~~والله أعلم إلى أنه لم يتقين وجود ذلك ويجوز أن يكون قادرا على أدائه مع ~~ظهور إعساره فلذلك حبسه. # واختلفوا أهل العلم في الحاكم إذا ثبت عنده إعساره وأطلقه من الحبس هل ~~يحول بين الطالب وبين لزومه فقال أصحابنا للطالب أن يلزمه وذكر ابن رستم عن ~~محمد قال والملزوم في الدين لا يمنع من دخول منزله للغذاء والغائط والبول ~~فإن أعطاه الذي يلزمه الغذاء وموضع الخلاء فله أن يمنعه من إتيان منزله ~~وقال غيرهم منهم مالك والشافعي ليس له أن يلزمه وقال الليث بن سعد يؤاجر ~~الحر المعسر فيقضي دينه من أجرته ولا نعلم أحدا قال بمثل قوله إلا الزهري ~~فإن الليث بن سعد روى عن الزهري قال يؤاجر المعسر بما عليه من الدين حتى ~~يقضى عنه والذي يدل على أن ظهور الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة ~~والاقتضاء # حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اشترى من أعرابي بعيرا إلى أجل فلما حل الأجل جاءه يتقاضاه فقال جئتنا وما ~~عندنا شيء ولكن أقم حتى تأتي الصدقة فجعل الأعرابي يقول وا غدراه فهم به ~~عمر فقال صلى الله عليه وسلم دعه فإن لصاحب الحق مقالا فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه ليس عنده شيء ولم يمنعه الاقتضاء وقال إن لصاحب الحق ~~مقالا # فدل ذلك على أن الإعسار بالدين غير مانع اقتضاءه ولزومه به وقوله أقم حتى ms0773 ~~تأتي الصدقة يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اشترى البعير للصدقة ~~لا لنفسه لأنه لو كان اشتراه لنفسه لم يكن ليقضيه من إبل الصدقة لأنه لم ~~يكن تحل له الصدقة فهذا يدل على أن # PageV02P199 # من اشترى لغيره يلزمه ثمن ما اشترى وأن حقوق العقد متعلقة به دون المشترى ~~له لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه اقتضاءه ومطالبته به وهو في معنى ~~الحديث الذي رواه أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا ثم ~~قضاه من إبل الصدقة لأن السلف كان دينا على مال الصدقة # وروي في خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لصاحب الحق اليد ~~واللسان رواه محمد بن الحسن # وقال في اليد اللزوم وفي اللسان الاقتضاء # وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال أخبرنا محمد ابن إسحاق قال حدثنا محمد ~~بن يحيى قال حدثنا إبراهيم بن حمزة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو ~~بن أبي عمر عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا لزم غريما له بعشرة دنانير فقال ~~له والله ما عندي شيء أقضيكه اليوم قال والله لا أفارقك حتى تقضيني أو ~~تأتيني بحميل يتحمل عنك قال والله ما عندي قضاء ولا أجد من يحتمل عني قال ~~فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن هذا لزمني ~~فاستنظرته شهرا واحدا فأبى حتى أقضيه وآتيه بحميل فقلت والله ما أجد حميلا ~~ولا عندي قضاء اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تنظره شهرا ~~واحدا قال لا قال أنا أحمل بها فتحمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذهب الرجل فأتاه بقدر ما وعده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أين أصبت هذا الذهب قال من معدن قال اذهب فلا حاجة لنا فيها ليس فيها خير # فقضى عنه رسول الله وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يمنعه من لزومه مع حلفه ms0774 بالله ما عنده قضاء # وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال حدثنا عبد الله بن علي بن الجارود قال ~~حدثنا إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن أبي عبيدة قال حدثنا ~~أبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال جاء أعرابي إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتقاضاه تمرا كان عليه وشدد عليه الأعرابي حتى قال له ~~أحرج عليك إلا قضيتني فانتهره الصحابة فقالوا له ويحك أتدري من تكلم فقال ~~لهم إني طالب حق فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم هلا مع صاحب الحق كنتم ~~ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا ~~تمر فنقضيك فقالت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فأقرضته فقضى الأعرابي ~~وأطعمه فقال أوفيتنا أوفى الله لك فقال أولئك خيار الناس إنها لا قدست أمة ~~لا يؤخذ الضعيف منها حقه غير متعتع فلم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يقضيه ولم ينكر على الأعرابي مطالبته واقتضاءه بذلك بل أنكر على الصحابة ~~انتهارهم إياه وقال هلا مع صاحب الحق كنتم # وهذا يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون أن ينظره الطالب ويدل عليه # PageV02P200 # أيضا ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن العباس المؤدب قال حدثنا ~~عفان بن مسلم قال حدثنا عبد الوارث عن محمد بن حجادة عن ابن بريدة عن أبيه ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أنظر معسرا فله صدقة ومن ~~أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة فقلت يا رسول الله سمعتك تقول من أنظر معسرا ~~فله صدقة ثم سمعتك تقول له بكل يوم صدقة قال من أنظر معسرا قبل أن يحل ~~الدين فله صدقة ومن أنظره إذا حل الدين فله بكل يوم صدقة # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن علي بن عبد الملك بن السراج قال ~~حدثنا إبراهيم ابن عبد الله الهروي قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا ms0775 سعيد ~~بن حجنة الأسدي قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت أنه سمع أبا ~~اليسر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنظر معسرا أو وضع له أظله ~~الله يوم لا ظل إلا ظله # فقوله في الحديث الأول من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة # يوجب أن لا يكون منظرا بنفس الإعسار دون إنظار الطالب إياه لأنه لو كان ~~منظرا بغير إنظاره لما صح القول بأن من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة إذ غير ~~جائز أن يستحق الثواب إلا على فعله فأما من قد صار منظرا بغير فعله فإنه ~~يستحيل أن يستحق الثواب بالإنظار وحديث أبي اليسر يدل على ذلك أيضا من ~~وجهين أحدهما ما أخبر عنه من استحقاق الثواب بإنظاره والثاني أنه جعل ~~الإنظار بمنزلة الحط ومعلوم أن الحط لا يقع إلا بفعله فكذلك الإنظار وهذا ~~كله يدل على أن قوله تعالى فنظرة إلى ميسرة ينصرف على أحد وجهين إما أن ~~يكون وقوع الإنظار هو تخليته من الحبس وترك عقوبته إذ كان غير مستحق لها ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل مطل الغني ظلما فإذا ثبت إعساره فهو ~~غير ظالم بترك القضاء فأمر الله بإنظاره من الحبس فلا يوجب ذلك ترك لزومه ~~أو أن يكون المراد الندب والإرشاد إلى إنظاره بترك لزومه ومطالبته فلا يكون ~~منظرا إلا بنظرة الطالب بدلالة الأخبار التي أوردناها فإن قال قائل اللزوم ~~بمنزلة الحبس لا فرق بينهما لأنه في الحالين ممنوع من التصرف قيل له ليس ~~كذلك لأن اللزوم لا يمنعه التصرف فإنما معناه أن يكون معه من قبل الطالب من ~~يراعي أمره في كسبه وما يستفيده فيترك له مقدار القوت ويأخذ الباقي قضاء من ~~دينه وليس في ذلك إيجاب حبس ولا عقوبة # وروى مروان بن معاوية قال حدثنا أبو مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن ~~حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يقول لعبد # PageV02P201 # من عباده ما عملت قال ما عملت ms0776 لك كثير عمل أرجوك به من صلاة ولا صوم غير ~~أنك كنت أعطيتني فضلا من مال فكنت أخالط الناس فأيسر على الموسر وأنظر ~~المعسر فقال الله عز وجل نحن أحق بذلك منك تجاوزا عن عبدي فغفر له فقال ابن ~~مسعود هكذا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهذا الحديث أيضا يدل على مثل ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من أن ~~الإنظار لا يقع بنفس الإعسار لأنه جمع بين إنظار المعسر والتيسير على ~~الموسر وذلك كله مندوب إليه غير واجب واحتج من حال بينه وبين لزومه إذا ~~أعسر وجعله منظرا بنفس الإعسار بما # رواه الليث بن سعد عن بكير عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري أن ~~رجلا أصيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه ~~فقال صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء ~~دينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك # فاحتج القائل بما وصفنا # بقوله صلى الله عليه وسلم ليس لكم إلا ذلك # وأن ذلك يقتضي نفي اللزوم فيقال له معلوم أنه لم يرد سقوط ديونهم لأنه لا ~~خلاف أنه متى وجد كان الغرماء أحق بما فضل عن قوته وإذا لم ينف بذلك بقاء ~~حقوقهم في ذمته فكذلك لا يمنع بقاء لزومهم له ليستوفوا ديونهم مما يكسبه ~~فاضلا عن قوته وهذا هو معنى اللزوم لأنا لا نختلف في ثبوت حقوقهم فيما ~~يكسبه في المستقبل فقد اقتضى ذلك ثبوت حق اللزوم لهم ولم ينتف ذلك # بقوله صلى الله عليه وسلم ليس لكم إلا ذلك # كما لم ينتف بقاء حقوقهم فيما يستفيده وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأخبار التي ذكرنا من إنظار المعسر وما ذكر من ترغيب الطالب في إنظاره يدل ~~على جواز التأجيل في الديون الحالة الواجبة عن الغصوب والبيوع وزعم الشافعي ~~أنه إذا كان حالا في الأصل لا يصح التأجيل به وذلك خلاف الآثار التي ms0777 قدمنا ~~لأنها قد اقتضت جواز تأجيله وبين ذلك حديث ابن بريدة فيمن أجل قبل أن يحل ~~أو بعد ما حل وقد تقدم سنده # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق عن الشعبي عن سمعان عن سمرة بن جندب قال ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هاهنا أحد من بني فلان فلم يجبه ~~أحد ثم قال هاهنا أحد من بني فلان فلم يجبه أحد ثم قال هاهنا أحد من بني ~~فلان فقام رجل فقال أنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين إني لم أنوه بكم إلا خيرا إن صاحبكم ~~مأسور بدينه فلقد رأيته أدى عنه حتى # PageV02P202 # ما أحد يطالبه بشيء # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثني سليمان بن داود المهري ~~النهدي قال حدثنا وهب قال حدثني سعيد بن أبي أيوب أنه سمع أبا عبد الله ~~القرشي يقول سمعت أبا بردة بن أبي موسى الأشعري يقول عن أبيه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه عبد بعد ~~الكبائر التي نهاه الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء # وفي هذين الحديثين دليل على أن المطالبة واللزوم لا يسقطان عن المعسر كما ~~لم تسقط عنه المطالبة بالموت وإن لم يدع له وفاء فإن قيل لا يخلوا هذا ~~الرجل المدين إذا مات مفلسا من أن يكون مفرطا في قضاء دينه أو غير مفرط فإن ~~كان مفرطا فإنما هو مطالب عند الله بتفريطه كسائر الذنوب التي لم يتب منها ~~وإن كان غير مفرط فالله تعالى لا يؤاخذه به لأن الله لا يؤاخذ أحدا إلا ~~بذنبه قيل له إنما ذلك فيمن فرط في في قضاء دينه ثم لم يتب من تفريطه حتى ~~مات مفلسا فيكون مؤاخذا به وهذا حكم المعسر بدين الآدمي لأنا ms0778 لا نعلم توبته ~~من تفريطه فواجب أن يكون مطالبا به في الدنيا كما كان مؤاخذا به عند الله ~~تعالى فإن قيل فينبغي أن تفرقوا بين المفرط في قضاء دينه المصبر على تفريطه ~~وبين من لم يفرط أصلا أو فرط ثم تاب من تفريطه فتوجبون له لزوم من فرط ولم ~~يتب ولا تجعلون له ذلك فيمن لم يفرط أو فرط ثم تاب قيل له لو وقفنا على ~~حقيقة توبته من تفريطه أو علمنا أنه لم يكن مفرطا في قضائه لخالفنا بين ~~حكمه وحكم من ظهر تفريطه في باب اللزوم كما اختلف حكمهما عند الله تعالى ~~ولكنا لا نعلم أنه غير مفرط في الحقيقة لجواز أن يكون له مال مخبوء وقد ~~أظهر الإعسار وكذلك المظهر لتوبته من تفريطه مع ظهور عسرته جائز أن يكون ~~موسرا بأداء دينه ولا تكون لما أظهره حقيقة وإذا كان كذلك فحكم اللزوم ~~والمطالبة قائم عليه كما تثبت عليه المطالبة لله تعالى بعد موته وحديث أبي ~~قتادة أيضا يدل على ذلك وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن المتوكل ~~العسقلاني قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن ~~جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي على رجل مات وعليه دين ~~فأتي بميت فقال أعليه دين فقالوا نعم ديناران فقال صلوا على صاحبكم فقال ~~أبو قتادة الأنصاري هما علي يا رسول الله قال فصل عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنا أولى ~~بكل مؤمن من نفسه فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته فلو لم تكن # PageV02P203 # المطالبة قائمة عليه إذا مات مفلسا كان لا يترك الصلاة عليه إذا مات ~~مفلسا لأنه كان يكون بمنزلة من لا دين عليه # وفي هذا دليل على أن الإعسار لا يسقط عنه اللزوم والمطالبة # وقد روى إسماعيل بن المهاجر عن عبد الملك بن عمير ms0779 قال كان علي بن أبي ~~طالب إذا أتاه رجل بغريمه قال هات بينة على مال أحبسه فإن قال فإني إذا ~~ألزمه قال وما منعك من لزومه # وأما قول الزهري والليث بن سعد في إجازتهما الحد واستيفاء الدين من أجرته ~~فخلاف الآية والآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الآية ~~فقوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ولم يقل فليؤاجر بما عليه ~~وسائر الأخبار المروية # عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس في شيء منها إجارته وإنما فيها أو تركه # وحديث أبي سعيد الخدري ليس لكم إلا ذلك حين لم يجدوا له غير ما أخذوا. # قوله عز وجل وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون يعني والله أعلم أن ~~التصدق بالدين الذي على المعسر خير من إنظاره به وهذا يدل على أن الصدقة ~~أفضل من القرض لأن القرض إنما هو دفع المال وتأخير استرجاعه # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قرض مرتين كصدقة مرة # وروى علقمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السلف يجرى مجرى ~~شطر الصدقة # وروي عن عبد الله بن مسعود من قوله وعن ابن عباس مثله وعن إبراهيم وقتادة ~~في قوله وأن تصدقوا خير لكم قالا برأس المال ولما سمى الله الإبراء من ~~الدين صدقة اقتضى ظاهره جوازه عن الزكاة لأنه سمى الزكاة صدقة وهي على ذي ~~عسرة فلو خلينا والظاهر كان واجبا جوازه عن سائر أمواله التي فيها الزكاة ~~من عين ودين وغيره إلا أن أصحابنا قالوا إنما سقط زكاة المبرأ منه دون غيره ~~لأن الدين إنما إنما هو حق ليس بعين والحقوق لا تجرى مجرى الزكاة مثل سكنى ~~الدار وخدمة العبد ونحوها وتسميته إياه بالصدقة لا توجب جوازه عن الزكاة في ~~سائر الأحوال ألا ترى أن الله تعالى قد سمى البراءة من القصاص صدقة في قوله ~~تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس- إلى قوله- فمن تصدق به فهو كفارة ~~له والمراد به العفو عن ms0780 القصاص ولا نعلم خلافا بين أهل العلم أن العفو عن ~~القصاص غير مجزئ في الكفارة وقال تعالى حاكيا عن إخوة يوسف وجئنا ببضاعة ~~مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا وهم لم يسألوه أن يتصدق عليهم بماله ~~وإنما سألوه أن يبيعهم ولا يمنعهم الكيل لأنهم كانوا منعوا بديا ألا ترى ~~أنهم # PageV02P204 # قالوا فأوف لنا الكيل وهو ما اشتروه ببضاعتهم فإذا كان وقوع اسم الصدقة ~~عليه لم يوجب جوازه عن الزكاة لم يكن إطلاق اسم الصدقة على الدين علة ~~لجوازه عن الزكاة والله تعالى أعلم. ### | باب عقود المداينات # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه قال أبو بكر ذهب قوم إلى أن الكتاب والإشهاد على الديون الآجلة قد ~~كانا واجبين بقوله تعالى فاكتبوه- إلى قوله- واستشهدوا شهيدين من رجالكم ثم ~~نسخ الوجوب بقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته روي ~~ذلك عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن وقال آخرون هي محكمة لم ينسخ منها ~~شيء وروى عاصم الأحول وداود ابن أبي هند عن عكرمة قال قال ابن عباس لا ~~والله إن آية الدين محكمة وما فيها نسخ # وقد روى شعبة عن فراس عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى قال ثلاثة يدعون ~~الله فلا يستجيب لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل أعطى ~~ماله سفيها وقد قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ورجل له على رجل ~~دين ولم يشهد عليه به قال أبو بكر وقد روي هذا الحديث مرفوعا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم # وروى جويبر عن الضحاك إن ذهب حقه لم يؤجر وإن دعا عليه لم يجب لأنه ترك ~~حق الله وأمره وقال سعيد بن جبير وأشهدوا إذا تبايعتم يعني وأشهدوا على ~~حقوقكم إذا كان فيها أجل أو لم يكن فيها أجل فأشهد على حقك على كل حال وقال ~~ابن جريج سئل عطاء أيشهد الرجل على أن بايع بنصف درهم قال نعم هو تأويل ~~قوله تعالى وأشهدوا ms0781 إذا تبايعتم وروى مغيرة عن إبراهيم قال يشهد لو على ~~دستجة بقل وقد روي عن الحسن والشعبي إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد لقوله ~~تعالى فإن أمن بعضكم بعضا وروى ليث عن مجاهد أن ابن عمر كان إذا باع أشهد ~~ولم يكتب وهذا يدل على أنه رآه ندبا لأنه لو كان واجبا لكانت الكتابة مع ~~الإشهاد لأنهما مأمور بهما في الآية قال أبو بكر لا يخلو قوله تعالى ~~فاكتبوه- إلى قوله تعالى- واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله تعالى وأشهدوا ~~إذا تبايعتم من أن يكون موجبا للكتابة والإشهاد على الديون الآجلة في حال ~~نزولها وكان هذا حكما مستقرا ثابتا إلى أن ورد نسخ إيجابه بقوله تعالى فإن ~~أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته # PageV02P205 # وأن يكون نزول الجميع معا فإن كان كذلك فغير جائز أن يكون المراد ~~بالكتابة والإشهاد الإيجاب لامتناع ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد ~~إذ غير جائز نسخ الحكم قبل استقراره ولما لم يثبت عندنا تاريخ نزول هذين ~~الحكمين من قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا ~~وجب الحكم بورودهما معا فلم يرد الأمر بالكتاب والإشهاد إلا مقرونا بقوله ~~تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته فثبت بذلك أن الأمر ~~بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب وما روي عن ابن عباس من أن آية الدين محكمة ~~لم ينسخ منها شيء لا دلالة فيه على أنه رأى الإشهاد واجبا لأنه جائز أن ~~يريد أن الجميع ورد معا فكان في نسق التلاوة ما أوجب أن يكون الإشهاد ندبا ~~وهو قوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا وما روي عن ابن عمر أنه كان يشهد وعن ~~إبراهيم وعطاء أنه يشهد على القليل كله عندنا أنهم رأوه ندبا لا إيجابا وما ~~روي عن أبي موسى ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم أحدهم من له على رجل دين ~~ولم يشهد فلا دلالة على أنه رآه واجبا ألا ترى أنه ذكر معه من له امرأة ~~سيئة الخلق فلم يطلقها ولا ms0782 خلاف أنه ليس بواجب على من له امرأة سيئة الخلق ~~أن يطلقها وإنما هذا القول منه على أن فاعل ذلك تارك للاحتياط والتوصل إلى ~~ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن ~~الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ~~ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا وأن شيئا منه غير واجب ~~وقد نقلت الأمة خلف عن سلف عقود المداينات والأشرية والبياعات في أمصارهم ~~من غير إشهاد مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم ولو كان الإشهاد ~~واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ~~ندبا وذلك منقول من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ولو كانت ~~الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواترا ~~مستفيضا ولا نكرت على فاعله ترك الإشهاد فلما لم ينقل عنهم الإشهاد بالنقل ~~المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب ~~والإشهاد في الديون والبياعات غير واجبين وقوله تعالى فاكتبوه مخاطبة لمن ~~جرى ذكره في أول الآية وهو يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين فإنما أمر ~~بذلك للمتداينين فإن قيل ما وجه قوله تعالى بدين والتداين لا يكون إلا بدين ~~قيل له # PageV02P206 # لأن قوله تعالى تداينتم لفظ مشترك يحتمل أن يكون من الدين الذي هو الجزاء ~~كقوله تعالى مالك يوم الدين يعني يوم الجزاء فيكون بمعنى تجازيتم فأزال ~~الاشتراك عن اللفظ بقوله تعالى بدين وقصره على المعاملة بالدين وجائز أن ~~يكون على جهة التأكيد وتمكين المعنى في النفس وقوله تعالى إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى ينتظم سائر عقود المداينات التي يصح فيها الآجال ولا دلالة ~~فيه على جواز # التأجيل في سائر الديون لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل في سائر ~~الديون وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دينا مؤجلا ثم يحتاج أن يعلم ~~بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه ألا ترى أنها ms0783 لم تقتض جواز ~~دخول الأجل على الدين بالدين حتى يكونا جميعا مؤجلين وهو بمنزلة قوله من ~~أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم لا دلالة فيه على جواز ~~السلم في سائر المكيلات والموزونات بالآجال المعلومة وإنما ينبغي أن يثبت ~~جوازه في المكيل والموزون المعلوم الجنس والنوع والصفة بدلالة أخرى وإذا ~~ثبت أنه مما يجوز السلم فيه احتجنا بعد ذلك إلى أن نسلم فيه إلى أجل معلوم ~~وكما تدل الآية على جواز عقود المداينات ولم يصح الاستدلال بعمومهما في ~~إجازة سائر عقود المداينات لأن الآية إنما فيها الأمر بالإشهاد إذا صحت ~~المداينة كذلك لا تدل على جواز شرط الأجل في سائر الديون وإنما فيها الأمر ~~بالإشهاد إذا صح الدين والتأجيل فيه وقد احتج بعضهم في جواز التأجيل في ~~القرض بهذه الآية إذ لا تفرق بين القرض وسائر عقود المداينات وقد علمنا أن ~~القرض مما شمله الاسم وليس ذلك عندنا كما ذكر لأنه لا دلالة فيها على جواز ~~كل دين ولا على جواز التأجيل في جميعها وإنما فيها الأمر بالإشهاد على دين ~~قد ثبت فيه التأجيل لاستحالة أن يكون المراد به الإشهاد على ما لم يثبت من ~~الديون ولا من الآجال فوجب أن يكون مراده إذا تداينتم بدين قد ثبت فيه ~~التأجيل فاكتبوه فالمستدل به على جواز تأجيل القرض مغفل في استدلاله ومما ~~يدل على أن القرض لم يدخل فيه أن قوله تعالى إذا تداينتم بدين قد اقتضى عقد ~~المداينة وليس القرض بعقد مداينة إذا لا يصير دينا بالعقد دون القبض فوجب ~~أن يكون القرض خارجا منه قال أبو بكر وقوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى قد اشتمل على كل دين ثابت مؤجل سواء كان بدله عينا أو دينا فمن اشترى ~~دارا أو عبدا بألف درهم إلى أجل كان # PageV02P207 # مأمورا بالكتاب والإشهاد بمقتضى الآية وقد دلت الآية على أنها مقصورة في ~~دين مؤجل في أحد البدلين لا فيهما جميعا لأنه تعالى قال إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل ms0784 مسمى ولم يقل بدينين فإنما أثبت الأجل في أحد البدلين فغير جائز ~~وجود الأجل في البدلين جميعا # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدين بالدين # وأما إذا كانا دينين بالعقد فهذا جائز في السلم وفي الصرف إلا أن ذلك ~~مقصورا على المجلس ولا يمتنع أن يكون السلم مرادا بالآية لأن التأجيل في ~~أحد البدلين وهو السلم وقد أمر الله تعالى بالإشهاد على عقد مداينة موجب ~~لدين مؤجل وقد روى قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس قال أشهد أن السلم المؤجل ~~في كتاب الله وأنزل فيه أطول آية في كتاب الله يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه فأخبر ابن عباس أن السلم المؤجل مما ~~انطوى تحت عموم الآية وعلى هذا كل دين ثابت مؤجل فهو مراد بالآية سواء كان ~~من أبدال المنافع أو الأعيان نحو الأجرة المؤجلة في عقود الإجارات والمهر ~~إذا كان مؤجلا وكذلك الخلع والصلح من دم العمد والكتابة المؤجلة لأن هذه ~~ديون مؤجلة ثابتة بعقد مداينة وقد بينا أن الآية إنما اقتضت هذا الحكم في ~~أحد البدلين إذا كان مؤجلا لا فيهما لأنه قال إذا تداينتم بدين إلى أجل فكل ~~عقد انتظمته الآية فهو العقد الذي ثبت به دين مؤجل ولم تفرق بين أن يكون ~~ذلك الدين بدلا من منافع أو أعيان فوجب أن يكون جميع المندوب إليه من ~~الكتاب والإشهاد مرادا بها هذه العقود كلها وأن ما يكون ما ذكر من عدد ~~الشهود وأوصاف الشهادة معتبرا في سائرها إذ ليس في اللفظ تخصيص شيء منه دون ~~غيره فيوجب ذلك جواز شهادة الرجل والمرأتين في النكاح إذا كان المهر دينا ~~مؤجلا وفي الخلع والإجارة والصلح من دم العمد وسائر ما كان هذا وصفه وغير ~~جائز الاقتصار بهذه الأحكام على بعض الديون المؤجلة دون بعض مع شمول الآية ~~لجميعها وقوله تعالى إلى أجل مسمى يعنى معلوما وقد روي ذلك عن جماعة من ~~السلف # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم ms0785 فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم ~~إلى أجل معلوم # وقوله تعالى وليكتب بينكم كاتب بالعدل فيه أمر لمن تولى كتابة الوثائق ~~بين الناس أن يكتبها بالعدل بينهم والكتاب وإن لم يكن حتما فإن سبيله إذا ~~كتب أن يكتب على حد العدل والاحتياط والتوثق من الأمور التي من أجلها يكتب ~~الكتاب بأن يكون شرطا صحيحا جائزا على ما توجبه الشريعة # PageV02P208 # وتقتضيه وعليه التحرز من العبارات المحتملة للمعاني وتجنب الألفاظ ~~المشتركة وتحري تحقيق المعاني بألفاظ مبينة خارجة عن حد الشركة والاحتمال ~~والتحرز من خلاف الفقهاء ما أمكن حتى يحصل للمداينين معنى الوثيقة ~~والاحتياط المأمور بهما في الآية ولذلك قال تعالى عقيب الأمر بالكتاب ولا ~~يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله يعني والله أعلم ما بينه من أحكام العقود ~~الصحيحة والمداينات الثابتة الجائزة لكي يحصل لكل واحد من المتداينين ما ~~قصد من تصحيح عقد المداينة ولأن الكاتب بذلك إذا كان جاهلا بالحكم لا يأمن ~~أن يكتب ما يفسد عليهما ما قصداه ويبطل ما تعاقداه والكتاب وإن لم يكن حتما ~~وكان ندبا وإرشادا إلى الأحوط فإنه متى كتب فواجب أن يكون على هذه الشريطة ~~كما قال عز وجل إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل غير واجب عليه ولكنه متى قصد فعلها وهو محدث ~~فعليه أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر أركانها وكما # قال النبي صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم ~~إلى أجل معلوم # والسلم ليس بواجب ولكنه متى أراد أن يسلم فعليه استيفاء الشرائط فكذلك ~~كتاب الدين والإشهاد ليس بواجبين ولكنه متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على ~~الوجه الذي أمره الله تعالى به وأن يستوفي فيه شروط صحته ليحصل المعنى ~~المقصود بكتابته وقد اختلف السلف في لزوم الكاتب الكتابة فروي عن الشعبي ~~أنه قال هو واجب على الكفاية كالجهاد ونحوه وقال السدي واجب على الكاتب في ~~حال فراغه وقال عطاء ومجاهد هو واجب وقال الضحاك نسختها ms0786 ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد قال أبو بكر قد بينا أن الكتاب غير واجب في الأصل على المتداينين فكيف ~~يكون واجبا على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ولا سبب له فيه وعسى ~~أن يكون من رآه واجبا إلى أن الأصل واجب فكذلك على من يحسن الكتابة أن يقوم ~~بها لمن يجب ذلك عليه والأصل وإن لم يكن واجبا عندنا فإن المتداينين متى ~~قصدا إلى ما ندبهما إليه من الاستيثاق بالكتاب ولم يكونا عالمين بذلك فإن ~~فرض على من علم ذلك أن يبينه لهما وليس عليه أن يكتبه ولكن يبينه حتى ~~يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع بإملاء من يعلمه كما لو أراد إنسان أن ~~يصوم صوما تطوعا أو يصلي صلاة تعرف أحكامهما كان على العالم بذلك إذا سئل ~~أن يبينه لسائله وإن لم تكن هذه الصلاة والصوم فرضا لأن على العلماء بيان ~~النوفل «14- أحكام في» # PageV02P209 # والمندوب إليه إذا سألوا عنها كما أن عليهم بيان الفروض وقد كان على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيان النوافل والمندوب إليه كما أن عليه بيان ~~الفروض قال الله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وقال تعالى ~~لتبين للناس ما نزل إليهم وفيما أنزل الله على نبيه أحكام النوافل فكان ~~عليه بيانها لأمته كبيان الفروض وقد نقلت الأمة عن نبيها صلى الله عليه ~~وسلم بيان المندوب إليه كما نقلت عنه بيان الفروض وإذا كان كذلك فعلى من ~~علم علما من فرض أو نفل ثم سئل عنه أن يبينه لسائله وقال الله تعالى وإذ ~~أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ~~ظهورهم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة ~~بلجام من نار # فعلى هذا الوجه يلزم من عرف الوثائق والشروط بيانها لسائلها على حسب ما ~~يلزمه بيان سائر علوم الدين والشريعة وهذا فرض لازم للناس على الكفاية إذا ~~قام به بعضهم سقط عن الباقين فأما أن ms0787 يلزمه أن يتولى الكتابة بيده فهذا ما ~~لا أعلم أحدا يقوله اللهم إلا أن لا يوجد من يكتبه فغير ممتنع أن يقول قائل ~~عليه كتبه ولو كان كتب الكتاب فرضا على الكاتب لما كان الاستيجار يجوز عليه ~~لأن الاستيجار على فعل الفروض باطل لا يصح فلما لم يختلف الفقهاء في جواز ~~أخذ الأجرة على كتب كتاب الوثيقة دل ذلك على أن كتبه ليس بفرض لا على ~~الكفاية ولا على التعيين قوله تعالى ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~نهي للكاتب أن يكتب على خلاف العدل الذي أمر الله به وهذا النهي على الوجوب ~~إذا كان المراد به كتبه على خلاف ما توجبه أحكام الشرع كما تقول لا تصل ~~النفل على غير طهارة ولا غير مستور العورة ليس ذلك أمرا بالصلاة النافلة ~~ولا نهيا عن فعلها مطلقا وإنما هو نهي عن فعلها على غير شرائطها المشروطة ~~لها وكذلك قوله تعالى ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب هو نهي عن ~~كتبه على خلاف الجائز منه إذ ليست الكتابة في الأصل واجبة عليه ألا ترى أن ~~قول القائل لا تأب أن تصلي النافلة بطهارة وستر العورة ليس فيه إيجاب منه ~~للنافلة فكذلك ما وصفنا وقوله تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ~~ولا يبخس منه شيئا فيه إثبات إقرار الذي عليه الحق وإجازة ما أقر به ~~وإلزامه إياه لأنه لولا جواز إقراره إذا أقر ولم يكن إملاء الذي عليه الحق ~~بأولى من إملاء غيره من الناس فقد تضمن ذلك جواز إقرار كل مقر بحق عليه ~~وقوله عز وجل وليتق الله # PageV02P210 # ربه ولا يبخس منه شيئا يدل على أن كل من أقر بشيء لغيره فالقول قوله فيه ~~لأن البخس هو النقص فلما وعظه الله تعالى في ترك البخس دل ذلك على أنه إذا ~~بخس كان قوله مقبولا وهو نظير قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن لما وعظهن في الكتمان دل على أن ms0788 المرجع فيه إلى قولهن وكقوله ~~تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قد دل ذلك أنهم متى ~~كتموها كان القول قولهم فيها وكذلك وعظه الذي عليه الحق في ترك البخس دليل ~~على أن المرجع إلى قوله فيما عليه وقد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمثل ما دل عليه الكتاب وهو # قوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه # فجعل القول من ادعى عليه دون المدعي وأوجب عليه اليمين وهو معنى قوله ~~تعالى ولا يبخس منه شيئا في إيجاب الرجوع إلى قوله واحتج بعضهم بهذه الآية ~~على أن القول قول المطلوب في الأجل لأن الله رد الإملاء إليه ووعظه في ~~البخس بقوله تعالى ولا يبخس منه شيئا في صدقه في مبلغ المال فيقال إنما ~~وعظه في البخس وهو النقصان ويستحيل وعظ المطلوب في بخس الأجل ونقصانه وهو ~~لو أسقط الأجل كله بعد ثبوته لبطل كما لا يوعظ الطالب في نقصان ماله إذ لو ~~أبرأه من جميعه لصحت براءته فلما كان ذلك كذلك علمنا أن المراد بالبخس في ~~مقدار الديون لا في الأجل فليس إذا في الآية دليل على أن القول قول المطلوب ~~في الأجل فإن قيل إثبات الأجل في المال يوجب نقصانه فلما كان القول قول ~~المطلوب في نقصان المال ومقداره وجب أن يكون القول قوله في الأجل لما فيه ~~من بخس المال ونقصانه إذ قد تضمنت الآية تصديقه في بخسه والبخس تارة يكون ~~بنقصان المقدار وتارة بنقصان الصفة من أجل رداءة في المقر به قيل له لما ~~قال تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا اقتضى ~~ذلك النهي عن بخس الحق نفسه فكان تقديره ولا يبخس من الدين شيئا ومدعي ~~الأجل غير باخس من الدين ولا ناقص له إذ كان بخس الدين هو نقصان مقداره ~~وليس الأجل هو الدين ولا بعضه وإذا كان كذلك فلا دلالة في الآية على تصديقه ~~على دعوى الأجل ويدلك على أن الأجل ليس من الدين ms0789 أن الدين قد يحل ويبطل ~~الأجل ويكون هو ذلك الدين وقد يسقط الأجل ويعجل الدين فيكون الذي عجل هو ~~الدين الذي كان مؤجلا وإذا كان ذلك كذلك ثم قال تعالى ولا يبخس منه شيئا ~~يعني من الدين شيئا لم يتناول ذلك # PageV02P211 # الأجل ولم يدل عليه ومن جهة أخرى أن الأجل إنما يوجب نقصا فيه من طريق ~~الحكم لأن المقبوض بعد الأجل وقبله إذا كان على صفة واحدة فقد علمت أنه لا ~~تأثير له في نقصان المقبوض وإنما يقال إنه نقص فيه من طريق الحكم على ~~المجاز لا على الحقيقة وقد تناولت الآية البخس الذي هو حقيقة وهو نقصان ~~المقدار ونقصانه في نفسه من ردائة أو غبن أو غيرها نحو إقراره بالدرهم ~~السود والحنطة الردية فإن ذلك كله بخس من جهة الحقيقة لاختلاف صفات المقبوض ~~عنه فلم يجز أن يتناول بعض الأجل الذي ليس بحقيقة فيه بل هو مجاز لأن اللفظ ~~متى أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه وفي هذه الآية دلالة على أن ~~القول قول الطالب في الأجل لأنه ابتدأ الخطاب بقوله تعالى إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه- إلى قوله- واستشهدوا شهيدين من رجالكم اقتضى ذلك ~~الإشهاد على المتداينين جميعا إذا كان المال مؤجلا فلو كان القول قول ~~المطلوب في الأجل لما احتيج إلى الإشهاد به على الطالب وفي وجوب الإشهاد ~~على الطالب بالتأجيل دلالة على أن القول قوله وأن المطلوب غير مصدق عليه إذ ~~لو كان مصدقا فيه لما بقي للإشهاد على الطالب موضع ولا معنى فإن قال قائل ~~إنما حكم الإشهاد مقصور على المطلوب دون الطالب قيل له هذا خلاف مقتضى ~~الآية لأنه قال إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ثم عطف عليه قوله تعالى ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فخاطب المتداينين جميعا وأمرهما بالاستشهاد فلو ~~جاز لقائل أن يقول إن المطلوب مخصوص به لجاز الآخر أن يقول هو مقصور على ~~الطالب دون المطلوب فلما لم يصح ذلك وجب بظاهر الآية أن يكون الإشهاد ~~عليهما جميعا وأن يكونا ms0790 مندوبين إليه وإذا ثبت ذلك لم يكن للإشهاد على ~~الطالب بالدين المؤجل حكم لأنه مقبول القول في نفيه دل ذلك على أن المرجع ~~إلى قوله في الأجل وإنما جعل الله الإملاء إلى المطلوب إذا أحسن ذلك وإن ~~كان لو أملى غيره وأقر المطلوب به جاز لأنه أثبت في الإقرار وأذكر للشهود ~~متى أرادوا أن يتذكروا الشهادة وكان الإملاء سببا للاستذكار كما أمر ~~باستشهاد امرأتين لتذكر إحداهما الأخرى والله تعالى أعلم. ### | باب الحجر على السفيه # قال الله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل هو # PageV02P212 # فليملل وليه بالعدل قد احتج كل فريق من موجبي الحجر على السفيه ومن ~~مبطليه بهذه الآية فاحتج مثبتوا الحجر للسفيه بقوله تعالى فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل فأجاز ~~لولي السفيه الإملاء عنه واحتج مبطلو الحجر بما في مضمون الآية من جواز ~~مداينة السفيه بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه إلى قوله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا فأجاز ~~مداينة السفيه وحكم بصحة إقراره في مداينته وإنما خالف بينه وبين غيره في ~~إملاء الكتاب لقصور فهمه عن استيفاء ماله وعليه مما يقتضيه شرط الوثيقة ~~وقالوا إن قوله تعالى فليملل وليه بالعدل إنما المراد به ولي الدين وقد روي ~~ذلك عن جماعة من السلف قالوا وغير جائز أن يكون المراد ولي السفيه على معنى ~~الحجر عليه وإقراره بالدين عليه لأن إقرار ولي المحجور عليه غير جائز عليه ~~عند أحد فعلمنا أن المراد ولي الدين فأمر بإملاء الكتاب حتى يقر به المطلوب ~~الذي عليه الدين قال أبو بكر اختلف السلف في السفيه المراد بالآية فقال ~~قائلون منهم هو الصبى وروى ذلك عن الحسن في قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم قال الصبي والمرأة وقال مجاهد النساء وقال الشعبي لا تعطى الجارية ~~ما لها وإن قرأت القرآن والتوراة وهذا محمول على ms0791 التي لا تقوم بحفظ المال ~~لأنه لا خلاف أنها إذا كانت ضابطة لأمرها حافظة لمالها دفع إليها إذا كانت ~~بالغا قد دخل بها زوجها وقد روي عن عمر أنه قال لا تجوز لامرأة مملكة عطية ~~حتى تحيل في بيت زوجها حولا أو تلد بطنا وروي عن الحسن مثله وقال أبو ~~الشعثاء لا تجوز لامرأة عطية حتى تلد أو يؤنس رشدها وعن إبراهيم مثله وهذا ~~كله محمول على أنه لم يؤنس رشدها لأنه لا خلاف أن هذا ليس بحد في استحقاق ~~دفع المال إليها لأنها لو أحالت حولا في بيت زوجها وولدت بطونا وهي غير ~~مؤنسة للرشد ولا ضابطة لأمرها لم يدفع إليها مالها فعلمنا أنهم إنما أرادوا ~~ذلك فيمن لم يؤنس رشدها وقد ذكر الله تعالى السفه في مواضع منها ما أراد به ~~السفه في الدين وهو الجهل به في قوله تعالى ألا إنهم هم السفهاء وقوله ~~تعالى سيقول السفهاء من الناس فهذا هو السفه في الدين وهو الجهل والخفة ~~وقال تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم فمن الناس من تأوله على أموالهم كما ~~قال تعالى ولا تقتلوا أنفسكم يعني لا يقتل بعضكم بعضا وقال تعالى فاقتلوا ~~أنفسكم والمعنى # PageV02P213 # ليقتل بعضكم بعضا وهذا الذي ذكره هذا القائل عدول عن حقيقة اللفظ وظاهره ~~بغير دلالة لأن قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم يشتمل على فريقين من ~~الناس كل واحد منهما مميز في اللفظ من الآخر وأحد الفريقين هم المخاطبون ~~بقوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم والفريق الآخر السفهاء المذكورون ~~معهم فلما قال تعالى أموالكم وجب أن ينصرف ذلك إلى أموال المخاطبين دون ~~السفهاء وغير جائز أن يكون المراد السفهاء لأن السفهاء لم يتوجه الخطاب ~~إليهم بشيء وإنما توجه إلى العقلاء المخاطبين وليس ذلك كقوله تعالى فاقتلوا ~~أنفسكم وقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم لأن القاتلين والمقتولين قد انتظمهم ~~خطاب واحد لم يتميز أحد الفريقين من الآخر في حكم المخاطبة فلذلك جاز أن ~~يكون المراد فليقتل بعضكم بعضا وقد قيل أن أصل السفه الخفة ms0792 ومن ذلك قول ~~الشاعر: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # يعني استخفتها الرياح وقال آخر. # نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنحمل الدهر مع الحامل # أي تخف أحلامنا ويسمى الجاهل سفيها لأنه خفيف العقل ناقصه فمعنى الجهل ~~شامل لجميع من أطلق اسم السفيه والسفيه في أمر الدين هو الجاهل فيه والسفيه ~~في المال هو الجاهل لحفظه وتدبيره والنساء والصبيان أطلق عليهم اسم السفهاء ~~لجهلهم ونقصان تمييزهم والسفيه في رأيه الجاهل فيه والبذي اللسان يسمى ~~سفيها لأنه لا يكاد يتفق إلا في جهال الناس ومن كان خفيف العقل منهم وإذا ~~كان اسم السفيه ينتظم هذه الوجوه رجعنا إلى مقتضى لفظ الآية في قوله تعالى ~~فإن كان الذي عليه الحق سفيها فاحتمل أن يريد به الجهل بإملاء الشرط وإن ~~كان عاقلا مميزا غير مبذر ولا مفسد وأجاز لولي الحق أن يمليه حتى يقر به ~~السفيه الذي عليه الحق ويكون ذلك أولى بمعنى الآية لأن الذي عليه الحق هو ~~المذكور في أول الآية بالمداينة ولو كان محجورا عليه لما جازت مداينته ومن ~~جهة أخرى أن ولي المحجور عليه لا يجوز إقراره عليه بالدين وإنما يجوز على ~~قول من يرى الحجر أن يتصرف عليه القاضي ببيع أو شرى فأما وليه فلا نعلم ~~أحدا يجيز تصرف أوليائه عليه ولا إقرارهم وفي ذلك دليل على أنه لم يرد ولي ~~السفيه وإنما أراد ولي الدين # PageV02P214 # وقد روى ذلك عن الربيع ابن أنس وقاله الفراء أيضا وأما قوله أو ضعيفا فقد ~~قيل فيه الضعيف في عقله أو الصبي المأذون له لأن ابتداء الآية قد اقتضى أن ~~يكون الذي عليه الحق جائز المداينة والتصرف فأجاز تصرف هؤلاء كلهم فلما بلغ ~~إلى حال إملاء الكتاب والإشهاد ذكر من لا يكمل لذلك إما لجهل بالشروط أو ~~لضعف عقل لا يحسن معه الإملاء وإن لم يوجب نقصان عقله حجرا عليه وإما لصغر ~~أو لخوف وكبر سن لأن قوله تعالى أو ضعيفا محتمل للأمرين جميعا وينتظمهما ~~وذكر معهما من لا يستطيع أن ms0793 يمل هو إما لمرض أو كبر سن انفلت لسانه عن ~~الإملاء أو لخرس ذلك كله محتمل وجائز أن تكون هذه الوجوه مرادة لله تعالى ~~لاحتمال اللفظ لها وليس في شيء منها دلالة على أن السفيه يستحق الحجر وأيضا ~~فلو كان بعض من يلحقه اسم السفيه يستحق الحجر لم يصح الاستدلال بهذه الآية ~~في إثبات الحجر وذلك لأنه قد ثبت أن السفيه لفظ مشترك ينطوي تحته معان ~~مختلفة منها ما ذكرنا من السفه في الدين وذلك لا يستحق به الحجر لأن الكفار ~~والمنافقين سفهاء وهم غير مستحقين للحجر في أموالهم ومنها السفه الذي هو ~~البذاء والتسرع إلى سوء اللفظ وقد يكون السفيه بهذا الضرب من السفه مصلحا ~~لماله غير مفسده ولا مبذره وقال تعالى إلا من سفه نفسه قال أبو عبيدة يريد ~~أهلكها وأوبقها # وروي عن عبد الله بن عمر حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أحب أن ~~يكون رأسي دهينا وقميصي غسيلا وشراك نعلي جديدا أفمن الكبر هو يا رسول الله ~~قال لا إنما الكبر من سفه الحق وغمص الناس # وهذا يشبه أن يريد من جهل الحق لأن الجهل يسمى سفها والله تعالى أعلم. ### | ذكر اختلاف فقهاء الأمصار في الحجر على السفيه # كان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل لا لسفه ~~ولا لتبذير ولا لدين وإفلاس وإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ~~ماله ببيع أو هبة أو غيرهما جاز تصرفه وإن لم يؤنس منه رشد فكان فاسدا ~~ويحال بينه وبين ماله ومع ذلك إن أقر به لإنسان أو باعه جاز ما صنع من ذلك ~~وإنما يمنع من ماله ما لم يبلغ خمسة وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ماله ~~وإن لم يؤنس منه رشد وقول عبيد الله بن الحسن في الحجر كقول أبي حنيفة وروى ~~شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال لا يحجر على حر وروى ابن # PageV02P215 # عون عن محمد بن سيرين قال لا يحجر على حر إنما ms0794 يحجر على العبد وعن الحسن ~~البصري مثل ذلك وقال أبو يوسف إذا كان سفيها حجرت عليه وإذا فلسته وحبسته ~~حجرت عليه ولم أجز بيعه ولا شراءه ولا إقراره بدين إلا ببينة تشهد به عليه ~~أنه كان قبل الحجر وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن محمد في ~~الحجر بمثل قول أبى يوسف فيه ويزيد عليه أنه إذا صار في الحال التي يستحق ~~معها الحجر صار محجورا عليه حجر القاضي عليه مع ذلك أو لم يحجر وكان أبو ~~يوسف يقول لا يكون محجورا عليه بحدوث هذه الأحوال فيه حتى يحجر القاضي عليه ~~فيكون بذلك محجورا عليه وقال محمد إذا بلغ ولم يؤنس منه رشد لم يدفع إليه ~~ماله ولم يجز بيعه ولا هبته وكان بمنزلة من لم يبلغ فما باع أو اشترى نظر ~~الحاكم فيه فإن رأى إجازته أجازه وهو ما لم يؤنس منه رشد بمنزلة الصبي الذي ~~لم يبلغ إلا أنه يجوز لوصي الأب أن يشتري ويبيع على الذي لم يبلغ ولا يجوز ~~أن يبيع ويشتري على الذي بلغ إلا بأمر الحاكم وذكر ابن عبد الحكم وابن ~~القاسم عن مالك قال ومن أراد الحجر على موليه فليحجر عليه عند السلطان حتى ~~يوقفه للناس ويسمع منه في مجلسه ويشهد على ذلك ويرد بعد ذلك ما بويع وما ~~أدان به السفيه فلا يلحقه ذلك إذا صلحت حاله وهو مخالف للعبد وإن مات ~~المولى عليه وقد ادان فلا يقضى عنه وهو في موته بمنزلته في حياته إلا أن ~~يوصى بذلك في ثلاثة فيكون ذلك له وإذا بلغ الولد فله أن يخرج عن أبيه وإن ~~كان أبوه شيخا ضعيفا إلا أن يكون الابن مولى عليه أو سفيها أو ضعيفا في ~~عقله فلا يكون له ذلك وقال الفريابي عن الثوري في قوله تعالى وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ~~قال العقل والحفظ لماله وكان يقوله إذا اجتمع فيه خصلتان إذا بلغ الحلم ~~وكان حافظا لماله ms0795 لا يخدع عنه وحكى المزني عن الشافعي في مختصره قال وإنما ~~أمر الله بدفع أموال اليتامى بأمرين لم يدفع إلا بهما وهما البلوغ والرشد ~~والرشد الصلاح في الدين بكون الشهادة جائزة مع إصلاح المال والمرأة إذا ~~أونس منها الرشد دفع إليها مالها تزوجت أو لم تتزوج كالغلام نكح أو لم ينكح ~~لأن الله تعالى سوى بينهما ولم يذكر تزويجا وإذا حجر عليه الإمام في سفهه ~~وإفساده ماله أشهد على ذلك فمن بايعه بعد الحجر فهو المتلف لماله ومتى أطلق ~~عنه الحجر ثم عاد إلى حال الحجر حجر عليه ومتى رجع إلى حال الإطلاق # PageV02P216 # أطلق عنه قال أبو بكر قد بينا ما احتج به كل فريق من مبطلي الحجر ومن ~~مثبتيه من دلالة آية الدين وقد بينا أن الأظهر من دلالتها بطلان الحجر ~~وجواز التصرف واحتج مثبتوا الحجر بما روى هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله ~~بن جعفر أتى الزبير فقال إني ابتعت بيعا ثم إن عليا يريد أن يحجر علي فقال ~~الزبير فإني شريكك في البيع فأتى علي عثمان فسأله أن يحجر على عبد الله بن ~~جعفر فقال الزبير أنا شريكه في هذا البيع فقال عثمان كيف أحجر على رجل ~~شريكه الزبير قالوا فهذا يدل على أنهم جميعا وقد رأوا الحجر جائزا ومشاركة ~~الزبير ليدفع الحجر عنه وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير خلاف ظهر من ~~غيرهم عليهم قال أبو بكر لا # دلالة في ذلك على أن الزبير رأى الحجر وإنما يدل ذلك على تسويغه لعثمان ~~الحجر وليس فيه ما يدل على موافقته إياه فيه وذلك لأن هذا حكم سائر المسائل ~~المختلف فيها من مسائل الاجتهاد وأيضا فإن الحجر على وجهين أحدهما الحجر في ~~منع التصرف والإقرار والآخر في المنع من المال وجائز أن يكون الحجر الذي ~~رآه عثمان وعلي هو المنع من ماله لأنه جائز أن يكون سن عبد الله بن جعفر في ~~ذلك الوقت خمسا وعشرين سنة وأبو حنيفة يرى أن لا يدفع إليه ماله ms0796 قبل بلوغ ~~هذه السن إذا لم يؤنس منه رشد وهذا عبد الله بن جعفر هو من الصحابة وقد أبى ~~الحجر فكيف يدعى فيه اتفاق الصحابة ويحتجون أيضا بما روى الزهري عن عروة عن ~~عائشة أنه بلغها أن ابن الزبير بلغه أنها باعت بعض رباعها فقال لتنتهين ~~وإلا حجرت عليها فبلغها ذلك فقالت لله علي أن لا أكلمه أبدا قالوا فهذا يدل ~~على أن ابن الزبير وعائشة قد رأيا الحجر إلا أنها أنكرت عليه أن تكون هي من ~~أهل الحجر فلولا ذلك لبينت أن الحجر لا يجوز ولردت عليه قوله قال أبو بكر ~~قد ظهر النكير منها في الحجر وهذا يدل على أنها لم تر الحجر جائزا لولا ذلك ~~لما أنكرته إن كان ذلك شيئا يسوغ فيه الاجتهاد وما ظهر منها من النكير يدل ~~على أنها كانت لا تسوغ الاجتهاد في جواز الحجر فإن قيل إنما لم تسوغ ~~الاجتهاد في الحجر عليها فأما في الحجر مطلقا فلا ولو كانت لا تسوغ ~~الاجتهاد في جواز الحجر لقالت إن الحجر غير جائز فتكتفي بذلك في إنكارها ~~الحجر عليها قيل له قد أنكرت الحجر على الإطلاق بقولها لله علي أن لا أكلمه ~~أبدا ودعواك أنها أنكرت الحجر عليها خاصة دون إنكارها لأصل الحجر لا دلالة ~~معها ومما يدل على بطلان الحجر ما # حدثنا به # PageV02P217 # محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله ~~بن دينار عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع ~~في البيع فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا خلابة # فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد الله ~~الأرزى وإبراهيم بن خالد أبو ثور الكلبي قالا حدثنا عبد الوهاب قال محمد ~~عبد الوهاب بن عطاء قال أخبرني سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن رجلا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه ms0797 وسلم كان يبتاع وفي عقدته ضعف فأتى به أهله ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي الله احجر على فلان فإنه يبتاع ~~وفي عقدته ضعف فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع فقال يا نبي ~~الله إني لا أصبر عن البيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت غير ~~تارك البيع فقال ها وها ولا خلابة # فذكر في الحديث الأول أنه كان يخدع في البيع فلم يمنع من التصرف ولم يحجر ~~عليه ولو كان الحجر واجبا لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم والبيع وهو ~~مستحق المنع منه فإن قال قائل فقد # قال له النبي صلى الله عليه وسلم إذا بايعت فقل لا خلابة # فإنما أجاز له البيع على شريطة استيفاء البدل من غير مغابنة قيل له فليرض ~~القائلون بالحجر منا على ما رضيه النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السفيه ~~الذي كان يخدع في البيع وليس أحد من الفقهاء يشترط ذلك على السفهاء لا من ~~القائلين بالحجر ولا من نفاته لأن من يرى الحجر يقول يحجر عليه الحاكم ~~ويمنعه من التصرف ولا يرون إطلاق التصرف له مع التقدمة إليه بأن يقول عند ~~البيع لا خلابة ومبطلو الحجر يجيزون تصرفه على سائر الأحوال فقد ثبت بدلالة ~~هذا الخبر بطلان الحجر على السفيه بعد أن يكون عاقلا وأيضا فإن جازت الثقة ~~به في ضبط هذا الشرط وذكره عند سائر المبايعات فقد تجوز الثقة به في ضبط ~~عقود المبايعات ونفي المغابنات عنها واللفظ الذي في هذا الخبر من قوله إذا ~~بايعت فقل لا خلابة يستقيم على مذهب محمد فإنه يقول إن السفيه إذا بلغ فرفع ~~أمره إلى الحاكم أجاز من عقوده ما لم تكن فيه مغابنة وضرر فأما سائر من يرى ~~الحجر فإنه لا يعتبر ذلك قال أبو بكر ويجوز أن يقال إن مذهب محمد أيضا ~~مخالف للأثر لأن محمدا لا يجيز بيع المحجور عليه إلا أن يرفع إلى القاضي ~~فيجيزه فجعله بيعا موقوفا كبيع أجنبي ms0798 لو باع عليه بغير أمره والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يجعل بيع الرجل الذي قال له إذا بايعت فقل لا خلابة ~~موقوفا بل جعله جائزا نافذا إذا قال لا خلابة فصار مذهب مثبتي الحجر مخالفا ~~لهذا الأثر وأما حديث أنس فإنه يحتج به الفريقان جميعا فأما مثبتو # PageV02P218 # الحجر فإنهم يحتجون بأن أهله أتو النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا نبي ~~الله احجر على فلان فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف فلم ينكره عليهم بل نهاه عن ~~البيع ولما قال لا أصبر عن البيع قال إذا بايعت فقل لا خلابة فأطلق له ~~البيع على شريطة نفي التغابن فيه وأما مبطلوه فإنهم يستدلون بأنه لما قال ~~إني لا أصبر عن البيع أطلق له النبي صلى الله عليه وسلم التصرف # وقال له إذا بعت فقل لا خلابة # فلو كان الحجر واجبا لما كان قوله لا أصبر عن البيع مزيلا للحجر عنه لأن ~~أحدا من موجبي الحجر لا يرفع الحجر عنه لفقد صبره عن البيع وكما أن الصبي ~~والمجنون المستحقين للحجر عند الجميع لو قالا لا نصبر عن البيع لم يكن هذا ~~القول منهما مزيلا للحجر عنهما ولما قيل لهما إذا بايعتما فقولا لا خلابة ~~وفي إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم له التصرف على الشريطة التي ذكرها ~~دلالة على أن الحجر غير واجب وأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم له بديا عن ~~البيع # وقوله فقل لا خلابة # على وجه النظر له والاحتياط لماله كما تقول لمن يريد التجارة في البحر أو ~~في طريق مخوف لا تغرر بمالك واحفظه وما جرى مجرى ذلك وليس هذا بحجر وإنما ~~هو مشورة وحسن نظر ومما يدل على بطلان الحجر أنهم لا يختلفون أن السفيه ~~يجوز إقراره بما يوجب الحد والقصاص وذلك مما تسقطه الشبهة فوجب أن يكون ~~إقراره بحقوق الآدميين التي لا تسقطها الشبهة أولى فإن قال قائل المريض ~~جائز الإقرار بما يوجب الحد والقصاص ولا يجوز إقراره ولا هبته إذا كان عليه ~~دين يحيط ms0799 بماله فليس جواز الإقرار بالحد والقصاص أصلا للإقرار بالمال ~~والتصرف فيه قيل له إن إقرار المريض عندنا بجميع ذلك جائز وإنما نبطله إذا ~~اتصل بمرضه الموت لأن تصرفه مراعى معتبر بالموت فإذا مات صار تصرفه واقعا ~~في حق الغير الذي هو أولى منه به وهم الغرماء والورثة فأما تصرفه في الحال ~~فهو جائز ما لم يطرأ الموت ألا ترى أنا لا نفسخ هبته ولا نوجب السعاية على ~~من أعتقه من عبيده حتى يحدث الموت فإقراره بالحد والقصاص والمال غير ~~متفرقين في حال الحياة. # ومما يحتج به مثبتو الحجر قوله ولا تبذر تبذيرا وقوله تعالى ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك الآية فإذا كان التبذير مذموما منهيا عنه وجب على الإمام ~~المنع منه وذلك بأن يحجر عليه ويمنعه التصرف في ماله وكذلك نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن إضاعة المال يقتضي منعه عن إضاعته بالحجر عليه وهذا لا ~~دلالة فيه على الحجر لأنا نقول إن التبذير محظور # PageV02P219 # وينهى فاعله عنه وليس في النهي عن التبذير ما يوجب الحجر لأنه إنما ينبغي ~~أن يمنعه التبذير فأما أن يمنعه من التصرف في ماله ويبطل بياعاته وإقراره ~~وسائر وجوه تصرفه فإن هذا الموضع هو الذي فيه الخلاف بيننا وبين خصومنا ~~وليس في الآية ما يوجب المنع من شيء منه وذلك لأن الإقرار نفسه ليس من ~~التبذير في شيء لأنه لو كان مبذرا لوجب منع سائر المقرين من إقرارهم وكذلك ~~البيع بالمحاباة لا تبذير فيه لأنه لو كان مبذرا لوجب أن ينهى عنه سائر ~~الناس وكذلك الهبة والصدقة وإذا كان كذلك فالذي تقتضيه الآية النهي عن ~~التبذير وذم فاعله فكيف يجوز الاستدلال بها على الحجر في العقود التي لا ~~تبذير فيها وقد يصح الاستدلال لمحمد لأنه يجيز من عقوده ما لا محاباة فيه ~~ولا إتلاف لماله إلا أن الذي في الآية إنما هو ذم المبذرين والنهي عن ~~التبذير ومن ينفي الحجر يقول إن التبذير مذموم منهي عن فعله فأما الحجر ~~ومنع التصرف فليس في ms0800 الآية إيجابه ألا ترى أن الإنسان منهي عن التغرير ~~بماله في البحر وفي الطريق المخوفة ولا يمنعه الحاكم منه على وجه الحجر ~~عليه ولو أن إنسانا ترك نخله وشجره وزرعه لا يسقيها وترك عقاره ودوره لا ~~يعمرها لم يكن للإمام أن يجبره على الإنفاق عليها لئلا يتلف ماله كذلك لا ~~يحجر عليه في عقوده التي يخاف فيها توى ماله وكذلك نهي النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن إضاعة المال لا دلالة فيه على الحجر كما بيناه في التبذير ومما يدل ~~على بطلان الحجر وجواز تصرف المحجور عليه أن العاقل البالغ إذا ظهر منه سفه ~~وتبذير فإن الفقهاء الذي تقدم ذكر أقاويلهم من موجبي الحجر ما خلا محمد بن ~~الحسن يقول إذا حجر عليه القاضي بطل من عقوده وإقراره ما كان بعد الحجر ~~وإذا كان جائز التصرف قبل حجر القاضي فمعنى الحجر حينئذ أني قد أبطلت ما ~~يعقده أو ما يقربه في المستقبل وهذا لا يصح لأن فيه فسخ عقد لم يوجد بعد ~~بمنزلة من قال لرجل كل بيع بعتنيه وعقد عاقدتنيه فقد فسخته أو كل خيار ~~بشريطة لي في البيع فقد أبطلته أو نقول امرأة كل أمر تجعله إلي في المستقبل ~~فقد أبطلته فهذا باطل لا يجوز فسخ العقود الموجودة في المستقبل ومما يلزم ~~أبا يوسف ومحمد في هذا أنهما يجيزان تزويجه بعد الحجر بمهر المثل وفي ذلك ~~إبطال الحجر لأنه إن كان الحجر واجبا لئلا يتلف ماله فإنه قد يصل إلى ~~إتلافه بالتزويج وذلك بأن يتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها ثم يطلقها قبل ~~الدخول فيلزمه نصف المهر ثم لا يزال يفعل ذلك حتى يتلف ماله فليس # PageV02P220 # إذا في هذا الحجر احتراز من إتلاف المال وأما اشتراط الشافعي في إيناس ~~الرشد واستحقاق دفع المال جواز الشهادة فإنه قول لم يسبقه إليه أحد ويجب ~~على هذا أن لا يجيز إقرارات الفساق عند الحكام على أنفسهم وأن لا يجيز ~~بيوعهم ولا أشريتهم وينبغي للشهود أن لا يشهدوا على بيع من لم تثبت ms0801 عدالته ~~وأن لا يقبل القاضي من مدع دعواه حتى تثبت عدالته ولا يقبل عليه دعوى ~~المدعى عليه حتى يصح عنده جواز شهادته إذ لا يجوز عنده إقرار من ليس على ~~صفة العدالة وجواز الشهادة ولا عقوده وهو محجور عليه وهذا خلاف الإجماع ولم ~~يزل الناس منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا يتخاصمون في ~~الحقوق فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من السلف لا أقبل دعاويكم ~~ولا أسأل أحدا عن دعوى غيره إلا بعد ثبوت عدالته وقد قال الحضرمي الذي خاصم ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنه رجل فاجر بحضرته ولم يبطل النبي صلى الله ~~عليه وسلم خصومته ولا سأل عن حاله وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد قال حدثنا أبو ~~الأحوص عن سماك عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال جاء رجل من حضرموت ~~ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله إن ~~هذا غلبني على أرض كانت لأبي فقال الكندي هي أرضي في يدي أزرعها ليس له ~~فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي ألك بينة قال لا قال فلك ~~يمينه فقال يا رسول الله إنه فاجر ليس يبالي ما حلف ليس يتورع من شيء فقال ~~ليس لك منه إلا ذلك # فلو كان الفجور يوجب الحجر لسأل صلى الله عليه وسلم عن حاله أو لأبطل ~~خصومته لإقرار الخصم بأنه محجور عليه غير جائز الخصومة ولا خلاف بين ~~الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في جواز التصرف في الأملاك ونفاذ العقود ~~والإقرارات والكفر أعظم الفسوق وهو غير موجب للحجر فكيف يوجبه الفسق الذي ~~هو دونه وهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء أن المسلمين والكفار سواء في جواز ~~التصرف والأملاك ونفاذ العقود. ### | باب الشهود # قوله عز وجل واستشهدوا شهيدين من رجالكم قال أبو بكر لما كان ابتداء ~~الخطاب للمؤمنين في قوله يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ms0802 بدين إلى أجل ثم ~~عطف عليه قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم دل ذلك على معنيين أحدهما ~~أن يكون من صفة الشهود لأن الخطاب توجه إليهم بصفة الإيمان ولما قال في نسق ~~الخطاب من رجالكم # PageV02P221 # كان كقوله من رجال المؤمنين فاقتضى ذاك كون الإيمان شرطا في الشهادة على ~~المسلمين والمعنى الآخر الحرية وذلك لما في فحوى الخطاب من الدلالة من ~~وجهين أحدهما قوله تعالى إذا تداينتم بدين- إلى قوله تعالى- وليملل الذي ~~عليه الحق وذلك في الأحرار دون العبيد والدليل عليه أن العبد لا يملك عقود ~~المداينات وإذا أقر بشيء لم يجز إقراره إلا بإذن مولاه والخطاب إنما توجه ~~إلى من يملك ذلك على الإطلاق من غير إذن الغير فدل ذلك على أن من شرط هذه ~~الشهادة الحرية والمعنى الآخر من دلالة الخطاب قوله تعالى من رجالكم فظاهر ~~هذا اللفظ يقتضى الأحرار كقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم يعني الأحرار ~~ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى والصالحين من عبادكم وإمائكم فلم يدخل ~~العبيد في قوله تعالى منكم وفي ذلك دليل على أن من شرط هذه الشهادة الإسلام ~~والحرية جميعا وأن شهادة العبد غير جائزة لأن أوامر الله تعالى على الوجوب ~~وقد أمر باستشهاد الأحرار فلا يجوز غيرهم وقد روي عن مجاهد في قوله تعالى ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم قال الأحرار فإن قيل إن ما ذكرت إنما يدل على ~~أن العبد غير داخل في الآية ولا دلالة فيها على بطلان شهادته قيل له لما ~~ثبت بفحوى خطاب الآية أن المراد بها الأحرار كان قوله تعالى واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم أمرا مقتضيا للإيجاب وكان بمنزلة قوله تعالى واستشهدوا ~~رجلين من الأحرار فغير جائز لأحد إسقاط شرط الحرية لأنه لو جاز ذلك لجاز ~~إسقاط العدد وفي ذلك دليل على أن الآية قد تضمنت بطلان شهادة العبيد واختلف ~~أهل العلم في شهادة العبيد فروى قتادة عن الحسن عن علي قال شهادة الصبي على ~~الصبي والعبد على العبد جائزة # وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد ms0803 الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا عبد الرحمن بن همام قال سمعت قتادة يحدث أن عليا رضي الله عنه كان ~~«1» يستثبت الصبيان في الشهادة # وهذا يوهن الحديث الأول وروى حفص بن غياث عن المختار بن فلفل عن أنس قال ~~ما أعلم أحدا رد شهادة العبد وقال عثمان البتي تجوز شهادة العبد لغير سيده ~~وذكر أن ابن شبرمة كان يراها جائزة يأثر ذلك عن شريح وكان ابن أبي ليلى لا ~~يقبل شهادة العبيد وظهرت الخوارج على الكوفة PageV02P222 # وهو يتولى القضاء بها فأمروه بقبول شهادة العبيد وبأشياء ذكروها له من ~~آرائهم كان على خلافها فأجابهم إلى امتثالها فأقروه على القضاء فلما كان في ~~الليل ركب راحلته ولحق بمكة ولما جاءت الدولة الهاشمية ردوه إلى ما كان ~~عليه من القضاء على أهل الكوفة وقال الزهري عن سعيد بن المسيب قال قضى ~~عثمان بن عفان أن شهادة المملوك جائزة بعد العتق إذا لم تكن ردت قبل ذلك ~~وروى شعبة عن المغيرة قال كان إبراهيم يجيز شهادة المملوك في الشيء التافه ~~وروى شعبة أيضا عن يونس عن الحسن مثله وروي عن الحسن أنها لا تجوز وروي عن ~~حفص عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال لا تجوز شهادة العبد وقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة في إحدى الروايتين ومالك والحسن بن صالح ~~والشافعي لا تقبل شهادة العبيد في شيء قال أبو بكر وقد قدمنا ذكر الدلالة ~~من الآية على أن الشهادة المذكورة فيها مخصوصة بالأحرار دون العبيد ومما ~~يدل من الآية على نفي شهادة العبد قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ~~فقال بعضهم إذا دعي فليشهد وقال بعضهم إذا كان قد أشهد وقال بعضهم هو واجب ~~في الحالين والعبد ممنوع من الإجابة لحق المولى وخدمته وهو لا يملك الإجابة ~~فدل أنه غير مأمور بالشهادة ألا ترى أنه ليس له أن يشتغل عن خدمة مولاه ~~بقراءة الكتاب وإملائه والشهادة ولما لم يدخل في خطاب الحج والجمعة لحق ~~المولى ms0804 فكذلك الشهادة إذ كانت الشهادة غير متعينة على الشهداء وإنما هي فرض ~~كفاية وفرض الجمعة والحج يتعين على كل أحد في نفسه فلما لم يلزمه فرض الحج ~~والجمعة مع الإمكان لحق المولى فهو أولى أن لا يكون من أهل الشهادة لحق ~~المولى ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى وأقيموا الشهادة لله وقال أيضا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله- إلى قوله تعالى- فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا فجعل الحاكم شاهد لله كما جعل سائر الشهود شهداء لله بقوله تعالى ~~وأقيموا الشهادة لله فلما لم يجز أن يكون العبد حاكما لم يجز أن يكون شاهدا ~~إذ كان كل واحد من الحاكم والشاهد به ينفذ الحكم ويثبت ومما يدل على بطلان ~~شهادة العبد قوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وذلك ~~لأنه معلوم أنه لم يرد به نفي القدرة لأن الرق والحرية لا تختلف بهما ~~القدرة فدل على أن مراده نفي حكم أقواله وعقوده وتصرفه وملكه ألا ترى أنه ~~جعل ذلك مثل للأصنام التي كانت تعبدها العرب على وجه المبالغة # PageV02P223 # في نفي الملك والتصرف وبطلان أحكام أقواله فيما يتعلق بحقوق العباد وقد ~~روي عن ابن عباس أنه استدل بهذه الآية على أن العبد لا يملك الطلاق ولولا ~~احتمال اللفظ لذلك لما تأوله ابن عباس عليه فدل ذلك على أن شهادة العبد كلا ~~شهادة كعقده وإقراره وسائر تصرفاته التي هي من جهة القول فلما كانت شهادة ~~العبد قوله وجب أن ينتفي وجوب حكمه بظاهر الآية ومما يدل على بطلان شهادة ~~العبيد أن الشهادة فرض على الكفاية كالجهاد فلما لم يكن العبد من أهل ~~الخطاب بالجهاد ولو حصره وقاتل لم يسهم له وجب أن لا يكون من أهل الخطاب ~~بالشهادة ومتى شهد لم تقبل شهادته ولم يكن له حكم الشهود كما لم يثبت له ~~حكم وإن شهد القتال في استحقاق السهم ويدل عليه أنه لو كان من أهل الشهادة ~~لوجب أن لو شهد بها فحكم بشهادته ثم رجع عنها أنه يلزمه غرم ms0805 ما شهد به لأن ~~ذلك من حكم الشهادة كما أن نفاذ الحكم بها إذا أنفذها الحاكم من حكمها فلما ~~لم يجز أن يلزمه الغرم بالرجوع علمنا أنه ليس من أهلها وأن الحكم بشهادته ~~غير جائز وأيضا فإنا وجدنا ميراث الأنثى على النصف من ميراث الذكر وجعلت ~~شهادة امرأتين بشهادة رجل فكانت شهادة المرأة نصف شهادة الرجل وميراثها نصف ~~ميراثه فوجب أن يكون العبد من حيث لم يكن من أهل الميراث رأسا أن لا يكون ~~من أهل الشهادة لأنا وجدنا لنقصان الميراث تأثيرا في نقصان الشهادة فوجب أن ~~يكون نفي الميراث موجبا لنفي الشهادة وما # روي عن علي بن أبي طالب في جواز شهادة العبد # فإنه لا يصح من طريق النقل ولو صح كان مخصوصا في العبد إذا شهد على العبد ~~ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن العبد والحر سواء فيما تجوز الشهادة فيه فإن ~~قيل لما كان خبر العبد مقبولا إذا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~رقه مانعا من قبول خبره كذلك لا يمنع من قبول شهادته قيل له ليس الخبر أصلا ~~للشهادة فلا يجوز اعتبارها به ألا ترى أن خبر الواحد مقبول في الأحكام ولا ~~تجوز شهادة الواحد فيها وأنه يقبل فيه فلان عن فلان ولا يقبل في الشهادة ~~إلا على جهة الشهادة على الشهادة وأنه يجوز قبول خبره إذا قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا تجوز شهادة الشاهد إلا أن يأتي بلفظ الشهادة ~~والسماع والمعاينة لما يشهد به فإن الرجل والمرأة متساويان في الأخبار ~~مختلفان في الشهادة لأن شهادة امرأتين بشهادة رجل وخبر الرجل والمرأة سواء ~~فلا يجوز الاستدلال بقبول خبر العبد على قبول شهادته قال أبو بكر قال محمد ~~بن الحسن لو أن # PageV02P224 # حاكما حكم بشهادة عبد ثم رفع إلي أبطلت حكمه لأن ذلك مما أجمع الفقهاء ~~على بطلانه وقد اختلف الفقهاء في شهادة الصبيان فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر لا تجوز شهادة الصبيان في شيء وهو قول ms0806 ابن شبرمة والثوري ~~والشافعي وقال ابن أبي ليلى تجوز شهادة بعضهم على بعض وقال مالك تجوز شهادة ~~الصبيان فيما بينهم في الجراح ولا تجوز على غيرهم وإنما تجوز بينهم في ~~الجراح وحدها قبل أن يتفرقوا ويجيئوا ويعلموا فإن افترقوا فلا شهادة لهم ~~إلا أن يكونوا قد أشهدوا على شهادتهم قبل أن يتفرقوا وإنما تجوز شهادة ~~الأحرار الذكور منهم ولا تجوز شهادة الجواري من الصبيان والأحرار قال أبو ~~بكر روي عن ابن عباس وعثمان وابن الزبير إبطال شهادة الصبيان وروي عن علي ~~إبطال شهادة بعضهم على بعض وعن عطاء مثله وروى عبد الله بن حبيب بن أبي ~~ثابت قال قيل للشعبي إن إياس بن معاوية لا يرى بشهادة الصبيان بأسا # فقال الشعبي حدثني مسروق أنه كان عند على كرم الله وجهه إذا جاءه خمسة ~~غلمة فقالوا كنا ستة نتغاط في الماء فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على ~~الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان أن الثلاثة غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة ~~أخماس الدية وعلى الثلاثة خمسي الدية # إلا أن عبد الله بن حبيب غير مقبول الحديث عند أهل العلم ومع ذلك فإن ~~معنى الحديث مستحيل لا يصدق مثله عن علي رضى الله عنه لأن أولياء الغريق إن ~~ادعوا على أحد الفريقين فقد أكذبوهم في شهادتهم على غيرهم وإن ادعوا عليهم ~~كلهم فهم يكذبون الفريقين جميعا فهذا غير ثابت عن علي كرم الله وجهه ومما ~~يدل على بطلان شهادة الصبيان قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى وذلك خطاب للرجال البالغين لأن الصبيان لا يملكون عقود ~~المداينات وكذلك قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق لم يدخل فيه الصبي لأن ~~إقراره لا يجوز وكذلك قوله وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا لا يصح أن ~~يكون خطابا للصبي لأنه ليس من أهل التكليف فيلحقه الوعيد ثم قوله واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم وليس الصبيان من رجالنا ولما كان ابتداء الخطاب بذكر ~~البالغين كان قوله من رجالكم عائدا عليهم ثم قوله ممن ms0807 ترضون من الشهداء ~~يمنع أيضا جواز شهادة الصبي وكذلك قوله ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا هو نهي ~~وللصبي أن يأبى من إقامة الشهادة وليس للمدعي إحضاره لها ثم قوله ولا ~~تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه «15- أحكام في» # PageV02P225 # غير جائز أن يكون خطابا للصغار فلا يلحقهم المأثم بكتمانها ولما لم يجز ~~أن يلحقه ضمان بالرجوع دل على أنه ليس من أهل الشهادة لأن كل من صحت شهادته ~~لزمه الضمان عند الرجوع وأما إجازة شهادتهم في الجراح خاصة وقبل أن يتفرقوا ~~ويجيئوا فإنه تحكم بلا دلالة وتفرقة بين من لا فرق فيه في أثر ولا نظر لأن ~~في الأصول أن كل من جازت شهادته في الجراح فهي جائزة في غيرها وأما اعتبار ~~حالهم قبل أن يتفرقوا ويجيئوا فإنه لا معنى له لأنه جائز أن يكون هؤلاء ~~الشهود هم الجناة ويكون الذي حملهم على الشهادة الخوف من أن يؤخذوا به وهذا ~~معلوم من عادة الصبيان إذا كان منهم جناية أحالته بها على غيره خوفا من أن ~~يؤخذ بها وأيضا لما شرط الله في الشهادة العدالة وأوعد شاهد الزور ما أوعده ~~به ومنع من قبول شهادة الفساق ومن لا يزع عن الكذب احتياطا لأمر الشهادة ~~فكيف تجوز شهادته من هو غير مأخوذ بكذبه وليس له حاجز يحجزه عن الكذب ولا ~~حياء يردعه ولا مروءة تمنعه وقد يضرب الناس المثل بكذب الصبيان فيقولون هذا ~~أكذب من صبي فكيف يجوز قبول شهادة من هذا حاله فإن كان إنما اعتبر حالهم ~~قبل تفرقهم وقبل أن يعلمهم غيرهم لأنه لا يعتمد الكذب دون تلقين غيره فليس ~~ذلك كما ظن لأنهم يتعمدون الكذب من غير مانع يمنعهم وهم يعرفون الكذب كما ~~يعرفون الصدق إذا كانوا قد بلغوا الحد الذي يقومون بمعنى الشهادة والعبارة ~~عما شهدوا وقد يتعمدون الكذب لأسباب عارضة منها خوفهم من أن تنسب إليهم ~~الجناية أو قصدا للمشهود عليه بالمكروه ومعان غير ذلك معلومة من أحوالهم ~~فليس لأحد أن يحكم لهم بصدق الشهادة قبل ms0808 أن يتفرقوا كما لا يحكم لهم بذلك ~~بعد التفرق وعلى أنه لو كان كذلك وكان العلم حاصلا بأنهم لا يكذبون ولا ~~يتعمدون لشهادة الزور فينبغي أن تقبل شهادة الإناث كما تقبل شهادة الذكور ~~وتقبل شهادة الواحد كما تقبل شهادة الجماعة فإذا اعتبر العدد في ذلك وما ~~يجب اعتباره في الشهادة من اختصاصها في الجراح بالذكور دون الإناث فواجب أن ~~يستوفى لها سائر شروطها من البلوغ والعدالة ومن حيث أجازوا شهادة بعضهم على ~~بعض فواجب إجازتها على الرجال لأن شهادة بعضهم على بعض ليست بآكد منها على ~~الرجال إذ هم في حكم المسلمين عند قائل هذا القول والله الموفق واختلف في ~~شهادة الأعمى فقال أبو حنيفة ومحمد لا تجوز شهادة الأعمى بحال وروي نحوه عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله # PageV02P226 # عنه وروى عمرو بن عبيد عن الحسن قال لا تجوز شهادة الأعمى بحال وروي عن ~~أشعث مثله إلا أنه قال إلا أن تكون في شيء رآه قبل أن يذهب بصره وروى ابن ~~لهيعة عن أبي طعمة عن سعيد بن جبير قال لا تجوز شهادة الأعمى وحدثنا عبد ~~الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني حجاج ~~بن جبير بن حازم عن قتادة قال شهد أعمى عند إياس بن معاوية على شهادة فقال # له إياس لا نرد شهادتك إلا أن لا تكون عدلا ولكنك أعمى لا تبصر قال فلم ~~يقبلها وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى والشافعي إذا علمه قبل العمى جازت وما ~~علمه في حال العمى لم تجز وقال شريح والشعبي شهادة الأعمى جائزة وقال مالك ~~والليث بن سعد شهادة الأعمى جائزة وإن علمه في حال العمى إذا عرف الصوت في ~~الطلاق والإقرار ونحوه وإن شهد على زنا أو حد القذف لم تقبل شهادته والدليل ~~على بطلان شهادة الأعمى ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن محمد ابن ميمون البلخي ~~الحافظ قال حدثنا يحيى بن موسى يعرف «1» ب خت قال ms0809 حدثنا محمد بن سليمان بن ~~مسمول قال حدثنا عبد الله بن سلمة بن وهرام عن أبيه عن طاوس عن ابن عباس ~~قال سئل صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال ترى هذه الشمس فاشهد وإلا فدع # فجعل من شرط صحة الشهادة معاينة الشاهد لما شهد به والأعمى لا يعاين ~~المشهود عليه فلا تجوز شهادته ومن جهة أخرى أن الأعمى يشهد بالاستدلال فلا ~~تصح شهادته ألا ترى أن الصوت قد يشبه الصوت وأن المتكلم قد يحاكي صوت غيره ~~ونغمته حتى لا يغادر منها شيئا ولا يشك سامعه إذا كان بينه وبينه حجاب أنه ~~المحكي صوته فغير جائز قبول شهادته على الصوت إذ لا يرجع منه إلى يقين ~~وإنما يبنى أمره على غالب الظن وأيضا فإن الشاهد مأخوذ عليه بأن يأتي بلفظ ~~الشهادة ولو عبر بلفظ غير لفظ الشهادة بأن يقول أعلم أو أتيقن لم تقبل ~~شهادته فعلمت أنها حين كانت مخصوصة بهذا اللفظ وهذا اللفظ يقتضي مشاهدة ~~المشهود به ومعاينته فلم تجز شهادة من خرج من هذا الحد وشهد عن غير معاينة ~~فإن قال قائل يجوز للأعمى إقدامه على وطء امرأته إذا عرف صوتها فعلمنا أنه ~~يقين ليس بشك إذ غير جائز لأحد الإقدام على الوطء بالشك قيل له يجوز له ~~الإقدام على وطء امرأته بغالب الظن بأن زفت إليه امرأة وقيل له هذه امرأتك ~~وهو لا يعرفها يحل له وطؤها PageV02P227 # وكذلك جائز له قبول هدية جارية بقول الرسول ويجوز له الإقدام على وطئها ~~ولو أخبره مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف لما جاز له إقامة الشهادة على ~~المخبر عنه لأن سبيل الشهادة اليقين والمشاهدة وسائر الأشياء التي ذكرت ~~يجوز فيها استعمال غالب الظن وقبول قول الواحد فليس ذلك إذا أصلا للشهادة ~~وأما إذا استشهد وهو بصير ثم عمي فإنما لم نقبله من قبل أنا قد علمنا أن ~~حال تحمل الشهادة أضعف من حال الأداء والدليل عليه أنه غير جائز أن يتحمل ~~الشهادة وهو كافر أو عبد أو صبي ms0810 ثم يؤديها وهو حر مسلم بالغ تقبل شهادته ~~ولو أداها وهو صبي أو عبد أو كافر لم تجز فعلمنا أن حال الأداء أولى ~~بالتأكيد من حال التحمل فإذا لم يصح تحمل الأعمى للشهادة وكان العمى مانعا ~~من صحة التحمل وجب أن يمنع صحة الأداء وأيضا لو استشهده وبينه وبينه حائل ~~لما صحت شهادته وكذلك لو أداها وبينهما حائل لم تجز شهادته والعمى حائل ~~بينه وبين المشهود عليه فوجب أن لا تجوز وفرق أبو يوسف بينهما بأن قال يصح ~~أن يتحمل الشهادة بمعاينته ثم يشهد عليه وهو غائب أو ميت فلا يمنع ذلك ~~جوازها فكذلك عمى الشاهد بمنزلة موت المشهود عليه أو غيبته فلا يمنع قبول ~~شهادته والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أنه إنما يجب اعتبار الشاهد في نفسه ~~فإن كان من أهل الشهادة قبلناها وإن لم يكن من أهل الشهادة لم نقبلها ~~والأعمى قد خرج من أن يكون من أهل الشهادة بعماه فلا اعتبار بغيره وأما ~~الغائب والميت فإن شهادة الشاهد عليهما صحيحة إذ لم يعترض فيه ما يخرجه من ~~أن يكون من أهل الشهادة وغيبة المشهود عليه وموته لا تؤثر في شهادة الشاهد ~~فلذلك جازت شهادته والوجه الآخر أنا لا نجيز الشهادة على الميت والغائب إلا ~~أن يحضر عنه خصم فتقع الشهادة عليه فيقوم حضوره مقام حضور الغائب والميت ~~والأعمى في معنى من يشهد على غير خصم حاضر فلا تصح شهادته فإن احتجوا بقوله ~~تعالى إذا تداينتم بدين- إلى قوله تعالى- واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله ~~تعالى ممن ترضون من الشهداء والأعمى قد يكون مرضيا وهو من رجالنا الأحرار ~~فظاهر ذلك يقتضي قبول شهادته قيل له ظاهر الآية يدل على أن الأعمى غير ~~مقبول الشهادة لأنه قال واستشهدوا والأعمى لا يصح استشهاده لأن الاستشهاد ~~هو إحضار المشهود عليه ومعاينته إياه وهو غير معاين ولا مشاهد لمن يحضره ~~لأن العمى حائل بينه وبين ذلك كحائط لو كان بينهما فيمنعه ذلك من مشاهدته ~~ولما كانت الشهادة إنما هي مأخوذة # PageV02P228 # من مشاهدة المشهود ms0811 عليه ومعاينته على الحال التي تقتضي الشهادة إثبات ~~الحق عليه وكان ذلك معدوما في الأعمى وجب أن تبطل شهادته فهذه الآية لأن ~~تكون دليلا على بطلان شهادته أولى من أن تدل على إجازتها وقال زفر لا تجوز ~~شهادة الأعمى إذا شهد بها قبل العمى أو بعده إلا في النسب أن يشهد أن فلانا ~~ابن فلان قال أبو بكر يشبه أن يكون ذهب في ذلك إلى أن النسب قد تصح الشهادة ~~عليه بالخبر المستفيض وإن لم يشاهده الشاهد فلذلك جائز إذا تواتر عند ~~الأعمى الخبر بأن فلانا ابن فلان أن يشهد به عند الحاكم وتكون شهادته ~~مقبولة ويستدل على صحة ذلك بأن الأعمى والبصير سواء فيما ثبت حكمه عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين من طريق ~~المعاينة وإنما يسمع أخبارهم فكذلك جائز أن يثبت عنده علم صحة النسب من ~~طريق التواتر وإن لم يشاهد المخبرين فتجوز إقامة الشهادة به وتكون شهادته ~~مقبولة فيه إذ ليس شرط هذه الشهادة معاينة المشهود به واختلف في شهادة ~~البدوي على القروي فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والأوزاعي ~~والشافعي هي جائزة إذا كان عدلا وروي نحوه عن الزهري وروى ابن وهب عن مالك ~~قال لا تجوز شهادة بدوي على قروي إلا في الجراح وقال ابن القاسم عنه لا ~~تجوز شهادة بدوي على قروي في الحضر إلا في وصية القروي في السفر أو في بيع ~~فتجوز إذا كانوا عدولا قال أبو بكر جميع ما ذكرنا من دلائل الآية على قبول ~~شهادة الأحرار البالغين يوجب التسوية بين شهادة القروي # والبدوي لأن الخطاب توجه إليهم بذكر الإيمان بقوله يا أيها الذين آمنوا ~~إذا تداينتم بدين وهؤلاء من جملة المؤمنين ثم قال تعالى واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم يعني من رجال المؤمنين الأحرار وهذه صفة هؤلاء ثم قال ممن ترضون ~~من الشهداء وإذا كانوا عدولا فهم مرضيون وقال في آية أخرى في شأن الرجعة ~~والفراق وأشهدوا ذوي عدل منكم وهذه الصفة ms0812 شاملة للجميع إذا كانوا عدولا وفي ~~تخصيص القروي بها دون البدوي ترك العموم بغير دلالة ولم يختلفوا أنهم ~~مرادون بقوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وبقوله ممن ترضون من الشهداء ~~لأنهم يجيزون شهادة البدوي على بدوي مثله على شرط الآية وإذا كانوا مرادين ~~بالآية فقد اقتضت جواز شهادتهم على القروي من حيث اقتضت جواز شهادة بعضهم ~~على بعض ومن حيث اقتضت جواز شهادة القروي على البدوي # PageV02P229 # فإن احتجوا بما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا ~~حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال حدثنا نافع بن يزيد بن الهادي عن محمد ~~بن عمرو عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية # فإن مثل هذا الخبر لا يجوز الاعتراض به على ظاهر القرآن مع أنه ليس فيه ~~ذكر الفرق بين الجراح وبين غيرها ولا بين أن يكون القروي في السفر أو في ~~الحضر فقد خالف المحتج به ما اقتضاه عمومه # وقد روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال شهد أعرابي عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في رؤية الهلال فأمر بلالا ينادي في الناس فليصوموا غدا ~~فقبل شهادته وأمر الناس بالصيام # وجائز أن يكون حديث أبي هريرة في أعرابي شهد شهادة عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلم النبي صلى الله عليه وسلم خلافها مما يبطل شهادته فأخبر به ~~فنقله الراوي من غير ذكر السبب وجائز أن يكون قاله في الوقت الذي كان الشرك ~~والنفاق غالبين على الأعراب كما قال عز وجل ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما ويتربص بكم الدوائر فإنما منع قبول شهادة من هذه صفته من الأعراب وقد ~~وصف الله قوما آخرين من الأعراب بعد هذه الصفة ومدحهم بقوله ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول الآية ~~فمن كانت هذه صفته فهو مرضي عند ms0813 الله وعند المسلمين مقبول الشهادة ولا ~~يخلوا البدوي من أن يكون غير مقبول الشهادة على القروي إما لطعن في دينه أو ~~جهل منه بأحكام الشهادات وما يجوز أداؤها منها مما لا يجوز فإن كان لطعن في ~~دينه فإن هذا غير مختلف في بطلان شهادته ولا يختلف فيه حكم البدوي والقروي ~~وإن كان لجهل منه بأحكام الشهادات فواجب أن لا تقبل شهادته على بدوي مثله ~~وأن لا تقبل شهادته في الجراح ولا على القروي في السفر كما لا تقبل شهادة ~~القروي إذا كان بهذه الصفة ويلزمه أن يقبل شهادة البدوي إذا كان عدلا عالما ~~بأحكام الشهادة على القروي وعلى غيره لزوال المعنى الذي من أجله امتنع من ~~قبول شهادته وأن لا يجعل لزوم سمة البدو إياه والنسبة إليه علة لرد شهادته ~~كما لا تجعل نسبة القروي إلى القرية علة لجواز شهادته إذا كان مجانبا ~~للصفات المشروطة لجواز الشهادة قوله عز وجل فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان قال أبو بكر أوجب بديا استشهاد شهيدين وهما الشاهدان لأن الشهيد ~~والشاهد واحد كما أن # PageV02P230 # عليم وعالم واحد وقادر وقدير واحد ثم عطف عليه قوله فإن لم يكونا رجلين ~~يعني إن لم يكن الشهيدان رجلين فرجل وامرأتان فلا يخلو قوله فإن لم يكونا ~~رجلين من أن يريد به فإن لم يوجد رجلان فرجل وامرأتان كقوله فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا وكقوله فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم قال فمن لم يجد ~~فصيام شهرين- إلى قوله تعالى- فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا وما جرى ~~مجرى ذلك في الأبدال التي أقيمت مقام أصل الفرض عند عدمه أو أن يكون مراده ~~فإن لم يكن الشهيدان رجلين فالشهيدان رجل وامرأتان فأفادنا إثبات هذا الاسم ~~للرجل والمرأتين حتى يعتبر عمومه في جواز شهادتهما مع الرجل في سائر الحقوق ~~إلا ما قام دليله فلما اتفق المسلمون على جواز شهادة رجل وامرأتين مقام ~~رجلين عند عدم الرجلين فثبت الوجه الثاني وهو أنه أراد تسمية الرجل ~~والمرأتين شهدين فيكون ذلك اسما شرعيا ms0814 يجب اعتباره فيما أمرنا فيه باستشهاد ~~شهيدين إلا موضعا قام الدليل عليه فيصح الاستدلال بعمومه في # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وشاهدين # وإثبات النكاح والحكم بشهادة رجل وامرأتين إذ قد لحقهم اسم شهدين وقد ~~أجاز النبي صلى الله عليه وسلم النكاح بشهادة شاهدين وقد اختلف أهل العلم ~~في شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر وعثمان البتي لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا في الحدود ولا في ~~القصاص وتقبل فيما سوى ذلك من سائر الحقوق وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال ~~حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن عبادة قال حدثنا شعبة عن الحجاج بن ~~أرطاة عن عطاء بن أبي رباح أن عمر أجاز شهادة رجل وامرأتين في نكاح وروى ~~جرير بن حازم عن الزبير بن الخريت عن أبي لبيد أن عمر أجاز شهادة النساء في ~~طلاق # وروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه قال ~~تجوز شهادة النساء في العقد # وروى حجاج عن عطاء أن ابن عمر كان يجيز شهادة النساء مع الرجل في النكاح ~~وروي عن عطاء أنه كان يجيز شهادة النساء في الطلاق وروي عن عون عن الشعبي ~~عن شريح أنه أجاز شهادة رجل وامرأتين في عتق وهو قول الشعبي في الطلاق وروي ~~عن الحسن والضحاك قالا لا تجوز شهادتهن إلا في الدين والولد وقال مالك لا ~~تجوز شهادة النساء مع الرجال في الحدود والقصاص ولا في الطلاق ولا في ~~النكاح ولا في الأنساب ولا في # PageV02P231 # الولاء ولا الإحصان وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق وقال ~~الثوري تجوز شهادتهن في كل شيء إلا الحدود وروي عنه أنها لا تجوز في القصاص ~~أيضا وقال الحسن ابن حي لا تجوز شهادتهن في الحدود وقال الأوزاعي لا تجوز ~~شهادة رجل وامرأتين في نكاح وقال الليث تجوز شهادة النساء في الوصية والعتق ~~ولا تجوز في النكاح ولا الطلاق ms0815 ولا الحدود ولا قتل العمد الذي يقاد منه ~~وقال الشافعي لا تجوز شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال ولا يجوز في ~~الوصية إلا الرجل وتجوز في الوصية بالمال قال أبو بكر ظاهر هذه الآية يقتضي ~~جواز شهادتهن مع الرجل في سائر عقود المداينات وهي كل عقد واقع على دين ~~سواء كان بدله مالا أو بضعا أو منافع أو دم عمد لأنه عقد فيه دين إذ ~~المعلوم أنه ليس مراد الآية في قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~أن يكون المعقود عليهما من البدلين دينين لامتناع جواز ذلك إلى أجل مسمى ~~فثبت أن المراد وجود دين عن بدل أي دين كان فاقتضى ذلك جواز شهادة النساء ~~مع الرجل على عقد نكاح فيه مهر مؤجل إذا كان ذلك عقد مداينة وكذلك الصلح من ~~دم العمد والخلع على مال والإجارات فمن ادعى خروج شيء من هذه العقود من ~~ظاهر الآية لم يسلم له ذلك إلا بدلالة إذ كان العموم مقتضيا لجوازها في ~~الجميع ويدل على جواز شهادة النساء في غير الأموال ما # حدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أحمد بن القاسم الجوهري قال حدثنا ~~محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد عن ~~الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة ~~القابلة # والولادة ليست بمال وأجاز شهادتها عليها فدل ذلك على أن شهادة النساء ~~ليست مخصوصة بالأموال ولا خلاف في جواز شهادة النساء على الولادة وإنما ~~الاختلاف في العدد وأيضا لما ثبت أن اسم الشهيدين واقع في الشرع على الرجل ~~والمرأتين وقد ثبت أن اسم البينة يتناول الشهيدين وجب بعموم # قوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه # القضاء بشهادة الرجل والمرأتين في كل دعوى إذ قد شملهم اسم البينة ألا ~~ترى أنها بينة في الأموال فلما وقع عليها الاسم وجب بحق العموم قبولها لكل ~~مدع إلا أن تقوم الدلالة على تخصيص شيء منه وإنما خصصنا الحدود ms0816 والقصاص لما ~~روى الزهري قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من ~~بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القصاص وأيضا لما اتفق ~~الجميع على # PageV02P232 # قبول شهادتهن مع الرجل في الديون وجب قبولها في كل حق لا تسقطه الشبهة ~~إذا كان الدين حقا لا يسقط بالشبهة ومما يدل على جوازها في غير الأموال من ~~الآية أن الله تعالى قد أجازها في الأجل بقوله إذا تداينتم بدين إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه ثم قال فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان فأجاز شهادتها مع ~~الرجل على الأجل وليس بمال كما أجازها في المال فإن قيل الأجل لا يجب إلا ~~في المال قيل له هذا خطأ لأن الأجل قد يجب في الكفالة بالنفس وفي منافع ~~الأحرار التي ليست بمال وقد يؤجله الحاكم في إقامة البينة على الدم وعلى ~~دعوى العفو منه بمقدار ما يمكن التقدم إليه فقولك إن الأجل لا يجب إلا في ~~المال خطأ ومع ذلك فالبضع لا يستحق إلا بمال ولا يقع النكاح إلا بمال ~~فينبغي أن تجيز فيه شهادة النساء قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء قال أبو ~~بكر لما كانت معرفة ديانات الناس وأماناتهم وعدالتهم إنما هي من طريق ~~الظاهر دون الحقيقة إذا لا يعلم ضمائرهم ولا خبايا أمورهم غير الله تعالى ~~ثم قال الله تعالى فيما أمرنا باعتباره من أمر الشهود ممن ترضون من الشهداء ~~دل ذلك على أن أمر تعديل الشهود موكولا إلى اجتهاد رأينا وما يغلب في ~~ظنوننا من عدالتهم وصلاح طرائقهم وجائز أن يغلب في ظن بعض الناس عدالة شاهد ~~وأمانته فيكون عنده رضى ويغلب في ظن غيره أنه ليس يرضى فقوله ممن ترضون من ~~الشهداء مبني على غالب الظن وأكثر الرأي والذي بني عليه أمر الشهادة أشياء ~~ثلاثة أحدها العدالة والآخر نفي التهمة وإن كان عدلا والثالث التيقظ والحفظ ~~وقلة الغفلة أما العدالة فأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق الله ~~عز وجل في الواجبات والمسنونات وصدق اللهجة والأمانة ms0817 وأن لا يكون محدودا في ~~قذف وأما نفي التهمة فأن لا يكون المشهود له والدا ولا ولدا أو زوجا وزوجة ~~وأن لا يكون قد شهد بهذه الشهادة فردت لتهمة فشهادة هؤلاء غير مقبولة لمن ~~ذكرنا وإن كانوا عدولا مرضيين وأما التيقظ والحفظ وقلة الغفلة فأن لا يكون ~~غفولا غير مجرب للأمور فإن مثله ربما لقن الشيء فتقلنه وربما جوز عليه ~~التزوير فشهد به قال ابن رستم عن محمد ابن الحسن في رجل أعجمي صوام قوام ~~مغفل يخشى عليه أن يلقن فيأخذ به قال هذا أشر من الفاسق في شهادته # وحدثنا عبد الرحمن بن سيما المحبر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ~~أبي قال حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا ابن هلال عن أشعث الحداني قال قال # PageV02P233 # رجل للحسن يا أبا سعيد إن إياسا رد شهادتي فقام معه إليه فقال يا ملكعان ~~لم رددت شهادته أوما بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~استقبل قبلتنا وأكل من ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله # فقال أيها الشيخ أما سمعت الله يقول ممن ترضون من الشهداء وإن صاحبك هذا ~~ليس برضاه وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الوهاب ~~قال حدثنا السري بن عاصم بإسناد ذكره أنه شهد عند إياس بن معاوية رجل من ~~أصحاب الحسن فرد شهادته فبلغ الحسن وقال قوموا بنا إليه قال فجاء إلى إياس ~~فقال يا لكع ترد شهادة رجل مسلم فقال نعم قال الله تعالى ممن ترضون من ~~الشهداء وليس هو ممن أرضى قال فسكت الحسن فقال خصم الشيخ فمن شرط الرضا ~~للشهادة أن يكون الشاهد متيقظا حافظا لما يسمعه متقنا لما يؤديه وقد ذكر ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف في صفة العدل أشياء منها أنه قال من سلم من ~~الفواحش التي تجب فيها الحدود وما يشبه ما تجب فيه من العظائم وكان يؤدي ~~الفرائض وأخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار قبلنا ms0818 شهادته لأنه لا يسلم ~~عبد من ذنب وإن كانت ذنوبه أكثر من أخلاق البر رددنا شهادته ولا تقبل شهادة ~~من يلعب بالشطرنج يقامر عليها ولا من يلعب بالحمام ويطيرها وكذلك من يكثر ~~الحلف بالكذب لا تجوز شهادته قال وإذا ترك الرجل الصلوات الخمس في الجماعة ~~استخفافا بذلك أو مجانة أو فسقا فلا تجوز شهادته وإن تركها على تأويل وكان ~~عدلا فيما سوى ذلك قبلت شهادته قال وإن داوم على ترك ركعتي الفجر لم تقبل ~~شهادته وإن كان معروفا بالكذب الفاحش لم أقبل شهادته وإن كان لا يعرف بذلك ~~وربما ابتلي بشيء منه والخير فيه أكثر من الشر قبلت شهادته ليس يسلم أحد من ~~الذنوب قال وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وابن أبي ليلى شهادة أهل الأهواء ~~جائزة إذا كانوا عدولا إلا صنفا من الرافضة يقال لهم الخطابية فإنه بلغني ~~أن بعضهم يصدق بعضا فيما يدعي إذا حلف له ويشهد بعضهم لبعض فلذلك أبطلت ~~شهادتهم وقال أبو يوسف أيما رجل أظهر شتيمة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم أقبل شهادته لأن رجلا لو كان شتاما للناس والجيران لم أقبل شهادته ~~فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم حرمة وقال أبو يوسف ألا ترى أن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا واقتتلوا وشهادة الفريقين جائزة ~~لأنهم اقتتلوا على تأويل فكذلك أهل الأهواء من المتأولين قال أبو يوسف ومن ~~سألت عنه فقالوا إنا نتهمه بشتم أصحاب # PageV02P234 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أقبل هذا حتى يقولوا سمعناه يشتم ~~قال فإن قالوا نتهمه بالفسق والفجور ونظن ذلك به ولم نره فإني أقبل ذلك ولا ~~أجيز شهادته والفرق بينهما أن الذين قالوا نتهمه بالشتم قد أثبتوا له ~~الصلاح وقالوا نتهمه بالشتم فلا يقبل هذا إلا بسماع والذين قالوا نتهمه ~~بالفسق والفجور ونظن ذلك به ولم نره فإني أقبل ذلك ولا أجيز شهادته أثبتوا ~~له صلاحا وعدالة وذكر ابن رستم عن محمد أنه قال لا أقبل شهادة الخوارج إذ ~~كانوا ms0819 قد خرجوا يقاتلون المسلمين وإن شهدوا قال قلت ولم لا تجيز شهادتهم ~~وأنت تجيز شهادة الحرورية قال لأنهم لا يستحلون أموالنا ما لم يخرجوا فإذا ~~خرجوا استحلوا أموالنا فتجوز شهادتهم ما لم يخرجوا وحدثنا أبو بكر مكرم بن ~~أحمد قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال سمعت محمد بن سماعة يقول سمعت أبا ~~يوسف يقول سمعت أبا حنيفة يقول لا يجب على الحاكم أن يقبل شهادة بخيل فإن ~~البخيل يحمله شدة بخله على التقصي فيأخذ فوق حقه مخافة الغبن ومن كان كذلك ~~لم يكن عدلا # سمعت حماد بن أبي سليمان يقول سمعت إبراهيم يقول قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أيها الناس كونوا وسطا لا تكونوا بخلاء ولا سفلة فإن البخيل ~~والسفلة الذين إن كان عليهم حق لم يؤدوه وإن كان لهم حق استقصوه # قال وقال ما من طباع المؤمن التقصي ما استقصى كريم قط قال الله تعالى عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض # وحدثنا مكرم بن أحمد قال حدثنا أحمد بن محمد بن المغلس قال سمعت الحماني ~~يقول سمعت ابن المبارك يقول سمعت أبا حنيفة يقول من كان معه بخيل لم تجز ~~شهادته يحمله البخل على التقصي فمن شدة تقصيه يخاف الغبن فيأخذ فوق حقه ~~مخافة الغبن فلا يكون هذا عدلا وقد روي نظير ذلك عن إياس بن معاوية ذكر ابن ~~لهيعة عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن قال قلت لإياس بن معاوية أخبرت أنك ~~لا تجيز شهادة الأشراف بالعراق ولا البخلاء ولا التجار الذين يركبون البحر ~~قال أجل أما الذين يركبون إلى الهند حتى يغرروا بدينهم ويكثروا عدوهم من ~~أجل طمع الدنيا فعرفت أن هؤلاء لو أعطى أحدهما درهمين في شهادة لم يتحرج ~~بعد تغريره بدينه وأما الذين يتجرون في قرى فارس فإنهم يطعمونهم الربا وهم ~~يعلمون فأبيت أن أجيز شهادة آكل الربا وأما الأشراف فإن الشريف بالعراق إذا ~~نابت أحدا منهم نائبة أتى إلى سيد قومه فيشهد له ويشفع فكنت أرسلت إلى عبد ~~الأعلى بن ms0820 عبد الله بن عامر أن لا يأتيني # PageV02P235 # بشهادة وقد روي عن السلف رد شهادة قوم ظهر منهم أمور لا يقطع فيها بفسق ~~فاعليها إلا أنها تدل على سخف أو مجون فرأوا رد شهادة أمثالهم منه ما حدثنا ~~عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا محمود بن خداش ~~قال حدثنا زيد بن الحباب قال أخبرني داود بن حاتم البصري أن بلال بن أبي ~~بردة وكان على البصرة كان لا يجيز شهادة من يأكل الطين وينتف لحيته وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حماد بن محمد قال حدثنا شريح قال حدثنا يحيى ~~بن سليمان عن ابن جريج أن رجلا كان من أهل مكة شهد عند عمر بن عبد العزيز ~~وكان ينتف عنفقته ويحفى لحيته وحول شاربيه فقال ما اسمك قال فلان قال بل ~~اسمك ناتف ورد شهادته وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد ابن ~~سعد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن الجعد بن ~~ذكوان قال دعا رجل شاهدا له عند شريح اسمه ربيعة فقال يا ربيعة يا ربيعة ~~فلم يجب فقال يا ربيعة الكويفر فأجاب فقال له قم وقال لصاحبه هات غيره ~~وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا ~~إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جابر بن زيد ~~عن ابن عباس قال الأقلف لا تجوز شهادته وروى حماد بن أبي سلمة عن أبي ~~المهزم عن أبي هريرة لا تجوز شهادة أصحاب الحمر يعني النخاسين وروي عن شريح ~~أنه كان لا يجيز شهادة صاحب حمام ولا حمام وروى مسعر أن رجلا شهد عند شريح ~~وهو ضيق كم القبا فرد شهادته وقال كيف يتوضأ وهو على هذه الحال وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا سليمان بن حرب قال ~~حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن تميم بن سلمة قال شهد ms0821 رجل عند شريح فقال ~~أشهد بشهادة الله فقال شهدت بشهادة الله لا أجيز لك اليوم شهادة قال أبو ~~بكر لما رآه تكلف من ذلك ما ليس عليه لم يره أهلا لقبول شهادته فهذه الأمور ~~التي ذكرناها عن هؤلاء السلف من رد الشهادة من أجلها غير مقطوع فيها بفسق ~~فاعليها ولا سقوط العدالة وإنما دلهم ظاهرها على سخف من هذه حاله فردوا ~~شهادتهم من أجلها لأن كلا منهم تجرى موافقة ظاهر قوله تعالى ممن ترضون من ~~الشهداء على حسب ما أداه إليه اجتهاده فمن غلب في ظنه سخف من الشاهد أو ~~مجونه أو استهانته بأمر الدين أسقط شهادته قال محمد في كتاب آداب القاضي من ~~ظهرت منه مجانة لم أقبل شهادته قال ولا تجوز شهادة المخنث # PageV02P236 # ولا شهادة من يلعب بالحمام يطيرها وقد حكي عن سفيان بن عيينة أن رجلا شهد ~~عند ابن أبي ليلى فرد شهادته قال فقلت لابن أبي ليلى مثل فلان وحاله كذا ~~وحال ابنه كذا ترد شهادته فقال أين يذهب بك إنه فقير فكان عنده أن الفقر ~~يمنع الشهادة إذ لا يؤمن به أن يحمله الفقر على الرغبة في المال وإقام ~~شهادة بما لا تجوز وقال مالك بن أنس لا تجوز شهادة السؤال في الشيء الكثير ~~وتجوز في الشيء التافه إذا كانوا عدولا فشرط مالك مع الفقر المسألة ولم ~~يقبلها في الشيء الكثير # للتهمة وقبلها في اليسير لزوال التهمة وقال المزني والربيع عن الشافعي ~~إذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته ~~وإذا كان الأغلب من حاله المعصية وعدم المروءة ردت شهادته وقال محمد بن عبد ~~الله بن عبد الحكم عن الشافعي إذا كان أكثر أمره الطاعة ولم يقدم على كبيرة ~~فهو عدل فأما شرط المروءة فإن أراد به التصاون والصمت والحسن وحفظ الحرمة ~~وتجنب السخف والمجون فهو مصيب وإن أراد به نظافة الثوب وفراهة المركوب ~~وجودة الآلة والشارة الحسنة فقد أبعد وقال غير الحق لأن هذه الأمور ليست من ~~شرائط الشهادة عند ms0822 أحد من المسلمين. # قال أبو بكر جميع ما قدمنا من ذكر أقاويل السلف وفقهاء الأمصار واعتبار ~~كل واحد منهم في الشهادة ما حكينا عنه يدل على أن كلا منهم بنى قبول أمر ~~الشهادة على ما غلب في اجتهاده واستولى على رأيه أنه ممن يرضى ويؤتمن عليها ~~وقد اختلفوا في حكم من لم تظهر منه ريبة هل يسأل عنه الحاكم إذا شهد فروي ~~عن عمر بن الخطاب في كتابه الذي كتبه إلى أبو موسى في القضاء والمسلمون ~~عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ~~ولاء أو قرابة وقال منصور قلت لإبراهيم وما العدل في المسلمين قال من لم ~~تظهر منه ريبة وعن الحسن البصري والشعبي مثله وذكر معمر عن أبيه قال لما ~~ولي الحسن القضاء كان يجيز شهادة المسلمين إلا أن يكون الخصم يجرح الشاهد ~~وذكر هشيم قال سمعت ابن شبرمة يقول ثلاث لم يعمل بهن أحد قبلي ولن يتركهن ~~أحد بعدي المسألة عن الشهود وإثبات حجج الخصمين وتحلية الشهود في المسألة ~~وقال أبو حنيفة لا أسأل عن الشهود إلا أن يطعن فيهم الخصم المشهود عليه فإن ~~طعن فيهم سألت عنهم في السر والعلانية وزكيتهم في العلانية إلا شهود الحدود ~~والقصاص فإني أسأل عنهم في # PageV02P237 # السر وأزكيهم في العلانية وقال محمد يسأل عنهم وإن لم يطعن فيهم وروى ~~يوسف بن موسى القطان عن علي بن عاصم عن ابن شبرمة قال أول من سأل في السر ~~أنا كان الرجل يأتي القوم إذا قيل له هات من يزكيك فيقول قومي يزكونني ~~فيستحي القوم فيزكونه فلما رأيت ذلك سألت في السر فإذا صحت شهادته قلت هات ~~من يزكيك في العلانية وقال أبو يوسف ومحمد يسأل عنهم في السر والعلانية ~~ويزكيهم في العلانية وإن لم يطعن فيهم الخصم وقال مالك بن أنس لا يقضى ~~بشهادة الشهود حتى يسئل عنهم في السر وقال الليث أدركت الناس ولا تلتمس من ~~الشاهدين تزكية وإنما كان الوالي يقول للخصم إن ms0823 كان عندك من يجرح شهادتهم ~~فأت به وإلا أجزنا شهادته عليك وقال الشافعي يسأل عنهم في السر فإذا عدل ~~سأل عن تعديله علانية ليعلم أن المعدل هو هذا لا يوافق اسم اسما ولا نسب ~~نسبا قال أبو بكر ومن قال من السلف بتعديل من ظهر إسلامه فإنما بنى ذلك على ~~ما كانت عليه أحوال الناس من ظهور العدالة في العامة وقلة الفساق فيهم ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بالخير والصلاح للقرن الأول والثاني ~~والثالث # حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن ~~عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير الناس قرني ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم ثلاث أو أربع ثم يجيء قوم سبق شهادة أحدهم يمينه ~~ويمينه شهادته # قال وكان أصحابنا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صبيان وإنما حمل ~~السلف ومن قال من فقهاء الأمصار مما وصفنا أمر المسلمين في عصرهم على ~~العدالة وجواز الشهادة لظهور العدالة فيهم وإن كان فيهم صاحب ريبة وفسق كان ~~يظهر النكير عليه ويتبين أمره وأبو حنيفة كان في القرن الثالث الذين شهد ~~لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخير والصلاح فتكلم على ما كانت الحال عليه ~~وأما لو شهد أحوال الناس بعد لقال بقول الآخرين في المسألة عن الشهود ولما ~~حكم لأحد منهم بالعدالة إلا بعد المسألة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأعرابي الذي شهد على رؤية ~~الهلال أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال نعم فأمر الناس ~~بالصيام بخبره # ولم يسأل عن عدالته بعد ظهور إسلامه لما وصفنا فثبت بما وصفنا أن أمر ~~التعديل وتزكية الشهود وكونهم مرضيين مبني على اجتهاد الرأي وغالب الظن ~~لاستحالة إحاطة علومنا بغيب أمور الناس وقد حذرنا الله الاغترار بظاهر حال ~~الإنسان والركون # PageV02P238 # إلى قوله مما يدعيه لنفسه من الصلاح ms0824 والأمانة فقال ومن الناس من يعجبك ~~قوله في الحياة الدنيا الآية ثم أخبر عن مغيب أمره وحقيقة حاله فقال وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها الآية فأعلمنا ذلك من حال بعض من يعجب ظاهر ~~قوله وقال أيضا في صفة قوم آخرين وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم الآية فحذر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم الاغترار بظاهر حال الإنسان وأمرنا بالاقتداء به ~~فقال واتبعوه وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة فغير جائز إذا كان ~~الأمر على ما وصفنا الركون إلى ظاهر أمر الإنسان دون التثبت في شهادته ~~والبحث عن أمره حتى إذا غلب في ظنه عدالته قبلها وقد وصف الله تعالى الشهود ~~المقبولين بصفتين إحداهما العدالة في قوله تعالى اثنان ذوا عدل منكم وقوله ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم والأخرى أن يكونوا مرضيين لقوله ممن ترضون من الشهداء ~~والمرضيون لا بد أن تكون من صفتهم العدالة وقد يكون عدلا غير مرضي في ~~الشهادة وهو أن يكون غمرا مغفلا يجوز عليه التذوير والتمويه فقوله ممن ~~ترضون من الشهداء فقد انتظم الأمرين من العدالة والتيقظ وذكاء الفهم وشدة ~~الحفظ وقد أطلق الله ذكر الشهادة في الزنا غير مقيد بذكر العدالة وهي من ~~شرطها العدالة والرضى جميعا وذلك لقوله عز وجل إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ~~وذلك عموم في إيجاب التثبت في سائر أخبار الفساق والشهادة خبر فوجب التثبت ~~فيها إذا كان الشاهد فاسقا فلما نص الله على التثبت في خبر الفاسق وأوجب ~~علينا قبول شهادة العدول المرضيين وكان الفسق قد يعلم من جهة اليقين ~~والعدالة لا تعلم من جهة اليقين دون ظاهر الحال علمنا أنها مبنية على غالب ~~الظن وما يظهر من صلاح الشاهد وصدق لهجته وأمانته وهذا وإن كان مبنيا على ~~أكثر الظن فهو ضرب من العلم كما قال تعالى في المهاجرات فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار وهذا هو علم الظاهر دون الحقيقة فكذلك الحكم ~~بعدالة الشاهد طريقه العلم الظاهر دون المغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ~~وهذا ms0825 أصل كبير في الدلالة على صحة القول باجتهاد الرأي في أحكام الحوادث إذ ~~كانت الشهادات من معالم أمور الدين والدنيا وقد عقد بها مصالح الخلق في ~~وثائقهم وإثبات حقوقهم وأملاكهم وإثبات الأنساب والدماء والفروج وهي مبنية ~~على غالب الظن وأكثر الرأي إذ لا يمكن أحدا من الناس إمضاء حكم بشهادة شهود ~~من طريق حقيقة العلم بصحة المشهود به وهو يدل # PageV02P239 # على بطلان القول بإمام معصوم في كل زمان واحتجاج من يحتج فيه بأن أمور ~~الدين كلها ينبغي أن تكون مبنية على ما يوجب العلم الحقيقي دون غالب الظن ~~وأكثر الرأي وأنه متى لم يكن إمام بهذه الصفة لم يؤمن الخطأ فيها لأن الرأي ~~يخطئ ويصيب لأنه لو كان كما زعموا لوجب أن لا تقبل شهادة الشهود إلا أن ~~يكونوا معصومين مأمونا عليهم الخطأ والزلل فلما أمر الله تعالى بقبول شهادة ~~الشهود إذا كانوا مرضيين في ظاهر أحوالهم دون العلم بحقيقة مغيب أمورهم مع ~~جواز الكذب والغلط عليهم ثبت بطلان الأصل الذي بنوا عليه أمر النص فإن ~~قالوا الإمام يعلم صدق الشهود من كذبهم قيل لهم فواجب أن لا يسمع شهادة ~~الشهود غير الإمام وأن لا يكون للإمام قاض ولا أمين إلا أن يكون بمنزلته في ~~العصمة وفي العلم بمغيب أمر الشهود ويجب أن لا يكون أحد من أعوان الإمام ~~إلا معصوما مأمون الزلل والخطإ لما يتعلق به من أحكام الدين فلما جاز أن ~~يكون للإمام حكام وشهود وأعوان بغير هذه الصفة ثبت بذلك جواز كثير من أمور ~~الدين مبنيا على اجتهاد الرأي وغالب الظن وفيما ذكرناه مما تعبدنا الله به ~~في هذه الآية من اعتبار أحوال الشهود بما يغلب في الظن من عدالتهم وصلاحهم ~~دلالة على بطلان قول نفاة القياس والاجتهاد في الأحكام التي لا نصوص فيها ~~ولا إجماع لأن الدماء والفروج والأموال والأنساب من الأمور التي قد # عقد بهما مصالح الدين والدنيا وقد أمر الله فيها بقبول شهادة الشهود ~~الذين لا نعلم مغيب أمورهم وإنما نحكم بشهاداتهم بغالب الظن ms0826 وظاهر أحوالهم ~~مع تجويز الكذب والخطإ والزلل والسهو عليهم فثبت بذلك تجويز الاجتهاد ~~واستعمال غلبة الرأي فيما لا نص فيه من أحكام الحوادث ولا اتفاق وفيه ~~الدلالة على جواز قبول الأخبار المقصرة عن إيجاب العلم بمخبراتها من أمور ~~الديانات عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأن شهادة الشهود غير موجبة للعلم ~~بصحة المشهود به وقد أمرنا بالحكم بها مع تجويز أن يكون الأمر في المغيب ~~بخلافه فبطل بذلك قول من قال إنه غير جائز قبول خبر من لا يوجب العلم بخبره ~~في أمور الدين وقد دل أيضا على بطلان قول من يستدل على رد أخبار الآحاد ~~بأنا لو قبلناها لكنا قد جعلنا منزلة المخبر أعلى من منزلة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذ لم يجب في الأصل قبول خبر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد ~~ظهور المعجزات الدالة على صدقه لأن الله تعالى قد أمرنا بقبول شهادة الشهود ~~الذين ظاهرهم العدالة وإن لم يكن معها علم معجزة يدل على صدقهم وأما ما ~~ذكرنا من اعتبار # PageV02P240 # نفي التهمة عن الشهادة وإن كان الشاهد عدلا فإن الفقهاء متفقون على بعضها ~~ومختلفون في بعضها فمما اتفق عليه فقهاء الأمصار بطلان شهادة الشاهد لولده ~~إلا شيء يحكى عن عثمان البتي قال تجوز شهادة الولد لوالديه وشهادة الأب ~~لابنه ولامرأته إذا كانوا عدولا مهذبين معروفين بالفضل ولا يستوي الناس في ~~ذلك ففرق بينهما لوالده وبينها للأجنبي فأما أصحابنا ومالك والليث والشافعي ~~والأوزاعي فإنهم لا يجيزون شهادة واحد منهما للآخر فقد حدثنا عبد الرحمن بن ~~سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع عن ~~سفيان عن جابر عن الشعبي عن شريح قال لا تجوز شهادة الابن لأبيه ولا الأب ~~لابنه ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته وروى عن إياس ابن معاوية أنه ~~أجاز شهادة رجل لابنه حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد ~~قال حدثني أبي قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن زيد ms0827 قال حدثنا خالد الحذاء ~~عن إياس بن معاوية بذلك والذي يدل على بطلان شهادته لابنه قوله عز وجل ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ولم يذكر بيوت الأبناء لأن ~~قوله تعالى من بيوتكم قد انتظمها إذ كانت منسوبة إلى الآباء فاكتفى بذكر ~~بيوتهم عن ذكر بيوت أبنائهم # وقال صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك # فأضاف الملك إليه # وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب ~~أولادكم فلما أضاف ملك الابن إلى الأب # وأباح أكله له وسماه له كسبا كان المثبت لابنه حقا بشهادته بمنزلة مثبته ~~لنفسه ومعلوم بطلان شهادته لنفسه فكذلك لابنه وإذا ثبت ذلك في الابن كان ~~ذلك حكم شهادة الابن لأبيه إذ لم يفرق أحد بينهما فإن قيل إذا كان الشاهد ~~عدلا فواجب قبول شهادته لهؤلاء كما نقبلها لأجنبي وإن كانت شهادته لهؤلاء ~~غير مقبولة لأجل التهمة فغير جائز قبولها للأجنبي لأن من كان متهما في ~~الشهادة لابنه بما ليس بحق له فجائزة عليه مثل هذه التهمة للأجنبي قيل له ~~ليست التهمة المانعة من قبول شهادته لابنه ولأبيه تهمة فسق ولا كذب وإنما ~~التهمة فيه من قبل أنه يصير فيها بمعنى المدعي لنفسه ألا ترى أن أحدا من ~~الناس وإن ظهرت أمانته وصحت عدالته لا يجوز أن يكون مصدقا فيما يدعيه لنفسه ~~لا على جهة تكذيبه ولكن من جهة أن كل مدع لنفسه فدعواه غير ثابتة إلا ببينة ~~تشهد له بها فالشاهد لابنه بمنزلة المدعي لنفسه لما بينا وكذلك قال أصحابنا ~~إن كل شاهد يجر بشهادته «16- أحكام في» # PageV02P241 # إلى نفسه مغنما أو يدفع بها عن نفسه مغرما فغير مقبول الشهادة لأنه حينئذ ~~يقوم مقام المدعي والمدعي لا يجوز أن يكون شاهدا فيما يدعيه ولا أحد من ~~الناس أصدق من نبي الله صلى الله عليه وسلم إذ دلت الأعلام المعجزة على أنه ~~لا يقول إلا حقا وأن الكذب غير جائز عليه مع وقوع العلم لنا بمغيب أمره ms0828 ~~وموافقة باطنه لظاهره ولم يقتصر فيما ادعاه لنفسه على دعواه دون شهادة غيره ~~حين طالبه الخصم بها وهو قصة خزيمة بن ثابت # حدثنا عبد الرحمن ابن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا أبو اليمان قال حدثنا شعيب عن الزهري قال حدثنا عمارة بن خزيمة ~~الأنصاري أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي وذكر القصة وقال فطفق الأعرابي يقول ~~هلم شهيدا يشهد أني قد بايعتك فقال خزيمة أنا أشهد أنك بايعته فأقبل النبي ~~صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال بم تشهد فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين # فلم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه على ما تقرر وثبت بالدلائل ~~والأعلام أنه لا يقول إلا حقا ولم يقل للأعرابي حين قال هلم شهيدا إنه لا ~~بينة عليه وكذلك سائر المدعين فعليهم إقامة بينة لا يجر بها إلى نفسه مغنما ~~ولا يدفع بها عنها مغرما وشهادة الوالد لولده يجر بها إلى نفسه أعظم المغنم ~~كشهادته لنفسه والله تعالى أعلم. ### | ومن هذا الباب أيضا شهادة أحد الزوجين للآخر # وقد اختلف الفقهاء فيها فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ~~والأوزاعي والليث لا تجوز شهادة واحد منهما للآخر وقال الثوري تجوز شهادة ~~الرجل لامرأته وقال الحسن بن صالح لا تجوز شهادة المرأة لزوجها وقال ~~الشافعي تجوز شهادة أحد الزوجين للآخر قال أبو بكر هذا نظير شهادة الوالد ~~للولد والولد للوالد وذلك من وجوه أحدها أنه معلوم تبسط كل واحد من الزوجين ~~في مال الآخر في العادة وأنه كالمباح الذي لا يحتاج فيه إلى الاستيذان فما ~~يثبته الزوج لامرأته بمنزلة ما يثبته لنفسه وكذلك ما تثبته المرأة لزوجها ~~ألا ترى أنه لا فرق في المعتاد بين تبسطه في مال الزوج والزوجة وبينه في ~~مال أبيه وابنه ولما كان كذلك وكانت شهادته لوالده وولده ms0829 غير جائزة كان ~~كذلك حكم شهادة الزوج والزوجة وأيضا فإن شهادته لزوجته بمال توجب زيادة ~~قيمة البضع الذي في ملكه لأن مهره مثلها يزيد بزيادة مالها فكان شاهدا ~~لنفسه بزيادة قيمة ما هو ملكه وقد # PageV02P242 # روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي لما ذكر له ~~أن عبده سرق مرة لامرأته عبدكم سرق مالكم لا قطع عليه فجعل مال كل واحد ~~منهما مضافا إليهما بالزوجية التي بينهما فما يثبته كل واحد لصاحبه فكأنه ~~يثبته لنفسه ومن جهة أخرى أنه كلما كثر مال الزوج كانت النفقة التي تستحقها ~~أكثر فكأنها شاهدة إذ كانت مستحقة للنفقة بحق الزوجية في حالي الفقر والغنى ~~فإن قال قائل فالأخت الفقيرة والأخ الزمن يستحقان للنفقة على أخيهما إذا ~~كان غنيا ولم يمنع ذلك جواز شهادتهما له قيل له ليست الأخوة موجبة ~~للاستحقاق لأن الغني لا يستحقها مع وجود النسب والفقير لا تجب عليه مع وجود ~~الأخوة والزوجية سبب لاستحقاقها فقيرا كان الزوج أو غنيا فكانت المرأة ~~مثبتة بشهادتها لنفسها زيادة النفقة مع وجود الزوجية الموجبة لها والنسب ~~ليس كذلك لأنه غير موجب للنفقة لوجوده بينهما فلذلك اختلفا. ### | ومن هذا الباب أيضا شهادة الأجير # وقد ذكر الطحاوي عن محمد بن سنان عن عيسى عن محمد عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة أن شهادة الأجير غير جائزة لمستأجره في شيء وإن كان عدلا استحسانا ~~قال أبو بكر روى هشام وابن رستم عن محمد أن شهادة الأجير الخاص غير جائزة ~~لمستأجره وتجوز شهادة الأجير المشترك له ولم يذكر خلافا عن أحد منهم وهو ~~قول عبيد الله بن الحسن وقال مالك لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره إلا أن ~~يكون مبرزا في العدالة وإن كان الأجير في عياله لم تجز شهادته له وقال ~~الأوزاعي لا تجوز شهادة الأجير لمستأجره وقال الثوري شهادة الأجير جائزة ~~إذا كان لا يجر إلى نفسه # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا أبو عمر ~~الحوضي ms0830 قال حدثنا محمد بن راشد عن سليمان ابن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وشهادة ذي ~~الغمر على أخيه ورد القانع لأهل البيت وأجازها على غيرهم # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا محمد بن راشد بإسناده ~~مثله إلا أنه قال ورد شهادة القانع لأهل البيت # قال أبو بكر قوله القانع لأهل البيت يدخل فيه الأجير الخاص لأن معناه ~~التابع لهم والأجير الخاص هذه صفته وأما الأجير المشترك فهو وسائر الناس في ~~ماله بمنزلة فلا يمنع ذلك جواز شهادته وكذلك شريك العنان تجوز شهادته # PageV02P243 # له في غير مال الشركة وقال أصحابنا كل شهادة ردت للتهمة لم تقبل أبدا مثل ~~شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت لفسقه ثم تاب وأصلح فشهد بتلك الشهادة لم ~~تقبل أبدا ومثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت ثم شهد بها بعد زوال ~~الزوجية لم تقبل أبدا وقالوا لو شهد عبد بشهادة أو كافر أو صبي فردت ثم ~~أعتق العبد أو أسلم الكافر أو كبر الصبى أو عتق العبد وشهد بها لم تقبل ~~أبدا ولو لم تكن ردت قبل ذلك فإنها جائزة وروي عن عثمان بن عفان مثل قول ~~مالك وإنما قال أصحابنا إنها إذا ردت لتهمة لم تقبل أبدا من قبل أن الحاكم ~~قد حكم بإبطالها وحكم الحاكم لا يجوز فسخه إلا بحكم ولا يصح فسخه بما لا ~~يثبت من جهة الحكم فلما لم يصح الحكم بزوال التهمة التي من أجلها ردت ~~الشهادة كان حكم الحاكم بإبطال تلك الشهادة ماضيا لا يجوز فسخه أبدا وأما ~~الرق والكفر والصغر فإن المعاني التي ردت من أجلها وحكم الحاكم بإبطالها ~~محكوم بزوالها لأن الحرية والإسلام والبلوغ كل ذلك مما يحكم به الحاكم فلما ~~صح حكم الحاكم بزوال المعاني التي من أجلها بطلت شهادتهم وجب أن تقبل ولما ~~لم يصح أن يحكم الحاكم بزوال التهمة لأن ذلك معنى لا تقوم به البينة ms0831 ولا ~~يحكم به الحاكم كان حكم الحاكم بإبطالها ماضيا إذا كان ما ثبت من طريق ~~الحكم لا ينفسخ إلا من جهة الحكم فهذه الأمور الثلاثة التي ذكرناها من ~~العدالة ونفي التهمة وقلة الغفلة هي من شرائط الشهادات وقد انتظمها قوله ~~تعالى ممن ترضون من الشهداء فانظر إلى كثرة هذه المعاني والفوائد والدلالات ~~على الأحكام التي في ضمن قوله تعالى ممن ترضون من الشهداء مع قلة حروفه ~~وبلاغة لفظه ووجازته واختصاره وظهور فوائده وجميع ما ذكرنا من عند ذكرنا ~~لمعنى هذا اللفظ من أقاويل السلف والخلف واستنباط كل واحد منهم ما في ~~مضمونه وتحريم موافقته مع احتماله لجميع ذلك يدل على أنه كلام الله ومن ~~عنده تعالى وتقدس إذ ليس في وسع المخلوقين إيراد لفظ يتضمن من المعاني ~~والدلالات والفوائد والأحكام ما تضمنه هذا القول مع اختصاره وقلة عدد حروفه ~~وعسى أن يكون ما لم يحط به علمنا من معانيه مما لو كتب لطال وكثر والله ~~نسئل التوفيق لنعلم أحكامه ودلائل كتابه وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه قوله ~~تعالى عز وجل أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى قرئ فتذكر إحداهما ~~الأخرى بالتشديد وقرئ فتذكر إحداهما الأخرى بالتخفيف وقيل إن معناهما قد ~~يكون # PageV02P244 # واحدا يقال ذكرته وذكرته وروي ذلك عن الربيع بن أنس والسدي والضحاك ~~وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو عبيد مؤمل الصيرفي قال حدثنا أبو ~~يعلى البصري قال حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال من قرأ فتذكر مخففة أراد ~~تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر ومن قرأ فتذكر بالتشديد أراد من جهة ~~التذكير وروي ذلك عن سفيان ابن عيينة قال أبو بكر إذا كان محتملا للأمرين ~~وجب حمل كل واحدة من القراءتين على معنى وفائدة مجددة فيكون قوله تعالى ~~فتذكر بالتخفيف تجعلهما جميعا بمنزلة رجل واحد في ضبط الشهادة وحفظها ~~وإتقانها وقوله تعالى فتذكر من التذكير عند النسيان واستعمال كل واحد منهما ~~على موجب دلالتيهما أولى من الاقتصار بها على موجب دلالة أحدهما ويدل على ~~ذلك أيضا # قول النبي ms0832 صلى الله عليه وسلم ما رأيت ناقصات عقل ودين أغلب لعقول ذوي ~~الألباب منهن قيل يا رسول الله وما نقصان عقلهن قال جعل شهادة امرأتين ~~بشهادة رجل # فهذا موافق لمعنى من تأول فتذكر إحداهما الأخرى على أنهما تصيران في ضبط ~~الشهادة وحفظها بمنزلة رجل وفي هذه الآية دلالة على أنه غير جائز لأحد ~~إقامة شهادة وإن عرف خطه إلا أن يكون ذاكرا لها ألا ترى ذكر ذلك بعد الكتاب ~~والإشهاد ثم قال تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فلم يقتصر بنا ~~على الكتاب والخط دون ذكر الشهادة وكذلك قوله تعالى ذلكم أقسط عند الله ~~وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به ~~لتستذكر به كيفية الشهادة وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها وفيها ~~الدلالة على أن الشاهد إذا قال ليس عندي شهادة في هذا الحق ثم قال عندي ~~شهادة فيه أنها مقبولة لقوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ~~فأجازها إذا ذكرها بعد نسيانها وذكر ابن رستم عن محمد رحمه الله في رجل سئل ~~عن شهادة في أمر كان يعلمه فقال ليس عندي شهادة ثم إنه شهد بها في ذلك عند ~~القاضي قال تقبل منه إذا كان عدلا لأنه يقول نسيتها ثم ذكرتها ولأن الحق ~~ليس له فيجوز قوله عليه وإنما الحق لغيره فكذلك تقبل شهادته فيه قال أبو ~~بكر يعني أنه ليس هذا مثل أن يقول المدعي ليس لي عنده هذا الحق ثم يدعيه ~~فلا تقبل دعواه له بعد إقراره لأنه أبرأه من الحق وأقر على نفسه فجاز ~~إقراره فلا تقبل دعواه بعد ذلك لذلك الحق لنفسه لأنه قد أبطلها بإقراره ~~وأما الشهادة فإنما هي حق للغير فلا يبطلها قوله ليس عندي شهادة وقوله # PageV02P245 # تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى يدل على صحة هذا القول وقد ~~اختلف الفقهاء في الشهادة على الخط فقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يشهد بها ~~حتى يذكرها وهذا هو المشهور من قولهم وروى ابن رستم ms0833 قال قلت لمحمد رجل يشهد ~~على شهادة وكتبها بخطه وختمها أو لم يختم عليها وقد عرف خطه قال إذا عرف ~~خطه وسعه أن يشهد عليها ختم عليها أو لم يختم قال فقلت إن كان أميا لا يقرأ ~~فكتب غيره له قال لا يشهد حتى يحفظ ويذكرها وقال أبو حنيفة ما وجد القاضي ~~في ديوانه لا يقتضى به إلا أن يذكره وقال أبو يوسف يقتضى به إذا كان في ~~قمطره وتحت خاتمه لأنه لو لم يفعله أضر بالناس وهو قول محمد ولا خلاف بينهم ~~أنه لا يمضي شيئا منه إذا لم يكن تحت خاتمه وأنه لا يمضي ما وجده في ديوانه ~~غيره من القضاة إلا أن يشهد به الشهود على حكم الحاكم الذي قبله وقال ابن ~~أبي ليلى مثل قول أبي يوسف فيما يجده في ديوانه وذكر أبو يوسف أيضا عن ابن ~~أبي ليلى إذا أقر عند القاضي لخصمه فلم يثبته في ديوانه ولم يقض به عليه ثم ~~سأله المقر له به أن يقضي له على خصمه فإنه لا يقضي به عليه في قول ابن أبي ~~ليلى وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يقضي به عليه إذا كان يذكره وقال مالك فيمن ~~عرف خطه ولم يذكر الشهادة إنه لا يشهد على ما في الكتاب ولكن يؤدي شهادته ~~إلى الحاكم كما علم وليس للحاكم أن يجيزها فإن كتب الذي عليه الحق شهادته ~~على نفسه في ذكر الحق ومات الشهود فأنكر فشهد رجلان أنه خط نفسه فإنه يحكم ~~عليه بالمال ولا يستحلف رب المال وذكر أشهب عنه فيمن عرف خطه ولا يذكر ~~الشهادة أنه يؤديها إلى السلطان ويعلمه ليرى فيه رأيه وقال الثوري إذا ذكر ~~أنه شهد ولا يذكر عدد الدراهم فإنه لا يشهد وإن كتبها عنده ولم يذكر إلا ~~أنه يعرف الكتاب فإنه إذا ذكر أنه شهد وأنه قد كتبها فأرى أن يشهد على ~~الكتاب وقال الليث إذا عرف أنه خط يده وكان ممن يعلم أنه لا يشهد إلا بحق ~~فليشهد وقال الشافعي ms0834 إذا ذكر إقرار المقر حكم به عليه أثبته في ديوانه أو ~~لم يثبته لأنه لا معنى للديوان إلا الذكر وقال في كتاب المزني إنه لا يشهد ~~حتى يذكر قال أبو بكر قد ذكرنا دلالة قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى ودلالة قوله تعالى بعد ذكر الكتاب ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا على أن من شرط جواز إقامة الشهادة ذكر الشاهد ~~لها وأنه # لا يجوز الاقتصار فيها على الخط إذ الخط والكتاب مأمور به لتذكر به # PageV02P246 # الشهادة ويدل عليه أيضا قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون فإذا لم ~~يذكرها فهو غير عالم بها وقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم يدل على ذلك ~~ويدل عليه # حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأيت مثل الشمس ~~فاشهد وإلا فدع # وقد تقدم ذكر سنده وأما الخط فقد يزور عليه وقد يشتبه على الشاهد فيظن ~~أنه خطه وليس بخطه ولما كانت الشهادة من مشاهدة الشيء وحقيقة العلم به فمن ~~لا يذكر الشهادة فهو بخلاف هذه الصفة فلا تجوز له إقامة الشهادة به وقد أكد ~~أمر الشهادة حتى صار لا يقبل فيها إلا صريح لفظها ولا يقبل ما يقوم مقامها ~~من الألفاظ فكيف يجوز العمل على الخط الذي يجوز عليه التزوير والتبديل وقد ~~روي عن أبي معاوية النخعي عن الشعبي فيمن عرف الخط والخاتم ولا يذكر ~~الشهادة أنه لا يشهد به حتى يذكرها وقوله تعالى أن تضل إحداهما معناه أن ~~ينساها لأن الضلال هو الذهاب عن الشيء فلما كان الناسي ذاهبا عما نسيه جاز ~~أن يقال ضل عنه بمعنى أنه نسيه وقد يقال أيضا ضلت عنه الشهادة وضل عنها ~~والمعنى واحد والله تعالى أعلم. ### | باب الشاهد واليمين # اختلف الفقهاء في الحكم بشاهد واحد مع يمين الطالب فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة لا يحكم إلا بشاهدين ولا يقبل شاهد ويمين في ~~شيء وقال مالك والشافعي يحكم به ms0835 في الأموال خاصة قال أبو بكر قوله تعالى ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من ~~الشهداء يوجب بطلان القول بالشاهد واليمين وذلك لأن قوله واستشهدوا يتضمن ~~الإشهاد على عقود المداينات التي ابتدأ في الخطاب بذكرها ويتضمن إقامتها ~~عند الحاكم ولزوم الحاكم الأخذ بها لاحتمال اللفظ للحالين ولأن الإشهاد على ~~العقد إنما الغرض فيه إثباته عند التجاحد فقد تضمن لا محالة استشهاد ~~الشاهدين أو الرجل والمرأتين على العقد عند الحاكم وإلزامه الحكم به وإذا ~~كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب لأنه أمر وأوامر الله على الوجوب فقد ~~ألزم الله الحاكم الحكم بالعدد المذكور كقوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~وقوله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولم يجز الاقتصار على ما دون ~~العدد المذكور كذلك العدد المذكور للشهادة غير جائز الاقتصار فيه على ما ~~دونه وفي تجويز أقل منه # PageV02P247 # مخالفة الكتاب كما لو أجاز مجيز أن يكون حد القذف سبعين أو حد الزنا ~~تسعين كان مخالفا للآية وأيضا قد انتظمت الآية شيئين من أمر الشهود أحدهما ~~العدد والآخر الصفة وهي أن يكونوا أحرارا مرضيين لقوله تعالى من رجالكم ~~وقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء فلما لم يجز إسقاط الصفة المشروطة لهم ~~والاقتصار على دونها لم يجز إسقاط العدد إذ كانت الآية مقتضية لاستيفاء ~~الأمرين في تنفيذ الحكم بها وهو العدد والعدالة والرضا فغير جائز إسقاط ~~واحد منهما والعدد أولى بالاعتبار من العدالة والرضا لأن العدد معلوم من ~~جهة اليقين والعدالة إنما نثبتها من طريق الظاهر لا من طريق الحقيقة فلما ~~لم يجز إسقاط العدالة المشروطة من طريق الظاهر لم يجز إسقاط العدد المعلوم ~~من جهة الحقيقة واليقين وأيضا فلما أراد الله الاحتياط في إجازة شهادة ~~النساء أوجب شهادة المرأتين وقال أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ثم ~~قال ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا فنفى بذلك أسباب ~~التهمة والريب والنسيان وفي مضمون ذلك ما ينفي قبول يمين الطالب والحكم له ~~بشاهد واحد ms0836 لما فيه من الحكم بغير ما أمر به من الاحتياط والاستظهار ونفي ~~الريبة والشك وفي قبول يمينه أعظم الريب والشك وأكبر التهمة وذلك خلاف ~~مقتضى الآية ويدل على بطلان الشاهد واليمين قول الله تعالى ممن ترضون من ~~الشهداء وقد علمنا أن الشاهد الواحد غير مقبول ولا مراد بالآية ويمين ~~الطالب لا يجوز أن يقع عليها إثم الشاهد ولا يجوز أن يكون رضي فيما يدعيه ~~لنفسه فالحكم بشاهد واحد ويمينه مخالف للآية من هذه الوجوه ورافع لما قصد ~~به من أمر الشهادات من الاحتياط والوثيقة على ما بين الله في هذه الآية ~~وقصد به من المعاني المقصودة بها ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه # وفرق بين اليمين والبينة فغير جائز أن تكون اليمين بينة لأنه لو جاز أن ~~تسمى اليمين بينة لكان بمنزلة قول القائل البينة على المدعي والبينة على ~~المدعى عليه وقوله البينة اسم للجنس فاستوعب ما تحتها فما من بينة إلا وهي ~~التي على المدعي فإذا لا يجوز أن يكون عليه اليمين وأيضا لما كانت البينة ~~لفظا مجملا قد يقع على معان مختلفة واتفقوا أن الشاهدين والشاهد والمرأتين ~~مرادون بهذا الخبر وأن الاسم يقع عليهم صار # كقوله الشاهدان أو الشاهد والمرأتان على المدعي فغير جائز الاقتصار على ~~ما دونهم # وهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد فإن # PageV02P248 # الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال فصار في حيز المتواتر ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم ~~وأموالهم # فحوى هذا الخبر ضربين من الدلالة على بطلان القول بالشاهد واليمين أحدهما ~~أن يمينه دعواه لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد فلو استحق بيمينه كان مستحقا ~~بدعواه وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك والثاني أن دعواه لما كانت ~~ومنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحق بها شيئا لم يجز أن يستحق بيمينه ~~إذ كانت يمينه قوله ويدل على ذلك # حديث علقمة بن وائل بن حجر ms0837 عن أبيه في الحضرمي الذي خاصم الكندي في أرض ~~ادعاها في يده وجحد الكندي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي شاهداك ~~أو يمينه ليس لك إلا ذلك # فنفى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحق شيئا بغير شاهدين وأخبر أنه لا ~~شيء له غير ذلك فإن قيل لم ينف بذلك أن يستحق بإقرار المدعى عليه كذلك لا ~~ينفي أن يستحق بشاهد ويمين قيل له قد كان المدعى عليه جاحدا فبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم حكم ما يوجب صحة دعواه عند الجحود فأما حال الإقرار فلم يجز ~~لها ذكر وهي موقوفة على الدلالة وأيضا فإن ظاهره يقتضي أن لا يستحق شيئا ~~إلا ما ذكرنا في الخبر والإقرار قد ثبت بالإجماع وجوب الاستحقاق به فحكمنا ~~به أو الشاهد واليمين مختلف فيه فقضى قوله شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ~~ببطلانه واحتج القائلون بالشاهد واليمين بأخبار رويت مبهمة ذكر فيها قضية ~~النبي صلى الله عليه وسلم به أنا ذاكرها ومبين ما فيها أحدها ما # حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا أبو سعيد قال حدثنا سليمان قال حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهل ~~بن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع ~~الشاهد # وروى عثمان بن الحكم عن زهير ابن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن ~~زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وحديث آخر # وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي ~~شيبة والحسن بن علي أن زيد بن الحباب حدثهم قال حدثنا سيف يعني ابن سليمان ~~المكي عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قضى بيمين وشاهد # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى وسلمة بن ~~شبيب قالا حدثنا عبد ms0838 الرزاق قال أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار ~~بإسناده ومعناه # وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الرحمن بن أحمد قال حدثني أبي ~~قال حدثنا عبد الله بن الحرث قال حدثنا # PageV02P249 # سيف بن سليمان عن قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد # قال عمرو وإنما ذاك في الأموال # وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا وكيع قال حدثنا خلد بن أبي كريمة عن أبي جعفر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أجاز شهادة رجل مع يمين المدعي في الحقوق ورواه مالك وسفيان عن ~~جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى بشهادة رجل مع ~~اليمين # قال أبو بكر والمانع من قبول هذه الأخبار وإيجاب الحكم بالشاهد واليمين ~~بها وجوه أحدها فساد طرقها والثاني جحود المروي عنه روايتها والثالث رد نص ~~القرآن لها والرابع أنها لو سلمت من الطعن والفساد لما دلت على قول المخالف ~~والخامس احتمالها لموافقة الكتاب فأما فسادها من طريق النقل فإن حديث سيف ~~بن سليمان غير ثابت لضعف سيف بن سليمان هذا ولأن عمرو بن دينار لا يصح له ~~سماع من ابن عباس فلا يصح لمخالفنا الاحتجاج به # وحدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ~~حدثنا أبو سلمة الخزاعي قال حدثنا سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن عن إسماعيل بن عمرو بن قيس بن سعد بن عبادة عن أبيه أنهم وجدوا في ~~كتاب سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد # فلو كان عنده عن عمرو بن دينار عن ابن عباس لذكره ولم يلجأ إلى ما وجده ~~في كتاب وأما # حديث سهيل فإن محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبي بكر ~~أبو مصعب الزهري ms0839 قال حدثنا الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل ~~بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين ~~مع الشاهد # قال أبو داود وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث قال أخبرنا ~~الشافعي عن عبد العزيز قال فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة ~~أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبد العزيز وقد كان أصابت سهيلا علة أزالت ~~بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن داود الإسكندراني قال ~~حدثنا زياد يعني ابن يونس قال حدثني سليمان بن بلال عن ربيعة بإسناد أبي ~~مصعب ومعناه قال سليمان فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث فقال ما أعرفه ~~فقلت له إن ربيعة أخبرني به عنك قال فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ~~ربيعة عني ومثل هذا الحديث لا يثبت به شريعة مع إنكار من روي # PageV02P250 # عنه إياه وفقد معرفته به فإن قال قائل يجوز أن يكون رواه ثم نسيه قيل له ~~ويجوز أن يكون قد وهم بديا فيه وروى ما لم يكن سمعه وقد علمنا أنه كان آخر ~~أمره جحوده وفقد العلم به فهو أولى وأما حديث جعفر بن محمد فإنه مرسل وقد ~~وصله عبد الوهاب الثقفي وقيل إنه أخطأ فيه فذكر فيه جابرا وإنما هو عن أبي ~~جعفر محمد بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر فهذه الأمور ~~التي ذكرنا إحدى العلل المانعة من قبول هذه الأخبار وإثبات الأحكام بها ومن ~~جهة أخرى وهو ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال ~~حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل عن سوار بن عبد الله قال سألت ربيعة الرأي قلت ~~قولكم شهادة الشاهد ويمين صاحب الحق قال وجدت في كتاب سعد فلو كان حديث ~~سهيل صحيحا عند ربيعة لذكره ولم يعتمد على ما ms0840 وجد في كتاب سعد وحدثنا عبد ~~الرحمن ابن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد ~~الرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري في اليمين مع الشاهد قال هذا شيء أحدثه ~~الناس لا إلا شاهدين حدثنا حماد بن خالد الخياط قال سألت ابن أبي ذئب إيش ~~كان الزهري يقول في اليمين مع الشاهد قال كان يقول بدعة وأول من أجازه ~~معاوية وروى محمد بن الحسن عن ابن أبي ذئب قال سألت الزهري عن شهادة شاهد ~~ويمين الطالب فقال ما أعرفه وإنها البدعة وأول من قضى به معاوية والزهري من ~~أعلم أهل المدينة في وقته فلو كان هذا الخبر ثابتا كيف كان يخفى مثله عليه ~~وهو أصل كبير من أصول الأحكام وعلى أنه قد علم أن معاوية أول من قضى به ~~وأنه بدعة وقد روي عن معاوية أنه قضى بشهادة امرأة واحدة في المال من غير ~~يمين الطالب حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال ~~حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق وروح ومحمد بن بكر قالوا أخبرنا ابن جريج ~~قال أخبرني عبد الله ابن أبي مليكة أن علقمة بن أبي وقاص أخبره أن أم سلمة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم شهدت لمحمد بن عبد الله بن زهير وإخوته أن ~~ربيعة بن أبي أمية أعطى أخاه زهير بن أبي أمية نصيبه من ريعه ولم يشهد على ~~ذلك غيرها فأجاز معاوية شهادتها وحدها وعلقمة حاضر ذلك من قضاء معاوية فإن ~~كان قضاء معاوية بالشاهد مع اليمين جائزا فينبغي أن يجوز أيضا قضاؤه ~~بالشاهد من غير يمين الطالب فاقضوا بمثله وأبطلوا حكم الكتاب والسنة وحدثنا ~~عبد الرحمن بن سيما قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا ~~عبد الرزاق قال # PageV02P251 # أخبرنا ابن جريج قال كان عطاء يقول لا يجوز شهادة على دين ولا غيره دون ~~شاهدين حتى إذا كان عبد الملك بن مروان جعل مع شهادة الرجل الواحد يمين ~~الطالب وروى ms0841 مطرف بن مازن قاضي أهل اليمن عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح ~~قال أدركت هذا البلد يعني مكة وما يقضى فيه في الحقوق إلا بشاهدين حتى كان ~~عبد الملك بن مروان يقضي بشاهد ويمين وروى الليث بن سعد عن زريق بن حكيم ~~أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عامله إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة ~~الشاهد ويمين صاحب الحق فكتب إليه عمر إنا قد كنا نقضي كذلك وإنا وجدنا ~~الناس على غير ذلك فلا تقضين # إلا بشهادة رجلين أو برجل وامرأتين فقد أخبر هؤلاء السلف إن القضاء ~~باليمين سنة معاوية وعبد الملك وأنه ليس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلو ~~كان ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لما خفي على علماء التابعين فهذان ~~الوجهان اللذان ذكرنا أحدهما فساد السند واضطرابه والثاني جحود سهيل له وهو ~~العمدة فيه وإخبار ربيعة أن أصله ما وجد في كتاب سعد وإنكار علماء التابعين ~~وإخبارهم أنه بدعة وأن معاوية وعبد الملك أول من قضى به والوجه الثالث إنها ~~لو وردت من طرق مستقيمة تقبل أخبار الآحاد في مثلها وعريت من ظهور نكير ~~السلف على روايتها وإخبارهم إنها بدعة لما جاز الاعتراض بها على نص القرآن ~~إذ غير جائز نسخ القرآن بأخبار الآحاد ووجه النسخ منه أن المفهوم منه الذي ~~لا يرتاب به أحد من سامعي الآية من أهل اللغة حظر قبول أقل من شاهدين أو ~~رجل وامرأتين وفي استعمال هذا الخبر ترك موجب الآية والاقتصار على أقل من ~~العدد المذكور إذ غير جائز أن ينطوي تحت ذكر العدد المذكور في الآية الشاهد ~~واليمين كما كان المفهوم من قوله فاجلدوهم ثمانين جلدة وقوله فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة منع الاقتصار على أقل منها في كونها حدا فإن قال قائل ~~جائز أن يكون حد القاذف أقل من ثمانين وحد الزاني أقل من مائة كان مخالفا ~~للآية كذلك من قبل شهادة رجل واحد فقد خالف أمر الله تعالى في استشهاد ~~شاهدين وهو ms0842 مخالف لمعنى الآية كذلك من وجه آخر وهو ما أبان الله تعالى به ~~عن المقصد في الكتاب واستشهاد الشهود في قوله ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهادة وأدنى ألا ترتابوا وقوله ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى فأخبر أن المقصد فيه الاحتياط والتوثق لصاحب الحق ~~والاستظهار بالكتاب والشهود لنفي الريبة # PageV02P252 # والشك والتهمة عن الشهود في قوله ممن ترضون من الشهداء وفي الحكم بشاهد ~~ويمين رفع هذه المعاني كلها وإسقاط اعتبارها فثبت بما وصفنا أن الحكم بها ~~خلاف الآية فهذان الوجهان مما قد ظهر بهما مخالفة الحكم بالشاهد واليمين ~~للآية وأيضا فلما كان حكم القرآن في الشاهدين والرجل والمرأتين مستعملا ~~ثابتا وكانت أخبار الشاهد واليمين مختلفا فيها وجب أن يكون خبر الشاهد ~~واليمين منسوخا بالقرآن لأنه لو كان ثابتا لا تفق على استعمال حكمه ~~كاتفاقهم على استعمال حكم القرآن والوجه الرابع أن خبر الشاهد واليمين لو ~~سلم من معارضة الكتاب وورد من طرق مستقيمة لما صح الاحتجاج به في الاستحقاق ~~فشاهد ويمين الطالب وذلك أن أكثر ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى ~~بشاهد ويمين وهذه حكاية قضية من النبي صلى الله عليه وسلم ليس بلفظ عموم في ~~إيجاب الحكم بشاهد ويمين حتى يحتج به في غيره ولم يبين لنا كيفيتها في ~~الخبر # وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد # وذلك محتمل أن يريد به أن وجود الشاهد الواحد لا يمنع استحلاف المدعى ~~عليه إن استحلفه مع شهادة شاهد فأفاد أن شهادة الشاهد الواحد لا تمنع ~~استحلاف المدعى عليه وأن وجوده وعدمه بمنزلة وقد كان يجوز أن يظن ظان أن ~~اليمين إنما تجب على المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي شاهد أصلا فأبطل الراوي ~~بنقله لهذه القضية ظن الظان لذلك وأيضا فإن الشاهد قد يكون اسما للجنس ~~فجائز أن يكون مراد الراوي أنه قضى باليمين في حال وبالبينة في حال فلا ~~يكون حكم الشاهد مفيدا للقضاء بشهادة واحد ms0843 وهذا كقوله تعالى والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما لما كان اسما للجنس لم يكن المراد سارقا واحدا ~~وجائز أن يكون قضى بشاهد واحد وهو خزيمة بن ثابت الذي جعل شهادته بشهادة ~~رجلين فاستحلف الطالب مع ذلك لأن المطلوب ادعى البراءة والوجه الخامس ~~احتماله لموافقة مذهبنا وذلك بأن تكون القضية فيمن اشترى جارية وادعى عيبا ~~في موضع لا يجوز النظر إليه إلا لعذر فتقبل شهادة الشاهد الواحد في وجود ~~العيب واستحلف المشتري مع ذلك بالله ما رضي فيكون قد قضى بالرد على البائع ~~بشهادة شاهد مع يمين الطالب وهو المشتري وإذا كان خبر الشاهد واليمين ~~محتملا لما وصفنا وجب حمله عليه وأن لا يزال به حكم ثابت من جهة نص القرآن ~~لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما ~~وافق كتاب الله فهو مني وما خالفه فليس منى # PageV02P253 # وأيضا فإن القضية المروية في الشاهد واليمين ليس فيها أنها كانت في ~~الأموال أو غيرها وقد اتفق الفقهاء على بطلانه في غير الأموال فكذلك في ~~الأموال فإن قيل قال عمرو ابن دينار ومذهبه وليس فيه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قضى بها في الأموال فإذا جاز أن لا يقضي في غير الأموال وإن كانت ~~القضية مبهمة ليس فيها بيان ذكر الأموال ولا غيرها فكذلك لا يقضي به في ~~الأموال إذا لم يبين كيفيتها وليس القضاء بها في الأموال بأولى منه في ~~غيرها فإن قيل إنما يقضي به فيما تقبل فيه شهادة رجل وامرأتين وهو الأموال ~~فتقوم يمين الطالب مقام شاهد واحد مع شهادة الآخر قيل له هذه دعوى لا دلالة ~~عليها ومع ذلك فكيف صارت يمين الطالب قائمة مقام شاهد آخر دون أن تقوم مقام ~~امرأة ويقال له أرأيت لو كان المدعي امرأة هل تقيم يمينها مقام شهادة رجل ~~فإن قال نعم قيل له فقد صارت اليمين آكد من الشهادة لأنك لا تقبل شهادة ~~امرأة واحدة في الحقوق وقبلت يمينها وأقمتها مقام شهادة رجل واحد ms0844 والله ~~تعالى إنما أمرنا بقبول من نرضى من الشهداء وإن كانت هذه شاهدة وقامت ~~يمينها مقام شهادة رجل فقد خالفت القرآن لأن أحدا لا يكون مرضيا فيما يدعيه ~~لنفسه ومما يدل على تناقض قولهم أنه لا خلاف أن شهادة الكافر غير مقبولة ~~على المسلم في عقود المداينات وكذلك شهادة الفاسق غير مقبولة ثم إن كان ~~المدعي كافرا أو فاسقا وشهد منه شاهد واحد استحلفوه واستحق ما يدعيه بيمينه ~~وهو لو شهد مثل هذه الشهادة لغيره وحلف عليها خمسين يمينا لم تقبل شهادته ~~ولا أيمانه وإذا ادعى لنفسه وحلف استحق ما ادعى بقوله مع أنه غير مرضي ولا ~~مأمون لا في شهادته ولا في أيمانه وفي ذلك دليل على بطلان قولهم وتناقض ~~مذهبهم. # قوله عز وجل ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا روي عن سعيد بن جبير وعطاء ~~ومجاهد والشعبي وطاوس إذا ما دعوا لإقامتها وعن قتادة والربيع بن أنس إذا ~~دعوا لإثبات الشهادة في الكتب وقال ابن عباس والحسن هو على الأمرين جميعا ~~من إثباتها في الكتاب وإقامتها بعد علم الحاكم قال أبو بكر الظاهر أنه ~~عليهما جميعا لعموم اللفظ هو في الابتداء على إثبات الشهادة كأنه قال إذا ~~دعوا لإثبات شهاداتهم في الكتاب ولا خلاف أنه ليس على الشهود الحضور عند ~~المتعاقدين وإنما على المتعاقدين أن يحضرا عند الشهود فإذا حضرا هم وسألاهم ~~إثبات شهاداتهم في الكتاب فهذه الحال هي المرادة بقوله # PageV02P254 # إذا ما دعوا لإثبات الشهادة وأما إذا ما أثبتا شهادتهما ثم دعيا لإقامتها ~~عند الحاكم فهذا الدعاء هو كحضورهم عند الحاكم لأن الحاكم لا يحضر عند ~~الشاهدين ليشهدا عنده وإنما الشهود عليهم الحضور عند الحاكم فالدعاء الأول ~~إنما هو لإثبات الشهادة في الكتاب والدعاء والثاني لحضورهم عند الحاكم ~~وإقامة الشهادة عنده وقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم يجوز أن يكون ~~أيضا على الحالين من الابتداء والإقامة لها عند الحاكم وقوله تعالى أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى لا يدل على أن المراد ابتداء الشهادة لأنه ~~ذكر بعض ms0845 ما انتظمه اللفظ فلا دلالة فيه على خصوصه فيه دون غيره فإن قال ~~قائل لما قال ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا فسماهم شهداء دل على أن المراد ~~حال إقامتها عند الحاكم لأنهم لا يسمون شهداء قبل أن يشهدوا في الكتاب قيل ~~له هذا غلط لأن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فسماهما شهيدين ~~وأمر باستشهادهما قبل أن يشهدا لأنه لا خلاف أن حال الابتداء مرادة بهذا ~~اللفظ وهو كما قال تعالى فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فسماه زوجا ~~قبل أن تتزوج وإنما يلزم الشاهد إثبات الشهداء ابتداء ويلزمه إقامتها على ~~طريق الإيجاب إذا لم يجد من يشهد غيره وهو فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة ~~على الجنائز وغسل الموتى ودفنهم ومتى قام به بعض سقط عن الباقين وكذلك حكم ~~الشهادة في تحملها وأدائها والذي يدل على أنها فرض على الكفاية أنه غير ~~جائز للناس كلهم الامتناع من تحمل الشهادة ولو جاز لكل واحد أن يمتنع من ~~تحملها لبطلت الوثائق وضاعت الحقوق وكان فيه سقوط ما أمر الله تعالى به ~~وندب إليه من التوثق بالكتاب والإشهاد فدل ذلك على لزوم فرض إثبات الشهادة ~~في الجملة والدليل على أن فرضها غير معين على كل أحد في نفسه اتفاق ~~المسلمين على أنه ليس على كل أحد من الناس تحملها ويدل عليه قوله تعالى ولا ~~يضار كاتب ولا شهيد فإذا ثبت فرض التحمل على الكفاية كان حكم الأداء عند ~~الحاكم كذلك إذا قام بها البعض منهم سقط عن الباقين وإذا لم يكن في الكتاب ~~إلا شاهدان فقد تعين الفرض عليهما متى دعيا لإقامتها بقوله تعالى ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا وقال ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ~~وقال وأقيموا الشهادة لله وقوله يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم وإذا كان منهما مندوحة بإقامة غيرهما فقد سقط # PageV02P255 # الفرض منهما لما وصفنا قوله عز وجل ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا ms0846 ~~إلى أجله يعني والله أعلم لا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوا القليل الذي جرت ~~العادة بتأجيله والكثير الذي ندب فيه الكتاب والإشهاد لأنه معلوم أنه لم ~~يرد به القيراط والدانق ونحوه إذ ليس في العادة المدينة بمثله إلى أجل ~~فأبان أن حكم القليل المتعارف فيه التأجيل كحكم الكثير فيما ندب إليه من ~~الكتابة والإشهاد لما ثبت أن النزر اليسير غير مراد بالآية وأن قليل ما جرت ~~به العادة فهو مندوب إلى كتابته والإشهاد فيه وكل ما كان مبنيا على العادة ~~فطريقه الاجتهاد وغالب الظن وهذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الحوادث ~~التي لا توقيف فيها ولا اتفاق وقوله إلى أجله يعني إلى محل أجله فيكتب ذكر ~~الأجل في الكتاب ومحله كما كتب أصل الدين وهذا يدل على أن عليهما أن يكتبا ~~في الكتاب صفة الدين ونقده ومقداره لأن الأجل بعض أوصافه فحكم سائر أوصافه ~~بمنزلته # وقوله تعالى ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة فيه بيان أن الغرض الذي ~~أجرى بالأمر وبالكتاب واستشهاد الشهود هي الوثيقة والاحتياط للمتداينين عند ~~التجاحد ورفع الخلاف وبين المعنى المراد بالكتابة فأعلمهم أن ذلك أقسط عند ~~الله بمعنى أنه أعدل وأولى أن لا يقع فيه بينهم التظالم وأنه مع ذلك أقوم ~~للشهادة يعني والله أعلم أنه أثبت لها وأوضح منها لو لم تكن مكتوبة وأنه مع ~~ذلك أقرب إلى نفي الريبة والشك فيها فأبان لنا جل وعلا أنه أمر بالكتاب ~~والإشهاد احتياطا لنا في ديننا ودنيانا ودفع التظالم فيما بيننا وأخبر مع ~~ذلك أن في الكتاب من الاحتياط للشهادة ما نفى عنها الريب والشك وأنه أعدل ~~عند الله من أن لا يكون مكتوبا فيرتاب الشاهد فلا ينفك بعد ذلك من أن ~~يقيمها على ما فيها من الارتياب والشك فيقدم على محظور أو يتركها فلا ~~يقيمها فيضيع حق الطالب وفي هذا دليل على أن الشهادة لا تصح إلا مع زوال ~~الريب والشك فيها وأنه لا يجوز للشاهد إقامتها إذا لم يذكرها وإن عرف خطه ~~لأن الله ms0847 تعالى أخبر أن الكتاب مأمور به لئلا يرتاب بالشهادة فدل ذلك على ~~أنه لا تجوز له إقامتها مع الشك فيها فإذا كان الشك فيها يمنع فعدم الذكر ~~والعلم بها أولى أن يمنع صحتها قوله تعالى إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها يعني والله أعلم البياعات التي ~~يستحق كل واحد منهما على صاحبه تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل فأباح ~~ترك الكتاب فيها وذلك توسعة منه جل # PageV02P256 # وعز لعباده ورحمة لهم لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم في المأكول والمشروب ~~والأقوات التي حاجتهم إليها ماسة في أكثر الأوقات ثم قال تعالى في نسق هذا ~~الكلام وأشهدوا إذا تبايعتم وعمومه يقتضى الإشهادة على سائر عقود البياعات ~~بالأثمان العاجلة والآجلة وإنما خص التجارات الحاضرة غير المؤجلة بإباحة ~~ترك الكتاب فيها فأما الإشهاد مندوب إليه في جميعها إلا النزر اليسير الذي ~~ليس في العادة التوثق فيها بالإشهاد نحو شرى الخبز والبقل والماء وما جرى ~~مجرى ذلك وقد روي عن جماعة من السلف أنهم رأوا الإشهاد في شرى البقل ونحوه ~~ولو كان مندوبا إليه لنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف ~~والمتقدمين ولنقله الكافة لعموم الحاجة إليه وفي علمنا بأنهم كانوا ~~يتبايعون الأقوات وما لا يستغني الإنسان عن شرائه من غير نقل عنهم الإشهاد ~~فيه دلالة على أن الأمر بالإشهاد وإن كان ندبا وإرشادا فإنما هو في ~~البياعات المعقودة على ما يخشى فيه التجاحد من الأثمان الخطيرة والأبدال ~~النفيسة لما يتعلق بها من الحقوق لبعضهم على بعض من عيب إن وجده ورجوع ما ~~يجب لمبتاعيه باستحقاق مستحق لجميعه أو بعضه وكان المندوب إليه فيما تضمنته ~~هذه الآية الكتاب والإشهاد على البياعات المعقودة على أثمان آجلة والإشهاد ~~على البياعات الحاضرة دون الكتاب وروى الليث عن مجاهد في قوله تعالى ~~وأشهدوا إذا تبايعتم قال إذا كان نسيئة كتب وإذا كان نقدا أشهد وقال الحسن ~~في النقد إن أشهدت فهو ثقة وإن لم تشهد فلا بأس وعن الشعبي مثل ms0848 ذلك وقد قال ~~قوم إن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا وقد بينا ~~الصواب عندنا من ذلك فيما سلف قوله عز وجل ولا يضار كاتب ولا شهيد روى يزيد ~~بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال هي أن يجيء الرجل إلى الكاتب أو ~~الشاهد فيقول إني على حاجة فيقول إنك قد أمرت أن تجيب فلا يضار وعن طاوس ~~ومجاهد مثله وقال الحسن وقتادة لا يضار كاتب فيكتب ما لم يؤمر به ولا يضار ~~الشهيد فيزيد في شهادته وقرأ الحسن وقتادة وعطاء ولا يضار كاتب بكسر الراء ~~وقرأ عبد الله بن مسعود ومجاهد لا يضار بفتح الراء فكانت إحدى القرائتين ~~نهيا لصاحب الحق عن مضارة الكاتب والشهيد والقراءة الأخرى فيها نهي الكاتب ~~والشهيد عن مضارة صاحب الحق وكلاهما صحيح مستعمل فصاحب الحق منهي عن مضارة ~~الكاتب والشهيد بأن يشغلهما عن حوائجهما ويلح عليهما في الاشتغال «17- ~~أحكام في» # PageV02P257 # بكتابه وشهادته والكاتب والشهيد كل واحد منهما منهي # عن مضارة الطالب بأن يكتب الكتاب ما لم يمل ويشهد الشهيد بما لم يستشهد ~~ومن مضارة الشهيد للطالب القعود عن الشهادة وليس فيها إلا شاهدان فعليهما ~~فرض أدائها وترك مضارة الطالب بالامتناع من إقامتها وكذلك على الكاتب أن ~~يكتب إذا لم يجدا غيره فإن قيل قوله تعالى في التجارة فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها فرق بينها وبين الدين المؤجل دلالة على أن عليهم كتب الدين المؤجل ~~والإشهاد فيه قيل له ليس كذلك لأن الأمر بالإشهاد على عقود المداينات ~~المؤجلة لما كان مندوبا إليه وكان تاركه تاركا لما ندب إليه من الاحتياط ~~لما له جاز أن يعطف عليه قوله إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها بأن لا تكونوا تاركين لما ندبتم إليه بترك الكتابة ~~كما تكونوا تاركين الندب والاحتياط إذا لم تكتبوا الديون المؤجلة ولم ~~تشهدوا عليها ويحتمل قوله فليس عليكم جناح أنه لا ضرر عليكم في باب حياطة ~~الأموال لأن كل واحد منهما يسلم ما ms0849 استحق عليه بإزاء تسليم الآخر وقوله وإن ~~تفعلوا فإنه فسوق بكم عطفا على ذكر المضارة تدل على أن مضارة الطالب للكاتب ~~والشهيد ومضارتهما له فسق لقصد كل واحد منهم إلى مضارة صاحبه بعد نهي الله ~~تعالى عنها والله أعلم. ### | باب الرهن # قال الله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة يعني ~~والله أعلم إذا عدمتم التوثق بالكتاب والإشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة وقام ~~الرهن في باب التوثق في الحال التي لا يصل فيها إلى التوثق بالكتاب ~~والإشهاد مقامها وإنما ذكر حال السفر لأن الأغلب فيها عدم الكتاب والشهود ~~وقد روي عن مجاهد أنه كان يكره الرهن إلا في السفر وكان عطاء لا يرى به ~~بأسا في الحضر فذهب مجاهد إلى أن حكم الرهن لما كان مأخوذا من الآية وإنما ~~أباحته الآية في السفر لم يثبت في غيره وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك ~~ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر # وقد روى إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى ~~من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه # وروى قتادة عن أنس قال رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعا عند يهودي ~~بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله # فثبت جواز الرهن في الحضر بفعله صلى الله عليه وسلم وقال تعالى فاتبعوه ~~وقال لقد كان # PageV02P258 # لكم في رسول الله أسوة حسنة # فدل على أن تخصيص الله لحال السفر بذكر الرهن إنما هو لأن الأغلب فيها ~~عدم الكاتب والشهيد وهذا كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم في خمس وعشرين من الإبل ابنة مخاض وفي ست ~~وثلاثين ابنة لبون # لم يرد به وجود المخاض واللبن بالأم وإنما أخبر عن الأغلب الأعم من الحال ~~وإن كان جائزا أن لا يكون بأمها مخاض ولا لبن فكذلك ذكر السفر هو على هذا ~~الوجه وكذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر حتى يؤويه الجرين # والمراد استحكامه وجفافه لا حصوله في الجرين لأنه لو ms0850 حصل في بيته أو ~~حانوته بعد استحكامه وجفافه فسرقه سارق قطع فيه فكان ذكر الجرين على الأغلب ~~الأعم من حاله في استحكامه فكذلك ذكره لحال السفر هو على هذا المعنى وقوله ~~فرهان مقبوضة يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من وجهين أحدهما أنه عطف ~~على ما تقدم من قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهداء فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة ~~المشروطة للشهود واجبا وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة ~~فلا يصح إلا عليها كما لا تصح شهادة الشهود إلا على الأوصاف المذكورة إذ ~~كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب والوجه الثاني ~~أن حكم الرهن مأخوذ من الآية والآية إنما أجازته بهذه الصفة فغير جائز ~~إجازته على غيرها إذ ليس هاهنا أصل آخر يوجب جواز الرهن غير الآية ويدل على ~~أنه لا يصح إلا مقبوضا أنه معلوم أنه وثيقة لمرتهن بدينه ولو صح غير مقبوض ~~لبطل معنى الوثيقة وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن ~~فيها وإنما جعل وثيقة له ليكون محبوسا في يده بدينه فيكون عند الموت ~~والإفلاس أحق به من سائر الغرماء ومتى لم يكن في يده كان لغوا لا معنى فيه ~~وهو وسائر الغرماء فيه سواء ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسا بالثمن ما ~~دام في يد البائع فإن هو سلمه إلى المشتري سقط حقه وكان هو وسائر الغرماء ~~سواء فيه واختلف الفقهاء في إقرار المتعاقدين بقبض الرهن فقال أصحابنا ~~جميعا والشافعي إذا قامت البينة على إقرار الراهن بالقبض والمرتهن يدعيه ~~جازت الشهادة وحكم بصحة الرهن وعند مالك أن البينة غير مقبولة على إقرار ~~المصدق بالقبض حتى يشهدوا على معاينة القبض فقيل إن القياس قوله في الرهن ~~كذلك والدليل على جواز الشهادة على إقرارهما بقبض الرهن اتفاق # PageV02P259 # الجميع على جواز إقراره بالبيع والغصب والقتل فكذلك قبض الرهن والله ~~أعلم. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في رهن المشاع # قال ms0851 أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم ولا ~~فيما لا يقسم وقال مالك والشافعي يجوز فيما لا يقسم وما يقسم وذكر ابن ~~المبارك عن الثوري في رجل يرتهن الرهن ويستحق بعضه قال يحرج من الرهن ولكن ~~له أن يجبر الراهن على أن يجعله رهنا فإن مات قبل أن يجعله رهنا كان بينه ~~وبين الغرماء وقال الحسن بن صالح يجوز رهن المشاع فيما لا يقسم ولا يجوز ~~فيما يقسم قال أبو بكر لما صح بدلالة الآية أن الرهن لا يصح إلا مقبوضا من ~~حيث كان رهنه على جهة الوثيقة وكان في ارتفاع القبض ارتفاع معنى الرهن وهو ~~الوثيقة وجب أن لا يصح رهن المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم لأن المعنى ~~الموجب لاستحقاق القبض وإبطال الوثيقة مقارن العقد وهو الشركة التي يستحق ~~بها دفع القبض للمهايأة فلم يجز أن يصح مع وجود ما يبطله ألا ترى أنه متى ~~استحق ذلك القبض بالمهايأة وعاد إلى يد الشريك فقد بطل معنى الوثيقة وكان ~~بمنزلة الرهن الذي لم يقبض وليس ذلك بمنزلة عارية الرهن المقبوض إذا أعاده ~~لراهن فلا يبطل الرهن وله أن يرده إلى يده من قبل أن هذا القبض غير مستحق ~~وللمرتهن أخذه منه متى شاء وإنما هو ابتدأ به من غير أن يكون ذلك القبض ~~مستحقا بمعنى يقارن العقد وليس هذا أيضا بمنزلة هبة المشاع فيما لا يقسم ~~فيجوز عندنا وإن كان من شرط الهبة القبض كالرهن من قبل أن الذي يحتاج إليه ~~في الهبة من القبض لصحة الملك وليس من شرط بقاء الملك استصحاب اليد فلما صح ~~القبض بديا لم يكن في استحقاق اليد تأثير في رفع الملك ولما كان في استحقاق ~~المرتهن رفع معنى الوثيقة لم يصح مع وجود ما يبطله وينافيه فإن قيل هلا ~~أجزت رهنه من شريكه إذ ليس فيه استحقاق يده في الثاني لأن يده تكون باقية ~~عليه إلى وقت الفكاك قيل له لأن للشريك استخدامه إن كان عبدا بالمهايأة بحق ms0852 ~~ملكه ومن فعل ذلك لم يكن يده فيه يد رهن فقد استحقت يد الرهن في اليوم ~~الثاني فلا فرق بين الشريك وبين الأجنبي لوجود المعنى الموجب لاستحقاق قبض ~~الرهن مقارنا للعقد واختلف في رهن الدين فقال سائر الفقهاء لا يصح رهن ~~الدين بحال وقال ابن القاسم عن مالك في قياس قوله إذا كان لرجل على رجل دين ~~فبعته بيعا وارتهنت منه الدين الذي # PageV02P260 # له عليه فهو جائز وهو أقوى من أن يرتهن دينا على غيره لأنه جائز لما عليه ~~قال ويجوز في قول مالك أن يرهن الرجل الدين الذي يكون له على ذلك الرجل ~~ويبتاع من رجل بيعا ويرهن منه الدين الذي يكون له على ذلك الرجل ويقبض ذلك ~~الحق له ويشهد له وهذا قول لم يقل أحد به من أهل العلم سواه وهو فاسد أيضا ~~لقوله تعالى فرهان مقبوضة وقبض الدين لا يصح ما دام دينا لا إذا كان عليه ~~ولا إذا كان على غيره لأن الدين هو حق لا يصح فيه قبض وإنما يتأتى القبض في ~~الأعيان ومع ذلك فإنه لا يخلو ذلك الدين من أن يكون باقيا على حكم الضمان ~~الأول أو منتقلا إلى ضمان الرهن فإن انتقل إلى ضمان الرهن فالواجب أن يبرأ ~~من الفضل إذا كان الدين الذي به الرهن أقل من الرهن وإن كان باقيا على حكم ~~الضمان الأول فليس هو رهنا لبقائه على ما كان عليه والدين الذي على الغير ~~أبعد في الجواز لعدم الحيازة فيه والقبض بحال وقد اختلف الفقهاء في الرهن ~~إذا وضع على يدي عدل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري يصح ~~الرهن إذا جعلاه على يدي عدل ويكون مضمونا على المرتهن وهو قول الحسن وعطاء ~~والشعبي وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة والأوزاعي لا يجوز حتى يقبضه المرتهن ~~وقال مالك إذا جعلاه على يدي عدل فضياعه من الراهن وقال الشافعي في رهن شقص ~~السيف إن قبضه أن يحول حتى يضعه الراهن والمرتهن على يدي عدل أو على ms0853 يدي ~~الشريك قال أبو بكر قوله عز وجل فرهان مقبوضة يقتضي جوازه إذا قبضه العدل ~~إذ ليس فيه فصل بين قبض المرتهن والعدل وعمومه يقتضي جواز قبض كل واحد ~~منهما وأيضا # فإن العدل وكيل للمرتهن في القبض فكان القبض بمنزلة الوكالة في الهبة ~~وسائر المقبوضات بوكالة من له القبض فيها فإن قيل لو كان العدل وكيلا ~~للمرتهن لكان له أن يقبضه منه ولما كان العدل أن يمنعه إياه قيل له هذا لا ~~يخرجه عن أن يكون وكيلا وقابضا له وإن لم يكن له حق القبض من قبل أن الراهن ~~لم يرض بيده وإنما رضي بيد وكيله ألا ترى أن الوكيل بالشرى هو قابض للسلعة ~~للموكل وله أن يحبسها بالثمن ولو هلك قبل الحبس هلك من مال الموكل وليس ~~جواز حبس الوكيل الرهن عن المرتهن علما لنفي الوكالة وكونه قابضا له ويدل ~~على أن يد العدل يد المرتهن وأنه وكيله في القبض أن للمرتهن متى شاء أن ~~يفسخ هذا الرهن ويبطل يد العدل ويرده إلى الراهن وليس للراهن إبطال يد ~~العدل فدل ذلك # PageV02P261 # على أن العدل وكيل للمرتهن فإن قيل لو جعلا المبيع على يدي عدل لم يخرج ~~عن ضمان البيع ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري في قبضه كذلك المرتهن ~~قيل له الفرق بينهما أن العدل في البيع لو صار وكيلا للمشتري لخرج عن ضمان ~~البائع وفي خروجه من ضمان بائعه سقوط حقه منه ألا ترى أنه لو أجاز قبضه بطل ~~حقه ولم يكن له استرجاعه لأن المبيع ليس له إلا قبض واحد فمتى وجد سقط حق ~~البائع ولم يكن له أن يرده إلى يده وكذلك إذا أودعه إياه فلذلك لم يكن ~~العدل وكيلا للمشتري لأنه لو صار وكيلا له لصار قابضا له قبض بيع ولم يكن ~~المشتري ممنوعا منه فكان لا معنى لقبض العدل بل يكون المشتري كأنه قبضه ~~والبائع لم يرض بذلك فلم يجز إثباته ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري ~~ومن جهة أخرى أنه لو ms0854 قبضه للمشتري لتم البيع فيه وفي تمام البيع سقوط حق ~~البائع فيه فلا معنى لبقائه في يدي العدل بل يجب أن يأخذه المشتري والبائع ~~لم يرض بذلك وليس كذلك الرهن لأن كون العدل وكيلا للمرتهن لا يوجب إبطال حق ~~الراهن ألا ترى أن حق الراهن باق بعد قبض المرتهن فكذلك بعد قبض العدل فلا ~~فرق بين قبض العدل وقبض المرتهن وفارق العدل في الشرى لامتناع كونه وكيلا ~~للمشتري إذ كان يصير في معنى قبض المشتري في خروجه من ضمان البائع ودخوله ~~في ضمانه وفي معنى تمام البيع فيه وسقوط حق البائع منه والبائع لم يرض بذلك ~~ولا يجوز أن يكون عدلا للبائع من قبل أن حق الحبس موجب له بالعقد فلا يسقط ~~ذلك أو يرضى بتسليمه إلى المشتري أو يقبض الثمن والله أعلم. ### | باب ضمان الرهن # قال الله تعالى فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ~~فعطف بذكر الأمانة على الرهن فذلك يدل على أن الرهن ليس بأمانة وإذا لم يكن ~~أمانة كان مضمونا إذ لو كان الرهن أمانة لما عطف عليه الأمانة لأن الشيء لا ~~يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره واختلف الفقهاء في حكم الرهن فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى والحسن بن صالح الرهن مضمون بأقل ~~من قيمته ومن الدين وقال الثقفي عن عثمان البتي ما كان من رهن ذهبا أو فضة ~~أو ثيابا فهو مضمون يترادان الفضل وإن كان عقارا أو حيوانا فهلك فهو من مال ~~الراهن والمرتهن على حقه إلا أن يكون الراهن # PageV02P262 # اشترط الضمان فهو على شرطه وقال ابن وهب عن مالك إن علم هلاكه فهو من مال ~~الراهن ولا ينقص من حق المرتهن شيء وإن لم يعلم هلاكه فهو من مال المرتهن ~~وهو ضامن لقيمته يقال له صفه فإذا وصفه حلف على صفته وتسمية ماله فيه ثم ~~يقومه أهل البصر بذلك فإن كان فيه فضل عما سمى فيه أخذه الراهن وإن كان أقل ~~مما سمى ms0855 الراهن حلف على ما سمى وبطل عنه الفضل وإن أبى الراهن أن يحلف أعطي ~~المرتهن ما فضل بعد قيمة الرهن وروى عنه ابن القاسم مثل ذلك وقال فيه إذا ~~شرط أن المرتهن مصدق في ضياعه وأن لا ضمان عليه فيه فشرطه باطل وهو ضامن ~~وقال الأوزاعي إذا مات العبد الرهن فدينه باق لأن الرهن لا يغلق ومعنى قوله ~~لا يغلق الرهن أنه لا يكون بما فيه إذا علم ولكن يترادان الفضل إذا لم يعلم ~~هلاكه وقال الأوزاعي في قوله له غنمه وعليه غرمه قال فأما غنمه فإن كان فيه ~~فضل رد إليه وأما غرمه فإن كان فيه نقصان وفاه إياه وقال الليث الرهن مما ~~فيه إذا هلك ولم تقم بينة على ما فيه إذا اختلفا في ثمنه فإن قامت البينة ~~على ما فيه ترادا الفضل وقال الشافعي هو أمانة لا ضمان عليه فيه بحال إذا ~~هلك سواء كان هلاكه ظاهرا أو خفيا قال أبو بكر قد اتفق السلف عن الصحابة ~~والتابعين على ضمان الرهن لا نعلم بينهم خلافا فيه إلا أنهم اختلفوا في ~~كيفية ضمانه واختلفت الرواية عن علي رضي الله عنه فيه # فروى إسرائيل عن عبد الأعلى عن محمد بن علي عن علي قال إذا كان أكثر مما ~~رهن فهلك فهو بما فيه لأنه أمين في الفضل وإذا كان بأقل مما رهنه به فهلك ~~رد الراهن الفضل # وروى عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر مثله وهو قول إبراهيم النخعي # وروى الشعبي عن الحرث عن علي في الرهن إذا هلك قال يترادان الفضل # وروى قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي قال إذا كان فيه فضل فأصابته جائحة ~~فهو بما فيه وإن لم تصبه جائحة واتهم فإنه يرد الفضل # فروي عن علي هذه الروايات الثلاث وفي جميعها ضمانه إلا أنهم اختلفوا عنه ~~في كيفية الضمان على ما وصفنا وروي عن ابن عمر أنه يترادان الفضل وقال شريح ~~والحسن وطاوس والشعبي وابن شبرمة إن الرهن بما فيه وقال شريح وإن ms0856 كان خاتما ~~من حديد بمائة درهم فلما اتفق السلف على ضمانه وكان اختلافهم إنما هو في ~~كيفية الضمان كان قول القائل إنه أمانة غير مضمون خارجا عن قول الجميع وفي ~~الخروج عن اختلافهم مخالفة لإجماعهم وذلك أنهم لما اتفقوا على ضمانه فذلك ~~اتفاق منهم على # PageV02P263 # بطلان قول القائل بنفي ضمانه ولا فرق بين اختلافهم في كيفية ضمانه وبين ~~اتفاقهم على وجه واحد فيه أن يكون قد حصل من اتفاقهم أنه مضمون فهذا اتفاق ~~قاض بفساد قول من جعله أمانة وقد تقدم ذكر دلالة الآية على ضمانه ومما يدل ~~عليه من جهة السنة # حديث عبد الله بن المبارك عن مصعب بن ثابت قال سمعت عطاء يحدث أن رجلا ~~رهن فرسا فنفق في يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرتهن ذهب حقك ~~وفي لفظ آخر لا شيء لك # فقوله للمرتهن ذهب حقك # إخبار بسقوط دينه لأن حق المرتهن هو دينه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن علي الغنوي وعبد الوارث بن ~~إبراهيم قالا حدثنا إسماعيل بن أبي أمية الزارع قال حدثنا حماد بن سلمة عن ~~قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الرهن بما فيه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا المسيب ابن واضح ~~قال حدثنا ابن المبارك عن مصعب بن ثابت قال حدثنا علقمة بن مرثد عن محارب ~~بن دثار قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرهن بما فيه # والمفهوم من ذلك ضمانه بما فيه من الدين ألا ترى إلى قول شريح الرهن بما ~~فيه ولو خاتما من حديد وكذلك # قول محارب ابن دثار إنما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خاتم رهن ~~بدين فهلك أنه بما فيه # وظاهر ذلك يوجب أن يكون بما فيه قل الدين أو كثر إلا أنه قد قامت الدلالة ~~على أن مراده إذا كان الدين مثل الرهن أو أقل وأنه إذا كان الدين أكثر رد ~~الفضل ويدل على ms0857 أنه مضمون اتفاق الجميع على أن المرتهن أحق به بعد الموت من ~~سائر الغرماء حتى يباع فيستوفي دينه منه فدل ذلك على أنه مقبوض للاستيفاء ~~فقد وجب أن يكون مضمونا ضمان الاستيفاء لأن كل شيء مقبوض على وجه فإنما ~~يكون هلاكه على الوجه الذي هو مقبوض به كالمغصوب متى هلك هلك على ضمان ~~الغصب وكذلك المقبوض على بيع فاسد أو جائز إنما يهلك على الوجه الذي حصل ~~قبضه عليه فلما كان الرهن مقبوضا للاستيفاء بالدلالة التي ذكرنا وجب أن ~~يكون هلاكه على ذلك الوجه فيكون مستوفيا بهلاكه لدينه الذي يصح عليه ~~الاستيفاء فإذا كان الرهن أقل قيمة فغير جائز أن يجعل استيفاء العدة بما هو ~~أقل منها وإذا كان أكثر منه لم يجز أن يستوفى منه أكثر من مقدار دينه فيكون ~~أمينا في الفضل ويدل على ضمانه اتفاق الجميع على بطلان الرهن بالأعيان نحو ~~الودائع والمضاربة والشركة لا يصح الرهن بها لأنه لو هلك لم يكن مستوفيا ~~للعين وصح بالديون المضمونة وفي هذا دليل على أن الرهن مضمون # PageV02P264 # بالدين فيكون المرتهن مستوفيا له بهلاكه ويدل عليه أنا لم نجد في الوصول ~~حبسا لملك الغير لحق لا يتعلق به ضمان ألا ترى أن المبيع مضمون على البائع ~~حتى يسلمه إلى المشتري لما كان محبوسا بالثمن وكذلك الشيء المستأجر يكون ~~محبوسا في يد مستأجره مضمونا بالمنافع استعمله أو لم يستعمله ويلزمه بحبسه ~~ضمان الأجرة التي هي بدل المنافع فثبت أن حبس ملك الغير لا يخلو من تعلق ~~ضمان واحتج الشافعي لكونه أمانة # بحديث ابن أبي ذؤيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه # قال الشافعي ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أبو بكر إنما يوصله يحيى بن أبي أنيسة وقوله له غنمه وعليه غرمه من ~~كلام سعيد ابن المسيب كما # روى مالك ويونس وابن أبي ذؤيب عن ms0858 ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال لا يغلق الرهن # قال يونس بن زيد قال ابن شهاب وكان ابن المسيب يقول الرهن لمن رهنه له ~~غنمه وعليه غرمه فأخبر ابن شهاب أن هذا قول ابن المسيب لا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولو كان ابن المسيب قد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما قال وكان ابن المسيب يقول ذلك بل كان يغرمه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاحتج الشافعي بقوله له غنمه وعليه غرمه بأنه قد أوجب لصاحب الرهن ~~زيادته وجعل عليه نقصانه والدين بحاله قال أبو بكر فأما # قوله لا يغلق الرهن # فإن إبراهيم النخعي وطاوسا ذكرا جميعا أنهم كانوا يرهنون ويقولون إن جئتك ~~بالمال إلى وقت كذا وإلا فهو لك # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن # وتأوله على ذلك أيضا مالك وسفيان وقال أبو عبيد لا يجوز في كلام العرب أن ~~يقال للرهن إذا ضاع قد غلق الرهن إنما يقال غلق إذا استحقه المرتهن فذهب به ~~وهذا كان من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم # بقوله لا يغلق الرهن # وقال بعض أهل اللغة إنهم يقولون غلق الرهن إذا ذهب بغير شيء قال زهير: # وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا # يعني ذهبت بقلبه شيء ومنه قول الأعشى: # فهل يمنعني ارتياد البلا ... دمن حذر الموت أن يأتين # علي رقيب له حافظ ... فقل في امرئ غلق مرتهن # فقال في البيت الثاني فقل في امرئ غلق مرتهن يعني أنه يموت فيذهب بغير ~~شيء كأن لم # PageV02P265 # يكن فهذا يدل على أن قوله لا يغلق الرهن ينصرف على وجهين أحدهما إن كان ~~قائما بعينه لم يستحقه المرتهن بالدين عند مضي الأجل والثاني عند الهلاك لا ~~يذهب بغير شيء وأما قوله له غنمه وعليه غرمه فقد بينا أنه من قول سعيد بن ~~المسيب أدرجه في الحديث بعض الرواة وفصله بعضهم وبين أنه من قوله ms0859 وليس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأما ما تأوله الشافعي من أن له زيادته وعليه ~~نقصانه فإنه تأويل خارج عن أقاويل الفقهاء خطأ في اللغة وذلك لأن الغرم في ~~أصل اللغة هو اللزوم قال الله تعالى إن عذابها كان غراما يعني ثابتا لازما ~~والغريم الذي قد لزمه الدين ويسمى به أيضا الذي له الدين لأن له اللزوم ~~والمطالبة # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من المأثم والمغرم فقيل ~~له في ذلك فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف فجعل الغرم # هو لزوم المطالبة له من قبل الآدمي # وفي حديث قبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المسألة ~~لا تحل إلا من ثلاث فقر مدقع أو غرم مفظع أو دم موجع # وقال تعالى إنما الصدقات للفقراء- إلى قوله- والغارمين وهم المدينون وقال ~~تعالى إنا لمغرمون يعني ملزمون مطالبون بديوننا فهذا أصل الغرم في أصل ~~اللغة وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي في معنى الغرم قال ~~أبو عمر أخطأ من قال إن هلاك المال ونقصانه يسمى غرما لأن الفقير الذي ذهب ~~ماله لا يسمى غريما وإنما الغريم من توجهت عليه المطالبة للآدمي بدين وإذا ~~كان كذلك فتأويل من تأوله وعليه غرمه أنه نقصانه خطأ وسعيد بن المسيب هو ~~راوي الحديث وقد بينا أنه هو القائل له غنمه وعليه غرمه ولم يتأوله على ما ~~قاله الشافعى لأن من مذهبه ضمان الرهن وذكر عبد الرحمن بن أبي الزناد في ~~كتاب السبعة عن أبيه عن سعيد بن المسيب وعروة والقاسم بن محمد وأبي بكر بن ~~عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبيد الله وغيرهم أنهم قالوا الرهن ~~بما فيه إذا هلك وعميت قيمته ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد ثبت أن من مذهب سعيد بن المسيب ضمان الرهن فكيف يجوز أن يتأول ~~متأول قوله وعليه غرمه على نفي الضمان فإن كان ذلك رواية عن النبي صلى ms0860 الله ~~عليه وسلم فالواجب على مذهب الشافعي أن يقضي بتأويل الراوي على مراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه زعم أن الراوي للحديث أعلم بتأويله فجعل قول عمرو ~~بن دينار في الشاهد واليمين أنه في الأموال حجة في أن لا يقضى في غير ~~الأموال وقضى بقول ابن جريج في حديث القلتين أنه بقلال # PageV02P266 # هجر على مراد النبي صلى الله عليه وسلم وجعل مذهب ابن عمر في خيار ~~المتبايعين ما لم يفترقا أنه على التفرق بالأبدان قاضيا على مراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك فلزمه على هذا أن يجعل قول سعيد بن المسيب قاضيا على ~~مراد النبي صلى الله عليه وسلم إن كان قوله وعليه غرمه ثابتا عنه وإنما ~~معنى قوله له غنمه أن للراهن زيادته وعليه غرمه يعني دينه الذي به الرهن ~~وهو تفسير # قوله صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن # لأنهم كانوا يوجبون استحقاق ملك الرهن للمرتهن بمضي الأجل قبل انقضاء ~~الدين # فقال صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن # أي لا يستحقه المرتهن بمضي الأجل ثم فسره فقال لصاحبه يعني للراهن غنمه ~~يعني زيادته فبين أن المرتهن لا يستحق غير عين الرهن لا نماءه وزيادته وأن ~~دينه باق عليه كما كان وهو معنى قوله وعليه غرمه كقوله وعليه دينه فإذا ليس ~~في الخبر دلالة على كون الرهن غير مضمون بل هو دال على أنه مضمون على ما ~~بينا قال أبو بكر # وقوله صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن # إذا أراد به حال بقائه عند الفكاك وإبطال النبي صلى الله عليه وسلم شرط ~~استحقاق ملكه بمضي الأجل قد حوى معاني منها أن الرهن لا تفسده الشروط ~~الفاسدة بل يبطل الشرط ويجوز هو لإبطال النبي صلى الله عليه وسلم شرطهم ~~وإجازته الرهن ومنها أن الرهن لما كان شرط صحته القبض كالهبة والصدقة ثم لم ~~تفسده الشروط وجب أن يكون كذلك حكم ما لا يصح إلا بالقبض من الهبات ~~والصدقات في أن الشروط لا تفسدها لاجتماعها في ms0861 كون القبض شرطا لصحتها وقد ~~دل هذا الخبر أيضا على أن عقود التمليكات لا تعلق على الأخطار لأن شرطهم ~~لملك الرهن بمضي المدة كان تمليكا معلقا على خطر وعلى مجيء وقت مستقبل ~~فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم شرط التمليك على هذا الوجه فصار ذلك أصلا ~~في سائر عقود التمليكات والبراءة في امتناع تعلقها على الأخطار ولذلك قال ~~أصحابنا فيمن قال إذا جاء غد فقد وهبت لك العبد أو قال قد بعتكه إنه باطل ~~لا يقع به الملك وكذلك إذا قال إذا جاء غد فقد أبرأتك مما لي عليك من الدين ~~كان ذلك باطلا وفارق ذلك عندهم العتاق والطلاق في جواز تعلقهما على الأخطار ~~لأن لهما أصلا آخر وهو أن الله تعالى قد أجاز الكتابة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وهو أن يقول كاتبتك على ألف درهم فإن ~~أديت فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق وذلك عتق معلق على خطر وعلى مجيء حال ~~مستقبلة وقال في شأن الطلاق فطلقوهن لعدتهن ولم يفرق بين إيقاعه في الحال ~~وبين إضافته إلى وقت السنة ولما كان إيجاب هذا العقد أعني العتق على مال ~~والخلع بمال # PageV02P267 # مشروط للزوج يمنع الرجوع فيما أوجبه قبل قبول العبد والمرأة صار ذلك عتقا ~~معلقا على شرط بمنزلة شروط الأيمان التي لا سبيل إلى الرجوع فيها وفي ذلك ~~دليل على جواز تعلقهما على شروط وأوقات مستقبلة والمعنى في هذين أنهما لا ~~يلحقهما الفسخ بعد وقوعهما وسائر العقود التي ذكرناها من عقود التمليكات ~~يلحقها الفسخ بعد وقوعها فلذلك لم يصح تغلقها على الأخطار ونظير دلالة # قوله صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن # على ما ذكرنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ~~المنابذة والملامسة وعن بيع الحصاة وهذه بياعات كان أهل الجاهلية يتعاملون ~~بها فكان أحدهم إذا لمس السلعة أو ألقى الثوب إلى صاحبه أو وضع عليه حصاة ~~وجب البيع فكان وقوع الملك متعلقا بغير الإيجاب والقبول بل بفعل ms0862 آخر يفعله ~~أحدهما فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن عقود التمليكات لا ~~تتعلق على الأخطار وإنما جعل أصحابنا الرهن مضمونا بأقل من قيمته ومن الدين ~~من قبل أنه لما كان مقبوضا للاستيفاء وجب اعتبار ما يصح الاستيفاء به وغير ~~جائز أن يستوفى من عدة أقل منها ولا أكثر فوجب أن يكون أمينا في الفضل ~~وضامنا لما نقص الرهن عن الدين ومن جعله بما فيه قل أو كثر شبهه بالمبيع ~~إذا هلك في يد البائع أنه يهلك بالثمن قل أو كثر والمعنى الجامع بينهما أن ~~كل واحد محبوس بالدين وليس هذا كذلك عندنا لأن المبيع إنما كان مضمونا ~~بالثمن قل أو كثر لأن البيع ينتقض بهلاكه فسقط الثمن إذ غير جائز بقاء ~~الثمن مع انتقاض البيع وأما الرهن فإنه يتم بهلاكه ولا ينتقض وإنما يكون ~~مستوفيا للدين به فوجب اعتبار ضمانه بما وصفنا فإن قيل إذا جاز أن يكون ~~الفضل عن الدين أمانة فما أنكرت أن يكون جميعه أمانة وأن لا يكون حبسه ~~بالدين للاستيفاء موجبا لضمانه لوجودنا هذا المعنى في الزيادة مع عدم ~~الضمان فيها وكذلك ولد المرهونة المولود بعد الرهن يكون محبوسا في يد ~~المرتهن مع الأم ولو هلك هلك بغير شيء فيه ولم يكن كونه محبوسا في يد ~~المرتهن علة لكونه مضمونا قيل له إن الزيادة على الدين من مقدار قيمة الرهن ~~وولد المرهونة كلاهما تابع للأصل غير جائز إفرادهما دون الأصل إذا أدخلا في ~~العقد على وجه التبع وإذا كان كذلك لم يجز إفرادهما بحكم الضمان لامتناع ~~إفرادهما بالعقد المتقدم قبل حدوث الولادة وليس حكم ما يدخل في العقد على ~~وجه التبع حكم ما يفرد به ألا ترى أن ولد أم الولد يدخل في حكم الأم ويثبت ~~له حق الاستيلاد على وجه التبع ولا يصح انفراده في الأصل # PageV02P268 # بهذا الحق لا على وجه التبع وكذلك ولد المكاتبة يدخل في الكتابة وهو حمل ~~مع استحالة إفراده بالعقد في تلك الحال فكذلك ما ذكرت من ms0863 زيادة الرهن وولد ~~المرهونة لما دخلا في العقد على وجه التبع لم يلزم على ذلك أن يجعل حكمهما ~~حكم الأصل ولا أن يلحقهما بمنزلة ما ابتدئ العقد عليهما ويدل على ذلك أن ~~رجلا لو أهدى بدنة فزادت في بدنها أو ولدت أن عليه أن يهديها بزيادتها ~~وولدها ولو ذهبت الزيادة وهلك الولد لم يلزمه بالهلاك شيء غير ما كان عليه ~~وكذلك لو كان عليه بدنة وسط فأهدى بدنة خيارا مرتفعة أن هذه الزيادة حكمها ~~ثابت ما بقي الأصل فإن هلك قبل أن ينحر بطل حكم الزيادة وعاد إلى ما كان ~~عليه في ذمته وكذلك لو كان بدل الزيادة ولدا ولدته كان في هذه المنزلة ~~فكذلك ولد المرهونة وزيادتها على قيمة الرهن هذا حكمهما في بقاء حكمها ما ~~داما قائمين وسقوط حكمهما إذا هلكا والله أعلم. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في الانتفاع بالرهن # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زيادة وزفر لا يجوز للمرتهن ~~الانتفاع بشيء من الرهن ولا الراهن أيضا وقالوا إذا آجر المرتهن الراهن ~~بإذن الراهن أو آجره الراهن بإذن المرتهن فقد خرج من الراهن ولا يعود وقال ~~ابن أبي ليلى إذا آجره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على حاله والغلة ~~للمرتهن قضاء من حقه وقال ابن القاسم عن مالك إذا خلى المرتهن بين الرهن ~~والراهن يكريه أو يسكنه أو يعيره لم يكن رهنا وإذا آجره المرتهن بإذن ~~الراهن لم يخرج من الرهن وكذلك إذا أعاره المرتهن بإذن الراهن فهو رهن على ~~حاله فإذا آجره المرتهن بإذن الراهن فالأجر لرب الأرض ولا يكون الكري رهنا ~~بحقه إلا أن يشترط المرتهن فإن اشتراطه في البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من ~~الكري فإن مالكا كره ذلك وإن لم يشترط ذلك في البيع وتبرع به الراهن بعد ~~البيع فلا بأس به وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم أو شرط فيه ~~البائع بيعه الرهن ليأخذها من حقه فإن ذلك جائز عند مالك في الدور والأرض ~~وكرهه في الحيوان وذكر ms0864 المعاني عن الثوري أنه كره أن ينتفع من الرهن بشيء ~~ولا يقرأ في المصحف المرهون وقال الأوزاعي غلة الرهن لصاحبه ينفق عليه منها ~~والفضل له فإن لم تكن له غلة وكان يستخدمه فطعامه بخدمته فإن لم يكن ~~يستخدمه فنفقته على صاحبه وقال الحسن ابن صالح لا يستعمل الرهن # PageV02P269 # ولا ينتفع به إلا أن يكون دارا يخاف خرابها فيسكنها المرتهن لا يريد ~~الانتفاع بها وإنما يريد إصلاحها وقال ابن أبي ليلى إذا لبس المرتهن الخاتم ~~للتجمل ضمن وإن لبسه ليحوزه فلا شيء عليه وقال الليث بن سعد لا بأس بأن ~~يستعمل العبد الرهن بطعامه إذا كانت النفقة بقدر العمل فإن كان العمل أكثر ~~أخذ أفضل ذلك من المرتهن # وقال المزني عن الشافعي فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الرهن ~~محلوب ومركوب # أي من رهن ذات ظهر ودر لم يمنع الرهن من ظهرها ودرها وللراهن أن يستخدم ~~العبد ويركب الدابة ويحلب الدر ويجز الصوف ويأوي بالليل إلى المرتهن أو ~~الموضوع على يده قال أبو بكر لما قال الله تعالى فرهان مقبوضة فجعل القبض ~~من صفات الرهن أوجب ذلك أن يكون استحقاق القبض موجبا لإبطال الرهن فإذا ~~آجره أحدهما بإذن صاحبه خرج من الرهن لأن المستأجر قد استحق القبض الذي به ~~يصح الرهن وليس ذلك كالعارية عندنا لأن العارية لا توجب استحقاق القبض إذ ~~للمعير أن يرد العارية إلى يده متى شاء واحتج من أجاز أجازته والانتفاع به ~~بما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد عن ابن المبارك عن ~~زكريا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبن الدر يحلب بنفقته ~~إذا كان مرهونا والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا # وعلى الذي يركب ويحلب النفقة فذكر في هذا الحديث أن وجوب النفقة لركوب ~~ظهره وشرب لبنه ومعلوم أن الراهن إنما يلزمه نفقته لملكه لا لركوبه ولبنه ~~لأنه لو لم يكن مما يركب أو يحلب لزمته النفقة فهذا يدل على أن المراد به ~~أن ms0865 اللبن والظهر للمرتهن بالنفقة التي ينفقها # وقد بين ذلك هشيم في حديثه فإنه رواه عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كانت الدابة مرهونة فعلى ~~المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب # فبين في هذا الخبر أن المرتهن هو الذي تلزمه النفقة ويكون له ظهره ولبنه ~~وقال الشافعي إن نفقته على الراهن دون المرتهن فهذا الحديث حجة عليه لا له ~~وقد روى الحسن بن صالح عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال لا ينتفع من ~~الرهن بشيء فقد ترك الشعبي ذلك وهو رواية عن أبي هريرة فهذا يدل على أحد ~~معنيين إما أن يكون الحديث غير ثابت في الأصل وإما أن يكون ثابتا وهو منسوخ ~~عنده وهو كذلك عندنا لأن مثله كان جائزا قبل تحريم الربا فلما حرم الربا ~~وردت الأشياء إلى مقاديرها صار ذلك منسوخا ألا ترى أنه جعل النفقة بدلا من ~~اللبن قل أو كثر وهو نظير # PageV02P270 # ما روي في المصراة أنه يردها ويرد معها صاعا من تمر ولم يعتبر مقدار ~~اللبن الذي أخذه وذلك أيضا عندنا منسوخ بتحريم الربا ويدل على بطلان قول ~~القائلين بإيجاب الركوب واللبن للراهن أن الله تعالى جعل من صفات الرهن ~~القبض كما جعل من صفات الشهادة العدالة بقوله اثنان ذوا عدل منكم وقوله ممن ~~ترضون من الشهداء ومعلوم أن زوال هذه الصفة عن الشهادة يمنع جواز الشهادة ~~فكذلك لما جعل من صفات الرهن أن يكون مقبوضا بقوله فرهان مقبوضة وجب إبطال ~~الرهن لعدم هذه الصفة وهو استحقاق القبض فلو كان الراهن مستحقا للقبض الذي ~~به يصح الرهن لمنع ذلك من صحته بديا لمقارنة ما يبطله ولو صح بديا لوجب أن ~~يبطل باستحقاق قبضه وجوب رده إلى يده وأيضا لما اتفق الجميع على أن الراهن ~~ممنوع من وطء الأمة المرهونة والوطء من منافعها وجب أن يكون ذلك حكم سائر ~~المنافع في بطلان حق الراهن فيها ومن جهة أخرى ms0866 أن الراهن إنما لم يستحق ~~الوطء لأن المرتهن يستحق ثبوت يده عليها كذلك الاستخدام واختلف الفقهاء ~~فيمن شرط ملك الرهن للمرتهن عند حلول الأجل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والحسن بن زياد إذا رهنه رهنا وقال إن جئتك بالمال إلى شهر وإلا فهو ~~بيع فالرهن جائز والشرط باطل وقال مالك الرهن فاسد وينقض فإن لم ينقض حتى ~~حل الأجل فإنه لا يكون للمرتهن بذلك الشرط وللمرتهن أن يحبسه بحقه وهو أحق ~~به من سائر الغرماء فإن تغير في يده لم يرد ولزمته القيمة في ذلك يوم حل ~~الأجل وهذا في السلع والحيوان وأما في الدور والأرضين فإنه يردها إلى ~~الراهن وإن تطاول إلا أن تنهدم الدار أو يبنى فيها أو يغرس في الأرض فهذا ~~فوت ويغرم القيمة مثل البيع الفاسد وقال المعافى عن الثوري في الرجل يرهن ~~صاحبه المتاع ويقول إن لم آتك فهو لك قال لا يغلق ذلك الرهن وقال الحسن بن ~~صالح ليس قوله هذا بشيء وقال الربيع عن الشافعي لو رهنه وشرط له إن لم يأته ~~بالحق إلى كذا فالرهن له بيع فالرهن فاسد والرهن لصاحبه الذي رهنه قال أبو ~~بكر اتفقوا أنه لا يملكه بمضي الأجل واختلفوا في جواز الرهن وفساده وقد ~~بينا فيما سلف أن قوله لا يغلق الرهن أنه لا يملك بالدين بمضي الأجل للشرط ~~الذي شرطاه فإنما نفى النبي صلى الله عليه وسلم غلقه بذلك ولم ينف صحة ~~الرهن الذي شرطاه فدل ذلك على جواز الرهن وبطلان الشرط وهو أيضا قياس ~~العمرى التي أبطل النبي صلى الله عليه وسلم فيها الشرط وأجاز الهبة والمعنى ~~الجامع # PageV02P271 # بينهما أن كل واحد منهما لا يصح بالعقد دون القبض واختلفوا أيضا في مقدار ~~الدين إذا اختلف فيه الراهن والمرتهن فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والحسن بن زياد إذا هلك واختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين فالقول قول ~~الراهن في الدين مع يمينه وهو قول الحسن بن صالح والشافعي وإبراهيم النخعي ~~وعثمان البتي وقال ms0867 طاوس يصدق المرتهن إلى ثمن الرهن ويستحلف وكذلك قول ~~الحسن وقتادة والحكم وقال إياس بن معاوية قولا بين هذين القولين قال إن كان ~~للراهن بينة بدفعه الرهن فالقول قول الراهن وإن لم تكن له بينة فالقول قول ~~المرتهن لأنه لو شاء جحده الراهن ومتى أقر بشيء وليست عليه بينة فالقول ~~قوله وقال ابن وهب عن مالك إذا اختلفا في الدين والرهن قائم فإن كان الرهن # قدر حق المرتهن أخذه المرتهن وكان أولى به ويحلفه إلا أن يشاء رب الرهن ~~أن يعطيه حقه عليه ويأخذ رهنه وقال ابن القاسم عن مالك القول قول المرتهن ~~فيما بينه وبين قيمة الرهن لا يصدق على أكثر من ذلك قال أبو بكر قال الله ~~تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فيه الدلالة ~~على أن القول قول الذي عليه الدين لأنه وعظه في البخس وهو النقصان فيدل على ~~أن القول قوله وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي ~~واليمين على المدعى عليه والمرتهن هو المدعي والراهن هو المدعى عليه فالقول ~~قوله بقضية قوله صلى الله عليه وسلم وأيضا لو لم يكن رهن لكان القول قول ~~الذي عليه الدين في مقداره بالاتفاق كذلك إذا كان به رهن لأن الرهن لا ~~يخرجه من أن يكون مدعى عليه قال أبو بكر وزعم بعض من يحتج لمالك أن قوله ~~أشبه بظاهر القرآن لأنه قال فرهان مقبوضة فأقام الرهن مقام الشهادة ولم ~~يأتمن الذي عليه الحق حين أخذ منه وثيقة كما لم يأتمنه على مبلغه إذا أشهد ~~عليه الشهود لأن الشهود والكتاب تنبئ عن مبلغ الحق فلم يصدق الراهن وقام ~~الرهن مقام الشهود إلى أن يبلغ قيمته فإذا جاوز قيمته فلا وثيقة فيه ~~والمرتهن مدع فيه والراهن مدعى عليه قال أبو بكر وهذا من عجيب الحجاج وذلك ~~أنه زعم أنه لما لم يأتمنه حتى أخذ الرهن قام الرهن مقام الشهادة وزعم مع ~~ذلك أن ذلك موافق لظاهر القرآن وقد جعل الله تعالى ms0868 القول قول الذي عليه ~~الحق حين قال وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فجعل ~~القول قوله في الحال التي أمر فيها بالإشهاد والكتاب ولم يجعل عدم ائتمان ~~الطالب # PageV02P272 # للمطلوب مانعا من أن يكون القول قول المطلوب فكيف يكون ترك ائتمانه إياه ~~بالتوثق منه بالرهن مانعا من قبول قول المطلوب وموجبا لتصديق الطالب على ما ~~يدعيه والذي ذكره مخالف لظاهر القرآن والعلة التي نصبها لتصديق المرتهن في ~~ترك ائتمانه منتقضة بنص الكتاب ثم دعواه موافقته لظاهر القرآن أعجب الأشياء ~~وذلك لأن القرآن قد قضى ببطلان قوله حين جعل القول قول المطلوب في الحال ~~التي لم يؤتمن فيها حتى استوثق منه الكتاب والإشهاد وهو فإنما زعم أنه لم ~~يأتمنه حين أخذ الرهن وجب أن يكون القول قول الطالب ثم زعم أن قوله موافق ~~لظاهر القرآن وبنى عليه أنه لم يأتمنه وأن الرهن توثق كما أن الشهادة توثق ~~فقام الرهن مقام الشهادة وليس ما ذكره من المعنى من ظاهر القرآن في شيء ~~وإنا كنا قد دللنا على أنه مخالف له وإنما هو قياس ورد لمسألة الرهن إلى ~~مسألة الشهادة بعلة أنه لم يؤتمن في الحالين على الدين الذي عليه وهو قياس ~~باطل من وجوه أحدها أن ظاهر القرآن يرده وهو ما قدمناه والثاني أنه منتقض ~~باتفاق الجميع على أن من له على رجل دين فأخذ منه كفيلا ثم اختلفوا في ~~مقداره كان القول قول المطلوب فيما يلزمه ولم يكن عدم الائتمان بأخذه ~~الكفيل موجبا لتصديق الطالب مع وجود علته فيه فانتقضت علته بالكفالة ~~والثالث أن المعنى الذي من أجله لم يصدق الطالب إذا قامت البينة أن شهادة ~~الشهود مقبولة محكوم بتصديقهم فيها وهم قد شهدوا على إقراره بأكثر مما ذكره ~~وبما ادعاه المدعي فصار كإقراره عند القاضي بالزيادة ولا دلالة في قيمة ~~الرهن على أن الدين بمقداره لأنه لا خلاف أنه جائز أن يرهن بالقليل الكثير ~~وبالكثير القليل ولا تنبئ قيمة الرهن عن مقدار الدين ولا دلالة فيه ms0869 عليه ~~فكيف يكون الرهن بمنزلة الشهادة ويدل على فساد قياسه هذا أنهما لو اتفقا ~~على أن الدين أقل من قيمة الرهن لم يوجب ذلك بطلان الرهن ولو أقر الطالب أن ~~دينه أقل مما شهد به شهوده بطلت شهادة شهوده فهذه الوجوه كلها توجب بطلان ~~ما ذكره هذا المحتج. # وقوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه قال أبو بكر ~~قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة كلام مكتف بنفسه وإن كان معطوفا على ما تقدم ~~ذكره من الأمر بالإشهاد عند التبايع بقوله وأشهدوا إذا تبايعتم فهو عموم في ~~سائر الشهادات التي يلزم الشاهد إقامتها وأداؤها وهو نظير قوله تعالى ~~وأقيموا الشهادة لله وقوله «18- أحكام في» # PageV02P273 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم فنهى ~~الله تعالى الشاهد بهذه الآيات عن كتمان الشهادة التي تركها يؤدي إلى تضييع ~~الحقوق وهو على ما بيننا من إثبات الشهادة في كتب الوثائق وأدائها بعد ~~إثباتها فرض على الكفاية فإذا لم يكن من يشهد على الحق غير هذين الشاهدين ~~فقد تعين عليهما فرض أدائها ويلحقهما إن تخلفا عنها الوعيد المذكور في ~~الآية وقد كان نهيه عن الكتمان مفيدا لوجوب أدائها ولكنه تعالى أكد الفرض ~~فيها بقوله ومن يكتمها فإنه آثم قلبه وإنما أضاف الإثم إلى القلب وإن كان ~~في الحقيقة الكاتم هو الآثم لأن المأثم فيه إنما يتعلق بعقد القلب ولأن ~~كتمان الشهادة إنما هو عقد النية لترك أدائها باللسان فعقد النية من أفعال ~~القلب لا نصيب للجوارح فيه وقد انتظم الكاتم للشهادة المأثم من وجهين ~~أحدهما عزمه على أن لا يؤديها والثاني ترك أدائها باللسان وقوله آثم قلبه ~~مجاز لا حقيقة وهو آكد في هذا الموضع من الحقيقة لو قال ومن يكتمها فإنه ~~آثم وأبلغ منه وأدل على الوعيد من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني ~~تعالى الله الحكيم قال أبو بكر وآية الدين بما فيه من ذكر الاحتياط بالكتاب ~~والشهود المرضيين والرهن تنبيه على موضع صلاح الدين والدنيا معه ms0870 فأما في ~~الدنيا فصلاح ذات البين ونفي التنازع والاختلاف وفي التنازع والاختلاف فساد ~~ذات البين وذهاب الدين والدنيا قال الله عز وجل ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم وذلك أن المطلوب إذا علم أن عليه دينا وشهودا وكتابا ورهنا بما عليه ~~وثيقة في يد الطالب قل الخلاف علمنا منه أن خلافه وبخسه لحق المطلوب لا ~~ينفعه بل يظهر كذبه بشهادة الشهود عليه وفيه وثيقة واحتياط للطالب وفي ذلك ~~صلاح لهما جميعا في دينهما ودنياهما لأن في تركه بخس حق الطالب صلاح دينه ~~وفي جحوده وبخسه ذهاب دينه إذا علم وجوبه وكذلك الطالب إذا كانت له بينة ~~وشهود أثبتوا ماله وإذا لم تكن له بينة وجحد الطالب حمله ذلك على مقابلته ~~بمثله والمبالغة في كيده حتى ربما لم يرض بمقدار حقه دون الإضرار به في ~~أضعافه متى أمكنه وذلك متعالم من أحوال عامة الناس وهذا نظير ما حرمه الله ~~تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من البياعات المجهولة القدر ~~والآجال المجهولة والأمور التي كانت عليها الناس قبل مبعثه صلى الله عليه ~~وسلم مما كان يؤدى إلى الإختلاف وفساد ذات البين وإيقاع العداوة والبغضاء ~~ونحوه مما حرم الله تعالى من الميسر والقمار وشرب الخمر وما يسكر فيؤدي إلى # PageV02P274 # العداوة والبغضاء والاختلاف والشحناء قال الله تعالى إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون فأخبر الله تعالى أنه إنما نهى عن هذه الأمور لنفي ~~الاختلاف والعداوة ولما في ارتكابها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة فمن ~~تأدب بأدب الله وانتهى إلى أوامره وانزجر بزواجره حاز صلاح الدين والدنيا ~~قال الله تعالى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما وفي هذه الآيات ~~التي أمر الله فيها بالكتاب والإشهاد على الدين والعقود والاحتياط فيها ~~تارة بالشهادة وتارة بالرهن دلالة على وجوب حفظ المال والنهي عن تضييعه وهو ~~نظير ms0871 قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وقوله ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقوله ولا تبذر ~~تبذيرا الآية فهذه الآي دلالة على وجوب حفظ المال والنهي عن تبذيره وتضييعه ~~وقد روي نحو ذلك عن # النبي صلى الله عليه وسلم # حدثنا بعض من لا أتهم في الرواية قال أخبرنا معاذ بن المثنى قال حدثنا ~~مسدد قال حدثنا بشر بن الفضل قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب الله ~~إضاعة المال ولا قيل ولا قال # وحدثنا من لا أتهم قال أخبرنا محمد بن إسحاق قال حدثنا موسى بن عبد ~~الرحمن المسروقي قال حدثنا حسن الجعفي عن محمد ابن سوقة عن وراد قال كتب ~~معاوية إلى المغيرة بن شعبة اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس بينك وبينه أحد قال فأملى علي وكتبت إني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول إن الله حرم ثلاثا ونهى عن ثلاث فأما الثلاث التي حرم ~~فعقوق الأمهات ووأد البنات ولا وهات والثلاث التي نهى عنهن فقيل وقال ~~وإلحاف السؤال وإضاعة المال # قال تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال أبو بكر ~~روي أنها منسوخة # بقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق ~~المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال حدثنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن قتادة في قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~قال نسخها قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وحدثنا عبد الله بن محمد ~~قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر قال سمعت ~~الزهري يقول في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه # PageV02P275 # قال قرأها ابن عمر وبكى وقال إنا لمأخوذون بما نحدث به أنفسنا فبكى ms0872 حتى ~~سمع نشيجه فقام رجل من عنده فأتى ابن عباس فذكر ذلك له فقال يرحم الله ابن ~~عمر لقد وجد منها المسلمون نحوا مما وجد حتى نزلت بعدها لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها وروي عن الشعبي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال نسختها ~~الآية التي تليها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وروى معاوية بن صالح عن علي ~~بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~أنها لم تنسخ لكن الله إذا جمع الخلق يوم القيامة يقول إنى أخبركم مما في ~~أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا ~~به أنفسهم وهو قوله يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء قوله ~~تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم من الشك والنفاق وروي عن الربيع بن أنس ~~مثل ذلك وقال عمرو بن عبيد كان الحسن يقول هي محكمة لم تنسخ وروي عن مجاهد ~~أنها محكمة في الشك واليقين قال أبو بكر لا يجوز أن تكون منسوخة لمعنيين ~~أحدهما أن الأخبار لا يجوز فيها النسخ لأن نسخ مخبرها يدل على البداء والله ~~تعالى عالم بالعواقب غير جائز عليه البداء والثاني أنه لا يجوز تكليف ما ~~ليس في وسعها لأنه سفه وعبث والله تعالى يتعالى عن فعل العبث وإنما قول من ~~روي عنه أنها منسوخة فإنه غلط من الراوي في اللفظ وإنما أراد بيان معناها ~~وإزالة التوهم عن صرفه إلى غير وجهه وقد روى مقسم عن ابن عباس أنها نزلت في ~~كتمان الشهادة وروى عن عكرمة مثله وروى عن غيرهما أنها في سائر الأشياء ~~وهذا أولى لأنه عموم مكتف بنفسه فهو عام في الشهادة وغيرها ومن نظائر ذلك ~~في المؤاخذة بكسب القلب قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم وقال ~~تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم وقال ~~تعالى في قلوبهم مرض أي شك فإن قيل # روي عن النبي ms0873 صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله عفا لأمتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا به # قيل له هذا فيما يلزمه من الأحكام فلا يقع عتقه ولا طلاقه ولا بيعه ولا ~~صدقته ولا هبته بالنية ما لم يتكلم به وما ذكر في الآية فيما يؤاخذ به مما ~~بين العبد وبين الله تعالى وقد روى الحسن بن عطية عن أبيه عن عطية عن ابن ~~عباس في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فقال ~~سر عملك وعلانيته يحاسبك به الله وليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل # PageV02P276 # به فإن عمل به كتب له به عشر حسنات وإن هو لم يقدر يعمل به كتب له به ~~حسنة من أجل أنه مؤمن وإن الله رضي بسر المؤمنين وعلانيتهم وإن كان شرا حدث ~~به نفسه اطلع الله عليه أخبر به يوم تبلى السرائر فإن هو لم يعمل به لم ~~يؤاخذه الله به حتى يعمل به فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال أولئك ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم وهذا على معنى قوله إن ~~الله عفا لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا به. قوله ~~تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فيه نص على أن الله تعالى لا يكلف أحدا ~~ما لا يقدر عليه ولا يطيقه ولو كلف أحدا ما لا يقدر عليه ولا يستطيعه لكان ~~مكلفا له ما ليس في وسعه ألا ترى قول القائل ليس في وسعي كيت وكيت بمنزلة ~~قوله لا أقدر عليه ولا أطيقه بل الوسع دون الطاقة ولم تختلف الأمة في أن ~~الله لا يجوز أن يكلف الزمن المشي والأعمى البصر والأقطع اليدين البطش لأنه ~~لا يقدر عليه ولا يستطيع فعله ولا خلاف في ذلك بين الأمة # وقد وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من لم يستطع الصلاة ~~قائما فغير مكلف للقيام فيها ms0874 ومن لم يستطعها قاعدا فغير مكلف للقعود بل ~~يصليها على جنب يومئ إيماء لأنه غير قادر عليها إلا على هذا الوجه # ونص التنزيل قد أسقط التكليف عمن لا يقدر على الفعل ولا يطيقه وزعم قوم ~~جهال نسبت إلى الله فعل السفه والعبث فزعموا أن كل ما أمر به أحد من أهل ~~التكليف أو نهي عنه فالمأمور به منه غير مقدور على فعله والمنهي عنه غير ~~مقدور على تركه وقد أكذب الله قيلهم بما نص عليه من أنه لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها مع ما قد دلت عليه العقول من قبح تكليف ما لا يطاق وأن العالم ~~بالقبيح المستغني عن فعله لا يقع منه فعل القبيح ومما يتعلق بذلك من ~~الأحكام سقوط الفرض عن المكلفين فيما لا تتسع له قواهم لأن الوسع هو دون ~~الطاقة وأنه ليس عليهم استفراغ المجهود في أداء الفرص نحو الشيخ الكبير ~~الذي يشق عليه الصوم ويؤديه إلى ضرر يلحقه في جسمه وإن لم يخش الموت بفعله ~~فليس عليه صومه لأن الله لم يكلفه إلا ما يتسع لفعله ولا يبلغ به حال الموت ~~وكذلك المريض الذي يخشى ضرر الصوم وضرر استعمال الماء لأن الله قد أخبر أنه ~~لا يكلف أحدا إلا ما اتسعت له قدرته وإمكانه دون ما يضيق عليه ويعنته وقال ~~الله تعالى ولو شاء الله لأعنتكم وقال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~عزيز عليه ما عنتم فهذا حكم مستمر في سائر أوامر الله وزواجره ولزوم ~~التكليف فيها على ما يتسع له ويقدر # PageV02P277 # عليه قوله عز وجل ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال أبو بكر ~~النسيان على وجهين أحدهما أنه قد يتعرض الإنسان للفعل الذي يقع معه النسيان ~~فيحسن الاعتذار به إذا وقعت منه جناية على وجه السهو والثاني أن يكون ~~النسيان بمعنى ترك المأمور به لشبهة تدخل عليه أو سوء تأويل وإن لم يكن ~~الفعل نفسه واقعا على وجه السهو فيحسن أن يسأل الله مغفرة الأفعال الواقعة ~~على هذا الوجه ms0875 والنسيان بمعنى الترك مشهور في اللغة قال الله تعالى نسوا ~~الله فنسيهم يعني تركوا أمر الله تعالى فلم يستحقوا ثوابه فأطلق اسم ~~النسيان على الله تعالى على وجه مقابلة الاسم كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~وقوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم قال أبو بكر ~~النسيان الذي هو ضد الذكر فإن حكمه مرفوع فيما بين العبد وبين الله تعالى ~~في استحقاق العقاب والتكليف في مثله ساقط عنه والمؤاخذة به في الآخرة غير ~~جائزة لا أنه لا حكم له فيما يكلفه من العبادات فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد نص على لزوم حكم كثير منها مع النسيان واتفقت الأمة أيضا على حكمها ~~من ذلك # قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وتلا ~~عند ذلك وأقم الصلاة لذكري # فدل على أن مراد الله تعالى بقوله أقم الصلاة لذكري فعل المنسية منها عند ~~الذكر وقال تعالى واذكر ربك إذا نسيت وذلك عموم في لزومه قضاء كل منسي عند ~~ذكره ولا خلاف بين الفقهاء في أن ناسي الصوم والزكاة وسائر الفروض بمنزلة ~~ناسي الصلاة في لزوم قضائها عند ذكرها وكذلك قال أصحابنا في المتكلم في ~~الصلاة ناسيا إنه بمنزلة العامد لأن الأصل أن العامد والناسي في حكم الفروض ~~سواء وأنه لا تأثير للنسيان في إسقاط شيء منها إلا ما ورد به التوقيف ولا ~~خلاف أن تارك الطهارة ناسيا كتاركها عامدا في بطلان حكم صلاته وكذلك قالوا ~~في الأكل في نهار شهر رمضان ناسيا إن القياس فيه إيجاب القضاء وإنهم إنما ~~تركوا القياس فيه للأثر ومع ما ذكرنا فإن الناسي مؤد لفرضه على أي وجه فعله ~~إذ لم يكلفه الله في تلك الحال غيره وإنما القضاء فرض آخر ألزمه الله تعالى ~~بالدلائل التي ذكرنا فكان تأثير النسيان في سقوط المأثم فحسب فأما في لزوم ~~فرض فلا # وقول النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان # مقصور على المأثم أيضا دون رفع الحكم ms0876 ألا ترى أن الله تعالى قد نص على ~~لزوم حكم قتل الخطإ في إيجاب الدية والكفارة فلذلك ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم النسيان مع الخطإ وهو على هذا المعنى فإن قال قائل # PageV02P278 # من أصلكم إيجاب فرض التسمية على الذبيحة ولو تركها عامدا كانت ميتة وإذا ~~تركها ناسيا حلت وكانت مذكاة ولم تجعلوها بمنزلة تارك الطهارة ناسيا حتى ~~صلى فيكون مأمورا بإعادتها بالطهارة قطعا وكذلك الكلام في الصلاة ناسيا قيل ~~له لما بينا من أنه لم يكلف في الحال غير ما فعل على وجه النسيان والذي ~~لزمه بعد الذكر فرض مبتدأ آخر وكذلك نجيز في هذه القضية أن لا يكون مكلفا ~~في حال النسيان للتسمية فصحت الزكاة ولا تتأتى بعد الزكاة فيه ذبيحة أخرى ~~فيكون مكلفا لها كما كلف إعادة الصلاة والصوم ونحوه قوله تعالى لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت هو مثل قوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها وقوله وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى وفيه الدلالة على أن كل واحد من ~~المكلفين فأحكام أفعاله متعلقة به دون غيره وأن أحدا لا يجوز تصرفه على ~~غيره ولا يؤاخذ بجريرة سواه وكذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حين رآه مع ابنه فقال هذا ابنك ~~قال نعم قال إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك # وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤاخذ أحد بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه # فهذا هو العدل الذي لا يجوز في العقول غيره وقوله تعالى لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت يحتج به في نفي الحجر وامتناع تصرف أحد من قاض أو غيره ~~على سواه ببيع ماله أو منعه منه إلا ما قامت الدلالة على خصوصه ويحتج به في ~~بطلان مذهب مالك بن أنس في أن من أدى دين غيره بغير أمره أن له أن يرجع به ~~عليه لأن الله تعالى إنما جعل كسبه له وعليه ومنع لزومه غيره قوله عز وجل ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ms0877 حملته على الذين من قبلنا قد قيل في معنى ~~الإصر إنه الثقل وأصله في اللغة يقال إنه العطف ومنه أو أصر الرحم لأنها ~~تعطفه عليه والواحد آصرة والمأصر يقال إنه حبل يمد على طريق أو نهر تحبس به ~~المارة ويعطفون به عن النفوذ ليؤخذ منهم العشور والمكس والمعنى في قوله لا ~~تحمل علينا إصرا يريد به عهدا وهو الأمر الذي يثقل روي نحوه عن ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة وهو في معنى قوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج يعني ~~من ضيق وقوله يريد الله بكم اليسر الآية وقوله تعالى ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج # وقال النبي صلى الله عليه وسلم جئتكم بالحنيفية السمحة # وروي عنه أن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم # فقوله ولا تحمل علينا إصرا يعني من ثقل الأمر والنهي كما حملته على الذين ~~من قبلنا وهو كقوله ويضع عنهم إصرهم # PageV02P279 # والأغلال التي كانت عليهم وهذه الآية ونظائرها يحتج بها على نفي الحرج ~~والضيق والثقل في كل أمر اختلف الفقهاء فيه وسوغوا فيه الاجتهاد فالموجب ~~للثقل والضيق والحرج محجوج بالآية نحو إيجاب النية في الطهارة وإيجاب ~~الترتيب فيها وما جرى مجرى ذلك في نفي الضيق والحرج يجوز لنا الاحتجاج ~~بالظواهر التي ذكرناها قوله تعالى ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قيل ~~فيه وجهان أحدهما ما يشتد ويثقل من التكليف كنحو ما كلف بنو إسرائيل أن ~~يقتلوا أنفسهم وجائز أن يعبر بما يثقل أنه لا يطيقه كقولك ما أطيق كلام ~~فلان ولا أقدر أن أراه ولا يراد به نفي القدرة وإنما يريدون أنه يثقل عليه ~~فيكون بمنزلة العاجز الذي لا يقدر على كلامه ورؤيته لبعده من قلبه وكراهته ~~لرؤيته وكلامه وهو كما قال تعالى وكانوا لا يستطيعون سمعا وقد كانت لهم ~~أسماع صحيحة إلا أن المراد أنهم استثقلوا استماعه فأعرضوا عنه وكانوا ~~بمنزلة من لم يسمع والوجه الثاني أن لا يحملنا من العذاب ما لا نطيقه وجائز ~~أن يكون المراد الأمرين ms0878 جميعا والله أعلم بالصواب. ### | سورة آل عمران # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات إلى آخر القصة قال الشيخ أبو بكر قد بينا في صدر الكتاب معنى ~~المحكم والمتشابه وأن كل واحد منهما ينقسم إلى معنيين أحدهما يصح وصف ~~القرآن بجميعه والآخر إنما يختص به بعض القرآن دون بعض قال الله تعالى الر ~~كتاب أحكمت آياته وقال تعالى الر تلك آيات الكتاب الحكيم فوصف جميع القرآن ~~في هذه المواضع بالإحكام وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني فوصف جميعه بالمتشابه ثم قال في موضع آخر هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فوصف هاهنا بعضه بأنه محكم ~~وبعضه متشابه والإحكام الذي عم به الجميع هو الصواب والإتقان اللذان يفضل ~~بهما القرآن كل قول وأما موضع الخصوص في قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب فإن المراد به اللفظ الذي لا اشتراك فيه ولا يحتمل عند سامعه إلا ~~معنى واحدا وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه إلا أن هذا المعنى لا محالة قد ~~انتظمه لفظ الإحكام المذكور في هذه الآية وهو الذي جعل # PageV02P280 # أما للمتشابه الذي يرد إليه ويحمل معناه عليه وأما المتشابه الذي عم به ~~جميع القرآن في قوله تعالى كتابا متشابها فهو التماثل ونفى الاختلاف ~~والتضاد عنه وأما المتشابه الخصوص به بعض القرآن فقد ذكرنا أقاويل السلف ~~فيه وما روي عن ابن عباس أن المحكم هو الناسخ والمتشابه هو المنسوخ فهذا ~~عندنا هو أحد أقسام المحكم والمتشابه لأنه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه ~~وجوه غيرهما وجائز أن يسمى الناسخ محكما لأنه ثابت الحكم والعرب تسمي ~~البناء الوثيق محكما ويقولون في العقد الوثيق الذي لا يمكن حله محكما فجائز ~~أن يسمى الناسخ محكما إذ كانت صفته الثبات والبقاء ويسمى المنسوخ متشابها ~~من حيث أشبه في التلاوة المحكم وخالفه في ثبوت الحكم فيشتبه على التالي ~~حكمه في ثبوته ونسخه ms0879 فمن هذا الوجه جائز أن يسمى المنسوخ متشابها وأما قول ~~من قال إن المحكم هو الذي لم تتكرر ألفاظه والمتشابه هو الذي تتكرر ألفاظه ~~فإن اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السامع وهذا سائغ عام في ~~جميع ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السامع إلى أن يتبينه ويتضح له وجهه ~~فهذا مما يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على ~~السامع فهو المحكم الذي لا تشابه فيه على قول هذا القائل فهذا أيضا أحد ~~وجوه المحكم والمتشابه وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز وأما ما روى عن جابر ابن ~~عبد الله أن المحكم ما يعلم تعيين تأويله والمتشابه ما لا يعلم تأويله ~~كقوله تعالى يسئلونك عن الساعة أيان مرساها وما جرى مجرى ذلك فإن إطلاق اسم ~~المحكم والمتشابه سائغ فيه لأن ما علم وقته ومعناه فلا تشابه فيه وقد أحكم ~~بيانه وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه فجائز أن يسمى ~~بهذا الاسم فجميع هذه الوجوه يحتمله اللفظ على ما روي فيه ولولا احتمال ~~اللفظ لما ذكروا لما تأولوه عليه وما ذكرناه من قول من قال إن المحكم هو ما ~~لا يحتمل إلا معنى واحدا والمتشابه ما يحتمل معنيين فهو أحد الوجوه الذي ~~ينتظمها هذا الاسم لأن المحكم من هذا القسم سمي محكما لإحكام دلالته وإيضاح ~~معناه وإبانته والمتشابه منه سمي بذلك لأنه أشبه المحكم من وجه واحتمل ~~معناه وأشبه غيره مما يخالف معناه معنى المحكم فسمي متشابها من هذا الوجه ~~فلما كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من المعانى احتجنا إلى معرفة ~~المراد منها بقوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء # PageV02P281 # الفتنة وابتغاء تأويله مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب ~~رد المتشابه إلى المحكم وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه لقوله ~~تعالى في صفة المحكمات هن أم الكتاب والأم هي ms0880 التي منها ابتداؤه وإليها ~~مرجعه فسماها أما فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليها ورده إليها ثم أكد ذلك ~~بقوله فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله فوصف متبع المتشابه من غير حمله له على معنى المحكم بالزيغ ~~في قلبه وأعلمنا أنه # مبتغ للفتنة وهي الكفر والضلال في هذا الموضع كما قال تعالى والفتنة أشد ~~من القتل يعني والله أعلم الكفر فأخبر أن متبع المتشابه وحامله على مخالفة ~~المحكم في قلبه زيغ يعني الميل عن الحق يستدعي غيره بالمتشابه إلى الضلال ~~والكفر فثبت بذلك أن المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو اللفظ ~~المحتمل للمعاني الذي يجب رده إلى المحكم وحمله على معناه ثم نظرنا بعد ذلك ~~في المعاني التي تعتور هذا اللفظ وتتعاقب عليه مما قدمنا ذكره في أقسام ~~المتشابه عن القائلين بها على اختلافها مع احتمال اللفظ فوجدنا قول من قال ~~بأنه الناسخ والمنسوخ فإنه إن كان تاريخهما معلوما فلا اشتباه فيهما على من ~~حصل له العلم بتاريخهما وعلم يقينا أن المنسوخ متروك الحكم وأن الناسخ ثابت ~~الحكم فليس فيهما ما يقع فيه اشتباه على السامع العالم بتاريخ الحكمين ~~اللذين لا احتمال فيهما لغير الناسخ وإن اشتبه على السامع من حيث إنه لم ~~يعلم التاريخ فهذا ليس أحد اللفظين أولى بكونه محكما من الآخر ولا يكونا ~~متشابها منه إذ كل واحد منهما يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون منسوخا ~~فهذا لا مدخل له في قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~وأما قول من قال إن المحكم ما لم يتكرر لفظه والمتشابه ما تكرر لفظه فهذا ~~أيضا لا مدخل له في هذه الآية لأنه لا يحتاج إلى رده إلى المحكم وإنما ~~يحتاج إلى تدبيره بعقله وحمله على ما في اللغة من تجويزه وأما قول من قال ~~إن المحكم ما علم وقته وتعيينه والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله كأمر ~~الساعة وصغائر الذنوب التي آيسنا الله من وقوع علمنا بها في ms0881 الدنيا وإن هذا ~~الضرب أيضا منها خارج عن حكم هذه الآية لأنا لا نصل إلى علم معنى المتشابه ~~برده إلى المحكم فلم يبق من الوجوه التي ذكرنا من أقسام المحكم والمتشابه ~~مما يجب بناء أحدهما على الآخر وحمله على معناه إلا الوجه الأخير الذي قلنا ~~وهو أن يكون المتشابه اللفظ المحتمل للمعاني فيجب حمله على # PageV02P282 # المحكم الذي لا احتمال فيه ولا اشتراك في لفظه من نظائر ما قدمنا في صدر ~~الكتاب وبينا أنه ينقسم إلى وجهين من العقليات والسمعيات وليس يمتنع أن ~~تكون الوجوه التي ذكرناها عن السلف على اختلافها بتناولها الاسم على ما روي ~~عنهم فيه لما بينا من وجوهها ويكون الوجه الذي يجب حمله على المحكم هو هذا ~~الوجه الأخير لامتناع إمكان حمل سائر وجوه المتشابه على المحكم على ما تقدم ~~من بيانه ثم يكون قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله معناه تأويل جميع ~~المتشابه حتى لا يستوعب غيره علمها فنفى إحاطة علمنا بجميع معاني ~~المتشابهات من الآيات ولم ينف بذلك أن نعلم نحن بعضها بإقامته لنا الدلالة ~~عليه كما قال تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء لأن في فحوى الآية ~~ما قد دل على أنا نعلم بعض المتشابه برده إلى المحكم وحمله على معناه على ~~ما بينا من ذلك ويستحيل أن تدل الآية على وجوب رده إلى المحكم وتدل أيضا ~~على أنا لا نصل إلى علمه ومعرفته فإذا ينبغي أن يكون قوله تعالى وما يعلم ~~تأويله إلا الله غير ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه فمما لا يجوز وقوع ~~العلم لنا به وقت الساعة والذنوب الصغائر ومن الناس من يجوز ورود لفظ مجمل ~~في حكم يقتضي البيان ولا يبينه أبدا فيكون في حيز المتشابه الذي لا نصل إلى ~~العلم به وقد اختلف أهل العلم في معنى قوله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم فمنهم من جعل تمام الكلام عند قوله تعالى والراسخون في ~~العلم وجعل الواو التي في قوله والراسخون في العلم ms0882 للجمع كقول القائل لقيت ~~زيدا وعمرا وما جرى مجراه ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله وما يعلم ~~تأويله إلا الله وجعل الواو للاستقبال وابتداء خطاب غير متعلق بالأول فمن ~~قال بالقول الأول جعل الراسخين في العلم عالمين ببعض المتشابه وغير عالمين ~~بجميعه وقد روي نحوه عن عائشة والحسن وقال مجاهد فيما رواه ابن أبي نجيح في ~~قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ- يعنى شكا- ابتغاء الفتنة الشبهات بما ~~هلكوا لكن الراسخون في العلم يعلمون تأويله يقولون آمنا به وروي عن ابن ~~عباس ويقولون # الراسخون في العلم وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز وقد روي عن ابن عباس ~~أيضا وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به ~~وعن الربيع بن أنس مثله والذي يقتضيه اللفظ على ما فيه من الاحتمال أن يكون ~~تقديره وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل جميع المتشابه على ما بينا ~~والراسخون في العلم يعلمون # PageV02P283 # بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا يعني ما نصب لهم من الدلالة عليه في ~~بنائه على المحكم ورده إليه وما لم يجعل لهم سبيل إلى علمه من نحو ما وصفنا ~~فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ~~وما أخفى عنا علم ما غاب عنا علمه إلا لعلمه تعالى بما فيه من المصلحة لنا ~~وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا وما أعلمنا وما يعلمناه إلا لمصلحتنا ~~ونفعنا فيعترفون بصحة الجميع والتصديق بما علموا منه وما لم يعلموه ومن ~~الناس من يظن أنه لا يجوز إلا أن يكون منتهى الكلام وتمامه عند قوله تعالى ~~وما يعلم تأويله إلا الله وأن الواو للاستقبال دون الجمع لأنها لو كانت ~~للجمع لقال ويقولون آمنا به ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر وقال من ذهب ~~إلى القول الأول هذا سائغ في اللغة وقد وجد مثله في القرآن وهو قوله تعالى ~~في بيان قسم الفيء ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول- إلى ms0883 ~~قوله تعالى- شديد العقاب ثم تلاه بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال ~~للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا- إلى قوله تعالى- والذين جاؤ من بعدهم وهم لا محالة داخلون في ~~استحقاق الفيء كالأولين والواو فيه للجمع ثم قال تعالى يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان معناه قائلين ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~كذلك قوله تعالى والراسخون في العلم يقولون معناه والراسخون في العلم ~~يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه قائلين ربنا آمنا به ~~فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في حيزه وقد وجد مثله في الشعر قال يزيد ~~بن مفرغ الحميري: # وشريت بردا ليتني من بعد برد كنت هامه فالريح تبكي شجوه والبرق يلمع في ~~الغمامه والمعنى والبرق يبكى شجوه لا معا في الغمامة وإذا كان ذلك سائغا في ~~اللغة وجب حمله على موافقة دلالة الآية في وجوب رد المتشابه إلى المحكم ~~فيعلم الراسخون في العلم تأويله إذا استدلوا بالمحكم على معناه ومن جهة ~~أخرى أن الواو لما كانت حقيقتها الجمع فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها ~~ولا يجوز حملها على الابتداء إلا بدلالة ولا دلالة معنا توجب صرفها عن ~~الحقيقة فوجب استعمالها على الجمع فإن قيل إذا كان استعمال المحكم مقيدا ~~بما في العقل وقد يمكن كل مبطل أن يدعي ذلك لنفسه فيبطل فائدة الاحتجاج # PageV02P284 # بالمحكم قيل له إنما هو مقيد بما هو في تعارف العقول فيكون اللفظ مطابقا ~~لما تعارفه العقلاء من أهل اللغة ولا يحتاج في استعمال حكم العقل فيه إلى ~~مقدمات بل يوقع العلم لسامعه بمعنى مراده على الوجه الذي هو ثابت في عقول ~~العقلاء دون عادات فاسدة قد جروا عليها فما كان كذلك فهو المحكم الذي لا ~~يحتمل معناه إلا مقتضى لفظه وحقيقته فأما العادات الفاسدة فلا اعتبار بها ~~فإن قيل كيف وجه اتباع من في قلبه زيغ ما تشابه منه دون ما أحكم قيل له نحو ~~ما # روى الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت في وفد ms0884 نجران لما حاجوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المسيح فقالوا أليس هو كلمة الله وروح منه فقال بلى ~~فقالوا حسبنا فأنزل الله فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه # ثم أنزل الله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال ~~له كن فيكون فصرفوا قوله كلمة الله إلى ما يقولونه في قدمه مع الله وروحه ~~صرفوه إلى أنه جزء منه قديم معه كروح الإنسان وإنما أراد الله تعالى بقوله ~~كلمة أنه بشر به في كتاب الأنبياء المتقدمين فسماه كلمة من حيث قدم البشارة ~~به وسماه روحه لأن الله تعالى خلقه من غير ذكر بل أمر جبريل عليه السلام ~~فنفخ في جيب مريم عليها السلام وأضافه إلى نفسه تعالى تشريفا له كبيت الله ~~وسماء الله وأرضه ونحو ذلك وقيل إنه سماه روحا كما سمى القرآن روحا بقوله ~~تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا وإنما سماه روحا من حيث كان فيه ~~حياة الناس في أمور دينهم فصرف أهل الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة وإلى ما ~~يعتقدونه من الكفر والضلال وقال قتادة أهل الزيغ المتبعون للمتشابه منه هم ~~الحرورية والسبائية # قوله تعالى قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم # روي عن ابن عباس وقتادة وابن إسحاق أنه لما هلكت قريش يوم بدر جمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثل ما ~~نزل بقريش من الانتقام فأبوا وقالوا ألسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون ~~القتال لئن حاربتنا لتعرفن أنا الناس فأنزل الله تعالى قل للذين كفروا ~~ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد # وفي هذه الآية دلالة على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيها ~~من الإخبار عن غلبة المؤمنين المشركين فكان على ما أخبر به ولا يكون ذلك ~~على الاتفاق مع كثرة ما أخبر به عن الغيوب في الأمور المستقبلة فوجد مخبره ~~على ما أخبر به من غير خلف وذلك لا يكون إلا من عند الله ms0885 تعالى العالم ~~بالغيوب إذ ليس في وسع أحد من # PageV02P285 # الخلق الإخبار بالأمور المستقبلة ثم يتفق مخبر إخباره على ما أخبر به من ~~غير خلف لشيء منه # وقوله تعالى قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~الآية روي عن ابن مسعود والحسن أن ذلك خطاب للمؤمنين وأن المؤمنين هي الفئة ~~الرائية للمشركين مثليهم رأي العين فرأوهم مثلي عدتهم وقد كانوا ثلاثة ~~أمثالهم لأن المشركين كانوا نحو ألف رجل والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر ~~فقللهم الله تعالى في أعين المسلمين لتقوية قلوبهم وقال آخرون قوله قد كان ~~لكم آية مخاطبة للكفار الذين ابتدأ بذكرهم في قوله قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وقوله قد كان لكم آية معطوف عليه وتمام له والمعنى فيه أن ~~الكافرين رأوا المؤمنين مثليهم وأراهم الله تعالى كذلك في رأي العين ليجنب ~~قلوبهم ويرهبهم فيكون أقوى للمؤمنين عليهم وذلك أحد أبواب النصر للمسلمين ~~والخذلان للكافرين وفي هذه الآية الدلالة من وجهين على صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أحدهما غلبة الفئة القليلة العدد والعدة للكثيرة العدد ~~والعدة وذلك على خلاف مجرى العادة لما أمدهم الله به من الملائكة والثاني ~~أن الله تعالى قد كان وعدهم إحدى الطائفتين # وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين قبل اللقاء بالظفر والغلبة وقال ~~هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان # وكان كما وعد الله وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم # قوله تعالى زين للناس حب الشهوات قال الحسن زينها الشيطان لأنه لا أحد ~~أشد ذما لها من خالقها وقال بعضهم زينها الله بما جعل في الطباع من ~~المنازعة إليها كما قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها وقال آخرون ~~زين الله ما يحسن منه وزين الشيطان ما يقبح منه # وقوله تعالى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون ~~الذين يأمرون بالقسط من الناس الآية # روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال قلت يا رسول الله أي الناس ms0886 أشد عذابا ~~يوم القيامة قال رجل قتل نبيا أو رجلا أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ثم قال يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ~~ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل واثنا عشر ~~رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ~~فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم وهو الذي ذكر الله تعالى # وفي هذه الآية جواز إنكار المنكر مع خوف القتل وأنه منزلة شريفة # PageV02P286 # يستحق بها الثواب الجزيل لأن الله مدح هؤلاء الذين قتلوا حين أمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر # وروى أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل ~~الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وفي بعض الروايات يقتل عليه # وروى أبو حنيفة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر ~~فقتل # قال عمرو بن عبيد لا نعلم عملا من أعمال البر أفضل من القيام بالقسط يقتل ~~عليه وإنما قال الله تعالى فبشرهم بعذاب أليم وإن كان الإخبار عن أسلافهم ~~من قبل أن المخاطبين من الكفار كانوا راضين بأفعالهم فأجملوا معهم في ~~الإخبار بالوعيد لهم وهذا كقوله تعالى قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ~~وقوله تعالى الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم ~~قتلتموهم إن كنتم صادقين فنسب القتل إلى المخاطبين لأنهم رضوا بأفعال ~~أسلافهم وتولوهم عليها فكانوا مشاركين لهم في استحقاق العذاب كما شاركوهم ~~في الرضا بقتل الأنبياء عليهم السلام # قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ~~الآية روي عن ابن عباس أنه أراد اليهود حين دعوا إلى التوراة وهي ms0887 كتاب الله ~~وسائر الكتب التي فيها البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى ~~الموافقة على ما في هذه الكتب من صحة نبوته كما قال تعالى في آية أخرى قل ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فتولى فريق من أهل الكتاب عن ذلك ~~لعلمهم بما فيه من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته ولولا أنهم ~~علموا ذلك لما أعرضوا عند الدعاء إلى ما في كتبهم وفريق منهم آمنوا وصدقوا ~~لعلمهم بصحة نبوته ولما عرفوه من التوراة وكتب الله من نعته وصفته وفي هذه ~~الآية دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لولا أنهم كانوا ~~عالمين بما ادعاه مما في كتبهم من نعته وصفته وصحة نبوته لما أعرضوا عن ذلك ~~بل كانوا يسارعون إلى الموافقة على ما في كتبهم حتى يتبينوا بطلان دعواه ~~فلما أعرضوا ولم يجيبوا إلى ما دعاهم إليه دل ذلك على أنهم كانوا عالمين ~~بما في كتبهم من ذلك وهو نظير ما تحدى الله تعالى به العرب من الإتيان بمثل ~~سورة من القرآن فأعرضوا عن ذلك وعدلوا إلى القتال والمحاربة لعلمهم بالعجز ~~عن الإتيان بمثلها وكما دعاهم إلى المباهلة في قوله تعالى فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم- إلى قوله تعالى- ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين # PageV02P287 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لو حضروا وباهلوا لأضرم الله تعالى عليهم ~~الوادي نارا ولم يرجعوا إلى أهل ولا ولد # وهذه الأمور كلها من دلائل النبوة وصحة الرسالة وروي عن الحسن وقتادة ~~أنما أراد بقوله تعالى يدعون إلى كتاب الله إلى القرآن لأن ما فيه يوافق ما ~~في التوراة في أصول الدين والشرع والصفات التي قد قدمت بها البشارة في ~~الكتب المتقدمة والدعاء إلى كتاب الله تعالى في هذه الآية يحتمل معاني جائز ~~أن يكون نبوة النبي صلى الله عليه وسلم على ما بينا ويحتمل أن يكون أمر ~~إبراهيم عليه السلام وأن دينه الإسلام ويحتمل أن يريد به بعض أحكام الشرع ~~من حد أو غيره ms0888 كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إلى بعض مدارسهم فسألهم عن حد ~~الزاني فذكروا الجلد والتحميم وكتموا الرجم حتى وقفهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم على آية الرجم بحضرة عبد الله بن سلام # وإذا كانت هذه الوجوه محتملة لم يمتنع أن يكون الدعاء قد وقع إلى جميع ~~ذلك وفيه الدلالة على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته لأنه دعاه إلى ~~كتاب الله تعالى ونظيره أيضا قوله تعالى وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم ~~بينهم إذا فريق منهم معرضون # قوله تعالى قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~قيل في قوله تعالى مالك الملك إنه صفة لا يستحقها إلا الله تعالى ومن أنه ~~مالك كل ملك وقيل مالك أمر الدنيا والآخرة وقيل مالك العباد وما ملكوا وقال ~~مجاهد أراد بالملك هاهنا النبوة وقوله تؤتي الملك من تشاء يحتمل وجهين أمر ~~ملك الأموال والعبيد وذلك مما يجوز أن يؤتيه الله للمسلم والكافر والآخر ~~أمر التدبير وسياسة الأمة فهذا مخصوص به المسلم العدل دون الكافر ودون ~~الفاسق وسياسة الأمة وتدبيرها متعلقة بأوامر الله تعالى ونواهيه وذلك لا ~~يؤتمن الكافر عليه ولا الفاسق لا يجوز أن تجعل إلى من هذه صفته سياسة ~~المؤمنين لقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين فإن قيل قال الله تعالى ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك فأخبر أنه آتى الكافر ~~الملك قيل له يحتمل أن يريد به المال إن كان المراد إيتاء الكافر الملك وقد ~~قيل إنه أراد به آتى إبراهيم الملك يعني النبوة وجواز الأمر والنهي في طريق ~~الحكمة # وقوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين الآية فيه ~~نهي عن اتخاذ الكافرين أولياء لأنه جزم الفعل فهو إذا نهي وليس بخبر قال ~~ابن عباس نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية أن يلاطفوا ونظيرها من الآي ~~قوله تعالى لا تتخذوا بطانة من # PageV02P288 # دونكم لا يألونكم خبالا وقال تعالى لا تجد ms0889 قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم الآية وقال ~~تعالى فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين وقال تعالى فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم وقال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ~~ظلموا فتمسكم النار وقال تعالى فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا وقال تعالى وأعرض عن الجاهلين وقال تعالى يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض وقال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه فنهى بعد النهي عن ~~مجالستهم وملاطفتهم عن النظر إلى أموالهم وأحوالهم في الدنيا # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بإبل لبني المصطلق وقد عبست بأبوالها ~~من السمن فتقنع بثوبه ومضى # لقوله تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم وقال تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا بريء من كل مسلم مع مشرك ~~فقيل لم يا رسول الله فقال لا تراءى نارهما وقال أنا بريء من كل مسلم أقام ~~بين أظهر المشركين # فهذه الآي والآثار دالة على أنه ينبغي أن يعامل الكفار بالغلظة والجفوة ~~دون الملاطفة والملاينة ما لم تكن حال يخاف فيها على تلف نفسه أو تلف بعض ~~أعضائه أو ضررا كبيرا يلحقه في نفسه فإنه إذا خاف ذلك جاز له إظهار ~~الملاطفة والموالاة من غير صحة اعتقاد والولاء ينصرف على وجهين أحدهما من ~~يلي أمور من يرتضي فعله بالنصرة والمعونة والحياطة وقد يسمى بذلك المعان ~~المنصور قال الله تعالى الله ولي الذين آمنوا يعني أنه يتولى نصرهم ~~ومعونتهم والمؤمنون أولياء الله بمعنى أنهم معانون بنصرة الله قال الله ~~تعالى ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # وقوله تعالى إلا أن ms0890 تتقوا منهم تقاة يعنى إن تخافوا تلف النفس أو بعض ~~الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها وهذا هو ظاهر ما يقتضيه ~~اللفظ وعليه الجمهور من أهل العلم وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق ~~المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين قال لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في «19- أحكام في» # PageV02P289 # دينه وقوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة إلا أن تكون بينه وبينه قرابة ~~فيصله لذلك فجعل التقية صلة لقرابة الكافر وقد اقتضت الآية جواز إظهار ~~الكفر عند التقية وهو نظير قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة من الله ~~تعالى وليس بواجب بل ترك التقية أفضل قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر فلم ~~يفعل حتى قتل إنه أفضل ممن أظهر وقد أخذ المشركون خبيب بن عدي فلم يعط ~~التقية حتى قتل فكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية ~~وأظهر الكفر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك # فقال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا بالإيمان فقال صلى الله عليه وسلم وإن ~~عادوا فعد وكان ذلك على وجه الترخيص # وروي أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~لأحدهما أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أني رسول الله قال نعم ~~فخلاه ثم دعا بالآخر وقال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أنى ~~رسول الله قال إني أصم قالها ثلاثا فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال أما هذا المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلة فهنيئا ~~له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه # وفي هذا دليل على أن إعطاء التقية رخصة وأن الأفضل ترك إظهارها وكذلك ~~قالوا أصحابنا ms0891 في كل أمر كان فيه إعزاز الدين فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل ~~من الأخذ بالرخصة في العدول عنه ألا ترى أن من بذل نفسه لجهاد العدو فقتل ~~كان أفضل ممن انحاز وقد وصف الله أحوال الشهداء بعد القتل وجعلهم أحياء ~~مرزوقين فكذلك بذل النفس في إظهار دين الله تعالى وترك إظهار الكفر أفضل من ~~إعطاء التقية فيه وفي هذه الآية ونظائرها دلالة على أن لا ولاية للكافر على ~~المسلم في شيء وأنه إذا كان له ابن صغير مسلم بإسلام أمه فلا ولاية له عليه ~~في تصرف ولا تزويج ولا غيره ويدل على أن الذمي لا يعقل جناية المسلم وكذلك ~~المسلم لا يعقل جنايته لأن ذلك من الولاية والنصرة والمعونة # قوله تعالى وآل إبراهيم وآل عمران روي عن ابن عباس والحسن أن آل إبراهيم ~~هم المؤمنون الذين على دينه وقال الحسن وآل عمران المسيح عليه السلام لأنه ~~ابن مريم بنت عمران وقيل آل عمران هم آل إبراهيم كما قال ذرية بعضها من بعض ~~وهم موسى وهارون ابنا عمران وجعل أصحابنا الآل وأهل البيت واحدا فيمن يوصي ~~لآل فلان أنه بمنزلة قوله لأهل بيت فلان فيكون لمن يجمعه وإياه الجد # PageV02P290 # الذي ينسبون إليه من قبل الآباء نحو قولهم آل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأهل بيته هما عبارتان عن معنى واحد قالوا إلا أن يكون من نسب إليه الآل هو ~~بيت ينسب إليه مثل قولنا آل العباس وآل علي والمعني فيه أولاد العباس ~~وأولاد علي الذين ينسبون إليهما بالآباء وهذا محمول على المتعارف المعتاد # وقوله عز وجل ذرية بعضها من بعض روي عن الحسن وقتادة بعضها من بعض في ~~التناصر في الدين كما قال تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يعنى في ~~الاجتماع على الضلال [والمؤمنون بعضهم من بعض] في الاجتماع على الهدى وقال ~~بعضهم ذرية بعضها من بعض في التناسل لأن جميعهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ~~ذرية إبراهيم عليهم السلام # قوله عز وجل إذ قالت امرأت عمران رب إني ms0892 نذرت لك ما في بطني محررا روي عن ~~الشعبي أنه قال مخلصا للعبادة وقال مجاهد خادما للبيعة وقال محمد بن جعفر ~~بن الزبير عتيقا من أمر الدنيا لطاعة الله تعالى والتحرير ينصرف على وجهين ~~أحدهما العتق من الحرية والآخر تحرير الكتاب وهو إخلاصه من الفساد ~~والاضطراب وقولها إني نذرت لك ما في بطني محررا إذا أرادت مخلصا للعبادة ~~أنها تنشئه على ذلك وتشغله بها دون غيرها وإذا أرادت به أنها تجعله خادما ~~للبيعة أو عتيقا لطاعة الله تعالى فإن معاني جميع ذلك متقاربة كان نذرا من ~~قبلها نذرته لله تعالى بقولها نذرت ثم قالت فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العليم والنذر في مثل ذلك صحيح في شريعتنا أيضا بأن ينذر الإنسان أن ينشئ ~~ابنه الصغير على عبادة الله وطاعته وأن لا يشغله بغيرهما وأن يعلمه القرآن ~~والفقه وعلوم الدين وجميع ذلك نذور صحيحة لأن في ذلك قربة إلى الله تعالى ~~وقولها نذرت لك يدل على أنه يقتضي الإيجاب وأن من نذر لله تعالى قربة يلزمه ~~الوفاء بها ويدل على أن النذور تتعلق على الأخطار وعلى أوقات مستقبلة لأنه ~~معلوم أن قولها نذرت لك ما في بطني محررا أرادت به بعد الولادة وبلوغ الوقت ~~الذي يجوز في مثله أن يخلص لعبادة الله تعالى ويدل أيضا على جواز النذر ~~بالمجهول لأنها نذرته وهي لا تدرى ذكرا أم أنثى ويدل على أن للأم ضربا من ~~الولاية على الولد في تأديبه وتعليمه وإمساكه وتربيته لولا أنها تملك ذلك ~~لما نذرته في ولدها ويدل أيضا على أن للأم تسمية ولدها وتكون تسمية صحيحة ~~وإن لم يسمه الأب لأنها قالت وإني سميتها مريم وأثبت الله تعالى لولدها هذا ~~الاسم وقوله تعالى فتقبلها ربها بقبول حسن المراد به والله # PageV02P291 # أعلم رضيها للعبادة في النذر الذي نذرته بالإخلاص للعبادة في بيت المقدس ~~ولم يقبل قبلها أنثى في هذا المعنى # قوله تعالى وكفلها زكريا إذا قرئ بالتخفيف كان معناه أنه تضمن مؤنتها كما # روي عن النبي صلى الله عليه ms0893 وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار ~~بإصبعيه # يعني به من يضمن مؤنة اليتيم وإذا قرئ بالتثقيل كان معناه أن الله تعالى ~~كفله إياها وضمنه مؤنتها وأمره بالقيام بها والقراءتان صحيحتان بأن يكون ~~الله تعالى كفله إياها فتكفل بها # قوله تعالى قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة الهبة تمليك الشيء من غير ثمن ~~ويقولون قد تواهبوا الأمر بينهم وسمى الله تعالى ذلك هبة على وجه المجاز ~~لأنه لم تكن هناك هبة على الحقيقة إذ لم يكن تمليك شيء وقد كان الولد حرا ~~لا يقع فيه تمليك ولكنه لما أراد أن يخلص له الولد على ما أراد من عبادة ~~الله تعالى ووراثته النبوة والعلم أطلق عليه لفظ الهبة كما سمى الله تعالى ~~بذل النفس للجهاد في الله شراء بقوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة هو تعالى مالك الجميع من الأنفس والأموال قبل أن ~~جاهدوا وبعده وسمى ذلك شراء لما وعدهم عليه من الثواب الجزيل وقد يقول ~~القائل لي جناية فلان ولا تمليك فيه وإنما أراد إسقاط حكمها # وقوله تعالى وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين يدل على أن غير الله تعالى ~~يجوز أن يسمى بهذا الاسم لأن الله تعالى سمى بيحيى سيدا والسيد هو الذي تجب ~~طاعته # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن ~~معاذ للحكم بينه وبين بني قريظة قوموا إلى سيدكم # وقال صلى الله عليه وسلم للحسن إن ابني هذا سيد # وقال لبني سلمة من سيدكم يا بني سلمة قالوا الحر بن قيس على بخل فيه قال ~~وأي داء أدوى من البخل ولكن سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح # فهذا كله يدل على أن من تجب طاعته يجوز أن يسمى سيدا وليس السيد هو ~~المالك فحسب لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال سيد الدابة وسيد الثوب كما يقال ~~سيد العبد # وقد روي أن وفد بني عامر قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ms0894 فقالوا أنت ~~سيدنا وذو الطول علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم السيد هو الله تكلموا ~~بكلامكم ولا يستهوينكم الشيطان # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل السادة من بني آدم ولكنه رآهم ~~متكلفين لهذا القول فأنكره عليهم كما قال أبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون ~~المتفيهقون فكره لهم تكلف الكلام على وجه التصنع # وقد روي عن النبي أنه قال لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يك سيدا فقد ~~هلكتم # فنهى أن يسمى المنافق سيدا لأنه لا تجب # PageV02P292 # طاعته فإن قيل قال الله تعالى ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا فسموهم سادات وهم ضلال قيل له لأنهم أنزلوهم منزلة من تجب طاعته ~~وإن لم يكن مستحقا لها فكانوا عندهم وفي اعتقادهم ساداتهم كما قال تعالى ~~فما أغنت عنهم آلهتهم ولم يكونوا آلهة ولكنهم سموهم آلهة فأجرى الكلام على ~~ما كان في زعمهم واعتقادهم # قوله تعالى قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا يقال إنه طلب آية لوقت الحمل ليعجل السرور به فأمسك على لسانه فلم ~~يقدر أن يكلم الناس إلا بالإيماء يروى ذلك عن الحسن والربيع بن أنس وقتادة ~~وقال في هذه الآية ثلاثة أيام وفي موضع آخر في سورة مريم في هذه القصة ~~بعينها ثلاث ليال سويا عبر تارة بذكر الأيام وتارة بذكر الليالي وفي هذا ~~دليل على أن أحد العددين من الجميع عند الإطلاق يعقل به مقداره من الوقت ~~الآخر فيعقل من ثلاثة أيام ثلاث ليال معها ومن ثلاث ليال ثلاثة أيام ألا ~~ترى أنه لما أراد التفرقة بينهما أفرد كل واحد منهما بالذكر فقال سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما لأنه لو اقتصر على العدد الأول عقل مثله من الوقت الآخر # قوله تعالى وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين قيل في قوله اصطفاك اختارك بالتفضيل على نساء العالمين في ~~زمانهم يروى ذلك عن الحسن وابن جريج وقال غيرهما معناه أنه اختارك على نساء ~~العالمين ms0895 بحال جليلة من ولادة المسيح وقال الحسن ومجاهد وطهرك من الكفر ~~بالإيمان قال أبو بكر هذا سائغ كما جاز إطلاق اسم النجاسة على الكافر لأجل ~~الكفر في قوله تعالى إنما المشركون نجس والمراد نجاسة الكفر فكذلك يكون ~~وطهرك بطهارة الإيمان # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليس بنجس # يعني به نجاسة الكفر وهو كقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا والمراد طهارة الإيمان والطاعات وقيل إن المراد ~~وطهرك من سائر الأجناس من الحيض والنفاس وغيرهما وقد اختلف في وجه تطهير ~~الملائكة لمريم وإن لم تكن نبية لأن الله تعالى قال وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم فقال قائل كان ذلك معجزة لزكريا عليه السلام وقال آخرون ~~على وجه إرهاص نبوة المسيح كحال الشهب وإظلال الغمامة ونحو ذلك مما كان ~~لنبينا صلى الله عليه وسلم قبل المبعث # قوله تعالى يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين قال سعيد أخلصي ~~لربك وقال قتادة أديمي الطاعة وقال # PageV02P293 # مجاهد أطيلى القيام في الصلاة وأصل القنوت الدوام على الشيء وأشبه هذه ~~الوجوه بالحال الأمر بإطالة القيام في الصلاة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الصلاة طول القنوت # يعني طول القيام ويدل عليه قوله عطفا على ذلك واسجدي واركعى فأمرت ~~بالقيام والركوع والسجود وهي أركان الصلاة ولذلك لم يكن هذا موضع سجدة عند ~~سائر أهل العلم كسائر مواضع السجود لأجل ذكر السجود فيها لأنه قد ذكر مع ~~السجود القيام والركوع فكان أمرا بالصلاة وفي هذا دلالة على أن الواو لا ~~توجب الترتيب لأن الركوع مقدم على السجود في المعنى وقدم السجود هاهنا في ~~اللفظ # قوله تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم قال أبو بكر ~~حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى إذ يلقون أقلامهم قال تساهموا على ~~مريم أيهم يكفلها فقرعهم زكريا ms0896 ويقال إن الأقلام هاهنا القداح التي يتساهم ~~عليها وإنهم ألقوها في جرية الماء فاستقبل قلم زكريا عليه السلام جرية ~~الماء مصعدا وانحدرت أقلام الآخرين معجزة لزكريا عليه السلام فقرعهم يروى ~~ذلك عن الربيع بن أنس ففي هذا التأويل أنهم تساهموا عليها حرصا على كفالتها ~~ومن الناس من يقول إنهم تدافعوا كفالتها لشدة الأزمة والقحط في زمانها حتى ~~وفق لها زكريا خير الكفلاء والتأويل الأول أصح لأن الله تعالى قد أخبر أنه ~~كفلها زكريا وهذا يدل على أنه كان حريصا على كفالتها ومن الناس من يحتج ~~بذلك على جواز القرعة في العبيد يعتقهم في مرضه ثم يموت ولا مال له غيرهم ~~وليس هذا من عتق العبيد في شيء لأن الرضا بكفالة الواحد منهم بعينه جائز في ~~مثله ولا يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية وقد كان عتق الميت ~~نافذا في الجميع فلا يجوز نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره كما لا يجوز ~~التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه وإلقاء الأقلام يشبه القرعة في ~~القسمة وفي تقديم الخصوم إلى الحاكم وهو نظير ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه # وذلك لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة وكذلك حكم ~~كفالة مريم عليها السلام وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية عمن وقعت ~~عليه # قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح البشارة هي خبر على وصف وهو في الأصل لما يسر لظهور السرور في بشرة ~~وجهه إذا # PageV02P294 # بشر والبشرة هي ظاهر الجلد فأضافت الملائكة البشارة إلى الله تعالى وكان ~~الله هو مبشرها وإن كانت الملائكة خاطبوها وكذلك قال أصحابنا فيمن قال إن ~~بشرت فلانا بقدوم فلان فعبدي حر فقدم وأرسل إليه رسولا يخبره بقدومه فقال ~~له الرسول إن فلانا يقول لك قد قدم فلان أنه يحنث في يمينه لأن المرسل هو ~~المبشر دون الرسول ولأجل ما ذكرنا من تضمن ms0897 البشارة إحداث السرور قال ~~أصحابنا إن المبشر هو المخبر الأول وإن الثاني ليس بمبشر لأنه لا يحدث ~~بخبره سرور وقد تطلق البشارة ويراد بها الخبر فحسب كقوله تعالى فبشرهم ~~بعذاب أليم قوله تعالى بكلمة منه قد قيل فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه لما خلقه ~~الله تعالى من غير والد كما قال الله تعالى خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون فلما كان خلقه على هذا الوجه من غير والد أطلق عليه اسم الكلمة مجازا ~~كما قال وكلمته ألقاها إلى مريم والوجه الثاني أنه لما بشر به في الكتب ~~القديمة أطلق عليه الاسم والوجه الثالث أن الله يهدي به كما يهدي بكلمته # قوله تعالى فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم الاحتجاج المتقدم لهذه الآية على النصارى في قولهم إن المسيح هو ~~ابن الله # وهم وفد نجران وفيهم السيد والعاقب قالا للنبي صلى الله عليه وسلم هل ~~رأيت ولدا من غير ذكر فأنزل الله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم روي ~~ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة # وقال قبل ذلك فيما حكى عن المسيح ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم- إلى قوله ~~تعالى- إن الله ربي وربكم فاعبدوه وهذا موجود في الإنجيل لأن فيه إني ذاهب ~~إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم والأب السيد في تلك اللغة ألا تراه قال وأبي ~~وأبيكم فعلمت أنه لم يرد به الأبوة المقتضية للبنوة فلما قامت الحجة عليهم ~~بما عرفوه واعترفوا به وأبطل شبهتهم في قولهم إنه ولد من غير ذكر بأمر آدم ~~عليه السلام دعاهم حينئذ إلى المباهلة فقال تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم الآية فنقل رواة السير ~~ونقلة الأثر لم يختلفوا فيه # أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وعلي وفاطمة رضي الله ~~عنهم ثم دعا النصارى الذين حاجوه إلى المباهلة فأحجموا عنها وقال بعضهم ~~لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارا ولم يبق نصراني ولا نصرانية إلى ms0898 ~~يوم القيامة # وفي هذه الآيات دحض شبه النصارى في أنه إله أو ابن الإله وفيه دلالة على ~~صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لولا أنهم عرفوا يقينا أنه # PageV02P295 # نبي ما الذي كان يمنعهم من المباهلة فلما أحجموا وامتنعوا عنها دل أنهم ~~قد كانوا عرفوا صحة نبوته بالدلائل المعجزات وبما وجدوا من نعته في كتب ~~الأنبياء المتقدمين وفيه الدلالة على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين أراد حضور المباهلة وقال ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ولم يكن هناك للنبي صلى الله عليه وسلم بنون ~~غيرهما # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن رضي الله عنه إن ابني ~~هذا سيد # وقال حين بال عليه أحدهما وهو صغير لا تزرموا ابني # وهما من ذريته أيضا كما جعل الله تعالى عيسى من ذرية إبراهيم عليهما ~~السلام بقوله تعالى ومن ذريته داود وسليمان- إلى قوله تعالى- وزكريا ويحيى ~~وعيسى وإنما نسبته إليه من جهة أمه لأنه لا أب له ومن الناس من يقول إن هذا ~~مخصوص في الحسن والحسين رضي الله عنهما أن يسميا ابني النبي صلى الله عليه ~~وسلم دون غيرهما وقد روي في ذلك خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ~~خصوص إطلاق اسم ذلك فيهما دون غيرهما من الناس لأنه # روى عنه أنه قال سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي # وقال محمد فيمن أوصى لولد فلان ولم يكن له ولد لصلبه وله ولد ابن وولد ~~ابنة إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة وقد روى الحسن بن زياد عن أبي ~~حنيفة أن ولد الابنة يدخلون فيه وهذا يدل على أن قوله تعالى وقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك مخصوص به الحسن والحسين في جواز نسبتهما على الإطلاق ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الناس لما ورد فيه من الأثر وأن ~~غيرهما من الناس إنما ينسبون إلى الآباء وقومهم دون قوم الأم ms0899 ألا ترى أن ~~الهاشمي إذا استولد جارية رومية أو حبشية أن ابنه يكون هاشميا منسوبا إلى ~~قوم أبيه دون أمه وكذلك قال الشاعر: # بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # فنسبة الحسن والحسين رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالبنوة على الإطلاق مخصوص بهما لا يدخل فيه غيرهما هذا هو الظاهر المتعالم ~~من كلام الناس فيمن سواهما لأنهم ينسبون إلى الأب وقومه دون قوم الأم # قوله تعالى قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد ~~إلا الله الآية قوله تعالى كلمة سواء يعني والله أعلم كلمة عدل بيننا ~~وبينكم نتساوى جميعا فيها إذ كنا جميعا عباد الله ثم فسرها بقوله تعالى ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~وهذه هي # PageV02P296 # الكلمة التي تشهد العقول بصحتها إذ كان الناس كلهم عبيد الله لا يستحق ~~بعضهم على بعض العبادة ولا يجب على أحد منهم طاعة غيره إلا فيما كان طاعة ~~لله تعالى وقد شرط الله تعالى في طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ما كان منها ~~معروفا وإن كان الله تعالى قد علم أنه لا يأمر إلا بالمعروف لئلا يترخص أحد ~~في إلزام غيره طاعة نفسه إلا بأمر الله تعالى كما قال الله تعالى مخاطبا ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم في قصة المبايعات ولا يعصينك في معروف فبايعهن ~~فشرط عليهن ترك عصيان النبي صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي يأمرهن به ~~تأكيدا لئلا يلزم أحدا طاعة غيره إلا بأمر الله وما كان منه طاعة لله تعالى ~~وقوله تعالى ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله أي لا يتبعه في تحليل ~~شيء ولا تحريمه إلا فيما حلله الله أو حرمه وهو نظير قوله تعالى اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم # وقد روى عبد السلام بن حرب عن عطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن ~~حاتم قال أتيت ms0900 النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال ألق هذا ~~الوثن عنك ثم قرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قلت يا رسول ~~ما كنا نعبدهم قال أليس كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيحلونه ويحرمون ~~عليهم ما أحل الله لهم فيحرمونه قال فتلك عبادتهم # وإنما وصفهم الله تعالى بأنهم اتخذوا أربابا لأنهم أنزلوهم منزلة ربهم ~~وخالقهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحلله ولا يستحق ~~أحد أن يطاع بمثله إلا الله تعالى الذي هو خالقهم والمكلفون كلهم متساوون ~~في لزوم عبادة الله واتباع أمره وتوجيه العبادة إليه دون غيره # قوله تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم إلى قوله تعالى أفلا ~~تعقلون روي عن ابن عباس والحسن والسدي أن أحبار اليهود ونصارى نجران ~~اجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فتنازعوا في إبراهيم عليه السلام ~~فقالت اليهود ما كان إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إلا نصرانيا فأبطل ~~الله دعواهم بقوله تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت ~~التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون فاليهودية والنصرانية حادثتان ~~بعد إبراهيم فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا وقد قيل إنهم سموا بذلك لأنهم من ~~ولد يهودا والنصارى سموا بذلك لأن أصلهم من ناصرة قرية بالشام ومع ذلك فإن ~~اليهودية ملة محرفة عن ملة موسى عليه السلام والنصرانية ملة محرفة عن شريعة ~~عيسى عليه السلام فلذلك قال تعالى وما أنزلت التوراة والإنجيل # PageV02P297 # إلا من بعده # فكيف يكون إبراهيم منسوبا إلى ملة حادثة بعده فإن قيل فينبغي أن لا يكون ~~حنيفا مسلما لأن القرآن نزل بعده قيل له لما كان معنى الحنيف الدين ~~المستقيم لأن الحنف في اللغة هو الاستقامة والإسلام هاهنا هو الطاعة لله ~~تعالى والانقياد لأمره وكل واحد من أهل الحق يصح وصفه بذلك فقد علمنا بأن ~~الأنبياء المتقدمين إبراهيم ومن قبله قد كانوا بهذه الصفة فلذلك جاز أن ~~يسمى إبراهيم حنيفا مسلما وإن كان القرآن نزل بعده لأن ms0901 هذا الاسم ليس بمختص ~~بنزول القرآن دون غيره بل يصح صفة جميع المؤمنين به واليهودية والنصرانية ~~صفة حادثة لمن كان على ملة حرفها منتحلوها من شريعة التوراة والإنجيل فغير ~~جائز أن ينسب إليها من كان قبلها وفي هذه الآيات دليل على وجوب المحاجة في ~~الدين وإقامة الحجة على المبطلين كما احتج الله تعالى على أهل الكتاب من ~~اليهود والنصارى في أمر المسيح عليه السلام وأبطل بها شبهتهم وشغبهم # وقوله تعالى ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم أوضح دليل على صحة الاحتجاج للحق لأنه لو كان الحجاج كله محظورا ~~لما فرق بين المحاجة بالعلم وبينها إذا كانت بغير علم وقيل في قوله تعالى ~~حاججتم فيما لكم به علم فيما وجدوه في كتبهم وأما ما ليس لهم به علم فهو ~~شأن إبراهيم في قولهم إنه كان يهوديا أو نصرانيا # قوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك معناه تأمنه على ~~قنطار لأن الباء وعلى تتعاقبان في هذا الموضع كقولك مررت بفلان ومررت عليه ~~وقال الحسن في القنطار هو ألف مثقال ومائتا مثقال وقال أبو نضرة ملء مسك ~~ثور ذهبا وقال مجاهد سبعون ألفا وقال أبو صالح مائة رطل فوصف الله تعالى ~~بعض أهل الكتاب بأداء الأمانة في هذا الموضع ويقال إنه أراد به النصارى ومن ~~الناس من يحتج بذلك في قبول شهادة بعضهم على بعض لأن الشهادة ضرب من ~~الأمانة كما أن بعض المسلمين لما كان مأمونا جازت شهادته فكذلك الكتابي من ~~حيث كان منهم موصوفا بالأمانة دل على جواز قبول شهادته على الكفار فإن قيل ~~فهذا يوجب جواز قبول شهادتهم على المسلمين لأنه وصفه بأداء الأمانة إلى ~~المسلمين إذا ائتمنوه عليها قيل له كذلك يقتضي ظاهر الآية إلا أنا خصصناه ~~بالاتفاق وأيضا فإنما دلت على جواز شهادتهم للمسلمين لأن أداء أمانتهم حق ~~لهم فأما جوازه عليهم فلا دلالة في الآية عليه وقوله تعالى ومنهم من إن ~~تأمنه # PageV02P298 # بدينار لا ms0902 يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما # قال مجاهد وقتادة إلا ما دمت عليه قائما بالتقاضي وقال السدي إلا ما دمت ~~قائما على رأسه بالملازمة له واللفظ محتمل للأمرين من التقاضي ومن الملازمة ~~وهو عليهما جميعا وقوله تعالى إلا ما دمت عليه قائما بالملازمة أولى منه ~~بالتقاضي من غير ملازمة وقد دلت الآية على أن للطالب ملازمة المطلوب بالدين ~~وقوله تعالى ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل روي عن قتادة ~~والسدي أن اليهود قالت ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل لأنهم ~~مشركون وزعموا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم وقيل إنهم قالوا ذلك في سائر من ~~يخالفهم في دينهم ويستحلون أموالهم لأنهم يزعمون أن على الناس جميعا ~~اتباعهم وادعوا ذلك على الله أنه أنزل عليهم فأخبر الله تعالى عن كذبهم في ~~ذلك بقوله تعالى ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنه كذب قوله تعالى إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا # روى الأعمش عن سفيان عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فاجر فيها لقي الله وهو عليه ~~غضبان # وقال الأشعث بن قيس في نزلت كان بيني وبين رجل خصومة فخاصمته إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال ألك بينة قلت لا قال فيمينه قلت إذا يحلف ~~فذكر مثل قول عبد الله فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله # الآية # وروى مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن ~~كعب ابن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اقتطع ~~حق مسلم بيمنه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار قالوا وإن كان شيئا ~~يسيرا يا رسول الله قال وإن كان قضيبا من أراك # وروى الشعبي عن علقمة عن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول من حلف على يمين صبر ليقطع بها مال أخيه لقي الله ms0903 وهو عليه غضبان # وظاهر الآية وهذه الآثار تدل على أنه لا يستحق أحد بيمينه مالا هو في ~~الظاهر لغيره وكل من في يده شيء يدعيه لنفسه فالظاهر أنه له حتى يستحقه ~~غيره وقد منع ظاهر الآية والآثار التي ذكرنا أن يستحق بيمينه مالا هو لغيره ~~في الظاهر ولولا يمينه لم يستحقه لأنه معلوم أنه لم يرد به مالا هو له عند ~~الله دون ما هو عندنا في الظاهر إذ كانت الأملاك لا تثبت عندنا إلا من طريق ~~الظاهر دون الحقيقة وفي ذلك دليل على بطلان قول القائلين برد اليمين لأنه ~~يستحق بيمينه ما كان ملكا لغيره في الظاهر وفيه الدلالة على أن الأيمان ~~ليست # PageV02P299 # موضوعة للاستحقاق وإنما موضوعها لإسقاط الخصومة وروى العوام بن حوشب قال ~~حدثنا إبراهيم بن إسماعيل أنه سمع ابن أبي أوفى يقول أقام رجل سلعة فحلف ~~بالله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها ثمنا لم يعط بها ليوقع فيها مسلما ~~فنزلت إن الذين يشترون بعهد الله الآية وروي عن الحسن وعكرمة أنها نزلت في ~~قوم من أحبار اليهود كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله ممن ~~ادعوا أنه ليس علينا في الأميين سبيل # قوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب- إلى قوله تعالى- وما ~~هو من عند الله يدل على أن المعاصي ليست من عند الله ولا من فعله لأنها لو ~~كانت من فعله لكانت من عنده وقد نفى الله نفيا عاما كون المعاصي من عنده ~~ولو كانت من فعله لكانت من عنده من آكد الوجوه فكان لا يجوز إطلاق النفي ~~بأنه ليس من عنده فإن قيل فقد يقال إن الإيمان من عند الله ولا يقال إنه من ~~عنده من كل الوجوه كذلك الكفر والمعاصي قيل له لأن إطلاق النفي يوجب العموم ~~وليس كذلك إطلاق الإثبات ألا ترى أنك لو قلت ما عند زيد طعام كان نفيا ~~لقليله وكثيره ولو قلت عنده طعام ما كان عموما في كون جميع الطعام عنده # قوله تعالى لن ms0904 تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قيل في معنى البر هاهنا ~~وجهان أحدهما الجنة وروي ذلك عن عمرو بن ميمون والسدي وقيل فيه البر بفعل ~~الخير الذي يستحقون به الأجر والنفقة هاهنا إخراج ما يحبه في سبيل الله من ~~صدقة أو غيرها # وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال لما نزلت لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون، ومن ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا قال أبو طلحة يا رسول ~~الله حائطي الذي بمكان كذا وكذا لله تعالى ولو استطعت أن أسره ما أعلنته ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعله في قرابتك أو في أقربائك # وروى يزيد بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي عمرو بن حماس عن حمزة بن عبد ~~الله عن عبد الله بن عمر قال خطرت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون فتذكرت ما أعطاني الله فلم أجد شيئا أحب إلي من جاريتي أميمة فقلت هي ~~حرة لوجه الله فلولا أن أعود في شيء فعلته لله لنكحتها فأنكحتها نافعا وهي ~~أم ولده # حدثنا عبد الله بن محمد ابن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب وغيره أنها حين نزلت لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال يا ~~رسول الله هذه في سبيل الله فحمل النبي صلى الله عليه وسلم عليها أسامة بن # PageV02P300 # زيد فكان زيد أوجد في نفسه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه ~~قال أما الله تعالى فقد قبلها # وروي عن الحسن أنه قال هو الزكاة الواجبة وما فرض الله تعالى في الأموال ~~قال أبو بكر عتق ابن عمر للجارية على تأويل الآية على أنه رأى كل ما أخرج ~~على وجه القربة إلى الله فهو من النفقة المراد بالآية ويدل على أن ذلك كان ~~عنده عاما في الفروض والنوافل وكذلك فعل أبي طلحة وزيد بن حارثة يدل ms0905 على ~~أنهم لم يروا ذلك مقصورا على الفرض دون النفل ويكون حينئذ معنى قوله تعالى ~~لن تنالوا البر على أنكم لن تنالوا البر الذي هو في أعلى منازل القرب حتى ~~تنفقوا مما تحبون على وجه المبالغة في الترغيب فيه لأن الإنفاق مما يحب يدل ~~على صدق نيته كما قال تعالى لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم وقد يجوز إطلاق مثله في اللغة وإن لم يرد به نفي الأصل وإنما ~~يريد به نفي الكمال كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد ما ينفق ولا يفطن له فيتصدق ~~عليه # فأطلق ذلك على وجه المبالغة في الوصف له بالمسكنة لا على نفي المسكنة عن ~~غيره على الحقيقة # قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ~~قال أبو بكر هذا يوجب أن يكون جميع المأكولات قد كان مباحا لبني إسرائيل ~~إلى أن حرم إسرائيل ما حرمه على نفسه وروي عن ابن عباس والحسن أنه أخذه وجع ~~عرق النسا فحرم أحب الطعام إليه إن شفاه الله على وجه النذر وهو لحوم الإبل ~~وقال قتادة حرم العروق وروي أن إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ~~عليهم السلام نذر إن برىء من عرق النسا أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه ~~وهو لحوم الإبل وألبانها وكان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل ~~النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الإبل لأنهم لا يرون النسخ جائزا فأنزل الله ~~هذه الآية وبين أنها كانت مباحة لإبراهيم وولده إلى أن حرمها إسرائيل على ~~نفسه وحاجهم بالتوراة فلم يجسروا على إحضارها لعلمهم بصدق ما أخبر أنه فيها ~~وبين بذلك بطلان قولهم في إباء النسخ إذ ما جاز أن يكون مباحا في وقت ثم ~~حظر جازت إباحته بعد حظره وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ms0906 الكتاب ولم يجالس أهل ~~الكتاب فلم يعرف سرائر كتب الأنبياء المتقدمين إلا بإعلام الله إياه وهذا ~~الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه صار محظورا عليه وعلى بني إسرائيل يدل # PageV02P301 # عليه قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه فاستثنى ذلك مما أحله تعالى لبني إسرائيل ثم حظره إسرائيل على نفسه ~~فدل على أنه صار محظورا عليه وعليهم فإن قيل كيف يجوز للإنسان أن يحرم على ~~نفسه شيئا وهو لا يعلم موقع المصلحة في الحظر والإباحة إذ كان علم المصالح ~~في العبادات لله تعالى وحده قيل هذا جائز بأن يأذن الله له فيه كما يجوز ~~الاجتهاد في الأحكام بإذن الله تعالى فيكون ما يؤدي إليه الاجتهاد حكما لله ~~تعالى وأيضا فجائز للإنسان أن يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ويحرم جاريته ~~بالعتق فكذلك جائز أن يأذن الله له في تحريم الطعام إما من جهة النص أو ~~الاجتهاد وما حرمه إسرائيل على نفسه لا يخلو من أن يكون تحريمه صدر عن ~~اجتهاد منه في ذلك أو توقيفا من الله له في إباحة التحريم له إن شاء وظاهر ~~الآية يدل على أن تحريمه صدر عن اجتهاد منه في ذلك لإضافة الله تعالى ~~التحريم إليه ولو كان ذلك عن توقيف لقال إلا ما حرم الله على بني إسرائيل ~~فلما أضاف التحريم إليه دل ذلك على أنه كان جعل إليه إيجاب التحريم من طريق ~~الاجتهاد وهذا يدل على أنه جائز أن يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد ~~في الأحكام كما جاز لغيره والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك لفضل رأيه ~~وعلمه بوجوه المقاييس واجتهاد الرأي وقد بينا ذلك في أصول الفقه قال أبو ~~بكر قد دلت الآية على أن تحريم إسرائيل لما حرمه من الطعام على نفسه قد كان ~~واقعا ولم يكن موجب لفظه شيئا غير التحريم وهذا المعنى هو منسوخ بشريعة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وذلك لأن # النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية على نفسه ms0907 # وقيل إنه حرم العسل فلم يحرمهما الله تعالى عليه وجعل موجب لفظه كفارة ~~يمين بقوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك- إلى قوله تعالى- قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فجعل في التحريم ~~كفارة يمين إذا استباح ما حرم بمنزلة الحلف أن لا يستبيحه وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن حرم على نفسه جارية أو شيئا من ملكه أنه لا يحرم عليه وله أن ~~يستبيحه بعد التحريم وتلزمه كفارة يمين بمنزلة من حلف أن لا يأكل هذا ~~الطعام إلا أنهم خالفوا بينه وبين اليمين من وجه وهو أن القائل والله لا ~~أكلت هذا الطعام لا يحنث إلا بأكل جميعه ولو قال قد حرمت هذا الطعام على ~~نفسي حنث بأكل جزء منه لأن الحالف لما حلف عليه بلفظ التحريم فقد قصد إلى ~~الحنث بأكل الجزء منه بمنزلة قوله والله لا آكل شيئا منه لأن ما حرمه الله ~~تعالى من الأشياء # PageV02P302 # فتحريمه شامل لقليله وكثيره وكذلك المحرم له على نفسه عاقد لليمين على كل ~~جزء منه أن لا يأكل. # قوله عز وجل إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين قال ~~مجاهد وقتادة لم يوضع قبله بيت على الأرض # وروي عن علي والحسن أنهما قالا هو أول بيت وضع للعبادة # وقد اختلف في بكة فقال الزهري بكة المسجد ومكة الحرم كله وقال مجاهد بكة ~~هي مكة ومن قال هذ القول يقول قد تبدل الباء مع الميم كقوله سبد رأسه وسمده ~~إذا حلقه وقال أبو عبيدة بكة هي بطن مكة وقيل إن البك الزحم من قولك بكه ~~يبكه بكا إذا زاحمه وتباك الناس بالموضع إذا ازدحموا فيجوز أن يسمى بها ~~البيت لازدحام الناس فيه للتبرك بالصلاة ويجوز أن يسمى به ما حول البيت من ~~المسجد لازدحام الناس فيه للطواف قوله تعالى وهدى للعالمين يعني بيانا ~~ودلالة على الله لما أظهر فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره وهو أمن ~~الوحش فيه حتى يجتمع الكلب والظبي في الحرم ms0908 فلا الكلب يهيج الظبي ولا الظبي ~~يتوحش منه وفي ذلك دلالة على توحيد الله وقدرته وهذا يدل على أن المراد ~~بالبيت هاهنا البيت وما حوله من الحرم لأن ذلك موجود في جميع الحرم وقوله ~~مباركا يعني أنه ثابت الخير والبركة لأن البركة هي ثبوت الخير ونموه وتزيده ~~والبرك هو الثبوت يقال برك بركا وبروكا إذا ثبت على حاله هذه في الآية ~~ترغيب في الحج إلى البيت الحرام بما أخبر عنه من المصلحة فيه والبركة ونمو ~~الخير وزيادته مع اللطف في الهداية إلى التوحيد والديانة # قوله تعالى فيه آيات بينات مقام إبراهيم قال أبو بكر الآية في مقام ~~إبراهيم عليه السلام أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله تعالى ليكون ذلك ~~دلالة وآية على توحيد الله وعلى صحة نبوة إبراهيم عليه السلام ومن الآيات ~~فيه ما ذكرنا من أمن الوحش وأنسه فيه مع السباع الضارية المتعادية وأمن ~~الخائف في الجاهلية فيه ويتخطف الناس من حولهم وإمحاق الجمار على كثرة ~~الرمي من لدن إبراهيم عليه السلام إلى يومنا هذا مع أن حصى الجمار إنما ~~تنقل إلى موضع الرمي من غيره وامتناع الطير من العلو عليه وإنما يطير حوله ~~لا فوقه واستشفاء المريض منها به وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته وقد كانت ~~العادة بذلك جارية ومن إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا لإخرابه بالطير ~~الأبابيل فهذه كلها من آيات الحرم سوى ما لا نحصيه منها وفي جميع ذلك دليل ~~على أن المراد بالبيت هنا الحرم كله لأن هذه الآيات موجودة في الحرم # PageV02P303 # ومقام إبراهيم ليس في البيت إنما هو خارج البيت والله أعلم. ### | باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجني فيه # قال الله تعالى ومن دخله كان آمنا قال أبو بكر لما كانت الآيات المذكورة ~~عقيب قوله إن أول بيت وضع للناس موجودة في جميع الحرم ثم قال ومن دخله كان ~~آمنا وجب أن يكون مراده جميع الحرم وقوله ومن دخله كان آمنا يقتضي أمنه على ~~نفسه سواء كان جانيا قبل دخوله أو ms0909 جنى بعد دخوله إلا أن الفقهاء متفقون على ~~أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها ومعلوم أن قوله ومن دخله ~~كان آمنا هو أمر وإن كان في صورة الخبر كأنه قال هو آمن في حكم الله تعالى ~~وفيما أمر به كما نقول هذا مباح وهذا محظور والمراد به كذلك في حكم الله ~~وما أمر به عباده وليس المراد أن مبيحا يستبيحه ولا أن معتقدا للحظر يحظره ~~وإنما هو بمنزلة قوله في المباح افعله على أن لا تبعة عليك فيه ولا ثواب ~~وفي المحظور لا تفعله فإنك تستحق العقاب به وكذلك قوله تعالى ومن دخله كان ~~آمنا هو أمر لنا بإيمانه وحظر دمه ألا ترى إلى قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم فأخبر بجواز وقوع ~~القتل فيه وأمرنا بقتل المشركين فيه إذا قاتلونا ولو كان قوله تعالى ومن ~~دخله كان آمنا خبرا لما جاز أن لا يوجد مخبره فثبت بذلك أن قوله تعالى ومن ~~دخله كان آمنا هو أمر لنا بإيمانه ونهي لنا عن قتله ثم لا يخلوا ذلك من أن ~~يكون أمرا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق أو أن تؤمنه من قتل ~~قد استحقه بجنايته فلما كان حمله على الإيمان من قتل غير مستحق عليه بل على ~~وجه الظلم تسقط فائدة تخصيص الحرم به لأن الحرم وغيره في ذلك سواء إذا كان ~~علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع به من قبلنا أو من قبل غيرنا إذا أمكننا ذلك ~~علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من قبل مستحق فظاهره يقتضي أن نؤمنه من ~~المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي غيره إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق ~~أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل قال الله تعالى ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ففرق بين الجاني في ~~الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى ms0910 في غير ~~الحرم ثم لاذ إليه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا ~~قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم # PageV02P304 # لم يقتص منه ما دام فيه ولكنه لا يبايع ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم ~~فيقتص منه وإن قتل في الحرم قتل وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير ~~الحرم ثم دخل الحرم اقتص منه وقال مالك والشافعي يقتص منه في الحرم ذلك كله ~~قال أبو بكر روي عن ابن عباس وابن عمر وعبيد الله بن عمير وسعيد بن جبير ~~وعطاء وطاوس والشعبي فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل قال ابن عباس ~~ولكنه لا يجالس ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقتل وإن فعل ذلك في ~~الحرم أقيم عليه وروى قتادة عن الحسن أنه قال لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو ~~في غيره أن يقام عليه قال وكان الحسن يقول ومن دخله كان آمنا كان هذا في ~~الجاهلية لو أن رجلا جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتعرض له حتى يخرج من ~~الحرم فأما الإسلام فلم يزده إلا شدة من أصاب حدا في غيره ثم لجأ إليه أقيم ~~عليه الحد وروى هشام عن الحسن وعطاء قالا إذا أصاب حدا في غير الحرم ثم لجأ ~~إلى الحرم أخرج عن الحرم حتى يقام عليه وعن مجاهد مثله وهذا يحتمل أن يريد ~~به أن يضطر إلى الخروج بترك مجالسته وإيوائه ومبايعته ومشاراته وقد روي ذلك ~~عن عطاء مفسرا فجائز أن يكون ما روي عنه وعن الحسن في إخراجه من الحرم على ~~هذا الوجه وقد ذكرنا دلالة قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه على مثل ما دل عليه قوله تعالى ومن دخله كان آمنا في موضعه ~~وبينا وجه دلالة ذلك على أن دخول الحرم يحظر # قتل من لجأ إليه إذا لم تكن جنايته في الحرم وأما ما ذكرنا من قول السلف ~~فيه يدل على أنه اتفاق ms0911 منهم على حظر قتل من قتل في غير الحرم ثم لجأ إليه ~~لأن الحسن روي عنه فيه قولان متضادان أحدهما رواية قتادة عنه أنه يقتل ~~والآخر رواية هشام بن حسان في أنه لا يقتل في الحرم ولكنه يخرج منه فيقتل ~~وقد بينا أنه يحتمل قوله يخرج فيقتل أنه يضيق عليه في ترك المبايعة ~~والمشاراة والأكل والشرب حتى يضطر إلى الخروج فلم يحصل للحسن في هذا قول ~~لتضاد الروايتين وبقي قول الآخرين من الصحابة والتابعين في منع القصاص في ~~الحرم بجناية كانت منه في غير الحرم ولم يختلف السلف ومن بعدهم من الفقهاء ~~أنه إذا جنى في الحرم كان مأخوذا بجنايته يقام عليه ما يستحقه من قتل أو ~~غيره فإن قيل قوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى وقوله النفس بالنفس ~~وقوله ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا يوجب «20- أحكام في» # PageV02P305 # عمومه القصاص في الحرم على من جنى فيه أو في غيره قيل له قد دللنا على أن ~~قوله ومن دخله كان آمنا قد اقتضى وقوع الأمن من القتل بجناية كانت منه في ~~غيره وقوله كتب عليكم القصاص وسائر الآي الموجبة للقصاص مرتب على ما ذكرنا ~~من الأمن بدخول الحرم ويكون ذلك مخصوصا من آي القصاص وأيضا فإن قوله تعالى ~~كتب عليكم القصاص وارد في إيجاب القصاص لا في حكم الحرم وقوله ومن دخله كان ~~آمنا وارد في حكم الحرم ووقوع الأمن لمن لجأ إليه فيجرى كل واحد منهما على ~~بابه ويستعمل فيما ورد فيه ولا يعترض بآي القصاص على حكم الحرم ومن جهة ~~أخرى أن إيجاب القصاص لا محالة متقدم لإيجاب أمانه بالحرم لأنه لو لم يكن ~~القصاص واجبا قبل ذلك استحال أن يقال هو آمن مما لم يجن ولم يستحق عليه فدل ~~ذلك على أن الحكم بأمنه بدخول الحرم متأخر عن إيجاب القصاص ومن جهة الأثر # حديث ابن عباس وأبي شريح الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله ~~حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا ms0912 لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار # فظاهر ذلك يقتضي حظر قتل اللاجئ إليه والجاني فيه إلا أن الجاني فيه لا ~~خلاف فيه أنه يؤخذ بجنايته فبقي حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه # وروى حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل ~~غير قاتله أو قتل في الحرم أو قتل بذحل الجاهلية # وهذا أيضا يحظر عمومه قتل كل من كان فيه فلا يخص منه شيء إلا بدلالة وأما ~~ما دون النفس فإنه يؤخذ به لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم حبس به # لقوله صلى الله عليه وسلم لي الواجد يحل عرضه وعقوبته والحبس في الدين ~~عقوبة فجعل الحبس عقوبة وهو فيما دون النفس # فكل حق وجب فيما دون النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم قياسا على الحبس في ~~الدين وأيضا لا خلاف بين الفقهاء أنه مأخوذ بما يجب عليه فيما دون النفس ~~وكذلك لا خلاف أن الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها ولا ~~خلاف أيضا أنه إذا جنى في غير الحرم ثم دخل الحرم أنه إذا لم يجب قتله في ~~الحرم أنه لا يبايع ولا يشارى ولا يؤوى حتى يخرج ولما ثبت عندنا أنه لا ~~يقتل وجب استعمال الحكم الآخر فيه في ترك مشاراته ومبايعته وإيوائه فهذه ~~الوجوه كلها لا خلاف فيها وإنما الخلاف فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى ~~الحرم وقد دللنا عليه وما عدا ذلك فهو محمول على ما حصل عليه الاتفاق # PageV02P306 # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال حدثنا ~~يعقوب بن حميد قال حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسكن مكة سافك دم ~~ولا آكل ربا ولا مشاء بنميمة # وهذا يدل ms0913 على أن القاتل إذا دخل الحرم لم يؤو ولم يجالس ولم يبايع ولم ~~يشار ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج # لقوله صلى الله عليه وسلم لا يسكنها سافك دم # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا داود ~~بن عمرو قال حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس ~~قال إذا دخل القاتل الحرم لم يجالس ولم يبايع ولم يؤو واتبعه طالبه يقول له ~~اتق الله في دم فلان واخرج من الحرم ونظير قوله تعالى ومن دخله كان آمنا ~~قوله عز وجل أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وقوله ~~أولم نمكن لهم حرما آمنا وقوله وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا فهذه ~~الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إليه وإن كان مستحقا ~~للقتل قبل دخوله ولما عبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم دل على أن ~~الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه ولما لم يختلفوا أنه ~~لا يقتل من لجأ إلى البيت لأن الله تعالى وصفه بالأمن فيه وجب مثله في ~~الحرم فيمن لجأ إليه فإن قيل من قتل في البيت لم يقتل فيه ومن قتل في الحرم ~~قتل فيه فليس الحرم كالبيت قيل له لما جعل الله حكم الحرم حكم البيت فيما ~~عظم من حرمته وعبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم اقتضى ذلك التسوية ~~بينهما إلا فيما قام دليل تخصيصه وقد قامت الدلالة في حظر القتل في البيت ~~فخصصناه وبقي حكم الحرم على ما اقتضاه ظاهر القرآن من إيجاب التسوية بينهما ~~والله تعالى أعلم. ### | باب فرض الحج # قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال أبو ~~بكر هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه والذي يقتضيه ~~من حكم السبيل أن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك إذ كانت استطاعة ~~السبيل إليه هي إمكان ms0914 الوصول إليه كقوله تعالى فهل إلى خروج من سبيل يعنى ~~من وصول هل إلى مرد من سبيل يعني من وصول وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~من شرط استطاعة السبيل إليه وجود الزاد والراحلة # وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~ملك # PageV02P307 # زادا وراحلة يبلغه بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا # وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا # وروى إبراهيم ابن يزيد الجوزي عن محمد بن عباد عن ابن عمر قال سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا قال السبيل إلى الحج الزاد والراحلة # وروى يونس عن الحسن لما نزلت هذه الآية ولله على الناس حج البيت الآية ~~قال رجل يا رسول الله ما السبيل قال زاد وراحلة # وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال السبيل الزاد والراحلة ولم يحل بينه ~~وبينه أحد وقال سعيد بن جبير هو الزاد والراحلة قال أبو بكر فوجود الزاد ~~والراحلة من السبيل الذي ذكره الله تعالى ومن شرائط وجوب الحج وليست ~~الاستطاعة مقصورة على ذلك لأن المريض الخائف والشيخ الذي لا يثبت على ~~الراحلة والزمنى وكل من تعذر عليه الوصول إليه فهو غير مستطيع السبيل إلى ~~الحج وإن كان واجدا للزاد والراحلة فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يرد بقوله الاستطاعة الزاد والراحلة أن ذلك جميع شرائط الاستطاعة ~~وإنما أفاد ذلك بطلان قول من يقول إن من أمكنه المشي إلى بيت الله ولم يجد ~~زادا وراحلة فعليه الحج فبين صلى الله عليه وسلم أن لزوم فرض الحج مخصوص ~~بالركوب دون المشي وأن من لا يمكنه الوصول إليه إلا بالمشي الذي يشق ويعسر ~~فلا حج عليه فإن قيل فينبغي أن لا يلزم فرض الحج إلا من كان بينه وبين مكة ~~مسافة ساعة إذا لم ms0915 يجد زادا وراحلة وأمكنه المشي قيل له إذا لم يلحقه في ~~المشي مشقة شديدة فهذا أيسر أمر من الواجد للزاد والراحلة إذا بعد وطنه من ~~مكة ومعلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لأن لا يشق عليه ويناله ما يضره ~~من المشي فإذا كان من أهل مكة وما قرب منها ممن لا يشق عليه المشي في ساعة ~~من نهار فهذا مستطيع للسبيل بلا مشقة وإذا كان لا يصل إلى البيت إلا ~~بالمشقة الشديدة فهو الذي خفف الله عنه ولم يلزمه الفرض إلا على الشرط ~~المذكور ببيان النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج يعني من ضيق وعندنا أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الحج لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج # وروى عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال خطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم فقال رجل يا رسول الله إني # PageV02P308 # قد اكتتبت في غزوة كذا وقد أرادت امرأتى أن تحج فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم احجج مع امرأتك # وهذا يدل على أن # قوله لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم # قد انتظم المرأة إذا أرادت الحج من ثلاثة أوجه أحدها أن السائل عقل منه ~~ذلك ولذلك سأله عن امرأته وهي تريد الحج ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذلك عليه فدل على أن مراده صلى الله عليه وسلم عام في الحج وغيره من ~~الأسفار والثاني قوله حج مع امرأتك وفي ذلك إخبار منه بإرادة سفر الحج # في قوله لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم # والثالث أمره إياه بترك الغزو للحج مع امرأته ولو جاز لها الحج بغير محرم ~~أو زوج لما أمره بترك الغزو وهو فرض للتطوع وفي هذا دليل أيضا على أن حج ~~المرأة ms0916 كان فرضا ولم يكن تطوعا لأنه لو كان تطوعا لما أمره بترك الغزو الذي ~~هو فرض لتطوع المرأة ومن وجه آخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسئله ~~عن حج المرأة أفرض هو أم نفل وفي ذلك دليل على تساوي حكمهما في امتناع ~~خروجها بغير محرم فثبت بذلك أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الاستطاعة ولا ~~خلاف أن من شرط استطاعتها أن لا تكون معتدة لقوله تعالى لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة فلما كان ذلك معتبرا في الاستطاعة ~~وجب أن يكون نهيه للمرأة أن تسافر بغير محرم معتبرا فيها ومن شرائطه ما ~~ذكرنا من إمكان ثبوته على الراحلة وذلك لما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن الحسن بن أبى عبادة قال ~~حدثنا محمد بن مصعب قال حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن ~~عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقالت ~~يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا ~~يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه قال نعم حجي عن أبيك # فأجاز صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تحج عن أبيها ولم يلزم الرجل الحج ~~بنفسه فثبت بذلك أن من شرط الاستطاعة إمكان الوصول إلى الحج وهؤلاء وإن لم ~~يلزمهم الحج بأنفسهم إذا كانوا واجدين للزاد والراحلة فإن عليهم أن يحجوا ~~غيرهم عنهم أعني المريض والزمن والمرأة إذا حضرتهم الوفاة فعليهم أن يوصوا ~~بالحج وذلك أن وجود ما يمكن به الوصول إلى الحج في ملكهم يلزمهم فرض الحج ~~في أموالهم إذا لم يمكنهم فعله بأنفسهم لأن فرض الحج يتعلق بمعنيين أحدهما ~~بوجود الزاد والراحلة وإمكان فعله بنفسه فعلى من كانت هذه صفته الخروج ~~والمعنى الآخر أن يتعذر فعله بنفسه لمرض أو كبر سن أو زمانة أو # PageV02P309 # لأنها امرأة لا محرم لها ولا زوج يخرج معها فهؤلاء يلزمهم الحج بأموالهم ~~عند الإياس والعجز عن ms0917 فعله بأنفسهم فإذا أحج المريض أو المرأة عن أنفسهما ~~ثم لم يبرأ المريض ولم تجد المرأة محرما حتى ماتا أجزأهما وإن برىء المريض ~~ووجدت المرأة محرما لم يجزهما وقول الخثعمية للنبي صلى الله عليه وسلم إن ~~أبي أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة وأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياها بالحج عنه يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ~~ماله وإن لم يثبت على الراحلة لأنها أخبرته أن فريضة الله تعالى أدركته وهو ~~شيخ كبير فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قولها ذلك فهذا يدل على أن فرض ~~الحج قد لزمه في ماله وأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بفعل الحج الذي ~~أخبرت أنه قد لزمه يدل على لزومه أيضا وقد اختلف في حج الفقير فقال أصحابنا ~~والشافعي لا حج عليه وإن حج أجزأه من حجة الإسلام وحكي عن مالك أن عليه ~~الحج إذا أمكنه المشي وروي عن ابن الزبير والحسن أن الاستطاعة ما تبلغه ~~كائنا ما كان # وقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الاستطاعة الزاد والراحلة # يدل على أن لا حج عليه فإن هو وصل إلى البيت مشيا فقد صار بحصوله هناك ~~مستطيعا بمنزلة أهل مكة لأنه معلوم أن شرط الزاد والراحلة إنما هو لمن بعد ~~من مكة فإذا حصل هناك فقد استغنى عن الزاد والراحلة للوصول إليه فيلزمه ~~الحج حينئذ فإذا فعله كان فاعلا فرضا واختلف في العبد إذا حج هل يجزيه من ~~حجة الإسلام فقال أصحابنا لا يجزيه وقال الشافعي يجزيه والدليل على صحة ~~قولنا ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا مسلم ~~ابن إبراهيم قال حدثنا هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن سليم قال حدثنا أبو ~~إسحاق عن الحارث عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ملك زادا ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله ثم لم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا # وذلك ms0918 أن الله تعالى يقول ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ~~ومن كفر فإن الله غني عن العالمين فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شرط ~~لزوم الحج ملك الزاد والراحلة والعبد لا يملك شيئا فليس هو إذا من أهل ~~الخطاب بالحج وسائر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الاستطاعة أنها الزاد والراحلة هي على ملكهما على ما بين في حديث علي رضي ~~الله عنه وأيضا فمعلوم من مراد النبي صلى الله عليه وسلم في شرطه الزاد ~~والراحلة أن يكون ملكا للمستطيع وأنه لم يرد به زادا وراحلة في ملك غيره ~~وإذا كان العبد لا يملك بحال لم يكن من أهل الخطاب بالحج فلم يجزه حجه فإن ~~قيل # PageV02P310 # ليس الفقير من أهل الخطاب بالحج لعدم ملك الزاد والراحلة ولو حج جاز حجه ~~كذلك العبد قيل له إن الفقير من أهل الخطاب لأنه ممن يملك والعبد ممن لا ~~يملك وإنما سقط الفرض عن الفقير لأنه غير واجد لا لأنه ليس ممن يملك فإذا ~~وصل إلى مكة فقد استغنى عن الزاد والراحلة وصار بمنزلة سائر الواجدين ~~الواصلين إليها بالزاد والراحلة والعبد إنما سقط عنه الخطاب به لا لأنه لا ~~يجد لكن لأنه لا يملك وإن ملك فلم يدخل في خطاب الحج فلذلك لم يجزه وصار من ~~هذا الوجه بمنزلة الصغير الذي لم يخاطب بالحج لا لأنه لا يجد ولكنه ليس من ~~أهل الخطاب بالحج لأن من شرط الخطاب به أن يكون ممن يملك كما أن من شرطه أن ~~يكون ممن يصح خطابه به وأيضا فإن العبد لا يملك منافعه وللمولى منعه من ~~الحج بالاتفاق ومنافع العبد هي ملك للمولى فإذا فعل بها الحج صار كحج فعله ~~المولى فلا يجزيه من حجة الإسلام ويدل عليه أن العبد لا يملك منافعه أن ~~المولى هو المستحق لأبدالها إذا صارت مالا وأن له أن يستخدمه ويمنعه من ~~الحج فإذا أذن له فيه صار معيرا له ملك المنافع فهي متلفة على ملك ms0919 المولى ~~فلا يجزئ العبد وليس كذلك الفقير لأنه يملك منافع نفسه وإذا فعل بها الحج ~~أجزاه لأنه قد صار من أهل الاستطاعة فإن قيل للمولى منع العبد من الجمعة ~~وليس العبد من أهل الخطاب بها وليس عليه فرضها ولو حضرها وصلاها أجزأته ~~فهلا كان الحج كذلك قيل له إن فرض الظهر قائم على العبد ليس للمولى منعه ~~منها فمتى فعل الجمعة فقد أسقط بها فرض الظهر الذي كان العبد يملك فعله من ~~غير إذن المولى فصار كفاعل الظهر فلذلك أجزأه ولم يكن على العبد فرض آخر ~~يملك فعله فأسقط بفعل الحج حتى نحكم بجوازه ونجعله في حكم ما هو مالكه ~~فلذلك اختلفا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حج العبد ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا يحيى بن إسحاق ~~قال حدثنا يحيى بن أيوب عن حرام بن عثمان عن ابني جابر عن أبيهما قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن صبيا حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة ~~إن استطاع إليها سبيلا ولو أن أعرابيا حج عشر حجج ثم هاجر لكانت عليه حجة ~~إن استطاع إليها سبيلا ولو أن مملوكا حج عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن ~~استطاع إليها سبيلا # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد قال حدثنا محمد ~~بن المنهال قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان ~~عن ابن عباس قال قال # PageV02P311 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما صبي حج ثم أدرك الحلم فعليه أن يحج ~~حجة أخرى وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم ~~أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى # فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم على العبد أن يحج حجة أخرى ولم يعتد له ~~بالحجة التي فعلها في حال الرق وجعله بمنزلة الصبي فإن قيل فقد قال مثله في ~~الأعرابي وهو مع ms0920 ذلك يجزيه الحجة المفعولة قبل الهجرة قيل له كذلك كان حكم ~~الأعرابي في حال ما كانت الهجرة فرضا لأنه يمتنع أن يقول ذلك بعد نسخ فرض ~~الهجرة فلما # قال صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد الفتح # نسخ الحكم المتعلق به من وجوب إعادة الحج بعد الهجرة إذ لا هجرة هناك ~~واجبة وقد روي نحو قولنا في حج العبد عن ابن عباس والحسن وعطاء قال أبو بكر ~~والذي يقتضيه ظاهر قوله تعالى ولله على الناس حج البيت حجة واحدة إذ ليس ~~فيه ما يوجب تكرارا فمتى فعل الحج فقد قضى عهدة الآية وقد أكد ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم بما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن ~~أبي شيبة قالا حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي سنان ~~قال أبو داود هو الدؤلي عن ابن عباس أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة فقال بل مرة واحدة ~~فمن زاد فتطوع # قوله تعالى ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # روى وكيع عن فطر بن خليفة عن نفيع أبي داود قال سأل رجل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن هذه الآية ومن كفر قال هو إن حج لا يرجو ثوابه وإن حبس لا ~~يخاف عقابه # وروى مجاهد من قوله مثله وقال الحسن من كفر بالحج وقد دلت هذه الآية على ~~بطلان مذهب أهل الجبر لأن الله تعالى جعل من وجد زادا وراحلة مستطيعا للحج ~~قبل فعله ومن مذهب هؤلاء أن من لم يفعل الحج لم يكن مستطيعا له قط فواجب ~~على مذهبهم أن يكون معذورا غير ملزم إذا لم يحج إذ كان الله تعالى إنما ~~ألزم الحج من استطاع وهو لم يكن مستطيعا قط إذ لم يحج ففي نص التنزيل ~~واتفاق الأمة على لزوم فرض الحج لمن كان وصفه ما ذكرنا من صحة ms0921 البدن ووجود ~~الزاد والراحلة ما يوجب بطلان قولهم # قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا ~~وأنتم شهداء قال زيد بن أسلم نزلت في قوم من اليهود كانوا يغرون الأوس ~~والخزرج بذكرهم الحروب التي كانت بينهم حتى ينسلخوا من الدين بالعصبية ~~وحمية الجاهلية وعن الحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى # PageV02P312 # جميعا في كتمانهم صفته في كتبهم فإن قيل قد سمى الله الكفار شهداء وليسوا ~~حجة على غيرهم فلا يصح لكم الاحتجاج بقوله لتكونوا شهداء على الناس في صحة ~~إجماع الأمة وثبوت حجته قيل له إنه جل وعلا لم يقل في أهل الكتاب وأنتم ~~شهداء على غيركم وقال هناك لتكونوا شهداء على الناس كما قال ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا فأوجب ذلك تصديقهم وصحة إجماعهم وقال في هذه الآية وأنتم شهداء ~~ومعناه غير معنى قوله شهداء على الناس وقد قيل في معناه وجهان أحدهما وأنتم ~~شهداء أنكم عالمون ببطلان قولكم في صدكم عن دين الله تعالى وذلك في أهل ~~الكتاب منهم والثاني أن يريد بقوله شهداء عقلاء كما قال الله تعالى أو ألقى ~~السمع وهو شهيد يعني وهو عاقل لأنه يشهد الدليل الذي يميز به الحق من ~~الباطل # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته روي عن عبد الله ~~والحسن وقتادة في قوله حق تقاته هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر ~~فلا ينسى وقيل إن معناه اتقاء جميع معاصيه وقد اختلف في نسخه فروي عن ابن ~~عباس وطاوس أنها محكمة غير منسوخة وعن قتادة والربيع بن أنس والسدي أنها ~~منسوخة بقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم فقال بعض أهل العلم لا يجوز أن ~~تكون منسوخة لأن معناه اتقاء جميع معاصيه وعلى جميع المكلفين اتقاء جميع ~~المعاصي ولو كان منسوخا لكان فيه إباحة بعض المعاصي وذلك لا يجوز وقيل إنه ~~جائز أن يكون منسوخا بأن يكون معنى قوله حق تقاته القيام بحقوق الله تعالى ~~في حال الخوف والأمن وترك التقية ms0922 فيها ثم نسخ ذلك في حال التقية والإكراه ~~ويكون قوله تعالى ما استطعتم فيما لا تخافون فيه على أنفسكم يريد فيما لا ~~يكون فيه احتمال الضرب والقتل لأنه قد يطلق نفي الاستطاعة فيما يشق على ~~الإنسان فعله كما قال تعالى وكانوا لا يستطيعون سمعا ومراده مشقة ذلك عليهم # قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى الحبل هاهنا أنه القرآن # وكذلك روي عن عبد الله وقتادة والسدي وقيل إن المراد به دين الله وقيل ~~بعهد الله لأنه سبب النجاة كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من غرق أو نحوه ~~ويسمى الأمان الحبل لأنه سبب النجاة وذلك في قوله تعالى إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس يعني به الأمان إلا أن قوله واعتصموا بحبل الله جميعا هو ~~أمرا بالاجتماع ونهي عن الفرقة وأكده بقوله ولا تفرقوا معناه # PageV02P313 # التفرق عن دين الله الذي أمروا جميعا بلزومه والاجتماع عليه وروي نحو ذلك ~~عن عبد الله وقتادة وقال الحسن ولا تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد يحتج به فريقان من الناس أحدهما نفاة القياس والاجتهاد في أحكام ~~الحوادث مثل النظام وأمثاله من الرافضة والآخر من يقول بالقياس والاجتهاد ~~يقول مع ذلك إن الحق واحد من أقاويل المختلفين في مسائل الاجتهاد ويخطئ من ~~لم يصب الحق عنده لقوله تعالى ولا تفرقوا فغير جائز أن يكون التفرق ~~والاختلاف دينا لله تعالى مع نهي الله تعالى عنه وليس هذا عندنا كما قالوا ~~لأن أحكام الشرع في الأصل على أنحاء منها ما لا يجوز الخلاف فيه وهو الذي ~~دلت العقول على حظره في كل حال أو على إيجابه في كل حال فأما ما جاز أن ~~يكون تارة واجبا وتارة محظورا وتارة مباحا فإن الاختلاف في ذلك سائغ يجوز ~~ورود العبادة به كاختلاف حكم الطاهر والحائض في الصوم والصلاة واختلاف حكم ~~المقيم والمسافر في القصر والإتمام وما جرى مجرى ذلك فمن حيث جاز ورود النص ~~باختلاف أحكام ms0923 الناس فيه فيكون بعضهم متعبدا بخلاف ما تعبد به الآخر لم ~~يمتنع تسويغ الاجتهاد فيما يؤدي إلى الخلاف الذي يجوز ورود النص بمثله ولو ~~كان جميع الاختلاف مذموما لوجب أن لا يجوز ورود الاختلاف في أحكام الشرع من ~~طريق النص والتوقيف فما جاز مثله في النص جاز في الاجتهاد قد يختلف ~~المجتهدان في نفقات الزوجات وقيم المختلفات وأروش كثير من الجنايات فلا ~~يلحق واحدا منهما لوم ولا تعنيف وهذا حكم مسائل الاجتهاد ولو كان هذا الضرب ~~من الاختلاف مذموما لكان للصحابة في ذلك الحظ الأوفر ولما وجدناهم مختلفين ~~في أحكام الحوادث وهم مع ذلك متواصلون يسوغ كل واحد منهم لصاحبه مخالفته من ~~غير لوم ولا تعنيف فقد حصل منهم الاتفاق على تسويغ هذا الضرب من الاختلاف ~~وقد حكم الله تعالى بصحة إجماعهم وثبوت حجته في مواضع كثيرة من كتابه # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اختلاف أمتي رحمة # وقال لا تجتمع أمتي على ضلال # فثبت بذلك أن الله تعالى لم ينهنا بقوله ولا تفرقوا عن هذا الضرب من ~~الاختلاف وأن النهي منصرف إلى أحد وجهين إما في النصوص أو فيما قد أقيم ~~عليه دليل عقلي أو سمعي لا يحتمل إلا معنى واحدا وفي فحوى الآية ما يدل على ~~أن المراد هو الاختلاف والتفرق في أصول الدين لا في فروعه وما يجوز ورود ~~العبارة بالاختلاف فيه وهو قوله تعالى واذكروا نعمت الله عليكم إذ # PageV02P314 # كنتم أعداء فألف بين قلوبكم # يعني بالإسلام وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية ~~هو في أصول الدين والإسلام لا في فروعه والله أعلم. ### | باب فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قال الله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر قال أبو بكر قد حوت هذه الآية معنيين أحدهما وجوب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والآخر أنه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل أحد في نفسه ~~إذا قام به غيره لقوله تعالى ولتكن منكم ms0924 أمة وحقيقته تقتضي البعض دون البعض ~~فدل على أنه فرض على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين ومن الناس من ~~يقول هو فرض على كل أحد في نفسه ويجعل مخرج الكلام مخرج الخصوص في قوله ~~ولتكن منكم أمة مجازا كقوله تعالى ليغفر لكم من ذنوبكم ومعناه ذنوبكم والذي ~~يدل على صحة هذا القول أنه إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين كالجهاد وغسل ~~الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم ودفنهم ولولا أنه فرض على الكفاية لما سقط ~~عن الآخرين بقيام بعضهم به # وقد ذكر الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع أخر من ~~كتابه فقال عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر وقال فيما حكى عن لقمان يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور وقال تعالى وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وقال عز وجل لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ~~على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون ~~عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون فهذه الآي ونظائرها مقتضية لإيجاب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي على منازل أولها تغييره باليد إذا ~~أمكن فإن لم يمكن وكان في نفيه خائفا على نفسه إذا أنكره بيده فعليه إنكاره ~~بلسانه فإن تعذر ذلك لما وصفنا فعليه إنكاره بقلبه كما # حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال حدثنا يونس بن حبيب قال ~~حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا شعبة قال أخبرني قيس بن مسلم قال سمعت ~~طارق بن شهاب قال قدم مروان الخطبة قبل الصلاة فقام رجل فقال خالفت السنة ~~كانت الخطبة بعد الصلاة قال ترك ذلك يا أبو فلان قال شعبة وكان لحانا فقام ~~أبو # PageV02P315 # سعيد الخدري فقال من هذا المتكلم فقد قضى ما عليه قال لنا رسول الله صلى ms0925 ~~الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فلينكره ~~بلسانه فإن لم يستطع فلينكره بقلبه وذاك أضعف الإيمان # وحدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء ~~قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد ~~وعن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول من رأى منكم منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره ~~بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة ~~على حسب الإمكان ودل على أنه إذا لم يستطع تغييره بيده فعليه تغييره بلسانه ~~ثم إذا لم يمكنه ذلك فليس عليه أكثر من إنكاره بقلبه # وحدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا يونس بن حبيب قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن جرير البجلي عن أبيه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ما من قوم يعمل بينهم بالمعاصي هم أكثر وأعز ممن يعمله ~~ثم لم يغيروا إلا عمهم الله منه بعقاب # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله ~~بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل النقص على ~~بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه ~~لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ~~فلما فعلوا ذلك ضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ثم قال لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون- إلى ~~قوله- فاسقون ثم قال كلا والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن ms0926 ~~على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا وتقصرنه على الحق قصرا # قال أبو داود حدثنا خلف بن هشام قال حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء بن ~~المسيب عن عمرو بن مرة عن سالم عن أبي عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بنحوه وزاد فيه أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ~~ليلعننكم كما لعنهم # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من شرط النهي عن المنكر أن ينكره ثم ~~لا يجالس المقيم على المعصية ولا يؤاكله ولا يشاربه وكان ما ذكره النبي صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك بيانا لقوله تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين ~~كفروا فكانوا بمؤاكلتهم إياهم ومجالستهم لهم تاركين للنهي عن المنكر لقوله ~~تعالى كانوا # PageV02P316 # لا يتناهون عن منكر فعلوه # مع ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من إنكاره بلسانه إلا أن ذلك لم ~~ينفعه مع مجالسته ومؤاكلته ومشاربته إياه وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك أيضا # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا وهب بن بقية قال ~~أخبرنا خالد عن إسماعيل عن قيس قال قال أبو بكر بعد أن حمد الله تعالى ~~وأثنى عليه يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم ~~الله بعقاب # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الربيع سليمان ابن ~~داود العتكي قال حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال حدثني عمرو بن ~~جارية اللخمي قال حدثني أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت ~~يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية عليكم أنفسكم فقال أما والله لقد سألت ~~عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ms0927 رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك يعني بنفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم ~~أيام الصبر الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا ~~يعملون مثل عمله قال وزادني غيره قال يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر ~~خمسين منكم # وفي هذه الأخبار دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهما ~~حالان حال يمكن فيها تغيير المنكر وإزالته ففرض على من أمكنه إزالة ذلك ~~بيده أن يزيله وإزالته باليد تكون على وجوه منها أن لا يمكنه إزالته إلا ~~بالسيف وأن يأتي على نفس فاعل المنكر فعليه أن يفعل ذلك كمن رأى رجلا قصده ~~أو قصد غيره بقتله أو بأخذ ماله أو قصد الزنا بامرأة أو نحو ذلك وعلم أنه ~~لا ينتهي إن أنكره بالقول أو قاتله بما دون السلاح فعليه أن يقتله # لقوله صلى الله عليه وسلم من رأى منكرا فليغيره بيده # فإذا لم يمكنه تغييره بيده إلا بقتل المقيم على هذا المنكر فعليه أن ~~يقتله فرضا عليه وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بيده ودفعه عنه بغير سلاح ~~انتهى عنه لم يجز له الإقدام على قتله وإن غلب في ظنه أنه إن أنكره بالدفع ~~بيده أو بالقول امتنع عليه ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه ولم يمكنه إزالة هذا ~~المنكر إلا بأن يقدم عليه بالقتل من غير إنذار منه له فعليه أن يقتله وقد ~~ذكر ابن رستم عن محمد في رجل غصب متاع رجل وسعك قتله حتى تستنقذ المتاع ~~وترده إلى صاحبه وكذلك قال أبو حنيفة # PageV02P317 # في السارق إذا أخذ المتاع وسعك أن تتبعه حتى تقتله إن لم يرد المتاع قال ~~محمد وقال أبو حنيفة في اللص الذي ينقب البيوت يسعك قتله وقال في رجل يريد ~~قلع سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا يعينك الناس عليه وهذا الذي ~~ذكرناه يدل عليه قوله تعالى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر ms0928 ~~بقتالهم ولم يرفعه عنهم إلا بعد الفيء إلى أمر الله تعالى وترك ما هم عليه ~~من البغي والمنكر # وقول النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده # يوجب ذلك أيضا لأنه قد أمر بتغييره بيده على أي وجه أمكن ذلك فإذا لم ~~يمكنه تغييره إلا بالقتل فعليه قتله حتى يزيله وكذلك قلنا في أصحاب الضرائب ~~والمكوس التي يأخذونها من أمتعة الناس إن دماءهم مباحة وواجب على المسلمين ~~قتلهم ولكل واحد من الناس أن يقتل من قدر عليه منهم من غير إنذار منه له ~~ولا التقدم إليهم بالقول لأنه معلوم من حالهم أنهم غير قابلين إذا كانوا ~~مقدمين على ذلك مع العلم بحظره ومتى أنذرهم من يريد الإنكار عليهم امتنعوا ~~منه حتى لا يمكن تغيير ما هم عليه من المنكر فجائز قتل من كان منهم مقيما ~~على ذلك وجائز مع ذلك تركهم لمن خاف إن أقدم عليهم بالقتل أن يقتل إلا أن ~~عليه اجتنابهم والغلظة عليهم بما أمكن وهجرانهم وكذلك حكم سائر من كان ~~مقيما على شيء من المعاصي الموبقات مصرا عليها مجاهرا بها فحكمه حكم من ~~ذكرنا في وجوب النكير عليهم بما أمكن وتغيير ما هم عليه بيده وإن لم يستطع ~~فلينكره بلسانه وذلك إذا رجا أنه إن أنكر عليهم بالقول أن يزولوا عنه ~~ويتركوه فإن لم يرج ذلك وقد غلب في ظنه أنهم غير قابلين منه مع علمهم بأنه ~~منكر عليهم وسعه السكوت عنهم يعد أن يجانبهم ويظهر هجرانهم لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال فليغيره بلسانه فإن لم يستطع فليغيره بقلبه # وقوله صلى الله عليه وسلم فإن لم يستطع قد فهم منه أنهم إذا لم يزولوا عن ~~المنكر فعليه إنكاره بقلبه سواء كان في تقية أو لم يكن لأن قوله إن لم ~~يستطع معناه أنه لا يمكنه إزالته بالقول فأباح له السكوت في هذه الحال وقد ~~روي عن ابن مسعود في قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~مر بالمعروف وانه ms0929 عن المنكر ما قبل منك فإذا لم يقبل منك فعليك نفسك وحديث ~~أبي ثعلبة الخشني أيضا الذي قدمناه يدل على ذلك لأنه # قال صلى الله عليه وسلم ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت ~~شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع ~~عنك العوام # يعني والله أعلم إذا لم يقبلوا ذلك # PageV02P318 # واتبعوا أهواءهم وآراءهم فأنت في سعة من تركهم وعليك نفسك ودع أمر العوام ~~وأباح ترك النكير بالقول فيمن هذه حاله وروي عن عكرمة أن ابن عباس قال له ~~قد أعياني أن أعلم ما فعل بمن أمسك عن الوعظ من أصحاب السبت فقلت له أنا ~~أعرفك ذلك اقرأ الآية الثانية قوله تعالى أنجينا الذين ينهون عن السوء قال ~~فقال لي أصبت وكساني حلة فاستدل ابن عباس بذلك على أن الله أهلك من عمل ~~السوء ومن لم ينه عنه فجعل الممسكين عن إنكار المنكر بمنزلة فاعليه في ~~العذاب وهذا عندنا على أنهم كانوا راضين بأعمالهم غير منكرين لها بقلوبهم ~~وقد نسب الله تعالى قتل الأنبياء المتقدمين إلى من كان في عصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم من اليهود الذين كانوا متوالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم ~~بقوله قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم وبقوله فلم ~~تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين فأضاف القتل إليهم وإن لم ~~يباشروه ولم يقتلوه إذ كانوا راضين بأفعال القاتلين فكذلك ألحق الله تعالى ~~من لم ينه عن السوء من أصحاب السبت بفاعليه إذ كانوا به راضين ولهم عليه ~~متوالين فإذا كان منكرا للمنكر بقلبه ولا يستطيع تغييره على غيره فهو غير ~~داخل في وعيد فاعليه بل هو ممن قال الله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم وحدثنا مكرم بن أحمد القاضي قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي ~~وقال حدثنا الحماني قال سمعت ابن المبارك يقول لما بلغ أبا حنيفة قتل ~~إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا أنه سيموت فخلوت به فقال كان والله ms0930 رجلا عاقلا ~~ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر قلت وكيف كان سببه قال كان يقدم ويسألني وكان ~~شديد البذل لنفسه في طاعة الله وكان شديد الورع وكنت ربما قدمت إليه الشيء ~~فيسألني عنه ولا يرضاه ولا يذوقه وربما رضيه فأكله فسألني عن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا على أنه فريضة من الله تعالى فقال ~~لي مد يدك حتى أبايعك فأظلمت الدنيا بيني وبينه فقلت ولم قال دعاني إلى حق ~~من حقوق الله فامتنعت عليه وقلت له إن قام به رجل وحده قتل ولم يصلح للناس ~~أمر ولكن إن وجد عليه أعوانا صالحين ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله ~~لا يحول قال وكان يقتضي ذلك كلما قدم على تقاضي الغريم الملح كلما قدم علي ~~تقاضاني فأقول له هذا أمر لا يصلح بواحد ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه ~~من السماء وهذه فريضة ليست كسائر الفرائض لأن سائر الفرائض يقوم بها الرجل ~~وحده وهذا متى أمر به الرجل وحده # PageV02P319 # أشاط بدمه وعرض نفسه للقتل فأخاف عليه أن يعين على قتل نفسه وإذا قتل ~~الرجل لم يجترئ غيره أن يعرض نفسه ولكنه ينتظر فقد قالت الملائكة أتجعل ~~فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما ~~لا تعلمون ثم خرج إلى مرو حيث كان أبو مسلم فكلمه بكلام غليظ فأخذه فاجتمع ~~عليه فقهاء أهل خراسان وعبادهم حتى أطلقوه ثم عاوده فزجره ثم عاوده ثم قال ~~ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك ولأجاهدنك بلساني ليس لي قوة ~~بيدي ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه فقتله قال أبو بكر لما ثبت بما قدمنا ~~ذكره من القرآن والآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وجوب فرض ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبينا أنه فرض على الكفاية إذا قام به ~~البعض سقط عن الباقين وجب أن لا يختلف في لزوم فرضه البر والفاجر لأن ترك ~~الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا ms0931 غيره ألا ترى أن تركه للصلاة لا ~~يسقط عنه فرض الصوم وسائر العبادات فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته ~~عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه # وقد روى طلحة ابن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال اجتمع نفر ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله أرأيت إن عملنا ~~بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شيء إلا عملناه وانتهينا عن المنكر حتى لم ~~يبق شيئا من المنكر إلا انتهينا عنه أيسعنا أن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى ~~عن المنكر قال مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهو عن المنكر وإن لم ~~تنتهوا عنه كله # فأجرى النبي صلى الله عليه وسلم فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~مجرى سائر الفروض في لزوم القيام به مع التقصير في بعض الواجبات ولم يدفع ~~أحد من علماء الأمة وفقهائها سلفهم وخلفهم وجوب ذلك إلا قوم من الحشو وجهال ~~أصحاب الحديث فإنهم أنكروا قتال الفئة الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر بالسلاح وسموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنة إذا احتيج فيه ~~إلى حمل السلاح وقتال الفئة الباغية مع ما قد سمعوا فيه من قول الله تعالى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وما يقتضيه اللفظ من وجوب قتالها ~~بالسيف وغيره وزعموا مع ذلك أن السلطان لا ينكر عليه الظلم والجور وقتل ~~النفس التي حرم الله وإنما ينكر على غير السلطان بالقول أو باليد بغير سلاح ~~فصاروا شرا على الأمة من أعدائها المخالفين لها لأنهم أقعدوا الناس # PageV02P320 # عن قتال الفئة الباغية وعن الإنكار على السلطان الظلم والجور حتى أدى ذلك ~~إلى تغلب الفجار بل المجوس وأعداء الإسلام حتى ذهبت الثغور وشاع الظلم ~~وخربت البلاد وذهب الدين والدنيا وظهرت الزندقة والغلو ومذهب الثنوية ~~والخرمية والمزدكية والذي جلب ذلك كله عليهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر والإنكار على السلطان الجائر والله المستعان # وقد حدثنا محمد بن بكر قال ms0932 حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عباد ~~الواسطي قال حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا إسرائل قال حدثنا محمد بن ~~جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر # وحدثنا محمد بن عمر قال أخبرني أحمد بن محمد بن عمرو بن مصعب المروزي قال ~~سمعت أبا عمارة قال سمعت الحسن بن رشيد يقول سمعت أبا حنيفة يقول أنا حدثت ~~إبراهيم الصائغ عن عكرمة عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم سيد ~~الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله # قوله تعالى وما الله يريد ظلما للعباد قد اقتضى ذلك نفي إرادة الظلم من ~~كل وجه فلا يريد هو أن يظلمهم ولا يريد أيضا ظلم بعضهم لبعض لأنهما سواء في ~~منزلة القبح ولو جاز أن يريد ظلم بعضهم لجاز أن يريد ظلمه لهم ألا ترى أنه ~~لا فرق في العقول بين من أراد ظلم نفسه لغيره وبين من أراد ظلم إنسان لغيره ~~وأنهما سواء في القبح فكذلك ينبغي أن تكون إرادته للظلم منتفية منه ومن ~~غيره قوله عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر قيل في معنى قوله كنتم وجوه روي عن الحسن أنه يعني فيما تقدمت ~~البشارة والخبر به من ذكر الأمم في الكتب المتقدمة قال الحسن نحن آخرها ~~وأكرمها على الله # وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قال ~~أنتم تتمنون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى # فكان معناه كنتم خير أمة أخبر الله بها أنبياءه فيما أنزل إليهم من كتبه ~~وقيل إن دخول كان وخروجها بمنزلة إلا بمقدار دخولها ms0933 لتأكيد وقوع الأمر لا ~~محالة إذ هو بمنزلة ما قد كان في الحقيقة كما قال تعالى وكان الله غفورا ~~رحيما، وكان الله عليما حكيما والمعنى الحقيقي وقوع ذلك وقيل كنتم خير أمة ~~بمعنى حدثتم خير أمة فيكون خير أمة بمعنى «21- أحكام في» # PageV02P321 # الحال وقيل كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ وقيل كنتم منذ أنتم ليدل أنهم ~~كذلك من أول أمرهم وفي هذه الآية دلالة على صحة إجماع الأمة من وجوه أحدها ~~كنتم خير أمة ولا يستحقون من الله صفة مدح إلا وهم قائمون بحق الله تعالى ~~غير ضالين والثاني إخباره بأنهم يأمرون بالمعروف فيما أمروا به فهو أمر ~~الله تعالى لأن المعروف هو أمر الله والثالث أنهم ينكرون المنكر والمنكر هو ~~ما نهى الله عنه ولا يستحقون هذه الصفة إلا وهم لله رضى فثبت بذلك أن ما ~~أنكرته الأمة فهو منكر وما أمرت به فهو معروف وهو حكم الله تعالى وفي ذلك ~~ما يمنع وقوع إجماعهم على ضلال ويوجب أن ما يحصل عليه إجماعهم هم حكم الله ~~تعالى قوله تعالى لن يضروكم إلا أذى الآية فيه الدلالة على صحة نبوة النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن اليهود الذين كانوا أعداء المؤمنين وهم ~~حوالي المدينة بنو النضير وقريظة وبنو قينقاع ويهود خيبر فأخبر الله تعالى ~~أنهم لا يضرونهم إلا أذى من جهة القول وأنهم متى قاتلوهم ولوا الأدبار فكان ~~كما أخبر وذلك من علم الغيب قوله تعالى ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا ~~بحبل من الله وحبل من الناس وهو يعني به اليهود المتقدم ذكرهم فيه الدلالة ~~على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأن هؤلاء اليهود صاروا كذلك من ~~الذلة والمسكنة إلا أن يجعل المسلمون لهم عهد الله وذمته لأن الحبل في هذا ~~الموضع هو العهد والأمان قوله تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ~~يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون قال ابن عباس وقتادة وابن جريج لما ~~أسلم عبد الله بن سلام وجماعة ms0934 معه قالت اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية قال الحسن قوله قائمة يعني عادلة وقال ابن عباس ~~وقتادة والربيع بن أنس ثابتة على أمر الله تعالى وقال السدي قائمة بطاعة ~~الله تعالى وقوله وهم يسجدون قيل فيه إنه السجود المعروف في الصلاة وقال ~~بعضهم معناه يصلون لأن القراءة لا تكون في السجود ولا في الركوع فجعلوا ~~الواو حالا وهو قول الفراء وقال الأولون الواو هاهنا للعطف كأنه قال يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم مع ذلك يسجدون قوله تعالى يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر صفة لهؤلاء الذين آمنوا من أهل ~~الكتاب لأنهم آمنوا بالله ورسوله ودعوا الناس إلى تصديق النبي صلى الله ~~عليه وسلم والإنكار على من خالفه فكانوا ممن قال الله تعالى كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس في الآية المتقدمة وقد بينا ما دل عليه القرآن من وجوب # PageV02P322 # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن قيل فهل تجب إزالة المنكر من طريق ~~اعتقاد المذاهب الفاسدة على وجه التأويل كما وجب في سائر المناكير من ~~الأفعال قيل له هذا على وجهين فمن كان منهم داعيا إلى مقالته فيضل الناس ~~بشبهته فإنه تجب إزالته عن ذلك بما أمكن ومن كان منهم معتقدا ذلك في نفسه ~~غير داع إليها فإنما يدعى إلى الحق بإقامة الدلالة على صحة قول الحق وتبين ~~فساد شبهته ما لم يخرج على أهل الحق بسفيه ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن ~~الإمام فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها فهذا الباغي الذي أمر الله ~~تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله تعالى # وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان قائما على المنبر بالكوفة يخطب ~~فقالت الخوارج من ناحية المسجد لا حكم إلا لله فقطع خطبته وقال كلمة حق ~~يراد بها باطل أما إن لهم عندنا ثلاثا أن لا نمنعهم حقهم من الفيء ما كانت ~~أيديهم مع أيدينا ولا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمه ولا نقاتلهم ~~حتى ms0935 يقاتلونا # فأخبر أنه لا يجب قتالهم حتى يقاتلونا وكان ابتدأهم علي كرم الله وجهه ~~بالدعاء حين نزلوا حروراء وحاجهم حتى رجع بعضهم وذلك أصل في سائر المتأولين ~~من أهل المذاهب الفاسدة أنهم ما لم يخرجوا داعين إلى مذاهبهم لم يقاتلوا ~~وأقروا على ما هم عليه ما لم يكن ذلك المذهب كفرا فإنه غير جائز إقرار أحد ~~من الكفار على كفره إلا بجزية وليس يجوز إقرار من كفر بالتأويل على الجزية ~~لأنه بمنزلة المرتد لإعطائه بديا جملة التوحيد والإيمان بالرسول فمتى نقض ~~ذلك بالتفصيل صار مرتدا ومن الناس من يجعلهم بمنزلة أهل الكتاب كذلك كان ~~يقول أبو الحسن فتجوز عنده مناكحتهم ولا يجوز للمسلمين أن يزوجوهم وتؤكل ~~ذبائحهم لأنهم منتحلون بحكم القرآن وإن لم يكونوا مستمسكين به كما أن من ~~انتحل النصرانية أو اليهودية فحكمه حكمهم وإن لم يكن مستمسكا بسائر شرائعهم ~~وقال تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم وقال محمد في الزيادات لو أن رجلا ~~دخل في بعض الأهواء التي يكفر أهلها كان في وصاياه بمنزلة المسلمين يجوز ~~منها ما يجوز من وصايا المسلمين ويبطل منها ما يبطل من وصاياهم وهذا يدل ~~على موافقة المذهب الذي يذهب إليه أبو الحسن في بعض الوجوه ومن الناس من ~~يجعلهم بمنزلة المنافقين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأقروا على نفاقهم مع علم الله تعالى بكفرهم ونفاقهم ومن الناس من يجعلهم ~~كأهل الذمة ومن أبى ذلك ففرق بينهما بأن المنافقين لو وقفنا على نفاقهم لم ~~نقرهم عليه ولم نقبل # PageV02P323 # منهم إلا الإسلام أو السيف وأهل الذمة إنما أقروا بالجزية وغير جائز أخذ ~~الجزية من الكفار المتأولين المنتحلين للإسلام ولا يجوز أن يقروا بغير جزية ~~فحكمهم في ذلك متى وقفنا على مذهب واحد منهم اعتقاد الكفر لم يجز إقراره ~~عليه وأجري عليه أحكام المرتدين ولا يقتصر في إجرائه حكم الكفار على إطلاق ~~لفظ عسى أن يكون غلطه فيه دون الاعتقاد دون أن يبين عن ضميره فيعرب لنا عن ~~اعتقاده بما يوجب ms0936 تكفيره فحينئذ يجوز عليه أحكام المرتدين من الاستتابة فإن ~~تاب وإلا قتل والله أعلم. ### | باب الاستعانة بأهل الذمة # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية قال ~~أبو بكر بطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ويثق بهم في أمره فنهى الله ~~تعالى المؤمنين أن يتخذوا أهل الكفر بطانة من دون المؤمنين وأن يستعينوا ~~بهم في خوص أمورهم وأخبر عن ضمائر هؤلاء الكفار للمؤمنين فقال لا يألونكم ~~خبالا يعني لا يقصرون فيما يجدون السبيل إليه من إفساد أموركم لأن الخبال ~~هو الفساد ثم قال ودوا ما عنتم قال السدي ودوا ضلالكم عن دينكم وقال ابن ~~جريج ودوا أن تعنتوا في دينكم فتحملوا على المشقة فيه لأن أصل العنت المشقة ~~فكأنه أخبر عن محبتهم لما يشق عليكم وقال الله تعالى ولو شاء الله لأعنتكم ~~وفي هذه الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور ~~المسلمين من العمالات والكتبة وقد روي عن عمر أنه بلغه أن أبا موسى استكتب ~~رجلا من أهل الذمة فكتب إليه يعنفه وتلا يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم أي لا تردوهم إلى العز بعد أن أذلهم الله تعالى وروى أبو ~~حيان التيمي عن فرقد ابن صالح عن أبي دهقانة قال قلت لعمر بن الخطاب أن ~~هاهنا رجلا من أهل الحيرة لم نر رجلا أحفظ منه ولا أخط منه بقلم فإن رأيت ~~أن نتخذه كاتبا قال قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين وروى هلال الطائي ~~عن وسق الرومي قال كنت مملوكا لعمر فكان يقول لي أسلم فإنك إن أسلمت استعنت ~~بك على أمانة المسلمين فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم من ليس منهم ~~فأبيت فقال لا إكراه في الدين فلما حضرته الوفاة أعتقني فقال اذهب حيث شئت ~~وقوله تعالى لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة قيل في معنى أضعافا مضاعفة ~~وجهان أحدهما المضاعفة بالتأجيل أجلا بعد أجل ولكل # PageV02P324 # أجل قسط من الزيادة على المال والثاني ما يضاعفون ms0937 به أموالهم وفي هذا ~~دلالة على أن المخصوص بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه لأنه لو كان ~~كذلك لوجب أن يكون ذكر تحريم الربا أضعافا مضاعفة دلالة على إباحته إذا لم ~~يكن أضعافا مضاعفة فلما كان الربا محظورا بهذه الصفة وبعدمها دل ذلك على ~~فساد قولهم في ذلك ويلزمهم في ذلك أن تكون هذه الدلالة منسوخة بقوله تعالى ~~وحرم الربا إذا لم يبق لها حكم في الاستعمال وقوله تعالى وجنة عرضها ~~السماوات والأرض قيل كعرض السموات والأرض وقال في آية أخرى وجنة عرضها كعرض ~~السماء والأرض وكما قال ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أي إلا كبعث نفس ~~واحدة ويقال إنما خص العرض بالذكر دون الطول لأنه يدل على أن الطول أعظم ~~ولو ذكر الطول لم يقم مقامه في الدلالة على العظم وهذا يحتج به # في قول النبي صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه معناه كذكاة أمه # وقوله تعالى الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس قال ابن عباس في السراء والضراء في العسر واليسر يعنى في قلته وكثرته ~~وقيل في حال السرور والغم لا يقطعه شيء من ذلك عن إنفاقه في وجوه البر فمدح ~~المنفقين في هاتين الحالتين ثم عطف عليه الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ~~فمدح من كظم غيظه وعفا عمن اجترم إليه وقال عمر بن الخطاب من خاف الله لم ~~يشف غيظه ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد ولولا يوم القيامة لكان غير ما ~~ترون وكظم الغيظ والعفو مندوب إليهما موعود بالثواب عليهما من الله تعالى ~~قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا فيه حض على ~~الجهاد من حيث لا يموت أحد فيه إلا بإذن الله تعالى وفيه التسلية عما يلحق ~~النفس بموت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بإذن الله تعالى لأنه قد تقدم ~~ذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل ms0938 الآية وقوله تعالى ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها قيل فيه من ~~عمل للدنيا وفر حظه المقسوم له فيها من غير أن يكون له حظ في الآخرة روي ~~ذلك عن ابن إسحاق وقيل إن معناه من أراد بجهاده ثواب الدنيا لم يحرم حظه من ~~الغنيمة وقيل من تقرب إلى الله بعمل النوافل وليس هو ممن يستحق الجنة بكفره ~~أو بما يحبط عمله جوزي بها في الدنيا من غير أن يكون له حظ في الآخرة وهو ~~نظير قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم # PageV02P325 # يصلاها مذموما مدحورا قوله تعالى وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير قال ~~ابن عباس والحسن علماء وفقهاء وقال مجاهد وقتادة جموع كثيرة وقوله تعالى ~~فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا فإنه قيل في ~~الوهن بأنه انكسار الجسد ونحوه والضعف نقصان القوة وقيل في الاستكانة إنها ~~إظهار الضعف وقيل فيه إنه الخضوع فبين تعالى أنهم لم يهنوا بالخوف ولا ~~ضعفوا لنقصان القوة ولا استكانوا بالخضوع وقال ابن إسحاق فما وهنوا بقتل ~~نبيهم ولا ضعفوا عن عدوهم ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم وفي ~~هذه الآية الترغيب في الجهاد في سبيل الله والحض على سلوك طريق العلماء من ~~صحابة الأنبياء والأمر بالاقتداء بهم في الصبر على الجهاد وقوله تعالى وما ~~كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا الآية فيه حكاية دعاء الربيين ~~من أتباع الأنبياء المتقدمين وتعليم لنا لأن نقول مثل قولهم عند حضور ~~القتال فينبغي للمسلمين أن يدعوا بمثله عند معاينة العدو لأن الله تعالى ~~حكى ذلك عنهم على وجه المدح لهم والرضا بقولهم لنفعل مثل فعلهم ونستحق من ~~المدح كاستحقاقهم قوله تعالى فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة قال ~~قتادة والربيع بن أنس وابن جريج ثواب الدنيا الذي أوتوه هو النصر على عدوهم ~~حتى قهروهم وظفروا بهم وثواب الآخرة الجنة وهذا دليل على أنه يجوز اجتماع ms0939 ~~الدنيا والآخرة لواحد # روي عن علي رضي الله عنه أنه قال من عمل لدنياه أضر بآخرته ومن عمل ~~لآخرته أضر بدنياه وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام قوله تعالى سنلقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا # فيه دليل على بطلان التقليد لأن الله تعالى حكم ببطلان قولهم إذ لم يكن ~~معهم برهان عليه والسلطان هاهنا هو البرهان ويقال إن أصل السلطان القوة ~~فسلطان الملك قوته والسلطان الحجة لقوتها على قمع الباطل وقهر المبطل بها ~~والتسليط على الشيء التقوية عليه مع الإغراء به وفيه الدلالة على صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر به من إلقاء الرعب في قلوب المشركين ~~فكان كما أخبر به # وقال النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب حتى إن العدو ليرعب مني وهو ~~على مسيرة شهر # قوله تعالى ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه فيه إخبار بتقدم وعد ~~الله تعالى لهم بالنصر على عدوهم ما لم يتنازعوا ويختلفوا فكان كما أخبر به ~~يوم أحد ظهروا على عدوهم وهزموهم وقتلوا منهم # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر الرماة بالمقام في موضع # PageV02P326 # وأن لا يبرحوا فعصوا وخلوا مواضعهم حين رأوا هزيمة المشركين وظنوا أنه لم ~~يبق لهم باقية واختلفوا وتنازعوا فحمل عليهم خالد بن الوليد من ورائهم ~~فقتلوا من المسلمين من قتلوا بتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعصيانهم # وفي ذلك دليل على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا موعود ~~الله كما وعد قبل العصيان فلما عصوا وكلوا إلى أنفسهم وفيه دليل على أن ~~النصر من الله في جهاد العدو مضمون باتباع أمره والاجتهاد في طاعته وعلى ~~هذا جرت عادة الله تعالى للمسلمين في نصرهم على أعدائهم وقد كان المسلمون ~~من الصدر الأول إنما يقاتلون المشركين بالدين ويرجون النصر عليهم وغلبتهم ~~به لا بكثرة العدد ولذلك قال الله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى ~~الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ms0940 فأخبر أن هزيمتهم إنما كانت ~~لتركهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإخلال بمراكزهم التي رتبوا ~~فيها # وقال تعالى منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة وإنما أتوا من قبل ~~من كان يريد الدنيا منهم قال عبد الله بن مسعود ما ظننت أن أحدا ممن قاتل ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى أنزل الله تعالى منكم من يريد ~~الدنيا وعلى هذا المعنى كان الله قد فرض على العشرين أن لا يفروا من مائتين ~~بقوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين لأنه في ابتداء ~~الإسلام كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مخلصين لنية الجهاد لله تعالى ~~ولم يكن فيهم من يريد الدنيا وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا رجالة ~~قليلي العدة والسلاح وعدوهم ألف فرسان ورجالة بالسلاح الشاك فمنحهم الله ~~أكتافهم ونصرهم عليهم حتى قتلوا كيف شاءوا وأسروا كيف شاءوا ثم لما خالطهم ~~بعد ذلك من لم يكن له مثل بصائرهم وخلوص ضمائرهم خفف الله تعالى عن الجميع ~~فقال الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا ~~مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ومعلوم أنه لم يرد ضعف قوى ~~الأبدان ولا عدم السلاح لأن قوى أبدانهم كانت باقية وعددهم أكثر وسلاحهم ~~أوفر وإنما أراد به أنه خالطهم من ليس له قوة البصيرة مثل ما للأولين ~~فالمراد بالضعف هاهنا ضعف النية وأجرى الجميع مجرى واحدا في التخفيف إذا لم ~~يكن من المصلحة تمييز ذوي البصائر منهم بأعيانهم وأسمائهم من أهل ضعف ~~اليقين وقلة البصيرة ولذلك قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم ~~القيامة حين انهزم الناس أخلصونا أخلصونا يعنون المهاجرين والأنصار # قوله # PageV02P327 # تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم قال طلحة ~~وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وقتادة والربيع بن أنس كان ذلك يوم ~~أحد بعد هزيمة من انهزم من المسلمين وتوعدهم المشركون بالرجوع فكان ms0941 من ثبت ~~من المسلمين تحت الحجف متأهبين للقتال فأنزل الله تعالى الأمنة على ~~المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أرعبهم الخوف لسوء الظن قال أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنمنا حتى اصطفقت الحجف من النعاس ولم يصب ~~المنافقين ذلك بل أهمتهن أنفسهم فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~سمعت وأنا بين النائم واليقظان معتب بن قشير وناسا من المنافقين يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء وهذا من لطف الله تعالى للمؤمنين وإظهار أعلام النبوة ~~في مثل تلك الحال التي العدو فيها مطل عليهم وقد انهزم عنهم كثير من ~~أعوانهم وقد قتلوا من قتلوا من المسلمين فينامون وهم مواجهون العدو في ~~الوقت الذي يطير فيه النعاس عمن شاهده ممن لا يقاتل فكيف بمن حضر القتال ~~والعدو قد أشرعوا فيهم الأسنة وشهروا سيوفهم لقتلهم واستيصالهم وفي ذلك ~~أعظم الدلائل وأكبر الحجج في صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ~~أحدها وقوع الأمنة مع استعلاء العدو من غير مدد آتاهم ولا نكاية في العدو ~~ولا انصرافهم عنهم ولا قلة عددهم فينزل الله تعالى على قلوبهم الأمنة وذلك ~~في أهل الإيمان واليقين خاصة والثاني وقوع النعاس عليهم في مثل تلك الحال ~~التي يطير في مثلها النعاس عمن شاهدها بعد الانصراف والرجوع فكيف في حال ~~المشاهدة وقصد العدو نحوهم لاستيصالهم وقتلهم والثالث تمييز المؤمنين من ~~المنافقين حتى خص المؤمنين بتلك الأمنة والنعاس دون المنافقين فكان ~~المؤمنون في غاية الأمن والطمأنينة والمنافقون في غاية الهلع والخوف والقلق ~~والاضطراب فسبحان الله العزيز العليم الذي لا يضيع أجر المحسنين # قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم قيل إن ما هاهنا صلة معناه فبرحمة ~~من الله روي ذلك عن قتادة كما قال عما قليل ليصبحن نادمين وقوله تعالى فبما ~~نقضهم ميثاقهم واتفق أهل اللغة على ذلك وقالوا معناها التأكيد وحسن النظم ~~كما قال الأعشى: «1» اذهبى ما إليك أدركني الحلم عداني عن هيجكم أشفاقى ~~PageV02P328 # وفي ذلك دليل على بطلان قول من نفى أن يكون ms0942 في القرآن مجاز لأن ذكر ما ~~هاهنا مجاز وإسقاطها لا يغير المعنى قوله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك يدل على وجوب استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة ~~في الدعاء إلى الله تعالى كما قال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وقوله تعالى لموسى وهارون فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى قوله تعالى وشاورهم في الأمر اختلف الناس في معنى أمر ~~الله تعالى إياه بالمشاورة مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من ~~الصحابة فقال قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق إنما أمره بها تطييبا ~~لنفوسهم ورفعا من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله ويرجع إلى رأيه قال ~~سفيان ابن عيينة أمره بالمشاورة لتقتدي به أمته فيها ولا تراها منقصة كما ~~مدحهم الله تعالى بأن أمرهم شورى بينهم وقال الحسن والضحاك جمع لهم بذلك ~~الأمرين جميعا في المشاورة ليكون لإجلال الصحابة ولتقتدي الأمة به في ~~المشاورة وقال بعض أهل العلم إنما أمره بالمشاورة فيما لم ينص له فيه على ~~شيء بعينه فمن القائلين بذلك من يقول إنما هو في أمور الدنيا خاصة وهم ~~الذين يأبون أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يقول شيئا من أمور الدين من ~~طريق الاجتهاد وإنما هو في أمور الدنيا خاصة فجائز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم يستعين بآرائهم في ذلك ويتنبه بها على أشياء من وجوه التدبير ما ~~جائز أن يفعلها لولا المشاورة واستشارة آراء الصحابة وقد أشار الحباب بن ~~المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل وأشار ~~منه عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يوم الخندق بترك مصالحة غطفان ~~على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهم وخرق الصحيفة في أشياء من نحو هذا ~~من أمور الدنيا وقال آخرون كان مأمورا بمشاورتهم في أمور الدين والحوادث ~~التي لا توقيف فيها عن الله تعالى وفي أمور الدنيا أيضا مما طريقه الرأي ~~وغالب الظن ms0943 وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان ذلك من أمور الدين وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا شاورهم فأظهروا آراءهم ارتأى معهم وعمل بما أداه إليه ~~اجتهاده وكان في ذلك ضروب من الفوائد أحدها إعلام الناس أن ما لا نص فيه من ~~الحوادث فسبيل استدراك حكمه الاجتهاد وغالب الظن والثاني إشعارهم بمنزلة ~~الصحابة رضي الله عنهم وأنهم أهل الاجتهاد وجائز اتباع آرائهم إذ رفعهم ~~الله إلى المنزلة التي يشاورهم النبي صلى الله عليه وسلم ويرضى اجتهادهم ~~ويحريهم لموافقة النصوص من # PageV02P329 # أحكام الله تعالى والثالث أن باطن ضمائرهم مرضي عند الله تعالى لولا ذلك ~~لم يأمره بمشاورتهم فدل ذلك على يقينهم وصحة إيمانهم وعلى منزلتهم مع ذلك ~~من العلم وعلى تسويغ الاجتهاد في أحكام الحوادث التي لا نصوص فيها لتقتدي ~~به الأمة بعده صلى الله عليه وسلم في مثله وغير جائز أن يكون الأمر ~~بالمشاورة على جهة تطبيب نفوسهم ورفع أقدارهم ولتقتدي الأمة به في مثله ~~لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما شاوروا ~~فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه ثم لم يكن ذلك معمولا عليه ولا متلقى منه ~~بالقبول بوجه لم يكن في ذلك تطبيب نفوسهم ولا رفع لأقدارهم بل فيه إيحاشهم ~~وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معمول عليها فهذا تأويل ساقط لا معنى ~~له فكيف يسوغ تأويل من تأوله لتقتدي به الأمة مع علم الأمة عند هذا القائل ~~بأن هذه المشورة لم تفد شيئا ولم يعمل بشيء أشاروا به فإن كان على الأمة ~~الاقتداء به فيها فواجب على الأمة أيضا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا ~~السبيل وأن لا تنتج المشورة رأيا صحيحا ولا قولا معمولا لأن مشاورتهم عند ~~القائلين بهذه المقالة كانت على هذا الوجه فإن كانت مشورة الأمة فيما بينها ~~تنتج رأيا صحيحا وقولا معمولا عليه فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وإذ قد بطل هذا فلا بد من أن تكون لمشاورته ~~إياهم ms0944 فائدة تستفاد بها وأن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ضرب من ~~الارتئاء والاجتهاد فجائز حينئذ أن توافق # آراؤهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم وجائز أن يوافق رأي بعضهم رأيه ~~وجائز أن يخالف رأي جميعهم فيعمل صلى الله عليه وسلم حينئذ برأيه ويكون فيه ~~دلالة على أنهم لم يكونوا معنقين في اجتهادهم بل كانوا مأجورين فيه لفعلهم ~~ما أمروا به ويكون عليهم حينئذ ترك آرائهم واتباع رأي النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا بد من أن تكون مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فيما لا نص ~~فيه إذ غير جائز أن يشاورهم في المنصوصات ولا يقول لهم ما رأيكم في الظهر ~~والعصر والزكاة وصيام رمضان ولما لم يخص الله تعالى أمر الدين من أمور ~~الدنيا في أمره صلى الله عليه وسلم بالمشاورة وجب أن يكون ذلك فيهما جميعا ~~ولأنه معلوم أن مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدنيا إنما كانت ~~تكون في محاربة الكفار ومكايدة العدو وإن لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ~~تدبيره في أمر دنياه ومعاشه يحتاج فيه إلى مشاورة غيره لاقتصاره صلى الله ~~عليه وسلم من الدنيا على القوت والكفاف الذي لا فضل فيه وإذا كانت مشاورته ~~لهم في محاربة العدو ومكايدة الحروب فإن ذلك من أمر الدين ولا # PageV02P330 # فرق بين اجتهاد الرأي فيه وبينه في أحكام سائر الحوادث التي لا نصوص فيها ~~وفي ذلك دليل على صحة القول باجتهاد الرأي في أحكام الحوادث وعلى أن كل ~~مجتهد مصيب وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجتهد رأيه فيما لا نص ~~فيه ويدل على أنه قد كان يجتهد رأيه معهم ويعمل بما يغلب في رأيه فيما لا ~~نص فيه قوله تعالى في نسق ذكر المشاورة فإذا عزمت فتوكل على الله ولو كان ~~فيما شاور فيه شيء منصوص قد ورد التوقيف به من الله لكانت العزيمة فيه ~~متقدمة للمشاورة إذ كان ورد النص موجبا لصحة العزيمة قبل المشاورة وفي ذكر ms0945 ~~العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة وأنه لم يكن فيها نص ~~قبلها # قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل قرئ يغل برفع الياء ومعناه يخان وخص ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وإن كانت خيانة سائر الناس محظورة تعظيما ~~لأمر خيانته على خيانة غيره كما قال تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان ~~واجتنبوا قول الزور وإن كان الرجس كله محظورا ونحن مأمورون باجتنابه وروي ~~هذا التأويل عن الحسن وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير في قوله تعالى يغل برفع ~~الياء إن معناه يخون فينسب إلى الخيانة وقال نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم ~~بدر فقال بعض الناس لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله هذه ~~الآية ومن قرأ يغل ينصب الياء معناه يخون والغلول الخيانة في الجملة إلا ~~أنه قد صار الإطلاق فيها يفيد الخيانة في المغنم وقد عظم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر الغلول حتى أجراه مجرى الكبائر # وروى قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول من ~~فارق الروح جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين # وروى عبد الله بن عمر أن رجلا كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقال له كركرة فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ~~ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلها وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة # والأخبار في أمر تغليظ الغلول كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي ~~في إباحة أكل الطعام وأخذ علف الدواب عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~والتابعين أخبار مستفيضة قال عبد الله بن أبي أوفى أصبنا طعاما يوم خيبر ~~فكان الرجل منا يأتي فيأخذ منه ما يكفيه ثم ينصرف وعن سلمان أنه أصاب يوم ~~المداين أرغفة حوارى وجبنا ms0946 وسكينا فجعل يقطع من الجبنة ويقول كلوا بسم الله # وقد روى رويفع بن ثابت الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~يحل لأحد يؤمن # PageV02P331 # بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها ~~فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين ~~حتى إذا أخلقه رده فيه # وهذا محمول على الحال التي يكون فيها مستغنيا عنه فأما إذا احتاج إليه ~~فلا بأس به عند الفقهاء وقد روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من ~~المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به # قوله تعالى وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا قال السدي وابن جريج في قوله أو ادفعوا إن معناه بتكثير سوادنا إن ~~لم تقاتلوا معنا وقال أبو عون الأنصاري معناه ورابطوا بالقيام على الخيل إن ~~لم تقاتلوا قال أبو بكر وفي هذا دلالة على أن فرض الحضور لازم لمن كان في ~~حضوره نفع في تكثير السواد والدفع وفي القيام على الخيل إذا احتيج إليهم ~~وقوله تعالى يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم قيل فيه وجهان أحدهما تأكيد ~~لكون القول منهم إذ قد يضاف الفعل إلى غير فاعله إذا كان راضيا به على وجه ~~المجاز كما قال تعالى وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها وإنما قتل غيرهم ورضوا ~~به وقوله تعالى فلم تقتلون أنبياء الله من قبل ونحو ذلك والثاني أنه فرق ~~بذكر الأفواه بين قول اللسان وقول الكتاب # وقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون زعم قوم أن المراد أنهم يكونون أحياء في الجنة قالوا لأنه لو ~~جاز أن ترد عليهم أرواحهم بعد الموت لجاز القول بالرجعة ومذهب أهل التناسخ ~~قال أبو بكر # وقال الجمهور إن الله تعالى يحييهم بعد الموت فينيلهم من النعيم بقدر ~~استحقاقهم إلى أن يفنيهم الله تعالى عند فناء الخلق ثم يعيدهم في الآخرة ~~ويدخلهم الجنة لأنه ms0947 أخبر أنهم أحياء وذلك يقتضي أنهم أحياء في هذا الوقت ~~ولأن تأويل من تأوله على أنهم أحياء في الجنة يؤدي إلى إبطال فائدته لأن ~~أحدا من المسلمين لا يشك أنهم سيكونون أحياء مع سائر أهل الجنة إذ الجنة لا ~~يكون فيها ميت ويدل عليه أيضا وصفه تعالى لهم بأنهم فرحون على الحال بقوله ~~تعالى فرحين بما آتاهم الله من فضله ويدل عليه قوله تعالى ويستبشرون بالذين ~~لم يلحقوا بهم من خلفهم وهم في الآخرة قد لحقوا بهم # وروى ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طيور خضر تحت ~~العرش ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل # PageV02P332 # معلقة تحت العرش # وهو مذهب الحسن وعمرو بن عبيد وأبي حذيفة وواصل بن عطاء وليس ذلك من مذهب ~~أصحاب التناسخ في شيء لأن المنكر في ذلك رجوعهم إلى دار الدنيا في خلق ~~مختلفة وقد أخبر الله تعالى عن قوم أنه أماتهم ثم أحياهم في قوله ألم تر ~~إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم ~~أحياهم وأخبر أن إحياء الموتى معجزة لعيسى عليه السلام فكذلك يحييهم بعد ~~الموت ويجعلهم حيث يشاء وقوله تعالى عند ربهم يرزقون معناه حيث لا يقدر لهم ~~أحد على ضر ولا نفع إلا ربهم عز وجل وليس يعني به قرب المسافة لأن الله ~~تعالى لا يجوز عليه القرب والبعد بالمسافة إذ هو من صفة الأجسام وقيل عند ~~ربهم من حيث يعلمهم هو دون الناس. # قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم الآية روي عن ابن ~~عباس وقتادة وابن إسحاق إن الذين قالوا كانوا ركبا وبينهم أبو سفيان ~~ليحبسوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدي هو أعرابي ~~ضمن له جعلا على ذلك فأطلق الله تعالى اسم الناس على الواحد على قول من ~~تأوله على أنه كان رجلا ms0948 واحدا فهذا على أنه أطلق لفظ العموم وأراد به ~~الخصوص قال أبو بكر لما كان الناس اسما للجنس وكان من المعلوم أن الناس ~~كلهم لم يقولوا ذلك تناول ذلك أقلهم وهو الواحد منهم لأنه لفظ الجنس وعلى ~~هذا قال أصحابنا فيمن قال إن كلمت الناس فعبدي حر إنه على كلام الواحد منهم ~~لأنه لفظ الجنس ومعلوم أنه لم يرد به استغراق الجنس فيتناول الواحد منهم ~~وقوله تعالى فاخشوهم فزادهم إيمانا فيه إخبار بزيادة يقينهم عند زيادة ~~الخوف والمحنة إذ لم يبقوا على الحال الأولى بل ازدادوا عند ذلك يقينا ~~وبصيرة في دينهم وهو كما قال تعالى في الأحزاب ولما رأ المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما فازدادوا عند معاينة العدو إيمانا وتسليما لأمر الله تعالى والصبر ~~على جهادهم وفي ذلك أتم ثناء على الصحابة رضي الله عنهم وأكمل فضيلة وفيه ~~تعليم لنا أن نقتدي بهم ونرجع إلى أمر الله والصبر عليه والاتكال عليه وأن ~~نقول حسبنا الله ونعم الوكيل وأنا متى فعلنا ذلك أعقبنا ذلك من الله النصر ~~والتأييد وصرف كيد العدو وشرهم مع حيازة رضوان الله وثوابه # بقوله تعالى فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان ~~الله # وقوله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون # PageV02P333 # بما آتاهم الله من فضله # - إلى قوله- سيطوقون ما بخلوا به قال السدي بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله ~~وأن يؤدوا الزكاة وقال ابن عباس هو في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس ~~وهو بالزكاة أولى كقوله والذين يكنزون الذهب والفضة- إلى قوله- يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وقوله تعالى سيطوقون ما بخلوا ~~به يدل على ذلك أيضا # وروى سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه ~~فيحمى بها جبينه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده # وقال مسروق ms0949 يجعل الحق الذي منعه حية فيطوقها فيقول مالي ومالك فتقول ~~الحية أنا مالك وقال عبد الله يطوق ثعبانا في عنقه له أسنان فيقول أنا ملك ~~الذي بخلت به. # قوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس قد تقدم ~~نظيرها في سورة البقرة وقد روي في ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدى أن ~~المراد به اليهود وقال غيرهم المراد به اليهود والنصارى وقال الحسن وقتادة ~~المراد به كل من أوتي علما فكتمه قال أبو هريرة لولا آية من كتاب الله ~~تعالى ما حدثتكم به ثم تلا قوله وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~فيعود الضمير في قوله لتبيننه في قول الأولين على النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم كتموا صفته وأمره وفي قول الآخرين على الكتاب فيدخل فيه بيان أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما في كتب الله عز وجل. # قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب الآيات التي فيها من جهات أحدها تعاقب الأعراض المتضادة عليها مع ~~استحالة وجودها عارية منها والأعراض محدثة وما لم يسبق المحدث فهو محدث وقد ~~دلت أيضا على أن خالق الأجسام لا يشبهها لأن الفاعل لا يشبه فعله وفيها ~~الدلالة على أن خالقها قادر لا يعجزه شيء إذ كان خالقها وخالق الأعراض ~~المضمنة بها وهو قادر على أضدادها إذ ليس بقادر يستحيل منه الفعل ويدل على ~~أن فاعلها قديم لم يزل لأن صحة وجودها متعلقة بصانع قديم لولا ذلك لاحتاج ~~الفاعل إلى فاعل آخر إلى ما لا نهاية له ويدل على أن صانعها عالم من حيث ~~استحال وجود الفعل المتقن المحكم إلا من عالم به قبل أن يفعله ويدل على أنه ~~حكيم عدل لأنه مستغن عن فعل القبيح عالم بقبحه فلا تكون أفعاله إلا # PageV02P334 # عدلا وصوابا ويدل على أنه لا يشبهها لأنه لو أشبهها لم يخل من أن يشبهها ~~من جميع الوجوه أو من بعضها فإن أشبهها من جميع الوجوه فهو ms0950 محدث مثلها وإن ~~أشبهها من بعض الوجوه فواجب أن يكون محدثا من ذلك الوجه لأن حكم المشبهين ~~واحد من حيث اشتبها فوجب أن يتساويا في حكم الحدوث من ذلك الوجه ويدل وقوف ~~السموات والأرض من غير عمد أن ممسكها لا يشبهها لاستحالة وقوفها من غير عمد ~~من جسم مثلها إلى غير ذلك من الدلائل المضمنة بها ودلالة الليل والنهار على ~~الله تعالى أن الليل والنهار محدثان لوجود كل واحد منهما بعد أن لم يكن ~~موجودا ومعلوم أن الأجسام لا تقدر على إيجادها ولا على الزيادة والنقصان ~~فيها وقد اقتضيا محدثا من حيث كانا محدثين لاستحالة وجود حادث لا محدث له ~~فوجب أن محدثهما ليس بجسم ولا مشبه للأجسام لوجهين أحدهما أن الأجسام لا ~~تقدر على إحداث مثلها والثاني المشبه للجسم يجري عليه ما يجري عليه من حكم ~~الحدوث فلو كان فاعلها حادثا لاحتاج إلى محدث ثم كذلك يحتاج الثاني إلى ~~الثالث إلى ما لا نهاية له وذلك محال فلا بد من إثبات صانع قديم لا يشبه ~~الأجسام والله أعلم. ### | باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا قال الحسن ~~وقتادة وابن جريج والضحاك اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم وصابروا ~~أعداء الله ورابطوا في سبيل الله وقال محمد بن كعب القرظي اصبروا على ~~الجهاد وصابروا وعدي إياكم ورابطوا أعداءكم وقال زيد بن أسلم اصبروا على ~~الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه وقال أبو مسلمة بن عبد الرحمن ~~ورابطوا بانتظار الصلاة بعد الصلاة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في انتظار الصلاة بعد ~~الصلاة فذلكم الرباط # وقال تعالى ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم # وروى سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رباط يوم في سبيل الله أفضل ~~من صيام شهر ومن قيامه ومن مات فيه وقي فتنة القبر ونما له عمله إلى يوم ~~القيامة # وروى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ms0951 حرس ليلة في سبيل الله أفضل ~~من ألف ليلة قيام ليلها وصيام نهارها # والله الموفق. # PageV02P335 ### | سورة النساء # قال الله تعالى واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام قال الحسن ومجاهد ~~وإبراهيم هو قول القائل أسألك بالله وبالرحم وقال ابن عباس وقتادة والسدي ~~والضحاك اتقوا الأرحام أن تقطعوها وفي الآية دلالة على جواز المسألة بالله ~~تعالى # وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من سأل بالله فأعطوه # وروى معاوية بن سويد ابن مقرن عن البراء بن عازب قال أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بسبع منها إبرار القسم # وهذا يدل على مثل ما دل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم من سألكم بالله فأعطوه # وأما قوله والأرحام ففيه تعظيم لحق الرحم وتأكيد للنهي عن قطعها قال الله ~~تعالى في موضع آخر فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ~~فقرن قطع الرحم إلى الفساد في الأرض وقال تعالى لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة قيل في الآل أنه القربى وقال تعالى وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في تعظيم حرمة الرحم ما يواطئ ما ورد به التنزيل # روى سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن ~~بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا الرحمن وهي ~~الرحم شققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خالي حيان ~~ابن بشر قال حدثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال حدثني ناصح عن يحيى بن ~~أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ~~من شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم وما من عمل عصي الله به أعجل ~~عقوبة من البغي واليمين الفاجرة ms0952 # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خالد بن خداش قال ~~حدثنا صالح المري قال حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع ~~بهما ميتة السوء ويدفع الله بهما المحذور والمكروه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال حدثنا ~~سفيان عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ~~قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل الصدقة على ذي الرحم ~~الكاشح قال الحميدي الكاشح العدو ورواه أيضا # PageV02P336 # سفيان عن الزهري عن أيوب بن بشير عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح # وروت حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سليمان بن عامر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال الصدقة على المسلمين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان لأنها صدقة وصلة # قال أبو بكر فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب ~~بها وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة على ذي الرحم اثنتين صدفة وصلة ~~وأخبر باستحقاق الثواب لأجل الرحم سوى ما يستحقه بالصدقة فدل على أن الهبة ~~لذي الرحم المحرم لا يصح الرجوع فيها ولا فسخها أيا كان الواهب أو غيره ~~لأنها قد جرت مجرى الصدقة في أن موضوعها القربة واستحقاق الثواب بها ~~كالصدقة لما كان موضوعها القربة وطلب الثواب لم يصح الرجوع فيها كذلك الهبة ~~لذي الرحم المحرم ولا يصح للأب بهذه الدلالة الرجوع فيما وهبه للابن كما لا ~~يجوز لغيره من ذوي الرحم المحرم إذ كانت بمنزلة الصدقة إلا أن يكون الأب ~~محتاجا فيجوز له أخذه كسائر أموال الابن فإن قيل لم يفرق الكتاب والسنة ~~فيما أوجبه من صلة الرحم بين ذي الرحم المحرم وغيره فالواجب أن لا يرجع ~~فيما وهبه لسائر ذوي أرحامه وإن لم يكن ذا رحم محرم كابن العم والأباعد ms0953 من ~~أرحامه قيل له لو اعتبرنا كل من بينه وبينه نسب لوجب أن يشترك فيه آدم عليه ~~السلام كلهم لأنهم ذووا أنسابه ويجمعهم نوح النبي عليه السلام وقبله آدم ~~عليه السلام وهذا فاسد فوجب أن يكون الرحم الذي يتعلق به هذا الحكم هو ما ~~يمنع عقد النكاح بينهما إذا كان أحدهما رجلا والآخر امرأة لأن ما عدا ذلك ~~لا يتعلق به حكم وهو بمنزلة الأجنبيين # وقد روى زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو يخطب بمنى وهو يقول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك # فذكر ذوي الرحم المحرم في ذلك فدل على صحة ما ذكرنا وهو مأمور مع ذلك بمن ~~بعد رحمه أن يصله وليس في تأكيد من قرب كما يأمر بالإحسان إلى الجار ولا ~~يتعلق بذلك حكم في التحريم ولا في منع الرجوع في الهبة فكذلك ذوو رحمه ~~الذين ليسوا بمحرم فهو مندوب إلى الإحسان إليهم ولكنه لما لم يتعلق به حكم ~~التحريم كانوا بمنزلة الأجنبيين والله أعلم بالصواب. # «22- أحكام في» # PageV02P337 ### | باب دفع أموال الأيتام إليهم بأعيانها ومنعه الوصي من استهلاكها # قال الله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب # روي عن الحسن أنه قال لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن ~~يخالطوهم وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله فشكوا ذلك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم # قال أبو بكر وأظن ذلك غلطا من الراوي لأن المراد بهذه الآية إيتاءهم ~~أموالهم بعد البلوغ إذ لا خلاف بين أهل العلم أن اليتيم لا يجب إعطاؤه ماله ~~قبل البلوغ وإنما غلط الراوي بآية أخرى وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أنزل الله تعالى ~~ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ms0954 # - وإن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية انطلق من كان عنده يتيم ~~فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى ~~يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم # فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم فهذا هو الصحيح في ذلك وأما قوله ~~تعالى وآتوا اليتامى أموالهم فليس من هذا في شيء لأنه معلوم أنه لم يرد به ~~إيتاءهم أموالهم في حال اليتيم وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس ~~الرشد وأطلق اسم الأيتام عليهم لقرب عهدهم باليتم كما سمى مقارنة انقضاء ~~العدة بلوغ الأجل في قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف والمعنى ~~مقاربة البلوغ ويدل على ذلك قوله تعالى في نسق الآية فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم والإشهاد عليه لا يصح قبل البلوغ فعلم أنه أراد بعد ~~البلوغ وسماهم يتامى لأحد معنيين إما لقرب عهدهم بالبلوغ أو لانفرادهم عن ~~آبائهم مع أن العادة في أمثالهم ضعفهم عن التصرف لأنفسهم والقيام بتدبير ~~أمورهم على الكمال حسب تصرف المتحنكين الذين قد جربوا الأمور واستحكمت ~~آراؤهم وقد روى يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسئله عن اليتيم متى ~~ينقطع يتمه فكتب إليه إذا أونس منه الرشد انقطع عنه يتمه وفي بعض الألفاظ ~~إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعد فأخبر ابن عباس أن اسم ~~اليتيم قد يلزمه بعد البلوغ إذا لم يستحكم رأيه ولم يؤنس منه رشده فجعل ~~بقاء ضعف الرأي # PageV02P338 # موجبا لبقاء اسم اليتيم عليه واسم اليتيم قد يقع على المنفرد عن أبيه ~~وعلى المرأة المنفردة عن زوجها # قال النبي صلى الله عليه وسلم تستأمر اليتيمة في نفسها # وهي لا تستأمر إلا وهي بالغة وقال الشاعر: # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة الأرامل اليتامى # إلا أنه معلوم أنه إذا صار شيخا أو كهلا لا يسمى يتيما وإن كان ضعيف ~~العقل ناقص الرأي ms0955 فلا بد من اعتبار قرب العهد بالصغر والمرأة الكبيرة ~~المسنة تسمى يتيمة من جهة انفرادها عن زوج والرجل الكبير المسن لا يسمى ~~يتيما من جهة انفراده عن أبيه وإنما كان كذلك لأن الأب يلي على الصغير ~~ويدبر أمره ويحوطه فيكنفه فسمى الصغير يتما لانفراده عن أبيه الذي هذه حاله ~~فما دام على حال الضعف ونقصان الرأي يسمى يتيما بعد البلوغ وأما المرأة ~~فإنما سميت يتيمة لانفرادها عن الزوج الذي هي في حباله وكنفه فهي وإن كبرت ~~فهذا الاسم لازم لها لأن وجود الزوج لها في هذه الحال بمنزلة الأب للصغير ~~في أنه هو الذي يلي حفظها وحياطتها فإذا انفردت عمن هذه حاله معها سميت ~~يتيمة كما سمي الصغير يتيما لانفراده عمن يدبر أمره ويكنفه ويحفظه ألا ترى ~~إلى قوله تعالى الرجال قوامون على النساء كما قال وأن تقوموا لليتامى ~~بالقسط فجعل الرجل قيما على امرأته كما جعل ولى اليتيم قيما عليه # وقد روى علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال لا يتم بعد حلم # وهذا هو الحقيقة في اليتيم وبعد البلوغ يسمى يتيما مجازا لما وصفنا وما ~~ذكرنا من دلالة اسم اليتيم على الضعيف على ما روي عن ابن عباس يدل على صحة ~~قول أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بني فلان وهم لا يحصون أنها جائزة للفقراء من ~~اليتامى لأن اسم اليتيم يدل على ذلك ويدل عليه ما حدثنا عبد الله بن محمد ~~بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا ~~معمر عن الحسن في قوله عز وجل ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما قال السفهاء ابنك السفيه وامرأتك السفيهة قال وقوله قياما قيام عيشك ~~وقد ذكر # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتقوا الله في الضعيفين اليتيم ~~والمرأة # فسمى اليتيم ضعيفا ولم يشرط في هذه الآية إيناس الرشد في دفع المال إليهم ~~وظاهره يقتضى وجود دفعه إليهم بعد البلوغ أونس ms0956 منه الرشد أو لم يؤنس إلا ~~أنه قد شرطه في قوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم # PageV02P339 # منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فكان ذلك مستعملا عند أبي حنيفة ما بينه ~~وبين خمس وعشرين سنة فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد وجب دفع المال إليه لقوله ~~تعالى وآتوا اليتامى أموالهم فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه ~~وظاهره وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد لاتفاق أهل العلم أن ~~إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه وهذا وجه شائع من ~~قبل أن فيه استعمال كل واحدة من الآيتين على مقتضى ظواهرهما على فائدتهما ~~ولو اعتبرنا إيناس الرشد على سائر الأحوال كان فيه إسقاط حكم الآية الأخرى ~~رأسا وهو قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم من غير شرط لإيناس الرشد فيه ~~لأن الله تعالى أطلق إيجاب دفع المال من غير قرينة ومتى وردت آيتان إحداهما ~~خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم والأخرى عامة غير مضمنة ~~بقرينة وأمكننا استعمالهما على فائدتهما ولم يجز لنا الاقتصار بها على ~~فائدة إحداهما وإسقاط فائدة الأخرى ولما ثبت بما ذكرنا وجوب دفع المال إليه ~~لقوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم وقال في نسق التلاوة فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم دل ذلك على أنه جائز الإقرار بالقبض إذ كان قوله ~~فأشهدوا عليهم قد تضمن جواز الإشهاد على إقرارهم بقبضها وفي ذلك دلالة على ~~نفي الحجر وجواز التصرف لأن المحجور عليه لا يجوز إقراره ومن وجب الإشهاد ~~عليه فهو جائز الإقرار وأما قوله تعالى ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب فإنه روي ~~عن مجاهد وأبي صالح الحرام بالحلال أي لا تجعل بدل رزقك الحلال حراما تتعجل ~~بأن تستهلك مال اليتيم فتنفقه أو تتجر فيه لنفسك أو تحبسه وتعطيه غيره ~~فيكون ما تأخذه من مال اليتيم خبيثا حراما وتعطيه مالك الحلال الذي رزقك ~~الله تعالى ولكن آتوهم أموالهم بأعيانها وهذا يدل على أن ولي اليتيم لا ~~يجوز له أن يستقرض مال اليتيم من نفسه ms0957 ولا يستبدله فيحبسه لنفسه ويعطيه ~~غيره وليس فيه دلالة على أنه لا يجوز له التصرف فيه بالبيع والشرى لليتيم ~~لأنه إنما حظر عليه أن يأخذه لنفسه ويعطي اليتيم غيره وفيه الدلالة على أنه ~~ليس له أن يشتري من مال اليتيم لنفسه بمثل قيمته سواء لأنه قد حظر عليه ~~استبدال مال اليتيم لنفسه فهو عام في سائر وجوه الاستبدال إلا ما قام دليله ~~هو أن يكون ما يعطي اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه على قول أبي حنيفة لقوله ~~تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # وقال سعيد بن المسيب والزهري # PageV02P340 # والضحاك والسدي في قوله ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب قال لا تجعلوا الزائف ~~بدل الجيد والمهزول بدل السمين وأما قوله ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~فإنه روي عن مجاهد والسدي لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم مضيفين لها إلى ~~أموالكم فنهوا عن خلطها بأموالهم على وجه الاستقراض لتصير دينا في ذمته ~~فيجوز لهم أكلها وأكل أرباحها قوله تعالى إنه كان حوبا كبيرا قال ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وقتادة إثما كبيرا وفي هذه الآية دلالة على وجوب تسليم أموال ~~اليتامى بعد البلوغ وإيناس الرشد إليهم وإن لم يطالبوا بأدائها لأن الأمر ~~بدفعها مطلق متوعد على تركه غير مشروط فيه مطالبة الأيتام بأدائها ويدل على ~~أن من له عند غيره مال فأراد دفعه إليه أنه مندوب على الإشهاد عليه لقوله ~~تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم والله الموفق. ### | باب تزويج الصغار # قال الله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع روى الزهري عن عروة قال قلت لعائشة قوله تعالى وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى الآية فقالت يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في ~~حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها فنهوا ~~أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن وأمروا أن ينكحوا سواهن من النساء # قالت عائشة ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه ms0958 ~~الآية فيهن فأنزل الله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى ~~عليكم في الكتاب- إلى قوله تعالى- وترغبون أن تنكحوهن # قالت والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي ~~قال فيها وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى وقوله في الآية الأخرى وترغبون أن ~~تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حتى تكون قليلة المال ~~والجمال فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا ~~بالقسط من أجل رغبتهم عنهن قال أبو بكر وروي عن ابن عباس نحو تأويل عائشة ~~في قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى وروي عن سعيد بن جبير ~~والضحاك والربيع تأويل غير هذا وهو ما حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ~~عن أيوب عن سعيد بن جبير في قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء # PageV02P341 # يقول ما أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وخافوا في النساء مثل الذي ~~خفتم في اليتامى ألا تقسطوا فيهن وروي عن مجاهد وإن خفتم ألا تقسطوا فحرجتم ~~من أكل أموالهم وكذلك فتحرجوا من الزنا فانكحوا النساء نكاحا طيبا مثنى ~~وثلاث ورباع وروي فيه قول ثالث وهو ما روى شعبة عن سماك عن عكرمة قال كان ~~الرجل من قريش تكون عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فيذهب ماله فيميل على ~~مال الأيتام فنزلت وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى الآية وقد اختلف الفقهاء ~~في تزويج غير الأب والجد الصغيرين فقال أبو حنيفة لكل من كان من أهل ~~الميراث من القربات أن يزوج الأقرب فالأقرب فإن كان المزوج الأب أو الجد ~~فلا خيار لهم بعد البلوغ وإن كان غيرهما فلهم الخيار بعد البلوغ وقال أبو ~~يوسف ومحمد لا يزوج الصغيرين إلا العصبات الأقرب فالأقرب قال أبو يوسف ولا ~~خيار لهما بعد البلوغ وقال محمد لهما الخيار إذا زوجهما غير الأب والجد ms0959 ~~وذكر ابن وهب عن مالك في تزويج الرجل يتيمه إذا رأى له الفضل والصلاح ~~والنظر أن ذلك جائز له عليه وقال ابن القاسم عن مالك في الرجل يزوج أخته ~~وهي صغيرة إنه لا يجوز ويزوج الوصي وإن كره الأولياء والوصي أولى من الولي ~~غير أنه لا يزوج الثيب إلا برضاها ولا ينبغي أن يقطع عنها الخيار الذي جعل ~~لها في نفسها ويزوج الوصي بنيه الصغار وبناته الصغار ولا يزوج البنات ~~الكبار إلا برضاهن وقول الليث في ذلك كقول مالك وكذلك قال يحيى بن سعيد ~~وربيعة إن الوصي أولى وقال الثوري لا يزوج العم ولا الأخ الصغيرة ولا أموال ~~إلى الأوصياء والنكاح إلى الأولياء وقال الأوزاعي لا يزوج الصغيرة إلا الأب ~~وقال الحسن بن صالح لا يزوج الوصي إلا أن يكون وليا وقال الشافعي لا يزوج ~~الصغار من الرجال والنساء إلا الأب أو الجد إذا لم يكن أب ولا ولاية للوصي ~~على الصغيرة قال أبو بكر روى جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال قال عمر من كان ~~في حجره تركة لها عوار فليضمها إليه فإن كانت رغبة فليزوجها غيره # وروي عن علي وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأم سلمة والحسن وطاوس ~~وعطاء في آخرين جواز تزويج غير الأب والجد الصغيرة # وروي عن ابن عباس وعائشة في تأويل الآية ما ذكرنا وأنها في اليتيمة فتكون ~~في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في صداقها فنهوا أن ~~ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى سننهن في الصداق ولما كان ذلك عندهما تأويل ~~الآية دل على أن جواز ذلك # PageV02P342 # من مذهبهما أيضا ولا نعلم أحدا من السلف منع ذلك والآية يدل على ما ~~تأولها عليه ابن عباس وعائشة لأنهما ذكر أنها في اليتيمة تكون في حجر وليها ~~فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط لها في الصداق فنهوا أن ينكحوهن أو يقسطوا ~~لهن في الصداق وأقرب الأولياء الذي تكون اليتيمة في حجره ويجوز له تزوجها ~~هو ابن العم فقد تضمنت الآية جواز ms0960 تزوج ابن العم اليتيمة التي في حجره فإن ~~قيل لم جعلت هذا التأويل أولى من تأويل سعيد بن جبير وغيره الذي ذكرت مع ~~احتمال الآية للتأويلات كلها قيل له ليس يمتنع أن يكون المراد المعنيين ~~جميعا لاحتمال اللفظ لهما وليسا متنافيين فهو عليهما جميعا ومع ذلك فإن ابن ~~عباس وعائشة قد قالا إن الآية نزلت في ذلك وذلك لا يقال بالرأي وإنما يقال ~~توقيفا فهو أولى لأنهما ذكرا سبب نزولها والقصة التي نزلت فيها فهو أولى ~~فإن قيل يجوز أن يكون المراد الجد قيل له إنما ذكرا أنها نزلت في اليتيمة ~~التي في حجره ويرغب في نكاحها والجد لا يجوز له نكاحها فعلمنا أن المراد ~~ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء فإن قيل إن الآية إنما هي في ~~الكبيرة لأن # عائشة قالت إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ~~فيهن فأنزل الله ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم ~~في الكتاب في يتامى النساء # يعني قوله وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى قال فلما قال في يتامى النساء ~~دل على أن المراد الكبار منهن دون الصغار لأن الصغار لا يسمين نساء قيل له ~~هذا غلط من وجهين أحدهما أن قوله وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى حقيقته ~~تقتضي اللاتي لم يبلغن # لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد بلوغ الحلم # ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز إلا بدلالة والكبيرة تسمى ~~يتيمة على وجه المجاز وقوله تعالى في يتامى النساء لا دلالة فيه على ما ~~ذكرت لأنهن إذا كن من جنس النساء جازت إضافتهن إليهن وقد قال الله تعالى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء والصغار والكبار داخلات فيهن وقال ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء والصغار والكبار مرادات به وقال وأمهات نسائكم ولو ~~تزوج صغيرة حرمت عليه أمها تحريما مؤبدا فليس إذا في إضافة اليتامى إلى ~~النساء دلالة على أنهن الكبار دون الصغار والوجه ms0961 الآخر أن هذا التأويل الذي ~~ذكره ابن عباس وعائشة لا يصح في الكبار لأن الكبيرة إذا رضيت بأن يتزوجها ~~بأقل من مهر مثلها جاز النكاح وليس لأحد # PageV02P343 # أن يعترض عليها فعلمنا أن المراد الصغار اللاتي يتصرف عليهن في التزويج ~~من هن في حجره ويدل عليه ما # روى محمد بن إسحاق قال أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعبد الله بن ~~الحارث ومن لا أتهم عن عبد الله بن شداد قال كان زوج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أم سلمة ابنها سلمة فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت حمزة ~~وهما صبيان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هل جزيت سلمة بتزويجه إياي أمه # وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجهين أحدهما أنه زوجهما وليس بأب ولا جد ~~فدل على أن تزويج غير الأب والجد جائز للصغيرين والثاني أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما فعل ذلك وقد قال الله تعالى فاتبعوه فعلينا اتباعه فيدل على ~~أن للقاضي تزويج الصغيرين وإذا جاز ذلك للقاضي جاز لسائر الأولياء لأن أحدا ~~لم يفرق بينهما ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي # فأثبت النكاح إذا كان بولي والأخ وابن العم أولياء والدليل عليه أنها لو ~~كانت كبيرة كانوا أولياء في النكاح ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع ~~على أن الأب والجد إذا لم يكونا من أهل الميراث إن كانا كافرين أو عبدين لم ~~يزوجا فدل على أن هذه الآية مستحقة بالميراث فكل من كان أهل الميراث فله أن ~~يزوج الأقرب فالأقرب ولذلك قال أبو حنيفة إن للأم ومولى الموالاة أن يزوجوا ~~إذا لم يكن أقرب منهم لأنهم من أهل الميراث فإن قيل لما كان في النكاح مال ~~وجب أن لا يجوز عقد من لا يجوز تصرفه في المال قيل له إن المال يثبت في ~~النكاح من غير تسمية فلا اعتبار فيه بالولاية في المال ألا ترى أن ms0962 عند من ~~لا يجيز النكاح بغير ولي فللأولياء حتى في التزويج وليست لهم ولاية في ~~المال على الكبيرة ويلزم مالكا والشافعي أن لا يجيز تزويج الأب لابنته ~~البكر الكبيرة إذ لا ولاية له عليها في المال فلما جاز عند مالك والشافعي ~~لأب البكر الكبيرة تزويجها بغير رضاها مع عدم ولايته عليها في المال دل ذلك ~~على أنه لا اعتبار في استحقاق الولاية في عقد النكاح بجواز التصرف في المال ~~ولما ثبت بما ذكرنا من دلالة الآية جواز تزويج ولي الصغيرة إياها من نفسه ~~دل على أن لولي الكبيرة أن يزوجها من نفسه برضاها ويدل أيضا على أن العاقد ~~للزوج والمرأة يجوز أن يكون واحدا بأن يكون وكيلا لهما كما جاز لولي ~~الصغيرة أن يزوجها من نفسه فيكون الموجب للنكاح والقابل له واحدا ويدل أيضا ~~على أنه إذا كان وليا لصغيرين جاز له أن يزوج أحدهما من صاحبه فالآية دالة ~~من هذه الوجوه على بطلان مذهب الشافعى في قوله إن الصغيرة # PageV02P344 # لا يزوجها غير الأب والجد وفي قوله إنه لا يجوز لولي الكبيرة أن يتزوجها ~~برضاها بغير محضر منها ويدل على بطلان قوله في أنه لا يجوز أن يكون رجل ~~واحد وكيلا لهما جميعا في عقد النكاح عليهما وإنما قال أصحابنا إنه لا يجوز ~~للوصي تزويج الصغيرة من قبل # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي # والوصي ليس بولي لها ألا ترى أن قوله ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلو وجب لها قود لم يكن الوصي لها وليا في ذلك ولم يستحق الولاية ~~فيه فثبت أن الوصي لا يقع عليه اسم الولي فواجب أن لا يجوز تزويجه إياها إذ ~~ليس بولي لها فإن قيل فواجب على هذا أن لا يكون الأخ أو العم وليا للصغيرة ~~لأنهما لا يستحقان الولاية في القصاص قيل له لم نجعل عدم الولاية في القصاص ~~علة في ذلك حتى يلزمنا عليها وإنما بينا أن ذلك الاسم لا يتناوله ولا يقع ~~عليه من ms0963 جهة ما يستحق من التصرف في المال وأما الأخ والعم فهما وليان ~~لأنهما من العصبات وأحد لا يمتنع من إطلاق اسم الولي على العصبات قال الله ~~تعالى وإني خفت الموالي من ورائي قيل إنه أراد به بني أعمامه وعصباته فاسم ~~الولي يقع على العصبات ولا يقع على الوصي فلما # قال صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي # أنتفى بذلك جواز تزويج الوصي للصغيرة إذ ليس بولي # وقال صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها وفي لفظ آخر ~~بغير إذن مواليها # فنكاحها باطل فقد اقتضى بطلان نكاح المجنونة والبكر الكبيرة إذا زوجها ~~الوصي أو تزوجت بإذن الوصي دون إذن الولي لحكم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ببطلان نكاحها إذ كانت متزوجة بغير إذن وليها وأيضا فإن هذه الولاية في ~~النكاح مستحقة بالميراث لما دللنا عليه وليس الوصي من أهل الميراث فلا ~~ولاية له وأيضا فإن السبب الذي به يستحق الولاية في النكاح هو النسب وذلك ~~لا يصح النقل فيه ولا يستحقه الوصي لعدم السبب الذي به يستحق الولاية وليس ~~التصرف في المال بعد الموت كالتصرف في النكاح لأن المال يصح النقل فيه ~~والنكاح لا يصح النقل فيه إلى غير الزوجين فلم يجز أن يكون للوصي ولاية فيه ~~وليس الوصي كالوكيل في حال حياة الأب لأن الوكيل يتصرف بأمر الموكل وأمره ~~باق لجواز تصرفه وأمر الميت منقطع فيما لا يصح فيه النقل وهو النكاح فلذلك ~~اختلفا فإن قيل فإن الحاكم يزوج عندكم الصغيرين مع عدم الميراث والولاية من ~~طريق النسب قيل له إن الحاكم قائم مقام جماعة المسلمين فيما يتصرف فيه من ~~ذلك وجماعة المسلمين هم من أهل ميراث # PageV02P345 # الصغيرين وهم باقون فاستحق الولاية من حيث هو كالوكيل لهم وهم من أهل ~~ميراثه لأنه لو مات ولا وارث له من ذوي أنسابه ورثه المسلمون وفي هذه الآية ~~دلالة أيضا على أن للأب تزويج ابنته الصغيرة من حيث دلت على جواز تزويج ~~سائر الأولياء إذ كان هو أقرب الأولياء ms0964 ولا نعلم في جواز ذلك خلافا بين ~~السلف والخلف من فقهاء الأمصار إلا شيئا رواه بشر بن الوليد عن ابن شبرمة ~~أن تزويج الآباء على الصغار لا يجوز وهو مذهب الأصم ويدل على بطلان هذا ~~المذهب سوى ما ذكرنا من دلالة هذه الآية قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن فحكم بصحة طلاق ~~الصغيرة التي لم تحض والطلاق لا يقع إلا في نكاح صحيح فتضمنت الآية جواز ~~تزويج الصغيرة ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي بنت ~~ست سنين زوجها إياه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد حوى هذا الخبر معنيين ~~أحدهما جواز تزويج الأب الصغيرة والآخر أن لا خيار لها بعد البلوغ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يخيرها بعد البلوغ وأما قوله تعالى ما طاب لكم ~~من النساء فإن مجاهدا قال معناه انكحوا نكاحا طيبا وعن عائشة والحسن وأبي ~~مالك ما أحل لكم وقال الفراء أراد بقوله تعالى ما طاب المصدر كأنه قال ~~فانكحوا من النساء الطيب أي الحلال قال ولذلك جاز أن يقول ما ولم يقل من ~~وأما قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع فإنه إباحة للثنتين إن شاء وللثلاث إن ~~شاء وللرباع إن شاء على أنه مخير في أن يجمع في هذه الأعداد من شاء قال فإن ~~خاف أن لا يعدل اقتصر من الأربع على الثلاث فإن خاف أن لا يعدل اقتصر من ~~الثلاث على الاثنتين فإن خاف أن لا يعدل بينهما اقتصر على الواحدة وقيل إن ~~الواو هاهنا بمعنى أو كأنه قال مثنى أو ثلاث أو رباع وقيل أيضا فيه إن ~~الواو على حقيقتها ولكنه على وجه البدل كأنه قال وثلاث بدلا من مثنى ورباع ~~بدلا من ثلاث لا على الجمع بين الأعداد ومن قال هذا قال إنه لو قيل بأو ~~لجاز أن لا يكون الثلاث لصاحب المثنى ولا الرباع لصاحب الثلاث فأفاد ذكر ~~الواو إباحة الأربع لكل أحد ممن دخل ms0965 في الخطاب وأيضا فإن المثنى داخل في ~~الثلاث والثلاث في الرباع إذ لم يثبت أن كل واحد من الأعداد مراد مع ~~الأعداد الأخر عن وجه الجمع فتكون تسعا وهذا كقوله تعالى قل أإنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها ~~رواسي من فوقها # PageV02P346 # إلى قوله وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام والمعنى في أربعة أيام ~~باليومين المذكورين بديا ثم قال فقضاهن سبع سماوات في يومين ولولا أن ذلك ~~كذلك لصارت الأيام كلها ثمانية وقد علم أن ذلك ليس كذلك لقوله تعالى خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام فكذلك المثنى داخل في الثلاث والثلاث في ~~الرباع فجميع ما أباحته الآية من العدد أربع لا زيادة عليها وهذا العدد ~~إنما هو للأحرار دون العبيد في # قول أصحابنا والثوري والليث والشافعي. وقال مالك للعبد أن يتزوج أربعا ~~والدليل على أن الآية في الأحرار دون العبيد قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم ~~إنما هو مختص بالأحرار لأن العبد لا يملك عقد النكاح لاتفاق الفقهاء أنه لا ~~يجوز له أن يتزوج إلا بإذن المولى وأن المولى أملك بالعقد عليه منه بنفسه ~~لأن المولى لو زوجه وهو كاره لجاز عليه ولو تزوج هو بغير إذن المولى لم يجز ~~نكاحه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر # وقال الله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء فلما كان ~~العبد لا يملك عقد النكاح لم يكن من أهل الخطاب بالآية فوجب أن تكون الآية ~~في الأحرار وأيضا لا يختلفون أن للرق تأثيرا في نقصان حقوق النكاح المقدرة ~~كالطلاق والعدة فلما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يكون للعبد النصف مما ~~للحر وقد روي عن ستة من الصحابة أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين ولا يروى عن ~~أحد من نظرائهم خلافه فيما نعلمه وقد روى سليمان بن يسار عن عبد الله بن ~~عتبة قال قال عمر بن الخطاب ينكح العبد اثنتين ms0966 ويطلق اثنتين وتعتد الأمة ~~حيضتين فإن لم تحض فشهر ونصف وروى الحسن وابن سيرين عن عمر وعبد الرحمن بن ~~عوف أن العبد لا يحل له أكثر من امرأتين # وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قال لا يجوز للعبد أن ينكح فوق اثنتين # وروى حماد عن إبراهيم أن عمر وعبد الله قالا لا ينكح العبد أكثر من ~~اثنتين وشعبة عن الحكم عن الفضل بن العباس قال يتزوج العبد اثنتين وابن ~~سيرين قال قال عمر أيكم يعلم ما يحل للعبد من النساء فقال رجل من الأنصار ~~أنا فقال عمر كم قال اثنتين فسكت ومن يشاوره عمر ويرضى بقوله فالظاهر أنه ~~صحابي وروى ليث عن الحكم قال اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين فقد ثبت بإجماع أئمة الصحابة ما ~~ذكرناه ولا نعلم أحدا من نظرائهم قال إنه يتزوج أربعا فمن خالف ذلك كان ~~محجوجا بإجماع الصحابة وقد روي نحو قولنا # PageV02P347 # عن الحسن وإبراهيم وابن سيرين وعطاء والشعبي فإن قيل روى يحيى ابن حمزة ~~عن أبي وهب عن أبي الدرداء قال يتزوج العبد أربعا وهو قول مجاهد والقاسم ~~وسالم وربيعة الرأي قيل له إسناد حديث أبي الدرداء فيه رجل مجهول وهو أبو ~~وهب ولو ثبت لم يجز الاعتراض به على قول الأئمة الذين ذكرنا أقاويلهم ~~واستفاض ذلك عنهم وقد ذكر الحكم وهو من جلة فقهاء التابعين إجماع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يتزوج أكثر من اثنتين وأما قوله ~~تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة فإن معناه والله أعلم العدل في القسم ~~بينهن لما قال تعالى في آية أخرى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل والمراد ميل القلب والعدل الذي يمكنه فعله ويخاف ~~أن لا يفعل إظهار الميل بالفعل فأمره الله تعالى بالاقتصار على الواحدة إذا ~~خاف إظهار الميل والجور ومجانبة العدل وقوله عطفا على ما تقدم من إباحة ~~العدد المذكور ms0967 بعقد النكاح أو ما ملكت أيمانكم يقتضي حقيقته وظاهره إيجاب ~~التخيير بين أربع حرائر وأربع إماء بعقد النكاح فيوجب ذلك تخييره بين تزويج ~~الحرة والأمة وذلك لأن قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم كلام مستقل بنفسه بل ~~هو مضمن بما قبله وفيه ضمير لا يستغنى عنه وضميره ما تقدم ذكره مظهرا في ~~الخطاب وغير جائز لنا إضمار معنى لم يتقدم له ذكر إلا بدلالة من غيره فلم ~~يجز لنا أن نجعل الضمير في قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم الوطء فيكون ~~تقديره قد أبحت لكم وطء ملك اليمين لأنه ليس في الآية ذكر الوطء وإنما الذي ~~في أول الآية ذكر العقد لأن قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم لا خلاف أن ~~المراد به العقد فوجب أن يكون قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم ضميره أو ~~فانكحوا ما ملكت أيمانكم وذلك النكاح هو العقد فالضمير الراجع إليه أيضا هو ~~العقد دون الوطء فإن قيل لما صلح أن يكون النكاح اسما للوطء ثم عطف عليه ~~قوله أو ما ملكت أيمانكم صار كقوله فانكحوا ما ملكت أيمانكم فيكون معناه ~~الوطء في هذا الموضع وإن كان معناه العقد في أول الخطاب قيل له لا يجوز هذا ~~لأنه إذا كان ضميره ما تقدم ذكره بديا في أول الخطاب فوجب أن يكون بعينه ~~ومعناه المراد به ضميرا فيه فإذا كان النكاح المذكور هو العقد فكأنه قيل ~~فاعقدوا عقدة النكاح فيما طاب لكم فإذا أضمره في ملك اليمين كان الضمير هو ~~العقد إذ لم يجز للوطء ذكر من جهة المعنى ولا من طريق اللفظ # PageV02P348 # فامتنع من أجل ذلك إضمار الوطء فيه وإن كان اسم النكاح قد يتناوله ومن ~~جهة أخرى أنه لما لم يكن في الآية ذكر النكاح إلا ما تقدم في أولها وثبت أن ~~المراد به العقد لم يجز أن يكون ضمير ذلك اللفظ بعينه وطء لامتناع أن يكون ~~لفظ واحد مجازا حقيقة لأن أحد المعنيين يتناوله اللفظ مجازا والآخر حقيقة ~~ولا يجوز أن ينتظمهما لفظ ms0968 واحد فوجب أن يكون ضميره عقد النكاح المذكور بديا ~~في الآية فإن قيل الذي يدل على أن ضميره هو الوطء دون العقد إضافته لملك ~~اليمين إلى المخاطبين ومعلوم استحالة تزوجه بملك يمينه ويجوز له وطء ملك ~~يمينه فعلمنا أن المراد الوطء دون العقد قيل له لما أضاف ملك اليمين إلى ~~الجماعة كان المراد نكاح ملك يمين الغير كقوله تعالى ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ~~فأضاف عقد النكاح على ملك أيمانهم إليهم والخطاب متوجه إلى كل واحد في ~~إباحة # تزويج ملك غيره كذلك قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم محمول على هذا المعنى ~~فليس إذا فيما ذكرت دليل على وجوب إضمار لا ذكر له في الخطاب فوجب أن يكون ~~ضميره ما تقدم ذكره مظهرا وهو عقد النكاح وفيما وصفنا دليل على اقتضاء ~~الآية التخيير بين تزوج الأمة والحرة لمن يستطيع أن يتزوج حرة لأن التخيير ~~لا يصح إلا فيما يمكنه فعل كل واحد منهما على حاله فقد حوت هذه الآية ~~الدلالة من وجهين على جواز تزويج الأمة مع وجود الطول إلى الحرة أحدهما ~~عموم قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وذلك شامل للحرائر والإماء ~~لوقوع اسم النساء عليهن والثاني قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم وذلك يقتضي ~~التخيير بينهن وبين الحرائر في التزويج وقد قدمنا دلالة قوله تعالى ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة على ذلك في سورة البقرة ويدل عليه أيضا قوله تعالى وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم وذلك عموم شامل للحرائر والإماء وغير ~~جائز تخصيصه إلا بدلالة وأما قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا فإن ابن عباس ~~والحسن ومجاهد وأبا رزين والشعبي وأبا مالك وإسماعيل وعكرمة وقتادة قالوا ~~يعني لا تميلوا عن الحق وروى إسماعيل ابن أبي خالد عن أبي مالك الغفاري ذلك ~~أدنى ألا تعولوا أن لا تميلوا وأنشد عكرمة شعرا لأبي طالب: # بميزان صدق لا يخس شعيرة ... ووزان قسط وزنه غير عائل ms0969 # PageV02P349 # قال غير مائل قال أهل اللغة أصل العول المجاوزة للحد فالعول في الفريضة ~~مجاوزة حد السهام المسماة والعول الميل الذي هو خلاف العدل لخروجه عن حد ~~العدل وعال يعول إذا جار وعال يعيل إذا تبختر وعال يعيل إذا افتقر حكى لنا ~~ذلك أبو عمر غلام ثعلب وقال الشافعي في قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا ~~معناه أن لا يكثر من تعولون قال وهذا يدل على أن على الرجل نفقة امرأته وقد ~~خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها أنه لا خلاف بين السلف وكل من روي ~~عنه تفسير هذه الآية أن معناه أن لا تميلوا وأن لا تجوروا وأن هذا الميل هو ~~خلاف العدل الذي أمر الله به من القسم بين النساء والثاني خطأوه في اللغة ~~لأن أهل اللغة لا يختلفون في أنه لا يقال في كثرة العيال عال يعول ذكره ~~المبرد وغيره من أئمة اللغة وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى أن لا تعولوا ~~قال أن لا تجوروا يقال علت علي أي جرت والثالث أن في الآية ذكر الواحدة أو ~~ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة النساء ولا خلاف أن له أن يجمع من ~~العدد من شاء بملك اليمين فعلمنا أنه لم يرد كثرة العيال وأن المراد نفي ~~الجور والميل بتزوج امرأة واحدة إذ ليس معها من يلزمها القسم بينه وبينها ~~لا قسم للإماء بملك اليمين والله أعلم. ### | باب هبة المرأة المهر لزوجها # قال الله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا روي عن قتادة وابن جريج في قوله تعالى وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة قالا فريضة كأنهما ذهبا إلى نحلة الدين وأن ذلك فرض فيه وروي ~~عن أبي صالح في قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة قال كان الرجل إذا ~~زوج موليته أخذ صداقها فنهوا عن ذلك فجعله خطابا للأولياء أن لا يحبسوا ~~عنهن المهور إذا قبضوها إلا أن معنى النحلة يرجع إلى ما ذكره قتادة في أنها ~~فريضة وهذا ms0970 على معنى ما ذكره الله عقيب ذكر المواريث فريضة من الله قال بعض ~~أهل العلم إنما سمي المهر نحلة والنحلة في الأصل العطية والهبة في بعض ~~الوجوه لأن الزوج لا يملك بدله شيئا لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح ~~كهو قبله ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها دون الزوج فإنما سمي ~~المهر نحلة لأنه لم يعتض من قبلها عوضا يملكه فكان في معنى النحلة التي ليس ~~بإزائها بدل وإنما الذي يستحقه الزوج منها بعقد النكاح هو الاستباحة لا ~~الملك وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى # PageV02P350 # في قوله تعالى نحلة يعني بطيبة أنفسكم يقول لا تعطوهن مهورهن وأنتم ~~كارهون ولكن آتوهم ذلك وأنفسكم به طيبة وإن كان المهر لهن دونكم قال أبو ~~بكر فجائز على هذا المعنى أن يكون إنما سماه نحلة لأن النحلة هي العطية ~~وليس يكاد يفعلها الناحل إلا متبرعا بها طيبة بها نفسه فأمروا بإيتاء ~~النساء مهورهن بطيبة من أنفسهم كالعطية التي يفعلها المعطي بطيبة من نفسه ~~ويحتج بقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة في إيجاب كمال المهر للمخلو ~~بها لاقتضاء الظاهر له وأما قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا فإنه يعني عن المهر لما أمرهم بإيتائهن صدقاتهن عقبه بذكر جواز ~~قبول إبرائها وهبتها له لئلا يظن أن عليه إيتاءها مهرها وإن طابت نفسها ~~بتركه قال قتادة في هذه الآية ما طابت به نفسها من غيره كره فهو حلال وقال ~~علقمة لامرأته أطعميني من الهنيء والمريء فتضمنت الآية معاني منها أن المهر ~~لها وهي المستحقة له لا حق للولي فيه ومنها أن على الزوج أن يعطيها بطيبة ~~من نفسه ومنها جواز هبتها المهر للزوج والإباحة للزوج في أخذه بقوله تعالى ~~فكلوه هنيئا مريئا ومنها تساوى قال قبضها للمهر وترك قبضها في جواز هبتها ~~للمهر لأن قوله تعالى فكلوه هنيئا مريئا يدل على المعنيين ويدل أيضا على ~~جواز هبتها للمهر قبل القبض لأن الله تعالى لم يفرق بينهما فإن ms0971 قيل قوله ~~تعالى فكلوه هنيئا مريئا يدل على أن المراد فيما تعين من المهر إما أن يكون ~~عرضا بعينه فقبضته أو لم تقبضه أو دراهم قد قبضتها فأما دين في الذمة فلا ~~دلالة في الآية على جواز هبتها له إذ لا يقال لما في الذمة كله هنيئا مريئا ~~قيل له ليس المراد في ذلك مقصورا على ما يتأتى فيه الأكل دون ما لا يتأتى ~~لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خاصا في المهر إذا كان شيئا مأكولا وقد عقل ~~من مفهوم الخطاب أنه غير مقصور على المأكول منه دون غيره لأن قوله تعالى ~~وآتوا النساء صدقاتهن نحلة عام في المهور كلها سواء كانت من جنس المأكول أو ~~من غيره وقوله تعالى فكلوه هنيئا مريئا شامل لجميع الصدقات المأمور ~~بإيتائها فدل أنه لا اعتبار بلفظ الأكل في ذلك وأن المقصد فيه جواز ~~استباحته بطيبة من نفسها وقال الله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما وقال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وهو عموم النهي عن سائر ~~وجوه التصرف في مال اليتيم من الديون والأعيان المأكول وغير المأكول وشامل ~~للنهي في أخذ أموال الناس إلا على وجه # PageV02P351 # التجارة عن تراض وليس المأكول بأولى بمعنى الآية من غيره وإنما خص الأكل ~~بالذكر لأنه معظم ما يبتغى له الأموال إذ به قوام بدن الإنسان وفي ذكره ~~للأكل دلالة على ما دونه وهذا كقوله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فخص البيع بالذكر وإن كان ما عداه من سائر ~~ما يشغله عن الصلاة بمثابته في النهي لأن الاشتغال بالبيع من أعظم أمورهم ~~في السعي في طلب معايشهم فعقل من ذلك إرادة ما هو دونه وأنه أولى بالنهي إذ ~~قد نهاهم عما هم إليه # أحوج والحاجة إليه أشد وكما قال تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير فخص اللحم بذكر التحريم وسائر أجزائه مثله دونه لأنه معظم ما يراد ~~منه وينتفع به فكان في تحريمه أعظم منافعه ms0972 دلالة على ما دونه فكذلك قوله ~~تعالى فكلوه هنيئا مريئا قد اقتضى جواز هبتها للمهر من أي جنس كان عينا أو ~~دينا قبضته أو لم تقبضه ومن جهة أخرى أنه إذا جازت هبتها للمهر إذا كان ~~مقبوضا معينا فكذلك حكمه إذا كان دينا لأنه قد ثبت جواز تصرفها في مالها ~~فلا يختلف حكم العين والدين فيه ولأن أحدا لم يفرق بينهما وقد دلت هذه ~~الآية على جواز هبة الدين والبراءة منه كما جازت هبة المرأة للمهر وهو دين ~~ويدل أيضا على أن من وهب لإنسان دينا له عليه أن البراءة قد وقعت بنفس ~~الهبة لأن الله تعالى قد حكم بصحته وأسقطه عن ذمته ويدل على أن من وهب ~~لإنسان مالا فقبضه وتصرف فيه أنه جائز له ذلك وإن لم يقل بلسانه قد قبلت ~~لأن الله تعالى قد أباح له أكل ما وهبته من غير شرط القبول بل يكون التصرف ~~فيه بحضرته حين وهبه قبولا ويدل على أنها لو قالت قد طبت لك نفسا عن مهري ~~وأرادت الهبة والبراءة أن ذلك جائز لقوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا وقد اختلف الفقهاء في هبة المرأة مهرها لزوجها فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والشافعي إذا بلغت المرأة ~~واجتمع لها عقلها جاز لها التصرف في مالها بالهبة أو غيرها بكرا كانت أو ~~ثيبا وقال مالك لا يجوز أمر البكر في مالها ولا ما وضعت عن زوجها من الصداق ~~وإنما ذلك إلى أبيها في العفو عن زوجها ولا يجوز لغير الأب من أوليائها ذلك ~~قال وبيع المرأة ذات الزوج دارها وخادمها جائز وإن كره الزوج إذا أصابت وجه ~~البيع فإن كانت فيه محاباة كان من ثلث مالها وإن تصدقت أو وهبت أكثر من ~~الثلث لم يجز من ذلك قليل ولا كثير قال مالك والمرأة الأيم # PageV02P352 # إذا لم يكن لها زوج في مالها كالرجل في ماله سواء وقال الأوزاعي لا تجوز ~~عطية المرأة حتى تلد ms0973 وتكون في بيت زوجها سنة وقال الليث لا يجوز عتق المرأة ~~ذات الزوج ولا صدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد لها منه لصلة رحم أو ~~غيره ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى قال أبو بكر الآية قاضية بفساد هذه ~~الأقوال شاهدة بصحة قول أصحابنا الذي قدمنا لقوله عز وجل فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ولم يفرق فيه بين البكر والثيب ولا بين من ~~أقامت في بيت زوجها سنة أو لم تقم وغير جائز الفرق بين البكر والثيب في ذلك ~~إلا بدلالة تدل على خصوص حكم الآية في الثيب دون البكر وأجاز مالك هبة الأب ~~والله تعالى أمرنا بإعطائها جميع الصداق إلا أن تهب هي شيئا منه له فالآية ~~قاضية ببطلان هبة الأب لأنه مأمور بإيتاء جميع الصداق إلا أن تطيب نفسها ~~بتركه ولم يشرط الله تعالى طيبة نفس الأب فمنع ما أباحه الله له بطيبة ~~نفسها من مهرها وأجاز ما حظره الله تعالى من منع شيء من مهرها إلا بطيبة ~~نفسها بهبة الأب وهذا الاعتراض على الآية من وجهين بغير دلالة أحدهما منعها ~~الهبة مع اقتضاء ظاهر الآية لجوازها والثاني جواز هبة الأب مع أمر الله ~~الزوج بإعطائها الجميع إلا أن تطيب نفسا بتركه ويدل على ذلك قوله تعالى ولا ~~يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن ~~خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فمنع أن يأخذ منها ~~شيئا مما أعطاها إلا برضاها بالفدية فقد شرط رضا المرأة ولم يفرق مع ذلك ~~بين البكر والثيب ويدل عليه # حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~للنساء تصدقن ولو من حليكن # وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر فصلى ثم ~~خطب ثم أتى النساء فأمرهن أن يتصدقن ولم يفرق في شيء منه بين البكر والثيب # ولأن هذا حجر ولا ms0974 يصح الحجر على من هذه صفته والله أعلم. ### | باب دفع المال إلى السفهاء # قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما قال ~~أبو بكر قد اختلف أهل العلم في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس لا يقسم ~~الرجل ماله على أولاده فيصير عيالا عليهم بعد إذ هم عيال له والمرأة من ~~أسفه السفهاء فتأول ابن عباس الآية «23- أحكام في» # PageV02P353 # على ظاهرها ومقتضى حقيقتها لأن قوله تعالى أموالكم يقتضي خطاب كل واحد ~~منهم بالنهي عن دفع ماله إلى السفهاء لما في ذلك من تضييعه لعجز هؤلاء عن ~~القيام بحفظه وتثميره وهو يعني به الصبيان والنساء الذين لا يكملون لحفظ ~~المال ويدل ذلك أيضا على أنه لا ينبغي له أن يوكل في حياته بمال ويجعله في ~~يد من هذه صفته وأن لا يوصي به إلى أمثالهم ويدل أيضا على ورثته إذا كانوا ~~صغارا أنه لا ينبغي أن يوصي بماله إلا إلى أمين مضطلع بحفظه عليهم وفيه ~~الدلالة على النهي عن تضييع المال ووجوب حفظه وتدبيره والقيام به لقوله ~~تعالى التي جعل الله لكم قياما فأخبر أنه جعل قوام أجسادنا بالمال فمن رزقه ~~الله منه شيئا فعليه إخراج حق الله تعالى منه ثم حفظ ما بقي وتجنب تضييعه ~~وفي ذلك ترغيب من الله تعالى لعباده في إصلاح المعاش وحسن التدبير وقد ذكر ~~الله تعالى ذلك في مواضع من كتابه العزيز منه قوله تعالى ولا تبذر تبذيرا ~~إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا وقوله تعالى والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وما أمر الله به من حفظ الأموال وتحصين الديون ~~بالشهادات والكتاب والرهن على ما بينا فيما سلف وقد قيل في قوله تعالى التي ~~جعل الله لكم قياما يعني أنه جعلكم قواما عليها فلا تجعلوها في يد من ~~يضيعها والوجه الثاني من التأويل ما روى سعيد بن جبير أنه أراد لا تؤتوا ~~السفهاء أموالهم وإنما ms0975 أضافها إليهم كما قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ~~يعني لا يقتل بعضكم بعضا وقوله تعالى فاقتلوا أنفسكم وقوله تعالى فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم يريد من يكون فيها وعلى هذا التأويل يكون ~~السفهاء محجورا عليهم فيكونون ممنوعين من أموالهم إلى أن يزول السفه وقد ~~اختلف في معنى السفهاء هاهنا فقال ابن عباس السفيه من ولدك وعيالك وقال ~~المرأة من أسفه السفهاء وقال سعيد بن جبير والحسن والسدي والضحاك وقتادة ~~النساء والصبيان وقال بعض أهل العلم كل من يستحق صفة سفيه في المال من ~~محجور عليه وغيره وروى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال ثلاثة ~~يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل ~~أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ورجل داين ~~رجلا فلم يشهد عليه وروي عن مجاهد أن السفهاء النساء وقيل إن أصل السفه # PageV02P354 # خفة الحلم ولذلك سمي الفاسق سفيها لأنه لا وزن له عند أهل الدين والعلم ~~ويسمى الناقص العقل سفيها لخفة عقله وليس السفه في هؤلاء صفة ذم ولا يفيد ~~معنى العصيان لله تعالى وإنما سموا سفهاء لخفة عقولهم ونقصان تميزهم عن ~~القيام بحفظ المال فإن قيل لا خلاف أنه جائز أن نهب النساء والصبيان المال ~~وقد أراد بشير أن يهب لابنه النعمان فلم يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم ~~منه إلا لأنه لم يعط سائر بنيه مثله فكيف يجوز حمل الآية على منع إعطاء ~~السفهاء أموالنا قيل له ليس المعنى فيه التمليك وهبة المال وإنما المعنى ~~فيه أن نجعل الأموال في أيديهم وهم غير مضطلعين بحفظها وجائز للإنسان أن ~~يهب الصغير والمرأة كما يهب الكبير العاقل ولكنه يقبضه له من يلي عليه ~~ويحفظ ماله ولا يضيعه وإنما منعنا الله تعالى بالآية أن نجعل أموالنا في ~~أيدي الصغار والنساء اللاتي لا يكملن بحفظها وتدبيرها وقوله عز وجل ~~وارزقوهم فيها واكسوهم يعني وارزقوهم من هذه الأموال لأن في هاهنا بمعنى من ~~إذ كانت ms0976 حروف الصفات تتعاقب فيقام بعضها مقام بعض كما قال تعالى ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم وهو بمعنى مع فنهانا الله عن دفع الأموال إلى السفهاء ~~الذين لا يقومون بحفظها وأمرنا # بأن نرزقهم منها ونكسوهم فإن قيل كان مراد الآية النهي عن إعطائهم مالنا ~~على ما اقتضى ظاهرها ففي ذلك دليل على وجوب نفقة الأولاد السفهاء والزوجات ~~لأمره إيانا بالإنفاق عليهم من أموالنا وإن كان تأويلها ما ذهب إليه ~~القائلون بأن مرادها أن لا نعطيهم أموالهم وهم سفهاء فإنما فيه الأمر ~~بالإنفاق عليهم من أموالهم وهذا يدل على الحجر من وجهين أحدهما منعهم من ~~أموالهم والثاني إجازته تصرفنا عليهم في الإنفاق عليهم وشرى أقواتهم ~~وكسوتهم وقوله تعالى وقولوا لهم قولا معروفا قال مجاهد وابن جريج قولا ~~معروفا عدة جميلة بالبر والصلة على الوجه الذي يجوز ويحسن ويحتمل أن يريد ~~به إجمال المخاطبة لهم وإلانة القول فيما يخاطبون به كقوله تعالى فأما ~~اليتيم فلا تقهر وكقوله وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم ~~قولا ميسورا وقد قيل إنه جائز أن يكون القول المعروف هاهنا التأديب ~~والتنبيه على الرشد والصلاح والهداية للأخلاق الحسنة ويحتمل أن يريد به إذا ~~أعطيتموهم الرزق والكسوة من أموالكم أن تجعلوا لهم القول ولا تؤذوهم ~~بالتذمر عليهم والاستخفاف بهم كما قال تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى ~~واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا # PageV02P355 # معروفا # يعني والله أعلم إجمال اللفظ وترك التذمر والامتنان وكما قال تعالى لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة بقوله ~~تعالى وقولوا لهم قولا معروفا والله أعلم. ### | باب دفع المال إلى اليتيم # قال الله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي يعني اختبروهم ~~في عقولهم ودينهم قال أبو بكر أمرنا باختبارهم قبل البلوغ لأنه قال وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأمر بابتلائهم في حال كونهم يتامى ثم قال ~~حتى إذا بلغوا النكاح فأخبر أن ms0977 بلوغ النكاح بعد الابتلاء لأن حتى غاية ~~مذكورة بعد الابتلاء فدلت الآية من وجهين على أن هذا الابتلاء قبل البلوغ ~~وفي ذلك دليل على جواز الإذن للصغير الذي يعقل في التجارة لأن ابتلاءه لا ~~يكون إلا باستبراء حاله في العلم بالتصرف وحفظ المال ومتى أمر بذلك كان ~~مأذونا في التجارة وقد اختلف الفقهاء في إذن الصبي في التجارة فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح جائز للأب أن ~~يأذن لابنه الصغير في التجارة إذا كان يعقل الشرى والبيع وكذلك وصي الأب أو ~~الجد إذا لم يكن وصي أب ويكون بمنزلة العبد المأذون له وقال ابن القاسم عن ~~مالك لا أرى إذن الأب والوصي للصبي في التجارة جائزا وإن لحقه في ذلك دين ~~لم يلزم الصبي منه شيء وقال الربيع عن الشافعي في كتابه في الإقرار وما أقر ~~به الصبي من حق الله تعالى أو الآدمي أو حق في مال أو غيره فإقراره ساقط ~~عنه سواء كان الصبي مأذونا له في التجارة أذن له أبوه أو وليه من كان أو ~~حاكم ولا يجوز للحاكم أن يأذن له فإن فعل فإقراره ساقط عنه وكذلك شراؤه ~~وبيعه مفسوخ قال أبو بكر ظاهر الآية يدل على جواز الإذن له في التجارة ~~لقوله تعالى وابتلوا اليتامى والابتلاء هو اختبارهم في عقولهم ومذاهبهم ~~وحرمهم فيما يتصرفون فيه فهو عام في سائر هذه الوجوه وليس لأحد أن يقتصر ~~بالاختبار على وجه دون وجه فيما يحتمله اللفظ والاختبار في استبراء حاله في ~~المعرفة بالبيع والشرى وضبط أموره وحظ ماله ولا يكون إلا بإذن له في ~~التجارة ومن قصر الابتلاء على اختبار عقله بالكلام دون التصرف في التجارة ~~وحفظ المال فقد خص عموم اللفظ بغير دلالة فإن قيل # PageV02P356 # الذي يدل على أنه لم يرد الإذن له في التصرف في حال الصغر قوله تعالى في ~~نسق التلاوة فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وإنما أمر بدفع ~~المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ولو ms0978 جاز الإذن له في التجارة في صغره ~~لجاز دفع المال إليه في حال الصغر والله تعالى إنما أمر بدفع المال إليه ~~بعد البلوغ وإيناس الرشد قيل له ليس الإذن له في التجارة من دفع المال إليه ~~في شيء لأن الإذن هو أن يأمره بالبيع والشرى وذلك ممكن بغير مال في يده كما ~~يأذن للعبد في التجارة من غير مال يدفعه إليه فنقول إن الآية اقتضت الأمر ~~بابتلائه ومن الابتلاء الإذن له في التجارة وإن لم يدفع إليه مالا ثم إذا ~~بلغ وقد أونس منه رشده دفع المال إليه ولو كان الابتلاء لا يقتضي اختباره ~~بالإذن له في التصرف في الشرى والبيع وإنما هو اختبار عقله من غير استبراء ~~حاله في ضبطه وعلمه بالتصرف لما كان للابتلاء وجه قبل البلوغ فلما أمر بذلك ~~قبل البلوغ علمنا أن المراد اختبار أمره بالتصرف ولأن اختبار صحة عقله لا ~~ينبئ عن ضبطه لأموره وحفظه لماله وعلمه بالبيع والشرى ومعلوم أن الله تعالى ~~أمر بالاحتياط له في استبراء أمره في حفظ المال والعلم بالتصرف فوجب أن ~~يكون الابتلاء المأمور به قبل البلوغ مأمورا بذلك لا لاختبار صحة عقله فحسب ~~وأيضا فإن لم يجز الإذن له في التجارة قبل البلوغ لأنه محجور عليه ~~فالابتلاء إذا ساقط من هذا الوجه فلا يخلو بعد البلوغ متى أردنا التوصل إلى ~~إيناس رشده من أن نختبره بالإذن له في التجارة أو لا نختبره بذلك فإن وجب ~~اختباره فقد أجزت له التصرف وهو عندك محجور عليه بعد البلوغ إلى إيناس ~~الرشد فإن جاز الإذن له في التجارة وهو محجور عليه بعد البلوغ فقد أخرجته ~~من الحجر وإن لم يخرج من الحجر وهو ممنوع من ماله بعد البلوغ وهو مأذون له ~~فهلا أذنت له قبل البلوغ في التجارة لاستبراء حاله كما يستبرأ بها بالإذن ~~بعد البلوغ مع بقاء الحجر إلى إيناس الرشد # وإن لم يستبرأ حاله بعد البلوغ بالإذن فكيف يعلم إيناس الرشد منه فقول ~~المخالف لا يخلو من ترك الابتلاء أو ms0979 دفع المال قبل إيناس الرشد ويدل على ~~جواز الإذن للصغير في التجارة # ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن أبي سلمة وهو صغير بتزويج ~~أم سلمة إياه # وروى عبد الله ابن شداد أنه أمر سلمة بن أبي سلمة بذلك وهو صغير وفي ذلك ~~دليل على جواز الإذن له في التصرف الذي يملكه عليه غيره من بيع أو شرى ألا ~~ترى أنه يقتضي جواز توكيل # PageV02P357 # الأب إياه بشرى عبد للصغير أو بيع عبد له هذا هو معنى الإذن له في ~~التجارة وأما تأويل من تأول قوله تعالى وابتلوا اليتامى على اختبارهم في ~~عقولهم ودينهم فإن اعتبار الدين في دفع المال غير واجب باتفاق الفقهاء لأنه ~~لو كان رجلا فاسقا ضابطا لأموره عالما بالتصرف في وجوه التجارات لم يجز أن ~~يمنع ماله لأجل فسقه فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك غير واجب وإن كان رجلا ~~ذا دين وصلاح إلا أنه غير ضابط لماله يغبن في تصرفه كان ممنوعا من ماله عند ~~القائلين بالحجر لقلة الضبط وضعف العقل فعلمنا أن اعتبار الدين في ذلك لا ~~معنى له وأما قوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ابن عباس ومجاهد والسدي ~~قالوا هو الحلم وهو بلوغ حال النكاح من الاحتلام وأما قوله تعالى فإن آنستم ~~منهم رشدا فإن ابن عباس قال فإن علمتم منهم ذلك وقيل إن أصل الإيناس هو ~~الإحساس حكي عن الخليل وقال الله تعالى إني آنست نارا يعني أحسستها ~~وأبصرتها وقد اختلف في معنى الرشد هاهنا فقال ابن عباس والسدي الصلاح في ~~العقل وحفظ المال وقال الحسن وقتادة الصلاح في العقل والدين وقال إبراهيم ~~النخعي ومجاهد العقل وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى فإن ~~آنستم منهم رشدا قال إذا أدرك بحلم وعقل ووقار قال أبو بكر إذا كان اسم ~~الرشد يقع على العقل لتأويل من تأول عليه ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا ~~منكورا ولم يشرط سائر ضروب الرشد اقتضى ظاهر ذلك أن حصول ms0980 هذه الصفة له ~~بوجود العقل موجبا لدفع المال إليه ومانعا من الحجر عليه فهذا يحتج به من ~~هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل البالغ وهو مذهب إبراهيم ومحمد ~~بن سيرين وأبي حنيفة وقد بينا هذه المسألة في سورة البقرة وقوله تعالى ~~فادفعوا إليهم أموالهم يقتضي وجوب دفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ~~على ما بينا وهو نظير قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم وهذه الشريطة ~~معتبرة فيها أيضا وتقديره وآتوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا وآنستم منهم ~~رشدا وأما قوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فإن السرف ~~مجاوزة حد المباح إلى المحظور فتارة يكون السرف في التقصير وتارة في ~~الإفراط لمجاوزة حد الجائز في الحالين وقوله تعالى وبدارا قال ابن عباس ~~وقتادة والحسن والسدي مبادرة والمبادرة الإسراع في الشيء فتقديره النهي عن ~~أكل أموالهم مبادرة أن يكبروا فيطالبوا بأموالهم وفيها دلالة على أنه إذا ~~صار في # PageV02P358 # حد الكبر استحق المال إذا كان عاقلا من غير شرط إيناس الرشد لأنه إنما ~~شرط إيناس الرشد بعد البلوغ وأفاد بقوله تعالى ولا تأكلوها إسرافا وبدارا ~~أن يكبروا أنه لا يجوز له إمساك ماله بعد ما يصير في حد الكبر ولولا ذلك ~~لما كان لذكر الكبر هاهنا معنى إذ كان الوالي عليه هو المستحق لماله قبل ~~الكبر وبعده فهذا يدل على أنه إذا صار في حد الكبر استحق دفع المال إليه ~~وجعل أبو حنيفة حد الكبر في ذلك خمسا وعشرين سنة لأن مثله يكون جدا ومحال ~~أن يكون جدا ولا يكون في حد الكبر والله أعلم. ### | باب أكل ولي اليتيم من ماله # قال الله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف قال ~~أبو بكر قد اختلف السلف في تأويله فروى معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد ~~قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال إن في حجري أيتاما لهم أموال وهو يستأذنه أن ~~يصيب منها فقال ابن عباس ألست تهنأ جرباءها قال بلى قال ألست تبغي ضالتها ~~قال ms0981 بلى قال ألست تلوط حياضها قال بلى قال ألست تفرط عليها يوم ورودها قال ~~بلى قال فاشرب من لبنها غير ناهك في الحلب ولا مضر بنسل وروى الشيباني عن ~~عكرمة عن ابن عباس قال الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم ولا يكتسي عمامة ~~فشرط في الحديث الأول عمله في مال اليتيم في إباحة الأكل ولم يشرط في حديث ~~عكرمة وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال حدثني أبو الخير مرثد بن عبد ~~الله اليزني أنه سأل أناسا من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~فقالوا فينا نزلت إن الوصي كان إذا عمل في نخل اليتيم كانت يده مع أيديهم ~~وقد طعن في هذا الحديث من جهة سنده ويفسد أيضا من جهة أنه لو أبيح لهم ~~الأكل لأجل عملهم لما اختلف فيه الغني والفقير فعلمنا أن هذا التأويل ساقط ~~وأيضا في حديث ابن عباس إباحة الأكل دون أن يكتسي منه عمامة ولو كان ذلك ~~مستحقا لعمله لما اختلف فيه حكم المأكول والملبوس فهذا أحد الوجوه التي ~~تأولت عليه الآية وهو أن يقتصر على الأكل فحسب إذا عمل لليتيم وقال آخرون ~~يأخذه قرضا ثم يقضيه وروى شريك عن ابن إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر قال ~~إنى أنزلت مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت ~~أكلت بالمعروف وقضيت وروي عن عبيدة السلماني وسعيد بن # PageV02P359 # جبير وأبي العالية وأبي وائل ومجاهد مثل ذلك وهو أن يأخذ قرضا ثم يقضيه ~~إذا وجد وقول ثالث قال الحسن وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح ومكحول إنه يأخذ ~~منه ما يسد الجوعة ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد وقول رابع وهو ما روي عن ~~الشعبي أنه بمنزلة الميتة يتناوله عند الضرورة فإذا أيسر قضاه وإذا لم يوسر ~~فهو في حل وقول خامس وهو ما روى مقسم عن ابن عباس فليستعفف قال بغناه ومن ~~كان فقيرا ms0982 فليأكل بالمعروف قال فلينفق على نفسه من ماله حتى لا يصيب من مال ~~اليتيم شيئا حدثنا عبد الباقي بن قانع حدثنا محمد ابن عثمان بن أبي شيبة ~~قال حدثنا منجاب بن الحارث قال حدثنا أبو عامر الأسدي قالا حدثنا سفيان عن ~~الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس بمعنى ذلك وقد روى عكرمة عنه أنه يقضي ~~وروي عن ابن عباس أنه منسوخ وقال مجاهد في رواية أخرى فليأكل بالمعروف من ~~مال نفسه ولا رخصة له في مال اليتيم وهو قول الحكم قال أبو بكر فحصل ~~الاختلاف بين السلف على هذه الوجوه وروي عن ابن عباس أربع روايات على ما ~~ذكرنا أحدها أنه إذا عمل لليتيم في إبله شرب من لبنها والثانية أنه يقضي ~~والثالثة لا ينفق من مال اليتيم شيئا ولكنه يقوت على نفسه من ماله حتى لا ~~يحتاج إلى مال اليتيم والرابعة أنه منسوخ والذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه ~~لا يأخذه قرضا ولا غيره غنيا كان أو فقيرا ولا يقرضه غيره أيضا وقد روى ~~إسماعيل بن سالم عن محمد قال أما نحن فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم ~~قرضا ولا غيره وهو قول أبي حنيفة وذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة أنه يأخذ ~~قرضا إذا احتاج ثم يقضيه كما روي عن عمر ومن تابعه وروى بشر بن الوليد عن ~~أبي يوسف أنه لا يأكل من مال اليتيم إذا كان مقيما فإن خرج لتقاضي دين لهم ~~أو إلى ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي ويركب فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى ~~اليتيم قال وقال أبو يوسف وقوله تعالى فليأكل بالمعروف يجوز أن يكون منسوخا ~~بقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم قال أبو بكر جعل أبو يوسف الوصي في هذه الحال كالمضارب # في جواز النفقة من ماله في السفر وقال ابن عبد الحكم عن مالك ومن كان له ~~يتيم فخلط نفقته بماله فإن كان الذي يصيب اليتيم أكثر مما ms0983 يصيب وليه من ~~نفقته فلا بأس وإن كان الفضل لليتيم فلا يخلطه ولم يفرق بين الغني والفقير ~~وقال المعافى عن الثوري يجوز لولي اليتيم أن يأكل طعام اليتيم ويكافئه عليه ~~وهذا # PageV02P360 # يدل على أنه كان يجيز له أن يستقرض من ماله وقال الثوري لا يعجبني أن ~~ينتفع من ماله بشيء وإن لم يكن على اليتيم فيه ضرر نحو اللوح يكتب فيه وقال ~~الحسن بن حي يستقرض الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إليه ثم يقضيه ويأكل ~~الوصي من مال اليتيم بقدر عمله فيه إذا لم يضر بالصبي قال الله تعالى وآتوا ~~اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ~~إنه كان حوبا كبيرا وقال تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ~~ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا وقال تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده # وقال تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وقال تعالى وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط وقال تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم وهذه الآي محكمة حاظرة لمال اليتيم على وليه في حال ~~الغنى والفقر وقوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف متشابه محتمل ~~للوجوه التي ذكرنا فأولى الأشياء بها حملها على موافقة الآي المحكمة وهو من ~~يأكل من مال نفسه بالمعروف لئلا يحتاج إلى مال اليتيم لأن الله تعالى قد ~~أمرنا برد المتشابه إلى المحكم ونهانا عن اتباع المتشابه من غير رد له إلى ~~المحكم قال الله تعالى منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~وتأويل من تأوله على جواز أخذ مال اليتيم قرضا أو غير قرض مخالف لمعنى ~~المحكم ومن تأوله على غير ذلك فقد رده إلى المحكم وحمله على معناه فهو أولى ~~وقد روي أن قوله تعالى فليأكل بالمعروف منسوخ رواه الحسن بن أبي الحسن بن ~~عطية عن عطية أبيه عن ابن عباس ومن ms0984 كان فقيرا فليأكل بالمعروف نسختها الآية ~~التي تليها إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وروى عثمان بن عطاء عن أبيه ~~عن ابن عباس مثله وروى عيسى بن عبيد الكندي عن عبيد الله بن عمر بن مسلم عن ~~الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف منسوخ بقوله ~~تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما فإن قيل # روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالك ~~بماله # وروى عمرو بن دينار عن الحسن العوفي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~يأكل ولي اليتيم من ماله بالمعروف غير متأثل منه مالا # قيل له غير جائز الاعتراض # PageV02P361 # بهذين الخبرين على ما ذكرنا من الآي المقتضية لحظر مال اليتيم فإن صح ذلك ~~فهو محمول على الوجه الذي يجوز وهو أن يعمل في مال اليتيم مضاربة فيأخذ منه ~~مقدار ربحه وهذا جائز عندنا وقد روي عن جماعة من السلف نحو ذلك فإن قيل ~~فإذا جاز أن يأخذ ربح مال اليتيم إذا عمل به مضاربة فلم لا يجوز أن يأكل من ~~ماله إذا عمل فيه كما روي عن ابن عباس في إحدى الروايات عنه أنه إذا كان ~~يهنأ جرباء الإبل ويبغي ضالتها ويلوط حياضها جاز له أن يشرب من لبنها غير ~~مضر بنسل ولا ناهك حلبا وكما روي عن الحسن أن الوصي كان إذا عمل في نخل ~~اليتيم كانت يده مع أيديهم قيل له لأنه لا يخلو الوصي إذا أعان في الإبل ~~وعمل في النخل من أحد وجهين إما أن يأخذه على وجه الأجرة لعمله أو على غير ~~الأجرة والعوض من العمل فإن كان يأخذه على وجه الأجرة فذلك يفسد من أربعة ~~أوجه أحدها أن الذين أباحوا ذلك له إنما أباحوه في حال الفقر إذ لا خلاف أن ~~الغني لا يجوز له أخذه وهو نص الكتاب في قوله تعالى ms0985 ومن كان غنيا فليستعفف ~~واستحقاق الأجرة لا يختلف فيه الغني والفقير فبطل أن يكون أجرة من هذا ~~الوجه والوجه الثاني أن الوصي لا يجوز له أن يستأجر نفسه لليتيم والوجه ~~الثالث أن الذين أباحوا ذلك لم يشرطوا له شيئا معلوما والإجارة لا تصح إلا ~~بأجرة معلومة والوجه الرابع أن من أباح ذلك له لم يجعله أجرة فبطل أن يكون ~~ذلك أجرة وليس هو بمنزلة ربح المضاربة إذا عمل به الوصي لأن الربح الذي ~~يستحقه من المال لم يكن قط مالا لليتيم ألا ترى أن ما يشرطه رب المال ~~للمضارب من الربح لم يكن قط ملكا لرب المال ولو كان ملكا لرب المال مشروطا ~~للمضارب بدلا من عمله لوجب أن يكون مضمونا عليه كالأجرة التي هي مستحقة من ~~مال المستأجر بدلا من عمل الأجير هي مضمونة على المستأجر فلما لم يكن الربح ~~المشروط للمضارب مضمونا على رب المال ثبت أنه لم يكن قط ملكا لرب المال ~~وأنه إنما حدث على ملك المضارب ويدل على ذلك أن مريضا لو دفع مالا مضاربة ~~وشرط للمضارب تسعة أعشار الربح وهو أكثر من ربح مثله أن ذلك جائز ولم يحتسب ~~بالمشروط للمضارب من ذلك من مال المريض إن مات من مرضه وأن ذلك ليس بمنزلة ~~ما لو استأجره بأكثر من أجرة مثله فيكون ذلك من الثلث فليس إذا في أخذه ربح ~~المضاربة أخذ شيء من مال اليتيم فإن قيل هلا كان الوصي في ذلك كسائر العمال ~~والقضاة الذين يعملون ويأخذون أرزاقهم لأجل عملهم # PageV02P362 # للمسلمين فكذلك الوصي إذا عمل لليتيم جاز له أخذ رزقه بقدر عمله قيل له ~~لا خلاف بين الفقهاء أن الوصي لا يجوز له أخذ شيء من مال اليتيم لأجل عمله ~~إذا كان غنيا وقد حظر ذلك عليه نص التنزيل في قوله تعالى ومن كان غنيا ~~فليستعفف ولا خلاف مع ذلك أن القضاة والعمال جائز لهم أخذ أرزاقهم مع الغنى ~~ولو كان ما أخذه ولي اليتيم من ماله يجري مجرى رزق القضاة والعمال ms0986 جاز له ~~أن يأخذه في حال الغنى فدل ذلك على أن ولي اليتيم لا يستحق رزقا من ماله ~~ولا خلاف أيضا أن القاضي لا يجوز له أن يأخذ من مال اليتيم شيئا وإليه ~~القيام بأمر الأيتام فثبت بذلك أن سائر الناس ممن لهم الولاية على الأيتام ~~لا يجوز لهم أخذ شيء من أموالهم لا قرضا ولا غيره كما لا يأخذه القاضي ~~فقيرا كان أو غنيا فإن قيل فما الفرق بين رزق القاضي والعامل وبين أخذ ولي ~~اليتيم من ماله مقدار الكفاية وبين أخذ الأجرة قيل له إن الرزق ليس بأجرة ~~لشيء وإنما هو شيء جعله الله له ولكل من قام بشيء من أمور المسلمين ألا ترى ~~أن الفقهاء لهم أخذ الأرزاق ولم يعملوا شيئا يجوز أخذ الأجرة عليه لأن ~~اشتغالهم بالفتيا وتفقيه الناس فرض ولا جائز لأحد أخذ الأجرة على الفروض ~~والمقاتلة وذريتها يأخذون الأرزاق وليست بأجرة وكذلك الخلفاء وقد كان للنبي ~~صلى الله عليه وسلم سهم من الخمس والفيء وسهم من الغنيمة إذا حضر القتال ~~وغير جائز لأحد أن يقول # إن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يأخذ الأجر على شيء مما يقوم به من ~~أمور الدين وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى قل ما أسئلكم عليه من أجر وما ~~أنا من المتكلفين- وقل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فثبت بذلك ~~أن الرزق ليس بأجرة ويدلك على هذا أنه قد تجب للفقراء والمساكين والأيتام ~~في بيت المال الحقوق ولا يأخذونها بدلا من شيء فأخذ الأجرة للقاضي ولمن قام ~~بشيء من أمور الدين غير جائز وقد منع القاضي أن يقبل الهدية وسئل عبد الله ~~بن مسعود عن قوله تعالى أكالون للسحت أهو الرشا قال لا ذاك كفر إنما هو ~~هدايا العمال # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هدايا الأمراء غلول # فالقاضي ممنوع من أخذ الأجرة على شيء من أمر القضاء ومحظور عليه قبول ~~الهدايا وتأولها السلف على أنها السحت المذكور في كتاب الله ms0987 تعالى وولي ~~اليتيم لا يخلو فيما يأخذه من مال اليتيم من أن يأخذه أجرة أو على سبيل رزق ~~القاضي والعامل ومعلوم أن الأجرة إنما تكون على عمل معلوم ومدة معلومة # PageV02P363 # وأجر معلوم وينبغي أن يتقدم له عقد إجارة ويستوي فيها الغني والفقير ومن ~~يجيز له أخذ شيء من مال اليتيم على وجه القرض أو على جهة غير القرض فإنه لا ~~يجعله أجرة لما ذكرنا ولاختلاف حكم الغني والفقير عندهم فيه فثبت أنه ليس ~~بأجرة ولا يجوز له أن يأخذه على حسب ما يأخذه القضاة من الأرزاق لاستواء ~~حال الغني والفقير من القضاة فيما يأخذونه من الأرزاق واختلاف الغني ~~والفقير عند مجيزي أخذ ذلك من مال اليتيم ولأن الرزق إنما يجب في بيت مال ~~المسلمين لا في مال أحد بعينه من الناس فالمشبه لولي اليتيم فيما يجيز له ~~أخذ شيء من ماله بالقاضي والأجير فيما يأخذانه مغفل للواجب عليه ويدل على ~~أن ولي اليتيم لا يحل له أخذ شيء من ماله # قول النبي صلى الله عليه وسلم في غنائم خيبر لا يحل لي مما أفاء الله ~~عليكم مثل هذه # يعني وبرة أخذها من بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم فإذا كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يتولاه من مال المسلمين كما ذكرنا فالوصي فيما ~~يتولاه من مال اليتيم أحرى أن يكون كذلك وأيضا لما كان دخول الوصي في ~~الوصية على وجه التبرع من غير شرط أجرة كان بمنزلة المستبضع فلا أجرة له ~~ولا يحل له أخذ شيء منه قرضا ولا غيره كما لا يجوز ذلك للمستبضع وقوله ~~تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم قال أبو بكر الآي التي تقدم ~~ذكرها في أمر الأيتام تدل على أن سبيل الأيتام أن يلي عليهم غيرهم في حفظ ~~أموالهم والتصرف عليهم فيما يعود نفعه عليهم وهم وصي الأب أو الجد إن لم ~~يكن وصي أب أو وصي الجد إن لم يكن أحد من هؤلاء أو أمين حاكم عدل بعد أن ~~يكون الأمين أيضا ms0988 عدلا وكذلك شرط الأوصياء والجد والأب وكل من يتصرف على ~~الصغير لا يستحق الولاية عليه إلا أن يكون عدلا مأمونا فأما الفاسق والمتهم ~~من الآباء والمرتشي من الحكام والأوصياء والأمناء غير المأمونين فإن واحدا ~~من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير ولا خلاف في ذلك نعلمه ألا ترى أنه ~~لا خلاف بين المسلمين في أن القاضي إذا فسق بأخذ الرشا أو ميل إلى هوى وترك ~~الحكم أنه معزول غير جائز الحكم فكذلك حكم الله فيمن ائتمنه على أموال ~~الأيتام من قاض أو وصي أو أمين أو حاكم فغير جائز ثبوت ولايته في ذلك إلا ~~على شرط العدالة وصحة الأمانة وقد أمر الله تعالى أولياء الأيتام بالإشهاد ~~عليهم بعد البلوغ بما يدفعون إليهم من أموالهم وفي ذلك ضروب من الأحكام ~~أحدها الاحتياط لكل واحد من اليتيم ووالي ماله فأما اليتيم فلأنه إذا قامت ~~عليه البينة # PageV02P364 # بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له وأما الوصي فلأن يبطل دعوى ~~اليتيم بأنه لم يدفعه إليه كما أمر الله تعالى بالإشهاد على البيوع احتياطا ~~للمتبايعين ووجه آخر في الإشهاد وهو أنه يظهر أداء أمانته وبراءة ساحته كما ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم الملتقط بالإشهاد على اللقطة # في حديث عياض بن حماد المجاشعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجد ~~لقطة فليشهد ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب # فأمره بالإشهاد لتظهر أمانته وتزول عنه التهمة والله الموفق. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في تصديق الوصي على دفع المال إلى اليتيم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد في الوصي إذا ادعى ~~بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه إنه يصدق وكذلك لو قال أنفقت عليه ~~في صغره صدق في نفقة مثله وكذلك لو قال هلك المال وهو قول سفيان الثوري ~~وقال مالك لا يصدق الوصي أنه دفع المال إلى اليتيم وهو قول الشافعي قال لأن ~~الذي زعم أنه دفعه إليه غير الذي ائتمنه كالوكيل بدفع المال إلى ms0989 غيره لا ~~يصدق إلا ببينة وقال الله تعالى فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ~~قال أبو بكر وليس في الأمر بالإشهاد دليل على أنه غير أمين ولا مصدق فيه ~~لأن الإشهاد مندوب إليه في الأمانات كهو في المضمونات ألا ترى أنه يصح ~~الإشهاد على رد الأمانات من الودائع كما يصح في أداء المضمونات من الديون ~~فإذا ليس في الأمر بالإشهاد دلالة على أنه غير مصدق فيه إذا لم يشهد فإن ~~قيل إذا كان مصدقا في الرد فما معنى الإشهاد مع قبول قوله بغير بينة قيل له ~~فيه ما قدمنا ذكره من ظهور أمانته والاحتياط له في زوال التهمة عنه في أن ~~لا يدعى عليه بعد ما قد ظهر رده وفيه الاحتياط لليتيم في أن لا يدعي ما ~~يظهر كذبه فيه وفيه أيضا سقوط اليمين عن الوصي إذا كانت له بينة في دفعه ~~إليه ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول الوصي مع يمينه ~~وإذا أشهد فلا يمين عليه فهذه المعاني كلها مضمنة بالإشهاد وإن كان أمانة ~~في يده ويدل على أنه مصدق فيه بغير إشهاد اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه ~~وإمساكه على وجه الأمانة حتى يوصله إلى اليتيم في وقت استحقاقه فهو بمنزلة ~~الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات فوجب أن يكون مصدقا على ~~الرد كما يصدق على رد الوديعة والدليل على أنه أمانة أن اليتيم لو صدقه على ~~الهلاك لم يضمنه كما أن المودع إذا صدق المودع في هلاك الوديعة لم يضمنه ~~وأما قول الشافعى أنه لم يأتمنهم الأيتام لم يصدقوا # PageV02P365 # فقول ظاهر الاختلال بعيد من معاني الفقه منتقض فاسد لأنه لو كان ما ذكره ~~علة لنفي التصديق لوجب أن لا يصدق القاضي إذا قال لليتيم قد دفعته إليك ~~لأنه لم يأتمنه وكذلك يلزمه أن يقول في الأب إذا قال بعد بلوغ الصغير قد ~~دفعت إليك مالك أن لا يصدقه لأنه لم يأتمنه ويلزمه أيضا أن يوجب عليهم ~~الضمان إذا تصادقوا بعد البلوغ ms0990 أنه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له ~~عليه وأما تشبيهه إياه بالوكيل بدفع المال إلى غيره فتشبيه بعيد ومع ذلك ~~فلا فرق بينهما من الوجه الذي صدقنا فيه الوصي لأن الوكيل مصدق أيضا في ~~براءة نفسه غير مصدق في إيجاب الضمان ودفعه إلى غيره وإنما لم يقبل قوله ~~على المأمور بالدفع إليه فأما في براءة نفسه فهو مصدق كما صدقنا الوصي على ~~الرد بعد البلوغ وأيضا فإن الوصي في معنى من يتصرف على اليتيم بإذنه ألا ~~ترى أنه يجوز تصرفه عليه في البيع والشرى كجواز تصرف أبيه فإذا كان إمساك ~~الوصي المال بائتمان الأب له عليه وإذن الأب جائز على الصغير صار كأنه ممسك ~~له بعد البلوغ بإذنه فلا فرق بينه وبين المودع # وقوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون الآية قال أبو بكر ~~قد انتظمت هذه الجملة عموما ومجملا فأما العموم فقوله للرجال وللنساء وقوله ~~تعالى مما ترك الوالدان والأقربون فلذلك عموم في إيجاب الميراث للرجال ~~وللنساء من الوالدين والأقربين فدل من هذه الجهة على إثبات مواريث ذوي ~~الأرحام لأن أحدا لا يمتنع أن يقول إن العمات والخالات والأخوال وأولاد ~~البنات من الأقربين فوجب بظاهر الآية إثبات ميراثهم إلا أنه لما كان قوله ~~نصيب مجملا غير مذكور المقدار في الآية امتنع استعمال حكمه إلا أنه ورود ~~بيان من غيره إلا أن الاحتجاج بظاهر الآية في إثبات ميراث ما لذوي الأرحام ~~سائغ وهذا مثل قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وقوله تعالى أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده عطفا ~~على ما قدم ذكره من الزرع والثمرة فهذه ألفاظ قد اشتملت على العموم والمجمل ~~فلا يمنع ما فيها من الإجمال من الاحتجاج بعمومها متى اختلفنا فيما انتظمه ~~لفظ العموم وهو أصناف الأموال الموجب فيها وإن لم يصح الاحتجاج بما فيها من ~~المجمل عند اختلافنا في المقدار الواجب كذلك متى اختلفنا في الورثة ~~المستحقين للميراث ساغ الاحتجاج بعموم ms0991 قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون الآية # PageV02P366 # ومتى اختلفنا في المقدار الواجب لكل واحد منهم احتجنا في إثباته إلى بيان ~~من غيره فإن قيل لما قال نصيبا مفروضا ولم يكن لذوي الأرحام نصيب مفروض ~~علمنا أنهم لم يدخلوا في مراد الآية قيل له ما ذكرت لا يخرجهم من حكمها ~~وكونهم مرادين بها لأن الذي يجب لذوي الأرحام عند موجبي مواريثهم هو نصيب ~~مفروض لكل واحد منهم وهو معلوم مقدر كأنصباء ذوي السهام لا فرق بينهما من ~~هذا الوجه وإنما أبان الله تعالى أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبا ~~مفروضا غير مذكور المقدار في الآية لأنه مؤذن ببيان وتقدير معلوم له يرد في ~~التالي فكما ورد البيان في نصيب الوالدين والأولاد وذوي السهام بعضها بنص ~~التنزيل وبعضها بنص السنة وبعضها بإجماع الأمة وبعضها بالقياس والنظر كذلك ~~قد روى بيان أنصباء ذوي الأرحام بعضها بالسنة وبعضها بدليل الكتاب وبعضها ~~باتفاق الأمة من حيث أوجبت الآية لذوي الأرحام أنصباء فلم يجز إسقاط عمومها ~~فيهم ووجب توريثهم بها ثم إذا استحقوا الميراث بها كان المستحق من النصيب ~~المفروض على ما ذهب إليه القائلون بتوريث ذوي الأرحام فيهم فهم وإن كانوا ~~مختلفين في بعضها فقد اتفقوا في البعض وما اختلفوا فيه لم يخل من دليل لله ~~تعالى يدل على حكم فيه فإن قيل قد روي عن قتادة وابن جريج أن الآية نزلت ~~على سبب وهو أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث فنزلت الآية ~~وقال غيرهما إن العرب كانت لا تورث إلا من طاعن بالرمح وزاد عن الحريم ~~والمال فأنزل الله تعالى هذه الآية إبطالا لحكمهم فلا يصح اعتبار عمومها في ~~غير ما وردت فيه قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن السبب الذي ذكرت غير ~~مقصور على الأولاد وذوي السهام من القرابات الذين بين الله حكمهم في غيرها ~~وإنما السبب أنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث وجائز أن يكونوا قد كانوا ~~يورثون ذوي الأرحام من الرجال دون الإناث فليس ms0992 فيما ذكرت إذا دليل على أن ~~السبب كان توريث الأولاد ومن ذكرهم الله تعالى من ذوي السهام في آية ~~المواريث ومن جهة أخرى أنها لو نزلت على سبب خاص لم يوجب ذلك تخصيص عموم ~~اللفظ بل الحكم للعموم دون السبب عندنا فنزولها على سبب ونزولها مبتدأة من ~~غير سبب سواء وأيضا فإن الله قد ذكر مع الأولاد غيرهم من الأقربين في قوله ~~تعالى مما ترك الوالدان والأقربون فعلمنا أنه لم يرد به ميراث الأولاد دون # PageV02P367 # سائر الأقربين ويحتج بهذه الآية في توريث الإخوة والأخوات مع الجد كنحو ~~احتجاجنا بها في توريث ذوي الأرحام وقوله تعالى نصيبا مفروضا يعني والله ~~أعلم معلوما مقدرا ويقال إن أصل الفرض الحز في القداح علامة لها يميز بينها ~~والفرضة العلامة في قسم الماء يعرف بها كل ذوى حق نصيبه من الشرب فإذا كان ~~أصل الفرض هذا ثم نقل إلى المقادير المعلومة في الشرع أو إلى الأمور ~~الثابتة اللازمة وقد قيل إن أصل الفرض الثبوت ولذلك سمي الحز الذي في سية ~~القوس فرضا # لثبوته والفرض في الشرع ينقسم إلى هذين المعنيين فمتى أريد به الوجوب كان ~~المفروض في أعلى مراتب الإيجاب وقد اختلف في معنى الفرض والواجب في الشرع ~~من بعض الوجوه وإن كان كل مفروض واجبا من حيث كان الفرض يقتضي فارضا وموجبا ~~له وليس كذلك الواجب لأنه قد يجب من غير إيجاب موجب له ألا ترى أنه جائز أن ~~يقال إن ثواب المطيعين واجب على الله في حكمته ولا يجوز أن يقال إنه فرض ~~عليه إذ كان الفرض يقتضي فارضا وقد يكون واجبا في الحكمة غير مقتض موجبا ~~وأصل الوجوب في اللغة هو السقوط يقال وجبت الشمس إذا سقطت ووجب الحائط إذا ~~سقط وسمعت وجبة يعني سقطة وقال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها يعني سقطت ~~فالفرض في أصل اللغة أشد تأثيرا من الواجب وكذلك حكمهما في الشرع إذا كان ~~الحز الواقع ثابت الأثر وليس كذلك الوجوب # قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ms0993 الآية قال سعيد بن ~~المسيب وأبو مالك وأبو صالح هي منسوخة بالميراث وقال ابن عباس وعطاء والحسن ~~والشعبي وإبراهيم ومجاهد والزهري إنها محكمة ليست بمنسوخة وروى عطية عن ابن ~~عباس يعني عند قسمة الميراث وذلك قبل أن ينزل القرآن فأنزل الله تعالى بعد ~~ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى ففي هذه ~~الرواية عن ابن عباس أنها كانت واجبة عند قسمة الميراث ثم نسخت بالميراث ~~وجعل ذلك في وصية الميت لهم وروى عكرمة عنه أنها ليست بمنسوخة وهي في قسمة ~~الميراث ترضخ لهم فإن كان في المال تقصيرا اعتذر إليهم وهو قوله تعالى ~~وقولوا لهم قولا معروفا وروى الحجاج عن أبي إسحاق أن أبا موسى الأشعرى وعبد ~~الرحمن بن بكر كانا يعطيان من حضر من هؤلاء وقال قتادة عن الحسن قال قال ~~أبو موسى هي محكمة وروى أشعث عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن # PageV02P368 # قال ولي أبي ميراثا فأمر بشاة فذبحت ثم صنعت ولما قسم ذلك الميراث أطعمهم ~~ثم تلا وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى الآية وروى محمد بن سيرين عن ~~عبيدة مثله وقال لولا هذه الآية لكانت هذه الشاة من مالي وذكر أنه كان من ~~مال يتيم قد وليه وروى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال ~~هذه الآية يتهاون بها الناس وقال هما وليان أحدهما يرث والآخر لا يرث والذي ~~يرث هو الذي أمر أن يرزقهم ويعطيهم والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم ~~قولا معروفا ويقول هذا المال لقوم غيب أو لأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا ~~نملك أن نعطي منه شيئا فهذا القول المعرف قال هي محكمة وليست بمنسوخة فحمل ~~سعيد بن جبير قوله فارزقوهم على أنهم يعطون أنصباءهم من الميراث والقول ~~المعرف للآخرين فكانت فائدة الآية عنده إن حضر بعض الورثة وفيهم غائب أو ~~صغير أنه يعطى الحاضر نصيبه من الميراث ويمسك نصيب الغائب والصغير فإن صح ~~هذا التأويل فهو ms0994 حجة لقول من يقول في الوديعة إذا كانت بين رجلين وغاب ~~أحدهما أن للحاضر أن يأخذ نصيبه ويمسك المودع نصيب الغائب وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد وأبو حنيفة يقول لا يعطى أحد المودعين شيئا إذا كانا شريكين فيه حتى ~~يحضر الآخر وروى عطاء عن سعيد بن جبير وقولوا لهم قولا معروفا قال يقول عدة ~~جميلة إن كان الورثة صغارا يقول أولياء الورثة لهؤلاء الذين لا يرثون من ~~قرابة الميت واليتامى والمساكين إن هؤلاء الورثة صغار فإذا بلغوا أمرناهم ~~أن يعرفوا حكم ويتبعوا فيه وصية ربهم فحصل اختلاف السلف في ذلك على أربعة ~~أوجه قال سعيد بن المسيب وأبو مالك وأبو صالح إنها منسوخة بالميراث والثاني ~~رواية عكرمة عن ابن عباس وقول عطاء والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد أنها ~~ثابتة الحكم غير منسوخة وهي في الميراث والثالث وهو قول ثالث عن ابن عباس ~~أنها في وصية الميت لهؤلاء منسوخة عن الميراث وروي نحوه عن زيد بن أسلم قال ~~زيد بن أسلم هذا شيء أمر به الموصي في الوقت الذي يوصي فيه واستدل بقوله ~~تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا قال يقول له من حضره اتق ~~الله وصلهم وبرهم وأعطهم والرابع قول سعيد بن جبير في رواية أبي بشر عنه أن ~~قوله فارزقوهم منه هو الميراث نفسه وقولوا لهم قولا معروفا لغير أهل ~~الميراث فأما الذين قالوا إنها منسوخة فإنه كان عندهم على الوجوب قبل نزول ~~الميراث «24- أحكام في» # PageV02P369 # فلما نزلت المواريث وجعل لكل وارث نصيب معلوم صار ذلك منسوخا وأما الذين ~~قالوا ثابتة الحكم فإنه محمول عندنا على أنهم رأوها ندبا واستحبابا لا حتما ~~وإيجابا لأنها لو كانت واجبة مع كثرة قسمة المواريث في عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم لنقل وجوب ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت ~~المواريث لعموم الحاجة إليه فلما لم يثبت وجوب ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن الصحابة دل ذلك على أنه استحباب ليس بإيجاب وما روي عن عبد ms0995 ~~الرحمن وعبيدة وأبي موسى في ذلك فجائز أن يكون # الورثة كانوا كبارا فذبح الشاة من جملة المال بإذنهم وما روى في الحديث ~~أن أبى عبيدة قسم ميراث أيتام فذبح شاة فإن هذا على أنهم كانوا يتامى ~~فكبروا لأنهم لو كانوا صغارا لم تصح مقاسمتهم ويدل على أنه ندب ما روى عطاء ~~عن سعيد بن جبير أن الوصي يقول لهؤلاء الحاضرين من أولي القربى وغيرهم إن ~~هؤلاء الورثة صغار ويعتذرون إليهم بمثله ولو كانوا مستحقين له على الإيجاب ~~لوجب إعطاؤهم صغارا كان الورثة أو كبارا وأيضا فإن الله تعالى قد قسم ~~المواريث بين الورثة وبين نصيب كل واحد منهم في آية المواريث ولم يجعل فيها ~~لهؤلاء شيئا وما كان ملكا لغيره فغير جائز إزالته إلى غيره إلا بالوجوه ~~التي حكم الله بإزالته لقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم # وقال صلى الله عليه وسلم دماؤكم وأموالكم عليكم حرام # وقال لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وهذا كله يوجب أن يكون إعطاء هؤلاء الحاضرين عند القسمة استحبابا لا ~~إيجابا وأما قوله تعالى وقولوا لهم قولا معروفا فقد روي عن ابن عباس أنه ~~إذا كان في المال تقصير اعتذر إليهم وعن سعيد بن جبير قال يعطى الميراث ~~أهله وهو معنى قوله تعالى فارزقوهم منه في هذه الرواية ويقول لمن لا يرث إن ~~هذا المال لقوم غيب ولأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطي منه شيئا ~~فمعناه عنده ضرب من الاعتذار إليهم وقال بعض أهل العلم إذا أعطوهم عند ~~القسمة شيئا لا يمن عليهم ولا ينتهرهم ولا يسيء اللفظ فيما يخاطبهم به ~~لقوله تعالى قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى وقوله تعالى فأما ~~اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر « # قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم الآية ~~اختلف السلف في تأويله فروي عن ابن عباس رواية وعن سعيد ابن جبير والحسن ~~ومجاهد وقتادة والضحاك ms0996 والسدي قالوا هو الرجل يحضره الموت # PageV02P370 # فيقول له من يحضره اتق الله أعطهم صلهم برهم ولو كانوا هم الذين يوصون ~~لأحبوا أن يبقوا لأولادهم قال حبيب بن أبي ثابت فسألت مقسما عن ذلك فقال لا ~~ولكنه الرجل يحضره الموت فيقول له من يحضره اتق الله وأمسك عليك مالك ولو ~~كانوا ذوي قرابته لأحبوا أن يوصي لهم فتأوله الأولون على نهي الحاضرين عن ~~الحض على الوصية وتأوله مقسم على نهي من يأمره بتركها وقال الحسن في رواية ~~أخرى هو الرجل يكون عند الميت فيقول أوص بأكثر من الثلث من مالك وعن ابن ~~عباس رواية أخرى أنه قال في ولاية مال اليتيم وحفظه إن عليهم أن يعملوا فيه ~~ويقولوا بمثل ما يحب أن يعمل ويقال في أموال أيتامهم وضعاف ذريتهم بعد ~~موتهم وجائز أن تكون هذه المعاني التي تأولها السلف عليها الآية مرادة بها ~~إلا أن ما نهي عنه من الأمر بالوصية أن النهي عنها إذا قصد المشير بذلك إلى ~~الإضرار بالورثة أو بالموصى لهم مما لا يرضاه هو لنفسه لو كان مكان هؤلاء ~~وذلك بأن يكون المريض قليل المال له ذرية ضعفاء فيأمره الذي يحضره باستغراق ~~الثلث للوصية ولو كان هو مكانه لم يرض بذلك وصية له لأجل ورثته وهذا يدل ~~على أن المستحب له إذا كان له ورثة ضعفاء وهو قليل المال أن لا يوصي بشيء ~~ويتركه لهم أو يوصي لهم بأقل من الثلث # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد حين قال أوصي بجميع مالي فقال لا ~~إلى أن رده إلى الثلث فقال الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير ~~من أن تدعهم عالة يتكففون الناس # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الورثة إذا كانوا فقراء فترك الوصية ~~ليستغنوا به أفضل من فعلها وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه كان يقول ~~الأفضل لمن له مال كثير الوصية بما يريد أن يوصي به على وجه القرية من ثلث ~~ماله والأفضل لمن ليس له مال ms0997 كثير أن لا يوصي منه بشيء وأن يبقيه لورثته ~~والنهي منصرف أيضا إلى من يأمره من الحاضرين بأن يوصي بأكثر من الثلث على ~~ما روي عن الحسن لأن ذلك لا يجوز أن يفعله لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~الثلث كثير ولنهيه سعدا عن الوصية بأكثر من الثلث وجائز أن يكون ما قاله ~~مقسم مرادا بأن يقول الحاضر لا توص بشيء ولو كان من ذوي قرابته لأحب أن ~~يوصي له فيشير عليه بما لا يرضاه لنفسه وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم معنى ذلك # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا هدبة قال ~~حدثنا همام قال حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب # PageV02P371 # لنفسه من الخير # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال حدثنا سهل ابن ~~عثمان قال حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد الله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ~~فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن ~~يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتى إليه # قال أبو بكر فهذا معنى قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا فنهاه عز وجل أن يشير ~~على غيره ويأمره بما لا يرضاه لنفسه ولأهله ولورثته وأمر الله تعالى بأن ~~يقول الحاضرون قولا سديدا وهو العدل والحق الذي لا خلل فيه ولا فساد في ~~إجحاف بوارث أو حرمان لذي قرابة # وقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية روى عن ابن عباس ~~وسعيد ابن جبير ومجاهد أنه لما نزلت هذه الآية عزل من كان في حجره يتيم ~~طعامه عن طعامه وشرابه عن شرابه حتى فسد حتى أنزل الله تعالى وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم ms0998 المفسد من المصلح فرخص لهم في الخلطة على وجه الإصلاح ~~قال أبو بكر قد خص الله تعالى الأكل بالذكر وسائر الأموال غير المأكول منها ~~محظور إتلافه من مال اليتيم كحظر المأكول منه ولكنه خص الأكل بالذكر لأنه ~~أعظم ما يبتغى له الأموال وقد بينا ذلك ونظائره فيما قد سلف وقوله تعالى ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا روي عن السدي أن لهب النار يخرج من فمه ومسامعه ~~وأنفه وعينيه يوم القيامة يعرفه من رآه أنه أكل مال اليتيم وقيل إنه كالمثل ~~لأنهم يصيرون به إلى جهنم فتمتلئ بالنار أجوافهم ومن جهال الحشو وأصحاب ~~الحديث من يظن أن قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما منسوخ ~~بقوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم وقد أثبته بعضهم في الناسخ والمنسوخ لما ~~روي أنه لما نزلت هذه الآية عزلوا طعام اليتيم وشرابه حتى نزل قوله تعالى ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم وهذا القول من قائله يدل على جهله بمعنى النسخ وبما ~~يجوز نسخه مما لا يجوز ولا خلاف بين المسلمين أن أكل مال اليتيم ظلما محظور ~~وأن الوعيد المذكور في الآية قائم فيه على اختلاف منهم في إلحاق الوعيد به ~~في الآخرة لا محالة أو جواز الغفران فأما النسخ فلا يجيزه عاقل في مثله ~~وجهل هذا الرجل أن الظلم لا تجوز إباحته بحال فلا يجوز نسخ حظره وإنما عزل ~~من كان في حجره يتيم من الصحابة طعامه عن طعامه لأنه خاف أن يأكل من مال # PageV02P372 # اليتيم ما لا يستحقه فتلحقه سمة الظلم ويصير من أهل الوعيد في الآية ~~واحتاطوا بذلك فلما نزل قوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم زال عنهم الخوف ~~في الخلطة بعد أن يقصدوا الإصلاح بها وليس فيه إباحة لأكل مال اليتيم ظلما ~~حتى يكون ناسخا لقوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما والله ~~أعلم. # (تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله باب الفرائض) # PageV02P373 # [الجزء الثالث] # [تتمة سورة النساء] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب الفرائض # قال أبو بكر قد كان أهل الجاهلية يتوارثون بشيئين أحدهما ms0999 النسب والآخر ~~السبب فأما ما يستحق بالنسب فلم يكونوا يورثون الصغار ولا الإناث وإنما ~~يورثون من قاتل على الفرس وحاز الغنيمة روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~في آخرين منهم إلى أن أنزل الله تعالى يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم ~~فيهن إلى قوله تعالى والمستضعفين من الولدان وأنزل الله تعالى قوله يوصيكم ~~الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وقد كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ما كانوا عليه في الجاهلية في المناكحات والطلاق ~~والميراث إلى أن تقلوا عنه إلى غيره بالشريعة قال ابن جريج قلت لعطاء أبلغك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر الناس على ما أدركهم صلى الله عليه ~~وسلم من طلاق أو نكاح أو ميراث قال لم يبلغنا إلا ذلك وروى حماد بن زيد عن ~~ابن عون عن ابن سيرين قال توارث المهاجرين والأنصار بنسبهم الذي كان في ~~الجاهلية وقال ابن جريح عن عمرو بن شعيب قال ما كان من نكاح أو طلاق في ~~الجاهلية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك إلا الربا فما ~~أدرك الإسلام من ربا لم يقبض رد البائع رأس ماله وطرح الربا وروى حماد بن ~~زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير فإن بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~والناس على أمر جاهليتهم إلى أن يؤمروا بشيء أو ينهوا عنه وإلأفهم ما كانوا ~~عليه من أمر جاهليتهم وهو على ما روي عن ابن عباس أنه قال الحلال ما أحل ~~الله تعالى والحرام ما حرم الله تعالى وما سكت عنه فهو عفو فقد كانوا مقرين ~~بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يحظره العقل على ما كانوا عليه ~~وقد كانت العرب متمسكة ببعض شرائع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وقد ~~كانوا أحدثوا أشياء منها ما يحظره العقل نحو الشرك وعبادة الأوثان ودفن ~~البنات وكثير من الأشياء المقبحة في العقول وقد كانوا على أشياء من مكارم ~~الأخلاق وكثير من ms1000 المعاملات التي لا تحظرها العقول فبعث الله نبيه صلى الله ~~عليه وسلم داعيا إلى توحيد وترك ما تحظره العقول من عبادة الأوثان ودفن ~~البنات والسائبة والوصيلة والحامي وما كانوا يتقربون به إلى # PageV03P002 # أوثانهم وتركهم فيما لم يكن العقل يحظره من المعاملات وعقود البياعات ~~والمناكحات والطلاق والمواريث على ما كانوا عليه فكان ذلك جائزا منهم إذ ~~ليس في العقل حظره ولم تقم حجة السمع عليهم بتحريمه فكان أمر مواريثهم على ~~ما كانوا عليه من توريث الذكور المقاقلة منهم دون الصغار ودون الإناث إلى ~~أن أنزل الله تعالى آي المواريث وكان السبب الذي يتوارثون به شيئين أحدهما ~~الحلف والمعاقدة والآخر التبني ثم جاء الإسلام فتركوا برهة من الدهر على ما ~~كانوا عليه ثم نسخ فمن الناس من يقول إنهم كانوا يتوارثون بالحلف والمعاقدة ~~بنص التنزيل ثم نسخ وقال شيبان عن قتادة في قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم قال كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمي دمك وهدمي ~~هدمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك قال فورثوا السدس في الإسلام من جميع ~~الأموال ثم يأخذ أهل الميراث ميراثهم ثم نسخ بعد ذلك فقال الله تعالى ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وروى الحسن بن عطية عن أبيه ~~عن ابن عباس في قوله تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم كان الرجل في الجاهلية يحلف له الرجل ~~فيكون تابعا له فإذا مات صار الميراث لأهله وأقاربه وبقي تابعه ليس له شيء ~~فأنزل الله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم فكان يعطى من ميراثه ~~وقال عطاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم وذلك أن الرجل في الجاهلية وفي الإسلام كان يرغب في خلة الرجل ~~فيعاقده فيقول ترثني وأرثك وأيهما مات قبل صاحبه كان للحي ما اشترط من مال ~~الميت فلما نزلت هذه الآية في قسمة الميراث ولم يذكر أهل العقد جاء رجل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه ms1001 وسلم فقال يا نبي الله نزلت قسمة الميراث ولم يذكر ~~أهل العقد وقد # كنت عاقدت رجلا فمات فنزلت والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله ~~كان على كل شيء شهيدا فأخبر هؤلاء السلف ميراث الحليف قد كان حكمه ثابتا في ~~الإسلام من طريق السمع لا من جهة إقرارهم على ما كانوا عليه من أمر ~~الجاهلية وقال بعضهم لم يكن ذلك ثابتا بالسمع من طريق الشرع وإنما كانوا ~~مقرين على ما كانوا عليه من أمر الجاهلية إلى أن نزلت آية المواريث فأزالت ~~ذلك الحكم حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ~~قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن مجاهد في ~~قوله # PageV03P003 # تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم قال كان حلفاء في الجاهلية ~~فأمروا أن يعطوهم نصيبهم من المشورة والعقل والنصر ولا ميراث لهم قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا معاذ عن ابن عون عن عيسى بن الحارث عن عبد الله بن ~~الزبير في قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض قال نزلت هذه الآية ~~في العصبات كان الرجل يعاقد الرجل يقول ترثني وأرثك فنزلت وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض قال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية ~~بن إبراهيم عن على بن طلحة عن ابن عباس والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ~~قال كان الرجل يقول ترثني وأرثك فنسختها وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا قال ~~إلا أن توصوا لأوليائهم الذين عاقدوهم وصية فذكر هؤلاء أن ما كان من ذلك في ~~الجاهلية نسخ بقوله تعالى وأولوا الأرحام وأن قوله تعالى فآتوهم نصيبهم ~~إنما أريد به الوصية أو المشورة والنصر من غير ميراث وأولى الأشياء بمعنى ~~الآية تثبيت التوارث بالحلف لأن قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم ~~نصيبهم يقتضي نصيبا ثابتا لهم والعقل والمشورة والوصية ليست بنصيب ثابت وهو ~~مثل قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان ms1002 والأقربون وللنساء نصيب ~~المفهوم من ظاهره إثبات نصيب من الميراث كذلك قوله تعالى والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم قد اقتضى ظاهره إثبات نصيب لهم قد استحقوه بالمعاقدة ~~والمشورة يستوي فيها سائر الناس فليست إذا بنصيب فالعقل إنما يجب على ~~حلفائه وليس هو بنصيب له والوصية إن لم تكن مستحقة واجبة فليست بنصيب ~~فتأويل الآية على النصيب المسمى له في عقد المحالفة أولى وأشبه بمفهوم ~~الخطاب مما قال الآخرون وهذا عندنا ليس بمنسوخ وإنما حدث وارث آخر هو أولى ~~منهم كحدوث ابن لمن له أخ لم يخرج الأخ من أن يكون من أهل الميراث إلا أن ~~الإبن أولى منه وكذلك أولوا الأرحام أولى من الحليف فإذا لم يكن رحم ولا ~~عصبة فالميراث لمن حالفه وجعله له وكذلك أجاز أصحابنا الوصية بجميع المال ~~لمن لا وارث له وأما الميراث بالدعوة والتبني فإن الرجل منهم كان يتبنى ابن ~~غيره فينسب إليه دون أبيه من النسب ويرثه وقد كان ذلك حكما ثابتا في ~~الإسلام # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تبنى زيد بن حارثة # وكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزل الله تعالى ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم وقال تعالى فلما قضى زيد منها # PageV03P004 # وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم # وقال تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم وقد كان أبو حذيفة بن عتبة تبنى سالما فكان ~~يقال له سالم بن أبي حذيفة إلى أن أنزل الله تعالى ادعوهم لآبائهم رواه ~~الزهري عن عروة عن عائشة فنسخ الله تعالى الدعوة بالتبني ونسخ ميراثه حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن ليث عن عقيل عن ابن شهاب قال ~~أخبرني سعيد بن المسيب في قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ~~قال ابن المسيب إنما أنزل الله تعالى ذلك في الذين كانوا ms1003 يتبنون رجالا ~~ويورثونهم فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب من الوصية ورد الميراث ~~إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة وأبى الله أن يجعل للمدعين ميراثا ممن ~~ادعاهم ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية فكان ما تعاقدوا عليه في الميراث الذي ~~رد عليه أمرهم قال أبو بكر وجائز أن يكون المراد بقوله تعالى والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم منتظما للحلف والتبني جميعا إذ كل واحد منهما يثبت ~~بالعقد فهذا الذي ذكرنا كان من مواريث الجاهلية وبقي في الإسلام بعضها ~~بالإقرار عليه إلى أن نقلوا عنه وبعضه بنص ورد في إثباته إلى أن ورد ما ~~أوجب نقله وأما مواريث الإسلام فإنها معقودة بشيئين أحدهما نسب والآخر سبب ~~ليس بنسب فأما المستحق بالنسب فما نص الله تعالى عليه من كتابه وبين رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بعضه وأجمعت الأمة على بعضه وقامت الدلالة على بعض وأما ~~السبب الذي ورث به في الإسلام فبعضه ثابت وبعضه منسوخ الحكم فمن الأسباب ~~التي ورث بها في الإسلام ما ذكرنا في عقد المحالفة وميراث الأدعياء وقد ~~ذكرنا حكمه ونسخ ما روي نسخه وأن ذلك عندنا ليس بنسخ وإنما جعل وارث أولى ~~من وارث وكان من الأسباب التي أوجب الله تعالى به الميراث الهجرة حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله ~~تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا قال كان المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا ~~يرثه وهو مؤمن ولا يرث # PageV03P005 # الأعرابى المهاجر فنسختها وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وقال بعضهم ~~نسخها قوله تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون وكانوا ~~يتواثون بالأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم # وروى هشام بن عروة عن أبيه ms1004 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين ~~الزبير بن العوام وبين كعب بن مالك فارتث كعب يوم أحد فجاء به الزبير يقوده ~~بزمام راحلته ولو مات كعب عن الضح والريح لورثه الزبير حتى أنزل الله تعالى ~~وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم # وروى ابن جريح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فإن كان المهاجرون والأنصار ~~يرث الرجل الرجل الذي آخى بينه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون ~~أخيه فلما نزلت هذه الآية ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ~~نسخت ثم قال تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة ~~فذكر ابن عباس في هذا الحديث أن قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم أريد به ~~معاقدة الأخوة التي آخى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وروى معمر ~~عن قتادة في قوله تعالى ما لكم من ولايتهم من شيء أن المسلمين كانوا ~~يتواثون بالهجرة والإسلام فكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرث أخاه فنسخ ~~الله تعالى ذلك بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين وروى جعفر بن سليمان عن الحسن قال كان الأعرابي المسلم ~~لا يرث من المهاجر شيئا وإن كان ذا قربى ليحثهم بذلك على الهجرة فلما كثر ~~المسلمون أنزل الله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين فنسخت هذه الآية تلك إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا فرخص الله للمسلم أن يوصي لقرابته من اليهود والنصارى والمجوس من ~~الثلث وما دونه كان ذلك في الكتاب مسطورا قال مكتوبا فجملة ما حصل عليه ~~التوارث بالأسباب في أول الإسلام التبني والحلف والهجرة والمؤاخاة التي آخى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الميراث بالتبني والهجرة ~~والمؤاخاة وأما الحلف فقد بينا أنه جعلت القرابة أولى منه ولم ينسخ إذا لم ~~تكن قرابة وجائز أن يجعل له جميع ماله أو بعضه ومن الأسباب التي عقد بها ~~التوارث ms1005 في الإسلام ولاء العتاقة والزوجية وولاء الموالاة وهو عندنا يجري ~~مجرى الحلف وإنما يثبت حكمه إذا لم يكن وارث من ذي رحم أو عصبة فجميع ما ~~انعقدت عليه مواريث الإسلام السبب والنسب والسبب كان على أنحاء مختلفة # PageV03P006 # منها المعاقدة بالحلف والتبني والأخوة التي آخى بينهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والهجرة والزوجية وولاء العتاقة وولاء الموالاة فأما إيجاب ~~الميراث بالحلف والتبني والأخوة التي آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بها فمنسوخ مع وجود العصبات وذوي الأرحام وولاء العتاقة والموالاة ~~والزوجية هي أسباب ثابتة يستحق بها الميراث على الترتيب المشروط لذلك وأما ~~النسب الذي يستحق به الميراث فينقسم إلى أنحاء ثلاثة ذوو السهام والعصبات ~~وذوو الأرحام وسنبين ذلك في موضعه فأما الآيات الموجبة لميراث ذوي الأنساب ~~من ذوي السهام والعصبات وذوي الأرحام فقوله تعالى للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وقوله تعالى ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان نسخ بهما في رواية عن ابن عباس ~~وغيره من السلف ما كان عليه الأمر في توريث الرجال المقاتلة دون الذكور ~~الصغار والإناث وقوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فيه بيان للنصيب ~~المفروض في قوله تعالى للرجال نصيب- إلى قوله تعالى- نصيبا مفروضا والنصيب ~~المفروض هو الذي بين مقداره في قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم وقد روي ~~عن ابن عباس أنه قرأ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين فقال قد نسخ هذا قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وقال مجاهد كان الميراث للولد وكانت الوصية للوالدين ~~والأقربين فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب فجعل للولد الذكر مثل حظ الأنثيين ~~وجعل لكل واحد من الأبوين السدس مع الولد قال ابن عباس وقد كان الرجل إذا ~~مات وخلف زوجته اعتدت سنة كاملة في بيته ينفق عليها من تركته وهو قوله ~~تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ms1006 أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج ثم نسخ ذلك بالربع أو الثمن وقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض نسخ به التوارث بالحلف وبالهجرة وبالتبني على النحو الذي بينا وكذلك ~~قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم هي آية محكمة غير منسوخة وهي موجبة لنسخ ~~الميراث بهذه الأسباب التي ذكرنا لأنه جعل الميراث للمسلمين فيها فلا يبقى ~~لأهل هذه الأسباب شيء # وذلك موجب لسقوط حقوقهم في هذه الحال # وروى محمد بن عبد الله بن عقيل عن جابر # PageV03P007 # ابن عبد الله قال جاءت امرأة من الأنصار ببنتين لها فقالت يا رسول الله ~~هاتان بنتا ثابت ابن قيس قتل معك يوم أحد ولم يدع لهما عمهما مالا إلا أخذه ~~فما ترى يا رسول الله فو الله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقضي الله في ذلك فنزلت سورة النساء يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين الآية فقال صلى الله عليه وسلم ادع إلى ~~المرأة وصاحبها فقال لعمهما أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك # قال أبو بكر قد حوى هذا الخبر معاني منها أن العم قد كان يستحق الميراث ~~دون البنتين على عادة أهل الجاهلية في توريث المقاتلة دون النساء والصبيان ~~ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين سألته المرأة بل أقر الأمر على ~~ما كان عليه وقال لها يقضي الله في ذلك ثم لما نزلت الآية أمر العم بدفع ~~نصيب البنتين والمرأة إليهن وهذا يدل على أن العم لم يأخذ الميراث بديا من ~~جهة التوقيف بل على عادة أهل الجاهلية في المواريث لأنه لو كان كذلك لكان ~~إنما يستأنف فيما يحدث بعد نزول الآية وما قد مضى على حكم منصوص متقدم لا ~~يعترض عليه بالنسخ فدل على أنه أخذه على حكم الجاهلية التي لم ينقلوا عنها # وروى سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال مرضت ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1007 يعودني فأتاني وقد أغمي علي فتوضأ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثم رش علي من وضوئه فأفقت فقلت يا رسول الله كيف ~~تقضي في مالي فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث يوصيكم الله في أولادكم ~~للذكر مثل حظ الأنثيين # قال أبو بكر ذكر في الحديث الأول قصة المرأة مع بنتيها وذكر في هذا ~~الحديث أن جابرا سأله عن ذلك وجائز أن يكون الأمر ان جميعا قد كانا سألته ~~المرأة فلم يجبها منتظرا للوحي ثم سأله جابر في حال مرضه فنزلت الآية وهي ~~ثابتة الحكم مثبتة للنصيب المفروض في قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون الآية ولم يختلف أهل العلم في أن المراد بقوله تعالى ~~يوصيكم الله في أولادكم أولاد الصلب وأن ولد الولد غير داخل مع ولد الصلب ~~وأنه إذا لم يكن ولد الصلب فالمراد أولاد البنين دون أولاد البنات فقد ~~انتظم اللفظ أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب وهذا يدل على ~~صحة قول أصحابنا فيمن أوصى لولد فلان أنه لولده لصلبه فإن لم يكن له ولد ~~لصلبه فهو لولد ابنه وقوله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين قد أفاد أنه إن كان ~~ذكرا وأنثى فللذكر سهمان وللأنثى سهم وأفاد أيضا # PageV03P008 # أنهم إذا كانوا جماعة ذكورا وإناثا أن لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهما ~~وأفاد أيضا أنه إذا كان مع الأولاد ذو وسهام نحو الأبوين والزوج والزوجة ~~أنهم متى أخذوا سهامهم كان الباقي بعد السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ ~~الأنثيين وذلك لأن قوله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين اسم للجنس يشتمل على ~~القليل والكثير منهم فمتى ما أخذ ذوو السهام سهامهم كان الباقي بينهم على ~~ما كانوا يستحقونه لو لم يكن ذو سهم وقوله عز وجل فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف فنص على نصيب ما فوق الابنتين ~~وعلى الواحدة ولم ينص على فرض الابنتين لأن في فحوى الآية دلالة على بيان ~~فرضهما وذلك لأنه ms1008 قد أوجب للبنت الواحدة مع الابن الثلث وإذا كان لها مع ~~الذكر الثلث كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى وقد احتجنا إلى بيان حكم ما ~~فوقهما فلذلك نص على حكمه وأيضا لما قال الله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين ~~فلو ترك ابنا وبنتا كان للابن سهمان ثلثا المال وهو حظ الأنثيين فدل ذلك ~~على أن نصيب الابنتين الثلثان لأن الله تعالى جعل نصيب الابن مثل نصيب ~~البنتين وهو الثلثان ويدل على أن للبنتين الثلثين أن الله تعالى أجرى ~~الإخوة والأخوات مجرى البنات وأجرى الأخت الواحدة مجرى البنت الواحدة فقال ~~تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ثم قال فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين فجعل حظ الأختين كحظ ما فوقهما وهو الثلثان كما جعل حظ الأخت كحظ ~~البنت وأوجب لهم إذا كانوا ذكورا وإناثا للذكر مثل حظ الأنثيين فوجب أن ~~تكون الابنتان كالأختين في استحقاق الثلثين لمساواتهما لهما في إيجاب المال ~~بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين إذا لم يكن غيرهم كما في مساواة الأخت للبنت ~~إذا لم يكن غيرهم في استحقاق النصف بالتسمية وأيضا البنتان أولى بذلك إذا ~~كانتا أقرب إلى الميت من الأختين وإذا كانت الأخت بمنزلة البنت فكذلك ~~البنتان في استحقاق الثلثين ويدل على ذلك حديث جابر في قصة المرأة التي ~~أعطى النبي صلى الله عليه وسلم فيها البنتين الثلثين والمرأة الثمن والعم ~~ما بقي ولم يخالف في ذلك أحد إلا شيئا روي عن ابن عباس أنه جعل للبنتين ~~النصف كنصيب الواحدة واحتج بقوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك وليس في ذلك دليل على أن للابنتين النصف وإنما فيه نص على أن ما فوق ~~الإبنتين فلهن # PageV03P009 # الثلثان فإن كان القائل بأن للابنتين الثلثين مخالفا للآية فإن الله ~~تعالى قد جعل للابنة النصف إذا كانت وحدها وأنت جعلت للابنتين النصف وذلك ~~خلاف الآية فإن لم تلزمه مخالفة الآية ms1009 حين جعل للابنتين النصف وإن كان الله ~~قد جعل للواحدة النصف فكذلك لا تلزم مخالفيه مخالفة الآية في جعلهم ~~للابنتين الثلثين لأن الله تعالى لم ينف بقوله تعالى فإن كن نساء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك أن يكون للابنتين الثلثان وإنما نص على حكم ما ~~فوقهما وقد دل على حكمهما في فحوى الآية على النحو الذي بينا وما ذكرناه من ~~دلالة حكم الأختين على حكم الابنتين على ما ذكرنا وقد قيل إن قوله تعالى ~~فإن كن نساء فوق اثنتين أن ذكر # فوق هاهنا صلة للكلام كقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق قوله تعالى ~~ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد يوجب ظاهره أن يكون ~~لكل واحد منهما السدس مع الولد ذكرا كان الولد أو أنثى لأن اسم الولد ~~ينتظمهما إلا أنه لا خلاف إذا كان الولد بنتا لا تستحق أكثر من النصف لقوله ~~تعالى وإن كانت واحدة فلها النصف فوجب أن تعطى النصف بحكم النص ويكون ~~للأبوين لكل واحد السدس بنص التنزيل ويبقى السدس يستحقه الأب بالتعصيب ~~فاجتمع هاهنا للأب الاستحقاق بالتسمية وبالتعصيب جميعا وإن كان الولد ذكرا ~~فللأبوين السدسان بحكم النص والباقي للابن لأنه أقرب تعصيبا من الأب وقال ~~تعالى فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فأثبت الميراث للأبوين ~~بعموم اللفظ ثم فصل نصيب الأم وبين مقداره بقوله فلأمه الثلث ولم يذكر نصيب ~~الأب فاقتضى ظاهر اللفظ للأب الثلثين إذ ليس هناك مستحق غيره وقد أثبت ~~الميراث لهما بديا وقد كان ظاهر اللفظ يقتضي المساواة لو اقتصر على قوله ~~تعالى وورثه أبواه دون تفصيل نصيب الأم فلما قصر نصيب الأم على الثلث علم ~~أن المستحق للأب الثلثان قوله تعالى فإن كان له إخوة فلأمه السدس # قال علي وعبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت ~~وسائر أهل العلم إذا ترك أخوين وأبوين فلأمه السدس وما بقي فلأبيه # وحجبوا الأم عن الثلث إلى السدس كحجبهم لها بثلاثة إخوة ms1010 وقال ابن عباس ~~للأم الثلث وكان لا يحجبها إلا بثلاثة من الإخوة والأخوات وروى معمر عن ابن ~~طاوس عن أبيه عن ابن عباس إذا ترك أبوين وثلاثة إخوة فللأم السدس وللإخوة ~~السدس الذي حجبوا الأم عنه وما بقي فللأب # PageV03P010 # وروي عنه أنه إن كان الإخوة من قبل الأم فالسدس لهم خاصة وإن كانوا من ~~قبل الأب والأم أو من قبل الأب لم يكن لهم شيء وكان ما بعد السدس للأب ~~والحجة للقول الأول أن اسم الإخوة قد يقع على الاثنين كما قال تعالى إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وهما قلبان وقال تعالى وهل أتاك نبأ الخصم ~~إذ تسوروا المحراب ثم قال تعالى خصمان بغى بعضنا على بعض فأطلق لفظ الجمع ~~على اثنين وقال تعالى وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~فلو كان أخا وأختا كان حكم الآية جاريا فيهما # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اثنان فما فوقهما جماعة # ولأن الاثنين إلى الثلاثة في حكم الجمع أقرب منهما إلى الواحد لأن لفظ ~~الجمع موجود فيهما نحو قولك قاما وقعدا وقاموا وقعدوا كل ذلك جائز في ~~الاثنين والثلاثة ولا يجوز مثله في الواحد فلما كان الاثنان في حكم اللفظ ~~أقرب إلى الثلاثة منهما إلى الواحد وجب إلحاقهما بالثلاثة دون الواحد وقد ~~روى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه أنه كان ~~يحجب الأم بالأخوين فقالوا له يا أبا سعيد إن الله تعالى يقول فإن كان له ~~إخوة وأنت تحجبها بالأخوين فقال إن العرب تسمي الأخوين إخوة فإذا كان زيد ~~بن ثابت قد حكى عن العرب أنها تسمي الأخوين إخوة فقد ثبت أن ذلك اسم لهما ~~فيتناولهما اللفظ وأيضا قد ثبت أن حكم الأختين حكم الثلاث في استحقاق ~~الثلثين بنص التنزيل في قوله تعالى فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك ~~وكذلك حكم الأختين من الأم حكم الثلاث في استحقاق الثلث دون حكم الواحدة ~~فوجب أن يكون ms1011 حكمهما حكم الثلاث في حجب الأم عن الثلث إلى السدس إذ كان حكم ~~كل واحد من ذلك حكما متعلقا بالجمع فاستوى فيه حكم الاثنين والثلاث وروي عن ~~قتادة أنه قال إنما يحجب الإخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب لأنه يقوم ~~بنكاحهم والنفقة عليهم دون الأم وهذه العلة إنما هي مقصورة على الإخوة من ~~الأب والأم والإخوة من الأب فأما الإخوة من الأم فليس إلى الأب شيء من ~~أمرهم وهم يحجبون أيضا كما يحجب الإخوة من الأب والأم ولا خلاف بين الصحابة ~~في ثلاثة إخوة وأبوين أن للأم السدس وما بقي فللأب إلا شيئا يروى عن ابن ~~عباس وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن للأم ~~السدس وللإخوة السدس الذي حجبوا الأم عنه وما بقي فللأب وكان لا يحجب بمن # PageV03P011 # لا يرث فلما حجب الأم بالإخوة ورثهم وهو قول شاذ وظاهر القرآن خلافه لأنه ~~تعالى قال وورثه أبواه فلأمه الثلث ثم قال تعالى فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس عطفا على قوله تعالى وورثه أبواه تقديره وورثه أبواه وله إخوة وذلك ~~يمنع أن يكون للإخوة شيء قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين الدين ~~مؤخر في اللفظ وهو مبتدأ به في المعنى على الوصية لأن أولا توجب الترتيب ~~وإنما هي لأحد شيئين فكأنه قيل من بعد أحد هذين # وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال ذكر الله الوصية قبل الدين وهي ~~بعده # يعني أنها مقدمة في اللفظ مؤخرة في المعنى # قوله تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم الآية هذا نص متفق على تأويله ~~كاتفاقهم تنزيله وأن الولد الذكر والأنثى في ذلك سواء يحجب الزوج عن النصف ~~إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن إذا كان الولد من أهل الميراث ولم ~~يختلفوا أيضا أن ولد الابن بمنزلة ولد الصلب في حجب الزوج والمرأة عن ~~النصيب الأكثر إلى الأقل إذا لم يكن ولد الصلب قوله تعالى آباؤكم وأبناؤكم ~~لا تدرون ms1012 أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله قيل إن معناه لا تعلمون أيهم ~~أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا والله يعلمه فاقسموه على ما بينه إذ هو ~~عالم بالمصالح وقيل إن معناه آباؤكم وأبناؤهم متقاربون في النفع حتى لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم نفعا إذ كنتم تنتفعون بآبائكم في حال الصغر وتنتفعون ~~بأبنائكم عند الكبر ففرض ذلك في أموالكم للآباء والأبناء علما منه بمصالح ~~الجميع وقيل لا يدري أحدكم أهو أقرب وفاة فينتفع ولده بماله أم الولد أقرب ~~وفاة فينتفع الأب والأم بماله ففرض في مواريثكم ما فرض علما منه وحكما وقد ~~اختلف السلف في الحجب بمن لا يرث وهو أن يخلف الحر المسلم أبوين حرين ~~مسلمين وأخوين كافرين أو مملوكين أو قاتلين # فقال علي وعمر وزيد للأم الثلث وما بقي فللأب # وكذلك المسلمة إذا تركت زواجا وابنا كافرا أو مملوكا أو قاتلا أو الرجل ~~ترك امرأة وابنا كذلك أنهم لا يحجبون الزوج ولا المرأة عن نصيبهما الأكثر ~~إلى الأقل وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ومالك والثوري والشافعي وقال ~~عبد الله بن مسعود يحجبون وإن لم يرثوا وقال الأوزاعي والحسن بن صالح ~~المملوك والكافر لا يرثان ولا يحجبان والقاتل يرث ويحجب قال أبو بكر لا ~~خلاف أن الأب الكافر لا يحجب ابنه من ميراث جده وأنه بمنزلة الميت فكذلك في ~~حكم حجب الأم والزوج # PageV03P012 # والزوجة واحتج من حجب بظاهر قوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ~~ترك إن كان له ولد ولم يفرق بين الكافر والمسلم فيقال له فلم حجبت به الأم ~~دون الأب والله تعالى إنما حجبهما جميعا بالولد بقوله تعالى لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد فإن جاز أن لا يحجب الأب وجعلت قوله تعالى إن ~~كان له ولد على ولد يجوز الميراث فكذلك حكمه في الأم قوله تعالى ولهن الربع ~~مما تركتم- إلى قوله تعالى- فلهن الثمن مما تركتم قد دل على أنهن إذا كن ~~أربعا يشتركن في الثمن وهذا لا خلاف ms1013 فيه بين أهل العلم وقد اختلف السلف في ~~ميراث الأبوين مع الزوج والزوجة # فقال علي وعمر وعبد الله بن مسعود وعثمان وزيد للزوجة الربع وللأم ثلث ما ~~بقي وما بقي فللأب وللزوج النصف وللأم ثلث ما بقي وما بقي فللأب # وقال ابن عباس للزوج والزوجة ميراثهما وللأم الثلث كاملا وما بقي فللأب ~~وقال لا أجد في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي وعن ابن سيرين مثل قول ابن عباس ~~وروي أنه تابعه في المرأة والأبوين وخالفه في الزوج والأبوين لتفضيله الأم ~~على الأب والصحابة ومن بعدهم من التابعين وفقهاء الأمصار على القول الأول ~~إلا ما حكينا عن ابن عباس وابن سيرين وظاهر القرآن يدل عليه لأنه قال فإن ~~لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فجعل الميراث بينهما أثلاثا كما ~~جعله أثلاثا بين الابن والبنت في قوله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين وجعله ~~بين الأخ والأخت أثلاثا بقوله تعالى وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل ~~حظ الأنثيين ثم لما سمى للزوج والزوجة ما سمى لهما وأخذا نصيبهما كان ~~الباقي بين الابن والبنتين على ما كان قبل دخولهما وكذلك بين الأخ والأخت ~~وجب أن يكون أخذ الزوج والزوجة نصيبهما موجبا للباقي بين الأبوين على ما ~~استحقاه أثلاثا قبل دخولهما وأيضا هما كشريكين بينهما مال إذا استحق منه ~~شيء كان الباقي بينهما على ما استحقاه بديا والله أعلم بالصواب. ### | باب ميراث أولاد الابن # قال أبو بكر رضي الله عنه قد بينا أن قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم ~~قد أريد به أولاد الصلب وأولاد الابن إذا لم يكن ولد الصلب إذ لا خلاف أن ~~من ترك بني ابن وبنات ابن أن المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين بحكم الآية ~~وكذلك لو ترك بنت ابن # PageV03P013 # كان لها النصف وإن كن جماعة كان لهن الثلثان على سهام ميراث ولد الصلب ~~فثبت بذلك أن أولاد الذكور مرادون بالآية واسم الولد يتناول أولاد الابن ~~كما يتناول أولاد الصلب قال الله تعالى يا بني آدم ms1014 ولا يمتنع أحد أن يقول ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم من ولد هاشم ومن ولد عبد المطلب فثبت بذلك أن ~~اسم الأولاد يقع على ولد الابن وعلى ولد الصلب جميعا إلا أن أولاد الصلب ~~يقع عليهم هذا الاسم حقيقة ويقع على أولاد الابن مجازا ولذلك لم يردوا في ~~حال وجود أولاد الصلب ولم يشاركوهم في سهامهم وإنما يستحقون ذلك في أحد ~~حالين إما أن يعدم ولد الصلب رأسا فيقومون مقامهم وإما أن لا يجوز ولد ~~الصلب الميراث فيستحقون بعض الفضل أو جميعه فإما أن يستحقوا مع أولاد الصلب ~~على وجه الشركة بينهم كما يستحقه ولد الصلب بعضهم مع بعض فليس كذلك فإن قيل ~~لما كان الاسم يتناول ولد الصلب حقيقة وولد الابن مجازا لم يجز أن يرادوا ~~بلفظ واحد لامتناع كون لفظ واحد حقيقة مجازا قيل له إنهم لم يرادوا بلفظ ~~واحد في حال واحدة متى وجد أولاد الصلب فإن ولد الابن لا يستحقون الميراث ~~معهم بالآية وليس يمتنع أن يراد ولد الصلب في حال وجودهم وولد الابن في حال ~~عدم ولد الصلب فيكون اللفظ مستعملا في حالين في إحداهما هو حقيقة وفي ~~الأخرى هو مجاز ولو أن رجلا قال قد أوصيت بثلث مالي لولد فلان وفلان وكان ~~لأحدهما أولاد لصلبه ولم يكن للآخر ولد لصلبه وكان له أولاد ابن كانت ~~الوصية لولد فلان لصلبه ولأولاد أولاد فلان ولم يمتنع دخول أولاد بنيه في ~~الوصية مع أولاد الآخر لصلبه وإنما يمتنع دخول ولد فلان لصلبه وولد ولده ~~معه فأما ولد غيره لغير صلبه فغير ممتنع دخوله مع أولاد الآخر لصلبه فكذلك ~~قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم يقتضي ولد الصلب لكل واحد من المذكورين ~~إذا كان ولا يدخل معه ولد الابن ومن ليس له ولد لصلبه وله ولد ابن دخل في ~~اللفظ ولد ابنه وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم خطاب ~~لكل واحد من الناس فكان كل واحد منهم مخاطبا به على حياله فمن له ms1015 منهم ولد ~~لصلبه تناوله اللفظ على حقيقته ولم يتناول ذلك ولد ابنه ومن ليس له ولد ~~لصلبه وله ولد ابن فهو مخاطب بذلك على حياله فيتناول ولد ابنه فإن قيل إن ~~اسم الولد يقع على كل واحد من ولد الصلب وولد الابن حقيقة لم يبعد إذ كان ~~الجميع منسوبين إليه من # PageV03P014 # جهة ولادته ونسبه متصل به من هذا الوجه فيتناول الجميع كالأخوة لما كان ~~اسما لاتصال النسب بينه وبينه من جهة أحد أبويه شمل الاسم الجميع وكان ~~عموما فيهم جميعا سواء كانوا لأب وأم أو لأب أم لأم وبدل عليه أن قوله ~~تعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم قد عقل به حليلة ابن الابن كما عقل ~~به حليلة ابن الصلب فإذا ترك بنتا وبنت ابن فللبنت النصف بالتسمية ولبنت ~~الابن السدس وما بقي للعصبة فإن ترك بنتين وبنت ابن وابن ابن فللبنتين ~~الثلثان والباقي لابن الابن وبنت الابن بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك ~~لو كانت بنتين وبنات ابن وابن ابن ابن أسفل منهن كان للبنات الثلثان وما ~~بقي فبين بنات الابن ومن هو أسفل منهن من بني ابن الابن للذكر مثل حظ ~~الأنثيين وهذا قول أهل العلم جميعا من الصحابة والتابعين إلا ما روى عن عبد ~~الله ابن مسعود أنه كان يجعل الباقي لابن الابن وإن سفل ولا يعطي بنات ~~الابن شيئا إذا استكمل البنات الثلثين وإنما كان يجعل لبنات الابن تكملة ~~الثلثين مثل أن يترك بنتا وبنات ابن فيكون للبنت النصف ولبنات الابن السدس ~~تكملة الثلثين فإن كان معهن ابن ابن لم يعط بنات الابن أكثر من السدس وكذلك ~~قوله في الأخوات من الأب مع الأخوات من الأب والأم # وذهب في ذلك إلى أن إناث ولد الابن لو كن وحدهن لم يأخذن شيئا بعد ~~استيفاء البنات الثلثين فكذلك إذا كان لهن أخ لم يكن لهن شيء ألا ترى أنه ~~لو كان ابن عم مع إحداهن لم يأخذن شيئا وليس هذا عند الجماعة كذلك لأن بنات ~~الابن يأخذن تارة ms1016 بالفرض وتارة بالتعصيب وأخوهن ومن هو أسفل منهن يعصبهن ~~كبنات الصلب يأخذن تارة بالفرض وتارة بالتعصيب فلو انفرد البنات لم يأخذن ~~أكثر من الثلثين وإن كثرن ولو كان معهن أخ لهن وهن عشر كان لهن خمسة أسداس ~~المال فيأخذن في حال كون الأخ معهن أكثر مما يأخذن في حال الانفراد فكذلك ~~حكم بنات الابن إذا استوفى بنات الصلب الثلثين لم يبق لهن فرض فإن كان معهن ~~أخ صرن عصبة معه ووجبت قسمة الثلث الباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ~~وكذلك قالوا في بنتين وبنت ابن وأخت أن للبنتين الثلثين والباقي للأخت ولا ~~شيء لبنت الابن لأنها لو أخذت في هذه الحال التي ليس معها ذكر كانت مستحقة ~~بفرض البنات والبنات قد استوعبن الثلثين فلم يبق من فرض البنات شيء تأخذه ~~فكانت الأخت أولى لأنها عصبة مع البنات # PageV03P015 # فما تأخذه الأخت في هذه الحال فإنما تأخذه بالتعصيب فإذا كان مع بنت ~~الابن أخ لها كان الباقي بعد الثلثين بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين ولا شيء ~~للأخت # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن عامر بن ~~زرارة قال حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي قيس الأودي عن هزيل بن ~~شرحبيل الأودي قال جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة فسألهما ~~عن بنت وبنت ابن وأخت لأب وأم فقالا للبنت النصف وللأخت النصف ولم يورثا ~~بنت الابن شيئا وأت ابن مسعود فإنه سيتابعنا فأتاه الرجل فسأله وأخبره ~~بقولهما فقال لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ولكن أقضي فيها بقضاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لابنته النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين ~~وما بقي فللأخت من الأب والأم # فهذا السدس تأخذه بنت الابن بالفرض لا بالتعصيب لم يختلفوا فيه إلا ما ~~روي عن أبي موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة وهو الآن اتفاق ثم لم يخالفهم عبد ~~الله لو كان معها أخ أن للبنت النصف وما بقي فبين بنت الابن وابن الابن ms1017 ~~للذكر مثل حظ الأنثيين وأنها لا تعطى السدس في هذه الحال كما أعطيت إذا لم ~~يكن معها أخ ففي هذا دليل على أن بنت الابن تستحق تارة بالفرض وتارة ~~بالتعصيب مع أخواتها كفرائض بنات الصلب ومن قول عبد الله في بنت وبنات ابن ~~وابن ابن أن للبنت النصف وما بقي فبين بنات لابن وابن الابن للذكر مثل حظ ~~الأنثيين ما لم تزد أنصباء بنات الابن على السدس فلا يعطيهن أكثر من السدس ~~فلم يعتبر الفرض على حدة في هذه الحال ولا التعصيب على حدة ولكنه اعتبر ~~التسمية في منع الزيادة على السدس واعتبر المقاسمة في النقصان وهو خلاف ~~القياس والله أعلم بالصواب. ### | باب الكلالة # قال الله عز وجل وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل ~~واحد منهما السدس قال أبو بكر الميت نفسه يسمى كلالة وبعض من يرثه يسمى ~~كلالة وقوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة يدل على أن الكلالة هاهنا اسم ~~الميت والكلالة حاله وصفته ولذلك انتصب وروى السميط بن عمير أن عمر رضي ~~الله عنه قال أتى علي زمان وما أدري ما الكلالة وإنما الكلالة ما خلا الولد ~~والوالد وروي عاصم الأحول عن الشعبي قال قال أبو بكر رضي الله عنه الكلالة ~~ما خلا الولد والوالد فلما طعن عمر رضى # PageV03P016 # الله عنه قال رأيت أن الكلالة من لا ولد له ولا والد وإني لأستحيي الله ~~أن أخالف أبا بكر هو ما عدا الوالد والولد وروى طاوس عن ابن عباس قال كنت ~~آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب فسمعته يقول القول ما قلت قلت وما قلت قال ~~الكلالة من لا ولد له وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الحسن بن ~~محمد قال سألت ابن عباس عن الكلالة فقال من لا ولد له ولا والد قال قلت فإن ~~الله تعالى يقول في كتابه إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فغضب وانتهرني ~~فظاهر الآية وقول من ذكرناهم من الصحابة يدل ms1018 على أن الميت نفسه يسمى كلالة ~~لأنهم قالوا الكلالة من لا والد له ولا ولد وقال بعضهم الكلالة من لا ولد ~~له وهذه صفة الموروث الميت لأنه معلوم أنهم لم يريدوا أن الكلالة هو الوارث ~~الذي لا ولد له ولا والد إذ كان وجود الولد والوالد للوارث لا يغير حكم ~~ميراثه من موروثه وإنما يتغير حكم الميراث بوجود هذه الصفة للميت المورث ~~والذي يدل على أن اسم الكلالة قد يقع على بعض الوارثين # ما رواه شعبة عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال أتاني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت يا رسول الله كيف الميراث فإنما ~~يرثني كلالة فنزلت آية الفرائض وهذا الحرف تفرد به شعبة في رواية محمد بن ~~المنكدر # فأخبر أن الكلالة ورثته ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم # وروى ابن عون عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال حدثنا رجل من ~~بني سعد أن سعدا مرض بمكة فقال يا رسول الله ليس لي وارث إلا كلالة فأخبر ~~أيضا أن الكلالة هم الورثة # وحديث سعد متقدم لحديث جابر لأن مرضه كان بمكة وليس فيه ذكر الآية فقال ~~قوم كان في حجة الوداع وقال قوم كان في عام الفتح ويقال إن الصحيح أنه كان ~~في عام الفتح وحديث جابر كان بالمدينة في آخر أيام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال آخر آية نزلت يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة # قال يحيى بن آدم وقد بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للذي ~~سأله عن الكلالة يكفيك آية الصيف وهي قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم ~~في الكلالة # لأنها نزلت في الصيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز إلى مكة ونزلت ~~عليه آية الحج ولله على الناس حج البيت وهي آخر آية نزلت بالمدينة ثم خرج ~~إلى مكة فنزلت عليه بعرفة يوم عرفة اليوم ms1019 أكملت لكم دينكم الآية ثم نزلت ~~عليه من الغد يوم النحر واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله «2- أحكام لث» # PageV03P017 # هذه الآية ثم لم ينزل عليه شيء بعدها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد نزولها هكذا سمعنا قال يحيى # وفي حديث آخر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال ~~من مات وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة # قال أبو بكر ولم يذكر تاريخ الأخبار والآي لأن الحكم يتغير فيما ذكرنا ~~بالتاريخ ولكنه لما جرى ذكر الآي والأخبار اتصل ذلك بها وإنما أردنا بذلك ~~أن نبين أن اسم الكلالة يتناول الميت تارة وبعض الورثة تارة أخرى وقد اختلف ~~السلف في الكلالة # فروى جرير عن أبى إسحاق الشيباني عن عمرو ابن مرة عن سعيد بن المسيب أن ~~عمر بن الخطاب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يورث الكلالة قال أو ~~ليس قد بين الله تعالى ذلك ثم قرأ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة إلى آخر ~~الآية فأنزل الله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إلى آخرها قال ~~فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة إذا رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم طيب ~~نفس فسليه عنها فرأت منه طيب نفس فسألته عنها فقال أبوك كتب لك هذا ما أرى ~~أباك يعلمها أبدا قال فكان عمر يقول ما أراني أعلمها أبدا وقد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما قال # وروى سفيان عن عمرو بن مرة عن مرة قال قال عمر ثلاث لا يكون بينهن لنا ~~أحب إلي من الدنيا وما فيها الكلالة والخلافة والربا وروى قتادة عن سالم بن ~~أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة قال قال عمر ما سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري ثم قال ~~يكفيك آية الصيف وروي عن عمر أنه قال عند موته اعلموا أني لم أقل في ~~الكلالة شيئا ms1020 فهذه الأخبار التي ذكرنا تدل على أنه لم يقطع فيها بشيء وأن ~~معناها والمراد بها كان ملتبسا عليه قال سعيد بن المسيب كان عمر كتب كتابا ~~في الكلالة فلما حضرته الوفاة محاه وقال ترون فيه رأيكم فهذه إحدى الروايات ~~عن عمر وروي عنه أنه قال الكلالة من لا ولد له ولا والد وروي عنه أن ~~الكلالة من لا ولد له وروي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن عباس في إحدى ~~الروايتين أن الكلالة ما عدا الوالد والولد وروى محمد بن سالم عن الشعبي عن ~~ابن مسعود أنه قال الكلالة ما خلا الوالد والولد وعن زيد ابن ثابت مثله ~~وروي عن ابن عباس رواية أخرى أن الكلالة ما خلا الوالد قال أبو بكر اتفقت ~~الصحابة على أن الولد ليس من الكلالة واختلفوا في الوالد فقال الجمهور ~~الوالد خارج من الكلالة وقال ابن عباس في # PageV03P018 # إحدى الروايتين مثله وفي رواية أخرى أن الكلالة ما عدا الولد فلما اختلف ~~السلف فيها على هذه الوجوه وسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن معناها ~~فوكله إلى حكم الآية وما في مضمونها وهي قوله تعالى يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة وقد كان عمر رجلا من أهل اللسان لا يخفى عليه ما طريق ~~معرفته اللغة ثبت أن معنى اسم الكلالة غير مفهوم من اللغة وأنه من متشابه ~~الآي التي أمرنا الله تعالى بالاستدلال على معناه بالحكم ورده إليه ولذلك ~~لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم عمر عن سؤاله في معنى الكلالة ووكله إلى ~~استنباطه والاستدلال عليه وفي ذلك ضروب من الدلالة على المعاني أحدها أن ~~بمسئلته إياه لم يلزمه توقيفه على معناها من طريق النص لأنه لو كان واجبا ~~عليه توقيفه على معناها لما أخلاه النبي صلى الله عليه وسلم من بيانها وذلك ~~أنه لم يكن أمر الكلالة في الحال التي سأل عنها حادثة تلزمه تنفيذ حكمها في ~~الحال ولو كان كذلك لما أخلاه من بيانها وإنما سأله سؤال مستفهم مسترشد ~~لمعنى الآية من ms1021 طريق النص ولم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الناس ~~على جليل الأحكام ودقيقها لأن منها ما هو مذكور باسمه وصفته ومنها ما هو ~~مدلول عليه بدلالة مفضية إلى العلم به لا احتمال فيه ومنها ما هو موكولا ~~إلى اجتهاد الرأي فرد النبي صلى الله عليه وسلم عمر إلى اجتهاده وهذا يدل ~~على أنه رآه من أهل الاجتهاد وأنه ممن قال الله تعالى لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم وفيه الدلالة على تسويغ اجتهاد الرأي في الأحكام وأنه أصل ~~يرجع إليه في أحكام الحوادث والاستدلال على معاني الآي المتشابهة وبنائها ~~على المحكم واتفاق الصحابة أيضا على تسويغ الاجتهاد في استخراج معاني ~~الكلالة يدل على ذلك ألا ترى أن بعضهم قال هو من لا ولد له ولا والد وقال ~~بعضهم من لا ولد له وأجاب عمر بأجوبة مختلفة ووقف فيها في بعض الأحوال ولم ~~ينكر بعضهم على بعض الكلام فيها بما أداه إليه اجتهاده وفي ذلك دليل على ~~اتفاقهم على تسويغ الاجتهاد في الأحكام ويدل على أن ما # روى أبو عمران الجوني عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ # إنما هو فيمن قال فيه بما سنخ في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه ~~بالأصول وأن من استدل على حكمه واستنبط معناه فحمله على المحكم المتفق على ~~معناه فهو ممدوح مأجور ممن قال الله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقد ~~تكلم أهل اللغة في معنى الكلالة قال أبو عبيدة معمر بن المثنى الكلالة كل ~~من لم يرثه أب ولا ابن فهو # PageV03P019 # عند العرب كلالة مصدر من تكلله النسب أي تعطف النسب عليه قال أبو عبيدة ~~من قرأها يورث بالكسر أراد من ليس بولد ولا والد قال أبو بكر والذي قرأه ~~بالكسر الحسن وأبو رجاء العطاردي قال أبو بكر وقد قيل إن الكلالة في أصل ~~اللغة هو الإحاطة فمنه الإكليل لإحاطته بالرأس ومنه الكل لإحاطته بما يدل ~~عليه فالكلالة في ms1022 النسب من أحاط بالولد والوالد من أخوة والأخوات وتكللهما ~~وتعطف عليها والولد والوالد ليس بكلالة لأن أصل النسب وعموده الذي إليه ~~ينتهي هو الولد والوالد ومن سواهما فهو خارج عنهما وإنما يشتمل عليهما ~~بالانتساب عن غير جهة الولادة ممن نسب إليه كالإكليل المشتمل على الرأس ~~وهذا يدل على صحة قول من تأولها على ما عدا الوالد والولد وأن الولد إذا لم ~~يكن من الكلالة فكذلك الولد لأن نسبة كل واحد منهما إلى الميت من طريق ~~الولادة وليس كذلك الإخوة والأخوات لأن نسب كل واحد منهما لا يرجع إلى ~~الميت من طريق ولاد بينهما ويشبه أن يكون من تأوله على من عدا الوالد وأخرج ~~الولد وحده من الكلالة أن الولد من الوالد وكأنه بعضه وليس الوالد من الولد ~~كما ليس الأخ والأخت ممن ينسب إليه بالأخوة فاعتبر من قال ذلك الكلالة بمن ~~لا ينسب إليه بأنه منه وبعضه فأما من كانت نسبته إلى الميت من حيث هو منه ~~فليس بكلالة وقد كان اسم الكلالة مشهورا في الجاهلية قال عامر بن الطفيل. # فإني وإن كنت ابن فارس عامر وفي السر منها والصريح المهذب فما سودتني ~~عامر عن كلالة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب وهذا يدل على أنه رأى الجد الذي ~~انتسبوا إليه كلالة وأخبر مع ذلك أن سيادته ليست من طريق النسب والكلالة ~~لكنه بنفسه ساد ورأس وقال بعضهم كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت وحمل ~~فلان على فلان ثم كل عنه إذا تباعد والكلالة هو الإعياء لأنه قد يبعد عليه ~~تناول ما يريده وأنشد الفرزدق: # ورثتم قناة الملك غير كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم يعني: ورثتموها ~~بالآباء لا بالأخوة والعمومة وذكر الله تعالى الكلالة في موضعين من كتابه ~~أحدهما قوله تعالى قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك إلى آخر الآية فذكر ميراث الإخوة والأخوات # PageV03P020 # عند عدم الولد وسماهم كلالة وعدم الوالد مشروط فيها وإن لم ms1023 يكن مذكورا ~~لقوله تعالى في أول السورة وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه ~~السدس فلم يجعل للإخوة ميراثا مع الأب فخرج الوالد من الكلالة كما خرج ~~الولد لأنه لم يورثهم مع الأب كما لم يورثهم مع الابن والبنت أيضا ليست ~~بكلالة فإن ترك ابنة أو ابنتين وإخوة وأخوات لأب وأم أو لأب فالبنات لسن ~~بكلالة ومن ورث معهما كلالة وقال تعالى في أول السورة وإن كان رجل يورث ~~كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك ~~فهم شركاء في الثلث # فهذه الكلالة هي الأخ والأخت لأم لا يرثان مع والد ولا ولد ذكرا كان أو ~~أنثى وقد روي أن في قراءة سعد بن أبي وقاص [وإن كان رجل يورث كلالة أو ~~امرأة وله أخ أو أخت لأم] فلا خلاف مع ذلك أن المراد بالأخ والأخت هاهنا ~~إذا كانا لأم دونهما إذا كانا لأب وأم أو لأب وقد روي عن طاوس عن ابن عباس ~~أن الكلالة ما عدا الولد وورث الإخوة من الأم مع الأبوين السدس وهو السدس ~~الذي حجبت الأم عنه وهو قول شاذ وقد بينا ما روي عنه أنها ما عدا الوالد ~~والولد ولا خلاف أن الإخوة والأخوات من الأم يشتركون في الثلث ولا يفضل ~~منهم ذكر على أنثى وقد اختلفوا في الجد هل يورث كلالة فقال قائلون لم يورث ~~كلالة وقال آخرون بل هو كلالة وهو قول من يورث الإخوة والأخوات مع الجد ~~والأولى أن يكون خارجا من الكلالة لثلاثة أوجه أحدها أنهم لا يختلفون أن ~~ابن الابن خارج عن الكلالة لأنه منسوب إلى الميت بالولاد فواجب على هذا ~~خروج الجد منها إذا كانت النسبة بينهما من طريق الولاد ومن جهة أخرى أن ~~الجد هو أصل النسب كالأب وليس بخارج عنه فوجب أن يكون خارجا عن الكلالة إذا ~~كانت الكلالة ما تكلل على النسب وتعطف عليه ممن ليس أصل النسب متعلقا به ~~والثالث أنهم لا يختلفون أن ms1024 قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو أخت لم يدخل فيه الجد وأنه خارج عنه لا يرث معه الإخوة من الأم ~~كما لا يرثون مع الابن والبنت فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب في خروجه عن ~~الكلالة وهذا يدل على أن الجد بمنزلة الأب في نفي مشاركة الإخوة والأخوات ~~إياه في الميراث فإن قيل هذا لا يدل على ما ذكرته من قبل # PageV03P021 # أن البنت خارجة عن الكلالة ولا يرث معها الإخوة والأخوات من الأم ويرث ~~معها الإخوة والأخوات من الأب والأم فكذلك الجد قيل له لم نجعل ما ذكرناه ~~علة للمسئلة فيلزمنا ما وصفت وإنما قلنا إنه لما لم يتناوله اسم الكلالة ~~كالأب والابن اقتضى ظاهر الآية أن يكون ميراث الإخوة والأخوات عند عدمه إلا ~~أن تقوم الدلالة على توريثهم معه والبنت وإن كانت خارجة عن الكلالة فقد ~~قامت الدلالة على توريث الإخوة والأخوات من الأب معها فخصصناها من الظاهر ~~وبقي حكم اللفظ فيما سواه ممن يشتمله اسم الكلالة والله أعلم. ### | باب العول # روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال أول من ~~أعال الفرائض عمر بن الخطاب لما التوت عليه الفرائض ودافع بعضها بعضا قال ~~والله ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر وكان امرأ ورعا فقال ما أجد شيئا ~~هو أوسع لي أن أقسم المال عليكم بالحصص وأدخل على كل ذي حق ما أدخل عليه من ~~عول الفريضة # وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي في بنتين وأبوين وامرأة قال صار ثمنها ~~تسعا وكذلك رواه الحكم بن عتيبة عنه # وهو قول عبد الله وزيد بن ثابت وقد روي أن العباس ابن عبد المطلب أول من ~~أشار على عمر بالعول قال عبيد الله بن عبد الله قال ابن عباس أول من أعال ~~الفرائض عمر بن الخطاب وأيم الله لو قدم من قدم الله لما عالت فريضة فقيل ~~له وأيها التي قدم الله وأيها التي أخر قال ms1025 كل فريضة لم تزل عن فريضة إلا ~~إلى فريضة فهي التي قدم الله وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ~~ما بقي فهي التي أخر الله تعالى فأما التي قدم الله تعالى فالزوج والزوجة ~~والأم لأنهم لا يزولون من فرض إلا إلى فرض والبنات والأخوات نزلن من فرض ~~إلى تعصيب مع البنتين والإخوة فيكون لهن ما بقي مع الذكور فنبدأ بأصحاب ~~السهام ثم يدخل الضرر على الباقين وهم الذين يستحقون ما بقي إذا كانوا عصبة ~~قال عبيد الله بن عبد الله فقلنا له فهلا راجعت فيه عمر فقال إنه كان امرأ ~~مهيبا ورعا قال ابن عباس ولو كلمت فيه عمر لرجع وقال الزهري لولا أنه تقدم ~~ابن عباس إمام عدل فأمضى أمرا فمضى وكان امرأ ورعا ما اختلف على ابن عباس ~~اثنان من أهل العلم وروى محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح # PageV03P022 # عن عطاء بن أبي رباح قال سمعت ابن عباس ذكر الفرائض وعولها فقال أترون ~~الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال قسمه نصفا ونصفا وثلثا فهذا النصف وهذا ~~النصف فأين موضع الثلث قال عطاء فقلت لابن عباس يا أبا عباس إن هذا لا يغني ~~عنك ولا عنى شيئا لو مت أومت قسما ميراثنا على ما عليه القوم من خلاف رأيك ~~ورأيي قال فإن شاءوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا ~~وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ما جعل الله في مال نصفا ~~ونصفا وثلثا والحجة للقول الأول أن الله تعالى قد سمى للزوج النصف وللأخت ~~من الأب والأم النصف وللإخوة من الأم الثلث ولم يفرق بين حال اجتماعهم ~~وانفرادهم فوجب استعمال نص الآية في كل موضع على حسب الإمكان فإذا انفرد ~~واتسع المال لسهامهم قسم بينهم عليها وإذا اجتمعوا وجب استعمال حكم الآية ~~في التضارب بها ومن اقتصر على بعض وأسقط بعضا أو نقص نصيب بعض ووفى الآخرين ~~كمال سهامهم فقد أدخل الضيم على بعضهم مع مساواته للآخرين في التسمية فأما ms1026 ~~ما قاله ابن عباس من تقديم من قدم الله تعالى وتأخير من أخر فإنما قدم بعضا ~~وأخر بعضا وجعل له الباقي في حال التعصيب فأما حال التسمية التي لا تعصيب ~~فيها فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر ألا ترى أن الأخت منصوص على ~~فرضها بقوله تعالى وله أخت فلها نصف ما ترك كنصه على فرض الزوج والأم ~~والإخوة من الأم فمن أين وجب تقديم هؤلاء عليها في هذه الحال وقد نص الله ~~تعالى على فرضها في هذه الحال كما نص على فرض الدين معها وليس يجب لأن الله ~~أزال فرضها إلى غير فرض في موضع أن يزيل فرضها في الحال التي نص عليه فيها ~~فهذا القول أشنع في مخالفة الآي التي فيها سهام المواريث من القول بإثبات ~~نصف ونصف وثلث على وجه المضاربة بها ولذلك نظائر في المواريث من الأصول ~~أيضا قال الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين فلو ترك الميت ألف درهم ~~وعليه دين لرجل ألف درهم ولآخر خمس مائة ولآخر ألف كانت الألف المتروكة ~~مقسومة بينهم على قدر ديونهم وليس يجوز أن يقال لما لم يمكن استيفاء ألفين ~~وخمس مائة من ألف استحال الضرب بها وكذلك لو أوصى رجل بثلث ماله لرجل ~~وبسدسه لآخر ولم تجز ذلك الورثة تضاربا في الثلث بقدر وصياهم فيضرب أحدهما ~~بالسدس والآخر بالثلث مع استحالة استيفاء النصف # PageV03P023 # من الثلث وكذلك الابن يستحق جميع المال لو انفرد وللبنت النصف لو انفردت ~~فإذا اجتمعا ضرب الابن بجميع المال والبنت بالنصف فيكون المال بينهما ~~أثلاثا وهكذا سبيل العول في الفرائض عند تدافع السهام والله أعلم. ### | باب المشركة # اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المشركة وهي أن تخلف ~~المورثة زوجها وأمها وإخوتها لأمها وإخوتها لأبيها وأمها # فقال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري ~~للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين من الأم الثلث # وسقط الإخوة والأخوات من الأب والأم # وروى سفيان الثوري عن ms1027 عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال سئل علي عن ~~الإخوة من الأم فقال أرأيتم لو كانوا مائة أكنتم تزيدونهم على الثلث قالوا ~~لا قال فأنا لا أنقصهم منه شيئا وجعل الإخوة والأخوات من الأب والأم عصبة # في هذه الفريضة وقد حالت السهام دونهم وقال عمر بن الخطاب وعبد الله بن ~~مسعود وزيد بن ثابت للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين من الأم الثلث ثم ~~يرجع الإخوة من الأب والأم على الإخوة من الأم فيشاركونهم فيكون الثلث الذي ~~أخذوه بينهم سواء وروى معمر عن سماك ابن الفضل عن وهب بن منبه عن الحكم بن ~~مسعود الثقفي قال شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم مع الإخوة ~~من الأم في الثلث فقال له رجل قضيت عام أول بخلاف هذا قال كيف قضيت قال ~~جعلته للإخوة من الأم ولم تعط الإخوة من الأب والأم شيئا قال تلك على ما ~~قضينا وهذه على ما قضينا وروي أن عمر كان لا يشرك بينهم حتى احتج الإخوة من ~~الأب والأم فقالوا يا أمير المؤمنين لنا أب وليس لهم أب ولنا أم كما لهم ~~فإن كنتم حرمتونا بأبينا فورثونا بأمنا كما ورستم هؤلاء بأمهم واحسبوا أن ~~أبانا كان حمارا أليس قد تراكضنا في رحم واحدة فقال عمر عند ذلك صدقتم ~~فأشرك بينهم وبين الإخوة من الأم في الثلث وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~وزفر والحسن بن زياد إلى # قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن تابعه في ترك الشركة بينهم # والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ~~وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم # PageV03P024 # شركاء في الثلث # فنص على فرض الإخوة من الأم وهو الثلث وبين أيضا حكم الإخوة من الأب ~~والأم في قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة- إلى قوله تعالى- ~~وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين فلم يجعل الله لهم فرضا ms1028 ~~مسمى وإنما جعل لهم المال على وجه التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين ولا خلاف ~~أنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وإخوة وأخوات لأب وأم أن للزوج النصف ~~وللأم السدس وللأخ من الأم السدس وما بقي وهو السدس بين الإخوة والأخوات من ~~الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين ولم يدخلوا مع الأخ من الأم في نصيبه ~~فلما كانوا مع ذوي السهام إنما يستحقون باقي المال بالتعصيب لا بالفرض لم ~~يجز لنا إدخالهم مع الإخوة من الأم في فرضهم لأن ظاهر الآية ينفي ذلك إذ ~~كانت الآية إنما أوجبت لهم ما يأخذونه للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا ~~بالفرض فما أعطاهم بالفرض فهو خارج عن حكم الآية ويدل على ذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض ~~فلا ولى عصبة ذكر # فجعل للعصبة بقية المال بعد أخذ ذوي السهام سهامهم فمن أشركهم مع ذوي ~~السهام وهم عصبة فقد خالف الأثر فإن قيل لما اشتركوا في نسب الأم وجب أن لا ~~يحرموا بالأب قيل له هذا غلط لأنها لو تركت زوجا وأما وأخا لأم وأخوة ~~وأخوات لأب وأم لأخذ الأخ من أم السدس كاملا وأخذ الإخوة والأخوات من الأب ~~والأم السدس الباقي بينهم وعسى يصيب كل واحد منهم أقل من العشر ولم يكن ~~لواحد منهم أن يقول قد حرمتموني بالأب مع اشتراكنا في الأم بل كان نصيب ~~الأخ من الأم أوفر من نصيب كل واحد منهم فدل ذلك على معنيين أحدهما انتقاض ~~العلة بالاشتراك في الأم والثاني أنهم لم يأخذوا بالفرض وإنما أخذوا ~~بالتعصيب ويدل على فساد ذلك أيضا أنها لو تركت زوجا وأختا لأب وأم وأختا ~~وأخا لأب أن للزوج النصف وللأخت من الأب والأم النصف ولا شيء للأخ والأخت ~~من الأم لأنهما عصبة فلا يدخل مع ذوي السهام ولم يجز أن يجعل الأخ من الأب ~~بمنزلة من لم يكن حتى تستحق الأخت من الأب سهمها الذي كانت تأخذه في حال ~~الانفراد عن الأخ وإنما التعصيب ms1029 أخرجها عن السدس الذي كانت تستحقه كذلك ~~التعصيب يخرج الإخوة من الأب والأم عن الثلث الذي يستحقه الإخوة من الأم ~~والله أعلم. # PageV03P025 ### | ذكر اختلاف السلف في ميراث الأخت مع البنت # لم يختلف عن علي وعمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل في ~~رجل خلف بنتا وأختا لأب وأم وعصبة أن للبنت النصف وما بقي فللأخت فجعلوها ~~عصبة مع البنات وقال عبد الله بن عباس وابن الزبير للبنت النصف وما بقي ~~فللعصبة وإن بعد نسبه ولاحظ للأخت في الميراث مع البنت وروي أن ابن الزبير ~~رجع عن ذلك بعد أن قضى به # وروي أنه قيل لعبد الله بن عباس إن عليا وعبد الله وزيدا كانوا يجعلون ~~الأخوات مع البنات عصبة فيورثونهن # فاضل المال فقال أأنتم أعلم أم الله يقول الله إن امرؤ هلك ليس له ولد ~~وله أخت فلها نصف ما ترك وأنتم تجعلون لها مع الولد النصف قال أبو بكر مما ~~يحتج به للقول الأول قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ~~فظاهره يقتضي توريث الأخت مع البنت لأن أخاها الميت هو من الأقربين وقد جعل ~~الله ميراث الأقربين للرجال والنساء ويحتج فيه # بحديث أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى في بنت وبنت ابن وأخت لأب وأم أن للبنت النصف ولبنت ~~الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت فأعطى للأخت بقية المال بعد ~~السهام وجعلها عصبة مع البنت # وأما احتجاج من يحتج في ذلك بأن الله تعالى إنما جعل لها النصف إذا لم ~~يكن ولد ولا يجوز أن يجعل لها النصف مع الولد فإنه غير لازم من قبل أن الله ~~تعالى نص على سهمها عند عدم الولد ولم ينف ميراثها مع وجوده وتسميته لها ~~النصف عند عدم الولد لا دلالة فيه على سقوط حقها إذا كان هناك ولد إذ ms1030 لم ~~يذكر هذه الحال بنفي الميراث ولا بإيجابه فهو موقوف على دليله ومع ذلك فإن ~~معناه إن امرؤ هلك وليس له ولد ذكر بدلالة قوله تعالى في نسق التلاوة وهو ~~يرثها يعني الأخ يرث الأخت إن لم يكن لها ولد معناه عند الجميع إن لم يكن ~~لها ولد ذكر إذ لا خلاف بين الصحابة أنها إذا تركت ولدا أنثى وأخا أن للبنت ~~النصف والباقي للأخ والولد المذكور هاهنا هو المذكور بديا في أول الآية ~~وأيضا قال الله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ~~ومعناه عند الجميع إن كان له ولد ذكر لأنه لا خلاف بين الصحابة ومن بعدهم ~~من الفقهاء أنه لو ترك # PageV03P026 # ابنة وأبوين أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي للأب فيأخذ الأب في ~~هذه الحال مع الولد الأنثى أكثر من السدس وأن قوله تعالى ولأبويه لكل واحد ~~منهما السدس مما ترك إن كان له ولد على أنه ولد ذكر وكذلك لو ترك أبا وبنتا ~~كان للبنت النصف وللأب النصف فقد أخذ في هاتين المسألتين أكثر من السدس مع ~~الولد قال أبو بكر وشذت طائفة عن الأمة فزعمت أنه إذا ترك بنتا وأختا كان ~~المال كله للبنت وكذلك البنت والأخ وهذا قول خارج عن ظاهر التنزيل واتفاق ~~الأمة قال الله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن ~~نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف فنص على سهم ~~البنت وسهم ما فوق الثنتين وجعل لها إذا انفردت النصف وإذا ضامها غيرها ~~الثلثين لهما جميعا فغير جائز أن تعطى أكثر منه إلا بدلالة فإن قيل إذا كان ~~ذكر النصف والثلثين غير دال على ما ذكرت فليس إذا في الظاهر نفي ما زاد ~~وإنما تحتاج إلى أن تطالب خصمك بإقامة الدلالة على أن الزيادة مستحقة قيل ~~له لما كان قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم أمرا باعتبار السهام ~~المذكورة إذ كانت الوصية أمرا أوجب ذلك اعتبار كل ms1031 فرض مقدر في الآية على ~~حياله ممنوعا من الزيادة والنقصان فيه فاقتضى ذلك وجوب الاقتصار على ~~المقادير المذكورة لمن سميت له غير زائدة ولا ناقصة ولم يقل بذلك من حيث ~~خصه بالذكر دون ما تقدم من الأمر باعتبارها في ابتداء الخطاب فلذلك منعنا ~~الزيادة عليها إلا بدلالة وقوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون يدل على وجوب توريث الأخ مع البنت ويدل عليه # حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ألحقوا الفرائض بأهلها فما ~~أبقت فلا ولى عصبة ذكر # فواجب بمجموع الآية والخبر أنا إذا أعطينا البنت النصف أن نعطي الباقي ~~الأخ لأنه أولى عصبة ذكر واختلف السلف في ابني عم أحدهما أخ لأم # فقال علي وزيد للأخ من الأم السدس وما بقي فبينهما نصفان # وهو قول فقهاء الأمصار وقال عمر وعبد الله المال للأخ من الأم وقالا ذو ~~السهم أحق ممن لا سهم له وإليه كان يذهب شريح والحسن ولم يختلفوا في أخوين ~~لأم أحدهما ابن عم أن لهما الثلث بنسب الأم وما بقي فلابن العم خاصة ولم ~~يجعلوا ابن العم أحق بجميع الميراث لاجتماع السهم والتسمية له دون الآخر ~~كذلك حكم ابني العم إذا كان أحدهما أخا لأم فغير جائز أن يجعل أولى # PageV03P027 # بالميراث من أجل اختصاصه بالسهم والتعصيب وشبه عمر وعبد الله ذلك بالأخ ~~لأب وأم وأخ لأب أنه أولى بالميراث وليس هذا عند الآخرين مشبها لهذه ~~المسألة من قبل أن نسبهما من جهة واحدة وهي الأخوة فاعتبر فيها أقربهما ~~إليه وهو الذي اجتمع له قرابة الأب والأم ولا يستحق بقرابته من الأم سهم ~~الأخ من الأم بل إنما يؤكد ذلك حكم الأخوة وليس كذلك ابنا العم إذا كان ~~أحدهما أخا لأم لأنك تريد أن تؤكد بالأخوة من جهة الأم ما ليس بأخوة وإنما ~~هو سبب آخر غيرها فلم يجز أن تؤكده بها ويدل لك على هذا أن نسبته من جهة ~~أنه ابن العم لا يسقط سهمه من جهة أنه أخ لأم بل يرث ms1032 بأنه أخ لأم سهم الأخ ~~من الأم وإن كان ابن عم ألا ترى أن الميتة لو تركت أختين لأب وأم وزوجا ~~وأخا لأم هو ابن عم أن للأختين الثلثين وللزوج النصف وللأخ من الأم السدس ~~ولم يسقط سهمه من جهة أنه ابن عم ولو تركت زوجا وأما وأختا لأم وإخوة لأب ~~وأم كان للزوج النصف وللأم السدس وللأخت من الأم السدس وما بقي فللإخوة من ~~الأب والأم ولم يستحق أخوة من الأب والأم سهم الأخوة من الأم لمشاركتهم ~~للأخ من الأم في نسبها بل إنما استحقوا بالتعصيب فكانت قرابتهم بالأب والأم ~~مؤكدة لتعصيبهم فلا يستحقون بها أن يكونوا من ذوي السهام وقرابة ابن العم ~~بنسبه من جهة الأم لا تخرجه من أن يكون من ذوي السهام فيما يستحقه من سهم ~~الأخ من الأم وليس لهذا تأثير في تأكيد التعصيب لأنه لو كان كذلك لوجب أن ~~لا يستحق أبدا إلا بالتعصيب كما لا يؤخذ الإخوة من الأب والأم إلا بالتعصيب ~~ولا يأخذون بقرابتهم من الأم سهم الأخوة من الأم والله أعلم. ### | باب الرجل يموت وعليه دين ويوصي بوصية # قال الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين # وروى الحارث عن علي قال تقرءون الوصية قبل الدين وإن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم قضى بالدين قبل الوصية # قال أبو بكر وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين وذلك لأن معنى قوله من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين أن الميراث بعد هذين وليست أو في هذا الموضع لأحدهما ~~بل قد تناولهما جميعا وذلك لأن قوله من بعد وصية يوصي بها أو دين مستثنى عن ~~الجملة المذكورة في قسمة المواريث ومتى دخلت أو على النفي صارت في معنى ~~الواو كقوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو # PageV03P028 # كفورا # وقال تعالى حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما ~~اختلط بعظم فكانت أو في هذه المواضع بمنزلة الواو فكذلك قوله تعالى من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين لما كان في معنى ms1033 الاستثناء كأنه قال إلا أن تكون هناك ~~وصية أو دين فيكون الميراث بعدهما جميعا وتقديم الوصية على الدين في الذكر ~~غير موجب للتبدئة بها على الدين لأن أو لا توجب الترتيب وإنما ذكر الله ~~تعالى ذلك بعد ذكر الميراث إعلاما لنا أن سهام المواريث جارية في التركة ~~بعد قضاء الدين وعزل حصة الوصية ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كانت سهام ~~الورثة معتبرة بعد الثلث فيكون للزوجة الربع أو الثمن في الثلثين وكذلك ~~سهام سائر أهل الميراث جارية في الثلثين دون الثلث الذي فيه الوصية فجمع ~~تعالى بين ذكر الدين والوصية ليعلمنا أن سهام الميراث معتبرة بعد الوصية ~~كما هي معتبرة بعد الدين وإن كانت الوصية مخالفة للدين من جهة الاستيفاء ~~لأنه لو هلك من المال شيء لدخل النقصان على أصحاب الوصايا كما يدخل على ~~الورثة وليس كذلك الدين لأنه لو هلك من المال شيء استوفي الدين كله من ~~الباقي وإن استغرقه وبطل حق الموصى له والورثة جميعا فالموصى له شريك ~~الورثة من وجه ويأخذ شبها من الغريم من وجه آخر وهو أن سهام أهل المواريث ~~معتبرة بعد الوصية كاعتبارها بعد الدين وليس المراد بقوله تعالى من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين أن الموصى له يعطى وصيته قبل أن يأخذ الورثة أنصباءهم ~~بل يعطون كلهم معا كأنه أحد الورثة في هذا الوجه وما هلك من المال قبل ~~القسمة فهو ذاهب منهم جميعا. ### | باب مقدار الوصية الجائزة # قال الله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين ظاهره يقتضي جواز الوصية ~~بقليل المال وكثيره لأنها منكورة لا تختص ببعض دون بعض إلا أنه قد قامت ~~الدلالة من غير هذه الآية على أن المراد بها الوصية ببعض المال لا بجميعه ~~وهو قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ~~ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر فأطلق إيجاب الميراث فيه من غير ~~ذكر الوصية فلو اقتضى قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها الوصية بجميع المال ms1034 ~~لصار قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون منسوخا بجواز ~~الوصية بجميع المال فلما كان حكم هذه الآية # PageV03P029 # ثابتا في إيجاب الميراث وجب استعمالها مع آية الوصية فوجب أن تكون الوصية ~~مقصورة على بعض المال والباقي للورثة حتى تكون مستعملين لحكم الآيتين ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا يعني في منع الرجل الوصية بجميع ~~ماله على ما تقدم من بيان تأويله فيدل على جواز الوصية ببعض المال لاحتمال ~~اللفظ للمعنيين وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار تلقتها الأمة ~~بالقبول والاستعمال في الاقتصار بجواز الوصية على الثلث منها ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن ~~أبي خلف قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال مرض أبي ~~مرضا شديدا قال ابن أبى خلف بمكة مرضا شفى منه فعاده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي ~~أفأتصدق بالثلثين قال لا قال فبالشطر قال لا قال فبالثلث قال الثلث والثلث ~~كثير وإنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس فإنك ~~لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك قلت يا رسول ~~الله أتخلف عن هجرتي قال إنك إن تخلف بعدي فتعمل عملا تريد به وجه الله لا ~~تزداد به إلا رفعة ودرجة لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون ثم ~~قال اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن ~~خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة # قال أبو بكر قد حوى هذا الخبر ضروبا من الأحكام والفوائد منها أن الوصية ~~غير جائزة في أكثر من الثلث والثاني أن المستحب النقصان عن الثلث ولذلك قال ~~بعض الفقهاء أستحب النقصان عنه # لقوله ms1035 صلى الله عليه وسلم والثلث كثير والثالث # أنه إذا كان قليل المال وورثته فقراء أن الأفضل أن لا يوصي بشيء # لقوله صلى الله عليه وسلم إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس # وفي ذلك أيضا دليل على جواز الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث لأنه ~~أخبر أن الوصية بأكثر من الثلث ممنوعة لأجل الورثة وفيه الدلالة على أن ~~الصدقة في المرض وصية غير جائزة إلا من الثلث لأن سعد قال أتصدق بجميع مالي # فقال لا إلى أن رده إلى الثلث # وقد رواه جرير عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن سعد قال ~~عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقال أوصيت قلت نعم قال بكم ~~قلت بمالي كله في # PageV03P030 # سبيل الله قال فما تركت لولدك قال هم أغنياء قال أوص بالعشر فما زلت ~~أناقصه ويناقصني حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير # قال أبو عبد الرحمن فنحن نستحب أن تنقص من الثلث # لقوله صلى الله عليه وسلم والثلث كثير # فذكر في هذا الحديث أنه قال أوصيت بمالي كله وهذا لا ينفي ما روي في ~~الحديث الأول من الصدقة في المرض لأنه جائز أن يكون لما منعه الوصية بأكثر ~~من الثلث ظن أن الصدقة جائزة في المرض فسأله عنها فأخبر صلى الله عليه وسلم ~~أن حكم الصدقة حكم الوصية في وجوب الاقتصار بها على الثلث وهو نظير حديث ~~عمران بن حصين في الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته وفيه إن الرجل ~~مأجور في النفقة على أهله وهذا يدل على أن من وهب لامرأته هبة لم يجز له ~~الرجوع فيها لأنها بمنزلة الصدقة لأنه قد استوجب بها الثواب من الله تعالى ~~وهو نظير ما # روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أعطى الرجل امرأته عطية فهي له ~~صدقة # وقول سعد أتخلف عن هجرتي عنى به أنه يموت بمكة وهي داره التي هاجر منها ~~إلى المدينة # وقد كان ms1036 النبي صلى الله عليه وسلم نهى المهاجرين أن يقيموا بعد النفر ~~أكثر من ثلاث # فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتخلف بعده حتى ينفع الله به أقواما ~~ويضربه آخرين وكذلك كان فإنه بقي بعده صلى الله عليه وسلم وفتح الله على ~~يده بلاد العجم وأزال به ملك الأكاسرة وذلك من علوم الغيب الذي لا يعلمه ~~غير الله تعالى # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو عبد الله عبيد الله بن حاتم ~~العجلي قال حدثني عبد الأعلى ابن واصل قال حدثنا إسماعيل بن صبيح قال حدثنا ~~مبارك بن حسان قال حدثنا نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال حاكيا عن الله تعالى أنه قال يا ابن آدم اثنتان ليست لك واحدة منهما ~~جعلت لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك لأطهرك وأزكيك وصلاة عبادي عليك بعد ~~انقضاء أجلك # ففي هذا الحديث أيضا أن له بعض المال عند الموت لا جميعه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن أحمد بن شيبة قال حدثنا محمد بن ~~صالح بن النطاح قال حدثنا عثمان قال سمعت طلحة بن عمرو قال حدثنا عطاء عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أعطاكم ثلث ~~أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم # قال أبو بكر فهذه الأخبار الموجبة للاقتصار بالوصية على الثلث عندنا في ~~حيز التواتر الموجب للعلم لتلقي الناس إياها بالقبول وهي مبينة لمراد الله ~~تعالى في الوصية المذكورة في الكتاب أنها مقصورة على الثلث وقوله تعالى من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين يدل على أن # PageV03P031 # من ليس عليه دين لآدمي ولم يوص بشيء أن جميع ميراثه لورثته وأنه إن كان ~~عليه حج أو زكاة لم يجب إخراجه إلا أن يوصي به وكذلك الكفارات والنذور فإن ~~قيل إن الحج دين وكذلك كل ما يلزمه الله تعالى من القرب في المال # لقول النبي صلى الله عليه وسلم للخثعمية حين سألته عن الحج عن أبيها ~~أرأيت ms1037 لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان يجزئ قالت نعم قال فدين الله أحق ~~بالقضاء # قيل له إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سماه دين الله تعالى ولم يسمه ~~بهذا الاسم إلا مقيدا فلا يتناوله الإطلاق وقول الله تعالى من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين إنما اقتضى التبدئة بما يسمى به على الإطلاق فلا ينطوي ~~تحته ما لا يسمى به إلا مقيدا لأن في اللغة والشرع أسماء مطلقة وأسماء ~~مقيدة فلا يتناول المطلق إلا ما يقع الاسم عليه على الإطلاق فإذا لم تتناول ~~الآية ما كان من حق الله تعالى من الديون لما وصفنا اقتضى قوله تعالى من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين أنه إذا لم يوص ولم يكن عليه دين لآدمي أن يستحق ~~الوارث جميع تركته # وحديث سعد يدل على ذلك أيضا لأنه قال أتصدق بمالي وفي لفظ آخر أوصي بمالي ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير # ولم يستئن النبي صلى الله عليه وسلم الحج ولا الزكاة ونحوها من حقوق الله ~~تعالى ومنع الصدقة والوصية إلا بثلث المال فثبت بذلك أنه إذا أوصى بهذه ~~الحقوق كانت من الثلث ويدل عليه أيضا # حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى جعل لكم ثلث ~~أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم # وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حاكيا عن الله تعالى جعلت ~~لك نصيبا في مالك حين أخذت بكظمك # يدل جميع ذلك على أن وصيته بالزكاة والنذور وسائر القرب وإن كانت واجبة ~~لا تجوز إلا من الثلث والله أعلم. ### | باب الوصية للوارث # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة قال ~~حدثنا ابن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال سمعت أبا أمامة قال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث # وروى عمرو بن خارجة عن النبي صلى الله عليه ms1038 وسلم أنه قال لا وصية لوارث ~~إلا أن تجيزها الورثة # ونقل أهل السير # خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وفيها أن لا وصية لوارث # فورد نقل ذلك مستفيضا كاستفاضة وجوب الاقتصار بالوصية على الثلث دون ما ~~زاد لا فرق بينهما من طريق نقل الاستفاضة # PageV03P032 # واستعمال الفقهاء له وتلقيهم إياه بالقبول وهذا عندنا في حيز المتواتر ~~الموجب للعلم والنافي للريب والشك # وقوله في حديث عمرو بن خارجة إلا أن تجيزها الورثة # يدل على أنها إذا أجازتها فهي جائزة وتكون وصية من قبل الموصي لا تكون ~~هبة من قبل الوارث لأن الهبة من قبل الوارث ليست بإجازة من قبل الموروث # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن عبد الصمد قال حدثنا محمد بن ~~عمرو قال حدثنا يونس بن راشد عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث إلا أن تشاء الورثة # قال أبو بكر وقد اختلف الفقهاء فيمن أوصى بأكثر من الثلث فأجازه الباقون ~~في حياته فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن ابن ~~صالح وعبيد الله بن الحسن والشافعي لا يجوز ذلك حتى يجيزها بعد الموت وقال ~~ابن أبي ليلى وعثمان البتي ليس لهم أن يرجعوا فيه بعد الموت وهي جائزة ~~عليهم وقال ابن القاسم عن مالك إذا استأذنهم فكل وارث بائن عن الميت مثل ~~الولد الذي قد بان عن أبيه والأخ وابن العم الذين ليسوا في عياله فإنه ليس ~~لهم أن يرجعوا فأما امرأته وبناته اللاتي لم يبن وكل من في عياله وإن كان ~~قد احتلم فلهم أن يرجعوا وكذلك العم وابن العم ومن خاف منهم أنه إن لم يجز ~~لحقه ضرر منه في قطع النفقة إن صح فلهم أن يرجعوا وقول الليث في هذا كقول ~~مالك قال أبو بكر وإن أجازوها بعد الموت جازت عند جميع الفقهاء قال أبو بكر ~~لما لم يكن لهم فسخها في الحياة كذلك لا تعمل ms1039 إجازتهم لأنهم لم يستحقوا بعد ~~شيئا والله أعلم. ### | باب الوصية بجميع المال إذا لم يكن وارث # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد إذا لم يكن له وارث ~~فأوصى بجميع ماله جاز وهو قول شريك بن عبد الله وقال مالك والأوزاعى والحسن ~~ابن صالح لا تجوز وصيته إلا من الثلث قال أبو بكر قد بينا دلالة قوله تعالى ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم وأنهم كانوا يتوارثون بالحلف وهو أن ~~يحالفه على أنه إن مات ورثه ما يسمي له من ميراثه من ثلث أو أكثر وقد كان ~~ذلك حكما ثابتا في صدر الإسلام وفرضه الله تعالى بقوله تعالى والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم ثم أنزل الله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وقوله تعالى «3- أحكام لث» # PageV03P033 # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وقوله تعالى وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فجعل ذوي الأرحام أولى من الحلفاء ~~ولم يبطل بذلك ميراث الحلفاء أصلا بل جعل ذوي الأنساب أولى منهم كما جعل ~~الابن أولى من الأخ فإذا لم يكن ذوو الأنساب جاز له أن يجعل ماله على أصل ~~ما كان عليه حكم التوارث لحلف وأيضا فإن الله تعالى أوجب سهام المواريث بعد ~~الوصية بقوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين وقال للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وقد بينا أن ظاهر قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين يقتضي جواز الوصية بجميع المال لولا قيام دلالة الإجماع والسنة على منع ~~ذلك ووجوب الاقتصار بها على الثلث وإيجاب نصيب الرجال والنساء من الأقربين ~~فمتى عدم من وجب به تخصيص الوصية في بعض المال وجب استعمال اللفظ في جواز ~~الوصية بجميع المال على ظاهره ومقتضاه ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس # فأخبر أن منع الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق الورثة ويدل عليه حديث ~~الشعبي وغيره ms1040 عن عمرو بن شرحبيل قال قال عبد الله بن مسعود ليس من حي من ~~العرب أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر همدان فإذا كان ~~ذلك فليضع ماله حيث أحب ولا يعلم له مخالف من الصحابة وأيضا فإنه لا يخلو ~~من لا وارث له إذا مات من أن يستحق المسلمون ماله من جهة الميراث أو من جهة ~~أنه مال لا مالك له فيضعه الإمام حيث يرى فلما جاز أن يستحقه الرجل مع ابنه ~~ومع أبيه والبعيد مع القريب علمنا أنه غير مستحق لهم على وجه الميراث لأن ~~الأب والجد لا يجتمعان في استحقاق ميراث واحد من جهة الأبوة وأيضا لو كان ~~ميراثا لم يجز حرمان واحد منهم لأن سبيل الميراث أن لا يخص به بعض الورثة ~~دون بعض وأيضا لو كان ميراثا لوجب أن يكون لو كان الميت رجلا من همدان ولا ~~يعرف له وارث أن يستحق ميراثه أهل قبيلته لأنهم أقرب إليه من غيرهم فلما ~~كان إنما يستحقه بيت المال للمسلمين وللإمام أن يصرفه إلى من شاء من الناس ~~ممن يراه أهلا له دل ذلك على أن المسلمين لا يأخذونه ميراثا وإذا لم يأخذوه ~~ميراثا وإنما كان للإمام صرفه إلى حيث يرى لأنه مالك له فمالكه أولى بصرفه ~~إلى من يرى ومن جهة أخرى أنهم إذا لم يأخذوه ميراثا أشبه الثلث الذي يوصي ~~به الميت # PageV03P034 # ولا ميراث فيه فله أن يصرفه إلى من شاء فكذلك بقية المال إذا لم يستحقه ~~الوارث كان له صرفه إلى من شاء ويدل عليه ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي قال ~~حدثنا أيوب قال سمعت نافعا عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه تمر عليه الليلتان إلا ووصيته عنده ~~مكتوبة # فلم يفرق بين الوصية ببعض المال أو بجميعه وظاهره يقتضي جواز الوصية ~~بجميع المال وقد قامت الدلالة على وجوب الاقتصار ms1041 على بعضه إذا كان له وارث ~~فإذا لم يكن له وارث فهو على ظاهر مقتضاه في جوازها بالجميع والله أعلم. ### | باب الضرار في الوصية # قال الله تعالى غير مضار وصية من الله قال أبو بكر الضرار في الوصية على ~~وجوه منها أن يقر في وصيته بماله أو ببعضه لأجنبي أو يقر على نفسه بدين لا ~~حقيقة له زيا للميراث عن وارثه ومستحقه ومنها أن يقر باستيفاء دين له على ~~غيره في مرضه لئلا يصل إلى وارثه ومنها أن يبيع ماله من غيره في مرضه ويقر ~~باستيفاء ثمنه ومنها أن يهب ماله في مرضه أو يتصدق بأكثر من ثلثه في مرضه ~~إضرارا منه بورثته ومنها أن يتعدى فيوصي بأكثر مما تجوز له الوصية به وهو ~~الزيادة على الثلث فهذه الوجوه كلها من المضارة في الوصية وقد بين النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك في فحوى # قوله لسعد الثلث والثلث كثير إنك لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم ~~عالة يتكففون الناس # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن الحسن المصري قال حدثنا عبد ~~الصمد بن حسان قال حدثنا سفيان الثوري عن داود يعني ابن أبي هند عن عكرمة ~~عن ابن عباس قال الإضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ تلك حدود الله ومن ~~يطع الله ورسوله قال في الوصية ومن يعص الله ورسوله قال في الوصية # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا القاسم بن زكريا ومحمد بن الليث قال حدثنا ~~حميد بن زنجويه قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا عمر بن المغيرة عن ~~داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الإضرار في الوصية من الكبائر # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا طاهر بن عبد الرحمن بن إسحاق القاضي قال ~~حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أشعث عن شهر ~~بن حوشب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ms1042 الرجل ليعمل ~~بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى # PageV03P035 # حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل ~~النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة # قال أبو بكر ومصادقه في كتاب الله فيما تأوله ابن عباس في قوله تعالى تلك ~~حدود الله ومن يطع الله ورسوله قال في الوصية ومن يعص الله ورسوله قال في ~~الوصية. ### | باب من يحرم الميراث مع وجود النسب # قال أبو بكر لا خلاف بين المسلمين أن قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم ~~وما عطف عليه من قسمة الميراث خاص في بعض المذكورين دون بعض فبعض ذلك متفق ~~عليه وبعضه مختلف فيه فما اتفق عليه أن الكافر لا يرث المسلم وأن العبد لا ~~يرث وأن قاتل العمد لا يرث وقد بينا ميراث هؤلاء في سورة البقرة ما أجمعوا ~~عليه منه وما اختلفوا فيه واختلف في ميراث المسلم الكافر وميراث المرتد ~~فأما ميراث المسلم من الكافر فإن الأمة من الصحابة متفقون على نفي التوارث ~~بينهما وهو قول عامة التابعين وفقهاء الأمصار # وروى شعبة عن عمرو بن أبي حكيم عن ابن «1» باباه عن يحيى بن يعمر عن أبي ~~الأسود الدؤلي قال كان معاذ بن جبل باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات وترك ~~أخاه مسلما فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الإسلام يزيد ولا ~~ينقص # وروى ابن شهاب عن داود بن أبي هند قال قال مسروق ما أحدث في الإسلام قضية ~~أعجب من قضية قضاها معاوية قال كان يورث المسلم من اليهودي والنصراني ولا ~~يورث اليهودي والنصراني من المسلم قال فقضى بها أهل الشام قال داود فلما ~~قدم عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول وروى هشيم عن مجالد عن الشعبي ~~أن معاوية كتب بذلك إلى زياد يعني توريث المسلم من الكافر فأرسل زياد إلى ~~شريح فأمره بذلك وكان شريح قبل ذلك لا يورث المسلم من الكافر فلما أمره ~~زياد بما أمره قضى بقوله فكان ms1043 شريح إذا قضى بذلك قال هذا قضاء أمير ~~المؤمنين # وقد روى الزهري عن على بن الحسين عن عمرو ابن عثمان عن أسامة بن زيد قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث أهل ملتين شتى وفي لفظ لا يرث ~~المسلم الكافر ولا الكافر المسلم # وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يتوارث أهل ملتين # فهذه الأخبار تمنع توريث المسلم من الكافر PageV03P036 # والكافر من المسلم ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فهو ثابت ~~الحكم في إسقاط التوارث بينهما وأما حديث معاذ فإنه لم يعن هذه المقالة ~~وإنما تأول فيها قوله الإيمان يزيد ولا ينقص والتأول لا يقضى به على النص ~~والتوقيف وإنما يرد التأويل إلى المنصوص عليه يحمل على موافقته دون مخالفته # وقول النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان يزيد ولا ينقص # يحتمل أن يرد به من أسلم ترك على إسلامه ومن خرج عن الإسلام رد إليه وإذا ~~احتمل ذلك واحتمل ما تأوله معاذ وجب حمله على موافقة خبر أسامة في منع ~~التوارث إذ غير جائز رد النص بالتأويل والاحتمال أيضا لا تثبت به حجة لأنه ~~مشكوك فيه وهو مفتقر في إثبات حكمه إلى دلالة من غيره فسقط الاحتجاج به ~~وأما قول مسروق ما أحدث في الإسلام قضية أعجب من قضية قضى بها معاوية في ~~توريث المسلم من الكافر فإنه يدل على بطلان هذا المذهب لإخباره أنها قضية ~~محدثة في الإسلام وذلك يوجب أن يكون قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من ~~الكافر وإذا ثبت أن من قبل قضية معاوية لم يكن يورث المسلم من الكافر وأن ~~معاوية لا يجوز أن يكون خلافا عليهم بل هو ساقط القول معهم ويؤيد ذلك أيضا ~~قول داود بن أبي هند إن عمر بن عبد العزيز ردهم إلى الأمر الأول والله ~~أعلم. ### | باب ميراث المرتد # اختلف السلف في ميراث المرتد الذي اكتسبه في حال الإسلام قبل الردة على ~~أنحاء ms1044 ثلاثة فقال علي وعبد الله وزيد بن ثابت والحسن البصري وسعيد بن ~~المسيب وإبراهيم النخعي وجابر بن زيد وعمر بن عبد العزيز وحماد بن الحكم ~~وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والأوزاعي وشريك يرثه ~~ورثته من المسلمين إذا مات أو قتل على ردته وقال ربيعة بن عبد العزيز وابن ~~أبي ليلى ومالك والشافعي ميراثه لبيت المال وقال قتادة وسعيد بن أبي عروبة ~~إن كان له ورثة على دينه الذي ارتد إليه فميراثه لهم دون ورثته من المسلمين ~~ورواه قتادة عن عمر بن عبد العزيز والصحيح عن عمر أن ميراثه لورثته من ~~المسلمين ثم اختلفوا فيما اكتسبه بعد الردة إذا قتل أو مات مرتدا فقال أبو ~~حنيفة والثوري ما اكتسبه بعد الردة فهو فيء وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد ~~والأوزاعي في إحدى الروايتين ما اكتسبه بعد الردة أيضا فهو لورثته # PageV03P037 # المسلمين قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم يقتضي ~~توريث المسلم من المرتد إذ لم يفرق بين الميت المسلم وبين المرتد فإن قيل ~~يخصه حديث أسامة بن زيد لا يرث المسلم الكافر كما خص توريث الكافر من ~~المسلم وهو وإن كان من أخبار الآحاد فقد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه في ~~منع توريث الكافر من المسلم فصار في حيز المتواتر ولأن آية المواريث خاصة ~~بالاتفاق وأخبار الآحاد مقبولة في تخصيص مثلها قيل له في بعض ألفاظ حديث ~~أسامة لا يتوارث أهل ملتين لا يرث المسلم الكافر فأخبر أن المراد إسقاط ~~التوارث بين أهل ملتين وليست الردة بملة قائمة لأنه وإن ارتد إلى النصرانية ~~أو اليهودية فغير مقر عليها فليس هو محكوما له بحكم أهل الملة التي انتقل ~~إليها ألا ترى أنه وإن انتقل إلى ملة الكتابي أنه لا تؤكل ذبيحته وإن كانت ~~امرأة لم يجز نكاحها فثبت بذلك أن الردة ليست بملة وحديث أسامة مقصور في ~~منع التوارث بين أهل ملتين وقد بين ذلك # في حديث مفسر وهو ما رواه هشيم عن الزهري قال حدثنا ms1045 علي بن الحسين عن ~~عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يتوارث أهل ملتين شتى لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم # فدل ذلك على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك هو منع التوارث بين ~~أهل ملتين وأيضا فإن أبا حنيفة من أصله أن ملك المرتد يزول بالردة فإذا قتل ~~أو مات انتقل إلى التوارث ومن أجل ذلك لا يجيز تصرف المرتد في ماله الذي ~~اكتسبه في حال الإسلام وإذا كان هذا أصله فهو لم يورث مسلما من كافر لأن ~~ملكه زال عنه في آخر الإسلام وإنما ورث مسلما ممن كان مسلما فإن قبل فإذا ~~يكون قد ورثته منه وهو حي قيل له ليس يمتنع توريث الحي قال الله تعالى ~~وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وكانوا أحياء وعلى أنا إنما نقلنا المال ~~إلى الورثة بعد الموت فليس فيه توريث الحي ويقال للسائل عن ذلك وأنت إذا ~~جعلت ماله لبيت المال فقد ورثت منه جماعة المسلمين وهو كافر وورثتهم منه ~~وهو حي إذا لحق بدار الحرب مرتد وأيضا فإن المسلمين إذا كانوا إنما يستحقون ~~ماله بالإسلام فقد اجتمع للورثة القرابة والإسلام وجب أن يكونوا أولى بماله ~~لاجتماع السببين لهم وانفراد المسلمين بأحدهما دون الآخر والسببان اللذان ~~اجتمعا للورثة هو الإسلام وقرب النسب فأشبه سائر الموتى من المسلمين لما ~~كان ماله مستحقا للمسلمين كان من اجتمع له قرب النسب مع الإسلام أولى ممن ~~بعد نسبه منه وإن # PageV03P038 # كان له إسلام فإن قال قائل هذه العلة توجب توريثه من مال الذمي قيل له لا ~~يجب ذلك لأن مال الذمي بعد موته غير مستحق بالإسلام لاتفاق الجميع على أن ~~ورثته من أهل الذمة أولى به من المسلمين واتفاق جميع فقهاء الأمصار على أن ~~مال المرتد مستحق بالإسلام فمن قائل يقول يستحقه جماعة المسلمين وآخرين ~~يقولون يستحقه ورثته من المسلمين فلما كان ماله مستحقا بالإسلام أشبه مال ~~المسلم الميت لما كان مستحقا بالإسلام كان ms1046 من اجتمع له الإسلام وقرب النسب ~~أولى من جماعة المسلمين فإن قيل فلو مات ذمي وترك مالا ولا وارث له من أهل ~~دينه وله قرابة مسلمون كان ماله لجماعة المسلمين ولم يكن أقاربه من ~~المسلمين أولى به لاجتماع السببين لهم من الإسلام والنسب قيل له إن مال ~~الذمي غير مستحق بالإسلام والدليل عليه أنه لو كانت له ورثة من أهل الذمة ~~لم يستحق المسلمون ماله وما استحق من مال الذمي بالإسلام لا يكون ورثته من ~~أهل الذمة أولى به منهم بل يكونون هم أولى كمواريث المسلمين فدل ذلك على أن ~~مال الذمي وإن جعل لبيت المال إذا لم يكن له وارث فليس هو مستحقا بالإسلام ~~وإنما هو مال لا مالك له وجده الإمام في دار الإسلام كاللقطة التي لا يعرف ~~مستحقها فتصرف في وجوه القرب إلى الله تعالى فإن قيل فقد قال أبو حنيفة ~~فيما اكتسبه المرتد في حال ردته إنه فيء لبيت المال وهذا ينقض الاعتلال ~~ويدل على أصل المسألة للمخالف قيل له لا يلزم ذلك ولا دلالة فيه على قول ~~المخالف وذلك لأن ما اكتسبه في حال الردة هو بمنزلة مال الحربي ولا يملكه ~~ملكا صحيحا ومتى جعلناه في بيت المال بعد موته أو قبله فإنما يصير ذلك ~~المال مغنوما كسائر أموال الحرب إذا ظفرنا بها وما يؤخذ على وجه الغنيمة ~~فليس بمستحق لبيت المال لأجل الإسلام لأن الغنائم ليست بمستحقة لغانميها ~~بالإسلام والدليل عليه أن الذمي متى شهد القتال استحق أن يرضخ له من ~~الغنيمة فثبت بذلك أن مال الحربي ومال المرتد الذي اكتسبه في الردة مغنوم ~~غير مستحق بالإسلام فلم يعتبر فيه قرب النسب والإسلام كما اعتبرناه في ماله ~~الذي اكتسبه في حال الإسلام لأن ذلك المال كان ملكه فيه صحيحا إلى أن ارتد ~~ثم زال ملكه عنه بالردة فمن يستحقه من الناس فإنما يستحقه بالميراث ~~والمواريث يعتبر فيها الإسلام وقرب النسب إذا كان ملكا لمسلم إلى أن زال ~~عنه بالردة الموجبة لزوال ملكه كما يزول ms1047 بالموت فلم يلزم عليه حكم ماله ~~المكتسب في حال الردة ولا يجوز # PageV03P039 # أيضا أن يكون أصلا للمال المكتسب في حال الإسلام لأن ملكه فيه كان صحيحا ~~إلى أن زال عنه بالموت والمال المكتسب في حال الردة بمنزلة مال الحربي ملكه ~~فيه غير صحيح لأنه اكتسبه وهو مباح الدم فمتى حصل في يد المسلمين صار ~~مغنوما بمنزلة حربي دخل إلينا بغير أمان فأخذناه مع ماله أن ماله يكون ~~غنيمة فكذلك مال المرتد الذي اكتسبه في حال الردة فإن احتج محتج # بحديث البراء بن عازب قال مربى خالي أبو بردة ومعه الراية فقلت إلى أين ~~تذهب فقال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن ~~أقتله وآخذ ماله # وهذا يدل على أن مال المرتد فيء قيل له إنما فعل ذلك لأن الرجل كان ~~محاربا مع استحلاله لذلك حربيا فكان ماله مغنوما لأن الراية إنما تعد ~~للمحاربة # وقد روى معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث جد ~~معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه أن يضرب عنقه ويخمس ماله # وهذا يدل على أن مال ذلك الرجل كان مغنوما بالمحاربة ولذلك أخذ منه الخمس ~~فإن قيل ما أنكرت أن يكون مال المرتد مغنوما قيل له أما ما اكتسبه في حال ~~الردة فهو كذلك وأما ما اكتسبه في حال الإسلام فغير جائز أن يكون مغنوما من ~~قبل أن ما كان يغنم من الأموال سبيله أن يكون ملك مالكه غير صحيح فيه قبل ~~الغنيمة كمال الحربي ومال المرتد قبل الردة قد كان ملكه فيه صحيحا فغير ~~جائز أن يغنم كما لا يغنم أموال سائر المسلمين إذ كانت أملاكهم فيه صحيحة ~~وزواله عن المرتد بالردة كزواله بالموت فمتى انقطع حقه عنه بالقتل أو ~~بالموت أو اللحاق بدار الحرب استحقه ورثته دون سائر المسلمين لأن سائر ~~المسلمين إن استحقوه بالإسلام لا على أنه غنيمة كانت ورثته أولى به لاجتماع ~~الإسلام والقرابة لهم وإن استحقوه بأنه غنيمة لم يصح ذلك ms1048 لما بينا من أن ~~شرط الغنيمة أن يكون مال المغنوم غير صحيح الملك في الأصل واختلف السلف ~~فيمن أسلم قبل قسمة الميراث # فقال علي بن أبي طالب في مسلم مات فلم يقسم ميراثه حتى أسلم ابن له كافرا ~~وكان عبدا فأعتق إنه لا شيء له # وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري وأبي الزناد وأبي ~~حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك والأوزاعي والشافعي وروي عن عمر بن ~~الخطاب وعثمان بن عفان أنهما قالا من أسلم على ميراث قبل أن يقسم شارك في ~~الميراث وهو مذهب الحسن وأبي الشعثاء وشبهوا ذلك بالمواريث التي كانت في ~~الجاهلية ما طرأ عليه الإسلام منها قبل القسمة قسم على حكم الإسلام ولم ~~يعتبر وقت الموت وليس هذا عند الأولين كذلك لأن حكم # PageV03P040 # المواريث قد استقر في الشرع على وجوه معلومة وقال الله تعالى ولكم نصف ما ~~ترك أزواجكم وقال إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك فأوجب ~~لها الميراث بالموت وحكم لها بالنصف وللزوج بالنصف بحدوث الموت من غير شرط ~~القسمة والقسمة إنما تجب فيما قد ملك فلاحظ للقسمة في استحقاق الميراث لأن ~~القسمة تبع للملك ولما كان ذلك كذلك وجب أن لا يزول ملك الأخت عنه بإسلام ~~الابن كما لا يزول ملكها عنه بعد القسمة وأما مواريث الجاهلية فإنها لم تقع ~~على حكم الشرع فلما طرأ الإسلام حملت على أحكام الشرع إذا لم يكن ما وقع ~~قبل ورود الشرع مستقرا ثابتا فعفي لهم عما قد اقتسموه وحمل ما لم يقسم منها ~~على حكم الشرع كما عفي لهم عن الربا المقبوض وحمل بعد ورود تحريم الربا ما ~~لم يكن مقبوضا على حكم الشرع فأبطل وأوجب عليهم رد رأس المال ومواريث ~~الإسلام قد ثبتت واستقر حكمها ولا يجوز ورود النسخ عليها فلا اعتبار فيها ~~بالقسمة ولا عدمها كما أن عقود الربا لو أوقعت في الإسلام بعد تحريم الربا ~~واستقرار حكمه لا يختلف فيه حكم المقبوض منها وغير المقبوض ms1049 في بطلان الجميع ~~وأيضا لا خلاف نعلمه بين المسلمين أن من ورث ميراثا فمات قبل القسمة أن ~~نصيبه من الميراث لورثته وكذلك لو ارتد لم يبطل ميراثه الذي استحقه وأنه لا ~~يكون بمنزلة من كان مرتدا وقت الموت فكذلك من أسلم أو أعتق بعد الموت قبل ~~القسمة فلاحظ له في الميراث والله أعلم. ### | باب حد الزانيين # قال الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم الآية قال أبو بكر لم يختلف السلف في أن ذلك كان حد الزانية في بدء ~~الإسلام وأنه منسوخ غير ثابت الحكم حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريح ~~وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم- إلى قوله تعالى- سبيلا قال وقال في ~~المطلقات لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال ~~هذه الآيات قبل أن تنزل سورة النور في الجلد نسختها هذه الآية الزانية ~~والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قال والسبيل # PageV03P041 # الذي جعله لهن الجلد والرجم قال فإذا جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج ~~وترجم بالحجارة قال # وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي ~~ابن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله تعالى والذان يأتيانها ~~منكم فآذوهما قال كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت وكان الرجل ~~إذا زنى أوذي بالتعيير وبالضرب بالنعال قال فنزلت الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة قال وإن كانا محصنين رجما بسنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال فهو سبيلها الذي جعله الله لها يعني قوله تعالى حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا قال أبو بكر فكان حكم الزانية في بدء الإسلام ~~ما أوجب من حدها بالحبس إلى أن يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ولم ~~يكن عليها ms1050 في ذلك الوقت شيء غير هذا وليس في الآية فرق بين البكر والثيب ~~فهذا يدل على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب وقوله تعالى والذان ~~يأتيانها منكم فآذوهما فإنه روي عن الحسن وعطاء أن المراد الرجل والمرأة ~~وقال السدي البكرين من الرجال والنساء وروي عن مجاهد أنه أراد الرجلين ~~الزانيين وهذا التأويل الأخير يقال إنه لا يصح لأنه لا معنى للتثنية هاهنا ~~إذ كان الوعد والوعيد إنما يجيئان بلفظ الجمع لأنه لكل واحد منهم أو بلفظ ~~الواحد لدلالته على الجنس الشامل لجميعهم وقول الحسن صحيح وتأويل السدي ~~محتمل أيضا فاقتضت الآيتان بمجموعهما أن حد المرأة كان الأذى والحبس جميعا ~~إلى أن تموت وحد الرجل التعيير والضرب بالنعال إذ كانت المرأة مخصوصة في ~~الآية الأولى بالحبس ومذكورة مع الرجل في الآية الثانية بالأذى فاجتمع لها ~~الأمر ان جميعا ولم يذكر للرجال إلا الأذى فحسب ويحتمل أن تكون الآيتان ~~نزلتا معا فأفردت المرأة بالحبس وجمعا جميعا في الأذى وتكون فائدة إفراد ~~المرأة بالذكر إفرادها بالحبس إلى أن تموت وذلك حكم لا يشاركها فيه الرجل ~~وجمعت مع الرجل في الأذى لاشتراكهما فيه ويحتمل أن يكون إيجاب الحبس للمرأة ~~متقدما للأذى ثم زيد في حدها وأوجب على الرجل الأذى فاجتمع للمرأة الأمران ~~وانفرد الرجل بالأذى دونها فإن كان كذلك فإن الإمساك في البيوت إلى الموت ~~أو السبيل قد كان حدها فإذا ألحق به الأذى صار منسوخا لأن الزيادة في النص ~~بعد استقرار حكمه توجب النسخ إذ كان الحبس في ذلك الوقت جميع حدها ولما ~~وردت الزيادة صار بعض حدها فهذا # PageV03P042 # يوجب أن يكون كون الإمساك حدا منسوخا وجائز أن يكون الأذى حدا لهما جميعا ~~بديا ثم زيد في حد المرأة الحبس إلى الموت أو السبيل الذي يجعله الله لها ~~فيوجب ذلك نسخ الأذى في المرأة أن يكون حدا لأنه صار بعضه بعد نزول الحبس ~~فهذه الوجوه كلها محتملة فإن قيل هل يحتمل أن يكون الحبس منسوخا بإسقاط ~~حكمه والاقتصار على الأذى إذا كان ms1051 نازل بعده قيل له لا يجوز نسخه على جهة ~~رفع حكمه رأسا إذ ليس في إيجاب الأذى ما ينفي الحبس لجواز اجتماعهما ولكنه ~~يكون نسخه من طريق أنه يصير بعض الحد بعد أن كان جميعه وذلك ضرب من النسخ ~~وقد قيل في ترتيب الآيتين وجهان أحدهما ما روي عن الحسن أن قوله تعالى ~~والذان يأتيانها منكم فآذوهما نزلت قبل قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم ثم أمر أن توضع في التلاوة بعده فكان الأذى حدا لهما جميعا ثم ~~الحبس للمرأة مع الأذى وذلك يبعد من وجه لأن قوله تعالى والذان يأتيانها ~~منكم فآذوهما الهاء التي في قوله تعالى يأتيانها كناية لا بد لها من مظهر ~~متقدم مذكور في الخطاب أو معهود معلوم عند المخاطب وليس في قوله تعالى ~~والذان يأتيانها منكم دلالة من الحال على أن المراد الفاحشة فوجب أن تكون ~~كناية راجعة إلى الفاحشة التي تقدم ذكرها في أول الآية إذا لو لم تكن كناية ~~عنها لم يستقم الكلام بنفسه في إيجاب الفائدة وإعلام المراد وليس ذلك ~~بمنزلة قوله تعالى ما ترك على ظهرها من دابة وقوله تعالى إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر لأن من مفهوم ذكر الإنزال أنه القرآن وفي مفهوم قوله تعالى ما ~~ترك على ظهرها من دابة أنها الأرض فاكتفى بدلالة الحال وعلم المخاطب ~~بالمراد المكني عنه فالذي يقتضيه ظاهر الخطاب أن يكون ترتيب معاني الآيتين ~~على حسب ترتيب اللفظ فإما أن تكونا نزلتا معا وإما أن يكون الأذى نازلا بعد ~~الحبس إن كان المراد بالأذى من أريد # بالحبس من النساء والوجه الثاني ما روي عن السدي أن قوله تعالى والذان ~~يأتيانها منكم إنما كان حكما في البكرين خاصة والأولى في الثيبات دون ~~الأبكار إلا أن هذا قول يوجب تخصيص اللفظ بغير دلالة وذلك غير سائغ لأحد مع ~~إمكان استعمال اللفظين على حقيقة مقتضاهما وعلى أى وجه تصرفت وجوه الاحتمال ~~في حكم الآيتين وترتيبهما فإن الأمة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين عن ~~الزانيين وقد ms1052 اختلف السلف في معنى السبيل المذكور في هذه الآية # PageV03P043 # فروي عن ابن عباس أن السبيل الذي جعله الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن ~~وعن قتادة مثل ذلك وروي عن مجاهد في بعض الروايات أو يجعل الله لهن سبيلا ~~أو يضعن ما في بطونهن وهذا لا معنى له لأن الحكم كان عاما في الحامل ~~والحائل فالواجب أن يكون السبيل مذكورا لهن جميعا واختلف أيضا فيما نسخ ~~هذين الحكمين فقال قائلون نسخ بقوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة وقد كان قوله تعالى والذان يأتيانها منكم في البكرين فنسخ ~~ذلك عنهما بالجلد المذكور في هذه الآية وبقي حكم الثيب من النساء الحبس ~~فنسخ بالرجم وقال آخرون نسخ بحديث عبادة ابن الصامت وهو ما # حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا أبو النصر عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله ~~الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا عني ~~قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب ~~تجلد وترجم # وهذا هو صحيح وذلك لأن # قوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا # يوجب أن يكون بيانا للسبيل المذكور في الآية ومعلوم أنه لم يكن بين قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين الحبس والأذى واسطة حكم وأن آية الجلد التي ~~في سورة النور لم تكن نزلت حينئذ لأنها لو كانت نزلت كان السبيل متقدما ~~لقوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ولما صح أن يقول ذلك فثبت بذلك أن ~~الموجب لنسخ الحبس والأذى وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن ~~الصامت وأن آية الجلد نزلت بعده وفي ذلك دليل على نسخ القرآن بالسنة إذ نسخ # بقوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا # ما أوجب الله من الحبس والأذى بنص التنزيل فإن قيل فقوله تعالى والذان ~~يأتيانها منكم وما ذكر في الآيتين ms1053 من الحبس والأذى كان في البكرين دون ~~الثيبين قيل له لم يختلف السلف في أن حكم المرأة الثيب كان الحبس وإنما قال ~~السدي إن الأذى كان في البكرين خاصة وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~السبيل المذكور في آية الحبس وذلك لا محالة في الثيب فأوجب أن يكون منسوخا # بقوله الثيب بالثيب الجلد والرجم # فلم يخل الحبس من أن يكون منسوخا في جميع الأحوال بغير القرآن وهي ~~الأخبار التي فيها إيجاب رجم المحصن فمنها حديث عبادة الذي ذكرنا # وحديث عبد الله وعائشة وعثمان حين كان محصورا فاستشهد أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV03P044 # لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل ~~نفس بغير نفس # وقصة ما عز والغامدية ورجم النبي صلى الله عليه وسلم إياهما قد نقلته ~~الأمة لا يتمارون فيه فإن قيل هذه الخوارج بأسرها تنكر الرجم ولو كان ذلك ~~منقولا من جهة الاستفاضة الموجبة للعلم لما جهلته الخوارج قيل له إن سبيل ~~العلم بمخبر هذه الأخبار السماع من ناقليها وتعرفه من جهتهم والخوارج لم ~~تجالس فقهاء المسلمين ونقلة الأخبار منهم وانفردوا عنهم غير قابلين ~~لأخبارهم فلذلك شكوا فيه ولم يثبتوه وليس يمتنع أن يكون كثير من أوائلهم قد ~~عرفوا ذلك من جهة الاستفاضة ثم جحدوه محاملة منهم على ما سبقوا إلى اعتقاده ~~من رد أخبار من ليس على مقالتهم وقلدهم الأتباع ولم يسمعوا من غيرهم فلم ~~يقع لهم العلم به أو الذين عرفوه كانوا عددا يسيرا يجوز على مثلهم كتمان ما ~~عرفوه وجحدوه ولم يكونوا صحابة فيكونوا قد عرفوه من جهة المعاينة أو بكثرة ~~السماع من المعاينين له فلما خلوا من ذلك لم يعرفوه ألا ترى أن فرائض صدقات ~~المواشي منقولة من جهة النقل المستفيض الموجب للعلم ولا يعرفها إلا أحد ~~رجلين إما فقيه قد سمعها فثبت عنده العلم بها من جهة الناقلين لها وإما رجل ~~صاحب مواش تكثر بلواه بوجوبها فيتعرفها ms1054 ليعلم ما يجب عليه فيها ومثله أيضا ~~إذا كثر سماعه وقع له العلم بها وإن لم يسمعها إلا من جهة الآحاد لم يعلمها ~~وهذا سبيل الخوارج في جحودهم الرجم وتحريم تزويج المرأة على عمتها وخالتها ~~وما جرى مجرى ذلك مما اختص أهل العدل بنقله دون الخوارج والبغاة وقد تضمنت ~~هاتان الآيتان أحكاما منها استشهاد أربعة من الشهداء على الزنا ومنها الحبس ~~للمرأة والأذى للرجل والمرأة جميعا ومنها سقوط الأذى والتعبير عنهما ~~بالتوبة لقوله تعالى فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما وهذه التوبة إنما كانت ~~مؤثرة في إسقاط الأذى دون الحبس وأما الحبس فكان موقوفا على ورود السبيل ~~وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السبيل وهو الجلد والرجم ونسخ جميع ~~ما ذكر في الآية إلا ما ذكر من استشهاد أربعة شهود فإن اعتبار عدد الشهود ~~باق في الحد الذي نسخ به الحدان الأولان وهو الجلد والرجم وقد بين الله ذلك ~~في قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة وقال تعالى لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون فلم ينسخ اعتبار العدد ولم ينسخ الاستشهاد # PageV03P045 # أيضا وهذا يوجب جواز إحضار الشهود والنظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليها ~~لأن الله تعالى أمر بالاستشهاد على الزنا وذلك لا يكون إلا بتعمد النظر فدل ~~ذلك على أن تعمد النظر إلى الزانيين لإقامة الحد عليهما لا يسقط شهادته ~~وكذلك فعل أبو بكر مع شبل بن معبد ونافع بن الحارث وزياد في قصة المغيرة بن ~~شعبة وذلك موافق لظاهر الآية # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن الآية روى الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال كانوا ~~إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها إن شاء بعضهم تزوجها ~~وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فنزلت هذه الآية في ذلك وقال الحسن ~~ومجاهد كان الرجل إذا مات وترك امرأته ms1055 قال وليه ورثت امرأته كما ورثت ماله ~~فإن شاء تزوجها بالصداق الأول وإن شاء زوجها وأخذ صداقها قال مجاهد وذلك ~~إذا لم يكن ابنها قال أبو مجلز فكان بالميراث أولى من ولي نفسها # وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا في أول الإسلام إذا مات ~~الرجل يقوم أقرب الناس منه فيلقي على امرأته ثوبا فيرث نكاحها فمات أبو ~~عامر زوج كبشة بنت معن فجاء ابن عامر من غيرهما وألقى عليها ثوبا فلم ~~يقربها ولم ينفق عليها فشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله لا ~~يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن # أن تؤتوهن الصداق الأول وقال الزهري كان يحبسها من غير حاجة إليها حتى ~~تموت فيرثها فنهوا عن ذلك وقوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك هو أمر للأزواج تخلية سبيلها ~~إذا لم يكن له فيها حاجة ولا يمسكها إضرار بها حتى تفتدي ببعض مالها وقال ~~الحسن هو نهي لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزويج على ما كان عليه أمر ~~الجاهلية وقال مجاهد هو نهي لوليها أن يعضلها قال أبو بكر الأظهر هو ~~التأويل تأويل ابن عباس لأن قوله تعالى لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن وما ذكر ~~بعده يدل عليه لأن قوله لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن يريد به المهر حتى تفتدي ~~كأنه يعضلها أو يسيء إليها لتفتدي منه ببعض مهرها وقوله تعالى إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة قال الحسن وأبو قلابة والسدي هو الزنا وإنه إنما تحل له ~~الفدية إذا اطلع منها على ريبة وقال ابن عباس والضحاك وقتادة هي النشوز ~~فإذا نشزت حل له أن يأخذ منها الفدية وقد بينا في سورة البقرة أمر الخلع ~~وأحكامه # PageV03P046 # وقوله تعالى وعاشروهن بالمعروف أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف ومن ~~المعروف أن يوفيها حقها من المهر والنفقة والقسم وترك أذاها بالكلام الغليظ ~~والإعراض عنها والميل إلى غيرها وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب جرى ~~مجرى ذلك نظير قوله تعالى فإمساك ms1056 بمعروف أو تسريح بإحسان وقوله تعالى فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا يدل على أنه مندوب ~~إلى إمساكها مع كراهته لها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ~~معنى ذلك # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا كثير بن عبيد قال حدثنا ~~محمد بن خالد عن معروف بن واصل عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن خالد بن يزيد النيلي قال ~~حدثنا مهلب بن العلاء قال حدثنا شعيب بن بيان عن عمران القطان عن قتادة عن ~~أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تزوجوا ولا تطلقوا فإن الله لا يحب الذواقين والذوقات # فهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم موافق لما دلت عليه الآية من ~~كراهة الطلاق والندب إلى الإمساك بالمعروف مع كراهته لها وأخبر الله تعالى ~~أن الخيرة ربما كانت لنا في الصبر على ما نكره بقوله تعالى فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا وهو كقوله تعالى وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم # وقوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا الآية ~~قد اقتضت هذه الآية إيجاب المهر لها تمليكا صحيحا ومنع الزوج أن يأخذ منها ~~شيئا مما أعطاها وأخبر أن ذلك سالم لها سواء استبدل بها أو أمسكها وأنه ~~محظور عليه أخذ شيء منه إلا بما أباح الله تعالى به أخذ مال الغير في قوله ~~تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وظاهره يقتضي حظر أخذ شيء منه بعد ~~الخلوة فيحتج به في إيجاب كمال المهر إذا طلق بعد الخلوة لعموم اللفظ في ~~حظر الأخذ في كل حال إلا ما خصه الدليل وقد خص قوله تعالى وإن طلقتموهن من ~~قبل أن ms1057 تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إذا طلق قبل الخلوة في ~~سقوط نصف المهر لأنه لا خلاف أن ذلك مراد إذا طلق قبل الخلوة وقد اختلف في ~~الخلوة هل هي المسيس المراد بالآية أو المسيس الجماع واللفظ محتمل للأمرين ~~لأن عليا وعمرو غيرهما من الصحابة قد تأولوه # PageV03P047 # عليها وتأوله عبد الله بن مسعود على الجماع فلا يخص عموم قوله تعالى فلا ~~تأخذوا منه شيئا بالاحتمال وقوله تعالى وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا يدل على أن من وهب محله مراته هبة لا يجوز له الرجوع فيها لأنها ~~مما آتاها وعموم اللفظ قد حظر أخذ شيء مما آتاها من غير فرق بين المهر ~~وغيره ويحتج فيمن خلع امرأته على مال وقد أعطاها صداقها أنه لا يرجع عليها ~~بشيء من الصداق الذي أعطاها عينا كان أو عرضا ما قاله أبو حنيفة في ذلك ~~ويحتج به فيمن أسلف امرأته نفقتها لمدة ثم ماتت قبل المدة أنه لا يرجع في ~~ميراثها بشيء مما أعطاها لعموم اللفظ لأنه جائز أن يريد أن يتزوج بأخرى بعد ~~موتها مستبدلا بها مكان الأولى فظاهر اللفظ قد تناول هذه الحال فإن قيل لما ~~عقب ذلك قوله تعالى وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض دل على أن المراد ~~بأول الخطاب فيما أعطاها هو المهر دون غيره إذ كان هذا المعنى إنما يختص ~~بالمهر دون ما سواه قيل له ليس يمتنع أن يكون أول الخطاب عموما في جميع ما ~~انتظمه الاسم ويكون المعطوف عليه بحكم خاص فيه ولا يوجب ذلك خصوص اللفظ ~~الأول وقد بينا نظائر ذلك في مواضع وهذه الآية أيضا تدل على أنه إذا دخل ~~بها ثم وقعت الفرقة من قبلها بمعصية أو غير معصية أن مهرها واجب لا يبطله ~~وقوع الفرقة من قبلها وفائدة تخصيص الله تعالى حال الاستبدال بالنهي عن أخذ ~~شيء مما أعطاها مع شمول الحظر لسائر الأحوال إزالة توهم من يظن أن ذلك جائز ~~عند حصول البضع لها وسقوط حق الزوج ms1058 عنه بطلاقها وأن الثانية قد قامت مقام ~~الأولى فتكون أولى بالمهر الذي أعطاها فنص على حظر الأخذ في هذه الحال ودل ~~به على عمومه في سائر الأحوال إذا لم يبح له أخذ شيء مما أعطاها في الحال ~~التي يسقط حقه عن بعضها فهو أولى أن لا يأخذ منها شيئا مع بقاء حقه في ~~استباحة بضعها وكونه أملك بها من نفسها وأكد الله تعالى حظر أخذ شيء مما ~~أعطى بأن جعله ظلما كالبهتان وهو الكذب الذي يباهت به مخبره ويكابر به من ~~يخاطبه وهذا أقبح ما يكون من الكذب وأفحشه فشبه أخذ ما أعطاها بغير حق ~~بالبهتان في قبحه فسماه بهتانا وإثما # قوله عز وجل وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا قال أبو بكر ذكر الفراء أن الإفضاء هو الخلوة وإن لم يقع دخول وقول ~~الفراء حجة فيما يحكيه من اللغة فإذا كان اسم الإفضاء يقع على الخلوة فقد ~~منعت # PageV03P048 # الآية أن يأخذ منها شيئا بعد الخلوة والطلاق لأن قوله تعالى وإن أردتم ~~استبدال زوج قد أفاد الفرقة والطلاق والإفضاء مأخوذ من الفضاء وهو المكان ~~الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه فسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع ~~من الوطء والدخول ومن الناس من يقول إن الفضاء السعة وأفضى إذا صار المتسع ~~مما يقصده وجائز على هذا الوضع أيضا أن تسمى الخلوة إفضاء لوصوله بها إلى ~~مكان الوطء واتساع ذلك بالخلوة وقد كان يضيق عليه الوصول إليها قبل الخلوة ~~فسميت الخلوة إفضاء لهذا المعنى فأخبر تعالى أنه غير جائز له أخذ شيء مما ~~أعطاها مع إفضاء بعضهم إلى بعض وهو الوصول إلى مكان الوطء وبذلها ذلك له ~~وتمكينها إياه من الوصول إليها فظاهر هذه الآية تمنع الزوج أخذ شيء مما ~~أعطاها إذا كان النشوز من قبله لأن قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج يدل على أن الزوج هو المريد للفرقة دونها ولذلك قال أصحابنا إن النشوز ~~إذا كان من قبله يكره له أن ms1059 يأخذ شيئا من مهرها وإذا كان من قبلها فجائز له ~~ذلك لقوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة فقيل عن ابن عباس إن الفاحشة هي النشوز وقال غيره هي الزنا ولقوله ~~تعالى فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ومن ~~الناس من يقول إنها منسوخة بقوله وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وذلك غلط ~~لأن قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج قد أفاد حال كون النشوز من ~~قبله وقوله تعالى إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله إنما فيه ذكر حال أخرى ~~غير الأولى وهي الحال التي يكون النشوز منها وافتدت فيها المرأة منه فهذه ~~حال غير تلك وكل واحد من الحالين مخصوصة بحكم دون الأخرى وقوله تعالى وأخذن ~~منكم ميثاقا غليظا قال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي هو قوله ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال قتادة وكان يقال للناكح في صدر الإسلام ~~الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان وقال مجاهد كلمة النكاح التي ~~يستحل بها الفرج وقال غيره هو # قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله تعالى # والله أعلم بالصواب. ### | باب ما يحرم من النساء # قال الله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء قال أبو بكر أخبرنا ~~أبو عمر «4- أحكام لث» # PageV03P049 # غلام ثعلب قال الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أن ~~النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين تقول العرب أنكحنا ~~الفرافسنرى هو مثل ضربوه للأمر يتشاورون فيه ويجتمعون عليه ثم ينظر عما ذا ~~يصدرون فيه معناه جمعنا بين الحمار وأتانه قال أبو بكر إذا كان اسم النكاح ~~في حقيقة اللغة موضوعا للجمع بين الشيئين ثم وجدناهم قد سموا الوطء نفسه ~~نكاحا من غير عقد كما قال الأعشى: # ومنكوحة غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها # يعن المسبية الموطوأة بغير مهر ولا عقد وقال الآخر: # ومن أيم قد أنكحتها رماحنا ... وأخرى ms1060 على عم وخال تلهف # وهو يعني المسبية أيضا ومنه قول الآخر أيضا: # فنكحن أبكارا وهن بأمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار # وهو يعني الوطء أيضا ولا يمتنع أحد من إطلاق اسم النكاح على الوطء وقد ~~تناول الاسم العقد أيضا قال الله تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن والمراد به العقد دون الوطء # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا من نكاح ولست من سفاح # فدل بذلك على معنيين أحدهما أن اسم النكاح يقع على العقد والثاني دلالته ~~على أنه قد يتناول الوطء من غير عقد لولا ذلك لاكتفى بقوله أنا من نكاح إذ ~~كان السفاح لا يتناول اسم النكاح بحال فدل قوله ولست من سفاح بعد تقديم ذكر ~~النكاح أن النكاح يتناول له الأمرين فبين صلى الله عليه وسلم أنه من العقد ~~الحلال لا من النكاح الذي هو سفاح ولما ثبت بما ذكرنا أن الاسم ينتظم ~~الأمرين جميعا من العقد والوطء وثبت بما ذكرنا من حكم هذا الاسم في حقيقة ~~اللغة وأنه اسم للجمع بين الشيئين والجمع إنما يكون بالوطء دون العقد إذ ~~العقد لا يقع به جمع لأنه قول منهما جميعا لا يقتضي جمعا في الحقيقة ثبت أن ~~اسم النكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد وأن العقد إنما سمي نكاحا لأنه سبب ~~يتوصل به إلى الوطء تسمية الشيء باسم غيره إذا كان منه بسبب أو مجاورا له ~~مثل الشعر الذي يولد الصبي وهو على رأسه يسمى عقيقة ثم سميت الشاة التي ~~تذبح عنه عند حلق ذلك الشعر عقيقة وكالرواية التي هي اسم للجمل الذي يحمل ~~المزادة ثم سميت المزادة راوية لاتصالها به وقربها منه وقال أبو النجم: # PageV03P050 # تمشي من «1» الردة مشي الحفل ... مشي الروايا بالمزاد الأثقل # ونحوه الغائط هو اسم للمكان المطمئن من الأرض ويسمى به ما يخرج من ~~الإنسان مجازا أنهم كانوا يقصدون الغائط لقضاء الحاجة ونظائر ذلك كثيرة ~~فكذلك النكاح اسم للوطء حقيقة على مقتضى موضوعه في أصل اللغة ويسمى العقد ~~باسمه مجازا لأنه يتوصل به ms1061 إليه وهو سببه ويدل على أنه سمي باسم العقد ~~مجازا أن سائر العقود من البياعات والهبات لا يسمى منها شيء نكاح وإن كان ~~قد يتوصل به إلى استباحة وطء الجارية إذ لم تختص هذه العقود بإباحة الوطء ~~لأن هذه العقود تصح فيمن يحظر عليه وطؤها كأخته من الرضاعة ومن النسب وأم ~~امرأته ونحوها وسمي العقد المختص بإباحة الوطء نكاحا لأن من لا يحل له ~~وطؤها لا يصح نكاحها فثبت بذلك أن اسم النكاح حقيقة للوطء مجاز في العقد ~~فوجب إذا كان هذا على ما وصفنا أن يحمل قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء على الوطء فاقتضى ذلك تحريم من وطئها أبوه من النساء عليه ~~لأنه لما ثبت أن النكاح اسم للوطء لم يختص ذلك بالمباح منه دون المحظور ~~كالضرب والقتل والوطء نفسه لا يختص عند الإطلاق بالمباح منه دون المحظور بل ~~هو على الأمرين حتى تقوم الدلالة على تخصيصه وكان أبو الحسن يقول إن قوله ~~تعالى ما نكح آباؤكم مراده الوطء دون العقد من حيث اللفظ حقيقة فيه ولم يرد ~~به العقد لاستحالة كون لفظ واحد مجازا حقيقة في حال واحدة وإنما أوجبنا ~~التحريم بالعقد بغير الآية وقد اختلف أهل العلم في إيجاب تحريم الأم والبنت ~~بوطء الزنا فروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين في ~~رجل زنى بأم امرأته حرمت عليه امرأته وهو قول الحسن وقتادة وكذلك قول سعيد ~~بن المسيب وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله ومجاهد وعطاء وإبراهيم وعامر ~~وحماد وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي ولم يفرقوا بين ~~وطء الأم قبل التزوج أو بعده في إيجاب تحريم البنت وروى عكرمة عن ابن عباس ~~في الرجل يزني بأم امرأته بعد ما يدخل بها قال تخطى حرمتين ولم تحرم عليه ~~امرأته وروي عنه أنه قال لا يحرم الحرام الحلال وذكر الأوزاعي عن عطاء أنه ~~كان PageV03P051 # يتأول قول ابن عباس لا يحرم حرام حلالا على الرجل يزني ms1062 بالمرأة ولا ~~يحرمها عليه زناه وهذا يدل على أن قول ابن عباس الذي رواه عكرمة في أن ~~الزنا بالأم لا يحرم البنت لم يكن عند عطاء كذلك لأنه لو كان ثابتا عنده ~~لما احتاج إلى تأويل # قوله لا يحرم الحرام الحلال # وقال الزهري وربيعة ومالك والليث والشافعي لا تحرم أمها ولا بنتها بالزنا ~~وقال عثمان البتي في الرجل يزني بأم امرأته قال حرام لا يحرم حلالا ولكنه ~~إن زنى بالأم قبل أن يتزوج البنت أو زنى بالبنت قبل أن يتزوج الأم فقد حرمت ~~ففرق بين الزنا بعد التزويج وقبله واختلف الفقهاء أيضا في الرجل يلوط ~~بالرجل هل تحرم عليه أمه وابنته فقال أصحابنا لا تحرم عليه وقال عبد الله ~~بن الحسين هو مثل وطء المرأة بزنا في تحريم الأم والبنت وقال من حرم بهذا ~~من النساء حرم من الرجال وروى إبراهيم بن إسحاق قال سألت سفيان الثوري عن ~~الرجل يلعب بالغلام أيتزوج أمه قال لا وقال كان الحسن بن صالح يكره أن ~~يتزوج الرجل بامرأة قد لعب بابنها وقال الأوزاعي في غلامين يلوط أحدهما ~~بالآخر فتولد للمفعول به جارية قال لا يتزوجها الفاعل قال أبو بكر قوله ~~تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء قد أوجب تحريم نكاح امرأة قد ~~وطئها أبوه بزنا أو غيره إذ كان الاسم يتناوله حقيقة فوجب حمله عليها # وإذا ثبت ذلك في وطء الأب ثبت مثله في وطء أم المرأة أو ابنتها في إيجاب ~~تحريم المرأة لأن أحدا لم يفرق بينها ويدل على ذلك قوله تعالى وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن والدخول بها اسم للوطء وهو ~~عام في جميع ضروب الوطء من مباح أو محظور ونكاح أو سفاح فوجب تحريم البنت ~~بوطء كان منه قبل تزويج الأم لقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن ويدل على أن ~~الدخول بها اسم للوطء وأنه مراد بالآية وأن اسم الدخول لا يختص بوطء نكاح ~~دون غيره أنه لو وطئ الأم بملك اليمين حرمت عليه البنت ms1063 تحريما مؤبدا بحكم ~~الآية وكذلك لو وطئها بنكاح فاسد فثبت أن الدخول لما كان اسما للوطء لم ~~يختص فيما علق به من الحكم بوطء بنكاح دون ما سواه من سائر ضروب الوطء ويدل ~~عليه من جهة النظر أن الوطء آكد في إيجاب التحريم من العقد لأنا لم نجد وطأ ~~مباحا إلا وهو موجب للتحريم وقد وجدنا عقدا صحيحا لا يوجب التحريم وهو ~~العقد على الأم لا يوجب تحريم البنت ولو وطئها حرمت فعلمنا أن وجود الوطء ~~علة لإيجاب التحريم # PageV03P052 # فكيفما وجد ينبغي أن يحرم مباحا كان الوطء أو محظورا لوجود الوطء لأن ~~التحريم لم يخرجه من أن يكون وطأ صحيحا فلما اشتركا في هذا المعنى وجب أن ~~يقع به تحريم وأيضا لا خلاف أن الوطء بشبهة وبملك اليمين يحرمان مع عدم ~~النكاح وهذا يدل على أن الوطء يوجب التحريم على أي وجه وقع فوجب أن يكون ~~وطء الزنا محرما لوجود الوطء الصحيح فإن قيل إن الوطء بملك اليمين وبشبهة ~~إنما تعلق بهما التحريم لما يتعلق بهما من ثبوت النسب والزنا لا يثبت به ~~النسب فلا يتعلق به حكم التحريم قيل له ليس لثبوت النسب تأثير في ذلك لأن ~~الصغير الذي لا يجامع مثله لو جامع امرأته حرمت عليه أمها وبنتها ولم يتعلق ~~بوطئه ثبوت النسب ومن عقد على امرأة نكاحا تعلق بعقد النكاح ثبوت النسب قبل ~~الوطء حتى لو جاءت بولد قبل الدخول وبعد العقد بستة أشهر لزمه ولم يتعلق ~~بالعقد تحريم البنت فإذ كنا وجدنا الوطء مع عدم ثبوت النسب به يوجب التحريم ~~والعقد مع تعلق ثبوت النسب به لا يوجب التحريم علمنا أنه لاحظ لثبوت النسب ~~في ذلك وأن الذي يجب اعتباره هو الوطء لا غير وأيضا لا خلاف بيننا وبينهم ~~أنه لو لمس أمته لشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وليس للمس حظ في ثبوت النسب ~~فدل على أن حكم التحريم ليس بموقوف على النسب وأنه جائز ثبوته مع ثبوت ~~النسب وجائز ثبوته أيضا مع عدم ثبوت النسب ms1064 ويدل على صحة قول أصحابنا أنا ~~وجدنا الله تعالى قد غلظ أمر الزنا بإيجاب الرجم تارة وبإيجاب الجلد أخرى ~~وأوعد عليه بالنار ومنع إلحاق النسب به وذلك كله تغليط لحكمه فوجب أن يكون ~~بإيجاب التحريم أولى إذ كان إيجاب التحريم ضربا من التغليظ ألا ترى أن الله ~~تعالى لما حكم ببطلان حج من جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة كان الزاني أولى ~~ببطلان الحج لأن بطلان الحج تغليظ لتحريم الجماع فيه كذلك لما حكم الله ~~بإيجاب تحريم الأم والبنت بالوطء الحلال وجب أن يكون الزنا أولى بإيجاب ~~التحريم تغليظا لحكمه وقد زعم الشافعي أن الله تعالى لما أوجب الكفارة على ~~قاتل الخطأ كان قاتل العمد أولى إذ كان حكم العمد أغلظ من حكم الخطإ ألا ~~ترى أن الوطء لم يختلف حكمه أن يكون بزنا أو غيره فيما تعلق به من فساد ~~الحج والصوم ووجوب الغسل فكذلك ينبغي أن يستويا في حكم التحريم فإن قيل ~~الوطء المباح يتعلق به حكم في إيجاب المهر ولا يتعلق ذلك بالزنا قيل له قد ~~تعلق بالزنا من إيجاب الرجم أو الجلد # PageV03P053 # ما هو أغلظ من إيجاب المال وعلى أن المال والحد يتعاقبان على الوطء لأنه ~~متى وجب الحد لم يجب المهر ومتى وجب المهر لم يجب الحد فكل واحد منهما يخلف ~~الآخر فإذا وجب الحد فذلك قائم مقام المال فيما تعلق بالوطء من الحكم فلا ~~فرق بينهما من هذا الوجه فإن احتج محتج بما # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن الليث الجزري قال حدثنا إسحاق بن ~~بهلول قال حدثنا عبد الله بن نافع المدني قال حدثنا المغيرة بن إسماعيل بن ~~أيوب ابن سلمة الزهري عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عائشة قالت سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يتبع المرأة حراما أينكح أمها أو يتبع ~~الأم حراما أينكح ابنتها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم الحرام ~~الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح # وبما رواه إسحاق بن محمد الفروي ms1065 عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحرم الحرام الحلال # وروى عمر بن حفص عن عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفسد الحرام الحلال # فإن هذه الأخبار باطلة عند أهل المعرفة ورواتها غير مرضيين أما المغيرة ~~بن إسماعيل فمجهول لا يعرف لا يجوز ثبوت شريعة بروايته لا سيما في اعتراضه ~~على ظاهر القرآن وإسحاق بن محمد الفروي مطعون في روايته وكذلك عمر بن حفص ~~ولو ثبت لم يدل على قول المخالف لأن الحديث الأول إنما ذكر فيه الرجل ويتبع ~~المرأة وليس فيه ذكر الوطء فكان # قوله صلى الله عليه وسلم لا يحرم إلا ما كان بنكاح # جوابا عما سأله من اتباع المرأة وذلك إنما يكون بأن يتبعها نفسه فيكون ~~منه نظرا إليها مراودتها على الوطء وليس فيه إثبات الوطء فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم أن مثل ذلك لا يوجب تحريما وأنه لا يقع بمثله التحريم إلا أن ~~يكون بينهما عقد نكاح وليس فيه للوطء ذكر # وقوله لا يحرم الحرام الحلال # إنما هو فيما سئل عنه من اتباع المرأة من غير وطء وأما # حديث ابن عمر وقوله لا يحرم الحرام الحلال # فجائز أن يكون في هذه القصة بعينها إن صحت فكان جوابا لما سئل عنه من ~~النظر والمراودة من غير جماع وتكون فائدته إزالة توهم من يظن أن النظر ~~بانفراده يحرم لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال زنا العينين النظر وزنا الرجلين ~~المشي # فكان جائز أن يظن ظان أن النظر بانفراده يحرم كما يحرم الوطء لتسمية ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياه زنا فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا ~~يحرم وأن التحريم إذا لم تكن ملامسة إنما يتعلق بالعقد وإن لم يكن مسيس ~~وإذا # PageV03P054 # احتمل هذا الخبر ما وصفنا زال الاعتراض به وعلى أنهم متفقون أن التحريم ~~غير مقصور على النكاح ms1066 ولا على الوطء المباح لأنه لا خلاف أن من وطئ أمته ~~حائضا أن هذا وطء حرام في غير نكاح وأنه يوجب التحريم فبطل أن يكون حكم ~~التحريم مقصورا على النكاح ولا على وطء مباح وكذلك لو وطئ جارية بينه وبين ~~غيره أو جاريته وهي مجوسية كان واطئا وطأ حراما في غير نكاح موجب للتحريم ~~وهذا يدل على أن الحديث إن ثبت فليس بعموم في نفي إيجاب التحريم بوطء حرام ~~وأيضا قد حرم الله تعالى امرأة المظاهر عليه بالظهار وقد سماه منكرا من ~~القول وزورا ولم يكن هذا القول محرما مانعا من وقوع تحريم الوطء به وأيضا ~~فإن قوله الحرام لا يحرم الحلال لا يصح الاحتجاج به لوروده مطلقا من وجه ~~صحيح غير متعلق بسبب من وجهين أحدهما أن الحرام والحلال إنما هو حكم الله ~~تعالى بالتحريم والتحليل وقد علمنا حقيقة أن حكم الله تعالى بالتحريم في ~~شيء وبالتحليل في غيره ليس يتعلق به حكم آخر في إيجاب تحريم أو تحليل إلا ~~بدلالة فهذا اللفظ إذا حمل على حقيقته لم يكن له تعلق بمسئلتنا لأنا كذلك ~~نقول إن حكم الله تعالى بالتحريم لا يوجب تحريم مباح بنفس ورود الحكم إلا ~~أن يقوم الدليل على إيجاب تحريم غيره من حيث حرم هو وفائدته حينئذ أن ما قد ~~حكم الله تعالى بتحليله نصا فهو مقر على ما حكم به من تحليله وإذا حكم ~~بتحريم شيء آخر لم يجز الاعتراض على المحكوم بتحليله بديا بتحريم غيره من ~~طريق القياس فمنع تحريم المباح بالقياس ودل ذلك على بطلان قول من يجيز ~~النسخ بالقياس هذا الذي تقتضيه حقيقة اللفظ إن صح فهذا أحد الوجهين اللذين ~~ذكرنا والوجه الآخر أن يكون المراد بقوله الحرام لا يحرم الحلال أن فعل ~~الحرام لا يحرم الحلال فإن كان هذا أراد فلا محالة أن في اللفظ ضميرا يجب ~~اعتباره دون اعتبار حقيقة معنى اللفظ فلا يصح له الاحتجاج به من وجهين ~~أحدهما أن الضمير ليس بمذكور يعتبر عمومه فيسقط الاحتجاج بعمومه ms1067 إذ الضمير ~~ليس بمذكور حتى يكون لفظ عموم فيما تحته من المسميات فلا يصح لأحد الاحتجاج ~~بعموم ضمير غير مذكور والوجه الآخر أنه لا يصح اعتبار العموم فيه من قبل أن ~~لا يصح اعتقاد العموم في مثله لاتفاق المسلمين على إيجاب تحريم الحرام ~~الحلال وهو الوطء بنكاح فاسد ووطء الأمة الحائض والطلاق الثلاث في الحيض ~~والظهار والخمر إذا # PageV03P055 # خالطت الماء والردة تبطل النكاح وتحرمها على الزوج وغير ذلك من الأفعال ~~المحرمة للحلال # فقوله صلى الله عليه وسلم الحرام لا يحرم الحلال # لو ورد بلفظ عموم لما صح اعتقاد العموم فيه وكان مفهوما مع وروده أنه ~~أراد بعض الأفعال المحرمة لا يحرم الحلال فيحتاج إلى دلالة في إثبات حكمه ~~كسائر الألفاظ المجملة وأيضا لو نص النبي صلى الله عليه وسلم على ما ادعيت ~~من ضميره فقال إن فعل الحرام لا يحرم الحلال لما دل على ما ذكرت لأنا كذلك ~~نقول إن فعل الحرام لا يحرم الحلال فيكون ذلك محمولا على حقيقة ولا دلالة ~~فيه أن الله لا يحرم الحلال عند وقوع فعل حرام فإن قيل معناه أن الله لا ~~يحرم الحلال بفعل الحرام قيل له فإذا قوله الحرام لا يحرم الحلال إذا كان ~~المراد به ما ذكرت مجاز ليس بحقيقة فيحتاج إلى دلالة في إثبات حكمه إذ لا ~~يجوز استعمال المجاز إلا عند قيام الدلالة عليه. # وذكر الشافعي أن مناظرة جرت بينه وبين بعض الناس فيها أعجوبة لمن تأملها ~~قال الشافعي قال لي قائل لم قلت إن الحرام لا يحرم الحلال قلت قال الله ~~تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وقال وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم وقال وأمهات نسائكم- إلى قوله- اللاتي دخلتم بهن أفلست تجد التنزيل ~~إنما يحرم ما سمي بالنكاح أو الدخول والنكاح قال بلى قال قلت أفيجوز أن ~~يكون الله حرم بالحلال شيئا وحرمه بالحرام والحرام ضد الحلال والنكاح مندوب ~~إليه مأمور به وحرم الزنا فقال ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ~~قال أبو بكر تلا ms1068 الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول وآية تحريم الزنا ~~وهذان الحكمان غير مختلف فيهما أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا ~~وليس في ذلك دلالة على موضع الخلاف في المسألة لأن إباحة النكاح والدخول ~~وإيجاب التحريم بهما ليس فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما كما لم ينف إيجاب ~~التحريم بالوطء بملك اليمين وتحريم الله تعالى للزنا لا يفيد أن التحريم لا ~~يقع إلا به فإذا ليس في ظاهر تلاوة الآيتين نفي لتحريم النكاح بوطء الزنا ~~لأن الآية الزنا إنما فيها تحريم الزنا وليس تحريم الزنا عبارة عن نفي ~~إيجابه لتحريم النكاح ولا في إيجاب التحريم بالنكاح والدخول نفي لإيجابه ~~بغيرهما فإذا لا دلالة فيما تلاه من الآيتين على موضع الخلاف ولا جوابا ~~للسائل الذي سأله عن الدلالة على صحة قوله ثم قال الحرام ضد الحلال فلما ~~قال له السائل فرق بينهما قال قلت قد فرق الله بينهما لأن الله ندب إلى ~~النكاح وحرم الزنا # PageV03P056 # فجعل فرق الله بينهما في التحليل والتحريم دليلا على السائل والسائل لم ~~يشكل عليه إباحة النكاح وتحريم الزنا وإنما سأله عن وجه الدلالة من الآية ~~على ما ذكر فلم يبين وجهها واشتغل بأن هذا محرم وهذا حلال فإن كان هذا ~~السائل من عمى القلب بالمحل الذي لم يعرف بين النكاح وبين الزنا فرقا من ~~وجه من الوجوه فمثله لا يستحق الجواب لأنه مؤوف العقل إذ العاقل لا ينزل ~~نفسه بهذه المنزلة من التجاهل وإن كان قد عرف الفرق بينهما من جهة أن ~~أحدهما محظور والآخر مباح وإنما سأله أن يفرق بينهما في امتناع جواز ~~اجتماعهما في إيجاب تحريم النكاح فإن الشافعي لم يجبه عن ذلك ولم يزده على ~~تلاوة الآيتين في الإباحة والحظر وأن الحلال ضد الحرام إذ ليس في كون ~~الحلال ضد الحرام ما يمنع اجتماعهما في إيجاب التحريم ألا ترى أن الوطء ~~بالنكاح الفاسد هو حرام ووطء الحائض حرام بنص التنزيل واتفاق المسلمين وهو ~~ضد الوطء الحلال وهما متساويان في إيجاب التحريم والطلاق في الحيض محظور ms1069 ~~وفي الطهر قبل الجماع مباح وهما متساويان فيما يتعلق بهما من إيجاب التحريم ~~فإن كان عند الشافعي أن القياس ممتنع في الضدين فواجب أن لا يجتمعا أبدا في ~~حكم واحد ومعلوم أن في الشريعة اجتماع الضدين في حكم واحد وأن كونهما ضدين ~~لا يمنع اجتماعهما في أحكام كثيرة ألا ترى أن ورود النص جائز بمثله وما جاز ~~ورود النص به ساغ فيه القياس عند قيام الدلالة عليه فإذا لم يكن ممتنعا في ~~العقل ولا في الشرع اجتماع الضدين في حكم واحد فقوله إن الحلال ضد الحرام ~~ليس بموجب للفرق بينهما من حيث سأله السائل ويدل على أن ذلك غير ممتنع أن ~~الله تعالى قد نهى المصلي عن المشي في الصلاة وعن الاضطجاع فيها من غير ~~ضرورة والمشي والاضطجاع ضدان وقد اجتمعا في النهي ولا يحتاج في ذلك إلى ~~الإكثار إذ ليس يمتنع أحد من إجازته فلم يحصل من قول الشافعي إنهما ضدان ~~معنى يوجب الفرق بينهما ثم حكي عن السائل أنه قال أجد جماعا وجماعا فأقيس ~~أحدهما بالآخر قال قلت وجدت جماعا حلالا حمدت به ووجدت جماعا حراما رجمت به ~~أفرأيته يشبهه قال ما يشبهه فهل توضحه بأكثر من هذا قال أبو بكر فقد سلم له ~~السائل أنه ما يشبهه فإن كان مراده أنه لا يشبهه من حيث افترقا فهذا ما لا ~~ينازع فيه وإن كان أراد لا يشبهه من حيث رام الجمع بينهما من جهة إيجاب ~~التحريم فإنه لم يأت بدليل ينفي الشبه بينهما من هذه الجهة وليس في الدنيا # PageV03P057 # قياس إلا وهو تشبيه للشيء بغيره # من بعض الوجوه دون جميعها فإن كان افتراق الشيئين من وجه يوجب الفرق ~~بينهما من سائر الوجوه فإن في ذلك إبطال القياس أصلا إذ ليس يجوز وجود ~~القياس فيما اشتبها فيه من سائر الوجوه فقد بان أن ما قاله الشافعي وما ~~سلمه له السائل كلام فارغ لا معنى تحته في حكم ما سئل عنه ثم قال له السائل ~~هل توضحه بأكثر من هذا ms1070 قال نعم أفتجعل الحلال الذي هو نعمة قياسا على ~~الحرام الذي هو نقمة وهذا هو تكرار للمعنى الأول بزيادة النعمة والنقمة ~~والسؤال قائم عليه لم يجب بما تقتضيه مطالبة السائل ببيان وجه الدلالة في ~~منع هذا القياس وهو قد جعل هذا الحرام الذي هو نقمة وهو وطء الحائض ~~والجارية المجوسية والوطء بالنكاح الفاسد الحلال الذي هو نعمة في إيجاب ~~التحريم فانتقض ما ذكره وادعاه من غير دلالة أقامها عليه وحكى عن السائل ~~أنه قال إن صاحبنا قال يوجدكم أن الحرام يحرم الحلال قال قلت له أفيما ~~اختلفنا فيه من النساء قال لا ولكن في غيره من الصلاة والمشروب والنساء ~~قياس عليه قال قلت أفتجيز لغيرك أن يجعل الصلاة قياسا على النساء قال أما ~~في شيء فلا قال أبو بكر فمنع الشافعي بهذا أن يقيس تحريم الحرام والحلال من ~~غير النساء على النساء مع إطلاقه القول بديا أنه إنما لم يجز قياس الزنا ~~على الوطء المباح لأنه حرام وهو ضد الحلال والحلال نعمة والحرام نقمة من ~~غير تقييد لذلك بأن هذه القضية في منع القياس مقصورة على النساء دون غيرهن ~~وإطلاقه الاعتلال بالفرق الذي ذكر يلزمه إجراؤه في سائر ما وجد فيه فإذا لم ~~يفعل ذلك فقد ناقض ثم يقال له فإذا جاز تحريم الحرام الحلال في غير النساء ~~هلا جاز مثله في النساء مع كون أحدهما ضد الآخر وكون أحدهما نعمة والآخر ~~نقمة كما كان الوطء بملك اليمين مثل الوطء بالنكاح في إيجاب التحريم مع كون ~~ملك اليمين ضد للنكاح ألا ترى أن ملك اليمين والنكاح لا يجتمعان لرجل واحد ~~وحكى عن السائل أنه قال له إن الصلاة حلال والكلام فيها حرام فإذا تكلم ~~فيها فسدت عليه صلاته فقد أفسد الحلال بالحرام قال قلت له زعمت أن الصلاة ~~فاسدة الصلاة لا تكون فاسدة ولكن الفاسد فعله لا هي ولكن لا تجزي عنك ~~الصلاة لأنك لم تأت بها كما أمرت قال أبو بكر ما ظننت أن أحدا ممن ينتدب ~~لمناظرة خصم ms1071 يبلغ به الإفلاس من الحجاج إلى أن يلجأ إلى مثل هذا مع سخافة ~~عقل السائل وغباوته وذلك لأن أحدا لا يمتنع من إطلاق القول # PageV03P058 # بفساد صلاته إذا فعل فيها ما يوجب بطلانها كما لا يمتنع من إطلاق القول ~~بفساد النكاح إذا وجد فيه ما يبطله فإن كان الذي أوجب الفرق بينهما أنه لا ~~يطلق اسم الفساد على الصلاة مع بطلانها مع إطلاق الناس كلهم ذلك فيها فإنه ~~لا يعوز خصمه أن يقول مثل ذلك في النكاح إني لا أقول إن نكاحه يفسد والنكاح ~~لا يكون فاسدا وإنما فعله وهو الزنا هو الفاسد فأما النكاح فلم يفسد ولكن ~~المرأة بانت منه وخرجت من حباله فهما سواء من هذا الوجه ثم يقال له أحسب ~~أنا قد سلمنا لك ما ادعيت من امتناع اسم الفساد على الصلاة التي قد بطلت ~~أليس السؤال قائما عليك في المعنى إذا سلمنا لك الاسم وهو أن يقال لك ما ~~أنكرت أنه لما جاز خروج المتكلم من الصلاة ولم تجز عنه لأجل الكلام المحظور ~~وجب أن يكون كذلك حكم المرأة فلا يبقى نكاحها بعد وطء أمها بزنا كما لم تبق ~~الصلاة بعد الكلام فتبين منه امرأته وتخرج من حباله كما خرج من الصلاة ~~ويلزم الشافعي على هذا أن لا يطلق في شيء من البيوع أنه فاسد وكذلك سائر ~~العقود وإنما يقال فيها إنها غير مجزية ولا موجبة للملك وهذا إنما هو منع ~~للعبارة وإنما الكلام على المعاني لا على العبارات والأسامي وذكر الشافعي ~~عن سائله أنه قال إن صاحبنا قال الماء حلال والخمر حرام فإذا صب الماء في ~~الخمر حرم الماء قال قلت له أرأيت إن صببت الماء في الخمر أما يكون الماء ~~الحلال مستهلكا في الحرام قال بلى قلت أتجد المرأة محرمة على كل أحد كما ~~تجد الخمر محرمة على كل أحد قال لا قلت أتجد المرأة وبنتها مختلطتين ~~كاختلاط الماء والخمر قال # لا قلت أفتجد القليل من الخمر إذا صب في كثير الماء نجس قال لا ms1072 قلت أفتجد ~~قليل الزنا والقبلة واللمس للشهوة لا يحرم ويحرم كثيره قال لا قال فلا يشبه ~~أمر النساء الخمر والماء قال أبو بكر وهذا أيضا من طريق الفروق والذي ذكر ~~في تحريم الخمر للماء يحكى عن الشافعي أنه احتج به على يحيى بن معين حين ~~قال الحرام لا يحرم الحلال وهو إلزام صحيح على من ينفي التحريم لهذه العلة ~~لوجودها فيه إذ لم تكن العلة في منع تحريم الحرام الحلال أنهما غير مختلطين ~~وإن قيل الزنا يحرم وإنما كانت علته أن الحرام ضد الحلال وأن الحلال نعمة ~~والحرام نقمة ولم نره احتج بغيره في جميع ما ناظر به السائل والفروق التي ~~ذكرها إنما هي فروق من وجوه أخر تزيد علته انتقاضا لوجودها مع عدم الحكم ~~وعلى أنه إن كان التحريم مقصورا على الاختلاط وتعذر تمييز المحظور من ~~المباح فينبغي أن # PageV03P059 # لا يحرم الوطء المباح لعدم الاختلاط وكذلك الوطء بالنكاح الفاسد وسائر ~~ضروب الوطء الذي علق به التحريم إذ كانت المرأة متميزة عن أمها فهما غير ~~مختلطتين فإذا جاز أن يقع التحريم بهذه الوجوه مع عدم الاختلاط فما أنكر ~~مثله في الزنا وقد بينا في صدر المسألة دلالة قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح ~~آباؤكم من النساء وقوله تعالى اللاتي دخلتم بهن على وقوع التحريم بالزنا ~~فلم يحصل من كلام الشافعي دلالة في هذه المسألة ولا شبهة على ما سئل عنه ثم ~~حكى الشافعي عن سائله هذا لما فرق له بين الماء والخمر وبين النساء بما ذكر ~~أنه لا يشبهه أمر النساء الخمر والماء قال الشافعي فقلت له وكيف قبلت هذا ~~منه فقال ما بين لنا أحد بيانك لنا ولو علم صاحبنا به لظننت أنه لا يقيم ~~على قوله ولكن غفل وضعف عن كلامه قال فرجع عن قولهم وقال الحق عندي في ~~قولكم ولم يصنع صاحبنا شيئا ولا ندري من كان هذا السائل ولا من صاحبهم الذي ~~قال لو علم صاحبنا بهذه الفروق لظن أنه لا يقيم على قوله وقد بان ms1073 عمى قلب ~~هذا السائل بتسليمه للشافعي جميع ما ادعاه من غير مطالبة له بوجه الدلالة ~~على المسألة فيما ذكر وجائز أن يكون رجلا عاميا لم يرتض بشيء من الفقه إلا ~~أنه قد انتظم بذلك شيئين أحدهما الجهل والغباوة بما وقفنا عليه من مناظرته ~~وتسليمه ما لا يجوز تسليمه ومطالبته للمسئول بالفروق التي لا توجب فرقا في ~~معاني العلل والمقايسات ثم انتقاله بمثل ذلك إلى مذهبه على ما زعم وتركه ~~لقول أصحابه والآخر قلة العقل وذلك أنه ظن أن صاحبه لو سمع بمثل ذلك رجع عن ~~قوله فقضى بالظن على غيره فيما لا يعلم حقيقته وسرور الشافعي بمناظرة مثله ~~وانتقاله إلى مذهبه يدل على أنهما كانا متقاربين في المناظرة وإلا فلو كان ~~عنده في معنى المبتدئ والمغفل العامي لما أثبت مناظرته إياه في كتابه ولو ~~كلم بذلك المبتدؤن من أحداث أصحابنا لما خفي عليهم عوار هذا الحجاج وضعف ~~السائل والمسئول فيه وقد ذكر الشافعي أنه قال لمناظره جعلت الفرقة إلى ~~المرأة بتقبيلها ابن زوجها والله لم يجعل الفرقة إليها قال فقال فأنت تزعم ~~أنها تحرم على زوجها إذا ارتدت قال قلت وأقول إن رجعت وهي في العدة فهما ~~على النكاح أفتزعم أنت في التي تقبل ابن زوجها مثله قال لا قال أبو بكر ~~فأنكر على خصمه وقوع التحريم من قبل المرأة ثم قال هو بها وجعل إليها ~~الرجعة كما جعل إليها التحريم ثم قال الشافعي فأقول إن مضت العدة فرجعت إلى ~~الإسلام كان لزوجها أن # PageV03P060 # ينكحها أفتزعم في التي تقبل ابن زوجها مثله قال والمرتدة تحرم على الناس ~~كلهم حتى تسلم وتقبيل ابن الزوج ليس كذلك قال أبو بكر فناقض على أصله فيما ~~أنكره على خصمه ثم أخذ في ذكر الفروق على النحو الذي مضى من كلامه ولم أذكر ~~ذلك لأن في مثله شبهة على من ارتاض بشيء من النظر ولكن لأبين مقادير علوم ~~مخالفي أصحابنا ومحلهم من النظر وأما ما حكى عثمان البتي في فرقه بين الزنا ~~بأم المرأة بعد ms1074 التزويج وقبله فلا معنى له لأن ما يوجب تحريما مؤبدا لا ~~يختلف حكمه في إيجابه ذلك بعد التزويج وقبله والدليل # عليه أن الرضاع لما كان موجبا للتحريم المؤبد لم يختلف حكمه في إيجابه ~~ذلك قبل التزويج وبعده وإنما قال أصحابنا إن فعل ذلك بالرجل لا يحرم عليه ~~أمه ولابنته من قبل أن هذه الحرمة إنما هي متعلقة بمن يصح عقد النكاح عليها ~~ويجوز أن تملك به فيكون الوطء المحرم فيها بمنزلة الوطء الحلال في إيجاب ~~التحريم فلما لم يصح وجود ذلك في الرجل على الوجه المباح ولا يجوز أن يملك ~~ذلك بالعقد منه لم يتعلق به حكم التحريم ألا ترى أنه لو لمس الرجل بشهوة لا ~~يتعلق به حكم في إيجاب تحريم الأم والبنت واللمس بمنزلة الوطء في المرأة ~~عند الجميع فيما يتعلق به حكم التحريم فلما اتفق الجميع على أن اللمس لا ~~حكم له في الرجل في حكم تحريم الأم والبنت كان ذلك ما سواه من الوطء وفي ~~ذلك الدلالة من وجهين على صحة ما ذكرنا أحدهما أن لمس الرجل للرجل لشهوة ~~لما لم يكن مما يصح أن يملك بعقد النكاح ولم يتعلق به تحريم كان كذلك حكم ~~الوطء إذ لا يصح أن يملك بعقد النكاح والثاني أن اللمس عند الجميع في ~~المرأة حكمه حكم الوطء ألا ترى أن الجميع متفقون على أن لمس المرأة الزوجة ~~يحرم بنتها كما يحرمها الوطء وكذلك لمس الجارية بملك اليمين يوجب من ~~التحريم ما يوجبه الوطء وكذلك من حرم بوطء الزنا حرم باللمس فلم لم يكن لمس ~~الرجل موجبا للتحريم وجب أن يكون كذلك حكم وطئه لاستوائهما في المرأة قال ~~أبو بكر واتفق أصحابنا والثوري ومالك والأوزاعي والليث والشافعي أن اللمس ~~لشهوة بمنزلة الجماع في تحريم أم المرأة وبنتها فكل من حرم بالوطء الحرام ~~أوجبه باللمس إذا كان لشهوة ومن لم يوجبه بالوطء الحرام لم يوجبه باللمس ~~لشهوة ولا خلاف أن اللمس المباح في الزوجة وملك اليمين يوجب تحريم الأم ~~والبنت إلا شيئا ms1075 يحكى عن ابن شبرمة أنه قال لا تحرم باللمس وإنما تحرم ~~بالوطء الذي يوجب مثله الحد وهو قول شاذ قد سبقه # PageV03P061 # الإجماع بخلافه واختلف الفقهاء في النظر هل يحرم أم لا فقال أصحابنا ~~جميعا إذا نظر إلى فرجها لشهوة كان ذلك بمنزلة اللمس في إيجاب التحريم ولا ~~يحرم النظر للشهوة إلى غير الفرج وقال الثوري إذا نظر إلى فرجها متعمدا ~~حرمت عليه أمها وابنتها ولم يشرط أن يكون لشهوة وقال مالك إذا نظر إلى شعر ~~جاريته تلذذا أو صدرها أو ساقها أو شيء من محاسنها تلذذا حرمت عليه أمها ~~وابنتها وقال ابن أبي ليلى والشافعي النظر لا يحرم ما لم يلبس # قال أبو بكر روى جرير بن عبد الحميد عن حجاج عن أبي هانئ قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها # وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال لا ينظر الله إلى رجل نظر ~~إلى فرج امرأة وابنتها وروى الأوزاعي عن مكحول أن عمر جرد جارية له فسأله ~~إياها بعض ولده فقال إنها لا تحل لك وروى حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده أنه جرد جارية ثم سأله إياها بعض ولده فقال إنها لا تحل لك وروى المثنى ~~عن عمرو بن شعيب عن عمر أنه قال أيما رجل جرد جارية له فنظر إليه منها يريد ~~ذلك الأمر فإنها لا تحل لابنه وعن الشعبي قال كتب مسروق إلى أهله قال ~~انظروا جاريتي فلانة فبيعوها فإني لم أصب منها إلا ما حرمها علي ولدي من ~~اللمس والنظر وهو قول الحسن والقاسم بن محمد ومجاهد وإبراهيم فاتفق هؤلاء ~~السلف على إيجاب التحريم بالنظر واللمس وإنما خص أصحابنا النظر إلى الفرج ~~في إيجاب التحريم دون النظر إلى سائر البدن لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له ~~أمها ولا ابنتها # فخص النظر إلى الفرج بإيجاب التحريم دون النظر ms1076 إلى سائر البدن وكذلك روي ~~عن ابن مسعود وابن عمر ولم يرو عن غيرهما من السلف خلافه فثبت بذلك أن ~~النظر إلى الفرج مخصوص بإيجاب التحريم دون غيره وكان القياس أن لا يقع ~~تحريم بالنظر إلى غيره من سائر البدن إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر ~~واتفاق السلف ولم يوجبوه بالنظر إلى غير الفرج وإن كان لشهوة على ما يقتضيه ~~القياس ألا ترى أن النظر لا يتعلق به حكم في سائر الأصول ألا ترى أنه لو ~~نظر وهو محرم أو صائم فأمنى لا يفسد صومه ولو كان الإنزال عن لمس فسد صومه ~~ولزمه دم لإحرامه فعلمت أن النظر من غير لمس لا يتعلق به حكم فلذلك قلنا إن ~~القياس لا يحرم النظر شيئا إلا أنهم تركوا القياس في النظر إلى الفرج خاصة ~~لما ذكرنا يحتج لمذهب ابن شبرمة بظاهر قوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم # PageV03P062 # بهن فلا جناح عليكم # واللمس ليس بدخول فلا يحرم والجواب عنه أنه ليس بممتنع أن يريد الدخول أو ~~ما يقوم مقامه كما قال تعالى فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا فذكر ~~الطلاق ومعناه الطلاق أو ما يقوم مقامه ويكون دلالته ما ذكرنا من قول السلف ~~واتفاقهم من غير مخالف لهم على إيجاب التحريم باللمس ولا خلاف بين أهل ~~العلم أن عقد النكاح على امرأة يوجب تحريمها على الابن وروي ذلك عن الحسن ~~ومحمد بن سيرين وإبراهيم وعطاء وسعيد بن المسيب وقوله تعالى إلا ما قد سلف ~~فإنه روي عن عطاء إلا ما كان في الجاهلية قال أبو بكر يحتمل أن يريد إلا ما ~~كان في الجاهلية فإنكم لا تؤاخذون به ويحتمل إلا ما قد سلف فإنكم مقرون ~~عليه وتأوله بعضهم على ذلك وهذا خطأ لأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أقر أحدا على عقد نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية # وقد روى البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة بن نيار إلى ~~رجل عرس بامرأة أبيه وفي ms1077 بعض الألفاظ نكح امرأة أبيه أن يقتله ويأخذ ماله # وقد كان نكاح امرأة الأب مستفيضا شائعا في الجاهلية فلو كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقر أحدا منهم على ذلك النكاح لنقل واستفاض فلما لم ينقل ~~ذلك دل على أن المراد بقوله إلا ما قد سلف فإنكم غير مؤاخذين به وذلك لأنهم ~~قبل ورود الشرع بخلاف ما هم عليه كانوا مقرين على أحكامهم فأعلمهم الله ~~تعالى أنهم غير مؤاخذين فيما لم تقم عندهم حجة السمع بتركه فلا احتمال في ~~قوله إلا ما قد سلف في هذا الموضع إلا ما ذكرنا وقوله تعالى إلا ما قد سلف ~~عند ذكر الجمع بين الأختين يحتمل غير ما ذكر هاهنا وسنذكره إذا انتهينا ~~إليه إن شاء الله تعالى ومعنى إلا ما قد سلف هاهنا استثناء منقطع كقوله لا ~~تلق فلانا إلا ما لقيت يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه وقوله إنه كان ~~فاحشة هذه الهاء كناية عن النكاح وقد قيل فيه وجهان أحدهما النكاح بعد ~~النهي فاحشة ومعناه هو فاحشة فكان في هذا الموضع ملغاة وهو موجود في كلامهم ~~قال الشاعر: # فإنك لو رأيت ديار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام # فأدخل كان وهي ملغاة غير معتد بها لأن القوافي مجرورة وقال الله تعالى ~~وكان الله عليما حكيما والله عليم حكيم ويحتمل أن يريد به أن ما كان منه في ~~الجاهلية فهو فاحشة فلا تفعلوا مثله وهذا لا يكون إلا بعد قيام حجة السمع ~~عليهم بتحريمه ومن قال هذا # PageV03P063 # جعل قوله تعالى إلا ما قد سلف فإنه يسلم منه بالإقلاع عنه والتوبة منه ~~قال أبو بكر والأولى حمله على أنه فاحشة بعد نزول التحريم لأن ذلك مراد عند ~~الجميع لا محالة ولم تقم الدلالة على أن حجة السمع قد كانت قامت عليهم ~~بتحريمه من جهة الرسل المتقدمين فيستحقون اللوم عليه ويدل عليه قوله تعالى ~~إلا ما قد سلف وظاهره يقتضي نفي المؤاخذة بما سلف منه فإن قيل هذا يدل على ~~أن من عقد ms1078 نكاحا على امرأة أبيه ووطئها كان وطؤه زنا موجبا للحد لأنه سماها ~~فاحشة وقال الله تعالى ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا قيل له ~~الفاحشة لفظ مشترك يقع على كثير من المحظورات وقد روي في قوله تعالى إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة أن خروجها من بيته فاحشة وروي أن الفاحشة في ذلك أن ~~تستطيل بلسانها على أهل زوجها وقيل فيها إنها الزنا فالفاحشة اسم يتناول ~~مواقعة المحظور وليس يختص بالزنا دون غيره حتى إذا أطلق فيه اسم الفاحشة ~~كان زنا وما كان من وطء عن عقد فاسد فإنه لا يسمى زنا لأن المجوس وسائر ~~المشركين المولودين على مناكحاتهم التي هي فاسدة في الإسلام لا يسمون أولاد ~~زنا والزنا اسم لوطء في غير ملك ولا نكاح ولا شبهة عن واحد منهما فأما إذا ~~صدر عن عقد فإن ذلك لا يسمى زنا سواء كان العقد فاسدا أو صحيحا وقوله تعالى ~~ومقتا وساء سبيلا يعني أنه مما يبغضه الله تعالى ويبغضه المسلمون وذلك ~~تأكيد لتحريمه وتقبيحه وتهجين فاعله وبين أنه طريق سوء لأنه يؤدي إلى جهنم ~~قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى آخر الآية # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن الفضل بن سلمة قال حدثنا ~~سنيد بن داود قال حدثنا وكيع قال حدثنا علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ~~ابن عباس قال قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله تعالى وبنات الأخت ~~قال حرم الله هذه السبع من النسب ومن الصهر سبع ثم قال كتاب الله عليكم ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم ما وراء هذا النسب ثم قال وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة- إلى قوله تعالى- والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم يعني السبي قال أبو بكر قوله حرمت عليكم عموم في جميع ما يتناوله ~~الاسم حقيقة ولا خلاف أن الجدات وإن بعدن محرمات واكتفى بذكر الأمهات لأن ~~اسم الأمهات يشملهن كما أن اسم الآباء يتناول الأجداد وإن بعدوا وقد عقل من ~~قوله تعالى ولا ms1079 تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء # PageV03P064 # تحريم ما نكح الأجداد وإن كان للجد اسم خاص لا يشاركه فيه الأب الأدنى ~~فإن الاسم العام وهو الأبوة ينتظمهم جميعا وكذلك قوله تعالى وبناتكم قد ~~يتناول بنات الأولاد وإن سفلن لأن الاسم يتناولهن كما يتناول اسم الآباء ~~الأجداد وقوله تعالى وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~فأفرد بنات الأخ وبنات الأخت بالذكر لأن اسم الأخ والأخت لا يتناول اسم ~~البنات بنات الأولاد فهؤلاء السبع المحرمات بنص التنزيل من جهة النسب ثم ~~قال وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف وقال قبل ذلك ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء فهؤلاء السبع ~~المحرمات من جهة الصهر وقد عقل من قوله تعالى وبنات الأخ وبنات الأخت من ~~سفل منهن كما عقل من قوله تعالى أمهاتكم من علا منهن ومن قوله تعالى ~~وبناتكم من سفل منهن وعقل من قوله تعالى وعماتكم تحريم عمات الأب والأم ~~وكذلك قوله تعالى وخالاتكم عقل منه تحريم خالات الأب والأم كما عقل تحريم ~~أمهات الأب وإن علون وخص تعالى العمات والخالات بالتحريم دون أولادهن ولا ~~خلاف في جواز نكاح بنت العمة وبنت الخالة وقال تعالى وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ومعلوم أن هذه السمة إنما هي مستحقة بالرضاع ~~أعني سمة الأمومة والأخوة فلما علق هذه السمة بفعل الرضاع اقتضى ذلك ~~استحقاق اسم الأمومة والأخوة بوجود الرضاع وذلك يقتضي التحريم بقليل الرضاع ~~لوقوع الاسم عليه فإن قيل قوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم بمنزلة قول ~~القائل وأمهاتكم اللاتي أعطينكم وأمهاتكم اللاتي كسونكم فنحتاج إلى أن نثبت ~~أنها أم بهذه الصفة حتى يثبت الرضاع لأنه لم يقل واللاتي أرضعنكم أمهاتكم ~~قيل له هذا غلط من قبل أن الرضاع هو الذي يكسبها سمة الأمومة فلما كان ~~الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم ms1080 متعلقا به واسم الرضاع في الشرع ~~واللغة يتناول القليل والكثير فوجب أن تصير أما بوجود الرضاع لقوله تعالى ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وليس كذلك الذي ذكرت من قول القائل وأمهاتكم ~~اللاتي كسونكم لأن اسم الأمومة غير متعلق «5- أحكام لث» # PageV03P065 # بوجود الكسوة كتعلقه بوجود الرضاع فلذلك احتجنا إلى حصول الاسم والفعل ~~المتعلق به وكذلك قوله تعالى وأخواتكم من الرضاعة يقتضى ظاهره كونها أختا ~~بوجود الرضاع إذا كان اسم الأخوة مستفادا بوجود الرضاع لا بمعنى آخر سواه ~~ويدل على أن ذلك مفهوم الخطاب ومقتضى القول ما رواه عبد الوهاب بن عطاء عن ~~أبي الربيع عن عمرو بن دينار قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال إن ابن الزبير ~~يقول لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال ابن عمر قضاء الله خير من قضاء ابن ~~الزبير قال الله تعالى وأخواتكم من الرضاعة فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ ~~التحريم بقليل الرضاع واختلف السلف ومن بعدهم في التحريم بقليل الرضاع فروى ~~عن عمرو على وابن عباس وابن عمرو الحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم ~~والزهري والشعبي قليل الرضاع وكثيره يحرم في الحولين وهو قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف ومحمد وزفر ومالك والثوري والأوزاعي والليث قال الليث اجتمع ~~المسلمون # على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم وقال ابن الزبير ~~والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان وقال الشافعي ~~لا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرقات قاله أبو بكر وقد ذكرنا في سورة ~~البقرة الكلام في مدة الرضاع والاختلاف فيها وقد قدمنا ذكر دلالة الآية على ~~إيجاب التحريم بقليل الرضاع وغير جائز لأحد إثبات تحديد الرضاع الموجب ~~للتحريم إلا بما يوجب العلم من كتاب أو سنة منقولة من طريق التواتر ولا ~~يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم بقليل ~~الرضاع لأنها آية محكمة ظاهرة المعنى بينة المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق ~~وما كان هذا وصفه فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس ويدل عليه من ~~جهة ms1081 السنة # قول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الرضاعة من المجاعة رواه مسروق عن ~~عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم # ولم يفرق بين القليل والكثير فهو محمول عليهما جميعها ويدل عليه أيضا ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة التواتر والاستفاضة أنه قال يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب رواه علي وابن عباس وعائشة وحفصة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # وتلقاه أهل العلم بالقبول والاستعمال فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب وكان معلوما أن النسب متى ثبت من وجه أوجب ~~التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر كذلك الرضاع يجب أن يكون هذا حكمه في إيجاب # PageV03P066 # التحريم بالرضعة الواحدة لتسوية النبي صلى الله عليه وسلم بينهما فيما ~~علق بهما حكم التحريم واحتج من اعتبر خمس رضعات بما # روت عائشة وابن الزبير وأم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تحرم المصة ولا المصتان # وبما روي عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات فنسخن ~~بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن ~~قال أبو بكر وهذه الأخبار لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر قوله تعالى ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة لما بينا أن ما لم يثبت خصوصه ~~من ظواهر القرآن وكان ظاهر المعنى بين المراد لم يجز تخصيصه بأخبار الآحاد ~~فهذا أحد الوجوه التي تسقط الاعتراض بهذا الخبر ووجه آخر وهو ما حدث أبو ~~الحسن الكرخي قال حدثنا الحضرمي قال حدثنا عبد الله بن سعيد قال حدثنا أبو ~~خالد عن حجاج عن حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع ~~فقال إن الناس يقولون لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان قال قد كان ذاك فأما ~~اليوم فالرضعة الواحدة تحرم وروى محمد بن شجاع قال حدثنا إسحاق بن سليمان ~~عن حنظلة عن طاوس قال اشترطت عشر رضعات ثم قيل الرضعة الواحدة تحرم ms1082 فقد عرف ~~ابن عباس وطاوس خبر العدد في الرضاع وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة ~~وجائز أن يكون التحديد كان مشروطا في رضاع الكبير وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في رضاع الكبير وهو منسوخ عند فقهاء الأمصار فجائز أن يكون ~~تحديد الرضاع كان في رضاع الكبير فلما نسخ سقط التحديد إذ كان مشروطا فيه ~~وأيضا يلزم الشافعي إيجاب التحريم بثلاث رضعات لدلالة قوله لا تحرم الرضعة ~~ولا الرضعتان على إيجاب التحريم فيما زاد على أصله في المخصوص بالذكر وأما ~~حديث عائشة فغير جائز اعتقاد صحته على ما ورد وذلك لأنها ذكرت أنه كان فيما ~~أنزل من القرآن عشر فنسخن بخمس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو ~~مما يتلى وليس أحد من المسلمين يجيز نسخ القرآن بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلو كان ثابتا لوجب أن تكون التلاوة موجودة فإذا لم توجد به ~~التلاوة ولم يجز النسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل ذلك من ~~أحد وجهين إما أن يكون الحديث مدخولا في الأصل غير ثابت الحكم أو يكون إن ~~كان ثابتا فإنما نسخ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان منسوخا ~~فالعمل به ساقط وجائز أن يكون ذلك كان تحديد الرضاع الكبير وقد كانت عائشة ~~تقول به في إيجاب التحريم في # PageV03P067 # رضاع الكبير دون سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عندنا وعند ~~الشافعي نسخ رضاع الكبير فسقط حكم التحديد المذكور في حديث عائشة هذا ومع ~~ذلك لو خلا من هذه المعاني التي ذكرنا من الاستحالة والاحتمال لما جاز ~~الاعتراض به على ظاهر القرآن إذ هو من أخبار الآحاد ومما يدل على ما ذكرنا ~~من سقوط اعتبار التحديد أن الرضاع يوجب تحريما مؤبدا فأشبه الوطء الموجب ~~لتحريم الأم والبنت والعقد الموجب للتحريم كحلائل الأبناء وما نكح الآباء ~~فلما كان القليل من ذلك ككثيره فيما يتعلق به من حكم التحريم وجب أن يكون ~~ذلك حكم الرضاع ms1083 في إيجاب التحريم بقليله واختلف أهل العلم في لبن الفحل وهو ~~الرجل يتزوج المرأة فتلد منه ولدا وينزل لها لبن بعد ولادتها منه فترضع به ~~صبيا فإن من قال بتحريم لبن الفحل يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل وإن ~~كانوا من غيرها ومن لا يعتبره لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من غيرها ~~فممن قال بلبن الفحل ابن عباس وروى الزهري عن عمرو بن الشريد عن ابن عباس ~~أنه سئل عن رجل له امرأتان أرضعت هذه غلاما وهذه الجارية هل يصح الغلام أن ~~يتزوج الجارية فقال لا اللقاح واحد وهو قول القاسم وسالم وعطاء وطاوس وذكر ~~الخفاف عن سعيد عن ابن سيرين قال كرهه قوم ولم يربه قوم بأسا ومن كرهه كان ~~أفقه من الذين لم يروا به بأسا وذكر عباد بن منصور قال قلت للقاسم بن محمد ~~امرأة أبي أرضعت جارية من الناس بلبان إخوتى من أبى أتحل لي فقال لا أبوك ~~أبوها فسألت طاوسا والحسن فقالا مثل ذلك وسألت مجاهدا فقال اختلف فيه ~~الفقهاء فلست أقول فيه شيئا وسألت محمد بن سيرين فقال مثل قول مجاهد وسألت ~~يوسف بن ماهك فذكر حديث أبي قعيس وقال أبو حنفية وأبو يوسف ومحمد # وزفر ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي لبن الفحل يحرم وقال سعيد ~~بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء ابن يسار وسليمان ~~بن يسار إن لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجال وروي مثله عن رافع بن ~~خديج والدليل على صحة القول الأول # حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة أن أفلح أخا أبى القيس جاء ~~ليستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت فأبيت أن آذن له ~~فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته قال ليلج عليك فإنه عمك قلت إنما ~~أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل قال ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك # وكان أبو # PageV03P068 # القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة ويدل عليه من جهة النظر أن سبب ms1084 نزول ~~اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعا لأن الحمل منهما جميعا فوجب أن يكون ~~الرضاع منهما كما كان الولد منهما وإن اختلف سببهما فإن قيل قد روى مالك عن ~~عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها كانت تدخل عليها من أرضعته ~~أخواتها وبنات أخيها ولا تدخل عليها من أرضعته نساء إخوتها قيل له هذا غير ~~مخالف لما ورد في لبن الفحل إذ كان لها أن تأذن لمن شاءت من محارمها وتحجب ~~من شاءت ويدل عليه أيضا من جهة النظر أن البنت محرمة على الجد وإن لم تكن ~~من مائه لأنه كان سبب حدوث الأب الذي هو من مائه كذلك الرجل لما كان هو سبب ~~نزول اللبن من المرأة وجب أن يتعلق به التحريم وإن لم يكن اللبن منه إذ كان ~~هو سببه كما يتعلق به التحريم من جهة الأم والمنصوص عليه في التنزيل من ~~الرضاع الأمهات والأخوات من الرضاعة إلا أنه # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنقل المستفيض الموجب للعلم أنه ~~قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب # واتفق الفقهاء على استعماله والله أعلم. ### | باب أمهات النساء والربائب # قال الله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن ولم تختلف الأمة أن الربائب لا يحر من بالعقد على الأم ~~حتى يدخل بها أو يكون منه ما يوجب التحريم من اللمس والنظر على ما بيناه ~~فيما سلف هو نص التنزيل في قوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم واختلف السلف في أمهات النساء هل يحرمن بالعقد دون الدخول فسوى # حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس أن عليا قال في رجل طلق امرأته قبل الدخول ~~بها فله أن يتزوج أمها وإن تزوج أمها ثم طلقها قبل الدخول يتزوج بنتها ~~تجريان مجرى واحدا # وأهل النقل يضعفون حديث خلاس عن علي ويروى عن جابر بن عبد الله مثل ذلك ~~وهو قول مجاهد وابن الزبير وعن ابن عباس روايتان إحداهما ما ms1085 يرويه ابن جريج ~~عن أبي بكر بن حفص عن عمرو بن مسلم ابن عويمر بن الأجدع عنه أن أم المرأة ~~لا تحرم إلا بالدخول والأخرى ما يرويه عكرمة عنه أنها تحرم بنفس العقد وقال ~~عمرو عبد الله بن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وعطاء والحسن وعكرمة تحرم ~~بالعقد دخل بها أو لم يدخل وروى أبو أسامة عن سفيان # PageV03P069 # عن أبي فروة عن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن مسعود أنه أفتى في ~~امرأة تزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت قال لا بأس أن يتزوج أمها ~~فلما أتى المدينة رجع فأفتاهم فنهاهم وقد ولدت أولادا وروى إبراهيم عن شريح ~~أن ابن مسعود كان يقول بقول علي ويفتي به يعني في أمهات النساء فحج فلقي ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاكرهم ذلك فكرهوا أن يتزوجها فلما ~~رجع ابن مسعود نهى من كان أفتاه بذلك وكانوا أحياء من بني فزارة أفتاهم ~~بذلك وقال إني سألت أصحابي فكرهوا ذلك وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد ~~بن ثابت قال في رجل طلق امرأته قبل الدخول فأراد أن يتزوج أمها قال إن ~~طلقها قبل الدخول يتزوج أمها وإن ماتت لم يتزوج أمها وأصحاب الحديث يضعفون ~~حديث قتادة هذا عن سعيد بن المسيب عن زيد ويقولون إن أكثر ما يرويه قتادة ~~عن سعيد بن المسيب بينه وبينه رجال وإن رواياته عن سعيد مخالفة لروايات ~~أكثر أصحاب سعيد الثقات وقال عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن سعيد بن المسيب ~~أحب إلي من قتادة عن سعيد وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري عن زيد بن ثابت ~~خلاف رواية قتادة ويقال إن حديث يحيى وإن كان مرسلا فهو أقوى من حديث قتادة ~~عن سعيد قال أبو بكر وهذا الذي ذكرناه طريقة أصحاب الحديث والفقهاء لا ~~يعتبرون ذلك في قبول الأخبار وردها وإنما ذكرنا ذلك ليعرف به مذهب القوم ~~فيه دون اعتباره والعمل عليه ويشبه أن يكون زيد بن ثابت إنما فرق ms1086 بين الموت ~~والطلاق في التحريم لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول ~~ألا ترى أنه يجب فيه نصف المهر ولا يجب عليها العدة وأما الموت فلما كان في ~~حكم الدخول في باب استحقاق كمال المهر ووجوب العدة جعله كذلك في حكم ~~التحريم والدليل على أن أمهات النساء يحرمن بالعقد قوله تعالى وأمهات ~~نسائكم هي مبهمة عامة كقوله وحلائل أبنائكم وقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النساء فغير جائز تخصيصه إلا بدلالة وقوله تعالى وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن حكم مقصور على الربائب دون أمهات النساء ~~وذلك من وجوه أحدها أن كل واحدة من الجملتين مكتفية بنفسها في إيجاب الحكم ~~المذكور فيها أعني قوله تعالى وأمهات نسائكم وقوله تعالى وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وكل كلام اكتفى # PageV03P070 # بنفسه من غير تضمين له بغيره ولا حمله عليه وجب إجراؤه على مقتضى لفظه ~~دون تعليقه بغيره فلما كان قوله وأمهات نسائكم جملة مكتفية بنفسها يقتضي ~~عمومها تحريم أمهات النساء مع وجود الدخول وعدمه وكان قوله تعالى وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن جملة قائمة بنفسها على ما ~~فيها من شرط الدخول لم يجز لنا بناء إحدى الجملتين على الأخرى بل الواجب ~~إجراء المطلق منهما على إطلاقه والمقيد على تقييده وشرطه إلا أن تقوم ~~الدلالة على أن إحداهما مبنية عن الأخرى محمولة على شرطها وأخرى وهي أن ~~قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم يجري هذا الشرط مجرى الاستثناء تقديره ~~وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم إلا اللاتي لم تدخلوا بهن لأن فيه ~~إخراج بعض ما انتظمه العموم فلما كان ذلك في معنى الاستثناء وكان من حكم ~~الاستثناء عوده إلى ما يليه إلا أن تقوم الدلالة على رجوعه إلى ما تقدم وجب ~~أن يكون حكمه مقصورا على الربائب ولم يجز رده إلى ما تقدمه إلا بدلالة ms1087 ~~وأخرى وهي أن شرط الدخول تخصيص لعموم اللفظ # وهو لا محالة مستعمل في الربائب ورجوعه إلى أمهات النساء مشكوك فيه وغير ~~جائز تخصيص العموم بالشك فوجب أن يكون عموم التحريم في أمهات النساء مقرا ~~على بابه وأخرى وهي أن إضمار شرط الدخول لا يصح في أمهات النساء مظهرا لأنه ~~لا يستقيم أن يقال وأمهات نسائكم من نسائكم التي دخلتم بهن لأن أمهات ~~نسائنا لسن من نسائنا والربائب من نسائنا لأن البنت من الأم وليست الأم من ~~البنت فلما لم يستقم الكلام بإظهار أمهات النساء في الشرط لم يصح إضماره ~~فيه فثبت بذلك أن قوله من نسائكم إنما هو من وصف الربائب دون أمهات النساء ~~وأيضا فلو جعلنا قوله من نسائكم اللاتي دخلتم بهن نعتا لأمهات النساء ~~وجعلنا تقديره وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن لخرج الربائب من ~~الحكم وصار حكم الشرط في أمهات النساء دونهن وذلك خلاف نص التنزيل فثبت أن ~~شرط الدخول مقصور على الربائب دون أمهات النساء # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل ابن الفضل قال حدثنا ~~قتيبة بن سعيد قال حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له ~~نكاح ابنتها # PageV03P071 # وإن لم يدخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل ~~بها فلا يحل له نكاح أمها # وقد حكي عن السلف اختلاف في حكم الربيبة # فذكر ابن جريج قال أخبرني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن مالك بن أوس عن ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج ~~وكانت في بلد آخر ثم فارق الأم بعد الدخول إنه جائز له أن يتزوج الربيبة # ونسب عبد الرزاق إبراهيم هذا فقال إبراهيم ابن عبيد في غير هذا الحديث ~~وهو مجهول لا تثبت بمثله مقالة ومع ذلك فإن أهل العلم ردوه ولم يتلقه ms1088 أحد ~~منهم بالقبول # وقد ذكر قتادة عن خلاس عن علي أن الربيبة والأم تجريان مجرى واحدا # وهو خلاف هذا الحديث لأن الأم لا محالة تحرم بالدخول بالبنت وقد جعل ~~الربيبة مثلها فاقتضى تحريم البنت بالدخول فالأم سواء كانت في حجره أو لم ~~تكن وذكر # في حديث إبراهيم هذا أن عليا احتج في ذلك بأن الله تعالى قال وربائبكم ~~اللاتي في حجوركم فإذا لم تكن في حجره لم تحرم # وحكاية هذا الحجاج يدل على وهي الحديث وضعفه لأن عليا لا يحتج بمثله وذلك ~~لأنا قد علمنا أن قوله وربائبكم لم يقتض أن تكون تربية زوج الأم لها شرطا ~~في التحريم وأنه متى لم يربها لم تحرم وإنما سميت بنت المرأة ربيبة لأن ~~الأعم الأكثر أن زوج الأم يربيها ثم معلوم أن وقوع الاسم على هذا المعنى لم ~~يوجب كون تربيته إياها شرطا في التحريم كذلك قوله في حجوركم كلام خرج على ~~الأعم الأكثر من كون الربيبة في حجر الزوج وليست هذه الصفة شرطا في التحريم ~~كما أن تربية الزوج إياها ليست شرطا فيه وهذا # كقول النبي صلى الله عليه وسلم في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض # وفي ست وثلاثين بنت لبون وليس كون المخاض أو اللبن بالأم شرطا في المأخوذ ~~وإنما ذكره لأن الأغلب أنها إذا دخلت في السنة الثانية كان بأمها مخاض وإذا ~~دخلت في الثالثة كان بأمها لبن فإنما أجرى الكلام على غالب الحال كذلك قوله ~~تعالى في حجوركم على هذا الوجه قال أبو بكر لا خلاف بين أهل العلم في تحريم ~~من ذكر ممن لا يعتق عليه بملك اليمين وأن الأم والأخت من الرضاعة محرمتان ~~بملك اليمين كما هما بالنكاح وكذلك أم المرأة وابنتها إذا دخل بالأم وأن كل ~~واحدة منهما محرمة عليه تحريما مؤبدا إذا وطئ الأخرى وكذلك لا خلاف أنه لا ~~يجوز له الجمع بين أم وبنت بملك اليمين وروي ذلك عن عمر وابن # PageV03P072 # عباس وابن عمر وعائشة ولا خلاف أيضا أن الوطء بالنكاح فيما ms1089 يتعلق به ~~تحريم مؤبد # قوله تعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم قال عطاء بن أبي رباح نزلت ~~في النبي صلى الله عليه وسلم حين تزوج امرأة زيد # ونزلت وما جعل أدعياءكم أبناءكم وما كان محمد أبا أحد من رجالكم قال وكان ~~يقال له زيد بن محمد قال أبو بكر حليلة الابن هي زوجته ويقال إنما سميت ~~حليلة لأنها تحل معه في فراش وقيل لأنه يحل له منها الجماع بعد النكاح ~~والأمة وإن استباح فرجها بالملك لا تسمى حليلة ولا تحرم على الأب ما لم ~~يطأها وعقد نكاح الابن عليهما يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا وهذا يدل على ~~أن الحليلة اسم يختص بالزوجة دون ملك اليمين ولما علق حكم التحريم بالتسمية ~~دون ذكر الوطء اقتضى ذلك تحريمهن بالعقد دون شرط الوطء لأنا لو شرطنا الوطء ~~لكان فيه زيادة في النص ومثلها يوجب النسخ لأنها تبيح ما حظرته الآية وهذا ~~لا خلاف فيه بين المسلمين قال أبو بكر وقوله تعالى الذين من أصلابكم قد ~~تناول عند الجميع تحريم حليلة ولد الولد على الجد وهذا يدل على أن ولد ~~الولد يطلق عليه أنه من صلب الجد لأن إطلاق الآية قد اقتضاها عند الجميع ~~وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بولادة وهذه الآية في تخصيصها ~~حليلة الابن من الصلب في معنى قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا لما ~~تضمنه من إباحة تزويج حليلة الابن من جهة التبني وقوله في أزواج أدعيائهم ~~يدل على أن حليلة الابن هي زوجته لأنه عبر في هذا الموضوع عنهم باسم ~~الأزواج وفي الآية الأولى بذكر الحلائل. قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف قال أبو بكر قد اقتضى ذلك تحريم الجمع بين الأختين في سائر ~~الوجوه لعموم اللفظ والجمع على وجوه منها أن يعقد عليهما جميعا معا فلا يصح ~~نكاح واحدة منهما لأنه جامع بينهما وليست إحداهما بأولى ms1090 يجوز نكاحها من ~~الأخرى ولا يجوز تصحيح نكاحهما مع تحريم الله تعالى الجمع بينهما وغير جائز ~~تخيير الزوج في أن يختار أيتهما شاء من قبل أن العقدة وقعت فاسدة مثل ~~النكاح في العدة أو هي تحت زوج فلا يصح أبدا ومن الجمع أن يتزوج أحدهما ثم ~~يتزوج الأخرى بعدها فلا يصح نكاح الثانية لأن الجمع بها حصل وعقدها وقع ~~منهيا عنه وعقد الأولى وقع مباحا فيفرق بينه وبين الثانية # PageV03P073 # ومن الجمع أيضا أن يجمع بين وطئهما بملك اليمين فيطأ إحداهما ثم يطأ ~~الأخرى قبل إخراج الموطوءة الأولى من ملكه فهذا ضرب من الجمع وقد كان فيه ~~خلاف بين السلف ثم زال وحصل الإجماع على تحريم الجمع بينهما بملك اليمين ~~وروي عن عثمان وابن عباس أنهما أباحا ذلك وقالا أحلتهما آية وحرمتهما آية ~~وقال عمر وعلي وابن مسعود والزبير وابن عمر وعمار وزيد بن ثابت لا يجوز ~~الجمع بينهما بملك اليمين # وقال الشعبي سئل علي عن ذلك فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية فالحرام أولى # وروى عبد الرحمن المقري قال حدثنا موسى بن أيوب الغافقي قال حدثني عمي ~~إياس بن عامر قال سألت علي بن أبي طالب عن الأختين بملك اليمين وقد وطئ ~~إحداهما هل يطأ الأخرى فقال أعتق الموطوءة حتى يطأ الأخرى وقال ما حرم الله ~~من الحرائر شيئا إلا حرم من الإماء مثله إلا عدد الأربع # وروي عن عمار مثل ذلك قال أبو بكر أحلتهما آية يعنون به قوله تعالى ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وقوله حرمتهما آية قوله وأن ~~تجمعوا بين الأختين فروي عن عثمان الإباحة وروي عنه أنه ذكر التحريم ~~والتحليل وقال لا آمر ولا أنهى عنه وهذا القول منه يدل على أنه كان ناظرا ~~فيه غير قاطع بالتحليل والتحريم فيه فجائز أن يكون قال فيه بالإباحة ثم وقف ~~فيه وقطع علي فيه بالتحريم وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن الحظر ~~والإباحة إذا اجتمعا فالحظر أولى إذا تساوى سبباهما وكذلك يجب أن يكون ~~حكمهما ms1091 في الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ومذهب أصحابنا يدل ~~على أن ذلك قولهم وقد بيناه في أصول الفقه # وقد روى إياس بن عامر أنه قال لعلي إنهم يقولون إنك تقول أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية فقال كذبوا # وهذا يحتمل أن يريد به نفي المساواة في مقتضى الآيتين وإبطال مذهب من ~~يقول بالوقف فيه على ما روي عن عثمان لأنه قال في رواية الشعبي أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية والتحريم أولى وإنكاره أن يكون أحلتهما آية وحرمتهما آية إنما ~~هو على جهة أن آيتي التحليل والتحريم غير متساويتين في مقتضاهما وأن ~~التحريم أولى من التحليل ومن جهة أخرى أن إطلاق القول بأنه أحلتهما آية ~~وحرمتهما آية من غير تقييد هو قول منكر لاقتضاء حقيقته أن يكون شيء واحد ~~مباحا محظورا في حال واحدة فجائز أن يكون علي رضي الله عنه أنكر إطلاق ~~القول بأنه أحلتهما آية وحرمتهما آية من هذا الوجه وأنه إذا كان مقيدا ~~بالقطع # PageV03P074 # على أحد الوجهين كان سائغا جائزا على ما روي عنه في الخبر الآخر ومما يدل ~~على أن التحريم أولى لو تساوت الآيتان في إيجاب حكميهما أن فعل المحظور ~~يستحق به العقاب وترك المباح لا يستحق به العقاب والاحتياط الامتناع مما لا ~~يأمن استحقاق العقاب به فهذه قضية واجبة في حكم العقل وأيضا فإن الآيتين ~~غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل وغير جائز الاعتراض بإحداهما على ~~الأخرى إذ كل واحدة منهما ورودها في سبب غير سبب الأخرى وذلك لأن قوله ~~تعالى وأن تجمعوا بين الأختين وارد حكم التحريم كقوله تعالى وحلائل ~~أبنائكم، وأمهات نسائكم وسائر من ذكر في الآية تحريمها وقوله تعالى ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وارد في إباحة المسبية التي لها ~~زوج في دار الحرب وأفاد وقوع الفرقة وقطع العصمة فيما بينهما فهو مستعمل ~~فيما ورد فيه من إيقاع الفرقة بين المسبية وبين زوجها وإباحتها لمالكها فلا ~~يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين الأختين إذ كل واحدة من الآيتين ~~واردة ms1092 في سبب غير سبب الأخرى فيستعمل حكم كل واحدة منهما في السبب الذي ~~وردت فيه ويدل على ذلك أنه لا خلاف بين المسلمين في أنها لم تعترض على ~~حلائل الأبناء وأمهات النساء وسائر من ذكر تحريمهن في الآية وأنه لا يجوز ~~وطء حليلة الابن ولا أم المرأة بملك اليمين ولم يكن قوله تعالى إلا ما ملكت ~~أيمانكم موجبا لتخصيصهن لوروده في سبب غير سبب الآية الأخرى كذلك ينبغي أن ~~يكون حكمه في اعتراضه على تحريم الجمع وامتناع علي رضي الله عنه ومن تابعه ~~في ذلك من الصحابة من الاعتراض بقوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم على تحريم ~~الجمع بين الأختين يدل على أن حكم الآيتين إذا وردتا في سببين إحداهما في ~~التحليل والأخرى في التحريم أن كل واحدة منهما تجري على حكمها في ذلك السبب ~~ولا يعترض بها على الأخرى وكذلك ينبغي أن يكون حكم الخبرين إذا وردا عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك وقد بينا ذلك في أصول الفقه وأيضا لا ~~نعلم خلافا بين المسلمين في حظر الجمع بين الأختين إحداهما بالنكاح والأخرى ~~بملك اليمين نحو أن تكون عنده امرأة بنكاح فيشتري أختها أنه لا يجوز له ~~وطؤهما جميعا وهذا يدل على أن تحريم الجمع قد انتظم ملك اليمين كما انتظم ~~النكاح وعموم قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين يقتضي تحريم جمعهما على ~~سائر الوجوه وهو موجب لتحريم # PageV03P075 # تزويج المرأة وأختها تعتد منه لما فيه من الجمع بينهما في استحقاق نسب ~~ولديهما وفي إيجاب النفقة المستحقة بالنكاح والسكنى لهما وذلك كله من ضروب ~~الجمع فوجب أن يكون محظورا منتفيا بتحريمه الجمع بينهما فإن قيل قوله تعالى ~~وأن تجمعوا بين الأختين مقصور على النكاح دون غيره قيل له هذا غلط لاتفاق ~~فقهاء الأمصار على تحريم الجمع بينهما بملك اليمين على ما بيناه وليس ملك ~~اليمين بنكاح فعلمنا أن تحريم الجمع غير مقصور على النكاح وأيضا فإن ~~اقتصارك بالتحريم على النكاح دون غيره من سائر ضروب الجمع تخصيص ms1093 بغير دلالة ~~وذلك غير سائغ لأحد وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في ذلك # فروي عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت وعبيدة السلماني وعطاء ومحمد بن ~~سيرين ومجاهد في آخرين من التابعين أنه لا يتزوج المرأة في عدة أختها وكذلك ~~لا يتزوج الخامسة # وإحدى الأربع تعتد منه فبعضهم أطلق العدة وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ~~ومحمد وزفر والثوري والحسن بن صالح وروي عن عروة بن الزبير والقاسم بن محمد ~~وخلاس له أن يتزوج أختها إذا كانت عدتها من طلاق بائن وهو قول مالك ~~والأوزاعي والليث والشافعي واختلف عن سعيد بن المسيب والحسن وعطاء فروي عن ~~كل واحد منهم روايتان إحداهما أنه يتزوجها والأخرى أنه لا يتزوجها وقال ~~قتادة رجع الحسن عن قوله أنه يتزوجها في عدة أختها وما قدمنا من دلالة ~~الآية وعمومها في تحريم الجمع كاف في إيجاب التحريم وما دامت الأخت معتدة ~~منه ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على تحريم الجمع بين وطء الأختين ~~بملك اليمين والمعنى فيه أن إباحة الوطء حكم من أحكام النكاح وإن لم يكن ~~نكاحا ولا عقد فواجب على ذلك تحريم الجمع بينهما في حكم من أحكام النكاح ~~فلما كان استلحاق النسب ووجوب النفقة والسكنى من أحكام النكاح وجب أن يكون ~~ممنوعا من الجمع بينهما فيه فإن قيل كيف يكون جامعا بينهما مع ارتفاع ~~الزوجية وكونها أجنبية منه ولو كان قد طلقها ثلاثا ثم وطئها في العدة وجب ~~عليه الحد وهذا يدل على أنها بمنزلة الأجنبية منه فلا تمنع تزويج أختها قيل ~~له لا يختلفان في وجوب الحد لأنه كما يجب عليها بوطئه إياها ومع ذلك لا ~~يجوز لها أن تتزوج وتجمع إلى حقوق نكاح الأول زوجا آخر ولم يكن وجوب الحد ~~عليها بمطاوعتها إياه على الوطء مبيحا لها نكاح زوج آخر بل كانت في المنع ~~من زوج ثان بمنزلة من هي في حباله وكذلك الزوج لا يجوز # PageV03P076 # له جمع أختها في هذه الحال مع بقاء حقوق النكاح وإن كان وطؤه ms1094 إياها موجبا ~~للحد ودليل آخر وهو أنه لما كان تحريم نكاح الأخت من طريق الجمع ووجدنا ~~تحريم نكاح زوج آخر إذا كانت عند زوج من طريق الجمع ثم وجدنا العدة تمنع من ~~الجمع ما تمنع نفس النكاح وجب أن يكون الزوج ممنوعا من تزويج أختها في ~~عدتها كما منع ذلك في حال بقاء نكاحها إذ كانت العدة تمنع من الجمع ما ~~يمنعه نفس النكاح كما جرت العدة مجرى النكاح في باب منعها من نكاح زوج آخر ~~حتى تنقضي عدتها فإن قيل هذا يوجب أن يكون الرجل في العدة إذا منعته من ~~تزويج الأخت حتى تنقضي عدتها قيل له ليس تحريم النكاح مقصورا على العدة حتى ~~إذا منعناه من نكاح أختها فقد جعلناه في العدة ألا ترى أنه ممنوع من تزوج ~~أختها إذا كانت معتدة منه من طلاق رجعي ولم يوجب الرجل في العدة وكذلك قبل ~~طلاق كل واحد منهما ممنوع من عقد نكاح على الأخت أو لزوج آخر وليس واحد ~~منهما في العدة وقوله تعالى إلا ما قد سلف قال أبو بكر قد ذكرنا معنى قوله ~~إلا ما قد سلف عند ذكر قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ~~ما قد سلف واختلاف المختلفين في تأويله واحتماله لما قيل فيه وقال تعالى ~~عند ذكر تحريم الجمع بين الأختين إلا ما قد سلف وهو في هذا الموضع يحتمل من ~~المعاني ما احتمله الأول وفيه احتمال لمعنى آخر لا يحتمله الأول وهو أن ~~يكون معناه أن العقود المتقدمة على الأختين لا تنفسخ ويكون أن يختار ~~إحداهما ويدل عليه # حديث أبي وهب الجيشاني عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال أسلمت ~~وعندي أختان فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال طلق إحداهما وفي بعض ~~الألفاظ طلق أيتهما شئت # فلم يأمره بمفارقتهما إن كان العقد عليهما معا ولم يأمره بمفارقة الآخرة ~~منهما إن كان تزوجهما في عقدين ولم يسئله عن ذلك فدل ذلك على بقاء نكاحه ~~عليهما بقوله طلق أيتهما ms1095 شئت ودل ذلك على أن العقد عليهما كان صحيحا قبل ~~نزول التحريم وأنهم كانوا مقرين على ما كانوا عليه من عقودهم قبل قيام حجة ~~السمع ببطلانها واختلاف أهل العلم في الكافر يسلم وتحته أختان أو خمس ~~أجنبيات فقال أبو حنيفة وأبو يوسف والثوري يختار الأوائل منهن إن كان خمسا ~~وإن كانتا أختين اختار الأولى وإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فرق بينه ~~وبينهن وقال محمد بن الحسن ومالك والليث والأوزاعي والشافعي يختار من الخمس # PageV03P077 # أربعا أيتهن شاء ومن الأختين أيتهما شاء إلا أن الأوزاعي روي عنه في ~~الأختين أن الأولى امرأته ويفارق الآخرة وقال الحسن بن صالح يختار الأربع ~~الأوائل فإن لم يدر أيتهن الأولى طلق كل واحدة حتى تنقضي عدتها ثم يتزوج ~~أربعا والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين وذلك ~~خطاب لجميع المكلفين فكان عقد الكافر على الأختين بعد نزول التحريم كعقد ~~المسلم في حكم الفساد فوجب التفريق بينه وبين الآخرة لوقوع عقدها على فساد ~~بنص التنزيل كما يفرق بينهما لو نكحها بعد الإسلام لقوله تعالى وأن تجمعوا ~~بين الأختين والجمع واقع بالثانية وإن كان تزوجهما في عقدة واحدة فهي فاسدة ~~فيهما جميعا لوقوعها منهيا عنها بظاهر النص فدل ذلك من وجهين على ما ذكرنا ~~أحدهما وقوع العقدة منهيا عنها والنهي عندنا يقتضي الفساد والثاني أنه منع ~~الجمع بينهما بحال فلو بقينا عقده عليهما بعد الإسلام كنا مثبتين لما نفاه ~~الله تعالى من الجمع فدل ذلك على بطلان العقد الذي وقع به الجمع ومن جهة ~~النظر أنه لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين ولم يجز أيضا أن يبقى ~~له عقد على أختين وإن لم تكونا أختين في حال العقد كمن تزوج رضيعتين ~~فأرضعهما امرأة فاستوى حكم الابتداء والبقاء في نفي الجمع بينهما أشبه نكاح ~~ذوات المحارم في استواء حال البقاء والابتداء فيهما فلما لم يختلف العقد ~~على ذوات المحارم في وقوعه في حال الكفر وحال الإسلام ووجب التفريق متى طرأ ~~عليه ms1096 الإسلام وكان بمنزلة ابتداء العقد بعد الإسلام وجب مثله في نكاح ~~الأختين وأكثر من أربع نسوة وكما لم يختلف حكم البقاء والابتداء فيهما كما ~~قلنا في ذوات المحارم واحتج من خيره بعد الإسلام بحديث فيروز الديلمي الذي ~~قدمناه وبما # روى ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمر دل عن الحرث بن قيس قال أسلمت وعندي ~~ثمان نسوة فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أختار منهن أربعا # وبما روى معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده ~~عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خذ منهن أربعا # فأما حديث فيروز فإن في لفظه ما يدل على صحة العقد وكان قبل نزول التحريم ~~لأنه قال أيتهما شئت وهذا يدل على بقاء العقد عليهما بعد الإسلام وحديث ~~الحارث بن قيس يحتمل أن يكون العقد كان قبل نزول التحريم فكان صحيحا إلى أن ~~طرأ التحريم فلزمه اختيار الأربع منهن ومفارقة سائرهن كرجل له امرأتان فطلق ~~إحداهما # PageV03P078 # ثلاثا فيقال له اختر أيهما شئت لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ التحريم ~~فإن قيل لو كان ذلك يختلف لسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت العقد قيل ~~له يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك فاكتفى بعلمه عن ~~مسألته وأما حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه في قصة غيلان فإنه مما لا ~~يشك أهل النقل فيه أن معمرا أخطأ فيه بالبصرة وأن أصل هذا الحديث مقطوع من ~~حديث الزهري # رواه مالك عن الزهري قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل ~~من ثقيف أسلم وعنده عشر نسوة اختر منهن أربعا # ورواه عنه عقيل ابن خالد عن ابن شهاب قال بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي ~~سويد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة وكيف يجوز أن ~~يكون عنده عن سالم عن أبيه فيجعله بلاغا عن عثمان ابن محمد بن أبي سويد ms1097 ~~ويقال إنه إنما جاء الغلط من قبل أن معمرا كان عنده عن الزهري حديثان في ~~قصة غيلان أحدهما هذا وهو بلاغ عن عثمان بن محمد بن أبي سويد والآخر حديثه ~~عن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة طلق نساءه في زمن عمر وقسم ماله بين ~~ورثته فقال له عمر لئن لم تراجع نساءك ثم مت لأورثهن ثم لأرجمن قبرك كما ~~رجم قبر أبي رغال فأخطأ معمر وجعل إسناد هذا الحديث لحديث إسلامه مع ~~النسوة. # (فصل) قال أبو بكر والمنصوص على تحريمه في الكتاب هو الجمع بين الأختين ~~وقد وردت آثار متواترة في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها # رواه علي وابن عباس وجابر وابن عمرو أبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو ~~هريرة وعائشة وعبد الله ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها ولا على بنت أختها وفي ~~بعضها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى # على اختلاف بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى وقد تلقها الناس بالقبول مع ~~تواترها واستفاضتها وهي من الأخبار الموجبة للعلم والعمل فوجب استعمال ~~حكمها مع الآية وشذت طائفة من الخوارج بإباحة الجمع بين من عدا الأختين ~~لقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم وأخطأت في ذلك وضلت عن سواء السبيل لأن ~~الله تعالى كما قال وأحل لكم ما وراء ذلكم قال وما آتاكم الرسول فخذوه وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بين من ذكرنا فوجب أن يكون ~~مضموما إلى الآية فيكون قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم مستعملا فيمن عدا ~~الأختين وعدا من بين النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الجمع بينهن # PageV03P079 # وليس يخلو قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم من أن يكون نزل قبل حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم من حرم الجمع بينهن أو معه أو بعده وغير ~~جائز أن يكون قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم بعد الخبر ms1098 لأن قوله تعالى ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم مرتب على تحريم من ذكر تحريمهن منهن لأن قوله ما ~~وراء ذلكم المراد به ما وراء من تقدم ذكر تحريمهن وقد كان قبل تحريم الجمع ~~بين الأختين جميع ذلك مباحا فعلمنا أن تحريم من ذكر تحريم الجمع بينهن في ~~الخبر لم يكن قبل تحريم الجمع بين الأختين وإذا امتنع أن يكون الخبر قبل ~~الآية لم يخل من أن يكون معها أو بعدها فإن كان معها فلم ترد الآية إلا ~~خاصة فيما عدا ما ذكر في الخبر تحريم جمعهن وعلمنا # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عقيب تلاوة الآية # وبين مراد الله تعالى بها فلم يعقل السامعون للآية حكما إلا خاصا على ما ~~بينا وإن كان حكم الآية استقر على مقتضى عموم لفظها ثم ورد الخبر فإن هذا ~~لا يكون إلا على وجه النسخ ونسخ القرآن جائز بمثله لتواتره واستفاضته وكونه ~~في حيز الأخبار الموجبة للعلم والعمل فإن لم يثبت عندنا تاريخ الآية والخبر ~~مع حصول اليقين بأنه غير منسوخ بالآية لأنه لم يرد قبلها على ما بينا آنفا ~~وجب استعماله مع الآية وأولى الأشياء أن يكون الآية والخبر وردا معا لأنه ~~ليس عندنا علم بتاريخهما وغير جائز لنا الحكم بتأخره عن الآية ونسخ بعض ~~أحكام الآية به لأن ذلك لا يكون إلا بعد استقرار حكم الآية على عمومها ثم ~~ورد النسخ عليها بالخبر فوجب الحكم بورودهما معا ولأن الآية والخبر إذا لم ~~يعلم تاريخهما وجب الحكم بهما معا كالغرقى والقوم الذين يقع عليهم البيت ~~إذا لم يعلم موت أحدهم متقدما على الآخر حكمنا بموتهم جميعا معا والله ~~أعلم. ### | باب نكاح ذوات الزوج # قال الله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت عطفا على من حرم من ~~النساء من عند قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم فروى سفيان عن حماد عن ~~إبراهيم عن عبد الله والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال ذوات ~~الأزواج من المسلمين والمشركين # وقال علي بن أبي ms1099 طالب ذوات الأزواج من المشركين # وقد روى عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما ~~سبيت قال أبو بكر اتفق هؤلاء على أن المراد بقوله تعالى والمحصنات من ~~النساء ذوات الأزواج منهن وأن # PageV03P080 # نكاحها حرام ما دامت ذات زوج واختلفوا في قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم ~~فتأوله علي وابن عباس في رواية وعمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر أن الآية ~~إنما وردت في ذوات الأزواج من السبايا أبيح وطؤهن بملك اليمين ووجب بحدوث ~~السبي عليها دون زوجها وقوع الفرقة بينهما وكانوا يقولون إن بيع الأمة لا ~~يكون طلاقا ولا يبطل نكاحها وتأوله ابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك ~~وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة أنه في جميع ذوات الأزواج من ~~السبايا وغيرهم وكانوا يقولون بيع الأمة طلاقها # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن عمر بن ~~ميسرة قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي الخليل عن ~~أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم وظهروا عليهم فأصابوا منهم سبايا لهن ~~أزواج من المشركين فكان المسلمون يتحرجون من غشيانهم فأنزل الله تعالى ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم # أي هن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وقد ذكر أن أبا علقمة هذا رجل جليل من ~~أهل العلم وقد روى عنه يعلى ابن عطاء وروى هو هذا الحديث عن أبي سعيد وله ~~أحاديث عن أبي هريرة وهذا حديث صحيح السند قد أخبر فيه بسبب نزول الآية ~~وأنها في السبايا وتأولها ابن مسعود ومن وافقه على جميع النساء ذوات ~~الأزواج إذا ملكن حل وطؤهن لمالكهن ووقعت الفرقة بينهن وبين أزواجهن فإن ~~قيل أنتم لا تعتبرون السبب وإنما تراعون حكم اللفظ إن كان عاما فهو على ~~عمومه حتى تقوم دلالة الخصوص فهلا اعتبرت ذلك في هذه الآية ms1100 وجعلتها على ~~العموم في سائر من يطرأ عليه الملك من النساء ذوات الأزواج فينتظم السبايا ~~وغيرهن قيل له الدلالة ظاهرة في الآية على خصوصها في السبايا وذلك لأنه قال ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فلو كان حدوث الملك موجبا لإيقاع ~~الفرقة لوجب أن تقع الفرقة بينها وبين زوجها إذا اشترتها امرأة أو أخوها من ~~الرضاعة لحدوث الملك فإن قيل جائز أن يقال ذلك في سائر من طرأ عليهن الملك ~~سواء كان حدوث الملك سببا لإباحة الوطء أو لم يكن بأن تملكها امرأة أو رجل ~~لا يحل له وطؤها قيل له فشأن الآية إنما هو فيمن حدث له ملك اليمين فأباحت ~~له وطأها لأنه استثناء بملك اليمين من حظر وطء المحصنات من النساء فواجب ~~على ذلك أنه إذا # PageV03P081 # لم يستبح المالك وطأها بملك اليمين أن تكون الزوجية قائمة بينها وبين ~~زوجها بحكم الآية وإذا وجب ذلك بحكم الآية وجب أن يكون قوله تعالى ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم خاصا في السبايا ويكون السبب ~~الموجب للفرقة اختلاف الدين لا حدوث الملك ويدل على أن حدوث الملك لا يوجب ~~الفرقة ما # روى حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أنها اشترت بريرة فأعتقتها وشرطت ~~لأهلها الولاء فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الولاء لمن ~~أعتق وقال لها يا بريرة اختاري فالأمر إليك # ورواه سماك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة مثله # وروى قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا ~~فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أن الولاء لمن أعطى الثمن وخيرها # فإن قيل # فقد روى ابن عباس في أمر بريرة ما روى ثم قال بعد ذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيع الأمة طلاقها # فينبغي أن يقضي قوله هذا على ما رواه لأنه لا يجوز أن يخالف النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه عنه قيل له قد روي عن ابن عباس أن ms1101 الآية نزلت في ~~السبايا وأن بيع الأمة لا يوقع فرقة بينها وبين زوجها فجائز أن يكون الذي ~~ذكرت عنه من أن بيع الأمة طلاقها كان يقول قبل أن تثبت عنده قصة بريرة ~~وتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بعد الشرى فلما سمع بقصة بريرة رجع ~~عن قوله وأيضا يحتمل أن يريد # بقوله بيع الأمة طلاقها # إذا اشتراها الزوج ولا يبقى النكاح مع الملك والنظر يدل على أن بيع الأمة ~~ليس بطلاق ولا يوجب الفرقة وذلك لأن الطلاق لا يملكه الزوج ولا يصح إلا ~~بإيقاعه أو بسبب من قبله فلما لم يكن من الزوج في ذلك سبب وجب أن لا يكون ~~طلاقا ويدل أيضا على ذلك أن ملك اليمين لا ينافي النكاح لأن الملك موجود ~~قبل البيع غير ناف للنكاح فكذلك ملك المشتري لا ينافيه فإن قيل لما طرأ ملك ~~المشترى ولم يكن منه رضى بالنكاح وجب أن ينفسخ قيل له هذا غلط لأنه قد ثبت ~~أن الملك لا ينافي النكاح والمعنى الذي ذكرت إن كان معتبرا فإنما يوجب ~~للمشتري خيارا في فسخ النكاح وليس هذا قول أحد لأن عبد الله بن مسعود ومن ~~تابعه يوجبون فسخ النكاح بحدوث الملك واختلف الفقهاء في الزوجين إذا سبيا ~~معا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا سبي الحربيان معا وهما زوجان ~~فهما على النكاح وإن سبي أحدهما قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام فقد وقعت ~~الفرقة وهو قول الثوري وقال الأوزاعى إذا # PageV03P082 # سبيا جميعا فما كانا في المقاسم فهما على النكاح فإذا اشتراهما رجل فإن ~~شاء جمع بينهما وإن شاء فرق بينهما فاتخذها لنفسه أو زوجها غيره بعد ما ~~يستبرئها بحيضة وهو قول الليث بن سعد وقال الحسن بن صالح إذا سبيت ذات زوج ~~استبرئت بحيضتين لأن زوجها أحق بها إذا جاء في عدتها وغير ذات الأزواج ~~بحيضة وقال مالك والشافعي إذا سبيت بانت من زوجها سواء كان معها زوجها أو ~~لم يكن قال أبو بكر قد ثبت أن حدوث الملك ms1102 غير موجب للفرقة بدلالة الأمة ~~المبيعة والمورثة فوجب أن لا تقع الفرقة بالسبي نفسه لأنه ليس فيه أكثر من ~~حدوث الملك ودليل آخر وهو أن حدوث الرق عليها لا يمنع ابتداء العقد فلأن لا ~~يمنع بقاءه أولى لأن البقاء هو آكد في ثبوت النكاح معه من الابتداء ألا ترى ~~أنه قد يمنع الابتداء ما لا يمنع البقاء وهو حدوث العدة عليها من وطء بشبهة ~~يمنع ابتداء العقد ولا يمنع بقاء العقد المتقدم فإن احتجوا بحديث أبي سعيد ~~الخدري في قصة سبابا أوطاس وسبب نزول الآية عليها وهو قوله والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم لم يفرق بين من سبيت مع زوجها أو وحدها قيل له ~~روى حماد قال أخبرنا الحجاج عن سالم المكي عن محمد بن علي قال لما كان يوم ~~أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء فقال المسلمون كيف نصنع ولهن أزواج ~~فأنزل الله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فأخبر أن الرجال ~~لحقوا بالجبال وأن السبايا كن منفردات عن الأزواج والآية فيهن نزلت وأيضا ~~لم يأسر النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة حنين من الرجال أحدا فيما نقل ~~أهل المغازي وإنما كانوا من بين قتيل أو مهزوم وسبى النساء ثم جاءه الرجال ~~بعد ما وضعت الحرب أوزارها فسألوه أن يمن عليهم بإطلاق سباياهم # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ~~وقال للناس من رد عليهم فذاك ومن تمسك بشيء منهن فله خمس فرائض في كل رأس ~~وأطلق الناس سباياهم # فثبت بذلك أنه لم يكن مع السبايا أزواجهن فإن احتجوا بعموم قوله ~~والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم لم يخصص من معهن أزواجهن ~~والمنفردات منهن قيل له قد اتفقنا على أنه لم يرد عموم الحكم في إيجاب ~~الفرقة بالملك لأنه لو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بشرى الأمة وهبتها ~~وبالميراث وغيره من وجوه الأملاك الحادثة فلما لم يكن ذلك كذلك علمنا أن ~~الفرقة لم تتعلق ms1103 بحدوث الملك وكان ذلك دليلا على مراد الآية وذلك لأنه إذا ~~لم يخل # PageV03P083 # مراد الله تعالى في المعنى الموجب للفرقة في المسبية من أحد وجهين إما ~~اختلاف الدارين بهما أو حدوث الملك ثم قامت دلالة السنة واتفاق الخصم معنا ~~على نفي إيجاب الفرقة بحدوث الملك قضى ذلك على مراد الآية بأنه اختلاف ~~الدارين وأوجب ذلك خصوص الآية في المسبيات دون أزواجهن ويدل على أن المعنى ~~فيه ما ذكرنا من اختلاف الدارين أنهما المسبيات دون أزواجهن ويدل على أن ~~المعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف الدارين أنهما لو خرجا مسلمين أو ذميين لم ~~تقع بينهما فرقة لأنهما لم تختلف بهما الداران فدل ذلك على أن المعنى ~~الموجب للفرقة بين المسبية وزوجها إذا كانت منفردة اختلاف الدارين بهما ~~ويدل عليه أن الحربية إذا خرجت إلينا مسلمة أو ذمية ثم لم يلحق بها زوجها ~~وقعت الفرقة بلا خلاف وقد حكم الله تعالى بذلك في المهاجرات في قوله ولا ~~جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ثم قال ولا تمسكوا بعصم الكوافر ~~قال أبو أبو بكر قوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم يقتضي إباحة الوطء بملك ~~اليمين لوجود الملك إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم # قد روي عنه ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عمرو بن ~~عون قال أخبرنا شريك عن قيس بن وهب عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في سبايا أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ~~ذات حمل حتى تحيض حيضة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا أبو معاوية عن محمد بن إسحاق قال حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي ~~مرزوق عن حنش الصنعاني عن روى يفع بن ثابت الأنصاري قال قام فينا خطيبا ~~فقال أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول يوم حنين لا يحل لامرئ ms1104 يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره ~~حتى يستبرئها بحيضة # قال أبو داود ذكر الاستبراء هاهنا وهم من أبي معاوية وهو صحيح في حديث ~~أبي سعيد # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا النفيلي قال حدثنا ~~مسكين قال حدثنا شعبة عن يزيد بن خمير عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن ~~أبيه عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة فرأى ~~امرأة «1» مجحا فقال لعل صاحبها ألم بها قالوا نعم قال لقد هممت أن ألعنه ~~لعنة تدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يستخدمه وهو لا يحل له # فهذه الأخبار PageV03P084 # تمنع من استحدث ملكا في جارية أن يطأها حتى يستبرئها إن كانت حائلا وحتى ~~تضع حملها إن كانت حاملا وليس بين فقهاء الأمصار خلاف في وجوب استبراء ~~المسبية على ما ذكرنا إلا أن الحسن بن صالح قال عليها العدة حيضتين إذا كان ~~لها زوج في دار الحرب وقد ثبت بحديث أبى سعيد الذي ذكرنا الاستبراء بحيضة ~~واحدة وليس هذا الاستبراء بعدة لأنها لو كانت عدة لفرق النبي صلى الله عليه ~~وسلم بين ذوات الأزواج منهن وبين من ليس لها زوج لأن العدة لا تجب إلا عن ~~فراش فلما سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين من كان لها فراش وبين من لم ~~يكن لها فراش دل ذلك على أن هذه الحيضة ليست بعدة فإن قيل قد ذكر في حديث ~~أبي سعيد الذي ذكرت إذا انقضت عدتهن فجعل ذلك عدة قيل له يجوز أن تكون هذه ~~اللفظة من كلام الراوي تأويلا منه للاستبراء أنه عدة وجائز أن تكون العدة ~~لما كان أصلها استبراء الرحم أجري اسم العدة على الاستبراء على وجه المجاز ~~قال أبو بكر وقد روي في قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم تأويل آخر وروى زمعة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال ذوات الأزواج ~~ورجع ذلك إلى قوله حرم الله ms1105 تعالى الزنا وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه في ~~قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال فزوجتك مما ملكت ~~يمينك يقول حرم الله الزنا لا يحل لك أن تطأ امرأة إلا ما ملكت يمينك وروى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال نهي عن ~~الزنا وعن عطاء بن السائب قال كل محصنة عليك حرام إلا امرأة تملكها بنكاح ~~قال أبو بكر وكأن تأويلها عند هؤلاء أن ذوات الأزواج حرام إلا على أزواجهن ~~وليس يمتنع أن يكون ذلك من مراد الله تعالى بالآية لاحتمال اللفظ له وذلك ~~لا يمنع إرادة المعاني التي تأولها الصحابة عليها من إباحة وطء السبايا ~~اللاتي لهن أزواج حربيون فيكون محمولا على الأمرين والأظهر أن ملك اليمين ~~هي الأمة دون الزوجات لأن الله قد فرق بينهما فقال الله تعالى والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فجعل ملك اليمين غير ~~الزوجات والإطلاق إنما يتناول الإماء المملوكات دون الزوجات وهي كذلك في ~~الحقيقة لأن الزوج لا يملك من زوجته شيئا وإنما له منها استباحة الوطء ~~ومنافع بضعها في ملكها دونه ألا تري أنها لو وطئت بشبهة وهي تحت زوج كان ~~المهر لها دونه فدل ذلك # PageV03P085 # على أنه لا يملك من زوجته شيئا فوجب أن يحمل قوله تعالى إلا ما ملكت ~~أيمانكم على من يملكها في الحقيقة وهي المسبية قوله تعالى كتاب الله عليكم ~~روي عن عبيدة قال أربع وإنما نصب كتاب الله لأنهم يقولون إن معنى كتاب الله ~~عليكم أي كتب الله عليكم ذلك وقيل معناه حرم ذلك كتابا من الله عليكم وهذا ~~تأكيد لوجوبه وإخبار منه لنا بفرضه لأن الكتاب هو الفرض قوله تعالى وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم روى عن عبيدة السلماني والسدى أحل ما دون الخمس أن تبتغوا ~~بأموالكم على وجه النكاح وقال عطاء أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من ~~أقاربكم وقال قتادة ما وراء ذلكم ما ملكت أيمانكم وقيل ms1106 ما وراء ذوات ~~المحارم وما وراء الزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين ~~قال أبو بكر هو عام فيما عدا المحرمات في الآية وفي سنة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ### | باب المهور # قال الله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم فعقد الإباحة ~~بشريطة إيجاب بدل البضع وهو مال فدل على معنيين أحدهما أن بدل البضع واجب ~~أن يكون ما يستحق به تسليم مال والثاني أن يكون المهر ما يسمى أموالا وذلك ~~لأن هذا خطاب لكل واحد في إباحة ما وراء ذلك أن يبتغي البضع بما يسمى ~~أموالا كقوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم # خطاب لكل أحد في تحريم أمهاته وبناته عليه وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز ~~أن يكون المهر الشيء التافه الذي لا يسمى أموالا واختلف الفقهاء في مقدار ~~المهر # فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا مهر أقل من عشرة دراهم # وهو قول الشعبي وإبراهيم في آخرين من التابعين وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ~~ومحمد وزفر والحسن بن زياد وقال أبو سعيد الخدري والحسن وسعيد بن المسيب ~~وعطاء يجوز النكاح على قليل المهر وكثيره وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن ~~نواة من ذهب فقال بعض الرواة قيمتها ثلاثة دراهم وثلث وقال آخرون النواة ~~عشرة أو خمسة وقال مالك أقل المهر ربع دينار وقال ابن أبي ليلى والليث ~~والثوري والحسن ابن صالح والشافعي يجوز بقليل المال وكثيره ولو درهم قال ~~أبو بكر قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم يدل على أن ~~ما لا يسمى أموالا لا يكون مهرا وأن شرطه أن يسمى أموالا هذا مقتضى الآية ~~وظاهرها ومن كان له درهم أو # PageV03P086 # درهمان لا يقال عنده أموال فلم يصح أن يكون مهرا بمقتضى الظاهر فإن قيل ~~ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال وقد أجزأها مهرا قيل له كذلك يقتضي ~~الظاهر لكن أجزناها بالاتفاق وجائز تخصيص الآية بالإجماع وأيضا # قد روى حرام بن عثمان ms1107 عن ابن جابر عن أبيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا مهر أقل من عشرة دراهم # وقال علي بن أبي طالب لا مهر أقل من عشرة دراهم # ولا سبيل إلى معرفة هذا الضرب من المقادير التي هي حقوق الله تعالى من ~~طريق الاجتهاد والرأي وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق وتقديره العشرة مهرا ~~دون ما هو أقل منها يدل على أنه قاله توقيفا وهو نظير ما روي عن أنس في أقل ~~الحيض أنه ثلاثة أيام وأكثره عشرة وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي في أكثر ~~النفاس أنه أربعون يوما أن ذلك توقيف إذ لا يقال في مثله من طريق الرأي ~~وكذلك ما # روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه إذا قعد في آخر صلاته مقدار ~~التشهيد فقد تمت صلاته # فدل تقديره للفرض بمقدار التشهيد أنه قاله من طريق التوقيف وقد احتج بعض ~~أصحابنا لاعتبار العشرة أن البضع عضو لا تجوز استباحته إلا بمال فأشبه ~~القطع في السرقة فلما كانت اليد عضوا لا تجوز استباحته إلا بمال وكان ~~المقدار الذي يستباح به عشرة على أصلهم فكذلك المهر يعتبر به وأيضا لما ~~اتفق الجميع على أنه لا تجوز استباحة البضع بغير بدل واختلفوا فيما تجوز ~~استباحته به من المقدار وجب أن يكون باقيا على الحظر في منع استباحته إلا ~~بما قام دليل جوازه وهو العشرة المتفق عليها وما دونها مختلف فيه فالبضع ~~باق على حكم الحظر وأيضا لما لم تجز استباحته إلا ببدل كان الواجب أن يكون ~~البدل الذي به يصح قيمة البضع هو مهر المثل وأن لا يحط عنه شيء إلا بدلالة ~~ألا ترى أنه لو تزوجها على غير مهر لكان الواجب لها مهر مثلها وفي ذلك دليل ~~على أن عقد النكاح يوجب مهر المثل فغير جائز إسقاط شيء من موجبه إلا بدلالة ~~وقد قامت دلالة الإجماع على جواز إسقاط ما زاد على العشرة واختلفوا فيما ~~دونه أن يكون واجبا بإيجاب العقد له إذا لم تقم الدلالة ms1108 على إسقاطه فإن قيل ~~لما قال الله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم اقتضى ذلك إيجاب نصف الفرض قليلا كان أو كثيرا قيل له لما ~~ثبت بما ذكرنا أن المهر لا يكون أقل من عشرة دراهم كانت تسميتة لبعض العشرة ~~تسمية لها # PageV03P087 # كسائر الأشياء التي لا تتبعض تكون تسميته لبعضها تسمية لجميعها كالطلاق ~~والنكاح ونحوهما وإذا كانت العشرة لا تتبعض في العقد صارت تسميته لبعضها ~~تسمية لجميعها فإذا طلقها قبل الدخول وجب لها نصف العشرة لأن العشرة هي ~~الفرض ألا ترى أنه لو طلق امرأته نصف تطليقة كان مطلقا لها تطليقة كاملة ~~ولو طلق نصفها كان مطلقا كذلك لجميعها وكذلك لو عفا عن نصف دم عمد كان ~~عافيا عن جميعه فلما كان ذلك كذلك وجب أن تكون تسميته لخمسة تسمية للعشرة ~~لقيام الدلالة على أن العشرة لا تتبعض في عقد النكاح فمتى أوجبنا بعد ~~الطلاق خمسة كان ذلك نصف الفرض وأيضا فإنا نوجب نصف المفروض فلسنا مخالفين ~~لحكم الآية ونوجب الزيادة إلى تمام الخمسة بدلالة أخرى وإنما كان يكون ~~مذهبنا خلاف الآية لو لم نوجب نصف الفرض فأما إذا أوجبناه وأوجبنا زيادة ~~عليه بدلالة أخرى فليس في ذلك مخالفة للآية واحتج من أجاز أن يكون المهر ~~أقل من عشرة # بحديث عامر بن ربيعة أن امرأة جيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~تزوجت رجلا على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيت من نفسك ~~ومالك بنعلين قالت نعم فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وبحديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أعطى ~~امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعاما فقد استحل # وبحديث الحجاج ابن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد الرحمن ~~بن السلماني قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنكحوا الأيامى ~~منكم فقالوا يا رسول الله وما العلائق بينهما قال ما ms1109 تراضى به الأهلون # وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من استحل بدرهمين فقد ~~استحل # وأن عبد الرحمن بن عوف تزوج على وزن نواة من ذهب وأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أو لم ولو بشاة ولم ينكر ذلك عليه # وبحديث أبي حازم عن سهل بن سعد في قصة المرأة التي قالت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد وهبت نفسي لك يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~مالي بالنساء من حاجة فقال له رجل زوجنيها فقال هل عندك من شيء تصدقها إياه ~~فقال إزاري هذا فقال إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك إلى أن قال التمس ~~ولو خاتما من حديد # فأجاز أن يكون المهر خاتما من حديد وخاتم من حديد لا يساوي عشرة والجواب ~~عن إجازته النكاح على نعلين أن النعلين قد يجوز أن تساويا عشرة دراهم أو ~~أكثر فلا دلالة فيه على موضع الخلاف لأنه تزوجها على نعلين ثم أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون قيمتها عشرة أو أكثر # PageV03P088 # وليس بعموم لفظ في إباحة التزويج على نعلين أي نعلين كانتا فلا دلالة فيه ~~على قول المخالف وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بجواز النكاح ~~وجواز النكاح لا يدل على أنه هو المهر لا غيره لأنه لو تزوجها على غير مهر ~~لكان النكاح جائزا ولم يدل جواز النكاح على أن لا شيء لها كذلك جواز النكاح ~~على نعلين قيمتهما أقل من عشرة دراهم لا دلالة فيه على أنه لا يجب غيرهما ~~وأما قوله من استحل بدرهمين أو بكف دقيق فقد استحل فإنه أخبار عن ملك البضع ~~ولا دلالة فيه على أنه لا يجب غيره وكذلك حديث عبد الرحمن في تزوجه على وزن ~~نواة من ذهب وعلى أنه قد روي في الخبر أن قيمتها كانت خمسة أو عشرة وأما ~~قوله العلائق ما تراضى به الأهلون فإنه محمول على ما يجوز مثله في الشرع ~~ألا ترى أنهم لو تراضوا ms1110 بخمر أو خنزير أو شغار لما جاز تراضيهما كذلك في ~~حكم التسمية يكون مرتبا على ما ثبت حكمه في الشرع من تسمية العشرة وأما # حديث سهل بن سعد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بتعجيل شيء لها # وعلى ذلك كان مخرج كلامه لأنه لو أراد ما يصح به العقد من التسمية لاكتفى ~~بإثباته في ذمته ما يجوز به العقد عن السؤال عما يعجل فدل ذلك على أنه لم ~~يرد به ما يصح مهرا ألا ترى أنه لما لم يجد شيئا قال زوجتكها بما معك من ~~القرآن وما معه من القرآن لا يكون مهرا فدل ذلك على صحة ما ذكرنا واختلف ~~الفقهاء فيمن تزوج امرأة على خدمته سنة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف إذا تزوج ~~امرأة على خدمته سنة فإن كان حرا فلها مهر مثلها وإن كان عبدا فلها خدمته ~~سنة وقال محمد لها قيمة خدمته إن كان حرا وقال مالك إذا تزوجها على أن ~~يؤاجرها نفسه سنة أو أكثر أو أقل ويكون ذلك صداقها فإنه يفسخ النكاح إن لم ~~يدخل بها وإن دخل بها ثبت النكاح وقال الأوزاعي إذا تزوجها على أن يحجها ثم ~~طلقها قبل أن يدخل بها فهو ضامن لنصف حجها من الحملان والكسوة والنفقة وقال ~~الحسن بن صالح والشافعي النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتا معلوما وقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إذا تزوجها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك ~~مهرا ولها مهر مثلها وهو قول مالك والليث وقال الشافعي يكون ذلك مهرا لها ~~فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجرة التعليم إن كان قد علمها وهي ~~رواية المزني وحكى الربيع عنه أنه يرجع عليها بنصف مهر مثلها قال أبو بكر ~~قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم قد # PageV03P089 # اقتضى أن يكون بدل البضع ما يستحق به تسليم مال لأن قوله أن تبتغوا ~~بأموالكم يحتمل معنيين أحدهما تمليك المال بدلا من البضع والآخر تسليمه ~~لاستيفاء منافعه فدل ذلك على ms1111 أن المهر الذي يملك به البضع إما أن يكون مالا ~~أو منافع في مال يستحق بها تسليمه إليها إذ كان قوله أن تبتغوا بأموالكم ~~يشتمل عليهما ويقتضيهما ويدل على أن المهر حكمه أن يكون مالا قوله تعالى ~~وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ~~وذلك لأن قوله وآتوا النساء صدقاتهن نحلة أمر يقتضي ظاهره الإيجاب ودل ~~بفحواه على أن المهر ينبغي أن يكون مالا من وجهين أحدهما قوله وآتوا معناه ~~أعطوا والإعطاء إنما يكون في الأعيان دون المنافع إذ المنافع لا يتأتى فيها ~~الإعطاء على الحقيقة والثاني قوله فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا وذلك لا يكون في المنافع وإنما هو في المأكول أو فيما يمكن صرفه بعد ~~الإعطاء إلى المأكول فدلت هذه الآية على أن المنافع لا تكون مهرا فإن قيل ~~فهذا يوجب أن لا تكون خدمة العبد مهرا قيل له كذلك اقتضى ظاهر الآية ولولا ~~قيام الدلالة لما جاز ويدل عليه # نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار # وهو أن يزوجه أخته على أن يزوجه أخته أو يزوجه أمته على أن يزوجه أمته ~~وليس بينهما مهر وهذا أصل في أن المهر لا يصح إلا أن يستحق به تسليم مال ~~فلما أبطل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون منافع البضع مهرا لأنها ليست ~~بمال دل ذلك على أن كل ما شرط من بدل البضع مما لا يستحق به تسليم مال لا ~~يكون مهرا وكذلك قال أصحابنا لو تزوجها على عفو من دم عمدا وعلى طلاق فلانة ~~أن ذلك ليس بمهر مثل منافع البضع إذا جعلها مهرا وقد قال الشافعي إنه إذا ~~سمى في الشغار لإحداهما مهرا أن النكاح جائز ولكل واحدة منهما مهر مثلها ~~ولم يجعل البضع مهرا في الحال التي أجاز النكاح فيها ونهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن نكاح الشغار فدل ذلك على معنيين أحدهما أنه إذا كان الشغار في ~~الأمتين كان ms1112 المهر منافع البضع بدلا في النكاح والثاني إذا كان الشغار في ~~الحرتين وهو أن يقول أزوجك أختي على أن تزوجني أختك أو أزوجك بنتي على أن ~~تزوجني بنتك فيكون هذا عقدا عاريا من ذكر المهر لواحدة من المرأتين لأنه ~~شرط المنافع لغير المنكوحة وهو الولي فالشغار في أحد الوجهين يكون عقد نكاح ~~عاريا عن تسمية بدل للمنكوحة وفي الوجه الآخر يكون بدل البضع بضع آخر فأبطل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أن # PageV03P090 # يكون بدلا فصار أصلا في أن بدل البضع شرطه أن يستحق به تسليم مال فإن قيل ~~إن منافع بضع الأمة حق في مال فهلا كانت كالتزويج على خدمة العبد قيل له ~~لأن خدمة العبد يستحق بها تسليم مال وهو رقبة العبد كالمستأجر له يستحق ~~تسليم العبد إليه للخدمة وزوج الأمة لا يستحق تسليمها إليه بعقد النكاح لأن ~~للمولى أن لا يبوئها بيتا وقوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم قد اقتضى أن ~~يستحق عليه بعقد النكاح تسليم مال بدلا من البضع وأما التزويج على تعليم ~~سورة من القرآن فإنه لا يصح مهرا من وجهين أحدهما ما ذكرنا من أنه لا يستحق ~~به تسليم مال كخدمة الحر والوجه الآخر أن تعليم القرآن فرض على الكفاية فكل ~~من علم إنسانا شيئا من القرآن فإنما قام بفرض # وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بلغوا عني ~~ولو آية # فكيف يجوز أن يجعل عوضا للبضع ولو جاز ذلك لجاز التزويج على تعليم ~~الإسلام وهذا باطل لأن ما أوجب الله تعالى على الإنسان فعله فهو متى فعله ~~فعله فرضا فلا يستحق أن يأخذ عليه شيئا من أعراض الدنيا ولو جاز ذلك لجاز ~~للحكام أخذ الرشى على الحكم وقد جعل الله ذلك سحتا محرما فإن احتج محتج # بحديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم قد ~~وهبت نفسي لك فقال رجل زوجنيها إلى أن قال هل معك من القرآن شيء قال نعم ms1113 ~~سورة كذا فقال صلى الله عليه وسلم قد زوجتكها بما معك من القرآن # وبما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله ~~قال حدثني أبي قال حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج الباهلي عن عسل عن ~~عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة بنحو قصة سهل بن سعد في أمر المرأة وقال فيه ~~ما تحفظ من القرآن قال سورة البقرة أو التي تليها قال قم فعلمها عشرين آية ~~وهي امرأتك # قيل له معناه لما معك من القرآن كما قال تعالى ذلكم بما كنتم تفرحون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون ومعناه لما كنتم تفرحون وأيضا كون القرآن ~~معه لا يوجب أن يكون بدلا والتعليم ليس له ذكر في هذا الخبر فعلمنا أن ~~مراده أني زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك من القرآن وهو كما روى عبد ~~الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال خطب أبو طلحة أم سليم فقالت إني ~~آمنت بهذا الرجل وشهدت أنه رسول الله فإن تابعتني تزوجتك قال فأنا على ما ~~أنت عليه فتزوجته فكان صداقها الإسلام ومعناه أنها تزوجته لأجل إسلامه لأن ~~الإسلام لا يكون صداقا لأحد في # PageV03P091 # الحقيقة وأما حديث إبراهيم بن طهمان فإنه ضعيف السند وقد روى هذه القصة ~~مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد فلم يذكر أنه قال علمها ولم يعارض بحديث ~~إبراهيم بن طهمان ولو صح هذا الحديث لم يكن فيه دلالة على أنه جعل تعليم ~~القرآن مهرا لأنه جائز أن يكون أمره بتعليمها القرآن ويكون المهر ثابتا في ~~ذمته إذ لم يقل إن تعليم القرآن مهر لها فإن قيل قال الله تعالى إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فجعل منافع الحر بدلا ~~من البضع قيل له لم يشرط المنافع للمرأة وإنما شرطها لشعيب النبي عليه ~~السلام وما شرط للأب لا يكون مهرا فالاحتجاج به باطل في مسألتنا وأيضا لو ~~صح أنها ms1114 كانت مشروطة لها وأنه إنما أضافها إلى نفسه لأنه هو المتولي للعقد ~~أو لأن مال الولد منسوب إلى الوالد # كقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك # فهو منسوخ بالنهي عن الشغار. # وقوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم يدل على أن عتق الأمة لا يكون صداقا لها ~~إذ كانت الآية مقتضية لكون بدل البضع ما يستحق به تسليم مال إليها وليس في ~~العتق تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال ~~إليها ألا ترى أن الرق الذي كان المولى يملكه لا ينتقل إليها وإنما يتلف به ~~ملكه فإذا لم يحصل لها به مال أو لم تستحق به تسليم مال إليها لم يكن مهرا ~~وما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها # فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يتزوج بغير مهر وكان مخصوصا به ~~دون الأمة قال الله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين فكان صلى الله عليه وسلم مخصوصا ~~بجواز ملك البضع بغير بدل كما كان مخصوصا بجواز تزويج التسع دون الأمة قوله ~~تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا يدل أيضا على أن العتق لا يكون صداقا من وجوه أحدها أنه # قال وآتوهن وذلك أمر يقتضي الإيجاب وإعطاء العتق لا يصح والثاني قوله ~~تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا والعتق لا يصح فسخه بطيب نفسها عن شيء ~~منه والثالث قوله تعالى فكلوه هنيئا مريئا وذلك محال في العتق قوله تعالى ~~محصنين غير مسافحين قال أبو بكر يحتمل قوله تعالى محصنين غير مسافحين وجهين ~~أحدهما الحكم بكونهم محصنين بعقد النكاح والإخبار عن حالهم إذا نكحوا # PageV03P092 # والثاني أن يكون الإحصان شرطا في الإباحة المذكورة في قوله تعالى وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم فإن كان المراد الوجه الأول فإطلاق الإباحة عموم يصح ~~اعتباره فيما انتظمه إلا ما قام دليله ms1115 وإن أراد الوجه الثاني كان إطلاق ~~الإباحة مجملا لأنه معقود بشريطة حصول الإحصان به والإحصان لفظ مجمل مفتقر ~~إلى البيان فلا يصح حينئذ الاحتجاج به والأولى حمله على الإخبار عن حصول ~~الإحصان بالتزويج لإمكان استعماله وذلك لأنه متى ورد لفظ يحتمل أن يكون ~~عموما يمكننا استعمال ظاهره ويحتمل أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان ~~فالواجب حمله على معنى العموم دون الإجمال لما فيه من استعمال حكمه عند ~~وروده فعلينا المصير إليه وغير جائز حمله على وجه يسقط عنا استعماله إلا ~~بورود بيان من غيره وفي نسق التلاوة وفحوى الآية ما يوجب أن يكون ذكر ~~الإحصان إخبارا عن كونه محصنا بالنكاح وذلك لأنه قال محصنين غير مسافحين ~~والسفاح هو الزنا فأخبر أن الإحصان المذكور هو ضد الزنا وهو العفة وإذا كان ~~المراد بالإحصان في هذا الموضع العفاف فقد حصل على وجه لا يكون مجملا لأن ~~تقديره وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم عفة غير زنا وهذا لفظ ~~ظاهر المعنى بين المراد فيوجب ذلك معنيين أحدهما إطلاق لفظ الإباحة وكونه ~~عموما والآخر الإخبار بأنهم إذا فعلوا ذلك كانوا محصنين غير مسافحين ~~والإحصان لفظ مشترك متى أطلق لم يكن عموما كسائر الألفاظ المشتركة وذلك ~~لأنه اسم يقع على معان مختلفة وأصله المنع ومنه سمي الحصن لمنعه من صار فيه ~~من أعدائه ومنه الدرع الحصينة أي المنيعة والحصان بالكثر الفحل من الأفراس ~~لمنعه راكبه من الهلاك والحصان بالنصب العفيفة من النساء لمنعها فرجها من ~~الفساد قال حسان في عائشة رضي الله عنهما. # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # وقال الله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات يعني العفائف والإحصان ~~في الشرع اسم يقع على معان مختلفة غير ما كان الاسم لها في اللغة فمنها ~~الإسلام قال الله تعالى فإذا أحصن روي فإذا أسلمن ويقع على التزويج لأنه قد ~~روي في التفسير أيضا أن معناه فإذا تزوجن وقال تعالى والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم ومعناه ذوات ms1116 الأزواج ويقع على العفة في قوله تعالى ~~والذين يرمون المحصنات ويقع # PageV03P093 # على الوطء بنكاح صحيح في إحصان الرجم والإحصان في الشرع يتعلق به حكمان ~~أحدهما في إيجاب الحد على قاذفه في قوله تعالى والذين يرمون المحصنات فهذا ~~يعتبر فيه العفاف والحرية والإسلام والعقل والبلوغ فما لم يكن على هذه ~~الصفة لم يجب على قاذفه الحد لأنه لاحد على قاذف المجنون والصبى والزاني ~~والكافر والعبد فهذه الوجوه من الإحصان معتبرة في إيجاب الحد على القاذف ~~والحكم الآخر هو الإحصان الذي يتعلق به إيجاب الرجم إذا زنا وهذا الإحصان ~~يشتمل على الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والنكاح الصحيح مع الدخول بها ~~وهما على هذه الصفة فإن عدم شيء من هذه الخلال لم يكن عليه الرجم إذا زنا ~~والسفاح هو الزنا # قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا من نكاح ولست من سفاح # وقال مجاهد والسدي في قوله تعالى غير مسافحين قالا غير زانين ويقال إن ~~أصله من سفح الماء وهو صبه ويقال سفح دمعه وسفح دم فلان وسفح الجبل أسفله ~~لأنه موضع مصب الماء وسافح الرجل إذا زنا لأنه صب ماءه من غير أن يلحقه حكم ~~مائه في ثبوت النسب ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح فسمي مسافحا لأنه لم ~~يكن له من فعله هذا غير صب الماء وقد أفاد ذلك نفي نسب الولد المخلوق من ~~مائه منه وأنه لا يلحق به ولا تجب على المرأة العدة منه ولا تصير فراشا ولا ~~يجب عليه مهر ولا يتعلق بذلك الوطء شيء من أحكام النكاح هذه المعاني كلها ~~في مضمون هذا اللفظ والله أعلم بالصواب. ### | باب المتعة # قال الله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة قال أبو بكر هو ~~عطف على ما تقدم ذكره من إباحة نكاح ما وراء المحرمات في قوله تعالى وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم ثم قال فما استمتعتم به منهن يعنى دخلتم بهن فآتوهن ~~أجورهن كاملة وهو كقوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وقوله تعالى فلا ~~تأخذوا منه شيئا والاستمتاع ms1117 هو الانتفاع وهو هاهنا كناية عن الدخول قال ~~الله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها يعني تعجلتم ~~الانتفاع بها وقال فاستمتعتم بخلاقكم يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا فلما ~~حرم الله تعالى من ذكر تحريمه في قوله حرمت عليكم أمهاتكم وعنى به نكاح ~~الأمهات ومن ذكر معهن ثم عطف عليه # PageV03P094 # قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم اقتضى ذلك إباحة النكاح فيمن عدا المحرمات ~~المذكورة ثم قال أن تبتغوا بأموالكم محصنين يعنى والله أعلم نكاحا تكونون ~~به محصنين عفائف غير مسافحين ثم عطف عليه حكم النكاح إذا اتصل به الدخول ~~بقوله فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فأوجب على الزوج كمال المهر وقد ~~سمى الله المهر أجرا في قوله فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن فسمى المهر ~~أجرا وكذلك الأجور المذكورة في هذه الآية هي المهور وإنما سمي المهر أجرا ~~لأنه بدل المنافع وليس ببدل عن الأعيان كما سمي بدل منافع الدار والدابة ~~أجرا وفي تسمية الله المهر أجرا دليل على صحة قول أبي حنيفة فيمن استأجر ~~امرأة فزنا بها أنه لاحد عليه لأن الله تعالى قد سمى المهر أجرا فهو كمن ~~قال أمهرك كذا وقد روي نحوه عن عمر بن الخطاب ومثل هذا يكون نكاحا فاسدا ~~لأنه بغير شهود وقال تعالى في آية أخرى ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا ~~آتيتموهن أجورهن وقد كان ابن عباس يتأول قوله تعالى فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن على متعة النساء وروي عنه فيها أقاويل روي أنه كان يتأول ~~الآية على إباحة المتعة ويروى أن في قراءة أبي بن كعب فما استمتعتم به منهن ~~إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن وروي عنه أنه لما قيل له إنه قد قيل فيها ~~الأشعار قال هي كالمضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فأباحها في هذا ~~القول عند الضرورة وروي عن جابر بن زيد أن ابن عباس نزل عن قوله في الصرف ~~وقوله في المتعة وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال ms1118 حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن بكير عن الليث عن بكير بن عبد ~~الله بن الأشج عن عمار مولى الشريد قال سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي ~~أم نكاح فقال ابن عباس لا سفاح ولا نكاح قلت فما هي قال المتعة كما قال ~~الله تعالى قلت له هل لها من عدة قال نعم عدتها حيضة قلت هل يتوارثان قال ~~لا وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء ~~الخرسانى عن ابن عباس في قوله تعالى فما استمتعتم به منهن قال نسختها يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وهذا يدل على رجوعه عن القول ~~بالمتعة وقد روي عن جماعة من السلف أنها زنا حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ~~جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن ~~الليث عن عقيل # PageV03P095 # ويونس عن أبن شهاب عن ابن عبد الملك مغيرة بن نوفل عن ابن عمر أنه سئل عن ~~المتعة فقال ذلك السفاح وروي عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان نكاح المتعة ~~بمنزلة الزنا فإن قيل لا يجوز أن تكون المتعة زنا لأنه لم يختلف أهل النقل ~~أن المتعة قد كانت مباحة في بعض الأوقات أباحها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يبح الله تعالى الزنا قط قيل له لم تكن زنا في وقت الإباحة فلما ~~حرمها الله تعالى جاز إطلاق اسم الزنا عليها كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الزانية هي التي تنكح نفسها ~~بغير بينة وأيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر # وإنما معناه التحريم لا حقيقة الزنا # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان والرجلان تزنيان فزنا ~~العين النظر وزنا الرجلين المشي # ويصدق ذلك كله الفرج أو كذبه فأطلق اسم الزنا في هذه الوجوه على وجه ~~المجاز إذا كان محرما فكذلك من أطلق اسم الزنا على المتعة فإنما أطلقه على ~~وجه المجاز ms1119 وتأكيد التحريم وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن شعبة عن قتادة قال سمعت أبا ~~نضرة يقول كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها قال فذكرت ~~ذلك لجابر بن عبد الله فقال على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلما قام عمر قال إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ~~فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله وانتهوا عن نكاح هذه النساء لا أوتى برجل ~~نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته فذكر عمر الرجم في المتعة وجائز أن يكون على ~~جهة الوعيد والتهديد لينزجر الناس عنها وقال وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج قال أخبرني عطاء قال سمعت ابن عباس يقول رحم الله عمر ما ~~كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم ولولا نهيه لما احتاج إلى الزنا إلا شفا «1» فالذي حصل من أقاويل ابن ~~عباس القول بإباحة المتعة في بعض الروايات من غير تقييد لها بضرورة ولا ~~غيرها والثاني أنها كالميتة تحل بالضرورة والثالث أنها محرمة وقد قدمنا ذكر ~~سنده وقوله أيضا إنها منسوخة ومما يدل على رجوعه عن إباحتها ما روى عبد ~~الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحرث أن بكير بن الأشج حدثه أن أبا إسحاق ~~مولى بني هاشم حدثه أن رجلا سأل ابن عباس فقال كنت في سفر ومعي جارية لي ~~ولي أصحاب فأحللت جاريتي لأصحابى يستمتعون منها فقال PageV03P096 # ذاك السفاح فهذا أيضا يدل على رجوعه وأما احتجاج من احتج فيها بقوله ~~تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن وأن في قراءة أبي إلى أجل مسمى ~~فإنه لا يجوز إثبات الأجل في التلاوة عند أحد من المسلمين فالأجل إذا غير ~~ثابت في القرآن ولو كان فيه ذكر الأجل لما دل أيضا على متعة النساء لأن ~~الأجل يجوز أن يكون داخلا على المهر ms1120 فيكون تقديره فما دخلتم به منهن بمهر ~~إلى أجل مسمى فآتوهن مهورهن عند حلول الأجل وفي فحوى الآية من الدلالة على ~~أن المراد النكاح دون المتعة ثلاثة أوجه أحدها أنه عطف على إباحة النكاح في ~~قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم وذلك إباحة لنكاح من عدا المحرمات لا ~~محالة لأنهم لا يختلفون أن النكاح مراد بذلك فوجب أن يكون ذكر الاستمتاع ~~بيانا لحكم المدخول بها بالنكاح في استحقاقها لجميع الصداق والثاني قوله ~~تعالى محصنين والإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح لأن الوطء بالمتعة لا يكون ~~محصنا ولا يتناوله هذا الاسم فعلمنا أنه أراد النكاح والثالث قوله تعالى ~~غير مسافحين فسمى الزنا سفاحا لانتفاء أحكام النكاح عنه من ثبوت النسب ~~ووجوب العدة وبقاء الفراش إلى أن يحدث له قطعا ولما كانت هذه المعاني ~~موجودة في المتعة كانت في معنى الزنا ويشبه أن يكون من سماها سفاحا ذهب إلى ~~هذا المعنى إذا كان الزاني إنما سمي مسافحا لأنه لم يحصل له من وطئها فيما ~~يتعلق بحكمه إلا على سفح الماء باطلا من غير استلحاق نسب به فمن حيث نفى ~~الله تعالى بما أحل من ذلك وأثبت به الإحصان اسم السفاح وجب أن يكون المراد ~~بالاستمتاع هو المتعة إذ كانت في معنى السفاح بل المراد به النكاح وقوله ~~تعالى غير مسافحين شرط في الإباحة المذكورة وفي ذلك دليل على النهي عن ~~المتعة إذ كانت المتعة في معنى السفاح من الوجه الذي ذكرنا قال أبو بكر ~~فكان الذي شهر عنه إباحة المتعة من الصحابة عبد الله بن عباس واختلفت ~~الروايات عنه مع ذلك فروي عنه إباحتها بتأويل الآية له قد بينا أنه لا ~~دلالة في الآية على إباحتها بل دلالات الآية ظاهرة في حظرها وتحريمها من ~~الوجوه التي ذكرنا ثم روي عنه أنه جعلها بمنزلة الميتة ولحم الخنزير والدم ~~وأنها لا تحل إلا لمضطر وهذا محال لأن الضرورة المبيحة للمحرمات لا توجد في ~~المتعة وذلك لأن الضرورة المبيحة للميتة والدم هي التي ms1121 يخاف معها تلف النفس ~~إن لم يأكل وقد علمنا أن الإنسان لا يخاف على نفسه ولا على شيء «7- أحكام ~~لث» # PageV03P097 # من أعضائه التلف بترك الجماع وفقده وإذا لم تحل في حال الرفاهية والضرورة ~~لا تقع إليها فقد ثبت حظرها واستحال قول القائل إنها تحل عند الضرورة ~~كالميتة والدم فهذا قول متناقض مستحيل وأخلق بأن تكون هذه الرواية عن ابن ~~عباس وهما من رواتها لأنه كان رحمه الله أفقه من أن يخفى عليه مثله فالصحيح ~~إذا ما روي عنه من حظرها وتحريمها وحكاية من حكى عنه الرجوع عنها والدليل ~~على تحريمها قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون فقصر ~~إباحة الوطء على أحد هذين الوجهين وحظر ما عداهما بقوله تعالى فمن ابتغى ~~وراء ذلك فأولئك هم العادون والمتعة خارجة عنهما فهي إذا محرمة فإن قيل ما ~~أنكرت أن تكون المرأة المستمتع بها زوجة وأن المتعة غير خارجة عن هذين ~~الوجهين اللذين قصر الإباحة عليهما قيل له هذا غلط لأن اسم الزوجة إنما يقع ~~عليها ويتناولها إذا كانت منكوحة بعقد النكاح وإذا لم تكن المتعة نكاحا لم ~~تكن هذه زوجة فإن قيل ما الدليل على أن المتعة ليست بنكاح قيل له الدليل ~~على ذلك أن النكاح اسم يقع على أحد معنيين وهو الوطء والعقد وقد بينا فيما ~~سلف أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وإذ كان الاسم مقصورا في إطلاقه على ~~أحد هذين المعنيين وكان إطلاقه في العقد مجازا على ما ذكرنا ووجدناهم ~~أطلقوا الاسم على عقد تزويج مطلق أنه نكاح ولم نجدهم أطلقوا اسم النكاح على ~~المتعة فلا يقولون إن فلانا تزويج فلانة إذا شرط التمتع بها لم يجز لنا ~~إطلاق اسم النكاح على المتعة إذ المجاز لا يجوز إطلاقه إلا أن يكون مسموعا ~~من العرب أو يرد به الشرع فلما # عدمنا إطلاق اسم النكاح على المتعة في الشرع واللغة جميعا وجب أن تكون ms1122 ~~المتعة ما عدا ما أباحه الله وأن يكون فاعلها عاديا ظالما لنفسه مرتكبا لما ~~حرمه الله وأيضا فإن النكاح له شرائط قد اختص بها متى فقدت لم يكن نكاحا ~~منها أن مضي الوقت لا يؤثر في عقد النكاح ولا يوجب رفعه والمتعة عند ~~القائلين بها توجب رفع النكاح بمضي المدة ومنها أن النكاح فراش يثبت به ~~النسب من غير دعوة بل لا ينتفي الولد المولود على فراش النكاح إلا باللعان ~~والقائلون بالمتعة لا يثبتون النسب منه فعلمنا أنها ليست بنكاح ولا فراش ~~ومنها أن الدخول بها على النكاح يوجب العدة عند الفرقة والموت يوجب العدة ~~دخل بها أو لم يدخل قال الله تعالى والذين # PageV03P098 # يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # والمتعة لا توجب عدة الوفاة وقال تعالى ولكم نصف ما ترك أزواجكم ولا ~~توارث عندهم في المتعة فهذه هي أحكام النكاح التي يختص بها إلا أن يكون ~~هناك رق أو كفر يمنع التوارث فلما لم يكن في المتعة مانع من الميراث من ~~أحدهما بكفر أو رق ولا سبب يوجب الفرقة ولا مانع من ثبوت النسب مع كون ~~الرجل ممن يستفرش ويلحقه الأنساب لفراشه ثبت بذلك أنها ليست بنكاح فإذا ~~خرجت عن أن تكون نكاحا أو ملك يمين كانت محرمة بتحريم الله إياها في قوله ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون فإن قيل انقضاء المدة الموجبة ~~للبينونة هو الطلاق قيل له إن الطلاق لا يقع إلا بصريح لفظ أو كناية ولم ~~يكن منه واحد منهما فكيف يكون طلاقا ومع ذلك فيجب على أصل هذا القائل أن لا ~~تبين لو انقضت المدة وهي حائض لأن القائلين بإباحة المتعة لا يرون طلاق ~~الحائض جائزا فلو كانت البينونة الواقعة بمضي المدة طلاقا لوجب أن لا يقع ~~في حال الحيض فلما أوقعوا البينونة الواقعة بمضي الوقت وهي حائض دل ذلك على ~~أنه ليس بطلاق وإن كانت تبين بغير طلاق ولا سبب من قبل الزوج يوجب الفرقة ~~ثبت أنها ليست بنكاح فإن ms1123 قيل على ما ذكرنا من نفي النسب والعدة والميراث ~~ليس انتفاء هذه الأحكام بمانع من أن تكون نكاحا لأن الصغير لا يلحق به نسب ~~ويكون نكاحه صحيحا والعبد لا يرث والمسلم لا يرث الكافر ولم يخرجه انتفاء ~~هذه الأحكام عنه من أن يكون نكاحا قيل له إن نكاح الصغير قد تعلق به ثبوت ~~النسب إذا صار في ممن يستفرش ويتمتع وأنت لا تلحقه نسب ولدها مع الوطء الذي ~~يجوز أن يلحق به النسب في النكاح والعبد والكافر إنما لم يرثا للرق والكفر ~~وهما يمنعان التوارث بينهما وذلك غير موجود في المتعة لأن كل واحد منهما من ~~أهل الميراث من صاحبه فإذا لم يكن بينهما ما يقطع الميراث ثم لم يرث مع ~~وجود المتعة علمنا أن المتعة ليست بنكاح لأنها لو كانت نكاحا لأوجبت ~~الميراث مع وجود سببه من غير مانع له من قبلهما وأيضا قد قال ابن عباس إنها ~~ليست بنكاح ولا سفاح فإذا كان ابن عباس قد نفى عنها اسم النكاح وجب أن لا ~~تكون نكاحا لأن ابن عباس لم يكن ممن يخفى عليه أحكام الأسماء في الشرع ~~واللغة فإذا كان هو القائل بالمتعة من الصحابة ولم يرها نكاحا ونفى عنها ~~الاسم ثبت أنها ليست بنكاح # PageV03P099 # ومما يوجب تحريمها من جهة السنة ما # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا القعنبي قال حدثنا ~~مالك عن ابن شهاب عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل ~~لحوم الحمر الإنسية # وقال فيه غير مالك إن عليا قال لابن عباس إنك امرؤ تياه # إنما المتعة إنما كانت رخصة في أول الإسلام نهى عنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زمن خيبر وعن لحوم الإنسية وروي هذا الحديث من طرق عن الزهري ~~رواه سفيان بن عيينة وعبيد الله بن عمر في آخرين # وروى عكرمة بن عمار عن سعيد المقبري عن ms1124 أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال في غزوة تبوك إن الله تعالى حرم المتعة بالطلاق والنكاح والعدة ~~والميراث # وروى عبد الواحد بن زياد قال حدثنا أبو عميس عن إياس بن سلمة بن الأكوع ~~عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في متعة النساء عام أو طاس ثم ~~نهى عنها # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي قال حدثنا ~~محمد بن جعفر بن موسى قال حدثنا محمد بن الحسن قال حدثنا أبو حنيفة عن نافع ~~عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء # وما كنا مسافحين قال أبو بكر قوله وما كنا مسافحين يحتمل وجوها أحدها ~~أنهم لم يكونوا مسافحين حين أبيحت لهم المتعة يعني أنها لو لم تبح لم ~~يكونوا ليسافحوا أو نفى بذلك قول من قال إنها أبيحت للضرورة كالميتة والدم ~~ثم نهي عنها بعد والثاني أنهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك بعد النهي فيكونوا ~~مسافحين ويحتمل أنهم لم يكونوا في حال الإباحة مسافحين بالتمتع إذ كانت ~~مباحة وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~عبد الوارث عن إسماعيل بن أمية عن الزهري قال كنا عند عمر بن عبد العزيز ~~فتذاكرنا متعة النساء فقال له رجل يقال له ربيع بن سبرة أشهد على أبي أنه ~~حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها في حجة الوداع وروى عبد ~~العزيز بن ربيع بن سبرة عن أبيه عن جده أن ذلك كان عام الفتح ورواه إسماعيل ~~بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه ~~مثله وذكر أنه كان عام الفتح ورواه أنس بن عوض الليثي عن عبد العزيز بن عمر ~~بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه مثله وقال كان في حجة الوداع فلم ~~تختلف الرواة في التحريم واختلفوا في التاريخ فسقط التاريخ كأنه ورد ms1125 غير ~~مؤرخ وثبت التحريم لاتفاق الرواة عليه # ورواه أبو حنيفة عن الزهري عن محمد بن عبد # PageV03P100 # الله عن سبرة الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء ~~يوم فتح مكة # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ابن ناحية قال حدثنا محمد بن مسلم ~~الرازي قال حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال حدثنا صدقة عن عبيد الله بن علي عن ~~إسماعيل بن أمية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال خرج النساء ~~اللاتي استمتعنا بهن معنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هن حرام إلى ~~يوم القيامة # فإن قيل هذه الأخبار متضادة لأن في حديث سبرة الجهني أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أباحها لهم في حجة الوداع وقال بعضهم عام الفتح وفي حديث علي ~~وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر وخيبر كانت قبل الفتح ~~وقبل حجة الوداع فكيف تكون مباحة عام الفتح أو في حجة الوداع وقد حرمت قبل ~~ذلك عام خيبر قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أن حديث سبرة مختلف في ~~تاريخه فقال بعضهم في حجة الوداع وفي كلا الحديثين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أباحها في تلك السفرة ثم حرمها فلما اختلفت الرواة في تاريخه سقط ~~التاريخ وحصل الخبر غير مؤرخ فلا يضاد حديث علي وابن عمر الذي اتفقا على ~~تاريخه أنه حرمها يوم خيبر والوجه الآخر أنه جائز أن يكون حرمها يوم خيبر ~~ثم أحلها في حجة الوداع أو في فتح مكة ثم حرمها فيكون التحريم المذكور في ~~حديث علي وابن عمر منسوخا بحديث سبرة الجهني ثم تكون الإباحة بما في حديث ~~سبرة أيضا لأن ذلك غير ممتنع فإن قيل # روى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود قال كنا نغزو ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء فقلنا يا رسول الله ألا ~~نستخصي فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن ننكح ms1126 بالثوب إلى أجل ثم قال لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم # الآية قيل له هذه المتعة هي التي حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سائر الأخبار التي ذكرنا ولم ننكر نحن أنها قد كانت أبيحت في وقت ثم حرمت ~~وليس في حديث ابن مسعود ذكر التاريخ فأخبار الحظر قاضية عليها لأن فيها ذكر ~~الحظر بعد الإباحة وأيضا لو تساويا لكان الحظر أولى لما بيناه في مواضع ~~وأما تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم الآية عند إباحة المتعة وهو قوله ~~تعالى لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم فإنه يحتمل أن يريد به النهي عن ~~الاستخصاء وتحريم النكاح المباح ويحتمل المتعة في حال ما كانت مباحة وقد ~~روي عن عبد الله أنها منسوخة بالطلاق والعدة والميراث ويدل عليه أنه قد علم ~~أنها قد كانت مباحة في وقت فلو كانت الإباحة باقية لورد النقل بها مستفيضا ~~متواترا لعموم الحاجة # PageV03P101 # إليه ولعرفتها الكافة كما عرفتها بديا ولما اجتمعت الصحابة على تحريمها ~~لو كانت الإباحة باقية فلما وجدنا الصحابة منكرين لإباحتها موجبين لحظرها ~~مع علمهم بديا بإباحتها دل ذلك على حظرها بعد الإباحة ألا ترى أن النكاح ~~لما كان مباحا لم يختلفوا في إباحته ومعلوم أن بلواهم بالمتعة لو كانت ~~مباحة كبلواهم بالنكاح فالواجب إذا أن يكون ورود النقل في بقاء إباحتها من ~~طريق الاستفاضة ولا نعلم أحدا من الصحابة روي عنه تجريد القول في إباحة ~~المتعة غير ابن عباس وقد رجع عنه حين استقر عنده تحريمها بتواتر الأخبار من ~~جهة الصحابة وهذا كقوله في الصرف وإباحته الدرهم بالدرهمين يدا بيد فلما ~~استقر عنده تحريم النبي صلى الله عليه وسلم إياه وتواترت عنده الأخبار فيه ~~من كل ناحية رجع عن قوله وصار إلى قول الجماعة فكذلك كان سبيله في المتعة ~~ويدل على أن الصحابة قد عرفت نسخ إباحة المتعة ما روي عن عمر أنه قال في ~~خطبته متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما ~~وأعاقب ms1127 عليهما وقال في خبر آخر لو تقدمت فيها لرجمت فلم ينكر هذا القول ~~عليه منكر لا سيما في شيء قد علموا إباحته وأخباره بأنهما كانتا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يخلو ذلك من أحد وجهين إما أن يكونوا قد ~~علموا بقاء إباحتها فاتفقوا معه على حظرها وحاشاهم من ذلك لأن ذلك يوجب أن ~~يكونوا مخالفين لأمر النبي صلى الله عليه وسلم عيانا وقد وصفهم الله تعالى ~~بأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فغير جائز ~~منهم التواطؤ على مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولأن ذلك يؤدي إلى ~~الكفر وإلى الانسلاخ من الإسلام لأن من علم إباحة النبي صلى الله عليه وسلم ~~للمتعة ثم قال هي محظورة من غير نسخ لها فهو خارج من الملة فإذا لم يجز ذلك ~~علمنا أنهم قد علموا حظرها بعد الإباحة ولذلك لم ينكروه ولو كان ما قال عمر ~~منكرا ولم يكن النسخ عندهم ثابتا لما جاز أن يقروه على ترك النكير عليه وفي ~~ذلك دليل على إجماعهم على نسخ المتعة إذ غير جائز حظر ما أباحه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا من طريق النسخ ومما يدل على تحريم المتعة من طريق النظر ~~أنا قد علمنا أن عقد النكاح وإن كان واقعا على استباحة منافع البضع فإن ~~استحقاق تلك المنافع بعقد النكاح بمنزلة العقود على المملوكات من الأعيان ~~وأنه مخالف لعقود الإجارات الواقعة على منافع الأعيان ألا ترى أن عقد ~~النكاح يصح مطلقا من غير شرط مدة مذكورة له وأن عقود الإجارات لا تصح إلا ~~على مدد معلومة أو على # PageV03P102 # عمل معلوم فلما كان ذلك حكم العقد على منافع البضع أشبه عقود البياعات ~~وما جرى مجراها إذا عقدت على الأعيان فلا يصح وقوعه موقتا كما لا يصح وقوع ~~التمليكات في الأعيان المملوكة موقتة ومتى شرط فيه التوقيت لم يكن نكاحا ~~فلا تصح استباحة البضع به كما لا يصح البيع إذا شرط فيه توقيت الملك وكذلك ~~الهبات ms1128 والصدقات ولا يملكه بشيء من هذه العقود ملكا موقتا وكذلك منافع ~~البضع لما جرت مجرى الأعيان المملوكة لم يصح فيها التوقيت ومما يحتج به ~~القائلون بإباحة المتعة اتفاق الجميع على أنها كانت مباحة في وقت من الزمان ~~ثم اختلفنا في الحظر فنحن ثابتون على ما حصل الاتفاق عليه ولا نزول عنه ~~بالاختلاف فيقال لهم الأخبار التي بها تثبت # الإباحة بها يثبت الحظر ذلك لأن كل خبر ذكر فيه إباحة المتعة ذكر فيه ~~حظرها فمن حيث يثبت الإباحة وجب أن يثبت الحظر وإن لم يثبت الإباحة إذا ~~كانت الجهة التي بها تثبت الإباحة بها ورد الحظر وأيضا فإن قول القائل إنا ~~لما اتفقنا على كذا ثم اختلفنا فيه لم ينزل عن الإجماع بالاختلاف قول فاسد ~~لأن الموضع الذي فيه الخلاف ليس هو موضع الإجماع فإذا لم يكن إجماعا فلا بد ~~من دلالة يقيمها على صحة دعواه وأيضا فإن كون الشيء مباحا في وقت غير موجب ~~بقاء إباحته فيما يجوز فيه النسخ وقد دللنا على ثبوت الحظر بعد الإباحة من ~~ظاهر الكتاب والسنة وإجماع السلف قال أبو بكر قد ذكرنا في المتعة وحكمها في ~~التحريم ما فيه بلاغ لمن نصح نفسه ولا خلاف فيها بين الصدر الأول على ما ~~بينا وقد اتفق فقهاء الأمصار مع ذلك على تحريمها ولا يختلفون فيه واختلف ~~الفقهاء فيمن تزوج امرأة أياما معلومة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي والشافعي إذا تزوج امرأة عشرة أيام فهو ~~باطل ولا نكاح بينهما وقال زفر النكاح جائز والشرط باطل وقال الأوزاعي إذا ~~تزوج امرأة ومن نيته أن يطلقها وليس ثم شرط فلا خير في هذا هذا متعة قال ~~أبو بكر لا خلاف بينهم وبين زفر أن عقد النكاح لا يصح بلفظ المتعة وأنه لو ~~قال أتمتع بك عشرة أيام أن ذلك ليس بنكاح وإنما الخلاف إذا عقده بلفظ ~~النكاح فقال أتزوجك عشرة أيام فجعله زفر نكاحا صحيحا وأبطل الشرط فيه لأن ~~النكاح لا تفسده الشروط ms1129 الفاسدة كما لو قال أتزوجك على أن أطلقك بعد عشرة ~~أيام كان النكاح جائزا والشرط باطلا وإنما الخلاف بينهم وبين زفر في أن # PageV03P103 # هذا نكاح أو متعة فقال الجمهور هذا متعة وليس بنكاح والدليل على صحة هذا ~~القول أن النكاح إلى أجل هو متعة وإن لم يلفظ بالمتعة ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسحاق ابن الحسن بن ميمون قال حدثنا ~~أبو نعيم قال حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة ~~الجهني أن أباه أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع حتى نزلوا عسفان وذكر قصة أمر النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ~~بالإحلال بالطواف إلا من كان معه هدي قال فلما أحللنا قال استمتعوا من هذه ~~النساء والاستمتاع التزويج عندنا فعرضنا ذلك على النساء فأبين إلا أن نضرب ~~بيننا وبينهن أجلا فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال افعلوا ~~فخرجت أنا وابن عمي وأنا أشب منه ومعي برد ومعه برد فأتينا امرأة فأعجبها ~~برده وأعجبها شبابي فقالت برد كبرد وهذا أشب وكان بيني وبينها عشر فبت ~~عندها ليلة ثم أصبحت فخرجت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين الركن والمقام يقول يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ~~هذه النساء ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن بقي عنده منهن شيء ~~فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا # فأخبر سبرة في هذا الحديث أن الاستمتاع كان التزويج وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان رخص لهم في توقيت المدة فيه ثم نهى عنه بعد الإباحة فثبت ~~بذلك أن النكاح إلى أجل هو متعة ويدل على ذلك أيضا # حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عبد الله بن مسعود قال ~~كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء فقلنا يا رسول ~~الله ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ورخص ms1130 لنا أن ننكح بالثوب إلى أجل ثم قرأ لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم # فأخبر عبد الله بن مسعود أن المتعة كانت نكاحا إلى أجل ويدل على ذلك حديث ~~جابر عن عمر بن الخطاب وقد تقدم سنده في باب المتعة أنه قال إن الله كان ~~يحل لرسوله ما شاء فأتموا الحج والعمرة كما أمر الله واتقوا نكاح هذه ~~النساء ألا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته فأخبر عمر أن النكاح إلى ~~أجل هو متعة وإذا ثبت له هذا الاسم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المتعة انتظم ذلك تحريم النكاح إلى أجل لدخوله تحت الاسم وأيضا لما كانت ~~المتعة اسما للنفع القليل كما قال تعالى إنما هذه الحياة الدنيا متاع يعني ~~نفعا قليلا وسمى الواجب بعد الطلاق متعة بقوله فمتعوهن وقال وللمطلقات متاع ~~بالمعروف لأنه أقل من المهر علمنا أن ما أطلق عليه اسم المتعة أو متاع فقد ~~أريد # PageV03P104 # به التقليل وأنه نزر يسير بالإضافة إلى ما يقتضيه العقد ويوجبه فسمي ما ~~يعطى بعد الطلاق مما لا يوجب بنفس العقد متاعا ومتعة لقلته بالإضافة إلى ~~المهر المستحق بالعقد وسمي النكاح الموقت متعة لقصر مدته وقلة الانتفاع به ~~بالإضافة إلى ما يقتضيه العقد من بقائه مؤبدا إلى أن يفرق بينهما الموت أو ~~سبب حادث يوجب التفريق فوجب أن لا يختلف على ذلك في إطلاق اسم المتعة أن ~~يكون بلفظ المتعة أو بلفظ النكاح بعد أن يكون موقتا لأن اسم المتعة ~~يتناولهما من الوجه الذي ذكرنا وأيضا لا يخلو العاقد عقد النكاح على عشرة ~~أيام من أن يجعله موقتا على ما شرط أو يبطل الشرط ويجعله مؤبدا لم يصح ذلك ~~من قبل أن ما بعد الوقت ليس عليه عقد فلا يجوز له أن يستبح بضعها بلا عقد ~~ألا ترى أن من اشترى صبرة من طعام على أنها عشرة أقفزة أو قال قد اشتريت ~~منك عشرة أقفزة من هذه الصبرة أن العقد واقع على عشرة أقفزة دون ما ms1131 عداها ~~فكذلك إذا عقد النكاح على عشرة أيام فما بعد العشرة ليس عليه عقد النكاح ~~فغير جائز استباحة بضعها فيه بالعقد ولا يجوز أن يجعله موقتا فيكون صريح ~~المتعة فوجب بذلك إفساد العقد وليس هذا بمنزلة قوله قد تزوجتك على أن أطلقك ~~بعد عشرة أيام فيجوز النكاح ويبطل الشرط لأنه عقد النكاح مؤبدا وشرط فيه ~~قطعه بالطلاق ألا ترى أنه إذا لم يطلق كان النكاح باقيا فعلمت أن النكاح قد ~~وقع على وجه التأبيد وإنما شرط قطعه بالطلاق وذلك شرط فاسد والنكاح لا ~~تفسده الشروط فيبطل الشرط ويجوز العقد وليس كذلك إذا تزوجها عشرة أيام لأن ~~ما بعد العشرة ليس عليه عقد ألا ترى أنه لو استأجر دارا عشرة أيام كان ~~العقد واقعا على عشرة أيام وما بعدها ليس عليها عقد ولو سكنها بعد العشرة ~~كان غاصبا ساكنا لها على غير وجه العقد ولا أجر عليه ولو قال آجرتك هذه ~~الدار على أن أفسخ العقد بعد عشرة أيام كانت إجارة فاسدة مؤبدة ما سكن منها ~~من المدة في العشرة وبعدها يلزمه أجر المثل فكذلك النكاح إذا عقد على عشرة ~~فليس على ما بعد العشرة عقد فإن قيل فلو قال قد تزوجتك على أنك طالق بعد ~~عشرة أيام كان النكاح موقتا لأنه يبطل بعد مضي العشرة قيل له ليس هذا نكاحا ~~موقتا بل هو مؤبدا وإنما قطعه بالطلاق ولا فرق بين ذكر الطلاق مع العقد ~~وإيقاعه بعد المدة لأن النكاح قد وقع بديا مؤبدا وإنما أوقع طلاقا لوقت ~~مستقبل فلا يوجب ذلك توقيت العقد قوله # PageV03P105 # تعالى فآتوهن أجورهن فريضة معناه المهور فسمى المهر أجرا لأنه بدل منافع ~~البضع ويدل على أن المراد المهر أنه ذكره لمن كان محصنا بالنكاح في قوله ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين وكقوله تعالى ~~فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات فذكر ~~الإحصان عقيب ذكر النكاح وسمى المهر أجرا وقوله فريضة تأكيد لوجوبه وإسقاط ~~للظن وتوهم التأويل فيه إذ ms1132 كان الفرض ما هو في أعلى مراتب الإيجاب والله ~~أعلم بالصواب. ### | باب الزيادة في المهور # قال الله تعالى بعد ذكر المهر ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة والفريضة هي التسمية والتقدير كفرائض المواريث والصدقات وقد بينا ~~ذلك فيما سلف وروي عن الحسن في قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به ~~من بعد الفريضة أنه ما تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره أو هبة جميعه ~~وفي هذه الآية دلالة على جواز الزيادة في المهر لقوله تعالى فيما تراضيتم ~~به من بعد الفريضة وهو عموم في الزيادة والنقصان والتأخير والإبراء وهو ~~بالزيادة أخص منه بغيرها لأنه علقه بتراضيهما والبراءة والحط والتأخير لا ~~يحتاج في وقوعه إلى رضى الرجل والزيادة لا تصح إلا بقبولهما فلما علق ذلك ~~بتراضيهما جميعا دل على أن المراد الزيادة ولا يجوز الاقتصار به على ~~البراءة والحط والتأجيل لأن عموم اللفظ يقتضي جواز الجميع فلا يخص بغير ~~دلالة ولأن الاقتصار به على ما ذكرت يسقط فائدة ذكر تراضيهما جميعا وإضافة ~~ذلك إليهما وغير جائز إسقاط حكم اللفظ والاقتصار به على ما يجعل وجوده ~~وعدمه سواء وقد اختلف الفقهاء في الزيادة في المهر فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد الزيادة في الصداق بعد النكاح جائزة وهي ثابتة إن دخل بها أو ~~مات عنها وإن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد ~~وقال زفر بن الهزيل والشافعي الزيادة بمنزلة هبة مستقبلة إذا قبضتها جازت ~~في قولهما جميعا وإن لم تقبضها بطلت وقال مالك بن أنس تصح الزيادة فإن ~~طلقها قبل الدخول رجع نصف ما زادها إليه وهي بمنزلة مال وهبه لها يقوم به ~~عليه وإن مات عنها قبل أن تقبض فلا شيء لها منه لأنها عطية لم تقبض قال أبو ~~بكر قد ذكرنا وجه دلالة الآية على جواز الزيادة ومما يدل على جواز الزيادة # PageV03P106 # أن عقد النكاح في ملكهما والدليل على ذلك أنه جائز له أن يخلعها على ~~البضع فيأخذ منها ms1133 بدله فهما ما لكان للتصرف في البضع فلما كان العقد في ~~ملكهما وجب أن تجوز الزيادة فيه كما جازت في ابتداء عقد النكاح من حيث كانا ~~مالكين للعقد إذا كان الملك هو التصرف وتصرفهما جائز فيه ويدل عليه اتفاق ~~الجميع على أنه إذا قبضها جاز فلا يخلو بعد الإقباض من أن تكون هبة مستقبلة ~~على ما قال زفر والشافعى أو زيادة في المهر لا حقه بالعقد على ما ذكرنا ~~وغير جائز أن تكون هبة مستقبلة لأنهما لم يدخلا فيها على أنها هبة وإنما ~~أوجبناها على أنها بدل من البضع لاحقة بالعقد ولا يجوز لنا أن نلزمهما عقدا ~~لم يعقداه على أنفسهما لقوله تعالى أوفوا بالعقود # وقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون عند شروطهم # فإذا عقدا على أنفسهما عقدا لم يجز لنا إلزامهما عقدا غيره بظاهر الآية ~~والسنة إذ كانت الآية إنما اقتضت إيجاب الوفاء بنفس العقد الذي عقده لا ~~بغيره لأن إلزامه عقدا غيره لا يكون وفاء بالعقد الذي عقده وكذلك قوله ~~المسلمون عند شروطهم يقتضي الوفاء بالشرط وليس في إسقاط الشرط وإلزامهما ~~معنى غيره الوفاء بالشرط فدلت الآية والسنة معا على بطلان قول المخالف من ~~وجهين أحدهما اقتضاء عمومهما لإيجاب الوفاء بالعقد والشرط والآخر ما ~~انتظمتا من امتناع إلزام عقد أو شرط غير ما عقداه ولما بطل إلزامهما الهبة ~~بعد القبض وصح التمليك دل على أنها ملكت من جهة الزيادة ويدل على أنه غير ~~جائز أن يجعلها هبة أنها متى كانت زيادة كانت مضمونة على المرأة بالقبض ~~لأنها بدل من البضع وإذا كانت هبة لم تكن مضمومة عليها وإذا كانت زيادة ~~سقطت بالطلاق قبل الدخول وإذا كانت هبة لم يؤثر الطلاق فيها وإذا دخلا فيها ~~على عقد يوجب الضمان لم يجز لنا إلزامهما عقدا لا ضمان فيه ألا ترى أنهما ~~إذا تعاقدا عقد بيع لم يجز إلزامهما عقد هبة ولو تعاقدا عقد إقالة لم ~~يلزمهما عقد بيع مستقبل وفي ذلك دليل على أنه غير جائز إثبات الهبة بعقد ~~الزيادة ms1134 إذا لم تكن هبة وقد صح التمليك كانت زيادة لاحقة بالعقد بدلا من ~~البضع مع التسمية وأما قول مالك في جعله إياها هبة ثم قوله إنه إذا طلقها ~~قبل الدخول رجع إليه نصف الزيادة فإنه قول غير منتظم لأنها إن كانت هبة فلا ~~تعلق لها بعقد النكاح ولا بالمهر ولا تأثير للطلاق في رجوع شيء منها إليه ~~وإن كانت زيادة في المهر فغير جائز بطلانها بالموت وإنما # PageV03P107 # قال أصحابنا إنه إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة كلها من قبل أن ~~الزيادة لما لم تكن موجودة في العقد وإنما كانت ملحقة به وجب أن يكون ~~بقاؤها موقوفا على سلامة العقد أو الدخول بالمرأة ألا ترى أن الزيادة في ~~البيع إنما تلحق به على شرط بقاء العقد وأنه متى بطل العقد بطلت الزيادة ~~فكذلك الزيادة في المهر فإن قيل التسمية الموجودة في العقد إنما يبطل بعضها ~~بورود الطلاق عليها قبل الدخول فهلا كانت الزيادة كذلك إذ كانت إذا صحت ~~ولحقت به كانت بمنزلة وجودها فيه فلا فرق بينهما وبين المسمى فيه قيل له ~~عندنا أن المسمى في العقد يبطله كله أيضا إذا طلق قبل الدخول لبطلان العقد ~~المسمى فيها كهلاك المبيع قبل القبض وإنما يجب النصف على جهة الاستقبال ~~كالمتعة وقد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال فيمن طلق قبل الدخول وقد سمى ~~لها إن نصف المسمى هو متعتها وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي وعلى هذا ~~المعنى قالوا في شاهدين شهدا على رجل بطلاق امرأته قبل الدخول وهو يجحد ثم ~~رجعا إنهما يضمنان للزوج نصف المهر الذي غرم لأن الطلاق قبل الدخول يسقط ~~جميع المهر والنصف الذي يلزمه في التقدير كأنه دين مستأنف ألزماه بشهادتهما ~~فعلى هذا لا يختلف حكم الزيادة والتسمية في سقوطهما بالطلاق قبل الدخول فإن ~~قيل هذا التأويل يؤدي إلى مخالفة قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم لأنك قلت إن الجميع يسقط ويجب النصف على ~~وجه الاستئناف قيل له ms1135 ليس في الآية نفي لأن يكون النصف الواجب بعد الطلاق ~~مهرا على وجه الاستيناف وإنما فيه وجوب نصف المفروض غير مقيد بوصف ولا شرط ~~ونحن نوجب النصف أيضا فليس فيما ذكرنا من وجوبه في التقدير على وجه ~~الاستئناف على أنه متعتها مخالفة للآية ويدل على أن الطلاق قبل الدخول يسقط ~~جميع الزيادة أنا قد علمنا أن العقد إذا خلا من التسمية يوجب مهر المثل إذ ~~غير جائز أن يملك البضع بلا بدل ثم إذا رد الطلاق قبل الدخول أسقطه إذ لم ~~يكن مسمى في العقد وكذلك الزيادة لما لم تكن مسماة في العقد وجب أن يسقطها ~~الطلاق قبل الدخول وإن كانت قد وجبت بإلحاقها بالعقد والله أعلم. # PageV03P108 # قال الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ~~ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات قال أبو بكر الذي اقتضته هذه الآية إباحة ~~نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول إلى الحرائر المؤمنات لأنه لا خلاف أن ~~المراد بالمحصنات هاهنا الحرائر وليس فيها حظر لغيرهن لأن تخصيص هذه الحال ~~بذكر الإباحة فيها لا يدل على حظر ما # عداها كقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق لا دلالة فيه على إباحة ~~القتل عند زوال هذه الحال وقوله تعالى لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة لا ~~يدل على إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة وقوله تعالى ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به ليس بدلالة على أن أحدنا يجوز أن يقوم له برهان على صحة ~~القول بأن مع الله إلها آخر تعالى الله عن ذلك وقد بينا ذلك في أصول الفقه ~~فإذا ليس في قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا الآية إلا إباحة نكاح ~~الإماء لمن كانت هذه حاله ولا دلالة فيه على حكم من وجد طولا إلى الحرة لا ~~بحظر ولا إباحة واختلف السلف في معنى الطول فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير ~~ومجاهد وقتادة والسدي أنهم قالوا هو الغنى وروي عن عطاء وجابر بن زيد ~~وإبراهيم ms1136 قالوا إذا هوي الأمة فله أن يتزوجها وإن كان موسرا إذا خاف أن ~~يزني بها فكان معنى الطول عند هؤلاء في هذا الموضع أن لا ينصرف قلبه عنها ~~بنكاح الحرة لميله إليها ومحبته لها فأباحوا له في هذه الحال نكاحها والطول ~~يحتمل الغنى والقدرة ويحتمل الفضل قال الله تعالى شديد العقاب ذي الطول قيل ~~فيه ذو الفضل وقيل ذو القدرة والفضل والغنى يتقاربان في المعنى فاحتمل ~~الطول المذكور في الآية الغنى والقدرة واحتمل الفضل والسعة فإذا كان معناه ~~الغنى واحتمل وجهين أحدهما حصول الغنى له بكون الحرة تحته والثاني غنى ~~المال وقدرته على تزوج حرة وإذا كان معناه الفضل احتمل إرادة الغنى لأن ~~الفضل يوجب ذلك والثاني اتساع قلبه لتزوج الحرة والانصراف عن الأمة وأنه إن ~~لم يتسع قلبه لذلك وخشي الإقدام من نفسه على محظور جاز له أن يتزوجها وإن ~~كان موسرا على ما روي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم هذه الوجوه كلها ~~تحتملها الآية وقد اختلف السلف في ذلك فروي عن ابن عباس وجابر وسعيد بن ~~جبير والشعبي ومكحول لا يتزوج الأمة إلا أن لا يجد # PageV03P109 # طولا إلى الحرة وروي عن مسروق والشعبي قال نكاح الأمة بمنزلة الميتة ~~والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا لمضطر وروي عن علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد ~~بن جبير وسعيد ابن المسيب رواية وإبراهيم والحسن رواية والزهري قالوا ينكح ~~الأمة وإن كان موسرا وعن عطاء وجابر بن زيد أنه إن خشي أن يزني بها تزوجها ~~وروي عن عطاء أنه يتزوج الأمة على الحرة وعن عبد الله بن مسعود قال لا ~~يتزوج الأمة على الحرة إلا المملوك وقال عمر وعلي وسعيد بن المسيب ومكحول ~~في آخرين لا يتزوج الأمة على الحرة وقال إبراهيم يتزوج الأمة على الحرة إذا ~~كان له منها ولد وقال إذا تزوج أمة وحرة في عقد واحد بطل نكاحهما جميعا ~~وقال ابن عباس ومسروق إذا تزوج حرة فهو طلاق الأمة وقال إبراهيم رواية يفرق ~~بينه وبين الأمة إلا أن يكون ms1137 له منها ولد وقال الشعبي إذا وجد الطول إلى ~~الحرة بطل نكاح الأمة وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال لا ~~تنكح الأمة على الحرة إلا أن تشاء الحرة ويقسم للحرة يومين وللأمة يوما قال ~~أبو بكر وهذا يدل على أنه كان لا يرى تزويج الأمة على الحرة جائزا إن لم ~~ترض الحرة واختلفوا فيمن يجوز أن يتزوج من الإماء فروى ابن عباس أنه قال لا ~~يتزوج من الإماء أكثر من واحدة وقال إبراهيم ومجاهد والزهري يجمع أربع إماء ~~إن شاء فاختلف السلف في نكاح الأمة على هذه الوجوه واختلف فقهاء الأمصار في ~~ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد للرجل أن يتزوج ~~أمة إذا لم تكن تحته حرة وإن وجد طولا إلى الحرة ولا يتزوجها إذا كانت تحته ~~حرة وقال سفيان والثوري إذا خشي على نفسه في المملوكة فلا بأس بأن يتزوجها ~~وإن كان موسرا ومالك والليث والأوزاعي والشافعي الطول المال فإذا وجد طولا ~~إلى الحرة لا يتزوج أمة وإن لم يجد طولا لم يتزوجها أيضا حتى يخشى العنت ~~على نفسه واتفق أصحابنا # والثوري والأوزاعي والشافعي أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة وتحته حرة ولا ~~يفرقون بين إذن الحرة في ذلك وغير إذنها وقال ابن وهب عن مالك لا بأس أن ~~يتزوج الرجل الأمة على الحرة والحرة بالخيار وقال ابن القاسم عنه في الأمة ~~تنكح على الحرة أرى أن يفرق بينهما ثم رجع وقال تخير الحرة إن شاءت أقامت ~~وإن شاءت فارقت قال وسئل مالك عن رجل تزوج أمة وهو ممن يجد طولا إلى الحرة ~~قال أرى أن يفرق بينهما فقيل له إنه يخاف العنت قال # PageV03P110 # السوط يضرب به ثم خففه بعد ذلك قال وقال مالك إذا تزوج العبد أمة على حرة ~~فلا خيار للحرة لأن الأمة من نسائه وقال عثمان البتي لا بأس أن يتزوج الرجل ~~الأمة على الحرة والدليل على جواز نكاح الأمة وإن قدر على تزوج الحرة ms1138 إذا ~~لم تكن تحته قول الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم قد حوت هذه الآية الدلالة ~~من وجهين على جواز تزويج الأمة مع القدرة على نكاح الحرة أحدهما إباحة ~~النكاح على الإطلاق في جميع النساء من العدد المذكور من غير تخصيص لحرة من ~~أمة والثاني قوله تعالى في نسق الخطاب أو ما ملكت أيمانكم ومعلوم أن قوله ~~أو ما ملكت أيمانكم غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم وأنه مفتقر إلى ضمير ~~وضميره هو ما تقدم ذكره مظهرا في الخطاب وهو عقد النكاح فكان تقديره ~~فاعقدوا نكاحا على ما طاب لكم من النساء أو ما ملكت أيمانكم وغير جائز ~~إضمار الوطء فيه إذ لم يتقدم له ذكر فثبت بدلالة هذه الآية أنه مخير بين ~~تزويج الأمة أو الحرة فإن قيل قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~إباحة معقودة بشرط وهي أن تكون مما طاب لنا فدل على أنه مما طاب حتى يجوز ~~العقد وهو إذا كان كذلك كان بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان قيل له قوله ~~تعالى ما طاب لكم يحتمل وجهين أحدهما أن يكون معناه ما استطبتموه فيكون ~~مفيدا للتخيير كقول القائل اجلس ما طاب لك في هذه الدار وكل ما طاب لك من ~~هذا الطعام فيفيد تخييره في فعل ما شاء منه والوجه الآخر ما حل لكم فإن كان ~~المراد الوجه الأول فقد اقتضى تخييره في نكاح من شاء وذلك عموم في الحرائر ~~والإماء وإن كان معناه ما حل لكم فإنه قد عقبه ببيان ما طاب لكم منها وهو ~~قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم فقد خرج بذلك عن حيز الإجمال إلى حيز العموم واستعمال العموم واجب ~~كيف تصرفت الحال وعلى أنها لو كانت محتملة للعموم والإجمال جميعا لكان ~~حملها على معنى العموم أولى لإمكان استعماله ومتى أمكننا استعمال حكم اللفظ ~~على وجه فعلينا استعماله ms1139 ويدل عليه قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم وذلك عموم في الحرائر والإماء ويدل عليه قوله تعالى اليوم ~~أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من # PageV03P111 # الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # والإحصان اسم يقع على الإسلام وعلى العقد يدل عليه قوله تعالى فإذا أحصن ~~روي عن بعض السلف فإذا أسلمن وقال بعضهم فإذا تزوجن ومعلوم أنه لم يرد به ~~التزويج في هذا الموضع فثبت أنه أراد العفاف وذلك عموم في الحرائر والإماء ~~وقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم هو عموم أيضا في ~~تزويج الإماء الكتابيات ويدل عليه قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم وذلك عموم يوجب جواز نكاح الإماء كما اقتضى ~~جواز نكاح الحرائر ويدل عليه أيضا قوله تعالى ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم ومحال أن يخاطب بذلك إلا من قدر على نكاح المشركة الحرة ومن وجد ~~طولا إلى الحرة المشركة فهو يجد طولا إلى الحرة المسلمة فاقتضى ذلك جواز ~~نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة المسلمة كما اقتضاه مع وجوده إلى الحرة ~~المشركة ويدل عليه من طريق النظر أن القدرة على نكاح امرأة لا تحرم نكاح ~~أخرى كالقدرة على تزويج البنت لا يحرم تزويج الأم والقدرة على نكاح المرأة ~~لا يحرم # نكاح أختها فوجب على هذا أن لا تمنع قدرته على نكاح الحرة من تزويج الأمة ~~بل الأمة أيسر أمرا في ذلك من الأختين والأم والبنت والدليل عليه جواز ~~اجتماع الحرة والأمة تحته عند جميع فقهاء الأمصار وامتناع اجتماع الأم ~~والبنت والأختين تحته فلما لم يكن إمكان تزويج البنت الذي هو أغلظ حكما ~~مانعا من الأم الحرة والأمة وجب أن لا يكون لإمكان تزوج الحرة تأثير في منع ~~نكاح الأمة واحتج من خالف في ذلك بقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات- إلى قوله ~~تعالى- ذلك لمن خشي ms1140 العنت منكم وأن تصبروا خير لكم وأنه أباح نكاح الأمة ~~بشرط عدم الطول إلى الحرة وخشية العنت فلا تجوز استباحته إلا بوجود الشرطين ~~جميعا وهذه الآية قاضية على ما تلوت من الآي لما فيها من بيان حكم الأمة في ~~التزويج قيل له ليس في هذه الآية حظر نكاح الأمة في حال وجود الطول إلى ~~الحرة وإنما فيها إباحته في حال عدم الطول إليها وسائر الآي التي تلونا ~~يقتضي إباحة نكاحها في سائر الأحوال فليس في أحدهما ما يوجب تخصيص الأخرى ~~لورودهما جميعا في حكم الإباحة وليس في واحدة منهما حظر فلا يجوز أن يقال ~~إن هذه مخصصة لها والجميع وارد في حكم واحد فإن قيل # PageV03P112 # هذا كقوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن ~~لم يستطع فإطعام ستين مسكينا فكان مقتضى جميع ذلك امتناع جوازه مع وجود ما ~~قبله قيل له لأنه جعل الفرق بديا عتق رقبة فاقتضى ذلك أن يكون الفرض هو ~~العتق لا غير فلما نقله عند عدم الرقبة إلى الصيام اقتضى ذلك أن لا يجزي ~~غيره إذا عدم الرقبة فلما قال فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا كان حكم ~~الكفارة مقصورا على المذكور في الآية على ما اقتضته من الترتيب وليس معك ~~آية تحظر نكاح الإماء حتى إذا ذكرت إباحتهن بشرط وحال كان عدم الشرط والحال ~~موجبا لحظرهن بل سائر الآي الواردة في إباحة النكاح ليس فيها فرق بين ~~الحرائر والإماء فليس إذا في قوله ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات دلالة على حظرهن عند وجود الطول إلى الحرة وذكر إسماعيل بن إسحاق ~~هذه الآية وذكر اختلاف السلف فيها ثم ذكر قول أصحابنا في تجويزهم نكاح ~~الأمة مع القدرة على تزويج الحرة فقال وهذا قول تجاوز فساده ولا يحتمل ~~التأويل لأنه محظور في الكتاب إلا من الجهة التي أبيحت قال أبو بكر قوله لا ~~يحتمل التأويل خلاف الإجماع وذلك لأن الصحابة قد اختلفوا فيه وقد حكينا ~~أقاويلهم ولولا خشية ms1141 الإطالة لذكرنا أسانيدها ولو كان لا يحتمل التأويل لما ~~قال به من قال من السلف إذ غير جائز لأحد تأويل آية على معنى لا تحتمله وقد ~~ظهر هذا الاختلاف في السلف فلم ينكر بعضهم على بعض القول فيها على الوجوه ~~التي اختلفوا فيها ولو كان هذا القول غير محتمل ولا يسوغ التأويل فيه ~~لأنكره من لم يقل به منهم على قائليه فإذا كان هذا القول مستفيضا فيهم من ~~نكير ظهر من أحد منهم على قائليه فقد حصل بإجماعهم تسويغ الاجتهاد فيه ~~واحتمال الآية للتأويل الذي تأولته فقد بان بما وصفنا أن إنكاره لاحتمال ~~التأويل غير صحيح وأما قوله إنه محظور في الكتاب إلا من الجهة التي أبيحت ~~فإنه لا يخلو من أن يريد أنه محظور فيه نصا أو دليلا فإن ادعى نصا طولب ~~بتلاوته وإظهاره ولا سبيل له إلى ذلك وإن ادعى على ذلك دليلا طولب بإيجاده ~~وذلك معدوم فلم يحصل من قوله إلا على هذه الدعوى لنفسه والتعجب من قول خصمه ~~اللهم إلا أن يزعم أن تخصيصه الإباحة بهذه الحال والشرط دليل على حظر ما ~~عداه فإن كان إلى هذا ذهب فإن هذا دليل يحتاج إلى دليل وما نعلم أحدا استدل ~~بمثله قبل الشافعي ولو كان هذا دليلا لكانت «8- أحكام لث» # PageV03P113 # الصحابة أولى بالسبق إلى الاستدلال به في هذه المسألة ونظائرها من ~~المسائل مع كثرة ما اختلفوا فيه من أحكام الحوادث التي لم يخل كثير منها من ~~إمكان الاستدلال عليها بهذا الضرب كما استدلوا عليها بالقياس والاجتهاد ~~وسائر ضروب الدلالات وفي تركهم الاستدلال بمثله دليل على أن ذلك لم يكن ~~عندهم دليلا على شيء فإذا لم يحصل إسماعيل من قوله هو محظور # في الكتاب على حجة ولا شبهة وقد حكى داود الأصبهاني أن إسماعيل سئل عن ~~النص ما هو فقال النص ما اتفقوا عليه فقيل له فكل ما اختلفوا فيه من الكتاب ~~فليس بنص فقال القرآن كله نص فقيل له فلم اختلف أصحاب محمد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ms1142 والقرآن كله نص فقال داود ظلمه السائل ليس مثله يسئل عن هذه ~~المسألة هو أقل من أن يبلغ علمه هذا الموضع فإن كانت حكاية دواد عنه صحيحة ~~فإن ذلك لا يليق بإنكاره على القائلين بإباحة نكاح الأمة مع إمكان تزوج ~~الحرة لأنه حكي عنه أنه قال مرة ما اتفقوا عليه فهو نص وقال مرة القرآن كله ~~نص وليس في القرآن ما يخالف قولنا ولا اتفقت الأمة أيضا على خلافه وفي ~~حكاية داود هذا عن إسماعيل عهدة وهو غير أمين ولا ثقة فيما يحكيه وغير مصدق ~~على إسماعيل خاصة لأنه كان نفاه من بغداد وقذفه بالعظائم وما أظن تعجب ~~إسماعيل من قولنا إلا من جهة أنه كان يعتقد في مثله أنه دلالة على حظر ما ~~عدا المذكور وقد بينا أن ذلك ليس بدليل واستقصينا القول فيه أصول الفقه ~~ومما يدل على صحة قولنا أن خوف العنت وعدم الطول ليسا بضرورة لأن الضرورة ~~ما يخاف فيها تلف النفس وليس في فقد الجماع تلف النفس وقد أبيح له نكاح ~~الأمة فإذا جاز نكاح الأمة في غير ضرورة فلا فرق بين وجود الطول وعدمه إذ ~~عدم الطول ليس بضرورة في التزوج إذ لا تقع لأحد ضرورة إلى التزوج إلا أن ~~يكره عليه بما يوجب تلف النفس أو بعض الأعضاء ويدل على أن الإباحة المذكورة ~~في الآية غير معقودة بضرورة قوله في نسق الخطاب أن تصبروا خير لكم وما اضطر ~~إليه الإنسان من ميتة أو لحم خنزير أو نحوه لا يكون الصبر عليه خيرا له ~~لأنه لو صبر عليه حتى مات كان عاصيا وأيضا فليس النكاح بفرض حتى تعتبر فيه ~~الضرورة وأصله تأديب وندب وإذا كان كذلك وقد جاز في غير الضرورة وجب أن ~~يجوز في حال وجود الطول كما أجاز في حال عدمه وقوله تعالى بعضكم من بعض في ~~نسق التلاوة قيل فيه إن كلكم من آدم وقيل فيه كلكم مؤمنون يدل على # PageV03P114 # أنه أراد المساواة بينهم في النكاح وهذا يدل على وجوب التسوية ms1143 بين الحرة ~~والأمة إلا فيما تقوم فيه دلالة التفضيل وأما من قال إن نكاح الحرة طلاق ~~للأمة فقوله واه ضعيف لا مساغ له في النظر لأنه لو كان كما ذكر لوجب أن ~~يكون الطول إلى الحرة فاسخا لنكاح الأمة كما قال الشعبي كالمتيمم إذا وجد ~~الماء ينتقض تيممه توضأ أو لم يتوضأ وقد روي عن أبي يوسف أنه تأول قوله ~~تعالى ومن لم يستطع منكم طولا على عدم الحرة في ملكه وأن وجود الطول هو كون ~~الحرة تحته وهذا التأويل سائغ لأن من ليس عنده حرة فهو غير مستطيع للطول ~~إليها إذ لا يصل إليها ولا يقدر على وطئها فكان وجود الطول عنده هو ملك وطء ~~الحرة وهو أولى بمعنى الآية من تأول من تأوله على القدرة على تزوجها لأن ~~القدرة على المال لا توجب له ملك الوطء إلا بعد النكاح فوجود الطول بحال ~~ملك الوطء أخص منه بوجود المال الذي به يتوصل إلى النكاح ويدل عليه أنا ~~وجدنا لملك وطء الزوجة تأثيرا في منع نكاح أخرى ولم نجد هذه المزية لوجود ~~المال فإذا لا حظ لوجود المال في منع نكاح الأمة فتأويل أبي يوسف الآية على ~~ملك وطء الحرة أصح من تأويل من تأولها على ملك المال فإن قيل وجود ثمن رقبة ~~الظهار كوجود الرقبة في ملكه فهلا كان وجود مهر الحرة كوجود نكاحها قيل له ~~هذا خطأ منتقض من وجوه أحدها أنك لم تعقده بمعنى يوجب الجمع بينهما وبدلالة ~~يدل بها على صحة المعنى وما خلا من ذلك من دعوى الخصم فهو ساقط غير مقبول ~~والثاني أن ذلك يوجب أن يكون وجود مهر امرأة في ملكه كوجود نكاحها في منع ~~تزويج أمها أو أختها فلما لم يكن ذلك بان به فساد ما ذكرت وعلى أن الرقبة ~~ليست عروضا للنكاح لأن الرقبة فرض عليه عتقها وغير جائز له الانصراف عنها ~~مع وجودها وجائز للرجل أن لا يتزوج مع الإمكان فلما كان كذلك كان وجود ثمن ~~الرقبة في ملكه كوجودها ms1144 إذ كانت فرضا هو مأمور بعتقها على # حسب الإمكان وليس النكاح بفرض فيلزمه التوصل إليه لوجود المهر فليس إذا ~~لوجود المهر في ملكه تأثير في منع نكاح الأمة وكان واجده بمنزلة من لم يجد ~~وإنما قال أصحابنا إنه لا يتزوج الأمة على الحرة لما # روى الحسن ومجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح الأمة على ~~الحرة # ولولا ما ورد من الأثر لم يكن تزويج الأمة على الحرة محظورا إذ ليس في ~~القرآن ما يوجب حظره والقياس يوجب إباحته ولكنهم اتبعوا # PageV03P115 # الأثر في ذلك والله تعالى أعلم. ### | باب نكاح الأمة الكتابية # قال أبو بكر اختلف أهل العلم فيه فروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن عبد ~~العزيز وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم كراهة ذلك وهو قول الثوري وقال ~~أبو ميسرة في آخرين يجوز نكاحها وهو قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~وروي عن أبي يوسف أنه كرهه إذا كان مولاها كافرا والنكاح جائز ويشبه أن ~~يكون ذهب إلى أن ولدها يكون عبدا لمولاها وهو مسلم بإسلام الأب كما يكره ~~بيع العبد المسلم من الكافر وقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد لا ~~يجوز النكاح والدليل على جوازه جميع ما ذكرنا من عموم الآي في الباب الذي ~~قبله الموجبة لجواز نكاح الأمة مع وجود الطول إلى الحرة ودلالتها على جواز ~~نكاح الأمة الكتابية كهي على إباحة نكاح المسلمة ومما يختص منها بالدلالة ~~على هذه المسألة قوله عز وجل والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وروى جرير عن ليث عن مجاهد في قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم قال العفائف وروى هشيم عن مطرف عن الشعبي والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم قال إحصانها أن تغتسل من الجنابة وتحصن فرجها من الزنا ~~فثبت بذلك أن اسم الإحصان قد يتناول الكتابية قال تعالى والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم فاستثنى ملك اليمين من المحصنات فدل على أن ~~الاسم يقع عليهن لولا ذلك ms1145 لما استثناهن وقال تعالى فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فأطلق اسم الإحصان في هذا الموضع على الإماء ولما ثبت أن اسم ~~المحصنات يقع على الكتابيات من الحرائر والإماء وأطلق الله نكاح الكتابيات ~~المحصنات بقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم كان عاما في ~~الحرائر والإماء منهن فإن احتجوا بقوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وكانت ~~هذه مشركة وقال في آية أخرى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات فكانت إباحة نكاح الإماء ~~مقصورة على المسلمات منهن دون الكتابيات وجب أن يكون نكاح الإماء الكتابيات ~~باقيا في حكم الحظر قيل له إطلاق اسم المشركات لا يتناول الكتابيات وإنما ~~يقع على عبدة الأوثان دون غيرهم لأن الله تعالى # PageV03P116 # قد فرق بينهما في قوله لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~منفكين فعطف المشركين على أهل الكتاب وهذا يدل على أن إطلاق الاسم إنما ~~يتناول عبدة الأوثان دون غيرهم فلم يعم الكتابيات فغير جائز الاعتراض به في ~~حظر نكاح الإماء الكتابيات وأيضا فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن قوله ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قاض على قوله ولا تنكحوا ~~المشركات وذلك لأنهم لا يختلفون في جواز نكاح الحرائر الكتابيات فليس يخلو ~~حينئذ قوله ولا تنكحوا المشركات من أن يكون عاما في إطلاقه للكتابيات ~~والوثنيات أو أن يكون إطلاقه مقصورا على الوثنيات دون الكتابيات فإن كان ~~الإطلاق إنما يتناول الوثنيات دون الكتابيات فالسؤال نازلا بعده فيكون ~~مستعملا أيضا أو أن يكون حظر نكاح المشركات متأخرا عن إباحة ساقط فيه إذ ~~ليس بناف فيه لنكاح الكتابيات وإن كان الإطلاق ينتظم الصنفين جميعا لو ~~حملنا على ظاهره فقد اتفقوا أنه مرتب على قوله والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم لاتفاق الجميع على استعماله معه في الحرائر منهن وإذا كان ~~كذلك لم يخل من أن تكون الآيتان نزلتا معا أو أن تكون إباحة نكاح الكتابيات ~~متأخرا عن حظر نكاح المشركات أو أن يكون ms1146 حظر نكاح المشركات متأخرا عن إباحة ~~نكاح الكتابيات فإن كانتا نزلتا معا فهما مستعملتان جميعا على جهة ترتيب ~~حظر نكاح المشركات على إباحة نكاح الكتابيات أو أن يكون نكاح الكتابيات ~~نكاح الكتابيات فإن كان كذلك فإنه ورد مرتبا على إباحة نكاح الكتابيات ~~فالإباحة مستعملة في الأحوال كلها كيف تصرفت الحال على الحال على أنه ولا ~~خلاف أن قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم نزل بعد تحريمه ~~نكاح المشركات لأن آية تحريم المشركات في سورة البقرة وإباحة نكاح ~~الكتابيات في سورة المائدة وهي نزلت بعدها فهي قاضية على تحريم المشركات إن ~~كان إطلاق اسم المشركات يتناول الكتابيات ثم لما تفرق الآية المبيحة لنكاح ~~الكتابيات بين الحرائر منهن وبين الإماء واقتضى عمومها الفريقين منهن وجب ~~استعمالها فيهما جميعا وأن لا يعترض بتحريم نكاح المشركات عليهن كما لم يجز ~~الاعتراض به على الحرائر منهن وأما تخصيص # الله تعالى المؤمنات من الإماء في قوله من فتياتكم المؤمنات فقد بينا في ~~المسألة المتقدمة أن التخصيص بالذكر # PageV03P117 # لا يدل على أن ما عدا المخصوص حكمه بخلافه فإن قيل لا يصح الاحتجاج بقوله ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم في إباحة النكاح وذلك لأن ~~الإحصان اسم مشترك يتناول معاني مختلفة وليس بعموم فيجرى على مقتضى لفظه بل ~~هو مجمل موقوف الحكم على البيان فما ورد به البيان من توقيف أو اتفاق صرنا ~~إليه وكان حكم الآية مقصورا عليه وما لم يرد به بيان فهو على إجماله لا يصح ~~الاحتجاج بعمومه فلما اتفق الجميع على أن الحرائر من الكتابيات مرادات به ~~استعملنا حكم الآية فيهن ولما لم تقم الدلالة على إرادة الإماء الكتابيات ~~احتجنا في إثباتها إلى دليل من غيرها قيل له لما روي عن جماعة من السلف في ~~قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب إنهن العفائف منهن إذا كان اسم ~~الإحصان يقع على العفة وجب اعتبار عموم اللفظ في جميع العفائف إذ قد ثبت أن ~~العفة مرادة بهذا الإحصان وما عدا ذلك من ضروب ms1147 الإحصان لم تقم الدلالة على ~~أنها مرادة وقد اتفقوا على أنه ليس من شرط هذا الإحصان استكمال شرائطه كلها ~~فما وقع عليه الاسم واتفق الجميع أنه مراد أثبتناه وما عداه يحتاج مثبته ~~شرطا في الإباحة إلى دلالة فإن قيل اسم الإحصان يقع على الحرية فما أنكرت ~~أن يكون المراد بقوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم الحرائر ~~منهن قيل له لما كان معلوما أنه لم يرد بذكر الإحصان في هذا الموضع استيفاء ~~شرائطه لم يجز لأحد أن يقتصر بمعنى الإحصان فيه على بعض ما يقع عليه الاسم ~~دون بعض بل إذا تناوله الاسم من وجه وجب اعتبار عمومه فيه فلما كانت الأمة ~~قد يتناولها اسم الإحصان على الإطلاق في بعض الوجوه من طريق العفة أو غيرها ~~جاز اعتبار عموم اللفظ فيه وإذا جاز لك أن تقتصر باسم الإحصان على الحرية ~~دون غيرها فجائز لغيرك أن يقتصر به على العفاف دون غيره وغير جائز لنا ~~إجمال حكم اللفظ مع إمكان استعماله على العموم وقد أطلق الله اسم الإحصان ~~على الأمة فقال تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب فقال بعضهم أراد فإذا أسلمن وقال بعضهم فإذا تزوجن فكان ~~اعتبار هذا العموم سائغا في إيجاب الحد عليهن وقد قال في الآية والمحصنات ~~من المؤمنات ولم يرد به حصول جميع شرائط الإحصان وإنما أراد به العفائف ~~منهن وحرم ذوات الأزواج بقوله والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ~~فكان عموما في تحريم الأزواج إلا # PageV03P118 # ما استثناهن فكذلك قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم لا ~~يمنع ذكر الإحصان فيه من اعتبار عمومه فيمن يقع عليه الاسم من جهة العفاف ~~على ما روي عن السلف ومن جهة النظر أنه لا خلاف بين الفقهاء في إباحة وطء ~~الأمة الكتابية بملك اليمين وكل من جاز وطؤها بملك اليمين جاز وطؤها بملك ~~النكاح على الوجه الذي يجوز عليه نكاح الحرة المنفردة ألا ترى أن المسلمة ~~لما جاز وطؤها بملك ms1148 اليمين جاز وطؤها بالنكاح وأن الأخت من الرضاعة وأم ~~المرأة وحليلة الابن وما نكح الآباء لما لم يجز وطؤهن بملك اليمين حرم ~~وطؤهن بالنكاح فلما اتفق الجميع على جواز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين ~~وجب جواز وطئها بالنكاح على الوجه الذي يجوز فيه وطء الحرة المنفردة فإن ~~قيل قد يجوز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين ولا يجوز بالنكاح كما إذا كانت ~~تحته حرة قيل له لم نجعل ما ذكرنا علة لجواز نكاحها في سائر الأحوال وإنما ~~جعلناه علة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها ألا ترى أن الأمة ~~المسلمة يجوز نكاحها منفردة ولو كانت تحته حرة لما جاز نكاحها لأنه لم يجز ~~نكاحها من طريق جمعها إلى الحرة كما لا يجوز نكاحها لو كانت أختها تحته وهي ~~أمة فعلنا صحيحة مستمرة جارية في معلولاتها غير لازم عليها ما ذكرت إذ كانت ~~منصوبة لجواز نكاحها منفردة غير مجموعة إلى غيرها وبالله التوفيق. ### | باب نكاح الأمة بغير إذن مولاها # قال الله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن قال أبو بكر قد اقتضى ذلك بطلان نكاح ~~الأمة إلا أن يأذن سيدها وذلك لأن قوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن يدل على ~~كون الإذن شرطا في جواز النكاح وإن لم يكن النكاح واجبا وهو مثل # قوله صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل ~~معلوم # أن السلم ليس بواجب ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط ~~كذلك النكاح وإن لم يكن حتما فعليه # إذا أراد أن يتزوج الأمة أن لا يتزوجها إلا بإذن سيدها وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم # هذا المعنى في نكاح العبد # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال أخبرنا معلى قال ~~حدثنا عبد الوارث قال حدثنا القاسم بن عبد الواحد عن عبد الله بن محمد بن ~~عقيل عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج العبد بغير ~~إذن مولاه فهو عاهر # حدثنا عبد # PageV03P119 # الباقي ms1149 قال حدثنا محمد بن الخطابي قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال ~~حدثنا الحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد ~~الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير إذن سيده ~~زنا # وروى هشيم عن يونس عن نافع أن مملوكا لابن عمر تزوج بغير إذنه فضربهما ~~وفرق بينهما وأخذ كل شيء أعطاها وقال الحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم ~~والشعبي إذا تزوج العبد بغير إذن مولاه فالأمر إلى المولى إن شاء أجاز وإن ~~شاء رد وقال عطاء نكاح العبد بغير إذن سيده ليس بزنا لكنه أخطأ السنة وروى ~~قتادة عن خلاس أن غلاما لأبي موسى تزوج بغير إذنه فرفع ذلك إلى عثمان ففرق ~~بينهما وأعطاها الخمسين وأخذ ثلاثة أخماس قال أبو بكر واتفق من ذكرنا قوله ~~من السلف أنه لاحد عليهما وإنما روي الحد عن ابن عمر وجائز أن يكون جلدهما ~~تعزيرا لا حدا فظن الراوي أنه حد واتفق علي وعمر في المتزوجة في العدة أنه ~~لاحد عليها ولا نعلم أحدا من الصحابة خالفهما في ذلك والعبد الذي تزوج بغير ~~إذن مولاه أيسر أمرا من المتزوجة في العدة لأن ذلك نكاح تلحقه الإجازة عند ~~عامة التابعين وفقهاء الأمصار ونكاح المعتدة لا تلحقه إجازة عند أحد وتحريم ~~نكاح المعتدة منصوص عليه في الكتاب في قوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله وتحريم نكاح العبد من جهة خبر الواحد والنظر فإن قيل # قال النبي صلى الله عليه وسلم في العبد يتزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر # وقد قال صلى الله عليه وسلم وللعاهر الحجر # قيل له لا خلاف أن العبد غير مراد بقوله وللعاهر الحجر لأنه لا يرجم إذا ~~زنى وإنما سماه عاهرا على المجاز والتشبيه بالزاني لإقدامه على وطء محظور # وقال النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان والرجلان تزنيان # وذلك مجاز فكذلك قوله في العبد وأيضا # فقد قال أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو ms1150 عاهر # ولم يذكر الوطء ولا خلاف أنه لا يكون عاهرا بالتزوج فدل أن إطلاقه ذلك ~~كان على وجه المجاز تشبيها له بالعاهر وقوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن يدل ~~على أن للمرأة أن تزوج أمتها لأن قوله أهلهن المراد به الموالي لأنه لا ~~خلاف أنه لا يجوز لها أن تتزوج بغير مولاها وأنه لا اعتبار بإذن غير المولى ~~إذا كان المولى بالغا عاقلا جائز التصرف في ماله وقال الشافعي لا يجوز ~~للمرأة أن تزوج أمتها وإنما توكل غيرها بالتزويج وهو قول يرده ظاهر الكتاب ~~لأن الله تعالى لم يفرق بين عقدها التزويج وبين عقد غيرها بإذنها ويدل على ~~أنها إذا أذنت لامرأة أخرى في # PageV03P120 # تزويجها أنه جائز لأنها تكون منكوحة بإذنها وظاهر الآية مقتض لجواز ~~نكاحها بإذن مولاها فإذا وكل مولاها أو مولاتها امرأة بتزويجها وجب أن يجوز ~~ذلك لأن ظاهر الآية قد أجازه ومن منع ذلك فإنما خص الآية بغير دلالة وأيضا ~~فإن كانت هي لا تملك عقد النكاح عليها فغير جائز توكيلها غيرها به لأن ~~توكيل الإنسان إنما يجوز فيما يملكه فأما ما لا يملكه فغير جائز توكيل غيره ~~في العقود التي تتعلق أحكامها بالموكل دون الوكيل وقد يصح عندنا توكيل من ~~لا يصح عقده إذا عقد في العقود التي تتعلق أحكامها بالوكيل دون الموكل وهي ~~عقود البياعات والإجارات فأما عقد النكاح إذا وكل به فإنما يتعلق حكمه ~~بالموكل دون الوكيل ألا ترى أن الوكيل بالنكاح لا يلزمه المهر ولا تسليمه ~~البضع فلو لم تكن المرأة مالكة لعقد النكاح لما صح توكيلها به لغيرها إذ ~~كانت أحكام العقود غير متعلقة بالوكيل فلما صح توكيلها به مع تعلق أحكامه ~~بها دون الوكيل دل على أنها تملك العقد وهذا أيضا دليل على أن الحرة تملك ~~عقد النكاح على نفسها كما جاز وتوكيلها على غيرها به وهو وليها وقوله تعالى ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف يدل على وجوب مهرها إذا نكحها سمى لها مهرا أو لم ~~يسم لأنه لم يفرق بين من سمى وبين ms1151 من لم يسم في إيجابه المهر ويدل على أنه ~~قد أريد به مهر المثل قوله تعالى بالمعروف وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا ~~على الاجتهاد وغالب الظن المعتاد والمتعارف كقوله تعالى وعلى المولود له ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقوله تعالى وآتوهن أجورهن يقتضي ظاهره وجوب دفع ~~المهر إليها والمهر واجب للمولى دونها لأن المولى هو المالك للوطء الذي ~~أباحه للزوج بعقد النكاح فهو المستحق لبدله كما لو آجرها للخدمة كان المولى ~~هو المستحق للأجرة دونها كذلك المهر ومع ذلك فإن الأمة لا تملك شيئا فلا ~~تستحق قبض المهر ومعنى الآية على أحد وجهين إما أن يكون المراد إعطاؤهن ~~المهر بشرط إذن المولى فيه فيكون الإذن المذكور بديا مضمرا في إعطائها ~~المهر كما كان مشروطا في التزويج فيكون تقديره فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن بإذنهم فيدل ذلك على أنه غير جائز إعطاؤهن المهر إلا بإذن المولى ~~وهو كقوله تعالى والحافظين فروجهم والحافظات والمعنى والحافظات فروجهن ~~وقوله تعالى والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ومعناه والذاكرات الله وتكون ~~دلالة هذا الضمير ما في الآية من نفي ملكها لتزويجها نفسها # PageV03P121 # وأن المولى أملك بذلك منها وقوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء فنفى ملكه نفيا عاما وفيه الدلالة على أن الأمة لا تستحق ~~مهرها ولا تملكه والوجه الآخر أن يكون أضاف الإعطاء إليهن والمراد المولى ~~كما لو تزوج صبية صغيرة أو أمة صغيرة بإذن الأب والمولى جاز أن يقال أعطهما ~~مهريهما ويكون المراد إعطاء الأب أو المولى ألا ترى أنه يصح أن يقال لمن ~~عليه دين ليتيم قد مطله به إنه مانع لليتيم حقه وإن كان اليتيم لا يستحق ~~قبضه ويقال أعط اليتيم حقه وقال تعالى وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن ~~السبيل وقد انتظم ذلك الصغار والكبار من أهل هذه الأصناف وإعطاء الصغار ~~إنما يكون بإعطاء أوليائهم فكذلك جائز أن يكون المراد بقوله وآتوهن إيتاء ~~من يستحق ذلك من مواليهن وزعم بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض ~~مهرها وأن ms1152 المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجر دونها واحتج للمهر ~~بقوله تعالى وآتوهن أجورهن وقد بينا وجه ذلك ومعناه وعلى أنه إن كان المهر ~~يجب لها لأنه بدل بضعها فكذلك # يجب أن تكون الأجرة لها لأنه بدل منافعها ومن حيث كان المولى هو المالك ~~لمنافعها كما كان مالكا لبضعها فمن استحق الأجرة دونها فواجب أن يستحق قبض ~~المهر دونها لأنه بدل ملك المولى لا ملكها لأنها لا تملك منافع بضعها ولا ~~منافع بدنها والمولى هو العاقد في الحالين وبه تمت الإجارة والنكاح فلا فرق ~~بينهما وحكى هذا القائل أن بعض العراقيين أجاز أن يزوج المولى أمته عبده ~~بغير صداق وهذا خلاف الكتاب زعم قال أبو بكر ما أشد إقدام مخالفينا على ~~الدعاوى على الكتاب والسنة ومن راعى كلامه وتفقد ألفاظه قلت دعاويه بما لا ~~سبيل له إلى إثباته فإن كان هذا القائل إنما أراد أنهم أجازوا أن يزوج أمته ~~عبده بغير تسمية مهر فإن كتاب الله تعالى قد حكم بجواز ذلك في قوله لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة فحكم بصحة الطلاق ~~في نكاح لا مهر فيه مسمى فدعواه أن ذلك خلاف الكتاب قد أكذبها الكتاب وإن ~~كان مراده أنهم قالوا إنه لا يثبت مهر ويستبيح بضعها بغير بدل فهذا ما لا ~~نعلم أحدا من العراقيين قاله فحصل هذا القائل على معنيين باطلين إحداهما ~~دعواه على الكتاب وقد بينا أن الكتاب بخلاف ما قال والثاني دعواه على بعض ~~العراقيين ولم يقل أحد منهم ذلك بل قولهم في ذلك أنه إذا تزوج أمته من عبده ~~وجب لها # PageV03P122 # المهر بالعقد لامتناع استباحة البضع بغير بدل ثم يسقط في الثاني حين ~~يستحقه المولى لأنها لا تمك والمولى هو الذي يملك مالها ولا يثبت للمولى ~~على عبده دين فههنا حالان إحداهما حال العقد يثبت فيها المهر على العبد ~~والحال الثانية هي حال انتقاله إلى المولى بعد العقد فيسقط كما أن رجلا لو ~~كان له على آخر ms1153 مال فقضاه كان قبضه حالان إحداهما حال قبضه فيملكه مضمونا ~~بمثله ثم يصير قصاصا بماله عليه وكما نقول في الوكيل في الشرى إن المشترى ~~انتقل إليه بالعقد ولا يملكه وينتقل في الثاني ملكه إلى الموكل ولذلك نظائر ~~كثيرة لا يفهمها إلا من ارتاص بالمعاني الفقهية وجالس أهل فقه هذا الشأن ~~وأخذ عنهم قوله تعالى محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان يعني والله أعلم ~~فانكحوهن محصنات غير مسافحات وأمر بأن يكون العقد عليها بالنكاح صحيح وأن ~~لا يكون وطؤها على وجه الزنا لأن الإحصان هاهنا بالنكاح والسفاح الزنا ولا ~~متخذات أخدان يعني لا يكون وطؤها على حسب ما كانت عليه عادة أهل الجاهلية ~~في اتخاذ الأخذان قال ابن عباس كان قوم منهم يحرمون ما ظهر من الزنا ~~ويستحلون ما خفي منه والخدن هو الصديق للمرأة يزني بها سرا فنهى الله تعالى ~~عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وزجر عن الوطء إلا عن نكاح صحيح أو ملك ~~يمين وسمى الله الإماء الفتيات بقوله من فتياتكم المؤمنات والفتاة اسم ~~للشابة والعجوز الحرة لا تسمى فتاة والأمة الشابة والعجوز كل واحدة منهما ~~تسمى فتاة ويقال إنها سميت فتاة وإن كانت عجوزا لأنها إذا كانت أمة لا توقر ~~توقير الكبيرة والفتوة حال الغرة والحداثة والله أعلم بالصواب. ### | باب حد الأمة والعبد # قال الله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب قال أبو بكر قرئ فإذا أحصن بفتح الألف وقرئ بضم الألف فروي عن ابن ~~عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة أن أحصن بالضم معناه تزوجن وعن عمر وابن ~~مسعود والشعبي وإبراهيم أحصن بالفتح قالوا معناه أسلمن وقال الحسن يحصنها ~~الزوج ويحصنها الإسلام واختلف السلف في حد الأمة متى يجب فقال من تأول قوله ~~فإذا أحصن بالضم على التزويج إن الأمة لا يجب عليها الحد وإن أسلمت ما لم ~~تتزوج وهو مذهب ابن عباس والقائلين بقوله ومن تأول قوله فإذا أحصن بالفتح ~~على # PageV03P123 # الإسلام جبل عليها الحد إذا أسلمت ms1154 وزنت وإن لم تتزوج وهو قول ابن مسعود ~~والقائلين بقوله وقال بعضهم تأويل من تأوله على أسلمن بعيد لأن ذكر الإيمان ~~قد تقدم لهن بقوله من فتياتكم المؤمنات قال فيبعد أن يقال من فتياتكم ~~المؤمنات فإذا آمن وليس هذا كما ظن لأن قوله من فتياتكم المؤمنات إنما هو ~~في شأن النكاح وقد استأنف ذكر حكم آخر غيره وهو الحد فجاز استيناف ذكر ~~الإسلام فيكون تقديره فإذا كن مسلمات فأتين بفاحشة فعليهن هذا لا يدفعه أحد ~~ولو كان ذلك غير سائغ لما تأوله عمرو ابن مسعود والجماعة الذين ذكرنا قولهم ~~عليه وليس يمتنع أن يكون الأمر ان جميعا من الإسلام والنكاح مرادين باللفظ ~~لاحتماله لهما وتأويل السلف الآية عليهما وليس الإسلام والتزويج شرطا في ~~إيجاب الحد عليها إذا لم تحصن لم يجب لما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن مسلمة عن ~~مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن ~~خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم ~~تحصن قال إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت ~~فبيعوها ولو بضفير # والضفير الحبل # وفي حديث سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال في كل مرة فليقم عليها كتاب الله تعالى # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الحد عليها مع عدم الإحصان فإن قيل ~~فما فائدة شرط الله الإحصان في قوله فإذا أحصن وهي محدودة في حال الإحصان ~~وعدمه قيل له لما كانت الحرة لا يجب عليها الرجم إلا أن تكون مسلمة متزوجة ~~أخبر الله تعالى أنهن وإن أحصن بالإسلام وبالتزويج فليس عليهن أكثر من نصف ~~حد الحرة ولولا ذلك لكان يجوز أن يتوهم افتراق حالها في حكم وجود الإحصان ~~وعدمه فإذا كانت محصنة يكون عليها الرجم وإذا كانت غير محصنة فنصف الحد ~~فأزال الله ms1155 تعالى توهم من يظن ذلك وأخبر أنه ليس عليها إلا نصف الحد في ~~جميع الأحوال فهذه فائدة شرط الإحصان عند ذكر حدها ولما أوجب عليها نصف حد ~~الحرة مع الإحصان علمنا أنه أراد الجلد إذ الرجم لا ينتصف وقوله تعالى ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أراد به الإحصان من جهة الحرية لا ~~الإحصان الموجب للرجم لأنه لو أراد ذلك لم يصح أن يقال عليها نصف الرجم ~~لأنه لا يتبعض وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت # PageV03P124 # وعقلت الأمة من ذلك أن العبد بمثابتها إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد ~~معقولا من الظاهر وهو الرق وهو موجود في العبد وكذلك قوله تعالى والذين ~~يرمون المحصنات خص المحصنات بالذكر وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا في هذه ~~الآية إذا قذفوا إذ كان المعنى في المحصنة العفة والحرية والإسلام فحكموا ~~للرجل بحكم النساء بالمعنى وهذا يدل على أن الأحكام إذا عقلت بمعان فحيثما ~~وجدت فالحكم ثابت حتى تقوم الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون بعض. # (فصل) قوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن يدل على جواز عطف ~~الواجب على الندب لأن النكاح ندب ليس بفرض وإيتاء المهر واجب ونحوه قوله ~~تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ثم قال وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ويصح ~~عطف الندب على الواجب أيضا كقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى فالعدل واجب والإحسان ندب وقوله تعالى ذلك لمن خشي العنت ~~منكم قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية العوفي هو الزنا وقال آخرون ~~هو الضرر الشديد في دين أو دنيا من قوله تعالى ودوا ما عنتم وقوله لمن خشي ~~العنت منكم راجع إلى قوله فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات وهذا ~~شرط إلى المندوب إليه من ترك نكاح الأمة والاقتصار على تزوج الحرة لئلا ~~يكون ولده عبدا لغيره فإذا خشي العنت ولم يأمن مواقعة المحظور فهو مباح لا ~~كراهة فيه لا في الفعل ولا في الترك ثم ms1156 عقب ذلك بقوله تعالى وأن تصبروا خير ~~لكم فأبان عن موضع الندب والاختيار هو ترك نكاح الأمة رأسا فكانت دلالة ~~الآية مقتضية لكراهية نكاح الأمة إذا لم يخض العنت ومتى خشي العنت فالنكاح ~~مباح إذا لم تكن تحته حرة والاختيار أن يتركه رأسا وإن خشي العنت لقوله وأن ~~تصبروا خير لكم وإنما ندب الله تعالى إلى ترك نكاح الأمة رأسا مع خوف العنت ~~لأن الولد المولود على فراش النكاح من الأمة يكون عبدا لسيدها ولم يكره ~~استيلاد الأمة بملك اليمين لأن ولده منها يكون حرا وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يوافق معنى الآية في كراهة نكاح الأمة # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن الفضل بن جابر السقطي قال ~~حدثنا محمد بن عقبة بن هرم السدوسي قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكحوا # PageV03P125 # الأكفاء وأنكحوهن واختاروا لنطفكم وإياكم والزنج فإنه خلق مشوه # قوله أنكحوا الأكفاء # يدل على نكاح الأمة لأنها ليست بكفؤ للحر # وقوله واختاروا لنطفكم # يدل على ذلك أيضا لئلا يصير ولده عبدا مملوكا وماؤه حر فينتقل بتزويجه ~~إلى الرق # وروي في خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تخيروا لنطفكم فإن ~~عرق السوء يدرك # ولو بعد حين وقوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم يعني والله أعلم يريد ليبين لنا ما بنا الحاجة إلى معرفته ~~والبيان من الله تعالى على وجهين أحدهما بالنص والآخر بالدلالة ولا تخلو ~~حادثة صغيرة ولا كبيرة إلا ولله فيها حكم إما بنص وإما بدليل وهو نظير قوله ~~ثم إن علينا بيانه وقوله هذا بيان للناس وقوله ما فرطنا في الكتاب من شيء # وقوله ويهديكم سنن الذين من قبلكم من الناس من يقول إن هذا يدل على أن ما ~~حرمه علينا وبين لنا تحريمه من النساء في الآيتين اللتين قبل هذه الآية كان ~~محرما على الذين كانوا من ms1157 قبلنا من أمم الأنبياء المتقدمين وقال آخرون لا ~~دلالة فيه على اتفاق الشرائع وإنما معناه له يهديكم سنن الذين من قبلكم في ~~بيان ما لكم فيه من المصلحة كما بينه لهم وإن كانت العبادات والشرائع ~~مختلفة في أنفسها إلا أنها وإن كانت مختلفة في أنفسها فهي متفقة في باب ~~المصالح وقال آخرون يبين لكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق وغيرهم ~~لتجتنبوا الباطل وتحبوا الحق وقوله تعالى ويتوب عليكم يدل على بطلان مذهب ~~أهل الأخبار لأنه أخبر أنه يريد أن يتوب علينا وزعم هؤلاء أنه يريد من ~~المصرين الإصرار ولا يريد منهم التوبة والاستغفار # قوله تعالى يريد الذين يتبعون الشهوات فقال قائلون المراد به كل مبطل ~~لأنه يتبع شهوة نفسه فيما وافق الحق أو خالفه ولا يتبع الحق في مخالفة ~~الشهوة وقال مجاهد أراد به الزنا وقال السدي اليهود والنصارى وقوله أن ~~تميلوا ميلا عظيما يعني به العدول عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية ~~وتكون إرادتهم للميل على أحد وجهين إما لعداوتهم أو للأنس بهم والسكون ~~إليهم في الإقامة على المعصية فأخبر الله تعالى أن إرادته لنا خلاف إرادة ~~هؤلاء وقد دلت الآية على أن القصد في اتباع الشهوة مذموم إلا أن يوافق الحق ~~فيكون حينئذ غير مذموم في اتباع شهوته إذ كان قصده اتباع الحق ولكن من كان ~~هذا سبيله لا يطلق عليه أنه متبع لشهوته لأن قصده فيه اتباع الحق وافق ~~شهوته أو خالفها # قوله تعالى # PageV03P126 # يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا التخفيف هو تسهيل التكليف وهو ~~خلاف التثقيل وهو نظير قوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم وقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج وقوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم فنفى الضيق والثقل والحرج عنا في الآيات ونظيره # قول النبي صلى الله عليه وسلم جئتكم بالحنيفة السمحة # وذلك لأنه وإن حرم علينا ما ذكرنا تحريمه ms1158 من النساء فقد أباح لنا غيرهن ~~من سائر النساء تارة بنكاح وتارة بملك يمين وكذلك سائر المحرمات قد أباح ~~لنا من جنسها أضعاف ما حظر فجعل لنا مندوحة عن الحرام بما أباح من الحلال ~~وعلى هذا المعنى ما روي عن عبد الله بن مسعود إن الله لم يجعل شفاءكم فيما ~~حرم عليكم يعني أنه لم يقتصر بالشفاء على المحرمات بل جعل لنا مندوحة وغنى ~~عن المحرمات بما أباحه لنا من الأغذية والأدوية حتى لا يضرنا فقد ما حرم في ~~أمور دنيانا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار ~~أيسرهما # وهذه الآيات يحتج بها في المصير إلى التخفيف فيما اختلف فيه الفقهاء ~~وسوغوا فيه الاجتهاد وفيه الدلالة على بطلان مذهب المجبرة في قولهم إن الله ~~يكلف العباد ما لا يطيقون لإخباره بأنه يريد التخفيف عنا وتكليف ما لا يطاق ~~غاية التثقيل والله أعلم بمعاني كتابه. ### | باب التجارات وخيار البيع # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض منكم قال أبو بكر قد انتظم هذا العموم النهى عن أكل ~~مال الغير ومال نفسه كقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم قد اقتضى النهي عن قتل ~~غيره وقتل نفسه فكذلك قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل نهي لكل ~~أحد عن أكل مال نفسه ومال غيره بالباطل وأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في ~~معاصي الله وأكل مال الغير بالباطل قد قيل فيه وجهان أحدهما ما قال السدي ~~وهو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم وقال ابن عباس والحسن أن يأكله ~~بغير عوض فلما نزلت هذه الآية كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس ~~إلى أن نسخ ذلك بالآية التي في النور ليس على الأعمى حرج- إلى قوله تعالى- ~~ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم الآية قال أبو # PageV03P127 # بكر يشبه أن يكون مراد ابن عباس والحسن أن الناس تحرجوا بعد نزول الآية ~~أن يأكلوا عند أحد لا ms1159 على أن الآية أوجبت ذلك لأن الهبات والصدقات لم تكن ~~محظورة قط بهذه الآية وكذلك الأكل عند غيره اللهم إلا أن يكون المراد الأكل ~~عند غيره بغير إذنه فهذا لعمري قد تناولته الآية وقد روى الشعبي عن علقمة ~~عن عبد الله قال هي محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة وروى الربيع عن ~~الحسن قال ما نسخها شيء من القرآن ونظير ما اقتضته الآية من النهي عن أكل ~~مال الغير قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وعلى أن النهي عن أكل مال الغير معقود بصفة وهو أن يأكله بالباطل وقد ~~تضمن ذلك أكل أبدال العقود الفاسدة كأثمان البياعات الفاسدة وكمن اشترى ~~شيئا من المأكول فوجده فاسدا لا ينتفع به نحو البيض والجوز فيكون أكل ثمنه ~~أكل مال بالباطل وكذلك ثمن كل ما لا قيمة له ولا ينتفع به كالقرد والخنزير ~~والذباب والزنابير وسائر ما لا منفعة فيه فالانتفاع بأثمان جميع ذلك أكل ~~مال بالباطل وكذلك أجرة النائحة والمغنية وكذلك ثمن الميتة والخمر والخنزير ~~وهذا يدل على أن من باع بيعا فاسدا وأخذ ثمنه أنه منهي عن أكل ثمنه وعليه ~~رده إلى مشتريه وكذلك قال أصحابنا إنه إذا تصرف فيه فربح فيه وقد كان عقد ~~عليه «1» بعينة وقبضه أن عليه أن يتصدق به لأنه ربح حصل له من وجه محظور ~~وقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل منتظم لهذه المعاني كلها ~~ونظائرها من العقود المحرمة فإن قيل هل اقتضى ظاهر الآية تحريم أكل الهبات ~~والصدقات والإباحة للمال من صاحبه قيل له كل ما أباحه الله تعالى من العقود ~~وأطلقه من جواز أكل مال الغير بإباحته إياه فخارج عن حكم الآية لأن الحظر ~~في أكل المال مقيد الشريطة وهي أن يكون أكل مال بالباطل وما أباحه الله ~~تعالى وأحله فليس بباطل بل هو حق فنحتاج أن ننظر إلى السبب الذي يستبيح ms1160 أكل ~~هذا المال فإن كان مباحا فليس بباطل ولم تتناوله الآية وإن كان محظورا فقد ~~اقتضته الآية وأما قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم اقتضى إباحة ~~سائر التجارات الواقعة عن تراض والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات ~~PageV03P128 # المقصود بها طلب الأرباح قال الله تعالى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله فسمى الإيمان تجارة على وجه المجاز تشبيها ~~بالتجارات المقصود بها الأرباح وقال تعالى يرجون تجارة لن تبور كما سمى بذل ~~النفوس لجهاد أعداء الله تعالى شرى قال الله تعالى إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فسمى بذل ~~النفوس شراء على وجه المجاز وقال الله تعالى ولقد علموا لمن اشتراه ما له ~~في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فسمى ذلك بيعا ~~وشراء على وجه المجاز تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها ~~الأعواض كذلك سمى الإيمان بالله تعالى تجارة لما استحق به من الثواب الجزيل ~~والأبدال الجسيمة فتدخل في قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم عقود ~~البياعات والإجارات والهبات المشروطة فيها الأعواض لأن المبتغى في جميع ذلك ~~في عادات الناس تحصيل الأعواض لا غير ولا يسمى النكاح تجارة في العرف ~~والعادة إذ ليس المبتغى منه في الأكثر الأعم تحصيل العوض الذي هو مهر وإنما ~~المبتغى فيه أحوال الزوج من الصلاح والعقل والدين والشرف والجاه ونحو ذلك ~~فلم يسم تجارة لهذا المعنى وكذلك الخلع والعتق على مال ليس يكاد يسمى شيء ~~من ذلك تجارة ولما ذكرنا من اختصاص اسم التجارة بما وصفنا قال أبو حنيفة ~~ومحمد إن المأذون له في التجارة لا يزوج أمته ولا عبده ولا يكاتب ولا يعتق ~~على مال ولا يتزوج هو أيضا وإن كانت أمة لا تزوج نفسها لأن تصرفه مقصور على ~~التجارة وليست هذه العقود من التجارة وقالوا إنه يؤاجر نفسه وعبيده وما في ~~يده من أموال التجارة إذ كانت الإجارة من ms1161 التجارة وكذلك قالوا في المضارب ~~وشريك العنان لأن تصرفهما مقصور على التجارة دون غيرها ولم يختلف الناس أن ~~البيوع من التجارات واختلف أهل العلم في لفظ البيع كيف هو وقال أصحابنا إذا ~~قال الرجل بعني عبدك هذا بألف درهم فقال قد بعتك لم يقع البيع حتى يقبل ~~الأول ولا يصح عندهم إيجاب البيع ولا قبوله إلا بلفظ الماضي ولا يقع بلفظ ~~الاستقبال لأن قوله بعني إنما هو سوم وأمر بالبيع وليس بإيقاع للعقد والأمر ~~بالبيع ليس ببيع وكذلك قوله أشتري منك ليس بشرى وإنما هو إخبار بأنه يشتريه ~~لأن الألف للاستقبال وكذلك قول البائع اشتر منى وقوله أبيك ليس ذلك بلفظ ~~العقد وإنما هو إخبار بأنه سيعقد «9- أحكام لث» # PageV03P129 # أو أمر به وقالوا في النكاح القياس أن يكون مثله إلا أنهم استحسنوا ~~فقالوا إذا قال زوجني بنتك فقال قد زوجتك أنه يكون نكاحا ولا يحتاج الزوج ~~بعد ذلك إلى قبول # لحديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فلم يقبلها فقال له رجل زوجنيها فراجعه النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يعطيها إلى أن قال له زوجتكها عقدا بما معك من القرآن # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله زوجنيها مع قوله زوجتكها عقدا واقعا ~~ولأخبار أخر قد رويت في ذلك ولأنه ليس المقصد في النكاح الدخول فيه على وجه ~~المساومة والعادة في مثله أنهم لا يفرقون فيه بين قوله زوجني وبين قوله قد ~~زوجتك فلما جرت العادة في النكاح بما وصفنا كان قوله قد زوجتك وقوله زوجيني ~~نفسك سواء ولما كانت العادة في البيع دخولهم فيه على وجه السوم بديا كان ~~ذلك سوما ولم يكن عقدا فحملوه على القياس وقد قال أصحابنا فيما جرت به ~~العادة بأنهم يريدون به إيجاب التمليك وإيقاع العقد إنه يقع به العقد وهو ~~أن يساومه على شيء ثم يزن له الدراهم ويأخذ للمبيع فجعلوا ذلك عقدا لوقوع ~~تراضيهما به وتسليم كل واحد منهما إلى صاحبه ما طالبه ms1162 منه وذلك لأن جريان ~~العادة بالشيء كالنطق به إذ كان المقصد من القول الإخبار عن الضمير ~~والاعتقاد فإذا علم ذلك بالعادة مع التسليم للمعقود عليه أجروا ذلك مجرى ~~العقد وكما يهدي الإنسان لغيره فيقبضه فيكون للهبة # ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنات ثم قال من شاء فليقتطع # فقام الاقتطاع في ذلك مقام القبول للهبة في إيجاب التمليك فهذه الوجوه ~~التي ذكرناها هي طرق التراضي المشروط في قوله إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم وقال مالك بن أنس إذا قال بعني هذا بكذا فقال قد بعتك فقد تم البيع ~~وقال الشافعي لا يصح النكاح حتى يقول قد زوجتكها ويقول الآخر قد قبلت ~~تزويجها أو يقول الخاطب زوجنيها ويقول الولي قد زوجتكها فلا يحتاج في هذا ~~إلى قول الزوج قد قبلت فإن قيل على ما ذكرنا من قول أصحابنا في المتساومين ~~إذا تساوما على السلعة ثم وزن المشتري الثمن وسلمه إليه وسلم البائع السلعة ~~إليه أن ذلك بيع وهو تجارة عن تراض غير جائز أن يكون هذا بيعا لأن لعقد ~~البيع صيغة وهي الإيجاب والقبول بالقول وذلك معدوم فيما وصفت # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المنابذة والملامسة وبيع ~~الحصاة # وما ذكرتموه في معنى هذه البياعات التي أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~لوقوعها بغير لفظ البيع قيل له ليس هذا كما ظننت وليس ما أجازه أصحابنا مما # PageV03P130 # نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لأن بيع الملامسة هو وقوع العقد ~~باللمس والمنابذة وقوع العقد بنبذه إليه وكذلك بيع الحصاة هو أن يضع عليه ~~حصاة فتكون هذه الأفعال عندهم موجبة لوقوع البيع فهذه بيوع معقودة على ~~المخاطرة ولا تعلق لهذه الأسباب التي علقوا وقوع البيع بها بعقد البيع وأما ~~ما جازه أصحابنا فهو أن يتساوما على ثمن يقف البيع ثم يزن له المشتري الثمن ~~ويسلم البائع إليه المبيع وتسليم المبيع والثمن من حقوق البيع وأحكامه فلما ~~فعلا موجب العقد من التسليم صار ذلك رضى ms1163 منهما بما وقف عليه العقد من السوم ~~ولمس الثوب ووضع الحصاة ونبذه ليس من موجبات العقد ولا من أحكامه فصار ~~العقد معلقا على خطر فلا يجوز وصار ذلك أصلا في امتناع وقوع البياعات على ~~الأخطار وذلك أن يقول بعتكه إذا قدم زيد وإذا جاء غد ونحو ذلك وقوله تعالى ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم عموم في إطلاق سائر التجارات وإباحتها وهو ~~كقوله تعالى وأحل الله البيع في اقتضاء عمومه لإباحة سائر البيوع إلا ما ~~خصه التحريم لأن اسم التجارة أعم من اسم البيع لأن اسم التجارة ينتظم عقود ~~الإجارات والهبات الواقعة على الأعواض والبياعات فيضمن قوله تعالى ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل معنيين أحدهما نهي معقود بشريطة محتاجة إلى ~~بيان في إيجاب حكمه وهو قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل لأنه ~~يحتاج إلى أن يثبت أنه أكل مال باطل حتى يتناوله حكم اللفظ والمعنى الثاني ~~إطلاق سائر التجارات وهو عموم في جميعها لا إجمال فيه ولا شريطة فلو خلينا ~~وظاهره لأجزنا سائر ما يسمى تجارة إلا أن الله تعالى قد خص منها أشياء بنص ~~الكتاب وأشياء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فالخمر والميتة والدم ولحم ~~الخنزير وسائر المحرمات في الكتاب لا يجوز بيعها لأن إطلاق لفظ التحريم ~~يقتضي سائر وجوه الانتفاع # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ~~فباعوها وأكلوا أثمانها # وقال في الخمر إن الذي حرمها حرم بيعها وأكل ثمنها ولعن بائعها ومشتريها # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع الغرر وبيع العبد الآبق وبيع ~~ما لم يقبض وبيع ما ليس عند الإنسان # ونحوها من البياعات المجهولة والمعقود على غرر جميع ذلك مخصوص من ظاهر ~~قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم وقد قرئ قوله إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض بالنصب والرفع فمن قرأها بالنصب كان تقديره إلا أن تكون الأموال ~~تجارة عن تراض فتكون التجارة # PageV03P131 # الواقعة عن تراض مستثناة من النهي عن أكل المال ms1164 إذ كان أكل المال بالباطل ~~قد يكون من جهة التجارة ومن غير جهة التجارة فاستثنى التجارة من الجملة ~~وبين أنها ليست أكل المال بالباطل ومن قرأها بالرفع كان تقديره إلا أن تقع ~~تجارة كقول الشاعر: # فدى لبني شيبان رحلي وناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب # يعني إذا حدث يوم كذلك وإذا كان معناه على هذا كان النهي عن أكل المال ~~بالباطل على إطلاقه لم يستثن منه شيء وكان ذلك استثناء منقطعا بمنزلة لكن ~~إن وقعت تجارة عن تراض فهو مباح وقد دلت هذه الآية على بطلان قول القائلين ~~بتحريم المكاسب لإباحة الله التجارة الواقعة عن تراض ونحوه قوله تعالى وأحل ~~الله البيع وقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله وقوله تعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون ~~يقاتلون في سبيل الله فذكر الضرب في الأرض للتجارة وطلب المعاش مع الجهاد ~~في سبيل الله فدل ذلك على أنه مندوب إليه والله تعالى أعلم وبالله التوفيق. ### | باب خيار المتبايعين # اختلف أهل العلم في خيار المتبايعين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ~~والحسن بن زياد ومالك بن أنس إذا عقد بيع بكلام فلا خيار لهما وإن لم ~~يتفرقا وروي نحوه عن عمر بن الخطاب وقال الثوري والليث وعبيد الله بن الحسن ~~والشافعي إذا عقدا فهما بالخيار ما لم يتفرقا وقال الأوزاعي هما بالخيار ما ~~لم يتفرقا إلا في بيوع ثلاثة بيع مزايدة الغنائم والشركة في الميراث ~~والشركة في التجارة فإذا صافقه فقد وجب وليسا فيه بالخيار ووقت الفرقة أن ~~يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه وقال الليث التفرق أن يقوم أحدهما وكل من ~~أوجب الخيار يقول إذا خيره في المجلس فاختار فقد وجب البيع وروي خيار ~~المجلس عن ابن عمر قال أبو بكر قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم يقتضي جواز الأكل بوقوع البيع عن تراض قبل ~~الافتراق إذ كانت التجارة هي الإيجاب والقبول في ms1165 عقد البيع وليس التفرق ~~والاجتماع من التجارة في شيء ولا يسمى ذلك تجارة في شرع ولا لغة فإذا كان ~~الله قد أباح أكل ما اشترى بعد وقوع التجارة عن تراض فمانع ذلك بإيجاب ~~الخيار خارج عن # PageV03P132 # ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد على نفسه وذلك عقد ~~قد عقده كل واحد منهما على نفسه فيلزمه الوفاء به وفي إثبات الخيار نفي ~~للزوم الوفاء به وذلك خلاف مقتضى الآية ويدل عليه أيضا قوله تعالى إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى قوله تعالى إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ثم أمر ~~عند عدم الشهود بأخذ الرهن وثيقة بالثمن وذلك مأمور به عند عقده البيع قبل ~~التفرق لأنه قال تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه فأمر بالكتاب ~~عند عقده المداينة قد أثبت الدين عليه بقوله تعالى وليملل الذي عليه الحق ~~وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق عليه ~~قبل الافتراق لما قال وليملل الذي عليه الحق ولما وعظه بالبخس وهو لا شيء ~~عليه لأن ثبوت الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته وفي إيجاب الله ~~تعالى الحق عليه بعقد المداينة في قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق دليل ~~على نفي الخيار وإيجاب البتات ثم قال تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم ~~تحصينا للمال واحتياطا للبائع من جحود المطلوب أو موته قبل أدائه ثم قال ~~تعالى ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله ~~وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ولو كان لهما الخيار قبل الفرقة لم يكن في ~~الإشهاد احتياط ولا كان أقوم للشهادة إذ لا يمكن للشاهد إقامة الشهادة ~~بثبوت المال ثم قال وأشهدوا إذا تبايعتم وإذا هي للوقت فاقتضى ذلك الأمر ~~بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة ثم ms1166 أمر برهن مقبوض في السفر ~~بدلا من الاحتياط بالإشهاد في الحضر وفي إثبات الخيار إبطال الرهن إذ غير ~~جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد فدلت الآية بما تضمنته من الأمر بالإشهاد ~~على عقد المداينة وعلى التبايع والاحتياط في تحصين المال تارة بالإشهاد ~~وتارة بالرهن أن العقد قد أوجب ملك المبيع للمشتري وملك الثمن للبائع بغير ~~خيار لهما إذ كان إثبات الخيار نافيا لمعاني الإشهاد والرهن ونافيا لصحة ~~الإقرار بالدين فإن قيل الأمر بالإشهاد والرهن ينصرف إلى أحد المعنيين إما ~~أن يكون الشهود حاضرين العقد # PageV03P133 # ويفترقان بحضرتهم فتصح حينئذ شهادتهم على صحة البيع ولزوم الثمن وإما أن ~~يتعاقدا فيما بينهما عقد مداينة ثم يفترقان ويقران عند الشهود بعد ذلك ~~فيشهد الشهود على إقرارهما به أو يرهنه بالدين رهنا فيصح قيل له أول ما في ~~ذلك أن الوجهين جميعا خلاف الآية وفيهما إبطال ما تضمنته من الاحتياط ~~بالإشهاد والرهن وذلك لأن الله تعالى قال إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه- إلى قوله تعالى- واستشهدوا شهيدين فأمر بالإشهاد على عقد المداينة ~~عند وقوعه بلا تراخ احتياطا لهما وزعمت أنت أنه يشهد بعد الافتراق وجائز أن ~~تهلك السلعة قبل الافتراق فيبطل الدين أو يجحده إلى أن يفترقا ويشهد أو ~~جائز # أن يموت فلا يصل البائع إلى تحصين ماله بالإشهاد وقال الله تعالى وأشهدوا ~~إذا تبايعتم فندب إلى الإشهاد على التبايع عند وقوعه ولم يقل إذا تبايعتم ~~وتفرقتم وموجب الخيار مثبت في الآية من التفرق ما ليس فيها وغير جائز أن ~~يزاد في حكم الآية ما ليس فيها وإن تركا الإشهاد إلى بعد الافتراق كان في ~~ذلك ترك الاحتياط الذي من أجله ندب إلى الإشهاد وعسى أن يموت المشتري قبل ~~الإشهاد أو يجحده فيصير حينئذ إيجاب الخيار مسقطا لمعنى الاحتياط وتحصين ~~المال بالإشهاد وفي ذلك دليل على وقوع البيع بالإيجاب والقبول بتاتا لا ~~خيار فيه لواحد منهما فإن قيل فلو شرطا في البيع ثبوت الخيار لثلاث كان ~~الإشهاد عليه صحيحا مع شرط الخيار ولم يكن ms1167 ما تلوت من آية الدين وكتب ~~الكتاب والإشهاد والرهن مانعا وقوعه على شرط الخيار وصحة الإشهاد عليه ~~فكذلك إثبات خيار المجلس لا ينفي صحة الشهادة والرهن قيل له الآية بما فيها ~~من الإشهاد لم تتضمن البيع المشروط فيه الخيار وإنما تضمنت بيعا باتا وإنما ~~أجزنا شرط الخيار بدلالة خصصناه بها من جملة ما تضمنته الآية في المداينات ~~واستعملنا حكمها في البياعات العارية من شرط الخيار فليس فيما أجزنا من ~~البيع المعقود على شرط الخيار ما يمنع استعمال حكم الآية بما انتظمته من ~~الاحتياط بالإشهاد والرهن وصحة إقرار العاقد في البياعات التي لم يشرط فيها ~~خيار والبيع المعقود على شرط الخيار خارج عن حكم الآية غير مراد بها لما ~~وصفنا حتى يسقط الخيار ويتم البيع فحينئذ يكونان مندوبين إلى الإشهاد على ~~الإقرار دون التبايع ولو أثبتنا الخيار في كل بيع وتم البيع على حسب ما ~~يذهب إليه مخالفونا لم يبق للآية موضع يستعمل فيه حكمها على حسب مقتضاها ~~وموجبها وأيضا فإن إثبات الخيار إنما يكون مع # PageV03P134 # عدم الرضى بالبيع ليرتئ في إبرام البيع أو فسخه فإذا تعاقدا عقد البيع من ~~غير شرط الخيار فكل واحد منهما راض بتمليك ما عقد عليه لصاحبه فلا معنى ~~لإثبات الخيار فيه مع وجود الرضى به ووجود الرضى مانع من الخيار ألا ترى ~~أنه لا خلاف بين المثبتين لخيار المجلس أنه إذا قال لصاحبه اختر فاختاره ~~ورضي به أن ذلك مبطل لخيارهما وليس في ذلك أكثر من رضاهما بإمضاء البيع ~~والرضى موجود منهما بنفس المعاقدة فلا يحتاجان إلى رضى ثان لأنه لو جاز أن ~~يشترط بعد رضاهما به بديا بالعقد رضى آخر لجاز أن يشترط رضى ثان وثالث وكان ~~لا يمنع رضاهما به من إثبات خيار ثالث ورابع فلما بطل هذا صح أن رضاهما ~~بالبيع هو إبطال للخيار وإتمام للبيع وإنما صح خيار الشرط في البيع لأنه لم ~~يوجد من المشروط له الخيار رضى بإخراج شيئه من ملكه حين شرط لنفسه الخيار ~~ومن أجل ذلك جاز ms1168 إثبات الخيار فيه فإن قيل فأنت قد أثبت خيار الرؤية وخيار ~~العيب مع وجود الرضى بالبيع ولم يمنع رضاهما من إثبات الخيار على هذا الوجه ~~فكذلك لا يمنع رضاهما به من إثبات خيار المجلس قيل له ليس خيار العيب من ~~خيار المجلس في شيء وذلك لأن خيار الرؤية لا يمنع وقوع الملك لكل واحد ~~منهما فيما عقد صاحبه من جهته لوجود الرضى من كل واحد منهما به فليس لهذا ~~الخيار تأثير في نفي الملك بل الملك واقع مع وجود الخيار لأجل وجود الرضى ~~من كل واحد منهما به وخيار المجلس على قول القائلين به مانع من وقوع الملك ~~لكل واحد منهما فيما ملكه إياه صاحبه مع وجود الرضى من كل واحد منهما ~~بتمليكه إياه ولا فرق بين الرضى به بديا بإيجابه له العقد وبينه إذا قال قد ~~رضيت فاختر ورضي به صاحبه فلا فرق بين البيع فيما فيه خيار الرؤية وخيار ~~العيب وبين ما ليس فيه واحد من الخيارين في باب وقوع الملك به وإنما ~~يختلفان بعد ذلك في خيار غير ناف للملك وإنما هو لأجل جهالة صفات المبيع ~~عنده أو لفوت جزء منه موجب له بالعقد ويدل على أن الرضى بالعقد هو الموجب ~~للملك اتفاق الجميع على وقوع الملك لكل واحد منهما بعد الافتراق وبطلان ~~الخيار به وقد علمنا أنه ليس في الفرقة دلالة على الرضى ولا على نفيه لأن ~~حكم الفرقة والبقاء في المجلس سواء في نفي دلالته على الرضى فعلمنا أن ~~الملك إنما وقع بالرضى بديا بالعقد لا بالفرقة # وأيضا فإنه ليس في الأصول فرقة يتعلق بها تمليك وتصحيح العقد بل في ~~الأصول أن الفرقة إنما تؤثر في فسخ كثير # PageV03P135 # من العقود من ذلك الفرقة عن عقد الصرف قبل القبض وعن السلم قبل القبض ~~لرأس المال وعن الدين بالدين قبل تعيين أحدهما فلما وجدنا الفرقة في الأصول ~~في كثير من العقود إنما تأثيرها في إبطال العقد دون جوازه ولم تجد في ~~الأصول فرقة مؤثرة في تصحيح العقد ms1169 وجوازه ثبت أن اعتبار خيار المجلس ووقوع ~~الفرقة في تصحيح العقد خارج عن الأصول مع ما فيه من مخالفة ظاهر الكتاب ~~وأيضا قد ثبت بالسنة واتفاق الأمة من شرط صحة عقد افتراقهما عن مجلس العقد ~~عن قبض صحيح فإن كان خيار المجلس ثابتا في عقد الصرف مع التقابض والعقد لم ~~يتم ما بقي الخيار فإذا افترقا لم يجز أن يصح بالافتراق ما من شأنه أن ~~يبطله الافتراق قبل صحته فإذا كانا قد افترقا عنه ولما يصح بعد لم يجز أن ~~يصح بالافتراق فيكون الموجب لصحته هو الموجب لبطلانه ويدل على نفي خيار ~~المجلس # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # فأحل له المال بطيبة من نفسه وقد وجد ذلك بعقد البيع فوجب بمقتضى الخبر ~~أن يحل له ودلالة الخبر على ذلك كدلالة قوله تعالى إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم ويدل عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري ~~فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري فأباح بيعه إذا جرى فيه الصاعان ولم ~~يشرط فيه الافتراق فوجب ذلك أن يجوز بيعه إذا اكتاله من بائعه في المجلس ~~الذي تعاقدا فيه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه # فلما أجاز بيعه بعد القبض ولم يشرط فيه الافتراق فوجب بقضية الخبر أنه ~~إذا قبضه في المجلس أن يجوز بيعه وذلك ينفي خيار البائع لأن ما للبائع فيه ~~خيار لا يجوز تصرف المشتري فيه ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن ~~يشترط المبتاع ومن باع نخلا وله ثمرة فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع # فجعل الثمرة ومال العبد للمشتري بالشرط من غير ذكر التفريق ومحال أن ~~يملكها المشتري قبل مالك الأصل المعقود عليه فدل ذلك على وقوع الملك ~~للمشتري بنفس العقد ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة لن ms1170 يجزي ولد والده إلا أن ~~يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه # واتفق الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى استئناف عتق بعد الشرى وأنه متى صح ~~له الملك عتق عليه فالنبي صلى الله عليه وسلم أوجب عتقه بالشرى من غير شرط ~~الفرقة ويدل عليه من جهة النظر أن المجلس قد يطول ويقصر فلو عقلنا وقوع ~~الملك على خيار المجلس لأوجب بطلانه # PageV03P136 # لجهالة مدة الخيار الذي علق عليه وقوع الملك ألا ترى أنه لو باعه بيعا ~~باتا وشرطا الخيار لهما بمقدار قعود فلان في مجلسه كان البيع باطلا لجهالة ~~مدة الخيار الذي تعلقت عليه صحة العقد واحتج القائلون بخيار المجلس بما # روي عن ابن عمرو أبى برزة وحكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا # وروي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تبايع ~~المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بائعه ما لم يفترقا # أو يكون بيعهما عن خيار فإذا كان عن خيار فقد وجب وكان ابن عمر إذا بايع ~~الرجل ولم يخيره وأراد ألا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع فاحتج القائلون ~~بهذه المقالة بظاهر # قوله المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا # وابن عمر هو راوي الحديث وقد عقل من مراد النبي صلى الله عليه وسلم فرقة ~~الأبدان قال أبو بكر فأما ما روي من فعل ابن عمر فلا دلالة فيه على أنه من ~~مذهبه لأنه جائز أن يكون خاف أن يكون بائعه ممن يرى الخيار في المجلس فيحذر ~~منه بذلك حذرا مما لحقه في البراءة من العيوب حتى خوصم إلى عثمان فحمله على ~~خلاف رأيه ولم يجز البراءة إلا أن يبينه لمبتاعه وقد روي عن ابن عمر ما يدل ~~على موافقته وهو ما روى ابن شهاب عن حمزة ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال ~~ما أدركت الصفقة حيا فهو من مال المبتاع وهذا يدل على أنه كان يرى أن ~~المبيع كان يدخل من ملك المشترى ms1171 بالصفقة ويخرج من ملك البائع وذلك ينفى ~~الخيار # قوله صلى الله عليه وسلم المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا وفي بعض ~~الألفاظ البائعان بالخيار ما لم يفترقا # فإن حقيقته تقتضي حال التبايع وهي حال السوم فإذا أبر ما البيع وتراضيا ~~فقد وقع البيع فليسا متبايعين في هذه الحال في الحقيقة كما أن المتضاربين ~~والمتقايلين إنما يلحقهما هذا الاسم في حال التضارب والتقايل وبعد انقضاء ~~الفعل لا يسميان به على الإطلاق وإنما يقال كان متقايلين ومتضاربين وإذا ~~كانت حقيقة معنى اللفظ ما وصفنا لم يصح الاستدلال في موضع الخلاف به فإن ~~قيل هذا التأويل يؤدى إلى إسقاط فائدة الخبر لأنه غير مشكل على أحد أن ~~المتساومين قبل وجود التراضي بالعقد على خيارهما في إيقاع العقد أو تركه ~~قيل له بل فيه أعظم الفوائد وهو أنه قد كان جائزا أن يظن ظان أن البائع إذا ~~قال للمشتري قد بعتك أن لا يكون له رجوع فيه قبل قبول المشتري كالعتق على ~~مال والخلع على مال أنه ليس للمولى ولا للزوج الرجوع فيه قبل قبول العبد ~~والمرأة فأبان النبي صلى الله عليه وسلم حكم البيع في إثبات الخيار لكل ~~واحد منهما في الرجوع قبل قبول الآخر وأنه مفارق للعتق والخلع # PageV03P137 # فإن قيل كيف يجوز أن يسمى المتساومان متبايعين قبل وقوع العقد بينهما قيل ~~له ذلك جائز إذا قصدا إلى البيع بإظهار السوم فيه كما نسمي القاصدين إلى ~~القتل متقاتلين وإن لم يقع منهما قتل بعد وكما قيل لولد إبراهيم عليه ~~السلام المأمور بذبحه الذبيح لقربه من الذبح وإن لم يذبح قال تعالى فإذا ~~بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف والمعنى فيه مقاربة البلوغ ~~ألا ترى أنه قال في آية أخرى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ~~وأراد به حقيقة البلوغ فجائز على هذا أن يسمى المتساومان متبايعين إذا قصدا ~~إيقاع العقد على النحو الذي بينا والذي لا يختل على أحد أنهما بعد وقوع ~~البيع منهما لا يسميان متبايعين على الحقيقة كسائر الأفعال إذا ms1172 انقضت زال ~~عن فاعليها الأسماء المشتقة لها من أفعالهم إلا في أسماء المدح والذم على ~~ما بينا في صدر هذا الكتاب وإنما يقال كانا متبايعين وكانا متقابلين وكانا ~~متضاربين ويدل على أن هذا الاسم ليس بحقيقة لهما بعد إيقاع العقد أنه قد ~~يصح منهما الإقالة والفسخ بعد العقد وهما في الحقيقة متقابلان في حال فعل ~~الإقالة وغير جائز أن يكونا متقابلين متفاسخين ومتبايعين في حال واحدة فدل ~~ذلك على أن إطلاق اسم المتبايعين عليهما إنما يتناول حال السوم وإيقاع ~~العقد حقيقة وأن هذا الاسم إنما يلحقهما بعد انقضاء العقد على معنى أنهما ~~كانا متبايعين وذلك مجاز وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على الحقيقة وهي حال ~~التبايع وهو أن يقول قد بعتك فأطلق اسم البيع من قبل نفسه قبل قبول الآخر ~~فهذه هي الحال التي هما متبايعان فيها وهي حال ثبوت الخيار لكل واحد منهما ~~فللبائع الخيار في الفسخ قبل قبول الآخر وللمشتري الخيار في القبول قبل ~~الافتراق ويدلك على أن المراد هذه الحال قوله المتبايعان وإنما البائع ~~أحدهما وهو صاحب السلعة فكأنه قال إذا قال البائع قد بعت فهما بالخيار قبل ~~الافتراق لأنه معلوم أن المشتري ليس ببائع فثبت أن المراد إذا باع البائع ~~قبل قبول المشتري وقد اختلف الفقهاء في تأويل # قوله صلى الله عليه وسلم المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا # فروي عن محمد بن الحسن أن معناه إذا قال البائع قد بعتك فله أن يرجع ما ~~لم يقل المشتري قبلت قال وهو قول أبي حنيفة وعن أبى يوسف هما المتساومان ~~فإذا قال بعتك بعشرة فللمشتري خيار القبول في المجلس وللبائع خيار الرجوع ~~فيه قبل قبول المشتري ومتى قام أحدهما قبل قبول البيع بطل الخيار الذي كان ~~لهما ولم تكن لواحد منهما # PageV03P138 # إجازته فحمله محمد على الافتراق بالقول وذلك سائغ قال الله تعالى وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ويقال تشاور القوم في ~~كذا فافترقوا عن كذا يراد به الاجتماع على قول والرضى ms1173 به وإن كانوا مجتمعين ~~في المجلس ويدل على أن المراد الافتراق بالقول # ما حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة قال ~~حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المتبايعان بالخيار ما لم ~~يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقبله # وقوله المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا # هو على الافتراق بالقول ألا ترى أنه قال ولا يحل له أن يفارقه خشية أن ~~يستقيله وهذا هو افتراق الأبدان بعد الافتراق بالقول وصحة وقوع العقد به ~~والاستقالة هو مسألته الإقالة وهذا يدل من وجهين على نفي الخيار بعد وقوع ~~العقد أحدهما أنه لو كان له خيار المجلس لما احتاج إلى أن يسأله الإقالة بل ~~كان هو يفسخه بحق الخيار الذي له فيه والثاني أن الإقالة لا تكون إلا بعد ~~صحة العقد وحصول ملك كل واحد منهما فيما عقد عليه من قبل صاحبه فهذا يدل ~~على نفي الخيار وصحة البيع # وقوله ولا يحل له أن يفارقه # يدل على أنه مندوب إلى إقالته إذا سأله إياها ماداما في المجلس مكروه له ~~أن لا يجيبه إليها وأن حكمه في ذلك بعد الافتراق مخالف له إذا لم يفارقه في ~~أنه لا يكره له ترك إجابته إلى الإقالة بعد الفرقة ويكره له قبلها ويدل ~~عليه ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن أحمد الأزدي قال حدثنا ~~إسماعيل بن عبد الله بن زرارة قال حدثنا هشيم عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ~~ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان لا بيع بينهما إلا ~~أن يفترقا إلا بيع الخيار # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا القعنبي ~~قال حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال ~~قال رسول ms1174 الله صلى الله عليه وسلم كل بيعين لا بيع بينهما حتى يفترقا # فأخبر صلى الله عليه وسلم كل بيعين لا بيع بينهما إلا بعد الافتراق وهذا ~~يدل على أنه أراد بنفيه البيع بينهما في حال السوم وذلك لأنهما لو كانا قد ~~تبايعا لم ينف النبي صلى الله عليه وسلم تبايعهما مع صحة العقد وقوعه فيما ~~بينهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينفي ما قد أثبت فعلمنا أن المراد ~~المتساومان اللذان قد قصدا إلى التبايع وأوجب البائع البيع للمشتري إلى ~~شرائه منه بأن قال له بعني فنفى أن يكون بينهما بيع حتى يفترقا بالقول ~~والقبول إذا لم يكن قوله بعني قبولا # PageV03P139 # للعقد ولا من ألفاظ البيع وإنما هو أمر به فإذا قال قد قبلت وقع البيع ~~فهذا هو الافتراق الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم على القول الذي ~~قدمنا ذكر نظائره في إطلاق ذلك في اللسان فإن قيل ما أنكرت أن يكون مراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن نفيه البيع حال إيقاع البيع بالإيجاب والقبول ~~وإنما نفى أن يكون بينهما بيع لما لهما فيه من خيار المجلس قيل له هذا غلط ~~من قبل أن ثبوت الخيار لا يوجب نفي اسم البيع عنه ألا ترى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أثبت بينهما البيع إذا شرطا فيه الخيار بعد الافتراق ولم ~~يكن ثبوت الخيار فيه موجبا لنفي اسم البيع عنه لأنه قال كل بيعين فلا بيع ~~بينهما حتى يفترقا إلا بيع الخيار فجعل بيع الخيار بيعا فلو أراد بقوله كل ~~بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا حال وقوع الإيجاب والقبول لما نفى البيع ~~بينهما لأجل خيار المجلس كما لم ينفه إذا كان فيه خيار مشروط بل أثبته ~~وجعله بيعا فدل ذلك على أن قوله كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا إنما ~~أراد به المتساومين في البيع وأفاد ذلك أن قوله اشتر مني أو قول المشتري ~~بعني ليس ببيع حتى يفترقا بأن يقول البائع قد بعت ويقول ms1175 المشترى قد اشتريت ~~فيكون قد افترقا وتم البيع ووجب أن لا يكون فيه خيار مشروط فيكون ذلك بيعا ~~وإن لم يفترقا بأبدانهما بعد حصول الافتراق فيهما بالإيجاب والقبول وأكثر ~~أحوال ما روي من قوله المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا احتماله لما وصفنا ~~ولما قال مخالفنا وغير جائز الاعتراض على ظاهر القرآن بالاحتمال بل الواجب ~~حمل الحديث على موافقة القرآن ولا يحمل على ما يخالفه ويدل من جهة النظر ~~على ما وصفنا اتفاق الجميع على أن النكاح والخلع والعتق على مال والصلح من ~~دم العمد إذا تعاقداه بينهما صح بالإيجاب والقبول من غير خيار يثبت لواحد ~~منهما والمعنى فيه الإيجاب والقبول فيما يصح العقد عليه من غير خيار مشروط ~~وقوله عز وجل ولا تقتلوا أنفسكم قال عطاء والسدي لا يقتل بعضكم بعضا قال ~~أبو بكر هو نظير قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم ~~فيه # ومعناه يقتلوا بعضكم وتقول العرب قتلنا ورب الكعبة إذا قتل بعضهم وقيل ~~إنما حسن ذلك لأنهم أهل دين واحد فهم كالنفس الواحدة فلذلك قال ولا تقتلوا ~~أنفسكم وأراد قتل بعضكم بعضا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المؤمنين كالنفس الواحدة إذا ألم ~~بعضه تداعى سائره بالحمى والسهر # وقال المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا # فكان تقديره ولا يقتل بعضكم بعضا في أكل أموالكم بالباطل ولا غيره مما هو ~~محرم # PageV03P140 # عليكم وهو كقوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ويحتمل ولا ~~تقتلوا أنفسكم في طلب المال وذلك بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف ~~ويحتمل ولا تقتلوا أنفسكم في حال غضب أو ضجر وجائز أن تكون هذه المعاني ~~كلها مرادة لاحتمال اللفظ لها # وقوله تعالى ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا فإنه قيل فيما ~~عاد إليه هذا الوعيد وجوه أحدها أنه عائد على أكل المال بالباطل وقتل النفس ~~بغير حق فيستحق الوعيد بكل واحدة من الخصلتين وقال عطاء في قتل النفس ~~المحرمة خاصة وقيل إنه عائد على فعل كل ms1176 ما نهي عنه من أول السورة وقيل من ~~عند قوله يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها لأن ما قبله ~~مقرون بالوعيد والأظهر عوده إلى ما يليه من أكل المال بالباطل وقتل النفس ~~المحرمة وقيد الوعيد بقوله عدوانا وظلما ليخرج منه فعل السهو والغلط وما ~~كان طريقه الاجتهاد في الأحكام إلى حد التعمد والعصيان وذكر الظلم والعدوان ~~مع تقارب معانيهما لأنه يحسن مع اختلاف اللفظ كقول عدي ابن زيد: # وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا # والكذب هو المين وحسن العطف لاختلاف اللفظين وكقول بشر بن حازم: # فما وطئ الحصى مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها # والاحتذاء هو لبس النعل وكما تقول بعدا وسحقا ومعناهما واحد وحسن لاختلاف ~~اللفظ والله أعلم. ### | باب النهي عن التمني # قال الله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض روى سفيان عن ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة قالت قلت يا رسول الله يغزوا الرجال ولا ~~تغزوا النساء ويذكر الرجال ولا تذكر النساء فأنزل الله تعالى ولا تتمنوا ما ~~فضل الله به بعضكم على بعض الآية ونزلت إن المسلمين والمسلمات وروى قتادة ~~عن الحسن قال لا يتمن أحد المال وما يدريه لعل هلاكه في ذلك المال وقال ~~سعيد عن قتادة في قوله ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض قال كان ~~أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون ~~فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه وجعل للذكر مثل حظ # PageV03P141 # الأنثيين قال النساء لو كان أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال وقال ~~الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ~~فأنزل الله تعالى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن يقول ~~المرأة تجزى بحسناتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل قال وسئلوا الله من فضله ~~إن الله كان بكل شيء عليما ونهى الله عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض ~~لأن الله ms1177 تعالى لو علم أن المصلحة له في إعطائه ما أعطى الآخر لفعل ولأنه ~~لا يمنع من بخل ولا عدم وإنما يمنع ليعطي ما هو أكثر منه وقد تضمن ذلك ~~النهي عن الحسد وهو تمني زوال النعمة عن غيره إليه وهو مثل ما # روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخطب الرجل على ~~خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في ~~صحفتها فإن الله هو رازقها # فنهى صلى الله عليه وسلم أن يخطب على خطبة أخيه إذا كانت قد ركنت إليه ~~ورضيت به وأن يسوم على سومه كذلك فما ظنك بمن يتمنى أن يجعل له ما قد صار ~~لغيره وملكه وقال لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها يعني أن ~~تسعى في إسقاط حقها وتحصيله لنفسها # وروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل ~~والنهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار # قال أبو بكر والتمني على وجهين أحدهما أن يتمنى الرجل أن تزول نعمة غيره ~~عنه فهذا الحسد وهو التمني المنهي عنه والآخر أن يتمنى أن يكون له مثل ما ~~لغيره من غير أن يريد زوال النعمة عن غيره فهذا غير محظور إذا قصد به وجه ~~المصلحة وما يجوز في الحكمة ومن التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل ~~وقوعه مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلا أو تتمنى حال الخلافة والإمامة ~~ونحوها من الأمور التي قد علم أنها لا تكون ولا تقع وقوله تعالى للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن قيل فيه وجوه أحدها أن لكل واحد ~~حظا من الثواب قد عرض له بحسن التدبير في أمره ولطف له فيه حتى استحقه وبلغ ~~علو المنزلة به فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير فإن لكل منهم حظه ونصيبه غير ~~مبخوس ms1178 ولا منقوص والآخر أن لكل أحد جزاء ما اكتسب فلا يضيعه بتمني ما لغيره ~~محبطا لعمله وقيل فيه إن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من ~~نعم الدنيا فعليه أن يرضى بما قسم الله له وقوله تعالى وسئلوا الله من فضله ~~قيل # PageV03P142 # فيه إن معناه إن احتجتم إلى ما لغيركم فسلوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من ~~فضله لا بأن تتمنوا ما لغيركم إلا أن هذه المسألة تعنى أن تكون معقودة ~~بشريطة المصلحة والله تعالى أعلم بالصواب. ### | باب العصبة # قال الله تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون قال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة الموالي هاهنا العصبة وقال السدي الموالي الورثة وقيل ~~إن أصل المولى من ولي الشيء يليه وهو اتصال الولاية في التصرف قال أبو بكر ~~المولى لفظ مشترك ينصرف على وجوه فالمولى المعتق لأنه ولي نعمة في عتقه ~~ولذلك سمي مولى النعمة والمولى العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه به في ~~إنعامه عليه وهذا كما يسمى الطالب غريما لأن له اللزوم والمطالبة بحقه ~~ويسمى المطلوب غريما لتوجه المطالبة عليه وللزوم الدين إياه والمولى العصبة ~~والمولى الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين والمولى ابن العم لأنه ~~يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما والمولى الولي لأنه يلي بالنصرة وقال ~~تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم أى يلم ~~بالنصرة للكافرين يعتد بنصرته ويروى للفضل بن العباس. # مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تظهرن لنا ما كان مدفونا # فسمى بني العم موالي والمولى مالك العبد لأنه يليه بالملك والتصرف ~~والولاية والنصر والحماية فاسم المولى ينصرف على هذه الوجوه وهو اسم مشترك ~~لا يصح اعتبار عمومه ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى لمواليه وله موال أعلى ~~وموال أسفل إن الوصية باطلة لامتناع دخولهما تحت اللفظ في حال واحدة وليس ~~أحدهما بأولى من الآخر فبطلت الوصية وأولى الأشياء بمعنى المولى هاهنا ~~العصبة لما # روى إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ms1179 صلى ~~الله عليه وسلم أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ~~ومن ترك كلا أو ضياعا فأنا وليه # وروى معمر عن ابن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اقسموا المال بين أهل الفرائض فما أبقت السهام فلا ولى رجل ذكر # وروى فلا ولى عصبة ذكر وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تسمية ~~الموالي عصبة # وقوله فلا ولى عصبة ذكر # ما يدل على أن المراد بقوله ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان # PageV03P143 # والأقربون # هم العصبات ولا خلاف بين الفقهاء أن ما فضل عن سهام ذوي السهام فهو لأقرب ~~العصبات إلى الميت والعصبات هم الرجال الذين تتصل قرابتهم إلى الميت ~~بالبنين والآباء مثل الجد والإخوة من الأب والأعمام وأبنائهم وكذلك من بعد ~~منهم بعد أن يكون الذي يصل بينهم البنون والآباء إلا الأخوات فإنهن عصبة مع ~~البنات خاصة وإنما يرث من العصبات الأقرب فالأقرب ولا ميراث للأبعد مع ~~الأقرب ولا خلاف أن من لا يتصل نسبه بالميت إلا من قبل النساء أنه ليس ~~بعصبة ومولى العتاقة عصبة للعبد المعتق ولا ولادة وكذلك أولاد المعتق ~~الذكور منهم يكونون عصبة للعبد المعتق إذا مات أبوهم ويصير ولاؤه لهم دون ~~الإناث من ولده ولا يكون أحد من النساء عصبة بالولاء إلا ما أعتقت أو أعتق ~~من أعتقت وإنما صار مولى العتاقة عصبة بالسنة ويجوز أن يكون مرادا بقوله ~~تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون إذ كان عصبة ويعقل عنه ~~كما يعقل عنه بنو أعمامه فإن قيل الميت ليس هو من أقرباء مولى العتاقة ولا ~~من والديه قيل له إذا كان معه وارث من ذوي نسبة من الميت نحو البنت والأخت ~~جاز دخوله معهم في هذه الفريضة فيستحق بأصل السهام وإن لم يكن هو من أقرباء ~~الميت إذ كان في الورثة ممن يجوز أن يقال فيه إنه مما ترك الوالدان ~~والأقربون فيكون بعض الورثة قد ورث الوالدين والأقربين واختلف أهل العلم في ms1180 ~~ميراث الولي الأسفل من الأعلى فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ~~والثوري والشافعي وسائر أهل العلم لا يرث المولى الأسفل من المولى الأعلى ~~وحكى أبو جعفر الطحاوي عن الحسن بن زياد قال يرث المولى الأسفل من الأعلى ~~وذهب فيه إلى # حديث رواه حماد بن سلمة وحماد بن زيد ووهب بن خالد ومحمد بن مسلم الطائفي ~~عن عمرو بن دينار عن عوسجة مولى ابن عباس عن ابن عباس أن رجلا أعتق عبدا له ~~فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه ~~للغلام المعتق # قال أبو جعفر وليس لهذا الحديث معارض فوجب إثبات حكمه قال أبو بكر يجوز ~~أن يكون دفعه إليه لا على وجه الميراث لكنه لحاجته وفقره لأنه كان مالا لا ~~وارث له فسبيله أن يصرف إلى ذوي الحاجة والفقراء فإن قيل لما كانت الأسباب ~~التي يجب بها الميراث هي الولاء والنسب والنكاح وكان ذوو الأنساب يتوارثون ~~وكذلك الزوجان وجب أن يكون # PageV03P144 # الولاء من حيث أوجب الميراث للأعلى من الأسفل أن يوجبه للأسفل من الأعلى ~~قال أبو بكر هذا غير واجب لأنا قد وجدنا في ذوي الأنساب من يرث غيره ولا ~~يرثه هو إذا مات لأن امرأة لو تركت أختا أو ابنة وابن أخيها كان للبنت ~~النصف والباقي لابن الأخ ولو كان مكانها مات ابن الأخ وخلف بنتا أو أختا ~~وعمته لم ترث العمة شيئا فقد ورثها ابن الأخ في الحال التي لا ترثه هي ~~والله تعالى أعلم بالصواب. ### | باب ولاء الموالاة # قال الله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم روى طلحة بن مصرف عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم قال ~~كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى الله بينهم فلما ~~نزلت ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون نسخت ثم قرأ والذين عقدت ~~أيمانكم فآتوهم نصيبهم قال من النصر والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث ~~وروى علي بن أبي طلحة ms1181 عن ابن عباس والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم قال ~~كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر فأنزل الله تعالى وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليائكم معروفا يقول إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا لهم ~~وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت فذلك المعروف وروى أبو بشر عن سعيد بن ~~جبير في قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم قال كان الرجل يعاقد ~~الرجل في الجاهلية فيموت فيرثه فعاقد أبو بكر رجلا فمات فورثه وقال سعيد بن ~~المسيب هذا في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثونهم فأنزل الله فيهم أن يجعل ~~لهم من الوصية ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة قال أبو بكر ~~قد ثبت بما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان حكما ثابتا في الإسلام وهو ~~الميراث بالمعاقدة والموالاة ثم قال قائلون إنه منسوخ بقوله وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وقال آخرون ليس بمنسوخ من الأصل ولكنه جعل ~~ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات وهو ~~باق لهم إذا فقد الأقرباء على الأصل الذي كان عليه واختلف الفقهاء في ميراث ~~موالي الموالاة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر من أسلم على يدي رجل ~~ووالاه وعاقده ثم مات ولا وراث له «10- أحكام لث» # PageV03P145 # غيره فميراثه له وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي ميراثه ~~للمسلمين وقال يحيى بن سعيد إذا جاء من أرض العدو فأسلم على يده فإن ولاءه ~~لمن والاه ومن أسلم من أهل الذمة على يدي رجل من المسلمين فولاؤه للمسلمين ~~عامة وقال الليث ابن سعد من أسلم على يدي رجل فقد والاه وميراثه للذي أسلم ~~على يده إذا لم يدع وارثا غيره قال أبو بكر الآية توجب الميراث للذي والاه ~~وعاقده على الوجه الذي ذهب إليه أصحابنا لأنه كان حكما ثابتا في أول ~~الإسلام وحكم الله به في نص التنزيل ثم قال وأولوا الأرحام بعضهم ms1182 أولى ببعض ~~في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين فجعل ذوى الأرحام أولى بالمعاقدين ~~الموالي فمتى فقد ذوو الأرحام وجب ميراثهم بقضية الآية إذ كانت إنما نقلت ~~ما كان لهم إلى ذوي الأرحام إذا وجدوا فليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب ~~نسخها فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي ~~الأرحام وقد ورد الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم بثبوت هذا الحكم وبقائه ~~عند عدم ذوي الأرحام وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا يزيد بن خالد الرملي ~~وهشام بن عمار الدمشقي قال حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر قال ~~سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة ابن ذؤيب عن تميم ~~الداري أنه قال يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يد الرجل من ~~المسلمين قال هو أولى الناس بمحياه ومماته # فقوله هو أولى الناس بمماته # يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في ~~الميراث وهو في معنى قوله تعالى ولكل جعلنا موالي يعني ورثة وقد روي نحو ~~قول أصحابنا في عن عمرو ابن مسعود والحسن وإبراهيم وروى معمر عن الزهري أنه ~~سئل عن رجل أسلم فوالى رجلا هل بذلك بأس قال لا بأس به قد أجاز ذلك عمر بن ~~الخطاب وروى قتادة عن سعيد بن المسيب قال من أسلم على يدي قوم ضمنوا جرائره ~~وحل لهم ميراثه وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إذا أسلم الكافر على يدي رجل ~~مسلم بأرض العدو أو بأرض المسلمين فميراثه للذي أسلم على يديه # وقد روى أبو عاصم النبيل عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال كتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقوله وقال لا يتولى مولى قوم إلا ~~بإذنهم # وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما جواز الموالاة لأنه قال إلا بإذنهم ~~فأجاز الموالاة بإذنهم # PageV03P146 # والثاني أن له أن يتحول بولاية ms1183 إلى غيره إلا أنه كرهه إلا بإذن الأولين ~~ولا يجوز أن يكون مراده عليه السلام في ذلك إلا في ولاء الموالاة لأنه لا ~~خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه # وقال صلى الله عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب # فإن احتج محتج بما # حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا محمد بن بشر وابن نمير وأبو أسامة عن زكريا عن سعد بن إبراهيم عن ~~أبيه عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حلف في ~~الإسلام وإنما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة # قال فهذا يوجب بطلان حلف الإسلام ومنع التوارث به قيل له يحتمل أن يريد ~~به نفي الحلف في الإسلام على الوجه الذي كانوا يتحالفون عليه في الجاهلية ~~وذلك لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده فيقول هدمي هدمك ودمي دمك وترثني ~~وأرثك وكان في هذا الحلف أشياء قد حظرها الإسلام وهو أنه كان يشرط أن يحامي ~~عليه ويبذل دمه دونه ويهدم ما يهدمه فينصره على الحق والباطل وقد أبطلت ~~الشريعة هذا الحلف وأوجبت معونة المظلوم على الظالم حتى يتنصف منه وأن لا ~~يلتفت إلى قرابة ولا غيرها قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا فأمر الله تعالى ~~بالعدل والقسط في الأجانب والأقارب وأمر بالتسوية بين الجميع في حكم الله ~~تعالى فأبطل ما كان عليه أمر الجاهلية من معونة القريب والحليف على غيره ~~ظالما كان أو مظلوما وكذلك # قال صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله ~~هذا يعينه مظلوما فكيف يعينه ظالما قال أن ترده عن الظلم # فذلك معونة منك له وكان في حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه فنفى ~~النبي صلى الله عليه وسلم # بقوله لا حلف في ms1184 الإسلام # التحالف على النصرة والمحاماة من غير نظر في دين أو حكم وأمر باتباع ~~أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على نفسه ونفى أيضا أن يكون الحليف أولى ~~بالميراث من الأقارب فهذا معنى # قوله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام # وأما # قوله وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة # فإنه يحتمل أن الإسلام من زاد شدة وتغليظا في المنع منه وإبطاله فكأنه ~~قال إذا لم يجز الحلف في الإسلام مع ما فيه من تناصر المسلمين وتعاونهم ~~فحلف الجاهلية أبعد من ذلك قال أبو بكر وعلى نحو ما ذكرنا من التوارث ~~بالموالاة قال أصحابنا # PageV03P147 # فيمن أوصى بجميع ماله ولا وراث له إنه جائز وقد بينا ذلك فيما سلف وذلك ~~لأنه لما جاز له أن يجعل ميراثه لغيره بعقد الموالاة ويزويه عن بيت المال ~~جاز له أن يجعله لمن شاء بعد موته بالوصية إذ كانت الموالاة إنما تثبت ~~بينهما بعقده وإيجابه وله أن ينتقل بولائه ما لم يعقل عنه فأشبهت الوصية ~~التي تثبت بقوله وإيجابه ومتى شاء رجع فيها إلا أنها تخالف الوصية من وجه ~~وهو أنه وإن كان يأخذه بقوله فإنه يأخذه على وجه الميراث ألا ترى أنه لو ~~ترك الميت ذا رحم كان أولى بالميراث من ولى الموالاة ولم يكن في الثلث ~~بمنزلة من أوصى لرجل بماله فيجوز له منه الثلث بل لا يعطى شيئا إذا كان له ~~وارث من قرابة أو ولاء عتاقة فولاء الموالاة يشبه الوصية بالمال من وجه إذا ~~لم يكن له وارث ويفارقها من وجه على نحو ما بينا والله أعلم. ### | باب ما يجب على المرأة من طاعة زوجها # قال الله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ~~وبما أنفقوا من أموالهم # روى يونس عن الحسن أن رجلا جرح امرأته فأتى أخوها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم القصاص فأنزل الله تعالى الرجال ~~قوامون على النساء الآية فقال صلى الله ms1185 عليه وسلم أردنا أمرا وأراد الله ~~غيره # وروى جرير بن حازم عن الحسن قال لطم رجل امرأته فاستعدت عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم عليكم القصاص فأنزل الله ولا ~~تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ثم أنزل الله تعالى الرجال قوامون ~~على النساء # قال أبو بكر الحديث الأول يدل على أن لا قصاص بين الرجال والنساء فيما ~~دون النفس وكذلك روي عن الزهري والحديث الثاني جائز أن يكون لطمها لأنها ~~نشزت عليه وقد أباح الله تعالى ضربها عند النشوز بقوله واللاتي تخافون ~~نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن قيل لو كان ضربه إياها ~~لأجل النشوز لما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم القصاص قيل له إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما قال ذلك قبل نزول هذه الآية التي فيها إباحة الضرب عند ~~النشوز لأن قوله تعالى الرجال قوامون على النساء- إلى قوله- واضربوهن نزل ~~بعد فلم يوجب عليهم بعد نزول الآية شيئا فتضمن قوله الرجال قوامون على ~~النساء قيامهم عليهن بالتأديب والتدبير والحفظ والصيانة لما فضل الله به ~~الرجل على المرأة في العقل والرأي وبما ألزمه الله تعالى من الإنفاق عليها ~~فدلت الآية على معان أحدها # PageV03P148 # تفضيل الرجل على المرأة في المنزلة وأنه هو الذي يقوم بتدبيرها وتأديبها ~~وهذا يدل على أن له إمساكها في بيته ومنعها من الخروج وأن عليها طاعته ~~وقبول أمره ما لم تكن معصية ودلت على وجوب نفقتها عليه بقوله وبما أنفقوا ~~من أموالهم وهو نظير قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقوله ~~تعالى لينفق ذو سعة من سعته # وقول النبي صلى الله عليه وسلم ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف # وقوله تعالى وبما أنفقوا من أموالهم منتظم للمهر والنفقة لأنهما جميعا ~~مما يلزم الزوج لها قوله تعالى فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ~~يدل على أن في النساء الصالحات وقوله قانتات روي عن قتادة مطيعات لله تعالى ~~ولأزواجهن وأصل القنوت مداومة الطاعة ومنه القنوت في الوتر لطول ms1186 القيام ~~وقوله حافظات للغيب بما حفظ الله قال عطاء وقتادة حافظات لما غاب عنه ~~أزواجهن من ماله وما يجب من رعاية حاله وما يلزم من صيانة نفسها له قال ~~عطاء في قوله بما حفظ الله أي بما حفظهن الله في مهورهن وإلزام الزوج من ~~النفقة عليهن وقال آخرون بما حفظ الله إنهن إنما صرن صالحات قانتات حافظات ~~بحفظ الله إياهن من معاصيه وتوفيقه وما أمدهن به من ألطافه ومعونته # وروى أبو معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا ~~غبت عنها خلفتك في مالك ونفسها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال ~~قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض # الآية والله الموافق. ### | باب النهي عن النشوز # قال الله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن قيل في معنى ~~تخافون معنيان أحدهما يعلمون لأن خوف الشيء إنما يكون للعلم بموقعه فجاز أن ~~يوضع مكان يعلم يخاف كما قال أبو محجن الثقفي: # ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها # ويكون خفت بمعنى ظننت وقد ذكره الفراء وقال محمد بن كعب هو الخوف الذي هو ~~خلاف الأمن كأنه قيل تخافون نشوزهن بعلمكم بالحال المؤذنة به وأما النشوز ~~فإن ابن عباس وعطاء والسدي قالوا أراد به معصية الزوج فيما يلزمه من طاعته ~~وأصل النشوز الترفع على الزوج بمخالفته مأخوذ من نشز الأرض وهو الموضع ~~المرتفع منها وقوله # PageV03P149 # تعالى فعظوهن يعني خوفوهن بالله وبعقابه وقوله تعالى واهجروهن في المضاجع ~~قال ابن عباس وعكرمة والضحاك والسدي هجر الكلام وقال سعيد بن جبير هجر ~~الجماع وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم هجر المضاجعة وقوله واضربوهن قال ابن ~~عباس إذا أطاعته في المضجع فليس له أن يضربها وقال مجاهد إذا نشزت عن فراشه ~~يقول لها اتقي الله وارجعي # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي وعثمان بن ms1187 أبي شيبة وغيرهما قالوا حدثنا حاتم بن إسماعيل قال حدثنا ~~جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~خطب بعرفات في بطن الوادي فقال اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة ~~الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ~~تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف # وروى ابن جريح عن عطاء قال الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه # وقال سعيد عن قتادة ضربا غير شائن ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم قال مثل المرأة مثل الضلع متى ترد إقامتها تكسرها ولكن دعها تستمتع ~~بها # وقال الحسن [فاضربوهن] قال ضربا غير مبرح وغير مؤثر وحدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال حدثنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله فعظوهن واهجروهن في المضاجع قالا إذا ~~خاف نشوزها وعظها فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع فإن قبلت وإلا ضربها ضربا ~~غير مبرح ثم قال فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا قال لا تعللوا عليهن ~~بالذنوب. ### | باب الحكمين كيف يعملان # قال الله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها وقد اختلف في المخاطبين بهذه الآية من هم فروي عن سعيد بن جبير ~~والضحاك أنه السلطان الذي يترافعان إليه وقال السدي الرجل والمرأة قال أبو ~~بكر قوله واللاتي تخافون نشوزهن هو خطاب للأزواج لما في نسق الآية من ~~الدلالة عليه وهو قوله واهجروهن في المضاجع وقوله وإن خفتم شقاق بينهما ~~الأولى أن يكون خطابا للحاكم الناظر بين الخصمين والمانع من التعدي والظلم ~~وذلك لأنه قد بين أمر الزوج وأمره بوعظها وتخويفها بالله ثم بهجرانها في ~~المضجع إن لم تنزجر ثم بضربها إن أقامت على نشوزها # PageV03P150 # ثم لم يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من ~~الظالم ويتوجه حكمه عليهما وروى شعبة عن عمرو بن ms1188 مرة قال سألت سعيد بن جبير ~~عن الحكمين فغضب وقال ما ولدت إذ ذاك فقلت إنما أعني حكمي شقاق قال إذا كان ~~بين الرجل وامرأته درء وتدارؤ بعثوا حكمين فأقبلا على الذي جاء التدارؤ من ~~قبله فوعظاه فإن أطاعهما وإلا أقبلا على الآخر فإن سمع منهما وأقبل إلى ~~الذي يريدان وإلا حكما بينها فما حكما من شيء فهو جائز وروى عبد الوهاب قال ~~حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير في المختلعة يعظها فإن انتهت وإلا هجرها وإلا ~~ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان فيبعث حكما من أهلها وحكما من ~~أهله فيقول الحكم الذي من أهلها يفعل كذا ويفعل كذا ويقول الحكم الذي من ~~أهله تفعل به كذا وتفعل به كذا فأيهما كان أظلم رده إلى السلطان وأخذ فوق ~~يده وإن كانت ناشزا أمروه أن يخلع قال أبو بكر وهذا نظير العنين والمجبوب ~~والإيلاء في باب أن الحاكم هو الذي يتولى النظر في ذلك والفصل بينهما بما ~~يوجبه حكم الله فإذا اختلفا وادعى النشوز وادعت هي عليه ظلمه وتقصيره في ~~حقوقها حينئذ بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ليتوليا النظر فيما ~~بينهما ويردا إلى الحاكم ما يقفان عليه من أمرهما وإنما أمر الله تعالى بأن ~~يكون أحد الحكمين من أهلها والآخر من أهله لئلا تسبق الظنة إذا كانا ~~أجنبيين بالميل إلى أحدهما فإن كان أحدهما من قبله والآخر من قبلها زالت ~~الظنة وتكلم كل واحد منهما عمن هو من قبله ويدل أيضا قوله فابعثوا حكما من ~~أهله وحكما من أهلها على أن الذي من أهله وكيل له والذي من أهلها وكيل لها ~~كأنه قال فابعثوا رجلا من قبله ورجلا من قبلها فهذا يدل على بطلان قول من ~~يقول إن للحكمين أن يجمعا إن شاءا وإن شاءا فرقا بغير أمرهما وزعم إسماعيل ~~بن إسحاق أنه حكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر الحكمين قال أبو ~~بكر هذا تكذب عليهم وما أولى بالإنسان حفظ لسانه لا سيما ms1189 فيما يحكيه عن ~~العلماء قال الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # ومن علم أنه مؤاخذ بكلامه قل كلامه فيما لا يعينه وأمر الحكمين في الشقاق ~~بين الزوجين منصوص عليه في الكتاب فكيف يجوز أن يخفى عليهم مع محلهم من ~~العلم والدين والشريعة ولكن عندهم # أن الحكمين ينبغي أن يكونا وكيلين لهما أحدهما وكيل المرأة والآخر وكيل ~~الزوج وكذا روي عن # PageV03P151 # علي بن أبي طالب رضي الله عنه # وروى ابن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال أتى عليا رجل وامرأته ~~مع كل واحد منهما فئام من الناس فقال علي ما شأن هذين قالوا بينهما شقاق ~~قال فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ~~فقال علي هل تدريان ما عليكما عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا وإن ~~رأيتما أن تفرقا أن تفرقا فقالت المرأة رضيت بكتاب الله فقال الرجل أما ~~الفرقة فلا فقال علي كذبت والله لا تنفلت منى حتى تقركما أقرت # فأخبر علي أن قول الحكمين إنما يكون برضا الزوجين فقال أصحابنا ليس ~~للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج وذلك لأنه لا خلاف أن الزوج لو أقر ~~بالإساءة إليها لم يفرق بينهما ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم ~~الحكمين وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع ولا على رد ~~مهرها فإذا كان كذلك حكمها قبل بعث الحكمين فكذلك بعد بعثهما لا يجوز إيقاع ~~الطلاق من جهتهما من غير رضى الزوج وتوكيله ولا إخراج المهر عن ملكها من ~~غير رضاها فلذلك قال أصحابنا إنهما لا يجوز خلعهما إلا برضى الزوجين فقال ~~أصحابنا ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضى الزوجين لأن الحاكم لا يملك ذلك ~~فكيف يملكه الحكمان وإنما الحكمان وكيلان لهما أحدهما وكيل المرأة والآخر ~~وكيل الزوج في الخلع أو في التفريق بغير جعل إن كان الزوج قد جعل إليه ذلك ~~قال إسماعيل الوكيل ليس بحكم ولا يكون حكما إلا ويجوز أمره عليه ms1190 وإن أبى ~~وهذا غلط منه لأن ما ذكر لا ينفي معنى الوكالة لأنه لا يكون وكيلا أيضا إلا ~~ويجوز أمره عليه فيما وكل به فجواز أمر الحكمين عليهما لا يخرجهما عن حد ~~الوكالة وقد يحكم الرجلان حكما في خصومة بينهما ويكون بمنزلة الوكيل لهما ~~فيما يتصرف به عليهما فإذا حكم بشيء لزمهما بمنزلة اصطلاحهما على أن ~~الحكمين في شقاق الزوجين ليس يغادر أمرهما من معنى الوكالة شيئا وتحكيم ~~الحكم في الخصومة بين رجلين يشبه حكم الحاكم من وجه ويشبه الوكالة من الوجه ~~الذي بينا والحكمان في الشقاق إنما يتصرفان بوكالة محضة كسائر الوكالات قال ~~إسماعيل والوكيل لا يسمى حكما وليس ذلك كما ظن لأنه إنما سمى هاهنا الوكيل ~~حكما تأكيدا للوكالة التي فوضت إليه وأما قوله إن الحكمين يجوز أمرهما على ~~الزوجين وإن أبيا فليس كذلك ولا يجوز أمرهما عليهما إذا أبيا لأنهما وكيلان ~~وإنما يحتاج الحاكم أن يأمرهما بالنظر في أمرهما ويعرف # PageV03P152 # أمور المانع من الحق منهما حتى ينقلا إلى الحاكم أن ما عرفاه من أمرهما ~~فيكون قولهما مقبولا في ذلك إذا اجتمعا وينهى الظالم منهما عن ظلمه فجائز ~~أن يكونا سميا حكمين لقبول قولهما عليهما وجائز أن يكونا سميا بذلك لأنهما ~~إذا خلعا بتوكيل منهما وكان ذلك موكولا إلى رأيهما وتحريهما للصلاح سميا ~~حكمين لأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح فيما جعل إليه وإنفاذ القضاء بالحق ~~والعدل فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما وأنفذا على الزوجين حكما من جمع أو ~~تفريق مضى ما أنفذاه فسميا حكمين من هذا الوجه فلما أشبه فعلهما فعل الحاكم ~~في القضاء عليهما بما وكلا به على جهة تحرى الخير والصلاح سميا حكمين ~~ويكونان مع ذلك وكيلين لهما إذ غير جائز أن تكون لأحد ولاية على الزوجين مع ~~خلع أو طلاق إلا بأمرهما وزعم أن عليا إنما ظهر منه النكير على الزوج لأنه ~~لم يرض بكتاب الله قال ولم يأخذه بالتوكيل وإنما أخذه بعدم الرضا بكتاب ~~الله وليس هذا على ما ذكر لأن الرجل ms1191 لما قال أما الفرقة فلا # قال علي كذبت أما والله لا تنفلت مني حتى تقر كما أقرت # فإنما أنكر على الزوج ترك التوكيل بالفرقة وأمره بأن يوكل بالفرقة وما ~~قال الرجل لا أرضى بكتاب الله حتى ينكر عليه وإنما قال لا أرضى بالفرقة بعد ~~رضى المرأة بالتحكيم وفي هذا دليل على أن الفرقة عليه غير نافذة إلا بعد ~~توكيله بها قال ولما قال إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما علمنا أن ~~الحكمين يمضيان أمرهما وأنهما إن قصدا الحق وفقهما الله للصواب من الحكم ~~قال وهذا لا يقال للوكيلين لأنه يجوز لواحد منهما أن يتعدى ما أمر به والذي ~~ذكره لا ينفي معنى الوكالة لأن الوكيلين إذا كانا موكلين بما رأيا من جمع ~~أو تفريق على جهة تحري الصلاح والخير فعليهما الاجتهاد فيما يمضيانه من ذلك ~~وأخبر الله أنه يوفقهما للصلاح إن صلحت نياتهما فلا فرق بين الوكيل والحكم ~~إذ كل من فوض إليه أمر يمضيه على جهة تحري الخير والصلاح فهذه الصفة التي ~~وصفه الله بها لاحقة به قال وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وأبي سلمة وطاوس ~~وإبراهيم قالوا ما قضى به الحكمان من شيء فهو جائز وهذا عندنا كذلك أيضا ~~ولا دلالة فيه على موافقة قوله لأنهم لم يقولوا إن فعل الحكمين في التفريق ~~والخلع جائز بغير رضى الزوجين بل جائز أن يكون مذهبهم أن الحكمين لا يملكان ~~التفريق إلا برضى الزوجين بالتوكيل ولا يكونان حكمين إلا بذلك ثم ما حكما ~~بعد ذلك من شيء فهو جائز وكيف # PageV03P153 # يجوز للحكمين أن يخلعا بغير رضاه ويخرجا المال عن ملكها وقد قال الله ~~تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا وقال الله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن ~~يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به وهذا الخوف المذكور هاهنا هو المعني بقوله تعالى فابعثوا ~~حكما من أهله ms1192 وحكما من أهلها وحظر الله على الزوج أخذ شيء مما أعطاها إلا ~~على شريطة الخوف منهما ألا يقيما حدود الله فأباح حينئذ أن تفتدي بما شاءت ~~وأحل للزوج أخذه فكيف يجوز للحكمين أن يوقعا خلعا أو طلاقا من غير رضاهما ~~وقد نص الله على أنه لا يحل له أخذ شيء مما أعطى إلا بطيبة من نفسها ولا أن ~~تفتدي به فالقائل بأن للحكمين أن يخلعا بغير توكيل من الزوج مخالف لنص ~~الكتاب وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم فمنع كل أحد أن يأكل مال غيره إلا ~~برضاه وقال الله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى ~~الحكام فأخبر تعالى أن الحاكم وغيره سواء في أنه لا يملك أخذ مال أحذ ودفعه ~~إلى غيره # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وقال صلى الله عليه وسلم فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقطع له قطعة ~~من النار # فثبت بذلك أن الحاكم لا يملك أخذ مالها ودفعه إلى زوجها ولا يملك إيقاع ~~طلاق على الزوج بغير توكيله ولا رضاه وهذا حكم الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~في أنه لا يجوز للحاكم في غير ذلك من الحقوق إسقاطه ونقله عنه إلى غيره من ~~غير رضا من هو له فالحكمان إنما يبعثان للصلح بينهما وليشهدا على الظالم ~~منهما كما روى سعيد عن قتادة في قوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما الآية قال ~~إنما يبعث الحكمان ليصلحا فإن أعياهما أن يصلحا على الظالم بظلمه وليس ~~بأيديهما الفرقة ولا يملكان ذلك وكذلك روي عن عطاء قال أبو بكر وفي فحوى ~~الآية ما يدل على أنه ليس للحكمين أن يفرقا وهو قوله تعالى إن يريدا إصلاحا ~~يوفق الله بينهما ولم يقل إن يريدا فرقة وإنما يوجه الحكمان ليعظا الظالم ~~منهما وينكرا عليه ظلمه وإعلام الحاكم بذلك ليأخذ هو على يده فإن كان الزوج ms1193 ~~هو الظالم أنكرا عليه ظلمه وقالا لا يحل لك أن تؤذيها لتخلع منك وإن كانت ~~هي الظالمة قالا لها قد حلت لك الفدية وكان في أخذها معذورا لما ظهر ~~للحكمين من نشوزها فإذا جعل # PageV03P154 # كل واحد منهما إلى الحكم الذي من قبله ماله من التفريق والخلع كانا مع ما ~~ذكرنا من أمرهما وكيلين جائز لهما أن يخلعا إن رأيا وأن يجمعا إن رأيا ذلك ~~صلاحا فهما في حال شاهدان وفي حال مصلحان وفي حال آمران بمعروف وناهيان عن ~~منكر ووكيلان في حال إذا فوض إليهما الجمع والتفريق وأما قول من قال إنهما ~~يفرقان ويخلعان من غير توكيل من الزوجين فهو تعسف خارج عن حكم الكتاب ~~والسنة والله أعلم بالصواب. ### | باب الخلع دون السلطان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والشافعي يجوز ~~الخلع بغير سلطان وروي مثله عن عمر وعثمان وابن عمر رضي الله عنهم وقال ~~الحسن وابن سيرين لا يجوز الخلع إلا عند السلطان والذي يدل جوازه عند غير ~~سلطان قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا اقتضى ~~ظاهره جواز أخذه ذلك منهما على وجه الخلع وغيره وقال تعالى فلا جناح عليهما ~~فيما افتدت به ولم يشترط ذلك عند السلطان وكما جاز عقد النكاح وسائر العقود ~~عند السلطان وعند غيره كذلك يجوز الخلع إذ لا اختصاص في الأصول لهذه العقود ~~بكونها عند السلطان والله تعالى أعلم. ### | باب بر الوالدين # قال الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا فقرن ~~تعالى ذكره إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر بهما كما ~~قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وكفى بذلك ~~دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما وقال تعالى فلا تقل ~~لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما إلى آخر القصة وقال تعالى ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وقال في الوالدين الكافرين وإن جاهداك على أن تشرك بي ~~ما ليس لك ms1194 به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # وروى عبد الله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكبر الكبائر ~~الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس والذي نفس محمد بيده لا يحلف ~~أحد وإن كان على مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة # قال أبو بكر # PageV03P155 # فطاعة الوالدين واجبة في المعروف لا في معصية الله فإنه لا طاعة لمخلوق ~~في معصية الخالق # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه ~~عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من اليمن هاجر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال هل لك أحد باليمن قال أبواي قال أذنا لك قال لا قال ~~ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما # ومن أجل ذلك قال أصحابنا لا يجوز أن يجاهد إلا بإذن الأبوين إذا قام ~~بجهاد العدو من قد كفاه الخروج قالوا فإن لم يكن بإزاء العدو من قد قام ~~بفرض الخروج فعليه الخروج بغير إذن أبويه وقالوا في الخروج في التجارة ~~ونحوها فيما ليس فيه قتال لا بأس به بغير إذنهما لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما منعه من الجهاد إلا بإذن الأبوين إذا قام بفرض غيره لما فيه من ~~التعرض للقتل وفجيعة الأبوين به فأما التجارات والتصرف في المباحات التي ~~ليس فيها تعرض للقتل فليس للأبوين منعه منها فلذلك لم يحتج إلى استئذانهما ~~ومن أجل ما أكد الله تعالى من تعظيم حق الأبوين قال أصحابنا لا ينبغي للرجل ~~أن يقتل أباه الكافر إذا كان محاربا للمسلمين لقوله تعالى فلا تقل لهما أف ~~وقوله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا فأمر تعالى بمصاحبتهما بالمعروف في الحال التي ~~يجاهدانه فيها على الكفر ومن المعروف أن لا يشهر عليهما ms1195 سلاحا ولا يقتلهما ~~إلا أن يضطر إلى ذلك بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله فحينئذ يجوز قتله لأنه ~~إن لم يفعل ذلك قد قتل نفسه بتمكنه غيره منه وهو منهي عن تمكين غيره من ~~قتله كما هو منهي عن قتل نفسه فجاز له حينئذ من أجل ذلك قتله # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب ~~عن قتل أبيه وكان مشركا # وقال أصحابنا في المسلم يموت أبواه وهما كافران إنه يغسلهما ويتبعهما ~~ويدفنهما لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها فإن قال قائل ما ~~معنى قوله تعالى وبالوالدين إحسانا وما ضميره قيل له يحتمل استوصوا ~~بالوالدين إحسانا ويحتمل وأحسنوا بالوالدين إحسانا وقوله تعالى وبذي القربى ~~أمر بصلة الرحم والإحسان إلى القرابة على نحو ما ذكره في أول السورة في ~~قوله تعالى والأرحام فبدأ تعالى في أول الآية بتوحيده وعبادته إذ كان ذلك ~~هو الأصل الذي به يصح سائر الشرائع والنبوات وبحصوله يتوصل إلى # PageV03P156 # سائر مصالح الدين ثم ذكر تعالى ما يجب للأبوين من الإحسان إليهما وقضاء ~~حقوقهما وتعظيمهما ثم ذكر الجار ذا القربى وهو قريبك المؤمن الذي له حق ~~القرابة وأوجب له الدين الموالاة والنصرة ثم ذكر الجار الجنب وهو البعيد ~~منك نسبا إذا كان مؤمنا فيجتمع حق الجار وما أوجبه له الدين بعصمة الملة ~~وذمة عقد النحلة وروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا الجار ذو ~~القربى القريب في النسب # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة ~~حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجار له حقان حق الجوار وحق ~~الإسلام وجار له حق الجوار المشرك من أهل الكتاب # وقوله تعالى والصاحب بالجنب روي فيه عن ابن عباس في إحدى الروايتين وسعيد ~~ابن جبير والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك أنه الرفيق في السفر وروي عن ~~عبد الله بن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى أنه الزوجة ورواية أخرى عن ابن ~~عباس أنه ms1196 المنقطع إليك رجاء خيرك وقيل هو جار البيت دانيا كان نسبه أو ~~نائيا إذا كان مؤمنا قال أبو بكر لما كان اللفظ محتملا لجميع ذلك وجب حمله ~~عليه وأن لا يخص منه شيء بغير دلالة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما زال جبريل يوصيني بالجار ~~حتى ظننت أنه سيورثه # وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح ~~الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت # وروى عبيد الله الوصافي عن أبي جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما آمن من أمسى شبعان وجاره جائعا # وروى عمر بن هارون الأنصاري عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من أشراط الساعة سوء الجوار وقطيعة الأرحام وتعطيل الجهاد # وقد كانت العرب في الجاهلية تعظم الجوار وتحافظ على حفظه وتوجب فيه ما ~~توجب في القرابة قال زهير: # وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء # يريد بالرجل المنادي من كان معك في النادي وهو مجالس الحي وقال بعض أهل ~~العلم معنى الصاحب بالجنب أنه الذي يلاصق داره داره وإن الله خصه بالذكر ~~تأكيدا لحقه على الجار غير الملاصق وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ~~أبو عمر ومحمد بن عثمان # PageV03P157 # القرشي وراق أحمد بن يونس قال حدثنا إسماعيل بن مسلم قال حدثنا عبد ~~السلام بن حرب عن خالد الدالاني عن أبي العلاء الأزدي عن حميد بن عبد ~~الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اجتمع ~~الداعيان فأجب أقربهما بابا فإن أقربهما بابا أقربهما جوارا وإذا سبق ~~أحدهما فابدأ بالذي سبق # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أربعين دارا جوار # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ms1197 الحسن بن شبيب المعمري قال حدثنا ~~محمد بن مصفى قال حدثنا يوسف بن السفر عن الأوزاعي عن يونس عن الزهري قال ~~حدثني عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال أتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رجل فقال إني نزلت بمحلة بني فلان وإن أشدهم لي إذا أقربهم من جواري ~~فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا أن يأتوا باب المسجد ~~فيقوموا على بابه فيصيحوا ثلاثا ألا إن أربعين دارا جوار ولا يدخل الجنة من ~~خاف جاره بوائقه # قال قلت للزهري يا أبا بكر أربعين دارا قال أربعين هكذا وأربعين هكذا وقد ~~جعل الله الاجتماع في مدينة جوارا قال الله تعالى لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا فجعل تعالى اجتماعهم معه في المدينة جوارا والإحسان الذي ~~ذكره الله تعالى يكون من وجوه منها المواساة للفقير منهم إذا خاف عليه ~~الضرر الشديد من جهة الجوع والعري ومنها حسن العشرة وكف الأذى عنه ~~والمحاماة دونه ممن يحاول ظلمه وما يتبع ذلك من مكارم الأخلاق وجميل الفعال ~~ومما أوجب الله تعالى من حق الجوار الشفعة لمن بيعت دار إلى جنبه والله ~~الموافق. ### | ذكر الخلاف في الشفعة بالجوار # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشريك في المبيع أحق من الشريك في ~~الطريق ثم الشريك في الطريق أحق من الجار الملازق ثم الجار الملازق بعدهما ~~وهو قول ابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح وقال الشافعى لا شفعة إلا في ~~مشاع ولا شفعة في بئر لا بياض لها ولا تحتمل القسم وقد روي وجوب الشفعة ~~للجار عن جماعة من السلف روى عن عمرو عن أبي بكر بن أبي حفص بن عمر قال قال ~~شريح كتب إلي عمر أن أقضي بالشفعة للجار وروى عاصم عن الشعبي عن شريح قال ~~الشريك أحق من الخليط والخليط أحق من الجار والجار أحق ممن سواه وروى أيوب ~~عن محمد قال كان يقال ms1198 # PageV03P158 # الشريك أحق من الخليط والخليط أحق ممن سواه وقال إبراهيم إذا لم يكن شريك ~~فالجار أحق بالشفعة وقال طاوس مثل ذلك وقال إبراهيم بن ميسرة كتب إلينا عمر ~~بن عبد العزيز إذا حدت الحدود فلا شفعة قال طاوس الجار أحق والذي يدل على ~~وجوب الشفعة للجار ما # روى حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال قلت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ليس لأحد فيها شريك إلا الجار فقال ~~الجار أحق بسبقه ما كان # وروى سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال الجار أحق بسبقه # وروى أبو حنيفة قال حدثنا عبد الكريم عن المسور بن مخرمة عن رافع بن خديج ~~قال عرض سعد بيتا له فقال خذه فإني قد أعطيت به أكثر مما تعطيني ولكنك أحق ~~به لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الجار أحق بسبقه # وروى أبو الزبير عن جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة ~~بالجوار # وروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الجار أحق بسبقه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما ~~واحدا # وروى ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجار أحق بسبقه ما كان # وروى قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جار ~~الدار أحق بشفعة الجار # وقتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جار الدار أحق بالدار # وروى سفيان عن منصور عن الحكم قال حدثني من سمع عليا وعبد الله يقولان ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار # ويونس عن الحسن قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجوار # فاتفق هؤلاء الجماعة على الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وما نعلم ~~أحدا دفع هذه ms1199 الأخبار مع شيوعها واستفاضتها في الأمة فمن عدل عن القول بها ~~كان تاركا للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم واحتج من أبى ذلك بما # روى أبو عاصم النبيل قال حدثنا مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي ~~سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة وكذلك رواه عن مالك أبو ~~قتيلة المدني وعبد الملك ابن عبد العزيز الماجشون وهذا الحديث رواه هؤلاء ~~موصولا عن أبي هريرة وأصله عن سعيد بن المسيب مقطوع رواه معن ووكيع ~~والقعنبي وابن وهب كلهم عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب # من غير ذكر أبي هريرة وكذلك هو في موطأ مالك ولو ثبت موصولا لما جاز ~~الاعتراض به على الأخبار التي رواها نحو عشرة من الصحابة # PageV03P159 # عن النبي صلى الله عليه وسلم في إيجاب الشفعة للجار لأنها في حيز ~~المتواتر المستفيض الذي لا تجوز معارضته بأخبار الآحاد ولو ثبت من وجوه ~~يجوز أن يعارض به ما قدمنا ذكره لم يكن فيه ما ينفي أخبار إيجاب الشفعة ~~للجار وذلك لأن أكثر ما فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة ~~فيما لم يقسم ثم # قال فإذا وقعت الحدود فلا شفعة # فأما قوله قضى رسول الله بالشفعة فيما لم يقسم فإنه متفق على استعماله في ~~إيجاب الشفعة للشريك ومع ذلك فهو حكاية قضية من النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى بها وليس بعموم لفظ ولا حكاية قول منه وأما # قوله فإذا وقعت الحدود فلا شفعة # فإنه يحتمل أن يكون من كلام الراوي إذ ليس فيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قاله ولا أنه قضى به وإذا احتمل أن تكون رواية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم واحتمل أن يكون من قول الراوي أدرجه في الحديث كما وجد ذلك في كثير من ~~الأخبار لم يجز لنا إثباته عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ غير ms1200 جائز لأحد ~~أن يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مقالة بالشك والاحتمال فهذا وجه منع ~~الاعتراض به على ما ذكرنا واحتجوا أيضا بما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حامد بن محمد المردف قال حدثنا عبيد ~~الله بن عمر القواريري قال حدثنا عبد الواحد ابن زياد قال حدثنا معمر عن ~~الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال قضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا ~~شفعة # وهذا لا دلالة فيه على نفي الشفعة بالجوار من وجهين أحدهما أنه إنما نفى ~~وجوب الشفعة إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فأفاد بذلك نفي الشفعة لغير الجار ~~الملاصق لأن صرف الطرق ينفي الملاصقة لأن بينه وبين جاره طريقا والثاني أنا ~~متى حملناه على حقيقته كان الذي يقتضيه اللفظ نفي الشفعة عند وقوع الحدود ~~وصرف الطرق ووقوع الحدود وصرف الطرق إنما هو القسمة فكأنه إنما أفاد أن ~~القسمة لا شفعة فيها كما قال أصحابنا إنه لا شفعة في قسمة وكذلك الحديث ~~الأول محمول على ذلك أيضا وأيضا # فقد روى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال الجار أحق بصقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما ~~واحدا # فهذا الخبر ان قد رويا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وغير جائز أن ~~نجعلهما متعارضين مع إمكان استعمالهما جميعا وقد يمكننا استعمالهما على ~~الوجه الذي ذكرنا ومخالفونا يجعلونهما متعارضين ويسقطون أحدهما بالآخر ~~وأيضا جائز أن يكون ذلك كلاما خرج على سبب فنقل الراوي لفظ النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV03P160 # وترك نقل السبب نحو أن يختصم إليه رجلان أحدهما جار والآخر شريك فيحكم ~~بالشفعة للشريك دون الجار وقال فإذا وقعت الحدود فلا شفعة لصاحب النصيب ~~المقسوم مع الجار كما # روى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ربا إلا في النسيئة # وهو عند سائر ms1201 الفقهاء كلام خارج على سبب اقتصر فيه راويه على نقل قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر السبب وهو أن يكون سئل عن النوعين ~~المختلفين من الذهب والفضة إذا بيع أحدهما بالآخر # فقال صلى الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة # يعنى فيما سئل عنه وكذلك ما ذكرنا وأيضا لو تساوت أخبار إيجاب الشفعة ~~بالجوار وأخبار نفيها لكانت أخبار الإيجاب أولى من أخبار النفي لأن الأصل ~~أنها غير واجبة حتى يرد الشرع بإيجابها فخبر نفي الشفعة وارد على الأصل ~~وخبر إثباتها ناقل عنه وارد بعده فهو أولى فإن قيل يحتمل أن يريد بالجار ~~الشريك قيل له هذه الأخبار التي رويناها وأكثرها ينفي هذا التأويل لأن فيها ~~أن جار الدار أحق بشفعة داره والشريك لا يسمى جار الدار وحديث جابر قال فيه ~~ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا وغير جائز أن يكون هذا في ~~الشريك في المبيع وأيضا فإن الشريك لا يسمى جارا لأنه لو استحق اسم الجوار ~~بالشركة لوجب أن يكون كل شريكين في شيء جارين كالشريكين في عبد واحد ودابة ~~واحدة فلما لم يستحق اسم الجار بالشركة في هذه الأشياء دل ذلك على أن ~~الشريك لا يسمى جارا وإنما الجار هو الذي ينفرد حقه ونصيبه من حق الشريك ~~ويتميز ملك كل واحد عن ملك صاحبه وأيضا فإن الشركة إنما تستحق بها الشفعة ~~لأنها تقتضي حصول الجوار بالقسمة والدليل عليه أن الشركة في سائر الأشياء ~~لا توجب الشفعة لعدم حصول الجوار بها عند القسمة فدل ذلك على أن الشركة في ~~العقار إنما تستحق بها الشفعة لما يتعلق بها من الجوار عند القسمة وإن كان ~~الشريك أحق من الجار لمزية حصلت له مع تعلق حق الجوار بالقسمة والدليل عليه ~~أن الشركة في سائر الأشياء لا توجب الشفعة لعدم حصول الجوار بها كما أن ~~الأخ من الأب والأم أولى بالميراث من الأخ من الأب وإن كانت الأخوة من جهة ~~الأب يستحق بها التعصيب والميراث إذا لم يكن ms1202 أخ لأب وأم ومعلوم أن القرابة ~~من جهة الأم لا يستحق بها التعصيب إذ لم تكن هناك قرابة من جهة الأب إلا ~~أنها أكدت تعصيب القرابة من الأب وكذلك الشريك إنما يستحق الشفعة بالشركة ~~لما تعلق بها من حصول الجوار عند «11- أحكام لث» # PageV03P161 # القسمة والشريك أولى من الجار لمزية حصلت له كما وصفنا بالتعصيب ويكون ~~المعنى الذي يتعلق به وجوب الشفعة هو الجوار وأيضا لما كان المعنى الذي به ~~وجبت الشفعة بالشركة هو دوام التأذي بالشريك وكان ذلك موجودا في الجوار ~~لأنه يتأذى به في الإشراف عليه ومطالعة أموره والوقوف على أحواله وجب أن ~~تكون له الشفعة لوجود المعنى الذي من أجله وجبت الشفعة للشريك وهذا المعنى ~~غير موجود في الجار غير الملاصق لأن بينه وبينه طريقا يمنعه التشرف عليه ~~والاطلاع على أموره وأما قوله تعالى وابن السبيل فإنه روي عن مجاهد والربيع ~~بن أنس أنه المسافر وقال قتادة والضحاك هو الضيف قال أبو بكر ومعناه صاحب ~~الطريق وهذا كما يقال لطير الماء ابن ماء قال الشاعر: # وردت اعتسافا والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلق # ومن تأوله على الضيف فقوله سائغ أيضا لأن الضيف كالمجتاز غير المقيم فسمي ~~ابن السبيل تشبيها بالمسافر المجتاز وهو كما يقال عابر سبيل وقال الشافعي ~~ابن السبيل هو الذي يريد السفر وليس معه نفقته وهذا غلط لأنه ما لم يصر في ~~الطريق لا يسمى ابن السبيل كما لا يسمى مسافرا ولا عابر سبيل وقوله عز وجل ~~أو ما ملكت أيمانكم # يعني الإحسان المأمور به في أول الآية # وروى سليمان التيمي عن قتادة عن أنس قال كانت عامة وصية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها في صدره وما ~~يقبض بها لسانه وروته أيضا أم سلمة # وروى الأعمش عن طلحة بن مصرف عن أبي عمارة عن عمرو بن شرحبيل قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم بركة والإبل عز لأهلها والخيل معقود في ~~نواصيها الخير ms1203 إلى يوم القيامة والمملوك أخوك فأحسن إليه فإن وجدته مغلوبا ~~فأعنه # وروى مرة الطيب «1» عن أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يدخل الجنة سيئ الملكة قيل يا رسول الله أليس قد حدثتنا أن هذه الأمة أكثر ~~الأمم مملوكين وأتباعا قال بلى فأكرموهم ككرامة أولادكم وأطعموهم مما ~~تأكلون # وروى الأعمش عن المعرور بن سويد قال مررت على أبي ذر وهو بالربذة فسمعته ~~يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المماليك PageV03P162 # هم إخوانكم ولكن الله تعالى خولكم إياهم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم ~~مما تلبسون # وقوله تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من ~~فضله قيل في معنى البخل في اللغة إنه مشقة الإعطاء وقيل البخل منع ما لا ~~ينفع منعه ولا يضر بذله وقيل البخل منع الواجب ونظيره الشح ونقيضه الجود ~~وقد عقل من معناه في أسماء الدين أنه منع الواجب ويقال إنه لا يصح إطلاقه ~~في الدين إلا على جهة أن فاعله قد أتى كبيرة بالمنع قال الله تعالى ولا ~~يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة فأطلق الوعيد على من بخل بحق الله الذي ~~أوجبه في ماله وأما قوله تعالى ويكتمون ما آتاهم الله من فضله فإنه روي عن ~~ابن عباس ومجاهد والسدي أنها نزلت في اليهود إذ بخلوا بما أعطوا من الرزق ~~وكتموا ما أوتوا من العلم بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هو فيمن كان ~~بهذه الصفة وفيمن كتم نعم الله وأنكرها وذلك كفر بالله تعالى قال أبو بكر ~~الاعتراف بنعم الله تعالى واجب وجاحدها كافر وأصل الكفر إنما هو من تغطية ~~نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها وهذا يدل على أنه جائز للإنسان أن يتحدث ~~بنعم الله عنده لا على جهة الفخر بل على جهة الاعتراف بالنعمة والشكر ~~للمنعم وهو كقوله وأما بنعمة ربك فحدث # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد ms1204 آدم ولا فخر وأنا أفصح العرب ~~ولا فخر # فأخبر بنعم الله عنده وأبان أنه ليس إخباره بها على وجه الافتخار # وقال صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى # وقد كان صلى الله عليه وسلم خيرا منه ولكنه نهى أن يقال ذلك على وجه ~~الافتخار وقال تعالى فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يمدح رجلا فقال لو ~~سمعك لقطعت ظهره # ورأى المقداد رجلا يمدح عثمان في وجهه فحثا في وجهه التراب # وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا رأيتم المداحين فاحثوا ~~في وجوههم التراب # وقد روي إياكم والتمادح فإنه الذبح # فهذا إذا كان على وجه الفخر فقد كره وأما أن يتحدث بنعم الله عنده أو ~~يذكرها غيره بحضرته فهذا نرجو أن لا يضر إلا أن أصلح الأشياء لقلب الإنسان ~~أن لا يغتر بمدح الناس له ولا يعتد به # وقوله تعالى والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر معناه والله أعلم أنه أعد للذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ~~والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس عذابا مهينا وفي ذلك دليل # PageV03P163 # على أن كل ما يفعله العبد لغير وجه الله فإنه لا قربة فيه ولا يستحق عليه ~~الثواب لأن ما يفعل على وجه الرياء فإنما يريد به عوضا من الدنيا كالذكر ~~الجميل والثناء الحسن فصار ذلك أصلا في أن كل ما أريد عوض من أعواض الدنيا ~~أنه ليس بقربة كالاستيجار على الحج وعلى الصلاة وسائر القرب أنه متى استحق ~~عليه عوضا يخرج بذلك عن باب القربة وقد علمنا أن هذه الأشياء سبيلها أن لا ~~تفعل إلا على وجه القربة فثبت بذلك أنه لا يجوز أن يستحق عليها الأجرة وأن ~~الإجارة عليها باطلة # قوله تعالى وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم ~~الله يدل على بطلان مذهب أهل الجبر لأنهم لو لم يكونوا مستطيعين للإيمان ~~بالله ms1205 والإنفاق لما جاز أن يقال ذلك فيهم لأن عذرهم واضح وهو أنهم غير ~~ممكنين مما دعوا إليه ولا قادرين عليه كما لا يقال للأعمى ماذا عليه لو ~~أبصر ولا يقال للمريض ماذا عليه لو كان صحيحا وفي ذلك أوضح دليل على أن ~~الله قطع عذرهم من فعل ما كلفهم من الإيمان وسائر الطاعات وأنهم ممكنون من ~~فعلها # وقوله تعالى يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا ~~يكتمون الله حديثا فأخبر الله عنهم أنهم لا يكتمون الله هناك شيئا من ~~أحوالهم وما عملوه لعلمهم بأن الله مطلع عليهم عالم بأسرارهم فيقرون بها ~~ولا يكتمونها وقيل يجوز أن يكون المراد أنهم لا يكتمون أسرارهم هناك كما ~~كانوا يكتمونها في الدنيا فإن قيل قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون والله ~~ربنا ما كنا مشركين قيل له فيه وجوه أحدها أن الآخرة مواطن فموطن لا تسمع ~~فيه إلا همسا أي صوتا خفيا وموطن يكذبون فيه فيقولون ما كنا نعمل من سوء ~~والله ربنا ما كنا مشركين وموطن يعترفون فيه بالخطإ ويسئلون الله أن يردهم ~~إلى دار الدنيا وروي ذلك عن الحسن وقال ابن عباس إن قوله تعالى ولا يكتمون ~~الله حديثا داخل في التمني بعد ما نطقت جوارحهم بفضيحتهم وقيل إن معناه أنه ~~لا يعتد بكتمانهم لأنه ظاهر عند الله لا يخفى عليه شيء فكان تقديره أنهم ~~غير قادرين هناك على الكتمان لأن الله يظهره وقيل إنهم لم يقصدوا الكتمان ~~لأنهم إنما أخبروا على ما توهموا ولا يخرجهم ذلك من أن يكونوا قد كتموا ~~والله تعالى أعلم. ### | باب الجنب يمر في المسجد # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا # PageV03P164 # ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا # قال أبو بكر قد اختلف في المراد من السكر بهذه الآية فقال ابن عباس ~~ومجاهد وإبراهيم وقتادة السكر من الشراب وقال مجاهد والحسن نسخها تحريم ~~الخمر وقال الضحاك المراد به سكر النوم خاصة فإن قيل ms1206 كيف يجوز أن ينهى ~~السكران في حال سكره وهو في معنى الصبي في نقص عقله قيل له يحتمل أن يريد ~~السكران الذي لم يبلغ نقصان عقله إلى حد يزول التكليف معه ويحتمل أن يكونوا ~~نهوا عن التعرض للسكر إذا كان عليهم فرض الصلاة ويجوز أن يكون النهي إنما ~~دل على أن عليهم أن يعيدوها في حال الصحو إذا فعلوها في حال السكر وجائز أن ~~تكون هذه المعاني كلها مرادة بالآية في حال نزولها فإن قال قائل إذا ساغ ~~تأويل من تأولها على السكران الذي لم يزل عنه التكليف فكيف يجوز أن يكون ~~منهيا عن فعل الصلاة في هذه الحال مع اتفاق المسلمين على أنه مأمور بفعل ~~الصلاة في هذه الحال قيل له قد روي عن الحسن وقتادة أنه منسوخ ويحتمل إن لم ~~يكن منسوخا أن يكون النهي متوجها إلى فعل الصلاة مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أو في جماعة قال أبو بكر والصحيح من التأويل في معنى السكر أنه السكر ~~من الشراب من وجهين أحدهما أن النائم ومن خالط عينه النوم لا يسمى سكران ~~ومن سكر من الشراب يسمى سكران حقيقة فوجب حمل اللفظ على الحقيقة ولا يجوز ~~صرفه عنها إلى المجاز إلا بدلالة والثاني ما # روى سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن علي قال دعا رجل من ~~الأنصار قوما فشربوا من الخمر فتقدم عبد الرحمن ابن عوف لصلاة المغرب فقرأ ~~قل يا أيها الكافرون فالتبس عليه فأنزل الله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى # وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان المؤدب ~~قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء ~~الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وقال في سورة النساء لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون ثم نسختها هذه الآية يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب ms1207 والأزلام الآية قال أبو عبيد وحدثنا عبد الله بن صالح عن ~~معاوية بن صالح عن علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى يسئلونك عن ~~الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير قال وقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون قال كانوا # PageV03P165 # لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها قال أبو عبيد حدثنا عبد ~~الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال قال عمر اللهم بين لنا في ~~الخمر فنزلت لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون وذكر ~~الحديث قال أبو عبيد وحدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبي رزين قال شربت ~~الخمر بعد الآية التي في سورة البقرة والتي في سورة النساء وكانوا يشربونها ~~حتى تحضر الصلاة فإذا حضرت الصلاة تركوها ثم حرمت في المائدة قال أبو بكر ~~فأخبر هؤلاء أن المراد السكر من الشراب وأخبر ابن عباس وأبو رزين أنهم ~~تركوا شربها بعد نزول الآية عند الصلاة وشربوها في غير أوقات الصلوات ففي ~~هذا دلالة على أنهم عقلوا من قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ~~النهي عن شربها في الحال التي يكونون فيها سكارى عند لزوم فرض الصلاة وهذا ~~يدل على أن قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إنما أفاد النهي عن ~~شربها في أوقات الصلوات وكان معناه لا يكن منكم شرب تصيرون به إلى حال ~~السكر عند أوقات الصلوات فتصلوا وأنتم سكارى وذلك أنهم لما كانوا متعبدين ~~بفعل الصلوات في أوقاتها منهيين عن تركها قال تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى وقد علمنا أنه لم ينسخ بذلك فرض الصلاة كان في مضمون هذا اللفظ النهي ~~عما يوجب السكر عند أوقات الصلوات كما أنه لما نهينا عن فعل الصلاة مع ~~الحدث لقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور # وكما قال تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا كان ذلك نهيا عن ترك ms1208 ~~الطهارة ولم يكن نهيا عن فعل الصلاة ولم يوجب كون الإنسان جنبا أو محدثا ~~سقوط فرض الصلاة وإنما نهي عن فعلها في هذه الحال وهو مأمور مع ذلك بتقديم ~~الطهارة لها كذلك النهي عن الصلاة في حال السكر إنما دل على حظر شرب يوجب ~~السكر قبل الصلاة وفرض الصلاة قائم عليه فهذا التأويل يدل على ما روي عن ~~ابن عباس وأبى رزين وظاهر الآية وفحواه يقتضي ذلك على الوجه الذي بينا وهذا ~~التأويل لا ينافي ما قدمنا ذكره عن السلف في حظر الصلاة عند السكر لأنه ~~جائز أن يكونوا نهوا عن شرب يقتضي كونه سكران عند حضور الصلاة فيكون ذلك ~~حظرا قائما فإن اتفق أن يشرب حتى أنه كان سكران عند حضور الصلاة كان منهيا ~~عن فعلها مأمورا بإعادتها في حال الصحو أو يكون النهي مقصورا على فعلها مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم # PageV03P166 # أو في جماعة وهذه المعاني كلها صحيحة جائزة يحتملها لفظ الآية وقوله ~~تعالى حتى تعلموا ما تقولون يدل على أن السكران الذي منع من الصلاة هو الذي ~~قد بلغ به السكر إلى حال لا يدري ما يقول وأن السكران الذي يدري ما يقول لم ~~يتناوله النهي عن فعل الصلاة وهذا يشهد للتأويل الذي ذكرنا من النهي إنما ~~انصرف إلى الشرب لا إلى فعل الصلاة لأن السكران الذي لا يدري ما يقول لا ~~يجوز تكليفه في هذه الحال كالمجنون والنائم والصبي الذي لا يعقل والذي يعقل ~~ما يقول لم يتوجه إليه النهي لأن في الآية إباحة فعل الصلاة إذا علم ما ~~يقول وهذا يدل على أن الآية إنما حظرت عليه الشرب لا فعل الصلاة في حال ~~السكر الذي لا يعلم ما يقول فيه إذ غير جائز تكليف السكران الذي لا يعقل ~~وهي تدل على أن السكر الذي يتعلق به الحكم هو الذي لا يعقل صاحبه ما يقول ~~وهذا يدل على صحة قول أبي حنيفة في السكر الموجب للحد أنه هو الذي لا يعرف ~~فيه الرجل من المرأة ms1209 ومن لا يعقل ما يقول لا يعرف الرجل من المرأة وقوله ~~تعالى حتى تعلموا ما تقولون يدل على فرض القراءة في الصلاة لأنه منعه من ~~الصلاة لأجل عدم إقامة القراءة فيها فلولا أنها من أركانها وفروضها لما منع ~~من الصلاة لأجلها فإن قيل لا دلالة في ذلك على وجوب القراءة فيها وذلك لأن ~~قوله تعالى حتى تعلموا ما تقولون قد دل على أنه ممنوع منها في الحال التي ~~لا يعلم ما يقول ولم يذكر القراءة وإنما ذكر نفي العلم بما يقول وهذا على ~~سائر الأقوال والكلام ومن صار بهذه الحال من السكر لم يصح له إحضار نية ~~الصلاة ولا فعل سائر أركانها فإنما منع من الصلاة من كانت هذه حاله لأنه لا ~~تصح منه نية الصلاة ولا سائر أفعالها ومع ذلك فلا يعلم أنه طاهر غير محدث ~~قيل له هذا على ما ذكرت في أن من كانت هذه حاله فلا يصح منه فعل الصلاة على ~~سائر شرائطها إلا أن اختصاصه القول بالذكر دون غيره من أمور الصلاة ~~وأحوالها يدل على أن المراد به قول مفعول في الصلاة وأنه متى كان من السكر ~~على حال لم يمكنه إقامة القراءة فيها لم يصح له فعلها لأجل عدم القراءة وأن ~~وجود القراءة فيها من فروضها وشرائطها وهذا مثل قوله أقيموا الصلاة في ~~إفادته أن في الصلاة قياما مفروضا ومثل قوله واركعوا مع الراكعين في دلالته ~~على فرض الركوع في الصلاة وأما قوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا فإن أهل العلم قد تنازعوا تأويله # فروى المنهال بن عمرو عن زر عن علي # PageV03P167 # رضي الله عنه في قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل إلا أن تكونوا مسافرين ولا ~~تجدون ما تيممون به وتصلون # وروى قتادة عن أبي مجلز عن ابن عباس مثله وعن مجاهد مثله وروي عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال هو الممر في المسجد وروى عطاء بن يسار عن ابن عباس ~~مثله في تأويل الآية وكذلك روي عن سعيد ms1210 بن المسيب وعطاء وعمرو بن دينار في ~~آخرين من التابعين واختلف السلف في مرور الجنب في المسجد فروي عن جابر قال ~~كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب وقال عطاء بن يسار كان رجال من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تصيبهم الجنابة فيتوضئون ثم يأتون المسجد ~~فيتحدثون فيه وقال سعيد بن المسيب الجنب لا يجلس في المسجد ويجتاز وكذلك ~~روي عن الحسن وما روي في ذلك عن عبد الله فإن الصحيح فيه ما تأوله شريك عن ~~عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة ولا جنبا إلا عابري سبيل قال الجنب يمر في ~~المسجد ولا يجلس ورواه معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيدة عن عبد الله ويقال ~~إن أحدا لم يرفعه إلى عبد الله غير معمر وسائر الناس وقفوه واختلف فقهاء ~~الأمصار في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد لا ~~يدخله إلا طاهرا سواء أراد القعود فيه والاجتياز وهو قول مالك ابن أنس ~~والثوري وقال الليث الجنب لا يجوز له أن يجتاز في المسجد وقال الشافعى يمر ~~ولا يقعد والدليل على أن الجنب لا يجوز له أن يجتاز في المسجد ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عبد ~~الواحد بن زياد قال حدثنا أقلت بن خليفة قال حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت ~~سمعت عائشة رضي الله عنها تقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه ~~بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد ثم دخل ولم ~~يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم رخصة فخرج إليهم بعد فقال وجهوا هذه ~~البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب # وهذا الخبر يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما # قوله لا أحل المسجد لحائض ولا جنب # ولم يفرق فيه بين الاجتياز وبين القعود فهو عليهما سواء والثاني أنه ~~أمرهم بتوجيه البيوت الشارعة لئلا يجتازوا في المسجد إذا أصابتهم جنابة ~~لأنه لو أراد القعود لم يكن ms1211 # لقوله وجهوا هذه البيوت فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب # معنى لأن القعود منهم بعد دخول المسجد لا تعلق له بكون البيوت شارعة إليه ~~فدل على أنه إنما أمر بتوجيه البيوت لئلا يضطروا عند الجنابة # PageV03P168 # إلى الاجتياز في المسجد إذ لم يكن لبيوتهم أبواب غير ما هي شارعة إلى ~~المسجد # وقد روى سفيان بن حمزة عن كثيرة بن زيد عن المطلب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا علي ~~بن أبي طالب فإنه كان يدخله جنبا ويمر فيه # لأن بيته كان في المسجد فأخبر في هذا الحديث بحظر النبي صلى الله عليه ~~وسلم الاجتياز كما حظر عليهم العقود وما ذكر من خصوصية علي رضي الله عنه ~~فهو صحيح وقول الراوي لأنه كان بيته في المسجد ظن منه لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أمر في الحديث الأول بتوجيه البيوت الشارعة إلى غيره ولم يبح ~~لهم المرور لأجل كون بيوتهم في المسجد وإنما كانت الخصوصية فيه لعلي رضي ~~الله عنه دون غيره كما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة دون سائر الشهداء ~~وكما خص حنظلة بغسل الملائكة له حين قتل جنبا وخص دحية الكلبي بأن جبريل ~~كان ينزل على صورته وخص الزبير بإباحة لبس الحرير لما شكا من أذى القمل ~~فثبت بذلك أن سائر الناس ممنوعون من دخول المسجد مجتازين وغير مجتازين وأما ~~ما روى جابر كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب فلا حجة فيه لأنه لم ~~يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره عليه وكذلك ما روي عن ~~عطاء بن يسار كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصيبهم ~~الجنابة فيتوضئون ثم يأتون المسجد فيتحدثون فيه لا دلالة فيه للمخالف لأنه ~~ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليه بعد علمه بذلك منهم ولأنه ~~جائز أن يكون ذلك في زمان النبي صلى الله ms1212 عليه وسلم قبل أن يحظر عليهم ذلك ~~ولو ثبت جميع ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم روي ما وصفنا لكان خبر ~~الحظر أولى لأنه طارئ على الإباحة لا محالة فهو متأخر عنها ولما ثبت باتفاق ~~الفقهاء حظر القعود فيه لأجل الجنابة تعظيما لحرمة المسجد وجب أن يكون كذلك ~~حكم الاجتياز تعظيما للمسجد ولأن العلة في حظر القعود فيه هو الكون فيه ~~جنبا وذلك موجود في الاجتياز وكما أنه لما كان محظورا عليه القعود في ملك ~~غيره بغير إذنه كان حكم الاجتياز فيه حكم القعود فكان الاجتياز بمنزلة ~~القعود كذلك القعود في المسجد لما كان محظورا وجب أن يكون كذلك الاجتياز ~~اعتبارا بما ذكرنا والعلة في الجميع حظر الكون فيه وأما قوله تعالى ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وتأويل من تأوله على إباحة الاجتياز في ~~المسجد فإن ما # روي عن علي وابن عباس في تأويله أن المراد المسافر الذي لا يجد الماء ~~فيتيمم # أولى من تأويل من تأوله على الاجتياز في المسجد وذلك # PageV03P169 # لأن قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى نهى عن فعل الصلاة في هذه ~~الحال لا عن المسجد لأن ذلك حقيقة اللفظ ومفهوم الخطاب وحمله على المسجد ~~عدول بالكلام عن حقيقته إلى المجاز بأن تجعل الصلاة عبارة عن موضعها كما ~~يسمى الشيء باسم غيره للمجاورة أو لأنه تسبب منه كقوله تعالى لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات يعني به مواضع الصلوات ومتى أمكننا استعمال اللفظ على حقيقته ~~لم يجز صرفه عنها إلى المجاز إلا بدلالة ولا دلالة توجب صرف ذلك عن الحقيقة ~~وفي نسق التلاوة ما يدل على أن المراد حقيقة الصلاة وهو قوله تعالى حتى ~~تعلموا ما تقولون وليس للمسجد قول مشروط يمنع من دخوله لتعذره عليه عند ~~السكر وفي الصلاة قراءة مشروطة فمنع من أجل العذر عن إقامتها عن فعل الصلاة ~~فدل ذلك على أن المراد حقيقة الصلاة فيكون تأويل من تأوله عليها موافقا ~~لظاهرها وحقيقتها وقوله تعالى إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فإن ms1213 معناه ~~المسافر لأن المسافر يسمى عابر سبيل ولولا أنه يطلق عليه هذا الاسم لما ~~تأوله عليه علي وابن عباس إذ غير جائز لأحد تأويل الآية على ما لا يقع عليه ~~الاسم وإنما سمي المسافر عابر سبيل لأنه على الطريق كما يسمى ابن السبيل ~~فأباح الله تعالى له في حال السفر أن يتيمم ويصلي وإن كان جنبا فدلت الآية ~~على معنيين أحدهما جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء والصلاة به والثاني ~~أن التيمم لا يرفع الجنابة لأنه سماه جنبا مع كونه متيمما فهذا التأويل ~~أولى من تأويل من حمله على الاجتياز في المسجد وقوله تعالى حتى تغتسلوا ~~غاية لإباحة الصلاة ولا خلاف أن الغاية في هذا الموضع داخلة في الحظر إلى ~~أن يستوعبها بوجوب الاغتسال وأنه لا تجوز له الصلاة وقد بقي من غسله شيء في ~~حال وجود الماء وإمكان استعماله من غير ضرر يخافه فهذا يدل على أن الغاية ~~قد تدخل في الجملة التي قبلها وقال الله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~والغاية خارجة من الجملة لأنه بدخول أول الليل يخرج من الصوم لأن إلى غاية ~~كما أن حتى غاية وهذا أصل في أن الغاية قد يجوز دخولها في الكلام تارة ~~وخروجها أخرى وحكمها موقوف على الدلالة في دخولها أو خروجها وسنذكر أحكام ~~الجنابة ومعناها وحكم المريض والمسافر في سورة المائدة إذا انتهينا إليها ~~إن شاء الله تعالى # قوله تعالى آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها يدل على ~~قول أصحابنا في قول الرجل لامرأته أنت طالق قبل قدوم فلان أنها # PageV03P170 # تطلق في الحال قدم فلان أو لم يقدم وحكي عن بعضهم أنها لا تطلق حتى يقدم ~~لأنه لا يقال إنه قبل قدوم فلان وما قدم والصحيح ما قال أصحابنا وهذه الآية ~~تدل عليه لأنه قال الله تعالى يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فكان الأمر بالإيمان صحيحا قبل طمس ~~الوجوه ولم يوجد الطمس ms1214 أصلا وكان ذلك إيمانا قبل طمس الوجوه وما وجد وهو ~~نظير قوله تعالى فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فكان الأمر بالعتق للرقبة ~~أمرا صحيحا وإن لم يوجد المسيس فإن قيل إن هذا وعيد من الله لليهود ولم ~~يسلموا ولم يقع ما توعدوا به قيل له إن قوما من هؤلاء اليهود أسلموا منهم ~~عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وزيد بن سعنة وأسد بن سعية وأسد بن عبيد ~~ومخيريق في آخرين منهم وإنما كان الوعيد العاجل معلقا بترك جميعهم الإسلام ~~ويحتمل أن يريد به الوعيد في الآخرة إذ لم يذكر في الآية تعجيل العقوبة في ~~الدنيا إن لم يسلموا # قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم قال الحسن وقتادة والضحاك هو ~~قول اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى وروي عن عبد الله أنه قال هو تزكية الناس بعضهم بعضا ~~لينال به شيئا من الدنيا قال أبو بكر وهذا يدل على أن النهي عن التزكية من ~~هذا الوجه وقال الله فلا تزكوا أنفسكم # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا ~~في وجوههم التراب # قوله تعالى أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله روي عن ابن عباس ~~ومجاهد والضحاك والسدي وعكرمة إن المراد بالناس هاهنا هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة وقال قتادة العرب وقال آخرون النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وهذا أولى لأن أول الخطاب في ذكر اليهود وقد كانوا قبل ذلك يقرؤن ~~في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وحال نبوته وكانوا يوعدون ~~العرب بالقتل عند مبعثه لأنهم زعموا أنهم لا يتبعونه وكانوا يظنون أنه يكون ~~من بني إسرائيل فلما بعثه الله تعالى من ولد إسماعيل حسدوا العرب وأظهروا ~~الكفر به وجحدوا ما عرفوه قال الله تعالى وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به وقال الله تعالى ود كثير ms1215 من أهل الكتاب ~~لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم فكانت عداوة للعرب ~~ظاهرة بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم حسدا منهم لهم أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم مبعوثا منهم فالأظهر من معنى الآية حسدهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وللعرب # PageV03P171 # والحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها ولذلك قيل إن كل أحد تقدر أن ترضيه ~~إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها والغبطة غير مذمومة لأنها تمني مثل ~~النعمة من غير زوالها عن صاحبها بل مع سرور منه ببقائها عليه # قوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها قيل فيه إن الله تعالى ~~يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت والقائلون بهذا هم الذين يقولون إن ~~الجلد ليس بعض الإنسان وكذلك اللحم والعظم وإن الإنسان هو الروح اللابس ~~لهذا البدن ومن قال إن الجلد هو بعض الإنسان وإن الإنسان هو هذا الشخص ~~بكماله فإنه يقول إن الجلود تجدد بأن ترد إلى الحال التي كانت عليها غير ~~محترقة كما يقال لخاتم كثر ثم صيغ خاتم آخر هذا الخاتم غير ذاك الخاتم وكما ~~يقال لمن قطع قميصه قباء هذا اللباس غير ذاك اللباس وقال بعضهم التبديل ~~إنما هو للسرابيل التي قد ألبسوها وهو تأويل بعيد لأن السرابيل لا تسمى ~~جلودا والله تعالى أعلم. ### | باب ما أوجب الله تعالى من أداء الأمانات # قال الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها اختلف أهل ~~التفسير في المأمورين بأداء الأمانة في هذه الآية من هم فروي عن زيد بن ~~أسلم ومكحول وشهر ابن حوشب أنهم ولاة الأمر وقال ابن جريج إنها نزلت في ~~عثمان بن طلحة أمر بأن ترد عليه مفاتيح الكعبة وقال ابن عباس وأبي بن كعب ~~والحسن وقتادة هو في كل مؤتمن على شيء وهذا أولى لأن قوله تعالى إن الله ~~يأمركم خطاب يقتضي عمومه سائر المكلفين فغير جائز الاقتصار به على بعض ~~الناس دون بعض إلا بدلالة وأظن من تأوله على ولاة ms1216 الأمر ذهبت إلى قوله ~~تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل لما كان خطابا لولاة الأمر ~~كان ابتداء الخطاب منصرفا إليهم وليس ذلك كذلك إذ لا يمتنع أن يكون أول ~~الخطاب عموما في سائر الناس وما عطف عليه خاصا في ولاة الأمر على ما ذكرنا ~~في نظائره في القرآن وغيره قال أبو بكر ما اؤتمن عليه الإنسان فهو أمانة ~~فعلى المؤتمن عليها ردها إلى صاحبها فمن الأمانات الودائع على مودعيها ردها ~~إلى من أودعه إياها ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أنه لا ضمان على المودع ~~فيها إن هلكت وقد روي عن بعض السلف فيه الضمان ذكر الشعبي عن أنس قال ~~استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي فضمنني عمر بن الخطاب وحدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال حدثنا حامد بن # PageV03P172 # محمد قال حدثنا شريح قال حدثنا ابن إدريس عن هشام بن حسان عن أنس بن ~~سيرين عن أنس بن مالك قال استودعت ستة آلاف درهم فذهبت فقال لي عمر ذهب لك ~~معها شيء قلت لا فضمنني وروى حجاج عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا استودع ~~متاعا فذهب من بين متاعه فلم يضمنه أبو بكر رضي الله عنه وقال هي أمانة # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا قتيبة ~~قال حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من استودع وديعة فلا ضمان عليه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا محمد بن ~~عون قال حدثنا عبد الله ابن نافع عن محمد بن نبيه الحجبي عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ضمان على راع ولا ~~على مؤتمن # قال أبو بكر # قوله صلى الله عليه وسلم لا ضمان على مؤتمن # يدل على نفي ضمان العارية لأن العارية أمانة في يد المستعير إذ كان ~~المعير قد ائتمنه عليها ولا خلاف ms1217 بين الفقهاء في نفى ضمان الوديعة إذا لم ~~يتعد فيها المودع ما روي عن عمر في تضمين الوديعة فجائز أن يكون المودع ~~اعترف بفعل يوجب الضمان عنده فلذلك ضمنه واختلف الفقهاء في ضمان العارية ~~بعد اختلاف من السلف فروي عن عمر وعلي وجابر وشريح وإبراهيم أن العارية غير ~~مضمونة وروي عن ابن عباس وأبي هريرة أنها مضمونة وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر والحسن بن زياد هي غير مضمونة إذا هلكت وهو قول ابن شبرمة ~~والثوري والأوزاعي وقال عثمان البتي المستعير ضامن لما استعاره إلا الحيوان ~~والعقل فإن اشترط عليه في الحيوان والعقل الضمان فهو ضامن وقال مالك لا ~~يضمن الحيوان في العارية ويضمن الحلي والثياب ونحوها وقال الليث لا ضمان في ~~العارية ولكن أبا العباس أمير المؤمنين قد كتب إلي بأن أضمنها فالقضاء ~~اليوم على الضمان وقال الشافعي كل عارية مضمونة قال أبو بكر والدليل على ~~نفي ضمانها عند الهلاك إذا لم يتعد فيها أن المعير قد ائتمن المستعير عليها ~~حين دفعها إليه وإذا كان أمينا لم يلزمه ضمانها لأنا # روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ضمان على مؤتمن # وذلك عموم في نفي الضمان عن كل مؤتمن وأيضا لما كانت مقبوضة بإذن مالكها ~~لا على شرط الضمان لم يضمنها كالوديعة وأيضا قد اتفق الجميع على نفي ضمان ~~الثوب المستأجر مع شرط بذل المنافع إذا لم يشترط عليه ضمان بدل المقبوض ~~فالعارية أولى أن لا تكون مضمونة إذ ليس فيها ضمان مشروط # PageV03P173 # بوجه ومن جهة أخرى أن المقبوض على وجه الإجارة مقبوض لاستيفاء المنافع ~~ولم يكن مضمونا فوجب أن لا تضمن العارية إذ كانت مقبوضة لاستيفاء المنافع ~~وأيضا لما كانت الهبة غير مضمونة على الموهوب له لأنها مقبوضة بإذن مالكها ~~لا على شرط ضمان البدل وهي معروف وتبرع وجب أن تكون العارية كذلك إذ هي ~~معروف وتبرع وأيضا قد اتفق الجميع على أن العارية لو نقصت بالاستعمال لم ~~يضمن النقصان فإذا كان الجزء منها غير ms1218 مضمون مع حصول القبض عليه وجب أن لا ~~يضمن الكل لأن ما تعلق ضمانه بالقبض لا يختلف فيه حكم الكل والبعض كالغصب ~~والمقبوض ببيع فاسد فلما اتفق الجميع على أن الجزء الفائت بالنقصان غير ~~مضمون وجب أن لا يضمن الجميع كالودائع وسائر الأمانات وقد اختلف في ألفاظ ~~حديث صفوان بن أمية في العارية فذكر بعضهم فيه الضمان ولم يذكره بعضهم # وروى شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبى مليكة عن أمية بن صفوان بن ~~أمية عن أبيه قال استعار النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان أدراعا من حديد ~~يوم حنين فقال له يا محمد مضمونة فقال مضمونة فضاع بعضها فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن شئت غرمناها لك فقال أنا أرغب في الإسلام من ذلك يا رسول ~~الله # ورواه إسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن صفوان بن أمية ~~قال استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعا فضاع ~~بعضها فقال إن شئت غرمناها لك فقال لا يا رسول الله فوصله شريك # وذكر فيه الضمان وقطعه إسرائيل ولم يذكر الضمان # وروى قتادة عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية ~~دروعا يوم حنين فقال له أمؤداة يا رسول الله العارية فقال نعم # وروى جرير عن عبد العزيز بن رفيع عن أنا؟؟؟ س من آل عبد الله بن صفوان ~~قال أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو حنينا وذكر الحديث من غير ~~ذكر ضمان ويقال إنه ليس في رواة هذا الحديث أحفظ ولا أتقن ولا أثبت من جرير ~~بن عبد الحميد ولم يذكر الضمان ولو تكافأت الرواة فيه حصل مضطربا وقد روي ~~في أخبار أخر # من طريق أبي أمامة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال العارية مؤداة # وإن صح ذكر الضمان في حديث صفوان فإن معناه ضمان الأداء كما # روي في بعض ألفاظ حديث صفوان أنه قال هي مضمونة ms1219 حتى أؤديها إليك # وكما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الفريابي قال حدثنا قتيبة قال حدثنا ~~الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن أبي هند أن أول ما ضمنت العارية أن ~~رسول # PageV03P174 # الله صلى الله عليه وسلم قال لصفوان أعرنا سلاحك وهي علينا ضمان حتى ~~نأتيك بها # فثبت بذلك أنه إنما شرط له ضمان الرد وذلك لأن صفوان كان حربيا كافرا في ~~ذلك الوقت فظن أنه يأخذها على جهة استباحة ماله كسائر أموال الحربيين ولذلك ~~قال له أغصبا تأخذها يا محمد فقال لا بل عارية مضمونة حتى أؤديها إليك ~~وعارية مؤداة فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأخذها على أنها عارية ~~مؤداة وأنه ليس يأخذها على سبيل ما تؤخذ عليه أموال أهل الحرب وهو كقول ~~القائل أنا ضامن لحاجتك يعني القيام بها والسعي فيها حتى يقضيها قال الشاعر ~~يصف ناقة: # بتلك أسلي حاجة إن ضمنتها ... وأبرئ هما كان في الصدر داخلا # قال أهل اللغة في قوله إن ضمنتها يعني إن هممت وأردتها وأيضا فإنا نسلم ~~للمخالف صحة الخبر بما روي فيه من الضمان ونقول إنه لا دلالة فيه على موضع ~~الخلاف وذلك لأنه قال عارية مضمونة فجعل الأدراع التي قبضها مضمونة وهذا ~~يقتضي ضمان عينها بالرد لا ضمان قيمتها إذ لم يقل أضمن قيمتها وغير جائز ~~صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدلالة وأيضا فيما ادعى المخالف إثبات ~~ضمير في اللفظ لا دلالة عليه وهو ضمان القيمة ولا يجوز إثباته إلا بدلالة ~~ويدل على أنها لم تكن مضمونة ضمان القيمة عند الهلاك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما فقد منها أدراعا قال لصفوان إن شئت غرمناها لك فلو كان ضمان ~~القيمة قد حصل عليه لما قال إن شئت غرمناها لك وهو غارم فدل ذلك على أن ~~الغرم لم يجب بالهلاك وإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد أن يغرمها ~~إذا شاء ذلك صفوان متبرعا بالغرم ألا ترى # أن النبي صلى الله عليه وسلم ms1220 لما استقرض عن عبد الله بن ربيعة ثلاثين ~~ألفا في هذه الغزاة أيضا ثم أراد أن يردها إلى عبد الله أبى عبد الله أن ~~يقبلها فقال له خذها فإن جزاء القرض الوفاء والحمد # فلو كان الغرم لازما فيما فقد من الأدراع لما قال إن شئت غرمناها لك ويدل ~~على أنه لم يكن ضامنا لقيمة ما فقد أنه قال لا فإن في قلبي اليوم من ~~الإيمان ما لم يكن قبل وفي ذلك دليل على أنها لم تكن مضمونة القيمة لأن ما ~~كان مضمونا لا يختلف حكمه في الإيمان والكفر وقال بعض شيوخنا إن صفوان لما ~~كان حربيا جاز أن يشرط له ذلك إذ قد يجوز فيما بيننا وبين أهل الحرب من ~~الشروط ما لا يجوز فيما بيننا بعضنا لبعض ألا ترى أنه يجوز أن يرتهن منهم ~~الأحرار ولا يجوز مثله فيما بيننا أو كان أبو الحسن الكرخي يأبى هذا ~~التأويل # PageV03P175 # ويقول لا يصح شرط الضمان لأهل الحرب فيما ليس بمضمون ألا ترى أنا لو ~~شرطنا لهم ضمان الودائع والمضاربات ونحوها لم يصح واحتج من قال بضمان ~~العارية بما # رواه شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى تؤديه # ولا دلالة في هذا الحديث أيضا على موضع الخلاف لأنه إنما أوجب رد المأخوذ ~~بعينه وليس فيه ذكر ضمان القيمة عند هلاكه ونحن نقول إن عليه رد العارية ~~فهذا لا خلاف فيه ولا تعلق له أيضا بموضع الخلاف والله تعالى أعلم بالصواب. ### | باب ما أمر الله تعالى به من الحكم بالعدل # قال الله تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل وقال تعالى إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وقال تعالى وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان قال ~~حدثنا عبيد بن حباب الحلي قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عن إسحاق بن ms1221 ~~يحيى بن طلحة بن عبيد الله قال قال ثابت الأعرج أخبرني أنس بن مالك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت ~~وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الرحمن المقري عن ~~كهمس بن الحسن عن عبد الله الأسلمي قال شتم رجل ابن عباس فقال له ابن عباس ~~إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال إني لآتي على الآية من كتاب الله تعالى فلوددت ~~بالله أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم وإني لأسمع بالحاكم من حكام ~~المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضى إليه أبدا وإني لأسمع ~~بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح به ومالي من سائمة وحدثنا عبد ~~الباقي قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام ~~قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال إن ~~الله أخذ على الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ~~وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قرأ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ~~فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى الآية وقال الله تعالى إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا- إلى قوله تعالى- فلا ~~تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون. # PageV03P176 ### | باب في طاعة أولي الأمر # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم قال أبو بكر اختلف في تأويل أولي الأمر فروي عن جابر بن عبد ~~الله وابن عباس رواية والحسن وعطاء ومجاهد أنهم أولوا الفقه والعلم وعن ابن ~~عباس رواية وأبي هريرة أنهم أمراء السرايا ويجوز أن يكونوا جميعا مرادين ~~بالآية لأن الاسم يتناولهم جميعا لأن الأمراء يلون أمر تدبير الجيوش ~~والسرايا وقتال العدو والعلماء يلون حفظ الشريعة وما يجوز مما لا يجوز ms1222 فأمر ~~الناس بطاعتهم والقبول منهم ما عدل الأمراء والحكام وكان العلماء عدولا ~~مرضيين موثوقا بدينهم وأمانتهم فيما يؤدون وهو نظير قوله تعالى فسئلوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون ومن الناس من يقول إن الأظهر من أولى الأمر هاهنا ~~أنهم الأمراء لأنه قدم ذكر الأمر بالعدل وهذا خطاب لمن يملك تنفيذ الأحكام ~~وهم الأمراء والقضاة ثم عطف عليه الأمر بطاعة أولي الأمر وهم ولاة الأمر ~~الذين يحكمون عليهم ماداموا عدولا مرضيين وليس يمتنع أن يكون ذلك أمرا ~~بطاعة الفريقين من أولي الأمر وهم أمراء السرايا والعلماء إذ ليس في تقدم ~~الأمر بالحكم بالعدل ما يوجب الاقتصار بالأمر بطاعة أولي الأمر على الأمراء ~~دون غيرهم # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أطاع أميري فقد أطاعني # وروى الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالخيف من منى فقال نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها ~~إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ~~ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله تعالى وقال بعضهم وطاعة ذوي ~~الأمر وقال بعضهم والنصيحة لأولي الأمر ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم ~~تحيط من وراءهم # والأظهر من هذا الحديث أنه أراد بأولي الأمر الأمراء وقوله تعالى عقيب ~~ذلك فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول يدل على أن أولي الأمر هم ~~الفقهاء لأنه أمر سائر الناس بطاعتهم ثم قال فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول فأمر أولي الأمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم إذا كانت العامة ومن ليس من أهل العلم ليست هذه منزلتهم ~~لأنهم لا يعرفون كيفية الرد إلى كتاب الله والسنة ووجوه دلائلهما على أحكام ~~الحوادث فثبت أنه خطاب للعلماء واستدل بعض أهل العلم على إبطال قول «12- ~~أحكام لث» # PageV03P177 # الرافضة في الإمامة بقوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ms1223 وأولي الأمر ~~منكم قال فليس يخلو أولو الأمر من أن يكونوا الفقهاء أو الأمراء أو الإمام ~~الذي يدعونه فإن كان المراد الفقهاء والأمراء فقد بطل أن يكون الإمام ~~والفقهاء والأمراء يجوز عليهم الغلط والسهو والتبديل والتغيير وقد أمرنا ~~بطاعتهم وهذا يبطل أصل الإمامة فإن شرط الإمامة عندهم أن يكون معصوما لا ~~يجوز عليه الغلط والخطأ والتبديل والتغيير ولا يجوز أن يكون المراد الإمام ~~لأنه قال في نسق الخطاب فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فلو كان ~~هناك إمام مفروض الطاعة لكان الرد إليه واجبا وكان هو يقطع الخلاف والتنازع ~~فلما أمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى الكتاب والسنة دون الإمام دل ذلك ~~على بطلان قولهم في الإمامة ولو كان هناك إمام تجب طاعته لقال فردوه إلى ~~الإمام لأن الإمام عندهم هو الذي يقضي قوله على تأويل الكتاب والسنة فلما ~~أمر بطاعة أمراء السرايا والفقهاء وأمر برد المتنازع فيه من الحوادث إلى ~~الكتاب والسنة دون الإمام ثبت أن الإمام غير مفروض الطاعة في أحكام الحوادث ~~المتنازع فيها وأن لكل واحد من الفقهاء أن يردها إلى نظائرها من الكتاب ~~والسنة وزعمت هذه الطائفة أن المراد بقوله تعالى وأولي الأمر منكم علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه وهذا تأويل فاسد لأن أولي الأمر جماعة وعلي بن أبي ~~طالب رجل واحد وأيضا فقد كان الناس مأمورين بطاعة أولي الأمر في زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن علي بن أبي طالب لم يكن إماما في أيام ~~النبي صلى الله عليه وسلم فثبت أن أولي الأمر في زمان النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانوا أمراء وقد كان المولى عليهم طاعتهم ما لم يأمروهم بمعصية. وكذلك ~~حكمهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم اتباعهم وطاعتهم ما لم تكن ~~معصية قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول روى مجاهد ~~وقتادة وميمون بن مهران والسدي إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم قال أبو ms1224 بكر وذلك عموم في وجوب الرد إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم في حياة النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم والرد إلى ~~الكتاب والسنة يكون من وجهين أحدهما إلى المنصوص عليه المذكور باسمه ومعناه ~~والثاني الرد إليهما من الدلالة عليه واعتباره به من طريق القياس والنظائر ~~وعموم اللفظ ينتظم الأمرين جميعا فوجب إذا تنازعنا في شيء رده إلى نص ~~الكتاب والسنة إن وجدنا المتنازع فيه منصوصا على حكمه في الكتاب والسنة وإن ~~لم نجد # PageV03P178 # فيه نصا منهما وجب رده إلى نظيره منهما لأنا مأمورون بالرد في كل حال إذ ~~لم يخصص الله تعالى الأمر بالرد إليهما في حال دون حال وعلى أن الذي يقتضيه ~~فحوى الكلام وظاهره الرد إليهما فيما لا نص فيه وذلك لأن المنصوص عليه الذي ~~لا احتمال فيه لغيره لا يقع التنازع فيه من الصحابة مع علمهم باللغة ~~ومعرفتهم بما فيه احتمال مما لا احتمال فيه فظاهر ذلك يقتضي رد المتنازع ~~فيه إلى نظائره من الكتاب والسنة فإن قيل إنما المراد بذلك ترك التنازع ~~والتسليم لما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل إن ذلك ~~خطاب للمؤمنين لأنه قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول فإن كان تأويله ما ذكرت فإن معناه اتبعوا كتاب الله وسنة نبيه ~~وأطيعوا الله ورسوله وقد علمنا أن كل من آمن ففي اعتقاده للإيمان # اعتقاد لالتزام حكم الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤدي ذلك إلى ~~إبطال فائدة قوله تعالى فردوه إلى الله والرسول وعلى أن ذلك قد تقدم الأمر ~~به في أول الآية وهو قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فغير جائز حمل ~~مغنى قوله تعالى فردوه إلى الله والرسول على ما قد أفاده بديا في أول ~~الخطاب ووجب حمله على فائدة محددة وهو رد غير المنصوص عليه وهو الذي وقع ~~فيه التنازع إلى المنصوص عليه وعلى أنا نرد جميع المتنازع فيه إلى الكتاب ~~والسنة بحق العموم ولا نخرج ms1225 منه شيئا بغير دليل فإن قيل لما كانت الصحابة ~~مخاطبين بحكم هذه الآية عند التنازع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~معلوما أنه لم يكن يجوز لهم استعمال الرأي والقياس في أحكام الحوادث بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بل كان عليهم التسليم له واتباع أمره دون تكلف ~~الرد من طريق القياس ثبت أن المراد استعمال المنصوص وترك تكلف النظر ~~والاجتهاد فيما لا نص فيه قيل له هذا غلط وذلك لأن استعمال الرأي والاجتهاد ~~ورد الحوادث إلى نظائرها من المنصوص قد كان جائزا في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإحداهما في حال غيبتهم عن حضرته كما # أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا حين بعثه إلى اليمن فقال له كيف تقضي ~~إن عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم يكن في كتاب الله قال أقضي ~~بسنة نبي الله قال فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله قال أجتهد ~~رأيي لا آلو قال فضرب بيده على صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله لما يرضي رسول الله # فهذه إحدى الحالين اللتين كان يجوز الاجتهاد فيهما في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم والحال الأخرى أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد # PageV03P179 # بحضرته ورد الحادثة إلى نظائرها ليستبرئ حاله في اجتهاده وهل هو موضع ~~لذلك ولكن إن أخطأ وترك طريق النظر أعلمه وسدده وكان يعلمهم وجوب الاجتهاد ~~في أحكام الحوادث بعده فالاجتهاد بحضرته على هذا الوجه سائغ كما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أسلم بن سهل قال حدثنا محمد بن خالد ~~بن عبد الله قال حدثنا أبي عن حفص بن سليمان عن كثير بن شنظير عن أبي ~~العالية عن عقبة بن عامر قال جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال اقض بينهما يا عقبة قلت يا رسول الله أقضي بينهما وأنت حاضر قال اقض ~~بينهما فإن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة ms1226 واحدة # فأباح له النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد بحضرته على الوجه الذي ذكرنا ~~وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وعقبة بن عامر بالاجتهاد صدر عندنا عن ~~الآية وهو قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول لأنا متى ~~وجدنا من النبي صلى الله عليه وسلم حكما مواطئا لمعنى قد ورد به القرآن ~~حملناه على أنه حكم به عن القرآن وأنه لم يكن حكما مبتدأ من النبي صلى الله ~~عليه وسلم كنحو قطعه السارق وجلده الزاني وما جرى مجراهما فقول القائل إن ~~الاجتهاد في أحكام الحوادث لم يكن سائغا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإن رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة كان واجبا حينئذ فدل على أن المراد ~~به ترك الاختلاف والتنازع والتسليم للمنصوص عليه في الكتاب والسنة غير صحيح ~~وأما الحال التي لم يكن يسوغ الاجتهاد فيها في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهو أن يجتهد بحضرته على جهة إمضاء الحكم والاستبداد بالرأي لا على ~~الوجه الذي قدمناه فهذا لعمري اجتهاد مطرح لا حكم له ولم يسوغ ذلك لأحد ~~والله أعلم. ### | باب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # وقال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله وقال تعالى من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله # وقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فأكد جل وعلا بهذه الآيات وجوب طاعة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبان أن طاعته إطاعة الله وأفاد بذلك أن ~~معصيته معصية الله وقال الله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فأوعد على مخالفة أمر الرسول وجعل مخالف أمر ~~الرسول والممتنع من تسليم ما جاء به والشاك فيه خارجا من الإيمان # PageV03P180 # بقوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ms1227 تسليما قيل في الحرج هاهنا إنه الشك روي ~~ذلك عن مجاهد وأصل الحرج الضيق وجائز أن يكون المراد التسليم من غير شك في ~~وجوب تسليمه ولا ضيق صدر به بل بانشراح صدر وبصيرة ويقين وفي هذه الآية ~~دلالة على أن من رد شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول ~~والامتناع من التسليم وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد ~~من امتنع من أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم لأن الله تعالى حكم بأن من لم ~~يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان فإن قيل ~~إذا كانت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة الله تعالى فهلا كان أمر ~~الرسول أمر الله تعالى قيل له إنما كانت طاعته طاعة الله بموافقتها إرادة ~~كل واحد منهما أوامره وأما الأمر فهو قول القائل افعل ولا يجوز أن يكون ~~أمرا وأحد الآمرين كما لا يكون فيه قول واحد من قائلين ولا فعل واحد من ~~فاعلين # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~قيل الثبات الجماعات واحدها ثبة وقيل الثبة عصبة منفردة من عصب فأمرهم الله ~~بأن ينفروا فرقة بعد فرقة في جهة وفرقة في جهة أو ينفروا جميعا من غير تفرق ~~وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وقوله تعالى خذوا حذركم معناه ~~خذوا سلاحكم فسمى السلاح حذرا لأنه يتقى به الحذر ويحتمل احذروا عدوكم بأخذ ~~سلاحكم كقوله تعالى وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم فانتظمت هذه الآية الأمر بأخذ ~~السلاح لقتال العدو على حال افتراق العصب أو اجتماعها بما هو أولى في ~~التدبير والنفور هو الفزع نفر ينفر نفورا إذا فزع ونفر إليه إذا فزع من أمر ~~إليه والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم والنفر جماعة تفزع إلى مثلها والنفير ~~إلى قتال العدو والمنافرة المحاكمة للفزع إليها فيما ينوب من الأمور التي ~~يختلف ms1228 فيها ويقال إن أصلها أنهم كانوا يسئلون الحاكم أينا أعز نفرا وقد روي ~~في هذه الآية نسخ روى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى ~~فانفروا ثبات أو انفروا جميعا قال عصبا وفرقا وقال في براءة انفروا خفافا ~~وثقالا الآية وقال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما الآية قال فنسخ هذه ~~الآيات قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طائفة وتمكث # PageV03P181 # طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فالماكثون مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من ~~الغزوات لعلهم يحذرون ما نزل من قضاء الله في كتابه وحدوده قوله تعالى ~~الذين يقاتلون في سبيله قيل [في سبيل الله] في طاعة الله لأنها تؤدي إلى ~~ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه وقيل دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ~~ثوابه ورحمته فيكون تقديره في نصرة دين الله تعالى وقيل في الطاغوت إنه ~~الشيطان قاله الحسن والشعبي وقال أبو العالية هو الكاهن وقيل كل ما عبد من ~~دون الله # وقوله تعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفا الكيد هو السعي في فساد الحال على ~~جهة الاحتيال والقصد لإيقاع الضرر قال الحسن إنما قال إن كيد الشيطان كان ~~ضعيفا لأنه كان أخبرهم أنهم يستظهرون عليهم فلذلك كان ضعيفا وقيل إنما سماه ~~ضعيفا لضعف نصرته لأوليائه إلى نصرة الله للمؤمنين # قوله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فإن ~~الاختلاف على ثلاثة أوجه اختلاف تناقض بأن يدعو أحد الشيئين إلى فساد الآخر ~~واختلاف تفاوت وهو أن يكون بعضه بليغا وبعضه مرذولا ساقطا وهذان الضربان من ~~الاختلاف منفيان عن القرآن وهو إحدى دلالات إعجازه لأن كلام سائر الفصحاء ~~والبلغاء إذا طال مثل السور الطوال من القرآن لا يخلو من أن يختلف اختلاف ~~التفاوت والثالث اختلاف التلاؤم هو أن يكون الجميع متلائما في الحسن ~~كاختلاف وجوه القراءات ومقادير الآيات واختلاف الأحكام في الناسخ ms1229 والمنسوخ ~~فقد تضمنت الآية الحض على الاستدلال بالقرآن لما فيه من وجوه الدلالات على ~~الحق الذي يلزم اعتقاده والعمل به # قوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم قال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى هم أهل العلم والفقه وقال ~~السدي الأمراء والولاة قال أبو بكر يجوز أن يريد به الفريقين من أهل الفقه ~~والولاة لوقوع الاسم عليهم جميعا فإن قيل أولو الأمر من يملك الأمر ~~بالولاية على الناس وليست هذه صفة أهل العلم قيل له إن الله تعالى لم يقل ~~من يملك الأمر بالولاية على الناس وجائز أن يسمى الفقهاء أولي الأمر لأنهم ~~يعرفون أوامر الله ونواهيه ويلزم غيرهم قبول قولهم فيها فجائز أن يسموا ~~أولي الأمر من هذا الوجه كما قال في آية أخرى ليتفقهوا في الدين ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فأوجب الحذر بإنذارهم وألزم # PageV03P182 # المنذرين قبول قولهم فجاز من أجل ذلك إطلاق اسم أولي الأمر عليهم ~~والأمراء أيضا يسمون بذلك لنفاذ أمورهم على من يلون عليه وقوله تعالى لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم # فإن الاستنباط هو الاستخراج ومنه استنباط المياه والعيون فهو اسم لكل ما ~~استخرج حتى تقع عليه رؤية العيون أو معرفة القلوب والاستنباط في الشرع نظير ~~الاستدلال والاستعلام وفي هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد ~~الرأي في أحكام الحوادث وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في حياته إذا كانوا بحضرته وإلى العلماء بعد وفاته والغيبة عن ~~حضرته صلى الله عليه وسلم وهذا لا محالة فيما لا نص فيه لأن المنصوص عليه ~~لا يحتاج إلى استنباطه فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص عليه ومنها ~~ما هو مودع في النص قد كلفنا الوصول إلى الاستدلال عليه واستنباطه فقد حوت ~~هذه الآية معاني منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه بل مدلول ~~عليه ومنها أن على العلماء استنباطه والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من ~~المنصوص ومنها أن العامي ms1230 عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث ومنها أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والاستدلال عليها ~~بدلائلها لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر ثم قال لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم ولم يخص أولي الأمر بذلك دون الرسول وفي ذلك دليل على ~~أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة الحكم بالاستدلال فإن قيل ليس هذا ~~استنباطا في أحكام الحوادث وإنما هو في الأمن والخوف من العدو لقوله تعالى ~~وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي ~~الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فإنما ذلك في شأن الأراجيف التي كان ~~المنافقون يرجفون بها فأمرهم الله بترك العمل بها ورد ذلك إلى الرسول وإلى ~~الأمراء حتى لا يفتوا في أعضاد المسلمين إن كان شيئا يوجب الخوف وإن كان ~~شيئا يوجب الأمن لئلا يأمنوا فيتركوا الاستعداد للجهاد والحذر من الكفار ~~فلا دلالة في ذلك على جواز الاستنباط في أحكام الحوادث قيل له قوله تعالى ~~وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ليس بمقصور على أمر العدو لأن الأمن ~~والخوف قد يكونان فيما يتعبدون به من أحكام الشرع فيما يباح ويحظر وما يجوز ~~وما لا يجوز ذلك كله من الأمن والخوف فإذا ليس في ذكره الأمن والخوف دلالة ~~على وجوب الاقتصار به على ما يتفق من # PageV03P183 # الأراجيف بالأمن والخوف في أمر العدو بل جائز أن يكون عاما في الجميع ~~وحظر به على العامي أن يقول في شيء من حوادث الأحكام ما فيه حظر أو إباحة ~~أو إيجاب أو غير ذلك وألزمهم رده إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~ليستنبطوا حكمه بالاستدلال عليه بنظائره من المنصوص وأيضا فلو سلمنا لك أن ~~نزول الآية مقصور على الأمن والخوف من العدو لكانت دلالته قائمة على ما ~~ذكرنا لأنه إذا جاز استنباط تدبير الجهاد ومكايد العدو بأخذ الحذر تارة ~~والإقدام في حال والإحجام في حال أخرى وكان جميع ذلك مما تعبدنا الله به ~~ووكل الأمر فيه إلى ms1231 آراء أولي الأمر واجتهادهم فقد ثبت وجوب الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث من تدبير الحروب ومكايد العدو وقتال الكفار فلا فرق بينه ~~وبين الاجتهاد والاستدلال على النظائر من سائر الحوادث من العبادات وفروع ~~الشريعة إذ كان جميع ذلك من أحكام الله تعالى ويكون المانع من الاجتهاد ~~والاستنباط # في مثله كمن أباح الاستنباط في البيوع خاصة ومنعه في المناكحات أو أباحه ~~في الصلاة ومنعه في المناسك وهذا خلف من القول فإن قيل ليس الاستنباط مقصور ~~على القياس واجتهاد الرأي دون الاستدلال بالدليل الذي لا يحتمل في اللغة ~~إلا معنى واحدا قيل له الدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا لا ~~يقطع بين أهل اللغة فيه تنازع إذ كان أمرا معقولا في اللفظ فهذا ليس ~~باستنباط بل هو في مفهوم الخطاب وذلك عندنا نحو قوله تعالى فلا تقل لهما أف ~~أنه لا دلالة على النهي عن الضرب والشتم والقتل ونحوه وهذا لا يقع في مثله ~~خلاف فإن أردت بالدليل الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا هذا الضرب من دلائل ~~الخطاب فإن هذا لا تنازع فيه ولا يحتاج إلى استنباط وإن أردت بالدليل تخصيص ~~الشيء بالذكر فيكون دلالة على أن ما عداه فحكمه بخلافه فإن هذا ليس بدليل ~~وقد بيناه في أصول الفقه ولو كان هذا ضربا من الدليل لما غفلته الصحابة ولا ~~استدلت به على أحكام الحوادث ولو فعلوا هذا لاستفاض ذلك عنهم وظهر فلما لم ~~ينقل ذلك عنهم دل على سقوط قولك وأيضا لو كان هذا ضربا من الاستدلال لم ~~يمنع ذلك إيجاب الاستنباط فيما لا طريق إليه إلا من جهة الرأي والقياس إذ ~~ليس يوجد في كل حادثة هذا الضرب من الدلالة وقد أمرنا باستنباط سائر ما لا ~~نص فيه فما لم نجد فيه من الحوادث هذا الضرب من الدليل فعلينا استنباط حكمه ~~من طريق القياس والاجتهاد # PageV03P184 # إذ لا سبيل لنا إليه إلا من هذه الجهة فإن قيل لما قال تعالى لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ولم يكن دليل القياس ms1232 مفضيا بنا إلى العلم بمدلوله إذ كان ~~القائس يجوز على نفسه الخطأ ولا يجوز القطع بأن ما أداه إليه قياسه ~~واجتهاده هو الحق عند الله علمنا أنه لم يرد الاستنباط من طريق القياس ~~والاجتهاد قيل له قولك إن القائس لا يقطع بأن قياسه هو الحق عند الله خطأ ~~لا نقول به وذلك أن ما كان طريقه الاجتهاد فإن المجتهد ينبغي له أن يقطع ~~بأن ما أداه إليه اجتهاده هو الحق عند الله وهذا عندنا علم منه بأن هذا حكم ~~الله عليه فاستنباطه حكم الحوادث من طريق الاجتهاد يوجب العلم بصحة موجبه ~~وما أداه إليه اجتهاده وهذه الآية أيضا تدل على بطلان قول القائلين ~~بالإمامة لأنه لو كان كل شيء من أحكام الدين منصوصا عليه لعرفه الإمام ~~ولزال موضع الاستنباط وسقط الرد إلى أولي الأمر بل كان الواجب الرد إلى ~~الإمام الذي يعرف صحة ذلك من باطله من جهة النص وقوله تعالى وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها قال أهل اللغة التحية الملك ومنه قول ~~الشاعر: # أسير به إلى النعمان حتى ... أتيح على تحيته بجند # يعنى عن ملكه ومعنى قولهم حياك الله أي ملكك الله ويسمى السلام تحية أيضا ~~لأنهم كانوا يقولون حياك الله فأبدلوا منه بعد الإسلام بالسلام وأقيم مقام ~~قولهم حياك الله قال أبو ذر كنت أول من حيي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتحية الإسلام فقلت السلام عليك ورحمة الله وقال النابغة: يحيون بالريحان ~~يوم السباسب «1» # يعني أنهم يعطون الريحان ويقال لهم حياكم الله والأصل فيه ما ذكرنا من ~~أنه ملكك الله فإذا حملنا قوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها على حقيقته أفاد أن من ملك غيره شيئا بغير بدل فله الرجوع فيه ما لم ~~يثبت منه فهذا يدل على صحة قول أصحابنا فيمن وهب لغيري ذي رحم أن له الرجوع ~~فيها ما لم يثبت منها فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها لأنه أوجب أحد شيئين ~~من ثواب أورد لما ms1233 جيء به وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجوع في ~~الهبة ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن PageV03P185 # داود المهري قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني أسامة بن زيد أن عمرو بن شعيب ~~حدثه عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~مثل الذي يسترد ما وهب كمثل الكلب يقيء فيأكل قيئه فإذا استرد الواهب ~~فليوقف وليعرف بما استرد ثم ليدفع إليه ما وهب # وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن إبراهيم بن إسماعيل بن ~~مجمع عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الرجل أحق بهبته ما لم يثبت منها # وروى ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لرجل ~~يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يعطي ~~العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه # وهذا الخبر يدل على معنيين أحدهما صحة الرجوع في الهبة والآخر كراهته ~~وأنه من لؤم الأخلاق ودناءتها في العادات وذلك لأنه شبه الراجع في الهبة ~~بالكلب يعود في قيئه وهو يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما أنه شبهه بالكلب ~~إذا عاد في قيئه ومعلوم أنه ليس بمحرم على الكلب فما شبه به فهو مثله ~~والثاني أنه لو كان الرجوع في الهبة لا يصح بحال لما شبه الراجع بالكلب ~~العائد في القيء لأنه لا يجوز تشبيه ما لا يقع بحال بما قد صح وجوده وهذا ~~يدل أيضا على صحة الرجوع في الهبة مع استقباح هذا الفعل وكراهته وقد روي ~~الرجوع في الهبة لغير ذي الرحم المحرم عن علي وعمر وفضالة بن عبيد من غير ~~خلاف من أحد من الصحابة رضي الله عنهم عليهم وقد روي عن جماعة من السلف أن ~~ذلك في رد السلام منهم جابر بن ms1234 عبد الله وقال الحسن السلام تطوع ورده فريضة ~~وذكر الآية ثم اختلف في أنه خاص في أهل الإسلام أو عام في أهل الإسلام وأهل ~~الكفر فقال عطاء هو في أهل الإسلام خاصة وقال ابن عباس وإبراهيم وقتادة هو ~~عام في الفريقين وقال الحسن تقول للكافر وعليكم ولا تقل ورحمة الله لأنه لا ~~يجوز الاستغفار للكفار # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تبدؤا اليهود بالسلام ~~فإن بدؤكم فقولوا وعليكم # وقال أصحابنا رد السلام فرض على الكفاية إذا سلم على جماعة فرد واحد منهم ~~أجزأ وأما قوله تعالى بأحسن منها إذا أريد رد السلام فهو الزيادة في الدعاء ~~وذلك إذا قال السلام عليكم يقول هو وعليكم السلام ورحمة الله وإذا قال ~~السلام عليكم ورحمة الله قال هو وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته # قوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا روي عن ~~ابن عباس أنها نزلت في # PageV03P186 # قوم أظهروا الإسلام بمكة وكانوا يعينون المشركين على المسلمين وروي مثله ~~عن قتادة # وقال الحسن ومجاهد نزلت في قوم قدموا بالمدينة فأظهروا الإسلام ثم رجعوا ~~إلى مكة فأظهروا الشرك وقال زيد بن ثابت نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم وفي نسق الآية ~~دلالة على خلاف هذا التأويل الأخير وأنهم من أهل مكة وهو قوله تعالى فلا ~~تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله وقوله تعالى أركسهم قال ابن ~~عباس ردهم وقال قتادة أركسهم أهلكهم وقال غيرهم أركسهم نكسهم قال الكسائي ~~أركسهم وركسهم بمعنى وإنما المعنى ردهم في حكم الكفر من الصغار والذلة وقيل ~~من السبي والقتل لأنهم أظهروا الارتداد بعد ما كانوا على النفاق وإنما ~~وصفوا بالنفاق وقد أظهروا الارتداد عن الإسلام لأنهم نسبوا إلى ما كانوا ~~عليه قبل من إضمار الكفر قاله الحسن وقال النحويون هذا يحسن مع علم التعريف ~~وهو الألف واللام كما تقول هذه العجوز هي الشابة يعني هي التي كانت ms1235 شابة ~~ولا يجوز هذه شابة فأبان تعالى للمسلمين بهذه الآية عن أحوال هذه الطائفة ~~من المنافقين أنهم يظهرون لكم الإسلام وإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا الكفر ~~والردة ونهى المسلمين عن أن يحسنوا بهم الظن وأن يجادلوا عنهم قوله تعالى ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء يعني هذه الطائفة أخبر بذلك عن ~~ضمائرهم واعتقاداتهم لئلا يحسن المؤمنون بهم الظن وليعتقدوا معاداتهم ~~والبراءة منهم وقوله تعالى فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل ~~الله يعني والله أعلم حتى يسلموا ويهاجروا لأن الهجرة بعد الإسلام وأنهم ~~وإن أسلموا لم تكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة وهو كقوله تعالى ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وهذا في حال ما كانت الهجرة فرضا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر ~~المشركين وأنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك قيل ولم يا رسول الله قال لا ~~تراءى نارهما # فكانت الهجرة فرضا إلى أن فتحت مكة فنسخ فرض الهجرة # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوم فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مؤمل بن الفضل قال حدثنا ~~الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عطاء # PageV03P187 # ابن يزيد عن أبي سعيد الخدري أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الهجرة فقال ويحك إن شأن الهجرة شديد فهل لك من إبل قال نعم قال فاعمل من ~~وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئا # فأباح النبي صلى الله عليه وسلم ترك الهجرة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ~~إسماعيل بن أبي خالد قال حدثنا عامر قال أتى رجل عبد الله بن عمرو فقال ms1236 ~~أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من ~~هجر ما نهى الله عنه # وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض ~~الهجرة إلى دار الإسلام قائما وقوله تعالى فخذوهم واقتلوهم فإنه روي عن ابن ~~عباس فإن تولوا عن الهجرة قال أبو بكر يعني والله أعلم فإن تولوا عن ~~الإيمان والهجرة لأن قوله تعالى حتى يهاجروا في سبيل الله قد انتظم الإيمان ~~والهجرة جميعا وقوله فإن تولوا راجع إليها ولأن من أسلم حينئذ ولم يهاجر لم ~~يجب قتله في ذلك الوقت فدل على أن المراد فإن تولوا عن الإيمان والهجرة ~~فخذوهم واقتلوهم # وقوله تعالى إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق قال أبو عبيد ~~يصلون بمعنى ينتسبون إليهم كما قال الأعشى: # إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم # وقال زيد الخيل: # اتصلت تنادى يال قيس ... وخصت بالدعاء بني كلاب # قال أبو بكر الانتساب يكون بالرحم ويكون بالحلف وبالولاء وجائز أن يدخل ~~فيه أيضا رجل في عهدهم على حسب ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين قريش من الموادعة فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودخلت بنو كنانة في عهد قريش وقيل إن الآية منسوخة حدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى إلا ~~الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق- إلى قوله تعالى- فما جعل الله لكم ~~عليهم سبيلا وفي قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ~~ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم قال ثم نسخت هذه الآيات ~~براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين- إلى قوله- ونفصل ~~الآيات لقوم يعلمون # PageV03P188 # وقال السدي في ms1237 قوله إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق إلا ~~الذين يدخلون في قوم بينكم وبينهم أمان فلهم منه مثل مالهم وقال الحسن ~~هؤلاء بنو مدلج كان بينهم وبين قريش عهد وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين قريش عهد فحرم الله تعالى من بني مدلج ما حرم من قريش قال أبو بكر إذا ~~عقد الإمام عهدا بينه وبين قوم من الكفار فلا محالة يدخل فيه من كان في ~~حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم أو الحلف أو الولاء بعد أن يكون في حيزهم ومن ~~أهل نصرتهم وأما من كان من قوم آخرين فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط ومن ~~شرط من أهل قبيلة أخرى دخوله في عهد المعاهدين فهو داخل فيهم إذا عقد العهد ~~على ذلك كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش وأما قول من قال إن ذلك منسوخ ~~فإنما أراد أن معاهدة المشركين وموادعتهم منسوخة بقوله فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم فهو كما قال لأن الله أعز الإسلام وأهله فأمروا أن لا يقبلوا ~~من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فهذا حكم ثابت في مشركي العرب فنسخ به الهدنة ~~والصلح وإقرارهم على الكفر وأمرنا في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو ~~يعطوا الجزية بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر- ~~إلى قوله- حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فغير جائز للإمام أن يقر أحدا ~~من أهل سائر الأديان على الكفر من غير جزية وأما مشركو العرب فقد كانوا ~~أسلموا في زمن الصحابة ورجع من ارتد منهم إلى الإسلام بعد ما قتل من قتل ~~منهم فهذا وجه صحيح في نسخ معاهدة أهل الكفر على غير جزية والدخول في الذمة ~~على أن تجري عليهم أحكامنا فكان ذلك حكما ثابتا بعد ما أعز الله الإسلام ~~وأظهر أهله على سائر المشركين فاستغنوا بذلك عن العهد والصلح إلا أنه ms1238 إن ~~احتيج إلى ذلك في وقت لعجز المسلمين عن مقاومتهم أو خوف منهم على أنفسهم أو ~~ذراريهم جاز لهم مهادنة العدو ومصالحته من غير جزية يؤدونها إليهم لأن حظر ~~المعاهدة والصلح إنما كان بسبب قوتهم على العدو واستعلائهم عليهم وقد كانت ~~الهدنة جائزة مباحة في أول الإسلام وإنما حظرت لحدوث هذا السبب فمتى زال ~~السبب وعاد الأمر إلى الحال التي كان المسلمون عليها من خوفهم العدو على ~~أنفسهم عاد الحكم الذي كان من جواز الهدنة وهذا نظير ما ذكرنا من نسخ # PageV03P189 # التوارث بالحلف والمعاقدة بذوي الأرحام فمتى لم يترك وارثا عاد التوارث ~~بالمعاقدة قوله عز وجل أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ~~قال الحسن والسدي ضاقت صدورهم على أن يقاتلوكم والحصر الضيق ومنه الحصر في ~~القراءة لأنه ضاقت عليه المذاهب فلم يتوجه لقراءته ومنه المحصور في حبس أو ~~نحوه وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال هلال بن عويمر الأسلمي هو الذي حصر ~~صدره أن يقاتل المسلمين أو يقاتل قومه وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حلف قال أبو بكر ظاهره يدل على أن الذين حصرت صدورهم كانوا قوما ~~مشركين مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم ضاقت # صدورهم أن يكونوا مع قومهم على المسلمين لما بينهم وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم من العهد وأن يقاتلوا مع المسلمين ذوي أرحامهم وأنسابهم فأمر ~~الله تعالى المسلمين بالكف عن هؤلاء إذا اعتزلوهم فلم يقاتلوا المسلمين وإن ~~لم يقاتلوا المشركين مع المسلمين ومن الناس من يقول إن هؤلاء كانوا قوما ~~مسلمين كرهوا قتال قومهم من المشركين لما بينهم وبينهم من الرحم وظاهر ~~الآية وما روي في تفسيرها يدل على خلاف ذلك لأن المسلمين لم يقاتلوا ~~المسلمين قط في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وإن قعدوا عن القتال معهم ~~ولا كانوا قط مأمورين بقتال أمثالهم وقوله تعالى ولو شاء الله لسلطهم عليكم ~~فلقاتلوكم يعني إن قاتلتموهم ظالمين لهم يدل على أنهم لم يكونوا مسلمين ~~وقوله تعالى فإن اعتزلوكم ms1239 فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله ~~لكم عليهم سبيلا يقتضي أن يكونوا مشركين إذ ليس ذلك من صفات أهل الإسلام ~~فدل ذلك على أن هؤلاء كانوا قوما مشركين بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم حلف فأمر الله تعالى نبيه أن يكف عنهم إذا اعتزلوا قتال المسلمين ~~والمشركين وأن لا يكلفهم قتال قومهم من أهل الشرك أيضا والتسليط المذكور في ~~الآية له وجهان أحدهما تقوية قلوبهم ليقاتلوكم والثاني إباحة القتال لهم في ~~الدفع عن أنفسهم # قوله تعالى ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم قال مجاهد نزلت ~~في قوم من أهل مكة كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون ثم يرجعون ~~إلى قريش فيرتكسون في الأوثان يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا فأمر ~~بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا وذكر أسباط عن السدي قال نزلت في نعيم بن ~~مسعود الأشجعي وكان يأمن في المسلمين والمشركين فينقل الحديث بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمشركين فقال ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا ~~قومهم وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يظهرون # PageV03P190 # الإيمان إذا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم إذا رجعوا إلى ~~قومهم أظهروا الكفر لقوله تعالى كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها والفتنة ~~هاهنا الشرك وقوله أركسوا فيها يدل على أنهم قبل ذلك كانوا مظهرين للإسلام ~~فأمر الله تعالى المؤمنين بالكف عن هؤلاء أيضا إذا اعتزلونا وألقوا إلينا ~~السلم وهو الصلح كما أمرنا بالكف عن الذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم ~~ميثاق وعن الذين جاءونا وقد حصرت صدورهم وكما قال في آية أخرى لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وكما ~~قال وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم فخص الأمر بالقتال لمن يقاتلنا ~~دون من لم يقاتلنا ثم نسخ ذلك بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم على ما ~~قدمنا من الرواية عن ابن عباس ومن الناس من يقول إن هذه الآيات غير منسوخة ~~وجائز للمسلمين ترك قتال من لا يقاتلهم ms1240 من الكفار إذ لم يثبت أن حكم هذه ~~الآيات في النهي عن قتال من اعتزلنا وكف عن قتالنا منسوخ وممن حكي عنه أن ~~فرض الجهاد غير ثابت بن شبرمة وسفيان الثوري وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء ~~الله تعالى إلا أن هذه الآيات فيها حظر قتال من كف عن قتالنا منسوخ وممن ~~حكي عنه أن فرض الجهاد غير ثابت بن شبرمة وسفيان الثوري وسنذكر ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى إلا أن هذه الآيات فيها حظر قتال من كف عن قتالنا ~~من الكفار ولا نعلم أحدا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين ~~وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره فقد حصل الاتفاق من الجميع على ~~نسخ حظر القتال لمن كان وصفه ما ذكرنا والله الموفق للصواب. ### | باب قتل الخطإ # قال الله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ قال أبو بكر قد ~~اختلف في معنى كان هاهنا فقال قتادة معناه ما كان له ذلك في حكم الله وأمره ~~وقال آخرون ما كان له سبب جواز قتله وقال آخرون ما كان له ذلك فيما سلف كما ~~ليس له الآن واختلف أيضا في معنى إلا فقال قائلون هو استثناء منقطع بمعنى ~~لكن قد يقتله فإذا وقع ذلك فحكمه كيت وكيت وهو كما قال النابغة: # وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري ~~لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد وقال آخرون هو استثناء صحيح ~~قد أفاد أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال وهو أن يرى عليه سيما المشركين ~~أو يجده في حيزهم فيظنه مشركا فجائز له قتله وهو خطأ كما # PageV03P191 # روي عن الزهري عن عروة بن الزبير أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخطأ المسلمون يومئذ بأبيه يحسبونه من العدو ~~وكروا عليه بأسيافهم فطفق حذيفة يقول إنه أبي فلم يفهموا قوله حتى قتلوه ~~فقال عند ذلك يغفر الله لكم ms1241 وهو أرحم الراحمين فبلغت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فزادت حذيفة عنده خيرا ومن الناس من يقول معناه ولا خطأ لأن قتل ~~المؤمن من غير مباح بحال قتال فغير جائز أن يكون الاستثناء محمولا على ~~حقيقته وهذا ليس بشيء من وجهين أحدهما أن إلا لم توجد بمعنى ولا والثاني ما ~~أنكره من امتناع إباحة قتل الخطإ موجود في حظره لأن الخطأ إن كان لا تصح ~~إباحته لأنه غير معلوم عنده أنه خطأ فكذلك لا يصح حظره ولا النهي عنه وقال ~~آخرون قد تضمن قوله وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ إيجاب العقاب ~~لقاتله لاقتضاء إطلاق النهي لذلك وأفاد بذلك استحقاق المأثم ثم قال إلا خطأ ~~فإنه لا مأثم على فاعله وإنما أدخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ من ~~استحقاق المأثم وأخرج منه قاتل الخطإ والاستثناء مستعمل في موضعه على هذا ~~القول غير معدول به عن وجهه وإنما دخل على المأثم المستحق بالقتل وأخرج ~~قاتل الخطإ منه ولم يدخل على فعل القاتل فيكون مبيحا لما حظره بلفظ الجملة ~~قال أبو بكر وهذا وجه صحيح سائغ وتأويل من تأوله على إباحة قتل الخطإ فيمن ~~يظنه مشركا فإنه معلوم أنه لم يصح له ذلك إلا على الصفة المشروطة إن كان ~~ذلك إباحة وهو أن يكون ذلك خطأ عند القاتل وإذا كان قتل المسلم الذي في حيز ~~العدو قصد بالقتل لا يكون خطأ عند القاتل وإنما عنده أنه قتل عمد مأمور به ~~فغير جائز أن يكون ذلك مراد الآية لأن الإباحة على قول هذا القائل لم يوجد ~~شرطها وهو أن يكون قتل خطأ عند القاتل ألا يرى أنه إذا قال لا تقتله عمدا ~~اقتضى النهي قتلا بهذه الصفة عند القاتل وإذا قال لا تقتله بالسيف فإنما ~~حظر عليه قتلا بهذه الصفة فكذلك قوله إلا خطأ إذا كان قد اقتضى إباحة قتل ~~الخطإ فواجب أن يكون شرط الإباحة أن يكون عنده أنه خطأ وذلك محال لا يجوز ~~وقوعه لأن الخطأ هو الذي لا ms1242 يعلم القاتل أنه مخطئ فيه والحال التي لا ~~يعلمها لا يجوز أن يتعلق بها حظر ولا إباحة وقال أصحابنا القتل على أنحاء ~~أربعة عمد وخطأ وشبه عمد وما ليس بعمد ولا خطأ ولا شبه عمد فالعمد ما تعمد ~~ضربه بسلاح مع العلم بحال المقصود به والخطأ على ضربين أحدهما أن يقصد رمى # PageV03P192 # مشرك أو طائر فيصيب مسلما والثاني أن يظنه مشركا لأنه في حيز أهل الشرك ~~أو عليه لباسهم فالأول خطأ في الفعل والثاني خطأ في القصد وشبه العمد ما ~~تعمد ضربه بغير سلاح من حجر أو عصا وقد اختلف الفقهاء في ذلك وسنذكره في ~~موضعه إن شاء الله تعالى وأما ما ليس بعمد ولا شبه عمد ولا خطأ فهو قتل ~~الساهي والنائم لأن العمد ما قصد إليه بعينه والخطأ أيضا الفعل فيه مقصود ~~إلا أنه يقع الخطأ تارة في الفعل وتارة في القصد وقتل الساهي غير مقصود ~~أصلا فليس هو في حيز الخطإ ولا العمد إلا أن حكمه حكم الخطإ في الدية ~~والكفارة قال أبو بكر وقد ألحق بحكم القتل في الحقيقة لا عمدا ولا غير عمد ~~وذلك نحو حافر البئر وواضع الحجر في الطريق إذا عطب به إنسان هذا ليس بقاتل ~~في الحقيقة إذ ليس له فعل في قتله لأن الفعل منا إما أن يكون مباشرة أو ~~متولدا وليس من واضع الحجر وحافر البئر فعل في العاثر بالحجر والواقع في ~~البئر لا مباشرة ولا تولدا فلم يكن قاتلا في الحقيقة ولذلك قال أصحابنا إنه ~~لا كفارة عليه وكان القياس أن لا تجب عليه الدية # ولكن الفقهاء متفقون على وجوب الدية فيه قال الله تعالى ومن قتل مؤمنا ~~خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ولم يذكر في الآية من عليه ~~الدية من القاتل أو العاقلة وقد وردت آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إيجاب دية الخطإ على العاقلة واتفق الفقهاء عليه منها ما # روي الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كتب ms1243 النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم ويفكوا عانيهم ~~بالمعروف والإصلاح بين المسلمين # وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كتب على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل أن يتولى مولى رجل بغير إذنه # وروى مجالد عن الشعبي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ~~ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة ~~على عاقلة القاتلة وترك زوجها وولدها فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا ميراثها لزوجها وولدها قال وكانت حبلى فألقت ~~جنينا فخاف عاقلة القاتلة أن يضمنهم فقال يا رسول الله لا شرب ولا أكل ولا ~~صاح ولا استهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا سجع الجاهلية فقضى في ~~الجنين غرة عبد أو أمة # وروى محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قضى في الجنين عبدا أو أمة فقال الذي قضي عليه العقل أنؤدي من لا شرب ولا ~~أكل ولا صاح ولا استهل فمثل «13- أحكام لث» # PageV03P193 # ذلك بطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا لقول الشاعر فيه غرة عبد ~~أو أمة # وروى عبد الواحد ابن زياد عن مجالد عن الشعبي عن جابر أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جعل في الجنين غرة على عاقلة القاتل # وروى الأعمش عن إبراهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل العقل على ~~العصبة # وعن إبراهيم قال اختصم علي والزبير في ولاء موالي صفية إلى عمر فقضى ~~بالميراث للزبير والعقل على علي رضي الله عنه وروي عن علي وعمر في قوم ~~أجلوا عن قتيل أن الدية على بيت المال وعن عمر في قتيل وجد بين وداعة وحي ~~آخر أنه قضى بالدية على العاقلة فقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إيجاب دية الخطإ على العاقلة واتفق السلف وفقهاء ms1244 الأمصار عليه فإن ~~قيل قال الله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤخذ الرجل بحريرة أبيه ولا بجريرة ~~أخيه # وقال لأبي رمثة وابنه إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه # والعقول أيضا تمنع أخذ الإنسان بذنب غيره قيل له أما قوله تعالى ولا تكسب ~~كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى فلا دلالة فيه على نفي وجوب الدية ~~على العاقة لأن الآية إنما نفت أن يؤخذ الإنسان بذنب غيره وليس في إيجاب ~~الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني إنما الدية عندنا على القاتل وأمر ~~هؤلاء القوم بالدخول معه في تحملها على وجه المواساة له من غير أن يلزمهم ~~ذنب جنايته وقد أوجب الله في أموال الأغنياء حقوقا للفقراء من غير إلزامهم ~~ذنبا لم يذنبوه بل على وجه المواساة وأمر بصلة الأرحام بكل وجه أمكن ذلك ~~وأمر ببر الوالدين وهذه كلها أمور مندوب إليها للمواساة وصلاح ذات البين ~~فكذلك أمرت العاقلة بتحمل الدية عن قاتل الخطأ على جهة المواساة من غير ~~إحجاف بهم به وإنما يلزم كل رجل منهم ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم ويجعل ذلك ~~في أعطياتهم إذا كانوا من أهل الديوان ومؤجلة ثلاث سنين فهذا مما ندبوا ~~إليه من مكارم الأخلاق وقد كان تحمل الديات مشهورا في العرب قبل الإسلام ~~وكان ذلك مما يعد من جميل أفعالهم ومكارم أخلاقهم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق # فهذا فعل مستحسن في العقول مقبول في الأخلاق والعادات وكذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه ~~ولا يجني عليك ولا تجني عليه # لا ينفي وجوب الدية على العاقلة على هذا النحو الذي ذكرناه من معنى الآية ~~من غير أن يلام على فعل الغير أو يطالب بذنب سواه ولوجوب الدية على العاقلة ~~وجوه سائغة # PageV03P194 # مستحسنة في العقول أحدها أنه جائز أن يتعبد الله تعالى بديا بإيجاب المال ~~عليهم ms1245 لهذا الرجل من غير قتل كان منه كما أوجب الصدقات في مال الأغنياء ~~للفقراء والثاني أن موضوع الدية على العاقلة إنما هو على النصرة والمعونة ~~ولذلك أوجبها أصحابنا على أهل ديوانه دون أقربائه لأنهم أهل نصرته ألا ترى ~~أنهم يتناصرون على القتال والحماية والذب عن الحريم فلما كانوا متناصرين في ~~القتال والحماية أمروا بالتناصر والتعاون على تحمل الدية ليتساووا في حملها ~~كما تساووا في حماية بعضهم بعضا عند القتال والثالث أن في إيجاب الدية على ~~العاقلة زوال الضغينة والعداوة من بعضهم لبعض إذا كانت قبل ذلك وهو داع إلى ~~الألفة وصلاح ذات البين ألا ترى أن رجلين لو كانت بينهما عداوة فتحمل ~~أحدهما عن صاحبه ما قد لحقه لأدى ذلك إلى زوال العداوة وإلى الألفة وصلاح ~~ذات البين كما لو قصده إنسان بضرر فعاونه وحماه عنه انسلت سخيمة قلبه وعاد ~~إلى سلامة الصدر والموالاة والنصرة والرابع أنه إذا تحمل عنه جنايته حمل ~~القاتل إذا جنى أيضا فلم يذهب حمله للجناية عنه ضياعا بل كان له أثر محمود ~~يستحق مثله عليه إذا وقعت منه جناية فهذه وجوه كلها مستحسنة في العقول غير ~~مدفوعة وإنما يؤتى الملحد المتعلق بمثله من ضيق عطنه وقلة معرفته وإعراضه ~~عن النظر والكفر والحمد لله على حسن هدايته وتوفيقه ولا خلاف بين الفقهاء ~~في وجوب دية الخطإ في ثلاث سنين قال أصحابنا كل دية وجبت من غير صلح فهي في ~~ثلاث سنين وروى أشعث عن الشعبي والحكم عن إبراهيم قالا أول من فرض العطاء ~~عمر بن الخطاب وفرض فيه الدية كاملة في ثلاث سنين وثلثي الدية في سنتين ~~والنصف في سنتين وما دون ذلك في عامه قال أبو بكر استفاض ذلك عن عمر ولم ~~يخالفه أحد من السلف واتفق فقهاء الأمصار عليه فصار إجماعا لا يسع خلافه ~~واختلف فقهاء الأمصار في العاقلة من هم فقال أبو حنيفة وسائر أصحابنا الدية ~~في قتل الخطإ على العاقلة في ثلاث سنين من يوم يقضى بها والعاقلة هم أهل ~~ديوانه إن ms1246 كان من أهل الديوان يؤخذ ذلك من أعطياتهم حتى يصيب الرجل منهم من ~~الدية كلها ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم فإن أصابه أكثر من ذلك ضم إليهم ~~أقرب القبائل في النسب من أهل الديوان وإن كان القاتل ليس من أهل الديوان ~~فرضت الدية على عاقلته الأقرب فالأقرب في ثلاث سنين من يوم يقضى بها القاضي ~~فيؤخذ في كل سنة ثلث الدية عند رأس كل حول ويضم إليهم # PageV03P195 # أقرب القبائل منهم في النسب حتى يصيب الرجل منهم الدية ثلاثة دراهم أو ~~أربعة قال محمد بن الحسن ويعقل عن الحليف حلفاؤه ولا يعقل عنه قوله وقال ~~عثمان البتي ليس أهل الديوان أولى بها من سائر العاقلة وقال ابن القاسم عن ~~مالك الدية على القبائل على الغني على قدره ومن دونه على قدره حتى يصيب ~~الرجل من مائة درهم ونصف وحكي عنه أن ذلك يؤخذ من أعطياتهم وقال الثوري ~~تجعل الدية ثلثا في العام الذي أصيب فيه الرجل ولكن تكون عند الأعطية على ~~الرجال وقال الحسن بن صالح العقل على رؤس الرجال في أعطية المقاتلة وقال ~~الليث العقل على القاتل وعلى القوم الذين يأخذون معهم العطاء ولا يكون على ~~قومه منه شيء وإن لم يكن فيهم من يحمل العقل ضم إلى ذلك أقرب القبائل إليهم ~~وروى المزني في مختصره عن الشافعي أن العقل على ذوي الأنساب دون أهل ~~الديوان والحلفاء على الأقرب فالأقرب من بني أبيه ثم من بني جده ثم من بني ~~جد أبيه فإن عجزوا عن البعض حمل الموالي المعتقون الباقي فإن عجزوا عن بعض ~~ولهم عواقل عقلتهم عواقلهم فإن لم يكن لهم ذو نسب ولا مولى من أعلى حمل على ~~الموالي من أسفل ويحمل من كثر ماله نصف دينار ومن كان دونه ربع دينار ولا ~~يزاد على هذا ولا ينقص منه قال أبو بكر # حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب على كل بطن عقوله وقال لا ~~يتولى مولى قوم إلا بإذنهم # يدل على سقوط اعتبار الأقرب فالأقرب ms1247 وأن القريب والبعيد من الجاني سواء ~~في ذلك وروي عن عمر أنه قال لسلمة بن نعيم حين قتل مسلما وهو يظنه كافرا إن ~~عليك وعلى قومك الدية ولم يفرق بين القريب والبعيد منهم وهذا يدل على تساوي ~~القريب والبعيد ويدل أيضا على التسوية بينهم فيما يلزم كل واحد منهم من غير ~~اعتبار الغني والفقير ويدل على أن القاتل يدخل في العقل مع العاقلة لأنه # قال عليك وعلى قومك الدية # وكان أهل الجاهلية يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر فيه كذلك ~~ثم جعل عمر الدواوين فجمع بها الناس وجعل أهل كل راية وجند يدا واحدة وجعل ~~عليهم قتال من يليهم من الأعداء فصاروا يتناصرون بالرايات والدواوين وعليها ~~يتعاقلون وإذا لم يكن من أهل الديوان فعلى القبائل لأن التناصر في هذه ~~الحال بالقبائل فالمعنى الذي تعاقلوا به في الجاهلية والإسلام معنى واحد ~~وهو النصر فإذا كانت في الجاهلية النصرة بالروايات والدواوين تعاقلون بها ~~لأنهم في هذه الحال أخص بالنصرة من القبيلة فإذا فقدت الرايات تناصروا # PageV03P196 # بالقبائل وبها يتعاقلون أيضا والدليل على أن العقل تابع للنصرة أن النساء ~~لا يدخلن في العقل لعدم النصرة فيهن فدل ذلك على صحة اعتبار النصرة في ~~العقل وأما العقل بالحلف # فإن سعد بن إبراهيم روى عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة # فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم حلف الجاهلية وقد كان الحلف عندهم ~~كالقرابة في النصرة والعقل ثم أكده الإسلام # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مولى القوم من أنفسهم وحليفهم ~~منهم # وقد كانت ظهرت خيل للنبي صلى الله عليه وسلم على رجل من المشركين فربطه ~~إلى سارية من سواري المسجد فقال علام أحبس فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~بجريرة حلفائك # فإن قيل فقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم حلف الإسلام # بقوله لا حلف في الإسلام # قيل له معناه نفي التوارث به ms1248 مع ذوي الأرحام لأنهم كانوا يورثون الحليف ~~دون ذوي الأرحام فأما حكم الحلف في العقل والنصرة فباق ثابت وكذلك الولاء ~~ثابت يعقل به لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار المتقدمة ~~وإنما ألزم أصحابنا كل واحد ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم لاتفاق الجميع على ~~لزومه هذا القدر وما زاد مختلف فيه لم تقم الدلالة عليه فلم يلزمه ويدخل ~~القاتل معهم في العقل وهو قول أصحابنا ومالك وابن شبرمة والليث والشافعي ~~وقال الحسن بن صالح والأوزاعي لا يدخل فيه وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن ~~عبد العزيز أنه يعقل معهم وما روي عن أحد من السلف خلافه ومن جهة النظر أن ~~الدية إنما تلزم القاتل والعاقلة تعقل عنه على جهة المواساة والنصرة فواجب ~~أن لا يلزم العاقلة إلا المتيقن وقد اتفقوا على أن ما عدا حصة الواحد منهم ~~لازم العاقلة واختلفوا في المقدار الذي هو نصيب أحدهم هل تحمله العاقلة ~~فواجب أن لا يكون لازما لعدم الدلالة على لزومه العاقلة ومن جهة أخرى أن ~~العاقلة إنما تعقل عنه فعقله عن نفسه أولى فينبغي أن يدخل معهم وأيضا لو ~~كان غيره هو الجاني لدخل مع سائر العاقلة للتخفيف عنهم فإذا كان هو الجاني ~~فهو أولى بالدخول معهم للتخفيف عنهم لأنهم متساوون في التناصر والمواساة ~~قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن ~~بن زياد والأوزاعي والشافعي يجزي في كفارة القتل الصبي إذا كان أحد أبويه ~~مسلما وهو قول عطاء وروي عن ابن عباس والحسن وإبراهيم والشعبي لا يجزي إلا ~~من صام وصلى ولم يختلفوا في جوازه في رقبة # PageV03P197 # الظهار ويدل على صحة القول الأول قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة وهذه رقبة ~~مؤمنة # لقول النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ~~وينصرانه # فأثبت له حكم الفطرة عند الولادة فوجب جوازه بإطلاق اللفظ ويدل عليه أن ~~قوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ منتظم للصبي كما يتناول الكبير فوجب أن ~~يتناوله ms1249 عموم قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ولم يشرط الله عليها الصيام ~~والصلاة فلا تجوز الزيادة فيه لأن الزيادة في النص توجب النسخ ولو أن عبدا ~~أسلم فأعتقه مولاه عن كفارته قبل حضور وقت الصلاة والصيام كان مجزيا عن ~~الكفارة لحصول اسم الإيمان فكذلك الصبي إذا كان داخلا في إطلاق اسم الإيمان ~~فإن قيل العبد المعتق بعد إسلامه لا يجزي إلا أن يكون قد صام وصلى قيل له ~~لا يختلف المسلمون في إطلاق اسم الإيمان على العبد الذي أسلم قبل حضور وقت ~~الصلاة أو الصوم فمن أين شرطت مع الإيمان فعل الصلاة والصوم والله سبحانه ~~لم يشرطهما ولم زدت في الآية ما ليس فيها وحظرت ما أباحته من غير نص يوجب ~~ذلك وفيه إيجاب نسخ القرآن وأيضا لما كان حكم الصبي حكم الرجل في باب ~~التوارث والصلاة عليه ووجوب الدية على قاتله وجب أن يكون حكمه حكمه في ~~جوازه عن الكفارة إذ كانت رقبة تامة لها حكم الإيمان فإن قيل قوله تعالى ~~فتحرير رقبة مؤمنة يقتضي حقيقة رقبة بالغة معتقدة للإيمان لا من لها حكم ~~الإيمان من غير اعتقاد ولا خلاف مع ذلك أيضا أن الرقبة التي هذه صفتها ~~مرادة بالآية فلا يدخل فيها من لا تلحقه هذه السمة إلا على وجه المجاز وهو ~~العقل الذي لا اعتقاد له قيل له لا خلاف بين السلف أن غير البالغ جائز في ~~كفارة الخطإ إذا كان قد صام وصلى ولم يشرط أحد وجود الإيمان منه حقيقة ألا ~~ترى أن من له سبع سنين مأمور بالصلاة على وجه التعليم وليس له اعتقاد صحيح ~~للإيمان فثبت بذلك سقوط اعتبار وجود حقيقة الإيمان الرقبة ولما ثبت ذلك ~~باتفاق السلف علمنا أن الاعتبار فيه بمن لحقته سمة الإيمان على أي وجه سمي ~~والصبي بهذه الصفة إذا كان أحد أبويه مسلما فوجب جوازه عن الكفارة. # قوله تعالى إلا أن يصدقوا قال أبو بكر يعني والله أعلم إلا أن يبرئ ~~أولياء القتيل من الدية فسمي الإبراء منها صدقة وفيه ms1250 دليل على أن من كان له ~~على آخر دين فقال قد تصدقت به عليك أن ذلك براءة صحيحة وأنه لا يحتاج في ~~صحة هذه البراءة إلى # PageV03P198 # قبول المبرأ منه ولذلك قال أصحابنا إن البراءة واقعة ما لم يردها المبرأ ~~منه وقال زفر لا يبرأ الغريم من الدين إلا أن يقبل البراءة وكذلك الصدقة ~~وجعل بمنزلة هبة الأعيان وظاهر الآية يدل على صحة قول أصحابنا لأنه لم يشرط ~~القبول ولأن الدين حق فيصح إسقاطه كالعفو عن دم العمد والعتق ولا يحتاج إلى ~~قبول وقال أصحابنا إذا رد المبرأ منه البراءة من الدين عاد الدين وقال ~~غيرهم لا يعود وجعلوه كالعنق والعفو عن دم العمد والدليل على صحة قولنا أن ~~البراءة من الدين يلحقها الفسخ ألا ترى أنه لو صالحه على ثوب برىء فإن هلك ~~الثوب قبل القبض بطلت البراءة وعاد الدين والعتق والعفو عن الدم لا ينفسخان ~~بحال ويدل أيضا على وقوع البراءة من الدين بلفظ التمليك أن الصدقة من ألفاظ ~~التمليك وقد حكم بصحة البراءة بها وأنه ليس بمنزلة الأعيان إذا ملكها غيره ~~بلفظ الإبراء فلا يملك مثل أن يقول قد أبرأتك من هذا العبد فلا يملكه وإن ~~قبل البراءة وإذا قال قد تصدقت بمالي عليك من الدين أو قد وهبت لك مالي ~~عليك صحت البراءة ويدل على ذلك أن من له على غيره دين وهو غني فقال قد ~~تصدقت به عليك برىء منه لأن الله تعالى لم يفرق بين الغني والفقير في ذلك ~~ويدل على أن الأهل يعبر به عن الأولياء والورثة لأن قوله فدية مسلمة إلى ~~أهله معناه إلى ورثته وقال محمد ابن الحسن فيمن أوصى لأهل فلان إن القياس ~~أن يكون لزوجاته إلا أني قد تركت القياس وجعلته لكل من كان في عياله قال ~~أبو بكر الأهل اسم يقع على الزوجة وعلى جميع من يشتمل عليه منزله وعلى ~~أتباع الرجل وأشياعه قال الله تعالى إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك فكان ذلك ~~على جميع أهل منزله من أولاده ms1251 وغيرهم وقال فنجيناه وأهله أجمعين ويقع على ~~من اتبعه في دينه كقوله ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم فسمى أتباعه في دينه أهله وقال في ابنه إنه ليس من أهلك إنه ~~عمل غير صالح فاسم الأهل يقع على معان مختلفة وقد يطلق اسم الأهل ويراد به ~~الآل وهو قراباته من قبل الأب كما يقال آل النبي وأهل بيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهما سواء. ### | باب شبه العمد # قال أبو بكر أصل أبي حنيفة في ذلك أن العمد ما كان بسلاح أو ما يجري ~~مجراه # PageV03P199 # مثل الذبح بليطة قصبة أو شقة العصا أو بكل شيء له حد يعمل عمل السلاح أو ~~بحرقه بالنار فهذا كله عنده عمد محض فيه القصاص ولا نعلم في هذه الجملة ~~خلافا بين الفقهاء وقال أبو حنيفة ما سوى ذلك من القتل بالعصا والحجر صغيرا ~~كان أو كبيرا فهو شبه العمد وكذلك التغريق في الماء وفيه الدية مغلظة على ~~العاقلة وعليه الكفارة ولا يكون التغليظ عنده إلا في أسنان الإبل خاصة دون ~~عددها وليس فيما دون النفس شبه عمد بل بأي شيء ضربه فعليه القصاص إذا أمكن ~~وإن لم يكن فعليه أرشه مغلظا إذا كان من الإبل يسقط ما يجب وأصل أبي يوسف ~~ومحمد أن شبه العمد مالا يقتل مثله كاللطمة الواحدة والضربة الواحدة بالسوط ~~ولو كرر ذلك حتى صار جملته مما يقتل كان عمدا وفيه القصاص بالسيف وكذلك إذا ~~غرقه بحيث لا يمكنه الخلاف منه وهو قول عثمان البتي إلا أنه يجعل دية شبه ~~العمد في ماله قال ابن شبرمة وما كان من شبه العمد فهو عليه في ماله يبدأ ~~بماله فيوخذ حتى لا يترك له شيء فإن لم يتم كان ما بقي من الدية على عاقلته ~~وقال ابن وهب عن مالك إذا ضربه بعصا أو رماه بحجر أو ضربه عمدا فهو عمد ~~وفيه القصاص ومن العمد أن يضربه في نائرة تكون بينهما ثم ينصرف عنه وهو حي ~~ثم ms1252 يموت فتكون فيه القسامة وقال ابن القاسم عن مالك شبه العمد باطل إنما هو ~~عمد أو خطأ وقال الأشجعي عن الثوري شبه العمد أن يضربه بعصا أو بحجر أو ~~بيده فيموت ففيه الدية مغلظة ولا قود فيه والعمد ما كان بسلاح وفيه القود ~~والنفس يكون فيها العمد وشبه العمد والخطأ الجراحة لا يكون فيها إلا خطأ أو ~~عمد وروى الفضل بن دكين عن الثوري قال إذا حدد عودا أو عظما فجرح به بطن حر ~~فهذا شبه عمد ليس فيه قود قال أبو بكر هذا قول شاذ وأهل العلم على خلافه ~~وقال الأوزاعى في شبه العمد الدية في ماله فإن لم يكن تماما فعلى العاقلة ~~وشبه العمد أن يضربه بعصا أو سوط ضربة واحدة فيموت فإن ثنى بالعصا فمات ~~مكانه فهو عمد يقتل به والخطأ على العاقلة وقال الحسن بن صالح إذا ضربه ~~بعصا ثم على فقتله مكانه من الضربة الثانية فعليه القصاص وإن على الثانية ~~فلم يمت منها ثم مات بعدها فهو شبه العمد لا قصاص فيه وفيه الدية على ~~العاقلة والخطأ على العاقلة وقال الليث العمد ما تعمده إنسان فإن ضربه ~~بأصبعه فمات من ذلك دفع إلى ولي المقتول والخطأ فيه على العاقلة وهذا يدل ~~على أن الليث كان لا يرى شبه العمد وإنما يكون # PageV03P200 # خطأ أو عمدا وقال المزني في مختصره عن الشافعي إذا عمد رجل بسيف أو حجر ~~أو سنان رمح أو ما يشق بحده فضرب به أو رمى به الجلد أو اللحم فجرحه جرحا ~~كبيرا أو صغيرا فمات فعليه القود وإن شدخه بحجر أو تابع عليه الخنق ووالى ~~بالسوط عليه حتى مات أو طبق عليه مطبقا بغير طعام ولا شراب أو ضربه بسوط في ~~شدة حر أو برد مما الأغلب أنه يموت منه فمات فعليه القود وإن ضربه بعمود أو ~~بحجر لا يشدخ أو بحد سيف ولم يجرح أو ألقاه في بحر قريب البر وهو يحسن ~~العوم أو ما الأغلب أنه لا يموت مثله فمات فلا ms1253 قود فيه وفيه الدية مغلظة ~~على العاقلة والدليل على ثبوت شبه العمد ما # روى هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة بن جوشن عن عقبة بن أوس ~~السدوسي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم ~~خطب يوم فتح مكة فقال في خطبته ألا إن قتيل خطإ العمد بالسوط والعصا والحجر ~~فيه الدية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها # وروى إبراهيم عن عبيد بن نضلة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة أن امرأتين ~~ضربت إحداهما الأخرى بعمود الفسطاط فقتلتها فقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالدية على عصبة القاتلة وقضى فيما في بطنها بالغرة # وروى يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي ~~هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فضربت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما ~~في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها ~~عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها # ففي أحد هذين الحديثين أنها ضربتها بعمود فسطاط وفي الآخر أنها ضربتها ~~بحجر # وقد روى أبو عاصم عن ابن جريج قال أخبرني عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن ~~عباس أن عمر بن الخطاب نشد الناس قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجنين فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال إنني كنت بين امرأتين لي وإن ~~إحداهما ضربت الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الجنين بغرة وأن تقتل مكانها # وروى الحجاج بن محمد عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس ~~عن عمر بمثله فذكر أبو عاصم والحجاج عن ابن جريج أنه أمر بقتل المرأة وروى ~~هذا الحديث هشام بن سليمان المخزومي عن ابن جريج عن ابن دينار وسفيان بن ~~عيينة عن عمرو بن دينار بإسناده ولم يذكرا فيه أنه أمر أن تقتل وذكر أبو ~~عاصم والحجاج أنه أمر أن تقتل المرأة فاضطرب حديث ms1254 ابن عباس في هذه القصة # PageV03P201 # وروى سعيد عن قتادة عن أبي المليح عن حمل بن مالك قال كانت له امرأتان ~~فرجمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب قلبها وهي حامل فألقت جنينا فماتت فرفع ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالدية على عاقلة القاتلة وقضى في الجنين بغرة عبد أو أمة # فكان حديث حمل بن مالك في إيجاب القود على المرأة مختلفا متضادا وروي في ~~بعض أخبار ابن عباس في هذه القصة بعينها القصاص ولم يذكره في بعضها قال حمل ~~بن مالك وهو صاحب القصة # إن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الدية على عاقلة القاتلة # فتضادت الأخبار في قصة حمل ابن مالك وسقطت وبقي حديث المغيرة بن شعبة ~~وأبي هريرة في نفي القصاص من غير معارض # وقد روى أبو معاوية عن حجاج عن قتادة عن الحسن قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قتيل السوط والعصا شبه العمد # وإثبات شبه العمد ضربا من القتل دون الخطإ فيه اتفاق السلف عندنا لا خلاف ~~بينهم فيه وإنما الاختلاف بينهم في كيفية شبه العمد فأما أن يقول مالك لا ~~أعرف إلا خطأ أو عمدا فإن هذا قول خارج عن أقاويل السلف كلهم # وروى شريك عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي قال شبه العمد بالعصا ~~والحجر الثقيل وليس فيهما قود # وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال يعمد أحدكم فيضرب أخاه بمثل آكلة اللحم ~~وهي العصا ثم يقول لا قود علي لا أوتى بأحد فعل ذلك إلا أقدته فكان هذا ~~عنده من العمد لأن مثله يقتل في الغالب على ما قال أبو يوسف ومحمد ومما ~~يبين إجماع الصحابة على شبه العمد وأنه قسم ثالث ليس بعمد محض ولا خطأ محض ~~اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسنان الإبل في الخطإ ثم ~~اختلافهم في أسنان شبه العمد وأنها أغلظ من الخطإ منهم علي وعمر وعبد الله ~~بن مسعود وعثمان بن ms1255 عفان وزيد بن ثابت وأبو موسى والمغيرة بن شعبة كل هؤلاء ~~أثبت أسنان الإبل في شبه العمد أغلظ منها في الخطإ على ما سنبينه فيما بعد ~~إن شاء الله تعالى فثبت بذلك شبه العمد ولما ثبت شبه العمد بما قدمنا من ~~الآثار واتفاق السلف بعد اختلاف منهم في كيفيته احتجنا أن نعتبر شبه العمد # فوجدنا عليا قال شبه العمد بالعصا والحجر العظيم # ومعلوم أن شبه العمد اسم شرعي لا سبيل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف إذ ~~ليس في اللغة هذا الاسم لضرب من القتل فعلمنا أن عليا لم يسم القتل بالحجر ~~العظيم شبه العمد إلا توقيفا ولم يذكر الحجر العظيم إلا والصغير والكبير ~~متساويان عنده في سقوط القود به ويدل عليه ما # حدثنا عبد الباقي # PageV03P202 # ابن قانع قال حدثنا المعمري قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الرقي قال ~~حدثنا ابن المبارك عن سليمان التيمي وخالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن ~~عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قتيل ~~الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها أربعون خلفة في ~~بطونها أولادها # فقد حوى هذا الخبر معاني منها إثباته قتيل خطأ العمد قسما غالب العمد ~~وغير الخطإ وهو شبه العمد ومنها إيجابه الدية في قتيل السوط والعصا من غير ~~فرق بين ما يقتل مثله وبين ما لا يقتل مثله وبين من يوالي الضرب حتى يقتله ~~وبين من يقتل بضربة واحدة ومنها أنه جمع بين السوط والعصا والسوط لا يقتل ~~مثله في الغالب والعصا يقتل مثلها في الأكثر فدل على وجوب التسوية بين ما ~~يقتل وبين ما لا يقتل # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا عقبة بن مكرم قال حدثنا يونس بن بكير قال حدثنا قيس بن الربيع عن أبى ~~حصين عن إبراهيم بن بنت النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كل شيء سوى الحديدة ms1256 خطأ ولكل خطأ أرش # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن يحيى بن سهل بن محمد ~~العسكري قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا يوسف بن يعقوب الضبعي قال ~~حدثنا سفيان الثوري وشعبة عن جابر الجعفي عن أبي عازب عن النعمان بن بشير ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء خطأ إلا السيف وفي كل خطأ أرش # وأيضا لما اتفقوا على أنه لو جرحه بسكين صغيرة لم يختلف حكمها وحكم ~~الكبيرة في وجوب القصاص فوجب أن لا يختلف حكم الصغير والكبير من الحجر ~~والخشب في سقوطه وهذا يدل على أن الحكم في إيجاب القصاص متعلق بالآلة وهي ~~أن تكون سلاحا أو يعمل عمل السلاح فإن قيل على ما روينا من # قوله صلى الله عليه وسلم قتيل خطإ العمد أن العمد لا يكون خطأ ولا الخطأ ~~عمدا # وهذا يدل على فساد الحديث قيل ليس كذلك لأنه سماه خطأ في الحكم عمد في ~~الفعل وذلك معنى صحيح لأنه دل به على التغليظ من حيث هو عمد وعلى سقوط ~~القود من حيث هو في حكم الخطإ فإن قيل قوله تعالى كتب عليكم القصاص في ~~القتلى وقوله النفس بالنفس وسائر الآي التي فيها إيجاب القصاص يوجبه على ~~القاتل بالحجر العظيم قيل له لا خلاف أن هذه الآي إنما أوجبت القصاص في ~~العمد وهذا ليس بعمد ومع ذلك فإن الآي وردت في إيجاب القصاص في الأصل ~~والآثار التي # PageV03P203 # ذكرنا واردة فيما يجب فيه القصاص فكل واحد منهما مستعمل فيما ورد فيه لا ~~يعترض بأحدهما على الآخر وأيضا قال الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وسمى النبي صلى الله عليه وسلم شبه العمد ~~قتيل خطإ العمد فلما أطلق عليه اسم الخطإ وجب أن تكون فيه الدية فإن احتجوا ~~بحديث ابن عباس في قصة المرأتين قتلت إحداهما الأخرى بمسطح فأوجب النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليها القصاص قيل له قد بينا اضطراب الحديث وما عارضه ms1257 من ~~رواية حمل بن مالك في إيجاب الدية دون القود ولو ثبت القود أيضا فإن ذلك ~~إنما كان في شيء بعينه ليس بعموم في جميع من قتل بمسطح وجائز أن يكون كان ~~فيه حديد وأصابها الحديد دون الخشب فمن أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيه ~~القود فإن احتجوا بما # روي أن يهوديا رضخ رأس جارية بالحجارة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~يرضخ رأسه # قيل له جائز أن يكون كان لها مروة وهي التي لها حد يعمل عمل السكين فلذلك ~~أوجب النبي صلى الله عليه وسلم قتله وأيضا # روى عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس أن يهوديا ~~قتل جارية من الأنصار على حلي لها وألقاها في نهر ورضخ رأسها بالحجارة فأتى ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات # ولا خلاف أن الرجم لا يجب على وجه القود وجائز أن يكون اليهودي مستأمنا ~~فقتل الجارية ولحق بأرضه فأخذ وهو حربي لقرب منازلهم من المدينة فقتله على ~~أنه محارب حربي ورجمه كما سمل أعين العرنيين الذين استاقوا الإبل وقتلوا ~~الراعي وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم حتى ماتوا ثم نسخ القتل على وجه المثلة. # فصل وأما ما دون النفس فإنه ليس فيه شبه العمد من جهة الآلة ويجب فيه ~~القصاص بحجر شجه أو بحديد وفيه شبه العمد من جهة التغليظ إذا تعذر فيه ~~القصاص وإنما لم يثبت فيما دون النفس بشبه العمد لأن الله تعالى قال ~~والجروح قصاص وقال والسن بالسن ولم يفرق بين وقوعها بحديد أو غيره والأثر ~~إنما ورد في إثبات خطأ معمد في القتل وذلك اسم شرعي لا يجوز إثباته إلا من ~~طريق التوقيف ولم يرد فيما دون النفس توقيف في شبه العمد وأثبتوا فيه ~~التغليظ إذا لم يمكن فيه القصاص لأنه بمنزلة شبه العمد حين كان عمدا في ~~الفعل وقد روي عن عمر نضر الله وجهه أنه قضى قتادة المدلجي حين حذف ابنه ~~بالسيف ms1258 فقتله بمائة من الإبل مغلظة حين كان عمدا سقط فيه القصاص # PageV03P204 # كذلك فيما دون النفس إذا كان عمدا قد سقط فيه القصاص إيجاب قسطه من الدية ~~مغلظا ومع ذلك فلا نعلم خلافا بين الفقهاء في إيجاب القصاص في الجراحات ~~التي يمكن القصاص فيها بأي شيء جرح قال أبو بكر قد ذكرنا الخطأ وشبه العمد ~~في سورة البقرة والله أعلم. ### | باب مبلغ الدية من الإبل # قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الدية وأنها مائة ~~من الإبل فمنها # حديث سهل ابن أبي حثمة في القتيل الموجود بخيبر وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وداه بمائة من الإبل # وروى سفيان ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن ~~عمر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقال ألا إن قتيل خطإ ~~العمد بالسوط والعصا فيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون خلفة في بطونها ~~أولادها # وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~النفس مائة من الإبل # وروى عمرو بن دينار عن طاوس قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم دية ~~الخطأ ماله من الإبل # وذكر علي بن موسى القمي قال حدثنا يعقوب بن شيبة قال حدثنا قيس بن حفص ~~قال حدثنا الفضل بن سليمان النميري قال حدثنا غالب بن ربيعة ابن قيس ~~النميري قال أخبرني قرة بن دعموص النميري قال أتيت أنا وعمي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن لي عند هذا دية أبي فمره أن يعطينيها قال ~~أعطه دية أبيه وكان قتل في الجاهلية قلت يا رسول الله هل لأمي فيها حق قال ~~نعم وكان ديته مائة من الإبل # فقد حوى هذا الخبر أحكاما منها أن المسلم والكافر في الدية سواء لأنه ~~أخبر أنه قتل في الجاهلية ومنها أن المرأة ترث من دية زوجها ومنها أن الدية ~~مائة من الإبل ولا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار في ms1259 ذلك والله أعلم. ### | باب أسنان الإبل في دية الخطإ # قال أبو بكر اختلف السلف في ذلك فروى علقمة عن الأسود عن عبد الله بن ~~مسعود في دية الخطأ أخماسا وعشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون ~~بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعن عمر بن الخطاب أخماسا أيضا # وروى عاصم بن ضمرة وإبراهيم عن علي في دية الخطإ أرباعا خمس وعشرون حقة ~~وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات مخاض وخمس وعشرون بنات لبون أربعة # PageV03P205 # أسنان مثل أسنان الزكاة # وقال عثمان وزيد بن ثابت في الخطإ ثلاثون بنات لبون وثلاثون جذعة وعشرون ~~بنو لبون وعشرون بنات مخاض وروي عنهما مكان الجذاع الحقاق قال أبو بكر ~~واتفق فقهاء الأمصار أصحابنا ومالك والشافعي أن دية الخطإ أخماس إلا أنهم ~~اختلفوا في الأسنان من كل صنف فقال أصحابنا جميعا عشرون بنات مخاض وعشرون ~~بنو مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وقال مالك والشافعي ~~عشرون بنات مخاض وعشرون بنو لبون وعشرون بنات لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن داود بن توبة التمار قال ~~حدثنا عمرو بن محمد الناقد قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا حجاج بن أرطاة ~~عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم جعل الدية في الخطأ أخماسا # واتفق الفقهاء على استعمال هذا الخبر في الأخماس يدل على صحته ولم يبين ~~فيه كيفية الأسنان فروى منصور عن إبراهيم عن ابن مسعود في دية الخطإ أخماسا ~~وذكر الأسنان مثل قول أصحابنا فهذا يدل على أن الأخماس التي رواها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانت على هذا الوجه لأنه غير جائز أن يروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم شيئا ثم يخالفه إلى غيره فإن قيل خشف بن مالك مجهول قيل له ~~استعمال الفقهاء الخبرة في إثبات الأخماس يدل على صحته واستقامته وأيضا فإن ~~قول من جعل في الخطإ مكان بنو لبون بني ms1260 مخاض أولى لأن بني لبون بمنزلة بنات ~~مخاض # لقوله صلى الله عليه وسلم فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون # فيصير بمنزلة من أوجب أربعين بنات مخاض إذا أوجب عشرين بني لبون وعشرين ~~بنات مخاض وأيضا فإن بني لبون فوق بني مخاض ولا يجوز إثبات زيادة ما بين ~~بني لبون وبنات مخاض إلا بتوقيف وأيضا فإن # قول النبي صلى الله عليه وسلم الدية مائة من الإبل # يقتضي جواز ما يقع عليه الاسم فلا تثبت الزيادة إلا بدلالة ومذهب أصحابنا ~~أقل ما قيل فيه فهو ثابت وما زاد فلم تقم عليه دلالة فلا يثبت وأيضا قد ثبت ~~مثل قول أصحابنا عن عبد الله بن مسعود في كيفية الأسنان ولم يرو عن أحد من ~~الصحابة ممن قال بالأخماس خلافة وقول مالك والشافعي لا يروى عن أحد من ~~الصحابة وإنما يروى عن سليمان بن يسار فكان قول أصحابنا أولى لاتفاق الجميع ~~من فقهاء الأمصار على إثبات الأخماس وثبوت كيفيتها على الوجه الذي يذهب ~~إليه أصحابنا عن عبد الله بن مسعود فإن قيل إيجاب # PageV03P206 # بني لبون أولى من بني مخاض لأنها تؤخذ في الزكاة ولا تؤخذ بنو مخاض قيل ~~له ابن اللبون يؤخذ في الزكاة على وجه البدل وكذلك ابن مخاض يؤخذ عندنا على ~~وجه البدل فلا فرق بينهما وأيضا فإن الديات غير معتبرة بالزكاة ألا ترى أنه ~~يجب عند المخالف أربعون خلفة في شبه العمد ولا يجب مثلها في الزكاة والله ~~أعلم. ### | باب أسنان الإبل في شبه العمد # روي عن عبد الله بن مسعود في شبه العمد أرباعا خمس وعشرون بنات مخاض وخمس ~~وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وهي مثل أسنان الإبل في ~~الزكاة وروي عن علي وأبي موسى والمغيرة بن شعبة في شبه العمد ثلاثون حقة ~~وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة وعن عثمان وزيد ~~بن ثابت ثلاثون بنات لبون وثلاثون حقة وأربعون جذعة خلفة # وروى أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن ms1261 علي في شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة ~~وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة # واختلف فقهاء الأمصار في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف دية شبه العمد ~~أرباع على ما روي عن عبد الله بن مسعود وقال محمد دية شبه العمد أثلاث ~~ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة ~~والخلفة هي الحوامل وهو قول سفيان الثوري وروي مثله عن عمر وزيد بن ثابت ~~ومن قدمنا ذكره من السلف وروى ابن القاسم بن مالك أن الدية المغلظة في ~~الرجل يحذف ابنه بالسيف فيقتله فتكون عليه الدية مغلظة ثلاثون حقة وثلاثون ~~جذعة وأربعون خلفة وهي حالة قال والجد إذا قتل ولد ولده على هذا الوجه مثل ~~الأب فإن قطع يد الولد وعاش ففيه نصف الدية مغلظة وقال مالك تغلظ على أهل ~~الورق والذهب أيضا وهو أن ينظر إلى قيمة الثلاثون من الحقة والثلاثين من ~~الجذعة والأربعين من الخلفة فيعرف كم قيمتهن ثم ينظر إلى دية الخطأ أخماسا ~~من سنان عشرين بنت مخاض وعشرين ابن لبون وعشرين بنات لبون وعشرين حقة ~~وعشرين جذعة ثم ينظركم فضل ما بين دية الخطإ والدية المغلظة فيزاد في الرقة ~~على قدر ذلك قال وهو على قدر الزيادة والنقصان في سائر الأزمان وإن صارت ~~دية التغليظ ضعفي دية الخطإ زيد عليه من الورق بقدر ذلك وقال الثوري في دية ~~شبه العمد من # PageV03P207 # الورق يزاد عليها بقدر ما بين دية الخطإ إلى دية شبه العمد في أسنان ~~الإبل نحو ما قال مالك وهو قول الحسن بن صالح قال أبو بكر لما ثبت أن دية ~~الخطإ أخماس بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وبما قدمنا من الحجاج ثم ~~اختلفوا في شبه العمد فجعله بعضهم أرباعا وبعضهم أثلاثا كان قول من قال ~~بالأرباع أولى لأن في الأثلاث زيادة تغليظ لم تقم عليها دلالة وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم الدية مائة من الإبل يوجب جواز الكل والتغليظ بالأرباع ~~متفق ms1262 عليه والزيادة عليها غير ثابتة فظاهر الخبر ينفيها فلم نثبتها وأيضا ~~فإن في إثبات الخلفات وهي الحوامل إثبات زيادة عدد فلا يجوز لأنها تصير ~~أكثر من مائة لأجل الأولاد فإن قيل في # حديث القاسم بن ربيعة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتيل ~~خطإ العمد مائة من الإبل أربعون منها خلفة في بطونها أولادها # وقد احتججتم به في إثبات شبه العمد فهلا أثبتم الأسنان قيل له أثبتنا به ~~شبه العمد لاستعمال الصحابة إياه في إثبات شبه العمد ولو كان ذلك ثابتا ~~لكان مشهورا ولو كان كذلك لما اختلفوا فيه كما لم يختلفوا في إثبات شبه ~~العمد وليس يمتنع أن يشتمل خبر على معان فيثبت بعضها ولا يثبت بعض إما لأنه ~~غير ثابت في الأصل أو لأنه منسوخ وأما التغليظ في الورق والذهب فإنه لا ~~يخلوا أصل الدية من أن يكون واجبا من الإبل وأن الورق والذهب مأخوذان عنها ~~على أنهما قيمة لها أو أن تكون الدية في الأصل واجبة في أحد الأصناف ~~الثلاثة من الدراهم والدنانير والإبل لا على أن بعضها بدل من بعض فإن كانت ~~الإبل هي الدية وإنما تؤخذ الدراهم والدنانير بدلا منها فلا اعتبار بما ~~ذكره مالك من إيجاب فضل ما بين دية الخطإ إلى الدية المغلظة وإنما الواجب ~~أن يقال إن عليه قيمة الإبل على أسنان التغليظ وكذلك دية الخطإ ينبغي أن ~~تعتبر فيها قيمة الإبل على أسنان الخطإ وأن لا تعتبر الدراهم والدنانير في ~~الديات مقدرا محدودا فلا يقال إن الدية من الدراهم عشرة آلاف ولا اثنا عشر ~~ألفا ولا من الذهب ألف دينار بل ينظر في سائر الأزمان إلى قيمة الإبل فإن ~~كانت ستة آلاف أوجب ذلك من الدراهم بغير زيادة خمسة عشر ألفا أوجب ذلك ~~وكذلك قيمتها من الدنانير فلما قال السلف في الدية أحد قولين إما عشرة آلاف ~~وإما اثنا عشر ألفا وقالوا إنها من الدنانير ألف دينار حصل الاتفاق من ~~الجميع على أن الزيادة على هذه المقادير ms1263 والنقصان منها غير سائغ وفي ذلك # PageV03P208 # دليل على أن الدراهم والدنانير هي ديات بأنفسها لا بدلا من غيرها وإن كان ~~كذلك لم يجز التغليظ فيها من وجهين أحدهما أن إثبات التغليظ طريقه التوقيف ~~أو الاتفاق ولا توقيف في إثبات التغليظ في الدراهم والدنانير ولا اتفاق ~~والثاني أن التغليظ في الإبل إنما هو من جهة الأسنان لا من جهة زيادة العدد ~~وفي إثبات التغليظ من جهة زيادة الوزن في الورق والذهب خروج عن الأصول ووجه ~~آخر يدل على أن الدراهم والدنانير ليست على وجه القيمة عن الإبل وهو أنه ~~معلوم أن القاضي يقضي على العاقلة إذا كانت من أهل الورق بالورق وإذا كانت ~~من أهل الذهب بالدنانير فلو كانت الإبل هي الواجبة والدراهم والدنانير بدل ~~منها لما جاز أن يقضي القاضي فيها بالدراهم والدنانير على أن تؤديها في ~~ثلاث سنين لأنه دين بدين فلما جاز ذلك دل على أنها ديات بأنفسها ليست ~~أبدالا عن غيرها ويدل على أن التغليظ غير جائز في الدراهم والدنانير أن عمر ~~رضي الله عنه جعل الدية من الذهب ألف دينار ومن الورق ما اختلف عنه فيه ~~فروى عنه أهل المدينة اثنا عشر ألفا وروى عنه أهل العراق عشرة آلاف ولم ~~يفرق في ذلك بين دية شبه العمد والخطإ وذلك بمحضر من الصحابة من غير خلاف ~~من أحد منهم عليه فدل على أن اعتبار التغليظ فيها ساقط ويدل عليه أيضا أن ~~الصحابة قد اختلفت في كيفية التغليظ في أسنان الإبل لما كان التغليظ فيها ~~واجبا ولو كان التغليظ في الورق والذهب واجبا لاختلفوا فيه حسب اختلافهم في ~~الإبل فلما لم يذكر عنهم خلاف في ذلك وإنما روي عنهم في الذهب ألف دينار ~~وفي الدراهم عشرة آلاف أو اثنا عشر ألفا من غير زيادة ولا نقصان ثبت ~~بإجماعهم على نفي التغليظ في غير الإبل فإن قيل على ما ذكرنا من الأصول لو ~~كان من الإبل لكان قضاء القاضي عليهم بالدية من الدراهم يوجب أن يكون دينا ~~بدين إن ms1264 هذا كما يقولون فيمن تزوج امرأة على عبد وسط إنه إن جاء بالقيمة ~~دراهم قبلت منه ولم يكن ذلك بيع دين بدين قيل له القاضي عندنا لا يقضى عليه ~~بدراهم إذا تزوجها على عبد ولكنه يقول له إن شئت فأعطها عبدا وسطا وإن شئت ~~قيمته دراهم فليس فيما قلنا بيع دين بدين والدية يقضي بها القاضي على ~~العاقلة دراهم ولا يقبل منهم الإبل إذا قضى بذلك وعلى أنه إنما تعتبر قيمة ~~العبد في وقت ما يعطي قيمته دراهم والإبل لا تعتبر قيمتها إذا أراد القضاء ~~بالدراهم سواء نقصت قيمتها أو زادت واختلف «14- أحكام لث» # PageV03P209 # السلف وفقهاء الأمصار # في المقتول في الحرم والشهر الحرام فقال أبو حنيفة ومحمد وزفر وابن أبي ~~ليلى ومالك القتل في الحرم والشهر الحرام كهو في غيره فيما يجب من الدية ~~والقود وسئل الأوزاعي عن القتل في الشهر الحرام والحرم هل تغلظ الدية فيه ~~بلغنا أنه إذا قتل في الحرم أو الشهر الحرام زيد العقل ثلثه ويزاد في شبه ~~العمد في أسنان الإبل وذكر المزني عن الشافعي في مختصره وذكر تغليظ الدية ~~في شبه العمد وقال الدية في هذا على العاقلة وكذلك الجراح وكذلك التغليظ في ~~النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذوي الرحم وروي عن عثمان أنه ~~قضى في دية امرأة قتلت بمكة بدية وثلث # وروى إبراهيم عن الأسود أن رجلا أصيب عند البيت فسأل عمر عليا فقال له ~~علي ديته من بيت المال # فلم ير فيه علي أكثر من الدية ولم يخالفه عمر وقال الله تعالى ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وهو عام في الحل والحرم ~~ولما كانت الكفارة في الحرم كهي في الحل لا فرق بينهما وإن كان ذلك كله حقا ~~لله تعالى وجب أن تكون الدية كذلك إذ الدية حق لآدمي ولا تعلق لها بالحرم ~~ولا بالشهر الحرام لأن حرمة الحرم والشهر الحرام إنما هي حق لله تعالى فلو ~~كان لحرمة الحرم والأشهر تأثير في إلزام ms1265 الغرم لكان تأثيره في الكفارة التي ~~هي حق لله تعالى أولى ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا ~~فيه مائة من الإبل # ولم يفرق بين الحل والحرم وقد اختلف التابعون في ذلك فروي عن سعيد بن ~~المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وعبيد الله ~~بن عبد الله وسليمان بن يسار الدية في الحرم كهي في غيره وكذلك الشهر ~~الحرام وروي عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله أن من قتل في الحرم زيد ~~على ذلك ديته مثل ثلثها والله أعلم. ### | باب الدية من غير الإبل # قال أبو حنيفة الدية من الإبل والدراهم والدنانير فمن الدراهم عشرة آلاف ~~درهم ومن الدنانير ألف دينار وأبو حنيفة لا يرى الدية إلا من الإبل والورق ~~والذهب وقال مالك والشافعي من الورق اثنا عشر ألفا ومن الذهب ألف دينار ~~وقال مالك أهل الذهب أهل الشام ومصر وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل ~~البوادي وقال مالك ولا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ومن أهل الذهب إلا ~~الذهب ومن أهل الورق إلا الورق وقال # PageV03P210 # أبو يوسف ومحمد الدية من الورق عشرة وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل ~~الإبل مائة بعير وعلى أهل البقر مائتا بقرة وعلى أهل الشاء ألفا شاة وعلى ~~أهل الحلل مائتا حلة يمانية ولا يؤخذ من الغنم والبقر في الدية إلا الثني ~~فصاعدا ولا تؤخذ من الحلل إلا اليمانية قيمة كل حلة خمسون درهما فصاعدا ~~وروي عن ابن أبي ليلى عن الشعبي عن عبيدة السلماني عن عمر أنه جعل الدية ~~على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم وعلى أهل البقر ~~مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وعلى أهل ~~الإبل مائة من الإبل قال أبو بكر الدية قيمة النفس وقد اتفق الجميع على أن ~~لها مقدارا معلوما لا يزاد عليه ولا ينقص منه وأنها غير موكولة ms1266 إلى اجتهاد ~~الرأي كقيم المتلفات ومهور المثل ونحوهما وقد اتفق الجميع على إثبات عشرة ~~آلاف واختلفوا فيما زاد فلم يجز إثباته إلا بتوقيف وقد روى هشيم عن يونس عن ~~الحسن أن عمر بن الخطاب قوم الإبل في الدية مائة من الإبل قوم كل بعير ~~بمائة وعشرين درهما اثني عشر ألف درهم وقد روي عنه في الدية عشرة آلاف ~~وجائز أن يكون من روى اثني عشر ألفا على أنها وزن ستة فتكون عشرة آلاف وزن ~~سبعة وذكر الحسن في هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق قيمة الإبل لا أنه ~~أصل في الدية وفي غير هذا الحديث أنه جعل الدية من الورق وروى عكرمة عن أبي ~~هريرة في الدية عشرة آلاف درهم فإن احتج محتج بما # روى محمد ابن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال الدية اثنا عشر ألفا # وروى ابن أبي نجيح عن أبيه أن عمر قضى في الدية باثني عشر ألفا وروى نافع ~~بن جبير عن ابن عباس مثله والشعبي عن الحارث عن علي مثله قيل له أما حديث ~~عكرمة فإنه يرويه ابن عيينة وغيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يذكر فيه ابن عباس ويقال إن محمد بن مسلم غلط في وصله ~~وعلى أنه لو ثبت جميع ذلك احتمل أن يريد بها اثني عشر ألف درهم وزن ستة ~~وإذا احتمل ذلك لم يجز إثبات الزيادة بالاحتمال ويثبت عشرة آلاف بالاتفاق ~~وأيضا قد اتفق الجميع على أنها من الذهب ألف دينار وقد جعل في الشرع كل ~~عشرة دراهم قيمة لدينار ألا ترى أن الزكاة في عشرين مثقالا وفي مائتي درهم ~~فجعلت مائتا الدرهم نصابا بإزاء العشرين دينارا كذلك ينبغي أن يجعل بإزاء ~~كل دينار من الدية عشرة دراهم وإنما لم يجعل أبو حنيفة الدية من غير ~~الأصناف # PageV03P211 # الثلاثة من قبل أن الدية لما كانت قيمة النفس كان القياس أن لا ms1267 تكون إلا ~~من الدراهم والدنانير كقيم سائر المتلفات إلا أنه لما جعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قيمتها من الإبل اتبع الأثر فيها ولم يوجبها من غيرها والله ~~أعلم. ### | باب ديات أهل الكفر # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وعثمان البتي وسفيان الثوري والحسن ~~بن صالح دية الكافر مثل دية المسلم واليهودي والنصراني والمجوسي والمعاهد ~~والذمي سواء وقال مالك بن أنس دية أهل الكتاب على دية المسلم ودية المجوسي ~~ثمان مائة درهم وديات نسائهم على النصف من ذلك وقال الشافعي دية اليهودي ~~والنصراني ثلث الدية ودية المجوسي ثمان مائة والمرأة على النصف قال أبو بكر ~~الدليل على مساواتهم المسلمين في الديات قوله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا- إلى قوله- وإن كان ~~من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله والدية اسم لمقدار معلوم من ~~المال بدلا من نفس الحر لأن الديات قد كانت متعالمة معروفة بينهم قبل ~~الإسلام وبعده فرجع الكلام إليها في قوله في قتل المؤمن خطأ ثم لما عطف ~~عليه قوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~كانت هذه الدية المذكورة بديا إذ لو لم تكن كذلك لما كانت دية لأن الدية ~~اسم لمقدار معلوم من بدل النفس لا يزيد ولا ينقص وقد كانوا قبل ذلك يعرفون ~~مقادير الديات ولم يكونوا يعرفون الفرق بين دية المسلم والكافر فوجب أن ~~تكون الدية المذكورة للكافر هي التي ذكرت للمسلم وأن يكون قوله تعالى فدية ~~مسلمة إلى أهله راجعا إليها كما عقل من دية المسلم أنها المعتاد المتعارف ~~عندهم ولولا أن ذلك كذلك لكان اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان وليس الأمر ~~كذلك فإن قيل فقوله تعالى فدية مسلمة إلى أهله لا يدل على أنها مثل دية ~~المسلم كما أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ولا يخرجها ذلك من أن ~~تكون دية كاملة لها قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن الله ms1268 تعالى إنما ذكر ~~الرجل في الآية فقال ومن قتل مؤمنا خطأ ثم قال وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله فكما اقتضى فيما ذكره للمسلم كمال الدية كذلك ~~دية المعاهد لتساويهما في اللفظ مع وجود التعارف عندهم في مقدار الدية ~~والوجه الآخر أن دية المرأة لا يطلق عليها اسم الدية # PageV03P212 # وإنما يتناولها الاسم مقيدا ألا ترى أنه يقال دية المرأة نصف الدية ~~وإطلاق اسم الدية إنما يقع على المتعارف المعتاد وهو كمالها فإن قيل قوله ~~تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يحتمل أن يريد به وإن كان المقتول ~~المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق فاكتفى بذكر الإيمان للقتيلين الأولين عن ~~إعادته في القتيل الثالث قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أنه قد تقدم في أول ~~الخطاب ذكر القتيل المؤمن خطأ وحكمه وذلك عموم يقتضي سائر المؤمنين إلا ما ~~خصه الدليل فغير جائز إعادة ذكر المؤمن بذلك الحكم في سياق الآية مع شمول ~~أول الآية له ولغيره فعلمنا أنه لم يرد المؤمن ممن كان بيننا وبينهم ميثاق ~~والثاني لما يقيده بذكر الإيمان وجب إجراؤه في الجميع من المؤمنين والكفار ~~من قوم بيننا وبينهم ميثاق وغير جائز تخصيصه بالمؤمنين دون الكافرين بغير ~~دلالة والثالث أن إطلاق القول بأنه من المعاهدين يقتضي أن يكون معاهدا ~~مثلهم ألا ترى أن قول القائل إن هذا الرجل من أهل الذمة يفيد أنه ذمي مثلهم ~~وظاهر قوله تعالى وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يوجب أن يكون معاهدا ~~مثلهم ألا ترى أنه لما أراد بيان حكم المؤمن إذا كان من ذوي أنساب المشركين ~~قال فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة فقيده بذكر الإيمان ~~لأنه لو أطلقه لكان المفهوم منه كافر مثلهم والرابع أنه لو كان كما قال هذا ~~القائل لما كانت الدية مسلمة إلى أهله لأن أهله كفار لا يرثونه فهذه الوجوه ~~كلها تقتضي المساواة وفساد هذا التأويل ويدل على صحة قول أصحابنا أيضا ms1269 # ما رواه محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال لما ~~نزلت فإن جاؤك فاحكم بينهم الآية قال كان إذا قتل بنو النضير من بني قريظة ~~قتيلا أدوا نصف الدية وإذا قتل بنو قريظة من بني النضير أدوا الدية إليهم ~~قال فسوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم في الدية # قال أبو بكر لما قال أدوا الدية ثم قال سوى بينهم في الدية دل ذلك على ~~أنه راجع إلى الدية المعبودة المبدوء بذكرها لأنه لو كان رد بني النضير إلى ~~نصفها لقال سوى بينهم في نصف الدية ولم يقل سوى بينهم الدية ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم في النفس مائة من الإبل # وهو عام في الكافر والمسلم # وروى مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى العامريين وكانا ~~مشركين دية الحرين المسلمين # وروى محمد بن عبدوس قال حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا أبو بكر قال سمعت ~~نافعا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ودى ذميا دية مسلم # وهذان الخبران يوجبان # PageV03P213 # مساواة الكافر للمسلم في الدية لأنه معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وداهما بما في الآية في قوله عز وجل وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية مسلمة إلى أهله فدل على أن المراد من الآية دية المسلم وأيضا لما لم ~~يكن مقدار الدية مبينا في الكتاب كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~واردا مورد البيان وفعله صلى الله عليه وسلم إذا ورد مورد البيان فهو على ~~الوجوب وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن أبي الهيثم أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان قالوا دية المعاهد دية الحر المسلم وروى إبراهيم ~~بن سعد عن ابن شهاب قال كان أبو بكر وعمر وعثمان يجعلون دية اليهودي ~~والنصراني إذا كانوا معاهدين مثل دية المسلم وروى سعيد بن أبي أيوب قال ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب أن ms1270 جعفر بن عبد الله بن الحكم أخبره أن رفاعة بن ~~السموءل اليهودي قتل بالشام فجعل عمر ديته ألف دينار وروى محمد بن إسحاق عن ~~أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن مسعود قال دية أهل الكتاب مثل دية المسلمين ~~وهو قول علقمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والشعبي وروى الزهري عن سالم عن أبيه ~~أن مسلما قتل كافرا من أهل العقد فقضى عليه عثمان بن عفان بدية المسلم فهذه ~~الأخبار وما ذكرنا من أقاويل السلف مع موافقتها لظاهر الآية توجب مساواة ~~الكافر للمسلم في الديات وقد روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال ~~دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم ودية المجوسي ثمان مائة قال سعيد ~~وقضى عثمان في دية المعاهد بأربعة آلاف قال أبو بكر وقد روي عنهما خلاف ذلك ~~وقد ذكرناه واحتج المخالف بما # رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~مكة عام الفتح قال في خطبته ودية الكافر نصف دية المسلم # وبما روى عبد الله بن صالح قال حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ~~أبي الخير عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دية ~~المجوس ثمان مائة # قيل له قد علمنا حضور هؤلاء الصحابة الذين ذكرنا عنهم مقدار الدية خطبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فلو كان ذلك ثابتا لعرفه هؤلاء ولما عدلوا ~~عنه إلى غيره وأيضا # قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال دية المعاهد مثل دية المسلم وأنه ~~ودى العامريين دية الحرين المسلمين # وهذا أولى لما فيه من الزيادة ولو تعارض الخبران لكان ما اقتضاه ظاهر ~~الكتاب وما ورد به النقل المتواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في أن ~~الدية مائة من الإبل من غير فصل فيه بين المسلم والكافر أولى فوجب تساويهما ~~في الديات وأما حديث عقبة بن عامر في دية المجوسي فإنه حديث واه لا يحتج ~~بمثله لأن ابن # PageV03P214 # لهيعة ضعيف لا ms1271 سيما من رواية عبد الله بن صالح عنه فإن قيل قوله تعالى ~~فدية مسلمة إلى أهله عطفا على ما ذكر في دية المسلم لا يدل على تساوي ~~الديتين كما لو قال من قتل عبدا فعليه قيمته ومن استهلك ثوبا فعليه قيمته ~~لم يدل على تساوي القيمتين قيل له الفرق بينهما أن الدية اسم لمقدار من ~~المال بدلا من نفس الحر كانت معلومة المقدار عندهم وهي مائة من الإبل فمتى ~~أطلقت كان من مفهوم اللفظ هذا القدر فإطلاق لفظ الدية قد أنبأ عن هذا ~~المعنى وعطفها على الدية المتقدمة مع تساوي اللفظ فيهما بأنها دية مسلمة قد ~~اقتضى ذلك أيضا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ### | باب المسلم يقيم في دار الحرب فيقتل قبل أن يهاجر إلينا # قال الله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة روى ~~إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن قال يكون الرجل مؤمنا وقومه كفار فلا دية له ولكن عتق رقبة ~~مؤمنة قال أبو بكر هذا محمول على الذي يسلم في دار الحرب فيقتل قبل أن ~~يهاجر إلينا لأنه غير جائز أن يكون مراده في مؤمن في دار الإسلام إذا قتل ~~وله أقارب كفار لأنه لا خلاف بين المسلمين أن على قاتله الدية لبيت المال ~~وأن كون أقربائه كفارا لا يوجب سقوط ديته لأنهم بمنزلة الأموات حيث لا ~~يرثونه وروى عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس فإن كان من قوم عدو ~~لكم الآية قال كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يرجع إلى ~~قومه فيكون فيهم فيصيبه المسلمون خطأ في سرية أو غزاة فيعتق الذي يصيبه ~~رقبة قال أبو بكر إذا أسلم في دار الإسلام لم تسقط ديته برجوعه إلى دار ~~الحرب كسائر المسلمين لأن ما بينه وبين المشركين من القرابة لا تأثير له في ~~إسقاط قيمة دمه كسائر أهل دار الإسلام إذا ms1272 دخلو دار الحرب بأمان على القاتل ~~الدية وروي عن ابن عباس وقال قتادة هو المسلم يكون في المشركين فيقتله ~~المؤمن ولا يدري ففيه عتق رقبة وليس فيه دية وهذا على أنه يقتل قبل الهجرة ~~إلى دار الإسلام وروى مغيرة عن إبراهيم فإن كان من قوم عدو لكم قال هو ~~المؤمن يقتل وقومه مشركون ليس بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد ~~فعليه تحرير رقبة وإن كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد أدى ~~ديته إلى قرابته الذين بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد قال أبو ~~بكر وهذا لا معنى له من قبل أن أقرباءه لا يرثونه لأنهم كفار # PageV03P215 # وهو مسلم فكيف يأخذون ديته وإن كان قومه أهل حرب وهو من أهل الإسلام ~~فالدية واجبة لبيت المال كمسلم قتل في الإسلام ولا وارث له وقد اختلف فقهاء ~~الأمصار فيمن قتل في دار الحرب وهو مؤمن قبل أن يهاجر فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف في الرواية المشهورة ومحمد في الحربي يسلم فيقتله مسلم مستأمن قبل أن ~~يخرج فلا شيء عليه إلا الكفارة في الخطأ وإن كان مستأمنين دخلا دار الحرب ~~فقتل أحدهما صاحبه فعليه الدية في العمد والخطإ والكفارة في الخطإ خاصة وإن ~~كانا أسيرين فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في الخطإ في قول أبي حنيفة ~~وقال أبو يوسف ومحمد الدية في العمد والخطإ وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف ~~في الحربي يسلم في دار الحرب فيقتله رجل مسلم قبل أن يخرج إلينا أن عليه ~~الدية استحسانا ولو وقع في بئر حفرها أو وقع عليه ميزاب عمله لم يضمن شيئا ~~وهذا خلاف المشهور من قوله وخلاف القياس أيضا وقال مالك إذا أسلم في دار ~~الحرب فقتل قبل أن يخرج إلينا فعلى قاتله الدية والكفارة إن كان خطأ قال ~~وقوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة إنما كان ~~في صلح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة لأن من لم ms1273 يهاجر لم يورث لأنهم ~~كانوا يتوارثون بالهجرة قال الله تعالى ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا فلم يكن لمن يهاجر ورثة يستحقون ميراثه فلم تجب الدية ثم ~~نسخ ذلك بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وقال الحسن بن ~~صالح من أقام في أرض العدو وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحويل إلى ~~المسلمين فأحكامه أحكام المشركين وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم وهو يقدر ~~على الخروج فليس بمسلم يحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه وقال ~~الحسن إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار ~~الإسلام وقال الشافعي إذا قتل المسلم مسلما في دار الحرب في الغارة أو ~~الحرب وهو لا يعلمه مسلما فلا عقل فيه ولا قود وعليه الكفارة وسواء كان ~~المسلم أسيرا أو مستأمنا أو رجلا أسلم هناك وإن علمه مسلما فقتله فعليه ~~القود قال أبو بكر لا يخلو قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة من # أن يكون المراد به الحربي الذي يسلم فيقتل قبل أن يهاجر على ما قاله ~~أصحابنا أو المسلم الذي له قرابات من أهل الحرب لأن قوله تعالى فإن كان من ~~قوم عدو لكم يحتمل المعينين جميعا بأن يكون من # PageV03P216 # أهل دار الحرب وبأن يكون ذا نسب من أهل الحرب فلو خلينا والظاهر لأسقطنا ~~دية من قتل في دار الإسلام من المسلمين إذا كان ذا قرابة من أهل الحرب ~~لاقتضاء الظاهر ذلك فلما اتفق المسلمون على أن كونه ذا قرابة من أهل الحرب ~~لا يسقط حكم دمه في إيجاب الدية أو القود إذا قتل في دار الإسلام دل ذلك ~~على أن المراد من كان مسلما من أهل دار الحرب لم يهاجر إلى دار الإسلام ~~فيكون الواجب على قاتله خطأ الكفارة دون الدية لأن الله تعالى إنما أوجب ~~فيه الكفارة ولم يوجب الدية وغير جائز أن يزاد في النص إلا بنص مثله إذ ~~كانت الزيادة ms1274 في النص توجب النسخ فإن قيل هلا أوجبت الدية بقوله تعالى ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله قيل له غير جائز أن ~~يكون هذا المؤمن مرادا بالمؤمن المذكور في أول الآية لأن فيها إيجاب الدية ~~والرقبة فيمتنع أن نعطفه عليه ونشرط كونه من أهل دار الحرب ونوجب فيه ~~الرقبة وهو قد أوجبها بديا مع الدية في ابتداء الخطاب وأيضا فإن قوله فإن ~~كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن استيناف كلام يتقدم له ذكر في الخطاب لأنه لا ~~يجوز أن يقال أعط هذا رجلا وإن كان رجلا فأعطه هذا كلام فاسد لا يتكلم به ~~حكيم فثبت أن هذا المؤمن المعطوف على الأول غير داخل في أول الخطاب ويدل ~~عليه من جهة السنة # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا هناد بن السري قال حدثنا أبو معاوية عن ~~إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سرية إلى جعثم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ~~أظهر المشركين قالوا يا رسول الله لم قال لا تراءى ناراهما # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن علي بن شعيب قال حدثنا ابن ~~عائشة قال حدثنا حماد ابن سلمة عن الحجاج عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد ~~الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقام مع المشركين فقد برئت ~~منه الذمة أو قال لا ذمة له # قال ابن عائشة هو الرجل يسلم فيقيم معهم فيغزون فإن أصيب فلا دية له # لقوله صلى الله عليه وسلم فقد برئت منه الذمة # وقوله أنا بريء منه # يدل على أن لا قيمة لدمه كأهل الحرب الذين لا ذمة لهم ولما أمر لهم بنصف ~~العقل في الحديث الأول كان ذلك على أحد وجهين إما أن يكون الموضع الذي قتل ~~فيه ms1275 كان مشكوكا في أنه من دار الحرب أو من دار الإسلام أو أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم تبرع # PageV03P217 # به لأنه لو كان جميعه واجبا لما اقتصر على نصفه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال حدثنا شيبان ~~قال حدثنا سليمان يعني ابن المغيرة قال حدثنا حميد ابن هلال قال أتاني أبو ~~العالية وصاحب لي فانطلقنا حتى أتينا بشر بن عاصم الليثي فقال أبو العالية ~~حدث هذين فقال بشر حدثني عقبة بن مالك الليثي وكان من رهطه قال بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سرية فأغارت على قوم فشذ رجل من القوم واتبعه رجل ~~من السرية ومعه السيف شاهرة فقال الشاذاني مسلم فضربه فقتله فنمى الحديث ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا فقال القاتل يا رسول ~~الله ما قال إلا تعوذا من القتل فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مرارا تعرف المساءة في وجهه وقال إن الله أبى علي أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات # قال أبو بكر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان المقتول ولم يوجب على ~~قاتله الدية لأنه كان حربيا لم يهاجر بعد إسلامه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة قالا ~~حدثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي ظبيان قال حدثنا أسامة بن زيد قال ~~بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الحرقات فنذروا بنا فهربوا ~~فأدركنا رجلا فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فضربناه حتى قتلناه فذكرته ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة فقلت يا ~~رسول الله إنما قالها مخافة السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ~~ذلك قالها أم لا من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة فما زال يقولها حتى ~~وددت أني لم أسلم إلا يومئذ # وهذا الحديث أيضا يدل على ما قلنا لأنه لم يوجب عليه ms1276 شيئا وهو حجة على ~~الشافعي في إيجابه القود على قاتل المسلم في دار الحرب إذا علم أنه مسلم ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بإسلام هذا الرجل ولم يوجب على أسامة ~~دية ولا قودا وأما قول مالك إن قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم إنما كان ~~حكما لمن أسلم ولم يهاجر وهو منسوخ بقوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض فإنه دعوى لنسخ حكم ثابت في القرآن بلا دلالة وليس في نسخ التوارث ~~بالهجرة وإثباته بالرحم ما يوجب نسخ هذا الحكم بل هو حكم ثابت بنفسه لا ~~تعلق له بالميراث وعلى أنه في حال ما كان التوارث بالهجرة قد كان من لم ~~يهاجر من القرابات يرث بعضهم بعضا وإنما كانت الهجرة قاطعة للميراث بين ~~المهاجر وبين من لم يهاجر فأما من لم يهاجر فقد كانوا يتوارثون بأسباب أخر ~~فلو كان الأمر على ما قال مالك لوجب أن تكون ديته واجبة لمن لم يهاجر من ~~أقربائه لأنه معلوم أنه # PageV03P218 # لم يكن ميراث من لم يهاجر مهملا لا مستحق له فلما لم يوجب الله تعالى له ~~دية قبل الهجرة لا للمهاجرين ولا لغيرهم علمنا أنه كان مبقى على حكم الحرب ~~لا قيمة لدمه وقوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم يفيد أنه ما لم يهاجر فهو ~~أهل دار الحرب باق على حكمه الأول في أن لا قيمة لدمه وإن كان دمه محظورا ~~إذ كانت النسبة إليهم قد تصح بأن يكون من بلدهم وإن لم يكن بينه وبينهم رحم ~~بعد أن يجمعهم في الوطن بلد أو قرية أو صقع فنسبه الله إليهم بعد الإسلام ~~إذ كان من أهل ديارهم ودل بذلك على أن لا قيمة لدمه وأما قول الحسن بن صالح ~~في أن المسلم إذا لحق بدار الحرب فهو مرتد فإنه خلاف الكتاب والإجماع لأن ~~الله تعالى قال والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا فجعلهم مؤمنين مع إقامتهم في دار الحرب بعد ms1277 إسلامهم وأوجب علينا ~~نصرتهم بقوله وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ولو كان ما قال صحيحا ~~لوجب أن لا يجوز للتجار دخول دار الحرب بأمان وأن يكونوا بذلك مرتدين وليس ~~هذا قول أحد فإن احتج محتج بما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل وعبد ان المروزي ~~قالا حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي ~~إسحاق عن الشعبي عن جرير قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أبق ~~العبد إلى المشركين فقد حل دمه # فإن هذا محمول عندنا على أنه قد لحق بهم مرتدا عن الإسلام لأن إباق العبد ~~لا يبيح دمه واللحاق بدار الحرب كدخول الناجر إليها بأمان فلا يبيح دمه ~~وأما قول الشافعي في أن من أصاب مسلما في دار الحرب وهو لا يعلمه مسلما فلا ~~شيء عليه وإن علم إسلامه أقيد به فإنه متناقض من قبل أنه إذا ثبت أن لدمه ~~قيمة لم يختلف حكم العمد والخطإ في وجوب بدله في العمد وديته في الخطإ فإذا ~~لم يجب في الخطأ شيء كذلك حكم العمد فيه ولما ثبت بما قدمنا أنه لا قيمة ~~لدم المقيم في دار الحرب بعد إسلامه قبل الهجرة إلينا وكان مبقى على حكم ~~الحرب وإن كان محظور الدم أجروه أصحابنا مجرى الحربي في إسقاط الضمان عن ~~متلف ماله لأن دمه أعظم حرمة من ماله ولا ضمان على متلف نفسه فما له أحرى ~~أن لا يجب فيه ضمان وأن يكون كمال الحربي من هذا الوجه ولذلك أجاز أبو ~~حنيفة مبايعته على سبيل ما يجوز مبايعته الحربي من بيع الدرهم بالدرهمين في ~~دار الحرب وأما الأسير في دار الحرب فإن أبى حنيفة أجراه مجرى الذي أسلم ~~هناك قبل أن يهاجر وذلك لأن # PageV03P219 # إقامته هناك لا على وجه الأمان وهو مقهور مغلوب فلما استويا من هذا الوجه ~~استوى حكمهما في سقوط الضمان عن قاتلهما والله أعلم. ### | ذكر أقسام القتل وأحكامه # قال أبو بكر القتل ينقسم ms1278 إلى أربعة أنحاء واجب ومباح ومحظور وما ليس ~~بواجب ولا محظور ولا مباح فأما الواجب فهو قتل أهل الحرب المحاربين لنا قبل ~~أن يصيروا في أيدينا بالأسر أو بالأمان أو العهد وذلك في الرجال منهم دون ~~النساء اللاتي لا يقاتلن ودون الصغار الذين لا يقاتلون المحاربين إذا خرجوا ~~ممتنعين وقتلوا وصاروا في يد الإمام قبل التوبة وقتل أهل البغي إذا قاتلونا ~~وقتل من غير قصد إنسانا محظور الدم بالقتل فعلينا قتله وقتل الساحر والزاني ~~المحصن رجما وكل قتل وجب على وجه الحد فهذه ضروب القتل الواجب وأما المباح ~~فهو القتل الواجب لولي الدم على وجه القود فهو مخير بين القتل والعفو ~~فالقتل هاهنا مباح ليس بواجب وكذلك قتل أهل الحرب إذا صاروا في أيدينا ~~فالإمام مخير بين القتل والاستبقاء وكذلك من دخل دار الحرب وأمكنه القتل ~~والأسر فهو مخير بين أن يقتل وبين أن يأسر وأما المحظور فإنه ينقسم إلى ~~أنحاء منها ما يجب فيه القود هو قتل المسلم عمدا في دار الإسلام العاري من ~~الشبهة فعلى القاتل القود في ذلك ومنها ما تجب فيه الدية دون القود وهو قتل ~~شبه العمد وقتل الأب ابنه وقتل الحربي المستأمن والمعاهد وما يدخله الشبهة ~~فيسقط القود وتجب الدية ومنها ما لا يجب فيه شيء وهو قتل المسلم في دار ~~الحرب قبل أن يهاجر وقتل الأسير في دار الحرب من المسلمين على قول أبي ~~حنيفة وقتل المولى لعبده هذه ضروب من القتل محظورة ولا يجب على القاتل فيها ~~شيء غير التعزير وأما ما ليس بواجب ولا مباح ولا محظور فهو قتل المخطئ ~~والساهي والنائم والمجنون والصبي وقد بينا حكمه فيما سلف قوله تعالى وإن ~~كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة # قال ابن عباس والشعبي وقتادة والزهري هو الرجل من أهل الذمة يقتل خطأ ~~فتجب على قاتله الدية والكفارة وهو قول أصحابنا وقال إبراهيم والحسن وجابر ~~بن زيد أراد وإن كان المؤمن المقتول من قوم بينكم وبينهم ms1279 ميثاق فدية مسلمة ~~إلى أهله وتحرير رقبة وكانوا لا يوجبون الكفارة على قاتل الذمي وهو مذهب ~~مالك وقد بينا فيما سلف أن ظاهر # PageV03P220 # الآية يقتضى أن يكون المقتول المذكور في الآية كافرا ذا عهد وأنه غير ~~جائز إضمار الإيمان له إلا بدلالة ويدل عليه أنه لما أراد مؤمنا من أهل دار ~~الحرب ذكر الإيمان فقال فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ~~فوصفه بالإيمان لأنه لو أطلق لاقتضى الإطلاق أن يكون كافرا من قوم عدو لنا ~~ويدل عليه أن الكافر المعاهد تجب على قاتله الدية وذلك مأخوذ من الآية فوجب ~~أن يكون المراد الكافر المعاهد والله أعلم. ### | باب القتل العمد هل فيه كفارة # قال الله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة فنص على إيجاب ~~الكفارة في قتل الخطإ وذكر قتل العمد في قوله تعالى كتب عليكم القصاص في ~~القتلى وقال النفس بالنفس وخصه بالعمد فلما كان كل واحد من القتيلين مذكورا ~~بعينه ومنصوصا على حكمه لم يجز لنا أن نتعدى ما نص الله تعالى علينا فيهما ~~إذ غير جائز قياس المنصوصات بعضها على بعض وهذا قول أصحابنا جميعا وقال ~~الشافعي على قاتل العمد الكفارة ومع ذلك ففي إثبات الكفارة في العمد زيادة ~~في حكم النص وغير جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ وأيضا ~~فغير جائز إثبات الكفارات قياسا وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق وأيضا لما ~~نص الله على حكم كل واحد من القتيلين # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل في أمرنا ما ليس منه # فهو رد فموجب الكفارة على العامد مدخل في أمره ما ليس منه فإن قيل لما ~~وجبت الكفارة في الخطإ فهي في العمد أوجب لأنه أغلظ قيل له ليست هذه ~~الكفارة مستحقة بالمأثم فيعتبر عظم المأثم فيها لأن المخطئ غير آثم فاعتبار ~~المأثم فيه ساقط وأيضا قد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم سجود السهو على ~~الساهي ولا يجب على العامد وإن كان العمد أغلظ ms1280 فإن احتجوا # بحديث ضمرة عن إبراهيم بن أبى عبلة عن العريف بن الديلي عن واثلة بن ~~الأسقع قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب يعني ~~النار بالقتل فقال أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار قيل له ~~رواه ابن المبارك وهانئ ابن عبد الرحمن ابن أخي إبراهيم بن أبي عبلة هذا ~~الحديث عن أبي عبلة فلم يذكر أنه أوجب بالقتل # وهؤلاء أثبت من ضمرة بن ربيعة ومع ذلك لو ثبت الحديث على ما رواه ضمرة لم ~~يدل على قول المخالف من وجوه أحدها # PageV03P221 # أنه تأويل من الراوي في قوله أوجب النار بالقتل لأنه قال يعني بالقتل ~~والثاني أنه لو أراد رقبة القتل لذكر رقبة مؤمنة فلما لم يشرط لهم الإيمان ~~فيها دل على أنها ليست من كفارة القتل وأيضا فإنما أمرهم بأن يعتقوا عنه ~~ولا خلاف أنه ليس عليهم عتقها عنه وأيضا فإن عتق الغير عن القاتل لا يجزيه ~~عن الكفارة قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة جعل الله من صفة رقبة القتل ~~الإيمان ولا خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة وهذا يدل على أن عتق الرقبة ~~المؤمنة أفضل من الكافرة لأن هذه الصفة قد صارت شرطا في الفرض وكذلك من نذر ~~أن يعتق رقبة مؤمنة لم تجزه الكافرة لأنه أوجبها مقرونة بصفة هي قربة وفي ~~ذلك دليل على أن الصدقة على المسلمين أفضل منها على الكفار الذميين وإن ~~كانت تطوعا وكذلك جعل الله التتابع في صوم كفارة القتل صفة زائدة ولا خلاف ~~أنه لا يجزي إلا بهذه الصفة مع الإمكان وكذلك قال أصحابنا فيمن أوجب صوم ~~شهر متتابع أنه لا يجزيه التفريق لإيجابه إياه بصفة هي قربة فوجبت حين ~~أوجبها كما وجب المنذور من الصوم قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين قال أبو بكر لم يختلف الفقهاء أنه إذا صام بالأهلة أنه لا يعتبر ~~فيه النقصان وأنها إن كانت ناقصة أو تامة أجزأته # وقال النبي صلى الله عليه ms1281 وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فعدوا ثلاثين # فأمر باعتبار الشهور بالأهلة وأمر عند عدم الرؤية باعتبار الثلاثين وإن ~~ابتدأ صيام الشهرين من بعض الشهر اعتبر الشهر الثاني بالهلال وبقية الشهر ~~الأول بالعدد تمام ثلاثين وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وروى أبو يوسف ~~عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر الأهلة إلا أن يكون ابتداء صومه بالهلال وروي ~~نحوه عن الحسن البصري والأول أصح لأنه قد روي في معنى قوله فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر أنها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وبقية من ربيع ~~الآخر فاعتبر الكسر بالأيام على التمام وسائر الشهور بالأهلة وقوله فصيام ~~شهرين متتابعين معلوم أنه كلفنا التتابع على حسب الإمكان وفي العادة أن ~~المرأة لا تخلو من حيض في كل شهر ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستا أو ~~سبعا كما تحيض النساء في كل شهر # فأخبر أن عادة النساء حيضة في كل شهر فإذا كان تكليف صوم التتابع على حسب ~~الإمكان وفي العادة أن المرأة لا تخلو من حيض في كل شهر ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV03P222 # لحمنة بنت جحش تحيضي في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في كل شهر # فأخبر أن عادة النساء حيضة في كل شهر فإذا كان تكليف صوم التتابع على حسب ~~الإمكان وكانت المرأة إذا كان عليها صوم شهرين متتابعين لم يكن في وسعها في ~~العادة أن تصوم شهرين لا حيض فيهما سقط حكم أيام الحيض ولم يقطع حكم ~~التتابع وصارت أيام الحيض بمنزلة الليل الذي لا يقطع التتابع وهو قول ~~الشافعي وروي عن إبراهيم أنها تستقبل وقال أصحابنا إذا مرض في الشهرين ~~فأفطر استقبل وقال مالك يصل ويجزيه وفرقوا بين الحيض والمرض لأنه يمكنه في ~~العادة صيام شهرين متتابعين بلا مرض ولا يمكنها ذلك بلا حيض ووجه آخر وهو ~~أن حدوث المرض لا يوجب الإفطار بفعله والحيض ينافي الصوم لا يفعلها فأشبه ms1282 ~~الليل ولم يقطع التتابع قوله تعالى توبة من الله قيل فيه إن معناه اعملوا ~~بما أوجبه الله للتوبة من الله أي ليقبل الله توبتكم فيما اقترفتموه من ~~ذنوبكم وقيل إنه خاص في سبب القتل فأمر بالتوبة منه وقيل معناه توسعة ورحمة ~~من الله كما قال فتاب عليكم وعفا عنكم والمعنى وسع عليكم وسهل عليكم # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام الآية # روي أن سبب نزول هذه الآية أن سرية النبي صلى الله عليه وسلم لقيت رجلا ~~ومعه غنيمات له فقال السلام عليكم لا إله إلا الله محمد رسول الله فقتله ~~رجل من القوم فلما رجعوا أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال لم ~~قتلته وقد أسلم فقال إنما قالها متعوذا من القتل فقال هلا شققت عن قلبه ~~وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليهم غنيماته # قال ابن عمر وعبد الله بن أبي حدرد القاتل محلم بن جثامة قتل عامر بن ~~الأضبط الأشجعي # وروي أن القاتل مات بعد أيام فلما دفن لفظته الأرض ثلاث مرات فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم ~~عظم الدم عنده ثم أمر أن يلقى عليه الحجارة # وهذه القصة مشهورة لمحلم بن جثامة # وقد ذكرنا حديث أسامة بن زيد أنه قتل في سرية رجل قال لا إله إلا الله ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم قتلته بعد ما قال لا إله إلا الله فقال إنما ~~قالها تعوذا فقال هلا شققت عن قلبه من لك بلا إله إلا الله # وذكرنا أيضا حديث عقبة بن مالك الليثي في هذا المعنى وأن الرجل قال إني ~~مسلم فقتله فأنكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن الله أبى علي أن أقتل ~~مؤمنا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال ~~حدثنا # PageV03P223 # الليث عن ابن شهاب عن ms1283 عطاء بن زيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار ~~عن المقداد ابن الأسود أنه أخبره أنه قال يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا ~~من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة فقال أسلمت لله ~~أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~تقتله فقلت يا رسول الله قطع يدي قال لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل ~~أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا أبو النضر ~~هاشم بن القاسم قال حدثنا المسعودي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا شرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند ~~ثغرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرجع منه الرمح # وقال أبو عبيدة جعل الله تعالى هذه الكلمة أمنة المسلم وعصمة ماله ودمه ~~وجعل الجزية أمنة الكافر وعصمة ماله ودمه وهو نظير ما # روي في آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله الله وفي بعضها وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ~~رواه عمر وجرير بن عبد الله وابن عمر وأنس ابن مالك وأبو هريرة # وقالوا لأبي بكر الصديق حين أراد قتل العرب لما امتنعوا من أداء الزكاة # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم # فقال أبو بكر إلا بحقها وهذا من حقها فاتفقت الصحابة على صحة هذا الخبر ~~وهو معنى قوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا فحكم الله ~~تعالى بصحة إيمان من أظهر الإسلام وأمرنا بإجرائه على أحكام المسلمين وإن ~~كان في المغيب على خلافه وهذا مما يحتج به في قبول توبة الزنديق ms1284 متى أظهر ~~الإسلام لأن الله تعالى لم يفرق بين الزنديق وغيره إذا أظهر الإسلام وهو ~~يوجب أن من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله أو قال إني مسلم أنه يحكم ~~له بحكم الإسلام لأن قوله تعالى لمن ألقى إليكم السلام إنما معناه لمن ~~استسلم فأظهر الانقياد لما دعي إليه من الإسلام وإذا قرئ السلام فهو إظهار ~~تحية الإسلام وقد كان ذلك علما لمن أظهر به الدخول في الإسلام # وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قتل الرجل الذي أسلمت والذي ~~قال لا إله إلا الله قتلته بعد ما أسلم # فحكم له بالإسلام بإظهار هذا القول وقال محمد بن الحسن في كتاب السير ~~الكبير لو أن يهوديا أو نصرانيا قال أنا مسلم لم يكن بهذا القول مسلما لأن ~~كلهم # PageV03P224 # يقولون نحن مسلمون ونحن مؤمنون ويقولون إن ديننا هو الإيمان وهو الإسلام ~~فليس في هذا دليل على الإسلام منهم وقال محمد ولو أن رجلا من المسلمين حمل ~~على رجل من المشركين ليقتله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله كان هذا مسلما وإن رجع عن هذا ضرب عنقه لأن هذا هو الدليل على الإسلام ~~قال أبو بكر لم يجعل اليهودي مسلما بقوله أنا مسلم أو مؤمن لأنهم كذلك ~~يقولون ويقولون الإيمان والإسلام هو ما نحن عليه فليس في هذا القول دليل ~~على إسلامه وليس اليهودي والنصراني بمنزلة المشركين الذين كانوا في زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا عبدة أوثان فكان إقرارهم بالتوحيد ~~وقول القائل منهم إني مسلم وإني مؤمن تركا لما كان عليه ودخولا في الإسلام ~~فكان يقتصر منه على هذا القول لأنه كان لا يسمح به إلا وقد صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وآمن به ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم # وإنما أراد المشركين بهذا القول دون اليهود لأن اليهود قد كانوا يقولون ~~لا ms1285 إله إلا الله وكذلك النصارى يطلقون ذلك وإن ناقضوا بعد ذلك في التفصيل ~~فيثبتونه ثلاثة فعلمنا أن قول لا إله إلا الله إنما كان علما لإسلام مشركي ~~العرب لأنهم كانوا لا يعترفون بذلك إلا استجابة لدعاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتصديقا له فيما دعاهم إليه ألا ترى إلى قوله تعالى إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون واليهود والنصارى يوافقون المسلمين على ~~إطلاق هذه الكلمة وإنما يخالفون في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم فمتى ~~أظهر منهم مظهر الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو مسلم وروى الحسن بن ~~زياد عن أبي حنيفة في اليهودي والنصراني إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله ولم يقل إنى داخل في الإسلام ولا برىء من اليهودية ولا ~~من النصرانية لم يكن بذلك مسلما وأحسب أني قد رأيت عن محمد مثل هذا لأن ~~الذي ذكره محمد في السير الكبير خلاف ما رواه الحسن بن زياد ووجه ما رواه ~~الحسن بن زياد أن من هؤلاء من يقول إن محمدا رسول الله ولكنه رسول إليكم ~~ومنهم من يقول إن محمدا رسول الله ولكنه لم يبعث بعد وسيبعث فلما كان فيهم ~~من يقول ذلك في حال إقامته على اليهودية أو النصرانية لم يكن في إظهاره ~~لذلك ما يدل على إسلامه حتى يقول إنى داخل الإسلام أو يقول إني بريء من ~~اليهودية أو النصرانية فقوله عز وجل ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا «15- أحكام لث» # PageV03P225 # لو خلينا وظاهره لم يدل على أن فاعل ذلك محكوم له بالإسلام لأنه جائز أن ~~يكون المراد أن لا تنفوا عنه الإسلام ولا تثبتوه ولكن تثبتوا في ذلك حتى ~~تعلموا منه معنى ما أراد بذلك ألا ترى أنه قال إذا ضربتم في سبيل الله ~~فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا فالذي يقتضيه ظاهر ~~اللفظ الأمر بالتثبت والنهي عن نفي سمة الإيمان عنه وليس في النهي عن نفي ~~سمة الإيمان ms1286 عنه إثبات الإيمان والحكم به ألا ترى أنا متى شككنا في إيمان ~~رجل لا نعرف حاله لم يجز لنا أن نحكم بإيمانه ولا بكفره ولكن نتثبت حتى ~~نعلم حاله وكذلك لو أخبرنا مخبر بخبر لا نعلم صدقه من كذبه لم يجز لنا أن ~~نكذبه ولا يكون تركنا لتكذيبه تصديقا منا له كذلك ما وصفنا من مقتضى الآية ~~ليس فيه إثبات إيمان ولا كفر وإنما فيه الأمر بالتثبت حتى نتبين حاله إلا ~~أن الآثار التي قد ذكرنا قد أوجبت له الحكم بالإيمان # لقوله صلى الله عليه وسلم أقتلت مسلما وقتلته بعد ما أسلم # وقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها # فأثبت لهم حكم الإسلام بإظهار كلمة التوحيد وكذلك قوله في حديث عقبة بن ~~مالك الليثي إن الله تعالى أبى علي أن أقتل مؤمنا فجعله مؤمنا بإظهار هذه ~~الكلمة وروي أن الآية نزلت في مثل ذلك فدل ذلك على أن مراد الآية إثبات ~~الإيمان له في الحكم بإظهار هذه الكلمة وقد كان المنافقون يعصمون دماءهم ~~وأموالهم بإظهار هذه الكلمة مع علم الله تعالى باعتقادهم الكفر وعلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بنفاق كثير منهم فدل ذلك على أن قوله ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا قد اقتضى الحكم لقائله بالإسلام قوله تعالى ~~تبتغون عرض الحياة الدنيا يعني به الغنيمة وإنما سمى متاع الدنيا عرضا لقلة ~~بقائه على ما روي في الرجل الذي قتل الذي أظهر الإسلام وأخذ ما معه قوله ~~تعالى إذا ضربتم في سبيل الله يعنى به السير فيها وقوله تعالى فتبينوا قرئ ~~بالتاء والنون وقيل إن الاختيار التبين لأن التثبت إنما هو للتبين والتثبت ~~إنما هو سبب له وقوله تعالى كذلك كنتم من قبل قال الحسن كفارا مثلهم وقال ~~سعيد بن جبير كنتم مستخفين بدينكم بين قومكم كما استخفوا وقوله تعالى فمن ~~الله عليكم يعني بإسلامكم كقوله تعالى بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ~~وقيل ms1287 فمن الله عليكم بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم # قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر الآية يعني به ~~تفضيل # PageV03P226 # المجاهدين على القاعدين والحض على الجهاد ببيان ما للمجاهدين من منزلة ~~الثواب التي ليست للقاعدين عن الجهاد ودل به على أن شرف الجزاء على قدر شرف ~~العمل فذكر بديا أنهما غير متساويين ثم بين التفضيل بقوله فضل الله ~~المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وقد قرئ غير بالرفع والنصب ~~فالرفع على أنها نعت للقاعدين والنصب على الحال ويقال إن الاختيار فيها ~~الرفع لأن الصفة أغلب على غير من معنى الاستثناء وإن كان كلاهما جائز أو ~~الفرق بين غير إذا كانت صفة وبينها إذا كانت استثناء أنها في الاستثناء ~~توجب إخراج بعض من كل نحو جاءني القوم غير زيد وليست كذلك في الصفة لأنك ~~تقول جاءني رجل غير زيد فغير هاهنا صفة وفي الأول استثناء وإن كانت في ~~الحالين مخصصة على حد النفي وقوله تعالى وكلا وعد الله الحسنى يعني والله ~~أعلم المجاهدين والقاعدين من المؤمنين وهذا دليل على أن فرض الجهاد على ~~الكفاية وليس على كل أحد بعينه لأنه وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين ~~وإن كان ثواب المجاهدين أشرف وأجزل ولو لم يكن القعود عن الجهاد مباحا إذا ~~قامت به طائفة لما وعد القاعدين الثواب وفي ذلك دليل على ما ذكرنا أن فرض ~~الجهاد غير معين على كل أحد في نفسه # وقوله تعالى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ذكر ~~هاهنا درجات منه وذكر في أول الآية درجة فإنه روي عن ابن جريج أن الأول على ~~أهل الضرر فضلوا عليهم درجة واحدة والثاني على غير أهل الضرر فضلوا عليهم ~~درجات كثيرة وأجرا عظيما وقيل إن الأول على الجهاد بالنفس ففضلوا درجة ~~واحدة والآخر الجهاد بالنفس والمال ففضلوا درجات كثيرة وقيل إنه أراد ~~بالأول درجة المدح والتعظيم وشرف الدين وأراد بالآخر درجات الجنة فإن قيل ~~هل في الآية دلالة على مساواة أولي الضرر للمجاهدين في سبيل ms1288 الله من أجل ~~معنى الاستثناء فيها قيل له لا دلالة فيها على التساوي لأن الاستثناء ورد ~~من حيث كان مخرج الآية تحريضا على الجهاد وحثا عليه فاستثنى أولي الضرر إذ ~~ليسوا مأمورين بالجهاد لا من حيث ألحقوا بالمجاهدين # قوله عز وجل إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم الآية ~~قيل فيه تقبض أرواحهم عند الموت وقال الحسن تحشرهم إلى النار وقيل إنها ~~نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفا وإذا رجعوا ~~إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولا # PageV03P227 # يهاجرون إلى المدينة فبين الله تعالى بما ذكر أنهم ظالمون لأنفسهم ~~بنفاقهم وكفرهم وبتركهم الهجرة وهذا يدل على فرض الهجرة في ذلك الوقت لولا ~~ذلك لما ذمهم على تركها ويدل أيضا على أن الكفار مكلفون بشرائع الإسلام ~~معاقبون على تركها لأن الله قد ذم هؤلاء المنافقين على ترك الهجرة وهذا ~~نظير قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى فذمهم على ترك اتباع سبيل المؤمنين كما ذمهم على ترك ~~الإيمان ودل بذلك على صحة حجة الإجماع لأنه لولا أن ذلك لازم لما ذمهم على ~~تركه ولما قرنه إلى مشاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على النهي ~~عن المقام بين أظهر المشركين لقوله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها وهذا يدل على الخروج من أرض الشرك إلى أي أرض كانت من أرض الإسلام ~~وروي عن ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي أن الآية نزلت في قوم من أهل مكة ~~تخلفوا عن الهجرة وأعطوا المشركين المحبة وقتل قوم منهم ببدر على ظاهر ~~الردة # ثم استثنى منهم الذين أقعدهم الضعف بقوله إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا يعني طريقا إلى ~~المدينة دار الهجرة # وقوله تعالى فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم قال الحسن عسى من الله واجبة ~~وقيل إنها بمنزلة الوعد لأنه لا يخبر بذلك عن شك وقيل إنما هذا على ms1289 شك ~~العباد أي كونوا أنتم على الرجاء والطمع # قوله تعالى ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة قيل ~~في المراغم إنه أراد متسعا لهجرته لأن الرغم أصله الذل تقول فعلت ذلك على ~~الرغم من فلان أي فعلته على الذل والكره والرغام التراب لأنه يتيسر لمن ~~رامه مع احتقاره وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب إذ لا لا له فقال تعالى ~~ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة أي يجد في الأرض ~~متسعا سهلا كما قال تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها ~~وكلوا من رزقه وإليه النشور فمراغم وذلول متقاربان في المعنى وقيل في ~~المراغم إنه ما يرغم به من كان يمنعه من الهجرة وأما قوله تعالى وسعة فإنه ~~روي عن ابن عباس والربيع بن أنس والضحاك أنه السعة في الرزق وروي عن قتادة ~~أنه السعة في إظهار الدين لما كان يلحقهم من تضييق المشركين عليهم في أمر ~~دينهم حتى يمنعوهم من إظهاره وقوله عز وجل ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله ثم يدركه الموت # PageV03P228 # فقد وقع أجره على الله # فيه إخبار بوجوب أجر من هاجر إلى الله ورسوله وإن لم تتم هجرته وهذا يدل ~~على أن من خرج متوجها لفعل شيء من القرب أن الله يجازيه بقدر نيته وسعيه ~~وإن اقتطع دونه كما أوجب الله أجر من خرج مهاجرا وإن لم تتم هجرته وفيه ما ~~يدل على صحة قول أبي يوسف ومحمد فيمن خرج يريد الحج ثم مات في بعض الطريق ~~وأوصى أن يحج عنه من الموضع الذي مات فيه وكذلك الحاج عن الميت أو عمن ليس ~~عليه فرض الحج بنفسه أنه يحج عنه من حيث مات الذي قصد للحج لأن الله قد كتب ~~له من الخروج والنفقة فلما كان ذلك محتسبا للأول كان الذي وجب أن يقضي عنه ~~ما بقي وفيه الدلالة على أن من قال إن خرجت من دار إلا إلى الصلاة أو إلى ms1290 ~~الحج فعبدي حر فخرج يريد الصلاة أو الحج ثم لم يصل ولم يحج وتوجه إلى حاجة ~~أخرى أنه لا يحنث في يمينه لأن خروجه بديا كما كان للصلاة أو للحج لمقارنة ~~النية له كما كان خروج من خرج مهاجرا قربة وهجرة لمقارنة النية واقتطاع ~~الموت له عن الوصول إلى دار الهجرة لم يبطل حكم الخروج على الوجه الذي وجد ~~بديا عليه ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى # فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته ~~إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه فأخبر أن أحكام ~~الأفعال متعلقة بالنيات فإذا كان خروجه على نية الهجرة كان مهاجرا وإذا كان ~~على نية الغزو كان غازيا واستدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في ~~الطريق وجب سهمه من الغنيمة لورثته وهذه الآية لا تدل على ما قالوا لأن ~~كونها غنيمة متعلق بحيازتها إذ لا تكون غنيمة إلا بعد الحيازة وقال الله ~~تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فمن مات قبل أن يغنم فهو لم ~~يغنم شيئا فلا سهم له وقوله تعالى فقد وقع أجره على الله لا دلالة فيه على ~~وجوب سهمه لأنه لا خلاف أنه لو خرج غازيا من بيته فمات في دار الإسلام قبل ~~أن يدخل دار الحرب أنه لا سهم له وقد وجب أجره على الله كما وجب أجر الذي ~~خرج مهاجرا ومات قبل بلوغه دار هجرته والله أعلم. ### | باب صلاة السفر # قال الله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فأباح الله تعالى القصر المذكور في هذه ~~الآية بمعنيين # PageV03P229 # أحدهما السفر وهو الضرب في الأرض والآخر الخوف واختلف السلف في معنى ~~القصر المذكور فيها ما هو فروي عن ابن عباس قال فرض الله تعالى صلاة الحضر ~~أربعا وصلاة السفر ركعتين والخوف ركعة على لسان نبيكم صلى الله ms1291 عليه وسلم ~~وروى يزيد الفقير عن جابر قال صلاة الخوف ركعة ركعة وروى مجاهد أنه قصر ~~العدد من أربع إلى ثنتين وروى ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال قال قصرها ~~في الخوف والقتال الصلاة في كل حال راكبا وماشيا فأما صلاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر وروي عن ابن عباس رواية ~~أخرى غير ما قدمنا في القصر وهي أنه قال إنما هو قصر حدود الصلاة وأن تكبر ~~وتخفض رأسك وتومي إيماء قال أبو بكر وأولى المعاني وأشبهها بظاهر الآية ما ~~روي عن ابن عباس وطاوس في أنه قصر في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى ~~الإيماء وترك القيام إلى الركوب وجائز أن يسمى المشي في الصلاة قصرا إذ كان ~~مثله في غير الخوف يفسدها وما روي عن ابن عباس وجابر في أن صلاة الخوف ركعة ~~فمحمول على أن الذي يصليه المأموم مع الإمام ركعة لأنه يجعل الناس طائفتين ~~فيصلى بها بالتي معه ركعة ثم يمضون إلى تجاه العدو ثم تأتي الطائفة الثانية ~~فيصلي بها ركعة ويسلم بتلك فيصير لكل طائفة من المأمومين ركعة ركعة مع ~~الإمام ثم يقضون ركعة ركعة فيكون ما روي عن ابن عباس في أنه قصر في صفة ~~الصلاة غير مخالف # لقوله إن صلاة الخوف ركعة # لأن # الآثار قد تواترت في فعل النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف # مع اختلافها وكلها موجبة للركعتين وليس في شيء منها أنه صلاها ركعة إلا ~~أنها طائفة ركعة مع الإمام والقضاء لركعة دون الاقتصار على واحدة ولو كانت ~~صلاة الخوف ركعة واحدة لما اختلف حكم النبي صلى الله عليه وسلم وحكم ~~المأمومين فيها فلما # نقل ابن عباس وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين # علمنا أن فرض صلاة الخائف كفرض غيره وأن ما روي من أنه كان للقوم ركعة ~~ركعة على معنى أنها كانت ركعة ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم قضوا ~~ركعة ركعة على ما روي ms1292 في سائر الأخبار والدليل على أن القصر المذكور في ~~الآية هو القصر في صفة الصلاة أو المشي والاختلاف فيها على النحو الذي ~~قدمنا ذكره دون أعداد ركعاتها وأن مذهب ابن عباس في القصر ما وصفنا دون ~~نقصان عدد الركعات ما روى مجاهد أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال إني وصاحب ~~لي خرجنا في سفر فكنت # PageV03P230 # أتم وكان صاحبي يقصر فقال ابن عباس أنت الذي تقصر وصاحبك الذي كان يتم ~~فأخبر ابن عباس أن القصر ليس في عدد الركعات وأن الركعتين في السفر ليستا ~~بقصر ويدل على ذلك ما روى سفيان عن زبير اليامى عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى ~~عن عمر قال صلاة السفر ركعتان وصلاة الفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على ~~لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد دخل في ذلك صلاة الخوف في السفر لأنه ~~ذكر جميع هذه الصلوات وأخبر أنها تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله ~~عليه وسلم فثبت بذلك أن القصر المذكور في الآية هو على ما وصفنا دون أعداد ~~ركعات الصلاة فإن قيل # روي عن يعلى بن أمية أنه قال قلت لعمر بن الخطاب كيف تقصر وقد أمنا وقال ~~الله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدقة ~~تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته # فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات وأن ذلك ~~كان مفهوما عندهم من معنى الآية قيل له لما كان اللفظ محتملا للمعنيين من ~~أعداد ركعات الصلاة ومن صفتها على الوجه الذي بينا لم يمتنع أن يكون قد سبق ~~في وهم عمرو يعلى بن أمية ما ذكر وأن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~القصر في حال الأمن لا على أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن قصر الآية ~~هو في العدد فأجابه بما وصف ولكنه جائز أن يكون قال ms1293 النبي صلى الله عليه ~~وسلم كيف نقصر وقد أمنا من غير أن ذكر له تأويل الآية لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد كان يقصر في مغازيه ثم قصر في الحج في حال الأمن وزوال القتال # فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته # يعني أن الله قد أسقط عنكم في السفر فرض الركعتين في حال الخوف والأمن ~~جميعا # وقد روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر أنها تمام غير ~~قصر # فجائز أن يكون ظن بديا أن قصر الخوف هو في عدد الركعات فلما سمعه يقول ~~صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر علم أن قصر الآية إنما هو في صفة الصلاة لا ~~في عدد الركعات وإذا صح بما وصفنا أن المراد بالقصر ما ذكرنا لم تكن في ~~الآية دلالة على فرض المسافر ولا على أنه مخير بين الإتمام والقصر إذ لا ~~ذكر له في الآية وقد اختلف الفقهاء في فرض المسافر فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد فرض المسافر ركعتان إلا صلاة المغرب فإنها ثلاث فإن صلى المسافر ~~أربعا ولم يقعد في الاثنتين فسدت صلاته وإن قعد فيهما مقدار التشهد تمت ~~صلاته بمنزلة من صلى الفجر أربعا بتسليمة وهو قول # PageV03P231 # الثوري وقال حماد بن أبي سليمان إذا صلى أربعا أعاد وقال الحسن بن صالح ~~إذا صلى أربعا متعمدا أعاد إذا كان ذلك منه الشيء اليسير فإذا طال في سفره ~~وكثر لم يعد قال وإذا افتتح الصلاة على أن يصلي أربعا استقبل الصلاة حتى ~~يبتدئها بالنية على ركعتين وتشهد ثم بدا له أن يتم فصلى أربعا أعاد وإن نوى ~~أن يصلي أربعا بعد ما افتتح الصلاة على ركعتين ثم بدا له فسلم في الركعتين ~~أجزته وقال مالك إذا صلى المسافر أربعا فإنه يعيد مادام في الوقت فإذا مضى ~~الوقت فلا إعادة عليه قال ولو أن مسافرا افتتح المكتوبة ينوي أربعا فلما ~~صلى ركعتين بدا له فسلم أنه لا يجزيه ولو صلى المسافر بمسافرين فقام في ~~الركعتين فسبحوا ms1294 به فلم يرجع فإنهم يقعدون ويتشهدون ولا يتبعونه وقال ~~الأوزاعي يصلي المسافر ركعتين فإن قام إلى الثالثة وصلاها فإنه يلغيها ~~ويسجد سجدتي السهو وقال الشافعي ليس للمسافر أن يصلي ركعتين إلا أن ينوي ~~القصر مع الإحرام فإذا أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعا قال أبو ~~بكر قد بينا أنه ليس في الآية حكم القصر في أعداد الركعات # ولم يختلف الناس في قصر النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره كلها في حال ~~الأمن والخوف # فثبت أن فرض المسافر ركعتان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبيانه لمراد ~~الله تعالى قال عمر بن الخطاب سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن القصر في ~~حال الأمن # فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته # وصدقة الله علينا هي إسقاطه عنا فدل ذلك على أن الفرض ركعتان وقوله ~~فاقبلوا صدقته يوجب ذلك لأن الأمر للوجوب فإذا كنا مأمورين بالقصر فالإتمام ~~منهي عنه وقال عمر بن الخطاب صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان ~~نبيكم فأخبر أن الفرض ركعتان وأنه ليس بقصر بل هو تمام كما ذكر صلاة الفجر ~~والجمعة والأضحى والفطر وعزا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فصار ذلك ~~بمنزلة # قول النبي صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر # وذلك ينفي التخيير بين القصر والإتمام # وروي عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا ~~صلى ركعتين حتى يرجع # وروى علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال حججت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة وأقام بمكة ثماني ~~عشرة لا يصلي إلا ركعتين وقال لأهل مكة صلوا أربعا فإنا قوم سفر # وقال ابن عمر صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ~~ركعتين # وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في السفر فلم يزيدوا على ركعتين ~~حتى قبضهم الله تعالى وقد قال الله تعالى ms1295 لقد # PageV03P232 # كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # وروى بقية بن الوليد قال حدثنا أبان بن عبد الله عن خالد بن عثمان عن أنس ~~بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة المسافر ~~ركعتان حتى يؤب إلى أهله أو يموت # وقال عبد الله بن مسعود صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى ركعتين ~~ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين وقال مورق العجلي سئل ابن عمر عن الصلاة ~~في السفر فقال ركعتين ركعتين من خالف السنة كفر فهذه أخبار متواترة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة في فعل الركعتين في السفر لا زيادة ~~عليهما وفي ذلك الدلالة من وجهين على أنهما فرض المسافر أحدهما أن فرض ~~الصلاة مجمل في الكتاب مفتقر إلى البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~ورد على وجه البيان فهو كبيانه بالقول يقتضي الإيجاب وفي فعله صلاة السفر ~~ركعتين بيان منه أن ذلك مراد الله كفعله لصلاة الفجر وصلاة الجمعة وسائر ~~الصلوات والوجه الثاني لو كان مراد الله الإتمام أو القصر على ما يختاره ~~المسافر لما جاز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصر بالبيان على أحد ~~الوجهين دون الآخر وكان بيانه للإتمام في وزن بيانه للقصر فلما ورد البيان ~~إلينا من النبي صلى الله عليه وسلم في القصر دون الإتمام دل ذلك على أنه ~~مراد الله دون غيره ألا ترى أنه لما كان مراد الله في رخصة المسافر في ~~الإفطار أحد شيئين من إفطار أو صوم ورد البيان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~تارة بالإفطار وتارة بالصوم وأيضا لما صلى عثمان بمنى أربعا أنكرت عليه ~~الصحابة ذلك # فقال عبد الله بن مسعود صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين # ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن حظي من ~~أربع ركعتان متقبلتان وقال ابن عمر صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر # وقال عثمان أنا إنما أتممت لأني تأهلت ms1296 بهذا البلد وسمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول من تأهل ببلد فهو من أهله # فلم يخالفهم عثمان في منع الإتمام وإنما اعتذر بأنه قد تأهل بمكة فصار من ~~أهلها وكذلك قولنا في أهل مكة إنهم لا يقصرون وقال ابن عباس فرض الله تعالى ~~الصلاة في السفر ركعتين وفي الحضر أربعا وقالت عائشة أول ما فرضت الصلاة ~~ركعتان ركعتان ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت عليه ~~فأخبرت أن فرض المسافر في الأصل ركعتان وفرض المقيم أربع كفرض صلاة الفجر ~~وصلاة الظهر فغير جائز الزيادة عليها كما لا تجوز الزيادة على سائر الصلوات ~~ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على أن للمسافر ترك الأخريين # PageV03P233 # لا إلى بدل ومتى فعلهما فإنما يفعلهما على وجه الابتداء فدل على أنهما ~~نفل لأن هذه صورة النفل وهو أن يكون مخيرا بين فعله وتركه وإذا تركه تركه ~~لا إلى بدل واحتج من خيره بين القصر والإتمام بما # روي عن عائشة قالت قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتم # وهذا صحيح ومعناه أنه قصر في الفعل وأتم في الحكم كقول عمر صلاة السفر ~~ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم واحتج أيضا من قال ~~بالتخيير أنه لو دخل في صلاة مقيم لزمه الإتمام فدل على أنه مخير في الأصل ~~وهذا فاسد لأن الدخول في صلاة الإمام يغير الفرض ألا ترى أن المرأة والعبد ~~فرضهما يوم الجمعة أربع ولو دخلا في الجمعة صليا ركعتين ولم يدل ذلك على ~~أنهما مخيران قبل الدخول بين الأربع والركعتين وقد استقصينا الكلام في هذه ~~المسألة في مواضع من كتبنا واختلفوا أيضا في المسافر يدخل في صلاة المقيم ~~فقال أصحابنا والشافعي والأوزاعي يصلي صلاة مقيم وإن أدركه في التشهد وهو ~~قول الثوري وقال مالك إذا لم يدرك معه ركعة صلى ركعتين والذي يدل على القول ~~الأول # قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وفي بعض ~~الألفاظ وما ms1297 فاتكم فاقضوا # فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الفائت من صلاة الإمام والذي فاته ~~أربع ركعات فعليه قضاؤها وأيضا قد صح له الدخول في آخر صلاته ويلزمه سهوه ~~وانتفى عنه سهو نفسه لأجل إمامه كذلك لزمه حكم صلاته في الإتمام وأيضا لو ~~نوى المسافر الإقامة في هذه الحال لزمه الإتمام كذلك دخوله مع الإمام ويكون ~~دخوله معه في التشهد كدخوله في أولها كما كانت نية الإقامة في التشهد كهي ~~في أولها والله أعلم. # فصل قال أبو بكر وجميع ما قدمنا في قصر الصلاة للمسافر يدل على أن صلاة ~~سائر المسافرين ركعتان في أي شيء كان سفرهم من تجارة أو غيرها وذلك لأن ~~الآثار المروية فيه لم تفرق بين شيء من الأسفار # وقد روى الأعمش عن إبراهيم أن رجلا كان يتجر إلى الحرين فقال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم كم أصلي فقال ركعتين # وعن ابن عباس وابن عمر أنهما خرجا إلى الطائف فقصر الصلاة وروي عن عبد ~~الله بن مسعود قال لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد وعن عطاء قال لا أرى ~~أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله فإن قيل لم يقصر النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا في حج أو جهاد قيل له لأنه لم يسافر إلا في حج أو جهاد وليس ~~في ذلك دليل على أن القصر مخصوص بالحج والجهاد وقول عمر صلاة السفر ركعتان ~~على # PageV03P234 # لسان نبيكم عموم في سائر الأسفار # وقول النبي صلى الله عليه وسلم صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته # عام أيضا في سائر الأسفار وكذلك # قوله لأهل مكة أتموا فإنا قوم سفر # ولم يقل في حج دليل على أن حكم القصر عام في جميع المسافرين ولما كان ذلك ~~حكما متعلقا بالسفر وجب أن لا يختلف حكم الأسفار فيه كالمسح على الخفين ~~ثلاثا ومن يتأول قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة على عدد الركعات يحتج بعمومه في جميع الأسفار إذا كان ms1298 خائفا من ~~العدو ثم إذا ثبت ذلك في صلاة الخوف إذا كان سفره في غير جهة القربة وجب ~~مثله في سائر الأسفار لأن أحدا لم يفرق بينهما وقد بينا أن القصر ليس هو في ~~عدد الركعات والذي ذكرناه في القصر في جميع الأسف بعد أن يكون السفر ثلاثا ~~هو قول أصحابنا والثوري والأوزاعي وقال مالك إن خرج إلى الصيد وهو معاشه ~~قصر وإن خرج متلذذا لم أستحب له أن يقصر وقال الشافعي إذا سافر في معصية لم ~~يقصر ولم يمسح مسح السفر قال أبو بكر قد بينا أن ذلك في شأن المضطر في سورة ~~البقرة وقد اختلف في الملاح هل يقصر في السفينة فقال أصحابنا يقصر إذا كان ~~في سفر حتى يصير إلى قريته فيتم وهو قول مالك والشافعي وقال الأوزاعي إذا ~~كان فيها أهله وقراره يقصر إذا أكراها حتى ينتهى إلى أكراها فإذا انتهى أتم ~~الصلاة وقال الحسن بن صالح إذا كانت السفينة بيته وليس له منزل غيرها فهو ~~فيها بمنزلة المقيم يتم قال أبو بكر كون الملاح مالكا للسفينة لا يخرجه من ~~حكم السفر كالجمال مالك للجمال التي ينتقل بها من موضع إلى موضع فلا يخرجه ~~ذلك من حكم السفر وقد بينا الكلام في مدة السفر في سورة البقرة عند أحكام ~~الصوم وشرط أصحابنا فيه ثلاثة أيام ولياليها وهو قول الثوري والحسن بن صالح ~~وقال مالك ثمانية وأربعون ميلا فإن لم تكن فيها أميال فمسيرة يوم وليلة ~~للقفل وهو قول الليث وقال الأوزاعي يوم تام وقال الشافعي ستة وأربعون ميلا ~~بالهاشمي وروي عن ابن عمر ثلاثة أيام وروي عن ابن عباس يوم وليلة واختلفوا ~~في المدة التي يتم فيها الصلاة فقال أصحابنا والثوري إذا نوى إقامة خمسة ~~عشر يوما أتم وإن كان أقل قصر وقال مالك والليث والشافعي إذا نوى إقامة ~~أربع أتم وقال الأوزاعي إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوما أتم وإن نوى أقل قصر ~~وقال الحسن بن صالح إن مر المسافر بمصره الذي فيه أهله وهو ms1299 منطلق ماض في ~~سفره قصر فيه الصلاة ما لم # PageV03P235 # يقم به عشرا أو إن أقام به عشرا أو بغيره أتم الصلاة قال أبو بكر # وروي عن ابن عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة صبيحة ~~الرابعة من ذي الحجة فكان مقامه إلى وقت خروجه أكثر من أربع وكان يقصر ~~الصلاة # فدل على سقوط اعتبار الأربع وأيضا روى أبو حنيفة عن عمر بن ذر عن مجاهد ~~عن ابن عباس وابن عمر قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم بها ~~خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها ولم يرو ~~عن أحد من السلف خلاف ذلك فثبتت حجته فإن قيل روى الخراساني عن سعيد بن ~~المسيب قال من أجمع على أربع وهو مسافر أتم الصلاة قيل له روى هشيم عن داود ~~بن أبي هند عن سعيد بن المسيب قال إذا أقام المسافر خمسة عشر يوما وليلة ~~أتم الصلاة وما كان من دون ذلك فليقصر وإن جعلنا الروايتين متعارضتين سقطتا ~~وصار كأنه لم يرو عنه شيء ولو ثبتت الرواية عنه من غير معارضة لما جاز أن ~~يكون خلافا على ابن عباس وابن عمر وأيضا مدة الإقامة والسفر لا سبيل إلى ~~إثباتها من طريق المقاييس وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق وقد حصل الاتفاق ~~في في خمسة عشر يوما وما دونها مختلف فيه فيثبت الخمسة عشر أنها إقامة ~~صحيحة ولم يثبت ما دونها وكذلك السلف قد اتفقوا على الثلاث أنها سفر صحيح ~~يتعلق بها حكم القصر والإفطار واختلفوا فيما دونها فلم يثبت والله أعلم. ### | باب صلاة الخوف # قال الله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ~~الآية قال أبو بكر قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على ضروب ~~مختلفة واختلف فقهاء الأمصار فيها فقال أبو حنيفة ومحمد تقوم طائفة مع ~~الإمام وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ثم ينصرفون إلى مقام ~~أصحابهم ثم تأتي الطائفة ms1300 الأخرى التي بإزاء العدو فيصلي بهم ركعة وسجدتين ~~ويسلم وينصرفون إلى مقام أصحابهم ثم تأتي الطائفة التي بإزاء العدو فيقضون ~~ركعة بغير قراءة وتشهدوا ويسلموا ويذهبوا إلى وجه العدو ثم تأتي الطائفة ~~الأخرى فيقضون ركعة وسجدتين بقراءة وقال ابن أبي ليلى إذا كان العدو بينهم ~~وبين القبلة جعل الناس طائفتين فيكبر ويكبرون وبركع ويركعون جميعا معه وسجد ~~الإمام والصف الأول ويقوم الصف الآخر في وجوه العدو فإذا قاموا من السجود # PageV03P236 # سجد الصف المؤخر فإذا فرغوا من سجودهم قاموا وتقدم الصف المؤخر وتأخر ~~الصف المقدم فيصلي بهم الإمام الركعة الأخرى كذلك وإن كان العدو في دبر ~~القبلة قام الإمام ومعه صف مستقبل القبلة والصف الآخر مستقبل العدو فيكبر ~~ويكبرون جميعا ويركع ويركعون جميعا ثم يسجد الصف الذي مع الإمام سجدتين ثم ~~ينقلبون فيكونون مستقبلي العدو ثم يجيء الآخرون ويصلي بهم الإمام جميعا ~~الركعة الثانية فيركعون جميعا ويسجد الصف الذي معه ثم ينقلبون إلى وجه ~~العدو ويجيء الآخرون فيسجدون معه ويفرغون ثم يسلم الإمام وهم جميعا قال أبو ~~بكر وروي عن أبي يوسف في صلاة الخوف ثلاث روايات إحداها مثل قول أبي حنيفة ~~ومحمد والأخرى مثل قول ابن أبي ليلى إذا كان العدو في القبلة وإذا كان في ~~غير القبلة فمثل قول أبي حنيفة والثالثة أنه لا تصلي بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف بإمام واحد وإنما تصلى بإمامين كسائر الصلوات وروي عن ~~سفيان الثوري مثل قول أبي حنيفة وروي أيضا مثل قول ابن أبي ليلى وقال إن ~~فعلت كذلك جاز وقال مالك يتقدم الإمام بطائفة وطائفة بإزاء العدو فيصلي بهم ~~ركعة وسجدتين ويقوم قائما وتتم الطائفة التي معه لأنفسها ركعة أخرى ثم ~~يتشهدون ويسلمون ثم يذهبون إلى مكان الطائفة التي لم تصل فيقومون مكانهم ~~وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة وسجدتين ثم يتشهدون ويسلم ويقومون ~~فيتمون لأنفسهم الركعة التي بقيت قال ابن القاسم كان مالك يقول لا يسلم ~~الإمام حتى تتم الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلم بهم لحديث يزيد ms1301 بن رومان ~~ثم رجع إلى حديث القاسم «1» وفيه أن الإمام يسلم ثم تقوم الطائفة الثانية ~~فيقضون وقال الشافعي مثل قول مالك إلا أنه قال الإمام لا يسلم حتى تتم ~~الطائفة الثانية لأنفسها ثم يسلم بهم وقال الحسن بن صالح مثل قول أبي حنيفة ~~إلا أنه قال الطائفة الثانية إذا صلت مع الإمام وسلم الإمام قضت لأنفسها ~~الركعة التي لم يصلوها مع الإمام ثم تنصرف وتجيء الطائفة الأولى فتقضي بقية ~~صلاتها قال أبو بكر أشد هذه الأقاويل موافقة لظاهر الآية قول أبى حنيفة ~~ومحمد ذلك لأنه تعالى قال PageV03P237 # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وفي ضمن ذلك أن ~~طائفة منهم بإزاء العدو لأنه قال وليأخذوا أسلحتهم وجائز أن يكون مراده ~~الطائفة التي بإزاء العدو وجائز أن يريد به الطائفة المصلية والأولى ~~الطائفة التي بإزاء العدو لأنها تحرس هذه المصلية وقد عقل من ذلك أنهم لا ~~يكونون جميعا مع الإمام لأنهم لو كانوا مع الإمام لما كانت طائفة منهم ~~قائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكونون جميعا معه وذلك خلاف الآية ثم ~~قال تعالى فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم وعلى مذهب مالك يقضون لأنفسهم ولا ~~يكونون من ورائهم إلا بعد القضاء وفي هذه الآية الأمر لهم بأن يكونوا بعد ~~السجود من ورائهم وذلك موافق لقولنا ثم قال ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك فدل ذلك على معنيين أحدهما أن الإمام يجعلهم طائفتين في الأصل ~~طائفة معه وطائفة بإزاء العدو على ما قال أبو حنيفة لأنه قال ولتأت طائفة ~~أخرى ونون مذهب مخالفنا هي مع الإمام لا تأتيه والثاني قوله لم يصلوا ~~فليصلوا معك وذلك يقتضي نفي كل جزء من الصلاة ومخالفنا يقول يفتتح الجميع ~~الصلاة مع الإمام فيكون على حينئذ بعد الافتتاح فاعلين لشيء من الصلاة وذلك ~~خلاف الآية فهذه الوجوه التي ذكرنا من معنى الآية موافقة لمذهب أبي حنيفة ~~ومحمد وقولنا موافق للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم وللأصول ~~وذلك لأن # النبي ms1302 صلى الله عليه وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا ~~وإذا سجد فاسجدوا # وقال إني امرؤ قد بدنت فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود # ومن مذهب المخالف أن الطائفة الأولى تقضي صلاتها وتخرج منها قبل الإمام ~~وفي الأصول أن المأموم مأمور بمتابعة الإمام لا يجوز له الخروج منها قبله ~~وأيضا جائز أن يلحق الإمام سهو وسهوه يلزم المأموم ولا يمكن الخارجين من ~~صلاته قبل فراغه أن يسجدوا ويخالف هذا القول الأصول من جهة أخرى وهي اشتغال ~~المأموم بقضاء صلاته والإمام قائم أو جالس تارك لأفعال الصلاة فيحصل به ~~مخالفة الإمام في الفعل وترك الإمام لأفعال الصلاة لأجل المأموم وذلك ينافي ~~معنى الافتداء والائتمام ومنع الإمام من الاشتغال بالصلاة لأجل المأموم ~~فهذان وجهان أيضا خارجان من الأصول فإن قيل جائز أن تكون صلاة الخوف مخصوصة ~~بجواز انصراف الطائفة الأولى قبل الإمام كما جاز المشي فيها قيل له المشي ~~له نظير في الأصول وهو الراكب المنهزم يصلي وهو سائر # PageV03P238 # بالاتفاق فكان لما ذكرنا أصل متفق عليه فجاز أن لا تفسد صلاة الخوف وأيضا ~~قد ثبت عندنا أن الذي سبقه الحدث في الصلاة ينصرف ويتوضأ ويبني قد وردت به ~~السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # روى عن ابن عباس وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قاء أو رعف ~~في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته والرجل يركع ويمشي إلى ~~الصف فلا تبطل صلاته # وركع أبو بكر حين دخل المسجد ومشى إلى الصف فلما فرغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال له زادك الله حرصا ولا تعد # ولم يأمره باستيناف الصلاة فكان للمشي في الصلاة نظائر في الأصول وليس ~~للخروج من الصلاة قبل فراغ الإمام نظير فلم يجز فعله وأيضا فإن المشي فيها ~~اتفاق بيننا وبين مالك والشافعي ولما قامت به الدلالة سلمناه لها وما عدا ~~ذلك فواجب حمله على موافقة الأصول حتى تقوم الدلالة على جواز خروجه عنها ~~ومما يدل من جهة السنة ms1303 على ما وصفنا ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن ~~زريع عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا ~~في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم عليهم ثم قام هؤلاء ~~فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم قال أبو داود كذلك رواه نافع وخالد ~~بن معدان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم # وقال أبو داود وكذلك قول مسروق ويوسف بن مهران عن ابن عباس وكذلك روى ~~يونس عن الحسن عن أبي موسى أنه فعله وقول ابن عمر فقضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ~~ركعة على أنهم قضوا على وجه يجوز القضاء وهو أن ترجع الثانية إلى مقام ~~الأولى وجاءت الأولى فقضت ركعة وسلمت ثم جاءت الثانية فقضت ركعة وسلمت وقد ~~بين ذلك # في حديث خصيف عن أبي عبيدة عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلى في حرة بني سليم صلاة الخوف قام فاستقبل القبلة وكان العدو في غير ~~القبلة فصف معه صفا وأخذ صف السلاح واستقبلوا العدو فكبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والصف الذي معه ثم ركع وركع الصف الذي معه ثم تحول الصف ~~الذين صفوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح وتحول الآخرون ~~فقاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم فركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعوا ~~وسجد وسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم فذهب الذين صلوا معه وجاء ~~الآخرون فقضوا ركعة فلما فرغوا أخذوا السلاح وتحول الآخرون وصلوا ركعة فكان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان # PageV03P239 # وللقوم ركعة ركعة # فبين في هذا الحديث انصراف الطائفة الثانية قبل قضاء الركعة الأولى وهو ~~معنى ما أجمله ابن عمر في حديثه وقد روي في حديث عبد الله بن مسعود من ~~رواية ابن فضل عن خصيف عن أبي عبيدة عن عبد ms1304 الله أن الطائفة الثانية قضت ~~ركعة لأنفسها قبل قضاء الطائفة الأولى الركعة التي بقيت عليها والصحيح ما ~~ذكرناه أولا لأن الطائفة الأولى قد أدركت أول الصلاة والثانية لم تدرك فغير ~~جائز للثانية الخروج من صلاتها قبل الأولى ولأنه لما كان من حكم الطائفة ~~الأولى أن تصلي الركعتين في مقامين فكذلك حكم الثانية أن تقضيهما في مقامين ~~لا في مقام واحد لأن سبيل صلاة الخوف أن تكون مقسومة بين الطائفتين على ~~التعديل بينهما فيها واحتج مالك # بحديث رواه عن زيد بن رومان عن صالح بن خوات مرسلا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذكر فيه أن الطائفة الأولى صلت الركعة الثانية قبل أن يصليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهذا لم يروه أحد إلا يزيد بن رومان وقد خولف فيه # فروى شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن ~~أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف فصف صفا خلفه ~~وصف مصاف العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ثم ~~قاموا فقضوا ركعة ركعة # ففي هذا الحديث أن الطائفة الأولى لم تقض الركعة الثانية إلا بعد خروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وهذا أولى لما قدمناه من دلائل ~~الأصول عليه وقد روى يحيى بن سعيد عن القاسم عن صالح مثل رواية يزيد بن ~~رومان وفي حديث مالك عن يزيد بن رومان أن تلك الصلاة إنما كانت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع # وقد روى يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذات الرقاع فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة منهم ~~ركعتين ثم انصرفوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعتين فصلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أربعا وكل طائفة ركعتين # وهذا يدل على اضطراب حديث يزيد ابن رومان وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms1305 صلاة الخوف على وجوه أخر # فاتفق ابن مسعود وابن عمر وجابر وحذيفة وزيد بن ثابت أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهون العدو ثم صلى ~~بالطائفة الأخرى ركعة وأن أحدا منهم لم يقض بقية صلاته قبل فراغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وروي صالح بن خوات على ما قد اختلف عنه فيه مما قدمنا ذكره وروى أبو عياش ~~الزرقي عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف نحو # PageV03P240 # المذهب الذي حكيناه عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف إذا كان العدو في القبلة ~~وروى أيوب وهشام عن أبي الزبير عن جابر هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك رواه داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس وكذلك عبد الملك عن ~~عطاء عن جابر وكذلك قتادة عن الحسن عن حطان عن أبي موسى من فعله ورواه ~~عكرمة بن خالد عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك هشام بن عروة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي عن ابن عباس وجابر ما قدمنا ذكره قبل هذا ~~واختلفت الرواية عنهما فيها وروي فيها نوع آخر وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا ~~أبو عبد الرحمن المقري قال حدثنا حياة بن شريح وابن لهيعة قالا أخبرنا أبو ~~الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة ~~هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فقال أبو هريرة نعم ~~قال مروان متى فقال أبو هريرة عام غزوة نجد قام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى ~~القبلة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا الذين معه والذين ~~مقابلي العدو ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة واحدة وركعت ~~الطائفة التي معه ثم سجد رسول الله صلى الله عليه ms1306 وسلم فسجدت الطائفة التي ~~تليه والآخرون قيام مقابلي العدو ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقامت الطائفة التي معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي ~~كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما ~~هو ثم قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه وسجد ~~وسجدوا معه ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلي العدو فركعوا وسجدوا ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قاعد ومن معه ثم كان السلام فسلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسلموا جميعا فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ~~ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم نوع آخر من صلاة الخوف وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبيد الله بن معاذ قال ~~حدثنا أبي قال حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة قال صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ~~ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا ~~خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا ~~ولأصحابه ركعتين ركعتين وبذلك كان يفتي الحسن قال أبو داود وكذلك يحيى ابن ~~أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكذلك رواه سليمان «16- أحكام لث» # PageV03P241 # اليشكري عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم # قال أبو بكر وقد قدمنا قبل ذلك # أن ابن عباس وجابرا رويا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بكل طائفة ~~ركعة ركعة فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل طائفة ركعة # وأن هذا محمول عندنا على أنه كان ركعة في جماعة وفعلها مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف إذا كان العدو في القبلة إلى ~~حديث أبي عياش ms1307 الزرقي الذي ذكرناه وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد صلى هذه الصلوات على الوجوه التي وردت به الروايات وذلك لأنها لم تكن ~~صلاة واحدة فتتضاد الروايات فيها وتتنافى بل كانت صلوات في مواضع مختلفة ~~بعسفان في حديث أبي عياش الزرقي وفي حديث جابر ببطن النخل ومنها حديث أبي ~~هريرة في غزوة نجد وذكر فيه أن الصلاة كانت بذات الرقاع وصلاها في حرة بني ~~سليم ويشبه أن يكون قد صلى في بعض هذه المواضع عدة صلوات لأن # في بعض حديث جابر الذي يقول فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل ~~طائفة ركعتين # ذكر أنه كان بذات الرقاع وفي حديث صالح بن خوات أيضا أنه صلاها بذات ~~الرقاع وهما مختلفان كل واحد منهما ذكر فيه من صفة صلاته خلاف صفة الأخرى ~~وكذلك حديث أبي عياش الزرقي ذكر أنه صلاها بعسفان وذكر ابن عباس أيضا أنه ~~صلاها بعسفان فروي تارة نحو حديث أبي عياش وتارة على خلافه واختلاف هذه ~~الآثار تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى هذه الصلوات على ~~اختلافها على حسب ورود الروايات بها وعلى ما رآه النبي احتياطا في الوقت من ~~كيد العدو وما هو أقرب إلى الحذر والتحرز على ما أمر الله تعالى به من أخذ ~~الحذر في قوله وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولذلك كان الاجتهاد سائغا في ~~جميع أقاويل الفقهاء على اختلافها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها إلا أن الأولى عندنا ما وافق ظاهر الكتاب والأصول وجائز أن يكون ~~الثابت الحكم منها واحدا والباقي منسوخ وجائز أن يكون الجميع ثابتا غير ~~منسوخ توسعة وترفيها لئلا يحرج من ذهب إلى بعضها ويكون الكلام في الأفضل ~~منها كاختلاف الروايات في الترجيع في الأذان وفي تثنية الإقامة وتكبيرات ~~العيدين والتشريق ونحو ذلك مما الكلام فيه بين الفقهاء في الأفضل فمن ذهب ~~إلى وجه منها فغير معنف عليه في ms1308 اختياره وكان الأولى عندنا ما وافق ظاهر ~~الآية والأصول # وفي حديث جابر وأبي بكرة # PageV03P242 # أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين # فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد كان مقيما حين صلاها كذلك ~~ويكون قولهما إنه سلم في الركعتين المراد به تسليم التشهد وذلك لأن ظاهر ~~الكتاب ينفيه على الوجه الذي يقتضيه ظاهر الخبر لأن الله تعالى قال فلتقم ~~طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم وظاهر ~~الخبر يوجب أن يكونوا مصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد السجود على ~~الحال التي كانوا عليها قبله فإن قيل كيف يكون مقيما في البادية وهي ذات ~~الرقاع وليست موضع إقامة ولا هي بالقرب من المدينة قيل له جائز أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لم ينو سفر ثلاث وإنما نوى في كل ~~موضع يبلغ إليه سفر يومين فيكون مقيما عندنا إذ لم ينشئ سفر ثلاث وإن كان ~~في البادية ويحتمل أن يكون فعلها في الوقت الذي يعاد الفرض فيه وذلك منسوخ ~~عندنا وعلى أنه لو كان كذلك لم يكن صلاة خوف وإنما هي صلاة على هيئة سائر ~~الصلوات ولا خلاف أن صلاة الخوف مخالفة لسائر الصلوات المفعولة في حال ~~الأمن وأما القول الذي روي عن أبي يوسف في أنه لا تصلى بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف وأنه ينبغي أن تصلى عند الخوف بإمامين فإنه ذهب فيه ~~إلى ظاهر قول الله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فخص هذه الصلاة ~~بكون النبي صلى الله عليه وسلم فيهم وأباح لهم فعلها معه على هذا الوجه ~~ليدركوا فضيلة الصلاة خلفه التي مثلها لا يوجد في الصلاة خلف غيره فغير ~~جائز بعده لأحد أن يصليها إلا بإمامين لأن فضيلة الصلاة خلف الثاني كهي خلف ~~الأول فلا يحتاج إلى مشي واختلاف واستدبار القبلة مما هو مناف للصلاة قال ~~أبو بكر فأما تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب بها بقوله ms1309 وإذا كنت ~~فيهم فليس بموجب بالاقتصار عليه بهذا الحكم دون غيره لأن الذي قال وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة هو الذي قال فاتبعوه فإذا وجدنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد فعل فعلا فعلينا اتباعه فيه على الوجه الذي فعله ألا ترى أن قوله ~~خذ من أموالهم صدقة تطهرهم لم يوجب كون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا به ~~دون غيره من الأئمة بعده وكذلك قوله إذا جاءك المؤمنات يبايعنك وكذلك قوله ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقوله فإن جاؤك فاحكم بينهم فيه تخصيص النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة والأئمة بعده مرادون بالحكم معه وأما إدراك ~~فضيلة الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فليس يجوز أن يكون علة لإباحة ~~المشي في الصلاة واستدبار القبلة والأفعال التي تركها # PageV03P243 # من فروض الصلاة لأنه لما كان معلوما أن فعل الصلاة خلف النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن فرضا فغير جائز أن يكونوا أمروا بترك الفرض لأجل إدراك ~~الفصل فلما كان هذا على ما وصفنا بطل اعتلاله بذلك وصح أن فعل صلاة الخوف ~~على الوجه الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جائز بعده كما جاز معه وقد ~~روى جماعة من الصحابة جواز فعل صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وحذيفة وسعيد ابن العاص ~~وعبد الرحمن بن سمرة في آخرين منهم من غير خلاف يحكى عن أحد منهم ومثله ~~يكون إجماعا لا يسع خلافه والله أعلم. ### | باب الاختلاف في صلاة المغرب # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك والحسن بن صالح والأوزاعي ~~والشافعي يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الثانية ركعة إلا أن مالكا ~~والشافعي يقولان يقوم الإمام قائما حتى يتموا لأنفسهم ثم يصلي بالطائفة ~~الثانية ركعة أخرى ثم يسلم الإمام وتقوم الطائفة الثانية فيقضون ركعتين ~~وقال الشافعي إن شاء الإمام ثبت جالسا حتى تتم الطائفة الأولى لأنفسهم وإن ~~شاء كان قائما ويسلم الإمام بعد فراغ ms1310 الطائفة الثانية وقال الثوري يقوم صف ~~خلفه وصف موازي العدو فيصلي بهم ركعة ثم يذهبون إلى مقام أولئك ويجيء هؤلاء ~~فيصلي بهم ركعة ويجلسون فإذا قام ذهب هؤلاء إلى مصاف أولئك وجاء أولئك ~~فركعوا وسجدوا والإمام قائم لأن قراءة الإمام لهم قراءة وجلسوا ثم قاموا ~~يصلون مع الإمام الركعة الثالثة فإذا جلسوا وسلم الإمام ذهبوا إلى مصاف ~~أولئك وجاء الآخرون فصلوا ركعتين وذهب في ذلك إلى أن عليه التعديل بين ~~الطائفتين في الصلاة فيصلي بكل واحدة ركعة وقد ترك هذا المعنى حين جعل ~~للطائفة الأولى أن يصلى مع الإمام الركعة الأولى والثالثة والطائفة الثانية ~~إنما صلت الركعة الثانية معه وقال الثوري إنه إذا كان مقيما فصلى بهم الظهر ~~أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين فلم يقسم الصلاة بينهم ~~على أن يصلى كل طائفة منهم معه ركعة على حيالها ومذهب الثوري هذا مخالف ~~للأصول من وجه آخر وذلك أنه أمر الإمام أن يقوم قائما حتى تفرغ الطائفة ~~الأولى من الركعة الثانية وذلك خلاف الأصول على ما بينا فيما سلف من مذهب ~~مالك والشافعي والله أعلم بالصواب. # PageV03P244 ### | ذكر اختلاف الفقهاء في الصلاة في حال القتال # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر لا يصلي في حال القتال فإن قاتل في ~~الصلاة فسدت صلاته وقال مالك والثوري يصلي إيماء إذا لم يقدر على الركوع ~~والسجود وقال الحسن بن صالح إذا لم يقدر على الركوع من القتال كبر بدل كل ~~ركعة تكبيرة وقال الشافعي لا بأس بأن يضرب في الصلاة الضربة ويطعن الطعنة ~~فإن تابع الطعن والضرب أو عمل عملا يطول بطلت صلاته قال أبو بكر الدليل على ~~أن القتال يبطل الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى صلاة الخوف في ~~مواضع على ما قدمنا ذكره ولم يصل يوم الخندق أربع صلوات حتى كان هوي «1» من ~~الليل ثم قال ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى ثم ~~قضاهن على الترتيب فأخبر أن القتال شغله عن الصلاة ولو كانت ms1311 الصلاة جائزة ~~في حال القتال لما تركها كما لم يتركها في حال الخوف في غير قتال وقد كانت ~~الصلاة مفروضة في حال الخوف قبل الخندق لأن # النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذات الرقاع صلاة الخوف # وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق فثبت ~~بذلك أن القتال ينافي الصلاة وأن الصلاة لا تصح معه وأيضا فلما كان القتال ~~فعلا ينافي الصلاة لا تصح معه في غير الخوف كان حكمه في الخوف كهو في غيره ~~مثل الحدث والكلام والأكل والشرب وسائر الأفعال المنافية للصلاة وإنما أبيح ~~له المشي فيها لأن المشي لا ينافي الصلاة في كل حال على ما بيناه فيما سلف ~~ولأنهم متفقون على أن المشي لا يفسدها فسلمناه للإجماع وما عداه من الأفعال ~~المنافية للصلاة فهو محمول على أصله وقوله تعالى فلتقم طائفة منهم معك ~~وليأخذوا أسلحتهم يحتمل أن يكون المأمورون بأخذ السلاح الطائفة التي مع ~~الإمام ويحتمل أن تكون الطائفة التي بإزاء العدو لأن في الآية ضميرا ~~للطائفة التي بإزاء العدو وضميرها ظاهر في نسق الآية في قوله ولتأت طائفة ~~أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ومن وجه آخر يدل على ما ذكرنا وهو أنه أمر ~~الطائفة المصلية مع الإمام بأخذ السلاح ولم يقل فليأخذوا حذرهم لأن في وجه ~~العدو طائفة غير مصلية حامية لها قد كفت هذه أخذ الحذر ثم قال تعالى ولتأت ~~طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم وفي ذلك دليل من ~~وجهين على أن PageV03P245 # قوله فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم إنما أريد به الطائفة التي ~~مع الإمام أحدهما أنه لما ذكر الطائفة الثانية قال وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ~~ولو كانوا مأمورين بأخذ السلاح بديا لاكتفى بذكرها بديا لهم والوجه الثاني ~~قوله وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم فجمع لهم بين الأمرين من أخذ الحذر والسلاح ~~جميعا لأن الطائفة الأولى قد صارت بإزاء العدو وهي في الصلاة وذلك أولى ~~بطمع العدو فيهم إذ قد صارت الطائفتان جميعا في الصلاة فدل ذلك ms1312 على أن قوله ~~وليأخذوا أسلحتهم إنما أريد به الطائفة الأولى وهذا أيضا يدل على أن ~~الطائفة التي تقف بإزاء العدو بديا غير داخلة في الصلاة وأنها إنما تدخل في ~~الصلاة بعد مجيئها في الركعة الثانية ولذلك أمرت بأخذ الحذر والسلاح جميعا ~~لأن الطائفة التي في وجه العدو في الصلاة فيشتد طمع العدو فيها لعلمهم ~~باشتغالها بالصلاة ألا ترى أن خالد بن الوليد قال لأصحابه بعسفان «1» بعد ~~ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب ~~إليهم من أبنائهم فإذا صلوها حملنا عليهم فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الخوف ولذلك أمرهم الله بأخذ الحذر والسلاح جميعا والله أعلم ولما جاز ~~أخذ السلاح في الصلاة وعمل ذلك فيها دل على أن العمل اليسير معفو عنه فيها ~~قوله تعالى ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ~~ميلة واحدة إخبار عما كان عزم عليه المشركون من الإيقاع بالمسلمين إذا ~~اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم عليه وأمر المسلمين ~~بأخذ الحذر منهم قوله تعالى ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم فيه إباحة وضع السلاح لما فيه من المشقة ~~في حال المرض والوحل والطين وسوى الله تعالى بين أذى المطر والمرض ورخص ~~فيهما جميعا في وضع السلاح وهذا يدل على أن من كان في وحل وطين فجائز له أن ~~يصلي بالإيماء كما يجوز ذلك له في حال المرض إذا لم يمكنه الركوع والسجود ~~إذ كان الله تعالى قد سوى بين أذى المطر والمرض فيما وصفنا وأمر مع ذلك ~~بأخذ الحذر من العدو وأن لا يغفلوا عنه فيكون سلاحهم بالقرب منهم بحيث ~~يمكنهم أخذه إن حمل عليهم العدو # قوله تعالى فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ~~PageV03P246 # قال أبو بكر أطلق الله تعالى الذكر في غير هذا الموضع وأراد به الصلاة في ~~قوله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ms1313 يروى أن عبد الله بن ~~مسعود رأى الناس يصيحون في المسجد فقال ما هذا النكر قالوا أليس الله يقول ~~الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم فقال إنما يعني بهذه الصلاة ~~المكتوبة إن لم تستطع قائما فقاعدا وإن لم تستطع فصل على جنبك وروي عن ~~الحسن الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم هذه رخصة من الله للمريض ~~أن يصلي قاعدا وإن لم يستطع فعلى جنبه فهذا الذكر المراد به نفس الصلاة لأن ~~الصلاة ذكر الله تعالى وفيها أيضا أذكار مسنونة ومفروضة وأما الذكر الذي في ~~قوله تعالى فإذا قضيتم الصلاة فليس هو الصلاة ولكنه على أحد وجهين إما ~~الذكر بالقلب وهو الفكر في عظمة الله وجلاله وقدرته وفيما في خلقه وصنعه من ~~الدلائل عليه وعلى حكمه وجميل صنعه والذكر الثاني الذكر باللسان بالتعظيم ~~والتسبيح والتقديس وروي عن ابن عباس قال لم يعذر أحد في ترك الذكر إلا ~~مغلوبا على عقله والذكر الأول أشرفهما وأعلاهما منزلة والدليل على أنه لم ~~يرد بهذا الذكر الصلاة أنه أمر به بعد الفراغ منها بقوله تعالى فإذا قضيتم ~~الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم وقوله تعالى فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين فإنه روي عن الحسن ومجاهد ~~وقتادة فإذا رجعتم إلى الوطن في دار الإقامة فأتموا الصلاة من غير قصر وقال ~~السدي وغيره فعليكم أن تتموا ركوعها وسجودها غير مشاة ولا ركبان قال أبو ~~بكر من تأول القصر المذكور في قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة على إتمام الركعات عند زوال الخوف والسفر ومن ~~تأوله على صفة الصلاة من فعلها بالإيماء أو على إباحة المشي فيها جعل قوله ~~تعالى فأقيموا الصلاة أمرا بفعل الصلاة المعهودة على الهيئة المفعولة قبل ~~الخوف والله أعلم. ### | باب مواقيت الصلاة # قال الله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا روي عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال إن للصلاة وقتا كوقت الحج وعن ابن عباس ومجاهد وعطية ms1314 ~~مفروضا وروي عن ابن مسعود أيضا أنه قال موقوتا منجما كلما مضى نجم جاء نجم ~~آخر وعن # PageV03P247 # زيد بن أسلم مثل ذلك قال أبو بكر قد انتظم ذلك إيجاب الفرض ومواقيته لأن ~~قوله تعالى كتابا معناه فرضا وقوله موقوتا معناه أنه مفروض في أوقات معلومة ~~معينة فأجمل ذكر الأوقات في هذه الآية وبينها في مواضع أخر من الكتاب من ~~غير ذكر تحديد أوائلها وأواخرها وبين على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تحديدها ومقاديرها فمما ذكر الله في الكتاب من أوقات الصلاة قوله أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر ذكر مجاهد عن ابن عباس لدلوك ~~الشمس قال إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر إلى غسق الليل قال بدو ~~الليل لصلاة المغرب وكذلك روي عن ابن عمر في دلوكها أنه زوالها وروى أبو ~~وائل عن عبد الله بن مسعود قال إن دلوكها غروبها وعن أبي عبد الرحمن السلمي ~~نحوه قال أبو بكر لما تأولوا الآية على المعنيين من الزوال ومن الغروب دل ~~على احتمالهما لولا ذلك لما تأوله السلف عليهما والدلوك في اللغة الميل ~~فدلوك الشمس ميلها وقد تميل تارة للزوال وتارة للغروب وقد علمنا أن دلوكها ~~هو أول الوقت وغسق الليل نهايته وغايته لأنه قال إلى غسق الليل وإلى غاية ~~ومعلوم أن وقت الظهر لا يتصل بغسق الليل لأن بينهما وقت العصر فالأظهر أن ~~يكون المراد بالدلوك هاهنا هو الغروب وغسق الليل هاهنا هو اجتماع الظلمة ~~لأن وقت المغرب يتصل بغسق الليل ويكون نهاية له واحتمال الزوال مع ذلك قائم ~~لأن ما بين زوال الشمس إلى غسق الليل وقت هذه الصلاة وهي الظهر والعصر ~~والمغرب فيفيد ذلك أن من وقت الزوال إلى غسق الليل لا ينفك من أن يكون وقتا ~~لصلاة فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب ويحتمل أن يراد به العتمة أيضا لأن ~~الغاية قد تدخل في الحكم كقوله تعالى وأيديكم إلى المرافق والمرافق داخلة ~~فيها وقوله حتى تغتسلوا والغسل داخل في شرط الإباحة فإن ms1315 حمل المعنى على ~~الزوال انتظم أربع صلوات ثم قال وقرآن الفجر وهو صلاة الفجر فتنتظم الآية ~~الصلوات الخمس وهذا معنى ظاهر قد دل عليه إفراده صلاة الفجر بالذكر إذ كان ~~بينها وبين صلاة الظهر وقت ليس من أوقات الصلاة المفروضة فأبان تعالى أن من ~~وقت الزوال إلى وقت العتمة وقتا لصلوات مفعولة فيه وأفرد الفجر بالذكر إذ ~~كان بينها وبين الظهر فاصلة وقت ليس من أوقات الصلاة فهذه الآية يحتمل أن ~~يريد بها بيان وقت صلاتين إذا كان المراد بالدلوك الغروب وهو وقت المغرب ~~والفجر بقوله تعالى وقرآن # PageV03P248 # الفجر # ويحتمل أن يريد بها الصلوات الخمس على الوجه الذي بينا ويحتمل أن يريد ~~بها الظهر والمغرب والفجر وذلك لأنه جائز أن يريد بقوله إلى غسق الليل أقم ~~الصلاة مع غسق الليل كقوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ومعناه مع ~~أموالكم ويكون غسق الليل حينئذ وقتا لصلاة المغرب ويجوز أن يريد به وقت ~~صلاة العتمة وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول دلوك الشمس حين ~~تزول إلى غسق الليل حين تجب الشمس قال وقال ابن مسعود دلوك الشمس حين تجب ~~إلى غسق الليل حين يغيب الشفق وعن عبد الله أيضا أنه لما غربت الشمس قال ~~هذا غسق الليل وعن أبي هريرة غسق الليل غيبوبة الشمس وقال الحسن غسق الليل ~~صلاة المغرب والعشاء وقال إبراهيم النخعي غسق الليل العشاء الآخرة وعن أبي ~~جعفر غسق الليل انتصافه وروى مالك عن داود بن الحصين قال أخبرني مخبر عن ~~ابن عباس أنه كان يقول غسق الليل اجتماع الليل وظلمته فهذه الآية فيها ~~احتمال للوجوه التي ذكرنا من مواقيت الصلوات وقال تعالى وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل روى عمر وعن الحسن في قوله تعالى طرفي النهار قال ~~صلاة الفجر والأخرى الظهر والعصر وزلفا من الليل قال المغرب والعشاء فعلى ~~هذا القول قد انتظمت الآية الصلوات الخمس وروى يونس عن الحسن أقم الصلاة ~~طرفي النهار قال الفجر # والعصر وروى ليث عن ms1316 الحكم عن أبي عياض قال قال ابن عباس جمعت هذه الآية ~~مواقيت الصلاة فسبحان الله حين تمسون المغرب والعشاء وحين تصبحون الفجر ~~وعشيا العصر وحين تظهرون الظهر وعن الحسن مثله وروى أبو رزين عن ابن عباس ~~وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب قال الصلاة المكتوبة وقال وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار ~~لعلك ترضى وهذه الآية منتظمة لأوقات الصلوات أيضا فهذه الآيات كلها فيها ~~ذكر أوقات الصلوات من غير تحديد لها إلا فيما ذكر من الدلوك فإنه جعله أول ~~وقت لتلك الصلاة ووقت الزوال والغروب معلومان وقوله تعالى إلى غسق الليل ~~ليس فيه بيان نهاية الوقت بلفظ غير محتمل للمعاني وقوله حين تمسون إن أراد ~~به المغرب كان معلوما وكذلك تصبحون لأن وقت الصبح معلوم وقوله طرفي النهار ~~لا دلالة فيه على تحديد الوقت لاحتماله أن يريد الظهر والعصر وذلك لأن وسط # PageV03P249 # النهار هو وقت الزوال فما كان منه في النصف الآخر فهو طرف وكذلك ما كان ~~منه في النصف الأول فهو طرف وجائز أن يريد به العصر لأن آخر النهار من طرفه ~~والأولى أن يكون المراد العصر دون الظهر لأن طرف الشيء إما أن يكون ابتداءه ~~ونهايته وآخره ويبعد أن يكون ما قرب من الوسط طرفا إلا أن الحسن في رواية ~~عمر وقد تأوله على الظهر والعصر جميعا وقد روى عنه يونس أنه العصر وهو أشبه ~~بمعنى الآية ألا ترى أن طرف الثوب ما يلي نهايته ولا يسمى ما قرب من وسطه ~~طرفا فهذه الآي دالة على أعداد الصلوات وقوله تعالى حافظوا على الصلوات ~~الآية يدل على أنها وتر لأن الشفع لا وسط له وقد تواترت الآثار عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونقلت الأمة عنه قولا وفعلا فرض الصلوات الخمس # وقد روى أنس بن مالك وعبادة بن الصامت في حديث المعراج عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أمر بخمسين صلاة وأنه لم يزل يسئل ربه التخفيف حتى ms1317 استقرت ~~على خمس # وهذا عندنا كان فرضا موقوفا على اختيار النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ~~لأنه لا يجوز نسخ الفرض قبل التمكن من الفعل وقد بيناه في أصول الفقه ولا ~~خلاف بين المسلمين في فرض الصلوات الخمس وقال جماعة من السلف بوجوب الوتر ~~وهو قول أبي حنيفة وليس هو بفرض عنده وإن كان واجبا لأن الفرض ما كان في ~~أعلى مراتب الإيجاب وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار متواترة في ~~بيان تحديد أوقات الصلوات واتفقت الأمة في بعضها واختلفت في بعض. ### | وقت الفجر # فأما أول وقت الفجر فلا خلاف فيه أنه من حين يطلع الفجر الثاني الذي ~~يعترض في الأفق # وروى سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن مسعود قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الفجر أن يقول هكذا وجمع كفه حتى يكون ~~هكذا ومد أصبعيه السبابتين # وروى قيس بن طلق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا ~~واشربوا ولا يهدينكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر # وروى سفيان عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~الفجر فجران فجر يحل فيه الطعام وتحرم فيه الصلاة وفجر تحل فيه الصلاة ~~ويحرم فيه الطعام # وروى نافع ابن جبريل في حديث المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~جبريل عليه السلام أمه عند البيت فصلى الفجر في اليوم الأول # PageV03P250 # حين برق الفجر وحرم الطعام والشراب على الصائم # فهذا أول وقت الفجر وقد تواترت به الآثار واتفق عليه فقهاء الأمصار وأما ~~آخر وقتها فهو إلى طلوع الشمس عند سائر الفقهاء وذكر ابن القاسم عن مالك ~~أنه قال وقت الصبح الإغلاس والنجوم بادية مشتبكة وآخر وقتها إذا أسفر ~~ويحتمل أن يكون مراده الوقت المستحب وكراهة التأخير إلى بعد الإسفار لا على ~~معنى أنها تكون فائتة إذا أخرها إلى بعد الإسفار قبل طلوع الشمس # وقد روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى ms1318 الله عليه وسلم أنه قال وقت الفجر ~~ما لم تطلع الشمس # وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن للصلاة أولا وآخرا وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وإن آخر ~~وقتها حين تطلع الشمس # وروى أبو هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك ركعة ~~من صلاة الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك # فألزم النبي صلى الله عليه وسلم مدرك هذا القدر من الوقت جميع الصلاة مثل ~~الحائض تطهر والصبي يبلغ والكافر يسلم فثبت أن وقت الفجر إلى طلوع الشمس. ### | وقت الظهر # وأما أول وقت الظهر فهو من حين نزول الشمس ولا خلاف بين أهل العلم فيه ~~وقال الله تعالى وعشيا وحين تظهرون وقال أقم الصلاة لدلوك الشمس وقد بينا ~~أن دلوك الشمس تحتمل الزوال والغروب جميعا وهو عليهما فتنتظم الآية الأمر ~~بصلاة الظهر والمغرب وبيان أول وقتيهما ومن جهة السنة # حديث ابن عباس وأبي سعيد وجابر وعبد الله بن عمر وبريدة الأسلمي وأبي ~~هريرة وأبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر المواقيت حين أمه ~~جبريل وأنه صلى الظهر حين زالت الشمس # وفي بعضها ابتداء اللفظ من النبي صلى الله عليه وسلم أنه # قال أول وقت الظهر إذا زالت الشمس # وهي أحاديث مشهورة كرهت الإطالة بذكر أسانيدها وسياقة ألفاظها فصار أول ~~وقت الظهر معلوما من جهة الكتاب والسنة واتفاق الأمة وأما آخر وقتها فقد ~~اختلف فيه الفقهاء فروي عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات إحداهن أن يصير الظل ~~أقل من قامتين والأخرى وهي رواية الحسن بن زياد أن يصير ظل كل شيء مثله ~~والثالثة أن يصير الظل قامتين وهي رواية الأصل وقال أبو يوسف ومحمد وزفر ~~والحسن ابن زياد والحسن بن صالح والثوري والشافعي هو أن يصير ظل كل شيء ~~مثله وحكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر إلى # PageV03P251 # غروب الشمس ويحتج لقول من قال بالمثلين في آخر وقت الظهر بظاهر ms1319 قوله أقم ~~الصلاة طرفي النهار وذلك يقتضي فعل العصر بعد المثلين لأنه كلما كان أقرب ~~إلى وقت الغروب فهو أولى باسم الطرف وإذا كان وقت العصر من المثلين فما ~~قبله من وقت الظهر # لحديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أول وقت الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر # ويحتج أيضا لهذا القول بظاهر قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقد بينا أن الدلوك يحتمل الزوال فإذا أريد به ذلك اقتضى ظاهره ~~امتداد الوقت إلى الغروب إلا أنه ثبت أن ما بعد المثلين ليس بوقت للظهر ~~فوجب أن يثبت إلى المثلين بالظاهر ويحتج فيه من جهة السنة # بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أجلكم في أجل من مضى قبلكم ~~كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ومثلكم ومثل أهل الكتابين قبلكم كرجل ~~استأجر أجراء فقال من يعمل لي ما بين غدوة إلى نصف النهار على قيراط فعملت ~~اليهود ثم قال من يعمل لي ما بين نصف النهار إلى العصر على قيراط فعملت ~~النصارى ثم قال من يعمل لي ما بين العصر إلى المغرب على قيراطين فعملتم ~~أنتم فغضبت اليهود والنصارى فقالوا كنا أكثر عملا وأقل عطاء قال هل نقصتم ~~من جعلكم شيئا قالوا لا قال فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء # ودلالة هذا الخبر على ما ذكرنا من وجهين أحدهما قوله أجلكم في أجل من مضى ~~قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس وإنما أراد بذلك الإخبار عن قصر ~~الوقت # وقال صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين السبابة ~~والوسطى وفي خبر آخر كما بين هذه وهذه # فأخبر فيه أن الذي بقي من مدة الدنيا كنقصان السبابة عن الوسطى وقد قدر ~~ذلك بنصف السبع فثبت بذلك حين شبه صلى الله عليه وسلم أجلنا في أجل من مضى ~~قبلنا بوقت العصر في قصر مدته أنه لا ينبغي أن ms1320 يكون من المثل لأنه لو كان ~~كذلك لكان أكثر من ذلك فدل ذلك على أن وقت العصر بعد المثلين والوجه الآخر ~~من دلالة الخبر المثل الذي ضربه صلى الله عليه وسلم لنا ولأهل الكتابين ~~بالعمل في الأوقات المذكورة وأنهم غضبوا فقالوا كنا أكثر عملا وأقل عطاء ~~فلو كان وقت العصر في المثل لما كانت النصارى أكثر عملا من المسلمين بل كان ~~يكون المسلمون أكثر عملا لأن ما بين المثل إلى الغروب أكثر مما بين الزوال ~~إلى المثل فثبت بذلك أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر فإن قيل إنما # PageV03P252 # أراد أن وقتى الفريقين بذلك على حياله دون الإخبار عنهما مجموعين ألا ترى ~~أنهم قالوا كنا أكثر عملا وأقل عطاء وليسا بمجموعهما أقل عطاء لأن عطاءهما ~~جميعا هو مثل عطاء المسلمين ويدل عليه # حديث عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~جبريل أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله فقال قم فصل الظهر # فأخبر أن جبريل أتاه بعد المثل فأمره بفعل الظهر فلو كان ما بعد المثل من ~~وقت العصر لكان قد أخر الظهر عن وقتها فإن قيل # في حديث ابن عباس وجابر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ~~العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله # وهذا يوجب أن يكون وقت العصر بعد المثل قيل له أما حديث ابن عباس فإنه ~~أخبر فيه عن إمامة جبريل عند باب البيت وذلك قبل الهجرة وفيه أنه صلى الظهر ~~من اليوم الثاني لوقت العصر بالأمس وذلك يوجب أن يكون وقت الظهر ووقت العصر ~~واحدا فيما صلاهما في اليومين فإن قيل إنما أراد أنه ابتدأ العصر في وقت ~~فراغه من الظهر من الأمس قيل له # في حديث ابن مسعود أن جبريل أتاه حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم الأول ~~فقال قم فصل العصر وأنه أتاه في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله فقال ms1321 ~~قم فصل الظهر # فأخبر أن مجيئه إليه وأمره إياه بالصلاة كان بعد المثل وهذا يسقط تأويل ~~من تأوله وإذا كان ذلك كذلك # وقد روى عبد الله بن عمر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر # وفي حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم التفريط على من لم يصل ~~الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى # ثبت بذلك أن ما في حديث ابن عباس وابن مسعود على النحو الذي ذكرنا منسوخ ~~وأنه كان قبل الهجرة وعلى أنه لو كان ثابت الحكم لوجب أن يكون الفعل الآخر ~~ناسخا للأول وأن يكون الآخر منهما ثابتا والآخر من الفعلين أنه فعل الظهر ~~في اليوم الثاني بعد المثل وذلك يقتضي أن يكون ما بعد المثل من وقت الظهر # وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله السائل عن ~~مواقيت الصلاة أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس مرتفعة قبل أن تدخلها ~~الصفرة # وكذلك # في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ~~العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة # ولا يقال هذا فيمن صلاها حين يصير الظل مثله وقد ذكر أيضا # في حديث ابن مسعود أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة ~~رواه جماعة من كبار أصحاب الزهري عن عروة منهم # PageV03P253 # مالك والليث وشعيب ومعمر وغيرهم ورواه أيوب عن عتبة عن أبي بكر بن عمرو ~~بن حزم عن عروة # فذكر فيه مقادير الفيء على نحو ما قدمنا # فحديث ابن مسعود يروى على هذين الوجهين فذكر في أحدهما أنه جاءه جبريل ~~عليه السلام حين صار ظل كل شيء مثله فقال قم فصل الظهر وفي اليوم الثاني ~~جاءه حين صار ظل كل شيء مثليه فقال قم فصل العصر وحديث الزهري عن عروة لم ~~يذكر فيه مقدار الفيء وذكر أنه صلى العصر في اليوم الأول والشمس بيضاء ~~مرتفعة لم تدخلها صفرة # وقد رويت أخبار في تعجيل ms1322 العصر قد يحتج بها من يقول بالمثل وفيها احتمال ~~لما قالوه ولغيره فلا تثبت بمثلها حجة في إثبات المثل دون غيره إذ لا حجة ~~في المحتمل منها # حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب ~~إلى العوالي فيجدهم لم يصلوا العصر # قال الزهري والعوالي على الميلين والثلاثة # وروى أبو واقد الليثي قال حدثنا أبو أروى قال كنت أصلي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم العصر بالمدينة ثم أمشي إلى ذي الحليفة قبل أن تغرب الشمس # وفي حديث أسامة ابن زيد عن الزهري عن عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير ~~الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس # وروي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في ~~حجرتها قبل أن يظهر الفيء وفي لفظ آخر لم يفيء الفيء بعد # وليس في هذه الأخبار ذكر تحديد الوقت وما ذكر من المضي إلى العوالي وذي ~~الحليفة فليس يمكن الوقوف منه على مقدار معلوم من الوقت لأنه على قدر ~~الإبطاء والسرعة في المشي وقد كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله تعالى يستدل # بقوله صلى الله عليه وسلم أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم # على أن ما بعد المثل وقت للظهر لأن الإبراد لا يكون عند المثل بل أشد ما ~~يكون الحر في الصيف عند ما يصير ظل كل شيء مثله ومن قال بالمثل يجيب عن ذلك # بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهجير عند الزوال # والفيء قليل في ذلك الوقت فكان منهم من يصلي في الشمس أو بالقرب منها ~~وكذلك # قال خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا ~~ثم قال أبردوا بالظهر فأمرهم أن يصلوها بعد ما يفيء الفيء # فهذا هو الإبراد المأمور به عند من قال بالمثل وأما ما حكي ms1323 عن مالك أن ~~وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس فإنه قول ترده الأخبار المروية في ~~المواقيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في # PageV03P254 # اليومين في حديث ابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي سعيد وأبي موسى وغيرهم ~~في أول الوقت وآخره ثم # قال ما بين هذين وقت # وفي حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ~~الظهر ما لم يحضر وقت العصر وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة وآخر وقت الظهر ~~حين يدخل وقت العصر # فغير جائز لأحد أن يجعل وقت العصر وقتا للظهر مع إخبار النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر وقد نقل الناس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذه الأوقات عملا وقولا كما نقلوا وقت الفجر ووقت العشاء ~~والمغرب وعقلوا بتوقيفه صلى الله عليه وسلم أن كل صلاة منها مخصوصة بوقت ~~غير وقت الأخرى # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة التفريط على من لم يصل ~~الصلاة حتى يجيء وقت الآخر # ولا خلاف أن تارك الظهر لغير عذر حتى يدخل وقت العصر مفرط فثبت أن للظهر ~~وقتا مخصوصا وكذلك العصر وأن وقت كل واحدة منهما غير وقت الأخرى ولو كان ~~الوقتان جميعا وقتا للصلاتين لجاز أن يصلى العصر في وقت الظهر من غير عذر ~~ولما كان للجمع بعرفة خصوصية وفي امتناع جواز ذلك لغير عذر عند الجميع ~~دلالة على أن كل واحدة من الصلاتين منفردة بوقتها فإن احتجوا بقوله تعالى ~~أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وأن الدلوك هو الزوال وجعل ذلك كله ~~وقتا للظهر إلى غروب الشمس لأنه روي في غسق الليل عن جماعة من السلف أنه ~~الغروب قيل له ظاهره يقتضي إباحة فعل هذه الصلاة من وقت الزوال إلى غسق ~~الليل وقد اتفق الجميع على أن ذلك ليس بمراد وأنه غير مخير في فعل الظهر من ~~وقت الزوال إلى الليل فثبت أن المراد صلاة أخرى يفعلها وهي إما ms1324 العصر وإما ~~المغرب والمغرب أشبه بمعنى الآية لاتصال وقتها بغسق الليل الذي هو اجتماع ~~الظلمة فيكون تقدير الآية أقم الصلاة لزوال الشمس وأقمها أيضا إلى غسق ~~الليل وهي صلاة أخرى غير الأولى فلا دلالة في الآية على أن وقت الظهر إلى ~~غروب الشمس وقد وافق الشافعي مالكا في هذا المعنى أيضا من وجه وذلك أنه ~~يقول من أسلم قبل غروب الشمس لزمته الظهر والعصر جميعا وكذلك الحائض إذا ~~طهرت والصبي إذا بلغ وذهب إلى أنه وإن لم يكن وقت اختيار فهو وقت الضرورة ~~والعذر لأنه يجوز على أصله الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض ونحوه بأن ~~يؤخر الظهر إلى وقت العصر أو يجعل العصر فيصليها في وقت الظهر معها فجعل من ~~أجل ذلك الوقت # PageV03P255 # وقتا لهما في حال العذر والضرورة فإن كان هذا اعتبارا صحيحا فإنه يلزمه ~~أن يقول في المرأة إذا حاضت في أول وقت الظهر أن تلزمها صلاة الظهر والعصر ~~جميعا كما أنها إذا طهرت في آخر وقت العصر لزمتها صلاة الظهر والعصر جميعا ~~وقد أدركت هذه التي حاضت في وقت الظهر من الوقت ما يجوز لها فيه الجمع بين ~~الصلاتين للعذر وهذا لا يقوله أحد فثبت بذلك أن وقت العصر غير وقت الظهر في ~~سائر الأحوال وأنه لا تلزم أحدا صلاة الظهر بإدراكه وقت العصر دون وقت ~~الظهر. ### | وقت العصر # قال أبو بكر أما أول وقت العصر فهو على ما ذكرنا من خروج وقت الظهر على ~~اختلافهم فيه والصحيح من قولهم أنه ليس بين وقت الظهر ووقت العصر واسطة وقت ~~من غيرهما وما روي عن أبي حنيفة من أن آخر وقت الظهر أن يصير الظل أقل ~~قامتين وأول وقت العصر إذا صار الظل قامتين فهو رواية شاذة وهي أيضا مخالفة ~~للآثار الواردة في أن وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر # وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وآخر وقت ~~الظهر حين يدخل وقت العصر # وفي حديث أبي قتادة التفريط في الصلاة ms1325 أن يتركها حتى يدخل وقت الأخرى # والصحيح من مذهب أبي حنيفة أحد قولين إما المثلان وإما المثل وأن بخروج ~~وقت الظهر يدخل وقت العصر واتفق فقهاء الأمصار أن آخر وقت العصر غروب الشمس ~~ومن الناس من يقول إن آخر وقتها حين تصفر الشمس ويحتج فيه بنهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة عند غروب الشمس قال أبو بكر والدليل على أن آخر ~~وقتها الغروب # قول النبي صلى الله عليه وسلم من فاته العصر حتى غابت الشمس فكأنما وتر ~~أهله وماله فجعل فواتها بالغروب # وروى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك ركعة من ~~العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك # وهذا يدل على أن وقتها إلى الغروب فإن احتج محتج # بحديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~آخر وقت العصر حين تصفر الشمس # فإن هذا عندنا على كراهة التأخير وبيان الوقت المستحب كما # روي في حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل # ومراده الوقت المستحب لأنه لا خلاف أن ما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر ~~من وقت العشاء الآخرة وأن مدركه بالاحتلام أو الإسلام # PageV03P256 # يلزمه فرضها # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الرجل ليصلي الصلاة ولما ~~فاته من وقتها خير له من أهله وماله # فقد يكون وقت يلزمه به مدركه الفرض ويكره له تأخيرها إليه ألا ترى أنه ~~يكره الإسفار بصلاة الفجر بمزدلفة ولم تخرجه كراهة التأخير إليه من أن يكون ~~وقتا لها فكذلك الأخبار التي فيها تقدير آخر الوقت باصفرار الشمس واردة على ~~فوات فضيلة الوقت الذي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم خيرا له من أهله ~~وماله. ### | وقت المغرب # أول وقت المغرب من حين تغرب الشمس لا اختلاف بين الفقهاء في ذلك وقال ~~الله عز وجل أقم الصلاة لدلوك الشمس وهو يقع على ms1326 الغروب لما بيناه فيما سلف ~~وقال تعالى وزلفا من الليل وهو ما قرب منه من النهار وهو أول أوقاته والله ~~أعلم وقال تعالى فسبحان الله حين تمسون قيل فيه إنه وقت المغرب وفي أخبار ~~المواقيت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس وجابر وأبي سعيد ~~وغيرهم # أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في اليومين جميعا حين غابت الشمس # وقال سلمة بن الأكوع كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا تواترت بالحجاب # وقد ذهب شواذ من الناس إلى أن أول وقت المغرب حين يطلع النجم واحتجوا بما # روى أبو تميم الجيشاني عن أبي بصرة الغفاري قال صلى بنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلاة العصر فقال إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم ~~فضيعوها فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع ~~الشاهد والشاهد النجم # وهذا حديث شاذ لا تعارض به الأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أول وقت المغرب أنه حين تغيب الشمس وقد روى ذلك أيضا عن جماعة من ~~الصحابة منهم عمر وعبد الله وعثمان وأبى هريرة ويحتمل أن يكون خبر أبي بصرة ~~في ذكر طلوع الشاهد غير مخالف لهذه الأخبار وذلك لأن النجم قد يرى في بعض ~~الأوقات بعد غروب الشمس قبل اختلاط الظلام فلما كان الغالب في ذلك أنه لا ~~يكاد يخلو من أن يرى بعض النجوم بعد غروب الشمس جعل ذلك عبارة عن غيبوبة ~~الشمس وأيضا فلو كان الاعتبار برؤية النجم لوجب أن تصلى قبل الغروب إذا رؤي ~~النجم لأن بعض النجوم قد يرى في بعض الأوقات قبل الغروب ولا خلاف أنه غير ~~جائز فعلها قبل «17- أحكام لث» # PageV03P257 # الغروب مع رؤية الشاهد فسقط بذلك اعتبار طلوع الشاهد وأما آخر وقت المغرب ~~فإن أهل العلم مختلفون فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك ~~والثوري والحسن بن صالح لوقت المغرب أول وآخر كسائر الصلوات وقال الشافعي ~~ليس للمغرب ms1327 إلا وقت واحد ثم اختلف من قال بأن له أولا وآخرا في آخر وقتها ~~فقال أصحابنا والثوري والحسن بن صالح آخر وقتها أن يغيب الشفق ثم اختلفوا ~~في الشفق فقال أبو حنيفة الشفق البياض وقال أبو يوسف ومحمد وابن أبى ليل ~~ومالك والثوري والحسن ابن صالح والشافعي الشفق الحمرة وقال مالك وقت المغرب ~~والعشاء إلى طلوع الفجر قال أبو بكر وقد اختلف السلف أيضا في الشفق ما هو ~~فقال بعضهم هو البياض وقال بعضهم الحمرة فممن قال إنه الحمرة ابن عباس وابن ~~عمر وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وحدثنا أبو يعقوب يوسف بن شعيب المؤذن ~~قال حدثنا أبو عمران موسى ابن القاسم العصار والحسين بن الفرج البزاز قالا ~~حدثنا هشام بن عبيد الله قال حدثنا هياج عمن ذكر عن عطاء الخرسانى عن ابن ~~عباس قال الشفق الحمرة قال هشام وحدثنا أبو سفيان عن العمري عن نافع عن ابن ~~عمر قال الشفق الحمرة قال هشام وحدثنا محمد بن الحسن عن ثور بن يزيد عن ~~مكحول قال كان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس يصليان العشاء إذا غابت الحمرة ~~ويريانها الشفق فهؤلاء الذين روي عنهم الحمرة وممن روي عنه أن الشفق البياض ~~عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعمر بن عبد العزيز حدثنا يوسف بن شعيب قال ~~حدثنا موسى بن القاسم والحسين بن الفرج قالا حدثنا هشام بن عبيد الله قال ~~حدثنا الوليد ابن مسلم قال حدثنا عنبسة بن سعيد الكلاعي قال حدثني قتادة عن ~~سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب كتب إن أول وقت العشاء مغيب الشفق ومغيبه ~~إذا اجتمع البياض من الأفق فينقطع فذلك أول وقتها قال هشام حدثنا أبو عثمان ~~عن خالد بن يزيد عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن ~~جبل قال الشفق البياض قال هشام وحدثنا محمد بن الحسن عمن ذكر عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه كان يقول الشفق البياض. # (فصل) وأما الدلالة على أن لوقت المغرب أولا ms1328 وآخرا وأنه غير مقدر بفعل ~~الصلاة فحسب قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقد ذكرنا من # PageV03P258 # قال من السلف إنه الغروب واحتمال اللفظ له فاقتضت الآية أن يكون لوقت ~~المغرب أول وآخر لأن قوله تعالى إلى غسق الليل غاية وقد روي عن ابن عباس أن ~~غسق الليل اجتماع الظلمة فثبت بدلالة الآية أن وقت المغرب من حين الغروب ~~إلى اجتماع الظلمة وفي ذلك ما يقضي ببطلان قول من جعل لها وقتا واحدا مقدرا ~~بفعل الصلاة # وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال أول وقت المغرب حين تسقط الشمس وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق # وفي حديث أبي بكرة عن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~سائلا سأله عن مواقيت الصلاة فذكر الحديث وقال فيه وصلى المغرب في اليوم ~~الأول حين وقعت الشمس وآخرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق ثم ~~قال الوقت فيما بين هذين # وفي حديث علقمة بن مرثد عن سليمان ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال صل معنا فأقام المغرب حين غابت ~~الشمس ثم صلى المغرب في اليوم الثاني قبل أن يغيب الشفق # وكذلك # في حديث جابر فثبت بذلك أن لوقت المغرب أولا وآخرا وحدثنا عبد الباقي بن ~~قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا همام عن ~~قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~وقت المغرب ما لم يغب الشفق # وروى عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطوال وهي المص # وهذا يدل على امتداد الوقت ولو كان الوقت مقدرا بفعل ثلاث ركعات لكان من ~~قرأ المص قد أخرها عن وقتها فإن قيل # روي في حديث ابن عباس وأبي سعيد ms1329 أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب ~~في اليومين جميعا في وقت واحد بعد غروب الشمس # قيل له هذا لا يعارض ما ذكرنا لأنه جائز أن يكون فعله كذلك ليبين الوقت ~~المستحب وفي الأخبار التي رويناها بيان أول الوقت وآخره وإخبار منه بأن ما ~~بين هذين وقت فهو أولى لأن فيه استعمال الخبرين ومع ذلك فإن فعله لها في ~~اليومين في وقت واحد لو انفرد عما يعارضه من الأخبار التي ذكرنا لم تكن فيه ~~دلالة على أنه لا وقت لها غيره كما لم يدل فعله للعصر في اليومين قبل ~~اصفرار الشمس على أنه لا وقت لها غيره وكفعله للعشاء الآخرة في اليومين قبل ~~نصف الليل لم يدل على أن ما بعد نصف الليل ليس بوقت لها ومن جهة النظر أن ~~سائر الصلوات المفروضات لما كان لأوقاتها أول وآخر ولم تكن أوقاتها # PageV03P259 # مقدرة بفعل الصلاة وجب أن يكون المغرب كذلك فقول من جعل الوقت مقدرا بفعل ~~الصلاة خارج عن الأصول مخالف للأثر والنظر جميعا ومما يلزم الشافعي في هذا ~~أنه يجيز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت واحد إما لمرض أو سفر كما يجيزه ~~بين الظهر والعصر فلو كان بينهما وقت ليس منهما لما جاز الجمع بينهما كما ~~لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر إذ كان بينهما وقت ليس منهما فإن قيل ليست ~~علة الجمع تجاور الوقتين لأنه لا يجمع المغرب إلى العصر مع تجاوز الوقتين ~~قيل له لم نلزمه أن يجعل تجاور الوقتين علة للجمع وإنما ألزمناه المنع من ~~الجمع إذا لم يكن الوقتان متجاورين لأن كل صلاتين بينهما وقت ليس منهما لا ~~يجوز الجمع بينهما والله أعلم بالصواب. ### | ذكر القول في الشفق والاحتجاج له # قال أبو بكر لما اختلف الناس في الشفق فقال منهم قائلون هو الحمرة وقال ~~آخرون البياض علمنا أن الاسم يتناولهما ويقع عليهما في اللغة لولا ذلك لما ~~تأولوه عليهما إذ كانوا عالمين بمعاني الأسماء اللغوية والشرعية ألا ترى ~~أنهم لما اختلفوا في معنى القرء ms1330 فتأوله بعضهم على الحيض وبعضهم على الطهر ~~ثبت بذلك أن الاسم يقع عليهما وإنما نحتاج بعد ذلك إلى أن نستدل على المراد ~~منهما بالآية وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب قال سئل ثعلب عن الشفق ما هو فقال ~~البياض فقال له السائل الشواهد على الحمرة أكثر فقال ثعلب إنما يحتاج إلى ~~الشاهد ما خفي فأما البياض فهو أشهر في اللغة من أن يحتاج إلى الشاهد قال ~~أبو بكر ويقال إن أصل الشفق الرقة ومنه يقال ثوب شفق ومنه الشفقة وهي رقة ~~القلب وإذا كان أصله كذلك فالبياض أخص به لأنه عبارة عن الأجزاء الرقيقة ~~الباقية من ضياء الشمس وهو في البياض أرق منه في الحمرة ويشهد لمن قال ~~بالحمرة قول أبي النجم. # حتى إذا الشمس اجتلاها المجتلي ... بين سماطي شفق مهول «1» # فهي على الأفق كعين الأحول ومعلوم أنه أراد الحمرة لأنه وصفها عند الغروب ~~ومما يحتج به البياض قوله تعالى فلا أقسم بالشفق قال مجاهد هو النهار ويدل ~~عليه قوله والليل وما وسق فأقسم PageV03P260 # بالليل والنهار فهذا يوجب أن يكون الشفق البياض لأن أول النهار هو طلوع ~~بياض الفجر وهذا يدل على أن الباقي من البياض بعد غروب الشمس هو الشفق ومما ~~يستدل به على أن المراد البياض قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقد بينا أن الدلوك هو اسم يقع على الغروب ثم جعل غسق الليل غايته ~~وروي عن ابن عباس في غسق الليل أنه اجتماع الظلمة وذلك لا يكون إلا مع ~~غيبوبة البياض لأن البياض مادام باقيا فالظلمة متفرقة في الأفق فثبت بذلك ~~أن وقت المغرب إلى غيبوبة البياض فثبت أن المراد البياض فإن قيل روي عن ابن ~~مسعود وأبي هريرة أن غسق الليل هو غروب الشمس قيل له المشهور عن ابن مسعود ~~أن دلوك الشمس هو غروبها ومحال إذا كان الدلوك عنده الغروب أن يكون غسق ~~الليل غروب الشمس أيضا لأن الله تعالى قال أقم الصلاة لدلوك الشمس فجعل ~~الدلوك أول الوقت وغسق الليل آخره ms1331 ويستحيل أن يكون ما جعله ابتداء هو الذي ~~جعله غاية وإذا كان ذلك كذلك فالراوي عن ابن مسعود أن غسق الليل هو غروب ~~الشمس غالط في روايته ومع ذلك فقد روي عن ابن مسعود رواية مشهورة أن دلوك ~~الشمس غروبها وأن غسق الليل حين يغيب الشفق وهذه الرواية مستقيمة على ما ~~ثبت عنه من تأويل الآية وقد روى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أن دلوك الشمس ~~حين تزول إلى غسق الليل حين تجب الشمس وهذا غير بعيد على ما ثبت عنه في ~~تأويل الدلوك أنه الزوال إلا أنه قد روى عنه مالك عن داود بن الحصين قال ~~أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول غسق الليل اجتماع الليل وظلمته وهذا ~~ينفي أن يكون غسق الليل وقت الغروب من قبل أن وقت الغروب لا تكون ظلمة ~~مجتمعة وقد روي عن أبي جعفر في غسق الليل أنه انتصافه وعن إبراهيم غسق ~~الليل العشاء الآخرة وأولى هذه المعاني بلفظ الآية اجتماع الظلمة وذهاب ~~البياض وذلك لأنه لو كان غسق الليل هو غروب الشمس لكانت الغاية المذكورة ~~للوقت هي وجود الليل فحسب فيصير تقدير الآية أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~الليل وتسقط معه فائدة ذكر الغسق مع الليل ولما وجب حمل كل لفظ منه على ~~فائدة مجددة وجب أن يكون غسق الليل قد أفاد ما لم يفدناه لو قال إلى الليل ~~عاريا من اجتماعها ومما يستدل به على أن الشفق هو البياض # حديث بشير ابن أبي مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العشاء ~~اليوم الأول حين اسود الأفق # PageV03P261 # وربما أخرها حتى يجتمع الناس # فأخبر عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل أوقاتها وأخبر عنها في ~~أواخرها وذكر في أول الوقت العشاء الآخرة اسوداد الأفق ومعلوم أن بقاء ~~البياض يمنع إطلاق الاسم عليه بذلك فثبت أن أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة ~~البياض ومن يأبى هذا القول يقول إن قوله حين اسود الأفق لا ينفي بقاء ~~البياض لأنه ms1332 إنما أخبر عن اسوداد أفق من الآفاق لا عن جميعها ولو أراد ~~غيبوبة البياض لقال حين اسودت الآفاق وليس يمتنع أن يبقى البياض وتكون سائر ~~الآفاق غير موضع البياض مسودة ويحتج القائلون بالبياض أيضا # بحديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي ~~العشاء الآخرة حين يستوي الأفق وربما أخرها حتى يجتمع الناس # وهذا اللفظ يحتمل من المعنى ما احتمله قوله في الحديث الأول حين اسود ~~الأفق ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما # روى ثور بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد ~~الله قال سأل رجل نبي الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال صل معي ~~فصلى في اليوم الأول العشاء الآخرة قبل غيبوبة الشفق # قالوا ومعلوم أنه لم يصلها قبل غيبوبة الحمرة فوجب أن يكون أراد البياض ~~ولا تكون رواية من روى أنه صلاها بعد ما غاب الشفق معارضة لحديث جابر هذا ~~من قبل ما غاب الشفق الذي هو الحمرة إذا كان الاسم يقع عليهما جميعا ليتفق ~~الحديثان ولا يتضادا ومن يجعل الشفق البياض يجعل خبر جابر منسوخا على نحو ~~ما # روي في خبر ابن عباس في المواقيت أنه صلى الظهر في اليوم الثاني وقت ~~العصر بالأمس # ومما يحتج به القائلون بالحمرة ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول وقت المغرب إذا غربت الشمس ~~وآخره غيبوبة الشفق وفي بعض أخبار عبد الله بن عمر إذا غابت الشمس فهو وقت ~~المغرب إلى أن يغيب الشفق وفي لفظ آخر وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق «1» # قالوا فالواجب حمله على أولهما وهو الحمرة ومن يقول البياض يجيب عن هذا ~~بأن ظاهر ذلك يقتضي غيبوبة جميعه وهو بالبياض فيدل ذلك على اعتبار البياض ~~دون الحمرة لأنه غير جائز أن يقال قد غاب الشفق إلا بعد غيبوبة جميعه كما ~~لا يقال غابت الشمس إلا بعد غيبوبة جميعها دون بعضها ولمن قال بالحمرة أن ms1333 ~~يقول إن البياض والحمرة ليسا شفقا واحدا بل هما شفقتان فيتناول الاسم ~~أولهما غيبوبة كما أن PageV03P262 # الفجر الأول والثاني هما فجران وليسا فجرا واحدا فيتناولهما إطلاق الاسم ~~معا كذلك الشفق ومما يحتج به القائلين بالبياض # حديث النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء ~~لسقوط القمر الليلة الثالثة # وظاهر ذلك يقتضي غيبوبة البياض قال أبو بكر وهذا لا يعتمد عليه لأن ذلك ~~يختلف في الصيف والشتاء ولا يمتنع بقاء البياض بعد سقوط القمر في الليلة ~~الثالثة وجائز أن يكون قد غاب قبل سقوطه قال أبو بكر وحكى «1» ابن قتيبة عن ~~الخليل بن أحمد قال راعيت البياض فرأيته لا يغيب ألبتة وإنما يستدير حتى ~~يرجع إلى مطلع الفجر قال أبو بكر وهذا غلط والمحنة بيننا وبينهم وقد راعيته ~~في البوادي في ليالي الصيف والجو نقي والسماء مصحية فإذا هو يغيب قبل أن ~~يمضي من الليل ربعه بالتقريب ومن أراد أن يعرف ذلك فليجرب حتى يتبين له غلط ~~هذا القول ومما يستدل به على أن المراد بالشفق البياض أنا وجدنا قبل طلوع ~~الشمس حمرة وبياضا قبلها وكان جميعا من وقت صلاة واحدة إذ كانا جميعا من ~~ضياء الشمس دون ظهور جرمها كذلك يجب أن تكون الحمرة والبياض جميعا بعد ~~غروبها من وقت صلاة واحدة للعلة التي ذكرناها. ### | وقت العشاء الآخرة # وأول وقت العشاء الآخرة من حين يغيب الشفق على اختلافهم فيه إلى أن يذهب ~~نصف الليل في الوقت المختار وفي رواية أخرى حتى يذهب ثلث الليل ويكره ~~تأخيرها إلى بعد نصف الليل ولا تفوت إلا بطلوع الفجر الثاني وقال الثوري ~~والحسن بن صالح وقت العشاء إذا سقط الشفق إلى ثلث الليل والنصف أبعده قال ~~أبو بكر ويحتمل أن يكونا أرادا الوقت المستحب لأنه لا خلاف بين الفقهاء ~~أنها لا تفوت إلا بطلوع الفجر PageV03P263 # وأن من أدرك أو أسلم قبل طلوع الفجر أنه تلزمه العشاء الآخرة وكذلك ~~المرأة إذا طهرت من الحيض # قوله تعالى ولا تهنوا في ابتغاء ms1334 القوم إن تكونوا تألمون الآية هو حث على ~~الجهاد وأمر به ونهي عن الضعف عن طلبهم ولقائهم لأن الابتغاء هو الطلب يقال ~~بغيت وابتغيت إذا طلبت والوهن ضعف القلب والجبن الذي يستشعره الإنسان عند ~~لقاء العدو واستدعاهم إلى نفي ذلك واستشعار الجرأة والإقدام عليهم بقوله إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون فأخبر أنهم يساوونكم فيما يلحق من ~~الألم بالقتال وأنكم تفضلونهم فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون فأنتم أولى ~~بالإقدام والصبر على ألم الجراح منهم إذ ليس لهم هذا الرجاء وهذه الفضيلة ~~قوله تعالى وترجون من الله ما لا يرجون قيل فيه وجهان أحدهما ما وعدكم الله ~~من النصر إذا نصرتم دينه والآخر ثواب الآخرة ونعيم الجنة فدواعي المسلمين ~~على التصبر على القتال واحتمال ألم الجراح أكثر من دواعي الكفار وقيل فيه ~~ترجون من الله ما لا يرجون تؤملون من ثواب الله ما لا يؤملون روى ذلك عن ~~الحسن وقتادة وابن جريح وقال آخرون وتخافون من الله ما لا يخافون كما قال ~~تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا يعني لا تخافون لله عظمة # وبعض أهل اللغة يقول لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي وذلك حكم ~~لا يقبل إلا بدلالة قوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بما أراك الله الآية فيه إخبار أنه أنزل الكتاب ليحكم بين الناس بما ~~عرفه الله من الأحكام والتعبد قوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما روى أنه ~~أنزل في رجل سرق درعا فلما خاف أن تظهر عليه رمى بها في دار يهودي فلما ~~وجدت الدرع أنكر اليهودي أن يكون أخذها وذكر السارق أن اليهودي أخذها فأعان ~~قوم من المسلمين هذا الآخذ على اليهودي فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى قولهم فأطلعه الله على الآخذ وبرأ اليهودي منه ونهاه عن مخاصمة اليهودي ~~وأمره بالاستغفار مما كان منه من معاونته الذين كانوا يتكلمون عن السارق ~~وهذا يدل على أنه غير جائز لأحد أن يخاصم عن غيره في ms1335 إثبات حق أو نفيه وهو ~~غير عالم بحقيقة أمره لأن الله تعالى قد عاتب نبيه على مثله وأمره ~~بالاستغفار منه وهذه الآية وما بعدها من النهي عن المجادلة عن الخونة إلى ~~آخر ما ذكر كله تأكيد للنهي عن معونة من لا يعلمه حقا وقوله تعالى لتحكم ~~بين الناس بما أراك الله ربما احتج # PageV03P264 # به من يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول شيئا من طريق ~~الاجتهاد وإن أقواله وأفعاله كلها كانت تصدر عن النصوص وإنه كقوله تعالى ~~وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وليس في الآيتين دليل على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول شيئا من طريق الاجتهاد وذلك لأنا نقول ما ~~صدر عن اجتهاد فهو مما أراه الله وعرفه إياه ومما أوحى به إليه أن يفعله ~~فليس في الآية دلالة على نفي الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الأحكام وقد قيل في قوله تعالى ولا تكن للخائنين خصيما إنه جائز أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم دفع عنهم وجائز أن يكون هم بالدفع عنهم ميلا منه ~~إلى المسلمين دون اليهودي إذ لم يكن عنده أنهم غير محقين وإذا كان ظاهر ~~الحال وجود الدرع عند اليهودي فكان اليهودي أولى بالتهمة والمسلم أولى ~~ببراءة الساحة فأمره الله تعالى بترك الميل إلى أحد الخصمين والدفع عنه وإن ~~كان مسلما والآخر يهوديا فصار ذلك أصلا في أن الحاكم لا يكون له ميل إلى ~~أحد الخصمين على الآخر وإن كان أحدهما ذا حرمة له والآخر على خلافه وهذا ~~يدل أيضا على أن وجود السرقة في يد إنسان لا يوجب الحكم عليه بها لأن الله ~~تعالى نهاه عن الحكم على اليهودي بوجود السرقة عنده إذ كان جاحدا أن يكون ~~هو الآخذ وليس ذلك مثل ما فعله يوسف عليه السلام حين جعل الصاع في رحل أخيه ~~ثم أخذه بالصاع واحتبسه عنده لأنه إنما حكم عليهم مما كان عندهم أنه جائز ~~وكانوا يسترقون السارق فاحتبسه ms1336 عنده وكان له أن يتوصل إلى ذلك ولم يسترقه ~~ولا قال إنه سرق وإنما قال ذلك رجل غيره ظنه سارقا وقد نهى الله عن الحكم ~~بالظن والهوى بقوله اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإنه أكذب الحديث # وقوله ولا تكن للخائنين خصيما # وقوله ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم # جائز أن يكون صادف ميلا من النبي صلى الله عليه وسلم على اليهودي بوجود ~~الدرع المسروقة في داره وجائز أن يكون هم بذلك فأعلمه الله براءة ساحة ~~اليهودي ونهاه عن مجادلته عن المسلمين الذين كانوا يجادلون عن السارق وقد ~~كانت هذه الطائفة شاهدة للخائن بالبراءة سائلة للنبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقوم بعذره في أصحابه وأن ينكر ذلك على من ادعى عليه فجائز أن يكون النبي ~~صلى الله عليه وسلم أظهر معاونته لما ظهر من الطائفة من الشهادة ببراءته ~~وأنه ليس ممن يتهم بمثله # فأعلمه الله باطن أمورهم بقوله ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة ~~منهم أن يضلوك # بمسئلتهم معونة هذا الخائن وقد قيل # PageV03P265 # إن هذه الطائفة التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأعانوا الخائن ~~كانوا مسلمين ولم يكونوا أيضا على يقين من أمر الخائن وسرقته ولكنه لم يكن ~~لهم الحكم جائزا على اليهودي بالسرقة لأجل وجود الدرع في داره فإن قيل كيف ~~يكون الحكم على ظاهر الحال ضلالا إذا كان في الباطن خلافه وإنما على الحاكم ~~الحكم بالظاهر دون الباطن قيل له لا يكون الحكم بظاهر الحال ضلال وإنما ~~الضلال إبراء الخائن من غير حقيقة علم فإنما اجتهدوا أن يضلوه عن هذا ~~المعنى قوله تعالى ومن يكسب خطيئة أو إثما # فإنه قد قيل في الفرق بين الخطيئة «1» والإثم إن الخطيئة قد تكون من غير ~~تعمد والإثم ما كان عن عمد فذكرهما جميعا ليبين حكمهما وأنه سواء كان تعمد ~~أو غير تعمد فإنه إذا رمى به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا إذ غير ~~جائز له رمي ms1337 غيره بما لا يعلمه منه # قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة الآية قال أهل ~~اللغة النجوى هو الإسرار فأبان تعالى أنه لا خير في كثير مما يستارون به ~~إلا أن يكون ذلك أمرا بصدقة أو أمرا بمعروف أو إصلاح بين الناس وكل أعمال ~~البر معروف لاعتراف العقول بها لأن العقول تعترف بالحق من جهة إقرارها به ~~والتزامها له وتنكر الباطل من جهة زجرها عنه وتبريها منه ومن جهة أخرى سمى ~~أعمال البر معروفا وهو أن أهل الفضل والدين يعرفون الخير لملابستهم إياه ~~وعلمهم به ولا يعرفون الشر بمثل معرفتهم بالخير لأنهم لا يلابسونه ولا ~~يعلمون به فسمى أعمال البر معروفا والشر منكرا # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا سهل ~~بن بكار قال حدثنا عبد السلام أبو الخليل عن عبيدة الهجيمي قال قال أبو ~~جري» جابر بن سليم ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة فأنخت قعودي بباب المسجد ~~فإذا النبي صلى الله عليه وسلم جالس عليه بردان من صوف فيها طرائق حمر فقلت ~~السلام عليك يا رسول الله فقال وعليك السلام قلت إنا معشر أهل البادية فينا ~~الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها فقال ادن ثلاثا فدنوت فقال أعد علي ~~فأعدت عليه فقال اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه ~~منبسط وأن تفرغ من فضل PageV03P266 # دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما يعلم منك «1» فلا تسبه بما تعلم ~~منه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله # قال أبو جرى والذهب ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا بعيرا # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد ابن محمد المسلم الدقاق قال ~~حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا سعيد بن مسلمة عن جعفر عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس ~~أهله ms1338 فإن أصبت أهله فهو أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أبو ذكريا يحيى بن محمد الحماني ~~والحسين بن إسحاق قالا حدثنا شيبان قال حدثنا عيسى بن شعيب قال حدثنا حفص ~~بن سليمان عن يزيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي أمامة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وأول أهل الجنة دخولا أهل المعروف صنائع ~~المعروف تقي مصارع السوء # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد بن محمد الأعرابي قالا ~~حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ~~يعني عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنكم ~~لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق # وأما الصدقة فعلى وجوه منها الصدقة بالمال على الفقراء فرضا تارة ونفلا ~~أخرى ومنها معونة المسلم بالجاه والقول كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل معروف صدقة # وقال صلى الله عليه وسلم على كل سلامى من ابن آدم صدقة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم قالوا ~~أو من أبو ضمضم قال رجل ممن كان قبلكم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني ~~قد تصدقت بعرضي على من شتمه فجعل احتماله أذى الناس صدقة بعرضه عليهم # قوله عز وجل أو إصلاح بين الناس هو نظير قوله تعالى وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما وقوله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا إن الله يحب المقسطين وقال فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ~~والصلح خير وقال تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن العلاء قال حدثنا ~~أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ~~قال قال PageV03P267 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم ms1339 بأفضل من درجة الصيام والصلاة ~~والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وفساد ذات البين ~~الحالقة # وإنما قيد الكلام بشرط فعله ابتغاء مرضاة الله لئلا يتوهم أن من فعله ~~للترؤس على الناس والتأمر عليهم يدخل في هذا الوعد # قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى الآية فإن مشاقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مباينته ومعاداته بأن يصير في شق غير الشق ~~الذي هو فيه وكذلك قوله تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله هو أن يصير في ~~حد غير حد الرسول وهو يعني مباينته في الاعتقاد والديانة وقال من بعد ما ~~تبين له الهدى تغليظا في الزجر عنه وتقبيحا لحاله وتبيينا للوعيد فيه إذ ~~كان معاندا بعد ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول فيما ذكر له من ~~الوعيد فدل على صحة إجماع الأمة لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم وقوله ~~نوله ما تولى إخبار عن براءة الله منه وأنه يكله إلى ما تولى من الأوثان ~~واعتضد به ولا يتولى الله نصره ومعونته # قوله تعالى ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام التبتيك التقطيع يقال بتكه ~~يبتكه تبتيكا والمراد به في هذا الموضع شق أذن البحيرة روي ذلك عن قتادة ~~وعكرمة والسدي وقوله ولأمنينهم يعني والله أعلم أنه يمنيهم طول البقاء في ~~الدنيا ونيل نعيمها ولذاتها ليركنوا إلى ذلك ويحرصوا عليه ويؤثروا الدنيا ~~على الآخرة ويأمرهم أن يشقوا آذان الأنعام ويحرموا على أنفسهم وعلى الناس ~~بذلك أكلها وهي البحيرة التي كانت العرب تحرم أكلها وقوله ولآمرنهم فليغيرن ~~خلق الله فإنه روي فيه ثلاثة أوجه أحدها عن ابن عباس رواية إبراهيم ومجاهدو ~~الحسن والضحاك والسدي دين الله بتحريم الحلال وتحليل الحرام ويشهد له قوله ~~تعالى لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم والثاني ما روي عن أنس وابن عباس ~~رواية شهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أنه الخصاء والثالث ما روي عن عبد الله ~~والحسن ms1340 أنه الوشم وروى قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بإخصاء الدابة ~~وعن طاوس وعروة مثله وروي عن ابن عمر أنه نهى عن الإخصاء وقال ما أنهى إلا ~~في الذكور وقال ابن عباس إخصاء البهيمة مثلة ثم قرأ ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله # وروى عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن إخصاء الجمل # قوله تعالى واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا هو نظير ~~قوله ثم أوحينا # PageV03P268 # إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا # وهذا يوجب أن كل ما ثبت من ملة إبراهيم عليه السلام فعلينا اتباعه فإن ~~قيل فواجب أن تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم هي شريعة إبراهيم عليه ~~السلام قيل له إن ملة إبراهيم داخلة في ملة النبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~ملة نبينا صلى الله عليه وسلم زيادة على ملة إبراهيم فوجب من أجل ذلك اتباع ~~ملة إبراهيم إذ كانت داخلة في ملة النبي صلى الله عليه وسلم فكان متبع ملة ~~النبي صلى الله عليه وسلم متبعا لملة إبراهيم وقيل في الحنيف إنه المستقيم ~~فمن سلك طريق الاستقامة فهو على الحنيفية وإنما قيل للمعوج الرجل أحنف ~~تفاؤلا كما قيل للمهلكة مفازة وللديغ سليما وقوله واتخذ الله إبراهيم خليلا ~~فإنه قد قيل فيه وجهان أحدهما الاصطفاء بالمحبة والاختصاص بالأسرار دون من ~~ليس له تلك المنزلة والثاني أنه من الخلة وهي الحاجة فخليل الله المحتاج ~~إليه المنقطع إليه بحوائجه فإذا أريد به الوجه الأول جاز أن يقال إن ~~إبراهيم خليل الله والله تعالى خليل إبراهيم وإذا أريد به الوجه الثاني لم ~~يجز أن يوصف الله بأنه خليل إبراهيم وجاز أن يوصف إبراهيم بأنه خليل الله # وقوله تعالى ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن قال أبو بكر روي ~~أنها نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ولا يقسط ~~لها في صداقها فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ms1341 وقوله ~~تعالى وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء يعنى به ما ذكر في أول ~~السورة من قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء وقد بيناه في مواضعه والله الموفق. ### | باب مصالحة المرأة وزوجها # قال الله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ~~أن يصلحا بينهما صلحا قيل في معنى النشوز إنه الترفع عليها لبغضه إياها ~~مأخوذ من نشز الأرض وهي المرتفعة وقوله أو إعراضا يعني لموجدة أو أثرة ~~فأباح الله لهما الصلح # فروي عن علي وابن عباس أنه أجاز لهما أن يصطلحا على ترك بعض مهرها أو بعض ~~أيامها بأن تجعله لغيرها # وقال عمر ما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز # وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل ~~فنزلت هذه الآية وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا # الآية فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز وقال هشام # PageV03P269 # ابن عروة عن أبيه عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد ~~طلاقها ويتزوج غيرها فتقول أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج وأنت في حل من النفقة ~~والقسمة لي فذلك قوله تعالى فلا جناح عليهما إلى قوله تعالى والصلح خير # وعن عائشة من طرق كثيرة أن سودة وهبت يومها لعائشة فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقسم به لها # قال أبو بكر فهذه الآية دالة على وجوب القسم بين النساء إذا كان تحته ~~جماعة وعلى وجوب الكون عندها إذا لم تكن عنده إلا واحدة وقضى كعب بن سور ~~بأن لها يوما من أربعة أيام بحضرة عمر فاستحسنه عمرو وولاه قضاء البصرة ~~وأباح الله أن تترك حقها من القسم وأن تجعله لغيرها من نسائه وعموم الآية ~~يقتضى جواز اصطلاحا على ترك المهر والنفقة والقسم وسائر ما يجب لها بحق ~~الزوجية إلا أنه إنما يجوز لها إسقاط ms1342 ما وجب من النفقة للماضي فأما ~~المستقبل فلا تصح البراءة منه وكذلك لو أبرأت من الوطء لم يصح إبراؤها وكان ~~لها المطالبة بحقها منه وإنما يجوز بطيب نفسها بترك المطالبة بالنفقة ~~وبالكون عندها فأما أن تسقط ذلك في المستقبل بالبراءة منه فلا ولا يجوز ~~أيضا أن يعطيها عوضا على ترك حقها من القسم أو الوطء لأن ذلك أكل مال ~~بالباطل أو ذلك حق لا يجوز أخذ العوض عنه لأنه لا يسقط مع وجوب السبب ~~الموجب له وهو عقد النكاح وهو مثل أن تبرئ الرجل من تسليم العبد المهر فلا ~~يصح لوجود ما يوجبه وهو العقد فإن قيل فقد أجاز أصحابنا أن يخلعها على نفقة ~~عدتها فقد أجازوا البراءة من نفقة لم تجب بعد مع وجود السبب الموجب لها وهي ~~العدة قيل له لم يجيزوا البراءة من النفقة ولا فرق بين المختلعة والزوجة في ~~امتناع وقوع البراءة من نفقة لم تجب بعد ولكنه إذا خالعها على نفقة العدة ~~فإنما جعل الجعل مقدار نفقة العدة والجعل في الخلع يجوز فيه هذا القدر من ~~الجهالة فصار ذلك في ضمانها بعقد الخلع ثم ما يجب لها بعد من نفقة العدة في ~~المستقبل يصير قصاصا بماله عليها وقد دلت الآية على جواز اصطلاحهما من ~~المهر على ترك جميعه أو بعضه أو على الزيادة عليه لأن الآية لم تفرق بين ~~شيء من ذلك وأجازت الصلح في سائر الوجوه وقوله تعالى والصلح خير قال بعض ~~أهل العلم يعني خير من الإعراض والنشوز وقال آخرون من الفرقة وجائز أن يكون ~~عموما في جواز الصلح في سائر الأشياء إلا ما خصه الدليل ويدل على جواز ~~الصلح عن إنكار والصلح من # PageV03P270 # المجهول وقوله تعالى وأحضرت الأنفس الشح قال ابن عباس وسعيد بن جبير الشح ~~على أنصبائهن من أزواجهن وأموالهن وقال الحسن تشح نفس كل واحد من الرجل ~~والمرأة بحقه قبل صاحبه والشح البخل وهو الحرص على منع الخير # قوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم الآية روي ms1343 عن ~~أبي عبيدة قال يعني المودة وميل الطباع وكذلك روي عن ابن عباس والحسن ~~وقتادة وقوله تعالى فلا تميلوا كل الميل يعني والله أعلم إظهاره بالفعل حتى ~~ينصرف عنها إلى غيرها يدل عليه قوله فتذروها كالمعلقة قال ابن عباس وسعيد ~~بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة لا أيم ولا ذات زوج # وقد روى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على ~~الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط # وهذا الخبر يدل أيضا على وجوب القسم بينهما بالعدل وأنه إذا لم يعدل ~~فالفرقة أولى لقوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فقال تعالى بعد ~~ذكره ما يجب لها من العدل في القسم وترك إظهار الميل عنها إلى غيرها # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته تسلية لكل واحد منهما عن الآخر وأن كل ~~واحد منهما سيغنيه الله عن الآخر إذا قصدا الفرقة تخوفا من ترك حقوق الله ~~التي أوجبها وأخبر أن رزق العباد كلهم على الله وأن ما يجريه منه على أيدي ~~عباده فهو المسبب له والمستحق للحمد عليه وبالله التوفيق. ### | باب ما يجب على الحاكم من العدل بين الخصوم # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم الآية روى قابوس عن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس في قوله يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله قال هو الرجلان يجلسان إلى ~~القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه عن الآخر # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مهران الدينوري ~~قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زهير قال حدثنا عباد بن كثير ابن أبي عبد ~~الله عن عطاء بن يسار عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفع ~~صوته على أحد الخصمين ms1344 ما لم يرفع على الآخر # قال أبو بكر قوله تعالى كونوا قوامين بالقسط قد # PageV03P271 # أفاد الأمر بالقيام بالحق والعدل وذلك موجب على كل أحد إنصاف الناس من ~~نفسه فيما يلزمه لهم وإنصاف المظلوم من ظالمه ومنع الظالم من ظلمه لأن جميع ~~ذلك من القيام بالقسط ثم أكد ذلك بقوله شهداء لله يعني والله أعلم فيما إذا ~~كان الوصول إلى القسط من طريق الشهادة فتضمن ذلك الأمر بإقامة الشهادة على ~~الظالم المانع من الحق للمظلوم صاحب الحق لاستخراج حقه منه وأيضا له إليه ~~وهو مثل قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه وتضمن ~~أيضا الأمر بالاعتراف والإقرار لصاحب الحق بحقه بقوله تعالى ولو على أنفسكم ~~لأن شهادته على نفسه هو إقراره بما عليه لخصمه فدل ذلك على جواز إقرار ~~المقر على نفسه لغيره وأنه واجب عليه أن يقر إذا طالبه صاحب الحق وقوله ~~تعالى أو الوالدين والأقربين فيه أمر بإقامة الشهادة على الوالدين ~~والأقربين ودل على جواز شهادة الإنسان على والديه وعلى سائر أقربائه لأنهم ~~والأجنبيين في هذا الموضع بمنزلة وإن كان الوالدان إذا شهد عليهما أولادهما ~~ربما أوجب ذلك حبسهما وأن ذلك ليس بعقوق ولا يجب أن يمتنع من الشهادة ~~عليهما لكراهتهما لذلك لأن ذلك منع لهما من الظلم وهو نصرة لهما كما # قال صلى الله عليه وسلم انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقيل يا رسول الله هذا ~~ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال ترده عن الظلم فذلك نصر منك إياه # وهو مثل # قوله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق # وهذا يدل على أنه إنما تجب عليه طاعة الأبوين فيما يحل ويجوز وأنه لا ~~يجوز له أن يطيعهما في معصية الله تعالى لأن الله قد أمره بإقامة الشهادة ~~عليهما مع كراهتهما لذلك وقوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~أمر لنا بأن لا ننظر إلى فقر المشهود عليه بذلك إشفاقا منا عليه فإن الله ~~أولى بحسن النظر لكل أحد من ms1345 الأغنياء والفقراء وأعلم بمصالح الجميع فعليكم ~~إقامة الشهادة عليهم بما عندكم وقوله تعالى فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ~~يعني لا تتركوا العدل اتباعا للهوى والميل إلى الأقرباء وهو نظير قوله ~~تعالى إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى وفي ~~ذلك دليل على أن على الشاهد إقامة الشهادة على الذي عليه الحق وإن كان ~~عالما بفقره وأنه لا يجوز له الامتناع من إقامتها خوفا من أن يحبسه القاضي ~~لفقد علمه بعدمه وقوله تعالى وإن تلووا أو تعرضوا فإنه يحتمل ما روي عن ابن ~~عباس أنه في القاضي يتقدم إليه الخصمان فيكون # PageV03P272 # ليه وإعراضه على أحدهما واللي هو الدفع ومنه قوله لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته يعني مطله ودفع الطالب عن حقه فإذا أريد به القاضي كان معناه دفعه ~~الخصم عما يجب له من العدل والتسوية ويحتمل أن يريد به الشاهد في أنه مأمور ~~بإقامة الشهادة وأن لا يدفع صاحب الحق عنها ويمطله بها ويعرض عنه إذا طالبه ~~بإقامتها وليس يمتنع أن يكون أمرا للحاكم والشاهد جميعا لاحتمال اللفظ لهما ~~فيفيد ذلك الأمر بالتسوية بين الخصوم في المجلس والنظر والكلام وترك إسرار ~~أحدهما والخلوة به كما # روي عن علي كرم الله وجهه قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نضيف أحد الخصمين دون الآخر # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله قيل فيه يا أيها ~~الذين آمنوا بمن قبل محمد من الأنبياء آمنوا بالله وبمحمد وما أتى به من ~~عند الله لأنهم من حيث آمنوا بالمتقدمين من الأنبياء لما كان معهم من ~~الآيات فقد ألزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لهذه العلة بعينها ومن ~~جهة أخرى أن في كتب الأنبياء المتقدمين البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~فمن حيث آمنوا بهم وصدقوا بما أخبروا به عن الله تعالى وقد أخبروهم نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فعليهم الإيمان به وهم محجوجون بذلك وقيل إنه خطاب ~~للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر ms1346 لهم بالمداومة على الإيمان والثبات ~~عليه والله أعلم. ### | باب استتابة المرتد # قال الله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا قال قتادة يعني به أهل الكتابين من اليهود والنصارى آمن اليهود ~~بالتوراة ثم كفروا بمخالفتها وكذلك آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا ~~بمخالفته وآمن النصارى بالإنجيل ثم كفروا بمخالفته وكذلك آمنوا بعيسى عليه ~~السلام ثم كفروا بمخالفته ثم ازدادوا كفرا بمخالفة الفرقان ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم وقال مجاهد هي في المنافقين آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم ~~وقال آخرون هم طائفة من أهل الكتاب قصدت تشكيك أهل الإسلام وكانوا يظهرون ~~الإيمان به والكفر به وقد بين الله أمرهم في قوله وقالت طائفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم ~~يرجعون قال أبو بكر هذا يدل على أن المرتد متى تاب تقبل توبته وإن توبة ~~الزنديق مقبولة إذ لم تفرق بين الزنديق وغيره من الكفار وقبول توبته بعد ~~الكفر مرة بعد «18- أحكام لث» # PageV03P273 # أخرى والحكم بإيمانه متى أظهر الإيمان واختلف الفقهاء في استنابة المرتد ~~والزنديق فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر في الأصل لا يقتل المرتد حتى ~~يستتاب ومن قتل مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه وذكر بشر بن الوليد عن ~~أبي يوسف في الزنديق الذي يظهر الإيمان قال أبو حنيفة أستتيبه كالمرتد فإن ~~أسلم خليت سبيله وإن أبى قتلته وقال أبو يوسف كذلك زمانا فلما رأى ما يصنع ~~الزنادقة ويعودون قال أرى إذا أتيت بزنديق آمر بضرب عنقه ولا أستتيبه فإن ~~تاب قبل أن أقتله خليته وذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف قال إذا ~~زعم الزنديق أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته وذكر محمد في السير عن أبي ~~يوسف عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه السلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه إلا ~~أن يطلب أن يؤجل فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ولم يحك خلافا قال أبو جعفر ms1347 ~~الطحاوي وحدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف في نوادر ذكرها عنه ~~أدخلها في أماليه عليهم قال قال أبو حنيفة اقتل الزنديق سرا فإن توبته لا ~~تعرف ولم يحك أبو يوسف خلافه وقال ابن القاسم عن مالك المرتد يعرض عليه ~~الإسلام ثلاثا فإن أسلم وإلا قتل وإن ارتد سرا قتل ولم يستتب كما يقتل ~~الزنادقة وإنما يستتاب من أظهر دينه الذي ارتد إليه قال مالك يقتل الزنادقة ~~ولا يستتابون فقيل لمالك فكيف يستتاب القدرية قال يقال لهم اتركوا ما أنتم ~~عليه فإن فعلوا وإلا قتلوا وإن أقر القدرية بالعلم لم يقتلوا # وروى مالك عن زيد بن أسلم قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من غير دينه ~~فاضربوا عنقه # قال مالك هذا فيمن ترك الإسلام ولم يقربه لا فيمن خرج من اليهودية إلى ~~النصرانية ولا من النصرانية إلى اليهودية قال مالك وإذا رجع المرتد إلى ~~الإسلام فلا ضرب عليه وحسن أن يترك المرتد ثلاثة أيام ويعجبني وقال الحسن ~~بن صالح يستتاب المرتد وإن تاب مائة مرة وقال الليث الناس لا يستتيبون من ~~ولد في الإسلام إذا شهد عليه بالردة ولكنه يقتل تاب من ذلك أو لم يتب إذا ~~قامت البنية العادلة وقال الشافعي يستتاب المرتد ظاهرا والزنديق وإن لم يتب ~~قتل وفي الاستتابة ثلاثا قولان أحدهما حديث عمر والآخر أنه لا يؤخر لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بأناة وهذا ظاهر الخبر قال أبو بكر ~~روى سفيان عن جابر عن الشعبي قال يستتاب المرتد ثلاثا ثم قرأ إن الذين ~~آمنوا ثم كفروا الآية وروى # PageV03P274 # عن عمر أنه أمر باستتابته ثلاثا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بدل دينه فاقتلوه # ولم يذكر فيه استتابته إلا أنه يجوز أن يكون محمولا على أنه قد استحق ~~القتل وذلك لا يمنع دعاءه إلى الإسلام والتوبة لقوله تعالى ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة الآية وقال تعالى قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله ~~على ms1348 بصيرة أنا ومن اتبعني فأمر بالدعاء إلى دين الله تعالى ولم يفرق بين ~~المرتد وبين غيره فظاهره يقتضي دعاء المرتد إلى الإسلام كدعاء سائر الكفار ~~ودعاؤه إلى الإسلام هو الاستتابة وقال تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف وقد تضمن ذلك الدعاء إلى الإيمان ويحتج بذلك أيضا في استتابة ~~الزنديق لاقتضاء عموم اللفظ له وكذلك قوله إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا لم يفرق فيه بين الزنديق وغيره فظاهره يقتضي قبول إسلامه ~~فإن قيل قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف لا دلالة ~~فيه على زوال القتل عنه لأنا نقول هو مغفور له ذنوبه ويجب مع ذلك قتله كما ~~يقتل الزاني المحصن وإن كان تائبا ويقتل قاتل النفس مع التوبة قيل له قوله ~~تعالى إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف يقتضى غفران ذنوبه وقبول توبته لو لم ~~تكن مقبولة لما كانت ذنوبه مغفورة وفي ذلك دليل على صحة استنابته وقبولها ~~منه في أحكام الدنيا والآخرة وأيضا فإن قتل الكافر إنما هو مستحق بإقامته ~~على الكفر فإذا انتقل عنه إلى الإيمان فقد زال المعنى الذي من أجله وجب ~~قتله وعاد إلى حظر دمه ألا ترى أن المرتد ظاهرا متى أظهر الإسلام حقن دمه ~~كذلك الزنديق # وقد روي عن ابن عباس في المرتد الذي لحق بمكة وكتب إلى قومه سلوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة فأنزل الله كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم- إلى قوله تعالى- إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~فكتبوا بها إليه فرجع فأسلم فحكم له بالتوبة # بما ظهر من قوله فوجب استعمال ذلك والحكم له بما يظهر منه دون ما في قلبه ~~وقول من قال إني لا أعرف توبته إذا كفر سرا فإنا لا نؤاخذ باعتبار حقيقة ~~اعتقاده لأن ذلك لا نصل إليه وقد حظر الله علينا الحكم بالظن بقوله تعالى ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم # وقال ms1349 النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإنه أكذب الحديث # وقال تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقال إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن ومعلوم أنه لم يرد حقيقة العلم بضمائرهن # PageV03P275 # واعتقادهن وإنما أراد ما ظهر من إيمانهن بالقول وجعل ذلك علما فدل على ~~أنه لا اعتبار بالضمير في أحكام الدنيا وإنما الاعتبار بما يظهر من القول ~~وقال تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا وذلك عموم في جميع ~~الكفار # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة ابن زيد حين قتل الرجل الذي قال لا ~~إله إلا الله فقال إنما قالها متعوذا قال هلا شققت عن قلبه # وروى الثوري عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله فقال ما ~~بيني وبين أحد من العرب إحنة وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون ~~بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجاء بهم واستتابهم غير ابن النواحة قال له ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لولا أنك رسول لضربت عنقك فأنت ~~اليوم لست برسول أبن ما كنت تظهر من الإسلام قال كنت أتقيكم به فأمر به ~~قرظة بن كعب فضرب عنقه بالسوق ثم قال من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة ~~قتيلا بالسوق # فهذا مما يحتج به من لم يقبل توبة الزنديق وذلك لأنه استتاب القوم وقد ~~كانوا مظهرين لكفرهم وأما ابن النواحة فلم يستتبه لأنه أقر أنه كان مسرا ~~للكفر مظهرا للإيمان على وجه التقية وقد كان قتله إياه بحضرة الصحابة لأن ~~في الحديث أنه شاور الصحابة فيهم وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال ~~أخذ بالكوفة رجال يؤمنون بمسيلمة الكذاب فكتب فيهم إلى عثمان فكتب عثمان ~~اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فمن قالها وتبرأ من دين مسيلمة فلا تقتلوه ومن لزم دين ~~مسيلمة فاقتله فقبلها رجال منهم ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا # قوله تعالى بشر ms1350 المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين قيل في معنى قوله أولياء من دون المؤمنين إنهم ~~اتخذوهم أنصارا واعتضادا لتوهمهم أن لهم القوة والمنعة بعداوتهم للمسلمين ~~بالمخالفة جهلا منهم بدين الله وهذا من صفة المنافقين المذكورين في الآية ~~وهذا يدل على أنه غير جائز للمؤمنين الاستنصار بالكفار على غيرهم من الكفار ~~إذ كانوا متى غلبوا كان حكم الكفر هو الغالب وبذلك قال أصحابنا وقوله ~~أيبتغون عندهم العزة يدل على صحة هذا الاعتبار وأن الاستعانة بالكفار لا ~~تجوز إذ كانوا متى غلبوا كان الغلبة والظهور للكفار وكان حكم الكفر هو ~~الغالب فإن قيل إذا كانت الآية في شأن المنافقين وهم كفار فكيف يجوز ~~الاستدلال به على المؤمنين قيل له لأنه قد ثبت أن هذا الفعل محظور فلا ~~يختلف # PageV03P276 # حكمه بعد ذلك أن يكون من المؤمنين أو من غيرهم لأن الله تعالى متى ذم ~~قوما على فعل فذلك الفعل قبيح لا يجوز لأحد من الناس فعله إلا أن تقوم ~~الدلالة عليه وقيل إن أصل العزة هو الشدة ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة ~~عزاز وقيل قد استعز المرض على المريض إذا اشتد مرضه ومنه قول القائل عز علي ~~كذا إذا اشتد عليه وعز الشيء إذا قل لأنه يشتد مطلبه وعازه في الأمر إذا ~~شاده فيه وشاة عزوز إذا كانت تحلب بشدة لضيق أحاليلها والعزة القوة منقولة ~~عن الشدة والعزيز القوي المنيع فتضمنت الآية النهي عن اتخاذ الكفار أولياء ~~وأنصار أو الاعتزاز بهم والالتجاء إليهم للتعزز بهم # وقد حدثنا من لا أتهم قال حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم الدوري قال ~~حدثنا يعقوب بن حميد ابن كاسب قال حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي عن ~~الحسن بن الحر عن يعقوب بن عتبة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من اعتز بالعبيد أذله الله تعالى # وهذا محمول على معنى الآية فيمن اعتز بالكفار والفساق ونحوهم فأما أن ~~يعتز ms1351 بالمؤمنين فذلك غير مذموم قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين وقوله تعالى أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا تأكيد ~~للنهي عن الاعتزاز بالكفار وإخبار بأن العزة لله دونهم وذلك منصرف على وجوه ~~أحدها امتناع إطلاق العزة لله عز وجل لأنه لا يعتد بعزة أحد مع عزته لصغرها ~~واحتقارها في صفة عزته والآخر أنه المقوي لمن له القوة من جميع خلقه فجميع ~~العزة له إذ كان عزيزا لنفسه معزا لكل من نسب إليه شيء من العزة والآخر أن ~~الكفار أذلاء في حكم الله فانتفت عنهم صفة العزة وكانت لله ومن جعلها له في ~~الحكم وهم المؤمنون فالكفار وإن حصل لهم ضرب من القوة والمنعة فغير مستحق ~~لإطلاق اسم العزة لهم # قوله تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ~~ويستهزأ بها فيه نهي عن مجالسة من يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله فقال ~~تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وحتى هاهنا تحتمل معنيين ~~أحدهما أنها تصير غاية لحظر القعود معهم حتى إذا تركوا إظهار الكفر ~~والاستهزاء بآيات الله زال الحظر عن مجالستهم والثاني أنهم كانوا إذا رأوا ~~هؤلاء أظهروا الكفر والاستهزاء بآيات الله فقال لا تقعدوا معهم لئلا يظهروا ~~ذلك ويزدادوا كفرا واستهزاء بمجالستكم لهم والأول أظهر وروي عن الحسن أن ما ~~اقتضته الآية من # PageV03P277 # إباحة المجالسة إذا خاضوا في حديث غيره منسوخ بقوله فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين قيل إنه يعني مشركي العرب وقيل أراد به المنافقين الذين ~~ذكروا في هذه الآية وقيل بل هي عامة في سائر الظالمين وقوله إنكم إذا مثلهم ~~قد قيل فيه وجهان أحدهما في العصيان وإن لم تبلغ معصيتهم منزلة الكفر ~~والثاني إنكم مثلهم في الرضى بحالهم في ظاهر أمركم والرضى بالكفر ~~والاستهزاء بآيات الله تعالى كفر ولكن من قعد معهم ساخطا لتلك الحال منهم ~~لم يكفر وإن كان غير موسع عليه في القعود معهم وفي هذه الآية دلالة على ~~وجوب إنكار المنكر على ms1352 فاعله وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه ~~إزالته وترك مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها فإن ~~قيل فهل يلزم من كان بحضرته منكر أن يتباعد عنه وأن يصير بحيث لا يراه ولا ~~يسمعه قيل له قد قيل في هذا أنه ينبغي له أن يفعل ذلك إذا لم يكن في تباعده ~~وترك سماعه ترك الحق عليه من نحو ترك الصلاة في الجماعة لأجل ما يسمع من ~~صوت الغناء والملاهي وترك حضور الجنازة لما معها من النوح وترك حضور ~~الوليمة لما هناك من اللهو واللعب فإذا لم يكن هناك شيء من ذلك فالتباعد ~~عنهم أولى وإذا كان هناك حق يقوم به ولم يلتفت إلى ما هناك من المنكر وقام ~~بما هو مندوب إليه من حق بعد إظهاره لإنكاره وكراهته وقال قائلون إنما نهى ~~الله عن مجالسة هؤلاء المنافقين ومن يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله لأن ~~في مجالستهم تأنيسا لهم ومشاركتهم فيما يجري في مجلسهم وقد قال أبو حنيفة ~~في رجل يكون في الوليمة فيحضر هناك اللهو واللعب إنه لا ينبغي له أن يخرج ~~وقال لقد ابتليت به مرة وروي عن الحسن أنه حضر هو وابن سيرين جنازة وهناك ~~نوح فانصرف ابن سيرين فذكر ذلك للحسن فقال إنا كنا متى رأينا باطلا وتركنا ~~حقا أسرع ذلك في ديننا لم نرجع وإنما لم ينصرف لأن شهود الجنازة حق قد ندب ~~إليه وأمر به فلا يتركه لأجل معصية غيره وكذلك حضور الوليمة قد ندب إليها ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجز أن يترك لأجل المنكر الذي يفعله غيره إذا ~~كان كارها له # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عبد الله ~~الغداني قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان ~~بن موسى عن نافع قال سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن ~~الطريق وقال لي يا نافع هل تسمع شيئا فقلت لا فرفع أصبعيه ms1353 من أذنيه وقال ~~كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع # PageV03P278 # مثل هذا فصنع مثل هذا وهذا هو اختيار لئلا تساكنه نفسه ولا تعتاد سماعه # فيهون عنده أمره فأما أن يكون واجبا فلا # قوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا # روي عن علي وابن عباس قالا سبيلا في الآخرة # وعن السدي ولن يجعل الله لهم عليهم حجة يعني فيما فعلوا بهم من قتلهم ~~وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه ويحتج بظاهره في وقوع ~~الفرقة بين الزوجين بردة الزوج لأن عقد النكاح يثبت عليها للزوج سبيلا في ~~إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من الخروج وعليها طاعته فيما يقتضيه عقد ~~النكاح كما قال تعالى الرجال قوامون على النساء فاقتضى قوله تعالى ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وقوع الفرقة بردة الزوج وزوال سبيله ~~عليها لأنه مادام النكاح باقيا فحقوقه ثابتة وسبيله باق عليها فإن قيل إنما ~~قال على المؤمنين فلا تدخل النساء فيه قيل له إطلاق لفظ التذكير يشتمل على ~~المؤنث والمذكر كقوله إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقد أراد ~~به الرجال والنساء وكذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ونحوه ~~من الألفاظ ويحتج بظاهره أيضا في الكافر الذمي إذا أسلمت امرأته أنه يفرق ~~بينهما إن لم يسلم وفي الحربي كذلك أيضا فإنه لا يجوز إقرارها تحته أبدا ~~ويحتج به أصحاب الشافعي في إبطال شري الذمي للعبد المسلم لأنه بالملك يستحق ~~السبيل عليه وليس ذلك كما قالوا لأن الشرى ليس هو المنفي بالآية لأن الشرى ~~ليس هو الملك والملك إنما يتعقب الشرى وحينئذ يملك السبيل عليه فإذا ليس في ~~الآية نفي الشرى وإنما فيها نفي السبيل فإن قيل إذا كان الشرى هو المؤدي ~~إلى حصول السبيل وجب أن يكون منتفيا كما كان السبيل منتفيا قيل له ليس ~~الأمر كذلك لأنه ليس يمتنع أن يكون السبيل عليه منتفيا ويكون الشرى المؤدي ~~إلى حصول السبيل جائزا وإنما أردت نفي الشرى بالآية نفسها ms1354 فإن ضممت إلى ~~الآية معنى آخر في نفي الشرى فقد عدلت عن الاحتجاج بها وثبت بذلك أن الآية ~~غير مانعة صحة الشرى وأيضا فإنه لا يستحق بصحة الشرى السبيل عليه لأنه ~~ممنوع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع وإخراجه عن ملكه فلم يحصل له ~~هاهنا سبيل عليه # وقوله تعالى إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # قيل فيه وجهان أحدهما يخادعون نبي الله والمؤمنين بما يظهرون من الإيمان ~~لحقن دمائهم ومشاركة المسلمين في غنائهم والله تعالى يخادعهم بالعقاب على ~~خداعهم فسمى الجزاء # PageV03P279 # على الفعل باسمه على مزاوجة الكلام كقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه والآخر أنهم يعملون عمل المخادع لمالكه بما يظهرون من الإيمان ويبطنون ~~خلافه وهو يعمل عمل المخادع بما أمر به من قبول إيمانهم من علمهم بأن الله ~~عليم بما يبطنون من كفرهم وقوله تعالى ولا يذكرون الله إلا قليلا # قيل فيه إنما سماه قليلا لأنه لغير وجهه فهو قليل في المعنى وإن كثر ~~الفعل منهم وقال قتادة إنما سماه قليلا لأنه على وجه الرياء فهو حقير غير ~~متقبل منهم بل هو وبال عليهم وقيل إنه أراد إلا يسيرا من الذكر نحو ما ~~يظهرونه للناس دون ما أمروا به من ذكر الله في كل حال أمر به المؤمنين في ~~قوله تعالى فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم وأخبر أيضا أنهم يقومون ~~إلى الصلاة كسالى مراءاة للناس والكسل هو التثاقل عن الشيء للمشقة فيه مع ~~ضعف الدواعي إليه فلما لم يكونوا معتقدين للإيمان لم يكن لهم داع إلى ~~الصلاة إلا مراءاة للناس خوفا منهم. # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين فإن الولي هو الذي يتولى صاحبه بما يجعل له من النصرة والمعونة ~~على أمره والمؤمن ولي الله بما يتولى من إخلاص طاعته والله ولي المؤمنين ~~بما يتولى من جزائهم على طاعته واقتضت الآية النهي عن الاستنصار بالكفار ~~والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة يهم وهو يدل على أن الكافر لا يستحق ~~الولاية على ms1355 المسلم بوجه ولدا كان أو غيره ويدل على أنه لا تجوز الاستعانة ~~بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية وهو نظير قوله لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم وقد كره أصحابنا توكيل الذمي في الشرى والبيع ودفع ~~المال إليه مضاربة وهذه الآية دالة على صحة هذا القول # قوله تعالى وأخلصوا دينهم لله يدل على أن كل ما كان من أمر الدين على ~~منهاج القرب فسبيله أن يكون خالصا لله سالما من شوب الرياء أو طلب عرض من ~~الدنيا أو ما يحبطه من المعاصي وهذا يدل على امتناع جواز أخذ شيء من أعراض ~~الدنيا على ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة من نحو الصلاة والأذان ~~والحج # قوله عز وجل لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم قال ابن عباس ~~وقتادة إلا أن يدعو على ظالمه وعن مجاهد رواية إلا أن يخبر بظلم ظالمه له ~~وقال الحسن والسدي إلا أن ينتصر من ظالمه وذكر الفرات بن سليمان قال سئل ~~عبد الكريم عن قول الله لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم # PageV03P280 # قال هو الرجل يشتمك فتشتمه ولكن إن افترى عليك فلا تفترى عليه وهو مثل ~~قوله ولمن انتصر بعد ظلمه وروى ابن عيينة عن أبي نجيح عن إبراهيم بن أبي ~~بكر عن مجاهد في قوله لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم قال ~~ذاك في الضيافة إذا جئت الرجل فلم يضفك فقد رخص أن تقول فيه قال أبو بكر إن ~~كان التأويل كما ذكر فقد يجوز أن يكون ذلك في وقت كانت الضيافة واجبة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو ~~صدقة # وجائز أن يكون فيمن لا يجد ما يأكل فيستضيف غيره فلا يضيفه فهذا مذموم ~~يجوز أن يشكى وفي هذه الآية دلالة على وجوب الإنكار على من تكلم بسوء فيمن ~~كان ظاهره الستر والصلاح لأن الله تعالى قد أخبر أنه لا ms1356 يجب ذلك وما لا ~~يحبه فهو الذي لا يريده فعلينا أن نكرهه وننكره وقال إلا من ظلم فما لم ~~يظهر لنا ظلمه فعلينا إنكار سوء القول فيه # وقوله تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم قال قتادة ~~عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم وفي ذلك دليل على جواز تغليظ ~~المحنة عليهم بالتحريم الشرعي عقوبة لهم على ظلمهم لأن الله تعالى قد أخبر ~~في هذه الآية أنه حرم عليهم طيبات بظلمهم وصدهم عن سبيل الله والذي حرم ~~عليهم ما بينه تعالى في قوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط ~~بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم # وقوله وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل يدل على أن ~~الكفار مخاطبون بالشرائع مكلفون بها مستحقون للعقاب على تركها لأن الله ~~تعالى قد ذمهم على أكل الربا وأخبر أنه عاقبهم عليه # قوله تعالى لكن الراسخون في العلم منهم روى عن قتادة أن لكن هاهنا ~~استثناء وقيل أن لا ولكن قد تتفقان في الإيجاب بعد النفي أو النفي بعد ~~الإيجاب وتطلق إلا ويراد بها لكن كقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ~~إلا خطأ ومعناه لكن إن قتله خطأ فتحرير رقبة فأقيمت إلا في هذا الموضع مقام ~~لكن وتنفصل لكن من إلا بأن إلا لإخراج بعض من كل ولكن قد تكون بعد الواحد ~~نحو قولك ما جاءني زيد لكن عمرو وحقيقة لكن الاستدراك ولا للتخصيص # قوله تعالى يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم روي عن الحسن أنه خطاب ~~لليهود والنصارى لأن النصارى غلت # PageV03P281 # في المسيح فجاوزوا به منزلة الأنبياء حتى اتخذوه إلها واليهود غلت فيه ~~فجعلوه لغير رشدة فغلا الفريقان جميعا في أمره والغلو في الدين هو مجاوزة ~~حد الحق فيه # وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أن يناوله حصيات لرمي ~~الجمار قال فناولته إياها مثل حصا الخذف «1» فجعل ms1357 يقلبهن بيده ويقول بمثلهن ~~بمثلهن إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو في دينهم ولذلك ~~قيل دين الله بين المقصر والغالي # قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قيل في وصف المسيح بأنه كلمة ~~الله ثلاثة أوجه أحدها ما روي عن الحسن وقتادة أنه كان عيسى بكلمة الله وهو ~~قوله كن فيكون لا على سبيل ما أجرى العادة به من حدوثه من الذكر والأنثى ~~جميعا والثاني أنه يهتدى به كما يهتدى بكلمة الله والثالث ما تقدم من ~~البشارة به في الكتب المتقدمة التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه وأما ~~قوله تعالى وروح منه فلأنه كان بنفخة جبريل بإذن الله والنفخ يسمى روحا ~~كقول ذي الرمة: # فقلت له أرفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا # أى بنفختك وقيل إنما سماه روحا لأنه يحيي الناس به كما يحيون بالأرواح ~~ولهذا المعنى سمى القرآن روحا في قوله وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~وقيل لأنه روح من الأرواح كسائر أرواح الناس وأضافه الله تعالى إليه تشريفا ~~له كما يقال بيت الله وسماء الله # قوله يبين الله لكم أن تضلوا قيل فيه إنه بمعنى لئلا تضلوا فحذف لا كما ~~تحذف مع القسم في قولك والله أبرح قاعدا أي لا أبرح قال الشاعر: # تالله يبقى على الأيام ذوحيد «2» معناه لا يبقى وقيل يبين الله لكم كراهة ~~أن تضلوا كقوله وسئل القرية يعنى أهل القرية. ### | سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود روى عن ابن عباس ومجاهد ~~ومطرف PageV03P282 # والربيع والضحاك والسدي وابن جريج والثوري قالوا العقود في هذا الموضع ~~أراد بها العهود وروى معمر عن قتادة قال هي عقود الجاهلية الحلف # وروى جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا حلف في ~~الإسلام وأما حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة # وروى ابن عيينة عن عاصم الأحول قال سمعت أنس بن مالك يقول حالف رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين ms1358 المهاجرين والأنصار في دارنا فقيل له قد قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام وما كان في الجاهلية فلم يزده ~~الإسلام إلا شدة فقال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ~~والأنصار في دارنا قال ابن عيينة إنما آخى بين المهاجرين والأنصار # قال أبو بكر قال الله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم فلم يختلف ~~المفسرون أنهم في أول الإسلام قد كانوا يتوارثون بالحلف دون النسب وهو معنى ~~قوله والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إلى أن جعل الله ذوي الأرحام أولى ~~من الحليف بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين فقد كان حلف الإسلام على التناصر والتوارث ثابتا صحيحا وأما ~~قوله لا حلف في الإسلام فإنه جائز أن يريد به الحلف على الوجوه التي كان ~~عليها الحلف في الجاهلية وكان هذا القول منه بعد نسخ التوارث بالحلف وقد ~~كان حلف الجاهلية على وجوه منها الحلف في التناصر فيقول أحدهما لصاحبه إذا ~~حالفه دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك فيتعاقدان الحلف على أن ينصر كل ~~واحد منهم صاحبه فيدفع عنه ويحميه بحق كان ذلك أو بباطل ومثله لا يجوز في ~~الإسلام لأنه لا يجوز أن يتعاقدا الحلف على أن ينصره على الباطل ولا أن ~~يزوي ميراثه عن ذي أرحامه ويجعله لحليفه فهذا أحد وجوه الحلف الذي لا يجوز ~~مثله في الإسلام وقد كانوا يتعاقدون الحلف للحماية والدفع وكانوا يدفعون ~~إلى ضرورة لأنهم كانوا نشرا لا سلطان عليهم ينصف المظلوم من الظالم ويمنع ~~القوي عن الضعيف فكانت الضرورة تؤديهم إلى التحالف فيمتنع به بعضهم من بعض ~~وكان ذلك معظم ما يراد الحلف من أجله ومن أجل ذلك كانوا يحتاجون إلى الجوار ~~وهو أن يجير الرجل أو الجماعة أو العير على قبيلة ويؤمنهم فلا ينداه «1» ~~مكروه منهم فجائز أن يكون أراد بقوله لا حلف في الإسلام هذا الضرب من الحلف ~~وكانوا يحتاجون إلى الحلف في أول الإسلام PageV03P283 # لكثرة أعدائهم من سائر المشركين ms1359 ومن يهود المدينة ومن المنافقين فلما أعز ~~الله الإسلام وكثر أهله وامتنعوا بأنفسهم وظهروا على أعدائهم أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم باستغنائهم عن التحالف لأنهم قد صاروا كلهم يدا واحدة ~~على أعدائهم من الكفار بما أوجب الله عليهم من التناصر والموالاة بقوله ~~تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر # وقال النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون يد على من سواهم وقال ثلاث لا ~~يغل عليهن قلب مؤمن إخلاص العمل لله والنصيحة لولاة الأمر ولزوم جماعة ~~المسلمين فإن دعوتهم تحيط من وراءهم فزال التناصر بالحلف وزال الجوار # ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم ولعلك أن تعيش حتى ترى المرأة ~~تخرج من القادسية إلى اليمن بغير جوار # ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم لا حلف في الإسلام # وأما # قوله وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة # فإنما يعني به الوفاء بالعهد مما هو مجوز في العقول مستحسن فيها نحو ~~الحلف الذي عقده الزبير بن عبد المطلب # قال النبي صلى الله عليه وسلم ما أحب أن لي بحلف حضرته حمر النعم في دار ~~ابن جدعان وأني أغدر به هاشم وزهرة وتيم تحالفوا أن يكونوا مع المظلوم ما ~~بل بحر صوفة ولو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت # وهو حلف الفضول وقيل إن الحلف كان على منع المظلوم وعلى التأسي في المعاش ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حضر هذا الحلف قبل النبوة وأنه لو دعي ~~إلى مثله في الإسلام لأجاب لأن الله تعالى قد أمر المؤمنين بذلك وهو شيء ~~مستحسن في العقول بل واجب فيها قبل ورود الشرع فعلمنا أن # قوله لا حلف في الإسلام # إنما أراد به الذي لا تجوزه العقول ولا تبيحه الشريعة # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال حضرت حلف المطيبين وأنا غلام وما ~~أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم وقد كان حلف المطيبين بين قريش على أن ~~يدفعوا عن الحرم ms1360 من أراد انتهاك حرمته بالقتال فيه # وأما # قوله وما كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة # فهو نحو حلف المطيبين وحلف الفضول وكل ما يلزم الوفاء به من المعاقدة دون ~~ما كان منه معصية لا تجوزه الشريعة والعقد في اللغة هو الشد تقول عقدت ~~الحبل إذا شددته واليمين على المستقبل تسمى عقدا قال الله تعالى لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان والحلف يسمى عقدا ~~قال الله تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم وقال أبو عبيدة في قوله ~~أوفوا بالعقود قال هي العهود والأيمان وروي عن # PageV03P284 # جابر في قوله أوفوا بالعقود قال هي عقدة النكاح والبيع والحلف والعهد ~~وزاد زيد ابن أسلم من قبله وعقد الشركة وعقد اليمين وروى وكيع عن موسى بن ~~عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال العقود ستة عقد الإيمان وعقد النكاح ~~وعقدة العهد وعقدة الشرى والبيع وعقدة الحلف قال أبو بكر العقد ما يعقده ~~العاقد على أمر يفعله هو أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه لأن ~~العقد إذا كان في أصل اللغة الشد ثم نقل إلى الأيمان والعقود عقود ~~المبايعات ونحوها فإنما أريد به إلزام الوفاء بما ذكره وإيجابه عليه وهذا ~~إنما يتناول منه ما كان منتظرا مراعى في المستقبل من الأوقات فيسمى البيع ~~والنكاح والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقودا لأن كل واحد منهما قد ألزم ~~نفسه التمام عليه والوفاء به وسمي اليمين على المستقبل عقدا لأن الحالف قد ~~ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك والشركة والمضاربة ونحوها ~~تسمى أيضا عقودا لما وصفنا من اقتضائه الوفاء بما شرطه على كل واحد من ~~الربح والعمل لصاحبه وألزمه نفسه وكذلك العهد والأمان لأن معطيها قد ألزم ~~نفسه الوفاء بها وكذلك كل شرط شرطه إنسان على نفسه في شيء يفعله في ~~المستقبل فهو عقد وكذلك النذور وإيجاب القرب وما جرى مجرى ذلك وما لا تعلق ~~له بمعنى في المستقبل ينتظر وقوعه وإنما هو على شيء ms1361 ماض قد وقع فإنه لا ~~يسمى عقدا ألا ترى أن من طلق امرأته فإنه لا يسمى طلاقه عقدا ولو قال لها ~~إذا دخلت الدار فأنت طالق كان ذلك عقدا ليمين ولو قال والله لقد دخلت الدار ~~أمس لم يكن عاقدا لشيء ولو قال لأدخلنها غدا كان عاقدا ويدلك على ذلك أنه ~~لا يصح إيجابه في الماضي ويصح في المستقبل لو قال علي أن أدخل الدار أمس ~~كان لغوا من الكلام مستحيلا ولو قال علي أن أدخلها غدا كان إيجابا مفعولا ~~فالعقد ما يلزم به حكم في المستقبل واليمين على المستقبل إنما كانت عقدا ~~لأن الحالف قد أكد على نفسه أن يفعل ما حلف عليه بذلك وذلك معدوم في الماضي ~~ألا ترى أن من قال والله لأكلمن زيدا فهو مؤكد على نفسه بذلك كلامه وكذلك ~~لو قال والله لا كلمت زيدا كان مؤكدا به نفي كلامه ملزما نفسه به ما حلف ~~عليه من نفي أو إثبات فسمي من أجل التأكيد الذي في اللفظ عقدا تشبيها بعقد ~~الحبل الذي هو بيده والاستيثاق به ومن أجله كان النذر عقدا ويمينا لأن ~~الناذر ملزم نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه ما نذره ومؤكد على نفسه أن يفعله ~~أو يتركه # PageV03P285 # ومتى صرف الخبر إلى الماضي لم يكن ذلك عقدا كما لا يكون ذلك إيجابا ~~وإلزاما ونذرا وهذا يبين معنى ما ذكرنا من العقد على وجه التأكيد والإلزام. ~~ومما يدل على أن العقد هو ما تعلق بمعنى مستقبل دون الماضي أن ضد العقد هو ~~الحل ومعلوم أن ما قد وقع لا يتوهم له حل عما وقع عليه بل يستحيل ذلك فيه ~~فلما لم يكن الحل ضدا لما وقع في الماضي علم أنه ليس بعقد لأنه لو كان عقدا ~~لكان له ضد من الحل يوصف به كالعقد على المستقبل فإن قيل قوله إن دخلت ~~الدار فأنت طالق وأنت إذا جاء غد هو عقد ولا يلحقه الانتقاض والفسخ قيل له ~~جائز أن لا يقع ذلك بموتها قبل وجود ms1362 الشرط فهو مما يوصف بضده من الحل ولذلك ~~قال أبو حنيفة فيمن قال إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبدي حر وليس ~~في الكوز ماء إن يمينه لا تنعقد ولم يكن ذلك عقدا لأنه ليس له نقيض من الحل ~~ولو # قال إن لم أصعد السماء فعبدي حر حنث بعد انعقاد يمينه لأن لهذا العقد ~~نقيضا من الحل وإن كنا قد علمنا أنه لا يبر فيه لأنه عقد اليمين على معنى ~~متوهم معقول إذ كان صعود السماء معنى متوهما معقولا وكذلك تركه معقول جائز ~~وشرب ما ليس بموجود مستحيل توهمه فلم يكن ذلك عقدا وقد اشتمل قوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود على إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي ~~نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس وعلى إلزام ~~الوفاء بالنذور والأيمان وهو نظير قوله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقوله تعالى وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وعهد ~~الله تعالى أوامره ونواهيه وقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى أوفوا ~~بالعقود أي بعقود الله فيما حرم وحلل وعن الحسن قال يعني عقود الدين واقتضى ~~أيضا الوفاء بعقود البياعات والإجارات والنكاحات وجميع ما يتناوله اسم ~~العقود فمتى اختلفنا في جواز عقده أو فساده وفي صحة نذر ولزومه صح الاحتجاج ~~بقوله تعالى أوفوا بالعقود لاقتضاء عمومه جواز جميعها من الكفالات ~~والإجارات والبيوع وغيرها ويجوز الاحتجاج به في جواز الكفالة بالنفس ~~وبالمال وجواز تعلقها على الأخطار لأن الآية لم تفرق بين شيء منها # وقوله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عند شروطهم # في معنى قول الله تعالى أوفوا بالعقود وهو عموم في إيجاب الوفاء بجميع ما ~~يشرط الإنسان على نفسه ما لم تقم دلالة # PageV03P286 # تخصصه فإن قيل هل يجب على كل من عقد على نفسه يمينا أو نذرا أو شرطا ~~لغيره الوفاء بشرطه ويكون عقده لذلك على نفسه يلزمه ما شرطه وأوجبه قيل له ~~أما النذور فهي عل ثلاثة أنحاء منها نذر قربة فيصير ms1363 واجبا بنذره بعد أن كان ~~فعله قربة غير واجب لقوله تعالى أوفوا بالعقود وقوله تعالى أوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم وقوله تعالى يوفون بالنذر وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم ~~تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وقوله تعالى ~~ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فذمهم على ترك الوفاء بالمنذور ~~نفسه # وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب أوف بنذرك # حين نذر أن يعتكف يوما في الجاهلية # وقوله صلى الله عليه وسلم من نذر نذرا سماه فعليه أن يفي به ومن نذر نذرا ~~ولم يسمه فعليه كفارة يمين # فهذا حكم ما كان قربة من المنذور في لزوم الوفاء بعينه وقسم آخر وهو ما ~~كان مباحا غير قربة فمتى نذره لا يصير واجبا ولا يلزمه فعله فإذا أراد به ~~يمينا فعليه كفارة يمين إذا لم يفعله مثل قوله لله علي أن أكلم زيدا وأدخل ~~هذه الدار وأمشي إلى السوق فهذه أمور مباحة لا تلزم بالنذر لأن ما ليس له ~~أصل في القرب لا يصير قربة بالإيجاب كما أن ما ليس له أصل في الوجوب لا ~~يصير واجبا بالنذر فإن أراد به اليمين كان يمينا وعليه الكفارة إذا حنث ~~والقسم الثالث ما نذر المعصية نحو أن يقول لله علي أن أقتل فلانا أو أشرب ~~الخمر أو أغصب فلانا ماله فهذه أمور هي معاص لله تعالى لا يجوز له الإقدام ~~عليها لأجل النذور وهي باقية على ما كانت عليه من الحظر وهذا يدل على ما ~~ذكرناه في إيجاب ما ليس بقربة من المباحات أنها لا تصير واجبة بالنذور كما ~~أن ما كان محظورا لا يصير مباحا ولا واجبا بالنذر وتجب فيه كفارة يمين إذا ~~أراد يمينا وحنث # لقوله صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين # فالنذر ينقسم إلى هذه الأنحاء وأما الأيمان فإنها تعقد ms1364 على هذه الأمور من ~~قربة أو مباح أو معصية فإذا عقدها على قربة لم تصر واجبة باليمين ولكنه ~~يؤمر بالوفاء به فإن لم يف به وحنث لزمته الكفارة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمر بلغني أنك ~~قلت والله لأصومن الدهر فقال نعم قال فلا تفعل ولكن صم من كل شهر ثلاثة ~~أيام # فقال إني أطيق أكثر من ذلك إلى أن ورده إلى أن يصوم يوما ويفطر # PageV03P287 # يوما فلم يلزمه صوم الدهر باليمين فدل ذلك على أن اليمين لا يلزم بها ~~المحلوف عليه ولذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لأصومن غدا ثم لم يصمه فلا ~~قضاء عليه وعليه كفارة يمين والقسم الآخر من الأيمان هو أن يحلف على مباح ~~أن يفعله فلا يلزمه فعله كما لا يلزمه فعل القربة المحلوف عليها فإن شاء ~~فعل المحلوف عليه وإن شاء ترك حنث لزمته الكفارة والقسم الثالث أن يحلف على ~~معصية فلا يجوز له أن يفعلها بل عليه أن يحنث في يمينه ويكفر عنها # لقوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه وقال إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني # وقال الله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ~~والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم روي أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح ابن ~~أثاثة لما كان منه من الخوض في أمر عائشة رضي الله عنها فأمره الله تعالى ~~بالرجوع إلى الإنفاق عليه قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام قيل في ~~الأنعام إنها الإبل والبقر والغنم وقال بعضهم الإطلاق يتناول الإبل وإن ~~كانت منفردة وتتناول البقر والغنم إذا كانت مع الإبل ولا تتناولهما منفردة ~~عن الإبل وقد روي عن الحسن القول الأول وقيل إن الأنعام تقع على ms1365 هذه ~~الأصناف الثلاثة وعلى الظباء وبقر الوحش ولا يدخل فيها الحافر لأنه أخذ من ~~نعومة الوطء ويدل على هذا القول استثناؤه الصيد منها بقوله في نسق التلاوة ~~غير محلي الصيد وأنتم حرم ويدل على أن الحافر غير داخل في الأنعام قوله ~~تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ثم عطف عليه قوله ~~تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها فلما استأنف ذكرها وعطفها على ~~الأنعام دل على أنها ليست منها وقد روي عن ابن عباس أنه قال في جنين البقرة ~~إنها بهيمة الأنعام وهو كذلك لأن البقرة من الأنعام وإنما قال بهيمة ~~الأنعام وإن كانت الأنعام كلها من البهائم لأنه بمنزلة قوله أحل لكم ~~البهيمة التي هي الأنعام فأضاف البهيمة إلى الأنعام وإن كانت هي كما تقول ~~نفس الإنسان ومن الناس من يظن أن هذه الإباحة معقودة بشرط الوفاء بالعقود ~~المذكورة في الآية وليس كذلك لأنه لم يجعل الوفاء بالعقود شرطا للإباحة ولا ~~أخرجه مخرج المجازاة ولكنه وجه الخطاب إلينا بلفظ الإيمان في قوله # PageV03P288 # تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ولا يوجب ذلك الاقتصار بالإباحة ~~على المؤمنين دون غيرهم بل الإباحة عامة لجميع المكلفين كفارا كانوا أو ~~مؤمنين كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وهو حكم عام في المؤمنين ~~والكفار مع ورود اللفظ خاصا بخطاب المؤمنين وكذلك كل ما أباحه الله تعالى ~~للمؤمنين فهو مباح لسائر المكلفين كما أن كل ما أوجبه وفرضه فهو فرض على ~~جميع المكلفين إلا أن يخص بعضهم دليل وكذلك قلنا إن الكفار مستحقون العقاب ~~على ترك الشرائع كما يستحقون على ترك الإيمان فإن قيل إذا كان ذبح البهائم ~~محظورا إلا بعد ورود السمع به فمن لم يعتقد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~واستباحته من طريق الشرع فحكمه في حظره عليه باق على الأصل وقائل هذا القول ~~يقول إن ذبح البهائم محظور على الكفار أهل الكتاب منهم وغيرهم ms1366 وهم عصاة في ~~ذبحها وإن كان أكل ما ذبحه أهل الكتاب مباحا لنا وزعم هذا القول أن للملحد ~~أن يأكل بعد الذبح وليس له أن يذبح وليس هذا عند سائر أهل العلم كذلك لأنه ~~لو كان أهل الكتاب عصاة بذبحهم لأجل دياناتهم لوجب أن تكون ذبائحهم غير ~~مذكاة مثل المجوسي لما كان ممنوعا من الذبح لأجل اعتقاده لم يكن ذبحه ذكاة ~~وفي ذلك دليل على أن الكتابي غير عاص في ذبح البهائم وأنه مباح له كهو لنا ~~وأما قوله إنه إذا لم يعتقد صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستباحته ~~من طريق الشرع فحكم حظر الذبح قائم عليه فليس كذلك لأن اليهود والنصارى قد ~~قامت عليهم حجة السمع بكتب الأنبياء المتقدمين في إباحة ذبح البهائم وأيضا ~~فإن ذلك لا يمنع صحة ذكاته لأن رجلا لو ترك التسمية على الذبيحة عامدا لكان ~~عندنا عاصيا بذلك وكان لمن يعتقد جواز ترك التسمية عليها أن يأكلها ولم يكن ~~كون الذابح عاصيا مانعا صحة ذكاته قوله عز وجل إلا ما يتلى عليكم روي عن ~~ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدى إلا ما يتلى عليكم يعني قوله حرمت ~~عليكم الميتة والدم وسائر ما حرم في القرآن وقال آخرون إلا ما يتلى عليكم ~~من أكل الصيد وأنتم حرم فكأنه قال على هذا التأويل إلا ما يتلى عليكم في ~~نسق هذا الخطاب قال أبو بكر يحتمل قوله إلا ما يتلى عليكم مما قد حصل ~~تحريمه ما روي عن ابن عباس # فإذا أريد به ذلك لم يكن اللفظ مجملا لأن ما قد حصل تحريمه قبل ذلك هو ~~معلوم فيكون قوله «19- أحكام لث» # PageV03P289 # أحلت لكم بهيمة الأنعام عموما في إباحة جميعها إلا ما خصه الآي التي فيها ~~تحريم ما حرم منها وجعل هذه الإباحة مرتبة على آي الحظر وهو قوله حرمت ~~عليكم الميتة والدم ويحتمل أن يريد بقوله إلا ما يتلى عليكم إلا ما يبين ~~حرمته فيكون مؤذنا بتحريم بعضها علينا في وقت ثان فلا يسلب ذلك الآية ms1367 حكم ~~العموم أيضا ويحتمل أن يريد أن بعض بهيمة الأنعام محرم عليكم الآن تحريما ~~يرد بيانه في الثاني فهذا يوجب إجمال قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~لاستثنائه بعضها فهو مجهول المعنى عندنا فيكون اللفظ مشتملا على إباحة وحظر ~~على وجه الإجمال ويكون حكمه موقوفا على البيان وأولى الأشياء بنا إذا كان ~~في اللفظ احتمال لما وصفنا من الإجمال والعموم حمله على معنى العموم لإمكان ~~استعماله فيكون المستثنى منه ما ذكر تحريمه في القرآن من الميتة ونحوها فإن ~~قيل قوله تعالى إلا ما يتلى عليكم يقتضي تلاوة مستقبلة لا تلاوة ماضية وما ~~قد حصل تحريمه قبل ذلك فقد تلا علينا فوجب حمله على تلاوة ترد في الثاني ~~قيل له يجوز أن يريد به ما قد تلي علينا ويتلى في الثاني لأن تلاوة القرآن ~~غير مقصورة على حال ماضية دون مستقبلة بل علينا تلاوته في المستقبل كما ~~تلوناه في الماضي فتلاوة ما قد نزل قبل ذلك من القرآن ممكنة في المستقبل ~~وتكون حينئذ فائدة هذا الاستثناء إبانة عن بقاء حكم المحرمات قبل ذلك من ~~بهيمة الأنعام وأنه غير منسوخ ولو أطلق اللفظ من غير استثناء مع تقدم نزول ~~تحريم كثير من بهيمة الأنعام لأوجب ذلك نسخ التحريم وإباحة الجميع منها ~~قوله تعالى غير محلي الصيد وأنتم حرم قال أبو بكر فمن الناس من يحمله على ~~معنى إلا ما يتلى عليكم من أكل الصيد وأنتم حرم فيكون المستثنى بقوله إلا ~~ما يتلى عليكم هو الصيد الذي حرمه على المحرمين وهذا تأويل يؤدي إلى إسقاط ~~حكم الاستثناء الثاني وهو قوله غير محلي الصيد وأنتم حرم ويجعله بمنزلة ~~قوله إلا ما يتلى عليكم وهو تحريم الصيد على المحرم وذلك تعسف في التأويل ~~ويوجب ذلك أيضا أن يكون الاستثناء من إباحة بهيمة الأنعام مقصورا على الصيد ~~وقد علمنا أن الميتة من بهيمة الأنعام مستثناة من الإباحة فهذا تأويل لا ~~وجه له ثم لا يخلو من أن يكون قوله غير محلي الصيد وأنتم حرم مستثنى مما ms1368 ~~يليه من الاستثناء فيصير بمنزلة قوله إلا ما يتلى عليكم إلا محلي الصيد ~~وأنتم حرم ولو كان كذلك لوجب أن يكون موجبا لإباحة الصيد في الإحرام لأنه ~~استثناء من # PageV03P290 # المحظور إذ كان مثل قوله إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد مما قد بين وسيبين ~~تحريمه في الثاني أو أن يكون معناه أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم ~~بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله روي عن السلف فيه ~~وجوه فروي عن ابن عباس أن الشعائر مناسك الحج وقال مجاهد الصفا والمروة ~~والهدي والبدن كل ذلك من الشعائر وقال عطاء فرائض الله التي حدها لعباده ~~وقال الحسن دين الله كله لقوله تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب أي دين الله وقيل إنها أعلام الحرم نهاهم أن يتجاوزوها غير محرمين ~~إذا أرادوا دخول مكة وهذه الوجوه كلها في احتمال الآية والأصل في الشعائر ~~أنها مأخوذة من الإشعار وهي الإعلام من جهة الإحساس ومنه مشاعر البدن وهي ~~الحواس والمشاعر أيضا هي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات وتقول قد شعرت به ~~أي علمته وقال تعالى لا يشعرون يعني لا يعلمون ومنه الشاعر لأنه يشعر ~~بفطنته لما لا يشعر به غيره وإذا كان الأصل على ما وصفنا فالشعائر العلامات ~~واحدها شعيرة وهي العلامة التي يشعر بها الشيء ويعلم فقوله تعالى لا تحلوا ~~شعائر الله قد انتظم جميع معالم دين الله وهو ما أعلمناه الله تعالى وحده ~~من فرائض دينه وعلاماتها بأن لا يتجاوزوا حدوده ولا يقصروا دونها ولا ~~يضيعوها فينتظم ذلك جميع المعاني التي رويت عن السلف من تأويلها فاقتضى ذلك ~~حظر دخول الحرم إلا محرما وحظر استحلاله بالقتال فيه وحظر قتل من لجأ إليه ~~ويدل أيضا على وجوب السعي بين الصفا والمروة لأنهما من شعائر الله على ما ~~روي عن مجاهد لأن الطواف بهما كان من شريعة إبراهيم عليه السلام وقد طاف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهما فثبت أنهما من ms1369 شعائر الله وقوله عز وجل ولا ~~الشهر الحرام روي عن ابن عباس وقتادة أن إحلاله هو القتال فيه قال الله ~~تعالى في سورة البقرة يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ~~وقد بينا أنه منسوخ وذكرنا قول من روى عنه ذلك وأن قوله فاقتلوا المشركين ~~نسخه وقال عطاء حكمه ثابت والقتال في الشهر الحرم محظور وقد اختلف في ~~المراد بقوله ولا الشهر الحرام فقال قتادة معناه الأشهر الحرم وقال عكرمة ~~هو ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب وجائز أن يكون المراد بقوله ولا الشهر ~~الحرام هذه الأشهر كلها وجائز أن يكون جميعها في حكم واحد منها وبقية ~~الشهور معلوم حكمها من جهة دلالة اللفظ إذ # PageV03P291 # كان جميعها في حكم واحد منها فإذا بين حكم واحد منها فقد دل على حكم ~~الجميع قوله تعالى ولا الهدي ولا القلائد أما الهدي فإنه يقع على كل ما ~~يتقرب به من الذبائح والصدقات # قال النبي صلى الله عليه وسلم المبتكر إلى الجمعة كالمهدي بدنة ثم الذي ~~يليه كالمهدي بقرة ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم ~~الذي يليه كالمهدي بيضة فسمى الدجاجة والبيضة هديا وأراد به الصدقة # وكذلك قال أصحابنا فيمن قال ثوبي هذا هدي أن عليه أن يتصدق به إلا أن ~~الإطلاق إنما يتناول أحد هذه الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم إلى ~~الحرم وذبحه فيه قال الله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا خلاف ~~بين السلف والخلف من أهل العلم أن أدناه شاة وقال تعالى من النعم يحكم به ~~ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة وقال فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر ~~من الهدي وأقله شاة عند جميع الفقهاء فاسم الهدي إذا أطلق يتناول ذبح أحد ~~هذه الأصناف الثلاثة في الحرم وقوله ولا الهدي أراد به النهي عن إحلال ~~الهدي الذي قد جعل للذبح في الحرم وإحلاله استباحة لغير ما سيق إليه من ~~القربة وفيه دلالة على حظر الانتفاع بالهدي إذا ساقه ms1370 صاحبه إلى البيت أو ~~أوجبه هديا من جهة نذر أو غيره وفيه دلالة على حظر الأكل من الهدايا نذرا ~~كان أو واجبا من إحصار أو أجزاء صيد وظاهره يمنع جواز الأكل من هدي المتعة ~~والقران لشمول الاسم له إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على جواز الأكل منه ~~وأما قوله عز وجل ولا القلائد فإن معناه لا تحلوا القلائد وقد روي في تأويل ~~القلائد وجوه عن السلف فقال ابن عباس أراد الهدي المقلد قال أبو بكر هذا ~~يدل على أن من الهدي ما يقلد ومنه ما لا يقلد والذي يقلد الإبل والبقر ~~والذي لا يقلد الغنم فحظر تعالى إحلال الهدي مقلدا وغير مقلد وقال مجاهد ~~كانوا إذا أحرموا يقلدون أنفسهم والبهائم من لحاء شجر الحرم فكان ذلك أمنا ~~لهم فحظر الله تعالى استباحة ما هذا وصفه وذلك منسوخ في الناس وفي البهائم ~~غير الهدايا وروي نحوه عن قتادة في تقليد الناس لحاء شجر الحرم وقال بعض ~~أهل العلم أراد به قلائد الهدي بأن يتصدقوا بها ولا ينتفعوا بها وروي عن ~~الحسن أنه قال يقلد الهدي بالنعال فإذا لم توجد فالجفاف «1» تقور ثم تجعل ~~في أعناقها ثم يتصدق بها وقيل هو صوف يفتل فيجعل في أعناق الهدي قال أبو ~~PageV03P292 # بكر قد دلت الآية على أن تقليد الهدي قربة وأنه يتعلق به حكم كونه هديا ~~وذلك بأن يقلده ويريد أن يهديه فيصير هديا بذلك وإن لم يوجبه بالقول فمتى ~~وجد على هذه الصفة فقد صار هديا لا تجوز استباحته والانتفاع به إلا بأن ~~يذبحه ويتصدق به وقد دل أيضا على أن قلائد الهدي يجب أن يتصدق بها لاحتمال ~~اللفظ لها وكذلك # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في البدن التي نحر بعضها بمكة وأمر عليا ~~بنحر بعضها وقال له تصدق بحلالها وخطمها ولا تعط الجزار منها شيئا فإنا ~~نعطيه من عندنا # وذلك دليل على أنه لا يجوز ركوب الهدي ولا حلبه ولا الانتفاع بلبنه لأن ~~قوله ولا الهدي ولا القلائد قد ms1371 تضمن ذلك كله وقد ذكر الله القلائد في غير ~~هذا الموضع بما دل به على القربة فيها وتعلق الأحكام بها وهو قوله تعالى ~~جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ~~فلولا ما تعلق بالهدي والقلائد من الحرمات والحقوق التي هي لله تعالى ~~كتعلقها بالشهر وبالكعبة لما ضمها إليهما عند الإخبار عما فيها من المنافع ~~وصلاح الناس وقوامهم وروى الحكم عن مجاهد قال لم تنسخ من المائدة إلا هاتان ~~الآيتان لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ~~نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم- فإن جاؤك فاحكم بينهم الآية نسختها ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله قال أبو بكر يريد به نسخ تحريم القتال في ~~الشهر الحرام ونسخ القلائد التي كانوا يقلدون به أنفسهم وبهائمهم من لحاء ~~شجر الحرم ليأمنوا به ولا يجوز أن يريد نسخ قلائد الهدي لأن ذلك حكم ثابت ~~بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بعدهم ~~وروى مالك بن مغول عن عطاء في قوله تعالى ولا القلائد قال كانوا يقلدون ~~لحاء شجر الحرم يأمنون به إذا خرجوا فنزلت لا تحلوا شعائر الله قال أبو بكر ~~يجوز أن يكون حظر الله انتهاك حرمة من يفعل ذلك على ما كان عليه أهل ~~الجاهلية لأن الناس كانوا مقرين بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم على ما ~~كانوا عليه من الأمور التي لا يحظرها العقل إلى أن نسخ الله منها ما شاء ~~فنهى الله عن استحلال حرمة من تقلد بلحاء شجر الحرم ثم نسخ ذلك من قبل أن ~~الله قد أمن المسلمين حيث كانوا بالإسلام وأما المشركين فقد أمر الله ~~بقتلهم حتى يسلموا بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فصار حظر قتل ~~المشرك الذي تقلد بلحاء شجر الحرم منسوخا والمسلمون قد استغنوا عن ذلك فلم ~~يبق له حكم وبقي حكم قلائد الهدي ثابتا وقد حدثنا عبد الله بن # PageV03P293 # محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسين بن أبي الربيع الجرجاني قال ~~أخبرنا عبد ms1372 الرزاق قال أخبرنا الثوري عن بيان عن الشعبي قال لم تنسخ من ~~سورة المائدة إلا هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسين بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام الآية قال منسوخ كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد ~~الحج تقلد من السمر فلم يعرض له أحد وإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له ~~أحد وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر ~~الحرام ولا عند البيت فنسختها قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وروى يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة في قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد حواجز جعلها الله بين ~~الناس في الجاهلية وكان الرجل إذا لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض ~~له ولم يقربه وكان الرجل إذا لقي الهدي مقلدا وهو يأكل العصب من الجوع لم ~~يعرض له ولم يقربه وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر تمنعه من ~~الناس وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لحاء شجر الحرام فمنعت ~~الناس عنه وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان ~~قال حدثنا أبو عبيد الله قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن ~~علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا ~~شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ~~قال كان المسلمون والمشركون يحجون البيت جميعا فنهى الله تعالى المؤمنين أن ~~يمنعوا أحدا أن يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعد ~~هذا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقال تعالى ~~ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ms1373 على أنفسهم بالكفر وقد روى ~~إسحاق بن يوسف عن ابن عون قال سألت الحسن هل نسخ من المائدة شيء فقال # لا وهذا يدل على أن قوله تعالى ولا آمين البيت الحرام إنما أريد به ~~المؤمنون عند الحسن لأنه إن كان قد أريد به الكفار فذلك منسوخ بقوله فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وقوله أيضا ولا الشهر الحرام حظر ~~القتال فيه منسوخ بما قدمنا إلا أن يكون عند الحسن هذا الحكم ثابتا على نحو ~~ما روي عن عطاء قوله تعالى # PageV03P294 # يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا روي عن ابن عمر أنه قال أريد به الريح في ~~التجارة وهو نحو قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التجارة في الحج فأنزل الله ~~تعالى ذلك # وقد ذكرناه فيما تقدم وقال مجاهد في قوله تعالى يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا الأجرة والتجارة قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قال مجاهد وعطاء ~~في آخرين هو تعليم إن شاء صاد وإن شاء لم يصد قال أبو بكر هو إطلاق من حظر ~~بمنزلة قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~لما حظر البيع بقوله وذروا البيع عقبه بالإطلاق بعد الصلاة بقوله فانتشروا ~~في الأرض وابتغوا من فضل الله وقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قد تضمن ~~إحراما متقدما لأن الإحلال لا يكون إلا بعد الإحرام وهذا يدل على أن قوله ~~ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام قد اقتضى كون من فعل ذلك ~~محرما فيدل على أن سوق الهدي وتقليده يوجب الإحرام ويبدل قوله ولا آمين ~~البيت الحرام على أنه غير جائز لأحد دخول مكة إلا بالإحرام إذ كان قوله ~~وإذا حللتم فاصطادوا قد يضمن أن يكون من أم البيت الحرام فعليه إحرام يحل ~~منه ويحل له الاصطياد بعده وقوله وإذا حللتم فاصطادوا قد أراد به الإحلال ~~من الإحرام والخروج من الحرم أيضا لأن # النبي صلى الله عليه وسلم ms1374 قد حظر الاصطياد في الحرم بقوله ولا ينفر صيدها # ولا خلاف بين السلف والخلف فيه فعلمنا أنه قد أراد به الخروج من الحرم ~~والإحرام جميعا وهو يدل على جواز الاصطياد لمن حل من إحرامه بالحلق وأن ~~بقاء طواف الزيارة عليه لا يمنع لقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وهذا قد ~~حل إذ كان هذا الحلق واقعا للإحلال وقوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم أن ~~صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا قال ابن عباس وقتادة لا يجر منكم لا ~~يحملنكم وقال أهل اللغة يقال جرمني زيد على بغضك أو حملني عليه وقال الفراء ~~لا يكسبنكم يقال جرمت على أهلي أي كسبت لهم وفلان جريمة أهله أي كاسبهم قال ~~الشاعر: # جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا «1» PageV03P295 # ويقال جرم يجرم جرما إذا قطع وقوله تعالى شنآن قوم قرئ بفتح النون ~~وسكونها فمن فتح النون جعله مصدرا من قولك شنئته أشنأه شنآنا والشنآن البغض ~~فكأنه قال ولا يجر منكم بغض قوم وكذلك روي عن ابن عباس وقتادة قالا عداوة ~~قوم ومن قرأ بسكون النون فمعناه بغيض قوم فنهاهم الله بهذه الآية أن ~~يتجاوزوا الحق إلى الظلم والتعدي لأجل تعدي الكفار بصدهم المسلمين عن ~~المسجد الحرام ومثله # قول النبي صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك # وقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى يقتضي ظاهره إيجاب التعاون على كل ~~ما كان تعالى لأن البر هو طاعات الله وقوله تعالى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان نهي عن معاونة غيرنا على معاصي الله تعالى # قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير الآية الميتة ما فارقته ~~الروح بغير تزكية مما شرط علينا الزكاة في إباحته وأما الدم فالمحرم منه هو ~~المسفوح لقوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا وقد بينا ذلك في سورة البقرة والدليل أيضا على أن ~~المحرم منه هو المسفوح اتفاق المسلمين على إباحة ms1375 الكبد والطحال وهما دمان # وقال النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لي ميتتان ودمان # يعني بالدمين الكبد والطحال فأباحهما وهما دمان إذ ليسا بمسفوح فدل على ~~إباحة كل ما ليس بمسفوح من الدماء فإن قيل لما حصر المباح منه بعدد دل على ~~حظر ما عداه قيل هذا غلط لأن الحصر بالعدد لا يدل على أن ما عداه حكمه ~~بخلافه ومع ذلك فلا خلاف أن مما عداه من الدماء ما هو المباح وهو الدم الذي ~~يبقى في حلل اللحم بعد الذبح وما يبقى منه في العروق فدل على أن حصره ~~الدمين بالعدد وتخصيصهما بالذكر لم يقتض حظر جميع ما عداهما من الدماء ~~وأيضا فإنه لما قال أو دما مسفوحا ثم قال والدم كانت الألف واللام للمعهود ~~وهو الدم المخصوص بالصفة وهو أن يكون مسفوحا # وقوله صلى الله عليه وسلم أحلت لي ميتتان ودمان # إنما ورد مؤكدا لمقتضى قوله عز وجل قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا إذ ليسا بمسفوحين ولو لم يره ~~لكانت دلالة الآية كافية في الاقتصار بالتحريم على المسفوح منه دون غيره ~~وأن الكبد والطحال غير محرمين وقوله تعالى ولحم الخنزير فإنه قد تناول شجمه ~~وعظمه وسائر أجزائه ألا ترى أن الشحم المخالط للحم قد اقتضاه اللفظ لأن اسم # PageV03P296 # اللحم يتناوله ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك وإنما ذكر اللحم لأنه معظم ~~منافعه وأيضا فإن تحريم الخنزير لما كان منهما اقتضى ذلك تحريم سائر أجزائه ~~كالميتة والدم وقد ذكرنا حكم شعره وعظمه فيما تقدم وأما قوله وما أهل لغير ~~الله به فإن ظاهره يقتضي تحريم ما سمي عليه غير الله لأن الإهلال هو إظهار ~~الذكر والتسمية وأصله استهلال الصبي إذا صاح حين يولد ومنه إهلال المحرم ~~فينتظم ذلك تحريم ما سمي عليه الأوثان على ما كانت العرب تفعله وينتظم أيضا ~~تحريم ما سمي عليه اسم غير الله أي اسم كان فيوجب ذلك أنه لو قال عند الذبح ms1376 ~~باسم زيد أو عمرو أن يكون غير مذكى وهذا يوجب أن يكون ترك التسمية عليه ~~موجبا تحريمها وذلك لأن أحدا لا يفرق بين تسمية زيد على الذبيحة ترك ~~التسمية رأسا قوله تعالى والمنخنقة فإنه روي عن الحسن وقتادة والسدي ~~والضحاك أنها التي تختنق بحبل الصائد أو غيره حتى تموت ومن نحوه # حديث عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ذكوا بكل شيء إلا السن والظفر # وهذا عندنا على السن والظفر غير المنزوعين لأنه يصير في معنى المخنوق ~~وأما قوله تعالى والموقوذة فإنه روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك ~~والسدي أنها المضروبة بالخشب ونحوه حتى تموت يقال فيه وقذه يقذه وقذا وهو ~~وقيذ إذا ضربه حتى يشفي على الهلاك ويدخل في الموقوذة كل ما قتل منها على ~~غير وجه الزكاة وقد روى أبو عامر العقدي عن زهير بن محمد عن زيد بن أسلم عن ~~ابن عمر أنه كان يقول في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة # وروى شعبة عن قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن المغفل أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال إنها لا تنكأ العدو ولا تصيد الصيد ~~ولكنها تكسر السن وتفقأ العين # ونظير ذلك ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا ~~جرير عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله ~~أرمي بالمعراض فأصيب أفآكل قال إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله فأصاب ~~فخرق فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا هشيم عن ~~مجالد وزكريا وغيرهما عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن صيد المعراض فقال ما أصاب بحده فخرق فكل وما أصاب بعرضه ~~فقتل فإنه وقيذ فلا تأكل فجعل ما أصاب بعرضه من غير جراحة موقوذة وإن لم ~~يكن # PageV03P297 # مقدورا ms1377 على ذكاته # وفي ذلك دليل على أن شرط ذكاة الصيد الجراحة وإسالة الدم وإن لم يكن ~~مقدورا على ذبحه واستيفاء شروط الذكاة فيه وعموم قوله [والموقوذة] عام في ~~المقدور على ذكاته وفي غيره مما لا يقدر على ذكاته وحدثنا عبد الباقي قال ~~حدثنا أحمد بن محمد بن النضر قال حدثنا معاوية بن عمر قال حدثنا زائدة قال ~~حدثنا عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال سمعت عمر بن الخطاب يقول يا ~~أيها الناس هاجروا ولا تهجروا وإياكم والأرنب يحذفها أحدكم بالعصا أو الحجر ~~يأكلها ولكن ليذك لكم الأسل الرماح والنبل وأما قوله تعالى [والمتردية] ~~فإنه روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وقتادة قالوا هي الساقطة من رأس جبل ~~أو في بئر فتموت وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال إذا رميت صيدا من على ~~جبل فمات فلا تأكله فإني أخشى أن يكون التردي هو الذي قتله وإذا رميت طيرا ~~فوقع في ماء فمات فلا تطعمه فإني أخشى أن يكون الغرق قتله قال أبو بكر لما ~~وجد هناك سببا آخر وهو التردي وقد يحدث عنه الموت حظر أكله وكذلك الوقوع في ~~الماء وقد روى نحو ذلك النبي صلى الله عليه وسلم # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا ~~ابن عرفة قال حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول عن الشعبي عن عدي بن حاتم ~~أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال إذا رميت بسهمك وسميت ~~فكل إن قتل إلا أن تصيبه في الماء فلا ترى أيهما قتله # ونظيره ما # روي عنه صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب أنه قال إذا أرسلت كلبك المعلم ~~وسميت فكل وإن خالطه كلب آخر فلا تأكل # فحظر صلى الله عليه وسلم أكله إذا وجد مع الرمي سبب آخر يجوز حدوث الموت ~~منه مما لا يكون ذكاة وهو الوقوع في الماء ومشاركة كلب آخر معه وكذلك قول ~~عبد الله في الذي يرمي الصيد ms1378 وهو على الجبل فيتردى إنه لا يؤكل لاجتماع سبب ~~الحظر والإباحة في تلفه فجعل الحكم للحظر دون الإباحة وكذلك لو اشترك مجوسي ~~ومسلم في قتل صيد أو ذبحه لم يؤكل وجميع ما ذكرنا أصل في أنه متى اجتمع سبب ~~الحظر وسبب الإباحة كان الحكم للحظر دون الإباحة وأما قوله تعالى والنطيحة ~~فإنه روي عن الحسن والضحاك وقتادة والسدي أنها المنطوحة حتى تموت وقال ~~بعضهم هي الناطحة حتى تموت قال أبو بكر هو عليهما جميعا فلا فرق بين أن ~~تموت من نطحها لغيرها وبين موتها من نطح غيرها لها وأما قوله وما أكل السبع ~~فإن معناه # PageV03P298 # ما أكل منه السبع حتى يموت فحذف والعرب تسمي ما قتله السبع وأكل منه ~~أكيلة السبع ويسمون الباقي منه أيضا أكيلة السبع قال أبو عبيدة ما أكل ~~السبع مما أكل السبع فيأكل منه ويبقى بعضه وإنما هو فريسته وجميع ما تقدم ~~ذكره في الآية بالنهي عنه قد أريد به الموت من ذلك وقد كان أهل الجاهلية ~~يأكلون جميع ذلك فحرمه الله تعالى ودل بذلك عل أن سائر الأسباب التي يحدث ~~عنها الموت للأنعام محظورا أكلها بعد أن لا يكون من فعل آدمي على وجه ~~التذكية وأما قوله تعالى إلا ما ذكيتم فإنه معلوم أن الاستثناء راجع إلى ~~بعض المذكور دون جميعه لأن قوله حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به لا خلاف أن الاستثناء غير راجع إليه وإن ذلك لا يجوز أن ~~تلحقه الزكاة وقد كان حكم الاستثناء أن يرجع إلى ما يليه وقد ثبت أنه لم ~~يعد إلى ما قبل المنخنقة فكان حكم العموم فيه قائما وكان الاستثناء عائد ~~إلى المذكور من عند قوله والمنخنقة لما روي ذلك عن علي وابن عباس والحسن ~~وقتادة وقالوا كلهم إن أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف أو ذنب يتحرك ~~فأكله جائز وحكي عن بعضهم أنه قال الاستثناء عائدا إلى قوله وما أكل السبع ~~دون ما تقدم لأنه يليه وليس هذا بشيء لاتفاق ms1379 السلف على خلافه ولأنه لا خلاف ~~أن سبعا لو أخذ قطعة من لحم البهيمة فأكلها أو تردى شاة من جبل ولم يشف بها ~~ذلك على الموت فذكاها صاحبها أن ذلك جائز مباح الأكل وكذلك النطيحة وما ذكر ~~معها فثبت أن الاستثناء راجع إلى جميع المذكور من عند قوله والمنخنقة وإنما ~~قوله إلا ما ذكيتم فإنه استثناء منقطع بمنزلة قوله لكن ما ذكيتم كقوله ~~فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ومعناه لكن قوم يونس ~~وقوله طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى ومعناه لكن تذكرة ~~لمن يخشى ونظائره في القرآن كثيرة وقد اختلف الفقهاء في ذكاة الموقوذة ~~ونحوها فذكر محمد في الأصل في المتردية إذا أدركت ذكاتها قبل أن تموت أكلت ~~وكذلك الموقوذة والنطيحة وما أكل السبع وعن أبي يوسف في الإملاء أنه إذا ~~بلغ به ذلك إلى حال لا يعيش في مثله لم يؤكل وإن ذكي قبل الموت وذكر ابن ~~سماعة عن محمد أنه إن كان يعيش منه اليوم ونحوه أو دونه فذكاها حلت وإن كان ~~لا يبقى إلا كبقاء المذبوح لم يؤكل وإن ذبح واحتج بأن عمر كانت به جراحة ~~متلفة وصحت عهوده # PageV03P299 # وأوامره ولو قتله قاتل في ذلك الوقت كان عليه القود وقال مالك إذا أدركت ~~ذكاتها وهي حية تطرف أكلت وقال الحسن بن صالح إذا صارت بحال لا تعيش أبدا ~~لم تؤكل وإن ذبحت وقال الأوزاعي إذا كان فيها حياة فذبحت أكلت والمصيودة ~~إذا ذبحت لم تؤكل وقال الليث إذا كانت حية وقد أخرج السبع ما في جوفها أكلت ~~إلا ما بان عنها وقال الشافعي في السبع إذا شق بطن الشاة ونستيقن أنها تموت ~~إن لم تذك فذكيت فلا بأس بأكلها قال أبو بكر قوله تعالى إلا ما ذكيتم يقتضى ~~ذكاتها مادامت حية فلا فرق في ذلك بين أن تعيش من مثله أولا تعيش وأن # تبقى قصير المدة أو طويلها وكذلك # روي عن علي وابن عباس أنه إذا تحرك شيء منها ms1380 صحت ذكاتها # ولم يختلفوا في الأنعام إذا أصابتها الأمراض المتلفة التي تعيش معها مدة ~~قصيرة أو طويلة أن ذكاتها بالذبح فكذلك المتردية ونحوها والله أعلم. ### | باب في شرط الذكاة # قال أبو بكر قوله تعالى إلا ما ذكيتم اسم شرعي يعتوره معان منها موضع ~~الذكاة وما يقطع منه ومنها الآلة ومنها الدين ومنها التسمية في حال الذكر ~~وذلك فيما كانت ذكاته بالذبح عند القدرة فأما السمك فإن ذكاته بحدوث الموت ~~فيه عن سبب من خارج وما مات حتف أنفه فغير مذكى وقد بينا ذلك فيما تقدم من ~~الكلام في الطافي في سورة البقرة فأما موضع الذكاة في الحيوان المقدور على ~~ذبحه فهو اللبة وما فوق ذلك إلى اللحيين وقال أبو حنيفة في الجامع الصغير ~~لا بأس بالذبح في الحلق كله أسفل الحلق وأوسطه وأعلاه وأما ما يجب قطعه فهو ~~الأوداج وهي أربعة الحلقوم والمريء والعرقان اللذان بينهما الحلقوم والمريء ~~فإذا فرى المذكي ذلك أجمع فقد أكمل الذكاة على تمامها وسنتها فإن قصر عن ~~ذلك ففرى من هذه الأربعة ثلاثة فإن بشر بن الوليد روى عن أبي يوسف أن أبا ~~حنيفة قال إذا قطع أكثر الأوداج أكل وإذا قطع ثلاثة منها أكل من أي جانب ~~كان وكذلك قال أبو يوسف ومحمد ثم قال أبو يوسف بعد ذلك لا تأكل حتى تقطع ~~الحلقوم والمريء وأحد العرقين وقال مالك بن أنس والليث يحتاج أن يقطع ~~الأوداج والحلقوم وإن ترك شيئا منها لم يجزه ولم يذكر المريء وقال الثوري ~~لا بأس إذا قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم وقال الشافعي أقل ما يجزي من ~~الذكاة قطع الحلقوم # PageV03P300 # والمريء وينبغي أن يقطع الودجين وهما العرقان وقد يسلان من البهيمة ~~والإنسان ثم يحييان فإن لم يقطع العرقان وقطع الحلقوم والمريء جاز وإنما ~~قلنا إن موضع الذكاة النحر واللبة لما # روى أبو قتادة الحراني عن حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذكاة فقال في اللبة والحلق ولو ms1381 طعنت في ~~فخذها أجزأ عنك # وإنما يعني # بقوله صلى الله عليه وسلم لو ظننت في تخيرها أجزأ عنها فيما لا تقدر على ~~مذبحه # قال أبو بكر ولم يختلفوا أنه جائز له قطع هذه الأربعة وهذا يدل على أن ~~قطعها مشروط في الذكاة ولولا أنه كذلك لما جاز له قطعها إذ كان فيه زيادة ~~ألم بما ليس هو شرطا في صحة الذكاة فثبت بذلك أن عليه قطع هذه الأربع إلا ~~أن أبا حنيفة قال إذا قطع الأكثر جاز مع تقصيره عن الواجب فيه لأنه قد قطع ~~والأكثر في مثلها يقوم مقام الكل كما أن قطع الأكثر من الأذن والذنب بمنزلة ~~قطع الكل في امتناع جوازه عن الأضحية وأبو يوسف جعل شرط صحة الذكاة الحلقوم ~~والمريء وأحد العرقين ولم يفرق أبو حنيفة بين قطع العرقين وأحد شيئين من ~~الحلقوم والمريء وبين قطع هذين مع أحد العرقين إذ كان قطع الجميع مأمورا به ~~صحة الذكاة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري والحسن ~~بن عيسى مولى ابن المبارك عن ابن المبارك عن معمر عن عمرو بن عبد الله عن ~~عكرمة عن ابن عباس زاد ابن عيسى وأبي هريرة قالا نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن شريطة الشيطان # زاد ابن عيسى في حديثه وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا يفرى الأوداج ثم ~~تترك حتى تموت وهذا الحديث يدل على أنه عليه قطع الأوداج # وروى أبو حنيفة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ما أنهر الدم وأفرى الأوداج ما خلا السن ~~والظفر # وروى إبراهيم عن أبيه عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اذبحوا بكل ما أفرى الأوداج وهراق الدم ما خلا السن والظفر # فهذه الأخبار كلها توجب أن يكون فري الأوداج شرطا في الذكاة والأوداج اسم ~~يقع على الحلقوم والمريء والعرقين اللذين عن جنبيهما. # (فصل) وأما الآلة فإن كل ms1382 ما فرى الأوداج وأنهر الدم فلا بأس به والذكاة ~~صحيحة غير أن أصحابنا كرهوا الظفر المنزع والعظم والقرن والسن لما روي فيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما غير ذلك فلا بأس به ذكر ذلك في الجامع ~~الصغير وقال أبو يوسف في الإملاء لو أن # PageV03P301 # رجلا ذبح بليطة ففرى الأوداج وأنهر الدم فلا بأس بذلك وكذلك لو ذبح بعود ~~وكذلك لو نحر بوتد أو بشظاظ أو بمروة لم يكن بذلك بأس فأما العظم والسن ~~والظفر فقد نهي أن يذكى بها وجاءت في ذلك أحاديث وآثار وكذلك القرن عندنا ~~والناب قال ولو أن رجلا ذبح بسنه أو بظفره فهي ميتة لا تؤكل وقال في الأصل ~~إذا ذبح بسن نفسه أو بظفر نفسه فإنه قاتل وليس بذابح وقال مالك بن أنس كل ~~ما بضع من عظم أو غيره ففرى الأوداج فلا بأس به وقال الثوري كل ما فرى ~~الأوداج فهو ذكاة إلا السن والظفر وقال الأوزاعي لا يذبح بصدف البحر وكان ~~الحسن بن صالح يكره الذبح بالقرن والسن والظفر والعظم وقال الليث لا بأس ~~بأن يذبح بكل ما أنهر الدم إلا العظم والسن والظفر واستثنى الشافعي الظفر ~~والسن قال أبو بكر الظفر والسن المنهي عن الذبيحة بهما إذا كانتا قائمتين ~~في صاحبهما وذلك لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال في الظفر إنها مدى الحبشة وهم إنما يذبحون ~~بالظفر # القائم في موضعه غير المنزوع وقال ابن عباس ذلك الخنق وعن أبي بشر قال ~~سألت عكرمة عن الذبيحة بالمروة قال إذا كانت حديدة لا تترد «1» الأوداج فكل ~~فشرط في ذلك أن لا تترد الأوداج وهو أن لا تفريها ولكنه يقطعها قطعة قطعة ~~والذبح بالظفر والسن غير المنزوع يترد ولا يفري فلذلك لم تصح الذكاة بهما ~~وأما إذا كانا منزوعين ففريا الأوداج فلا بأس وإنما كره أصحابنا منها ما ~~كان بمنزلة السكين الكلالة ولهذا المعنى كرهوا الذبح بالقرن والعظم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا ms1383 أبو ~~داود قال حدثنا مسلم ابن إبراهيم قال حدثنا شعبة عن خالد الحذاء عن أبي ~~قلابة عن أبي الأشعث عن شداد ابن أوس قال خصلتان سمعتهما من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا قال غير ~~مسلم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته # فكانت كراهتهم للذبح بسن منزوع أو عظم أو قرن أو نحو ذلك من جهة كلالة ~~لما يلحق البهيمة من الألم الذي لا يحتاج إليه في صحة الذكاة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن مرى ابن قطري عن عدي بن حاتم أنه قال ~~قلت يا رسول الله أرأيت إن أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة ~~وشقة العصا قال أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله # وفي PageV03P302 # حديث نافع عن كعب بن مالك عن أبيه أن جارية سوداء ذكت شاة بمروة فذكر ذلك ~~كعب للنبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بأكلها # وروى سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله # وفي حديث رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أنهر الدم ~~وذكر اسم الله عليه فكلوا إلا ما كان من سن أو ظفر. # فصل وهذا الذي ذكرناه فيما كان من الحيوان مقدورا على ذبحه فيعتبر في ~~ذكاته ما وصفنا من موضع الزكاة ومن الآلة على النحو الذي بينا وأما الذي لا ~~نقدر منه على ذبحه فإن ذكاته إنما تكون بإصابته بما يجرح ويسيل الدم أو ~~بإرسال كلب أو طير فيجرحه دون ما يصدم أو يهشم مما لاحد له يجرحه ولا يختلف ~~في ذلك عندنا حكم ما يكون أصله ممتنعا مثل الصيد وما ليس بممتنع في الأصل ~~من الأنعام ثم يتوحش ويمتنع أو يتردى في موضع لا نقدر فيه على ذكاته وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين أحدهما في ms1384 الصيد إذا أصيب بما لا يجرحه من ~~الآلة فقال أصحابنا ومالك والثوري إذا أصابه بعرض المعراض لم يؤكل إلا أن ~~يدرك ذكاته وقال الثوري وإن رميته بحجر أو بندقة كرهته إلا أن تذكيه ولا ~~فرق عند أصحابنا بين المعراض والحجر والبندقة وقال الأوزاعي في صيد المعراض ~~يؤكل خزق أو لم يخزق قال وكان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ~~ومكحول لا يرون به بأسا وقال الحسن بن صالح إذا خزق الحجر فكل والبندقة لا ~~تخزق # وقال الشافعي إن خزق المرمي برميه أو قطع بحده أكل وما جرح بثقله فهو ~~وقيذ وفيما نالته الجوارح فقتلته فيه قولان أحدهما أن لا يؤكل حتى يجرح ~~لقوله تعالى من الجوارح مكلبين والآخر أنه حل قال أبو بكر ولم يختلف ~~أصحابنا ومالك والشافعي في الكلب إذا قتل الصيد بصدمته لم يؤكل وأما الموضع ~~الآخر فما ليس بممتنع في الأصل مثل البعير والبقر إذا توحش أو تردى في بئر ~~فقال أصحابنا إذا لم يقدر على ذبحه فإنه يقتل كالصيد ويكون مذكى وهو قول ~~الثوري والشافعي وقال مالك والليث لا يؤكل إلا أن يذبح على شرائط الذكاة ~~وروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمرو علقمة والأسود ومسروق مثل قول ~~أصحابنا وقد تقدم ذكر الآثار المؤيدة لقول أصحابنا في الصيد إن شرط ذكاته ~~أن يجرحه بماله حد ومنه ما ذكر في المعراض أنه إن أصاب بحده أكل وإن أصاب ~~بعرضه لم يؤكل فإنه وقيذ لقوله تعالى والموقوذة فكل # PageV03P303 # ما لا يجرح من ذلك فهو وقيذ محرم بظاهر الكتاب والسنة # وفي حديث قتادة عن عقبة ابن صهبان عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهي عن الخذف وقال إنها لا تنكأ العدو ولا تصيد الصيد ولكنها ~~تكسر السن وتفقأ العين # فدل ذلك على أن الجراحة في مثله لا تذكى إذ ليس له حد وإنما الجراحة التي ~~لها حكم في الذكاة هي ما يقع بماله حد ألا ترى أن النبي قال ms1385 في المعراض إن ~~أصابه بحده فخزق فكل وإن أصابه بعرضه فلا تأكل ولا يفرق بين ما يجرح ولا ~~يجرح فدل ذلك على اعتبار الآلة وأن سبيلها أن يكون لها حد في صحة الذكاة ~~بها وكذلك قوله في الحذف إنها لا تصيد الصيد يدل على سقوط اعتبار جراحته في ~~صحة الذكاة إذا لم يكن له حد وأما البعير ونحوه إذا توحش أو تردى في بئر ~~فإن الذي يدل على أنه بمنزلة الصيد في ذكاته ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا سفيان عن عمرو ~~بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن رافع بن خديج قال ند علينا ~~بعير فرميناه بالنبل ثم سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن لهذه ~~الإبل أو ابد كأوابد الوحش فإذا ند منها شيء فاصنعوا به ذلك وكلوه # وقال سفيان وزاد إسماعيل بن مسلم فرميناه بالنبل حتى رهصناه «1» فهذا يدل ~~على إباحة أكله إذا قتله النبل لإباحة النبي صلى الله عليه وسلم من غير شرط ~~ذكاة غيره # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا ~~حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه أنه قال يا رسول الله أما تكون الذكاة ~~إلا في اللبة والنحر فقال صلى الله عليه وسلم لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ~~وهذا على الحال التي لا يقدر فيها على ذبحها إذ لا خلاف أن المقدور على ~~ذبحه لا يكون ذلك ذكاته # ويدل على صحة قولنا من طريق النظر اتفاق الجميع على أن رمي الصيد يكون ~~ذكاة له إذا قتله ثم لا يخلو المعنى الموجب لكون ذلك ذكاة من أحد وجهين إما ~~أن يكون ذلك لجنس الصيد أو لأنه غير مقدور على ذبحه فلما اتفقوا عل أن ~~الصيد إذا صار في يده حيا لم تكن ذكاته إلا بالذبح كذكاة ما ليس من جنس ~~الصيد دل ذلك على أن هذا الحكم لم يتعلق بجنسه وإنما ms1386 تعلق بأنه غير مقدور ~~على ذبحه في حال امتناعه فوجب مثله في غيره إذا صار بهذه الحال لوجود العلة ~~التي من أجلها كان ذلك ذكاة للصيد واختلف الفقهاء في الصيد يقطع بعضه فقال ~~أصحابنا والثوري PageV03P304 # وهو قول إبراهيم ومجاهد إذا قطعه بنصفين أكلا جميعا وإن قطع الثلث مما ~~يلي الرأس أكل فإن قطع الثلث الذي يلحق العجز أكل الثلثان الذي يلي الرأس ~~ولا يؤكل الثلث الذي يلي العجز وقال ابن أبي ليلى والليث إذا قطع منه قطعة ~~فمات الصيد مع الضربة أكلهما جميعا وقال مالك إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه أكل ~~وإن قطع فخذه لم يأكل الفخذ وأكل الباقي وقال الأوزاعي إذا أبان عجزه لم ~~يؤكل من قطع منه ويؤكل سائره وإن قطعه بنصفين أكله كله وقال الشافعي إن ~~قطعه قطعتين أكله وإن كانت إحداهما أقل من الأخرى وإن قطع يدا أو رجلا أو ~~شيئا يمكن أن يعيش بعده ساعة أو أكثر ثم قتله بعد رميته أكل ما لم بين منه ~~ولم يؤكل ما بان وفيه الحياة ولو مات من القطع الأول أكلهما جميعا # قال أبو بكر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا ~~هاشم بن القاسم قال حدثنا عبد الرحمن بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن ~~يسار عن أبي واقد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع من البهيمة ~~وهي حية فهو ميتة # وهذا إنما يتناول قطع القليل منه من غير موضع الذكاة وذلك لأنه لا خلاف ~~أنه لو ضرب عنق الصيد فأبان رأسه كان الجميع مذكى فثبت بذلك أن المراد ما ~~بان منها من غير موضع الذكاة وذلك إنما يتناول الأقل منه لأنه إذا قطع ~~النصف أو الثلث الذي يلي الرأس فإنه يقطع العروق التي يحتاج إلى قطعها ~~للذكاة وهي الأوداج والحلقوم والمريء فيكون الجميع مذكى وإذا قطع الثلث مما ~~يلي الذنب فإنه لا يصادف قطع العروق التي يحتاج إليها في شرط الذكاة فيكون ~~ما بان ms1387 منه ميتة # لقوله صلى الله عليه وسلم ما بان من البهيمة وهي حية ميتة # وذلك لأنه لا محالة إنما يحدث الموت بعد القطع فقد بان ذلك العضو منها ~~وهي حية فهو ميتة وما يلي الرأس كله مذكى كما لو قطع رجلها أو جرحها في غير ~~موضع الذكاة ولم يبن منها شيئا فيكون ذلك ذكاة لها لتعذر قطع موضع الذكاة. # (فصل) وأما الدين فأن يكون الرامي أو المصطاد مسلما أو كتابيا وسنذكر ذلك ~~في موضعه إن شاء الله تعالى وأما التسمية فهي أن يذكر اسم الله تعالى عند ~~الذبح أو عند الرمي أو إرسال الجوارح والكلب إذا كان ذاكرا فإن كان ناسيا ~~لم يضره ترك التسمية وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى وأما ~~قوله تعالى وما ذبح على النصب فإنه روى عن مجاهد وقتادة وابن جريح أن النصب ~~أحجار منصوبة كانوا «20 الصلاة أحكام لث» # PageV03P305 # يعبدونها ويقربون الذبائح لها فنهى الله عن أكل ما ذبح على النصب لأنه ~~مما أهل به لغير الله والفرق بين النصب والصنم أن الصنم يصور وينقش وليس ~~كذلك النصب لأن النصب حجارة منصوبة والوثن كالنصب سواء ويدل على أن الوثن ~~اسم يقع على ما ليس بمصور # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم حين جاءه وفي عنقه صليب ~~ألق هذا الوثن من عنقك # فسمى الصليب وثنا فدل ذلك على أن النصب والوثن اسم لما نصب للعبادة وإن ~~لم يكن مصورا ولا منقوشا وهذه ذبائح قد كان أهل الجاهلية يأكلونها فحرمها ~~الله تعالى مع ما حرم من الميتة ولحم الخنزير وما ذكر في الآية مما كان ~~المشركون يستبيحونه وقد قيل إنها المرادة بالاستثناء المذكور في قوله تعالى ~~أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم قوله تعالى وأن تستقسموا ~~بالأزلام قيل في الاستقسام وجهان أحدهما طلب علم ما قسم له بالأزلام ~~والثاني إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح كقسم اليمين والاستقسام ~~بالأزلام أن أهل الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم سفرا أو ms1388 غزوا أو تجارة أو ~~غير ذلك من الحاجات أجال القداح وهي الأزلام وهي على ثلاثة أضرب منها ما ~~كتب عليه نهاني ربي ومنها غفل لا كتابة عليه يسمى المنيح فإذا خرج أمرني ~~ربي مضى في الحاجة وإذا خرج نهاني ربي قعد عنها وإذا خرج الغفل أجالها ~~ثانية قال الحسن كانوا يعمدون إلى ثلاثة قداح نحو ما وصفنا وكذلك قال سائر ~~أهل العلم بالتأويل وواحد الأزلام زلم وهي القداح فحظر الله تعالى ذلك وكان ~~من فعل أهل الجاهلية وجعله فسقا بقوله ذلكم فسق وهذا يدل على بطلان القرعة ~~في عتق العبيد لأنها في معنى ذلك بعينه إذ كان فيه اتباع ما أخرجته القرعة ~~من غير استحقاق لأن من أعتق عبديه أو عبيدا له عند موته ولم يخرجوا من ~~الثلث فقد علمنا أنهم متساوون في استحقاق الحرية ففي استعمال القرعة إثبات ~~حرية غير مستحقة وحرمان من هو مساو له فيها كما يتبع صاحب الأزلام ما يخرجه ~~الأمر والنهي لا سبب له غيره فإن قيل قد جازت القرعة في قسمة الغنائم ~~وغيرها وفي إخراج النساء قيل إنما القرعة فيها لتطييب نفوسهم وبراءة للتهمة ~~من إيثار بعضهم بها ولو اصطلحوا على ذلك جاز من غير قرعة وأما الحرية ~~الواقعة على واحد منهم فغير جائز نقلها عنه إلى غيره وفي استعمال القرعة ~~نقل الحرية عمن وقعت عليه وإخراجه منها مع مساواته لغيره فيها قوله عز وجل ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم قال ابن # PageV03P306 # عباس والسدى يئسوا أن ترتدوا راجعين إلى دينهم وقد اختلف في اليوم فقال ~~مجاهد هو يوم عرفة عام حجة الوداع فلا تخشوهم أن يظهروا عليكم عن ابن جريج ~~وقال الحسن ذلك اليوم يعني به اليوم أكملت لكم دينكم وهو زمان النبي صلى ~~الله عليه وسلم كله قال ابن عباس نزلت يوم عرفة وكان يوم الجمعة قال أبو ~~بكر اسم اليوم يطلق على الزمان كقوله ومن يولهم يومئذ دبره إنما عنى به ~~وقتا منهما قوله تعالى فمن اضطر في مخمصة غير متجانف ms1389 لإثم فإن الاضطرار هو ~~الضر الذي يصيب الإنسان من جوع أو غيره ولا يمكنه الامتناع منه والمعنى ~~هاهنا من إصابة ضر الجوع وهذا يدل على إباحة ذلك عند الخوف على نفسه أو على ~~بعض أعضائه وقد بين ذلك في قوله تعالى في مخمصة قال ابن عباس والسدي وقتادة ~~المخمصة المجاعة فأباح الله عند الضرورة أكل جميع ما نص على تحريمه في ~~الآية ولم يمنع ما عرض من قوله اليوم أكملت لكم دينكم مع ما ذكر معه من عود ~~التخصيص إلى ما تقدم ذكره من المحرمات فالذي تضمنه الخطاب في أول السورة في ~~قوله أحلت لكم بهيمة الأنعام- إلا ما يتلى عليكم- غير محلي الصيد وأنتم حرم ~~فيه بيان إباحة الصيد في حال الإحلال وغير داخل في قوله أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام ثم بين ما حرم علينا في قوله حرمت عليكم الميتة إلى آخر ما ذكر ثم ~~خص من ذلك حال الضرورة وأبان أنها غير داخلة في التحريم وذلك عام في الصيد ~~في حال الإحرام وفي جميع المحرمات فمتى اضطر إلى شيء منها حل له أكله ~~بمقتضى الآية وقوله تعالى غير متجانف لإثم قال ابن عباس والحسن وقتادة ~~ومجاهد والسدي غير معتمد عليه فكأنه قال غير معتمد بهواه إثم وذلك بأن ~~يتناول منه بعد زوال الضرورة وقوله عز وجل يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات اسم يتناول معنين أحدهما الطيب المستلذ والآخر الحلال وذلك لأن ضد ~~الطيب هو الخبيث والخبيث حرام فإذا الطيب حلال والأصل فيه الاستلذاذ فشبه ~~الحلال به في انتفاء المضرة منهما جميعا وقال # تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات يعني الحلال وقال ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث فجعل الطيبات في مقابلة الخبائث والخبائث هي المحرمات ~~وقال تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وهو يحتمل ما حل لكم ويحتمل ما ~~استطبتموه فقوله قل أحل لكم الطيبات جائز أن يريد به ما استطبتموه ~~واستلذتموه مما لا ضرر عليكم في تناوله من # PageV03P307 # طريق الدين فيرجع ذلك إلى معنى ms1390 الحلال الذي لا تبعة على متناوله وجائز أن ~~يحتج بظاهره في إباحة جميع الأشياء المستلذة إلا ما خصه الدليل قوله تعالى ~~وما علمتم من الجوارح # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن غيلان العماني قال حدثنا ~~هناد ابن السري قال حدثنا يحيى بن زكريا قال حدثنا إبراهيم بن عبيد قال ~~حدثني أبان بن صالح عن القعقاع بن حكيم عن سلمى عن أبي رافع قال أمرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل الكلاب فقال الناس يا رسول الله ما أحل ~~لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فأنزل الله قل أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح # الآية # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل وابن عبدوس بن ~~كامل قالا حدثنا عبيد الله بن عمر الجشمي قال حدثنا أبو معشر النواء قال ~~حدثنا عمرو بن بشير قال حدثنا عامر الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلاب لم يدر ما يقول لي حتى نزلت ~~وما علمتم من الجوارح مكلبين # قال أبو بكر قد اقتضى ظاهر هذا الحديث الأول أن تكون الإباحة تناولت ما ~~علمنا من الجوارح وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير وذلك يوجب إباحة سائر ~~وجوه الانتفاع بها فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر ~~وجوه الانتفاع إلا ما خصه الدليل وهو الأكل ومن الناس من يجعل في الكلام ~~حذفا فجعله بمنزلة قل أحل لكم الطيبات من صيد ما علمتم من الجوارح ويستدل ~~عليه بحديث عدي ابن حاتم الذي ذكرناه حين سأله عن صيد الكلاب فأنزل الله ~~تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين وحديث أبي رافع فيه أنه سئل عما أحل من ~~الكلاب التي أمروا بقتلها فأنزل الله تعالى الآية وليس يمتنع أن تكون الآية ~~منتظمة لإباحة الانتفاع بالكلاب وبصيدها جميعا وحقيقة اللفظ تقتضي الكلاب ~~أنفسها لأن قوله وما علمتم يوجب إباحة ما علمنا وإضمار الصيد فيه يحتاج إلى ~~دلالة وفي ms1391 فحوى الآية دليل على إباحة صيدها أيضا وهو قوله فكلوا مما أمسكن ~~عليكم فحمل الآية على المعنيين واستعمالها فيهما على الفائدتين أولى من ~~الاقتصار على أحدهما وقد دلت الآية أيضا على أن شرط إباحة الجوارح أن تكون ~~متعلمة لقوله وما علمتم من الجوارح وقوله تعلمونهن مما علمكم الله وأما ~~الجوارح فإنه قد قيل إنها الكواسب للصيد على أهلها وهي الكلاب وسباع الطير ~~التي يصاد بها غيرها واحدها جارح ومنه سميت الجارحة لأنه يكسب بها قال الله ~~تعالى ما جرحتم # PageV03P308 # بالنهار # يعني ما كسبتم ومنه أم حسب الذين اجترحوا السيئات # وذلك يدل على جواز الاصطياد بكل ما علم الاصطياد من سائر ذي الناب من ~~السباع وذي المخلب من الطير وقيل في الجوارح إنها ما تجرح بناب أو مخلب قال ~~محمد في الزيادات إذا صدم الكلب الصيد ولم يجرحه فمات لم يؤكل لأنه لم ~~يجرحه بناب أو مخلب ألا ترى إلى قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~فإنما يحل صيد ما يجرح بناب أو مخلب وإذا كان الاسم يقع عليهما فليس يمتنع ~~أن يكونا مرادين باللفظ فيريد بالكواسب ما يكسب بالاصطياد فيفيد الأصناف ~~التي يصطاد بها من الكلاب والفهود وسباع الطير وجميع ما يقبل التعليم ويفيد ~~مع ذلك في شرط الذكاة وقوع الجراحة بالمقتول من الصيد وأن ذلك شرط ذكاته ~~ويدل أيضا على أن الجراحة مرادة حديث النبي صلى الله عليه وسلم في المعراض ~~أنه إن خزق بحده فكل وإن أصاب بعرضه فلا تأكل ومتى وجدنا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم حكما يواطئ معنى ما في القرآن وجب حمل مراد القرآن عليه وأن ذلك ~~مما أراد الله تعالى به وقوله تعالى مكلبين قد قيل فيه وجهان أحدهما أن ~~المكلب هو صاحب الكلب الذي يعلمه الصيد ويؤد به وقيل معناه مضرين على الصيد ~~كما تضرى الكلاب والتكليب هو التضرية يقال كلب كلب إذا ضرى بالناس وليس في ~~قوله مكلبين تخصيص للكلاب دون غيرها من الجوارح إذ كانت التضرية عامة فيهن ~~وكذلك إن ms1392 أراد تأديب الكلب وتعليمه كان ذلك عموما في سائر الجوارح وقد ~~اختلف السلف فيما قتلته الجوارح غير الكلاب فروى مروان العمرى عن نافع عن ~~عل بن الحسين قال الصقر والبازي من الجوارح مكلبين وروى معمر عن ليث قال ~~سئل مجاهد عن البازي والفهد وما يصاد به من السباع فقال هذه كلها جوارح ~~وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى من الجوارح مكلبين قال الطير والكلاب ~~وروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه وما علمتم من الجوارح مكلبين قال الجوارح ~~الكلاب وما تعلم من البزاة والفهود وروى أشعث عن الحسن وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين قال الصقر والبازي والفهد بمنزلة الكلب # وروى صخر بن جويرية عن نافع قال وجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب قال لا ~~يصلح أكل ما قتلته البزاة # وروى ابن جريج عن نافع قال قال عبد الله فأما ما صاد من الطير البزاة ~~وغيرها فما أدركت ذكاته فذكيته فهو لك وإلا فلا تطعمه وروى سلمة بن علقمة ~~عن نافع أن عليا كره ما قتلت # PageV03P309 # الصقور وروى أبو بشر عن مجاهد أنه كان يكره صيد الطير ويقول مكلبين إنما ~~هي الكلاب قال أبو بكر فتأول بعضهم قوله مكلبين على الكلاب خاصة وتأوله ~~بعضهم على الكلاب وغيرها ومعلوم أن قوله تعالى وما علمتم من الجوارح شامل ~~للطير والكلاب ثم قوله مكلبين محتمل أن يريد ذكره من الجوارح والكلاب منها ~~ويكون قوله مكلبين بمعنى مؤدبين أو مضرين ولا يخصص ذلك بالكلاب دون غيرها ~~فوجب حمله على العموم وأن لا يخصص بالاحتمال ولا نعلم خلافا بين فقهاء ~~الأمصار في إباحة صيد الطير وإن قتل وأنه كصيد الكلب قال أصحابنا ومالك ~~والثوري والأوزاعي والليث والشافعي ما علمت من كل ذي مخلب من الطير وذي ناب ~~من السباع فإنه يجوز صيده وظاهر الآية يشهد لهذه المقابلة لأنه أباح صيد ~~الجوارح وهو مشتمل على جميع ما يجرى بناب أو مخلب وعلى ما يكسب على أهله ~~بالاصطياد لم يفرق فيه بين الكلب وبين غيره ms1393 وقوله تعالى وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين يدل على أن شرط إباحة صيد هذه الجوارح أن تكون معلمة وأنها ~~إذا لم تكن معلمة لم يكن مذكى وذلك لأن الخطاب خرج على سؤال السائلين عما ~~يحمل من الصيد فأطلق لهم إباحة صيد الجوارح المعلمة وذلك شامل لجميع ما ~~شملته الإباحة وانتظمه الإطلاق لأن السؤال وقع عن جميع ما يحل لهم من الصيد ~~فخص الجواب بأوصاف المذكورة فلا تجوز استباحة شيء منه إلا على الوصف ~~المذكور ثم قال تعالى تعلمونهن مما علمكم الله فروى عن سليمان وسعد أن ~~تعليمه أن يضرى على الصيد ويعود إلى إلف صاحبه حتى يرجع إليه ولا يهرب عنه ~~وكذلك قال ابن عمرو سعيد ابن المسيب ولم يشرطوا فيه ترك الأكل وروي عن ~~غيرهما أن ذلك من تعليم الكلب وأن من شرط إباحة صيده أن لا يأكل منه فإن ~~أكل منه لم يؤكل وهو قول ابن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة وقالوا جميعا في ~~صيد البازي أنه يؤكل منه وإنما تعليمه أن تدعوه فيجيبك. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم ~~لا يؤكل صيده ويؤكل صيد البازي وإن أكل وهو قول الثوري وقال مالك والأوزاعي ~~والليث يؤكل وإن أكل الكلب منه وقال الشافعي لا يؤكل إذا أكل الكلب منه ~~والبازي # PageV03P310 # مثله في القياس. قال أبو بكر اتفق السلف المجيزون لصيد الجوارح من سباع ~~الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه منهم سعد وابن عباس وسلمان وابن عمرو أبو ~~هريرة وسعيد بن المسيب وإنما اختلفوا في صيد الكلب # فقال على ابن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن جبير ~~وإبراهيم لا يؤكل صيد الكلب إذا أكل منه # وقال سلمان وسعد وابن عمر يؤكل صيده وإن لم يبق منه إلا ثلثه وهو قول ~~الحسن وعبيد ابن عمير وإحدى الروايتين عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار ~~وابن شهاب قال أبو بكر معلوم ms1394 من حال الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل ~~فجائز أن يعلم تركه ويكون تركه للأكل علما للتعليم ودلالة عليه فيكون تركه ~~للأكل من شرائط صحة ذكاته ووجود الأكل مانع من صحة ذكاته وأما البازي فإنه ~~معلوم أنه لا يمكن تعليمه بترك الأكل وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة ~~فإذ كان الله قد أباح صيد جميع الجوارح على شرط التعليم فغير جائز أن يكون ~~من شرط التعليم للبازي تركه الأكل إذ لا سبيل إلى تعليمه ذلك ولا يجوز أن ~~يكلفه الله تعليم ما لا يصح منه التعلم وقبول التأديب فثبت أن ترك الأكل ~~ليس من شرائط تعلم البازي وجوارح الطير وكان ذلك من شرائط تعلم الكلب لأنه ~~يقبله ويمكن تأديبه به ويشبه أن يكون ما # روى عن على ابن أبي طالب وغيره في حظر ما قتله البازي # من حيث كان عندهم أن من شرط التعليم ترك الأكل وذلك غير ممكن في الطير ~~فلم يكن معلما فلا يكون ما قتله مذكى إلا أن ذلك يؤدي إلى أن لا تكون لذكر ~~التعليم في الجوارح من الطير فائدة إذ كان صيدها غير مذكى وأن يكون المعلم ~~وغير المعلم فيه سواء وذلك غير جائز لأن الله تعالى قد عمم الجوارح كلها ~~وشرط تعليما ولم يفرق بين الكلب وبين الطير فوجب استعمال عموم اللفظ فيها ~~كلها فيكون من جوارح الطير ما يكون معلما وكذلك من الكلاب وإن اختلفت وجوه ~~تعليمها فيكون من تعليم الكلاب ونحوها ترك الأكل ومن تعليم جوارح الطير أن ~~يجيبه إذا دعاه ويألفه ولا ينفر عنه حتى يكون التعليم عاما في جميع ما ذكر ~~في الآية ومن الدليل على أن من شرائط ذكاة صيد الكلب ونحوه ترك الأكل قول ~~الله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ولا يظهر الفرق بين إمساكه على نفسه وبين ~~إمساكه علينا إلا بترك الأكل ولو لم يكن ترك الأكل مشروطا لزالت فائدة قوله ~~فكلوا مما أمسكن عليكم فلما كان ترك الأكل علما لإمساكه # PageV03P311 # علينا وكان الله إنما أباح ms1395 لنا أكل صيدها بهذه الشريطة وجب أن يكون ما ~~أمسكه على نفسه محظورا فإن قيل فقد يأكل البازي منه ويكون مع الأكل ممسكا ~~علينا قيل له الإمساك علينا إنما هو مشروط في الكلب ونحوه فأما الطير فلم ~~يشرط فيه أن يمسكه علينا لما قدمناه بديا ويدل على أن إمساك الكلب علينا أن ~~لا يأكل منه وأنه متى أكل منه كان ممسكا على نفسه وما روي عن ابن عباس أنه ~~قال إذا أكل منه الكلب فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه فأخبر أن الإمساك ~~علينا تركه للأكل فإذا كان اسم الإمساك يتناول ما ذكره ولو لم يتناوله لم ~~يتأوله عليه وجب حمل الآية عليه من حيث صار ذلك اسما له وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك أيضا فثبتت حجته من وجهين أحدهما بيان معنى الآية ~~والمراد بها والثاني نص السنة في تحريم ذلك # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر ابن موسى قال حدثني الحميدي قال ~~حدثنا سفيان قال حدثنا مجالد عن الشعبي عن عدى ابن حاتم قال سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت ~~اسم الله فكل مما أمسك عليك فإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا ~~شعبة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال قال عدي بن حاتم سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المعراض فقال إذا أصاب بحده فكل وإذا أصاب ~~بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ قلت أرسل كلبي قال إذا سميت فكل وإلا فلا تأكل ~~وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وقال أرسل كلبي فأجد عليه كلبا ~~آخر قال لا تأكل لأنك إنما سميت على كلبك # فثبت بهذا الخبر مراد الله تعالى بقوله فكلوا مما أمسكن عليكم ونص النبي ~~صلى الله عليه وسلم على النهي عن أكل ما أكل ms1396 منه الكلب فإن قيل # قد روى حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني فكل مما أمسك عليك الكلب ~~قال فإن أكل منه قال وإن أكل منه # قيل له هذا اللفظ غلط في حديث أبي ثعلبة وذلك لأن حديث أبي ثعلبة قد رواه ~~عنه أبو إدريس الخولاني وأبو أسماء وغيرهم فلم يذكر فيه هذا اللفظ وعلى أنه ~~لو ثبت في حديث أبي ثعلبة كان حديث عدي بن حاتم أولى من وجهين أحدهما من ~~موافقته لظاهر الآية في قوله فكلوا مما أمسكن عليكم والثاني ما فيه من حظر ~~ما أكل منه الكلب ومتى ورد خبران في أحدهما حظر شيء وفي # PageV03P312 # الآخر إباحته فخبر الحظر أولاهما بالاستعمال فإن قيل في معنى قوله فكلوا ~~مما أمسكن عليكم أن يحبسه علينا بعد قتله له فهذا هو إمساكه علينا فيقال له ~~هذا غلط لأنه قد صار محبوسا بالقتل فلا يحتاج الكلب إلى أن يحبسه علينا بعد ~~قتله فهذا لا معنى له فإن قيل قتله هو حبسه عليه قيل له هذا أيضا لا معنى ~~له لأنه يصير تقديره الآية على هذا فكلوا مما قتلن عليكم وهذا يسقط فائدة ~~الآية لأن إباحة ما قتلته قد تضمنته الآية قبل ذلك في قوله تعالى وما علمتم ~~من الجوارح وهو يعني صيد ما علمنا من الجوارح جوابا لسؤال من سأل عن المباح ~~منه وعلى أن الإمساك ليس بعبارة عن القتل لأنه قد يمسكه علينا وهو حي غير ~~مقتول فليس إمساكه علينا إذا إلا أن يحبسه حتى يجيء صاحبه ولا يخلو الإمساك ~~علينا من أن يكون حبسه إياه علينا من غير قتل أو حبسه علينا بعد قتله أو ~~تركه للأكل منه بعد قتله ومعلوم أنه لم يرد به حبسه علينا وهو حي غير مقتول ~~لاتفاق الجميع على أن ذلك غير مراد وأن حبسه علينا حيا ليس بشرط في إباحة ~~أكله لأنه لو كان كذلك لكان ms1397 لا يحل أكل ما قتله ولا يجوز أيضا أن يكون ~~المراد حبسه علينا بعد وإن أكل منه لأن ذلك لا معنى له لأن الله تعالى جعل ~~إمساكه علينا شرطا في الإباحة ولا خلاف أنه لو قتله ثم تركه وانصرف عنه ولم ~~يحبسه علينا أنه يجوز أكله فعلمنا أن ذلك غير مراد فثبت أن المراد تركه ~~الأكل فإن قيل قوله فكلوا مما أمسكن عليكم يقتضي إباحة ما بقي من الصيد بعد ~~أكله لأنه قد أمسكه علينا إذا لم يأكله وإنما لم يمسك علينا المأكول منه ~~دون ما بقي منه فقد اقتضى ظاهر الآية إباحة أكل الباقي إذ هو ممسك علينا ~~قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن من روي عنه معنى الإمساك من السلف قالوا ~~فيه قولين أحدهما أن لا يأكل منه وهو قول ابن عباس وقول من قال حبسه علينا ~~بعد القتل ولم يقل أحد منهم إن ترك أكل الباقي منه بعد ما أكل هو إمساك ~~فبطل هذا القول والثاني # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على ~~نفسه # فلم يجعله ممسكا علينا ما بقي منه إذا كان قد أكل منه شيئا والثالث أنه ~~يصير في معنى قوله فكلوا مما قتله من غير ذكر إمساك إذ معلوم أن ما قد أكله ~~لا يجوز أن يتناوله الحظر فيؤدي ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر إمساكه علينا ~~وأيضا فإنه إذا أكل منه فقد علمنا أنه إنما اصطاد لنفسه وأمسكه عليها ولم ~~يمسكه علينا باصطياد وتركه أكل بعضه بعد ما أكل # PageV03P313 # منه ما أكل لا يكسبه في الباقي حكم الإمساك علينا لأنه لا يجوز أن يترك ~~أكل الباقي لأنه قد شبع ولم يحتج إليه لا لأنه أمسكه علينا وفي أكله منه ~~بديا دلالة على أنه لم يمسكه علينا باصطياده وهذا الذي يجب علينا اعتباره ~~في صحة التعليم وهو أن يعلم أنه ينبغي أن يصطاده لنا ويمسكه علينا فإذا أكل ~~منه علمنا أنه لم يبلغ حد التعليم ms1398 فإن قيل الكلب إنما يصطاد ويمسك لنفسه لا ~~لصاحبه ألا ترى أنه لو كان شبعان حين أرسل لم يصطد وهو إنما يضرى على الصيد ~~بأن يطعم منه فليس إذا في أكله منه نفي التعليم والإمساك علينا ولو اعتبر ~~ما ذكرتم فيه لاحتجنا إلى اعتبار نية الكلب وضميره وذلك مما لا نعلمه ولا ~~نقف عليه بل لا نشك أن نيته وقصده لنفسه قيل له أما قولك إنه يصطاد ويمسك ~~لنفسه فليس كذلك لأنه لو كان كذلك لما ضرب حتى يترك الأكل ولما تعلم ذلك ~~إذا علم فلما كان إذا علم ترك الأكل تعلم ذلك ولم يأكل منه علمنا أنه متى ~~ترك الأكل فهو ممسك له علينا معلم لما شرط الله تعالى من تعليمه فهو حينئذ ~~مصطاد لصاحبه ممسك عليه وقولك إنه لو كان يصطاد لصاحبه لكان يصطاد في حال ~~الشبع فهو يصطاد في حال الشبع لصاحبه ويمسكه عليه إذا أرسله صاحبه وهو إذا ~~كان معلما لم يمتنع من الاصطياد إذا أرسله وأما قولك إنه يضرى على الصيد ~~بأنه يطعم منه فإنه إنما يطعمه منه بعد إمساكه على صاحبه وأما ضمير الكلب ~~ونيته فإن الكلب يعلم ما يراد منه بالتعليم فينتهي إليه كما يعرف الفرس ما ~~يراد منه بالزجر ورفع السوط ونحوه والذي يعلم به ذلك من الكلب تركه للأكل ~~ومتى أكل منه فقد علم منه أنه قصد بذلك إمساكه على نفسه دون صاحبه ومما يدل ~~على ما ذكرنا وأن تعليم الكلب إنما يكون بتركه الأكل أنه معلوم أنه ألوف ~~غير مستوحش فلا يجوز أن يكون تعليمه ليتألف ولا يستوحش فوجب أن يكون بتركه ~~الأكل والبازي من جوارح الطير هو مستوحش في الأصل ولا يجوز أن يكون تعليمه ~~بأن يضرب ليترك الأكل فثبت أن تعليمه بإلفه لصاحبه وزوال الوحشة منه بأن ~~يدعوه فيجيبه فيزول بذلك عن طبعه الأول ويكون ذلك علما لتعليمه وقوله تعالى ~~فكلوا مما أمسكن عليكم قيل فيه إن من دخلت للتبعيض ويكون معنى التبعيض فيه ~~أن بعض ما يمسكه ms1399 عليه مباح دون جميعه وهو الذي يجرحه فيقتله دون ما يقتله ~~بصدمه من غير جراحة وقال بعضهم أن من هاهنا زائدة للتأكيد كقوله تعالى يكفر ~~عنكم من سيئاتكم وقال بعض النحويين هذا خطأ # PageV03P314 # لأنها لا تزاد في الموجب وإنما تزاد في النفي والاستفهام وقوله تعالى ~~يكفر عنكم من سيئاتكم ابتداء الغاية أي يكفر عنكم أعمالكم التي تحبون سترها ~~عليكم من سيئاتكم قال ويجوز أن يكون بمعنى يكفر عنكم من السيئات ما يجوز ~~تكفيره في الحكمة دون ما لا يجوز لأنه خطاب عام لسائر المكلفين وقال أبو ~~حنيفة في الكلب إذا أكل من الصيد وقد صاد قبل ذلك صيدا ولم يأكل منه إن ~~جميع ما تقدم حرام لأنه قد تبين حين أكل أنه لم يكن معلما وقد كان الحكم ~~بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد وغالب الظن والحكم بنفي ~~التعليم عند الأكل من طريق اليقين ولاحظ للاجتهاد مع اليقين وقد يترك الأكل ~~بديا وهو غير معلم كما يترك سائر السباع فرائسها عند الاصطياد ولا يأكلها ~~ساعة الاصطياد فإنما يحكم إذا كثر منه ترك الأكل التعليم من جهة غالب الظن ~~فإذا أكل منه بعد ذلك حصل اليقين بنفي التعليم فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك ~~وقال أبو يوسف ومحمد إذا ترك الأكل ثلاث مرات فهو معلم فإن أكل بعد ذلك لم ~~يحرم ما تقدم من صيده لأنه جائز # أن يكون قد نسي التعليم فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال وينبغي أن ~~يكون مذهب أبي حنيفة محمولا على أنه أكل في مدة لا يكاد ينسى فيها فإن ~~تطاولت المدة في الاصطياد ثم اصطاد فأكل منه وفي مثل تلك المدة يجوز أن ~~ينسى فإنه ينبغي أن لا يحرم ما تقدم ويكون موضع الخلاف بينه وبين أبي يوسف ~~ومحمد أنهما يعتبران في شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات وأبو حنيفة لا ~~يحده وإنما يعتبر ما يغلب في الظن من حصول التعليم فإذا غلب في الظن أنه ~~معلم بترك الأكل ثم أرسل مع ms1400 قرب المدة فأكل منه فهو محكوم بأنه غير معلم ~~فيما ترك أكله وإن تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل حتى يظن في مثلها ~~نسيان التعليم لم يحرم ما تقدم وأبو يوسف ومحمد يقولان إذا ترك الأكل ثلاث ~~مرات ثم اصطاده فأكل في مدة قريبة أو بعيدة لم يحرم ما تقدم من صيده فيظهر ~~موضع الخلاف بينهم هاهنا قوله تعالى واذكروا اسم الله عليه قال ابن عباس ~~والحسن والسدي يعني على إرسال الجوارح قال أبو بكر قوله واذكروا اسم الله ~~عليه أمر يقتضي الإيجاب ويحتمل أن يرجع إلى الأكل المذكور في قوله فكلوا ~~مما أمسكن عليكم ويحتمل أن يعود إلى الإرسال لأن قوله وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله قد تضمن إرسال الجوارح المعلمة على الصيد ~~فجائز عود الأمر # PageV03P315 # بالتسمية إليه ولو احتماله لذلك لما تأوله السلف عليه وإذا كان ذلك كذلك ~~وقد تضمن الأمر بالذكر إيجابه واتفقوا أن الذكر غير واجب على الأكل فوجب ~~استعمال حكمه على الإرسال إذ كان مختلفا فيه وإذا كانت التسمية واجبة على ~~الإرسال صارت من شرائط الذكاة كتعليم الجوارح وكون المرسل ممن تصح ذكاته ~~وإسالة دم الصيد بما يجرح وله حد فإذا تركها لم تصح ذكاته كما لا تصح ذكاته ~~مع ترك ما ذكرنا من شرائط الذكاة والذي تقتضيه الآية فساد الذكاة عند ترك ~~التسمية عامدا وذلك لأن الأمر لا يتناول الناسي إذ لا يصح خطابه فلذلك قال ~~أصحابنا إن ترك التسمية ناسيا لا يمنع صحة الذكاة إذ هو غير مكلف بها في ~~حال النسيان وسنذكر إيجاب التسمية على الذبيحة عند قوله ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه إذا انتهينا إليه إن شاء الله وقد روي في التسمية على ~~إرسال الكلب ما # حدثنا محمد بن بكر قال أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا شعبة ~~عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي قال قال عدي بن حاتم سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلت أرسل كلبي ms1401 قال إذا سميت فكل وإلا فلا تأكل وإن أكل ~~منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وقال أرسل كلبي فأجد عليه كلبا آخر قال ~~لا تأكل لأنك إنما سميت على كلبك # فنهاه عن أكل ما لم يسم عليه وما شاركه كلب آخر لم يسم عليه فدل على أن ~~من شرائط ذكاة الصيد التسمية على الإرسال وهذا يدل أيضا على أن حال الإرسال ~~بمنزلة حال الذبح في وجوب التسمية عليه وقد اختلف الفقهاء في أشياء من أمر ~~الصيد منها الاصطياد بكلب المجوسي فقال أصحابنا ومالك والأوزاعي والشافعي ~~لا بأس بالاصطياد بكلب المجوسي إذا كان معلما وإن كان الذي علمه مجوسيا بعد ~~أن يكون الذي أرسله مسلما وقال الثوري أكره الاصطياد بكلب المجوسي إلا أن ~~يأخذه من تعليم المسلم قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ~~يقتضي جواز صيده وإباحة أكله ولم يفرق بين أن يكون مالكه مسلما أو مجوسيا ~~وأيضا فإن الكلب آلة كالسكين يذبح بها والقوس يرمى عنها فواجب أن لا يختلف ~~حكم الكلب لمن كان كسائر الآلات التي يصطاد بها وأيضا فلا اعتبار بالكلب ~~وإنما الاعتبار بالمرسل ألا ترى أن مجوسيا لو اصطاد بكلب مسلم لم يجز أكله ~~وكذلك اصطياد المسلم بكلب المجوسي ينبغي أن يحل أكله فإن قيل قال الله ~~تعالى يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من # PageV03P316 # الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله # ومعلوم أن ذلك خطاب للمؤمنين فواجب أن يكون تعليم المسلم شرطا في الإباحة ~~قيل له لا يخلو تعليم المجوسي من أن يكون مثل تعليم المسلم المشروط في ~~إباحة الذكاة أو مقصرا عنه فإن كان مثله فلا اعتبار بالمعلم وإنما الاعتبار ~~بحصول التعليم ألا ترى أنه لو ملكه مسلم وهو معلم كتعليم المسلم جاز أكل ما ~~صاده فإذا لا اعتبار بالملك وإنما الاعتبار بالتعليم وإن كان تعليم المجوسي ~~مقصرا عن تعليم المسلم حتى يخل عند الاصطياد ببعض شرائط الذكاة فهذا كلب ~~غير معلم ولا يختلف حينئذ حكم ملك ms1402 المجوسي والمسلم في حظر ما يصطاده وأما ~~قوله تعلمونهن مما علمكم الله فإنه وإن كان خطابا للمسلمين فالمقصد فيه ~~حصول التعليم للكلب فإذا علمه المجوسي كتعليم المسلم فقد وجد المعنى ~~المشروط فلا اعتبار بعد ذلك بملك المجوسي واختلفوا في الصيد يدركه حيا فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيمن يدرك صيد الكلب أو السهم فيحصل في يده حيا ~~ثم يموت فإنه لا يؤكل وإن لم يقدر على ذبحه حتى مات وقال مالك والشافعي إن ~~لم يقدر على ذبحه حتى مات أكل وإن مات في يده وإن قدر على ذبحه فلم يذبحه ~~لم يؤكل وإن لم يحصل في يده وقال الثوري إن قدر أن يأخذه من الكلب فيذبحه ~~فلم يفعل لم يؤكل وقال الأوزاعي إذا أمكنه أن يذكيه ولم يفعل لم يؤكل وإن ~~لم يمكنه حتى مات بعد ما صار في يده أكل وقال الليث إن أدركه في في الكلب ~~فأخرج سكينه من خفه أو منطقته ليذبحه فمات أكله وإن ذهب ليخرج السكين من ~~خرجه فمات قبل أن يذبحه لم يأكله قال أبو بكر إذا حصل في يده حيا فلا ~~اعتبار بإمكان ذبحه أو تعذره في أن شرط ذكاته الذبح وذلك لأن الكلب إنما حل ~~صيده لامتناع الصيد وتعذر الوصول إليه إلا من هذه الجهة فإذا حصل في يده ~~حيا فقد زال المعنى الذي من أجله أبيح صيده وصار بمنزلة سائر البهائم التي ~~يخاف عليها الموت فلا تكون ذكاته إلا بالذبح سواء مات في وقت لا يقدر على ~~ذبحه أو قدر عليه والمعنى فيه كونه حيا فإن قيل إنما لم تكن ذكاة سائر ~~البهائم إلا بالذبح لأن ذبحها قد كان مقدورا عليه ولو مات حتف أنفها لم يكن ~~ذلك ذكاة وجراحة الكلب والسهم قد كانت تكون ذكاة للصيد لو لم يحصل في يده ~~حتى مات فإذا صار في يده ولم يبق من حياته بمقدار ما يدرك ذكاته فهو مذكى ~~بجراحة الكلب وهو بمنزلة ما لو صار في يده بعد الموت قيل ms1403 له هذا على وجهين ~~أحدهما # PageV03P317 # أن يكون الكلب قد جرحه جراحة لا يعاش من مثلها إلا مثل حياة المذبوح وذلك ~~بأن قد قطع أوداجه أو شق جوفه فأخرج حشوته فإذا كان ذلك كذلك كانت جراحته ~~ذكاة له سواء أمكن بعد ذلك ذبحه أو لم يمكن فهذا الذي تكون جراحة الكلب ~~ذكاة له وأما الوجه الآخر فهو أن يعيش من مثلها إلا أنه اتفق موته بعد ~~وقوعه في يده في وقت لم يكن يقدر على ذبحه فهذا لا يكون مذكى # لأن تلك الجراحة قد كانت مراعاة على حدوث الموت قبل حصوله في يده وإمكان ~~ذكاته فإذا صار في يده حيا بطل حكم الجراحة وصار بمنزلة سائر البهائم التي ~~يصيبها جراحات غير مذكية لها مثل المتردية والنطيحة وغيرهما فلا يكون ذكاته ~~إلا بالذبح واختلفوا في الصيد يغيب عن صاحبه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~ومحمد وزفر إذا توارى عنه الصيد والكلب وهو في طلبه فوجده قد قتله جاز أكله ~~وإن ترك الطلب واشتغل بعمل غيره ثم ذهب في طلبه فوجده مقتولا والكلب عنده ~~كرهنا أكله وكذلك قالوا في السهم إذا رماه به فغاب عنه وقال مالك إذا أدركه ~~من يومه أكله في الكلب والسهم جميعا وإن كان ميتا إذا كان فيه أثر جراحة ~~وإن بات عنه لم يأكله وقال الثوري إذا رماه فغاب عنه يوما أو ليلة كرهت ~~أكله وقال الأوزاعي إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا في أكله ~~وقال الشافعي القياس أن لا يأكله إذا غاب عنه قال أبو بكر روي عن ابن عباس ~~أنه قال كل ما أصميت ودع ما أنميت وفي خبر آخر عنه وما غاب عنك ليلة فلا ~~تأكله والإصماء ما أدركه من ساعته والإنماء ما غاب عنه # وروى الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الصيد إذا غاب عنك مصرعه كرهه # وذكر هوام الأرض وأبو رزين هذا ليس بأبي رزين العقيلي ms1404 صاحب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإنما هو أبو رزين مولى أبي وائل ويدل على أنه إذا تراخى عن ~~طلبه لم يأكله أنه لا خلاف أنه لو لم يغب عنه وأمكنه أن يدرك ذكاته فلم ~~يفعل حتى مات أنه لا يؤكل فإذا لم يترك الطلب وأدركه ميتا فقد علمنا أنه لم ~~يكن يدرك ذكاته فكان قتل الكلب أو السهم له ذكاة له وإذا تراخى عن الطلب ~~فجائز أن يكون لو طلبه في فوره أدرك ذكاته ثم لم يفعل حتى مات فإنه لا يؤكل ~~فإذا لم يترك الطلب وأدرك حياته تيقن أن قتل الكلب ليس بذكاة له فلا يجوز ~~أكله ألا ترى أن # النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله # فلعله أن يكون الثاني قتله فحظر # PageV03P318 # الشارع صلى الله عليه وسلم أكله حين جوز أن يكون قتله كلب آخر فكذلك إذا ~~جاز أن يكون مما كان يدرك ذكاته لو طالبه فلم يفعل وجب أن لا يؤكل لتجويز ~~هذا المعنى فيه فإن قيل # روى معاوية ابن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه عن ~~أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يدرك صيده بعد ثلاث يأكله ~~إلا أن ينتن # وروي في بعض الألفاظ إذا أدركت بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن قيل ~~له قد اتفق الجميع على رفض هذا الخبر وترك استعماله من وجوه أحدها أن أحدا ~~من الفقهاء لا يقول إنه إذا وجده بعد ثلاث يأكله والثاني أنه أباح له أكله ~~ما لم ينتن ولا اعتبار عند أحد بتغير الرائحة والثالث أن تغير الرائحة لا ~~حكم له في سائر الأشياء وإنما الحكم يتعلق بالذكاة أو فقدها فإن كان الصيد ~~مذكى مع تراخي المدة فلا حكم للرائحة وإن كان غير مذكى فلا حكم أيضا لعدم ~~تغيره # وقد روى محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة عن رجل ~~من نهد أن ms1405 رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالروحاء فإذا هو بحمار وحش ~~عقير فيه سهم قد مات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه حتى يجيء ~~صاحبه فجاء النهدي فقال يا رسول الله هي رميتي فكلوه فأمر أبا بكر أن يقسم ~~بين الرفاق وهم محرمون # فمن الناس من يحتج بذلك في إباحة أكله إن تراخى عن طلبه لترك النبي صلى ~~الله عليه وسلم مسألته عن ذلك ولو كان ذلك يختلف حكمه لسأله وليس في هذا ~~دليل على ما ذكر من قبل أنه جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شاهد ~~هذا الحمار على حال استدل بها على قرب وقت الجراحة من سيلان الدم وطراوته ~~ومجيء الرامي عقبه فعلم أنه لم يتراخ عن طلبه فلذلك لم يسأله فإن قيل # روى هشيم عن أبي هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن عدي بن حاتم قال قلت ~~يا رسول الله إنا أهل صيد يرمي أحدنا الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين ~~يتبع أثره بعد ما يصبح فيجد سهمه فيه قال إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد به أثر ~~سبع وعلمت أن سهمك قتله فكله # قيل له هذا يوجب أن يكون لو أصابه بعد ليال كثيرة أن يأكله إذا علم أن ~~سهمه قتله ولا نعلم ذلك قول أحد من أهل العلم لأنه اعتبر العلم بأن سهمه ~~قتله وأيضا فإنه لا يحصل له العلم بأن سهمه قتله بعد ما تراخى عن طلبه وقد ~~شرط صلى الله عليه وسلم حصول العلم بذلك فإذا لم يعلم بذلك فواجب أن لا ~~يأكله وهو لا يعلم إذا تراخى عن طلبه وطالت المدة أن سهمه قتله ويدل على ~~صحة قول أصحابنا ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال # PageV03P319 # حدثنا محمد بن عباد قال حدثنا محمد بن سليمان عن مشمول عن عمرو بن تميم ~~عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول إنا أهل بدو ونصيد بالكلاب المعلمة ونرمي ~~الصيد ms1406 فما يحل لنا من ذلك وما يحرم علينا قال إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت ~~فكل مما أمسك عليك أكل أو لم يأكل قتل أو لم يقتل وإذا رميت الصيد فكل مما ~~أصميت ولا تأكل مما أنميت # فحظر ما أنمى وهو غاب عنه وهو محمول على ما غاب عنه وتراخى عن طلبه لأنه ~~لا خلاف أنه إذا كان في طلبه فأكل إن قيل فقد أباح في هذا الحديث أكل ما ~~أكل منه الكلب وهو خلاف قولكم قيل له قد عارضه حديث عدي بن حاتم وقد تقدم ~~الكلام فيه # قوله تعالى اليوم أحل لكم الطيبات فإنه جائز أن يريد به اليوم الذي نزلت ~~فيه الآية ويجوز أن يريد به اليوم الذي تقدم ذكره في موضعين أحدهما قوله ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم والآخر قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم ~~قيل أنه يوم عرفة في حجة الوداع وقيل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كله على ما قدمنا من اختلاف السلف فيه والطيبات هاهنا يجوز أن يريد بها ما ~~استطبناه واستلذذناه ما عدا ما بين تحريمه في هذه الآيات وفي غيرها فيكون ~~عموما في إباحة جميع المتلذذات إلا ما قام دليل حظره ويحتمل أن يريد ~~بالطيبات ما أباحه لنا من سائر الأشياء التي ذكر إباحتها في غير هذا الموضع ~~وقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم روي عن ابن عباس وأبي الدرداء ~~والحسن ومجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي أنه ذبائحهم وظاهره يقتضي ذلك لأن ~~ذبائحهم من طعامهم ولو استعملنا اللفظ على عمومه لانتظم جميع طعامهم من ~~الذبائح وغيرها والأظهر أن يكون المراد الذبائح خاصة لأن سائر طعامهم من ~~الخبز والزيت وسائر الأدهان لا يختلف حكمها بمن يتولاه ولا شبهة في ذلك على ~~أحد سواء كان المتولي لصنعه واتخاذه مجوسيا أو كتابيا ولا خلاف فيه بين ~~المسلمين وما كان منه غير مذكى لا يختلف حكمه في إيجاب حظره بمن تولى ~~إماتته من مسلم أو كتابي أو مجوسي فلما خص الله تعالى طعام ms1407 أهل الكتاب ~~بالإباحة وجب أن يكون محمولا على الذبائح التي يختلف حكمها باختلاف الأديان ~~وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الشاة المسمومة المشوية التي ~~أهدت إليه اليهودية ولم يسئلها عن ذبيحتها أهي من ذبيحة المسلم أم اليهودي ~~واختلف الفقهاء فيمن انتحل دين أهل الكتاب من العرب فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر من كان يهوديا أو نصرانيا من العرب والعجم # PageV03P320 # فذبيحته مذكاة إذا سمى الله عليها وإن سمى النصراني عليها باسم المسيح لم ~~تؤكل ولا فرق بين العرب والعجم في ذلك وقال مالك ما ذبحوه لكنائسهم أكره ~~أكله وما سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل والعرب والعجم فيه سواء وقال الثوري ~~إذا ذبح وأهل به لغير الله كرهته وهو قول إبراهيم وقال الثوري وبلغني عن ~~عطاء أنه قال قد أحل الله ما أهل به لغير الله لأنه قد علم أنهم سيقولون ~~هذا القول وقال الأوزاعي إذا سمعته يرسل كلبه باسم المسيح أكل وقال فيما ~~ذبح أهل الكتابين لكنائسهم وأعيادهم كان مكحول لا يرى به بأسا ويقول هذه ~~كانت ذبائحهم قبل نزول القرآن ثم أحلها الله تعالى في كتابه وهو قول الليث ~~بن سعد وقال الربيع عن الشافعي لا خير في ذبائح نصارى العرب من بني تغلب ~~قال ومن دان دين أهل الكتاب قبل نزول القرآن وخالف دين أهل الأوثان قبل ~~نزول القرآن فهو خارج من أهل الأوثان وتقبل منه الجزية عربيا كان أو عجميا ~~ومن دخل عليه إسلام ولم يدن بدين أهل الكتاب فلا يقبل منه إلا الإسلام أو ~~السيف قال أبو بكر وقد روي عن جماعة من السلف القول في أهل الكتاب من العرب ~~لم يفرق أحد منهم فيه بين من دان بذلك قبل نزول القرآن أو بعده ولا نعلم ~~أحدا من السلف أو الخلف اعتبر فيهم ما اعتبره الشافعي في ذلك فهو منفرد ~~بهذه المقالة خارج بها عن أقاويل أهل العلم وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~في قوله لا إكراه في الدين ms1408 قال كانت المرأة من الأنصار لا يعيش لها ولد ~~فتحلف لأن عاش لها ولد لتهودنه فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من ~~أبناء الأنصار فقالت الأنصار يا رسول الله أبناؤنا فأنزل الله لا إكراه في ~~الدين قال سعيد فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل الإسلام فلم يفرق فيما ذكر بين ~~من دان باليهودية قبل نزول القرآن وبعده وروى عبادة بن نسي «1» عن غضيف بن ~~الحارث أن عاملا لعمر بن الخطاب كتب إليه أن ناسا من السامرة يقرؤن التوراة ~~ويسبتون السبت ولا يؤمنون بالبعث فما ترى فكتب إليه عمر إنهم طائفة من أهل ~~الكتاب # وروى محمد بن سيرين عن عبيدة قال سألت عليا عن ذبائح نصارى العرب فقال لا ~~تحل ذبائحهم فإنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر # وروى عطاء بن PageV03P321 # السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من ~~نسائهم فإن الله تعالى قال في كتابه ومن يتولهم منكم فإنه منهم فلو لم ~~يكونوا منهم إلا بالولاية كانوا منهم ولم يفرق أحد من هؤلاء بين من دان ~~بذلك قبل نزول القرآن وبعده فهو إجماع منهم ويدل على بطلان هذه المقالة من ~~التفرقة بين من دان بدين أهل الكتاب قبل نزول القرآن أو بعده قول الله ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء ~~بعض ومن يتولهم منكم وذلك إنما يقع على المستقبل فأخبر تعالى بعد نزول ~~القرآن أن من يتولاهم من العرب فهو منهم وذلك يقتضي أن يكون كتابيا لأنهم ~~أهل الكتاب وأن تحل ذبائحهم لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~ومن الناس من يزعم أن أهل الكتاب هم بنو إسرائيل الذين ينتحلون اليهودية ~~والنصرانية دون من سواهم من العرب والعجم الذين دانوا بدينهم ولم يفرقوا في ~~ذلك بين من دان بذلك قبل نزول القرآن وبعده ويحتجون في ذلك بقوله ولقد ~~آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة فأخبر أن الذين آتاهم الكتاب هم ~~بنو إسرائيل ms1409 # وبحديث عبيدة السلماني عن علي أنه قال لا تحل ذبائح نصارى العرب لأنهم لم ~~يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر # أما الآية فلا دلالة فيها على قولهم لأنه إنما أخبر أنه آتى بني إسرائيل ~~الكتاب ولم ينف بذلك أن يكون من انتحل دينهم في حكمهم وقد قال ابن عباس تحل ~~ذبائحهم لقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم ~~وقول علي رضي الله عنه في ذلك وحظر ذبائح نصارى العرب ليس من جهة أنهم من ~~غير بني إسرائيل لكن من قبل أنهم غير متمسكين بأحكام تلك الشريعة لأنه قال ~~إنهم لا يتعلقون من دينهم إلا بشرب الخمر ولم يقل لأنهم ليسوا من بني ~~إسرائيل فقول من قال إن أهل الكتاب لا يكونون إلا من بني إسرائيل وإن دانوا ~~بدينهم قول ساقط مردود # وروى هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة عن حذيفة عن عدي بن ~~حاتم قال أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا عدي بن حاتم أسلم تسلم فقلت له إن لي دينا فقال أنا أعلم بدينك منك ~~قلت أنت أعلم بديني مني قال نعم ألست ركوسيا قال قلت بلى قال ألست ترأس ~~قومك قال قلت بلى قال ألست تأخذ المرباع قال # PageV03P322 # قلت بلى قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك # قال فكأني رأيت أن علي بها غضاضة وكأني تواضعت بها # وروى عبد السلام بن حرب عن عطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم ~~قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب ذهب فقال ألق هذا الوثن ~~عنك ثم قرأ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال قلت يا رسول ~~الله ما كنا نعبدهم قال أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله عز وجل فتحلونه ~~ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه قال فتلك عبادتهم ms1410 # وفي هذين الخبرين ضروب من الدلالة على ما ذكرنا أحدها أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نسبه إلى متخذي الأحبار والرهبان أربابا وهم اليهود ~~والنصارى ولم ينف ذلك عنه من حيث كان عربيا وقال في الحديث الأول ألست ~~ركوسيا وهم صنف من النصارى فلم يخرجه عنهم بأخذهم المرباع وهو ربع الغنيمة ~~وليس ذلك من دين النصارى لأن في دينهم أن الغنائم لا تحل فهذا يدل على أن ~~ترك التمسك بما ينتحله المنتحلون للأديان لا يخرجهم من أن يكونوا من أهل ~~تلك الشريعة وذلك الدين ويدل على أن العرب وبني إسرائيل سواء فيما ينتحلون ~~من دين أهل الكتاب وأنهم غير مختلفي الأحكام ولما لم يسأله النبي صلى الله ~~عليه وسلم عما انتحله من دين النصارى أكان قبل نزول القرآن أو بعده ونسبه ~~إلى فرقة منهم من غير مسألة دل على أنه لا فرق بين من انتحل ذلك قبل نزول ~~القرآن أو بعده والله أعلم. ### | باب تزوج الكتابيات # قال الله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قال أبو بكر ~~اختلف في المراد بالمحصنات هاهنا فروي عن الحسن والشعبي وإبراهيم والسدي ~~أنهم العفائف وروي عن عمر ما يدل على أن المعنى عنده ذلك وهو ما حدثنا جعفر ~~بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا محمد بن يزيد عن الصلت ابن بهرام عن شقيق بن سلمة قال تزوج حذيفة ~~بيهودية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها فكتب إليه حذيفة أحرام هي فكتب إليه ~~عمر لا ولكني أخاف أن تواقعوا المومسات منهن قال أبو عبيد يعني العواهر ~~فهذا يدل على أن معنى الإحصان عنده هاهنا كان على العفة وقال مطرف عن ~~الشعبي في قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قال إحصان ~~اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة وأن تحصن فرجها وروى ابن # PageV03P323 # أبي نجيح عن مجاهد والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم قال الحرائر ~~قال أبو بكر الاختلاف في نكاح ms1411 الكتابية على أنحاء مختلفة منها إباحة نكاح ~~الحرائر منهن إذا كن ذميات فهذا لا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار فيه إلا ~~شيئا يروى عن ابن عمر أنه كرهه حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد ~~بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن نافع ~~عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأسا بطعام أهل الكتاب ويكره نكاح نسائهم قال ~~جعفر وحدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث قال حدثني نافع ~~عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال إن الله حرم ~~المشركات على المسلمين ولا أعلم من الشرك شيئا أعظم من أن تقول ربها عيسى ~~بن مريم أو عبد من عبيد الله قال أبو عبيد وحدثني علي بن معبد عن أبي ~~المليح عن ميمون بن مهران قال قلت لابن عمر إنا بأرض يخالطنا فيها أهل ~~الكتاب أفننكح نساءهم ونأكل طعامهم قال فقرأ علي آية التحليل وآية التحريم ~~قال قلت إني أقرأ ما تقرأ أفننكح نسائهم ونأكل طعامهم قال فأعاد علي آية ~~التحليل وآية التحريم قال أبو بكر يعني بآية التحليل والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وبآية التحريم ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن فلما ~~رأى ابن عمر الآيتين في نظامها تقتضي إحداهما التحليل والأخرى التحريم وقف ~~فيه ولم يقطع بإباحته واتفق جماعة من الصحابة على إباحة أهل الكتاب الذميات ~~سوى ابن عمر وجعلوا قوله ولا تنكحوا المشركات خاصا في غير أهل الكتاب حدثنا ~~جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حماد قال سألت سعيد ابن جبير عن نكاح ~~اليهودية والنصرانية قال لا بأس قال قلت فإن الله تعالى قال ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن قال أهل الأوثان والمجوس وقد روي عن عمر ما قدمنا ذكره ~~وروي أن عثمان بن عفان تزوج نائلة بنت الفرافصة «1» الكلبية وهي ms1412 نصرانية ~~وتزوجها على نسائه وروي عن طلحة بن عبيد الله أنه تزوج يهودية من أهل الشام ~~وتروى إباحة ذلك عن عامة التابعين منهم الحسن وإبراهيم والشعبي في آخرين ~~منهم ولا يخلو قوله PageV03P324 # تعالى ولا تنكحوا المشركات من أحد معنيين إما أن يكون إطلاقه مقتضيا ~~لدخول الكتابيات فيه أو مقصورا على عبدة الأوثان غير الكتابيات فإن كان ~~إطلاق اللفظ يتناول الجميع فإن قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم يخصه ويكون قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات مرتبات عليه لأنه متى ~~أمكننا استعمال الآيتين على معنى ترتيب العام على الخاص وجب استعمالهما ولم ~~يجز لنا نسخ الخاص بالعام إلا بيقين وإن كان قوله ولا تنكحوا المشركات إنما ~~يتناول إطلاقه عبدة الأوثان على ما بيناه في غير هذا الموضع فقوله تعالى ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ثابت الحكم إذ ليس في القرآن ما ~~يوجب نسخه فإن قيل قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~إنما المراد به اللاتي كن كتابيات فأسلمن كما قال تعالى في آية أخرى وإن من ~~أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم وقوله تعالى ~~ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر والمراد من كان من أهل الكتاب فأسلم كذلك قوله ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المراد به من كان من أهل الكتاب ~~فأسلم قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن إطلاق لفظ أهل الكتاب ينصرف إلى ~~الطائفتين من اليهود والنصارى دون المسلمين ودون سائر الكفار ولا يطلق أحد ~~على المسلمين أنهم أهل الكتاب كما لا يطلق عليهم أنهم يهود أو نصارى والله ~~تعالى حين قال وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله فإنه لم يطلق الاسم عليهم ~~إلا مقيدا بذكر الإيمان عقيبه وكذلك قال من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ~~آيات الله آناء الليل وهم يسجدون فذكر إيمانهم بعد وصفهم أنهم أهل الكتاب ~~ولست واجدا في ms1413 شيء من القرآن إطلاق أهل الكتاب من غير تقييد إلا وهو يريد ~~به اليهود والنصارى والثاني أنه قد ذكر المؤمنات في قوله والمحصنات من ~~المؤمنات فانتظم ذلك سائر المؤمنات مما كن مشركات أو كتابيات فأسلمن وممن ~~نشأ منهن على الإسلام فغير جائز أن يعطف عليه مؤمنات كن كتابيات فوجب أن ~~يكون قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم على الكتابيات اللاتي ~~لم يسلمن وأيضا فإن ساغ التأويل الذي ادعاه من خالف في ذلك فغير جائز لنا ~~الانصراف عن الظاهر إلى غيره إلا بدلالة وليس معناه دلالة # PageV03P325 # توجب صرفه عن الظاهر وأيضا فلو حمل على ذلك لزالت فائدته إذ كانت مؤمنة ~~وقد تقدم في الآية ذكر المؤمنات وأيضا لما كان معلوما أنه لم يرد بقوله ~~تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم طعام المؤمنين الذين كانوا من أهل ~~الكتاب وأن المراد به اليهود والنصارى كذلك قوله والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب هو على الكتابيات دون المؤمنات ويحتج للقائلين بتحريمهن بقوله تعالى ~~ولا تمسكوا بعصم الكوافر قيل له إنما ذلك في الحربية إذا خرج زوجها مسلما ~~أو الحربي تخرج امرأته مسلمة ألا ترى إلى قوله وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ~~ما أنفقوا وأيضا فلو كان عموما لخصه قوله والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم وقد اختلف في نكاح الكتابيات من وجه آخر فقال ابن عباس لا تحل ~~نساء أهل الكتاب إذا كانوا حربا وتلا هذه الآية قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله وهم صاغرون قال الحكم حدثت بذلك إبراهيم ~~فأعجبه ولم يفرق في غيره ممن ذكرنا قوله من الصحابة بين الحربيات والذميات ~~وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع لشمول الاسم لهن قال أبو بكر ومما يحتج ~~به لقول ابن عباس قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله والنكاح يوجب المودة بقوله تعالى خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة فينبغي أن يكون نكاح الحربيات ~~محظورا لأن ms1414 قوله تعالى يوادون من حاد الله ورسوله إنما يقع على أهل الحرب ~~لأنهم في حد غير حدنا وهذا عندنا إنما يدل على الكراهة وأصحابنا يكرهون ~~مناكحات أهل الحرب من أهل الكتاب وقد اختلف السلف في نكاح المرأة من بني ~~تغلب # فروي عن علي أنه لا يجوز لأنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر # وهو قول إبراهيم وجابر بن زيد وقال ابن عباس لا بأس بذلك لأنهم لو لم ~~يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم واختلف أيضا في نكاح الأمة الكتابية ~~وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء فيه في سورة النساء ومن تأول قوله والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم على الحرائر جعل الإباحة مقصورة على نكاح ~~الحرائر من الكتابيات ومن تأوله على العفة أباح نكاح الإماء الكتابيات ~~واختلف في المجوس فقال جل السلف وأكثر الفقهاء ليسوا أهل الكتاب وقال آخرون ~~هم أهل الكتاب والقائلون بذلك شواذ والدليل # PageV03P326 # على أنهم ليسوا أهل الكتاب قوله تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه ~~واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ~~فأخبر تعالى أن أهل الكتاب طائفتان فلو كان المجوس أهل الكتاب لكانوا ثلاث ~~طوائف ألا ترى أن من قال إنما لي على فلان جبتان لم يكن له أن يدعي أكثر ~~منه وقول القائل إنما لقيت اليوم رجلين ينفي أن يكون قد لقي أكثر منهما فإن ~~قيل إنما حكى الله ذلك عن المشركين وجائز أن يكونوا قد غلطوا قيل له إن ~~الله لم يحك هذا القول عن المشركين ولكنه قطع بذلك عذرهم لئلا يقولوا إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين فهذا إنما هو ~~قول الله واحتجاج منه على المشركين في قطع عذرهم بالقرآن وأيضا فإن المجوس ~~لا ينتحلون شيئا من كتب الله المنزلة على أنبيائه وإنما يقرؤن كتاب زرادشت ~~وكان متنبيا كذابا فليسوا إذا أهل كتاب ويدل عل أنهم ليسوا أهل كتاب حديث ~~يحيى ابن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال ms1415 عمر ما أدري كيف أصنع ~~بالمجوس وليسوا أهل كتاب # فقال عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب # فصرح عمر بأنهم ليسوا أهل كتاب ولم يخالفه عبد الرحمن ولا غيره من ~~الصحابة # وروى عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سنوا بهم ~~سنة أهل الكتاب # فلو كانوا أهل الكتاب لما قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب ولقال هم من أهل ~~الكتاب # وفي حديث آخر أنه أخذ الجزية من مجوس هجر وقال سنوا بهم سنة أهل الكتاب # فإن قيل إن لم يكونوا أهل كتاب فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حكمهم ~~حكم أهل الكتاب # بقوله سنوا بهم سنة أهل الكتاب # قيل له إنما قال ذلك في الجزية خاصة وقد روي ذلك في غير هذا الخبر # وروى سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد قال كتب النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام قال فإن أسلمتم فلكم مالنا وعليكم ما ~~علينا # ومن أبى فعليه الجزية غير أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وقد روي النهي عن ~~صيد المجوس عن علي وعبد الله وجابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب ~~وأبي رافع وعكرمة وهذا يوجب أن لا يكونوا عندهم أهل كتاب ويدل على أنهم ~~ليسوا أهل كتاب # أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحب الروم يا أهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سواء بيننا وبينكم # وكتب إلى كسرى ولم ينسبه إلى كتاب # وروي في قوله تعالى الم غلبت الروم أن المسلمين أحبوا غلبة الروم لأنهم ~~أهل كتاب # PageV03P327 # وأحبت قريش غلبة فارس لأنهم جميعا ليسوا بأهل الكتاب فخاطرهم أبو بكر رضي ~~الله عنه والقصة في ذلك مشهورة وأما من قال إنهم كانوا أهل كتاب ثم ذهب ~~منهم بعد ذلك ويجعلهم من أجل ذلك من أهل الكتاب فإن هذا لا يصح ولا يعلم ~~ثبوته وإن ثبت أوجب أن لا يكونوا من أهل الكتاب ms1416 لأن الكتاب قد ذهب منهم وهم ~~الآن غير منتحلين لشيء من كتب الله تعالى وقد اختلف في الصابئين هم من أهل ~~الكتاب أم لا فروي عن أبي حنيفة أنهم أهل كتاب وقال أبو يوسف ومحمد ليسوا ~~أهل كتاب وكان أبو الحسن الكرخي يقول الصابئون الذين هم عنده من أهل الكتاب ~~قوم ينتحلون دين المسيح ويقرؤن الإنجيل فأما الصابئون الذين يعبدون الكواكب ~~وهم الذين بناحية حران فإنهم ليسوا بأهل كتاب عندهم جميعا قال أبو بكر ~~الصابئون الذين يعرفون بهذا الاسم في هذا الوقت ليس فيهم أهل كتاب ~~وانتحالهم في الأصل واحد أعني الذين بناحية حران والذين بناحية البطائح في ~~سواد واسط وأصل اعتقادهم تعظيم الكواكب السبعة وعبادتها واتخاذها آلهة وهم ~~عبدة الأوثان في الأصل إلا أنهم منذ ظهر الفرس على إقليم العراق مملكة ~~الصابئين وكانوا نبطا لم يجسروا على عبادة الأوثان ظاهرا لأنهم منعوهم من ~~ذلك وكذلك الروم وأهل الشام والجزيرة كانوا صابئين فلما تنصر قسطنطين حملهم ~~بالسيف على الدخول في النصرانية فبطلت عبادة الأوثان من ذلك الوقت ودخلوا ~~في عمار النصارى في الظاهر وبقي كثير منهم على تلك النحلة مستخفين بعبادة ~~الأوثان فلما ظهر الإسلام دخلوا في جملة النصارى ولم يميز المسلمين بينهم ~~وبين النصارى إذ كانوا مستخفين بعبادة الأوثان كاتمين لأصل الاعتقاد وهم ~~أكتم الناس لاعتقادهم ولهم أمور وحيل في صبيانهم إذا عقلوا في كتمان دينهم ~~وعنهم أخذت الإسماعيلية كتمان المذهب وإلى مذهبهم انتهت دعوتهم وأصل الجميع ~~اتخاذ الكواكب السبعة آلهة وعبادتها واتخاذها أصناما على أسمائها لا خلاف ~~بينهم في ذلك وإنما الخلاف بين الذين بناحية حران وبين الذين بناحية ~~البطائح في شيء من شرائعهم وليس فيهم أهل كتاب فالذي يغلب في ظني في قول ~~أبي حنيفة في الصابئين أنه شاهد قوما منهم أنهم يظهرون أنهم من النصارى ~~وأنهم يقرؤن الإنجيل وينتحلون دين المسيح تقية لأن كثيرا من الفقهاء لا ~~يرون إقرار معتقدي مقالهم بالجزية ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف ومن ~~كان اعتقاده من الصابئين # PageV03P328 # ما وصفنا ms1417 فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ليسوا أهل كتاب وأنه لا تؤكل ذبائحهم ~~ولا تنكح نساؤهم. ### | باب الطهارة للصلاة # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~الآية قال أبو بكر ظاهر الآية يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة ~~لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الطهارة وحكم الجزاء أن يتأخر عن الشرط ~~ألا ترى أن من قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إنما يقع الطلاق بعد ~~الدخول وإذا قيل إذا لقيت زيدا فأكرمه أنه موجب للإكرام بعد اللقاء وهذا لا ~~خلاف فيه بين أهل اللغة أنه مقتضى اللفظ وحقيقته ولا خلاف بين السلف والخلف ~~أن القيام إلى الصلاة ليس بسبب لإيجاب الطهارة وأن وجوب الطهارة متعلق بسبب ~~آخر غير قيام فليس إذا هذا اللفظ عموما في إيجاب الطهارة بعد القيام إلى ~~الصلاة إذ كان الحكم فيه متعلقا بضمير غير مذكور وليس في اللفظ أيضا ما ~~يوجب تكرار وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة من وجهين أحدهما ما ذكرنا ~~من تعلق الحكم بضمير غير مذكور يحتاج فيه إلى طلب الدلالة عليه من غيره ~~والثاني أن إذا لا توجب التكرار في لغة العرب ألا ترى أن من قال لرجل إذا ~~دخل زيد الدار فأعطه درهما فدخلها مرة أنه يستحق درهما فإن دخلها مرة أخرى ~~لم يستحق شيئا وكذلك من قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق فدخلتها مرة ~~طلقت فإن دخلتها مرة أخرى لم تطلق فثبت بذلك أنه ليس في الآية دلالة على ~~وجوب تكرار الطهارة لتكرار القيام بها فإن قيل فلم يتوضأ أحد بالآية إلا ~~مرة واحدة قيل له قد بينا أن الآية غير مكتفية بنفسها في إيجاب الطهارة دون ~~بيان مراد الضمير بها فقول القائل إنه لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة خطأ ~~لأن الآية في معنى المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ورد به البيان فهو ~~المراد الذي به تعلق الحكم على وجه الإفراد أو التكرار على حسب ما اقتضاه ~~بيان المراد ولو كان ms1418 لفظ الآية عموما مقتضيا للحكم فيما ورد غير مفتقر إلى ~~البيان لم يكن أيضا موجبا لتكرار الطهارة عند القيام إليها من جهة اللفظ ~~وإنما كان يوجب التكرار من جهة المعنى الذي علق به وجوب الطهارة وهو الحدث ~~دون القيام إليها # وقد حدثنا من لا أتهم قال حدثنا أبو مسلم الكرخي قال حدثنا أبو عاصم عن ~~سفيان عن علقمة # PageV03P329 # ابن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ~~خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر يا رسول الله صنعت شيئا لم ~~تكن تصنعه قال عمدا فعلته # وحدثنا من لا أتهم قال حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا أحمد بن خالد ~~الوهبي قال حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن ~~عبد الله بن عمر قال قلت له أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهرا كان ~~أو غير طاهر عمن هو قال حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن ~~حنظلة بن أبي عامر الغسيل حدثها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر ~~بالوضوء عند كل صلاة طاهرا فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث # فكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى مات فقد دل الحديث الأول ~~على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للطهارة إذ لم يجدد النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكل صلاة طهارة فثبت بذلك أن فيه ضميرا به يتعلق إيجاب الطهارة وبين ~~في الحديث الثاني أن الضمير هو الحدث لقوله ووضع عنه الوضوء إلا من حدث ~~ويدل على أن الضمير فيه هو الحدث ما # روى سفيان الثوري عن جابر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ~~عن عبد الله بن علقمة عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراق ms1419 ~~ماء نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يكلمنا حتى يأتي أهله فيتوضأ وضوءه ~~للصلاة فقلنا له في ذلك حين نزلت آية الرخصة يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # الآية فأخبر أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى ~~الصلاة # وحدثنا من لا أتهم في الرواية قال أخبرنا محمد بن علي بن زيد أن سعيد بن ~~منصور حدثهم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرنا أيوب عن عبد الله بن ~~أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم ~~إليه الطعام فقالوا ألا نأتيك بوضوء قال إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى ~~الصلاة # قال أبو بكر سألوه عن الوضوء من الحدث عند الطعام فأخبر أنه أمر بالوضوء ~~من الحدث عند القيام إلى الصلاة # وروى أبو معشر المدني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرت في كل صلاة بوضوء ~~ومع كل وضوء بسواك # وهذا يدل على أن الآية لم تقض إيجاب الوضوء لكل صلاة من وجهين أحدهما أن ~~الآية لو أوجبت ذلك لما قال لأمرت في كل صلاة بوضوء والثاني إخباره بأنه لو ~~أمر به لكان # PageV03P330 # واجبا بأمره دون الآية وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم قال إذا قمتم من المضجع يعني النوم وقد كان رد ~~السلام محظورا إلا بطهارة # وروى قتادة عن الحسن عن حضين أبي ساسان عن المهاجر قال أتيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يتوضأ فسلمت عليه فلما فرغ من وضوئه قال ما منعني أن ~~أرد عليك السلام إلا أني كنت على غير وضوء # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى ابن ~~منصور قال أخبرنى محمد بن ثابت العبدري قال حدثنا نافع قال انطلقت مع ابن ~~عمر في حاجة إلى ابن عباس فلما قضى ms1420 حاجته من ابن عباس كان من حديثه يومئذ ~~قال بينا النبي صلى الله عليه وسلم في سكة من سكك المدينة وقد خرج من غائط ~~أو بول فخرج عليه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه ثم إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ضرب بكفيه على الحائط ثم مسح وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه إلى ~~المرفقين ثم رد على الرجل السلام وقال لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم ~~أكن على وضوء أو قال على طهارة # فهذا يدل على أن رد السلام كان مشروطا فيه الطهارة وجائز أن يكون ذلك كان ~~خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أنه نهى عن رد السلام إلا على ~~طهارة ويدل على أن ذلك كان على الوجوب أنه تيمم حين خاف فوت الرد لأن رد ~~السلام إنما يكون على الحال فإذا تراخى فات فكان بمنزلة من خاف فوت صلاة ~~العيد أو صلاة الجنازة إن توضأ فيجوز له التيمم وجائز أن يكون قد نسخ ذلك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون هذا الحكم قد كان باقيا إلى أن ~~قبضه الله تعالى وقد روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنهم كانوا يتوضئون ~~لكل صلاة وهذا محمول على أنهم فعلوه استحبابا وقال سعد إذا توضأت فصل ~~بوضوئك ما لم تحدث وقد روى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس أن عبيد بن ~~عمير كان يتوضأ لكل صلاة ويتأول قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فأنكر ذلك ~~عليه ابن عباس وقد روي نفي إيجاب الوضوء لكل صلاة من غير حدث عن ابن عمر ~~وأبي موسى وجابر بن عبد الله وعبيدة السلماني وأبي العالية وسعيد ابن ~~المسيب وإبراهيم والحسن ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك. ### | باب فضل تجديد الوضوء # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في فضيلة تجديد الوضوء منها ~~ما # حدثنا من لا أتهم قال حدثنا محمد بن زيد قال حدثنا سعيد قال حدثنا سلام ~~الطويل عن ms1421 زيد العمي عن # PageV03P331 # معاوية بن قرة عن ابن عمر قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء ~~فتوضأ مرة مرة وقال هذا وظيفة الوضوء وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به ~~ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من توضأ به ضاعف ~~الله له الأجر مرتين ثم تحدث ساعة ثم دعا بماء فتوضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا ~~وضوئي ووضوء النبيين من قبلي # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الوضوء على الوضوء نور على نور # وقال صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل ~~صلاة # فهذا كله يدل على استحباب الوضوء عند كل صلاة وإن لم يكن محدثا وعلى هذا ~~يحمل ما روي عن السلف من تجديد الوضوء عند كل صلاة # وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه توضأ ومسح على نعليه وقال هذا وضوء من ~~لم يحدث ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم # فثبت بما قدمنا أن قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة غير موجب للوضوء لكل ~~صلاة وثبت أنه غير مستعمل على حقيقته وأن فيه ضميرا به يعلق إيجاب الطهارة ~~وأنه بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان لا يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما ~~قام دليل مراده # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار متواترة في إيجاب الوضوء من ~~النوم # وهذا يدل على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للوضوء لأنه إذا وجب من ~~النوم لم يكن القيام إلى الصلاة بعد ذلك موجبا ألا ترى أنه إذا وجب من ~~النوم لم يجب عليه بعد ذلك من حدث آخر وضوء آخر إذا لم يكن توضأ من النوم ~~فلو كان القيام إلى الصلاة موجبا للوضوء لما وجب من النوم عند إرادة القيام ~~إليها كالسببين إذا كان كل واحد منهما موجبا للوضوء ثم وجب من الأول لم يجب ~~من الثاني وهذا يدل على أن من النوم هو الضمير الذي في الآية فكان تقديره ~~إذا قمتم ms1422 من النوم على ما روي عن زيد بن أسلم ويدل على أن النوم الموجب ~~للوضوء هو النوم المعتاد الذي يجوز أن يقال فيه إنه قام من النوم ومن نام ~~قاعدا أو ساجدا أو راكعا لا يقال إنه قام من النوم وإنما يطلق ذلك في نوم ~~المضطجع ومن قال إن النوم ليس بحدث وإنما وجب به الطهارة لغلبة الحال في ~~وجود الحدث فيه فإن الآية دالة على وجوب الطهارة من الريح وإذا كان المعنى ~~على ما وصفنا فيكون حينئذ في مضمون الآية إيجاب الوضوء من النوم ومن الريح ~~وقد أريد به أيضا إيجاب الوضوء من الغائط والبول وذلك من ضمير الآية لأنه ~~مذكور في قوله أو جاء أحد منكم من الغائط والغائط هو المطمئن من الأرض ~~وكانوا يأتونه # PageV03P332 # لقضاء حوائجهم فيه وذلك يشتمل على وجوب الوضوء من الغائط والبول وسلس ~~البول والمذي ودم الاستحاضة وسائر ما يستتر الإنسان عند وجوده عن الناس ~~لأنهم كانوا يأتون الغائط للاستتار عن الناس وإخفاء ما يكون منهم وذلك لا ~~يختلف باختلاف الأشياء الخارجة من البدن التي في العادة يسترها عن الناس من ~~سلس البول والمذي ودم الاستحاضة فدل ذلك على أن هذه الأشياء كلها أحداث ~~يشتمل عليها ضمير الآية وقد اتفق السلف وسائر فقهاء الأمصار على نفي إيجاب ~~الوضوء على من نام قاعدا غير مستند إلى شيء # روى عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ~~ذات ليلة حتى نام الناس ثم استيقظوا فجاءه عمر فقال الصلاة يا رسول الله ~~فخرج وصلى ولم يذكر أنهم توضئوا # وروي عن أنس قال كنا نجيء إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ننتظر ~~الصلاة فمنا من نعس ومنا من نام ولا نعيد وضوء وروى نافع عن ابن عمر قال لا ~~يجب عليه الوضوء حتى يضع جنبه وينام وقد ذكرنا اختلاف الفقهاء في ذلك في ~~غير هذا الموضع # وروى أبو يوسف عن محمد بن عبد الله عن عطاء عن ابن عباس عن ms1423 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يصلى الصبح ولا يتوضأ فسئل عن ذلك فقال إني لست ~~كأحدكم إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي لو أحدثت لعلمته # وهذا الحديث يدل على أن النوم في نفسه ليس بحدث وأن إيجاب الوضوء فيه ~~إنما هو لما عسى أن يكون فيه من الحدث الذي لا يشعر به وهو الغالب من حال ~~النائم # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العين وكاءا له فإذا نامت ~~العين استطلق الوكاء # فلما كان الأغلب في النوم الذي يستثقل فيه النائم وجود الحدث فيه حكم له ~~بحكم الحدث وهذا إنما هو في النوم المعتاد الذي يضع النائم جنبه على الأرض ~~ويكون في المضطجع من غير علم منه بما يكون منه فإذا كان جالسا أو على حال ~~من أحوال الصلاة لغير ضرورة مثل القيام والركوع والسجود لم تنتقض طهارته ~~لأن هذه أحوال يكون الإنسان فيها محتفظا وإن كان منه حدث علم به # وقد روى يزيد بن عبد الرحمن عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع ~~فإذا اضطجع استرخت مفاصله. # فصل قال أبو بكر قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة لما كان ضميره ما وصفنا ~~من القيام من النوم أو إرادة القيام إليها في حال الحدث فأوجب ذلك تقديم ~~الطهارة من # PageV03P333 # الإحداث للصلاة وكانت الصلاة اسما للجنس يتناول سائرها من المفروضات ~~والنوافل اقتضى ذلك أن تكون من شرائط صحة الصلاة الطهارة أي صلاة إذ لم ~~تفرق الآية بين شيء منها وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك # بقوله لا يقبل الله صلاة بغير طهور # قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم يقتضي إيجاب الغسل والغسل اسم لإمرار الماء ~~على الموضع إذا لم تكن هناك نجاسة وإذا كان هناك نجاسة فغسلها إزالتها ~~بإمرار الماء أو ما يقوم مقامه فقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم إنما المقصد فيه ~~إمرار الماء على الموضع إذ ليس هناك ms1424 نجاسة مشروط إزالتها فإذا ليس عليه ذلك ~~الموضع بيده وإنما عليه إمرار الماء حتى يجري على الموضع وقد اختلف في ذلك ~~على ثلاثة أوجه فقال مالك بن أنس عليه إمرار الماء وذلك الموضع بيده وإلا ~~لم يكن غسلا وقال آخرون وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء عليه إجراء الماء ~~عليه وليس عليه دلكه بيده وروى هشام عن أبي يوسف أنه إن مسح الموضع بالماء ~~كما يمسح بالدهن أجزأه والدليل على بطلان قول موجبى ذلك الموضع أن اسم ~~الغسل يقع على إجراء الماء على الموضع من غير دلك والدليل على ذلك أنه لو ~~كان على بدنه نجاسة فوالى بين صب الماء عليه حتى أزالها سمى بذلك غاسلا وإن ~~لم يدلكه بيده فلما كان الاسم يقع عليه مع عدم الدلك لأجل إمرار الماء عليه ~~وقال الله تعالى فاغسلوا فهو متى أجرى الماء على الموضع فقد فعل مقتضى ~~الآية وموجبها فمن شرط فيه ذلك الموضع بيده فقد زاد فيه ما ليس منه وغير ~~جائز الزيادة في النص إلا بمثل ما يجوز به النسخ وأيضا فإنه لما لم يكن ~~هناك شيء يزال بالدلك لم يكن لدلك الموضع وإمساسه بيده فائدة ولا حكم فلم ~~يختلف حكمه إذا دلكه بيده أو أمر الماء عليه من غير دلك وأيضا فليس لذلك ~~الموضع بيده حكم في الطهارة في سائر الأصول فوجب أن لا يتعلق به فيما اختلف ~~فيه فإن قال قائل إذا لم يكن الغسل مأمورا به لإزالة شيء هناك علمنا أنه ~~عبادة فمن حيث شرط فيه إمرار الماء وجب أن يكون دلكه بيده شرطا وإلا فلا ~~معنى لإمرار الماء وإجرائه عليه قيل له قد ثبت في الأصول لإمرار الماء على ~~الموضع حكم في غسل النجاسات ولم يثبت لدلك الموضع حكم بل حكمه ساقط في ~~إزالة الأنجاس لأنه لو كان له حكم لكان اعتبار الدلك فيها أولى فوجب أن ~~يكون كذلك حكمه في طهارة الحدث وأما من أجاز مسح هذه الأعضاء المأمور ~~بغسلها فإن قوله مخالف لظاهر الآية فإن ms1425 الله # PageV03P334 # تعالى شرط في بعض الأعضاء الغسل وفي بعضها المسح فما أمر بغسله لا يجزي ~~فيه المسح لأن الغسل يقتضي إمرار الماء على الموضوع وإجراءه عليه ومتى لم ~~يفعل ذلك لم يسم غاسلا والمسح لا يقتضي ذلك وإنما يقتضي مباشرته بالماء دون ~~إمراره عليه فغير جائز ترك الغسل إلى المسح ولو كان المراد بالغسل هو المسح ~~لبطلت فائدة التفرقة بينهما في الآية وفي وجوب إثبات التفرقة بينهما ما ~~يوجب أن يكون المسح غير الغسل فمتى مسح ولم يغسل فلا يجزيه لأنه لم يفعل ~~المأمور به ويدل على ذلك أنه ليس عليه في مسح الرأس في الوضوء إبلاغ الماء ~~إلى أصول الشعر وإنما عليه مسح الظاهر منه وعليه في غسل الجنابة إبلاغ ~~الماء أصول الشعر فلو كان المسح والغسل واحدا لأجزى في غسل الجنابة مسحه ~~كما يجزي في الوضوء وفي ذلك دليل على أن ما شرط فيه الغسل لا ينوب عنه ~~المسح فإن قيل إذا لم تكن هناك نجاسة تزال بالغسل فالمقصد فيه مباشرة ~~الموضع بالماء فلا فرق بين الغسل والمسح قيل له هذا يدل على صحة ما ذكرنا ~~وذلك لأنه لما لم تكن هناك نجاسة من أجلها يجب الغسل فكان وجوب عبادة ثم ~~فرق الله تعالى في الآية بين الغسل والمسح فعلينا اتباع الأمر على حسب ~~مقتضاه وموجبه وغير جائز لنا ترك الغسل إلى غيره والعبادة علينا في الغسل ~~في الأعضاء المأمور بها كهي علينا في مسح العضو المأمور به فلم يجز استعمال ~~النظر في ترك حكم اللفظ إلى غيره فإن قيل لو بقيت لمعة في ذراعه فمسحها جاز ~~وهذا يدل على جواز مسح الجميع كما جاز مسح البعض قيل له هذا غلط لأن اللمعة ~~إذا اتصلت صارت في حكم المغسول وأما إذا لم تتصل فلا يجوز بالإجماع ففي ذلك ~~دلالة على أن المسح لا ينوب مناب الغسل وقيل له لو لزم منا هذا في الوضوء ~~للزمك في غسل الجنابة مثله والله أعلم. ### | باب الوضوء بغير نية # قوله تعالى فاغسلوا ms1426 وجوهكم يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته ~~النية أو لم تقارنه وذلك لأن الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة وهو ~~إمرار الماء على الموضع وليس هو عبارة عن النية فمن شرط فيه النية فهو زائد ~~في النص وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه يوجب نسخ الآية قد أباحت فعل الصلاة ~~بوجود الغسل للطهارة من غير شرط النية فمن حظر الصلاة ومنعها إلا مع وجود ~~نية الغسل فقد أوجب نسخها # PageV03P335 # وذلك لا يجوز إلا بنص مثله والوجه الآخر أن النص له حكمه ولا يجوز أن ~~يلحق به ما ليس منه كما لا يجوز أن يسقط منه ما هو منه فإن قيل فقد شرطت في ~~صحة الصلاة النية مع عدم ذكرها في اللفظ قيل له إنما جاز ذلك فيها من وجهين ~~أحدهما أن الصلاة اسم مجمل مفتقر إلى البيان غير موجب للحكم بنفسه إلا ~~ببيان يرد فيه وقد ورد فيه البيان بإيجاب إليه فلذلك أوجبناها وليس كذلك ~~الوضوء لأنه اسم شرعي ظاهر المعنى بين المراد فمهما ألحقنا به ما ليس في ~~اللفظ عبارة عنه فهو زيادة في النص ولا يجوز ذلك إلا بنص مثله والوجه الآخر ~~اتفاق الجميع على إيجاب النية فيها فلو كان اسم الصلاة عموما ليس بمجمل ~~لجاز إلحاق النية بها بالاتفاق فهي إذا كانت مجملا أحرى بإثبات النية فيها ~~من جهة الإجماع. ### | ذكر اختلاف الفقهاء في فرض النية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد كل طهارة بماء تجوز بغير نية ولا يجزي ~~التيمم إلا بنية وهو قول الثوري وقال الأوزاعي يجزي الوضوء بغير نية ولم ~~تحفظ عنه في التيمم وقال مالك والليث والشافعي لا يجزي الوضوء ولا الغسل ~~إلا بالنية وكذلك التيمم وقال الحسن بن صالح يجزي الوضوء والتيمم جميعا ~~بغير نية قال أبو جعفر الطحاوي ولم نجد هذا القول في التيمم عن غيره قال ~~أبو بكر قد قدمنا ذكر دلالة الآية على جواز الوضوء بغير نية وقوله تعالى ~~ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا دل ms1427 على جواز الاغتسال من الجنابة بغير ~~نية كذلك قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم على النحو الذي ~~بينا ويدل عليه أيضا قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا ومعناه مطهرا ~~فحيثما وجد فواجب أن يكون مطهرا ولو شرطنا فيه النية كنا قد سلبناه الصفة ~~التي وصفه الله بها من كونه طهورا لأنه حينئذ لا يكون طهورا إلا بغيره ~~والله تعالى جعله طهورا من غير شرط معنى آخر فيه فإن قيل إيجاب شرط النية ~~فيه لا يخرجه من أن يكون طهورا كما وصفه الله تعالى كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # وقال التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # ولم يمنع ذلك إيجاب النية شرطا فيه قيل له إنما سماه طهورا على وجه ~~المجاز تشبيها له بالماء في باب إباحة الصلاة والدليل عليه أنه لا يرفع ~~الحدث ولا يزيل النجس فعلمنا أنه سماه طهورا استعارة ومجازا ومن # PageV03P336 # جهة أخرى أن إثبات النية شرطا في التيمم جائز مع قوله التراب طهور المسلم ~~ولا يجوز مثله في الوضوء وذلك لأن قوله فتيمموا يقتضي إيجاب النية إذ كان ~~التيمم هو القصد في اللغة # وقوله التراب طهور المسلم # وارد من طريق الآحاد فواجب أن يكون الخبر مرتبا على الآية إذ غير جائز ~~ترك حكم الآية بالخبر وتجوز الزيادة في حكم الخبر بالآية وليس ذلك كقوله ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا لأنه غير جائز أن يزاد في نص القرآن إلا بمثل ~~ما يجوز به نسخه ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به فأبان تعالى عن وقوع التطهير بالماء من غير شرط النية فيه فإن ~~قيل لما كان قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم الآية مقتضيا لفرض الطهارة فمن حيث ~~كان فرضا وجب أن تكون النية شرطا في صحته لاستحالة وقوع الفعل موقع الفرض ~~إلا بالنية وذلك لأن الفرض يحتاج في صحة وقوعه إلى نيتين أحدهما نية التقرب ~~به إلى الله تعالى والأخرى نية الفرض ms1428 فإذا لم ينوه لم توجد صحة الفرض فلم ~~يجز عن الفرض إذ هو غير فاعل المأمور به قيل له إنما يجب ما ذكرت في الفروض ~~التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سببا لغيرها فأما ما كان شرطا لصحة فعل ~~آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقاربه فلما جعل الله ~~الطهارة شرطا لصحة الصلاة ولم تكن مفروضة لنفسها لأن من لا صلاة عليه فليس ~~عليه فرض الطهارة كالمريض المغمى عليه أياما وكالحائض والنفساء وقال تعالى ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وقال ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ~~تغتسلوا فجعله شرطا في غيره ولم يجعله مأمورا به لنفسه فاحتاج موجب النية ~~شرطا فيه إلى دلالة من غيره ألا ترى أن كثيرا مما هو شرط في الفرض وليس ~~بمفروض بعينه فجائز أن يكون من فعل غيره نحو الوقت الذي هو شرط في صحة أداء ~~الصلاة ولا صنع للمصلي ونحو البلوغ والعقل اللذين هما شرط في صحة التكليف ~~وليسا بفعل المكلف فبان بما وصفنا أن ورود لفظ الأمر بما جعل شرطا في غيره ~~لا يقتضي وقوعه طاعة منه ولا إيجاب النية فيه ألا ترى أن قوله تعالى وثيابك ~~فطهر وإن كان أمرا بتطهير الثوب من النجاسة فإنه لم يوجب كون النية شرطا في ~~تطهيره إذا لم تكن إزالة النجاسة مفروضة لنفسها وإنما هي شرط في غيرها ~~وإنما تقديره لا تصل إلا في ثوب طاهر ولا تصل إلا مستور العورة ويدل على ~~ذلك أيضا أن الشافعي قد وافقنا على أن رجلا لو قعد في المطر ينوى الطهارة ~~«22- أحكام لث» # PageV03P337 # فأصاب جميع أعضائه أنه يجزيه من غير فعل له فيه ولو كان ذلك مفروضا لنفسه ~~لما أجزاه دون أن يفعله هو أو يأمر به غيره لأن هذا حكم المفروض فإن قيل ~~فالتيمم غير مفروض لنفسه ولا يصح مع ذلك إلا بالنية فليس إيجاب النية ~~مقصورا على ما كان مفروضا لنفسه قيل له هذا غير لازم لأنا لم نخرج هذا ~~القول مخرج ms1429 الاعتلال فتلزمنا عليه المناقضة وإنما بينا أن لفظ الأمر إذا ~~ورد فيما كان وصفه ما ذكرنا فإنه لا يقتضي إيجاب النية شرطا فيه إلا بدلالة ~~أخرى من غيره فإنما أسقطنا بذلك احتجاج من احتج بظاهر ورود الأمر في إيجاب ~~النية وفي مضمون لفظ التيمم إيجاب النية إذ كان التيمم في اللغة اسما للقصد ~~قال الله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون يعني لا تقصدوا وقال الشاعر: # ولن يلبث العصر ان يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # وقال آخر: # فإن تلى خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيممت مالكا # وقال الأعشى: # تيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن # يعني قصدته فلما كان في لفظ الآية إيجاب القصد والقصد هو النية لفعل ما ~~أمر به جعلنا النية شرطا ولم يكن في إيجاب النية لحاق زيادة بالآية غير ~~مذكورة فيها وأما الغسل فلا تنطوي تحته النية وفي إيجابها فيه إثبات زيادة ~~فيها ليست منها وذلك غير جائز ووجه آخر في الفصل بين التيمم والوضوء وهو أن ~~التيمم قد يقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء وهو على صفة واحدة في الحالين ~~فاحتيج إلى النية للفصل بين حكميهما لأن النية إنما شرطت لتمييز أحكام ~~الأفعال فلما كان حكم التيمم قد يختلف فيقع تارة عن الغسل وتارة عن الوضوء ~~احتيج إلى النية فيه لتمييز ما يقع منه عن الغسل عما يقع منه عن الوضوء ~~وأما الغسل لا يختلف حكمه في نفسه ولا فيما يقع له فاستغني عن النية فيه ~~والتمييز إذ كان المقصد منه إيقاع الفعل كما قبل لا تصل حتى تغسل النجاسة ~~من بدنك أو ثوبك ولا تصل إلا مستور العورة وليس يقتضي شيء من ذلك إيجاب ~~النية فيه ويدل على ما ذكرنا من جهة السنة # حديث رفاعة بن رافع وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تعليمه الأعرابي # PageV03P338 # الصلاة وقوله لا تتم صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه ~~ويمسح برأسه ويغسل ms1430 رجليه # فقوله حتى يضع الطهور مواضعه # يقتضي جوازه بغير نية لأن مواضع الطهور معلومة مذكورة في القرآن فصار ~~كقوله حتى يغسل هذه الأعضاء # وقوله فيغسل وجهه ويديه # يوجب ذلك أيضا إذ لم يشرط فيه النية فظاهره يقتضي جوازه على أي وجه غسله ~~ويدل من جهة أخرى أنه معلوم أن الأعرابي كان جاهلا بأحكام الصلاة والطهارة ~~فلو كانت النية شرطا فيها لما أخلاه النبي صلى الله عليه وسلم من التوقيف ~~عليها وفي ذلك أوضح دليل على أنها ليست من فروضها ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم في غسل الجنابة لأم سلمة إنما يكفيك أن تحتي على ~~رأسك ثلاث حثيات على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت # ولم يشرط فيه النية # وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة ثم قال هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به # فأشار إلى الفعل المشاهد دون النية هي ضمير لا تصح الإشارة إليه وأخبر ~~بقبول الصلاة به # وقال إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك # وقال إن تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة # ومن جهة النظر أن الوضوء طهارة بالماء كغسل النجاسة وأيضا هو سبب يتوصل ~~به إلى صحة أداء الصلاة لا على وجه البدل عن غيره فأشبه غسل النجاسة وستر ~~العورة والوقوف على مكان طاهر ولا يلزم عليه التيمم لأنه بدل عن غيره فإن ~~احتجوا بقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ذلك يقتضي ~~إيجاب النية له لأن ذلك أقل أحوال الإخلاص قيل له ينبغي أن يثبت أن الوضوء ~~عبادة أو أنه من الدين إذ جائز أن يقال إن العبادات هي مقصودة لعينه في ~~التعبد فأما ما أمر به لأجل غيره أو جعل شرطا فيه أو سببا له فليس يتناوله ~~هذا الاسم ولو لزم أن يكون تارك النية في الطهارة غير مخلص لله لوجب مثله ~~في تارك النية في غسل النجاسة وستر العورة فلما لم يجز أن يكون تارك النية ~~فيما وصفنا غير ms1431 مخلص إذ كان مأمورا به لأجل الصلاة كان كذلك في الطهارة ~~وأيضا فإن كل من اعتقد الإسلام فهو مخلص لله تعالى فيما يفعله من العبادات ~~إذ لم يشرك في النية بين الله وبين غيره لأن ضد الإخلاص هو الإشراك فمتى لم ~~يشرك فهو مخلص بنفس اعتقاد الإيمان في جميع ما يفعله من العبادات ما لم ~~يشرك غيره فيه واحتجوا # بقول النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات # وهذا لا يصح الاحتجاج به في موضع الخلاف من قبل أن حقيقة اللفظ تقتضي كون ~~العمل موقوفا على النية والعمل موجود # PageV03P339 # مع فقد النية فعلمنا أنه لم يرد به حقيقة اللفظ وإنما أراد معنى مضمرا ~~فيه غير مذكور فالمحتج بعموم الخبر في ذلك مغفل فإن قيل مراده حكم العمل ~~قيل له الحكم غير مذكور فالاحتجاج بعمومه ساقط فإن ترك الاحتجاج بظاهر ~~اللفظ وقال لما لم يجز أن يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم من فائدة وقد ~~علمنا أنه لم يرد نفس العمل وجب أن يكون مراده حكم العمل قيل له يحتمل أن ~~يريد به فضيلة العمل لا حكمه وإذا احتمل الأمرين احتيج إلى دلالة من غيره ~~في إثبات المراد وسقط الاحتجاج به فإن قيل هو على الأمرين قيل له هذا خطأ ~~لأن الضمير المحتمل للمعنيين غير ملفوظ به فيقال عمومه شامل للجميع فأما ما ~~ليس بمذكور وهو ضمير ليس اللفظ عبارة عنه فقول القائل أحمله على العموم خطأ ~~وأيضا فغير جائز إرادة الأمرين لأنه إن أريد به فضيلة العمل صار بمنزلة ~~قوله لا فضيلة للعمل إلا بالنية وذلك يقتضي إثبات حكم العمل حتى يصح نفي ~~فضيلته لأجل عدم النية ومتى أراد به حكم العمل لم يجز أن يريد به الفضيلة ~~والأصل منتف فغير جائز أن يرادا جميعا بلفظ واحد إذ غير جائز أن يكون لفظ ~~واحد لنفي الأصل ونفي الكمال وأيضا غير جائز أن يزاد في حكم القرآن بخبر ~~الآحاد على ما بينا وهذا من أخبار الآحاد. # (فصل) قوله عز وجل وجوهكم ms1432 قال أبو بكر قد قيل فيه إن حد الوجه من قصاص ~~الشعر إلى أصل الذقن إلى شحمة الأذن حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد ~~البردعي ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى وكذلك يقتضي ظاهر الاسم ~~إذ كان إنما سمي وجها لظهوره ولأنه يواجه الشيء ويقابل به وهذا الذي ذكرناه ~~من تحديد الوجه هو الذي يواجه الإنسان ويقابله من غيره فإن قيل فينبغي أن ~~يكون الأذنان من الوجه لهذا المعنى قيل له لا يجب ذلك لأن الأذنين تستران ~~بالعمامة والقلنسوة ونحوهما كما يستر صدره وإن كان متى ظهر كان مواجها لمن ~~يقابله وهذا الذي ذكرناه من معنى الوجه يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير ~~واجبين بالآية إذ ليس داخل الأنف والفم من الوجه إذ هما غير مواجهين لمن ~~قابلهما وإذا لم تقتض الآية إيجاب غسلهما وإنما اقتضت غسل ما واجهنا ~~وقابلنا منه فمن قال بإيجاب المضمضة والاستنشاق فهو زائد في حكم الفرض ما ~~ليس منه وهذا غير جائز لأنه يوجب نسخه فإن قيل # قول النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون ~~صائما # وقوله صلى الله عليه وسلم حين توضأ مرة مرة هذا وضوء لا يقبل # PageV03P340 # الله الصلاة إلا به # يوجب فرض المضمضة والاستنشاق قيل له أما # الحديث الذي فيه أنه توضأ مرة مرة ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة ~~إلا به # فإنه لم يذكر فيه أنه تمضمض فيه واستنشق وإنما ذكر فيه الوضوء فحسب ~~والوضوء هو غسل الأعضاء المذكورة في كتاب الله تعالى وجائز أن لا يكون ~~تمضمض واستنشق في ذلك الوضوء لأنه قصد به توقيفهم على المفروض الذي لا يجزي ~~غيره فإذا لا دلالة في هذا الخبر على ما قال هذا القائل ولو ثبت أنه تمضمض ~~واستنشق لم يجز أن يراد في حكم الآية وكذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون ~~صائما # لا يجوز الاعتراض به على الآية في إثبات الزيادة لأنه ms1433 غير جائز أن يزاد ~~في حكم القرآن بخبر الواحد # وقد حدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أبو ميسرة محمد بن الحسن بن ~~العلاء قال حدثنا عبد الأعلى قال حدثنا يحيى بن ميمون بن عطاء قال حدثنا ~~ابن جريج عن عطاء قال سئلت عائشة عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء فيه ماء فتوضأ وكفأ على يديه ~~مرة وغسل وجهه مرة وغسل ذراعيه مرة ومسح برأسه مرة وغسل قدميه مرة وقال هذا ~~الوضوء الذي افترض الله علينا ثم أعاد ذلك فقال من ضاعف ضاعف الله له ثم ~~أعاد الثالثة فقال هذا وضوؤنا معشر الأنبياء فمن زاد فقد أساء # فأخبرت بوضوئه من غير مضمضة ولا استنشاق لأنه قصد بيان المفروض منه ولو ~~كان فرضا فيه لفعله. ### | باب غسل اللحية وتخليلها # قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وقد بينا أن الوجه ما واجهك من الإنسان ~~فاحتمل أن تكون اللحية من الوجه لأنها تواجه المقابل له غير مغطاة في ~~الأكثر كسائر الوجه وقد يقال أيضا خرج وجهه إذا خرجت لحيته فليس يمتنع أن ~~تكون اللحية من الوجه فيقتضي ظاهر ذلك وجوب غسلها ويحتمل أن يقال ليست من ~~الوجه وإنما الوجه ما واجهك من بشرته دون الشعر النابت عليه بعد ما كانت ~~البشرة ظاهرة دونه ولمن قال بالقول الأول أن يقول نبات الشعر عليه بعد ظهور ~~البشرة لا يخرجه من أن يكون من الوجه كما أن شعر الرأس من الرأس وقد قال ~~الله تعالى وامسحوا برؤسكم فلو مسح على شعر رأسه من غير إبلاغ الماء بشرته ~~كان ماسحا على الرأس وفاعلا لمقتضى الآية عند جميع المسلمين فكذلك نبات ~~الشعر على الوجه لا يخرجه من أن يكون منه # PageV03P341 # ولمن يأبى أن يكون من الوجه أن يفرق بينه وبين شعر الرأس أن شعر الرأس ~~يوجد مع الصبي حين يولد فهو بمنزلة الحاجب في كون كل واحد منهما من العضو ~~الذي هو فيه وشعر اللحية غير موجود معه ms1434 في حال الولادة وإنما نبت بعدها ~~فلذلك لم يكن من الوجه وقد ذكر عن السلف اختلاف في غسل اللحية وتخليلها ~~ومسحها فروى إسرائيل عن جابر قال رأيت القاسم ومجاهدا وعطاء والشعبي يمسحون ~~لحاهم وكذلك # روى عن طاوس وروى جرير عن زيد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال رأيته توضأ ~~ولم أره خلل لحيته وقال هكذا رأيت عليا رضي الله عنه توضأ # وقال يونس رأيت أبا جعفر لا يخلل لحيته فلم ير أحد من هؤلاء غسل اللحية ~~واجبا وروى ابن جريج عن نافع أن ابن عمر كان يبل أصول شعر لحيته ويغلغل ~~بيديه في أصول شعرها حتى يكثر القطر منها وكذلك روي عن عبيد بن عمير وابن ~~سيرين وسعيد بن جبير فهؤلاء كلهم روي عنهم غسل اللحية ولكنه لم يثبت عنهم ~~أنهم رأوا ذلك واجبا كغسل الوجه وقد كان ابن عمر متقضيا في أمر الطهارة كان ~~يدخل الماء عينيه ويتوضأ لكل صلاة وكان ذلك منه استحبابا لا إيجابا ولا ~~خلاف بين فقهاء الأمصار في أن تخليل اللحية ليس بواجب # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته # وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم خلل لحيته وقال بهذا أمرني ربي # وروى عثمان وعمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء # وروى الحسن عن جابر قال وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا ~~مرتين ولا ثلاثا فرأيته يخلل لحيته بأصابعه كأنها أسنان مشط # قال أبو بكر وروي أخبار أخر في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس فيها ذكر تخليل اللحية منها # حديث عبد خير عن علي وحديث عبد الله بن زيد وحديث الربيع بنت معوذ وغيرهم ~~كلهم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل وجهه ثلاثا # ولم يذكروا تخليل اللحية فيه وغير جائز إيجاب تخليل اللحية ولا غسلها ~~بالآية وذلك لأن الآية إنما أوجبت غسل الوجه والوجه ما واجهك منه وباطن ~~اللحية ليس من ms1435 الوجه كداخل الفم والأنف لما لم يكونا من الوجه لم يلزم ~~تطهيرهما في الوضوء على جهة الوجوب فإن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تخليلها أو غسلها كان ذلك منه استحبابا لا إيجابا كالمضمضة والاستنشاق وذلك ~~لأنه لما لم تكن في الآية دلالة على وجوب غسلها أو تخليلها لم يجز لنا أن ~~نزيد في الآية بخبر الواحد وجميع ما روي من أخبار التخليل إنما هي أخبار # PageV03P342 # آحاد لا يجوز إثبات الزيادة بها في نص القرآن وأيضا فإن التخليل ليس بغسل ~~فلا يجوز أن يكون موجبا بالآية ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~التخليل ثبت أن غسلها غير واجب لأنه لو كان واجبا لما تركه إلى التخليل وقد ~~اختلف أصحابنا في تخليل اللحية ومسحها فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة قال سألته عن تخليل اللحية في الوضوء فقال لا يخللها ويجزيه أن يمر ~~بيده على ظاهرها قال فإنما مواضع الوضوء منها الظاهر وليس تخليل الشعر من ~~مواضع الوضوء وبه قال ابن أبي ليلى قال أبو يوسف وأنا أخلل وقال بشر بن ~~الوليد عن أبي يوسف في نوادره يمسح ما ظهر من اللحية وإن كانت عريضة فإن لم ~~يفعل فعليه الإعادة إن صلى وذكر ابن شجاع عن الحسن عن زفر في الرجل يتوضأ ~~أنه ينبغي له إذا غسل وجهه أن يمر الماء على لحيته فإن أصاب لحيته من الماء ~~قدر ثلث أو ربع أجزأه ذلك وإن كان أقل من ذلك لم يجزه وهو قول أبي حنيفة ~~وبه أخذ الحسن وقال أبو يوسف يجزيه إذا غسل وجهه أن لا يمس لحيته بشيء من ~~الماء وقال ابن شجاع لما لم يلزمه غسلها صار الموضع الذي ينبت عليه الشعر ~~من الوجه بمنزلة الرأس إذ لم يجب غسله فكان الواجب مسحها كمسح الرأس فيجزي ~~منه الربع كما قالوا في مسح الرأس قال أبو بكر لا تخلوا الحية من أن تكون ~~من الوجه فيلزمه غسلها كغسل بشرة الوجه مما ليس عليه شعر ms1436 وأن لا تكون من ~~الوجه فلا يلزمه غسلها ولا مسحها بالآية فلما اتفق الجميع على سقوط غسلها ~~دل ذلك على أنها ليست من الوجه لأنها لو كانت منه لوجب غسلها ولما سقط ~~غسلها لم يجز إيجاب مسحها لأن فيه إثبات زيادة في الآية كما لم يجز إيجاب ~~المضمضة والاستنشاق لما فيه من الزيادة في نص الكتاب وأيضا لوجب مسحها كان ~~فيه إثبات فرض المسح والغسل في عضو واحد وهو الوجه من غير ضرورة وذلك خلاف ~~الأصول فإن قيل قد يجتمع فرض المسح والغسل في عضو واحد بأن يكون على يده ~~جبائر فيمسح عليها ويغسل باقي العضو قيل له إنما يجب للضرورة والعذر وليس ~~في نبات اللحية ضرورة في ترك الغسل والوجه بمنزلة سائر الأعضاء التي أوجب ~~الله تعالى طهارتها فلا يجوز اجتماع الغسل والمسح فيه من غير ضرورة ويقتضي ~~ما قال أبو يوسف من سقوط فرض غسلها ومسحها جميعا وإن كان المستحب إمرار ~~الماء عليها قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق قال أبو بكر اليد اسم يقع على ~~هذا العضو إلى المنكب # PageV03P343 # والدليل على ذلك # أن عمارا تيمم إلى المنكب وقال تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المناكب # وكان ذلك لعموم قوله فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ولم ينكره عليه أحد من ~~جهة اللغة بل هو كان من أهل اللغة فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب ~~فثبت بذلك أن الاسم يتناولها إلى المنكب وإذا كان الإطلاق يقتضي ذلك ثم ذكر ~~التحديد فجعل المرافق غاية كان ذكره لها لإسقاط ما وراءها من وجهين أحدهما ~~أن عموم اللفظ ينتظم المرافق فيجب استعماله فيها إذ لم تقم الدلالة على ~~سقوطها والثاني أن الغاية لما كانت قد تدخل تارة ولا تدخل أخرى والموضع ~~الذي دخلت الغاية فيه قوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن ووجود الطهر شرط في ~~الإباحة وقال حتى تنكح زوجا غيره ووجوده شرط فيه وإلى وحتى جميعا للغاية ~~والموضع الذي لا تدخل فيه نحو قوله ثم أتموا الصيام إلى الليل ms1437 والليل خارج ~~منه فلما كان هذا هكذا وكان الحدث فيه يقينا لم يرتفع إلا بيقين مثله وهو ~~وجود غسل المرفقين إذ كانت الغاية مشكوكا فيها وأيضا # روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغ المرفقين ~~في الوضوء أدار الماء عليهما # وفعله ذلك عندنا على الوجوب لوروده مورد البيان لأن قوله تعالى إلى ~~المرافق لما احتمل دخول المرافق فيه واحتمل خروجها صار مجملا مفتقرا إلى ~~البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على ~~الوجوب والذي ذكرنا من دخول المرافق في الوضوء هو قول أصحابنا جميعا إلا ~~زفر فإنه يقول إن المرافق غير داخلة في الوضوء وكذلك الكعبان على هذا ~~الخلاف وقوله تعالى وامسحوا برؤسكم قال أبو بكر اختلف الفقهاء في المفروض ~~من مسح الرأس فروي عن أصحابنا فيه روايتان إحداهما ربع الرأس والأخرى مقدار ~~ثلاثة أصابع ويبدأ بمقدم الرأس وقال الحسن بن صالح يبدأ بمؤخر الرأس وقال ~~الأوزاعي والليث يمسح مقدم الرأس وقال مالك الفرض مسح جميع الرأس وإن ترك ~~القليل منه جاز وقال الشافعي الفرض مسح بعض رأسه ولم يحد شيئا وقوله تعالى ~~وامسحوا برؤسكم يقتضي مسح بعضه وذلك لأنه معلوم أن هذه الأدوات موضوعة ~~لإفادة المعاني فمتى أمكننا استعمالها على فوائد مضمنة بها وجب استعمالها ~~على ذلك وإن كان قد يجوز دخولها في بعض المواضع صلة للكلام وتكون ملغاة نحو ~~من هي مستعملة على معان منها التبعيض ثم قد تدخل في الكلام وتكون # PageV03P344 # ملغاة وجودها وعدمها سواء ومتى أمكننا استعمالها على وجه الفائدة وما هي ~~موضوعة له لم يجز لنا إلغاؤها فقلنا من أجل ذلك إن الباء للتبعيض وإن جاز ~~وجودها في الكلام على أنها ملغاة ويدل على أنها للتبعيض أنك إذا قلت مسحت ~~يدي بالحائط كان معقولا مسحها ببعضه دون جميعه ولو قلت مسحت الحائط كان ~~المعقول مسحه جميعه دون بعضه فقد وضح الفرق بين إدخال الباء وبين إسقاطها ~~في العرف واللغة فوجب إذا كان ذلك ms1438 كذلك أن نحمل قوله وامسحوا برؤسكم على ~~البعض حتى نكون قد وفينا الحرف حظه من الفائدة وأن لا نسقطه فتكون ملغاة ~~يستوي دخولها وعدمها والباء وإن كانت تدخل للإلصاق كقوله كتبت بالقلم ومررت ~~بزيد فإن دخولها للإلصاق لا ينافي كونها مع ذلك للتبعيض فنستعمل الأمرين ~~فنكون مستعملا للإلصاق في البعض المفروض طهارته ويدل على أنها للتبعيض ما ~~روى عمر بن علي بن مقدم عن إسماعيل بن حماد عن أبيه حماد عن إبراهيم في ~~قوله تعالى وامسحوا برؤسكم قال إذا مسح ببعض الرأس أجزأه قال ولو كانت ~~امسحوا رؤسكم كان مسح الرأس كله فأخبر إبراهيم أن الباء للتبعيض وقد كان من ~~أهل اللغة مقبول القول فيها ويدل على أنه قد أريد بها التبعيض في الآية ~~اتفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرأس في المسح والاقتصار على البعض ~~وهذا هو استعمال اللفظ على التبعيض وقول مخالفنا بإيجاب مسح الأكثر لا ~~يعصمه من أن يكون مستعملا للفظ على التبعيض إلا أنه زعم أن ذلك البعض ينبغي ~~أن يكون المقدار الذي ادعاه وإذا ثبت أن المراد البعض باتفاق الجميع احتاج ~~إلى دلالة في إثبات المقدار الذي حده فإن قيل لو كانت الباء للتبعيض لما ~~جاز أن تقول مسحت رأسى كله كما لا تقول مسحت ببعض رأسي كله قيل له قد بينا ~~أن حقيقتها ومقتضاها إذا أطلقت التبعيض مع احتمال كونها ملغاة فإذا قال ~~مسحت برأسي كله علمنا أنه أراد أن تكون الباء ملغاة وإذا لم يقل ذلك فهي ~~محمولة على حقيقتها التبعيض وقد توجد صلة الكلام فتكون ملغاة في نحو قوله ~~تعالى ما لكم من إله غيره- ويغفر لكم ذنوبكم ولا يجب من أجل ذلك أن نجعلها ~~ملغاة في كل موضع إلا بدلالة وقد روي نحو قولنا في جواز مسح بعض الرأس عن ~~جماعة من السلف منهم ابن عمر روى عنه نافع أنه مسح مقدم رأسه وعن عائشة مثل ~~ذلك وقال الشعبي أي جانب رأسك مسحت أجزأك وكذلك قال # PageV03P345 # إبراهيم ويدل على صحة قول ms1439 القائلين بفرض البعض ما # حدثنا أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي قال حدثنا إبراهيم الحربي ~~قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا هشيم قال حدثنا يونس عن ابن سيرين قال ~~أخبرني عمرو بن وهب قال سمعت المغيرة بن شعبة يقول خصلتان لا أسأل عنهما ~~أحدا بعد ما شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا كنا معه في سفر فنزل ~~لحاجته ثم جاء فتوضأ ومسح على ناصيته وجانبي عمامته # وروى سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني عن ابن المغيرة عن أبيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ومسح على ناصيته ووضع يده على ~~العمامة أو مسح على العمامة # وحدثنا عبيد الله بن الحسين قال حدثنا محمد بن سليمان الحضرمي قال حدثنا ~~كردوس بن أبي عبد الله قال حدثنا المعلى بن عبد الرحمن قال حدثنا عبد ~~الحميد بن جعفر عن عطاء عن ابن عباس قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمسح رأسه مسحة واحدة بين ناصيته وقرنه «1» # فثبت بما ذكرنا من ظاهر الكتاب والسنة أن المفروض مسح بعض الرأس فإن قيل ~~يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما اقتصر على مسح الناصية لضرورة ~~أو كان وضوء من لم يحدث قيل له إنه لو كان هناك ضرورة لنقلت كما نقل غيره ~~وأما كونه وضوء من لم يحدث فإنه تأويل ساقط لأن # في حديث المغيرة ابن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته ثم توضأ ~~ومسح على ناصيته # ولو ساغ هذا التأويل في مسح الناصية لساغ في المسح على الخفين حتى يقال ~~إنه مسح لضرورة أو كان وضوء من لم يحدث واحتج من قال بمسح الجميع بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح مقدم رأسه ومؤخره # قال فلو كان المفروض بعضه لما مسح النبي صلى الله عليه وسلم جميعه ولوجب ~~أن يكون من مسح جميع رأسه متعديا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms1440 توضأ ثلاثا ثلاثا وقال من زاد ~~فقد اعتدى وظلم # فيقال له لا يمتنع أن يكون المفروض البعض والمسنون الجميع كما أن المفروض ~~في الأعضاء المغسولة مرة والمسنون ثلاثا فلا يكون الزائد على المفروض ~~معتديا إذا أصاب السنة وكما أن المفروض من المسح على الخفين هو بعض ظاهرهما ~~ولو مسح ظاهرهما وباطنهما لم يكن معتديا وكما أن فرض القراءة على قولنا آية ~~وعلى قول مخالفينا فاتحة الكتاب والمسنون عند الجميع قراءة فاتحة الكتاب ~~وشيء معها والمفروض من غسل الوجه ظاهره والمسنون غسل ذلك والمضمضة ~~والاستنشاق والمفروض مسح PageV03P346 # الرأس والمسنون مسح الأذنين معه وكما يقول مخالفنا إن المفروض من مسح ~~الرأس هو الأكثر وإن ترك القليل جائز ولو مسح الجميع لم يكن متعديا بل كان ~~مصيبا كذلك نقول إن المفروض مسح البعض والمسنون مسح الجميع وإنما قال ~~أصحابنا إن المفروض مقدار ثلاثة أصابع في إحدى الروايتين وهي رواية الأصل ~~وفي رواية لحسن بن زياد الربع فإن وجه تقدير ثلاث أصابع أنه لما ثبت أن ~~المفروض البعض بما قدمنا وكان ذلك البعض غير مذكور المقدار في الآية احتجنا ~~فيه إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم فلما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته # كان فعله ذلك واراد مورد البيان وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد ~~على وجه البيان فهو على الوجوب كفعله لأعداد ركعات الصلاة وأفعالها فقدروا ~~الناصية بثلاث أصابع وقد روي عن ابن عباس أنه مسح بين ناصيته وقرنه فإن قيل ~~فقد روي أنه مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر فينبغي أن يكون ذلك واجبا قيل ~~له معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك المفروض وجائز أن يفعل غير ~~المفروض على أنه مسنون فلما روي عنه الاقتصار على مقدار الناصية في حال ~~وروي عنه استيعاب الرأس في أخرى استعملنا الخبرين وجعلنا المفروض مقدار ~~الناصية إذ لم يرو عنه أنه مسح أقل منها وما زاد عليها فهو مسنون وأيضا لو ~~كان المفروض أقل من ms1441 مقدار الناصية لاقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في حال ~~بيانا للمقدار المفروض كما اقتصر على مسح الناصية في بعض الأحوال فلما لم ~~يثبت عنه أقل من ذلك دل على أنه هو المفروض فإن قيل لو كان فعله ذلك على ~~وجه البيان لوجب أن يكون المفروض موضع الناصية دون غيره من الرأس كما ~~جعلتها بيانا للمقدار ولم تجز أقل منها فلما جاز عند الجميع من القائلين ~~بجواز مسح بعض الرأس ترك مسح الناصية إلى غيرها من الرأس دل ذلك على أن ~~فعله ذلك غير موجب للاقتصار على مقداره قيل له قد كان ظاهر فعله يقتضي ذلك ~~لولا قيام الدلالة على أن مسح غير الناصية من الرأس يقوم مقام الناصية فلم ~~يوجب تعيين الفرض فيها وبقي حكم فعله في المقدار على ما اقتضاه ظاهر بيانه ~~بفعله فإن قيل لما كان قوله تعالى وامسحوا برؤسكم مقتضيا مسح بعضه فأي بعض ~~مسحه منه وجب أن يجزيه بحكم الظاهر قيل له إذا كان ذلك البعض مجهولا صار ~~مجملا ولم يخرجه ما ذكرت من حكم الإجمال ألا ترى أن قوله تعالى خذ من ~~أموالهم صدقة وقوله وآتوا الزكاة وقوله يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل # PageV03P347 # الله # كلها مجملة لجهالة مقاديرها في حال ورودها وأنه غير جائز لأحد اعتبار ما ~~يقع عليه الاسم منها فكذلك قوله تعالى برؤسكم وإن اقتضى البعض فإن ذلك ~~البعض لما كان مجهولا عندنا وجب أن يكون مجملا موقوف الحكم على البيان فما ~~ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل فيه فهو بيان مراد الله به ودليل ~~آخر وهو أن سائر أعضاء الوضوء لما كان المفروض منها مقدار وجب أن يكون كذلك ~~حكم مسح الرأس لأنه من أعضاء الوضوء وهذا يحتج به على مالك والشافعي جميعا ~~لأن مالكا يوجب مسح الأكثر ويجيز ترك القليل منه فيحصل المفروض مجهول ~~المقدار والشافعي يقول كل ما وقع عليه اسم المسح جاز وذلك مجهول القدر وما ~~قلنا من مقدار ثلاثة أصابع فهو معلوم ms1442 وكذلك الربع في الرواية الأخرى فهو ~~موافق لحكم أعضاء الوضوء من كون المفروض منها معلوم القدر وقول مخالفينا ~~على خلاف المفروض من أعضاء الوضوء ويجوز أن نجعل ذلك ابتداء دليل في ~~المسألة من غير اعتبار له بمقدار الناصية وذلك بأن نقول لما وجب أن يكون ~~المفروض في مقدار المسح مقدرا اعتبارا بسائر أعضاء الوضوء ثم لم يقدره أحد ~~بغير ما ذكرنا من مقدار ثلاثة أصابع أو مقدار ربع الرأس وجب أن يكون هذا هو ~~المفروض من المقدار فإن قيل ما أنكرت أن يكون مقدرا بثلاث شعرات قيل له هذا ~~محال لأن مقدار ثلاث شعرات لا يمكن المسح عليه دون غيره وغير جائز أن يكون ~~المفروض ما لا يمكن الاقتصار عليه وأيضا فهو قياس على المسح على الخفين لما ~~كان مقدرا بالأصابع وبه وردت السنة وهو مسح بالماء وجب أن يكون مسح الرأس ~~مثله وأما وجه رواية من روى الربع فهو أنه لما ثبت أن المفروض البعض وأن ~~مسح شعرة لا يجزي وجب اعتبار المقدار الذي يتناوله الاسم عند الإطلاق إذا ~~أجري على الشخص وهو الربع لأنك تقول رأيت فلانا والذي يليك منه الربع فيطلق ~~عليه الاسم فلذلك اعتبروا الربع واعتبروا أيضا في حلق الرأس الربع لا خلاف ~~بينهم فيه أنه يحل به المحرم إذا حلقه ولا يحل عند أصحابنا بأقل منه فلذلك ~~يوجبون به ما إذا حلقه في الإحرام واختلف الفقهاء في مسح الرأس بأصبع واحدة ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا يجوز مسحه بأقل من ثلاث أصابع وإن مسحه ~~بأصبع أو # أصبعين ومدها حتى يكون الممسوح مقدار ثلاثة أصابع لم يجز وقال الثوري ~~وزفر والشافعي يجزيه إلا أن زفر يعتبر الربع والأصل في ذلك أنه لا يجزي في # PageV03P348 # مفروض المسح نقل الماء من موضع إلى موضع وذلك لأن المقصد فيه إمساس الماء ~~الموضع لا إجراؤه عليه فإذا وضع أصبعا فقد حصل ذلك الماء ممسوحا به فغير ~~جائز مسح موضع غيره به وليس كذلك الأعضاء المغسولة لأنه لو مسحها ms1443 بالماء ~~ولم يجره عليها لم يجزه فلا يحصل معنى الغسل إلا بجريان الماء على العضو ~~وانتقاله من موضع إلى موضع فلذلك لم يكن مستعملا بحصوله من موضع وانتقاله ~~إلى غيره من ذلك العضو وأما المسح فلو اقتصر فيه على إمساس الماء الموضع من ~~غير جري لجاز فلما استغنى عن إجرائه على العضو في صحة أداء الفرض لم يجز ~~نقله إلى غيره فإن قيل فلو صب على رأسه ماء وجرى عليه حتى استوفى منه مقدار ~~ثلاثة أصابع أجزى عن المسح مع انتقاله من موضع إلى غيره فهلا أجزته أيضا ~~إذا مسح بأصبع واحدة ونقله إلى غيره قيل له من قبل أن صب الماء غسل وليس ~~بمسح والغسل يجوز نقل الماء فيه من موضع إلى غيره وأما إذا وضع أصبعه عليه ~~فهذا مسح فلا يجوز أن يمسح بها موضعا غيره وأيضا فإن الماء الذي يجرى عليه ~~بالصب والغسل يتسع للمقدار المفروض كله وما على أصبع واحدة من الماء لا ~~يتسع للمقدار المفروض وإنما يكفي لمقدار الأصبع فإذا جره إلى غيره فإنما ~~نقل إليه ماء مستعملا في غيره فلا يجوز له ذلك. ### | باب غسل الرجلين # قال الله تعالى وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين قال أبو بكر قرأ ابن ~~عباس والحسن وعكرمة وحمزة وابن كثير وأرجلكم بالخفض وتأولوها على المسح ~~وقرأ علي وعبد الله بن مسعود وابن عباس في رواية وإبراهيم والضحاك ونافع ~~وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب وكانوا يرون غسلها واجبا والمحفوظ ~~عن الحسن البصري استيعاب الرجل كلها بالمسح ولست أحفظ عن غيره ممن أجاز ~~المسح من السلف هو على الاستيعاب أو على البعض وقال قوم يجوز مسح البعض ولا ~~خلاف بين فقهاء الأمصار في أن المراد الغسل وهاتان القراءتان قد نزل بهما ~~القرآن جميعا ونقلتهما الأمة تلقيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس ~~ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الأعضاء وذلك لأن ms1444 قوله ~~وأرجلكم بالنصب يجوز أن يكون مراده فاغسلوا أرجلكم ويحتمل أن يكون # PageV03P349 # معطوفا على الرأس فيراد بها المسح وإن كانت منصوبة فيكون معطوفا على ~~المعنى لا على اللفظ لأن الممسوح به مفعول به كقول الشاعر. # معاوية إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى ويحتمل قراءة الخفض أن تكون ~~معطوفة على الرأس فيراد به المسح ويحتمل عطفه على الغسل ويكون مخفوضا ~~بالمجاورة كقوله تعالى يطوف عليهم ولدان مخلدون ثم قال وحور عين فخفضهن ~~بالمجاورة وهن معطوفات في المعنى على الولدان لأنهن يطفن ولا يطاف بهن وكما ~~قال الشاعر: # فهل أنت إن ماتت أتانك راكب ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب # فخفض خاطبا بالمجاورة وهو معطوف على المرفوع من قوله راكب والقوافي ~~مجرورة ألا ترى إلى قوله: # فنل مثلها في مثلهم أو فلمهم ... على دارمى بين ليلى وغالب # فثبت بما وصفنا احتمال كل واحد من القراءتين للمسح والغسل فلا يخلو حينئذ ~~القول من أحد معان ثلاثة إما أن يقال إن المراد هما جميعا مجموعان فيكون ~~عليه أن يمسح ويغسل فيجمعهما أو أن يكون أحدهما على وجه التخيير يفعل ~~المتوضئ أيهما شاء ويكون ما يفعله هو المفروض أو يكون المراد أحدهما بعينه ~~لا على وجه التخيير وغير جائز أن يكونا هما جميعا على وجه الجمع لاتفاق ~~الجميع على خلافه ولا جائز أيضا أن يكون المراد أحدهما على وجه التخيير إذ ~~ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه ولو جاز إثبات التخيير مع عدم لفظ ~~التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع فيظل التخيير بما ~~وصفنا وإذا انتفى التخيير والجمع لم يبق إلا أن يكون المراد أحدهما لا على ~~وجه التخيير فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما فالدليل على أن ~~المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه وأتى ~~بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح فثبت أن المراد الغسل وأيضا فإن اللفظ ~~لما وقف الموقف الذي ms1445 ذكرنا من احتماله لكل واحد من المعنيين مع اتفاق ~~الجميع على أن المراد أحدهما صار في حكم المجمل المفتقر إلى البيان فمهما ~~ورد فيه من البيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم من فعل أو قول علمنا أنه ~~مراد الله تعالى وقد ورد البيان عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالغسل قولا ~~وفعلا فأما وروده من جهة # PageV03P350 # الفعل فهو ما # ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل رجليه في ~~الوضوء # ولم يختلف الأمة فيه فصار فعله ذلك وأراد مورد البيان وفعله إذا ورد على ~~وجه البيان فهو على الوجوب فثبت أن ذلك هو مراد الله تعالى بالآية وأما من ~~جهة القول فما # روى جابر وأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وغيرهم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى قوما تلوح أعقابهم لم بصبها الماء فقال ويل للأعقاب من النار ~~أسبغوا الوضوء وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة فغسل رجليه وقال هذا ~~وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به # فقوله ويل للأعقاب من النار # وعيد لا يجوز أن يستحق إلا بترك الفرض فهذا يوجب استيعاب الرجل بالطهارة ~~ويبطل قول من يجيز الاقتصار على البعض # وقوله صلى الله عليه وسلم أسبغوا الوضوء # وقوله بعد غسل الرجلين هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به # يوجب استيعابهما بالغسل لأن الوضوء اسم للغسل يقتضي إجراء الماء على ~~الموضع والمسح لا يقتضي ذلك وفي الخبر الآخر إخبار أن الله تعالى لا يقبل ~~الصلاة إلا بغسلهما وأيضا فلو كان المسح جائزا لما أخلاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم من بيانه إذ كان مراد الله في المسح كهو في الغسل فكان يجب أن ~~يكون مسحه في وزن غسله فلما لم يرد عنه المسح حسب وروده في الغسل ثبت أن ~~المسح غير مراد وأيضا فإن القراءتين كالآيتين في إحداهما الغسل وفي الأخرى ~~المسح لاحتمالهما للمعنيين فلو وردت آيتان إحداهما توجب الغسل والأخرى ~~المسح لما جاز ترك الغسل ms1446 إلى المسح لأن في الغسل زيادة فعل وقد اقتضاه ~~الأمر بالغسل فكان يكون حينئذ يجب استعمالهما على أعمهما حكما وأكثرهما ~~فائدة وهو الغسل لأنه يأتي على المسح والمسح لا ينتظم الغسل وأيضا لما حدد ~~الرجلين بقوله تعالى وأرجلكم إلى الكعبين كما قال وأيديكم إلى المرافق دل ~~على استيعاب الجميع كما دل ذكر الأيدى إلى المرافق على استيعابهما بالغسل ~~فإن قيل # قد روى علي وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ومسح على ~~قدميه ونعليه # قيل له لا يجوز قبول أخبار الآحاد فيه من وجهين أحدهما لما فيه من ~~الاعتراض به على موجب الآية من الغسل على ما قد دللنا عليه والثاني أن ~~أخبار الآحاد غير مقبولة في مثله لعموم الحاجة إليه # وقد روي عن علي أنه قرأ وأرجلكم بالنصب وقال المراد الغسل # فلو كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم جواز المسح والاقتصار عليه دون ~~الغسل لما قال إن مراد الله الغسل وأيضا فإن # الحديث الذي روي عن علي في ذلك قال # PageV03P351 # فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا وضوء من لم يحدث # وهو # حديث شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أن عليا صلى الظهر ثم ~~قعد في الرحبة فلما حضرت العصر دعا بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه وذراعيه ~~ومسح برأسه ورجليه وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل وقال ~~هذا وضوء من لم يحدث # ولا خلاف في جواز مسح الرجلين في وضوء من لم يحدث وأيضا لما احتملت الآية ~~الغسل والمسح استعملناها على الوجوب في أن الحالين الغسل في حال ظهور ~~الرجلين والمسح في حال لبس الخفين فإن قيل لما سقط فرص الرجل في حال التيمم ~~كما سقط الرأس دل على أنها ممسوحة غير مغسولة قيل له فهذا يوجب أن لا يكون ~~الغسل مرادا ولا خلاف أنه إذا غسل فقد فعل المفروض ولم تختلف الأمة أيضا في ~~نقل الغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا ms1447 فإن غسل البدن كله يسقط في ~~الجنابة إلى التيمم عند عدم الماء وقام التيمم في هذين العضوين مقام غسل ~~سائر الأعضاء كذلك جائز أن يقوم مقام غسل الرجلين وإن لم يجب التيمم فيها. # فصل وقد اختلف في الكعبين ما هما فقال جمهور أصحابنا وسائر أهل العلم ~~الناتئان بين مفصل القدم والساق وحكى هشام عن محمد أنه مفصل القدم الذي يقع ~~عليه عقد الشراك على ظهر القدم والصحيح هو الأول لأن الله تعالى قال ~~وأرجلكم إلى الكعبين فدل ذلك أن في كل رجل كعبين ولو كان في كل رجل كعب ~~واحد لقال إلى الكعاب كما قال تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما لما ~~كان لكل واحد قلب واحد أضافهما إليهما بلفظ الجميع فلما أضافهما إلى الأرجل ~~بلفظ التثنية دل على أن في كل رجل كعبين ويدل عليه أيضا ما # حدثنا من لا أتهم قال حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال حدثنا إسحاق ~~ابن راهويه قال حدثنا الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن جامع ~~بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا ~~إله إلا الله تفلحوا # ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه وهو يقول يا أيها ~~الناس لا تطيعوه فإنه كذا فقلت من هذا فقالوا ابن عبد المطلب قلت فمن هذا ~~الذي يتبعه ويرميه بالحجارة قالوا هذا عبد العزى أبو لهب وهذا يدل على أن ~~الكعب هو العظم الناتئ في جانب القدم لأن الرمية إذا كانت من وراء الماشي ~~لا يضرب ظهر القدم # قال وحدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال أخبرنا # PageV03P352 # وكيع قال حدثنا زكريا ابن أبي زائدة عن القاسم الجدلي قال سمعت النعمان ~~بن بشير يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسوون صفوفكم أو ليخالفن ~~الله بين قلوبكم أو وجوهكم قال فلقد رأيت الرجل ms1448 منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ~~ومنكبه بمنكب صاحبه # وهذا يدل على أن الكعب ما وصفنا والله أعلم. ### | ذكر الخلاف في المسح على الخفين # قال أصحابنا جميعا والثوري والحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي يمسح ~~المقيم على الخفين يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها وروي عن مالك ~~والليث أنه لا وقت للمسح على الخفين إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان يمسح ما ~~بدا له قال مالك والمقيم والمسافر في ذلك سواء وأصحابه يقولون هذا هو ~~الصحيح من مذهبه وروى عنه ابن القاسم أن المسافر يمسح ولا يمسح المقيم وروى ~~ابن القاسم أيضا عن مالك أنه المسح على الخفين # قال أبو بكر قد ثبت المسح على الخفين عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~طريق التواتر والاستفاضة # من حيث يوجب العلم ولذلك قال أبو يوسف إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا ~~وردت كورود المسح على الخفين في الاستفاضة وما دفع أحد من الصحابة من حيث ~~نعلم المسح على الخفين ولم يشك أحد منهم في # أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مسح # وإنما اختلف في وقت مسحه أكان قبل نزول المائدة أو بعدها # فروى المسح موقتا للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وعمر وعلي وصفوان بن عسال وخزيمة بن ثابت وعوف بن مالك وابن عباس وعائشة # ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير موقت سعد بن أبي وقاص وجرير بن ~~عبد الله البجلي وحذيفة ابن اليمان والمغيرة بن شعبة وأبو أيوب الأنصاري ~~وسهل بن سعد وأنس بن مالك وثوبان وعمرو بن أمية عن أبيه وسليمان بن بريدة ~~عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم # وروى الأعمش عن إبراهيم عن همام عن جرير بن عبد الله قال قال رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه # قال الأعمش قال إبراهيم كانوا معجبين بحديث جرير لأنه أسلم بعد نزول ~~المائدة ولما كان ورود هذه الأخبار على الوجه الذي ذكرنا من الاستفاضة مع ~~كثرة عدد ms1449 ناقليها وامتناع التواطؤ والسهو والغفلة عليهم فيها وجب استعمالها ~~مع حكم الآية وقد بينا أن في الآية احتمالا للمسح فاستعملناه في حال لبس ~~الخفين واستعملنا الغسل في حال ظهور «23- أحكام لث» # PageV03P353 # الرجلين فلا فرق بين أن يكون مسح النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول ~~المائدة أو بعدها من قبل أنه إن كان مسح قبل نزول الآية فالآية مرتبة عليه ~~غير ناسخة له لاحتمالها ما يوجب موافقته من المسح في حال لبس الخفين ولأنه ~~لو لم يكن فيها احتمال لموافقة الخبر لجاز أن تكون مخصوصة به فيكون الأمر ~~بالغسل خاصا في حال ظهور الرجلين دون حال لبس الخفين وإن كانت الآية متقدمة ~~للمسح فإنما جاز المسح لموافقة ما احتملته الآية ولا يكون ذلك نسخا ولكنه ~~بيان للمراد بها وإن كان جائزا نسخ الآية بمثله لتواتره وشيوعه ومن حيث ثبت ~~المسح على الخفين ثبت التوقيت فيه للمقيم والمسافر على ما بينا لأن بمثل ~~الأخبار الواردة في المسح مطلقا ثبت التوقيت أيضا فإن بطل التوقيت بطل ~~المسح وإن ثبت المسح ثبت التوقيت فإن احتج المخالف في ذلك بما روي عن عمر ~~بن الخطاب أنه قال لعقبة بن عامر حين قدم عليه وقد مسح على خفيه جمعة أصبت ~~السنة وبما # روى حماد بن زيد عن كثير بن شنظير عن الحسن أنه سئل عن المسح على الخفين ~~في السفر فقال كنا نسافر مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يوقتون # قيل له قد روى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال لابنه عبد الله حين أنكر ~~على سعد المسح على الخفين يا بني عمك أفقه منك للمسافر ثلاثة أيام ولياليها ~~وللمقيم يوم وليلة وسويد بن غفلة عن عمر أنه قال ثلاثة أيام ولياليها ~~للمسافر ويوم وليلة للمقيم وقد ثبت عن عمر التوقيت على الحد الذي بيناه ~~فاحتمل أن يكون # قوله صلى الله عليه وسلم لعقبة حين مسح على خفيه جمعة أصبت السنة # يعني أنك أصبت السنة في المسح # وقوله إنه مسح جمعة ms1450 # إنما عنى به أنه مسح جمعة على الوجه الذي يجوز عليه المسح كما يقول ~~القائل مسحت شهرا على الخفين وهو يعني على الوجه الذي يجوز فيه المسح لأنه ~~معلوم أنه لم يرد به أنه مسح جمعة دائما لا يفتر وإنما أراد به المسح في ~~الوقت الذي يحتاج فيه إلى المسح كذلك إنما أراد الوقت الذي يجوز فيه المسح ~~وكما تقول صليت الجمعة شهرا بمكة والمعنى في الأوقات التي يجوز فيها فعل ~~الجمعة وأما قول الحسن أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين سافر معهم ~~كانوا لا يوقتون فإنه إنما عنى به والله أعلم أنهم ربما خلعوا الخفاف فيما ~~بين يومين أو ثلاثة وأنهم لم يكونوا يداومون على مسح الثلاث حسبما قد جرت ~~به العادة من الناس أنهم ليسوا يكادون يتركون خفافهم لا ينزعون ثلاثا فلا ~~دلالة فيه على أنهم كانوا يمسحون أكثر من ثلاث فإن قيل # في حديث خزيمة بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال المسح ~~على # PageV03P354 # الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها وللمقيم يوم وليلة ولو استزدناه ~~لزادنا # وفي حديث أبي ابن عمارة أنه قال يا رسول الله أمسح على الخفين قال نعم ~~قال يوما قال ويومين قال وثلاثة قال نعم وما شئت # وفي حديث آخر قال حتى بلغ سبعا # قيل له أما حديث خزيمة وما قيل فيه ولو استزدناه لزادنا فإنما هو ظن من ~~الراوي والظن لا يغني من الحق شيئا وأما حديث أبي بن عمارة فقد قيل إنه ليس ~~بالقوي وقد اختلف في سنده ولو ثبت كان # قوله وما شئت على أنه يمسح بالثلاث ما شاء # وغير جائز الاعتراض على أخبار التوقيت بمثل هذه الأخبار الشاذة المحتملة ~~للمعاني مع # استفاضة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتوقيت # فإن قيل لما جاز المسح وجب أن يكون غير موقت كمسح الرأس قيل له لاحظ ~~للنظر مع الأثر فإن كانت أخبار التوقيت ثابتة فالنظر معها ساقط وإن كانت ~~غير ثابتة فالكلام حينئذ ينبغي أن ms1451 يكون في إثباتها وقد ثبت التوقيت ~~بالأخبار المستفيضة من حيث لا يمكن دفعها وأيضا فإن الفرق بينهما ظاهر من ~~طريق النظر وهو أن مسح الرأس هو المفروض في نفسه وليس ببدل عن غيره والمسح ~~على الخفين يدل عن الغسل مع إمكانه من غير ضرورة فلم يجز إثباته بدل إلا في ~~المقدار الذي ورد به التوقيت فإن قيل قد جاز المسح على الجبائر بغير توقيت ~~وهو بدل عن الغسل قيل له أما على مذهب أبي حنيفة فهذا السؤال ساقط لأنه لا ~~يوجب المسح على الجبائر وهو عنده مستحب تركه لا يضر وعلى قول أبي يوسف ~~ومحمد أيضا لا يلزم لأنه إنما يفعله عند الضرورة كالتيمم والمسح على الخفين ~~جائز بغير ضرورة فلذلك اختلفا فإن قيل ما أنكرت أن يكون جواز المسح مقصورا ~~على السفر لأن الأخبار وردت فيه وأن لا يجوز في الحضر لما روي أن عائشة ~~سئلت عن ذلك فقالت سلوا عليا فإنه كان معه في أسفاره وهذا يدل على أنه لم ~~يمسح في الحضر لأن مثله لا يخفى على عائشة قيل له يحتمل أن تكون سئلت عن ~~توقيت المسح للمسافر فأحالت به على علي رضي الله عنه وأيضا فإن عائشة أحد ~~من روى توقيت المسح للمسافر والمقيم جميعا وأيضا فإن الأخبار التي فيها ~~توقيت مسح المسافر فيها توقيته للمقيم فإن ثبت للمسافر ثبت للمقيم فإن قيل ~~تواترت الأخبار بغسله في الحضر # وقوله ويل للعراقيب من النار # قيل له إنما ذلك في حال ظهور الرجلين فإن قيل جائز أن يختص حال السفر ~~بالتخفيف دون حال الحضر كالقصر والتيمم والإفطار قيل له لم نبح المسح ~~للمقيم ولا للمسافر # PageV03P355 # قياسا وإنما أبحناه بالآثار وهي متساوية فيما يقتضيه من المسح في السفر ~~والحضر فلا معنى للمقايسة واختلف الفقهاء أيضا في المسح من وجه آخر فقال ~~أصحابنا إذا غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة قبل الحدث أجزأه أن يمسح ~~إذا أحدث وهو قول الثوري وروي عن مالك مثله وذكر الطحاوي عن مالك والشافعي ms1452 ~~أنه لا يجزيه إلا أن يلبس خفيه بعد إكمال الطهارة ودليل أصحابنا عموم # قوله صلى الله عليه وسلم يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليها # ولم يفرق بين لبسه قبل إكمال الطهارة وبعدها # وروى الشعبي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأهويت ~~إلى خفيه لأنزعهما فقال مه فإنى أدخلت قدميك الخفين وهما طاهرتان فامسح ~~عليهما # ومن غسل رجليه فقد طهرتا قبل إكمال طهارة سائر الأعضاء كما يقال غسل ~~رجليه وكما يقال صلى ركعة وإن لم يتم صلاته وأيضا فإن من لا يجيز ذلك فإنما ~~يأمره بنزع الخفين ثم لبسهما كذلك بقاؤهما في رجليه لحين المسح لأن استدامة ~~اللبس بمنزلة ابتدائه واختلف في المسح على الجور بين فلم يجزه أبو حنيفة ~~والشافعي إلا أن يكونا مجلدين وحكى الطحاوي عن مالك أنه لا يمسح وإن كانا ~~مجلدين وحكى بعض أصحاب مالك عنه أنه لا يمسح إلا أن يكونا مجلدين كالخفين ~~وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد والحسن بن صالح يمسح إذا كانا ثخينين وإن لم ~~يكونا مجلدين والأصل فيه أنه قد ثبت أن مراد الآية الغسل على ما قدمنا فلو ~~لم ترد الآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح على الخفين ~~لما أجزنا المسح فلما وردت الآثار الصحاح واحتجنا إلى استعمالها مع الآية ~~استعملناها معها على موافقة الآية في احتمالها للمسح وتركنا الباقي على ~~مقتضى الآية ومرادها ولما لم ترد الآثار في جواز المسح على الجور بين في ~~وزن ورودها في المسح على الخفين بقينا حكم الغسل على مراد الآية ولم ننقله ~~عنه فإن قيل # روى المغيرة ابن شعبة وأبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ~~جوربيه ونعليه # قيل له يحتمل أنهما كانا مجلدين فلا دلالة فيه على موضع الخلاف إذ ليس ~~بعموم لفظ وإنما هو حكاية فعل لا نعلم حاله وأيضا يحتمل أن يكون وضوء من لم ~~يحدث كما مسح على رجليه وقال هذا وضوء من لم يحدث ومن جهة ms1453 النظر اتفاق ~~الجميع على امتناع جواز المسح على اللفافة إذ ليس في العادة المشي فيها ~~كذلك الجوربان وأما إذا كانا مجلدين فهما بمنزلة الخفين ويمشي فيهما ~~وبمنزلة # PageV03P356 # الجرموقين ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه إذا كان كله مجلدا جاز المسح ~~ولا فرق بين أن يكون جميعه مجلدا أو بعضه بعد أن يكون بمنزلة الخفين في ~~المشي والتصرف واختلف في المسح على العمامة فقال أصحابنا ومالك والحسن بن ~~صالح والشافعي لا يجوز المسح على العمامة ولا على الخمار وقال الثوري ~~والأوزاعي يمسح على العمامة والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى ~~وامسحوا برؤسكم وحقيقته تقتضي إمساسه الماء ومباشرته وماسح العمامة غير ~~ماسح برأسه فلا تجزيه صلاته إذا صلى به وأيضا فإن الآثار متواترة في مسح ~~الرأس فلو كان المسح على العمامة جائزا لورد النقل به متواترا في وزن وروده ~~في المسح على الخفين فلما لم يثبت عنه مسح العمامة من جهة التواتر لم يجز ~~المسح عليها من وجهين أحدهما أن الآية تقتضي مسح الرأس فغير جائز العدول ~~عنه إلا بخبر يوجب العلم والثاني عموم الحاجة إليه فلا يقبل في مثله إلا ~~المتواتر من الأخبار وأيضا # حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال هذا ~~وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به # ومعلوم أنه مسح برأسه لأن مسح العمامة لا يسمى وضوء ثم نفى جواز الصلاة ~~إلا به # وحديث عائشة الذي قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ومسح ~~برأسه ثم قال هذا الوضوء الذي افترض الله علينا # فأخبر أن مسح الرأس بالماء هو المفروض علينا فلا تجزي الصلاة إلا به وإن ~~احتجوا بما # روى بلال والمغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين ~~والعمامة # وما # روى راشد بن سعد عن ثوبان قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ~~فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا ~~على العصائب ms1454 والتساخين # قيل لهم هذه أخبار مضطربة الأسانيد وفيها رجال مجهولون ولو استقامت ~~أسانيدها لما جاز الاعتراض بمثلها على الآية وقد بينا في حديث المغيرة بن ~~شعبة أنه مسح على ناصيته وعمامته وفي بعضها على جانب عمامته وفي بعضها وضع ~~يده على عمامته فأخبر أنه فعل المفروض في مسح الناصية ومسح على العمامة ~~وذلك جائز عندنا ويحتمل ما رواه بلال ما بين في حديث المغيرة وأما حديث ~~ثوبان فمحمول على معنى حديث المغيرة أيضا بأن مسحوا على بعض الرأس وعلى ~~العمامة والله أعلم. ### | باب الوضوء مرة مرة # قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم الآية الذي يقتضيه ظاهر اللفظ غسلها مرة # PageV03P357 # واحدة إذ ليس فيها ذكر العدد فلا يوجب تكرار الفعل فمن غسل مرة فقد أدى ~~الفرض وبه وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم منها # حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا الوضوء ~~الذي افترض الله علينا # وروى ابن عباس وجابر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال أبو ~~رافع توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثلاثا ومرة مرة # قال أبو بكر فما نص الله تعالى عليه في هذه الآية هو فرض الوضوء على ما ~~بيناه وفيه أشياء مسنونة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما # حدثنا عبد الله بن الحسن قال حدثنا أبو مسلم قال حدثنا أبو الوليد قال ~~حدثنا زائدة قال حدثنا خالد بن علقمة عن عبد الخير قال دخل على الرحبة بعد ~~ما صلى الفجر فجلس في الرحبة ثم قال لغلامه ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء ~~وطست قال عبد الخير ونحن جلوس ننظر إليه فأخذ بيده اليمنى الإناء فأكفأه ~~على يده اليسرى ثم غسل كفيه ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده ~~اليسرى فغسل كفيه ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى الإناء فلما ملأ كفه تمضمض ~~واستنشق ونثر بيده اليسرى فغسل ثلاث مرات ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده ~~اليمنى إلى ms1455 المرفق ثلاث مرات ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاث مرات ثم ~~أدخل يديه الإناء حتى غمرهما بالماء ثم رفعهما بما حملتا ثم مسح رأسه بيده ~~كلتيهما ثم صب بيديه اليمنى على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث ~~مرات ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات ثم ~~أخذ غرفة بكفه فشرب منه ثم قال من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهذا طهوره وهذا الذي رواه علي في صفة وضوء النبي صلى الله عليه ~~وسلم # هو مذهب أصحابنا وذكر فيه أنه بدأ فأكفأ الإناء على يديه فغسلهما ثلاثا ~~وهو عند أصحابنا وسائر الفقهاء مستحب غير واجب وإن أدخلهما الإناء قبل أن ~~يغسلهما لم يفسد الماء إذا لم تكن فيهما نجاسة ويروى عن الحسن البصري أنه ~~قال من غمس يده في إناء قبل الغسل أهراق الماء وتابعه على ذلك من لا يعتد ~~به ويحكى عن بعض أصحاب الحديث أنه فصل بين نوم الليل ونوم النهار لأنه ~~ينكشف في نوم الليل فلا يأمن أن تقع يده على موضع الاستنجاء ولا ينكشف في ~~نوم النهار قال أبو بكر والذي في حديث علي من صفة وضوء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسقط هذا الاعتبار ويقتضي أن يكون ذلك سنة الوضوء لأن عليا كرم ~~الله وجهه صلى الفجر ثم توضأ ليعلمهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فغسل يديه قبل إدخالهما في # PageV03P358 # الإناء # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه ~~فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده # قال محمد بن الحسن كانوا يستنجون بالأحجار فكان الواحد منهم لا يأمن وقوع ~~يده في حال النوم على موضع الاستنجاء وهناك بلة من عرق أو غيره فتصيبها ~~فأمر بالاحتياط مع تلك النجاسة التي عسى أن تكون قد أصابت يده من موضع ~~الاستنجاء وقد اتفق الفقهاء على الندب ومن ذكرنا قوله ms1456 آنفا فهو شاذ وظاهر ~~الآية ينفي إيجابه وهو قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق فاقتضى الظاهر وجوب غسلهما بعد إدخالهما الإناء ومن ~~أوجب غسلهما قبل ذلك فهو زائد في الآية ما ليس فيها وذلك لا يجوز إلا بنص ~~مثله أو باتفاق والآية على عمومها فيمن قام من النوم وغيره وعلى أنه قد روي ~~أن الآية نزلت فيمن قام من النوم وقد أطلقت جواز الغسل على سائر الوجوه # وقد روى عطاء ابن يسار عن ابن عباس أنه قال لهم أتحبون أن أريكم كيف كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فدعا بإناء فيه ماء فاغترف بيده اليمنى ~~فتمضمض واستنشق ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى ثم أخذ أخرى فغسل بها يده ~~اليسرى # وذكر الحديث فأخبر في هذا الحديث أنه أدخل يده الإناء قبل أن يغسلها وهذا ~~يدل على أن غسل اليد قبل إدخالها الإناء استحباب ليس بإيجاب وأن ما في حديث ~~علي وحديث أبي هريرة في غسل اليد قبل إدخالها الإناء ندب وحديث أبي هريرة ~~في ذلك ظاهر الدلالة على أنه لم يرد به الإيجاب وأنه أراد الاحتياط مما عسى ~~أن يكون قد أصابت يده موضع الاستنجاء وهو # قوله فإنه لا يدري أين باتت يده # فأخبر أن كون النجاسة على يده ليس بيقين ومعلوم أن يده قد كانت طاهرة قبل ~~النوم فهي على أصل طهارتها كمن كان على يقين من الطهارة فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند الشك أن يبني على يقين من الطهارة ويلغي الشك فدل ذلك ~~على أن أمره إذا استيقظ من نومه يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء استحباب ليس ~~بإيجاب وقد ذكر إبراهيم النخعي أن أصحاب عبد الله كانوا إذا ذكر لهم حديث ~~أبي هريرة في أمر المستيقظ من نومه يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء قالوا إن ~~أبا هريرة كان مهذارا فما يصنع بالمهراس «1» وقال الأشجعي لأبي هريرة فما ~~تصنع بالمهراس فقال أعوذ بالله من شرك PageV03P359 # والذي أنكره أصحاب عبد ms1457 الله من قول أبي هريرة اعتقاده الإيجاب فيه لأنه ~~كان معلوما أن المهراس الذي كان بالمدينة قد كان يتوضأ منه في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبعده فلم ينكره أحد ولم يكن الوضوء منه إلا ~~بإدخال اليد فيه فاستنكر أصحاب عبد الله اعتقاد الوجوب فيه مع ظهور ~~الاغتراف منه باليد من غير نكير من أحد منهم عليه ولم يدفعوا عندنا روايته ~~وإنما أنكروا اعتقاد الوجوب واختلف الفقهاء في مسح الأذنين مع الرأس فقال ~~أصحابنا هما من الرأس تمسحان معه وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ورواه ~~أشهب عن مالك وكذلك رواه ابن القاسم عنه وزاد وأنهما تمسحهما بماء جديد ~~وقال الحسن بن صالح يغسل باطن أذنيه مع وجهه ويمسح ظاهرهما مع رأسه وقال ~~الشافعي يمسحهما بماء جديد وهما سنة على حيالهما لا من الوجه ولا من الرأس ~~والدليل على أنهما من الرأس وتمسحان معه ما # حدثنا عبيد الله بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم قال حدثنا أبو عمر عن حماد ~~بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم توضأ فغسل كفيه ثلاثا وطهر وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح ~~برأسه وأذنيه وقال الأذنان من الرأس # وأخبرنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن النضر بن بحر قال حدثنا ~~عامر بن سنان قال حدثنا زياد بن علاقة عن عبد الحكم عن أنس بن مالك قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذنان من الرأس ما أقبل منهما وما أدبر # وروى ابن عباس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أيضا أما ~~الحديث الأول فإنه يدل على صحة قولنا من وجهين أحدهما قوله أنه مسح رأسه ~~وأذنيه وهذا يقتضي أن يكون مسح الجميع بماء واحد ولا يجوز إثبات تجديد ماء ~~لهما بغير رواية والثاني # قوله الأذنان من الرأس # لأنه لا يخلو من أن يكون مراده تعريفنا موضع الأذنين من الرأس أو أنهما ~~تابعتان له ممسوحتان معه ms1458 وغير جائز أن يكون مراده تعريفنا موضع الأذنين لأن ~~ذلك بين معلوم بالمشاهدة وكلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من ~~الفائدة فثبت أن المراد الوجه الثاني فإن قيل يجوز أن يكون مراده أنهما ~~ممسوحتان كالرأس قيل له لا يجوز ذلك لأن اجتماعهما في الحكم لا يوجب إطلاق ~~الحكم بأنهما منه ألا ترى أنه غير جائز أن يقال الرجلان من الوجه من حيث ~~كانتا مغسولتين كالوجه فثبت أن قوله الأذنان من الرأس إنما مراده أنهما ~~كبعض الرأس وتابعتان له ووجه آخر وهو أن من بابها التبعيض إلا أن تقوم ~~الدلالة # PageV03P360 # على غيره فقوله الأذنان من الرأس حقيقته أنهما بعض الرأس فواجب إذا كان ~~كذلك أن تمسحا معه بماء واحد كما يمسح سائر أبعاض الرأس # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مسح المتوضئ برأسه خرجت ~~خطاياه من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه وإذا غسل وجهه خرجت خطاياه من تحت ~~أشفار عينيه فأضاف الأذنين إلى الرأس كما جعل العينين من الوجه # فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عشر من الفطرة خمس في الرأس ~~فذكر منها المضمضة والاستنشاق # ولم يدل ذلك على دخولهما في حكم الرأس كذلك # قوله الأذنان من الرأس # قيل له لم يقل الفم والأنف من الرأس وإنما # قال خمس في الرأس # فوصف ما يفعل من الخمس في الرأس ونحن نقول إن هذه الجملة هو الرأس ونقول ~~العينان في الرأس وكذلك الفم والأنف قال الله تعالى لووا رؤسهم والمراد هذه ~~الجملة على أن ما ذكرته هو لنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمى ما ~~تشتمل عليه هذه الجملة رأسا فوجب أن تكون الأذنان من الرأس لاشتمال هذه ~~الجملة عليهما وأن لا يخرج شيء منها إلا بدلالة ولما قال تعالى وامسحوا ~~برؤسكم وكان معلوما أنه لم يرد به الوجه وإن كان في الرأس وإنما أراد ما ~~علا منه مما فوق الأذنين ثم # قال صلى الله عليه وسلم الأذنان ms1459 من الرأس # كان ذلك إخبارا منه بأنهما من الرأس الممسوح فإن قيل # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لهما ماء جديدا # وروت الربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وصدغيه ثم ~~مسح أذنيه # وهذا يقتضي تجديد الماء لهما قيل له أما قولك إنه أخذ لهما ماء جديدا فلا ~~نعلمه روي من جهة يعتمد عليها ولو صح لم يدل على قولك لأنهما إذا كانتا من ~~الرأس فالماء الجديد الذي أخذ لهما هو الذي أخذه لجميع الرأس ولا فرق بين ~~قول القائل أخذ للأذنين ماء جديدا وبين قوله أخذ للرأس ماء جديدا إذا كانتا ~~من الرأس والماء المأخوذ للرأس هو للأذنيين وقول الربيع بنت معوذ مسح برأسه ~~ثم مسح أذنيه لا دلالة فيه على تجديد الماء للأذنيين لأن ذكر المسح لا ~~يقتضي تجديد الماء لهما لأن اسم المسح يقع على هذا الفعل مع عدم الماء وهو ~~مثل ما روي أنه مسح رأسه مرتين بماء واحد أقبل بهما وأدبر وقد علمنا أنه ~~أقبل بهما وأدبر ولم يوجد ذلك تجديد الماء كذلك الأذنان إذ غير ممكن مسح ~~الرأس مع الأذنين في وقت واحد كما لا يمكن مسح مقدم الرأس ومؤخره في حال ~~واحدة فلا دلالة في ذكر مسح الأذنين بعد مسح الرأس على تجديد الماء لهما ~~دون الرأس فإن # PageV03P361 # احتجوا بأن # النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه ~~وبصره # فجعل السمع من الوجه قيل له لم يرد بالوجه في هذا الموضع العضو المسمى ~~بذلك وإنما أراد به أن جملة الإنسان هو الساجد لله لا الوجه وهو كقوله ~~تعالى كل شيء هالك إلا وجهه يعني به ذاته وأيضا فإنه ذكر السمع وليس ~~الأذنان هما السمع فلا دلالة فيه على حكم الأذنين وقد قال الشاعر: # إلى هامة قد وقر الضرب سمعها ... وليست كأخرى سمعها لم يوقر # فأضاف السمع إلى الهامة ويدل على أنهما تمسحان مع الرأس على وجه التبع ~~أنه ليس في ms1460 الأصول مسح مسنون إلا على وجه التبع للمفروض منه ألا ترى أن من ~~سنة المسح على الخفين أن يمسح من أطراف الأصابع إلى أصل الساق والمفروض منه ~~بعضه أما على قولنا فمقدار ثلاثة أصابع وعلى قول المخالف مقدار ما يسمى ~~مسحا # وقد روي في حديث عبد خير عن علي أنه مسح وأسه مقدمه ومؤخره ثم قال هذا ~~وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم # وروي عبد الله بن زيد المازني والمقدام بن معدي كرب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم مسح رأسه بيديه أقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى ~~قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه # ومعلوم أن القفا ليس بموضع مفروض المسح لأن مسح ما تحت الأذنين لا يجزي ~~من المفروض وإنما مسح ذلك الموضع على جهة التبع للمفروض فإن قيل لما لم تكن ~~الأذنان موضع فرض المسح أشبهتا داخل الفم والأنف فيجدد لهما ماء جديدا ~~كالمضمضة والاستنشاق فيكون سنة على حيالها قيل له هذا غلط لأن القفا ليس ~~بموضع لفرض المسح والنبي صلى الله عليه وسلم قد مسحه مع الرأس على وجه ~~التبع فكذلك الأذنان وأما المضمضة والاستنشاق فكانا سنة على حيالهما من قبل ~~أن داخل الفم والأنف ليسا من الوجه بحال فلم يكونا تابعين له فأخذ لهما ماء ~~جديدا والأذنان والقفا جميعا من الرأس وإن لم يكونا موضع الفرض فصارا ~~تابعين له فإن قيل لو كانت الأذنان من الرأس لحل بحلقهما من الإحرام ولكان ~~حلقهما مسنونا مع الرأس إذا أراد الإحلال من إحرامه قيل له لم يسن حلقهما ~~ولا حل بحلقهما لأن في العادة أن لا شعر عليهما وإنما الحلق مسنون في الرأس ~~في الموضع الذي يكون عليه الشعر في العادة فلما كان وجود الشعر على الأذنين ~~شاذا نادرا أسقط حكمهما في الحلق ولم يسقط في المسح وأيضا # PageV03P362 # فإنا قلنا إن الأذنين تابعتان للرأس على ما بينا لا على أنهما الأصل ألا ~~ترى أنا لا نجيز المسح عليهما دون الرأس ms1461 فكيف يلزمنا أن نجعلهما أصلا في ~~الحلق وأما قول الحسن ابن صالح في غسل باطن الأذنين ومسح ظاهرهما فلا وجه ~~له لأنه لو كان باطنهما مغسولا لكانتا من الوجه فكان يجب غسلهما ولما ~~وافقنا على أن ظاهرهما ممسوح مع الرأس دل ذلك على أنهما من الرأس ولأنا لم ~~نجد عضوا بعضه من الرأس وبعضه من الوجه وقال أصحابنا لو مسح ما تحت أذنيه ~~من الرأس لم يجزه من الفرض لأن ذلك من القفا وليس هو من مواضع فرض المسح ~~فلا يجزيه ألا ترى أنه لو كان شعره قد بلغ منكبه فمسح ذلك الموضع من شعره ~~لم يجزه عن مسح رأسه واختلف الفقهاء في تفريق الوضوء فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر والأوزاعي والشافعي هو جائز وقال ابن أبي ليلى ومالك ~~والليث إن تطاول أو تشاغل بعمل غيره ابتدأ الوضوء من أوله والدليل على صحة ~~ما قلناه قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق الآية فإذا أتى ~~بالغسل على أي وجه فعله فقد قضى عهدة الآية ولو شرطنا فيه وترك الفريق ~~الموالاة كان فيه إثبات زيادة في النص والزيادة في النص توجب نسخه ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~والحرج الضيق فأخبر تعالى أن المقصد حصول الطهارة ونفي الحرج وفي قول ~~مخالفينا إثبات الحرج مع وقوع الطهارة المذكورة في الآية ويدل عليه قوله ~~تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به الآية فأخبر بوقوع التطهير ~~بالماء من غير شرط الموالاة فحيثما وجد كان مطهرا بحكم الظاهر ويدل عليه ~~قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا ومعناه مطهرا فحيثما وجد فواجب أن ~~يكون هذا حكمه ولو منعنا الطهارة مع وجود الغسل لأجل التفريق كنا قد سلبناه ~~الصفة التي وصفه الله تعالى بها من كونه طهورا ويدل عليه ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد بن أبي الشوارب قال ~~حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا محمد بن ms1462 عبيد الله عن الحسين بن ~~سعد عن أبيه عن علي قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله إني اغتسلت من الجنابة وصليت الفجر فلما أصبحت رأيت بذراعي قدر ~~موضع الظفر لم يصبه الماء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لو مسحت ~~عليه بيدك أجزك فأجاز له أن يمسح عليه بعد تراخي الوقت # ولم يأمره # PageV03P363 # باستئناف الطهارة # وروى عبد الله بن عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما ~~وأعقابهم تلوح فقال ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء # ويدل عليه # حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتم صلاة ~~أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه # والتفريق لا يخرجه من أن يكون وضعه مواضعه لأن مواضعه هذه الأعضاء ~~المذكورة في القرآن ولم يشرط فيه الموالاة وترك التفريق ويدل عليه من وجه ~~آخر # قوله في لفظ آخر حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل ~~رجليه # ولم يذكر فيه التتابع فهو على الأمرين من تفريق أو موالاة فإن قيل لما ~~كان قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم أمرا يقتضي الفور وجب أن يكون ~~مفعولا على الفور فإذا لم يفعل استقبل إذ لم يفعل المأمور به قيل له الأمر ~~على الفور لا يمنع صحة فعله على المهلة ألا ترى أن تارك الوضوء رأسا لا ~~تفسد طهارته إذا فعله بعد ذلك على التراخي وكذلك سائر الأوامر التي ليست ~~موقتة فإن تركها في وقت الأمر بها لا يفسدها إذا فعلها ولا يمنع صحتها وعلى ~~أن هذا المعنى لأن يكون دليلا على صحة قولنا أولى وذلك لأن غسل العضو ~~المفعول على الفور قد صح عندنا جميعا وتركه لغسل باقي الأعضاء ينبغي أن لا ~~يغير حكم الأول ولا تلزمه إعادته لأن في إيجاب إعادته إبطاله عن الفور ~~وإيجاب فعله على التراخي فواجب أن يكون مقرا على حكمه في صحة فعله بديا على ~~الفور واحتج أيضا القائلون بذلك # بحديث ابن عمر أن النبي ms1463 صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء ~~من لا يقبل الله له صلاة إلا به # قالوا ومعلوم أن فعله كان على وجه المتابعة قيل له هذا دعوى ومن أين لك ~~أنه فعله متتابعا وجائز أن يكون غسل وجهه في وقت ثم غسل يديه بعد ساعات ~~وكذلك سائر أعضائه ليفيد الحاضرين حكم جواز فعله متفرقا وعلى أنه لو تابع ~~لم يدل قوله ذلك على وجوب التتابع لأن # قوله هذا وضوء # إنما إشارة إلى الغسل لا إلى الزمان فإن قيل لما كان بعضه منوطا ببعض حتى ~~لا يصح لبعضه حكم إلا بجميعه أشبه أفعال الصلاة قيل له هذا منتقض بالحج لأن ~~بعضه منوط ببعض ألا ترى أنه لو لم يقف بعرفة بطل إحرامه وطوافه الذي قدمه ~~ولم يجب من أجل ذلك متابعة أفعاله وأيضا فإنه قد ثبت لغسل بعض الأعضاء حكم ~~دون بعض ألا ترى أنه لو كان بذراعه عذر لسقط فرض طهارته عنه وليس كذلك ~~الصلاة لأن أفعالها كلها منوطة بعضها ببعض فإما أن يسقط جميعها أو يثبت ~~جميعها على # PageV03P364 # الحال التي يمكن فعلها فمن حيث جاز سقوط بعض أعضاء الطهارة وبقي البعض ~~أشبه الصلاة والزكاة وسائر العبادات إذا اجتمع وجوبها عليه فيجوز تفريقها ~~عليه وأيضا فإن الصلاة إنما لزم فيها الموالاة من غير فصل لأنه يدخل فيها ~~بتحريمة ولا يصح بناء أفعالها إلا على التحريمة التي دخل بها في الصلاة ~~فمتى أبطل التحريمة بكلام أو فعل لم يصح له بناء باقي أفعالها بغير تحريمة ~~والطهارة لا تحتاج إلى تحريمة ألا ترى أنه يصح في أضعافها الكلام وسائر ~~الأفعال ولا يبطلها ذلك وإنما شرط فيه من قال ذلك عدم جفاف العضو قبل إتمام ~~الطهارة وجفاف العضو لا تأثير له في حكم رفع الطهارة ألا ترى أن جفاف جميع ~~الأعضاء لا يؤثر في رفعها كذلك جفاف بعضها وأيضا فلو كان هذا تشبيها صحيحا ~~وقياسا مستقيما لما صح في هذا الموضع إذ غير جائز الزيادة في النص بالقياس ~~فلا مدخل ms1464 للقياس هاهنا وأيضا فإنه لا خلاف أنه لو كان في الشمس ووالى بين ~~الوضوء إلا أنه كان يجف العضو منه قبل أن يغسل الآخر أنه لا يوجب ذلك بطلان ~~الطهارة كذلك إذا جف بتركه إلى أن يغسل الآخر. # (فصل) وقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية يدل على أن ~~التسمية على الوضوء ليست بفرض لأنه أباح الصلاة بغسل هذه الأعضاء من غير ~~شرط التسمية وهو قول أصحابنا وسائر فقهاء الأمصار وحكي عن بعض أصحاب الحديث ~~أنه رآها فرضا في الوضوء فإن تركها عامدا لم يجزه وإن تركها ناسيا أجزأه ~~ويدل على جوازه قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا فعلق صحة الطهارة ~~بالفعل من غير ذكر التسمية شرطا فيه فمن شرطها فهو زائد في حكم هذه الآيات ~~ما ليس منها وناف لما أباحته من جواز الصلاة بوجود الغسل ويدل عليه من جهة ~~السنة # حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة وقال هذا ~~وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به # ولم يذكر فيه التسمية وقد علم الأعرابي الطهارة في الصلاة في حديث رفاعة ~~بن رافع وقال لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه إلى آخره ~~ولم يذكر التسمية وحديث علي وعثمان وعبد الله بن زيد وغيرهم في صفة وضوء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر أحد منهم التسمية فرضا فيه وقالوا ~~هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كانت التسمية فرضا فيه لذكروها ~~ولورد النقل به متواترا في وزن ورود النقل في سائر الأعضاء المفروض طهارتها ~~لعموم الحاجة إليه فإن احتجوا # PageV03P365 # بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ضوء لمن لم يذكر ~~اسم الله عليه # قيل له لا تجوز الزيادة في نص القرآن إلا بمثل ما يجوز به النسخ فهذا ~~سؤال ساقط من وجهين أحدهما ما ذكرنا والآخر أن أخبار الآحاد غير مقبولة ~~فيما عمت البلوى به وإن صح ms1465 احتمل أنه يريد به نفي الكمال لا نفي الأصل # كقوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد # ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له # ونحو ذلك فإن قيل لما كان الحدث يبطله صار كالصلاة في الحاجة إلى ذكر اسم ~~الله تعالى في ابتدائه قيل له قولك إن الحدث يبطل الصلاة غلط عندنا لأنه ~~جائز بقاء الصلاة مع الحدث إذا سبقه ويتوضأ ويبني وأيضا فليست العلة في ~~حاجة الصلاة إلى الذكر أن الحدث يبطلها وإنما المعنى أن القراءة مفروضة ~~فيها وأيضا نقيسه على غسل النجاسة بمعنى أنه طهارة وأيضا فقد وافقونا على ~~إن تركها ناسيا لا يمنع صحة الطهارة فبطل بذلك قولهم من وجهين أحدهما أن ~~الصلاة يستوي في بطلانها ترك ذكر التحريمة ناسيا أو عامدا والثاني أنها لو ~~كانت فرضا لما أسقطها النسيان إذ كانت شرطا في صحة الطهارة كسائر شرائطها ~~المذكورة. # (فصل) قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية يدل على أن ~~الاستنجاء ليس بفرض وأن الصلاة جائزة مع تركه إذا لم يتعد الموضع وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك فأجاز أصحابنا صلاته وإن كان مسيئا في تركه وقال الشافعي لا ~~يجزيه إذا تركه رأسا وظاهر الآية يدل على صحة القول الأول وروي في التفسير ~~أن معناه إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون وقال في نسق الآية أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا فحوت هذه الآية ~~الدلالة من وجهين على ما قلنا أحدهما إيجابه على المحدث غسل هذه الأعضاء ~~وإباحة الصلاة وموجب الاستنجاء فرضا مانع ما أباحته الآية وذلك يوجب النسخ ~~وغير جائز نسخ الآية إلا بما يوجب العلم من النقل المتواتر وذلك غير معلوم ~~في إيجاب الاستنجاء ومع ذلك فإنهم متفقون على أن هذه الآية غير منسوخة ~~وأنها ثابتة الحكم وفي اتفاقهم على ذلك ما يبطل قول موجبي الاستنجاء فرضا ~~والوجه الآخر من دلالة الآية قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط إلى ~~آخرها فأوجب التيمم على من ms1466 جاء من الغائط وذلك كناية عن قضاء الحاجة فأباح ~~صلاته بالتيمم من غير استنجاء فدل ذلك على أنه غير فرض ويدل عليه من جهة ~~السنة # حديث علي بن يحيى بن خلاد عن # PageV03P366 # أبيه عن عمه رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتم ~~صلاة أحدكم حتى يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل رجليه فأباح صلاته بعد ~~غسل هذه الأعضاء مع ترك الاستنجاء # ويدل عليه أيضا # حديث الحصين الحراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن اكتحل ~~فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج # فنفى الحرج عن ترك الاستجمار فدل على أنه ليس بفرض فإن قيل إنما نفى ~~الحرج عن تاركه إلى الماء قيل له هذا خطأ من وجهين أحدهما أنه أجاز تركه من ~~غير استعمال الماء ومن ادعى تركه إلى الاستنجاء بالماء فإنما خصه بغير ~~دلالة والثاني أنه تسقط فائدته لأنه معلوم أن الاستنجاء بالماء أفضل من ~~الاستجمار بالأحجار فغير جائز أن ينفي الحرج عن فاعل الأفضل هذا ممتنع ~~مستحيل لا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان وضعا للكلام في غير موضعه ~~فإن قيل # في حديث سلمان نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتزى بدون ثلاثة ~~أحجار # وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فليستنج بثلاثة أحجار # وأمره على الوجوب فيحمل قوله فلا حرج على ما لا يسقط إيجاب الأمر وهو أن ~~يكون إنما نفى الحرج عمن لم يستجمر وترا ويفعله شفعا لا بأن يتركه أصلا أو ~~على أن يتركه إلى الماء ليسلم لنا مقتضى الأمر من الإيجاب قيل له بل نجمع ~~بينهما ونستعملهما ولا نسقط أحدهما بالآخر فنجعل أمره بالاستنجاء ونهيه عن ~~تركه على الندب ونستعمل معه # قوله صلى الله عليه وسلم ومن لا فلا حرج # في نفي الإيجاب ولو استعمل على ما ذكرت كان فيه إسقاط أحدهما ms1467 أصلا لا ~~سيما إذا كان خبرنا موافقا لما تضمنته نص الآية من دلالتها على جواز الصلاة ~~مع تركه ويدل على أنه غير فرض وعلى جواز الصلاة مع تركه اتفاق الجميع على ~~جواز صلاة المستنجي بالأحجار مع وجود الماء وعدم الضرورة في العدول عنه إلى ~~الأحجار ولو كان الاستنجاء فرضا لكان الواجب أن يكون بالماء دون الأحجار ~~كسائر البدن إذا أصابته نجاسة كثيرة لا تجوز الصلاة بإزالتها بالأحجار دون ~~غسلها بالماء إذا كان موجودا وفي ذلك دليل على أن هذا القدر من النجاسة ~~معفو عنه فإن قيل أنت تجيز فرك المني من الثوب إذا كان يابسا ولم يدل ذلك ~~على جواز الصلاة مع تركه إذا كان كثيرا فكذلك موضع الاستنجاء مخصوص بجواز ~~الصلاة مع إزالته بالأحجار قيل له إنما أجزنا ذلك في المني وإن كان نجسا ~~لخفة حكمه في نفسه ألا ترى أنه لا يختلف حكمه في أي موضع أصابه من ثوبه في # PageV03P367 # جواز فركه فأما بدن الإنسان فلا يختلف حكم شيء منه في عدم جواز إزالة ~~النجاسة عنه بغير ما يزيله من الماء وسائر المائعات وكذلك حكم النجاسة التي ~~على موضع الاستنجاء لا يختلف في تغليظ حكمها فواجب أن لا يختلف حكمها في ~~ذلك الموضع وفي سائر البدن وكذلك إن سألونا عن حكم النجاسة التي لها جرم ~~قائم في الخف أنه يطهر بالدلك بعد الجفاف ولو أصابت البدن لم يزلها إلا ~~الغسل فيقال لها إنما اختلفنا لاختلاف حال جرم الخف وبدن الإنسان في كون ~~جرم الخف مستخصفا غير ناشف لما يحصل فيه من الرطوبة إلى نفسه وجرم النجاسة ~~سخيف متخلخل ينشف الرطوبة الحاصلة في الخف إلى نفسها فإذا حكت لم يبق منها ~~إلا اليسير الذي لا حكم له فصار اختلاف أحكامها في الحك والفرك والغسل ~~متعلقا إما بنفس النجاسة لخفتها وإما بما تحله النجاسة في إمكان إزالتها ~~عنه بغير الماء كما نقول في السيف إذا أصابه دم فمسحه إنه يجزي لأن جرم ~~السيف لا يقبل النجاسة فينشفها إلى نفسه فإذا ms1468 أزيل ما على ظاهره لم يبق ~~هناك إلا ما لا حكم له. # (فصل) ويستدل بقوله تعالى فاغسلوا وجوهكم الآية على بطلان قول القائلين ~~بإيجاب الترتيب في الوضوء وعلى أنه جائز تقديم بعضها على بعض على ما يرى ~~المتوضئ وهو قول أصحابنا ومالك والثوري والليث والأوزاعي وقال الشافعي لا ~~يجزيه غسل الذراعين قبل الوجه ولا غسل الرجلين قبل الذراعين وهذا القول مما ~~خرج به الشافعي عن إجماع السلف والفقهاء وذلك لأنه # روي عن علي وعبد الله وأبي هريرة ما أبالي بأي أعضائي بدأت إذا أتممت ~~وضوئي # ولا يروى عن أحد من السلف والخلف فيما نعلم مثل قول الشافعي وقوله تعالى ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية يدل من ثلاثة أوجه على سقوط فرض ~~الترتيب أحدها مقتضى ظاهرها جواز الصلاة بحصول الغسل من غير شرط الترتيب إذ ~~كانت الواو هاهنا عند أهل اللغة لا توجب الترتيب قاله المبرد وثعلب جميعا ~~وقالوا إن قول القائل رأيت زيدا وعمرا بمنزلة قوله رأيت الزيدين ورأيتهما ~~وكذلك هو في عادة أهل اللفظ ألا ترى أن من سمع قائلا يقول رأيت زيدا وعمرا ~~لم يعتقد في خبره أنه رأى زيدا قبل عمرو بل يجوز أن يكون رآهما معا وجائز ~~أن يكون رأى عمرا قبل زيد فثبت بذلك أن الواو لا توجب الترتيب وقد أجمعوا ~~جميعا أيضا في رجل لو قال إذا دخلت الدار فأمر أتى طالق وعبدي حر وعلي صدقة ~~أنه إذا دخل الدار لزمه # PageV03P368 # ذلك كله في وقت واحد لا يلزمه أحدها قبل الآخر كذلك وهذا يدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا ما شاء الله وشئت ولكن قولوا ما ~~شاء الله ثم شئت # فلو كانت الواو توجب الترتيب لجرت مجرى ثم ولما فرق النبي صلى الله عليه ~~وسلم بينهما وإذا ثبت أنه ليس في الآية إيجاب الترتيب فموجبه في الطهارة ~~مخالف لها وزائد فيها ما ليس منها وذلك يوجب نسخ الآية عندنا لحظره ما ~~أباحته وهم يختلفوا أنه ليس في هذه ms1469 الآية نسخ فثبت جواز فعله غير مرتب ~~والوجه الثاني من دلالة الآية قوله تعالى وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الرجل مغسول معطوفة في المعنى على ~~الأيدي وأن تقديرها فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برؤسكم فثبت ~~بذلك أن ترتيب اللفظ على هذا النظام غير مراد به ترتيب المعنى والوجه ~~الثالث قوله في نسقها ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وهذا الفصل يدل من وجهين على سقوط الترتيب أحدهما نفيه الحرج وهو الضيق ~~فيما تعبدنا به من الطهارة وفي إيجاب الترتيب إثبات للحرج ونفي التوسعة ~~والثاني قوله ولكن يريد ليطهركم فأخبر أن مراده حصول الطهارة بغسل هذه ~~الأعضاء ووجود ذلك مع عدم الترتيب كهو مع وجوده إذ كان مراد الله تعالى ~~الغسل فإن قيل على الفصل الأول نحن نسلم لك أن الواو لا توجب الترتيب ولكن ~~الآية قد اقتضت إيجابه من حيث كانت الفاء للتعقيب ولا خلاف بين أهل اللغة ~~فيه فلما قال تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لزم بحكم اللفظ أن ~~يكون الذي يلي حال القيام إليها غسل الوجه لأنه معطوف عليه بالفاء فلزم به ~~تقديم غسله على سائر الأعضاء وإذا لزم الترتيب في غسل الوجه لزم في سائر ~~الأعضاء لأن أحدا لم يفرق بينهما قيل له هذا غير واجب من وجهين أحدهما أن ~~قوله إذا قمتم إلى الصلاة متفق على أنه ليس المراد به حقيقة اللفظ لأن ~~الحقيقة تقتضي إيجاب الوضوء بعد القيام إلى الصلاة لأنه جعله شرطا فيه ~~فأطلق ذكر القيام وأراد به غيره ففيه ضمير على ما بينا فيما تقدم وما كان ~~هذا سبيله فغير جائز استعماله إلا بقيام الدلالة عليه إذ كان مجازا فإذا لا ~~يصح إيجاب غسل الوجه مرتبا على المذكور في الآية لأجل إدخال الفاء عليه إذ ~~كان المعنى الذي ترتب عليه الغسل موقوفا على الدلالة فهذا وجه يسقط به سؤال ~~هذا السائل والوجه الآخر أن نسلم لهم جواز اعتبار هذا اللفظ فيما ms1470 يقتضيه من ~~الترتيب فنقول لهم «24- أحكام لث» # PageV03P369 # إذا ثبت أن الواو لا توجب الترتيب صار تقدير الآية إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا هذه الأعضاء فيصير الجميع مرتبا على القيام وليس يختص به الوجه دون ~~سائرها إذ كانت الواو للجمع فيصير كأنه عطف الأعضاء كلها مجموعة بالفاء على ~~حال القيام فلا دلالة فيه على الترتيب بل تقتضي إسقاط الترتيب ويدل على ~~سقوط الترتيب قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا ومعناه مطهرا فحيثما ~~وجد ينبغي أن يكون مطهرا مستوفيا لهذه الصفة التي وصفه الله بها وموجب ~~الترتيب قد سلبه هذه الصفة إلا مع وجود معنى آخر غيره وهذا غير جائز ويدل ~~عليه من جهة السنة # حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الأعرابي حين ~~علمه الصلاة وقال له إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يضع الوضوء مواضعه ~~ثم يكبر ويحمد الله # وذكر الحديث # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وضع الوضوء مواضعه أجزأه # ومواضع الوضوء الأعضاء المذكورة في الآية فأجاز الصلاة بغسلها من غير ذكر ~~الترتيب فدل على أن غسل هذه الأعضاء يوجب كمال طهارته لوضعه الوضوء مواضعه ~~فإن قيل إذا لم يرتب فلم يضع الوضوء مواضعه قيل له هذا غلط لأن مواضع ~~الوضوء معلومة مذكورة في الكتاب فعلى أي وجه حصل الغسل فقد وضع الوضوء ~~مواضعه فيجزيه بحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإكمال طهارته إذا فعل ذلك ~~ويدل عليه من جهة النظر اتفاق الجميع على جواز طهارته لو بدأ من المرفق إلى ~~الزند وقال تعالى وأيديكم إلى المرافق فلما لم يجب الترتيب فيما هو مرتب في ~~مقتضى حقيقة اللفظ فما لم يقتض اللفظ ترتيبه أحرى أن يجوز وهذه دلالة ظاهرة ~~لا يحتاج معها إلى ذكر علة يجمعها لأنه قد ثبت بما وصفنا أن المقصد فيه ليس ~~الترتيب إذ لو كان كذلك لكان ما اقتضى اللفظ ترتيبه أولى أن يكون مرتبا ~~وأيضا يجوز أن يقاس عليها بأنهما جميعا من أعضاء الطهارة ms1471 فلما سقط الترتيب ~~في أحدهما وجب سقوطه في الآخر وأيضا لما لم يجب الترتيب بين الصلاة والزكاة ~~إذ كل واحدة منهما يجوز سقوطها مع ثبوت فرض الأخرى كان كذلك الترتيب في ~~الوضوء لجواز سقوط فرض غسل الرجلين لعلة بهما مع لزوم فرض غسل الوجه وأيضا ~~لما لم يستحل جمع هذه الأعضاء في الغسل وجب أن لا يجب فيها الترتيب كالصلاة ~~والزكاة # وقد روي عن عثمان أنه توضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم غسل رجليه ثم مسح ثم قال ~~هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ # فإن احتجوا بما # روي # PageV03P370 # أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لا يقبل الله ~~له صلاة إلا به # قيل له ليس في هذا الخبر ذكر الترتيب وإنما هو # حديث زيد العمي عن معاوية بن قرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~توضأ مرة مرة ثم قال هذا وضوء من لا يقبل الله له صلاة إلا به ثم توضأ ~~مرتين مرتين # وذكر الحديث فلم يذكر فيه أنه فعله مرتبا وليس يمتنع أن يكون قد بدأ ~~بالذراعين قبل الوجه أو يمسح الرأس قبله ومن ادعى أنه فعله مرتبا لم يمكنه ~~إثباته إلا برواية فإن قيل كيف يجوز أن يتأول عليه ترك الترتيب مع قولك إن ~~المستحب فعله مرتبا قيل له جائز أن يترك المستحب إلى غيره مما هو مباح ومع ~~ذلك فيجوز أن يكون فعله غير مرتب على وجه التعليم كما أنه أخر المغرب في ~~حال على وجه التعليم والمستحب تقديمها في سائر الأوقات فإن قيل فإن لم يكن ~~فعله مرتبا فواجب أن يكون فعله غير مرتب واجبا لقوله هذا وضوء من لا يقبل ~~الله له صلاة إلا به قيل له لو قبلنا ذلك وقلنا مع ذلك إن اللفظ يقتضي وجوب ~~فعله على ما أشار به إليه من عدم ترتيب الفعل لكنا أجزناه مرتبا بدلالة ~~تسقط سؤالك ولكنا نقول إن قوله هذا وضوء إنما هو إشارة ms1472 إلى الغسل دون ~~الترتيب فلذلك لم يكن للترتيب فيه مدخل فإن احتجوا بما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الصفا وقال نبدأ بما بدأ الله به # وذلك عموم في ترتيب الحكم به واللفظ جميعا قيل له هذا يدل على أن الواو ~~لا توجب الترتيب لأنها لو كانت توجبه لما احتاج إلا تعريفه الحاضرين وهم ~~أهل اللسان ولا دلالة فيه مع ذلك على وجوب الترتيب في الصفا والمروة فكيف ~~به في غيره لأن أكثر ما فيه أنه إخبار عما يريد فعله من التبدئة بالصفا ~~وإخباره عما يريد فعله لا يقتضي وجوبا كما أن فعله لا يقتضي الإيجاب وعلى ~~أنه لو اقتضى الإيجاب لكان حكمه مقصورا على ما أخبر به وفعله دون غيره فإن ~~قيل # قوله صلى الله عليه وسلم نبدأ بما بدأ الله به # إخبار بأن ما بدأ الله به في اللفظ فهو مبدوء به في المعنى لولا ذلك لم ~~يقل نبدأ بما بدأ الله به إنما أراد البدأة به في الفعل فتضمن ذلك إخبارا ~~بأن الله قد بدأ به في الحكم من حيث بدأ به في اللفظ قيل له ليس هذا كما ~~ظننت من قبل أنه يجوز أن يقول نبدأ بالفعل فيما بدأ الله به في اللفظ فيكون ~~كلاما صحيحا مفيدا وأيضا لا يمتنع عندنا أن يريد بترتيب اللفظ ترتيب الفعل ~~إلا أنه لا يجوز إيجابه إلا بدلالة ألا ترى أن ثم حقيقتها التراخي وقد ترد ~~وتكون في معنى الواو كقوله تعالى ثم كان # PageV03P371 # من الذين آمنوا # ومعناه وكان من الذين آمنوا وقوله تعالى ثم الله شهيد ومعناه والله شهيد ~~وكما تجيء أو بمعنى الواو كقوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما ومعناه إن يكن غنيا وفقيرا فكذلك لا يمتنع أن يريد بالواو الترتيب ~~فتكون مجازا ولا يجوز حملها عليه إلا بدلالة فإن قيل سئل ابن عباس وقيل له ~~كيف تأمر بالعمرة قبل الحج والله سبحانه يقول وأتموا الحج والعمرة لله فقال ~~كيف تقرءون الدين ms1473 قبل الوصية أو الوصية قبل الدين قالوا الوصية قال فبأيهما ~~تبدؤن قالوا بالدين قال فهو ذاك فلولا أن في لسانهم الترتيب في الفعل على ~~حسب وجوده في اللفظ لما سألوه عن ذلك قيل له كيف يحتج بقول هذا السائل وهو ~~قد جهل ما فيه الترتيب بلا خلاف بين أهل اللغة فيه وهو قوله فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج وهذا اللفظ لا محالة يوجب ترتيب فعل الحج على العمرة ~~وتقديمها عليه فمن جهل هذا لم ينكر منه الجهل بحكم اللفظ في قوله تعالى ~~وأتموا الحج والعمرة لله وما يدري هذا القائل أن هذا السائل كان من أهل ~~اللغة وعسى أن يكون ممن أسلم من العجم ولم يكن من أهل المعرفة باللسان ~~وأيهما أولى قول ابن عباس في أن ترتيب اللفظ لا يوجب ترتيب الفعل أو قول ~~هذا السائل فلو لم يكن في إسقاط قول القائلين بالترتيب إلا قول ابن عباس ~~لكان كافيا مغنيا فإن قيل # قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ابدءوا بما بدأ الله به # وقال تعالى إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # فقوله ابدءوا بما بدأ الله به # أمر يقتضي التبدئة بما بدأ الله به في اللفظ والحكم وقوله عز وجل فاتبع ~~قرآنه # لزوم في عموم اتباعه مرتبا إذا ورد اللفظ كذلك قيل له وأما قوله ابدءوا ~~بما بدأ الله به فإنما ورد في شأن الصفا والمروة فذكر بعضهم القصة على ~~وجهها وحفظ بعضهم ذكر السبب واقتصر على # قوله صلى الله عليه وسلم ابدءوا بما بدأ الله به # وغير جائز لنا أن نجعلهما حديثين ونثبت من النبي صلى الله عليه وسلم ~~القول في حالين إلا بدلالة توجب ذلك وأيضا فنحن نبدأ بما بدأ الله به وإنما ~~الكلام بيننا وبين مخالفينا في مراد الله من التبدئة بالفعل إذا بدأ به في ~~اللفظ فالواجب أن نثبت أن الله قد أراد ترتيب الحكم حتى نبدأ به وكذلك ~~الجواب في قوله فاتبع قرآنه # لأن اتباع قرآنه أن ms1474 نبدأ به على ترتيبه ونظامه وواجب أن نبدأ بحكم القرآن ~~على حسب مراده من ترتيب أو جمع وغيره وأنت متى أوجبت الترتيب فيما لا يقتضي ~~المراد ترتيبه فلم تتبع قرآنه وترتيب # PageV03P372 # اللفظ لا يوجب ترتيب الفعل فإن قيل إذا كان القرآن اسما للتأليف والحكم ~~جميعا فواجب علينا اتباعه في الأمرين قيل له القرآن اسم للمتلو حكما كان أو ~~خبرا فعلينا اتباعه في تلاوته فأما مراد ترتيب الفعل على ترتيب اللفظ فإن ~~المرجع فيه إلى مقتضى اللغة وليس في اللغة إيجاب ترتيب الفعل على ترتيب ~~اللفظ في المأمور به ألا ترى أن كثيرا من القرآن قد نزل بأحكام ثم نزلت ~~بعده أحكام أخر ولم يوجب تقديم تلاوته تقديم فعله على ما نزل بعده وقد ~~علمنا أنه غير جائز تعبير نظم القرآن والسور والآي عما هي عليه وليس يجب ~~ذلك ترتيب الأحكام المذكورة فيها حسب ترتيب التلاوة فبان بذلك سقوط هذا ~~السؤال فإن قيل قد أثبت الترتيب بالواو في قول الرجل لامرأته أنت طالق ~~وطالق وطالق قبل الدخول بها فأثبتها بالأولى ولم توقع الثانية والثالثة ~~فجعلت الواو مرتبة بحكم اللفظ فكذلك قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم يلزمك إيجاب ~~الترتيب في غسل هذه الأعضاء حسب ما في نظام التلاوة من الترتيب قيل له لم ~~نوقع الأولى قبل الثانية في مسألة الطلاق لما ذكرت من كون الواو مقتضية ~~للترتيب وإنما أوقعنا الأولى قبل الثانية لأنه أوقعها غير معلقة بشرط ولا ~~مضافة إلى وقت وحكم الطلاق إذا حصل هكذا أن يقع غير منتظر به حال أخرى فلما ~~وقعت الأولى لأنه قد بدأ بها في اللفظ ثم أوقع الثانية صادفتها الثانية ~~وليست هي بزوجة فلم تلحقها وأما قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم فلم يقع به غسل ~~الوجه قبل اليد ولا اليد قبل المسح لأن غسل بعض هذه الأعضاء لا يغني ولا ~~يتعلق به حكم إلا بغسل الجميع فصار غسل الجميع موجبا معا بحكم اللفظ فلم ~~يقتض اللفظ الترتيب ألا ترى أنه لو علق الطلاق الأول والثاني والثالث بشرط ms1475 ~~فقال أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار لم يقع منه شيء إلا بالدخول لأنه ~~شرط في كل واحدة ما شرطه في الأخرى من الدخول كما شرط في غسل كل واحد من ~~الأعضاء غسل الأعضاء الأخر ولا يختلف أهل العلم في رجل قال لامرأته إن دخلت ~~هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق فدخلت الثانية ثم الأولى أنها تطلق ولم يكن ~~قوله هذه وهذه موجبا لتقديم الأولى في الشرط الذي علق به وقوع الطلاق فإن ~~قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى ~~يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح برأسه ثم يغسل رجليه وثم تقتضي ~~الترتيب بلا خلاف # قيل له لا يخلو # PageV03P373 # قائل ذلك من أن يكون متكذبا أو جاهلا وأكثر ظني أن قائله فيه متكذب وقد ~~تعمد ذلك لأن هذا إنما هو حديث علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة ~~بن رافع وقد روي من طرق كثيرة وليس في شيء منها ما ذكر من الترتيب وعطف ~~الأعضاء بعضها على بعض بثم وإنما أكثر ما فيه يغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ~~ورجليه إلى الكعبين وقال في بعضها حتى يضع الطهور مواضعه وذلك يقتضي جواز ~~ترك الترتيب وأما عطفه بثم فما رواه أحد ولا ذكره بإسناد ضعيف ولا قوي وعلى ~~أنه لو روي ذلك في الحديث لم يجز الاعتراض به على القرآن في إثبات الزيادة ~~فيه وإيجاب نسخه فإذ قد ثبت أنه ليس في القرآن إيجاب الترتيب فغير جائز ~~إثباته بخبر الواحد لما وصفنا. ### | باب الغسل من الجنابة # قال الله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا قال أبو بكر الجنابة اسم شرعي يفيد ~~لزوم اجتناب الصلاة وقراءة القرآن ومس المصحف ودخول المسجد إلا بعد ~~الاغتسال فمن كان مأمور باجتناب ما ذكرنا من الأمور موقوف الحكم على ~~الاغتسال فهو جنب وذلك إنما يكون بالإنزال على وجه الدفق والشهوة أو ~~الإيلاج في أحد السبيلين من الإنسان ويستوي فيه الفاعل والمفعول به وينفصل ms1476 ~~حكم الجنابة من حكم الحيض والنفاس وإن كان الحيض والنفاس يحظران ما تحظره ~~الجنابة مما قدمنا بأن الحيض والنفاس يحظران الوطء أيضا ووجود الغسل لا ~~يطهرهما أيضا مادامت حائضا أو نفساء والغسل يطهر الجنب ولا تحظر عليه ~~الجنابة الوطء وإنما سمي جنبا لما لزم من اجتناب ما وصفنا إلى أن يغتسل ~~فيطهره الغسل والجنب اسم يطلق على الواحد وعلى الجماعة وذلك لأنه مصدر كما ~~قالوا رجل عدل وقوم عدل ورجل زور وقوم زور من الزيارة وتقول منه أجنب الرجل ~~وتجنب واجتنب والمصدر الجنابة والاجتناب فالجنابة المذكورة في هذا الموضع ~~هي البعد والاجتناب لما وصفنا وقال الله تعالى والجار ذي القربى والجار ~~الجنب يعني البعيد منه نسبا فصارت الجنابة في الشرع اسما للزوم اجتناب ما ~~وصفنا من الأمور وأصله التباعد عن الشيء وهو مثل الصوم قد صار اسما في ~~الشرع للإمساك عن أشياء معلومة وقد كان أصله في اللغة الإمساك فقط واختص في ~~الشرع بما قد علم وقوعه عليه ونظائره من الأسماء الشرعية المنقولة من اللغة ~~إليها فكان المعقول بها ما استقرت عليه أحكامها # PageV03P374 # في الشرع فأوجب الله تعالى على من حصلت له هذه السمة الطهارة بقوله وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا وقوله في آية أخرى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وقال وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان روي أنهم أصابتهم جنابة ~~فأنزل الله مطرا فأزالوا به أثر الاحتلام والمفروض من غسل الجنابة إيصال ~~الماء بالغسل إلى كل موضع يلحقه حكم التطهير من بدنه لعموم قوله فاطهروا ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم مسنون الغسل فيما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد بن عبد الملك قال حدثنا ~~محمد بن مسدد قال حدثنا عبد الله بن داود عن الأعمش عن سالم عن كريب قال ~~حدثنا ابن عباس عن خالته ميمونة قالت وضعت للنبي صلى الله عليه وسلم غسلا ~~«1» يغتسل من الجنابة فأكفأ الإناء ms1477 على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثا ~~ثم صب على فرجه بشماله ثم ضرب بيده الأرض فغسلها ثم تمضمض واستنشق وغسل ~~وجهه ويديه ثم صب على رأسه وجسده ثم تنحى ناحية فغسل رجليه فناولته المنديل ~~فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده # وكذلك الغسل من الجنابة عند أصحابنا والوضوء ليس بفرض في الجنابة لقوله ~~تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا وإذا اغتسل فقد تطهر وقضى عهدة الآية وقال ~~تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى - إلى قوله- ولا جنبا إلا عابري سبيل ~~حتى تغتسلوا فأباح الصلاة بالاغتسال من غير وضوء فمن شرط في صحته مع وجود ~~الغسل وضوءا فقد زاد في الآية ما ليس فيها وذلك غير جائز لما بينا فيما سلف ~~فإن قيل قال الله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية وذلك ~~عموم في سائر من قام إليها قيل له فالجنب حين غسل سائر جسده فهو غاسل لهذه ~~الأعضاء فقد قضى عهدة الآية لأنه متوضئ مغتسل فهو إن لم يفرد الوضوء قبل ~~الاغتسال فقد أتى بالغسل على وضوء لأنه أعم منه فإن قيل # توضأ النبي صلى الله عليه وسلم # قبل الغسل قيل له هذا يدل على أنه مستحب مندوب إليه لأن ظاهر فعله لا ~~يقتضي الإيجاب واختلف الفقهاء في وجوب المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والليث والثوري هما فرض فيه وقال مالك ~~والشافعى ليس بفرض فيه وقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا عموم في إيجاب ~~تطهير سائر ما يلحقه حكم التطهير من البدن PageV03P375 # فلا يجوز ترك شيء منه فإن قيل من اغتسل ولم يتمضمض ولم يستنشق يسمى ~~متطهرا فقد فعل ما أوجبته الآية قيل له إنما يكون مطهرا لبعض جسده وعموم ~~الآية يقتضي تطهير الجميع فلا يكون بتطهير البعض فاعلا لموجب عموم اللفظ ~~ألا ترى أن قوله تعالى فاقتلوا المشركين عموم في سائرهم وإن كان الاسم قد ~~يتناول ثلاثة منهم كذلك ما وصفنا ولما لم يجز لأحد أن يقتصر من حكم آية ~~قتال ms1478 المشركين على ثلاثة منهم لأن الاسم يتناولهم إذ كان العموم شاملا ~~للجميع فكذلك قوله تعالى فاطهروا عموم في سائر البدن فلا يجوز الاقتصار على ~~بعضه فإن قيل قوله ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا يقتضي جوازه مع ~~تركها لوقوع اسم المغتسل عليه قيل له إذا كان قوله فاطهروا يقتضي تطهير ~~داخل الفم والأنف فالواجب علينا استعمال الآيتين على أعمهما حكما وأكثرهما ~~فائدة وغير جائز الاقتصار بهما على أخصهما حكما إذ فيه تخصيص بغير دلالة ~~ألا ترى أن من تمضمض واستنشق يسمى مغتسلا أيضا فليس في ذكره الاغتسال نفي ~~لمقتضى قوله عز وجل وإن كنتم جنبا فاطهروا هذا يدل عليه من جهة السنة # حديث الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا ~~البشرة # وروى حماد بن سلمة عن عطاء ابن السائب عن زاذان عن علي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل بها كذا وكذا ~~من النار قال علي فمن ثم عاديت شعري # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا أحمد بن النضر بن بحر وأحمد وأحمد ~~بن عبد الله بن سابور والعمري قالوا حدثنا بركة بن محمد الحلبي قال حدثنا ~~يوسف بن أسلط عن سفيان الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم جعل المضمضة والاستنشاق للجنب ثلاثة فريضة # وأما # قوله تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعر وأنقوا البشرة # ففيه الدلالة من وجهين على ما ذكرنا أحدهما أن الأنف فيه شعرة وبشرة ~~والفم فيه بشرة فاقتضى الخبر وجوب غسلها وحديث علي أيضا يوجب غسل داخل ~~الأنف لأن فيه شعرا فإن قيل إن العين قد يكون فيها شعر قيل له هو شاذ نادر ~~والأحكام إنما تتعلق بالأعم الأكثر ولا حكم للشاذ النادر فيها وعلى أنا ~~خصصناه بالإجماع ومع ذلك فإن الكلام ms1479 في وجه دلالة التخصيص خروج عن المسألة ~~والعموم سالم لنا فيما لم تقم دلالة خصوصه فإن قيل إن # PageV03P376 # ابن عمر كان يدخل الماء عينيه في الجنابة قيل له لم يكن يفعله على وجه ~~الوجوب وقد كان مصعبا على نفسه في أمر الطهارة يفعل فيها ما لا يراه واجبا ~~قد كان يتوضأ لكل صلاة ويفعل أشياء على وجه الاحتياط لا على وجه الوجوب ~~وحديث يوسف بن أسباط الذي ذكرنا فيه نص على إيجابها فرضا فإن قيل ذكر فيه # أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاث فرضا # وأنت لا تقول به قيل ظاهره يقتضي كون الثلاث فرضا وقد قامت الدلالة على ~~سقوط فرض الاثنين وبقي حكم اللفظ فيما وراءه ويدل عليه من جهة النظر أن ~~المفروض في غسل الجنابة غسل الظاهر والباطن مما يلحقه حكم التطهير بدلالة ~~أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر لأنها يلحقها حكم التطهير لو أصابتها نجاسة ~~فكذلك يلزمه تطهير داخل الفم والأنف لهذه العلة فإن قيل فيجب على غسل داخل ~~العينين لهذه العلة قيل له لو أصاب داخل عينيه نجاسة لم يلزمه تطهيرها هكذا ~~كان يقول أبو الحسن وأيضا فليس في داخل العينين بشرة وإنما يلزم في الجنابة ~~تطهير البشرة فإن قيل لما كان داخل العينين باطنا ولم يلزم تطهيره وجب أن ~~يكون كذلك حكم داخل الأنف والفم قيل له وكيف صار داخل العينين باطنا فإن ~~أردت به أنه ينطبق عليهما الجفن فذلك موجود في الإبطين لأنهما ينطبق عليهما ~~العضد ولا خلاف في لزوم تطهيرهما في الجنابة ولا يلزمنا إيجاب المضمضة ~~والاستنشاق في الوضوء لأجل إيجابنا لهما في الجنابة وذلك لأن الآية في ~~إيجاب الوضوء إنما اقتضت غسل الوجه والوجه هو ما واجهك فلم يتناول داخل ~~الأنف والفم والآية في غسل الجنابة قد أوجبت تطهير سائر البدن من غير خصوص ~~فاستعملنا الآيتين على ما وردتا والفرق أيضا بينهما من جهة النظر أن الواجب ~~في الوضوء غسل الظاهر دون الباطن بدلالة أنه لا يلزمنا فيه إبلاغ الماء ~~أصول ms1480 الشعر فلذلك لم يلزم تطهير الفم وداخل الأنف وفي الجنابة عليه غسل ~~الباطن من البشرة بدلالة أن عليه إبلاغ الماء أصول الشعر وبهذا نجيب عن # قوله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة خمس في الرأس وخمس في البدن # فذكر في الرأس المضمضة والاستنشاق فنحمله على أنه مسنون في الطهارة ~~الصغرى ونفرق بينه وبين الجنابة بما ذكرنا والله أعلم. # (تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله باب التيمم) # PageV03P377 # [الجزء الرابع] # [تتمة سورة المائدة] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب التيمم # قال الله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فتضمنت الآية بيان حكم ~~المريض الذي يخاف ضرر استعمال الماء وحكم المسافر الذي لا يجد الماء إذا ~~كان جنبا أو محدثا لأن قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط فيه بيان حكم ~~الحدث لأن الغائط هو اسم للمنخفض من الأرض وكانوا يقضون الحاجة هناك فجعل ~~ذلك كناية عن الحدث وقوله أو لامستم النساء مفيد لحكم الجنابة في حال عدم ~~الماء ولما يستدل عليه إن شاء الله تعالى وقد دل ظاهر قوله وإن كنتم مرضى ~~على إباحة التيمم لسائر المرضى بحق العموم لولا قيام الدلالة على أن المراد ~~بعض المرضى فروي عن ابن عباس وجماعة من التابعين أنه المجدور ومن يضره ~~الماء ولا خلاف مع ذلك أن المريض الذي لا يضره استعمال الماء لا يباح له ~~التيمم مع وجود الماء وإباحة التيمم للمريض غير مضمنة بعدم الماء بل هي ~~مضمنة بخوف ضرر الماء على ما بينا وذلك لأنه تعالى قال وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~فأباح التيمم للمريض من غير شرط عدم الماء وعدم الماء إنما هو مشروط ~~للمسافر دون المريض من قبل أنه لو جعل عدم الماء شرطا في إباحة التيمم ~~للمريض لأدى ذلك إلى إسقاط فائدة ذكر المريض لأن العلة المبيحة ms1481 للتيمم ~~وجواز الصلاة به في المريض والمسافر لو كانت عدم الماء لما كان لذكر المريض ~~مع ذكر عدم الماء فائدة إذ لا تأثير للمريض في إباحة التيمم ولا منعه إذ ~~كان الحكم متعلقا بعدم الماء فإن قيل إذا جاز أن يذكر حال السفر مع عدم ~~الماء وإن كان جواز التيمم متعلقا بعدم الماء دون السفر إذ لو كان واجدا ~~للماء أجزأه التيمم لم يمتنع أن تكون إباحة التيمم للمريض موقوفة على حال ~~عدم الماء قيل له إنما ذكر المسافر لأن الماء إنما يعدم في السفر في الأعم ~~الأكثر فإنما ذكر السفر إبانة عن الحال التي يعدم الماء # PageV04P002 # فيها في الأعم الأكثر كما # قال صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر حتى يأويه الجرين # وليس المقصد فيه أن يأويه الجرين فحسب لأنه لو آواه بيت أو دار كان ذلك ~~كذلك وإنما مراده بلوغ حال الاستحكام وامتناع إسراع الفساد إليه وإيواء ~~الحرز لأن الجرين الذي يأويه حرز وكما قال في خمس وعشرين بنت مخاض ولم يرد ~~به وجود المخاض بأمها وإنما أريد به أنه قد أتى عليها حول وصارت في الثاني ~~لأنها إذا كانت كذلك كان بأمها مخاض في الأعم الأكثر فكان فائدة ذكر ~~المسافر مع شرط عدم الماء ما وصفنا وليس كذلك المريض لأن المريض لا تعلق له ~~بعدم الماء فعلمنا أن مراده ما يلحق من الضرر باستعمال الماء وعموم اللفظ ~~يقتضي جواز التيمم للمريض في كل حال لولا ما روى عن السلف واتفق الفقهاء ~~عليه من أن المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء لا يبيح له التيمم ومن أجل ~~ذلك قال أبو حنيفة ومحمد ومن خاف برد الماء إن اغتسل جاز له التيمم لما ~~يخاف من الضرر # وقد روي في حديث عمرو بن العاص أنه تيمم مع وجود الماء لخوف البرد فأجازه ~~النبي صلى الله عليه وسلم # ولم ينكره وقد اتفقوا على جوازه في السفر مع وجود الماء لخوف البرد فوجب ~~أن يكون الحضر مثله لوجود العلة المبيحة ms1482 له وكما لم يختلف حكم المرض في ~~السفر والحضر كذلك حكم خوف ضرر الماء لأجل البرد وقوله تعالى أو جاء أحد ~~منكم من الغائط فإن أو هاهنا بمعنى الواو تقديره وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط وذلك راجع إلى المريض والمسافر إذا كانا محدثين ~~ولزمهما فرض الصلاة وإنما قلنا إن قوله أو جاء أحد منكم من الغائط بمعنى ~~الواو لأنه لو لم يكن كذلك لكان الجائي من الغائط ثالثا لهما غير المريض ~~والمسافر فلا يكون حينئذ وجوب الطهارة على المريض والمسافر متعلقا بالحدث ~~ومعلوم أن المريض والمسافر لا يلزمهما التيمم إلا أن يكونا محدثين فوجب أن ~~يكون قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط بمعنى وجاء أحدكم كقوله ~~وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون معناه ويزيدون وكقوله إن يكن غنيا أو ~~فقيرا فالله أولى بهما ومعناه غنيا وفقيرا وأما قوله تعالى أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا فإن السلف قد تنازعوا في معنى الملامسة ~~المذكورة في هذه الآية # فقال علي وابن عباس وأبو موسى والحسن وعبيدة والشعبي هي كناية عن الجماع # وكانوا لا يوجبون الوضوء لمن مس امرأته وقال عمر وعبد الله بن مسعود ~~المراد اللمس # PageV04P003 # باليد وكانا يوجبان الوضوء بمس المرأة ولا يريان للجنب أن يتيمم فمن ~~تأوله من الصحابة على الجماع لم يوجب الوضوء من مس المرأة ومن حمله على ~~اللمس باليد أوجب الوضوء من مس المرأة ولم يجز التيمم للجنب واختلف الفقهاء ~~في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والثوري والأوزاعي لا ~~وضوء على من مس امرأة لشهوة أو لغير شهوة وقال مالك إن مسها لشهوة تلذذا ~~فعليه الوضوء وكذلك إن مسته تلذذا فعليها الوضوء وقال إن مس شعرها تلذذا ~~فعليه الوضوء وإذا قال لها شعرك طالق طلقت وقال الحسن بن صالح إن قبل لشهوة ~~فعليه الوضوء وإن كان لغير شهوة فلا وضوء عليه وقال الليث إن مسها فوق ~~الثياب تلذذا فعليه الوضوء وقال الشافعي ms1483 إذا مس جسدها فعليه الوضوء لشهوة ~~أو لغير شهوة والدليل على أن لمسها ليس بحدث على أي وجه كان # ما روي عن عائشة من طرق مختلفة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ # كما # روي أنه كان يقبل بعض نسائه وهو صائم # وقد روى الأمر ان جميعا في حديث واحد ولا يجوز حمله على أنه قبل خمارها ~~وثوبها لوجهين أحدهما أنه لا يجوز أن يحمل اللفظ على المجاز بغير دلالة إذ ~~حقيقته أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها ~~والثاني أنه لا فائدة في نقله وأيضا فإنه لم يكن بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الوحشة وبين أزواجه أن يكون مستورات عنه لا يصيب منها إلا الخمار ~~ومنه # حديث عائشة أنها طلبت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة قالت فوقعت يدي على ~~أخمص قدمه وهو ساجد يقول أعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك # فلو كان مس المرأة حدثا لما مضى في سجوده لأن المحدث لا يجوز أن يبقى على ~~حال السجود # وحديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة ~~بنت أبي العاص فإذا سجد وضعها وإذا رفع رأسه حملها # ومعلوم أن من فعل ذلك لا يخلو من وقوع يده على شيء من بدنها فثبت بذلك أن ~~مس المرأة ليس بحدث وهذه الأخبار حجة على من يجعل اللمس حدثا لشهوة أو لغير ~~شهوة ولا يحتج بها على من اعتبر اللمس لشهوة لأنه حكاية فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لشهوة ومسه أمامة ~~قد علم يقينا أنه لم يكن لشهوة والذي يحتج به على الفريقين أنه معلوم عموم ~~البلوى بمس النساء لشهوة والبلوى بذلك أعم منها بالبول والغائط ونحوهما فلو ~~كان حدثا لما أخل النبي صلى الله عليه وسلم الأمة من التوقيف عليه لعموم ~~البلوى به # PageV04P004 # وحاجتهم إلى معرفة حكمه ولا ms1484 جائز في مثله الاقتصار بالتبليغ إلى بعضهم ~~دون بعض فلو كان منه توقيف لعرفه عامة الصحابة فلما روي عن الجماعة الذين ~~ذكرناهم من الصحابة أنه لا وضوء فيه دل على أنه لم يكن منه صلى الله عليه ~~وسلم توقيف لهم عليه وعلم أنه لا وضوء فيه فإن قيل يلزمك مثله لخصمك لأن لو ~~لم يكن فيه وضوء لكان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف للكافة عليه لأنه ~~لا وضوء فيه لعموم البلوى به قيل له لا يجب ذلك في نفي الوضوء منه كما يجب ~~في إثباته وذلك لأنه معلوم أن الوضوء منه لم يكن واجبا في الأصل فجائز أن ~~يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان معلوما عندهم من نفي وجوب ~~الطهارة ومتى شرع الله تعالى فيه إيجاب الوضوء فغير جائز أن يتركهم بغير ~~توقيف عليه مع علمه بما كانوا عليه من نفي إيجابه لأن ذلك يوجب إقرارهم على ~~خلاف ما تعبدوا به فلما وجدنا قوما من جلة الصحابة لم يعرفوا الوضوء من مس ~~المرأة علمنا أنه لم يكن منه توقيف على ذلك فإن قيل جائز أن لا يكون منه ~~صلى الله عليه وسلم توقيف في حال ذلك اكتفاء بما في ظاهر الكتاب من قوله ~~تعالى أو لامستم النساء وحقيقته هو اللمس باليد وبغيرها من الجسد قيل له في ~~الآية نص على أحد المعنيين بل فيها احتمال لكل واحد منهما ولأجل ذلك ~~اختلفوا في معناها وسوغوا الاجتهاد في طلب المراد بها فليس إذا فيها توقيف ~~في إيجاب الوضوء مع عموم الحاجة إليه وأيضا اللمس يحتمل الجماع على ما ~~تأوله علي وابن عباس وأبو موسى ويحتمل اللمس باليد على ما روي عن عمر وابن ~~مسعود فلما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ # أبان ذلك عن مراد الله تعالى ووجه آخر يدل على أن المراد منه الجماع وهو ~~أن اللمس وإن كان حقيقة للمس باليد فإنه لما كان مضافا إلى ms1485 النساء وجب أن ~~يكون المراد منه الوطء كما أن الوطء حقيقته المشي بالأقدام فإذا أضيف إلى ~~النساء لم يعقل منه غير الجماع كذلك هذا ونظيره قوله تعالى وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن يعني من قبل أن تجامعوهن وأيضا # فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة # ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون ~~فعله إنما صدر عن الكتاب كما أنه لما قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه ~~كان قطعه معقولا بالآية وكسائر الشرائع التي فعلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم مما ينطوي عليه ظاهر الكتاب وإذا ثبت أن المراد باللمس الجماع انتفى ~~منه مس اليد من وجوه أحدها اتفاق السلف من الصدر الأول أن # PageV04P005 # أن المراد أحدهما لأن عليا وابن عباس وأبو موسى لما تأولوه على الجماع لم ~~يوجبوا نقض الطهارة بلمس اليد وعمر وابن مسعود لما تأولاه على اللمس لم ~~يجيزا للجنب التيمم فاتفق الجميع منهم على أن المراد أحدهما ومن قال إن ~~المراد هما جميعا فقد خرج عن اتفاقهم وخالف إجماعهم في أن المراد أحدهما ~~وما روي عن ابن عمر أن قبلة الرجل لامرأته من الملامسة فلا دلالة فيه على ~~أنه كان يرى المعنيين جميعا مرادين بالآية بل كان مذهبه في ذلك مذهب عمر ~~وابن مسعود فبين في هذا الخبر بأن اللمس ليس بمقصور على اليد وإنما يكون ~~أيضا بالقبلة وبغيره من المعانقة والمضاجعة ونحوها ووجه آخر يدل على أنه لا ~~يجوز أن يرادا جميعا بالآية وهو أن اللمس باليد إنما يوجب الوضوء عند ~~مخالفينا والجماع يوجب الغسل وغير جائز أن يتعلق بعموم واحد حكمان مختلفان ~~فيما انتظمه ألا ترى إلى قوله تعالى والسارق والسارقة لما كان لفظ عموم لم ~~يجز أن ينتظم السارقين لا يقطع أحدهما إلا في عشرة ويقطع الآخر في خمسة ~~وإذا ثبت أن الجماع مراد بما وصفنا وهو يوجب الغسل انتفى دخول اللمس باليد ~~فيه فإن قيل لم يختلف حكم ms1486 موجب اللفظ في إرادته الجماع واللمس باليد لأن ~~الواجب فيها التيمم المذكور في الآية قيل له التيمم بدل والأصل هو الطهارة ~~بالماء ومحال إيجاب التيمم إلا وقد وجب قبل ذلك الطهارة بالماء وهو بدل ~~فيها فغير جائز أن يكون اللمس المذكور موجبا للوضوء في إحدى الحالتين ~~وموجبا للغسل في الأخرى وأيضا فإن التيمم وإن كان بصورة واحدة فإن حكمه ~~مختلف لأن أحدهما ينوب عن غسل جميع الأعضاء والآخر عن غسل بعضها فغير جائز ~~أن ينتظمهما لفظ واحد فمتى وجب لأحد المعنيين فكأنه قد نص عليه وذكره بأن ~~قال هو الجماع فلا يدخل فيه اللمس باليد ويدل على انتفاء إرادتهما أن اللمس ~~متى أريد به الجماع كان اللفظ كناية وإذا أريد منه اللمس باليد كان صريحا ~~وكذلك # روي عن علي وابن عباس أنهما قالا اللمس هو الجماع # ولكنه كني وغير جائز أن يكون لفظ واحد كناية صريحا في حال واحدة ومن جهة ~~أخرى يمتنع ذلك وهو أن الجماع مجاز والحقيقة هو اللمس باليد ولا يجوز أن ~~يكون لفظ واحد حقيقة مجازا في حال واحدة فإن قيل لم لا يكون عموما في اللمس ~~من حيث كان الجماع أيضا مسا ويكون حقيقة فيهما جميعا قيل له يمتنع ذلك من ~~وجوه أحدها أنه # قد روي عن علي وابن عباس أنه كناية عن الجماع # وهما أعلم بالغة من # PageV04P006 # هذا القائل فبطل قول القائل إن اللمس صريح فيهما جميعا والآخر ما بينا من ~~امتناع عموم واحد مقتضيا لحكمين مختلفين فيما دخلا فيه ولأن اللمس إذا أريد ~~به مماسة في الجسد فقد حصل نقض الطهارة ووجب التيمم المذكور في الآية بمسه ~~إياها قبل حصول الجماع لاستحالة أن يحصل جماع إلا ويحصل قبله لمس لجسدها ~~فلا يكون الجماع حينئذ موجبا للتيمم المذكور في الآية لوجوبه قبل ذلك بمس ~~جسدها ويدل على أن المراد الجماع دون لمس اليد أن الله تعالى قال إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله تعالى- وإن كنتم جنبا فاطهروا أبان به ~~عن حكم الحدث في ms1487 حال وجود الماء ثم عطف عليه قوله وإن كنتم مرضى أو على ~~سفر- إلى قوله- فتيمموا صعيدا طيبا فأعاد ذكر حكم الحدث في حال عدم الماء ~~فوجب أن يكون قوله أو لامستم النساء على الجنابة لتكون الآية منتظمة لهما ~~مبينة لحكمهما في حال وجود الماء وعدمه ولو كان المراد اللمس باليد لكان ~~ذكر التيمم مقصورا على حال الحدث دون الجنابة غير مفيد لحكم الجنابة في حال ~~عدم الماء وحمل الآية على فائدتين أولى من الاقتصار بها على فائدة واحدة ~~وإذا ثبت أن المراد الجماع انتفى اللمس باليد لما بينا من امتناع إرادتهما ~~بلفظ واحد فإن قيل إذا حمل على اللمس باليد كان مفيدا لكون اللمس حدثا وإذا ~~جعل مقصورا على الجماع لم يفد ذلك فالواجب على قضيتك في اعتبار الفائدتين ~~حمله عليهما جميعا فيفيد كون اللمس حدثا ويفيد أيضا جواز التيمم للجنب فإن ~~لم يجز حمله على الأمرين لما ذكرت من اتفاق السلف على أنهما لم يرادا ~~ولامتناع كون اللفظ مجازا حقيقة أو كناية وصريحا فقد ساويناك في إثبات ~~فائدة مجدد بحمله على اللمس باليد مع استعمالنا حقيقة اللفظ فيه فما جعلك ~~إثبات فائدة من جهة إباحة التيمم للجنب أولى ممن أثبت فائدته من جهة كون ~~اللمس باليد حدثا قيل له لأن قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة مفيد لحكم ~~الأحداث في حال وجود الماء ونص مع ذلك على حكم الجنابة فالأولى أن يكون ما ~~في نسق الآية من قوله أو جاء أحد منكم من الغائط- إلى قوله- أو لامستم ~~النساء بيانا لحكم الحدث والجنابة في حال عدم الماء كما كان في أول الآية ~~بيانا لحكمهما في حال وجوده وليس موضع الآية في بيان تفصيل الأحداث وإنما ~~هي في بيان حكمها وأنت متى حملت اللمس على بيان الحدث فقد أزلتها عن ~~مقتضاها وظاهرها فلذلك كان ما ذكرناه أولى ووجه آخر وهو أن حمله على # PageV04P007 # الجماع يفيد معنيين أحدهما إباحة التيمم للجنب في حال عوز الماء والآخر ~~أن التقاء الختانين دون الإنزال يوجب الغسل فكان ms1488 حمله على الجماع أولى من ~~الاقتصار به على فائدة واحدة وهو كون اللمس حدثا ودليل آخر على ما ذكرنا من ~~معنى الآية وهو أنها قد قرئت على وجهين أو لامستم النساء ولمستم فمن قرأ أو ~~لامستم فظاهره الجماع لا غير لأن المفاعلة لا تكون إلا من اثنين إلا في ~~أشياء نادرة كقولهم قاتله الله وجازاه وعافاه الله ونحو ذلك وهي أحرف ~~معدودة لا يقاس عليها أغيارها والأصل في المفاعلة أنها بين اثنين كقولهم ~~قاتله وضاربه وسالمه وصالحه ونحو ذلك وإذا كان ذلك حقيقة اللفظ فالواجب ~~حمله على الجماع الذي يكون منهما جميعا ويدل على ذلك أنك لا تقول لامست ~~الرجل ولامست الثوب إذا مسسته بيدك لانفرادك بالفعل فدل على أن قوله أو ~~لامستم بمعنى أو جامعتم النساء فيكون حقيقته الجماع وإذا صح ذلك وكانت ~~قراءة من قرأ [أو لمستم] يحتمل اللمس ويحتمل الجماع وجب أن يكون ذلك محمولا ~~على ما لا يحتمل إلا معنى واحدا لأن ما لا يحتمل إلا معنى واحدا فهو المحكم ~~وما يحتمل معنيين فهو المتشابه وقد أمرنا الله تعالى بحكم المتشابه على ~~المحكم ورده إليه بقوله هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب الآية فلما جعل المحكم أما للمتشابه فقد أمرنا بحمله عليه وذم متبع ~~المتشابه باقتصاره على حكمه بنفسه دون رده إلى غيره بقوله فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه فثبت بذلك أن قوله [أو لمستم] لما كان ~~محتملا للمعنيين كان متشابها وقوله أو لامستم لما كان مقصورا في مفهوم ~~اللسان على معنى واحد كان محكما فوجب أن يكون معنى المتشابه مبينا عليه # فإن قيل لما قرئت الآية على الوجهين اللذين ذكرت وكان أحد الوجهين لا ~~يحتمل إلا معنى واحدا وهو قراءة من قرأ أو لامستم النساء والوجه الآخر ~~يحتمل اللمس باليد ويحتمل الجماع وجب أن نجعل القراءتين كالآيتين لو وردتا ~~أحدهما كناية عن الجماع فنستعملها فيه والأخرى صريحة في اللمس باليد خاصة ~~فتستعملها فيه دون الجماع ويكون ms1489 كل واحد من اللفظين مستعملا على مقتضاه من ~~كناية أو صريح إذ لا يكون لفظ واحد حقيقة مجاز ولا كناية صريحا في حال ~~واحدة ونكون مع ذلك قد استعملنا حكم القراءتين على فائدتين دون الاقتصار ~~بهما على فائدة واحدة قيل له لا يجوز ذلك لأن السلف من الصدر الأول # PageV04P008 # المختلفين في مراد الآية قد عرفوا القراءتين جميعا لأن القراءتين لا ~~تكونان إلا توقيفا من الرسول للصحابة عليهما وإذا كانوا قد عرفوا القراءتين ~~ثم لم يعتبروا هذا الاعتبار ولم يحتج بهما موجبو الوضوء من اللمس علمنا ~~بذلك بطلان هذا القول وعلى أنهم مع ذلك لم يحملوهما على المعنيين بل اتفقوا ~~على أن المراد أحدهما وحمله كل واحد من المختلفين على معنى غير ما تأوله ~~عليه صاحبه من جماع أو لمس بيد دون الجماع فثبت بذلك أن القراءتين على أي ~~وجه حصلتا لم تقتضيا بمجموعهما ولا بانفراد كل واحدة منهما الأمرين جميعا ~~ولم يجعلوهما بمنزلة الآيتين إذا وردتا فيجب استعمال كل واحدة منهما على ~~حيالها وحملها على مقتضاها وموجبها وكان أبو الحسن الكرخي يجيب عن ذلك ~~بجواب آخر وهو أن سبيل القراءتين غير سبيل الآيتين وذلك لأن حكم القراءتين ~~لا يلزم معا في حال واحدة بل بقيام أحدهما مقام الأخرى ولو جعلناهما ~~كالآيتين لوجب الجمع بينهما في القراءة وفي المصحف والتعليم لأن القراءة ~~الأخرى بعض القرآن ولا يجوز إسقاط شيء منه ولكان من اقتصر على إحدى ~~القراءتين مقتصرا على بعض القرآن لا على كله وللزم من ذلك أن المصاحف لم ~~يثبت فيها جميع القرآن وهذا خلاف ما عليه جميع المسلمين فثبت بذلك أن ~~القراءتين ليستا كالآيتين في الحكم بل تقرآن على أن تقام أحدهما مقام ~~الأخرى لا على أن يجمع بين أحكامهما كما لا يجمع بين قراءتهما وإثباتهما في ~~المصحف معا ويدل على أن اللمس ليس بحدث أن ما كان حدثا لا يختلف فيه الرجال ~~والنساء ولو مست امرأة امرأة لم يكن حدثا كذلك مس الرجل إياها وكذلك مس ~~الرجل الرجل ليس ms1490 بحدث فكذلك مس المرأة ودلالة ذلك على ما وصفنا من وجهين ~~أحدهما أنا وجدنا الأحداث لا تختلف فيها الرجال والنساء فكل ما كان حدثا من ~~الرجل والمرأة فقوله خارج عن الأصول ومن جهة أخرى أن العلة في مس المرأة ~~المرأة والرجل الرجل أنه مباشرة من غير جماع فلم يكن حدثا كذلك الرجل ~~والمرأة فإن قيل قد أوجب أبو حنيفة الوضوء على من باشر امرأته وانتشرت آلته ~~وليس بينهما ثوب ولا فرق بين مسها بيده وبين مسها ببدنه قيل له لم يوجب أبو ~~حنيفة هاهنا الوضوء بالمباشرة وإنما أوجبه إذ التقى الفرجان من غير إيلاج ~~كذلك رواه محمد عنه وذلك لأن الإنسان لا يكاد يبلغ هذه الحال إلا ويخرج منه ~~شيء وإن لم يشعر به فلما كان الغالب في هذه الحال خروج شيء منه وإن # PageV04P009 # لم يشعر به أوجب الوضوء له احتياطا فحكم له بحكم الحدث كما أنه لما كان ~~الغالب من حال النوم وجود الحدث فيه حكم له بحكم الحدث فليس إذا في ذلك ~~إيجاب الوضوء من اللمس والله أعلم بالصواب. ### | باب وجوب التيمم عند عدم الماء # قال الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا قال أبو بكر شرط الوجود ~~مختلف فيه والجملة التي اتفق أصحابنا عليها أن الوجود إمكان استعمال الماء ~~الذي يكفيه لطهارته من غير ضرر فلو كان معه ماء وهو يخاف العطش أو لم يجده ~~إلا بثمن كثير تيمم وليس عليه أن يغالي فيه إلا أن يجده بثمن كما يباع بغير ~~ضرورة فيشتريه وإن كان أكثر من ذلك فلا يشتريه وجعل أصحابنا جميعا شرط ~~الوجود أن يكفيه لجميع طهارته وأما العلم بكونه في رحله فمختلف فيه أنه من ~~شرط الوجود وسنذكره إن شاء الله واختلف أيضا في وجوب الطلب وهل يكون غير ~~واجد قبل الطلب وإنما قلنا إنه إذا خاف العطش باستعماله للطهارة فهو غير ~~واجد للماء المفروض به الطهارة لأنه متى خاف الضرر في استعماله كان معذورا ~~في تركه إلى التيمم كالمريض قال الله تعالى ms1491 ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج ولكن يريد ليطهركم فنفى الحرج عنا وهو الضيق وفي الأمر باستعمال الماء ~~الذي يخاف فيه العطش أعظم الضيق وقد نفاه الله تعالى نفيا مطلقا وقال تعالى ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # ومن العسر استعمال الماء الذي يؤديه إلى الضرر وتلف النفس ألا ترى أنه لو ~~اضطر إلى شرب الماء وحضرته الصلاة ولا ماء معه غيره أنه مأمور بشربه وترك ~~استعماله للطهارة فكذلك إذا خاف العطش في المستأنف باستعماله وروي نحو هذا ~~القول فيمن خاف العطش عن علي وابن عباس والحسن وعطاء وإنما شرطنا أن يجده ~~بثمن مثل قيمته في غير الضرورة من قبل أن المقدار الفاضل عن قيمته غير ~~مستحق عليه إتلافه لأجل الطهارة إذ لا يحصل بإزائه بدل فكان إضاعة للمال ~~لأن من اشترى ما يساوي درهما بعشرة دراهم فهو مضيع للتسعة # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال # وأيضا لو كان على ثوبه نجاسة ولم يجد الماء لم يكن عليه قطع موضع النجاسة ~~لأجل الصلاة بل عليه أن يصلي فيه لأجل ما يلحقه من الضرر بقطعه فكذلك شرى ~~الماء بثمن غال وأما إذا وجده بثمن مثله فعليه أن يشتريه ويتوضأ # PageV04P010 # ولا يجزيه التيمم من قبل أنه ليس فيه تضييع المال إذ كان يملك بإزاء ما ~~أخرج من ماله مثله وهو الماء الذي أخذه فكان عليه شراؤه والوضوء به وقد ~~اختلف الفقهاء فيمن وجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته فقال أصحابنا جميعا ~~يتيمم وليس عليه استعماله وكذلك لو كان جنبا فوجد ما يكفيه لوضوئه ولا ~~يكفيه لغسله يتيمم وقال مالك والأوزاعي لا يستعمل الجنب هذا الماء في ~~الابتداء ويتيمم فإن أحدث بعد ذلك وعند ما يكفيه لوضوئه يتيمم أيضا وقال ~~أصحابنا في هذه المسألة الأخيرة يتوضأ بهذا الماء ما لم يجد ما يكفيه لغسله ~~وقال الشافعي عليه غسل ما قدر على غسله ويتيمم لا يجزيه غير ذلك قال أبو ~~بكر قال الله تعالى إذا قمتم ms1492 إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى قوله تعالى فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا فاقتضى ذلك وجوب أحد شيئين إما الماء عند وجوده أو ~~التراب عند عدمه لأنه أوجبه بهذه الشريطة ولا خلاف أن من فرض هذا الرجل ~~التيمم وأن صلاته غير مجزية إلا به فعلمنا أن هذا الماء ليس هو الماء ~~المفروض به الطهارة إذ لو كان الماء المفروض به الطهارة موجودا لم تكن صحة ~~صلاته موقوفة على فعل التيمم منه فإن قيل قال الله تعالى فلم تجدوا ماء ~~فأباح التيمم عند عدم ماء منكور وذلك يتناول كل جزء منه سواء كان كافيا ~~لطهارته أو غير كاف فلا يجوز التيمم مع وجوده قيل له الدليل على فساد هذا ~~التأويل اتفاق الجميع على أن من فرضه التيمم وإن استعمل الماء فلو كان هذا ~~القدر من الماء مأمورا باستعماله بالآية لما لزمه التيمم معه لأن الله ~~تعالى إنما أوجب عليه التيمم عند عدم الماء الذي تصح به صلاته فإن قيل فنحن ~~لا نجيز تيممه إلا بعد عدم هذا الماء باستعماله إياه فحينئذ يتيمم قيل له ~~لو كان هذا على ما ذكر لاستغنى عن التيمم باستعمال الماء الذي معه فلما ~~اتفقوا على أن عليه التيمم بعد استعماله ثبت أن هذا الماء ليس هو المفروض ~~به الطهارة ولا ما أبيح التيمم بعدمه وأيضا لما كان وجود هذا الماء بمنزلة ~~عدمه في باب استباحة الصلاة به صار بمنزلة ما ليس بموجود فجاز له التيمم ~~وأيضا لما لم يجز الجمع بين غسل إحدى الرجلين والمسح على الخف في الرجل ~~الأخرى لكون المسح بدلا من الغسل فلم يجز الجمع بينهما وجب أن لا يلزمه ~~الجمع بين غسل الأعضاء والتيمم لهذه العلة وأيضا فإن التيمم لا يرفع الحدث ~~كالمسح لا يرفع الحدث عن الرجل فلم يجز الجمع بين ما يرفع الحدث وبين ما لا ~~يرفعه في المسح كذلك لا يجوز الجمع بين التيمم والغسل في بعض الأعضاء على ~~أن يكونا # PageV04P011 # من فرضه وأيضا فإن التيمم بدل من غسل جميع ms1493 الأعضاء وغير جائز وقوعه عن ~~بعض الأعضاء دون بعض ألا ترى أنه ينوب عن الغسل تارة وعن الوضوء أخرى على ~~أنه قام مقام جميع الأعضاء التي أوجب الحدث غسلها فلو أوجبنا عليه غسل ما ~~يمكنه غسله مع التيمم لم يخل التيمم من أن يقوم مقام غسل بعض أعضائه أو ~~جميعه فإن قام مقام ما لم يغسل منه فقد صار التيمم إنما يقع طهارة عن بعض ~~الأعضاء وذلك مستحيل لأنه لا يتبعض فلما بطل ذلك لم يبق إلا أن يقوم مقام ~~جميعها فيصير حينئذ متوضئا متيمما في الأعضاء المغسولة وذلك محال لأن الحدث ~~زائل عن العضو المغسول فلا ينوب عنه التيمم فثبت أنه لا يجوز اجتماعهما في ~~الوجوب وعلى أن الشافعي يوجب عليه غسل الوجه والذراعين بذلك الماء ويتيمم ~~مع ذلك لهذين العضوين فيكون تيممه في هذين العضوين قائما مقامهما ومقام ~~العضوين الآخرين فيكون قد ألزمه طهارتين في هذين العضوين فكيف يجوز أن يكون ~~طهارة في العضوين المغسولين وهو إذا حصل طهارة لم يرفع الحدث ويكون حكم ~~الحدث باقيا مع وجوده فكيف يجوز وقوعه مع عدم رفع الحدث عما وقع فيه فإن ~~قيل يلزمك مثله إذا قلت فيما غسل بعض أعضائه لأنه ملزم التيمم ويكون ذلك ~~طهارة لجميعه قيل له لا يلزمنا ذلك لأنا لا نوجب عليه استعماله فسقط حكمه ~~إن استعمله # وأنت توجب استعماله كما نوجبه لو وجد ما يكفيه لجميع أعضائه فكان بمنزلة ~~من توضأ وأكمل وضوءه فلا يجوز أن يقوم التيمم مقام شيء منه فإن قال فقد ~~يجوز عندكم الجمع بين التيمم والوضوء ولا ينافي أحدهما الآخر وهو الذي يجد ~~سؤر الحمار ولا يجد غيره قيل له إن طهارته أحد هذين لإجماعهما ولذلك أجزنا ~~له أن يبدأ بأيهما شاء لأنه مشكوك فيه عندنا فلم يسقط عنه فرض الطهارة ~~بالشك فإذا جمع بينهما فالمفروض أحدهما كما قالوا جميعا فيمن نسي إحدى ~~الصلوات الخمس ولا يدري أيها هي يصلي خمس صلوات حتى يصلي على اليقين وإنما ~~الذي عليه واحدة لا ms1494 جميعها كذلك هاهنا وأنت تزعم أن المفروض هما جميعا في ~~مسألتنا وأيضا لما كان التيمم بدلا من الماء كالصوم بدلا من الرقبة لم يجز ~~اجتماع بعض الرقبة والصوم وجب مثله في التيمم والماء فإن قيل الصغيرة قد ~~تجب عدتها بالشهور فإن حاضت قيل انقضائها وجب الحيض وكذلك ذات الحيض لو ~~اعتدت بحيضة ثم يئست وجبت الشهور مع الحيضة المتقدمة # PageV04P012 # قيل له إذا طرأ عليها ما ذكرت قبل انقضاء العدة خرج ما تقدم من أن يكون ~~عدة معتدا به وأنت لا تخرج ما غسل من أن يكون طهارة وكذلك التيمم ودليل آخر ~~في المسألة وهو # قوله صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # والدلالة من هذا قوله ما لم يجد الماء فأدخل عليها الألف واللام وذلك ~~لأحد وجهين إما أن تكون لاستغراق الجنس أو المعهود فإن كان أراد به استغراق ~~الجنس صار في التقدير كأنه قال التراب طهور ما لم يجد مياه الدنيا وإن كان ~~أراد به المعهود فهو قولنا أيضا لأنه ليس هاهنا ماء معهود يجوز أن ينصرف ~~الكلام إليه غير الماء الذي يقع به كمال الطهارة وذلك لم يوجد في مسألتنا ~~فجاز تيممه بظاهر الخبر واختلفوا في العلم بكون الماء في رحله هل هو شرط في ~~الوجود أم لا فقال أبو حنيفة ومحمد إذا نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم ~~وصلى أجزأه ولا يعيد في الوقت ولا بعده وقال مالك ولا يعيد في الوقت ولا ~~يعيد بعده وقال أبو يوسف والشافعي يعيد في الأحوال كلها والأصل فيه قوله ~~تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا والناسي غير واجد لما هو ناس له إذ لا سبيل له ~~إلى الوصول إلى استعماله فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته وقال ~~الله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا فاقتضى ذلك سقوط حكم المنسى وأيضا ~~قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم ومعلوم أن هذا الخطاب لم يتوجه إلى الناسي ~~لأن تكليف الناسي لا يصح وإذا لم يكن مأمورا ms1495 مكلفا بالغسل فهو مأمور ~~بالتيمم لا محالة لأنه لا يجوز سقوطهما جميعا عنه مع الإمكان فثبت جواز ~~تيممه وأيضا لا يختلفون أنه لو كان في مفازة وطلب في الماء فلم يجده فتيمم ~~وصلى ثم علم أنه كان هناك بئر مغطى الرأس لم تجب عليه الإعادة ووجود الماء ~~لا يختلف حكمه بأن يكون مالكه أو في نهر أو في بئر فلما كان جهله بماء ~~البئر مخرجه من حكم الوجود كذلك جهله بالماء الذي في رحله فإن قيل لو نسى ~~الطهارة أو الصلاة لم يسقطها النسيان فكذلك نسيان الماء قيل له ظاهر # قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان # يقتضي سقوطه وكذلك نقول والذي ألزمناه عند الذكر هو فرض آخر غير الأول ~~وأما الأول فقد سقط وإنما ألزمنا الناسي فعل الصلاة وألزمناه الطهارة ~~المنسية بدلالة أخرى وإلا فالنسيان يسقط عنه القضاء لولا الدلالة وأيضا فلا ~~تأثير للنسيان بانفراده في سقوط الفرض إلا بانضمام معنى آخر إليه فيصيران ~~عذرا في سقوطه نحو السفر الذي هو حال عدم الماء # PageV04P013 # فإذا انضم إليه النسيان صار جميعا عذرا في سقوطه وأما نسيان الطهارة ~~والقراءة والصلاة ونحو ذلك فلم ينضم إلى النسيان في ذلك معنى آخر حتى يصير ~~عذرا في سقوط هذه الفرائض ومن جهة أخرى أنا جعلنا النسيان عذرا في الانتقال ~~إلى بدل لا في سقوط أصل الفرض وفي المسائل التي ذكرتها فيها إسقاط الفروض ~~لا نقلها إلى أبدال فلذلك اختلفا فإن قيل الناسي للماء في رحله هو واجد له ~~قيل له ليس الوجود هو كون الماء في رحله دون إمكان الوصول إلى استعماله من ~~غير ضرر يلحقه ألا ترى أن من معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش يجوز له ~~التيمم وهو واجد للماء فالناسي أبعد من الوجود لتعذر وصوله إلى استعماله ~~ألا ترى أن من ليس في رحله ماء وهو قائم على شفير نهر أنه واجد للماء وإن ~~لم يكن له مالكا لإمكان الوصول إلى استعماله فعلمنا أن الوجود هو إمكان ms1496 ~~التوصل إلى استعماله من غير ضرر ألا ترى أن الماء لو كان في رحله ومنعه منه ~~مانع جاز له التيمم فعلمنا أن الوجود شرطه ما ذكرنا دون الملك فإن قيل ما ~~تقول لو كان على ثوبه نجاسة فنسي الماء في رحله ولم يغسله وصلى فيه هل ~~يجزيه قيل له لا نعرفها محفوظة عن أصحابنا وقياس قول أبي حنيفة أنه يجزي ~~وكذلك كان يقول أبو الحسن الكرخي فيمن نسي في رحله ثوبا وصلى عريانا أنه ~~يجزيه واختلفوا في تارك الطلب إذا لم يكن بحضرته ماء هل هو غير واجد فقال ~~أصحابنا إذا لم يطمع في الماء ولم يخبره مخبر فليس عليه الطلب ويجزيه ~~التيمم وقال الشافعي عليه الطلب وإن تيمم قبل الطلب لم يجزه وقال أصحابنا ~~إن طمع فيه أو أخبره مخبر بموضعه فإن كان بينه وبينه ميل أو أكثر فليس عليه ~~إتيانه لما يلحقه من المشقة والضرر بتخلفه عن أصحابه وانقطاعه عن أهل رفقته ~~وإن كان أقل من ميل أتاه وهذا إذا لم يخف على نفسه وما معه من لصوص أو سبع ~~ونحوه ولم ينقطع عن أصحابه وإنما قالوا فيمن كانت حاله ما قدمنا أنه يجزيه ~~التيمم وليس عليه الطلب من قبل أنه غير واجد للماء وقال الله تعالى فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا وهذا غير واجد فإن قالوا لا يكون غير واجد إلا بعد الطلب ~~قيل له هذا خطأ لأن الوجود لا يقتضي طلبا قال الله تعالى فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا قالوا نعم فأطلق اسم الوجود على ما لم يطلبوه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل # ويكون واجدا لها وإن لم يطلبها وقال في الرقبة فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين ومعناه # PageV04P014 # ليس في ملكه ولا له قيمتها لا أنه أوجب عليه أن يطلبها فإذا كان الوجود ~~قد يكون من غير طلب فمن ليس بحضرته ماء ولا هو عالم به فهو غير واجد إذا ~~تناوله إطلاق اللفظ لم يجز لنا أن نزيد ms1497 فيه فرض الطلب لأن فيه إلحاق ~~الزيادة بحكم الآية وذلك غير جائز ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # وقال لأبي ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت فأمسسه جلدك # ويدل أيضا على أن الوجود لا يقتضي الطلب أنه قد يكون واجدا لما يحصل عنده ~~من شيء من غير طلب منه من ماء أو غيره فيقال هذا واجد للرقبة إذا كانت عنده ~~وإن لم يطلبها فإن قال قائل ما أنكرت أنه جائز أن يقال إنه واجد لما لم ~~يطالبه ولا يقال إنه غير واجد إلا أن يكون قد طلبه قيل له إذا كان الوجود ~~لا يقتضي الطلب وليس ذلك شرطه فنفي الوجود مثله لأنه ضده فما جاز إطلاقه ~~عليه جاز على عدمه ألا ترى أنه يصح أن يقال هو غير واجد لألف دينار وإن لم ~~يتقدم منه طلب ولو ضاع منه مال جاز أن يقال إنه لم يجده وإن لم يكن منه طلب ~~كما يقال هو واجده وإن لم يطلبه فالوجود ونفيه سواء في أن كل واحد منهما لا ~~يتعلق إطلاق الاسم فيه بالطلب وقد قال الله تعالى وما وجدنا لأكثرهم من عهد ~~وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين فأطلق الوجود في النفي كما أطلقه في الإثبات مع ~~عدم الطلب فيهما فإن قيل لو كان مع رفيق له ماء فلم يطلبه لم يصح تيممه حتى ~~يطلبه فيمنعه وهذا يدل على وجوب الطلب ويؤكده ما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود ليلة الجن هل ~~معك ماء فطلبه # قيل له أما طلبه من رفيقه فقد روي عن أبي حنيفة أن صلاته جائزة وإن لم ~~يطلبه وأما على قول أبي يوسف ومحمد فإنه لا يجزيه حتى يطلبه فيمنعه وهذا ~~عندنا إذا كان طامعا منه في بذله له وأنه إن لم يطمع في ذلك فليس عليه ~~الطلب ونظيره أن ms1498 يطمع في ماء موجود بالقرب أو يخبره به مخبر فلا يجوز تيممه ~~لأن غالب الظن في مثله يقوم مقام اليقين كما لو غلب في ظنه أنه إن صار إلى ~~النهر وهو بالقرب منه افترسه سبع أو اعترض له قاطع طريق جاز له أن يتيمم ~~وإن غلب على ظنه السلامة لم يجز له التيمم فليس هذا من قول من يوجب الطلب ~~في شيء وأما # حديث عبد الله بن مسعود وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياه الماء وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في طلب الماء # فإن فعله صلى الله عليه وسلم ليس على الوجوب وهو عندنا مستحب كما فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا لا يخلو الذي # PageV04P015 # في المفازة وليس بحضرته ماء ولم يطمع فيه من أن يكون واجدا أو غير واجد ~~فإن كان غير واجد جاز تيممه بقوله فلم تجدوا ماء فتيمموا # وبقول النبي صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم يجد ماء # ، فإن قيل إذا كان شرط جواز التيمم عدم الماء فواجب أن لا يجزي حتى يتيقن ~~وجود شرطه كما أنه لما كان شرط جواز الصلاة حضور الوقت لم يجزه فعلها إلا ~~بعد حصول اليقين بدخول الوقت قيل له الفصل بينهما أن الأصل هو عدم الماء في ~~مثل ذلك الموضع وذلك يقين عنده وإنما لا يعلم هل هو موجود في غيره وهل يكون ~~موجودا إن طلب أم لا فليس عليه أن يزول عن اليقين الأول بما لا يعلمه ويشك ~~فيه ووقت الصلاة أيضا كان غير موجود فغير جائز له فعلها بالشك حتى يتيقن ~~وجوده فيهما سواء في هذا الوجه في باب البناء على اليقين الذي كان الأصل ~~فإن قيل قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله- فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~فالغسل أبدا واجب وعليه التوصل إليه كيف أمكن فإذا كان قد يمكنه التوصل ~~إليه بالطلب فذلك فرضه قيل له الذي قال فاغسلوا هو الذي قال فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا فوجوب الغسل مضمن بوجود الماء وجواز ms1499 التيمم مضمن بعدمه وهو عادم له ~~في الحال لا محالة وإنما يزعم المخالف أنه جائز أن يكون واجدا عند الطلب ~~فغير جائز ترك ما حصل من شرط إباحة التيمم لما عسى يجوز أن يكون ويجوز أن ~~لا يكون والذي قاله المخالف كان يلزم لو طمع في الماء وغلب على ظنه وجوده ~~وأخبره به مخبر فأما مع فقد ذلك فقد حصل شرط الآية على الوجه الذي يبيح ~~التيمم فغير جائز لأحد إسقاطه وإيجاب اعتبار معنى غيره وإنما قدر أصحابنا ~~أقل من ميل من قبل لزوم استعماله إذا علم بموضعه وغلب في ظنه ولم يوجبوه ~~ذلك في ميل فصاعدا اجتهادا ولأن الميل هو الحد الذي تقدر به المسافات ولا ~~تقدر بأقل منه في العادة فاعتبروه في ذلك دون ما هو أقل منه كما قلنا في ~~اعتبار أبي يوسف الكثير الفحش أنه شبر في شبر لأنه أقل المقادير التي تقدر ~~بها المساحات ولا تقدر في العادة بأقل منه وروى نافع عن ابن عمر أنه كان ~~يكون في السفر من الماء على غلوتين أو ثلاث فيتيمم ويصلي ولا يميل إليه وعن ~~سعيد بن المسيب في الراعي يكون بينه وبين الماء ميلان أو ثلاثة وتحضره ~~الصلاة أنه يتيمم ويصلي وقال الحسن وابن سيرين لا يتيمم من رجا أن يقدر على ~~الماء في الوقت واختلف فيمن وجد الماء وخاف ذهاب الوقت إن لم يتيمم فقال ~~أصحابنا والثوري # PageV04P016 # والأوزاعي والشافعي من وجد الماء من مسافر أو مقيم وهو في مصر وهو في آخر ~~الوقت فخاف إن توضأ أن يفوته الوقت لم يجزه إلا الوضوء وقال مالك يجزيه ~~التيمم إذا خاف فوات الوقت وقال الليث بن سعد إذا خاف فوات الوقت إن توضأ ~~يصلي بتيمم ثم أعاد بالوضوء بعد الوقت والأصل فيه قوله تعالى فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا فأوجب استعمال الماء في حال وجوده ونقله عنه إلى التراب عند عدمه ~~فغير جائز نقله إليه مع وجوده لأنه خلاف الآية وحين أمره الله تعالى بغسل ~~هذه الأعضاء لم يقيده ms1500 بشرط بقاء الوقت وإدراك فعل الصلاة فيه فهو مطلق في ~~الوقت وبعده وقال الله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فمنعه من فعل الصلاة إذا كان ~~جنبا إلا بعد تقديم الغسل ولم يذكر فيه بقاء الوقت ولا غيره ويدل عليه من ~~جهة السنة # قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت ~~الماء فأمسسه جلدك # فمتى كان واجدا فعليه استعمال الماء سواء خاف فوت الوقت أو لم يخف لعموم ~~قوله فاغسلوا # ولقوله صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # فمتى كان وجدا للماء فليس التراب طهورا له فلا تجزيه صلاته ومن جهة النظر ~~أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت بدلالة أنه لا تجز صلاة بغير طهارة وهي ~~جائزة مع فوات الوقت فإن قيل إذا خاف فوت الوقت صلى بتيمم ليدرك فضيلة ~~الوقت قيل له كيف يكون مدركا لفضيلة الوقت وهو غير مصل لأنه صلى بغير طهارة ~~فإن قيل التيمم طهور قيل له إنما هو طهور مع عدم الماء كما قال الله تعالى ~~وكما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم وأما مع وجوده فليس بطهور فالواجب عليك ~~أن تدل أو لا على أنه طهور مع وجود الماء وإمكان استعماله من غير ضرر حتى ~~تبني عليه بعد ذلك مذهبك في أنه مدرك لفضيلة الوقت فإن قال قائل المسافر ~~إنما أبيح له التيمم ليدرك الوقت لا لأجل عدم الماء قيل له لو كان كذلك لما ~~جاز له التيمم في أول الوقت في حال عدم الماء لأنه غير خائف فوت الوقت وفي ~~اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول الوقت دلالة على أن شرط جواز التيمم ~~ليس هو لأجل فوت الوقت فإن قال لو كان شرط التيمم عدم الماء لما جاز للمريض ~~ولمن يخاف العطش أن يتيمم مع وجود الماء قيل له إنما قلنا بجوازه لأن ~~الوجود هو إمكان استعماله بلا ضرر ms1501 ولا مشقة لأن الله قد ذكر المريض ~~والمسافر فعدم الماء على الإطلاق شرط وخوف الضرر # PageV04P017 # باستعماله أيضا شرط وأنت فلم تلجأ في اعتبارك الوقت لا إلى آية ولا إلى ~~أثر بل الكتاب والأثر يقضيان بطلان قولك فإن قيل لما جازت الصلاة في حال ~~الخوف مع الاختلاف والمشي إلى غير القبلة وراكبا لأجل إدراك الوقت دل على ~~وجوب اعتبار الوقت في جوازها بالتيمم إذا خاف فوته قيل له إنما أبيحت صلاة ~~الخائف على هذه الوجوه لأجل الخوف لا للوقت ولا لغيره والخوف موجود والدليل ~~على ذلك جواز صلاة الخوف في أول الوقت مع غلبة الظن بانصراف العدو قبل خروج ~~الوقت فدل على أنها إنما أبيحت للخوف لا ليدرك الوقت والتيمم إنما أبيح له ~~لعدم الماء فنظير صلاة الخوف من التيمم أن يكون الماء معدوما فيجوز له ~~التيمم فأما حال وجود الماء فهو بمنزلة زوال الخوف فلا يجوز له فعل الصلاة ~~إلا على هيئتها في حال الأمن وإنما جعل صلاة الخوف بمنزلة الإفطار للمسافر ~~وبمنزلة المسح على الخفين في أنها رخصة مخصوصة بحال لا لخوف فوات الوقت ~~وأيضا فإنه إن فات وقته باشتغاله بالوضوء فإنه يصير إلى وقت آخر لها # لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ~~ذكرها فإن ذلك وقتها # فأخبر أن وقت الذكر مع فواتها وقت لها كما كان الوقت الذي كان قبله وقتا ~~لها فإذا كان وقت الصلاة باقيا مع فواتها عن الوقت الأول لم يجز لنا ترك ~~الطهارة بالماء لخوف فواتها من وقت إلى وقت وقد وافقنا مالك على وجوب ~~الترتيب بين الفائتة وبين صلاة الوقت وأن الفائتة أخص بالوقت من التي هي في ~~وقتها حتى أنه لو بدأ بصلاة الوقت قبلها لم يجزه فلو كان خوف فوت الوقت ~~مبيحا له التيمم لوجب أن يباح له التيمم بعد الفوات أيضا لأن كل وقت يأتي ~~بعد الفوات هو وقت لها لا يسعه تأخيرها عنه فيلزم مالكا أن يجيز لمن فاتته ~~صلاة ms1502 أن يصليها بتيمم في أي وقت كان لأن اشتغاله بالوضوء يوجب تأخيرها عن ~~الوقت المأمور بفعلها فيه والمنهي عن تأخيرها عنه ولما اتفق الجميع على أنه ~~غير جائز له فعلها بالتيمم مع خوف فوات وقتها الذي هو مأمور بفعلها فيه إذا ~~اشتغل باستعمال الماء صح أن الوقت لا تأثير له في ترك الطهارة بالماء إلى ~~التيمم وأما قول الليث بن سعد إنه يتيمم ويصلي في الوقت ثم يتوضأ ويعيد بعد ~~الوقت فلا معنى له لأنه معلوم أنه لا يعتد بتلك الصلاة فلا معنى لأمره بها ~~وتأخير الفرض الذي عليه تقديمه واختلف فيمن حبس في موضع قذر لا يقدر على ~~ماء ولا تراب نظيف فقال أبو حنيفة ومحمد وزفر # PageV04P018 # لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر وهو قول الثوري والأوزاعي ~~وقال أبو يوسف والشافعي يصلي ويعيد والحجة لأبي حنيفة ومن قال بقوله قوله ~~تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا- إلى قوله- فلم تجدوا ماء فتيمموا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور # ومن صلى بغير وضوء ولا تيمم فقد صلى بغير طهور فلا يكون ذلك صلاة فلا ~~معنى لأمرنا إياه بأن نفعل ما ليس بصلاة لأجل أن عليه فرض الصلاة وقد قال ~~أبو يوسف إنه يصلي بالإيماء ثم يعيد فلم يعتد به وأمره بالإعادة فلو كانت ~~هذه صلاة لما كان مأمورا بالإعادة ألا ترى أنه من لم يقدر على الركوع ~~والسجود صلى بالإيماء ولا يؤمر بالإعادة فإن قيل قد يأمره إذا كان محبوسا ~~في بيت نظيف أن يتيمم ويعيد ووجوب الإعادة لم يسقط عنه فعلها بالتيمم قيل ~~له قد روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يتيمم ولا ~~يصلي حتى يخرج فهذا مستمر على هذا الأصل وذكر في الأصل أنه يتيمم ويصلي ~~ويعيد ولم يذكر خلافا وجائز أن يكون هذا قول أبي يوسف وحده فإن كان قولهم ~~جميعا فوجه هذه الرواية على قول أبي حنيفة أن الصلاة بالتيمم قد ms1503 تكون صلاة ~~صحيحة بحال وهو حال عدم الماء أو خوف الضرورة فلما كان عادما للماء في هذه ~~الحال جاز له التيمم وكان القياس أن يكون كالمسافر إذا كان الماء منه قريبا ~~وخاف السبع أو اللصوص فيجوز له التيمم ولا يعيد فهذا هو القياس إلا أنه ترك ~~القياس وأمره بالإعادة وفرق بين حال السفر والحضر لأن الماء موجود في الحضر ~~وإنما وقع المنع بفعل آدمي وفعل الآدمي في مثله لا يسقط الفرض ألا ترى أنه ~~لو منعه رجل مكرها من فعل الصلاة أصلا أو من فعلها بركوع وسجود وصلى ~~بالإيماء أنه يعيد ولو كان المنع من فعل الله تعالى بإغماء ونحوه سقط عنه ~~الفرض ولو كان مريضا سقط عنه فعل الركوع إلى الإيماء فاختلف حكم المنع إذا ~~كان بفعل الله أو بفعل الآدمي فكذلك حال الحضر لما كانت حال وجود الماء لم ~~يسقط فرض استعماله بمنع الآدمي منه فأمره بالتيمم وإعادتها بالماء وعلى ~~الرواية الأولى لم يأمره بفعلها لأنه لا يعتد بها فلا معنى للأمر بها فإن ~~قيل فأنت تأمر المحرم الذي لا شعر على رأسه وأراد الإحلال أن يمر الموسى ~~على رأسه متشبها بالحالقين وإن لم يحلق فهلا أمرت المحبوس الذي لا يقدر على ~~الماء والتراب أن يصلي متشبها بالمصلين وإن لم يكن مصليا وكما تأمر الأخرس ~~بتحريك # PageV04P019 # لسانه بالتلبية استحبابا وإن لم يكن ملبيا قيل له الفصل بينهما أن أفعال ~~المناسك قد ينوب عنه الغير فيها في حال فيصير حكم فعله كفعله فجاز أن ينوب ~~عن الحلق إمرار الموسى على رأسه كما يفعله الغير عنه فيجزي وكذلك تلبية ~~الغير قد تنوب عند أبي حنيفة في حال الإغماء فلذلك استحب له تحريك لسانه ~~بها وإن لم يكن ملبيا إذا كان أخرس وأما الصلاة فلا ينوب عنه فيها غيره ولا ~~يجوز أن يفعل ما ليس بصلاة متشابها بالمصلين فيصير هذا الفعل وتركه سواء لا ~~معنى له فلذلك لم يستحبه فإن احتجوا بما روي في قصة قلادة عائشة حين صلت ~~وأن أصحاب ms1504 النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم لطلب القلادة صلوا بغير ~~تيمم ولا وضوء وأخبروه بذلك ثم نزلت آية التيمم ولم ينكر عليهم فعلها بغير ~~وضوء ولا تيمم قيل له إن آية التيمم لم تكن نزلت وقت ما صلوا ولم يكن ~~التيمم واجبا وأيضا فإنهم لم يؤمروا بالإعادة فينبغي أن يدل على أن لا ~~إعادة على من صلى بغير وضوء ولا تيمم إذا لم يجدهما فلما قال مخالفونا إنه ~~يعيد علمنا أن حكم من ذكر مخالف لأولئك وأيضا فإن أولئك كانوا واجدين ~~للتراب غير واجدين للماء وأنت لا تقول ذلك فيمن كان في مثل حالهم واختلف في ~~جواز التيمم قبل دخول الوقت فقال أصحابنا جائز قبل دخول وقت الصلاة لمن لا ~~يجد الماء ويصلي به الفرض إذا دخل الوقت وقال مالك بن أنس والشافعي لا يجوز ~~إلا بعد دخوله ودليلنا قوله أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء ~~فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فأمر بالتيمم بعد الحدث إذا عدم الماء ~~ولم يفرق فيه بين حاله قبل دخول الوقت أو بعده وأيضا قال إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وقد دللنا في أول الكتاب أن معناه إذا أردتم القيام ~~وأنتم محدثون ثم عطف عليه التيمم وأباحه في الحال التي أمر فيها بالوضوء # لو كان واجدا للماء وأيضا لما قال تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وأمر ~~بتقديم الطهارة لها في غير هذه الآية وكانت الطهارة شيئين الماء عند وجوده ~~والتراب عند عدمه اقتضى ذلك جواز تقديم التيمم على الوقت ليصلي في أوله على ~~شرط الآية ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # وقوله لأبي ذر التراب كافيك ولو إلى عشر حجج # ولم يفرق بينه قبل الوقت أو بعده وإنما علق جوازه بعدم الماء لا بالوقت ~~فإن قيل على استدلالنا بقوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط إن ذلك معطوف ~~على قوله إذا قمتم إلى الصلاة وهو مضمر فيه فكان تقديره إذا ms1505 قمتم إلى ~~الصلاة # PageV04P020 # وجاء أحد منكم من الغائط وذلك يكون بعد دخول الوقت قيل له هذا غلط من قبل ~~أن قوله إذا قمتم معناه إذا أردتم القيام وأنتم محدثون فهذه جملة مكتفية ~~بنفسها في إيجاب الوضوء للحدث ثم استأنف حكم عادم الماء فقال وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر- إلى قوله- فتيمموا وهذه أيضا جملة مفيدة مستقلة بنفسها غير ~~مفتقرة إلى تضمينها بغيرها وما كان هذا وصفه من الكلام ففي تضمينه بغيره ~~تخصيص له وذلك غير جائز إلا بدلالة فوجب أن يكون شرط المجيء من الغائط في ~~إباحة التيمم مقرا على بابه وأن لا يضمن بغيره وأيضا فإن حكم كل جواب علق ~~بشرط أن يرجع إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة والذي يلي ذلك ~~هو شرط المجيء من الغائط وأيضا كما جاز الوضوء قبل الوقت وجب أن يجوز ~~التيمم كذلك لأنه طهارة لم يوجد بعدها حدث فإن قيل المستحاضة لا تصلي بوضوء ~~فعلته قبل الوقت قيل له يجوز ذلك عندنا لأنها لو توضأت قبل الزوال كان لها ~~أن تصلي به إلى خروج وقت الظهر وأما إذا توضأت في وقت الظهر فإنها لا تصلي ~~به في وقت العصر للسيلان الموجود بعد الطهارة والوقت كان رخصة لها في فعل ~~الصلاة مع الحدث فلما ارتفعت الرخصة بخروجه وجب الوضوء للحدث المتقدم ~~واختلف في فعل صلاتي فرض بتيمم واحد فقال يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات ما ~~لم يحدث أو يجد الماء وهو مذهب الثوري والحسن بن صالح والليث بن سعد وهو ~~مذهب إبراهيم وحماد والحسن وقال مالك لا يصلي صلاتي فرض بتيمم واحد ولا ~~يصلي الفرض بتيمم النافلة ويصلي النافلة بعد الفرض بتيمم الفرض وقال شريك ~~بن عبد الله يتيمم لكل صلاة فرض ويصلي الفرض والنفل وصلاة الجنازة بتيمم ~~واحد والدليل على صحة قولنا # قوله صلى الله عليه وسلم التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء ~~فأمسسه جلدك # وقال التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # فجعل التراب طهورا ms1506 ما لم يجد الماء ولم يوقته بفعل الصلاة # وقوله ولو إلى عشر حجج # على وجه التأكيد وليس المراد حقيقة الوقت وهو كقوله تعالى إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ليس المراد به توقيت العدد المذكور وإنما ~~المراد تأكيد نفي الغفران فإن قيل لم يذكر الحدث وهو ينقض التيمم كذلك فعل ~~الصلاة قيل له لأن بطلانه بالحدث كان معلوما عند المخاطبين فلم يحتج إلى ~~ذكره وإنما ذكر ما لم يكن معلوما عندهم وأكده ببقائه إلى وجود الماء وأيضا ~~فإن المعنى المبيح للصلاة # PageV04P021 # بالتيمم بديا كان عدم الماء وهو قائم بعد فعل الصلاة فينبغي أن يبقى ~~تيممه ولا فرق فيه بين الابتداء والبقاء إذ كان المعنى فيهما واحدا وهو عدم ~~الماء وأيضا لما كان المسح على الخفين بدلا من الغسل كما أن التيمم بدل منه ~~ثم جاز عند الجميع فعل صلاتين بمسح واحد جاز فعلهما أيضا بتيمم واحد وأيضا ~~فلا يخلو المتيمم بعد فعل صلاته من أن تكون طهارته باقية أو زائلة فإن كانت ~~زائلة فالواجب أن لا يصلي بها نفلا لأن النفل والفرض لا يختلفان في باب ~~الطهارة وإن كانت باقية فجائز أن يصلى بها فرضا آخر فإن قيل قد خفف أمر ~~النفل عن الفرض جاز على الراحلة وإلى غير القبلة من غير ضرورة ولا يجوز فعل ~~الفرض على هذا الوجه إلا لضرورة قيل له إنهما وإن اختلفا من هذا الوجه فلم ~~يختلفا في أن شرط كل واحد منهما الطهارة فمن حيث جاز النفل بالتيمم الذي ~~أدى به الفرض فواجب أن يجوز فعل فرض آخر به وإنما خفف أمر النفل في جواز ~~فعله على الراحلة وإلى غير القبلة لأن فعل الفرض جائز على هذه الصفة في حال ~~الضرورة وأما الطهارة فلا يختلف فيها حكم النفل والفرض في الأصول واستدل من ~~خالف في ذلك بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله- ~~فلم تجدوا ماء فتيمموا وذلك يقتضي وجوب تجديد الطهارة على كل قائم إليها ~~فوجب بحق العموم إيجاب ms1507 تجديد التيمم لكل صلاة قيل له هذا غلط لأن قوله ~~تعالى إذا قمتم لا يقتضي التكرار في اللغة وقد بيناه فيما سلف ألا ترى أنه ~~لم يقتضه في استعمال الماء فكذلك في التيمم وعلى أنه أوجب التيمم في الحال ~~التي لو كان الماء موجودا لكان مأمورا باستعماله فجعل التيمم بدلا منه ~~فإنما يجب التيمم على الوجه الذي يجب فيه الأصل فأما حال أخرى غير هذه فليس ~~في الآية ذكر إيجابه فيها فإذا كان الماء لو كان موجودا لم يلزمه تجديد ~~الطهارة به للصلاة الثانية بعد ما صلى بها الصلاة الأولى كان كذلك حكم ~~التيمم فإن قيل التيمم لا يرفع الحدث فليس هو بمنزلة الماء الذي يرفعه فلما ~~كان الحدث باقيا مع التيمم وجب عليه تجديده قيل له ليس بقاء الحدث علة ~~لإيجاب تكرار التيمم لأنه لو كان كذلك لوجب عليه تكراره أبدا قبل الدخول في ~~الصلاة لهذه العلة فلما جاز أن يفعل الصلاة الأولى بالتيمم مع بقاء الحدث ~~كانت الثانية مثلها إذا كان التيمم مفعولا لأجل ذلك الحدث بعينه الذي يريد ~~إيجاب التيمم من أجله وقد وقع له مرة فلا يجب ثانية وأيضا فإن هذه العلة ~~منتقضة بالمسح على الخفين لبقاء الحدث في # PageV04P022 # الرجل مع المسح ويجوز فعل صلوات كثيرة به وينتقض أيضا بتجويز مخالفينا ~~صلاة نافلة بعد الفرض لوجود الحدث فإن قيل هلا جعلته كالمستحاضة عند خروج ~~وقتها قيل له قد ثبت عندنا أن رخصة المستحاضة مقدرة بوقت الصلاة ولا نعلم ~~أحدا يجعل رخصة التيمم مقدرة بالوقت فهو قياس فاسد منتقض وعلى أن المستحاضة ~~مخالفة للمتيمم من قبل أنه قد وجد منها حدث بعد وضوءها والوقت رخصة في فعل ~~الصلاة مع الحدث فإذا خرج الوقت توضأت لحدث وجد بعد طهارتها ولم يوجد في ~~المتيمم حدث بعد تيممه فطهارته باقية واختلف في المتيمم إذا وجد الماء في ~~الصلاة فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إذا وجد الماء في الصلاة بطلت ~~صلاته وتوضأ واستقبل وقال مالك والشافعي يمضي فيها وتجزيه ms1508 وروي عن أبي سلمة ~~بن عبد الرحمن أنه إذا وجد الماء قبل دخوله في الصلاة لم يلزمه الوضوء وصلى ~~بتيممه وهو قول شاذ مخالف للسنة والإجماع والدليل على صحة قولنا قوله تعالى ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله- فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا فأوجب غسل هذه الأعضاء عند وجود الماء ثم نقله إلى التراب عند عدمه ~~فمتى وجد الماء فهو مخاطب # باستعماله بظاهر الآية وعلى أن حقيقة اللفظ تقتضي وجوب الغسل بعد القيام ~~إلى الصلاة فغير جائز أن يكون دخوله فيها مانعا من لزوم استعماله وأيضا لا ~~يختلفون أن حكم الآية في فرض الغسل عند وجود الماء قائم عليه بعد دخوله في ~~الصلاة لأنه لو أفسد صلاته قبل إتمامها لزمه استعمال الماء بالآية فثبت ~~بذلك أن دخوله في الصلاة لم يسقط عنه فرض الغسل والخطاب بحكم الآية فوجب ~~عليه بحكم الآية استعماله لبقاء فرض استعماله عليه وأيضا لا يخلو قوله ~~تعالى إذا قمتم إلى الصلاة من أن يكون المراد به حال وجود الصلاة بعد فعل ~~جزء منها وإرادة القيام إليها محدثا وجعل ذلك شرطا للزوم استعماله فقد وجد ~~فعليه استعماله ولا يسقط عنه ذلك بالتيمم والدخول فيها مع وجود سبب تكليفه ~~إذ كان المسقط لفرضه هو عدم الماء فمتى وجد فقد عاد شرط لزومه فلزمته ~~الطهارة به ويدل عليه أيضا قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا فإذا كان جنبا ودخل ~~في الصلاة بالتيمم ثم وجد الماء لزمه بقوله لا تقربوا الصلاة- إلى قوله- ~~حتى تغتسلوا فإن قيل في نسق الخطاب وإن كنتم مرضى أو على سفر- إلى قوله- ~~فلم # PageV04P023 # تجدوا ماء فتيمموا # قيل له هما مستعملان جميعا كل واحد على شريطته فالتيمم عند عدم الماء ~~والغسل عند وجوده وغير جائز إسقاط الغسل عند وجوده إذ كان الظاهر يوجبه ولم ~~تفرق الآية بين حاله بعد الدخول في الصلاة أو قبله ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم التراب طهور المسلم ما لم ms1509 يجد الماء # فجعله طهورا بشريطة عدم الماء فإذا وجد الماء خرج من أن يكون طهارة ولم ~~يفرق بين أن يكون في الصلاة أو في غيرها فإذا بطلت طهارته برؤيته الماء لم ~~يجز أن يمضي فيها وأيضا # فقال صلى الله عليه وسلم الماء طهور المسلم # وقال صلى الله عليه وسلم إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك وفي بعض الألفاظ ~~وأمسسه بشرتك # ودلالته على وصفنا من وجهين أحدهما ما ذكرنا من # قوله التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء # فأخبر بالحال التي يكون التراب فيها طهورا وهو أن لا يجد الماء ولم يفرق ~~بين حاله قبل الدخول في الصلاة وبعده فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم خص ~~كونه طهورا بهذه الحال دون غيرها فمتى صلى به والماء موجود فهو مصل بغير ~~طهور والثاني # قوله صلى الله عليه وسلم فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك # ولم يفرق بينه قبل الدخول وبعده فهو على الحالين يلزمه استعماله متى وجده ~~بظاهر قوله ويدل عليه اتفاق الجميع على أن وجود الماء بعد التيمم قبل ~~الدخول يمنع الابتداء فوجب أن يمنع البناء كما أن الحدث لما منع ابتداء ~~الصلاة منع البناء عليها إذ كان من شرط صحتها جميعا الطهارة وأيضا فإن كونه ~~في الصلاة لا يمنع لزوم الطهارة لأنه لو أحدث فيها لزمته الطهارة وكذلك لا ~~يمنع لزوم سائر الفروض التي هي من شروط الصلاة مثل وجود الثوب للعريان وعتق ~~الأمة في لزومها تغطية الرأس وخروج وقت المسح فوجب أن لا يمنع كونه في ~~الصلاة من لزوم الطهارة بالماء عند وجوده وأيضا لما لم يجز التحريمة ~~بالتيمم مع وجود الماء لأنه يكون فاعلا لجزء من الصلاة بالتيمم مع وجود ~~الماء وكان هذا المعنى موجودا بعد الدخول وجب أن يمنع المضي فيها فإن قيل ~~لو أحدث جاز البناء عندك إذا توضأ ولا تجوز التحريمة بعد الحدث قيل له لا ~~فرق بينهما لأنه لو فعل جزأ من الصلاة بعد الحدث قبل الطهارة بطلت صلاته ~~وإنما نجيز له البناء إذا توضأ ms1510 وأنت تجيزه قبل الطهارة بالماء فإن قيل إنما ~~اختلف حال الصلاة وقبلها في التيمم لسقوط فرض الطلب عنه بدخوله في الصلاة ~~لأن كونه فيها ينافي فرض الطلب وأما قبل الدخول فيها ففرض الطلب قائم عليه ~~فلذلك لزمته الطهارة إذا وجده قبل الدخول قيل له أما قولك في لزوم فرض ~~الطلب # PageV04P024 # قبل الدخول فيها ففاسد على ما قدمناه فيما سلف ومع ذلك فلو سلمناه لك لا ~~لانتقض على أصلك وذلك أن بقاء فرض الطلب ينافي صحة الدخول في الصلاة عندك ~~فلا يخلو إذا طلب ولم يجد فتيمم أن يكون فرض الطلب قائما عليه أو ساقطا عنه ~~فإذا كان فرض الطلب قائما عليه فواجب أن لا يصح دخوله إذ كان بقاء فرض ~~الطلب ينافي صحة الصلاة ويمنع صحة التيمم أيضا على أصلك وإن كان فرض الطلب ~~ساقطا عنه فالواجب على قضيتك أن لا يلزمه استعمال الماء إذا وجده بعد ~~التيمم قبل الدخول في الصلاة كما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن فلما ~~ألزمته استعمال الماء عند وجوده بعد التيمم قبل الدخول في الصلاة مع سقوط ~~فرض الطلب ثبت أن سقوط فرض الطلب ليس بعلة لجواز ترك استعمال الماء عند ~~وجوده وأيضا قد اتفقوا جميعا أن الصغيرة لو اعتدت شهرا ثم حاضت انتقلت ~~عدتها إلى الحيض لأن الشهور بدل من الحيض وإنما تكون عدة عند عدمه كما أن ~~التيمم طهور عند عدم الماء فلما اتفقوا على استواء حالهما قبل وجوب العدة ~~وبعده في كون الحيض عدة عند وجوده وجب أن يستوي حكم وجود الماء بعد الدخول ~~في الصلاة وقبله وأيضا لما كان التيمم بدلا من الماء لم يجز أن يبقى حكمه ~~مع وجود المبدل عنه كسائر الأبدال لا يثبت حكمها مع وجود الأصل فإن قيل فلو ~~أن متمتعا وجد الهدي بعد صوم الثلاثة أيام وبعد الإحلال جاز له أن يصوم ~~السبعة مع وجود الأصل قيل له الثلاثة بدل من الهدي لأن بها يقع الإحلال ~~وليست للسبعة بدلا من الهدي لأن الإحلال يكون ms1511 قبل السبعة فإن قيل ليست حال ~~الصلاة حال للطهارة فلا يلزمه استعمال الماء قيل له فينبغي أن لا يلزمه غسل ~~الرجلين بخروج وقت المسح وهو في الصلاة وأن لا يلزم المستحاضة الوضوء ~~بانقطاع الدم في الصلاة وأن لا تلزمها الطهارة لو أحدث فيها لهذه العلة فإن ~~احتجوا # بقوله صلى الله عليه وسلم فلا ينصرف حتى يسمع صوت أو يجد ريحا # قيل له لم يقل ذلك ابتداء بل بكلام متصل به وهو أنه قال إذا وجد أحدكم ~~حركة في دبره فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وقال إن الشيطان يخيل ~~إلى أحدكم أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وقال في بعض ~~الألفاظ لا وضوء إلا من صوت أو ريح فأما ابتداء قول منه فلا ينصرف حتى يسمع ~~صوت أو يجد ريحا فإن ذلك لم ينقل ولم يروه أحد وإذا كان كذلك فإنما هو في ~~الشاك في الحدث فلم يصح نجعله في غيره ممن # PageV04P025 # لم يشك ووجد الماء وعلى أن قوله لا وضوء إلا من صوت أو ريح يقتضي ظاهره ~~إيجاب الوضوء بوجود الماء لأن الحدث الذي عنه وجبت الطهارة باق لم يرتفع ~~بالتيمم فإن قيل ما تقول لو تيمم ودخل في صلاة العيد أو صلاة الجنازة ثم ~~وجد الماء قيل له ينتقض تيممه ولا يجوز له المضي عليها وتبطل صلاته إذا ~~أمكنه استعمال الماء والدخول في الصلاة لا فرق بينهما وبين الصلاة المكتوبة ~~وجواب آخر عما أورده من الخبر أنه مجمل لا يصح الإيجاب به لأنه مفهوم أنه ~~لم يرد به كل صوت أو ريح يوجد في دار الدنيا وإنما أراد صوتا أو ريحا على ~~صفة لا يدري ما هو بنفس اللفظ فسبيله أن يكون موقوفا على دلالة فإن ادعوا ~~فيه العموم كان دلالة لنا لأنه إذا سمع صوت الماء وجب عليه بظاهره إذ لم ~~يفرق بين الأصوات. # (فصل) ويستدل بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الآية على ~~جواز الوضوء بنبيذ التمر ms1512 من وجهين أحدهما قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وذلك ~~عموم في جميع المائعات لأنه يسمى غاسلا بها إلا ما قام الدليل فيه ونبيذ ~~التمر مما قد شمله العموم والثاني قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فإنما ~~أباح التيمم عند عدم كل جزء من الماء لأنه لفظ منكر يتناول كل جزء منه سواء ~~كان مخالطا لغيره أو منفردا بنفسه ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء ~~فلما كان كذلك وجب أن لا يجوز التيمم مع وجوده بالظاهر ويدل على ذلك # أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به بمكة قبل نزول آية التيمم # وقبل إن نقل من الماء إلى بدل فدل ذلك على أنه بقي فيه حكم الماء الذي ~~فيه لا على وجه البدل عن الماء إذ قد توضأ به في وقت كانت الطهارة فيه ~~مقصورة على الماء دون غيره وقد تكلمنا في هذه المسألة في مواضع من كتبنا ~~وروى يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال الوضوء بالنبيذ الذي لا يسكر ~~وضوء لمن لم يجد الماء وقال عكرمة النبيذ وضوء إذا لم نجد غيره وروى أبو ~~جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال ركبت مع أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم البجر ففنى ماؤهم فتوضؤوا بالنبيذ وكرهوا ماء البحر وروى ~~المبارك بن فضالة عن أنس أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ فهؤلاء ~~الصحابة والتابعون قد روي عنهم جواز الوضوء بالنبيذ من غير خلاف ظهر من أحد ~~من نظرائهم عليهم وروي عن أبي حنيفة في الوضوء بنبيذ التمر ثلاث روايات ~~إحداها وهي المشهورة أنه يتوضأ به ولا # PageV04P026 # يتيمم وهو قول زفر وروي عنه أنه يتوضأ به ويتيمم وهو قول محمد وروى نوح ~~أن أبى حنيفة رجع عن الوضوء بالنبيذ وقال يتيمم ولا يتوضأ به وقال مالك ~~والثوري وأبو يوسف والشافعي يتيمم ولا يتوضأ به وروى الحسن بن زياد عن أبي ~~يوسف أنه يتوضأ به ويتيمم وكذلك روى عنه المعلى وقال حميد بن عبد الرحمن ms1513 ~~الرؤاسي صاحب الحسن ابن صالح يتوضأ بنبيذ التمر مع وجود الماء إن شاء # وروى الوضوء بنبيذ التمر عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن مسعود ~~وأبو أمامة روي عن عبد الله من طرق عدة # قد بيناها في مواضع. ### | باب صفة التيمم # قال الله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه فاختلف ~~الفقهاء في صفته فقال أصحابنا التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المرفقين فقالوا يضرب بيديه على الصعيد يحركهما فيقبل بهما ويدبر على ~~الصعيد ثم ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه ثم يعيد إلى الصعيد كفه جميعا فيقبل ~~بهما ويدبر ويرفعهما فينفضهما ثم يمسح بكل كف ظهر ذراعه الأخرى وباطنها إلى ~~المرفقين واتفق مالك والثوري والليث والشافعي أنه ضربتان ضربة للوجه وضربة ~~لليدين إلى المرفقين وروي مثله عن جابر وابن عمر وحكى بعض أصحاب مالك أنه ~~تيمم بضربة واحدة أجزأه وحكي عن مالك أيضا أنه يتيمم إلى المرفقين فإن تيمم ~~إلى الكوعين لم يعد وقال الأوزاعي تجزي ضربة واحدة للوجه والكوعين وروي ~~نحوه عن عطاء وقال الزهري يمسح يديه إلى الإبط وقال ابن أبي ليلى والحسن بن ~~صالح يتيمم بضربتين يمسح بكل واحدة منها وجهه وذراعيه ومرفقيه وقال أبو ~~جعفر الطحاوي لم نجد عن غيرهما أنه يمسح بكل واحدة من الضربتين وجهه ~~وذراعيه ومرفقيه والحجة لقول أصحابنا ما # روى ابن عمر وابن عباس والأسلع عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة ~~التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين # واختلفت الرواية # عن عمار فروى عنه عبد الرحمن بن أبزى عن النبي صلى الله عليه وسلم ضربة ~~واحدة للوجه ولليدين # وروى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ضربتين # وهذا أولى لأنه زائد وخبر الزائد أولى وأيضا فكما أنه لا يجوز في الوضوء ~~الاكتفاء بماء واحد لعضوين بل عليه تجديد الماء لكل عضو كذلك الحكم في ~~التيمم لأنهما طهارتان # PageV04P027 # وإن كانت إحداهما مسحا والأخرى غسلا ألا ترى أنه ms1514 يحتاج إلى تجديد الماء ~~لكل رجل في المسح على الخفين وإن لم يكن غسلا وإنما قلنا # إن التيمم إلى المرفقين بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم # وحديث الأسلع ذكرا فيه جميعا أن التيمم إلى المرفقين # واختلف عن عمار فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التيمم # فروى الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال أوفوا التيمم إلى المرفقين # وروى غيره عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار قال سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني بضربة واحدة للوجه والكفين ورواه شعبة عن ~~سلمة بن كهيل عن زر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار # وقال فيهما ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه إلى المرفقين # وروى سلمة عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار أنه تمعك في التراب ~~في الجنابة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له إنما كان يكفيك أن تقول ~~هكذا وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف ~~الذراع # وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار أنهم مسحوا وهم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد ضربة واحدة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المناكب والآباط # فلما اختلفت أحاديث عمار هذا الاختلاف واتفقوا أن التيمم إلى المناكب غير ~~ثابت الحكم ومع ذلك لم يعزه عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حكى ~~فعل نفسه لم يثبت التيمم إلى المناكب وإن كان له وجه في الاحتمال وهو أنه ~~جائر أن يكون عمار ذهب في ذلك مذهب أبي هريرة في غسله ذراعيه في الوضوء إلى ~~إبطيه على وجه المبالغة فيه # لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنكم الغر المحجلون من آثار الوضوء فمن ~~أراد أن يطول غرته فليفعل # فقال أبو هريرة إني أحب أن أطيل غرتي ثم بقي من # أخبار عمار مما عزاه إلى النبي ms1515 صلى الله عليه وسلم الوجه والكفان ونصف ~~الذراع إلى المرفقين # فكانت رواية من روى إلى المرفقين أولى لوجوه أحدها أنه زائد على روايات ~~الآخرين وخبر الزائد أولى والثاني أن الآية تقتضي اليدين إلى المنكبين ~~لدخلولهما تحت الاسم فلا يخرج شيء منه إلا بدليل وقد قامت الدلالة على خروج ~~ما فوق المرفقين فبقي حكمه إلى المرفقين والثالث أن في حديث ابن عمرو ~~الأسلع التيمم إلى المرفقين من غير اختلاف عنهما في روايتهما وقول الزهري ~~يمسح يديه إلى الإبط قول شاذ ومع ذلك لم يروه أحد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأما قول ابن أبى ليلى والحسن ابن صالح أنه يمسح بكل واحدة من ~~الضربتين وجهه ويديه فخلاف # PageV04P028 # ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سائر الأخبار التي ذكر فيها صفة ~~التيمم لأن الذي روي في بعضها ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ~~فلم يجعل ما للوجه لليدين وما لليدين للوجه وفي بعضها ضربة واحدة لهما ~~فقولهما خارج عن حكم الخبرين جميعا وهو مع ذلك خلاف الأصول لأن التيمم مسح ~~فليس تكراره بمسنون كالمسح على الخفين ومسح الرأس ولو كان التكرار مسنونا ~~فيه لكان ثلاثا كالأعضاء المغسولة وإنما قال أصحابنا في صفة التيمم إنه يضع ~~يديه على الصعيد يقبل بهما ويدبر ليتخلل أصابعه ويصيب جميعها وإنما قالوا ~~ينفضهما لما # روى الأعمش عن سفيان عن أبي موسى أن عمارا قال وذكر قصة التيمم فقال إنه ~~صلى الله عليه وسلم قال إنما يكفيك أن تصنع هكذا وضرب بيده على الأرض # وفي حديث عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~ضرب بيده إلى الأرض ثم نفخهما # وفي حديث الأسلع أنه نفضهما في كل مرة والنفخ والنفض جميعا إنما هو ~~لإزالة التراب عن يده # وهذا يدل على أنه ليس المقصد فيه وصول التراب إلى وجهه ولا حصوله فيه ~~لأنه لو كان المقصد حصول التراب في العضو لما نفضه. ### | باب ما يتيمم به # قال الله تعالى ms1516 فتيمموا صعيدا طيبا اختلف الفقهاء فيما يجوز به التيمم ~~فقال أبو حنيفة يجزي التيمم بكل ما كان من الأرض التراب والرمل والحجارة ~~والزرنيخ والنورة والطين الأحمر والمرداسنج «1» وما أشبهه وهو قول محمد ~~وزفر وكذلك يجزي بالكحل والآجر المدقوق في قولهما رواه محمد ورواه أيضا ~~الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وإن تيمم ببورق «2» أو رماد أو ملح أو نحوه لم ~~يجز عندهم وكذلك الذهب والفضة في قولهم وقال أبو يوسف لا يجزي إلا أن يكون ~~ترابا أو رملا وإن ضرب يده على صخرة أو حائط لا صعيد عليها أجزأه في قول ~~أبي حنيفة وقال أبو يوسف لا يجزيه وروى المعلى عن أبي يوسف أنه إن تيمم ~~بأرض لا صعيد عليها لم يجزه وهو بمنزلة الحائط وهو قوله PageV04P029 # الآخر وقال الثوري يجوز بالزرنيخ والنورة ونحوهما وكل ما كان من تراب ~~الأرض ولا يتيمم بالآجر وقال مالك يتيمم بالحصا والجبل وكذلك حكى عنه ~~أصحابه في الزرنيخ والنورة ونحوهما قال وإن تيمم بالثلج ولم يصل إلى الأرض ~~أجزأه وكذلك الحشيش إذا كان ممتدا وروى أشهب عن مالك أنه لا يتيمم بالثلج ~~وقال الشافعي يتيمم بالتراب مما تعلق باليد قال أبو بكر لما قال الله ~~فتيمموا صعيدا طيبا وكان الصعيد اسما للأرض اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما ~~كان من الأرض وأخبرنا أبو عمر غلام ثعلب عنه عن ابن الأعرابي قال الصعيد ~~الأرض والصعيد التراب والصعيد القبر والصعيد الطريق فكل ما كان من الأرض ~~فهو صعيد فيجوز التيمم به بظاهر الآية فإن قيل إنما أباح التيمم بالصعيد ~~الطيب والأرض الطيبة هي التي تنبت والجص والزرنيخ لا ينبت شيئا فليس إذا ~~بطيب قال الله تعالى والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه قيل له إنما أراد ~~بالطيب الطاهر المباح كقوله تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم فأفاد بذلك ~~إيجاب التيمم بالصعيد الطاهر دون النجس وأما قوله والبلد الطيب فإنما يريد ~~به ما ليس بسبخة لأنه قال والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ولا خلاف في جواز ms1517 ~~التيمم بالسبخة التي لا تخرج مثل ما يخرج غيرها فعلمنا أنه لم يرد بالطيب ~~ما ذكرت وقد روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال الطيب الصعيد الجرز أو قال ~~الأرض الجرز وقال ابن جريج قال قلت لعطاء فتيمموا صعيدا طيبا قال أطيب ما ~~حولك ويدل عليه أيضا # قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # وهو يدل من وجهين على ما ذكرنا أحدهما إخباره أن الأرض طهور فكل ما كان ~~من الأرض فهو طهور بمقتضى الخبر والآخر أن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي ~~جعله طهورا وسائر ما ذكر هو من الأرض وهي مسجد فيجوز التيمم به بحق العموم # وروى عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن أعرابا أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنا نكون في هذه الرمال لا نقدر ~~على الماء ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وفينا النفساء والحائض والجنب فقال صلى ~~الله عليه وسلم عليكم بأرضكم # فأفاد بذلك جوازه بكل ما كان من الأرض ولما ذكرنا من عموم الآية والخبر ~~أجزنا التيمم بالحجر والحائط لأنه من الأرض لأنها تشتمل على أنواع مختلفة ~~ولا يخرجها اختلاف أنواعها من كون جميعها صعيدا وقال تعالى فتصبح صعيدا ~~زلقا # PageV04P030 # يعني الأرض الملساء التي لا شيء عليها # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يحشر الناس عراة حفاة في صعيد واحد # يعني الأرض المستوية التي ليس عليها شيء كقوله تعالى فيذرها قاعا صفصفا ~~لا ترى فيها عوجا ولا أمتا فلا فرق بين ما عليه منها تراب أو لا تراب عليه ~~لوقوع الاسم عليه على الإطلاق فإن قيل إن الآجر وإن كان أصله من الأرض فقد ~~انتقل عن طبع الأرض بالطبخ وحال عن حد التراب فهو كالماء المنتقل عن حاله ~~بما يدخل عليه من الرياحين والأصباغ حتى يحول إلى جنس آخر ويزول عنه الاسم ~~الأول وكالزجاج فلا يجوز الوضوء به قيل له إنما لم يجز الوضوء بالماء الذي ~~ذكرت لغلبة غيره عليه ms1518 حتى أزال عنه اسم الماء وأما الآجر فلا يخالطه ما ~~يخرجه عن حد الأرض وإنما حدثت فيه صلابة بالإحراق فهو كالحجر فلا يمتنع ذلك ~~التيمم به # وقد روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده على الحائط فتيمم ~~به # وروي أنه نفض يديه حين وضعهما على التراب وأنه نفخهما # فعلمنا أن المقصد فيه وضع اليد على ما كان من الأرض على أنه يحصل في يده ~~أو وجهه شيء منه ولو كان المقصد أن يحصل في يده منه شيء لأمر بحمل التراب ~~على يده ومسح الوجه به كما أمر بأخذ الماء للغسل أو للمسح حتى يحصل في وجهه ~~فلما لم يأمر بأخذ التراب ونفض النبي صلى الله عليه وسلم يديه ونفخهما ~~علمنا أنه ليس المقصد حصول التراب في وجهه فإن قيل قوله تعالى فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه يقتضي حصول شيء منه في الأعضاء ~~الممسوحة به قيل له إنما أفاد بذلك تأكيد وجوب النية فيه لأن من قد تكون ~~لبدء الغاية كقولك خرجت من الكوفة وهذا كتاب من فلان إلى فلان فيكون معناه ~~على هذا ليكن ابتداء الأخذ من الأرض حتى يتصل بالوجه واليد بلا فاصل يفصل ~~بين الأخذ وبين المسح فينقطع حكم النية ويحتاج إلى تجديدها وهو كقولك توضأ ~~من النهر يعني أن ابتداء أخذه من النهر إلى أن اتصل بأعضاء الوضوء من غير ~~قطع ألا ترى أنه لو أخذه من النهر في إناء وتوضأ منه لم يقل إنه توضأ من ~~النهر ويحتمل أن يكون قوله فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه يعني من بعضه وأفاد ~~به أن أي بعض منه مسحتم به على جهة الإطلاق والتوسعة وأما الذهب والفضة ~~واللؤلؤ ونحوها فلا يجوز التيمم لأنها ليست من طبع الأرض وإنما هي جواهر ~~مودوعة فيها # قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الركاز هو الذهب والفضة اللذان ~~خلقهما الله تعالى في الأرض يوم # PageV04P031 # خلقت واللؤلؤ من الصدف والصدف من حيوان الماء # وأما الرماد فهو من ms1519 الخشب ونحوه ومع ذلك فليس هو من طبع الأرض ولا من ~~جوهرها وأما الثلج والحشيش فهما كالدقيق والحبوب ونحوها فلا يجوز التيمم ~~بها لأنها ليست من الصعيد ولا يجوز نقل الأبدال إلى غيرها إلا بتوقيف فلما ~~جعل الله الصعيد بدلا من الماء لم يجز لنا إثبات بدل منه إلا بتوقيف ولو ~~جاز ذلك لجاز أن يضرب يده على ثوب لا غبار عليه فيتيمم به ولا جاز التيمم ~~بالقطن والحبوب # وقال النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # قال وترابها لنا طهور # وقد اتفقوا على امتناع جوازه بالثلج والحشيش إذا وصل إلى الأرض فلو كان ~~مما يجوز التيمم به لجاز مع وجود التراب لأن التيمم بالصعيد بدل فلا ينتقل ~~إلى بدل غيره فإن قيل إذا لم يصل إلى الأرض فهو كالزرنيخ والنورة والمغرة ~~إذا كان بينه وبين الأرض قيل له الزرنيخ ونحوه من الأرض ويجوز التيمم به مع ~~وجود التراب وعدمه وليس هو مع ذلك حائلا بيننا وبين الأرض وإنما الأرض في ~~الأغلب حائلة بيننا وبينه فكيف يشبهه بالثلج والحشيش وإن تيمم بغبار ثوب أو ~~لبد وقد نفضه جاز عند أبي حنيفة ولا يجوز عند أبي يوسف وإنما جاز عند أبي ~~حنيفة لأن الغبار الذي فيه من الأرض ولا يختلف حكمه في كونه في الثياب أو ~~على الأرض كما أن الماء لا يختلف حكمه في كونه في إناء أو نهر أو ما عصر من ~~ثوب مبلول وذهب أبو يوسف في ذلك كله إلى أن هذا لا يسمى ترابا على الإطلاق ~~فلا يجوز التيمم به ومن أجل ذلك لم يجز التيمم بأرض لا تراب عليها وجعلها ~~بمنزلة الحجر على أصله وروى قتادة عن نافع عن ابن عمر أن عمر صلى على مسح ~~من ثلج أصابه وأرادوا أن يتيمموا فلم يجدوا ترابا فقال لينفض أحدكم ثوبه أو ~~صفة سرجه فتيمم به وروى هشام بن حسان عن الحسن قال إذا لم يجد الماء ولم ~~يصل إلى الأرض ضرب بيده على لبده ms1520 وسرجه ثم يتيمم به قوله تعالى فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه قال أبو بكر الذي يقتضيه الظاهر مسح البعض على ما ~~بيناه في قوله تعالى وامسحوا برؤسكم وأن الباء تقتضي التبعيض إلا أن ~~الفقهاء متفقون على أنه لا يجوز له الاقتصار على القليل منه وأن عليه مسح ~~الكثير وذكر أبو الحسن الكرخي عن أصحابنا أنه إن ترك المتيمم من مواضع ~~التيمم شيئا قليلا أو كثيرا لم يجزه وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه ~~يجزيه إذا ترك اليسير منه وهذا # PageV04P032 # أولى بمذهبه لأن من أصله جواز التيمم بالحجارة التي لا غبار عليها وليس ~~عليه تخليل أصابعه بالحجارة وهذا يدل على أن ترك اليسير منه لا يضره وقال ~~الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق ولا خلاف في وجوب استيعاب البيت كله ~~وغير جائز له ترك شيء منه قوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم قال أبو بكر لما كان الحرج الضيق ونفى الله عن نفسه إرادة ~~الحرج بنا ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما ~~اختلف فيه من أحكام السمعيات فيكون القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجا ~~بظاهر هذه الآية وهو نظير قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ~~العسر وقوله تعالى ولكن يريد ليطهركم يحتمل معنيين الطهارة من الذنوب كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ العبد فغسل وجهه خرجت ذنوبه من ~~وجهه وإذا غسل يديه خرجت ذنوبه من يده إلى آخره # كما قال تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~يحتمل التطهير من الذنوب ويحتمل التطهير من الأحداث والجنابة والنجاسة ~~كقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا وقوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان فانتظم لطهارة الجنابة والطهارة من ~~النجاسة وقوله تعالى وثيابك فطهر فلما احتمل المعنيين فالواجب حمله عليهما ~~فيكون المراد حصول الطهارة على سقوط اعتبار الترتيب وإيجاب النية في الوضوء ~~فإن قيل لما ذكر ذلك عقيب ms1521 التيمم فينبغي أن يدل على سقوط اعتبار النية في ~~التيمم كما دل على سقوطها في الوضوء قيل له لما كان التيمم يقتضي إحضار ~~النية في فحواه ومقتضاه علمنا أنه لم يرد به إسقاط ما انتظمه وأما الوضوء ~~والغسل فلا يقتضيان النية فوجب اعتبار عمومه فيهما وعلى أن قوله ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى ~~تضمينه بغيره فصح اعتبار عمومه في جميع ما انتظمه لفظه إلا ما قام دليل ~~خصوصه. # (فصل) قال أبو بكر قد ذكرنا ما حضرنا من علم أحكام هذه الآية وما في ~~ضمنها من الدلائل على المعاني وما يشتمل عليه من وجوه الاحتمال على ما ذهب ~~إليه المختلفون فيها وذكرناه عن قائليها من السلف وفقهاء الأمصار وأنزل ~~الله إياها بهذه الألفاظ المحتملة للمعاني ووجوه الدلالات على الأحكام مع ~~أمره إيانا باعتبارها والاستدلال بها في # PageV04P033 # قوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون فحثنا على التفكر فيه وحرضنا على ~~الاستنباط والتدبر وأمرنا بالاعتبار لنتسابق إلى إدراك أحكامه وننال درجة ~~المستنبطين والعلماء الناظرين ودل بما نزل من الآي المحتملة للوجوه من ~~الأحكام التي طريق استدراك معانيها السمع على تسويغ الاجتهاد في طلبها وأن ~~كلا منهم مكلف بالقول بما أداه إليه اجتهاده واستقر عليه رأيه ونظره وأن ~~مراد الله من كل واحد من المجتهدين اعتقاد ما أداه إليه نظره إذ لم يكن لنا ~~سبيل إلى استدراكه إلا من طريق السمع وكان جائزا تعبد كل واحد منهم من طريق ~~النظر بمثل ما حصل عليه اجتهاده فوجب من أجل ذلك أن يكون من حيث جعل لفظ ~~الكتاب محتملا للمعاني أن يكون مشرعا لكل واحد من المجتهدين ما دل عليه ~~عنده فحوى الآية وما في مضمون الخطاب ومقتضاه من وجوه الاحتمال فانظر على ~~كم اشتملت هذه الآية بفحواها ومقتضاها من لطيف المعاني وكثيرة الفوائد ~~وضروب ما أدت إليه من وجوه الاستنباط وهذه إحدى دلائل ms1522 إعجاز القرآن إذ غير ~~جائز وجود مثله في كلام البشر وأنا ذاكرنا مجملا ما تقدم ذكره مفصلا ليكون ~~أقرب إلى فهم قارئه إذا كان مجموعا محصورا والله تعالى نسأل التوفيق فأول ~~ما ذكرنا من حكم قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة ما احتمله اللفظ من إرادة ~~القيام والثاني ما اقتضته حقيقة اللفظ من إيجاب الغسل بعد القيام والثالث ~~ما احتمله من القيام من النوم لأن الآية على هذه الحال نزلت والرابع ~~اقتضاؤها إيجاب الوضوء من النوم المعتاد الذي يصح إطلاق القول فيه بأنه ~~قائم من النوم والخامس احتمالها لإيجاب الوضوء لكل صلاة واحتمالها لطهارة ~~واحدة لصلوات كثيرة ما لم يحدث والسادس احتمالها إذا أردتم القيام وأنتم ~~محدثون وإيجاب الطهارة من الإحداث والسابع دلالتها على جواز الوضوء بإمرار ~~الماء على الموضع من غير ذلك واحتمالها لقول من أوجب الدلك والثامن إيجابها ~~بظاهرها إجراء الماء على الأعضاء وأن مسحها غير جائز على ما بينا وبطلان ~~قول من أجاز المسح في جميع الأعضاء والتاسع دلالتها على جواز الوضوء بغير ~~نية والعاشر دلالتها على وجوب الاقتصار بالفرض على ما واجهنا من المتوضئ ~~بقوله تعالى وجوهكم إذ كان الوجه ما واجهك وأن المضمضة والاستنشاق غير ~~واجبين في الوضوء والحادي عشر دلالتها على أن تخليل # PageV04P034 # اللحية غير واجب إذ لم يكن باطنها من الوجه والثاني عشر دلالتها على نفي ~~إيجاب التسمية في الوضوء والثالث عشر دلالتها على دخول المرافق في الغسل ~~والرابع عشر احتمالها أن تكون المرافق غير داخلة والخامس عشر دلالتها على ~~جواز مسح بعض الرأس والسادس عشر احتمالها لوجوب مسح الجميع والسابع عشر ~~احتمالها لجواز مسح البعض أي بعض كان منه والثامن عشر دلالتها على أنه غير ~~جائز أن يكون المفروض ثلاث شعرات إذ غير جائز تكليفه ما لا يمكن الاقتصار ~~عليه والتاسع عشر احتمالها لوجوب غسل الرجلين والعشرون احتمالها لجواز ~~المسح على قول موجبي استيعابها بالمسح والحادي والعشرون دلالتها على بطلان ~~قول مجيزي مسح البعض بقوله إلى الكعبين والثاني والعشرون دلالتها على عدم ms1523 ~~إيجاب الجمع بين الغسل والمسح وأن الواجب إنما كان أحدهما باتفاق الفقهاء ~~والثالث والعشرون دلالتها على جواز المسح في حال لبس الخفين ووجوب الغسل في ~~حال ظهور الرجلين والرابع والعشرون دلالتها على جواز المسح على الخفين إذا ~~أدخل رجليه وهما طاهرتان ثم أكمل الطهارة قبل الحدث لأنها من حيث دلت على ~~المسح دلت على جوازه في جميع الأحوال إلا ما قام دليله والخامس والعشرون ~~دلالتها على قول من أجاز المسح على الجرموقين من حيث دلت على المسح على ~~الخفين لأن الماسح على الخفين والجرموقين جائز أن يقال قد مسح على رجليه ~~وإن كان عليهما خفان والسادس والعشرون دلالتها على المسح على الجوربين وأنه ~~يحتاج # إلى دليل في أن المسح على الجوربين وأنه غير مراد والسابع والعشرون ~~دلالتها على لزوم مباشرة الرأس بالمسح وامتناع جوازه على العمامة والخمار ~~فإن قيل كان ذلك دليلا على بطلان المسح على العمامة فقوله وأرجلكم يدل على ~~بطلان المسح على الخفين قيل له لما كان قوله وأرجلكم محتملا للمسح والغسل ~~وأمكننا استعمالها استعملناهما في حالين وإن كان في أحدهما مجازا لئلا نسقط ~~واحدا منهما ولم تكن بنا حاجة إلى استعمال قوله وامسحوا برؤسكم على المجاز ~~فاستعملناه على حقيقته والثامن والعشرون دلالتها على جواز الوضوء مرة مرة ~~وأن ما زاد فهو تطوع والتاسع والعشرون دلالتها على نفي فرض الاستنجاء وعلى ~~جواز الصلاة مع تركه وعلى بطلان قول من أوجب الاستنجاء من الريح والثلاثون ~~دلالتها على بطلان قول من أوجب غسل اليد قبل إدخالهما الإناء وأنه إن ~~أدخلهما قبل أن يغسلهما لم يجزه # PageV04P035 # الوضوء والحادي والثلاثون دلالتها على أن مسح الأذنين ليس بفرض وبطلان ~~قول من أجاز المسح عليهما دون الرأس والثاني والثلاثون دلالتها على جواز ~~تفريق الوضوء بإباحة الصلاة بالغسل على أي وجه حصل والثالث والثلاثون ~~دلالتها على بطلان قول موجبي الترتيب في الوضوء والرابع والثلاثون اقتضاؤها ~~لإيجاب الغسل من الجنابة والخامس والثلاثون دلالتها على اقتضاء هذا اللفظ ~~لمن سمي به اجتناب أشياء إذ كانت الجنابة من ms1524 مجانبة ما يقتضي ذلك اجتنابه ~~وهو ما قد بين حكمه في غيرها والسادس والثلاثون دلالتها على استيعاب البدن ~~كله بالغسل ووجوب المضمضة والاستنشاق فيه بقوله وإن كنتم جنبا فاطهروا ~~والسابع والثلاثون دلالتها على أنه متى طهر بدنه استباح الصلاة وأن الوضوء ~~ليس بفرض فيه والثامن والثلاثون إيجاب التيمم للحدث عند عدم الماء والتاسع ~~والثلاثون جوازه للمريض إذا خاف ضرر الماء والأربعون جواز التيمم لغير ~~المريض إذا خاف ضرر البرد إذ كان المعنى في المرض مفهوما وهو أنه خوف الضرر ~~والحادي والأربعون دلالتها على جواز التيمم للجنب إذ كان قوله تعالى أو ~~لامستم النساء يحتمل الجماع والثاني والأربعون احتمالها إيجاب الوضوء من مس ~~المرأة إذ كان قوله تعالى أو لامستم يحتمل الأمرين والثالث والأربعون ~~دلالتها على أن من خاف العطش جاز له التيمم إذ كان في معنى الخائف لضرر ~~الماء باستعماله وهو المريض والمجروح والرابع والأربعون دلالتها على أن ~~الناسي للماء في رحله يجوز له التيمم إذ هو غير واجد للماء والله تعالى شرط ~~استعمال الماء عند وجوده والخامس والأربعون دلالتها على أن من معه ماء لا ~~يكفيه لوضوئه فليس عليه استعماله لأنه أمر بغسل أعضاء الوضوء ثم قال تعالى ~~فلم تجدوا ماء يعني ما يكفي لغسلها ولأنه لا خلاف أن من فرضه التيمم فدل ~~على أن هذا القدر من الماء غير مراد والسادس والأربعون احتمالها لاستدلال ~~من استدل بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا فذكر عدم كل جزء منه إذ كان ~~نكرة في جواز التيمم فإذا وجد قليلا لم يجز الاقتصار على التيمم والسابع ~~والأربعون دلالتها على سقوط فرض الطلب وبطلان قول موجبه إذ كان الوجود أو ~~العدم لا يقتضيان طلبا فموجب الطلب زائد فيها ما ليس منها والثامن ~~والأربعون دلالتها على أن من خاف ذهاب الوقت إن توضأ لم يجز له التيمم إذ ~~كان واجدا للماء لأمره تعالى إيانا بالغسل عند وجود الماء # PageV04P036 # بقوله تعالى فاغسلوا من غير ذكر الوقت والتاسع والأربعون دلالتها على أن ~~المحبوس الذي لا يجد ms1525 ماء ولا ترابا نظيفا أنه لا يصلي لأن الله أمر بفعل ~~الصلاة بأحد ما ذكره في الآية من ماء أو تراب والخمسون احتمالها لجواز ~~التيمم للمحبوس إذا وجد ترابا نظيفا والحادي والخمسون جواز التيمم قبل دخول ~~الوقت إذ لم يحصره بوقت وإنما علقه بعدم الماء بقوله تعالى فلم تجدوا ماء ~~والثاني والخمسون دلالتها على جواز الصلوات المكتوبات بتيمم واحد ما لم ~~يحدث أو يجد الماء بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ثم قوله ~~في سياقه فتيمموا فأمر بالصلاة بالتيمم على الوجه الذي أمر بها بالوضوء ~~فلما لم تقتض الآية تكرار الوضوء لكل صلاة لم تقتض تكرار التيمم والثالث ~~والخمسون دلالتها على أن على المتيمم إذا وجد الماء في الصلاة الوضوء لقوله ~~تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا على ما بينا من دلالتها على # ذلك فيما سلف والرابع والخمسون مسح الوجه واليدين في التيمم واستيعابهما ~~به والخامس والخمسون مسح اليدين إلى المرفقين لاقتضاء قوله تعالى وأيديكم ~~إلى المرافق إياها وأن ما فوق المرفقين إنما خرج بدليل والسادس والخمسون ~~جوازه بكل ما كان من الأرض لقوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا والصعيد الأرض ~~والسابع والخمسون بطلان التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى طيبا والنجس ليس ~~بطيب والثامن والخمسون وجوب النية في التيمم من وجهين أحدهما أن التيمم ~~القصد والثاني قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه على ما بينا من ~~دلالته على أن ابتداءه يكون من الأرض حتى يتصل بالوجه من غير قطع وأن ~~استعماله لشيء آخر يقطع حكم النية وتوجب الاستيناف والتاسع والخمسون ~~احتمالها لإصابة بعض التراب وجهه ويديه لقوله منه وهو للتبعيض والستون ~~دلالتها على بطلان قول من أجاز التيمم بالثلج والحشيش إذ ليسا من الصعيد ~~والواحد والستون دلالة قوله تعالى أو جاء أحد منكم من الغائط على إيجاب ~~الطهارة من الخارج من السبيلين وأن دم الاستحاضة وسلس البول والمذي ونحوهما ~~توجب الوضوء إذ كان الغائط هو المطمئن من الأرض يؤتى لكل ذلك والثاني ~~والستون دلالة قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم على ms1526 جواز الغسل بسائر المائعات ~~إلا ما خصه الدليل فيستدل به على جواز الوضوء بنبيذ التمر ويستدل به أيضا ~~الحسن بن صالح على جوازه بالخل وما جرى مجراه ويستدل به أيضا على جواز # PageV04P037 # الطهارة بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات ولم يغلب على الماء مثل ماء ~~الورد واللبن والخل ونحو ذلك والثالث والستون دلالة قوله تعالى فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا على جوازه بالنبيذ إذ كان في النبيذ ماء وإنما أطلق لنا التيمم ~~عند عدم كل جزء من الماء لذكره إياه بلفظ منكور ويستدل به أيضا من يجيز ~~الوضوء بالماء المضاف كالمرق وخل التمر ونحوه إذا كان فيه ماء والرابع ~~والستون دلالتها لمن يمنع المستحاضة صلاتي فرض بوضوء واحد على لزوم إعادة ~~الوضوء لفرض ثان لقوله إذا قمتم إلى الصلاة فقد روي إذا قمتم وأنتم محدثون ~~وهي محدثة لوجود الحدث بعد الطهارة والخامس والستون دلالتها على امتناع ~~جواز فرضين بتيمم واحد كدلالتها في الاستحاضة إذا كان التيمم غير رافع ~~للحدث فهو متى أراد القيام إلى الصلاة قام إليها وهو محدث والسادس والستون ~~دلالتها على جواز التيمم في أول الوقت عند عدم الماء لقوله تعالى أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس وقوله إذا قمتم إلى الصلاة- إلى قوله- فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا فأمر بالصلاة عند دلوكها وأمر بتقديم الطهارة لها بالماء إن كان ~~موجودا أو التراب إذا كان معدوما فاقتضى ذلك جواز التيمم في أول الوقت وقبل ~~الوقت كما اقتضى جواز الطهارة بالماء قبل الوقت وفي أوله والسابع والستون ~~دلالتها على امتناع جواز التيمم في الحضر للمحبوس وجواز الصلاة به لقوله ~~تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط- إلى قوله- ~~فتيمموا صعيدا فشرط في إباحة التيمم شيئين أحدهما المرض والآخر السفر مع ~~عدم الماء فإذا لم يكن مسافرا وكان مقيما إلا أنه ممنوع منه بحبس فغير جائز ~~صلاته بالتيمم فإن قيل فهو غير واجد للماء وإن كان مقيما قيل له هو كذلك ~~إلا أنه قد شرط في جوازه شيئين أحدهما السفر الذي الأغلب ms1527 فيه عدم الماء ~~والثاني عدمه وإنما أبيح له التيمم وجواز الصلاة بتعذر وجود الماء للحال ~~الموجبة لذلك وهو السفر لا في الحضر الذي الماء فيه موجود في الأغلب وإنما ~~حصل المنع بفعل آدمي من غير حال العادة فيها والغالب منها عدمه والثامن ~~والستون دلالة قوله ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج على نفي كل ما أوجب ~~الحرج والاحتجاج به عند وقوع الخلاف عن منتحلي مذهب التضييق فيدل ذلك على ~~جواز التيمم وإن كان معه ما إذا خاف على نفسه من العطش فيحبسه لشربه إذ كان ~~فيه نفي الضيق والحرج وعلى نفي إيجاب الترتيب والموالاة في الطهارة وعلى ~~نفي إيجاب # PageV04P038 # النية فيها وما جرى مجرى ذلك والتاسع والستون دلالة قوله ولكن يريد ~~ليطهركم على أن المقصد حصول الطهارة على أي وجه حصلت من ترتيب أو غيره ومن ~~موالاة أو تفريق ومن وجوب نية أو # عدمها وما جرى مجرى ذلك والسبعون دلالة قوله فاطهروا على سقوط اعتبار ~~تقدير الماء إذ كان المراد التطهير وعلى أن اغتسال النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالصاع غير موجب اعتباره والواحد والسبعون أن قوله تعالى وامسحوا ~~برؤسكم فيه دلالة على أن المراد مسحه بالماء فهذه وجوه دلالات هذه الآية ~~الواحدة على المعاني وضروب الأحكام منها نصوص ومنها احتمال في الطهارة التي ~~يجب تقديمها أمام الصلاة وشروطها التي تصح بها وعسى أن يكون كثير من ~~دلائلها وضروب احتمالها مما لم يبلغه علمنا متى يحث عنها واستقصي النظر ~~فيها أدركها من وفق لفهمها والله الموفق. ### | باب القيام بالشهادة والعدل # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ومعناه كونوا قوامين لله بالحق في كل ما يلزمكم القيام به من الأمر ~~بالمعروف والعمل به والنهي عن المنكر واجتنابه فهذا هو القيام لله بالحق ~~وقوله [شهداء لله بالقسط] يعني بالعدل قد قيل في الشهادة إنها الشهادات في ~~حقوق الناس روي ذلك عن الحسن وهو مثل قوله كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم وقيل إنه ms1528 أراد الشهادة على الناس بمعاصيهم كقوله تعالى ~~لتكونوا شهداء على الناس فكان معناه أن كونوا من أهل العدالة الذين حكم ~~الله بأن مثلهم يكونون شهداء على الناس يوم القيامة وقيل أراد به الشهادة ~~لأمر لله بأنه الحق وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة لاحتمال اللفظ ~~لها وقوله تعالى ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا روي أنها نزلت في شأن ~~اليهود حين ذهب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستعينهم في دية فهموا أن ~~يقتلوه وقال الحسن نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام قال ~~أبو بكر قد ذكر الله تعالى هذا المعنى في هذه السورة في قوله ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا فحمله الحسن على معنى الآية ~~الأولى والأولى أن تكون نزلت في غيرهم وأن لا تكون تكرارا وقد تضمن ذلك ~~الأمر بالعدل على المحق والمبطل وحكم بأن كفر الكافرين وظلمهم لا يمنع من ~~العدل عليهم وأن لا يتجاوز في قتالهم وقتلهم ما يستحقون وأن يقتصر بهم على # PageV04P039 # المستحق من القتال والأمر والاسترقاق دون المثلة بهم وتعذيبهم وقتل ~~أولادهم ونساءهم قصدا لإيصال الغم والألم إليهم وكذلك قال عبد الله بن ~~رواحة حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصا فجمعوا له شيئا من ~~حليهم وأرادوا دفعه إليه ليخفف في الخرص إن هذا سحت وإنكم لأبغض إلي من ~~عدتكم قردة وخنازير وما يمنعني ذلك من أن أعدل عليكم فقالوا بهذا قامت ~~السموات والأرض فإن قيل لما قال هو أقرب للتقوى ومعلوم أن العدل نفسه هو ~~التقوى فكيف يكون الشيء هو أقرب إلى نفسه قيل معناه هو أقرب إلى أن تكونوا ~~متقين باجتناب جميع السيئات فيكون العدل فيما ذكر داعيا إلى العدل في جميع ~~الأشياء واجتناب جميع المعاصي ويحتمل هو أقرب لاتقاء النار وقوله هو أقرب ~~للتقوى فقوله هو راجع إلى المصدر الذي دل عليه الفعل كأنه قال العدل أقرب ~~للتقوى كقول القائل من كذب كان شرا له يعني كان ms1529 الكذب شرا له # وقوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ~~قد اختلف في المراد بالنقيب هاهنا فقال الحسن الضمين وقال الربيع بن أنس ~~الأمين وقال قتادة الشهيد على قومه وقبل إن أصل النقيب مأخوذ من النقب وهو ~~الثقب الواسع فقيل نقيب القوم لأنه ينقب على أحوالهم وعن مكنون ضمائرهم ~~وأسرارهم فسمي رئيس العرفاء نقيبا لهذا المعنى وأما قول الحسن إنه الضمين ~~فإنما أراد به أنه الضمين لتعرف أحوالهم وأمورهم وصلاحهم وفسادهم ~~واستقامتهم وعدولهم ليرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك # جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار اثني عشر نقيبا # على هذا المعنى وقول الربيع بن أنس إنه الأمين وقول قتادة إنه الشهيد ~~يقارب ما قال الحسن أيضا لأنه أمين عليهم وشهيد بما يعملون به ويجري عليهم ~~أمورهم وإنما نقب النبي صلى الله عليه وسلم النقباء لشيئين أحدهما لمراعاة ~~أحوالهم وأمورهم وإعلامها النبي صلى الله عليه وسلم ليدبر فيهم بما روى ~~والثاني أنهم إذا علموا أن عليهم نقيبا كانوا أقرب إلى الاستقامة إذ علموا ~~أن أخبارهم تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولأن كل واحد منهم يحتشم ~~مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيما ينوبه ويعرض له من الحوائج قبله ~~فيقوم عنه النقيب فيه وليس يجوز أن يكون النقيب ضامنا عنهم الوفاء بالعهد ~~والميثاق لأن ذلك معنى لا يصح ضمانه ولا يمكن الضمين فعله ولا القيام به ~~فعلمنا أنه على المعنى الأول وفي هذه الآية دلالة على قبول خبر الواحد لأن ~~نقيب كل قوم إنما نصب ليعرف # PageV04P040 # أحوالهم النبي صلى الله عليه وسلم أو الإمام فلولا أن خبره مقبول لما كان ~~لنصبه وجه فإن قيل إنما يدل ذلك على قبول الاثني عشر دون الواحد قيل له إن ~~الاثني عشر لم يكونوا نقباء على جميع بني إسرائيل بجملتهم وإنما كان كل ~~واحد منهم نقيبا على قومه خاصة دون الآخرين قوله تعالى وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قال ابن عباس ms1530 هذا قول جماعة من اليهود حين ~~حذرهم النبي صلى الله عليه وسلم نقمات الله فقالوا لا تخوفنا فإنا أبناء ~~الله وأحباؤه قال السدي تزعم اليهود أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن ~~ولدك بكري من الولد وقال الحسن إنما قالوا ذلك على معنى قرب الولد من ~~الوالد وأما النصارى فقيل إنهم تأولوا ما في الإنجيل في قول المسيح عليه ~~السلام إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وقيل إنهم لما قالوا المسيح ابن الله وكان ~~منهم جرى ذلك على قول العرب هذيل شعراء أي منهم شعراء وعلى قولهم في رهط ~~مسيلمة قالوا نحن أبناء الله أي قال قائل منهم وتابعوه عليه فكان معنى ~~قولهم على هذا الوجه نحن أبناء الله أي منا ابن الله وقال تعالى قل فلم ~~يعذبكم بذنوبكم فيه إبطال دعواهم ذلك وتكذيبهم بها على لسانهم لأنهم كانوا ~~مقرين بأنهم يعذبون بالذنوب ومعلوم أن الأب المشفق لا يعذب ولده قوله تعالى ~~وجعلكم ملوكا قال عبد الله بن عمر وزيد بن أسلم والحسن الملك من له دار ~~وامرأة وخادم وقال غيرهم هو الذي له ما يستغني به عن تكلف الأعمال وتحمل ~~المشاق للمعاش وقال ابن عباس ومجاهد جعلوا ملوكا بالمن والسلوى والحجر ~~والغمام وقال غيرهم بالأموال أيضا وقال الحسن إنما سماهم ملوكا لأنهم ملكوا ~~أنفسهم بالتخلص من القبط الذين كانوا يستعبدونهم وقال السدي ملك كل واحد ~~منهم نفسه وأهله وماله وقال قتادة كانوا أول من ملك الخادم قوله يحرفون ~~الكلم عن مواضعه تحريفهم إياه يكون بوجهين أحدهما بسوء التأويل والآخر ~~بالتغيير والتبديل وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدي الكافة فغير ممكن ~~تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع الطواطؤ على مثلهم وما لم يستفض في الكافة ~~وإنما كان علمه عند قوم من الخاصة يجوز على مثلهم التواطؤ فإنه جائز وقوع ~~تغيير ألفاظه ومعانيه إلى غيرها وإثبات ألفاظ أخر سواها وأما المستفيض ~~الشائع في أيدي الكافة فإنما تحريفهم على تأويلات فاسدة كما تأولت المشبهة ~~والمجبرة كثيرا من الآي المتشابهة على ما تعتقده من ms1531 مذهبها وتدعي من ~~معانيها ما يوافق اعتقادها دون حملها على معاني المحكمة وإنما قلنا إنه # PageV04P041 # غير جائز وقوع التحريف من جهة تغيير الألفاظ فيما استفاض وانتشر عند ~~الكافة من قبل أن ذلك لا يقع إلا بالتواطؤ عليه ومثلهم مع اختلاف هممهم ~~وتباعد أوطانهم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم على مثله كما لا يجوز وقوع ~~التواطؤ من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى غيره ولو جاز ذلك ~~لجاز تواطؤهم على اختراع أخبار لا أصل لها ولو جاز ذلك لما صح أن يعلم ~~بالأخبار شيء وقد علم بطلان هذا القول اضطرار # قوله تعالى ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم عن الحسن قال إنما ~~قال قالوا إنا نصارى ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية ~~وتسموا بها وأنهم ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه من ~~الحواريين وهم الذين كانوا نصارى في الحقيقة نسبوا إلى قرية الشام تسمى ~~ناصرة فانتسب هؤلاء إليهم وإن لم يكونوا منهم لأن أولئك كانوا موحدة مؤمنين ~~وهؤلاء مثلثة مشركون وقد أطلق الله تعالى في مواضع غيره اسم النصارى لا على ~~وجه الحكاية عنهم في قوله تعالى وقالت النصارى المسيح ابن الله وفي مواضع ~~أخر لأنهم قد عرفوا بذلك وصار ذلك سمة لهم وعلامة # قوله تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك ~~من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم إنما لحقتهم سمة الكفر لأنهم ~~قالوا ذلك على جهة التدين به واعتقادهم إياه والإقرار بصحته لأنهم لو قالوا ~~على جهة الحكاية عن غيرهم منكرين له لما كفروا والكفر هو التغطية ويرجع ~~معنى ما ذكر عنهم إلى التغطية من وجهين أحدهما كفران النعمة يجحدها أن يكون ~~المنعم بها هو الله تعالى وإضافتها إلى غيره ممن ادعوا له الإلهية والآخر ~~كفر من جهة الجهل بالله تعالى وكل جاهل بالله كافر لتضييعه حق نعم الله ~~تعالى فكان بمنزلة مضيفها إلى غيره وقوله تعالى فمن يملك من الله ms1532 شيئا إن ~~أراد أن يهلك المسيح ابن مريم معناه من يقدر على دفع أمر الله تعالى إن ~~أراد هلاك المسيح وأمه وهذا من أظهر الاحتجاج وأوضحه لأنه لو كان المسيح ~~إلها لقدر على دفع أمر الله تعالى إذا أراد الله تعالى إهلاكه وإهلاك غيره ~~فلما كان المسيح وسائر المخلوقين سواء في جواز ورود الموت والهلاك عليهم صح ~~أنه ليس بإله إذا لم يكن سائر الناس آلهة وهو مثلهم في جواز الفناء والموت ~~والهلاك عليهم # قوله تعالى يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم قال ابن عباس ~~والسدي أرض بيت المقدس وقال مجاهد أرض الطور وقال قتادة أرض الشام # PageV04P042 # وقيل دمشق وفلسطين وبعض الأردن والمقدسة هي المطهرة لأن التقديس التطهير ~~وإنما سماها الله المقدسة لأنها طهرت من كثير من الشرك وجعلت مسكنا وقرارا ~~للأنبياء والمؤمنين فإن قيل لم قال كتب الله لكم وقد قال فإنها محرمة عليهم ~~قيل له روي عن ابن إسحاق أنها كانت هبة من الله تعالى لهم ثم حرمهم إياها ~~قال أبو بكر ينبغي أن يكون الله قد جعلها على شريطة القيام بطاعته واتباع ~~أمره فلما عصوا حرمهم إياها وقد قيل إنها على الخصوص وإن كان مخرجه مخرج ~~العموم # قوله تعالى إن فيها قوما جبارين فإنه قد قيل إن الجبار هو من الإجبار على ~~الأمر وهو الإكراه عليه وجبر العظم لأنه كالإكراه على الصلاح والجبار هدر ~~الأرش لأن فيه معنى الكره والجبار من النخل ما فات اليد طولا لأنه كالجبار ~~من الناس والجبار من الناس الذي يجبرهم على ما يريد والجبار صفة مدح لله ~~تعالى وهو ذم في صفة غيره يتعظم بما ليس له والعظمة لله عز وجل وحده الجبار ~~المتعظم بالاقتدار ولم يزل الله جبارا والمعنى أن ذاته يدعو العارف به إلى ~~تعظيمه والفرق بين الجبار والقهار أن في القهار معنى الغالب لمن ناوأه أو ~~كان في حكم المناوى بعصيانه إياه # قوله تعالى قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم ~~الباب روى ms1533 عن قتادة في قوله يخافون أنهم يخافون الله تعالى وقال غيره من ~~أهل العلم يخافون الجبارين ولم يمنعهم الخوف من أن يقولوا الحق فأثنى الله ~~عليهما بذلك فدل على فضيلة قول الحق عند الخوف وشرف منزلته # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق ~~إذا رآه وعلمه فإنه لا يبعد من رزق ولا يدني من أجل # وقال لأبي ذر رضوان الله عليه وأن لا يأخذك في الله لومة لائم # وقال حين سئل عن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر # قوله تعالى قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون قوله فاذهب أنت وربك فقاتلا يحتمل معنيين ~~أحدهما أنهم قالوه على وجه المجاز بمعنى وربك معين لك والثاني الذهاب الذي ~~هو النقلة وهذا تشبيه وكفر من قائله وهو أولى بمعنى الكلام لأن الكلام خرج ~~مخرج الإنكار عليهم والتعجب من جهلهم وقد يقال على المجاز قاتله الله بمعنى ~~أن عداوته لهم كعداوة المقاتل المستعلي عليهم بالاقتدار وعظم السلطان # قوله تعالى قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي هذا مجاز لأن الإنسان لا ~~يملك نفسه ولا أخاه الحر على الحقيقة وذلك لأن أصل الملك القدرة # PageV04P043 # ومحال أن يقدر الإنسان على نفسه أو على أخيه ثم أطلق اسم الملك على ~~التصرف فجعل المملوك في حكم المقدور عليه إذ كان له أن يصرفه تصرف المقدور ~~عليه وإنما معناه هاهنا أنه يملك تصريف نفسه في طاعة الله وأطلقه على أخيه ~~أيضا إذ كان يتصرف بأمره وينتهي إلى قوله # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدا من علي بنفسه وذات يده من أبي بكر ~~فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله يعني إني متصرف حيث ~~صرفتني وأمرك جائز في مالي # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل أنت ومالك لأبيك # ولم يرد به حقيقة الملك # قوله تعالى فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ms1534 الأرض قال أكثر أهل ~~العلم هو تحريم منع لأنهم كانوا يصبحون بحيث أمسوا ومقدار الموضع ستة فراسخ ~~وقال بعض أهل العلم يجوز أن يكون تحريم التعبد لأن التحريم أصله المنع قال ~~الله تعالى وحرمنا عليه المراضع من قبل يعني به المنع قال الشاعر يصف فرسا: # حالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام # يعني إني فارس لا يمكنك صرعي فهذا هو أصل التحريم ثم أجرى تحريم التعبد ~~عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع إذ كان ~~من حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه وقوله تعالى حرمت عليكم ~~الميتة والدم ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة ويستحيل ~~اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شيء واحد لأن الممنوع لا يجوز حظره ~~ولا إباحته إذ هو غير مقدور عليه والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ولا يكون ~~فعل لنا إلا وقد كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا # قوله تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا قال ابن عباس ~~وعبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة كان ابني آدم لصلبه هابيل وقابيل وكان ~~هابيل مؤمنا وقابيل كافرا وقيل بل كان رجل سوء وقال الحسن هما من بني ~~إسرائيل لأن علامة تقبل القربان لم يكن قبل ذلك والقربان ما يقصد به القرب ~~من رحمة الله تعالى من أعمال البر وهو فعلان من القرب كالفرقان من الفرق ~~والعدوان من العدو والكفران من الكفر وقيل إذا لم يتقبل من أحدهما لأنه قرب ~~شر ماله قرب الآخر خير ماله فتقبل منه وقيل بل رد قربانه لأنه كان فاجرا ~~وإنما يتقبل الله من المتقين وقيل كانت علامة القبول أن تجيء نار فتأكل ~~المتقبل ولا تأكل المردود ومنه قوله تعالى حتى يأتينا بقربان تأكله النار- ~~إلى قوله تعالى # PageV04P044 # وبالذي قلتم # قوله تعالى لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك قال ~~ابن عباس معناه لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به ولم يرد أني ms1535 لا أدفعك على نفسي ~~إذا قصدت قتلى فروى أنه قتل غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها ~~وروي عن الحسن ومجاهد أنه كتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه ~~عن نفسه قال أبو بكر وجائز في العقل ورود العبادة بمثله فإن كان التأويل هو ~~الأول فلا دلالة فيه على جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل من أراد قتله وإنما ~~فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره وإن كان التأويل هو الثاني فهو منسوخ لا محالة ~~وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدمة وجائز أن يكون نسخه ~~بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في ~~شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الواجب على من قصده إنسان بالقتل أن ~~عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ترك قتله مع الإمكان قوله تعالى وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر الله بقتال الفئة الباغية ~~ولا بغي أشد من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق فاقتضت الآية قتل من قصد قتل ~~غيره بغير حق وقال تعالى ولكم في القصاص حياة فأخبر أن في إيجابه القصاص ~~حياة لنا لأن القاصد لغيره بالقتل متى علم أنه يقتص منه كف عن قتله وهذا ~~المعنى موجود في حال قصده لقتل غيره لأن في قتله إحياء لمن لا يستحق القتل ~~وقال الله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة فأمر بالقتال لنفي الفتنة ومن ~~الفتنة قصده قتل الناس بغير حق # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا حسين بن ~~حريث قال حدثنا الفضل بن موسى عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهر سيفه ثم وضعه فدمه هدر # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة من قتل دون نفسه ~~فهو شهيد ms1536 ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد # وروى عبد الله بن الحسين عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال من أريد ماله فقاتل فقتل فهو شهيد # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد ولا يكون ~~مقتولا دون ماله إلا وقد قاتل دونه ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يسطع فبقلبه وذاك ضعف الإيمان # فأمر بتغير المنكر # PageV04P045 # باليد وإذا لم يمكن تغييره إلا بقتله فعليه أن يقتله بمقتضى ظاهر قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم خلافا أن رجلا لو شهر سيفه على رجل ~~ليقتله بغير حق أن على المسلمين قتله فكذلك جائز للمقصود بالقتل قتله وقد ~~قتل علي بن أبي طالب الخوارج حين قصدوا قتل الناس وأصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم معه موافقون عليه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار في ~~وجوب قتلهم منها # حديث أبي سعيد الخدري وأنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيكون في ~~أمتي اختلاف وفرقة فيهم قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من الدين ~~كما يمرق السهم من الرمية طوبى لمن قتلهم أو قتلوه # في آثار كثيرة مشهورة وقد تلقتها السلف بالقبول واستعملتها في وجوب قتلهم ~~وقتالهم # وروى أبو بكر بن عياش قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن قابوس بن أبي ~~المخارق عن أبيه قال قال رجل يا رسول الله الرجل يأتيني يريد مالي قال ذكره ~~الله قال فإن لم يذكر قال استعن عليه من حولك من المسلمين قال فإن لم يكن ~~حولي منهم قال فاستعن عليه السلطان قال فإن نأى عني السلطان قال قاتل دون ~~مالك حتى تمنع مالك أو تكون شهيدا في الآخرة # وذهب قوم من الحشوية إلى أن على من قصده إنسان بالقتل أن لا يقاتله ولا ~~يدفعه ms1537 عن نفسه حتى يقتله وتأولوا فيه هذه الآية وقد بينا أنه ليس في الآية ~~دلالة على أنه كف يده عن قتله حين قصده بالقتل وإنما الآية تدل على أنه لا ~~يبدأ بالقتل على ما روي عن ابن عباس ولو ثبت حكم الآية على ما ادعوه لكان ~~منسوخا بما ذكرنا من القرآن والسنة واتفاق المسلمين على أن على سائر الناس ~~دفعهم عنه وإن أتى على نفسه وتأولت هذه الطائفة التي ذكرنا قولها أحاديث ~~رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم منها # حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تواجه المسلمان ~~بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار فقيل يا رسول الله ~~هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه أراد قتل صاحبه # وروى علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن سعد بن مالك قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا تقتل أحدا من ~~أهل القبلة # وروى الحسن عن الأحنف بن قيس قال سمعت أبا بكر يقول سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في ~~النار قلت يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على ~~قتل صاحبه # وروى معمر عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابني آدم ~~ضربا لهذه الأمة مثلا فخذوا بالخير منهما # وروى معمر # PageV04P046 # عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل قال قلت ألبس ~~سلاحي قال شاركت القوم إذ قال قلت فكيف أصنع يا رسول الله قال إن خشيت أن ~~يبهرك شعاع السيف فألق ناحية ثوبك على وجهك يبؤ بإثمك وإثمه # فاحتجوا بهذه الآثار ولا دلالة لهم فيها فأما # قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل ~~والمقتول في النار # فإنما أراد بذلك ms1538 إذا قصد كل واحد منهما صاحبه ظلما على نحو ما يفعله ~~أصحاب العصبية والفتنة وأما # قوله صلى الله عليه وسلم إن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فافعل ولا ~~تقتل أحدا من أهل القبلة # فإنما عنى به ترك القتال في الفتنة وكف اليد عن الشبهة فأما قتل من استحق ~~القتل فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينفه بذلك وأما # قوله صلى الله عليه وسلم كن كخير ابني آدم # فإنما عنى به أن لا يبدأ بالقتل وأما دفع القاتل عن نفسه فلم يمنعه فإن ~~احتجوا بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس # فلا يجوز قتله قبل أن يقتل بقضية نفي النبي صلى الله عليه وسلم قتل ~~المسلم إلا بإحدى ما ذكر وهذا لم يقتل بعد فلا يستحق القتل قيل له هذا ~~القاصد لقتل غيره ظلما داخل في هذا الخبر لأنه أراد قتل غيره فإنما قتلناه ~~بنفس من قصد لقتله لئلا يقتله فأحيينا نفس المقصود بقتلنا إياه ولو كان ~~الأمر في ذلك على ما ذهبت إليه هذه الطائفة من حظر قتل من قصد قتل غيره ~~ظلما والإمساك عنه حتى يقتل من يريد قتله لوجب مثله في سائر المحظورات إذا ~~أراد الفاجر ارتكابها من الزنا وأخذ المال أن نمسك عنه حتى يفعلها فيكون في ~~ذلك ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستيلاء الفجار وغلبة الفساق ~~والظلمة ومحو آثار الشريعة وما علم مقالة أعظم ضررا على الإسلام والمسلمين ~~من هذه المقالة ولعمري إنها أدت إلى غلبة الفساق على أمور المسلمين ~~واستيلائهم على بلدانهم حتى تحكموا فحكموا فيها بغير حكم الله وقد جر ذلك ~~ذهاب الثغور وغلبة العدو حين ركن الناس إلى هذه المقالة في ترك قتال الفئة ~~الباغية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإنكار على الولاة والجوار ~~والله المستعان ويدل على صحة قول الجمهور في ذلك وأن القاصد لقتل غيره ظلما ms1539 ~~يستحق القتل وأن على الناس كلهم أن يقتلوه قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا فكان في # PageV04P047 # مضمون الآية إباحة قتل المفسد في الأرض ومن أعظم الفساد قصد قتل النفس ~~المحرمة فثبت بذلك أن القاصد لقتل غيره ظلما مستحق للقتل مبيح لدمه قال أبو ~~بكر ذكر ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة أنه قال في اللص ينقب البيوت يسعك ~~قتله # لقوله صلى الله عليه وسلم من قتل دون ماله فهو شهيد # ولا يكون شهيدا إلا هو مأمور بالقتال إن أمكنه فقد تضمن ذلك إيجاب قتله ~~إذا قدر عليه # وقال أيضا في رجل يريد قلع سنك قال فلك أن تقتله إذا كنت في موضع لا ~~يعنيك الناس عليه # قال أبو بكر وذلك لأن قلع السن أعظم من أخذ المال فإذا جاز قتله لحفظ ~~ماله فهو أولى بجواز القتل من أجلها # قوله تعالى إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فإنه روي عن ابن عباس وابن ~~مسعود والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي ~~وقال غيرهم إثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك والمراد إني أريد أن تبوء ~~بعقاب إثمي وإثمك لأنه لا يجوز أن يكون مراده حقيقة الإثم إذ غير جائز لأحد ~~إرادة معصية الله من نفسه ولا من غيره كما لا يجوز أن يأمره بها ومعنى تبوء ~~ترجع يقال باء إذا رجع إلى المباءة وهي المنزلة وباءوا بغضب الله رجعوا ~~والبواء الرجوع بالقود وهم في هذه الأمر بواء أي سواء لأنهم يرجعون فيه إلى ~~معنى واحد # قوله تعالى فطوعت له نفسه قتل أخيه قال مجاهد شجعته نفسه على قتل أخيه ~~وقال قتادة زينت له نفسه قتل أخيه وقيل ساعدته نفسه على قتل أخيه والمعنى ~~في جميع ذلك أنه فعله طوعا من نفسه غير متكره له ويقال إن العرب تقول طاع ~~لهذه الظبية أصول الشجر وطاع فلان كذا أي أتاه ms1540 طوعا ويقال انطاع بمعنى ~~انقاد ويقال طوعت له نفسه ولا يقال أطاعته نفسه على هذا المعنى لأن قولهم ~~أطاع يقتضى قصد أمنه لموافقة معنى الأمر وذلك غير موجود في نفسه وليس كذلك ~~الطوع لأنه لا يقتضي أمرا ولا يجوز أن يكون آمر لنفسه ولا ناهيا لها إذ كان ~~موضوع الأمر والنهي ممن هو أعلى لمن دونه وقد يجوز أن يوصف بفعل يتناوله ~~ولا يتعدى إلى غيره كقولك حرك غيره وقتل نفسه كما يقال حرك غيره وقتل غيره ~~قوله تعالى فأصبح من الخاسرين يعني خسر نفسه بإهلاكه إياها لقوله تعالى إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ولا دلالة في قوله فأصبح ~~من الخاسرين على أن القتل كان ليلا وإنما المراد به وقت مبهم جائز أن يكون ~~ليلا وجائز أن يكون نهارا وهو كقول الشاعر: # PageV04P048 # أصبحت عاذلتي معتله وليس المراد النهار دون الليل وكقول الآخر: # بكرت علي عواذلي ... يلحينني والومهته # ولم يرد بذلك أول النهار دون آخره وهذا عادة العرب في إطلاق مثله والمراد ~~به الوقت المبهم. ### | باب دفن الموتى # قال الله تعالى فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه ~~قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك لم يدر كيف يصنع به ~~حتى رأى غرابا جاء يدفن غرابا ميتا وفي هذا دليل على فساد ما روي عن الحسن ~~أنهما رجلان من بني إسرائيل لأنه لو كان كذلك لكان قد عرف الدفن بجريان ~~العادة فيه قبل ذلك وهو الأصل في سنة دفن الموتى وقال تعالى ثم أماته ~~فأقبره وقال تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وقيل في معنى سوأة ~~أخيه وجهان أحدهما جيفة أخيه لأنه لو تركه حتى ينتن لقيل لجيفة سوأة ~~والثاني عورة أخيه وجائز أن يريد الأمرين جميعا لاحتمالهما وأصل السوأة ~~التكره ومنه ساءه يسوءه سوء إذا أتاه بما يتكره وقص الله علينا قصته لنعتبر ~~بها ونتجنب قبح ما فعله القاتل منهما # وروي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم إن ms1541 الله ضرب لكم ابني آدم ~~مثلا فخذوا من خيرهما ودعوا شرهما # وقال الله تعالى فأصبح من النادمين قيل إنه ندم على القتل على غير جهة ~~القربة إلى الله تعالى منه وخوف عقابه وإنما كان ندمه من حيث لم ينتفع بما ~~فعل وناله ضرر بسببه من قبل أبيه وأمه ولو ندم على الوجه المأمور به لقبل ~~الله توبته وغفر ذنوبه # قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل الآية فيه إبانة عن المعنى ~~الذي من أجله كتب على بني إسرائيل ما ذكر في الآية وهو لئلا يقتل بعضهم ~~بعضا فدل ذلك على أن النصوص قد ترد مضمنة بمعان يجب اعتبارها في أغيارها في ~~إثبات الأحكام وفيه دليل على إثبات القياس ووجوب اعتبار المعاني للتي علق ~~بها الأحكام وجعلت عللا وأعلاما لها وقوله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض يدل على أن من قتل نفسا بنفس فلا لوم عليه وعلى أن من قتل # PageV04P049 # نفسا بغير نفس فهو مستحق للقتل ويدل أيضا على أن الفساد في الأرض معنى ~~يستحق به القتل وقوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا قد قيل فيه وجوه أحدها ~~تعظيم الوزر والثاني أن عليه مثل مأثم كل قاتل من الناس لأنه سن القتل ~~وسهله لغيره فكان كالمشارك له فيه # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من قاتل ظلما إلا وعلى ابن ~~آدم كفل من الإثم لأنه سن القتل # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة # والثالث أن على الناس كلهم معونة ولي المقتول حتى يقيدوه منه فيكون كلهم ~~خصومه في ذلك حتى يقاد منه كأنه قتل أولياءهم جميعا وهذا يدل على وجوب ~~القود على الجماعة إذا قتلت واحدا إذ كانوا بمنزلة من قتل الناس جميعا ~~وقوله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا قال مجاهد من ms1542 أحياها نجاها ~~من الهلاك وقال الحسن إذا عفا عن دمها وقد وجب القود وقال غيرهم من أهل ~~العلم زجر عن قتلها بما فيه حياتها قال أبو بكر يحتمل أن يريد بإحيائها ~~معونة الولي على قتل القاتل واستيفاء القصاص منه حياة كما قال تعالى ولكم ~~في القصاص حياة ويحتمل أن يريد بإحيائها أن يقتل القاصد لقتل غيره ظلما ~~فيكون محييا لهذا المقصود بالقتل ويكون كمن أحيا الناس جميعا لأن ذلك يردع ~~القاصدين إلى قتل غيرهم عن مثله فيكون في ذلك حياة لسائر الناس من القاصدين ~~للقتل والمقصودين به فتضمنت هذه الآية ضروبا من الدلائل على الأحكام منها ~~دلالتها على ورود الأحكام مضمنة بمعان يجب اعتبارها بوجودها وهذا يدل على ~~صحة القول بالقياس والثاني إباحة قتل النفس بالنفس والثالث أن من قتل نفسا ~~فهو مستحق للقتل والرابع من قصد قتل مسلم ظلما فهو مستحق القتل لأن قوله ~~تعالى من قتل نفسا بغير نفس كما دل على وجوب قتل النفس بالنفس فهو يدل على ~~وجوب قتله إذا قصد قتل غيره إذ هو مقتول بنفس إرادة إتلافها والخامس الفساد ~~في الأرض يستحق به القتل والسادس احتمال قوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا ~~أن عليه مأثم كل قاتل بعده لأنه سن القتل وسهله لغيره والسابع أن على الناس ~~كلهم معونة ولي المقتول حتى يقيدوه منه والثامن دلالتها على وجوب قتل ~~الجماعة إذا قتلوا واحدا والتاسع قوله تعالى فكأنما أحيا الناس جميعا على ~~معونة الولي على قتل القاتل والعاشر دلالته أيضا على قتل من قصد قتل غيره ~~ظلما والله أعلم بالصواب. # PageV04P050 # قال الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا الآية قال أبو بكر قوله تعالى يحاربون الله هو مجاز ليس بحقيقة لأن ~~الله يستحيل أن يحارب وهو يحتمل وجهين أحدهما أنه سمى الذين يخرجون ممتنعين ~~مجاهرين بإظهار السلاح وقطع الطريق محاربين لما كانوا بمنزلة من حارب غيره ~~من الناس ومانعه فسموا محاربين تشبيها لهم بالمحاربين من الناس كما قال ~~تعالى لك ms1543 بأنهم شاقوا الله ورسوله # وقوله إن الذين يحادون الله ورسوله ومعنى المشاقة أن يصير كل واحد منهما ~~في شق يباين صاحبه ومعنى المحادة أن يصير كل واحد منهما في حد على وجه ~~المفارقة وذلك يستحيل على الله تعالى إذ ليس بذي مكان فيشاق أو يحاد أو ~~تجوز عليه المباينة والمفارقة ولكنه تشبيه بالمعادين إذ صار كل واحد منهما ~~في شق وناحية على وجه المباينة وذلك منه على وجه المبالغة في إظهار ~~المخالفة والمباينة فكذلك قوله تعالى يحاربون الله يحتمل أن يكونوا سموا ~~بذلك تشبيها بمظهري الخلاف على غيرهم ومحاربتهم إياهم من الناس وخصت هذه ~~الفرقة بهذه السمة لخروجها ممتنعة بأنفسها لمخالفة أمر الله تعالى وانتهاك ~~الحريم وإظهار السلاح ولم يسم بذلك كل عاص لله تعالى إذ ليس بهذه المنزلة ~~في الامتناع وإظهار المبالغة في أخذ الأموال وقطع الطريق ويحتمل أن يريد ~~الذين يحاربون أولياء الله ورسوله كما قال تعالى إن الذين يؤذون الله ~~والمعنى يؤذون أولياء الله ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله لكانوا ~~مرتدين بإظهار محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يصح إطلاق لفظ ~~المحاربة لله ولرسوله على من عظمت جريرته بالمجاهرة بالمعصية وإن كان من ~~أهل الملة والدليل عليه ما # روى زيد بن أسلم عن أبيه إن عمر بن الخطاب رأى معاذا يبكي فقال ما يبكيك ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اليسير من الربا شرك ومن عادى ~~أولياء الله فقد بارز الله بالمحابة # فأطلق عليهم اسم المحاربة ولم يذكر الردة ومن حارب مسلما على أخذ ماله ~~فهو معاد لأولياء الله تعالى بذلك # وروى أسباط عن السدي عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين أنا حرب لمن حاربتم سلم لمن ~~سالمتم # فاستحق من حاربهم اسم المحارب لله ولرسوله وإن لم يكن مشركا فثبت بما ~~ذكرنا أن قاطع الطريق يقع عليه اسم المحارب لله عز وجل ولرسوله # PageV04P051 # ويدل عليه ms1544 أيضا ما # روى أشعث عن الشعبي عن سعد بن قيس أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وسعى ~~في الأرض فسادا وتاب من قبل أن يقدر عليه فكتب علي رضي الله عنه إلى عامله ~~بالبصرة إن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وتاب من قبل أن نقدر عليه فلا ~~تعرضن إلا بخير # فأطلق عليه اسم المحارب لله ورسوله ولم يرتد وإنما قطع الطريق فهذه ~~الأخبار وما ذكرنا من معنى الآية دليل على أن هذا الاسم يلحق قطاع الطريق ~~وإن لم يكونوا كفارا ولا مشركين مع أنه لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء ~~الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة وأنه فيمن قطع الطريق وإن كان ~~من أهل الملة وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين ~~وهو قول ساقط مردود مخالف للآية وإجماع السلف والخلف ويدل على أن المراد به ~~قطع الطريق من أهل الملة # قوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم ومعلوم أن المرتدين لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة عنهم بالتوبة بعد ~~القدرة كما تسقطها عنهم قبل القدرة وقد فرق الله بين توبتهم قبل القدرة أو ~~بعدها وأيضا فإن الإسلام لا يسقط الحد عمن وجب عليه فعلمنا أن المراد قطاع ~~الطريق من أهل الملة وأن توبتهم من الفعل قبل القدرة عليهم هي المسقطة للحد ~~عنهم وأيضا فإن المرتد يستحق القتل بنفس الردة دون المحاربة والمذكور في ~~الآية من استحق القتل بالمحاربة فعلمنا أنه لم يرد المرتد وأيضا ذكر فيه ~~نفي من لم يتب قبل القدرة عليه والمرتد لا ينفى فعلمنا أن حكم الآية جار في ~~أهل الملة وأيضا فإنه لا خلاف أن أحدا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر وإن ~~الأسير من أهل الردة متى حصل في أيدينا عرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل ~~ولا تقطع يده ولا رجله وأيضا فإن الآية أوجبت قطع يد المحارب ورجله ولم ~~توجب منه شيئا آخر ومعلوم ms1545 أن المرتد لا يجوز أن تقطع يده ورجله ويخلى سبيله ~~بل يقتل إن لم يسلم والله تعالى قد أوجب الاقتصار بهم في حال على قطع اليد ~~والرجل دون غيره وأيضا ليس من حكم المرتدين الصلب فعلمنا أن الآية في غير ~~أهل الردة ويدل عليه أيضا قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف وقال في المحاربين إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا ~~أن الله غفور رحيم فشرط في زوال الحد عن المحاربين وجود التوبة منهم قبل ~~القدرة عليهم وأسقط عقوبة الكفر بالتوبة قبل القدرة وبعدها فلما علم أنه لم ~~يرد # PageV04P052 # بالمحاربين أهل الردة فهذه الوجوه التي ذكرناها كلها دالة على بطلان قول ~~من ادعى خصوص الآية في المرتدين فإن قال قائل # قد روى قتادة وعبد العزيز بن صهيب وغيرهما عن أنس قال قدم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أناس من عرينة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ~~خرجتم إلى ذودنا فشربتم من ألبانها وأبوالها ففعلوا فلما صحو قاموا إلى ~~راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلوه ورجعوا كفارا واستاقوا ذود رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في طلبهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل ~~أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا # قيل له إن خبر العرنيين مختلف فيه فذكر بعضهم عن أنس نحو ما ذكرنا وزاد ~~فيه أنه كان سبب نزول الآية وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت ~~في أصحاب أبي برزة الأسلمي وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم فقطعوا ~~الطريق على قوم جاءوا يريدون الإسلام فنزلت فيهم وروى عكرمة عن ابن عباس ~~أنها نزلت في المشركين فلم يذكر مثل قصة العرنيين وروي عن ابن عمر أنها ~~نزلت في العرنيين ولم يذكر ردة ولا يخلو نزول الآية من أن يكون في شأن ~~العرنيين أو الموادعين فإن كان نزولها في العرنيين وأنهم ارتدوا فإن نزولها ~~في شأنهم لا يوجب الاقتصار بها عليهم لأنه لا ms1546 حكم للسبب عندنا وإنما الحكم ~~عندنا لعموم اللفظ إلا أن تقوم الدلالة على الاقتصار به على السبب وأيضا ~~فإن من ذكر نزولها في شأن العرنيين فإنه ما ذكر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد نزول الآية شيئا وإنما تركهم في الحرة حتى ماتوا ويستحيل نزول ~~الآية في الأمر بقطع من قد قطع وقتل من قد قتل لأن ذلك غير ممكن فعلمنا ~~أنهم غير مرادين بحكم الآية ولأن الآية عامة في سائر من يتناوله الاسم غير ~~مقصور الحكم على المرتدين وقد روى همام عن قتادة عن ابن سيرين قال كان أمر ~~العرنيين قبل أن ينزل الحدود فأخبر أنه كان قبل نزول الآية ويدل عليه # أن النبي صلى الله عليه وسلم سمل أعينهم وذلك منسوخ بنهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن المثلة # وأيضا لما كان نزول الآية بعد قصة العرنيين واقتصر فيها على ما ذكر ولم ~~يذكر سمل الأعين فصار سمل الأعين منسوخا بالآية لأنه لو كان حدا معه لذكره ~~وهو مثل ما روي في خبر عبادة في البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب ~~بالثيب الجلد والرجم ثم أنزل الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة فصار الحد هو ما في الآية دون غيره وصار النفي منسوخا بها ~~ومما يدل على أن الآية لم تنزل في العرنيين وأنها نزلت بعدهم أن فيها ذكر ~~القتل والصلب وليس فيها ذكر # PageV04P053 # سمل الأعين وغير جائز أن تكون الآية نزلت قبل إجراء الحكم عليهم وأن ~~يكونوا مرادين بها لأنه لو كان كذلك لأجرى النبي صلى الله عليه وسلم حكمها ~~عليهم فلما لم يصلبوا وسملهم دل على أن حكم الآية لم يكن ثابتا حينئذ فثبت ~~بذلك أن حكم الآية غير مقصور على المرتدين وأنه عام في سائر المحاربين. ### | ذكر الاختلاف في ذلك # واختلف السلف وفقهاء الأمصار في حكم الآية من وجوه أنا ذاكرها بعد ~~اتفاقهم على أن حكم الآية جار في أهل الملة إذا قطعوا الطريق فروى الحجاج ~~بن أرطاة عن ms1547 عطية العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا الآية قال إذا حارب الرجل فقتل ~~وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وقتل وصلب فإن قتل ولم يأخذ المال قتل ~~وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإذا لم يقتل ولم يأخذ ~~المال نفي وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يقطع الطريق ويأخذ ~~المال ويقتل أن الإمام فيه بالخيار إن شاء قطع يده ورجله من خلاف وقتله ~~وصلبه وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ولا رجله وإن شاء قتله ولم يصلبه فإن أخذ ~~مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وإن لم يأخذ مالا ولم يقتل عزر ونفي ~~من الأرض ونفيه حبسه وفي رواية أخرى أوجع عقوبة وحبس حتى يحدث خيرا وهو قول ~~الحسن رواية وسعيد بن جبير وحماد وقتادة وعطاء الخراساني فهذا قول السلف ~~الذين جعلوا حكم الآية على الترتيب وقال الآخرون الإمام مخير فيهم إذا ~~خرجوا يجري عليهم أي هذه الأحكام شاء وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا وممن ~~قال ذلك سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن رواية وعطاء بن أبي رباح وقال أبو ~~حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد إذا قتل المحاربون ولم يعدوا ذلك قتلوا وإن ~~أخذوا المال ولم يعدوا ذلك قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لا خلاف بين ~~أصحابنا في ذلك فإن قتلوا وأخذوا المال فإن أبا حنيفة قال للإمام أربع ~~خيارات إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم ~~وصلبهم وإن شاء صلبهم وإن شاء قتلهم وترك القطع وقال أبو يوسف ومحمد إذا ~~قتلوا وأخذوا المال فإنهم يصلبون ويقتلون ولا يقطعون وروي عن أبي يوسف في ~~الإملاء أنه قال إن شاء قطع يده ورجله وصلبه فأما # PageV04P054 # الصلب فلا أعفيه منه وقال الشافعي في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال ~~قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا إذا أخذوا ~~المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم ms1548 من خلاف وإذا خافوا السبيل نفوا وإذا ~~هربوا طلبوا حتى يؤخذوا فيقام عليهم الحدود إلا من تاب قبل أن نقدر عليه ~~سقط عنه الحد ولا يسقط حقوق الآدميين ويحتمل أن يسقط كل حق لله تعالى ~~بالتوبة ويقطع من أخذ ربع دينار فصاعدا وقال مالك إذا أخذ المحارب المخيف ~~للسبيل فإن الإمام مخير في إقامة أي الحدود التي أمر الله تعالى بها قتل ~~المحارب أو لم يقتل أخذ مالا أو لم يأخذ الإمام مخير في ذلك إن شاء قتله ~~وإن شاء قطعه خلافا وإن شاء نفاه ونفيه حبسه حتى يظهر توبة فإن لم يقدر على ~~المحارب حتى يأتيه تائبا وضع عنه حد المحاربة القتل والقطع والنفي وأخذ ~~بحقوق الناس وقال الليث ابن سعد الذي يقتل ويأخذ المال يصلب فيطعن بالحربة ~~حتى يموت والذي يقتل فإنه يقتل بالسيف وقال أبو الزناد في المحاربين ما ~~يصنع الوالي فيهم فهو صواب من قتل أو صلب أو قطع أو نفي. # قال أبو بكر الدليل على أن حكم الآية على الترتيب الذي ذكرنا # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر ~~بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس # فنفى صلى الله عليه وسلم قتل من خرج عن هذه الوجوه الثلاثة ولم يخصص فيه ~~قاطع الطريق فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق وإذا انتفى قتل من ~~لم يقطع وجب قطع يده ورجله إذا أخذ المال وهذا لا خلاف فيه فإن قيل # روى إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد بن عمير عن عائشة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد ~~إحصان ورجل قتل رجلا فقتل به ورجل خرج محاربا لله ولرسوله فيقتل أو يصلب أو ~~ينفى من الأرض # قيل له قد روي هذا الحديث من وجوه صحاح ولم يذكر فيه قتل المحارب # ورواه عثمان وعبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه ms1549 وسلم ولم يذكر ~~فيه قتل المحارب # والصحيح منها ما لم يذكر ذلك فيه لأن المرتد لا محالة مستحق للقتل ~~بالاتفاق وهو أحد الثلاثة المذكورين في خبر هؤلاء فلم يبق من الثلاثة غيرهم ~~ويكون المحارب إذا لم يقتل خارجا منهم وإن صح ذكر المحارب فيه فالمعنى فيه ~~إذا قتل حتى يكون موافقا للأخبار الأخر وتكون فائدته جواز قتله على وجه ~~الصلب فإن قيل فقد ذكر فيه أو # PageV04P055 # ينفى من الأرض قبل له لا يمتنع أن يكون مبتدأ قد أضمر فيه إن لم يقتل فإن ~~قيل فقد يقتل الباغي وإن لم يقتل وهو خارج عن الثلاثة المذكورين في الخبر ~~قيل له ظاهر الخبر ينفي قتله وإنما قتلناه بدلالة الاتفاق وبقي حكم الخبر ~~في نفي قتل المحارب إلا أن يقتل على العموم وأيضا فإن الخبر إنما ورد فيمن ~~استحق القتل بفعل سبق منه واستقر حكمه عليه كالزاني المحصن والمرتد والقاتل ~~والباغي لا يستحق القتل على هذا الوجه وإنما يقتل على وجه الدفع ألا ترى ~~أنه لو قعد في بيته ولم يقتل وإن كان معتقدا لمقالة أهل البغي فثبت بما ~~وصفنا أن حكم الآية على الترتيب على الوجه الذي بينا لا على التخيير ويدل ~~على أن في الآية ضميرا ولا تخيير فيها اتفاق الجميع على أنهم لو أخذوا ~~المال ولم يقتلوا لم يجز للإمام أن ينفيه ويترك قطع يده ورجله وكذلك لو ~~قتلوا وأخذوا المال لم يجز للإمام أن يعفيه من القتل أو الصلب ولو كان ~~الأمر على ما قال القائلون بالتخيير لكان التخيير ثابتا فيما إذا أخذوا ~~المال وقتلوا أو أخذوا المال ولم يقتلوا فلما كان ذلك على ما وصفنا ثبت أن ~~في الآية ضميرا وهو أن يقتلوا إن قتلوا أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال ولم يقتلوا أو ينفوا من الأرض ~~إن خرجوا ولم يفعلوا شيئا من ذلك حتى ظفر بهم واحتج القائلون بالتخيير ~~بظاهر الآية وبقوله تعالى من قتل نفسا بغير نفس ms1550 أو فساد في الأرض فكأنما ~~قتل الناس جميعا فدل على أن الفساد في الأرض بخروجهم وامتناعهم وإخافتهم ~~السبيل وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا وليس ما ذكروه بموجب للتخيير مع قيام ~~الدلالة على ضمير الآية وتعلق الحكم به دون مقتضى ظاهرها وهو ما قدمنا من ~~أنها لو كانت موجبة للتخيير ولم يكن فيها ضمير لكان الخيار باقيا إذا قتلوا ~~وأخذوا المال في العدول عن قتلهم وقطعهم إلى نفيهم فلما ثبت أنه غير جائز ~~العدول عن القتل والقطع في هذه الحال صح أن معناها أن يقتلوا إن قتلوا أو ~~يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا ~~المال فإن قال قائل إنما أوجب قتلهم إذا قتلوا وقطعهم إذا أخذوا المال ولم ~~يجز العدول عنه إلى النفي لأن القتل على الانفراد يستحق به القتل وإن لم ~~يكن محاربا وأخذ المال يستحق به القطع إذا كان سارقا فلذلك لم يجز في هذه ~~الحال العدول إلى النفي وترك القتل أو القطع قيل له قتل المحارب في هذه ~~الحال وقطعه حد ليس على وجه # PageV04P056 # القود ألا ترى أن عفو الأولياء غير جائز فيه فثبت أنه إنما يستحق ذلك على ~~وجه الحد لأنه قتل على وجه المحاربة ووجب قطعه لأخذه المال على وجه ~~المحاربة فإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا لم يجز أن يقتل ولا يقطع لأنه لو كان ~~القتل واجبا حدا لما جاز العدول عنه إلى النفي وكذلك القطع كما أنهم إذا ~~قتلوا وأخذوا المال لم يجز العدول عن القتل أو القطع إلى النفي إذ كان وجوب ~~ذلك على وجه الحد وفي ذلك دليل على أن المحارب لا يستحق القتل إلا إذا قتل ~~ولا القطع إلا إذا أخذ المال ويصلح أن يكون ذلك دليلا مبتدأ لأن القتل إذا ~~وجب حدا لم يجز العدول عنه إلى غيره وكذلك القطع كالزاني والسارق فلما جاز ~~للإمام أن يعدل عن قتل المحارب الذي لم يقتل إلى النفي علمنا أنه غير مستحق ~~للقتل بنفس الخروج ms1551 وكما لو قتل لم يجز أن يعفى عن قتله فلو كان يستحق القتل ~~بنفس المحاربة لما جاز أن يعدل عنه كما لم يجز أن يعدل عنه إذا قتل وأما ~~قوله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض # وتسويته بين قتل النفس بغير النفس وبين الفساد في الأرض فإنما المراد ~~الفساد في الأرض الذي يكون معه قتل أو قتله في حال إظهار الفساد فيقتل على ~~وجه الدفع ونحن قد نقتل المحارب الذي لم يقتل على وجه الدفع وإنما الكلام ~~فيمن صار في يد الإمام قبل أن يتوب هل يجوز أن يقتله إذا لم يقتل فأما على ~~وجه الدفع فلا خلاف فيه فجائز أن يكون المراد من قوله تعالى أو فساد في ~~الأرض على هذا الوجه لأن الفساد في الأرض لو كان يستحق به القتل لما جاز ~~العدول عنه إلى النفي فلما جاز عند الجميع نفيه دل على أنه غير مستحق للقتل ~~فصح بما وصفنا قول من قال بإيجاب ترتيب حكم الآية على الوجه الذي ذكرنا ~~وأيضا فإن الوصول إلى القتل لا يستحق بأخذ المال ولا القصد له ومعلوم أن ~~المحاربين إنما خرجوا لأخذ المال فإن كان القتل غير مستحق لأخذ المال في ~~الأصول فالقصد لأخذه أولى أن لا يستحق به القتل على وجه الحد فإذا خرج ~~المحاربون وقتلوا قتلوا حدا لأجل القتل وليس قتلهم هذا لأن القتل يستحق به ~~القتل في الأصول إلا أنه لما قتله على جهة إظهار الفساد في الأرض تأكد حكمه ~~بأن أوجب قتله حدا على أنه حق لله تعالى لا يجوز فيه عفو الأولياء فإن ~~أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف لما في الآية من ذكر ~~ذلك وقطع اليد والرجل يستحق بأخذ المال في الأصول ألا ترى أن السارق تقطع ~~يده فإن # PageV04P057 # عاد فسرق قطعت رجله إلا أنه غلظت عقوبته حين كان أخذه للمال على وجه ~~الفساد في الأرض فإن قتل وأخذ فالإمام فيه بالخيار على ما ذكرنا من اختلاف ~~أصحابنا ms1552 فيه فكان عند أبى حنفية له أن يجمع عليه قطع اليد والرجل والصلب ~~والقتل وأخذ المال على وجه المحاربة صار جميع ذلك حدا واحدا ألا ترى أن ~~القتل في هذا الموضع مستحق على وجه الحد كالقطع وأن عفو الأولياء فيه لا ~~يجوز فدل ذلك على أنهما جميعا حد واحد فلذلك كان للإمام أن يجمعهما جميعا ~~وله أن يقتلهم فيدخل فيه قطع اليد والرجل وذلك لأنه لم يؤخذ على الإمام ~~الترتيب في التبدئة ببعض ذلك دون بعض فله أن يبدأ بالقتل أو بالقطع فإن قال ~~قائل هلا قتلته وأسقطت القطع كمن سرق وقتل أنه يقتل ولا يقطع قيل له ما ~~بينا من أن جميع ذلك حد واحد مستحق بسبب واحد وهو القتل وأخذ المال على وجه ~~المحاربة وأما السرقة والقتل فكل واحد منهما مستحق بسبب غير السبب الذي به ~~استحق الآخر وقد أمرنا بدرء الحدود ما استطعنا فلذلك بدأنا بالقتل لندرأ ~~أحد الحدين وليس في مسألتنا درء أحد الحدين وإنما هو حد واحد فلم يلزمنا ~~إسقاط بعضه وإيجاب بعض وهو مخير أيضا بين أن يقتله صلبا وبين الاقتصار على ~~القتل دون الصلب لقوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا وذكر أبو جعفر الطحاوي أن ~~الصلب المذكور في آية المحارب هو الصلب بعد القتل في قول أبي حنيفة وكان ~~أبو الحسن الكرخي يحكي عن أبي يوسف أنه يصلب ثم يقتل يبعج بطنه برمح أو ~~غيره فيقتل وقال أبو الحسن هذا هو الصحيح وصلبه بعد القتل لا معنى له لأن ~~الصلب عقوبة وذلك يستحيل في الميت فقيل له لم لا يجوز أن يصلب بعد القتل ~~ردعا لغيره فقال لأن الصلب إذا كان موضوعه للتعذيب والعقوبة لم يجز إيقاعه ~~إلا على الوجه الموضوع في الشريعة فإن قال قائل إذا كان الله تعالى إنما ~~أوجب القتل أو الصلب على وجه التخيير فكيف يجوز جمعهما عليه قيل له أراد ~~قتلا على غير وجه الصلب إذا قتل ولم يأخذ المال وأراد قتلا على وجه الصلب ~~إذا قتل وأخذ ms1553 المال فغلظت العقوبة عليه في صفة القتل لجمعه بين القتل وأخذ ~~المال وروى مغيرة عن إبراهيم قال يترك المصلوب من المحاربين على الخشبة ~~يوما وقال يحيى بن آدم ثلاثة أيام واختلف في النفي فقال أصحابنا هو حبسه ~~حيث يرى الإمام وروي مثله عن إبراهيم وروي عن إبراهيم رواية أخرى وهو أن ~~ينفيه طلبه وقال مالك ينفى إلى بلد آخر غير # PageV04P058 # البلد الذي يستحق فيه العقوبة فيحبس هناك وقال مجاهد وغيره هو أن يطلب ~~الإمام الحد عليه حتى يخرج عن دار الإسلام قال أبو بكر فأما من قال # إنه ينفى عن كل بلد يدخل فهو إنما ينفيه عن البلد الذي هو فيه والإقامة ~~فيه وهو حينئذ غير منفي من التصرف في غيره فلا معنى لذلك ولا معنى أيضا ~~لحبسه في بلد غير بلده إذ الحبس يستوي في البلد الذي أصاب فيه وفي غيره ~~فالصحيح إذا حبسه في بلده وأيضا فلا يخلو قوله تعالى أو ينفوا من الأرض من ~~أن يكون المراد به نفيه من جميع الأرض وذلك محال لأنه لا يمكن نفيه من جميع ~~الأرض إلا بأن يقتل ومعلوم أنه لم يرد بالنفي القتل لأنه قد ذكر في الآية ~~القتل مع النفي أو يكون مراده نفيه من الأرض التي خرج منها محاربا من غير ~~حبسه لأنه معلوم أن المراد بما ذكره زجره عن إخافة السبيل وكف أذاه عن ~~المسلمين وهو إذا صار إلى بلد آخر فكان هناك مخلا كانت معرته قائمة على ~~المسلمين إذا كان تصرفه هناك كتصرفه في غيره أو أن يكون المراد نفيه عن دار ~~الإسلام وذلك ممتنع أيضا لأنه لا يجوز نفي المسلم إلى دار الحرب لما فيه من ~~تعريضه للردة ومصيره إلى أن يكون حربيا فثبت أن معنى النفي هو نفيه عن سائر ~~الأرض إلا موضع حبسه الذي لا يمكنه فيه العبث والفساد وقوله تعالى ذلك لهم ~~خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم يدل على أن إقامة الحد عليه لا ~~تكون كفارة لذنوبه لإخبار الله ms1554 تعالى بوعيده في الآخرة بعد إقامة الحد ~~عليهم قوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم استثناء لمن تاب منهم من قبل القدرة عليهم وإخراج لهم من جملة من ~~أوجب الله عليه الحد لأن الاستثناء إنما هو إخراج بعض ما انتظمته الجملة ~~منها كقوله تعالى إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته فأخرج آل لوط ~~من جملة المهلكين وأخرج المرأة بالاستثناء من جملة المنجين وكقوله تعالى ~~فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس فكان إبليس خارجا من جملة الساجدين ~~فكذلك لما استثناهم من جملة من أوجب عليهم الحد إذا تابوا قبل القدرة عليهم ~~فقد نفى إيجاب الحد عليهم وقد أكد ذلك بقوله تعالى فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم كقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف عقل بذلك ~~سقوط عقوبات الدنيا والآخرة عنهم فإن قال قائل قد قال في السرقة فمن تاب من ~~بعد ظلمه # PageV04P059 # وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم # ومع ذلك فليست توبة السارق مسقطة للحد عنه قيل له لأنه لم يستثنهم من ~~جملة من أوجب عليهم الحد وإنما أخبر أن الله غفور رحيم لمن تاب منهم وفي ~~آية المحاربين استثناء يوجب إخراجهم من مبتدأ مستغنيا بنفسه عن تضمينه ~~بغيره وكل كلام اكتفى بنفسه لم نجعله مضمنا بغيره إلا بدلالة وقوله تعالى ~~إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم نجعله مضمنا بغيره إلا بدلالة ~~وقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم مفتقر في صحته إلى ما ~~قبله فمن أجل ذلك كان مضمنا به ومتى سقط الحد المذكور في الآية وجبت حقوق ~~الآدميين من القتل والجراحات وضمان الأموال وإذا وجب الحد سقط ضمان حقوق ~~الآدميين في المال والنفس والجراحات وذلك لأن وجوب الحد بهذا الفعل يسقط ما ~~تعلق به من حق الآدمي كالسارق إذا سرق وقطع لم يضمن السرقة وكالزاني إذا ~~وجب عليه الحد لم يلزمه المهر وكالقاتل إذا وجب عليه ms1555 القود لم يلزمه ضمان ~~المال كذلك المحاربون إذا وجب عليهم الحد سقطت حقوق الآدميين فإذا سقط الحد ~~عن المحارب وجب ضمان ما تناوله من مال أو نفس كالسارق إذا درئ عنه الذي ~~يكون به محاربا وجب ضمان ما تناوله من مال أو نفس كالسارق إذا درئ عنه الذي ~~يكون به محاربا فقال أبو حنيفة من قطع الطريق في المصر ليلا أو نهارا أو ~~بين الحيرة والكوفة ليلا أو نهارا فلا يكون قاطعا للطريق إلا في الصحاري ~~وحكى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أن الأمصار وغيرها سواء وهم المحاربون يقام ~~حدهم وروي عن أبى يوسف في اللصوص الذين يكسبون الناس ليلا في دورهم في ~~المصر أنهم بمنزلة قطاع الطريق يجرى عليهم أحكامهم وحكي عن مالك أنه لا ~~يكون محاربا حتى يقطع على ثلاثة أميال من القرية وذكر عنه أيضا قال ~~المحاربة أن يقاتلوا على طلب المال من غير نائرة ولم يفرق هاهنا بين المصر # وغيره وقال الشافعي قطاع الطريق الذين يعرضون بالسلاح للقوم حتى يغصبوهم ~~المال والصحاري والمصر واحد وقال الثوري لا يكون محاربا بالكوفة حتى يكون ~~خارجا منها # قال أبو بكر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع على خائن ~~ولا مختلس # فنفى صلى الله عليه وسلم القطع عن المختلس والمختلس هو الذي يختلس الشيء ~~وهو ممتنع فوجب بذلك اعتبار المنعة من المحاربين وأنهم متى كانوا في موضع ~~لا يمكنهم أن يمتنعوا وقد يلحق من قصدوه الغوث من قبل المسلمين أن لا ~~يكونوا محاربين وأن يكونوا بمنزلة المختلس والمنتهب كالرجل الواحد إذا فعل ~~ذلك في المصر فيكون مختلسا غاصبا لا يجري عليه أحكام قطاع الطريق وإذا كانت ~~جماعة ممتنعة # PageV04P060 # في الصحراء فهؤلاء يمكنهم أخذ أموال السابلة قبل أن يلحقهم الغوث فباينوا ~~بذلك المختلس ومن ليس له امتناع في أحكامهم ولو وجب أن يستوي حكم المصر ~~وغيره لوجب استواء حكم الرجل الواحد والجماعة ومعلوم أن الرجل الواحد لا ~~يكون محاربا في المصر لعدم الامتناع منه فكذلك ينبغي ms1556 أن يكون حكم الجماعة ~~في المصر لفقد الامتناع منهم على أهل المصر وأما إذا كانوا في الصحراء فهم ~~ممتنعون غير مقدور عليهم إلا بالسلب والقتال فلذلك اختلف حكمهم وحكم من في ~~المصر فإن قال قائل إن كان الاعتبار بما ذكرت فواجب أن يكون العشرة من ~~اللصوص إذا اعترضوا قافلة فيها ألف رجل غير محاربين إذ قد يمكنهم الامتناع ~~عليهم قيل له صاروا محاربين بالامتناع والخروج سواء قصدوا القافلة أو لم ~~يقصدوها فلا يزول عنهم هذا الحكم بعد ذلك بكون القافلة ممتنعة منهم كما لا ~~يزول بكون أهل الأمصار ممتنعين منهم وأجرى أبو يوسف على اللصوص في المصر ~~حكم المحاربين لامتناعهم والخروج على وجه المحاربة لأخذ المال فلا يختلف ~~حكمهم بالمصر وغيره كما أن سائر ما يوجب الحد من الزنا والسرقة والقذف ~~والقتل لا يختلف أحكام فاعليها بالمصر وغيره. # (فصل) واعتبر أصحابنا في إيجاب قطع المحارب مقدار المال المأخوذ بأن يصيب ~~كل واحد منهم عشرة دراهم واعتبر الشافعي ربع دينار كما اعتبره في قطع ~~السارق ولم يعتبره مالك لأنه يرى إجراء الحكم عليها بالخروج قبل أخذ المال. # (فصل) وقال أصحابنا إذا كان الذي ولي القتل وأخذ المال بعضهم كان حكم ~~جميعهم حكم المحاربين يجري الحكم عليهم وذلك لأن حكم المحاربة والمنعة لم ~~يحصل إلا باجتماعهم جميعا فلما كان السبب الذي تعلق به حكم المحاربة وهو ~~المنعة حصل باجتماعهم جميعا وجب أن لا يختلف حكم من ولي القتل منهم ومن كان ~~عونا أو ظهيرا والدليل عليه أن الجيش إذا غنموا من أهل الحرب لم يختلف فيه ~~حكم من ولي القتال منهم ومن كان منهم ردأ وظهيرا ولذلك لم يختلف حكم من قتل ~~بعصا أو بسيف إذ كان من لم يل القتال يجري عليه الحكم. ### | باب قطع السارق # قال الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما روى سفيان عن جابر عن # PageV04P061 # عامر قال قراءة عبد الله فاقطعوا أيديهما وروى ابن عوف عن إبراهيم في ~~قراءتنا فاقطعوا أيمانهما قال أبو بكر لم تختلف الأمة في ms1557 أن اليد المقطوعة ~~بأول سرقة هي اليمين فعلمنا أن مراد الله تعالى بقوله أيديهما أيمانهما ~~فظاهر اللفظ في جمعه الأيدي من الاثنين يدل على أن المراد اليد الواحدة من ~~كل واحد منهما كقوله تعالى إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما لما كان لكل ~~واحد منهما قلب واحد أضافه إليها بلفظ الجمع كذلك لما أضاف الأيدي إليهما ~~بلفظ الجمع دل على أن المراد إحدى اليدين من كل واحد منهما وهي اليمنى وقد ~~اختلف في قطع اليسرى في المرة الثالثة وفي قطع الرجل اليمنى في الرابعة ~~وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى ولم تختلف الأمة في خصوص هذه الآية لأن ~~اسم السارق يقع على سارق الصلاة # قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أسوأ الناس سرقة هو الذي يسرق صلاته قيل ~~له يا رسول الله وكيف يسرق صلاته قال لا يتم ركوعها وسجودها # ويقع على سارق اللسان # روى ليث بن سعد قال حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبد ~~الله عن أبي رهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أسرق السارق الذي يسرق ~~لسان الأمير # فثبت بذلك أنه لم يرد كل سارق والسرقة اسم لغوي مفهوم المعنى عند أهل ~~اللسان بنفس وروده غير محتاج إلى بيان وكذلك حكمه في الشرع وإنما علق بهذا ~~الاسم حكم القطع كالبيع والنكاح والإجارة وسائر الأمور المعقولة معانيها من ~~اللغة قد علقت بها أحكام يجب اعتبار عمومها بوجود الاسم إلا ما قام دليل ~~خصوصه فلو خلينا وظاهر قوله السارق والسارقة لوجب إجراء الحكم على الاسم ~~إلا ما خصه الدليل إلا أنه قد ثبت عندنا أن الحكم متعلق بمعنى غير الاسم ~~يجب اعتباره في إيجابه وهو الحرز والمقدار فهو مجمل من جهة المقدار يحتاج ~~إلى بيان من غيره في إثباته فلا يصح من أجل ذلك اعتبار عمومه في إيجاب ~~القطع في كل مقدار والدليل على إجماله وامتناع اعتبار عمومه ما # حدثنا عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا عبد ms1558 الرحمن بن ~~المبارك قال حدثنا وهيب عن أبي واقد قال حدثني عامر بن سعد عن أبيه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن # وروى ابن لهيعة عن أبى النضر عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا تقطع يد السارق إلا فيما بلغ ثمن المجن فما فوقه # وروى سفيان عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أدنى ما يقطع فيه السارق # PageV04P062 # ثمن المجن # فثبت بهذه الأخبار أن حكم الآية في إيجاب القطع موقوف على ثمن المجن فصار ~~ذلك كوروده مع الآية مضموما إليها وكان تقديرها والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما إذا بلغت السرقة ثمن المجن وهذا لفظ مفتقر إلى البيان غير مكتف ~~بنفسه في إثبات الحكم وما كان هذا سبيله لم يصح الاحتجاج بعمومه ووجه آخر ~~يدل على إجمالها في هذا الوجه وهو ما روي عن السلف في تقويم المجن فروي عن ~~عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأيمن الحبشي وأبي جعفر وعطاء وإبراهيم ~~في آخرين أن قيمته كانت عشرة دراهم وقال ابن عمر قيمته ثلاثة دراهم وقال ~~أنس وعروة والزهري وسليمان بن يسار قيمته خمسة دراهم وقالت عائشة ثمن المجن ~~ربع دينار ومعلوم أنه لم يكن ذلك تقويما منهم لسائر المجان لأنها تختلف ~~كاختلاف الثياب وسائر العروض فلا محالة أن ذلك كان تقويما للمجن الذي قطع ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أيضا أنهم لم يحتاجوا إلى تقويمه ~~من حيث قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذ ليس في قطع النبي صلى الله ~~عليه وسلم في شيء بعينه دلالة على نفي القطع عما دونه كما أن قطعه السارق ~~في المجن غير دال على أن حكم القطع مقصور عليه دون غيره إذ كان ما فعله بعض ~~ما تناوله لفظ العموم على حسب حدوث الحادثة فإذا لا محالة قد كان من النبي ~~صلى الله ms1559 عليه وسلم توقيف لهم حين قطع السارق على نفي القطع فيما دونه فدل ~~ذلك على إجمال حكم الآية في المقدار كدلالة الأخبار التي قدمناها لفظا من ~~نفي القطع عما دونه قيمة المجن فلم يجز من أجل ذلك اعتبار عموم الآية في ~~إثبات المقدار ووجب طلب معرفة قيمة المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وليس إجمالها في المقدار بموجب إجمالها في سائر الوجوه من الحرز وجنس ~~المقطوع فيه وغير ذلك بل جائز أن يكون عموما في هذه الوجوه مجملا في حكم ~~المقدار فحسب كما أن قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة عموم في جهة الأموال ~~الموجب فيها الصدقة مجمل في المقدار الواجب منها وكان شيخنا أبو الحسن يذهب ~~إلى أن الآية مجملة من حيث علق فيها الحكم بمعان لا يقتضيها اللفظ من طريق ~~اللغة وهو الحرز والمقدار والمعان المعتبرة في إيجاب القطع متى عدم منها ~~شيء لم يجب القطع مع وجود الاسم لأن اسم السرقة موضوع في اللغة لأخذ الشيء ~~على وجه الاستخفاء ومنه قيل سارق اللسان وسارق الصلاة تشبيها بأخذ الشيء ~~على وجه الاستخفاء والأصل فيه ما ذكرنا وهذه المعاني التي ذكرنا اعتبارها ~~في الإيجاب القطع # PageV04P063 # لم يكن الاسم موضوعا لها في اللغة وإنما ثبت ذلك من جهة الشرع فصارت ~~السرقة في الشرع اسما شرعيا لا يصح الاحتجاج بعمومه إلا فيما قامت دلالته ~~واختلف في مقدار ما يقطع فيه السارق فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ~~والثوري لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا أو قيمتها من غيرها وروي عن أبي ~~يوسف ومحمد أنه لا قطع حتى تكون قيمة السرقة عشرة دراهم مضروبة وروى الحسن ~~بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سرق ما يساوي عشرة دراهم مما يجوز بين الناس ~~قطع وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا ~~وقال الشافعي فلو غلت الدراهم حتى يكون الدرهمان بدينار قطع إلا في ربع ~~دينار وإن كان ذلك نصف درهم وإن رخصت الدنانير ms1560 حتى يكون الدينار بمائة درهم ~~قطع في ربع دينار وذلك خمسة وعشرون درهما وروي عن الحسن البصري أنه قال لا ~~يقطع في درهم واحد وهو قول شاذ قد اتفق الفقهاء على خلافه وقال أنس بن مالك ~~وعروة والزهري وسليمان بن يسار لا يقطع إلا في خمسة دراهم # وروي نحوه عن عمر وعلي أنهما قالا لا يقطع إلا في خمسة # وقال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأيمن الحبشي وأبو جعفر وعطاء ~~وإبراهيم لا قطع إلا في عشرة دراهم قال ابن عمر يقطع في ثلاثة دارهم وروي ~~عن عائشة القطع في ربع دينار وروي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا لا ~~تقطع اليد إلا في أربعة دراهم والأصل في ذلك أنه لما ثبت باتفاق الفقهاء من ~~السلف ومن بعدهم أن القطع لا يجب إلا في مقدار متى قصر عنه لم يجب وكان ~~طريق إثبات هذا الضرب من المقادير التوقيف أو الاتفاق ولم يثبت التوقيف ~~فيما دون العشرة وثبت الاتفاق في العشرة أثبتناها ولم نثبت ما دونها لعدم ~~التوقيف والاتفاق فيه ولا يصح الاحتجاج بعموم قوله والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما لما بينا أنه مجمل بما اقترن إليه من توقيف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم على اعتبار ثمن المجن ومن اتفاق السلف على ذلك أيضا فسقط ~~الاحتجاج بعمومه ووجب الوقوف عند الاتفاق في القطع في العشرة ونفيه عما ~~دونها لما وصفنا وقد رويت أخبار توجب اعتبار العشرة في إيجاب القطع منها ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني ~~أبي قال حدثنا نصر بن ثابت عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع فيما دون عشرة دراهم # وقد سمعنا أيضا في سنن ابن قانع # PageV04P064 # حديثا رواه بإسناده له عن زحر بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة ms1561 دراهم # وقال عمرو بن شعيب قلت لسعيد بن المسيب إن عروة والزهري وسليمان بن يسار ~~يقولون لا تقطع اليد إلا في خمسة دراهم فقال أما هذا فقد مضت السنة فيه # من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم قاله ابن عباس وأيمن الحبشي ~~وعبد الله بن عمر # وقالوا كان ثمن المجن عشرة دراهم فإن احتجوا بما # روي عن ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمة ثلاثة ~~دراهم # وبما # روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تقطع يد السارق في ربع ~~دينار # قيل له أما حديث ابن عمر وأنس فلا دلالة فيه على موضع الخلاف لأنهما ~~قوماه ثلاثة دراهم وقد قومه غيرهما عشرة فكان تقديم الزائد أولى وأما حديث ~~عائشة فقد اختلف في رفعه وقد قيل إن الصحيح منه أنه موقوف عليها غير مرفوع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الإثبات من الرواة رووه موقوفا # وروى يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لا تقطع يد السارق إلا في ثمن المجن ثلث دينار أو نصف دينار فصاعدا # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن يد السارق لم تكن تقطع في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن المجن # وكان المجن يومئذ له ثمن ولم تكن تقطع في الشيء التافه فهذا يدل على أن ~~الذي كان عند عائشة من ذلك القطع في ثمن المجن وأنه لم يكن عندها عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم غير ذلك إذ لو كان عندها عن رسول الله في ذلك شيء معلوم ~~المقدار من الذهب أو الفضة لم تكن بها حاجة إلى ذكر ثمن المجن إذ كان ذلك ~~مدركا من جهة الاجتهاد ولاحظ للاجتهاد مع النص وهذا يدل أيضا على أن ما روى ~~عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن ثبت فإنما هو تقدير منها لثمن ~~المجن اجتهادا وقد روى ms1562 حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن ~~عمرة عن عائشة قالت تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا قال أيوب وحدث به ~~يحيى عن عمرة عن عائشة ورفعه فقال له عبد الرحمن بن القاسم إنها كانت لا ~~ترفعه فترك يحيى رفعه فهذا يدل على أن من رواه مرفوعا فإنما سمعه من يحيى ~~قبل تركه الرفع ثم لو ثبت هذا الحديث لعارضه ما قدمناه من الرواية عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من وجوه مختلفة في نفي القطع عن سارق ما دون العشرة ~~وكان يكون حينئذ خبرنا أولى لما فيه من حظر القطع عما دونها وخبرهم مبيح له ~~وخبر الحظر أولى من خبر الإباحة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله السارق يسرق الحبل # PageV04P065 # فيقطع فيه ويسرق البيضة فيقطع فيها # فربما ظن بعض من لا روية له أنه يدل على أن ما دون العشرة يقطع فيه لذكر ~~البيضة والحبل وهما في العادة أقل قيمة من عشرة دراهم وليس ذلك على ما يظنه ~~لأن المراد بيضة الحديد # وقد روي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في بيضة من ~~حديد قيمتها أحد وعشرون درهما # ولأنه لا خلاف بين الفقهاء أن سارق بيضة الدجاج لا قطع عليه وأما الحبل ~~فقد يكون مما يساوي العشرة والعشرين وأكثر من ذلك. # (فصل) وأما اعتبار الحرز فالأصل فيه ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع على خائن رواه ابن عباس وجابر # وهو يشتمل على نفي القطع في جميع ما ائتمن الإنسان فيه فمنها أن الرجل ~~إذا ائتمن غيره على دخول بيته ولم يحرز منه ماله لم يجب عليه القطع إذا ~~خانه لعموم لفظ الخبر ويصير حينئذ بمنزلة المودع والمضارب وقد نفى النبي ~~صلى الله عليه وسلم # بقوله لا قطع على خائن # وجوب القطع على جاحد الوديعة والمضاربة وسائر الأمانات ويدل أيضا على نفي ~~القطع عن المستعير إذا جحد العارية وما ms1563 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع المرأة التي كانت تستعير المتاع ~~وتجحده # فلا دلالة فيه على وجوب القطع على المستعير إذا خان إذ ليس فيه أنه قطعها ~~لأجل جحودها للعارية وإنما ذكر جحود العارية تعريفا لها إذ كان ذلك معتادا ~~منها حتى عرفت به فذكر ذلك على وجه التعريف وهذا مثل ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجلين أحدهما يحجم الآخر في ~~رمضان أفطر الحاجم والمحجوم # فذكر الحجامة تعريفا لهما والإفطار واقع بغيرها وقد روي في أخبار صحيحة ~~أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت وهي هذه المرأة التي ذكر في ~~الخبر أنها كانت تستعير المتاع وتجحده فبين في هذه الأخبار أنه قطعها ~~لسرقتها ويدل على اعتبار الحرز أيضا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ~~سئل عن حريسة الجبل فقال فيها غرامة مثلها وجلدات نكال فإذا أواها المراح ~~وبلغ ثمن المجن ففيه القطع وقال ليس في الثمر المعلق قطع حتى يأويه الجرين ~~فإذا أواه الجرين ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ودلالة هذا الخبر على وجوب ~~اعتبار الحرز أظهر من دلالة الخبر الأول وإن كان كل واحد منهما مكتفيا ~~بنفسه في وجوب اعتباره ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في ~~القطع وأصله من السنة ما وصفنا والحرز عند أصحابنا ما بني للسكنى وحفظ ~~الأموال من الأمتعة # PageV04P066 # وما في معناها وكذلك الفساطيط والمضارب والخيم التي يسكن الناس فيها ~~ويحفظون أمتعتهم بها كل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده وسواء سرق من ~~ذلك وهو مفتوح الباب أم لا باب له إلا أنه محجر بالبناء وما كان في غير ~~بناء ولا خيمة ولا فسطاط ولا مضرب فإنه لا يكون حرزا إلا أن يكون عنده من ~~يحفظه وهو قريب منه بحيث يكون حافظ له وسواء كان الحافظ نائما في ذلك ~~الموضع أو مستيقظا والأصل في كون الحافظ حرزا له وإن كان في مسجد أو صحراء # حديث صفوان ms1564 بن أمية حين كان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فسرقه سارق ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه # ولا خلاف أن المسجد ليس بحرز فثبت أنه كان محرزا لكون صفوان عنده ولذلك ~~قال أصحابنا لا فرق بين أن يكون الحافظ نائما أو مستيقظا لأن صفوان كان ~~نائما وليس المسجد عندهم في ذلك كالحمام فمن سرق من الحمام لم يقطع وكذلك ~~الخان والحوانيت المأذون في دخولها وإن كان هناك حافظ من قبل أن الإذن ~~موجود في الدخول من جهة مالك الحمام والدار فخرج الشيء من أن يكون محرزا من ~~المأذون له في الدخول ألا ترى أن من أذن لرجل في دخول داره أن الدار لم ~~تخرج من أن تكون حرزا في نفسها ولا يقطع مع ذلك المأذون له في الدخول لأنه ~~حين أذن له في الدخول فقد ائتمنه ولم يحرز ماله عنه كذلك كل موضع يستباح ~~دخوله بإذن المالك فهو غير حرز من المأذون له في الدخول وأما المسجد فلم ~~يتعلق إباحة دخوله بإذن آدمي كالمفازة والصحراء فإذا سرق منه وهناك حافظ له ~~قطع وحكي عن مالك أن السارق من الحمام يقطع إن كان هناك حافظ له قال أبو ~~بكر لو وجب قطع السارق من الحانوت والمأذون له في الدخول إليه لأن صاحب ~~الحانوت حافظ له ومعلوم أن إذنه له في دخوله قد أخرجه من أن يكون ماله فيه ~~محرزا فكان بمنزلة المؤتمن ولا فرق بين الحمام والحانوت والمأذون في دخوله ~~فإن قال قائل يقطع السارق من الحانوت والخان المأذون له قيل له هو كالخائن ~~للودائع والعواري والمضاربات وغيرها إذ لا فرق بين ما ذكرنا وبينها وقد ~~ائتمنه صاحبه بأن لم يحرزه كما ائتمنه في إيداعه وقال عثمان التي إذا سرق ~~من الحمام قطع واختلف في قطع النباش فقال أبو حنيفة والثوري ومحمد ~~والأوزاعي لا قطع على النباش وهو قول ابن عباس ومكحول وقال الزهري اجتمع ~~رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن كان مروان أميرا # PageV04P067 # على ms1565 المدينة أن النباش لا يقطع ويعزر وكان الصحابة متوافرين يومئذ وقال ~~أبو يوسف ابن أبي ليلى وأبو الزناد وربيعة يقطع وروي مثله عن ابن الزبير ~~وعمر بن عبد العزيز والشعبي والزهري ومسروق والحسن والنخعي وعطاء وهو قول ~~الشافعي والدليل على صحة القول الأول أن القبر ليس بحرز والدليل عليه اتفاق ~~الجميع على أنه لو كان هناك دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع لعدم الحرز والكفن ~~كذلك فإن قيل إن الأحراز مختلفة فمنها شريحة البقال حرز لما في الحانوت ~~والإصطبل حرز للدواب وللأموال ويكون الرجل حرزا لما هو حافظ له وكل شيء من ~~ذلك حرزا لما يحفظ به ذلك الشيء في العادة ولا يكون حرزا لغيره فلو سرق ~~دراهم من إصطبل لم يقطع ولو سرق منه دابة قطع ذلك القبر هو حرز للكفن وإن ~~لم يكن حرزا الدراهم قيل له هذا كلام فاسد من وجهين أحدهما أن الأحراز على ~~اختلافها في أنفسها ليست مختلفة في كونها حرزا لجميع ما يجعل فيها لأن ~~الإصطبل لما كان حرزا للدواب فهو حرز للدراهم والثياب ويقطع فيما يسرقه منه ~~وكذلك حانوت البقال هو حرز لجميع ما فيه من ثياب ودراهم وغيرها فقول القائل ~~الإصطبل حرز للدواب ولا يقطع من سرق منه دراهم غلط والوجه الآخر أن قضيتك ~~هذه لو كانت صحيحة لكانت مانعة من إيجاب قطع النباش لأن القبر لم يحفر ~~ليكون حرزا للكفن فيحفظ به وإنما يحفر لدفن الميت وستره عن عيون الناس وأما ~~الكفن فإنما هو للبلى والهلاك ودليل آخر وهو أن الكفن لا مالك له والدليل ~~عليه أنه من جميع المال فدل على أنه ليس في ملك أحد ولا موقوف على أحد فلما ~~صح أنه من جميع المال وجب أن لا يملكه الوارث كما لا يملكون ما صرف في ~~الدين الذي هو من جميع المال ويدل عليه أيضا أن الكفن يبدأ به على الديون ~~فإذا لم يملك الوارث ما يقضي به الديون فهو أن لا يملك الكفن أولى وإذا لم ~~يملكه الوارث واستحال ms1566 أن يكون الميت مالكا وجب أن لا يقطع سارقه كما لا ~~يقطع سارق بيت المال وأخذ الأشياء المباحة التي لا ملك لها فإن قال قائل ~~جواز خصومة الوارث المطالبة بالكفن دليل على أنه ملكه قيل له الإمام يطالب ~~بما يسرق من بيت المال # ولا يملكه ووجه آخر وهو أن الكفن يجعل هناك للبلى والتلف لا للقنية ~~والتبقية فصار بمنزلة الخبز واللحم والماء الذي هو للإتلاف لا للتبقية فإن ~~قال قائل القبر حرز للكفن لما # روى عبادة بن الصامت عن أبي ذر قال قال رسول # PageV04P068 # الله صلى الله عليه وسلم كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه ~~بالوصيف يعني القبر قلت الله ورسوله أعلم قال عليك بالصبر # فسمى القبر بيتا وقال حماد بن أبي سليمان يقطع النباش لأنه دخل على الميت ~~بيته # وروى مالك عن أبى الرحال عن أمه عمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن ~~المختفي والمختفية # وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من اختفى ميتا فكأنما ~~قتله # وقال أهل اللغة المختفي النباش قيل له إنما سماه بيتا على وجه المجاز لأن ~~البيت موضوع في لغة العرب لما كان مبنيا ظاهرا على وجه الأرض وإنما سمي ~~القبر بيتا تشبيها بالبيت المبني ومع ذلك فإن قطع السارق ليس معلقا بكونه ~~سارقا من بيت إلا أن يكون ذلك البيت مبنيا ليحرز به ما يجعل فيه وقد بينا ~~أن القبر ليس بحرز ألا ترى أن المسجد يسمى بيتا قال الله تعالى في بيوت أذن ~~الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ولو سرق من المسجد لم يقطع إذا لم يكن له ~~حافظ وأيضا فلا خلاف أنه لو كان في القبر دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع وإن ~~كان بيتا فعلمنا أن قطع السرقة غير متعلق بكونه بيتا وأما ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله المختفي # وما روي أنه قال من اختفى ميتا فكأنما قتله # فإن هذا إنما هو لعن له واستحقاق اللعن ليس بدليل ms1567 على وجوب القطع لأن ~~الغاصب والكاذب والظالم كل هؤلاء يستحقون اللعن ولا يجب قطعهم وقوله من ~~اختفى ميتا فكأنما قتله فإنه لم يوجب به قطعا وإنما جعله كالقاتل وإن كان ~~معناه محمولا على حقيقة لفظه فواجب أن نقتله وهذا لا خلاف فيه ولا تعلق ~~لذلك بالقطع. ### | باب من أين يقطع السارق # قال الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما واسم اليد يقع على هذا ~~العضو إلى المنكب والدليل عليه أن عمارا تيمم إلى المنكب بقوله تعالى ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ولم يخطئ من طريق اللغة وإنما لم يثبت ذلك ~~لورود السنة بخلافه ويقع على اليد إلى مفصل الكف أيضا قال الله تعالى إذا ~~أخرج يده لم يكد يراها وقد عقل به ما دون المرفق وقال تعالى لموسى أدخل يدك ~~في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء ويمتنع أن يدخل يده إلى المرفق ويدل عليه ~~أيضا قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق فلو لم يقع الاسم على ما دون المرافق ~~لما ذكرها إلى المرافق وفي ذلك دليل على وقوع الاسم إلى الكوع فلما كان ~~الاسم يتناول هذا العضو إلى المفصل وإلى المرفق وإلى المنكب # PageV04P069 # اقتضى عموم اللفظ القطع من المنكب إلى أن تقوم الدلالة على أن المراد ما ~~دونه وجائز أن يقال إن الاسم لما تناولها إلى الكوع ولم يجز أن يقال إن ذلك ~~بعض اليد بل يطلق عليه اسم اليد من غير تقييد وإن كان قد يطلق أيضا على ما ~~فوقه إلى المرفق تارة وإلى المنكب أخرى ثم قال تعالى فاقطعوا أيديهما وكانت ~~اليد محظورة في الأصل فمتى قطعناها من الفصل فقد قضينا عهدة الآية لم يجز ~~لنا قطع ما فوقه إلا بدلالة كما لو قال أعط هذا رجالا فأعطاه ثلاثة منهم ~~فقد فعل المأمور به إذ كان الاسم يتناولهم وإن كان اسم الرجال يتناول ما ~~فوقهم فإن قال قائل يلزمكم في التيمم مثله بقوله تعالى فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه وقد قلتم فيه أن الاسم لما تناول العضو إلى المرفق اقتضاه ~~العموم ms1568 ولم ينزل عنه إلا بدليل قيل له هما مختلفان من قبل أن اليد لما كانت ~~محظورة في الأصل ثم كان الاسم يقع على العضو إلى المفصل وإلى المرفق لم يجز ~~لنا قطع الزيادة بالشك ولما كان الأصل الحدث واحتاج إلى استباحة الصلاة لم ~~يزل أيضا إلا بيقين وهو التيمم إلى المرفق ولا خلاف بين السلف من الصدر ~~الأول وفقهاء الأمصار أن القطع من المفصل وإنما خالف فيه الخوارج وقطعوا من ~~المنكب لوقوع الاسم عليه وهم شذوذ لا يعدون خلافا # وقد روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قطع يد سارق من الكوع # وعن عمر وعلي أنهما قطعا اليد من المفصل # ويدل على أن دون الرسغ لا يقع عليه اسم اليد على الإطلاق قوله تعالى ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ولم يقل أحد أنه يقتصر بالتيمم على ما دون ~~المفصل وإنما اختلفوا فيما فوقه واختلفوا في قطع الرجل من أي موضع هو # فروي عن علي أنه قطع سارقا من خصر القدم # وروى صالح السمان قال رأيت الذي قطعه علي رضي الله عنه مقطوعا من أطراف ~~الأصابع فقيل له من قطعك فقال خير الناس # قال أبو رزين سمعت ابن عباس يقول أيعجز من رأى هؤلاء أن يقطع كما قطع هذا ~~الأعرابي يعني نحوه فلقد قطع فما أخطأ يقطع الرجل ويذر عقبها وروي مثله عن ~~عطاء وأبي جعفر من قولهما وعن عمر رضي الله عنه في آخرين يقطع الرجل من ~~المفصل وهو قول فقهاء الأمصار والنظر يدل على هذا القول لاتفاقهم على قطع ~~اليد من المفصل الظاهر وهو الذي يلي الزند وكذلك الواجب قطع الرجل من ~~المفصل الظاهر الذي يلي الكعب الناتي وأيضا لما اتفقوا على أنه لا يترك # PageV04P070 # له من اليد ما ينتفع به للبطش ولم يقطع من أصول الأصابع حتى يبقى له الكف ~~كذلك ينبغي أن لا يترك له من الرجل العقب فيمشي عليه لأن الله تعالى إنما ~~أوجب قطع اليد ليمنعه ms1569 الأخذ والبطش بها وأمر بقطع الرجل ليمنعه المشي بها ~~فغير جائز ترك العقب للمشي عليه ومن قطع من المفصل الذي هو على ظهر القدم ~~فإنه ذهب في ذلك أن هذا المفصل من الرجل بمنزلة مفصل الزند من اليد لأنه ~~ليس بين مفصل أصابع الرجل مفصل غيره كما أنه ليس بين مفصل الزند ومفصل ~~أصابع اليد مفصل غيره فلما وجب في اليد قطع أقرب المفصل إلى مفصل الأصابع ~~كذلك وجب أن يقطع في الرجل من أقرب المفاصل إلى مفصل الأصابع والقول الأول ~~أظهر لأن مفصل ظهر القدم غير ظاهر كظهور مفصل الكعب من الرجل ومفصل الزند ~~من اليد فلما وجب قطع مفصل اليد ظاهر منه كذلك يجب أن يكون في الرجل لما ~~استوعبت اليد بالقطع وجب استيعاب الرجل أيضا والرجل كلها إلى مفصل الكعب ~~بمنزلة الكف إلى مفصل الزند وأما القطع من أصول أصابع الرجل فإنه لم يثبت ~~عن علي من جهة صحيحة وهو قول شاذ خارج عن الاتفاق والنظر جميعا واختلف في ~~قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى فقال أبو بكر الصديق وعلى ابن أبي طالب وعمر ~~بن الخطاب حين رجع إلى قول علي لما استشاره وابن عباس إذا سرق قطعت يده ~~اليمنى فإذا سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى فإذا سرق لم يقطع وحبس وهو قول ~~أبي حنيفة وأبى يوسف وروي عن عمر أنه تقطع يده اليسرى بعد الرجل اليمنى فإن ~~سرق قطعت رجله اليمنى فإن سرق حبس حتى يحدث التوبة وعن أبي بكر مثل ذلك إلا ~~أن عمر قد روي عنه الرجوع إلى قول علي كرم الله وجهه وقال مالك والشافعي ~~تقطع اليد اليسرى بعد الرجل اليسرى والرجل اليمنى بعد ذلك ولا يقتل إن سرق ~~بعد ذلك وروي عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز أنهم ~~قتلوا سارقا بعد ما قطعت أطرافه وروى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن ~~أبيه أن أبا بكر أراد أن يقطع الرجل بعد اليد والرجل فقال له عمر ms1570 السنة ~~اليد وروى عبد الرحمن ابن يزيد عن جابر عن مكحول أن عمر قال لا تقطعوا يده ~~بعد اليد والرجل ولكن احبسوه عن المسلمين وقال الزهري انتهى أبو بكر إلى ~~اليد والرجل وروى أبو خالد الأحمر عن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه أن عمر ~~استشارهم في السارق فأجمعوا على أنه تقطع يده # PageV04P071 # اليمنى فإن عاد فرجله اليسرى ثم لا يقطع أكثر من ذلك وهذا يقتضي أن يكون ~~ذلك إجماعا لا يسع خلافه لأن الذي يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الإجماع ~~وروى سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر الصديق قطع اليد ~~بعد قطع اليد والرجل في قصة الأسود الذي نزل بأبي بكر ثم سرق حلي أسماء وهو ~~مرسل وأصله حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن رجلا خدم أبا بكر فبعثه مع ~~مصدق وأوصاه به فلبث قريبا من شهر ثم جاءه وقد قطعه المصدق فلما رآه أبو ~~بكر قال له ما لك قال وجدني خنت فريضة فقطع يدي فقال أبو بكر إني لا أراه ~~يخون أكثر من ثلاثين فريضة والذي نفسي بيده لئن كنت صادقا لأقيدنك منه ثم ~~سرق حلي أسماء بنت عميس فقطعه أبو بكر فأخبرت عائشة أن أبا بكر قطعه بعد ~~قطع المصدق يده وذلك لا يكون إلا قطع الرجل اليسرى وهو حديث صحيح لا يعارض ~~بحديث القاسم ولو تعارضا لسقطا جميعا ولم يثبت بهذا الحديث عن أبي بكر شيء ~~ويبقى لنا الأخبار # الأخر التي ذكرناها عن أبي بكر والاقتصار على الرجل اليسرى فإن قيل روى ~~خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يدا بعد يد ورجل قيل له لم يقل ~~في السرقة ويجوز أن يكون في قصاص وقد روي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك وتأويله ~~ما ذكرناه فحصل من اتفاق السلف وجوب الاقتصار على اليد والرجل وما روي عنهم ~~من مخالفة ذلك فإنما هو على وجهين إما أن يكون الحكاية في قطع اليد بعد ~~الرجل أو ms1571 قطع الأربع من غير ذكر السرقة فلا دلالة فيه على القطع في السرقة ~~أو يكون مرجوعا عنه كما روي عن عمر ثم روي عنه الرجوع عنه وقد روي عن عثمان ~~أنه ضرب عنق رجل بعد ما قطع أربعته وليس فيه دلالة على قول المخالف لأنه لم ~~يذكر أنه قطعه في السرقة ويجوز أن يكون قطعه من قصاص ويدل على صحة قول ~~أصحابنا قوله تعالى فاقطعوا أيديهما وقد بينا أن المراد أيمانهما وكذلك هو ~~في قراءة ابن مسعود وابن عباس والحسن وإبراهيم وإذا كان الذي تتناوله الآية ~~يدا واحدة لم تجز الزيادة عليها إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق وقد ثبت ~~الاتفاق في الرجل اليسرى واختلفوا بعد ذلك في اليد اليسرى فلم يجز قطعها مع ~~عدم الاتفاق والتوقيف إذ غير جائز إثبات الحدود إلا من أحد هذين الوجهين ~~ودليل آخر وهو اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد اليد وفي ذلك دليل على أن ~~اليد اليسرى غير مقطوعة أصلا لأن العلة في العدول عن # PageV04P072 # اليد اليسرى بعد اليمنى إلى الرجل في قطعها على هذا الوجه إبطال منفعة ~~الجنس وهذه العلة موجودة بعد قطع الرجل اليسرى ومن جهة أخرى أنه لم تقطع ~~رجله اليمنى بعد رجله اليسرى لما فيه من بطلان منفعة المشي رأسا كذلك لا ~~تقطع اليد اليسرى بعد اليمنى لما فيه من بطلان البطش وهو منافع اليد كالمشي ~~من منافع الرجل ودليل آخر وهو اتفاق الجميع على أن المحارب وإن عظم جرمه في ~~أخذ المال لا يزاد على قطع اليد والرجل لئلا تبطل منفعة جنس الأطراف كذلك ~~السارق وإن كثر الفعل منه بأن عظم جرمه فلا يوجب الزيادة على قطع اليد ~~والرجل فإن قال قائل قوله عز وجل فاقطعوا أيديهما يقتضي قطع اليدين جميعا ~~ولولا الاتفاق لما عدلنا عن اليد اليسرى في السرقة الثانية إلى الرجل ~~اليسرى قيل له أما قولك إن الآية مقتضية لقطع اليد اليسرى فليس كذلك عندنا ~~لأنها إنما اقتضت يدا واحدة لما ثبت من إضافتها إلى الاثنين ms1572 بلفظ الجمع دون ~~التثنية وإن ما كان هذا وصفه فإنه يقتضى يدا واحد منهما ثم قد اتفقوا أن ~~اليد اليمنى مرادة فصار كقوله تعالى فاقطعوا أيمانهما فانتفى بذلك أن تكون ~~اليسرى مرادة باللفظ فيسقط الاحتجاج بالآية في إيجاب قطع اليسرى وعلى أنه ~~لو كان لفظ الآية محتملا لما وصفت لكان اتفاق الأمة على قطع الرجل بعد ~~اليمنى دلالة على أن اليسرى غير مرادة إذ غير جائز ترك المنصوص والعدول عنه ~~إلى غيره واحتج موجبو قطع الأطراف # بما رواه عبد الله ابن رافع قال أخبرني حماد بن أبي حميد عن محمد بن ~~المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق قد سرق فأمر به ~~أن تقطع يده ثم أتي به مرة أخرى قد سرق فأمر به أن تقطع رجله حتى قطعت ~~أطرافه كلها # وحماد بن أبي حميد ممن يضعف وهو مختصر # وأصله ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبد ~~الله بن عبيد بن عقيل الهلالي حدثنا جدي عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن ~~الزبير عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال جيء بسارق إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال اقطعوه ~~قال فقطع ثم جيء به الثانية فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال ~~اقطعوه قال فقطع ثم جيء الثالثة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق ~~قال اقطعوه ثم أتي به الرابعة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق ~~قال اقطعوه ثم أتي به الخامسة فقال اقتلوه قال جابر فانطلقنا به فقتلناه ~~ورواه معشر عن مصعب بن ثابت بإسناد مثله وزاد # PageV04P073 # خرجنا به إلى مربد النعم فحملنا عليه النعم فأشار بيده ورجليه فنفرت ~~الإبل عنه فلقيناه بالحجارة حتى قتلناه ورواه يزيد بن سنان حدثني هشام بن ~~عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسارق ms1573 فقطع يده ثم أتي به قد سرق فقطع رجله ثم أتي به قد سرق فأمر بقتله ~~ورواه حماد بن سلمة عن يوسف بن الحارث بن حاطب أن رجلا سرق على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوه فقال ~~القوم إنما سرق فقال اقطعوه فقطعوه # ثم سرق على عهد أبي بكر الصديق فقطعه حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق ~~الخامسة فقال أبو بكر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم به حين أمر ~~بقتله فأمر به فقتل والذي ذكرناه من حديث مصعب بن ثابت هو أصل الحديث الذي ~~رواه حماد بن أبي حميد وفيه الأمر بقتله بديا ومعلوم أن السرقة لا يستحق ~~بها القتل فثبت أن قطع هذه الأعضاء لم يكن على وجه الحد المستحق بالسرقة ~~وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العرنيين أنه قطع أيديهم وأرجلهم ~~وسملهم # وليس السمل حدا في قطاع الطريق فلما نسخت المثلة نسخ بها هذا الضرب من ~~العقوبة فوجب الاقتصار على اليد والرجل لا غير ويدل على أن قطع الأربع كان ~~على وجه المثلة لا على الحد أن في حديث جابر أنهم حملوا عليه النعم ثم ~~قتلوه بالحجارة وذلك لا يكون حدا في السرقة بوجه. ### | باب ما لا يقطع فيه # قال أبو بكر عموم قوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما يوجب قطع كل من ~~تناول الاسم في سائر الأشياء لأنه عموم في هذا الوجه وإن كان مجملا في ~~المقدار إلا أنه قد قامت الدلالة من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقول ~~السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه لم يرد به العموم وأن كثيرا مما يسمى ~~آخذه سارقا لا قطع فيه واختلف الفقهاء في أشياء منه. ### | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أبو حنيفة ومحمد لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد نحو الرطب والعنب ~~والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلق والحنطة ms1574 ~~في سنبلها سواء كان لها حافظ أو لم يكن ولا قطع في شيء من الخشب إلا الساج ~~والقنا ولا قطع في الطين والنورة # PageV04P074 # والجص والزرنيخ ونحوه ولا قطع في شيء من الطير ويقطع في الياقوت والزمرد ~~ولا قطع في شيء من الخمر ولا في شيء من آلات الملاهي وقال أبو يوسف يقطع في ~~كل شيء سرق من حرز إلا في السرقين والتراب والطين وقال مالك لا يقطع في ~~الثمر المعلق ولا في حريسة الجبل وإذا آواه الجرين ففيه القطع وكذلك إذا ~~سرق خشبة ملقاة فبلغ ثمنها ما يجب فيه القطع ففيه القطع وقال الشافعي لا ~~قطع في الثمر المعلق ولا في الجمار لأنه غير محرز فإن أحرز ففيه القطع رطبا ~~كان أو يابسا وقال عثمان البتي إذا سرق الثمر على شجرة فهو سارق يقطع # قال أبو بكر روى مالك وسفيان الثوري وحماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن ~~محمد بن يحيى بن حبان أن مروان أراد قطع يد عبد وقد سرق وديا فقال رافع ابن ~~خديج سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا قطع في ثمرة ولا كثر # وروى سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمه واسع بن ~~حبان بهذه القصة فأدخل ابن عيينة بين محمد بن حبان وبين رافع واسع بن حبان ~~ورواه الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن محمد بن حبان عن عمة له بهذه القصة ~~وأدخل الليث بينهما عمة له مجهولة ورواه الدراوردي عن يحيى بن سعيد عن محمد ~~بن يحيى بن حبان عن أبي ميمونة عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثله فجعل الدراوردي بين محمد بن يحيى ورافع أبا ميمونة فإن كان واسع ~~بن حبان كنيته أبو ميمونة فقد وافق ابن عيينة وإن كان غيره فهو مجهول لا ~~يدرى من هو إلا أن الفقهاء قد تلقت هذا الحديث بالقبول وعملوا به فثبت حجته ~~بقولهم له # كقوله لا وصية لوارث # واختلاف ms1575 التابعين لما تلقاه العلماء بالقبول ثبتت حجته ولزم العمل به وقد ~~تنازع أهل العلم معنى # قوله لا قطع في ثمر ولا كثر # فقال أبو حنيفة ومحمد هو على كل ثمر يسرع إليه الفساد وعمومه يقتضي ما ~~يبقى منه وما لا يبقى إلا أن الكل متفقون على القطع فيما قد استحكم ولا ~~يسرع إليه الفساد فخص ما كان بهذا الوصف من العموم وصار ذلك أصلا في نفي ~~القطع عن جميع ما يسرع إليه الفساد # وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع في طعام # وذلك ينفي القطع عن جميع الطعام إلا أنه خص ما لا يسرع إليه الفساد بدليل ~~وقال أبو يوسف ومن قدمنا قوله أن نفيه القطع عن الثمر والكثر لأجل عدم ~~الحرز فإذا أحرز فهو وغيره سواء وهذا تخصيص بغير دلالة وقوله ولا كثر أصل ~~في ذلك أيضا لأن الكثر قد قيل فيه وجهان أحدهما الجمار والآخر النخل الصغار ~~وهو عليهما جميعا # PageV04P075 # فإذا أراد به الجمار فقد نفى القطع عنه لأنه مما يفسد وهو أصل في كل ما ~~كان في معناه وإن أراد به النخل فقد دل على نفي القطع في الخشب فنستعملهما ~~على فائدتيهما جميعا وكذلك قال أبو حنيفة لا قطع في الخشب إلا الساج والقنا ~~وكذلك يجيء على قوله في الأبنوس وذلك أن الساج والأبنوس لا يوجد في دار ~~الإسلام إلا مالا فهو كسائر الأموال وإنما اعتبر ما يوجد في دار الإسلام ~~مالا من قبل أن الأملاك الصحيحة هي التي توجد في دار الإسلام وما كان في ~~دار الحرب فليس بملك صحيح لأنها دار إباحة وأملاك أهلها مباحة فلا يختلف ~~فيها حكم ما كان منه مالا مملوكا وما كان منه مباحا فلذلك سقط اعتبار كونها ~~مباحة في دار الحرب فاعتبر حكم وجودها في دار الإسلام فلما لم توجد في دار ~~الإسلام إلا مالا كانت كسائر أموال المسلمين التي ليست مباحة الأصل فإن قال ~~قائل النخل غير مباح الأصل قيل له هو مباح الأصل ms1576 في كثير من المواضع كسائر ~~الجنس المباح الأصل وإن كان بعضها مملوكا بالأخذ والنقل من موضع إلى موضع # وقد روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال جاء رجل من مزينة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل ~~قال هي عليه ومثلها والنكال وليس في شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح ~~فإذا أواه المراح فبلغ ثمن المجن ففيه قطع اليد وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه ~~غرامة مثله وجلدات النكال قال يا رسول الله كيف ترى في الثمر المعلق قال هي ~~ومثله معه والنكال وليس في شيء من السمر المعلق قطع إلا ما أواه الجرين فما ~~أخذه من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ففيه غرامة مثله ~~وجلدات النكال # فنفى في حديث رافع بن خديج القطع عن الثمر رأسا ونفى في حديث عبد الله بن ~~عمر القطع عن الثمر إلا ما أواه الجرين # وقوله حتى يأويه الجرين # يحتمل معنيين أحدهما الحرز والآخر الإبانة عن حال استحكامه وامتناع إسراع ~~الفساد إليه لأنه لا يأويه الجرين إلا وهو مستحكم في الأغلب وهو كقوله ~~تعالى وآتوا حقه يوم حصاده ولم يرد به وقوع الحصاد وإنما أراد به بلوغه وقت ~~الحصاد # وقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار # ولم يرد به وجود الحيض وإنما أخبر عن حكمها بعد البلوغ وقوله إذا زنى ~~الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة ولم يرد به السن وإنما أراد الإحصان # وقوله في خمس وعشرين بنت مخاض # أراد دخولها في السنة الثانية وإن لم يكن بأمها مخاض لأن الأغلب إذا صارت ~~كذلك كان بأمها مخاض وكذلك # قوله حتى يأويه # PageV04P076 # الجرين # يحتمل أن يريد به بلوغ حال الاستحكام فلم يجز من أجل ذلك أن يخص حديث ~~رافع بن خديج في قوله لا قطع في ثمر ولا كثر وإنما لم يقطع في النورة ~~ونحوها لما روت عائشة قالت لم يكن قطع السارق ms1577 على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الشيء التافه يعني الحقير فكل ما كان تافها مباح الأصل فلا ~~قطع فيه والزرنيخ والجص والنورة ونحوها تافه مباح الأصل لأن أكثر الناس ~~يتركونه في موضعه مع إمكان القدرة عليه وأما الياقوت والجوهر فغير تافه وإن ~~كان مباح الأصل بل هو ثمين رفيع ليس يكاد يترك في موضعه مع إمكان أخذه ~~فيقطع فيه وإن كان الأصل كما يقطع في سائر الأموال لأن شرط زوال القطع ~~المعينان جميعا من كونه تافها في نفسه ومباح الأصل وأيضا فإن الجص والنورة ~~ونحوها أموال لا يراد بها القنية بل الإتلاف فهي كالخبز واللحم ونحو ذلك ~~والياقوت ونحوه مال يراد به القنية والتبقية كالذهب والفضة وأما الطير ~~فإنما لم تقطع فيه لما # روي عن علي وعثمان أنهما قالا لا يقطع في الطير # من غير خلاف من أحد من الصحابة عليهما وأيضا فإنه مباح الأصل فأشبه ~~الحشيش والحطب واختلف في السارق من بيت المال فقال أبو حنيفة وزفر وأبو ~~يوسف ومحمد والشافعي # لا يقطع من سرق من بيت المال وهو قول علي # وإبراهيم النخعي والحسن وروى ابن وهب عن مالك أنه يقطع وهو قول حماد بن ~~أبي سليمان # وروى سفيان عن سماك بن حرب عن ابن عبيد بن الأبرص أن عليا أتي برجل سرق ~~مغفرا من الخمس فلم يرد عليه قطعا وقال له فيه نصيب # وروى وكيع عن المسعودي عن القاسم أن رجلا سرق من بيت المال فكتب فيه سعد ~~إلى عمر فكتب إليه عمر ليس عليه قطع له في نصيب ولا نعلم عن أحد من الصحابة ~~خلاف ذلك وأيضا لما كان حقه وحق سائر المسلمين فيه سواء فصار كسارق مال ~~بينه وبين غيره فلا يقطع واختلف فيمن سرق خمرا من ذمي أو مسلم فقال أصحابنا ~~ومالك والشافعي لا قطع عليه وهو قول الثوري وقال الأوزاعي في ذمي سرق من ~~مسلم خمرا أو خنزيرا غرم الذمي ويجد فيه المسلم قال أبو بكر الخمر ليست ~~بمال لنا وإنما ms1578 أمر هؤلاء أن نترك مالا لهم بالعهد والذمة فلا يقطع سارقها ~~لأن ما كان مالا من وجه وغير مال من وجه فإن أقل أحواله أن يكون ذلك شبهة ~~في درء الحد عن سارقه كمن وطئ جارية بينه وبين غيره وأيضا فإن المسلم معاقب ~~على اقتناء الخمر وشربها مأمور بتخليلها أو صبها فمن أخذها فإنما # PageV04P077 # أزال يده عما كان عليه إزالته عنه فلا يقطع واختلف فيمن أقر بالسرقة مرة ~~واحدة فقال أبو حنيفة وزفر ومالك والشافعي والثوري إذا أقر بالسرقة مرة ~~واحدة قطع وقال أبو يوسف وابن شبرمة وابن أبي ليلى لا يقطع حتى يقر مرتين ~~والدليل على صحة القول الأول ما # روى عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن صفية عن محمد بن عبد الرحمن ~~ابن ثوبان عن أبي هريرة قال أتي بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~يا رسول الله هذا سرق فقال ما أخا له سرق فقال السارق بلى قال فاذهبوا به ~~فاقطعوه فقطع ورواه غير الدراوردى عن محمد بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # ولم يذكر فيه أبا هريرة منهم الثوري وابن جريج ومحمد ابن إسحاق قال أبو ~~بكر وعلى أي وجه حصلت الرواية من وصل أو قطع فحكمها ثابت لأن إرسال من ~~أرسله لا يمنع صحة وصل من وصله ومع ذلك لو حصل مرسلا لكان حكمه ثابتا لأن ~~المرسل والموصول سواء عندنا فيما يوجبون من الحكم # فقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره مرة واحدة # فإن قال قائل إنما قطعه بشهادة الشهود لأنهم قالوا سرق قيل له لو كان ~~كذلك لاقتصر عليها ولم يلقنه الجحود فلما قال بعد قولهم سرق وما أخا له سرق ~~ولم يقطعه حتى أقر ثبت أنه قطع بإقراره دون الشهادة فإن احتجوا بما # روى حماد بن سلمة عن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي المنذر مولى ~~أبي ذر عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلص ~~اعترف ms1579 اعترافا ولم يوجبوا معه المتاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~أخا لك سرقت قال بلى يا رسول الله فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مرتين أو ثلاثا قال بلى فأمر به فقطع # ففي هذا الحديث أنه لم يقطعه بإقراره مرة واحدة وهو أقوى إسنادا من الأول ~~قيل له ليس في هذا الحديث بيان موضع الخلاف وذلك أنه لم يذكر فيه إقرار ~~السارق مرتين أو ثلاثا قبل أن يقر ثم أقر فإن قيل فقد ذكر فيه أنه اعترف ~~اعترافا # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مرتين أو ثلاثا # ويحتمل أيضا أن يكون الاعتراف قد حصل منه عند غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا يوجب ذلك القطع عليه وأيضا لو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعاد عليه ذلك بعد الإقرار الأول لما دل على أن الإقرار الأول لم يوجب ~~القطع إذ ليس يمتنع أن يكون القطع قد وجب وأراد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يتوصل إلى إسقاطه بتلقينه الرجوع عنه فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ينبغي لوال آمر أن يؤتى الحد ~~إلا أقامه # فلو كان القطع واجبا بإقراره بديا لما اشتغل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتلقينه الرجوع عن الإقرار # PageV04P078 # ولسارع إلى إقامته قيل له ليس وجوب القطع مانعا من استثبات الإمام إياه ~~فيه ولا موجبا عليه قطعه في الحال # لأن ما عزا قد أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربع مرات فلم ~~يرجمه حتى استثبته وقال لعلك قبلت لعلك لمست وسأل أهله عن صحة عقله وقال ~~لهم أبه جنة # ولم يدل ذلك على أن الرجم لم يكن قد وجب بإقراره أربع مرات فليس إذا في ~~هذا الخبر ما يعترض به على خبر أبي هريرة الذي ذكر فيه أنه أمر بقطعه حين ~~أقر ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقدم على إقامة حد لم يجب ~~بعد وليس يمتنع أن ms1580 يؤخر إقامة حد قد وجب مستثبتا لذلك ومتحريا بالاحتياط ~~والثقة فيه ويدل على صحة ما ذكرنا أيضا # حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري عن ~~أبيه أن عمرو بن سمرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني ~~سرقت جملا لبني فلان فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا ~~فقدنا جملا لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده # ففي هذا الخبر أيضا قطعه بإقراره مرة واحدة ومن جهة النظر أيضا أن السرقة ~~المقر بها لا تخلو من أن تكون عينا أو غير عين فإن كانت عينا ولم يجب القطع ~~بإقرار الأول فقد وجب ضمانها لا محالة من قبل أن حق الآدمي فيه يثبت ~~بإقراره مرة واحدة ولا يتوقف على الإقرار ثانيا وإذا ثبت الملك للمقر له ~~ولم يثبت القطع صار مضمونا عليه وحصول الضمان ينفي القطع وإن كانت السرقة ~~ليست بعين قائمة فقد صارت دينا بالإقرار الأول وحصولها دينا في ذمته ينفي ~~القطع على ما وصفنا فإن قال قائل إذا جاز أن يكون حكم أخذه بديا على وجه ~~السرقة موقوفا في القطع على نفي الضمان وإثباته فهلا جعلت حكم إقراره ~~موقوفا في تعلق الضمان به على وجوب القطع وسقوط قيل له نفس الأخذ عندنا على ~~وجه السرقة يوجب القطع فلا يكون موقوفا وإنما سقوط القطع بعد ذلك يوجب ~~الضمان ألا ترى أنه إذا ثبتت السرقة بشهادة الشهود كان كذلك حكمها فإن لم ~~يكن الإقرار بديا موجبا للقطع فينبغي أن يوجب الضمان ووجوب الضمان ينفي ~~القطع إذ كان إقراره الثاني لا ينفي ما قد حصل عليه من الضمان النافي للقطع ~~بإقراره الأول فإن قيل ينتقض هذا الاعتلال بالإقرار بالزنا لأن إقراره ~~الأول بالزنا إذا لم يوجب حدا فلا بد من إيجاب المهر به لأن الوطء في غير ~~ملك لا يخلو من إيجاب حد ومهر ومتى انتفى الحد وجب المهر وإقراره الثاني ~~والثالث والرابع لا يسقط المهر ms1581 الواجب بديا بالإقرار الأول وهذا يؤدي إلى ~~سقوط اعتبار عدد الإقرار في الزنا فلما صح وجوب اعتبار عدد الإقرار # PageV04P079 # في الزنا مع وجود العلة المانعة من اعتبار عدد الإقرار في السرقة بأن به ~~فساد اعتلالك قيل له ليس هذا مما ذكرناه في شيء وذلك أن سقوط الحد في الزنا ~~على وجه الشبهة لا يجب به مهر لأن البضع لا قيمة له إلا من جهة عقد أو شبهة ~~عقد ومتى عري من ذلك لم يجب مهر ويدل عليه اتفاقهم جميعا على أنه لو أقر ~~بالزنا مرة واحدة ثم مات أو قامت عليه بينة بالزنا فمات قبل أن يحد لم يجب ~~عليه المهر في ماله ولو مات بعد إقراره بالسرقة مرة واحدة لكانت السرقة ~~مضمونة عليه باتفاق منهم جميعا فقد حصل من قولهم جميعا إيجاب الضمان ~~بالإقرار مرة واحدة وسقوط المهر مع الإقرار بالزنا من غير حد واحتج الآخرون ~~بما # روى الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن علي أن رجلا أقر عنده ~~بسرقة مرتين فقال شهدت على نفسك بشهادتين فأمر به فقطع وعلقها في عنقه # ولا دلالة في هذا الحديث على أن مذهب علي رضي الله عنه أنه لا يقطع إلا ~~بالإقرار مرتين إنما قال شهدت على نفسك بشهادتين ولم يقل لو شهدت بشهادة ~~واحدة لما قطعت وليس فيه أيضا أنه لم يقطع حتى أقر مرتين ومما يحتج به لأبي ~~يوسف من طريق النظر أن هذا لما كان حدا يسقط بالشبهة وجب أن يعتبر عدد ~~الإقرار فيه بالشهادة فلما كان أقل من يقبل فيه شهادة شاهدين وجب أن يكون ~~أقل ما لا يصح به إقراره مرتين كالزنا اعتبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهود ~~وهذا يلزم أبا يوسف أن يعتبر عدد الإقرار في شرب الخمر بعدد الشهود وقد ~~سمعت أبا الحسن الكرخي يقول إنه وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنه لا يحد ~~حتى يقر مرتين كعدد الشهود ولا يلزم عليه حد القذف لأن المطالبة به حق ~~لآدمي وليس ms1582 كذلك سائر الحدود وهذا الضرب من القياس مدفوع عندنا فإن ~~المقادير لا تؤخذ من طريق المقاييس فيما كان هذا صفته وإنما طريقها التوقيف ~~والاتفاق. ### | باب السرقة من ذوي الأرحام # قال أبو بكر قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما عموم في إيجاب ~~قطع كل سارق إلا ما خصه الدليل على النحو الذي قدمنا وعلى ما حكينا عن أبي ~~الحسن ليس بعموم وهو مجمل محتاج فيه إلى دلالة من غيره في إثبات حكمه ومن ~~جهة أخرى على أصله أن ما ثبت خصوصه بالاتفاق لا يصح الاحتجاج بعمومه وقد ~~بينا ذلك في أصول الفقه وهو مذهب محمد بن شجاع إلا أنه وإن كان عموما عندنا ~~لو خلينا ومقتضاه فقد قامت # PageV04P080 # دلالة خصوصه في ذوى الرحم المحرم وقد اختلف الفقهاء فيه. ### | ذكر الاختلاف في ذلك # قال أصحابنا لا يقطع من سرق من ذي الرحم وهو الذي لو كان أحدهما رجلا ~~والآخر امرأة لم يجز له أن يتزوجها من أجل الرحم الذي بينهما ولا تقطع أيضا ~~عندهم المرأة إذا سرقت من زوجها ولا الزوج إذا سرق من امرأته وقال الثوري ~~إذا سرق من ذوى رحم منه لم يقطع وقال مالك يقطع الزوج فيما سرق من امرأته ~~والمرأة فيما تسرق من زوجها في غير الموضع الذي يسكنان فيه وكذلك في ~~الأقارب وقال عبيد الله بن الحسن في الذي يسرق من أبويه إن كان يدخل عليهم ~~لا يقطع وإن كانوا نهوه عن الدخول عليهم فسرق قطع وقال الشافعي لا قطع على ~~من سرق من أبويه أو أجداده ولا على زوج سرق من امرأته أو امرأة سرقت من ~~زوجها والدليل على صحة قول أصحابنا قول الله عز وجل ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم- إلى قوله- أو ما ملكتم مفاتحه فأباح ~~تعالى الأكل من بيوت هؤلاء وقد اقتضى ذلك إباحة الدخول إليها بغير إذنهم ~~فإذا جاز لهم دخولها لم يكن ما فيها محرزا عنهم ولا قطع إلا فيما سرق من ~~حرز وأيضا إباحة أكل أموالهم يمنع ms1583 وجوب القطع فيها لما لهم فيها من الحق ~~كالشريك ونحوه فإن قيل فقد قال أو صديقكم ويقطع فيه مع ذلك إذا سرق من ~~صديقه قيل له ظاهر الآية ينفي القطع من الصديق أيضا وإنما خصصناه بدلالة ~~الاتفاق ودلالة اللفظ قائمة فيما عداه وعلى أنه لا يكون صديقا إذا قصد ~~السرقة ودليل آخر هو أنه قد ثبت عندنا وجوب نفقة هؤلاء عند الحاجة إليه ~~وجواز أخذها منه بغير بدل فأشبه السارق من بيت المال لثبوت حقه فيه بغير ~~بدل يلزمه عند الحاجة إليه فإن قيل قد ثبت هذا الحق عند الضرورة في مال ~~الأجنبي ولم يمنع من القطع بالسرقة منه قيل له يعترضان من وجهين أحدهما أنه ~~في مال الأجنبي يثبت عند الضرورة وخوف التلف وفي مال هؤلاء يثبت بالفقر ~~وتعذر الكسب والوجه الآخر أن الأجنبي يأخذه ببدل وهؤلاء يستحقونه بغير بدل ~~كمال بيت المال وأيضا فلما استحق عليه إحياء نفسه وأعضائه عند الحاجة إليه ~~بالإنفاق عليه وكان هذا السارق محتاجا إلى هذا المال في إحياء يده لسقوط # PageV04P081 # القطع صار في هذه الحالة كالفقير الذي يستحق على ذي الرحم المحرم منه ~~الإنفاق عليه لإحياء نفسه أو بعض أعضائه وأيضا فهو مقيس على الأب بالمعنى ~~الذي قدمناه والله تعالى أعلم. ### | باب فيمن سرق ما قد قطع فيه # قال أصحابنا فيمن سرق ثوبا فقطع فيه ثم سرقه مرة أخرى وهو بعينه لم يقطع ~~فيه والأصل فيه أنه لا يجوز عندنا إثبات الحدود بالقياس وإنما طريقها ~~التوقيف أو الاتفاق فلما عدمناهما فيما وصفنا لم يبق في إثباته إلا القياس ~~ولا يجوز ذلك عندنا فإن قيل هلا قطعته بعموم قوله والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما قبل السرقة قيل له السرقة الثانية لم يتناولها العموم لأنها توجب ~~قطع الرجل لو وجب القطع والذي في الآية قطع اليد وأيضا فإن وجوب قطع السرقة ~~متعلق بالفعل والعين جميعا والدليل أنه متى سقط القطع وجب ضمان العين كما ~~أن حد الزنا لما تعلق بالوطء كان سقوط الحد موجبا ضمان الوطء ms1584 ولما تعلق ~~وجوب القصاص بقتل النفس كان سقوط القود موجبا ضمان النفس فكذلك وجوب ضمان ~~العين في السرقة عند سقوط القطع يوجب اعتبار العين في ذلك فلما كان فعل ~~واحد في عينين لا يوجب إلا قطعا واحدا كان كذلك حكم الفعلين في عين واحدة ~~ينبغي أن لا يوجب إلا قطعا واحدا إذا كان لكل واحد من العينين أعني الفعل ~~والعين تأثير في إيجاب القطع فإن قيل فلو زنى بامرأة فحد ثم زنى بها مرة ~~أخرى حد ثانيا مع وقوع الفعلين في عين واحدة قيل له لأنه لا تأثير لعين ~~المرأة في تعلق وجوب الحد بها وإنما يتعلق وجوب حد الزنا بالوطء لا غير ~~والدليل على ذلك أنه متى سقط الحد ضمن الوطء ولم يضمن عين المرأة وفي ~~السرقة متى سقط القطع ضمن عين السرقة وأيضا فلما صارت السرقة في يده بعد ~~القطع في حكم المباح التافه بدلالة أن استهلاكها لا يوجب عليه ضمانها وجب ~~أن لا يقطع فيها بعد ذلك كما لا يقطع في سائر المباحات التافهة في الأصل ~~وإن حصلت ملكا للناس كالطين والخشب والحشيش والماء ومن أجل ذلك قالوا إنه ~~لو كان غزلا فنسجه ثوبا بعد ما قطع فيه ثم سرقه مرة أخرى قطع لأن حدوث هذا ~~الفعل فيه يرفع حكم الإباحة المانعة كانت من وجوب القطع كما لو سرق خشبا لم ~~يقطع فيه ولو كان بابا منجورا فسرقه قطع لخروجه بالصنعة # PageV04P082 # عن الحال الأولى وأيضا لما كان وقوع القطع فيه يوجب البراءة من استهلاكه ~~قام القطع فيه مقام دفع قيمته فصار كأنه عوضه منه وأشبه من هذا الوجه وقوع ~~الملك له في المسروق لأن استحقاق البدل عليه يوجب له الملك فلما أشبه ملكه ~~من هذا الوجه سقط القطع لأنه يسقط بالشبهة أن يشبه المباح من وجه ويشبه ~~الملك من وجه. ### | باب السارق يوجد قبل إخراج السرقة # قال أبو بكر رحمه الله اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن ~~يفرق بين المتاع وبين حرزه # والدار ms1585 كلها حرز واحد فكما لم يخرجه من الدار لم يجب القطع وروي ذلك عن ~~علي بن أبي طالب # وابن عمر وهو قول إبراهيم وروى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال ~~بلغ عائشة أنهم كانوا يقولون إذا لم يخرج بالمتاع لم يقطع فقالت عائشة لو ~~لم أجد إلا سكينا لقطعته وروى سعيد عن قتادة عن الحسن قال إذا وجد في بيت ~~فعليه القطع قال أبو بكر دخوله البيت لا يستحق به اسم السارق فلا يجوز ~~إيجاب القطع به وأخذه في الحرز أيضا لا يوجب القطع لأنه باق في الحرز ومتى ~~لم يخرجه من الحرز فهو بمنزلة من لم يأخذه فلا يجب عليه القطع ولو جاز ~~إيجاب القطع في مثله لما كان لاعتبار الحرز معنى والله أعلم. ### | باب غرم السارق بعد القطع # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري وابن شبرمة إذا قطع السارق ~~فإن كانت السرقة قائمة بعينها أخذها المسروق منه وإن كانت مستهلكة فلا ضمان ~~عليه وهو قول مكحول وعطاء والشعبي وابن شبرمة وأحد قولي إبراهيم النخعي ~~وقال مالك يضمنها إن كان موسرا ولا شيء عليه إن كان معسرا وقال عثمان البتي ~~والليث والشافعي يغرم السرقة وإن كانت هالكة وهو قول الحسن والزهري وحماد ~~وأحد قولي إبراهيم قال أبو بكر أما إذا كانت قائمة بعينها فلا خلاف أن ~~صاحبها يأخذها # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارق رداء صفوان ورد الرداء على ~~صفوان # والذي يدل على نفي الضمان بعد القطع قوله تعالى فاقطعوا أيديهما جزاء بما ~~كسبا نكالا من الله والجزاء اسم لما يستحق بالفعل فإذا كان الله تعالى جعل ~~جميع ما يستحق بالفعل هو القطع لم يجز إيجاب الضمان # PageV04P083 # معه لما فيه من الزيادة في حكم المنصوص ولا يجوز ذلك إلا بمثل ما يجوز به ~~النسخ وكذلك قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله فأخبر أن جميع ~~الجزاء هو المذكور في الآية لأن قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ms1586 ينفي أن يكون هناك جزاء غيره ومن جهة السنة # حديث عبد الله بن صالح قال حدثني المفضل بن فضالة عن يونس بن زيد قال ~~سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن أخيه المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أقمتم على السارق الحد فلا غرم ~~عليه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن نصر بن صهيب قال حدثنا أبو ~~بكر بن أبي شجاع الآدمي قال حدثني خالد بن خداش قال حدثنا اسحق بن الفرات ~~قال حدثنا المفضل ابن فضالة عن يونس عن الزهري عن سعد بن إبراهيم عن المسور ~~بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسارق ~~فأمر بقطعه وقال لا غرم عليه # وقال عبد الباقي هذا هو الصحيح وأخطأ فيه خالد بن خداش فقال المسور بن ~~مخرمة ويدل عليه من جهة النظر امتناع وجوب الحد والمال بفعل واحد كما لا ~~يجتمع الحد والمهر والقود والمال فوجب أن يكون القطع نافيا لضمان المال إذ ~~كان المال في الحدود لا يجب إلا مع الشبهة وحصول الشبهة ينفي وجوب القطع ~~ووجه آخر وهو أن من أصلنا أن الضمان سبب لإيجاب الملك فلو ضمناه لملكه ~~بالأخذ الموجب للضمان فيكون حينئذ مقطوعا في ملك نفسه وذلك ممتنع فلما لم ~~يكن لنا سبيل إلى رفع القطع وكان في إيجاب الضمان إسقاط القطع امتنع وجوب ~~الضمان. ### | باب الرشوة # قال الله تعالى سماعون للكذب أكالون للسحت قيل إن أصل السحت الاستيصال ~~يقال أسحته إسحاتا إذا استأصله وأذهبه قال الله عز وجل فيسحتكم بعذاب أي ~~يستأصلكم به ويقال أسحت ماله إذا أفسده وأذهبه فسمي الحرام سحتا لأنه لا ~~بركة فيه لأهله ويهلك به صاحبه هلاك الاستيصال # وروى ابن عيينة عن عمار الدهني عن سالم ابن أبي الجعد عن مسروق قال سألت ~~عبد الله بن مسعود عن السحت أهو الرشوة في الحكم فقال ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم ms1587 الكافرون ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه فيهدي لك ~~هدية فتقبلها وروى شعبة عن منصور عن سالم بن # PageV04P084 # أبي الجعد عن مسروق قال سألت عبد الله عن الجور في الحكم فقال ذلك كفر ~~وسألته عن السحت فقال الرشا وروى عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن أبان عن ~~ابن أبي عياش عن مسلم أن مسروقا قال قلت لعمر يا أمير المؤمنين أرأيت ~~الرشوة في الحكم من السحت قال لا ولكن كفر إنما السحت أن يكون لرجل عند ~~سلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي ~~إليه # وروي عن علي بن أبي طالب قال السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب ~~الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن # والاستعجال في القضية فكأنه جعل السحت اسما لأخذ مالا يطيب أخذه وقال ~~إبراهيم والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك السحت الرشا وروى منصور عن الحكم عن ~~أبي وائل عن مسروق قال إن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت وإذا أكل ~~الرشوة بلغت به الكفر وقال الأعمش عن خيثمة عن عمر قال بابان من السحت ~~يأكلهما الناس الرشا ومهر الزانية # وروى إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل ابن مسلم عن جابر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هدايا الأمراء من السحت # وروى أبو إدريس الخولاني عن ثوبان قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما # وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال لعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الراشي والمرتشي # وروى أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم # قال أبو بكر اتفق جميع المتأولين لهذه الآية على أن قبول الرشا محرم ~~واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى والرشوة تنقسم إلى وجوه ~~منها الرشوة في الحكم وذلك محرم على الراشي والمرتشي جميعا ms1588 وهو الذي # قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الراشي والمرتشي والرائش # وهو الذي يمشى بينهما فلذلك لا يخلو من أن يرشوه ليقضي له بحقه أو بما ~~ليس بحق له فإن رشاه ليقضي له بحقه فقد فسق الحاكم بقبول الرشوة على أن ~~يقضي له بما هو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم إليه وليس بحاكم ولا ~~ينفذ حكمه لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذه الرشوة كمن أخذ الأجرة على أداء ~~الفروض من الصلاة والزكاة والصوم ولا خلاف في تحريم الرشا على الأحكام ~~وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه وفي هذا دليل أن كل ما كان مفعولا ~~على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه كالحج # PageV04P085 # وتعليم القرآن والإسلام ولو كان أخذ الأبدال على هذه الأمور جائز لجاز ~~أخذ الرشا على إمضاء الأحكام فلما حرم الله أخذ الرشا على الأحكام واتفقت ~~الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ الأبدال على الفروض ~~والقرب وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد فسق الحاكم من وجهين ~~أحدهما أخذ الرشوة والآخر الحكم بغير حق وكذلك الراشي وقد تأول ابن مسعود ~~ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى السلطان وقال إن أخذ الرشا على ~~الأحكام كفر # وقال علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله الرشا من السحت # وأما الرشوة في غير الحكم فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى ~~الرجل ليعينه بجاهه عند السلطان وذلك منهي عنه أيضا لأن عليه معونته في دفع ~~الظلم عنه قال الله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال الله في عون المرء ما دام المرء ~~في عون أخيه # ووجه آخر من الرشوة وهو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة ~~محرمة على آخذها غير محظورة على معطيها وروي عن جابر بن زيد والشعبي قالا ~~لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا ms1589 خاف الظلم وعن عطاء وإبراهيم ~~مثله # وروى هشام عن الحسن قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي ~~والمرتشي # قال الحسن ليحق باطلا أو يبطل حقا فأما أن تدفع عن مالك فلا بأس وقال ~~يونس عن الحسن لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه وروى عثمان بن ~~الأسود عن مجاهد قال اجعل مالك جنة دون دينك ولا تجعل دينك جنة دون مالك ~~وروى سفيان عن عمرو عن أبي الشعثاء قال لم نجد زمن زياد شيئا أنفع لنا من ~~الرشا فهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى ~~من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك ~~العطايا الجزيلة أعطى العباس بن مرداس السلمي شيئا فسخطه فقال شعرا فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم اقطعوا عنا لسانه فزادوه حتى رضي # وأما الهدايا للأمراء والقضاة فإن محمد بن الحسن كرهها وإن لم يكن للمهدي ~~خصم ولا حكومة عند الحاكم ذهب في ذلك إلى # حديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن اللتبية حين بعثه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الصدقة فلما جاء قال هذا لكم وهذا أهدي لي فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا ~~أهدي لي فهلا جلس في بيت أبيه فنظر أيهدى له أم لا # وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال هدايا الأمراء غلول وهدايا ~~الأمراء سحت # وكره عمر بن عبد العزيز قبول الهدية فقيل # PageV04P086 # له إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها فقال كانت ~~حينئذ هدية وهي اليوم سحت ولم يكره محمد للقاضي قبول الهدية ممن كان يهديه ~~قبل القضاء فكأنه إنما كره منها ما أهدي له لأجل أنه قاض ولولا ذلك لم يهد ~~له وقد دل على هذا المعنى # قول النبي صلى الله عليه وسلم هلا جلس ms1590 في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدى له أم ~~لا فأخبر أنه إنما أهدي له لأنه عامل ولولا أنه عامل لم يهد له # وأنه لا يحل له وأما من كان يهاديه قبل القضاء وقد أعلم به لم يهده إليه ~~لأجل القضاء فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك وقد روي أن بنت ~~ملك الروم أهدت لأم كلثوم بنت علي امرأة عمر فردها عمر ومنع قبولها. ### | باب الحكم بين أهل الكتاب # قال الله تعالى فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ظاهر ذلك يقتضي معنيين ~~أحدهما تخليتهم وأحكامهم من غير اعتراض عليهم والثاني التخيير بين الحكم ~~والإعراض إذا ارتفعوا إلينا وقد اختلف السلف في بقاء هذا الحكم فقال قائلون ~~منهم إذا ارتفعوا إلينا فإن شاء الحاكم حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم وردهم ~~إلى دينهم وقال آخرون التخيير منسوخ فمتى ارتفعوا إلينا حكمنا بينهم من غير ~~تخيير فممن أخذ بالتخيير عند مجيئهم إلينا الحسن والشعبي وإبراهيم رواية ~~وروي عن الحسن خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم وإذا ارتفعوا إليكم فأقيموا ~~عليهم ما في كتابكم وروى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال ~~آيتان نسختا من ### | ### | سورة المائدة آية # القلائد وقوله تعالى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيرا إن شاء حكم بينهم أو أعرض عنهم ~~فردهم إلى أحكامهم حتى نزلت وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنزل الله في كتابه # وروى عثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله فإن جاؤك فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم قال نسخها قوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله وروى سعيد بن ~~جبير عن الحكم عن مجاهد فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قال نسختها وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله وروى سفيان عن السدي عن عكرمة مثله قال أبو بكر ~~فذكر هؤلاء أن قوله وأن احكم ms1591 بينهم بما أنزل الله ناسخ للتخيير المذكور في ~~قوله فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ومعلوم أن ذلك لا يقال من طريق ~~الرأي لأن العلم بتواريخ نزول الآي لا يدرك من طريق الرأي # PageV04P087 # والاجتهاد وإنما طريقه التوقيف ولم يقل من أثبت التخيير إن آية التخيير ~~نزلت بعد قوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله وإن التخيير نسخه وإنما حكي ~~عنهم مذاهبهم في التخيير من غير ذكر النسخ فثبت نسخ التخيير بقوله وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله كرواية من ذكر نسخ التخيير ويدل على نسخ التخيير قوله ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الآيات ومن أعرض عنهم فلم ~~يحكم في تلك الحادثة التي اختصموا فيها بما أنزل الله ولا نعلم أحدا قال إن ~~في هذه الآيات ومن لم يحكم بما أنزل الله منسوخا إلا ما يروى عن مجاهد رواه ~~منصور عن الحكم عن مجاهد أن قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله نسخها ما قبلها ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وقد روى سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد أن قوله ~~فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم منسوخ بقوله وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله ويحتمل أن يكون قوله تعالى فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم قبل أن ~~تعقد لهم الذمة ويدخلوا تحت أحكام الإسلام بالجزية فلما أمر الله بأخذ ~~الجزية منهم وجرت عليهم أحكام الإسلام أمر بالحكم بينهم بما أنزل الله ~~فيكون حكم الآيتين جميعا ثابتا التخيير في أهل العهد الذين لا ذمة لهم ولم ~~يجر عليهم أحكام المسلمين كأهل الحرب إذا هادناهم وإيجاب الحكم بما أنزل ~~الله في أهل الذمة الذين يجري عليهم أحكام المسلمين # وقد روي عن ابن عباس ما يدل على ذلك روى محمد بن اسحق عن داود بن الحصين ~~عن عكرمة عن ابن عباس أن الآية التي في المائدة قول الله تعالى فاحكم بينهم ~~أو أعرض عنهم إنما نزلت في الدية بين بني قريظة وبين بني النضير وذلك أن ms1592 ~~بني النضير كان لهم شرف يدون دية كاملة وأن بنى قريظة يدون نصف الدية ~~فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم # فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء ~~ومعلوم أن بنى قريظة وبنى النضير لم تكن لهم ذمة قط وقد أجلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم بني النضير وقتل بني قريظة ولو كان لهم ذمة لما أجلاهم ولا ~~قتلهم وإنما كان بينه وبينهم عهد وهدنة فنقضوها فأخبر ابن عباس أن آية ~~التخيير نزلت فيهم فجائز أن يكون حكمها باقيا في أهل الحرب من أهل العهد ~~وحكم الآية الأخرى في وجوب الحكم بينهم بما أنزل الله تعالى ثابتا في أهل ~~الذمة فلا يكون فيها نسخ وهذا تأويل سائغ لولا ما روي عن السلف من نسخ ~~التخيير بالآية الأخرى # وروي عن ابن عباس رواية أخرى وعن الحسن ومجاهد والزهري أنها نزلت في شأن # PageV04P088 # الرجم حين تحاكموا إليه وهؤلاء أيضا لم يكونوا أهل ذمة وإنما تحاكموا ~~إليه طلبا للرخصة وزوال الرجم فصار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت ~~مدارسهم ووقفهم على آية الرجم وعلى كذبهم وتحريفهم كتاب الله ثم رجم ~~اليهوديين وقال اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها # وقال أصحابنا أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على ~~أحكام الإسلام كالمسلمين إلا في بيع الخمر والخنزير فإن ذلك جائز فيما ~~بينهم لأنهم مقرون على أن تكون مالا لهم ولو لم يجز مبايعتهم وتصرفهم فيها ~~والانتفاع بها لخرجت من أن تكون مالا لهم ولما وجب على مستهلكها عليهم ضمان ~~ولا نعلم خلافا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرا أن عليه قيمتها وقد روي ~~أنهم كانوا يأخذون الخمر من أهل الذمة في العشور فكتب إليهم عمر أن ولوهم ~~بيعها وخذوا العشر من أثمانها فهذان مال لهم يجوز تصرفهم فيهما وما عدا ذلك ~~فهو محمول على أحكامنا لقوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم # وروي عن ms1593 النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل نجران إما أن تذروا ~~الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله # فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في حظر الربا ومنعهم منه كالمسلمين قال ~~الله تعالى وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل فأخبر ~~أنهم منهيون عن الربا وأكل المال بالباطل كما قال تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ~~فسوى بينهم وبين المسلمين في المنع من الربا والعقود الفاسدة المحظورة وقال ~~تعالى سماعون للكذب أكالون للسحت فهذا الذي ذكرناه مذهب أصحابنا في عقود ~~المعاملات والتجارات وحدود أهل الذمة والمسلمون فيها سواء إلا أنهم لا ~~يرجمون لأنهم غير محصنين وقال مالك الحاكم مخير إذا اختصموا إليه بين أن ~~يحكم بينهم بحكم الإسلام أو يعرض عنهم فلا يحكم بينهم وكذلك قوله في العقود ~~والمواريث وغيرها واختلف أصحابنا في مناكحتهم فيما بينهم فقال أبو حنيفة هم ~~مقرون على أحكامهم لا يعترض عليهم فيها إلا أن يرضوا لأحكامنا فإن رضي بها ~~الزوجان حملا على أحكامنا وإن أبى أحدهما لم يعترض عليهم فإذا تراضيا جميعا ~~حملهما على أحكام الإسلام إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في العدة فإنه ~~لا يفرق بينهم وكذلك إن أسلموا وقال محمد إذا رضي أحدهما حملا جميعا على ~~أحكامنا وإن أبى الآخر إلا في النكاح بغير شهود خاصة وقال أبو يوسف يحملون ~~على أحكامنا وإن أبوا إلا في # PageV04P089 # النكاح بعد شهود نجيزه إذا ترضوا بها فأما أبو حنيفة فإنه يذهب في ~~إقرارهم على مناكحتهم إلى أنه # قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس # هجر مع علمه بأنهم يستحلون نكاح ذوات المحرم ومع علمه بذلك لم يأمر ~~بالتفرقة بينهما وكذلك اليهود والنصارى يستحلون كثيرا من عقود المناكحات ~~المحرمة ولم يأمر بالتفرقة بينهما حين عقد لهم الذمة من أهل نجران ووادي ~~القرى وسائر اليهود والنصارى الذين دخلوا في الذمة ورضوا بإعطاء الجزية وفي ~~ذلك دليل ms1594 أنه أقرهم على مناكحتهم كما أقرهم على مذاهبهم الفاسدة ~~واعتقاداتهم التي هي ضلال وباطل ألا ترى أنه لما علم استحلالهم للربا كتب ~~إلى أهل نجران إما أن تذروا الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله فلم ~~يقرهم عليه حين علم تبايعهم به وأيضا قد علمنا أن عمر بن الخطاب لما فتح ~~السواد أقر أهلها عليها وكانوا مجوسا ولم يثبت أنه أمر بالتفريق بين ذوي ~~المحارم منهم مع علمه بمناكحتهم وكذلك سائر الأمة بعده جروا على منهاجه في ~~ترك الاعتراض عليهم وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا فإن قيل فقد روي عن عمر ~~أنه كتب إلى سعد يأمره بالتفريق بين ذوي المحارم منهم وأن يمنعهم من المذهب ~~فيه قيل له لو كان هذا ثابتا لورد النقل متواترا كوروده في سيرته فيهم في ~~أخذ الجزية ووضع الخراج وسائر ما عاملهم به فلما لم يرد ذلك من جهة التواتر ~~علمنا أنه غير ثابت ويحتمل أن يكون كتابه إلى سعد بذلك إنما كان فيمن رضي ~~منهم بأحكامنا وكذلك نقول إذا تراضوا بأحكامنا وأيضا قد بينا أن قوله وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله ناسخ للتخيير المذكور في قوله فإن جاؤك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم والذي ثبت نسخه من ذلك هو التخيير فأما شرط المجيء منهم ~~فلم تقم الدلالة على نسخه فينبغي أن يكون حكم الشرط باقيا والتخيير منسوخا ~~فيكون تقديره مع الآية الأخرى فإن جاؤك فاحكم بينهم بما أنزل وإنما قال ~~إنهم يحملون على أحكامنا إذا رضوا بها إلا في النكاح بغير شهود والنكاح في ~~العدة من قبل أنه لما ثبت أنه ليس لنا اعتراض عليهم قبل التراضي منهم ~~بأحكامنا فمتى تراضوا بها وارتفعوا إلينا فإنما الواجب إجراؤهم على أحكامنا ~~في المستقبل ومعلوم أن العدة لا تمنع بقاء النكاح في المستقبل وإنما تمنع ~~الابتداء لأن امرأة تحت زوج لو طرأت عليها عدة من وطء بشبهة لم يمنع ما وجب ~~من العدة بقاء الحكم فثبت أن العدة إنما تمنع ابتداء العقد ولا ms1595 تمنع البقاء ~~فمن أجل ذلك لم يفرق بينهما. # PageV04P090 # ومن جهة أخرى أن العدة حق الله تعالى وهم غير مؤاخذين بحقوق الله تعالى ~~في أحكام الشريعة فإذا لم تكن عندهم عدة واجبة لم تكن عليها عدة فجاز ~~نكاحها الثاني وليس كذلك نكاح ذوات المحارم إذ لا يختلف فيها حكم الابتداء ~~والبقاء في باب بطلانه وأما النكاح بغير شهود فإن الذي هو شرط في صحة العقد ~~وجوب الشهود في حال العقد ولا يحتاج في بقائه إلى استصحاب الشهود لأن ~~الشهود لو ارتدوا بعد ذلك أو ماتوا لم يؤثر ذلك في العقد فإذا كان إنما ~~يحتاج إلى الشهود للابتداء لا للبقاء لم يجز أن يمنع البقاء في المستقبل ~~لأجل عدم الشهود ومن جهة أخرى أن النكاح بغير شهود مختلف فيه بين الفقهاء ~~فمنهم من يجيزه والاجتهاد سائغ في جوازه ولا يعترض على المسلمين إذا عقدوه ~~ما لم يختصموا فيه فغير جائز فسخه إذا عقدوه في حال الكفر إذ كان ذلك سائغا ~~جائزا في وقت وقوعه لو أمضاه حاكم ما بين المسلمين جاز ولم يجز بعد ذلك ~~فسخه وإنما اعتبر أبو حنيفة تراضيهما جميعا بأحكامنا من قبل قول الله تعالى ~~فإن جاؤك فاحكم بينهم فشرط مجيئهم فلم يجز الحكم على أحدهما بمجيء الآخر ~~فإن قال قائل إذا رضي أحدهما بأحكامنا فقد لزمه حكم الإسلام فيصير بمنزلته ~~لو أسلم فيحمل الآخر معه على حكم الإسلام قيل له هذا غلط لأن رضاه بأحكامنا ~~لا يلزمه ذلك إيجابا ألا ترى أنه لو رجع عن الرضا قبل الحكم عليه لم يلزمه ~~إياه بعد الإسلام يمكنه الرضا بأحكامنا وأيضا إذا لم يجز أن يعترض عليهم ~~إلا بعد الرضا بحكمنا فمن لم يرض به مبقى على حكمه لا يجوز إلزامه حكما ~~لأجل رضا غيره وذهب محمد إلى أن رضا أحدهما يلزم الآخر حكم الإسلام كما لو ~~أسلم وذهب أبو يوسف إلى ظاهر قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا ~~تتبع أهواءهم # قوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ms1596 حكم الله يعني الله أعلم ~~فيما تحاكموا إليك فيه فقيل إنهم تحاكموا إليه في حد الزانيين وقيل في ~~الدية بين بني قريظة وبني النضير فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا إليه تصديقا ~~منهم بنبوته وإنما طلبوا الرخصة ولذلك قال وما أولئك بالمؤمنين يعني هم غير ~~مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك وعدو لهم عما يعتقدونه حكما ~~لله مما في التوراة ويحتمل أنهم حين طلبوا غير حكم الله ولم يرضوا به فهم ~~كافرون غير مؤمنين وقوله تعالى وعندهم التوراة فيها حكم الله يدل على أن ~~حكم التوراة فيما اختصموا فيه لم يكن منسوخا وأنه # PageV04P091 # صار بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم شريعة لنا لم ينسخ لأنه لو نسخ لم ~~يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو ~~تحريم السبت وهذا يدل على أن شرائع من قبلنا من الأنبياء لازمة لنا ما لم ~~تنسخ وأنها حكم الله بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي عن الحسن ~~في قوله تعالى فيها حكم الله بالرجم لأنهم اختصموا إليه في حد الزنا وقال ~~قتادة فيها حكم الله بالقود لأنهم اختصموا في ذلك وجائز أن يكونوا تحاكموا ~~إليه فيهما جميعا من الرجم والقود # قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا للذين هادوا روي عن الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مراد بقوله يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~قال أبو بكر وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على الزانيين منهم ~~بالرجم # وقال اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها # وكان ذلك في حكم التوراة وحكم فيه بتساوي الديات وكان ذلك أيضا حكم ~~التوراة وهذا يدل على أنه حكم عليهم بحكم التوراة لا بحكم مبتدأ شريعة ~~وقوله تعالى وكانوا عليه شهداء قال ابن عباس شهداء على حكم النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه في التوراة وقال غيره شهداء على ذلك الحكم ms1597 أنه من عند الله ~~وقال عز وجل فلا تخشوا الناس واخشون قال فيه السدي لا تخشوهم في كتمان ما ~~أنزلت وقيل لا تخشوهم في الحكم بغير ما أنزلت وحدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبد ~~الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال إن الله تعالى أخذ ~~على الحكام ثلاثا أن لا يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس وأن لا ~~يشتروا بآياته ثمنا قليلا ثم قال يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى الآية وقال إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا- إلى قوله- فلا تخشوا ~~الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون فتضمنت هذه الآية معاني منها الأخبار بأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد حكم على اليهود بحكم التوراة ومنها أن حكم التوراة كان ~~باقيا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يوجب نسخه ودل ذلك على أن ذلك الحكم كان ثابتا لم ينسخ بشريعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومنها إيجاب الحكم بما أنزل الله تعالى وأن لا ~~يعدل عنه ولا يجابى فيه مخالفة الناس ومنها تحريم أخذ الرشا في الأحكام وهو ~~قوله تعالى ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا # PageV04P092 # وقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله قال ابن عباس هو في الجاحد لحكم ~~الله وقيل هي في اليهود خاصة وقال ابن مسعود والحسن وإبراهيم هي عامة يعني ~~فيمن لم يحكم بما أنزل الله وحكم بغيره مخبرا أنه حكم الله تعالى ومن فعل ~~هذا فقد كفر فمن جعلها في قوم خاصة وهم اليهود لم يجعل من بمعنى الشرط ~~وجعلها بمعنى الذي لم يحكم بما أنزل الله والمراد قوم بأعيانهم وقال البراء ~~بن عازب وذكر قصة رجم اليهود فأنزل الله تعالى يا ms1598 أيها الرسول لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر- الآيات إلى قوله- ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون قال في اليهود خاصة # وقوله فأولئك هم الظالمون- فأولئك هم الفاسقون في الكفار كلهم وقال الحسن ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في اليهود وهي علينا ~~واجبة وقال أبو مجلز نزلت في اليهود وقال أبو جعفر نزلت في اليهود ثم جرت ~~فينا وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال قيل لحذيفة ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في بني إسرائيل قال نعم الإخوة ~~لكم بنو إسرائيل إن كانت لكم كل حلوة ولهم كل مرة ولتسلكن طريقهم قد الشراك ~~قال إبراهيم النخعي نزلت في بني إسرائيل ورضي لكم بها وروى الثوري عن زكريا ~~عن الشعبي قال الأولى للمسلمين والثانية لليهود والثالثة للنصارى وقال طاوس ~~ليس بكفر ينقل عن الملة وروى طاوس عن ابن عباس قال ليس الكفر الذي يذهبون ~~إليه في قوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقال ابن جريج ~~عن عطاء كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق # وقال علي بن حسين رضي الله عنهما ليس بكفر شرك ولا ظلم شرك ولا فسق شرك # قال أبو بكر قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون لا ~~يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود فإن ~~كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله فهذا ~~كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما وعلى هذا تأوله من قال ~~إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا يعنون أن من جحد منا حكم أو حكم بغير ~~حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ~~ذلك وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر ~~عليها من غير جحود فلا ms1599 يكون فاعله خارجا من الملة والأظهر هو المعنى الأول ~~لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله # PageV04P093 # وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من ~~غير جحود لها وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة فإذا هم ذلك إلى ~~الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم قوله تعالى وكتبنا عليهم ~~فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين الآية فيه إخبار عما كتب الله على بنى ~~إسرائيل في التوراة من القصاص في النفس وفي الأعضاء المذكورة وقد استدل أبو ~~يوسف بظاهر هذه الآية على إيجاب القصاص بين الرجل والمرأة في النفس لقوله ~~تعالى أن النفس بالنفس وهذا يدل على أنه كان من مذهبه أن شرائع من كان ~~قبلنا حكمها ثابت إلى أن يرد نسخها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~بنص القرآن وقوله في نسق الآية ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون دليل على ثبوت هذا الحكم في وقت نزول هذه الآية من وجهين أحدهما ~~أنه قد ثبت أن ذلك مما أنزل الله ولم يفرق بين شيء من الأزمان فهو ثابت في ~~كل الأزمان إلى أن يرد نسخه والثاني معلوم أنهم استحقوا اسمة الظلم والفسق ~~في وقت نزول الآية لتركهم الحكم بما أنزل الله تعالى من ذلك وقت نزول الآية ~~إما جحودا له أو تركا لفعل ما أوجب الله من ذلك وهذا يقتضي وجوب القصاص في ~~سائر النفوس ما لم تقم دلالة نسخه أو تخصيصه وقوله تعالى والعين بالعين ~~معناه عند أصحابنا في العين إذا ضربت فذهب ضوءها وليس هو على أن تقلع عينه ~~هذا عندهم لا قصاص فيه لتعذر استيفاء لا قصاص في مثله ألا ترى أنا لا نقف ~~على الحد الذي يجب قلعه منها فهو كمن قطع قطعة لحم من فخذ رجل أو ذراعه أو ~~قطع بعض فخذه فلا يجب فيه القصاص وإنما القصاص عندهم فيما قد ذهب ضوءها وهي ~~قائمة أن تشد عينه الأخرى وتحمى ms1600 له مرآة فتقدم إلى العين التي فيها القصاص ~~حتى يذهب ضوءها وأما قوله تعالى والأنف بالأنف فإن أصحابنا قالوا إذا قطعه ~~من أصله فلا قصاص فيه لأنه عظم لا يمكن استيفاء القصاص فيه كما لو قطع يده ~~من نصف الساعد وكما لو قطع رجله من نصف الفخذ لا خلاف في سقوط القصاص فيه ~~لتعذر استيفاء المثل والقصاص هو أخذ المثل فمتى لم يكن كذلك لم يكن قصاصا ~~وقالوا إنما يجب القصاص في الأنف إذا قطع المارن وهو مالان منه ونزل عن ~~قصبة الأنف وروي عن أبي يوسف أن في الأنف إذا استوعب القصاص وكذلك الذكر ~~واللسان وقال محمد لا قصاص في الأنف واللسان والذكر إذا استوعب وقوله تعالى ~~والأذن بالأذن # PageV04P094 # فإنه يقتضي وجوب القصاص فيها إذا استوعبت لإمكان استيفائه وإذا قطع بعضها ~~فإن أصحابنا قالوا فيه القصاص إذا كان يستطاع ويعرف قدره وقوله عز وجل ~~والسن بالسن فإن أصحابنا قالوا لا قصاص في عظم إلا السن فإن قلعت أو كسر ~~بعضها ففيها القصاص لإمكان استيفائه إن كان الجميع فبالقلع كما يقتص من ~~اليد من المفصل وإن كان البعض فإنه يبرد بمقداره بالمبرد فيمكن استيفاء ~~القصاص فيه وأما سائر العظام فغير ممكن استيفاء القصاص فيها لا يوقف على ~~حده وقد اقتضى ما نص الله تعالى في هذه الأعضاء أن يؤخذ الكبير من هذه ~~الأعضاء بصغيرها والصغير بالكبير بعد أن يكون المأخوذ منه مقابلا لما جنى ~~عليه لغيره وقوله تعالى والجروح قصاص يعني إيجاب القصاص في سائر الجراحات ~~التي يمكن استيفاء المثل فيها ودل # به على نفي القصاص فيما لا يمكن استيفاء المثل فيه لأن قوله والجروح قصاص ~~يقتضي أخذ المثل سواء ومتى لم يكن مثله فليس بقصاص وقد اختلف الفقهاء في ~~أشياء من ذلك منها القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس وقد بيناه في ~~سورة البقرة وكذلك بين العبيد والأحرار. ### | ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والشافعي لا تؤخذ اليمنى ~~باليسرى لا في العين ms1601 ولا في اليد ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني وقال ~~ابن شبرمة تفقأ العين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى وكذلك اليدان وتؤخذ ~~الثنية بالضرس والضرس بالثنية وقال الحسن بن صالح إذا قطع أصبعا من كف فلم ~~يكن للقاطع من تلك الكف أصبع مثلها قطع مما يلي تلك الأصبع ولا يقطع أصبع ~~كف بأصبع كف أخرى وكذلك تقلع السن التي تليها إذا لم تكن للقاطع سن مثلها ~~وإن بلغ ذلك الأضراس وتفقأ العين اليمنى باليسرى إذا لم تكن له يمنى ولا ~~تقطع اليد اليمنى باليسرى ولا اليسرى باليمنى قال أبو بكر لا خلاف أنه إذا ~~كان ذلك العضو من الجاني باقيا لم يكن للمجني عليه استيفاء القصاص من غيره ~~ولا يعدوا ما قبله من عضو الجاني إلى غيره مما بإزائه وإن تراضيا به فدل ~~ذلك على أن المراد بقوله تعالى والعين بالعين إلى آخر الآية استيفاء مثله ~~مما يقابله من الجاني فغير جائز إذا كان كذلك أن يعتدى إلى غيره سواء كان ~~مثله موجودا من الجاني أو معدوما ألا ترى أنه إذا لم يكن له أن يعدو اليد ~~إلى الرجل لم يختلف حكمه تكون # PageV04P095 # يد الجاني موجودة أو معدومة في امتناع تعديه إلى الرجل وأيضا فإن القصاص ~~استيفاء المثل وليست هذه الأعضاء مماثلة فغير جائز أن يستوعبها ولم يختلفوا ~~أن اليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء وأن الشلاء تؤخذ بالصحيحة وذلك لقوله ~~تعالى والجروح قصاص وفي أخذ الصحيحة بالشلاء استيفاء أكثر مما قطع وأما أخذ ~~الشلاء بالصحيحة فهو جائز لأنه رضي بدون حقه واختلف في القصاص في العظم ~~فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد لا قصاص في عظم ما خلا السن وقال ~~الليث والشافعي مثل ذلك ولم يستثنيا السن وقال ابن القاسم عن مالك عظام ~~الجسد كلها فيها القود إلا ما كان منها مجوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود ~~فيه وليس في الهاشمة قود وكذلك المنقلة وفي الذراعين والعضد والساقين ~~والقدمين والكعبين والأصابع إذا كسرت ففيها القصاص وقال الأوزاعي ليس ms1602 في ~~المأمومة قصاص قال أبو بكر لما اتفقوا على نفى في عظم الرأس كذلك سائر ~~العظام وقال الله تعالى والجروح قصاص وذلك غير ممكن في العظام وروى حماد بن ~~سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن الزبير أنه اقتص من مأمومة فأنكر ذلك عليه ~~ومعلوم أن المنكرين كانوا الصحابة ولا خلاف أيضا أنه لو ضرب أذنه فيبست أنه ~~لا يضرب أذنه حتى تيبس لأنه لا يوقف على مقدار جنايته فكذلك العظام وقد ~~بينا وجوب القصاص في السن فيما تقدم قوله تعالى فمن تصدق به فهو كفارة له ~~روي عن عبد الله بن عمر والحسن وقتادة وإبراهيم رواية والشعبي رواية أنها ~~كفارة لولي القتيل وللمجروح إذا عفوا وقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم رواية ~~والشعبي رواية هو كفارة للجاني كأنهم جعلوه بمنزلة المستوفي لحقه ويكون ~~الجاني كأنه لم يجن وهذا محمول على أن الجاني تاب من جنايته لأنه لو كان ~~مصرا عليه فعقوبته عند الله فيما ارتكب من نهيه قائمة والقول الأول هو ~~الصحيح لأن قوله تعالى راجع إلى المذكور وهو قوله فمن تصدق به فالكفارة ~~واقعة لمن تصدق ومعناه كفارة لذنوبه # قوله تعالى وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه قال أبو بكر فيه دلالة ~~على أن ما لم ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو ثابت على معنى أنه صار ~~شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم لقوله وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله ~~فيه ومعلوم أنه لم يرد أمرهم باتباع ما أنزل الله في الإنجيل إلا على أنهم ~~يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صار شريعة له لأنهم لو استعملوا ما ~~في الإنجيل مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم غير متبعين له لكانوا # PageV04P096 # كفارا فثبت بذلك أنهم مأمورون باستعمال أحكام تلك الشريعة على معنى أنها ~~قد صارت شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم # قوله تعالى وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة مهيمنا يعني أمينا وقيل شاهدا ~~وقيل حفيظا وقيل ms1603 مؤتمنا والمعنى فيه أنه أمين عليه ينقل إلينا ما في الكتب ~~المتقدمة على حقيقته من غير تحريف ولا زيادة ولا نقصان لأن الأمين على ~~الشيء مصدق عليه وكذلك الشاهد وفي ذلك دليل على أن كل من كان مؤتمنا على ~~شيء فهو مقبول القول فيه من نحو الودائع والعواري والمضاربات ونحوها لأنه ~~حين أنبأ عن وجوب التصديق بما أخبر به القرآن عن الكتب المتقدمة سماه أمينا ~~عليها وقد بين الله تعالى في سورة البقرة أن الأمين مقبول القول فيما ائتمن ~~فيه وهو قوله تعالى فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ~~ربه وقال وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فلما جعله أمينا فيه وعظه بترك ~~البخس وقد اختلف في المراد بقوله ومهيمنا فقال ابن عباس هو الكتاب وفيه ~~إخبار بأن القرآن مهيمن على الكتب المتقدمة شاهد عليها وقال مجاهد أراد به ~~النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى فاحكم بينهم بما أنزل الله يدل على ~~نسخ التخيير على ما تقدم من بيانه قوله تعالى ولا تتبع أهواءهم يدل على ~~بطلان قول من يردهم إلى الكنيسة أو البيعة للاستحلاف لما فيه من تعظيم ~~الموضع وهم يهون ذلك وقد نهى الله تعالى عن اتباع أهوائهم ويدل على بطلان ~~قول من يردهم إلى دينهم لما فيه من اتباع أهوائهم والاعتداد بأحكامهم ولأن ~~ردهم إلى أهل دينهم إنما هو رد لهم ليحكموا فيهم بما هو كفر بالله عز وجل ~~إذ كان حكمهم بما يحكمون به كفرا بالله وإن كان موافقا لما أنزل في التوراة ~~والإنجيل لأنهم مأمورون بتركه واتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم قوله ~~تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا الشرعة والشريعة واحد ومعناها الطريق ~~إلى الماء الذي فيه الحياة فسمى الأمور التي تعبد الله بها من جهة السمع ~~شريعة وشرعة لإيصالها العاملين بها إلى الحياة الدائمة في النعيم الباقي ~~قوله تعالى ومنهاجا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك سنة وسبيلا ويقال ~~طريق نهج إذا كان واضحا قال مجاهد ms1604 وأراد بقوله شرعة القرآن لأنه لجميع ~~الناس وقال قتادة وغيره شريعة التوراة وشريعة الإنجيل وشريعة القرآن وهذا ~~يحتج به من نفى لزوم شرائع من قبلنا إيانا وإن لم يثبت نسخها لإخباره بأنه # PageV04P097 # جعل لكل نبي من الأنبياء شرعة ومنهاجا وليس فيه دليل على ما قالوا لأن ما ~~كان شريعة لموسى عليه السلام فلم ينسخ إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقد صارت شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم وكان فيما سلف شريعة لغيره فلا ~~دلالة في الآية على اختلاف أحكام الشرائع وأيضا فلا يختلف أحد في تجويز أن ~~يتعبد الله رسوله بشريعة موافقة لشرائع من كان قبله من الأنبياء فلم ينف ~~قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا أن تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم ~~موافقة لكثير من شرائع الأنبياء المتقدمين وإذا كان كذلك فالمراد فيما نسخ ~~من شرائع المتقدمين من الأنبياء وتعبد النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها ~~فكان لكل منكم شرعة غير شرعة الآخر قوله عز وجل ولو شاء الله لجعلكم أمة ~~واحدة قال الحسن لجعلكم على الحق وهذه مشيئة القدرة على إجبارهم على القول ~~بالحق ولكنه لو فعل لم يستحقوا ثوابا وهو كقوله ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها وقال قائلون معناه ولو شاء الله لجمعهم على شريعة واحدة في دعوة جميع ~~الأنبياء قوله تعالى فاستبقوا الخيرات معناه الأمر بالمبادرة بالخيرات التي ~~تعبدنا بها قبل الفوات بالموت وهذا يدل على أن تقديم الواجبات أفضل من ~~تأخيرها نحو قضاء رمضان والحج والزكاة وسائر الواجبات لأنها من الخيرات فإن ~~قيل فهو يدل على أن فعل الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها لأنها من ~~الواجبات في أول الوقت قيل له ليست من الواجبات في أول الوقت والآية مقتضية ~~للوجوب فهي فيما قد وجب وألزم وفي ذلك دليل على أن الصوم في السفر أفضل من ~~الإفطار لأنه من الخيرات وقد أمر الله بالمبادرة بالخيرات # وقوله تعالى في هذا الموضع وأن احكم بينهم بما أنزل الله ليس بتكرار لما ms1605 ~~تقدم من مثله لأنهما نزلا في شيئين مختلفين أحدهما في شأن الرجم والآخر في ~~التسوية بين الديات حين تحاكموا إليه في الأمرين قوله تعالى واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك قال ابن عباس أراد أنهم يفتنونه بإضلالهم ~~إياه عما أنزل الله إلى ما يهوون من الأحكام إطماعا منهم له في الدخول في ~~الإسلام وقال غيره إضلالهم بالكذب على التوراة بما ليس فيها فقد بين الله ~~تعالى حكمه قوله تعالى فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ~~ذنوبهم ذكر البعض والمراد الجميع كما يذكر لفظ العموم والمراد الخصوص وكما ~~قال يا أيها النبي والمراد جميع المسلمين بقوله إذا طلقتم النساء وفيه أن ~~المراد الإخبار # PageV04P098 # عن تغليظ العقاب في أن بعض ما يستحقون به يهلكهم وقيل أراد تعجيل البعض ~~بتمردهم وعتوهم وقال الحسن ما عجله من إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة # قوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون فيه وجهان أحدهما أنه خطاب لليهود لأنهم ~~كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه وإذا أوجب على أغنيائهم لم ~~يأخذهم به فقيل لهم أفحكم عبدة الأوثان تبغون وأنتم أهل الكتاب وقيل إنه ~~أريد به كل من خرج عن حكم الله إلى حكم الجاهلية وهو ما تقدم عليه فاعله ~~بجهالة من غير علم قوله تعالى ومن أحسن من الله حكما إخبار عن حكمه بالعدل ~~والحق من غير محاباة وجائز أن يقال إن حكما أحسن من حكم كما لو خير بين ~~حكمين نصا وعرف أن أحدهما أفضل من الآخر كان الأفضل أحسن وكذلك قد يحكم ~~المجتهد بما غيره أولى منه لتقصير منه في النظر أو لتقليده من قصر فيه # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض روي عن عكرمة أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر لما تنصح ~~إلى بني قريظة وأشار إليهم بأنه الذبح وقال السدي لما كان بعد أحد خاف قوم ~~من المشركين حتى قال رجل أو إلى اليهود وقال آخر ms1606 أو إلى النصارى فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية وقال عطية بن سعد نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن ~~أبى بن سلول لما تبرأ عبادة من موالاة اليهود وتمسك بها عبد الله بن أبي ~~وقال أخاف الدوائر والولي هو الناصر لأنه يلي صاحبه بالنصرة وولي الصغير ~~لأنه يتولى التصرف عليه بالحياطة وولي المرأة عصبتها لأنهم يتولون عليها ~~عقد النكاح وفي هذه الآية دلالة على أن الكافر لا يكون وليا للمسلم لا في ~~التصرف ولا في النصرة ويدل على وجوب البراءة من الكفار والعداوة لهم لأن ~~الولاية ضد العداوة فإذا أمرنا بمعاداة اليهود والنصارى لكفرهم فغيرهم من ~~الكفار بمنزلتهم ويدل على أن الكفر كله ملة واحدة لقوله تعالى بعضهم أولياء ~~بعض ويدل على أن اليهودي يستحق الولاية على النصراني في الحال التي كان ~~يستحقها لو كان المولى عليه يهوديا وهو أن يكون صغيرا أو مجنونا وكذلك ~~الولاية بينهما في النكاح هو على هذا السبيل ومن حيث دلت على كون بعضهم ~~أولياء بعض فهو يدل على إيجاب التوارث بينهما وعلى ما ذكرنا من كون الكفر ~~كله ملة واحدة وإن اختلفت مذاهبه وطرقه وقد دل على جواز مناكحة بعضهم لبعض ~~اليهودي للنصرانية والنصراني لليهودية وهذا الذي # PageV04P099 # ذكرنا إنما هو في أحكامهم فيما بينهم وأما فيما بينهم لا بين المسلمين ~~فيختلف حكم الكتابي وغير الكتابي في جواز المناكحة وأكل الذبيحة قوله تعالى ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم يدل على أن حكم نصارى بني تغلب حكم نصارى بني ~~إسرائيل في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وقوله ~~منكم يجوز أن يريد به المغرب لأنه لو أراد المسلمين لكانوا إذ تولوا الكفار ~~صاروا مرتدين والمرتد إلى النصرانية واليهودية لا يكون منهم في شيء من ~~أحكامهم ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحة وإن كانت امرأة لم يجز نكاحها ولا يرثهم ~~ولا يرثونه ولا يثبت بينهما شيء من حقوق الولاية وزعم بعضهم أن قوله ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم يدل على أن المسلم ms1607 لا يرث المرتد لإخبار الله أنه ~~ممن تولاه من اليهود والنصارى ومعلوم أن المسلم لا يرث اليهودي ولا ~~النصراني فكذلك لا يرث المرتد قال أبو بكر وليس فيه دلالة على ما ذكرنا ~~لأنه لا خلاف أن المرتد إلى اليهودية لا يكون يهوديا والمرتد إلى النصرانية ~~لا يكون نصرانيا ألا ترى أنه لا تؤكل ذبيحته ولا يجوز تزويجها إن كانت ~~امرأة وأنه لا يرث اليهودي ولا يرثه فكما لم يدل ذلك على إيجاب التوارث ~~بينه وبين اليهودي والنصراني كذلك لا يدل على أن المسلم لا يرثه وإنما ~~المراد أحد وجهين إن كان الخطاب لكفار العرب فهو دال على أن عبدة الأوثان ~~من العرب إذا تهودوا أو تنصروا كان حكمهم حكمهم في جواز المناكحة وأكل ~~الذبيحة والإقرار على الكفر بالجزية وإن كان الخطاب للمسلمين فهو إخبار ~~بأنه كافر مثلهم بموالاته إياهم فلا دلالة فيه على حكم الميراث فإن قال ~~قائل لما كان ابتداء الخطاب في المؤمنين لأنه قال يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء لم يحتمل أن يريد بقوله ومن يتولهم منكم ~~مشركي العرب قيل له لما كان المخاطبون بأول الآية في ذلك الوقت هم العرب ~~جاز أن يريد بقوله ومن يتولهم منكم العرب فيفيد أن مشركي العرب إذا تولوا ~~اليهود أو النصارى بالديانة والانتساب إلى الملة يكونون في حكمهم وإن لم ~~يتمسكوا بجميع شرائع دينهم ومن الناس من يقول فيمن اعتقد من أهل ملتنا بعض ~~المذاهب الموجبة لا كفار معتقديها إن الحكم بإكفاره لا يمنع أكل ذبيحته ~~ومناكحة المرأة منهم إذا كانوا منتسبين إلى ملة الإسلام وإن كفروا ~~باعتقادهم لما يعتقدونه من المقالة الفاسدة إذ كانوا في الجملة متولين لأهل ~~الإسلام منتسبين إلى حكم القرآن كما أن # PageV04P100 # من انتحل النصرانية أو اليهودية كان حكمه حكمهم وإن لم يكن متمسكا بجميع ~~شرائعهم ولقوله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم # وكان أبو الحسن الكرخي ممن يذهب إلى ذلك # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف ms1608 يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج نزلت في أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه ومن قاتل معه أهل الردة وقال السدي هي في الأنصار وقال ~~مجاهد في أهل اليمن # وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري قال لما نزلت يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه أومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء معه ~~إلى أبي موسى فقال هم قوم هذا # وفي الآية دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ~~وذلك لأن الذين ارتدوا من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~قاتلهم أبو بكر وهؤلاء الصحابة وقد أخبر الله أنه يحبهم ويحبونه وأنهم ~~يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ومعلوم أن من كانت هذه صفته فهو ~~ولي الله ولم يقاتل المرتدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم غير هؤلاء ~~المذكورين وأتباعهم ولا يتهيأ لأحد أن يجعل الآية في غير المرتدين بعد وفاة ~~النبي صلى الله عليه وسلم من العرب ولا في غير هؤلاء الأئمة لأن الله تعالى ~~لم يأت بقوم يقاتلون المرتدين المذكورين في الآية غير هؤلاء الذين قاتلوا ~~مع أبي بكر ونظير ذلك أيضا في دلالته على صحة إمامة أبي بكر قوله تعالى قل ~~للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن ~~تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا لأنه كان الداعي لهم إلى قتال أهل الردة وأخبر ~~تعالى بوجوب طاعته عليهم بقوله فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا ~~كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما فإن قال قائل يجوز أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي دعاهم قيل له قال الله تعالى فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا فأخبر أنهم لا يخرجون معه أبدا ولا يقاتلون معه ~~عدوا فإن قال قائل جائز أن يكون عمر هو الذي دعاهم قيل له إن كان كذلك ~~فإمامة عمر ثابتة بدليل الآية ms1609 وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر لأنه هو ~~المستخلف له فإن قيل جائز أن يكون علي هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب ~~قيل له قال الله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون # وعلي رضي الله عنه إنما قاتل أهل البغي وحارب أهل الكتاب على أن يسلموا ~~أو يعطوا الجزية # ولم يحارب أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم على أن يسلموا غير أبي بكر ~~فكانت الآية دالة على صحة إمامته. # PageV04P101 ### | باب العمل اليسير في الصلاة # قال الله تعالى إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون # روي عن مجاهد والسدي وأبي جعفر وعتبة بن أبي حكيم أنها نزلت في علي بن ~~أبي طالب حين تصدق بخاتمه وهو راكع # وروى الحسن أنه قال هذه الآية صفة جميع المسلمين لأن قوله تعالى الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون صفة للجماعة وليست للواحد وقد ~~اختلف في معنى قوله وهم راكعون فقيل فيه إنهم كانوا على هذه الصفة في وقت ~~نزول الآية منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من هو راكع في الصلاة وقال آخرون ~~معنى وهم راكعون أن ذلك من شأنهم وأفرد الركوع بالذكر تشريفا له وقال آخرون ~~معناه أنهم يصلون بالنوافل كما يقال فلان يركع أي يتنفل فإن كان المراد فعل ~~الصدقة في حال الركوع فإنه يدل على إباحة العمل اليسير في الصلاة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في إباحة العمل اليسير فيها ~~فمنها أنه خلع نعليه في الصلاة ومنها أنه مس لحيته وأنه أشار بيده # ومنها # حديث ابن عباس أنه قام على يسار النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بذؤابته ~~وأداره إلى يمينه # ومنها أنه كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع فإذا سجد ~~وضعها وإذا رفع رأسه حملها # فدلالة الآية ظاهرة في إباحة الصدقة في الصلاة لأنه إن كان المراد الركوع ~~فكان تقديره الذين يتصدقون في حال الركوع فقد دلت على إباحة الصدقة في هذه ~~الحال وإن ms1610 كان المراد وهم يصلون فقد دلت على إباحتها في سائر أحوال الصلاة ~~فكيفما تصرفت الحال فالآية دالة على إباحة الصدقة في الصلاة فإن قال قائل ~~فالمراد أنهم يتصدقون ويصلون ولم يرد به فعل الصدقة في الصلاة قيل له هذا ~~تأويل ساقط من قبل أن قوله تعالى وهم راكعون إخبار عن الحال التي تقع فيها ~~الصدقة كقوله تكلم فلان وهو قائم وأعطى فلانا وهو قاعد إنما هو إخبار عن ~~حال الفعل أيضا لو كان المراد ما ذكرت كان تكرارا لما تقدم ذكره في أول ~~الخطاب قوله تعالى الذين يقيمون الصلاة ويكون تقديره الذين يقيمون الصلاة ~~ويصلون وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى فثبت أن المعنى ما ذكرنا من مدح ~~الصدقة في حال الركوع أو في حال الصلاة وقوله تعالى ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة لأن عليا تصدق بخاتمه تطوعا وهو ~~نظير قوله تعالى وما آتيتم من زكاة تريدون # PageV04P102 # وجه الله فأولئك هم المضعفون # قد انتظم صدقة الفرض والنفل فصار اسم الزكاة يتناول الفرض والنفل كاسم ~~الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين. ### | باب الأذان # قال الله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا قد دلت هذه ~~الآية على أن للصلاة أذانا يدعى به الناس إليها ونحوه قوله تعالى إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وقد روى عمرو بن مرة عن عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ قال كانوا يجتمعون للصلاة لوقت يعرفونه ويؤذن ~~بعضهم بعضا حتى نقسوا «1» أو كادوا أن ينقسوا فجاء عبد الله بن زيد ~~الأنصاري وذكر الأذان فقال عمر قد طاف بي الذي طاف به ولكنه سبقني # وروى الزهري عن سالم عن أبيه قال استشار النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلمين على ما يجمعهم في الصلاة فقالوا البوق فكرهه من أجل اليهود # وذكر قصة عبد الله بن زيد وأن عمر رأى مثل ذلك فلم يختلفوا أن الأذان لم ~~يكن مسنونا قبل الهجرة وأنه إنما سن بعدها # وقد روى ms1611 أبو يوسف عن محمد بن بشر الهمداني قال سألت محمد بن علي عن ~~الأذان كيف كان أوله وما كان فقال شأن الأذان أعظم من ذلك ولكن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما أسري به جمع النبيون ثم نزل ملك من السماء لم ينزل ~~قبل ليلته فأذن كأذانكم وأقام كإقامتكم ثم صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالنبيين # قال أبو بكر ليلة أسري به كان بمكة وقد صلى بالمدينة بغير أذان واستشار ~~أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة ولو كانت تبدئة الأذان قد تقدمت قبل الهجرة ~~لما استشار فيه وقد ذكر معاذ وابن عمر في قصة الأذان ما ذكرنا والأذان ~~مسنون لكل صلاة مفروضة منفردا كان المصلي أو في جماعة إلا أن أصحابنا قالوا ~~جائز للمقيم المنفرد أن يصلي بغير أذان لأن أذان الناس دعاء له فيكتفي به ~~والمسافر يؤذن ويقيم وإن اقتصر على الإقامة دون الأذان أجزأه ويكره له أن ~~يصلي بغير أذان ولا إقامة لأنه لم يكن هناك أذان ويكون دعاء له # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من صلى في أرض بأذان وإقامة ~~صلى خلفه صف من الملائكة لا يرى طرفاه # وهذا يدل على أن من سنة صلاة المنفرد الأذان # وقال في خبر آخر إذا سفرتما فأذنا وأقيما # وقد ذكرنا صفة الأذان والإقامة والاختلاف فيهما في غير هذا الكتاب قوله ~~تعالى PageV04P103 # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا فيه نهي عن ~~الاستنصار بالمشركين لأن الأولياء هم الأنصار # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء ~~قوم من اليهود وقالوا نحن نخرج معك فقال إنا لا نستعين بمشرك # وقد كان كثير من المنافقين يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم المشركين # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو مسلم حدثنا حجاج حدثنا حماد ~~عن محمد بن اسحق عن الزهري أن أناسا من اليهود غزوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقسم لهم ms1612 كما قسم للمسلمين # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ويحيى بن معين قالا حدثنا يحيى عن مالك عن ~~الفضل عن عبد الله بن نيار عن عروة عن عائشة قال يحيى إن رجلا من المشركين ~~لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقاتل معه فقال ارجع ثم اتفقا فقال إنا لا ~~نستعين بمشرك # وقال أصحابنا لا بأس بالاستعانة بالمشركين على قتال غيرهم من المشركين ~~إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر فأما إذا كانوا لو ظهروا ~~كان حكم الشرك هو الغالب فلا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا معهم ومستفيض # في أخبار أهل السير ونقلة المغازي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان ~~يغزو ومعه قوم من اليهود في بعض الأوقات وفي بعضها قوم من المشركين # وأما وجه # الحديث الذي قال فيه إنا لا نستعين بمشرك # فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يثق بالرجل وظن أنه عين ~~للمشركين فرده # وقال إنا لا نستعين بمشرك # يعني به من كان في مثل حاله # قوله تعالى لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم قيل فيه إن ~~معناه هلا وهي تدخل للماضي والمستقبل فإذا كانت للمستقبل فهي في معنى الأمر ~~كقوله لم لا تفعل وهي هاهنا للمستقبل يقول هلا ينهاهم ولم لا ينهاهم وإذا ~~كانت للماضي فهو للتوبيخ كقوله تعالى لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء ولولا إذ ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقيل في الرباني إنه العالم ~~بدين الرب فنسب إلى الرب كقولهم روحاني في النسبة إلى الروح وبحراني في ~~النسبة إلى البحر وقال الحسن الربانيون علماء أهل الإنجيل والأحبار علماء ~~أهل التوراة وقال غيره هو كله في اليهود لأنه متصل بذكرهم وذكر لنا أبو عمر ~~غلام ثعلب عن ثعلب قال الرباني العالم العامل وقد اقتضت الآية وجوب إنكار ~~المنكر بالنهي عنه والاجتهاد في إزالته لذمه من ترك ذلك # قوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة ms1613 غلت أيديهم وروى عن ابن عباس ~~وقتادة والضحاك أنهم # PageV04P104 # وصفوه بالبخل وقالوا هو مقبوض العطاء كقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقال الحسن قالوا هي مقبوضة عن عقابنا واليد ~~في اللغة تنصرف على وجوه منها الجارحة وهي معروفة ومنها النعمة تقول لفلان ~~عندي يد أشكره عليها أي نعمة ومنها القوة فقوله أولى الأيدى فسروه بأولي ~~القوى ونحوه قول الشاعر: # تحملت من ذلفاء ما ليس لي به ... ولا للجبال الراسيات يدان # ومنها الملك ومنه قوله الذي بيده عقدة النكاح يعني يملكها ومنها الاختصاص ~~بالفعل كقوله تعالى خلقت بيدي أى توليت خلقه ومنها التصرف كقوله هذه الدار ~~في يد فلان يعني التصرف فيها بالسكنى أو الإسكان ونحو ذلك وقيل أنه قال ~~تعالى بل يداه على وجه التثنية لأنه أراد نعمتين أحدهما نعمة الدنيا ~~والأخرى نعمة الدين والثاني قوتان بالثواب والعقاب على خلاف قول اليهود ~~لأنه لا يقدر على عقابنا وقيل إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك ~~لبيك وسعديك وقيل في قوله تعالى غلت أيديهم يعني في جهنم روي عن الحسن قوله ~~تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله فيه إخبار بغلبة المسلمين لليهود ~~الذين تقدم ذكرهم في قوله وقالت اليهود يد الله مغلولة وفيه دلالة على صحة ~~نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر به عن الغيب مع كثرة اليهود وشدة ~~شوكتهم وقد كان من حول المدينة منهم فئات تقاوم العرب في الحروب التي كانت ~~تكون بينهم في الجاهلية فأخبر الله تعالى في هذه الآية بظهور المسلمين ~~عليهم فكان مخبره على ما أخبر به فأجلى النبي صلى الله عليه وسلم بني ~~قينقاع وبني النضير وقتل بني قريظة وفتح خيبر عنوة وانقادت له سائر اليهود ~~صاغرين حتى لم تبق منهم فئة تقاتل المسلمين وإنما ذكر النار هاهنا عبارة عن ~~الاستعداد للحرب والتأهب لها على مذهب العرب في إطلاق اسم النار في هذا ~~الموضع ومنه # قول النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم ms1614 مع مشرك قيل لم يا ~~رسول الله قال لا تراءى ناراهما # وإنما عنى بها نار الحرب يعني أن حرب المشركين للشيطان وحرب المسلمين لله ~~تعالى فلا يتفقان وقيل إن الأصل في العبارة باسم النار عن الحرب أن القبيلة ~~الكبيرة من العرب كانت إذا أرادت حرب أخرى منها أوقدت النيران على رؤس ~~الجبال والمواضع المرتفعة التي تعم القبيلة رؤيتها فيعلمون أنهم قد ندبوا ~~إلى # PageV04P105 # الاستعداد للحرب والتأهب لها فاستعدوا وتأهبوا فصار اسم النار في هذا ~~الموضع مفيدا للتأهب للحرب وقد قيل فيه وجه آخر وهو أن القبائل كانت إذا ~~رأت التحالف على التناصر على غيرهم والجد في حربهم وقتالهم أوقدوا نارا ~~عظيمة ثم قربوا منها وتحالفوا بحرمان منافعها إن هم غدروا أو نكلوا عن ~~الحرب وقال الأعشى: ### | وأوقدت للحرب نارا # قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فيه أمر للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بتبليغ الناس جميعا وما أرسله به إليهم من كتابه وأحكامه ~~وأن لا يكتم منه شيئا خوفا من أحد ولا مداراة له وأخبر أنه إن ترك تبليغ ~~شيء منه فهو كمن لم يبلغ شيئا بقوله تعالى وإن لم تفعل فما بلغت رسالته فلا ~~يستحق منزلة الأنبياء القائمين بأداء الرسالة وتبليغ الأحكام وأخبر تعالى ~~أنه يعصمه من الناس حتى لا يصلوا إلى قتله ولا قهره ولا أسره بقوله تعالى ~~والله يعصمك من الناس وفي ذلك إخبار أنه لم يكن تقية من إبلاغ جميع ما أرسل ~~به إلى جميع من أرسل إليهم وفيه الدلالة على بطلان قول الرافضة في دعواهم ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم بعض المبعوثين إليهم على سبيل الخوف ~~والتقية لأنه تعالى أمره بالتبليغ وأخبر أنه ليس عليه تقية بقوله تعالى ~~والله يعصمك من الناس وفيه دلالة على أن كل ما كان من الأحكام بالناس إليه ~~حاجة عامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه الكافة وأن وروده ينبغي أن ~~يكون من طريق التواتر نحو الوضوء من مس الذكر ومن مس ms1615 المرأة ومما مسته ~~النار ونحوها لعموم البلوى بها فإذا لم نجد ما كان منها بهذه المنزلة واردا ~~من طريق التواتر علمنا أن الخبر غير ثابت في الأصل أو تأويله ومعناه غير ما ~~اقتضاه ظاهره من نحو الوضوء الذي هو غسل اليد دون وضوء الحدث وقد دل قوله ~~تعالى والله يعصمك من الناس على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~من أخبار الغيوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ~~ولا قهر ولا أسر مع كثرة أعدائه المحاربين له مصالتة والقصد لاغتياله ~~مخادعة نحو ما فعله عامر بن الطفيل وأربد فلم يصلا إليه ونحو ما قصده به ~~عمير بن وهب الجمحي بمواطأة من صفوان بن أمية فأعلمه الله إياه فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عمير بن وهب بما تواطأ هو وصفوان بن أمية عليه وهما في ~~الحجر من اغتساله فأسلم عمير وعلم أن مثله لا يكون إلا من عند الله تعالى ~~عالم الغيب والشهادة ولو لم يكن ذلك من عند الله # PageV04P106 # لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا ادعى أنه معصوم من القتل ~~والقهر من أعدائه وهو لا يأمن أن يوجد ذلك على خلاف ما أخبر به فيظهر كذبه ~~مع غناه عن الإخبار بمثله وأيضا لو كانت هذه الأخبار من عند غير الله لما ~~اتفق في جميعها وجود مخبراتها على ما أخبر به إذ لا يتفق مثلها في أخبار ~~الناس إذا أخبروا عما يكون على جهة الحدث والتخمين وتعاطى علم النجوم ~~والزرق والفأل ونحوها فلما اتفق جميع ما أخبر به عنه من الكائنات في ~~المستأنف على ما أخبر به ولا تخلف شيء منها علمنا أنها من عند الله العالم ~~بما كان وما يكون قبل أن يكون # قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ~~وما أنزل إليكم من ربكم فيه أمر لأهل الكتاب بالعمل بما في التوراة ~~والإنجيل لأن إقامتها هو العمل بهما وبما ms1616 في القرآن أيضا لأن قوله تعالى ~~وما أنزل إليكم من ربكم حقيقته تقتضي أن يكون المراد ما أنزل الله على ~~رسوله فكان خطابا لهم وإن كان محتملا لأن يكون المراد ما أنزل الله على ~~آبائهم في زمان الأنبياء المتقدمين وقوله تعالى لستم على شيء مقتضاه لستم ~~على شيء من الدين الحق حتى تعلموا بما في التوراة والإنجيل والقرآن وفي هذا ~~دلالة على أن شرائع الأنبياء المتقدمين ما لم ينسخ منها قبل مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم فهو ثابت الحكم مأمور به وأنه قد صار شريعة لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم لولا ذلك لما أمروا بالثبات عليه والعمل به فإن قال قائل معلوم ~~نسخ كثير من شرائع الأنبياء المتقدمين على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم ~~فجائز إذا كان هذا هكذا أن تكون هذه الآية نزلت بعد نسخ كثير منها ويكون ~~معناها الأمر بالإيمان على ما في التوراة والإنجيل من صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومبعثه وبما في القرآن من الدلالة المعجزة الموجبة لصدقه وإذا ~~احتملت الآية ذلك لم تدل على بقاء شرائع الأنبياء المتقدمين قيل له لا تخلو ~~هذه الآية من أن تكون نزلت قبل نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين فيكون فيها ~~أمر باستعمالها وإخبار ببقاء حكمها أو أن تكون نزلت بعد نسخ كثير منها فإن ~~كان كذلك فإن حكمها ثابت فيما لم ينسخ منها كاستعمال حكم العموم فيما لم ~~تقم دلالة خصوصه واستعمالها فيما لا يجوز فيه النسخ من وصف النبي صلى الله ~~عليه وسلم وموجبات أحكام العقول فلم تخل الآية من الدلالة على بقاء حكم ما ~~لم ينسخ من شرائع من قبلنا وأنه قد صار شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم # قوله تعالى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ~~كانا يأكلان الطعام فيه أوضح الدلالة على بطلان قول النصارى # PageV04P107 # في أن المسيح إله لأن من احتاج إلى الطعام فسبيله سبيل سائر العباد في ~~الحاجة إلى الصانع المدبر إذ كان من ms1617 فيه سمة الحدث لا يكون قديما ومن يحتاج ~~إلى غيره لا يكون قادرا لا يعجزه شيء وقد قيل في معنى قوله كانا يأكلان ~~الطعام إنه كناية عن الحدث لأن كل من يأكل الطعام فهو محتاج إلى الحدث لا ~~محالة وهذا وإن كان كذلك في العادة فإن الحاجة إلى الطعام والشراب وما ~~يحتاج المحتاج إليهما من الجوع والعطش ظاهر الدلالة على حدث المحتاج إليهما ~~وعلى أن الحوادث تتعاقب عليه وأن ذلك ينفي كونه إلها وقديما قوله تعالى لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم قال الحسن ومجاهد ~~والسدي وقتادة لعنوا على لسان داود فصاروا قردة وعلى لسان عيسى فصاروا ~~خنازير وقيل إن فائدة لعنهم على لسان الأنبياء إعلامهم الإياس من المغفرة ~~مع الإقامة على الكفر والمعاصي لأن دعاء الأنبياء عليهم السلام باللعن ~~والعقوبة مستجاب وقيل إنما ظهر لعنهم على لسان الأنبياء لئلا يوهموا الناس ~~أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من عقاب المعاصي # قوله تعالى كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه معناه لا ينهى بعضهم بعضا عن ~~المنكر # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل النقص على بني ~~إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا ~~يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده # فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم إلى قوله فاسقون ثم قال كلا والله ~~لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على ~~الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا # وقال أبو داود وحدثنا خلف بن هشام حدثنا أبو شهاب الحناط عن العلاء ابن ~~المسيب عن عمرو بن ms1618 مرة عن سالم عن أبي عبيدة عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بنحوه زاد أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم ~~كما لعنهم # قال أبو بكر في هذه الآية مع ما ذكرنا من الخبر في تأويلها دلالة على ~~النهي عن مجالسة المظهرين للمنكر وأنه لا يكتفى منهم بالنهي دون الهجران # قوله تعالى ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا روي عن الحسن وغيره أن ~~الضمير في منهم راجع إلى اليهود وقال آخرون هو راجع # PageV04P108 # إلى أهل الكتاب والذين كفروا هم عبدة الأوثان تولاهم أهل الكتاب على ~~معاداة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربته # قوله تعالى ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء روى عن الحسن ومجاهد أنه من المنافقين من اليهود أخبر أنهم غير ~~مؤمنين بالله وبالنبي وإن كانوا يظهرون الإيمان وقيل إنه أراد بالنبي موسى ~~عليه السلام أنهم غير مؤمنين به إذ كانوا يتولون المشركين # قوله تعالى ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى الآية ~~قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي نزلت في النجاشي وأصحابه لما ~~أسلموا وقال قتادة قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى ~~عليه السلام فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به ومن الجهال من يظن ~~أن في هذه الآية مدحا للنصارى وإخبارا بأنهم خير من اليهود وليس كذلك وذلك ~~لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول يدل عليه ~~ما ذكر في نسق التلاوة من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول ~~ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين الطائفتين أن ~~مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فسادا من مقالة اليهود لأن اليهود ~~تقر بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة تنقص ما أعطته في الجملة من ~~التوحيد بالتشبيه. ### | باب تحريم ما أحل الله عز وجل # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ms1619 لكم ~~والطيبات اسم يقع على ما يستلذ ويشتهى وبميل إليه القلب ويقع على الحال ~~وجائز أن يكون مراد الآية الأمرين جميعا لوقوع الاسم عليهما فيكون تحريم ~~الحلال على أحد وجهين أحدهما أن يقول قد حرمت هذا الطعام على نفسي فلا يحرم ~~عليه وعليه الكفارة إن أكل منه والثاني أن يغصب طعام غيره فيخلطه بطعامه ~~فيحرمه على نفسه حتى يغرم لصاحبه مثله # روى عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا ~~رسول الله إني إذا أكلت اللحم انتشرت فحرمته على نفسي فأنزل الله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم # الآية # وروى سعيد عن قتادة قال كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هموا بترك اللحم والنساء والاختصاء فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال ليس في ديني ترك # PageV04P109 # النساء ولا اللحم ولا اتخاذ الصوامع # وروى مسروق قال كنا عند عبد الله فأتي بضرع فتنحى رجل فقال عبد الله أدنه ~~فكل فقال إني كنت حرمت الضرع فتلا عبد الله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم كل وكفر وقال الله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك- إلى قوله- قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية # وروي أنه حرم العسل على نفسه فأنزل الله تعالى هذه الآية # وأمره بالكفارة وكذلك قال أكثر أهل العلم فيمن حرم طعاما أو جارية على ~~نفسه أنه إن أكل من الطعام حنث وكذلك إن وطئ الجارية لزمته كفارة يمين وفرق ~~أصحابنا بين من قال والله لا آكل هذا الطعام وبين قوله حرمته على نفسي ~~فقالوا في التحريم إن أكل الجزء منه حنث وفي اليمين لا يحنث إلا بأكل ~~الجميع وجعلوا تحريمه إياه على نفسه بمنزلة قوله والله لأكلت منه شيئا إذ ~~كان ms1620 ذلك مقتضى لفظ التحريم إياه على نفسه بمنزلة قوله والله لأكلت منه شيئا ~~إذ كان ذلك مقتضى لفظ التحريم في سائر ما حرم الله تعالى مثل قوله حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير اقتضى اللفظ تحريم كل جزء منه فكذلك تحريم ~~الإنسان طعاما يقتضي إيجاب اليمين في أكل الجزء منه وأما اليمين بالله في ~~نفي أكل هذا الطعام فإنها محمولة على الأيمان المنتظمة للشروط والجواب كقول ~~القائل إن أكلت هذا الطعام فعبدي حر فلا يحنث بأكل البعض منه حتى يستوفي ~~أكل الجميع فإن قال قائل قال الله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ~~إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فروي أن إسرائيل أخذه عرق النسا فحرم أحب ~~الأشياء إليه وهو لحوم الإبل إن عافاه الله فكان ذلك تحريما صحيحا حاظرا ~~لما حرم على نفسه قيل له هو منسوخ بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم # وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة ~~اللذيذة تزهدا لأن الله تعالى قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها في قوله ~~وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ويدل على أنه لا فضيلة في الامتناع من ~~أكلها # وقد روى أبو موسى الأشعري أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم ~~الدجاج # وروي أنه كان يأكل الرطب والبطيخ # وروى غالب ابن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أراد أن يأكل الدجاج حبسها ثلاثة أيام فعلفها ثم أكلها # وروى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال سمعت ابن عباس يقول كل ما شئت واكتس ~~ما أخطأت اثنتين سرفا أو مخيلة وقد روي أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف والحسن ~~بن علي وعبد الله بن أبي أوفى وعمران بن حصين وأنس # PageV04P110 # ابن مالك وأبا هريرة وشريحا كانوا يلبسون الخز ويدل على نحو دلالة الآية ~~التي ذكرنا في أكل إباحة الطيبات قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق وقوله عقيب ms1621 ذكره لما خلق من الفواكه متاع لكم ~~ويحتج بقوله لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم في تحريم إيقاع الطلاق الثلاث ~~لما فيه من تحريم المباح من المرأة. ### | باب الأيمان # قال الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم عقيب نهيه عن تحريم ما ~~أحل الله قال ابن عباس لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس ~~حلفوا على ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية وأما اللغو فقد قيل فيه إنه ما ~~لا يعتد به ومنه قول الشاعر: # أو مائة تجعل أولادها ... لغوا وعرض المائة الجلد # يعني نوقا لا تعتد بأولادها فعلى هذا لغو اليمين ما لا يعتد به ولا حكم ~~له وروى إبراهيم الصائغ عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله عز وجل لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي وابن ~~عبدوس قالا حدثنا محمد بن بكار حدثنا حسان بن إبراهيم عن إبراهيم الصائغ عن ~~عطاء وسئل عن اللغو في اليمين فقالت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال هو كلام الرجل في بيته لا والله وبلى والله # وروى إبراهيم عن الأسود وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لغو اليمين ~~لا والله وبلى والله موقوفا عليها وروى عكرمة عن ابن عباس في لغو اليمين أن ~~يحلف على الأمر يراه كذلك وليس كذلك وروي عن ابن عباس أيضا أن لغو اليمين ~~أن تحلف وأنت غضبان وروي عن الحسن والسدي وإبراهيم مثل قول عائشة وقال بعض ~~أهل العلم اللغو في اليمين هو الغلط من غير قصد على نحو قول القائل لا ~~والله وبلى والله على سبق اللسان وقال بعضهم اللغو في اليمين أن تحلف على ~~معصية أن تفعلها فينبغي أن لا تفعلها ولا كفارة فيه # وروي فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ms1622 فليتركها فإن تركها كفارتها # وقد اختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أصحابنا اللغو هو قوله لا ~~والله وبلى والله فيما يظن أنه صادق فيه على الماضي وقال مالك والليث نحو ~~ذلك وهو قول # PageV04P111 # الأوزاعي وقال الشافعي اللغو هو المعقود عليه وقال الربيع عنه من حلف على ~~شيء يرى أنه كذلك ثم وجده على غير ذلك فعليه كفارة قال أبو بكر لما قال ~~الله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان أبان بذلك أن لغو اليمين غير المعقود منها لأنه لو كان المعقود هو ~~اللغو لما عطفه عليه ولما فرق بينهما في الحكم في نفيه المؤاخذة بلغو ~~اليمين وإثبات الكفارة في المعقودة ويدل على ذلك أيضا أن اللغو لما كان هو ~~الذي لا حكم له فغير جائز أن يكون هو اليمين المعقودة لأن المؤاخذة قائمة ~~في المعقودة وحكمها ثابت فبطل بذلك قول من قال إن اللغو هو اليمين المعقودة ~~وإن فيها الكفارة فثبت بذلك أن معناه ما قال ابن عباس وعائشة وأنها اليمين ~~على الماضي فيما يظن الحالف أنه كما قال والأيمان على ضربين ماض ومستقبل ~~والماضي ينقسم قسمين لغو وغموس ولا كفارة في واحد منهما والمستقبل ضرب واحد ~~وهو اليمين المعقودة وفيها الكفارة إذا حنث وقال مالك والليث مثل قولنا في ~~الغموس أنه لا كفارة فيها وقال الحسن بن صالح والأوزاعي والشافعي في الغموس ~~الكفارة وقد ذكر الله تعالى هذه الأيمان الثلاث في الكتاب فذكر في هذه ~~الآية اليمين اللغو والمعقودة جميعا بقوله لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وقال في سورة البقرة لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والمراد به والله ~~أعلم الغموس لأنها هي التي تتعلق المؤاخذة فيها بكسب القلب وهو المأثم ~~وعقاب الآخرة دون الكفارة إذ لم تكن الكفارة متعلقة بكسب القلب ألا ترى أن ~~من حلف على معصية كان عليه أن يحنث فيها وتلزمه الكفارة مع ذلك فدل على أن ms1623 ~~قوله ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم المراد به اليمين الغموس التي يقصد بها ~~إلى الكذب وأن المؤاخذة بها هي عقاب الآخرة وذكره للمؤاخذة بكسب القلب في ~~هذه الآية عقيب ذكره اللغو في اليمين يدل على أن اللغو هو الذي لم يقصد فيه ~~إلى الكذب وأنه ينفصل من الغموس بهذا المعنى ومما يدل على أن الغموس لا ~~كفارة فيها قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ~~أولئك لا خلاق لهم في الآخرة فذكر الوعيد فيها ولم يذكر الكفارة فلو أوجبنا ~~فيها الكفارة كان زيادة في النص وذلك غير جائز إلا بنص مثله # وروى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على ~~يمين وهو فيها آثم فاجر ليقطع بها # PageV04P112 # ما لا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على منبري هذا ~~بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار # فذكر النبي صلى الله عليه وسلم المأثم ولم يذكر الكفارة فدل على أن ~~الكفارة غير واجبة من وجهين أحدهما أنه لا تجوز الزيادة في النص إلا بمثله ~~والثاني أنها لو كانت واجبة لذكرها في اليمين المعقودة في # قوله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خيرا منها وليكفر عن يمينه رواه عبد الرحمن بن سمرة وأبو هريرة # وغيرهما ومما يدل على نفي الكفارة في اليمين على الماضي قوله تعالى في ~~نسق التلاوة واحفظوا أيمانكم وحفظها مراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث فيها ~~ومعلوم امتناع حفظ اليمين على الماضي لوقوعها على وجه واحد لا يصح فيها ~~المراعاة والحفظ فإن قال قائل قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~يقتضي عمومه إيجاب الكفارة في سائر الأيمان إلا ما خصه الدليل قيل له ليس ~~كذلك لأنه معلوم أنه قد أراد به اليمين المعقودة على المستقبل فلا محالة أن ~~فيه ضمير يتعلق به وجوب الكفارة وهو الحنث وإذا ثبت أن في ms1624 الآية ضميرا سقط ~~الاحتجاج بظاهرها لأنه لا خلاف أن اليمين المعقودة لا تجب بها كفارة قبل ~~الحنث فثبت أن في الآية ضميرا فلم يجز اعتبار عمومها إذ كان حكمها متعلقا ~~بضمير غير مذكور فيها وأيضا قوله تعالى واحفظوا أيمانكم يقتضي أن يكون جميع ~~ما تجب فيه الكفارة من الأيمان هي التي ألزمنا حفظها وذلك إنما هو في ~~اليمين المعقودة التي تمكن مراعاتها وحفظها لأداء كفارتها واليمين على ~~الماضي لا يقع فيها حنث فينتظمها اللفظ ألا ترى أنه لا يصح دخول الاستثناء ~~عليها فتقول كان أمس الجمعة إن شاء الله والله لقد كان أمس الجمعة إذ كان ~~الحنث وجود معنى بعد اليمين بخلاف ما عقد عليه ويدل على أن الكفارة إنما ~~تتعلق بالحنث في اليمين بعد العقد أنه لو قال والله كان ذلك قسما ولم تلزمه ~~كفارة بوجود هذا القول لأنه لم يتعلق به حنث وقد قرئ قوله تعالى بما عقدتم ~~على ثلاثة أوجه عقدتم بالتشديد قد قرأه جماعة وعقدتم خفيفة وعاقدتم فقوله ~~تعالى عقدتم بالتشديد كان أبو الحسن يقول لا يحتمل إلا عقد قول وعقدتم ~~بالتخفيف يحتمل عقد القلب وهو العزيمة والقصد إلى القول ويحتمل عقد اليمين ~~قولا ومتى احتمل إحدى القراءتين القول واعتقاد القلب ولم يحتمل الأخرى إلا ~~عقد اليمين قولا وجب حمل ما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها واحدا ~~فيحصل المعنى من # PageV04P113 # القراءتين عقد اليمين قولا ويكون حكم إيجاب الكفارة مقصورا على هذا الضرب ~~من الأيمان وهو أن تكون معقودة ولا تجب في اليمين على الماضي لأنها غير ~~معقودة وإنما هو خبر عن ماض والخبر عن الماضي ليس بعقد سواء كان صدقا أو ~~كذبا فإن قال قائل إذ كان قوله تعالى عقدتم بالتخفيف يحتمل اعتقاد القلب ~~ويحتمل عقد اليمين فهلا حملته على المعنيين إذ ليسا متنافيين وكذلك قوله ~~تعالى بما عقدتم بالتشديد محمول على عقد اليمين فلا ينفي ذلك واستعمال ~~اللفظ في القصد إلى اليمين فيكون عموما في سائر الأيمان قيل له لو سلم لك ms1625 ~~ما ادعيت من الاحتمال لما جاز استعماله فيما ذكرت ولكانت دلالة الإجماع ~~مانعة من حمله على ما وصفت وذلك أنه لا خلاف أن القصد إلى اليمين لا يتعلق ~~به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان التي ~~يتعلق به وجوب الكفارة وأن حكم إيجابها متعلق باللفظ دون القصد في الأيمان ~~التي يتعلق به وجوب الكفارة فبطل بذلك تأويل من تأوله اللفظ على قصد القلب ~~في حكم الكفارة وثبت أن المراد بالقراءتين جميعا في إيجاب الكفارة هو ~~اليمين المعقودة على المستقبل فإن قال قائل قوله عقدتم بالتشديد يقتضي ~~التكرار والمؤاخذة تلزم من غير تكرار فما وجه اللفظ المقتضي للتكرار مع ~~وجوب الكفارة في وجودها على غير وجه التكرار قيل له قد يكون تعقيد اليمين ~~بأن يعقدها في قلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيدا ~~إذ هو كالتعظيم الذي يكون تارة بتكرير الفعل والتضعيف وتارة بعظم المنزلة ~~وأيضا فإن في قراءة التشديد إفادة حكم ليس في غيره وهو أنه متى أعاد اليمين ~~على وجه التكرار أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة وكذلك قال أصحابنا فيمن حلف ~~على شيء ثم حلف عليه في ذلك المجلس أو غيره وأراد به التكرار لا يلزمه ~~واحدة فإن قيل قوله بما عقدتم بالتخفيف يفيد إيجاب الكفارة باليمين إلا ~~كفارة أحد قيل له القراءتان والتكرار جميعا مستعملتان على ما وصفنا ولكل ~~واحدة منهما فائدة مجددة. # (فصل) ومن يجيز الكفارة قبل الحنث يحتج بهذه الآية من وجهين أحدهما قوله ~~ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته فجعل ذلك كفارة عقيب عقد اليمين من ~~غير ذكر الحنث لأن الفاء للتعقيب والثاني قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم فأما قوله بما عقدتم الأيمان فكفارته فإنه لا خلاف أن فيه ضميرا متى ~~أراد إيجابها وقد علمنا لا محالة أن الآية قد تضمنت إيجاب الكفارة عند ~~الحنث وأنها غير واجبة قبل # PageV04P114 # الحنث فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها فكفارته وهو كقوله ~~تعالى ms1626 ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر والمعنى فأفطر فعدة من ~~أيام أخر وقوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو ~~صدقة فمعناه فحلق ففدية عن صيام كذلك قوله بما عقدتم الأيمان فكفارته معناه ~~فحنثتم فكفارته لاتفاق الجميع أنها غير واجبة قبل الحنث وقد اقتضت الآية لا ~~محالة إيجاب الكفارة وذلك لا يكون إلا بعد الحنث فثبت أن المراد ضمير الحنث ~~فيه وأيضا لما سماه كفارة علمنا أنه أراد التكفير بها في حال وجوبها لأن ما ~~ليس بواجب فليس بكفارة على الحقيقة ولا يسمى بهذا الاسم فعلمنا أن المراد ~~إذا حنثتم فكفارته إطعام عشرة مساكين وكذلك قوله في نسق التلاوة ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم معناه إذا حلفتم وحنثتم لما بيناه آنفا فإن قيل يجوز أن ~~تسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجله من الزكاة قبل الحول زكاة لوجوب ~~السبب الذي هو النصاب وكما يسمى ما يعجله بعد الجراحة كفارة قبل وجود القتل ~~وإن لم تكن واجبة في هذه الحال فكذلك يجوز أن يكون ما يعجله الحالف كفارة ~~قبل الحنث ولا يحتاج إلى إثبات إضمار الحنث في جوازها قيل له قد بينا أن ~~الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية وإذا أريد بها الكفارة الواجبة ~~امتنع أن ينتظم ما ليس منها لاستحالة كون لفظ واحد مقتضيا للإيجاب ولما ليس ~~بواجب فمن حيث أريد بها الواجب انتفى ما ليس منها بواجب وأيضا فقد ثبت أن ~~المتبرع بالطعام ونحوه لا يكون مكفرا بما يتبرع به إذا لم يحلف فلما كان ~~المكفر قبل الحنث متبرعا بما أعطى ثبت أن ما أخرج ليس بكفارة ومتى فعله لم ~~يكن فاعلا للمأمور به وأما إعطاء كفارة القتل قبل الموت بعد الجراحة وتعجيل ~~الزكاة قبل الحول فإن جميع ما أخرج هؤلاء تطوع وليس بكفارة ولا زكاة وإنما ~~أجزناه لما قامت الدلالة أن إخراج هذا التطوع يمنع لزوم الفرض بوجود الموت ~~وحؤول الحول. # (فصل) ويحتج من يوجب على من ms1627 عقد نذره بشرط كفارة يمين دون المنذور مثل ~~قوله إن دخلت الدار فلله علي حجة أو عتق رقبة أو نحو ذلك فحنث بظاهر قوله ~~تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته وبقوله تعالى ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم قال فلما كان هذا حالفا وجب أن يكون الواجب عليه بالحنث ~~كفارة اليمين دون # PageV04P115 # المنذور بعينه وليس هذا كما ظن هذا القائل وذلك لأن النذر يوجب الوفاء ~~بالمنذور بعينه وله أصل غير اليمين لقوله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم وقال تعالى يوفون بالنذر وقال تعالى أوفوا بالعقود وقال تعالى ومنهم ~~من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من ~~فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فذمهم تعالى على ترك الوفاء بنفس المنذور # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من نذر نذرا لم يسمه فعليه كفارة يمين ومن ~~نذر نذرا سماه فعليه الوفاء به # وكان قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم في اليمين المعقودة بالله عز وجل ~~وكانت النذور محمولة على الأصول الأخر التي ذكرنا في لزوم الوفاء بها قوله ~~تعالى واحفظوا أيمانكم فقال قائلون معناه احفظوا أنفسكم من الحنث فيها ~~واحذروا الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية وقال آخرون أقلوا من الأيمان ~~على نحو قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم واستشهد من قال ذلك بقول ~~الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا بدرت منه الألية برت # وقال آخرون معناه راعوها لكي تؤدوا الكفارة عند الحنث فيها لأن حفظ الشيء ~~هو مراعاته وهذا هو الصحيح فأما الأول فلا معنى له لأنه غير منتهى عن الحنث ~~إذا لم يكن ذلك الفعل معصية # وقد قال صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت ~~الذي هو خير وليكفر عن يمينه # فأمره بالحنث فيها وقد قال الله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ~~الآية روي أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف ms1628 أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه أن لا ينفق عليه لما كان منه من الخوض في أمر عائشة وقد كان ينفق عليه ~~وكان ذا قرابة منه فأمره الله تعالى بالحنث في يمينه والرجوع إلى الإنفاق ~~عليه ففعل ذلك أبو بكر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم بالكفارة ~~والرجوع عما حرم على نفسه فثبت بذلك أنه غير منهي عن الحنث في اليمين إذا ~~لم يكن الفعل معصية فغير جائز أن يكون معنى قوله واحفظوا أيمانكم نهيا عن ~~الحنث وأما من قال إن معناه النهي عن الحلف واستشهد بالبيت فقوله مرذول ~~ساقط لأنه غير جائز أن يكون الأمر بحفظ اليمين نهيا عن اليمين كما لا يجوز ~~أن يقال احفظ مالك بمعنى أن لا تكسبه ومعنى البيت هو على ما نقوله مراعاة # PageV04P116 # الحنث لأداء الكفارة لأنه قال قليل الألايا حافظ ليمينه فأخبر بديا بقلة ~~أيمانه ثم قال حافظ ليمينه ومعناه أنه مراع لها ليؤدي كفارتها عند الحنث ~~ولو كان على ما قال المخالف لكان تكرارا لما قد ذكره فصح أن معناه الأمر ~~بمراعاتها لأداء كفارتها عند الحنث قوله تعالى إطعام عشرة مساكين # روي عن علي وعمر وعائشة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد ~~والحسن في كفارة اليمين كل مسكين نصف صاع من بر # وقال عمر وعائشة أو صاعا من تمر وهو قول أصحابنا إذا أعطاهم الطعام ~~تمليكا وقال ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء في آخرين مد من بر لكل ~~مسكين وهو قول مالك والشافعى واختلف في الإطعام من غير تمليك فروي عن علي ~~ومحمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة يغديهم ويعشيهم وهو ~~قول أصحابنا ومالك بن أنس والثوري والأوزاعي وقال الحسن البصري وجبة واحدة ~~تجزي وقال الحكم لا يجزي الإطعام حتى يعطيهم وقال سعيد بن جبير مدين من ~~طعام ومد لإدامه ولا يجمعهم فيطعمهم ولكن يعطيهم وروي عن ms1629 ابن سيرين وجابر ~~بن زيد ومكحول وطاوس والشعبي يطعمهم أكلة واحدة وروي عن أنس مثل ذلك وقال ~~الشافعي لا يعطيهم جملة ولكن يعطي كل مسكين مدا قال أبو بكر قال الله تعالى ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم فاقتضى ظاهره جواز ~~الإطعام بالأكل من غير إعطاء ألا ترى إلى قوله تعالى ويطعمون الطعام على ~~حبه مسكينا قد عقل منه إطعامهم بالإباحة لهم من غير تمليك ويقال فلان يطعم ~~الطعام وإنما مرادهم دعاؤه إياهم إلى أكل طعامه فلما كان الاسم يتناول ~~الإباحة وجب جوازه وإذا جاز إطعامهم على وجه الإباحة من غير تمليك فالتمليك ~~أحرى بالجواز لأنه أكثر من الإباحة ولا خلاف في جواز التمليك وإنما قالوا ~~يغديهم ويعشيهم لقوله تعالى من أوسط ما تطعمون أهليكم وهو مرتان غداء وعشاء ~~لأن الأكثر في العادة ثلاث مرات والأقل واحدة والأوسط مرتان # وقد روى ليث عن ابن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان ~~خبزا يابسا فهو غداؤه وعشاؤه # وإنما قال أصحابنا إذا أعطاهم كان من البر نصف صاع ومن الشعير والتمر ~~صاعا لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث كعب بن عجرة في فدية الأذى أو ~~أطعم ثلاثة آصع من طعام ستة مساكين # وفي حديث آخر أطعم ستة آصع من تمر ستة # PageV04P117 # مساكين # فجعل لكل مسكين صاعا من تمر أو نصف صاعا من بر ولم يفرق بين تقدير الطعام ~~في فدية الأذى وكفارة اليمين فثبت أن كفارة اليمين مثلها # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في كفارة الظهار وسقا من تمر لستين ~~مسكينا والوسق ستون صاعا # ولما # ثبت في كفارة الظهار لكل مسكين صاع من تمر # كانت كفارة اليمين مثلها لاتفاق الجميع على تساويهما في مقدار ما يجب ~~فيهما من الطعام وإذا ثبت من التمر صاع وجب أن يكون من البر نصف صاع لأن كل ~~من أوجب فيها صاعا من التمر أوجب من البر نصف صاع قوله تعالى من أوسط ما ms1630 ~~تطعمون أهليكم روي عن ابن عباس قال كان لأهل المدينة قوت وكان للكبير أكثر ~~مما الصغير وللحر أكثر مما للمملوك فنزلت من أوسط ما تطعمون أهليكم ليس ~~بأفضله ولا بأخسه وروي عن سعيد بن جبير مثله قال أبو بكر بين ابن عباس أن ~~المراد الأوسط في المقدار لا بأن يكون مأدوما وروي عن ابن عمر قال أوسطه ~~الخبز والتمر والخبز والزيت وخير ما نطعم أهلنا الخبز واللحم وعن عبيدة ~~الخبز والسمن وقال أبو رزين الخبز والتمر والخل وقال ابن سيرين أفضله اللحم ~~وأوسطه السمن وأحسنه التمر مع الخبر روى عن عبد الله بن مسعود مثله # قال أبو بكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم سلمة ابن صخر أن يكفر عن ~~الظهار بإعطاء كل مسكين صاعا من تمر # ولم يأمره معه بشيء آخر غيره من الإدام وأمر كعب بن عجرة أن يتصدق بثلاثة ~~آصع من طعام على ستة مساكين ولم يأمره بالإدام ولا فرق عند أحد بين كفارة ~~الظهار وكفارة اليمين في مقدار الطعام فثبت بذلك أن الإدام غير واجب مع ~~الطعام وأن الأواسط المراد بالآية الأوسط في مقدار الطعام لا في ضم الإدام ~~إليه وقوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين عموم في جميع من يقع عليه ~~الاسم منهم فيصح الاحتجاج به في جواز إعطاء مسكين واحد جميع الطعام في عشرة ~~أيام كل يوم نصف صاع لأنا لو منعناه في اليوم الثاني كنا قد خصصنا الحكم في ~~بعض ما انتظمه الاسم دون بعض لا سيما فيمن قد دخل في حكم الآية بالاتفاق ~~وهو قول أصحابنا وقال مالك والشافعي لا يجزي فإن قال قائل لما ذكر عشرة ~~مساكين لم يجز الاقتصار على من دونهم كقوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~وقوله تعالى أربعة أشهر وعشرا وسائر الأعداد المذكورة لا يجوز الاقتصار على ~~ما دونها كذلك غير جائز الاقتصار على الأقل من العدد المذكور قيل له لما ~~كان القصد في # PageV04P118 # ذلك سد جوعة المساكين لم يختلف فيه حكم الواحد والجماعة بعد أن يتكرر ~~عليهم ms1631 الإطعام أو على واحد منهم في عشرة أيام على حسب ما يحصل به سد الجوعة ~~فكان المعنى المقصود بإعطاء العشرة موجودا في الواحد عند تكرار الدفع ~~والإطعام في عدد الأيام وليس يمتنع إطلاق اسم إطعام العشرة على واحد بتكرار ~~الدفع إذ كان المقصد فيه تكرار الدفع لا تكرار المساكين كما قال تعالى ~~يسئلونك عن الأهلة وهو هلال واحد فأطلق عليه اسم الجمع لتكرار الرؤية في ~~الشهور # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بثلاثة أحجار # ولو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف أجزأه وكذلك # أمر برمي الجمار بسبع حصيات # ولو رمى بحصاة واحدة سبع مرات أجزأه لأن المقصد فيه حصول الرمي سبع مرات ~~والمقصد في الاستنجاء حصول المساحات دون عدد الأحجار فكذلك لما كان المقصد ~~في إخراج الكفارة سد جوعة المساكين لم يختلف حكم الواحد إذا تكرر ذلك عليه ~~في الأيام وبين الجماعة ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى أو كسوتهم ومعلوم أن ~~كسوتهم عشرة أثواب فصار تقديره أو عشرة أثواب ثم لم يخصصها بمسكين واحد ولا ~~بجماعة فوجب أن يجزي إعطاؤها الواحد منهم ألا ترى أنه يجوز أن تقول أعطيت ~~كسوة عشرة مساكين مسكينا واحدا فقوله تعالى أو كسوتهم يدل من هذا الوجه على ~~أنه غير مقصور على أعداد المساكين عشرة ويدل أيضا من الوجه الذي دل عليه ~~ذكر الطعام على الوجه الذي ذكرنا ولا تجزي الكسوة عندهم إذا أعطاها مسكينا ~~واحدا إلا أن يعطيه كل يوم ثوبا لأنه لما ثبت ما وصفنا في الطعام من تفريقه ~~في الأيام وجب مثله في الكسوة إذ لم يفرق واحد بينهما وأجاز أصحابنا إعطاء ~~قيمة الطعام والكسوة لما ثبت أن المقصد فيه حصول النفع للمساكين بهذا القدر ~~من المال ويحصل لهم من النفع بالقيمة مثل حصوله بالطعام والكسوة ولما صح ~~إعطاء القيمة في الزكوات من جهة الآثار والنظر وجب مثله في الكفارة لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما ومع ذلك فليس يمتنع إطلاق الاسم على من أعطى غيره ~~دراهم يشتري بها ما يأكله ويلبسه ms1632 بأن يقال قد أطعمه وكساه وإذا كان إطلاق ~~ذلك سائغا انتظمه لفظ الآية ألا ترى أن حقيقة الإطعام أن يطعمه إياه بأن ~~يبيحه له فيأكله ومع ذلك فلو ملكه إياه ولم يأكله المسكين وباعه أجزأه وإن ~~لم يتناوله حقيقة اللفظ بحصول المقصد في وصول هذا القدر من المال إليه وإن ~~لم يطعمه ولم ينتفع به من جهة الأكل # PageV04P119 # وكذلك لو أعطاه كسوة فلم يكتس بها وباعها وإن لم يكن له كاسيا بإعطائه إذ ~~كان موصلا إليه هذا القدر من المال بإعطائه إياه فثبت بذلك أنه ليس المقصد ~~حصول المطعم والاكتساء وأن المقصد وصوله إلى هذا القدر من المال فلا يختلف ~~حينئذ حكم الدراهم والثياب والطعام ألا ترى # أن النبي صلى الله عليه وسلم قدر في صدقة الفطر نصف صاع من بر أو صاعا من ~~تمر أو شعير ثم قال أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم # فأخبر أن المقصود حصول الغنى لهم عن المسألة لا مقدار الطعام بعينه إذ ~~كان الغنى عن المسألة يحصل بالقيمة كحصوله بالطعام فإن قال قائل لو جازت ~~القيمة وكان المقصد فيه حصول هذا القدر من المال للمساكين لما كان لذكر ~~الإطعام والكسوة فائدة مع تفاوت قيمتها في أكثر الأحوال وفي ذكره الطعام أو ~~الكسوة دلالة على أنه غير جائز أن يتعداهما إلى القيمة وأنه ليس المقصد ~~حصول النفع بهذا القدر من المال دون عين الطعام والكسوة قيل له ليس الأمر ~~على ما ظننت وفي ذكره الطعام والكسوة أعظم الفوائد وذلك أنه ذكرها ودلنا ~~بما ذكر على جواز إعطاء قيمتها ليكون مخيرا بين أن يعطي حنطة أو يطعم أو ~~يكسوا أو يعطي دراهم قيمة عن الحنطة أو عن الثياب فيكون موسعا في العدول عن ~~الأرفع إلى الأوكس إن تفاوت القيمتان أو عن الأوكس إلى الأرفع أو يعطى أي ~~المذكورين بأعيانهما كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن وجبت في إبله بنت لبون فلم توجد أخذ ~~منه بنت مخاض وشاتان أو عشرون درهما فخيره في ذلك # وهو ms1633 يقدر على أن يشتري بنت لبون وهي الفرض المذكور وكما جعل الدية مائة ~~من الإبل واتفقت الأمة على أنها من الدراهم والدنانير أيضا قيمة للإبل على ~~اختلافهم فيها وكمن تزوج امرأة على عبد وسط فإن جاء به بعينه قبل منه وإن ~~جاء بقيمته قبلت منه أيضا ولم يبطل جواز أخذ القيمة في هذه المواضع حكم ~~التسمية لغيرها فكذلك ما وصفنا ألا ترى أنه خيره بين الكسوة والطعام والعتق ~~فالقيمة مثل أحد هذه الأشياء وهو مخير بينها وبين المذكور وإن كانت قد ~~تختلف في الطعام والكسوة لأن في عدوله إلى الأرفع زيادة فضيلة وفي اقتصاره ~~على الأوكس رخصة وأيهما فعل فهو المفروض وهذا مثل ما نقول في القراءة في ~~الصلاة إن المفروض منها مقدار آية فإن أطال القراءة كان الجميع هو المفروض ~~والمفروض من الركوع هو الجزء الذي يسمى به راكعا فإن أطال كان الفرض جميع ~~المفعول منه ألا ترى أنه لو أطال الركوع كان # PageV04P120 # مدركه في آخر الركوع مدركا لركعته وكذلك لا يمتنع أن يكون المفروض من ~~الكفارة قيمة الأوكس من الطعام أو الكسوة فإن عدل إلى قيمة الأرفع كان هو ~~المفروض أيضا وقد اختلف في مقدار الكسوة فقال أصحابنا الكسوة في كفارة ~~اليمين لكل مسكين ثوب إزار أو رداء أو قميص أو قباء أو كساء وروى ابن سماعة ~~عن محمد أن السراويل تجزي وأنه لو حلف لا يشتري ثوبا فاشترى سراويل حنث إذا ~~كان سراويل الرجال وروى هشام عن محمد أنه لا يجزي السراويل ولا العمامة ~~وكذلك روى بشر عن أبي يوسف وقال مالك والليث إن كسا الرجل كسا ثوبا وللمرأة ~~ثوبين درعا وخمارا وذلك أدنى ما تجزي فيه الصلاة ولا يجزي ثوب واحد للمرأة ~~ولا تجزي العمامة وقال الثوري تجزي العمامة وقال الشافعي تجزي العمامة ~~والسراويل والمقنعة قال أبو بكر روي عن عمران بن حصين وإبراهيم والحسن ~~ومجاهد وطاوس والزهري ثوب لكل مسكين قال أبو بكر ظاهره يقتضي ما يسمى به ~~الإنسان مكتسيا إذا لبسه ولابس السراويل ليس ms1634 عليه غيره أو العمامة ليس عليه ~~غيرها لا يسمى مكتسيا كلابس القلنسوة فالواجب أن لا يجزي السراويل والعمامة ~~ولا الخمار لأنه مع لبسه لأحد هذه الأشياء يكون عريانا غير مكتس وأما ~~الإزار والقميص ونحوه فإن كل واحد من ذلك يعم بدنه حتى يطلق عليه اسم ~~المكتسي فلذلك أجزأه قوله تعالى أو تحرير رقبة يعني عتق رقبة وتحريرها ~~إيقاع الحرية عليها وذكر الرقبة وأراد به جملة الشخص تشبيها له بالأسير ~~الذي تفك رقبته ويطلق فصارت الرقبة عبارة عن الشخص وكذلك قال أصحابنا إذا ~~قال رقبتك حرة إنه يعتق كقوله أنت حر واقتضى اللفظ رقبة سليمة من العاهات ~~لأنه اسم للشخص بكماله إلا أن الفقهاء اتفقوا على أن النقص اليسير لا يمنع ~~جوازها فاعتبر أصحابنا بقاء منفعة الجنس في جوازها وجعلوا فوات منفعة الجنس ~~من تلك الأعضاء مانعا لجوازها قوله تعالى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام روى ~~مجاهد عن عبد الله بن مسعود وأبو العالية عن أبي [فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات] وقال إبراهيم النخعي في قراءتنا فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقال ~~ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وطاوس هن متتابعات لا يجزي فيها التفريق ~~فثبت التتابع بقول هؤلاء ولم تثبت التلاوة لجواز كون التلاوة منسوخة والحكم ~~ثابتا وهو قول أصحابنا وقال مالك والشافعي يجزي فيه التفريق وقد بينا ذلك ~~في أصول الفقه قوله # PageV04P121 # تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين يقتضي إيجاب التكفير مع القدرة مع بقاء ~~الخطاب بالكفارة وإنما يجوز الصوم مع عدم المذكور بديا لأنه قال فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام فنقله عن أحد الأشياء الثلاثة إلى الصوم عند عدمها فما ~~دام الخطاب بالكفارة قائما عليه لم يجزه الصوم مع وجود الأصل ودخوله في ~~الصوم لم يسقط عنه الخطاب بأحد الأشياء الثلاثة والدليل عليه أنه لو دخل في ~~صوم اليوم الأول ثم أفسده وهو واجد للرقبة لم يجز الصوم مع وجودها فثبت ~~بذلك أن دخوله في الصوم لم يسقط عنه فرض الأصل فلا فرق بين وجود الرقبة قبل ~~الدخول في الصوم ms1635 وبعده إذ كان الخطاب بالتكفير قائما عليه في الحالين. ### | باب تحريم الخمر # قال الله تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه اقتضت هذه الآية تحريم الخمر من وجهين أحدهما قوله رجس لأن الرجس ~~اسم في الشرع لما يلزمه اجتنابه ويقع اسم الرجس على الشيء المستقذر النجس ~~وهذا أيضا يلزم اجتنابه فأوجب وصفه إياها بأنها رجس لزوم اجتنابها والوجه ~~الآخر قوله تعالى فاجتنبوه وذلك أمر والأمر يقتضي الإيجاب فانتظمت الآية ~~تحريم الخمر من هذين الوجهين والخمر هي عصير العنب التي المشتد وذلك متفق ~~عليه أنه خمر وقد سمي بعض الأشربة المحرمة باسم الخمر تشبيها بها مثل ~~الفضيخ وهو نقيع البسر ونقيع التمر وإن لم يتناولهما اسم الإطلاق وقد روي ~~في معنى الخمر آثار مختلفة منها ما روى مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر ~~قال لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء وقد علمنا أنه كان بالمدينة نقيع ~~التمر والبسر وسائر ما يتخذ منهما من الأشربة ولم يكن ابن عمر ممن يخفى ~~عليه الأسماء اللغوية فهذا يدل على أن أشربة النخل لم تكن عنده تسمى خمرا ~~وروى عكرمة عن ابن عباس قال نزل تحريم الخمر وهو الفضيخ فأخبر ابن عباس أن ~~الفضيخ خمر وجائز أن يكون سماه خمرا من حيث كان شرابا محرما وروى حميد ~~الطويل عن أنس قال كنت أسقى أبى عبيدة وأبى بن كعب وسهيل بن بيضاء في نفر ~~في بيت أبي طلحة فمر بنا رجل فقال إن الخمر قد حرمت فو الله ما قالوا حتى ~~نتبين حتى قالوا أهرق ما في إنائك يا أنس ثم ما عادوا فيها حتى لقوا الله ~~عز وجل وإنه البسر والتمر وهو خمرنا يومئذ فأخبر أنس # PageV04P122 # إن الخمر يوما حرمت البسر والتمر وهذا جائز أن يكون لما كان محرما سماه ~~خمرا وأن يكون المراد أنهم كانوا يجرونه مجرى الخمر ويقيمونه مقامها لا أن ~~ذلك اسم له على الحقيقة ويدل عليه أن قتادة روى عن أنس هذا الحديث وقال ms1636 ~~إنما نعدها يومئذ خمرا فأخبر أنهم كانوا يعدونها خمرا على معنى أنهم ~~يجرونها مجرى الخمر وروى ثابت عن أنس قال حرمت علينا الخمر يوم حرمت وما ~~نجد خمور الأعناب إلا القليل وعامة خمورنا البسر والتمر ومع هذا أيضا معناه ~~أنهم كانوا يجرونه مجرى الخمر في الشرب وطلب الإسكار وطيبة النفس وإنما كان ~~شراب البسر والتمر وروى المختار بن فلفل قال سألت أنس بن مالك عن الأشربة ~~فقال حرمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة وما ~~خمرت من ذلك فهو خمر فذكر في الحديث الأول أنه من البسر والتمر وذكر في هذا ~~الحديث أنها من ستة أشياء فكان عنده أن ما أسكر من هذه الأشربة فهو خمر ثم ~~قال وما خمرت من ذلك فهو خمر وهذا يدل على أنه إنما سمى ذلك خمرا في حال ~~الإسكار وأن ما لا يسكر منه فليس بخمر وقد روي عن عمر أنه قال إن الخمر ~~حرمت وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والشعير والخمر ما خامر ~~العقل وهذا أيضا يدل على أنه إنما سماه خمرا في حال ما أسكر إذا أكثر منه ~~لقوله والخمر ما خامر العقل # وقد روي عن السري بن إسماعيل عن الشعبي أنه حدثه أنه سمع النعمان بن بشير ~~يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الحنطة خمرا وإن من الشعير ~~خمرا وإن من الزبيب خمرا وإن من التمر خمرا وإن من العسل خمرا # ولم يقل إن جميع ما يكون من هذه الأصناف خمر وإنما أخبر أن منهم خمرا ~~ويحتمل أن يريد به ما يسكر منه فيكون محرما في تلك الحال ولم يرد بذلك أن ~~ذلك اسم لهذه الأشربة المتخذة من هذه الأصناف لأنه قد روي عنه بأسانيد أصح ~~من إسناد هذا الحديث ما ينفي أن يكون الخمر من هذه الأصناف وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا أبان قال حدثني يحيى بن أبي ms1637 كثير عن أبي كثير العنبري وهو يزيد بن ~~عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخمر من ~~هاتين الشجرتين النخلة والعنب # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبيد بن حاتم قال حدثنا ابن عمار ~~الموصلي قال حدثنا عبدة ابن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن عكرمة بن عمار ~~عن أبي كثير عن أبي هريرة قال # PageV04P123 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين النخل والعنب # وهذا الخبر يقضي على جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب بصحة سنده وقد تضمن ~~نفي اسم الخمر عن الخارج من غير هاتين الشجرتين لأن قوله الخمر اسم للجنس ~~فاستوعب بذلك جميع ما يسمى خمرا فانتفى بذلك أن يكون الخارج من غيرهما مسمى ~~باسم الخمر واقتضى هذا الخبر أيضا أن يكون المسمى بهذا الاسم من الخارج من ~~هاتين الشجرتين وهو على أول الخارج منهما مما يسكر منه وذلك هو العصير التي ~~المشتد ونقيع التمر والبسر قبل أن تغيره النار لأن قوله منهما يقتضي أول ~~خارج منهما مما يسكر والذي حصل عليه الاتفاق من الخمر هو ما قدمنا ذكره من ~~عصير العنب التي المشتد إذا غلا وقذف بالزبد فيحتمل على هذا إذا كان الخمر ~~ما وصفنا أن يكون معنى # حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين # أن مراده أنها من إحداهما كما قال تعالى امعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم # وإنما الرسل من الإنس وقال تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج ~~من أحدهما ويدل على أن الخمر هو ما ذكرنا وأن ما عداها ليس بخمر في الحقيقة ~~اتفاق المسلمين على تكفير مستحل الخمر في غير حال الضرورة واتفاقهم على أن ~~مستحل ما سواها من هذه الأشربة غير مستحق لسمة الكفر فلو كانت خمرا لكان ~~مستحلها كافرا خارجا عن الملة كمستحل التي المشتد من عصير العنب وفي ذلك ~~دليل على أن اسم الخمر في الحقيقة إنما يتناول ما ms1638 وصفنا وزعم بعض من ليس ~~معه من الورع إلا تشدده في تحريم النبيذ دون التورع عن أموال الأيتام وأكل ~~السحت أن كتاب الله عز وجل والأحاديث الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما جاء في الحديث من تفسير الخمر ما هي واللغة القائمة المشهورة ~~والنظر وما يعرفه ذووا الألباب بعقولهم يدل على أن كل شيء أسكر فهو خمر ~~فأما كتاب الله فقوله تتخذون منه سكرا فعلم أن السكر من العنب مثل السكر من ~~النخل فادعى هذا القائل أن كتاب الله يدل على أن ما أسكر فهو خمرا ثم تلا ~~الآية وليس في الآية أن السكر ما هو ولا أن السكر خمر فإن كان السكر خمرا ~~على الحقيقة فإنما هو الخمر المستحيلة عن عصير العنب لأنه قال ومن ثمرات ~~النخيل والأعناب ومع ذلك فإن الآية مقتضية لإباحة السكر المذكور فيها لأنه ~~تعالى اعتد علينا فيها بمنافع النخيل والأعناب كما اعتد بمنافع الأنعام وما ~~خلق فيها من اللبن فلا دلالة في الآية إذا على تحريم # PageV04P124 # السكر ولا على أن السكر خمر ولو دلت على أن السكر خمر لما دلت على أن ~~الخمر تكون من كل ما يسكر إذ فيها ذكر الأعناب التي منها تكون الخمر ~~المستحيلة من عصيرها فكان دعواها على الكتاب غير صحيحة وذكر من الأحاديث في ~~ذلك ما قدمنا ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف وقد بينا وجهه ~~وذكرنا ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وكل ~~شراب أسكر فهو حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام # ونحوها من الأخبار والمعنى في هذه الأخبار حال وجود الإسكار دون غيرها ~~الموافق لما ذكرنا من الأخبار النافية لكونها خمرا وما ذكرنا من دلالة ~~الإجماع وقد تواترت الآثار عن جماعة من عليه السلف شرب النبيذ الشديد منهم ~~عمر وعبد الله وأبو الدرداء وبريدة في آخرين قد ذكرناهم في كتابنا في ~~الأشربة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب ms1639 من النبيذ الشديد # في أخبار أخر فينبغي على قول هذا القائل أن يكونوا قد شربوا خمرا # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا مطين قال حدثنا أحمد بن يونس قال ~~حدثنا أبو بكر بن عياش عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام # فقلنا يا ابن عباس إن هذا النبيذ الذي نشرب يسكرنا قال ليس هكذا إن شرب ~~أحدكم تسعة أقداح لم يسكر فهو حلال فإن شرب العاشر فأسكره فهو حرام # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا هودة قال ~~حدثنا عوف بن سنان عن أبي الحكم عن بعض الأشعريين عن الأشعري قال بعثني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذا إلى اليمن فقلت يا رسول الله إنك ~~تبعثنا إلى أرض بها أشربة منها البتع من العسل والمزر من الشعير والذرة ~~يشتد حتى يسكر قال وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم فقال ~~إنما حرم المسكر الذي يسكر عن الصلاة فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث أن المحرم منه ما يوجب السكر دون غيره # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن زكريا العلائي قال حدثنا العباس بن ~~بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن بشير الغطفاني عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ~~قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأشربة عام حجة الوداع فقال حرم ~~الخمر بعينها والسكر من كل شراب # وفي هذا الحديث أيضا بيان ما حرم من الأشربة سوى الخمر وهو ما يوجب السكر # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا مسدد قال ~~حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا سماك بن حرب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه ~~عن أبي بردة بن نيار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV04P125 # يقول اشربوا في الظروف ولا تسكروا # فقوله اشربوا في الظروف منصرف إلى ما كان حظره من الشرب في الأوعية فأباح ms1640 ~~الشرب منها بهذا الخبر ومعلوم أن مراده ما يسكر كثيره ألا ترى أنه لا يجوز ~~أن يقال اشربوا الماء ولا تسكروا إذا كان الماء لا يسكر بوجه ما فثبت أن ~~مراده إباحة شرب قليل ما يسكره كثيره وأما ما روي عن الصحابة من شرب النبيذ ~~الشديد فقد ذكرنا منه طرفا في كتاب الأشربة ونذكر هاهنا بعض ما روي فيه ~~حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسين بن جعفر القتات قال حدثنا يزيد بن ~~مهران الخباز قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي حصين والأعمش عن إبراهيم عن ~~علقمة والأسود قال كنا ندخل على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيسقينا ~~النبيذ الشديد وحدثنا عبد الله بن الحسين الكرخي قال حدثنا أبو عون الفرضي ~~قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا نعيم بن حماد قال كنا عند يحيى ~~بن سعيد القطان بالكوفة وهو يحدثنا في تحريم النبيذ فجاء أبو بكر بن عياش ~~حتى وقف عليه فقال أبو بكر اسكت يا صبي حدثنا الأعمش بن إبراهيم عن علقمة ~~قال شربنا عند عبد الله بن مسعود نبيذا صلبا آخره يسكر وحدثنا أبو إسحاق عن ~~عمرو بن ميمون قال شهدت عمر بن الخطاب حين طعن وقد أتي بالنبيذ فشربه قال ~~عجبنا من قول أبي بكر ليحيى اسكت يا صبي وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن ~~الشعبي عن سعيد وعلقمة أن أعرابيا شرب من شراب عمر فجلده عمر الحد فقال ~~الأعرابي إنما شربت من شرابك فدعا عمر شرابه فكسره بالماء ثم شرب منه وقال ~~من رابه من شرابه شيء فليكسره بالماء ورواه إبراهيم النخعي عن عمر نحوه ~~وقال فيه إنه شرب منه بعد ما ضرب الأعرابي وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال ~~حدثنا المعمري قال حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال حدثنا عمر ~~قال حدثني عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك عن أم سليم وأبي طلحة أنهما ~~كانا يشربان نبيذ الزبيب والتمر يخلطانه فقيل له يا ms1641 أبا طلحة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا فقال إنما نهى عنه للعوز في ذلك الزمان كما ~~نهى عن الإقران وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كثير وقد ~~ذكرنا منه طرفا في كتابنا الأشربة وكرهت التطويل بإعادته هنا وما روي عن ~~أحد من الصحابة والتابعين تحريمه الأشربة التي يبيحها أصحابنا فيما نعلمه ~~وإنما روي عنهم تحريم نقيع الزبيب والتمر وما لم يرد من العصير إلى الثلث ~~إلى أن نشأ # PageV04P126 # قوم من الحشو تصنعوا عند العامة بالتشديد في تحريمه ولو كان النبيذ محرما ~~لورد النقل به مستفيضا لعموم البلوى كانت به إذ كانت عامة أشربتهم نبيذ ~~التمر والبسر كما ورد تحريم الخمر وقد كانت بلواهم بشرب النبيذ أعم منها ~~بشرب الخمر لقلتها كانت عندهم وفي ذلك دليل على بطلان قول موجبي تحريمه وقد ~~استقصينا الكلام في ذلك من سائر وجوهه في الأشربة وأما الميسر # فقد روي عن علي أنه قال الشطرنج من الميسر # وقال عثمان وجماعة من الصحابة والتابعين النرد وقال قوم من أهل العلم ~~القمار كله من الميسر وأصله من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه ~~وهو السهام التي يجيلونها فمن خرج سهمه استحق منه ما توجبه علامة السهم ~~فربما أخفق بعضهم حتى لا يخطئ بشيء وينجح البعض فيحظى بالسهم الوافر ~~وحقيقته تمليك المال على المخاطرة وهو أصل في بطلان عقود التمليكات الواقعة ~~على الأخطار كالهبات والصدقات وعقود البياعات ونحوها إذا علقت على الأخطار ~~بأن يقول قد بعتك إذا قدم زيد ووهبته لك إذا خرج عمر ولأن معنى إيسار ~~الجزور أن يقول من خرج سهمه استحق من الجزور كذا فكان استحقاقه لذلك السهم ~~منه معلقا على الحظر والقرعة في الحقوق تنقسم إلى معنيين أحدهما تطييب ~~النفوس من غير إحقاق واحد من المقترعين ولا بخس حظه مما اقترعوا عليه مثل ~~القرعة في القسمة وفي قسم النساء وفي تقديم الخصوم إلى القاضي والثاني مما ~~ادعاه مخالفونا في القرعة بين عبيد أعتقهم المريض ms1642 ولا مال له غيرهم فقول ~~مخالفينا هنا من جنس الميسر المحظورة بنص الكتاب لما فيه من نقل الحرية عمن ~~وقعت عليه إلى غيره بالقرعة ولما فيه أيضا من إحقاق بعضهم وبخس حقه حتى لا ~~يخطئ منه بشيء واستيفاء بعضهم حقه وحق غيره ولا فرق بينه وبين الميسر في ~~المعنى وأما الأنصاب فهي ما نصب للعبادة من صنم أو حجر غير مصور أو غير ذلك ~~من سائر ما ينصب للعبادة وأما الأزلام فهي القداح وهي سهام كانوا يجعلون ~~عليها علامات أفعل ولا تفعل ونحو ذلك فيعملون في سائر ما يهتمون به من ~~أعمالهم على ما تخرجه تلك السهام من أمر أو نهي أو إثبات أو نفي ~~ويستعملونها في الأنساب أيضا إذا شكوا فيها فإن خرج لا نفوه وإن خرج نعم ~~أثبتوه وهي سهام الميسر أيضا وأما قوله رجس من عمل الشيطان فإن الرجس هو ~~الذي يلزم اجتنابه إما لنجاسته وإما لقبح ما يفعل به عبادة أو تعظيم لأنه ~~يقال رجس نجس فيراد # PageV04P127 # بالرجس النجس ويتبع أحدهما الآخر كقولهم حسن بسن وعطشان نطشان وما جرى ~~مجرى ذلك والرجز قد قيل فيه إنه العذاب في قوله تعالى لئن كشفت عنا الرجز ~~أي العذاب وقد يكون في معنى الرجس كما في قوله والرجز فاهجر وقوله ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان وإنما قال تعالى من عمل الشيطان لأنه يدعو إليه ويأمر به ~~فأكد بذلك أيضا حكم تحريمها إذ كان الشيطان لا يأمر إلا بالمعاصي والقبائح ~~والمحرمات وجازت نسبته إلى الشيطان على وجه المجاز إذ كان هو الداعي إليه ~~والمزين له ألا ترى لو أغرى غيره أو بسبه وزينه له جاز أن يقال له هذا من ~~عملك # قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر الآية فإنما يريد به ما يدعو الشيطان إليه ويزينه من شرب الخمر حتى ~~يسكر منها شاربها فيقدم على القبائح ويعربد على جلسائه فيؤدي ذلك إلى ~~العداوة والبغضاء وكذلك القمار يؤدي إلى ذلك قال قتادة كان الرجل يقامر ms1643 في ~~ماله وأهله فيقمر ويبقى حزينا سليبا فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء ومن الناس ~~من يستدل به على تحريم النبيذ إذ كان السكر منه يوجب من العداوة والبغضاء ~~مثل ما يوجبه السكر في الخمر وهذا المعنى لعمري موجود فيما يوجب السكر منه ~~غير موجود فيما لا يوجبه ولا خلاف في تحريم ما يوجب السكر منه وأما قليل ~~الخمر فليست هذه العلة موجودة فيه فهو محرم لعينه وليس فيه علة تقتضي تحريم ~~قليل النبيذ # قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا قال ابن ~~عباس وجابر والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك لما ~~حرم الخمر كان قد مات رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~يشربون الخمر قبل أن تحرم فقالت الصحابة كيف بمن مات منا وهم يشربونها ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية # وروي عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي أن قوما شربوا ~~بالشام وقالوا هي لنا حلال # وتأولوا هذه الآية فأجمع عمر وعلي على أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا ~~وروى الزهري قال أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة أن الجارود سيد بني عبد ~~القيس وأبا هريرة شهدا على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر وأراد عمر أن ~~يجلده فقال قدامة ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح الآية فقال عمر إنك قد أخطأت التأويل يا قدامة إذا ~~اتقيت اجتنبت ما حرم الله تعالى عليك فلم يحكموا على قدامة بحكمهم # PageV04P128 # على الذين شربوها بالشام ولم يكن حكمه حكمهم لأن أولئك شربوها مستحلين ~~لها ومستحل ما حرم الله كافر فلذلك استتابوهم وأما قدامة بن مظعون فلم ~~يشربها مستحلا لشربها وإنما تأول الآية على أن الحال التي هو عليها ووجود ~~الصفة التي ذكر الله تعالى في الآية فيه مكفرة لذنوبه وهو قوله تعالى ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ms1644 ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين فكان ~~عنده أنه من أهل هذه الآية وأنه لا يستحق العقوبة على شربها مع اعتقاده ~~لتحريمها ولتكفير إحسانه إساءته وأعاد ذكر الاتقاء في الآية ثلاث مرات ~~والمراد بكل واحد منهما غير المراد بالأخرى فأما الأول فمن اتقى فيما سلف ~~والثاني الاتقاء منهم في مستقبل الأوقات والثالث اتقاء ظلم العباد والإحسان ~~إليهم. ### | باب الصيد للمحرم # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد قيل في ~~موضع من هاهنا أنها للتبعيض بأن يكون المراد صيد البرذون صيد البحر وصيد ~~الإحرام دون صيد الإحلال وقيل إنها للتمييز كقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان وقولك باب من حديد وثوب من قطن وجائز أن يريد ما يكون من أجزاء ~~الصيد وإن لم يكن صيدا كالبيض والفرخ لأن البيض من الصيد وكذلك الفرخ ~~والريش وسائر أجزائه فتكون الآية شاملة لجميع هذه المعاني ويكون المحرم بعض ~~الصيد في بعض الأحوال وهو صيد البر في حال الإحرام ويفيد أيضا تحريم ما كان ~~من أجزاء الصيد ونما عنه كالبيض والفرخ والوبر وغيره وقد روي عن ابن عباس ~~في قوله تعالى تناله أيديكم قال فراخ الطير وصغار الوحش وقال مجاهد الفرخ ~~والبيض # وقد روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~أعرابى بخمس بيضات فقال إنا محرمون وإنا لا نأكل فلم يقبلها # وروى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قضى في بيض نعام أصابه المحرم بقيمته # وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي موسى في بيض النعامة ~~يصيبه المحرم أن عليه قيمته ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في ذلك وقوله ~~تعالى ورماحكم قال ابن عباس كبار الصيد # قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم # PageV04P129 # حرم # قيل فيه ثلاثة أوجه كلها محتمل أحدها محرمون بحج أو عمرة والثاني دخول ~~الحرم يقال أحرم الرجل إذا دخل الحرم كما يقال أنجد إذ أتى نجدا وأعرق ms1645 إذا ~~أتى العراق وأتهم إذا أتى تهامة والثالث الدخول في الشهر الحرام كما قال ~~الشاعر: ### | قتل الخليفة محرما # يعني في الشهر الحرام وهو يريد عثمان بن عفان رضي الله عنه ولا خلاف أن ~~الوجه الثالث غير مراد بهذه الآية وأن الشهر الحرام لا يحظر الصيد والوجهان ~~الأولان مرادان وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهى عن صيد الحرم ~~للحلال والمحرم فدل أنه مراد بالآية لأنه متى ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حكم ينتظمه لفظ القرآن فالواجب أن يحكم بأنه صدر عن الكتاب غير مبتدأ ~~وقوله عز وجل لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم يقتضي عمومه صيد البر والبحر لولا ~~ما خصه بقوله أحل لكم صيد البحر وطعامه فثبت أن المراد بقوله لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم صيد البر خاصة دون صيد البحر وقد دل قوله لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم أن كل ما يقتله المحرم من الصيد فهو غير ذكي لأن الله تعالى سماه ~~قتلا والمقتول لا يجوز أكله وإنما يجوز أكل المذبوح على شرائط الذكاة وما ~~ذكي من الحيوان لا يسمى مقتولا لأن كونه مقتولا يفيد أنه غير مذكى وكذلك # قول النبي صلى الله عليه وسلم خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم # قد دل على أن هذه الخمسة ليست مما يؤكل لأنه مقتول غير مذكى ولو كان مذكى ~~كانت إفاتة روحه لا تكون قتلا ولم يكن يسمى بذلك وكذلك قال أصحابنا فيمن ~~قال لله علي ذبح شاة إن عليه أن يذبح ولو قال لله علي قتل شاة لم يلزمه شيء ~~وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لله علي ذبح ولدي أو نحره فعليه شاة ولو قال ~~لله علي قتل ولدي لم يلزمه شيء لأن اسم الذبح متعلق بحكم الشرع في الإباحة ~~والقربة وليس كذلك القتل وروي عن سعيد بن المسيب في قوله لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم قال قتله حرام في هذه الآية وأكله حرام في هذه الآية يعني أكل ما ~~قتله المحرم منه وروى أشعث عن ms1646 الحسن قال كل صيد يجب فيه الجزاء فذلك الصيد ~~ميتة لا يحل أكله وروى عنه يونس أيضا أنه لا يؤكل وروى حماد بن سلمة عن ~~يونس عن الحسن في الصيد يذبحه المحرم قال يأكله الحلال وعن عطاء إذا أصاب ~~المحرم الصيد لا يأكله الحلال وقال الحكم وعمرو بن دينار يأكله الحلال وهو ~~قول سفيان وقد ذكرنا # PageV04P130 # دلالة الآية على تحريم ما أصابه المحرم من الصيد وأنه لا يكون مذكى ويدل ~~على أن تحريمه عليه من طريق الدين على أنه حق الله تعالى فأشبه صيد المجوسي ~~والوثني وما ترك فيه التسمية أو شيء من شرائط الذكاة ليس بمنزلة الذبح ~~بسكين مغصوبة لأن تحريمه تعلق بحق آدمي ألا ترى أنه لو أباحه جاز فلم يمنع ~~صحة الذكاة إذ كانت الذكاة حقا لله تعالى فشروطها ما كان حقا لله تعالى. ### | باب ما يقتله المحرم # قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم لما كان خاصا في صيد البر دون صيد ~~البحر لما ذكرنا في سياق الآية من التخصيص اقتضى عمومه تحريم سائر صيد البر ~~إلا ما خصه الدليل # وقد روى ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم الحية والعقرب والغراب والفأرة ~~والكلب العقور # على اختلاف منهم في بعضها وفي بعضها هن فواسق وروي عن أبي هريرة قال ~~الكلب العقور الأسد # وروى حجاج بن أرطاة عن وبرة قال سمعت ابن عمر يقول أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتل الذئب والفأرة والغراب والحدأة # فذكر في هذا الحديث الذئب وذكر القعنبي عن مالك قال الكلب العقور الذي ~~أمر المحرم بقتله ما قتل الناس وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والذئب وهو ~~الكلب العقور وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب والهرة وما ~~أشبههن من السباع فلا يقتلهن المحرم فإن قتل منهن شيئا فداه قال أبو بكر قد ~~تلقى الفقهاء هذا الخبر بالقبول واستعملوه في إباحة قتل الأشياء الخمسة ~~للمحرم وقد اختلف ms1647 في الكلب العقور فقال أبو هريرة على ما قدمنا الرواية فيه ~~إنه الأسد ويشهد لهذا التأويل # أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال أكلك كلب الله ~~فأكله الأسد # قيل له إن الكلب العقور هو الذئب وروي في بعض أخبار ابن عمر في موضع ~~الكلب الذئب ولما ذكر الكلب العقور أفاد بذلك كلبا من شأنه العدو على الناس ~~وعقرهم وهذه صفة الذئب فأولى الأشياء بالكلب هاهنا الذئب وقد دل على أن كل ~~ما عدا على المحرم وابتدأه بالأذى فجائز له قتله من غير فدية لأن فحوى ذكره ~~الكلب العقور يدل عليه وكذلك قال أصحابنا فيمن ابتدأه السبع فقتله فلا شيء ~~عليه وإن كان هو الذي ابتدأ السبع فعليه الجزاء لعموم قوله تعالى لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم واسم الصيد واقع على كل ممتنع الأصل متوحش # PageV04P131 # ولا يختص بالمأكول منه دون غيره ويدل عليه قوله تعالى ليبلونكم الله بشيء ~~من الصيد تناله أيديكم ورماحكم فتعلق الحكم منه بما تناله أيدينا ورماحنا ~~ولم يخصص المباح منه دون المحظور الأكل ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأشياء المذكورة في الخبر وذكر معها الكلب العقور فكان تخصيصه لهذه ~~الأشياء وذكره للكلب العقور دليلا على أن كل ما ابتدأ الإنسان بالأذى من ~~الصيد فمباح للمحرم قتله لأن الأشياء المذكورة من شأنها أن تبتدئ بالأذى ~~فجعل حكمها حكم حالها في الأغلب وإن كانت قد لا تبتدئ في حال لأن الأحكام ~~إنما تتعلق في الأشياء بالأعم الأكثر ولا حكم للشاذ النادر ثم لما ذكر ~~الكلب العقور وقيل هو الأسد فإنما أباح قتله إذا قصد بالعقر والأذى وإن كان ~~الذئب فذلك من شأنه في الأغلب فما خصه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ~~بالخبر وقامت دلالته فهو مخصوص من عموم الآية وما لم يخصه ولم تقم دلالة ~~تخصيصه فهو محمول على عمومها ويدل عليه # حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله ~~المحرم وقد ms1648 نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ~~والضبع من ذي الناب من السباع وجعل النبي صلى الله عليه وسلم فيها كبشا # فإن قيل هلا قست على الخمس ما كان في معناها وهو ما لا يؤكل لحمه قيل له ~~إنما خص هذه الأشياء الخمسة من عموم الآية وغير جائز عندنا القياس على ~~المخصوص إلا أن تكون علته مذكورة فيه أو دلالة قائمة فيما خص فلما لم تكن ~~للخمس علة مذكورة فيها لم يجز القياس عليها في تخصيص عموم الأصل وقد بينا ~~وجه دلالته على ما يبتدئ الإنسان بالأذى من السباع وكونه غير مأكول اللحم ~~لم تقم عليه دلالة من فحوى الخبر ولا علته مذكورة فيه فلم يجز اعتباره ~~وأيضا فإنه لا خلاف فيما ابتدأ المحرم في سقوط الجزاء فجاز تخصيصه بالإجماع ~~وبقي حكم عموم الآية فيما لم يخصه الخبر ولا الإجماع وعن أصحابنا من يأبى ~~القياس في مثله لأنه حصره بعدد فقال خمس يقتلهن المحرم وفي ذلك دليل على أن ~~ما عداه محظور فغير جائز استعمال القياس في إسقاط دلالة اللفظ ومنهم من ~~يأبى صحة الاعتلال بكونه غير مأكول لأن ذلك نفي والنفي لا يكون علة وإنما ~~العلل أوصاف ثابتة في الأصل المعلول وأما نفي الصفة فليس يجوز أن يكون علة ~~فإن غير الحكم بإثبات وصف وجعل العلة أنه محرم الأكل لم يصح ذلك أيضا لأن ~~التحريم هو الحكم بنفي الأكل فلم يخل من أن يكون نافيا للصفة فلم يصح ~~الاعتلال بها # PageV04P132 # وزعم الشافعي أن ما لا يؤكل من الصيد فلا جزاء على المحرم فيه قوله تعالى ~~ومن قتله منكم متعمدا قال أبو بكر اختلف الناس في ذلك على ثلاثة أوجه فقال ~~قائلون وهم الجمهور سواء قتله عمدا أو خطأ فعليه الجزاء وجعلوا فائدة ~~تخصيصه العمد بالذكر في نسق التلاوة من قوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه ~~وذلك يختص بالعمد دون الخطإ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد فحص العمد ~~بالذكر وإن ms1649 كان الخطأ والنسيان مثله ليصح رجوع الوعيد إليه وهو قول عمر ~~وعثمان والحسن رواية وإبراهيم وفقهاء الأمصار والقول الثاني ما روى منصور ~~عن قتادة عن رجل قد سماه عن ابن عباس أنه كان لا يرى في الخطإ شيئا وهو قول ~~طاوس وعطاء وسالم والقاسم وأحد قولي مجاهد في رواية جابر الجعفي عنه والقول ~~الثالث ما روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ومن قتله منكم متعمدا قال ~~إذا كان عامدا لقتله ناسيا لإحرامه فعليه الجزاء وإن كان ذاكرا لإحرامه ~~عامدا لقتله فلا جزاء عليه وفي بعض الروايات قد فسدت حجه وعليه الهدي وقد ~~روي عن الحسن نحو قول مجاهد في أن الجزاء إنما يجب إذا كان عامدا لقتله ~~ناسيا لإحرامه والقول الأول هو الصحيح لأنه قد ثبت أن جنايات الإحرام لا ~~يختلف فيها المعذور وغير المعذور في باب وجوب الفدية ألا ترى أن الله تعالى ~~قد عذر المريض ومن به أذى من رأسه ولم يخلهما من إيجاب الكفارة وكذلك لا ~~خلاف في فوات الحج لعذر أو غيره أنه غير مختلف الحكم ولما ثبت ذلك في ~~جنايات الإحرام وكان الخطأ عذرا لم يكن مسقطا للجزاء فإن قال قائل لا يجوز ~~عندكم إثبات الكفارات قياسا وليس في المخطئ نص في إيجاب الجزاء قيل له ليس ~~هذا عندنا قياسا لأن النص قد ورد بالنهي عن قتل الصيد في قوله لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم وذلك عندنا يقتضي إيجاب البدل على متلفه كالنهي عن قتل صيد ~~الآدمي أو إتلاف ماله يقتضي إيجاب البدل على متلفه فلما جرى الجزاء في هذا ~~الوجه مجرى البدل وجعله الله مثلا للصيد اقتضى النهي عن قتله إيجاب بدل على ~~متلفه ثم ذلك البدل يكون الجزاء بالاتفاق وأيضا فإنه لما ثبت استواء حال ~~المعذور وغير المعذور في سائر جنايات الإحرام كان مفهوما من ظاهر النهي ~~تساوي حال العامد والمخطئ وليس ذلك عندنا قياسا كما أن حكمنا في غير بريرة ~~بما حكم النبي صلى الله عليه وسلم في بريرة ليس ms1650 بقياس وكذلك حكمنا في ~~العصفور بحكم الفأرة وحكمنا في الزيت بحكم السمن إذا مات فيه ليس # PageV04P133 # هو قياسا على الفأرة وعلى السمن لأنه قد ثبت تساوي ذلك قبل ورود الحكم ~~بما وصفنا فإذا ورد في شيء منه كان حكما في جميعه ولذلك قال أصحابنا إن حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء صوم الآكل ناسيا هو حكم فيه ببقاء صوم ~~المجامع ناسيا لأنهما غير مختلفين فيما يتعلق # بهما من الأحكام في حال الصوم وكذلك قالوا فيمن سبقه الحدث في الصلاة من ~~بول أو غائط إنه بمنزلة الرعاف والقيء اللذين جاء فيهما الأثر في جواز ~~البناء عليها لأن ذلك غير مختلف فيما يتعلق بهما من أحكام الطهارة والصلاة ~~فلما ورد الأثر في بعض ذلك كان ذلك حكما في جميعه وليس ذلك بقياس كذلك حكم ~~قاتل الصيد خطأ وأما المجاهد فإنه تارك لظاهر الآية لأن الله تعالى قال ومن ~~قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فمن كان ذاكرا لإحرامه عامدا ~~لقتل الصيد فقد شمله الاسم فواجب عليه الجزاء ولا معنى لاعتبار كونه ناسيا ~~لإحرامه عامدا لقتله فإن قال قائل نص الله تعالى على كفارة قاتل الخطإ فلم ~~تردوا عليه قاتل العمد كذلك لما نص الله تعالى على قاتل العمد بإيجاب ~~الجزاء لم يجز إيجابها على قاتل الخطإ قيل له الجواب عن هذا من وجوه أحدها ~~أن الله تعالى لما نص الله على حكم كل واحد من القتلين وجب استعمالهما ولم ~~يجز قياس أحدهما على الآخر لأنه غير جائز عندنا قياس المنصوصات بعضها على ~~بعض ومن جهة أخرى أن قتل العمد لم يخل من إيجاب القود الذي هو أعظم من ~~الكفارة والدية ومتى أخلينا قاتل الصيد خطأ من إيجاب الجزاء لم يجب عليه ~~شيء آخر فيكون لغوا عاريا من حكم وذلك غير جائز وأيضا فإن أحكام القتل في ~~الأصول مختلفة في العمد والخطإ والمباح والمحظور ولم يختلف ذلك في الصيد ~~فلذلك استوى حكم العمد والخطإ فيه واختلف في قتل الآدمي ms1651 قوله تعالى فجزاء ~~مثل ما قتل اختلف في المراد بالمثل فروي عن ابن عباس أن المثل نظيره في ~~الأروى بقرة وفي الظبية شاة وفي النعامة بعير وهو قول سعيد بن جبير وقتادة ~~في آخرين من التابعين وهو قول مالك ومحمد بن الحسن والشافعي وذلك فيما له ~~نظير من النعم فأما ما لا نظير له منه كالعصفور ونحوه ففيه القيمة وروى ~~الحجاج عن عطاء ومجاهد وإبراهيم في المثل أنه القيمة دراهم وروي عن مجاهد ~~رواية أخرى أنه الهدي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف المثل هو القيمة ويشتري ~~بالقيمة هديا إن شاء وإن شاء اشترى طعاما وأعطى كل مسكين نصف صاع وإن شاء ~~صام عن كل نصف صاع يوما قال أبو بكر # PageV04P134 # المثل اسم يقع على القيمة وعلى النظير من جنسه وعلى نظيره من النعم ~~ووجدنا المثل الذي يجب في الأصول على أحد وجهين إما من جنسه كمن استهلك ~~لرجل حنطة فيلزمه أن مثلها وإما من قيمة كمن استهلك ثوبا أو عبدا والمثل من ~~غير جنسه ولا قيمة خارج عن الأصول واتفقوا أن المثل من جنسه غير واجب فوجب ~~أن يكون المثل المراد بالآية هو القيمة وأيضا لما كان ذلك متشابها محتملا ~~للمعاني وجب حمله على ما اتفقوا على معناه من المثل المذكور في القرآن وهو ~~قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فلما كان ~~المثل في هذا الموضع فيما لا مثل له من جنسه هو القيمة وجب أن يكون المثل ~~المذكور للصيد محمولا عليه من وجهين أحدهما أن المثل في آية الاعتداء محكم ~~متفق على معناه بين الفقهاء وهذا متشابه يجب رده إلى غيره فوجب أن يكون ~~مردودا على ما اتفق على معناه منه والوجه الثاني أنه قد ثبت أن المثل اسم ~~للقيمة في الشرع ولم يثبت أنه اسم للنظير من النعم فوجب حمله على ما قد ثبت ~~اسما له ولم يجز حمله على ما لم يثبت أنه اسم له وأيضا قد اتفقوا أن القيمة ~~مرادة بهذا ms1652 المثل فيما لا نظير له من النعم فوجب أن تكون هي المرادة من ~~وجهين أحدهما أنه قد ثبت أن القيمة مرادة فهو بمنزلة لو نص عليها فلا ينتظم ~~النظير من النعم والثاني أنه لما ثبت أن القيمة مرادة انتفى النظير من ~~النعم لاستحالة إرادتهما جميعا في لفظ واحد لأنهم متفقون على أن المراد ~~أحدهما من قيمة أو نظير من النعم ومتى ثبت أن القيمة مرادة انتفى غيرها ومن ~~جهة أخرى أن قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم لما كان عاما فيما له ~~نظير وفيما لا نظير له ثم عطف عليه قوله ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ~~قتل وجب أن يكون ذلك المثل عاما في جميع المذكور # والقيمة بذلك أولى لأنه إذا حمل على القيمة كان المثل عاما في جميع ~~المذكور وإذا حمل على النظير كان خاصا في بعضه دون بعض وحكم اللفظ استعماله ~~على عمومه ما أمكن ذلك فلذلك وجب أن يكون اعتبار القيمة أولى ومن اعتبر ~~النظير جعل اللفظ خاصا في بعض المذكور دون البعض فإن قيل إذا كان اسم المثل ~~يقع على القيمة تارة وعلى النظير أخرى فمن استعملهما فيما له نظير على ~~النظير وفيما لا نظير له من النعم على القيمة فلم يخل من استعمال لفظ المثل ~~على عمومه إما في القيمة أو المثل قيل له ليس كذلك بل هو مستعمل في القيمة ~~على الخصوص وفي النظير على # PageV04P135 # الخصوص أيضا واستعماله على العموم في جميع ما انتظمه الاسم باعتبار ~~القيمة أولى من استعماله على الخصوص في كل واحد من المعنيين فإن قال قائل ~~المثل اسم للنظير وليس باسم للقيمة وإنما أوجبت القيمة فيما لا نظير له من ~~الصيد بالإجماع لا بالآية قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن الله تعالى قد ~~سمى القيمة مثلا في قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم واتفق فقهاء الأمصار فيمن استهلك عبدا أن عليه قيمته وحكم النبي صلى ~~الله عليه وسلم على معتق ms1653 عبد بينه وبين غيره بنصف قيمته إذا كان موسرا فبان ~~بذلك غلط هذا القائل في نفيه اسم المثل عن القيمة ووجه آخر وهو أن قولك إن ~~الآية لم تقتض إيجاب الجزاء فيما لا نظير له تخصيص لها بغير دليل مع دخول ~~ذلك في عموم قوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وقوله ومن قتله منكم متعمدا ~~والهاء في قتله كناية عن جميع المذكور من الصيد فإذا خرجت منه بعضه فقد ~~خصصته بغير دليل وذلك غير سائغ ويدل على أن المثل القيمة دون النظير أن ~~جماعة من الصحابة قد روي عنهم في الحمامة شاة ولا تشابه بين الحمامة والشاة ~~في المنظر فعلمنا أنهم أوجبوها على وجه القيمة فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل في الضبع كبشا # قيل له لأن تلك كانت قيمته ولا دلالة فيه على أنه أوجبه من حيث كان نظيرا ~~له فإن قال قائل إنما كان يسوغ هذا التأويل وحمل الآية على القيمة ولم يكن ~~في الآية بيان المراد بالمثل وقد فسر في نسق الآية معنى المثل في قوله ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم فأخبر أن المثل من النعم ولا مساغ للتأويل مع ~~النص قيل له إنما كان يكون على ما ادعيت لو اقتصر على ذلك ولم يصله بما ~~أسقط دعواك وهو قوله من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو ~~كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما فلما وصله بما ذكر وأدخل عليه حرف ~~التخيير ثبت بذلك أن ذكر النعم ليس على وجه التفسير للمثل ألا ترى أنه قد ~~ذكر الطعام والصيام جميعا وليسا مثلا وأدخل أو بينهما وبين النعم ولا فرق ~~إذ كان ذلك ترتيب الآية بين أن يقول فجزاء مثل ما قتل طعاما أو صياما أو من ~~النعم هديا لأن تقديم ذكر النعم في التلاوة لا يوجب تقديمه في المعنى بل ~~الجميع كأنه مذكور معا ألا ترى أن قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من ~~أوسط ما تطعمون ms1654 أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة لم يقتض كون الطعام مقدما ~~على الكسوة ولا الكسوة مقدمة على العتق في المعنى بل الكل كأنه # PageV04P136 # مذكور بلفظ واحد معا فكذلك قوله فجزاء مثل ما قتل من النعم موصولا بقوله ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين لم يكن ذكر ~~النعم تفسيرا للمثل وأيضا فإن قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل كلام مكتف بنفسه ~~غير مفتقر إلى تضمينه بغيره وقوله من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة أو كفارة طعام مساكين يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل فلم ~~يجز أن يجعل المثل مضمنا بالنعم مع استغناء الكلام عنه لأن كل كلام فله حكم ~~غير جائز تضمينه بغيره إلا بدلالة تقوم عليه سواه وأيضا قوله من النعم ~~معلوم أن فيه ضمير إرادة المحرم فمعناه من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~إن أراد الهدي والطعام إن أراد الطعام فليس هو إذا تفسيرا للمثل كما أن ~~الطعام والصيام ليسا تفسيرا للمثل المذكور فإن قيل روي عن جماعة من الصحابة ~~أنهم حكموا في النعامة ببدنة ومعلوم أن القيم تختلف وقد أطلقوا القول في ~~ذلك من غير اعتبار الصيد في زيادة القيمة ونقصانها قيل له فما تقول أنت هل ~~توجب في كل نعامة بدنة من غير اعتبار الصيد في ارتفاع قيمته وانخفاضها ~~فتوجب في أدنى النعامة بدنة رفيعة وتوجب في أرفع النعام بدنة وضيعة فإن قيل ~~لا وإنما أوجب بدنة على قدر النعامة فإن كانت رفيعة فبدنة رفيعة وإن كانت ~~وضيعة فبدنة على قدرها قيل له فقد خالفت الصحابة لأنهم لم يسئلوا عن حال ~~الصيد ولم يفرقوا بين الرفيعة منها والدنية فاعتبرت خلاف ما اعتبروا فإن ~~قيل هذا محمول على أنهم حكموا بالبدنة على حسب حال النعامة وإن لم يذكروا ~~ذلك ولم ينقله الراوي قيل له فكذلك يقول لك القائلون بالقيمة إنهم حكموا ~~بالبدنة لأن ذلك كان قيمتها في ذلك الوقت وإن لم ينقل إلينا أنهم حكموا ms1655 ~~بالبدنة على أن قيمتها كانت قيمة النعامة ويقال لهم هل يدل حكمهم في ~~النعامة ببدنة على أنه لا يجوز غيرها من الطعام والصيام فإن قالوا لا قيل ~~لهم فكذلك حكمهم فيها بالبدنة غير دال على نفي جواز القيمة. # (فصل) وقرئ قوله تعالى فجزاء مثل برفع المثل وقرئ بخفضه وإضافة الجزاء ~~إليه والجزاء قد يكون اسما للواجب بالفعل ويكون مصدرا فيكون فعلا للمجازي ~~فمن قرأه بالتنوين جعل المثل صفة للجزاء المستحق بالفعل وهو القيمة أو ~~النظير من النعم على اختلافهم فيه ومن أضافه جعله مصدرا وأضافه إلى المثل ~~فكان ما يخرجه من # PageV04P137 # الواجب مضافا إلى المثل المذكور ويحتمل أن يكون الجزاء الذي هو الواجب ~~مضافا إلى المثل والمثل يكون مثلا للصيد فيفيد أن الصيد ميتة محرم لا قيمة ~~له وأن الواجب اعتبار مثل الصيد حيا في إيجاب القيمة فالإضافة صحيحة المعنى ~~في الحالين سواء كان الجزاء اسما أو مصدرا والنعم من الإبل والبقر والغنم ~~وقوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم يحتمل القولين جميعا من القيمة أو النظير ~~من النعم لأن القيم تختلف على حسب اختلاف أحوال الصيد فيحتاج في كل حين وفي ~~كل صيد إلى استيناف حكم الحكمين في تقويمه ومن قال بالنظر فرجع إلى قول ~~الحكمين لاختلاف الصيد في نفسه من ارتفاع أو انخفاض حتى يوجبا في الرفيع ~~منه من النير وفي الوسط الوسط وفي الدني الدني وذلك يحتاج فيه إلى اجتهاد ~~الحكمين وروي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس وابن عمر قالا في محرم قتل قطاة ~~فيه ثلثا مد وثلثا مد خير من قطاة في بطن مسكين وروى معمر عن صدقة بن يسار ~~قال سألت القاسم وسالما عن حجلة ذبحها وهو محرم ناسيا فقال أحدهما لصاحبه ~~أحجلة في بطن رجل خير أو ثلثا مد فقال بل ثلثا مد فقال هي خير أو نصف مد ~~قال بل نصف مد قال هي خير أو ثلث مد قال قلت أتجزئ عنى شاة قالا أو تفعل ~~ذلك قلت نعم قالا فاذهب ms1656 وروي أن عمر وضع رداءه على عود في دار الندوة فأطار ~~حماما فقتله حار فقال لعثمان ونافع بن عبد الحارث احكما علي فحكما بعناق ~~بنية عفراء فأمر بها عمر وروى عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر أن محرما ~~قتل ظبيا فسأل عمر رجلا إلى جنبه ثم أمره بذبح شاة وأن يتصدق بلحمها قال ~~قبيصة فلما قمنا من عنده قلت له أيها المستفتي ابن الخطاب إن فتيا ابن ~~الخطاب لم تغن عنك من الله شيئا فانحر ناقتك وعظم شعائر الله فو الله ما ~~علم ابن الخطاب ما يقول حتى سأل الرجل الذي إلى جنبه فقمت إلى عمر وإذا عمر ~~قد أقبل ومعه الدرة على صاحبي صفعا وهو يقول قاتلك الله أتقتل الحرام وتعدي ~~الفتيا وتقول ما علم عمر حتى سأل من إلى جنبه أما تقرأ يحكم به ذوا عدل ~~منكم فهذا يدل على أن حكم الحكمين في ذلك من طريق الاجتهاد ألا ترى أن عمرو ~~ابن عباس وابن عمر والقاسم وسالما كل واحد منهم سأل صاحبه عن اجتهاده في ~~المقدار الواجب فلما اتفق رأيهما على شيء حكما به وهذا يدل على جواز ~~الاجتهاد في أحكام الحوادث لإباحة الله تعالى الاجتهاد في تقويم الصيد وما ~~يجب فيه ويدل أيضا على أن تقويم المستهلكات # PageV04P138 # موكول إلى الاجتهاد عدلين يحكمان به على المستهلك كما أوجب الرجوع إلى ~~قول الحكمين في تقديم الصيد والحكمان عند أبي حنيفة يحكمان عليه بالقيمة ثم ~~يختار المحرم ما شاء من هدي أو طعام أو صيام وقال محمد الحكمان يحكمان بما ~~يريان من هدي أو طعام أو صيام فإن حكما بالهدي كان عليه أن يهدي وأما قوله ~~تعالى هديا بالغ الكعبة فإن الهدي من الإبل والبقر والغنم وقال الله تعالى ~~فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا خلاف أن له أن يهدي من أحد هذه الأصناف ~~أيها شاء منها هذا في الإحصار فأما في جزاء الصيد فإن من يجعل الواجب عليه ~~قيمة الصيد فإنه يخيره بعد ذلك فإن ms1657 اختار الهدي وبلغت قيمته بدنة نحرها وإن ~~لم تبلغ بدنة وبلغ بقرة ذبحها فإن لم تبلغ وبلغ شاة ذبحها وإن اشترى ~~بالقيمة جماعة شاة أجزأه ومن يوجب النظير من النعم فإنه أحكم عليه بالهدي ~~أهدى بما حكم به من بدنة أو بقرة أو شاة وقد اختلف في السن الذي يجوز في ~~جزاء الصيد فقال أبو حنيفة لا يجوز أن يهدي إلا ما يجزي في الأضحية وفي ~~الإحصار والقران وقال أبو يوسف ومحمد يجزي الجفرة # والعناق على قدر الصيد والدليل على صحة الأول أن ذلك هدي تعلق وجوبه ~~بالإحرام وقد اتفقوا في سائر الهدايا التي تعلق وجوبها بالإحرام أنها لا ~~يجزي منها إلا ما يجزي في الأضاحي وهو الجذع من الضأن أو الثني من المعز ~~والإبل والبقر فصاعدا فكذلك هدي جزاء الصيد وأيضا لما سماه الله تعالى هديا ~~على الإطلاق كان بمنزلة سائر الهدايا المطلقة في القرآن فلا يجزي دون السن ~~الذي ذكرنا وذهب أبو يوسف ومحمد إلى ما روي عن جماعة من الصحابة أن في ~~اليربوع جفرة وفي الأرنب عناق وعلى أنه لو أهدى شاء فولدت ذبح ولدها فأما ~~ما روي عن الصحابة فجائز أن يكون على وجه القيمة وأما ولد الهدي فإنه تبع ~~لها فيسري الحق الذي في الأم من جهة التبع وليس يجوز اعتبار ما كان أصلا في ~~نفسه بالاتباع ألا ترى أنه يصح أن يكون ابن أم الولد بمنزلة أمه في كونه ~~غير مال وعتقه بموت المولى من غير سعاية ولا يصح ابتداء إيجاب هذا الحكم له ~~على غير وجه التبع والدخول في حكم الأم وكذلك ولد المكاتبة هو مكاتب وهو ~~علوق ولو ابتدأ كتابة العلوق لم يصح ونظائر ذلك كثيرة وقوله تعالى بالغ ~~الكعبة صفة للهدي وبلوغه الكعبة ذبحه في الحرم لا خلاف في ذلك وهذا يدل على ~~أن الحرم كله بمنزلة الكعبة في الحرمة وأنه لا يجوز بيع رباعها لأنه # PageV04P139 # عبر بالكعبة عن الحرم وهو كما # روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ms1658 وسلم أن الحرم كله مسجد # وكذلك قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام المراد به الحرم كله ومعالم ~~الحج لأنهم منعوا بهذه الآية من الحج وقد اختلف في مواضع تقويم الصيد فقال ~~إبراهيم يقوم في المكان الذي أصابه فإن كان في فلاة ففي أقرب الأماكن من ~~العمران إليها وهو قول أصحابنا وقال الشعبي يقوم بمكة أو بمنى الأول هو ~~الصحيح لأنه كتقويم المستهلكات فيعتبر الموضع الذي وقع فيه الاستهلاك ولا ~~في الموضع الذي يؤدى فيه القيمة ولأن تخصيص مكة ومنى من بين سائر البقاع ~~تخصيص الآية بغير دليل فلا يجوز فإن قال قائل روي عن عمر وعبد الرحمن بن ~~عوف أنهما حكما في الظبي بشاة ولم يسئلا السائل عن الموضع الذي قتله فيه ~~قيل له يجوز أن يكون السائل سأل عن قتله في موضع علم أن قيمته فيه شاة وأما ~~قوله تعالى أو كفارة طعام مساكين فإنه قرئ كفارة بالإضافة وقرئ بالتنوين ~~بلا إضافة وقد اختلف في تقدير الطعام فقال ابن عباس رواية إبراهيم وعطاء ~~ومجاهد ومقسم يقوم الصيد دراهم ثم يشترى بالدراهم طعام فيطعم كل مسكين نصف ~~صاع وروي عن ابن عباس رواية يقوم الهدي ثم يشتري بقيمة الهدي طعاما وروي ~~مثله عن مجاهد أيضا والأول قول أصحابنا والثاني قول الشافعي والأول أصح ~~وذلك لأن جميع ذلك جزاء الصيد فلما كان الهدي من حيث كان جزاء معتبرا ~~بالصيد إما في قيمته أو في نظيره وجب أن يكون الطعام مثله لأنه قال فجزاء ~~مثل ما قتل- إلى قوله- أو كفارة طعام مساكين فجعل الطعام جزاء وكفارة ~~كالقيمة فاعتباره بقيمة الصيد أولى من اعتباره بالهدي إذ هو بدل من الصيد ~~وجزاء عنه لا من الهدي وأيضا قد اتفقوا فيما لا نظير له من النعم أن اعتبار ~~الطعام إنما هو بقيمة الصيد فكذلك فيما له نظير لأن الآية منتظمة للأمرين ~~فلما اتفقوا في أحدهما أن المراد اعتبار الطعام بقيمة الصيد كان الآخر مثله ~~وقال أصحابنا إذا أراد الإطعام اشترى بقيمة الصيد طعاما فأطعم كل مسكين ms1659 نصف ~~صاع من بر ولا يجزيه أقل من ذلك ككفارة اليمين وفدية الأذى وقد بيناه فيما ~~سلف وقوله تعالى أو عدل ذلك صياما فإنه روي عن ابن عباس وإبراهيم وعطاء ~~ومجاهد ومقسم وقتادة أنهم قالوا لكل نصف صاع يوما وهو قول أصحابنا وروي عن ~~عطاء أيضا أنه قال لكل مد يوما وما ذكره الله تعالى في هذه الآية من الهدي ~~والإطعام والصيام فهو # PageV04P140 # على التخيير لأن أو يقتضي ذلك كقوله تعالى في كفارة اليمين فكفارته إطعام ~~عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة وكقوله ~~تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وروي نحو ذلك عن ابن عباس وعطاء والحسن ~~وإبراهيم رواية وهو قول أصحابنا وروي عن ابن عباس رواية أخرى أنها على ~~الترتيب وروي عن مجاهد والشعبي والسدي مثله وعن إبراهيم رواية أخرى أنها ~~على الترتيب والصحيح هو الأول لأنه حقيقة اللفظ ومن حمله على الترتيب زاد ~~فيه ما ليس منه ولا يجوز إلا بدلالة قوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه ~~روي عن ابن عباس والحسن وشريح إن عاد عمدا لم يحكم عليه والله تعالى ينتقم ~~منه وقال إبراهيم كانوا يسئلون هل أصبت شيئا قبله فإن قال نعم لم يحكمون ~~عليه وإن قال لا حكم عليه وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد يحكم عليه أبدا ~~وسأل عمر قبيصة بن جابر عن صيد أصابه وهو محرم فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف ~~ثم حكم عليه ولم يسئله هل أصبت قبله شيئا وهو قول فقهاء الأمصار وهو الصحيح ~~لأن قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء يوجب الجزاء في كل مرة كقوله ~~تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وذكره ~~الوعيد للعائد لا ينافي وجوب الجزاء ألا ترى أن الله تعالى قد جعل حد ~~المحارب جزاء له بقوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ثم عقبه بذكر ~~الوعيد بقوله ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم فليس ms1660 إذا في ~~ذكر الانتقام من العائد نفي لإيجاب الجزاء وعلى أن قوله تعالى ومن عاد ~~فينتقم الله منه لا دلالة فيه على أن المراد العائد إلى قتل # الصيد بعد قتله لصيد آخر قبله لأن قوله عفا الله عما سلف يحتمل أن يريد ~~به عفا الله عما سلف قبل التحريم ومن عاد يعني بعد التحريم وإن كان أول صيد ~~بعد نزول الآية وإذا كان فيه احتمال ذلك لم يدل على أن العائد في قتل الصيد ~~بعد قتله مرة أخرى ليس عليه إلا الانتقام. # (فصل) قوله تعالى ليذوق وبال أمره يحتج به لأبي حنيفة في المحرم إذا أكل ~~من الصيد الذي لزمه جزاؤه أن عليه قيمة ما أكل يتصدق به لأن الله تعالى ~~أخبر أنه أوجب عليه الغرم ليذوق وبال أمره بإخراج هذا القدر من ماله فإذا ~~أكل منه فقد رجع من الغرم في مقدار ما أكل منه فهو غير ذائق بذلك وبال أمره ~~لأن من غرم شيئا وأخذ # PageV04P141 # مثله لا يكون ذائقا وبال أمره فدل ذلك على صحة قوله وقال أصحابنا إن شاء ~~المحرم صام عن كل نصف صاع من الطعام يوما وإن شاء صام عن بعض وأطعم بعضا ~~فأجازوا الجمع بين الصيام والطعام وفرقوا بينه وبين الصيام في كفارة اليمين ~~مع الإطعام فلم يجيزوا الجمع بينهما وفرقوا أيضا بينه وبين العتق والطعام ~~في كفارة اليمين بأن يعتق نصف عبد ويطعم خمسة مساكين فأما الصوم في جزاء ~~الصيد فإنما أجازوا الجمع بينه وبين الطعام من قبل أن الله تعالى جعل ~~الصيام عدلا للطعام ومثلا له بقوله أو عدل ذلك صياما ومعلوم أنه لم يرد ~~بقوله عدل ذلك أن يكون مثلا له في حقيقة معناه إذ لا تشابه بين الصيام وبين ~~الطعام فعلمنا أن المراد المماثلة بينهما في قيامه مقام الطعام ونيابته عنه ~~لمن صام بعضا فكأنه قد أطعم بقدر ذلك فجاز ضمه إلى الطعام فكان الجميع ~~طعاما وأما الصيام في كفارة اليمين فإنما يجوز عند عدم الطعام وهو بدل منه ~~فغير ms1661 جائز الجمع بينهما إذ لا يخلو من أن يكون واجدا أو غير واجد فإن كان ~~واجدا للطعام لم يجزه الصيام وإن كان غير واجد فالصوم فرضه بدلا منه وغير ~~جائز الجمع بين البدل والمبدل منه كالمسح على أحد الخفين وغسل الرجل الأخرى ~~وكالتيمم والوضوء وما جرى مجرى ذلك ولا نعلم خلافا في امتناع جواز الجمع ~~بين الصيام والطعام في كفارة اليمين وأما العتق والطعام فإنما لم يجز الجمع ~~لأن الله تعالى جعل كفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة فإذا أعتق النصف ~~وأطعم النصف فهو غير فاعل لأحدهما فلم يجزه والعتق لا يتقوم فيجزي عن ~~الجميع بالقيمة وليس هو مثل أن يكسو خمسة ويطعم خمسة فيجزي بالقيمة لأن كل ~~واحد من هذين متقوم فيجزي عن أحدهما بالقيمة. # (فصل) قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل ينتظم الواحد ~~والجماعة إذا قتلوا في إيجاب جزاء تام على كل واحد لأن من يتناول كل واحد ~~على حياله في إيجاب جميع الجزاء عليه والدليل عليه قوله تعالى ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة قد اقتضى إيجاب الرقبة على كل واحد من ~~القاتلين إذا قتلوا نفسا واحدة وقال تعالى ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ~~وعيدا لكل واحد على حياله وقوله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمدا وعيد لكل ~~واحد من القاتلين وهذا معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه وإنما يجهله من لا ~~حظ له فيها فإن قال قائل فلو قتل جماعة رجلا كانت على جميعهم دية # PageV04P142 # واحدة والدية إنما دخلت في اللفظ حسب دخول الرقبة قيل له الذي يقتضيه ~~حقيقة اللفظ وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين وإنما اقتصر فيه على دية ~~واحدة بالإجماع وإلا فالظاهر يقتضيه ألا ترى أنهما لو قتلاه عمدا كان كل ~~واحد منهما كأنه قاتل له على حياله ويقتلان جميعا به ألا ترى أن كل واحد من ~~القاتلين لا يرث وأنه لو كان بمنزلة من قتل بعضه لوجب أن لا يحرم الميراث ~~مما قتله منه غيره فلما اتفق الجميع ms1662 على أنهما جميعا لا يرثان وأن كل واحد ~~منهما كأنه قاتل له وحده كذلك في إيجاب الكفارة إذ كانت النفس لا تتبعض ~~وكذلك قاتلوا الصيد كل واحد كأنه متلف للصيد على حياله فتجب على كل واحد ~~كفارة تامة ويدل عليه أن الله تعالى سمى ذلك كفارة بقوله أو كفارة طعام ~~مساكين وجعل فيها صوما فأشبهت كفارة القتل فإن قال قائل لما قال الله تعالى ~~فجزاء مثل ما قتل دل على أن الجزاء إنما هو جزاء واحد ولم يفرق بين أن ~~يكونوا جماعة أو واحدا وأنت تقول يجب عليهم جزاءان وثلاثة وأكثر من ذلك قيل ~~له هذا الجزاء ينصرف إلى كل واحد منهم ونحن لا نقول إنه يجب على كل واحد ~~منهم جزاءان وثلاثة وإنما يجب عليه جزاء واحد والذي يدل على أنه منصرف إلى ~~كل واحد قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل ولم يقل قتلوا فدل على أنه أراد واحد ~~وقد بينا ذلك في كتاب شرح المناسك والخصم يحتج علينا بهذه الآية في القارن ~~فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد بظاهر الكتاب والجواب عن هذا أنه محرم ~~عندنا بإحرامين على ما سنذكره في موضعه وإذا صح لنا ذلك ثم أدخل النقص ~~عليهما وجب أن يخبرهما بدمين قال أبو بكر ولا خلاف بين الفقهاء أن الهدي لا ~~يجزي إلا بمكة وأن بلوغه الكعبة أن يذبحه هناك في الحرم وأنه لو هلك بعد ~~دخوله الحرم قبل أن يذبحه أن عليه هديا آخر غيره وقال أصحابنا إذا ذبحه في ~~الحرم بعد بلوغ الكعبة فإن سرق بعد ذلك لم يكن عليه شيء لأن الصدقة تعينت ~~فيه بالذبح فصار كمن قال لله علي أن أتصدق بهذا اللحم فسرق فلا يلزمه شيء ~~واتفق الفقهاء أيضا على جواز الصوم في غير مكة واختلفوا في الطعام فقال ~~أصحابنا يجوز أن يتصدق به حيث شاء وقال الشافعي لا يجزي إلا أن يعطي مساكين ~~مكة والدليل على جوازه حيث شاء قوله تعالى أو كفارة طعام مساكين وذلك عموم ~~في ms1663 سائرهم وغير جائز تخصيصه بمكان إلا بدلالة ومن قصره على مساكين مكة فقد ~~خص # PageV04P143 # الآية بغير دليل وأيضا ليس في الأصول صدقة مخصوصة بمكان لا يجوز أداؤها ~~في غيره فلما كان ذلك صدقة وجب جوازها في سائر المواضع قياسا على نظائرها ~~من الصدقات ولأن تخصيصه بمكان خارج عن الأصول وما خرج عن الأصول وظاهر ~~الكتاب من الأقاويل فهو ساقط مرذول فإن قال قائل فالهدى سبيله الصدقة وهو ~~مخصوص بالحرم فأما الصدقة فحيث شاء وكذلك قال أصحابنا أنه لو ذبحه في الحرم ~~ثم أخرجه فتصدق به في غيره أجزأه وأيضا لما اتفقوا على جواز الصيام في غير ~~مكة وهو جزاء للصيد وليس بذبح وجب مثله في الطعام لهذه العلة. ### | باب صيد البحر # قال الله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه وروى عن ابن عباس وزيد بن ثابت ~~وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقتادة والسدي ومجاهد قالوا صيده ما صيد ~~طريا بالشباك ونحوها فأما قوله وطعامه فقد روي عن أبي بكر وعمر وابن عباس ~~وقتادة قالوا ما قذفه ميتا وروى عن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير وسعيد بن ~~المسيب وقتادة ومجاهد قالوا المملوح منه والقول الأول أظهر لأنه ينتظم ~~إباحة الصنفين مما صيد منه وما لم يصد وأما المملوح فقد تناوله قوله صيد ~~البحر ويكون قوله وطعامه على هذا التأويل تكرارا لما انتظمه اللفظ الأول ~~فإن قال قائل هذا يدل على إباحة الطافي لأنه قد انتظم ما صيد منه وما لم ~~يصد والطافي لم يصد قيل له إنما تأول السلف قوله وطعامه على ما قذفه البحر ~~وعندنا أن ما قذفه البحر ميتا فليس بطاف وإنما الطافي ما يموت في البحر حتف ~~أنفه فإن قيل قالوا ما قذفه البحر ميتا وهذا يوجب أن يكون قد مات فيه ثم ~~قذفه وهذا يدل على أنهم قد أرادوا به الطافي قيل له وليس كل ما قذفه البحر ~~ميتا يكون طافيا إذ جائز أن يموت في البحر بسبب طرأ عليه فقتله من برد أو ~~حر ms1664 أو غيره فلا يكون طافيا وقد بينا الكلام في الطافي فيما تقدم من هذا ~~الكتاب وقد روى عن الحسن في قوله وطعامه قال ما وراء بحركم هذا كله البحر ~~وطعامه البر والشعير والحبوب رواه أشعث بن عبد الملك عن الحسن فلم يجعل ~~البحر في هذا الموضع بحور المياه وجعله على ما اتسع من الأرض لأن العرب ~~تسمي ما اتسع بحرا ومنه # قول النبي صلى الله عليه وسلم للفرس الذي ركبه لأبي طلحة وجدناه بحرا أي ~~واسع الخطو # وقد روى حبيب بن الزبير عن # PageV04P144 # عكرمة في قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر أنه أراد بالبحر الأمصار ~~لأن العرب تسمي الأمصار البحر وروى سفيان عن بعضهم عن عكرمة ظهر الفساد في ~~البر والبحر قال البر الفيافي التي ليس فيها شيء والبحر القرى والتأويل ~~الذي روي عن الحسن غير صحيح لأنه قد علم بقوله تعالى أحل لكم صيد البحر أن ~~المراد به بحر الماء وأنه لم يرد به البر ولا الأمصار لأنه عطف عليه قوله ~~تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقوله تعالى متاعا لكم وللسيارة ~~روي عن ابن عباس والحسن وقتادة قالوا منفعة للمقيم والمسافر فإن قال قائل ~~هل اقتضى قوله تعالى أحل لكم صيد البحر إباحة صيد الأنهار قيل له نعم لأن ~~العرب تسمي النهر بحرا ومنه قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر وقد قيل ~~إن الأغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا إلا أنه إذا جرى ذكره على طريق ~~الجملة انتظم الأنهار أيضا وأيضا فالمقصد فيه صيد الماء فسائر حيوان الماء ~~يجوز للمحرم اصطياده ولا نعلم خلافا في ذلك بين الفقهاء وقوله تعالى أحل ~~لكم صيد البحر يحتج به من يبيح أكل جميع حيوان البحر وقد اختلف أهل العلم ~~فيه والله أعلم. ### | ذكر الخلاف في ذلك # قال أصحابنا لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك وهو قول الثوري رواه عنه ~~أبو إسحاق الفزاري وقال ابن أبي ليلى لا بأس بأكل كل شيء يكون في البحر ms1665 من ~~الضفدع وحية الماء وغير ذلك وهو قول مالك بن أنس وروي مثله عن الثوري قال ~~الثوري ويذبح وقال الأوزاعي صيد البحر كله حلال ورواه عن مجاهد وقال الليث ~~بن سعد ليس بميتة البحر بأس وكلب الماء والذي يقال له فرس الماء ولا يؤكل ~~إنسان الماء ولا خنزير الماء وقال الشافعى ما يعيش في الماء حل أكله وأخذه ~~ذكاته ولا بأس بخنزير الماء واحتج من أباح حيوان الماء كله بقوله تعالى أحل ~~لكم صيد البحر وهو على جميعه إذ لم يخصص شيئا منه ولا دلالة فيه على ما ~~ذكروا لأن قوله تعالى أحل لكم صيد البحر إنما هو على إباحة اصطياد ما فيه ~~للمحرم ولا دلالة فيه على أكله والدليل عليه أنه عطف عليه قوله وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما فخرج الكلام مخرج بيان اختلاف حكم صيد البر # PageV04P145 # والبحر على المحرم وأيضا فإن الصيد اسم مصدر وهو اسم للاصطياد وإن كان قد ~~يقع على المصيد ألا ترى أنك تقول صدت صيدا وإذا كان ذلك مصدرا كان اسما ~~للاصطياد الذي هو فعل الصائد ولا دلالة فيه إذا أريد به ذلك على إباحة ~~الأكل وإن كان قد يعبر به عن المصيد إلا أن ذلك مجاز لأنه تسمية للمفعول ~~باسم الفعل وتسمية الشيء باسم غيره إنما هو استعارة ويدل على بطلان قول من ~~أباح جميع حيوان الماء # قول النبي صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد # فخص من الميتات هذين وفي ذلك دليل على أن المخصوص من جملة الميتات ~~المحرمة بقوله حرمت عليكم الميتة هو هذان دون غيرهما لأن ما عداهما قد شمله ~~عموم التحريم بقوله حرمت عليكم الميتة وقوله تعالى إلا أن يكون ميتة وذلك ~~عموم في ميتة البر والبحر ومن أصحابنا من يجعل حصره المباح بالعدد المذكور ~~دلالة على حظره ما عداه وأيضا لما خصهما بالذكر وفرق بينهما وبين غيرهما من ~~الميتات دل تفرقه على اختلاف حالهما ويدل عليه أيضا وقوله تعالى ولحم ~~الخنزير وذلك عموم ms1666 في خنزير الماء كهو في خنزير البر فإن قيل إن خنزير ~~الماء إنما يسمى حمار الماء قيل له إن سماه إنسان حمارا لم يسلبه ذلك اسم ~~الخنزير المعهود له في اللغة فينتظمه عموم التحريم ويدل عليه # حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن ~~عثمان قال ذكر طبيب الدواء عند النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الضفدع يكون ~~في الدواء فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله # والضفدع من حيوان الماء ولو كان أكله جائزا والانتفاع به سائغا لما نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله ولما ثبت تحريم الضفدع بالأثر كان سائر ~~حيوان الماء سوى السمك بمثابته لأنا لا نعلم أحد فرق بينهما واحتج الذين ~~أباحوه بما # روى مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن سعيد ابن سلمة الزرقي عن المغيرة بن ~~أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته # وسعيد بن سلمة مجهول لا يقطع بروايته وقد خولف في هذا الإسناد # فروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن المغيرة بن عبد الله وهو ابن أبي بردة عن ~~أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه يحيى بن أيوب عن جعفر بن ربيعة ~~وعمرو بن الحارث عن بكر بن سودة عن أبي معاوية العلوي عن مسلم بن مخشي ~~المدلجي عن الفراسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له في البحر هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبدوس ~~قالا حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا أبو # PageV04P146 # القاسم بن أبي الزناد قال حدثنا إسحاق يعني ابن حازم عن ابن مقسم يعني ~~عبد الله عن جابر ابن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر ~~فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته # وهذه الأخبار لا يحتج بها من له معرفة بالحديث ولو ثبت ms1667 كان محمولا على ما ~~بينه في # قوله أحلت لنا ميتتان # ويدل على ذلك أنه لم يخصص بذلك حيوان الماء دون غيره وإنما ذكر ما يموت ~~فيه وذلك يعم ظاهره حيوان الماء والبر جميعا إذا ماتا فيه وقد علم أنه لم ~~يرد ذلك فثبت أنه أراد السمك خاصة دون ما سواه إذ قد علم أنه لم يرد به ~~العموم ولا يصح اعتقاده فيه واحتج المبيحون له # بحديث جابر في جيش الخبط وأن البحر ألقى لهم دابة يقال لها العنبر فأكلوا ~~منها ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل معكم منه شيء تطعمونيه # وهذا لا دليل فيه على ما قالوا لأن جماعة قد رووا هذا الحديث وذكروا فيه ~~أن البحر ألقى لهم حوتا يقال له العنبر فأخبروا أنها كانت حوتا وهو السمك ~~وهذا لا خلاف فيه ولا دلالة على إباحة ما سواه. ### | باب أكل المحرم لحم صيد الحلال # قال الله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما # فروي عن علي وابن عباس أنهما كرها للمحرم أكل صيد اصطاده حلال # إلا أن إسناد حديث علي ليس بقوي يرويه علي بن زيد وبعضهم يرفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويقفه بعضهم وروي عن عثمان وطلحة ابن عبيد الله وأبي ~~قتادة وجابر وغيرهم إباحته # وروى عبد الله بن أبي قتادة وعطاء بن يسار عن أبي قتادة قال أصبت حمار ~~وحش فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أصبت حمار وحش وعندي منه فضلة ~~فقال للقوم كلوا وهم محرمون # وروى أبو الزبير عن جابر قال عقر أبو قتادة حمار وحش ونحن محرمون وهو ~~حلال فأكلنا منه ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # وروي المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصطاد ~~لكم # وقد روي في إباحته أخبار أخر غير ذلك كرهت الإطالة بذكرها لاتفاق فقهاء ~~الأمصار ms1668 عليه واحتج من حظره بقوله وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وعمومه ~~يتناول الاصطياد والمصيد نفسه لوقوع الاسم عليهما ومن أباحه ذهب إلى قوله ~~وحرم عليكم صيد البر إذ كان يتناول الاصطياد وتحريم المصيد نفسه فإن هذا ~~الحيوان إنما سمى صيدا مادام حيا وأما اللحم # PageV04P147 # فغير مسمى بهذا الاسم بعد الذبح فإن سمي بذلك فإنما يسمى به على أنه كان ~~صيدا فأما اسم الصيد فليس يجوز أن يقع على اللحم حقيقة ويدل على أن لفظ ~~الآية لم ينتظم اللحم أنه غير محظور عليه التصرف في اللحم بالإتلاف والشرى ~~والبيع وسائر وجوه التصرف سوى الأكل عند القائلين بتحريم أكله ولو كان عموم ~~الآية قد اشتمل عليه لما جاز له التصرف فيه بغير الأكل كهو إذا كان حيا ~~ولكان على متلفه إذا كان محرما ضمانه كما يلزم ضمان إتلاف الصيد الحي لأن ~~قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما يتناول تحريم سائر أفعالنا في ~~الصيد في حال الإحرام فإن قال قائل بيض الصيد محرم على المحرم وإن لم يكن ~~ممتنعا ولا مسمى صيدا فكذلك لحمه قيل له ليس كذلك لأن المحرم غير منهي عن ~~إتلاف لحم الصيد ولو أتلفه لم يضمنه وهو منهي عن إتلاف البيض والفرخ ويلزمه ~~ضمانه وأيضا فإن البيض والفرخ قد يصيران صيدا ممتنعا فحكم لهما بحكم الصيد ~~ولحم الصيد لا يصير صيدا بحال فكان بمنزلة لحوم سائر الحيوانات إذ ليس بصيد ~~في الحال ولا يجيء منه صيد وأيضا فإنا لم نحرم الفرخ والبيض بعموم الآية ~~وإنما حرمناهما بالاتفاق وقد اختلف في # حديث مصعب بن جثامة أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالأبواء ~~أو غيرها لحم حمار وحش وهو محرم فرأى في وجهه الكراهة فقال ليس بنا رد عليك ~~ولكنا حرم # وخالفه مالك # فرواه عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن مصعب بن جثامة ~~أنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالأبواء أو بودان حمار وحش ms1669 ~~فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم # قال ابن إدريس فقيل لمالك إن سفيان يقول رجل حمار وحش فقال ذاك غلام ذاك ~~غلام ورواه ابن جريج عن الزهري بإسناد كرواية مالك وقال فيه إنه أهدى له ~~حمار وحش # وروى الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن مصعب بن جثامة أهدى ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو محرم فرده وقال لولا أنا حرم ~~لقبلناه منك # فهذا يدل على وهاء حديث سفيان وأن الصحيح ما رواه مالك لاتفاق هؤلاء ~~الرواة عليه # وقد روي فيه وجه آخر وهو ما روى أبو معاوية عن ابن جريج عن جابر بن زيد ~~أبي الشعثاء عن أبيه قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن محرم أتي بلحم ~~صيد يأكل منه فقال احسبوا له # قال أبو معاوية يعني إن كان صيد قبل أن يحرم فيأكل وإلا فلا وهذا يحتمل ~~أن يريد به # PageV04P148 # إذا صيد من أجله أو أمر به أو أعان عليه أو دل عليه ونحو ذلك من الأسباب ~~المحظورة # قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس الآية قيل إنه أراد ~~أنه جعل ذلك قواما لمعايشهم وعمادا لهم من قولهم هو قوام الأمر وملاكه وهو ~~ما يستقيم به أمره فهو قوام دينهم ودنياهم وروي عن سعيد بن جبير قوله قواما ~~للناس صلاحا لهم وقيل قياما للناس أي تقوم به أبدانهم لا منهم به في التصرف ~~لمعايشهم فهو قوام دينهم لما في المناسك من الزجر عن القبيح والدعاء إلى ~~الحسن ولما في الحرم والأشهر الحرم من الأمن ولما في الحج والمواسم واجتماع ~~الناس من الآفاق فيها من صلاح المعاش وفي الهدي والقلائد أن الرجل إذا كان ~~معه الهدي مقلدا كانوا لا يعرضون له وقيل إن من أراد الإحرام منهم كان ~~يتقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن وقال الحسن القلائد من تقليد الإبل والبقر ~~بالنعال والخفاف فهذا على صلاح التعبد به ms1670 في الدين وهذا يدل على أن تقليد ~~البدن قربة وكذلك سوق الهدي والكعبة اسم للبيت الحرام قال مجاهد وعكرمة ~~إنما سميت كعبة لتربيعها وقال أهل اللغة إنما قيل كعبة البيت فأضيفت لأن ~~كعبته تربع أعلاه وأصل ذلك من الكعوبة وهو النتو فقيل للتربيع كعبة لنتو ~~زوايا المربع ومنه كعب ثدي الجارية إذا نتأ ومنه كعب الإنسان لنتوه وهذا ~~يدل على أن الكعبين اللذين ينتهي إليهما الغسل في الوضوء هما الناتئان عن ~~جنبي أصل الساق وسمى الله تعالى البيت حراما لأنه أراد الحرم كله لتحريم ~~صيده وخلاه وتحريم قتل من لجأ إليه وهو مثل قوله تعالى هديا بالغ الكعبة ~~والمراد الحرم وأما قوله تعالى والشهر الحرام فإنه روي عن الحسن أنه قال هو ~~الأشهر الحرم فأخرجه مخرج الواحد لأنه أراد الجنس وهو أربعة أشهر ثلاثة سرد ~~وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب فأخبر تعالى أنه جعل ~~الشهر الحرام قياما للناس لأنهم كانوا يأمنون فيها ويتصرفون فيها في ~~معايشهم فكان فيه قوامهم وهذا الذي ذكره الله تعالى من قوام الناس بمناسك ~~الحج والحرم والأشهر الحرم والهدي والقلائد ومعلوم مشاهد من ابتداء وقت ~~الحج في زمن إبراهيم عليه السلام إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ~~آخر الدهر فلا ترى شيئا من أمر الدين والدنيا تعلق به من صلاح المعاش ~~والمعاد بعد الإيمان ما تعلق بالحج ألا ترى إلى كثرة منافع الحاج في ~~المواسم التي يردون عليها من سائر البلدان التي يجتازون بمنى وبمكة إلى أن ~~يرجعوا إلى أهاليهم وانتفاع الناس بهم وكثرة معايشهم # PageV04P149 # وتجاراتهم معهم ثم ما فيه منافع الدين من التأهب للخروج إلى الحج وإحداث ~~التوبة والتحري لأن تكون نفقته من أحل ماله ثم احتمال المشاق في السفر إليه ~~وقطع المخاوف ومقاساة اللصوص والمحتالين في مسيرهم إلى أن يبلغوا مكة ثم ~~الإحرام والتجرد لله تعالى والتشبه بالخارجين يوم النشور من قبورهم إلى ~~عرصة القيامة ثم كثرة ذكر الله تعالى بالتلبية واللجأ إلى الله تعالى ~~وإخلاص النية ms1671 له عند ذلك البيت والتعلق بأستاره موقتا بأنه لا ملجأ له غيره ~~كالغريق المتعلق بما يرجو به النجاة وأنه لا خلاص له بالتمسك به ثم إظهار ~~التمسك بحبل الله الذي من تمسك به نجا وما حاد عنه هلك ثم حضور الموقف ~~والقيام على الأقدام داعين راجين لله تعالى متخلفين عن كل شيء من أمور ~~الدنيا تاركين لأموالهم وأولادهم وأهاليهم على نحو وقوفهم في عرصة القيامة ~~وما في سائر مناسك الحج من الذكر والخشوع والانقياد لله تعالى ثم ما يشتمل ~~عليه الحج من سائر القرب التي هي معروفة في غير الصلاة والصيام والصدقة ~~والقربات والذكر بالقلب واللسان والطواف بالبيت وما لو استقصينا ذكره لطال ~~به القول فهذه كلها من منافع الدين والدنيا قوله تعالى ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض إخبار عن علمه بما يؤدي إليه شريعة الحج ~~من منافع الدين والدنيا فدبره هذا التدبير العجيب وانتظم به صلاح الخلق من ~~أول الأمة وآخرها إلى يوم القيامة فلولا أن الله تعالى كان عالما بالغيب ~~وبالأشياء كلها قبل كونها لما كان تدبيره لهذه الأمور مؤديا إلى ما ذكر من ~~صلاح عباده في دينهم ودنياهم لأن من # لا يعلم الشيء قبل كونه لا يتأتى منه فعل المحكم المتقن على نظام وترتيب ~~يعم جميع الأمة نفعه في الدين والدنيا # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم # روى قيس بن الربيع عن أبي حصين عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غضبان قد احمر وجهه فجلس على المنبر فقال لا تسألوني عن شيء إلا ~~أجبتكم فقام إليه رجل فقال أين أنا فقال في النار فقام إليه آخر فقال من ~~أبي فقال أبوك حذافة فقام عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبالقرآن إماما وبمحمد نبيا يا رسول الله كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك والله ~~تعالى يعلم من آباؤنا فسكن غضبه ونزلت هذه الآية يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسئلوا ms1672 عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم # وروى إبراهيم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة أنها نزلت حين سئل الحج # PageV04P150 # أفي كل عام وعن أمامة نحو ذلك وروى عكرمة أنها نزلت في الرجل الذي قال من ~~أبي وقال سعيد بن جبير في الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البحيرة والسائبة وقال مقسم فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات قال أبو ~~بكر ليس يمتنع تصحيح هذه الروايات كلها في سبب نزول الآية فيكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين # قال لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم # سأله عبد الله بن حذافة عن أبيه من هو لأنه قد كان يتكلم في نسبه وسأله ~~كل واحد من الذين ذكر عنهم هذه المسائل على اختلافها فأنزل الله تعالى لا ~~تسئلوا عن أشياء يعني عن مثلها لأنه لم يكن بهم حاجة إليها فأما عبد الله ~~بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ثابتا بالفراش فلم يحتج إلى معرفة حقيقة ~~كونه من ماء من هو منه ولأنه كان يأمن أن يكون من ماء غيره فيكشف عن أمر قد ~~ستره الله تعالى ويهتك أمه ويشين نفسه بلا طائل ولا فائدة له فيه لأن نسبه ~~حينئذ مع كونه من ماء غير ثابت من حذافة لأنه صاحب الفراش فلذلك قالت له ~~لقد عققتني بسؤالك فقال لم تسكن نفسي إلا بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك فهذا من الأسئلة التي كان ضررا لجواب عنها عليه كان كثيرا لو صادف غير ~~الظاهر فكان منهيا عنه ألا ترى # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر ~~بستر الله فإن من أبدى لنا صفحة أقمنا عليه كتاب الله # وقال لهزال # وكان أشار على ماعز بالإقرار بالزنا لو سترته بثوبك كان خيرا لك # وكذلك الرجل الذي قال يا رسول الله أين أنا قد كان غنيا عن هذه المسألة ~~والستر على نفسه في الدنيا فهتك ستره وقد كان الستر أولى به وكذلك المسألة ~~عن الآيات ms1673 مع ظهور ما ظهر من المعجزات منهى عنها غير سائغ لأحد لأن معجزات ~~الأنبياء لا يجوز أن تكون تبعا لأهواء الكفار وشهواتهم فهذا النحو من ~~المسائل مستقبحة مكروهة وأما سؤال الحج في كل عام فقد كان على سامع آية ~~الحج الاكتفاء بموجب حكمها من إيجابها حجة واحدة ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم إنها حجة واحدة # ولو قلت نعم لوجبت # فأخبر أنه لو قال نعم لوجبت # بقوله دون الآية فلم يكن به حاجة إلى المسألة مع إمكان الاجتزاء بحكم ~~الآية وأبعد هذه التأويلات قول من ذكر أنه سئل عن البحيرة والسائبة ~~والوصيلة لأنه لا يخلو من أن يكون سؤاله عن معنى البحيرة ما هو أو عن ~~جوازها وقد كانت البحيرة وما ذكر معها أسماء لأشياء معلومة عندهم في ~~الجاهلية ولم يكونوا يحتاجون إلى المسألة عنها ولا يجوز أيضا أن يكون ~~السؤال وقع عن إباحتها # PageV04P151 # وجوازها لأن ذلك كان كفرا يتقربون به إلى أوثانهم فمن اعتقد الإسلام فقد ~~علم بطلانه وقد احتج بهذه الآية قوم في حظر المسألة عن أحكام الحوادث ~~واحتجوا أيضا بما # رواه الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يكن حراما فحرم ~~من أجل مسألته # قال أبو بكر ليس في الآية دلالة على حظر المسألة عن أحكام الحوادث لأنه ~~إنما قصد بها إلى النهي عن المسألة عن أشياء أخفاها الله تعالى عنهم ~~واستأثر بعلمها وهم غير محتاجين إليها بل عليهم فيها ضرر إن أبديت لهم ~~كحقائق الأنساب لأنه # قال الولد للفراش # فلما سأله عبد الله بن حذافة عن حقيقة خلقه من ماء من هو دون ما حكم الله ~~تعالى به من نسبته إلى الفراش نهاه الله عن ذلك وكذلك الرجل الذي قال أين ~~أنا لم يكن به حاجة إلى كشف عيبه في كونه من أهل النار وكسؤال آيات ~~الأنبياء وفي فحوى الآية دلالة على أن الحظر تعلق بما ms1674 وصفنا قوله تعالى قد ~~سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين يعنى الآية سألوها الأنبياء عليهم ~~السلام فأعطاهم الله إياها وهذا تصديق تأويل مقسم فأما السؤال عن أحكام غير ~~منصوصة فلم يدخل في حظر الآية والدليل عليه # أن ناجية بن جندب لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معه البدن لينحرها ~~بمكة قال كيف أصنع بما عطب منها فقال انحرها واصبغ نعلها بدمها واضرب بها ~~صفحتها وخل بينها وبين الناس ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك شيئا # ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله وفي حديث رافع بن خديج أنهم ~~سألوا النبي صلى الله عليه وسلم إنا لاقو العدو غدا وليس معنا مدى فلم ~~ينكره عليه وحديث يعلى بن أمية في الرجل الذي سأله عما يصنع في عمرته فلم ~~ينكره عليه وأحاديث كثيرة في سؤال قوم سألوه عن أحكام شرائع الدين فيما ليس ~~بمنصوص عليه غير محظور على أحد # وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل قال قلت يا رسول ~~الله إنى أريد أن أسئلك عن أمر ويمنعني مكان هذه الآية يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسئلوا عن أشياء فقال ما هو قلت العمل الذي دخلني الجنة قال قد سألت ~~عظيما وإنه ليسير شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان # فلم يمنعه السؤال ولم ينكره وذكر محمد بن سيرين عن الأحنف عن عمر قال ~~تفقهوا قبل أن تسووا وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمعون في ~~المسجد يتذاكرون حوادث المسائل # PageV04P152 # في الأحكام على هذا المنهاج جرى أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى ~~يومنا هذا وإنما أنكر هذا قوم حشو جهال قد حملوا أشياء من الأخبار لا علم ~~لهم بمعانيها وأحكامها فعجزوا عن الكلام فيها واستنباط فقهها # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى ~~من هو أفقه منه # وهذه ms1675 الطائفة المنكرة لذلك كمن قال تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا وقوله تعالى إن تبد لكم تسؤكم معناه إن ~~تظهر لكم وهذا يدل على أن مراده فيمن سأل مثل سؤال عبد الله بن حذافة ~~والرجل الذي قال أين أنا لأن إظهار أحكام الحوادث لا يسوء السائلين لأنهم ~~إنما يسئلون عنها ليعلموا أحكام الله تعالى فيها ثم قال الله تعالى وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم يعني في حال نزول الملك وتلاوته ~~القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يظهرها لكم وذلك مما يسؤكم ~~ويضركم وقوله تعالى عفا الله عنها يعني هذا الضرب من المسائل لم يؤاخذكم ~~الله بها بالبحث عنها والكشف عن حقائقها والعفو في هذا الموضوع التسهيل ~~والتوسعة في إباحة ترك السؤال عنها كما قال تعالى فتاب عليكم وعفا عنكم ~~ومعناه سهل عليكم وقال ابن عباس الحلال ما أحل الله وما سكت عنه فهو عفو ~~يعني تسهيل وتوسعة ومثله # قول النبي صلى الله عليه وسلم عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق # قوله تعالى قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين قال ابن عباس قوم ~~عيسى عليه السلام سألوا المائدة ثم كفروا بها وقال غيره قوم صالح سألوا ~~الناقة ثم عقروها وكفروا بها وقال السدي هذا حين سألوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يحول لهم الصفا ذهبا وقيل إن قوما سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء ~~التي سأل عبد الله بن حذافة ومن قال أين أنا فلما أخبرهم به نبيهم ساءهم ~~فكذبوا به وكفروا # قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام روى الزهري ~~عن سعيد بن المسيب قال البحيرة من الإبل يمنع درها للطواغيت والسائبة من ~~الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم والوصيلة كانت الناقة تبكر بالأنثى ثم تثني ~~بالأنثى فيسمونها الوصيلة يقولون وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر فكانوا ~~يذبحونها لطواغيتهم والحامي الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود فإذا ~~بلغ ذلك يقال ms1676 حمى ظهره فيترك فيسمونه الحامي وقال أهل اللغة البحيرة الناقة ~~التي تشق أذنها يقال بحرت أذن الناقة أبحرها بحرا والناقة مبحورة وبحيرة ~~إذا شققتها واسعا ومنه البحر لسعته قال وكان # PageV04P153 # أهل الجاهلية يحرمون البحيرة وهي أن تنتج خمسة أبطن يكون آخرها ذكرا ~~بحروا أذنها وحرموها وامتنعوا من ركوبها ونحرها ولم تطرد عن ماء ولم تمنع ~~عن مرعى وإذا لقيها المعيي لم يركبها قال والسائبة المخلاة وهي المسيبة ~~وكانوا في الجاهلية إذا نذر الرجل لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ~~ذلك قال ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في التحريم والتخلية وكان الرجل إذا ~~عتق عبدا فقال هو سائبة لم يكن بينهما عقل ولا ولاء ولا ميراث فأما الوصيلة ~~فإن بعض أهل اللغة ذكر أنها الأنثى من الغنم إذا ولدت مع ذكر قالوا وصلت ~~أخاها فلم يذبحوها وقال بعضهم كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ~~ذكرا ذبحوه لآلهتهم في زعمهم وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم ~~يذبحوه لآلهتهم وقالوا الحامي الفحل من الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن ~~قالوا حمى ظهره فلا يحتمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى وإخبار الله تعالى ~~بأن ما اعتقده أهل الجاهلية في البحيرة والسائبة وما ذكر في الآية يدل على ~~بطلان عتق السائبة على ما يذهب إليه القائلون بأن من أعتق عبده سائبة فلا ~~ولاء له منه وولاؤه جماعة المسلمين أن لأهل الجاهلية قد كانوا يعتقدون ذلك ~~فأبطله الله تعالى بقوله ولا سائبة # وقول النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق يؤكد ذلك أيضا ونبينه ### | باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قال أبو بكر أكد الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~مواضع من كتابه وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أخبار متواترة عنه ~~فيه وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه وإن كان قد تعرض أحوال من التقية ~~يسع معها السكوت فمما ذكره الله تعالى حاكيا عن لقمان يا بني أقم ms1677 الصلاة ~~وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ~~يعني والله أعلم واصبر على ما ساءك من المكروه عند الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وإنما حكى الله تعالى لنا ذلك عن عبده لنقتدي به وننتهي إليه ~~وقال تعالى فيما مدح به سالف الصالحين من الصحابة التائبون العابدون- إلى ~~قوله- الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله # وقال تعالى كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء وهناد ~~بن السري قالا حدثنا أبو معاوية # PageV04P154 # عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد وعن قيس بن مسلم عن ~~طارق ابن شهاب عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع ~~فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمان # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا أبو ~~الأحوص قال حدثنا أبو إسحاق عن ابن جرير عن جرير قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على ~~أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا # فأحكم الله تعالى فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه وعلى ~~لسان رسوله وربما ظن من لا فقه له أن ذلك منسوخ أو مقصور الحكم على حال دون ~~حال وتأول فيه قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم وليس التأويل على ما يظن هذا الظان لو تجردت هذه الآية ~~عن قرينة وذلك لأنه قال عليكم أنفسكم يعنى احفظوها لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا فلا دلالة فيها ~~إذا على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد روي عن السلف ms1678 في ~~تأويل الآية أحاديث مختلفة الظاهر وهي متفقة في المعنى فمنها ما # حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا ~~أبو عبيد قال حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن ~~أبي حازم قال سمعت أبا بكر على المنبر يقول يا أيها الناس إني أراكم تأولون ~~هذه الآية يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا عمل فيهم ~~بالمعاصي ولم يغيروا أو شك أن يعمهم الله بعقابه # فأخبر أبو بكر أن هذه الآية لا رخصة فيها في ترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وأنه لا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى هو بالقيام بفرض الله من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر ابن ~~محمد ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن ~~جبير في هذه الآية لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال يعني من أهل الكتاب وقال ~~أبو عبيد وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال من اليهود ~~والنصارى ومن ضل من غيرهم فكأنهما ذهبا إلى أن هؤلاء قد أقروا بالجزية على ~~كفرهم فلا يضرنا # PageV04P155 # كفرهم لأنا أعطيناهم العهد على أن نخليهم وما يعتقدون ولا يجوز لنا نقض ~~عهدهم بإجبارهم على الإسلام فهذا لا يضرنا الإمساك عنه وأما ما لا يجوز ~~الإقرار عليه من المعاصي والفسوق والظلم والجور فهذا على كل المسلمين ~~تغييره والإنكار على فاعله على ما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~أبي سعيد الذي قدمنا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو الربيع سليمان بن ~~داود العتكي قال حدثنا بن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال حدثني عمرو بن ~~جارية اللخمي قال حدثنا أبو أمية الشعباني قال سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت ~~يا أبا ثعلبة ms1679 كيف تقول في هذه الآية عليكم أنفسكم فقال أما والله لقد سألت ~~عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا ~~بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيام ~~الصبر فيه كقبض على الجمر للعامل فيها مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله ~~قال وزادني غيره قال يا رسول الله أجر خمسين منهم قال أجر خمسين منكم # وهذه دلالة فيه على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر لأن ~~ذكر تلك الحال تنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان لشيوع الفساد ~~وغلبته على العامة وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب ~~كما قال عليه السلام فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع ~~فبقلبه فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذكر كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر بالقلب للتقية ولتعذر تغييره وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره ~~تقية بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان قال الله تعالى إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان فهذه منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد روي فيه ~~وجه آخر وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال ~~حدثنا أبو عبيد قال حدثنا أبو مسهر عن عباد الخواص قال حدثني يحيى بن أبى ~~عمر والشيباني أن أبا الدرداء وكعبا كانا جالسين بالجابية فأتاهما آت فقال ~~لقد رأيت اليوم أمرا كان حقا على من يراه أن يغيره فقال رجل إن الله تعالى ~~يقول يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال ~~كعب إن هذا لا يقول شيئا ذب عن محارم الله تعالى كما تذب عن عائلتك حتى ~~يأتي تأويلها فانتبه لها أبو الدرداء فقال متى يأتي تأويلها فقال إذا هدمت ~~كنيسة دمشق وبني # PageV04P156 # مكانها مسجد فلذلك من تأويلها وإذا رأيت الكاسيات العاريات فلذلك من ~~تأويلها ms1680 وذكر خصلة ثالثة لا أحفظها فلذلك من تأويلها قال أبو مسهر وكان هدم ~~الكنيسة بعهد الوليد بن عبد الملك أدخلها في مسجد دمشق وزاد في سعته بها ~~وهذا أيضا على معنى الحديث الأول في الاقتصار على إنكار المنكر بالقلب دون ~~اليد واللسان للتقية والخوف على النفس ولعمري إن أيام عبد الملك والحجاج ~~والوليد وأضرابهم كانت من الأيام التي سقط فيها فرض الإنكار عليهم بالقول ~~واليد لتعذر ذلك والخوف على النفس وقد حكي أن الحجاج لما مات قال الحسن ~~اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة ~~البنان والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله عز وجل برجل جمته ويخطر في ~~مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس ~~يستحي فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون لا يقول له قائل الصلاة أيها ~~الرجل ثم قال الحسن هيهات والله حال دون ذلك السيف والسوط وقال عبد الملك ~~بن عمير خرج الحجاج يوم الجمعة بالهاجرة فما زال يعبر مرة عن أهل الشام ~~يمدحهم ومرة عن أهل العراق يذمهم حتى لم نر من الشمس إلا حمرة على شرف ~~المسجد نم أمر المؤذن فأذن فصلى بنا الجمعة ثم أذن فصلى بنا العصر ثم أذن ~~فصلى بنا المغرب فجمع بين الصلوات يومئذ فهؤلاء السلف كانوا معذورين في ذلك ~~الوقت في ترك النكير باليد واللسان وقد كان فقهاء التابعين وقراؤهم خرجوا ~~عليه مع ابن الأشعث إنكارا منهم لكفره وظلمه وجوره فجرت بينهم تلك الحروب ~~المشهورة وقتل منهم من قتل ووطئهم بأهل الشام حتى لم يبقى أحد ينكر عليه ~~شيئا يأتيه إلا بقلبه وقد روى ابن مسعود في ذلك ما حدثنا جعفر بن محمد قال ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن أبي ~~جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن عبد الله بن مسعود أنه ذكر ~~عنده هذه الآية عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ms1681 إذا اهتديتم فقال لم يجيء ~~تأويلها بعد إن القرآن أنزل حين أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ~~وكان منه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومنه آي وقع ~~تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم يسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ~~ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب من الجنة ~~والنار قال فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق ~~بعضكم بأس بعض # PageV04P157 # فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلف القلوب والأهواء ولبستم ~~شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فأمر أو نفسه عند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال أبو ~~بكر يعني عبد الله بقوله لم يجيء تأويلها بعد أن الناس في # عصره كانوا ممكنين من تغيير المنكر لصلاح السلطان والعامة وغلبة الأبرار ~~للفجار فلم يكن أحد منهم معذورا في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~باليد واللسان ثم إذا جاء حال التقية وترك القبول وغلبت الفجار سوغ السكوت ~~في تلك الحال مع الإنكار بالقلب وقد يسع السكوت أيضا في الحال التي قد علم ~~فاعل المنكر أنه يفعل محظورا ولا يمكن الإنكار باليد ويغلب في الظن بأنه لا ~~يقبل إذا قتل فحينئذ يسع السكوت وقد روي نحوه عن ابن مسعود في تأويل الآية ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~هشيم قال أخبرنا يونس عن الحسن عن ابن مسعود في هذه الآية عليكم أنفسكم قال ~~قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم فأخبر ابن مسعود أنه في ~~سعة من السكوت إذا ردت ولم تقبل وذلك إذا لم يمكنه تغييره بيده لأنه لا ~~يجوز أن يتوهم عن ابن مسعود إباحته ترك النهي عن المنكر مع إمكان تغييره # حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~قال حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو ابن أبي عمرو عن عبد الله بن ms1682 عبد الرحمن ~~الأشهلي عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي ~~نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمكم الله بعقاب من عنده ~~ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم # قال أبو عبيدة وحدثنا حجاج عن حمزة الزيات عن أبي سفيان عن أبي نضرة قال ~~جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أعمل بأعمال الخير كلها إلا خصلتين قال ~~وما هما قال لا آمر بالمعروف ولا أنهى عن المنكر قال لقد طمست سهمين من ~~سهام الإسلام إن شاء غفر لك وإن شاء عذبك قال أبو عبيد وحدثنا محمد بن يزيد ~~عن جويبر عن الضحاك قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضتان من فرائض ~~الله تعالى كتبهما الله عز وجل قال أبو عبيد أخبروني عن سفيان بن عيينة قال ~~حدثت ابن شبرمة بحديث ابن عباس من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة لم ~~يفر فقال أما أنا فأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا لا يعجز ~~الرجل عن اثنين أن يأمرهما أو ينهاهما وذهب ابن عباس في ذلك إلى قوله تعالى # PageV04P158 # فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله والله مع الصابرين وجائز أن يكون ذلك أصلا فيما يلزم من تغيير ~~المنكر وقال مكحول في قوله تعالى عليكم أنفسكم إذا هاب الواعظ وأنكر ~~الموعوظ فعليك حينئذ نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت والله الموفق. ### | باب الشهادة على الوصية في السفر # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم قد اختلف في معنى ~~الشهادة هاهنا قال قائلون هي الشهادة على الوصية في السفر وأجازوا بها ~~شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر وروى الشعبي عن أبي موسى أن رجلا ~~مسلما توفي بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين ~~من أهل الكتاب فأحلفهما أبى موسى بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا ~~بدلا ولا كتما ولا غير او أنها ms1683 لوصية الرجل وتركته فأمضى أبو موسى شهادتهما ~~وقال هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال آخرون معنى شهادة بينكم حضور الوصيين من قولك شهدته إذا حضرته وقال ~~آخرون إنما الشهادة هنا أيمان الوصية بالله إذا ارتاب الورثة بهما وهو قول ~~مجاهد فذهب أبو موسى إلى أنها الشهادة على الوصية التي تثبت بها عند الحكام ~~وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ وروي مثله عن شريح هو قول الثوري وابن أبي ليلى ~~والأوزاعي وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابن سيرين ~~وعبيدة وشريح والشعبي أو آخران من غيركم من غير ملتكم وروي عن الحسن ~~والزهري من غير قبيلتكم فأما تأويل من تأولها على اليمين دون الشهادة التي ~~تقام عند الحكام فقول مرغوب عنه وإن كانت اليمين قد تسمى شهادة في نحو قوله ~~تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله لأن الشهادة إذا أطلقت فهي الشهادة ~~المتعارفة كقوله تعالى وأقيموا الشهادة لله واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولا ~~يأب الشهداء إذا ما دعوا وأشهدوا ذوى عدل منكم كل ذلك قد عقل به الشهادات ~~على الحقوق لا الأيمان وكذلك قوله تعالى شهادة بينكم المفهوم فيه الشهادة ~~المتعارفة ويدل عليه قوله تعالى إذا حضر أحدكم الموت ويبعد أن يكون المراد ~~أيمان بينكم إذا حضر أحدكم الموت لأن حال الموت ليس حالا للأيمان ثم زاد ~~بذلك بيانا بقوله اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم يعنى والله أعلم إن # PageV04P159 # لم توجد ذوا عدل منكم ولا يختلف في حكم اليمين وجود ذوي العدل وعدمهم ~~وقوله تعالى ولا نكتم شهادة الله يدل على ذلك أيضا لأن اليمين موجودة ظاهرة ~~غير مكتوبة # ثم ذكر يمين الورثة بعد اختلاف الوصيين على مال الميت وإنما الشهادة التي ~~هي اليمين هي المذكورة في قوله تعالى لشهادتنا أحق من شهادتهما # ثم قوله ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها يعني به الشهادة على ~~الوصية إذ غير جائز أن يقول أن يأتوا ms1684 باليمين على وجهها وقوله تعالى أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم يدل أيضا على أن الأول شهادة لأنه ذكر ~~الشهادة واليمين كل واحدة بحقيقة لفظها فأما تأويل من تأول قوله أو آخران ~~من غيركم من غير قبيلتكم فلا معنى له والآية تدل على خلافه لأن الخطاب توجه ~~إليهم بلفظ الإيمان من غير ذكر للقبيلة في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~شهادة بينكم ثم قال أو آخران من غيركم يعني من غير المؤمنين ولم يجر ~~للقبيلة ذكر حتى ترجع إليه الكناية ومعلوم أن الكناية إنما ترجع إما إلى ~~الظهر مذكور في الخطاب أو معلوم بدلالة الحال فما لم تكن هنا دلالة على ~~الحال ترجع الكناية إليها يثبت أنها راجعة إلى من تقدم ذكره في الخطاب من ~~المؤمنين وصح أن المراد من غير المؤمنين فاقتضت الآية جواز شهادة أهل الذمة ~~على وصية المسلم في السفر وقد روي في تأويل الآية عن عبد الله بن مسعود ~~وأبي موسى وشريح وعكرمة وقتادة وجوه مختلفة وأشبهها بمعنى الآية ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا ~~يحيى بن آدم قال حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن أبي القاسم عن عبد الملك ~~بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال خرج رجل من بني سهم مع تميم ~~الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا ~~جام فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وجد الجام ~~بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم قال فنزلت فيهم يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم # فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بديا لأن الورثة اتهموهما بأخذه ~~ثم لما ادعيا أنهما اشتريا الجام من الميت استحلف الورثة وجعل القول قولهم ~~في أنه لم يبع وأخذوا الجام ويشبه أن يكون ما قال أبو موسى في قبول ms1685 شهادة ~~الذميين على وصية المسلم في السفر وأن ذلك لم يكن منذ عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الآن هو هذه القصة التي في حديث ابن عباس # PageV04P160 # وقد روى عكرمة في قصة تميم الداري نحو رواية ابن عباس واختلف في بقاء حكم ~~جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر فقال أبو موسى وشريح هي ~~ثابتة وقول ابن عباس ومن قال أو آخران من غيركم إنه من غير المسلمين يدل ~~على أنهم تأولوا الآية على جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر ~~ولا يحفظ عنهم بقاء هذا الحكم أو نسخه وروي عن زيد بن أسلم في قوله تعالى ~~شهادة بينكم قال كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام وذلك في ~~أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة فكان الناس يتوارثون بالمدينة بالوصية ثم نسخت الوصية وفرضت ~~الفرائض وعمل المسلمون بها وروي عن إبراهيم النخعي قال هي منسوخة نسختها ~~وأشهدوا ذوى عدل منكم # وروى ضمرة بن جندب وعطية بن قيس قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها # قال جبير بن نفير عن عائشة قالت المائدة من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها ~~من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فاستحرموه وروى أبو إسحاق عن أبي ميسرة ~~قال في المائدة ثماني عشرة فريضة وليس فيها منسوخ وقال الحسن لم ينسخ من ~~المائدة شيء فهؤلاء ذهبوا إلى أنه ليس في الآية شيء منسوخ والذي يقتضيه ~~ظاهر الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم في السفر سواء كان في ~~الوصية بيع أو إقرار بدين أو وصية بشيء أو هبة أو صدقة هذا كله يشتمل عليه ~~اسم الوصية إذا عقده في مرضه وعلى أن الله تعالى أجاز شهادتهما عليه الوصية ~~لم يخصص بها الوصية دون غيرها وحين الوصية قد يكون إقرار بدين أو بمال عين ~~وغيره لم ms1686 تفرق الآية بين شيء منه ثم قد روي أن آية الذين من آخر ما نزل من ~~القرآن وإن كان قوم قد ذكروا أن المائدة من آخر ما نزل وليس يمتنع أن ~~يريدوا بقولهم من آخر ما نزل من آخر سورة نزلت في الجملة لا على أن كل آية ~~منها من آخر ما نزل وإن كان كذلك فآية الدين لا محالة ناسخة لجواز شهادة ~~أهل الذمة على الوصية في السفر لقوله إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى- إلى ~~قوله- واستشهدوا شهيدين من رجالكم وهم المسلمون لا محالة لأن الخطاب توجه ~~إليهم باسم الإيمان ولم يخصص بها حال الوصية دون غيرها فهي عامة في الجميع ~~ثم قال ممن ترضون من الشهداء وليس الكفار بمرضيين في الشهادة على المسلمين ~~فتضمنت آية الدين # PageV04P161 # نسخ شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر وفي الحضر أو في الوصية ~~وغيرها فانتظمت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم ومن حيث دلت ~~على جوازها على وصية المسلم في السفر فهي دالة أيضا على وصية الذمي ثم نسخ ~~فيها جوازها على وصية المسلم بآية الدين وبقي حكمها على الذمي في السفر ~~وغيره إذ كانت حالة السفر والحضر سواء في حكم الشهادات وعلى جواز شهادة ~~الوصيين على وصية الميت لأن في التفسير أن الميت أوصى إليهما وأنهما شهدا ~~على وصيته ودلت على أن القول قول الوصي فيما في يده للميت مع يمينه لأنهما ~~على ذلك استحلفا ودلت على أن دعواهما شرى شيء من الميت غير مقبولة إلا ~~ببينة وأن القول قول الورثة أن الميت لم يبع ذلك منهما مع أيمانهم قوله ~~تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها يعني والله أعلم أقرب أن لا ~~يكتموا ولا يبدلوا أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم يعني إذا حلفا ما ~~غيرا ولا كتما ثم عثر على شيء من مال الميت عندهما أن تجعل أيمان الورثة ~~أولى من أيمانهم بديا أنهما ما غيرا ولا كتما على ما روي عن ابن عباس في ~~قصة ms1687 تميم الداري وعدي بن بداء وقوله تعالى تحبسونهما من بعد الصلاة فإنه ~~روى عن ابن سيرين وقتادة فاستحلفا بعد العصر وإنما استحلفا بعد العصر ~~تغليظا لليمين في الوقت المعظم كما قال تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى قيل صلاة العصر وقد روي عن أبي موسى أنه استحلف بعد العصر في هذه ~~القصة وقد روي تغليظ اليمين بالاستحلاف في البقعة المعظمة # وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حلف عند هذا المنبر على ~~يمين آثمة فليتبوأ مقعده من النار ولو على سواك أخضر # فأخبر أن اليمين الفاجرة عند المنبر أعظم مأثما وكذلك سائر المواضع ~~الموسومة للعبادات ولتعظيم الله تعالى وذكره فيها تكون المعاصي فيها أعظم ~~إثما ألا ترى أن شرب الخمر والزنا في المسجد الحرام وفي الكعبة أعظم مأثما ~~منه في غيره وليست اليمين عند المنبر وفي المسجد في الدعاوى بواجبة وإنما ~~ذلك على وجه الترهيب وتخويف العقاب وحكي عن الشافعي أنه يستحلف بالمدينة ~~عند المنبر واحتج له بعض أصحابه بحديث جابر الذي ذكرنا # وبحديث وائل بن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي لك يمينه ~~قال إنه رجل فاجر لا يبالي قال ليس لك منه إلا ذلك فانطلق ليحلف فلما أدبر ~~ليحلف قال من حلف على مال ليأكله ظلما لقي الله وهو عنه معرض # وبحديث أشعث بن قيس وفيه فانطلق ليحلف # PageV04P162 # فقالوا # قوله من حلف عند هذا المنبر على يمين آثمة # يدل على أن الأيمان قد كانت تكون عنده قال أبو بكر وليس فيه دلالة على أن ~~ذلك مسنون وإنما قال ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجلس هناك ~~فلذلك كان يقع الاستحلاف عند المنبر واليمين عند المنبر أعظم مأثما إذا ~~كانت كاذبة لحرمة الموضع فلا دلالة فيه على أنه ينبغي أن تكون عند المنبر ~~والشافعي لا يستحلف في الشيء التافه عند المنبر وقد ذكر في الحديث ولو على ~~سواك أخضر فقد خالف الخبر على أصله وأما قوله انطلق ليحلف وأنه لما ms1688 أدبر ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال فإنه لا دلالة فيه على أنه ذهب إلى ~~الموضع وإنما المراد بذلك العزيمة والتصميم عليه قال تعالى ثم أدبر واستكبر ~~لم يرد به الذهاب إلى الموضع وإنما أراد التولي عن الحق والإصرار عليه وما ~~روي عن الصحابة في الحلف عند المنبر وبين الركن والمقام فإنما كان ذلك لأنه ~~كان ينفق الحكومة هناك ولا ينكر أن تكون اليمين هناك أغلظ ولكنه ليس بواجب # لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين على المدعى عليه # ولم يخصصها بمكان ولكن الحاكم إن رأى تغليظ اليمين باستحلافه عند المنبر ~~إن كان بالمدينة وفي المسجد الحرام إن كان بمكة جاز له ذلك كما أمر الله ~~باستحلاف هذين الوصيين بعد صلاة العصر لأن كثيرا من الكفار يعظمونه ووقت ~~غروب الشمس. # (فصل) قد تضمنت هذه الآية الدلالة على جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على ~~بعض وذلك لأنها قد اقتضت جواز شهاداتهم على المسلمين وهي على أهل الذمة ~~أجوز فقد دلت الآية على جواز شهادتهم على أهل الذمة في الوصية في السفر ~~ولما نسخ منها جوازها على المسلمين بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه- إلى قوله- واستشهدوا شهيدين من رجالكم ~~بقي بذلك جواز شهادة أهل الذمة عليهم ونسخ بذلك قوله أو آخران من غيركم ~~وبقي حكم دلالتها في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر وإذا كان ~~حكمها باقيا في جوازها على أهل الذمة في الوصية في السفر اقتضى جوازها ~~عليهم في سائر الحقوق لأن كل من يجيزها على أهل الذمة في الوصية في السفر ~~ومنع جوازها على المسلمين في ذلك أجازها على أهل الذمة في سائر الحقوق فإن ~~قال قائل فإن ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي يجيزون شهادة أهل الذمة على ~~وصية المسلم في السفر على ما روي عن أبي موسى وشريح ولا يجيزونها على الذمي # PageV04P163 # في سائر الحقوق قيل له قد بينا أنها منسوخة على المسلمين باقية على أهل ~~الذمة في سائر الحقوق ms1689 وقبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت ~~مللهم قول أصحابنا وعثمان البتي والثوري وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي ~~والحسن وصالح والليث تجوز شهادة أهل كل ملة بعضهم على بعض ولا تجوز على ملة ~~غيرها وقال مالك والشافعي لا تجوز شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض وما ذكرنا ~~من دلالة الآية يقتضي تساوي شهادات أهل الملل بقوله تعالى أو آخران من ~~غيركم يعني غير المؤمنين المبدوء بذكرهم ولم تفرق بين الملل ومن حيث اقتضت ~~جواز شهادة أهل الملل على وصية المسلم في السفر وهي دالة على جواز شهادتهم ~~على الكفار في ذلك مع اختلاف مللهم ومما يوجب جواز شهادة أهل الذمة بعضهم ~~على بعض من جهة السنة ما # روى مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكروا أن رجلا وامرأة منهم زنيا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~برجمهما # وروى الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يهودي محمم فقال ما شأن هذا فقالوا زنى فرجمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وروي جابر عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه اليهود برجل ~~وامرأة زنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ائتوني بأربعة منكم يشهدون فشهد ~~أربعة منهم فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم # وعن الشعبي قال تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض وعن شريح وعمر بن ~~عبد العزيز والزهري مثله وقال ابن وهب خالف مالك معلميه في رد شهادة ~~النصارى بعضهم على بعض وكان ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة يجيزونها وقال ~~ابن أبي عمران من أصحابنا سمعت يحيى بن أكثم يقول جمعت هذا الباب فما وجد ~~عن أحد من المتقدمين رد شهادة النصارى بعضهم على بعض إلا من ربيعة فإني ~~وجدت عنه ردها ووجدت عنه إجازتها قال أبو بكر قد ذكرنا حكم الآية على ~~الوجوه التي رويت فيها عن السلف وما نسخ منها ms1690 وما هو منها ثابت الحكم ~~فلنذكر الآية على سياقها مع بيان حكمها على ما اقتضاه ترتيبها على السبب ~~الذي نزلت فيه فنقول وبالله التوفيق إن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~شهادة بينكم يعتوره معنيان أحدهما شهادة بينكم شهادة اثنين ذوي عدل منكم ~~فحذف ذكر الشهادة الثانية لعلم المخاطبين بالمراد ويحتمل عليكم شهادة بينكم ~~فهو أمر بإشهاد اثنين ذوي عدل كقوله تعالى في الدين واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم فأفاد الأمر بإشهاد شاهدين عدلين من المسلمين أو آخرين من غير ~~المسلمين على وصية # PageV04P164 # المسلم في السفر وكان نزولها على السبب الذي تقدم ذكره من رواية ابن عباس ~~في قصة تميم الداري وعدي بن بداء فذكر بعض السبب في الآية ثم قال إن أنتم ~~ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فجعل شرط قبول شهادة الذميين على ~~الوصية أن تكون في حال السفر وقوله حين الوصية قد تضمن أن يكون الشاهدان ~~هما الوصيين لأن الموصي أوصى إلى ذميين ثم جاءا فشهدا بوصية فضمن ذلك جواز ~~شهادة الوصيين على وصية الميت ثم قال فأصابتكم مصيبة الموت يعنى قصة الموت ~~الموصى قال تحبسونهما من بعد الصلاة يعني لما اتهمهما الورثة في حبس شيء من ~~مال الميت وأخذه على ما رواه عكرمة في قصة تميم الداري وعلى ما قاله أبو ~~موسى في استحلافه الذميين ما خانا ولا كذبا فصار مدعى عليهما فلذلك استحلفا ~~لا من حيث كانا شاهدين ويدل عليه قوله تعالى فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله يعني فيما أوصى به ~~الميت وأشهدهما عليه ثم قال تعالى فإن عثر على أنهما استحقا إثما يعني ظهور ~~شيء من مال الميت في أيديهما بعد ذلك وهو جام الفضة الذي ظهر في أيديهما من ~~مال الميت فزعما أنهما كانا اشتريا من مال الميت ثم قال تعالى فآخران ~~يقومان مقامهما يعني في اليمين لأنهما صارا في هذه الحال مدعيين للشرى ~~فصارت اليمين على الورثة وعلى أنه لم يكن للميت ms1691 إلا وارثان فكانا مدعى ~~عليهما فلذلك استحلفا ألا ترى أنه قال من الذين استحق عليهم الأوليان ~~فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما يعني أن هذه اليمين أولى من اليمين ~~التي حلف بها الوصيان أنهما ما خانا ولا بد لا لأن الوصيين صارا في هذه ~~الحال مدعيين وصار الوارثان مدعى عليهما وقد كان برئا في الظاهر بديا ~~بيمينهما فمضت شهادتهما على الوصية فلما ظهر في أيديهما شيء من مال الميت ~~صارت أيمان الوارثين أولى وقد اختلف في تأويل قوله تعالى الأوليان فروي عن ~~سعيد بن جبير قال معنى الأوليان بالميت يعني الورثة وقيل الأوليان بالشهادة ~~وهي الأيمان في هذا الموضع وليس في الآية دلالة على إيجاب اليمين على ~~الشاهدين فيما شهدا به وإنما أوجبت اليمين عليهما لما ادعى الورثة عليهما ~~الخيانة وأخذ شيء من تركة الميت فصار بعض ما ذكر في هذه الآيات من الشهادات ~~أيمانا وقال بعضهم الشهادة على الوصية كالشهادة على الحقوق لقوله تعالى ~~شهادة بينكم لا محالة أريد بها شهادات الحقوق لقوله اثنان ذوا عدل منكم # PageV04P165 # أو آخران من غيركم # وقوله بعد ذلك فيقسمان بالله لا يحتمل غير اليمين ثم قال فآخران يقومان ~~مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا يعني بها ~~اليمين لأن هذه أيمان الوارثين وقوله أحق من شهادتهما يحتمل من يمينهما ~~ويحتمل من شهادتهما لأن الوصيين قد كان منهما شهادة ويمين وصارت يمين ~~الوارث أحق من شهادة الوصيين ويمينهما لأن شهادتهما لأنفسهما غير جائزة ~~ويميناهما لم توجب تصحيح دعواهما في شراء ما ادعيا شراءه من الميت ثم قال ~~تعالى ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها يعني والله أعلم بالشهادة على ~~الوصية وأن لا يخونوا ولا يغيروا يعني أن ما حكم الله تعالى # به من ذلك من الأيمان وإيجابها تارة على الشهود فيما ادعي عليهما من ~~الخيانة وتارة على الورثة فيما ادعى الشهود من شرى شيء من مال الميت وأنهم ~~متى علموا ذلك أتوا بالشهادة على وصية الميت على وجهها أو يخافوا أن ms1692 ترد ~~أيمان بعد أيمانهم ولا يقتصروا على أيمانهم ولا يبرئهما ذلك من أن يستحق ~~عليهم ما كتموه وادعوا شراه إذا حلف الورثة على ذلك والله أعلم. ### | (سورة الأنعام) # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب النهي عن مجالسة الظالمين # قال الله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم الآية فأمر ~~الله نبيه بالإعراض عن الذين يخوضون في آيات الله وهي القرآن بالتكذيب ~~وإظهار الاستخفاف إعراضا يقتضي الإنكار عليهم وإظهار الكراهة لما يكون منهم ~~إلى أن يتركوا ذلك ويخوضوا في حديث غيره وهذا يدل على أن علينا ترك مجالسة ~~الملحدين وسائر الكفار عند إظهارهم الكفر والشرك وما لا يجوز على الله ~~تعالى إذا لم يمكننا إنكاره وكنا في تقية من تغييره باليد أو اللسان لأن ~~علينا اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمره الله به إلا أن تقوم ~~الدلالة على أنه مخصوص بشيء منه قوله تعالى وإما ينسينك الشيطان المراد إن ~~أنساك الشيطان ببعض الشغل فقعدت معهم وأنت ناس للنهي فلا شيء عليك في تلك ~~الحال ثم قال تعالى فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين يعنى بعد ما ~~تذكر نهي الله تعالى لا تقعد مع الظالمين وذلك عموم في النهي عن مجالسة ~~سائر الظالمين من أهل الشرك # PageV04P166 # وأهل الملة لوقوع الاسم عليهم جميعا وذلك إذا كان في تقية من تغييره بيده ~~أو بلسانه بعد قيام الحجة على الظالمين بقبح ما هم عليه فغير جائز لأحد ~~مجالستهم مع ترك النكير سواء كانوا مظهرين في تلك الحال للظلم والقبائح أو ~~غير مظهرين له لأن النهي عام عن مجالسة الظالمين لأن في مجالستهم مختارا مع ~~ترك النكير دلالة على الرضا بفعلهم ونظيره قوله تعالى لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل الآيات وقد تقدم ذكر ما روي فيه وقوله تعالى ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار # قوله تعالى وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر ~~به أن تبسل نفس بما كسبت قال قتادة هي منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين ms1693 ~~وقال مجاهد ليست بمنسوخة لكنه على جهة التهدد كقوله تعالى ذرني ومن خلقت ~~وحيدا وقوله تبسل قال الفراء ترتهن وقال الحسن ومجاهد والسدي تسلم وقال ~~قتادة تحبس وقال ابن عباس تفضح وقيل أصله الارتهان وقيل التحريم ويقال أسد ~~باسل لأن فريسته مرتهنة به لا تفلت منه وهذا بسل عليك أي حرام عليك لأنه ~~مما يرتهن به ويقال أعطي الراقي بسلته أي أجرته لأن العمل مرتهن بالأجرة ~~والمستبسل المستسلم لأنه بمنزلة المرتهن بما أسلم فيه # قوله تعالى فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى قيل فيه ثلاثة أوجه ~~أحدها أنه قال ذلك في أول حال نظره واستدلاله على ما سبق إلى وهمه وغلب في ~~ظنه لأن قومه قد كانوا يعبدون الأوثان على أسماء الكواكب فيقولون هذا صنم ~~زحل وصنم الشمس وصنم المشتري ونحو ذلك والثاني أنه قال قبل بلوغه وقبل ~~إكمال الله تعالى عقله الذي به يصح التكليف فقال ذلك وقد خطرت بقلبه الأمور ~~وحركته الخواطر والدواعي على الكفر فيما شاهده من الحوادث الدالة على توحيد ~~الله تعالى وروي في الخبر أن أمه كانت ولدته في مغار خوفا من نمرود لأنه ~~كان يقتل الأطفال المولودين في ذلك الزمان فلما خرج من المغار قال هذا ~~القول حين شاهد الكواكب والثالث أنه قال ذلك على وجه الإنكار على قومه وحذف ~~الألف وأراد أهذا ربي قال الشاعر: # كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا # ومعناه أكذبتك وقال آخر: # رفونى وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم # PageV04P167 # معناه أهم هم ومعنى قوله لا أحب الآفلين إخبار بأنه ليس برب ولو كان ربا ~~لأحببته وعظمته تعظيم الرب وهذا الاستدلال الذي سلك إبراهيم طريقه من أصح ~~ما يكون من الاستدلال وأوضحه وذلك أنه لما رأى الكوكب في علوه وضيائه قرر ~~نفسه على ما ينقسم إليه حكمه من كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا فلما رآه ~~طالعا آفلا ومتحركا زائلا قضى بأنه محدث لمقارنته لدلالات الحدث وأنه ليس ~~برب لأنه ms1694 علم أن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام وأن ذلك مستحيل فيه كما ~~استحال ذلك منه إذ كان محدثا فحكم بمساواته له في جهة الحدوث وامتناع كونه ~~خالقا ربا ثم لما طلع القمر فوجده من العظم والإشراق وانبساط النور على ~~خلاف الكواكب قرر أيضا نفسه على حكمه فقال هذا ربي فلما رعاه وتأمل حاله ~~وجده في معناه في باب مقارنته للحوادث من الطلوع والأفول والانتقال والزوال ~~حكم له بحكمه وإن كان أكبر وأضوأ منه ولم يمنعه ما شاهد من اختلافهما من ~~العظم والضياء من أن يقضى له بالحدوث لوجود دلالات الحدث فيه ثم لما أصبح ~~رأى الشمس طالعة في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها قال هذا ربي لأنها بخلاف ~~الكواكب والقمر في هذه الأوصاف ثم لما رآها آفلة منتقلة حكم لها بالحدوث ~~أيضا وأنها في حكم الكواكب والقمر لشمول دلالة الحدث للجميع وفيما أخبر ~~الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام # وقوله عقيب ذلك وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه أوضح دلالة على وجوب ~~الاستدلال على التوحيد وعلى بطلان قول الحشو القائلين بالتقليد لأنه لو جاز ~~لأحد أن يكتفي بالتقليد لكان أولاهم به إبراهيم عليه السلام فلما استدل ~~إبراهيم على توحيد الله واحتج به على قومه ثبت بذلك أن علينا مثله وقد قال ~~في نسق التلاوة عند ذكره إياه مع سائر الأنبياء # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فأمرنا الله تعالى بالاقتداء به في ~~الاستدلال على التوحيد والاحتجاج به على الكفار ومن حيث دلت أحوال هذه ~~الكواكب على أنها مخلوقة غير خالقة ومربوبة غير رب فهي دالة أيضا على أن من ~~كان في مثل حالها في الانتقال والزوال والمجيء والذهاب لا يجوز أن يكون ربا ~~خالقا وأنه يكون مربوبا فدل على أن الله تعالى لا يجوز عليه الانتقال ولا ~~الزوال ولا المجيء ولا الذهاب لقضية استدلال إبراهيم عليه السلام بأن من ~~كان بهذه الصفة فهو محدث وثبت بذلك أن من عبد ما هذه صفته فهو غير عالم ~~بالله # PageV04P168 # تعالى وأنه بمنزلة ms1695 من عبد كوكبا أو بعض الأشياء المخلوقة وفيه الدلالة ~~على أن معرفة الله تعالى تجب بكمال العقل قبل إرسال الرسل لأن إبراهيم عليه ~~السلام استدل عليها قبل أن يسمع بحجج الأنبياء عليهم السلام قوله تعالى ~~وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه يعني والله أعلم ما ذكر من الاستدلال ~~على حدوث الكوكب والقمر والشمس وأن من كان في مثل حالها من مقارنة الحوادث ~~له لا يكون إلها ولما قرر ذلك عندهم قال أى الفريقين أحق بالأمن أمن يعبد ~~إلها واحدا أحق أم من يعبد آلهة شتى قالوا من يعبد إلها واحدا فأقروا على ~~أنفسهم فصاروا محجوجين وقيل إنهم لما قالوا له أما تخاف أن تخبلك آلهتنا ~~قال لهم أما تخافون أن تخبلكم بجمعكم الصغير مع الكبير في العبادة فأبطل ~~ذلك حجاجهم عليه من حيث رجع عليهم ما أرادوا إلزامه إياه فألزمهم مثله على ~~أصلهم وأبطل قولهم بقوله قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ~~أمر لنا بالاقتداء بمن ذكر من الأنبياء في الاستدلال على توحيد الله تعالى ~~على نحو ما ذكرنا من استدلال إبراهيم عليه السلام ويحتج بعمومه في لزوم ~~شرائع من كان قبلنا من الأنبياء بأنه لم يخصص بذلك الاستدلال على التوحيد ~~من الشرائع السمعية وهو على الجميع وقد بينا ذلك في أصول الفقه قوله تعالى ~~لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار يقال إن الإدراك أصله اللحوق نحو قولك ~~أدرك زمان المنصور وأدرك أبا حنيفة وأدرك الطعام أي لحق حال النضج وأدرك ~~الزرع والثمرة وأدرك الغلام إذا لحق حال الرجال وإدراك البصر للشيء لحوقه ~~له برؤيته إياه لأنه لا خلاف بين أهل اللغة أن قول القائل أدركت ببصري شخصا ~~معناه رأيته ببصري ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة لأن البيت محيط بما ~~فيه وليس مدركا له # فقوله تعالى لا تدركه الأبصار معناه لا تراه الأبصار وهذا تمدح بنفي رؤية ~~الأبصار كقوله تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإن ~~إثبات ضده ذم ونقص فغير ms1696 جائز إثبات نقيضه بحال كما لو بطل استحقاق الصفة ~~بلا تأخذه سنة ولا نوم لم يبطل إلا إلى صفة نقص فلما تمدح بنفي رؤية البصر ~~عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال إذ كان فيه إثبات صفة نقص ولا يجوز أن ~~يكون مخصوصا بقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لأن النظر محتمل ~~لمعان منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف فلما كان ذلك محتملا ~~للتأويل لم يجز الاعتراض # PageV04P169 # عليه بلا مسوغ للتأويل فيه والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها ~~العلم لو صحت وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك لأن ~~الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة # قوله تعالى ولو شاء الله ما أشركوا معناه لو شاء الله أن يكونوا على ضد ~~الشرك من الإيمان قسرا ما أشركوا لأن المشيئة إنما تتعلق بالفعل أن يكون لا ~~بأن لا يكون فمتعلق المشيئة محذوف وإنما المراد بهذه المشيئة الحال التي ~~تنافي الشرك قسرا بالانقطاع عن الشرك عجزا ومنعا وإلجاء فهذه الحال لا ~~يشأها الله تعالى لأن المنع من المعصية بهذه الوجوه منع من الطاعة وإبطال ~~للثواب والعقاب في الآخرة # قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ~~قال السدي لا تسبوا الأصنام فيسبوا من أمركم بما أنتم عليه من عيبها وقيل ~~لا تسبوا الأصنام فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون كما سببتم ~~من يعبدون وفي ذلك دليل على أن المحق عليه أن يكف عن سب السفهاء الذين ~~يتسرعون إلى سبه على وجه المقابلة له لأنه بمنزلة البعث على المعصية قوله ~~تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ظاهره أمر ومعناه ~~الإباحة كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا- فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض هذا إذا أراد بأكله التلذذ فهو إباحة يحتمل الترغيب في اعتقاد صحة ~~الإذن فيه في أكله للاستعانة به على طاعة الله تعالى فيكون آكله في هذه ~~الحال مأجورا # ومن الناس من ms1697 يقول إن كنتم بآياته مؤمنين يدل على حظر أكل ما لم يذكر اسم ~~الله عليه لاقتضائه مخالفة المشركين في أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وقوله ~~مما ذكر اسم الله عليه عموم في سائر الأذكار ويحتج به على جواز أكل ذبح ~~الغاصب للشاة المغصوبة وفي الذبح بسكين مغصوبة أن المالك للشاة أكلها لقوله ~~تعالى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إذ كان ذلك مما قد ذكر اسم الله عليه # قوله تعالى وذروا ظاهر الإثم وباطنه قال الضحاك كان أهل الجاهلية يرون ~~إعلان الزنا إثما والاستسرار به غير إثم فقال الله تعالى وذروا ظاهر الإثم ~~وباطنه وهو عموم في سائر ما يسمى بهذا الاسم أن عليه تركه سرا وعلانية فهو ~~يوجب تحريم الخمر أيضا لقوله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ويجوز أن يكون ظاهر الإثم ما يفعله بالجوارح وباطنه ما يفعله بقلبه من ~~الاعتقادات والفصول ونحوها مما حظر عليه فعله منها # قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق # PageV04P170 # فيه نهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه وقد اختلف في ذلك فقال أصحابنا ~~ومالك والحسن بن صالح إن ترك المسلم التسمية عمدا لم يؤكل وإن تركها ناسيا ~~أكل وقال الشافعي يؤكل في الوجهين وذكر مثله عن الأوزاعي وقد اختلف أيضا في ~~تارك التسمية ناسيا # فروي عن علي وابن عباس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وابن ~~شهاب وطاوس قالوا لا بأس بأكل ما ذبح ونسي التسمية عليه # وقال علي إنما هي على الملة # وقال ابن عباس المسلم ذكر الله في قلبه وقال كما لا ينفع الاسم في الشرك ~~لا يضر النسيان في الملة وقال عطاء المسلم تسمية اسم الله تعالى المسلم هو ~~اسم من أسماء الله تعالى والمؤمن هو اسم من أسمائه والمؤمن تسمية للذابح ~~وروى أبو خالد الأصم عن ابن عجلان عن نافع أن غلاما لابن عمر قال له يا عبد ~~الله قل بسم الله قال قد ms1698 قلت قال قل بسم الله قال قد قلت قال قل بسم الله ~~قال قد قلت قال فذبح فلم يأكل منه وقال ابن سيرين إذا ترك التسمية ناسيا لم ~~يؤكل وروى يونس بن عبيد عن مولى لقريش عن أبيه أنه أتى على غلام لابن عمر ~~قائما عند قصاب ذبح شاة ونسي أن يذكر اسم الله عليها فأمره ابن عمر أن يقوم ~~عنده فإذا جاء إنسان يشتري قال ابن عمر يقول إن هذه لم يذكها فلا تشتر وروى ~~شعبة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يذبح فينسى أن يسمي قال أحب إلي أن لا ~~يأكل وظاهر الآية موجب لتحريم ما ترك اسم الله عليه ناسيا كان ذلك أو عامدا ~~إلا أن الدلالة قد قامت عندنا على أن النسيان غير مراد به فأما من أباح ~~أكله مع ترك التسمية عمدا فقوله مخالف للآية غير مستعمل لحكمها بحال هذا مع ~~مخالفته للآثار المروية في إيجاب التسمية على الصيد والذبيحة فإن قيل إن ~~المراد بالنهي الذبائح التي ذبحها المشركون ويدل عليه ما روى شريك عن سماك ~~بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قال المشركون أما ما قتل ربكم فمات فلا ~~تأكلونه وأما ما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلونه فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه قال الميتة ويدل على ~~ذلك قوله تعالى في نسق التلاوة ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم فإذا كانت ~~الآية في الميتة وفي ذبائح المشركين فهي مقصودة الحكم ولم يدخل فيها ذبائح ~~المسلمين قيل له نزول الآية على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه بل الحكم ~~للعموم إذا كان أعم من السبب فلو كان المراد ذبائح المشركين لذكرها ولم ~~يقتصر على ذكر ترك التسمية وقد علمنا أن المشركين وإن سموا # PageV04P171 # على ذبائحهم لم تؤكل مثل ذلك على أنه لم يرد ذبائح المشركين إذ كانت ~~ذبائحهم غير مأكولة سموا الله عليها أو لم يسموا وقد نص الله تعالى على ~~تحريم ذبائح المشركين في ms1699 غير هذه الآية وهو قوله تعالى وما ذبح على النصب ~~وأيضا فلو أراد ذبائح المشركين أو الميتة لكانت دلالة الآية قائمة على فساد ~~التذكية بترك التسمية إذ جعل ترك التسمية علما لكونه ميتة فدل ذلك على أن ~~كل ما تركت التسمية عليه فهو ميتة وعلى أنه قد روي عن ابن عباس ما يدل على ~~أن المراد التسمية دون ذبيحة الكافر وهو ما رواه إسرائيل عن سماك عن عكرمة ~~عن ابن عباس وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم قال كانوا يقولون ما ذكر اسم ~~الله عليه فلا تأكلوه وما لم يذكر اسم الله فكلوه فقال الله تعالى ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فأخبر ابن عباس في هذا الحديث أن ~~المجادلة منهم كانت في ترك التسمية وأن الآية نزلت في إيجابها لا من طريق ~~ذبائح المشركين ولا الميتة ويدل على أن ترك التسمية عامدا يفسد الذكاة. # قوله تعالى يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من ~~الجوارح مكلبين- إلى قوله- واذكروا اسم الله عليه ومعلوم أن ذلك أمر يقتضي ~~الإيجاب وأنه غير واجب على الآكل فدل على أنه أراد به حال الاصطياد ~~والسائلون قد كانوا مسلمين فلم يبح لهم الأكل إلا بشريطة التسمية ويدل عليه ~~قوله تعالى فاذكروا اسم الله عليها صواف يعنى في حال النحر لأن الله تعالى ~~قال فإذا وجبت جنوبها والفاء للتعقيب ويدل عليه من جهة السنة # حديث عدي بن حاتم حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب فقال ~~إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل إذا أمسك عليك وإن وجدت معه ~~كلبا آخر وقد قتله فلا تأكله فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على ~~غيره # وقد كان عدي بن حاتم مسلما فأمره بالتسمية على إرسال الكلب ومنعه الأكل ~~عند عدم التسمية # بقوله فلا تأكله فإنما ذكرت الله على كلبك # وقد اقتضت الآية النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه والنهي عن ترك ~~التسمية أيضا ويدل على ms1700 تأكيد النهي عن ذلك قوله تعالى وإنه لفسق وهو راجع ~~إلى الأمرين من ترك التسمية ومن الأكل ويدل أيضا على أن المراد حال تركها ~~عامدا إذا كان الناسي لا يجوز أن تلحقه سمة الفسق ويدل عليه ما # روى عبد العزيز الدراوردي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الناس ~~قالوا يا رسول الله # PageV04P172 # إن الأعراب يأتون باللحم فبتنا عندهم وهم حديثو عهد بكفر لا ندري ذكروا ~~اسم الله عليه أم لا فقال سموا الله عليه وكلوا # فلو لم تكن التسمية من شرط الذكاة لقال وما عليكم من ترك التسمية ولكنه ~~قال كلوا لأن الأصل أن أمور المسلمين محمولة على الجواز والصحة فلا تحمل ~~على الفساد وما لا يجوز إلا بدلالة فإن قيل لو كان المراد ترك المسلم ~~التسمية لوجب أن يكون من استباح أكله فاسقا لقوله تعالى وإنه لفسق فلما ~~اتفق الجميع على أن المسلم التارك للتسمية عامدا غير مستحق بسمة الفسق دل ~~على أن المراد الميتة أو ذبائح المشركين قيل له ظاهر قوله وإنه لفسق عائد ~~على الجميع من المسلمين وغيرهم وقيام الدلالة على خصوص بعضهم غير مانع بقاء ~~حكم الآية في إيجاب التسمية على المسلم في الذبيحة وأيضا فإنا نقول من ترك ~~التسمية عامدا مع اعتقاده لوجوبها هو فاسق وكذلك من أكل ما هذا سبيله مع ~~الاعتقاد لأن ذلك من شرطها فقد لحقته سمة الفسق وأما من اعتقد أن ذلك في ~~الميتة أو ذبائح أهل الشرك دون المسلمين فإنه لا يكون فاسقا لزواله عند حكم ~~الآية بالتأويل فإن قال قائل لما كانت التسمية ذكرا ليس بواجب في استدامته ~~ولا في انتهائه وجب أن لا يكون واجبا في ابتدائه ولو كان واجبا لاستوى فيه ~~العامد والناسي قيل له أما القياس الذي ذكره فهو دعوى محض لم يرده على أصل ~~فلا يستحق الجواب على أنه منتقض بالإيمان والشهادتين وكذلك في التلبية ~~والاستيذان وما شاكل هذا لأن هذه إذا كانت ليست بواجبة في استدامتها ~~وانتهائها ومع ذلك فهي واجبة ms1701 في الابتداء وإنما قلنا إن ترك التسمية ناسيا ~~لا يمنع صحة الذكاة من قبل أن قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه خطاب للعامد دون الناسي ويدل عليه قوله تعالى في نسق التلاوة وإنه ~~لفسق وليس ذلك صفة للناسي ولأن الناسي في حال نسيانه غير مكلف للتسمية # وروى الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عبد الله ابن عباس ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وما استكرهوا عليه # وإذا لم يكن مكلفا للتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا ~~يفسده ترك التسمية وغير جائز إلزامه ذكاة أخرى لفوات ذلك منه وليس ذلك مثل ~~نسيان تكبيرة الصلاة أو نسيان الطهارة ونحوها لأن الذي يلزمه بعد الذكر هو ~~فرض آخر ولا يجوز أن يلزمه فرض آخر في الذكاة لفوات محلها فإن قيل لو كانت ~~التسمية من شرائط الذكاة # PageV04P173 # لما أسقطها النسيان كترك قطع الأوداج وهذا السؤال للفريقين من أسقط ~~التسمية رأسا ومن أوجبها في حال النسيان فأما من أسقطها فإنه يستدل علينا ~~باتفاقنا على سقوطها في حال النسيان وشرائط الزكاة لا يسقطها النسيان كترك ~~قطع الأوداج فدل على أن التسمية ليست بشرطها فيها ومن أوجبها في حال ~~النسيان يشبهها بترك قطع الحلقوم والأوداج ناسيا أو عامدا أنه يمنع صحة ~~الذكاة فأما من أسقط فرض التسمية رأسا فإن هذا السؤال لا يصح له لأنه يزعم ~~أن ترك الكلام من فروض الصلاة وكذلك فعل الطهارة وهما جميعا من شروطها ثم ~~فرق بين تارك الطهارة ناسيا وبين المتكلم في الصلاة ناسيا وكذلك النية شرط ~~في صحة الصوم وترك الأكل أيضا شرط فيه صحته ولو ترك النية ناسيا لم يصح ~~صومه ولو أكل ناسيا لم يفسد صومه فهذا سؤال ينتقض على أصل هذا السائل وأما ~~من أوجبها في حال النسيان واستدل بقطع الأوداج فإنه لا يصح له ذلك أيضا لأن ~~قطع الأوداج هو نفس الذبح الذي ينافي موته حتف ms1702 أنفه وينفصل به من الميتة ~~والتسمية مشروطة لذلك لا على أنها نفس الذبح بل هي مأمور بها عنده في حال ~~الذكر دون حال النسيان فلم يخرجه عدم التسمية على وجه السهو من وجود الذبح ~~فلذلك اختلفا # قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا الآية الحرث ~~الزرع والحرث الأرض التي تثار للزرع قال ابن عباس وقتادة عمد أناس من أهل ~~الضلالة فجزؤوا من حروثهم ومواشيهم جزأ لله تعالى وجزأ لشركائهم فكانوا إذا ~~خالط شيء مما جزءوا لشركائهم ما جزءوا لله تعالى ردوه على شركائهم وكانوا ~~إذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزءوا لله تعالى ووفروا ما جزءوا لشركائهم ~~وقيل إنهم كانوا إذا هلك الذي لأوثانهم أخذوا بدله مما لله تعالى ولا ~~يفعلون مثل ذلك فيما لله تعالى قال ذلك الحسن والسدي وقيل إنهم كانوا ~~يصرفون بعض ما جعلوه لله في النفقة على أوثانهم ولا يفعلون مثل ذلك فيما ~~جعلوه للأوثان وإنما جعل الأوثان شركائهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ~~ينفقونها عليها فشاركوها في نعمهم # قوله تعالى وقالوا هذه أنعام وحرث حجر قال الضحاك الحرث الزرع الذي جعلوه ~~لأوثانهم وأما الأنعام التي ذكرها أولا فهو ما جعلوه لأوثانهم كما جعلوا ~~الحرث للنفقة عليها في سدنتها وما ينوب من أمرها وقيل ما جعل منها قربانا ~~للأوثان وأما الأنعام التي ذكرت ثانيا فإن الحسن ومجاهدا قالا هي السائبة ~~والوصيلة والحامي وأما التي ذكرت ثالثا فإن # PageV04P174 # السدي وغيره قالوا هي التي إذا ولدوها أو ذبحوها أو ركبوها لم يذكروا اسم ~~الله عليها وقال أبو وائل هي التي لا يحجون عليها وقوله تعالى حجر قال ~~قتادة يعنى حراما وأصله المنع قال الله تعالى ويقولون حجرا محجورا أي حراما ~~محرما # قوله تعالى وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا قال ابن عباس ~~يعنون اللبن وقال سعيد عن قتادة ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ~~البحائر كانت للذكور دون النساء وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم # قوله تعالى قد خسر الذين قتلوا ms1703 أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم ~~الله قال قتادة يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي تحريما من الشيطان ~~في أموالهم وقال مجاهد والسدي ما في بطون هذه الأنعام يعني بها الأجنة وقال ~~غيرهم أراد بها الألبان والأجنة جميعا والخالص هو الذي يكون على معنى واحد ~~لا يشوبه شيء من غيره كالذهب الخالص ومنه إخلاص التوحيد وإخلاص العمل لله ~~تعالى وإنما أنث خالصة على المبالغة في الصفة كالعلامة والرواية وقيل على ~~تأنيث المصدر نحو العاقبة والعافية ومنه بخالصة ذكرى الدار وقيل لتأنيث ما ~~في بطونها من الأنعام ويقال فلان خالصة فلان وخلصانه وقوله تعالى وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء يعني أجنة الأنعام إذا كانت ميتة استوى ذكورهم وأنثاهم ~~فيها فأكلوها جميعا قال أبو بكر وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إذا ~~أردت أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى ~~قوله قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين # قوله تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات- إلى قوله تعالى- ~~وآتوا حقه يوم حصاده قال ابن عباس والسدى معروشات ما عرش الناس من الكروم ~~ونحوها وهو رفع بعض أغصانها على بعض وقيل إن تعريشه أن يحظر عليه بحائط ~~وأصله الرفع ومنه خاوية على عروشها أي على أعاليها وما ارتفع منها والعرش ~~السرير لارتفاعه ذكر الله تعالى الزرع والنخل والزيتون والرمان ثم قال كلوا ~~من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده وهو عطف على جميع المذكور فاقتضى ذلك ~~إيجاب الحق في سائر الزروع والثمار المذكورة على الآية وقد اختلف في المراد ~~بقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده فروي عن ابن عباس وجابر بن زيد ومحمد بن ~~الحنفية والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وزيد بن # PageV04P175 # أسلم وقتادة والضحاك أنه العشر ونصف العشر وروي عن ابن عباس رواية أخرى ~~ومحمد بن الحنفية والسدي وإبراهيم نسخها العشر ونصف العشر وعن الحسن قال ~~نسختها الزكاة وقال ms1704 الضحاك نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن وروي عن ابن عمر ~~ومجاهد أنها محكمة وأنه حق واجب عند الصرام غير الزكاة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن جداد الليل وعن صرام الليل # قال سفيان بن عيينة هذا لأجل المساكين كي يحضروا قال مجاهد إذا حصدت طرحت ~~للمساكين منه وكذلك إذا ظننت وإذا أكدست ويتركون يتبعون آثار الحصادين وإذا ~~أخذت في كيله حثوت لهم منه وإذا علمت كيله عزلت زكاته وإذا أخذت في جدد ~~النخل طرحت لهم منه وكذلك إذا أخذت في كيله وإذا علمت كيله عزلت زكاته وما ~~روي عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وإبراهيم أن قوله تعالى وآتوا حقه يوم ~~حصاده منسوخ بالعشر ونصف العشر يبين أن مذهبهم تجويز نسخ القرآن بالسنة وقد ~~اختلف الفقهاء فيما يجب فيه العشر من وجهين أحدهما في الصنف الموجب فيه ~~والآخر في مقداره. ### | ذكر الخلاف في الموجب فيه # قال أبو حنيفة وزفر في جميع ما تخرجه الأرض العشر إلا الحطب والقصب ~~والحشيش وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء فيما تخرجه الأرض إلا ما كان له ثمرة ~~باقية وقال مالك الحبوب التي تجب فيها الزكاة الحنطة والشعير والسلت والذرة ~~والدخن والأرز والحمص والعدس والجلبان واللوبياء وما أشبه ذلك من الحبوب ~~وفي الزيتون وقال ابن أبي ليلى والثوري ليس في شيء من الزرع زكاة إلا التمر ~~والزبيب والحنطة والشعير وهو قول الحسن بن صالح وقال الشافعي إنما تجب فيما ~~ييبس ويقتات ويدخر مأكولا ولا شيء في الزيتون لأنه إدام # وقد روي عن علي بن أبي طالب وعمر ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنه ليس في ~~الخضر صدقة # وروي عن ابن عباس أنه كان يأخذ من دساتج الكراث العشر بالبصرة قال أبو ~~بكر قد تقدم ذكر اختلاف السلف في معنى قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده وفي ~~بقاء حكمه أو نسخه والكلام بين السلف في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها هل المراد ~~زكاة الزرع والثمار وهو العشر ونصف العشر أو حق ms1705 آخر غيره وهل هو منسوخ أو ~~غير منسوخ فالدليل على أنه غير منسوخ اتفاق الأمة # PageV04P176 # على وجوب الحق في كثير من الحبوب والثمار وهو العشر ونصف العشر ومتى ~~وجدنا حكما قد استعملته الأمة ولفظ الكتاب ينتظمه ويصح أن يكون عبارة عنه ~~فواجب أن يحكم أن الاتفاق إنما صدر عن الكتاب وأن ما اتفقوا عليه هو الحكم ~~المراد بالآية وغير جائز إثباته حقا غيره ثم إثبات نسخه # بقوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر # إذ جائز أن يكون ذلك الحق هو العشر الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيكون # قوله فيما سقت السماء العشر # بيانا للمراد بقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده كما أن قوله في مائتي درهم ~~خمسة دراهم بيان لقوله تعالى وآتوا الزكاة وقوله أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض وغير جائز أن يكون قوله وآتوا حقه يوم حصاده ~~منسوخا بالعشر ونصف العشر لأن النسخ إنما يقع بما لا يصح اجتماعهما فأما ما ~~يصح اجتماعهما معا فغير جائز وقوع النسخ به ألا ترى أنه يصح أن يقول وآتوا ~~حقه يوم حصاده وهو العشر فلما كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون منسوخا به وأما ~~من جعل هذا الحق ثابت الحكم غير منسوخ وزعم أنه حق آخر غير العشر يجب عند ~~الحصاد وعند الدياس وعند الكيل فإنه لا يخلو قوله هذا من أحد معنيين إما أن ~~يكون مراده عنده الوجوب أو الندب فإن كان ندبا عنده لم يسغ له ذلك إلا ~~بإقامة الدلالة عليه إذ غير جائز صرف الأمر عن الإيجاب إلى الندب إلا ~~بدلالة وإن رآه واجبا فلو كان كما زعم لوجب أن يرد النقل به متواترا لعموم ~~الحاجة إليه ولكان لا أقل من أن يكون نقله في نقل وجوب العشر ونصف العشر ~~فلما لم يعرف ذلك عامة السلف والفقهاء علمنا أنه غير مراد فثبت أن هذا الحق ~~هو العشر ونصف العشر الذي بينه صلى الله عليه وسلم فإن قيل الزكاة لا ms1706 تخرج ~~يوم الحصاد وإنما تخرج بعد التنقية فدل على أنه لم يرد به الزكاة قيل له ~~الحصاد اسم للقطع فمتى قطعه فعليه إخراج عشر ما صار في يده ومع ذلك فالخضر ~~كلها إنما يخرج الحق منها يوم الحصاد غير منتظر به شيء غيره وقيل إن قوله ~~تعالى وآتوا حقه يوم حصاده لم يجعل اليوم ظرفا للإيتاء المأمور به وإنما هو ~~ظرف لحقه كأنه قال وآتوا الحق الذي وجب يوم حصاده بعد التنقية قال أبو بكر ~~ولما ثبت بما ذكرنا أن المراد بقوله وآتوا حقه يوم حصاده هو العشر دل على ~~وجوب العشر في جميع ما تخرجه الأرض إلا ما خصه الدليل لأن الله تعالى قد ~~ذكر الزرع بلفظ عموم ينتظم لسائر أصنافه وذكر # PageV04P177 # النخل والزيتون والرمان ثم عقبه بقوله وآتوا حقه يوم حصاده وهو عائد إلى ~~جميع المذكور فمن ادعى خصوص شيء منه لم يسلم له ذلك إلا بدليل فوجب بذلك ~~إيجاب الحق في الخضر وغيرها وفي الزيتون والرمان فإن قيل إنما أوجب الله ~~تعالى هذا الحق فيما ذكر يوم حصاده وذلك لا يكون إلا بعد استحكامه ومصيره ~~إلى حال تبقى ثمرته فأما ما أخذ منه قبل بلوغ وقت الحصاد من الفواكه الرطبة ~~فلم يتناوله اللفظ ومع ذلك فإن الزيتون والرمان لا يحصدان فلم يدخلا في ~~عموم اللفظ قيل له الحصاد اسم للقطع والاستيصال قال الله تعالى حتى جعلناهم ~~حصيدا خامدين # وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ترون أوباش قريش احصدوهم حصدا # فيوم حصاده هو يوم قطعه فذلك قد يكون في الخضر وفي كل ما يقطع من الثمار ~~عن شجرة سواء كان بالغا أو أخضر رطبا وأيضا قد أوجب الآية العشر في ثمر ~~النخل عند جميع الفقهاء بقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده فدل على أن المراد ~~يوم قطعه لشمول اسم الحصاد لقطع ثمر النخل وفائدة ذكر الحصاد هاهنا أن الحق ~~غير واجب إخراجه بنفس خروجه وبلوغه حتى يحصل في يد صاحبه فحينئذ يلزمه ~~إخراجه وقد كان ms1707 يجوز أن يتوهم أن الحق قد يلزمه بخروجه قبل قطعه وأخذه ~~فأفاد بذلك أن عليه زكاة ما حصل في يده دون ما تلف منه ولم يحصل منه في يده ~~ويدل على وجوب العشر في جميع الخارج قوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض وذلك عموم في جميع الخارج فإن قيل النفقة لا تعقل ~~منها الصدقة قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن النفقة لا يعقل منها غير ~~الصدقة وبهذا ورد الكتاب قال الله تعالى ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقال ~~تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم وقال تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية الآية ~~وغير ذلك من الآي الموجبة لما ذكرنا وأيضا فإن قوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم أمر وهو يقتضى الوجوب وليس هاهنا نفقة ~~واجبة غير الزكاة والعشر إذ النفقة على عياله واجبة وأيضا فإن النفقة على ~~نفسه وأولاده معقولة غير مفتقرة إلى الأمر فلا معنى لحمل الآية عليه فإن ~~قيل المراد صدقة التطوع قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن الأمر على ~~الوجوب فلا يصرف إلى الندب إلا بدليل والثاني قوله تعالى ولستم بآخذيه إلا ~~أن # PageV04P178 # تغمضوا فيه # قد دل على الوجوب لأن الإغماض إنما يكون في اقتضاء الدين الواجب فأما ما ~~ليس بواجب فكل ما أخذه منه فهو فضل وربح فلا إغماض فيه ومن جهة السنة # حديث معاذ وابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما سقت السماء ~~ففيه العشر وما سقى بالساقية فنصف العشر # وهذا خبر قد تلقاه الناس بالقبول واستعملوه فهو في حيز التواتر وعمومه ~~يوجب الحق في جميع أصناف الخارج فإن احتجوا # بحديث يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو كامل الجحدري قال حدثنا الحارث بن ~~شهاب عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أبيه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ليس في الخضراوات صدقة # قيل ms1708 له قد قال يعقوب بن شيبة إن هذا حديث منكر وكان يحيى بن معين يقول ~~حديث الحارث بن شهاب ضعيف قال يحيى وقد روى عبد السلام بن حرب هذا الحديث ~~عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة مرسلا وعبد السلام ثقة وإنما أصل حديث ~~موسى ابن طلحة ما رواه يعقوب بن شيبة قال حدثنا جعفر بن عون قال حدثنا عمرو ~~بن عثمان ابن موهب عن موسى بن طلحة أن بعض الأمراء بعث إليه في صدقة أرضه ~~فقال ليس عليها صدقة وإنما هي أرض خضر ورطاب إن معاذا إنما أمر أن يأخذ من ~~النخل والحنطة والشعير والعنب فهذا أصل حديث موسى بن طلحة وهو تأويل لحديث ~~معاذ أنه أمر بالأخذ من الأصناف التي ذكر وليس في ذلك لو ثبت دلالة على نفي ~~الحق عما سواها لأنه يجوز أن يكون معاذا إنما استعمل على هذه الأصناف دون ~~غيرها وأيضا فلو استقام سند موسى ابن طلحة وصحت طريقته لم يجز الاعتراض به ~~على خبر معاذ في العشر ونصف العشر لأنه خبر تلقاه الناس بالقبول واستعملوه ~~وهم مختلفون في استعمال حديث موسى بن طلحة ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خبران فاتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر ~~كان المتفق على استعماله قاضيا على المختلف فيه منهما خاصا كان ذلك أو عاما ~~فوجب أن يكون # قوله فيما سقت السماء العشر # قاضيا على # خبر موسى بن طلحة ليس في الخضراوات صدقة # وأيضا يمكن استعمال هذا الخبر فيما يمر به على العشر على ما يقول أبو ~~حنيفة لأنه لا يأخذ منه العشر ويكون خبر معاذ فيما سقت السماء العشر ~~مستعملا في الجميع ومن جهة النظر أن الأرض يقصد طلب نمائها بزراعتها ~~الخضراوات كما يطلب نماؤها بزراعتها الحب فوجب أن يكون فيها العشر كالحبوب ~~ولا يلزم عليه الحطب # PageV04P179 # والقصب والحشيش لأن ذلك ينبت في العادة إذا صادفه الماء من غير زراعة ~~وليس يكاد يقصد بها الأرض فلذلك لم يجب فيها شيء ولا ms1709 خلاف في نفي وجوب الحق ~~عن هذه الأشياء وقد اختلف فيما يأكله رب النخل من التمر فقال أبو حنيفة ~~وزفر ومالك والثوري يحسب عليه ما أكله صاحب الأرض وقال أبو يوسف إذا أكل ~~صاحب الأرض وأطعم جاره وصديقه أخذ منه عشر ما بقي من ثلاثمائة الصاع التي ~~تجب فيها الزكاة ولا يؤخذ منه مما أكل أو أطعم ولو أكل الثلاثمائة صاع ~~وأطعمها لم يكن عليه عشر فإن بقي منها قليل أو كثير فعليه عشر ما بقي أو ~~نصف العشر وقال الليث في زكاة الحبوب يبدأ بها قبل النفقة وما أكل من فريك ~~هو وأهله فإنه لا يحتسب عليه بمنزلة الرطب الذي يترك لأهل الحائط ما يأكله ~~هو وأهله لا يخرص عليه وقال الشافعي يترك الخارص لرب الحائط ما يأكله هو ~~وأهله لا يخرصه عليه ومن أكل من نخله وهو رطب لم يحتسب عليه قال أبو بكر ~~قوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده يقتضي وجوب الحق في جميع المأخوذ ولم يخصص ~~الله تعالى ما أكله هو وأهله فهو على الجميع فإن قيل إنما أمر بإيتاء الحق ~~يوم الحصاد فلا يجب الحق فيما أخذ منه قبل الحصاد قيل له الحصاد اسم للقطع ~~فكلما قطع منه شيئا لزمه إخراج عشره وأيضا فليس في قوله تعالى وآتوا حقه ~~يوم حصاده دليل على نفي الوجوب عما أخذ قبل الحصاد لأنه جائز أن يريد وآتوا ~~حق الجميع يوم حصاده المأكول منه والباقي واحتج من لم يحتسب بالمأكول بما # روى شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال سمعت عبد الرحمن بن مسعود يقول جاء ~~سهل بن أبي حثمة إلى مجلسنا فحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فالربع # وهذا يحتمل أن يكون معناه ما # روى سهل بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا حثمة خارصا ~~فجاءه رجل فقال يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد علي فقال له رسول الله صلى ~~الله ms1710 عليه وسلم أن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه فقال يا رسول الله لقد ~~تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح فقال قد زادك ابن ~~عمك وأنصفك والعرايا هي الصدقة # فإنما أمر بذلك الثلث صدقة ويدل عليه # حديث جرير بن حازم عن قيس بن مسعود عن مكحول الشامي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية # فجمع بين العرية والوصية فدل على أنه أراد الصدقة # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # PageV04P180 # ليس في العرايا صدقة # فلم يوجب فيها صدقة لأن العارية نفسها صدقة وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق ~~به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة ولا يضمنها. ### | ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق # فقال أبو حنيفة وزفر يجب العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره إلا ما ~~قدمنا ذكره وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وابن أبي ليلى والليث والشافعي لا ~~يجب حتى يبلغ ما يجب فيه الحق خمسة أوسق وذلك إذا كان ما يجب فيه الحق ~~مكيلا فإن لم يكن مكيلا فإن أبا يوسف اعتبر أن يكون فيه خمسة أوسق من أدنى ~~الأشياء التي تدخل في الوسق مما يجب فيه العشر إلا في العسل فإنه روي عنه ~~أنه اعتبر عشرة أرطال وروي أنه اعتبر عشر قرب وروي أنه اعتبر قيمة خمسة ~~أوسق من أدنى ما يدخل في الوسق وأما محمد فإنه ينظر إلى أعلى ما يقدر به ~~ذلك الشيء فيعتبر منه أن يبلغ خمسة أمثاله وذلك نحو الزعفران فإن أعلى ~~مقاديره منا فيعتبر بلوغه خمسة أمناء لأن ما زاد على المن فإنه يضاعف أو ~~ينسب إليه فيقال منوان وثلاثة ونصف من وربع من ويعتبر في القطن خمسة أحمال ~~لأن الحمل أعلى مقاديره وما زاد فتضعيف له وفي العسل خمسة أفراق لأن الفرق ~~أعلى ما يقدر به ويحتج لأبي حنيفة في ذلك بقوله تعالى وآتوا حقه يوم ms1711 حصاده ~~وذلك عائد إلى جميع المذكور فهو عموم فيه وإن كان مجملا في المقدار الواجب ~~لأن قوله حقه مجمل مفتقر إلى البيان وقد ورد البيان في مقدار الواجب وهو ~~العشر أو نصف العشر ويحتج فيه بقوله تعالى أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض وذلك عام في جميع الخارج ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر # ولم يفصل بين القليل والكثير ومن جهة النظر اتفاق الجميع على سقوط اعتبار ~~الحول فيه فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز والغنائم واحتج معتبرو ~~المقدار بما # روى محمد بن مسلم الطائفي قال أخبرنا عمرو ابن دينار عن جابر بن عبد الله ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدقة في شيء من الزرع أو الكرم أو ~~النخل حتى يبلغ خمسة أوسق # وروى ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ورواه أيوب بن موسى عن نافع عن ابن ~~عمر موقوفا عليه # وروى ابن المبارك عن معمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مثله والجواب عن هذا لأبي حنيفة من وجوه أحدها # PageV04P181 # أنه إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبران أحدهما عام والآخر خاص ~~واتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلف في استعمال الآخر فالمتفق على ~~استعماله قاض على المختلف فيه فلما كان خبر العشر متفقا على استعماله ~~واختلفوا في خبر المقدار كان استعمال خبر العشر على عمومه أولى وكان قاضيا ~~على المختلف فيه فإما أن يكون الآخر منسوخا أو يكون تأويله محمولا على معنى ~~لا ينافي شيئا من خبر العشر وأيضا فإن قوله فيما سقت السماء العشر عام في ~~إيجابه في الموسوق وغيره وخبر الخمسة أوسق خاص في الموسوق دون غيره فغير ~~جائز أن يكون بيانا لمقدار ما يجب فيه العشر لأن حكم البيان أن يكون شاملا ~~لجميع ms1712 ما اقتضى البيان فلما كان خبر الأوساق مقصورا على ذكر مقدار الوسق ~~دون غيره وكان خبر العشر عموما في الموسق وغيره علمنا أنه لم يرد مورد ~~البيان لمقدار ما يجب فيه العشر وأيضا فإن ذلك يقتضي أن يكون ما يوسق يعتبر ~~في إيجاب الحق بلوغ مقداره خمسة أوسق وما ليس بموسوق يجب في قليله وكثيره ~~ولقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر وفقد ما يوجب تخصيص مقدار ما لا ~~يدخل في الأوساق وهذا قول مطروح والقائل به ساقط مرزول لاتفاق السلف والخلف ~~على خلافه وليس ذلك # كقوله صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر # وقوله ليس فيما دون خمس أواق زكاة # وذلك لأنه لا شيء من الرقة إلا وهو داخل في الوزن والأواقي مذكورة للوزن ~~فجاز أن يكون بيانا لمقدار جميع الرقة المذكورة في الخبر الآخر وأيضا فقد ~~ذكرنا أن لله حقوقا واجبة في المال غير الزكاة ثم نسخت بالزكاة كما # روي عن أبي جعفر محمد بن علي والضحاك قالا نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن # فجائز أن يكون هذا التقدير معتبرا في الحقوق التي كانت واجبة فنسخت نحو ~~قوله تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~ونحو ما روي عن مجاهد إذا حصدت طرحت للمساكين وإذا كدست وإذا نقيت وإذا ~~علمت كيله عزلت زكاته وهذه الحقوق غير واجبة اليوم فجائز أن يكون ما روي من ~~تقدير الخمسة الأوسق كان معتبرا في تلك الحقوق وإذا احتمل ذلك لم يجز تخصيص ~~الآية والأثر المتفق على نقله به وأيضا فقد روي ليس فيما دون خمسة أوسق ~~زكاة فجائز أن يريد به زكاة التجارة بأن يكون سأل سائل عن أقل من خمسة أوسق ~~طعام أو تمر للتجارة فأخبر أن لا زكاة فيه لقصور قيمته عن النصاب في ذلك ~~الوقت فنقل الراوي كلام النبي صلى الله عليه وسلم وترك ذكر السبب # PageV04P182 # كما يوجد ذلك في كثير من الأخبار. ### | ذكر الخلاف في اجتماع العشر والخراج # فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ms1713 وزفر لا يجتمعان وقال مالك والثوري ~~والحسن بن صالح وشريك والشافعي إذا كانت أرض خراج فعليه العشر في الخارج ~~والخراج في الأرض والدليل على أنهما لا يجتمعان أن عمر بن الخطاب لما فتح ~~السواد وضع على الأرض الخراج ولم يأخذ العشر من الخارج وذلك بمشاورة ~~الصحابة وبموافقتهم إياه عليه فصار ذلك إجماعا من السلف وعليه مضى الخلف ~~ولو جاز اجتماعهما لجمعهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما سقت السماء العشر وفيما سقي ~~بالناضح نصف العشر # وذلك إخبار بجميع الواجب في كل واحد منهما فلو وجب الخراج معه لكان ذلك ~~بعض الواجب لأن الخراج قد يكون الثلث أو الربع وقد يكون قفيزا ودرهما وأيضا ~~فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدر العشر إلى النصف لأجل المؤنة التي ~~لزمت صاحبها فلو لزم الخراج في الأرض لزم سقوط نصف العشر الباقي للزوم مؤنة ~~الخراج ولكان يجب أن يختلف حكم ما تغلظ فيه المؤنة وما تخلف فيه كما خالف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ما سقته السماء وبين ما سقي بالناضح ~~لأجل المؤنة ويدل عليه # حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال منعت العراق قفيزها ودرهمها # ومعناه ستمنع ولو كان العشر واجبا لاستحال أن يكون الخراج ممنوعا منه ~~والعشر غير ممنوع لأن من منع الخراج كان للعشر أمنع وفي تركه ذكر العشر ~~دلالة على أن لا عشر في أرض الخراج وروي أن دهقانة نهر الملك أسلمت فكتب ~~عمر أن يؤخذ منها الخراج إن اختارت أرضها وروي أيضا أن رفيلا أسلم فقال له ~~علي إن أقمت على أرضك أخذنا منك الخراج ولو كان العشر واجبا مع ذلك لا خبرا ~~بوجوبه ولم يخالفهما في ذلك أحد من الصحابة وأيضا لما كان العشر والخراج ~~حقين لله تعالى لم يجز اجتماعهما عليه في وقت واحد والدليل عليه اتفاق ~~الجميع على امتناع وجوب زكاة السائمة ms1714 وزكاة التجارة فإن قيل إن الخراج كذلك ~~يجوز اجتماع الخراج والعشر وذلك لأن أرض الخراج مبقاة على حكم الفيء وإنما ~~أبيح لزارعها الانتفاع بها بالخراج وهو أجرة الأرض فلا يمنع ذلك وجوب العشر ~~مع الخراج قيل # PageV04P183 # له هذا غلط من وجوه أحدها أن عند أبي حنيفة لا يجتمع العشر والأجرة على ~~المستأجر ومتى لزمته الأجرة سقط عنه العشر فكان العشر على رب الأرض الآخذ ~~للأجرة فهذا الإلزام ساقط عنه وقول القائل إن أرض الخراج غير مملوكة لأهلها ~~وإنها مبقاة على حكم الفيء خطأ لأنها عندنا مملوكة لأهلها والكلام فيها في ~~غير هذا الموضع وقوله إن الخراج أجرة خطأ أيضا من وجوه أحدها أنه لا خلاف ~~أنه لا يجوز استيحار النخل والشجر ومعلوم أن الخراج يؤدى عنهما فثبت أنه ~~ليس بأجرة وأيضا فإن الإجارة لا تصح إلا على مدة معلومة ولم يعتقد أحد من ~~الأئمة على أرباب أراضي الخراج مدة معلومة وأيضا فإن كانت أرض الخراج ~~وأهلها مقرون على حكم الفيء فغير جائز أن يؤخذ منهم جزية رؤسهم لأن العبد ~~لا جزية عليه ومما يدل على انتفاء اجتماع الخراج والعشر تنافى سببهما وذلك ~~لأن الخراج سببه الكفر لأنه يوضع موضع الجزية وسائر أموال الفيء والعشر ~~سببه الإسلام فلما تنافى سبباهما تنافى مسبباهما # قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا روي عن ابن عباس رواية والحسن وابن ~~مسعود رواية أخرى ومجاهد قالوا الحمولة كبار الإبل والفرش الصغار وقال ~~قتادة والربيع بن أنس والضحاك والسدي والحسن رواية الحمولة ما حمل من الإبل ~~والفرش الغنم وروي عن ابن عباس رواية أخرى قال الحمولة كل ما حمل من الإبل ~~والبقر والخيل والبغال والحمير والفرش الغنم فأدخل في الأنعام الحافر على ~~الاتباع لأن اسم الأنعام لا يقع على الحافر وكان قول السلف في الفرش أحد ~~معنيين إما صغار الإبل وإما الغنم وقال بعض أهل العلم أراد بالفرش ما خلق ~~لهم من أصوافها وجلودها التي يفترشونها ويجلسون عليها ولولا قول السلف على ~~ما ذكرنا لكان هذا الظاهر يستدل ms1715 به على جواز الانتفاع بأصواف الأنعام ~~وأوبارها في سائر الأحوال سواء أخذت منها بعد الموت أو في حال الحياة ~~ويستدل به أيضا على جواز الانتفاع بجلودها بعد الموت لاقتضاء العموم له إلا ~~أنهم قد اتفقوا أنه لا ينتفع بالجلود قبل الدباغ فهو مخصوص وحكم الآية ثابت ~~في الانتفاع بها بعد الدباغ وقوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا فيه إضمار ~~وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشا # قوله تعالى ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين إلى الظالمين ~~قوله ثمانية أزواج بدل من قوله حمولة وفرشا لدخوله في الإنشاء كأنه قال ~~أنشأ ثمانية أزواج فكل واحد من # PageV04P184 # الأصناف الأربعة من ذكورها وإناثها يسمى زوجا ويقال للاثنين زوج أيضا كما ~~يقال للواحد خصم وللاثنين خصم فأخبر الله تعالى أنه أحل لعباده هذه الأزواج ~~الثمانية وأن المشركين حرموا منها ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة ~~والحامي وما جعلوه لشركائهم على ما بينه قبل ذلك بغير حجة ولا برهان ليضلوا ~~الناس بغير علم فقال نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ثم # قال أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا لأن طريق العلم إما المشاهدة أو ~~الدليل الذي يشترك العقلاء في إدراك الحق به فبان بعجزهم عن إقامة الدلالة ~~من أحد هذين الوجهين بطلان قولهم في تحريم ما حرموا من ذلك # قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية روي عن ~~طاوس أن أهل الجاهلية كانوا يستحلون أشياء ويحرمون أشياء فقال الله تعالى ~~قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما مما تستحلون إلا أن يكون ميتة الآية وسياقة ~~المخاطبة تدل على ما قال طاوس وذلك لأن الله قد قدم ذكر ما كانوا يحرمون من ~~الأنعام وذمهم على تحريم ما أحله وعنفهم وأبان به عن جهلهم لأنهم حرموا ~~بغير حجة ثم عطف قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما يعنى مما ~~تحرمونه إلا ما ذكر وإذا كان ذلك تقدير الآية لم يجز الاستدلال بها على ms1716 ~~إباحة ما خرج عن الآية فإن قيل قد ذكر في أول المائدة تحريم المنخنقة ~~والموقوذة وما ذكر معها قد دخلت في الميتة وإنما ذكر الله تعالى تحريم ~~الميتة في قوله حرمت عليكم الميتة ثم فسر وجوهها والأسباب الموجبة لكونها ~~ميتة فقد اشتمل اسم الميتة على الوقت إلا ما قد ذكر في هذه الآية والمائدة ~~مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن وفي هذه الآية دليل على أن أو إذا دخلت ~~على النفي ثبت كل واحد مما دخلت عليه على حيالها وأنها لا تقتضي تخييرا لأن ~~قوله تعالى إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير قد أوجب تحريم كل ~~واحد من ذلك على حياله وقد احتج كثير من السلف في إباحة ما عدا المذكورة في ~~هذه الآية بها فمنها لحوم الحمر الأهلية وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن ~~دينار قال قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~نهى عن لحوم الحمر الأهلية قال قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري ~~عندنا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم # PageV04P185 # ولكن أبى ذلك البحر يعني عبد الله بن عباس وقرأ قل لا أجد في ما أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه الآية وروى حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن القاسم ~~عن عائشة أنها كانت لا ترى بلحوم السباع والدم الذي يكون في أعلى العروق ~~بأسا وقرأت هذه الآية قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية ~~فأما لحوم الحمر الأهلية فإن أصحابنا ومالكا والثوري والشافعي ينهون عنه ~~وروي عن ابن عباس ما ذكرنا من إباحته وتابعه على ذلك قوم وقد وردت أخبار ~~مستفيضة في النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية منها # حديث الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن الحنيفة عن أبيهما أنه سمع ~~علي بن أبي طالب يقول لابن عباس نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ~~أكل لحوم الحمر الإنسية ms1717 وعن متعة النساء يوم خيبر # وقد روى ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن عبد الرحمن ابن الحارث ~~المخزومي عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى يوم ~~خيبر عن لحوم الحمر الإنسية # وهذا يدل على أنه لما سمع عليا يروي النهي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم رجع عما كان يذهب إليه من الإباحة # وروى أبو حنيفة وعبد الله عن نافع عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية # وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية # ورواه حماد بن زيد عن عمرو ابن دينار عن محمد بن علي عن جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الأهلية # وروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب سمعه منه قال أصبنا حمرا يوم ~~خيبر فطبخناها فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أكفئوا ~~القدور # وروى النهي عنها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن أبي أوفى ~~وسلمة بن الأكوع وأبو هريرة وأبو ثعلبة الخشني # في آخرين في بعضها ابتداء نهي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعضها ~~ذكر قصة خيبر والسبب الذي من أجله نهى عنها فقال قائلون إنما نهى عنها ~~لأنها كانت نهبة انتهبوها وقال آخرون لأنه قيل له إن الحمر قد قلت وقال ~~آخرون لأنها كانت جلالة فتأول من أباحها نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~على أحد هذه الوجوه ومن حظرها أبطل هذه التأويلات بأشياء أحدها ما # رواه جماعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لا يحل الحمار ~~الأهلي منهم المقدام بن معدي كرب وأبو ثعلبة الخشني وغيرهما # والثاني ما رواه # سفيان بن عيينة عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال لما ms1718 ~~فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر أصابوا حمرا فطبخوها منها فنادى ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا إن الله ورسوله # PageV04P186 # ينهاكم عنها فإنها نجس فاكفئوا القدور # وروى عبد الوهاب الثقفي عن أيوب بإسناد مثله قال فأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم مناديا فنادى إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية ~~فإنها رجس قال فأكفئت القدور وإنها لتفور # وهذا يبطل تأويل من تأول النهي على النهبة وتأويل من تأوله على خوف فناء ~~الحمر الأهلية بالذبح لأنه أخبر أنها نجس وذلك يقتضي تحريم عينها لا لسبب ~~غيرها ويدل عليه أنه أمر بالقدور فأكفئت ولو كان النهي لأجل ما ذكروا لأمر ~~بأن يطعم المساكين كما أمر بذلك في الشاة المذبوحة بغير أمر أصحابها بأن ~~يطعم الأسرى # وفي حديث أبي ثعلبة الخشني أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عما يحرم عليه فقال لا تأكل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع # فهذا أيضا يبطل سائر التأويلات التي ذكرناها عن مبيحيها # وقد روي عن سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الحوم ~~الحمر الأهلية يوم خيبر لأنها كانت تأكل العذرة # فإن صح هذا التأويل للنهي الذي كان منه يوم خيبر فإن خبر أبي ثعلبة وغيره ~~في سؤالهم عنها في غير يوم خيبر يوجب إيهام تحريمها لا لعلة غير أعيانها # وقد روي في حديث يروى عن عبد الرحمن بن مغفل عن رجال من مزينة فقال بعضهم ~~غالب بن الأبحر وقال بعضهم الحر بن غالب أنه قال يا رسول الله إنه لم يبق ~~من مالي شيء أستطيع أن أطعم فيه أهلي غير حمرات لي قال فأطعم أهلك من سمين ~~مالك فإنما كرهت لكم جوال القرية # فاحتج من أباح الحمر الأهلية بهذا الخبر وهذا الخبر يدل على النهي عنها ~~لأنه # قال كرهت لكم جوال القرية # والحمر الأهلية كلها جوال القرى والإباحة عندنا في هذا الحديث إنما ~~انصرفت إلى الحمر الوحشية وقد ms1719 اختلف في الحمار الوحشي إذا دجن فقال أصحابنا ~~والحسن بن صالح والشافعي في الحمار الوحشي إذا دجن وألف إنه جائز أكله وقال ~~ابن القاسم عن مالك إذا دجن وصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلي فإنه لا ~~يؤكل وقد اتفقوا على أن الوحش الأهلي لا يخرجه عن حكم جنسه في تحريم الأكل ~~كذلك ما أنس من الوحش قال أبو بكر وقد اختلف في ذي الناب من السباع وذي ~~المخلب من الطير فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد لا يحل أكل ذي الناب ~~من السباع وذي المخلب من الطير وقال مالك لا يؤكل سباع الوحش ولا الهر ~~الوحشي ولا الأهلي ولا الثعلب ولا الضبع ولا شيء من السباع ولا بأس بأكل ~~سباع الطير الرخم والعقبان والنسور وغيرها ما أكل الجيف منها وما لا يأكل ~~وقال # PageV04P187 # الأوزاعي الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم وقال الليث لا بأس بأكل ~~الهر وأكره الضبع وقال الشافعي لا يؤكل ذو ناب من السباع التي تعدو على ~~الناس الأسد والنمر والذئب ويؤكل الضبع والثعلب ولا يؤكل النسر والبازي ~~ونحوه لأنها تعدو على طيور الناس وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ~~إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا حجاج قال حدثنا حماد قال حدثنا عمران بن ~~جبير أن عكرمة سئل عن الغراب قال دجاجة سمينة وسئل عن الضبع فقال نعجة ~~سمينة. # قال أبو بكر حدثنا محمد بن قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك ~~عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبيس ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا ~~أبوعوانة عن أبي بشر عن ميمون بن مهران عن ابن عياض قال نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير ~~ورواه على بن أبى طالب # والمقدام بن ms1720 معد يكرب وأبو هريرة وغيرهما فهذه آثار مستفيضة في تحريم ذي ~~الناب من السباع وذي المخلب من الطير والثعلب والهر والنسر والرخم داخلة في ~~ذلك فلا معنى لاستثناء شيء منها إلا بدليل يوجب تخصيصه وليس في قبولها ما ~~يوجب نسخ قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه لأنه ~~إنما فيه إخبار بأنه لم يكن المحرم غير المذكور وأن ما عداه كان باقيا على ~~أصل الإباحة وكذلك الأخبار الواردة في لحوم الحمر الأهلية هذا حكمها ومع ~~ذلك فإن هذه الآية خاصة باتفاق أهل العلم على تحريم أشياء كثيرة غير مذكورة ~~في الآية فجاز قبول أخبار الآحاد في تخصيصها وكره أصحابنا الغراب الأبقع ~~لأنه يأكل الجيف ولم يكرهوا الغراب الزرعي لما روى # قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~خمس فواسق يقتلهن المحرم في في الحل والحرم وذكر أحدها الغراب الأبقع # فضح الأبقع بذلك لأنه يأكل الجيف فصار أصلا في كراهة أشباهه مما يأكل ~~الجيف # قوله عليه السلام خمس يقتلهن المحرم # يدل على تحريم أكل هذه الخمس وأنها لا تكون إلا مقتولة غير مذكاة ولو ~~كانت مما يؤكل لأمر بذبحها وذكاتها لئلا تحرم بالقتل فإن قيل بما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا محمد بن ~~حاتم قال حدثنا يحيى بن مسلم قال حدثني إسماعيل # PageV04P188 # ابن أمية عن أبى الزبير قال سألت جابر أهل يؤكل الضبع قال نعم قلت أصيد ~~هي قال نعم قلت أسمعت هذا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال نعم # قيل له ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من نهيه عن أكل كل ذي ~~ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير قاض على ذلك لاتفاق الفقهاء على ~~استعماله اختلافهم في استعمال ذلك واختلف في أكل الضب فكرهه أصحابنا وقال ~~مالك والشافعي لا بأس به والدليل على صحة قولنا ما # روى الأعمش عن زيد بن ms1721 وهب الجهني عن عبد الرحمن بن حسنة قال نزلنا أرضا ~~كثيرة الضباب فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها فإن القدور لتغلي بها فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما هذا فقلنا ضباب أصبناها فقال إن أمة ~~من بني إسرائيل مسخت دواب الأرض وإني أخشى أن تكون هذه فأكفئوها # وهذا يقتضي حظره لأنه لو كان مباح الأكل لما أمر بإكفاء القدور # لأنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن إضاعة المال # وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عون الطائي أن ~~الحكم بن نافع حدثهم قال حدثنا ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد ~~عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم نهى عن أكل لحم الضب # وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أهدي لها ضب فدخل عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن أكله فنهاها عنه فجاء سائل ~~فقامت تناوله إياها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتطعمينه ~~ما لا تأكلين # فهذه الأخبار توجب النهي عن أكل الضب # وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأكل من الضب # وأكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان حراما ما أكل ~~على مائدته وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما ترك أكله تقذرا وفي ~~بعض الأخبار أنه قال لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه # وأن خالد بن الوليد أكله بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم ~~ينهه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عمر بن سهل ~~قال حدثنا إسحاق بن الربيع عن الحسن قال قال عمر إن هذه الضباب طعام عامة ~~هذه الرعاء وإن الله ليمنع غير واحد ولو كان عندي منها شيء لأكلته إن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحرمه ولكنه ms1722 قذره # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عمر بن سهل ~~قال حدثنا بحر عن أبي هارون عن أبي سعيد الخدري قال إن كان أحدنا لتهدى ~~إليه الضبة المكنونة أحب إليه من الدجاجة السمينة فاحتج مبيحوه بهذه ~~الأخبار وفيها دلالة على حظره لأن فيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~تركه تقذرا وأنه قذره وما قذره النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو نجس ولا ~~يكون نجسا إلا وهو # PageV04P189 # محرم الأكل ولو ثبت الإباحة بهذه الأخبار لعارضتها أخبار الحظر ومتى ورد ~~الخبران في شيء وأحدهما مبيح والآخر حاظر فخبر الحظر أولى وذلك لأن الحظر ~~وارد لا محالة بعد الإباحة لأن الأصل كانت الإباحة والحظر طارئ عليها ولم ~~يثبت ورود الإباحة على الحظر فحكم الحظر ثابت لا محالة واختلف في هوام ~~الأرض فكره أصحابنا أكل هوام الأرض اليربوع والقنفذ والفأر والعقارب وجميع ~~هوام الأرض وقال ابن أبي ليلى لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت وهو قول مالك ~~والأوزاعي إلا أنه لم يشترط منه الذكاة وقال الليث لا بأس بأكل القنفذ ~~وفراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه وقال ابن القاسم عن مالك لا بأس بأكل ~~الضفدع قال ابن القاسم وقياس قول مالك أنه لا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ~~ودودها لأنه قال موته في الماء لا يفسده وقال الشافعي كل ما كانت العرب ~~تستقذره فهو من الخبائث فالذئب والأسد والغراب والحية والحدأة والعقرب ~~والفأرة لأنها تقصد بالأذى فهي محرمة من الخبائث وكانت تأكل الضبع والثعلب ~~لأنهما لا يعدوان على الناس بأنيابهما فهما حلال قال بكر قال الله تعالى ~~ويحرم عليهم الخبائث # قال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن خالد أبو ~~ثور قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عيسى بن ~~نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية ms1723 فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول ~~ذكر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال خبيثة من الخبائث # فقال ابن عمر إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا فهو كما ~~قال فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبيثة من الخبائث فشمله حكم ~~التحريم بقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث والقنفذ من حشرات الأرض فكل ما ~~كان من حشراتها فهو محرم قياسا على القنفذ # وروى عبد الله بن وهب قال أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن سعيد بن ~~المسيب عن عبد الرحمن قال ذكر طبيب الدواء عند رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وذكر الضفدع يكون في الدواء فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~عن قتله # وهذا يدل على تحريمه لأنه نهاه أن يقتله فيجعله في الدواء ولو جاز ~~الانتفاع به لما كان منهيا عن قتله للانتفاع به # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبار مستفيضة رواها ابن عباس ~~وابن عمر وأبو سعيد وعائشة وغيرهم أنه قال يقتل المحرم في الحل والحرم ~~الحدأة والغراب والفأرة والعقرب وفي بعض الأخبار والحية # ففي أمره بقتلهن # PageV04P190 # دلالة على تحريم أكلهن لأنها لو كانت مما تؤكل لأمر بالتوصل إلى ذكاتها ~~فيما تتأتى فيه الذكاة منها فلما أمر بقتلها والقتل إنما يكون لا على وجه ~~الذكاة ثبت أنها غير مأكولة ولما ثبت ذلك في الغراب والحدأة كان سائر ما ~~يأكل الجيف مثلها ودل على أن ما كان من حشرات الأرض فهو محرم كالعقرب ~~والحية وكذلك اليربوع لأنه جنس من الفأر وأما قول الشافعي في اعتباره ما ~~كانت العرب تستقذره وأن ما كان كذلك فهو من الخبائث فلا معنى له من وجوه ~~أحدها أن نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ~~وذي مخلب من الطير قاض بتحريم جميعه وغير جائز أن يزيد فيه ما ليس منه ولا ~~يخرج منه ما قد تناوله العموم ولم يعتبر النبي صلى ms1724 الله عليه وآله وسلم ما ~~ذكره الشافعي وإنما جعل كونه ذا تاب من السباع وذا مخلب من الطير علما ~~للتحريم فلا يجوز الاعتراض عليه بما لم تثبت به الدلالة ومن جهة أخرى أن ~~خطاب الله تعالى للناس بتحريم الخبائث عليهم لم يختص بالعرب دون العجم بل ~~الناس كلهم من كان منهم من أهل التكليف داخلون في الخطاب فاعتبار ما ~~يستقذره العرب دون غيرهم قول لا دليل عليه خارج عن مقتضى الآية ومع ذلك ~~فليس يخلو من أن يعتبر ما كانت العرب يستقذره جميعهم أو بعضهم فإن كان ~~اعتبر الجميع فإن جميع العرب لم يكن يستقذر الحيات والعقارب ولا الأسد ~~والذئاب والفأر وسائر ما ذكر بل عامة الأعراب تستطيب أكل هذه الأشياء فلا ~~يجوز أن يكون المراد ما كان جميع العرب يستقذره وإن أراد ما كان بعض العرب ~~يستقذره فهو فاسد من وجهين أحدهما أن الخطاب إذا كان لجميع العرب فكيف يجوز ~~اعتبار بعضهم عن بعض والثاني أنه لما صار البعض المستقذر كذلك كان أولى ~~بالاعتبار من البعض الذي يستطيبه فهذا قول منتقض من جميع وجوهه وزعم أنه ~~أباح الضبع والثعلب لأن العرب كانت تأكله وقد كانت العرب تأكل الغراب ~~والحدأة والأسد لم يكن منهم لم يمتنع من أكل ذلك وأما اعتباره ما يعدو على ~~الناس فإن أراد به يعدو على الناس في سائر الأحوال فإن ذلك لا يوجد في ~~الحدأة والحية والغراب وقد حرمها وإن أراد به العدو عليهم في حال إذا لم ~~يكن جائعا والجمل الهائج قد يعدو على الإنسان وكذلك الثور في بعض الأحوال ~~ولم يعتبر ذلك هو ولا غيره في هذه الأشياء في تحريم الأكل وإباحته والكلب ~~السنور لا يعدوان على الناس وهما محرمان وقد اختلف في لحوم الإبل الجلالة # PageV04P191 # فكرها أصحابنا والشافعي إذا لم يكن يأكل غير العذرة وقال مالك والليث لا ~~بأس بلحوم الجلالة كالدجاج # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال ~~حدثنا عبدة عن محمد بن ms1725 إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عمر قال نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل الجلالة وألبانها # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن المثنى قال حدثنا ~~أبو عامر قال حدثنا هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نهى عن لبن الجلالة # قال أبو بكر فكل من خالف في هذه المسائل التي ذكرنا من ابتدائنا بأحكام ~~قوله تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه وأباح أكل ما ~~ذهب أصحابنا فيه إلى حظره فإنهم يحتجون فيه بقوله تعالى قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما الآية وقد بينا أن ذلك خرج على سبب فيما كان يحرمه أهل ~~الجاهلية مما حكاه الله عنهم قبل هذه الآية مما كانوا يحرمونه من الأنعام ~~ولو لم يكن نزوله على السبب الذي ذكرنا وكان خبرا مبتدأ لم يمتنع بذلك قبول ~~أخبار الآحاد في تحريم أشياء لم تنتظمها الآية ولا استعمال القياس في حظر ~~كثير منه لأن ما فيه الإخبار بأنه لم يكن المحرم من طريق الشرع إلا المذكور ~~في الآية وقد علمنا أن هذه الأشياء قد كانت مباحة قبل ورود السمع وقد كان ~~قبول أخبار الآحاد جائزا واستعمال القياس سائغا في تحريم ما هذا وصفه وكذلك ~~إخبار الله بأنه لم يحرم بالشرع إلا المذكور في الآية غير مانع تحريم غيره ~~من طريق خبر الواحد والقياس وقوله تعالى على طاعم يطعمه يدل على أن المحرم ~~من الميتة ما يتأتى فيه الأكل منها فلم يتناول الجلد المدبوغ ولا القرن ~~والعظم والظلف والريش ونحوها ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شاة ميمونة إنها حرم أكلها وفي بعض ~~الألفاظ إنما حرم لحمها # وقوله تعالى أو دما مسفوحا يدل على أن المحرم من الدم ما كان مسفوحا وأن ~~ما يبقى في العروق من أجزاء الدم غير محرم وكذلك روي عن عائشة وغيرها في ~~الدم ms1726 الذي في المذبح أو في أعلى القدر أنه ليس بمحرم لأنه ليس بمسفوح وهذا ~~يدل على أن دم البق والبراغيث والذباب ليس بنجس إذ ليس بمسفوح فإن قيل قوله ~~تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه وإن كان إخبارا بأنه ~~ليس المحرم في شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المأكولات على ~~المذكور في الآية فإنه قد نسخ به كثيرا من المحظورات على ألسنة الأنبياء ~~المتقدمين فلا يكون سبيله سبيل بقاء الشيء على # PageV04P192 # حكم الإباحة الأصلية بل يكون في حكم ما قد نص على إباحته شرعا فلا يجوز ~~الاعتراض عليه بخبر الواحد ولا بالقياس والدليل على أنه قد نسخ بذلك كثيرا ~~من المحظورات على لسان غيره من الأنبياء # قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما وشحومهما مباحة لنا وكذلك كثير من ~~الحيوانات ذوات الأظفار قيل له ما ذكرت لا يخرج ما عدا المذكور في الآية من ~~أن يكون في حكم المباح على الأصل وذلك لأن ما حرم على أولئك من ذلك وأبيح ~~لنا لم يصر شريعة لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وبين النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أن حكم ذلك التحريم إنما كان موقتا إلى هذا الوقت وأن مضي الوقت ~~أعاده إلى ما كان عليه من حكم الإباحة فلا فرق بينه في هذا الوجه وبين ما ~~لم يحظر قط وأيضا فلو سلمنا لك ما ادعيت كان ما ذكرنا من قبول خبر الواحد ~~واستعمال القياس فيما وصفنا سائغا لأن ذلك مخصوص بالاتفاق أعني قوله تعالى ~~قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه لاتفاق الجميع من الفقهاء ~~على تحريم أشياء غير مذكورة في الآية كالخمر ولحم القردة والنجاسات وغيرها ~~فلما ثبت خصوصه بالاتفاق ساغ قبول خبر الواحد واستعمال القياس فيه قوله ~~تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر الآية قال ابن عباس وسعيد بن جبير ~~وقتادة والسدي ms1727 ومجاهد هو كل ما ليس بمفتوح الأصابع كالإبل والنعام والإوز ~~والبط وقال بعض أهل العلم يدخل في جميع أنواع السباع والكلاب والسنانير ~~وسائر ما يصطاد بظفره من الطير قال أبو بكر قد ثبت تحريم الله تعالى ذلك ~~على لسان بعض الأنبياء فحكم ذلك التحريم عندنا ثابت بأن يكون شريعة لنبينا ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يثبت نسخه ولم يثبت نسخ تحريم الكلاب ~~والسباع ونحوها فوجب أن تكون محرمة بتحريم الله بديا وكونه شريعة لنبينا ~~صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ~~ظهورهما يستدل به من أحنث الحالف أن لا يأكل شحما فأكل من شحم الطير ~~لاستثناء الله ما على ظهورهما من جملة التحريم وهو قول أبي يوسف ومحمد وعند ~~أبي حنيفة ما على الظهر إنما يسمى لحما سمينا في العادة ولا يتناوله اسم ~~الشحم على الإطلاق وتسمية الله إياه شحما لا توجب دخوله في اليمين إذ لم ~~يكن الاسم له متعارفا ألا ترى أن الله تعالى قد سمى السمك لحما والشمس ~~سراجا ولا يدخل في اليمين والحوايا روي عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ~~وقتادة ومجاهد والسدى # PageV04P193 # أنها المباعر وقال غيرهم هي بنات اللبن ويقال إنها الأمعاء التي عليها ~~الشحم وأما قوله تعالى أو ما اختلط بعظم فإنه روي عن السدي وابن جريج أنه ~~شحم الجنب والألية لأنهما على عظم وهذا يدل أيضا ما ذكرنا من أن دخول أو ~~على النفي يقتضي نفي كل واحد مما دخل عليه على حياله لأن قوله تعالى إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم تحريم للجميع ونظيره قوله تعالى ~~ولا تطع منهم آثما أو كفورا نهي عن طاعة كل واحد منهما وكذلك قال أصحابنا ~~فيمن قال والله لا أكلم فلانا أو فلانا أنه أيهما كلم حنث لأنه نفى كلام كل ~~واحد منهما على حدة # قوله تعالى سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا- إلى ~~قوله- كذلك كذب الذين من قبلهم فيه ms1728 أكذب للمشركين بقولهم لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا لأنه قال تعالى كذلك كذب الذين من قبلهم ومن كذب بالحق ~~فهو كاذب في تكذيبه فأخبر تعالى عن كذب الكفار بقولهم لو شاء الله ما ~~أشركنا ولو كان الله قد شاء الشرك لما كانوا كاذبين في قولهم لو شاء الله ~~ما أشركنا وفيه بيان أن الله تعالى لا يشاء الشرك وقد أكد ذلك أيضا بقوله ~~إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون يعني تكذبون فثبت أن الله تعالى ~~غير شاء لشركهم وأنه قد شاء منهم الإيمان اختيارا ولو شاء الله الإيمان ~~منهم قسرا لكان عليه قادرا ولكنهم كانوا لا يستحقون به الثواب والمدح وقد ~~دلت العقول على مثل ما نص الله عليه في القرآن أن مريد الشرك والقبائح سفيه ~~كما أن الآمر به سفيه وذلك لأن الإرادة للشرك استدعاء إليه كما أن الأمر به ~~استدعاء إليه فكل ما شاء الله من العباد فقد دعاهم إليه ورغبهم فيه ولذلك ~~كان طاعة كما أن كل ما أمر الله به فقد دعاهم إليه ويكون طاعة منهم إذا ~~فعلوه وليس كذلك العلم بالشرك لأن العلم بالشيء لا يوجب أن يكون العالم به ~~مستدعيا إليه ولا أن يكون المعلوم من فعل غيره طاعة إذا لم يرده فإن قيل ~~إنما أنكر الله المشركين باحتجاجهم لشركهم بأن الله تعالى قد شاءه وليس ذلك ~~بحجة ولو كان مراده تكذيبهم في قولهم لقال كذلك كذب الذين من قبلهم ~~بالتخفيف قيل له لو كان الله قد شاء الكفر منهم لكان احتجاجهم صحيحا ولكان ~~فعلهم طاعة لله فلما أبطل الله احتجاجهم بذلك علم أنه إنما كان كذلك لأن ~~الله تعالى لم يشأ وأيضا فقد أكذبهم الله تعالى في هذا القول من وجهين ~~أحدهما أنه أخبر بتكذيبهم بالحق والمكذب بالحق لا يكون إلا كاذبا والثاني ~~قوله # PageV04P194 # وإن أنتم إلا تخرصون يعني تكذبون # قوله تعالى قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا الآية يعنى أبطل ~~لعجزهم عن إقامة الدلالة إلا ms1729 أن الله حرم هذا إذ لم يمكنهم إثبات ما ادعوه ~~من جهة عقل ولا سمع وما لم يثبت من أحد هذين الوجهين وليس بمحسوس مشاهد ~~فطريق العلم به منسد والحكم ببطلانه واجب فإن قيل فلم دعوا للشهادة حتى إذا ~~شهدوا لم تقبل منهم قيل لأنهم لم يشهدوا على هذا الوجه الذي يرجع من قولهم ~~فيه إلى ثقة وقيل إنهم كلفوا شهداء من غيرهم ممن تثبت بشهادته صحة ونهى عن ~~اتباع الأهواء المضلة واعتقاد المذاهب بالهوى يكون من وجوه أحدها هوى من ~~سيق إليه وقد يكون لشبهة حلت في نفسه مع زواجر عقله عنها ومنها هوى ترك ~~الاستقصاء للمشقة ومنها هوى ما جرت به عادته لألفة له وكل ذلك متميز مما ~~استحسنه بعقله # قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق كانت العرب تدفن أولادها أحياء ~~البنات منهن خوف الإملاق وهو الإفلاس ومنه # حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك وأن تقتل ولدك خشية أن تأكل معك وأن تزني بحليلة جارك وهي الموؤدة ~~التي ذكرها الله تعالى في قوله وإذا الموؤدة سئلت بأى ذنب قتلت # فنهاهم الله عن ذلك مع ذكر السبب الذي كانوا من أجله يقتلونهم وأخبر أنه ~~رازقهم ورازق أولادهم قوله تعالى ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~قال ابن عباس ما ظهر منها نكاح حلائل الأبناء والجمع بين الأختين ونحو ذلك ~~وما بطن الزنا وقوله تعالى ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق # قال أبو بكر روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله # ولما أراد أبو بكر قتال مانعي الزكاة قالوا له إن # النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إلا إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها # فقال أبو بكر هذا من حقها ms1730 لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتالهم عليه # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ~~زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس # وهذا عندنا ممن يستحق القتل ويتقرر عليه حكمه وقد يجب قتل غير هؤلاء على ~~وجه الدفع مثل قتل الخوارج ومن قصد قتل رجل وأخذ ماله فيجوز قتله على جهة ~~المنع من ذلك لأنه لو كف عن ذلك لم يستحق القتل # قوله # PageV04P195 # تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هى أحسن # إنما خص اليتيم بالذكر فيما أمرنا به من ذلك لعجزه عن الانتصار لنفسه ~~ومنع غيره عن ماله ولما كانت الأطماع تقوى في أخذ ماله أكد النهي عن أخذ ~~ماله بتخصيصه بالذكر وقوله تعالى إلا بالتي هى أحسن # يدل على أن من له ولاية على اليتيم يجوز له دفع مال اليتيم مضاربة وأن ~~يعمل به هو مضاربة فيستحق ربحه إذا رأى ذلك أحسن وأن يبضع ويستأجر من يتصرف ~~ويتجر في ماله وأن يشتري ماله من نفسه إذا كان خيرا لليتيم وهو أن يكون ما ~~يعطي اليتيم أكثر قيمة مما يأخذه منه وأجاز أبو حنيفة شراه مال اليتيم ~~لنفسه إذا كان خيرا لليتيم بهذه الآية وقال تعالى حتى يبلغ أشده # ولم يشرط البلوغ فدل على أنه بعد البلوغ يجوز أن يحفظ عليه ماله إذا لم ~~يكن مأنوس الرشد ولا يدفعه إليه ويدل على أنه إذا بلغ أشده لا يجوز له أن ~~يفوت ماله سواء آنس منه الرشد أو لم يؤنس رشده بعد أن يكون عاقلا لأنه جعل ~~بلوغ الأشد نهاية لإباحة قرب ماله ويدل على أن الوصي لا يجوز له أن يأكل من ~~مال اليتيم فقيرا كان أو غنيا ولا يستقرض منه لأن ذلك ليس بأحسن ولا خيرا ~~لليتيم وجعل أبو حنيفة بلوغ الأشد خمسا وعشرين سنة فإذا بلغها دفع إليه ~~ماله ما لم يكن معتوها وذلك لأن طريق ذلك اجتهاد ms1731 الرأي وغالب الظن فكان ~~عنده أن هذا السن متى بلغها كان بالغا أشده وقد اختلف في بلوغ الأشد فقال ~~عامر بن ربيعة وزيد بن أسلم وهو بلوغ الحلم وقال السدي هو ثلاثون سنة وقيل ~~ثماني عشرة سنة وجعله أبو حنيفة خمسا وعشرين سنة على النحو الذي ذكرنا وقيل ~~إن الأشد واحدها شد وهو قوة الشباب عند ارتفاعه وأصله من شد النهار وهو قوة ~~الضياء عند ارتفاعه قال الشاعر: # تطيف به شد النهار ظعينة طويلة أنقاء اليدين سحوق قوله تعالى وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها # فيه أمر بإيفاء الحقوق على الكمال ولما كان الكيل والوزن يتعذر فيهما ~~التحديد بأقل القليل علمنا أنه لم يكلفنا ذلك وإنما كلفنا الاجتهاد في ~~التحري دون حقيقة الكيل والوزن وهذا أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام وأن ~~كل مجتهد مصيب وإن كانت الحقيقة المطلوبة بالاجتهاد واحدة لأنا قد علمنا أن ~~للمقدار المطلوب من الكيل حقيقة معلومة عند الله تعالى قد أمرنا بتحريها ~~والاجتهاد فيها ولم يكلفنا إصابتها إذا لم يجعل لنا دليلا عليها فكان كل # PageV04P196 # ما أدانا إليه اجتهادنا من ذلك فهو الحكم الذي تعبدنا به وقد يجوز أن ~~يكون ذلك قاصرا عن تلك الحقيقة أو زائدا عليها ولكنه لما لم يجعل لنا سبيلا ~~إليها أسقط حكمها عنا ويدلك على أن تلك الحقيقة المطلوبة غير مدركة يقينا ~~أنه قد يكال أو يوزن ثم يعاد عليه الكيل أو الوزن فيزيد أو ينقص لا سيما ~~فيما كثر مقداره ولذلك قال الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها في هذا ~~الموضوع يعني أنه ليس عليه أكثر مما يتحراه باجتهاده وقد استدل عيسى بن ~~أبان بأمر الكيل والوزن على حكم المجتهدين في الأحكام وشبهه به قوله تعالى ~~وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى # قد انتظم ذلك تحري الصدق وعدل القول في الشهادات والأخبار والحكم بين ~~الناس والتسوية بين القريب والبعيد فيه وهو نظير قوله تعالى كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ms1732 الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو ~~فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا وقد ~~بينا حكم ذلك فيما تقدم في موضعه وقد انتظم قوله وإذا قلتم فاعدلوا # مصالح الدنيا والآخرة لأن من تحرى صدق القول في العدل فهو بتحرى العدل في ~~الفعل أحرى ومن كان بهذه الصفة فقد حاز خير الدنيا والآخرة نسئل الله ~~التوفيق لذلك قوله تعالى وبعهد الله أوفوا # عهد يشتمل على أوامره وزواجره كقوله تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم وقد ~~يتناول المنذور وما يوجبه العبد على نفسه من القرب ألا ترى إلى قوله وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها # قوله تعالى وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه الآية فإن المراد بالصراط ~~الشريعة التي تعبد الله بها عباده والصراط هو الطريق وإنما قيل للشرع ~~الطريق لأنه يؤدي إلى الثواب في الجنة فهو طريق إليها وإلى النعيم وأما ~~السبيل الشيطان فطريق إلى النار أعاذنا الله منها وإنما جاز الأمر باتباع ~~الشرع بما يشتمل عليه من الوجوب والنفل والمباح كما جاز الأمر باتباعه مع ~~ما فيه من التحليل والتحريم وذلك اتباعه إنما هو اعتقاد صحته على ترتيبه من ~~قبح المحظور ووجوب الفرض والرغبة في النفل واستباحة المباح والعمل بكل شيء ~~من ذلك على حسب مقتضى الشرع له من إيجاب أو نفل أو إباحة # قوله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن قيل في قوله ثم إن ~~معناه ثم قل آتينا موسى الكتاب تماما لأنه عطف على قوله قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم وقيل معناه وآتينا موسى الكتاب كقوله ثم الله شهيد # PageV04P197 # ومعناه والله شهيد وكقوله ثم كان من الذين آمنوا ومعناه وكان من الذين ~~آمنوا ويحتمل أن يكون صلة الكلام ويكون معناه ثم بعد ما ذكرت لكم أخبرتكم ~~أنا آتينا موسى الكتاب ونحوه من الكلام # قوله تعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا هو أمر باتباع الكتاب ~~على حسب ما تضمنه من فرض أو نفل ms1733 أو إباحة واعتقاد كل منه على مقتضاه ~~والبركة ثبوت الخير ونموه وتبارك الله صفة ثبات لا أول له ولا آخر هذا ~~تعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى وحده لا شريك له # قوله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا قال ابن ~~عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وابن جريج أراد بهما اليهود والنصارى وفي ~~ذلك دليل على أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى وأن المجوس ليسوا أهل ~~الكتاب لأنهم لو كانوا أهل كتاب لكانوا ثلاث طوائف وقد أخبر الله تعالى ~~أنهم طائفتان فإن قيل إنما حكى الله ذلك عن المشركين قيل له هذا احتجاج ~~عليهم بأنه أنزل الكتاب عليكم لئلا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن وأبطل أن يحتجوا بأن الكتاب إنما أنزل ~~على طائفتين من قبلنا ولم ينزل علينا # قوله تعالى هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتى ربك قيل في قوله ~~تعالى أو يأتي ربك أو يأتي أمر ربك بالعذاب ذكر ذلك عن الحسن وحذف كما حذف ~~في قوله إن الذين يؤذون الله ومعناه أولياء الله وقيل أو يأتي ربك بحلائل ~~آياته وقيل تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم أو يأتي ربك أمر ربك يوم القيامة ~~أو يأتي بعض آيات ربك طلوع الشمس من مغربها وروي ذلك عن مجاهد وقتادة ~~والسدي # قوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا قال مجاهد هم اليهود لأنهم ~~كانوا يمالئون عبدة الأوثان على المسلمين وقال قتادة اليهود والنصارى لأن ~~بعض النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود وقال أبو هريرة أهل الضلال من هذه ~~الأمة فهو تحذير من تفرق الكلمة ودعاء إلى الاجتماع والألفة على الدين وقال ~~الحسن هم جميع المشركين لأنهم كلهم بهذه الصفة وأما دينهم فقد قيل الذي ~~أمرهم الله به وجعله دينا لهم وقيل الدين الذي هم عليه لإكفار بعضهم لبعض ~~لجهالة فيه وشيع الفرق الذين يمالئ بعضهم بعضا على أمر واحد مع اختلافهم في ~~غيره وقيل أصله الظهور من قولهم شاع الخير ms1734 إذا ظهر وقيل أصله الاتباع من ~~قولك شايعه على المراد إذا اتبعه وقوله لست # PageV04P198 # منهم في شىء # المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة وليس كذلك ~~بعضهم على بعض لأنهم يجتمعون في معنى من الباطل وإن افترقوا في غيره فليس ~~منهم في شيء لأنه بريء من جميعه # قوله تعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الحسنة اسم للأعلى في الحسن ~~لأن الهاء دخلت للمبالغة فتدخل الفروض والنوافل ولا يدخل المباح وإن كان ~~حسنا لأن المباح لا يستحق عليه حمد ولا ثواب ولذلك رغب الله في الحسنة ~~وكانت طاعة وكذلك الإحسان يستحق عليه الحمد فأما الحسن فإنه يدخل فيه ~~المباح لأن كل مباح حسن ولكنه لا ثواب فيه فإذا دخلت عليه الهاء صارت اسما ~~لا على الحسن وهي الطاعات قوله تعالى فله عشر أمثالها معناه في النعيم ~~واللذة ولم يرد به أمثالها في عظم المنزلة وذلك لأن منزلة التعظيم لا يجوز ~~أن يبلغها إلا بالطاعة وهذه المضاعفة إنما هي بفضل الله غير مستحق عليها ~~كما قال تعالى ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وغير جائز أن تساوي منزلة ~~التفضيل منزلة الثواب في التعظيم لأنه لو جاز ذلك لجاز أن يبتدئهم بها في ~~الجنة من غير عمل ولجاز أن يساوي بين المنعم بأعظم النعم وبين من لم ينعم # قوله تعالى قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا قوله دينا قيما يعني مستقيما ووصفه بأنه ملة إبراهيم والحنيف المخلص ~~لعبادة الله تعالى يروى ذلك عن الحسن وقيل أصله الميل من قولهم رجل أحنف ~~إذا كان مائل القدم بإقبال كل واحدة منهما على الأخرى خلقة لا من عارض فسمي ~~المائل إلى الإسلام حنيفا لأنه لا رجوع معه وقيل أصله الاستقامة وإنما جاء ~~أحنف للمائل القدم على التفاؤل كما قيل للديغ سليم وفي ذلك دليل على أن ما ~~لم ينسخ من ملة إبراهيم عليه السلام فقد صارت شريعة لنبينا صلى الله عليه ~~وآله وسلم لإخباره بأن دينه ms1735 ملة إبراهيم # قوله تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين قال سعيد بن ~~جبير وقتادة والضحاك والسدي نسكي ديني في الحج والعمرة وقال الحسن نسكي ~~ديني وقال غيرهم عبادتي إلا أن الأغلب عليه هو الذبح الذي يتقرب به إلى ~~الله تعالى وقولهم فلان ناسك معناه عابد لله # وقد روى عبد الله بن أبي رافع عن علي قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا افتتح الصلاة قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين إلى ~~قوله من المسلمين # وروى أبو سعيد # PageV04P199 # الخدري وعائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا افتتح الصلاة ~~رفع يديه وقال سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ~~والأول كان يقوله عند قبل أن ينزل وسبح بحمد ربك حين تقوم فلما نزل ذلك ~~وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة ترك الأول # وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف يجمع بينهما لأنهما قد روى جميعا ~~قوله تعالى إن صلاتى يجوز أن يريد بها صلاة العيد ونسكي الأضحية لأنها تسمى ~~نسكا وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى فهي نسك قال الله تعالى ~~ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم النسك شاة # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم النحر إن أول نسكنا في ~~يومنا هذا الصلاة ثم الذبح # فسمى الصلاة والذبح جميعا نسكا ولما قرن النسك إلى الصلاة دل على أن ~~المراد صلاة العيد والأضحية وهذا يدل على وجوب الأضحية لقوله تعالى وبذلك ~~أمرت والأمر يقتضى الوجوب قوله تعالى وأنا أول المسلمين قال الحسن وقتادة ~~أول المسلمين من هذه الأمة # قوله عز وجل ولا تكسب كل نفس إلا عليها يحتج به في امتناع جواز تصرف أحد ~~على غيره إلا ما قامت دلالته لإخبار الله تعالى أن أحكام أفعال كل نفس ~~متعلقة ms1736 بها دون غيرها فيحتج بعمومه في امتناع جواز تزويج البكر الكبيرة ~~بغير إذنها وفي بطلان الحجر على امتناع جواز بيع أملاكه عليه وفي جواز تصرف ~~البالغ العاقل على نفسه وإن كان سفيها لإخبار الله تعالى باكتساب كل نفس ~~على نفسه وفي نظائرها ذلك من المسائل وقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~إخبار بأن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره وأنه لا يعذب الأبناء بذنب ~~الآباء # وقد احتجت عائشة في رد قول من تأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقالت قال الله تعالى ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى وإنما مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي يبكى عليه فقال ~~إنه ليعذب وهم يبكون عليه # وقد بينا وجه ذلك في غير هذا الموضع وقيل إن أصله الوزر والملجأ من قوله ~~كلا لا وزر ولكنه جرى في الأغلب على الإثم وشبه بمن التجأ إلى غير ملجأ ~~ويقال وزر يزر ووزر يوزر ووزر يوزر فهو موزور وكله بمعنى الإثم والوزير ~~بمعنى الملجأ لأن الملك يلجأ إليه في الأمور والله أعلم بالصواب. # PageV04P200 ### | (سورة الأعراف) # قوله تعالى فلا يكن في صدرك حرج منه مخرجه مخرج النهي ومعناه نهي المخاطب ~~عن التعرض للحرج وروي عن الحسن في الحرج أنه الضيق وذلك أصله ومعناه فلا ~~يضيق صدرك خوفا أن لا تقوم بحقه فإنما عليك الإنذار به وقال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والسدي الحرج هنا الشك يعني لا تشك في لزوم الإنذار به وقيل ~~معناه لا يضيق صدرك بتكذيبهم إياك كقوله تعالى فلعلك باخع نفسك على آثارهم ~~إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا # قوله تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم هو أن يكون تصرفه مقصورا على ~~مراد أمره وهو نظير الائتمام وهو أن يأتم به في اتباع مراده وفي فعله غير ~~خارج عن تدبيره فإن قيل هل يكون فاعل المباح متبعا لأمر الله عز وجل قيل له ~~قد يكون متبعا إذا قصد به اتباع أمره ms1737 في اعتقاد إباحته وإن لم يكن وقوع ~~الفعل مرادا منه وأما فاعل الواجب فإنه قد يكون الاتباع في وجهين أحدهما ~~اعتقاد وجوبه والثاني إيقاع فعله على الوجه المأمور به ضارع المباح الواجب ~~في الاعتقاد إذ كان على كل واحد منهما وجوب الاعتقاد بحكم الشيء على ترتيبه ~~ونظامه في إباحة أو إيجاب جاز أن يشتمل قوله اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ~~على المباح الواجب وقوله اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم دليل على وجوب اتباع ~~القرآن في كل حال وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار الآحاد لأن الأمر ~~باتباعه قد ثبت بنص التنزيل وقبول خبر الواحد غير ثابت بنص التنزيل فغير ~~جائز تركه لأن لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم وخبر الواحد ~~يوجب العمل فلا يجوز تركه ولا الاعتراض به عليه وهذا يدل على صحة قول ~~أصحابنا في أن قول من خالف القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ما جاءكم مني فاعرضوه ~~على كتاب الله فما وافق كتاب الله فهو عني وما خالف كتاب الله فليس عني # فهذا عندنا فيما كان وروده من طريق الآحاد فأما ما ثبت من طريق التواتر ~~فجائز تخصيص القرآن به وكذلك نسخه قوله ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا فما تيقنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله فإنه في ~~إيجاب الحكم بمنزلة القرآن فجاز تخصيص بعضه ببعض # وكذلك نسخه قوله تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا # PageV04P201 # لآدم # روى عن الحسن خلقناكم ثم صورناكم يعني به آدم لأنه قال ثم قلنا للملائكة ~~وإنما قال ذلك بعد خلق آدم وتصويره وذلك كقوله تعالى وإذ أخذنا ميثاقكم ~~ورفعنا فوقكم الطور أي ميثاق آبائكم ورفعنا فوقهم الطور نحو قوله تعالى فلم ~~تقتلون أنبياء الله من قبل والمخاطبون بذلك في زمان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يقتلوا الأنبياء وقيل ثم راجع إلى صلة المخاطبة كأنه قال ms1738 ثم ~~إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة وحكي عن الأخفش ثم هاهنا بمعنى الواو وذكر ~~الزجاج أن ذلك خطأ عند النحويين قال أبو بكر ونظيره قوله تعالى ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون ومعناه والله شهيد # قوله تعالى ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك يدل على أن الأمر يقتضي الوجوب ~~بنفس وروده غير محتاج إلى قرينة في إيجاب لأنه علق الذم بتركه الأمر المطلق ~~وقيل في قوله تعالى ألا تسجد أن لا هاهنا صلة مؤكدة وقيل إن معناه ما دعاك ~~إلى أن لا تسجد وما أحوجك وقيل في السجود لآدم وجهان أحدهما التكرمة لأن ~~الله قد امتن به على عباده وذكره بالنعمة فيه والثاني أنه كان قبلة لهم ~~كالكعبة # قوله تعالى فبما أغويتنى قيل فيه خيبتني كقول الشاعر: # ومن يغو لا يعدم من الغي لائما يعنى من يحب وحكى لنا أبو عمر غلام ثعلب ~~عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره أو ~~فسد هو في نفسه ومنه قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى أي فسد عليه عيشه في ~~الجنة قال ويقال غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه وقيل في أغويتنى أي حكمت ~~بغوايتي كقولك أضللتني أي حكمت بضلالتى وقيل أغويتنى أى أهلكتنى فهذه ~~الوجوه الثلاث محتملة في إبليس وقوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ويحتمل فساد ~~أمره في الجنة وهو يرجع إلى معنى الخيبة ولا يحتمل هلاك ولا الحكم بالغواية ~~التي هي ضلال لأن أنبياء الله لا يجوز ذلك عليهم # قوله تعالى ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ~~روي عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة والحكم والسدى من بين أيديهم ومن خلفهم من ~~قبل دنياهم وآخرتهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم وقال مجاهد من حيث يبصرون ومن ~~حيث لا يبصرون وقيل من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم ولم يقل من فوقهم قال ~~ابن عباس لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم ولم يقل من تحت أرجلهم لأن ~~الإتيان ms1739 منه ممتنع إذا أريد به # PageV04P202 # الحقيقة قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين قرن قربهما ~~الشجرة إلا أنه معلوم شرط الذكر فيه وتعمد الأكل مع العلم به لأنه لا يؤاخذ ~~بالنسيان والخطإ فيما لم يقم عليه دليل قاطع ولم يكن أكلهما للشجرة معصية ~~كبيرة بل كانت صغيرة من وجهين أحدهما أنهما نسيا الوعيد وظنا أنه نهي ~~استحباب لا إيجاب ولهذا قال فنسي ولم نجد له عزما والثاني أنه أشير لهما ~~إلى شجرة بعينها وظنا المراد العين وكان المراد الجنس # كقوله صلى الله عليه وآله وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال هذان مهلكا أمتي # وإنما أراد الجنس لا العين دون غيرها # قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس ~~التقوى هذا خطاب عام لسائر المكلفين من الآدميين كما كان قوله تعالى يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم خطابا لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ومن جاء بعده من المكلفين من أهل سائر الأعصار إلا أنا لمن كان غير موجود ~~على شرط الوجود وبلوغ كمال العقل وقوله تعالى قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم وقوله تعالى وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة يدل على فرض ستر ~~العورة لإخباره أنه أنزل علينا لباسا لنواري سوآتنا به وإنما قال أنزلنا ~~لأن اللباس يكون من نبات الأرض أو من جلود الحيوان وأصوافها وقوام جميعها ~~بالمطر النازل من السماء وقيل إنه وصفه بالإنزال لأن البركات تنسب إلى أنها ~~تأتي من السماء كما قال تعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وقوله ريشا قيل إنه الأثاث من متاع البيت نحو الفرش والدثار وقيل الريش ما ~~فيه الجمال ومنه ريش الطائر وقوله ولباس التقوى قيل فيه إنه العمل الصالح ~~عن ابن عباس وسماه لباسا لأنه بقي العقاب كما بقي اللباس من الثياب الحر ~~والبرد وقال قتادة والسدي هو الإيمان وقال الحسن هو الحياء الذي يكسبهم ~~التقوى وقال بعض أهل العلم هو لباس الصوف والخشن من التي تلبس ms1740 للتواضع ~~والنسك في العبادة وقد اتفقت الأمة على معنى ما دلت عليه الآية من لزوم فرض ~~ستر العورة ووردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها # حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله عورتنا ما نأتي ~~منها وما نذر قال احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قلت يا رسول ~~الله فإذا كان أحدنا خاليا قال فإن الله أحق أن يستحيا منه # وروى أبو سعيد الخدري عنه عليه السلام أنه قال لا ينظر الرجل إلى عورة ~~الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة # وقد روي # PageV04P203 # عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ملعون من نظر إلى سوأة أخيه قال ~~الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم- وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن # يعني عن العورات إذ لا خلاف في جواز النظر إلى غير العورة # قال الله تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ~~قيل في الفتنة إنها المحنة بالدعاء إلى المعصية من جهة الشهوة أو الشبهة ~~والخطاب توجه إلى الإنسان بالنهي عن فتنة الشيطان وإنما معناه التحذير من ~~فتنة الشيطان وإلزام التحرز منه وقوله تعالى كما أخرج أبويكم من الجنة ~~فأضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان فإنه أغواهما حتى فعلا ما استحقا به ~~الإخراج منها كقوله تعالى حاكيا عن فرعون يذبح أبناءهم وإنما أمر به ولم ~~يتوله بنفسه وعلى هذا المعنى أضاف نزع لباسهما عبده وهو ممن لا يتولى الضرب ~~بنفسه أنه إن أمر به غيره ففعله حنث وكذلك إذا حلف لا يبني داره فأمر غيره ~~فبناها وقيل في اللباس الذي كان عليهما أنه كان ثياب من ثياب الجنة وقال ~~ابن عباس كان لباسهما الظفر وقال وهب بن منبه كان لباسهما نورا # قوله تعالى وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد روي عن مجاهد والسدي توجهوا إلى ~~قبلة كل مسجد في صلاة على استقامة وقال الربيع بن أنس توجهوا بالإخلاص لله ~~تعالى لا لوثن ولا غيره قال أبو ms1741 بكر قد حوى ذلك معنيين أحدهما التوجه إلى ~~القبلة المأمور بها على استقامة غير عادل عنها والثاني فعل الصلاة في ~~المسجد وذلك يدل على وجوب فعل المكتوبات في جماعة لأن المساجد مبنية ~~للجماعة وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبار في وعيد تارك ~~الصلاة في جماعة وأخبار أخر في الترغيب فيما فمها روي ما يقتضي النهي عن ~~تركها # قوله صلى الله عليه وآله وسلم من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له # وقوله لابن أم مكتوم حين قال له إن منزلي شاسع فقال هل تسمع النداء فقال ~~نعم فقال لا أجد لك عذرا # وقوله لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم آمر بحطب فيحرق على المتخلفين ~~عن الجماعة بيوتهم # في أخبار نحوها ومما روي من الترغيب # أن صلاة الجماعة تفضل عن صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة وأن الملائكة ليصلون ~~على الذين يصلون في الصف المقدم # وقوله بشر المشائين في ظلام الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة # وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول هو عندي فرض على الكفاية كغسل الموتى ~~ودفنهم والصلاة عليهم متى # PageV04P204 # قام بها بعضهم سقط عن الباقين # قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد قال أبو بكر هذه الآية ~~تدل على فرض ستر العورة في الصلاة وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة ~~وزفر وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد هي فرض في الصلاة إن تركه مع ~~الإمكان فسدت صلاته وهو قول الشافعي وقال مالك والليث الصلاة مجزية مع كشف ~~العورة ويوجبان الإعادة في الوقت والإعادة في الوقت عندهما استحباب ودلالة ~~هذه الآية على فرض ستر العورة في الصلاة من وجوه أحدها أنه لما قال خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد فعلق الأمر بالمسجد علمنا أن المراد الستر للصلاة لولا ~~ذلك لم يكن لذكر المسجد فائدة فصار تقديرها خذوا زينتكم في الصلاة ولو كان ~~المراد سترها عن الناس لما خص المسجد بالذكر إذ كان الناس في الأسواق ms1742 أكثر ~~منهم في المساجد فأفاد بذكر المسجد وجوبه في الصلاة إذا كانت المساجد ~~مخصوصة بالصلاة وأيضا لما أوجبه في المسجد وجب بظاهر الآية فرض الستر في ~~الصلاة إذا فعلها في المسجد وإذا وجب في الصلاة المفعولة في المسجد وجب في ~~غيرها من الصلوات حيث فعلت لأن أحدا لم يفرق بينهما وأيضا فإن المسجد يجوز ~~أن يكون عبارة عن السجود نفسه كما قال الله تعالى وأن المساجد لله والمراد ~~السجود وإذا كان كذلك اقتضت الآية لزوم الستر عند السجود وإذا لزم ذلك في ~~السجود لزم في سائر أفعال الصلاة إذا لم يفرق أحد بينهما روي عن ابن عباس ~~وإبراهيم ومجاهد وطاوس والزهري أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة فأنزل ~~الله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد قال أبو بكر وقيل إنهم إنما كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة لأن الثياب قد دنستها المعاصي في زعمهم فيتجردون منها ~~وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك تفاؤلا بالتعري من الذنوب وقال بعض من يحتج ~~لمالك بن أنس إن هؤلاء السلف لما ذكروا سبب نزول الآية وهو طواف العريان ~~وجب أن يكون حكمها مقصورا عليه وليس هذا عندنا كذلك لأن نزول الآية عندنا ~~على سبب لا يوجب الاقتصار بحكمها عليه لأن الحكم عندنا لعموم اللفظ لا ~~للسبب وعلى أنه لو كان كما ذكر لا يمنع ذلك وجوبه في الصلاة لأنه إذا وجب ~~الستر في الطواف فهو في الصلاة وجب إذ لم يفرق أحد بينهما فإن قال قائل ~~فينبغي أن لا يمنع ترك الستر صحة الصلاة كما لم يمنع صحة الطواف الذي فيه ~~نزلت الآية وإن وقع ناقصا قيل له ظاهره يقتضي بطلان # PageV04P205 # الجميع عند عدم الستر ولكن الدلالة قد قامت على جواز الطواف مع النهي كما ~~لا يجوز الإحرام مع الستر وإن كان منهيا عنه ولم تقم الدلالة على جواز ~~الصلاة عريانا ولأن ترك بعض فروض الصلاة يفسدها مثل الطهارة واستقبال ~~القبلة وترك بعض فروض الإحرام لا يفسده لأنه لو ترك الإحرام في الوقت ثم ~~أحرم صح إحرامه ms1743 وكذلك لو أحرم وهو مجامع لامرأته وقع إحرامه فصار الإحرام ~~آكد في بقائه من الصلاة والطواف من موجبات الإحرام فوجب أن لا يفسده ترك ~~الستر ولا يمنع وقوعه ويدل على أن حكم الآية غير مقصور على الطواف وأن ~~المراد بها الصلاة قوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد والطواف مخصوص بمسجد ~~واحد ولا يفعل في غيره فدل على أن مراده الصلاة التي تصح في كل مسجد ويدل ~~عليه من جهة السنة # حديث أبى الزناد عن الأعراج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال لا يصل أحدكم في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء # وروى محمد بن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار # فنفى قبولها لمن بلغت الحيض فصلتها مكشوفة الرأس كما نفى قبولها مع عدم ~~الطهارة # بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور # فثبت بذلك أن ستر العورة من فروضها وأيضا قد اتفق الجميع على أنه مأمور ~~بستر العورة في الصلاة ولذلك يأمره مخالفنا بإعادتها في الوقت فإذا كان ~~مأمورا بالستر ومنهيا عن تركه وجب أن يكون من فروض الصلاة من وجهين أحدهما ~~أن هذا الحكم مأخوذ عن الآية وأن الآية قد أريد بها الستر في الصلاة ~~والثاني أن النهي يقتضي فساد الفعل إلا أن تقوم الدلالة على الجواز فإن قال ~~قائل لو كان الستر من فروض الصلاة لما جازت الصلاة مع عدمه عند الضرورة إلا ~~ببدل يقوم مقامه مثل الطهارة فلما جازت صلاة العريان إذا لم يجد ثوبا من ~~غير بدل عن الستر دل على أنه ليس من فرضه قيل له هذا سؤال ساقط لاتفاق ~~الجميع على جواز صلاة الأمي والأخرس مع عدم القراءة من غير بدل عنها ولم ~~يخرجها ذلك من أن يكون فرضا وزعم بعض من يحتج لمالك أنه لو كان الثوب من ~~عمل الصلاة ومن فرضها لوجب على ms1744 الإنسان أن ينوي بلبس الثوب أنه للصلاة كما ~~ينوي بالافتتاح أنه لتلك الصلاة وهذا كلام واه جدا فاسد العبارة مع ضعف ~~المعنى وذلك لأن الثوب لا يكون من عمل الصلاة ولا من فروضها ولكن ستر ~~العورة من شروطها التي # PageV04P206 # لا تصح إلا به كالطهارة كما أن استقبال القبلة من شروطها ولا يحتاج ~~الاستقبال إلى نية والطهارة من شروطها ولا تحتاج عندنا إلى نية والقيام في ~~حال الافتتاح من فروضها لمن قدر عليه ولا يحتاج إلى نية والقيام والقراءة ~~والركوع والسجود بعد الافتتاح من فروضها ولا يحتاج لشيء من ذلك إلى نية فإن ~~قيل لأن نية الصلاة قد أغنت عن تجديد النية لهذه الأفعال قيل له وكذلك نية ~~الصلاة قد أغنت عن تجديد نية للستر وقوله تعالى خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~يدل على أنه مندوب في حضور المسجد إلى أخذ ثوب نظيف مما يتزين به # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ندب إلى ذلك في الجمع ~~والأعياد # كما أمر بالاغتسال للعيدين والجمعة وأن يمس من طيب أهله وقوله تعالى ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا الآية ظاهره يوجب الأكل والشرب من غير إسراف وقد ~~أريد به الإباحة في بعض الأحوال والإيجاب في بعضها فالحال التي يجب فيها ~~الأكل والشرب هي الحال التي يخاف أن يلحقه ضرر بكون ترك الأكل والشرب يتلف ~~نفسه أو بعض أعضائه أو يضعفه عن أداء الواجبات فواجب عليه في هذه الحال أن ~~يأكل ما يزول معه خوف الضرر والحال التي هما مباحان فيها هي الحال التي لا ~~يخاف ضررا فيها بتركها وظاهره يقتضي جواز أكل سائر المأكولات وشرب سائر ~~الأشربة مما لا يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيهما والإسراف هو مجاوزة ~~حد الاستواء فتارة يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام وتارة يكون بمجاوزة الحد ~~في الإنفاق فيكون ممن قال الله تعالى إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ~~والإسراف وضده من الإقتار مذمومان والاستواء هو التوسط ولذلك قيل دين الله ~~بين المقصور والغالي قال ms1745 الله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولا تجعل ~~يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا وقد يكون ~~الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى يؤديه إلى الضرر فذلك محرم أيضا # قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق روي ~~عن الحسن وقتادة أن العرب كانت تحرم السوائب والبحائر فأنزل الله تعالى ذلك ~~وقال السدى وكانوا يحرمون في الإحرام أكل السمن والأدهان فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية ردا لقومهم وفيه تأكيد لما قدم إباحته في قوله خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد الآية # PageV04P207 # والطيبات من الرزق قيل فيه وجهان أحدهما ما استطابه الإنسان واستلذه من ~~المأكول والمشروب وهو يقتضي إباحة سائر المأكول والمشروب إلا ما قامت دلالة ~~تحريمه والثاني الحلال من الرزق قوله تعالى قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة يعني أن الله تعالى أباحها وهي خالصة يوم القيامة ~~لهم من شوائب التنغيص والتكدير وقيل هي خالصة لهم دون المشركين # وقوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق قال مجاهد الفواحش الزنا وهو الذي بطن والتعري في الطواف وهو ~~الذي ظهر وقيل القبائح كلها فواحش أجمل ذكرها بديا ثم فصل وجوهها فذكر أن ~~منها الإثم والبغي والإشراك بالله والبغي هو طلب الترأس على الناس بالقهر ~~والاستطالة عليهم بغير حق وقوله والإثم مع وصفه الخمر والميسر بأن فيهما ~~إثم وقوله تعالى يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير يقتضي تحريم ~~الخمر والميسر أيضا # قوله تعالى أدعوا ربكم تضرعا وخفية فيه الأمر بالإخفاء للدعاء قال الحسن ~~في هذه الآية علمكم كيف تدعون ربكم وقال لعبد صالح رضي دعاءه إذ نادى ربه ~~نداء خفيا وروى مبارك عن الحسن قال كانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع إلا ~~همسا # وروى أبو موسى الأشعري قال كنا عند النبي صلى الله عليه ms1746 وآله وسلم فسمعهم ~~يرفعون أصواتهم فقال يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا # وروى سعد بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال خير الذكر الخفي ~~وخير الرزق ما يكفي # وروى بكر بن خنيس عن ضرار عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~عمل البر كله نصف العبادة والدعاء نصف العبادة # وروى سالم عن أبيه عن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ~~رفع يديه في الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه # قال أبو بكر في هذه الآية وما ذكرنا من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء ~~أفضل من إظهاره لأن الخفية هي البر روي ذلك عن ابن عباس والحسن وفي ذلك ~~دليل على أن إخفاء آمين بعد قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره ~~لأنه دعاء والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى قد أجيبت دعوتكما قال ~~كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين وقال بعض أهل العلم إنما ~~كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه لا يشوبه رياء وأما التضرع فإنه قد قيل إنه ~~الميل في الجهات يقال ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا مال بأصبعيه يمينا وشمالا ~~خوفا وذلا قال ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل إليه # PageV04P208 # والمضارعة المشابهة لأنها تميل إلى شبه نحو المقاربة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو ويشير بالسبابة # وقال ابن عباس لقد رؤي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشية عرفة رافعا ~~يديه يدعو حتى إنه ليرى ما تحت إبطيه # وقال أنس رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استسقى فمد يديه حتى ~~رأيت بياض إبطيه # وفيما # روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رفع اليدين في الدعاء والإشارة ~~بالسبابة # دليل على صحة تأويل من تأول التضرع على تحويل الأصبع يمينا وشمالا # قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة قال أبو بكر إنما قال تعالى ms1747 فتم ميقات ربه أربعين ليلة لأنه ~~لما قال ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر جاز أن يسبق إلى وهم بعض السامعين أنه ~~كان عشرين ليلة ثم أتمها بعشر فصار ثلاثين ليلة فأزال هذا التوهم والتجوز ~~وأخبر أنه أتم الثلاثين بعشر غيرها زيادة عليها # قوله تعالى قال رب أرني أنظر إليك قيل إنه سأل الرؤية على جهة استخراج ~~الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ويدل عليه قوله تعالى ~~أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وقيل إنه سأله الرؤية التي هي علم الضرورة ~~فبين الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا فإن قيل فلم جاز أن يسئل ~~الرؤية وهي غير جائزة على الله تعالى وهل يجوز على هذا أن يسئله مالا يجوز ~~على الله تعالى من الظلم قيل له لأنه لا شبهة في فعله الظلم أنه صفة نقص ~~وذم فلا يجوز سؤال مثله وكذلك ما فيه شبهة ولا يظهر حكمه إلا بالدلالة وهذا ~~إن كان سأل الرؤية من غير تشبيه على ما روي عن الحسن والربيع بن أنس والسدي ~~وإن كان إنما سأل الرؤية التي هي علم الضرورة أو استخراج الجواب لقومه فهذا ~~السؤال ساقط وقيل إن توبة موسى إنما كانت من التقدم بالمسألة قبل الإذن ~~فيها ويحتمل يكون ذكر التوبة على وجه التسبيح على ما جرت عادة المسلمين ~~بمثله عند ظهور دلائل الآيات الداعية إلى التعظيم قوله تعالى فلما تجلى ربه ~~للجبل فإن التجلي على وجهين ظهور بالروية أو الدلالة والرؤية مستحيلة في ~~الله تعالى فهو ظهور آياته التي أحدثها لحاضري الجبل وقيل إنه أبرز من ~~ملكوته للجبل ما يدكدك به لأن في حكمه تعالى أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من ~~الملكوت الذي في السماء كما # روي أنه أبرز قدر الخنصر من العرش # وقوله تعالى وأمر قومك يأخذوا بأحسنها قيل بأحسن ما كتب فيه وهو الفرائض ~~والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب وكذلك قوله فبشر عباد # PageV04P209 # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه # وقال بعض ms1748 أهل العلم أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه وقد قيل إن هذا ~~لا يجوز لأن فعل المنسوخ المنهي عنه قبيح فلا يقال الحسن أحسن من القبيح # قوله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض قيل معناه عن آياتي من ~~العز والكرامة بالدلالة التي تكسب الرفعة في الدنيا والآخرة ويحتمل صرفهم ~~عن الاعتراض على آياتي بالإبطال أو بالمنع من الإظهار للناس ولا يجوز أن ~~يكون معناه سأصرف عن الإيمان بآياتي لأنه لا يجوز أن يأمر بالإيمان ثم يمنع ~~منه إذ كان ذلك سفها وعبثا # قوله تعالى أعجلتم أمر ربكم قد قيل إن العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ~~وسرعة عمله في أول أوقاته ولذلك صارت العجلة مذمومة وقد يكون تعجيل الشيء ~~في وقته كما # روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجعل الظهر في الشتاء ويبرد ~~بها في الصيف # وقوله تعالى وأخذ برأس أخيه يجره إليه كان على وجه المعاتبة لا على وجه ~~الإهانة ولأن مثل هذه الأفعال تختلف أحكامها بالعادة فلم تكن للعادة حينئذ ~~فعله على وجه الإهانة وقيل إنه بمنزلة قبض الرجل منا عند غضبه على لحيته ~~وعضه على شفته وإبهامه # قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف قيل إن الأغلب في خلف بتسكين اللام أنه ~~للذم وقال لبيد: # وبقيت في خلف كجلد الأجرب وقد جاء بالتسكين في المدح أيضا قال حسان: # لنا القدم العليا إليك وخلفنا لا ولنا في طاعة الله تابع قوله تعالى ~~يأخذون عرض هذا الأدنى قيل إن العرض ما يقل لبثه يقال عرض هذا الأمر فهو ~~عارض خلاف اللازم قال تعالى هذا عارض ممطرنا يعني السحاب لقلة لبثه وروي في ~~قوله عرض هذا الأدنى أن معناه الرشوة على الحكم قوله تعالى وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه قال مجاهد وقتادة والسدي أهل إصرار على الذنوب وقال الحسن ~~معناه أنه لا يشبعهم شيء # قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~قيل إنه أخرج الذرية قرنا بعد قرن وأشهدهم على ms1749 أنفسهم بما جعل في عقولهم ~~وفطرهم من المنازعة لكي تقتضي الإقرار بالربوبية حتى صاروا بمنزلة من قيل ~~لهم ألست بربكم قالوا بلى وقيل إنه قال لهم ألست بربكم على لسان بعض # PageV04P210 # أنبيائه # قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس هذه لام العاقبة كقوله ~~تعالى فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ولم يكن غرضهم ذلك في التقاطه ~~ولكنه لما كان ذلك عاقبة أمره أطلق ذلك فيهم ومنه قول الشاعر: # لدوا للموت وابنوا للخراب وقال أيضا: # وأم سماك فلا تجزعي فللموت ما غذت الوالدة # قوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء ~~فيه حث على النظر والاستدلال والتفكر في خلق الله وصنعه وتدبيره فإنه يدل ~~عليه وعلى حكمته ووجوده وعدله وأخبر أن في جميع ما خلقه دليلا عليه وداع ~~إليه وحذرهم التفريط بترك النظر إلى وقت حلول الموت وفوات ما كان يمكنه ~~الاستدلال به على معرفة الله تعالى وتوحيده وذلك قوله تعالى وأن عسى أن ~~يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون # قوله تعالى يسئلونك عن الساعة أيان مرساها الآية قوله أيان مرساها قال ~~قتادة والسدي قيامها وأيان بمعنى متى وهو سؤال عن الزمان على وجهه الظرف ~~للفعل فلم يخبرهم الله تعالى عن وقتها ليكون العباد على حذر منه فيكون ذلك ~~أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية والمرسى مستقر الشيء الثقيل ومنه الجبال ~~الراسيات يعني الثابتات ورسيت السفينة إذا ثبتت في مستقرها وأرساها غيرها ~~أثبتها قال ابن عباس كان السائلون عن الساعة قوم من اليهود وقال الحسن ~~وقتادة سألت عنها قريش قوله تعالى لا تأتيكم إلا بغتة قال قتادة غفلة وذلك ~~أشدها وقوله تعالى ثقلت في السماوات والأرض قال السدي وغيره ثقل علمها على ~~أهل السموات والأرض فلم يطيقوه إدراكا له وقال الحسن عظم وصفها على أهل ~~السموات والأرض من انتثار النجوم وتكوير السموات وتسيير الجبال وقال قتادة ~~ثقلت على السموات فلا تطيقها لعظمها وقوله تعالى يسئلونك كأنك حفى عنها قال ~~مجاهد والضحاك ms1750 ومعمر كأنك عالم بها وعن ابن عباس والحسن وقتادة والسدى ~~يسئلونك عنها كأنك حفى بهم على التقديم والتأخير أي كأنك لطيف ببرك إياهم ~~من قوله إنه كان بى حفيا ويقال إن أصل الحفا الإلحاح في الأمر يقال أحفى ~~فلان فلانا إذا ألح في الطلب منه أحفى # PageV04P211 # السؤال إذا ألح فيه ومنه أحفى الشارب إذا استأصله واستقصى في أخذه ومنه ~~الحفا وهو أن يستحج قدمه لإلحاح المشي بغير نعل والحفي اللطيف ببرك لإلحاحه ~~بالبرلك وحفي عنها بمعنى عالم بها لإلحاحه بطلب علمها وفي هذه الآية دليل ~~على بطلان قول من يدعي العلم ببقاء مدة الدنيا ويستدل بما روي أن الدنيا ~~سبعة آلاف سنة وأن الباقي منها من وقت مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~خمس مائة لأنه لو كان كذلك لكان وقت قيام الساعة معلوما وقد أخبر الله ~~تعالى أن علمها عنده وأنه لا يجليها لوقتها إلا هو وأنها تأتي بغتة لم ~~يتقدم لهم علم بها قبل كونها لأن ذلك معنى البغتة وقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أخبار في بقاء مدة الدنيا وليس فيها تحديد للوقت مثل # قوله بعثت والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى # ونحو # قوله فيما رواه شعبة وغيره عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ~~قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة بعد العصر إلى مغيب ~~الشمس قال إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من هذه الشمس إلى أن ~~تغيب # وما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال أجلكم في أجل ~~من مضى قبلكم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس # ونحوها من الأخبار ليس فيها تحديد وقت قيام الساعة وإنما فيه تقريب الوقت ~~وقد روي في تأويل قوله تعالى فقد جاء أشراطها أن مبعث النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من أشراطها وقال الله تعالى قل إنما علمها عند ربى ثم قال قل ~~إنما علمها عند الله ms1751 فإنه قيل أنه أراد فالأول علم وقتها وبالآخر علم كنهها # قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها قيل فيه جعل من ~~كل نفس زوجها كأنه قال جعل من النفس زوجها ويريد به الجنس وأضمر ذلك وقيل ~~من آدم وحواء قوله تعالى لئن آتيتنا صالحا قال الحسن غلاما سويا وقال ابن ~~عباس بشرا سويا لأنهما يشفقان أن يكون بهيمة # وقوله تعالى فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما قال الحسن ~~وقتادة الضمير في جعلا عائد إلى النفس وزوجه من ولد آدم لا إلى آدم وحواء ~~وقال غيرهما راجع إلى الولد الصالح بمعنى أنه كان معا في بدنه وذلك صلاح في ~~خلقه لا في دينه ورد الضمير إلى اثنين لأن حواء كانت تلد في بطن واحد ذكرا ~~وأنثى # قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم عنى بالدعاء ~~ال. ول تسميتهم الأصنام آلهة والدعاء الثاني طلب المنافع وكشف المضار من ~~جهتهم وذلك مأيوس منهم وقوله عباد أمثالكم قيل إنما سماها عبادا لأنها # PageV04P212 # مملوكة لله تعالى وقيل لأنهم توهموا أنها تضر وتنفع فأخبر أنه ليس يخرج ~~بذلك عن حكم العباد الخلوقين وقال الحسن إن الذين يدعون هذه الأوثان مخلوقة ~~أمثالكم # قوله تعالى ألهم أرجل يمشون بها تقريع لهم على عبادتهم من هذه صفته إذ لا ~~شبهة على أحد في الناس أن من اتبع من هذه صفته فهو ألوم ممن عبد من له ~~جارحة يمكن أن ينفع بها أو يضر وقيل إنه قدرهم أنهم أفضل منها لأن لهم ~~جوارح يتصرفون بها والأصنام لا تصرف لها فكيف يعبدون من هم أفضل منه والعجب ~~من أنفتهم من اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع ما أيده الله به من ~~الآيات المعجزة والدلائل الباهرة لأنه بشر مثلهم ولم يأنفوا من عبادة حجر ~~لا قدرة له ولا تصرف وهم أفضل منه في القدرة على النفع والضر والحياة ~~والعلم # قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف روى هشام بن عروة عن ms1752 أبيه عن عبد الله ~~بن زبير في قوله عز وجل خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال والله ~~ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال أثقل شيء في ميزان ~~المؤمن يوم القيامة الخلق الحسن # وروى عطاء عن ابن عمر أنه قال سئل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي ~~المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى وسعيد بن محمد ~~الأعرابي قالا حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن ~~سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه ~~وحسن الخلق # وروى عن الحسن ومجاهد قال أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقبل ~~العفو من أخلاق الناس # والعفو هو التسهيل والتيسير فالمعنى استعمال العفو وقبول ما سهل من أخلاق ~~الناس وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات وقبول العذر ونحوه وروى ابن عباس ~~في قوله تعالى خذ العفو قال العفو من الأموال قبل أن ينزل فرض الزكاة وكذلك ~~روي عن الضحاك والسدي وقيل إن أصل العفو الترك ومنه قوله تعالى فمن عفي له ~~من أخيه شىء يعني ترك له والعفو عن الذنب ترك العقوبة عليه وقوله تعالى ~~وأمر بالعرف قال قتادة وعروة العرف المعروف # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا سهل ~~ابن بكار قال حدثنا عبد السلام بن الخليل عن عبيد الهجيمي قال قال أبو جرى ~~جابر ابن سليم ركبت قعودي ثم انطلقت إلى مكة فطلبته فأنخت قعودي بباب ~~المسجد فإذا هو # PageV04P213 # جالس عليه برد من صوف فيه طرائق فقلت السلام عليك يا رسول الله وقال ~~وعليك السلام قلت إنا معشر أهل البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ~~ينفعني الله بها قال ادن ثلاثا فدنوت فقال أعد علي ms1753 فأعدت قال اتق الله ولا ~~تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من فضل دلوك في ~~إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فإن الله ~~جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى # قال أبو جرى فو الذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شيئا لا شاة ولا بعيرا ~~والمعروف هو ما حسن في العقل فعله ولم يكن منكرا عند ذوي العقول الصحيحة ~~قوله تعالى وأعرض عن الجاهلين أمر بترك مقابلة الجهالة والسفهاء على سفههم ~~وصيانة النفس عنهم وهذا والله أعلم يشبه أن يكون قبل الأمر بالقتال لأن ~~الفرض كان حينئذ على الرسول إبلاغهم وإقامة الحجة عليهم وهو مثل قوله فأعرض ~~عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا وأما بعد الأمر بالقتال فقد ~~تقرر أمر المبطلين والمفسدين على وجوه معلومة من إنكار فعلهم تارة بالسيف ~~وتارة بالسوط وتارة بالإهانة والحبس # قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم قيل ~~في نزغ الشيطان إنه الإغواء بالوسوسة وأكثر ما يكون عند الغضب وقيل إن أصله ~~الإزعاج بالحركة إلى الشر ويقال هذه نزغة من الشيطان للخصلة الداعية إليه ~~فلما علم الله تعالى نزغ الشيطان إيانا إلى الشر علمنا كيف الخلاص من كيده ~~وشره بالفزع إليه والاستعاذة به من نزغ الشيطان وكيده وبين بالآية التي ~~بعدها أنه متى لجأ العبد إلى الله # واستعاذ من نزغ الشيطان حرسه منه وقوى بصيرته بقوله إن الذين اتقوا إذا ~~مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون قال ابن عباس الطيف هو النزغ ~~وقال غيره الوسوسة وهما متقاربان وذلك يقتضي أنه متى استعاذ بالله من شر ~~الشيطان أعاذ منه وازداد بصيرة في رد وسواسه والتباعد مما دعاه إليه ورآه ~~إليه ورآه في أخس منزلة وأقبح صورة لما يعلم من سوء عاقبته إن وافقه وهون ~~عنده دواعي شهوته # قوله تعالى وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون قال الحسن ms1754 وقتادة ~~والسدي إخوان الشياطين في الضلال يمدهم الشيطان وقال مجاهد إخوان المشركين ~~من الشيطان وسماهم إخوانا لاجتماعهم على الضلالة كالإخوة من النسب في ~~التعاطف به وحنين بعضهم إلى # PageV04P214 # بعض لأجله كما سمى المؤمنين إخوانا بقوله تعالى إنما المؤمنون أخوة ~~لتعاطفهم وتواصلهم بالدين فأخبر عن حال من استعاذ بالله من نزغ الشيطان ~~ووساوسه في بصيرته ومعرفته بقبح ما يدعوه إليه وتباعد منه ومن دواعي شهواته ~~برجوعه إلى الله وإلى ما ذكره وهذه الاستعاذة تجوز أن تكون بقوله أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم وجائز أن تكون بالفكر في نعم الله تعالى عليه وفي ~~أوامره ونواهيه وما يؤول به إليه الحال من دوام النعيم فيهون عنده دواعي ~~هواه وحوادث شهواته ونزغات الشيطان بها ثم أخبر تعالى عن حال من أعرض عن ~~ذكر الله والاستعاذة به فقال وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون فكلما ~~تباعدوا عن الذكر مضوا مع وساوس الشيطان وغيه غير مقصرين عنه وهو نظير قوله ~~تعالى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا وقوله تعالى ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وبالله التوفيق. ### | باب القراءة خلف الإمام # قال الله تعالى وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون # قال أبو بكر روي عن ابن عباس أنه قال إن النبي الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم قرأ في الصلاة وقرأ معه أصحابه فخلطوا عليه فنزل وإذا قرى القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا # وروى ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا قال المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في ~~صلاة مفروضة أو يوم جمعة أو فطر أو أضحى # وروى المهاجر أبو مخلد عن أبى العالية قال كان النبي الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه حتى نزلت وإذا قرى القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا فسكت القوم وقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم # وروى الشعبي وعطاء قالا في ms1755 الصلاة وروى إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد مثله # وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع قراءة ~~فتى من الأنصار وهو في الصلاة يقرأ فنزلت هذه الآية # وروي عن سعيد بن المسيب أنه قرأ في الصلاة وروي عن مجاهد أنه في الصلاة ~~والخطبة والخطبة لا معنى لها في هذا الموضع لأن موضع القرآن في الخطبة كغير ~~في وجوب الاستماع والإنصات وروي عن أبي هريرة أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة ~~حتى نزلت هذه الآية وهذا أيضا تأويل بعيد لا يلائم معنى الآية لأن الذي في ~~الآية إنما هو أمر بالاستماع والإنصات لقراءة غيره لاستحالة أن يكون مأمورا ~~بالاستماع # PageV04P215 # والإنصات لقراءة نفسه إلا أن يكون معنى الحديث أنهم كانوا يتكلمون خلف ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة فنزلت الآية فإن كان كذلك فهو في ~~معنى تأويل الآخرين له على ترك القراءة خلف الإمام فقد حصل من اتفاق الجميع ~~أنه قد أريد ترك القراءة خلف الإمام والاستماع والإنصات لقراءته ولو لم ~~يثبت عن السلف اتفاقهم على نزولها في وجوب ترك القراءة خلف الإمام لكانت ~~الآية كافية في ظهور معناها وعموم لفظها ووضوح دلالتها على وجوب الاستماع ~~والإنصات لقراءة الإمام وذلك لأن قوله تعالى وإذا قرى القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا يقتضي وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها ~~فإن قامت دلالة على جواز ترك الاستماع والإنصات في غيرها لم يبطل حكم ~~دلالته في إيجابه ذلك فيها وكما دلت الآية على النهي عن القراءة خلف الإمام ~~فيما يجهز به فهي دلالة على النهي فيما يخفي لأنه أوجب الاستماع والإنصات ~~عند قراءة القرآن ولم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء فإذا جهر فعلينا ~~الاستماع والإنصات وإذا أخفى فعلينا الإنصات بحكم اللفظ لعلمنا به قارئ ~~للقرآن وقد اختلف الفقهاء في القراءة خلف الإمام فقال أصحابنا وابن سيرين ~~وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح لا يقرأ فيما جهر وقال الشافعي يقرأ ~~فيما جهر وفيما أسر وقال ms1756 مالك يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر وقال ~~الشافعي يقرأ فيما جهر وفيما أسر في رواية المزني وفي البويطي أنه يقرأ ~~فيما أسر بأم القرآن وسورة في الأوليين وأم القرآن في الآخرين وفيما جهر ~~فيه الإمام لا يقرأ من خلفه إلا بأم القرآن قال البويطي وكذلك يقول الليث ~~والأوزاعي قال أبو بكر قد بينا دلالة الآية على وجوب الإنصات عند قراءة ~~الإمام في حال الجهر والإخفاء وقال أهل اللغة الإنصات الإمساك عن الكلام ~~والسكوت لاستماع القراءة ولا يكون القارئ منصتا ولا ساكتا بحال وذلك لأن ~~السكوت ضد الكلام وهو تسكين الآلة عن التحريك بالكلام الذي هو حروف مقطعة ~~منظومة ضربا من النظام فهما يتضادان على المتكلم بآلة اللسان وتحريك الشفة ~~ألا ترى أنه لا يقال ساكت متكلم كما لا يقال ساكن متحرك فمن سكت فهو غير ~~متكلم ومن تكلم فهو غير ساكت فإن قال قائل قد يسمى مخفي القراءة ساكتا إذا ~~لم تكن قراءته مسموعة كما # روى عمارة عن أبي زرعة عن أبى هرير قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة فقلت له بأبي أنت وأمي أرأيت # PageV04P216 # سكتاتك بين التكبير والقراءة أخبرني ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني ~~وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب # وذكر الحديث فسما ساكتا وهو يدعوا خفيا فدل ذلك على أن السكوت إنما هو ~~إخفاء القول وليس بتركه رأسا قيل له إنما سميناه ساكتا مجازا لأن من لا ~~يسمعه يظنه ساكتا فلما أشبه الساكت في هذا الوجه سماه باسمه لقرب حاله من ~~حال الساكت كما قال تعالى صم بكم عمى تشبيها بمن هذه حاله وكما قال في ~~الأصنام وتراهم ينظرون إليك تشبيها لهم بمن ينظر وليس هو بناظر في الحقيقة ~~فإن قيل لا يقرأه المأموم في حال قراءة الإمام وإنما يقرأ في حال سكوته ~~وذلك لما # روى الحسن عن سمرة بن جندب قال كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سكتات ~~في صلاته إحداهما قبل ms1757 القراءة والأخرى بعدها # فينبغي للإمام أن تكون له سكتة قبل القراءة ليقرأ الذين أدركوا أول ~~الصلاة فاتحة الكتاب ثم ينصب لقراءة الإمام فإذا فرغ سكت سكتة أخرى ليقرأ ~~من لم يدرك أول الصلاة فاتحة الكتاب قيل له أما حديث السكتتين فهو غير ثابت ~~ولو ثبت لم يدل على ما ذكرت لأن سكتة الأولى إنما هي لذكر الاستفتاح ~~والثانية إن ثبتت فلا دلالة فيها على أنها بمقدار ما يقرأ فاتحة الكتاب ~~وإنما هي فصل بين القراءة وبين تكبير الركوع لئلا يظن من لا يعلم أن ~~التكبير من القراءة إذا كان موصولا بها ولو كانت السكتتان كل واحدة منهما ~~بمقدار قراءة فاتحة الكتاب لكان ذلك مستفيضا ونقله شائعا ظاهرا فلما لم ~~ينقل ذلك من طريق الاستفاضة مع عموم الحاجة إليه إذ كانت مفعولة لأداء فرض ~~القراءة من المأموم ثبت أنهما غير ثابتتين وأيضا فإن سبيل المأموم أن يتبع ~~الإمام ولا يجوز أن يكون الإمام تابعا للمأموم فعلى قول هذا القائل يسكت ~~الإمام بعد القراءة حتى يقرأ المأموم وهذا خلاف # قوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به # ثم مع ذلك يكون الأمر على عكس ما أمر به صلى الله عليه وآله وسلم من # قوله وإذا قرأ فأنصتوا # فأمر المأموم بالإنصات للإمام وهو بأمر الإمام بالإنصات للمأموم ويجعله ~~تابعا له وذلك خلف من القول ألا ترى أن الإمام لو قام في الثنتين من الظهر ~~ساهيا لكان على المأموم اتباعه ولو قام المأموم ساهيا لم يكن على الإمام ~~اتباعه ولو سها المأموم لم يسجد هو ولا إمامه للسهو ولو سها الإمام ولم يسه ~~المأموم لكان على المأموم اتباعه فكيف يجوز أن يكون الإمام مأمورا بالقيام ~~ساكتا ليقرأ المأموم وقد روي في النهي عن القراءة خلف الإمام آثار مستفيضة ~~عن # PageV04P217 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنحاء مختلفة فمنها # حديث قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير عن حطان ابن عبد الله عن ابن أبي ~~موسى أن رسول الله صلى الله ms1758 عليه وآله وسلم قال إذا قرأ الإمام فأنصتوا # وحديث ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فأنصتوا # فهذان الخبران يوجبان الإنصات عند قراءة الإمام # وقوله إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا قرأ فأنصتوا # إخبار منه أن من الائتمام بالإمام الإنصات لقراءته وهذا يدل على أنه غير ~~جائز أن ينصت الإمام لقراءة المأموم لأنه لو كان مأمورا بالإنصات له لكان ~~مأمورا بالائتمام به فيصير الإمام مأموما والمأموم إماما في حالة واحدة ~~وهذا فاسد ومنها # حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من كان له إمام فقراءة ~~الإمام له قراءة رواه جماعة عن جابر وفي بعض الألفاظ إذا كان لك إمام ~~فقراءته لك قراءة # ومنها # حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن القراءة خلف ~~الإمام رواه الحجاج بن أرطاة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن عمران بن حصين ~~وقد ذكرنا أسانيد هذه الأخبار في شرح مختصر الطحاوي # ومنها # حديث مالك عن أبي نعيم وهب ابن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ~~فهي خداج وفي بعضها لم يصل إلا وراء الإمام # فأخبر أن ترك قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام لا يوجب نقصانا في الصلاة ~~ولو جاز أن يقرأ لكان تركها يوجب نقصا فيها كالمفرد # وروى مالك عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال هل قرأ معي ~~أحد منكم آنفا قالوا نعم يا رسول الله قال إني أقول مالي أنازع القرآن # قال فانتهى الناس عن القراءة فيما # جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل قرأ معي أحد منكم # دل ذلك على أن القارئ خلفه ms1759 أخفى قراءته ولم يجهر بها لأنه لو كان جهر بها ~~لما أقر # أهل معي أحد منكم ثم قال إني أقول مالي أنازع القرآن # وفي ذلك دليل على استواء حكم الصلاة التي يجهر فيها والتي تخافت لإخباره ~~أن قراءة المأموم هي الموجبة لمنازعة القرآن وأما قوله فانتهى الناس عن ~~القراءة فيما جهر فيه رسول الله فلا حجة فيه لمن أجاز القراءة خلف الإمام ~~فيما يسر فيه من قبل أن ذلك قول الراوي وتأويل منه وليس فيه أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم فرق بين حال الجهر والإخفاء ومنها # حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال كنا ~~نقرأ # PageV04P218 # خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال خلطتم علي القرآن # وهذا أيضا يدل على التسوية بين حال الجهر والإخفات إذ لم يذكر فرقا ~~بينهما # وروى الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز عن ابن بحينة وكان من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هل قرأ معي أحد ~~آنفا في الصلاة قالوا نعم قال فإني أقول مالي أنازع القرآن # قال فانتهى الناس عن القراءة معه منذ قال ذلك فأخبر في هذا الحديث عن ~~تركهم القراءة خلفه ولم يفرق بين الجهر والإخفاء فهذه الأخبار كلها يوجب ~~النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه أو يسر ومما يدل على ذلك ما روي ~~عن جلة الصحابة من النهي عن القراءة خلف الإمام وإظهار النكير على فاعله ~~ولو كان ذلك شائعا لما خفي أمره على الصحابة لعموم الحاجة إليه ولكان من ~~الشارع توقيف للجماعة عليه ولعرفوه كما عرفوا القراءة في الصلاة إذ كانت ~~الحاجة إلى معرفة القراءة خلف الإمام كهي إلى القراءة في الصلاة للمنفرد أو ~~الإمام فلما روي عن جلة الصحابة إنكار القراءة خلف الإمام ثبت أنها غير ~~جائزة فممن نهى عن القراءة خلف الإمام علي وابن مسعود وسعد وجابر وابن عباس ~~وأبو الدرداء وأبو سعيد وابن عمر ms1760 وزيد بن ثابت وأنس # وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي قال من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ ~~الفطرة # وروى أبو إسحاق عن علقمة عن عبد الله عن زيد بن ثابت قال من قرأ خلف ~~الإمام ملئ فوه ترابا وروى وكيع عن عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد ابن ~~ثابت قال من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له وقال أبو حمزة قلت لابن عباس أقرأ ~~خلف الإمام قال لا وقال أبو سعيد يكفيك قراءة الإمام قال أنس القراءة خلف ~~الإمام التسبيح يعني والله أعلم التسبيح في الركوع وذكر الاستفتاح وقال ~~منصور عن إبراهيم ما سمعنا بالقراءة خلف الإمام حتى كان المختار الكذاب ~~فاتهموه فقرءوا خلفه وقال سعد وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة ~~واحتج موجبو القراءة خلف الإمام # بحديث محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر فتعامى عليه القراءة ~~فلما سلم قال أتقرءون خلفي قالوا نعم يا رسول الله قال لا تفعلوا إلا ~~بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وهذا حديث مضطرب السند مختلف ~~في رفعه وذلك أنه رواه صدقة بن خالد عن زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن ~~محمود بن ربيعة عن عبادة ونافع بن محمود هذا مجهول لا يعرف وقد # PageV04P219 # روى هذا الحديث ابن عون عن رجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع موقوفا على ~~عبادة لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم # وقد روى أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال صلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ثم أقبل بوجهه فقال أتقرءون والإمام يقرأ فسكتوا فسألهم ثلاثا فقالوا ~~إنا لنفعل فقال لا تفعلوا # فلم يذكر فيه استثناء فاتحة الكتاب وإنما أصل # حديث عبادة ما رواه يونس عن ابن هشام قال أخبرني محمود بن الربيع عن ~~عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله ms1761 عليه وآله وسلم لا صلاة لمن لم ~~يقرأ القرآن # فلما اضطرب حديث عبادة هذا الاضطراب في السند والرفع والمعارضة لم يجز ~~الاعتراض به على ظاهر القرآن والآثار الصحاح النافية للقراءة خلف الإمام ~~وأما # قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا صلاة إلا بأم القرآن # فليس فيه إيجاب قراءتها خلف الإمام لأن هذه صلاة بأم القرآن إذ كانت ~~قراءة الإمام له قراءة وكذلك # حديث العلاء ابن عبد الرحمن عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج غير تمام # فقلت يا أبا هريرة إني أكون أحيانا خلف الإمام فغمز ذراعي وقال أقرأ يا ~~فارسي في نفسك فلا حجة لهم فيه لأن أكثر ما فيه أنها خداج والخداج إنما هو ~~النقصان ويدل على الجواز لوقوع اسم الصلاة عليها وأيضا فإنه في المنفرد ~~ليجمع بينه وبين الآية والأخبار التي قدمناها في نفي القراءة خلف الإمام ~~وأما قول أبي هريرة اقرأ بها في نفسك فإنه لم يعز ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وقوله لا تثبت به حجة ومما يدل على أن أخبارنا أولى اتفاق ~~الجميع على استعمالها في النهي عن القراءة خلف الإمام في حال جهر الإمام ~~وخبرهم مختلف فيه فكان ما اتفقوا على استعماله في حال أولى مما اختلف فيه ~~فإن قيل نستعمل الأخبار كلها فيكون أخبار النهي فيما عدا فاتحة الكتاب ~~وأخبار الأمر بالقراءة في فاتحة الكتاب قيل له هذا يبطل بما ذكره النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم من # قوله علمت أن بعضكم خالجنيها # وقوله مالي أنازع القرآن # والقرآن لا يختص بفاتحة الكتاب دون غيرها فعلمنا أنه أراد الجميع # وقال في حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل ~~صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج إلا وراء الإمام # فنص على تركها خلف الإمام وذلك يبطل تأويلك وقولك باستعمال الأخبار بل ~~أنت رادها ms1762 غير مستعمل لها فإن قيل ما استدللت به من قول الصحابة لا دليل ~~فيه لأنهم قد خالفهم نظراؤهم فمن ذلك ما رواه عبد الواحد بن زياد قال حدثنا ~~سليمان الشيباني عن جواب # PageV04P220 # عن يزيد بن شريك قال لعمر بن الخطاب أو سمعت رجلا قال له اقرأ خلف الإمام ~~قال نعم قال قلت وإن قرأ قال وإن قرأ وروى شعبة عن أبي الفيض عن أبي شيبة ~~قال معاذ إذا كنت تسمع قراءة الإمام فاقرأ بقل هو الله أحد ونحوها وإذا لم ~~تسمع قراءته ففي نفسك # وروى أشعث عن الحكم وحماد أن عليا كان يأمر بالقراءة خلف الإمام # وروى ليث عن عطاء عن ابن عباس لا تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب جهر الإمام ~~أو لم يجهر فإذا كان هؤلاء الصحابة قد روي عنهم القراءة خلف الإمام وروي ~~عنهم تركها فكيف تثبت به حجة قيل له أما حديث عمر ومعاذ فمجهول السند لا ~~تثبت بمثله حجة وحديث علي إنما هو عن الحكم وحماد ومخالفنا لا يقبل مثله ~~لإرساله وحديث ابن عباس هذا رواه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد روى عنه أبو ~~حمزة النهي ومع ذلك فلم يكن احتجاجنا من جهة قول الصحابة فحسب وإنما قلنا ~~إن ما كان هذا سبيله من الفروض التي عمت الحاجة إليه فإن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لا يخليهم من توقيف لهم على إيجابه فلما وجدناهم قائلين ~~بالنهي علمنا أنه لم يكن منه توقيف للكافة عليه فثبت أنها غير واجبة ولا ~~يصير قول من قال منهم بإيجابه قادحا فيما ذكرنا من قبل أن أكثر ما فيه لم ~~يكن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقيف عليه للكافة فذهب منهم ذاهبون ~~إلى إيجاب قراءتها بتأويل أو قياس ومثل ذلك طريقه للكافة ونقل الأمة ويدل ~~على نفي وجوبها اتفاق الجميع على أن مدرك الإمام في الركوع يتابعه مع ترك ~~القراءة فلو كانت فرضا لما جاز تركها بحال كالطهارة وسائر أفعال الصلاة فإن ~~قيل إنما جاز ذلك ms1763 الضرورة وهو خوف فوات الركعة قيل له خوف فوات الركعة ليس ~~بضرورة من وجوه أحدها أن فعل الصلاة خلف الإمام ليس بفرض لأنه لو صلاها ~~منفردا أجزأه وإنما هو فضيلة فإذا خوف فواتها ليس بضرورة في تركها وأيضا ~~فإنه لو كان محدثا لم يكن خوف فوات الجماعة مبيحا لترك الطهارة وكذلك لو ~~أدركه في السجود لم تكن له ضرورة في جواز سقوط الركوع فلما جاز ترك القراءة ~~في هذه الحال دون سائر الفروض دل على أنها ليست بفرض ويدل على أنها ليست ~~بفرض اتفاق الجميع على أن من كان خلف الإمام في الصلاة التي يجهر فيها لا ~~يقرأ السورة مع الفاتحة فلو كانت القراءة فرضا لكان من سننها قراءة السورة ~~ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المأموم لا يجهز بها في الصلوات التي ~~يجهر فيها بالقراءة ولو كانت فرضا لجهر بها كالإمام # PageV04P221 # وفي ذلك دليل على أنها ليست بفرض إذ كانت صلاة جماعة من الصلوات التي ~~يجهر فيها بالقراءة وكان ينبغي أن لا يختلف حكم الإمام والمأموم في الجهر ~~والإخفاء لو كانت فرضا عليه كهي على الإمام قوله تعالى واذكر ربك في نفسك ~~تضرعا وخيفة قال أبو بكر الذكر على وجهين أحدهما الفكر في عظمة الله وجلاله ~~ودلائل قدرته وآياته وهذا أفضل الأذكار إذ به يستحق الثواب على سائر ~~الأذكار سواه وبه يتوصل إليه والذكر الآخر القول وقد يكون ذلك الذكر دعاء ~~وقد يكون ثناء على الله تعالى ويكون قراءة للقرآن ويكون دعاء للناس إلى ~~الله وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعا من الفكر والقول فيكون # قوله تعالى واذكر ربك في نفسك هو الفكر في دلائل الله وآياته وقوله تعالى ~~ودون الجهر من القول فيه نص على الذكر باللسان وهذا الذكر يجوز أن يريد به ~~قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء فيكون الأفضل في الدعاء الإخفاء على نحو ~~قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية وإن أراد به قراءة القرآن كان في معنى ~~قوله ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ms1764 وابتغ بين ذلك سبيلا وقيل إنما كان ~~إخفاء الدعاء أفضل لأنه أبعد من الرياء وأقرب من الإخلاص وأجدر بالاستجابة ~~إذ كانت هذه صفته وقيل إن ذلك خطاب للمستمع للقرآن لأنه معطوف على قوله ~~وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وقيل إنه خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم والمعنى عام لسائر المكلفين كقوله عز وجل يا أيها النبى إذا ~~طلقتم النساء وقال قتادة الآصال العشيات. ### | سورة الأنفال # قال أبو بكر رحمة الله عليه قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ~~وعطاء الأنفال الغنائم وروي عن ابن عباس رواية أخرى عن عطاء أن الأنفال ما ~~يصل إلى المسلمين عن المشركين بغير قتال من دابة أو عبد أو متاع فذلك للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم يضعه حيث يشاء وروي عن مجاهد أن الأنفال الخمس ~~الذي جعله الله لأهل الخمس وقال الحسن كانت الأنفال من السرايا التي تتقدم ~~أمام الجيش الأعظم والنفل في اللغة الزيادة على المستحق ومنه النافلة وهي ~~التطوع وعندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة فأما بعده فلا يجوز إلا من ~~الخمس وذلك بأن يقول للسرية لكم الربع بعد الخمس أو الربع حيز من الجميع ~~قبل # PageV04P222 # الخمس أو يقول من أصاب شيئا فهو له على وجه التحريض على القتال والتضرية ~~على العدو أو يقول من قتل قتيلا فله سلبه وأما بعد إحراز الغنيمة جائز أن ~~ينفل من نصيب الجيش ويجوز له أن ينفل من الخمس وقد اختلف في سبب نزول الآية # فروي عن سعد قال أصبت يوم بدر سيفا فأتيت به النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقلت نفلنيه فقال ضعه من حيث أخذت فنزلت يسئلونك عن الأنفال قال ~~فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال اذهب وخذ سيفك # وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يسئلونك عن الأنفال ~~قال الأنفال الغنائم التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ~~ليس لأحد فيها شيء ثم أنزل الله تعالى واعلموا أنما غنمتم ms1765 من شيء فأن لله ~~خمسه وللرسول الآية قال ابن جريج أخبرني بذلك سليمان عن مجاهد # وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم نفل يوم بدر أنفالا مختلفة وقال من أخذ شيئا فهو له # فاختلف الصحابة فقال بعضهم نحو ما قلنا وقال آخرون نحن حمينا رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم وكنا ردأ لكم قال فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا ~~انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسوله فقسمه عن الخمس وكان في ذلك تقوى ~~وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصلاح ذات البين لقوله تعالى ~~يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # قال عبادة بن الصامت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليرد قوي ~~المسلمين على ضعيفهم # وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم تحل الغنيمة لقوم سود الرءوس قبلكم كانت تنزل نار من السماء ~~فتأكلها فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم فأنزل الله تعالى لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا # وقد ذكر في حديث عبادة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ~~يوم بدر قبل القتال من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله كذا # ويقال إن هذا غلط وإنما # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين من قتل قتيلا فله سلبه # وذلك لأنه # قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لحم تحل الغنائم لقوم ~~سود الرءوس غيركم # وأن قوله تعالى يسئلونك عن الأنفال نزلت بعد حيازة غنائم بدر فعلمنا أن ~~رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفلهم ما أصابوا قبل القتال ~~غلط إذ كانت إباحتها إنما كانت بعد القتال ومما يدل على غلطه أنه قال من ~~أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله ذا ثم قسمها بينهم بالسواء وذلك لأنه ~~غير ms1766 جائز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله ~~الإنسان وأخذه منه وإعطاؤه غيره والصحيح # PageV04P223 # أنه لم يتقدم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول في الغنائم قبل ~~القتال فلما فرغوا من القتال تنازعوا في الغنائم فأنزل الله تعالى يسئلونك ~~عن الأنفال فجعل أمرها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أن يجعلها لما ~~شاء فقسمها بينهم بالسواء ثم نسخ ذلك بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من ~~شيء فأن لله خمسه على ما روي عن ابن عباس ومجاهد فجعل الخمس لأهله المسلمين ~~في الكتاب والأربعة الأخماس للغانمين وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~سهم الفارس والراجل وبقي حكم النفل قبل إحراز الغنيمة بأن يقول من قتل ~~قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له ومن الخمس وما شذ من المشركين من غير ~~قتال فكل ذلك كان نفلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يجعله لمن يشاء وإنما ~~وقع النسخ في النفل بعد إحراز الغنيمة من الخمس ويدل على أن قسمة غنائم بدر ~~إنما كانت على الوجه الذي جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسمتها لا ~~على قسمتها الآن # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسمها بينهم بالسواء ولم يخرج منها ~~الخمس # ولو كانت مقسومة قسمة الغنائم التي استقر عليها الحكم لعزل الخمس لأهله ~~ولفضل الفارس على الراجل وقد كان في الجيش فرسان أحدهما للنبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم والآخر للمقداد فلما قسم الجميع بينهم بالسوية علمنا أن ~~قوله تعالى قل الأنفال لله والرسول قد اقتضى تفويض أمرها إليه ليعطيها من ~~يرى ثم نسخ النفل بعد إحراز الغنيمة وبقي ما حكمه قبل إحرازها على جهة ~~تحريض الجيش والتضرية على العدو وما لم يوجف عليه المسلمون وما لا يحتمل ~~القسم ومن الخمس على ما شاء ويدل على أن غلط الرواية في # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر من أصاب شيئا فهو له وأنه ~~نفل القاتل وغيره # ما ms1767 حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هناد بن السري عن أبي ~~بكر عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال جئت إلى النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم يوم بدر بسيف فقلت يا رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو ~~فهب لي هذا السيف فقال إن هذا السيف ليس لي ولا لك فذهبت وأنا أقول يعطاه ~~اليوم من لم يبل بلاي فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال أجب فظننت أنه نزل في ~~شيء بكلامي فجئت فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنك سألتني هذا ~~السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله قد جعله الله لي فهو لك ثم قرأ يسئلونك ~~عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن له ولا لسعد قبل نزول ~~سورة الأنفال وأخبر أنه لما جعله الله له آثره به وفي ذلك دليل على فساد ~~رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفلهم قبل القتال وقال من ~~أخذ شيئا فهو له # وقوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم # PageV04P224 # في هذه القصة ضروب من دلائل النبوة أحدها إخباره إياهم بأن إحدى ~~الطائفتين لهم وهي عير قريش التي كانت فيها أموالهم وجيشهم الذين خرجوا ~~لحمايتها فكان وعده على ما وعده وقوله تعالى وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم يعني أن المؤمنين كانوا يودون الظفر لما فيها الأموال وقلة المقاتلة ~~وذلك لأنهم خرجوا مستخفين غير مستعدين للحرب لأنهم لم يظنوا أن قريشا تخرج ~~لقتالهم وقوله تعالى ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ~~وهو إنجاز موعده لهم في قطع دابر الكافرين وقتلهم # وقوله تعالى فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله ~~الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم فوجد مخبر هذه الأخبار على ما أخبر به ~~فكان من طمأنينة قلوب المؤمنين ما أخبر به # وقال تعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ms1768 فألقى عليهم النعاس في الوقت الذي ~~يطير فيه النعاس بإظلال العدو عليكم بالعدة والسلاح وهم أضعافهم ثم قال ~~وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به يعني من الجنابة لأن فيهم من كان ~~احتمل وهو حزر الشيطان لأنه من وسوسته في المنام وليربط على قلوبكم بما صار ~~في قلوبهم من الأمنة والثقة بموعود الله ويثبت به الأقدام يحتمل من وجهين ~~أحدهما صحة البصيرة والأمن والثقة الموجبة لثبات الأقدام والثاني أن موضعهم ~~كان رملا دهسا لا تثبت فيه الأقدام فأنزل الله تعالى من المطر ما لبد الرمل ~~وثبت عليه الأقدام وقد روي ذلك في التفسير # قوله تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أنى معكم أن أنصركم فثبتوا الذين ~~آمنوا وذلك يحتمل وجهين أحدهما إلقاؤهم إلى المؤمنين بالخاطر والتنبيه أن ~~الله سينصرهم على الكافرين فيكون ذلك سببا لثباتهم وتحزبهم على الكفار ~~ويحتمل أن يكون التثبيت بإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله ~~سينصره والمؤمنين # فيخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك المؤمنين فيدعوهم ذلك إلى ~~الثبات ثم قال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أخذ كفا من تراب ورمى به وجوههم فانهزموا ولم يبق منهم أحد إلا ~~دخل من ذلك التراب في عينه وعنى بذلك أن الله بلغ ذلك التراب وجوههم ~~وعيونهم إذ لم يكن في وسع أحد من المخلوقين أن يبلغ ذلك التراب عيونهم من ~~الموضع الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذه كلها من دلالة ~~النبوة ومنها وجود مخبرات هذه الأخبار على ما أخبر به فلا يجوز أن يتفق ~~مثلها تخرصا وتخمينا ومنها ما أنزل من المطر الذي لبد الرمل حتى # PageV04P225 # ثبتت أقدامهم عليه وصاروا وبالأعلى عدوهم لأن في الخبر أن أرضهم صارت ~~وحلا حتى منعهم من المسير ومنها الطمأنينة التي صارت في قلوبهم بعد كراهتهم ~~للقاء الجيش ومنها النعاس الذي وقع عليهم في الحال التي يطير فيها النعاس ~~ومنها رميه التراب وهزيمة الكفار به. ### | الكلام ms1769 في الفرار من الزحف # قال الله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر قال أبو نضرة لأنهم لو ~~انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم وهذا الذي ~~قاله أبو نضيرة ليس بسديد لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار ولم ~~يأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه يكون ~~قتال وإنما ظنوا أنها العير فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن ~~خف معه فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا انحازوا ~~إلى المشركين غلط لما وصفنا وقد قيل إنهم لم يكن جائزا لهم الانحياز يومئذ ~~لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن الانحياز جائزا ~~لهم عنه قال الله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه فلم يكن يجوز لهم أن ~~يخذلوا نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وينصرفوا عنه ويسلموه وإن كان الله ~~قد تكفل بنصره وعصمه من الناس كما قال الله تعالى والله يعصمك من الناس ~~وكان ذلك فرضا عليهم قلت أعداؤهم أو كثروا وأيضا فإن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم كان فئة المسلمين يومئذ ومن كان بمنحاز عن القتل فإنما كان يجوز ~~له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة وكان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فئتهم يومئذ ولم تكن فئة غيره # قال ابن عمر كنت في جيش فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة فقلنا ~~نحن الفرارون فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا فئتكم # فمن كان بالبعد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا انحاز عن الكفار ~~فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا ~~كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه ms1770 فلم يكن يجوز لهم ~~الفرار وقال الحسن في قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره قال شددت على أهل ~~بدر وقال الله تعالى إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا وذلك لأنهم فروا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وكذلك يوم حنين فروا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعاقبهم الله على # PageV04P226 # ذلك في قوله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قل عدد العدو أو كثر إذا لم يجد الله فيه شيئا ~~وقال الله تعالى في آية أخرى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا هذا والله أعلم في الحال التي لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~حاضرا معهم فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين ولا يهربوا عنهم فإذا كان ~~عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة ~~لمعاودة القتال ثم نسخ ذلك بقوله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله فروي عن ابن عباس أنه قال كتب عليكم أن لا يفر واحد من عشرة ثم ~~قلت الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا الآية فكتب عليكم أن لا يفر مائة ~~من مائتين وقال ابن عباس وإن فر رجل من رجلين فقد فر وإن فر من ثلاثة فلم ~~يفر قال الشيخ يعنب بقوله فقد فر الفرار من الزحف المراد بالآية والذي في ~~الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار فإن زاد عدد الكفار ~~على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة فأما ~~إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة ms1771 معهم فهو من أهل الوعيد ~~المذكور في قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنا فئة كل مسلم # وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الجيش حتى ~~قتل ولم ينهزم رحم الله أبا عبيد لو انحاز إلي لكنت له فئة فلما رجع إليه ~~أصحاب أبي عبيد قال أنا فئة لكم ولم يعنفهم وهذا الحكم عندنا ثابت ما لم ~~يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا ~~متحرفين لقتال وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم من نحو خروج ~~من مضيق إلى فسحة أو من سعة إلى مضيق أو يمكنوا لعدوهم ونحو ذلك مما لا ~~يكون فيه انصراف عن الحرب أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم ~~فإذا بلغوا اثني عشر ألفا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك ~~فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه ~~واحتج # بحديث الزهري عن # PageV04P227 # عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم خير الأصحاب أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف # ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ولن يغلب وفي بعضها ما غلب قوم يبلغون ~~اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له أيسعنا ~~التحلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها فقال له مالك إن كان معك ~~اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف وإلا فأنت في سعة من التخلف وكان السائل ~~له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وهذا المذهب موافق ~~لما ذكر محمد بن الحسن والذي # روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اثني عشر ألفا # فهو أصل في ms1772 هذا الباب وإن كثر عدد المشركين فغير جائز لهم أن يفروا منهم ~~وإن كانوا أضعافهم # لقوله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اجتمعت كلمتهم # وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم # قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة قيل في الفتنة ~~وجوه فروي عن عبد الله أنه من قوله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة # وقال الحسن الفتنة البلية وقيل هي العذاب وقيل هي الفرج الذي يركب الناس ~~فيه بظلم وروي عن ابن عباس أنه قال أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر ~~بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب ونحوه ما # روي أنه قبل يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال مأمن قوم يعمل فيهم ~~بالمعاصي وهم أكثر ممن يعمل فلم ينكروا إلا عمهم الله بعذاب # فحذرنا الله من عذاب يعم الجميع من العاصين ومن لم يعص إذا لم ينكره وقيل ~~إنها يعم من قبل أن الفرح والفتنة إذا وقعا دخل ضررهما على كل واحد منهم ~~قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون يعني ما كان ليعذبهم عذاب الاستيصال وأنت فيهم لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعث رحمة للعالمين ولا يعذبون وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة ~~فيعمهم بالعذاب بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم ألا ترى ~~أن الأمم السالفة لما استحقوا الاستيصال أمر الله أنبياءه بالخروج من بينهم ~~نحو لوط وصالح وشعيب صلوات الله عليهم # وقوله تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون قال ابن عباس لما خرج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بقيت فيها بقية من المؤمنين وقال ~~مجاهد وقتادة والسدي أن لو استغفروا لم يعذبهم # قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وهذا ~~العذاب غير العذاب المذكور في الآية الأولى لأن هذا عذاب الآخرة # PageV04P228 # والأول عذاب الاستيصال في الدنيا وقوله تعالى وما كانوا ms1773 أولياءه قيل فيه ~~وجهان أحدهما ما قال الحسن إنهم قالوا نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله ~~ذلك عليهم والوجه الآخر ما كانوا أولياء الله إن أولياء الله إلا المتقون ~~فإذا أريد به أولياء المسجد ففيه دلالة على أنهم ممنوعون من دخول المسجد ~~الحرام والقيام بعمارته وهو مثل قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا ~~مساجد الله # وقوله عز وجل وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية قيل المكاء ~~الصفير والتصدية التصفيق روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وعطية ~~وقتادة والسدي وروي عن سعيد بن جبير أن التصدية صدهم عن البيت الحرام وسمي ~~المكاء والتصدية صلاة لأنهم كانوا يقيمون الصفير والتصفيق مقام الدعاء ~~والتسبيح وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاتهم # قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله قال ابن عباس ~~والحسن حتى لا يكون شرك وقال محمد بن إسحاق حتى لا يفتتن مؤمن عن دينه ~~والفتنة هاهنا جائز أن يريد بها الكفر وجائز أن يريد بها البغي والفساد لأن ~~الكفر إنما سمي فتنة لما فيه من الفساد فتنتظم الآية قتال الكفار وأهل ~~البغي وأهل العيث والفساد وهي تدل على وجوب قتال الفئة الباغية وقوله تعالى ~~ويكون الدين كله لله يدل على وجوب قتال سائر أصناف أهل الكفر إلا ما خصه ~~الدليل من الكتاب والسنة وهم أهل الكتاب والمجوس فإنهم يقرون بالجزية ويحتج ~~به من يقول لا يقر سائر الكفار دينهم بالذمة إلا هؤلاء الأصناف الثلاثة ~~لقيام الدلالة على جواز إقرارها بالجزية. ### | الكلام في قسمة الغنائم # قال الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وقال في آية أخرى ~~فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فروي عن ابن عباس ومجاهد أن هذه الآية ناسخة ~~لقوله تعالى قل الأنفال لله والرسول وذلك لأنه قد كان جعل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم ينفل ما أحرزه بالقتال لمن شاء من الناس لا حق لأحد فيه إلا ~~من جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ms1774 له وأن ذلك كان يوم بدر وقد ذكرنا # حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~يوم بدر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا السيف ليس لي ولا لك ثم ~~لما نزل قل الأنفال لله والرسول دعاه وقال إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ~~ولا لك وقد جعله الله لي وجعلته لك # وحديث أبي # PageV04P229 # هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما حدثنا عبد الباقي بن قانع ~~قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا أبو الأحوص عن ~~الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين ~~فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم تحل الغنائم ~~لقوم سود الرءوس قبلكم كان النبي إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائهم فتنزل من ~~السماء نار فتأكلها فأنزل الله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا # وقال حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال ~~حدثنا أبو نوح قال أخبرنا عكرمة بن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ~~ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر فأخذ ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفداء فأنزل الله تعالى ما كان لنبى أن ~~يكون له أسرى- إلى قوله- لمسكم فيما أخذتم # من الفداء ثم أحل لهم الغنائم فأخبر في هذين الخبرين أن الغنائم إنما ~~أحلت بعد وقعة بدر وهذا مرتب على قوله تعالى قل الأنفال لله والرسول وأنها ~~كانت موكولة إلى رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهذه الآية أول آية ~~أبيحت بها الغنائم على جهة تخيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إعطائها ~~من رأى ثم نزل قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وقوله ~~تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وأنه ms1775 فداء الأسارى كان بعد نزول قوله ~~تعالى قل الأنفال لله والرسول وإنما كان النكير عليهم في أخذ الفداء من ~~الأسرى بديا ولا دلالة فيه على أن الغنائم لم تكن قد أحلت قبل ذلك على ~~الوجه الذي جعلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه جائز أن تكون الغنائم ~~مباحة وفداء الأسرى محظورا وكذلك يقول أبو حنيفة إنه لا تجوز مفادة أسرى ~~المشركين ويدل على أن الجيش لم يكونوا استحقوا قسمة الغنيمة بينهم يوم بدر ~~إلا بجعل النبي ذلك لهم # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخمس غنائم بدر # ولم يبين سهام الفارس والراجل إلى أن نزل قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه فجعل بهذه الآية أربعة أخماس الغنيمة للغانمين والخمس ~~للوجوه المذكورة ونسخ به ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأنفال ~~إلا ما كان شرطه قبل إحراز الغنيمة نحو أن يقول من أصاب شيئا فهو له ومن ~~قتل قتيلا فله سلبه لأن ذلك لم ينتظمه قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من ~~شىء إذ لم يحصل ذلك غنيمة لغير آخذه أو قاتله وقد اختلف في النفل بعد إحراز ~~الغنيمة. # PageV04P230 ### | ذكر الخلاف فيه # قال أصحابنا والثوري لا نفل بعد إحراز الغنيمة إنما النفل أن يقول من قتل ~~قتيلا فله سلبه ومن أصاب شيئا فهو له وقال الأوزاعي في رسول الله أسوة حسنة ~~كان ينفل في البدأ الربع وفي الرجعة الثلث وقال مالك والشافعي يجوز أن ينفل ~~بعد إحراز الغنيمة على وجه الاجتهاد قال الشيخ ولا خلاف في جواز النفل قبل ~~إحراز الغنيمة نحو أن يقول من أخذ شيئا فهو له ومن قتل قتيلا فله سلبه # وقد روى حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفل في ~~بدأته الربع وفي رجعته الثلث بعد الخمس # فأما التنفيل في البدأة فقد ذكرنا اتفاق الفقهاء عليه وأما قوله في ~~الرجعة الثلث فإنه يحتمل وجهين أحدهما ما يصيب السرية في الرجعة بأن يقول ~~لهم ms1776 ما أصبتم من شيء فلكم الثلث بعد الخمس ومعلوم أن ذلك بلفظ عموم في سائر ~~الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شيء بعينه لم ~~يبين كيفيته وجائز أن يكون معناه ما ذكرناه من قوله للسرية في الرجعة وجعل ~~لهم في الرجعة أكثر مما جعله في البدأة لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ ~~الغنائم وإحرازها ويكون من حواليهم الكفار متأهبين مستعدين للقتال لانتشار ~~الخبر بوقوع الجيش إلى أرضهم والوجه الآخر أنه جائز أن يكون ذلك بعد إحراز ~~الغنيمة وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فجعلها لمن شاء منهم وذلك منسوخ بما ذكرنا فإن قيل ذكر في حديث ~~حبيب بن مسلمة الثلث بعد الخمس فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه قيل له دلالة فيه على ما ذكرت لأنه لم يذكر ~~أنه الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله تعالى فأن لله خمسه وجائز ~~أن يكون على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث والنصف ولما احتمل حديث ~~حبيب بن مسلمة ما وصفنا لم يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه المذكورين فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق ~~الجميع فيها بظاهر الآية فغير جائز أن يجعل شيء منها لغيره على غير مقتضى ~~الآية إلا بما يجوز بمثله تخصيص الآية # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن ~~عبيد الله قال حدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال بعثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في سرية فبلغت سهامنا اثني # PageV04P231 # عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيرا بعيرا # فبين في هذا الحديث سهمان الجيش وأخبر أن النفل لم يكن من جملة الغنيمة ~~وإنما كان بعد السهمان وذلك من الخمس ويدل على أن النفل بعد إحراز الغنيمة ~~لا يجوز ms1777 إلا من الخمس ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الوليد بن عتبة قال ~~حدثنا الوليد قال حدثنا عبد الله بن العلاء أنه سمع أبا سلام ابن الأسود ~~يقول قال سمعت عمرو بن عبسة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~إلى بعير من المغنم فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال ولا يحل لي من ~~غنائمكم مثل هذا إلا الخمس والخمس مردود فيكم # فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن جائز التصرف إلا في الخمس من ~~الغنائم وأن الأربعة الأخماس للغانمين وفي ذلك دليل على أن ما حرز من ~~الغنيمة فهو لأهلها لا يجوز التنفيل منه وفي هذا الحديث على أن مالا قيمة ~~له ولا يتمانعه الناس من نحو النواة والتبنة والخرق التي يرمى بها يجوز ~~للإنسان أن يأخذه وينفله لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ وبرة من ~~جنب بعير من المغنم وقال لا يحل لي من غنائكم مثل هذا يعني في أن يأخذه ~~لنفسه وينتفع به أو يجعله لغيره دون جماعتهم إذ لم تكن لتلك الوبرة قيمة ~~فإن قيل فقد قال لا يحل لي مثل هذا قيل له إنما أراد مثل هذا فيما يتمانعه ~~الناس لا ذاك بعينه لأنه قد أخذه ويدل على ما ذكرنا ما # رواه ابن المبارك قال حدثنا خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن رجل من ~~بلقين ذكر قصة قال قلنا يا رسول الله ما تقول في هذا المال قال خمسه لله ~~وأربعة أخماسه للجيش قال قلت هل أحق أحد به من أحد قال لو انتزعت سهمك من ~~جنبك لم تكن بأحق به من أخيك المسلم # وروى أبو عاصم النبيل عن وهب أبي خالد الحمصي قال حدثني أم حبيبة عن ~~أبيها العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ وبرة فقال ~~مالي فيكم هذه مالي فيه إلا الخمس فأدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار ~~على صاحبه ms1778 يوم القيامة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا ~~حماد عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ذكر غنائم هوازن ~~وقال ثم دنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم ~~قال يا أيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا ورفع أصبعيه إلا ~~الخمس والخمس مردود عليكم فأدوا الخيط والمخيط فقام رجل في يده كبة من شعر ~~فقال أخذت هذه لأصلح بها بردة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما ~~ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك فقال أماذا بلغت ما أرمى فلا أرب لي ~~فيها ونبذها # PageV04P232 # فهذه الأخبار موافقة لظاهر الكتاب فهو أولى مما يخالفه من حديث حبيب بن ~~مسلمة مع احتمال حديثه للتأويل الذي وصفنا وجمعنا يمنع أن يكون في الأربعة ~~الأخماس حق لغير الغانمين ويخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها أنه لا ~~حق له فيها وروى محمد بن سيرين أن أنس بن مالك كان مع عبيد الله بن أبي ~~بكرة في غزاة فأصابوا سبيا فأراد عبيد الله أن يعطي أنسا من السبي قبل أن ~~يقسم فقال أنس لا ولكن اقسم ثم أعطى من الخمس فقال عبيد الله لا إلا من ~~جميع الغنائم فأبى أنس أن يقبل وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخمس وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم عن عبد الله حدثنا حجاج حدثنا حماد ~~عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المسيب أنه قال لا نفل بعد النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال الشيخ أيده الله يجوز أن يريد به من جملة الغنيمة لأن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم قد كانت له الأنفال ثم نسخ بآية القسمة وهذا مما ~~يحتج به لصحة مذهبنا لأن ظاهره يقتضي أن لا يكون لأحد نفل بعد النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم في عموم الأحوال إلا أنه قد قامت ms1779 الدلالة في أن الإمام ~~إذا قال من قتل قتيلا فله سلبه أنه يصير ذلك له بالاتفاق فحصصناه وبقي ~~الباقي على مقتضاه في أنه إذا لم يقل ذلك الإمام فلا شيء له وقد روي عن ~~سعيد بن المسيب قال كان الناس يعطفون النفل من الخمس فإن قيل قد أعطى النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم من غنائم حنين صناديد العرب عطايا نحو الأقرع بن ~~حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية ~~ومعلوم أنه لم يعطهم ذلك من سهمه من الغنيمة وسهمه من الخمس إذ لم يكن يتسع ~~لهذه العطايا لأنه أعطى كل واحد من هؤلاء وغيرهم مائة من الإبل ولم يكن ~~ليعطيهم من بقية سهام الخمس سوى سهمه لأنها للفقراء ولم يكونوا هؤلاء فقراء ~~فثبت أنه أعطاهم من جملة الغنيمة ولما لم يستأذنهم فيه دل على أنه أعطاهم ~~على وجه النفل وأنه قد كان له أن ينفل قيل له إن هؤلاء القوم كانوا من ~~المؤلفة قلوبهم وقد جعل الله تعالى للمؤلفة قلوبهم سهما من الصدقات وسبيل ~~الخمس سبيل الصدقة لأنه مصروف إلى الفقراء كالصدقات المصروفة إليهم فجائز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاهم من جملة الخمس كما يعطيهم من ~~الصدقات. # وقد اختلف في سلب القتيل فقال أصحابنا ومالك والثوري السلب من غنيمة ~~الجيش إلا أن يكون الأمير قال من قتل قتيلا فله سلبه وقال الأوزاعي والليث ~~والشافعي السلب للقاتل وإن لم يقل الأمير قال الشيخ أيده الله قوله عز وجل ~~واعلموا أنما غنمتم من # PageV04P233 # شىء # يقتضي وجوب الغنيمة لجماعة الغانمين فغير جائز لأحد منهم الاختصاص بشيء ~~منها دون غيره فإن قيل ينبغي أن يدل على أن السلب غنيمة قيل له غنمتم هي ~~التي جازوها باجتماعهم وتوازرهم على القتال وأخذ الغنيمة فلما كان قتله ~~لهذا القتيل وأخذه سلبه بتظافر الجماعة وجب أن يكون غنيمة ويدل عليه أنه لو ~~أخذ سلبه من غير قتل لكان غنيمة إذ لم يصل إلى أخذه إلا بقوتهم ms1780 وكذلك من لم ~~يقاتل وكان قائما في الصف ردا لهم مستحق الغنيمة ويصير غانما لأن بظهره ~~ومعاضته حصلت وأخذت وإذا كان كذلك وجب أن يكون السلب غنيمة فيكون كسائر ~~الغنائم ويدل عليه أيضا قوله تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا والسلب مما ~~غنمه الجماعة فهو لهم ويدل على ذلك من جهة السنة # ما حدثنا أحمد بن خالد الخجزورى حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن ~~المبارك وهشام بن عمارة قالا حدثنا عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول ~~عن قتادة بن أبي أمية قال نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح فيلغ حبيب ~~بن مسلم أن صاحب قبرس قد خرج يريد طريق آذربايجان معه زبرجد وياقوت ولؤلؤ ~~وديباج فخرج في جبل حتى قتله في الدرب وجاء بما كان معه إلى أبى عبيدة ~~فأراد أن يخمسه فقال حبيب يا أبا عبيدة لا تحرمني رزقا رزقنيه الله فإن ~~الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم جعل السلب للقاتل فقال معاذ بن جبل ~~مهلا يا حبيب إني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إنما للمرء ما ~~طابت به نفس أمامه # فقوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه # يقتضي حظر ما لم تطب نفس إمامه ممن لم تطب نفس إمامه لم يحل له السلب لا ~~سيما وقد أخبر معاذ أن ذلك في شأن السلب فإن قيل # قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة منهم أبو قتادة وطلحة ~~وسمرة بن جندب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من قتل قتيلا ~~فله سلبه # وروى سلمة بن الأكوع وابن عباس وعوف بن مالك وخالد بن الوليد أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم جعل السلب للقاتل # وهذا يدل على معنيين أحدهما أنه يقتضي أن يستحق القاتل السلب والثاني أنه ~~فسر أن معنى # قوله في حديث معاذ إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه # أن نفسه قد طابت للقاتل بذلك وهو إمام ms1781 الأئمة قيل له قوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه المفهوم منه أميره الذي ~~يلزمه طاعته وكذلك عقل معاذ وهو راوي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ولو أراد بذلك نفسه لقال إنما للمرء ما طابت به نفسي فهذا الذي ذكره هذا ~~السائل تأويل ساقط لا معنى له وأما الأخبار المروية في أن السلب للقاتل ~~فإنما # PageV04P234 # ذلك كلام خرج على الحال التي حض فيها للقتال وكان بقول ذلك تحريضا لهم ~~وتضرية على العدو كما # روي أنه قال من أصاب شيئا فهو له # وكما # حدثنا أحمد بن خالد الجزوري حدثنا محمد ابن يحيى الدهاني حدثنا موسى بن ~~إسماعيل حدثنا غالب بن حجرة قال حدثتني أم عبد الله وهي ابنة الملقام بن ~~التلب عن أبيها عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أتى بمول ~~فله سلبه # ومعلوم أن ذلك حكم مقصور على الحال في تلك الحرب خاصة إذ لا خلاف أنه لا ~~يستحق السلب بأخذه موليا # كقوله يوم فتح مكة من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ~~ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن # ويدل على أن السلب غير مستحق للقاتل إلا أن يكون قد قال الأمير من قتل ~~قتيلا فله سلبه ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~الوليد بن مسلم حدثني صفوان ابن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن ~~أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ~~ورافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه فنحر زجل من المسلمين جزورا ~~فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق ومضينا فلقينا ~~جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فحمل ~~الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه ms1782 ~~وخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه ~~خالد بن الوليد فأخذ منه السلب قال عوف فأتيته فقلت يا خالد أما علمت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالسلب للقاتل فقال بلى ولكن ~~استكثرته فقلت لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فأبى أن يرد عليه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يا خالد ما حملك على ما صنعت قال يا رسول الله استكثرته فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا خالد رد عليه ما أخذت منه قال عوف ~~فقلت دونك يا خالد ألم أف لك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما ~~ذاك فأخبرته قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا خالد لا ~~ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~الوليد قال سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن ~~نفير عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه فلما # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا خالد لا ترد عليه # دل ذلك على # PageV04P235 # أن السلب غير مستحق للقاتل لأنه لو استحقه لما جاز أن يمنعه ولدل ذلك على ~~أن قوله بديا ادفعه لم يكن على جهة الإيجاب وإنما كان على وجه النفل وجائز ~~أن يكون ذلك من الخمس ويدل عليه ما # روى يوسف الماجشون قال حدثني صالح ابن إبراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن ~~عوف أن معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح قتلا أبا جهل فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كلا كما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو # فلما قضى به لأحدهما مع إخباره أنهما قتلاه دل على ms1783 أنهما لم يستحقاه ~~بالقتل ألا ترى أنه لو قال من قتل قتيلا فله سلبه ثم قتله رجلان استحقا ~~السلب نصفين فلو كان القاتل مستحقا للسلب لوجب أن يكون لو وجد قتيل لا يعرف ~~قاتله أن لا يكون سلبه من جملة الغنيمة بل يكون لقطة لأن له مستحقا بعينه ~~فلما اتفق الجميع على أن سلب من لم يعرف قاتله في المعركة من جملة الغنيمة ~~دل على أن القاتل لا يستحقه وقد قال الشافعي إن القاتل لا يستحق السلب في ~~الإدبار وإنما يستحقه في الإقبال فالأثر الوارد في السلب لم يفرق بين حال ~~الإقبال والإدبار فإن احتج بالخبر فقد خالفه وإن احتج بالنظر فالنظر يوجب ~~أن يكون غنيمة للجميع لاتفاقهم على أنه إذا قتله في حال الإدبار لم يستحقه ~~وكان غنيمة والمعنى الجامع بينهما أنه قتله بمعاونة الجميع ولم يتقدم من ~~الأمير قول في استحقاقه ويدل على أن القاتل إنما يستحقه إذا تقدم من الأمير ~~قول قبل إحراز الغنيمة أنه لو قال من قتل فله سلبه ثم قتله مقبلا أو مدبرا ~~استحق سلبه ولم يختلف حال الإقبال والإدبار فلو كان السلب مستحقا بنفس ~~القتل لما اختلف حكمه في حال الإدبار والإقبال وقد روى عن عمر في قتل ~~البراء بن مالك أنا كنا لا نخمس السلب وأن سلب البراء قد بلغ مالا ولا ~~أرانا إلا خامسيه واختلف في الأمير إذا قال من أصاب شيئا فهو له فقال ~~أصحابنا والثوري والأوزاعي هو كما قال ولا خمس فيه وكره مالك أن يقول من ~~أصاب شيئا فهو له لأنه قتال بجعل وقال الشافعي يخمس ما أصابه إلا سلب ~~المقتول قال أبو بكر لما اتفقوا على جواز أن يقول من أصاب شيئا فهو له وأنه ~~يستحق وجب أن لا خمس فيه وأن لا يجوز قطع حقوق أهل الخمس عنه كما جاز قطع ~~حقوق سائر الغانمين عنه وأيضا فإن # قوله من أصاب شيئا فهو له # بمنزلة من قتل قتيلا فله سلبه فلما لم يجب في السلب الخمس إذا ms1784 قال الأمير ~~ذلك كذلك سائر الغنيمة وأيضا فإن الله تعالى إنما أوجب الخمس فيما صار ~~غنيمة لهم بقوله تعالى # PageV04P236 # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وهذا لم يصر غنيمة لهم لأن قول ~~الأمير في ذلك جائز على الجيش فلما لم يصر غنيمة لهم وجب أن لا خمس فيه ~~واختلف في الرجل يدخل دار الحرب وحده مغيرا بغير إذن الإمام فقال أصحابنا ~~ما غنمه فهو له خاصة ولا خمس فيه حتى تكون لهم منعة ولم يحد محمد في المنعة ~~شيئا وقال أبو يوسف إذا كانوا تسعة ففيه الخمس وقال الثوري والشافعي يخمس ~~ما أخذه والباقي له وقال الأوزاعي إن شاء الإمام عاقبه وحرمه وإن شاء خمس ~~ما أصاب والباقي له قال أبو بكر قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه يقتضي أن يكون الغانمون جماعة لأن حصول الغنيمة منهم شرط في ~~الاستحقاق وليس ذلك بمنزلة قوله تعالى فاقتلوا المشركين- وقاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر في لزوم قتل الواحد على حياله وإن لم يكن ~~معه جماعة إذا كان مشتركا لأن ذلك أمر بقتل الجماعة والأمر بقتل الجماعة لا ~~توجب اعتبار الجميع إذ ليس فيه شرط وقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم فيه ~~معنى الشرط وهو حصول الغنيمة لهم وبقتالهم فهو كقول القاتل إن كلمت هؤلاء ~~الجماعة فعبدي حر أن شرط الحنث وجود الكلام للجماعة ولا يحنث بكلام بعضها ~~وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجيش إذا غنموا لم يشاركهم سائر المسلمين في ~~الأربعة الأخماس لأنهم لم يشهدوا القتال ولم تكن منهم حيازة الغنيمة وجب أن ~~يكون هذا المغير وحده استحق ما غنمه وأما الخمس فإنما يستحق من الغنيمة ~~التي حصلت بظهر المسلمين ونصرتهم وهو أن يكونوا فئة للغانمين ومن دخل دار ~~الحرب وحده مغيرا فقد تبرأ من نصرة الإمام لأنه عاص له داخل بغير أمره فوجب ~~أن لا يستحق منه الخمس ولذلك قال أصحابنا في الركاز الموجود في دار الإسلام ~~لما كان الموضع مظهورا عليه بالإسلام ms1785 وجب فيه الخمس ولو وجده في دار الحرب ~~لم يجب فيه الخمس وإذا دخل الرجل وحده بإذن الإمام خمس ما غنم لأنه لما أذن ~~له في الدخول فقد تضمن نصرته وحياطته والإمام قائم مقام جماعة المسلمين في ~~ذلك فاستحق لهم الخمس وأما إذا كان المغيرون بغير إذن الإمام جماعة لهم ~~منعة فإنه يجب فيه الخمس بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه فهم في هذه الحال بمنزلة السرية والجيش لحصول المنعة لهم ولتوجه ~~الخطاب إليهم بإخراج الخمس من غنائمهم واختلف في المدد يلحق الجيش في دار ~~الحرب قبل إحراز الغنيمة # PageV04P237 # فقال أصحابنا إذا غنموا في دار الحرب ثم لحقهم جيش آخر قبل إخراجها إلى ~~دار الإسلام فهم شركاء فيها وقال مالك والثوري والليث والأوزاعي والشافعي ~~لا يشاركونهم قال أبو بكر الأصل في ذلك عند أصحابنا أن الغنيمة إنما يثبت ~~فيها الحق بالإحراز في دار الإسلام ولا يملك إلا بالقسمة وحصولها في أيديهم ~~في دار الحرب لا يثبت لهم فيها حقا والدليل عليه أن الموضع الذي حصل فيه ~~الجيش من دار الحرب لا يصير مغنوما إذا لم يفتتحوها ألا ترى أنهم لو خرجوا ~~ثم دخل جيش آخر ففتحوها لم يصر الموضع الذي صار فيه الأولون ملكا لهم وكان ~~حكمه حكم غيره من بقاع أرض الحرب والمعنى فيه أنهم لم يحرزوه في دار ~~الإسلام فكذلك سائر ما يحصل في أيديهم قبل خروجهم إلى دار الإسلام لم يثبت ~~لهم فيه حق إلا بالحيازة في دارنا فإذا لحقهم جيش آخر قبل الإحراز في دار ~~الإسلام كان حكم ما أخذوه حكم ما في أيدي أهل الحرب فيشترك الجميع فيه ~~وأيضا قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شىء يقتضي أن يكون غنيمة لجميعهم ~~إذ بهم صار محرزا في دار الإسلام ألا ترى أنهم ماداموا في دار الحرب فإنهم ~~يحتاجون إلى معونة هؤلاء في إحرازها كما لو لحقهم قبل أخذها شاركوهم ولو ~~كان حصولها في أيديهم يثبت لهم فيها حقا قبل إحرازها في دار ms1786 الإسلام لوجب ~~أن يصير الموضع الذي وطئه الجيش من دار الإسلام كما لو افتتحوها لصارت دارا ~~للإسلام وفي اتفاق الجميع على أن وطء الجيش لموضع في دار الحرب لا يجعله من # دار الإسلام دليل على أن الحق لا يثبت فيه إلا بالحيازة واحتج من لم يقسم ~~للمدد بما # روى الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدم أبان وأصحابه بخيبر بعد ما ~~فتحت وإن حزم خيلهم الليف قال أبان اقسم لنا يا رسول الله قال أبو هريرة ~~فقلت لا تقسم لهم شيئا يا نبي الله قال أبان أنت بهذا يا وبر نجد قال النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم اجلس يا أبان # فلم يقسم لهم وهذا لا حجة فيه لأن خيبر صارت دار الإسلام بظهور النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم عليها وهذا لا خلاف فيه وقد قيل فيه وجه آخر وهو ما # روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار ابن أبي عمار عن أبي هريرة قال ~~ما شهدت لرسول الله مغنما إلا قسم لي إلا خيبر فإنها كانت لأهل الحديبية ~~خاصة # فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة شهدوها أو لم ~~يشهدوها دون من سواهم لأن الله تعالى كان وعدهم إياها بقوله وأخرى # PageV04P238 # لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها # بعد قوله وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه # وقد روى أبو بردة عن أبي موسى قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم بعد فتح خيبر بثلاث فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا # فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم لأبي موسى ~~وأصحابه من غنائم خيبر ولم يشهدوا الوقعة ولم يقسم فيها لأحد لم يشهد ~~الوقعة وهذا يحتمل أن يكون لأنهم كانوا من أهل الحديبية ويحتمل أن يكون ~~بطيبة أنفس أهل الغنيمة كما # روى جثيم ms1787 بن عراك عن أبيه عن نفر من قومه أن أبا هريرة قدم المدينة هو ~~ونفر من قومه قال فقدمنا وقد خرج رسول الله فخرجنا من المدينة حتى قدمنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد افتتح خيبر فكلم الناس فأشركونا ~~في سهامهم # فليس في شيء من هذه الأخبار دلالة على أن المدد إذا لحق بالجيش وهم في ~~دار الحرب أنهم لا يشركونهم في الغنيمة وقد روى قيس بن مسلم عن طارق بن ~~شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة وظهروا فأراد أهل البصرة ~~أن لا يقسموا لأهل الكوفة وكان عمار على أهل الكوفة فقال رجل من بني عطارد ~~أيها الأجدع تريد أن تشاركنا في غنائمنا فقال جير إذ بي سبيت فكتب في ذلك ~~إلى عمر فكتب عمر في ذلك إن الغنيمة لمن شهد الوقعة وهذا أيضا لا دلالة فيه ~~على خلاف قولنا لأن المسلمين ظهروا على نهاوند وصارت دار الإسلام إذ لم تبق ~~للكفار هناك فئة فإنما قال إن الغنيمة لمن شهد الوقعة منهم لأنهم لحقوهم ~~بعد ما صارت دار الإسلام ومع ذلك فقد رأس عمار ومن معه أن يشركوهم ورأى عمر ~~أن لا يشركوهم لأنهم لحقوه بعد حيازة الغنيمة في دار الإسلام لأن الأرض ~~صارت من دار الإسلام. ### | باب سهمان الخيل # قال الله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه قال أبو بكر ~~ظاهره يقتضي المساواة بين الفارس والراجل وهو خطاب لجميع الغانمين وقد ~~شملهم هذا الاسم ألا ترى إن قوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك قد عقل من ظاهر استحقاقهن للثلثين على المساواة وكذلك من قال هذا ~~العبد لهؤلاء أنه لهم بالمساواة ما لم يذكر التفضيل كذلك مقتضى قوله تعالى ~~غنمتم يقتضي أن يكونوا متساوين لأن قوله غنمتم عبارة عن ملكهم له وقد اختلف ~~في سهم الفارس. # PageV04P239 ### | ذكر الخلاف في ذلك # قال أبو حنيفة للفارس سهمان وللراجل سهم وقال أبو يوسف ومحمد وابن أبي ~~ليلى ومالك والثوري ms1788 والليث والأوزاعي والشافعي للفارس ثلاثة أسهم وللراجل ~~سهم وروي مثل قول أبي حنيفة عن المنذر بن أبي حمصة عامل عمر أنه جعل للفارس ~~سهمين وللراجل سهما فرضيه عمر ومثله عن الحسن البصري وروى شريك عن أبي ~~إسحاق قال قدم قثم ابن عباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا فقال اجعل ~~جائزتك أن أضرب لك بألف سهم فقال اضرب لي بسهم ولفرسي بسهم قال أبو بكر قد ~~بينا أن ظاهر الآية يقتضي المساواة بين الفارس والراجل فلما اتفق الجميع ~~على تفضيل الفارس بسهم فضلناه وخصصنا به للظاهر وبقي حكم اللفظ فيما عداه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن غليان العماني قال حدثنا ~~محمد بن الصباح الجرجرائي قال حدثنا عبد الله بن رجاء عن سفيان الثوري عن ~~عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~جعل للفارس سهمين وللراجل سهما قال عبد الباقي لي يجيء به عن الثوري غير ~~محمد بن الصباح # قال أبو بكر وقد حدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا ~~الحميدي قال حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه # وقد اختلف حديث عبيد الله بن عمر في ذلك وجائز أن يكونا صحيحين بأن يكون ~~أعطاه بديا سهمين وهو المستحق ثم أعطاه في غنيمة أخرى ثلاثة أسهم وكان ~~السهم الزائد على وجه النفل ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~يمنع المستحق وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل كما # ذكر ابن عمر في حديث قد قدمنا ذكر سنده أنه كان في سرية قال فبلغت ~~سهماننا اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيرا ~~بعيرا # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحسن بن الكميت الموصلي قال حدثنا ~~صبح بن دينار قال حدثنا عفيف بن سالم ms1789 عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن ~~عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسهم يوم بدر للفارس سهمين ~~وللراجل سهما # وهذا إن ثبت فلا حجة فيه لأبي حنيفة لأن قسمة يوم بدر لم تكن مستحقة ~~للجيش لأن الله تعالى جعل الأنفال للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وخيره في ~~إعطائه من رأى ولو لم يعطهم شيئا لكان جائزا فلم تكن قسمة الغنيمة مستحقة ~~يومئذ وإنما وجبت بعد ذلك بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء # PageV04P240 # فأن لله خمسه # ونسخ بهذا الأنفال التي جعلها للرسول في جملة الغنيمة # وقد روى مجمع بن جارية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم غنائم خيبر ~~للفارس سهمين وللراجل سهما # وروى ابن الفضيل عن الحجاج عن أبي صالح عن ابن عباس قال قسم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما # وهذا خلاف رواية مجمع بن جارية وقد يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض ~~الفرسان سهمين وهو المستحق وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد على ~~وجه النفل كما # روى سلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه في غزوة ذي ~~قرد سهمين سهم الفارس والراجل وكان راجلا يومئذ # وكما # روي أنه أعطى الزبير يومئذ أربعة أسهم # وروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد ابن عبد الله بن ~~الزبير أن الزبير كان يضرب له في الغنم بأربعة أسهم وهذه الزيادة كانت على ~~وجه النفل تحريضا لهم على إيجاب الخيل كما كان ينفل سلب القتيل # ويقول من أصاب شيئا فهو له # تحريضا على القتال فإن قيل لما اختلفت الأخبار كان خبر الزائد أولى قيل ~~له هذا ثبتت الزيادة كانت على وجه الاستحقاق فأما إذا احتمل أن تكون على ~~وجه النفل فلم تثبت هذه الزيادة مستحقة وأيضا فإن في خبرنا إثبات زيادة ~~لسهم الراجل لأنه كلما نقص نصيب الفارس زاد نصيب الراجل ويدل على ما ذكرنا ms1790 ~~من طريق النظر أن الفرس لما كان آلة كان القياس أن لا يسهم له كسائر الآلات ~~فتركنا القياس في السهم الواحد والباقي محمول على القياس وعلى هذا لو حضر ~~الفرس دون الرجل لم يستحق شيئا ولو حضر الرجل دون الفرس استحق فلما لم ~~يجاوز بالرجل سهما واحدا كان الفرس به أولى وأيضا الرجل آكد أمرا في ~~استحقاق السهم من الفرس بدلالة أن الرجال وإن كثروا استحقوا سهامهم ولو ~~حضرت جماعة أفراس لرجل واحد لم يستحق إلا لفرس واحد فلما كان الرجل آكد ~~أمرا من الفرس ولم يستحق أكثر من سهم فالفرس أحرى بذلك واختلف في البراذين ~~فقال أصحابنا ومالك والثوري والشافعي البرذون والفرس سواء وقال الأوزاعي ~~كانت أئمة المسلمين فيما سلف لا يسهمون للبراذين حتى هاجت الفتنة من بعد ~~قتل الوليد بن يزيد وقال الليث للهجين والبرذون سهم واحد ولا يلحقان ~~بالعراب قال أبو بكر قال الله تعالى ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم وقال فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب وقال والخيل والبغال والحمير ~~لعقل باسم # PageV04P241 # الخيل في هذه الآيات البراذين كما عقل منها العراب فلما شملها اسم الخيل ~~وجب أن يستويا في السهمان ويدل عليه أن راكب البرذون يسمى فارسا كما يسمى ~~به راكب الفرس العربي فلما أجري عليهما اسم الفارس # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للفارس سهمان وللراجل سهم # عم ذلك فارس البرذون كما عم فارس العراب وأيضا إن كان من الخيل فواجب أن ~~لا يختلف سهمه وسهم العربي وإن لم يكن من الخيل فواجب أن لا يستحق شيئا ~~فلما وافقنا الليث ومن قال بقوله إنه يسهم له دل على أنه من الخيل وأنه لا ~~فرق بينه وبين العربي وأيضا لا يختلف الفقهاء في أنه بمنزلة الفرس العربي ~~في جواز أكله وحظره على اختلافهم فيه فدل على أنهما جنس واحد فصار فرق ما ~~بينهما كفرق ما بين الذكر والأنثى والهزيل والسمين والجواد وما دونه وأن ~~اختلافهما في هذه الوجوه لم يوجب اختلاف ms1791 سهامهما وأيضا فإن الفرس العربي ~~وإن أجرى من كان البرذون فإن البرذون أقوى منه على حمل السلاح وأيضا فإن ~~الرجل العربي والعجمي لا يختلفان في حكم السهام كذلك الخيل العربي والعجمي ~~وقال عبد الله بن دينار سألت سعيد بن المسيب عن صدقة البراذين فقال سعيد ~~وهل في الخيل من صدقة وعن الحسن أنه قال البراذين بمنزلة الخيل وقال مكحول ~~أول من قسم للبراذين خالد بن الوليد يوم دمشق قسم للبراذين نصف سهام الخيل ~~لما رأى من جريها وقوتها فكان يعطي البراذين سهما سهما وهذا حديث مقطوع وقد ~~أخبر فيه أنه فعله من طريق الرأي والاجتهاد لما رأى من قوتها فإذا ليس ~~بتوقيف وقد روى إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال أغارت الخيل بالشام ~~وعلى الناس رجل من همدان يقال له المنذر بن أبي حمصة الوادعي فأدركت الخيل ~~العراب من يومها وأدركت الكوادن من الغد فقال لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك ~~فكتب إلى عمر فيه فكتب عمر هبلت الوادعي أمه لقد اذكرت به أمضوها على ما ~~قال فاحتج من لم يسهم للبراذين بذلك ولا دلالة في هذا الحديث على أن ذلك ~~كان رأي عمر وإنما أجازه لأنه مما يسوغ فيه الاجتهاد وقد حكم به أمير الجيش ~~فأنفذه واختلف فيمن يغزو بأفراس فقال أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي لا ~~يسهم إلا لفرس واحد وقال أبو يوسف والثوري والأوزاعي والليث يسهم لفرسين ~~والذي يدل على صحة القول الأول أنه معلوم أن الجيش قد كانوا يغزون مع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما ظهر الإسلام بفتح خيبر ومكة وحنين ~~وغيرها من # PageV04P242 # المغازي ولم يكن يخلو الجماعة منهم من أن يكون معه فرسان أو أكثر ولم ~~ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب لأكثر من فرس واحد وأيضا فإن ~~الفرس آلة وكان القياس أن لا يضرب له بسهم كسائر الآلات فلما ثبت بالسنة ~~والاتفاق سهم الفرس الواحد أثبتناه ولم نثبت الزيادة إلا بتوقيف إذ كان ~~القياس ms1792 يمنعه. ### | باب قسمة الخمس # قال الله تعالى فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل واختلف السلف في كيفية قسمة الخمس في الأصل فروى معاوية بن ~~صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس ~~فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة فربع لله والرسول ~~ولذي القربى يعني قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس شيئا ~~والرابع الثاني لليتامى والربع الثالث للمساكين والربع الرابع لابن السبيل ~~وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين وروى قتادة عن عكرمة مثله وقال قتادة ~~في قوله تعالى فأن لله خمسه قال يقسم الخمس على خمسة أسهم لله وللرسول خمس ~~ولقرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمس ولليتامى خمس وللمساكين خمس ~~ولابن سبيل خمس وقال عطاء والشعبي خمس الله وخمس الرسول واحد واحد قال ~~الشعبي هو مفتاح الكلام وروى سفيان عن قيس بن مسلم قال سألت الحسن بن محمد ~~بن الحنيفة عن قوله عز وجل فأن لله خمسه قال هذا مفتاح كلام ليس لله نصيب ~~لله الدنيا والآخرة وقال يحيى بن الجزار فأن لله خمسه قال لله كل شيء وإنما ~~للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خمس الخمس # وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال كان رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده فما وقع فيها من شيء ~~جعله للكعبة وهو سهم بيت الله ثم يقسم ما بقي على خمسة فيكون للنبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى سهم وللمساكين سهم ~~ولابن السبيل سهم # والذي جعله للكعبة هو السهم الذي لله تعالى وروى أبو يوسف عن أشعث بن ~~سوار عن الزبير عن جابر قال كان يحمل الخمس في سبيل الله تعالى ويعطي منه ~~نائبة القوم فلما كثر المال جعله في غير ذلك وروى أبو يوسف عن الكلبي عن ~~أبي صالح عن ابن عباس أن الخمس الذي كان يقسم ms1793 على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم على خمسة أسهم لله وللرسول سهم ولذوي القربى سهم ولليتامى ~~وسهم وللمساكين سهم وابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ~~ثلاثة أسهم # PageV04P243 # لليتامى والمساكين وابن السبيل قال أبو بكر فاختلف السلف في قسمة الخمس ~~على هذه الوجوه # قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة إن القسمة كانت على أربعة سهم ~~الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى كان واحدا وإنه لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم يأخذ من الخمس شيئا # وقال آخرون قوله لله افتتاح كلام وهو مقسوم على خمسة وهو قول عطاء ~~والشعبي وقتادة وقال أبو العالية كان مقسوما على ستة أسهم لله سهم يجعل ~~للكعبة ولكل واحد من المسلمين في الآية سهم وأخبر ابن عباس في حديث الكلبي ~~أن الخلفاء الأربعة قسموه على ثلاثة وقال جابر بن عبد الله كان يحمل من ~~الخمس في سبيل الله ويعطي منه نائبة القوم ثم جعل في غير ذلك وقال محمد بن ~~مسلمة وهو من المتأخرين من أهل المدينة جعل الله الرأي في الخمس إلى نبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم كما كانت الأنفال له قبل نزول آية قسمة الغنيمة ~~فنسخت الأنفال في الأربعة الأخماس وترك الخمس على ما كان عليه موكولا إلى ~~رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكما قال ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم ثم قال وما آتاكم الرسول فخذوه فذكر هذه الوجوه ثم ~~قال وما آتاكم الرسول فخذوه فبين في آخره أنه موكول إلى رأي النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم وكذلك الخمس قال فيه أنه لله خمسه وللرسول يعني قسمته ~~موكولة إليه ثم بين الوجوه التي يقسمهم عليها على ما يرى ويختار ويدل على ~~ذلك # حديث عبد الواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطاة قال حدثنا أبو الزبير عن ~~جابر أنه سئل كيف ms1794 كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع بالخمس قال كان ~~يحمل منه في سبيل الله الرجل ثم الرجل ثم الرجل # والمعنى في ذلك أنه كان يعطي منه المستحقين ولم يكن يقسمه أخماسا وأما ~~قول من قال إن القسمة كانت في الأصل على ستة وإن سهم الله كان مصروفا إلى ~~الكعبة فلا معنى له لأنه لو كان ذلك ثابتا لورد النقل به متواترا ولكانت ~~الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى الناس باستعمال ذلك فلما ~~لم يثبت ذلك عنهم علم أنه غير ثابت وأيضا فإن سهم الكعبة ليس بأولى بأن ~~يكون منسوبا إلى الله تعالى من سائر السهام المذكورة في الآية إذ كلها ~~مصروف في وجوه القرب إلى الله عز وجل فدل ذلك على أن قوله فأن لله خمسه غير ~~مخصوص بسهم الكعبة فلما بطل ذلك لم يخل المراد بذلك من أحد وجهين إما أن ~~يكون مفتاحا للكلام على ما حكيناه عن جماعة من السلف وعلى وجه تعليمنا ~~التبرك بذكر الله وافتتاح الأمور باسمه وأن # PageV04P244 # يكون معناه أن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى ثم بين تلك ~~الوجوه فقال وللرسول ولذى القربى الآية فأجمل بديا حكم الخمس ثم فسر الوجوه ~~التي أجملها فإن قيل لو أراد ما قلت لقال فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~ولم يكن يدخل الواو بين اسم الله تعالى واسم رسول الله قيل له لا يجب ذلك ~~من قبل أنه جائز في اللغة إدخال الواو والمراد إلغاؤها كما قال تعالى ولقد ~~آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء والواو ملغاة والفرقان ضياء وقال تعالى ~~فلما أسلما وتله للجبين معناه لما أسلما تله للجبين لأن قوله فلما أسلما ~~يقتضي جوابا وجوابه تله للجبين وكما قال الشاعر: # بل شيء يوافق بعض شيء وأحيانا وباطله كثير ومعناه يوافق بعض شيء أحيانا ~~والواو ملغاة وكما قال الآخر: # فإن رشيدا وابن مروان لم يكن ليفعل حتى يصدر الأمر مصدرا ومعناه فإن رشيد ~~بن مروان وقال الآخر: # إلى الملك القرم ms1795 وابن الهام وليث الكتيبة في المزدحم والواو في هذه ~~المواضع دخولها وخروجها سواء فثبت بما ذكرنا أن قوله فأن لله خمسه على أحد ~~المعنيين اللذين ذكرنا وجائز أن يكون جميعا مرادين لاحتمال الآية لهما ~~فينتظم تعليمنا افتتاح الأمور بذكر الله تعالى وأن الخمس مصروف في وجوه ~~القرب إلى الله تعالى فكان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سهم من الخمس ~~وكان له الصفي وسهم من الغنيمة كسهم رجل من الجند إذا شهد القتال # وروى أبو حمزة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال وفد ~~عبد القيس آمركم بأربع شهادة أن لا إله إلا الله وتقيموا الصلاة وتعطوا سهم ~~الله من الغنائم والصفي # واختلف السلف في سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته فروى سفيان ~~عن قيس بن مسلم عن الحسن ابن محمد بن الحنيفة قال اختلف الناس بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سهم الرسول وسهم ذي القربى فقالت ~~طائفة سهم الرسول للخليفة من بعده وقالت طائفة سهم ذي القربى لقرابة ~~الخليفة وأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع والعدة في سبيل الله ~~قال أبو بكر سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان له مادام حيا فلما ~~توفي سقط سهمه كما سقط الصفي بموته فرجع سهمه إلى جملة الغنيمة كما رجع ~~إليها ولم يعد للنوائب واختلف في سهم ذوي القربى فقال أبو حنيفة في الجامع ~~الصغير يقسم الخمس على ثلاثة أسهم للفقراء والمساكين # PageV04P245 # وابن السبيل وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال خمس الله ~~والرسول واحد وخمس ذو القربى لكل صنف سماه الله تعالى في هذه الآية خمس ~~الخمس وقال الثوري سهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس هو خمس ~~الخمس وما بقي فللطبقات التي سمى الله تعالى وقال مالك يعطي من الخمس ~~أقرباء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما يرى ويجتهد قال الأوزاعي ~~خمس الغنيمة لمن ms1796 سمي في الآية وقال الشافعي يقسم سهم ذوي القربى بين غنيهم ~~وفقيرهم قال أبو بكر قوله تعالى ولذى القربى لفظ مجمل مفتقر إلى البيان ~~وليس بعموم وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم دون غيره من الناس ومعلوم أنه لم يرد بها أقرباء سائر الناس فصار ~~اللفظ مجملا مفتقرا إلى البيان وقد اتفق السلف على أنه قد أريد أقرباء ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمنهم من قال إن المستحقين لسهم الخمس من ~~الأقرباء هم الذين كانت لهم نصرة وإن السهم كان مستحقا بالأمرين من القرابة ~~والنصرة وأن من ليس نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر ~~الفقراء ويستدلون على ذلك # بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا ~~وعثمان فقلنا يا رسول الله هؤلاء بنوا هاشم لا ننكر فضلهم بمكانك الذي وضعك ~~الله فيهم أرأيت بنى المطلب أعطيتم ومنعتنا وإنماهم ونحن منك بمنزلة فقال ~~صلى الله عليه وآله وسلم إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام وإنما بنو ~~هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه # فهذا يدل من وجهين على أنه غير مستحق بالقرابة فحسب أحدهما أن بني المطلب ~~وبني عبد شمس ولو كان مستحقا بالقرابة لساوى بينهم والثاني أن فعل النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذلك خرج مخرج البيان لما أجمل في الكتاب من ذكر ذي ~~القربى وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ورد على وجه البيان فهو على ~~الوجوب فلما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم النصرة مع القرابة دل على ~~أن ذلك مراد الله تعالى فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر وأيضا ~~فإن الخلفاء الأربعة متفقون على أنه لا يستحق إلا بالفقر # وقال محمد بن إسحاق سألت محمد علي فقلت ما فعل علي رضي الله عنه بسهم ذوي ms1797 ~~القربى حين ولي فقال سلك به سبيل أبي بكر وعمر # وكره أن يدعى عليه خلافهما قال أبو بكر لو لم يكن هذا رأيه لما قضى به ~~لأنه قد خالفهما في أشياء مثل الجد والتسوية في العطايا وأشياء أخر فثبت أن ~~رأيه ورأيهما كان سواء في # PageV04P246 # أن سهم ذوي القربى إنما يستحقه الفقراء منهم ولما أجمع الخلفاء الأربعة ~~عليه ثبتت حجته بإجماعهم # لقوله صلى الله عليه وآله وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من ~~بعدي # وفي حديث يزيد بن هرمز عن ابن عباس فيما كتب به إلى نجدة الحروري حين ~~سأله عن سهم ذي القربى فقال كنا نرى أنه لنا فدعانا عمر إلى أن نزوج منه ~~أيمنا ونقضي منه عن مغرمنا فأبينا أن لا يسلمه لنا وأبى ذلك علينا قومنا ~~وفي بعض الألفاظ فأبى ذلك علينا بنو عمنا فأخبر أن قومه وهم أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم رأوه لفقرائهم دون أغنيائهم وقول ابن عباس كنا نرى ~~أنه لنا إخبار أنه قال من طريق الرأى ولاحظ للرأي مع السنة واتفاق جل ~~الصحابة من الخلفاء الأربعة ويدل على صحة قول عمر فيما حكاه ابن عباس عنه # حديث الزهري عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن ربيعة بن الحارث ~~أنه والفضل بن العباس قالا يا رسول الله قد بلغنا النكاح فجئناك لتؤمرنا ~~على هذه الصدقات فنؤدي إليك ما يؤدي العمال ونصيب ما يصيبون فقال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ثم ~~أمر محمية أن يصدقهما من الخمس # وهذا يدل على أن ذلك مستحق بالفقر إذ كان إنما اقتضى لهما على مقدار ~~الصداق الذي احتاجا إليه للتزويج ولم يأمر لهما بما فضل عن الحاجة ويدل على ~~أن الخمس غير مستحق قسمته على السهمان وأنه موكول إلى رأي الإمام # قوله صلى الله عليه وآله وسلم مالي من هذا المال إلا الخمس والخمس مردود ~~فيكم # ولم يخصص القرابة بشيء منه دون غيرهم ms1798 دل ذلك على أنهم فيه كسائر الفقراء ~~يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وآله وسلم يذهب كسرى فلا كسرى بعده أبدا ويذهب قيصر ~~فلا قيصر بعده أبدا والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله # فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يخصص به قوما من قوم ويدل على أنه كان ~~موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أعطى المؤلفة قلوبهم ~~وليس لهم ذكر في آية الخمس فدل على ما ذكرنا ويدل عليه أن كل من سمي في آية ~~الخمس لا يستحق إلا بالفقر وهم اليتامى وابن السبيل فكذلك ذو القربى لأنه ~~سهم من الخمس ويدل عليه أنه لما حرم عليهم الصدقة أقيم ذلك لهم مقام ما حرم ~~عليهم منها فوجب أن لا يستحقه منهم إلا فقير كما أن الأصل الذي أقيم هذا ~~مقامه لا يستحقه إلا فقير فإن قيل موالي بني هاشم لا تحل لهم الصدقة ولم ~~يدخلوا في استحقاق السهم من الخمس قيل له هذا غلط لأن موالي بني هاشم لهم ~~سهم من الخمس إذ # PageV04P247 # كانوا فقراء على حسب ما هو لبني هاشم فإن قيل إذا كانت قرابة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يستحقون سهمهم بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصه ~~إياهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين قيل له كما خص اليتامى وابن ~~السبيل بالذكر ولا يستحقونه إلا بالفقر وأيضا لما سمى الله الخمس لليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كما قال إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية ثم # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الصدقة لا تحل لآل محمد # فلو لم يسمهم في الخمس جاز أن يظن ظان أنه لا يجوز إعطاؤهم منه كما لا ~~يجوز أن يعطوا من الصدقات فسماهم إعلاما منه لنا أن سبيلهم فيه بخلاف ~~سبيلهم في الصدقات فإن قيل # قد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العباس من الخمس وكان ذا يسار # فدل على أنه للأغنياء والفقراء منهم قيل له الجواب عن ms1799 هذا من وجهين ~~أحدهما أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة # لقوله صلى الله عليه وآله وسلم إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام # فاستوى فيه الفقير والغني لتساويهم في النصرة والقرابة والثاني أنه جائز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما أعطى العباس لتفرقه في فقراء ~~بني هاشم ولم يعطه لنفسه وقد اختلف في ذوي القربى من هم فقال أصحابنا قرابة ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين تحرم عليهم الصدقة هم ذو قراباته وآله ~~وهم آل جعفر وآل عقيل وولد حارث بن عبد المطلب وروي نحو ذلك عن زيد بن أرقم # وقال آخرون بنو المطلب داخلون فيهم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أعطاهم من الخمس # وقال بعضهم قريش كلها من أقرباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين سهم ~~من الخمس إلا أن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيه من رأى منهم قال ~~أبو بكر أما من ذكرناهم فلا خلاف بين الفقهاء أنهم ذووا قربائه وأما بنو ~~المطلب فهم وبنو عبد شمس في القرب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء ~~فإن وجب أن يدخلوا في القرابة الذين تحرم عليهم الصدقة فواجب أن يكون بنى ~~عبد شمس مثلهم لمساواتهم إياهم في الدرجة فأما إعطائهم الخمس فإنما خص ~~هؤلاء به دون بني عبد شمس بالنصرة لأنه # قال لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام # وأما الصدقة فلم يتعلق تحريمها بالنصرة عند جميع الفقهاء فثبت أن بني ~~المطلب ليسوا من آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين تحرم الصدقة عليهم ~~كبني عبد شمس وموالي بني هاشم تحرم عليهم الصدقة ولا قرابة لهم ولا يستحقون ~~من الخمس شيئا بالقرابة وقد سألته فاطمة رضي الله عنها خادما من الخمس ~~فوكلها إلى التكبير والتحميد ولم يعطها فإن قيل إنما لم يعطها لأنها ليست ~~من ذوي قرباه لأنها أقرب إليه من ذوي قرباه قيل له فقد خاطب عليا بمثل ذلك ~~وهو من ذلك القربى وقال لبعض بنات عمه ms1800 حين ذهبت مع فاطمة # PageV04P248 # إليه تستخدمه سبقكن يتامى بدر وفي يتامى بدر من لم يكن من بني هاشم لأن ~~أكثرهم من الأنصار ولو استحقتا بالقرابة شيئا لا يجوز منعهما إياه لما ~~منعهما حقهما ولا عدل بهما إلى غيرهما وفي هذا دليل على معنيين أحدهما أن ~~سهمهم من الخمس أمره كان موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~أن يعطيه من شاء منهم والثاني أن إعطاءهم من الخمس أو منعه لا تعلق له ~~بتحريم الصدقة وأما من قال إن قرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قريش ~~كلها فإنه يحتج لذلك بأنه لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا بني فهر يا بني عدي يا بني فلان ~~لبطون قريش إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد # وروي عنه أنه قال يا بني كعب بن لؤي وأنه قال يا بني هاشم يا بني قصى يا ~~بني عبد مناف # وروي عنه أنه قال لعلي اجمع لي بني هاشم وهم أربعون رجلا قالوا فلما ثبت ~~أن قريشا كلها من أقربائه وكان إعطاء السهم من الخمس موكولا إلى رأي النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه من كان له منهم نصرة دون غيرهم # قال أبو بكر اسم القرابة واقع على هؤلاء كلهم لدعاء النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إياهم عند نزول قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين فثبت بذلك أن ~~الاسم يتناول الجميع فقد تعلق بذوي قربى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أحكام ثلاثة أحدها استحقاق سهم من الخمس بقوله تعالى وللرسول ولذى القربى ~~وهم الفقراء منهم على الشرائط التي قدمنا ذكرها عن المختلفين فيها والثاني ~~تحريم الصدقة عليهم وهم آل علي وآل العباس وآل عقيل وآل جعفر وولد الحارث ~~بن عبد المطلب وهؤلاء هم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا حظ ~~لبني المطلب في هذا الحكم لأنهم ليسوا أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ولو كانوا من أهل بيت ms1801 النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكانت بنو أمية ~~من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن آله ولا خلاف أنهم ليسوا ~~كذلك فكذلك بنو المطلب لمساواتهم إياه في نسبهم من النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم والثالث تخصيص الله تعالى لنبيه بإنذار عشيرته الأقربين فانتظم ~~ذلك بطون قريش كلها على ما ورد به الأثر في إنذاره إياهم عند نزول الآية ~~وإنما خص عشريته الأقربين بالإنذار لأنه أبلغ عند نزول الآية في الدعاء إلى ~~الدين وأقرب إلى نفي المحاباة والمداهنة في الدعاء إلى الله عز وجل لأن ~~سائر الناس إذا علموا أنه لم يحتمل عشيرته على عبادة غير الله وأنذرهم ~~ونهاهم أنه أولى بذلك منهم إذ لو جازت المحاباة في ذلك لأحد لكانت أقرباؤه ~~أولى الناس بها وقوله تعالى واليتامى فإن حقيقة اليتم هو الانفراد ومنه ~~الرابية المنفردة تسمى يتيمة والمرأة المنفردة عن الأزواج تسمى يتيمة إلا ~~أنه قد اختص في الناس # PageV04P249 # بالصغير الذي قد مات أبوه وهو يفيد الفقر مع ذلك أيضا عند الإطلاق ولذلك ~~قال أصحابنا فيمن أوصى ليتامى بني فلان وهم لا يحصون أن الوصية جائزة لأنها ~~للفقراء منهم ولا خلاف أنه قد أريد مع اليتم الفقر في هذه الآية وأن ~~الأغنياء من الأيتام لا حظ لهم فيه ويدل على أن اليتم اسم يقع على الصغير ~~الذي قد مات أبوه دون الكبير # قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتم بعد حلم # وقد قيل إن كل ولد يتيم من قبل أمه إلا الإنسان فإن يتمه من قبل أبيه ~~وقوله تعالى وابن السبيل فإن المسافر المنقطع به المحتاج إلى ما يتحمل به ~~إلى بلده وإن كان له مال في بلده فهو بمنزلة الفقير الذي لا مال له لأن ~~المعنى في وجوب إعطائه حاجته إليه فلا فرق بين من له مالا يصل إليه وبين ما ~~لا مال له وأما المسكين فقد اختلف فيه وسنذكره في موضعه من آية الصدقات وفي ~~اتفاق الجميع على أن ابن السبيل واليتيم ms1802 إنما يستحقان حقهما من الخمس ~~بالحاجة دون الاسم دلالة على أن المقصد بالخمس صرفه إلى المساكين فإن قيل ~~إذا كان المعنى هو الفقر فلا فائدة في ذكر ذوي القربى قيل له فيه أعظم ~~الفوائد وهو أن آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حرمت عليهم الصدقة ~~كان جائزا أن يظن ظان أن الخمس محرم عليهم كتحريمها إذ كان سبيله صرفه إلى ~~الفقراء فأبان الله تعالى بتسميتهم في الآية عن جواز إعطائهم من الخمس ~~بالفقر ويلزم هذا السائل أن يعطي اليتامى وابن السبيل بالاسم دون الحاجة عن ~~قضيته بأن لو كان مستحقا بالفقر ما كان لتسميته ابن السبيل واليتيم معنى ~~وهما إنما يستحقانه بالفقر # قوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا قيل إن الفئة هي ~~الجماعة المنقطعة عن غيرها وأصله من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته والمراد ~~بالفئة هاهنا جماعة من الكفار فأمرهم بالثبات لهم وقتالهم وهو في معنى قوله ~~تعالى إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار الآية ومعناه مرتب ~~على ما ذكر في هذه من جواز التحرف للقتال أو الانحياز إلى فئة من المسلمين ~~ليقاتل معهم ومرتب أيضا على ما ذكر بعد هذا من قوله تعالى الآن خفف الله ~~عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله # فإنماهم مأمورون بالثبات لهم إذا كان العدو مثلهم فإن كانوا ثلاثة ~~أضعافهم فجائز لهم الانحياز إلى فئة من المسلمين يقاتلون معهم وقوله تعالى ~~واذكروا الله كثيرا يحتمل وجهين أحدهما ذكر الله تعالى باللسان والآخر ~~الذكر بالقلب وذلك على وجهين أحدهما ذكر # PageV04P250 # ثواب الصبر على الثبات لجهاد أعداء الله مشركين وذكر عقاب الفرار والثاني ~~ذكر دلائله نعمه على عباده وما يستحقه عليهم من القيام بفرضه في جهاد ~~أعدائه وضروب هذه الأذكار كلها تعين على الصبر والثبات ويستدعى بها النصر ~~من الله والجرأة على العدو والاستهانة بهم وجائز أن يكون المراد بالآية ~~جميع الأذكار لشمول الاسم لجميعها وقد ms1803 روي عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم ما يوافقني معنى الآية ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا بشر ابن موسى قال حدثنا خلاد بن يحيى ~~قال حدثنا سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن زيد عن عبد ~~الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تمنوا لقاء ~~العدو واسئلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيرا وإن ~~أجلبوا أو ضجوا فعليكم بالصمت # قوله تعالى وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم أمر ~~الله تعالى في هذه الآية بطاعته وطاعة رسوله ونهى بها عن الاختلاف والتنازع ~~وأخبر أن الاختلاف والتنازع يؤدي إلى الفشل وهو ضعف القلب من فزع يلحقه ~~وأمر في آية أخرى بطاعة أولاة الأمر لنفي الاختلاف والتنازع المؤديين إلى ~~الفشل في قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول وقال في آية أخرى ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ~~ولتنازعتم في الأمر فأخبر تعالى أنه أراهم في منامهم قليلا لئلا يتنازعوا ~~إذا رأوهم كثيرا فيفشلوا # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ولن يغلب اثنى عشر ألفا ~~من قلة إذا اجتمعت كلمتهم # فتضمنت هذه الآية كلها النهي عن الاختلاف والتنازع وأخبر أن ذلك يؤدي إلى ~~الفشل وإلى ذهاب الدولة بقوله وتذهب ريحكم وقيل إن المعنى ريح النصر التي ~~يبعثها الله مع من ينصره على من يخذله وروي ذلك عن قتادة وقال أبو عبيدة ~~تذهب دولتكم من قولهم ذهبت ريحه أي ذهبت دولته # قوله تعالى فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم تثقفنهم معناه ~~تصادفهم وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فشرد بهم من خلفهم إذا أسرتهم ~~فنكل بهم تنكيلا تشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفا منك وقال غيرهم افعل بهم ~~من القتل ما تفرق به من خلفهم عن التعاون على قتالك ويشبه أن يكون ما أمر ~~به أبو بكر الصديق رضي الله عنه من التنكيل ms1804 بأهل الردة وإحراقهم بالنيران ~~ورميهم من رؤس الجبال وطرحهم في الآبار ذهب فيه إلى أن تأويل الآية في ~~تشريد سائر المرتدين # PageV04P251 # عن التعاون والاجتماع على قتال المسلمين # قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء الآية يعني ~~والله أعلم إذا خفت غدرهم وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين وفعلوا ذلك خفيا ولم ~~يظهروا نقض العهد فانبذ إليهم على سواء يعني ألق إليهم فسخ ما بينك وبينهم ~~من العهد والهدنة حتى يستوي الجميع في معرفة ذلك وهو معنى قوله على سواء ~~لئلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب وقيل على سواء على عدل من قول ~~الزاجر: # فاضرب وجوه الغدر للأعداء حتى يجيبوك إلى السواء ومنه قيل للوسط سواء ~~لاعتداله كما قال حسان: # يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحدى أى في وسطه # وقد غز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل مكة بعد الهدنة من غير أن ينبذ ~~إليهم لأنهم قد كانوا نقضوا العهد بمعاونتهم بنى كناية على قتل خزاعة وكانت ~~حلفاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسئل ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجديد العهد بينه وبين قريش فلم بحبه النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك # فمن أجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم إذ كانوا قد أظهروا نقض العهد بنصب ~~الحرب لحلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروي نحو معنى الآية عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حفص بن عمرو النمري قال ~~حدثنا شعبة عن أبي الفيض عن سليم وقال غيره سليم بن عامر رجل من حمير قال ~~كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد ~~غزاهم فجاء رجل على فرس برزون وهو يقول الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر ~~فنظروا فإذا عمرو بن عبسة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ms1805 يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها ~~حتى ينقضي أمدها أن ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية # وقوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل أمر الله تعالى ~~المؤمنين في هذه الآية بإعداد السلاح والكراع قبل وقت القتال إرهابا للعدو ~~والتقدم في ارتباط الخيل استعدادا لقتال المشركين وقد روي في القوة أنها ~~الرمي # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا ~~عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي علي ثمامة بن شفي ~~الهمداني أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وعلى المنبر # PageV04P252 # يقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة ~~الرمي ألا إن القوة الرمي # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا فضل بن ~~سحتب قال حدثنا ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال بن عمرو عن أبيه عن جده قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من ~~أن تركبوا وكل لهو المؤمن باطل إلا رميه بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته ~~امرأته فإنهن من الحق # وحدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سعيد بن منصور قال ~~حدثنا عبد الله بن المبارك قال حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني ~~أبو سلام عن خالد بن زيد عن عقبة ابن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم يقول الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب ~~في صنعته الخير والرامي به ومنبله وارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن ~~تركبوا ليس من اللهو ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه ~~ونبله ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق قال ms1806 حدثنا المغيرة بن عبد ~~الرحمن قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن قال حدثنا الجراح بن منهال عن ابن ~~شهاب عن أبي سليمان مولى أبي رافع عن أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم من حق الولد على الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة والرمي # ومعنى # قوله صلى الله عليه وآله وسلم من حق الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة ~~على قتال العدو # ولم ينف به أن يكون غيره من القوة بل عموم اللفظ الشامل لجميع ما يستعان ~~به على العدو ومن سائر أنواع السلاح وآلات الحرب # وقد حدثنا عبد الباقي قال حدثنا جعفر بن أبي القتيل قال حدثنا يحيى بن ~~جعفر قال حدثنا كثير بن هشام قال حدثنا عيسى ابن إبراهيم الثمالي عن الحكم ~~بن عمير قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا نخفى الأظفار ~~في الجهاد وقال إن القوة في الأظفار # وهذا يدل على أن جميع ما يقوى على العدى فهو مأمور باستعداده وقال الله ~~تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة فذمهم على ترك الاستعداد والتقدم ~~قبل لقاء العدو # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ارتباط الخيل ما يواطئ # معنى الآية وهو ما # حدثنا عبد الباقي بن نافع قال حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال حدثنا ~~أحمد بن عمر قال حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة عن عبيد بن أبي حكيم الأزدي عن ~~الحصين بن حرملة البرى عن أبي المصبح قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال # PageV04P253 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل ~~إلى يوم القيامة وأصحابها معانون قلدوها ولا تقلدوها الأوتار # قال أبو بكر بين في الخبر الأول أن الخير هو الأجر والغنيمة وفي ذلك ما ~~يوجب أن ارتباطها قربة إلى الله تعالى فإذا أريد به الجهاد وهو يدل أيضا ~~على بقاء الجهاد إلى يوم القيامة إذ كان الأجر مستحقا بارتباطها للجهاد في ~~سبيل الله عز وجل ms1807 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تقلدوها الأوتار # قيل فيه معنيان أحدهما خشية اختناقها بالوتر والثاني أن أهل الجاهلية ~~كانوا إذا طلبوا بالأوتار والدخول قلدوها خيلهم الأوتار يدلون بها على أنهم ~~طالبون بالأوتار مجتهدون في قتل من يطلبونهم بها فأبطل النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم الطلب بدخول الجاهلية ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة ألا إن كل دم ومأثرة فهو ~~موضوع تحت قدمي هاتين # وأول دم ربيعة بن الحارث. ### | باب الهدنة والموادعة # قال الله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها والجنوح الميل ومنه يقال جنحت ~~السفينة إذا مالت والسلم المسألة ومعنى الآية أنهم إن مالوا إلى المسالمة ~~وهي طلب السلامة من الحرب فسالمهم واقبل ذلك منهم وإنما قال فاجنح لها لأنه ~~كناية عن المسالمة وقد اختلف في بقاء هذا الحكم فروى سعيد ومعمر عن قتادة ~~أنها منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وروي عن الحسن مثله ~~وروى ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها قال نسختها قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر- إلى قوله- وهم صاغرون وقال آخرون لا نسخ فيها لأنها في موادعة أهل ~~الكتاب وقوله تعالى فاقتلوا المشركين في عبدة الأوثان # قال أبو بكر قد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاهد حين قدم المدينة ~~أصنافا من المشركين منهم النضير وبنو قينقاع وقريظة وعاهد قبائل من ~~المشركين ثم كانت بينه وبين قريش هدنة الحديبية # إلى أن نقضت قريش ذلك العهد بقتالها خزاعة خلفاء النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم ولم يختلف نقلة السير والمغازي في ذلك وذلك قبل أن يكثر أهل ~~الإسلام ويقوى أهله فلما كثر المسلمون وقوي الدين أمر بقتل مشركي العرب ولم ~~يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف بقوله عز وجل فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى ~~قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر- إلى قوله- # PageV04P254 # وهم صاغرون ولم يختلفوا ms1808 أن سورة براءة من أواخر من نزل من القرآن وكان ~~نزولها حين بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج في السنة ~~التاسعة من الهجرة وسورة الأنفال نزلت عقيب يوم بدر بين فيها حكم الأنفال ~~والغنائم والعهود والموادعات سورة براءة مستعمل على ما ورد وما ذكر من ~~الأمر بالمسالمة إذا مال المشركون إليها فحكم حكم ثابت أيضا وإنما اختلف ~~حكم الآيتين لاختلاف الحالين فالحال التي أمر فيها بالمسألة هي حال قلة عدد ~~المسلمين وكثرة عدوهم والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وبقتال أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم وقد قال ~~تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم فنهى عن ~~المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم وكذلك قال أصحابنا إذا قدر بعض ~~أهل الثغور على قتال العدو ومقاومتهم لم تجز لهم مسالمتهم ولا يجوز لهم ~~إقرارهم على الكفر إلا بالجزية وإن ضعفوا عن قتالهم جاز لهم مسالمتهم كما ~~سالم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا من أصناف الكفار وهادنهم على وضع ~~الحرب بينهم من غير جزية أخذها منهم قالوا فإن قووا بعد ذلك على قتالهم ~~نبذوا إليهم على سواء ثم قاتلوهم قالوا وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم ~~إلا بما يبذلونه لهم جاز لهم ذلك # لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم ~~الأحزاب على نصف ثمار المدينة حتى لما شاور الأنصار قالوا يا رسول الله هو ~~أمر أمرك الله به أم الرأي والمكيدة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ~~بل هو رأي لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعهم عنكم إلى ~~يوم ما فقال السعدان بن عبادة وسعد بن معاذ والله يا رسول الله إنهم لم ~~يكونوا يطعمون فيها منا إلا قرى وشرى ونحن كفار فكيف وقد أعزنا الله ~~بالإسلام لا نعطيهم إلا بالسيف وشقاء الصحيفة # فهذا يدل على أنهم إذا خافوا ms1809 المشركين جاز لهم أن يدفعوهم عن أنفسهم ~~بالمال فهذه أحكام بعضها ثابت بالقرآن وبعضها بالسنة وهي مستعملة في ~~الأحوال التي أمر الله تعالى بها واستعملها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~فيها وهذا نظير ما ذكرنا في ميراث الحليف أنه حكم ثابت بقوله تعالى والذين ~~عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم في حال عدم ذوي الأنساب وولاء العتاق فإذا كان ~~هناك ذو نسب أو ولاء عتاقة فهم أولى من الحليف كما أن الابن أولى من الأخ ~~ولم يخرج من أن يكون من أهل الميراث # قوله تعالى وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين ~~قلوبهم الآية روي أنه أراد به # PageV04P255 # الأوس والخزرج وكانوا على غاية العداوة والبغضاء قبل الإسلام فألف الله ~~بين قلوبهم بالإسلام روي ذلك عن بشير بن ثابت الأنصاري وابن إسحاق والسدى ~~وقال مجاهد هو كل متحابين في الله # قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين إلى آخر القصة حدثنا ~~جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد قال ~~حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ~~في قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين # قال أمر الله تعالى الرجل من المسلمين أن يقاتل عشرة من الكفار فشق ذلك ~~عليهم فرحمهم فقال فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو ~~عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال ~~أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر وإنما عنى ابن عباس ~~ما ذكر في هذه الآية وكان الفرض في أول الإسلام على الواحد قتال العشرة من ~~الكفار لصحة بصائر المؤمنين في ذلك الوقت وصدق يقينهم ثم لما أسلم قوم ~~آخرون خالطهم من لم يكن لهم بصائرهم ونياتهم خفف عن ms1810 الجميع وأجراهم مجرى ~~واحدا ففرض على الواحد مقاومة الاثنين قوله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا لم يرد به ضعف القوى والأبدان وإنما المراد ضعف النية لمحاربة ~~المشركين فجعل فرض الجميع فرض ضعفائهم وقال عبد الله بن مسعود ما ظننت أن ~~أحدا من المسلمين يريد بقتاله غير الله حتى أنزل الله تعالى منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة فكان الأولون على مثل هذه النيات فلما خالطهم ~~من يريد الدنيا بقتاله سوى بين الجميع في الفرض وفي هذه الآية دلالة على ~~بطلان من أبى وجود النسخ في شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم ~~يكن قائله معتقدا بقوله لأنه قال تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين والتخفيف لا يكون إلا بزوال ~~بعض الفرض أو النفل عنه إلى ما هو أخف منه فثبت بذلك أن الآية الثانية ~~ناسخة للفرض الأول وزعم القائل بما ذكرنا من إنكار النسخ لأنه ليس في الآية ~~أمر وإنما فيه الوعد بشريطة فمتى وفى بالشرط أنجز الوعد وإنما كلف كل قوم ~~من الصبر على قدر استطاعتهم فكان على الأولين ما ذكر من مقاومة العشرين ~~للمائتين والآخرون لم يكن لهم من نفاذ البصيرة مثل ما للأولين فكلفوا ~~مقاومة الواحد للاثنين # PageV04P256 # والمائة للمائتين قال ومقاومة العشرين للمائتين غير مفروضة وكذلك المائة ~~للمائتين وإنما الصبر مفروض على قدر الإمكان والناس مختلفون في ذلك على ~~مقادير استطاعتهم فليس في الآية نسخ كما زعم قال أبو بكر هذا كلام شديد ~~الاختلال والتناقض خارج عن قول الأمة سلفها وخلفها وذلك لأنه لا يختلف أهل ~~النقل والمفسرون في أن الفرض كان في أول الإسلام مقاومة الواحد للعشرة ~~ومعلوم أيضا أن قوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن كان ~~لفظه لفظ الخبر فمعناه الأمر كقوله تعالى هو إخبارا بوقوع ذلك وإنما هو أمر ~~بأن لا يفر الواحد من العشرة ولو كان هذا خبرا لما كان لقوله ms1811 الآن خفف الله ~~عنكم معنى لأن التخفيف إنما يكون في المأمور به لا في المخبر عنه ومعلوم ~~أيضا أن القوم الذين كانوا مأمورين بأن يقاوم الواحد منهم عشرة من المشركين ~~داخلون في قوله الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فلا محالة قد وقع ~~النسخ عنهم فيما كانوا تعبدوا به من ذلك ولم يكن أولئك القوم قد نقصت ~~بصائرهم ولقل صبرهم وإنما خالطهم قوم لم يكن لهم مثل بصائرهم ونياتهم وهم ~~المعنيون بقوله تعالى وعلم أن فيكم ضعفا فبطل بذلك قول هذا القائل بما ~~وصفنا وقد أقر هذا القائل أن بعض التكليف قد زال منهم بالآية الثانية وهذا ~~هو معنى النسخ والله أعلم بالصواب. ### | باب الأسارى # قال الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض # حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~أبو نوح قال أخبرنا عكرمة ابن عمار قال حدثنا سماك الحنفي قال حدثني ابن ~~عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر فأخذ النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الفداء فأنزل الله تعالى ما كان لنبى أن يكون له أسرى- إلى ~~قوله- لمسكم فيما أخذتم من الفداء ثم أحل الله الغنائم # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله بن ~~صالح قال حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كان يوم ~~بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من الغنائم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم كان النبي # PageV04P257 # إذا غنم هو وأصحابه جمعوا غنائمهم فتنزل من السمائد نار فتأكلها فأنزل ~~الله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما ~~غنمتم حلالا طيبا # وروي فيه وجه آخر وهو ما رواه الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد ~~الله قال شاور النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه ms1812 في أسارى بدر فأشار ~~أبو بكر بالاستبقاء وأشار عمر بالقتل وأشار عبد الله بن رواحة بالإحراق ~~فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم حين قال ~~فمن تبعني فإنه مني ومن عصانى فإنك غفور رحيم ومثل عيسى إذ قال إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك الآية ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال لا تذر على الأرض من ~~الكافرين ديارا ومثل موسى إذ قال ربنا اطمس على أموالهم الآية أنتم عالة ~~فلا ينفلتن منهم أحدا إلا بفداء أو ضربة عنق فقال ابن مسعود إلا سهيل بن ~~بيضاء فإنه ذكر الإسلام فسكت ثم قال إلا سهيل بن بيضاء فأنزل الله تعالى ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض # إلى آخر الآيتين # وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استشار أبا بكر وعمرو ~~عليا في أسارى بدر فأشار أبو بكر بالفداء وأشار عمر بالقتل فهوي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما قال أبو بكر ولم يهوى ما قال عمر فلما كان من ~~الغد جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو وأبو بكر قاعدان ~~يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فقال أبكي للذي ~~عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض على عذابكم أدنى من هذا الشجرة ~~شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى # إلى آخر القصة فذكر في حديث ابن عباس المتقدم في الباب وحديث أبي هريرة ~~أن قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم إنما نزل في ~~أخذهم الغنائم وذكر في حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس الآخر أن الوعيد ~~إنما كان في عرضهم الفداء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإشارتهم ~~عليه به والأول ألى بمعنى الآية لقوله تعالى لمسكم فيما أخذتم ولم يقل فيما ~~عرضتم وأشرتم ومع ms1813 ذلك فإنه يستحيل أن يكون الوعيد في قول قاله رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ومن ~~الناس من يجيز ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق اجتهاد الرأي ~~ويجوز أيضا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أباح لهم أخذ الفداء ~~وكان ذلك معصية صغيرة فعاتبه الله والمسلمين عليها وقد ذكر في الحديث الذي ~~في صدر الباب أن الغنائم لم تحل قبل نبينا لأحد وفي الآية ما يدل على ذلك # PageV04P258 # وهو قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض فكان في ~~شرائع الأنبياء المتقدمين تحريم الغنائم وفي شريعة نبينا تحريمها حتى يثخن ~~في الأرض واقتضى ظاهره إباحة الغنائم والأسرى بعد الإثخان وقد كانوا يوم ~~بدر مأمورين بقتل المشركين بقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم ~~كل بنان وقال تعالى في آية أخرى فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى ~~إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق وكان الفرض في ذلك الوقت القتل حتى إذا أثخن ~~المشركون فحينئذ إباحة الفداء وكان أخذ الفداء قبل الإثخان محظورا وقد كان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حازوا الغنائم يوم بدر وأخذوا الأسرى ~~وطلبوا منهم الفداء وكان ذلك من فعلهم غير موافق لحكم الله تعالى فيهم في ~~ذلك ولذلك عاتبهم عليه ولم يختلف نقلة السير ورواة المغازي # أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ منهم الفداء بعد ذلك وأنه قال لا ~~ينفلت منهم إلا بفداء أو ضربة عنق # وذلك يوجب أن يكون حظر أخذ الأسرى ومفاداتهم المذكورة في هذه الآية وهو ~~قوله تعالى ما كان لنبى أن يكون له أسرى منسوخا بقوله لولا كتاب من الله ~~سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم ~~الفداء فإن قيل كيف يجوز أن يكون ذلك منسوخا وهو بعينه الذي كانت المعاتبة ~~من الله للمسلمين وممتنع وقوع الإباحة والحظر في شيء واحد قيل ms1814 له إن أخذ ~~الغنائم والأسرى وقع بديا على وجه الحظر فلم يملكوا ما أخذوا ثم إن الله ~~تعالى أباحها لهم وملكهم إياها فالأخذ المباح ثانيا هو غير محظور أولا وقد ~~اختلف في معنى قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم فروى أبو زميل عن ابن عباس قال سبقت لهم الرحمة قبل أن يعلموا المعصية ~~وروي مثله عن الحسن رواية وهذا يدل على أنهما رأيا ذلك معصية صغيرة وقد وعد ~~الله غفرانها باجتنابهم الكبائر وكتب لهم ذلك قبل عملهم للمعصية الصغيرة ~~وروي عن الحسن أيضا ومجاهد أن الله تعالى كان مطعما لهذه الأمة الغنيمة ~~ففعلوا الذي فعلوا قبل أن تحل لهم الغنيمة قال أبو بكر حكم الله تعالى بأنه ~~ستحل لهم الغنيمة في المستقبل لا يزيل عنهم حكم الحظر قبل إحلالها ولا يخفف ~~من عقابه فلا يجوز أن يكون التأويل أن إزالة العقاب لأجل أنه كان في معلومه ~~إباحة الغنائم لهم بعده وروي عن الحسن أيضا وعن مجاهد قالا سبق من الله أن ~~لا يعذب قوما إلا بعد تقدمه ولم يكن تقدم إليهم فيها وهذا وجه صحيح وذلك ~~لأنهم لم يعلموا # PageV04P259 # بتحريم الغنائم على أمم الأنبياء المتقدمين وبقاء هذا الحكم عليهم من ~~شريعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فاستباحوها على ظن منهم أنها مباحة ~~ولم يكن قد تقدم لهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول في تحريمها ~~عليهم ولا إخبار منه إياهم بتحريمها على الأمم السالفة فلم يكن خطؤهم في ~~ذلك معصية يستحق عليها العقاب قوله تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فيه ~~إباحة الغنائم وقد كانت محظورة قبل ذلك وقد ذكرنا # حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~قال لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس قبلكم # وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ms1815 ونصرت ~~بالرعب وأحلت لي الغنائم وأرسلت إلى الأحمر والأبيض وأعطيت الشفاعة # فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم في هذين الخبرين أن الغنائم لم تحل لأحد ~~من الأنبياء وأممها قبله وقوله تعالى فكلوا مما غنمتم قد اقتضى وقوع ملك ~~الغنائم لهم إذا أخذوا وإن كان المذكور في لفظ الآية هو الأكل وإنما خص ~~الأكل بذلك لأنه معظم منافع الأملاك إذ به قوام الأبدان وبقاء الحياة وأراد ~~بذلك تمليك سائر وجوه منافعها وهو كما قال تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير فحص اللحم بذلك والمراد جميع أجزائه لأنه مبتغى منافعه ~~ومعظمها في لحومه وكما قال تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع فحص البيع بالحظر في تلك الحال والمراد سائر ما يشغل ~~عن الصلاة وكان وجه تخصيصه أنه معظم منافع التصرف في ذلك الوقت فإذا كان ~~معظمه محظورا فما دونه أولى بذلك وذلك في مفهوم اللفظ ومثله قوله تعالى إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما فحص الأكل بالذكر ودل به على حظر الأخذ ~~والإتلاف من غير جهة الأكل فهذا حكم اللفظ إذا ورد في مثله ولولا الأكل ~~موجبة للتمليك ولذلك قال أصحابنا فيمن أباح لرجل أكل طعامه إنه ليس له أن ~~يتملكه ولا يأخذه وإنما له الأكل فحسب ولكنه لما كان في مفهوم خطاب الآية ~~التمليك على الوجه الذي ذكرنا أوجب التمليك وقد قال الله تعالى في آية أخرى ~~واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فجعل الأربعة الأخماس غنيمة لهم ~~وذلك يقتضي التمليك وكذلك ظاهر قوله تعالى فكلوا مما غنمتم لما أضاف ~~الغنيمة إليهم فقد أفاد تملكها إياهم # PageV04P260 # بإطلاقه لفظ الغنيمة فيه ثم عطفه الأكل عليها لم لم ينف ما تضمنه من ~~التمليك كما لو قال كلوا مما ملكتم لم يكن إطلاق لفظ الأكل مانعا من صحة ~~الملك ويدل على ذلك دخول الفاء عليه كأنه قال قد ملكتكم ذلك فكلوا والغنيمة ~~اسم لما أخذ من أموال المشركين بقتال فيكون خمسه لله تعالى وأربعة ms1816 أخماسه ~~للغانمين بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وأما الفيء ~~فهو كل ما صار من أموال المشركين إلى المسلمين بغير قتال روي هذا الفرق ~~بينهما عن عطاء بن السائب وعن سفيان الثوري أيضا قال أبو بكر الفيء كل ما ~~صار من أموال المشركين إلى المسلمين بقتال أو بغير قتال إذ كان سبب أخذه ~~الكفر قال أصحابنا الجزية فيء والخراج وما يأخذه الإمام من العدو على وجه ~~الهدنة والموادعة فهو فيء أيضا وقال الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول الآية فقيل إن هذا فيما لم يوجف عليه المسلمون مثل ~~فدك وما أخذ من أهل نجران فكان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم صرفه في هذه ~~الوجوه وقيل إن هذه كانت في الغنائم فنسخت بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وجائز عندنا أن لا تكون منسوخة وأن تكون آية الغنيمة ~~فيما أوجف عليه المسلمون بخيل أو ركاب وظهر عليهم بالقتال وآية الفيء التي ~~في الحشر فيما لم يوجف عليه المسلمون وأخذ منهم على وجه الموادعة والهدنة ~~كما # فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل نجران وفدك وسائر ما أخذه منهم ~~بغير قتال # والله أعلم بالصواب. ### | باب التوارث بالهجرة # قال الله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا الآية حدثنا جعفر بن محمد الواسطي ~~قال حدثنا جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيدة قال حدثنا حجاج عن ~~ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى إن ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله الآية قال كان ~~المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث الأعرابي المهاجر # فنسختها وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله # وروى عبد الرحمن بن عبد الله بن ms1817 المسعودي عن القاسم قال آخى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة وآخى بين عبد الله بن مسعود والزبير ~~بن العوام أخوة يتوارثون بها # PageV04P261 # لأنهم هاجروا وتركوا أقرباءهم حتى أنزل الله آية المواريث قال أبو بكر ~~اختلف السلف في أن التوارث كان ثابتا بينهم بالهجرة والأخوة التي آخى بها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم دون الأرحام وأن ذلك مراد هذه ~~الآية وأن قوله تعالى أولئك بعضهم أولياء بعض قد أريد به إيجاب التوارث ~~بينهم وأن قوله ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا قد نفى إثبات التوارث ~~بينهم بنفيه الموالاة بينهم وفي هذا دلالة على أن إطلاق الموالاة يوجب ~~التوارث وإن كان قد يختص به بعضهم دون جميعهم على حسب وجود الأسباب المؤكدة ~~له كما أن النسب سبب يستحق به الميراث وإن كان بعض ذوي الأنساب أولى به في ~~بعض الأحوال لتأكد سببه وفي هذا دليل على أن قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد ~~جعلنا لوليه سلطانا موجب لإثبات القود لسائر ورثته وأن النساء والرجال في ~~ذلك سواء لتساويهم في كونهم من مستحقي ميراثه ويدل أيضا على أن الولاية في ~~النكاح مستحقة بالميراث وأن # قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا نكاح إلا بولي # مثبت للولاية لجميع من كان من أهل الميراث على حسب القرب وتأكيد السبب ~~وأنه جائز للأم تزويج أولادها الصغار إذا لم يكن لهم أب على ما يذهب إليه ~~أبو حنيفة إذ كانت من أهل الولاية في الميراث وقد كانت الهجرة فرضا حين ~~هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن فتح النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم مكة # فقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية # فنسخ التوارث بالهجرة بسقوط فرض الهجرة وأثبت التوارث بالأنساب بقوله ~~تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قال الحسن كان المسلمون ~~بتوارثون بالهجرة حتى كثر المسلمون فأنزل الله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض فتوارثوا بالأرحام وروى الأوزاعي عن عبدة عن ms1818 مجاهد عن ابن عمر ~~قال انقطعت الهجرة بعد الفتح وروى الأوزاعي أيضا عن عطاء ابن أبي رباح عن ~~عائشة مثله وزاد فيه ولكن جهاد ونية وإنما كانت الهجرة إلى الله ورسوله ~~والمؤمنون يفرون بدينهم من أن يفتنوا عنه وقد أذاع الله الإسلام وافشاء ~~فتضمنت هذه الآية إيجاب التوارث بالهجرة والمؤاخاة دون الأنساب وقطع ~~الميراث بين المهاجرين وبين من لم يهاجر واقتضى أيضا إيجاب نصرة المؤمن ~~الذي لم يهاجر إذا استنصر المهاجر على من لم يكن بينهم وبينه عهد بقوله ~~تعالى وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~وقد روي في قوله تعالى ما لكم من ولايتهم # PageV04P262 # من شىء حتى يهاجروا # ما قد بينا ذكره في نفي الميراث عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في ~~آخرين وقيل إنه أراد نفي إيجاب النصرة فلم تكن حينئذ على المهاجر نصرة ومن ~~لم يهاجر إلا أن يستنصر فتكون عليه نصرته إلا على من كان بينه وبينه عهد ~~فلا ينقض عهده وليس يمتنع أن يكون نفي الولاية مقتضيا للأمرين جميعا من نفي ~~التوارث والنصرة ثم نسخ نفي الميراث بإيجاب التوارث بالأرحام مهاجرا كان أو ~~غير مهاجر وإسقاطه بالهجرة فحسب ونسخ نفي إيجاب النصرة بقوله تعالى ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وقوله تعالى والذين كفروا بعضهم ~~أولياء بعض قال ابن عباس والسدي يعني في الميراث وقال قتادة في النصرة ~~والمعاونة وهو قول ابن إسحاق قال أبو بكر لما كان قوله تعالى إن الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا- إلى قوله- أولئك بعضهم أولياء بعض موجبا لإثبات ~~التوارث بالهجرة وكان قوله تعالى والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شىء حتى يهاجروا نافيا للميراث وجب أن يكون قوله تعالى والذين ~~كفروا بعضهم أولياء بعض موجبا لإثبات التوارث بينهم لأن الولاية قد صارت ~~عبارة عن إثبات التوارث بينهم فاقتضى عمومه إثبات التوارث بين سائر الكفار ~~بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم لأن الاسم يشملهم ويقع عليهم ولم يفرق الآية ~~بين أهل الملل بعد أن يكونوا ms1819 كفارا ويدل أيضا على إثبات ولاية الكفار على ~~أولادهم الصغار لاقتضاء اللفظ له في جواز النكاح والتصرف في المال في حال ~~الصغر والجنون وقوله تعالى إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير يعنى ~~والله أعلم إن تفعلوا ما أمرتم به في هاتين الآيتين من إيجاب الموالاة ~~والتناصر والتوارث بالأخوة والهجرة ومن قطعها بترك الهجرة تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير وهذا مخرجه مخرج الخبر ومعناه الأمر وذلك لأنه إذا لم ~~يتول المؤمن الفاضل على ظاهر حاله من الإيمان والفضل بما يدعو إلى مثل حاله ~~ولم يتبرأ من الفاجر والضال بما يصرف عن ضلاله وفجوره أدى ذلك إلى الفساد ~~والفتنة قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله نسخ به ~~إيجاب التوارث وبالهجرة والحلف والموالاة ولم يفرق فيه بين العصبات وغيرهم ~~فهو حجة في إثبات ميراث ذوي الأرحام الذين لا تسمية لهم ولا تعصيب وقد ~~ذكرنا فيما سلف في سورة النساء وذهب عبد الله بن مسعود إلى أن ذوي الأرحام ~~أولى من مولى # PageV04P263 # العتاقة واحتج فيه بظاهر الآية وليس هو كذلك عند سائر الصحابة # وقد روي أن ابنة حمزة أعتقت عبدا ومات وترك بنتا فجعل النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نصف ميراثه لابنته ونصفه لابنة حمزة بالولاية فجعلها عصبة # والعصبة أولى بالميراث من ذوي الأرحام # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا ~~يوهب # وقوله تعالى في كتاب الله قيل فيه وجهان أحدهما في اللوح المحفوظ كما قال ~~ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ~~والثاني في حكم الله تعالى. ### | سورة براءة # قال الله تعالى براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين قال ~~أبو بكر البراءة هي قطع الموالاة وارتفاع العصمة وزوال الأمان وقيل إن ~~معناه هذه براءة من الله ورسوله ولذلك ارتفع وقيل هو ابتداء وخبره الظرف في ~~إلى فاقتضى قوله عز وجل براءة من الله ورسوله إلى الذين ms1820 عاهدتم من المشركين ~~نقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم ورفع الأمان ~~وإعلام نصب الحرب والقتال بينه وبينهم وهو على نحو قوله تعالى وإما تخافن ~~من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء فكان ما ذكر في هذه الآية من البراءة ~~نبذا إليهم ورفعا للعهد وقيل إن ذلك كان خاصا فيمن أضمروا الخيانة وهموا ~~بالغدر وكان حكم هذا اللفظ أن يرفع العهد في حال ذكر ذلك لهم إلا أنه لما ~~عقبه # بقوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر بين به أن هذه البراءة وهذا ~~النبذ إليهم إنما هي بعد أربعة أشهر وأن عهد ذوي العهد من هذا القبيل منهم ~~باق إلى آخر هذه المدة قال الحسن فمن كان منهم عهده أكثر من أربعة أشهر حط ~~إليها ومن كان منهم عهده أقل رفع إليها وقيل إن هذه الأربعة الأشهر التي هي ~~أشهر العهد أولها من عشرين من ذي القعدة وذو الحجة والمحرم وصفر وعشرة أيام ~~من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة التي حج فيها أبو بكر # وقرأ فيها علي بن أبي طالب سورة براءة على الناس بمكة بأمر النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم كان في ذي القعدة # ثم صار الحج في السنة الثانية وهي السنة التي حج فيها النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم في في ذي الحجة وهو الوقت الذي وقته الله تعالى للحج لأن ~~المشركين كانوا ينسئون الشهور فاتفق عود الحج في السنة التي حج فيها النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم إلى الوقت الذي فرضه الله تعالى فيه بديا على ~~إبراهيم وأمره فيه بدعاء الناس إليه بقوله وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # PageV04P264 # ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو واقف بعرفات ألا إن الزمان قد ~~استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض # فثبت الحج في اليوم التاسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة والنحر وهو اليوم ~~العاشر منه فهذا قول من يقول إن الأربعة الأشهر التي جعلها ms1821 للسياحة وقطع ~~بمضيها عصمة المشركين وعهدهم وقد قيل في جواز نقض العهد قبل مضي مدته على ~~جهة النبذ إليهم وإعلامهم نصب الحرب وزوال الأمان وجوه أحدها أن يخاف غدرهم ~~وخيانتهم والآخر أن يثبت غدرهم سرا فينبذ إليهم ظاهرا والآخر أن يكون في ~~شرط العهد أن يقرهم على الأمان ما يشاء وينقضه متى شاء كما # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل خيبر أقركم ما أقركم الله # والآخر أن العهد المشروط إلى مدة معلومة فيه ثبوت الأمان من حربهم ~~وقتالهم من غير علمهم وأن لا يقصدوا وهم غارون وأنه متى أعلمهم رفع الأمان ~~من حربهم فذلك جائز لهم وذلك معلوم في مضمون العهد وسواء خاف غدرهم أو لم ~~يخف وكان في شرط العهد أن لناقضه متى شئنا أو لم يكن فإن لنا متى رأينا ذلك ~~خطا للإسلام أن ننبذ إليهم وليس ذلك بغدر منا ولا خيانة ولا خفر للعهد لأن ~~خفر الأمان والعهد أن يأتيهم بعد الأمان وهم غارون بأماننا فأما متى نبذنا ~~إليهم فقد زال الأمان وعادوا حربا ولا يحتاج إلى رضاهم في نبذ الأمان إليهم ~~ولذلك قال أصحابنا إن للإمام أن يهادن العدو إذا لم تكن بالمسلمين قوة على ~~قتالهم فإن قوي المسلمون وأطاقوا قتالهم كان له أن ينبذ إليهم ويقاتلهم ~~وكذلك كل ما كان فيه صلاح للمسلمين فللإمام أن يفعله وليس جواز رفع الأمان ~~موقوفا على خوف الغدر والخيانة من قبلهم وقد روي عن ابن عباس أن هذه ~~الأربعة الأشهر الحرم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة إلى آخر المحرم وقد كانت ~~سورة براءة نزلت حين بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج ~~وكان الحج في تلك السنة في ذي القعدة فكأنهم على هذا القول إنما بقي عهدهم ~~إلى آخر الأربعة الأشهر التي هي أشهر الحرم # وقد روى جرير بن عن مغيرة عن الشعبي عن المحرر بن أبي هريرة عن أبيه قال ~~كنت مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله ms1822 وسلم ببراءة إلى ~~المشركين فكنت أنادي حتى صحل صوتي وكان أمرنا أن نقول لا يحجن بعد العام ~~مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ومن كان بينه وبين ~~رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء ~~من المشركين ورسوله # وجائز أن تكون هذه الأربعة الأشهر من وقت # PageV04P265 # ندائه وإعلامهم إياه وجائز أن يريد بها تمام أربعة أشهر من الأشهر الحرم # وقد روى سفيان عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي أن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم بعثه يوم الحج الأكبر أن لا يطوف أحد بالبيت عريانا ولا ~~يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ولا يحج مشرك بعد عامه هذا ومن كان بينه وبين ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد فاجعله إلى مدته # فجمل # في حديث علي من له عهد عهده إلى أجله ولم يخصص أربعة أشهر من غيره # وقال في حديث أبي هريرة فعهده إلى أربعة أشهر وجائز أن يكون المعنيان ~~صحيحين وأن يكون جعل أجل بعضهم أربعة أشهر أو تمام أربعة أشهر التي هي أشهر ~~الحرم وجعل أجل بعضهم إلى مدته طالت المدة أو قصرت وذكر الأربعة الأشهر في ~~حديث أبي هريرة موافق لقوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وذكر إثبات ~~المدة التي أجلها في حديث علي موافق # لقوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم ~~يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم فكان أجل بعضهم وهم الذين ~~خيف غدرهم وخيانتهم أربعة أشهر وأجل من لم يخش غدرهم إلى مدته وقد روى يونس ~~عن أبي إسحاق قال بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أميرا على الحج من سنة ~~تسع فخرج أبو بكر ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم والمشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم أن لا يصد عن ~~البيت أحد ولا يخاف أحد في الشهر الحرام وكان ذلك عهدا عاما ms1823 بينه وبين أهل ~~الشرك وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين ~~قبائل العرب خصائص إلى آجال مسماة فنزلت براءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين أهل العهد العام من أهل الشرك من العرب فسيحوا في الارض ~~اربعة أشهر أن الله برىء من المشركين بعده هذه الحجة وقوله إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين يعني العهد الخاص إلى الأجل المسمى # فإذا انسلخ الأشهر الحرم يعني الأربعة التي ضربه لهم أجلا # وقوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام من قبائل بني بكر الذين كانوا ~~دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبين قريش فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش وبنو ~~الدئل # فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإتمام العهد لمن لم يكن نقضه من ~~بني بكر إلى مدته # فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم وروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة ~~عن ابن عباس في قوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر قال جعل الله للذين عاهدوا ~~رسول # PageV04P266 # الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أشهر يسيحون فيها حيث شاءوا وأجل من ~~ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم خمسين ليلة وأمره إذا انسلخ الأشهر الحرم ~~أن يضع السيف فيمن عاهدوا ولم يدخلوا في الإسلام ونقض ما سمى لهم من العهد ~~والميثاق قال أبو بكر جعل ابن عباس في هذا الحديث الأربعة الأشهر التي هي ~~أشهر العهد لمن كان له منهم عهد ومن لم يكن منهم عهد جعل أجله انسلاخ ~~المحرم وهو تمام خمسين ليلة من وقت الحج وهو العشر من ذي الحجة وذلك آخر ~~وقت أشهر الحرم # وروى ابن جريج عن مجاهد في قوله براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ~~من المشركين إلى أهل العهد من خزاعة ومدلج ومن كان له عهد من غيرهم قال ثم ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعليا فأذنوا أصحاب ms1824 العهود ~~أن يأمنوا أربعة أشهر وهي الأشهر الحرم المتواليات من عشر من ذي الحجة إلى ~~عشر يخلو من شهر ربيع الآخر ثم لا عهد لهم قال وهي الحرم من أجل أنهم آمنوا ~~فيها # قال أبو بكر فجعل مجاهد الأشهر الحرم في أشهر العهد وذهب إلى أنها إنما ~~سميت بذلك لتحريم القتال فيها وليست هي الأشهر التي قال الله فيها أربعة ~~حرم وقال يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه لأنه لا خلاف # أن هذه الأشهر هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب وكذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم # والذي قاله مجاهد في ذلك محتمل وقال السدي فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ~~قال عشرون يبقى من ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد ~~إلا الإسلام أو السيف وحدثنا عبد الله بن إسحاق المروزي حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري في قوله فسيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر قال نزلت في شوال وهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم وقال قتادة عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر ~~من ربيع الآخر كان ذلك في العهد الذي بينهم قال أبو بكر قول قتادة موافق ~~لقول مجاهد الذي حكيناه أما قول الزهري فأظنه وهما لأن الرواة لم يختلفوا ~~أن سورة براءة نزلت في ذي الحجة في الوقت الذي بعث النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أبا بكر على الحج ثم نزلت بعد خروجه سورة براءة فثبت بها مع على ~~ليقرأها على الناس فثبت بما ذكرنا من هذه الأخبار أنه قد كان بين النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم وبين المشركين عهد عام وهو أن لا يصد أحدا منهم عن ~~البيت ولا يخاف أحد في الشهر الحرام فجعل الله تعالى عهدهم أربعة أشهر ~~بقوله تعالى فسيحوا في الأرض # PageV04P267 # أربعة أشهر # وكان بينه وبين خواص منهم عهود إلى آجال مسماة وأم بالوفاء لهم وإتمام ~~عهودهم إلى مدتهم إذا لم ms1825 يخش غدرهم وخيانتهم وهو قوله تعالى إلا الذين ~~عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم وهذا يدل على أن مدتهم إما أن تكون إلى آخر الأشهر ~~الحرم التي قد كان الله تعالى حرم القتال فيها وجائز أن تكون مدتهم إلى آخر ~~الأربعة الأشهر من وقت النبذ إليهم وهو يوم النحر وآخره عشر مضين من شهر ~~ربيع الآخر فسماها الأشهر الحرم على ما ذكره مجاهد لتحريم القتال فيها فلم ~~يكن لأحد منهم بعد ذلك عهد وأوجب بمضي هذه المدة دفع العهود كلها سواء من ~~كان له منهم عهد خاص أو سائر المشركين الذين عمهم عهده في ترك منعهم من ~~البيت وحظره قتلهم في أشهر الحرم وجائز أن يكون مراده انسلاخ المحرم الذي ~~هو آخر الأشهر الحرم التي كان الله تعالى حظره القتال فيها وقد رويناه عن ~~ابن عباس قوله تعالى وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر يعني ~~إعلام من الله ورسوله يقال آذنني بكذا أي أعلمني فعلمت واختلف في يوم الحج ~~الأكبر # فروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأخبار أنه يوم عرفة وعن ~~على # وعمرو ابن عباس وعطاء ومجاهد نحو ذلك على اختلاف من الرواية فيه # وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يوم النحر # وعن علي وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبى أو في وإبراهيم ~~وسعيد بن جبير على اختلاف فيه من الرواة وعن مجاهد وسفيان الثوري أيام الحج ~~كلها وهذا شائع كما يقال يوم صفين وقد كان القتال في أيام كثيرة وروى حماد ~~عن مجاهد أيضا قال الحج الأكبر القران والحج الأصغر الإفراد وقد ضعف هذا ~~التأويل من قبل أنه يوجب أن يكون للإفراد يوم بعينه وللقران يوم بعينه وقد ~~علم أن يوم القران هو يوم الإفراد للحج فتبطل فائدة تفضيل اليوم الحج ~~الأكبر فكان يجب أن يكون النداء بذلك في يوم القران وقوله تعالى يوم ms1826 الحج ~~الأكبر لما كان يوم عرفة أو يوم النحر وكان الحج الأصغر العمرة وجب أن يكون ~~أيام الحج غير أيام العمرة فلا تفعل العمرة في أيام الحج وقد روي عن ابن ~~سيرين أنه قال إنما قال يوم الحج الأكبر لأن أعياد الملل اجتمعت فيه وهو ~~العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل هذا غلط لأن الإذن ~~بذلك كانت في السنة التي حج فيها أبو بكر ولأنه في السنة التي حج فيها ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحج فيها المشركون لتقدم النهي عن ذلك في ~~السنة # PageV04P268 # الأولى وقال عبد الله بن شداد الحج الأكبر يوم النحر والحج الأصغر العمرة ~~وعن ابن عباس العمر هي الحجة الصغرى وعن عبد الله بن مسعود مثله قال أبو ~~بكر قوله الحج الأكبر قد اقتضى أن يكون هناك حج أصغر وهو العمرة على ما روي ~~عن عبد الله بن شداد وابن عباس # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال العمرة الحجة الصغرى # وإذا ثبت أن اسم الحج يقع على العمرة ثم # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأقرع بن حابس حين سأله فقال الحج في ~~كل عام أو حجة واحدة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بل حجة واحدة # وهذا يدل على نفي وجوب العمرة لنفي النبي الوجوب إلا في حجة واحدة # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحج عرفة # وهذا يدل على أن يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة ويحتمل أن يكون يوم النحر ~~لأن فيه تمام قضاء المناسك والتفث ويحتمل أيام منى على ما روي عن مجاهد ~~وخصه بالأكبر لأنه مخصوص بفعل الحج فيه دون العمرة وقد قيل إن يوم النحر ~~أولى بأن يكون يوم الحج الأكبر من يوم عرفة لأنه اليوم الذي يجتمع فيه الحج ~~لقضاء المناسك وعرفة قد يأتيها بعضهم ليلا وبعضهم نهارا وأما النداء بسورة ~~براءة فجائز أن يكون يوم عرفة وجائز يوم النحر قال الله تعالى ms1827 فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم روى معاوية بن صالح عن علي بن ~~أبي طلحة عن ابن عباس في قوله لست عليهم بمصيطر وقوله وما أنت عليهم بجبار ~~وقوله تعالى فاعف عنهم واصفح وقوله قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله قال نسخ هذا كله قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله ~~تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية وقال موسى بن ~~عقبة قد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك يكف عمن لم يقاتله ~~بقوله تعالى وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ثم نسخ ذلك ~~بقوله براءة من الله ورسوله ثم قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين قال أبو بكر عمومه يقتضي قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم ~~وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف إلا أنه تعالى خص أهل الكتاب ~~بإقرارهم على الجزية بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر الآية وأخذ # النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا بعث سرية قال إذا لقيتم ~~المشركين فادعوهم إلى الإسلام فإن أبوا فادعوهم إلى أداء الجزية فإن فعلوا ~~فخذوه منهم وكفوا عنهم # وذلك عموم في سائر المشركين # PageV04P269 # فحصصنا منه لم يكن من مشركي العرب بالآية وصار قوله تعالى فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم خاصا في مشركي العرب دون غيرهم وقوله تعالى وخذوهم ~~واحصروهم يدل على حبسهم بعد الأخذ والاستبقاء بقتلهم انتظارا لإسلامهم لأن ~~الحصر هو الحبس ويدل أيضا على جواز حصر الكفار في حصونهم ومدنهم إن كان ~~فيهم من لا يجوز قتله من النساء والصبيان وأن يلقوا بالحصار قوله تعالى ~~فاقتلوا المشركين يقتضي عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل إلا أن السنة ~~قد وردت بالنهي عن المثلة وعن قتل الصبر بالنبل ونحوه # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعف الناس قتلة أهل الإيمان # وقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة # وجائز أن يكون أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قتل ms1828 أهل الردة بالإحراق ~~والحجارة والرمي من رءوس الجبال والتنكيس في الآبار إنما ذهب فيه إلى ظاهر ~~الآية وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين أحرق قوما مرتدين جائز أن ~~يكون اعتبر عموم الآية. # قوله عز وجل فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم لا ~~يخلوا قوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة من أن يكون وجود ~~هذه الأفعال منهم شرطا في زوال القتل عنهم ويكون قبول ذلك والانقياد لأمر ~~الله تعالى فيه هو الشرط دون وجود الفعل ومعلوم أن وجود التوبة من الشرك ~~شرط لا محالة في زوال القتل ولا خلاف أنهم لو قبلوا أمر الله في فعل الصلاة ~~والزكاة ولم يكن الوقت وقت صلاة أنهم مسلمون وأن دمائهم محظورة فعلمنا أن ~~شرط زوال القتل عنهم هو قبول أوامر الله والاعتراف بلزومها دون فعل الصلاة ~~والزكاة ولأن إخراج الزكاة لا يلزم بنفس الإسلام إلا بعد حول فغير جائز أن ~~يكون إخراج الزكاة شرطا في زوال القتل وكذلك فعل الصلاة ليس بشرط فيه وإنما ~~شرطه قبول هذه الفرائض والتزامها والاعتراف بوجوبها فإن قيل لما قال الله ~~تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فشرط مع التوبة قبل الصلاة ~~والزكاة ومعلوم أن التوبة إنما هي الإقلاع عن الكفر والرجوع إلى الإيمان ~~فقد عقل بذكره التوبة التزام هذه الفرائض والاعتراف بها إذ لا تصح التوبة ~~إلا به ثم لما شرط مع التوبة الصلاة والزكاة دل على أن المعنى المزيل للقتل ~~هو اعتقاد الإيمان بشرائطه وفعل الصلاة والزكاة فأوجب ذلك قتل تارك الصلاة ~~والزكاة في وقت وجوبهما # PageV04P270 # وإن كان معتقدا للإيمان معترفا بلزوم شرائعه قيل له لو كان فعل الصلاة ~~والزكاة من شرائط زوال القتل لما زال القتل عمن أسلم في غير وقت الصلاة وعم ~~لم يؤد زكاته مع إسلامه فلما اتفق الجميع على زوال القتل عمن وصفنا أمره ~~بعد اعتقاده للإيمان للزوم شرائعه ثبت بذلك أن فعل الصلاة والزكاة ليس من ~~شرائط زوال القتل وأن شرطه إظهار الإيمان وقبول ms1829 شرائعه ألا ترى أن قبول ~~الإيمان والتزام شرائعه لما كان شرطا في ذلك لم يزل عنه القتل عند إخلاصه ~~ببعض ذلك وقد كانت الصحابة سبت ذراري مانعي الزكاة وقتلت مقاتلتهم وسموهم ~~أهل الردة لأنهم امتنعوا من التزام الزكاة وقبول وجوبها فكانوا مرتدين بذلك ~~لأن من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله وعلى ذلك أجرى حكمهم أبو بكر ~~الصديق مع سائر الصحابة حين قاتلوهم ويدل على أنهم مرتدون بامتناعهم من ~~قبول فرض الزكاة ما # روى معمر عن الزهري عن أنس قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ارتدت العرب كافة فقال عمر يا أبا بكر أتريد أن تقاتل العرب كافة فقال ~~أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا شهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة منعوني دماءهم ~~وأموالهم والله لو منعوني عقالا مما كانوا يعطون إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه # وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال ما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم ارتدت العرب عن الإسلام إلا أهل المدينة فنصب أبو بكر لهم الحرب ~~فقالوا فإذا تشهد أن لا إله إلا الله ونصلي ولا نزكي فمشى عمر والبدريون ~~إلى أبي بكر وقالوا دعهم فإنهم إذا استقر الإسلام في قلوبهم وثبت أدوا فقال ~~والله لو منعوني عقالا مما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقتالتهم ~~عليه وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ثلاث شهادة أن لا إله ~~إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة # وقال الله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ~~والله لا أسئل فوقهن ولا أقصر دونهن فقالوا له يا أبا بكر نحن نزكي ولا ~~ندفعها إليك فقال لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم وأضعها مواضعها وروى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين مثله # وروى الزهري عن ms1830 عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال لما قبض رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم واستخلف أبو بكر وارتد من ارتد من العرب بعث ~~أبو بكر لقتال من ارتد عن الإسلام فقال له عمر يا أبا بكر ألم تسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فإذا فعلوا ذلك عصموا # PageV04P271 # مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال لو منعوني عقالا ~~مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه # فأخبر جميع هؤلاء الرواة أن الذين ارتدوا من العرب إنما كان ردتهم من جهة ~~امتناعهم من أداء الزكاة وذلك عندنا على أنهم امتنعوا من أداء الزكاة على ~~جهة الرد لها وترك قبولها فسموا مرتدين من أجل ذلك وقد أخبر أبو بكر الصديق ~~أيضا في حديث الحسن أنه يقاتلهم على ترك التزامها والاعتراف بوجوبها مرتد ~~وأن مانعها من الإمام بعد الاعتراف بها يستحق القتال فثبت أن من أدى صدقة ~~مواشيه إلى الفقراء أن الإمام لا يحتسب له بها وأنه متى امتنع من دفعها إلى ~~الإمام قاتله عليها وكذلك قال أصحابنا في صدقات المواشي وأما زكاة الأموال ~~فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر قد كانوا يأخذونها كما ~~يأخذون صدقات المواشي فلما كان أيام عثمان خطب الناس فقال هذا شهر زكاتكم ~~فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل الأداء إلى أرباب الأموال ~~وصاروا بمنزلة الوكلاء للإمام في أدائها وهذا الذي فعله أبو بكر في مانعي ~~الزكاة بموافقة الصحابة إياه كان من غير خلاف منهم بعد ما تبينوا صحة رأيه ~~واجتهاده في ذلك ويحتج من أوجب قتل تارك الصلاة ومانع الزكاة عامدا بهذه ~~الآية وزعم أنها توجب قتل المشرك إلا أن يؤمن ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ~~وقد بينا المعنى في قوله تعالى وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأن المراد ~~قبول لزومهما والتزام فرضهما دون فعلهما وأيضا فليس في الآية ms1831 ما ادعوا من ~~الدلالة على ما ذهبوا إليه من قبل أنها إنما أوجبت قتل المشركين ومن تاب من ~~الشرك ودخل في الإسلام والتزم فروضه وأقربها فهو غير مشرك باتفاق فلم تقتض ~~الآية قتله إذ كان حكمها مقصورا في إيجاب القتل على من كان مشركا وتارك ~~الصلاة ومانع الزكاة ليس بمشرك فإن قالوا إنما أزال القتل عنه بشرطين ~~أحدهما التوبة وهي الإيمان وقبول شرائعه والوجه الثاني فعل الصلاة وأداء ~~الزكاة قيل له إنما أوجب بديا قتل المشركين بقوله تعالى فاقتلوا المشركين ~~فمتى زالت عنهم سمة الشرك فقد وجب زوال القتل ويحتاج في إيجابه إلى دلالة ~~أخرى من غيره فإن قال هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر الشرطين في الآية قيل ~~له ليس الأمر على ما ظننت وذلك # PageV04P272 # لأن الله تعالى إنما جعل هذين القربين من فعل الصلاة وإيتاء الزكاة شرطا ~~في وجوب تخلية سبيلهم لأنه قال فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم وذلك بعد ذكره القتل للمشركين بالحصر فإذا زال القتل بزوال ~~سمة الشرك فالحصر والحبس باق لترك الصلاة ومنع الزكاة لأن من ترك الصلاة ~~عامدا وأصر عليه ومنع الزكاة جاز للإمام حبسه فحينئذ لا يجب تخليته إلا بعد ~~فعل الصلاة وأداء الزكاة فانتظمت الآية حكم إيجاب قتل المشرك وحبس تارك ~~الصلاة ومانع الزكاة بعد الإسلام حتى يفعلهما قوله تعالى وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله قد اقتضت هذه الآية جواز أمان ~~الحربي إذا طلب ذلك منا ليسمع دلالة صحة الإسلام لأن قوله تعالى استجارك ~~معناه استأمنك وقوله تعالى فأجره معناه فأمنه حتى يسمع كلام الله الذي فيه ~~الدلالة على صحة التوحيد وعلى صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا ~~يدل على أن الكافر إذا طلب منا إقامة الحجة عليه وبيان دلائل التوحيد ~~والرسالة حتى يعتقدهما لحجة ودلالة كان علينا إقامة الحجة وبيان توحيد الله ~~وصحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه غير جائز لنا قتله إذا طلب ~~ذلك منا إلا ms1832 بعد بيان الدلالة وإقامة الحجة لأن الله قد أمرنا بإعطائه ~~الأمان حتى يسمع كلام الله وفيه الدلالة أيضا على أن علينا تعليم كل من ~~التمس منا تعريفه شيئا من أمور الدين لأن الكافر الذي استجارنا ليسمع كلام ~~الله إنما قصد التماس معرفة صحة الدين وقوله تعالى ثم أبلغه مأمنه يدل على ~~أن على الإمام حفظ هذا الحربي المستجير وحياطته ومنع الناس من تناوله بشر ~~لقوله فأجره وقوله ثم أبلغه مأمنه وفي هذا دليل أيضا على أن على الإمام حفظ ~~أهل الذمة والمنع من أذيتهم والتخطي إلى ظلمهم وفيه الدلالة على أنه لا ~~يجوز إقرار الحربي في دار الإسلام مدة طويلة وأنه لا يترك فيها إلا بمقدار ~~قضاء حاجته لقوله تعالى حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه فأمر # برده إلى دار الحرب بعد سماعه كلام الله وكذلك قال أصحابنا لا ينبغي ~~للإمام أن يترك الحربي في دار الإسلام مقيما بغير عذر ولا سبب يوجب إقامته ~~وأن عليه أن يتقدم إليه بالخروج إلى داره فإن أقام بعد التقدم إليه سنة في ~~دار الإسلام صار ذميا ووضع عليه الخراج قوله تعالى كيف يكون للمشركين عهد ~~عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام قال أبو بكر ~~ابتداء السورة يذكر قطع العهد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين ~~المشركين بقوله براءة من # PageV04P273 # الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين # وقد قيل إن هؤلاء قد كان بينهم وبين النبي عهد فغدروا وأسروا وهموا به ~~فأمر الله نبيه بالنبذ إليهم ظاهرا وفسح لهم في مدة أربعة أشهر بقوله ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر وقيل إنه أراد العهد الذي كان بينه وبين ~~المشركين عامة في أن لا يمنع أحد من المشركين من دخوله مكة للحج وأو لا ~~يقاتلوا ولا يقتلوا في الشهر الحرام فكان قول براءة من الله ورسوله في أحد ~~هذين الفريقين ثم استثنى من هؤلاء قوما كان بينهم وبين رسول الله عهد خاص ~~ولم يغدروا ولم يهموا به فقال إلا ms1833 الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم ~~شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ففرق بين حكم ~~هؤلاء الذين ثبتوا على عهدهم ولم ينقصوكم ولم يعاونوا أعداءهم عليهم وأمر ~~بإتمام عهدهم إلى مدتهم وأمر بالنبذ إلى الأولين وهم أحد فريقين من غادر ~~قاصدا إليه أو لم يكن بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد خاص في ~~سائر أحواله بل في دخول مكة الحج والأمان في الأشهر الحرم الذي كان يأمن ~~فيه جميع الناس وقوله تعالى ولم يظاهروا عليكم أحدا يدل على أن المعاهد متى ~~عاون علينا عدوا لنا فقد نقض عهده ثم قال تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين فرفع بعد انقضاء أشهر الحرم عهد كل ذي عهد من خاص ومن عام ~~ثم قال تعالى كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله لأنهم غدروا ولم ~~يستقيموا ثم استثنى منهم الذين عاهدوهم عند المسجد الحرام قال أبو إسحاق هم ~~قوم من بني كنانة وقال ابن عباس هم من قريش وقال مجاهد هم من خزاعة فأمر ~~المسلمين بالوفاء بعهدهم ما استقاموا لهم في الوفاء به وجائز أن تكون مدة ~~هؤلاء في العهد دون مضي أشهر الحرم لأنه قال فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وعمومه يقتضي رفع سائر العهود التي كانت بين ~~المسلمين والكفار وجائز أن تكون مدة عهدهم بعد انقضاء الأشهر الحرم وكانوا ~~مخصوصين ممن أمروا بقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم وأن ذلك إنما كان خاصا ~~في قوم منهم كانوا أهل غدر وخيانة لأنه قال فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ~~يدل على أن من أظهر لنا الإيمان وأقام الصلاة وآتى الزكاة فعلينا موالاته ~~في الدين على ظاهر أمره مع وجود أن يكون اعتقاده في المغيب خلافه # قوله تعالى وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم # PageV04P274 # فقاتلوا أئمة الكفر # فيه دلالة على أن أهل العهد متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه وطعنوا في ~~ديننا فقد نقضوا العهد وذلك لأن نكث الأيمان ms1834 يكون بمخالفة بعض المحلوف عليه ~~إذا كانت اليمين فيه على وجه النفي كقوله والله لا كلمت زيدا ولا عمرو ولا ~~دخلت هذه الدار ولا هذه أيهما فعل حنث ونكث يمينه ثم لما ضم إلى ذلك الطعن ~~في الدين دل على أن أهل العهد من شروط بقاء عهدهم تركهم للطعن في ديننا وأن ~~أهل الذمة ممنوعون من إظهار الطعن في دين المسلمين وهو يشهد لقول من يقول ~~من الفقهاء إن من أظهر شتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الذمة فقد ~~نقض عهده ووجب قتله وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا يعزر ولا يقتل ~~وهو قول الثوري وروى ابن القاسم عن مالك فيمن شتم النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ~~ومالك فيمن سب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالا هي ردة يستتاب فإن ~~تاب نكل وإن لم يتب قتل قال يضرب مائة ثم يترك حتى إذا هن برىء ضرب مائة ~~ولم يذكر فرقا بين المسلم والذمي وقال الليث في المسلم يسب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم إنه لا يناظر ولا يستتاب ويقتل مكانه وكذلك اليهود والنصارى ~~وقال الشافعي ويشترط على المصالحين من الكفار أن من ذكر كتاب الله أو محمدا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما لا ينبغي أو زنى بمسلمة أو أصابها ~~باسم نكاح أو فتن مسلما عن دينه أو قطع عليه طريقا أو أعان أهل الحرب ~~بدلالة على المسلمين أو آوى عينا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة ~~الله وذمة رسوله وظاهر الآية يدل على أن من أظهر سب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم من أهل العهد فقد نقض عهده لأنه قال تعالى وإن نكثوا أيمانهم من ~~بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر فجعل الطعن في ديننا بمنزلة ~~نكث الأيمان إذ معلوم أنه لم يرد أن يجعل نكث الأيمان والطعن في الدين ms1835 ~~بمجموعهما شرطا في نقض العهد لأنهم لو نكثوا الأيمان بقتال المسلمين ولم ~~يظهروا الطعن في الدين لكانوا ناقضين للعهد وقد جعل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم معاونة قريش بني بكر على خزاعة وهم حلفاء النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم نقضا للعهد وكانوا يفعلون ذلك سرا ولم يكن منهم إظهار طعن ~~في الدين فثبت بذلك أن معنى الآية وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا ~~في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر فإذا ثبت ذلك كان من أظهر سب النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم من أهل العهد ناقضا للعهد إذ سب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من أكثر في الدين فهذا وجه يحتج به القائلون # PageV04P275 # بما وصفنا ومما يحتج به لذلك ما روى أبو يوسف عن حصين بن عبد الرحمن عن ~~رجل عن أبي عمران أن رجلا قال له إني سمعت راهبا سب النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم فقال لو سمعته لقتله إنا لم نعطهم العهد على هذا وهو إسناد ضعيف ~~وجائز أن يكون قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم # وقد روى سعيد عن قتادة عن أنس يهوديا مر على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فقال السام عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتدرون ما ~~قال فقالوا نعم ثم رجع فقال مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا عليك # وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت دخل رهط من اليهود على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقالوا السام عليكم قالت ففهمتها فقالت وعليكم السام ~~واللعنة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهلا يا عائشة فإن الله يحب ~~الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا قال النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قلت عليكم # ومعلوم أن مثله لو كان من مسلم لصار به مرتدا مستحقا للقتل ولم يقتلهم ms1836 ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك # وروى شعبة عن هشام بن يزيد عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها فقالوا ألا تقتلها قال ~~لا # قال فما زلت أعرفها في سهوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا خلاف ~~بين المسلمين أن من قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فهو ممن ينتحل ~~الإسلام أنه مرتد يستحق القتل ولم يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~مبيحة لدمها بما فعلت فكذلك إظهار سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~الذمي مخالف لإظهار المسلم له وقوله فقاتلوا أئمة الكفر روى ابن عباس ~~ومجاهد أنهم رؤساء قريش وقال قتادة أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة ~~وسهيل بن عمرو وهم الذين هموا بإخراجه # قال أبو بكر ولم يختلف في أن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة وأن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم بعث بها مع علي بن أبي طالب ليقرأها على الناس في سنة ~~تسع # وهي السنة التي حج فيها أبو بكر وقد كان أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ~~ربيعة قد كانوا قتلوا يوم بدر ولم يكن بقي من رؤساء قريش أحد يظهر الكفر في ~~وقت نزول براءة وهذا يدل على أن رواية من روى ذلك في رؤساء قريش وهم اللهم ~~إلا أن يكون المراد قوما من قريش قد كانوا أظهروا الإسلام وهم الطلقاء من ~~نحو أبي سفيان وأحزابه ممن لم ينق قلبه من الكفر فيكون مراد الآية هؤلاء ~~دون أهل العهد من المشركين الذين لم يظهروا الإسلام وهم الذين كانوا هموا ~~بإخراج الرسول من مكة وبدرهم بالقتال والحرب بعد الهجرة وجائز أن يكون ~~مراده هؤلاء الذين ذكرنا وسائر رؤساء العرب الذين كانوا # PageV04P276 # معاضدين لقريش على حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتال المسلمين ~~فأمر الله تعالى بقتالهم وقتلهم إن هم نكثوا أيمانهم وطعنوا في دين ~~المسلمين وقوله تعالى إنهم لا ms1837 أيمان لهم معناه لا أيمان لهم وافية موثوقا ~~بها ولم ينف به وجود الأيمان منهم لأنه قد قال بديا وإن نكثوا أيمانهم من ~~بعد عهدهم # وعطف على ذلك أيضا قوله ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم فثبت أنه لم برد ~~بقوله لا أيمان لهم نفي الأيمان أصلا وإنما أراد به نفي الوفاء بها وهذا ~~يدل على جواز إطلاق لا والمراد نفي الفضل دون نفي الأصل ولذلك نظائر موجودة ~~في السنن وفي كلام الناس # كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد # وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه # ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله # ونحو ذلك فأطلق الإمامة في الكفر لأن الإمام هو المقتدى به المتبع في ~~الخير والشر قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار وقال في الخير ~~وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا فالإمام في الخير هاد مهتد والإمام في الشر ضال ~~مضل قد قيل إن هذه الآية نزلت في اليهود الذين كانوا غدروا برسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان على أن لا ~~يعينوا عليه أعداءه من المشركين وهموا بمعاونة المنافقين والكفار على إخراج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة وأخبر أنهم بدءوا بالغدر ونكث ~~العهد # وأمر بقتالهم بقوله قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم وجائز أن يكون جميع ذلك ~~مرتبا على قوله وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وجائز أن يكون قد كانوا ~~نقضوا العهد بقوله ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم # قوله تعالى أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم ~~يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فإن معناه أم حسبتم أن ~~تتركوا ولم تجاهدوا لأنهم إذا جاهدوا علم الله ذلك منهم فأطلق اسم العلم ~~وأراد به قيامهم بفرض الجهاد حتى يعلم الله وجود ذلك منهم وقوله ولم يتخذوا ~~من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة يقتضي لزوم اتباع المؤمنين وترك ~~العدول عنهم كما يلزم اتباع النبي صلى ms1838 الله عليه وآله وسلم وفيه دليل على ~~لزوم حجة الإجماع وهو كقوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى والوليجة المدخل يقال ولج إذا دخل ~~كأنه قال لا يجوز أن يكون له مدخل غير مدخل المؤمنين ويقال إن الوليجة ~~بمعنى الدخيلة والبطانة وهي من المداخلة والمخالطة والمؤانسة فإن كان ~~المعنى هذا فقد دل على النهي عن مخالطة غير المؤمنين ومداخلتهم # PageV04P277 # وترك الاستعانة بهم في أمور الدين كما قال لا تتخذوا بطانة من دونكم. # قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله عمارة المسجد تكون ~~بمعنيين أحدهما زيارته والسكون فيه والآخر ببنائه وتجديد ما استرم منه وذلك ~~لأنه يقال اعتمر إذا زار ومنه العمرة لأنها زيارة البيت وفلان من عمار ~~المساجد إذا كان كثير المضي إليها والسكون فيها وفلان يعمر مجلس فلان إذا ~~أكثر غشيانه له فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد ومن بنائها وتولي ~~مصالحها والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان فيه نهي للمؤمنين عن موالاة الكفار ونصرتهم ~~والاستنصار بهم وتفويض أمورهم إليهم وإيجاب التبري منهم وترك تعظيمهم ~~وإكرامهم وسواء بين الآباء والإخوان في ذلك إلا أنه قد أمر مع ذلك بالإحسان ~~إلى الأب الكافر وصحبته بالمعروف بقوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه- إلى ~~قوله- وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا وإنما أمر المؤمنين بذلك يتميزوا من المنافقين إذا كان ~~المنافقون يتولون الكفار ويظهرون إكرامهم وتعظيمهم إذا لقوهم ويظهرون لهم ~~الولاية والحياطة فجعل الله تعالى ما أمر به المؤمن في هذه الآية علما ~~يتميز به المؤمن من المنافق وأخبر أن من لم يفعل ذلك فهو ظالم لنفسه مستحق ~~للعقوبة من ربه # قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه ms1839 كما ~~يجب اجتناب النجاسات والأقذار فلذلك سماهم نجسا والنجاسة في الشرع تنصرف ~~على وجهين أحدهما نجاسة الأعيان والآخر نجاسة الذنوب وكذلك الرجس والرجز ~~ينصرف على هذين الوجهين في الشرع قال الله تعالى إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان وقال في وصف المنافقين سيحلفون بالله ~~لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس فسماهم رجسا كما ~~سمى المشركين نجسا وقد أفاد قوله إنما المشركون نجس منعهم عن دخول المسجد ~~إلا لعذر إذ كان علينا تطهير المساجد من الأنجاس وقوله تعالى فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا قد تنازع معناه أهل العلم فقال مالك والشافعي ~~لا يدخل المشرك المسجد الحرام قال مالك # PageV04P278 # ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد ~~للخصومة وقال الشافعي يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة وقال أصحابنا ~~يجوز للذمي دخول سائر المساجد وإنما معنى الآية على أحد وجهين إما أن يكون ~~النهي خاصا في المشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد ~~لأنهم لم تكن لهم ذمة وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف وهم مشركوا ~~العرب أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج ولذلك أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالنداء يوم النحر في السنة التي حج فيها أبو بكر فيما روى ~~الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه فيمن يؤذن يوم ~~النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك فنبذ أبو بكر إلى الناس فلم يحج في ~~العام الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشرك فأنزل الله تعالى في ~~العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين يا أيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس الآية # وفي حديث علي حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغ عنه سورة براءة ~~نادى ولا يحج بعد العام مشرك # وفي ذلك دليل على المراد بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام ويدل عليه قوله ~~تعالى في ms1840 نسق التلاوة وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء وإنما ~~كانت خشية العيلة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون ~~بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج فدل ذلك على أن مراد الآية الحج ~~ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة ~~والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في المسجد ولم يكن أهل الذمة ~~ممنوعين من هذه المواضع ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد لغير ~~الحج لأنه إذا حمل على ذلك كان عموما في سائر المشركين وإذا حمل على دخول ~~المسجد كان خاصا في ذلك دون ما قرب المسجد والذي في الآية النهي عن قرب ~~المسجد فغير جائز تخصيص المسجد به دون ما يقرب منه # وقد روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن وفد ~~ثقيف لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم قبة في المسجد ~~فقالوا يا رسول الله قوم أنجاس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس ~~على الأرض من أنجاس الناس شيء إنما أنجاس الناس على أنفسهم # وروى يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان كان يدخل مسجد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو كافر غير أن ذلك لا يحل في المسجد الحرام لقول الله ~~تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام قال أبو بكر فأما وفد ثقيف فإنهم جاءوا بعد ~~فتح مكة # PageV04P279 # إلى النبي صلى الله عليه وسلم # والآية نزلت في السنة التي حج فيها أبو بكر وهي سنة تسع فأنزلهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم في المسجد وأخبر أن كونهم أنجاسا لا يمنع دخولهم المسجد # وفي ذلك دلالة على أن نجاسة الكفر لا يمنع الكافر من دخول المسجد وأما ~~أبو سفيان بأنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتجديد الهدنة وذلك قبل ~~الفتح وكان أبو سفيان مشركا حينئذ والآية وإن كان نزولها بعد ذلك فإنما ~~اقتضت النهي عن قرب ms1841 المسجد الحرام ولم تقتض المنع من دخول الكفار سائر ~~المساجد فإن قيل لا يجوز للكافر دخول الحرم إلا أن يكون عبدا أو صبيا أو ~~نحو ذلك لقوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام ولما # روى زيد بن يثيع عن علي رضي الله عنه أنه نادى بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يدخل الحرم مشرك # قيل له إن صح هذا اللفظ فالمراد أن لا يدخله للحج # وقد روي في أخبار عن علي أنه نادى أن لا يحج بعد العام مشرك # وكذلك في حديث أبي هريرة فثبت أن المراد دخول الحرم للحج # وقد روى شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم هذا إلا أن يكون ~~عبدا أو أمة يدخله لحاجة # فأباح دخول العبد والأمة للحاجة لا للحج وهذا يدل على أن الحر الذمي له ~~دخوله لحاجة إذ لم يفرق أحد بين العبد والحر وإنما خص العبد والأمة والله ~~أعلم بالذكر لأنهما لا يدخلانه في الأغلب الأعم للحج وقد حدثنا عبد الله بن ~~محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا ~~عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ~~يقول في قوله تعالى إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام إلا أن ~~يكون عبدا أو واحدا من أهل الذمة فوقفه أبو الزبير على جابر وجائز أن يكون ~~صحيحين فيكون جابر قد رفعه تارة وأفتى بها أخرى وروى ابن جريج عن عطاء قال ~~لا يدخل المشرك وتلا قوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~قال عطاء المسجد الحرام الحرم كله قال ابن جريج وقال لي عمرو بن دينار مثل ~~ذلك قال أبو بكر والحرم كله يعبر عنه بالمسجد إذ كانت حرمته متعلقة بالمسجد ~~وقال الله تعالى والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ~~والحرم كله مراد به وكذلك قوله تعالى ثم محلها ms1842 إلى البيت العتيق قد أريد به ~~الحرم كله لأنه في أي الحرم نحر البدن أجزأه فجائز على هذا أن يكون المراد ~~بقوله تعالى فلا يقربوا المسجد الحرام الحرم كله للحج إذ # PageV04P280 # كان أكثر أفعال المناسك متعلقا بالحرم كله في حكم المسجد لما وصفنا فعبر ~~عن الحرم بالمسجد وعبر عن الحج بالحرم ويدل على أن المراد بالمسجد هاهنا ~~الحرم قوله تعالى إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم ومعلوم أن ذلك كان بالحديبية وهي على شفير الحرم وذكر المسور ~~بن مخرمة ومروان بن الحكم أن بعضها من الحل وبعضها من الحرم فأطلق الله ~~تعالى عليها أنها عند المسجد الحرام وإنما هي عند الحرم وإطلاقه تعالى اسم ~~النجس على المشركين يقتضي اجتنابهم وترك مخالطتهم إذ كانوا مأمورين باجتناب ~~الأنجاس وقوله تعالى بعد عامهم هذا فإن قتادة ذكر أن المراد العام الذي حج ~~فيه أبو بكر الصديق فتلا علي سورة براءة وهو لتسع مضين من الهجرة وكان بعده ~~حجة الوداع سنة عشر قوله تعالى وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شاء فإن العيلة الفقر يقال عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل # وقال مجاهد وقتادة كانوا خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين فأخبر الله ~~تعالى أنه يغنيهم من فضله فقيل إنه أراد الجزية المأخوذة من المشركين وقيل ~~أراد الإخبار بإبقاء المتاجر من جهة المسلمين لأنه كان عالما أن العرب وأهل ~~بلدان العجم سيسلمون ويحجون فيستغنون بما ينالون من منافع متاجرهم من حضور ~~المشركين وهو نظير قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~والشهر الحرام والهدى والقلائد الآية فأخبر تعالى عما في حج البيت والهدي ~~والقلائد من منافع الناس ومصالحهم في دنياهم ودينهم وأخبر في قوله وإن خفتم ~~عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله عما ينالون من الغنى بحج المسلمين وإن كانوا ~~قليلين في وقت نزول الآية وإنما علق الغنى بالمشيئة المعنيين كل واحد منهما ~~جائز أن ms1843 يكون مرادا أحدهما أنه لما كان منهم من يموت ولا يبلغ هذا الغنى ~~الموعود به علقه بشرط المشيئة والثاني لينقطع الآمال إلى الله في إصلاح ~~أمور الدنيا والدين كما قال الله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين. ### | باب أخذ الجزية من أهل الكتاب # قال الله عز وجل قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم # PageV04P281 # الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون # أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مع ~~إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث وذلك يحتمل وجوها أحدها أن يكون مراده لا ~~يؤمنون باليوم الآخر على الوجه الذي يجري حكم الله فيه من تخليد أهل الكتاب ~~في النار وتخليد المؤمنين في الجنة فلما كانوا غير مؤمنين بذلك أطلق القول ~~فيهم بأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر ومراده حكم يوم الآخر وقضاؤه فيه كما ~~تقول أهل الكتاب غير مؤمنين بالنبي والمراد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقيل فيه إنه أطلق ذلك فيهم على طريق الذم لأنهم بمنزلة من لا يقربه في عظم ~~الحرم كما إنهم بمنزلة المشركين في عبادة الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه ~~وقيل أيضا لما كان إقرارهم عن غير معرفة لم يكن ذلك إيمانا وأكثرهم بهذه ~~الصفة وقوله تعالى ولا يدينون دين الحق فإن دين الحق هو الإسلام قال الله ~~تعالى إن الدين عند الله الإسلام وهو التسليم لأمر الله وما جاءت به رسله ~~والانقياد له والعمل به والدين ينصرف على وجوه منها الطاعة ومنها القهر ~~ومنها الجزاء قال الأعشى: # هو دان الرباب اذكر هو الد ... دين دراكا بغزوة وصيال # يعنى قهر الرباب أذكر هو إطاعته وأبوا الانقياد له وقوله تعالى مالك يوم ~~الدين قيل إنه يوم الجزاء ومنه كما تدين تدان ودين اليهود والنصارى غير دين ~~الحق لأنهم غير منقادين لأمر الله ولا طائعين له لجحودهم نبوة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم فإن قيل فهم يدينون بدين ms1844 التوراة والإنجيل معترفون به ~~منقادين له قيل له في التوراة والإنجيل ذكر نبينا وأمرنا بالإيمان واتباع ~~شرائعه وهم غير عاملين بذلك بل تاركون له فهم غير متبعين دين الحق وأيضا ~~فإن شريعة التوراة والإنجيل قد نسخت والعمل بها بعد النسخ ضلال فليس هو إذا ~~دين الحق وأيضا فهم قد غيروا المعاني وحرفوها عن مواضعها وأزالوها إلى ما ~~تهواه أنفسهم دون ما أوجبه عليهم كتاب الله تعالى فهم غير دائنين دين الحق ~~قوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب فإن أهل الكتاب من الكفار هم اليهود ~~والنصارى لقوله تعالى أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا فلو ~~كان المجوس أو غيرهم من أهل الشرك من أهل الكتاب لكانوا ثلاث طوائف وقد ~~اقتضت الآية أن أهل الكتاب طائفتان وقد بيناه فيما سلف وتقدم الكلام أيضا ~~في حكم الصابئين وهل هم أهل الكتاب # PageV04P282 # أم لا وهم فريقان أحدهما بنوا حي كسكر والبطائح وهم فيما بلغنا صنف من ~~النصارى. # وإن كانوا مخالفين لهم في كثير من ديانتهم لأن النصارى فرق كثيرة منهم ~~المرقونية والآريوسية والمارونية والفرق الثلاث من النسطورية والملكية ~~واليعقوبية يبرءون منهم ويحرمون وهم ينتمون إلى يحيى بن زكريا وشيث ~~وينتحلون كتبا يزعمون أنها كتب الله التي أنزلها على شيث بن آدم ويحيى بن ~~زكريا والنصارى تسميهم يوحنا سية فهذه الفرقة يجعلها أبو حنيفة رحمه الله ~~من أهل الكتاب ويبيح أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم وفرقة أخرى قد تسمت ~~بالصابئين وهم الحرانيون الذين بناحية حران وهم عبدة الأوثان ولا ينتمون ~~إلى أحد من الأنبياء ولا ينحلون شيئا من كتب الله فهؤلاء ليسوا أهل الكتاب ~~ولا خلاف أن هذه النحلة لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم فمذهب أبي حنيفة ~~في جعله الصابئين من أهل الكتاب محمول على مراده الفرقة الأولى وأما أبو ~~يوسف ومحمد فقالا إن الصابئين ليسوا أهل الكتاب ولم يفصلوا بين الفريقين ~~وقد روي في ذلك اختلاف بين التابعين وروى هشيم أخبرنا مطرف قال كنا عند ~~الحكم بن عيينة فحدثه رجل عن ms1845 الحسن البصري أنه كان يقول في الصابئين هم ~~بمنزلة المجوس فقال الحسن أليس قد كنت أخبرتكم بذلك وروى عباد بن العوام عن ~~الحجاج عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد قال الصابئون قوم من المشركين ~~والنصارى ليس لهم كتاب وكذلك قول الأوزاعي ومالك ابن أنس وروى يزيد بن ~~هارون عن حبيب بن أبي حبيب عن عمرو بن هرم عن جابر ابن زيد أنه سئل عن ~~الصابئين أمن أهل الكتاب هم وطعامهم ونساؤهم حل للمسلمين فقال نعم وأما ~~المجوس فليسوا أهل كتاب بدلالة الآية ولما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب # وفي ذلك دلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب وقد اختلف أهل العلم فيمن تؤخذ ~~منهم الجزية من الكفار بعد اتفاقهم على جواز إقرار اليهود والنصارى بالجزية ~~فقال أصحابنا لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف وتقبل من أهل ~~الكتاب من العرب من سائر كفار العجم الجزية وذكر ابن القاسم عن مالك أنه ~~تقبل من الجميع الجزية إلا من مشركي العرب وقال مالك في الزنج ونحوهم إذا ~~سبوا يجبرون على الإسلام وروي عن مجاهد أنه قال يقاتل أهل الكتاب على ~~الجزية وأهل الأوثان على الصلاة ويحتمل أن يريد به أهل الأوثان من العرب ~~وقال الثوري العرب لا يسبون وهو إذا سبوا ثم # PageV04P283 # تركهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي لا تقبل الجزية إلا من أهل ~~الكتاب عربا كانوا أو عجما قال أبو بكر قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم يقتضي قتل سائر المشركين فمن الناس من يقول إن عمومه مقصور على ~~عبدة الأوثان دون أهل الكتاب والمجوس لأن الله تعالى قد فرق في اللفظ بين ~~المشركين وبين أهل الكتاب والمجوس بقوله تعالى إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا فعطف بالمشركين على هذه الأصناف ~~فدل ذلك على أن إطلاق هذا اللفظ يختص بعبدة الأوثان وإن كان الجميع من ~~النصارى والمجوس والصابئين المشركين وذلك لأن النصارى قد أشركت ms1846 بعبادة الله ~~وعبادة المسيح والمجوس مشركون من حيث جعلوا لله ندا مغالبا والصابئون ~~فريقان أحدهما عبدة الأوثان والآخر لا يعبدون الأوثان ولكنهم مشركون في ~~وجوه أخر إلا أن إطلاق لفظ المشرك يتناول عبدة الأوثان فلم يوجب قوله تعالى ~~فاقتلوا المشركين إلا قتل عبدة الأوثان دون غيرهم وقال آخرون لما كان معنى ~~الشرك موجودا في مقالات هذه الفرق من النصارى والمجوس والصابئين فقد ~~انتظمهم اللفظ ولولا ورود آية التخصيص في أهل الكتاب خصوا من الجملة ومن ~~عداهم محمولون على حكم الآية عربا كانوا أو عجما ولم يختلفوا في جواز إقرار ~~المجوس بالجزية وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار وروى ~~سفيان بن عيينة عن عمرو أنه سمع مجالدا يقول لم يكن عمر بن الخطاب يأخذ ~~الجزية من المجوس حتى # شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من ~~مجوس هجر # وروى مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر ذكر المجوس فقال ما أدري كيف ~~أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب # وروى يحيى بن آدم عن المسعودي عن قتادة عن أبي مجلز قال كتب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المنذر أنه من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا ~~فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ومن أحب ذلك من المجوس فهو آمن ~~ومن أبى فعليه الجزية # وروى قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى ~~مجوس البحرين يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم منهم قبل منه ومن أبى ضربت عليه ~~الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة # وروى الطحاوي عن بكار بن قتيبة قال حدثنا عبد الرحمن ابن عمران قال حدثنا ~~عوف كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أما بعد فاسئل # PageV04P284 # الحسن ما يقع من قبلنا من الأئمة أن يحولوا بين ms1847 المجوس وبين ما يجمعون من ~~النساء اللاتي لا يجمعهن أحد غيرهم فسأله فأخبره أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قبل من مجوس البحرين الجزية وأقرهم على مجوسيتهم وعامل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يومئذ على البحرين العلاء بن الحضرمي وفعله بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان # وروى معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل الأوثان على ~~الجزية إلا من كان منهم من العرب # وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ~~الجزية من مجوس هجر # وأن عمر بن الخطاب أخذها من مجوس السواد وأن عثمان أخذها من بربر وفي هذه ~~الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من المجوس وفي بعضها أنه ~~أخذها من عبدة الأوثان من غير العرب ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في جواز ~~أخذ الجزية من المجوس وقد نقلت الأمة أخذ عمر بن الخطاب الجزية من مجوس ~~السواد فمن الناس من يقول إنما أخذها لأن المجوس أهل كتاب ويحتج في ذلك بما # روى سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن نصر بن عاصم عن على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان أخذوا الجزية من المجوس # وقال علي أنا أعلم الناس بهم كانوا أهل كتاب يقرءونه وأهل علم يدرسونه ~~فنزع ذلك من صدورهم # وقد ذكرنا فيما تقدم من الدلالة على أنهم ليسوا أهل كتاب من جهة الكتاب ~~والسنة وأما ما # روي عن علي في ذلك أنهم كانوا أهل كتاب # فإنه إن صحت الرواية فإن المراد أن أسلافهم كانوا أهل كتاب لإخباره بأن ~~ذلك نزع من صدورهم فإذا ليسوا أهل كتاب في هذا الكتاب ويدل على أنهم ليسوا ~~أهل كتاب ما # روي في حديث الحسن بن محمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مجوس ~~البحرين إن من أبى منهم الإسلام ضربت عليه الجزية ولا تؤكل لهم ذبيحة ولا ~~تنكح لهم امرأة # ولو كانوا أهل ms1848 كتاب لجاز أكل ذبائحهم ومناكحة نسائهم لأن الله تعالى قد ~~أباح ذلك من أهل الكتاب # ولما ثبت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من المجوس # وليسوا أهل كتاب ثبت جواز أخذها من سائر الكفار أهل كتاب كانوا أو غير ~~أهل كتاب إلا عبدة الأوثان من العرب لأن # النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف # وبقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وهذا في عبدة الأوثان من ~~العرب ويدل على جواز أخذ الجزية من سائر المشركين سوى مشركي العرب # حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا بعث سرية قال إذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا # PageV04P285 # رسول الله فإن أبوا فادعوهم إلى إعطاء الجزية # وذلك عام في سائر المشركين وخصصنا منهم مشركي العرب بالآية وسيرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيهم. ### | باب حكم نصارى بني تغلب # قال الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر- إلى ~~قوله- من الذين أوتوا الكتاب ونصارى بني تغلب منهم لأنهم ينتحلون نحلتهم ~~وإن لم يكونوا متمسكين بجميع شرائعهم وقال الله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم فجعل الله تعالى من يتولى قوما منهم فهو في حكمهم ولذلك قال ابن عباس ~~في نصارى بني تغلب إنهم لو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم لقوله ~~تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم وذلك حين # قال علي رضي الله عنه إنهم لم يتعلقوا من النصرانية إلا بشرب الخمر # قال ابن عباس ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين جاءه ~~فقال له أما تقول إلا أن يقال لا إله إلا الله فقال إن لي دينا فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم أبا أعلم به منك ألست ركوسيا قال نعم قال ألست تأخذ ~~المرباع قال نعم قال فإن ذلك لا يحل لك في دينك # فنسبه إلى صنف من النصارى مع إخباره بأنه غير ms1849 متمسك به فأخذه المرباع وهو ~~ربع الغنيمة غير مباحة في دين النصارى فثبت بذلك أن انتحال بني تغلب لدين ~~النصارى يوجب أن يكون حكمهم حكمهم وأن يكونوا أهل كتاب وإذا كانوا من أهل ~~الكتاب وجب أخذ الجزية منهم والجزاء والجزية واحد وهو أخذ المال منهم عقوبة ~~وجزاء على إقامتهم على الكفر ولم يذكر في الآية لها مقدارا معلوما ومهما ~~أخذ منهم على هذا الوجه فإن اسم الجزية يتناوله وقد وردت أخبار متواترة عن ~~أئمة السلف في تضعيف الصدقة في أموالهم على ما يأخذ من المسلمين وهو قول ~~أهل العراق وأبي حنيفة وأصحابه والثوري وهو قول الشافعي وقال مالك في ~~النصراني إذا أعتقه المسلم فلا جزية عليه ولو جعلت عليه الجزية لكان العتق ~~قد أضربه ولم ينفعه شيئا ولا تحفظ عن مالك في بني تغلب شيئا وروى يحيى بن ~~آدم قال حدثنا عبد السلام عن أبي إسحاق الشيباني عن السفاح عن داود بن ~~كردوس عن عمارة بن النعمان أنه قال لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين إن بني ~~تغلب قد علمت شوكتهم وأنهم بإزاء العدو فإن ظاهروا عليك العدو اشتدت مؤنتهم ~~فإن رأيت أن تعطيهم شيئا فافعل فصالحهم على أن لا يقسموا أولادهم في ~~النصرانية وتضاعف عليهم الصدقة قال وكان عمارة يقول قد فعلوا فلا عهد لهم ~~وهذا # PageV04P286 # خبر مستفيض عند أهل الكوفة وقد وردت به الرواية والنقل الشائع عملا وهو ~~مثل أخذ الجزية من أهل السواد على الطبقات الثلاث ووضع الخراج على الأرضين ~~ونحوها من العقود التي عقدها على كافة الأمة فلم يختلفوا في نفاذها وجوازها # وقد روي عن علي أنه قال لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ~~ولأسبين الذرية وذلك أني كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا ينصروا أولادهم # ولم يخالف عمر في ذلك أحد من الصحابة فانعقد به إجماعهم وثبت به اتفاقهم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى ms1850 بذمتهم أدناهم ويعتقد عليهم أو لهم # ومعناه والله يعلم جواز عقود أئمة العدل على الأمة فإن قيل أمر الله بأخذ ~~الجزية منهم فلا يجوز لنا الاقتصار بهم على أخذ الصدقة منهم وإعفاؤهم من ~~الجزية قيل له الجزية ليس لها مقدار معلوم فيما يقتضيه ظاهر لفظها وإنما هي ~~جزاء وعقوبة على إقامتهم على الكفر والجزاء لا يختص بمقدار دون غيره ولا ~~بنوع من المال دون ما سواه والمأخوذ من بني تغلب هو عندنا جزية ليست بصدقة ~~وتوضع موضع الفيء لأنه لا صدقة لهم إذ كان سبيل الصدقة وقوعها على وجه ~~القربة ولا قربة لهم وقد قال بنو تغلب نؤدي الصدقة ومضاعفة ولا نقبل أداء ~~الجزية فقال عمر هو عندنا جزية وسموها أنتم ما شئتم فأخبر عمر أنها جزية ~~وإن كانت حقا مأخوذا من مواشيهم وزرعهم فإن قيل لو كانت جزية لما أخذت من ~~نسائهم لأن النساء لا جزية عليهن قيل له يجوز أخذ الجزية من النساء على وجه ~~الصلح كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بعض أمرائه على بعض بلدان اليمن ~~أن يأخذ من كل حالم أو حالمة دينارا أو عدله من المعافر # وقال أصحابنا تؤخذ من موالي بنى تغلب إذا كانوا كفارا الجزية ولا تضاعف ~~عليهم الحقوق في أموالهم لأن عمر إنما صالح بني تغلب على ذلك ولم يذكر فيه ~~الموالي فمواليهم باقون على حكم سائر أهل الذمة في أخذ جزية الرءوس منهم ~~على الطبقات المعلومة وليس بواجب أن يكونوا في حكم مواليهم كما أن المسلم ~~إذا أعتق عبدا نصرنيا لا يكون في حكم مولاه في باب سقوط الجزية عنه فإن قيل # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موالي القوم من أنفسهم # قيل له مراده أنه منهم في الانتساب إليهم نحو مولى بني هاشم يسمى هاشميا ~~ومولى بني تميم يسمى تميميا وفي النصرة والعقل كما يعقل عنه ذوى الأنساب ~~فهذا معنى قوله موالي القوم منهم ولا دلالة فيه على أن حكمه # PageV04P287 # حكمهم في إيجاب الجزية ms1851 وسقوطها وأما شرط عمر عليهم أن لا يغمسوا أولادهم ~~في النصرانية فإنه # قد روي في بعض الأخبار أنه شرط أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية إذا ~~أرادوا الإسلام # فإنما شرط عليهم بذلك أنه ليس لهم أن يمنعوا أولادهم الإسلام إذا أرادوه # وقد حدثنا مكرم بن أحمد بن مكرم قال حدثنا أحمد بن عطية الكوفي قال سمعت ~~أبا عبيد يقول كنا مع محمد بن الحسن إذ أقبل الرشيد فقام الناس كلهم إلا ~~محمد بن الحسن فإنه لم يقم وكان الحسن بن زياد معتل القلب على محمد بن ~~الحسن فقام ودخل ودخل الناس من أصحاب الخليفة فأمهل الرشيد يسيرا ثم خرج ~~الإذن فقام محمد بن الحسن فجزع أصحابه له فأدخل فأمهل ثم خرج طيب النفس ~~مسرورا قال قال لي مالك لم تقم مع الناس قال كرهت أن أخرج عن الطبقة التي ~~جعلتني فيها إنك أهلتني للعلم فكرهت أن أخرج إلى طبقة الخدمة التي هي خارجة ~~منه وإن ابن عمك صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يميل له الرجال قياما ~~فليتبوأ مقعده من النار وإنه إنما أراد بذلك العلماء فمن قام بحق الخدمة ~~وإعزاز الملك فهو هبة للعدو ومن قعد اتباعا للسنة التي عنكم أخذت فهو زين ~~لكم قال صدقت يا محمد # ثم شاورني فقال إن عمر بن الخطاب صالح بني تغلب على أن لا ينصروا أولادهم ~~وقد نصروا أبناءهم وحلت بذلك دماءهم فما ترى قال قلت إن عمر أمرهم بذلك وقد ~~نصروا أولادهم بعد عمر واحتمل ذلك عثمان وابن عمك وكان من العلم بما لا خفا ~~به عليك وجرت بذلك السنن فهم أصلح من الخلفاء بعده ولا شيء يلحقك في ذلك ~~وقد كشفت لك العلم ورأيك أعلى قال لا ولكنا نجريه على ما أجروه إن شاء الله ~~إن الله جل اسمه أمر نبيه بالمشهور تمام المائة التي جعلها الله له فكان ~~يشاور في أمره فيأتيه جبريل بتوفيق الله ولكن عليك بالدعاء لمن ولاه الله ~~أمرك ومر أصحابك بذلك وقد أمرت ms1852 لك بشيء تفرقه على أصحابك قال فخرج له مال ~~كثير ففرقه قال أبو بكر فهذا الذي ذكره محمد في إقرار الخلفاء بني تغلب على ~~ما هم عليه من صبغهم أولادهم في النصرانية حجة في تركهم على ما هم عليه ~~وأنهم بمنزلة سائر النصارى فلا تخلوا مصالحة عمر إياهم أن لا يصبغوا ~~أولادهم في النصرانية من أحد معنيين إما أن يكون مراده وأن لا يكرهوهم على ~~الكفر إذا أرادوا الإسلام وأن ينشئوهم على الكفر من صغرهم فإن أراد الأول ~~فإنه لم يثبت أنهم منعوا أحدا من أولادهم التابعين من الإسلام وأكرهوهم على ~~الكفر فيصيروا به ناقضين للعهد وخالعين للذمة وإن كان المراد # PageV04P288 # الوجه الثاني فإن عليا وعثمان لم يعترضوا عليهم ولم يقتلوهم وأما قول ~~مالك في العبد النصراني إذا أعتقه المسلم أنه لا جزية عليه فترك لظاهر ~~الآية بغير دلالة إذ لا فرق بين من أعتقه مسلم وبين سائر الكفار الذين لم ~~يعتقوا وأما قوله لو جعلت عليه الجزية لكان العتق قد أضربه ولم ينفعه شيئا ~~فليس كذلك لأنه في حال الرق إنما لم تلزمه الجزية لأن ماله لمولاه والمولى ~~المسلم لا يجوز أخذ الجزية منه والجزية إنما تؤخذ من مال الكفار عقوبة لهم ~~على إقامتهم على الكفر والعبد لا مال له فتؤخذ منه فإذا عتق وملك المال ~~وجبت الجزية وأخذنا الجزية منه لم يسلبه منافع العتق في جواز التصرف على ~~نفسه وزوال ملك المولى وأمره عنه وتمليكه سائر أمواله وإنما الجزية جزء ~~يسير من ماله قد حقن بها دمه فمنفعة العتق حاصلة له. ### | باب من تؤخذ منه الجزية # قال الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله- إلى قوله- حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ~~فكان معقولا من فحوى الآية ومضمونها أن الجزية مأخوذة ممن كان منهم من أهل ~~القتال لاستحالة الخطاب بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال إذ القتال لا ~~يكون إلا بين اثنين ويكون كل واحد منهما مقاتلا لصاحبه وإذا ms1853 كان كذلك ثبت ~~أن الجزية مأخوذة ممن كان من أهل القتال ومن يمكنه أداؤه من المحترفين ~~ولذلك قال أصحابنا إن من لم يكن من أهل القتال فلا جزية عليه فقالوا من كان ~~أعمى أو زمنا أو مفلوجا أو شيخا كبيرا فانيا وهو موسر فلا جزية عليه وهو ~~قولهم جميعا في الرواية المشهورة وروي عن أبي يوسف في الأعمى والزمن والشيخ ~~الكبير أن عليهم الجزية إذا كانوا موسرين وروي عنه مثل قول أبي حنيفة وروى ~~ابن رستم عن محمد في نوادره قال قلت أرأيت أهل الذمة من بني تغلب وغيرهم ~~ليس لهم حرفة ولا مال ولا يقدرون على شيء قال لا شيء عليهم قال محمد وإنما ~~يوضع الخراج على الغني والمعتمل منهم وقال محمد في النصراني يكتسب ولا يفضل ~~له شيء عن عياله إنه لا يؤخذ بخراج رأسه وقالوا في أصحاب الصوامع والسياحين ~~إذا كانوا لا يخالطون الناس فعليهم الجزية وكذلك النساء والصبيان لا جزية ~~عليهم إذ ليسوا من أهل # PageV04P289 # القتال وروى أيوب وغيره عن نافع عن أسلم قال كتب عمر إلى أمراء الجيوش أن ~~لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ولا يقتلوا النساء والصبيان ولا يقتلوا إلا من ~~جرت عليه المواسي وكتب إلى أمراء الأجناد أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على ~~النساء والصبيان ولا يضربوها إلا على من جرت عليه المواسي # وروى عاصم عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله من ~~المعافر # وأما مقدار الجزية قال الله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فلم ~~تكن في ظاهر الآية دلالة على مقدار منها بعينه وقد اختلف الفقهاء في ~~مقدارها فقال أصحابنا على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما وعلى الوسط ~~أربعة وعشرون درهما وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهما وهو قول الحسن بن ~~صالح وقال مالك أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق ~~الغني والفقير سواء لا ms1854 يزاد ولا ينقص وقال الشافعي دينار على الغني والفقير ~~وروى أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال بعث عمر بن الخطاب عثمان بن حنيف فوضع ~~على أهل السواد الخراج ثمانية وأربعين درهما وأربعة وعشرين درهما واثني عشر ~~درهما وروى الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن عمرو بن ميمون قال بعث عمر بن ~~الخطاب حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة وبعث عثمان بن حنيف على ما دون ~~دجلة فأتياه فسألهما كيف وضعتما على أهل الأرض قالا وضعنا على كل رجل أربعة ~~دراهم في كل شهر قال ومن يطيق هذا قالا إن لهم فضولا فذكر عمرو بن ميمون ~~ثمانية وأربعون درهما ولم يفصل الطبقات وذكر حارثة بن مضرب تفصيل الطبقات ~~الثلاث فالواجب أن يحمل ما في حديث عمرو بن ميمون على أن مراده أكثر ما وضع ~~من الجزية وهو ما على الطبقة العليا دون الوسطى والسفلى وروى مالك عن نافع ~~عن أسلم أن عمر ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق ~~أربعين درهما مع أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام وهذا نحو رواية عمر بن ~~ميمون لأن أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام مع الأربعين يفي ثمانية ~~وأربعون درهما فكان الخبر الذي فيه تفصيل الطبقات الثلاث أولى بالاستعمال ~~لما فيه من الزيادة وبيان حكم كل طبقة ولأن من وضعها على الطبقات فهو قائل ~~بخبر الثمانية والأربعين ومن اقتصر على الثمانية والأربعين فهو تارك للخبر ~~الذي فيه ذكر تمييز الطبقات وتخصيص كل واحد بمقدار منها واحتج من قال # PageV04P290 # بدينار على الغنى والفقير بما # روى معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن أمره أن ~~يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر # وهذا عندنا فيما كان منه على وجه الصلح أو يكون ذلك جزية الفقراء منهم ~~وذلك عندنا جائز والدليل عليه ما # روى في بعض أخبار معاد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل ~~حالم أو حالمة دينارا # ولا خلاف أن المرأة ms1855 لا تأخذ منها الجزية إلا أن يقع الصلح عليه # وروى أبو عبيد عن جرير عن منصور عن الحكم قال كتب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى معاذ وهو باليمن إن في الحالم والحالمة دينارا أو عدله من ~~المعافر # قال أبو عبيد وحدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود ~~عن عروة بن الزبير قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن إنه ~~من كان على يهودية أو نصرانية فإنه لا ينقل عنها وعليه الجزية وعلى كل حالم ~~ذكر أو أنثى عبد أو أمة دينار أو قيمته من المعافر # ويدل على أن الجزية على الطبقات الثلاث أن خراج الأرضين جعل على مقدار ~~الطاقة واختلف بحسب اختلافها في الأرض وغلتها فجعل على بعضها قفيزا ودرهما ~~وعلى بعضها خمسة دراهم وعلى بعضها عشرة دراهم فوجب على ذلك أن يكون كذلك ~~حكم خراج الرءوس على قدر الإمكان والطاقة ويدل على ذلك قول عمر لحذيفة ~~وعثمان بن حنيف لعلكما حملتما أهل الأرض ما لا يطيقون فقالا بل تركنا لهم ~~فضلا وهذا يدل على أن الاعتبار بمقدار الطاقة وذلك يوجب اعتبار حالي ~~الإعسار واليسار وذكر يحيى ابن آدم أن الجزية على مقدار الاحتمال بغير ~~توقيت وهو خلاف الإجماع وحكي عن الحسن بن صالح أنه لا تجوز الزيادة في ~~الجزية على وظيفة عمر ويجوز النقصان على حسب الطاقة وقد روى الحكم عن عمرو ~~بن ميمون أنه شهد عمر يقول لعثمان بن حنيف والله لئن وضعت على كل جريب من ~~الأرض قفيزا ودرهما وعلى كل رأس درهمين لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم قال ~~وكانت ثمانية وأربعين فجعلها خمسين واحتج من قال بجواز الزيادة بهذا الحديث ~~وهذا ليس بمشهور ولم تثبت به رواية واحتجوا أيضا بما روى أبو اليمان عن ~~صفوان بن عمرو عن عمر بن عبد العزيز أنه فرض على رهبان الديارات على كل ~~راهب دينارين وهذا عندنا على أنه ذاهب من الطبقة الوسطى فأوجب ذلك عليهم ~~على ما ms1856 رأى من احتمالهم له كما روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال ~~سألت مجاهدا لم وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضع على أهل ~~اليمن قال لليسار. # PageV04P291 ### | في تمييز الطبقات # قال أبو يوسف في كتاب الخراج تؤخذ منهم على الطبقات على ما وصفت ثمانية ~~وأربعين على الموسر مثل الصيرفي والبزاز وصاحب الصنعة والتاجر والمعالج ~~والطبيب وكل من كان في يده منهم صنعة وتجارة يحترف بها أخذ من أهل كل صناعة ~~وتجارة على قدر صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون على الموسر وأربعة وعشرون ~~من المتوسط من احتملت صناعته ثمانية وأربعون أخذ منه ذلك ومن احتملت أربعة ~~وعشرين أخذ ذلك منه واثنا عشر على العامل بيده مثل الخياط والصباغ والجزار ~~والإسكاف ومن أشبههم فلم يعتبر الملك واعتبر الصنعات والتجارات على ما جرت ~~به عادة الناس في الموسر والمعسر منهم وذكر علي بن موسى القمي من غير أن ~~عزى ذلك إلى أحد من أصحابنا أن الطبقة الأولى من يحترف وليس له ما يجب في ~~مثله الزكاة على المسلمين وهم الفقراء المحترفون فمن كان له أقل من مائتي ~~درهم فهم من أهل هذه الطبقة قال والطبقة الثانية أن يبلغ مال الرجل مائتي ~~درهم فما زاد إلى أربعة آلاف درهم لأن من له مائتا درهم غني تجب عليه ~~الزكاة لو كان مسلما فهو خارج عن طبقة الفقراء قال وإنما أخذنا اعتبار ~~الأربعة الآلاف من قول علي رضي الله عنه وابن عمر أربعة آلاف فما دونها ~~نفقة وما فوق ذلك فهو كثير قال وقد يجوز أن تجعل الطبقة الثانية من ملك ~~مائتي درهم إلى عشرة آلاف درهم وما زاد على ذلك فهو من الطبقة الثالثة لما # روى حماد بن سلمة عن طلحة بن عبد الله بن كريز عن أبي الضيف عن أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ترك عشرة آلاف درهم جعلت صفائح يعذب ~~بها يوم القيامة # وهذا الذي ذكره علي بن موسى القمي هو اجتهاد يسوغ القول ms1857 به لمن غلب في ~~ظنه صوابه وقوله تعالى عن يد قال قتادة عن قهر كأنه ذهب في اليد إلى القوة ~~والقدرة والاستعلاء فكأنه قال على استعلاء منكم عليهم وقهرهم وقيل عن يد ~~يعني عن يد الكافر وإنما ذكر اليد ليفارق حال الغضب لأنه يعطيها بيده راضيا ~~بها حاقنا بها دمه فكأنه قال حتى يعطيها وهو راض بها ويحتمل عن يد عن نعمة ~~فيكون تقديره حتى يعطوا الجزية عن اعتراف منهم بالنعمة فيها بقبولها منهم ~~وقال بعضهم عن يد يعني عن نقد من قولهم يدا بيد وقال أبو عبيدة معمر بن ~~المثنى كل من أطاع لقاهر بشيء أعطاه عن طيب نفس وقهر له من يد في يده فقد ~~أعطاه عن يد قال والصاغر الذليل الحقير وقوله وهم صاغرون قال ابن عباس ~~يمشون # PageV04P292 # بها ملببين وقال سلمان مذمومين غير محمودين وقيل إنما كان صغارا لأنها ~~مستحقة عليهم يؤخذون بها ولا يثابون عليها وقال عكرمة الصغار إعطاء الجزية ~~قائما والآخذ جالس وقيل الصغار الذل ويجوز أن يكون المراد به الذلة التي ~~ضربها الله عليهم بقوله ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس والحبل الذمة التي عهدها الله لهم وأمر المسلمين بها فيهم ~~وروى عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب أنه كان يستحب أن يتعب الأنباط ~~في الجزية إذا أخذت منهم قال أبو بكر ولم يرد بذلك تعذيبهم ولا تكليفهم فوق ~~طاقتهم وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذ لا لهم # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسحاق بن الحسن حدثنا أبو حذيفة قال ~~حدثنا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدءوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا مطير قال حدثنا يوسف الصفار قال حدثنا أبو ~~بكر ابن عياش عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تصافحوا اليهود والنصارى # فهذا ms1858 كله من الصغار الذي ألبس الله الكفار بكفرهم ونحوه قوله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية وقال لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم فنهى في هذه ~~الآيات عن موالاة الكفار وإكرامهم وأمر بإهانتهم وإذ لا لهم ونهى عن ~~الاستعانة بهم في أمور المسلمين لما فيه من العز وعلو اليد وكذلك كتب عمر ~~إلى أبي موسى ينهاه أن يستعين بأحد من أهل الشرك في كتابته وتلا قوله تعالى ~~لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا وقال لا تردوهم إلى العز بعد ~~إذلالهم الله وقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قد اقتضى وجوب ~~قتلهم إلى أن تؤخذ منهم الجزية على وجه الصغار والذلة فغير جائز على هذه ~~القضية أن تكون لهم ذمة إذا تسلطوا على المسلمين بالولايات ونفاذ الأمر ~~والنهي إذ كان الله إنما جعل لهم الذمة وحقن دماءهم بإعطاء الجزية وكونهم ~~صاغرين فواجب على هذا قتل من تسلط على المسلمين بالغصوب وأخذ الضرائب ~~والظلم سواء كان السلطان ولاه ذلك أو فعله بغير أمر السلطان وهذا يدل على ~~أن هؤلاء النصارى الذين يتولون أعمال السلطان وظهر منهم ظلم واستعلاء على ~~المسلمين وأخذ الضرائب لا ذمة لهم وأن دماءهم مباحة وإن كان آخذ الضرائب ~~ممن ينتحل الإسلام والقعود على المراصيد لأخذ أموال # PageV04P293 # الناس يوجب إباحة دمائهم إذ كانوا بمنزلة قطاع الطريق ومن قصد إنسانا ~~لأخذ ماله فلا خلاف بين الفقهاء أن له قتله وكذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم من طلب ماله فقاتل فقتل فهو شهيد # وفي خبر آخر من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد ومن قتل ~~دون دمه فهو شهيد # فإذا كان هذا حكم من طلب أخذ مال غيره غصبا وهو ممن ينتحل الإسلام فالذمي ~~إذا فعل ذلك استحق القتل من وجهين أحدهما ما اقتضاه ظاهر الآية من وجوب ~~قتله والآخر قصده المسلم بأخذ ماله ظلما. ### | باب وقت وجوب ms1859 الجزية # قال الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله- إلى قوله- حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون فأوجب قتالهم وجعل إعطاء الجزية غاية لرفعه عنهم ~~لأن حتى غاية هذا حقيقة اللفظ والمفهوم من ظاهره ألا ترى أن قوله ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن قد حظر إباحة قربهن إلا بعد وجود طهرهن وكذلك المفهوم من ~~قول القائل لا تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار منع الإعطاء إلا بعد دخوله ~~فثبت بذلك أن الآية موجبة لقتال أهل الكتاب مزيلة ذلك عنهم بإعطاء الجزية ~~وهذا يدل على أن الجزية قد وجبت بعقد الذمة وكذلك كان يقول أبو الحسن ~~الكرخي وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف قال لا تؤخذ من الذمي الجزية حتى تدخل ~~السنة ويمضي شهران منها بعض ما عليه بشهرين ونحو ذلك يعامل في الجزية ~~بمنزلة الضريبة كلما كان يمضي شهران أو نحو ذلك أخذت منه قال أبو بكر يعني ~~بالضريبة الأجرة في الإجارات قال أبو يوسف ولا يؤخذ ذلك منه حين تدخل السنة ~~ولا يؤخذ ذلك منه حتى تتم السنة ولكن يعامل ذلك على سنته قال أبو بكر ذكره ~~للشهرين إنما هو توفية وهي واجبة بإقرارنا إياها على الذمة لما تضمنه ظاهر ~~الآية وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في الذمي يؤخذ منه ~~خراج رأسه في سنته مادام فيها فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه وهذا يدل من ~~قول أبي حنيفة على أنه رآها واجبة بعقد الذمة لهم وأن تأخيرها بعض السنة ~~إنما هو توفية للواجب وتوسعة ألا ترى أنه قال فإذا انقضت السنة لم يؤخذ منه ~~لأن دخول السنة الثانية يوجب جزية أخرى فإذا اجتمعتا سقطت إحداهما وعن أبي ~~يوسف ومحمد اجتماعهما لا يسقط إحداهما وجه قول أبي حنيفة أن الجزية واجبة ~~على وجه العقوبة لإقامتهم على الكفر مع # PageV04P294 # كونهم من أهل القتال وحق الأخذ فيها إلى الإمام فأشبهت الحدود إذ كانت ~~مستحقة في الأصل على وجه العقوبة وحق الأخذ إلى الإمام فلما كان اجتماع ~~الحدود من ms1860 جنس واحد يوجب الاقتصار على واحد منهما مثل أن يزني مرارا أو ~~يسرق مرارا ثم يرفع إلى الإمام فلا يجب إلا حد واحد بجميع الأفعال كذلك حكم ~~الجزية إذ كانت مستحقة على وجه العقوبة بل هي أخف أمرا وأضعف حالا من ~~الحدود لأنه لا خلاف بين أصحابنا أن إسلامه يسقطها ولا تسقط الحدود ~~بالإسلام فإن قيل لما كان ذلك دينا وحقا في مال المسلمين لم يسقطه اجتماعه ~~كالديون وخراج الأرضين قيل له خراج الأرضين ليس بصغار ولا عقوبة والدليل ~~عليه أنه يؤخذ من المسلمين والجزية لا تؤخذ من مسلم وقد روي نحو قول أبي ~~حنيفة عن طاوس وروى ابن جريج عن سليمان الأحول عن طاوس قال إذا تداركت ~~صدقات فلا تؤخذ الأولى كالجزية وقد اختلف الفقهاء في الذمي إذا أسلم وقد ~~وجبت عليه جزية هل يؤخذ بها فقال أصحابنا لا يؤخذ وهو قول مالك وعبيد الله ~~بن الحسن وقال ابن شبرمة والشافعي إذا أسلم في بعض السنة أخذ منه بحساب ذلك ~~والدليل على أن الإسلام يسقط ما وجب من الجزية قوله تعالى قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله- إلى قوله- حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فانتظمت هذه ~~الآية الدلالة من وجهين على صحة ما قلنا أحدهما الأمر بأخذ الجزية ممن يجب ~~قتاله لإقامته على الكفر إن لم يؤدها ومتى أسلم لم يجب قتاله فلا جزية عليه ~~والوجه الثاني قوله تعالى عن يد وهم صاغرون فأمر بأخذها منهم على وجه ~~الصغار والذلة وهذا المعنى معدوم بعد الإسلام إذ غير ممكن أخذها على هذا ~~الوجه ومتى أخذناها على غير هذا الوجه لم تكن جزية لأن الجزية هي ما أخذ ~~على وجه الصغار وقد روى الثوري عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ~~قال # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على مسلم جزية # فنفى صلى الله عليه وسلم أخذها من المسلم ولم يفرق بين ما وجب عليه في ~~حال الكفر وبين ما لم يجب بعد الإسلام فوجب بظاهر ذلك ms1861 إسقاط الجزية عنه ~~بالإسلام ويدل على سقوطها أن الجزية والجزاء واحد ومعناه جزاء الإقامة على ~~الكفر ممن كان من أهل القتال فمتى أسلم سقط عنه بالإسلام المجازاة على ~~الكفر إذ غير جائز عقاب التائب في حال المهلة وبقاء التكليف ولهذا الاعتبار ~~أسقطها أصحابنا بالموت لفوات أخذها منه على وجه الصغار بعد موته فلا يكون ~~ما يأخذه جزية وعلى هذا قالوا فيمن وجبت # PageV04P295 # عليه زكاة ماله ومواشيه فمات إنها تسقط ولا يأخذها الإمام منه لأن سبيل ~~أخذها وموضوعها في الأصل سبيل العبادات يسقطها الموت وقالوا فيمن وجبت عليه ~~نفقة امرأته بفرض القاضي فمات أو ماتت إنها تسقط لأن موضوعها عندهم موضوع ~~الصلة إذ ليست بدلا عن شيء ومعنى الصلة لا يتأتى بعد الموت فأسقطوها لهذه ~~العلة فإن قيل الحدود واجبة على وجه العقوبة والتوبة لا تسقطها وكذلك لو أن ~~ذميا أسلم وقد زنى أو سرق في حال كفره لم يكن إسلامه وتوبته مسقطين لحده ~~وإن كان وجوب الحد في الأصل على وجه العقوبة والتائب لا يستحق العقاب على ~~فعل قد صحت منه توبته قيل له أما الحد الذي كان واجبا على وجه العقوبة فقد ~~سقط بالتوبة وما توجبه بعدها ليس هو الحد المستحق على وجه العقوبة بل هو حج ~~واجب على وجه المحنة بدلالة قامت لنا على وجوبه غير الدلالة الموجبة للحد ~~الأول على وجه العقوبة فإن قامت دلالة على وجوب أخذ المال منه بعد إسلامه ~~لا على وجه الجزية والعقوبة لما نأب إيجابه إلا أنه لا يكون جزية لأن اسم ~~الجزية يتضمن كونها عقوبة وأنت فإنما تزعم أنه تؤخذ منه الجزية بعد إسلامه ~~فإن اعترفت بأن المأخوذ منه غير جزية وأن الجزية التي كانت واجبة قد سقطت ~~وإنما يجب مال آخر غير الجزية فإنما أنت رجل سمتنا إيجاب مال على مسلم من ~~غير سبب يقتضي إيجابه وهذا لا نسلم لك به إلا بدلالة وقد روى المسعودي عن ~~محمد بن عبد الله الثقفي أن دهقانا أسلم فقام إلى علي رضي الله ms1862 عنه فقال له ~~علي أما أنت فلا جزية عليك وأما أرضك فلنا وفي لفظ آخر إن تحولت عنها فنحن ~~أحق بها وروى معمر عن أيوب عن محمد قال أسلم رجل فأخذ بالخراج وقيل له إنك ~~متعود بالإسلام فقال إن في الإسلام لمعاذا إن فعلت فقال عمر أجل والله إن ~~في الإسلام معاذا إن فعل فرفع عنه الجزية وروى حماد ابن سلمة عن حميد قال ~~كتب عمر بن عبد العزيز من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتن فلا تأخذوا ~~منه الجزية فلم يفرق هؤلاء السلف بين الجزية الواجبة قبل الإسلام وبين حاله ~~بعد الإسلام في نفيها عن كل مسلم وقد كان آل مروان يأخذون الجزية ممن أسلم ~~من أهل الذمة ويذهبون إلى أن الجزية بمنزلة ضريبة العبد فلا يسقط إسلام ~~العبد ضريبته وهذا خلل في جنب ما ارتكبوه من المسلمين ونقض الإسلام عروة ~~عروة إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز فكتب إلى عامله بالعراق عبد الحميد بن ~~عبد الرحمن أما بعد فإن الله # PageV04P296 # بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا ولم يبعثه جابيا فإذا أتاك كتابي هذا ~~فارفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فلما ولي هشام بن عبد الملك أعادها على ~~المسلمين وكان أحد الأسباب التي لها استجاز القراء والفقهاء قتال عبد الملك ~~بن مروان والحجاج لعنهما الله أخذهم الجزية من المسلمين ثم صار ذلك أيضا ~~أحد أسباب زوال دولتهم وسلب نعمتهم وروى عبد الله بن صالح قال حدثنا حرملة ~~بن عمران عن يزيد بن أبي حبيب قال أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث ~~خصال قتلهم عثمان وإحراقهم الكعبة وأخذهم الجزية من المسلمين وأما قولهم إن ~~الجزية بمنزلة ضريبة العبد فليس ببدع هذا من جهلهم إذ قد جهلوا من أمور ~~الإسلام ما هو أعظم منه وذلك لأن أهل الذمة ليسوا عبيدا ولو كانوا عبيدا ~~لما زال عنهم الرق بإسلامهم لأن إسلام العبد لا يزيل رقه وإنما الجزية ~~عقوبة عوقبوا بها لإقامتهم على الكفر فمتى أسلموا لم يجز أن ms1863 يعاقبوا بأخذها ~~منهم ألا ترى أن العبد النصراني لا تؤخذ منه الجزية فلو كان أهل الذمة ~~عبيدا لما أخذ منهم الجزية ### | في خراج الأرض هل هو جزية # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في خراج الأرضين هل هو صغار وهل يكره للمسلم ~~أن يملك أرض الخراج فروي عن ابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين كراهته ~~ورواه داخلا في آية الجزية وهو قول الحسن بن حي وشريك وقال آخرون الجزية ~~إنما هي خراج الرءوس ولا يكره للمسلم أن يشتري أرض خراج وليس ذلك بصغار وهو ~~قول أصحابنا وابن أبي ليلى وروي عن عبد الله بن مسعود ما يدل على أنه لم ~~يكرهه وهو ما # روى شعبة عن الأعمش عن شمر بن عطية عن رجل من طيئ عن أبيه عن عبد الله بن ~~مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في ~~الدنيا # قال عبد الله وبراذان ما براذان وبالمدينة ما بالمدينة يعني أن له ضيعة ~~براذان وضيعة بالمدينة ومعلوم أن راذان من الأرض الخراج فلم يكره عبد الله ~~ملك أرض الخراج وروي عن عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك حين أسلمت إن ~~أقامت على أرضها أخذنا منها الخراج وروي أن ابن الرفيل أسلم فقال مثل ذلك # وعن علي في رجل من أهل الأرض أسلم فقال إن أقمت على أرضك أخذنا منك ~~الخراج وإلا فنحن أولى بها # وروي عن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد مثل ذلك # وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال منعت # PageV04P297 # العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مداها ودينارها ومنعت مصر إردبها ~~وعدتم كما بدأتم ثلاث مرات يشهد على ذلك لحم أبي هريرة رضى الله تعالى عنه ~~ودمه # وهذا يدل على أن خراج الأرض ليس بصغار من وجهين أحدهما أنه لم يكره لهم ~~ملك أرض الخراج التي عليها قفيز ودرهم ولو كان ذلك مكروها لذكره والثاني ~~أنه أخبر عن منعهم لحق ms1864 الله المفترض عليهم بالإسلام وهو معنى قوله عدتم كما ~~بدأتم يعني في منع حق الله فدل على أنه كسائر الحقوق اللازمة لله تعالى مثل ~~الزكوات والكفارات لا على وجه الصغار والذلة وأيضا لم يختلفوا أن الإسلام ~~يسقط جزية الرءوس ولا يسقط عن الأرض فلو كان صغارا لأسقطه الإسلام فإن قيل ~~لما كان خراج الأرضين فيا وكذلك جزية الرءوس دل على أنه صغار قيل له ليس ~~كذلك لأن من الفيء ما يصرف إلى الغانمين ومنه ما يصرف إلى الفقراء ~~والمساكين وهو الخمس وهذا كلام في الوجه الذي يصرف فيه وليس يوجب ذلك أن ~~يكون صغارا لأن الصغار في الفيء هو ما يبتدأ به الذي يجب عليه فأما ما قد ~~وجب في الأرض من الحق ثم ملكها مسلم فإن ملك المسلم له لا يزيله إذ كان ~~وجوبه فيها متقدم لملكه وهو حق لكافة المسلمين ولم تكن الجزية صغارا من حيث ~~كانت فيا وإنما كانت عقوبة وليس خراج الأرضين على وجه العقوبة ألا ترى أن ~~أرض الصبي والمعتوه يجب فيهما الخراج ولا تؤخذ منهما الجزية لأن الجزية ~~عقوبة وخراج الأرضين ليس كذلك. # (فصل) إن قال قائل من الملحدين كيف جاز إقرار الكفار على كفرهم بأداء ~~الجزية بدلا من الإسلام قيل له ليس أخذ الجزية منهم رضا بكفرهم ولا إباحة ~~لبقائهم على شركهم وإنما الجزية عقوبة لهم لإقامتهم على الكفر وتبقيتهم على ~~كفرهم بالجزية كهي لو تركناهم بغير جزية تؤخذ منهم إذ ليس في العقل إيجاب ~~قتلهم لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يبقي الله كافرا طرفة عين فإذا بقاهم ~~لعقوبة يعاقبهم بها مع التبقية استدعاء لهم إلى التوبة من كفرهم واستمالة ~~لهم إلى الإيمان لم يكن ممتنعا إمهاله إياهم إذ كان في علم الله أن منهم من ~~يؤمن ومنهم من يكون من نسله من يؤمن بالله فكان في ذلك أعظم المصلحة مع ما ~~للمسلمين فيها من المرفق والمنفعة فليس إذا في إقرارهم على الكفر وترك ~~قتلهم بغير جزية ما يوجب الرضا بكفرهم ms1865 ولا الإباحة لاعتقادهم وشركهم فكذلك ~~إمهالهم بالجزية جائز في العقل إذ ليس فيه أكثر من تعجيل بعض عقابهم ~~المستحق بكفرهم وهو ما يلحقهم من # PageV04P298 # الذل والصغار بأدائها # قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~قيل إنه أراد فرقة من اليهود قالت ذلك والدليل على ذلك أن اليهود قد سمعت ~~ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره وهو كقول القائل الخوارج ~~ترى الاستعراض وقتل الأطفال والمراد فرقة منهم لا جميعهم وكقولك جاءني بنو ~~تميم والمراد بعضهم قال ابن عباس قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك وهم سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن ~~قيس ومالك بن الصيف فأنزل الله تعالى هذه الآية وليس في اليهود من يقول ذلك ~~الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت قوله تعالى يضاهؤن ~~قول الذين كفروا من قبل يعني يشابهونهم ومنه امرأة ضهياء للتي لا تحيض ~~لأنها أشبهت الرجال من هذا الوجه فساوى المشركين الذين جعلوا الأصنام شركاء ~~لله سبحانه وتعالى لأن هؤلاء جعلوا المسيح وعزيزا اللذين هما خلقان لله ~~ولدين له وشريكين كما جعل أولئك الأصنام المخلوقة شركاء لله تعالى قال ابن ~~عباس الذين كفروا من قبل يعني به عبدة الأوثان الذين عبدوا اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى وقيل إنهم يضاهئونهم لأن أولئك قالوا الملائكة بنات ~~الله وقال هؤلاء عزيز ومسيح ابنا الله وقيل يضاهئونهم في تقليد أسلافهم ~~وقوله تعالى ذلك قولهم بأفواههم يعني أنه لا يرجع إلى معنى صحيح ولا حقيقة ~~له ولا محصول أكثر من وجوده في أفواههم وقوله قاتلهم الله قال ابن عباس ~~لعنهم الله وقيل إن معناه قتلهم الله كقولهم عافاه الله أي أعفاه الله من ~~السوء وقيل إنه جعل كالقاتل لغيره في عداوة الله عز وجل # قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ~~قيل إن الحبر العالم الذي صناعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها يقال ms1866 فيه ~~حبر وحبير والراهب الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية يقال راهب ورهبان وقد ~~صار مستعملا في متنسكي النصارى وقوله أربابا من دون الله قيل فيه وجهان ~~أحدهما أنهم كانوا إذا حرموا عليهم شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا استحلوه # وروي في حديث عدي بن حاتم لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال فتلا ~~النبي صلى الله عليه وسلم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال ~~قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم قال أليس كانوا إذا حرموا عليهم ~~شيئا حرموه وإذا أحلوا لهم شيئا أحلوه قال قلت نعم قال فتلك عبادتهم إياهم # ولما كان التحليل والتحريم لا يجوز إلا من جهة العالم # PageV04P299 # بالمصالح ثم قلدوا أحبارهم هؤلاء أحبارهم ورهبانهم في التحليل والتحريم ~~وقبلوه منهم وتركوا أمر الله تعالى فيما حرم وحلل صاروا متخذين لهم أربابا ~~إذ نزلوهم في قبول ذلك منهم منزلة الأرباب وقيل إن معناه أنهم عظموهم ~~كتعظيم الرب لأنهم يسجدون لهم إذا رأوهم وهذا الضرب من التعظيم لا يستحقه ~~غير الله تعالى فلما فعلوا ذلك فهم كانوا متخذين لهم أربابا # قوله تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~فيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بنصرهم وإظهار دينهم على ~~سائر الأديان وهو إعلاؤه بالحجة والغلبة وقهر أمته لسائر الأمم وقد وجد ~~مخبره على ما أخبر به بظهور أمته وعلوها على سائر الأمم المخالفة لدين ~~الإسلام وفيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن ~~القرآن كلام الله ومن عنده وذلك لأن مثله لا يتفق للمتخرصين والكذابين مع ~~كثرة ما في القرآن من الأخبار عن الغيوب إذ لا يعلم الغيب إلا الله فهو إذا ~~كلامه وخبره ولا ينزل الله كلامه إلا على رسوله # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون ~~أموال الناس بالباطل أكل المال بالباطل هو تملكه من الجهة المحظورة وروي عن ~~الحسن أنهم كانوا يأخذون الرشى في الحكم وذكر ms1867 الأكل والمراد وجوه المنافع ~~والتصرف إذ كان أعظم منافعه الأكل والشرب وهو كقوله تعالى لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل والمراد سائر وجوه المنافع وكقوله تعالى ولا تأكلوا ~~أموالهم- وإن الذين يأكلون أموال اليتامى قوله تعالى والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله الآية يقتضي ظاهره إيجاب إنفاق جميع ~~المال لأن الوعيد لا حق بتارك إنفاق الجميع لقوله ولا ينفقونها ولم يقل ولا ~~ينفقون منها فإن قيل لو كان المراد الجميع لقال ولا ينفقونهما قيل له لأن ~~الكلام رجع إلى مدلول عليه كأنه قال ولا ينفقون الكنوز والآخر أن يكتفى ~~بأحدهما عن الآخر للإيجاز كقوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # والمعنى راضون والدليل على أنه راجع إليهما جميعا أنه لو رجع إلى أحدهما ~~دون الآخر لبقي أحدهما عاريا من خبره فيكون كلاما منقطعا لا معنى له إذ كان ~~قوله والذين يكنزون الذهب والفضة مفتقرا إلى خبر ألا ترى أنه لا يجوز ~~الاقتصار عليه وقد روي في معنى # PageV04P300 # ظاهر الآية أخبار # روى موسى بن عبيدة قال حدثني عمران بن أبي أنس عن مالك بن أوس بن الحدثان ~~عن أبي ذر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الإبل صدقتها من جمع ~~دينارا أو درهما أو تبرا أو فضة لا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهي ~~كي يكوى بها يوم القيامة قال قلت انظر ما يجيء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإن هذه الأموال قد فشت في الناس فقال أما تقرأ القرآن والذين يكنزون ~~الذهب والفضة # الآية فاقتضى ظاهره أن في الإبل صدقتها لا جميعها وهي الصدقة المفروضة ~~وفي الذهب والفضة إخراج جميعهما وكذلك كان مذهب أبي ذر رحمة الله عليه أنه ~~لا يجوز ادخار الذهب والفضة # وروى محمد ابن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا ms1868 يمر علي ثلاثة وعندي منه شيء أن لا أجد ~~أحدا يقبله مني صدقة إلا أن أرصده لدين علي # فذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحب ذلك لنفسه واختار ~~إنفاقه ولم يذكر وعيد تارك إنفاقه # وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال توفي رجل من أهل الصفة فوجد ~~معه دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم كية وجائز أن يكون النبي صلى الله ~~عليه وسلم علم أنه أخذ الدينار من غير حله أو منعه من حقه أو سأله غيره ~~بإظهار الفاقة مع غناه عنه # كما # روي عنه صلى الله عليه وسلم من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم ~~فقلنا وما غناه يا رسول الله قال أن يكون عند أهله ما يغديهم ويعشيهم وكان ~~ذلك في وقت شدة الحاجة وضيق العيش ووجوب المواساة من بعضها لبعض # وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنها منسوخة بقوله تعالى خذ من أموالهم ~~صدقة تطهرهم # قال أبو بكر قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنقل المستفيض إيجابه ~~في مائتي درهم خمسة دراهم وفي عشرين دينارا نصف دينار كما أوجب فرائض ~~المواشي ولم يوجب الكل # فلو كان إخراج الكل واجبا من الذهب والفضة لما كان للتقدير وجه وأيضا # فقد كان في الصحابة قوم ذوو يسار ظاهر وأموال جمة مثل عثمان وعبد الرحمن ~~بن عوف وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منهم فلم يأمرهم بإخراج الجميع # فثبت أن إخراج الجميع الذهب والفضة غير واجب وأن المفروض إخراجه هو ~~الزكاة إلا أن تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء نحو الجائع المضطر والعاري ~~المضطر أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه # وقد روى شريك عن أبي حمزة عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال في المال حق سوى الزكاة وتلا قوله تعالى ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم قبل # PageV04P301 # المشرق والمغرب # الآية وقوله تعالى ولا ينفقونها في سبيل الله ms1869 يحتمل أن يريد به ولا ~~ينفقون منها فحذف من وهو يريدها وقد بينه بقوله خذ من أموالهم صدقة فأمر ~~بأخذ بعض المال لا جميعه وليس في ذلك ما يوجب نسخ الأول إذ جائز أن يكون ~~مراده ولا ينفقون منها وأما الكنز فهو في اللغة كبس الشيء بعضه على بعض قال ~~الهذلي: # لا در دري إن أطعمت نازلكم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز # ويقال كنزت التمر إذا كبسته في القوصرة وهو في الشرع لما لم يؤد زكاته ~~وروي عن عمر وابن عباس وابن عمر والحسن وعامر والسدي قالوا ما لم يؤد زكاته ~~فهو كنز فمنهم من قال وإن كان ظاهرا وما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان ~~مدفونا ومعلوم أن أسماء الشرع لا تؤخذ إلا توقيفا فثبت أن الكنز اسم لما لم ~~يؤد زكاته المفروضة وإذا كان كذلك كان تقدير قوله والذين يكنزون الذهب ~~والفضة الذين لا يؤدون زكاة الذهب والفضة ولا ينفقونها يعني الزكاة في سبيل ~~الله فلم تقتض الآية إلا وجوب الزكاة فحسب # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة ~~حدثنا يحيى بن يعلى المحاربي حدثنا أبي حدثنا غيلان عن جعفر بن إياس عن ~~مجاهد عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية والذين يكنزون الذهب والفضة كبر ~~ذلك على المسلمين فقال عمر أنا أفرج عنكم فانطلق فقال يا نبي الله إنه كبر ~~على أصحابك هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لم يفرض ~~الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم ~~قال فكبر عمر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير ما يكنز ~~المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها ~~حفظته # فأخبر في هذا الحديث أن المراد إنفاق بعض المال لا جميعه وأن قوله والذين ~~يكنزون المراد به منع الزكاة # وروى ابن لهيعة قال حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ms1870 قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك # فأخبر في هذا الحديث أيضا أن الحق الواجب في المال هو الزكاة # وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه ~~فيحمى به جنبه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده # فأخبر في هذا الحديث أن الحق الواجب في الكنز هو الزكاة دون غيره وأنه لا ~~يجب جميعه وقوله فيحمى بها جنبه وجبهته يدل على أنه أراد معنى قوله # PageV04P302 # والذين يكنزون الذهب والفضة- إلى # قوله- فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم يعني لم ~~تؤدوا زكاته # وحدثنا عبد الباقي حدثنا بشر بن موسى حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد ~~العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الذي لا يؤدي زكاته يمثل له شجاع أقرع له ~~زبيبتان يلزمه أو يطوقه فيقول أنا كنزك أنا كنزك # فأخبر أن المال الذي لا تؤدى زكاته هو الكنز ولما ثبت بما وصفنا أن قوله ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله مراده منع الزكاة ~~أوجب عمومه إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة إذ كان الله إنما علق الحكم ~~فيهما بالاسم فاقتضى إيجاب الزكاة فيهما بوجود الاسم دون الصنعة فمن كان ~~عنده ذهب مصوغ أو مضروب أو تبر أو فضة كذلك فعليه زكاته بعموم اللفظ ويدل ~~أيضا على وجوب ضم الذهب إلى الفضة لإيجابه الحق فيهما مجموعين في قوله ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وقد اختلف الفقهاء ~~في زكاة الحلي فأوجب أصحابنا فيه الزكاة وروى مثله عن عمرو ابن مسعود رواه ~~سفيان الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود وروي عن جابر وابن ~~عمر وعائشة لا زكاة في الحلي وهو قول ms1871 مالك والشافعي وروي عن أنس بن مالك أن ~~الحلي تزكى مرة واحدة ولا تزكى بعد ذلك وقد ذكرنا وجه دلالة الآية على ~~وجوبها في الحلي لشمول الاسم له وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار ~~في إيجاب زكاة الحلي منها # حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~امرأتين في أيديهما سواران من ذهب فقال أتعطين زكاة هذا قالت لا قال أيسرك ~~أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار # فأوجب الزكاة في السوار # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عيسى قال حدثنا ~~عتاب عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة قالت كنت ألبس أوضاحا من ذهب ~~فقلت يا رسول الله أكنز هو فقال ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز # وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما وجوب زكاة الحلي والآخر أن الكنز ما لم ~~تؤد زكاته # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن إدريس الرازي ~~حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن أبي جعفر ~~أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره عن عبد الله ابن شداد بن الهاد أنه قال ~~دخلنا على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت دخل على رسول الله # PageV04P303 # صلى الله عليه وسلم فرأى في يدي فتحات من ورق فقال ما هذا يا عائشة فقلت ~~صنعتهن أتزين لك يا رسول الله قال أتؤدين زكاتهن قلت لا أو ما شاء الله قال ~~هو حسبك من النار # فانتظم هذا الخبر معنيين أحدهما وجوب زكاة الحلي والآخر أن المصوغ يسمى ~~ورقا لأنها قالت فتحات من ورق فاقتضى ظاهر # قوله في الرقة ربع العشر # إيجاب الزكاة في الحلي لأن الرقة والورق واحد ويدل عليه من جهة النظر أن ~~الذهب والفضة يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأعيانهما في ملك من كان من أهل ~~الزكاة لا بمعنى ينضم إليهما والدليل ms1872 عليه أن النقر والسبائك تجب فيهما ~~الزكاة وإن لم تكن مرصدة للنماء وفارقا بهذا غيرهما من الأموال لأن غيرهما ~~لا تجب الزكاة فيهما بوجود الملك إلا أن تكون مرصدة للنماء فوجب أن لا ~~يختلف حكم المصوغ والمضروب وأيضا لم يختلفوا أن الحلي إذا كان في ملك الرجل ~~تجب فيه الزكاة فكذلك إذا كان في ملك المرأة كالدراهم والدنانير وأيضا لا ~~يختلف حكم الرجل والمرأة فيما يلزمهما من الزكاة فوجب أن لا يختلفا في ~~الحلي فإن قيل الحلي كالنقر العوامل وثياب البذلة قيل له قد بينا أن ما ~~عداهما يتعلق وجوب الزكاة فيهما بأن يكون مرصدا للنماء فما لم يوجد هذا ~~المعنى لم تجب والذهب والفضة لأعيانهما بدلالة الدراهم والدنانير والنقر ~~والسبائك إذا أراد بهما القنية والتبقية لا طلب النماء وأيضا لما لم يكن ~~للصنعة تأثير فيهما ولم يغير حكمهما في حال وجب أن لا يختلف الحكم بوجود ~~الصنعة وعدمها فإن قيل زكاة الحلي عاريته قيل له هذا غلط لأن العارية غير ~~واجبة والزكاة واجبة فبطل أن تكون العارية زكاة وأما قول أنس بن مالك إن ~~الزكاة تجب في الحلي مرة واحدة فلا وجه له لأنه إذا كان من جنس ما تجب فيه ~~الزكاة وجبت في كل حول. # (فصل) وقد دلت الآية على وجوب الزكاة في الذهب والفضة بمجموعهما فاقتضى ~~ذلك وجوب ضم بعضها إلى بعض وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا يضم ~~أحدهما إلى الآخر فإذا كمل النصاب بها زكي واختلف أصحابنا في كيفيته فقال ~~أبو حنيفة يضم بالقيمة كالعروض وقال أبو يوسف ومحمد يضم بالأجزاء وقال ابن ~~أبي ليلى والشافعي لا يضمان وروي الضم عن الحسن وبكير بن عبد الله بن الأشج ~~وقتادة والدليل على وجوب الزكاة فيهما مجموعين قوله تعالى والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فأوجب الله تعالى فيهما الزكاة ~~مجموعين لأن قوله ولا ينفقونها قد # PageV04P304 # أراد به إنفاقهما جميعا ويدل على وجوب الضم أنهما متفقان في وجوب الحق ~~فيهما وهو ربع العشر ms1873 فكانا بمنزلة العروض المختلفة إذا كانت للتجارة لما ~~كان الواجب فيها ربع العشر ضم بعضها إلى بعض مع اختلاف أجناسها وقد قال ~~الشافعي فيمن له مائة درهم وعرض للتجارة يساوي مائة درهم إن الزكاة واجبة ~~عليه فضم العرض إلى المائة مع اختلاف الجنسين لاتفاقهما في وجوب ربع العشر ~~وليس الذهب والفضة كالجنسين من الإبل والغنم لأن زكاتهما مختلفة فإن قيل ~~زكاة خمس من الإبل مثل زكاة أربعين شاة ولم يكن اتفاقهما في الحق الواجب ~~موجبا لضم أحدهما إلى الآخر قيل له لم نقل إن اتفاقهما في المقدار الواجب ~~يوجب ضم أحدهما إلى الآخر وإنما قلنا إن اتفاقهما في وجوب ربع العشر فيهما ~~هو المعنى الموجب للضم كعروض التجارة عند اتفاقهما في وجوب ربع العشر وقت ~~الضم والإبل والغنم ليس الواجب فيهما ربع العشر لأن الشاة ليست ربع العشر ~~من خمس من الإبل ولا ربع العشر من أربعين شاتا أيضا لأنه جائز أن يكون ~~الغنم خيارا ويكون الواجب فيها شاة وسطا فيكون أقل من ربع عشرها فهذا إلزام ~~ساقط فإن احتجوا # بقوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق صدقة # وذلك يوجب الزكاة فيها سواء كان معها ذهب أو لم يكن قيل له كما لم يمنع ~~قوله ليس فيما دون خمس أواق صدقة وجوب ضم المائة إلى العروض وكان معناه ~~عندك إذا لم يكن معه غيره من العروض كذلك نقول نحن في ضمه إلى الذهب # قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا- إلى قوله- حرم لما قال ~~تعالى في مواضع أخر الحج أشهر معلومات وقال يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت ~~للناس والحج فعلق بالشهور كثيرا من مصالح الدنيا والدين وبين في هذه الآية ~~هذه الشهور وإنما تجرى على منهاج واحد لا يقدم المؤخر منها ولا يؤخر المقدم ~~وقال إن عدة الشهور عند الله وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن الله وضم هذه ~~الشهور وسماها بأسمائها على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض وأنزل ~~ذلك على أنبيائه في ms1874 كتبه المنزلة وهو معنى قوله إن عدة الشهور عند الله ~~وحكمها باق على ما كانت عليه لم يزلها عن ترتيبها تغيير المشركين لأسمائها ~~وتقديم المؤخر وتأخير المقدم في الأسماء منها وذكر ذلك لنا لنتبع أمر الله ~~فيها ونرفض ما كان عليه أمر الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها ~~وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم # PageV04P305 # في حجة الوداع ما رواه ابن عمر وأبو بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في خطبته بالعقبة أيها الناس إن الزمان قد استدار قال ابن عمر فهو اليوم ~~كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وقال أبو بكرة قد استدار كهيئته يوم ~~خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة ~~حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى ~~وشعبان وإن النسيء زيادة في الكفر # الآية قال ابن عمر وذلك أنهم كانوا يجعلون صفر عاما حراما وعاما حلالا ~~ويجعلون المحرم عاما حلالا وعاما حراما وكان النسيء من الشيطان فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الزمان يعني زمان الشهور قد استدار كهيئته يوم خلق ~~الله السموات والأرض وأن كل شهر قد عاد إلى الموضع الذي وضعه الله به على ~~ترتيبه ونظامه وقد ذكر لي بعض أولاد بني المنجم أن جده وهو أحسب محمد بن ~~موسى المنجم الذي ينتمون إليه حسب شهور الأهلة منذ ابتداء خلق الله السموات ~~والأرض فوجدها قد عادت في موقع الشمس والقمر إلى الوقت الذي ذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قد عاد إليه يوم النحر من حجة الوداع لأن خطبته هذه ~~كانت بمنى يوم النحر عند العقبة وأنه حسب ذلك في ثماني سنين فكان ذلك اليوم ~~العاشر من ذي الحجة على ما كان عليه يوم ابتداء الشهور والشمس والقمر في ~~ذلك اليوم في الموضع الذي # ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد عاد الزمان إليه مع النسيء بالذي قد ~~كان أهل ms1875 الجاهلية ينسئون وتغيير أسماء الشهور # ولذلك لم تكن السنة التي حج فيها أبو بكر الصديق هي الوقت الذي وضع الحج ~~فيه وإنما قال رجب مضر بين جمادى وشعبان دون رمضان الذي يسميه ربيعة رجب ~~وأما الوجه الآخر في معنى قوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله فهو أن الله قسم الزمان اثني عشر قسما فجعل نزول الشمس في كل برج ~~من البروج الاثني عشر قسما منها فيكون قطعها للفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين ~~يوما وربع يوم فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما وكسر قسم ~~الأزمنة أيضا على مسير القمر فصار القمر يقطع الفلك في تسعة وعشرين يوما ~~ونصف يوم وجعل السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وربع يوم فكان ~~قطع الشمس للبرج مقاربا لقطع القمر للفلك كله وهذا معنى قوله تعالى الشمس ~~والقمر بحسبان وقال تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل ~~وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب ~~فلما # PageV04P306 # كانت السنة مقسومة على نزول الشمس في البروج الاثني عشر وكان شهورها اثني ~~عشر واختلفت السنة الشمسية والقمرية في البروج الاثني عشر وكانت شهورها ~~اثني عشر واختلفت السنة الشمسية والقمرية في الكسر الذي بينهما وهو أحد عشر ~~يوما بالتقريب وكانت شهور القمر ثلاثين وتسعة وعشرين فيما يتعلق بها من ~~أحكام الشرع ولم يكن لنصف اليوم الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم ~~فكان ذلك هو القسمة التي قسم الله تعالى السنة في ابتداء وضع الخلق ثم غيرت ~~الأمم العادلة عن كثير من شرائع الأنبياء هذا الترتيب فكانت شهور الروم ~~بعضها ثمانية وعشرين وبعضها ثمانية وعشرين ونصفا وبعضها واحدا وثلاثين وذلك ~~على خلاف ما أمر الله تعالى من اعتبار الشهور في الأحكام التي تتعلق بها ثم ~~كانت الفرس شهورها ثلاثين إلا شهرا واحدا وهو بادماه فإنه خمسة وثلاثون ثم ~~كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا كاملا فتصير السنة ثلاثة عشر أخبر ~~الله تعالى أن عدة ms1876 شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة فيها ولا نقصان وهي ~~الشهور القمرية التي إما أن تكون تسعة وعشرين وإما أن تكون ثلاثين ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم الشهر تسع وعشرون والشهر ثلاثون وقال صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين # فجعل الشهر برؤية الهلال فإن اشتبه لغمام أو قترة فثلاثون فأعلمنا الله ~~بقوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات ~~والأرض يعني أن عدة شهور السنة اثنا عشر شهرا لا زيادة عليها وأبطل به ~~الكبيسة التي كانت تكبسها الفرس فتجعلها ثلاثة عشر شهرا في بعض السنة وأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن انقضاء الشهور برؤية الهلال فتارة تسعة وعشرون ~~وتارة ثلاثون فأعلمنا الله في هذه الآية أنه كذلك وضع الشهور والسنين في ~~ابتداء الخلق أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عود الزمان إلى ما كان عليه ~~وأبطل به ما غيره المشركون من ترتيب الشهور ونظامها وما زاد به في السنين ~~والشهور وأن الأمر قد استقر على ما وضعه الله تعالى في الأصل لما علم تبارك ~~وتعالى من تعلق مصالح الناس في عبادتهم وشرائعهم بكون الشهور والسنين على ~~هذا الوجه فيكون الصوم تارة في الربيع وتارة في الصيف وأخرى في الخريف ~~وأخرى في الشتاء وكذلك الحج لعلمه بالمصلحة في ذلك وقد روي في الخبر أن صوم ~~النصارى كان كذلك فلما رأوه يدور في بعض السنين إلى الصيف اجتمعوا إلى أن ~~نقلوه إلى زمان الربيع وزادوا في # PageV04P307 # العدد وتركوا ما تعبدوا به من اعتبار شهور القمر مطلقة على ما يتفق من ~~وقوعها في الأزمان وهذا ونحوه مما ذمهم الله تعالى به وأخبر أنهم اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله في اتباعهم أوامرهم واعتقادهم وجوبها ~~دون أوامر الله تعالى فضلوا وأضلوا وقوله تعالى منها أربعة حرم وهي التي ~~بينها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ~~والعرب تقول ثلاثة سرد وواحد فرد وإنما سماها ms1877 حرما لمعنيين أحدهما تحريم ~~القتال فيها وقد كان أهل الجاهلية أيضا يعتقدون تحريم القتال فيها وقال ~~الله تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير والثاني ~~تعظيم انتهاك المحارم فيها بأشد من تعظيمه في غيرها وتعظيم الطاعات فيها ~~أيضا وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من المصلحة في ترك الظلم فيها لعظم ~~منزلتها في حكم الله والمبادرة إلى الطاعات من الاعتمار والصلاة والصوم ~~وغيرها كما فرض صلاة الجمعة في يوم بعينه وصوم رمضان في وقت معين وجعل بعض ~~الأماكن في حكم الطاعات ومواقعة المحظورات أعظم من حرمة غيره نحو بيت الله ~~الحرام ومسجد المدينة فيكون ترك الظلم والقبائح في هذه الشهور والمواضع ~~داعيا إلى تركها في غيره ويصير فعل الطاعات والمواظبة عليها في هذه الشهور ~~وهذه المواضع الشريفة داعيا إلى فعل أمثالها في غيرها للمرور والاعتياد وما ~~يصحب الله العبد من توفيقه عند إقباله إلى طاعته وما يلحق العبد من الخذلان ~~عند إكبابه على المعاصي واشتهاره وأنسه بها فكان في تعظيم بعض الشهور وبعض ~~الأماكن أعظم المصالح في الاستدعاء إلى الطاعات وترك القبائح ولأن الأشياء ~~تجر إلى أشكالها وتباعد من أضدادها فالاستكثار من الطاعة يدعو إلى أمثالها ~~والاستكثار من المعصية يدعو إلى أمثالها قوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم ~~الضمير في قوله فيهن عند ابن عباس راجع إلى الشهور وقال قتادة هو عائد إلى ~~الأربعة الحرم وقوله وقاتلوا المشركين كافة يحتمل وجهين أحدهما الأمر بقتال ~~سائر أصناف أهل الشرك إلا من اعتصم منهم بالذمة وأداء الجزية على ما بينه ~~في غير هذه الآية والآخر الأمر بأن تقاتلهم مجتمعين متعاضدين غير متفرقين ~~ولما احتمل الوجهين كان عليهما إذ ليسا متنافيين فتضمن ذلك الأمر بالقتال ~~لجميع المشركين وأن يكونوا مجتمعين متعاضدين على القتال وقوله كما ~~يقاتلونكم كافة يعني أن جماعتهم يرون ذلك فيكم ويعتقدونه ويحتمل كما ~~يقاتلونكم مجتمعين وهذه الآية في # PageV04P308 # معنى قوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم متضمنة لرفع العهود والذمم التي ~~كانت بين النبي صلى الله عليه ms1878 وآله وسلم وبين المشركين وفيها زيادة معنى ~~وهو الأمر بأن نكون مجتمعين في حال قتالنا إياهم # قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر فالنسيء التأخير ومنه البيع ~~بنسيئة وأنسأت البيع أخرته وما ننسخ من آية أو ننسها أي نؤخرها ونسئت ~~المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ونسأت الناقة إذ دفعتها في السير لأنك زجرتها ~~عن التأخر والمنسأة العصا في هذا الموضع ما كانت العرب تفعله من تأخير ~~الشهور فكان يقع الحج في غير وقته واعتقاد حرمة الشهور في غير زمانه فقال ~~ابن عباس كانوا يجعلون المحرم صفرا وقال ابن أبي نجيح وغيره كانت قريش تدخل ~~في كل ستة أشهر أياما يوافقون ذا الحجة في كل ثلاث عشر سنة فوفق الله تعالى ~~لرسوله في حجته استدارة زمانهم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فاستقام ~~الإسلام على عدد الشهور ووقف الحج على ذي الحجة وقال ابن إسحاق كان ملك من ~~العرب يقال له القلمس واسمه حذيفة أول من أنسأ النسيء أنسأ المحرم فكان ~~يحله عاما ويحرمه عاما فكان إذا حرمه كانت ثلاث حرمات متواليات وهي العدة ~~التي حرم الله في عهد إبراهيم صلوات الله عليه فإذا أحله دخل مكانه صفر في ~~المحرم لتواطئ العدة يقول قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهرا إلا ~~قد حرمت مكانه شهرا فحج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد عاد المحرم إلى ~~ما كان عليه في الأصل فأنزل الله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا فأخبر الله أن النسيء الذي كانوا يفعلونه كفر لأن الزيادة في الكفر لا ~~تكون إلا كفرا لاستحلالهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله فكان القوم ~~كفارا باعتقادهم الشرك ثم ازدادوا كفرا بالنسيء. ### | باب فرض النفير والجهاد # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض- إلى قوله- إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم اقتضى ظاهر الآية وجوب النفير على من يستنفر # وقال في آية بعدها انفروا ms1879 خفافا وثقالا فأوجب النفير مطلقا غير مقيد بشرط ~~الاستنفار فاقتضى ظاهره وجوب الجهاد على كل مستطيع له وحدثنا جعفر بن محمد ~~الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد # PageV04P309 # قال حدثنا أبو اليمان وحجاج كلاهما عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ~~ميسرة وابن أبى بلال عن راشد الحبراني أنه وافى المقداد بن الأسود وهو يجهز ~~قال فقلت يا أبا الأسود قد أعذر الله إليك أو قال قد عذرك الله يعني في ~~القعود عن الغزو فقال أتت علينا سورة براءة انفروا خفافا وثقالا قال أبو ~~عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن سيرين أن أبا أيوب شهد بدرا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم يتخلف عن غزاة المسلمين إلا ~~عاما واحدا فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك وما علي من ~~استعمل علي فكان يقول قال الله انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا خفيفا أو ~~ثقيلا وبإسناده قال أبو عبيد حدثنا يزيد عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ~~أنس بن مالك أن أبا طلحة قرأ هذه الآية انفروا خفافا وثقالا قال ما أرى ~~الله إلا يستنفرنا شبانا وشيوخا جهزوني فجهزناه فركب البحر ومات في غزاته ~~تلك فما وجدنا له جزيرة تدفنه فيها أو قال يدفنونى فيها إلا بعد سابعه قال ~~أبو عبيد حدثنا حجاج عن أبى جريج عن مجاهد في هذه الآية قال قالوا فينا ~~الثقيل وذو الحاجة والصنعة والمنتشر عليه أمره قال الله تعالى انفروا خفافا ~~وثقالا فتأول هؤلاء هذه الآية على فرض النفير ابتداء وإن لم يستنفروا ~~والآية الأولى يقتضي ظاهرها وجوب فرض النفير إذا استنفروا وقد ذكر في ~~تأويله وجوه أحدها أن ذلك كان في غزوة تبوك لما ندب إليه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم الناس إليها فكان النفير مع رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فرضا على من استنفر وهو مثل قوله ما كان لأهل المدينة ومن ms1880 حولهم من ~~الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه قالوا وليس ~~كذلك حكم النفير مع غيره وقيل إن هذه الآية منسوخة حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي قال حدثنا علي بن الحسين عن ~~أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال إلا تنفروا يعذبكم عذابا ~~أليما ويستبدل قوما غيركم وما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله نسختها الآية التي تليها وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة وقال آخرون ليس في واحدة منهما نسخ وحكمهما ثابت في حالين فمتى لم ~~يقاوم أهل الثغور العدو واستنفروا ففرض على الناس النفير إليهم حتى يسيحوا ~~الثغور وإن استغني عنهم باكتفائهم بمن هناك سواء استنفروا أو لم يستنفروا ~~ومتى قام الذين في وجه العدو بفرض الجهاد واستغنوا بأنفسهم عمن # PageV04P310 # وراءهم فليس على من وراءهم فرض الجهاد إلا أن يشاء من شاء منهم الخروج ~~للقتال فيكون فاعلا للفرض وإن كان معذورا في القعود بديا لأن الجهاد فرض ~~على الكفاية ومتى قام به بعضهم سقط عن الباقين # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة ~~قال حدثنا جرير بن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية وإن ~~استنفرتم فانفروا # فأمر بالنفير عند الاستنفار وهو موافق لظاهر قوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض وهو محمول ~~على ما ذكرنا من الاستنفار للحاجة إليهم لأن أهل الثغور متى اكتفوا بأنفسهم ~~ولم تكن لهم حاجة إلى غيرهم فليس يكادون يستنفرون ولكن لو استنفرهم الإمام ~~مع كفاية من في وجه العدو من أهل الثغور وجيوش المسلمين لأنه يريد أن يغزو ~~أهل الحرب ويطأ ديارهم فعلى من استنفر من المسلمين أن ينفروا وهذ هو موضع ~~الخلاف بين ms1881 الفقهاء في فرض الجهاد فحكي عن ابن شبرمة والثوري في آخرين أن ~~الجهاد تطوع وليس بفرض وقالوا كتب عليكم القتال ليس على الوجوب بل على ~~الندب كقوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين وقد روي فيه عن ابن عمر نحو ذلك وإن كان مختلفا في صحة ~~الرواية عنه وهو ما حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال حدثنا جعفر ابن محمد ~~بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا علي بن معبد عن أبي المليح الرقي ~~عن ميمون بن مهران قال كنت عند ابن عمر فجاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن ~~العاص فسأله عن الفرائض وابن عمر جالس حيث يسمع كلامه فقال الفرائض شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج ~~البيت وصيام رمضان والجهاد في سبيل الله قال فكأن ابن عمر غضب من ذلك ثم ~~قال الفرائض شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان قال ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد ~~حدثنا حجاج عن ابى جريج قال قلت لعطاء أواجب الغزو على الناس فقال هو وعمرو ~~بن دينار ما علمناه وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ومالك وسائر فقهاء ~~الأمصار إن الجهاد فرض إلى يوم القيامة إلا أنه فرض على الكفاية إذا # PageV04P311 # قام به بعضهم كان الباقون في سعة من تركه وقد ذكر أبو عبيد أن سفيان ~~الثوري كان يقول ليس بفرض ولكن لا يسع الناس أن يجمعوا على تركه ويجزي فيه ~~بعضهم على بعض فإن كان هذا قول سفيان فإن مذهبه أنه فرض على الكفاية وهو ~~موافق لمذهب أصحابنا الذي ذكرناه ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا ~~خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم فخافوا على بلادهم ~~وأنفسهم وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن ~~المسلمين وهذا لا خلاف فيه بين ms1882 الأمة إذا ليس من قول أحد من المسلمين إباحة ~~القعود عنهم حين يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم ولكن موضع الخلاف ~~بينهم أنه متى كان بإزاء العدو مقاومين له ولا يخافون غلبة العدو عليهم هل ~~يجوز للمسلمين ترك جهادهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية فكان من قول ابن عمر ~~وعطاء وعمرو بن دينار وابن شبرمة أنه جائز للإمام والمسلمين أن لا يغزوهم ~~وأن يقعدوا عنهم وقال آخرون على الإمام والمسلمين أن يغزوهم أبدا حتى ~~يسلموا أو يؤدوا الجزية وهو مذهب أصحابنا ومن ذكرنا من السلف المقداد بن ~~الأسود وأبو طلحة في آخرين من الصحابة والتابعين وقال حذيفة بن اليمان ~~الإسلام ثمانية أسهم وذكر سهما منها الجهاد وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ~~جعفر بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ابن جريج قال قال ~~معمر كان مكحول يستقبل القبلة ثم يحلف عشر أيمان أن الغزو واجب ثم يقول إن ~~شئتم زدتكم وحدثنا جعفر قال حدثنا جعفر حدثنا أبو عبيد حدثنا عن عبد الله ~~بن صالح عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث أو غيره عن ابن شهاب قال ~~كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا فمن قعد فهو عدة إن استعين به ~~أعان وإن استنفر نفر وإن استغنى عنه قعد وهذا مثل قول من يراه فرضا على ~~الكفاية وجائز أن يكون قول ابن عمر وعطاء وعمرو بن دينار في أن الجهاد ليس ~~بفرض يعنون به أنه ليس فرضه متعينا على كل أحد كالصلاة والصوم وأنه فرض على ~~الكفاية والآيات الموجبة لفرض الجهاد كثيرة فمنها قوله تعالى وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة ويكون الدين لله فاقتضى # ذلك وجوب قتالهم حتى يجيبوا إلى الإسلام وقال قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم الآية وقال قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~الآية وقال فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم وقال ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # PageV04P312 # وو قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة وقال انفروا خفافا وثقالا ~~وجاهدوا ms1883 بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله وقال إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ~~ويستبدل قوما غيركم # وقال فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وقال يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم فأخبر أن النجاة من عذابه إنما هي بالإيمان بالله ورسوله ~~وبالجهاد في سبيله بالنفس والمال فتضمنت الآية الدلالة على فرض الجهاد من ~~وجهين أحدهما أنه قرنه إلى فرض الإيمان والآخر الإخبار بأن النجاة من عذاب ~~الله به وبالإيمان والعذاب لا يستحق إلا بترك الواجبات وقال كتب عليكم ~~القتال وهو كره لكم ومعناه فرض كقوله كتب عليكم الصيام فإن قيل هو كقوله ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~وإنما هي ندب ليست بفرض قيل له قد كانت الوصية واجبة بهذه الآية وذلك قبل ~~فرض الله المواريث ثم نسخت بعد الميراث ومع ذلك فإن حكم اللفظ الإيجاب إلا ~~أن تقوم دلالة للندب ولم تقم الدلالة في الجهاد أنه ندب قال أبو بكر فأكد ~~الله تعالى فرض الجهاد على سائر المكلفين بهذه الآية وبغيرها على حسب ~~الإمكان فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقاتل في سبيل الله لا تكلف ~~إلا نفسك وحرض المؤمنين فأوجب عليه فرض الجهاد من وجهين أحدهما بنفسه ~~ومباشرة القتال وحضوره والآخر بالتحريض والحث والبيان لأنه صلى الله عليه ~~وآله وسلم لم يكن له مال فلم يذكر فيما فرضه عليه إنفاق المال وقال لغيره ~~انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم فألزم من كان من أهل القتال ~~وله مال فرض الجهاد بنفسه وماله ثم قال في آية أخرى وجاء المعذرون من ~~الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله فلم يخل من أسقط عنه فرض الجهاد بنفسه ~~وماله للعجز والعدم من إيجاب فرضه بالنصح لله ورسوله فليس أحد ms1884 من المكلفين ~~إلا وعليه فرض الجهاد عن مراتبه التي وصفنا وقد روي في تأكيد فرضه أخبار ~~كثيرة فمنها ما # حدثنا عن عمرو بن حفص السدوسي قال حدثنا عاصم بن علي قال حدثنا قيس بن ~~الربيع عن جبلة بن سحيم عن مؤثر بن عفازة عن بشير بن الخصاصية قال أتيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبايعه فقلت له علام # PageV04P313 # تبايعني يا رسول الله فمد رسول الله يده فقال على أن تشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله وتصلي الصلوات الخمس المكتوبات لوقتهن وتؤدي ~~الزكاة المفروضة وتصوم رمضان وتحج البيت وتجاهد في سبيل الله فقلت يا رسول ~~الله كلا لا أطيق إلا اثنتين إيتاء الزكاء فما لي إلا حمولة أهلي وما ~~يقومون به وأما الجهاد فإني رجل جبان فأخاف أن تخشع نفسي فأفر فأبوء بغضب ~~من الله فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده وقال يا بشير لا جهاد ~~ولا صدقة فبم تدخل الجنة فقلت يا رسول الله ابسط يدك فبسط يده فبايعته ~~عليهن # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا حجاج ~~قال حدثنا حماد أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم # فأوجب الجهاد بكل ما أمكن الجهاد به وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض ~~آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الإسلام ~~وأداء الفرائض وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الإسلام إلا أن ~~فرضه على الكفاية على ما بينا فإن احتج محتج بما # روى عاصم بن زيد بن عبد الله بن عمر عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني الإسلام على خمس فذكر ~~الشهادتين والصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان # فذكر هذه الخمس ولم يذكر فيه الجهاد وهذا يدل على أنه ليس بفرض قال أبو ~~بكر وهذا حديث في ms1885 الأصل موقوف على ابن عمر رواه وهب عن عمر بن محمد عن زيد ~~عن أبيه عن ابن عمر أنه قال وجدت الإسلام بني على خمس وقوله وجدت دليل على ~~أنه قاله من رأيه وجائز أن يجد غيره ما هو أكثر منه وقول حذيفة بني الإسلام ~~على ثمانية أسهم أحدها الجهاد يعارض قول ابن عمر فإن قيل # فقد روى عبيد الله بن موسى قال أخبرنا حنظلة بن أبى سفيان قال سمعت عكرمة ~~ابن خافد يحدث طاوسا قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال يا أبا عبد الرحمن لا ~~تغزوا فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول بني الإسلام ~~على خمسة # فهذا حديث مستقيم السند مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيل له ~~جائز أن يكون إنما اقتصر على خمسة لأنه قصد إلى ذكر ما يلزم الإنسان في ~~نفسه دون ما يكون منه فرضا على الكفاية ألا ترى أن الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وإقامة الحدود وتعلم علوم الدين وغسل الموتى وتكفينهم ودفنهم ~~كلها فروض ولم يذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بني عليه الإسلام ~~ولم يخرجه ترك ذكره من أن يكون # PageV04P314 # فرضا لأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما قصد إلى بيان ذكر الفروض اللازمة ~~للإنسان في خاصة نفسه في أوقات مرتبة ولا ينوب غيره عنها فيه والجهاد فرض ~~على الكفاية على الحد الذي بينا فلذلك لم يذكره وقد روى ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على وجوبه وهو مما # حدثنا عن عبد الله بن شيروبه قال حدثني إسحاق بن راهويه قال أخبرنا جرير ~~عن ليث بن أبي سليم عن عطاء عن ابن عمر قال لقد أتى علينا زمان وما نرى أن ~~أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم حتى إن الدينار والدرهم ~~اليوم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة ms1886 واتبعوا أذناب ~~البقر وتركوا الجهاد أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يراجعوا دينهم # وحدثنا عن خلف بن عمرو العكبري قال حدثنا المعلى بن مهدي حدثنا عبد ~~الوارث حدثنا ليث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم نحوه فقد اقتضى هذا اللفظ وجوب الجهاد لإخباره ~~بإدخال الله الذل عليهم بذكر عقوبة على الجهاد والعقوبات لا تستحق إلا على ~~ترك الواجبات وهذا يدل على أن مذهب ابن عمر في الجهاد فرض على الكفاية وأن ~~الرواية التي رويت عنه في نفي فرض الجهاد إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من ~~أنه غير متعين على كل حال في كل زمان ويدل على أنه فرض على الكفاية قوله ~~تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة وقوله فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ~~وقوله لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة وكلا وعد الله الحسنى فلو كان الجهاد فرضا على كل أحد في نفسه لما كان ~~القاعدون موعودين بالحسنى بل كانوا يكونوا مذمومين مستحقين للعقاب بتركه ~~وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد ~~حدثنا حجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس في ~~قوله عز وجل فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وفي قوله انفروا خفافا وثقالا ~~قال نسختها وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون قال تنفر ~~طائفة وتمكث طائفة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فالماكثون هم ~~الذين يتفقهون في الدين وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو بما نزل ~~من قضاء الله وكتابه وحدوده وحدثنا جعفر بن محمد قال أخبرنا جعفر # PageV04P315 # ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاية بن ~~صالح عن علي ms1887 بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال يعني من السرايا ~~كانت ترجع وقد نزل بعدهم قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم بعدهم ويبعث سرايا أخر قال فذلك قوله ليتفقهوا في الدين ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم فثبت بما قدمنا لزوم فرض الجهاد وأنه فرض على ~~الكفاية وليس بلازم لكل أحد في خاصة نفسه وماله إذا كفاه ذلك غيره قوله ~~تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم الآية روي عن الحسن ومجاهد ~~والضحاك شبانا وشيوخا وعن أبي صالح أغنياء وفقراء وعن الحسن مشاغيل وغير ~~مشاغيل وعن ابن عباس وقتادة نشاطا وغير نشاط وعن ابن عمر ركبانا ومشاة وقيل ~~ذا صنعة وغير ذي صنعة قال أبو بكر كل هذه الوجوه يحتمله اللفظ فالواجب ~~يعمها إذ لم تقم دلالة التخصيص وقوله وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله فأوجب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا فمن كان له مال وهو مريض أو ~~مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال فعليه الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به ~~كما أن من له قوة وجلد وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه وإن لم ~~يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما يبلغه ومن قوي على القتال وله مال فعليه ~~الجهاد بالنفس والمال ومن كان عاجزا بنفسه معدما فعليه الجهاد بالنصح لله ~~ولرسوله بقوله ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله وقوله تعالى ذلكم خير لكم مع أنه لا خير ~~في ترك الجهاد قيل فيه وجهان أحدهما خير من تركه إلى المباح في الحال التي ~~لا يتعين عليه فرض الجهاد والآخر أن الخير فيه لا في تركه وقوله تعالى إن ~~كنتم تعلمون قيل فيه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير ~~وقيل إن كنتم تعلمون صدق الله فيما وعد به من ثوابه وجنته # قوله تعالى ms1888 سيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم الآية لما أكذبهم الله ~~في قوله لو استطعنا لخرجنا معكم دل على أنهم كانوا مستطيعين ولم يخرجوا ~~وهذا يدل على بطلان مذهب الجبر في أن المكلفين غير مستطيعين لما كلفوا في ~~حال التكليف قبل وقوع الفعل منهم لأن الله تعالى قد أكذبهم في نفيهم ~~الاستطاعة عن أنفسهم قبل الخروج وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم لأنه أخبر أنهم سيحلفون فجاؤا فحلفوا كما أخبر أنه سيكون ~~منهم # قوله تعالى عفا # PageV04P316 # الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا # العفو ينصرف عن وجوه أحدها التسهيل والتوسعة # كقوله صلى الله عليه وآله وسلم أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله # والعفو الترك # كقوله صلى الله عليه وآله وسلم أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى والعفو الكثرة # كقوله تعالى حتى عفوا يعني كثروا وأعفيت فلانا من كذا وكذا إذا سهلت له ~~تركه والعفو الصفح عن الذنب وهو إعفاؤه من تبعته وترك العقاب عليه وهو مثل ~~الغفران في هذا الموضع وجائز أن يكون أصله التسهيل فإذا عفا عن ذنبه فلم ~~يستقص عليه وسهل عليه الأمر وكذلك سائر الوجوه التي تنصرف عليها هذه الكلمة ~~يجوز أن يكون أصلها الترك والتوسعة ومن الناس من يقول إنه كان من النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم ذنب صغير في إذنه لهم ولهذا قال الله تعالى عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم إذ لا يجوز أن تقول لم فعلت ما جعلت لك فعله كما لا يجوز ~~أن تقول لم فعلت ما أمرتك بفعله قالوا فغير جائز إطلاق العفو عما قد جعل له ~~فعله كما لا يجوز أن يعفو عنه ما أمره به وقيل إنه جائز أن لا تكون منه ~~معصية في الإذن لهم لا صغيرة ولا كبيرة وإنما عاتبه بأن قال لم فعلت ما ~~جعلت لك فعله مما غيره أولى منه إذ جائز أن يكون مخيرا بين فعلين وأحدهما ~~أولى من الآخر قال الله تعالى فليس عليهن جناح أن ms1889 يضعن ثيابهن غير متبرجات ~~بزينة وأن يستعففن خير لهن فأباح الأمرين وجعل أحدهما أولى وقد روى شعبة عن ~~قتادة في قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم كانت كما تسمعون ثم أنزل الله في ~~سورة النور وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه- إلى قوله- ~~فأذن لمن شئت منهم فجعله الله تعالى رخصة في ذلك # وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون ~~بالله- إلى قوله- يترددون هذا بعينه للمنافقين حين استأذنوه للقعود عن ~~الجهاد من غير عذر وعذر الله المؤمنين فقال وإذا كانوا معه على أمر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قوله إنما يستاذنك ~~الذين لا يؤمنون بالله قال نسخها قوله وإذا كانوا معه على امر جامع لم ~~يذهبوا حتى يستأذنوه- إلى قوله- فأذن لمن شئت منهم فجعل الله تعالى رسوله ~~بأعلى النظرين قال أبو بكر جائز أن يكون قوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم في قوم من المنافقين لحقتهم تهمة فكان يمكن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم استبراء أمرهم بترك الإذن لهم فينظر نفاقهم إذا لم يخرجوا بعد الأمر ~~بالخروج ويكون ذلك حكما ثابتا في أولئك ويدل عليه # PageV04P317 # قوله حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ويكون قوله وإذا كانوا معه ~~على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه وقوله فأذن لمن شئت منهم في المؤمنين ~~الذين لو لم يأذن لهم لم يذهبوا فلا تكون إحدى الآيتين ناسخة للأخرى قوله ~~تعالى لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر- إلى قوله- بأموالهم ~~الآية يعني لا يستأذنك المؤمنون في التخلف عن الجهاد لأن لا يجاهدوا وأضمر ~~لا في قوله أن يجاهدوا لدلالة الكلام عليه وهذا يدل على أن الاستيذان في ~~التخلف كان محظورا عليهم ويدل على صحة تأويل قوله أن يجاهدوا أنه على تقدير ~~كراهة أن يجاهدوا وهو يئول إلى المعنى الأول لأن إضمار لا فيه وإضمار ~~الكراهة سواء وهذه الآية أيضا تدل على وجوب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعا ms1890 ~~لأنه قال تعالى أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فذمنهم على الاستئذان في ترك ~~الجهاد بهما والجهاد بالمال يكون على وجهين أحدهما إنفاق المال في إعداد ~~الكراع والسلاح والآلة والراحلة والزاد وما جرى مجراه مما يحتاج إليه لنفسه ~~والثاني إنفاق المال على غيره مما يجاهد ومعونته بالزاد والعدة ونحوها ~~والجهاد بالنفس على ضروب منها الخروج بنفسه ومباشرة القتال ومنها بيان ما ~~افترض الله من الجهاد وذكر الثواب الجزيل لمن قال به والعقاب لمن قعد عنه ~~ومنها التحريض والأمر ومنها الإخبار بعورات العدو وما يعلمه من مكايد الحرب ~~وسداد الرأي وإرشاد المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر الحروب كما # قال الحباب بن المنذر حين نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببدر فقال ~~يا رسول الله أهذا رأي رأيته أم وحي فقال بل رأي رأيته قال فإني أرى أن ~~تنزل على الماء وتجعله خلف ظهرك وتعور الآبار التي في ناحية العدو # ففعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ونحو ذلك من كل قول يقوي أمر ~~المسلمين ويوهن أمر العدو فإن قيل فأي الجهادين أفضل أجهاد النفس والمال أم ~~جهاد العلم قيل له الجهاد بالسيف مبني على جهاد العلم وفرع عليه لأنه غير ~~جائز أن يعدوا في جهاد السيف ما يوجبه العلم فجهاد العلم أصل وجهاد النفس ~~فرع والأصل أولى بالتفضيل عن الفرع فإن قيل تعلم العلم أفضل أم جهاد ~~المشركين قيل له إذا خيف معرة العدو وإقدامهم على المسلمين ولم يكن بإزائه ~~من يدفعه فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد فالاشتغال في هذه الحال بالجهاد ~~أفضل من تعلم العلم لأن ضرر العدو إذا وقع # PageV04P318 # بالمسلمين لم يمكن تلافيه وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال ولأن تعلم ~~العلم فرض على الكفاية لا على كل أحد في خاصة نفسه ومتى لم يكن بإزاء العدو ~~من يدفعه عن المسلمين فقد تعين فرض الجهاد على كل أحد وما كان فرضا معينا ~~على الإنسان غير موضع عليه في التأخير فهو أولى من الفرض الذي قام به ms1891 غيره ~~وسقط عنه بعينه وذلك مثل الاشتغال بصلاة الظهر في آخر وقتها هو أولى من ~~تعلم علم الدين في تلك الحال إذ كان الفرض قد تعين عليه في هذا الوقت فإن ~~قام بفرض الجهاد من فيه كفاية وغنى فقد عاد فرض الجهاد إلى حكم الكفاية ~~كتعلم العلم إلا أن الاشتغال بالعلم في هذه الحال أولى وأفضل من الجهاد لما ~~قدمنا من علو مرتبة العلم على مرتبة الجهاد فإن ثبات الجهاد بثبات العلم ~~وإنه فرع له ومبني عليه فإن قيل هل يجوز الجهاد مع الفساق قيل له إن كل أحد ~~من المجاهدين فإنما يقوم بفرض نفسه فجائز له أن يجاهد الكفار وإن كان أمير ~~الجيش وجنوده فساقا وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغزون بعد ~~الخلفاء الأربعة مع الأمراء الفساق وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد اللعين ~~وقد ذكرنا حديث أبي أيوب أنه لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا عاما واحدا ~~فإنه استعمل على الجيش رجل شاب ثم قال بعد ذلك وما علي من استعمل علي فكان ~~يقول قال الله تعالى انفروا خفافا وثقالا فلا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلا فدل ~~على أن الجهاد واجب مع الفساق كوجوبه مع العدول وسائر الآي الموجبة لفرض ~~الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين وأيضا فإن الفساق ~~إذا جاهدوا فهم مطيعون في ذلك كما هم مطيعون لله في الصلاة والصيام وغير ~~ذلك من شرائع الإسلام وأيضا فإن الجهاد ضرب من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ولو رأينا فاسقا يأمر بمعروف وينهى عن منكر كان علينا معاونته على ~~ذلك فكذلك الجهاد فالله تعالى لم يخص بفرض الجهاد العدول دون الفساق فإذا ~~كان الفرض عليهم واحدا لم يختلف حكم الجهاد مع العدول ومع الفساق # قوله تعالى ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة والعدة ما يعده الإنسان ~~ويهيئه لما يفعله في المستقبل وهو نظير الأهبة وهذا يدل على وجوب الاستعداد ~~للجهاد قبل وقت وقوعه وهو كقوله وأعدوا لهم ما استطعتم من ms1892 قوة ومن رباط ~~الخيل وقوله تعالى ولكن كره الله انبعاثهم يعنى خروجهم كان يقع على وجه ~~الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من العدو والتضريب بينهم والخروج # PageV04P319 # على هذا الوجه معصية وكفر فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه إذ كان معصية ~~والله لا يجب الفساد وقوله تعالى وقيل اقعدوا مع القاعدين أي مع النساء ~~والصبيان وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم اقعدوا مع ~~القاعدين وجائز أن يكون قال بعضهم لبعض # قوله تعالى لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا الآية فيه بيان وجه خروجهم ~~لو خرجوا وإخبار أن المصلحة للمسلمين كانت في تخلفهم وهذا يدل على أن ~~معاتبة الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله لم أذنت لهم أن الله ~~علم أنه لو لم يأذن لهم لم يخرجوا أيضا فيظهر للمسلمين كذبهم ونفاقهم وقد ~~أخبر الله تعالى أو خروجهم لو خرجوا على هذا الوجه كان يكون معصية وفسادا ~~على المؤمنين وقوله ما زادوكم إلا خبالا والخبال الاضطراب في الرأي فأخبر ~~الله تعالى أنهم لو خرجوا لسعوا بين المؤمنين في التضريب وإفساد القلوب ~~والتخذيل عن العدو فكان ذلك يوجب اضطراب آرائهم فإن قال قائل لم قال ما ~~زادوكم إلا خبالا ولم يكونوا على خبال يزاد فيه قيل له يحتمل وجهين أحدهما ~~أنه استثناء منقطع تقديره ما زادوكم قوة لكن طلبوا لكم الخبال والآخر أنه ~~يحتمل أن يكون قوم منهم قد كانوا على خبال في الرأي لما يعرض في النفوس من ~~التلون إلى أن استقر على الصواب فيقويه هؤلاء حتى يصير خبالا معدولا به عن ~~صواب الرأي قوله تعالى ولأوضعوا خلالكم قال الحسن ولأوضعوا خلالكم بالنميمة ~~لإفساد ذات بينكم وقوله تعالى يبغونكم الفتنة فإن الفتنة هاهنا المحنة ~~باختلاف الكلمة والفرقة ويجوز أن يريد به الكفر لأنه يسمى بهذا الاسم لقوله ~~تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وقوله والفتنة أشد من القتل وقوله وفيكم ~~سماعون لهم قال الحسن ومجاهد عيون منهم ينقلون إليهم ما يسمعون منكم وقال ~~قتادة وابن ms1893 إسحاق قابلون منهم عند سماع قولهم # قوله تعالى لقد ابتغوا الفتنة من قبل يعنى طلبوا الفتنة وهي هاهنا ~~الاختلاف الموجب للفرقة بعد الألفة وقوله تعالى وقلبوا لك الأمور يعني به ~~تصريف الأمور وتقليبها ظهرا لبطن طلبا لوجه الحيلة والمكيدة في إطفاء نوره ~~وإبطال أمره فأبى الله تعالى إلا إظهار دينه وإعزاز نبيه وعصمه من كيدهم ~~وحيلهم # قوله تعالى ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتنى قال ابن عباس ومجاهد نزلت في ~~الجد بن قيس قال ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مستهتر بالنساء ~~وكان ذلك حين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غزوة تبوك وقال ~~الحسن وقتادة وأبو عبيدة لا تؤثمنى بالعصيان # PageV04P320 # في المخالفة التي توجب الفرقة # قوله تعالى قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا روي عن الحسن كل ~~ما يصيبنا من خير وشر فهو مما كتبه في اللوح المحفوظ فليس على ما يتوهمه ~~الكفار من إهمالنا من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير ربنا وقيل لن يصيبنا في ~~عاقبة أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا # قوله تعالى قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم صيغته الأمر والمراد ~~البيان عن التمكن من الطاعة والمعصية كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~وقيل معناه الخبر الذي يدخل فيه إن الجزاء كما قال كثير: # أسيء بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت ومعناه إن أحسنت أو ~~أسأت لم تلام # قوله تعالى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا قيل فيه ثلاثة أوجه قال ابن عباس وقتادة فلا تعجبك أموالهم ~~ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة فكان ~~ذلك عندهما على تقديم الكلام وتأخيره وقال الحسن ليعذبهم في الزكاة ~~بالإنفاق في سبيل الله وقال آخرون يعذبهم بها بالمصائب وقيل قد يكون صفة ~~الكفار بالسبي وغنيمة الأموال وهذه اللام التي في قوله ليعذبهم هي لام ~~العاقبة كقوله ms1894 تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا # قوله تعالى ويحلفون بالله إنهم لمنكم الحلف تأكيد الخبر بذكر المعظم على ~~منهاج والله وبالله والحروف الموضوعة للقسم واليمين إلا أن الحلف من إضافة ~~الخبر إلى المعظم وقوله ويحلفون بالله إخبار عنهم باليمين بالله هو يمين ~~بمنزلة لو حذف عن المستقبل في أنهم سيحلفون بالله وقول القائل أحلف بالله ~~هو يمين بمنزلته لو حذف ذكر الحلف وقال بالله لأنه بمنزلة قوله أنا حالف ~~بالله إلا أن يريد به العدة فلا يكون يمينا فهو ينصرف على المعنى والظاهر ~~منه إيقاع الحلف بهذا القول كقولك أنا أعتقد الإسلام ويحتمل العدة وأما ~~قوله بالله فهو إيقاع لليمين وإن كان فيه إضمار أحلف بالله أو قد حلفت ~~بالله وقيل إنما حذف ذكر الحلف ليدل على وقع الحلف ويزول احتمال العدة كما ~~حذف في والله لأفعلن ليدل على أن القائل حلف لا وأعد وقوله تعالى إنهم ~~لمنكم معناه في الإيمان والطاعة والدين والملة فأكذبهم الله تعالى والإضافة ~~منهم جائزة إذا كان على دينهم كما قال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء ~~بعض- والمنافقون والمنافقات # PageV04P321 # بعضهم من بعض # فنسب بعضهم إلى بعض لاتفاقهم في الدين والملة # قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات قال الحسن يعيبك وقيل اللمز العيب ~~سرا والهمز العيب بكثرة العيب وقال قتادة يطعن عليك ويقال إن هؤلاء كانوا ~~قوما منافقين أرادوا أن يعطيهم رسول الله من الصدقات ولم يكن جائزا أن ~~يعطيهم منها لأنهم ليسوا من أهلها فطعنوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم في قسمة الصدقات وقالوا يؤثر بها أقرباءه وأهل مودته ويدل عليه قوله ~~تعالى فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون وأخبر أنه لا ~~حظ لهؤلاء في الصدقات وإنما هي للفقراء والمساكين ومن ذكر # قوله تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله فيه ضمير جواب لو تقديره ولو أنهم رضوا ما ~~آتاهم الله ورسوله لكان خيرا لهم أو أعود عليهم وحذف الجواب ms1895 في مثله أبلغ ~~لأنه لتأكيد الخبر به استغنى عن ذكره مع أن النفس تذهب إلى كل نوع منه ~~والذكر يقصره على المذكور منه دون غيره وفيه إخبار على أن الرضا بفعل الله ~~يوجب المزيد من الخير جزاء للراضى على فعله # قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية قال الزهري الفقير الذي ~~لا يسئل والمسكين الذي يسئل وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في حد ~~الفقير والمسكين مثل هذا وهذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا وأبلغ في ~~جهد الفقر والعدم من الفقير وروي عن ابن عباس والحسن وجابر ابن زيد والزهري ~~ومجاهد قالوا الفقير المتعفف الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل فكان قول أبي ~~حنيفة موافقا لقول هؤلاء السلف ويدل على هذا قوله تعالى للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا فسماهم فقراء ووصفهم بالتعفف ~~وترك المسألة وروي عن قتادة قال الفقير ذو الزمانة من أهل الحاجة والمسكين ~~الصحيح منهم وقيل إن الفقير هو المسكين إلا أنه ذكر بالصفتين لتأكيد أمره ~~في استحقاق الصدقة وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول المسكين هو ~~الذي لا شيء له والفقير هو الذي له أدنى بلغة وبكى ذلك عن أبي العباس ثعلب ~~قال وقال أبو العباس حكي عن بعضهم أنه قال قلت لأعرابي أفقير أنت قال لا بل ~~مسكين وأنشد عن ابن الأعرابي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد # PageV04P322 # فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة قال وحكى محمد بن سلام الجمحي عن يونس ~~النحوي أنه قال الفقير يكون له بعض ما يغنيه والمسكين الذي لا شيء له قال ~~أبو بكر قوله تعالى يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف يدل على أن الفقير قد ~~يملك بعض ما يغنيه لأنه لا يحسبه الجاهل بحاله غنيا إلا وله ظاهر جميل وبزة ~~حسنة فدل على أن ملكه لبعض ما يغنيه لا يسلبه صفة الفقر ms1896 وكان أبو الحسن ~~يستدل على ما قال في صفة المسكين # بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن المسكين ليس ~~بالطواف الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ~~لا يجد ما يغنيه # قال فلما نفى المبالغة في المسكنة عمن ترده التمرة والتمرتان وأثبتها لمن ~~لا يجد ذلك وسماه مسكينا دل ذلك على أن المسكين أضعف حالا من الفقير قال ~~ويدل عليه قوله تعالى أو مسكينا ذا متربة روي في التفسير أنه الذي قد لزق ~~بالتراب وهو جائع عار لا يواريه عن التراب شيء فدل ذلك على أن المسكين في ~~غاية الحاجة والعدم فإن قيل قال الله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين ~~يعملون في البحر فأثبت لهم ملك السفينة وسماهم مساكين قيل له قد روي أنهم ~~كانوا أجراء فيها وأنهم لم يكونوا ملاكا لها وإنما نسبها إليهم بالتصرف ~~والكون فيها كما قال الله تعالى لا تدخلوا بيوت النبى وقال في موضع آخر ~~وقرن في بيوتكن فأضاف البيوت تارة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتارة ~~إلى أزواجه ومعلوم أنها لم تخل من أن تكون ملكا له أو لهن لأنه لا يجوز أن ~~تكون لهن وله في حال واحدة لاستحالة كونها ملكا لكل واحد منهم على حدة فثبت ~~أن الإضافة إنما صحت لأجل التصرف والسكنى كما يقال هذا منزل فلان وإن كان ~~ساكنا فيه غير مالك له وهذا مسجد فلان ولا يراد به الملك وكذلك قوله أما ~~السفينة فكانت لمساكين هو على هذا المعنى ويقال إن الفقير إنما سمي بذلك ~~لأنه من ذوي الحاجة بمنزلة من قد كسرت فقاره يقال منه فقر الرجل فقرا ~~وأفقره الله إفقارا وتفاقر تفاقرا والمسكين الذي قد أسكنته الحاجة وروي عن ~~إبراهيم النخعي والضحاك في الفرق بين الفقير والمسكين أن الفقراء المهاجرون ~~والمساكين من غير المهاجرين كأنهما ذهبا إلى قوله تعالى للفقراء المهاجرين ~~الذين أخرجوا من ديارهم وروى سعيد عن قتادة قال الفقير الذي به زمانة وهو ~~فقير إلى بعض ms1897 جسده وبه حاجة والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به وروى معمر ~~عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال ليس المسكين بالذي لا مال له ~~ولكن # PageV04P323 # المسكين الذي لا يصيب المكسب وهذا الذي قدمنا يدل على أن الفقير أحسن ~~حالا من المسكين وأن المسكين أضعف حالا منه وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة ~~فيمن قال ثلث مالي للفقراء والمساكين ولفلان أن لفلان الثلث والثلثان ~~للفقراء والمساكين فهذا موافق لما روي عنه في الفرق بين الفقير والمسكين ~~وأنهما صنفان وروي عن أبي يوسف في هذه المسألة أن نصف الثلث لفلان ونصفه ~~للفقراء والمساكين وهذا يدل على أنه جعل الفقراء والمساكين صنفا واحدا ~~وقوله تعالى والعاملين عليها فإنهم السعاة لجباية الصدقة روي عن عبد الله ~~بن عمر أنهم يعطون بقدر عمالتهم وعن عمر بن عبد العزيز مثله ولا نعلم خلافا ~~بين الفقهاء أنهم لا يعطون الثمن وأنهم يستحقون منها بقدر عملهم وهذا يدل ~~على بطلان قول من أوجب قسمة الصدقات على ثمانية ويدل أيضا على أن أخذ ~~الصدقات إلى الإمام وأنه لا يجزي أن يعطى رب الماشية صدقتها الفقراء فإن ~~فعل أخذها الإمام ثانيا ولم يحتسب له بما أدى وذلك لأنه لو جاز لأرباب ~~الأموال أداؤها إلى الفقراء لما احتيج إلى عامل لجبايتها فيضر بالفقراء ~~والمساكين فدل ذلك على أن أخذها إلى الإمام وأنه لا يجوز له إعطاؤها ~~الفقراء قوله تعالى والمؤلفة قلوبهم فإنهم كانوا قوما يتألفون على الإسلام ~~بما يعطون من الصدقات وكانوا يتألفون بجهات ثلاث إحداها للكبار لدفع معرتهم ~~وكف أذيتهم عن المسلمين والاستعانة بهم على غيرهم من المشركين والثانية ~~لاستمالة قلوبهم وقلوب غيرهم من الكفار إلى الدخول في الإسلام ولئلا يمنعوا ~~من أسلم من قومهم من الثبات على الإسلام ونحو ذلك من الأمور والثالثة إعطاء ~~قوم من المسلمين حديثي العهد بالكفر لئلا يرجعوا إلى الكفر # وقد روى الثوري عن أبيه عن أبي نعيم عن أبي سعيد الخدري قال بعث علي بن ~~أبي طالب بذهبة في أديم ms1898 مقروظ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بين زيد الخير والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعلقمة بن علاثة فغضبت قريش ~~والأنصار وقالوا يعطي صناديد أهل نجد قال إنما أتألفهم # وروى بن أبي ذئب عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إني لأعطي الرجل العطاء وغيره أحب إلي منه وما أفعل ~~ذلك إلا مخافة أن يكبه الله في نار جهنم على وجهه # وروى عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرني أنس بن مالك أن ناسا ~~من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن وطفق رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطى رجالا # PageV04P324 # من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فذكر حديثا فيه فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم إني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أصانعهم أفلا ~~ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحالكم # وهذا يدل على أنه قد كان يتألف بما يعطي قوما من المسلمين حديثي عهد ~~بالإسلام لئلا يرجعوا كفارا وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن ~~أمية قال أعطانى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنه لأبغض الناس إلي ~~فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي # وروى محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال لما أصاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الغنائم بحنين وقسم للمتألفين من قريش وفي سائر العرب ما ~~قسم وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم وذكر الحديث وقال فيه قال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم لهم أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من ~~الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام # ففي هذا الحديث أنه تألفهم ليسلموا وفي الأول إني لأعطي رجالا حديثي عهد ~~بكفر فدل على أنه قد كان يتألف بذلك المسلمين والكفار جميعا وقد اختلف في ~~المؤلفة قلوبهم فقال أصحابنا إنما ms1899 كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في أول الإسلام في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم وقد أعز ~~الله الإسلام وأهله واستغنى بهم عن تألف الكفار فإن احتاجوا إلى ذلك فإنما ~~ذلك لتركهم الجهاد ومتى اجتمعوا وتعاضدوا لم يحتاجوا إلى تألف غيرهم بمال ~~يعطونه من أموال المسلمين وقد روي نحو قول أصحابنا عن جماعة من السلف روى ~~عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن حجاج بن دينار عن ابن سيرين عن عبيدة قال ~~جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا يا خليفة رسول الله إن ~~عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها ~~إياها وكتب لهما عليها كتابا وأشهد وليس في القوم عمر فانطلقا إلى عمر ~~ليشهد لهما فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل فمحاه ~~فتذمر او قالا مقالة سيئة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ~~يتألفكما والإسلام يومئذ قليل وإن الله قد أغنى الإسلام اذهبا فاجهدا جهد ~~كما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما قال أبو بكر رحمه الله فترك أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه النكير على عمر فيما فعله بعد إمضائه الحكم يدل على ~~أنه عرف مذهب عمر فيه حين نبهه عليه وأن سهم المؤلفة قلوبهم كان مقصورا على ~~الحال التي كان عليها أهل الإسلام من قلة العدد وكثرة عدد الكفار وأنه لم ~~ير الاجتهاد سائغا في # PageV04P325 # ذلك لأنه لوسوغ الاجتهاد فيه لما أجاز فسخ الحكم الذي أمضاه فلما أجاز له ~~ذلك دل على أنه عرف بتنبيه عمر إياه على ذلك امتناع جواز الاجتهاد في مثله ~~وروى إسرائيل عن جابر عن أبي جعفر قال ليس اليوم مؤلفة قلوبهم وروى إسرائيل ~~أيضا عن جابر بن عامر في المؤلفة قلوبهم قال كانوا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطع الرشا وروى ابن أبي زائدة ~~عن مبارك عن الحسن قال ليس المؤلفة ms1900 قلوبهم كانوا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم وروى معقل بن عبيد الله قال سألت الزهري عن المؤلفة ~~قال من أسلم من يهودي أو نصراني قلت وإن كان غنيا قال وإن كان غنيا قوله ~~تعالى وفي الرقاب فإن أهل العلم مختلفون فيه فقال إبراهيم النخعي والشعبي ~~وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين لا يجزي أن تعتق من الزكاة رقبة وهو قول ~~أصحابنا والشافعي وقال ابن عباس أعتق من زكاتك وكان سعيد بن جبير لا يعتق ~~من الزكاة مخافة جر الولاء وقال في الرقاب إنها رقاب يبتاعون من الزكاة ~~ويعتقون فيكون ولاؤهم لجماعة المسلمين دون المعتقين قال مالك والأوزاعي لا ~~يعطى المكاتب من الزكاة شيئا ولا عبدا موسرا كان مولاه أو معسرا ولا يعطون ~~من الكفارات أيضا قال مالك لا يعتق من الزكاة إلا رقبة مؤمنة قال أبو بكر ~~لا نعلم خلافا بين السلف في جواز إعطاء المكاتب من الزكاة فثبت أن إعطاءه ~~مراد بالآية والدفع إليه صدقة صحيحة وقال الله تعالى إنما الصدقات للفقراء- ~~إلى قوله- وفي الرقاب وعتق الرقبة لا يسمى صدقة وما أعطي في ثمن الرقبة ~~فليس بصدقة لأن بائعها أخذه ثمنا لعبده فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة والله ~~تعالى إنما جعل الصدقات في الرقاب فما ليس بصدقة فهو غير مجزئ وأيضا فإن ~~الصدقة تقتضي تمليكا والعبد لم يملك شيئا بالعتق وإنما سقط عن رقبته وهو ~~ملك للمولى ولم يحصل ذلك الرق للعبد لأنه لو حصل له لوجب أن يقوم فيها مقام ~~المولى فيتصرف في رقبته كما يتصرف المولى فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو ~~سقوط ملك المولى وأنه لم يملك بذلك شيئا فلا يجوز أن يكون ذلك مجزيا من ~~الصدقة إذ شرط الصدقة وقوع الملك للمتصدق عليه وأيضا فإن العتق واقع في ملك ~~المولى غير منتقل إلى الغير ولذلك ثبت ولاؤه منه فغير جائز وقوعه عن الصدقة ~~ولما قامت الحجة # عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الولاء لمن أعتق # وجب أن لا ms1901 يكون الولاء لغيره فإذا انتفى أن يكون الولاء إلا لمن أعتق ثبت ~~أن المراد به المكاتبون وأيضا # روى عبد الرحمن # PageV04P326 # ابن سهل بن حنيف عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من ~~أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا في سبيل الله أضله الله ~~في ظله يوم لا ظل إلا ظله # فثبت بذلك أن الصدقة على المكاتبين معونة لهم في رقابهم حتى يعتقوا وذلك ~~موافق لقوله تعالى وفي الرقاب # وروى طلحة اليماني عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال قال ~~أعرابى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم علمني عملا يدخلني الجنة قال لئن كنت ~~أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة أعتق النسمة وفك الرقبة قال أو ليسا سواء ~~قال لا عتق النسمة أن تفوز بعتقها وفك الرقبة أن واسق الظمآن وأمر بالمعروف ~~وانه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير # فجعل عتق النسمة غير فك الرقبة فلما قال وفي الرقاب كان الأولى أن يكون ~~في معونتها بأن يعطى المكاتب حتى يفك العبد رقبته من الرق وليس هو ابتياعها ~~وعتقها لأن الثمن حينئذ يأخذه البائع وليس في ذلك قربة وإنما القربة في أن ~~يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة لأنه قبلها ~~يحصل للمولى وإذا كان مكاتبا فما يأخذه لا يملكه المولى وإنما يحصل للمكاتب ~~فيجزي من الزكاة وأيضا فإن عتق الرقبة يسقط حق المولى عن رقبته من غير ~~تمليك ولا يحتاج فيه إلى إذن المولى فيكون بمنزلة من قضى دين رجل بغير أمره ~~فلا يجزي من زكاته وإن دفعه إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز كذلك إذا دفعه ~~إلى الغارم فقضى به دين نفسه جاز كذلك إذا دفعه إلى المكاتب فملكه أجزأه عن ~~الزكاة وإذا أعتقه لم يجزه لأنه لم يملكه وحصل العتق بغير قبوله ولا إذنه ~~قوله تعالى والغارمين قال أبو بكر لم يختلفوا أنهم المدينون وفي هذا دليل ms1902 ~~على أنه إذا لم يملك فضلا عن دينه مائتي درهم فإنه فقير تحل له الصدقة لأن # النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم # فحصل لنا بمجموع الآية والخبر أن الغارم فقير إذ كانت الصدقة لا تعطى إلا ~~الفقراء بقضية # قوله صلى الله عليه وآله وسلم وأردها في فقرائكم # وهذا يدل أيضا على أنه إذا كان عليه دين يحيط بماله وله مال كثير أنه لا ~~زكاة عليه إذ كان فقيرا يجوز له أخذ الصدقة والآية خاصة في بعض الغارمين ~~دون بعض وذلك لأنه لو كان له ألف درهم وعليه دين مائة درهم لم تحل له ~~الزكاة ولم يجز معطيه إياها وإن كان غارما فثبت أن المراد الغريم الذي لا ~~يفضل له عما في يده بعد قضاء دينه # PageV04P327 # مقدار مائتي درهم أو ما يساويها فيجعل المقدار المستحق بالدين مما في يده ~~كأنه في غير ملكه وما فضل عنه فهو فيه بمنزلة من لا دين عليه وفي جعله ~~الصدقة للغارمين دليل أيضا على أن الغارم إذا كان قويا مكتسبا فإن الصدقة ~~تحل له إذ لم تفرق بين القادر على الكسب والعاجز عنه وزعم الشافعي أن من ~~تحمل حمالة عشرة آلاف درهم وله مائة ألف درهم أن الصدقة تحل له وإن كان ~~عليه دين من غير الحمالة لم تحل له واحتج فيه # بحديث قبيصة ابن المخارق أنه تحمل حمالة فسأل النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم فيها فقال إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة رجل تحمل حمالة فيسأل فيها ~~حتى يؤديها ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيش ~~ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى يشهد ثلاثة من ذوى الحجى من قومه # أن فلانا أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادا من عيش ثم يمسك وما ~~سوى ذلك فهو سحت ومعلوم أن الحمالة وسائر الديون سواء لأن الحمالة هي ~~الكفالة والحميل هو الكفيل فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجاز ms1903 له ~~المسألة لأجل ما عليه من دين الكفالة وقد علم مساواة دين الكفالة وقد علم ~~لسائر الديون فلا فرق بين شيء منها فينبغي أن تكون إباحة المسألة لأجل ~~الحمالة محمولة على أنه لم يقدر على أدائها وكان الغرم الذي لزمه بإزاء ما ~~في يده من ماله كما نقول في سائر الديون وروى إسرائيل عن جابر بن أبي جعفر ~~في قوله تعالى والغارمين قال المستدين في غير سرف حق على الإمام يقضي عنه ~~وقال سعيد في قوله والغارمين قال ناس عليهم دين من غير فساد ولا إتلاف ولا ~~تبذير فجعل الله لهم فيها سهما وإنما ذكر هؤلاء في الدين أنه من غير سرف ~~ولا إفساد لأنه إذا كان مبذرا مفسدا لم يؤمن إذا قضى دينه أن يستدين مثله ~~فيصرفه في الفساد فكرهوا قضاء دين مثله لئلا يجعله ذريعة إلى السرف والفساد ~~ولا خلاف في جواز قضاء دين مثله ودفع الزكاة إليه وإنما ذكر هؤلاء عدم ~~الفساد والتبذير فيما استدان على وجه الكراهة لا على وجه الإيجاب وروى عبيد ~~الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد في قوله والغارمين قال الغارم من ~~ذهب السيل بماله أو أصابه حريق فأذهب ماله أو رجل له عيال لا يجد ما ينفق ~~عليهم فيستدين قال أبو بكر أما من ذهب ماله وليس عليه دين فلا يسمى غريما ~~لأن الغرم هو اللزوم والمطالبة فمن لزمه الدين يسمى غريما ومن له الدين ~~أيضا يسمى غريما لأن له اللزوم والمطالبة فأما من ذهب ماله فليس بغريم ~~وإنما يسمى # PageV04P328 # فقيرا أو مسكينا # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستعذ بالله من المأثم ~~والمغرم فقيل له في ذلك فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف # وإنما أراد إذا لزمه الدين ويجوز أن يكون مجاهد أراد من ذهب ماله وعليه ~~دين لأنه إذا كان له مال وعليه دين أقل من ماله بمقدار مائتي درهم فليس هو ~~من الغارمين المرادين بالآية # وروى أبو يوسف عن ms1904 عبد الله بن سميط عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك عن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن المسألة لا تحل ولا تصلح إلا ~~لأحد ثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع # ومعلوم أن مراده بالغرم الدين قوله تعالى وفي سبيل الله # روى ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم قال لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل أو ~~رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له # واختلف الفقهاء في ذلك فقال قائلون هي للمجاهدين الأغنياء منهم والفقراء ~~وهو قول الشافعي وقال الشافعي لا يعطى منها إلا الفقراء منهم ولا يعطى ~~الأغنياء من المجاهدين فإن أعطوا ملكوها وأجرأ المعطي وإن لم يصرفه في سبيل ~~الله لأن شرطها تمليكه وقد حصل لمن هذه صفته فأجزأ # وقد روي أن عمر تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك فأراد أن ~~يشتريه فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تعد في صدقتك # فلم يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المحمول على الفرس في سبيل الله ~~من بيعها وإن أعطى حاجا منقطعا به أجزأ أيضا وقد روي عن ابن عمر أن رجلا ~~أوصى بماله في سبيل الله فقال ابن عمر إن الحج في سبيل الله فاجعله فيه ~~وقال محمد بن الحسن في السير الكبير في رجل أوصى بثلث ماله في سبيل الله ~~إنه يجوز أن يجعل في الحاج المنقطع به وهذا يدل على أن قوله تعالى وفي سبيل ~~الله قد أريد به عند محمد الحاج المنقطع به # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال الحج والعمرة من سبيل ~~الله # وروي عن أبي يوسف فيمن أوصى بثلث ماله في سبيل الله أنه الفقراء الغزاة ~~فإن قيل فقد أجاز النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأغنياء الغزاة أخذ الصدقة # بقوله لا تحل لغني إلا ms1905 في سبيل الله # قيل له قد يكون الرجل غنيا في أهله وبلده بدار يسكنها وأثاث يتأنث به في ~~بيته وخادم يخدمه وفرس يركبه وله فضل مائتي درهم أو قيمتها فلا تحل له ~~الصدقة فإذا عزم على الخروج في سفر غزو واحتاج من آلات السفر والسلاح ~~والعدة إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته فينفق الفضل عن أثاثه وما ~~يحتاج إليه في مبصره على السلاح والآلة والعدة فتجوز له الصدقة وجائز أن ~~يكون الفضل عما يحتاج إليه من دابة الأرض # PageV04P329 # أو سلاحا أو شيئا من آلات السفر لا يحتاج إليه في المصر فيمنع ذلك جواز ~~إعطائه الصدقة إذا كان ذلك يساوي مائتي درهم وإن هو خرج للغزو فاحتاج إلى ~~ذلك جاز أن يعطى من الصدقة وهو غني في هذا الوجه فهذا معنى # قوله صلى الله عليه وآله وسلم الصدقة تحل للغازي الغني # قوله تعالى وابن السبيل هو المسافر المنقطع به يأخذ من الصدقة وإن كان له ~~مال في بلده وكذلك روي عن مجاهد وقتادة وأبي جعفر وقال بعض المتأخرين هو من ~~يعزم على السفر وليس له ما يحتمل به وهذا خطأ لأن السبيل هو الطريق فمن لم ~~يحصل في الطريق لا يكون ابن السبيل ولا يصير كذلك بالعزيمة كما لا يكون ~~مسافر بالعزيمة وقال تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا قال ابن ~~عباس هو المسافر لا يجد الماء فيتيمم فكذلك ابن السبيل هو المسافر وجميع من ~~يأخذ الصدقة من هذه الأصناف فإنما يأخذ صدقة بالفقر والمؤلفة قلوبهم ~~والعاملون عليها لا يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة في يد الإمام للفقراء ~~ثم يعطي الإمام المؤلفة منها لدفع أذيتهم عن الفقراء وسائر المسلمين ~~ويعطيها العاملين عوضا من أعمالهم لا على أنها صدقة عليهم وإنما قلنا ذلك # لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم # فبين أن الصدقة مصروفة إلى الفقراء فدل ذلك على أن أحدا لا يأخذها صدقة ~~إلا بالفقر وأن الأصناف ms1906 المذكورين إنما ذكروا بيانا لأسباب الفقر. ### | باب الفقير الذي يجوز أن يعطى من الصدقة # قال أبو بكر رحمه الله اختلف أهل العلم في المقدار الذي إذا ملكه الرجل ~~دخل به في حد الغني وخرج به من حد الفقير وحرمت عليه الصدقة فقال قوم إذا ~~كان عند أهله ما يغديهم ويعشيهم حرمت عليه الصدقة بذلك ومن كان عنده دون ~~ذلك حلت له الصدقة واحتجوا بما # رواه عبد الرحمن عن يزيد بن جابر قال حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي كبشة ~~السلولي قال حدثني سهيل بن الحنظلة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم يقول من سأل الناس عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قلت يا رسول ~~ما ظهر غنى قال أن يعلم أن عند أهله ما يغديهم ويعشيهم # وقال آخرون حتى يملك أربعين درهما أو عدلهما من الذهب واحتجوا لما # روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد قال أتيت ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول لرجل من سأل منكم وعنده أوقية ~~أو عدلها فقد سأل # PageV04P330 # إلحافا # والأوقية يومئذ أربعون درهما وقالت طائفة حتى يملك خمسين درهما أو عدلها ~~من الذهب واحتجوا في ذلك بما # روى الثوري عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ~~ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يسئل عبد مسألة ~~وله ما يغنيه إلا جاءت شيئا أو كدوحا أو خدوشا في وجهه يوم القيامة قيل يا ~~رسول الله وما غناه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب # وروى الحجاج عن الحسن بن سعد عن أبيه عن علي وعبد الله قالا لا تحل ~~الصدقة لمن له خمسون درهما أو عوضها من الذهب # وعن الشعبي قال لا يأخذ الصدقة من له خمسون درهما ولا نعطي منها خمسين ~~درهما وقال آخرون حتى يملك مائتي درهم أو عدلها من عرض أو غيره فاضلا عما ~~يحتاج إليه ms1907 من مسكن وخادم وأناث وفرس وهو قول أصحابنا والدليل على ذلك وما # روى أبو بكر الحنفي قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثني أبي عن رجل من ~~مزينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول من سأل وله عدل خمس أواق ~~سأل إلحافها # ويدل عليه ما # روى الليث بن سعد قال حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن شريك بن عبد ~~الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول إن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ~~فقال اللهم نعم # وروى يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم حين بعث معاذا إلى اليمن قال له أخبرهم أن الله قد فرض ~~عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم # وروى الأشعث عن ابن أبي جحيفة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بعث ساعيا على الصدقة فأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائنا فيقسمها في فقرائنا # فلما جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس صنفين فقراء وأغنياء وأوجب ~~أخذ الصدقة من صنف الأغنياء وردها في الفقراء لم تبق هاهنا واسطة بينهما ~~ولما كان الغني هو الذي ملك مائتي درهم وما دونها لم يكن مالكها غنيا وجب ~~أن يكون داخلا في الفقراء فيجوز له أخذها ولما اتفق الجميع على أن من كان ~~له دون الغداء والعشاء تحل له الصدقة علمنا أنها ليست إباحتها موقوفة على ~~الضرورة التي تحل معها الميتة فوجب اعتبار ما يدخل به في حد الغنى وهو أن ~~يملك فضلا عما يحتاج إليه مما وصفنا مائتي درهم أو مثلها من غرض أو غيره ~~وأما ملك الأربعين درهما والخمسين الدرهم على ما روي في الأخبار التي قدمنا ~~فإن هذه الأخبار واردة في كراهة المسألة لا في تحريمها وقد تكره المسألة ~~لمن عنده ما يعنيه في الوقت لا سيما في أول ms1908 ما هاجر النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إلى المدينة # PageV04P331 # مع كثرة فقراء المسلمين وقلة ذات أيديهم فاستحب النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم لمن عنده ما يكفيه ترك المسألة ليأخذها من هو أولى منه ممن لا يجد ~~شيئا وهو نحو # قوله صلى الله عليه وآله وسلم من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ~~ومن لا يسئلنا أحب إلينا ممن يسئلنا # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأن يأخذ أحدكم حبلا فيحتطب خير له من أن ~~يسئل الناس أعطوه أو منعوه # وقد روي عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين بن علي قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم للسائل حق وإن جاء على فرس # فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإعطاء السائل مع ملكه للفرس والفرس ~~في أكثر الحال تساوي أكثر من أربعين درهما أو خمسين درهما # وقد روى يحيى بن آدم قال حدثنا علي بن هاشم عن إبراهيم بن يزيد المكي عن ~~الوليد بن عبيد الله عن ابن عباس قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إن لي أربعين درهما أفمسكين أنا قال نعم # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يعقوب بن يوسف المطوعي قال حدثنا ~~أبو موسى الهروي قال حدثنا المعافى قال حدثنا إبراهيم بن يزيد الجزري قال ~~حدثنا الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن ابن عباس قال قال رجل يا رسول ~~الله عندي أربعون درهما أمسكين أنا قال نعم # فأباح له الصدقة مع ملكه لأربعين درهما حين سماه مسكينا إذ كان الله قد ~~جعل الصدقة للمساكين وروى أبو يوسف عن غالب ابن عبيد الله عن الحسن قال كان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل أحدهم الصدقة وله من السلاح ~~والكراع والعقار قيمة عشرة آلاف درهم وروى الأعمش عن إبراهيم قال كانوا لا ~~يمنعون الزكاة من له من البيت والخادم وروى شعبة عن قتادة عن الحسن قال من ~~له مسكن وخادم أعطي من الزكاة وروى ms1909 جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير ~~قال يعطى من له دار وخادم وفرس وسلاح يعطى من إذا لم يكن له ذلك الشيء ~~واحتاج إليه وقد اختلف في ذلك من وجه آخر فقال قائلون من كان قويا مكتسبا ~~لم تحل له الصدقة وإن لم يملك شيئا واحتجوا بما # روى أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ~~ورواه أبو بكر بن عياش أيضا عن أبي جعفر عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم مثله # وروى سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم قال لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب # وهذا عندنا على وجه الكراهة لا على جهة التحريم على النحو الذي ذكرنا في ~~كراهة المسألة فإن قيل قوله لا تحل الصدقة لغني على # PageV04P332 # وجه التحريم وامتناع جواز إعطائه الزكاة كذلك القوي المكتسب قيل له يجوز ~~أن يريد الغنى الذي يستغني به عن المسألة وهو أن يكون له أقل من مائتي درهم ~~لا الغنى الذي يجعله في حيز من يملك ما تجب في مثله الزكاة إذ قد يجوز أن ~~يسمى غنيا لاستغنائه بما يملكه عن المسألة ولم يرد به الغنى الذي يتعلق ~~بملك مثله وجوب الغنى فكان قوله لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي على ~~وجه الكراهة للمسألة لمن كان في مثل حاله وعلى أن حديث أبي هريرة هذا في ~~قوله لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي مختلف في رفعه فرواه أبو بكر بن ~~عياش مرفوعا على ما قدمنا ورواه أبو يوسف عن حصين عن أبي حازم عن أبي هريرة ~~من قوله غير مرفوع وحديث عبد الله بن عمرو # ورواه شعبة والحسن بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن ms1910 عبد ~~الله بن عمرو موقوفا عليه من قوله وقال لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ~~ورواه سفيان عن سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب # فاختلفوا في رفعه وظاهر قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين عام ~~في سائرهم من قدر منهم على الكسب ومن لم يقدر وكذلك قوله تعالى فى أموالهم ~~حق معلوم للسائل والمحروم يقتضي وجوب الحق للسائل القوي المكتسب إذ لم تفرق ~~الآية بينه وبين غيره ويدل أيضا قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ولم يفرق ~~بين القوي المكتسب وبين من لا يكتسب من الضعفاء فهذه الآيات كلها قاضية ~~ببطلان قوله القائل بأن الزكاة لا تعطى للفقير إذا كان قويا مكتسبا ولا ~~يجوز تخصيصها بخبر أبي هريرة وعبد الله بن عمرو الذين ذكرنا لاختلافهم في ~~رفعه واضطرب متنه لأن بعضهم يقول قوي مكتسب وبعضهم لذي مرة سوي وقد رويت ~~أخبار هي أشد استفاضة وأصح طرقا من هذين الحديثين معارضة لهما منها # حديث أنس وقبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن ~~الصدقة لا تحل إلا في إحدى ثلاث فذكر إحداهن فقر مدقع وقال أو رجل أصابته ~~فاقة أو رجل أصابته جائحة # ولم يشرط في شيء منها عدم القوة والعجز عن الاكتساب ومنها # حديث سليمان أنه حمل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة فقال ~~لأصحابه كلوا ولم يأكل # ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أقوياء مكتسين ولم ~~يخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها من كان منهم زمنا أو عاجزا عن # PageV04P333 # الاكتساب ومنها # حديث عروة بن الزبير عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين من العرب ~~حدثاه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسألاه من الصدقة فصعد ~~فيهما البصر ms1911 وصوبه فرآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ~~ولا لقوي مكتسب فلما قال لهما إن شئتما أعطيتكما ولو كان محرما ما أعطاهما ~~مع ما ظهر له من جلدهما وقوتهما # وأخبر مع ذلك أنه لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فدل على أنه أراد بذلك ~~كراهة المسألة ومحبة النزاهة لمن كان معه ما يغنيه أو قدر على الكسب ~~فيستغني به عنها وقد يطلق مثل هذا على وجه التغليظ لا على وجه تحقيق المعنى ~~كما # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس بمؤمن من يبيت شبعانا وجاره جائع # وقال لا دين لمن لا أمانة له # وقال ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان # ولم يرد به نفي المسكنة عنه رأسا حتى تحرم عليه الصدقة وإنما أراد ليس ~~حكمه كحكم الذي لا يسئل وكذلك قوله ولا حق فيها لغني ولا لقوي مكتسب على ~~معنى أنه ليس حقه فيها كحق الزمن العاجز عن الكسب ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم # فعم سائر الفقراء الزمنى منهم والأصحاء وأيضا قد كانت الصدقات والزكاة ~~تحل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيعطيها فقراء الصحابة من ~~المهاجرين والأنصار وأهل الصفة وكانوا أقوياء مكتسبين ولم يكن يخص بها ~~الزمنى دون الأصحاء وعلى هذا أمر الناس من لدن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم إلى يومنا يخرجون صدقاتهم إلى الفقراء والأقوياء والضعفاء منهم لا ~~يعتبرون منها ذوي العاهات والزمانة دون الأقوياء الأصحاء ولو كانت الصدقة ~~محرمة وغير جائزة على الأقوياء المكتسبين الفروض منها أو النوافل لكان من ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقيف للكافة عليه لعموم الحاجة إليه فلما ~~لم يكن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقيف للكافة على حظر دفع الزكاة ~~إلى الأقوياء من الفقراء والمكتسبين من أهل الحاجة لأنه لو كان منه توقيف ~~للكافة لورد النقل به مستفيضا دل ذلك على جواز إعطائها الأقوياء المتكسبين ~~من الفقراء كجواز ms1912 إعطائها الزمنى والعاجزين عن الاكتساب. ### | باب ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة # قال أصحابنا من تحرم عليهم الصدقة منهم آل عباس وآل علي وآل جعفر وآل ~~عقيل وولد حارث بن عبد المطلب جميعا وحكى الطحاوي عنهم وولد عبد المطلب ولم ~~أجد ذلك عنهم رواية والذي تحرم عليهم من ذلك الصدقات المفروضة وأما التطوع ~~فلا بأس # PageV04P334 # به وذكر الطحاوي أنه روي عن أبي حنيفة وليس بالمشهور أن فقراء بني هاشم ~~يدخلون في آية الصدقات ذكره في أحكام القرآن قال وقال أبو يوسف ومحمد لا ~~يدخلون قال أبو بكر المشهور عن أصحابنا جميعا من قدمنا ذكره من آل عباس وآل ~~علي وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب وأن تحريم الصدقة عليهم ~~خاص في المفروض منه دون التطوع وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الزكاة من ~~بني هاشم تحل لبني هاشم ولا يحل ذلك من غيرهم لهم وقال مالك لا تحل الزكاة ~~لآل محمد والتطوع يحل وقال الثوري ولا تحل الصدقة لبني هاشم ولم يذكر فرقا ~~بين النفل والفرض وقال الشافعي تحرم صدقة الفرض على بني هاشم وبني عبد ~~المطلب ويجوز صدقة التطوع على كل أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم فإنه كان لا يأخذها والدليل على أن الصدقة المفروضة محرمة على بني ~~هاشم # حديث ابن عباس قال ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشيء دون ~~الناس إلا بثلاث إسباغ الوضوء وأن لا نأكل الصدقة وأن لا ننزي الحمير على ~~الخيل # وروي أن الحسن بن علي أخذ تمرة من الصدقة فجعلها في فيه فأخرجها رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا نصر بن علي قال حدثنا ~~أبي عن خالد بن قيس عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجد ~~تمرة فقال لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها # وروى بهز بن ms1913 حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ~~الإبل السائمة من كل أربعين ابنة لبون من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن ~~منعها فإنا آخذوها وشطر ماله لا يحل لآل محمد منها شيء # وروي من وجوه كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن الصدقة لا تحل ~~لآل محمد إنما هي أوساخ الناس # فثبت بهذه الأخبار تحريم الصدقات المفروضات عليهم فإن قيل # روى شريك عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قدم عير المدينة ~~فاشترى منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم متاعا فباعه بربح أواق فضة ~~فتصدق بها على أرامل بني عبد المطلب ثم قال لا أعود أن أشتري بعدها شيئا ~~وليس ثمنه عندي # فقد تصدق على هؤلاء ومن هاشميات قيل له ليس في الخبر أنهن كمن هاشميات ~~وجائز أن لا يكن هاشميات بل زوجات بني عبد المطلب من غير بني عبد المطلب بل ~~عربيات من غيرهم وكن أزواجا لبني عبد المطلب فماتوا عنهن وأيضا فإن ذلك كان ~~صدقة تطوع وجائز أن يتصدق عليهم بصدقة التطوع وأيضا فإن حديث عكرمة الذي ~~ذكرناه أولى لأن حديث ابن عباس أخبر # PageV04P335 # فيه بحكمه فيهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالحظر متأخر ~~للإباحة فهذا أولى وأما بنوا المطلب فليسوا من أهل بيت النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم لأن قرابتهم منه كقرابة بني أمية ولا خلاف أن بني أمية ليسوا من ~~أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك بنوا المطلب فإن قيل لما ~~أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس سهم ذوي القربى كما أعطى ~~بني هاشم ولم يعط بني أمية دل ذلك على أنهم بمنزلة بني هاشم في تحريم ~~الصدقة قيل له # إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطهم للقربة فحسب لأنه لما قال ~~عثمان بن عفان وجبير بن مطعم يا رسول الله أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم ~~لقربهم منك وأما بنوا المطلب فحن ms1914 وهم في النسب شيء واحد فأعطيتهم ولم تعطنا ~~فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن بني المطلب لم تفارقني في جاهلية ولا ~~إسلام # فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يعطهم بالقرابة فحسب بل ~~بالنصرة والقرابة ولو كانت إجابتهم إياه ونصرتهم له في الجاهلية والإسلام ~~أصلا لتحريم الصدقة لوجب أن يخرج منها آل أبي لهب وبعض آل الحارث بن عبد ~~المطلب من أهل بيته لأنهم لم يجيبوه وينبغي أن لا تحرم على من ولد في ~~الإسلام من بني أمية لأنهم لم يخالفوه وهذا ساقط وأيضا فإن سهم الخمس إنما ~~يستحقه خاص منهم وهو موكول إلى اجتهاد الإمام ورأيه ولم يثبت خصوص تحريم ~~الصدقة في بعض آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأيضا فليس استحقاق سهم من ~~الخمس أصلا لتحريم الصدقة لأن اليتامى والمساكين وابن السبيل يستحقون سهما ~~من الخمس ولم تحرم عليهم الصدقة على موالي بني هاشم وهل أريدوا بآية الصدقة ~~فقال أصحابنا والثوري مواليهم بمنزلتهم في تحريم الصدقات والمفروضات عليهم ~~وقال مالك بن أنس لا بأس بأن يعطى مواليهم والذي يدل على القول الأول # حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعمل أرقم بن أرقم ~~الزهري على الصدقة فاستتبع أبا رافع فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم # وروي عن عطاء بن السائب عن أم كلثوم بنت علي عن مولى لهم يقال له هرمز أو ~~كيسان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له يا أبا فلان إنا أهل ~~بيت لا نأكل الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم فلا تأكل الصدقة # وأيضا لما # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب # وكانت الصدقة محرمة على من قرب نسبه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~وهم بنوا هاشم وجب أن يكون مواليهم بمثابتهم إذ كان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قد جعله لحمة كالنسب ms1915 واختلف في جواز أخذ بني هاشم # PageV04P336 # للعمالة من الصدقة إذا عملوا عليها فقال أبو يوسف ومحمد من غير خلاف ~~ذكراه عن أبي حنيفة لا يجوز أن يعمل على الصدقة أحد من بني هاشم ولا يأخذ ~~عمالته منها # قال محمد وإنما يصنع ما كان يأخذه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خروجه ~~إلى اليمن على أنه كان يأخذ من غير الصدقة # قال أبو بكر يعني بقوله لا يعمل على الصدقة على معنى أنه يعملها ليأخذ ~~عمالتها فأما إذا عمل عليها متبرعا على أن لا يأخذ شيئا فهذا لا خلاف بين ~~أهل العلم في جوازه وقال آخرون لا بأس بالعمالة لهم من الصدقة والدليل على ~~صحة القول الأول # ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا مسدد قال ~~حدثنا معمر قال سمعت أبي يحدث عن جيش عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث نوفل بن ~~الحارث ابنيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال انطلقا إلى عمكما ~~لعله يستعملكما على الصدقة فجاءا فحدثا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~بحاجتهما فقال لهما نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لكم أهل البيت ~~من الصدقات شيء لأنها غسالة الأيدي إن لكم في خمس الخمس ما يغنيكما أو ~~يكفيكما # وروي عن علي أنه قال للعباس سل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستعملك ~~على الصدقة فسأله فقال ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس # وروى الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها فقال إن الصدقة ~~لا تحل لآل محمد فمنعهما أخذ العمالة ومنع أبا رافع ذلك أيضا وقال مولى ~~القوم منهم # واحتج المبيحون لذلك بأن # النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث عليا إلى اليمن على الصدقة رواه جابر ~~وأبو سعيد # جميعا ومعلوم أنه قد كانت ولايته على الصدقات وغيرها ولا حجة في هذا لهم ~~لأنه ms1916 لم يذكر أن عليا أخذ عمالته منها وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم خذ من أموالهم صدقة ومعلوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يكن يأخذ من الصدقة عمالة # وقد كان علي بن أبي طالب حين خرج إلى اليمن فولي القضاء والحرب بها # فجائز أن يكون أخذ رزقه من مال الفيء لا من جهة الصدقة فإن قيل فقد يجوز ~~أن يأخذ الغني عمالته منها وإن لم تحل له الصدقة فكذلك بنوا هاشم قيل له ~~لأن الغني من أهل هذه الصدقة لو افتقر أخذ منها والهاشمي لا يأخذ منها بحال ~~فإن قيل إن العامل لا يأخذ عمالته صدقة وإنما يأخذ أجرة لعمله كما روي أن ~~بريرة كانت تهدى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يتصدق به عليها # ويقول صلى الله عليه وآله وسلم هي لها صدقة ولنا هدية # قيل له الفصل بينهما أن الصدقة كانت تحصل في ملك بريرة ثم تهديها للنبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم فكان بين ملك المتصدق وبين ملك النبي # PageV04P337 # صلى الله عليه وآله وسلم واسطة ملك آخر وليس بين ملك المأخوذ منه وبين ~~ملك العامل واسطة لأنها لا تحصل في ملك الفقراء حتى يأخذها العامل. ### | باب من لا يجوز أن يعطى من الزكاة من الفقراء # قال الله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين فاقتضى ظاهره جواز ~~إعطائها لمن شمله الاسم منهم قريبا كان أو بعيدا لولا قيام الدلالة على منع ~~إعطاء بعض الأقرباء وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا جميعا لا يعطى ~~منها والد وإن علا ولا ولدا وإن سفل ولا امرأة وقال مالك والثوري والحسن بن ~~صالح لا يعطى من تلزمه نفقته وقال ابن شبرمة لا يعطى من الزكاة قرابته ~~الذين يرثونه وإنما يعطى من لا يرثه وليس في عياله وقال الأوزاعي لا يتخطى ~~بزكاة ماله فقراء أقاربه إذا لم يكونوا من عياله ويتصدق على مواليه من غير ~~زكاة ماله وقال الليث لا يعطى الصدقة الواجبة من يعول وقال ms1917 المزني عن ~~الشافعي في مختصره ويعطى الرجل من الزكاة من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم ~~من عدا الولد والوالد والزوجة إذا كانوا أهل حاجة فهم أحق بها من غيرهم وإن ~~كان ينفق عليهم تطوعا قال أبو بكر فحصل من اتفاقهم أن الولد والوالد ~~والزوجة لا يعطون من الزكاة ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وآله وسلم أنت ومالك لأبيك # وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه # وإن ولده من كسبه فإذا كان مال الرجل مضافا إلى أبيه وموصوفا بأنه من ~~كسبه فهو متى أعطى ابنه فكأنه باق في ملكه لأن ملك ابنه منسوب إليه فلم ~~تحصل صدقة صحيحة وإذا صح ذلك في الابن فالأب مثله إذ كل واحد منهما منسوب ~~إلى الآخر من طريق الولادة وأيضا قد ثبت عندنا بطلان شهادة كل واحد منهما ~~لصاحبه فلما جعل كل واحد منهما فيما يحصله بشهادته لصاحبه كأنه يحصله لنفسه ~~وجب أن يكون إعطاؤه إياه الزكاة كتبقيته في ملكه وقد أخذ عليه في الزكاة ~~إخراجها إلى ملك الفقير إخراجا صحيحا ومتى أخرجها إلى من لا تجوز له شهادته ~~فلم ينقطع حقه عنه وهو بمنزلة ما هو باق في ملكه فلذلك لم يجزه ولهذه العلة ~~لم يجز أن يعطي زوجته منها وأما اعتبار النفقة فلا معنى له لأن النفقة حق ~~يلزمه وليست بآكد من الديون التي ثبتت لبعضهم على بعض فلا يمنع ثبوتها من ~~جواز دفع الزكاة إليه وعموم الآية يقتضي جواز دفعها إليه باسم الفقر ولم ~~تقم الدلالة على تخصيصه فلم يجز إخراجها لأجل النفقة من عمومها وأيضا # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير الصدقة # PageV04P338 # ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول # وذلك عموم في جواز دفع سائر الصدقات إلى من يعول وخرج الولد والوالد ~~والزوجان بدلالة فإن قيل إنما لم يجز إعطاء الوالد والولد لأنه تلزمه نفقته ~~قيل له هذا غلط لأنه لو كان الولد والوالد مستغنيين بقدر الكفاف ولم تكن ~~على صاحب المال نفقتهما لما ms1918 جاز أن يعطيهما من الزكاة لأنهما ممنوعان منها ~~مع لزوم النفقة وسقوطها فدل على أن المانع من دفعها إليهما أن كل واحد ~~منهما منسوب إلى الآخر بالولادة وأن واحدا منهما لا يجوز شهادته للآخر وكل ~~واحد من المعنيين علة في منع دفع الزكاة واختلفوا في إعطاء المرأة زوجها من ~~زكاة المال قال أبو حنيفة ومالك لا تعطيه وقال أبو يوسف ومحمد والثوري ~~والشافعي تعطيه والحجة للقول الأول أنه قد ثبت أن شهادة كل واحد من الزوجين ~~لصاحبه غير جائزة فوجب أن لا يعطي واحد منهما صاحبه من زكاته لوجود العلة ~~المانعة من دفعها في كل واحد منهما واحتج المجيزون لدفع زكاتها إليه # بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الصدقة على زوجها عبد الله وعلى أيتام لأخيها في حجرها فقال لك أجران ~~أجر الصدقة وأجر القرابة # قيل له كانت صدقة تطوع وألفاظ الحديث تدل عليه وذلك لأنه # ذكر فيه أنها قالت لما حث النبي صلى الله عليه وسلم النساء على الصدقة ~~وقال تصدقن ولو بحليكن جمعت حليا لي # وأردت أن أتصدق فسألت النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنها كانت ~~صدقة تطوع فإن احتجوا بما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا ابن ناجية قال حدثنا أحمد بن حاتم ~~قال حدثنا علي بن ثابت قال حدثني يحيى بن أبي أنيسة الجزري عن حماد بن ~~إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أن زينب الثقفية امرأة عبد الله سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن لي طوقا فيه عشرون مثقالا أفأؤدي زكاته ~~قال نعم نصف مثقال قالت فإن في حجري بنى أخ لي أيتاما أفأجعله أو أضعه فيهم ~~قال نعم # فبين في هذا الحديث أنها كانت من زكاتها قيل له ليس في هذا الحديث ذكر ~~إعطاء الزوج وإنما ذكر فيه إعطاء بني أخيها ونحن نجيز ذلك وجائز أن تكون ~~سألته عن صدقة التطوع على زوجها وبني أخيها فأجازها وسألته في ms1919 وقت آخر عن ~~زكاة الحلي ودفعها إلى بني أخيها فأجازها ونحن نجيز دفع الزكاة إلى بني ~~الأخ واختلف في إعطاء الذمي من الزكاة فقال أصحابنا ومالك والثوري وابن ~~شبرمة والشافعي لا يعطى الذمي من الزكاة وقال أصحابنا ومالك والثوري وابن ~~شبرمة والشافعي لا يعطى # PageV04P339 # من الزكاة وقال عبيد الله بن الحسن إذا لم يجد مسلما أعطى الذمي فقيل له ~~فإنه ليس بالمكان الذي هو به مسلم وفي موضع آخر مسلم فكأنه ذهب إلى إعطائها ~~للذمي الذي هو بين ظهرانيهم والحجة للقول الأول # قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم # فاقتضى ذلك أن يكون كل صدقة أخذها إلى الإمام مقصورة على فقراء المسلمين ~~ولا يجوز إعطاؤها للكفار ولما اتفقوا على أنه إذا كان هناك مسلمون لم يعط ~~الكفار ثبت أن الكفار لاحظ لهم في الزكاة إذ لو جاز إعطاؤها إياهم بحال ~~لجاز في كل حال لوجود الفقر كسائر الفقراء المسلمين واختلفوا في دفع الزكاة ~~إلى رجل واحد فقال أصحابنا يجوز أن يعطي جميع زكاته مسكينا واحدا وقال مالك ~~لا بأس أن يعطي الرجل زكاة الفطر عن نفسه وعياله مسكينا واحدا وقال المزني ~~عن الشافعي وأقل ما يعطى أهل السهم من سهام الزكاة ثلاثة فإن أعطى اثنين ~~وهو يجد الثالث ضمن ثلث سهم قال أبو بكر قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء ~~اسم للجنس في المدفوع والمدفوع إليهم وأسماء الأجناس إذا أطلقت فإنها ~~تتناول المسميات بإيجاب الحكم فيها على أحد معنيين إما الكل وإما أدناه ولا ~~تختص بعدد دون عدد إلا بدلالة إذ ليس فيها ذكر العدد ألا ترى إلى قوله ~~تعالى والسارق والسارقة وقوله الزانية والزانى وقوله وخلق الإنسان ضعيفا ~~ونحوها من أسماء الأجناس أنها تتناول كل واحد من آحادها على حياله لا على ~~طريق الجمع ولذلك قال أصحابنا فيمن قال إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد ~~أنه على الواحد منهم ولو قال إن شربت الماء أو أكلت الطعام كان على الجزء ~~منها لا ms1920 على استيعاب جميع ما تحته وقالوا لو أراد بيمينه استيعاب الجنس كان ~~مصدقا ولم يحنث أبدا إذ كان مقتضى اللفظ أحد معنيين إما استيعاب الجميع أو ~~أدنى ما يقع عليه الاسم منه وليس للجميع حظ في ذلك فلا معنى لاعتبار العدد ~~فيه وإذا ثبت ما وصفنا واتفق الجميع على أنه لم يرد بآية الصدقات استيعاب ~~الجنس كله حتى لا يحرم واحد منهم سقط اعتبار العدد فيه فبطل قول من اعتبر ~~ثلاثة منهم وأيضا لما يكن ذلك حقا لإنسان بعينه وإنما هو حق الله تعالى ~~يصرف في هذا الوجه وجب أن لا يختلف حكم الواحد والجماعة في جواز الإعطاء ~~ولأنه لو وجب اعتبار العدد لم يكن بعض الأعداد أولى بالاعتبار من بعض إذ لا ~~يختص الاسم بعدد دون عدد وأيضا لما وجب اعتبار العدد وقد علمنا تعذر ~~استيفائه لأنهم لا يحصون دل على # PageV04P340 # سقوط اعتباره إذ كان في اعتباره ما يؤديه إلى إسقاطه وقد اختلف أبو يوسف ~~ومحمد فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء فقال أبو يوسف يجزيهم وضعه في فقير واحد ~~وقال محمد لا يجزي إلا في اثنين فصاعدا شبهه أبو يوسف بالصدقات وهو أقيس ~~واختلف في موضع أداء الزكاة فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تقسم ~~صدقة كل بلد في فقرائه ولا يخرجها إلى غيره وإن أخرجها إلى غيره فأعطاها ~~الفقراء جاز ويكره وروى علي الرازي عن أبي سليمان عن ابن المبارك عن أبي ~~حنيفة قال لا بأس بأن يبعث الزكاة من بلد إلى بلد آخر إلى ذي قرابته قال ~~أبو سليمان فحدثت به محمد بن الحسن فقال هذا حسن وليس لنا في هذا سماع عن ~~أبي حنيفة قال أبو سليمان فكتبه محمد بن الحسن عن ابن المبارك عن أبي حنيفة ~~وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران قال أخبرنا أصحابنا عن محمد بن الحسن عن أبي ~~سليمان عن عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة قال لا يخرج الرجل زكاته من ~~مدينة إلى مدينة إلا لذي قرابته وقال أبو ms1921 حنيفة في زكاة الفطر يؤديها حيث ~~هو وعن أولاده الصغار حيث هم وزكاة المال حيث المال وقال مالك لا تنقل صدقة ~~المال من بلد إلى بلد إلا أن تفضل فتنقل إلى أقرب البلدان إليهم قال ولو أن ~~رجلا من أهل مصر حلت زكاته عليه وماله بمصر وهو بالمدينة فإنه يقسم زكاته ~~بالمدينة ويؤدي صدقة الفطر حيث هو وقال الثوري لا تنقل من بلد إلى بلد إلا ~~أن لا يجد من يعطيه وكره الحسن بن صالح نقلها من بلد إلى بلد وقال الليث ~~فيمن وجبت عليه زكاة ماله وهو ببلد غير بلده إنه إن كانت رجعته إلى بلده ~~قريبة فإنه يؤخر ذلك حتى يقدم بلده فيخرجها ولو أداها حيث هو رجوت أن تجزي ~~وإن كانت غيبته طويلة وأراد المقام بها فإنه يؤد زكاته حيث هو وقال الشافعي ~~إن أخرجها إلى غير بلده لم يبن لي أن عليه # الإعادة قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~يقتضي جواز إعطائها في غير البلد الذي فيه المال وفي أي موضع شاء ولذلك قال ~~أصحابنا أي موضع أدى فيه أجزأه ويدل عليه أنا لم نر في الأصول صدقة مخصوصة ~~بموضع حتى لا يجوز أداؤها في غيره ألا ترى أن كفارات الأيمان والنذور وسائر ~~الصدقات لا يختص جوازها بأدائها في مكان دون غيره وروي عن طاوس أن معاذا ~~قال لأهل اليمن ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة ~~والشعير فإنه أيسر عليكم وخير لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار فهذا يدل ~~على أنه كان ينقلها من اليمن # PageV04P341 # إلى المدينة وذلك لأن أهل المدينة كانوا أحوج إليها من أهل اليمن وروى ~~عدي بن حاتم أنه نقل صدقة طيئ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلادهم ~~بالبعد من المدينة ونقل أيضا عدى ابن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما ~~إلى أبى بكر الصديق رضى الله عنه من بلاد طيئ وبلاد بني تميم فاستعان بها ~~على قتال أهل الردة وإنما كرهوا نقلها إلى ms1922 بلد غيره إذا تساوى أهل البلدين ~~في الحاجة لما # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن ~~الله قد فرض عليهم حقا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم # وذلك يقتضي ردها في فقراء المأخوذين منهم وإنما قال أبو حنيفة إنه يجوز ~~له نقلها إلى ذي قرابته في بلد آخر لما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا أبو سلمة قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن سيرين عن سلمان بن عامر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صدقة الرجل على قرابته صدقة وصلة # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا موسى بن زكريا قال حدثنا أحمد بن ~~منصور قال حدثنا عثمان بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن عطاء عن ابن عباس عن عمر ~~بن الخطاب أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الصدقة على ذي القرابة تضاعف مرتين # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زينب امرأة عبد الله حين سألته عن ~~صدقتها على عبد الله وأيتام بني أخ لها في حجرها فقال لك أجران أجر الصدقة ~~وأجر القرابة # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا على بن الحسين ابن يزيد الصدائي قال ~~حدثنا أبي قال حدثنا ابن نمير عن حجاج عن الزهري عن أيوب ابن بشير عن حكيم ~~بن حزام قال قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل قال على ذي الرحم الكاشح # فثبت بهذه الأخبار أن الصدقة على ذي الرحم المحرم وإن بعدت داره أفضل ~~منها على الأجنبي فلذلك قال يجوز نقلها إلى بلد آخر إذا أعطاها ذا قرابته ~~وإنما قال أصحابنا في صدقة الفطر إنه يؤديها عن نفسه حيث هو وعن رفيقه ~~وولده حيث هم لأنها مؤداة عنهم فكما تؤدى زكاة المال حيث المال كذلك تؤدى ~~صدقة الفطر حيث المؤدى عنه. ### | فيما يعطى مسكين واحد من ms1923 الزكاة # كان أبو حنيفة يكره أن يعطى إنسان من الزكاة مائتي درهم وإن أعطيته أجزاك ~~ولا بأس بأن تعطيه أقل من مائتي درهم قال وأن يغني بها إنسانا أحب إلي وروى ~~هشام عن أبي يوسف في رجل له مائة وتسعة وتسعون درهما فتصدق عليه بدرهمين ~~أنه يقبل واحدا # PageV04P342 # ويرد واحدا فقد أجاز له أن يقبل تمام المائتين وكره أن يقبل ما فوقها ~~وأما مالك بن أنس فإنه يرد الأمر فيه إلى الاجتهاد من غير توقيف وقول ابن ~~شبرمة فيه كقول أبي حنيفة وقال الثوري لا يعطى من الزكاة أكثر من خمسين ~~درهما إلا أن يكون غارما وهو قول الحسن بن صالح وقال الليث يعطى مقدار ما ~~يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال والزكاة كثيرة ولم يحد الشافعي شيئا واعتبر ~~ما يرفع الحاجة قال أبو بكر قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين ليس ~~فيه تحديد مقدار ما يعطى كل واحد منهم وقد علمنا أنه لم يرد به تفريقها على ~~الفقراء على عدد الرءوس لامتناع ذلك وتعذره فثبت أن المراد دفعها إلى بعض ~~أي بعض كان وأقلهم واحد ومعلوم أن كل واحد من أرباب الأموال مخاطب بذلك ~~فاقتضى ذلك جواز دفع كل واحد منهم جميع صدقته إلى فقير واحد قل المدفوع أو ~~كثر فوجب بظاهر الآية جواز دفع المال الكثير من الزكاة إلى واحد من الفقراء ~~من غير تحديد لمقداره وأيضا فإن الدفع والتمليك يصادفانه وهو فقير فلا فرق ~~بين دفع القليل والكثير لحصول التمليك في الحالتين للفقير وإنما كره أبو ~~حنيفة أن يعطى إنسانا مائتي درهم لأن المائتين هي النصاب الكامل فيكون غنيا ~~مع تمام ملك الصدقة ومعلوم أن الله تعالى إنما أمر بدفع الزكوات إلى ~~الفقراء لينتفعوا بها ويتملكوها فلا يحصل له التمكين من الانتفاع إلا وهو ~~غني فكره من أجل ذلك دفع نصاب كامل ومتى دفع إليه أقل من النصاب فإنه يملكه ~~ويحصل له الانتفاع بها وهو فقير فلم يكرهه إذ القليل والكثير سواء في هذا ~~الوجه إذا ms1924 لم يصر غنيا فالنصاب عند وقوع التمليك والتمكين من الانتفاع وأما ~~قول أبى حنيفة وأن يغنى بها إنسان أحب إلي فإنه لم يرد به الغنى الذي تجب ~~عليه به الزكاة وإنما أراد أن يعطيه ما يستغني به عن المسألة ويكف به وجهه ~~ويتصرف به في ضرب من المعاش واختلف فيمن أعطى زكاته رجلا ظاهره الفقر ~~فأعطاه على ذلك ثم تبين أنه غني فقال أبو حنيفة ومحمد يجزيه وكذلك إن دفعها ~~إلى ابنه أو إلى ذمي وهو لا يعلم ثم علم أنه يجزيه وقال أبو يوسف لا يجزيه ~~وذهب أبو حنيفة في ذلك إلى ما # روي في حديث معن بن يزيد أن أباه أخرج صدقة فدفعها إليه ليلا وهو لا ~~يعرفه فلما أصبح وقف عليه فقال ما إياك أردت واختصما إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال له لك ما نويت يا يزيد وقال لمعن لك ما أخذت # ولم يسئله أنويتها من الزكاة أو غيرها بل # قال لك ما نويت # فدل على جوازها إن نواها زكاة # PageV04P343 # وأيضا فإن الصدقة على هؤلاء قد تكون صدقة صحيحة من وجه في غير حال ~~الضرورة وهو أن يتصدق عليهم صدقة التطوع فأشبهت من هذا الوجه الصلاة إلى ~~الكعبة إذا أداها باجتهاد صحيح ثم تبين أنه أخطأها كانت صلاته ماضية إذ ~~كانت الصلاة إلى غير جهة الكعبة قد تكون صلاة صحيحة من غير ضرورة وهو ~~المصلي تطوعا على الراحلة فكان إعطاء الزكاة باجتهاد مشبها لأداء الصلاة ~~باجتهاد على النحو الذي ذكرنا فإن قيل إنما يشبه مسألة الزكاة من توضأ بماء ~~يظنه طاهرا ثم علم أنه كان نجسا فلا تجزيه صلاته لأنه صار من اجتهاد إلى ~~يقين كذلك مؤدي الزكاة إلى غني أو ابنه أو ذمي إذا علم فقد صار من اجتهاد ~~إلى يقين فبطل حكم اجتهاده ووجبت عليه الإعادة قيل له ليس كذلك لأن الوضوء ~~بالماء النجس لا يكون طهارة بحال فلم يكن للاجتهاد تأثير في جوازه وترك ~~القبلة جائز في أحوال فمسئلتنا بما ذكرناه أشبه ms1925 فإن قيل الصلاة قد تجوز في ~~الثوب النجس في حال ومع ذلك فلو أداها باجتهاد منه في طهارة الثوب ثم تبين ~~النجاسة بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة ولم يكن جواز الصلاة في الثوب النجس ~~بحال موجبا لجواز أداءها بالاجتهاد متى صار إلى يقين النجاسة قيل له أغفلت ~~معنى اعتلالنا لأنا قلنا إن ترك القبلة جائز من غير ضرورة كجواز إعطاء ~~هؤلاء من صدقة التطوع من غير ضرورة فكانا متساويين من هذا الوجه ألا ترى ~~أنه لا ضرورة بالمصلي على الراحلة في فعل التطوع كما لا ضرورة بالمتصدق ~~صدقة التطوع على ما ذكرنا فلما استويا من هذا الوجه اشتبها في الحكم وأما ~~الصلاة في الثوب النجس فغير جائزة إلا في حال الضرورة ويستوي فيه حكم مصلي ~~الفرض أو متنفل فلذلك اختلفا. ### | باب دفع الصدقات إلى صنف واحد # قال الله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية # فروى أبو داود الطيالسي قال حدثنا أشعث بن سعيد عن عطاء عن سعيد بن جبير ~~عن علي وابن عباس قالا إذا أعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف ~~الثمانية أجزأه # وروى مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن ~~عبد العزيز وأبي العالية ولا يروى عن الصحابة خلافه فصار إجماعا من السلف ~~لا يسع أحدا خلافه لظهوره واستفاضته فيهم من غير خلاف ظهر من أحد من ~~نظرائهم عليهم وروى الثوري عن إبراهيم بن # PageV04P344 # ميسرة عن طاوس عن معاذ بن جبل أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض في ~~الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~وزفر ومالك ابن أنس وقال الشافعي تقسم على ثمانية أصناف إلا أن يفقد صنف ~~فتقسم في الباقين لا يجزي غيره وهذا قول مخالف لقول من قدمنا ذكره من السلف ~~ومخالف للآثار والسنن وظاهر الكتاب قال الله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم وذلك عموم في جميع الصدقات لأنه ~~اسم للجنس لدخول ms1926 الألف واللام عليه فاقتضت الآية دفع جميع الصدقات إلى صنف ~~واحد من المذكورين وهم الفقراء فدل على أن مراد الله تعالى في ذكر الأصناف ~~إنما هو بيان أسباب الفقر لا قسمتها على ثمانية ويدل عليه أيضا قوله تعالى ~~في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم وذلك يقتضي جواز إعطاء الصدقة هذين ~~دون غيرهما وذلك ينفي وجوب قسمتها على ثمانية وأيضا فإن قوله تعالى إنما ~~الصدقات للفقراء عموم في سائر الصدقات وما يحصل منها في كل زمان وقوله ~~تعالى للفقراء إلى آخره عموم أيضا في سائر المذكورين من الموجودين ومن يحدث ~~منهم ومعلوم أنه لم يرد منهم قسمة كل ما يحصل من الصدقة في الموجودين ومن ~~يحدث منهم لاستحالة إمكان ذلك إلى أن تقوم الساعة فوجب أن يجزي إعطاء صدقة ~~عام واحد لصنف واحد وإعطاء صدقة عام ثان لصنف آخر ثم كذلك صدقة كل عام لصنف ~~من الأصناف على ما يرى الإمام قسمته فثبت بذلك أن صدقة عام واحد أو رجل ~~واحد غير مقسومة على ثمانية وأيضا لا خلاف أن الفقراء لا يستحقونها بالشركة ~~وأنه جائز أن يحرم البعض منهم ويعطى البعض فثبت أن المقصد صرفها في بعض ~~المذكورين فوجب أن يجوز إعطاؤها بعض الأصناف كما جاز إعطاؤها بعض الفقراء ~~لأن ذلك لو كان حقا لهم جميعا لما جاز حرمان البعض وإعطاء البعض قال أبو ~~بكر ويدل عليه # ما روي في حديث سلمة بن صخر حين ظاهر من امرأته ولم يجد ما يطعم فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطلق إلى صاحب صدقة بني زريق ليدفع إليه ~~صدقاتهم # فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم دفع صدقاتهم إلى سلمة وإنما هو من صنف ~~واحد # وفي حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار في الرجلين اللذين سألا النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الصدقة فرآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما # ولم يسئلهما من أي الأصناف هما ليحسبهما من الصنف ويدل على أنها مستحقة ~~بالفقر # قوله صلى الله عليه وسلم # PageV04P345 # أمرت أن آخذ الصدقة ms1927 من أغنيائكم وأردها في فقرائكم # وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في ~~أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد في فقرائهم # فأخبر أن المعنى الذي به يستحق جميع الأصناف هو الفقر لأنه عم جميع ~~الصدقة وأخبر أنها مصروفة إلى الفقراء وهذا اللفظ مع ما تضمن من الدلالة ~~يدل على أن المعنى المستحق به الصدقة هو الفقر وأن عمومه يقتضي جواز دفع ~~جميع الصدقات إلى الفقراء حتى لا يعطى غيرهم بل ظاهر اللفظ يقتضي إيجاب ذلك ~~لقوله صلى الله عليه وسلم أمرت فإن قيل العامل يستحقه لا بالفقر قيل له لم ~~يكونوا يأخذونها صدقة وإنما تحصل الصدقة للفقراء ثم يأخذها العامل عوضا من ~~عمله لا صدقة كفقير تصدق عليه فأعطاها عوضا عن عمل عمل له وكما كان يتصدق ~~على بريرة فتهديه للنبي صلى الله عليه وسلم هدية للنبي وصدقة لبريرة فإن ~~قيل فإن المؤلفة قلوبهم قد كانوا يأخذونها صدقة لا بالفقر قيل له لم يكونوا ~~يأخذونها صدقة وإنما كانت تحصل صدقة للفقراء فيدفع بعضها إلى المؤلفة ~~قلوبهم لدفع أذيتهم عن فقراء المسلمين وليسلموا فيكونوا قوة لهم فلم يكونوا ~~يأخذونها صدقة بل كانت تحصل صدقة فتصرف في مصالح المسلمين إذ كان مال ~~الفقراء جائزا صرفه في بعض مصالحهم إذ كان الإمام يلي عليهم ويتصرف في ~~مصالحهم فأما ذكر الأصناف فإنما جاء به لبيان أسباب الفقر على ما بينا ~~والدليل عليه أن الغارم وابن السبيل والغازي لا يستحقونها إلا بالحاجة ~~والفقر دون غيرهما فدل على أن المعنى الذي به يستحقونها هو الفقر فإن قيل # روى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم أنه سمع زياد بن الحارث ~~الصدائي يقول أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم فقلت أعطني من ~~صدقاتهم ففعل وكتب لي بذلك كتابا فأتاه رجل فقال أعطني من الصدقة فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل لم يرض بحكم نبي ولا غيره حتى حكم ~~فيها من السماء ms1928 فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك منها ~~قيل له # هذا يدل على صحة ما قلنا لأنه قال إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك فبان ~~أنها مستحقة لمن كان من أهل هذه الأجزاء وذكر فيه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كتب للصدائي بشيء من صدقة قومه ولم يسئله من أي الأصناف هو فدل ذلك ~~على أن قوله إن الله تعالى جزأها ثمانية أجزاء معناه ليوضع في كل جزء منها ~~جميعها إن رأى ذلك الإمام ولا يخرجها عن جميعهم وأيضا فليس تخلو الصدقة من ~~أن تكون مستحقة بالاسم أو بالحاجة أو بهما # PageV04P346 # جميعا وفاسد أن يقال هي مستحقة بمجرد الاسم لوجهين أحدهما أنه يوجب أن ~~يستحقها كل غارم وكل ابن سبيل وإن كان غنيا وهذا باطل والوجه الثاني أنه ~~كان يجب أن يكون لو اجتمع له الفقر وابن السبيل أن يستحق سهمين فلما بطل ~~هذان الوجهان صح أنها مستحقة بالحاجة فإن قيل قوله تعالى إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين الآية يقتضي إيجاب الشركة فلا يجوز إخراج صنف منها كما ~~لو أوصى بثلث ماله لزيد وعمرو وخالد لم يحرم واحد منهم قيل له هذا مقتضى ~~اللفظ في جميع الصدقات وكذلك نقول فيعطي صدقة العام صنفا واحدا ويعطي صدقة ~~عام آخر صنفا آخر على قدر اجتهاد الإمام ومجرى المصلحة فيه وإنما الخلاف ~~بيننا وبينكم في صدقة واحدة هل يستحقها الأصناف كلها وليس في الآية بيان ~~حكم صدقة واحدة وإنما فيها حكم الصدقات كلها فنقسم الصدقات كلها على ما ~~ذكرنا فنكون قد وفينا الآية حقها من مقتضاها واستعملنا سائر الآي التي ~~قدمنا ذكرها والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وقول السلف فذلك أولى من ~~إيجاب قسمة صدقة واحدة على ثمانية ورد أحكام سائر الآي والسنن التي قدمنا ~~وبهذا المعنى الذي ذكرنا انفصلت الصدقات من الوصية بالثلث لأعيان لأن ~~المسلمين لهم محصورون وكذلك والثلث في مال معين فلا بد من أن يستحقوه ~~بالشركة وأيضا فلا خلاف أن الصدقات غير مستحقة على وجه ms1929 الشركة للمسلمين ~~لاتفاقهم على جواز إعطاء بعض الفقراء دون بعض ولا جائز إخراج بعض الموصى ~~لهم وأيضا لما جاز التفضيل في الصدقات لبعض على بعض ولم يجز ذلك في الوصايا ~~المطلقة كذلك جاز بعض الأصناف كما جاز حرمان بعض الفقراء ففارق الوصايا من ~~هذا الوجه وأيضا لما كانت الصدقة حقا لله تعالى لا لآدمي بدلالة أنه لا ~~مطالبة لآدمي يستحقها لنفسه فأي صنف أعطي فقد وضعها موضعها والوصية لأعيان ~~حق لآدمي لا مطالبة لغيرهم بها فاستحقوها كلهم كسائر الحقوق التي للآدميين ~~ويدل على ذلك أن الله أوجب في الكفارة إطعام مساكين ولو أعطى الفقراء جاز ~~فكذلك جائز أن يعطي ما سمى للمساكين في آية الصدقات للفقراء والوصية مخالفة ~~لذلك لأنه لو أوصى لزيد لم يعط عمرو. # قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك يقولون هو صاحب ~~أذن يصغي إلى كل أحد وقيل إن أصله من أذن يأذن إذا سمع قول الشاعر: # PageV04P347 # في سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ما ذي مشار # ومعناه أذن صلاح لكم لا أذن شر وقوله يؤمن للمؤمنين قال ابن عباس يصدق ~~المؤمنين ودخول اللام هاهنا كدخوله في قوله قل عسى أن يكون ردف لكم ومعناه ~~ردفكم وقيل إنما أدخلت اللام للفرق بين إيمان التصديق وإيمان الأمان فإذا ~~قيل ويؤمن للمؤمنين لم يعقل به غير التصديق وهو كقوله تعالى قل لا تعتذروا ~~لن نؤمن لكم أي لن نصدقكم وكقوله وما أنت بمؤمن لنا ومن الناس من يحتج بذلك ~~في قبول خبر الواحد لإخبار الله تعالى عن نبيه أنه يصدق المؤمنين فيما ~~يخبرونه به وهذا لعمري يدل على قبوله في أخبار المعاملات فأما أخبار ~~الديانات وأحكام الشرع فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إلى أن ~~يسمعها من أحد إذ كان الجميع عنه يأخذون وبه يقتدون فيها # قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه قيل إنه إنما رد ضمير الواحد في ms1930 ~~قوله يرضوه لأن رضا الله ينتظم رضا الرسول إذ كل ما رضي الله فقد رضيه ~~الرسول فترك ذكر ضمير الرسول لدلالة الحال عليه وقيل إن اسم الله تعالى لا ~~يجمع مع اسم غيره في الكناية تعظيما بإفراد الذكر # وقد روي أن رجلا خطب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يطع ~~الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم ~~فبئس الخطيب أنت فأنكر الجمع بين اسم الله وبين اسمه في الكناية # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن جمع اسم غير الله إلى اسمه ~~بحرف الجمع فقال لا تقولوا إن شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا إن شاء الله ~~ثم شاء فلان # قوله تعالى يحذر المنافقون أن تنزل عليهم قال الحسن ومجاهد كانوا يحذرون ~~فحملاه على معنى الإخبار عنهم بأنهم يحذرون وقال غيرهما صورته صورة الخبر ~~ومعناه الأمر تقديره ليحذر المنافقون وقوله تعالى إن الله مخرج ما تحذرون ~~إخبار من الله بإخراج إضمار السوء وإظهاره وهتك صاحبه بما يخذله الله به ~~ويفضحه وذلك إخبار عن المنافقين وتحذير لغيرهم من سائر مضمري السوء وكاتميه ~~وهو في معنى قوله والله مخرج ما كنتم تكتمون # قوله تعالى ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب- إلى قوله- إن نعف ~~فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه ~~الإكراه لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا لعبا فأخبر الله عن ~~كفرهم باللعب بذلك وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا ~~الرجل أن # PageV04P348 # يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات فأطلع الله نبيه على ذلك فأخبر أن ~~هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جد أو هزل فدل على استواء حكم ~~الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله ~~وبشيء من شرائع دينه كفر فاعله # قوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض أضاف بعضهم إلى بعض ~~باجتماعهم على ms1931 النفاق فهم متشاكلون متشابهون في تعاضدهم على النفاق والأمر ~~بالمنكر والنهي عن المعروف كما يضاف بعض الشيء إليه لمشاكلته للجملة قوله ~~تعالى ويقبضون أيديهم فإنه روي عن الحسن ومجاهد عن الإنفاق في سبيل الله ~~وقال قتادة عن كل خير وقال غيره عن الجهاد في سبيل الله وجائز أن يكونوا ~~قبضوا أيديهم عن جميع ذلك فيكون المراد جميع ما احتمله اللفظ منه وقوله ~~نسوا الله فنسيهم فإن معناه أنهم تركوا أمره والقيام بطاعته حتى صار ذلك ~~عندهم بمنزلة المنسي إذ لم يستعملوا منه شيئا كما لا يعمل بالمنسي وقوله ~~فنسيهم معناه أنه تركهم من رحمته وسماه باسم الذنب لمقابلته لأنه عقوبة ~~وجزاء على الفعل وهو مجاز كقولهم الجزاء بالجزاء وقوله وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها # ونحو ذلك قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~روى عبد الله بن مسعود قال جاهدهم بيدك فإن لم تستطع فبلسانك وقلبك فإن لم ~~تستطع فاكفهر في وجوههم وقال ابن عباس جاهد الكفار بالسيف والمنافقين ~~باللسان وقال الحسن وقتادة جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بإقامة الحدود ~~وكانوا أكثر من يصيب الحدود # قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ~~إسلامهم فيه إخبار عن كفار المنافقين وكلمة الكفر كل كلمة فيها جحد لنعمة ~~الله أو بلغت منزلتها في العظم وكانوا يطعنون في النبوة والإسلام ويقال إن ~~القائل لكلمة الكفر الجلاس بن سويد بن الصامت قال إن كان ما جاء به محمد ~~حقا لنحن شر من الحمير ثم حلف بالله ما قال روي ذلك عن مجاهد وعروة وابن ~~إسحاق وقال قتادة نزلت في عبد الله بن أبى بن سلول حين قال لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وقال الحسن كان جماعة من المنافقين قالوا ~~ذلك وفيما قص الله علينا من شأن المنافقين وإخباره عنهم باعتقاد الكفر ~~وقوله ثم تبقيته إياهم واستحياؤهم لما كانوا يظهرون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين من الإسلام دلالة على قبول توبة الزنديق المسر للكفر ~~والمظهر للإيمان ms1932 # قوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من # PageV04P349 # فضله لنصدقن # إلى آخر الآيتين فيه الدلالة على أن من نذر نذرا فيه قربة لزمه الوفاء به ~~لأن العهد هو النذر والإيجاب نحو قوله إن رزقني الله ألف درهم فعلي أن ~~أتصدق منها بخمس مائة ونحو ذلك # فانتظمت هذه الآية أحكاما منها أن من نذر نذرا لزمه الوفاء بنفس المنذر ~~لقوله تعالى فلما آتاهم من فضله بخلوا به فعنفهم على ترك الوفاء بالمنذور ~~بعينه وهذا يدل على بطلان قول من أوجب في شيء بعينه كفارة يمين وأبطل إيجاب ~~إخراج المنذور بعينه ويدل أيضا على جواز تعليق النذر بشرط مثل أن يقول إن ~~قدم فلان فلله علي صدقة أو صيام ويدل أيضا على أن النذر المضاف إلى الملك ~~إيجاب في الملك وإن لم يكن الملك موجودا في الحال # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر فيما لا يملك ابن آدم وجعله ~~الله تعالى نذرا في الملك وألزمه الوفاء به # فثبت بذلك أن النذر في غير ملك أن يقول لله علي أن أتصدق بثوب زيد أو ~~نحوه وهو يدل على أن من قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق أنه مطلق في نكاح ~~لا قبل النكاح كما كان المضيف للنذر إلى الملك ناذرا في الملك ونظير ذلك في ~~إيجاب نفس المنذور على موجبه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون فاقتضى ذلك فعل المقول ~~بعينه وإخراج كفارة يمين ليس هو المقول بعينه ونحوه قوله تعالى وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم والوفاء بالعهد إنما هو فعل المعهود بعينه لا غير وقوله ~~وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وقوله يوفون بالنذر فمدحهم على فعل المنذور بعينه ~~ومن نظائره قوله تعالى وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ~~والابتداع قد يكون بالقول وبالفعل فاقتضى ذلك إيجاب كل ما ابتدعه الإنسان ~~من ms1933 قربة قولا أو فعلا لذم الله تارك ما ابتدع من القربة وقد روي نحو ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النذر وهو قوله من نذر نذرا وسماه فعليه ~~الوفاء به ومن نذر نذرا ولم يسمه فعليه كفارة يمين # قوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قلوبهم قال الحسن بخلهم بما نذروه أعقبهم ~~النفاق وقال مجاهد أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس ومعناه نصب ~~الدلالة على أنه لا يتوب أبدا ذما له على ما كسبته يده وقوله إلى يوم ~~يلقونه قيل فيه يلقون جزاء بخلهم ومن ذهب إلى أن الله أعقبهم رد الضمير إلى ~~اسم الله تعالى # قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم # PageV04P350 # فيه إخبار بأن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم لا يوجب لهم المغفرة ~~ثم قال إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذكر السبعين على وجه ~~المبالغة في اليأس من المغفرة وقد روي في بعض الأخبار أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال لأزيدن على السبعين وهذا خطأ من راويه ~~لأن الله تعالى قد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله فلم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليسئل الله مغفرة الكفار مع علمه بأنه لا يغفر لهم وإنما الرواية ~~الصحيحة فيه ما # روي أنه قال لو علمت أني لو زدت على السبعين غفر لهم لزدت عليها # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من ~~غير علم منه بنفاقهم فكانوا إذا مات الميت منهم يسئلون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الدعاء والاستغفار له فكان يستغفر لهم على أنهم مسلمون فأعلمه ~~الله تعالى أنهم ماتوا منافقين وأخبر مع ذلك أن استغفار النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم لا ينفعهم # قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فيه الدلالة ~~على معان أحدها فعل الصلاة على موتى المسلمين وحظرها على ms1934 موتى الكفار ويدل ~~أيضا على القيام على القبر إلى أن يدفن وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد كان يفعله # وقد روى وكيع عن قيس بن مسلم عن عمير بن سعد أن عليا قام على قبر حتى دفن # وروى سفيان الثوري عن أبي قيس قال شهدت علقمة قام على قبر حتى دفن وروى ~~جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير أن ابن الزبير كان إذا مات له ~~ميت لم يزل قائما حتى ندفنه فهذا يدل على أن السنة لمن حضر عند القبر أن ~~يقوم عليه حتى يدفن ومن الناس من يستدل بذلك على جواز الصلاة على القبر ~~وجعل قوله ولا تقم على قبره قيام الصلاة على القبر وهذا خطأ من التأويل ~~لأنه تعالى قال ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره فنهى عن ~~القيام على القبر كنهيه عن الصلاة على الميت عطفا عليه فغير جائز أن يكون ~~المعطوف هو المعطوف عليه بعينه وأيضا فإن القيام ليس هو عبارة عن الصلاة ~~وإنما يريد هذا القائل أن يجعله كناية عنها وغير جائز أن تذكر الصلاة بصريح ~~اسمها ثم يعطف عليها القيام فيجعله كناية عنها فثبت بذلك أن القيام على ~~القبر غير الصلاة وأيضا # روى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال سمعت عمر بن الخطاب ~~يقول لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال هذا أبي يا رسول الله قد وضعناه على شفير قبره فقم فصل عليه فوثب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ووثبت معه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقام الناس خلفه تحولت وقمت في صدره وقلت يا رسول الله # PageV04P351 # على عبد الله بن أبي عدو الله القائل يوم كذا كذا وكذا أعد أيامه الخبيثة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدعني يا عمر إن الله خيرني فاخترت ~~فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم الآية ms1935 فو الله لو أعلم يا عمر أني لو زدت ~~على سبعين مرة أن يغفر له لزدت ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ~~وقام على قبره حتى دفن # ثم لم يلبث إلا قليلا حتى أنزل الله ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره فو الله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد من ~~المنافقين ولا قام على قبره بعده فذكر عمر في هذا الحديث الصلاة والقيام ~~على القبر جميعا فدل على ما وصفنا # وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن ~~أبي فأخذ جبريل بثوبه فقال لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره # قوله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله هذا عطف على ما تقدم من ذكر الجهاد في ~~قوله لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ثم عطف عليه ~~قوله وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فذمهم على الاستئذان في التخلف عن ~~الجهاد من غير عذر ثم ذكر المعذورون من المؤمنين فذكر الضعفاء وهم الذين ~~يضعفون عن الجهاد بأنفسهم لزمانة أو عمى أو سن أو ضعف في الجسم وذكر المرضى ~~وهم الذين بهم أعلال مانعة من النهوض والخروج للقتال وعذر الفقراء الذين لا ~~يجدون ما ينفقون وكان عذر هؤلاء ومدحهم بشريطة النصح لله ورسوله لأن من ~~تخلف منهم وهو غير ناصح لله ورسوله بل يريد التضريب والسعي في إفساد قلوب ~~من بالمدينة لكان مذموما مستحقا للعقاب ومن النصح لله تعالى حث المسلمين ~~على الجهاد وترغيبهم فيه والسعي في إصلاح ذات بينهم ونحوه مما يعود بالنفع ~~على الدين ويكون مع ذلك مخلصا لعمله من الغش لأن ذلك هو النصح ومنه التوبة ~~النصوح قوله ما على المحسنين من سبيل عموم في أن كل من كان محسنا في شيء ~~فلا سبيل عليه فيه ويحتج به في مسائل ms1936 مما قد اختلف فيه نحو من استعار ثوبا ~~ليصلي فيه أو دابة ليحج عليها فتهلك فلا سبيل عليه في تضمينه لأنه محسن وقد ~~نفى الله تعالى السبيل عليه نفيا عاما ونظائر ذلك مما يختلف في وجوب الضمان ~~عليه بعد حصول صفة الإحسان له فيحتج به نافو الضمان ويحتج مخالفنا في إسقاط ~~ضمان الجمل الصئول إذا قتله من خشي أن يقتله بأنه محسن في قتله للجمل وقال ~~الله تعالى ما على المحسنين من سبيل # PageV04P352 # ونظائره كثيرة قوله تعالى فأعرضوا عنهم إنهم رجس هو كقوله إنما المشركون ~~نجس لأن الرجس يعبر به عن النجس ويقال رجس نجس على الإتباع وهذا يدل على ~~وجوب مجانبة الكفار وترك موالاتهم ومخالطتهم وإيناسهم وتقويتهم # وقوله تعالى يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين يدل على أن الحلف على الاعتذار ممن كان متهما لا يوجب الرضا ~~عنه وقبول عذره لأن الآية قد اقتضت النهي عن الرضا عن هؤلاء مع أيمانهم ~~وقال في هذه الآية يحلفون ولم يقل بالله وقال في الآية الأولى سيحلفون ~~بالله فذكر اسم الله في الحلف في الأولى واقتصر في الآية الثانية على ذكر ~~الحلف فدل على أنهما سواء وقال في موضع آخر يحلفون على الكذب وهم يعلمون ~~وكذلك قال الله تعالى في القسم فقال في موضع وأقسموا بالله جهد أيمانهم ~~وقال في موضع آخر إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين فاكتفى بذكر الحلف عن ذكر اسم ~~الله تعالى وفي هذا دليل على أنه لا فرق بين قول القائل أحلف وبين قوله ~~أحلف بالله وكذلك قوله أقسم وأقسم بالله # قوله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله أطلق هذا الخبر عن الأعراب ومراده الأعم الأكثر منهم وهم الذين ~~كانوا يواطئون المنافقين على الكفر والنفاق وأخبر أنهم أجدر أن لا يعلموا ~~حدود ما أنزل الله على رسوله وذلك لقلة سماعهم للقرآن ومجالستهم للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فهم أجهل من المنافقين الذين كانوا ms1937 بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنهم قد كانوا يسمعون القرآن والأحكام فكان الأعراب أجهل بحدود ~~الشرائع من أولئك وكذلك هم الآن في الجهل بالأحكام والسنن وفي سائر الأعصار ~~وإن كانوا مسلمين لأن من بعد من الأمصار وناء عن حضرة العلماء كان أجهل ~~بالأحكام والسنن ممن جالسهم وسمع منهم ولذلك كره أصحابنا إمامة الأعرابي في ~~الصلاة ويدل على أن إطلاق اسم الكفر والنفاق على الأعراب خاص في بعضهم دون ~~بعض قوله تعالى في نسق التلاوة # ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~وصلوات الرسول الآية قال ابن عباس والحسن صلوات الرسول استغفاره لهم وقال ~~قتادة دعاؤه لهم بالخير والبركة # وقوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان فيه الدلالة على تفضيل السابق إلى الخير على التالي لأنه داع إليه ~~بسبقه والتالي تابع له فهو إمام له وله # PageV04P353 # مثل أجره كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ~~إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة # وكذلك السابق إلى الشر أسوأ حالا من التابع له لأنه في معنى من سنه وقال ~~الله تعالى وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم يعني أثقال من اقتدى بهم في ~~الشر وقال الله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما من قتيل ظلما إلا وعلى ابن آدم القاتل ~~كفل من دمه لأنه أول من سن القتل # وقد اختلف فيمن نزلت الآية فروي عن أبي موسى وسعيد بن المسيب وابن سيرين ~~وقتادة أنها نزلت في الذين صلوا إلى القبلتين وقال الشعبي فيمن بايع بيعة ~~الرضوان وقال غيرهم فيمن أسلم قبل الهجرة # وقوله تعالى وممن حولكم من الأعراب منافقون- الآية إلى قوله- سنعذبهم ~~مرتين قال الحسن وقتادة في الدنيا وفي القبر ثم يردون إلى ms1938 عذاب عظيم وهو ~~عذاب جهنم وقال ابن عباس في الدنيا بالفضيحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذكر رجالا منهم بأعيانهم والأخرى في القبر وقال مجاهد بالقتل والسبي والجوع # وقوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ~~أن يتوب عليهم والاعتراف الإقرار بالشيء عن معرفة لأن الإقرار من قر الشيء ~~إذا ثبت والاعتراف من المعرفة وإنما ذكر الاعتراف بالخطيئة عند التوبة لأن ~~تذكر قبح الذنب أدعى إلى إخلاص التوبة منه وأبعد من حال ما يدعى إلى التوبة ~~ممن لا يدري ما هو ولا يعرف موقعه من الضرر فأصح ما يكون من التوبة أن تقع ~~مع الاعتراف بالذنب ولذلك حكى الله تعالى عن آدم وحواء عند توبتهما ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وإنما قال عسى ~~الله أن يتوب عليهم ليكونوا بين الطمع والإشفاق فيكونوا أبعد من الاتكال ~~والإهمال وقال الحسن عسى من الله واجب وفي هذه الآية دلالة على أن المذنب ~~لا يجوز له اليأس من التوبة وإنما يعرض ما دام يعمل مع الشر خير لقوله ~~تعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وأنه متى كان للمذنب رجوع إلى الله في ~~فعل الخير وإن كان مقيما على الذنب أنه مرجو الصلاح مأمون خير العاقبة وقال ~~الله تعالى ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون فالعبد وإن عظمت ذنوبه فغير جائز له الانصراف عن الخير يائسا من ~~قبول توبته لأن التوبة # PageV04P354 # مقبولة ما بقي في حال التكليف فأما من عظمت ذنوبه وكثرت مظالمه وموبقاته ~~فأعرض عن فعل الخير والرجوع إلى الله تعالى يائسا من قبول توبته فإنه يوشك ~~أن يكون ممن قال الله عز وجل كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. # وروي أن الحسن بن علي قال لحبيب بن مسلمة الفهري وكان من أصحاب معاوية رب ~~مسير لك في غير طاعة الله فقال أما مسيري إلى أبيك فلا فقال الحسن بلى ~~ولكنك اتبعت معاوية ms1939 على عرض من الدنيا يسير والله لئن قام بك معاوية في ~~دنياك لقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا كنت ممن قال الله ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ولكنك أنت ممن قال الله ~~كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # وهذه الآية نزلت في نفر تخلفوا عن تبوك قال ابن عباس كانوا عشرة فيهم أبو ~~لبابة بن عبد المنذر فربط سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد إلى أن نزلت ~~توبتهم وقيل سبعة فيهم أبو لبابة # قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ظاهره رجوع الكناية ~~إلى المذكورين قبله وهم الذين اعترفوا بذنوبهم لأن الكناية لا تستغني عن ~~مظهر مذكور قد تقدم ذكره في الخطاب فهذا هو ظاهر الكلام ومقتضى اللفظ وجائز ~~أن يريد به جميع المؤمنين وتكون الكناية جميعا لدلالة الحال عليه كقوله ~~تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر يعني القرآن وقوله ما ترك على ظهرها من ~~دابة وهو يعني الأرض وقوله حتى توارت بالحجاب يعني الشمس فكنى عن هذه ~~الأمور من غير ذكرها مظهرة في الخطاب لدلالة الحال عليها كذلك قوله خذ من ~~أموالهم صدقة يحتمل أن يريد به أموال المؤمنين وقوله تطهرهم وتزكيهم بها ~~يدل على ذلك فإن كانت الكناية عن المذكورين في الخطاب من المعترفين بذنوبهم ~~فإن دلالته ظاهرة على وجوب الأخذ من سائر المسلمين لاستواء الجميع في أحكام ~~الدين إلا ما خصه الدليل وذلك لأن كل حكم حكم الله ورسوله به في شخص أو على ~~شخص من عباده أو غيرها فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص إلا قام دليل ~~التخصيص فيه وقوله تعالى تطهرهم يعني إزالة نجس الذنوب بما يعطي من الصدقة ~~وذلك لأنه لما أطلق اسم النجس على الكفر تشبيها له بنجاسة الأعيان أطلق في ~~مقابلته وإزالته اسم التطهير كتطهير نجاسة الأعيان بإزالتها وكذلك حكم ~~الذنوب في إطلاق اسم النجس عليها وأطلق اسم التطهير على إزالتها بفعل ما ~~يوجب تكفيرها # PageV04P355 # فأطلق اسم التطهير ms1940 عليهم بما يأخذه النبي صلى الله عليه وسلم من صدقاتهم ~~ومعناه أنهم يستحقون ذلك بأدائها إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لو لم ~~يكن إلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ لما استحقوا التطهير لأن ~~ذلك ثواب لهم على طاعتهم وإعطائهم الصدقة وهم لا يستحقون التطهير ولا ~~يصيرون أزكياء بفعل غيرهم فعلمنا أن في مضمونه إعطاء هؤلاء الصدقة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك صاروا بها أزكياء متطهرين وقد اختلف في ~~مراد الآية هل هي الزكاة المفروضة أو هي كفارة الذنوب التي أصابوها فروي عن ~~الحسن أنها ليست بالزكاة المفروضة وإنما هي كفارة الذنوب التي أصابوها وقال ~~غيره هي الزكاة المفروضة والصحيح أنها الزكوات المفروضات إذ لم يثبت أن ~~هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس سوى زكوات الأموال وإذا ~~لم يثبت بذلك خبر فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات ~~وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من الناس ولأنه إذا كان مقتضى الآية وجوب ~~هذه الصدقة على سائر الناس لتساوي الناس في الأحكام إلا من خصه دليل ~~فالواجب أن تكون هذه الصدقة واجبة على جميع الناس غير مخصوص بها قوم دون ~~قوم وإذا ثبت ذلك كانت هي الزكاة المفروضة إذ ليس في أموال سائر الناس حق ~~سوى الصدقات المفروضة وقوله تطهرهم وتزكيهم بها لا دلالة فيه على أنها صدقة ~~مكفرة للذنوب غير الزكاة المفروضة لأن الزكاة أيضا تطهر وتزكي مؤديها وسائر ~~الناس من المكلفين محتاجون إلى ما يطهرهم ويزكيهم وقوله خذ من أموالهم عموم ~~في سائر الأصناف ومقتض لأجل البعض منها إذ كانت من مقتضى التبعيض وقد دخلت ~~على عموم الأموال فاقتضت إيجاب الأخذ من سائر أصناف الأموال بعضها ومن ~~الناس من يقول إنه متى أخذ من صنف واحد فقد قضى عهدة الآية والصحيح عندنا ~~هو الأول وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي قال أبو بكر وقد ذكر الله ~~تعالى إيجاب فرض الزكاة في مواضع من كتابه بلفظ مجمل مفتقر إلى ms1941 البيان في ~~المأخوذ والمأخوذ منه ومقادير الواجب والموجب فيه ووقته وما يستحقه وما ~~ينصرف فيه فكان لفظ الزكاة مجمل في هذه الوجوه كلها وقال تعالى خذ من ~~أموالهم صدقة فكان الإجمال في لفظ الصدقة دون لفظ الأموال لأن الأموال اسم ~~عموم في مسمياته إلا أنه قد ثبت أن المراد خاص في بعض الأموال دون جميعها ~~والوجوب في وقت من الزمان دون سائره ونظيره قوله تعالى فى أموالهم حق معلوم ~~للسائل والمحروم # PageV04P356 # وكان مراد الله تعالى في جميع ذلك موكولا إلى بيان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وقال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا حدثنا محمد ~~بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثني محمد بن عبد ~~الله الأنصاري قال حدثنا صرد بن أبي المنازل قال # سمعت حبيبا المالكي قال قال رجل لعمران بن حصين يا أبا نجيد إنكم ~~لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن فغضب عمران وقال للرجل أوجدتم ~~في كل أربعين درهما درهما ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كذا وكذا بعيرا كذا ~~وكذا أوجدتم هذا في القرآن قال لا قال فعمن أخذتم هذا أخذتموه عنا وأخذناه ~~عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وذكر أشياء نحو هذا فمما نص الله تعالى ~~عليه من أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم فنص على ~~وجوب الحق فيهما بأخص أسمائها تأكيدا وتبيينا ومما نص عليه زكاة الزرع ~~والثمار في قوله وهو الذي أنشأ جنات معروشات- إلى قوله- كلوا من ثمره إذا ~~أثمر وآتوا حقه يوم حصاده فالأموال التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة ~~وعروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة والزرع والثمر على اختلاف من ~~الفقهاء في بعض ذلك وقد ذكر بعض صدقة الزرع والثمر في سورة الأنعام وأما ~~المقدار فإن نصاب الورق مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون دينارا # وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأما ms1942 الإبل فإن نصابها خمس منها ~~ونصاب الغنم أربعون شاة ونصاب البقر ثلاثون وأما المقدار الواجب ففي الذهب ~~والفضة وعروض التجارة ربع العشر إذا بلغ النصاب وفي خمس من الإبل شاة وفي ~~أربعين شاة شاة وفي ثلاثين بقرة تبيع # وقد اختلف في صدقة الخيل وسنذكره بعد هذا إن شاء الله وأما الوقت فهو حول ~~الحول على المال مع كمال النصاب في ابتداء الحول وآخره وأما من تجب عليه ~~فهو أن يكون المالك حرا بالغا عاقلا مسلما صحيح الملك لا دين عليه يحيط ~~بماله أو بما لا يفضل عنه مائتا درهم # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال قرأت على ~~مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال سمعت أبا سعيد الخدري ~~يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس ذود صدقة وليس ~~فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن داود المهري ~~قال أخبرنا ابن # PageV04P357 # وهب قال أخبرني جرير بن حازم عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث ~~الأعور عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فإذا كانت لك ~~مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء في الذهب حتى ~~يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها ~~نصف دينار # وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول وهذا الخبر في الحول وإن كان من ~~أخبار الآحاد فإن الفقهاء قد تلقته بالقبول واستعملوه فصار في حيز المتواتر ~~المواجب للعلم وقد روي عن ابن عباس في رجل ملك نصابا أنه يزكيه حين يستفيده ~~وقال أبو بكر وعلي وعمر وابن عمر وعائشة لا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول ~~ولما اتفقوا على أنه لا زكاة عليه بعد الأداء حتى يحول عليه الحول علمنا أن ~~وجوب الزكاة لم يتعلق بالملك دون الحول وأنه ms1943 بهما جميعا يجب وقد استعمل ابن ~~عباس خبر الحول بعد الأداء ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بينه قبل ~~الأداء وبعده بل نفى إيجاب الزكاة في سائر الأموال نفيا عاما إلا بعد حول ~~الحول فوجب استعماله في كل نصاب قبل الأداء وبعده ومع ذلك يحتمل أن لا يكون ~~ابن عباس أراد إيجاب الأداء بوجود ملك النصاب وأنه أراد جواز تعجيل الزكاة ~~لأنه ليس في الخبر ذكر الوجوب واختلف فيما زاد على المائتين من الورق # فروي عن علي وابن عمر فيما زاد على المائتين بحسابه # وهو قول أبي يوسف ومحمد ومالك والشافعي وروي عن عمر أنه لا شيء في ~~الزيادة حتى تبلغ أربعين درهما وهو قول أبى حنفية ويحتج من اعتبر الزيادة ~~أربعين بما # روى عبد الرحمن ابن غنم عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس ~~فيما زاد على المائتي درهم شيء حتى يبلغ أربعين درهما # وحديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم هاتوا زكاة الرقة من كل أربعين ~~درهما درهما وليس فيما دون خمس أواق صدقة # فوجب استعمال قوله في كل أربعين درهم درهما على أنه جعله مقدار الواجب ~~فيه # كقوله صلى الله عليه وسلم وإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة شاة # ويدل عليه من جهة النظر أن هذا مال له نصاب في الأصل فوجب أن يكون له عفو ~~بعد النصاب كالسوائم ولا يلزم أبا حنيفة ذلك في زكاة الثمار لأنه لا نصاب ~~له في الأصل عنده وأبو يوسف ومحمد لما كان عندهما أن لزكاة الثمار نصابا في ~~الأصل ثم لم يجب اعتبار مقدار بعده بل الواجب في القليل والكثير كذلك ~~الدراهم والدنانير ولو سلم لهما ذلك كان قياسه على السوائم أولى منه على ~~الثمار لأن السوائم يتكرر وجوب الحق فيها بتكرر السنين # PageV04P358 # وما تخرج الأرض لا يجب فيه الحق إلا مرة واحدة ومرور الأحوال لا يوجب ~~تكرار وجوب الحق فيه فإن قيل فواجب أن يكون ما يتكرر وجوب الحق فيه أولى ~~بوجوبه ms1944 في قليل ما زاد على النصاب وكثيره مما لا يتكرر وجوب الحق فيه قيل ~~له هذا منتقض بالسوائم لأن الحق يتكرر وجوبه فيها ولم يمنع ذلك اعتبار ~~العفو بعد النصاب ومما يدل على أن قياسه على السوائم أولى من قياسه على ما ~~تخرجه الأرض أن الدين لا يسقط العشر وكذلك موت رب الأرض ويسقط زكاة الدراهم ~~والسوائم فكان قياسها عليها أولى منه على ما تخرجه الأرض واختلف فيما زاد ~~من البقر على أربعين فقال أبو حنيفة فيما زاد بحسابه وقال أبو يوسف ومحمد ~~لا شيء فيه حتى يبلغ ستين وروى أسد بن عمر عن أبي حنيفة مثل قولهما وقال ~~ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي والليث والشافعي كقول أبي يوسف ومحمد ~~ويحتج لأبي حنيفة بقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وذلك عموم في سائر ~~الأموال لا سيما وقد اتفق الجميع على أن هذا المال داخل في حكم الآية مراد ~~بها فوجب في القليل والكثير بحق العموم وقد روى عنه الحسن بن زياد أنه لا ~~شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسين فتكون فيها مسنة وربع مسنة ويحتج لقوله ~~المشهور أنه لا يخلو من إثبات الوقص تسعا فينتقل إليه بالكسر وليس ذلك في ~~فروض الصدقات أو يجعل الوقص تسعة عشر فيكون خلاف أوقاص البقر فلما بطل هذا ~~وهذا ثبت القول الثالث وهو إيجابه في القليل والكثير من الزيادة وروي عن ~~سعيد بن المسيب وأبي قلابة والزهري وقتادة أنهم كانوا يقولون في خمس من ~~البقر شاة وهو قول شاذ لاتفاق أهل العلم على خلافه وورود الآثار الصحيحة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ببطلانه # وروى عاصم بن ضمرة عن علي في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه وقد أنكره ~~سفيان الثوري وقال علي أعلم من أن يقول هذا هذا من غلط الرجال # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالآثار المتواترة أن فيها ابنة ~~مخاض # ويجوز أن يكون علي بن أبي طالب أخذ خمس شياه عن قيمة بنت مخاض فظن الراوي ~~أن ms1945 ذلك فرضها عنه واختلف في الزيادة على العشرين ومائة من الإبل فقال ~~أصحابنا جميعا تستقبل الفريضة وهو قول الثوري وقال ابن القاسم عن مالك إذا ~~زادت على عشرين ومائة واحدة فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون وإن ~~شاء حقتين وقال ابن شهاب إذا زادت واحدة ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن # PageV04P359 # تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون يتفق قول ابن شهاب ومالك ~~في هذا ويختلفان فيما بين واحد وعشرين ومائة إلى تسع وعشرين ومائة وقال ~~الأوزاعي والشافعي ما زاد على العشرين والمائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي ~~كل خمسين حقة قال أبو بكر # قد ثبت عن علي رضي الله عنه من مذهبه استئناف الفريضة بعد المائة ~~والعشرين بحيث لا يختلف فيه # وقد ثبت عنه أيضا أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~سئل فقيل له هل عندكم شيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما عندنا ~~إلا ما عند الناس وهذه الصحيفة فقيل له وما فيها فقال فيها أسنان الإبل ~~أخذتها عن النبي صلى الله عليه وسلم # ولما ثبت قول علي باستئناف الفريضة وثبت أنه أخذ أسنان الإبل عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صار ذلك توقيفا لأنه لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأيضا # قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه لعمرو بن حزم ~~استئناف الفريضة بعد المائة والعشرين # وأيضا غير جائز إثبات هذا الضرب من المقادير إلا من طريق التوقيف أو ~~الاتفاق فلما اتفقوا على وجوب الحقتين في المائة والعشرين عند الزيادة لم ~~يجز لنا إسقاط الحقتين لأنهما فرض قد ثبت بالنقل المتواتر واتفاق الأمة إلا ~~بتوقيف أو اتفاق فإن قيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في آثار كثيرة ~~وإذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون ~~قيل له قد اختلفت ألفاظه فقال في بعضها وإذا كثرت الإبل ومعلوم أن الإبل لا ms1946 ~~تكثر بزيادة الواحدة فعلم أنه لم يرد بقوله وإذا زادت الإبل إلا زيادة ~~كثيرة يطلق على مثلها أن الإبل قد كثرت بها ونحن قد نوجب ذلك عند ضرب من ~~الزيادة الكثيرة وهو أن تكون الإبل مائة وتسعين فتكون فيها ثلاث حقاق وبنت ~~لبون وأيضا فموجب تغيير الفرض بزيادة الواحد لا يخلو من يغيره بالواحدة ~~الزائدة فيوجب فيها وفي الأصل أو يغيره فيوجب في المائة والعشرين ولا يوجب ~~في الواحدة الزائدة شيئا فإن أوجب في الزيادة مع الأصل ثلاث بنات لبون فهو ~~لم يوجب في الأربعين ابنة لبون وإنما أوجبها في أربعين وفي الواحدة وذلك ~~خلاف قوله صلى الله عليه وسلم وإن كان إنما يوجب تغيير الفرض بالواحدة ~~فيجعل ثلاث بنات لبون في المائة والعشرين والواحدة عفو فقد خالف الأصول إذ ~~كان العفو لا يغير الفرض واختلف في فرائض الغنم فقال أصحابنا ومالك والثوري ~~والأوزاعي والليث والشافعي في مائتين وشاة ثلاث شياه إلى أربعمائة فتكون ~~فيها أربع شياه وقال # PageV04P360 # الحسن بن صالح إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة ففيها أربع شياه وإذا ~~كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه وروى إبراهيم نحو ذلك وقد ثبتت آثار ~~مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالقول الأول دون قول الحسن بن صالح ~~واختلف في صدقة العوامل من الإبل والبقر فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي ~~والحسن بن صالح والشافعي ليس فيها شيء وقال مالك والليث فيها صدقة والحجة ~~للقول الأول ما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال حدثنا ~~حمويه قال حدثنا سوار بن مصعب عن ليث عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال ليس في البقر العوامل صدقة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث ~~الأعور عن علي رضي الله عنه قال زهير أحسبه # قيل النبي صلى الله عليه وسلم قال وفي ms1947 البقر في كل ثلاثين تبيع وفي ~~الأربعين مسنة وليس على العوامل شيء وأيضا # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس في النخة ولا في الكسعة ولا ~~في الجبهة صدقة # وقال أهل اللغة النخة البقر العوامل والكسعة الحمير والجبهة الخيل وأيضا ~~فإن وجوب الصدقة فيما عدا الذهب والفضة متعلق بكونه مرصدا للنماء من نسلها ~~أو من أنفسها والسائمة يطلب نماؤها إما من نسلها أو من أنفسها والعاملة غير ~~مرصدة للنماء وهي بمنزلة دور الغلة وثياب البذلة ونحوها وأيضا الحاجة إلى ~~علم وجوب الصدقة في العوامل كهي إلى السائمة فلو كان من النبي صلى الله ~~عليه وسلم توقيف في إيجابها في العاملة لورد النقل به متواترا في وزن وروده ~~في السائمة فلما لم يرد بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ~~نقل مستفيض علمنا أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في إيجابها ~~بل قد وردت آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفي الصدقة عنها منها ما ~~قدمناه ومنها ما # روى يحيى بن أيوب عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن دينار أنه بلغه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال ليس في ثور المثيرة صدقة # وروي عن علي وجابر بن عبد الله وإبراهيم ومجاهد وعمر بن عبد العزيز ~~والزهري نفي صدقة البقر العوامل # ويدل عليه # حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأبي بكر الصديق كتابا في ~~الصدقات هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~المسلمين فمن سألها من المؤمنين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطه ~~صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة # فنفى بذلك الصدقة عن غير السائمة لأنه ذكر السائمة ونفى الصدقة عما عداها ~~فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خمس # PageV04P361 # من الإبل شاة # وذلك عموم يوجب في السائمة وغيرها قيل له يخصه ما ذكرنا ولم يقل بقول ~~مالك في إيجابه الصدقة ms1948 في البقر العوامل أحد قبله. # (فصل) قال أصحابنا وعامة أهل العلم في أربعين شاة مسان وصغار مسنة وقال ~~الشافعي لا شيء فيها حتى تكون المسان أربعين ثم يعتد بعد ذلك بالصغار ولم ~~يسبقه إلى هذا القول أحد # وقد روى عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم صدقات المواشي ~~فقال فيه ويعد صغيرها وكبيرها ولم يفرق بين النصاب وما زاد # وأيضا # الآثار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة شاة ومتى ~~اجتمع الصغار والكبار أطلق على الجميع الاسم فيقال عنده أربعون شاة # فاقتضى ذلك وجوبها في الصغار والكبار إذا اجتمعت وأيضا لم يختلفوا في ~~الاعتداد بالصغار بعد النصاب لوجود الكبار معها فكذلك حكم النصاب واختلف في ~~الخيل السائمة فأوجب أبو حنيفة فيها إذا كانت إناثا أو ذكورا وإناثا في كل ~~فرس دينارا وإن شاء قومها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وقال أبو يوسف ~~ومحمد ومالك والثوري والشافعي لا صدقة فيها # وروى عروة السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الخيل السائمة في كل فرس دينار # وحديث مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكر الخيل وقال هي ثلاثة لرجل أجر ولآخر ستر وعلى رجل وزر ~~فأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ولا ينسى حق الله في ~~رقابها ولا في ظهورها # فأثبت في الخيل حقا وقد اتفقوا على سقوط سائر الحقوق سوى صدقة السوائم ~~فوجب أن تكون هي المرادة فإن قيل يجوز أن يريد زكاة التجارة قيل له قد سئل ~~عن الحمير بعد ذكره الخيل فقال ما أنزل الله علي فيها إلا الآية الجامعة ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فلم يوجب فيها ~~شيئا ولو أراد زكاة التجارة لأوجبها في الحمير فإن قيل في المال حقوق سوى ~~الزكاة فيجوز أن يكون أراد حقا غيرها ms1949 والدليل عليه # حديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~المال حق سوى الزكاة وتلا قوله تعالى ليس البر أن تولوا وجوهكم # وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ~~الإبل فقال إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحة ~~سمينها # فجائز أن يكون الحل المذكور في الخيل مثل ذلك قيل له لو كان كذلك لما ~~اختلف حكم الحمير والخيل # PageV04P362 # لأن هذا الحق لا يختلفان فيه فلما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ~~دل على أنه لم يرد به ذلك وأنه إنما أراد الزكاة وعلى أنه قد روي أن الزكاة ~~نسخت كل حق كان واجبا # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حسن بن إسحاق التستري قال حدثنا علي ~~بن سعيد قال حدثنا المسيب بن شريك عن عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي ~~قال نسخت الزكاة كل صدقة # وأيضا # قد روي أن أهل الشام سألوا عمر أن يأخذ الصدقة من خيلهم فشاور أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له علي لا بأس ما لم تكن جزية عليهم فأخذها ~~منهم # وهذا يدل على اتفاقهم على الصدقة فيها لأنه شاور الصحابة ومعلوم أنه لم ~~يشاورهم في صدقة التطوع فدل على أنه أخذها واجبة بمشاورة الصحابة وإنما # قال علي لا بأس ما لم تكن جزية عليهم # لأنه لا يؤخذ على وجه الصغار بل على وجه الصدقة واحتج من لم يوجبها # بحديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عفوت لكم عن صدقة ~~الخيل والرقيق # وحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس على المسلم في عبده ولا ~~في فرسه صدقة # وهذا عند أبي حنيفة على خيل الركوب ألا ترى أنه لم ينف صدقتها إذا كانت ~~للتجارة بهذا الخبر واختلف في زكاة العسل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ~~والأوزاعي إذا كان في أرض العشر ففيه العشر ms1950 وقال مالك والثوري والحسن بن ~~صالح والشافعي لا شيء فيه وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله وروي عنه الرجوع ~~عن ذلك وأنه أخذ منه العشر حين كشف عن ذلك وثبت عنده ما روي فيه وروى ابن ~~وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال بلغني أن في العسل العشر قال ابن وهب ~~وأخبرني عمرو بن الحارث عن يحيى بن سعيد وربيعة بذلك وقال يحيى إنه سمع من ~~يقول فيه العشر في كل عام بذلك مضت السنة قال أبو بكر ظاهر قوله تعالى خذ ~~من أموالهم صدقة يوجب الصدقة في العسل إذ هو من ماله والصدقة إن كانت مجملة ~~فإن الآية قد اقتضت إيجاب صدقة ما وإذا وجبت الصدقة كانت العشر إذ لا يوجب ~~أحد غيره ويدل عليه من جهة السنة ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن أبي شعيب ~~الحراني قال حدثنا موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث المصري عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعشور نحل له وسأله أن يحمي واديا له يقال له سلبة فحمى له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي # فلما ولي عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر بن الخطاب يسئله عن ذلك ~~فكتب # PageV04P363 # عمر إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور ~~نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال ~~حدثنا وكيع عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن أبي سيارة المتعي ~~قال قلت يا رسول الله إن لي نحلا قال أد العشر قال فقلت يا رسول الله احمها ~~لي فحماها لي # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن شاذان قال حدثنا معلى قال أخبرني ~~عبد الله بن ms1951 عمرو عن عبد الكريم عن عمر بن شعيب قال كتب إلينا عمر بن عبد ~~العزيز يأمرنا أن نعطي زكاة العسل ونحن بالطواف العشر يسند ذلك إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن يعقوب إمام مسجد الأهواز ~~قال حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني قال حدثنا أبو حفص العبدي قال حدثنا ~~صدقة عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كل عشرة أزقاق من العسل زق # ولما أوجب النبي صلى الله عليه وسلم في العسل العشر دل ذلك على أنه أجراه ~~مجرى الثمر وما تخرجه الأرض مما يجب فيه العشر فقال أصحابنا إذا كان في أرض ~~العشر ففيه العشر وإذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه لأن الثمرة في أرض ~~الخراج لا يجب فيها شيء وإذا كان في أرض العشر يجب فيها العشر فكذلك العسل ~~وقد استقصينا القول في هذه المسائل ونظائرها من مسائل الزكاة في شرح مختصر ~~أبي جعفر الطحاوي وإنما ذكرنا هنا جملا منها بما يتعلق الحكم فيه بظاهر ~~الآية وقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة يدل على أن أخذ الصدقات إلى الإمام ~~وأنه متى أداها من وجبت عليه إلى المساكين لم يجزه لأن حق الإمام قائم في ~~أخذها فلا سبيل له إلى إسقاطه # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه العمال على صدقات المواشي ويأمرهم ~~بأن يأخذوها على المياه في مواضعها # وهذا معنى ما # شرطه النبي صلى الله عليه وسلم لوفد ثقيف بأن لا يحشروا ولا يعشروا # يعني لا يكلفون إحضار المواشي إلى المصدق ولكن المصدق يدور عليهم في ~~مياههم ومظان مواشيهم فيأخذها منهم وكذلك صدقة الثمار وأما زكوات الأموال ~~فقد كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فقال ~~هذا شهر زكواتكم فمن كان عليه دين فليؤده ثم ليزك بقية ماله فجعل لهم ~~أداؤها إلى المساكين وسقط من أجل ذلك حق الإمام في ms1952 أخذها لأنه عقد عقده ~~إمام من أئمة العدل فهو نافذ على الأمة # لقوله صلى الله عليه وسلم ويعقد عليهم أو لهم # ولم يبلغنا أنه بعث سعاة على زكوات الأموال كما بعثهم # PageV04P364 # على صدقات المواشي والثمار في ذلك لأن سائر الأموال غير ظاهرة للإمام ~~وإنما تكون مخبوأة في الدور والحوانيت والمواضع الحريزة ولم يكن جائز ~~للسعاة دخول أحرازهم ولم يجز أن يكلفوهم إحضارها كما لم يكلفوا إحضار ~~المواشي إلى العامل بل كان على العامل حضور موضع المال في مواضعه وأخذ ~~صدقته هناك فلذلك لم يبعث على زكاة الأموال السعاة فكانوا يحملونها إلى ~~الإمام وكان قولهم مقبولا فيها ولما ظهرت هذه الأموال عند التصرف بها في ~~البلدان أشبهت المواشي فنصب عليها عمال يأخذون منها ما وجب من الزكاة ولذلك ~~كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن يأخذوا مما يمر به المسلم من التجارات ~~من كل عشرين دينارا نصف دينار ومما يمر به الذمي يؤخذ منه من كل عشرين ~~دينارا دينار ثم لا يؤخذ منه إلا بعد حول أخبرني بذلك من سمع النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكتب عمر ابن الخطاب إلى عماله أن يأخذوا من المسلم ربع ~~العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وما يؤخذ من المسلم من ذلك فهو ~~الزكاة الواجبة تعتبر فيها شرائط وجوبها من حول ونصاب وصحة ملك فإن لم تكن ~~الزكاة قد وجبت عليه لم تؤخذ منه فاحتذى عمر بن الخطاب في ذلك فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم في صدقات المواشي وعشور الثمار والزروع إذ قد صارت ~~أموالا ظاهرة يختلف بها في دار الإسلام كظهور المواشي السائمة والزروع ~~والثمار ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه فصار إجماعا مع ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن عبد العزيز الذي ذكرناه فإن قيل # روى عطاء بن السائمة عن جرير بن عبد الله عن جده أبي أمه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليس على المسلمين عشور إنما ms1953 العشور على أهل الذمة # وروى حميد عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لوفد ثقيف لا تحشروا ولا تعشروا # وروى إسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر العرب احمدوا الله إذ دفع عنكم ~~العشور # وروي أن مسلم بن يسار قال لابن عمر أكان عمر يعشر المسلمين قال لا قيل له ~~ليس المراد بذكر هذه العشور الزكاة وإنما هو ما كان يأخذه أهل الجاهلية من ~~المكس وهو الذي أريد # في حديث محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن ~~عقبة ابن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة صاحب ~~مكس يعني عاشرا # وإياه عنى الشاعر بقوله: # PageV04P365 # وفي كل أموال العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # فالذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم من العشر هو المكس الذي كان يأخذه ~~أهل الجاهلية فأما الزكاة فليست بمكس وإنما هو حق وجب في ماله يأخذه الإمام ~~فيضعه في أهله كما يأخذ صدقات المواشي وعشور الأرضين والخراج وأيضا يجوز أن ~~يكون الذي نفى أخذه من المسلمين ما يكون مأخوذا على وجه الصغار والجزية ~~ولذلك # قال إنما العشور على أهل الذمة # يعني ما يؤخذ على وجه الجزية ومن الناس من يحتج للفرق بين صدقات المواشي ~~والزروع وبين زكاة الأموال أنه قال في الزكاة وآتوا الزكاة ولم يشرط فيها ~~أخذ الإمام لها وقال في الصدقات خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وقال إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين- إلى قوله- والعاملين عليها ونصب العامل يدل على ~~أنه غير جائز له إسقاط حق الإمام في أخذها # وقال صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم # فإنما شرط أخذه في الصدقات ولم يذكر مثله في الزكوات ومن يقول هذا يذهب ~~إلى أن الزكاة وإن كانت صدقة فإن اسم الزكاة أخص بها والصدقة ms1954 اسم يختص ~~بالمواشي ونحوها فلما خص الزكاة بالأمر بالإيتاء دون أخذ الإمام وأمر في ~~الصدقة بأن يأخذها الإمام وجب أن يكون أداء الزكوات موكولا إلى أرباب ~~الأموال إلا ما يمر به على العاشر فإنه يأخذها باتفاق السلف ويكون أخذ ~~الصدقات إلى الأئمة قوله تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم # روى شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي أوفى قال كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا أتاه رجل بصدقة ماله صلى عليه قال فأتيته بصدقة مال أبي فقال ~~اللهم صل على آل أبي أوفى # وروى ثابت ابن قيس عن خارجة بن إسحاق عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيكم ركب مبغضون فإن جاءوكم فرحبوا بهم ~~وخلوا بينهم وبين ما يبغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليهم وارضوهم ~~فإن تمام زكاتكم رضاهم وليدعوا لكم # وروى سلمة ابن بشير قال حدثنا البختري قال أخبرني أبي أنه سمع أبا هريرة ~~يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها ~~قالوا وما ثوابها قال يقول اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما # وهذه الأخبار تدل على أن المراد بقوله تعالى وصل عليهم هو الدعاء وقوله ~~سكن لهم يعني والله أعلم مما تسكن قلوبهم إليه وتطيب به نفوسهم فيسارعون ~~إلى أداء الصدقات الواجبة رغبة في ثواب الله وفيما ينالونه من بركة دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهم # PageV04P366 # وكذلك ينبغي لعامل الصدقة إذا قبضها أن يدعو لصاحبها اقتداء بكتاب الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا الآية روي عن جماعة من السلف ~~أنهم كانوا اثني عشر رجلا من الأوس والخزرج قد سموا استأذنوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في بناء مسجد لليلة الشاتية والمطر والحر ولم يكن ذلك قصدهم ~~وإنما كان مرادهم التفريق بين المؤمنين وأن يتحزبوا فيصلي حزب في مسجد وحزب ~~في مسجد آخر لتختلف الكلمة وتبطل الألفة والحال الجامعة وأرادوا به ms1955 أيضا ~~ليكفروا فيه بالطعن على النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام فيتفاوضون فيما ~~بينهم من غير خوف من المسلمين لأنهم كانوا يخلون فيه فلا يخالطهم فيه غيرهم ~~قوله تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل قال ابن عباس ومجاهدا أراد ~~به أبا عامر الفاسق وكان يقال له أبو عامر الراهب قبل وكان شديد العداوة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم عنادا وحسدا لذهاب رئاسته التي كانت في الأوس قبل ~~هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقال للمنافقين سيأتي قيصر ~~وآتيكم بجند فأخرج به محمدا وأصحابه فبنوا المسجد إرصادا له يعني مترقبين ~~له وقد دلت هذه الآية على ترتيب الفعل في الحسن أو القبح بالإرادة وأن ~~الإرادة هي التي تعلق الفعل بالمعاني التي تدعو الحكمة إلى تعليقه به أو ~~تزجر عنها لأنهم لو أرادوا ببنائه إقامة الصلوات فيه لكان طاعة لله عز وجل ~~ولما أراد به ما أخبر الله تعالى به عنهم من قصدهم وإرادتهم كانوا مذمومين ~~كفارا # قوله تعالى لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم ~~فيه فيه الدلالة على أن المسجد المبني لضرار المؤمنين والمعاصي لا يجوز ~~القيام فيه وأنه يجب هدمه لأن الله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن القيام ~~في هذا المسجد المبني على الضرار والفساد وحرم على أهله قيام النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيه إهانة لهم واستخفافا بهم على خلاف المسجد الذي أسس على ~~التقوى وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون أولى بفعل الصلاة فيه من بعض ~~وأن الصلاة قد تكون منهية عنها في بعضها ويدل على فضيلة الصلاة في المسجد ~~بحسب ما بني عليه في الأصل ويدل على فضيلتها في المسجد السابق لغيره لقوله ~~أسس على التقوى من أول يوم وهو معنى قوله تعالى أحق أن تقوم فيه لأن معناه ~~أن القيام في هذا المسجد لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا المسجد الذي ~~أسس على التقوى أحق بالقيام فيه من ms1956 غيره وذلك # PageV04P367 # أن مسجد الضرار لم يكن مما يجوز القيام فيه لنهي الله تعالى نبيه عن ذلك ~~فلو لم يكن المعنى ما ذكرنا لكان تقديره لمسجد أسس على التقوى أحق أن تقوم ~~فيه من مسجد لا يجوز القيام فيه ويكون بمنزلة قوله فعل الفرض أصلح من تركه ~~وهذا قد يسوغ إلا أن المعنى الأول هو وجه الكلام وقد اختلف في المسجد الذي ~~أسس على التقوى ما هو فروي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب أنه مسجد المدينة # وروي عن أبي بن كعب وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال هو مسجدي هذا # وروي عن ابن عباس والحسن وعطية أنه مسجد قباء قوله تعالى فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا والله يحب المطهرين فيه دلالة على أن فضيلة أهل المسجد فضيلة ~~للمسجد وللصلاة فيه وقوله يحبون أن يتطهروا روي عن الحسن قال يتطهرون من ~~الذنوب وقيل فيه التطهر بالماء # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال ~~حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل ~~قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه ~~الآية # وقد حوى هذا الخبر معنيين أحدهما أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد ~~قباء والثاني أن الاستنجاء بالماء أفضل منه بالأحجار وقد تواترت الأخبار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنجاء بالأحجار قولا وفعلا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استنجى بالماء # قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم أطلق الشرى فيه ~~على طريق المجاز لأن المشتري في الحقيقة هو الذي يشترى مالا يملك والله ~~تعالى مالك أنفسنا وأموالنا ولكنه كقوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فسماه شرى كما سمى الصدقة قرضا لضمان الثواب فيهما به فأجرى لفظه مجرى ~~ما لا ms1957 يملكه العامل فيه استدعاء إليه وترغيبا فيه قوله تعالى السائحون قيل ~~إنهم الصائمون # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سياحة أمتي الصوم # وروي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد أنه الصوم # وقوله تعالى والحافظون لحدود الله هو أتم ما يكون من المبالغة في الوصف ~~بطاعة الله والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره وذلك لأن لله تعالى حدودا ~~في أوامره وزواجره وما ندب إليه ورغب فيه أو أباحه وما خير فيه وما هو ~~الأولى في تحري موافقة أمر الله وكل هذه حدود الله فوصف تعالى هؤلاء القوم ~~بهذا الوصف # PageV04P368 # ومن كان كذلك فقد أدى جميع فرائضه وقام بسائر ما أراده منه وقد بين في ~~الآية التي قبلها المرادين بها وهم الصحابة الذين بايعوه تحت الشجرة وهي ~~بيعة الرضوان بقوله تعالى فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ثم عطف عليه ~~التائبون فقد بينت هذه الآية منزلة هؤلاء رضي الله عنهم من الدين والإسلام ~~ومحلهم عند الله تعالى ولا يجوز أن يكون في وصف العبيد بالقيام بطاعة الله ~~كلام أبلغ ولا أفخم من قوله تعالى والحافظون لحدود الله # قوله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة والعسرة هي شدة الأمر وضيقه وصعوبته وكان ذلك في غزوة تبوك لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج في شدة الحر وقلة من الماء والزاد والظهر فخص ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة بذكر التوبة لعظم منزلة الاتباع في مثله وجزيل ~~الثواب الذي يستحق بها لما لحقهم من المشقة مع الصبر عليها وحسن البصيرة ~~واليقين منهم في تلك الحال إذ لم تغيرهم عنها صعوبة الأمر وشدة الزمان ~~وأخبر تعالى عن فريق منهم بمقاربة ميل القلب عن الحق بقوله من بعد ما كاد ~~يزيغ قلوب فريق منهم والزيغ هو ميل القلب عن الحق فقارب ذلك فريق منهم ولما ~~فعلوا ولم يؤاخذهم الله به وقبل توبتهم وبمثل الحال التي فضل بها متبعيه في ~~حال العسرة على غيرهم فضل ms1958 بها المهاجرين على الأنصار وبمثلها فضل السابقين ~~على الناس لما لحقهم من المشقة ولما ظهر منهم من شدة البصيرة وصحة اليقين ~~بالاتباع في حال قلة عدد من المؤمنين واستعلاء أمر الكفار وما كان يلحقهم ~~من قبلهم من الأذى والتعذيب # قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال ابن عباس وجابر ومجاهد وقتادة ~~هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع قال مجاهد خلفوا عن التوبة ~~وقال قتادة خلفوا عن غزوة تبوك وقد كانوا هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة ~~تبوك فيمن تخلف وكانوا صحيحي الإسلام فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من ~~تبوك جاء المنافقون فاعتذروا وحلفوا بالباطل وهم الذين أخبر الله عنهم ~~سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم وقال ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ~~فأمر تعالى بالإعراض عنهم ونهى عن الرضا عنهم إذ كانوا كاذبين في اعتذارهم ~~مظهرين لغير ما يبطنون وأما الثلاثة فإنهم كانوا مسلمين صدقوا عن أنفسهم ~~وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنا تخلفنا من غير عذر وأظهروا التوبة ~~والندم # فقال لهم رسول # PageV04P369 # الله صلى الله عليه وسلم إنكم قد صدقتم عن أنفسكم # فامضوا حتى أنظر ما ينزل الله تعالى فيكم فأنزل الله في أمرهم التشديد ~~عليهم وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يكلمهم وأن يأمر المسلمين أن لا ~~يكلموهم فأقاموا على ذلك نحو خمسين ليلة ولم يكن ذلك على معنى رد توبتهم ~~لأنهم قد كانوا مأمورين بالتوبة وغير جائز في الحكمة أن لا تقبل توبة من ~~يتوب في وقت التوبة إذا فعلها على الوجه المأمور به ولكنه تعالى أراد تشديد ~~المحنة عليهم في تأخير إنزال توبتهم ونهي الناس عن كلامهم وأراد به ~~استصلاحهم واستصلاح غيرهم من المسلمين لئلا يعودوا ولا غيرهم من المسلمين ~~إلى مثله لعلم الله فيهم بموضع الاستصلاح وأما المنافقون الذين اعتذروا فلم ~~يكن فيهم موضع استصلاح بذلك فلذلك أمر بالإعراض عنهم فثبت بذلك أن أمر ~~الناس ms1959 بترك كلامهم وتأخير إنزال توبتهم لم يكن عقوبة وإنما كان محنة ~~وتشديدا في أمر التكليف والتعبد وهو مثل ما نقوله في إيجاب الحد الواجب على ~~التائب مما قارب أنه ليس بعقوبة وإنما هو محنة وتعبد وإن كان الحد الواجب ~~بالفعل بديا كأن يكون عقوبة لو أقيم عليه قبل التوبة قوله تعالى حتى إذا ~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت يعنى مع سعتها وضاقت عليهم أنفسهم يعني ضاقت ~~صدورهم بالهم الذي حصل فيها من تأخير نزول توبتهم ومن ترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين كلامهم ومعاملتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم قوله تعالى ~~وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه يعني أنهم أيقنوا أن لا مخلص لهم ولا ~~معتصم في طلب الفرج مما هم فيه إلا إلى الله وأنه لا يملك ذلك غيره ولا ~~يجوز لهم أن يطلبوا ذلك إلا من قبله العبادة له والرغبة إليه فحينئذ أنزل ~~الله تعالى على نبيه قبول توبتهم وكذلك عادة الله تعالى فيمن انقطع إليه ~~وعلم أنه لا كاشف لهمه غيره أنه سينجيه ويكشف عنه غمه وكذلك حكى جل وعلا عن ~~لوط عليه السلام في قوله ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال ~~هذا يوم عصيب- إلى أن قال- لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد فتبرأ من ~~الحول والقوة من قبل نفسه ومن قبل المخلوقين وعلم أنه لا يقدر على كشف ما ~~هو فيه إلا الله تعالى حينئذ جاءه الفرج فقالوا إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ~~وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومن ينو الانقطاع إليه وقطع العلائق ~~دونه فمتى صار العبد بهذه المنزلة فقد جعل الله له مخرجا لعلمه بأنه لا ~~ينفك من إحدى منزلتين إما أن يخلصه مما هو فيه وينجيه كما حكي عن الأنبياء ~~عند بلواهم مثل قول أيوب # PageV04P370 # أنى مسنى الشيطان بنصب وعذاب فالتجأ إلى الله في الخلاص مما كان يوسوس ~~إليه الشيطان بأنه لو كان له عند الله منزلة لما ابتلاه بما ابتلاه ms1960 به ولم ~~يكن صلوات الله عليه قابلا لوساوسه إلا أنه كان يشغل خاطره وفكره عن التفكر ~~فيما هو أولى به فقال الله له عند ذلك اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ~~فكذلك كل من اتقى الله بأن التجأ إليه وعلم أنه القادر على كشف ضره دون ~~المخلوقين كان على إحدى الحسنيين من فرج عاجل أو سكون قلب إلى وعد الله ~~وثوابه الذي هو خير له من الدنيا وما فيها قوله تعالى ثم تاب عليهم ليتوبوا ~~يعنى والله أعلم تاب على هؤلاء الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأن الله تعالى قابل توبتهم # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين روى ابن ~~مسعود قال يعني لازم الصدق ولا تعدل عنه إذ ليس في الكذب رخصة وقال نافع ~~والضحاك مع النبيين والصديقين بالعمل الصالح في الدنيا وقال تعالى في سورة ~~البقرة ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر- إلى قوله- أولئك الذين صدقوا وهذه صفة أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار ثم قال في هذه الآية وكونوا مع الصادقين ~~فدل على لزوم اتباعهم والاقتداء بهم لإخباره بأن من فعل ما ذكر في الآية ~~فهم الذين صدقوا وقال في هذه الآية وكونوا مع الصادقين فدل على قيام الحجة ~~علينا بإجماعهم وأنه غير جائز لنا مخالفتهم لأمر الله إيانا باتباعهم وقوله ~~تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة فيه مدح لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين غزوا معه من ~~المهاجرين والأنصار وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم لأن الله تعالى لا ~~يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم وهذا نص في رد قول ~~الطاعنين عليهم والناسبين بهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ~~ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر رضي الله عنهم # قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من ms1961 الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله قد بينت هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في ~~غزواته إلا المعذورين ومن أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود ~~ولذلك ذم المنافقين الذين كانوا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القعود في الآيات المتقدمة وقوله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه أي يطلبون ~~المنفعة بتوقية أنفسهم دون نفسه بل كان الفرض عليهم # PageV04P371 # أن يقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسهم وقد كان من المهاجرين ~~والأنصار من فعل ذلك وبذل نفسه للقتل ليقي بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قوله تعالى ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا فيه ~~الدلالة على أن وطء ديارهم بمنزلة النيل منهم وهو قتلهم أو أخذ أموالهم أو ~~إخراجهم عن ديارهم هذا كله نيل منهم وقد سوى بين وطء موضع يغيظ الكفار وبين ~~النيل منهم فدل ذلك على أن وطء ديارهم وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم هو ~~بمنزلة نيل الغنيمة والقتل والأسر وفي ذلك دليل على أن الاعتبار فيما ~~يستحقه الفارس والراجل من سهامهما بدخول أرض الحرب لانحيازه الغنيمة ~~والقتال إذ كان الدخول بمنزلة حيازة الغنائم وقتلهم وأسرهم ونظيره في ~~الدلالة على ما ذكرنا قوله تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب فاقتضى ذلك اعتبار إيجاف الخيل والركاب في دار الحرب ~~ولذلك # قال علي رضي الله عنه ما وطئ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا # قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين روي عن ابن عباس أنه نسخ قوله فانفروا ثبات أو ~~انفروا جميعا وقوله انفروا خفافا وثقالا فقال تعالى ما كان لهم أن ينفروا ~~في السرايا ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وحده ولكن تبقى بقية ~~لتتفقه ثم تنذر النافرة إذا رجعوا إليهم وقال الحسن لتتفقه الطائفة النافرة ~~ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها المتخلفة وهذا ms1962 التأويل أشبه بظاهر الآية لأنه ~~قال تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين فظاهر الكلام ~~يقتضي أن تكون الطائفة النافرة هي التي تتفقه وتنذر قومها إذا رجعت إليهم ~~وعلى التأويل الأول الفرقة التي نفرت منها الطائفة هي التي تتفقه وتنذر ~~الطائفة إذا رجعت إليها وهو بعيد من وجهين أحدهما أن حكم العطف أن يتعلق ~~بما يليه دون ما يتقدمه فوجب على هذا أن يكون قوله منهم طائفة ليتفقهوا # أن تكون الطائفة هي التي تتفقه وتنذر ولا يكون معناه من كل فرقة تتفقه في ~~الدين تنفر منهم طائفة لأنه يقتضي إزالة ترتيب الكلام عن ظاهره وإثبات ~~التقديم والتأخير فيه والوجه الثاني أن قوله ليتفقهوا في الدين الطائفة ~~أولى منه بالفرقة النافرة منها الطائفة وذلك لأن نفر الطائفة للتفقه معنى ~~مفهوم يقع النفر من أجله والفرقة التي منها الطائفة ليس تفقهها لأجل خروج ~~الطائفة منها لأنها إنما تتفقه بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم ~~حضرته لا لأن الطائفة نفرت # PageV04P372 # منها فحمل الكلام على ذلك يبطل فائدة قوله تعالى ليتفقهوا في الدين فثبت ~~أن التي تتفقه هي الطائفة النافرة من الفرقة المقيمة في بلدها وتنذر قومها ~~إذا رجعت إليها وفي هذه الآية دلالة على وجوب طلب العلم وأنه مع ذلك فرض ~~على الكفاية لما تضمنت من الأمر بنفر الطائفة من الفرقة للتفقه وأمر ~~الباقين بالقعود لقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة # وقد روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم # وهذا عندنا ينصرف على معنيين أحدهما طلب العلم فيما يبتلى به الإنسان من ~~أمور دينه فعليه أن يتعلمه مثل من لا يعرف حدود الصلاة وفروضها وحضور وقتها ~~فعليه أن يتعلمها ومثل من ملك مائتي درهم فعليه أن يتعلم ما يجب عليه فيها ~~وكذلك الصوم والحج وسائر الفروض والمعنى الآخر أنه فرض على كل مسلم إلا أنه ~~على الكفاية إذا قام به بعضهم سقط عن ms1963 الباقين وفيه دلالة على لزوم خبر ~~الواحد في أمور الديانات التي لا تلزم الكافة ولا تعم الحاجة إليها وذلك ~~لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحواه الدلالة عليه من وجهين ~~أحدهما أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذارا والثاني أمره ~~إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة لأن قوله تعالى لعلهم يحذرون معناه ليحذروا ~~وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد لأن الطائفة اسم يقع على الواحد وقد روي ~~في تأويل قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أنه أراد واحدا وقال ~~تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ولا خلاف أن الاثنين إذا اقتتلا ~~كانا مرادين بحكم الآية ولأن الطائفة في اللغة كقولك البعض والقطعة من ~~الشيء وذلك موجود في الواحد فكان قوله من كل فرقة منهم طائفة بمنزلته لو ~~قال بعضها أو شيء منها فدلالة الآية ظاهرة في وجوب قبول الخبر المقصر عن ~~إيجاب العلم وإن كان التأويل ما روي عن ابن عباس أن الطائفة النافرة إنما ~~تنفر من المدينة والتي تتفقه إنما هي القاعدة بحضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم فدلالتها أيضا قائمة في لزوم قبول خبر الواحد لأن النافرة إذا رجعت ~~أنذرتها التي لم تنفر وأخبرتها بما نزل من الأحكام وهي تدل أيضا على لزوم ~~قبول خبر الواحد بالمدينة مع كون النبي صلى الله عليه وسلم بها لإيجابها ~~الحذر على السامعين بنذارة القاعدين # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا ~~فيكم غلظة خص الأمر بالقتال للذين يلونهم من الكفار وقال في أول السورة ~~فاقتلوا # PageV04P373 # المشركين حيث وجدتموهم # وقال في موضع آخر وقاتلوا المشركين كافة فأوجب قتال جميع الكفار ولكنه خص ~~بالذكر الذين يلوننا من الكفار إذ كان معلوما أنه لا يمكننا قتال جميع ~~الكفار في وقت واحد وأن الممكن منه هو قتال طائفة فكان من قرب منهم أولى ~~بالقتال ممن بعد لأن الاشتغال بقتال من بعد منهم مع ترك قتال من قرب لا ~~يؤمن معه هجم من قرب على ذراري المسلمين ms1964 ونسائهم وبلادهم إذا خلت من ~~المجاهدين فلذلك أمر بقتال من قرب قبل قتال من بعد وأيضا لا يصح تكليف قتال ~~الأبعد إذ لاحد للأبعد يبتدأ منه القتال كما للأقرب وأيضا فغير ممكن الوصول ~~إلى قتال الأبعد إلا بعد قتال من قرب وقهرهم وإذ لا لهم فهذه الوجوه كلها ~~تقتضي تخصيص الأمر بقتال الأقرب وقوله تعالى وليجدوا فيكم غلظة فيه أمر ~~بالغلظة على الكفار الذين أمرنا بقتالهم في القول والمناظرة والرسالة إذ ~~كان ذلك يوقع المهابة لنا في صدورهم والرعب في قلوبهم ويستشعرون منابه شدة ~~الاستبصار في الدين والجد في قتال المشركين ومتى أظهروا لهم اللين في القول ~~والمحاورة استجرءوا عليهم وطمعوا فيهم فهذا حد ما أمر الله به المؤمنين من ~~السيرة في عدوهم آخر سورة التوبة. ### | سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما ~~يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلى قيل في قوله تعالى ~~لا يرجون لقاءنا وجهان أحدهما لا يخافون عقابنا لأن الرجاء يقام مقام الخوف ~~ومثله قوله ما لكم لا ترجون لله وقارا قيل معناه لا تخافون لله عظمة والوجه ~~الآخر لا تطمعون في ثوابنا كقولهم تاب رجاء لثواب الله وخوفا من عقابه ~~والفرق بين الإتيان بغيره وبين تبديله أن الإتيان بغيره لا يقتضي رفعه بل ~~يجوز بقاؤه معه وتبديله لا يكون إلا برفعه ووضع آخر مكانه أو شيء منه وكان ~~سؤالهم لذلك على وجه التعنت والتحكم إذ لم يجدوا سببا آخر يتعلقون به ولم ~~يجز أن يكون الأمر موقوفا على اختيارهم وتحكمهم لأنهم غير عالمين بالمصالح ~~ولو جاز أن يأتي بغيره أو يبدله بقولهم لقالوا في الثاني مثله في الأول وفي ~~الثالث مثله في الثاني فكان يصير دلائل الله تعالى تابعة لمقاصد السفهاء ~~وقد قامت الحجة عليهم # PageV04P374 # بهذا القرآن فإن لم يكن يقنعهم ذلك مع عجزهم فالثاني والثالث مثله وربما ~~احتج بهذه الآية بعض من يأبى ms1965 جواز نسخ القرآن بالسنة لأنه قال قل ما يكون ~~لى أن أبدله من تلقاء نفسى ومجيز نسخ القرآن بالسنة مجيز لتبديله من تلقاء ~~نفسه وليس هذا كما ظنوا وذلك لأنه ليس في وسع النبي صلى الله عليه وسلم ~~تبديل القرآن بقرآن مثله ولا الإتيان بقرآن غيره وهذا الذي سأله المشركون ~~ولم يسئلوه تبديل الحكم دون اللفظ والمستدل بمثله في هذا الباب مغفل وأيضا ~~فإن نسخ القرآن لا يجوز عندنا إلا بسنة هي وحي من قبل الله تعالى قال الله ~~عز وجل وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فنسخ حكم القرآن بالسنة إنما ~~هو نسخ بوحي الله لا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى # قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن ~~لكم الآية ربما احتج بعض الأغبياء من نفاة القياس بهذه الآية في إبطاله ~~لأنه زعم أن القائس يحرم بقياسه ويحل وهذا جهل من قائله لأن القياس دليل ~~الله تعالى كما أن حجة العقل دليل الله تعالى وكالنصوص والسنن كل هذه دلائل ~~فالقائس إنما يتبع موضع الدلالة على الحكم فيكون الله هو المحلل والمحرم ~~بنصبه الدليل عليه فإن خالف في أن القياس دليل الله عز وجل فليكن كلامه ~~معنا في إثباته فإذا ثبت ذلك سقط سؤاله وإن لم يقم الدليل على إثباته فقد ~~اكتفى في إيجاب بطلانه بعدم دلالة صحته فلا يعتقد أحد صحة القياس إلا وهو ~~يرى أنه دليل الله تعالى وقد قامت بصحته ضروب من الشواهد ولا نعلق للآية في ~~نفي القياس ولا إثباته وربما احتجوا أيضا في نفيه بقوله تعالى وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وهذا شبيه بما قبله لأن القائسين ~~يقولون القول بالقياس مما آتانا الرسول به وأقام الله الحجة عليه من دلائل ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة فليس لهذه الآية تعلق بنفي القياس # قوله تعالى ربنا ليضلوا عن سبيلك قيل فيه وجهان أحدهما أنها لام العاقبة ~~كقوله تعالى فالتقطه آل ms1966 فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا والآخر لئلا يضلوا عن ~~سبيلك فحذفت لا كقوله تعالى ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما أي لئلا ~~تضل وقوله أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أي لئلا تقولوا ~~وقوله يبين الله لكم أن تضلوا معناه أن لا تضلوا قوله تعالى قد أجيبت ~~دعوتكما أضاف الدعاء إليهما وقال أبو العالية وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع ~~بن موسى كان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما الله داعيين وهذا يدل # PageV04P375 # على أن آمين دعاء وإذا ثبت أنه دعاء فإخفاؤه أفضل من الجهر به لقوله ~~تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية آخر سورة يونس عليه السلام. ### | سورة هود # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ~~وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار فيه إخبار أن ~~من عمل عملا للدنيا لم يكن له به في الآخرة نصيب وهو مثل قوله من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب ومثله # ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بشر أمتي بالسناء والتمكين ~~في الأرض فمن عمل منهم عملا للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب # وهذا يدل على أن ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه القربة لا يجوز أخذ ~~الأجرة عليه لأن الأجرة من حظوظ الدنيا فمتى أخذ عليه الأجرة فقد خرج من أن ~~يكون قربة بمقتضى الكتاب والسنة وقيل في قوله نوف إليهم أعمالهم فيها وجهان ~~أحدهما أن يصل الكافر رحما أو يعطي سائلا أو يرحم مضطرا أو نحو ذلك من ~~أعمال البر فيجعل الله له جزاء عمله في الدنيا بتوسعة الرزق وقرة العين ~~فيما خول ودفع مكاره الدنيا روى عن مجاهد والضحاك والوجه الثاني من كان ~~يريد الحياة الدنيا بالغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم للغنيمة دون ثواب ~~الآخرة فإنه يستحق نصيبه وسهمه ms1967 من المغنم وهذا من صفة المنافقين فإن كان ~~التأويل هو الثاني فإنه يدل على أن الكافر إذا شهد القتال مع المسلمين ~~استحق من الغنيمة نصيبا وهذا يدل أيضا على أنه جائز الاستعانة بالكفار في ~~قتال غيرهم من الكفار وكذلك قال أصحابنا إذا كانوا متى غلبوا كان حكم ~~الإسلام هو الجاري عليهم دون حكم الكفر ومتى حضروا رضخ لهم وليس في الآية ~~دلالة على أن الذي يستحقه الكافر بحضور القتال هو السهم أو الرضخ # قوله تعالى ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم يحتج به في أن الشرط المعترض حكمه أن يكون مقدما على ما قبله في ~~المعنى وهو قول القائل إن دخلت الدار إن كلمت زيدا فعبدي حر أنه لا يحنث ~~حتى يكلم ثم يدخل لأن قوله إن كلمت شرط معترض على الشرط الأول قبل استتمام ~~جوابه كقوله إن كان الله يريد أن يغويكم شرط اعترض على قوله # PageV04P376 # إن أردت أن أنصح لكم قبل استتمام الجواب فصار تقديره ولا ينفعكم نصحي إن ~~كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم وهذا المعنى فيه خلاف بين أبي ~~يوسف ومحمد والفراء في مسائل قد ذكرناها في شرح الجامع الكبير وقوله يريد ~~أن يغويكم أي يخيبكم من رحمته يقال غوى يغوي غيا ومنه فسوف يلقون غيا وقال ~~الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم من الغي لائما # وحدثنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال يقال غوى الرجل ~~يغوي غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه قال ومنه قوله تعالى في قصة ~~آدم وعصى آدم ربه فغوى أي فسد عليه عيشه في الجنة قال أبو بكر وهذا يؤول ~~إلى المعنى الأول وذلك أن الخيبة فيها فساد العيش فقوله يغويكم يفسد عليكم ~~عيشكم وأمركم بأن يخيبكم من رحمته # قوله تعالى واصنع الفلك بأعيننا ووحينا يعني بحيث نراها فكأنها ترى بأعين ~~على طريق البلاغة والمعنى بحفظنا ms1968 إياك حفظ من يراك ويملك دفع السوء عنك ~~وقيل بأعين أو أوليائنا من الملائكة الموكلين بك وقوله ووحينا يعني على ما ~~أوحينا إليك من صفتها وحالها ويجوز بوحينا إليك أن اصنعها # وقوله تعالى فإنا نسخر منكم كما تسخرون مجاز وإنما أطلق ذلك لأن جزاء ~~الذم على السخرية بالمقدار المستحق كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~وقوله تعالى قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن الله يستهزى بهم وقال بعضهم ~~معناه فإنا نستجهلكم كما تستجهلون # قوله تعالى ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من أهلى سمى ابنه من أهله وهذا ~~يدل على أن من أوصى لأهله بثلث ماله أنه على من هو في عياله ابنا كان أو ~~زوجة أو أخا أو أجنبيا وكذلك قال أصحابنا والقياس أن يكون للزوجة خاصة ولكن ~~استحسن فجعله لجميع من تضمنه منزله وهو في عيال وقول نوح عليه السلام يدل ~~على ذلك وقال الله تعالى في آية أخرى ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ~~ونجيناه وأهله من الكرب العظيم فسمى جميع من ضمه منزله وسفينته من أهله ~~وقول نوح عليه السلام إن ابني من أهلى يعنى من أهلى الذي وعدتني أن تنجيهم ~~فأخبر الله تعالى أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم # قوله تعالى إنه عمل غير صالح قيل فيه معناه ذو عمل غير صالح فجاء على ~~المبالغة في الصفة كما قالت الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # PageV04P377 # تعني ذات إقبال وإدبار أو مقبلة ومدبرة وروي عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم ~~قال سؤالك هذا عمل غير صالح وقرأ الكسائي إنه عمل غير صالح على الفعل ونصب ~~غير وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أنه كان ابنه لصلبه لأنه قال ~~تعالى ونادى نوح ابنه وقال إنه ليس من أهلك يعني ليس من أهل دينك وروي عن ~~الحسن ومجاهد أنه لم يكن ابنه لصلبه وكان لغير رشدة وقال الحسن وكان منافقا ~~يظهر الإيمان ويسر الكفر وقيل إنه كان ابن امرأته وإنما ms1969 كان نوح يدعوه إلى ~~الركوب مع نهي الله عز وجل إياه أن يركب فيها كافر لأنه كان ينافق بإظهار ~~الإيمان وقيل إنه دعاه على شريطة الإيمان كأنه قال آمن واركب معنا # قوله تعالى هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها نسبهم إلى الأرض لأن أصلهم ~~وهو آدم خلق من تراب الأرض والناس كلهم من آدم عليه السلام وقيل إن معناه ~~أنه خلقكم في الأرض وقوله واستعمركم فيها يعني أمركم من عمارتها بما ~~تحتاجون إليه وفيه الدلالة على وجوب عمارة الأرض للزراعة والغراس والأبنية ~~وروي عن مجاهد معناه أعمركم بأن جعلها لكم طول أعماركم وهذا كقول القائل ~~أعمرتك داري هذه يعني ملكتك طول عمرك # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أعمر عمرى فهي له ولورثته من بعده # والعمرى هي العطية إلا أن معناها راجع إلى تمليكه طول عمره فأجاز النبي ~~صلى الله عليه وسلم العمرى والهبة وأبطل الشرط في تمليكه عمره لأنهم كانوا ~~يعقدون ذلك على أنه بعد موته يرجع إلى الواهب # قوله تعالى قالوا سلاما قال سلام معنى الأول سلمت سلاما ولذلك نصبه ~~والثاني جوابه عليكم سلام وكذلك رفعه ومعناهما واحد إلا أنه خولف بينهما ~~لئلا يتوهم متوهم الحكاية وفيه الدلالة على أن السلام قد كان تحية أهل ~~الإسلام وأنه تحية الملائكة # وقوله تعالى قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشىء ~~عجيب فإنها مع علمها بأن ذلك في مقدور الله تعجبت بطبع البشرية قبل الفكر ~~والروية كما ولى موسى عليه السلام مدبرا حين صارت العصاحية حتى قيل له أقبل ~~ولا تخف إنك من الآمنين وإنما تعجبت لأن إبراهيم عليه السلام يقال إنه كان ~~له في ذلك الوقت مائة وعشرون سنة ولسارة تسعون سنة # قوله تعالى أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت يدل ~~على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته لأن الملائكة قد سمت ~~امرأة إبراهيم من أهل بيته وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي صلى ms1970 ~~الله عليه وسلم في قوله # PageV04P378 # ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا- إلى قوله- وأطعن الله ورسوله إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت قد دخل فيه أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن ابتداء الخطاب لهن # قوله تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ~~يعني لما ذهب عنه الفزع جادل الملائكة حتى قالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط ~~لنهلكهم فقال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله يروى ذلك ~~عن الحسن وقيل إنه سألهم فقال أتهلكونهم إن كان فيها خمسون من المؤمنين ~~قالوا لا ثم نزلهم إلى عشرة فقالوا لا يروى ذلك عن قتادة ويقال جادلهم ~~ليعلم بأي شيء استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أم على ~~سبيل الإخافة ليقبلوا إلى الطاعة ومن الناس من يحتج بذلك في جواز تأخير ~~البيان لأن الملائكة أخبرت أنها تهلك قوم لوط ولم تبين المنجين منهم ومع ~~ذلك فإن إبراهيم عليه السلام جادلهم وقال لهم أتهلكونهم وفيهم كذا رجلا ~~فيستدلون بذلك على جواز تأخير البيان وهذا ليس بشيء لأن إبراهيم سألهم عن ~~الوجه الذي به استحقوا عذاب الاستئصال وهل ذلك واقع بهم لا محالة أو على ~~سبيل التخويف ليرجعوا إلى الطاعة # قوله تعالى أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشؤا وإنما قيل أصلوتك تأمرك لأنها بمنزلة الآمر بالخير والناهي عن الشر ~~كما قال تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وجائز أن يكون أخبرهم ~~بذلك في حال الصلاة فقال أصلوتك تأمرك بما ذكرت وعن الحسن أدينك يأمرك أي ~~فيه الأمر بهذا # قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار والركون إلى الشيء ~~هو السكون إليه بالأنس والمحبة فاقتضى ذلك النهى عن مجانسة الظالمين ~~ومؤانستهم والإنصات إليهم وهو مثل قوله تعالى فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين # وقوله تعالى وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون قيل فيه لا ~~يهلكهم بظلم صغير يكون منهم ms1971 وقيل بظلم كبير يكون من قليل منهم كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يهلك العامة بذنوب الخاصة # وقيل لا يهلكهم وهو ظالم لهم كقوله إن الله لا يظلم الناس شيئا وفيه ~~إخبار بأنه لا يهلك القرى وأهلها مصلحون وقال تعالى في آية أخرى وإن من ~~قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة فدل ذلك على أن الناس يصيرون إلى ~~غاية الفساد عند اقتراب الساعة ولذلك يهلكهم الله وهو مصداق # قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق # قوله تعالى # PageV04P379 # ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة قال قتادة يجعلهم مسلمين وذلك بالإلجاء ~~إلى الإيمان وإنما يكون الإلجاء بالمنع لأنهم لو راموا خلافه منعوا منه مع ~~الاضطرار إلى حسنه وعظم المنفعة به قوله تعالى ولا يزالون مختلفين قال ~~مجاهد وعطاء وقتادة والأعمش أي مختلفين في الأديان يهودي ونصراني ومجوسي ~~ونحو ذلك من اختلاف المذاهب الفاسدة وروي عن الحسن في الأرزاق والأحوال من ~~تسخير بعضهم لبعض # قوله تعالى إلا من رحم ربك إنما هو استثناء من المختلفين بالباطل ~~بالإطلاق في الإيمان المؤدي إلى الثواب فإنه ناج من الاختلاف بالباطل قوله ~~تعالى ولذلك خلقهم روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك خلقهم للرحمة ~~وروي عن ابن عباس أيضا والحسن وعطاء خلقهم على علم منه باختلافهم وهي لام ~~العاقبة قالوا وقد تكون اللام بمعنى على كقولك أكرمتك على برك ولبرك بي آخر ~~سورة هود عليه السلام. ### | سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لى ساجدين فيه بيان صحة الرؤيا من غير الأنبياء لأن يوسف ~~عليه السلام لم يكن نبيا في ذلك الوقت بل كان صغيرا وكان تأويل الكواكب ~~إخوته والشمس والقمر أبويه وروي ذلك عن الحسن # قوله تعالى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا علم أنه إن قصها ~~عليهم حسدوه وطلبوا كيده وهو أصل في جواز ترك ms1972 إظهار النعمة وكتمانه عند من ~~يخشى حسده وكيده وإن كان الله قد أمر بإظهاره بقوله تعالى وأما بنعمة ربك ~~فحدث # قوله تعالى ويعلمك من تأويل الأحاديث فإن التأويل ما يؤول إليه بمعنى ~~ويرجع إليه وتأويل الشيء هو مرجعه وقال مجاهد وقتادة تأويل الأحاديث عبارة ~~الرؤيا وقيل تأويل الأحاديث في آيات الله ودلائله على توحيده وغير ذلك من ~~أمور دينه # قوله تعالى إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا الآية تفاوضوا فيما ~~بينهم وأظهروا الحسد الذي كانوا يضمرونه لقرب منزلته عند أبيهم دونهم ~~وقالوا إن أبانا لفى ضلال مبين يعنون عن صواب الرأي لأنه كان أصغر منهم ~~وكان عندهم أن الأكبر أولى بتقديم المنزلة من الأصغر ومع ذلك فإن الجماعة ~~من البنين أولى بالمحبة # PageV04P380 # من الواحد وهو معنى قوله ونحن عصبة ومع إنهم كانوا أنفع له بتدبير أمر ~~الدنيا لأنهم كانوا يقومون بأمواله ومواشيه فذهبوا إلى أن اصطفاءه إياه ~~بالمحبة دونهم وتقديمه عليهم ذهاب عن الطريق الصواب # قوله تعالى اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم الآية فإنهم ~~تآمروا فيما بينهم على أحد هذين من قتل أو تبعيد له عن أبيه وكان الذي ~~استجازوا ذلك واستجرءوا من أجله عليه قولهم وتكونوا من بعده قوما صالحين ~~فرجوا التوبة بعد هذا الفعل وهو نحو قوله تعالى بل يريد الإنسان ليفجر ~~أمامه قيل في التفسير إنه يعزم على المعصية رجاء التوبة بعدها فيقول أفعل ~~ثم أتوب وفي ذلك دليل على أن توبة القاتل مقبولة لأنهم قالوا وتكونوا من ~~بعده قوما صالحين وحكاه الله عنهم ولم ينكره عليهم # قوله تعالى قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب لما ~~تآمروا على أحد شيئين من قتل أو إبعاد عن أبيه أشار عليهم هذا القائل حين ~~قالوا لا بد من أحد هذين بأنقص الشرين وهو الطرح في جب قليل الماء ليأخذه ~~بعض السيارة وهم المسافرون # فلما أبرموا التدبير وعزموا عليه نابوا للتلطف في الوصول إلى ما أرادوا ~~فقالوا يا أبانا ما لك ms1973 لا تأمنا على يوسف إلى آخر الآيتين # وقوله تعالى أرسله معنا غدا يرتع ويلعب قيل في يرتع يرعى وقيل إن الرتع ~~الاتساع في البلاد ويقال يرتع في المال أي هو يتسع به في البلاد واللعب هو ~~الفعل المقصود به التفرج والراحة من غير عاقبة له محمودة ولا قصد فيه ~~لفاعله إلا حصول اللهو والفرح فمنه ما يكون مباحا وهو ما لا إثم فيه كنحو ~~ملاعبة الرجل أهله وركوبه فرسه للتطرب والتفرج ونحو ذلك ومنه ما يكون ~~محظورا وفي الآية دلالة على أن اللعب الذي ذكروه كان مباحا لولا ذلك لأنكره ~~يعقوب عليه السلام عليهم فلما سألوه إرساله معهم # قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ~~فذكر لهم حزنه لذهابهم به لبعده عن مشاهدته وأنه خائف مع ذلك أن يأكله ~~الذئب فاجتمع عليه في هذه الحال شيئان الحزن والخوف فأجابوه بأنه يمتنع أن ~~يأكله الذئب وهم جماعة وأن ذلك لو وقع لكانوا خاسرين # قوله تعالى وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون قال ابن عباس ~~لا يشعرون بأنه يوسف في وقت ينبئهم وكذلك قال الحسن أوحى الله إليه وهو في ~~الجب فأعطاه النبوة وأخبره أنه ينبئهم بأمرهم هذا # قوله تعالى وجاؤ أباهم عشاء يبكون روي أن الشعبي كان جالسا # PageV04P381 # للقضاء فجاءه رجل يبكي ويدعي أن رجلا ظلمه فقال رجل بحضرته يوشك أن يكون ~~هذا مظلوما فقال الشعبي إخوة يوسف خانوا وظلموا كذبوا وجاءوا أباهم عشاء ~~يبكون فأظهروا البكاء لفقد يوسف ليبرئوا أنفسهم من الخيانة وأوهموه أنهم ~~مشاركون له في المصيبة ويلقنوا ما كان أظهره يعقوب عليه السلام لهم من خوفه ~~على يوسف أن يأكله الذئب فقالوا # إنا ذهبنا نستبق يقال ننتضل من السباق في الرمي وقيل نستبق بالعدو على ~~الرجل وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا يعني بمصدق # وجاءوا بقميص عليه دم فزعموا أنه دم يوسف قوله تعالى بدم كذب يعني مكذوب ~~فيه قال ابن عباس ومجاهد قال لو كان ms1974 أكله الذئب لخرقه فكانت علامة الكذب ~~ظاهرة فيه وهو صحة القميص من غير تخريق وقال الشعبي كان في قميص يوسف ثلاث ~~آيات الدم والشق وإلقاؤه على وجه أبيه فارتد بصيرا وقال الحسن لما رأى ~~القميص صحيحا قال يا بني والله ما عهدت الذئب حليما قوله تعالى قال بل سولت ~~لكم أنفسكم أمرا يدل على أن يعقوب عليه السلام قطع بخيانتهم وظلمهم وأن ~~يوسف لم يأكله الذئب لما استدل عليه من صحة القميص من غير تخريق وهذا يدل ~~على أن الحكم بما يظهر من العلامة في مثله في التكذيب أو التصديق جائز لأنه ~~عليه السلام قطع بأن الذئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم قوله تعالى فصبر ~~جميل يقال إنه صبر لا شكوى فيه وفيه البيان عما تقتضيه المصيبة من الصبر ~~الجميل والاستعانة بالله عند ما يعرض من الأمور القطعية المجزية فحكى لنا ~~حال نبيه يعقوب عليه السلام عند ما ابتلي بفقد ولده العزيز عنده وحسن عزائه ~~ورجوعه إلى الله تعالى والاستعانة به وهو مثل قوله تعالى الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~الآية ليقتدى به عند نزول المصائب # قوله تعالى قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة قال قتادة والسدي لما أرسل ~~دلوه تعلق بها يوسف فقال المدلى يا بشر اى هذا غلام قال قتادة بشر أصحابه ~~بأنه وجد عبدا وقال السدي كان اسم الرجل الذي ناداه بشرى وقوله وأسروه ~~بضاعة قال مجاهد والسدي أسره المدلي ومن معه في باقى التجار لئلا يسئلوهم ~~الشركة فيه برخص ثمنه وقال ابن عباس أسره إخوته وكتموا أنه أخوهم وتابعهم ~~على ذلك لئلا يقتلوه والبضاعة القطعة من المال تجعل للتجارة وقيل في معنى ~~أسروه بضاعة إنهم اعتقدوا فيه التجارة # PageV04P382 # وروى شعبة عن يونس عن عبيد عن الحسن عن علي أنه قضى باللقيط أنه حر وقرأ ~~وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين # وروى الزهري عن سنين أبي جميلة قال وجدت منبوذا على عهد ms1975 عمر فقال عمر عسى ~~الغويرا بؤسا فقيل إنه لا يتهم فقال هو حر ولك ولاؤه وعلينا رضاعه فمعنى ~~قوله عسى الغويرا بؤسا الغوير تصغير غار وهو مثل معناه عسى أن يكون جاء ~~البأس من قبل الغار فاتهم عمر الرجل وقال عسى أن يكون الأمر جاء من قبلك في ~~هذا الصبي اللقيط بأن يكون من مائك فلما شهدوا له بالستر أمره بإمساكه وقال ~~ولاؤه لك وجائز أن يريد بالولاء هاهنا إمساكه والولاية عليه وإثبات هذا ~~الحق له كما لو كان عبدا له فأعتقه لأنه تبرع بأخذه وإحيائه والإحسان إليه ~~وقد أخبر عمر أنه حر فلا يخلو من أن يكون ذلك على وجه الإخبار بأنه حر ~~الأصل ولا رق عليه أو إيقاع حرية عليه من قبله ومعلوم أن عمر لم يملكه ولم ~~يكن عبدا له فيعتقه فعلمنا أنه أراد الإخبار بأنه حر لا يجري عليه رق وإذا ~~كان حر الأصل لم يجز أن يثبت ولاؤه لإنسان فعلمنا أنه أراد بقوله لك ولاؤه ~~أي لك ولايته في الإمساك والحفظ وما روي عن عمر وعائشة أنهما قالا في أولاد ~~الزنا أعتقوهم وأحسنوا إليهم فإنما معناه احكموا بأنهم أحرار # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه # وذلك إخبار منه بوقوع العتاق بالملك لا يحتاج إلى استئنافه وقد روى ~~المغيرة عن إبراهيم في اللقيط يجده الرجل قال إن نوى أن يسترقه كان رقيقا ~~وإن نوى الحسبة عليه كان عتيقا وهذا لا معنى له لأنه إن كان حرا لم يصر ~~رقيقا بنية الملتقط وإن كان عبدا لم يصر عتيقا بنيته أيضا وأيضا أن الأصل ~~في الناس الحرية وهو الظاهر ألا ترى أن من وجدناه يتصرف في دار الإسلام أنا ~~نحكم بحريته ولا نجعله عبدا إلا ببينة تشهد بذلك أو بإقراره وأيضا فإن ~~اللقيط لا يخلو من أن يكون ولد حرة أو أمة فإن كان ولد حرة فهو حر وغير ~~جائز استرقاقه وإن كان ولد أمة فهو عبد لغير ms1976 الملتقط فلا يجوز لنا أن ~~نتملكه ففي الوجوه كلها لا يجوز أن يكون اللقيط عبدا للملتقط وأيضا فإن ~~الرق طارئ والأصل الحرية كشيء علمناه ملكا لإنسان وادعى غيره زواله إليه ~~فلا تصدقه لأنه يدعي معنى طارئا كذلك حكم الملتقط فيما يثبت له من رق ~~اللقيط وأيضا لما كان لقطة المال لا توجب للملتقط ملكا فيها مع العلم بأنه ~~ملك في الأصل كان التقاط اللقيط الذي لا يعلم رقه أحرى أن # PageV04P383 # لا يوجب للملتقط ملكا # وقد روى حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج ~~امرأة فولدت لأربعة أشهر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها صداقها بما ~~استحل من فرجها وولدها مملوك له # وهو حديث شاذ غير معمول عليه لأن أكثر ما فيه أنه ولد زنا إذا كان من حرة ~~فهو حر ولا خلاف بين الفقهاء في أن ولد الزنا واللقيط حران قوله تعالى ~~وشروه بثمن بخس دراهم معدودة # قال الفراء الثمن ما يثبت في الذمة بدلا من البياعات من الدراهم ~~والدنانير قال أبو بكر ظاهر الكلام يدل عليه لأنه سمى الدراهم ثمنا بقوله ~~وشروه بثمن وقول الفراء مقبول من طريق اللغة فإذا أخبر أن الثمن اسم لما ~~يثبت في الذمة من الوجه الذي ذكرنا ثم سمى الله تعالى الدراهم ثمنا اقتضى ~~ذلك ثبوتها في الذمة متى جعلت بدلا في عقود البياعات سواء عينها أو أطلقها ~~ولم يعينها لأنها لو تعينت بالتعيين لخرجت من أن تكون ثمنا إذ كانت الأعيان ~~لا تكون أثمانا في الحقيقة إلا أن يجريها الإنسان مجرى الأبدال فيسميها ~~ثمنا على معنى البدل تشبيها بالثمن وإذا ثبت ذلك وجب أن لا تتعين الدراهم ~~والدنانير لأن في تعيينها سلب الصفة التي وصفها الله بها من كونها ثمنا إذ ~~الأعيان لا تكون أثمانا والبخس النقص يقال بخسه حقه إذا نقصه وقوله دراهم ~~معدودة روي عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة قالوا كانت عشرين درهما وعن ~~مجاهد اثنان وعشرون درهما وقيل إنما سماها معدودة ms1977 لقلتها وقيل عدوها ولم ~~يزنوها وقيل كانوا لا يزنون الدراهم حتى تبلغ أوقية وأوقيتهم أربعون درهما ~~وقال ابن عباس ومجاهد إخوته كانوا حضورا فقالوا هذا عبد لنا أبق فاشتروه ~~منهم وقال قتادة باعه السيارة قوله تعالى وكانوا فيه من الزاهدين قيل إن ~~إخوته كانوا في الثمن من الزاهدين وإنما كان غرضهم أن يغيبوه عن وجه أبيهم # وقوله تعالى وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا ~~روي عن عبد الله قال أحسن الناس فراسة ثلاثة العزيز حين قال لامرأته أكرمي ~~مثواه عسى أن ينفعنا وابنة شعيب حين قالت في موسى يا أبت استأجره وأبو بكر ~~الصديق حين ولى عمر # قوله تعالى ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما قيل في معنى الأشد إنها ~~القوة من ثماني عشرة إلى ستين سنة وقال ابن عباس الأشد ابن عشرين سنة وقال ~~مجاهد ابن ثلاث وثلاثين سنة # قوله تعالى ولقد همت به وهم بها روى عن الحسن به بالعزيمة وهم بها من جهة ~~الشهوة ولم يعزم وقيل هما جميعا بالشهوة # PageV04P384 # لأن الهم بالشيء مقاربته من غير مواقعة والدليل على أن هم يوسف بها لم ~~يكن من جهة العزيمة وإنما كان من جهة دواعي الشهوة قوله معاذ الله إنه ربى ~~أحسن مثواى وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ~~فكان ذلك إخبارا ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية وقيل إن ذلك على ~~التقديم والتأخير ومعناه لولا أن رأى برهان ربه هم بها وذلك لأن جواب لولا ~~لا يجوز أن يتقدمه لأنهم لا يجيزون أن نقول قد أتيتك لولا زيد وجائز أن ~~يكون على تقديره تقديم لولا قوله تعالى لولا أن رأى برهان ربه قال ابن عباس ~~والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله وقال قتادة ~~نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء وروي عن ابن عباس ~~أنه رأى الملك وقال محمد بن كعب هو ما علمه من الدلالة على عقاب الزنا # قوله تعالى ms1978 وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل الآية روي عن ابن ~~عباس وأبي هريرة وسعيد بن جبير وهلال بن يسار أنه صبي في المهد وروي عن ابن ~~عباس أيضا والحسن وابن أبي مليكة وعكرمة قالوا هو رجل وقال عكرمة إن الملك ~~لما رأى يوسف مشقوق القميص على الباب قال ذلك لابن عم له فقال إن كان قميصه ~~قد من قبل فإنه طلبها فامتنعت منه وإن كان من دبر فإنه فر منها وطلبته ومن ~~الناس من يحتج بهذه الآية في الحكم بالعلامة في اللقطة إذا ادعاها مدع ~~ووصفها وقد اختلف الفقهاء في مدعي اللقطة إذا وصف علامات فيها فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي لا يستحقها بالعلامة حتى يقيم البينة ~~ولا يجبر الملتقط على دفعها إليه بالعلامة ويسعه أن يدفعها وإن لم يجبر ~~عليه في القضاء وقال ابن القاسم في قياس قول مالك يستحقها بالعلامة ويجبر ~~على دفعها إليه فإن جاء مستحق فاستحقها ببينة لم يضمن الملتقط شيئا وقال ~~مالك وكذلك اللصوص إذا وجد معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة أن ~~السلطان يتلوم في ذلك فإن لم يأت غيرهم دفعه إليهم وكذلك الآبق وقال الحسن ~~بن حي يدفعها إليه بالعلامة وقال أصحابنا في اللقيط إذا ادعاه رجلان ووصف ~~أحدهما علامة في جسده إنه أولى من الآخر وقال أبو حنيفة ومحمد في متاع ~~البيت إذا اختلف فيه الرجل والمرأة إن ما يكون للرجال فهو للرجل وما كان ~~للنساء فهو للمرأة وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل فحكموا فيه بظاهر هيئة ~~المتاع وقالوا في المستأجر والمؤاجر إذا اختلفا في مصراع # PageV04P385 # باب موضوع في الدار إنه إن كان وفقا لمصراع معلق في البناء فالقول قول رب ~~الدار وإن لم يكن وفقا له فالقول قول المستأجر وكذلك إن كان جذع مطروح في ~~دار وعليه نقوش وتصاوير موافقة لنقوش جذوع السقف ووفقا لها فالقول قول رب ~~الدار وإن كانت مخالفة لها فالقول قول المستأجر وهذه مسائل قد حكموا في ms1979 ~~بعضها بالعلامة ولم يحكموا بها في بعض ولا خلاف بين أصحابنا أن رجلين لو ~~تنازعا على قربة وهما متعلقان بها وأحدهما سقاء والآخر عطار أنه بينهما ~~نصفين ولا يقضى للسقاء بذلك على العطار فأما قولهم في اللقطة فإن الملتقط ~~له يد صحيحة والمدعي لها يريد إزالة يده # وقال النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى ~~عليه # وكون الذي في يده ملتقطا لا يخرج المدعي من أن يكون مدعيا فلا يصدق على ~~دعواه إلا ببينة إذ ليست له يد والعلامة ليست ببينة لأن رجلا لو ادعى ما لا ~~في يد رجل وأعطى علامته والذي في يده غير ملتقط لم يكن ذكر العلامة بينة ~~يستحق بها شيئا وأما قول أصحابنا في الرجلين يدعيان لقيطا كل واحد يدعي أنه ~~ابنه ووصف أحدهما علامة في جسده فإنما جعلوه أولى استحسانا من قبل أن مدعي ~~اللقيط يستحقه بدعواه من غير علامة ويثبت النسب منه بقوله وتزول يد من هو ~~في يده فلما تنازعه اثنان صار كأنه في أيديهما لأنهما قد استحقا أن يقضى ~~بالنسب لهما لو لم يصف أحدهما علامة في جسده فلما زالت يد من هو في يده صار ~~بمنزلته لو كان في أيديهما من طريق الحكم جميعه في يد هذا وجميعه في يد هذا ~~فيجوز حينئذ اعتبار العلامة ونظيره الزوجان إذا اختلفا في متاع البيت لما ~~كان لكل واحد يد في الجميع اعتبر أظهرهما تصرفا وآكدهما يدا وكذلك المستأجر ~~له يد في الدار والمؤاجر أيضا له يد في جميع الدار فلما استويا في اليد في ~~الجميع كان الذي تشهد له العلامة الموافقة لصحة دعواه أولى وكان ذلك ترجيحا ~~لحكم يده لا أنه يستحق به الحكم له بالملك كما يستحق بالبينات فهذه المواضع ~~التي اعتبروا فيها العلامة إنما اعتبروها مع ثبوت اليد لكل واحد من ~~المدعيين في الجميع فصارت العلامة من حجة اليد دون استحقاق الملك بالعلامة ~~وأما المدعيان إذا كان في أيديهما شيء من المتاع وأحدهما ممن يعالج مثله ms1980 ~~وهو من آلته التي يستعملها في صناعته فإنه معلوم أن في يد كل واحد منهما ~~النصف وأن ما في يد هذا ليس في يد الآخر منه شيء فلو حكمنا لأحدهما بظاهر ~~صناعته أو بعلامة معه لكنا قد استحققنا عليه يدا هي له دونه فهما فيه ~~بمنزلة # PageV04P386 # رجل إسكاف ادعى قالب خف في يد صيرفي فلا يستحق يد الصيرفي لأجل أن ذلك من ~~صناعته ومسألة اللقطة هي هذه بعينها لأن المدعي لا يد له وإنما يريد ~~استحقاق يد الملتقط بالعلامة ومعلوم أنه لا يستحقها بالدعوى إذا لم تكن معه ~~علامة فكذلك العلامة لا يجوز أن يستحق بها يد الغير وأما ما # روي في حديث زيد بن خالد أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة ~~فقال اعرف عفاصها ووعاءها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك ~~بها # فإنه لا دلالة فيه على أن مدعيها يستحقها بالعلامة لأنه يحتمل أن يكون ~~إنما أمره بمعرفة العفاص والوعاء والوكاء لئلا يختلط بماله وليعلم أنها ~~لقطة وقد يكون يستدل به على صدق المدعي فيسعه دفعها إليه وإن لم يلزم في ~~الحكم وقد يكون لذكر العلامة ولما يظهر من الحال تأثير في القلب يغلب في ~~الظن صدقه ولكنه لا يعمل عليه في الحكم وقد استدل يعقوب عليه السلام على ~~كذب إخوة يوسف بأنه لو أكله الذئب لخرق قميصه وقد روي عن شريح وإياس بن ~~معاوية أشياء نحو هذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال اختصم إلى شريح ~~امرأتان في ولد هرة فقالت إحداهما هذه ولد هرتي وقالت الأخرى هذه ولد هرتي ~~فقال ألقوها مع هذه فإن درت وقرت واسبطرت فهي لها وإن هرت وفرت وازبأرت ~~فليس لها وروى حماد بن سلمة قال أخبرني مخبر عن إياس بن معاوية أن امرأتين ~~ادعتا كبة غزل فخلا بإحداهما وقال علام كببت غزلك فقالت على جوزة وخلا ~~بالأخرى فقالت على كسرة خبز فنقضوا الغزل فدفعوه إلى التي أصابت وهذا الذي ~~كان يفعله شريح وإياس من ms1981 نحو هذا لم يكن على وجه إمضاء الحكم به وإلزام ~~الخصم إياه وإنما كان على جهة الاستدلال بما يغلب في الظن منه فيقرر بعد ~~ذلك المبطل منهما وقد يستحي الإنسان إذا ظهر مثل هذا من الإقامة على الدعوى ~~فيقر فيحكم عليه بالإقرار # قوله تعالى قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا قيل فيه إضمار عصير العنب ~~للخمر وذلك لأن الخمر المائعة لا يتأتى فيها العصر وقيل معناه أعصر ما يؤول ~~إلى الخمر فسماه باسم الخمر وإن لم يكن خمرا على وجه المجاز وجائز أن يعصر ~~من العنب خمرا بأن يطرح العنب في الخابية ويترك حتى ينش ويغلي فيكون ما في ~~العنب خمرا فيكون العصر للخمر على وجه الحقيقة وقال الضحاك في لغة تسمي ~~العنب خمرا قوله تعالى نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال قتادة كان ~~يداوي مريضهم ويعزي حزينهم ويجتهد في عبادة # PageV04P387 # ربه وقيل كان يعين المظلوم وينصر الضعيف ويعود المريض وقيل من المحسنين ~~في عبارة الرؤيا لأنه كان يعبر لغيرهما # قوله تعالى قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله الآية # قال ابن جريج عدل عن تأويل الرؤيا إلى الإخبار بهذا لما رأى على أحدهما ~~فيه من المكروه فلم يدعاه حتى أخبرهما به وقيل إنما قدم هذا ليعلما ما خصه ~~الله تعالى من النبوة وليقبلا إلى طاعة الله وقد كان يوسف عليه السلام فيما ~~بينهم قبل ذلك زمانا فلم يحك الله عنه أنه ذكر لهم شيئا من الدعاء إلى الله ~~وكانوا قوما يعبدون الأوثان وذلك لأنه لم يطمع منهم في الاستماع والقبول ~~فلما رآهم مقبلين إليه عارفين بإحسانه أمل منهم القبول والاستماع فقال يا ~~صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار الآية وهو من قوله ~~تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وترقب وقت الاستماع ~~والقبول من الدعاء إلى سبيل الله بالحكمة وإنما حكى الله ذلك لنا لنقتدي به ~~فيه # قوله تعالى وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه الظن ms1982 هاهنا بمعنى اليقين لأنه علم يقينا وقوع ما عبر عليه الرؤيا ~~وهو كقوله تعالى إني ظننت أنى ملاق حسابيه ومعناه أيقنت وقوله فأنساه ~~الشيطان هذه الهاء تعود على يوسف على ما روي عن ابن عباس وقال الحسن وابن ~~إسحاق على الساقي وفيه بيان أن لبثه في السجن بضع سنين إنما كان لأنه سأل ~~الذي نجا منهما أن يذكره عند الملك وكان ذلك منه على جهة الغفلة فإن كان ~~التأويل على ما قال ابن عباس أن الشيطان أنسى يوسف عليه السلام ذكر ربه ~~يعني ذكر الله تعالى وأن الأولى كان في تلك الحال أن يذكر الله ولا يشتغل ~~بمسئلة الناجي منهما أن يذكره عند صاحبه فصار اشتغاله عن الله تعالى في ذلك ~~الوقت سببا لبقائه في السجن بضع سنين وإن كان التأويل أن الشيطان أنسى ~~الساقي فلأن يوسف لما سأل الساقي ذلك لم يكن من الله توفيق للساقي وخلاه ~~ووساوس الشيطان وخواطره حتى أنساه ذكر ربه أمر يوسف وأما البضع فقال ابن ~~عباس هو من الثلاث إلى العشر وقال مجاهد وقتادة إلى التسع وقال وهب لبث سبع ~~سنين # قوله تعالى قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين فإنا قد ~~علمنا أن الرؤيا كانت صحيحة ولم تكن أضغاث أحلام لأن يوسف عليه السلام ~~عبرها على سني الخصب والجدب وهو يبطل قول من يقول إن الرؤيا على أول ما ~~تعبر لأن القوم قالوا هي أضغاث أحلام ولم # PageV04P388 # تقع كذلك ويدل على فساد الرواية بأن الرؤيا على رجل طائر فإذا عبرت وقعت # قوله تعالى وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك ~~الآية يقال إن يوسف عليه السلام إنما لم يجبهم إلى الذهاب إلى الملك حتى رد ~~الرسول إليه بأن يسئل عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن لتظهر براءة ساحته ~~فيكون أجل في صدره عند حضوره وأقرب إلى قبول ما يدعوه إليه من التوحيد ~~وقبول ما يشير به عليه # قوله تعالى ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال الحسن ومجاهد وقتادة ms1983 ~~والضحاك هذا من قول يوسف يقول إني إنما رددت الرسول إليه في سؤال النسوة ~~ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب وإن كان ابتداء الحكاية عن المرأة فإنه رد ~~الكلام إلى الحكاية عن قول يوسف لظهور الدلالة على المعنى وذلك نحو قوله ~~وكذلك يفعلون وقبله حكاية عن المرأة وجعلوا أعزة أهلها أذلة وقوله فماذا ~~تأمرون وقبله حكاية قول الملإ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره # قوله تعالى إن النفس لأمارة بالسوء يعني أن النفس كثيرة النزاع إلى السوء ~~فلا يبرئ نفسه وإن كان لا يطاوعها وقد اختلف الناس في قائل هذا القول فقال ~~قائلون هو من قول يوسف وقال آخرون هو من قول المرأة الأمارة الكثيرة الأمر ~~بالشيء والنفس بهذه الصفة لكثرة ما تشتهيه وتنازع إليه مما يقع الفعل من ~~أجله وقد كانت إضافة الأمر بالسوء إلى النفس مجازا في أول استعماله ثم كثر ~~حتى سقط عنه اسم المجاز وصار حقيقة فيقال نفسي تأمرني بكذا وتدعوني إلى كذا ~~من جهة شهوتي له وإنما لم يصح أن يأمر الإنسان نفسه في الحقيقة لأن في ~~الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك ما لا يملك ومحال أن يملك الإنسان نفسه في ~~الحقيقة لأن في الأمر ترغيبا للمأمور بتمليك ما لا يملك ومحال أن يملك ~~الإنسان نفسه ما لا يملكه لأن من ملك شيئا فإنما يملك ما هو مالكه # قوله تعالى وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين هذا الملك لما كان من أهل العقل والدراية لم يرعه من يوسف ~~منظره الرائع البهج كما راع النساء لقلة عقولهن وضعف أحلامهن وأنهن إنما ~~نظرن إلى ظاهر حسنه وجماله دون علمه وعقله وأن الملك لم يعبأ بذلك ولكنه ~~لما كلمه ووقف على كماله ببيانه وعلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين # فقال يوسف اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم فوصف نفسه بالعلم والحفظ ~~وفي هذا دلالة على أنه جائز للإنسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه ~~وأنه ليس من ms1984 المحظور من تزكية النفس في قوله تعالى فلا تزكوا أنفسكم # قوله تعالى ائتوني بأخ # PageV04P389 # لكم من أبيكم # - إلى قوله- فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندى يقال إن الذي اقتضى طلبه ~~للأخ من أبيهم مفاوضته لهم بالسؤال عن أخبارهم فلما ذكروا إيثار أبيهم له ~~عليهم بمحبته إياه مع حكمته أظهر أنه يحب أن يراه وأن نفسه متطلعة إلى علم ~~السبب في ذلك وكان غرضه في ذلك التوصل إلى حصوله عنده وكان قد خاف أن ~~يكتموا أباه أمره إن ظهر لهم أنه يوسف وأن يتوصلوا إلى أن يحولوا بينه وبين ~~الاجتماع معه ومع أخيه فأجرى تدبيره على تدريج لئلا يهجم عليهم ما يشتد ~~اضطرابهم معه # قوله تعالى يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة قال ~~ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والسدي كانوا ذوي صورة وجمال فخاف عليهم ~~العين وقال غيرهم خاف عليهم حسد الناس لهم وأن يبلغ الملك قوتهم وبطشهم ~~فيقتلهم خوفا على ملكه وما قالته الجماعة يدل على أن العين حق # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العين حق # قوله تعالى جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم ~~لسارقون قيل أمر يوسف بعض أصحابه بأن يجعل الصاع في رحل أخيه ثم قال قائل ~~من الموكلين بالصيعان وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه أيتها العير إنكم ~~لسارقون على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف بذلك فلم يكن قول هذا ~~القائل كذبا إذ كان مرجعه إلى غالب ظنه وما هو عنده وفيما توصل يوسف عليه ~~السلام به إلى أخذ أخيه دلالة على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من ~~غيره بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق # قوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم روي عن يحيى بن يمان عن ~~يزيد بن زريع عن عطاء الخراساني وأنا به زعيم قال كفيل قال أبو بكر ظن بعض ~~الناس أن ذلك كفالة عن إنسان وليس ms1985 كذلك لأن قائل ذلك جعل حمل بعير أجرة لمن ~~جاء بالصاع وأكده بقوله أنا به زعيم يعني ضامن قال الشاعر: # وإني زعيم إن رجعت مسلما ... بسير يرى منه الفرانق أزورا # أي ضامن لذلك فهذا القائل لم يضمن عن إنسان شيئا وإنما ألزم نفسه ضمان ~~الأجرة لرد الصاع وهذا أصل في جواز قول القائل من حمل هذا المتاع إلى موضع ~~كذا فله درهم وأن هذه إجارة جائزة وإن لم يكن يشارط على ذلك رجلا بعينه ~~وكذلك قال محمد بن الحسن في السير الكبير إذا قال أمير الجيش من ساق هذه ~~الدواب إلى موضع كذا أو قال من حمل هذا المتاع إلى موضع كذا فله كذا أن هذا ~~جائز ومن حمله استحق الأجر # PageV04P390 # وهذا معنى ما ذكر في هذه الآية وقد ذكر هشام عن محمد أيضا فيمن كانت في ~~يده دار لرجل يسكنها فقال إن أقمت فيها بعد يومك هذا فأجرة كل يوم عشرة ~~دراهم عليك أن هذا جائز وإن أقام فيها بعد هذا القول لزمه كل يوم ما سمى ~~فجعل سكناه بعد ذلك رضا وكان ذلك إجارة وإن لم يقاوله باللسان وفي الآية ~~دلالة على ذلك لأنه قد أخبر أن من رد الصاع استحق الأجر وإن لم يكن بينهما ~~عقد إجارة بل فعله لذلك بمنزلة قبول الإجارة وعلى هذا قالوا فيمن قال لآخر ~~قد استأجرتك على حمل هذا المتاع إلى موضع كذا بدرهم أنه إن حمله استحق ~~الدرهم وإن لم يتكلم بقبولها فإن قيل إن هذا لم يكن إجارة لأن الإجارة لا ~~تصح على حمل بعير وإن كانت إجارة فهي منسوخة لأن الإجارة لا تجوز في شريعة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بأجر معلوم قيل له هو أجر معلوم لأن حمل بعير ~~اسم لمقدار ما من الكيل والوزن كقولهم كارة ووقر ووسق ونحو ذلك ولما لم ~~ينكر يوسف عليه السلام ذلك دل على صحنه وشرائع من قبلنا من الأنبياء حكمها ~~ثابت عندنا ما لم تنسخ # قوله تعالى قالوا جزاؤه من ms1986 وجد في رحله فهو جزاؤه قال الحسن وأبو إسحاق ~~ومعمر والسدي كان من عادتهم أن يسترقوا السارق فكان تقديره جزاؤه أخذ من ~~وجد في رحله رقيقا فهو جزاء عندنا كجزائه عندكم فلما وجد في رحل أخيه أخذه ~~على ما شرط أنه جزاء سرقته فقالوا خذ أحدنا مكانه عبدا روي ذلك عن الحسن ~~وهذا يدل على أنه قد كان يجوز في ذلك الوقت استرقاق الحر بالسرقة وكان يجوز ~~للإنسان أن يرق نفسه لغيره لأن إخوة يوسف عليه السلام بذلوا واحدا منهم ~~ليكون عبدا بدل أخي يوسف # وقد روي عن عبد سرق أن النبي صلى الله عليه وسلم باعه في دين عليه وكان ~~حرا # فجائز أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا إلى أن نسخ على لسان نبينا صلى ~~الله عليه وسلم وفيما قص الله علينا من قصة يوسف وحفظه للأطعمة في سني ~~الجدب وقسمته على الناس بقدر الحاجة دلالة على أن للأئمة في كل عصر أن ~~يفعلوا مثل ذلك إذا علموا هلاك الناس من القحط # قوله تعالى ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا ~~بما علمنا إنما أخبروا عن ظاهر الحال لا عن باطنها إذ لم يكونوا عالمين ~~بباطنها ولذلك قالوا وما كنا للغيب حافظين فكان في الظاهر لما وجد الصاع في ~~رحله أنه هو الآخذ له فقالوا وما شهدنا إلا بما علمنا يعني من الأمر الظاهر ~~لا من الحقيقة وهذا يدل على جواز إطلاق اسم العلم من طريق الظاهر # PageV04P391 # وإن لم يعلم حقيقة وهو كقوله فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~ومعلوم أنا لا نحيط بضمائرهن علما وإنما هو على ما يظهر من إيمانهن وقد قيل ~~في قوله وما كنا للغيب حافظين معنيان أحدهما ما روي عن الحسن ومجاهد وقتادة ~~ما كنا نشعر أن ابنك سيسرق والآخر ما قدمنا وهو أنا لا ندري باطن الأمر في ~~السرقة فإن قيل لم جاز له استخراج الصاع من رحل أخيه على حال يوجب تهمته ~~عند الناس مع ms1987 براءة ساحته وغم أبيه وإخوته به قيل له لأنه كان في ذلك ضروب ~~من الصلاح وقد كان ذلك عن مواطأة من أخيه له على ذلك وتلطف في إعلام أبيه ~~بسلامتهما ولم يكن لأحد أن يتهمه بالسرقة مع إمكان أن يكون غيره جعله في ~~رحله ولأن الله تعالى أمره بذلك تعريضا ليعقوب عليه السلام للبلوى بفقده ~~أيضا ليصبر فيتضاعف ليعقوب عليه السلام الثواب الجزيل بصبره على فقدهما ~~وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله فلما جهزهم ~~بجهازهم- إلى قوله- كذلك كدنا ليوسف دلالة على إجازة الحيلة في التوصل إلى ~~المباح واستخراج الحقوق وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره ~~وقال في آخر القصة كذلك كدنا ليوسف ومن نحو ذلك قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا ~~فاضرب به ولا تحنث وكان حلف أن يضربها عددا فأمره الله تعالى بأخذ الضغث ~~وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها ومن نحوه النهي عن ~~التصريح بالخطبة وإباحة التوصل إلى إعلامها رغبته بالتعريض ومن جهة السنة # حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعمل ~~رجلا على خيبر فأتاه بتمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر ~~خيبر هكذا فقال لا والله إنما نأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة قال ~~فلا تفعل بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم تمرا كذا روى ذلك مالك بن ~~أنس عن عبد المجيد بن سهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد وأبي هريرة # فحظر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم التفاضل في التمر وعلمه كيف ~~يحتال في التوصل إلى أخذ هذا التمر ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم لهند خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف # فأمرها بالتوصل إلى أخذ حقها وحق ولدها # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا ورى بغيره # وروى يونس ومعمر عن الزهري قال أرسلت بنوا قريظة إلى أبي سفيان بن ms1988 حرب أن ~~ائتونا فإنا سنغير على بيضة المسلمين من ورائهم فسمع ذلك نعيم بن مسعود ~~وكان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم # PageV04P392 # وكان عند عيينة حين أرسلت بذلك بنوا قريظة إلى الأحزاب أبي سفيان وأصحابه ~~فأقبل نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرها وما أرسلت بنوا ~~قريظة إلى الأحزاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلنا أمرنا بذلك ~~فقام نعيم يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال وكان نعيم رجلا لا يكتم الحديث فلما ولى من عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذاهبا إلى غطفان قال عمر يا رسول الله ما هذا الذي ~~قلت إن كان أمرا من أمر الله فأمضه وإن كان هذا رأيا رأيته من قبل نفسك فإن ~~شأن بني قريظة أهون من أن تقول شيئا يؤثر عنك فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بل هذا رأي إن الحرب خدعة # وروى أبو عثمان النهدي عن عمر قال إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب ~~وروى الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال ما يسرني بمعاريض ~~الكلام حمر النعم وقال إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه للملك حين سأله عن ~~سارة فقال من هي منك قال هي أختي لئلا بأخذها وإنما أراد أختي في الدين ~~وقال للكفار إني سقيم حين تخلف ليكسر آلهتهم وكان معناه إني سأسقم يعني ~~أموت كما قال الله تعالى إنك ميت فعارض بكلامه عما سألوه عنه إلى غيره على ~~وجه لا يلحق فيه الكذب فهذه وجوه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها ~~بالاحتيال في التوصل إلى المباح وقد كان لولا وجه الحيلة فيه محظورا وقد ~~حرم الله الوطء بالزنا وأمرنا بالتوصل إليه بعقد النكاح وحظر علينا أكل ~~المال بالباطل وأباحه بالشرى والهبة ونحوها فمن أنكر التوصل إلى استباحة ما ~~كان محظورا من الجهة التي أباحته الشريعة فإنما يرد أصول الدين وما قد ثبتت ~~به الشريعة ms1989 فإن قيل حظر الله تعالى على اليهود صيد السمك يوم السبت فحبسوا ~~السمك يوم السبت وأخذوه يوم الأحد فعاقبهم الله عليه قيل له قد أخبر الله ~~تعالى أنهم اعتدوا في السبت وهذا يوجب أن يكون حبسها في السبت قد كان ~~محظورا عليهم ولو لم يكن حبسهم لها في السبت محرما لما قال اعتدوا منكم في ~~السبت # قوله تعالى يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر- إلى قوله- وتصدق علينا لما ~~ترك يوسف عليه السلام النكير عليهم في قوله مسنا وأهلنا الضر دل ذلك على ~~جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله ~~تعالى وقوله فأوف لنا الكيل فدل على أن أجرة الكيال على البائع لأن عليه ~~تعيين المبيع للمشتري ولا يتعين إلا بالكيل وقد قالوا له فأوف لنا الكيل ~~فدل على أن الكيل قد كان عليه فإن قيل # نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام # PageV04P393 # حتى يجزى فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري # وهذا يدل على أن الكيل على المشتري لأن مراده الصاع الذي اكتال به البائع ~~من بائعه وصاع المشتري هو ما اكتاله المشتري الثاني من البائع قيل له قوله ~~صاع البائع لا دلالة فيه على أن البائع هو الذي اكتال وجائز أن يريد به ~~الصاع الذي كال البائع به بائعه وصاع المشتري الذي كاله له بائعه فلا دلالة ~~فيه على الاكتيال على المشتري وإذا صح ذلك فيما وصفنا من الكيل فواجب أن ~~يكون أجرة الوزان على المشتري لأن عليه تعيين الثمن للبائع ولا يتعين إلا ~~بوزنه فعليه أجرة الوزان وأما أجرة الناقد فإن محمد بن سماعة روى عن محمد ~~أنه قبل أن يستوفيه البائع فهو على المشتري لأن عليه تسليم الثمن إليه ~~صحيحا وإن كان قد قبضه البائع فأجرة الناقد على البائع لأنه قد قبضه وملكه ~~فعليه أن يبين أن شيئا منه معيب يجب رده قوله تعالى وتصدق علينا قال سعيد ~~بن جبير إنما سألوا التفضل بالنقصان في السعر ولم يسئلوا الصدقة وقال ms1990 سفيان ~~بن عيينة سألوا الصدقة وهم أنبياء وكانت حلالا وإنما حرمت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكره مجاهد أن يقول في دعائه اللهم تصدق علي لأن الصدقة ~~إنما هي ممن يبتغي الثواب # قوله تعالى قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون فيه إخبار ~~أنهم كانوا جاهلين عند وقوع الفعل منهم وأنهم لم يكونوا جاهلين في هذا ~~الوقت فمن الناس من يستدل بذلك على أنهم فعلوا ذلك قبل البلوغ لأنهم لو ~~فعلوه بعد البلوغ مع أنهم لم تظهر منهم توبة لكانوا جاهلين في الحال وإنما ~~أراد جهالة الصبا لا جهالة المعاصي # وقول يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم يدل على أنهم فعلوه بعد ~~البلوغ وأن ذلك كان ذنبا منهم يجب عليهم الاستغفار منه وظاهر الكلام يدل ~~على أنهم تابوا بقولهم لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين # ويدل عليه قولهم يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ولا يقول ~~مثله من فعل شيئا في حال الصغر قبل أن يجري عليه القلم وقوله يا أبانا ~~استغفر لنا ذنوبنا إنما جاز لهم مسألة الاستغفار مع حصول التوبة لأجل ~~المظلمة المعلقة بعفو المظلوم وسؤال ربه أن لا يؤاخذه بما عامله ويجوز أن ~~يكون إنما سأله أن يبلغه بدعائه منزلة من لم يكن في جناية # قوله تعالى سوف أستغفر لكم ربى روى عن ابن مسعود وإبراهيم التيمي وابن ~~جريج وعمرو بن قيس أنه أخر الاستغفار لهم إلى السحر لأنه أقرب إلى إجابة ~~الدعاء # وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV04P394 # أنه أخر ذلك إلى ليلة الجمعة # وقيل إنما سألوه أن يستغفر لهم دائما في دعائه # قوله تعالى وخروا له سجدا يقال إن التحية للملوك كانت السجود وقيل إنهم ~~سجدوا لله شكرا له على ما أنعم به عليهم من الاجتماع مع يوسف على الحال ~~السارة وأرادوا بذلك التعظيم ليوسف فأضاف السجود إلى يوسف مجازا كما يقال ~~صلى للقبلة وصلى إلى غير القبلة يعني إلى تلك الجهة ms1991 وقول يوسف هذا تأويل ~~رءياى من قبل يعني سجود الشمس والقمر والكواكب فكان السجود في الرؤيا هو ~~السجود في اليقظة وكان الشمس والقمر والكواكب أبويه وإخوته ويقال في قوله ~~ورفع أبويه على العرش إن أمه كانت ماتت وتزوج خالته روي ذلك عن السدي وقال ~~الحسن وابن إسحاق كانت أمه باقية وروى عن سليمان وعبيد الله بن شداد كانت ~~المدة بين الرؤيا وبين تأويلها أربعين سنة وعن الحسن كانت ثمانين سنة وقال ~~ابن إسحاق ثماني عشرة سنة فإن قيل إذا كانت رؤيا الأنبياء صادقة فهلا تسلى ~~يعقوب بعلمه بوقوع تأويل رؤيا يوسف قيل له لأنه رآها وهو صبي وقيل لأن طول ~~الغيبة عن الحبيب يوجب الحزن كما يوجبه مع الثقة بالالتقاء في الآخرة # قوله تعالى وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ~~يعني وكم من آية فيهما لا يفكرون فيها ولا يستدلون بها على توحيد الله وفيه ~~حث على الاستدلال على الله تعالى بآياته ودلائله والفكر فيما يقتضيه من ~~تدبير مدبرها العالم بها القادر عليها وأنه لا يشبهها وذلك في تدبير الشمس ~~والقمر والنجوم والرياح والأشجار والنبات والنتاج والحيوان وغير ذلك مما هو ~~ظاهر للحواس ومدرك بالعيان # قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون روي عن ابن عباس ومجاهد ~~وقتادة وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بأن الله خلقه وخلق السموات ~~والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الوثن وقال الحسن هم أهل الكتاب معهم شرك ~~وإيمان وقيل ما يصدقون بعبادة الله إلا وهم يشركون الأوثان في العبادة وقد ~~دلت الآية على أن مع اليهودي إيمانا بموسى وكفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~لأنها قد دلت على أن الكفر والإيمان لا يتنافيان من وجهين مختلفين فيكون ~~فيه كفر من وجه وإيمان من وجه إلا أنه لا يحصل اجتماعهما على جهة إطلاق اسم ~~المؤمن واستحقاق ثواب الإيمان لأن ذلك ينافيه الكفر وكذلك قوله أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض قد أثبت لهم الإيمان ببعض # PageV04P395 # الكتاب والكفر ببعض آخر فثبت ms1992 بذلك جواز أن يكون معه كفر من وجه وإيمان من ~~وجه آخر وغير جائز أن يجتمع له صفة مؤمن وكافر لأن صفة مؤمن على الإطلاق ~~صفة مدح وصفة كافر صفة ذم ويتنافى استحقاق الصفتين معا على الإطلاق في حال ~~واحدة # قوله تعالى قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني فيه ~~بيان أنه مبعوث بدعاء الناس إلى الله عز وجل على بصيرة من أمره كأنه يبصره ~~بعينه وأن من اتبعه فذلك سبيله في الدعاء إلى الله عز وجل وفيه الدلالة على ~~أن على المسلمين دعاء الناس إلى الله تعالى كما كان على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك # قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى قيل من ~~أهل الأمصار دون البوادي لأن أهل الأمصار أعلم وأحكم وأحرى بقبول الناس ~~منهم وقال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية قط ولا من الجن ولا من ~~النساء # قوله تعالى حتى إذا استياس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا اليأس ~~انقطاع الطمع وقوله كذبوا قرئ بالتخفيف وبالتثقيل فإذا قرئ بالتخفيف كان ~~معناه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك قالوا ~~ظن الأمم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله تعالى لهم وإهلاك ~~أعدائهم وروي عن حماد بن زيد عن سعيد بن الحبحاب قال حدثني إبراهيم بن أبي ~~حرة الجزري قال صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا فيهم سعيد بن جبير وأرسلت ~~إلى الضحاك بن مزاحم فأبى أن يجيء فأتيته فلم أدعه حتى جاء قال فسأل فتى من ~~قريش سعيد ابن جبير فقال له يا أبا عبد الله كيف تقرأ هذا الحرف فإني إذا ~~أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة حتى إذا استياس الرسل وظنوا أنهم ~~قد كذبوا قال نعم حتى إذا استيئس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل ~~إليهم أن الرسل كذبوا مخففة فقال الضحاك ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى ms1993 ~~علم فيتلكأ لو رحلت في هذا إلى اليمن كان قليلا وفي رواية أخرى أن مسلم بن ~~يسار سأل سعيدا عنه فأجابه بذلك فقام إليه مسلم فاعتنقه وقال فرج الله عنك ~~كما فرجت عني ومن قرأ كذبوا بالتشديد كان معناه أيقنوا أن الأمم قد كذبوهم ~~فكذبنا عمهم حتى لا يفلح أحد منهم روي ذلك عن عائشة والحسن وقتادة آخر سورة ~~يوسف. # PageV04P396 ### | سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وفي الأرض قطع متجاورات قال ابن عباس ومجاهد والضحاك الأرض ~~السبخة والأرض العذبة ونخيل صنوان قال ابن عباس والبراء بن عازب ومجاهد ~~وقتادة النخلات أصلها واحد قوله تعالى يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض ~~في الأكل فيه أوضح دلالة على بطلان مذهب أصحاب الطبائع لأنه لو كان حدوث ما ~~يحدث من الثمار بطبع الأرض والهواء والماء لوجب أن يتفق ما يحدث من ذلك ~~لاتفاق ما يوجب حدوثه إذ كانت الطبيعة الواحدة توجب عندهم اتفاق ما يحدث ~~منها ولا يجوز أن توجب فعلين مختلفين متضادين فلو كان حدوث هذه الأشياء ~~المختلفة الألوان والطعوم والأراييح والأشكال من إيجاب الطبيعة لاستحال ~~اختلافها وتضادها مع اتفاق الموجب لها فثبت أن المحدث لها قادر مختار حكيم ~~قد أحدثها على اختلافها على علم منه بها وهو الله تعالى # قوله تعالى إنما أنت منذر ولكل قوم هاد روي عن ابن عباس وسعيد ومجاهد ~~والضحاك الهادي هو الله تعالى وروي عن مجاهد أيضا وقتادة الهادي نبي كل أمة ~~وعن ابن عباس أيضا الهادي الداعي إلى الحق وعن الحسن وقتادة وأبي الضحى ~~وعكرمة الهادي محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو الصحيح لأن تقديره إنما أنت ~~منذر وهاد لكل قوم والمنذر هو الهادي والهادي أيضا هو المنذر # قوله تعالى وما تغيض الأرحام وما تزداد قال ابن عباس والضحاك وما تنقص من ~~الأشهر التسعة وما تزداد فإن الولد يولد لستة أشهر فيعيش ويولد لسنتين ~~فيعيش وقال الحسن وما تنقص بالسقط وما تزداد بالتمام وقال الفراء الغيض ~~النقصان ألا تراهم يقولون غاضت ms1994 المياه إذا نقصت وقال عكرمة إذا غاضت وقال ~~ما غاضت الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل وقال مجاهد الغيض وما رأت ~~الحامل من الدم في حملها وهو نقصان من الولد والزيادة ما زاد على تسعة أشهر ~~وهو تمام النقصان وهو الزيادة وزعم إسماعيل بن إسحاق أن التفسير إن كان على ~~ما روي عن مجاهد وعكرمة فهو حجة منه في أن الحامل تحيض قال لأن كل دم يخرج ~~من الرحم فليس يخلو من أن يكون حيضا أو نفاسا وأما دم الاستحاضة فهو من عرق ~~وهذا الذي ذكره ليس بشيء لأن الدم الخارج من الرحم قد يكون حيضا ونفاسا وقد ~~يكون غيرهما # وقوله صلى الله عليه وسلم في # PageV04P397 # دم الاستحاضة إنه دم عرق # غير مانع أن يكون بعض ما يخرج من الرحم من الدم قد يكون دم الاستحاضة # لأنه صلى الله عليه وسلم قال إنما هو دم عرق انقطع أو داء عرض # فأخبر أن دم الاستحاضة قد يكون من داء عرض وإن لم يكن من عرق وأيضا فما ~~الذي يحيل أن يكون دم العرق خارجا من الرحم بأن ينقطع العرق فيسيل الدم ~~إليها ثم يخرج فلا يكون حيضا ولا نفاسا ثم # قال فلا يقال إن الحامل لا تحيض إلا بخبر عن الله أو عن رسوله لأنه حكاية ~~عن غيب # ونسي أن قضيته توجب أن # لا يقال إنها تحيض إلا بخبر عن الله وعن الرسول لأنه حكاية عن غيب # على حسب موضوعه وقاعدته بل قد يسوغ لمن نفى الحيض عن الحامل ما لا يسوغ ~~لمن أثبته لأنا قد علمنا أنها كانت غير حائض فإذا رأت الدم واختلفوا أنه ~~حيض أو غير حيض وفي إثبات الحيض إثبات أحكام فغير جائز إثباته حيضا إلا ~~بتوقيف وواجب أن تكون باقية على ما كانت عليه من عدم الحيض حتى يثبت الحيض ~~بتوقيف أو اتفاق إذ كان في إثبات الدم حيضا إثبات حكم لا سبيل إلى علمه إلا ~~من طريق التوقيف وأيضا فإن قولنا حيض هو حكم ms1995 الدم خارج من الرحم وقد يوجد ~~الدم خارجا من الرحم على هيئة واحدة فيحكم لما رأته في أيامها بحكم الحيض ~~ولما رأته في غير أيامها بحكم الاستحاضة وكذلك النفاس فإذا كان الحيض ليس ~~بأكثر من إثبات أحكام الدم يوجد في أوقات ولم يكن الحيض عبارة عن الدم فحسب ~~دون ما يتعلق به من الحكم وإثبات الحكم بخروج دم لا يعلم إلا من طريق ~~التوقيف فلم يجز أن يجعل هذا الحكم ثابتا لدم الحامل إذ لم يرد به توقيف ~~ولا حصل عليه اتفاق ثم قال إسماعيل عطفا على # قوله لا يقال إن الحامل لا تحيض إلا بخبر عن الله أو عن رسوله لأنه حكاية ~~عن غيب # ولا يلزم ذلك من قال إنها تحيض لأن الله تعالى قد قال ويسئلونك عن المحيض ~~قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض فلما قيل النساء لزم في ذلك العموم ~~لأن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى به حتى يعلم غيره قال أبو بكر قوله ~~ويسئلونك عن المحيض ليس فيه بيان صفة الحيض بمعنى يتميز به عن غيره وقوله ~~تعالى قل هو أذى إنما هو إخبار عما يتعلق بالمحيض من ترك الصلاة والصوم ~~واجتناب الرجل جماعها وإخبار عن نجاسة دم الحيض ولزوم اجتنابه ولا دلالة ~~فيه على وجوده في حال الحمل وعدمه وقوله لما قيل النساء لزم في ذلك العموم ~~لا معنى له لأنه قال فاعتزلوا النساء في المحيض # PageV04P398 # وقوله في المحيض ليس فيه بيان أن الحيض ما هو ومتى ثبت المحيض وجب ~~الاعتزال وإنما اختلفا في أن الدم الخارج في وقت الحمل هل هو حيض أم لا ~~وقول الخصم لا يكون حجة لنفسه وقوله إن الدم إذا خرج من فرجها فالحيض أولى ~~به دعوى مجردة من البرهان ولخصمه أن يقول إن الدم إذا خرج من فرجها فغير ~~الحيض أولى به حتى يقوم الدليل على أنه حيض لوجودنا دما خارجا من الرحم غير ~~حيض فلم يحصل من جميع هذا الكلام إلا دعاوى مبنية بعضها على ms1996 بعض وجميعها ~~مفتقر إلى دليل يعضدها وقد روى مطر الوراق عن عطاء عن عائشة أنها قالت في ~~الحامل ترى الدم إنها لا تدع الصلاة وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال ~~لا يختلف فيه عندنا عن عائشة أنها كانت تقول في الحامل ترى الدم أنها تمسك ~~عن الصلاة حتى تطهر وهذا يحتمل أن تريد به الحامل التي في بطنها ولدان ~~فولدت أحدهما أن النفاس من الأول وأنها تدع الصلاة حتى تطهر على ما يقول ~~أبو حنيفة وأبو يوسف في ذلك حتى يصحح الخبرين جميعا عنها وعند أصحابنا أن ~~الحامل لا تحيض وأن ما رأته من دم فهو استحاضة وعند مالك والشافعي تحيض ~~فالحجة لقولنا ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا أرطاس لا توطأ حامل حتى تضع ~~ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة # والاستبراء هو معرفة براءة الرحم فلما جعل الشارع وجود الحيض علما لبراءة ~~الرحم لم يجز وجوده مع الحبل لأنه لو جاز وجوده معه لم يكن وجود الحيض علما ~~لبراءة الرحم ويدل عليه أيضا # قوله صلى الله عليه وسلم في طلاق السنة فليطلقها طاهرا من غير جماع أو ~~حاملا قد استبان حملها فلو كانت الحامل تحيض لفصل بين جماعها وطلاقها بحيضة ~~كغير الحامل # وفي إباحته صلى الله عليه وسلم إيقاف الطلاق على الحامل بعد الجماع من ~~غير فصل بينه وبين الطلاق بحيضة دلالة على أنها لا تحيض آخر سورة الرعد. ### | سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال ~~غدوة وعشية وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال هي النخلة تطعم في كل ستة ~~أشهر وكذلك روي عن مجاهد وعامر وعكرمة # وروى الليث بن سعد وسليمان بن أبي كثير عن علي قال أرى الحين سنة # وكذلك روي عن الحكم وحماد من قولهما وكذلك روي # PageV04P399 # عن عكرمة في رواية من قوله وقال سعيد بن المسيب الحين شهران من حين تصرم ~~النخل ms1997 إلى أن تطلع وروي عنه أن النخلة لا تكون فيها أكلها إلا شهرين وروي ~~عنه أن الحين ستة أشهر وروى القاسم بن عبد الله عن أبي حازم عن ابن عباس ~~أنه سئل عن الحين فقال تؤتى أكلها كل حين ستة أشهر ليسجننه حتى حين ثلاث ~~عشرة سنة لتعلمن نبأه بعد حين يوم القيامة وروى هشام بن حسان عن عكرمة أن ~~رجلا قال إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر فأتى عمر بن عبد العزيز فسأله ~~فسألني عنها فقلت إن من الحين حين لا يدرك قوله وإن أدري لعله فتنة لكم ~~ومتاع إلى حين فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها فكأنه أعجبه وروى ~~عبد الرزاق عن معمر عن الحسن تؤتي أكلها كل حين قال ما بين ستة الأشهر أو ~~السبعة قال أبو بكر الحين اسم يقع على وقت مبهم وجائز أن يراد به وقت مقدر ~~قال الله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ثم قال وحين تظهرون فهذا ~~على وقت صلاة الفجر ووقت الظهر ووقت المغرب على اختلاف فيه لأنه قد أريد به ~~فعل الصلاة المفروضة في هذه الأوقات فصار حين في هذا الموضع اسما لأوقات ~~هذه الصلوات ويشبه أن يكون ابن عباس في الرواية التي رويت عنه في الحين أنه ~~غدوة وعشية ذهب إلى معنى قوله تعالى حين تمسون وحين تصبحون ويطلق ويراد به ~~أقصر الأوقات كقوله تعالى وسوف يعلمون حين يرون العذاب وهذا على وقت الرؤية ~~وهو وقت قصير غير ممتد ويطلق ويراد به أربعون سنة لأنه روي في تأويل قوله ~~تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر أنه أراد أربعين سنة والسنة والستة ~~الأشهر والثلاث عشرة سنة والشهران على ما ذكرنا من تأويل السلف للآية كله ~~محتمل فلما كان ذلك كذلك ثبت أن الحين اسم يقع على وقت مبهم وعلى أقصر ~~الأوقات وعلى مدد معلومة بحسب قصد المتكلم ثم قال أصحابنا فيمن حلف أن لا ~~يكلم فلانا حينا أنه على ستة أشهر ms1998 وذلك لأنه معلوم أنه لم يرد به أقصر ~~الأوقات إذ كان هذا القدر من الأوقات لا يحلف عليه في العادة ومعلوم أنه لم ~~يرد به أربعين سنة لأن من أراد الحلف على أربعين سنة حلف على التأبيد من ~~غير توقيت ثم كان قوله تعالى توتى أكلها كل حين بإذن ربها لما اختلف السلف ~~فيه على ما وصفنا كان أقصر الأوقات فيه ستة أشهر لأن من حين الصرام إلى وقت ~~أوان الطلع ستة أشهر وهو أولى من اعتبار # PageV04P400 # السنة لأن وقت الثمرة لا يمتد سنة بل ينقطع حتى لا يكون فيه شيء وإذا ~~اعتبرنا ستة أشهر كان موافقا لظاهر اللفظ في أنها تطعم ستة أشهر وتنقطع ستة ~~أشهر وأما الشهران فلا معنى لاعتبار من اعتبرهما لأنه معلوم أن من وقت ~~الصرام إلى وقت خروج الطلع أكثر من شهرين فإن اعتبر بقاء الثمرة شهرين فإنا ~~قد علمنا أن من وقت خروج الطلع إلى وقت الصرام أكثر من شهرين أيضا فلما بطل ~~اعتبار السنة واعتبار الشهرين بما وصفنا ثبت أن اعتبار الستة الأشهر أولى ~~آخر سورة إبراهيم عليه السلام. # (تم الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله سورة النحل) # PageV04P401 # [الجزء الخامس] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | سورة النحل # قال الله تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع روي عن ابن عباس قال ~~الدفء اللباس وقال الحسن الدفء ما استدفئ به من أوبارها وأصوافها وأشعارها ~~قال أبو بكر وذلك يقتضي جواز الانتفاع بأصوافها وأوبارها في سائر الأحوال ~~من حياة أو موت # قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها روى هشام الدستوائى عن يحيى ~~ابن أبي كثير عن نافع عن علقمة أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل والبغال ~~والحمير وكان يقول في والأنعام خلقها لكم إن هذه للأكل وهذه للركوب والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها وروى أبو حنيفة عن الهيثم عن عكرمة عن ابن عباس ~~أنه كره لحوم الخيل وتأول والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة قال أبو ~~بكر فهذا دليل ظاهر على حظر لحومها وذلك لأن الله تعالى ms1999 ذكر الأنعام وعظم ~~منافعها فذكر منها الأكل بقوله تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ~~ومنها تأكلون ثم ذكر الخيل والبغال والحمير وذكر منافعها الركوب والزينة ~~فلو كان الأكل من منافعها وهو من أعظم المنافع لذكره كما ذكر من منافع ~~الأنعام وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أخبار متضادة في الإباحة ~~والحظر # فروى عكرمة بن عمارة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال لما ~~كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة فذبحوها فحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لحوم الحمر الإنسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب ~~من الطير وحرم الخلسة والنهبة # وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال أطعمنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر # ولم يسمع عمر وبن دينار هذا الحديث من جابر وذلك لأن ابن جريج رواه عن ~~عمر وبن دينار عن رجل عن جابر وجابر لم يشهد خيبر لأن محمد بن إسحاق روى عن ~~سلام بن كركرة عن عمرو بن دينار عن جابر ولم يشهد جابر خيبر # وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر وأذن لهم في لحوم ~~الخيل # فوردت أخبار جابر في ذلك متعارضة فجائز حينئذ أن يقال فيها وجهان أحدهما ~~أنه إذا ورد # PageV05P002 # خبران أحدهما حاظر والآخر مبيح فالحظر أولى فجائز أن يكون الشارع أباحه ~~في وقت ثم حظره وذلك لأن الأصل كان الإباحة والحظر طارئ عليها لا محالة ولا ~~نعلم إباحة بعد الحظر فحكم الحظر ثابت لا محالة إذ لم تثبت إباحة بعد الحظر ~~وقد روي عن جماعة من السلف هذا المعنى وذلك لأن # ابن وهب روى عن الليث بن سعد قال خسفت الشمس بعد العصر ونحن بمكة سنة ~~ثلاث عشر ومائة وبها يومئذ رجال من أهل العلم كثير منهم ابن شهاب وأبو بكر ~~بن حزم وقتادة وعمر وبن شعيب قال فقمنا قياما بعد ms2000 العصر ندعوا الله فقلت ~~لأيوب بن موسى القرشي مالهم لا يصلون وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~النهي قد جاء في الصلاة بعد العصر أن لا تصلي فلذلك لا يصلون وإن النهي ~~يقطع الأمر # فهذا أحد الوجهين في حديث جابر والوجه الآخر أن يتعارض خبرا جابر فيسقطا ~~كأنهما لم يردا وقد روى إسرائيل بن يونس عن عبد الكريم الجزري عن عطاء بن ~~أبي رباح عن جابر قال كنا نأكل لحوم الخيل قال عطاء فقلت له فالبغال قال ~~أما البغال فلا وروى هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء ابنة أبي ~~بكر قالت نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه وهذا لا ~~حجة فيه للمخالف لأنه ليس فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم علم به وأقرهم ~~عليه ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علم به وأقرهم عليه كان محمولا ~~على أنه كان قبل الحظر # وقد روى بقية بن الوليد عن ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام عن ~~أبيه عن جده عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~لحوم الخيل # وقال الزهري ما علمنا الخيل أكلت إلا في حصار وقال أبو يوسف ومحمد ~~والشافعي لا بأس بلحوم الخيل وروي نحوه عن الأسود بن زيد والحسن البصري ~~وشريح وأبو حنيفة لا يطلق فيه التحريم وليس هو عنده كلحم الحمار الأهلي ~~وإنما يكرهه لتعارض الأخبار الحاظرة والمبيحة فيه ويحتج له من طريق النظر ~~أنه ذو حافر أهلي فأشبه الحمار والبغل ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن ~~لحم البغل لا يؤكل وهو من الفرس فلو كانت أمه حلالا لكان حكمه حكم أمه لأن ~~حكم الولد حكم الأم إذ هو كبعضها ألا ترى أن حمارة أهلية لو ولدت من حمار ~~وحشي لم يؤكل ولدها ولو ولدت حمارة وحشية من حمار أهلي أكل ولدها فكان ~~الولد تابعا لأمه دون أبيه فلما كان لحم البغل غير مأكول ms2001 وإن كانت أمه فرسا ~~دل ذلك على أن الخيل غير مأكولة قوله تعالى وتستخرجون حلية تلبسونها يحتج ~~به أبو يوسف # PageV05P003 # ومحمد فيمن حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا أنه يحنث لتسمية الله إياه حليا ~~وأبو حنيفة يقول لا يحنث لأن الأيمان محمولة على التعارف وليس في العرف ~~تسمية اللؤلؤ وحده حليا ألا ترى أن بائعه لا يسمى بائع حلي وأما الآية فإن ~~فيها أيضا # لتأكلوا منه لحما طريا ولا خلاف بينهم أنه لو حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا ~~أنه لا يحنث مع تسمية الله تعالى إياه لحما طريا. ### | باب السكر # قال الله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~اختلف السلف في تأويل السكر فروي عن الحسن وسعيد بن جبير أنهما قالا السكر ~~ما حرم منه والرزق الحسن ما أحل منه وروي عن إبراهيم والشعبي وأبي رزين ~~قالوا السكر خمر وروى جرير عن مغيرة عن إبراهيم عن عبد الله قال السكر خمر ~~وروى ابن شبرمة عن أبي زرعة بن عمر وبن جرير قال السكر خمر إلا أنه من ~~التمر وقال هؤلاء إنه منسوخ بتحريم الخمر وحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن عن ~~سفيان عن الأسود بن قيس عن عمر وبن سفيان عن ابن عباس قال هو ما حرم من ~~ثمرتيهما وما أحل من ثمرتيهما قال أبو بكر هذا نحو قول الأولين وحدثنا جعفر ~~بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ~~حجاج عن ابن جريح وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس تتخذون منه سكرا ~~قال السكر النبيذ والرزق الحسن الزبيب قال أبو بكر لما تأوله السلف على ~~الخمر وعلى النبيذ وعلى الحرام منه ثبت أن الاسم يقع على الجميع وقولهم إنه ~~منسوخ بتحريم الخمر يدل على أن الآية اقتضت إباحة السكر وهو الخمر والنبيذ ~~والذي ثبت نسخه من ذلك إنما هو الخمر ولم يثبت ms2002 تحريم النبيذ فوجب تحليله ~~بظاهر الآية إذ لم يثبت نسخه ومن ادعى أنه منسوخ بتحريم الخمر لم يصح له ~~ذلك إلا بدلالة إذ كان اسم الخمر لا يتناول النبيذ وروى سعيد عن قتادة قال ~~السكر خمور الأعاجم والرزق الحسن ما ينبذون ويخللون ويأكلون أنزلت هذه ~~الآية ولم تحرم الخمر وإنما جاء تحريمها في سورة المائدة # وقد روى أبو يوسف قال حدثنا أيوب بن جابر الحنفي عن أشعث بن سليمان عن ~~أبيه عن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ~~أمره أن ينهاهم عن السكر # قال # PageV05P004 # أبو بكر وهذا السكر المحرم عندنا هو نقيع التمر قوله تعالى نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين فيه الدلالة على طهارة ~~اللبن المحلوب من الشاة الميتة من وجهين أحدهما عموم اللفظ في إباحة اللبن ~~من غير فرق بين ما يؤخذ منه حيا أو ميتا والثاني إخباره تعالى أنه خارج من ~~بين فرث ودم وحكمه بطهارته مع ذلك إذ كان ذلك موضع الخلقة فثبت أن اللبن لا ~~ينجس بنجاسة موضع الخلقة وهو ضرع الميتة كما لم ينجس بمجاورته للفرث والدم # قوله تعالى يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس فيه بيان ~~طهارة العسل ومعلوم أنه لا يخلو من النحل الميت وفراخه فيه وحكم الله تعالى ~~مع ذلك بطهارته فأخبر عما فيه من الشفاء للناس فدل ذلك على أن مالا دم له ~~لا يفسد ما يموت فيه # قوله تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي ~~رزقهم على ما ملكت أيمانهم روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنهم لا يشركون ~~عبيدهم في أموالهم حتى يكونوا فيه سواء وهم لا يرضون بذلك لأنفسهم وهم ~~يشركون عبيدي في ملكي وسلطاني وقيل معناه أنهم سواء في أني رزقت الجميع ~~وأنه لا يمكن أحد أن يرزق عبده إلا برزقي إياه قال أبو بكر قد تضمنت الآية ~~انتفاء المساواة بين المولى وبين عبده ms2003 في الملك وفي ذلك دليل على أن العبد ~~لا يملك من وجهين أحدهما أنه لو جاز أن يملك العبد ما يملكه المولى إياه ~~لجاز أن يملكه ماله فيملكه حتى يكون مساويا له ويكون ملك العبيد مثل ملك ~~المولى بل كان يجوز أن يكون العبد أفضل في باب الملك وأكثر ملكا وفي ذلك ~~دليل على أن العبد لا يملك وإن ملكه المولى إياه لأن الآية قد اقتضت نفي ~~المساواة له في الملك وأيضا لما جعله مثلا للمشركين في عباداتهم الأوثان ~~وكان معلوما أن الأوثان لا تملك شيئا دل على أن العبد لا يملك لنفيه الشركة ~~بينه وبين الحر كما نفى الشركة بين الله وبين الأوثان # قوله تعالى وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة روي عن ابن عباس أن الحفدة ~~الخدم والأعوان وقال الحسن من أعانك فقد حفدك وقال مجاهد وقتادة وطاوس ~~الحفدة الخدم وروي عن عبد الله وأبي الضحى وإبراهيم وسعيد بن جبير قالوا ~~الحفدة الأختان ويقال إن أصل الحفد الإسراع في العمل ومنه وإليك نسعى ونحفد ~~والحفدة جمع حافد كقولك كامل وكملة قال أبو بكر لما تأوله السلف على هذين ~~المعنيين من الخدم والأعوان ومن الأختان وجب أن يكون عليهما وفيه # PageV05P005 # دلالة على أن الأب يستحق على ابنه الخدمة والمعونة لقوله تعالى وجعل لكم ~~من أزواجكم بنين وحفدة ولذلك قال أصحابنا إن الأب إذا استأجر ابنه لخدمته ~~أن لا يستحق الأجر إن خدمه لأنها مستحقة عليه بغير الإجارة # قوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء روي عن ابن عباس ~~وقتادة أنه مثل ضرب للكافر الذي لا خير عنده والمؤمن الذي يكتسب الخير وقال ~~الحسن ومجاهد هو مثل ضرب لعبادتهم الأوثان التي لا تملك شيئا والعدول عن ~~عبادة الله الذي يملك كل شيء قال أبو بكر قد حوت هذه الآية ضروبا من ~~الدلالة على أن العبد لا يملك أحدها قوله عبدا مملوكا نكرة فهو شائع في جنس ~~العبيد كقول القائل لا تكلم عبدا وأعط هذا عبدا أن ms2004 ذلك ينتظم كل من يسمى ~~بهذا الاسم وكذلك قوله يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة فكل من لحقه هذا ~~الاسم قد انتظمه الحكم إذ كان لفظا منكورا كذلك قوله عبدا مملوكا قد انتظم ~~سائر العبيد ثم قال لا يقدر على شيء لا يخلو من أن يكون المراد نفي القدرة ~~أو نفي الملك أو نفيهما ومعلوم أنه لم يرد به نفي القدرة إذ كان العبد ~~والحر لا يختلفان في القدرة من حيث اختلفا في الرق والحرية لأن العبد قد ~~يكون أقدر من الحر فعلمنا أنه لم يرد به نفي القدرة فثبت أنه أراد نفي ~~الملك فدل على أن العبد لا يملك ووجه آخر وهو أنه تعالى جعله مثلا للأصنام ~~فشبهها بالعبيد المملوكين في نفي الملك ومعلوم أن الأصنام لا تملك شيئا ~~فوجب أن يكون من ضرب المثل به لا يملك شيئا وإلا زالت فائدة ضرب المثل به ~~وكان يكون حينئذ ضرب المثل بالعبد الحر سواه وأيضا لو أراد عبدا بعينه لا ~~يملك شيئا وجاز أن يكون من العبيد من يملك لقال ضرب الله مثلا رجلا لا يقدر ~~على شيء فلما خص العبد بذلك دل على على أن وجه تخصيصه أنه ليس ممن يملك فإن ~~قيل روى إبراهيم عن عكرمة عن يعلى بن منبه عن ابن عباس في هذه الآية أنها ~~نزلت في رجل من قريش وعبده ثم أسلما فنزلت الأخرى في رجلين أحدهما أبكم لا ~~يقدر على شيء إلى قوله صراط مستقيم قال كان مولى لعثمان وكان عثمان يكفله ~~وينفق عليه الذي ينفق بالعدل وهو على صراط مستقيم والآخر أبكم وهذا يوجب أن ~~يكون في عبد بعينه وقد يجوز أن يكون في العبيد من لا يملك شيئا كما يكون في ~~الأحرار من لا يملك قيل له هذه الرواية ضعيفة عن ابن عباس وظاهر اللفظ ~~ينفيها لأنه لو أراد عبدا بعينه لعرفه بالألف واللام ولم يذكره بلفظ # PageV05P006 # منكور وأيضا معلوم أن الخطاب في ذكر عبدة الأوثان والاحتجاج عليهم ألا ~~ترى إلى ms2005 قوله ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض ~~شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال ثم قال ضرب الله مثلا عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء فأخبر أن مثل ما يعبدون مثل العبيد المماليك الذين ~~لا يملكون شيئا ولا يستطيعون أن يملكوا تأكيدا لنفي أملاكهم ولو كان المراد ~~عبدا بعينه وكان ذلك العبد ممن يجوز أن يملك ما كان بينه وبين الحر فرق ~~وكان تخصيصه العبد بالذكر لغوا فثبت أن المعنى فيه نفي ملك العبيد رأسا # فإن قيل فقد قال وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو ~~كل على مولاه ولم يدل على أن الأبكم لا يملك شيئا قيل له إنما أراد به عبدا ~~أبكم ألا ترى إلى قوله وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير فذكر ~~المولى وتوجيهه يدل على أن المراد العبد كأنه ذكر أولا عبدا غير أبكم وجعله ~~مثلا للصنم في نفي الملك ثم زاده نقصا بقوله أبكم لا يقدر على شيء وهو كل ~~على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير فدل على أنه أراد عبدا أبكم مبالغة في ~~وصف الأصنام بالنقص وقلة الخير وأنه مملوك متصرف فيه فإن قيل أراد بقوله ~~وهو كل على مولاه ابن عمه لأن ابن العم يسمى مولى قيل له هذا خطأ لأن ابن ~~العم لا تلزمه نفقة ابن عمه ولا أن يكون كلا عليه وليس له توجيهه في أموره ~~فلما ذكر الله تعالى هذين المعنيين للأبكم علمنا أنه لم يرد به الحر الذي ~~له ابن عم وأنه أراد عبدا مملوكا أبكم وعلى أنه لا معنى لذكر ابن العم ~~هاهنا لأن الأب والأخ والعم أقرب إليه من ابن العم وأولى به فحمله على ابن ~~العم يزيل فائدته وأيضا فإن المولى إذا أطلق يقتضي مولى الرق أو مولى ~~النعمة ولا يصرف إلى ابن العم إلا بدلالة فإن قيل لا يجوز أن يكون المراد ~~الأصنام لأنه قال عبدا مملوكا ولا يقال ذلك للصنم ms2006 قيل له قد أغفلت موضع ~~الدلالة لأنه إنما ذكر عبدا مملوكا لنا وجعله مثلا للأصنام التي كانوا ~~يعبدونها وأخبر أنها بمنزلة مماليكنا الذين لا يملكون شيئا فكما أن الصنم ~~لا يملك بحال كذلك العبد وعلى أن الله تعالى قد سمى الأصنام عبادا بقوله إن ~~الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم وقد اختلف الفقهاء في ملك العبد فقال ~~أصحابنا والشافعي العبد لا يملك ولا يتسرى وقال مالك يملك ويتسرى وقد روى ~~أبو حنيفة قال حدثنا إسماعيل بن أمية المكي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن ~~ابن عمر قال لا يحل # PageV05P007 # فرج المملوك إلا لمن باع أو وهب أو تصدق أو أعتق جاز يعني بذلك المملوك ~~وكذلك روى يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر وروي عن إبراهيم ~~وابن سيرين والحكم أن العبد لا يتسرى وروي عن ابن عباس أن العبد يتسرى وروى ~~يعمر عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى بعض رقيقه يتخذ السرية فلا ينكر عليه ~~وقال الحسن والشعبي يتسرى العبد بإذن سيده # وروى أبو يوسف عن العلاء بن كثير عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال العبد لا يتسرى # وهذا يدل على أنه لا يملك لأنه لو ملك لجاز التسرى بقوله والذين هم ~~لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه ~~المبتاع # وذلك لأنه لما أن جعله للبائع أو للمشتري أخرج العبد منه صفرا بلا شيء ~~ويدل عليه أن المولى أخذ ما في يده وهو أولى به منه لأجل ملكه لرقبته فلو ~~كان العبد ممن يملك لما كان له أخذ ما في يده لأن ما بان به العبد عن مولاه ~~فلا سبيل للمولى عليه فيه ألا ترى أن العبد لما ملك طلق امرأته ووطء زوجته ~~فهي أمة للمولى لم يملكه المولى وكذلك سائر ما يملكه العبد من نفسه لم ~~يملكه المولى منه ms2007 فلو ملك العبد المال لما كان للمولى أخذه منه لأجل ملكه ~~له كما لم يملك طلاق امرأته لأجل ملكه فإن قيل جواز أخذ المولى ماله لا يدل ~~على أنه غير مالك لأن للغريم أن يأخذ ما في يد المدين بدينه ولم يدل على أن ~~المدين غير مالك قيل له لأنه يأخذه لا لأنه مالك للمدين بل لأجل دينه الذي ~~عليه والمولى يستحقه لأجل ملكه لرقبته فلو كان العبد مالكا لم يستحق المولى ~~لأجل ملكه لرقبته كما لم يملك طلاق امرأته لأجل ملكه لرقبته وفي ذلك دليل ~~على أن العبد لا يملك ودليل آخر وهو أنه لا خلاف أن من كاتب عبده على مال ~~فأداه أنه يعتق ويكون الولاء للمولى وأنه معتق على ملك مولاه فلو كان ممن ~~يملك لملك رقبته بالمال الذي أداه ولا ينتقل إليه كما ينتقل إلى غيره لو ~~أمره بأن يعتقه عنه على مال ولو ملك رقبته لعتق على نفسه لكان لا يكون ~~الولاء للمولى بل كان يكون ولاؤه لنفسه فلما لم يصح انتقال ملك رقبته إليه ~~بالمال وعتق على ملك المولى دل ذلك على أنه لا يملك لأنه لو كان ممن يملك ~~لكان يملك رقبته أولى إذ كانت رقبته مما يجوز فيه التمليك فإن قيل # قوله صلى الله عليه وسلم من باع عبدا وله مال فماله للبائع # يدل على أن العبد يملك لإضافته المال إليه قيل له قد أثبت النبي صلى الله ~~عليه وسلم المال للبائع في حال البيع ومعلوم أنه # PageV05P008 # لا يجوز أن يكون ملكا للمولى وملكا للعبد لاستحالة أن يملك وإلا لكان لكل ~~واحد جميع المال ففي هذا الخبر بعينه إثبات ما أضاف إلى العبد ملكا للبائع ~~فثبت أن إضافته إلى العبد على وجه اليد كما تقول هذه دار فلان وهو ساكن ~~فيها وليس بمالك # وكقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك # ولم يرد إثبات ملك الأب فإن قيل # قد روى عبيد الله بن أبي جعفر عن بكير بن عبد الله بن الأشج ms2008 عن نافع عن ~~ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق عبدا فماله له إلا أن ~~يشترط السيد ماله فيكون له # وهذا يدل على أن العبد يملك لأنه لو لم يملكه قبل العتق لم يملكه بعده ~~قيل له لا دلالة في هذا على أن العبد يملك لأنه جائز أن يكون جريان العادة ~~بأن ما على العبد من الثياب ونحو ذلك لا يؤخذ منه عند العتق جعله كالمنطوق ~~به وجعل ترك المولى لأخذه منه دلالة على أنه قد رضي منه بتمليكه إياه بعد ~~العتق وأيضا فقد روي عن جماعة من أهل النقل تضعيفه وقد قيل إن عبيد الله بن ~~أبي جعفر غلط في رفع هذا الحديث وفي متنه وإن أصله ما رواه أيوب عن نافع عن ~~ابن عمر أنه كان إذا أعتق عبدا لم يعرض لماله فهذا هو أصل الحديث فأخطأ ~~عبيد الله في رفعه وفي لفظه وقد روي خلاف ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو # ما رواه أبو مسلم الكجي قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال حدثنا ~~عبد الأعلى بن أبي المساور عن عمران بن عمير عن أبيه قال وكان مملوكا لعبد ~~الله بن مسعود قال له عبد الله يا عمير بين لي مالك فإني أريد أن أعتقك إني ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أعتق عبدا فماله للذي أعتق ~~وكذلك رواه يونس بن إسحاق عن ابن عمير عن ابن مسعود مرفوعا # وقد بلغنا أن المسعودي رواه موقوفا على ابن مسعود وذلك لا يفسده عندنا ~~فإن احتج محتج بقوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وذلك عائد على جميع المذكورين ~~من الأيامى والعبيد والإماء فأثبت للعبد الغنى والفقر فدل على أنه يملك إذ ~~لو لم يملك لكان أبدا فقيرا قيل له لا يخلو قوله إن يكونوا فقراء يغنهم ~~الله من فضله من أن يكون المراد به الغنى بالوطء الحلال عن الحرام ms2009 أو الغنى ~~بالمال فلما وجدنا كثيرا من المتزوجين لا يستغنون بالمال ومعلوم أن مخبر ~~أخبار الله لا محالة كائن على ما أخبر به علمنا أنه لم يرد به الغنى بالمال ~~وإنما أراد الغنى بالوطء الحلال عن الحرام وأيضا فإنه إن أراد الغنى بالمال ~~فإنه مقصور على الأيامى والأحرار المذكورين في الآية دون العبيد # PageV05P009 # الذين لا يملكون بما ذكرنا من الدليل وأيضا فإن العبد لا يستغني بالمال ~~عند مخالفنا لأن المولى أولى بجميع ماله منه فأي غنى في مال يحصل له وغيره ~~أولى به منه فالغنى في هذا الموضع إنما يحصل للمولى دون العبد والدليل على ~~أن العبد لا يكون غنيا بالمال # قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم # وعند مخالفنا إنه لا يؤخذ من العبد فلو كان غنيا لوجب في ماله الزكاة إذ ~~هو مسلم غني من أهل التكليف فإن قيل لما كان العبد يملك الطلاق وجب أن يملك ~~المال كالحر قيل له إنما ملك العبد الطلاق لأن المولى لا يملكه منه فلو ملك ~~العبد المال وجب أن لا يملك المولى منه وأن لا يجوز له أخذه منه لأن كل ما ~~يملكه المولى من عبده فإن العبد لا يملكه منه ألا ترى أن العبد المحجور ~~عليه لو أقر بدين لم يلزمه في الرق ولو أقر المولى عليه به لزمه وكذلك ~~للمولى أن يزوج عبده وليس للعبد أن يزوج نفسه لما كان ذلك معنى يملكه ~~المولى منه ولو أقر المولى عليه بقصاص أو حد لم يلزمه لأن العبد يملك ذلك ~~من نفسه وفي ذلك دليل على أن العبد لا يملك إذ لو ملكه لما جاز للمولى أن ~~يتصرف عليه في ماله كما لا يتصرف عليه في الطلاق حين كان العبد يملكه # قوله تعالى ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين فيه ~~الدلالة على جواز الانتفاع بما يؤخذ منها من ذلك بعد الموت إذ لم يفرق بين ~~أخذها بعد الموت وقبله قوله تعالى ms2010 ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء يعني ~~به والله أعلم تبيان كل شيء من أمور الدين بالنص والدلالة فما من حادثة ~~جليلة ولا دقيقة إلا ولله فيها حكم قد بينه في الكتاب نصا أو دليلا فما ~~بينه النبي صلى الله عليه وسلم فإنما صدر عن الكتاب بقوله تعالى وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقوله تعالى وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله وقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله فما بينه الرسول فهو ~~عن الله عز وجل وهو من تبيان الكتاب له لأمر الله إيانا بطاعته واتباع أمره ~~وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضا عن الكتاب لأن الكتاب قد دل على صحة حجة ~~الإجماع وأنهم لا يجتمعون على ضلال وما أوجبه القياس واجتهاد الرأي وسائر ~~ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد جميع ذلك من تبيان الكتاب ~~لأنه قد دل على ذلك أجمع فما من حكم من أحكام الدين إلا وفي الكتاب تبيانه ~~من الوجوه التي ذكرنا وهذه الآية دالة على صحة القول بالقياس وذلك لأنا إذا ~~لم نجد للحادثة حكما # PageV05P010 # منصوصا في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع وقد أخبر الله تعالى أن في ~~الكتاب تبيان كل شيء من أمور الدين ثبت أن طريقه النظر والاستدلال بالقياس ~~على حكمه إذ لم يبق هناك وجه يوصل إلى حكمها من غير هذه الجهة ومن قال بنص ~~خفي أو بالاستدلال فإنما خالف في العبارة وهو موافق في المعنى ولا ينفك من ~~استعمال اجتهاد الرأي والنظر والقياس من حيث لا يشعر # قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي أما العدل فهو الإنصاف وهو واجب في نظر العقول قبل ~~ورود السمع وإنما ورد السمع بتأكيد وجوبه والإحسان في هذا الموضع التفضل ~~وهو ندب والأول فرض وإيتاء ذي القربى فيه الأمر بصلة الرحم وقوله تعالى ~~يأمر بالعدل قد انتظم العدل في الفعل والقول قال الله تعالى وإذا قلتم ~~فاعدلوا # فأمر بالعدل في القول ms2011 وهذه الآية تنتظم الأمرين وأما قوله تعالى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي فإنه قد انتظم سائر القبائح والأفعال والأقوال ~~والضمائر المنهي عنها والفحشاء قد تكون بما يفعله الإنسان في نفسه مما لا ~~يظهر أمره وهو مما يعظم قبحه وقد تكون مما يظهر من الفواحش وقد تكون لسوء ~~العقيدة والنحل لأن العرب تسمي البخيل فاحشا والمنكر ما يظهر للناس مما يجب ~~إنكاره ويكون أيضا في الاعتقادات والضمائر وهو ما تستنكره العقول وتأباه ~~والبغي ما يتطاول به من الظلم لغيره فكل واحد من هذه الأمور الثلاثة له في ~~نفسه معان خاصة تنفصل بها من غيره. ### | في الوفاء بالعهد # قال الله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها قال أبو بكر العهد ينصرف على وجوه فمنها الأمر قال الله تعالى ولقد ~~عهدنا إلى آدم من قبل وقال ألم أعهد إليكم يا بني آدم والمراد الأمر وقد ~~يكون العهد يمينا ودلالة الآية على أن المراد في هذا الموضع اليمين ظاهرة ~~لأنه قال ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ولذلك قال أصحابنا إن من قال علي ~~عهد الله إن فعلت كذا أنه حالف # وقد روي في حديث حذيفة حين أخذه المشركون وأباه فأخذوا منه عهد الله أن ~~لا يقاتلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدما المدينة ذكرا ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم # وروي عن عطاء والحسن وابن سيرين وعامر وإبراهيم النخعي ومجاهد إذا قال ~~علي عهد الله إن فعلت # PageV05P011 # كذا فهو يمين # قوله تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا شبه الله ~~تعالى من عقد على نفسه شيئا لله تعالى فيه قربة ثم فسخه ولم يتمه بالمرأة ~~التي تغزل شعرا أو ما أشبهه ثم نقضت ذلك بعد أن فتلته فتلا شديدا وهو معنى ~~قوله من بعد قوة لأن العرب تسمى شدة الفتل قوة فمن عقد على نفسه عقدا أو ~~أوجب قربة أو دخل فيها أن لا يتمها فيكون بمنزلة ms2012 التي نقضت غزلها بعد قوة ~~وهذا يوجب أن كل من دخل في صلاة تطوع أو صوم نفل أو غير ذلك من القرب أن لا ~~يجوز له الخروج منه قبل إتمامه فيكون بمنزلة من نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا. ### | باب الاستعاذة # قال الله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم # روى عمر وبن مرة عن عبادة بن عاصم عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال اللهم أعوذ بك من ~~الشيطان من همزه ونفخه ونفثه # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ في صلاته ~~قبل القراءة # وروى عن عمرو ابن عمر الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة وروى ابن جريج عن ~~عطاء قال الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة وغيرها وقال محمد بن سيرين ~~إذا تعوذت مرة أو قرأت مرة بسم الله الرحمن الرحيم أجزأ عنك وكذلك روى عن ~~إبراهيم النخعي وكان يستعيذ في الصلاة حين يستفتح قبل أن يقرأ أم القرآن ~~وروي عن ابن سيرين رواية أخرى قال كلما قرأت فاتحة الكتاب حين تقول آمين ~~فاستعذ وقال أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي يتعوذ قبل القراءة # وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة ويتعوذ في قيام رمضان إذا ~~قرأ قال أبو بكر قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله يقتضي ظاهره أن تكون ~~الاستعاذة بعد القراءة كقوله فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا ~~ولكنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف الذين ذكرناهم ~~الاستعاذة قبل القراءة وقد جرت العادة بإطلاق مثله والمراد إذا أردت ذلك ~~كقوله تعالى وإذا قلتم فاعدلوا # وقوله وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب وليس المراد أن تسألها ~~من وراء حجاب بعد سؤال متقدم وكقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة وكذلك قوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله معناه إذا قرأت ~~فقدم الاستعاذة قبل # PageV05P012 # القراءة وحقيقة معناه إذا أردت القراءة فاستعذ وكقول القائل ms2013 إذا قلت ~~فاصدق وإذا أحرمت فاغتسل يعني قبل الإحرام والمعنى في جميع ذلك إذا أردت ~~ذلك كذلك قوله فإذا قرأت القرآن معناه إذا أردت القراءة وقول من قال ~~الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة شاذ وإنما الاستعاذة قبل القراءة لنفي ~~وساوس الشيطان عند القراءة قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان فإنما ~~أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة والاستعاذة ليست بفرض ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة ولو كانت ~~فرضا لم يخله من تعليمها # قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # روى معمر عن عبد الكريم عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان قال أخذ المشركون عمارا وجماعة معه فعذبوهم حتى ~~قاربوهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~كيف كان قلبك قال مطمئن بالإيمان قال فإن عادوا فعد # قال أبو بكر هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه والإكراه ~~المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمره ~~به فأبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر ويعارض بها غيره إذا خطر ذلك ~~بباله فإن لم يفعل ذلك مع خطوره بباله كان كافرا قال محمد بن الحسن إذا ~~أكرهه الكفار على أن يشتم محمدا صلى الله عليه وسلم فخطر بباله أن يشتم ~~محمدا آخر غيره فلم يفعل وقد شتم النبي صلى الله عليه وسلم كان كافرا وكذلك ~~لو قيل له لتسجدن لهذا الصليب فخطر بباله أن يجعل السجود لله فلم يفعل وسجد ~~للصليب كان كافرا فإن أعجلوه عن الروية ولم يخطر بباله شيء وقال ما أكره ~~عليه أو فعل لم يكن كافرا إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان قال أبو بكر وذلك ~~لأنه إذا ms2014 خطر بباله ما ذكرنا فقد أمكنه أن يفعل الشتيمة لغير النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا لم يكن مكرها على الضمير وإنما كان مكرها على القول وقد ~~أمكنه صرف الضمير إلى غيره فمتى لم يفعله فقد اختار إظهار الكفر من غير ~~إكراه فلزمه حكم الكفر # وقوله صلى الله عليه وسلم لعمار إن عادوا فعد # إنما هو على وجه الإباحة لا على وجهة الإيجاب ولا على الندب وقال أصحابنا ~~الأفضل أن لا يعطي التقية ولا يظهر الكفر حتى يقتل وإن كان غير ذلك مباحا ~~له وذلك لأن خبيب بن عدي لما أراد أهل مكة أن يقتلوه لم يعطهم التقية حتى ~~قتل فكان عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند المسلمين أفضل من عمار في # PageV05P013 # إعطائه التقية ولأن في ترك إعطاء التقية إعزازا للدين وغيظا للمشركين فهو ~~بمنزلة من قاتل العدو حتى قتل فحظ الإكراه في هذا الموضع إسقاط المأثم عن ~~قائل هذا القول حتى يكون بمنزلة من لم يقل # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وما استكرهوا عليه # فجعل المكره كالناسي والمخطئ في إسقاط المأثم عنه فلو أن رجلا نسي أو ~~أخطأ فسبق لسانه بكلمة الكفر لم يكن عليه فيها مأثم ولا تعلق بها حكم وقد ~~اختلف الفقهاء في طلاق المكره وعتاقه ونكاحه وأيمانه فقال أصحابنا ذلك كله ~~لازم وقال مالك والشافعي لا يلزمه شيء من ذلك والذي يدل على لزوم حكم هذه ~~الأشياء ظاهر قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ~~ولم يفرق بين طلاق المكره والطائع وقال تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ولم يفرق بين عهد المكره وغيره وقال ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه # ويدل عليه أيضا ما # روى يونس بن بكير عن الوليد بن جميع الزهري عن أبي الطفيل عن حذيفة قال ~~أقبلت أنا وأبي ms2015 ونحن نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توجه إلى بدر ~~فأخذنا كفار قريش فقال إنكم لتريدون محمدا فقلنا لا نريده إنما نريد ~~المدينة قال فأعطونا عهد الله وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة ولا تقاتلون معه ~~فأعطيناهم عهد الله فمررنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد بدرا ~~فأخبرناه بما كان منا وقلنا ما تأمر يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم تفي لهم بعهدهم وتستعين الله عليهم فانصرفنا إلى المدينة # فذلك منعنا من الحضور معهم فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم إحلاف ~~المشركين إياهم على وجه الإكراه وجعلها كيمين الطوع فإذا ثبت ذلك في اليمين ~~فالطلاق والعتاق والنكاح مثلها لأن أحدا لم يفرق بينهما ويدل عليه # حديث عبد الرحمن ابن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن يوسف بن ماهك عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح ~~والطلاق والرجعة # فلما سوى النبي صلى الله عليه وسلم فيهن بين الجاد والهازل ولأن الفرق ~~بين الجد والهزل أن الجاد قاصد إلى اللفظ وإلى إيقاع حكمه والهازل قاصد إلى ~~اللفظ غير مريد لإيقاع حكمه علمنا أنه لا حظ للإرادة في نفي الطلاق وأنهما ~~جميعا من حيث كانا قاصدين للقول أن يثبت حكمه عليهما وكذلك المكره قاصد ~~للقول غير مريد لإيقاع حكمه فهو كالهازل سواء فإن قيل لما كان المكره على ~~الكفر لا تبين منه امرأته واختلف حكم الطوع والإكراه فيه وكان الكفر يوجب # PageV05P014 # الفرقة كالطلاق وجب أن يختلف حكم طلاق المكره والطائع قيل له ليس لفظ ~~الكفر من ألفاظ الفرقة لا كناية ولا تصريحا وإنما تقع به الفرقة إذا حصل ~~والمكره على الكفر لا يكون كافرا فلما لم يصر كافرا بإظهاره كلمة الكفر على ~~وجه الإكراه لم تقع الفرقة وأما الطلاق فهو من ألفاظ الفرقة والبينونة وقد ~~وجد إيقاعه في لفظ مكلف فوجب أن لا يختلف حكمه في حال الإكراه والطوع فإن ~~قال قائل تساوي حال الجد والهزل في الطلاق ms2016 لا يوجب تساوي حال الإكراه ~~والطوع فيه لأن الكفر يستوي حكم جده وهزله ولم يستو حال الإكراه والطوع فيه ~~قيل له نحن لم نقل إن كل ما يستوي جده وهزله يستوي حال الإكراه والطوع فيه ~~وإنما قلنا إنه لما سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين الجاد والهازل في ~~الطلاق علمنا أنه لا اعتبار فيه بالقصد للإيقاع بعد وجود القصد منه إلى ~~القول فاستدللنا بذلك على أنه لا اعتبار فيه للقصد للإيقاع بعد وجود لفظ ~~الإيقاع من مكلف وأما الكفر فإنما يتعلق حكمه بالقصد لا بالقول ألا ترى أن ~~من قصد إلى الجد بالكفر أو الهزل أنه يكفر بذلك قبل أن يلفظ به وأن القاصد ~~إلى إيقاع الطلاق لا يقع طلاقه إلا باللفظ ويبين لك الفرق بينهما أن الناسي ~~إذا تلفظ بالطلاق وقع طلاقه ولا يصير كافرا بلفظ الكفر على وجه النسيان ~~وكذلك من غلط بسبق لسانه بالكفر لم يكفر ولو سبق لسانه بالطلاق طلقت امرأته ~~فهذا يبين الفرق بين الأمرين # وقد روي عن علي وعمر وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم النخعي والزهري ~~وقتادة قالوا طلاق المكره جائز # وروي عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير والحسن وعطاء وعكرمة وطاوس وجابر ~~بن زيد قالوا طلاق المكره لا يجوز وروى سفيان عن حصين عن الشعبي قال إذا ~~أكرهه السلطان على الطلاق فهو جائز وإن أكرهه غيره لم يجز وقال أصحابنا ~~فيمن أكره بالقتل وتلف بعض الأعضاء على شرب الخمر أو أكل الميتة لم يسعه أن ~~لا يأكل ولا يشرب وإن لم يفعل حتى قتل كان آثما لأن الله تعالى قد أباح ذلك ~~في حال الضرورة عند الخوف على النفس فقال إلا ما اضطررتم إليه ومن لم يأكل ~~الميتة عند الضرورة حتى مات جوعا كان آثما بمنزلة تارك أكل الخبز حتى يموت ~~وليس ذلك بمنزلة الإكراه على الكفر في أن تارك إعطاء التقية فيه أفضل لأن ~~أكل الميتة وشرب الخمر تحريمه من طريق السمع فمتى أباحه السمع فقد زال ~~الحظر وعاد إلى ms2017 حكم سائر المباحات وإظهار الكفر محظور # PageV05P015 # من طريق العقل لا يجوز استباحته للضرورات وإنما يجوز له إظهار اللفظ على ~~معنى المعاريض والتورية باللفظ إلى غير معنى الكفر من غير اعتقاد لمعنى ما ~~أكره عليه فيصير اللفظ بمنزلة لفظ الناسي والذي يسبقه لسانه بالكفر فكان ~~ترك إظهاره أولى وأفضل وإن كان موسعا عليه إظهاره عند الخوف وقالوا فيمن ~~أكره على قتل رجل أو على الزنا بامرأة لا يسعه الإقدام عليه لأن ذلك من ~~حقوق الناس وهما متساويان في الحقوق فلا يجوز إحياء نفسه بقتل غيره بغير ~~استحقاق وكذلك الزنا بالمرأة فيه انتهاك حرمتها بمعنى لا تبيحه الضرورة ~~وإلحاقها بالشين والعار وليس كذلك عندهم الإكراه على القذف فيجوز له أن ~~يفعل من قبل أن القذف الواقع على وجه الإكراه لا يؤثر في المقذوف ولا يلحقه ~~به شيء فأحكام الإكراه مختلفة على الوجوه التي ذكرنا منها ما هو واجب فيه ~~إعطاء التقية وهو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك مما طريق ~~حظره السمع ومنها ما لا يجوز فيه إعطاء التقية وهو الإكراه على قتل من لا ~~يستحق القتل ونحو الزنا ونحو ذلك مما فيه مظلمة لآدمي ولا يمكن استدراكه ~~ومنها ما هو جائز له فعل ما أكره عليه والأفضل تركه كالإكراه على الكفر ~~وشبهه # قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين روي عن الشعبي وقتادة وعطاء بن يسار أن المشركين لما مثلوا بقتلى ~~أحد قال المسلمون لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم أعظم مما مثلوا فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية وقال مجاهد وابن سيرين هو في كل من ظلم بغضب أو نحوه ~~فإنما يجازى بمثل ما عمل قال أبو بكر نزول الآية على سبب لا يمنع عندنا ~~اعتبار عمومها في جميع ما انتظمه الاسم فوجب استعمالها في جميع ما انطوى ~~تحتها بمقتضى ذلك أن من قتل رجلا قتل به ومن جرح جراحة جرح به جراحة مثلها ~~وإن قطع يد رجل ثم قتله أن للولي ms2018 قطع يده ثم قتله واقتضى أيضا أن من قتل ~~رجلا برضخ رأسه بالحجر أو نصبه غرضا فرماه حتى قتله أنه يقتل بالسيف إذ لا ~~يمكن المعاقبة بمثل ما فعله لأنا لا نحيط علما بمقدار الضرب وعدده ومقدار ~~ألمه وقد يمكننا المعاقبة بمثله في باب إتلاف نفسه قتلا بالسيف فوجب ~~استعمال حكم الآية فيه من هذا الوجه دون الوجه الأول وقد دلت أيضا على أن ~~من استهلك لرجل مالا فعليه مثله وإذا غصبه ساجة فأدخلها في بنائه أو غصبه ~~حنطة فطحنها أن عليه المثل فيهما جميعا لأن المثل في الحنطة بمقدار كيلها ~~من جنسها وفي الساجة # PageV05P016 # قيمتها لدلالة قد دلت عليه وقد دلت على أن العفو عن القاتل والجاني أفضل ~~من استيفاء القصاص بقوله تعالى ولئن صبرتم لهو خير للصابرين آخر سورة ~~النحل. ### | سورة بني إسرائيل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام روي عن أم هانئ ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به من بيتها تلك الليلة فقال تعالى من ~~المسجد الحرام لأن الحرم كله مسجد وقد تقدم ذكر ذلك فيما سلف وقال الحسن ~~وقتادة معناه كان في نفسه فأسري به # قوله عز وجل وإن أسأتم فلها قيل معناه فإليها كما يقال أحسن إلى نفسه ~~وأساء إلى نفسه وحروف الإضافة يقع بعضها موضع بعض إذا تقاربت وقال تعالى ~~بأن ربك أوحى لها والمعنى أوحى إليها # قوله تعالى فمحونا آية الليل يعني جعلناها لا يبصر بها كما لا يبصر بما ~~يمحى من الكتاب وهو في نهاية البلاغة وقال ابن عباس محونا آية الليل السواد ~~الذي في القمر # قوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه قيل إنما أراد به عمله من ~~خير أو شر على عادة العرب في الطائر الذي يجيء من ذات اليمين فيتبرك به ~~والطائر الذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به فجعل الطائر اسما للخير والشر ~~جميعا فاقتصر على ذكره دون ذكر كل واحد منهما على حياله لدلالته على ms2019 ~~المعنيين وأخبر أنه في عنقه كالطوق الذي يحيط به ويلازمه مبالغة في الوعظ ~~والتحذير واستدعاء إلى الصلاح وزجرا عن الفساد # قوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا قيل فيه وجهان أحدهما أنه لا يعذب ~~فيما كان طريقه السمع دون العقل إلا بقيام حجة السمع فيه من جهة الرسول ~~وهذا يدل على أن من أسلم من أهل الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها من ~~الشرائع السمعية أنه لا يلزمه قضاء شيء منها إذا علم لأنه لم يكن لازما له ~~إلا بعد قيام حجة السمع عليه وبذلك وردت السنة في قصة أهل قباء حين أتاهم ~~آت أن القبلة قد حولت وهم في الصلاة فاستداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا ~~لفقد قيام الحجة عليهم بنسخ القبلة وكذلك قال أصحابنا فيمن أسلم في دار ~~الحرب ولم يعلم بوجوب الصلاة عليه أنه لا قضاء عليه فيما ترك قالوا ولو ~~أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة عليه فعليه القضاء # PageV05P017 # استحسانا والقياس أن يكون مثل الأول لعدم قيام حجة السمع عليه وحجة ~~الاستحسان أنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء إليها ~~فكان ذلك بمنزلة قيام الحجة عليه ومخاطبة المسلمين إياه بلزوم فرضها فلا ~~يسقطها عنه تضييعه إياه والوجه الثاني أنه لا يعذب عذاب الاستئصال إلا بعد ~~قيام حجة السمع بالرسول وأن مخالفة موجبات أحكام العقول قبل ورود السمع من ~~جهة الرسول لا توجب في حكم الله عذاب الاستئصال # قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها # قال سعيد أمروا بالطاعة فعصوا وعن عبد الله قال كنا نقول للحي إذا كثروا ~~في الجاهلية قد أمر بنوا فلان وعن الحسن وابن سيرين وأبي العالية وعكرمة ~~ومجاهد أمرنا # أكثرنا ومعناه على هذا أنا إذا كان في معلومنا منا إهلاك قرية أكثرنا ~~مترفيها وليس المعنى وجود الإرادة منه لإهلاكهم قبل المعصية لأن الإهلاك ~~عقوبة والله تعالى لا يجوز أن يعاقب من لم يعص وهو كقوله تعالى جدارا يريد ~~أن ينقض ليس المعنى وجود الإرادة منه ms2020 وإنما هو أنه في المعلوم أنه سينقض ~~وخص المترفين بالذكر لأنهم الرؤساء ومن عداهم تبع لهم وكما أمر فرعون وقومه ~~تبع له وكما # كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر أسلم وإلا فعليك إثم الأريسين ~~وكتب إلى كسرى فإن لم تسلم فعليك إثم الأكارين # قوله تعالى من القرون روي عن عبد الله بن أبي أوفى أن القرن مائة وعشرون ~~سنة وقال محمد بن القاسم المازني مائة سنة وقيل القرن أربعون سنة # قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد العاجلة ~~الدنيا كقوله كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة أخبر الله تعالى أن من ~~كان همه مقصورا على طلب الدنيا دون الآخرة عجل له منها ما يريد فعلق ما ~~يؤتيه منها بمعنيين أحدهما قوله عجلنا له فيها ما نشاء فلذلك استثنى في ~~المعطى وذلك يتضمن مقداره وجنسه وإدامته أو قطعه ثم أدخل عليه استثناء آخر ~~فقال لمن نريد فلذلك استثنى في المعطين وأنه لا يعطى الجميع ممن يسعى ~~للدنيا بل يعطي من شاء منهم ويحرم من شاء فأدخل على إرادة العاجلة في إعطاء ~~المريد منها استثناءين لئلا يثق الطالبون للدنيا بأنهم لا محالة سينالون ~~بسعيهم ما يريدون # ثم قال تعالى ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا فلم يستثن شيئا بعد وقوع السعي منهم على الوجه المأمور به وشرط في ~~السعي للآخرة أن يكون مؤمنا ومريدا لثوابها قال محمد # PageV05P018 # ابن عجلان من لم يكن فيه ثلاث خلال لم يدخل الجنة نية صحيحة وإيمان صادق ~~وعمل مصيب قال فقلت عمن هذا فقال عن كتاب الله قال الله تعالى ومن أراد ~~الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فعلق الآخرة في استحقاق الثواب له بأوصاف ~~ولم يستثن في المقصود شيئا ولم يخصص إرادة العاجلة بوصف بل أطلقها واستثنى ~~في العطية والمعطى ما قدمنا # قوله تعالى كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك قد تقدم ذكر مريد العاجلة ~~والساعي للآخرة وحكم ما يناله كل ms2021 واحد منهما بقصده وإرادته ثم أخبر أن نعمه ~~جل وعلا مبسوطة على البر والفاجر في الدنيا وإنها خاصة للمتقين في الآخرة ~~ألا ترى أن سائر نعم الله تعالى من الشمس والقمر والسماء والأرض بما فيها ~~من المنافع والهواء والماء والنبات والحيوانات المأكولة والأغذية والأدوية ~~وصحة الجسم والعافية إلا مالا يحصى من النعم شاملة للبر والفاجر والله ~~الموفق. ### | باب بر الوالدين # قال الله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا وقضى ربك ~~معناه أمر ربك وأمر بالوالدين إحسانا وقيل معناه وأوصى بالوالدين إحسانا ~~والمعنى واحد لأن الوصية أمر وقد أوصى الله تعالى ببر الوالدين والإحسان ~~إليهما في غير موضع من كتابه وقال ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا وقال أن ~~اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا فأمر بمصاحبة الوالدين المشركين ~~بالمعروف مع النهي عن طاعتهما في الشرك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من الكبائر عقوق الوالدين # قوله تعالى إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما قيل فيه إن بلغت حال ~~الكبر وهو حال التكليف وقد بقي معك أبواك أو أحدهما فلا تقل لهما أف وذكر ~~ليث عن مجاهد قال لا تقل لهما إذا بلغا من الكبر ما كان يليا منك في الصغر ~~فلا تقل لهما أف قال أبو بكر اللفظ محتمل للمعنيين فهو عليهما ولا محالة أن ~~بلوغ الولد شرط في الأمر إذ لا يصح تكليف غير البالغ فإذا بلغ حال التكليف ~~وقد بلغا هما حال الكبر والضعف إذ لم يبلغا فعليه الإحسان إليهما وهو مزجور ~~أن يقول لهما أف وهي كلمة تدل على الضجر والتبرم بمن يخاطب بها قوله تعالى ~~ولا تنهرهما معناه لا تزجر هما على وجه الاستخفاف # PageV05P019 # بهما والإغلاظ لهما قال قتادة في قوله وقل لهما قولا كريما قولا لينا ~~سهلا # وقال هشام ابن عروة عن أبيه واخفض لهما جناح الذل من ms2022 الرحمة قال لا ~~تمنعهما شيئا يريدانه وروى هشام عن الحسن أنه سئل ما بر الوالدين قال أن ~~تبذل لهما ما ملكت وأطعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية وروى عمرو بن عثمان ~~عن واصل بن السائب واخفض لهما جناح الذل من الرحمة قال لا تنفض يدك عليهما ~~وقال عروة بن الزبير ما بر والده من أحد النظر إليه وعن أبي الهياج قال ~~سألت سعيد بن المسيب عن قوله قولا كريما قال قول العبد الذليل للسيد الفظ ~~الغليظ وعن عبد الله الرصافي قال حدثني عطاء في قوله تعالى واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة قال يداك لا ترفعهما على أبويك ولا تحد بصرك إليهما إجلالا ~~وتعظيما قال أبو بكر قوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة هو مجاز ~~لأن الذل ليس له جناح ولا يوصف بذلك ولكنه أراد المبالغة في التذلل ~~والتواضع لهما وهو كقول امرئ القيس في وصف الليل: # فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # وليس لليل صلب ولا أعجاز ولا كلكل وهو مجاز وإنما أراد به تكامله ~~واستواءه قوله تعالى وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا فيه الأمر بالدعاء ~~لهما بالرحمة والمغفرة إذا كانا مسلمين لأنه قال في موضع آخر ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى فعلمنا أن مراده ~~بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنين وبين الله تعالى بهذه الآية تأكيد حق ~~الأبوين فقرن الأمر بالإحسان إليهما إلى الأمر بالتوحيد فقال وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ثم بين صفة الإحسان إليهما بالقول ~~والفعل والمخاطبة الجميلة على وجه التذلل والخضوع ونهى عن التبرم والتضجر ~~بهما بقوله فلا تقل لهما أف ونهى عن الإغلاظ والزجر لهما بقوله ولا تنهرهما ~~فأمر بلين القول والاستجابة لهما إلى ما يأمرانه به ما لم يكن معصية ثم ~~عقبه بالأمر بالدعاء لهما في الحياة وبعد الوفاة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عظم حق الأم على الأب # وروى أبو زرعة بن ms2023 عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك ~~قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أبوك # قوله تعالى فإنه كان للأوابين غفورا قال سعيد # PageV05P020 # ابن المسيب الأواب الذي يتوب مرة بعد مرة كلما أذنب بادر بالتوبة وقال ~~سعيد بن جبير ومجاهد هو الراجع عن ذنبه بالتوبة منه وروى منصور عن مجاهد ~~قال الأواب الذي يذكر ذنوبه في الخلاء ويستغفر الله منها # وروى قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم قال خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال إن صلاة الأوابين إذا ~~رمضت الفصال من الضحى # قوله تعالى وآت ذا القربى حقه قال أبو بكر الحق المذكور في هذه الآية ~~مجمل مفتقر إلى البيان وهو مثل قوله تعالى وفي أموالهم حق للسائل والمحروم # وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها # فهذا الحق غير ظاهر المعنى في الآية بل هو موقوف على البيان فجائز أن ~~يكون هذا الحق هو حقهم من الخمس إن كان المراد قرابة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وجائز أن يكون مالهم من الحق في صلة رحمهم وقد اختلف في ذوي القربى ~~المذكورين في هذه الآية فقال ابن عباس والحسن هو قرابة الإنسان # وروي عن علي بن الحسين أنه قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقد قيل إن التأويل هو الأول لأنه متصل بذكر الوالدين ومعلوم أن الأمر ~~بالإحسان إلى الوالدين عام في جميع الناس فكذلك ما عطف عليه من إيتاء ذي ~~القربى حقه قوله تعالى والمسكين وابن السبيل يجوز أن يكون مراده الصدقات ~~الواجبة في قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية وجائز أن يكون ~~الحق الذي يلزمه إعطاؤه عند الضرورة إليه ms2024 # وقد روى ابن حمزة عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في المال حق سوى الزكاة وتلا ليس البر أن تولوا وجوهكم الآية # وروى سفيان عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ~~الإبل فقال إن فيها حقا فسئل عن ذلك فقال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنيحة ~~سمينها # قوله تعالى ولا تبذر تبذيرا روي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وقتادة ~~قالوا التبذير إنفاق المال في غير حقه وقال مجاهد لو أنفق مدا في باطل كان ~~تبذيرا قال أبو بكر من يرى الحجر للتبذير يحتج بهذه الآية إذ كان التبذير ~~منهيا عنه فالواجب على الإمام منعه منه بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله ~~إلا بمقدار نفقة مثله وأبو حنيفة لا يرى الحجر وإن كان من أهل التبذير لأنه ~~من أهل التكليف فهو جائز التصرف على نفسه فيجوز إقراره وبياعاته كما يجوز ~~إقراره بما يوجب الحد والقصاص وذلك مما تسقطه الشبهة فإقراره # PageV05P021 # وعقوده بالجواز أولى إذ كانت مما لا تسقطه الشبهة وقد بينا ذلك في سورة ~~البقرة عند قوله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا # قوله تعالى إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين قيل فيه وجهان أحدهما أنهم ~~أخوانهم باتباعهم آثارهم وجريهم على سنتهم والثاني أنهم يقرنون بالشياطين ~~في النار # قوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها الآية قيل فيه ~~وجهان أحدهما أنه علمنا ما يفعله عند مسألة السائلين لنا من المسلمين وابن ~~السبيل وذي القربى مع عوز ما يعطي وقلة ذات أيدينا فقال إن أعرضت عنهم لأنك ~~لا تجد ما تعطيهم وكنت منتظر الرزق ورحمة ترجوها من الله لتعطيهم منه فقل ~~لهم عند ذلك قولا حسنا لينا سهلا فتقول لهم يرزق الله وقد روي ذلك عن الحسن ~~ومجاهد وإبراهيم وغيرهم # قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط يعني والله ~~أعلم لا تبخل بالمنع من حقوقهم الواجبة لهم وهذا ms2025 مجاز ومراده ترك الإنفاق ~~فيكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه فلا يعطي من ماله شيئا وذلك لأن العرب ~~تصف البخيل بضيق اليد فتقول فلان جعد الكفين إذا كان بخيلا وقصير الباع ~~ويقولون في ضده فلان رحب الذراع وطويل اليدين # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا # وإنما أراد كثرة الصدقة فكانت زينب بنت جحش لأنها كانت أكثرهن صدقة وقال ~~الشاعر: # وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا # قوله تعالى ولا تبسطها كل البسط يعني ولا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك ~~وحاجة عيالك إليه فتقعد ملوما محسورا يعني ذا حسرة على ما خرج من يدك وهذا ~~الخطاب لغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يدخر شيئا لعد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه وقد كان كثير من فضلاء ~~الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أملاكهم فلم يعنفهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم وإنما نهى الله تعالى عن الإفراط في الإنفاق ~~وإخراج جميع ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج عن يده ~~فأما من وثق بموعود الله وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية # وقد روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة من ذهب فقال يا ~~رسول الله أصبت هذه من معدن والله ما أملك غيرها فأعرض عنه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعاد ثانيا فأعرض عنه فعاد ثالثا فأخذها النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرمى # PageV05P022 # بها فلو أصابته لعقرته فقال يأتيني أحدهم بجميع ما يملك ثم يقعد يتكفف ~~الناس # وروي أن رجلا دخل المسجد وعليه هيئة رثة والنبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر فأمر الرجل بأن يقوم فقام فطرح الناس ثيابا للصدقة فأعطاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم منها ثوبين ثم حث النبي صلى الله عليه وسلم الناس على ~~الصدقة فطرح أحد ثوبيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ms2026 انظروا إلى هذا أمرته ~~أن يقوم ليفطن له فيتصدق عليه فأعطيته ثوبين ثم قد طرح أحدهما ثم قال له خذ ~~ثوبك # فإنما منع أمثال هؤلاء من إخراج جميع أموالهم فأما أهل البصائر فلم يكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يمنعهم من ذلك وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه ذا مال كثير فأنفق جميع ماله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل ~~الله حتى بقي في عباءة فلم يعنفه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك ~~عليه والدليل على أن ذلك ليس بمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما خوطب ~~به غيره قوله تعالى فتقعد ملوما محسورا ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ~~ممن يتحسر على إنفاق ما حوته يده في سبيل الله فثبت أن المراد غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو نحو قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم والمراد غيره وقوله تعالى فإن كنت في شك مما أنزلنا ~~إليك لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يشك قط فاقتضت هذه الآيات ~~من قوله وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه الأمر بتوحيد الله والإحسان إلى ~~الوالدين والتذلل لهما وطاعتهما وإعطاء ذي القربى حقه والمساكين وابن ~~السبيل حقوقهم والنهي عن تبذير المال وإنفاقه في معصية الله والأمر ~~بالاقتصاد في الإنفاق والنهي عن الإفراط والتقصير في الإعطاء والمنع وتعليم ~~ما يجيب به السائل والمسكين عند تعذر ما يعطي # قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق هو كلام يتضمن ذكر السبب ~~الخارج عليه وذلك لأن من العرب من كان يقتل بناته خشية الفقر لئلا يحتاج ~~إلى النفقة عليهن وليوفر ما يريد إنفاقه عليهن على نفسه وعلى بيته وكان ذلك ~~مستفيضا شائعا فيهم وهي الموءودة التي ذكرها الله في قوله وإذا الموؤدة ~~سئلت بأي ذنب قتلت والموءودة هي المدفونة حيا وكانوا يدفنون بناتهم أحياء # وقال عبد الله بن مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل ما أعظم ~~الذنوب قال ms2027 أن تجعل لله ندا وهو خلقك وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك وأن ~~تزني بحليلة جارك # قوله تعالى نحن نرزقهم وإياكم فيه إخبار بأن رزق الجميع على الله تعالى ~~والله سيسبب لهم ما ينفقون على الأولاد وعلى أنفسهم وفيه بيان أن الله ~~تعالى سيرزق كل حيوان خلقه مادامت حياته باقية وأنه إنما يقطع رزقه بالموت ~~وبين الله تعالى # PageV05P023 # ذلك لئلا يتعدى بعضهم على بعض ولا يتناول مال غيره إذ كان الله قد سبب له ~~من الرزق ما يغنيه عن مال غيره # قوله تعالى ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا فيه الإخبار ~~بتحريم الزنا وأنه قبيح لأن الفاحشة هي التي قد تفاحش قبحها وعظم وفيه دليل ~~على أن الزنا قبيح في العقل قبل ورود السمع لأن الله سماه فاحشة ولم يخصص ~~به حاله قبل ورود السمع أو بعده ومن الدليل على أن الزنا قبيح في العقل أن ~~الزانية لا نسب لولدها من قبل الأب إذ ليس بعض الزناة أولى به لحاقه به من ~~بعض ففيه قطع الأنساب ومنع ما يتعلق بها من الحرمات في المواريث والمناكحات ~~وصلة الأرحام وإبطال حق الوالد على الولد وما جرى مجرى ذلك من الحقوق التي ~~تبطل مع الزنا وذلك قبيح في العقول مستنكر في العادات ولذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر # لأنه لو لم يكن النسب مقصورا على الفراش وما هو في حكم الفراش لما كان ~~صاحب الفراش بأولى من النسب من الزاني وكان ذلك يؤدي إلى إبطال الأنساب ~~وإسقاط ما يتعلق بها من الحقوق والحرمات قوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق إنما قال تعالى إلا بالحق لأن قتل النفس قد يصير حقا ~~بعد أن لم يكن حقا وذلك قتله على وجه القود وبالردة والرجم للمحصن ~~والمحاربة ونحو ذلك # قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا روي عن ابن عباس وسعيد ~~بن جبير ومجاهد في قوله سلطانا قالوا حجة كقوله أو ليأتيني ms2028 بسلطان مبين ~~وقال الضحاك السلطان أنه مخير بين القتل وبين أخذ الدية وعلى السلطان أن ~~يطلب القتل حتى يدفعه إليه قال أبو بكر السلطان لفظ مجمل غير مكتف بنفسه في ~~الإبانة عن المراد لأنه لفظ مشترك يقع على معان مختلفة فمنها الحجة ومنها ~~السلطان الذي يلي الأمر والنهي وغير ذلك إلا أن الجميع مجمعون على أنه قد ~~أريد به القود فصار القود كالمنطوق به في الآية وتقديره فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا أي قودا ولم يثبت أن الدية مرادة فلم نثبتها ولما ثبت أن المراد ~~القود دل ظاهره على أنه إذا كانت الورثة صغارا وكبارا أن يقتصوا قبل بلوغ ~~الصغار لأن كل واحد منهم ولي والصغير ليس بولي ألا ترى أنه لا يجوز عفوه ~~وهذا قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يقتص الكبار حتى يبلغ الصغار ~~فيقتصوا معهم أو يعفوا وروي عن محمد الرجوع إلى قول أبي حنيفة قوله تعالى ~~فلا يسرف في القتل روي عن عطاء والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير # PageV05P024 # والضحاك وطلق بن حبيب لا يقتل غير قاتله ولا يمثل به وذلك لأن العرب كانت ~~تتعدى إلى غير القاتل من الحميم والقريب فلما جعل الله له سلطانا نهاه أن ~~يتعدى وعلى هذا المعنى قوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى لأنه كان لبعض القبائل طول على الأخرى فكان ~~إذا قتل منهم العبد لا يرضون إلا أن يقتلوا الحر منهم وقال في الآية لا ~~يسرف في القتل بأن يعتدى إلى غير القاتل وقال أبو عبيدة لا يسرف في القتل ~~جزمه بعضهم على النهي ورفعه بعضهم على مجاز الخبر يقول ليس في قتله سرف لأن ~~قتله مستحق قوله تعالى إنه كان منصورا قال قتادة هو عائد على الولي وقال ~~مجاهد على المقتول وقيل هو منصور إما في الدنيا وإما في الآخرة ونصره هو ~~حكم الله بذلك أعني للولي وقيل نصره أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين أن يعينوه وقوله تعالى فقد جعلنا ms2029 لوليه سلطانا قد اقتضى إثبات ~~القصاص للنساء لأن الولي هنا هو الوارث كما قال والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض وقال إن الذين آمنوا- إلى قوله- بعضهم أولياء بعض وقال والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا فنفى بذلك إثبات ~~التوارث بينهم إلا بعد الهجرة ثم قال وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين فأثبت الميراث بأن جعل بعضهم أولياء بعض ~~وقال والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فأثبت التوارث بينهم بذكر الولاية فلما ~~قال فقد جعلنا لوليه سلطانا اقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة ويدل على ~~أن الدم موروث عن المقتول أن الدية التي هي بدل من القصاص موروثة عنه ~~للرجال والنساء ولو لم تكن النساء قد ورثن القصاص لما ورثن بدله الذي هو ~~المال وكيف يجوز أن يرث بعض الورثة من بعض ميراث الميت ولا يرث من البعض ~~الآخر هذا القول مع مخالفته لظاهر الكتاب مخالف للأصول وقول مالك إن النساء ~~ليس إليهن من القصاص شيء وإنما القصاص للرجال فإذا تحول مالا ورثت النساء ~~مع الرجال وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وقتادة والحكم ليس إلى النساء شيء ~~من العفو والدم ومن قول أصحابنا إن القصاص واجب لكل وارث من الرجال والنساء ~~والصبيان بقدر مواريثهم # قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده قال ~~مجاهد التي هي أحسن التجارة وقال الضحاك يبتغي به من فضل الله ولا يكون ~~للذي يبتغي فيه شيء قال أبو بكر # PageV05P025 # إنما خص اليتيم بالذكر وإن كان ذلك واجبا في أموال سائر الناس لأن اليتيم ~~إلى ذلك أحوج والطمع في مثله أكثر وقد انتظم قوله إلا بالتي هي أحسن جواز ~~التصرف في مال اليتيم للوالي عليه من جد أو وصي أب لسائر ما يعود نفعه عليه ~~لأن الأحسن ما كان فيه حفظ ماله وتثميره فجائز على ذلك أن يبيع ويشتري ~~لليتيم بما لا ضرر على اليتيم فيه وبمثل القيمة وأقل منها مما يتغابن الناس ms2030 ~~فيه لأن الناس قد يرون ذلك حطا لما يرجون فيه من الربح والزيادة ولأن هذا ~~القدر من النقصان مما يختلف المقومون فيه فلم يثبت هناك حطيطة في الحقيقة ~~ولا يجوز أن يشترى بأكثر من المقومون فيه فلم يثبت هناك حطيطة في الحقيقة ~~ولا يجوز أن يشتري بأكثر من القيمة بما لا يتغابن الناس فيه لأن فيه ضررا ~~على اليتيم وذلك ظاهر متيقن وقد نهى الله أن يقرب مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن وقد دلت الآية على جواز إجارة مال اليتيم والعمل به مضاربة لأن الربح ~~الذي يستحقه اليتيم إنما يحصل له بعمل المضارب فذلك أحسن من تركه # وقد روى عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال ابتغوا بأموال الأيتام خيرا لا تأكلها الصدقة # قيل معناه النفقة لأن النفقة تسمى صدقة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنفق الرجل على نفسه وعياله فهو ~~له صدقة # وقد روي عن عمر وابن عمر وعائشة وجماعة من التابعين أن للوصي أن يتجر ~~بمال اليتيم وأن يدفعه مضاربة ويدل على أن للأب أن يشتري مال الصغير لنفسه ~~ويبيع منه وعلى أن للوصي أن يشتري مال اليتيم لنفسه إذا كان ذلك خيرا ~~لليتيم وهو قول أبي حنيفة قال وإن اشترى بمثل القيمة لم يجز حتى يكون ما ~~يأخذه اليتيم أكثر قيمة لقوله تعالى إلا بالتي هي أحسن وقال أبو يوسف ومحمد ~~لا يجوز ذلك بحال وقوله حتى يبلغ أشده قال زيد بن أسلم وربيعة الحلم قال ~~أبو بكر وقال في موضع آخر ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فذكر الكبر ~~هاهنا وذكر الأشد في هذه الآية وقال وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فذكر في إحدى الآيات الكبر ~~مطلقا وفي الأخرى الأشد وفي الأخرى بلوغ النكاح مع إيناس الرشد وروى عبد ~~الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس حتى إذا بلغ أشده ثلاث وثلاثون ms2031 ~~سنة واستوى أربعون سنة أو لم نعمركم قال العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن ~~آدم ستون سنة وقال تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني ~~فذكر في قصة موسى بلوغ الأشد والاستواء وذكر في هذه الآية بلوغ الأشد # PageV05P026 # وفي الأخرى بلوغ الأشد وبلوغ أربعين سنة وجائز أن يكون المراد ببلوغ ~~الأشد قبل أربعين سنة وقبل الاستواء وإذا كان كذلك فالأشد ليس له مقدار ~~معلوم في العادة لا يزيد عليه ولا ينقص منه وقد يختلف أحوال الناس فيه ~~فيبلغ بعضهم الأشد في مدة لا يبلغه غيره في مثلها لأنه إن كان بلوغ الأشد ~~هو اجتماع الرأي واللب بعد الحلم فذلك مختلف في العادة وإن كان بلوغه ~~اجتماع القوى وكمال الجسم فهو مختلف أيضا وكل ما كان حكمه مبنيا على ~~العادات فغير ممكن القطع به على وقت لا يتجاوزه ولا يقصر عنه إلا بتوقيف أو ~~إجماع فلما قال في آية ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده اقتضى ذلك دفع المال إليه عند بلوغ الأشد من غير شرط إيناس الرشد ولما ~~قال في آية أخرى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم شرط فيها بعد بلوغ النكاح إيناس الرشد ولم يشرط ذلك في بلوغ حد ~~الكبر في قوله ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا فقال أبو حنيفة لا يدفع ~~إليه ماله بعد البلوغ حتى يؤنس منه رشدا ويكبر ويبلغ الأشد وهو خمس وعشرون ~~سنة ثم يدفع إليه ماله بعد أن يكون عاقلا فجائز أن تكون هذه مدة بلوغ الأشد ~~عنده قوله تعالى وأوفوا بالعهد يعني والله أعلم إيجاب الوفاء بما عاهد الله ~~على نفسه من النذور والدخول في القرب فألزمه الله تعالى إتمامها وهو كقوله ~~تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ~~فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~وقيل أوفوا بالعهد في حفظ مال اليتيم مع ms2032 قيام الحجة عليكم بوجوب حفظه وكل ~~ما قامت به الحجة من أوامره وزواجره فهو عهد وقوله تعالى إن العهد كان ~~مسؤلا معناه مسؤلا عنه للجزاء فحذف اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب ~~بالمراد وقيل إن العهد يسئل فيقال لم نقضت كما تسئل الموؤدة بأي ذنب قتلت ~~وذلك يرجع إلى معنى الأول لأنه توقيف وتقرير لناقض العهد كما أن سؤال ~~الموؤدة توقيف وتقرير لقائلها بأنه قتلها بغير ذنب # قوله تعالى وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم فيه دلالة على ~~أن من اشترى شيئا من المكيلات مكايلة أو من الموزونات موازنة واجب عليه أن ~~لا يأخذ المشترى كيلا إلا بكيل ولا المشترى وزنا إلا بوزن وأنه غير جائز له ~~أن يأخذه مجازفة وفي ذلك دليل على أن الاعتبار في التحريم التفاضل هو ~~بالكيل والوزن إذ # PageV05P027 # لم يخصص إيجاب الكيل في المكيل وإيجاب الوزن في الموزون بالمأكول منه دون ~~غيره فوجب أن يكون سائر المكيلات والموزونات إذا اشترى بعضها ببعض من جنس ~~واحد أنه غير جائز أخذه مجازفة إلا بكيل سواء كان مأكولا أو غير مأكول نحو ~~الجص والنورة وفي الموزون نحو الحديد والرصاص وسائر الموزونات وفيه الدلالة ~~على جواز الاجتهاد وأن كل مجتهد مصيب لأن إيفاء الكيل والوزن لا سبيل لنا ~~إليه إلا من طريق الاجتهاد وغلبة الظن ألا ترى أنه لا يمكن أحدا أن يدعى ~~إذا كال لغيره القطع بأنه لا يزيد حبة ولا ينقص وإنما مرجعه في إيفاء حقه ~~إلى غلبة ظنه ولما كان الكائل والوازن مصيبا لحكم الله تعالى إذا فعل ذلك ~~ولم يكلف إصابة حقيقة المقدار عند الله تعالى كان كذلك حكم مسائل الاجتهاد ~~وقيل في القسطاس إنه الميزان صغر أو كبر وقال الحسن هو القبان ولما ذكرنا ~~من المعنى في المكيل والموزون قال أصحابنا فيمن له على آخر شيء من المكيل ~~أو الموزون إنه غير جائز له أن يقبضه مجازفة وإن تراضيا وظاهر الأمر بالكيل ~~والوزن يوجب أن لا يجوز تركهما بتراضيهما وكذلك لا تجوز قسمتهما إذا ms2033 كان ~~بين شريكين مجازفة للعلة التي ذكرنا ولو كانت ثيابا أو عروضا من غير المكيل ~~والموزون جاز أن يقبضه مجازفة بتراضيهما وجاز أن يقتسما مجازفة إذ لم يوجد ~~علينا فيه إيفاء الكيل والوزن قوله تعالى ذلك خير وأحسن تأويلا معناه أن ~~ذلك خير لكم وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة والتأويل هو الذي إليه مرجع ~~الشيء وتفسيره من قولهم آل يئول أولا إذا رجع # قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم القفو اتباع الأثر من غير بصيرة ولا ~~علم بما يصير إليه ومنه القافة وكانت العرب فيها من يقتاف الأثر وفيها من ~~يقتاف النسب وقد كان هذا الاسم موضوعا عندهم لما يخبر به الإنسان عن غير ~~حقيقة يقولون تقوف الرجل إذا قال الباطل قال جرير: # وطال حذاري خيفة البين والنوى ... وأحدوثة من كاشح متقوف # قال أهل اللغة أراد بقوله الباطل وقال آخر: # ومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا # أي التقاذف وإنما سمي التقاذف بهذا الاسم لأن أكثره يكون عن غير حقيقة ~~وقد حكم الله بكذب القاذف إذا لم يأت بالشهود بقوله لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات # PageV05P028 # بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين # قال قتادة في قوله ولا تقف ما ليس لك به علم لا تقل سمعت ولم تسمع ولا ~~رأيت ولم تره ولا علمت ولم تعلم وقد اقتضى ذلك نهي الإنسان عن أن يقول في ~~أحكام الله مالا علم له به على جهة الظن والحسبان وأن لا يقول في الناس من ~~السوء مالا يعلم صحته ودل على أنه إذا أخبر عن غير علم فهو آثم في خبره ~~كذبا كان خبره أو صدقا لأنه قائل بغير علم وقد نهاه الله عن ذلك قوله تعالى ~~إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا فيه بيان أن لله علينا حقا ~~في السمع والبصر والفؤاد والمرء مسئول عما يفعله بهذه الجوارح من الاستماع ~~لما لا يحل والنظر إلى ما لا يجوز والإرادة لما يقبح ومن الناس من ms2034 يحتج ~~بقوله ولا تقف ما ليس لك به علم في نفي القياس في فروع الشريعة وإبطال خبر ~~الواحد لأنهما لا يفضيان بنا إلى العلم والقائل بهما قائل بغير علم وهذا ~~غلط من قائله وذلك لأن ما قامت دلالة القول به فليس قولا بغير علم والقياس ~~وأخبار الآحاد قد قامت دلائل موجبة للعلم بصحتهما وإن كنا غير عالمين بصدق ~~المخبر وعدم العلم بصدق المخبر غير مانع جواز قبوله ووجوب العمل به كما أن ~~شهادة الشاهدين يجب قبولها إذا كان ظاهر هما العدالة وإن لم يقع لنا العلم ~~بصحة مخبرهما وكذلك أخبار المعاملات مقبولة عند جميع أهل العلم مع فقد ~~العلم بصحة الخبر وقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم غير موجب لرد أخبار ~~الآحاد كما لم يوجب رد الشهادات وأما القياس الشرعي فإن ما كان منه من خبر ~~الاجتهاد فكل قائل بشيء من الأقاويل التي يسوغ فيها الاجتهاد فهو قائل بعلم ~~إذ كان حكم الله عليه ما أداه اجتهاده إليه ووجه آخر وهو أن العلم على ~~ضربين علم حقيقي وعلم ظاهر والذي تعبدنا به من ذلك هو العلم الظاهر ألا ترى ~~إلى قوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار وإنما هو العلم ~~الظاهر لا معرفة مغيب ضمائرهن وقال إخوة يوسف وما شهدنا إلا بما علمنا وما ~~كنا للغيب حافظين فأخبروا أنهم شهدوا بالعلم الظاهر # قوله تعالى وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا قيل إنه على معنى التشبيه لهم بمن بينه وبين ما يأتي به من ~~الحكمة في القرآن فكان بينه وبينهم حجابا عن أن يدركوه فينتفعوا به وروي ~~نحوه عن قتادة وقال غيره نزل في قوم كانوا يؤذونه بالليل إذا تلا القرآن ~~فحال الله تعالى بينهم وبينه حتى لا يؤذوه وقال الحسن منزلتهم فيما أعرضوا ~~عنه منزلة من بينك # PageV05P029 # وبينه حجاب # قوله تعالى وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه قيل فيه إنه منعهم من ذلك ~~ليلا في وقت مخصوص لئلا يؤذوا ms2035 النبي صلى الله عليه وسلم وقيل جعلناها ~~بالحكم أنهم بهذه المنزلة ذما لهم على الامتناع من تفهم الحق والاستماع ~~إليه مع إعراضهم ونفورهم عنه # قوله تعالى وتظنون إن لبثتم إلا قليلا قال الحسن إن لبثتم إلا قليلا في ~~الدنيا لطول لبثكم في الآخرة كما قيل كأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم ~~تزل وقال قتادة أراد به احتقار الدنيا حين عاينوا يوم القيامة # قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس روى عن ابن عباس ~~رواية سعيد بن جبير والحسن وقتادة وإبراهيم ومجاهد والضحاك قالوا رؤيا غير ~~ليلة الإسراء إلى بيت المقدس فلما أخبر المشركين بما رأى كذبوا به وروي عن ~~ابن عباس أيضا أنه أراد برؤياه أنه سيدخل مكة قوله تعالى والشجرة الملعونة ~~في القرآن روي عن ابن عباس والحسن والسدي وإبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد ~~وقتادة والضحاك أنه أراد شجرة الزقوم التي ذكرها في قوله إن شجرة الزقوم ~~طعام الأثيم فأراد بقوله ملعونة أنه ملعون أكلها وكانت فتنتهم بها قول أبي ~~جهل لعنه الله ودونه النار تأكل الشجر فكيف تنبت فيها # قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك هذا تهديد واستهانة بفعل المقول ~~له ذلك وأنه لا يفوته الجزاء عليه والانتقام منه وهو مثل قول القائل اجهد ~~جهدك فسترى ما ينزل بك ومعنى استفزز استزل يقال استفزه واستزله بمعنى واحد ~~وقوله بصوتك روي عن مجاهد أنه الغناء واللهو وهما محظوران وأنهما من صوت ~~الشيطان وقال ابن عباس هو الصوت الذي يدعو به إلى معصية الله وكل صوت دعي ~~به إلى الفساد فهو من صوت الشيطان قوله تعالى وأجلب عليهم فإن الإجلاب هو ~~السوق بجلبة من السائق والجلبة الصوت الشديد وقوله تعالى بخيلك ورجلك روي ~~عن ابن عباس ومجاهد وقتادة كل راجل أو ماش إلى معصية الله من الإنس والجن ~~فهو من رجل الشيطان وخيله والرجل جمع راجل كالتجر جمع تاجر والركب جمع راكب ~~قوله تعالى وشاركهم في الأموال والأولاد قيل معناه كن شريكا في ذلك فإن ms2036 منه ~~ما يطلبونه بشهوتهم ومنه ما يطلبونه لإغرائك بهم وقال مجاهد والضحاك ~~وشاركهم في الأولاد يعني الزنا وقال ابن عباس الموءودة وقال الحسن وقتادة ~~من هودوا ونصروا وقال ابن عباس رواية تسميتهم عبد الحارث وعبد شمس قال أبو ~~بكر لما احتمل هذه الوجوه كان محمولا عليها وكان جميعها # PageV05P030 # مرادا إذ كان ذلك مما للشيطان نصيب في الإغراء به والدعاء إليه # قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم أطلق ذلك على الجنس وفيهم الكافر المهان ~~على وجهين أحدهما أنه كرمهم بالإنعام عليهم وعاملهم معاملة المكرم بالنعمة ~~على وجه المبالغة في الصفة والوجه الآخر أنه لما كان فيهم من على هذا ~~المعنى أجرى الصفة على جماعتهم كقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس لما كان ~~فيهم من هو كذلك أجرى الصفة على الجماعة # قوله تعالى يوم ندعوا كل أناس بإمامهم قيل إنه يقال هاتوا متبعي إبراهيم ~~هاتوا متبعي موسى هاتوا متبعي محمد صلى الله عليه وسلم فيقوم الذين اتبعوا ~~الأنبياء واحدا واحدا فيأخذون كتبهم بأيمانهم ثم يدعو بمتبعي أئمة الضلال ~~على هذا المنهاج قال مجاهد وقتادة إمامه نبيه وقال ابن عباس والحسن والضحاك ~~إمامه كتاب عمله وقال أبو عبيدة بمن كانوا يأتمون به في الدنيا وقيل ~~بإمامهم بكتابهم الذي أنزل الله عليهم فيه الحلال والحرام والفرائض # قوله تعالى ومن كان في هذه أعمى روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة من كان في ~~أمر هذه الدنيا وهي شاهدة له من تدبيرها وتصريفها وتقليب النعم فيها أعمى ~~عن اعتقاد الحق الذي هو مقتضاها وهو في الآخرة التي هي غائبة عنه أعمى وأضل ~~سبيلا # قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل روي عن ابن مسعود وأبي ~~عبد الرحمن السلمي قالا دلوكها غروبها وعن ابن عباس وأبي برزة الأسلمي ~~وجابر وابن عمر دلوك الشمس ميلها وكذلك روي عن جماعة من التابعين قال أبو ~~بكر هؤلاء الصحابة قالوا إن الدلوك الميل وقولهم مقبول فيه لأنهم من أهل ~~اللغة وإذا كان كذلك جاز أن يراد به الميل للزوال ms2037 والميل للغروب فإن كان ~~المراد الزوال فقد انتظم صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة إذ كانت ~~هذه أوقات متصلة بهذه الفروض فجاز أن يكون غسق الليل غاية لفعل هذه الصلوات ~~في مواقيتها وقد روي عن أبي جعفر أن غسق الليل انتصافه فيدل ذلك على أنه ~~آخر الوقت المستحب لصلاة العشاء الآخرة وأن تأخيرها إلى ما بعده مكروه ~~ويحتمل أن يريد به غروب الشمس فيكون المراد بيان وقت المغرب أنه من غروب ~~الشمس إلى غسق الليل وقد اختلف في غسق الليل فروى مالك عن داود بن الحصين ~~قال أخبرني مخبر عن ابن عباس أنه كان يقول غسق الليل اجتماع الليل وظلمته ~~وروى ليث عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقول دلوك الشمس حين تزول الشمس إلى ~~غسق الليل حين تجب # PageV05P031 # الشمس قال وقال ابن مسعود دلوك الشمس حين تجب الشمس إلى غسق الليل حين ~~يغيب الشفق وعن عبد الله أيضا أنه لما غربت الشمس قال هذا غسق الليل وعن ~~أبي هريرة غسق الليل غيبوبة الشمس وعن الحسن غسق الليل صلاة المغرب والعشاء ~~وعن إبراهيم غسق الليل العشاء الآخرة وقال أبو جعفر غسق الليل انتصافه قال ~~أبو بكر من تأول دلوك الشمس على غروبها فغير جائز أن يكون تأويل غسق الليل ~~عنده غروبها أيضا لأنه جعل الابتداء الدلوك وغسق الليل غاية له وغير جائر ~~أن يكون الشيء غاية لنفسه فيكون هو الابتداء وهو الغاية فإن كان المراد ~~بالدلوك غروبها فغسق الليل هو إما الشفق الذي هو آخر وقت المغرب أو اجتماع ~~الظلمة وهو أيضا غيبوبة الشفق لأنه لا يجتمع إلا بغيبوبة البياض وإما أن ~~يكون آخر وقت العشاء الآخرة المستحب وهو انتصاف الليل فينتظم اللفظ حينئذ ~~المغرب والعشاء الآخرة قوله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~قال أبو بكر هو معطوف على قوله أقم الصلاة لدلوك الشمس وتقديره أقم قرآن ~~الفجر وفيه الدلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن الأمر على الوجوب ~~ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة ms2038 إلا في صلاة فإن قيل معناه صلاة الفجر قيل له ~~هذا غلط من وجهين أحدهما أنه غير جائز أن تجعل القراءة عبارة عن الصلاة ~~لأنه صرف الكلام عن حقيقته إلى المجاز بغير دليل # والثاني قوله في نسق التلاوة ومن الليل فتهجد به نافلة لك ويستحيل التهجد ~~بصلاة الفجر ليلا والهاء في قوله به كناية عن قرآن الفجر المذكور قبله فثبت ~~أن المراد حقيقة القراءة لإمكان التهجد بالقرآن المقروء في صلاة الفجر ~~واستحالة التهجد بصلاة الفجر وعلى أنه لو صح أن المراد ما ذكرت لكانت ~~دلالته قائمة على وجوب القراءة في الصلاة وذلك لأنه لم يجعل القراءة عبارة ~~عن الصلاة إلا وهي من أركانها وفروضها قوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك # روي عن حجاج بن عمرو الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~يحسب أحدكم إذا قام أول الليل إلى آخره أنه قد تهجد لا ولكن التهجد الصلاة ~~بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة ثم الصلاة بعد رقدة وكذلك كانت صلاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # وعن الأسود وعلقمة قالا التهجد بعد النوم والتهجد في اللغة السهر للصلاة ~~أو لذكر الله والهجود النوم وقيل التهجد التيقظ بما ينفي النوم وقوله نافلة ~~لك قال مجاهد وإنما كانت نافلة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد غفر له ما ~~تقدم # PageV05P032 # من ذنبه وما تأخر فكانت طاعاته نافلة أي زيادة في الثواب ولغيره كفارة ~~لذنوبه وقال قتادة نافلة تطوعا وفضيلة وروى سليمان بن حيان قال حدثنا أبو ~~غالب قال حدثنا أبو أمامة قال إذا وضعت الطهور مواضعه فعدت مغفورا وإن قمت ~~تصلي كانت لك فضيلة وأجرا فقال له رجل يا أبا أمامة أرأيت إن قام يصلي يكون ~~له نافلة قال لا إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون ذلك نافلة ~~وهو يسعى في الذنوب والخطايا يكون لك فضيلة وأجرا فمنع أبو أمامة أن تكون ~~النافلة لغير النبي صلى الله عليه وسلم # وقد روي عبد الله بن الصامت ms2039 عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة قال قلت فما تأمرني قال صل ~~الصلاة لوقتها فإن أدركتهم فصلها معهم لك نافلة # وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال الوضوء يكفر ما قبله ثم تصير الصلاة نافلة قيل له أنت سمعت هذا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال نعم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا ~~خمس # فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم بهذين الخبرين النافلة لغيره والنافلة هي ~~الزيادة بعد الواجب وهي التطوع والفضيلة ومنه النفل في الغنيمة وهو ما ~~يجعله الإمام لبعض الجيش زيادة على ما يستحقه من سهامها بأن يقول من قتل ~~قتيلا فله سلبه ومن أخذ شيئا فهو له # قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته قال مجاهد على طبيعته وقيل على عادته ~~التي ألفها وفيه تحذير من إلف الفساد والمساكنة إليه فيستمر عليه وقيل على ~~أخلاقه قال أبو بكر شاكلته ما يشاكله ويليق به ويشبهه فالذي يشاكل الخير من ~~الناس الخير والصلاح والذي يشاكل الشرير الشر والفساد وهو كقوله الخبيثات ~~للخبيثين يعني الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس والطيبات للطيبين يعني ~~الطيبات من الكلام للطيبين من الناس ويروى أن عيسى عليه السلام مر بقوم ~~فكلموه بكلام قبيح ورد عليهم ردا حسنا فقيل له في ذلك فقال إنما ينفق كل ~~إنسان ما عنده # قوله تعالى ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي اختلف في الروح الذي ~~سألوا عنه فروي عن ابن عباس أنه جبريل # وروي عن علي أنه ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف ~~لسان يسبح الله بجميع ذلك # وقيل إنما أراد روح الحيوان وهو ظاهر الكلام قال قتادة الذي سأله عن ذلك ~~قوم من اليهود وروح الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية في كل جزء منه حياة ~~وفيه خلاف بين أهل العلم وكل حيوان ms2040 فهو روح إلا أن منهم من الأغلب عليه ~~البدن وقيل # PageV05P033 # أنه لم يجبهم لأن المصلحة في أن يوكلوا إلى ما في عقولهم من الدلالة ~~عليها للارتياض باستخراج الفائدة وروي في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس ~~بنبي فلم يجبهم الله عز وجل مصداقا لما في كتابهم والروح قد يسمى به أشياء ~~منها القرآن قال الله تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا سماه روحا ~~تشبيها بروح الحيوان الذي به يحيى والروح الأمين جبريل وعيسى بن مريم سمي ~~روحا على نحو ما سمي به من القرآن وقوله قل الروح من أمر ربي أي من الأمر ~~الذي يعلمه ربي وقوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا يعني ما أعطيتم ~~من العلم المنصوص عليه إلا قليلا من كثير بحسب حاجتكم إليه فالروح من ~~المتروك الذي لا يصلح النص عليه للمصلحة وقد دلت هذه الآية على جواز ترك ~~جواب السائل عن بعض ما يسئل عنه لما فيه من المصلحة في استعمال الفكر ~~والتدبر والاستخراج وهذا في السائل الذي يكون من أهل النظر واستخراج ~~المعاني فأما إن كان مستفتيا قد بلي بحادثة احتاج إلى معرفة حكمها وليس من ~~أهل النظر فعلى العالم بحكمها أن يجيبه عنها بما هو حكم الله عنده # قوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~الآية فيه الدلالة على إعجاز القرآن فمن الناس من يقول إعجازه في النظم على ~~حياله وفي المعاني وترتيبها على حياله ويستدل على ذلك بتحديه في هذه الآية ~~العرب والعجم والجن والإنس ومعلوم أن العجم لا يتحدون من طريق النظم فوجب ~~أن يكون التحدي لهم من جهة المعاني وترتيبها على هذا النظام دون نظم ~~الألفاظ ومنهم من يأبى أن يكون إعجازه إلا من جهة نظم الألفاظ والبلاغة في ~~العبارة فإنه يقول إن إعجاز القرآن من وجوه كثيرة منها حسن النظم وجودة ~~البلاغة في اللفظ والاختصار وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة مع ~~تعريه من أن يكون فيه لفظ مسخوط ومعنى ms2041 مدخول ولا تناقض ولا اختلاف تضاد ~~وجميعه في هذه الوجوه جار على منهاج واحد وكلام العباد لا يخلو إذا طال من ~~أن يكون فيه الألفاظ الساقطة والمعاني الفاسدة والتناقض في المعاني وهذه ~~المعاني التي ذكرنا من عيوب الكلام موجودة في كلام الناس من أهل سائر ~~اللغات لا يختص باللغة العربية دون غيرها فجائز أن يكون التحدي واقعا للعجم ~~بمثل هذه المعاني في الإتيان بها عارية مما يعيبها ويهجنها من الوجوه التي ~~ذكرناها ومن جهة أن الفصاحة لا تختص بها لغة العرب دون سائر اللغات وإن ~~كانت # PageV05P034 # لغة العرب أفصحها وقد علمنا أن القرآن في أعلى طبقات البلاغة فجائز أن ~~يكون التحدي للعجم واقعا بأن يأتوا بكلام في أعلى طبقات البلاغة بلغتهم ~~التي يتكلمون بها # قوله تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث قوله فرقناه يعني ~~فرقناه بالبيان عن الحق من الباطل وقوله تقرأ على الناس على مكث يعني على ~~تثبت وتوقف ليفهموه بالتأمل ويعلموا ما فيه بالتفكر ويتفقهوا باستخراج ما ~~تضمن من الحكم والعلوم الشريفة وقد قيل إنه كان ينزل منه شيء ويمكثون ما ~~شاء الله ثم ينزل شيء آخر وهو في معنى قوله ورتل القرآن ترتيلا وروى سفيان ~~عن عبيد المكتب قال سئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة وآل عمران ورجل ~~قرأ البقرة جلوسهما وسجودهما وركوعهما سواء أيهما أفضل قال الذي قرأ البقرة ~~ثم قرأ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث # وروى معاوية بن قرة عن عبيد الله بن المغفل قال رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم الفتح وهو على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة ~~بينة # وروى حماد بن سلمة عن أبي حمزة الضبعي قال قال ابن عباس لأن أقرأ القرآن ~~فأرتلها وأتدبرها أحب إلي من أن أقرأ القرآن هذا وروى الأعمش عن عمارة عن ~~أبي الأحوص عن عبد الله قال لا تقرءوا القرآن في أقل من ثلاث واقرءوا في ~~سبع وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد ms2042 أنه كان يقرأه في سبع ~~والأسود في ست وعلقمة في خمس وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأ القرآن في ليلة # وروى ابن أبى ليلى عن صدقة عن ابن عمر قال بني لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سقف في المسجد واعتكف فيه في آخر رمضان وكان يصلي فيه فأخرج رأسه فرأى ~~الناس يصلون فقال إن المصلي إذا صلى يناجي ربه فليعلم أحدكم بما يناجيه # وفي ذلك دليل على أن المستحب الترتيل لأنه به يعلم ما يناجي ربه به ويفهم ~~عن نفسه ما يقرأه. ### | باب السجود على الوجه # قال الله تعالى إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا روي عن ابن عباس قال للوجوه وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى ~~يخرون للأذقان سجدا قال للوجوه وقال معمر وقال الحسن اللحى وسئل ابن سيرين ~~عن السجود على الأنف فقال يخرون للأذقان سجدا # وروى طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أسجد على ~~سبعة أعظم ولا أكف شعرا ولا ثوبا # قال طاوس وأشار إلى الجبهة # PageV05P035 # والأنف هما عظم واحد # وروى عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سجدت فمكن جبهتك وأنفك من ~~الأرض # وروى وائل بن حجر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع جبهته ~~وأنفه على الأرض # وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أنه رأى الطين في أنف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرنبته من أثر السجود وكانوا مطروا من الليل # وروى عاصم الأحول عن عكرمة قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ساجدا ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل صلاة إلا بمس الأنف منها ما يمس ~~الجبين # وهذه الأخبار تدل على أن موضع السجود هو الأنف والجبهة ms2043 جميعا # وروى عبد العزيز بن عبد الله قال قلت لوهب بن كيسان يا أبا نعيم مالك لا ~~تمكن جبهتك وأنفك من الأرض قال ذاك لأني سمعت جابر بن عبد الله يقول رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته على قصاص الشعر # وروى أبو الشعثاء قال رأيت عمر سجد فلم يضع أنفه على الأرض فقيل له في ~~ذلك فقال إن أنفي من حر وجهي وأنا أكره أن أشين وجهي وروي عن القاسم وسالم ~~أنهما كانا يسجدان على جباههما ولا تمس أنوفهما الأرض وأما حديث جابر فجائز ~~أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم يسجد على قصاص شعره لعذر كان بأنفه ~~تعذر معه السجود عليه وتأويل من تأوله على الوجوه على اللحى يدل على جواز ~~الاقتصار بالسجود على الأنف دون الجهبة وإن كان المستحب فعل السجود عليهما ~~لأنه معلوم أنه لم يرد به السجود على الذقن لأن أحدا من أهل العلم لا يقول ~~ذلك فثبت أن المراد الأنف لقربه من الذقن ومن مذهب أبي حنيفة أنه إن سجد ~~على الأنف دون الجبهة أجزأه وقال أبو يوسف ومحمد لا يجزيه وإن سجد على ~~الجبهة دون الأنف أجزأه عندهم جميعا وروى العطاف بن خالد عن نافع عن ابن ~~عمر قال إذا وقع أنفك على الأرض فقد سجدت وروى سفيان عن حنظلة عن طاوس قال ~~الجبهة والأنف من السبعة في الصلاة واحد وروى إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال ~~إن الأنف من الجبين وقال هو خيره. ### | باب ما يقال في السجود # قال الله عز وجل ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا فمدحهم بهذا ~~القول عند السجود فدل على أن المسنون في السجود من الذكر هو التسبيح # وروى موسى بن # PageV05P036 # أيوب عن عمه عن عقبة بن عامر قال لما نزل فسبح باسم ربك العظيم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في سجودكم ms2044 # وروى ابن أبي ليلى عن الشعبي عن صلة بن زفر عن حذيفة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ~~ثلاثا # وروى قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عائشة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح # وروى ابن أبي ذئب عن إسحاق بن يزيد عن عون ابن عبد الله عن ابن مسعود عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ركع أحدكم فليقل في ركوعه سبحان ربي ~~العظيم ثلاثا فإذا فعل ذلك فقدتم ركوعه وذكر في سجوده سبحان ربي الأعلى ~~ثلاثا # وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أما الركوع فعظموا ~~فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم # وروي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده ~~اللهم لك سجدت وبك آمنت # في كلام كثير وجائز أن يكون ما رواه علي وابن عباس إنما كان يقوله قبل ~~نزول سبح اسم ربك الأعلى ثم لما نزل ذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يجعل في السجود كما رواه عقبة بن عامر وقال أصحابنا والثوري والشافعي ~~يقول في الركوع سبحان ربي العظيم ثلاثا وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا ~~وقال الثوري يستحب للإمام أن يقولها خمسا في الركوع وفي السجود حتى يدرك ~~الذين خلفه ثلاث تسبيحات وقال ابن القاسم عن مالك في الركوع والسجود إذا ~~أمكن ولم يسبح فهو يجزى عنه وكان لا يوقت تسبيحا وقال مالك في السجود ~~والركوع قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى ~~لا أعرفه فأنكره ولم يحد فيه دعاء موقتا قال ولكن يمكن يديه من ركبتيه في ~~الركوع ويمكن جبهته من الأرض في السجود وليس فيه عنده حد. ### | باب البكاء في الصلاة # قال الله تعالى ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ومثله ms2045 قوله تعالى ~~خروا سجدا وبكيا وفيه الدلالة على أن البكاء في الصلاة من خوف الله لا يقطع ~~الصلاة لأن الله تعالى قد مدحهم بالبكاء في السجود ولم يفرق بين سجود ~~الصلاة وسجود التلاوة وسجدة الشكر وروى سفيان بن عيينة قال حدثنا إسماعيل ~~بن محمد بن سعد قال سمعت # PageV05P037 # عبد الله بن شداد قال سمعت نشيج عمر رضي الله عنه وإني لفي آخر الصفوف ~~وقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف حتى إذا بلغ نما أشكوا بثي وحزني إلى الله # نشج ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وقد كانوا خلفه فصار إجماعا # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل ~~من البكاء # وقوله تعالى ويزيدهم خشوعا يعني به أن بكاءهم في حال السجود يزيدهم خشوعا ~~إلى خشوعهم وفيه الدلالة على أن مخافتهم لله تعالى حتى تؤديهم إلى البكاء ~~داعية إلى طاعة الله وإخلاص العبادة على ما يجب من القيام بحقوق نعمه والله ~~الموفق. ### | باب الجهر بالقراءة في الصلاة والدعاء # قال الله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا روي ~~عن ابن عباس رواية وعائشة ومجاهد وعطاء لا تجهر بدعائك ولا تخافت به وروي ~~عن ابن عباس أيضا وقتادة أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا جهر ولا يسمع من خلفه إذا خافت وذلك بمكة فأنزل الله تعالى ولا ~~تجهر بصلاتك وأراد به القراءة في الصلاة وقال الحسن لا تجهر بالصلاة ~~بإشاعتها عند من يؤذيك ولا تخافت بها عند من يلتمسها فكان ذلك عند الحسن ~~أنه أريد ترك الجهر في حال وترك ذلك المخافتة في أخرى وقيل لا تجهر بصلاتك ~~كلها ولا تخافت بجميعها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت ~~بصلاة النهار على ما أمرناك به # وروي عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث قال سألت عائشة أكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن أو يخافت قالت ربما جهر وربما خافت # وروى أبو ms2046 خالد الوالبي عن أبي هريرة أنه كان إذا قام من الليل يخفض طورا ~~ويرفع طورا وقال هكذا كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم # وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الناس في آخر رمضان ~~فقال إن المصلي إذا صلى يناجي ربه فليعلم أحدكم بما يناجيه ولا يجهر بعضكم ~~على بعض # وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يرفع الرجل صوته بالقرآن قبل العشاء وبعدها # يغلط أصحابه في الصلاة ورويت أخبار في الجهر بالقراءة في صلاة الليل # روى كريب عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في بعض حجره ~~فيسمع قراءته من كان خارجا # وروى إبراهيم عن علقمة قال صليت مع عبد الله ليلة فكان يرفع صوته ~~بالقراءة فيسمع أهل الدار # وروى أن أبا بكر إذا صلى # PageV05P038 # خفض صوته وأن عمر كان إذا صلى رفع صوته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر لم تفعل هذا قال أناجي ربي وقد علم حاجتي فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحسنت وقال لعمر لم تفعل هذا فقال أوقظ النومان وأطرد الشيطان ~~فقال أحسنت فلما نزل ولا تجهر بصلاتك الآية قال لأبي بكر ارفع شيئا وقال ~~لعمر اخفض شيئا # وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي ~~موسى فقال لقد أوتى أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود # فهذا يدل على أن رفع الصوت لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم # وروى عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم زينوا القرآن بأصواتكم # وروى حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول حسنوا أصواتكم ~~بالقرآن وروى ابن جريج عن طاوس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~أحسن الناس قراءة قال الذي إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله # آخر سورة بنى إسرائيل. ### | سورة الكهف # بسم الله الرحمن ms2047 الرحيم # قال الله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا فيه بيان أن ما جعله زينة لها من النبات ~~والحيوان وغير ذلك سيجعله صعيدا جرزا والصعيد الأرض والصعيد التراب وما ~~ذكره الله تعالى من إحالته ما عليها مما هو زينة لها صعيدا هو مشاهد معلوم ~~من طبع الأرض إذ كل ما يحصل فيها من نبات أو حيوان أو حديد أو رصاص أو نحوه ~~من الجواهر يستحيل ترابا فإذا كان الله جل وعلا قد أخبر أن ما عليها يصيره ~~صعيدا جرزا وأباح مع ذلك التيمم بالصعيد وجب بعموم ذلك جواز التيمم بالصعيد ~~الذي كان نباتا أو حيوانا أو حديدا أو رصاصا أو غير ذلك لإطلاقه تعالى ~~الأمر بالتيمم بالصعيد وفي ذلك دليل على صحة قول أصحابنا في النجاسات إذا ~~استحالت أرضا أنها طاهرة لأنها في هذه الحال أرض ليست بنجاسة وكذلك قالوا ~~في نجاسة أحرقت فصارت رمادا أنه طاهر لأن الرماد في نفسه طاهر وليس بنجاسة ~~ولا فرق بين رماد النجاسة وبين رمادا لخشب الطاهر إذ النجاسة هي التي توجد ~~على ضرب من الاستحالة وقد زال ذلك عنها بالإحراق وصارت إلى ضرب الاستحالة ~~التي لا توجب التنجيس وكذلك الخمر إذا استحالت خلا فهو طاهر لأنه في الحال ~~ليس # PageV05P039 # بخمر لزوال الاستحالة الموجبة لكونها خمرا # قوله تعالى إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ ~~لنا من أمرنا رشدا فيه الدلالة على أن على الإنسان أن يهرب بدينه إذا خاف ~~الفتنة فيه وأن عليه أن لا يتعرض لإظهار كلمة الكفر وإن كان على وجه التقية ~~ويدل على أنه إذا أراد الهرب بدينه خوف الفتنة أن يدعو بالدعاء الذي حكاه ~~الله عنهم لأن الله قد رضي ذلك من فعلهم وأجاب دعاءهم وحكاه لنا على جهة ~~الاستحسان لما كان منهم # قوله تعالى لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا معناه ليظهر المعلوم في ~~اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما ms2048 في ذلك من العبرة # قوله تعالى لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا قيل فيه ~~وجوه أحدها ما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ ~~الكتاب أجله فيهم وينتبهوا من رقدتهم وذلك وصفهم في حال نومهم لا بعد ~~اليقظة والثاني أنهم كانوا في مكان موحش من الكهف أعينهم مفتوحة يتنفسون ~~ولا يتكلمون والثالث أن أظفارهم وشعورهم طالت فلذلك يأخذ الرعب منهم قوله ~~تعالى قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم لما حكى الله ذلك عنهم غير منكر لقولهم ~~علمنا أنهم كانوا مصيبين في إطلاق ذلك لأن مصدره إلى ما كان عندهم من مقدار ~~اللبث وفي اعتقادهم لا عن حقيقة اللبث في المغيب وكذلك هذا في قوله فأماته ~~الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ولم ينكر الله ~~ذلك لأنه أخبر عما عنده وفي اعتقاده لا عن مغيب أمره وكذلك قول موسى عليه ~~السلام للخضر أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا- ولقد جئت شيئا ~~إمرا يعني عندي كذلك ونحوه # قول النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك لم يكن حين قال ذو اليدين أقصرت ~~الصلاة أم نسيت # قوله تعالى فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة الآية يدل على جواز خلط ~~دراهم الجماعة والشرى بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن كان ~~بعضهم قد يأكل أكثر مما يأكل غيره وهذا الذي يسميه الناس المناهدة ويفعلونه ~~في الأسفار وذلك لأنهم قالوا فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فأضاف ~~الورق إلى الجماعة ونحوه قوله تعالى وإن تخالطوهم فإخوانكم فأباح لهم بذلك ~~خلط طعام اليتيم بطعامهم وأن تكون يده مع أيديهم مع جواز أن يكون بعضهم ~~أكثر أكلا من غيره وفي هذه الآية دلالة على جواز الوكالة بالشرى لأن الذي ~~بعثوا به كان وكيلا لهم. # PageV05P040 ### | باب الاستثناء في اليمين # قال الله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله قال ~~أبو بكر هذا الضرب من الاستثناء ms2049 يدخل لرفع حكم الكلام حتى يكون وجوده وعدمه ~~سواء وذلك لأن الله تعالى ندبه الاستثناء بمشيئة الله تعالى لئلا يصير ~~كاذبا بالحلف فدل على أن حكمه ما وصفنا ويدل عليه أيضا قوله عز وجل حاكيا ~~عن موسى عليه السلام ستجدني إن شاء الله صابرا فلم يصبر ولم يك كاذبا لوجود ~~الاستثناء في كلامه فدل على أن معناه ما وصفنا من دخوله في الكلام لرفع ~~حكمه فوجب أن لا يختلف حكمه في دخوله على اليمين أو على إيقاع الطلاق أو ~~على العتاق # وقد روى أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه وفي بعض الألفاظ فقد استثنى # قال أبو بكر ولم يفرق بين شيء من الأيمان فهو على جميعها وعن عبد الله بن ~~مسعود من قوله مثله وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم قالوا الاستثناء في كل شيء # وقد روى إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال الرجل لعبده أنت حر إن شاء ~~الله فهو حر وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فليست بطالق # وهذا حديث شاذ واهي السند غير معمول عليه عند أهل العلم وقد اختلف أهل ~~العلم بعد اتفاقهم على صحة الاستثناء في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ~~ثلاثة أنحاء فقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية إذا استثنى ~~بعد سنة صح استثناؤه وقال الحسن وطاوس يجوز الاستثناء مادام في المجلس وقال ~~إبراهيم وعطاء والشعبي لا يصح الاستثناء إلا موصولا بالكلام وروي عن ~~إبراهيم في الرجل يحلف ويستثني في نفسه قال لا حتى يجهر بالاستثناء كما جهر ~~بيمينه وهذا محمول عندنا على أنه لا يصدق في القضاء إذا ادعى أنه كان ~~استثنى ولم يسمع منه وقد سمع منه اليمين وقال أصحابنا وسائر الفقهاء لا يصح ~~الاستثناء إلا موصولا بالكلام وذلك لأن الاستثناء ms2050 بمنزلة الشرط والشرط لا ~~يصلح ولا يثبت حكمه إلا موصولا بالكلام من غير فصل مثل قوله أنت طالق إن ~~دخلت الدار فلو قال أنت طالق ثم قال إن دخلت الدار بعد ما سكت لم يوجب ذلك ~~تعلق الطلاق بالدخول ولو جاز هذا لجاز أن يقول لامرأته أنت طالق ثلاثا ثم ~~يقول بعد سنة إن شاء الله فيبطل الطلاق ولا تحتاج إلى زوج ثان في إباحتها ~~للأول وفي # PageV05P041 # تحريم الله تعالى إياها عليه بالطلاق الثلاث إلا بعد زوج دلالة على بطلان ~~الاستثناء بعد السكوت ولما صح ذلك في الإيقاع في أنه لا يصح الاستثناء إلا ~~موصولا بالكلام كان كذلك حكم اليمين وأيضا قال الله تعالى في شأن أيوب حين ~~حلف على امرأته أنه إن برأ ضربها فأمره الله تعالى أن يأخذ بيده ضغثا ويضرب ~~به ولا يحنث ولو صح الاستثناء متراخيا عن اليمين لأمره بالاستثناء فيستغني ~~به عن ضربها بالضغث وغيره ويدل عليه # قول النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه # ولو جاز الاستثناء متراخيا عن اليمين لأمره بالاستثناء واستغنى عن ~~الكفارة # وقال صلى الله عليه وسلم إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها ~~خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني ولم يقل إلا قلت إن شاء ~~الله # فإن قيل # روى قيس عن سماك عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لأغزون ~~قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت ساعة فقال إن شاء الله # فقد استثنى بعد السكوت قيل له # رواه شريك عن سماك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والله لأغزون ~~قريشا ثلاثا ثم قال في آخر هن إن شاء الله # فأخبر أنه استثنى في آخرهن وذلك يقتضي اتصاله باليمين وهو أولى لما ذكرنا ~~وفي هذا الخبر دلالة أيضا على أنه إذا حلف بأيمان كثيرة ثم استثنى في آخرهن ~~كان الاستثناء راجعا إلى الجميع واحتج ابن عباس ms2051 ومن تابعه في إجازة ~~الاستثناء متراخيا عن اليمين بقوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت فتأولوا قوله واذكر ربك إذا نسيت على ~~الاستثناء وهذا غير واجب لأن قوله تعالى واذكر ربك إذا نسيت يصح أن يكون ~~كلاما مبتدأ مستقلا بنفسه من غير تضمين له بما قبله وغير جائز فيما كان هذا ~~سبيله تضمينه بغيره وقد روى ثابت عن عكرمة في قوله تعالى واذكر ربك إذا ~~نسيت قال إذا غضبت فثبت بذلك أنه إنما أراد الأمر بذكر الله تعالى وأن يفزع ~~إليه عند السهو والغفلة وقد روي في التفسير أن قوله تعالى ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله إنما نزل فيما سألت قريش عن قصة أصحاب ~~الكهف وذي القرنين فقال سأخبركم فأبطأ عنه جبريل عليهما السلام أياما ثم ~~أتاه بخبرهم وأمره الله تعالى بعد ذلك بأن لا يطلق القول على فعل يفعله في ~~المستقبل إلا مقرونا بذكر مشيئة الله تعالى وفي نحو ذلك ما # روى هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال سليمان بن داود والله لأطوفن # PageV05P042 # الليلة على مائة امرأة فتلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل ~~الله ولم يقل إن شاء الله فلم تلد منهن إلا واحدة ولدت نصف إنسان # قوله تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا روي عن قتادة ~~أن هذا حكاية عن قول اليهود لأنه # قال قل الله أعلم بما لبثوا وقال مجاهد والضحاك وعبيد بن عمير إنه إخبار ~~من الله تعالى بأن هذا كانت مدة لبثهم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم قل ~~إن حاجك أهل الكتاب الله أعلم بما لبثوا وقيل فيه الله أعلم بما لبثوا إلى ~~الوقت الذي نزل فيه القرآن بها وقيل قل الله أعلم بما لبثوا إلى أن ماتوا ~~فأما قول قتادة فليس بظاهر لأنه لا يجوز صرف أخبار الله ms2052 إلى أنه حكاية عن ~~غيره إلا بدليل ولأنه يوجب أن يكون بيان مدة لبثهم غير مذكور في الكتاب مع ~~العلم بأن الله قد أراد منا الاعتبار والاستدلال به على عجيب قدرة الله ~~تعالى ونفاذ مشيئته # قوله تعالى ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله قيل في ~~ما شاء الله وجهان أحدهما ما شاء الله كان فحذف كقوله تعالى فإن استطعت أن ~~تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فحذف منه فافعل والثاني هو ما شاء ~~الله وقد أفاد أن قول القائل منا ما شاء الله ينتظم رد العين وارتباط ~~النعمة وترك الكبر لأن فيه إخبار أنه لو قال ذلك لم يصبها ما أصاب # قوله تعالى إلا إبليس كان من الجن فيه بيان أنه ليس من الملائكة لأنه ~~أخبر أنه من الجن وقال الله تعالى والجان خلقناه من قبل من نار السموم فهو ~~جنس غير جنس الملائكة كما أن الإنس جنس غير جنس الجن وروي أن الملائكة ~~أصلهم من الريح كما أن أصل بني آدم من الأرض وأصل الجن من النار # قوله تعالى نسيا حوتهما والناسي له كان يوشع بن نون فأضاف النسيان إليهما ~~كما يقال نسي القوم زادهم وإنما نسيه أحدهم وكما # قال النبي صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث ولابن عم له إذا سافرتما ~~فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما وإنما يؤذن ويقيم أحدهما # وقال امعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # وإنما هم من الإنس # قوله تعالى لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا يدل على إباحة إظهار مثل هذا ~~القول عند ما يلحق الإنسان نصب أو تعب في سعي في قربة وأن ذلك ليس بشكاية ~~مكروهة وما ذكره الله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع الخضر فيه بيان أن ~~فعل الحكيم للضرر لا يجوز أن يستنكر إذا كان فيه تجويز فعله على وجه الحكمة ~~المؤدية إلى المصلحة وأن ما يقع من الحكيم من ذلك بخلاف ما يقع من السفيه ~~وهو مثل الصبي ms2053 الذي # PageV05P043 # إذا حجم أو سقي الدواء استنكر ظاهره وهو غير عالم بحقيقة معنى النفع ~~والحكمة فيه فكذلك ما يفعل الله من الضرر أو ما يأمر به غير جائز استنكاره ~~بعد قيام الدلالة أنه لا يفعل إلا ما هو صواب وحكمة وهذا أصل كبير في هذا ~~الباب والخضر عليه السلام لم يحتمل موسى أكثر من ثلاث مرات فدل على أنه ~~جائز للعالم احتمال من يتعلم منه المرتين والثلاث على مخالفة أمره وأنه ~~جائز له بعد الثلاث ترك احتماله. ### | في الكنز ما هو # قال الله تعالى وكان تحته كنز لهما قال سعيد بن جبير علم وقال عكرمة مال ~~وقال ابن عباس ما كان بذهب ولا فضة وإنما كان علما صحفا وقال مجاهد صحف من ~~علم # وقد روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وكان تحته ~~كنز لهما قال ذهب وفضة # ولما تأولوه على الصحف وعلى العلم وعلى الذهب وعلى الفضة دل على أن اسم ~~الكنز يقع على الجميع لولاه لم يتأولوه عليه وقال الله تعالى والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فخص الذهب والفضة بالذكر لأن سائر ~~الأشياء إذا كثرت لا تجب فيها الزكاة وإنما تجب فيها الزكاة إذا كانت مرصدة ~~للنماء والذهب والفضة تجب فيهما وإن كانا مكنوزين غير مرصدين للنماء قوله ~~تعالى وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما الآية فيه دلالة على أن ~~الله يحفظ الأولاد لصلاح الآباء # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ليحفظ المؤمن في ~~أهله وولده وفي الدويرات حوله # ونحوه قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا ~~الذين كفروا منهم عذابا أليما فأخبر بدفع العذاب عن الكفار لكون المؤمنين ~~فيهم ونحوه قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم آخر سورة الكهف. ### | سورة مريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى إذ نادى ms2054 ربه نداء خفيا فمدحه بإخفاء الدعاء وفيه الدليل ~~على أن إخفاءه أفضل من الجهر به ونظيره قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية # وروى سعد # PageV05P044 # ابن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم خير الذكر الخفي وخير الرزق ما ~~يكفي وعن الحسن أنه كان يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه وكان ~~لا يعجبه رفع الأصوات # وروى أبو موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى قوما ~~قد رفعوا أصواتهم بالدعاء فقال إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إن الذي ~~تدعونه أقرب إليكم من حبل الوريد # قوله تعالى وإني خفت الموالي من ورائي روي عن مجاهد وقتادة وأبي صالح ~~والسدي أن الموالي العصبة وهم بنو أعمامه خافهم على الدين لأنهم كانوا شرار ~~بني إسرائيل # قوله تعالى فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب سأل الله عز وجل ~~أن يرزقه ولدا ذكرا يلي أمور الدين والقيام به بعد موته لخوفه من بني ~~أعمامه على تبديل دينه بعد وفاته وروى قتادة عن الحسن في قوله تعالى يرثني ~~ويرث من آل يعقوب قال نبوته وعلمه وروى خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كان ~~عقيما لا يولد له ولد فسأل ربه الولد فقال يرثني ويرث من آل يعقوب النبوة ~~وعن أبي صالح مثله فذكر ابن عباس أنه يرث المال ويرث من آل يعقوب النبوة ~~فقد أجاز إطلاق اسم الميراث على النبوة فكذلك يجوز أن يعنى بقوله يرثني يرث ~~علمي # وقال النبي صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم ~~يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم كونوا على مشاعركم يعني بعرفات فإنكم على ~~إرث من إرث إبراهيم # وروى الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا بكر الصديق قال سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول لا نورث ما تركنا صدقة # وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان قال سمعت عمر ينشد نفرا من أصحاب ~~النبي ms2055 صلى الله عليه وسلم فيهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة ~~أنشدكم بالله الذي به تقوم السموات والأرض أتعلمون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة قالوا نعم # فقد ثبت برواية هذه الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء لا ~~يورثون المال # ويدل على أن زكريا لم يرد بقوله يرثني المال أن نبي الله لا يجوز أن يأسف ~~على مصير ماله بعد موته إلى مستحقه وأنه إنما خاف أن يستولي بنو أعمامه على ~~علومه وكتابه فيحرفونها ويستأكلون بها فيفسدون دينه ويصدون الناس عنه # قوله تعالى إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فيه الدلالة على ~~ترك الكلام واستعمال الصمت قد كان قربة لولا ذلك لما نذرته مريم عليها ~~السلام ولما فعلته بعد النذر وقد روى معمر عن قتادة في قوله # PageV05P045 # إني نذرت للرحمن صوما قال في بعض الحروف صمتا ويدل على أن مرادها الصمت ~~قولها فلن أكلم اليوم إنسيا وهذا منسوخ بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صمت يوم إلى الليل # وقال السدي كان من صام في ذلك الزمان لا يكلم الناس فأذن لها في هذا ~~المقدار من الكلام وقد كان الله تعالى حبس زكريا عن الكلام ثلاثا وجعل ذلك ~~آية له على الوقت الذي يخلق له فيه الولد فكان ممنوعا من الكلام من غير آفة ~~ولا خرس قوله تعالى فخرج على قومه من المحراب قال أبو عبيدة المحراب صدر ~~المجلس ومنه محراب المسجد وقيل إن المحراب الغرفة ومنه قوله تعالى إذ ~~تسوروا المحراب وقيل المحراب المصلى وقوله تعالى فأوحى إليهم قيل فيه إنه ~~أشار إليهم وأومأ بيده فقامت الإشارة في هذا الموضع مقام القول لأنها أفادت ~~ما يفيده القول وهذا يدل على أن إشارة الأخرس معمول عليها قائمة فيما يلزمه ~~مقام القول ولم يختلف الفقهاء أن إشارة الصحيح لا تقوم مقام قوله وإنما كان ~~في الأخرس كذلك لأنه بالعادة والمران والضرورة الداعية إليها قد علم ms2056 بها ما ~~لا يعلم بالقول وليس للصحيح في ذلك عادة معروفة فيعمل عليها ولذلك قال ~~أصحابنا فيمن اعتقل لسانه فأومأ وأشار بوصية أو غيرها أنه لا يعمل على ذلك ~~لأنه ليس له عادة جارية بذلك حتى يكون في معنى الأخرس قوله تعالى قالت يا ~~ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا قال قائلون إنما تمنت الموت للحال التي ~~دفعت إليها من الولادة من غير ذكر وهذا خطأ لأن هذه حال كان الله تعالى قد ~~ابتلاها بها وصيرها إليها وقد كانت هي راضية بقضاء الله تعالى لها بذلك ~~مطيعة لله وتسخط فعل الله وقضائه معصية لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما هو ~~صواب وحكمة فعلمنا أنها لم تتمن الموت لهذا المعنى وإنما تمنته لعلمها بأن ~~الناس سيرمونها بالفاحشة فيأثمون بسببها فتمنت أن تكون قد ماتت قبل أن يعصي ~~الناس الله بسببها قوله تعالى فناداها من تحتها قال ابن عباس وقتادة ~~والضحاك والسدي جبريل عليه السلام وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ووهب بن ~~منبه الذي ناداها عيسى عليه السلام وقوله تعالى وجعلني مباركا أين ما كنت ~~قال مجاهد معلما للخير وقال غيره جعلني نفاعا # وقوله تعالى وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا قيل إنه عنى زكاة المال ~~وقيل أراد التطهير من الذنوب # قوله تعالى وبرا بوالدتي- إلى # قوله- والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا يدل على أنه يجوز ~~للإنسان أن # PageV05P046 # يصف نفسه بصفات الحمد والخير إذا أراد تعريفها إلى غيره لا على جهة ~~الافتخار وهو أيضا مثل قول يوسف عليه السلام اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم فوصف نفسه بذلك تعريفا للملك بحاله قوله تعالى واهجرني مليا روي ~~عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي قالوا دهرا طويلا وعن ابن عباس ~~وقتادة والضحاك مليا سويا سليما من عقوبتي قال أبو بكر هذا من قولهم فلان ~~ملي بهذا الأمر إذا كان كامل الأمر فيه مضطلعا به # قوله تعالى أضاعوا الصلاة قال عمر بن عبد العزيز أضاعوها بتأخيرها عن ~~مواقيتها ms2057 ويدل على هذا التأويل # قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن ~~يدعها حتى يدخل وقت الأخرى # وقال محمد بن كعب أضاعوها بتركها # قوله تعالى هل تعلم له سميا قال ابن عباس ومجاهد وابن جريح مثلا وشبيها ~~وقوله تعالى لم نجعل له من قبل سميا قال ابن عباس لم تلد مثله العواقر وقال ~~مجاهد لم نجعل له من قبل مثلا وقال قتادة وغيره لم يسم أحد قبله باسمه وقيل ~~في معنى قوله هل تعلم له سميا أن أحدا لا يستحق أن يسمى إلها غيره وقوله ~~تعالى إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فيه الدلالة على أن سامع ~~السجدة وتاليها سواء في حكمها وأنهم جميعا يسجدون لأنه مدح السامعين لها ~~إذا سجدوا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا سجدة يوم الجمعة على المنبر ~~فنزل وسجدها وسجد المسلمون معه # وروى عطية عن ابن عمر وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب قالوا السجدة على من ~~سمع وروى أبو إسحاق عن سليمان بن حنظلة الشيباني قال قرأت عند ابن مسعود ~~سجدة فقال إنما السجدة على من جلس لها وروى سعيد بن المسيب عن عثمان مثله ~~قال أبو بكر قد أوجبا السجدة على من جلس لها ولا فرق بين أن يجلس للسجدة ~~بعد أن يكون قد سمعها إذ كان السبب الموجب لها هو السماع ثم لا يختلف حكمها ~~في الوجوب بالنية وفي هذه الآية دلالة أيضا على أن البكاء في الصلاة من خوف ~~الله لا يفسدها # قوله تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا فيه الدلالة على أن ملك الوالد لا يبقى على ولده فيكون ~~عبدا له يتصرف فيه كيف شاء وأنه يعتق عليه إذا ملكه وذلك لأنه تعالى فرق ~~بين الولد والعبد فنفى بإثباته العبودية النبوة # وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يجزي ولد والده ~~إلا أن ms2058 يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه بالشرى # وهو # كقوله صلى الله عليه وسلم الناس غاديان فبائع # PageV05P047 # نفسه فموبقها ومشتر نفسه فمعتقها ولم يرد بذلك أن يبتدئ لنفسه عتقا بعد ~~الشرى # وإنما معناه معتقها بالشرى فكذلك قوله فيشتريه فيعتقه وهو كقوله فيشتريه ~~فيملكه وليس المراد منه استئناف ملك آخر بعد الشرى بل يملكه ويدل على أنه ~~يعتق عليه بنفس الشرى أن ولد الحر من أمته حر الأصل ولا يحتاج إلى استئناف ~~عتق وكذلك المشتري لابنه لأنه لو احتاج المشتري لابنه إلى استئناف عتق ~~لاحتاج إليه أيضا الابن المولود من أمته إذ كانت الأمة مملوكة فإن قيل إن ~~ولد أمته منه حر الأصل فلم يحتج من أجل ذلك إلى استئناف عتق والولد المشترى ~~مملوك فلا يعتق بالشرى حتى يستأنف له عتقا قيل له اختلافهما من هذا الوجه ~~لا يمنع وجه الاستدلال منه على ما وصفنا في أن الإنسان لا يبقى له ملك على ~~ولده وأنه واجب أن يعتق عليه إذا ملكه وذلك لأنه لو جاز له أن يبقى له ملك ~~على ولده لوجب أن يكون ولده من أمته رقيقا إلى أن يعتقه وإنما اختلف الولد ~~والمولود من أمته والولد المشترى في كون الأول حر الأصل وكون الآخر معتقا ~~عليه ثابت الولاء منه من قبل أن الولد المشترى قد كان ملكا لغيره فلا بد ~~إذا اشتراه من وقوع العتاق عليه حتى يستقر ملكه إذ غير جائز إيقاع العتق في ~~ملك بائعه لأنه لو وقع العتاق في ملكه لبطل البيع لأنه بعد العتق ولا يصح ~~أيضا وقوعه في حال البيع لأن حصول العتق ينفي صحة البيع في الحال التي يقع ~~فيها فوجب أن يعتق في الثاني من ملكه ولا يصح أيضا وقوع العتاق في حال ~~الملك لأنه يكون إيقاع عتق لا في ملك فلذلك وجب أن يعتق في الثاني من ملكه ~~وأما الولد المولود في ملكه من جاريته فإنا لو أثبتنا له ملكا فيه كان هو ~~المستحق للعتق في حال الملك فلا جائز أن يثبت ملكه ms2059 مع وجود ما ينافيه وهو ~~استحقاق العتاق في تلك الحال فكان حر الأصل ولم يثبت له ملك فيه ولو ثبت ~~ملكه ابتداء فيه لكان مستحقا بالعتق في حال ما يريد إثباته لوجود سببه ~~الموجب له وهو ملكه للأم وغير جائز إثبات ملك ينتفي في حال وجوده ~~واختلافهما من هذا الوجه لا ينفي أن يكون ملكه لولده في الحالين موجبا ~~لعتقه وحريته # قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا قيل فيه ~~وجهان أحدهما في الآخرة يحب بعضهم بعضا كمحبة الوالد للولد وقال ابن عباس ~~ومجاهد ودا في الدنيا آخر سورة مريم. # PageV05P048 ### | سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى الرحمن على العرش استوى قال الحسن استوى بلطفه وتدبيره وقيل ~~استولى # وقوله تعالى فإنه يعلم السر وأخفى قال ابن عباس السر ما حدث به العبد ~~غيره في خفى وأخفى منه ما أضمره في نفسه مما لم يحدث به غيره وقال سعيد بن ~~جبير وقتادة السر ما أضمره العبد في نفسه وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره ~~أحد # قوله تعالى فاخلع نعليك قال الحسن وابن جريج أمره بخلع نعليه ليباشر ~~بقدمه بركة الوادي المقدس قال أبو بكر يدل عليه قوله عقيب ذلك إنك بالواد ~~المقدس طوى فتقديره اخلع نعليك لأنك بالواد المقدس وقال كعب وعكرمة كانت من ~~جلد حمار ميت فلذلك أمر بخلعها قال أبو بكر ليس في الآية دلالة على كراهة ~~الصلاة والطواف في النعل وذلك لأن التأويل إن كان هو الأول فالمعني فيه ~~مباشرة الوادي بقدمه تبركا به كاستلام الحجر وتقبيله تبركا به فيكون الأمر ~~بخلع النعل مقصورا على تلك الحال في ذلك الوادي المقدس بعينه وإن كان ~~التأويل هو الثاني فجائز أن يكون قد كان محظورا لبس جلد الحمار الميت وإن ~~كان مدبوغا فإن كان كذلك فهو منسوخ لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما إهاب دبغ فقد طهر # وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في نعليه ثم خلعهما في الصلاة فخلع ~~الناس ms2060 نعالهم فلما سلم قال ما لكم خلعتم نعالكم قالوا خلعت فخلعنا قال فإن ~~جبريل أخبرني أن فيها قذرا # فلم يكره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في النعل وأنكر على الخالعين ~~خلعها وأخبرهم أنه إنما خلعها لأن جبريل أخبره أن فيها قذرا وهذا عندنا ~~محمول على أنها كانت نجاسة يسيرة لأنها لو كانت كثيرة لاستأنف الصلاة # قوله تعالى وأقم الصلاة لذكري قال الحسن ومجاهد لتذكرني فيها بالتسبيح ~~والتعظيم وقيل فيه لأن أذكرك بالثناء والمدح # وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة ~~الصبح حتى طلعت الشمس فصلاها بعد طلوع الشمس وقال إن الله يقول أقم الصلاة ~~لذكري # وروى همام بن يحيى عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وتلا أقم الصلاة لذكري # وهذا يدل على أن قوله أقم الصلاة لذكري قد أريد به فعل الصلاة المتروكة ~~وكون ذلك مرادا بالآية «4- أحكام مس» # PageV05P049 # لا ينفي أن تكون المعاني التي تأولها عليها الآخرون مرادة أيضا إذ هي غير ~~متنافية فكأنه قال أقم الصلاة إذا ذكرت الصلاة المنسية لتذكرني فيها ~~بالتسبيح والتعظيم لأن أذكرك بالثناء والمدح فيكون جميع هذه المعاني مرادة ~~بالآية وهذا الذي ورد به الأثر من إيجاب قضاء الصلاة المنسية عند الذكر لا ~~خلاف بين الفقهاء فيه وقد روي عن بعض السلف فيه قول شاذ ليس العمل عليه ~~فروى إسرائيل عن جابر عن أبي بكر بن أبي موسى عن سعد قال من نسي صلاة ~~فليصلها إذا ذكرها وليصل مثلها من الغد وروى الجريري عن أبي نضرة عن سمرة ~~بن جندب قال إذا فاتت الرجل الصلاة صلاها من الغد لوقتها فذكرت ذلك لأبي ~~سعيد فقال صلها إذا ذكرتها وهذان القولان شاذان وهما مع ذلك خلاف ما ورد به ~~الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره بقضاء الفائتة عند الذكر من غير ~~فعل صلاة أخرى غيرها وتلاوة النبي صلى ms2061 الله عليه وسلم قوله تعالى أقم ~~الصلاة لذكري عقيب ذكر الفائتة وبعد # قوله من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها # يوجب أن يكون مراد الآية قضاء الفائتة عند الذكر وذلك يقتضي الترتيب في ~~الفوائت لأنه إذا كان مأمورا بفعل الفائتة عند الذكر وكان ذلك في وقت صلاة ~~فهو منهي لا محالة عن فعل صلاة الوقت في تلك الحال فأوجب ذلك فساد صلاة ~~الوقت إن قدمها على الفائتة لأن النهي يقتضي الفساد حتى تقوم الدلالة على ~~غيره وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا الترتيب بين الفوائت وبين صلاة ~~الوقت واجب في اليوم والليلة وما دونهما إذا كان في الوقت سعة للفائتة ~~ولصلاة الوقت فإن زاد على اليوم والليلة لم يجب الترتيب والنسيان يسقط ~~الترتيب عندهم أعني نسيان الصلاة الفائتة وقال مالك بن أنس بوجوب الترتيب ~~وإن نسي الفائتة إلا أنه يقول إن كانت الفوائت كثيرة بدأ بصلاة الوقت ثم ~~صلى ما كان نسي وإن كانت الفوائت خمسا ثم ذكرهن قبل صلاة الصبح صلاهن قبل ~~الصبح وإن فات وقت الصبح وإن صلى الصبح ثم ذكر صلوات صلى ما نسي فإذا فرغ ~~أعاد الصبح مادام في الوقت فإذا فات الوقت لم يعد وقال الثوري بوجوب ~~الترتيب إلا أنه لم يرو عنه الفرق بين القليل والكثير لأنه سئل عمن صلى ~~ركعة من العصر ثم ذكر أنه صلى الظهر على غير وضوء أنه يشفع بركعة ثم يسلم ~~فيستقبل الظهر ثم العصر وروي عن الأوزاعي روايتان في إحداهما إسقاط الترتيب ~~وفي الأخرى إيجابه وقال الليث إذا ذكرها وهو في صلاة وقد صلى ركعة فإن # PageV05P050 # كان مع إمام فليصل معه حتى إذا سلم صلى التي نسي ثم أعاد الصلاة التي ~~صلاها معه وقال الحسن بن صالح إذا صلى صلوات بغير وضوء أو نام عنهن قضى ~~الأولى فالأولى فإن جاء وقت صلاة تركها وصلى ما قبلها وإن فاته وقتها حتى ~~يبلغها وقال الشافعي الاختيار أن يبدأ بالفائتة فإن لم يفعل وبدأ بصلاة ~~الوقت أجزأه ولا فرق بين القليل ms2062 والكثير قال أبو بكر وروى مالك عن نافع عن ~~ابن عمر قال من نسي صلاة وذكرها وهو خلف إمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ صلى ~~التي نسي ثم يصلي الأخرى وروى عباد بن العوام عن هشام عن محمد بن سيرين عن ~~كثير بن أفلح قال أقبلنا حتى دنونا من المدينة وقد غابت الشمس وكان أهل ~~المدينة يؤخرون المغرب فرجوت أن أدرك معهم الصلاة فأتيتهم وهم في صلاة ~~العشاء فدخلت معهم وأنا أحسبها المغرب فلما صلى الإمام قمت فصليت المغرب ثم ~~صليت العشاء فلما أصبحت سألت عن الذي فعلت فكلهم أخبروني بالذي صنعت وكان ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بها يومئذ متوافرين وقال سعيد بن المسيب ~~والحسن وعطاء بوجوب الترتيب فهؤلاء السلف قد روي عنهم إيجاب الترتيب ولم ~~يرو عن أحد من نظرائهم خلاف فصار ذلك إجماعا من السلف ويدل على وجوب ~~الترتيب في الفوائت ما # روى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال جاء عمر يوم الخندق فجعل ~~يسب كفار قريش ويقول يا رسول الله ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا والله ما صليت بعد فنزل وتوضأ ثم ~~صلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب بعد ما صلى العصر # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه فاتته أربع صلوات حتى كان هوي من الليل ~~فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء # وهذا الخبر يدل من وجهين على وجوب الترتيب أحدهما # قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي # فلما صلاهن على الترتيب اقتضى ذلك إيجابه والوجه الآخر أن فرض الصلاة تحل ~~من الكتاب والترتيب وصف من أوصاف الصلاة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~ورد على وجه البيان فهو على الوجوب فلما قضى الفوائت على الترتيب كان فعله ~~ذلك بيانا للفرض المحمل فوجب أن يكون على الوجوب ويدل على وجوبه أيضا أنهما ~~صلاتان فرضان قد جمعهما وقت واحد في اليوم والليلة ms2063 فأشبهتا صلاتي عرفة ~~والمزدلفة فلما لم يجز إسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون ذلك حكم الفوائت ~~فيما دون اليوم والليلة # وقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم إني ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن ~~تغيب فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم # PageV05P051 # ولم يأمر بالإعادة # . فيه الدلالة على أن من صلى العصر عند غروب الشمس فلا إعادة عليه # قوله تعالى وألقيت عليك محبة مني يعني أني جعلت من رآك أحبك حتى أحبك ~~فرعون فسلمت من شره وأحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فثبتتك قوله تعالى ولتصنع ~~على عيني قال قتادة لتغذى على محبتي وإرادتى # قوله تعالى وفتناك فتونا قال سعيد بن جبير سألت ابن عباس عن قوله تعالى ~~وفتناك فتونا فقال استأنف لها نهارا يا ابن جبير ثم ذكر في معناه وقوعه في ~~محنة بعد محنة أخلصه الله منها أولها أنها حملته في السنة التي كان فرعون ~~يذبح الأطفال ثم إلقاؤه في اليم ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ثم جره لحية ~~فرعون حتى ثم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل الدرة فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ثم ~~مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره عما عزموا عليه من قتله وقال مجاهد في قوله ~~تعالى وفتناك فتونا معناه خلصناك خلاصا # وقوله تعالى واصطنعتك لنفسي فإن الاصطناع الإخلاص بالألطاف ومعنى لنفسي ~~لتصرف على إرادتي ومحبتي قوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي ~~أتوكؤا عليها قيل في وجه سؤال موسى عليه السلام عما في يده أنه على وجه ~~التقرير له على أن الذي في يده عصا ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها ~~والتأمل لها فإذا أجاب موسى بأنها عصا يتوكأ عليها عند الإعياء وينفض بها ~~الورق لغنمه وأن له فيها منافع أخرى فيها ومعلوم أنه لم يرد بذلك إعلام ~~الله تعالى ذلك لأن الله تعالى كان أعلم بذلك منه ولكنه لما اقتضى السؤال ~~منه جوابا لم يكن له بد من الإجابة بذكر منافع العصا إقرارا منه بالنعمة ~~فيها واعتدادا بمنافعها ms2064 والتزاما لما يجب عليه من الشكر له ومن أهل الجهل ~~من يسأل عن ذلك فيقول إنما قال الله له وما تلك بيمينك يا موسى فإنما وقعت ~~المسألة عن ماهيتها ولم تقع عن منافعها وما تصلح له فلم أجاب عما لم يسئل ~~منه ووجه ذلك ما قدمنا وهو أنه أجاب عن المسألة بديا بقوله هي عصاي ثم أخبر ~~عما جعل الله تعالى له من المنافع فيها على وجه الاعتراف بالنعمة وإظهار ~~الشكر على ما منحه الله منها وكذلك سبيل أنبياء الله تعالى المؤمنين عند ~~مثله في الاعتداد بالنعمة ونشرها وإظهار الشكر عليها وقال الله تعالى وأما ~~بنعمة ربك فحدث # PageV05P052 ### | سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما حدثنا عبد الله ~~بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة نفشت فيه غنم القوم قال في حرث قوم ~~وقال معمر قال الزهري النفش لا يكون إلا بالليل والهمل بالنهار وقال قتادة ~~فقضى أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان فلما أخبر بقضاء داود عليه السلام ~~قال لا ولكن خذوا الغنم فلكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول ~~وروى أبو إسحاق عن مرة عن مسروق وداود وسليمان قال كان الحرث كرما فنفشت ~~فيه ليلا فاجتمعوا إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث فمروا بسليمان فذكروا ~~ذلك له فقال أولا تدفع الغنم إلى هؤلاء فيصيبون منها قوم هؤلاء حرثهم حتى ~~إذا عاد كما كان ردوا عليهم فنزلت ففهمناها سليمان وروي عن علي بن زيد عن ~~الحسن عن الأحنف عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه في قصة داود وسليمان قال ~~أبو بكر فمن الناس من يقول إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته أن على صاحب ~~الغنم ضمان ما أفسدت وإن كان نهارا لم يضمن شيئا وأصحابنا لا يرون في ذلك ~~ضمانا ms2065 لا ليلا ولا نهارا إذ لم يكن صاحب الغنم هو الذي أرسلها فيها واحتج ~~الأولون بقضية داود وسليمان عليهما السلام واجتماعهما على إيجاب الضمان ~~وبما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد ~~ابن محمد بن ثابت المروزي قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن الزهري ~~عن حرام ابن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته ~~فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل ~~المواشي حفظها بالليل # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمود بن خالد قال ~~حدثنا الفريابي عن الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء ~~بن عازب قال كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيها فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ ~~الماشية بالليل على أهلها # وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل قال أبو بكر ذكر في الحديث ~~الأول حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء وذكر # PageV05P053 # في هذا الحديث حرام بن محيصة عن البراء بن عازب ولم يذكر في الحديث الأول ~~ضمان ما أصابت الماشية ليلا وإنما ذكر الحفظ فقط وهذا يدل على اضطراب ~~الحديث بمتنه وسنده # وذكر سفيان بن حسين عن الزهري عن حرام بن محيصة فقال ولم يجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيه شيئا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث # ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم داود وسليمان بما حكما به من ذلك منسوخ ~~وذلك لأن داود عليه السلام حكم بدفع الغنم إلى صاحب الحرث وحكم سليمان له ~~بأولادها وأصوافها ولا خلاف بين المسلمين أن من نفشت غنمه في حرث رجل أنه ~~لا يجب عليه تسليم الغنم ولا تسليم أولادها وألبانها وأصوافها إليه فثبت أن ~~الحكمين جميعا منسوخان بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم ms2066 فإن قيل قد تضمنت ~~القصة معاني منها وجوب الضمان على صاحب الغنم ومنها كيفية الضمان وإنما ~~المنسوخ منه كيفية الضمان ولم يثبت أن الضمان نفسه منسوخ قيل له قد ثبت نسخ ~~ذلك أيضا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بخبر قد تلقاه الناس بالقبول ~~واستعملوه # روى أبو هريرة وهزيل بن شرحبيل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العجماء ~~جبار وفي بعض الألفاظ جرح العجماء جبار # ولا خلاف بين الفقهاء في استعمال هذا الخبر في البهيمة المنفلتة إذا ~~أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو عليه فلما ~~كان هذا الخبر مستعملا عند الجميع وكان عمومه ينفي ضمان ما تصيبه ليلا أو ~~نهارا ثبت بذلك نسخ ما ذكر في قصة داود وسليمان عليهما السلام ونسخ ما ذكر ~~في قصة البراء أن فيها إيجاب الضمان ليلا وأيضا سائر الأسباب الموجبة ~~للضمان لا يختلف فيها الحكم بالنهار والليل في إيجاب الضمان أو نفيه فلما ~~اتفق الجميع على نفي ضمان ما أصابت الماشية نهارا وجب أن يكون ذلك حكمها ~~ليلا وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما أوجب الضمان في حديث ~~البراء إذا كان صاحبها هو الذي أرسلها فيه ويكون فائدة الخبر أنه معلوم أن ~~السائق لها بالليل بين الزروع والحوائط لا يخلو من نفش بعض غنمه في زروع ~~الناس وإن لم يعلم بذلك فأبان النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمهما إذا ~~أصابت زرعا ويكون فائدة الخبر إيجاب الضمان بسوقه وإرساله في الزروع وإن لم ~~يعلم بذلك وبين ما تساوي حكم العلم والجهل فيه وجائز أيضا أن تكون قضية ~~داود وسليمان كانت على هذا الوجه بأن يكون صاحبها أرسلها ليلا وساقها وهو ~~غير عالم بنفشها في حرث القوم فأوجبا عليه الضمان وإذا كان ذلك محتملا لم ~~تثبت فيه دلالة على موضع # PageV05P054 # الخلاف وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة ~~القائلون منهم بأن الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين ms2067 ~~فاستدل كل منهم بالآية على قوله وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد ~~زعموا أنه لما قال تعالى ففهمناها سليمان فخص سليمان بالفهم دل ذلك على أنه ~~كان المصيب للحق عند الله دون داود إذ لو كان الحق في قوليهما لما كان ~~لتخصيص سليمان بالفهم دون داود معنى وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب لما ~~لم يعنف داود على مقالته ولم يحكم بتخطئته دل على أنهما جميعا كانا مصيبين ~~وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدل على أن داود كان مخطئا وذلك لأنه جائز أن ~~يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خص بالتفهيم ولم يصب داود عين ~~المطلوب وإن كان مصيبا لما كلف ومن الناس من يقول إن حكم داود وسليمان ~~جميعا كان من طريق النص لا من جهة الاجتهاد ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ~~ولا أمضى القضية بما قال أو أن يكون قوله ذلك على وجه الفتيا لا على جهة ~~إنفاذ القضاء بما أفتى به أو كانت قضية معلقة بشريطة لم تفصل بعد فأوحى ~~الله تعالى إلى سليمان بالحكم الذي حكم به ونسخ به الحكم الذي كان داود ~~أراد أن ينفذه قالوا ولا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من جهة الرأي ~~قالوا وقوله ففهمناها سليمان يعني به تفهيمه الحكم الناسخ وهذا قول من لا ~~يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأى وإنما ~~يقوله من طريق النص آخر سورة الأنبياء. ### | سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم قال أبو بكر لم يختلف السلف وفقهاء الأمصار في ~~السجدة الأولى من الحج أنها موضع سجود واختلفوا في الثانية منها وفي المفصل ~~فقال أصحابنا سجود القرآن أربع عشرة سجدة منها الأولى من الحج وسجود المفصل ~~في ثلاث مواضع وهو قول الثوري وقال مالك أجمع الناس على أن عزائم سجود ~~القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء وقال الليث أستحب أن يسجد في ~~سجود القرآن كله وسجود المفصل وموضع السجود من حم إن كنتم ms2068 إياه تعبدون وقال ~~الشافعي سجود القرآن أربع عشرة سجدة سوى سجدة [ص] فإنها سجدة شكر قال أبو ~~بكر فاعتد بآخر الحج سجودا # وقد روى # PageV05P055 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد في [ص] # وقال ابن عباس في سجدة حم أسجد بآخر الآيتين كما قال أصحابنا # وروى زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في النجم # وقال عبد الله بن مسعود سجد النبي صلى الله عليه وسلم في النجم # قال أبو بكر ليس فيما روى زيد بن ثابت من ترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~السجود في النجم دلالة على أنه غير واجب فيه ذلك لأنه جائز أن لا يكون سجد ~~لأنه صادف عند تلاوته بعض الأوقات المنهي عن السجود فيها فأخره إلى وقت ~~يجوز فعله فيه وجائز أيضا أن يكون عند التلاوة على غير طهارة فأخره ليسجد ~~وهو طاهر # وروى أبو هريرة قال سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء ~~انشقت- واقرأ باسم ربك الذي خلق # واختلف السلف في الثانية من الحج فروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وأبي ~~الدرداء وعمار وأبي موسى أنهم قالوا في الحج سجدتان وقالوا إن هذه السورة ~~فضلت على غيرها من السور بسجدتين وروى خارجة بن مصعب عن أبي حمزة عن ابن ~~عباس قال في الحج سجدة وروى سفيان بن عيينة عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال الأولى عزمة والآخرة تعليم وروى منصور عن الحسن عن ابن ~~عباس قال في الحج سجدة واحدة وروي عن الحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وسعيد ~~بن المسيب وجابر بن زيد أن في الحج سجدة واحدة وقد روينا عن ابن عباس فيما ~~تقدم أن في الحج سجدتين وبين في حديث سعيد بن جبير أن الأولى عزمة والثانية ~~تعليم والمعنى فيه والله أعلم أن الأولى هي السجدة التي يجب فعلها عند ~~التلاوة وأن الثانية كان فيها ذكر السجود فإنما هو تعليم للصلاة التي فيها ~~الركوع والسجود وهو ms2069 مثل ما روى سفيان عن عبد الكريم عن مجاهد قال السجدة ~~التي في آخر الحج إنما هي موعظة وليس بسجدة قال الله تعالى اركعوا واسجدوا ~~فنحن نركع ونسجد فقول ابن عباس هو على معنى قول مجاهد ويشبه أن يكون من روي ~~عنه من السلف أن في الحج سجدتين إنما أرادوا أن فيه ذكر السجود في موضعين ~~وأن الواجبة هي الأولى دون الثانية على معنى قول ابن عباس ويدل على أنه ليس ~~بموضع سجود أنه ذكر معه الركوع والجمع بين الركوع والسجود مخصوص به الصلاة ~~فهو إذا أمر بالصلاة والأمر بالصلاة مع انتظامها للسجود ليس بموضع سجود ألا ~~ترى أن قوله أقيموا الصلاة ليس بموضع للسجود وقال تعالى يا مريم اقنتي لربك ~~واسجدي واركعي مع الراكعين وليس ذلك سجدة وقال فسبح بحمد ربك # PageV05P056 # وكن من الساجدين # وليس بموضع سجود لأنه أمر بالصلاة كقوله تعالى واركعوا مع الراكعين # قوله تعالى مخلقة وغير مخلقة قال قتادة تامة الخلق وغير تامة الخلق وقال ~~مجاهد مصورة وغير مصورة وقال ابن مسعود إذا وقعت النطفة في الرحم أخذها ملك ~~بكفه فقال يا رب مخلقة أو غير مخلقة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما ~~وإن كانت مخلقة كتب رزقه وأجله ذكر أو أنثى شقي أو سعيد وقال أبو العالية ~~غير مخلقة السقط قال أبو بكر قوله تعالى من مضغة مخلقة ظاهره يقتضي أن لا ~~تكون المضغة إنسانا كما اقتضى ذلك في العلقة والنطفة والتراب وإنما نبهنا ~~بذلك على تمام قدرته ونفاذ مشيئته حين خلق إنسانا سويا معدلا بأحسن التعديل ~~من غير إنسان وهي المضغة والعلقة والنطفة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب ولا ~~تعديل للأعضاء فاقتضى أن لا تكون المضغة إنسانا كما أن النطفة والعلقة ~~ليستا بإنسان وإذا لم تكن إنسانا لم تكن حملا فلا تنقضي بها العدة إذ لم ~~تظهر فيها الصورة الإنسانية وتكون حينئذ بمنزلة النطفة والعلقة إذ هما ~~ليستا بحمل ولا تنقضي بهما العدة بخروجهما من الرحم وقول ابن مسعود الذي ~~قدمناه يدل ms2070 على ذلك لأنه قال إذا وقعت النطفة في الرحم أخذها ملك بكفه فقال ~~يا رب مخلقة أو غير مخلقة فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما فأخبر أن ~~الدم الذي تقذفه الرحم ليس بحمل ولم يفرق منه بين ما كان مجتمعا علقة أو ~~سائلا وفي ذلك دليل على أن ما لم يظهر فيه شيء من خلق الإنسان فليس بحمل ~~وأن العدة لا تنقضي به إذ ليس هو بولد كما أن العلقة والنطفة لما لم تكونا ~~ولدا لم تنقض بهما العدة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا ~~سفيان عن الأعمش قال حدثنا زيد بن وهب قال حدثنا عبد الله بن مسعود قال ~~حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع ~~في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ~~يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب شقي أو ~~سعيد ثم ينفخ فيه الروح # فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه يكون أربعين يوما نطفة وأربعين يوما علقة ~~وأربعين يوما مضغة ومعلوم أنها لو ألقته علقة لم يعتد به ولم تنقض به العدة ~~وإن كانت العلقة مستحيلة من النطفة إذ لم تكن له صورة الإنسانية وكذلك ~~المضغة إذا لم تكن لها صورة الإنسانية فلا اعتبار بها وهي بمنزلة العلقة ~~والنطفة ويدل على ذلك أيضا أن المعنى الذي به يتبين الإنسان من الحمار # PageV05P057 # وسائر الحيوان وجوده على هذا الضرب من البنية والشكل والتصوير فمتى لم ~~يكن للسقط شيء من صورة الإنسان فليس ذلك بولد وهو بمنزلة العلقة والنطفة ~~سواء فلا تنقضي به العدة لعدم كونه ولدا وأيضا فجائز أن يكون ما أسقطته مما ~~لا تتبين له صورة الإنسان دما مجتمعا أو داء أو مدة فغير جائز أن نجعله ~~ولدا تنقضي به العدة وأكثر أحواله احتماله لأن يكون مما كان يجوز أن يكون ~~ولدا ويجوز أن لا ms2071 يكون ولدا فلا نجعلها منقضية العدة به بالشك وعلى أن ~~اعتبار ما يجوز أن يكون منه ولدا ولا يكون منه ولدا ساقط لا معنى له إذ لم ~~يكن ولدا بنفسه في الحال لأن العلقة قد يجوز أن يكون منها ولد وكذلك النطفة ~~وقد تشتمل الرحم عليهما وتضمهما # وقد قال صلى الله عليه وسلم أن النطفة تمكث أربعين يوما نطفة ثم أربعين ~~يوما علقة # ومع ذلك لم يعتبر أحد العلقة في انقضاء العدة وزعم إسماعيل بن إسحاق أن ~~قوما ذهبوا إلى أن السقط لا تنقضي به العدة ولا تعتق به أم الولد حتى يتبين ~~شيء من خلقه يدا أو رجلا أو غير ذلك وزعم أن هذا غلط لأن الله أعلمنا أن ~~المضغة التي هي غير مخلقة قد دخلت فيما ذكر من خلق الناس كما ذكر المخلقة ~~فدل ذلك على أن كل شيء يكون من ذلك إلى أن يخرج الولد من بطن أمه فهو حمل ~~وقال تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن والذي ذكره إسماعيل ومعلوم ~~إغفال منه لمقتضى الآية وذلك لأن الله لم يخبر أن العلقة والمضغة ولد ولا ~~حمل وإنما ذكر أنه خلقنا من المضغة والعلقة كما أخبر أنه خلقنا من النطفة ~~ومن التراب ومعلوم أنه حين أخبرنا أنه خلقنا من المضغة والعلقة فقد اقتضى ~~ذلك أن لا يكون الولد نطفة ولا علقة ولا مضغة لأنه لو كانت العلقة والمضغة ~~والنطفة ولدا لما كان الولد مخلوقا منها إذ ما قد حصل ولدا لا يجوز أن يقال ~~قد خلق منه ولد وهو نفسه ذلك الولد فثبت بذلك أن المضغة التي لم يستبن فيها ~~خلق الإنسان ليس بولد وقوله إن الله أعلمنا أن المضغة التي هي غير مخلقة قد ~~دخلت فيما ذكر من خلق الإنسان كما ذكر المخلقة فإنه إن كان هذا استدلالا ~~صحيحا فإنه يلزمه أن يقول مثله في النطفة لأن الله قد ذكرها فيما ذكر من ~~خلق الناس كما ذكر المضغة فينبغي أن تكون النطفة حملا وولدا لذكر الله ms2072 لها ~~فيما خلق الناس منه فإن قيل قد ذكر الله أنه خلقنا من مضغة مخلقة وغير ~~مخلقة والمخلقة هي المصورة وغير المخلقة غير المصورة فإذا جاز أن يقول ~~خلقكم من مضغة مصورة مع كون المصورة ولدا لم يمتنع أن يكون غير المصورة # PageV05P058 # ولدا مع قوله من مضغة مخلقة وغير مخلقة قيل له جائز أن يكون معنى المخلقة ~~ما ظهر فيه بعض صورة الإنسان فأدار بقوله خلقكم منها تمام الخلق وتكميله ~~فأما ما ليس بمخلقة فلا فرق بينه وبين النطفة لعدم الصورة فيها فيكون معنى ~~قوله خلقكم منها أنه أنشأ الولد منها وإن لم يكن ولدا قبل ذلك هذا هو حقيقة ~~اللفظ وظاهره وأما قوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن فإنه معلوم أن ~~مراده وضع الولد فما ليس بولد فليس بمراد وهذا لا يشكل على أحد له أدنى ~~تأمل وقال إسماعيل أيضا لا تخلوا هذه المضغة وما قبلها من العلقة من أن ~~تكون ولدا أو غير ولد فإن كانت ولدا قبل أن يخلق فحكمها قبل أن يخلق وبعدها ~~واحد وإن كانت ليست بولد إلى أن يخلق فلا ينبغي أن يرث الولد أباه إذا مات ~~حين تحمل به أمه قبل أن يخلق قال أبو بكر وهذا إغفال ثان وكلام منتقض ~~بإجماع الفقهاء وذلك لأنه معلوم أنه إذا مات عن امرأته وجاءت بولد لسنتين ~~على قول من يجعل أكثر مدة الحمل سنتين أو لأربع سنين على قول من يجعل أكثر ~~الحمل أربع سنين أن الولد يرثه ومعلوم أنه إنما كان نطفة وقت وفاة الأب وقد ~~ورثه ومع ذلك فلا خلاف أن النطفة ليست بحمل ولا ولد وأنه لا تنقضي بها ~~العدة ولا تعتق بها أم الولد فبان ذلك فساد اعتلاله وانتقاض قوله وليست علة ~~الميراث كونه ولدا لأن الولد الميث هو ولد تنقضي بها العدة ويثبت به ~~الاستيلاد في الأم وقد لا يكون من مائه فيرثه إذا كان منسوبا إليه بالفراش ~~ألا ترى أنها لو جاءت بولد من الزنا لم يلحق نسبه ms2073 بالزاني وكان ابنا لصاحب ~~الفراش فالميراث إنما يتعلق حكمه بثبوت النسب منه لا بأنه من مائه ألا ترى ~~أن ولد الزنا لا يرث الزاني لعدم ثبوت النسب وإن كان من مائه فعلمنا بذلك ~~أن ثبوت الميراث ليس بمتعلق بكونه ولدا من مائه دون حصول النسبة إليه من ~~الوجه الذي ذكرنا قال إسماعيل فإن قيل إنما ورث أباه لأنه من ذلك الأصل حين ~~صار حيا يرث ويورث قيل له فلا ينبغي أن تنقضي به العدة وإن تم خلقه حتى ~~يخرج حيا قال أبو بكر وهذا تخليط وكلام في هذه المسألة من غير وجهه وذلك ~~لأن خصمه لم يجعل وجوب الميراث علة لانقضاء العدة وكون # الأم به أم ولد وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين لأن الولد الميت عندهم ~~جميعا تنقضي به العدة ولا يرث وقد يرث الولد ولا تنقضي به العدة إذا كان في ~~بطنها ولدان فوضعت أحدهما ورث هذا الولد من أبيه ولا تنقضي به العدة حتى ~~تضع الولد الآخر فإن وضعته ميتا # PageV05P059 # لم يرثه وانقضت العدة به فلما كان الميراث قد يثبت للولد ولا تنقضي به ~~العدة بوضعه وقد تنقضي به العدة ولا يرث علمنا أن أحدهما ليس بأصل للآخر ~~ولا يصح اعتباره به ثم قال إسماعيل فإن قيل إنه حمل ولكنا لا نعلم ذلك قيل ~~له لا يجوز أن يتعبد الله بحكم لا سبيل إلى علمه والنساء يعرفن ذلك ويفرقن ~~بين لحم أو دم سقط من بدنها أو رحمها وبين العلقة التي يكون منها الولد ولا ~~يلتبس على جميع النساء لحم المرأة ودمها من العلقة بل لا بد من أن يكون ~~فيهن من يعرف فإذا شهدت امرأتان أنها علقة قبلت شهادتهما وقد قال الشافعي ~~أيضا إنها إذا أسقطت علقة أو مضغة لم تستبن شيء من خلقه فإنه يرى النساء ~~فإن قلن كان يجيء منها الولد لو بقيت انقضت به العدة ويثبت بها الاستيلاد ~~وإن قلن لا يجيء من مثلها ولد لم تنقض به العدة ولم يثبت به الاستيلاد ms2074 وعسى ~~أن يكون إسماعيل إنما أخذ ما قال من ذلك عن الشافعي وهو من أظهر الكلام ~~استحالة وفسادا وذلك لأنه لا يعلم أحد الفرق بين العلقة التي يكون منها ~~الولد وبين ما لا يكون منها الولد إلا أن يكون قد شاهد علقا كان منه الولد ~~وعلقا لم يكن منه الولد فيعرف بالعبادة الفرق بين ما كان منه ولد وبين ما ~~لم يكن معه ولد بعلامة توجد في أحدهما دون الآخر في مجرى العادة وأكثر الظن ~~كما يعرف كثير من الأعراب السحابة التي يكون منها المطر والسحابة التي لا ~~يكون منها المطر وذلك بما قد عرفوه من العلامات التي لا تكاد تخلف في الأعم ~~الأكثر فأما العلقة التي كان منها الولد فمستحيل أن يشاهدها إنسان قبل كون ~~الولد منها متميزة من العلقة التي لم يكن منها ولد وذلك شيء قد استأثر الله ~~بعلمه إلا من أطلع عليه من ملائكته حين يأمره بكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو ~~سعيد قال الله تعالى الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد ~~وقال ويعلم ما في الأرحام وهو عالم بكل شيء سبحانه وتعالى ولكنه خص نفسه ~~بالعلم بالأرحام في هذا الموضع إعلاما لنا أن أحدا غيره لا يعلم ذلك وأنه ~~من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن ارتضى من رسول قال الله تعالى ~~عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول والله أعلم. ### | باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها # قال الله تعالى والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد # PageV05P060 # روى إسماعيل بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها # وروى سعيد بن جبير عن بن عباس قال كانوا يرون الحرم كله مسجدا سواء ~~العاكف فيه والبادي وروى يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن سابط سواء ~~العاكف فيه والباد قال من يجيء من الحاج والمعتمرين ms2075 سواء في المنازل ينزلون ~~حيث شاءوا غير أن لا يخرج من بيته ساكنه قال وقال ابن عباس في قوله سواء ~~العاكف فيه والباد قال العاكف فيه أهله والباد من يأتيه من أرض أخرى وأهله ~~في المنزل سواء وليس ينبغي لهم أن يأخذوا من البادي إجارة المنزل # وروى جعفر بن عون عن الأعمش عن إبراهيم قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مكة حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها # وروى أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ~~وروى عيسى ابن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن عثمان بن أبي سليمان عن ~~علقمة بن نضلة قال كانت رباع مكة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وزمان أبي بكر وعمر وعثمان تسمى السوائب من احتاج سكن ومن استغنى سكن وروى ~~الثوري عن منصور عن مجاهد قال قال عمر يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا ~~لينزل البادي حيث شاء وروى عبيد الله عن نافع عن بن عمر أن عمر نهى أهل مكة ~~أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج وروى ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمر قال ~~من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه وروى عثمان بن الأسود عن عطاء ~~قال يكره بيع بيوت مكة وكراؤها وروى ليث عن القاسم قال من أكل كراء بيوت ~~مكة فإنما يأكل نارا وروى معمر عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد كانوا يكرهون ~~أن يبيعوا شيئا من رباع مكة قال أبو بكر قد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك ما ذكرنا وروي عن الصحابة والتابعين ما وصفنا من كراهة بيع ~~بيوت مكة وأن الناس كلهم فيها سواء وهذا يدل على أن تأويلهم لقوله تعالى ~~والمسجد الحرام للحرم كله وقد روي عن قوم إباحة بيع بيوت مكة وكراؤها وروى ~~ابن جريج عن هشام بن حجير كان لي بيت بمكة فكنت أكريه فسألت طاوسا فأمرني ~~بأكله وروى ms2076 ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء سواء العاكف فيه والباد قالا سواء ~~في تعظيم البلد وتحريمه وروى عمر وبن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ قال ~~اشترى نافع بن عبد الحارث دار السجن لعمر بن الخطاب من صفوان بن أمية ~~بأربعة آلاف درهم # PageV05P061 # فإن رضي عمر فالبيع له وإن لم يرض عمر فلصفوان أربع مائة درهم زاد عبد ~~الرحمن عن معمر فأخذها عمر وقال أبو حنيفة لا بأس ببيع بناء بيوت مكة وأكره ~~بيع أراضيها وروى سليمان عن محمد عن أبي حنيفة قال أكره إجارة بيوت مكة في ~~الموسم وفي الرجل يقيم ثم يرجع فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم ~~بأسا وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن بيع دور مكة جائز قال أبو بكر لم ~~يتأول هؤلاء السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا ولا اسم شامل له من ~~طريق الشرع إذ غير جائز أن يتأول الآية على معنى لا يحتمله اللفظ وفي ذلك ~~دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم من طريق التوقيف ويدل ~~عليه قوله تعالى إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام # والمراد فيما روي الحديبية وهي بعيدة من المسجد قريبة من الحرم وروي أنها ~~على شفير الحرم # وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مضربه في الحل ومصلاه في الحرم # وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام هاهنا الحرم كله ويدل عليه قوله ~~تعالى يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله ~~وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والمراد إخراج ~~المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم ~~ويدل على أن المراد جميع الحرم كله قوله تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~نذقه من عذاب أليم والمراد به انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه وإذا ثبت ذلك ~~اقتضى قوله سواء العاكف فيه والباد تساوي الناس كلهم في سكناه والمقام ms2077 به ~~فإن قيل يحتمل أن يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته قيل ~~له هو على الأمرين جميعا من اعتقاد تعظيمه وحرمته ومن تساويهم في سكناه ~~والمقام به وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه لأن لغير المشتري سكناه كما ~~للمشتري فلا يصح للمشتري تسلمه والانتفاع به حسب الانتفاع بالأملاك وهذا ~~يدل على أنه غير مملوك وأما إجارة البيوت فإنما أجازها أبو حنيفة إذا كان ~~البناء ملكا للمؤاجر فيأخذ أجرة ملكه فأما أجرة الأرض فلا تجوز وهو مثل ~~بناء الرجل في أرض لآخر يكون لصاحب البناء إجارة البناء وقوله العاكف فيه ~~والباد روي عن جماعة من السلف أن العاكف أهله والبادي من غير أهله قوله ~~تعالى ومن يرد فيه بإلحاد بظلم فإن الإلحاد هو الميل عن الحق إلى الباطل ~~وإنما سمي اللحد في القبر لأنه مائل إلى شق # PageV05P062 # القبر قال الله تعالى وذروا الذين يلحدون في أسمائه وقال لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي أى لسان الذي يؤمنون إليه والباء في قوله بإلحاد زائدة ~~كقوله تنبت بالدهن أي تنبت الدهن وقوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم ~~وروي عن ابن عمر أنه قال ظلم الخادم فيما فوقه بمكة إلحاد وقال عمر احتكار ~~الطعام بمكة إلحاد وقال غيره الإلحاد بمكة الذنوب وقال الحسن أراد بالإلحاد ~~الإشراك بالله قال أبو بكر الإلحاد مذموم لأنه اسم للميل عن الحق ولا يطلق ~~في الميل عن الباطل إلى الحق فالإلحاد اسم مذموم وخص الله تعالى الحرم ~~بالوعيد في الملحد فيه تعظيما لحرمته ولم يختلف المتأولون للآية أن الوعيد ~~في الإلحاد مراد به من ألحد في الحرم كله وأنه غير مخصوص به المسجد وفي ذلك ~~دليل على أن قوله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ~~قد أريد به الحرم لأن قوله ومن يرد فيه بإلحاد هذه الهاء كناية عن الحرم ~~وليس للحرم ذكر متقدم إلا قوله والمسجد الحرام فثبت أن المراد بالمسجد ~~هاهنا الحرم كله # وقد روى عمارة ابن ثوبان ms2078 قال أخبرني موسى بن زياد قال سمعت يعلى بن أمية ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتكار الطعام بمكة إلحاد # وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال بيع الطعام بمكة إلحاد وليس الجالب ~~كالمقيم وليس يمتنع أن يكون جميع الذنوب مرادا بقوله بإلحاد بظلم فيكون ~~الاحتكار من ذلك وكذلك الظلم والشرك وهذا يدل على أن الذنب في الحرم أعظم ~~منه في غيره ويشبه أن يكون من كره الجوار بمكة ذهب إلى أنه لما كانت الذنوب ~~بها تتضاعف عقوبتها آثروا السلامة في ترك الجوار بها مخافة مواقعة الذنوب ~~التي تتضاعف عقوبتها # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يلحد بمكة رجل عليه مثل نصف ~~عذاب أهل الأرض # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أعتى الناس على الله رجل قتل ~~في الحرم ورجل قتل غير قاتله ورجل قتل بدخول الجاهلية # قوله تعالى وأذن في الناس بالحج روى معتمر عن ليث عن مجاهد في قوله تعالى ~~وأذن في الناس بالحج قال إبراهيم عليه السلام وكيف أؤذنهم قال تقول يا أيها ~~الناس أجيبوا يا أيها الناس أجيبوا قال فقال يا أيها الناس أجيبوا فصارت ~~التلبية لبيك اللهم لبيك وروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~لما ابتنى إبراهيم عليه السلام البيت قال أوحى الله إليه أن أذن في الناس ~~بالحج فقال إبراهيم عليه السلام إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه ~~فاستجاب له ما سمعه من صخر أو شجر أو # PageV05P063 # أكمة أو تراب أو شيء لبيك اللهم لبيك وهذه الآية تدل على أن فرض الحج كان ~~في ذلك الوقت لأن الله تعالى أمر إبراهيم بدعاء الناس إلى الحج وأمره كان ~~على الوجوب وجائز أن يكون وجوب الحج باقيا إلى أن بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجائز أن يكون نسخ على لسان بعض الأنبياء إلا أنه # قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة حجتين وحج بعد الهجرة ~~حجة ms2079 الوداع # وقد كان أهل الجاهلية يحجون على تخاليط وأشياء قد أدخلوها في الحج ويلبون ~~تلبية الشرك فإن كان فرض الحج الذي أمر الله به إبراهيم في زمن إبراهيم ~~باقيا حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فقد حج النبي صلى الله عليه وسلم ~~حجتين بعد ما بعثه الله وقبل الهجرة والأولى فيهما هي الفرض وإن كان فرض ~~الحج منسوخا على لسان بعض الأنبياء فإن الله تعالى قد فرضه في التنزيل ~~بقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وقيل إنها نزلت في سنة ~~تسع وروي أنها نزلت في سنة عشر وهي السنة التي حج فيها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهذا أشبه بالصحة لأنا لا نظن بالنبي صلى الله عليه وسلم تأخير الحج ~~المفروض عن وقته المأمور فيه إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم من أشد الناس ~~مسارعة إلى أمر الله وأسبقهم إلى أداء فروضه ووصف الله تعالى الأنبياء ~~السالفين فأثنى عليهم بمسابقتهم إلى الخيرات بقوله تعالى كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين فلم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليختلف عن منزلة الأنبياء المتقدمين في المسابقة إلى الخيرات بل ~~كان حظه منها أو في من حظ كل أحد لفضله عليهم وعلو منزلته في درجات النبوة ~~فغير جائز أن يظن به تأخير الحج عن وقت وجوبه لا سيما وقد أمر غيره بتعجيله ~~فيما # روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أراد الحج فليتعجل # فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليأمر غيره بتعجيل الحج ويؤخره عن وقت ~~وجوبه فثبت بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤخر الحج عن وقت وجوبه ~~فإن كان فرض الحج لزم بقوله تعالى ولله على الناس حج البيت لأنه لم يخل ~~تاريخ نزوله من أن يكون في سنة تسع أو سنة عشر فإن كان نزوله في سنة تسع ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخره لعذر وهو أن وقت الحج اتفق ms2080 على ما ~~كانت العرب تحجه من إدخال النسيء فيه فلم يكن واقعا في وقت الحج الذي فرضه ~~الله تعالى فيه فلذلك أخر الحج عن تلك السنة ليكون حجه في الوقت الذي فرض ~~الله فيه الحج ليحضر الناس فيقتدوا به وإن كان نزوله في سنة عشر فهو الوقت ~~الذي حج فيه النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان فرض الحج باقيا منذ زمن ~~إبراهيم عليه السلام إلى زمن النبي # PageV05P064 # صلى الله عليه وسلم فإن الحج الذي فعله قبل الهجرة كان هو الفرض وما عداه ~~نفل فلم يثبت في الوجهين جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الحج بعد ~~وجوبه عن أول أحوال الإمكان. ### | باب الحج ماشيا # روى موسى بن عبيد عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال ما آسى على شيء إلا أني ~~وددت أني كنت حججت ماشيا لأن الله تعالى يقول يأتوك رجالا وروى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين وروى القاسم ~~بن الحكم العربي عن عبد الله الرصافي عن عبد الله بن عتبة بن عمير قال قال ~~ابن عباس ما ندمت على شيء فاتنى في شبيبتى إلا أنى لم أحج راجلا ولقد حج ~~الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة وإن النجائب لتقاد ~~معه ولقد قاسم الله عز وجل ماله ثلاث مرات إنه ليعطي النعل ويمسك النعل ~~ويعطي الخف ويمسك الخف وروى عبد الرزاق عن عمر وبن زرا عن مجاهد قال كانوا ~~يحجون ولا يركبون فأنزل الله تعالى رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ~~وروى ابن جريج قال أخبرني العلاء قال سمعت محمد بن علي يقول كان الحسن بن ~~علي يمشي وتقاد دوابه قال أبو بكر قوله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ~~يقتضي إباحة الحج ماشيا وراكبا ولا دلالة فيه على الأفضل منهما وما رويناه ~~عن السلف في اختيارهم الحج ماشيا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ماشيا ~~أفضل # وقد روي عن ms2081 النبي صلى الله عليه وسلم ما يفصح عن ذلك وهو أن أم عقبة بن ~~عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تركب وتهدي # وهذا يدل على أن المشي قربة قد لزمت بالنذر لولا ذلك لما أوجب النبي صلى ~~الله عليه وسلم عليها هديا عند تركها المشي قوله تعالى يأتين من كل فج عميق ~~روى جويبر عن الضحاك من كل فج عميق قال بلد بعيد وقال قتادة مكان بعيد قال ~~أبو بكر الفج الطريق فكأنه قال من طريق بعيد وقال بعض أهل اللغة العمق ~~الذاهب على وجه الأرض والعمق الذاهب في الأرض قال رؤبة: ### | وقاتم الأعماق خاوي المخترق # فأراد بالعمق هذا الذاهب على وجه الأرض فالعميق البعيد لذهابه على وجه ~~الأرض «5- أحكام مس» # PageV05P065 # قال الشاعر: يقطعن نور النازح العميق يعني البعيد # وقد روت أم حكيم بنت أمية عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت ~~سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من أهل بالمسجد الأقصى بعمرة أو بحجة ~~غفر له ما تقدم من ذنبه # وروى أبو إسحاق عن الأسود أن ابن مسعود أحرم من الكوفة بعمرة وعن ابن ~~عباس أنه أحرم من الشام في الشتاء وأحرم ابن عمر من بيت المقدس وعمران بن ~~حصين أحرم من البصرة # وروى عمر وبن مرة عن عبد الله بن سلمة قال سئل علي عن قوله تعالى وأتموا ~~الحج والعمرة لله قال أن تحرم بهما من دويرة أهلك # وقال علي وعمر ما أرى أن يعتمر إلا من حيث ابتدأ # وروي عن مكحول قال قيل لابن عمر الرجل يحرم من سمرقند أو من خراسان أو ~~البصرة أو الكوفة فقال يا ليتنا نسلم من وقتنا الذي وقت لنا فكأنه كرهه في ~~هذا الحديث لما يخاف من مواقعة ما يحظره الإحرام لا لبعد المسافة. ### | باب التجارة في الحج # قال الله تعالى ليشهدوا منافع لهم روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال التجارة ~~وما يرضي الله من أمر الدنيا ms2082 والآخرة وروى عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين ~~عن ابن عباس قال أسواق كانت ما ذكر المنافع إلا للدنيا وعن أبي جعفر ~~المغفرة قال أبو بكر ظاهره يوجب أن يكون قد أريد به منافع الدين وإن كانت ~~التجارة جائزة أن تراد وذلك لأنه قال وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم فاقتضى ذلك أنهم دعوا ~~وأمروا بالحج ليشهدوا منافع لهم ومحال أن يكون المراد منافع الدنيا خاصة ~~لأنه لو كان كذلك كان الدعاء إلى الحج واقعا لمنافع الدنيا وإنما الحج ~~الطواف والسعي والوقوف بعرفة والمزدلفة ونحر الهدي وسائر مناسك الحج ويدخل ~~فيها منافع الدنيا على وجه التبع والرخصة فيها دون أن تكون هي المقصودة ~~بالحج وقد قال الله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فجعل ذلك ~~رخصة في التجارة في الحج وقد ذكرنا ما روي فيه في سورة البقرة. ### | باب الأيام المعلومات # قال الله عز وجل ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة # PageV05P066 # الأنعام # فروي عن علي وابن عمر أن المعلومات يوم النحر ويومان بعده # واذبح في أيها شئت قال ابن عمر المعلومات أيام النحر والمعدودات أيام ~~التشريق وذكر الطحاوي عن شيخه أحمد بن أبي عمران عن بشر بن الوليد الكندي ~~القاضي قال كتب أبو العباس الطوسي إلى أبي يوسف يسئله عن الأيام المعلومات ~~فأملى علي أبو يوسف جواب كتابه اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيها # فروي عن علي وابن عمر أنها أيام النحر # وإلى ذلك أذهب لأنه قال على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وذلك في أيام ~~النحر وعن ابن عباس والحسن وإبراهيم أن المعلومات أيام العشر والمعدودات ~~أيام التشريق وروى معمر عن قتادة مثل ذلك وروى ابن أبي ليلى عن الحكم عن ~~مقسم عن ابن عباس في قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات يوم النحر ~~وثلاثة أيام بعده وذكر أبو الحسن الكرخي أن أحمد القاري روى ms2083 عن محمد عن أبي ~~حنيفة أن المعلومات العشر وعن محمد أنها أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ~~ويومان بعده وذكر الطحاوي أن من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن ~~المعلومات العشر والمعدودات أيام التشريق والذي رواه أبو الحسن عنهم أصح ~~وقد قيل إنه إنما قيل لأيام التشريق معدودات لأنها قليلة كما قال تعالى ~~وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وأنه سماها معدودة لقلتها وقيل لأيام العشر ~~معلومات حثا على علمها وحسابها من أجل أن وقت الحج في آخرها فكأنه أمر نا ~~بمعرفة أول الشهر وطلب الهلال فيه حتى نعد عشرة ويكون آخرهن يوم النحر ~~ويحتج لأبي حنيفة بذلك في أن تكبير التشريق مقصور على أيام العشر مفعول في ~~يوم عرفة ويوم النحر وهما من أيام العشر فإن قيل لما قال على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام دل على أن المراد أيام النحر كما روي عن علي قيل له يحتمل أن ~~يريد لما رزقهم من بهيمة الأنعام كما قال لتكبروا الله على ما هداكم ومعناه ~~لما هداكم وكما تقول اشكر الله على نعمه ومعناه لنعمه وأيضا فيحتمل أن يريد ~~به يوم النحر ويكون قوله تعالى على ما رزقهم يريد به يوم النحر وبتكرار ~~السنين عليه تصير أياما وهذه الآية تدل على أن ذبح سائر الهدايا في أيام ~~النحر أفضل منه في غيرها وإن كانت من تطوع أو جزاء صيد أو غيره واختلف أهل ~~العلم في أيام النحر فقال أصحابنا والثوري هو يوم النحر ويومان بعده وقال ~~الشافعي ثلاثة أيام بعده وهي أيام التشريق قال أبو بكر وروي نحو قولنا عن ~~علي وابن عباس وابن عمر وأنس # PageV05P067 # ابن مالك وأبي هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وروي مثل قول الشافعي ~~عن الحسن وعطاء وروي عن إبراهيم النخعي أن النحر يومان وقال ابن سيرين ~~النحر يوم واحد وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وسليمان بن يسار قالا ~~الأضحى إلى هلال المحرم قال أبو بكر قد ثبت عمن ذكرنا من الصحابة أنها ms2084 ~~ثلاثة واستفاض ذلك عنهم وغير جائز لمن بعدهم خلافهم إذ لم يرو عن أحد من ~~نظرائهم خلافه فثبت حجته وأيضا فإن سبيل تقدير أيام النحر التوقيف أو ~~الاتفاق إذ لا سبيل إليها من طريق المقاييس فلما قال من ذكرنا قوله من ~~الصحابة بالثلاثة صار ذلك توقيفا كما قلنا في مقدار مدة الحيض وتقدير المهر ~~ومقدار التشهد في إكمال فرض الصلاة وما جرى مجراها من المقادير التي طريق ~~إثباتها التوقيف أو الاتفاق إذا قال به قائل من الصحابة ثبتت حجته وكان ذلك ~~توقيفا وأيضا قد ثبت الفرق بين أيام النحر وأيام التشريق لأنه لو كانت أيام ~~النحر أيام التشريق لما كان بينهما فرق وكان ذكر أحد العددين ينوب عن الآخر ~~فلما وجدنا الرمي في أيام النحر وأيام التشريق ووجدنا النحر في يوم النحر ~~وقال قائلون إلى آخر أيام التشريق وقلنا نحن يومان بعده وجب أن نوجب فرقا ~~بينهما لإثبات فائدة كل واحد من اللفظين وهو أن يكون من أيام التشريق ما ~~ليس من أيام النحر وهو آخر أيامها واحتج من جعل النحر إلى آخر أيام التشريق ~~بما # روى سليمان بن موسى عن ابن أبي حسين عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال كل عرفات موقف وارتفعوا عن عرفة وكل مزدلفة موقف وارتفعوا عن ~~محسر وكل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح # وهذا حديث قد ذكر عن أحمد ابن حنبل أنه سئل عن هذا الحديث فقال لم يسمعه ~~ابن أبي حسين من جبير بن مطعم وأكثر روايته عن سهو وقد قيل إن أصله # ما رواه مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبيه قال سمعت أسامة بن ~~زيد يقول سمعت عبد الله بن أبي حسين يخبر عن عطاء عن أبي رباح وعطاء يسمع ~~قال سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عرفة ~~موقف وكل منى منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر # فهذا أصل الحديث ولم يذكر فيه وكل ms2085 أيام التشريق ذبح ويشبه أن يكون الحديث ~~الذي ذكر فيه هذا اللفظ إنما هو من كلام جبير بن مطعم أو من دونه لأنه لم ~~يذكره وأيضا لما ثبت أن النحر فيما يقع عليه اسم الأيام وكان أقل ما ~~يتناوله اسم الأيام ثلاثة وجب أن يثبت الثلاثة وما زاد لم تقم عليه # PageV05P068 # الدلالة فلم يثبت. ### | في التسمية على الذبيحة # قال الله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فإن كان المراد بهذا الذكر التسمية على الذبيحة فقد دل ذلك على أن ~~ذلك من شرائط الذكاة لأن الآية تقتضي وجوبها وذلك لأنه قال وأذن في الناس ~~بالحج- إلى قوله- ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~فكانت المنافع هي أفعال المناسك التي يقتضي الإحرام إيجابها فوجب أن تكون ~~التسمية واجبة إذ كان الدعاء إلى الحج وقع لها كوقوعها لسائر مناسك الحج ~~وإن كان المراد بالتسمية هي الذكور المفعول عند رمي الجمار أو تكبير ~~التشريق فقد دلت الآية على وجوب هذا الذكر وليس يمتنع أن يكون المراد جميع ~~ذلك وهو التسمية على الهدايا الموجبة بالإحرام للقران أو التمتع وما تعلق ~~وجوبها بالإحرام ويراد بها تكبير التشريق والذكر المفعول عند رمي الجمار إذ ~~لم تكن إرادة جميع ذلك ممتنعة بالآية وروى معمر عن أيوب عن نافع قال كان ~~ابن عمر يقول حين ينحر لا إله إلا الله والله أكبر وروى الأعمش عن أبي ~~ظبيان عن ابن عباس قال قلت كيف تقول إذا نحرت قال أقول الله أكبر لا إله ~~إلا الله # وروى سفيان عن أبي بكر الزبيدي عن عاصم بن شريف أن عليا ضحى يوم النحر ~~بكبش فقال بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك ومن علي لك ### | باب في أكل لحوم الهدايا # قال الله عز وجل ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام فكلوا منها قال أبو بكر ظاهره يقتضي إيجاب الأكل إلا أن السلف ~~متفقون على أن الأكل منها ليس على ms2086 الوجوب وذلك لأن قوله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام لا يخلو من أن يكون المراد به الأضاحي وهدي المتعة والقران ~~والتطوع أو الهدايا التي تجب من جنايات تقع من المحرم في الإحرام نجو جزاء ~~الصيد وما يجب على اللابس والمتطيب وفدية الأذى وهدي الإحصار ونحوها فأما ~~دماء الجنايات فمحظور عليه الأكل منها وأما دم القران والمتعة والتطوع فلا ~~خلاف أيضا أن الأكل منها ليس بواجب # PageV05P069 # لأن الناس في دم القران والمتعة على قولين منهم من لا يجيز الأكل منه ~~ومنهم من يبيح الأكل منه ولا يوجبه ولا خلاف بين السلف ومن بعدهم من ~~الفقهاء أن قوله فكلوا منها ليس على الوجوب وقد روي عن عطاء والحسن ~~وإبراهيم ومجاهد قالوا إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل قال مجاهد إنما هو ~~بمنزلة قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وقال إبراهيم كان المشركون لا ~~يأكلون من البدن حتى نزلت فكلوا منها فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل # وروى يونس بن بكير عن أبي بكر الهذلي عن الحسن قال كان الناس في الجاهلية ~~إذا ذبحوا لطخوا بالدم وجه الكعبة وشرحوا اللحم ووضعوه على الحجارة وقالوا ~~لا يحل لنا أن نأكل شيئا جعلناه لله حتى تأكله السباع والطير فلما جاء ~~الإسلام جاء الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا شيئا كنا نصنعه ~~في الجاهلية ألا نصنعه الآن فإنما هو لله فأنزل الله تعالى فكلوا منها ~~وأطعموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا فإن ذلك ليس لله # وقال الحسن فلم يعزم عليهم الأكل فإن شئت فكل وإن شئت فدع # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من لحم الأضحية # قال أبو بكر وظاهر الآية يقتضي أن يكون المذكور في هذه الآية من بهيمة ~~الأنعام التي أمرنا بالتسمية عليها هي دم القران والمتعة وأقل أحوالها أن ~~تكون شاملة لدم القران والمتعة وسائر الدماء وإن كان الذي يقتضيه ظاهره دم ~~المتعة والقران # والدليل على ذلك قوله تعالى في ms2087 نسق التلاوة فكلوا منها وأطعموا البائس ~~الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ولا دم ~~تترتب عليه هذه الأفعال إلا دم المتعة والقران إذ كان سائر الدماء جائزا له ~~فعلها قبل هذه الأفعال وبعدها فثبت أن المراد بها دم القران والمتعة وزعم ~~الشافعي أن دم المتعة والقران لا يؤكل منهما وظاهر الآية يقتضي بطلان قوله # وقد روى جابر وأنس وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا في حجة ~~الوداع # وروى جابر أيضا وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى في حجة ~~الوداع مائة بدنة نحر بيده منها ستين وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة ~~بضعة فجمعت في قدر وطبخت وأكل منها وتحسى من المرقة فأكل صلى الله عليه ~~وسلم من دم القران # وأيضا لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنا وأنه لم يكن ليختار ~~من الأعمال إلا أفضلها فثبت أن القران أفضل من الإفراد وأن الدم الواجب به ~~إنما هو نسك وليس بجبران لنقص أدخله في الإحرام ولما كان نسكا جاز الأكل ~~منه كما يأكل من الأضاحي # PageV05P070 # والتطوع ويدل على أنه كان قارنا # أن حفصة قالت يا رسول الله ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عمر تك فقال ~~إني سقت الهدي فلا أحل إلا يوم النحر ولو استقبلت من أمري ما استدبرته ما ~~سقت الهدي ولجعلتها عمرة # فلو كان هديه تطوعا لما منعه الإحلال لأن هدي التطوع لا يمنع الإحلال فإن ~~قيل إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قارنا فقد كان إحرام الحج يمنعه ~~الإحلال فلا تأثير للهدي في ذلك قيل له لم يكن إحرام الحج مانعا في ذلك ~~الوقت من الإحلال قبل يوم النحر لأن فسخ الحج كان جائزا # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه الذين أحرموا بالحج أن ~~يتحللوا بعمل عمرة # فكانوا في ذلك الوقت بمنزلة المتمتع الذي يحرم بالعمرة مفردا بها فلم يكن ~~يمتنع الإحلال فيما بينها وبين إحرام الحج إلا ms2088 أن يسوق الهدي فيمنعه ذلك من ~~الإحلال وهذه كانت حال النبي صلى الله عليه وسلم في قرانه وكان المانع له ~~من الإحلال سوق الهدي دون إحرام الحج وفي ذلك دليل على صحة ما ذكرنا من أن ~~هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان هدي القران لا التطوع إذ لا تأثير لهدي ~~التطوع في المنع من الإحلال بحال ويدل على أنه كان قارنا # قوله صلى الله عليه وسلم أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل ~~حجة وعمرة # ويمتنع أن يخالف ما أمره به ربه # ورواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج # لا يعارض رواية من روى القران وذلك لأن راوي القران قد علم زيادة إحرام ~~لم يعلمه الآخر فهو أولى وجائز أن يكون راوي الإفراد سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول لبيك اللهم لبيك ولم يسمعه يذكر العمرة أو سمعه ذكر الحج ~~دون العمرة وظن أنه مفرد إذ جائز للقارن أن يقول لبيك بحجة دون العمرة ~~وجائز أن يقول لبيك بعمرة وجائز أن يلبي بهما معا فلما كان ذلك سائغا وسمعه ~~بعضهم يلبي بالحج وبعضهم سمعه يلبي بحج وعمرة كانت رواية من روى الزيادة ~~أولى وأيضا فإنه يحتمل أن يريد بقوله أفراد الحج أفعال الحج وأفاد أنه أفرد ~~أفعال الحج وأفرد أفعال العمرة ولم يقتصر للإحرامين على فعل الحج دون ~~العمرة وأبطل بذلك قول من يجيز لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا وقد روي عن ~~جماعة من الصحابة والتابعين الأكل من هدي القران والمتعة وروى عطاء عن ابن ~~عباس قال من كل الهدي يؤكل إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر وروى عبيد ~~الله بن عمر قال لا يؤكل من جزاء الصيد والنذر ويؤكل مما سوى ذلك وروى هشام ~~عن الحسن وعطاء قالا لا يؤكل من الهدي كله إلا الجزاء فهؤلاء الصحابة ~~والتابعون قد أجازوا # PageV05P071 # الأكل من دم القران والتمتع ولا نعلم أحدا من السلف حظره قوله تعالى ~~وأطعموا البائس الفقير روى ms2089 طلحة بن عمر وعن عطاء وأطعموا البائس الفقير قال ~~من سألك وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال البائس الذي يسأل بيده إذا سأل ~~وإنما سمي من كانت هذه حاله بائسا لظهور أثر البؤس عليه يمد يده للمسئلة ~~وهذا على جهة المبالغة في الوصف له بالفقر وهو في معنى المسكين لأن المسكين ~~من هو في نهاية الحاجة والفقر وهو الذي قد ظهر عليه السكون للحاجة وسوء ~~الحال وهو الذي لا يجد شيئا وقيل هو الذي يسئل وهذه الآية قد انتظمت سائر ~~الهدايا والأضاحي وهي مقتضية لإباحة الأكل منها والندب إلى الصدقة ببعضها ~~وقدر أصحابنا فيه الصدقة بالثلث وذلك لقوله تعالى فكلوا منها وأطعموا ~~البائس الفقير قال النبي صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا ~~فجعلوا الثلث للأكل والثلث للادخار والثلث للبائس الفقير وفي قوله تعالى ~~فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير دلالة على حظر بيعها ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم فكلوا وادخروا # وفي ذلك منع البيع ويدل عليه ما # روى سفيان عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ~~علي قال أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وقال اقسم جلودها ~~وحلالها ولا تعط الجازر منها شيئا فإنا نعطيه من عندنا # فمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى منها أجرة الجازر وفي ذلك منع من ~~البيع لأن إعطاء الجازر ذلك من أجرته هو على وجه البيع ولما جاز الأكل منها ~~دل على جواز الانتفاع بجلودها من غير جهة البيع ولذلك قال أصحابنا يجوز ~~الانتفاع بجلد الأضحية وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة وقال الشعبي كان ~~مسروق يتخذ مسك أضحيته مصلى فيصلي عليه # وعن إبراهيم وعطاء وطاوس والشعبي أنه ينتفع به قال أبو بكر ولما منع ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى الجازر من الهدي شيئا في جزارتها وقال ~~إنا نعطيه من عندنا # دل ذلك على معنيين أحدهما أن المحظور من ذلك أن يعطيه منها على وجه ms2090 ~~الأجرة لأن # في بعض ألفاظ حديث علي وأمرني أن لا أعطي أجر الجزار منها وفي بعضها أن ~~لا أعطيه في جزارتها منها شيئا # فدل على أنه جائز أن يعطى الجازر من غير أجرته كما يعطي سائر الناس وفيه ~~دليل على جواز الإجارة على نحر البدن # لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال نحن نعطيه من عندنا # وهو أصل في جواز الإجارة على كل عمل معلوم وأجاز أصحابنا الإجارة على ذبح ~~شاة ومنع أبو حنيفة الإجارة على قتل رجل بقصاص والفرق بينهما # PageV05P072 # أن الذبح عمل معلوم والقتل مبهم غير معلوم ولا يدرى أيقتله بضربة أو ~~ضربتين أو أو أكثر قوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم روى عبد ~~الملك عن عطاء عن ابن عباس قال التفث الذبح والحلق والتقصير وقص الأظفار ~~والشارب ونتف الإبط وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد مثله وكذلك عن الحسن ~~وأبي عبيدة وقال ابن عمر وسعيد بن جبير في قوله تفثهم قال المناسك وروى ~~أشعث عن الحسن قال نسكهم وروى حماد بن سلمة عن قيس عن عطاء ثم ليقضوا تفثهم ~~قال الشعر والأظفار وقيل التفث قشف الإحرام وقضاؤه بحلق الرأس والاغتسال ~~ونحوه قال أبو بكر لما تأول السلف قضاء التفث على ما ذكرنا دل ذلك على أن ~~من قضائه حلق الرأس لأنهم تأولوه عليه ولولا أن ذلك اسم له لما تأولوه عليه ~~إذ لا يسوغ التأويل على ما ليس اللفظ عبارة عنه وذلك دليل على وجوب الحلق ~~لأن الأمر على الوجوب فيبطل قول من قال إن الحلق ليس بنسك في الإحرام ومن ~~الناس من يزعم أنه إطلاق من حظر إذ كانت هذه الأشياء محظورة قبل الإحلال ~~ولقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وقوله فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض والأول أصح لأن أمره بقضاء التفث قد انتظم سائر المناسك على ما روي ~~عن ابن عمر ومن ذكرنا قوله من السلف ومعلوم أن فعل سائر المناسك ليس على ~~وجه الإباحة بل على وجه الإيجاب فكذلك الحلق لأنه قد ثبت ms2091 أنه قد أريد ~~بالأمر بقضاء التفث الإيجاب في غير الحلق فكذلك الحلق وقوله وليوفوا نذورهم ~~قال ابن عباس نحر ما نذروا من البدن وقال مجاهد كل ما نذر في الحج قال أبو ~~بكر إن كان التأويل نحر البدن المنذورة فإن قوله تعالى على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فكلوا منها لم يرد به ما نذر نحره من البدن والهدايا لأنه لو ~~كان مرادا لما ذكره بعد ذكره الذبح بهيمة الأنعام وأمره إيانا بالأكل منها ~~فيكون قوله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها في غير المنذور به ~~وهو دم التطوع والتمتع والقران يدل على أنه لم يرد الهدي المنذور أن دم ~~النذر لا يؤكل منه وقد أمر الله تعالى بالأكل من بهيمة الأنعام المذكور في ~~الآية فدل على أنه لم يرد النذر واستأنف ذكر النذر وأفاد به معاني أحدها ~~أنه لا يؤكل منه والثاني أن ذبح النذر في هذه الأيام أفضل منه في غيرها ~~والثالث إيجاب الوفاء بنفس المنذور دون كفارة يمين وجائز أن يكون المراد ~~سائر النذور في الحج من صدقة أو طواف ونحوه # PageV05P073 # وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال هو كل نذر إلى أجل قال أبو بكر وفيه ~~الدلالة على لزوم الوفاء بالنذر لقوله تعالى وليوفوا نذورهم والأمر على ~~الوجوب وهو يدل على بطلان قول الشافعي فيمن نذر حجا أو عمرة أو بدنة أو ~~نحوها أن عليه كفارة يمين لأن الله أمرنا بالوفاء بنفس المنذور. ### | باب طواف الزيارة # قال الله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق فروى عن الحسن أنه قال وليطوفوا ~~طواف الزيارة وقال مجاهد الطواف الواجب قال أبو بكر ظاهره يقتضي الوجوب ~~لأنه أمر والأوامر على الوجوب ويدل عليه أنه أمر به معطوفا على الأمر بقضاء ~~التفث ولا طواف مفعول في ذلك الوقت وهو يوم النحر بعد الذبح إلا طواف ~~الزيارة فدل على أنه أراد طواف الزيارة فإن قيل يحتمل أن يريد به طواف ~~القدوم الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين ms2092 قدموا مكة ~~وحلوا به من إحرام الحج وجعلوه عمرة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم # فإنه قد كان ساق الهدي فمنعه ذلك من الإحلال ومضى على حجته # قيل له لا يجوز أن يكون المراد به طواف القدوم من وجوه أحدها أنه مأمور ~~به عقيب الذبح وذبح الهدي إنما يكون يوم النحر لأنه قال ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس ~~الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق وحقيقة ثم ~~للترتيب والتراخي القدوم مفعول قبل يوم النحر فثبت أنه لم يرد به طواف ~~القدوم والوجه الثاني أن قوله وليطوفوا بالبيت العتيق هو أمر والأمر على ~~الوجوب حتى تقوم دلالة الندب وطواف القدوم غير واجب وفي صرف المعنى إليه ~~صرف للكلام عن حقيقته والثالث أنه لو كان المراد الطواف الذي أمر به أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدموا مكة لكان منسوخا لأن ذلك الطواف ~~إنما أمروا به لفسخ الحج وذلك منسوخ بقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله ~~وبما # روى ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه قال قلت يا رسول ~~الله أرأيت فسخ حجتنا لنا خاصة أم للناس عامة قال بل لكم خاصة # وروي عن عمر وعثمان وأبي ذر وغيرهم مثل ذلك وقال ابن عباس لا يطوف الحاج ~~للقدوم وإنه إن طاف قبل عرفة صارت حجته عمرة وكان يحتج بقوله ثم محلها إلى ~~البيت العتيق فذهب إلى أنه # PageV05P074 # يحل بالطواف فعله قبل عرفة أو بعده فكان ابن عباس يذهب إلى أن هذا الحكم ~~باق لم ينسخ وأن فسخ الحج قبل تمامه جائز بأن يطوف قبل الوقوف بعرفة فيصير ~~حجه عمرة وقد ثبت بظاهر قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله نسخه وهذا معنى ~~ما أراده عمر ابن الخطاب بقوله متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما متعة النساء ومتعة الحج وذهب فيه ~~إلى ظاهر هذه الآية وإلى ms2093 ما علمه من توقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إياهم على أن فسخ الحج كان لهم خاصة وإذا ثبت أن ذلك منسوخ لم يجز تأويل ~~قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق عليه فثبت بما وصفنا أن المراد طواف ~~الزيارة وفيه الدلالة على وجوب تقديمه قبل مضي أيام النحر إذ كان الأمر على ~~الفور حتى تقوم الدلالة على جواز التأخير ولا خلاف في إباحة تأخيره إلى آخر ~~أيام النحر وقد روى سفيان الثوري وغيره عن أفلح بن حميد عن أبيه أنه حج مع ~~ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو أيوب فلما كان يوم ~~النحر لم يزر أحد منهم البيت إلى يوم النفر إلا رجالا كانت معهم نساء ~~فتعجلوا وإنما أراد بذلك عندنا النفر الأول وهو اليوم الثالث من يوم النحر ~~فلو خلينا وظاهر الآية لما جاز تأخير الطواف عن يوم النحر إلا أنه لما اتفق ~~السلف وفقهاء الأمصار على إباحة تأخيره إلى اليوم الثالث من أيام النحر ~~أخرناه ولم يجز تأخيره إلى آخر أيام التشريق ولذلك قال أبو حنيفة من أخره ~~إلى أيام التشريق فعليه دم وقال أبو يوسف ومحمد لا شيء عليه فإن قيل لما ~~كانت ثم تقتضي التراخي وجب جواز تأخيره إلى أي وقت شاء الطائف قيل له لا ~~خلاف أنه ليس بواجب عليه التأخير وظاهر اللفظ يقتضي إيجاب تأخيره إذا حمل ~~على حقيقته فلما لم يكن التأخير واجبا وكان فعله واجبا لا محالة اقتضى ذلك ~~لزوم فعله يوم النحر من غير تأخير وهو الوقت الذي أمر فيه بقضاء التفث ~~فاستدلالك بظاهر اللفظ على جواز تأخيره أبدا غير صحيح مع كون ثم في هذا ~~الموضع غير مراد بها حقيقة معناها من وجوب فعله على التراخي ولهذا قال أبو ~~حنيفة فيمن أخر الحلق إلى آخر أيام التشريق إن عليه دما لأن قوله تعالى ثم ~~ليقضوا تفثهم قد اقتضى فعل الحلق على الفور في يوم النحر وأباح تأخيره إلى ~~آخر أيام النحر بالاتفاق ولم يبحه أكثر ms2094 من ذلك ومما يحتج به لأبي حنيفة في ~~ذلك أن الله تعالى قد أباح النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو ~~الثالث من النحر بقوله تعالى واذكروا الله في أيام # PageV05P075 # معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه # ويمتنع إباحة النفر قبل تقديم طواف الزيارة فثبت أنه مأمور به قبل النفر ~~الأول وهو اليوم الثالث من النحر فإذا تضمن ذلك فقد تم الطواف فهو لا محالة ~~منهي عن تأخيره فإذا أخره لزمه جبرانه بدم وقوله تعالى وليطوفوا بالبيت ~~العتيق لما كان لفظا ظاهر المعنى بين المراد اقتضى جواز الطواف على أي وجه ~~أوقعه من حدث أو جنابة أو عريان أو منكوسا أو زحفا إذ ليس فيه دلالة على ~~كون الطهارة وما ذكرنا شرطا فيه ولو شرطنا فيه الطهارة وما ذكرنا كنا ~~زائدين في النص ما ليس فيه والزيادة في النص غير جائزة إلا بمثل ما يجوز به ~~النسخ فقد دلت الآية على وقوع الطواف موقع الجواز وإن فعله على هذه الوجوه ~~المنهي عنها وقوله ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ~~يقتضي جواز أي ذلك فعله من غير ترتيب إذ ليس في اللفظ دلالة على الترتيب ~~فإن فعل الطواف قبل قضاء التفث أو قضى التفث ثم طاف فإن مقتضى الآية أن ~~يجزى جميع ذلك إذ الواو لا توجب الترتيب ولم يختلف الفقهاء في إباحة الحلق ~~واللبس قبل طواف الزيارة ولم يختلفوا أيضا في حظر الجماع قبله واختلفوا في ~~الطيب والصيد فقال قائلون هما مباحان قبل الطواف وهو # قول أصحابنا وعامة الفقهاء وهو قول عائشة في آخرين من السلف وقال عمر بن ~~الخطاب وابن عمر لا تحل له النساء والطيب والصيد حتى يطوف للزيارة وقال قوم ~~لا تحل له النساء والطيب والصيد حتى يطوف # وروى سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة قالت طيبت رسول ~~الله لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت # ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على إباحة اللبس والحلق قبل ms2095 الطواف ~~وليس لهما تأثير في إفساد الإحرام فوجب أن يكون الطيب والصيد مثلهما وقوله ~~تعالى بالبيت العتيق قال معمر عن الزهري قال قال ابن الزبير إنما سمي البيت ~~العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة وقال مجاهد أعتق من أن يملكه الجبابرة ~~وقيل إنه أول بيت وضع للناس بناه آدم عليه السلام ثم جدده إبراهيم عليه ~~السلام فهو أقدم بيت فسمي لذلك عتيقا # قوله تعالى ذلك ومن يعظم حرمات الله يعني به والله أعلم اجتناب ما حرم ~~الله عليه في وقت الإحرام تعظيما لله عز وجل واستعظاما لمواقعة ما نهى الله ~~عنه في إحرامه صيانة لحجه وإحرامه فهو خير له عند ربه من ترك استعظامه ~~والتهاون به قوله تعالى # PageV05P076 # وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم قيل فيه وجهان أحدهما إلا ما يتلى ~~عليكم في كتاب الله من الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب والثاني وأحلت لكم بهيمة الأنعام ~~من الإبل والبقر والغنم في حال إحرامكم إلا ما يتلى عليكم من الصيد فإنه ~~يحرم على المحرم قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان يعني اجتنبوا تعظيم ~~الأوثان فلا تعظموها واجتنبوا الذبائح لها على ما كان يفعله المشركون ~~وسماها رجسا استقذارا لها واستخفافا بها وإنما أمرهم باستقذارها لأن ~~المشركين كانوا ينحرون عليها هداياهم ويصبون عليها الدماء وكانوا مع هذه ~~النجاسات يعظمونها فهي الله المسلمين عن تعظيمها وعبادتها وسماها رجسا ~~لقذارتها ونجاستها من الوجوه التي ذكرنا ويحتمل أن يكون سماها رجسا للزوم ~~اجتنابها كاجتناب الأقذار والأنجاس. ### | باب شهادة الزور # قال الله عز وجل واجتنبوا قول الزور والزور الكذب وذلك عام في سائر وجوه ~~الكذب وأعظمها الكفر بالله والكذب على الله عز وجل وقد دخل فيه شهادة الزور # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~أبو بكر ابن أبي شيبة قال حدثنا محمد ويعلى ابنا عبيد عن سفيان العصفري عن ~~أبيه عن حبيب بن النعمان عن خريم بن فاتك ms2096 قال صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الصبح ثم قال عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثم تلا هذه ~~الآية فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين ~~به # وروى وائل بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود قال عدلت شهادة الزور بالشرك ~~بالله ثم قرأ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن العباس المؤدب قال حدثنا عاصم بن ~~علي قال حدثنا محمد بن الفرات التميمي قال سمعت محارب بن دثار يقول أخبرني ~~عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول شاهد الزور لا ~~تزول قدماه حتى توجب له النار # وقد اختلف في حكم شاهد الزور فقال أبو حنيفة لا يعزر وهذا عندنا على أنه ~~إن جاء تائبا فأما إن كان مصرا فإنه لا خلاف عندي بينهم في أنه يعزر وقال ~~أبو يوسف ومحمد يضرب ويسخم وجهه ويشهر ويحبس وقد روى عبد الله بن عامر عن ~~أبيه قال أتي عمر بن الخطاب بشاهد زور فجرده وأوقفه للناس يوما وقال هذا ~~فلان بن فلان فاعرفوه ثم حبسه # PageV05P077 # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا العباس بن الوليد البزاز قال حدثنا ~~خلف بن هشام قال حدثنا حماد بن زيد عن الحجاج عن مكحول أن عمر بن الخطاب ~~قال في شاهد الزور يضرب ظهره ويحلق رأسه ويسخم وجهه ويطال حبسه # قوله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب قال أهل اللغة ~~الشعائر جمع شعيرة هي العلامة التي تشعر بما جعلت له وإشعار البدن هو أن ~~تعلمها بما يشعر أنها هدي فقيل على هذا إن الشعائر علامات مناسك الحج كلها ~~منها رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة وروى حبيب المعلم عن عطاء أنه ~~سئل عن شعائر الله فقال حرمات الله اتباع طاعته واجتناب معصيته فذلك شعائر ~~الله وروى شريك عن جابر عن عطاء ومن يعظم شعائر الله قال استسمانها ~~واستعظامها وروى ابن أبي نجيح ms2097 عن مجاهد عن ابن عباس ومن يعظم شعائر الله ~~قال في الاستحسان والاستسمان والاستعظام وعن عكرمة مثله وكذلك قول مجاهد ~~وقال الحسن شعائر الله دين الله قال أبو بكر يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها ~~مرادة بالآية لاحتمالها لها. ### | باب في ركوب البدنة # قال الله عز وجل لكم فيها منافع إلى أجل مسمى قال ابن عباس وابن عمر ~~ومجاهد وقتادة لكم فيها منافع في ألبانها وظهورها وأصوافها إلى أن تسمى ~~بدنا ثم محلها إلى البيت العتيق وعن محمد بن كعب القرظي مثله وقال عطاء إنه ~~ينتفع بها إلى أن تنحر وهو قول عروة بن الزبير قال أبو بكر فاتفق ابن عباس ~~ومن تابعه على أن قوله إلى أجل مسمى أريد به إلى أن تصير بدنا فذلك هو ~~الأجل المسمى وكرهوا بعد ذلك أن تركب وقال عطاء ومن واقفه يركبها بعد أن ~~تصير بدنة وقال عروة بن الزبير يركبها غير فادح لها ويحلبها عن فضل ولدها ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار يحتج بها من أباح ركوبها # فروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له ~~ويحك اركبها فقال إنها بدنة فقال ويحك اركبها # وروى شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك وهذا ~~عندنا إنما أباحه لضرورة علمه من حاجة الرجل إليها وقد بين ذلك في أخبار ~~أخر منها # ما روى إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم ~~برجل يسوق بدنة وهو يمشي وقد بلغ منه فقال اركبها قال إنها بدنة قال اركبها # وسئل جابر عن ركوب الهدى # PageV05P078 # فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اركبها بالمعروف إذا ألجئت ~~إليها حتى تجد ظهرا # وقد روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ركوب الهدي قال اركب بالمعروف إذا احتجت إليها حتى تجد ظهرا # فبين في هذه ms2098 الأخبار أن إباحة ركوبها معقودة بشريطة الضرورة إليها ويدل ~~على أنه لا يملك منافعها أنه لا يجوز له أن يؤاجرها للركوب فلو كان مالكا ~~لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها كمنافع سائر المملوكات. ### | باب محل الهدي # قال الله تعالى وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم- إلى قوله- لكم فيها ~~منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ومعلوم أن مراده تعالى فيما ~~جعل هديا أو بدنة فيما وجب أن تجعل هديا من واجب في ذمته فأخبر تعالى أن ~~محل ما كان هذا وصفه إلى البيت العتيق والمراد بالبيت هاهنا الحرم كله إذ ~~معلوم أنها لا تذبح عند البيت ولا في المسجد فدل على أنه الحرم كله فعبر ~~عنه بذكر البيت إذ كانت حرمة الحرم كله متعلقة بالبيت وهو كقوله تعالى في ~~جزاء الصيد هديا بالغ الكعبة ولا خلاف أن المراد الحرم كله # وقد روى أسامة بن زيد عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عرفة كلها موقف ومنى كلها منحر وكل فجاج مكة طريق ومنحر # وعموم الآية يقتضي أن يكون محل سائر الهدايا الحرم ولا يجزى في غيره إذ ~~لم تفرق بين شيء منها وقد اختلف في هدي الإحصار فقال أصحابنا محله ذبحه في ~~الحرم وذلك لأنه قال ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله وكان المحل ~~مجملا في هذه الآية فلما قال ثم محلها إلى البيت العتيق بين فيه ما أجمل ~~ذكره في الآية الأولى فوجب أن يكون محل هدي الإحصار الحرم ولم يختلفوا في ~~سائر الهدايا التي يتعلق وجوبها بالإحرام مثل جزاء الصيد وفدية الأذى ودم ~~التمتع أن محلها الحرم فكذلك هدي الإحصار لما تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن ~~يكون في الحرم # قوله والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير قيل إن البدن الإبل ~~المبدنة بالسمن يقال بدنت الناقة إذا سمنتها ويقال بدن الرجل إذا سمن وإنما ~~قيل لها بدنة من هذه الجهة ثم سميت الإبل بدنا مهزولة كانت ms2099 أو سمينة ~~فالبدنة اسم يختص بالبعير في اللغة إلا أن البقرة لما صارت في حكم البدنة ~~قامت مقامها وذلك لأن # النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فصار # البقر في حكم البدن ولذلك كان تقليد البقرة كتقليد البدنة في باب وقوع # PageV05P079 # الإحرام بها لسائقها ولا يقلد غيرهما فهذان المعنيان اللذان يختص بهما ~~البدن دون سائر الهدايا وروي عن جابر بن عبد الله قال البقرة من البدن ~~واختلف أصحابنا فيمن قال الله علي بدنة هل يجوز له نحرها بغير مكة فقال أبو ~~حنيفة ومحمد يجوز له ذلك وقال أبو يوسف لا يجوز له نحره إلا بمكة ولم ~~يختلفوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة وأن من قال لله علي جزور أنه ~~يذبحه حيث شاء وروي عن ابن عمر أنه قال من نذر جزورا نحرها حيث شاء وإذا ~~نذر بدنة نحرها بمكة وكذا روي عن الحسن وعطاء وكذا روي عن عبد الله بن محمد ~~ابن على وسالم وسعيد بن المسيب قالا إذا جعل على نفسه هديا فبمكة وإذا قال ~~بدنة فحيث نوى وقال مجاهد ليست البدن إلا بمكة وذهب أبو حنيفة أن البدنة ~~بمنزلة الجزور ولا يقتضي إهداءها إلى موضع فكان بمنزلة ناذر الجزور والشاة ~~ونحوها وأما الهدي فإنه يقتضي إهداءه إلى موضع وقال الله تعالى هديا بالغ ~~الكعبة فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي ويحتج لأبي يوسف بقوله تعالى والبدن ~~جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فكان اسم للبدنة مفيدا لكونها قربة ~~كالهدي إذ كان اسم الهدي يقتضي كونه قربة مجعولا لله فلما لم يجز الهدي إلا ~~بمكة كان كذلك حكم البدنة قال أبو بكر وهذا لا يلزم من قبل أنه ليس كل ما ~~كان ذبحه قربة فهو مختص بالحرم لأن الأضحية قربة وهي جائزة في سائر الأماكن ~~فوصفه للبدن بأنها من شعائر الله لا يوجب تخصيصها بالحرم قوله تعالى ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف روى يونس عن زياد قال رأيت ابن عمر ms2100 أتى على ~~رجل قد أناخ راحلته فنحرها وهي باركة فقال انحرها قياما مقيدة سنة أبي ~~القاسم صلى الله عليه وسلم وروى أيمن بن نابل عن طاوس في قوله تعالى ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف قياما وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال من ~~قرأ صواف فهي قائمة مضمومة يداها ومن قرأ صوافن قيام معقولة وروى الأعمش عن ~~أبي ظبيان عن ابن عباس قال قرأها صوافن قال معقولة يقول بسم الله والله ~~أكبر وروى الأعمش عن أبي الضحى قال سمعت ابن عباس وسئل عن هذه الآية صواف ~~قال قياما معقولة وروى جويبر عن الضحاك قال كان ابن مسعود يقرأها صوافن ~~وصوافن أن يعقل أحدى يديهما فتقوم على ثلاث وروى قتادة عن الحسن أنه قرأها ~~صوافي قال خالصة من الشرك وعن ابن عمر وعروة بن الزبير أنها تنحر مستقبلة ~~القبلة قال أبو بكر حصلت قراءة السلف لذلك على ثلاثة أنحاء أحدها صواف ~~بمعنى مصطفة قياما وصوافي # PageV05P080 # بمعنى خالصة لله تعالى وصوافن بمعنى معقلة في قيامها قوله تعالى فإذا ~~وجبت جنوبها روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم إذا سقطت وقال أهل ~~اللغة الوجوب هو السقوط ومنه وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب قال قيس بن ~~الخطيم: # أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب # يعني أول مقتول سقط على الأرض وكذلك البدن إذا نحرت قياما سقطت لجنوبها ~~وهذا يدل على أنه قد أراد بقوله صواف قياما لأنها إذا كانت باركة لا يقال ~~إنها تسقط إلا بالإضافة فيقال سقطت لجنوبها وإذا كانت قائمة ثم نحرت فلا ~~محالة يطلق عليها اسم السقوط وقد يقال للباركة إذا ماتت فانقلبت على الجنب ~~إنها سقطت لجنبها فاللفظ محتمل للأمرين إلا أن أظهر هما أن تكون قائمة ~~فتسقط لجنبها عند النحر وقوله تعالى فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها يدل على ~~أنه قد أريد بوجوبها لجنوبها موتها فهذا يدل على أنه ليس المراد سقوطها ~~فحسب وأنه إنما أراد سقوطها للموت فجعل وجوبها عبارة عن الموت وهذا يدل ms2101 على ~~أنه لا يجوز الأكل منها إلا بعد موتها ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميتة # وقوله تعالى فكلوا منها يقتضي إيجاب الأكل منها إلا أن أهل العلم متفقون ~~على أن الأكل منها غير واجب وجائز أن يكون مستحسنا مندوبا إليه # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل من البدن التي ساقها في حجة ~~الوداع وكان لا يأكل يوم الأضحى حتى يصلي صلاة العيد ثم يأكل من لحم أضحيته ~~وقال صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلث فكلوا وادخروا # وروى أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن علقمة قال بعث معي عبد الله بهديه ~~فقلت له ماذا تأمرني أن أصنع به قال إذا كان يوم عرفة فعرف به وإذا كان يوم ~~النحر فانحره صواف فإذا وجب لجنبه فكل ثلثا وتصدق بثلث وابعث إلى أهل أخي ~~ثلثا وروى نافع عن ابن عمر كان يفتي في النسك والأضحية ثلث لك ولأهلك وثلث ~~في جيرانك وثلث للمساكين وقال عبد الملك عن عطاء مثله قال وكل شيء من البدن ~~واجبا كان أو تطوعا فهو بهذه المنزلة إلا ما كان من جراد صيد أو فدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك أو نذر مسمى للمساكين # وقد روى طلحة ابن عمر وعن عطاء عن ابن مسعود قال أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نتصدق بثلثها ونأكل ثلثها ونعطي الجازر ثلثها # والجازر غلط لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلى لا تعطى الجازر منها شيئا # وجائز أن «6- أحكام مس» # PageV05P081 # يكون الجازر صحيحا وإنما أمرنا بإعطائه من غير أجرة الجزارة وإنما نهى أن ~~يعطى الجازر منها من أجرته ولما ثبت جواز الأكل منها دل ذلك على جواز ~~إعطائه الأغنياء لأن كل ما يجوز له أكله يجوز أن يعطي منه الغني كسائر ~~أمواله وإنما قدروا الثلث للصدقة على وجه الاستحباب لأنه لما جاز له أن ~~يأكل بعضه ويتصدق ببعضه ويهدي ms2102 بعضه على غير وجه الصدقة كان الذي حصل للصدقة ~~الثلث وقد قدمنا قبل ذلك أنه لما # قال صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا # وقال الله تعالى فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير حصل الثلث للصدقة ~~وقوله تعالى فكلوا منها عطفا على البدن يقتضي عمومه جواز الأكل من بدن ~~القران والتمتع لشمول اللفظ لها قوله تعالى وأطعموا القانع والمعتر قال أبو ~~بكر القانع قد يكون الراضي بما رزق والقانع السائل أخبرنا أبو عمر غلام ~~ثعلب قال أخبرنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال القناعة الرضا بما رزقه الله ~~تعالى ويقال من القناعة رجل قانع وقنع ومن القنوع رجل قانع لا غير قال أبو ~~بكر وقال الشماخ في القنوع: # لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع # واختلف السلف في المراد بالآية فروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا ~~القانع الذي لا يسئل والمعتر الذي يسئل وروي عن الحسن وسعيد بن جبير قالا ~~القانع الذي يسئل وروي عن الحسن قال المعتر يتعرض ولا يسئل وقال مجاهد ~~القانع جارك الغنى والمعتر الذي يعتريك من الناس قال أبو بكر إن كان القانع ~~هو الغني فقد اقتضت الآية أن يكون المستحب الصدقة بالثلث لأن فيها الأمر ~~بالأكل وإعطاء الغني وإعطاء الفقير الذي يسئل # قوله تعالى لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم قيل ~~في معناه لن يتقبل الله اللحوم ولا الدماء ولكن يتقبل التقوى منها وقيل لن ~~يبلغ رضا الله لحومها ولا دماءها ولكن يبلغه التقوى منكم وإنما قال ذلك ~~بيانا أنهم إنما يستحقون الثواب بأعمالهم إذ كانت اللحوم والدماء فعل الله ~~فلا يجوز أن يستحقوا بها الثواب وإنما يستحقونه بفعلهم الذي هو التقوى ~~ومجرى موافقة أمر الله تعالى بذبحها قوله تعالى كذلك سخرها لكم يعني ذللها ~~لتصريف العباد فيما يريدون منها خلاف السباع الممتنعة بما أعطيت من القوة ~~والآلة # قوله تعالى ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد قال مجاهد صوامع الرهبان والبيع كنائس اليهود وقال ms2103 الضحاك # PageV05P082 # صلوات كنائس اليهود ويسمونها صلوتا وقيل إن الصلوات مواضع صلوات المسلمين ~~مما في منازلهم وقال بعضهم لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع في ~~أيام شريعة عيسى عليه السلام وبيع في أيام شريعة موسى عليه السلام ومساجد ~~في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وقال الحسن يدفع عن هدم مصليات أهل ~~الذمة بالمؤمنين قال أبو بكر في الآية دليل على أن هذه المواضع المذكورة لا ~~يجوز أن تهدم على من كان له ذمة أو عهد من الكفار وأما في دار الحرب فجائز ~~لهم أن يهدموها كما يهدمون سائر دورهم وقال محمد بن الحسن في أرض الصلح إذا ~~صارت مصرا للمسلمين لم يهدم ما كان فيها من بيعة أو كنيسة أو بيت نار وأما ~~ما فتح عنوة وأقر أهلها عليها بالجزية فإنه ما صار منها مصرا للمسلمين ~~فإنهم يمنعون من فيها الصلاة في بيعهم وكنائسهم ولا تهدم عليهم ويؤمرون بأن ~~يجعلوها إن شاءوا بيوتا مسكونة # قوله تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة قال أبو ~~بكر هذه صفة الذين أذن لهم في القتال بقوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا- إلى قوله- الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق- إلى قوله- الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر وهذه صفة المهاجرين لأنهم الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق فأخبر ~~تعالى أنه إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر وهو صفة الخلفاء الراشدين الذين مكنهم الله في الأرض وهم ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وفيه الدلالة الواضحة على صحة ~~إمامتهم لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مكنوا في الأرض قاموا بفروض الله ~~عليهم وقد مكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا أئمة القائمين بأوامر الله منتهين ~~عن زواجره ونواهيه ولا يدخل معاوية في هؤلاء لأن الله إنما وصف بذلك ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وليس معاوية من المهاجرين بل هو من ~~الطلقاء # قوله تعالى وما أرسلنا من ms2104 قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته الآية # روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس أن ~~السبب في نزول هذه الآية أنه لما تلا النبي صلى الله عليه وسلم أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان في تلاوته: # تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى # PageV05P083 # وقد اختلف في معنى ألقى الشيطان فقال قائلون لما تلا النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذه السورة وذكر فيها الأصنام علم الكفار أنه يذكرها بالذم والعيب ~~فقال قائل منهم حين بلغ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى أفرأيتم ~~اللات والعزى تلك الغرانيق العلى وذلك بحضرة الجمع الكثير من قريش في ~~المسجد الحرام فقال سائر الكفار الذين كانوا بالبعد منه إن محمدا قد مدح ~~آلهتنا وظنوا أن ذلك كان في تلاوته فأبطل الله ذلك من قولهم وبين أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يتله وإنما تلاه بعض المشركين وسمى الذي ألقى ذلك في ~~حال تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم شيطانا لأنه كان من شياطين الإنس كما ~~قال تعالى شياطين الإنس والجن والشيطان اسم لكل متمرد عات من الجن والإنس ~~وقيل إنه جائز أن يكون شيطانا من شياطين الجن وقال ذلك عند تلاوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومثل ذلك جائز في أزمان الأنبياء عليهم السلام كما حكى الله ~~تعالى عنه بقوله وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم ~~إني أرى ما لا ترون وإنما قال ذلك إبليس حين تصور في صورة سراقة بن مالك ~~لقريش وهم يريدون الخروج إلى بدر وكما تصور في صورة الشيخ النجدي حين ~~تشاورت قريش في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكان مثل ذلك ~~جائزا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لضرب من التدبير فجائز أن يكون الذي ~~قال ذلك شيطانا فظن القوم ms2105 أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وقال بعضهم ~~جائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم بذلك على سبيل السهو الذي ~~لا يعرى منه بشر فلا يلبث أن ينبهه الله عليه وأنكر بعض العلماء ذلك وذهب ~~إلى أن المعنى أن الشيطان كان يلقي وساوسه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يشغله عن بعض ما يقول فيقرأ غلطا في القصص المتشابهة نحو قصة موسى عليه ~~السلام وفرعون في مواضع من القرآن مختلفة الألفاظ فكان المنافقون والمشركون ~~ربما قالوا قد رجع عن بعض ما قرأ وكان ذلك يكون منه على طريق السهو فنبهه ~~الله تعالى عليه فأما الغلط في قراءة تلك الغرانيق فإنه غير جائز وقوعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما لا يجوز وقوع الغلط على بعض القرآن بإنشاد ~~شعر في أضعاف التلاوة على أنه من القرآن # وروي عن الحسن أنه لما تلا ما فيه ذكر الأصنام قال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما هي عندكم كالغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى في قولكم # على جهة النكير عليهم # قوله تعالى لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر قيل إن ~~المنسك الموضع المعتاد لعمل خير أو شر وهو المألف # PageV05P084 # لذلك ومناسك الحج مواضع العبادات فيه فهي متعبدات الحج وقال ابن عباس ~~منسكا عيدا وقال مجاهد وقتادة متعبدا في إراقة الدم بمنى وغيره وقال عطاء ~~ومجاهد أيضا وعكرمة ذبائح هم ذابحوه وقيل إن المنسك جميع العبادات التي أمر ~~الله بها # قال أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الأضحى فقال إن أول نسكنا في يومنا هذا ~~الصلاة ثم الذبح # فجعل الصلاة والذبح جميعا نسكا وهذا يدل على أن اسم النسك يقع على جميع ~~العبادات إلا أن الأظهر الأغلب في العادة عند الإطلاق الذبح على وجه القربة ~~قال الله تعالى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # وليس يمتنع أن يكون ms2106 المراد جميع العبادات ويكون الذبح أحد ما أريد بالآية ~~فيوجب ذلك أن يكونوا مأمورين بالذبح لقوله تعالى فلا ينازعنك في الأمر وإذ ~~كنا مأمورين بالذبح ساغ الاحتجاج به في إيجاب الأضحية لوقوعها عامة في ~~الموسرين كالزكاة ولو جعلناه على الذبح الواجب في الحج كان خاصا في دم ~~القران والمتعة إذ كانا نسكين في الحج دون غيرهما من الدماء إذ كانت سائر ~~الدماء في الحج إنما يجب على جهة جبران نقص وجناية فلا يكون إيجابه على وجه ~~ابتداء العبادة به وقوله تعالى جعلنا منسكا هم ناسكوه يقتضي ظاهره ابتداء ~~إيجاب العبادة به واختلف السلف وفقهاء الأمصار في وجوب الأضحية فروى الشعبي ~~عن أبي سريحة قال رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان وقال عكرمة كان ابن عباس ~~يبعثني يوم الأضحى درهمين أشتري له لحما ويقول من لقيت فقل هذه أضحية ابن ~~عباس وقال ابن عمر ليست بحتم ولكن سنة ومعروف وقال أبو مسعود الأنصاري إني ~~لأدع الأضحى وأنا موسر مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي وقال إبراهيم ~~النخعي الأضحية واجبة إلا على مسافر وروي عنه أنه قال كانوا إذا شهدوا ضحوا ~~وإذا سافروا لم يضحوا وروى يحيى بن يمان عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول ~~قال الأضحية واجبة وقال أبو حنيفة ومحمد وزفر الأضحية واجبة على أهل اليسار ~~من أهل الأمصار والقرى المقيمين دون المسافرين ولا أضحية على المسافر وإن ~~كان موسرا وحد اليسار في ذلك ما تجب فيه صدقة الفطر وروي عن أبي يوسف مثل ~~ذلك وروى عنه أنها ليست بواجبة وهي سنة وقال مالك بن أنس على الناس كلهم ~~أضحية المسافر والمقيم ومن تركها من غير عذر فبئس ما صنع وقال الثوري ~~والشافعي ليست بواجبة وقال الثوري لا بأس بتركها وقال عبد الله بن # PageV05P085 # الحسن يؤثر بها أباه أحب إلي من أن يضحي قال أبو بكر ومن يوجبها يحتج له ~~بهذه الآية ويحتج له بقوله قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك ms2107 أمرت قد اقتضى الأمر بالأضحية لأن النسك في هذا ~~الموضع المراد به الأضحية ويدل عليه ما # روى سعيد بن جبير عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا ~~فاطمة اشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب عملتيه وقولي إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين # وروي أن عليا رضي الله عنه كان يقول عند ذبح الأضحية إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله # الآية # وقال أبو بردة بن نيار يوم الأضحى يا رسول الله إني عجلت بنسكي # وقال صلى الله عليه وسلم إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح # فدل ذلك على أن هذا النسك قد أريد به الأضحية وأخبر أنه مأمور به بقوله ~~وبذلك أمرت والأمر يقتضي الوجوب ويحتج فيه بقوله فصل لربك وانحر # قد روي أنه أراد صلاة العيد وبالنحر الأضحية # والأمر يقتضي الإيجاب وإذا وجب على النبي صلى الله عليه وسلم فهو واجب ~~علينا لقوله تعالى فاتبعوه وقوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ويحتج ~~للقائلين بإيجابها من جهة الأثر # بما رواه زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش قال حدثني الأعرج عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له يسار فلم يضح فلا ~~يقر بن مصلانا # وقد رواه غير زيد بن الحباب مرفوعا جماعة منهم يحيى بن سعيد حدثنا عبد ~~الباقي بن قانع قال حدثنا عباس بن الوليد بن المبارك قال حدثنا الهيثم بن ~~خارجة قال حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قدر على سعة فلم يضح فلا يقربن ~~مصلانا # ورواه يحيى بن يعلى أيضا مرفوعا حدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن ~~إسحاق قال حدثنا أحمد بن النعمان الفراء قال حدثنا يحيى بن يعلى عن عبد ~~الله بن عياش أو عباس عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول ms2108 الله صلى الله ~~عليه وسلم من وجد سعة فلم يضح فلا يقر بن مسجدنا # ورواه عبيد الله بن أبي جعفر عن الأعرج عن أبي هريرة قال من وجد سعة فلم ~~يضح فلا يقربن مصلانا ويقال إن عبيد الله بن أبي جعفر فوق ابن عياش في ~~الضبط والجلالة فوقفه على أبي هريرة ولم يرفعه ويقال إن الصحيح أنه موقوف ~~عليه غير مرفوع ويحتج لإيجابها أيضا # بحديث أبي رملة الحنفي عن مخنف بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال على كل أهل بيت في عام أضحية وعتيرة # قال أبو بكر والعتيرة # PageV05P086 # منسوخة بالاتفاق وهي أنهم كانوا يصومون رجب ثم يعترون وهي الرجبية وقد ~~كان ابن سيرين وابن عون يفعلانه ولم تقم الدلالة على نسخ الأضحية فهي واجبة ~~بمقتضى الخبر إلا أنه ذكر في هذا الحديث على كل أهل بيت أضحية ومعلوم أن ~~الواجب من الأضحية لا يجزى عن أهل البيت وإنما يجزى عن واحد فيدل ذلك على ~~أنه لم يرد الإيجاب ومما يحتج لموجبيها # ما حدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن أبي عون البزوري قال حدثنا أبو ~~معمر إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن مجاهد عن الشعبي ~~عن جابر والبراء بن عازب قالا قام النبي صلى الله عليه وسلم على منبره يوم ~~الأضحى فقال من صلى معنا هذه الصلاة فليذبح بعد الصلاة فقام أبو بردة بن ~~نيار فقال يا رسول الله إني ذبحت ليأكل معنا أصحابنا إذا رجعنا قال ليس ~~بنسك قال عندي جذعة من المعز قال تجزي عنك ولا تجزي عن غيرك # فيستدل من هذا الخبر بوجوه على الوجوب أحدها # قوله صلى الله عليه وسلم من صلى معنا هذه الصلاة وشهد معنا فليذبح بعد ~~الصلاة # وهو أمر بالذبح يقتضي ظاهره الوجوب والوجه الثاني # قوله صلى الله عليه وسلم تجزي عنك ولا تجزي عن غيرك # ومعناه تقضي عنك لأنه يقال جزى عني كذا بمعنى قضى عني والقضاء لا يكون ~~إلا عن واجب فقد اقتضى ذلك ms2109 الوجوب ومن جهة أخرى أن # في بعض ألفاظ هذا الحديث فمن ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته وفي بعضها أنه ~~قال لأبي بردة أعد أضحيتك # ومن يأبى ذلك يقول إن # قوله صلى الله عليه وسلم من صلى معنا هذه الصلاة وشهد معنا فليذبح # يدل على أنه لم يرد الإيجاب لأن وجوبها لا يتعلق بشهود الصلاة عند الجميع ~~ولما عم الجميع ولم يخصص به الأغنياء دل على أنه أراد الندب وأما # قوله تجزي عنك # فإنما أراد به جواز قربة والجواز والقضاء على ضربين أحدهما جواز قربة ~~والآخر جواز فرض فليس في ظاهر إطلاق لفظ الجواز والقضاء دلالة على الوجوب ~~وأيضا يحتمل أن يكون أبو بردة قد كان أوجب الأضحية نذرا فأمره بالإعادة ~~فإذا ليس فيما خاطب به أبو بردة دلالة على الوجوب لأنه حكم في شخص معين ليس ~~بعموم لفظ في إيجابها على كل أحد فإن قيل لو أراد القضاء عن واجب لسأله عن ~~قيمته ليوجب عليه مثله قيل له قد قال أبو بردة إن عندي جذعة خير من شاتي ~~لحم فكانت الجذعة خيرا من الأولى ومما يحتج به على الوجوب من طريق النظر ~~اتفاق الجميع على لزومها بالنذر فلولا أن لها أصلا في الوجوب لما لزمت ~~بالنذر كسائر الأشياء التي ليس لها أصل في الوجوب فلا تلزم بالنذر ومما ~~يحتج به للوجوب # PageV05P087 # ما روى جابر الجعفي عن أبي جعفر قال نسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها ونسخت ~~الزكاة كل زكاة كانت قبلها ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله ونسخ غسل ~~الجنابة كل غسل كان قبله قالوا فهذا يدل على وجوب الأضحى لأنه نسخ به ما ~~كان قبله ولا يكون المنسوخ به إلا واجبا ألا ترى أن كل ما ذكره أنه ناسخ ~~لما قبله فهو فرض أو واجب قال أبو بكر وهذا عندي لا يدل على الوجوب لأن نسخ ~~الواجب هو بيان مدة الوجوب فإذا بين بالنسخ أن مدة الإيجاب كانت إلى هذا ~~الوقت لم يكن في ذلك ما يقتضي إيجاب ms2110 شيء آخر ألا ترى أنه لو قال قد نسخت ~~عنكم العتيرة والعقيقة وسائر الذبائح التي كانت تفعل لم تكن فيه دلالة على ~~وجوب ذبيحة أخرى فليس إذا في قوله نسخت الأضحية كل ذبيحة كانت قبلها دلالة ~~على وجوب الأضحية وإنما فائدة ذكر النسخ في هذا الموضع بالأضحية أنه بعد ما ~~ندبنا إلى الأضحية لم تكن هناك ذبيحة أخرى واجبة ومما يحتج به من نفى ~~وجوبها # ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال حدثنا ~~عبد العزيز بن الخطاب قال حدثنا مندل بن علي عن أبي حباب عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى علي فريضة وهو عليكم سنة # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا سعيد بن محمد أبو عثمان الأنجدانى قال حدثنا ~~الحسن بن حماد قال حدثنا عبد الرحيم بن سليم عن عبد الله بن محرز عن قتادة ~~عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بالأضحى والوتر ~~ولم تعزم علي # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن علي بن العباس الفقيه قال حدثنا عبد ~~الله بن عمر قال حدثنا محمد بن عبد الوارث قال حدثنا أبان عن عكرمة عن ابن ~~عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث هن علي فريضة ولكم تطوع الأضحى ~~والوتر والضحى # ففي هذه الأخبار أنها ليست بواجبة علينا إلا أن الأخبار لو تعارضت لكانت ~~الأخبار المقتضية للإيجاب أولى بالاستعمال من وجهين أحدهما أن الإيجاب طارئ ~~على إباحة الترك والثاني أن فيه حظر الترك وفي نفيه إباحة الترك والحظر ~~أولى من الإباحة ومما يحتج به في نفي الوجوب # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد قال حدثنا هارون بن عبد الله ~~قال حدثنا عبد الله بن يزيد قال حدثني سعيد بن أيوب قال حدثني عياش ~~القتباني عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال أمرت ms2111 بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة فقال ~~رجل أرأيت إن لم أجد إلا منيحة إننى أفأضحي بها قال لا # PageV05P088 # ولكن تأخذ من شعرك وأظفارك وتقص شاربك وتحلق عانتك فتلك تمام أضحيتك عند ~~الله عز وجل # فلما جعل هذه الأشياء بمنزلة الأضحية دل على أن الأضحية غير واجبة إذ كان ~~فعل هذه الأشياء غير واجب # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثني إبراهيم بن موسى الرازي ~~قال حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش عن جابر بن عبد ~~الله قال ذبح النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر كبشين أقرنين أملحين ~~موجئين فلما وجههما قال إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض على ملة ~~إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم منك ولك عن محمد ~~وأمته باسم الله والله أكبر ثم ذبح # قالوا ففي ذبحه عن الأمة دلالة على أنها غير واجبة لأنها لو كانت واجبة ~~لم تجز شاة عن جميع الأمة قال أبو بكر وهذا لا ينفي الوجوب لأنه تطوع بذلك ~~وجائز أن يتطوع عمن قد وجب عليه كما يتطوع الرجل عن نفسه ولا يسقط ذلك عنه ~~وجوب ما يلزمه ومما يحتج من نفى الوجوب ما قدمنا روايته عن السلف من نفي ~~إيجابه وفيه الدلالة من وجهين على ذلك أحدهما أنه لم يظهر من أحد من ~~نظرائهم من السلف خلافه وقد استفاض عمن ذكرنا قولهم من السلف نفي إيجابه ~~والثاني أنه لو كان واجبا مع عموم الحاجة إليه لوجب أن يكون من النبي صلى ~~الله عليه وسلم توقيف لأصحابه على وجوبه ولو كان كذلك لورد النقل به ~~مستفيضا متواترا وكان لا أقل من أن يكون وروده في وزن ورود إيجاب صدقة ~~الفطر لعموم الحاجة إليه وفي عدم النقل المستفيض فيه دلالة على نفي الوجوب ~~ويحتج فيه بأنه لو كان واجبا وهو حق في مال لما ms2112 اختلف حكم المقيم والمسافر ~~فيه كصدقة الفطر فلما لم يوجبه أبو حنيفة على المسافر دل على أنه غير واجب ~~ويحتج فيه أيضا بأنه لو كان واجبا وهو حق في مال لما أسقطه مضي الوقت فلما ~~اتفق الجميع على أنه يسقط بمضي أيام النحر دل على أنه غير واجب إذ كانت ~~سائر الحقوق الواجبة في الأموال نحو الزكاة وصدقة الفطر والعشر ونحوها لا ~~يسقطها مضي الأوقات # قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده- إلى قوله- ملة أبيكم إبراهيم قيل ~~معناه جاهدوا في الله حق جهاده واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم ولذلك نصب وقال ~~بعضهم نصب لأنه أراد كملة أبيكم إلا أنه لما حذف الجار اتصل الاسم بالفعل ~~فنصب قال أبو بكر وفي هذه الآية دلالة على أن علينا اتباع شريعة إبراهيم ~~إلا ما ثبت # PageV05P089 # نسخه على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم وقيل إنه إنما قال ملة أبيكم ~~إبراهيم لأنها داخلة في ملة نبينا صلى الله عليه وسلم وإن كان المعنى أنه ~~كملة أبيكم إبراهيم فإنه يعني أن الجهاد في الله حق جهاده كملة أبيكم ~~إبراهيم عليه السلام لأنه جاهد في الله حق جهاده وقال ابن عباس وجاهدوا في ~~الله حق جهاده جاهدوا المشركين وروي عن ابن عباس أيضا لا تخافوا في الله ~~لومة لائم وهو الجهاد في الله حق جهاده وقال الضحاك يعني اعملوا بالحق لله ~~عز وجل قوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج قال ابن عباس من ضيق ~~وكذلك قال مجاهد ويحتج به في كل ما اختلف فيه من الحوادث أن ما أدى إلى ~~الضيق فهو منفي وما أوجب التوسعة فهو أولى وقد قيل وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج أنه من ضيق لا مخرج منه وذلك لأن منه ما يتخلص منه بالتوبة ومنه ما ~~ترد به المظلمة فليس في دين الإسلام مالا سبيل إلى الخلاص من عقوبته وقوله ~~ملة أبيكم إبراهيم الخطاب لجميع المسلمين وليس كلهم راجعا بنسبه إلى أولاد ~~إبراهيم فروي عن الحسن أنه أراد أن ms2113 حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد ~~على الولد كما قال تعالى وأزواجه أمهاتهم وفي بعض القراءات وهو أب لهم قوله ~~تعالى هو سماكم المسلمين من قبل قال ابن عباس ومجاهد يعني أن الله سماكم ~~المسلمين وقيل إن إبراهيم سماكم المسلمين لقوله تعالى حاكيا عن إبراهيم ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وقوله تعالى من قبل وفي هذا قال مجاهد من قبل القرآن ~~وفي القرآن وقوله تعالى هو اجتباكم يدل على أنهم عدول مرضيون وفي ذلك بطلان ~~طعن الطاعنين عليهم إذ كان الله لا يجتبي إلا أهل طاعته واتباع مرضاته وفي ~~ذلك مدح للصحابة المخاطبين بذلك ودليل على طهارتهم قوله تعالى ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فيه الدلالة على صحة إجماعهم لأن ~~معناه ليكون الرسول شهيدا عليكم بطاعة من أطاع في تبليغه وعصيان من عصى ~~وتكونوا شهداء على الناس بأعمالهم فيما بلغتموهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم ~~وهذه الآية نظير قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا فبدأ بمدحهم ووصفهم بالعدالة ثم أخبر أنهم ~~شهداء وحجة على من بعدهم كما قال هنا هو اجتباكم- إلى قوله- وتكونوا شهداء ~~على الناس قوله تعالى وافعلوا الخير ربما يحتج به المحتج في إيجاب قربة ~~مختلف في وجوبها وهذا عندنا لا يصح الاحتجاج به في إيجاب شيء ولا يصح ~~اعتقاد العموم # PageV05P090 # فيه. آخر سورة الحج. ### | سورة المؤمنين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون # روى ابن عوف عن محمد بن سيرين قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ~~رفع رأسه إلى السماء فلما نزلت الذين هم في صلاتهم خاشعون نكس رأسه # وروى هشام عن محمد قال لما نزلت الذين هم في صلاتهم خاشعون خفضوا أبصارهم ~~فكان الرجل يحب أن لا يجاوز بصره موضع سجوده وروي عن جماعة الخشوع في ~~الصلاة أن لا يجاوز بصره موضع سجوده وروي عن إبراهيم ومجاهد والزهري الخشوع ~~السكون وروى المسعودي عن أبي سنان ms2114 عن رجل منهم قال سئل علي عن قوله الذين ~~هم في صلاتهم خاشعون قال الخشوع في القلب وأن تلين كتفك للمرء المسلم ولا ~~تلتفت في صلاتك وقال الحسن خاشعون خائفون قال أبو بكر الخشوع ينتظم هذه ~~المعاني كلها من السكون في الصلاة والتذلل وترك الالتفات والحركة والخوف من ~~الله تعالى # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اسكنوا في الصلاة وكفوا ~~أيديكم في الصلاة # وقال أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا # وأنه نهى عن مس الحصى في الصلاة # وقال إذا قام الرجل يصلي فإن الرحمة تواجهه فإذا التفت انصرفت عنه # وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلمح ~~في الصلاة ولا يلتفت # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو توبة قال حدثنا ~~معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام قال حدثني السلوى أنه حدثه ~~سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وذكر ~~الحديث إلى قوله من يحرسنا الليلة قال أنس بن أبي مرثد الغنوي أنا يا رسول ~~الله قال فاركب فركب فرسا له فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا ~~يغرن من قبلك الليلة فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~مصلاه فركع ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم قالوا يا رسول الله ما أحسسناه ~~فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب ~~حتى إذا قضى صلاته وسلم قال أبشروا فقد جاءكم فارسكم # فأخبر في هذا الحديث أنه كان يلتفت إلى الشعب وهو في # PageV05P091 # الصلاة وهذا عندنا كان عذرا من وجهين أحدهما أنه لم يأمن من مجيء العدو ~~من تلك الناحية والثاني اشتغال قلبه بالفارس إلى أن طلع وروى عن إبراهيم ~~النخعي أنه ms2115 كان يلحظ في الصلاة يمينا وشمالا وروى حماد بن سلمة عن حميد عن ~~معاوية بن قرة قال قيل لابن عمر إن كان الزبير إذا صلى لم يقل هكذا ولا ~~هكذا قال لكنا نقول هكذا وهكذا ونكون مثل الناس وروى عن ابن عمر أنه كان لا ~~يلتفت في الصلاة فعلمنا أن الالتفات المنهي عنه أن يولي وجهه يمنة ويسرة ~~فأما أن يلحظ يمنة ويسرة فإنه غير منهي عنه وروى سفيان عن الأعمش قال كان ~~ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة كأنه ثوب ملقى وروى أبو مجلن عن أبي عبيدة ~~قال كان ابن مسعود إذا قام إلى الصلاة خفض فيها صوته وبدنه وبصره وروى علي ~~بن صالح عن زبير اليامى قال كان أراد أن يصلي كأنه خشبة # قوله تعالى والذين هم عن اللغو معرضون واللغو هو الفعل الذي لا فائدة فيه ~~وما كان هذا وصفه من القول والفعل فهو محظور وقال ابن عباس اللغو الباطل ~~والقول الذي لا فائدة فيه هو الباطل وإن كان الباطل قد يبتغى به فوائد ~~عاجلة # قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون يجوز أن يكون المراد عاما في الرجال ~~والنساء لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر كقوله قد أفلح المؤمنون ~~الذين هم في صلاتهم خاشعون قد أريد به الرجال والنساء ومن الناس من يقول إن ~~قوله والذين هم لفروجهم حافظون خاص في الرجال # بدلالة قوله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم وذلك لا محالة ~~أريد به الرجال قال أبو بكر وليس يمتنع أن يكون اللفظ الأول عاما في الجميع ~~والاستثناء خاص في الرجال كقوله ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ثم قال وإن ~~جاهداك لتشرك بي فالأول عموم في الجميع والعطف في بعض ما انتظمه اللفظ ~~وقوله والذين هم لفروجهم حافظون عام لدلالة الحال عليه وهو حفظها من مواقعة ~~المحظور بها # قوله تعالى فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون يقتضي تحريم نكاح ~~المتعة إذ ليست بزوجة ولا مملوكة يمين وقد بينا ذلك في سورة النساء في ms2116 قوله ~~وراء ذلك معناه غير ذلك وقوله العادون يعني من يتعدى الحلال إلى الحرام ~~فأما قوله إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم استثناء من الجملة المذكورة ~~لحفظ الفروج وإخبار عن إباحة وطء الزوجة وملك اليمين فاقتضت الآية حظر ما ~~عدا هذين الصنفين في الزوجات وملك الأيمان ودل بذلك على إباحة وطء الزوجات # PageV05P092 # وملك اليمين لعموم اللفظ فيهن فإن قيل لو كان ذلك عموما في إباحة وطئهن ~~لوجب أن يجوز ووطؤهن في حال الحيض ووطء الأمة ذات الزوجة والمعتدة من وطء ~~بشبهة ونحو ذلك قيل له قد اقتضى عموم اللفظ إباحة وطئهن في سائر الأحوال ~~إلا أن الدلالة قد قامت على تخصيص من ذكرت كسائر العموم إذا خص منه شيء لم ~~يمنع ذلك بقاء حكم العموم فيما لم يخص وملك اليمين متى أطلق عقل به الأمة ~~والعبد المملوكان ولا يكاد يطلق ملك اليمين في غير بني آدم لا يقال للدار ~~والدابة ملك اليمين وذلك لأن ملك العبد والأمة أخص من ملك غيرهما ألا ترى ~~أنه يملك التصرف في الدار بالنقض والبناء ولا يملك ذلك في بني آدم ويجوز ~~عارية الدار وغيرها من العروض ولا يجوز عارية الفروج # قوله تعالى والذين هم على صلواتهم يحافظون روي عن جماعة من السلف في قوله ~~تعالى يحافظون قالوا فعلها في الوقت # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس التفريط في النوم إنما ~~التفريط أن يترك الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى # وقال مسروق الحفاظ على الصلاة فعلها لوقتها وقال إبراهيم النخعي يحافظون ~~دائمون وقال قتادة يحافظون على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها قال أبو ~~بكر المحافظة عليها مراعاتها للتأدية في وقتها على استكمال شرائطها وجميع ~~المعاني التي تأول عليها السلف المحافظة هي مرادة بالآية وأعاد ذكر الصلاة ~~لأنه مأمور بالمحافظة عليها كما هو بالخشوع فيها # قوله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة الآية # روى وكيع عن مالك بن مغول عن عبد الرحمن بن سعيد ابن وهب عن عائشة قالت ~~قلت يا رسول ms2117 الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أهو الرجل يشرب الخمر ~~ويسرق قال لا يا عائشة ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه # وروى جرير عن ليث عمن حدثه عن عائشة وعن ابن عمر يؤتون ما آتوا قال ~~الزكاة ويروى عن الحسن قال لقد أدركت أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم ~~أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها # قوله تعالى أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون الخيرات هنا الطاعات ~~يسارع إليها أهل الإيمان بالله ويجتهدون في السبق إليها رغبة فيها وعلما ~~بما لهم بها من حسن الجزاء وقوله وهم لها سابقون قال ابن عباس سبقت لهم ~~السعادة وقال غيره وهم من أهل الخيرات سابقون إلى الجنة وقال آخرون وهم إلى ~~الخيرات سابقون # قوله تعالى ولهم أعمال من دون ذلك قال # PageV05P093 # قتادة وأبو العالية خطايا من دون الحق وعن الحسن ومجاهد أعمال لهم من دون ~~ما هم عليه لا بد من أن يعملوها # وقوله تعالى مستكبرين به سامرا تهجرون قرئ بفتح التاء وضم الجيم وقرئ بضم ~~التاء وكسر الجيم فقيل في تهجرون قولان أحدهما قول ابن عباس تهجرون الحق ~~بالإعراض عنه وقال مجاهد وسعيد بن جبير تقولون الهجر وهو السيئ من القول ~~ومن قرأ تهجرون فليس إلا من الهجر عن ابن عباس وغيره يقال أهجر المريض إذا ~~هدأ ووحد سامرا وإن كان المراد السمار لأنه في موضع المصدر كما يقال قوموا ~~قياما وقيل إنما وحد لأنه في موضع الوقت بتقدير ليلا تهجرون وكانوا يسمرون ~~بالليل حول الكعبة وقد اختلف في السمر # فروى شعبة عن أبي المنهال عن أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها # وروى شعبة عن منصور عن خيثمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لا سمر إلا لرجلين مصل أو مسافر # وعن ابن عمر أنه كان ينهى عن السمر بعد العشاء وأما الرخصة فيه فما # روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة ms2118 قال قال عمر كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يزال يسمر الليلة عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين # وكان ابن عباس يسمر بعد العشاء وكذلك عمر وبن دينار وأيوب السختياني إلى ~~نصف الليل. آخر سورة المؤمنين. ### | سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قال أبو ~~بكر لم يختلف السلف في أن حد الزانيين في أول الإسلام ما قال الله تعالى ~~واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم- إلى قوله- ~~والذان يأتيانها منكم فآذوهما فكان حد المرأة الحبس والأذى بالتعيير وكان ~~حد الرجل التعيير ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ونسخ عن المحصن بالرجم وذلك لأن # في حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل ~~الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد ~~والرجم # فكان ذلك عقيب الحبس والأذى المذكورين في قوله واللاتي يأتين الفاحشة من ~~نسائكم- إلى قوله- أو يجعل الله لهن سبيلا وذلك لتنبيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم إيانا على أن ما ذكره # PageV05P094 # من ذلك هو السبيل المراد بالآية ومعلوم أنه لم تكن بينهما واسطة حكم آخر ~~لأنه لو كان كذلك لكان السبيل المجعول لهن متقدما لقوله صلى الله عليه وسلم ~~بحديث عبادة أن المراد بالسبيل هو ما ذكره دون غيره وإذا كان كذلك كان ~~الأذى والحبس منسوخين عن غير المحصن بالآية وعن المحصن بالسنة وهو الرجم ~~واختلف أهل العلم في حد المحصن وغير المحصن في الزنا فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد يرجم المحصن ولا يجلد ويجلد غير المحصن وليس نفيه بحد ~~وإنما هو موكول إلى رأي الإمام إن رأى نفيه للدعارة فعل كما يجوز حبسه حتى ~~يحدث توبة وقال ابن أبي ليلى ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح لا ~~يجتمع الجلد والرجم مثل قول أصحابنا واختلفوا في النفي بعد الجلد فقال ابن ~~أبي ليلى ms2119 ينفى البكر بعد الجلد وقال مالك ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا ~~العبد ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه وقال الثوري والأوزاعي والحسن ~~بن صالح والشافعي ينفى الزاني وقال الأوزاعي ولا تنفى المرأة وقال الشافعي ~~ينفى العبد نصف سنة والدليل على أن نفى البكر الزاني ليس بحدان قوله تعالى ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة يوجب أن يكون هذا هو الحد ~~المستحق بالزنا وأنه كمال الحد فلو جعلنا النفي حدا معه لكان الجلد بعض ~~الحد وفي ذلك إيجاب نسخ الآية فثبت أن النفي إنما هو تعزير وليس بحد ومن ~~جهة أخرى أن الزيادة في النص غير جائزة إلا بمثلي ما يجوز به النسخ وأيضا ~~لو كان النفي حدا مع الجلد لكان من النبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوته ~~توقيف للصحابة عليه لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جميع حده ~~ولو كان كذلك لكان وروده في وزن ورود نقل الآية فلما لم يكن خبر النفي بهذه ~~المنزلة بل كان ومن طريق الآحاد ثبت أنه ليس بحد وقد روي عن عمر أنه غرب ~~ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهر قل فقال عمر لا أغرب ~~بعدها أحدا ولم يستثن الزنا # وروي عن علي أنه قال في البكرين إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان وإن نفيهما ~~من الفتنة # وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها وقال ~~إبراهيم النخعي كفى بالنفي فتنة فلو كان النفي ثابتا مع الجلد على أنهما حد ~~الزاني لما خفي على كبراء الصحابة ويدل على ذلك ما # روى أبو هريرة وشبل وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~الأمة إذا زنت فليجلدها فإن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو ~~بضفير # وقد حوى هذا الخبر الدلالة من وجهين على صحة قولنا أحدهما # PageV05P095 # أنه لو كان النفي ثابتا لذكره مع الجلد والثاني أن الله تعالى قال ms2120 فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب فإذا كان جلد الأمة نصف ~~حد الحرة وأخبر صلى الله عليه وسلم في حدها بالجلد دون النفي دل ذلك على أن ~~حد الحرة هو الجلد ولا نفي فيه فإن قيل إنما أراد بذلك التأديب دون الحد ~~وقد روي عن ابن عباس أن الأمة إذا زنت قبل أن تحصن أنه لا حد عليها لقوله ~~تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب قيل ~~له # قد روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها قال ذلك ثلاث مرات ~~ثم قال في الثالثة أو الرابعة ثم ليبعها ولو بضفير # وقوله صلى الله عليه وسلم بعها ولو بضفير # يدل على أنها لا تنفى لأنه لو وجب نفيها لما جاز بيعها إذ لا يمكن ~~المشتري تسلمها لأن حكمها أن تنفى فإن قيل # في حديث شعبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة بن الصامت ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ~~البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر يجلد وينفى والثيب يجلد ويرجم # وروى الحسن عن قبيصة بن ذؤيب عن سلمة بن المحبق عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مثله وحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن ~~خالد أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن ابني ~~كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديته منه بوليدة ومائة شاة ثم أخبرني ~~أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فاقض ~~بيننا بكتاب الله تعالى فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ~~لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليدة فرد عليك وأما ابنك فإن عليه ~~جلد مائة وتغريب عام ثم قال لرجل من أسلم اغد ms2121 يا أنيس على امرأة هذا فإن ~~اعترفت فارجمها # قيل له غير جائز أن تزيد في حكم الآية بأخبار الآحاد لأنه يوجب النسخ لا ~~سيما مع إمكان استعمالها على وجه لا يوجب النسخ فالواجب إذا كان هكذا حمله ~~على وجه التعزير لا أنه حد مع الجلد فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية فرأى ردعهم بالنفي بعد ~~الجلد كما أمر بشق روايات الخمر وكسر الأواني لأنه أبلغ في الزجر وأحرى ~~بقطع العادة وأيضا فإن حديث عبادة وارد لا محالة قبل آية الجلد وذلك لأنه ~~قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا فلو كانت الآية قد نزلت قبل ذلك لكان ~~السبيل مجعولا قبل ذلك ولما كان الحكم مأخوذا عنه بل عن الآية فثبت بذلك أن ~~آية الجلد # PageV05P096 # إنما نزلت بعد ذلك وليس فيها ذكر النفي فوجب أن يكون ناسخا لما في حديث ~~عبادة من النفي إن كان النفي حدا ومما يدل على أن النفي على وجه التعزير ~~وليس بحد أن الحدود معلومة المقادير والنهايات ولذلك سميت حدودا لا تجوز ~~الزيادة عليها ولا النقصان منها فلما لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~للنفي مكانا معلوما ولا مقدارا من المسافة والبعد علمنا أنه ليس بحد وأنه ~~موكول إلى اجتهاد الإمام كالتعزير لما لم يكن له مقدار معلوم كان تقديره ~~موكولا إلى رأي الإمام ولو كان ذلك حدا لذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~مسافة الموضع الذي ينفى إليه كما ذكر توقيت السنة لمدة النفي وأما الجمع ~~بين الجلد والرجم للمحصن فإن فقهاء الأمصار متفقون على أن المحصن يرجم ولا ~~يجلد والدليل على صحة ذلك حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف وأن ~~أبا الزاني قال سألت رجلا من أهل العلم فقالوا على امرأة هذا الرجم فلم يقل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بل عليها الرجم والجلد وقال لأنيس اغد على امرأة ~~هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يذكر جلدا ولو وجب الجلد ms2122 مع الرجم لذكره له كما ~~ذكر الرجم وقد وردت قصة ما عز من جهات مختلفة ولم يذكر في شيء منها مع ~~الرجم جلد ولو كان الجلد حدا مع الرجم لجلده النبي صلى الله عليه وسلم ولو ~~جلده لنقل كما نقل الرجم إذ ليس أحدهما بأولى بالنقل من الآخر وكذلك # في قصة الغامدية حين أقرت بالزنا فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن وضعت # ولم يذكر جلدا ولو كانت جلدت لنقل وفي حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة عن ابن عباس قال قال عمر قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى ~~يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وقد ~~قرأنا الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة ورجم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورجمنا بعده فأخبر أن الذي فرضه الله هو الرجم وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجم ولو كان الجلد واجبا مع الرجم لذكره واحتج من جمع ~~بينهما بحديث عبادة الذي قدمناه # وقوله الثيب بالثيب الجلد والرجم # وبما # روى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجلد ثم أخبر أنه قد كان أحصن فأمر به فرجم # وبما # روي أن عليا جلد شراحة الهمدانية تم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله ~~ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # فأما حديث عبادة فإنا قد علمنا أنه وارد عقيب كون حد الزانيين الحبس ~~والأذى ناسخا له واسطة بينهما # بقوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا ثم كان رجم ~~ماعز والغامدية # وقوله واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها # «7- احكام مس» # PageV05P097 # بعد حديث عبادة فلو كان ما ذكر في حديث عبادة من الجمع بين الجلد والرجم ~~ثابتا لا يستعمله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الوجوه وأما حديث جابر ~~فجائز أن يكون جلده بعض الحد لأنه لم يعلم بإحصانه ثم لما ثبت ms2123 إحصانه رجمه ~~وكذلك قول أصحابنا ويحتمل حديث على رضى الله عنه في جلده شراحة ثم رجمها أن ~~يكون على هذا الوجه واختلف الفقهاء في الذميين هل يحدان إذا زنيا فقال ~~أصحابنا والشافعي يحدان إلا أنهما لا يرجمان عندنا وعند الشافعي يرجمان إذا ~~كانا محصنين وقد بينا ذلك فيما سلف وقال مالك لا يحد الذميان إذا زنيا قال ~~أبو بكر وظاهر قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~يوجب الحد على الذميين ويدل عليه # حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة ~~أحدكم فليجلدها # وقوله صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم # ولم يفرق بين الذمي والمسلم وأيضا # فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين # فلا يخلو ذلك من أن يكون بحكم التوراة أو حكما مبتدأ من النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإن كان رجمهما بحكم التوراة فقد صار شريعة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم لأن ما كان من شرائع الأنبياء المتقدمين مبقى إلى وقت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فهو شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم ما لم ينسخ وإن كان رجمهما ~~على أنه حكم مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم فهو ثابت إذ لم يرد ما يوجب ~~نسخه والصحيح عندنا أنه رجمهما على أنه شريعة مبتدأة من النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا على تبقية حكم التوراة والدليل عليه أن حد الزانيين في أول ~~الإسلام كان الحبس والأذى المحصن وغير المحصن فيه سواء فدل ذلك على أن ~~الرجم الذي أوجبه الله في التوراة قد كان منسوخا فإن قيل # فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين # وأنت لا ترجمهما فقد خالفت الخبر الذي احتججت له في إثبات حد الزنا على ~~الذميين قيل له استدلالنا من خبر رجم اليهوديين على ما ذكرنا صحيح وذلك ~~لأنه لما ثبت أنه رجمهما صح أنهما في حكم المسلمين في إيجاب الحدود عليهما ~~وإنما رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم ms2124 لأنه لم يكن من شرط الرجم الإحصان ~~فلما شرط الإحصان فيه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أشرك بالله فليس بمحصن صار حدهما الجلد # فإن قيل إنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين من قبل أنه لم تكن ~~لليهوديين ذمة وتحاكموا إليه قيل له لو لم يكن الحد واجبا عليهم لما أقامه ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ومع ذلك فدلالته قائمة على ما ذكرنا لأنه ~~إذا كان من لا ذمة له قد حده النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا فمن له ذمة ~~وتجري عليه أحكام المسلمين أحرى بذلك ويدل عليه أنهم لا يختلفون أن الذمي ~~يقطع في السرقة فكذلك في الزنا إذ كان فعلا # PageV05P098 # لا يقر عليه فوجب أن يزجر عنه بالحد كما وجب زجر المسلم به وليس هو ~~كالمسلم في شرب الخمر لأنهم مقرون على التخلية بينهم وبين شربها وليسوا ~~مقرين على السرقة ولا على الزنا واختلف فيمن أكره على الزنا فقال أبو حنيفة ~~إن أكرهه غير سلطان حد وإن أكرهه سلطان لم يحد وقال أبو يوسف ومحمد لا يحد ~~في الوجهين جميعا وهو قول الحسن بن صالح والشافعي وقال زفر إن أكرهه سلطان ~~حد أيضا وأما المكرهة فلا تحد في قولهم جميعا فأما إيجاب الحد عليه في حال ~~الإكراه فإن أبا حنيفة قال القياس أن يحد سواء أكرهه سلطان أو غيره ولكنه ~~ترك القياس في إكراه السلطان ويحتمل قوله في إكراه السلطان معنيين أحدهما ~~أن يريد به الخليفة فإن كان قد أراد هذا فإنما أسقط الحد لأنه قد فسق ~~وانغزل عن الخلافة بإكراهه إياه على الزنا فلم يبق هناك من يقيم الحد عليه ~~والحد إنما يقيمه السلطان فإذا لم يكن هناك سلطان لم يقم الحد كمن زنى في ~~دار الحرب ويحتمل أن يريد به من دون الخليفة فإن كان أراد ذلك فوجهه أن ~~السلطان مأمور بالتوصل إلى درء الحد فإذا أكرهه على الزنا فإنما أراد ~~التوصل إلى إيجابه فلا تجوز له إقامته إذا لأنه ms2125 بإكراهه أراد التوصل إلى ~~إيجابه فلا يجوز له ذلك ويسقط الحد وأما إذا أكرهه غير سلطان فإن الحد واجب ~~وذلك لأنه معلوم أن الإكراه ينافي الرضا وما وقع عن طوع ورضا فغير مكره ~~عليه فلما كانت الحال شاهدة بوجود الرضا منه بالفعل دل ذلك على أنه لم ~~يفعله مكرها ودلالة الحال على ما وصفنا أنه معلوم أن حال الإكراه هي حال ~~خوف وتلف النفس والانتشار والشهوة ينافيهما الخوف والوجل فلما وجد منه ~~الانتشار والشهوة في هذه الحال علم أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرها ~~خائفا لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة وفي ذلك دليل على أن فعله ذلك ~~لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد فإن قيل إن وجود الانتشار لا ينافي ترك ~~الفعل فعلمنا حين فعل مع ظهور الإكراه أنه فعله مكرها كشرب الخمر والقذف ~~ونحوه قيل له هذا لعمري هكذا ولكنه لما كان في العادة أن الخوف على النفس ~~ينافي الانتشار دل ذلك على أنه فعله طائعا ألا ترى أن من أكره على الكفر ~~فأقر أنه فعله طائعا كان كافرا مع وجود الإكراه في الظاهر كذلك الحال ~~الشاهدة بالتطوع هي بمنزلة الإقرار منه بذلك فيحد. # PageV05P099 ### | باب صفة الضرب في الزنا # قال الله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله روي عن الحسن وعطاء ~~ومجاهد وأبي مجلز قالوا في تعطيل الحدود لا في شدة الضرب وروى ابن أبي ~~مليكة عن عبيد الله ابن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها وأحسبه قال ~~وظهرها قال فقلت لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال يا بني ورأيتني ~~أخذتني بها رأفة إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في ~~رأسها وقد أوجعت حيث ضربت وروي عن سعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي قالوا في ~~الضرب. واختلف الفقهاء في شدة الضرب في الحدود فقال أصحابنا أبو حنيفة وأبو ~~يوسف ومحمد وزفر التعزير أشد الضرب وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب وضرب ~~الشارب أشد من ms2126 ضرب القاذف وقال مالك والليث الضرب في الحدود كلها سواء غير ~~مبرح بين الضربين وقال الثوري ضرب الزنا أشد من ضرب القذف وضرب القذف أشد ~~من ضرب الشرب وقال الحسن بن صالح ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب والقذف وروى ~~عن عطاء قال حد الزانية أشد من حد الفرية وحد الفرية والخمر واحد وعن الحسن ~~قال ضرب الزنا أشد من القذف والقذف أشد من الشرب وضرب الشرب أشد من ضرب ~~التعزير # وروي عن علي أنه ضرب رجلا قاعدا وعليه كساء قسطلاني # قال أبو بكر قوله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله لما كان محتملا ~~لما تأوله السلف عليه من تعطيل الحد ومن تخفيف الضرب اقتضى ظاهره أن يكون ~~عليهما جميعا في أن لا يعطل الحد تشديد في الضرب وذلك يقتضي أن يكون أشد من ~~ضرب القاذف والشارب وإنما قالوا إن التعزير أشد الضرب وأرادوا بذلك أنه ~~جائز للإمام أن يزيد في شدة الضرب للإيلام على جهة الزجر والردع إذ لا ~~يمكنه فيه بلوغ الحد ولم يعنوا بذلك أنه لا محالة أشد الضرب لأنه موكول إلى ~~رأي الإمام واجتهاده ولو رأى أن يقتصر من الضرب في التعزير على الحبس إذا ~~كان ذا مروءة وكان ذلك الفعل منه ذلة جاز له أن يتجافى عنه ولا يعزره فعلمت ~~أن مرادهم بقولهم التعزير أشد الضرب إنما هو إذا رأى الإمام ذلك للزجر ~~والردع فعل وقد روى شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل قال كان لرجل على ~~بن أخ لأم سلمة رضي الله عنها دين فمات فقضت عنه فكتب إليها يحرج عليها فيه ~~فرفعت ذلك إلى عمر فكتب عمر إلى عامله اضربه ثلاثين # PageV05P100 # ضربة كلها تبضع اللحم وتحدر الدم فهذا من ضرب التعزير وروى شعبة عن واصل ~~عن المعرور بن سويد قال أتي عمر بن الخطاب بامرأة زنت فقال أفسدت حسبها ~~اضربوها ولا تحرقوا عليها جلدها فهذا يدل على أنه كان يرى ضرب الزاني أخف ~~من التعزير قال أبو بكر ms2127 قد دل قوله ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله على ~~شدة ضرب الزاني على ما بينا وأنه أشد من ضرب الشارب والقاذف لدلالة الآية ~~على شدة الضرب فيه ولأن ضرب الشارب كان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجريد والنعال وضرب الزاني إنما يكون بالسوط وهذا يوجب أن يكون ضرب ~~الزاني أشد من ضرب الشارب وإنما جعلوا ضرب القاذف أخف الضرب لأن القاذف ~~جائز أن يكون صادقا في قذفه وأن له شهودا على ذلك والشهود مندوبون إلى ~~الستر على الزاني فإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن الشهادة وذلك يوجب ~~تخفيف الضرب. ومن جهة أخرى أن القاذف قد غلظت عليه العقوبة في إبطال شهادته ~~فغير جائز التغليظ عليه من جهة شدة الضرب. فإن قيل روى سفيان بن عيينة قال ~~سمعت سعد بن إبراهيم يقول للزهري إن أهل العراق يقولون إن القاذف لا يضرب ~~ضربا شديدا ولقد حدثني أبي أن أمه أم كلثوم أمرت بشاة فسلخت حين جلد أبو ~~بكرة فألبسته مسكها فهل كان ذلك إلا من ضرب شديد. قيل له هذا لا يدل على ~~شدة الضرب لأنه جائز أن يؤثر في البدن الضرب الخفيف على حسب ما يصادف من ~~رقة البشرة ففعلت ذلك إشفاقا عليه. ### | باب ما يضرب من أعضاء المحدود # قال الله سبحانه وتعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولم يذكر ما ~~يضرب منه ظاهره يقتضي جواز ضرب جميع الأعضاء وقد اختلف السلف وفقهاء ~~الأمصار فيه # فروى ابن أبي ليلى عن عدي بن ثابت عن المهاجر بن عميرة عن علي رضي الله ~~عنه أنه أتي برجل سكران أو في حد فقال اضرب وأعط كل عضو حقه واتق الوجه ~~والمذاكير # وروى سفيان بن عيينة عن أبي عامر عن عدي بن ثابت عن مهاجر بن عميرة عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال اجتنب رأسه ومذاكيره وأعط كل عضو حقه # فذكر في هذا الحديث الرأس وفي الحديث الأول الوجه وجائز أن يكون قد ~~استثناهما جميعا وروي عن عمر أنه ms2128 أمر بالضرب في حد فقال أعط كل عضو حقه ولم ~~يستثن شيئا وروى المسعودي عن # PageV05P101 # القاسم قال أتي أبو بكر برجل انتفى من ابنه فقال أبو بكر اضرب الرأس فإن ~~الشيطان في الرأس وقد روي عن عمر أنه ضرب صبيغ بن عسيل على رأسه حين سأل عن ~~الذاريات ذروا على وجه التعنت وروي عن ابن عمر أنه لا يصيب الرأس وقال أبو ~~حنيفة ومحمد يضرب في الحدود الأعضاء كلها إلا الفرج والرأس والوجه وقال أبو ~~يوسف يضرب الرأس أيضا وذكر الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران عن أصحاب أبي يوسف ~~أن الذي يضرب به الرأس من الحد سوط واحد وقال مالك لا يضرب إلا في الظهر ~~وذكر ابن سماعة عن محمد في التعزير أنه يضرب الظهر بغير خلاف وفي الحدود ~~يضرب الأعضاء إلا ما ذكرنا وقال الحسن بن صالح يضرب في الحد والتعزير ~~الأعضاء كلها ولا يضرب الوجه ولا المذاكير وقال الشافعي يتقى الوجه والفرج ~~قال أبو بكر اتفق الجميع على ترك ضرب الوجه والفرج # وروي عن علي استثناء الرأس # أيضا # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه # وإذا لم يضرب الوجه فالرأس مثله لأن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب ~~كالذي يلحق الوجه وإنما أمر باجتناب الوجه لهذه العلة ولئلا يلحقه أثر ~~يشينه أكثر مما هو مستحق بالفعل الموجب للحد والدليل على أن ما يلحق الرأس ~~من ذلك هو كما يلحق الوجه أن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه ~~سواء وفارقا سائر البدن من هذا الوجه لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه ~~إنما تجب فيه حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة الواقعة في الرأس والوجه فوجب ~~من أجل ذلك استواء حكم الرأس والوجه في اجتناب ضربهما ووجه آخر وهو أنه ~~ممنوع من ضرب الوجه لما يخاف فيه من الجناية على البصر وذلك موجود في الرأس ~~لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر وربما حدث الماء في العين وربما حدث منه أيضا ms2129 ~~اختلاط في العقل فهذه الوجوه كلها تمنع ضرب الرأس وأما اجتناب الفرج فمتفق ~~عليه وهو أيضا مقتل فلا يؤمن أن يحدث أكثر مما هو مستحق بالفعل وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه والليث والشافعي الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجردا ~~قائما غير ممدود إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه وينزع عنه الحشو ~~والفرو وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة يضرب التعزير في إزار ~~ولا يفرق في التعزير خاصة في الأعضاء وقال أبو يوسف ضرب ابن أبي ليلى ~~المرأة القاذفة قائمة فخطأه أبو حنيفة وقال الثوري لا يجرد الرجل ولا # PageV05P102 # يمد وتضرب المرأة قاعدة والرجل قائما قال أبو بكر في حديث رجم النبي صلى ~~الله عليه وسلم اليهوديين قال رأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة ~~وهذا يدل على أن الرجل كان قائما والمرأة قاعدة وروى عاصم الأحول عن أبي ~~عثمان النهدي قال أتي عمر بسوط فيه شدة فقال أريد ألين من هذا فأتي بسوط ~~فيه لين فقال أريد أشد من هذا فأتي بسوط بين السوطين فقال اضرب ولا يرى ~~إبطك وأعط كل عضو حقه وعن ابن مسعود أنه ضرب رجلا حدا فدعا بسوط فأمر فدق ~~بين حجرين حتى لان ثم قال اضرب ولا تخرج إبطك وأعط كل عضو حقه # وعن علي أنه قال للجلاد أعط كل عضو حقه # وروى حنظلة السدوسي عن أنس بن مالك قال كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ثم ~~يدق بين حجرين ثم يضرب به وذلك في زمن عمر بن الخطاب وروي عن أبي هريرة أنه ~~جلد رجلا قائما في القذف قال أبو بكر هذه الأخبار تدل على معاني منها ~~اتفاقهم على أن ضرب الحدود بالسوط ومنها أنه يضرب قائما إذ لا يمكن إعطاء ~~كل عضو حقه إلا وهو قائم ومنها أنه يضرب بسوط بين سوطين وإنما قالوا إنه ~~يضرب مجردا ليصل الألم إليه ويضرب القاذف وعليه ثيابه لأن ضربه أخف وإنما ~~قالوا لا يمد لأن فيه زيادة في الإيلام غير مستحق بالفعل ms2130 ولا هو من الحد ~~وروى يزيد بن هارون عن الحجاج عن الوليد بن مالك أن أبا عبيدة بن الجراح ~~أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال ما ينبغي لجسدي هذا المذنب أن ~~يضرب وعليه قميص فقال أبو عبيدة لا تدعوه ينزع قميصه فضربه عليه وروى ليث ~~عن مجاهد ومغيرة عن إبراهيم قالا يجلد القاذف وعليه ثيابه وعن الحسن قال ~~إذا قذف الرجل في الشتاء لم يلبس ثياب الصيف ولكن يضرب في ثيابه التي قذف ~~فيها إلا أن يكون عليه فرو أو حشو يمنعه من أن يجد وجع الضرب فينزع ذلك عنه ~~وقال مطرف عن الشعبي مثل ذلك # وروى شعبة عن عدي بن ثابت عمن شهد عليا رضي الله عنه أنه أقام على رجل ~~الحد فضربه على قبا أو قرطق # ومذهب أصحابنا موافق لما روي عن السلف في هذه الأخبار ويدل على صحته أن ~~من عليه حشو أو فرو فلم يصل الألم أن الفاعل لذلك غير ضارب في العادة ألا ~~ترى أنه لو حلف أن يضرب فلانا فضربه وعليه حشو أو فرو فلم يصل إليه الألم ~~أنه لا يكون ضاربا ولم يبر في يمينه ولو وصل إليه الألم كان ضاربا. # PageV05P103 ### | في إقامة الحدود في المسجد # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي لا تقام الحدود في المساجد وهو ~~قول الحسن بن صالح قال أبو يوسف وأقام ابن أبي ليلى حدا في المسجد فخطأه ~~أبو حنيفة وقال مالك لا بأس بالتأديب في المسجد خمسة أسواط ونحوها وأما ~~الضرب الموجع والحد فلا يقام في المسجد قال أبو بكر # روى إسماعيل بن مسلم المكي عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل بالولد ~~الوالد # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ~~ومجانينكم ورفع أصواتكم وشراكم وبيعكم وإقامة حدودكم وجمروها في جمعكم ~~وضعوا على أبوابها المطاهر # ومن جهة النظر أنه لا يؤمن ms2131 أن يكون من المحدود بالمسجد من خروج النجاسة ~~ما سبيله أن ينزه المسجد عنه. ### | في الذي يعمل عمل قوم لوط # قال أبو حنيفة يعزر ولا يحد وقال مالك والليث يرجمان أحصنا أو لم يحصنا ~~وقال عثمان البتي والحسن بن صالح وأبو يوسف ومحمد والشافعي هو بمنزلة الزنا ~~وهو قول الحسن وإبراهيم وعطاء # قال أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس # فحصر صلى الله عليه وسلم قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث وفاعل ذلك خارج ~~عن ذلك لأنه لا يسمى زنا فإن احتجوا بما # روى عاصم بن عمرو عن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال الذي يعمل عمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل ~~وارجموهما جميعا # وبما روى الدراوردى عن عمر وبن أبى عمر وعن عكرمة عن ابن عباس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل ~~والمفعول به # قيل له عاصم بن عمرو وعمرو بن أبي عمرو ضعيفان لا تقوم بروايتهما حجة ولا ~~يجوز بهما إثبات حد وجائز أن يكون لو ثبت إذا فعلاه مستحلين له وكذلك نقول ~~فيمن استحل ذلك أنه يستحق القتل # وقوله فاقتلوا الفاعل والمفعول به # يدل على أنه ليس بحد وأنه بمنزلة قوله من بدل دينه فاقتلوه لأن حد فاعل ~~ذلك ليس هو قتلا على الإطلاق وإنما هو الرجم عند من جعله كالزنا إذا كان ~~محصنا # PageV05P104 # وعند من لا يجعله بمنزلة الزنا ممن يوجب قتله فإنما يقتله رجما فقتله على ~~الإطلاق ليس هو قولا لأحد ولو كان بمنزلة الزنا لفرق فيه بين المحصن وغير ~~المحصن وفي تركه صلى الله عليه وسلم الفرق بينهما دليل على أنه لم يوجبه ~~على وجه الحد. ### | في الذي يأتي البهيمة # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك وعثمان البتي لا حد عليه ويعزر ~~وروى مثله ms2132 عن بن عمر وقال الأوزاعي عليه الحد # قال أبو بكر قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ~~زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس # ينفي قتل فاعل ذلك إذ ليس ذلك بزنا في اللغة ولا يجوز إثبات الحدود إلا ~~من طريق التوقيف أو الاتفاق وذلك معدوم في مسألتنا ولا يجوز إثباته من طريق ~~المقاييس # وقد روى عمر وبن أبى عمر وعن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من وجدتموه على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة # وعمر وهذا ضعيف لا نثبت به حجة ومع ذلك فقد روى شعبة وسفيان وأبو عوانة ~~عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس فيمن أتى بهيمة أنه لا حد عليه وكذلك رواه ~~إسرائيل وأبو بكر بن عياش وأبو الأحوص وشريك وكلهم عن عاصم عن أبي رزين عن ~~ابن عباس مثله ولو كان حديث عمر وبن أبي عمرو ثابتا لما خالفه ابن عباس وهو ~~رواية إلى غيره وإن صح الخبر كان محمولا على من استحله. # (فصل) قال أبو بكر وقد أنكرت طائفة شاذة لا تعد خلافا الرجم وهم الخوارج # وقد ثبت الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وبنقل الكافة والخبر الشائع المستفيض الذي لا مساغ للشك فيه وأجمعت الأمة ~~عليه فروى الرجم أبو بكر وعمر وعلى وجابر ابن عبد الله وأبو سعيد الخدري ~~وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة وخطب عمر فقال ~~لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في بعض المصحف وبعض هؤلاء ~~الرواة يروي خبر رجم ماعز وبعضهم خبر الجهينية والغامدية وخبر ماعز يشتمل ~~على أحكام منها أنه ردده ثلاث مرات ثم لما أقر الرابعة سأل عن صحة عقله ~~فقال هل به جنة فقالوا لا وإنه استنهكه ثم قال له لعلك لمست لعلك قبلت فلما ~~أبى إلا التصميم على الإقرار بصريح الزنا سأل عن إحصانه ms2133 ثم لما هرب حين ~~أدركته الحجارة قال هلا تركتموه وفي ترديده ثلاث مرات ثم المسألة عن عقله ~~بعد # PageV05P105 # الرابعة دلالة على أن الحد لا يجب إلا بعد إقراره أربعا # لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من ~~حد فقد وجب فلو كان الحد واجبا بإقراره مرة واحدة # لسأل عنه في أول إقراره ومسألته جيرانه وأهله عن عقله يدل على أن على ~~الإمام الاستثبات والاحتياطيات في الحد ومسألته عن الزنا كيف هو وما هو ~~وقوله لعلك لمست لعلك قبلت يفيد حكمين أحدهما أنه لا يقصر على إقراره ~~بالزنا دون استثباته في معنى الزنا حتى يبينه بصفة لا يختلف فيه أنه زنا ~~وقوله لعلك لمست لعلك قبلت تلقين له الرجوع عن الزنا وأنه إنما أراد اللمس ~~كما روى أنه للسارق ما إخاله سرق ونظيره ما روي عن عمر أنه جيء بامرأة حبلى ~~بالموسم وهي تبكي فقالوا زنت فقال عمر ما يبكيك فإن المرأة ربما استكرهت ~~على نفسها يلقنها ذلك فأخبرت أن رجل ركبها وهي نائمة فقال عمر لو قتلت هذه ~~لخشيت أن تدخل ما بين هذين الأخشبين النار فخلى سبيلها # وروي أن عليا قال لشراحة حين أقرت عنده بالزنا لعلك عصيت نفسك قالت أتيت ~~طائعة غير مكرهة فرجمها # وقوله صلى الله عليه وسلم هلا تركتموه # يدل على جواز رجوعه عن إقراره لأنه لما امتنع مما بذل نفسه له بديا قال ~~هلا تركتموه ولما لم يجلده دل على أن الرجم والجلد لا يجتمعان قوله تعالى ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الطائفة ~~الرجل إلى الألف وقرأ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وقال عطاء رجلان ~~فصاعدا وقال الحسن وأبو بريدة الطائفة عشرة وقال محمد بن كعب القرظي في ~~قوله إن نعف عن طائفة منكم قال كان رجلا وقال الزهري وليشهد عذابهما طائفة ~~ثلاثة فصاعدا وقال قتادة ليكون عظة وعبرة لهم وحكي عن مالك والليث أربعة ~~لأن الشهود أربعة قال أبو بكر يشبه ms2134 أن المعنى في حضور الطائفة ما قاله ~~قتادة أنه عظة وعبرة لهم فيكون زجرا له عن العود إلى مثله وردعا لغيره عن ~~إتيان مثله والأولى أن تكون الطائفة جماعة يستفيض الخير بها ويشيع فيرتدع ~~الناس عن مثله لأن الحدود موضوعة للزجر والردع وبالله التوفيق. ### | باب تزويج الزانية # قال الله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين # قال أبو بكر روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن # PageV05P106 # جده قال كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان يحمل الأسرى من مكة حتى ~~يأتي بهم المدينة وكان بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له وكان وعد ~~رجلا أن يحمله من أسرى مكة وإن عناقا رأته فقالت له أقم الليلة عندي قال يا ~~عناق قد حرم الله الزنا فقالت يا أهل الخباء هذا الذي يحمل أسراكم فلما ~~قدمت المدينة أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أتزوج ~~عناق فلم يرد على حتى نزلت هذه الآية الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكحها # فبين عمر وبن شعيب في هذا الحديث أن الآية نزلت في الزانية المشركة أنها ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك وإن تزوج المسلم المشركة زنا إذ كانت لا تحل له ~~وقد اختلف السلف في تأويل الآية وحكمها فحدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال ~~حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا يحيى بن سعيد ~~ويزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قد نسختها الآية التي بعدها وأنكحوا ~~الأيامى منكم قال كان يقال هي من أيامى المسلمين فأخبر سعيد بن المسيب أن ~~الآية منسوخة قال أبو عبيد وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال كان ms2135 رجال يريدون الزنا بنساء زوان ~~بغايا معلنات كن كذلك في الجاهلية فقيل لهم هذا حرام فأرادوا نكاحهن فذكر ~~مجاهد أن ذلك كان في نساء مخصوصات على الوصف الذي ذكرنا وروي عن عبد الله ~~بن عمر في قوله الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة أنه نزل في رجل تزوج ~~امرأة بغية على أن تنفق عليه فأخبر عبد الله بن عمر أن النهي خرج على هذا ~~الوجه وهو أن يزوجها على أن يخليها والزنا وروى حبيب بن أبي عمرة عن سعيد ~~ابن جبير عن ابن عباس قال يعني بالنكاح جماعها وروى ابن شبرمة عن عكرمة ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله ~~وقال شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس بغاياكن في الجاهلية يجعلن على ~~أبوابهن رايات كرايات البياطرة يأتيهن ناس يعرفن بذلك وروى مغيرة عن ~~إبراهيم النخعي الزاني لا ينكح إلا زانية يعني به الجماع حين يزني وعن عروة ~~بن الزبير مثله قال أبو بكر فذهب هؤلاء إلى أن معنى الآية الإخبار ~~باشتراكهما في الزنا وأن المرأة كالرجل في ذلك فإذا كان الرجل زانيا ~~فالمرأة مثله إذا طاوعته وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها فحكم تعالى في ذلك ~~بمساواتهما في # PageV05P107 # الزنا ويفيد ذلك مساواتهما في استحقاق الحد وعقاب الآخرة وقطع الموالاة ~~وما جرى مجرى ذلك وروي فيه قول آخر وهو ما روى عاصم الأحول عن الحسن في هذه ~~الآية قال المحدود لا يتزوج إلا محدودة واختلف السلف في تزويج الزانية فروي ~~عن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ومجاهد وسليمان بن يسار ~~وسعيد بن جبير في آخرين من التابعين أن من زنى بامرأة أو زنى بها غيره ~~فجائز له أن يتزوجها وروي عن علي وعائشة والبراء وإحدى الروايتين عن ابن ~~مسعود أنهما لا يزالان زانيين ما اجتمعا # وعن علي إذا زنى الرجل فرق بينه وبين امرأته وكذلك هي إذا زنت # قال أبو بكر فمن حظر نكاح الزانية تأول فيه هذه ms2136 الآية وفقهاء الأمصار ~~متفقون على جواز النكاح وأن الزنا لا يوجب تحريمها على الزوج ولا يوجب ~~الفرقة بينهما ولا يخلو قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية من أحد وجهين ~~إما أن يكون خبرا وذلك حقيقته أو نهيا وتحريما ثم لا يخلو من أن يكون ~~المراد بذكر النكاح هنا الوطء أو العقد وممتنع أن يحمل على معنى الخبر وإن ~~كان ذلك حقيقة اللفظ لأنا وجدنا زانيا يتزوج غير زانية وزانية تتزوج غير ~~الزاني فعلمنا أنه لم يرد مورد الخبر فثبت أنه أراد الحكم والنهي فإذا كان ~~كذلك فليس يخلو من أن يكون المراد الوطء والعقد وحقيقة النكاح هو الوطء في ~~اللغة لما قد بيناه في مواضع فوجب أن يكون محمولا عليه على ما روي عن ابن ~~عباس ومن تابعه في أن المراد الجماع ولا يصرف إلى العقد إلا بدلالة لأنه ~~مجاز ولأنه إذا ثبت أنه قد أريد به الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه وأيضا ~~فلو كان المراد العقد لم يكن زنا المرأة أو الرجل موجبا للفرقة إذ كانا ~~جميعا موصوفين بأنهما زانيان لأن الآية قد اقتضت إباحة نكاح الزاني للزانية ~~فكان يجب أن يجوز للمرأة أن تتزوج الذي زنى بها قبل أن يتوبا وأن لا يكون ~~زناهما حال في الزوجية يوجب الفرقة ولا نعلم أحدا يقول ذلك وكان يجب أن ~~يجوز للزاني أن يتزوج مشركة وللمرأة الزانية أن تتزوج مشركا ولا خلاف في أن ~~ذلك غير جائز وأن نكاح المشركات وتزويج المشركين محرم منسوخ فدل ذلك على ~~أحد المعنيين إما أن يكون المراد الجماع على ما روي عن ابن عباس ومن تابعه ~~أو أن يكون حكم الآية منسوخا على ما روي عن سعيد بن المسيب ومن الناس من ~~يحتج في أن الزنا لا يبطل النكاح بما # روى هارون بن رئاب عن عبيد الله بن عبيد ويرويه عبد الكريم الجزري عن أبي # PageV05P108 # الزبير وكلاهما يرسله أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي لا ~~تمنع يد لامس فأمر النبي ms2137 صلى الله عليه وسلم بالاستمتاع منها # فيحمل ذلك على أنها لا تمنع أحد ممن يريدها على الزنا وقد أنكر أهل العلم ~~هذا التأويل قالوا لو صح هذا الحديث كان معناه أن الرجل وصف امرأته بالخرق ~~وضعف الرأي وتضييع ماله فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من سارق قالوا وهذا ~~أولى لأنه حقيقة اللفظ وحمله على الوطء كناية ومجاز وحمله على ما ذكرنا ~~أولى وأشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كما # قال علي وعبد الله إذا جاءكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فظنوا به الذي هو أهدى والذي هو أهنأ والذي هو أتقى # فإن قيل قال الله تعالى أو لامستم النساء فجعل الجماع لمسا قيل له إن ~~الرجل لم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم إنها لا تمنع لامسا وإنما قال يد ~~لامس ولم يقل فرج لامس وقال الله تعالى ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم ومعلوم أن المراد حقيقة اللمس باليد وقال جريج الخطفي يعاتب ~~قوما: # ألستم لئاما إذ ترومون جارهم ... ولولاهمو لم تمنعوا كف لامس # ومعلوم أنه لم يرد به الوطء وإنما أراد أنكم لا تدفعون عن أنفسكم الضيم ~~ومنع أموالكم هؤلاء القوم فكيف ترومون جارهم بالظلم ومن الناس من يقول إن ~~تزويج الزانية وإمساكها على النكاح محظور منهى عنه مادامت مقيمة على الزنا ~~وإن لم يؤثر ذلك في إفساد النكاح لأن الله تعالى إنما أباح نكاح المحصنات ~~من المؤمنات ومن أهل الكتاب بقوله والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يعني العفائف منهن ولأنها إذا كانت كذلك لا ~~يؤمن أن تأتي بولد من الزنا فتلحقه به وتورثه ماله وإنما يحمل قول من رخص ~~في ذلك على أنها تائبة غير مقيمة على الزنا ومن الدليل على أن زناها لا ~~يوجب الفرقة أن الله تعالى حكم في القاذف لزوجته باللعان ثم بالتفريق ~~بينهما فلو كان وجود الزنا منها يوجب الفرقة لوجب إيقاع الفرقة بقذفه إياها ~~لا عترافه بما يوجب الفرقة ألا ms2138 ترى أنه لو أقر أنها أخته من الرضاعة أو أن ~~أباه قد كان وطئها لوقعت الفرقة بهذا القول فإن قيل لما حكم الله تعالى ~~بإيقاع الفرقة بعد اللعان دل ذلك على أن الزنا يوجب التحريم لولا ذلك لما ~~وجبت الفرقة باللعان قيل له لو كان كما ذكرت لوجبت الفرقة بنفس القذف دون ~~اللعان فلما لم تقع بالقذف دل على فساد ما ذكرت فإن قيل إنما وقعت الفرقة ~~باللعان لأنه صار بمنزلة الشهادة عليها بالزنا فلما حكم عليها بذلك حكم ~~بوقوع الفرقة لأجل # PageV05P109 # الزنا قيل له وهذا غلط أيضا لأن شهادة الزوج وحده عليها بالزنا لا توجب ~~كونها زانية كما أن شهادتها عليه بالإكذاب لا توجب عليه الحكم بالكذب في ~~قذفه إياها إذ ليست إحدى الشهادتين بأولى من الأخرى ولو كان الزوج محكوما ~~له بقبول شهادته عليها بالزنا لوجب أن تحد حد الزنا فلما لم تحد بذلك دل ~~على أنه غير محكوم عليها بالزنا بقول الزوج والله أعلم بالصواب. ### | باب حد القذف # قال الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة قال أبو بكر الإحصان على ضربين أحدهما ما يتعلق به وجوب الرجم ~~على الزاني وهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما قد تزوج امرأة نكاحا صحيحا ~~ودخل بها وهما كذلك والآخر الإحصان الذي يوجب الحد على قاذفه وهو أن يكون ~~حرا بالغا عاقلا مسلما عفيفا ولا نعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى قال ~~أبو بكر قد خص الله تعالى المحصنات بالذكر ولا خلاف بين المسلمين أن ~~المحصنين مرادون بالآية وأن الحد واجب على قاذف الرجل المحصن كوجوبه على ~~قاذف المحصنة واتفق الفقهاء على أن قوله والذين يرمون المحصنات قد أريد به ~~الرمي بالزنا وإن كان في فحوى اللفظ دلالة عليه من غير نص وذلك لأنه لما ~~ذكر المحصنات وهن العفائف دل على أن المراد بالرمي رميها بضد العفاف وهو ~~الزنا ووجه آخر من دلالة فحوى اللفظ وهو قوله تعالى ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء ms2139 يعني على صحة ما رموه به ومعلوم أن هذا العدد من الشهود إنما هو ~~مشروط في الزنا فدل على أن قوله والذين يرمون المحصنات معناه يرمونهن ~~بالزنا ويدل ذلك على معنى آخر وهو أن القذف الذي يجب به الحد إنما هو القذف ~~بصريح الزنا وهو الذي إذا جاء بالشهود عليه حد المشهود عليه ولولا ما في ~~فحوى اللفظ من الدلالة عليه لم يكن ذكر الرمي مخصوصا بالزنا دون غيره من ~~الأمور التي يقع الرمي بها إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر وسائر الأفعال ~~المحظورة ولم يكن اللفظ حينئذ مكتفيا بنفسه في إيجاب حكمه بل كان يكون ~~مجملا موقوف الحكم على البيان إلا أنه كيفما تصرفت الحال فقد حصل الاتفاق ~~على أن الرمي بالزنا مراد ولما كان كذلك صار بمنزلة قوله والذين يرمون ~~المحصنات بالزنا إذ حصول الإجماع على أن الزنا مراد بمنزلة ذكره في اللفظ ~~فوجب بذلك أن يكون وجوب حد القذف مقصورا # PageV05P110 # بالزنا دون غيره وقد اختلف السلف والفقهاء في التعريض بالزنا فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد بن شبرمة والثوري والحسن بن صالح والشافعي لا ~~حد في التعريض بالقذف وقال مالك عليه فيه الحد وروى الأوزاعي عن الزهري عن ~~سالم عن ابن عمر قال كان عمر يضرب الحد في التعريض وروى ابن وهب عن مالك عن ~~أبى الرحال عن أمه عمرة أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال أحدهما للآخر والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر ~~الناس فقال قائل مدح أباه وأمه وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا ~~نرى أن يجلد الحد فجلده عمر الحد ثمانين ومعلوم أن عمر لم يشاور في ذلك إلا ~~الصحابة الذين إذا خالفوا قبل خلافهم فثبت بذلك حصول الخلاف بين السلف ثم ~~لما ثبت أن المراد بقوله والذين يرمون المحصنات هو الرمي بالزنا لم يجز لنا ~~إيجاب الحد على غيره إذ لا سبيل إلى إثبات الحدود من طريق ms2140 المقاييس وإنما ~~طريقها الاتفاق أو التوقيف وذلك معدوم في التعريض مشاورة عمر الصحابة في ~~حكم التعريض دلالة على أنه لم يكن عندهم فيه توقيف وأنه قال اجتهادا ورأيا ~~وأيضا فإن التعريض بمنزلة الكناية المحتملة للمعاني وغير جائز إيجاب الحد ~~بالاحتمال لوجهين أحدهما أن الأصل أن القائل بريء الظهر من الجلد فلا نجلده ~~بالشك والمحتمل مشكوك فيه ألا ترى أن يزيد بن ركانة لما طلق امرأته ألبتة ~~استحلفه النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت إلا واحدة فلم يلزمه الثلاث ~~بالاحتمال ولذلك قال الفقهاء في كنايات الطلاق إنها لا تجعل طلاقا إلا ~~بدلالة والوجه الآخر ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ادرءوا الحدود بالشبهات # وأقل أحوال التعريض حين كان محتملا للقذف وغيره أن يكون شبهة في سقوطه ~~وأيضا قد فرق الله تعالى بين التعريض بالنكاح في العدة وبين التصريح فقال ~~ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله ~~أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا يعني نكاحا فجعل التعريض بمنزلة ~~الإضمار في النفس فوجب أن يكون كذلك حكم التعريض بالقذف والمعنى الجامع ~~بينهما أن التعريض لما كان فيه احتمال كان في حكم الضمير لوجود الاحتمال ~~فيه واختلف الفقهاء في حد العبد في القذف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد ومالك وعثمان البتي والثوري والشافعي إذا قذف العبد حرا فعليه أربعون ~~جلدة وقال الأوزاعي يجلد ثمانين # وروى الثوري عن جعفر بن محمد # PageV05P111 # عن أبيه أن عليا قال يجلد العبد في الفرية أربعين # وروى الثوري عن ابن ذكوان عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال أدركت أبا ~~بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك في القذف ~~الأربعين قال أبو بكر وهو مذهب ابن عباس وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء وروى ~~ليث بن أبي سليم عن القاسم بن عبد الرحمن أن عبد الله بن مسعود قال في عبد ~~قذف حرا إنه يجلد ثمانين وقال أبو الزناد جلد عمر ms2141 بن عبد العزيز عبدا في ~~الفرية ثمانين ولم يختلفوا في أن حد العبد في الزنا خمسون على النصف من حد ~~الحر لأجل الرق وقال الله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما ~~على المحصنات من العذاب فنص على حد الأمة وأنه نصف حد الحرة واتفق الجميع ~~على أن العبد بمنزلتها لوجود الرق فيه كذلك يجب أن يكون حده في القذف على ~~النصف من حد الحر لوجود الرق فيه واختلفوا في قاذف المجنون والصبي فقال أبو ~~حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والشافعى لاحد على قاذف المجنون والصبي وقال ~~مالك لا يحد قاذف الصبي وإن كان مثله يجامع إذا لم يبلغ ويحد قاذف الصبية ~~إذا كان مثلها تجامع وإن لم تحصن ويحد قاذف المجنون وقال الليث يحد قاذف ~~المجنون قال أبو بكر المجنون والصبي والصبية لا يقع من واحد منهم زنا لأن ~~الوطء منهم لا يكون زنا إذ كان الزنا فعلا مذموما يستحق عليه العقاب وهؤلاء ~~لا يستحقون العقاب على أفعالهم فقاذفهم بمنزلة قاذف المجنون لوقوع العلم ~~بكذب القاذف ولأنهم لا يلحقهم شين بذلك الفعل لو وقع منهم فكذلك لا يشينهم ~~قذف القاذف لهم بذلك ومن جهة أخرى أن المطالبة بالحد إلى المقذوف لا تجوز ~~ولا يجوز أن يقوم غيره مقامه فيه ألا ترى أن الوكالة غير مقبولة فيه وإذا ~~كان كذلك لم تجب المطالبة لأحد وقت القذف فلم يجب الحد لأن الحد إذا وجب ~~فإنما يجب بالقذف لا غير فإن قيل فللرجل أن يأخذ بحد أبيه إذا قذف وهو ميت ~~فقد جاز أن يطالب عن الغير بحد القذف قيل له إنما يطالب عن نفسه لما حصل به ~~من القدح في نسبه ولا يطالب عن الأب وأيضا لما اتفقوا على أن قاذف الصبى لا ~~بحد كان كذلك قاذف الصبية لأنهما جميعا من غير أهل التكليف ولا يصح وقوع ~~الزنا منهما فكذلك المجنون لهذه العلة واختلفوا فيمن قذف جماعة فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثوري والليث إذا قذفهم ms2142 بقول واحد ~~فعليه حد واحد وقال ابن أبي ليلى إذا قال لهم يا زناة فعليه حد واحد وإن ~~قال لكل # PageV05P112 # إنسان يا زاني فلكل إنسان حد وهو قول الشعبي وقال عثمان البتي إذا قذف ~~جماعة فعليه لكل واحد حد وإن قال لرجل زنيت بفلانة فعليه حد واحد لأن عمر ~~ضرب أبا بكرة وأصحابه حدا واحدا ولم يحدهم للمرأة وقال الأوزاعي إذا قال يا ~~زاني ابن زان فعليه حدان وإن قال لجماعة إنكم زناة فحد واحد وقال الحسن بن ~~صالح إذا قال من كان داخل هذه الدار فهو زان ضرب لمن كان داخلها إذا عرفوا ~~وقال الشافعي فيما حكاه المزني عنه إذا قذف جماعة بكلمة واحدة فلكل واحد حد ~~وإن قال لرجل واحد يا ابن الزانيين فعليه حدان وقال في أحكام القرآن إذا ~~قذف امرأته برجل لاعن ولم يحد للرجل قال أبو بكر قال الله تعالى والذين ~~يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ومعلوم أن ~~مراده جلد كل واحد من القاذفين ثمانين جلدة فكان تقدير الآية ومن رمى محصنا ~~فعليه ثمانون جلدة وهذا يقتضي أن قاذف جماعة من المحصنات لا يجلد أكثر من ~~ثمانين ومن أوجب على قاذف جماعة المحصنات أكثر من حد واحد فهو مخالف لحكم ~~الآية ويدل عليه من جهة السنة ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد ابن بشار قال حدثنا ~~ابن أبي عدي قال أنبأنا هشام بن حسان قال حدثني عكرمة عن هلال ابن أمية قذف ~~امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سمحاء فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم البينة أوحد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلا على ~~امرأته يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول البينة وإلا فحد ~~في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله في أمري ما ~~يبرئ ظهري من الحد فنزلت والذين يرمون أزواجهم # وذكر الحديث # وروى محمد بن كثير قال حدثنا ms2143 مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس ~~أن هلال بن أمية قذف شريك بن سمحاء بامرأته فرفع ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك قال ذلك مرارا فنزلت آية ~~اللعان # قال أبو بكر قد ثبت بهذا الخبر أن قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ~~الآية كان حكما عاما في الزوجات كهو في الأجنبيات # لقوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية ائت بأربعة شهداء وإلا فحد في ~~ظهرك # ولأن عموم الآية قد اقتضى ذلك ثم لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~هلال إلا حدا واحدا مع قذفه لامرأته ولشريك بن سمحاء إلى أن نزلت آية ~~اللعان فأقيم اللعان في الزوجات مقام الحد في الأجنبيات ولم ينسخ موجب ~~الخبر من وجوب الاقتصاد على حد واحد إذا قذف «8- احكام مس» # PageV05P113 # جماعة فثبت بذلك أنه لا يجب على قاذف الجماعة إلا حد واحد ويدل عليه من ~~جهة النظر أن سائر ما يوجب الحد إذا وجد منه مرارا لا يوجب إلا حدا واحدا ~~كمن زنى مرارا أو سرق مرارا أو شرب مرارا لم يحد إلا حدا واحدا فكان اجتماع ~~هذه الحدود التي هي من جنس واحد موجبا لسقوط بعضها والاقتصار على واحد منها ~~والمعنى الجامع بينهما أنها حد وإن شئت قلت إنما يسقط بالشبهة فإن قيل حد ~~القذف حق لآدمي فإذا قذف جماعة وجب أن يكون لكل واحد منهم استيفاء حده على ~~حياله والدليل على أنه حق لآدمي أنه لا يحد إلا بمطالبة المقذوف قيل له ~~الحد هو حق لله تعالى كسائر الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر وإنما ~~المطالبة به حق لآدمي لا الحد نفسه وليس كونه موقوفا على مطالبة الآدمي مما ~~يوجب أن يكون الحد نفسه حقا لآدمي ألا ترى أن حد السرقة لا يثبت إلا ~~بمطالبة الآدمي ولم يوجب ذلك أن يكون القطع حقا للآدمي فكذلك حد القذف ~~ولذلك لا يجيز أصحابنا العفو عنه ولا يورث ويدل على أنه ms2144 حق لله تعالى اتفاق ~~الجميع على أن العبد يجلد في القذف أربعين ولو كان حقا لآدمي لما اختلف ~~الحر والعبد فيه إذ كان الجلد مما ينتصف ألا ترى أن العبد والحر يستويان ~~فيما يثبت عليهما من الجنايات على الآدميين فإذا قتل العبد ثبت الدم في ~~عنقه فإذا كان عمدا قتل وإن كان خطأ كانت الدية في رقبته كما لو قتله حر ~~وجبت الدية فلو كان حد القذف حقا لآدمي لما اختلف مع إمكان تنصيفه الحر ~~العبد وكذلك العبد والحر لا يختلفان في استهلاك الأموال إذ ما يثبت على ~~الحر فمثله يثبت على العبد وقد اختلف في إقامة حد القذف من غير مطالبة ~~المقذوف فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والأوزاعي والشافعي لا يحد ~~إلا بمطالبة المقذوف وقال ابن أبي ليلى يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف ~~وقال مالك لا يحده الإمام حتى يطالب المقذوف إلا أن يكون الإمام سمعه يقذف ~~فيحده إذا كان مع الإمام شهود عدول # قال أبو بكر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن ~~داود المهري قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت ابن جريج يحدث عن عمر وبن شعيب عن ~~أبيه عن عبد الله بن عمر وبن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب # فثبت بذلك أن ما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من حد لم يكن يهمله ولا ~~يقيمه فلما قال لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سمحاء ائتني بأربعة ~~يشهدون وإلا # PageV05P114 # فحد في ظهرك ولم يحضر شهودا ولم يحده حين لم يطالب المقذوف بالحد دل ذلك ~~على أن حد القذف لا يقام إلا بمطالبة المقذوف ويدل عليه أيضا ما # روي في حديث زيد بن خالد وأبي هريرة في قصة العسيف وأن أبا الزاني قال إن ~~ابني زنى بامرأة هذا فلم يحده النبي صلى الله عليه وسلم بقذفها وقال اغد يا ~~أنيس على امرأة هذا ms2145 فإن اعترفت فارجمها # ولما كان حد القذف واجبا لما انتهك من عرضه بقذفه مع إحصانه وجب أن تكون ~~المطالبة به حقا له دون الإمام كما أن حد السرقة لما كان واجبا لما انتهك ~~من حرز المسروق وأخذ ماله لم يثبت إلا بمطالبة المسروق منه وأما فرق مالك ~~بين أن يسمعه الإمام أو يشهد به الشهود فلا معنى له لأن هذا إن كان مما ~~للإمام إقامته من غير مطالبة المقذوف فواجب أن لا يختلف فيه حكم سماع ~~الإمام وشهادة الشهود من غير سماعه. ### | باب شهادة القذف # قال الله عز وجل ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون قال أبو ~~بكر حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه بثلاثة ~~أحكام أحدها جلد ثمانين والثاني بطلان الشهادة والثالث الحكم بتفسيقه إلى ~~أن يتوب واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له وثبوتها عليه بالقذف بعد ~~اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا ~~فقال قائلون قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه وهو قول ~~الليث بن سعد والشافعي وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك شهادته ~~مقبولة ما لم يحد وهذا يقتضي من قولهم أنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع ~~به الحد لأنه لو لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته إذ كانت سمة الفسق مبطلة ~~لشهادة من وسم بها إذا كان فسقه من طريق الفعل لا من جهة التدين والاعتقاد ~~والدليل على صحة ذلك قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا فأوجب بطلان شهادته ~~عند عجزه عن إقامة البينة على صحة قذفه وفي ذلك ضربان من الدلالة على جواز ~~شهادته وبقاء حكم عدالته ما لم يقع الحد به أحد هما قوله ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء وثم للتراخي في حقيقة اللغة فاقتضى ذلك أنهم متى أتوا بأربعة ~~شهداء متراخيا عن حال القذف أن ms2146 يكونوا غير فساق بالقذف لأنه قال ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء الآية فكان تقديره ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأولئك هم ~~الفاسقون # PageV05P115 # فإنما حكم بفسقهم متراخيا عن حال القذف في حال العجز عن إقامة الشهود فمن ~~حكم بفسقهم بنفس القذف فقد خالف حكم الآية وأوجب ذلك أن تكون شهادة القاذف ~~غير مردودة لأجل القذف فثبت بذلك أن بنفس القذف لم تبطل شهادته وأيضا فلو ~~كانت شهادته تبطل بنفس القذف لما كان تركه إقامة البينة على زنا المقذوف ~~مبطلا لشهادته وهي قد بطلت قبل ذلك والوجه الآخر أن المعقول من هذا اللفظ ~~أنه لا تبطل شهادته مادامت إقامة البينة على زناه ممكنة ألا ترى أنه لو قال ~~رجل لا مرأته أنت طالق إن كلمت فلان ثم لم تدخلي الدار أنها إن كلمت فلانا ~~لم تطلق حتى تترك دخول الدار إلى أن تموت فتطلق حينئذ قبل موتها بلا فصل ~~وكذلك لو قال أنت طالق إن كلمت فلانا ولم تدخلي الدار كان بهذه المنزلة ~~وكان الكلام وترك الدخول إلى أن تموت شرطا لوقوع الطلاق ولا فرق بين قوله ~~أنت طالق إن كلمت فلانا ثم دخلت الدار وبين قوله إن كلمت فلانا ثم لم ~~تدخليها وإن افترقا من جهة أن شرط اليمين في أحدهما وجود الدخول وفي الآخر ~~نفيه ولما كان ذلك كذلك وكان قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء مقتضيا لشرطين في بطلان شهادة القاذف أحدهما الرمي والآخر عدم ~~الشهود على زنا المقذوف متراخيا عن القذف وفوات الشهادة عليه به فما دامت ~~إقامة الشهادة عليه بالزنا ممكنة بخصومة القاذف فقد اقتضى لفظ الآية بقاءه ~~على ما كان عليه غير محكوم ببطلان شهادته وأيضا لا يخلو القاذف من أن يكون ~~محكوما بكذبه وبطلان شهادته بنفس القذف أو أن يكون محكوما بكذبه بإقامة ~~الحد عليه فلو كان محكوما بكذبه بنفس القذف- ولذلك بطلت شهادته- فواجب أن ~~لا يقبل بعد ذلك بينة على الزنا إذ قد وقع الحكم بكذبه والحكم بكذبه في ~~قذفه حكم ms2147 ببطلان شهادة من شهد بصدقه في كون المقذوف زانيا فلما لم يختلفوا ~~في حكم قبول بينته على المقذوف بالزنا وأن ذلك يسقط عنه الحد ثبت أن قذفه ~~لم يوجب أن يكون كاذبا فواجب أن لا تبطل شهادته إذ لم يحكم بكذبه لأن من ~~سمعناه بخبر يخبر لا نعلم فيه صدقه من كذبه لم تبطل به شهادته ألا ترى أن ~~قاذف امرأته بالزنا لا تبطل شهادته بنفس القذف ولا يكون محكوما بكذبه بنفس ~~قذفه ولو كان كذلك لما جاز إيجاب اللعان بينه وبين امرأته ولما أمر أن يشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها به من الزنا مع الحكم بكذبه ولما ~~وعظ في ترك اللعان الكاذب منهما ولما # قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد # PageV05P116 # ما لاعن بين الزوجين الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب فأخبر أن ~~أحدهما بغير عينه هو الكاذب # ولم يحكم بكذب القاذف دون الزوجة وفي ذلك دليل على أن نفس القذف لا يوجب ~~تفسيقه ولا الحكم بتكذيبه ويدل عليه قوله عز وجل لولا جاؤ عليه بأربعة ~~شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون فلم يحكم بكذبهم ~~بنفس القذف فقط بل إذا لم يأتوا بالشهداء ومعلوم أن المراد إذا لم يأتوا ~~بالشهداء عند الخصومة في القذف فغير جائز إبطال شهادته قبل وجود هذه ~~الشريطة وهو عجزه عن إقامة البينة بعد الخصومة في حد القذف عند الإمام إذ ~~كان الشهداء إنما يقيمون الشهادة عند الإمام فمن حكم بتفسيقه وأبطل شهادته ~~بنفس القذف فقد خالف الآية فإن قيل لما قال الله تعالى لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين دل ذلك على أن على ~~الناس إذا سمعوا من يقذف آخر أن يحكموا بكذبه ورد شهادته إلى أن يأتي ~~بالشهداء قيل له معلوم أن الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها وقذفتها ~~لأنه قال تعالى إن الذين جاؤ بالإفك عصبة منكم- إلى قوله لولا إذ سمعتموه ~~وقد كانت بريئة الساحة ms2148 غير متهمة بذلك وقاذفوها أيضا لم يقذفوها برؤية منهم ~~لذلك وإنما قذفوها ظنا منهم وحسبانا حين تخلفت ولم يدع أحد منهم أنه رأى ~~ذلك ومن أخبر عن ظن في مثله فعلينا إكذابه والنكير عليه وأيضا لما قال في ~~نسق التلاوة فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون فحكم ~~بكذبهم عند عجزهم عن إقامة البينة علمنا أنه لم يرد بقوله وقالوا هذا إفك ~~مبين إيجاب الحكم بكذبهم بنفس القذف وأن معناه وقالوا هذا إفك مبين إذ ~~سمعوه لم يأت القاذف بالشهود والشافعي يزعم أن شهود القذف إذا جاءوا ~~متفرقين قبلت شهادتهم فإن كان القذف قد أبطل شهادته فوجب أن لا يقبلها بعد ~~ذلك وإن شهد معه ثلاث لأنه قد فسق بقذفه فوجب الحكم بتكذيبه وفي قبول ~~شهادتهم إذا جاءوا متفرقين ما يلزمه أن لا تبطل شهادتهم بنفس القذف ويدل ~~على صحة قولنا من جهة السنة ما # روى الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف # فأخبر صلى الله عليه وسلم ببقاء عدالة القاذف ما لم يحد ويدل عليه أيضا # حديث ابن منصور عباد عن عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية لما قذف ~~امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أيجلد هلال # PageV05P117 # وتبطل شهادته في المسلمين # فأخبر أن بطلان شهادته معلق بوقوع الجلد به ودل بذلك أن القذف لم يبطل ~~شهادته واختلف الفقهاء في شهادة المحدود في القذف بعد التوبة فقال أبو ~~حنيفة وزفر وأبو يوسف والثوري والحسن بن صالح لا تقبل شهادته إذا تاب وتقبل ~~شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب وقال مالك وعثمان البتي والليث ~~والشافعي تقبل شهادة المحدود في القذف إذا تاب وقال الأوزاعي لا تقبل شهادة ~~محدود في الإسلام قال أبو بكر روى الحجاج عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن ~~عطاء الخراساني عن ms2149 ابن عباس في قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون ثم استثنى فقال إلا الذين تابوا فتاب عليهم من الفسق وأما ~~الشهادة فلا تجوز. حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن ~~اليمان قال حدثنا حجاج وقد ورد عن ابن عباس أيضا ما حدثنا جعفر ابن محمد ~~قال حدثنا ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن ~~معاوية ابن صالح عن على بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون قال ثم قال إلا الذين تابوا قال فمن تاب ~~وأصلح فشهادته في كتاب الله مقبولة قال أبو بكر ويحتمل أن لا يكون ذلك ~~مخالفا لما روي عنه في الحديث الأول بأن يكون أراد بأن شهادته مقبولة إذا ~~لم يجلد وتاب والأول على أنه جلد فلا تقبل شهادته وإن تاب وروي عن شريح ~~وسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير قالوا لا تجوز شهادته وإن ~~تاب إنما توبته فيما بينه وبين الله وقال إبراهيم رفع عنهم بالتوبة اسم ~~الفسق فأما الشهادة فلا تجوز أبدا وروي عن عطاء وطاوس ومجاهد والشعبي ~~والقاسم ابن محمد وسالم والزهري أن شهادته تقبل إذا تاب وروي عن عمر بن ~~الخطاب من وجه مطعون فيه أنه قال لأبي بكرة إن تبت قبلت شهادتك وذلك أنه ~~رواه ابن عيينة عن الزهري قال سفيان عن سعيد بن المسيب ثم شك وقال هو عمر ~~بن قيس أن عمر قال لأبي بكرة إن تبت قبلت شهادتك فأبى أن يتوب فشك سفيان بن ~~عيينة في سعيد بن المسيب وعمر بن قيس ويقال إن عمر بن قيس مطعون فيه فلم ~~يثبت عن عمر بهذا الإسناد هذا القول ورواه الليث عن ابن شهاب أنه بلغه أن ~~عمر قال ذلك لأبي بكرة وهذا بلاغ لا يعمل عليه على مذهب المخالف وقد روي عن ~~سعيد ms2150 بن المسيب أن شهادته غير مقبولة # PageV05P118 # بعد التوبة فإن صح عنه حديث عمر فلم يخالفه إلا إلى ما هو أقوى منه ومع ~~ذلك فليس في حديث عمر أنه قال ذلك لأبى بكرة بعد ما جلده وجائز أن يكون ~~قاله قبل الجلد قال أبو بكر ما ذكرنا من اختلاف السلف وفقهاء الأمصار في ~~حكم القاذف إذا تاب فإنما صدر عن اختلافهم في رجوع الاستثناء إلى الفسق أو ~~إلى إبطال الشهادة وسمة الفسق جميعا فيرفعهما والدليل على أن الاستثناء ~~مقصور الحكم على ما يليه من زوال سمة الفسق به دون جواز الشهادة أن حكم ~~الاستثناء في اللغة رجوعه إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا بدلالة ~~والدليل عليه قوله تعالى إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته فكانت ~~المرأة مستثناة من المنجين لأنها تليهم ولو قال رجل لفلان علي عشرة دراهم ~~إلا ثلاثة دراهم إلا درهم كان عليه ثمانية دراهم وكان الدرهم مستثنى من ~~الثلاثة وإذا كان ذلك حكم الاستثناء وجب الاقتصار به على ما يليه ويدل عليه ~~أيضا أن قوله فإن لم تكونوا دخلتم بهن في معنى الاستثناء وهو راجع إلى ~~الربائب دون أمهات النساء لأنه يليهن فثبت بما وصفنا صحة ما ذكرنا من ~~الاقتصار بحكم الاستثناء على ما يليه دون ما تقدمه وأيضا فإن الاستثناء إذا ~~كان في معنى التخصيص وكانت الجملة الداخل عليها الاستثناء عموما وجب أن ~~يكون حكم العموم ثابتا وأن لا نرفعه باستثناء قد ثبت حكمه فيما يليه إلا أن ~~تقوم الدلالة على رجوعه إليها فإن قيل قال الله تعالى إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا- إلى قوله- إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم فكان # الاستثناء راجعا إلى جميع المذكور لكونه معطوفا بعضه على بعض وقال تعالى ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل حتى تغتسلوا ثم قال وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء ms2151 فلم تجدوا ماء فتيمموا فكان التيمم لمن لزمه ~~الاغتسال كلزومه لمن لزمه الوضوء بالحدث فكذلك حكم الاستثناء الداخل على ~~كلام معطوف بعضه على بعض يجب أن ينتظم الجميع ويرجع إليه قيل له قد بينا أن ~~حكم الاستثناء في اللغة رجوعه إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه إلا ~~بدلالة وقد قامت الدلالة فيما ذكر على رجوعه إلى جميع المذكور ولم تقم ~~الدلالة فيما اختلفنا فيه على رجوعه إلى المذكور فإن قيل إذا كنا قد وجدنا ~~الاستثناء تارة يرجع إلى بعض المذكور وتارة إلى جميعه وكان ذلك متعالما ~~مشهورا في # PageV05P119 # اللغة فما الدلالة على وجوب الاقتصار به على بعض الجملة وهو الذي يليه ~~دون رجوعه إلى الجميع قيل له لو سلمنا لك ما ادعيت من جواز رجوعه إلى ~~الجميع لكان سبيله أن يقف موقف الاحتمال في رجوعه إلى ما يليه وإلى جميع ~~المذكور وإذ كان كذلك وكان اللفظ الأول عموما مقتضيا للحكم في سائر الأحوال ~~لم يجز رد الاستثناء إليه بالاحتمال إذ غير جائز تخصيص العموم بالاحتمال ~~ووجب استعمال حكمه في المتيقن وهو ما يليه دون ما تقدمه فإن قيل ما أنكرت ~~أن لا يكون اللفظ الأول عموما مع دخول الاستثناء على آخر الكلام بل يصير في ~~حيز الاحتمال ويبطل اعتبار العموم فيه إذ ليس اعتبار عمومه بأولى من اعتبار ~~عموم الاستثناء في عوده إلى الجميع وإذا بطل فيه اعتبار العموم وقف موقف ~~الاحتمال في إيجاب حكمه فسقط اعتبار عموم اللفظ فيه قيل له هذا غلط من قبل ~~أن صيغة اللفظ الأول صيغة العموم لا تدافع بيننا فيه وليس للاستثناء صيغة ~~عموم يقتضي رفع الجميع فوجب أن يكون حكم الصيغة الموجبة للعموم مستعملا فيه ~~وأن لا نزيلها عنه إلا بلفظ يقتضي صيغته رفع العموم وليس ذلك بموجود في لفظ ~~الاستثناء فإن قيل لو قال رجل عبده حر وامرأته طالق إن شاء الله رجع ~~الاستثناء إلى الجميع وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم والله لأغزون ~~قريشا والله لأغزون قريشا والله ms2152 لأغزون قريشا إن شاء الله فكان استثناؤه ~~راجعا إلى جميع الأيمان إذ كانت معطوفة بعضها على بعض قيل له ليس هذا مما ~~نحن فيه في شيء لأن هذا الضرب من الاستثناء مخالف للاستثناء الداخل على ~~الجملة بحروف الاستثناء التي هي إلا وغير وسوى ونحو ذلك لأن قوله إن شاء ~~الله يدخل لرفع حكم الكلام حتى لا يثبت منه شيء والاستثناء المذكور بحرف ~~الاستثناء لا يجوز دخوله إلا لرفع حكم الكلام رأسا ألا ترى أنه يجوز أن ~~يقول أنت طالق إن شاء الله فلا يقع شيء ولو قال أنت طالق إلا طالق كان ~~الطلاق واقعا والاستثناء باطلا لاستحالة دخوله لرفع حكم الكلام ولذلك جاز ~~أن يكون قوله إن شاء الله راجعا إلى جميع المذكور المعطوف بعضه على بعض ولم ~~يجب مثله فيما وصفنا فإن قيل فلو كان قال أنت طالق وعبدي حر إلا أن يقدم ~~فلان كان الاستثناء راجعا إلى الجميع فإن لم يقدم فلان حتى مات طلقت امرأته ~~وعتق عبده وكان ذلك بمنزلة قوله إن شاء الله قيل له ليس ذلك على ما ظننت من ~~قبل أن قوله إلا أن يقدم فلان وإن كانت صيغته صيغة الاستثناء فإنه في معنى ~~الشرط # PageV05P120 # كقوله إن لم يقدم فلان وحكم الشرط أن يتعلق به جميع المذكور إذا كان بعضه ~~معطوفا على بعض وذلك لأن الشرط يشبه الاستثناء الذي هو مشيئة الله عز وجل ~~من حيث كان وجوده عاملا في رفع الكلام حتى لا يثبت منه شيء ألا ترى أنه ما ~~لم يوجد الشرط لم يقع شيء وجائز أن لا يوجد الشرط أبدا فيبطل حكم الكلام ~~رأسا ولا يثبت من الجزاء شيء فلذلك جاز رجوع الشرط إلى جميع المذكور كما ~~جاز رجوع الاستثناء بمشيئة الله تعالى قال أبو بكر وقوله إلا أن يقدم فلان ~~هو شرط وإن دخل عليه حرف الاستثناء وأما الاستثناء المحض الذي هو قوله إلا ~~الذين تابوا- وإلا آل لوط وما جرى مجراه فإنه لا يجوز دخوله لرفع حكم ~~الكلام رأسا حتى ms2153 لا يثبت منه شيء ألا # ترى أن قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا لا بد من أن يكون حكمه ثابتا في ~~وقت ما وأن من رد الاستثناء إليه فإنما يرفع حكمه في بعض الأوقات بعد ثبات ~~حكمه في بعضها وكذلك قوله إلا آل لوط غير جائز أن يكون رافعا لحكم النجاة ~~عن الأولين وإنما عمل في بعض ما انتظمه لفظ العموم ويستدل بما ذكرنا على أن ~~حقيقة هذا الضرب من الاستثناء رجوعه إلى ما يليه دون ما تقدمه وأن لا يرد ~~إلى ما تقدمه إلا بدلالة وذلك لأنه لما استحال دخول هذا الاستثناء لرفع حكم ~~الكلام رأسا حتى لا يثبت منه شيء وجب أن يكون مستعملا في البعض دون الكل ~~فإذا وجب ذلك كان ذلك البعض الذي عمل فيه هو المتيقن دون غيره بمنزلة لفظ ~~لا يصح اعتقاد العموم فيه فيكون حكمه مقصورا على الأقل المتيقن دون اعتبار ~~لفظ العموم كذلك الاستثناء ولما جاز دخول شرط مشيئة الله تعالى وسائر شروط ~~الأيمان لرفع حكم اللفظ رأسا وجب استعماله في جميع المذكور وأن لا يخرج منه ~~شيء إلا بدلالة ويدل على أن الاستثناء في قوله إلا الذين تابوا مقصور على ~~ما يليه دون ما تقدمه أن قوله فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ~~أبدا كل واحد منهما أمر وقوله وأولئك هم الفاسقون خبر والاستثناء داخل عليه ~~فوجب أن يكون موقوفا عليه دون رجوعه إلى الأمر وذلك لأن الواو في قوله ~~وأولئك هم الفاسقون للاستقبال إذ غير جائز أن يكون للجميع لأنه غير جائز أن ~~ينتظم لفظ واحد ويدل عليه أنه لم يرجع إلى الحد إذا كان أمرا ونظيره قول ~~القائل أعط زيدا درهما ولا تدخل الدار وفلان خارج إن شاء الله إن مفهوم هذا ~~الكلام رجوع الاستثناء # PageV05P121 # إلى الخروج دون ما تقدم من ذكر الأمر كذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء في ~~الآية لا فرق بينهما فإن قيل قال الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض ms2154 فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا- إلى قوله- ذلك لهم خزي ~~في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ثم قال إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم ومعلوم أن ما تقدم في أول الآية أمر وقوله ذلك لهم خزي في ~~الدنيا خبر فرجع الاستثناء إلى الجميع ولم يختلف حكم الخبر والأمر قيل له ~~إنما جاز ذلك لأن قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله وإن كان أمرا ~~في الحقيقة فإن صورته صورة الخبر فلما كان الجميع في صورة الخبر جاز رجوع ~~الاستثناء إلى الجميع ولما كان قوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا أمرا على الحقيقة ثم عطف عليه الخبر وجب أن لا يرجع إلى ~~الجميع ومع ذلك فإنا نقول متى اختلف صيغ المعطوف بعضه على بعض لم يرجع إلا ~~إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم مما ليس في مثل صيغته إلا بدلالة فإن ~~قامت الدلالة جاز رده إليه وقد قامت الدلالة في آية المحاربين ولم تقم ~~الدلالة فيما اختلفنا فيه فهو مبقى على حكمه في الأصل فإن قيل لما كانت ~~الواو للجمع ثم قال فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون صار الجميع كأنه مذكور معا لا تقدم لواحد منهما على الآخر فلما ~~أدخل عليه الاستثناء لم يكن رجوع الاستثناء إلى شيء من المذكور بأولى من ~~رجوعه إلى الآخر إذ لم يكن تقديم بعضها على بعض حكم في الترتيب فكان الجميع ~~في المعنى بمنزلة المذكور معا فليس رجوع الاستثناء إلى سمة الفسق بأولى من ~~رجوعه إلى بطلان الشهادة والحد ولولا قيام الدلالة على أنه لم يرجع إلى ~~الحد لاقتضى ذلك رجوعه أيضا وزواله عنه بالتوبة وقيل له إن الواو قد تكون ~~للجمع على ما ذكرت وقد تكون للاستئناف وهي في قوله وأولئك هم الفاسقون ~~للاستئناف لأنها إنما تكون للجمع فيما لا يختلف معناه وينتظمه جملة واحدة ~~فيصير الكل كالمذكور معا وذلك في نحو قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم إلى ms2155 آخر الآية لأن الجميع أمر كأنه قال فاغسلوا هذه الأعضاء ~~لأن الجميع قد تضمنه لفظ الأمر فصارت كالجملة الواحدة المنتظمة لهذه ~~الأوامر وأما آية القذف فإن ابتداءها أمر وآخرها خبر ولا يجوز أن ينتظمهما ~~جملة واحدة فلذلك كانت الواو للاستئناف إذ غير جائز دخول معنى الخبر في لفظ ~~الأمر وقوله إنما جزاء الذين # PageV05P122 # يحاربون الله ورسوله # الاستثناء # فيه عائدا إلى الأمر بالقتل وما ذكر معه وغير عائد إلى الخبر الذي يليه ~~لأن قوله إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم لا يجوز أن يكون عائدا ~~إلى قوله ولهم في الآخرة عذاب عظيم لأن التوبة تزيل عذاب الآخرة قبل القدرة ~~عليهم وبعدها فعلمنا أن هذه التوبة مشروطة للحد دون عذاب الآخرة ودليل آخر ~~وهو أن قوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا لا يخلو من أن يكون بطلان هذه ~~الشهادة متعلقا بالفسق أو يكون حكما على حياله تقتضي الآية تأبيده فلما كان ~~حمله على بطلانها بلزوم سمة الفسق يبطل فائدة ذكره إذ كان ذكر التفسيق ~~مقتضيا لبطلانها إلا بزواله والتوبة منه وجب حمله على أنه حكم برأسه غير ~~متعلق بسمة الفسق ولا بترك التوبة وأيضا فإن كل كلام فحكمه قائم بنفسه وغير ~~جائز تضمينه بغيره إلا بدلالة وفي حمله على ما ادعاه المخالف تضمينه بغيره ~~وإبطال حكمه بنفسه وذلك خلاف مقتضى اللفظ وأيضا فإن حمله على ما ادعى يوجب ~~أن يكون الفسق المذكور في الآية علة لما ذكر من إبطال الشهادة فيكون تقديره ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا لأنهم فاسقون وفي ذلك إزالة اللفظ عن حقيقته ~~وصرفه إلى مجاز لا دلالة عليه لأن حكم اللفظ أن يكون قائما بنفسه في إيجاب ~~حكمه وأن لا يجعل علة لغيره مما هو مذكور معه ومعطوف عليه فثبت بذلك أن ~~بطلان الشهادة بعد الجلد حكم قائم بنفسه على وجه التأبيد المذكور في الآية ~~غير موقوف على التوبة فإن قيل رجوع الاستثناء إلى الشهادة أولى منه إلى ~~الفسق لأنه معلوم أن التوبة تزيل الفسق بغير ms2156 هذه الآية فلا يكون رده إلى ~~الفسق مفيدا ورده إلى الشهادة يفيد جوازها بالتوبة إذ كان جائزا أن تكون ~~الشهادة مردودة مع وجود التوبة فأما بقاء سمة الفسق مع وجود التوبة فغير ~~جائز في عقل ولا سمع إذ كانت سمة الفسق ذما وعقوبة وغير جائز أن يستحق ~~التائب الذم وليس كذلك بطلان الشهادة ألا ترى أن العبد والأعمى غير جائزي ~~الشهادة لا على وجه الذم والتعنيف لكن عبادة فكان رجوع الاستثناء إلى ~~الشهادة أولى بإثبات فائدة الآية منه إلى الفسق قيل إن التوبة المذكورة في ~~هذه الآية إنما هي التوبة من القذف وإكذاب نفسه فيه لأنه به استحق سمة ~~الفسق وقد كان جائزا أن تبقى سمة الفسق عليه إذا تاب من سائر الذنوب ولم ~~يكذب نفسه فأخبر الله تعالى بزوال سمة الفسق عنه إذا أكذب نفسه ووجه آخر ~~وهو أن سمة الفسق إنما لزمته بوقوع الجلد # PageV05P123 # به ولم يكن يمتنع عند إظهار التوبة أن لا تكون مقبولة في ظاهر الحال وإن ~~كانت مقبولة عند الله لأنا لا نقف على حقيقة توبته فكان جائزا أن يتعبدنا ~~بأن لا نصدقه على توبته وأن نتركه على الجملة لا نتولاه على حسب ما نتولى ~~سائر أهل التوبة فلما كان ذلك جائزا ورود العبادة به أفادتنا الآية قبول ~~توبته ووجوب موالاته وتصديقه على ما ظهر من توبته فإن قيل لما اتفقا على أن ~~الذمي المحدود في القذف تقبل شهادته إذ أسلم وتاب دل ذلك من وجهين على قبول ~~شهادة المسلم المحدود في القذف أحدهما أنه قد ثبت أن الاستثناء راجع إلى ~~بطلان الشهادة إذ كان الذمي مرادا بالآية وقد أريد به كون بطلان الشهادة ~~موقوفا على التوبة والثاني أنه لما رفعت التوبة الحكم ببطلان شهادته كان ~~المسلم في حكمه لوجود التوبة منه قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت وذلك ~~لأن الذمي لم يدخل في الآية وذلك لأن الآية إنما اقتضت بطلان شهادة من جلد ~~وحكم بفسقه من جهة القذف والذمي قد تقدمت له ms2157 سمة الفسق فلما لم يستحق هذه ~~السمة بالجلد لم يدخل في الآية وإنما جلدناه بالاتفاق ولم يحصل الاتفاق على ~~بطلان شهادته بعد إسلامه بالجلد الواقع في حال كفره فأجزناها كما نجيز ~~شهادة سائر الكفار إذا أسلموا فإن قيل فيجب على هذا أن لا يكون الفاسق من ~~أهل الملة مرادا بالآية إذ لم يتحدث سمة الفسق بوقوع الحد به قيل له هو ~~كذلك وإنما دخل في حكمها بالمعنى لا باللفظ وإنما أجاز أصحابنا شهادة الذمي ~~المحدود في القذف بعد إسلامه وتوبته من قبل أن الحد في القذف يبطل العدالة ~~من وجهين أحدهما عدالة الإسلام والآخر عدالة الفعل والذمي لم يكن مسلما حين ~~حد فيكون وقوع الحد به مبطلا # لعدالة إسلامه وإنما بطلت عدالته من جهة الفعل فإذا أسلم فأحدث توبة فقد ~~حصلت له عدالة من جهة الإسلام ومن طريق الفعل أيضا فالتوبة فلذلك قبلت ~~شهادته وأما المسلم فإن الحد قد أسقط عدالته من طريق الدين ولم يتحدث ~~بالتوبة عدالة أخرى من جهة الدين إذ لم يتحدث دينا بتوبته وإنما استحدث ~~عدالة من طريق الفعل فلذلك لم تقبل شهادته إذ كان شرط قبول الشهادة وجود ~~العدالة من جهة الدين والفعل جميعا فإن قيل لما اتفقنا على قبول شهادته إذا ~~تاب قبل وقوع الحد به دل ذلك على أن الاستثناء راجع إلى الشهادة كرجوعه إلى ~~التفسيق فوجب على هذا أن يكون مقتضيا لقبولها بعد الحد كهو قبله قيل له إن ~~شهادته لم تبطل بالقذف قبل وقوع الحد به ولا وجب الحكم # PageV05P124 # بتفسيقه لما بيناه في المسألة المتقدمة ولو لم يتب وأقام على قذفه كانت ~~شهادته مقبولة وإنما بطلان الشهادة ولزومه سمة الفسق مرتب على وقوع الحد به ~~فالاستثناء إنما رفع عنه سمة الفسق التي لزمه بعد وقوع الحد فأما قبل ذلك ~~فغير محتاج إلى الاستثناء في الشهادة ولا في الحكم بالتفسيق ودليل آخر على ~~صحة قولنا وهو أنا قد اتفقنا على أن التوبة لا تسقط الحد ولم يرجع ~~الاستثناء إليه فوجب أن يكون ms2158 بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا أمران قد ~~تعلقا بالقذف فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى ~~الشهادة وأما التفسيق فهو خبر ليس بأمر فلا يلزم على ما وصفنا ومن جهة أخرى ~~أن المطالبة بالحد حق لآدمي فكذلك بطلان الشهادة حق لآدمي ألا ترى أن ~~الشهادات إنما هي حق للمشهود له وبمطالبة يصح أداؤها وإقامتها كما تصح ~~إقامة حد القذف بمطالبة المقذوف فوجب أن يكونا سواء في أن التوبة لا ~~ترفعهما وأما لزوم سمة الفسق فلا حق فيه لأحد فكان الاستثناء راجعا إليه ~~ومقصورا عليه فإن قيل إذا كان التائب من الكفر مقبول الشهادة فالتائب من ~~القذف أحرى به قيل له التائب من الكفر يزول عنه القتل ولا يزول عن التائب ~~من القذف حد القذف فكما جاز أن تزيل التوبة من الكفر القتل عن الكافر جاز ~~أن تقبل توبته ولا يلزم عليه التائب من القذف لأن توبته لا تزيل الجلد عنه ~~وأيضا فإن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير الأجرام ألا ترى أن القاذف ~~بالكفر لا يجب عليه الحد والقاذف بالزنا يجب عليه الحد فغلظ أمر القذف من ~~هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر القذف في أحكام الدنيا وإن كانت عقوبة الكفر ~~في الآخرة أعظم فإن قيل فإذا تاب وأصلح فهو عدل ولى الله تعالى وقد كان ~~بطلان شهادته بديا على وجه العقوبة والتوبة تزيل العقوبة وتوجب العدالة ~~والولاية فغير جائز بطلان شهادته بعد توبته قيل له لا يكون بطلان شهادته ~~بعد توبته على وجه العقوبة بل على جهة المحنة كما لا تكون إقامة الحد عليه ~~بعد التوبة على جهة العقوبة بل على جهة المحنة ولله أن يمتحن عباده بما شاء ~~على وجه المصلحة ألا ترى أن العبد قد يكون عدلا مرضيا عند الله وليا لله ~~تعالى وهو غير مقبول الشهادة وكذلك الأعمى وشهادة الوالد لولده ومن جرى ~~مجراه فليس بطلان الشهادة في الأصول موقوفا على الفسق وعلى وجه العقوبة حتى ~~يعارض فيه بما ذكرت ms2159 ومما يدل على أن توبة القاذف لا توجب جواز شهادته أن ~~شهادته إنما بطلت بحكم الحاكم عليه بالجلد وجلده إياه ولم تبطل بقذفه # PageV05P125 # لما قد بينا فيما سلف فلما تعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم لم يجز إجازتها ~~إلا بحكم الحاكم بجوازها لأن في الأصول أن كل ما تعلق ثبوته بحكم الحاكم لم ~~يزل ذلك الحكم عنه إلا بما يجوز ثبوته من طريق الحكم كالإملاك والعتاق ~~والطلاق وسائر الحقوق فلما لم تكن توبته مما تصح الخصومة فيه ولا يحكم بها ~~الحاكم لم يجز لنا إبطال ما قد ثبت بحكم الحاكم فإن قيل فرقة اللعان ~~والعنين وما جرى مجراها متعلقة بحكم الحاكم وقد يجوز أن يتزوجها فيعود ~~النكاح فكذلك بطلان شهادة القاذف وإن كان متعلقا بحكم الحاكم فإن ذلك لا ~~يمنع إطلاق شهادته عند توبته ويكون حكم الحاكم بديا ببطلانها مقصورا على ~~الحال التي لم تحدث فيها توبة كما أن الفرقة الواقعة بحكم الحاكم إنما هي ~~مقصورة على الحال التي لم يكن منهما فيها عقد مستقبل قيل له لأن النكاح # الثاني مما يجوز وقوع الحكم به فجاز أن تبطل به الفرقة الواقعة بحكم ~~الحاكم والتوبة ليست مما يحكم به الحاكم فلا تثبت فيه الخصومات فلم يجز أن ~~يبطل به حكم الحاكم ببطلان شهادته ولكنه لو شهد القاذف بشهادة عند حاكم يرى ~~قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة فحكم بجواز شهادته بعد حكمه جازت ~~شهادته فإن قيل فلو أن رجلا زنى فحده الحاكم ثم تاب جازت شهادته بعد التوبة ~~ولم يكن حكم الحاكم مانعا من قبولها بعد التوبة قيل له الزاني لم يتعلق ~~بطلان شهادته بحكم الحاكم وإنما بطلت بزناه قبل أن يحده الحاكم لظهور فسقه ~~فلما لم يتعلق بطلان شهادته بحكم الحاكم بل بفعله جازت عند ظهور توبته ~~وشهادة القاذف لم تبطل بقذفه لما بينا فيما سلف لأنه جائز أن يكون صادقا ~~وإنما يحكم بكذبه وفسقه عند جلدا لحاكم إياه فأما قبل ذلك فهو في حكم من لم ~~يقذف ويدل على ms2160 ذلك من جهة السنة # حديث عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية حين قذف ~~امرأته بشريك بن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجلد هلال وتبطل ~~شهادته في المسلمين # وذكر الحديث فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وقوع الجلد به يبطل ~~شهادته من غير شرط التوبة في قبولها # وقد روى الحجاج بن أرطاة عن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودا في قذف # قال أبو بكر ولم يستثن فيه وجود التوبة منه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا حامد بن محمد قال حدثنا شريح قال ~~حدثنا مروان عن يزيد ابن أبي خالد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV05P126 # لا تجوز في الإسلام شهادة مجرب عليه شهادة زور ولا خائن ولا خائنة ولا ~~مجلود حدا ولا ذي غمر لأخيه ولا الصانع لأهل البيت ولا ظنين ولا قرابة # فأبطل صلى الله عليه وسلم القول بإبطال شهادة المحدود فظاهره يقتضي بطلان ~~شهادة سائر المحدودين في حد قذف أو غيره إلا أن الدلالة قد قامت على جواز ~~قبول شهادة المحدود في غير القذف إذا تاب مما حد فيه ولم تقم الدلالة في ~~المحدود في القذف فهو على عموم لفظه تاب أو لم يتب وإنما قبلنا شهادة ~~المحدود في غير القذف إذا تاب لأن بطلان شهادته متعلق بالفسق فمتى زالت عنه ~~سمة الفسق كانت شهادته مقبولة والدليل على ذلك أن الفعل الذي استحق به الحد ~~من زنا أو سرقة أو شرب خمر قد أوجب تفسيقه قبل وقوع الحد به فلما لم يتعلق ~~بطلان شهادته بالحد كان بمنزلة سائر الفاسق إذا تابوا فتقبل شهاداتهم وأما ~~المحدود في القذف فلم يوجب القذف بطلان شهادته قبل وقوع الحد به لأنه جائز ~~أن يكون صادقا في قذفه وإنما بطلت شهادته بوقوع الحد به فلم تزل ms2161 ذلك عنه ~~بتوبته قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء قال أبو ~~بكر قد اقتضت هذه الآية أن يكون شهود الزنا أربعة كما أوجب قوله واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم وقوله وأشهدوا ذوي عدل منكم قبول شهادة العدد المذكور فيه ~~وامتناع جواز الاقتصار على أقل منه وقال تعالى في سياق التلاوة عند ذكر ~~أصحاب الإفك لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون فجعل عد الشهود المبرئ للقاذف من الحد أربعة وحكم بكذبه ~~عند عجزه عن إقامة أربعة شهداء وقد بين تعالى عدد شهود الزنا في قوله تعالى ~~واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم الآية وأعاد ~~ذكر الشهود الأربعة عند القذف إعلاما لنا أن القاذف لا تبرئه من الجلد إلا ~~شهادة أربعة واختلف الفقهاء في القاذف إذا جاء بأربعة شهداء فساق فشهدوا ~~على المقذوف بالزنا فقال أصحابنا وعثمان البتي والليث بن سعد لا حد على ~~الشهود وإن كانوا فساقا وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف في رجل قذف رجلا ~~بالزنا ثم جاء بأربعة فساق يشهدون أنه زان إنه يحد القاذف ويدرأ عن الشهود ~~وقال زفر يدرأ عن القاذف وعن الشهود وقال مالك وعبيد الله بن الحسن يحد ~~الشهود قال أبو بكر ولم يختلف أصحابنا لو جاء بأربعة كفار أو محدودين في ~~قذف أو عبيد أو عميان أن القاذف والشهود جميعا يحدون للقذف فأما إذا # PageV05P127 # كانوا فساقا فإن ظاهر قوله ثم لم يأتوا بأربعة شهداء قد تناولهم إذ لم ~~يشرط في سقوط الحد عن القاذف العدول دون الفساق فوجب بمقتضى الآية زوال ~~الحد عن القاذف إذ جعل شرط وجوب الحد أن لا يأتي بأربعة شهداء وهو قد أتى ~~بأربعة شهداء إذ كان الشهداء اسما لمن أقام الشهادة فإن قيل يلزمك مثله في ~~الكفار والمحدودين في القذف ونحوهم قيل له قد اقتضى الظاهر ذلك وإنما ~~خصصناه بدلالة وأيضا فإن الفساق إنما ردت شهادتهم للتهمة وكان ذلك شبهة في ~~ردها فغير ms2162 جائز إيجاب الحد عليهم بالشبهة التي ردت من أجلها شهادتهم ووجب ~~سقوط الحد عن القاذف أيضا بهذه الشهادة كما أسقطناها عنهم إذ كان سبيل ~~الشبهة أن يسقط بها الحد ولا يجب بها الحد وأما المحدود في القذف والكافر ~~والعبد والأعمى فلم نرد شهادتهم للتهمة ولا لشبهة فيها وإنما رددناها لمعان ~~متيقنة فيهم تبطل الشهادة وهي الحد والكفر والرق والعمى فلذلك حددناهم ولم ~~يكن لشهادتهم تأثير في إسقاط الحد عنهم وعن القاذف ووجه آخر وهو أن الفساق ~~من أهل الشهادة وإنما رددناها اجتهادا وقد يسوغ الاجتهاد لغيرنا في قبول ~~شهادتهم إذا كان ما نحكم نحن بأنه فسق يوجب رد الشهادة قد يجوز أن يراه ~~غيرنا غير مانع من قبول الشهادة فلما كان كذلك لم يكن لنا إيجاب الحد على ~~الشهود ولا على القاذف بالاجتهاد وأما الحد في القذف والكفر ونظائر هما ~~فليس طريق إثباتها الاجتهاد بل الحقيقة فلذلك جاز أن يحدوا ولم يكن ~~لشهادتهم تأثير في إسقاط الحد عن القاذف وأيضا فإن الفاسق غير محكوم ببطلان ~~شهادته إذ الفسق ليس بمعنى يحكم به الحاكم ولا يسمع عليه البينات فلما لم ~~يحكم ببطلان شهادتهم ولا كان الفسق مما تقوم به البينات ويحكم به الحاكم لم ~~يجز الحكم ببطلان شهادتهم في إيجاب الحد عليهم ولما كان حد القذف والكفر # والرق والعمى مما يقع الحكم به وتقوم عليه البينات كان محكوما ببطلان ~~شهادتهم وخرجوا بذلك من أن يكونوا من أهل الشهادة فوجب أن يحدوا لوقوع ~~الحكم بالسبب الموجب لخروجهم من أن يكونوا من أهل الشهادة وأيضا فإن الفسق ~~من الشاهد غير متيقن في حال الشهادة إذ جائز أن يكون عدلا بتوبته في الحال ~~فيما بينه وبين الله وأما الكفر والحد والعمى والرق فقد علمنا أنه غير زائل ~~وهو المانع له من كونه شاهدا فلذلك اختلفا فإن قيل جائز أن يكون الكافر قد ~~أسلم أيضا فيما بينه وبين الله قيل له لا يكون مسلما باعتقاده الإسلام دون ~~إظهاره في الموضع الذي يمكنه # PageV05P128 # إظهاره فإذا لم ms2163 يظهره فهو باق على كفره فقول زفر في هذه المسألة أظهر ~~لأنه إن جاز أن يكون فسق الشهود غير مخرج لهم من أن يكونوا من أهل الشهادة ~~في باب سقوط الحد عنهم فكذلك حكمهم في سقوطه عن القاذف قال أبو بكر اختلف ~~الفقهاء في شهود الزنا إذا جاءوا متفرقين فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد ومالك والأوزاعى والحسن ابن صالح يحدون وقال عثمان البتي والشافعي لا ~~يحدون وتقبل شهادتهم ثم قال الشافعي إذا كان الزنا واحدا قال أبو بكر لما ~~شهد الأول وحده كان قاذفا بظاهر قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاقتضى أن يكون الأربعة غيره إذ غير جائز أن يكون ~~المعقول منه دخوله في الأربعة لأنه لا يقال ائت بنفسك بعد الشهادة أو القذف ~~كما لا يجوز أن يقال ائت بأربعة سواك ولأنهم لم يختلفوا أنه إذا قال لها ~~أنت زانية أنه مكلف لأن يأتي بأربعة غيره يشهدون بالزنا وليس هو منهم فكذلك ~~قوله أشهد أنك زانية وإذا كان كذلك فقد اقتضى ظاهر الآية إيجاب الحد على كل ~~قاذف سواء كان قذفه بلفظ الشهادة أو بغير لفظ الشهادة فلما كان ذلك حكم ~~الأول كان كذلك حكم الثاني والثالث والرابع إذ كان كل واحد منهم قاذف محصنة ~~قد أوجب الله عليه الحد ولم يبرئه منه إلا بشهادة أربعة غيره فإن قيل إنما ~~أوجب الله عليه الحد إذا كان قاذفا ولم يجيء مجيء الشهادة فأما إذا جاء ~~مجيء الشهادة بأن يقول أشهد أن فلان زنى فليس هذا بقاذف قيل له قذفه إياها ~~بلفظ الشهادة لا يخرجه من حكم القاذفين ألا ترى أنه لو لم يشهد معه غيره ~~لكان قاذفا وكان الحد له لازما فلما كان كذلك علمنا أن إيراده القذف بلفظ ~~الشهادة لا يخرجه من أن يكون قاذفا بعد أن يكون وحده وأيضا فقد تناوله عموم ~~قوله والذين يرمون المحصنات إذ كان راميا وإنما ينفصل حكم الرامي من حكم ~~الشاهد إذا جاء أربعة مجتمعين وهم ms2164 العدد المشروط في قبول الشهادة فلا ~~يكونون مكلفين لأن يأتوا بغيرهم فأما من دون الأربعة إذا جاءوا قاذفين بلفظ ~~الشهادة أو بغير لفظها فإنهم قذفة إذ هم مكلفين للإتيان بغيرهم في صحة ~~قذفهم فإن قيل قد روي أن نافع بن الحارث كتب إلى عمر رضي الله عنه أن أربعة ~~جاءوا يشهدون على رجل وامرأة بالزنا فشهد ثلاثة أنهم رأوه كالميل في ~~المكحلة ولم يشهد الرابع بمثل ذلك فكتب إليه عمر إن شهد الرابع على مثل ما ~~شهد عليه الثلاثة فاجلدهما وإن كانا محصنين فارجمهما وإن لم يشهد إلا بما ~~كتبت به إلي فاجلد الثلاثة وخل «9- أحكام مس» # PageV05P129 # سبيل الرجل والمرأة وهذا يدل على أنه لو شهد مع الثلاثة آخر أنهم لا ~~يحدون وقبلت شهادتهم مع كون الثلاثة بديا منفردين قيل له ليس في ذلك دلالة ~~على ما ذكرت وذلك لأن الرجل الذي لم يشهد بما شهد به الآخرون لم ينفرد عنهم ~~بل جاءوا مجتمعين مجيء الشهادة وجائز أن يكون الجميع شهدوا بالزنا فلما ~~استثبتوا بالرجل أن يصرح بما صرح به الثلاثة فأمر عمر بأن يوقف الرجل فإن ~~أتى بالتفسير على ما أتى به القوم حد المشهود عليهما وإن هو لم يأت ~~بالتفسير أبطل شهادته وجعل الثلاثة منفردين فحدهم ولم يقل عمر إن جاء رابع ~~فشهد معهم فاقبل شهادتهم فيكون قابلا لشهادة الثلاثة المنفردين مع واحد جاء ~~بعدهم وقد جلد أبا بكرة وأصحابه لما نكل زيادة عن الشهادة ولم يقل لهم ~~ائتوا بشاهد آخر يشهد بمثل شهادتكم وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكره عليه ~~أحد منهم ولو كان قبول شهادة شاهد واحد منهم لو شهد # معهم جائزا لوقف الأمر واستثبتهم وقال هل يشهد بمثل شهادتكم شاهد آخر ~~وإذا لم يقل ذلك ولم يوقف أمرهم بما عزم عليه من حدهم دل على أنهم قد صاروا ~~قذفة قد لزمهم الحد وأنه لم يكن يبرئهم من الحد إلا شهادة أربعة آخرين فإن ~~قيل فهو لم يقل لهم هل معكم أربعة يشهدون بمثل شهادتكم ولم ms2165 يوقف أمر الحد ~~عليهم لجواز ذلك فكذلك في الشاهد الواحد لو شهد بمثل شهادتهم قيل له لأنه ~~لم يكن يخفى عليهم أنهم لو جاءوا بأربعة آخرين يشهدون لهم بذلك لكانت ~~شهادتهم مقبولة وكان الحد عنهم زائلا فلو كانوا قد علموا أن هناك شهودا ~~أربعة يشهدون بذلك لسألوه التوقيف فلذلك لم يحتج أن يعلمهم ذلك وأما الشاهد ~~الواحد لو شهد معه فإنه جائز أن يخفى حكمه عليهم في جواز شهادته معهم أو ~~بطلانها فلو كان ذلك مقبولا لوقفهم عليه وأعلمهم إياه حتى يأتوا به إن كان. ### | فيمن يقيم الحد على المملوك # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد يقيمه الإمام دون المولى وذلك في ~~سائر الحدود وهو قول الحسن بن صالح وقال مالك يحده المولى في الزنا وشرب ~~الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام ~~وهو قول الليث بن سعد وقال الشافعي يحده المولى ويقطعه وقال الثوري يحده ~~المولى في الزنا رواية الأشجعي وذكر عنه الفريابي أن المولى إذا حد عبده ثم ~~أعتقه جازت شهادته وقال الأوزاعي يحده المولى # PageV05P130 # وروي عن الحسن قال ضمن هؤلاء أربعا الصلاة والصدقة والحدود والحكم رواه ~~عنه ابن عون وروي عنه بدل الصلاة الجمعة وقال عبد الله بن محيريز الحدود ~~والفيء والجمعة والزكاة إلى السلطان وقد روى حماد بن سلمة عن يحيى البكاء ~~عن مسلم بن يسار عن أبي عبد الله رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكان ابن عمر يأمرنا أن نأخذ عنه وهو عالم فخذوا عنه فسمعته يقول الزكاة ~~والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان وقد قيل إن أبا عبد الله هذا يظن أنه ~~أخو أبى بكرة واسمه نافع فهؤلاء والسلف قد روي عنهم ذلك ولا نعلم عن أحد من ~~الصحابة خلافه وقد روي عن الأعمش أنه ذكر إقامة عبد الله بن مسعود حدا ~~بالشام وقال الأعمش هم أمراء حيث كانوا وجائز أن يكون عبد الله بن مسعود قد ~~كان ولي ذلك لأنه لم يذكر أن المحدود ms2166 كان عبده فإن قيل روى عن بن أبي ليلى ~~أنه قال أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا زنت في مجالسهم ~~قيل له يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على وجه التعزير لا على وجه إقامة الحد ~~لأنهم لم يكونوا مأمورين برفعها إلى الإمام بل كانوا مأمورين بالستر عليها ~~وترك رفعها إلى الإمام والدليل على أن إقامة الحد على المملوك إلى الإمام ~~دون المولى قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا # وقال الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وقال في آية أخرى ~~فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وقد علم ~~من قرع سمعه هذا الخطاب من أهل العلم أن المخاطبين بذلك هم الأئمة دون عامة ~~الناس فكان تقديره فليقطع الأئمة والحكام أيديهما وليجلدهما الأئمة والحكام ~~ولما ثبت باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على الأحرار هم ~~الأئمة ولم تفرق هذه الآيات بين المحدودين من الأحرار والعبيد وجب أن يكون ~~فيهم جميعا وأن يكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار ~~والعبيد دون الموالي ويدل على ذلك أيضا أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة ~~الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه ثم يرجع الشهود عن شهادتهم أن يكون له ~~تضمين الشهود ومعلوم أن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة لأنه لو ~~لم يحكم بشادتهم لم يضمنوا شيئا فكان يصير حاكما لنفسه بإيجاب الضمان عليهم ~~ومعلوم أن أحدا من الناس لا يجوز له أن يحكم لنفسه فعلمنا أن المولى لا ~~يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه وأيضا فإن المولى والأجنبي سواء ~~في حد العبد والأمة بدلالة أن إقراره عليه غير مقبول وأن # PageV05P131 # إقرار العبد على نفسه بذلك مقبول وإن جحده المولى فلما كانا في ذلك في ~~حكم الأجنبيين وجب أن يكون المولى بمنزلة الأجنبي في إقامة الحد عليه وإنما ~~جاز للحاكم أن يسمع البينة ويقيم الحد لأن قوله مقبول في ثبوت ما يوجب الحد ~~عنه فلذلك سمع البينة وحكم بالحد ms2167 فإن قيل يجوز إقرار الإنسان على نفسه بما ~~يوجب الحد ولا يملك مع ذلك إقامة الحد على نفسه قيل له إذا كان من يجوز ~~إقراره على نفسه ولا يقيم الحد على نفسه فمن لا يجوز إقراره على عبده أحرى ~~بأن لا يقيم الحد عليه فإن قيل فلا نجعل قول الحاكم عليه علة جواز إقامة ~~الحد عليه قيل له إن قول الحاكم قد ثبت عندي لا يوجب عليه الحد وليس بإقرار ~~منه وإنما هو حكم وكذلك البينة إذا قامت عنده فإنه يقيم الحد من طريق الحكم ~~فمن لا يقبل قوله في الحكم فهو لا يملك سماع البينة ولا إقامة الحد فإن قيل ~~إن أبا حنيفة وأبا يوسف لا يقبلان قول الحاكم بما يوجب الحد لأنهما يقولان ~~لا # يحكم بعلمه في الحدود قيل له ليس معنى ذلك أن قول الحاكم غير مقبول إذا ~~قال ثبت ذلك عندي ببينة أو بإقرار لأن من قولهما أن ذلك مقبول وإنما معنى ~~قولهما إنه لا يحكم بعلمه في الحدود أنه لو شاهد رجلا على زنا أو سرقة أو ~~شرب خمر لم يقم عليه الحد بعلمه فأما إذا قال قد شهد عندي شهود بذلك أو قال ~~أقر عندي بذلك فإن قوله مقبول منه في ذلك ويسع من أمره الحاكم بالرجم ~~والقطع أن يرجم ويقطع واحتج المخالف لنا بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقيموا الحدود على ما ملكت ~~أيمانكم # وقوله إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها وإن عادت فليجلدها وإن عادت فليجلدها ~~ولا يترب عليها فإن عادت فليبعها ولو بضفير وقد روي في بعض ألفاظ هذا ~~الحديث فليقم عليها الحد # قال أبو بكر لا دلالة في هذه الأخبار على ما ذهبوا إليه وذلك لأن # قوله أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم # هو كقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وقوله الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ومعلوم أن المراد رفعه إلى الإمام لإقامة ~~الحد فالمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة وسائر الناس مخاطبون برفعهم ms2168 إليهم ~~حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك # قوله صلى الله عليه وسلم أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم # هو على هذا المعنى وأما # قوله صلى الله عليه وسلم إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها # فإنه ليس كل جلد حدا لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير فإذا عزرناها فقد ~~قضينا عهدة الخبر ولا يجوز أن نجلدها بعد ذلك ويدل على أنه أراد التعزير # قوله لا يثرب عليها # يعنى ولا # PageV05P132 # يعيرها ومن شأن إقامة الحد أن يكون بحضرة الناس ليكون أبلغ في الزجر ~~والتنكيل فلما # قال ولا يثرب عليها # دل ذلك أنه أراد التعزير لا الحد ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم في الرابعة فليبعها ولو بضفير # ولم يأمر بجلدها ولو كان ذلك حدا لذكره وأمر به كما أمر به الأول والثاني ~~والثالث لأنه لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها عند من يقيمها وقد يجوز ترك ~~التعزير على حسب ما يرى الإمام فيه من المصلحة فإن قيل التعزير لوجب أن ~~يكون لو عزرها المولى ثم رفع إلى الإمام بعد التعزير أن يقيم عليها الحد ~~لأن التعزير لا يسقط الحد فيكون قد اجتمع عليها الحد والتعزير قيل له لا ~~ينبغي لمولاها أن يرفعها إلى الإمام بعد ذلك بل هو مأمور بالستر عليها # لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهزال حين أشار على ما عز بالإقرار بالزنا ~~لو سترته بثوبك كان خيرا لك # وقال صلى الله عليه وسلم من أتى شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ~~فإن أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله # وأيضا فليس يمتنع اجتماع الحد والتعزير وقد يجب النفي عندنا مع الجلد على ~~وجه التعزير # وروي أن النجاشي الشاعر شرب الخمر في رمضان فضربه علي كرم الله وجهه ~~ثمانين وقال هذا لشربك الخمر ثم جلده عشرين وقال هذا لإفطارك في رمضان # فجمع عليه الحد والتعزير فلما كان ذلك جائزا لم يمتنع لو رفعت هذه الأمة ~~بعد تعزير المولى إلى الإمام أن يحدها حد الزنا. ### | باب اللعان # قال الله عز ms2169 وجل والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم إلى آخر القصة قال أبو بكر كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات ~~الجلد والدليل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء ~~ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك # وقال الأنصار أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين فثبت بذلك أن ~~حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات وأنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان ~~لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال لهلال بن أمية حين نزلت آية اللعان ائتني ~~بصاحبتك فقد أنزل الله فيك وفيها قرآنا ولاعن بينهما # وروي نحو ذلك في حديث عبد الله بن مسعود في الرجل الذي قال أرأيتم لو أن ~~رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن تكلم جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على ~~غيظ # فدلت هذه الأخبار على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله تعالى نسخه ~~باللعان ومن أجل ذلك قال أصحابنا إن الزوج # PageV05P133 # إذا كان عبدا أو محدودا في قذف فلم يجب اللعان بينهما أن عليه الحد كما ~~أنه إذا أكذب نفسه فسقط اللعان من قبله كان عليه الحد وقالوا لو كانت ~~المرأة هي المحدودة في القذف أو كانت أمة أو ذمية أنه لا حد على الزوج لأنه ~~قد سقط اللعان من قبلها فكان بمنزلة تصديقها الزوج بالقذف لما سقط اللعان ~~من جهتها لم يجب على الزوج الحد واختلف الفقهاء فيمن يجب بينهما اللعان من ~~الزوجين فقال أصحابنا جميعا أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد يسقط اللعان ~~بأحد معنيين أيهما وجد لم يجب معه اللعان وهو أن يكون الزوجة ممن لا يجب ~~على قاذفها الحد إذا كان أجنبيا نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية أو قد ~~وطئت وطئا حراما في غير ملك والثاني أن يكون أحدهما من غير أهل الشهادة بأن ~~يكون محدودا في قذف أو كافرا أو عبدا فأما إذا كان أحدهما أعمى أو فاسقا ~~فإنه يجب اللعان وقال ابن ms2170 شبرمة يلاعن المسلم زوجته اليهودية إذا قذفها ~~وقال ابن وهب عن مالك الأمة المسلمة والحرة والنصرانية واليهودية تلا عن ~~الحر المسلم وكذلك العبد يلاعن زوجته اليهودية وقال القاسم عن مالك ليس بين ~~المسلم والكافر لعان إذا قذفها إلا أن يقول رأيتها تزنى فتلا عن سواء ظهر ~~الحمل أو لم يظهر لأنه يقول أخاف أن أموت فيلحق نسب ولدها بي وإنما يلاعن ~~المسلم الكافر في دفع الحمل ولا يلاعنها فيما سوى ذلك وكذلك لا يلاعن زوجته ~~الأمة إلا في نفي الحمل قال والمحدود في القذف يلاعن وإن كان الزوجان جميعا ~~كافرين فلا لعان بينهما والمملوكان المسلمان بينهما لعان إذا أراد أن ينفي ~~الولد وقال الثوري والحسن بن صالح لا يجب اللعان إذا كان أحد الزوجين ~~مملوكا أو كافرا ويجب إذا كان محدودا في قذف وقال الأوزاعي لا لعان بين أهل ~~الكتاب ولا بين المحدود في القذف وامرأته وقال الليث في العبد إذا قذف ~~امرأته الحرة وادعى أنه رأى عليها رجلا يلاعنها لأنه يحد لها إذا كان ~~أجنبيا فإن كانت أمة أو نصرانية لا عنها في نفي الولد إذا ظهر بها حمل ولا ~~يلاعنها في الرؤية لأنه لا يحد لها والمحدود في القذف يلاعن امرأته وقال ~~الشافعي كل زوج جاز طلاقه ولزمه الفرض يلاعن إذا كانت ممن يلزمها الفرض قال ~~أبو بكر فأما الوجه الأول من الوجهين الذين يسقطان اللعان فإنما وجب ذلك به ~~من قبل أن اللعان في الأزواج أقيم مقام الحد في الأجنبيات وقد كان الواجب ~~على قاذف الزوجة والأجنبية جميعا الجلد بقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ~~ثم لم يأتوا # PageV05P134 # بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة # ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه والدليل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء ~~ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك # وقول الرجل الذي قال أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فتكلم جلدتموه ~~وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت عن غيظ فأنزلت آية ms2171 اللعان # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية قد أنزل الله فيك وفي ~~صاحبتك قرآنا فائتني بها # فلما كان اللعان في الأزواج قائما مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان ~~على قاذف من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي وأيضا # فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم اللعان حدا # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الخراساني قال ~~حدثنا عبد الرحمن بن موسى قال حدثنا روح بن دراج عن ابن أبي ليلى عن الحكم ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين المرأة وزوجها فرق بينهما وقال إن جاءت به أرح القدمين يشبه فلانا فهو ~~منه قال فجاءت به يشبهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما مضى من ~~الحد لرجمتها # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن اللعان حد ولما كان حدا لم يجز إيجابه ~~على الزوج إذا كانت المرأة مملوكة إذ كان حدا مثل حد الجلد ولما كان حدا لم ~~يجب على قاذف المملوك فإن قيل لو كان حدا لما وجب على الزوج إذا قذف امرأته ~~الحرة الجلد إذا أكذب نفسه بعد اللعان إذ غير جائز أن يجتمع حدان بقذف واحد ~~وفي إيجاب حد القذف عليه عند إكذابه نفسه دليل على أن اللعان ليس بحد قيل ~~له قد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حدا وغير جائز استعمال النظر في دفع ~~الأثر ومع ذلك فإنما يمتنع اجتماع الحدين عليه إذا كان جلدا فأما إذا كان ~~أحدهما جلدا والآخر لعانا فإنا لم نجد في الأصول خلافه وأيضا فإن اللعان ~~إنما هو حد من طريق الحكم فمتى أكذب نفسه وجلد الحد خرج اللعان من أن يكون ~~حدا إذ كان ما يصير حدا من طريق الحكم فجائز أن يكون تارة حدا وتارة ليس ~~بحد فكذلك كل ما تعلق بالشيء من طريق الحكم فجائز أن يكون تارة على وصف ~~وأخرى على وصف آخر ms2172 وإنما قلنا إن من شرط اللعان أن يكون الزوجات جميعا من ~~أهل الشهادة لقوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا ~~أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إلى آخر القصة فلما سمى الله ~~لعانهما شهادة ثم قال في المحدود في القذف ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وجب ~~بمضمون الآيتين انتفاء اللعان عن المحدود في القذف وإذا ثبت ذلك في المحدود ~~ثبت في سائر # PageV05P135 # من خرج من أن يكون من أهل الشهادة مثل العبد والكافر ونحوهما ومن جهة ~~أخرى أنه إذا ثبت أن المحدود في القذف لا يلاعن وجب مثله في سائر من ليس هو ~~من أهل الشهادة إذ لم يفرق أحد بينهما لأن كل من لا يوجب اللعان على ~~المحدود لا يوجبه على من ذكرنا ووجه آخر من دلالة الآية وهو قوله تعالى ولم ~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فلا يخلو المراد به من أن يكون الأيمان فحسب من ~~غير اعتبار معنى الشهادة فيه أو أن يكون أيمانا ليعتبر فيها معنى الشهادة ~~على ما نقوله فلما قال تعالى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم علمنا أنه أراد ~~أن يكون الملاعن من أهل الشهادة إذ غير جائز أن يكون المراد ولم يكن لهم ~~حالفون إلا أنفسهم إذ كل أحد لا يحلف إلا على نفسه ولا يجوز إحلاف الإنسان ~~عن غيره ولو كان المعنى ولم يكن لهم حالفون إلا أنفسهم لاستحال وزالت ~~فائدته فثبت أن المراد أن يكون الشاهد في ذلك من أهل الشهادة وإن كان ذلك ~~يمينا ويدل على ذلك قوله تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله فلم يخل ~~المراد من أن يكون الإتيان بلفظ الشهادة في هذه الأيمان أو الحلف من كل ~~واحد منهما سواء كان بلفظ الشهادة أو بغيرها بعد أن يكون حلفا فلما كان قول ~~القائل بجواز قبول اليمين منهما على أي وجه كانت كان مخالفا للآية وللسنة ~~لأن الله تعالى قال فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله كما قال تعالى ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقال فاستشهدوا ms2173 عليهن أربعة منكم ولم يجز ~~الاقتصار على الإخبار دون إيراده بلفظ الشهادة وكذلك فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على ~~لفظ اليمين دونها ولما كان ذلك كذلك علمنا أن شرط هذه الأيمان أن يكون ~~الحالف بها من أهل الشهادة ويلاعنان فإن قيل الفاسق والأعمى ليسا من أهل ~~الشهادة ويلاعنان قيل له الفاسق من أهل الشهادة من وجوه أحدها أن الفسق ~~الموجب لرد الشهادة قد يكون طريقه الاجتهاد في الرد والقبول والثاني أنه ~~غير محكوم ببطلان شهادته إذ الفسق لا يجوز أن يحكم به الحاكم فلما لم تبطل ~~شهادته من طريق الحكم لم يخرج من أن يكون من أهل الشهادة والثالث أن فسقه ~~في حال لعانه غير متيقن إذ جائز أن يكون تائبا فيما بينه وبين الله تعالى ~~فيكون عدلا مرضيا عند الله وليس هذه الشهادة يستحق بها على الغير فترد من ~~أجل ما علم من ظهور فسقه بديا فلم يمنع فسقه من قبول لعانه وإن كان من ~~شروطه كونه من أهل الشهادة وليس كذلك # PageV05P136 # الكفر لأن الكافر لو اعتقد الإسلام لم يكن مسلما إلا بإظهاره إذا أمكنه ~~ذلك فكان حكم كفره # باقيا مع اعتقاده لغيره ما لم يظهر الإسلام وأيضا فإن العدالة إنما تعتبر ~~في الشهادة التي يستحق بها على الغير فلا يحكم بها للتهمة والفاسق إنما ردت ~~شهادته في الحقوق للتهمة واللعان لا تبطله التهمة فلم يجب اعتبار الفسق في ~~سقوطه وأما الأعمى فإنه من أهل الشهادة كالبصير لا فرق بينهما إلا أن ~~شهادته غير مقبولة في الحقوق لأن بينه وبين المشهود عليه حائلا وليس شرط ~~شهادة اللعان أن يقول رأيتها تزني إذ لو قال هي زانية ولم أر ذلك لا عن ~~فلما لم يحتج إلى الإخبار عن معاينة المشهود به لم يبطل لعانه لأجل عماه ~~وقد روي في معنى مذهب أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار منها # ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد ms2174 بن داود السراج قال حدثنا ~~الحكم بن موسى قال حدثنا عتاب بن إبراهيم عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن عبد ~~الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع من النساء ليس ~~بينهن وبين أزواجهن ملا عنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت ~~المملوك والمملوكة تحت الحر # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا أحمد بن حمويه بن سيار قال حدثنا أبو سيار ~~التستري قال حدثنا الحسن بن إسماعيل عن مجالد المصيصي قال أخبرنا حماد بن ~~خالد عن معاوية بن صالح عن صدقة أبي توبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع ليس بينهن ملاعنة اليهودية ~~والنصرانية تحت المسلم والمملوكة تحت الحر والحرة تحت المملوك # فإن قيل اللعان إنما يجب في نفي الولد لئلا يلحق به نسب ليس منه وذلك ~~موجود في الأمة وفي الحرة قيل له لما دخل في نكاح الأمة لزمه حكمه ومن حكمه ~~أن لا ينتفي منه نسب ولدها كما لزمه حكمه في رق ولده. ### | باب القذف الذي يوجب اللعان # قال الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة الآية ولإخلاف بين الفقهاء أن المراد به قذف الأجنبيات ~~المحصنات بالزنا سواء قال زنيت أو قال رأيتك تزنين ثم قال تعالى والذين ~~يرمون أزواجهم ولا خلاف أيضا أنه قد أريد به رميها بالزنا ثم اختلف الفقهاء ~~في صفة القذف الموجب للعان فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والشافعي ~~إذا قال لها يا زانية وجب اللعان وقال مالك بن أنس لا يلاعن إلا أن يقول ~~رأيتك تزنين أو ينفي حملا بها أو ولدا منها والأعمى يلاعن # PageV05P137 # إذا قذف امرأته وقال الليث لا تكون ملاعنة إلا أن يقول رأيت عليها رجلا ~~أو يقول قد كنت استبرأت رحمها وليس هذا الحمل منى ويحلف بالله ما على ما ~~قال وقال عثمان البتي إذا قال رأيتها تزني لاعنها وإن قذفها وهي بخراسان ~~وإنما تزوجها قبل ms2175 ذلك بيوم لم يلاعن ولا كرامة قال أبو بكر ظاهر الآية ~~يقتضي إيجاب اللعان بالقذف سواء قال رأيتك تزنين أو لم يقل لأنه إذا قذفها ~~بالزنا فهو رام لها سواء ادعى معاينة ذلك أو أطلقه ولم يذكر العيان وأيضا ~~لم يختلفوا أن قاذف الأجنبية لا يختلف حكمه في وجوب الحد عليه بين أن يدعي ~~المعاينة أو يطلقه كذلك يجب أن يكون حكم الزوج في قذفه إياها إذ كان اللعان ~~متعلقا بالقذف كالجلد ولأن اللعان في قذف الزوجات أقيم مقام الجلد في قذف ~~الأجنبيات فوجب أن يستويا فيما يتعلقان به من لفظ القذف وأيضا فقد قال مالك ~~إن الأعمى يلاعن وهو لا يقول رأيت فعلمنا أنه ليس شرط اللعان رميها برؤية ~~الزنا منها وأيضا قد أوجب مالك اللعان في نفي الحمل من غير ذكر رؤية فكذلك ~~نفي غير الحمل يلزمه أن لا يشرط فيه الرؤية. ### | باب كيفية اللعان # قال الله تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ~~والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين واختلف أهل العلم في صفة ~~اللعان إذا لم يكن ولد فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والثوري يشهد الزوج ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن ~~لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا وتشهد هي أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا والخامسة أن غضب ~~الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا فإن كان هناك ولد ~~نفاه يشهد أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها به من نفي هذا الولد ~~وذكر أبو الحسن الكرخي أن الحاكم يأمر الزوج أن يقول أشهد بالله أني لمن ~~الصادقين فيما رميتك به من نفي ولدك هذا فيقول ذلك أربع مرات ثم يقول في ~~الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتك به من نفي ولدك هذا ~~ثم يأمرها القاضي فتقول أشهد بالله إنك لمن الكاذبين فيما ms2176 رميتني به من نفي ~~ولدي هذا فتقول ذلك أربع مرات ثم تقول في الخامسة وغضب الله علي إن كنت من ~~الصادقين فيما رميتني به من نفي ولدي هذا وروى حيان بن بشر عن أبى # PageV05P138 # يوسف قال إذا كان اللعان بولد فرق بينهما فقال قد ألزمته أمه وأخرجته من ~~نسب الأب قال أبو الحسن ولم أجد ذكر نفي الحاكم الولد بالقول فيما قرأته ~~إلا في رواية حيان بن بشر قال أبو الحسن وهو الوجه عندي وروى الحسن بن زياد ~~في سياق روايته عن أبي حنيفة قال لا يضره أن يلاعن بينهما وهما قائما أو ~~جالسان فيقول الرجل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتك به من الزنا ~~يقبل بوجهه عليها فيواجهها في ذلك كله وتواجهه أيضا هي وروي عن زفر مثل ذلك ~~في المواجهة وقال مالك فيما ذكره ابن القاسم عنه أنه يحلف أربع شهادات ~~بالله يقول أشهد بالله أني رأيتها تزني والخامسة لعنة الله علي إن كنت من ~~الكاذبين وتقول هي أشهد بالله ما رآني أزني فتقول ذلك أربع مرات والخامسة ~~أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين وقال الليث يشهد الرجل أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ~~وتشهد المرأة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين وقال الشافعي يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين ~~فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان ويشير إليها إن كانت حاضرة يقول ذلك ~~أربع مرات ثم يقعده الإمام ويذكره الله ويقول إني أخاف إن لم تكن صدقت أن ~~تبوء بلعنة الله فإن رآه يريد أن يمضي أمره يضع يده على فيه ويقول إن قولك ~~علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين موجبة إن كنت كاذبا فإن أبى تركه فيقول ~~لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا فإن ~~قذفها بأحد يسميه بعينه واحدا كان أو اثنين وقال مع كل شهادة ms2177 إني لمن ~~الصادقين فيما رميتها به من الزنا بفلان وفلان وإن نفى ولدها قال مع كل ~~شهادة أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وإن هذا الولد ~~ولد زنا ما هو مني فإذا قال هذا فقد فرغ من الالتعان قال أبو بكر قوله ~~تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين يقتضى ظاهره جواز ~~الاقتصار عليه في شهادات اللعان إلا أنه لما كان معلوما من دلالة الحال أن ~~التلاعن واقع على قذفه إياها بالزنا علمنا أن المراد فشهادة أحدهما بالله ~~إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا وكذلك شهادة المرأة واقعة في نفي ~~ما رماها به وكذلك اللعن والغضب والصدق والكذب راجع إلى إخبار الزوج عنها ~~بالزنا فدل على أن المراد بالآية وقوع الالتعان والشهادات على ما وقع به ~~رمي الزوج فاكتفى بدلالة # PageV05P139 # الحال على المراد عن قوله فيما رميتها به من الزنا واقتصر على قوله إنه ~~لمن الصادقين وهذا نحو قوله تعالى والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات والمراد والحافظات فروجهن والذاكرات الله ولكنه حذف ~~لدلالة الحال عليه وفي حديث عبد الله بن مسعود وابن عباس في قصة المتلاعنين ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم فشهد # الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ولم يذكرا فيما رماها به من ~~الزنا وأما قول مالك إنه يشهد أربع شهادات بالله أنه رآها تزني فمخالف ~~لظاهر لفظ الكتاب والسنة لأن في الكتاب فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه ~~لمن الصادقين وكذلك لا عن النبي صلى الله عليه وسلم بين الزوجين وأما قول ~~الشافعي إنه يذكرها باسمها ونسبها ويشير إليها بعينها فلا معنى له لأن ~~الإشارة تغنى عن ذكر الاسم فذكر الاسم والنسب لغو في هذا الموضع ألا ترى أن ~~الشهود لو شهدوا على رجل بحق وهو حاضر كانت شهادتهم أنا نشهد أن لهذا الرجل ~~على هذا الرجل ألف درهم ولا يحتاجون إلى اسمه ونسبه. ### | في نفي الولد # قال أبو حنيفة إذا ولدت المرأة فنفى ولدها حين ms2178 يولد أو بعده بيوم أو ~~بيومين لاعن وانتفى الولد وإن لم ينفه حين يولد حتى مضت سنة أو سنتان ثم ~~نفاه لاعن ولزمه الولد ولم يوقت أبو حنيفة لذلك وقتا ووقت أبو يوسف ومحمد ~~مقدار النفاس أربعين ليلة وقال أبو يوسف إن كان غائبا فقدم فله أن ينفيه ~~فيما بينه وبين مقدار النفاس منذ قدم ما كان في الحولين فإن قدم بعد خروجه ~~من الحولين لم ينتف أبدا وقال هشام سألت محمدا عن أم ولد لرجل جاءت بولد ~~ولمولى شاهد فلم يدعه ولم ينكره فقال إذا مضى أربعون يوما من يوم ولدته ~~فإنه يلزمه وهي بمنزلة الحرة قال قلت فإن كان المولى غائبا فقدم وقد أتت له ~~سنون فقال محمد إن كان الابن نسب إليه حتى عرف به فإنه يلزمه وقال محمد وإن ~~لم ينسب إليه وقال هذا لم أعلم بولادته فإن سكت أربعين يوما من يوم قدم ~~لزمه الولد وقال مالك إذا رأى الحمل فلم ينفه حين وضعته لم ينتف بعد ذلك ~~وإن نفاه حرة كانت أو أمة فإن انتفى منه حين ولدته وقد رآها حاملا فلم ينتف ~~منه فإنه يجلد الحد لأنها حرة مسلمة فصار قاذفا لها وإن كان غائبا عن الحمل ~~وقدم ثم ولدته فله أن ينفيه وقال الليث فيمن أقر بحمل امرأته ثم قال بعد ~~ذلك رأيتها تزنى لاعن في رؤية ويلزمه الحمل وقال # PageV05P140 # الشافعي إذا علم الزوج بالولد فأمكنه الحاكم إمكانا بينا فترك اللعان لم ~~يكن له أن ينفيه كالشفعة وقال في القديم إن لم ينفه في يوم أو يومين لم يكن ~~له أن ينفيه قال أبو بكر ليس في كتاب الله عز وجل ذكر نفي الولد إلا أنه قد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نفي الولد باللعان إذا قذفها بنفي الولد # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن مسلمة ~~القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله ~~صلى ms2179 الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهما وألحق الولد بالمرأة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا ~~يزيد بن هارون قال أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء هلال ~~بن أمية من أرضه عشيا فوجد عند أهله رجلا وذكر الحديث إلى آخر ذكر اللعان ~~قال ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب # قال أبو بكر وقد اتفق الفقهاء على أنه إذا نفى ولدها أنه يلاعن ويلزم ~~الولد أمه وينتفي نسبه من أبيه إلا أنهم اختلفوا في وقت نفي الولد على ما ~~ذكرنا # وفي خبر ابن عمر الذي ذكرنا في أن رجلا انتفى من ولدها فلاعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالأم # دليل على أن نفي ولد زوجته من قذف لها لولا ذلك لما لاعن بينهما إذ كان ~~اللعان لا يجب إلا بالقذف وأما توقيت نفي الولد فإن طريقه الاجتهاد وغالب ~~الظن فإذا مضت مدة قد كان يمكنه فيها نفي الولد وكان منه قبول للتهنئة أو ~~ظهر منه ما يدل على أنه غير ناف له لم يكن له بعد ذلك أن ينفيه عند أبي ~~حنيفة وتحديد الوقت ليس عليه دلالة فلم يثبت واعتبر ما ذكرنا من ظهور الرضا ~~بالولد ونحوه فإن قيل لما لم يكن سكوته في سائر الحقوق رضا بإسقاطها كان ~~كذلك نفي الولد قيل له قد اتفق الجميع على أن السكوت في ذلك إذا مضت مدة من ~~الزمان بمنزلة الرضا بالقول إلا أنهم اختلفوا فيها وأكثر من وقت فيها ~~أربعين يوما وذلك لا دليل عليه وليس اعتبار هذه المدة بأولى من اعتبار ما ~~هو أقل منها وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الأربعين هي مدة أكثر النفاس وحال ~~النفاس هي حال الولادة فما دامت على حال الولادة قبل نفيه وهذا ليس بشيء ~~لأن نفي الولد لا تعلق له بالنفاس ms2180 وأما قول مالك إنه إذا رآها حاملا فلم ~~ينتف منه ثم نفاه بعد الولادة فإنه يجلد الحد فإنه قول واه لا وجه له من ~~وجوه أحدها أن الحمل غير متيقن فيعتبر نفيه والثاني أنه ليس بآكد ممن ولدت ~~امرأته ولم يعلم بالحمل فعلم به وسكت زمانا يلزمه الولد وإن نفاه بعد ذلك # PageV05P141 # لاعن ولم ينتف نسب الولد منه إذ لم تكن صحة اللعان متعلقة بنفي الولد ولم ~~يكن منه إكذاب لنفسه بعد النفي فكيف يجوز أن يجلد وأيضا قوله تعالى والذين ~~يرمون أزواجهم الآية فأوجب اللعان بعموم الآية على سائر الأزواج فلا يخص ~~منه شيء إلا بدليل ولم تقم الدلالة فيما اختلفنا فيه من ذلك على وجوب الحد ~~وسقوط اللعان. ### | باب الرجل يطلق امرأته طلاقا بائنا ثم يقذفها # قال أصحابنا فيمن طلق امرأته ثلاثا ثم قذفها فعليه الحد وكذلك إن ولدت ~~ولدا قبل انقضاء عدتها فنفى ولدها فعليه الحد والولد ولده وقال ابن وهب عن ~~مالك إذا بانت منه ثم أنكر حملها لا عنها إن كان حملها يشبه أن يكون منه ~~وإن قذفها بعد الطلاق الثلاث وهي حامل مقر بحملها ثم زعم أنه رآها تزني قبل ~~أن يقاذفها حد ولم يلاعن وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثا لا عنها وقال ~~الليث إذا أنكر حملها بعد البينونة لا عن ولو قذفها بالزنا بعد أن بانت منه ~~وذكر أنه رأى عليها رجلا قبل فراقه إياها جلد الحد ولم يلاعن وقال ابن ~~شبرمة إذا ادعت المرأة حملا في عدتها وأنكر الذي يعتد منه لا عنها وإن كانت ~~في غير عدة جلد وألحق به الولد وقال الشافعي وإن كانت امرأة مغلوبة على ~~عقلها فنفى زوجها ولدها التعن ووقعت الفرقة وانتفى الولد وإن ماتت المرأة ~~قبل اللعان فطالب أبوها وأمها زوجها كان عليه أن يلتعن وإن ماتت ثم قذفها ~~حد ولا لعان إلا أن ينفي به ولدا أو حملا فيلتعن وروى قتادة عن جابر بن زيد ~~عن ابن عباس في الرجل يطلق امرأته تطليقة ms2181 أو تطليقتين ثم يقذفها قال يحد ~~وقال ابن عمر يلاعن وروى الشيباني عن الشعبي قال إن طلقها طلاقا بائنا ~~فادعت حملا فانتفى منه يلاعنها إنما فر من اللعان وروى أشعث عن الحسن مثله ~~ولم يذكر الفرار وإن لم تكن حاملا جلد وقال إبراهيم النخعي وعطاء والزهري ~~إذا قذفها بعد ما بانت منه جلد الحد قال عطاء والولد ولده قال أبو بكر قال ~~الله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة وكان ذلك حكما عاما في قاذف الزوجات والأجنبيات على ما بينا ~~فيما سلف ثم نسخ منه قاذف الزوجات بقوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ~~والبائنة ليست بزوجة فعلى الذي كان زوجها الحد إذا قذفها بظاهر قوله والذين ~~يرمون المحصنات ومن أوجب اللعان بعد البينونة وارتفاع الزوجية فقد نسخ من ~~هذه الآية ما لم يرد توقيف بنسخه وغير جائز نسخ # PageV05P142 # القرآن إلا بتوقيف يوجب العلم ومن جهة أخرى أنه لا مدخل للقياس في إثبات ~~اللعان إذ كان اللعان حدا على ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~سبيل إلى إثبات الحدود من طريق المقاييس وإنما طريقها التوقيف أو الاتفاق ~~وأيضا لم يختلفوا أنه لو قذفها بغير ولد أن عليه الحد ولا لعان فثبت أنه ~~غير داخل في الآية ولا مراد إذ ليس في الآية نفي الولد وإنما فيها ذكر ~~القذف ونفي الولد مأخوذ من السنة ولم ترد السنة بإيجاب اللعان لنفي الولد ~~البينونة فإن قيل إنما يلاعن بينهما لنفي الولد لأن ذلك حق للزوج ولا ينتفي ~~منه إلا باللعان قياسا على حال بقاء الزوجية قيل له هذا استعمال القياس في ~~نسخ حكم الآية وهو قوله والذين يرمون المحصنات فلا يجوز نسخ الآية بالقياس ~~وأيضا لو جاز إيجاب اللعان لنفي الولد مع ارتفاع الزوجية لجاز إيجابه لزوال ~~الحد عن الزوج بعد ارتفاع الزوجية فلما كان لو قذفها بغير ولد حد ولم يجب ~~اللعان ليزول الحد لعدم الزوجية كذلك لا يجب اللعان لنفي الولد مع ارتفاع ~~الزوجية ms2182 فإن قيل قال الله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء وقال وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن فحكم تعالى بطلاق النساء ولم يمنع ذلك عندك من ~~طلاقها بعد البينونة مادامت في العدة فما أنكرت مثله في اللعان قيل له هذا ~~سؤال ساقط من وجوه أحدها أن الله تعالى حين حكم بوقوع الطلاق على نساء ~~المطلق لم ينف بذلك وقوعه على من ليست من نسائه بل ما عدا نسائه فحكمه ~~موقوف على الدليل في وقوع طلاقه أو نفيه وقد قامت الدلالة على وقوعه في ~~العدة وأما اللعان فإنه مخصوص بالزوجات ولأن من عدا الزوجات فالواجب فيهن ~~الحد بقوله والذين يرمون المحصنات فكان موجب هذه الآية نافيا للعان ومن ~~أوجبه وأسقط حكم الآية فقد نسخها بغير توقيف وذلك باطل ولذلك نفيناه إلا مع ~~بقاء الزوجية وأيضا فإن الله تعالى من حيث حكم بطلاق النساء فقد حكم ~~بطلاقهن بعد البينونة بقوله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ثم عطف عليه ~~قوله فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فحكم # بوقوع الطلاق بعد الفدية لأن الفاء للتعقيب وليس معك آية ولا سنة في ~~إيجاب اللعان بعد البينونة وأيضا فجائز إثبات الطلاق من طريق المقاييس بعد ~~البينونة ولا يجوز إثبات اللعان بعد البينونة من طريق القياس لأنه حد لا ~~مدخل للقياس في إثباته وأيضا فإن اللعان يوجب البينونة ولا يصح إثباتها بعد ~~وقوع البينونة فلا معنى لإيجاب لعان # PageV05P143 # لا يتعلق به بينونة إذ كان موضوع اللعان لقطع الفراش وإيجاب البينونة ~~فإذا لم يتعلق به ذلك فلا حكم له فجرى اللعان عندنا في هذا الوجه مجرى ~~الكنايات الموضوعة للبينونة فلا يقع بها طلاق بعد ارتفاع الزوجية مثل قوله ~~أنت خلية وبائن وبتة ونحوها فلما لم يجز أن يلحقها حكم هذه الكنايات بعد ~~البينونة وجب أن يكون ذلك حكم اللعان في انتفاء حكمه بعد وقوع الفرقة ~~وارتفاع الزوجية وليس كذلك حكم صريح الطلاق إذ ليس شرطه ارتفاع البينونة ~~ألا ترى أن الطلاق تثبت ms2183 معه الرجعة في العدة ولو طلق الثانية بعد الأولى في ~~العدة لم يكن في الثانية تأثير في بينونة ولا تحريم وإنما أوجب نقصان العدد ~~فلذلك جاز أن يلحقها الطلاق في العدة بعد البينونة لنقصان العدد لا لإيجاب ~~تحريم ولا لبينونة وأيضا فليس يجوز أن يكون وقوع الطلاق أصلا لوجوب اللعان ~~لأن الصغيرة والمجنونة يلحقهما الطلاق ولا لعان بينهما وبين أزواجهما ~~واختلف أهل العلم فيمن قذف امرأته ثم طلقها ثلاثا فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وزفر ومحمد إذا أبانت منه بعد القذف بطلاق أو غيره فلا حد عليه ولا لعان ~~وهو قول الثوري وقال الأوزاعي والليث والشافعي يلاعن وقال الحسن بن صالح ~~إذا قذفها وهي حامل ثم ولدت ولدا قبل أن يلاعنها فماتت لزمه الولد وضرب ~~الحد وإن لا عن الزوج ولم تلتعن المرأة حتى تموت ضرب الحد وتوارثا وإن ~~طلقها وهي حامل وقد قذفها فوضعت حملها قبل أن يلاعنها لم يلاعن وضرب الحد ~~قال أبو بكر قد بينا امتناع وجوب اللعان بعد البينونة ثم لا يخلو إذا لم ~~يجب اللعان من أن لا يجب الحد على ما قال أصحابنا أو أن يجب الحد على ما ~~قال الحسن بن صالح وغير جائز إيجاب الحد إذا لم يكن من الزوج إكذاب لنفسه ~~وأينا سقط اللعان عنه من طريق الحكم وصار بمنزلتها لو صدقته على القذف لما ~~سقط اللعان من جهة الحكم لا بإكذاب من الزوج لنفسه لم يجب الحد فإن قيل لو ~~قذفها وهي أجنبية ثم تزوجها لم تنتقل إلى اللعان كذلك إذا قذفها وهي زوجته ~~ثم بانت لم يبطل اللعان قيل له حال النكاح قد يجب فيها اللعان وقد يجب فيه ~~الحد ألا ترى أنه لو أكذب نفسه وجب الحد في حال النكاح وغير حال النكاح لا ~~يجب فيه اللعان بحال واختلف أهل العلم في الرجل ينفي حمل امرأته فقال أبو ~~حنيفة إذا قال ليس هذا الحمل مني لم يكن قاذفا لها فإن ولدت بعد يوم لم ~~يلاعن حتى ينفيه بعد ms2184 الولادة وهو قول زفر وقال أبو يوسف ومحمد إن جاءت به ~~بعد هذا # PageV05P144 # القول لأقل من ستة أشهر لا عن وقد روى عن أبى يوسف أن يلاعنها قبل ~~الولادة وقال مالك والشافعي يلاعن بالحمل وذكر عنه الربيع أنه يلاعن حتى ~~تلد وإنما يوجبه أبو حنيفة اللعان بنفي الحمل لأن الحمل غير متيقن وجائز أن ~~يكون ريحا أو داء وإذا كان كذلك لم يجز أن نجعله قذفا لأن القذف لا يثبت ~~بالاحتمال ألا نرى أن التعريض المحتمل للقذف ولغيره لا يجوز إيجاب اللعان ~~ولا الحد به فلما كان محتملا أن يكون ما نفاه ولدا واحتمل غيره لم يجز أن ~~يوجب اللعان به قبل الوضع ثم إذا وضعت لأقل من ستة أشهر تيقنا أنه كان حملا ~~في وقت النفي لم يجب اللعان أيضا لأنه يوجب أن يكون القذف معلقا على شرط ~~والقذف لا يجوز أن يعلق على شرط ألا ترى أنه لو قال لها إذا ولدت فأنت ~~زانية لم يكن قاذفا لها بالولادة واحتج من لاعن بالحمل بما # روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لاعن بالحمل # وإنما أصل هذا الحديث # ما رواه عيسى بن يونس وجرير جميعا عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن ~~مسعود أن رجلا قال أرأيتم إن وجد رجلا مع امرأته رجلا فإن هو قتله قتلتموه ~~وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت عن غيظ فأنزلت آية اللعان فابتلي به فجاء إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلاعن امرأته # فلم يذكر في هذا الحديث الحمل ولا أنه لاعن بالحمل # وروى ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن ابن عباس أن رجلا ~~جاء وقال وجدت مع امرأتي رجلا ثم لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وقال إن جاءت به كذا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا ~~ابن أبي عدي قال أنبأنا هشام بن حسان قال حدثني ms2185 عكرمة عن ابن عباس أن هلال ~~بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم البينة أو حد في ظهرك وذكر الحديث إلى قوله ~~أبصروها فإن جاءت به كذا فهو لشريك بن سحماء وكذلك رواه عباد بن منصور عن ~~عكرمة عن ابن عباس # فذكر في هذه الأخبار أنه قذفها وأبو حنيفة يوجب اللعان بالقذف وإن كانت ~~حاملا وإنما لا يوجبه إذا نفى الحمل من غير قذف فإن قيل قال الله تعالى وإن ~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وقد ترد الجارية بعيب الحمل إذا ~~قال النساء هي حبلى # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في دية شبه العمد منها أربعون خلفة في ~~بطونها أولادها # قيل له أما نفقة الحامل فلا تجب لأجل الحمل وإنما وجبت للعدة فما لم تنقض ~~عدتها فنفقتها واجبة ألا ترى أن غير الحامل نفقتها واجبة وإنما ذكر الحمل ~~«10- احكام مس» # PageV05P145 # لأن وضعه تنقضي به العدة وتنقطع به النفقة وأما الرد بالعيب فإنه جائز ~~كونه مع الشبهة كسائر الحقوق التي لا تسقطها الشبهة والحد لا يجوز إثباته ~~بالشبهة فلذلك اختلفا وكذلك من يوجب في الدية أربعين خلقة في بطونها ~~أولادها فإنه يوجبها على غالب الظن ومثله لا يجوز إيجاب الحد به وهذا كما ~~يحكم بظاهر وجود الدم أنه حيضة ولا يجوز القطع به حتى يتم ثلاثة أيام وكذلك ~~من كان ظاهر أمرها الحبل لا تكون رؤيتها الدم حيضا فإن تبين بعد أنها لم ~~تكن حاملا كان ذلك الدم حيضا وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة هلال بن أمية ~~إن جاءت به على صفة كيت وكيت فهو لشريك بن سحماء فإنه فيما أضافه إلى هلال ~~محمول على حقيقة إثبات النسب منه وهذا يدل على أنه لم ينف الولد منه بلعانه ~~إياها في حال حملها وقوله فهو لشريك بن سحماء لا يجوز أن يكون مراده إلحاق ~~النسب به وإنما أراد أنه من مائه في غالب الرأي ms2186 لأن الزاني لا يلحق به ~~النسب # لقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر # فإن قيل # في حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في امرأة ~~هلال بن أمية حين لاعن بينهما أن لا يدعى ولدها لأب # قيل له هذا إنما ذكره عباد بن منصور عن عكرمة وهو ضعيف واه لا يشك أهل ~~العلم بالحديث أن في حديث عباد بن منصور هذا أشياء ليست من كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم مدرجة فيه ولم يذكر ذلك غير عباد بن منصور ويدل على أنه غير ~~جائز نفي النسب ولا إثبات للقذف بالشبهة # حديث أبي هريرة قال إن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن ~~امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكرته فقال له هل لك من إبل قال نعم قال ما ~~ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال نعم قال فأنى ترى ذلك جاءها قال ~~عرق نزعها قال فلعل هذا عرق نزعه # فلم يرخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم نفيه عنه لبعد شبهه منه ويدل ~~أيضا على أنه لا يجوز نفي النسب بالشبهة. # (فصل) وقال أصحابنا إذا نفى نسب ولد زوجته فعليه اللعان وقال الشافعي لا ~~يجب اللعان حتى يقول إنها جاءت به من الزنا # قال أبو بكر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن ~~مالك عن نافع عن ابن عمر أن رجلا لا عن امرأته في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق ~~الولد بالمرأة فأخبر أنه لاعن بينهما لنفيه الولد # فثبت أن نفي ولدها قذف يوجب اللعان. # PageV05P146 ### | أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها # قال أصحابنا شهادتهم جائزة ويقام الحد على المرأة وقال مالك والشافعي ~~يلاعن الزوج ويحد الثلاثة وروي نحو قولهما عن الحسن والشعبي وروي عن ابن ~~عباس أن الزوج يلاعن ويحد الثلاثة قال أبو بكر قال الله تعالى ms2187 واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ولم يفرق بين كون ~~الزوج فيهم وبين أن يكونوا جميعا أجنبيين وقال والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة فإذا قذف الأجنبي امرأة وجاء ~~بأربعة أحدهم الزوج اقتضى الظاهر جواز شهادتهم وسقوط الحد عن القاذف ~~وإيجابه عليها وأيضا لا خلاف أن شهادة الزوج جائزة على امرأته في سائر ~~الحقوق وفي القصاص وفي سائر الحدود من السرقة والقذف والشرب فكذلك يجب أن ~~تكون في الزنا فإن قيل الزوج يجب عليه اللعان إذا قذف امرأته فلا يجوز أن ~~يكون شاهدا قيل له إذا جاء مجيء الشهود مع ثلاثة غيره فليس بقذف ولا لعان ~~عليه وإنما يجب اللعان عليه إذا قذفها ثم لم يأت بأربعة شهداء كالأجنبي إذا ~~قذف وجب عليه الحد إلا أن يأتي بأربعة غيره يشهدون بالزنا ولو جاء مع ثلاثة ~~فشهدوا بالزنا لم يكن قاذفا وكان شاهدا فكذلك الزوج. ### | في إباء أحد الزوجين اللعان # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد أيهما نكل عن اللعان حبس حتى يلاعن ~~وقال مالك والحسن بن صالح والليث والشافعي أيهما نكل حد إن نكل الرجل حد ~~للقذف وإن نكلت هي حدت للزنا وروى معاذ بن معاذ عن أشعث عن الحسن في الرجل ~~يلاعن وتأبى المرأة قال تحبس وعن مكحول والضحاك والشعبي إذا لاعن وأبت أن ~~تلاعن رجمت قال أبو بكر قال الله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم وقال ثم لم يأتوا بأربعة شهداء # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن ~~سحماء ائتني بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك # ورد النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية كل واحد منهما حتى أقر ~~أربع مرات بالزنا ثم رجمهما # فثبت أنه لا يجوز إيجاب الحد عليها بترك اللعان لأنه ليس ببينة ولا إقرار # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرى مسلم إلا بإحدى # PageV05P147 # ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد ms2188 إيمان وقتل نفس بغير نفس # فنفى وجوب القتل إلا بما ذكر والنكول عن اللعان خارج عن ذلك فلا يجب ~~رجمها وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن لأن ~~أحدا لم يفرق بينهما فإن قيل امرئ مسلم إنما يتناول الرجل دون المرأة قيل ~~له ليس كذلك لأنه لا خلاف أن المرأة مرادة بذلك وأن هذا الحكم عام فيهما ~~جميعا وأيضا فإن ذلك للجنس كقوله إن امرؤ هلك ليس له ولد وقوله يوم يفر ~~المرء من أخيه وأيضا لا خلاف أن الدم لا يستحق بالنكول في سائر الدعاوى ~~وكذلك سائر الحدود فكان في اللعان أولى أن لا يستحق فإن قيل لما قال تعالى ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وهو يعنى حد الزنا ثم قال ويدرؤا عنها ~~العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله فعرفه بالألف واللام علمنا أن المراد هو ~~العذاب المذكور في قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قيل له ليست هذه ~~قصة واحدة ولا حكما واحدا حتى يلزمه فيه ما قلت لأن أول السورة إنما هي في ~~بيان حكم الزانيين ثم حكم القاذف وقد كان ذلك حكما ثابتا في قاذف الزوجات ~~والأجنبيات جاريا على عمومه إلى أن نسخ عن قاذف الزوجات باللعان وليس في ~~ذكره العذاب وهو يريد به حد الزنا في موضع ثم ذكر العذاب بالألف واللام في ~~غيره ما يوجبه أن العذاب المذكور في لعان الزوجين هو المذكور في الزانيين ~~إذ ليس يختص العذاب بالحد دون غيره وقد قال الله تعالى إلا أن يسجن أو عذاب ~~أليم ولم يرد به الحد وقال لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه ولم يرد الحد ~~وقال ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ولم يرد به الحد وقال عبيد بن الأبرص: # والمرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب # وقال النبي صلى الله عليه وسلم السفر قطعة من العذاب # فإذا كان اسم العذاب لا يختص بنوع من الإيلام دون غيره ومعلوم أنه لم يرد ~~به جميع سائر ضروب ms2189 العذاب عليه لم يخل اللفظ من أحد معنيين إما أن يريد به ~~الجنس فيكون على أدنى ما يسمى عذابا أي ضرب منه كان أو مجملا مفتقرا إلى ~~البيان إذ غير جائز أن يكون المراد معهودا لأن المعهود هو ما تقدم ذكره في ~~الخطاب فيرجع الكلام إليه إذ كان معناه متقررا عند المخاطبين وأن المراد ~~عوده إليه فلما لم يكن في ذكر قذف الزوج وإيجاب اللعان ما يوجب استحقاق ~~الحد على المرأة لم يجز أن يكون هو المراد بالعذاب وإذا كان ذلك كذلك وكانت ~~الأيمان قد تكون حقا للمدعى # PageV05P148 # حتى يحبس من أجل النكول عنها وهي القسامة متى نكلوا عن الأيمان فيها ~~حبسوا كذلك حبس الناكل عن اللعان أولى من إيجاب الحد عليه لأنه ليس في ~~الأصول إيجاب الحد بالنكول وفيها إيجاب الحبس به وأيضا فإن النكول ينقسم ~~إلى أحد معنيين إما بدل لما استحلف عليه وإما قائم مقام الإقرار وبدل ~~الحدود لا يصح وما قام مقام الغير لا يجوز إيجاب الحد به كالشهادة على ~~الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي وشهادة النساء مع الرجال وأيضا فإن النكول ~~لما لم يكن صريح الإقرار لم يجز إثبات الحد به كالتعريض وكاللفظ المحتمل ~~للزنا ولغيره فلا يجب به الحد على المقر ولا على القاذف فإن قيل # في حديث ابن عباس وغيره في قصة هلال بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما لاعن بينهما وعظ المرأة وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب ~~الآخرة وكذلك الرجل # ومعلوم أنه أراد بعذاب الدنيا حد الزنا أو القذف قيل له هذا غلط لأنه لا ~~يخلو من أن يكون مراده بعذاب الدنيا الحبس أو الحد إذا أقر فإن كان المراد ~~الحبس فهو عند النكول وإن أراد الحد فهو عند إقرارها بما يوجب الحد وإكذاب ~~الزوج لنفسه فلا دلالة له فيه على أن النكول يوجب الحد دون الحبس فإن قيل ~~إنما يجب عليها الحد بالنكول وأيمان الزوج وكذلك يجب عليه بنكوله وأيمان ~~المرأة قيل له النكول والأيمان ms2190 لا يجوز أن يستحق به الحد ألا ترى أن من ~~ادعى على رجل قذفا أنه لا يستحلف ولا يستحق المدعي الحد بنكول المدعى عليه ~~ولا بيمينه وكذلك سائر الحدود ولا يستحلف فيها ولا يحكم فيها بالنكول ولا ~~يرد اليمين. ### | باب تصادق الزوجين أن الولد ليس منه # قال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد والشافعي لا ينفى الولد منه إلا ~~باللعان وقال أصحابنا تصديقها إياه بأن ولدها من الزنا يبطل اللعان فلا ~~ينتفي النسب منه أبدا وقال مالك والليث إذا تصادق الزوجان على أنها ولدته ~~وأنه ليس منه لم يلزمه الولد وتحد المرأة وذكر ابن القاسم عن مالك قال لو ~~شهد أربعة على امرأة أنها زنت منذ أربعة أشهر وهي حامل وقد غاب زوجها منذ ~~أربعة أشهر فأخرها الإمام حتى وضعت ثم رجمها فقدم زوجها بعد ما رجمت فانتفى ~~من ولده وقال قد كنت استبرأتها فإنه يلتعن وينتفي به الولد عن نفسه ولا ~~ينفيه هاهنا إلا اللعان # قال أبو بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر # وظاهره يقتضي أن لا ينتفي أبدا عن صاحب الفراش غير أنه لما وردت السنة في ~~إلحاق # PageV05P149 # الولد بالأم وقطع نسبه من الأب باللعان واستعمل ذلك فقهاء الأمصار سلمنا ~~بذلك وما عدا ذلك مما لم ترد به سنة فهو لازم للزوج بظاهر # قوله الولد للفراش # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا مهدي بن ميمون أبو يحيى قال حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن ~~الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي بن أبي طالب عن رباح قال زوجني أهلي أمة ~~لهم رومية فوقعت عليها فولدت لي غلاما أسود مثلي فسميته عبد الله ثم طبن ~~لها غلام من أهلى رومي يقال له يوحنه فراطنها بلسانه فولدت غلاما كأنه وزغة ~~من الوزغات فقلت لها ما هذا فقالت هذا ليوحنه فرفعنا إلى عثمان قال فسألهما ~~فاعترفا فقال لهما أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول ms2191 الله صلى الله عليه ~~وسلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد للفراش فجلدها وجلده ~~وكانا مملوكين. ### | باب الفرقة باللعان # قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى ~~يفرق الحاكم وقال مالك وزفر بن الهذيل والليث إذا فرغا من اللعان وقعت ~~الفرقة وإن لم يفرق بينهما الحاكم وعن الثوري والأوزاعي لا تقع الفرقة ~~بلعان الزوج وحده وقال عثمان البتي لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تنقص شيئا ~~وأحب إلي أن يطلق وقال الشافعي إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال ~~فراش امرأته ولا تحل له أبدا التعنت أو لم تلتعن قال أبو بكر أما قول عثمان ~~البتي في أنه لا يفرق بينهما فإنه قول تفرد به ولا نعلم أحدا قال به غيره ~~وكذلك قول الشافعي في إيقاعه الفرقة بلعان الزوج خارج عن أقاويل سائر ~~الفقهاء وليس له فيه سلف والدليل على أن فرقة اللعان لا تقع إلا بتفريق ~~الحاكم # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ~~ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ~~فتقتلونه أم كيف يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله فيك ~~وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فأت بها قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغنا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن ~~أمسكتها فهي طالق ثلاثا فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم # قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين وفي هذا الخبر دلالة على أن اللعان لم ~~يوجب الفرقة # لقوله كذبت عليها إن أمسكتها # وذلك لأن # PageV05P150 # فيه إخبارا منه بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من النكاح إذ ~~لو كانت الفرقة قد وقعت قبل ذلك لاستحال قوله كذبت عليها إن ms2192 أمسكتها وهو ~~غير ممسك لها فلما أخبر بعد اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~ممسك لها ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن الفرقة لم تقع ~~بنفس اللعان إذ غير جائز أن يقار النبي صلى الله عليه وسلم أحدا على الكذب ~~ولا على استباحة نكاح قد بطل فثبت أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان ويدل عليه ~~أيضا # ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان قال ~~حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال حدثنا الليث عن يزيد ابن أبي حبيب أن ~~ابن شهاب كتب يذكر عن سهل بن سعد أنه أخبره أن عويمرا قال يا رسول الله ~~أرأيت إن وجدت عند أهلي رجلا أأقتله قال ائت بامرأتك فإنه قد نزل فيكما ~~فجاء بها فلاعنها ثم قال إني قد افتريت عليها إن لم أفارقها # فأخبر في هذا الحديث أنه لم يكن فارقها باللعان وأمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولما طلقها ثلاثا بعد اللعان ولم ينكره صلى الله عليه وسلم دل ~~ذلك على أن الطلاق قد وقع موقعه وعلى قول الشافعي أنها قد بانت منه بلعان ~~الزوج ولا يلحقها طلاقه بعد البينونة فقد خالف الخبر من هذا الوجه أيضا ~~وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عمر وبن السرح ~~قال حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن ~~سعد في هذا الخبر أعني قصة عويمر قال فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال سهل حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا ~~فأخبر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق العجلاني بعد ~~اللعان ويدل عليه أيضا قول ابن شهاب ms2193 فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق ~~بينهما ولو كانت الفرقة واقعة باللعان لاستحال التفريق بعدها ويدل عليه ~~أيضا ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد ووهب بن بيان ~~وغيرهما قالوا حدثنا سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد قال مسدد قال شهدت ~~المتلاعنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة ~~ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حين تلاعنا فقال الرجل كذبت ~~عليها يا رسول الله إن أمسكتها # فأخبر في هذا الحديث أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما بعد ~~اللعان # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~إسماعيل قال حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عمر رجل قذف امرأته ~~قال فرق رسول # PageV05P151 # الله صلى الله عليه وسلم بنى أخوي بني العجلان فقال والله يعلم أن أحدكما ~~كاذب فهل منكما تائب يرددها ثلاث مرات فأبيا ففرق بينهما # فنص في هذا الحديث أيضا على أنه فرق بينهما بعد اللعان # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي عن مالك عن ~~نافع عن ابن عمر أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد ~~بالمرأة # وهذا أيضا فيه نص على أن التفريق كان بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأيضا لو كانت الفرقة واقعة بلعان الزوج لبينها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما وقع بها من التحريم وتعلق بها من الأحكام فلما لم يخبر عليه ~~السلام بوقوع الفرقة بلعان الزوج ثبت أنها لم تقع وأيضا قول الشافعي خلاف ~~الآية لأن الله تعالى قال والذين يرمون أزواجهم ثم قال فشهادة أحدهم ثم قال ~~ويدرؤا عنها العذاب وهو يعني الزوجة فلو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت ~~وهي أجنبية وذلك خلاف ظاهر الآية لأن الله تعالى إنما أوجب ms2194 اللعان بين ~~الزوجين وأيضا لا خلاف أن الزوج إذا قذف امرأته بغير ولد بعد البينونة أو ~~قذفها ثم أبانها أنه لا يلاعن فلما لم يجز أن يلاعن وهو أجنبي كذلك لا يجوز ~~أن يلاعن وهي أجنبية لأن اللعان في هذه الحال إنما هو لقطع الفراش ولا فراش ~~بعد البينونة فامتنع لعانها وهي غير زوجة فإن قيل في الأخبار التي فيها ذكر ~~تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين إنما معناه أن الفرقة وقعت ~~باللعان فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل له # بقوله لا سبيل عليها # قيل له هذا صرف الكلام عن حقيقته ومعناه لأن قوله لا تحل لك لا سبيل لك ~~عليها إن لم تقع به فرقة فليس بتفريق من النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ~~وإنما هو إخبار بالحكم والمخبر بالحكم لا يكون مفرقا بينهما فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتلاعنان لا يجتمعان أبدا # وذلك إخبار منه بوقوع الفرقة لأن النكاح لو كان باقيا إلى أن يفرق لكانا ~~مجتمعين قيل له هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما روى عن عمر # وعلي قال يفرق بينهما ولا يجتمعان # فإنما مراده أنهما إذا فرق بينهما لا يجتمعان ماداما على حال التلاعن ~~فينبغي أن تثبت الفرقة حتى يحكم بأنهما لا يجتمعان ولو صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان معناه ما وصفنا وأيضا يضم إليه ما قدمنا من الأخبار ~~الدالة على بقاء النكاح بعد اللعان وأن الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم فإذا ~~جمعنا بينهما وبين الخبر تضمن أن يكون معناه المتلاعنان لا يجتمعان بعد ~~التفريق ويدل على ما ذكرنا أن اللعان شهادة لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم ~~فأشبه # PageV05P152 # الشهادة التي لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم فواجب على هذا أن لا تقع ~~موجبة للفرقة إلا بحكم الحاكم فإن قيل الأيمان على الدعاوى لا يثبت بها حكم ~~إلا عند الحاكم ومتى استحلف الحاكم رجلا برىء من الخصومة ولا ms2195 يحتاج إلى ~~استئناف حكم آخر في برائته منها وهذا يوجب انتقاض اعتلالك بما ذكرت قيل له ~~هذا لا يلزم على ما ذكرنا وذلك لأنا قلنا اللعان شهادة تتعلق صحتها بالحاكم ~~كالشهادات على الحقوق وليست الأيمان على الحقوق شهادات بذلك على هذا أن ~~اللعان لا يصح إلا بلفظ الشهادات كالشهادات على الحقوق وليس كذلك الاستحلاف ~~على الدعاوى وأيضا فإن اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ~~ببينته فلما لم يجز أن يستحق المدعي ما ادعاه إلا بحكم الحاكم وجب حكمه في ~~استحقاق المرأة نفسها باللعان وأما الاستحلاف على الحقوق فإنه لا يستحق به ~~شيء وإنما تقطع الخصومة في الحال ويبقى المدعى عليه على ما كان عليه من ~~براءة الذمة فكانت فرقة اللعان بالشهادات على الحقوق أشبه منها بالاستحلاف ~~عليها وأيضا لما كان اللعان سببا للفرقة متعلقا بحكم الحاكم أشبه تأجيل ~~العنين في كونه سببا للفرقة في تعلقه بحكم الحاكم فلما لم تقع الفرقة بعد ~~التأجيل بمضي المدة دون تفريق الحاكم وجب مثله في فرقة اللعان لما وصفنا ~~وأيضا لما لم يكن اللعان كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها وجب أن لا تقع به ~~الفرقة كسائر الألفاظ التي ليست كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها فإن قيل ~~الإيلاء ليس بكناية عن الطلاق ولا صريح وقد أوقعت به الفرقة عند مضي المدة ~~قيل له إن الإيلاء يصح أن يكون كناية عن الطلاق إلا أنه أضعف من سائر ~~الكنايات فلا تقع الفرقة فيه بنفس الإيلاء إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو ~~ترك الجماع في المدة ألا ترى أن قوله والله لا أقربك قد يدل على التحريم إذ ~~كان التحريم يمنع القرب وأما اللعان فليس يصح أن يكون دالا على التحريم ~~بحال لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه فلا يوجب ذلك تحريما ألا ~~ترى أنه لو قامت البينة عليها بالزنا لم يوجب ذلك تحريما وإن كان كاذبا ~~والمرأة صادقة فذلك أبعد فثبت بذلك أنه لا دلالة فيه على التحريم قال ms2196 فلذلك ~~لم يجز وقوع الفرقة دون إحداث تفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم ~~وأيضا أنه لما لم يصح ابتداء اللعان إلا بحكم الحاكم كان كذلك ما تعلق به ~~من الفرقة ولما صح ابتداء الإيلاء من غير حاكم لم يحتج في وقوع الفرقة إلى ~~حكم الحاكم فإن قيل لما اتفقنا على أنهما لو تراضيا # PageV05P153 # على البقاء على النكاح لم يخليا وذلك وفرق بينهما دل ذلك على أن اللعان ~~قد أوجب الفرقة فواجب أن تقع الفرقة فيه بنفس اللعان دون سبب آخر غيره قيل ~~له هذا منتقض على أصل الشافعي لأنه يزعم أن ارتداد المرأة لا يوجب الفرقة ~~إلا بحدوث سبب آخر وهو مضي ثلاث حيض فإذا مضت ثلاثة حيض وقعت الفرقة ولو ~~تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا وذلك ولم توجب الردة بنفسها الفرقة ~~دون حدوث معنى آخر وعندنا لو تزوجت امرأة زوجا غير كفء وطالب الأولياء ~~بالفرقة لم يعمل تراضي الزوجين في تبقية النكاح ولم يوجب ذلك وقوع الفرقة ~~بخصومة الأولياء حتى يفرق الحاكم فهذا الاستدلال فاسد على أصل الجميع وأيضا ~~فإنك لم ترده إلى أصل وإنما حصلت على دعوى عارية من البرهان وأيضا جائز ~~عندنا البقاء على النكاح بعد اللعان لأنه لو أكذب نفسه قبل الفرقة لجلد ~~الحد ولم يفرق بينهما فإن قيل هو مثل الطلاق الثلاث والرضاع ونحوهما من ~~الأسباب الموجبة للفرقة بأنفسها لا يحتاج في صحة وقوعها إلى حكم الحاكم ~~واللعان ليس بسبب موجب للفرقة بنفسه لأنه لو كان كذلك وجب أن تقع به الفرقة ~~إذا تلاعنا عند غير # الحاكم وأيضا ليس كل سبب يتعلق به فسخ يوجبه بنفسه من الأسباب ما يوجب ~~ذلك بنفسه ومنها ما لا يوجبه إلا بحدوث معنى آخر ألا ترى أن بيع نصيب من ~~الدار يوجب الشفعة للشريك ولا ينتقل إليه بنفس الطلب والخصومة دون أن يحكم ~~بها الحاكم وكذلك الرد بالعيب بعد القبض وخيار الصغير إذا بلغ ونحو ذلك هذه ~~كلها أسباب يتعلق بها فسخ العقود ثم ms2197 لا يقع الفسخ بوجودها حسب دون حكم ~~الحاكم به فهو على من يوجب الفرقة باللعان دون تفريق الحاكم وأما عثمان ~~البتي فإنه ذهب في قوله إن اللعان لا يوجب الفرقة بحال لأن اللعان ليس ~~بصريح ولا كناية عن الفرقة ولو تلاعنا في بيتهما لم يوجب فرقة فكذلك عند ~~الحاكم ولأن اللعان في الأزواج قائم مقام الحد على قاذف الأجنبيات ولو حد ~~الزوج في قذفه إياها بأن أكذب نفسه أو كان عبدا لم يوجب ذلك فرقة وكذلك إذا ~~لاعن وذهب في تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين أن ذلك إنما ~~كان في قصة العجلاني وكان طلقها ثلاثا بعد اللعان فلذلك فرق بينهما # وروى ابن شهاب أن سهل بن سعد قال فطلقها العجلاني ثلاث تطليقات بعد ~~فراغهما من اللعان فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وحديث ابن عمر أيضا إنما هو في قصة العجلاني قال أبو بكر في # PageV05P154 # حديث سهل بن سعد إنه قال فحضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعني قصة العجلاني فمضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان ~~أبدا فأخبر سهل وهو راوي هذه القصة أن السنة مضت بالتفريق وإن لم يطلق ~~الزوج # وفي حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرق بينهما # قال أبو بكر وهلال لم يطلق امرأته فثبت أن التفريق بينهما بعد اللعان ~~واجب وأيضا # في حديث ابن عمر وغيره في قصة العجلاني أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق ~~بينهما وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما ثم طلقها هو ~~ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أنه قال لا سبيل لك عليها ### | باب نكاح الملاعن للملاعنة # قال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب الملاعن نفسه وجلد الحد أو جلد حد القذف في ~~غير ذلك وصارت المرأة بحال لا يجب بينهما وبين زوجها إذا قذفها لعان فله أن ~~يتزوجها وروي نحو ذلك عن سعيد بن ms2198 المسيب وإبراهيم والشعبي وسعيد بن جبير ~~وقال أبو يوسف والشافعي لا يجتمعان أبدا وروي عن علي وعمر وابن مسعود مثل ~~ذلك وهذا محمول عندنا على أنهما لا يجتمعان ماداما على حال التلاعن وروي عن ~~سعيد بن جبير أن فرقة اللعان لا تبينها منه وأنه إذا أكذب نفسه في العدة ~~ردت إليه امرأته وهو قول شاذ لم يقل به أحد غيره وقد مضت السنة ببطلانه حين ~~فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين والفرقة لا تكون إلا مع ~~البينونة ويحتج للقول الأول بعموم الآي المبيحة لعقود المناكحات نحو قوله ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم وقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله وأنكحوا ~~الأيامى منكم ومن جهة النظر أنا قد بينا أن هذه الفرقة متعلقة بحكم الحاكم ~~وكل فرقة تعلقت بحكم الحاكم فإنها لا توجب تحريما مؤبدا والدليل على ذلك أن ~~سائر الفرق التي تتعلق بحكم الحاكم لا يوجب تحريما مؤبدا مثل فرقة العنين ~~وخيار الصغيرين وفرقة الإيلاء عند مخالفنا وكذلك سائر الفرق المتعلقة بحكم ~~الحاكم في الأصول هذه سبيلها فإن قيل سائر الفرق التي ذكرت لا يمنع التزويج ~~في الحال وإن تعلقت بحكم الحاكم وهذه الفرقة تحظر تزويجها في الحال عند ~~الجميع فكما جاز أن يفارق سائر الفرق المتعلقة بحكم الحاكم من هذا الوجه ~~جاز أن يخالفها في إيجابها التحريم مؤبدا قيل له من الفرق المتعلقة بحكم ~~الحاكم ما يمنع التزويج في الحال ولا توجب مع ذلك تحريما مؤبدا مثل فرقة ~~العنين # PageV05P155 # إذا لم تكن نفي من طلاقها إلا واحدة قد أوجبت تحريما حاظرا لعقد النكاح ~~في الحال ولم توجب مع ذلك تحريما مؤبدا وكذلك الزوج الذمي إذا أبى الإسلام ~~وقد أسلمت امرأته ففرق الحاكم بينهما منع ذلك من نكاحها بعد الفرقة ولا ~~توجب تحريما مؤبدا فلم يجب من حيث حظرنا تزويجها بعد الفرقة أن توجب به ~~تحريما مؤبدا وأيضا لو كان اللعان يوجب تحريما مؤبدا لوجب أن يوجبه إذا ~~تلاعنا عند غير الحاكم لأنا وجدنا سائر الأسباب ms2199 الموجبة للتحريم المؤبد ~~فإنها توجبه بوجودها غير مفتقرة فيه إلى حاكم مثل عقد النكاح الموجب لتحريم ~~الأم والوطء الموجب للتحريم والرضاع والنسب كل هذه الأسباب لما تعلق بها ~~تحريم مؤبد لم تفتقر إلى كونها عند الحاكم فلما لم يتعلق تحريم اللعان إلا ~~بحكم الحاكم وهو أن يتلاعنا بأمره بحضرته ثبت أنه لا يوجب تحريما مؤبدا ~~وأيضا لو أكذب نفسه قبل الفرقة بعد اللعان لجلد الحد ولم يفرق بينهما وأبو ~~يوسف لا يخالفنا في ذلك لزوال حال التلاعن وبطلان حكمه بالحد الواقع به وجب ~~مثله بعد الفرقة لزوال المعنى الذي من أجله وجبت الفرقة وهو حكم اللعان فإن ~~قيل لو كان كذلك لوجب أنه إذا أكذب نفسه بعد الفرقة وجلد الحد أن يعود ~~النكاح وتبطل الفرقة لزوال المعنى الموجب لها كما لا يفرق بينهما إذا أكذب ~~نفسه بعد اللعان قبل الفرقة قيل له لا يجب ذلك لأنا إنما جعلنا زوال حكم ~~اللعان علة لارتفاع التحريم الذي تعلق به لا لبقاء النكاح ولا لعود النكاح ~~فعلى أي وجه بطل لم يعد إلا بعقد مستقبل إلا أن الفرقة قد تعلق بها تحريم ~~غير البينونة وذلك التحريم إنما يرتفع بارتفاع حكم اللعان كما أن الطلاق ~~الثلاث توجب البينونة وتوجب أيضا مع ذلك تحريما لا يزول إلا بزوج ثان يدخل ~~بها فإذا دخل بها الزوج الثاني ارتفع التحريم الذي أوجبه الطلاق الثلاث ولم ~~يعد نكاح الزوج الأول إلا بعد فراق الزوج الثاني وانقضاء العدة وإيقاع عقد ~~مستقبل ودليل آخر وهو أن التحريم الواقع بالفرقة لما كان متعلقا بحكم ~~اللعان وجب أن يرتفع بزوال حكمه والدليل على ارتفاع حكم اللعان إذا أكذب ~~نفسه وجلد الحد أنه معلوم أن اللعان حد على ما بينا فيما سلف بمنزلة الجلد ~~في قاذف الأجنبيات وممتنع أن يجتمع عليه حدان في قذف واحد فإيقاع الجلد ~~لذلك القذف مخرج للعان من أن يكون حدا ومزيل لحكمه في إيجاب التحريم لزوال ~~السبب الموجب له فإن قيل فهذا الذي ذكرت يبطل حكم اللعان لامتناع ms2200 # PageV05P156 # اجتماع # الحدين عليه بقذف واحد فواجب إذا جلد الزوج حدا في قذفه لغيرها أن لا ~~يبطل حكم اللعان فيما بينهما فلا يتزوج بها قيل له إذا صار محدودا في قذفه ~~فقد خرج من أن يكون من أهل اللعان ألا ترى أنه لو قذف امرأة له أخرى لم ~~يلاعن وكان عليه الحد عندنا فالعلة التي ذكرنا في إكذابه نفسه فيما لاعن ~~عليه امرأته وإن كانت غير موجودة في هذه فجائز قياسها عليها بمعنى آخر وهو ~~خروجه من أن يكون من أهل اللعان فإن احتجوا بما روى محمد بن إسحاق عن ~~الزهري عن سهل بن سعد في قصة المتلاعنين قال الزهري فمضت السنة أنهما إذا ~~تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا وبما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عمر وبن السرح ~~قال حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن ~~سعد في هذه القصة قال فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكان ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم قال سهل حضرت هذا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا ~~يجتمعان أبدا # وبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا سبيل لك عليها # فإنها لو كانت تحل له بحال لبين كما بين الله تعالى حكم المطلقة ثلاثا في ~~إباحتها بعد زوج غيره قيل له أما حديث الزهري الأول فإنه قول الزهري وقوله ~~مضت السنة ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سنها ولا أنه حكم بها وأما ~~قول سهل بن سعد فمضت السنة من بعد في المتلاعنين أنهما لا يجتمعان أبدا ليس ~~فيه أيضا أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم مضت بذلك والسنة قد تكون من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد تكون من غيره فلا حجة في هذا وأيضا فإنه ms2201 قال ~~في المتلاعنين وهذا يصفه حكم يتعلق به وهو بقاؤهما على حكم التلاعن وكونهما ~~من أهل اللعان فمتى زالت الصفة بخروجهما من أن يكونا من أهل اللعان زال ~~الحكم كقوله تعالى ما على المحسنين من سبيل وقوله لا ينال عهدي الظالمين ~~ونحو ذلك من الأحكام المعلقة بالصفات ومتى زالت الصفة زال الحكم فإن قيل # قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المتلاعنان لا يجتمعان أبدا # قيل له ما نعلم أحدا روى ذلك بهذا اللفظ وإنما روي ما ذكرنا في حديث سهل ~~بن سعد وهو أصل الحديث فإن صح هذا اللفظ فإنما أخذه الراوي من حديث سهل وظن ~~أن هذه العبارة مبينة عما في حديث سهل ولو صح ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يفد نفي النكاح بعد زوال حكم اللعان على النحو الذي بينا وأما # قوله لا سبيل لك عليها # فإنه يفيد تحريم النكاح وإنما هو إخبار بوقوع # PageV05P157 # الفرقة لأنه لا يصح إطلاق القول بأنه لا سبيل لأحد على الأجنبيات ولا ~~يفيد ذلك تحريم العقد فإن قيل # قوله لا سبيل لك عليها # ينفي جواز العقد إذ كان جوازه يوجب أن يكون له عليها سبيل قيل له ليس ~~كذلك لأنا قد نقول لا سبيل لك على الأجنبية ولا نريد به أنه لا يجوز له ~~تزويجها فيصير لك عليها سبيل بالتزويج وإنما نريد أنه لا يملك بضعها في ~~الحال فإذا تزوجها فإنما صار له عليها سبيل برضاها وعقدها ألا ترى أن قوله ~~ما على المحسنين من سبيل لم يمنع أن يصير عليهم سبيل في العقود المقتضية ~~لإثبات الحقوق والسبيل عليه برضاه فكذلك قوله لا سبيل لك عليها إنما أفاد ~~أنه لا سبيل لك عليها إلا برضاها. # (فصل) قال أبو بكر واتفق أهل العلم أن الولد قد ينفى من الزوج باللعان ~~وقد ذكرنا حديث ابن عمر وابن عباس في إلحاق الولد بالأم وقطع نسبه من الأب ~~باللعان نصاعن النبي صلى الله عليه وسلم وحكي عن بعض من شذ ms2202 أنه للزوج ولا ~~ينتفي نسبه باللعان واحتج # بقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش # والذي قال الولد للفراش هو الذي حكم بقطع النسب من الزوج باللعان وليست ~~الأخبار المروية في ذلك بدون ما روى في أن الولد للفراش فثبت أن معنى # قوله الولد للفراش # أنه لم ينتف باللعان وأيضا فلما بطل ما كان أهل الجاهلية عليه من استلحاق ~~النسب بالزنا كما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن ~~صالح قال حدثنا عنبسة بن خالد قال حدثني يونس بن يزيد قال قال محمد بن مسلم ~~بن شهاب أخبرنى عروة ابن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخبرته أن النكاح كان في الجاهلية على أربعة أنحاء فنكاح منها ~~نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته فيصدقها ثم ينكحها ونكاح آخر ~~كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ~~ويعتز لها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع ~~منه فإذا تبين حملها أصابها وجها إن أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة ~~الولد فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع ونكاح آخر يجتمع الرهط دون ~~العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر ليال بعد أن ~~تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع الرجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ~~فتقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت وهو ابنك يا فلان فتسمي من ~~أحبت منهم باسمه فيلحق به ولدها ونكاح # PageV05P158 # رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن ~~البغايا كن ينصبن رايات على أبوابهن يكن علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا ~~حملت فوضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون ~~فالتقطه ودعاه ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله ~~عليه وسلم هدم نكاح أهل الجاهلية كله إلا نكاح أهل الإسلام اليوم فمعنى # قوله صلى الله ms2203 عليه وسلم الولد للفراش # أن الأنساب قد كانت تلحق بالنطف في الجاهلية بغير فراش فألحقها النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالفراش وكذلك ما # روي في قصة زمعة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر # فلم يلحقه بالزاني وقال هو للفراش إخبارا منه أنه لا ولد للزاني ورده إلى ~~عبد إذ كان ابن أمة أبيه ثم قال لسودة احتجبي منه إذ كان سببها بالمدعى له ~~لأنه في ظاهره من ماء أخي سعد وهذا يدل على أنه لم يقض في نسبه بشيء ولو ~~كان قضى بالنسب لما أمرها بالاحتجاب بل كان أمرها بصلته ونهاها عن الاحتجاب ~~عنه كما نهى عائشة عن الاحتجاب عن عمها من الرضاعة وهو أفلح أخو أبي القعيس ~~ويدل على أنه لم يقض في نسبه بشيء # ما رواه سفيان الثوري وجرير عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد ~~الله بن الزبير قال كانت لزمعة جارية تبطنها وكانت تظن برجل آخر فمات زمعة ~~وهي حبلى فولدت غلاما كان يشبه الرجل الذي يظن بها فذكرته سودة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أما الميراث له وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس لك ~~بأخ # فصرح في هذا الخبر بنفي نسبه من زمعة وإعطاء الميراث بإقرار عبد أنه أخوه ~~وقد روي هذا الحديث على غير هذا الوجه وهو # ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن منصور ومسدد بن ~~مسرهد قالا حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت اختصم سعد بن أبي ~~وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة فقال ~~سعد أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه فإنه ~~ابنه وقال عبد بن زمعة أخي ابن أمة أبي ولد على فراش أبي فرأى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شبها بينا بعتبة فقال الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة ~~زاد مسدد فقال هو أخوك يا ms2204 عبد # قال أبو بكر الصحيح ما رواه سعيد بن منصور والزيادة التي زادها مسدد ما ~~نعلم أحدا وافقه عليها وقد روي في بعض الألفاظ أنه قال هو لك يا عبد ولا ~~يدل ذلك على أنه أثبت النسب لأنه جائز أن يريد به إثبات اليد له إذ كان من ~~يستحق يدا في شيء جاز أن يضاف إليه فيقال هو له وقد قال عبد الله بن رواحة # PageV05P159 # لليهود حين خرص عليهم تمر خيبر إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي ولم يرد به ~~الملك ومعلوم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد # بقوله هو لك يا عبد # إثبات الملك فادعى خصمنا أنه أراد إثبات النسب وذلك لا يوجب إضافته إليه ~~في الحقيقة على هذا الوجه لأن قوله هو لك إضافة الملك والأخ ليس بملك فإذ ~~لم يرد به الحقيقة فليس حمله على إثبات النسب بأولى من حمله على إثبات اليد ~~ويحتمل لو صحت الرواية أنه قال هو أخوك أن يريد به أخوة الدين وأنه ليس ~~بعبد لإقراره بأنه حر ويحتمل أن يكون أصل الحديث ما ذكر بعض الرواة أنه قال ~~هو لك وظن الراوي أن معناه أنه أخوه في النسب فحمله على المعنى عنده في خبر ~~سفيان وجرير الذي يرويه عبد الله بن الزبير أنه قال ليس لك بأخ وهذا لا ~~احتمال فيه فوجب حمل خبر الزهري الذي روينا على الوجوه التي ذكرنا قال أبو ~~بكر وقوله الولد للفراش قد اقتضى معنيين أحدهما إثبات النسب لصاحب الفراش ~~والثاني أن من لا فراش له فلا نسب له لأن قوله الولد اسم للجنس وكذلك قوله ~~الفراش للجنس لدخول الألف واللام عليه فلم يبق ولد إلا وهو مراد بهذا الخبر ~~فكأنه قال لا ولد إلا للفراش وفيما حكم الله تعالى به من آية اللعان دلالة ~~على أن الزنا والقذف ليسا بكفر من فاعلهما لأنهما لو كانا كفرا لوجب أن ~~يكون أحد الزوجين مرتدا لأنه إن كان الزوج كاذبا في قذفها فواجب أن يكون ~~كافرا ms2205 وإن كان صادقا فواجب أن تكون المرأة كافرة بزناها وكان يجب أن تبين ~~منه امرأته قبل اللعان فلما حكم الله تعالى فيهما باللعان ولم يحكم ~~ببينونتها منه قبل اللعان ثبت أن الزنا والقذف ليسا بكفر ودل على بطلان ~~مذهب الخوارج في قولهم إن ذلك كفر وتدل الآية أيضا على أن القاذف مستحق ~~للعن من الله تعالى إذا كان في قذفه كاذبا وأن الزنا يستحق به الغضب من ~~الله لولا ذلك لما جاز أن يأمر هما الله بذلك إذ غير جائز أن يأمرا بأن ~~يدعوا على أنفسهما بما لا يستحقانه ألا ترى أنه لا يجوز أن يدعو على نفسه ~~بأن يظلمه الله ويعاقبه بما لا يستحقه وقوله تعالى إن الذين جاؤ بالإفك ~~عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم نزلت في الذين قذفوا عائشة رضي ~~الله عنها فأخبر الله أن ذلك كذب والإفك هو الكذب ونال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبا بكر وجماعة من المسلمين غم شديد وأذى وحزن فصبروا على ذلك فكان ~~ذلك خيرا لهم ولم يكن صبرهم واغتمامهم بذلك شرا لهم بل كان خيرا لهم لما ~~نالوا به من الثواب ولما لحقهم أيضا من # PageV05P160 # السرور ببيان الله براءة عائشة وطهارتها ولما عرفوا من الحكم في القاذف ~~وقوله تعالى لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم يعني والله أعلم عقاب ما ~~اكتسب من الإثم على قدر ما اكتسبه وقوله تعالى والذي تولى كبره روى أنه عبد ~~الله بن أبى بن سلول وكان منافقا وكبره هو عظمه وإن عظم ما كان فيه لأنهم ~~كانوا يجتمعون عنده وبرأيه وأمره كانوا يشيعون ذلك ويظهرونه وكان هو يقصد ~~بذلك أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى أبي بكر والطعن عليهما قوله ~~تعالى لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك ~~مبين هو أمر المؤمنين بأن يظنوا خيرا بمن كان ظاهره العدالة وبراءة الساحة ~~وأن لا يقضوا عليهم بالظن وذلك لأن الذين قذفوا عائشة لم يخبروا عن ms2206 معاينة ~~وإنما قذفوها تظننا وحسبانا لما رأوها متخلفة عن الجيش قد ركبت جمل صفوان ~~ابن المعطل يقوده وهذا يدل على أن الواجب لمن كان ظاهره العدالة أن يظن به ~~خيرا ولا يقوم مستبشرا وهو يوجب أن يكون أمور المسلمين في عقودهم وأفعالهم ~~وسائر تصرفهم محمولة على الصحة والجواز وأنه غير جائز حملها على الفساد ~~وعلى ما لا يجوز فعله بالظن والحسبان ولذلك قال أصحابنا فيمن وجد مع امرأة ~~أجنبية رجلا فاعترفا بالتزويج إنه لا يجوز تكذيبهما بل يجب تصديقهما وزعم ~~مالك بن أنس أنه يحدهما إن لم يقيما بينة على النكاح ومن ذلك أيضا ما قال ~~أصحابنا فيمن باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين إنا نخالف بينهما لأنا قد ~~أمرنا بحسن الظن بالمؤمنين وحمل أمورهم على ما يجوز فوجب حمله على ما يجوز # وهو المخالفة بينهما كذلك إذا باعه سيفا محلى فيه مائة درهم بمائتي درهم ~~أنا نجعل المائة بالمائة والفضل بالسيف فنحمل أمرهما على أنهما تعاقدا عقدا ~~جائزا ولا نحمله على الفساد وما لا يجوز وهذا يدل أيضا على صحة قول أبي ~~حنيفة في أن المسلمين عدول ما لم تظهر منهم ريبة لأنا إذا كنا مأمورين بحسن ~~الظن بالمسلمين وتكذيب من قذفهم على جهة الظن والتخمين بما يسقط العدالة ~~فقد أمرنا بموالاتهم والحكم لهم بالعدالة بظاهر حالهم وذلك يوجب التزكية ~~وقبول الشهادة ما لم تظهر منهم ريبة توجب التوقف عنها أوردها وقال تعالى إن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإنه أكذب الحديث # وقوله [ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهن خيرا] # فإنه يحتمل معنيين أحدهما أن يظن بعضهم ببعض خيرا كقوله فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم والمعنى «11- احكام مس» # PageV05P161 # فليسلم بعضكم على بعض وكقوله لا تقتلوا أنفسكم يعني لا يقتل بعضكم بعضا ~~والثاني أنه جعل المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور ~~فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه قد جرى على جميعهم كما # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو ms2207 عبد الله أحمد بن دوست قال حدثنا ~~جعفر بن حميد قال حدثنا الوليد بن أبي ثور قال حدثنا عبد الملك بن عمير عن ~~النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل المسلمين في ~~تواصلهم وتراحمهم والذي جعل الله بينهم كمثل الجسد إذا وجع بعضه وجع كله ~~بالسهر والحمى # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال حدثنا محمد ~~بن عبد الملك بن زنجويه قال حدثنا عبد الله بن ناصح قال حدثنا أبو مسلم عبد ~~الله بن سعيد عن مالك بن مغول عن أبي بردة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المؤمنون للمؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا # قوله تعالى لولا جاؤ عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون قد أبانت هذه الآية عن معنيين أحدهما أن الحد واجب على ~~القاذف ما لم يأت بأربعة شهداء والثاني أنه لا يقبل في إثبات الزنا أقل من ~~أربعة شهداء وقوله فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون قال ~~أبو بكر قد حوى ذلك معنيين أحدهما أنهم متى لم يقيموا أربعة من الشهداء فهم ~~محكومون بكذبهم عند الله في إيجاب الحد عليهم فيكون معناه فأولئك في حكم ~~الله هم الكاذبون فيقتضي ذلك الأمر بالحكم بكذبهم فإن كان جائزا أن يكونوا ~~صادقين في المغيب عند الله وذلك جائز سائغ كما قد تعبدنا بأن نحكم لمن ظهر ~~منه عمل الخيرات وتجنب السيئات بالعدالة وإن كان جائزا أن يكون فاسقا في ~~المغيب عند الله تعالى والوجه الثاني أن الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها وفي قذفتها فأخبر بقوله فأولئك عند الله هم الكاذبون بمغيب ~~خبرهم وأنه كذب في الحقيقة لم يرجعوا فيه إلى صحة فمن جوز صدق هؤلاء فهو ~~راد لخبر الله # قوله تعالى إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم قرئ ~~تلقونه بالتشديد قال مجاهد يرويه بعضهم عن بعض ليشيعه وعن عائشة تلقونه من ms2208 ~~ولق الكذب وهو الاستمرار عليه ومنه ولق فلان في السير إذا استمر عليه فذمهم ~~تعالى على الإقدام على القول بما لا علم لهم به وذلك قوله تقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم وهو نحو قوله ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا فأخبر أن ذلك # PageV05P162 # وإن كان يقينا في ظنهم وحسبانهم فهو عظيم الإثم عنده ليرتدعوا عن مثله ~~عند علمهم بموقع المأثم فيه ثم # قال ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان ~~عظيم تعليما لنا بما نقوله عند سماع مثله فيمن كان ظاهر حاله العدالة ~~وبراءة الساحة قوله تعالى سبحانك هذا بهتان عظيم أي تنزيها لك من أن نغضبك ~~بسماع مثل هذا القول في تصديق قائله وهو كذب وبهتان في ظاهر الحكم # وقوله تعالى يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا فإنه تعالى يعظنا ويزجرنا ~~بهذه الزواجر وعقاب الدنيا بالحد مع ما نستحق من عقاب الآخرة لئلا نعود إلى ~~مثل هذا الفعل أبدا إن كنتم مؤمنين بالله مصدقين لرسوله # قوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا أبان الله ~~بهذه الآية وجوب حسن الاعتقاد في المؤمنين ومحبة الخير والصلاح لهم فأخبر ~~فيها بوعيد من أحب إظهار الفاحشة والقذف والقول القبيح للمؤمنين وجعل ذلك ~~من الكبائر التي يستحق عليها العقاب وذلك يدل على وجوب سلامة القلب ~~للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم # وروى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه # وقال ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحسن بن العباس الرازي قال حدثنا سهل بن ~~عثمان قال حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن طلحة عن خيثمة عن عبد الله بن ~~عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من سره أن يزحزح عن النار ويدخل ms2209 الجنة ~~فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحب أن ~~يأتي إلى الناس ما يحب أن يأتوا إليه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا إبراهيم بن هاشم قال حدثنا هدبة قال حدثنا ~~همام قال حدثنا قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن ~~العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير # قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى روي ~~عن ابن عباس وعائشة أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويتيمين كانا ~~في حجره ينفق عليهما أحدهما مسطح بن أثاثة وكان ممن خاض في أمر عائشة فلما ~~نزلت براءتها حلف أبو بكر أن لا ينفعهما بنفع أبدا فلما نزلت هذه الآية ~~عادله وقال بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي والله لا أنزعها عنهما أبدا ~~وكان مسطح ابن خالة أبي بكر مسكينا ومهاجرا من مكة إلى المدينة من البدريين ~~وفي هذا دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها أنه ينبغي # PageV05P163 # له أن يأتي الذي هو خير # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ومن الناس من يقول إنه يأتي ~~الذي هو خير وذلك كفارته # وقد روي أيضا في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتج من يقول ذلك ~~بظاهر هذه الآية وأن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة ~~وليس فيما ذكروا دلالة على سقوط الكفارة لأن الله قد بين إيجاب الكفارة في ~~قوله ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته وقوله ذلك كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم وذلك عموم فيمن حنث فيما هو خير وفي غيره وقال الله تعالى في شأن ~~أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وقد ~~علمنا أن الحنث كان خيرا من تركه وأمره الله تعالى بضرب ms2210 لا يبلغ منها ولو ~~كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة وأما ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته # فإن معناه تكفير الذنب لا الكفارة المذكورة في الكتاب وذلك لأنه منهي عن ~~أن يحلف على ترك طاعة الله فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحنث والتوبة ~~وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي اقترفه بالحلف # قوله تعالى الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات روي عن ابن عباس والحسن ~~ومجاهد والضحاك قالوا الخبيثات من الكلام للخبيثين من الرجال وروي عن ابن ~~عباس أيضا أنه قال الخبيثات من السيئات للخبيثين من الرجال وهو قريب من ~~الأول وهو نحو قوله قل كل يعمل على شاكلته وقيل الخبيثات من النساء ~~للخبيثين من الرجال على نحو قوله الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين وأن ذلك منسوخ ~~بما ثبت في موضعه. ### | باب الاستئذان # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها روي عن ابن عباس وابن مسعود وإبراهيم وقتادة ~~قالوا الاستيناس الاستئذان فيكون معناه حتى تستأنسوا بالإذن وروى شعبة عن ~~أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ هذا الحرف حتى تستأذنوا ~~وقال غلط الكاتب وروى القاسم بن نافع عن مجاهد حتى تستأنسوا قال هو التنحنح ~~والتنخع وفي نسق التلاوة ما دل # PageV05P164 # على أنه أراد الاستئذان وهو قوله وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم الاستيناس قد يكون للحديث كقوله تعالى ولا ~~مستأنسين لحديث وكما # روي عن عمر في حديثه الذي ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم انفرد في ~~مشربة له حين هجر نساءه فاستأذنت عليه فقال الآذن قد سمع كلامك ثم أذن له ~~فذكر أشياء وفيه قال فقلت استأنس يا رسول الله صلى الله عليه ms2211 وسلم قال نعم # وإنما أراد به الاستيناس للحديث وذلك كان بعد الدخول والاستيناس المذكور ~~في قوله حتى تستأنسوا لا يجوز أن يكون المراد به الحديث لأنه لا يصل إلى ~~الحديث إلا بعد الإذن وإنما المراد الاستئذان للدخول وإنما سمي الاستئذان ~~استيناسا لأنهم إذا استأذنوا أو سلموا أنس أهل البيوت بذلك ولو دخلوا عليهم ~~بغير إذن لا ستوحشوا وشق عليهم وأمر مع الاستئذان بالسلام إذ هو من سنة ~~المسلمين التي أمروا بها ولأن السلام أمان منه لهم وهو تحية أهل الجنة ~~ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغنة # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا يوسف بن يعقوب قال حدثنا محمد بن أبي ~~بكر قال حدثنا صفوان بن عيسى قال حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبى رباب ~~عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق ~~الله آدم فنفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ~~ربه رحمك ربك يا آدم اذهب إلى هؤلاء الملائكة وملأ منهم جلوس فقل السلام ~~عليكم فقال سلام عليكم ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية ~~ذريتك بينهم # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا علي بن إسحاق بن راطية قال حدثنا ~~إبراهيم بن سعيد قال حدثنا يحيى بن نصر بن حاجب قال حدثنا هلال بن حماد عن ~~ذادان عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم ~~ست يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه وينصح له بالغيب ويشمته إذا عطس ~~ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي قال حدثنا أبو غسان ~~النهدي قال حدثنا زهير قال حدثنا الأعمش عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون ~~حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم # وحدثنا عبد الباقي قال ms2212 حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا محمد بن حميد ~~قال حدثنا محمد بن معلى قال حدثنا زياد بن خيثمة عن أبي يحيى القتات عن ~~مجاهد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # PageV05P165 # إن سركم أن يخرج الغل من صدور كم فافشوا السلام بينكم ### | باب في عدد الاستئذان وكيفيته # روى دهيم بن قران عن يحيى بن أبى كشير عن عمر وبن عثمان عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستئذان ثلاث فالأولى يستنصتون ~~والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون # وروى يونس بن عبيد عن الوليد بن مسلم عن جندب قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن عبدة قال ~~أخبرنا سفيان عن يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري قال كنت ~~جالسا في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبو موسى فزعا فقلنا له ما أفزعك قال ~~أمرني عمر أن آتيه فأتيته فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك ~~أن تأتيني قلت قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع # قال لتأتين على هذا بالبينة قال فقال أبو سعيد لا يقوم معك إلا أصغر ~~القوم قال فقام أبو سعيد معه فشهد له وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى ~~إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد وفي بعضها ~~ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر ~~إنما لم يقبل عمر خبره حتى استفاض عنده لأن أمر الاستئذان مما بالناس إليه ~~حاجة عامة فاستنكر أن تكون سنة الاستئذان ثلاثا مع عموم الحاجة إليها ثم لا ~~ينقلها إلا الأفراد وهذا أصل في أن ما بالناس إليه حاجة عامة لا يقبل فيه ~~إلا ms2213 خبر الاستفاضة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله قال ~~حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد ~~قال وقف رجل على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن فقام مستقبل الباب ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هكذا عنك أو هكذا # فإنما جعل الاستئذان من النظر # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو ~~عاصم قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمر وبن أبي سفيان أن عمرو بن عبد ~~الله بن صفوان أخبره عن كلدة أن صفوان بن أمية بعثه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فدخلت ~~ولم أسلم فقال ارجع فقل السلام عليكم # وذاك بعد ما أسلم صفوان # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر # PageV05P166 # ابن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال حدثنا رجل من ~~بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال ألج فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقال له قل ~~السلام عليكم أأدخل فسمعه الرجل فقال السلام عليكم أأدخل فأذن له النبي صلى ~~الله عليه وسلم فدخل # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مؤمل ابن فضل الحراني ~~في آخرين قالوا حدثنا بقية قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله ابن ~~بسر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لا يستقبل الباب ~~من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول السلام عليكم # وذلك أن الدور لم تكن يومئذ عليها ستور قال أبو بكر ظاهر قوله لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن ~~من صاحب البيت إذن ولذلك قال مجاهد الاستئناس ms2214 التنحنح والتنخع فكأنه إنما ~~أراد أن يعلمهم بدخوله وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن ~~إلا أنه معلوم أنه قد أريد به الإذن في الدخول فحذفه لعلم المخاطبين ~~بالمراد # وقد حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد عن حبيب وهشام عن محمد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال رسول الرجل إلى الرجل إذنه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا حسين بن معاذ قال حدثنا ~~عبد الأعلى قال حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال إذا دعى أحدكم مع الطعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له ~~إذن # فدل هذا الخبر على معنيين أحدهما أن الإذن محذوف من قوله حتى تستأنسوا ~~وهو مراد به والثاني أن الدعاء إذن إذا جاء مع الرسول وأنه لا يحتاج إلى ~~استئذان ثان وهو يدل أيضا على أن من قد جرت العادة بإباحة الدخول أنه غير ~~محتاج إلى الاستئذان فإن قيل # قد روى أبو نعيم عن عمر بن زرعة مجاهد أن أبا هريرة كان يقول والله إني ~~كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع إني كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ~~ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من ~~كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل فمر بي عمر ففعلت مثل ذلك فمر ~~ولم يفعل فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي ~~ثم قال يا أبا هريرة قلت لبيك يا رسول الله قال الحق بي ومضى واتبعته فدخل ~~واستأذنت فأذن لي فدخلت فوجدت لبنا في قدح فقال من أين هذا قالوا أهدى # PageV05P167 # لك فلان أو فلانة قال يا أبا هريرة قلت لبيك يا رسول الله قال الحق أهل ~~الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف أهل الإسلام لا يلوون على ms2215 أهل ولا ~~مال إذا أتته صدقة بعث بها إليهم لم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل ~~إليهم فأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة ~~كنت أرجو أن أصيب من هذا شربة أتقوى بها فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإذا جاءوا فأمرني فكنت أنا أعطيهم فما عسى أن يبلغ منى هذا اللبن فأتيتهم ~~فدعوتهم فأقبلوا حتى استأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت فقال يا ~~أبا هريرة قلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطي ~~الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه آخر فيشرب حتى يروى ثم برد ~~علي القدح حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم ~~فأخذ القدح فوضعه على يده ونظر إلى فتبسم وقال يا أبا هريرة قلت لبيك يا ~~رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال فاقعد واشرب فشربت ~~فما زال يقول اشرب فأشرب حتى قلت والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال ~~فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وشرب الفضل # قال فقد استأذن أهل الصفة وقد جاءوا مع الرسول ولم ينكر ذلك عليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهذا مخالف # لحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الرجل إلى الرجل ~~إذنه # قيل له ليسا مختلفين لأن قوله صلى الله عليه وسلم إباحة للدخول مع الرسول ~~وليس فيه كراهية الاستئذان بل هو مخير حينئذ وإذا لم يكن مع الرسول وجب ~~حينئذ الاستئذان والذي يدل على أن الإذن مشروط في قوله حتى تستأنسوا # قوله في نسق التلاوة فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ~~فحظر الدخول إلا بالإذن فدل على أن الإذن مشروط في إباحة الدخول في الآية ~~الأولى وأيضا # فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي قدمناها إنما جعل ~~الاستئذان من أجل النظر # فدل على أنه لا يجوز النظر في دار ms2216 أحد إلا بإذنه وقد روي في ذلك ضروب من ~~التغليظ وهو ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا ~~حماد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس بن مالك أن رجلا اطلع من بعض حجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو ~~بمشاقص قال فكأني أنظر إلى رسول الله يختله ليطعنه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الربيع بن سليمان ~~المؤذن قال حدثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن كثير عن الوليد عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل البصر # PageV05P168 # فلا إذن # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد عن سهيل عن أبيه قال حدثنا أبو هريرة أنه سمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت ~~عينه # قال أبو بكر والفقهاء على خلاف ظاهره لأنهم يقولون إنه ضامن إذا فعل ذلك ~~وهذا من أحاديث أبي هريرة التي ترد لمخالفتها الأصول مثل ما # روي أن ولد الزنا شر الثلاثة # وأن ولد الزنا لا يدخل الجنة # ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه # ومن غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ # هذه كلها أخبار شاذة قد اتفق الفقهاء على خلاف ظواهرها وزعم الشافعي أن ~~من اطلع في دار غيره ففقأ عينه وهو هدر وذهب إلى ظاهر هذا الخبر ولا خلاف ~~أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامنا وكان عليه القصاص إن كان ~~عامدا والأرش إن كان مخطئا ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع ~~الدخول وظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق فإن صح الحديث فمعناه ~~عندنا فيمن اطلع في دار قوم ناظرا إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت ~~عنه في حال الممانعة فهذا هدر وكذلك من دخل دار ms2217 قوم أو أراد دخولها فمانعوه ~~فذهبت عينه أو شيء من أعضائه فهو هدر ولا يختلف فيه حكم الداخل والمطلع ~~فيها من غير دخول فأما إذا لم يكن إلا النظر ولم تقع فيه ممانعة ولا نهي ثم ~~جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته بظاهر قوله تعالى العين ~~بالعين- إلى قوله- والجروح قصاص قوله تعالى فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا ~~تدخلوها حتى يؤذن لكم قد تضمن ذلك معنيين أحدهما أنه لا ندخل بيوتا غيرنا ~~إلا بإذنه والثاني أنه إذا أذن لنا جاز لنا الدخول واقتضى ذلك جواز قبول ~~الإذن ممن أذن صبيا كان أو امرأة أو عبدا أو ذميا إذ لم تفرق الآية بين شيء ~~من ذلك وهذا أصل في قبول أخبار المعاملات من هؤلاء وأنه لا تعتبر فيها ~~العدالة ولا تستوفى فيها صفات الشهادة ولذلك قبلوا أخبار هؤلاء في الهدايا ~~والوكالات ونحوهما. ### | باب في الاستئذان على المحارم # روى شعبة عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد قال سأل رجل حذيفة أستأذن على ~~أختي قال إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك وروي عن ابن عيينة عن عمرو عن ~~عطاء قال سألت ابن عباس أأستأذن على أختي قال نعم قال قلت إنها معي في ~~البيت وأنا أنفق عليها # PageV05P169 # قال استأذن عليها وروى سفيان عن مخارق عن طارق قال قال رجل لابن مسعود ~~أأستأذن على أمي قال نعم # وروى سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال أأستأذن على أمي قال نعم أتحب أن تراها عريانة # وقال عمر وعن عطاء سألت ابن عباس أأستأذن على أختي وأنا أنفق عليها قال ~~نعم أتحب أن تراها عريانة إن الله يقول يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم فلم يؤمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث ثم ~~قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ولم ~~يفرق بين من كان منهم أجنبيا أو ذا رحم محرم إلا أن أمر ms2218 ذوي المحارم أيسر ~~لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوهما من الأعضاء وقوله تعالى وإن ~~قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم بعد قوله فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم يدل ~~على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره عن الوقوف على باب داره أو ~~القعود عليه لقوله تعالى وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ويمتنع أن ~~يكون المراد بذلك حظر الدخول إلا بعد الإذن لأن هذا المعنى قد تقدم ذكره ~~مصرحا به في الآية فواجب أن يكون لقوله وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا فائدة ~~مجددة وهو أنه متى أمره بالرجوع عن باب داره فواجب عليه التنحي عنه لئلا ~~يتأذى به صاحب الدار في دخول حرمه وخروجهم وفيما ينصرف عليه أموره في داره ~~مما لا يجب أن يطلع عليه غيره # قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم قال ~~محمد بن الحنفية هي بيوت الخانات التي تكون في الطرق وبيوت الأسواق وعن ~~الضحاك وقال الحسن وإبراهيم النخعي كانوا يأتون حوانيت السوق لا يستأذنون ~~وقال مجاهد كانت بيوتا يضعون فيها أمتعتهم فأمروا أن يدخلوها بغير إذن وروي ~~عنه أيضا أنه قال هي البيوت التي تنزلها السفر # وروي عن أبي عبيد المحاربي قال رأيت عليا رضى الله عنه أصابته السماء وهو ~~في السوق فاستظل بخيمة فارسي فجعل الفارسي يدفعه عن خيمته وعلي يقول إنما ~~أستظل من المطر فجعل الفارسي يدفعه ثم أخبر الفارسي أنه علي فضرب بصدره # وقال عكرمة بيوتا غير مسكونة هي البيوت الخربة لكم فيها حاجة وقال ابن ~~جريج عن عطاء فيها متاع لكم الخلاء والبول وجائز أن يكون المراد جميع ذلك ~~إذ كان الاستئذان في البيوت المسكونة لئلا يهجم على ما لا يجب من العورة ~~ولأن العادة قد جرت في مثله # PageV05P170 # بإطلاق الدخول فصار المعتاد المعارف كالمنطوق به والدليل على أن معنى ~~إطلاق ذلك لجريان العادة في الإذن أن أصحابها لو منعوا الناس من دخول هذه ~~البيوت كان لهم ذلك ms2219 ولم يكن لأحد أن يدخلها بغير إذن ونظير ذلك فيما جرت ~~العادة بإباحته وقام ذلك مقام الإذن فيه ما يطرحه الناس من النوى وقمامات ~~البيوت والخرق في الطرق أن لكل أحد أن يأخذ ذلك وينتفع به وهو أيضا يدل على ~~صحة اعتبار أصحابنا هذا المعنى في سائر ما يكون في معناه مما قد جرت العادة ~~به وتعارفوه أنه بمنزلة النطق كنحو قولهم فيما يلحقونه برأس المال من طعام ~~الرقيق وكسوتهم وفي حمولة المتاع أنه يلحقه برأس المال ويبيعه مرابحة فيقول ~~قام علي بكذا وما لم تجر العادة به لا يلحقه برأس المال فقامت العادة في ~~ذلك مقام النطق وفي نحوه قول محمد فيمن أسلم إلى خياط أو قصار ثوبا ليخيطه ~~ويقصره ولم يشرط له أجرا إن الأجر قد وجب له إذا كان قد نصب نفسه لذلك ~~وقامت العادة في مثله مقام النطق في أنه فعله على وجه الإجارة وقد روى ~~سفيان عن عبد الله بن دينار قال كان ابن عمر يستأذن في حوانيت السوق فذكر ~~ذلك لعكرمة فقال ومن يطيق ما كان ابن عمر يطيق وليس في فعله ذلك دلالة على ~~أنه رأى دخولها بغير إذن محظورا ولكنه احتاط لنفسه وذلك مباح لكل أحد. ### | باب ما يجب من غض البصر عن المحرمات # قال الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم قال أبو بكر ~~معقول من ظاهره أنه أمر بغض البصر عما حرم علينا النظر إليه فحذف ذكر ذلك ~~اكتفاء بعلم المخاطبين بالمراد # وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي إن لك كنزا في الجنة وإنك ذو ~~وفر منها فلا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية # وروى الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ابن آدم لك أول نظرة وإياك والثانية # وروى أبو زرعة عن جرير أنه سأل رسول ms2220 الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة ~~الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري # قال أبو بكر إنما أراد صلى الله عليه وسلم # بقوله لك النظرة الأولى # إذا لم تكن عن قصد فأما إذا كانت عن قصد فهي والثانية سواء وهو على ما ~~سأل عنه جرير من نظرة الفجاءة وهو مثل # قوله إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا وقوله وقل للمؤمنات # PageV05P171 # يغضضن من أبصارهن # هو على معنى ما نهى الرجال عنه من النظر إلى ما حرم عليه النظر إليه ~~وقوله تعالى ويحفظوا فروجهم وقوله ويحفظن فروجهن فإنه روي عن أبي العالية ~~أنه قال كل آية في القرآن يحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن من الزنا إلا التي ~~في النور يحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن أن لا ينظر إليها أحد قال أبو بكر ~~هذا تخصيص بلا دلالة والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما ~~حرم عليه من الزنا واللمس والنظر وكذلك سائر الآي المذكورة في هذا الموضع ~~في حفظ الفروج هي على جميع ذلك ما لم تقم الدلالة على أن المراد بعض ذلك ~~دون بعض وعسى أن يكون أبو العالية ذهب في إيجاب التخصيص في النظر لما تقدم ~~من الأمر بغض البصر وما ذكره لا يوجب ذلك لأنه لا يمتنع أن يكون مأمورا بغض ~~البصر وحفظ الفرج من النظر ومن الزنا وغيره من الأمور المحظورة وعلى أنه إن ~~كان المراد حظر النظر فلا محالة أن اللمس والوطء مرادان بالآية إذ هما أغلظ ~~من النظر فلو نص الله على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء ~~واللمس كما أن قوله فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما قد اقتضى حظر ما فوق ذلك ~~من السب والضرب قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها روي عن ابن ~~عباس ومجاهد وعطاء في قوله إلا ما ظهر منها قال ما كان في الوجه والكف ~~الخضاب والكحل وعن ابن عمر مثله وكذلك عن أنس وروي عن ابن عباس أيضا أنها ~~الكف والوجه ms2221 والخاتم وقالت عائشة الزينة الظاهرة القلب والفتخة وقال أبو ~~عبيدة الفتخة الخاتم وقال الحسن وجهها وما ظهر من ثيابها وقال سعيد بن ~~المسيب وجهها مما ظهر منها وروى أبو الأحوص عن عبد الله قال الزينة زينتان ~~زينة باطنة لا يراها إلا الزوج الإكليل والسوار والخاتم وأما الظاهرة ~~فالثياب وقال إبراهيم الزينة الظاهرة الثياب قال أبو بكر قوله تعالى ولا ~~يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إنما أراد به الأجنبيين دون الزوج وذوي ~~المحارم لأنه قد بين في نسق التلاوة حكم ذوي المحارم في ذلك وقال أصحابنا ~~المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف فإذ ~~قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر ~~إلى الوجه والكفين ويدل على أن الوجه والكفين من المرأة ليسا بعورة أيضا ~~أنها تصلي مكشوفة الوجه واليدين فلو كانا عورة لكان عليها سترهما كما عليها ~~ستر ما هو عورة وإذا كان # PageV05P172 # ذلك جاز للأجنبي أن ينظر من المرأة إلى وجهها ويديها بغير شهوة فإن كان ~~يشتهيها إذا نظر إليها جاز أن ينظر لعذر مثل أن يريد تزويجها أو الشهادة ~~عليها أو حاكم يريد أن يسمع إقرارها ويدل على أنه لا يجوز له النظر إلى ~~الوجه لشهوة # قوله صلى الله عليه وسلم لعلي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس ~~لك الآخرة # وسأل جرير رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة فقال اصرف بصرك # ولم يفرق بين الوجه وغيره فدل على أنه أراد النظرة بشهوة وإنما قال لك ~~الأولى لأنها ضرورة وليس لك الآخرة لأنها اختيار وإنما أباحوا النظر إلى ~~الوجه والكفين وإن خاف أن يشتهي لما ذكرنا من الأعذار للآثار الواردة في ~~ذلك منها ما # روى أبو هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا يعني الصغر # وروى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحدكم ms2222 فقدر على أن يرى ~~منها ما يعجبه ويدعوه إليها فليفعل # وروى موسى بن عبد الله ابن يزيد عن أبي حميد وقد رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح ~~عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة # وروى سليمان بن أبي حثمة عن محمد بن سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله # وروى عاصم الأحول عن بكير بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال خطبنا ~~امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم نظرت إليها فقلت لا فقال انظر فإنه ~~لأجدر أن يؤدم بينكما # فهذا كله يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها بشهوة إذا أراد أن يتزوجها ~~ويدل عليه أيضا قوله لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو ~~أعجبك حسنهن ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن ويدل على أن النظر إلى ~~وجهها بشهوة محظور # قوله صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان # ويصدق ذلك كله الفرج أو يكذبه وقول ابن مسعود في أن ما ظهر منها هو ~~الثياب لا معنى له لأنه معلوم أنه ذكر الزينة والمراد العضو الذي عليه ~~الزينة ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة ~~يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لا بستها فعلمنا أن المراد موضع ~~الزينة كما قال في نسق التلاوة بعد هذا ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ~~والمراد موضع الزينة فتأويلها على الثياب لا معنى له إذ كان ما يرى الثياب ~~عليها دون شيء من بدنها كما يراها إذا لم تكن لا بستها قوله تعالى وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن روت صفية بنت شيبة عن عائشة أنها قالت نعم النساء نساء ~~الأنصار لم يكن # PageV05P173 # يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين وأن يسئلن عنه لما نزلت سورة النور ~~عمدن إلى حجوز مناطقهن فشققنه فاختمرن به قال أبو بكر قد قيل إنه أراد جيب ms2223 ~~الدروع لأن النساء كن يلبسن الدروع ولها جيب مثل جيب الدراعة فتكون المرأة ~~مكشوفة الصدر والنحر إذا لبستها فأمرهن الله بستر ذلك الموضع بقوله وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة لا يجوز ~~للأجنبى النظر إليهما منها قوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن الآية ~~قال أبو بكر ظاهره يقتضي إباحة إبداء الزينة للزوج ولمن ذكر معه من الآباء ~~وغيرهم ومعلوم أن المراد موضع الزينة وهو الوجه واليد والذراع لأن فيها ~~السوار والقلب والعضد وهو موضع الدملج والنحر والصدر موضع القلادة والساق ~~موضع الخلخال فاقتضى ذلك إباحة النظر للمذكورين في الآية إلى هذه المواضع ~~وهي مواضع الزينة الباطنة لأنه خص في أول الآية إباحة الزينة الظاهرة ~~للأجنبيين وأباح للزوج وذوي المحارم النظر إلى الزينة الباطنة وروي عن ابن ~~مسعود والزبير القرط والقلادة والسوار والخلخال وروى سفيان عن منصور عن ~~إبراهيم أو أبناء بعولتهن قال ينظر إلى ما فوق الذراع من الأذن والرأس قل ~~أبو بكر لا معنى لتخصيص الأذن والرأس بذلك إذ لم يخصص الله شيئا من مواضع ~~الزينة دون شيء وقد سوى في ذلك بين الزوج وبين من ذكر معه فاقتضى عمومه ~~إباحة النظر إلى مواضع الزينة لهؤلاء المذكورين كما اقتضى إباحتها للزوج ~~ولما ذكر الله تعالى مع الآباء ذوي المحارم الذين يحرم عليهم نكاحهن تحريما ~~مؤبدا دل ذلك على أن من كان في التحريم بمثابتهم فحكمه حكمهم مثل زواج ~~الابنة وأم المرأة والمحرمات من الرضاع ونحوهن وروي عن سعيد بن جبير أنه ~~سئل عن الرجل ينظر إلى شعر أجنبية فكرهه وقال ليس في الآية قال أبو بكر إنه ~~وإن لم يكن في الآية فهو في معنى ما ذكر فيها من الوجه الذي ذكرنا وهذا ~~الذي ذكر من تحريم النظر في هذه الآية إلا ما خص منه إنما هو مقصور على ~~الحرائر دون الإماء وذلك لأن الإماء لسائر الأجنبيين بمنزلة الحرائر لذوي ~~محارمهن فيما يحل النظر إليه فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة ms2224 وذراعها ~~وساقها وصدرها وثديها كما يجوز لذوي المحرم النظر إلى ذات محرمه لأنه لا ~~خلاف أن للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وروي أن عمر كان يضرب الإماء ويقول ~~اكشفن رؤسكن ولا تتشبهن بالحرائر # PageV05P174 # فدل على أنهن بمنزلة ذوات المحارم ولا خلاف أيضا أنه يجوز للأمة أن تسافر ~~بغير محرم فكان سائر الناس لها كذوي المحارم للحرائر حين جاز لهم السفر بهن ~~ألا ترى إلى # قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ~~سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج # فلما جاز للأمة أن تسافر بغير محرم علمنا أنها بمنزلة الحرة لذوي محرمها ~~فيما يستباح النظر إليه منها وقوله لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ~~أن تسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم أو زوج دال على اختصاص ذي المحرم ~~باستباحة النظر منها إلى كل ما لا يحل للأجنبي وهو ما وصفنا بديا وروى منذر ~~الثوري أن محمد ابن الحنفية كان يمشط أمه وروى أبو البختري أن الحسن ~~والحسين كانا يدخلان على أختهما أم كلثوم وهي تمشط وعن ابن الزبير مثله في ~~ذات محرم منه وروي عن إبراهيم أنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وأخته ~~وخالته وعمته وكره الساقين قال أبو بكر لا فرق بينهما في مقتضى الآية وروى ~~هشام عن الحسن في المرأة تضع خمارها عند أخيها قال والله ما لها ذلك وروى ~~سفيان عن ليث عن طاوس أنه كره أن ينظر إلى شعر ابنته وأخته وروى جرير عن ~~مغيرة عن الشعبي أنه كره أن يسدد الرجل النظر إلى شعر ابنته وأخته قال أبو ~~بكر وهذا عندنا محمول على الحال التي يخاف فيها أن تشتهى لأنه لو حمل على ~~الحال التي يأمن فيها الشهوة لكان خلاف الآية والسنة ولكان ذو محرمها ~~والأجنبيون سواء والآية أيضا مخصوصة في نظر الرجال دون النساء لأن المرأة ~~يجوز لها أن تنظر من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر من الرجل ms2225 وهو السرة ~~فما فوقها وما تحت الركبة والمحظور عليهن من بعضهن لبعض ما تحت السرة إلى ~~الركبة وقوله تعالى أو نسائهن روي أنه أراد نساء المؤمنات وقوله أو ما ملكت ~~أيمانهن تأوله ابن عباس وأم سلمة وعائشة أن للعبد أن ينظر إلى شعر مولاته ~~قالت عائشة وإلى شعر غير مولاته روي أنها كانت تمتشط والعبد ينظر إليها ~~وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وابن المسيب إن العبد لا ينظر إلى ~~شعر مولاته وهو مذهب أصحابنا إلا أن يكون ذا محرم وتأولوا قوله أو ما ملكت ~~أيمانهن على الإماء لأن العبد والحر في التحريم سواء فهي وإن لم يجز لها أن ~~تتزوجه وهو عبدها فإن ذلك تحريم عارض كمن تحته امرأة أختها محرمة عليه ولا ~~يبيح له ذلك النظر إلى شعر أختها وكمن عنده أربع # PageV05P175 # نسوة سائر النساء محرمات عليه في الحال ولا يجوز له أن يستبيح النظر إلى ~~شعورهن فلما لم يكن تحريمها على عبدها في الحال تحريما مؤبدا كان العبد ~~بمنزلة سائر الأجنبيين وأيضا # قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يسافر سفرا فوق ثلاث إلا مع ذي محرم # والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن تسافر بها وإذا لم يجز له السفر ~~بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي فإن قيل هذا يؤدي إلى إبطال ~~فائدة ذكر ملك اليمين في هذا الموضع قيل له ليس كذلك لأنه قد ذكر النساء في ~~الآية بقوله أو نسائهن وأراد بهن الحرائر المسلمات فجاز أن يظن ظان أن ~~الإماء لا يجوز لهن النظر إلى شعر مولاتهن وإلى ما يجوز للحرة النظر إليه ~~منها فأبان تعالى أن الأمة والحرة في ذلك سواء وإنما خص نساءهن بالذكر في ~~هذا الموضع لأن جميع من ذكر قبلهن هم الرجال بقوله ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن إلى آخر ما ذكر فكان جائزا أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذا ~~كانوا ذوي محارم فأبان تعالى إباحة ms2226 النظر إلى هذه المواضع من نسائهن سواء ~~كن ذوات محارم أو غير ذوات محارم ثم عطف على ذلك الإماء بقوله أو ما ملكت ~~أيمانهن لئلا يظن ظان أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر ~~قوله أو نسائهن يقتضي الحرائر دون الإماء كما كان قوله وأنكحوا الأيامى ~~منكم على الحرائر دون المماليك وقوله شهيدين من رجالكم الأحرار لإضافتهم ~~إلينا كذلك قوله أو نسائهن على الحرائر ثم عطف عليهن الإماء فأباح لهن مثل ~~ما أباح في الحرائر وقوله تعالى أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال روي ~~عن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في ~~النساء وقال عكرمة هو العنين وقال مجاهد وطاوس وعطاء والحسن هو الأبله وقال ~~بعضهم هو الأحمق الذي لا أرب له في النساء # وروى الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان يدخل على أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة قالت فدخل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال لا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا ~~يدخلن عليكن فحجبوه # وروى هشام ابن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله لو فتح ~~الله لكم غدا الطائف دللتك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان # PageV05P176 # فقال لا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخل عليكم # فأباح النبي صلى الله عليه وسلم دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير ~~أولي الإربة فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي ~~الإربة فحجبه وقوله تعالى أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء قال ~~مجاهدهم الذين لا يدرون ما هن من الصغر وقال قتادة الذين لم يبلغوا الحلم ~~منكم قال أبو بكر قول مجاهد أظهر لأن معنى أنهم لم يظهروا على عورات النساء ~~أنهم لا يميزون بين ms2227 عورات النساء والرجال لصغرهم وقلة معرفتهم بذلك وقد أمر ~~الله تعالى الطفل الذي قد عرف عورات النساء بالاستئذان في الأوقات الثلاثة ~~بقوله ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم وأراد به ~~الذي عرف ذلك واطلع على عورات النساء والذي لا يؤمر بالاستئذان أصغر من ذلك # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مروهم بالصلاة لسبع ~~واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع # فلم يأمر بالتفرقة قبل العشر وأمر بها في العشر لأنه قد عرف ذلك في ~~الأكثر الأعم ولا يعرفه قبل ذلك في الأغلب وقوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ~~ليعلم ما يخفين من زينتهن روى أبو الأحوص عن عبد الله قال هو الخلخال وكذلك ~~قال مجاهد إنما نهيت أن تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال وذلك قوله ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن قال أبو بكر قد عقل من معنى اللفظ النهي عن إبداء الزينة ~~وإظهارها لورود النص في النهى عن سماع صوتها إذ كان إظهار الزينة أولى ~~بالنهي مما يعلم به الزينة فإذا لم يجز بأخفى الوجهين لم يجز بأظهر هما ~~وهذا يدل على صحة القول بالقياس على المعاني التي قد علق الأحكام بها وقد ~~تكون تلك المعاني تارة جلية بدلالة فحوى الخطاب عليها وتارة خفية يحتاج إلى ~~الاستدلال عليها بأصول أخر سواها وفيه دلالة على أن المرأة منهية عن رفع ~~صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت ~~خلخالها ولذلك كره أصحابنا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت ~~والمرأة منهية عن ذلك وهو يدل أيضا على حظر النظر إلى وجهها للشهوة إذ كان ~~ذلك أقرب إلى الريبة وأولى بالفتنة. ### | باب الترغيب في النكاح # قال الله عز وجل وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم الآية ~~قال «12- أحكام مس» # PageV05P177 # أبو بكر ظاهره يقتضي الإيجاب إلا أنه قد قامت الدلالة من إجماع السلف ~~وفقهاء الأمصار على أنه لم يرد بها الإيجاب وإنما هو استحباب ولو كان ذلك ~~واجبا لورد ms2228 النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم ومن السلف مستفيضا ~~شائعا لعموم الحاجة إليه فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ~~الأعصار بعده قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء فلم ينكروا ترك ~~تزويجهم ثبت أنه لم يرد الإيجاب ويدل على أنه لم يرد الإيجاب أن الأيم ~~الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه ولا تزويجها بغير أمرها ~~وأيضا مما يدل على أنه على الندب اتفاق الجميع على أنه لا يجبر على تزويج ~~عبده وأمته وهو معطوف على الأيامى فدل على أنه مندوب في الجميع ولكن دلالة ~~الآية واضحة في وقوع العقد الموقوف إذ لم يخصص بذلك الأولياء دون غيرهم وكل ~~أحد من الناس مندوب إلى تزويج الأيامى المحتاجين إلى النكاح فإن تقدم من ~~المعقود عليهم أمر فهو نافذ وكذلك إن كانوا ممن يجوز عقدهم عليهم مثل ~~المجنون والصغير فهو نافذ أيضا وإن لم يكن لهم ولاية ولا أمر فعقدهم موقوف ~~على إجازة من يملك ذلك العقد فقد اقتضت الآية جواز النكاح على إجازة من ~~يملكها فإن قيل هذا يدل على أن عقد النكاح إنما يليه الأولياء دون النساء ~~وأن عقودهن على أنفسهن غير جائزة قيل له كذلك لأن الآية لم تخص الأولياء ~~بهذا الأمر دون غيرهم وعمومه يقتضي ترغيب سائر الناس في العقد على الأيامى ~~ألا ترى أن اسم الأيامى ينتظم الرجال والنساء وهو في الرجال لم يرد به ~~الأولياء دون غيرهم كذلك في النساء وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبار كثيرة في الترغيب في النكاح منها # ما رواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي ~~يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف # وروى إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه ~~بالصوم ms2229 فإنه له وجاء # وقال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير # وعن شداد بن أوس أنه قال لأهله زوجوني فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أوصاني أن لا ألقى الله أعزب # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا خلاد عن سفيان عن عبد ~~الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا بشر قال حدثنا # PageV05P178 # سعيد بن منصور قال حدثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عبيد بن سعيد قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب فطرتي فليستن بسنتي ومن سنتي ~~النكاح # قال إبراهيم بن ميسرة ولا أقول لك إلا ما قال عمر لأبي الزوائد ما يمنعك ~~من النكاح إلا عجز أو فجور فإن قيل قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم عمومه ~~يقتضي تزويج الأب ابنته البكر الكبيرة ولولا قيام الدلالة على أنه لا يزوج ~~البنت الكبيرة بغير رضاها لكان جائزا له تزويجها بغير رضاها لعموم الآية ~~قيل له معلوم أن قوله وأنكحوا الأيامى منكم لا يختص بالنساء دون الرجال لأن ~~الرجل يقال له أيم والمرأة يقال لها أيمة وهو اسم للمرأة التي لا زوج لها ~~والرجل الذي لا امرأة له قال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم # وقال آخر: # ذريني على أيم منكم وناكح وقال عمر بن الخطاب ما رأيت مثل من يجلس أيما ~~بعد هذه الآية وأنكحوا الأيامى منكم التمسوا الغنا في الباه فلما كان هذا ~~الاسم شاملا للرجال والنساء وقد أضمر في الرجال تزويجهم بإذنهم فوجب ~~استعمال ذلك الضمير في النساء أيضا وأيضا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~باستثمار البكر # بقوله البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها # وذلك أمر وإن كان في صورة الخبر وذلك على الوجوب فلا يجوز تزويجها إلا ~~بإذنها وأيضا فإن # حديث محمد ms2230 بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت فلا جواز ~~عليها # وإنما أراد به البكر لأن البكر هي التي يكون سكوتها رضا وحديث ابن عباس ~~في فتاة بكر زوجها أبوها بغير أمرها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم # فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيزي ما صنع أبوك # وقد بينا هذه المسألة فيما سلف قوله تعالى والصالحين من عبادكم وإمائكم ~~فيه دلالة على أن للمولى أن يزوج عبده وأمتة بغير رضاهما وأيضا لا خلاف أنه ~~غير جائز للعبد والأمة أن يتزوجا بغير إذن # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه ~~فهو عاهر # فثبت أن العبد والأمة لا يملكان ذلك فوجب أن يملك المولى منهما ذلك كسائر ~~العقود التي لا يملكانها ويملكها المولى عليهما وقوله تعالى إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله خبر والمخبر الله تعالى ولا محالة على ما يخبر به ~~فلا يخلو ذلك من أحد وجهين إما أن يكون خاصا في بعض المذكورين دون بعض إذ ~~قد وجدنا من # PageV05P179 # يتزوج ولا يستغني بالمال وإما أن يكون المراد بالغنى العفاف فإن كان ~~المراد خاصا فهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون أو ~~يكون عاما فيكون المعنى وقوع الغنى بملك البضع والاستغناء به عن تعديه إلى ~~المحظور فلا دلالة فيه إذا على أن العبد يملك وقد بينا مسألة ملك العبد في ~~سورة النحل. ### | باب المكاتبة # قال الله تعالى والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا روي عن عطاء قال ما أراه إلا واجبا وهو قول عمر وبن دينار وروي ~~عن عمر أنه أمر أنسا بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى فرفع عليه ~~الدرة وضربه وقال فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وحلف عليه ليكاتبنه وقال ~~الضحاك إن كان للمملوك مال فعزيمة على مولاه أن يكاتبه ms2231 وروى الحجاج عن عطاء ~~قال إنشاء كاتب وإن شاء لم يكاتب إنما هو تعليم وكذلك قوله الشعبي قال أبو ~~بكر هذا ترغيب عند عامة أهل العلم وليس بإيجاب # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وما روى عن عمر في قصة سيرين يدل على ذلك أيضا لأنها لو كانت واجبة لحكم ~~بها عمر عليه ولم يكن يحتاج أن يحلف على أنس لمكاتبته ولم يكن أنس أيضا ~~يمتنع من شيء واجب عليه فإن قيل لو لم يكن يراها واجبة لما رفع عليه الدرة ~~ولم يضربه قيل لأن عمر رضي الله عنه كان كالوالد المشفق للرعية فكان يأمرهم ~~بما لهم فيه الحظ في الدين وإن لم يكن واجبا على وجه التأديب والمصلحة ويدل ~~على أنها ليست على الوجوب أنه موكول إلى غالب ظن المولى أن فيهم خيرا فلما ~~كان المرجع فيه للمولى لم يلزمه الإجبار عليه وقوله إن علمتم فيهم خيرا # روى عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا إن علمتم لهم حرفة ولا تدعوهم كلا على الناس ~~وذكر ابن جريح عن عطاء إن علمتم فيهم خيرا قال ما نراه إلا المال ثم تلا ~~قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا قال الخير المال # فيما نرى قال وبلغني عن ابن عباس يعني بالخير المال وروى ابن سيرين عن ~~عبيدة إن علمتم فيهم خيرا قال إذا صلى وعن إبراهيم وفاء وصدقا وقال مجاهد ~~مالا وقال الحسن صلاحا في الدين قال أبو بكر الأظهر أنه أراد الصلاح فينتظم ~~ذلك الوفاء والصدق وأداء الأمانة لأن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان ~~فيه خير إنما يريدون به الصلاح في # PageV05P180 # الدين ولو أراد المال لقال إن علمتم لهم خيرا لأنه إنما يقال لفلان مال ~~ولا يقال فيه مال وأيضا فإن العبد لا مال له فلا يجوز أن يتأول عليه وما ~~روي عن ms2232 عبيدة إذا صلى فلا معنى له لأنه جائز مكاتبة اليهودي والنصراني ~~بالآية وإن لم تكن لهم صلاة وقوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ~~اختلف أهل العلم في المكاتب هل يستحق على مولاه أن يضع عنه شيئا من كتابته ~~فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك والثوري إن وضع عنه شيئا فهو ~~حسن مندوب إليه وإن لم يفعل لم يجبر عليه وقال الشافعي هو على الوجوب وروي ~~عن ابن سيرين في قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال كان يعجبهم أن ~~تدعو له طائفة من مكاتبته قال أبو بكر ظاهر قوله كان يعجبهم أنه أراد به ~~الصحابة وكذلك قول إبراهيم كانوا يكرهون وكانوا يقولون الظاهر من قول ~~التابعي إذا قال ذلك أنه أراد به الصحابة فقول ابن سيرين يدل على أن ذلك ~~كان عند الصحابة على الندب لا على الإيجاب لأنه لا يجوز أن يقال في الإيجاب ~~كان يعجبهم وروى يونس عن الحسن وإبراهيم وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال ~~حث عليه مولاه وغيره وروى مسلم بن أبي مريم عن غلام عثمان بن عفان قال ~~كاتبني عثمان ولم يحط عني شيئا قال أبو بكر ويحتمل أن يريد بقوله وآتوهم من ~~مال الله الذي آتاكم ما ذكره في آية الصدقات من قوله وفي الرقاب # وقد روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني عملا يدخلني الجنة ~~قال أعتق النسمة وفك الرقبة قال أليسا واحدا قال عتق النسمة أن تنفرد ~~بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها # وهذا يدل على أن قوله وفي الرقاب قد اقتضى إعطاء المكاتب فاحتمل أن يكون ~~قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم دفع الصدقات الواجبات وأفاد بذلك جواز ~~دفع الصدقة إلى المكاتب وإن كان مولاه غنيا ويدل عليه أنه أمر بإعطائه من ~~مال الله وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه ~~القرب وهذا يدل على أنه أراد مالا هو ملك لمن أمر بإيتائه وأن ms2233 سبيله الصدقة ~~وذلك الصدقات الواجبة في الأموال ويدل عليه قوله من مال الله الذي آتاكم ~~وهو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر بإخراج بعضه ومال الكتابة ليس بدين صحيح ~~لأنه على عبده والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح وعلى قول من يوجب حط ~~بعض الكتابة ينبغي أن يسقط بعد عقد الكتابة وذلك خلاف موجب الآية من وجوه ~~أحدها أنه إذا سقط لم يحصل مالا لله قد آتاه المولى # PageV05P181 # والثاني أن ما آتاه فهو الذي يحصل في يده ويمكنه التصرف فيه وما سقط عقيب ~~العقد لا يمكنه التصرف فيه ولم يحصل له عليه بل لا يستحق الصفة بأنه من مال ~~الله الذي آتاه إياه وأيضا لو كان الإيتاء واجبا لكان وجوبه متعلقا بالعقد ~~فيكون العقد هو الموجب له وهو المسقط وذلك مستحيل لأنه إذا كان العقد يوجبه ~~وهو بعينه مسقط استحال وجوبه لتنافي الإيجاب والإسقاط فإن قيل ليس يمتنع ~~ذلك في الأصول لأن الرجل إذا زوج أمته من عبده يجب عليه المهر بالعقد ثم ~~يسقط في الثاني قيل له ليس كذلك لأنه ليس الموجب له هو المسقط له إذا كان ~~الذي يوجبه هو العقد والذي يسقطه هو حصول ملكه للمولى في الثاني فالموجب له ~~غير المسقط وكذلك من اشترى أباه فعتق عليه فالموجب للملك هو الشرى والموجب ~~للعتاق حصول الملك مع النسب ولم يكن الموجب له هو المسقط وقد حكي عن ~~الشافعي أن الكتابة ليست بواجبة وأن يضع عنه بعد الكتابة واجب أقل ما يقع ~~عليه اسم شيء ولو مات المولى قبل أن يضع عنه وضع الحاكم عنه أقل ما يقع ~~عليه اسم شيء قال أبو بكر فلو كان الحط واجبا لما احتاج أن يضع عنه بل يسقط ~~القدر المستحق كمن له على إنسان دين ثم صار للمدين عليه مثله أنه يصير ~~قصاصا ولو كان كذلك لحصلت الكتابة مجهولة لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير ~~بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء وذلك غير جائز وجملة ذلك ms2234 أن ~~الإيتاء لو كان فرضا لسقط ثم لا يخلو من أن يكون ذلك القدر معلوما أو ~~مجهولا فإن كان معلوما فالواجب أن تكون الكتابة بما بقي فيعتق إذا أدى ~~ثلاثة آلاف درهم والكتابة أربعة آلاف درهم وذلك فاسد من وجهين أحدهما أنه ~~لا يصح الإشهاد على الكتابة بأربعة آلاف درهم ومع ذلك فلا معنى لذكر شيء لا ~~يثبت وأيضا فإنه يعتق بأقل مما شرط وهذا فاسد لأن أداء جميعها مشروط فلا ~~يعتق بأداء بعضها وأيضا فإن الشافعي قال المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ~~فالواجب إذا أن لا يسقط شيء ولو كان الإيتاء مستحقا لسقط وإن كان الإيتاء ~~مجهولا فالواجب أن يسقط ذلك القدر فتبقى الكتابة على مال مجهول فإن قيل # روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاما له فترك له ربع ~~مكاتبته وقال إن عليا كان يأمرنا بذلك ويقول هو قول الله وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم # وروي عن مجاهد أنه قال تعطيه ربعا من جميع مكاتبته تعجله من مالك قيل له ~~هذا يدل على أنهم لم يروا ذلك # PageV05P182 # واجبا وأنه على وجه الندب لأنه لو كان واجبا عندهم لسقط بعد عقد الكتابة ~~هذا القدر إذ كان المكاتب مستحقا له ولم يكن المولى يحتاج إلى أن يعطيه ~~شيئا فإن قيل قد يجوز أن يجب عليه مال الكتابة مؤجلا ويستحق هو على المولى ~~أن يعطيه من ماله مقدار الربع فلا يصير قصاصا بل يستحق على المولى تعجيله ~~فيكون مال الكتابة إلى أجله كمن له على رجل دين مؤجل فيصير للمدين على ~~الطالب دين حال فلا يصير قصاصا له قيل له إن الله تعالى لم يفرق بين ~~الكتابة الحالة والمؤجلة وكذلك من روي عنه من السلف الحط لم يفرقوا بين ~~الحالة والمؤجلة ولم يفرق أيضا بين أن يحل مال الكتابة المؤجل وبين أن لا ~~يحل فيما ذكروا من الحط والإيتاء فعلمنا أنه لم يرد به الإيجاب إذا لم ~~يجعله قصاصا إذا كانت حالة أو كانت مؤجلة ms2235 فحلت وأوجب الإيتاء في الحالين ~~والإيتاء هو الإعطاء وما يصير قصاصا لا يطلق فيه الإعطاء ومما يدل من جهة ~~السنة على ما وصفنا ما # روى يونس والليث عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت جاءتني بريرة فقالت يا ~~عائشة إني قد كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني ولم تكن ~~قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ~~ذلك جميعا ويكون ولاؤك لي فعلت فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ~~ويكون وولاؤك لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ~~منها ابتاعي وأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق # وذكر الحديث وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بنحوه فلما لم ~~تكن قضت من كتابتها شيئا وأرادت عائشة أن تؤدي عنها كتابتها كلها وذكرته ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير ~~عليها # ولم يقل أنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها أو أن يعطيها المولى شيئا من ~~ماله ثبت أن الحط من الكتابة على الندب لا على الإيجاب لأنه لو كان واجبا ~~لأنكره النبي صلى الله عليه وسلم ولقال لها ولم تدفعي إليهم مالا يجب لهم ~~عليها ويدل عليه أيضا # ما روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة أن ~~جويرية جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني وقعت في سهم ثابت بن ~~قيس بن شماس أولا بن عم له فكاتبته فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أستعينه على كتابتي فقال فهل لك في خير من ذلك فقالت وما هو يا رسول الله ~~فقال أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت نعم قال قد فعلت # ففي هذا الحديث أنه بذل لجويرية أداء جميع كتابتها عنها إلى مولاها ولو ~~كان الحط واجبا لكان الذي يقصد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأداء # PageV05P183 # عنها باقي كتابتها وقد روي عن عمر ms2236 وعثمان والزبير ومن قدمنا قولهم من ~~السلف أنهم لم يكونوا يرون الحط واجبا ولا يرى عن نظرائهم خلافه وما روي عن ~~علي فيه فقد بينا أنه يدل على أنه رآه ندبا لا إيجابا ويدل عليه ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو دواد قال حدثنا محمد بن المثنى قال ~~حدثني عبد الصمد قال حدثنا همام قال حدثنا عباس الجريري عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما عبد كاتب على مائة أوقية ~~فأداها إلا عشر أواق فهو عبد وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا ~~عشرة دنانير فهو عبد # فلو كان الحط واجبا لأسقط عنه بقدره وفي ذلك دلالة على أنه غير مستحق ~~والله أعلم. ### | باب الكتابة الحالة # قال الله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا فاقتضى ذلك جوازها حالة ~~ومؤجلة لإطلاقه ذلك من غير شرط الأجل والاسم يتناولها في حال التعجيل ~~والتأجيل كالبيع والإجارة وسائر العقود فواجب جوازها حالة لعموم اللفظ وقد ~~اختلف الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد تجوز الكتابة ~~الحالة فإن أداها حين طلبها المولى منه وإلا رد في الرق وقال ابن القاسم عن ~~مالك في رجل قال كاتبوا عبدي على ألف ولم يضرب لها أجلا إنها تنجم على ~~المكاتب على قدر ما يرى من كتابة مثله وقدر قوته قال فالكتابة عند الناس ~~منجمة ولا تكون حالة إن أبى ذلك السيد وقال الليث إنما جعل التنجيم على ~~المكاتب رفقا بالمكاتب ولم يجعل ذلك رفقا بالسيد وقال المزني عن الشافعي لا ~~تجوز الكتابة على أقل من نجمين قال أبو بكر قد ذكرنا دلالة الآية على ~~جوازها حالة وأيضا لما كان مال الكتابة بدلا عن الرقبة كان بمنزلة أثمان ~~الأعيان المبيعة فتجوز عاجلة وآجلة وأيضا لا يختلفون في جواز العتق على مال ~~حال فوجب أن تكون الكتابة مثله لأنه يدل على العتق في الحالين إلا أن في ~~أحدهما العتق معلق على شرط الأداء وفي الآخر ms2237 معجل فوجب أن لا يختلف حكمهما ~~في جوازهما على بدل عاجل فإن قيل العبد لا يملك فيحتاج بعد الكتابة إلى مدة ~~يمكنه الكسب فيها فوجب أن لا تجوز إلا مؤجلة إذ كانت تقتضي الأداء ومتى ~~امتنع الأداء لم تصح الكتابة قيل له هذا غلط لأن عقد الكتابة يوجب ثبوت ~~المال في ذمته للمولى ويصير بها المكاتب في يد نفسه ويملك اكتسابه وتصرفه ~~وهو بمنزلة سائر الديون الثابتة في الذمم التي يجوز العقد # PageV05P184 # عليها ولو كانت هذه علة صحيحة لوجب أن لا يجوز العتق على مال حال لأنه لم ~~يكن مالكا لشيء قبل العقد وإن جاز ذلك لأنه يملك في المستقبل بعد العتق ~~فكذلك المكاتب يملك أكسابه بعقد الكتابة ولوجب أيضا أن لا يجوز شرى الفقير ~~لابنه بثمن حال لأنه لا يملك شيئا وأن يعتق عليه إذا ملكه فلا يقدر على ~~الأداء فإن قلت إنه يملك أن يستقرض قلنا في المكاتب مثله. ### | باب الكتابة من غير ذكر الحرية # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك بن أنس إذا كاتبه على ألف درهم ~~ولم يقل إن أديت فأنت حر فهو جائز ويعتق بالأداء وقال المزني عن الشافعي ~~إذا كاتبه على مائة دينار إلى عشر سنين كذا كذا نجما فهو جائز ولا يعتق حتى ~~يقول في الكتابة إذا أديت هذا فأنت حر ويقول بعد ذلك إن قولي قد كاتبتك كان ~~معقودا على أنك إذا أديت فأنت حر قال أبو بكر قوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا يقتضي جوازها من غير شرط الحرية ويتضمن الحرية لأن الله تعالى لم ~~يقل فكاتبوهم على شرط الحرية فدل على أن اللفظ يتضمنها كلفظ الخلع في تضمنه ~~للطلاق ولفظ البيع فيما يتضمن من التمليك والإجارة فيما يقتضيه من تمليك ~~المنافع والنكاح في اقتضائه تمليك منافع البضع ويدل عليه أيضا # حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواقى فهو ms2238 رقيق # فأجاز الكتابة مطلقة على هذا الوجه من غير شرط حرية فيها وإذا صحت ~~الكتابة مطلقة من غير شرط حرية وجب أن يعتق بالأداء لأن صحة الكتابة تقتضي ~~وقوع العتق بالأداء. ### | باب المكاتب متى يعتق # قال أبو بكر حكى أبو جعفر الطحاوي عن بعض أهل العلم أنه حكي عن ابن عباس ~~أن المكاتب يعتق بعقد الكتابة وتكون الكتابة دينا عليه قال أبو جعفر لم نجد ~~لذلك إسنادا ولم يقل به أحد نعلمه قال # وقد روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقي عليه دية عبد # ورواه أيضا يحيى ابن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس وقال ابن عمر وزيد بن ~~ثابت وعائشة وأم سلمة # PageV05P185 # وإحدى الروايتين عن عمر إن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم وروي عن عمر أنه ~~إذا أدى النصف فهو غريم ولا رق عليه وقال ابن مسعود إذا أدى ثلثا أو ربعا ~~فهو غريم وهو قول شريح وروى إبراهيم عن عبد الله أنه إذا أدى قيمة رقبته ~~فهو غريم # قال أبو بكر حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن ~~عبد الله قال حدثنا أبو بدر قال حدثنا سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المكاتب عبد ما بقي عليه من ~~مكاتبته درهم # ومن جهة النظر أن الأداء لما كان مشروطا في العتق وجب أن لا يعتق إلا ~~بأداء الجميع كالعتق المعلق على شرط لا يقع إلا بوجود كمال الشرط ألا ترى ~~أنه إذا قال إذا كلمت فلانا وفلانا فأنت حر أن العتق لا يقع إلا بكلامهما ~~ويدل عليه أنه لما كان مال الكتابة بدلا من العتق لم يخل ذلك من أحد وجهين ~~إما أن يوقع العتق بنفس العقد وذلك خلاف السنة والنظر على ما بينا أو أن ~~يوقعه بعد الأداء فيكون بمنزلة البياعات التي ms2239 لا يستحق تسليمها إلا بأداء ~~جميع الثمن فثبت حين لم يقع بالعقد أنه لا يقع إلا بأداء الجميع واختلفوا ~~في المكاتب إذا مات وترك وفاء # فقال على ابن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن الزبير تؤدى كتابته بعد موته ~~ويعتق # وهو قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد وابن أبي ليلى وابن شبرمة وعثمان ~~البتي والثوري والحسن ابن صالح وقالوا إن فضل شيء فهو ميراث لورثته فإن لم ~~يترك وفاء وترك ولدا وافى كتابته سعوا فيما على أبيهم من النجوم وقال مالك ~~والليث إن ترك ولدا قد دخلوا في كتابته سعوا فيها على النجوم وعتق المكاتب ~~وولده وإن لم يترك من دخل في كتابته فقد مات عبدا لا تؤدى كتابته من ماله ~~وجميع ماله للمولى وقال الشافعي إذا مات وقد بقي عليه درهم فقد مات عبدا لا ~~يلحقه عتق بعد ذلك وروي عن ابن عمر أن جميع ماله لسيده ولا تؤدى منه كتابته ~~قال أبو بكر لا تخلوا الكتابة من أن تكون في معنى الأيمان المعقودة على ~~شروط يبطلها موت المولى أو العبد أيهما كان مثل أن يقول إن دخلت الدار فأنت ~~حر ثم يموت المولى أو العبد فيبطل اليمين ولا يعتق بالشرط أو أن تكون في ~~معنى عقود البياعات التي لا تبطلها الشروط فلما كان موت المولى لا يبطل ~~الكتابة ويعتق بالأداء إلى الورثة وجب أن لا يبطله موت العبد أيضا مادام ~~الأداء ممكنا وهو أن يترك وفاء فتؤدى كتابته من ماله ويحكم بعتقه قبل الموت ~~بلا فصل فإن قيل لا يصح # PageV05P186 # عتق الميت وقد علمنا أنه مات عبدا لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم قيل ~~له إذا مات وترك وفاء فحكمه موقوف مراعى فإن أديت كتابته حكمنا بأنه كان ~~حرا قبل الموت بلا فصل كما أن الميت لا يصح منه إيقاع عتق بعد الموت ثم إذا ~~مات المولى فأدى المكاتب الكتابة حكمنا بعتق موقع من جهة الميت ويكون ~~الولاء له وليس يمتنع في الأصول نظائر ذلك من ms2240 كون الشيء مراعى على معنى متى ~~وجد حكم بوقوعه بحال متقدمة مثل من جرح رجلا فيكون حكم جراحته مراعى فلو ~~مات الجارح ثم مات المجروح من الجراحة حكمنا بأنه كان قاتلا يوم الجراحة مع ~~استحالة وقوع القتل منه بعد موته وكما أن رجلا لو حفر بئرا في طريق ~~المسلمين ثم مات فوقعت فيها دابة لحقه ضمانها وصار بمنزلة جنايته قبل الموت ~~من بعض الوجوه فلو كان ترك عبدا فأعتقه الوارث ثم وقعت فيها دابة ضمن ~~الوارث قيمة العبد وحكمنا في باب الضمان بأن الجناية كانت موجودة يوم الموت ~~ولو أن رجلا مات وترك حملا فوضعته لأقل من سنتين بيوم ورثه وإن كان معلوما ~~أنه كان نطفة وقت موته ولم يكن ولدا ثم قد حكمنا له بحكم الولد حين وضعته ~~ولو أن رجلا مات وترك ابنين وألف درهم وعليه دين ألف درهم أنهما لا يرثانه ~~فإن مات أحد الابنين عن ابن ثم أبرأ الغريم من الدين أخذ ابن الميت منها ~~حصته ميراثا عن أبيه ومعلوم أن الابن لم يكن مالكا له يوم الموت ولكنه جعل ~~في حكم المالك لتقدم سببه كذلك المكاتب يحكم بعتقه عند الأداء قبل الموت ~~بلا فصل ألا ترى أن المقتول خطأ لا تجب ديته إلا بعد الموت وهو لا يملك بعد ~~الموت شيئا فجعلت الدية في حكم ما هو مالكه في باب كونها ميراثا لورثته ~~وأنه يقضى منها دينه وتنفذ منها وصاياه قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال كان عبد الله بن ~~أبي يقول لجاريته اذهبي فابغينا شيئا فأنزل الله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم ~~على البغاء الآية وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ومن يكرههن الآية قال لهن ~~غفور رحيم قال أبو بكر أخبر تعالى أن المكرهة على الزنا مغفور لها ما فعلته ~~على وجه الإكراه كما بين تعالى في آية أخرى أن الإكراه على الكفر يزيل حكمه ~~إذا أظهره المكره عليه بلسانه وإنما ms2241 قال إن أردن تحصنا لو أرادت الزنا ولم ~~ترد التحصن ثم فعلته على ما ظهر من الإكراه وهي مريدة له كانت آثمة بهذه ~~الإرادة وكان حكم الإكراه زائلا عنها في # PageV05P187 # الباطن وإن كان ثابتا في الظاهر وكذلك من أكره على الكفر وهو يأباه في ~~الظاهر إلا أنه فعله مريدا له لا على وجه الإكراه كان كافرا وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن أكره على أن يقول الله ثالث ثلاثة على أن يشتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فخطر بباله أن يقوله على وجه الحكاية # عن الكفار أو أن يعتقد شتم محمد آخر غير النبي صلى الله عليه وسلم فلم ~~يصرف قصده ونيته إلى ذلك واعتقد أن يقوله على الوجه الذي أكره عليه كان ~~كافرا # قوله تعالى الله نور السماوات والأرض روي عن ابن عباس في إحدى الروايتين ~~وعن أنس هادي أهل السموات والأرض وعن ابن عباس أيضا وأبي العالية والحسن ~~منور السموات والأرض بنجومها وشمسها وقمرها وقوله تعالى مثل نوره قال أبي ~~بن كعب والضحاك الضمير عائد على المؤمن في قوله نوره بمعنى مثل النور الذي ~~في قلبه بهداية الله تعالى وقال ابن عباس عائد على اسم الله بمعنى مثل نور ~~الله الذي هدى به المؤمن وعن ابن عباس أيضا مثل نوره وهو طاعته وقال ابن ~~عباس وابن جريح المشكاة الكوة التي لا منفذ لها وقيل إن المشكاة عمود ~~القنديل الذي فيه الفتيلة وهو مثل الكوة وعن أبي بن كعب قال هو مثل ضربه ~~الله تعالى لقلب المؤمن فالمشكاة صدره والمصباح القرآن والزجاجة قلبه قال ~~فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن حكم عدل وإن قال صدق وقال ~~نور على نور فهو ينقلب على خمسة أنوار فكلامه نور وعمله نور ومدخله نور ~~ومخرجه نور ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة وقيل نور على نور أي ~~نور الهدى إلى توحيده على نور الهدى بالقرآن الذي أتى به من عنده وقال زيد ~~بن أسلم نور على نور يضيء بعضه ms2242 بعضا # قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها الآية ~~قيل إن معناه أن المصابيح المقدم ذكرها في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو وقيل توقد في بيوت أذن الله أن ترفع وقال ~~ابن عباس هذه البيوت هي المساجد وكذلك قال الحسن ومجاهد وقال مجاهد أن ترفع ~~معناه ترفع بالبناء كما قال وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وقال أن ~~ترفع أن تعظم يذكره لأنها مواضع الصلوات والذكر وروى ابن أبي مليكة عن ابن ~~عباس أنه سئل عن صلاة الضحى فقال إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا ~~غواص ثم قرأ في بيوت أذن الله أن ترفع قال أبو بكر يجوز أن يكون المراد ~~الأمرين جميعا من رفعها بالبناء ومن تعظيمها جميعا لأنها مبنية لذكر الله ~~والصلاة وهذا # PageV05P188 # يدل على أنه يجب تنزيهها من العقود فيها لأمور الدنيا مثل البيع والشراء ~~وعمل الصناعات ولغو الحديث الذي لا فائدة فيه والسفه وما جرى مجرى ذلك # وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ~~ومجانينكم ورفع أصواتكم وبيعكم وشراكم وإقامة حدودكم وجمروها في جمعكم ~~وضعوا على أبوابها المطاهر # وقوله تعالى يسبح له فيها بالغدو والآصال قال ابن عباس والضحاك يصلى له ~~فيها بالغداة والعشي وقال ابن عباس كل تسبيح في القرآن صلاة # وقوله تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله روي عن الحسن في ~~هذه الآية والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق فإذا حضر حق من حقوق الله ~~بدءوا بحق الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم وعن عطاء قال شهود الصلاة ~~المكتوبة وقال مجاهد عن ذكر الله قال عن مواقيت الصلاة ورأى ابن مسعود ~~أقواما يتجرون فلما حضرت الصلاة قاموا إليها قال هذا من الذين قال الله ~~تعالى فيهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # وقوله تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض فإن ms2243 التسبيح ~~هو التنزيه لله تعالى عمالا يجوز عليه من الصفات فجميع ما خلقه الله منزه ~~له من جهة الدلالة عليه والعقلاء المطيعون ينزهونه من جهة الاعتقاد والوصف ~~له بما يليق به وتنزيهه عما لا يجوز عليه وقوله تعالى كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه يعني صلاة من يصلي منهم فالله يعلمها وقال مجاهد الصلاة للإنسان ~~والتسبيح لكل شيء # وقوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ~~ويصرفه عن من يشاء قيل إن من الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من ~~السماء والثانية للتبعيض لأن البرد بعض الجبال التي في السماء والثالثة ~~لتبيين الجنس إذ كان جنس تلك الجبال جنس البرد # وقوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء قيل إن أصل الخلق من ماء ثم قلب ~~إلى النار فخلق منه الجن ثم إلى الريح فخلقت الملائكة منها ثم إلى الطين ~~فخلق آدم منه وذكر الذي يمشي على رجلين والذي يمشي على أربع ولم يذكر ما ~~يمشي على أكثر من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع في رأي العين فترك ذكره ~~لأن العبرة تكفي بذكر الأربع. ### | باب لزوم الإجابة لمن دعي إلى الحاكم # قال الله تعالى وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون وهذا يدل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاء إلى الحاكم فعليه ~~إجابته والمصير معه إليه لأن قوله # PageV05P189 # تعالى وإذا دعوا إلى الله معناه إلى حكم الله ويدل على أن من أتى الحاكم ~~فادعى على غيره حقا أن على الحاكم أن يعدبه ويحضره ويحول بينه وبين تصرفه ~~وأشغاله # وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم الحربي قال حدثنا عبد ~~الله بن شبيب قال حدثنا أبو بكر ابن شيبة قال حدثنا فليح قال حدثني محمد بن ~~جعفر عن يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن الأغر ~~الجهني قال جئت أستعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل لي عليه شطر ms2244 ~~تمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر اذهب معه فخذ له حقه # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا حسين بن إسحاق التستري قال حدثنا رجاء ~~الحافظ قال حدثنا شاهين قال حدثنا روح بن عطاء عن أبيه عن الحسن عن سمرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم ~~لا حق له # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال حدثنا عبد الرحمن ~~بن صالح قال حدثنا يحيى عن أبي الأشهب عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له # وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا محمد ابن بشر أخو خطاب قال حدثنا محمد بن ~~عباد قال حدثنا حاتم عن عبد الله بن محمد بن سجل عن أبيه عن أبي حدرد قال ~~كان ليهودي علي أربعة دراهم فاستعدى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها فقال أعطه حقه قلت والذي بعثك ~~بالحق نبيا ما أصبحت أقدر عليها قال أعطه حقه فأعدت عليه فقال أعطه حقه ~~فخرجت معه السوق فكانت على رأسي عمامة وعلي بردة متزر بها فاتزرت بالعمامة ~~وقال اشتر البرد فاشتراه بأربعة دراهم # فهذه الأخبار مواطئة لما دلت عليه الآية # وقوله تعالى إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ~~أن يقولوا سمعنا وأطعنا تأكيد لما تقدم ذكره من وجوب الإجابة إلى الحكم إذا ~~دعوا إليه وجعل ذلك من صفات المؤمنين ودل على أن من دعي إلى ذلك فعليه ~~الإجابة بالقول بديا بأن يقول سمعنا وأطعنا ثم يصير معه إلى الحاكم # وقوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا ~~طاعة معروفة # روي عن مجاهد قال هذه طاعة معروفة منكم بالقول لا بالاعتقاد يخبر عن ~~كذبهم فيما أقسموا عليه وقيل إن المعنى طاعة وقول معروف أمثل من ms2245 هذا القسم # وقوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض فيه الدلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قصر ذلك على ~~قوم بأعيانهم بقوله # PageV05P190 # منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض فوجد مخبره على ما أخبر به ~~فيهم وفيه الدلالة على صحة إمامة الخلفاء الأربعة أيضا لأن الله استخلفهم ~~في الأرض ومكن لهم كما جاء الوعد ولا يدخل فيهم معاوية لأنه لم يكن مؤمنا ~~في ذلك الوقت. ### | باب استئذان المماليك والصبيان # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين ~~لم يبلغوا الحلم منكم الآية وروى ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر ~~وسفيان عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قالا ~~هو في النساء خاصة وفي الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار قال أبو ~~بكر أنكر بعضهم هذا التأويل قال لأن النساء لا يطلق فيهن الذين إذا انفردن ~~وإنما يقال اللاتي كما قال تعالى واللائي يئسن من المحيض قال أبو بكر هذا ~~يجوز إذا عبر بلفظ المماليك كما أن النساء إذا عبر عنهن بالأشخاص وكذلك ~~جائز أن تذكر الإناث إذا عبرت عنهن بلفظ المماليك دون النساء ودون الإماء ~~لأن التذكير والتأنيث يتبعان اللفظ كما تقول ثلاث ملاحف فإذا عبرت بالأزر ~~ذكرت فقلت ثلاثة أزر فالظاهر أن المراد الذكور والإناث من المماليك وليس ~~العبيد لأن العبيد مأمورين بالاستئذان في كل وقت ما يوجب الاقتصار بالأمر ~~في العورات الثلاث على الإماء دونهم إذ كانوا مأمورين في سائر الأوقات ففي ~~هذه الأوقات الثلاثة أولى أن يكونوا مأمورون به حدثنا محمد بن بكر قال ~~حدثنا أبو داود قال حدثنا ابن السرح والصباح بن سفيان وابن عبدة وهذا حديثه ~~قال أخبرنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال سمعته يقول لم ~~يأمر بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي وحدثنا ~~محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي ms2246 قال حدثنا عبد العزيز بن ~~محمد عن عمر وبن أبى عمر وعن عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا يا ابن ~~عباس كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد قول ~~الله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات الآية إلى قوله عليم حكيم قال ابن عباس إن ~~الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستر ولا حجاب ~~فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل على الرجل وأهله فأمرهم الله ~~بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم # PageV05P191 # الله بالستور والخير فلم أر أحد يعمل بذلك بعد. قال أبو بكر وفي بعض ~~ألفاظ حديث ابن عباس هذا وهو حديث سليمان بن بلال عن عمرو بن أبى عمر وفلما ~~أتى الله بالخير واتخذوا الستور والحجاب رأى الناس أن ذلك قد كفاهم من ~~الاستئذان الذي أمروا به فأخبر ابن عباس أن الأمر بالاستئذان في هذه الآية ~~كان متعلقا بسبب فلما زال السبب زال الحكم وهذا يدل على أنه لم ير الآية ~~منسوخة وأن مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم وقال الشعبي أيضا إنها ليست ~~بمنسوخة وهذا نحو ما فرض الله تعالى من الميراث بالموالاة بقوله تعالى ~~والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم فكانوا يتوارثون بذلك فلما أوجب التوارث ~~بالنسب جعل ذوي الأنساب أولى من مولى الموالاة ومتى فقد النسب عاد ميراث ~~المعاقدة والولاء وقال جابر بن زيد في قوله ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ~~والذين لم يبلغوا الحلم منكم أبناءهم الذين عقلوا ولم يبلغوا الحلم من ~~الغلمان والجواري يستأذنون على آبائهم قبل صلاة الفجر وحين يقيلون ويخلون ~~وبعد صلاة العشاء وهي العتمة فإذا بلغوا الحلم استأذنوا كما استأذن الذين ~~من قبلهم إخوانهم إذا كانوا رجالا ونساء لا يدخلون على آبائهم إلا بإذن ~~ساعة يدخلون أي ساعة كانت وروى ابن جريج عن مجاهد ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم قال عبيدكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات قال من أحراركم ms2247 ~~وروي عن عطاء مثله وأنكر بعضهم هذا التأويل لأن العبد البالغ بمنزلة الحر ~~البالغ في تحريم النظر إلى مولاته فكيف يجمع إلى الصبيان الذين هم غير ~~مكلفين قال فالأظهر أن يكون المراد العبيد الصغار والإماء وصغارنا الذين لم ~~يبلغوا الحلم وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ليستأذنكم الذين لم يبلغوا ~~الحلم مما ملكت أيمانكم وقال سعيد ابن جبير والشعبي هذا مما تهاون به الناس ~~وما نسخت وقال أبو قلابة ليس بواجب وهو كقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم ~~وقال القاسم بن محمد يستأذن عند كل عورة ثم هو طواف بعدها يعني أنه يستأذن ~~عند أوقات الخلوة والتفضل في الثياب وطرحها وهو طواف بعدها لأنها أوقات ~~الستر ولا يستطيع الخادم والغلام # والصبي الامتناع من الدخول كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة إنها من الطوافين عليكم # والطوافات يعني أنه لا يستطاع الامتناع منها وروي أن رجلا قال لعمر ~~أستأذن على أمي قال نعم وكذلك قال ابن عباس وابن مسعود. # PageV05P192 # (فصل) قوله تعالى والذين لم يبلغوا الحلم منكم يدل على بطلان قول من جعل ~~حد البلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم قبل ذلك لأن الله تعالى لم يفرق بين ~~من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة رفع القلم عن ثلاثة ~~عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم # ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها وأما # حديث ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع ~~عشرة سنة فلم يجز وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه # فإنه مضطرب لأن الخندق كان في سنة خمس وأحد في سنة ثلاث فكيف يكون بينهما ~~سنة ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد ~~البالغ لضعفه ويجاز غير البالغ لقوته على القتال ms2248 وطاقته لحمل السلاح كما ~~أجاز رافع بن خديج ورد سمرة بن جندب فلما قيل له إنه يصرعه أمر هما فتصارعا ~~فصرعه سمرة فأجازه ولم يسأله عن سنه وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يسأل ابن عمر عن مبلغ سنه في الأول ولا في الثاني وإنما اعتبر حاله في قوته ~~وضعفه فاعتبار السن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجازه في وقت ورده في وقت ~~ساقط وقد اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ~~ولم يحتلم فقال أبو حنيفة لا يكون الغلام بالغا حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ~~ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي في ~~الغلام والجارية خمس عشرة سنة وذهبوا فيه إلى حديث ابن عمر وقد بينا أنه لا ~~دلالة فيه على أنها حد البلوغ ويدل عليه أنه لم يسئله عن الاحتلام ولا عن ~~السن ولما ثبت بما وصفنا أن الخمس عشرة ليست ببلوغ وظاهر قوله والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ينفي أيضا أن تكون الخمس عشرة بلوغا على الحد الذي بينا ~~صار طريق إثبات حد البلوغ بعد ذلك الاجتهاد لأنه حد بين الصغر والكبر الذين ~~قد عرفنا طريقهما وهو واسطة بينهما فكان طريقه الاجتهاد وليس يتوجه على ~~القائل بما وصفنا سؤال كالمجتهد في تقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي ~~لا توقيف في مقاديرها ومهور الأمثال ونحوها فإن قيل فلا بد من أن يكون ~~اعتباره لهذا المقدار دون غيره لضرب من الترجيح على غيره يوجب تغليب ذلك في ~~رأيه دون ما عداه من المقادير قيل له قد علمنا أن العادة في البلوغ خمس ~~عشرة سنة وكل ما كان طريقه العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه وقد ~~وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة وقد بينا «13- أحكام مس» # PageV05P193 # أن الزيادة على المعتاد من الخمس عشرة جائزة كالنقصان عنه فجعل أبو حنيفة ~~الزيادة على المعتاد كالنقصان عنه وهي ثلاث سنين كما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما جعل المعتاد ms2249 من حيض النساء ستا أو سبعا # بقوله لحمنة بنت جحش تحيضين في علم الله ستا أو سبعا كما تحيض النساء في ~~كل شهر # اقتضى ذلك أن يكون العادة ستا ونصفا لأنه جعل السابع مشكوكا فيه بقوله ~~ستا أو سبعا ثم قد ثبت عندنا أن النقصان عن المعتاد ثلاث ونصف لأن أقل ~~الحيض عندنا ثلاث وأكثره عشرة فكانت الزيادة على المعتاد بإزاء النقصان منه ~~وجب أن يكون كذلك اعتبار الزيادة على المعتاد فيما وصفنا وقد حكي عن أبي ~~حنيفة تسع عشرة سنة للغلام وهو محمول على استكمال ثماني عشرة والدخول في ~~التاسع عشرة واختلف في الإنبات هل يكون بلوغا فلم يجعله أصحابنا بلوغا ~~والشافعي يجعله بلوغا وظاهر قوله والذين لم يبلغوا الحلم منكم ينفى أن يكون ~~الإنبات بلوغا إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة بلوغا وكذلك # قوله صلى الله عليه وسلم وعن الصبي حتى يحتلم # وهذا خبر منقول من طريق الاستفاضة قد استعمله السلف والخلف في رفع حكم ~~القلم عن المجنون والنائم والصبي واحتج من جعله بلوغا # بحديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بقتل من أنبت من بني قريظة واستحيا من لم ينبت قال فنظروا إلي فلم أكن أنبت ~~فاستبقاني # وهذا حديث لا يجوز إثبات الشرع بمثله إذ كان عطية هذا مجهولا لا يعرف إلا ~~من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية والخبر في نفي البلوغ إلا ~~بالاحتلام ومع ذلك فهو مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه ~~المواسي وفي بعضها من اخضر أزره ومعلوم أن لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم ~~بلوغه ولا يكون قد جرت عليه المواسي إلا وهو رجل كبير فجعل الإنبات وجري ~~المواسي عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا في السن وهي ثماني عشرة وأكثر ~~وروي عن عقبة بن عامر وأبي بصرة الغفاري أنهما قسما في الغنيمة لمن نبت ~~وهذا لا دلالة فيه على أنهما رأيا الإنبات بلوغا لأن ms2250 القسمة جائزة للصبيان ~~على وجه الرضخ وقد روي عن قوم من السلف شيء في اعتبار طول الإنسان ولم يأخذ ~~به أحد من الفقهاء وروى محمد بن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق ~~فأمره فشبر فنقص أنملة فخلى عنه # وروى قتادة عن خلاس عن علي قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه ~~الحدود ويقتص له ويقتص منه وإذا استعانه رجل بغير إذن أهله لم يبلغ خمسة ~~أشبار # PageV05P194 # فهو ضامن # وروى ابن جريج عن ابن أبي مليكة أن ابن الزبير أتى بوصيف لعمر بن أبي ~~ربيعة قد سرق فقطعه ثم حدث أن عمر كتب إليه في غلام من أهل العراق فكتب ~~إليه أن اشبره فشبره فنقص أنملة فسمي نميلة قال أبو بكر وهذه أقاويل شاذة ~~بأسانيد ضعيفة تبعد أن تكون من أقاويل السلف إذ الطول والقصر لا يدلان على ~~بلوغ ولا نفيه لأنه قد يكون قصيرا وله عشرون سنة وقد يكون طويلا ولم يبلغ ~~خمس عشرة سنة ولم يحتلم وقوله والذين لم يبلغوا الحلم منكم يدل على أن من ~~لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح وإن لم يكن من ~~أهل التكليف على جهة التعليم كما أمرهم الله تعالى بالاستئذان في هذه ~~الأوقات # وقد روي عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الغلام سبع سنين فمروه بالصلاة وإذا ~~بلغ عشرا فاضربوه عليها # وروى عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا ~~بينهم في المضاجع # وعن ابن مسعود قال حافظوا على أبنائكم في الصلاة وروى نافع عن ابن عمر ~~قال يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله # وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان علي بن الحسين ~~يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر ms2251 جميعا والمغرب والعشاء جميعا فيقال له ~~يصلون الصلاة لغير وقتها فيقول هذا خير من أن يتناهوا عنها # وروى هشام بن عروة أنه كان يأمر بنيه بالصلاة إذا عقلوها وبالصوم إذا ~~طاقوه وروى أبو إسحاق عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود قال إذا بلغ الصبي ~~عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم قال أبو بكر ~~إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد ~~البلوغ وأقل نفورا منه وكذلك يجنب شرب الخمر وأكل لحم الخنزير وينهى عن ~~سائر المحظورات لأنه لو لم يؤمر بذلك في الصغر وخلي وسائر شهواته وما يؤثره ~~ويختاره يصعب عليه بعد البلوغ الإقلاع عنه وقال الله تعالى قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا روي في التفسير أدبوهم وعلموهم وكما ينهى عن اعتقاد الكفر ~~والشرك وإظهاره وإن لم يكن مكلفا كذلك حكم الشرائع # وقوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم الآية يعني أن الأطفال إذا ~~بلغوا الحلم فعليهم الاستئذان في سائر الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم ~~وهم المذكورون في قوله تعالى لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها وفيه # PageV05P195 # دلالة على أن الاحتلام بلوغ وقوله ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض يعني بعد هذه العورات الثلاث جائز للإماء والذين لم ~~يبلغوا الحلم أن يدخلوا بغير استئذان إذ كانت الأوقات الثلاث هي حال التكشف ~~والخلوة وما بعدها حال الستر والتأهب لدخول هؤلاء الذين يشق عليهم ~~الاستئذان في كل وقت لكثرة دخولهم وخروجهم وهو معنى طوافون عليكم بعضكم على ~~بعض. ### | في اسم صلاة العشاء # قوله تعالى ومن بعد صلاة العشاء # روى عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ~~تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن الله تعالى قال ومن بعد صلاة العشاء # وإن الأعراب يسمونها العتمة وإنما العتمة عتمة الإبل للحلاب # وقوله تعالى والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا الآية قال ابن ~~مسعود ومجاهد والقواعد اللاتي لا ms2252 يرجون نكاحا هن اللاتي لا يردنه وثيابهن ~~جلابيبهن وقال إبراهيم وابن جبير الرداء وقال الحسن الجلباب والمنطق وعن ~~جابر بن زيد يضعن الخمار والرداء قال أبو بكر لا خلاف في أن شعر العجوز ~~عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليه كشعر الشابة وأنها إن صلت مكشوفة الرأس ~~كانت كالشابة في فساد صلاتها فغير جائز أن يكون المراد وضع الخمار بحضرة ~~الأجنبي فإن قيل إنما أباح الله تعالى لها بهذه الآية أن تضع خمارها في ~~الخلوة بحيث لا يراها أحد قيل له فإذا لا معنى لتخصيص القواعد بذلك إذ كان ~~للشابة أن تفعل ذلك في خلوة وفي ذلك دليل على أنه إنما أباح للعجوز وضع ~~ردائها بين يدي الرجال بعد أن تكون مغطاة الرأس وأباح لها بذلك كشف وجهها ~~ويدها لأنها لا تشتهى وقال تعالى وأن يستعففن خير لهن فأباح لها وضع ~~الجلباب وأخبر أن الاستعفاف بأن لا تضع ثيابها أيضا بين يدي الرجال خير لها # وقوله تعالى ليس على الأعمى حرج الآية قال أبو بكر قد اختلف السلف في ~~تأويله وسبب نزوله فحدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال حدثنا جعفر بن محمد ~~ابن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن ~~صالح عن على ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج قال لما نزلت ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل قال المسلمون إن الله تعالى قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا ~~بالباطل # PageV05P196 # وإن الطعام من أفضل أموالنا ولا يحل لأحد أن يأكل عند أحد فكف الناس عن ~~ذلك فأنزل الله تعالى ليس على الأعمى حرج الآية فهذا أحد التأويلات وحدثنا ~~جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ~~ابن جريج عن مجاهد في هذه الآية قال كان رجال زمنى وعميان وعرجان وأولو ~~حاجة يستتبعهم رجال إلى بيوتهم فإن لم يجدوا لهم طعاما ذهبوا بهم ms2253 إلى بيوت ~~آبائهم ومن معهم فكره المستتبعون ذلك فنزلت لا جناح عليكم الآية وأحل لهم ~~الطعام حيث وجدوه من ذلك فهذا تأويل ثان وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا ~~جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا ابن مهدي عن ابن ~~المبارك عن معمر قال قلت للزهري ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هاهنا ~~فقال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن المسلمين كانوا إذا غزوا ~~خلفوا زمناهم في بيوتهم ودفعوا إليهم المفاتيح وقالوا قد أحللنا لكم أن ~~تأكلوا منها فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وهم غيب فنزلت هذه ~~الآية رخصة لهم فهذا تأويل ثالث وروي فيه تأويل رابع وهو ما روى سفيان عن ~~قيس بن مسلم عن مقسم قال كانوا يمتنعون أن يأكلوا مع الأعمى والمريض ~~والأعرج لأنه لا ينال ما ينال الصحيح فنزلت هذه الآية وقد أنكر بعض أهل ~~العلم هذا التأويل لأنه لم يقل ليس عليكم حرج في مؤاكلة الأعمى وإنما أزال ~~الحرج عن الأعمى ومن ذكر معه في الأكل فهذا في الأعمى إذا أكل من مال غيره ~~على أحد الوجوه المذكورة عن السلف وإن كان تأويل مقسم محتملا على بعد في ~~الكلام وتأويل ابن عباس ظاهره لأن قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولم يكن هذا تجارة وامتنعوا من ~~الأكل فأنزل الله إباحة ذلك وأما تأويل مجاهد فهو سائغ من وجهين أحدهما أنه ~~قد كانت العادة عندهم بذل الطعام لأقربائهم ومن معهم فكان جريان العادة به ~~كالنطق به فأباح الله للأعمى ومن ذكر معه إذا استتبعوا أن يأكلوا من بيوت ~~من اتبعوهم وبيوت آبائهم والثاني أن ذلك فيمن كان به ضرورة إلى الطعام وقد ~~كانت الضيافة واجبة في ذلك الزمان لأمثالهم فكان ذلك القدر مستحقا من ما ~~لهم لهؤلاء فلذلك أبيح لهم أن يأكلوا منه مقدار الحاجة بغير إن وقال قتادة ~~إن أكلت من بيت صديقك بغير إذنه فلا بأس لقوله ms2254 أو صديقكم وروي أن أعرابيا ~~دخل على الحسن فرأى سفرة معلقة فأخذها وجعل يأكل منها فبكى # PageV05P197 # الحسن فقيل له ما يبكيك فقال ذكرت بما صنع هذا إخوانا لي مضوا يعني أنهم ~~كانوا ينبسطون في مثل ذلك ولا يستأذنون وهذا أيضا على ما كانت العادة قد ~~جرت به منهم في مثله وقوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم يعني ~~والله أعلم من البيوت التي هم سكانها وهم عيال غيرهم فيها مثل أهل الرجل ~~وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله فيأكل من بيته ونسبها إليهم لأنهم ~~سكانها وإن كانوا في عيال غيرهم وهو صاحب المنزل لأنه لا يجوز أن يكون ~~المراد الإباحة للرجل أن يأكل من مال نفسه إذ كان ظاهر الخطاب وابتداؤه في ~~إباحة الأكل للإنسان من مال غيره وقال الله أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ~~أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم فأباح الأكل من بيوت هؤلاء الأقرباء ذوي ~~المحارم بجريان العادة ببذل الطعام لأمثالهم وفقد التمانع في أمثاله ولم ~~يذكر الأكل في بيوت الأولاد لأن قوله تعالى ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم قد أفاده لأن مال الرجل منسوب إلى أبيه # قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك # وقال إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب ~~أولادكم # فاكتفى بذكر بيوت أنفسكم عن ذكر بيوت الأولاد إذ كانت منسوبة إلى الآباء ~~وقوله تعالى أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن ~~عباس أو ما ملكتم مفاتحه قال هو الرجل يؤكل الرجل بصنعته يرخص له أن يأكل ~~من ذلك الطعام والثمر ويشرب من ذلك اللبن وعن عكرمة في قوله أو ما ملكتم ~~مفاتحه قال إذا ملك المفتاح فهو جائز ولا بأس أن يطعم الشيء اليسير وروى ~~سعيد عن قتادة في قوله ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج قال كان ~~الرجل لا يضيف أحدا ولا يأكل من بيت غيره تأثما من ذلك ms2255 وكان أول من رخص ~~الله له في ذلك ثم رخص للناس عامة فقال ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم- إلى قوله- أو ما ملكتم مفاتحه مما عندك يا ابن آدم أو صديقكم ولو ~~دخلت على صديق فأكلت من طعامه بغير إذنه كان ذلك حلالا قال أبو بكر وهذا ~~أيضا مبني على ما جرت العادة بالإذن فيه فيكون المعتاد من ذلك كالمنطوق به ~~وهو مثل ما تتصدق به المرأة من بيت زوجها بالكسرة ونحوها من غير استئذانها ~~إياه لأنه متعارف أنهم لا يمنعون من مثله كالعبد المأذون والمكاتب يدعوان ~~إلى طعامهما ويتصدقان باليسير مما في أيديهما فيجوز بغير إذن المولى وقوله ~~أو صديقكم # PageV05P198 # روى الأعمش عن نافع عن ابن عمر قال لقد رأيتني وما الرجل المسلم بأحق ~~بديناره ودرهمه من أخيه المسلم وروى عبد الله الرصافي عن محمد بن علي قال ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرى أحدهم أنه أحق بالدينار ~~والدرهم من أخيه وروى إسحاق بن كثير قال حدثنا الرصافي قال كنا عند أبي ~~جعفر يوما فقال هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ ماله قلنا لا ~~قال ما أنتم بإخوان قال أبو بكر قد دلت هذه الآية على أن من سرق من ذي رحم ~~محرم أنه لا يقطع لإباحة الله لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها من ~~غير إذنهم فلا يكون ماله محرزا منهم فإن قيل فينبغي أن لا يقطع إذا سرق من ~~صديقه لأن في الآية إباحة الأكل من طعامه قيل له من أراد سرقة ماله لا يكون ~~صديقا له وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ~~حتى تستأنسوا # وبقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # قال أبو بكر ليس في ذلك ما يوجب نسخه لأن هذه الآية فيمن ذكر فيها وقوله ~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم في سائر الناس غيرهم وكذلك # قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل ms2256 مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا روى سعيد عن قتادة ~~قال كان هذا الحي من كنانة بني خزيمة يرى أحدهم أنه محرم عليه أن لا يأكل ~~وحده في الجاهلية حتى أن الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد من ~~يؤاكله ويشاربه فأنزل الله ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا # وروى الوليد بن مسلم قال حدثنا وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي أن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إنا نأكل ولا نشبع قال فلعلكم تفترقون ~~قالوا نعم قال فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه # وقال ابن عباس جميعا أو أشتاتا المعنى يأكل مع الفقير في بيته وقال أبو ~~صالح كان إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا إلا معه وقيل إن الرجل كان يخاف ~~إن أكل مع غيره أن يزيد أكله على أكل صاحبه فامتنعوا لأجل ذلك من الاجتماع ~~على الطعام قال أبو بكر هذا تأويل محتمل وقد دل على هذا المعنى قوله ~~ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم فأباح لهم أن ~~يخلطوا طعام اليتيم بطعامهم فيأكلوه جميعا ونحوه قوله فابعثوا أحدكم بورقكم ~~هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه فكان الورق لهم ~~جميعا والطعام بينهم فاستجازوا أكله فكذلك قوله ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا يجوز أن يكون # PageV05P199 # مراده أن يأكلوا جميعا طعاما بينهم وهي المناهدة التي يفعلها الناس في ~~الأسفار وقوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية روى معمر عن ~~الحسن فسلموا على أنفسكم يسلم بعضكم على بعض كقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم ~~وروى معمر عن عمرو ابن دينار عن ابن عباس قال هو المسجد إذا دخلته فقل ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقال نافع عن ابن عمر أنه كان إذا ~~دخل بيتا ليس فيه أحد قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا كان ~~فيه ms2257 أحد قال السلام عليكم وإذا دخل المسجد قال بسم الله السلام على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال الزهري فسلموا على أنفسكم إذا دخلت بيتك فسلم ~~على أهلك فهم أحق من سلمت عليه وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين فإنه كان يأمر بذلك حدثنا أن الملائكة ترد عليه ~~قال أبو بكر لما كان اللفظ محتملا لسائر الوجوه تأوله السلف عليها وجب أن ~~يكون الجميع مرادا بعموم اللفظ وقوله تعالى تحية من عند الله مباركة طيبة ~~يعني أن السلام تحية من الله لأن الله أمر به وهي مباركة طيبة لأنه دعاء ~~بالسلام فيبقى أثره ومنفعته وفيه الدلالة على أن قوله وإذا حييتم بتحية ~~فحيوا بأحسن منها أو ردوها قد أريد به السلام # وقوله تعالى وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه قال ~~الحسن وسعيد بن جبير في الجهاد وقال عطاء في كل أمر جامع وقال مكحول في ~~الجمعة والقتال وقال الزهري الجمعة وقال قتادة كل أمر هو طاعة لله قال أبو ~~بكر هو في جميع ذلك لعموم اللفظ وقال سعيد عن قتادة إذا كانوا معه على أمر ~~جامع الآية قال كان الله أنزل قبل ذلك في سورة براءة عفا الله عنك لم أذنت ~~لهم فرخص له في هذه السورة فأذن لمن شئت منهم فنسخت هذه الآية التي في سورة ~~براءة وقد قيل إنه لا معنى للاستئذان للمحدث في الجمعة لأنه لا وجه لمقامه ~~ولا يجوز للإمام منعه فلا معنى للاستئذان فيه وإنما هو فيما يحتاج الإمام ~~فيه إلى معونتهم في القتال أو الرأي # وقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا روي عن ابن ~~عباس قال يعني احذروا إذا أسخطتموه دعاءه عليكم فإن دعاءه مجاب ليس كدعاء ~~غيره وقال مجاهد وقتادة ادعوه بالخضوع والتعظيم نحو يا رسول الله يا نبي ~~الله ولا تقولوا يا محمد كما يقول بعضكم لبعض قال أبو بكر هو على الأمرين ~~جميعا لاحتمال اللفظ ms2258 لهما وقوله تعالى قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا يعني به المنافقين الذين كانوا # PageV05P200 # ينصرفون عن أمر جامع من غير استئذان يلوذ بعضهم ببعض ويستتر به لئلا يراه ~~النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # معناه فليحذر الذين يخالفون أمره ودخل عليه حرف الجر لجواز ذلك في اللغة ~~كقوله فبما نقضهم ميثاقهم معناه فبما نقضهم ميثاقهم والهاء في أمره يحتمل ~~أن يكون ضميرا للنبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون ضميرا لله تعالى ~~والأظهر أنها لله لأنه يليه وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما ~~تقدمها وفيه دلالة على أن أوامر الله على الوجوب لأنه ألزم للوم والعقاب ~~يخالفه الأمر وذلك يكون على وجهين أحدهما أن لا يقبله فيخالفه بالرد له ~~والثاني أن لا يفعل المأمور به وإن كان مقرا بوجوبه عليه ومعتقدا للزومه ~~فهو على الأمرين جميعا ومن قصره على أحد الوجهين دون الآخر خصه بغير دلالة ~~ومن الناس من يحتج به في أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب ~~وذلك أنه جعل الضمير في أمره للنبي صلى الله عليه وسلم وفعله يسمى أمره كما ~~قال تعالى وما أمر فرعون برشيد يعني أفعاله وأقواله وهذا ليس كذلك عندنا ~~لأن اسم الله تعالى فيه بعد اسم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا وهو الذي تليه الكناية فينبغي أن يكون راجعا ~~إليه دون غيره آخر سورة النور. ### | سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل وأنزلنا من السماء ماء طهورا الطهور على وجه المبالغة في ~~الوصف له بالطهارة وتطهير غيره فهو طاهر مطهر كما يقال رجل ضروب وقتول أي ~~يضرب ويقتل وهو مبالغة في الوصف له بذلك والوضوء يسمى طهورا لأنه طهر من ~~الحدث المانع من الصلاة # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور # أي بما يطهر # وقال النبي ms2259 صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا # فسماه طهورا من حيث استباح به الصلاة وقام مقام الماء فيه وقد اختلف في ~~حكم الماء على ثلاثة أنحاء أحدها إذا خالط الماء غيره من الأشياء الطاهرة ~~والثاني إذا خالطته نجاسة والثالث الماء المستعمل فقال أصحابنا إذا لم ~~تخالطه نجاسة ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم الماء لأجل الغلبة ولم ~~يستعمل لطهارة البدن فالوضوء به جائز فإن غلب عليه غيره حتى يزيل عنه اسم ~~الماء مثل المرق وماء الباقلاء والخل ونحوه فإن الوضوء به غير جائز وما طبخ ~~بالماء ليكون أنقى له نحو الأشنان والصابون فالوضوء به # PageV05P201 # جائز إلا أن يكون مثل السويق المخلوط فلا يجزي وكذلك إن وقع فيه زعفران ~~أو شيء مما يصبغ بصبغه وغير لونه فالوضوء به جائز لأجل غلبة الماء وقال ~~مالك لا يتوضأ بالماء الذي يبل فيه الخبز وقال الحسن بن صالح إذا توضأ ~~بزردج أو نشاستج أو بخل أجزأه وكذلك كل شيء غير لونه وقال الشافعي إذا بل ~~فيه خبزا وغير ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما خالطه ~~وخرج منه فلا يجوز التطهر به وكذلك الماء الذي غلب عليه الزعفران أو ~~الأشنان وكثير من أصحابه يشرط فيه أن يكون بعض الغسل بغير الماء قال أبو ~~بكر الأصل فيه قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق إلى قوله فلم ~~تجدوا ماء فيه الدلالة من وجهين على قولنا أحدهما أن قوله فاغسلوا عموم في ~~سائر المائعات بجواز إطلاق اسم الغسل فيها والثاني قوله تعالى فلم تجدوا ~~ماء ولا يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا فيه ماء وإن خالطه غيره وإنما ~~أباح الله تعالى التيمم عند عدم كل جزء من ماء لأن قوله ماء اسم منكر ~~يتناول كل جزء منه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته # وظاهره يقتضي جواز الطهارة به وإن خالطه غيره لإطلاق النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك فيه ms2260 وأباح الوضوء بسؤر الهرة وسؤر الحائض وإن خالطهما شيء من ~~لعابهما وأيضا لا خلاف في جواز الوضوء بماء المد والسيل مع تغير لونه ~~بمخالطة الطين له وما يكون في الصحارى من الحشيش والنبات ومن أجل مخالطة ~~ذلك له يرى متغيرا إلى السواد تارة وإلى الحمرة والصفرة أخرى فصار ذلك أصلا ~~في جميع ما خالطه الماء إذا لم يغلب عليه فيسلبه اسم الماء فإن قيل إذا كان ~~الماء المنفرد عن غيره لو استعمله للطهارة ولم يكفه ثم اختلط به غيره فكفاه ~~بالذي خالطه نحو ماء الورد والزعفران فقد حصل بعض وضوئه بما لا تجوز ~~الطهارة به مما لو أفرده لم يطهر فلا فرق بين اختلاطه بالماء وبين إفراده ~~بالغسل قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن ما خالطه من هذه الأشياء الطاهرة ~~التي يجوز استعماله لغير الطهارة إذا كان قليلا سقط حكمه وكان الحكم لما ~~غلب ألا ترى أن اللبن الذي خالطه ماء يسير لا يزول عنه اسم اللبن وأن من ~~شرب من حب قد وقعت فيه قطرة من خمر لا يقال له شارب خمر ولم يجب عليه الحد ~~لأن ذلك الجزء قد صار مستهلكا فيه فسقط حكمه كذلك الماء إذا كان هو الغالب ~~والجزء الذي خالطه إذا كان يسيرا سقط حكمه ومن جهة أخرى أنه إن كانت العلة ~~ما ذكرت فينبغي أن يجوز # PageV05P202 # إذا كان الماء الذي استعمله لو انفرد عما خالطه كان كافيا لطهارته إذ لا ~~فرق بين انفراد الماء في الاستعمال وبين اختلاطه بما لا يوجب تنجيسه فإذا ~~كان لو استعمل الماء منفردا عما خالطه من اللبن وماء الورد ونحوه وكان ~~طهورا وجب أن يكون ذلك حكمه إذا خالطه غيره لأن مخالطة غيره له لا تخرجه من ~~أن يكون مستعملا للماء المفروض به الطهارة فهذا الذي ذكرته يدل على بطلان ~~قولك وهدم أصلك وأيضا فينبغي أن تجيزه إذ أكثر غسل أعضائه بذلك الماء لأنه ~~قد استعمل من الماء في أعضاء الوضوء ما لو انفرد نفسه كان كافيا ms2261 فإن قيل ~~قال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا فجعل الماء المنزل من السماء ~~طهورا فإذا خالطه غيره فليس هو المنزل من السماء بعينه فلا يكون طهورا قيل ~~له مخالطة غيره له لا تخرجه من أن يكون الماء هو المنزل من السماء ألا ترى ~~أن اختلاط الطين بماء السيل لم يخرجه من أن يكون الماء الذي فيه هو المنزل ~~بعينه وإن لم يكن وقت نزوله من السماء مخالطا للطين وكذلك ماء البحر لم ~~ينزل من السماء على هذه الهيئة والوضوء به جائز لأن الغالب عليه هو الماء ~~المنزل من السماء فهو إذا مع اختلاط غيره به متطهر بالماء الذي أنزله الله ~~من السماء وسماه طهورا فإن قيل فيجب على هذا جواز الوضوء بالماء الذي ~~خالطته نجاسة يسيرة لأنه لم يخرج بمخالطة النجاسة إياه من أن يكون هذا ~~الماء هو المنزل من السماء قيل له الماء المخالط للنجاسة هو باق بحاله لم ~~يصر نجس العين فلو لم يكن هناك إلا مخالطة غيره له لما منعنا الوضوء به ~~ولكنا منعنا الطهارة به مع كونه ماء منزلا من السماء من قبل أنه لا نصل إلى ~~استعماله إلا باستعمال جزء من النجاسة واستعمال النجاسة محظور فإنما منعنا ~~استعمال النجاسة وليس بمحظور علينا استعمال الأشياء الطاهرة وإن خالطت ~~الماء فإذا حصل معه استعمال الماء للطهارة جاز كمن توضأ بماء القراح ثم مسح ~~وجهه بماء الورد أو بماء الزعفران فلا يبطل ذلك طهارته وقد أجاز الشافعى ~~الوضوء بما ألقى فيه كافور وعنبر وهو بوجد منه ريحه وبما خالطه ورد يسير ~~وإن وقع مثله من النجاسة في أقل من قلتين لم يجز استعماله فليس قياس ~~النجاسة قياس الأشياء الطاهرة إذا خالطت الماء فإن قيل يلزمك أن تجيز ~~الوضوء بالماء الذي يخالطه ما يغلب عليه شيء من الأشياء الطاهرة إذا كان ~~الماء لو انفرد كفاء لوضوئه لأنه لو انفرد جاز ولأنه هو المنزل من السماء ~~في حال المخالطة وإن غلب عليه غيره حتى سلبه إطلاق اسم الماء ms2262 قيل له لا يجب ~~ذلك من قبل أن # PageV05P203 # غلبة غيره عليه ينقله إلى حكمه ويسقط حكم القليل معه بدلالة أن قطرة من ~~خمر لو وقعت في حق ماء فشرب منه إنسان لم يقل إنه شارب خمر ولا يجب عليه # الحد ولو أن خمر أصب فيها ماء فمزجت به فكان الخمر هو الغالب لإطلاق ~~الناس عليه أنه شارب خمر وكان حكمه في وجوب الحد عليه حكم شاربها صرفا غير ~~ممزوجة وأما ماء الورد وماء الزعفران وعصارة الريحان والشجر فلم يمنع ~~الوضوء به من أجل مخالطة غيره ولكن لأنه ليس بالماء المفروض به الطهارة ولا ~~يتناوله الاسم إلا بتقييد كما سمى الله تعالى المني ماء بقوله ألم نخلقكم ~~من ماء مهين وقال والله خلق كل دابة من ماء وليس هو من الماء المفروض به ~~الطهارة في شيء وأما مذهب الحسن بن صالح في إجازته الوضوء بالخل ونحوه فإنه ~~يلزمه إجازته بالمرق وبعصير العنب لو خالطه شيء يسير من ماء ولو جاز ذلك ~~لجاز الوضوء بسائر المائعات من الأدهان وغيرها وهذا خلاف الإجماع ولو جاز ~~ذلك لجاز التيمم بالدقيق والأشنان قياسا على التراب. # (فصل) وأما الماء الذي خالطته نجاسة فإن مذهب أصحابنا فيه أن كل ما تيقنا ~~فيه جزء من النجاسة أو غلب في الظن ذلك لم يجز استعماله ولا يختلف على هذا ~~الحد ماء البحر وماء البئر والغدير والماء الراكد والجاري لأن ماء البحر لو ~~وقعت فيه نجاسة لم يجز استعمال الماء الذي فيه النجاسة وكذلك الماء الجاري ~~وأما اعتبار أصحابنا للغدير الذي إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر ~~فإنما هو كلام في جهة تغليب الظن في بلوغ النجاسة الواقعة في أحد طرفيه إلى ~~الطرف الآخر وليس هذا كلاما في أن بعض المياه الذي فيه النجاسة قد يجوز ~~استعماله وبعضها لا يجوز استعماله ولذلك قالوا لا يجوز استعمال الماء الذي ~~في الناحية التي فيها النجاسة وقد اختلف السلف وفقهاء الأمصار في الماء ~~الذي حلته نجاسة فروي عن حذيفة أنه سئل ms2263 عن غدير يطرح فيه الميتة والحيض ~~فقال توضئوا فإن الماء لا يخبث وقال ابن عباس في الجنب يدخل الحمام إن ~~الماء لا يجنب وقال أبو هريرة رواية في الماء ترده السباع والكلاب فقال ~~الماء لا يتنجس وقال ابن المسيب أنزل الله الماء طهورا لا ينجسه شيء وقال ~~الحسن والزهري في البول في الماء لا ينجس ما لم يغيره بريح أو لون أو طعم ~~وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى الماء لا ينجسه شيء وكذلك روي عن ~~القاسم وسالم وأبي العالية وهو قول ربيعة وقال أبو هريرة رواية لا يخبث # PageV05P204 # أربعين دلوا شيء وهو قول سعيد بن جبير في رواية وقال عبد الله بن عمر إذا ~~كان الماء أربعين قلة لم ينجسه شيء وروي عن ابن عباس أنه قال الحوض لا ~~يغتسل فيه جنب إلا أن يكون فيه أربعون غربا وهو قول محمد بن كعب القرظي ~~وقال مسروق والنخعي وابن سيرين إذا كان الماء كرا لم ينجسه شيء وقال سعيد ~~بن جبير رواية الماء الراكد لا ينجسه شيء إذا كان قدر ثلاث قلال وقال مجاهد ~~إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء وقال عبيد بن عمير لو أن قطرة من مسكر ~~قطرت في قربة من الماء لحرم ذلك الماء على أهله وقال مالك والأوزاعي لا ~~يفسد الماء بالنجاسة إلا أن يتغير طعمه أو ريحه وقد ذكر عن مالك مسائل في ~~موت الدجاجة في البئر أنها تنزف إلا أن تغلبهم ويعيد الصلاة من توضأ به ~~مادام في الوقت وهذا عنده استحباب وكذلك يقول أصحابه إن كل موضع يقول فيه ~~مالك إنه يعيد في الوقت هو استحباب ليس بإيجاب وقال في الحوض إذا اغتسل فيه ~~جنب أفسده وهذا أيضا عنده استحباب ترك استعماله وإن توضأ به أجزأه وكره ~~الليث للجنب أن يغتسل في البئر وقال الحسن بن صالح لا بأس أن يغتسل الجنب ~~في الماء الراكد الكثير القائم في الهر والسبخة وكره الوضوء بالماء بالفلاة ~~إذا كان أقل من قدر الكر ms2264 وروي نحوه عن علقمة وابن سيرين والكر عندهم ثلاثة ~~آلاف رطل ومائتا رطل وقال الشافعي إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم ينجسه ~~إلا ما غير طعمه أو لونه وإن كان أقل يتنجس بوقوع النجاسة اليسيرة والذي ~~يحتج به لقول أصحابنا قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث والنجاسات لا محالة ~~من الخبائث وقال إنما حرم عليكم الميتة والدم وقال في الخمر رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه # ومر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في ~~كبير أما أحدهما كان لا يستبرئ من البول والآخر كان يمشي بالنميمة # فحرم الله هذه الأشياء تحريما مبهما ولم يفرق بين حال انفرادها واختلاطها ~~بالماء فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا فيه جزءا من النجاسة ويكون جهة ~~الحظر من طريق النجاسة أولى من جهة الإباحة من طريق الماء المباح في الأصل ~~لأنه متى اجتمع في شيء جهة الحظر وجهة الإباحة فجهة الحظر أولى ألا ترى أن ~~الجارية بين رجلين لو كان لأحدهما فيها مائة جزء وللآخر جزء واحد أن جهة ~~الحظر فيها أولى من جهة الإباحة وأنه غير جائز لواحد منهما وطؤها فإن قيل ~~لم غلبت جهة الحظر في النجاسة على جهة الإيجاب في استعمال الماء الذي قد ~~حلته نجاسة إذا لم تجد # PageV05P205 # ماء غيره ومعلوم أن استعماله في هذه الحال واجب إذا لزمه فرض أداء الصلاة ~~وإنما اجتمع هاهنا جهة الحظر وجهة الإيجاب قيل له قولك إنه قد اجتمع فيه ~~جهة الحظر وجهة الإيجاب خطأ لأنه إنما يجب استعمال الماء الذي لا نجاسة فيه ~~فأما ما فيه نجاسة فلم يلزمه استعماله فإن قيل إما يلزمه اجتناب النجاسة ~~إذا كانت متجردة بنفسها فأما إذا كانت مخالطة للماء فليس عليه اجتنابها قيل ~~له عموم ما ذكرنا من الآي والسنن قاض بلزوم اجتنابها في حالة الانفراد ~~والاختلاط ومن ادعى تخصيص شيء منه لم يجز له ذلك إلا بدلالة وأيضا فإذا كان ~~واجدا لماء غيره لم تخالطه نجاسة فليس بواجب عليه استعمال الماء الذي فيه ms2265 ~~النجاسة وأكثر ما فيه عند مخالفنا جواز استعماله على وجه الإباحة وما ~~ذكرناه من لزوم اجتناب النجاسة يوجب الحظر والإباحة والحظر متى اجتمعا ~~فالحكم للحظر على ما بينا وإذا صح ذلك وكان واجدا لماء غيره وجب أن يكون ~~ذلك حكمه إذا لم يجد غيره لوجهين أحدهما لزوم استعمال الآي الحاظرة ~~لاستعمال النجاسات فثبت بذلك أن الحظر قد تناولها في في حال اختلاطها به ~~كهو في حال انفرادها والثاني أن أحدا لم يفرق بين حال وجود ماء غيره وبينه ~~إذا لم يجد غيره فإذا صح لنا ذلك في حال وجود ماء غيره كانت الحال الأخرى ~~مثله لا تفاق الجميع على امتناع الفصل بينهما ووجه آخر يوجب أن يكون لزوم ~~اجتناب النجاسة أولى من وجوب استعمال الماء الذي هي فيه لعموم قوله فاغسلوا ~~إذا لم يجد ماء غيره وهو أن تحريم استعمال النجاسة متعلق بعينها ألا ترى ~~أنه ما من نجاسة إلا وعلينا اجتنابها وترك استعمالها إذا كانت منفردة ~~والماء الذي لا نجد غيره لم يتعين فيه لزوم الاستعمال ألا ترى أنه لو أعطاه ~~إنسان ماء غيره أو غصبه فتوضأ به كانت طهارته صحيحة فلما لم يتعين فرض ~~طهارته بذلك وتعين على حظر استعمال النجاسة صار للزوم اجتناب النجاسة مزية ~~على وجوب استعمال الماء الذي لا يجد غيره إذا كانت فيه النجاسة فوجب أن ~~يكون العموم الموجب لاجتنابها أولى وأيضا لا نعلم خلافا بين الفقهاء في ~~سائر المائعات إذا خالطه اليسير من النجاسة كاللبن والأدهان والخل ونحوه أن ~~حكم اليسير في ذلك كحكم الكثير وأنه محظور عليه أكل ذلك وشربه والدلالة من ~~هذا الأصل على ما ذكرناه من وجهين أحدهما لزوم اجتناب النجاسات بالعموم ~~الذي قدمنا في حالي المخالطة والانفراد والآخر أن حكم الحظر وهو النجاسات ~~كان أغلب من حكم الإباحة وهو الذي خالطه من الأشياء # PageV05P206 # الطاهرة ولا فرق في ذلك بين أن يكون الذي خالطه من ذلك ماء أو غيره إذ ~~كان عموم الآي والسنن شاملة له وإذ كان المعنى وجود ms2266 النجاسة فيه حظر ~~استعماله ويدل على صحة قولنا من جهة السنة # قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من ~~جنابة وفي لفظ آخر ولا يغتسل فيه من جنابة # ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير طعمه ولا لونه ولا ~~رائحته ومنع النبي صلى الله عليه وسلم منه فإن قيل إنما منع البول القليل ~~لأنه لو أبيح لكل أحد لكثر حتى يتغير طعمه أو لونه أو رائحته فيفسد قيل له ~~ظاهر نهيه يقتضي أن يكون القليل منهيا عنه لنفسه لا لغيره وفي حمله على أنه ~~ليس بمنهي عنه لنفسه وإنما منع لئلا يفسد لغيره إثبات معنى غير مذكور في ~~اللفظ ولا دلالة عليه وإسقاط حكم المذكور في نفسه وعلى أنه متى حمل على ذلك ~~زالت فائدته وسقط حكمه لعلمنا بأن ما غير من النجاسات طعم الماء أو لونه أو ~~رائحته محظورا استعماله بغير هذا الخبر من النصوص والإجماع فيؤدي ذلك إلى ~~إسقاط حكمه رأسا # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم ~~يغتسل فيه من جنابة # فمنع البائل الاغتسال فيه بعد البول قبل أن يصير إلى حال التغير ويدل ~~عليه # قوله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يديه ثلاثا ~~قبل أن يدخلها الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده # فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء ومعلوم أن ~~مثلها إذا حلت الماء لم يغيره ولولا أنها تفسده لما كان للأمر بالاحتياط ~~منها معنى # وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسة ولوغ الكلاب بقوله طهور إناء أحدكم ~~إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا وهو لا يغيره # فإن قيل قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم- إلى قوله تعالى- فلم تجدوا ماء وقوله ~~تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا يدل من وجهين على جواز استعماله ~~وإن كانت فيه نجاسة أحدهما عموم قوله تعالى حتى تغتسلوا أن ذلك يقتضي جوازه ~~بماء حلته النجاسة وبما ms2267 لم تحله والوجه الآخر قوله تعالى فلم تجدوا ماء ولا ~~يمتنع أحد من إطلاق القول بأن هذا ماء إذا كانت فيه نجاسة يسيرة لم تغيره ~~وهذا يعارض ما استدللتم به من عموم الآي والأخبار في حظر استعماله ماء ~~خالطته نجاسة قيل له لو تعارض العمومان لكان ما ذكرنا أولى من تضمنه من ~~الحظر والإباحة والحظر متى اجتمعا كان الحكم للحظر وعلى أن ما ذكرنا من حظر ~~استعمال النجاسة قاض على ما ذكرت من العموم فوجب أن يكون الغسل مأمورا بماء ~~لا نجاسة فيه ألا ترى أنه إذا غيرته كان محظورا وعموم إيجاب الحظر مستعمل ~~فيه # PageV05P207 # دون عموم الأمر بالغسل وكما قضى حظره لاستعمال النجاسات على قوله لبنا ~~خالصا سائغا للشاربين فإن كان ماحله منها يسيرا كذلك واجب أن يقضى على قوله ~~تعالى فاغسلوا وقوله فلم تجدوا ماء واحتج من أباح ذلك بقوله تعالى وأنزلنا ~~من السماء ماء طهورا وقوله وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به # وقوله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه والحل ميتته # وصفه إياه بالتطهير يقتضي تطهير ما لاقاه فيقال له معنى قوله طهورا ~~يعتوره معنيان أحدهما رفع الحدث وإباحة الصلاة به والآخر إزالة الإنجاس ~~فأما نجاسة موجودة فيه لم تزلها عن نفسه فكيف يكون مطهرا لها وعلى هذا ~~القول ينبغي أن يكون معنى قوله طهورا أنه يجعل النجاسة غير نجاسة وهذا محال ~~لأن ماحله من أجزاء الدم والخمر وسائر الخبائث لا يخرج من أن يكون إنجاسا ~~كما أنها إذا ظهرت فيه لم يخرج من أن يكون أعيانها نجسة ولم يكن لمجاورة ~~الماء إياها حكم في تطهيرها فإن قيل إذا كان الماء غالبا فلم يظهر فيه ~~فالحكم للماء كما لو وقعت فيه قطرة من لبن أو غيره من المائعات لم يزل عنه ~~حكم الماء لوجود الغلبة ولأن تلك الأجزاء مغمورة مستهلكة فحكم النجاسة إذا ~~حلت الماء حكم سائر المائعات إذا خالطته قيل له هذا خطأ لأن المائعات كلها ~~لا يختلف حكما فيما تخالطها من الأشياء الطاهرة ms2268 وأن الحكم للغالب منها دون ~~المستهلكات المغمورة مما خالطها وقد اتفقنا على أن مخالطة النجاسة اليسيرة ~~لسائر المائعات غير الماء تفسدها ولم يكن للغلبة معها حكم بل كان الحكم لها ~~دون الغالب عليها من غيرها فكذلك الماء فإن كان الماء إنما يكون مطهرا ~~للنجاسة لمجاورته لها فواجب أن يطهرها بالمجاورة وإن لم يكن غامرا لها وإن ~~كان إنما يصير مطهرا لها من أجل غموره لها وغلبته عليها فقد يكون سائر ~~المائعات إذا خالطتها نجاسة غامرة لها وغالبة عليها وكان الحكم مع ذلك ~~للنجاسة دون ما غمرها ويدل على صحة قولنا ما اتفقوا عليه من تحريم استعماله ~~عند ظهور النجاسة فيه فالمعنى أنه لا نصل إلى استعماله إلا باستعمال جزء من ~~النجاسة وأيضا العلم بوجود النجاسة فيه كمشاهدتنا لها كما أن علمنا بوجودها ~~في سائر المائعات كمشاهدتنا لها بظهورها وكالنجاسة في الثوب والبدن العلم ~~بوجودها كمشاهدتها واحتج من خالف في ذلك # بحديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بئر بضاعة وهي ~~تطرح فيه عذرة الناس ومحائض النساء ولحوم الكلاب فقال إن الماء طهور لا ~~ينجسه شيء # وبحديث أبي بصرة عن جابر وأبي سعيد الخدري قالا كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في سفر فانتهينا إلى غدير فيه # PageV05P208 # جيفة فكففنا وكف الناس حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال ~~استقوا فإن الماء لا ينجسه شيء فاستقينا وارتوينا # وبما # روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الماء طهور لا ينجسه ~~شيء # والجواب عن ذلك أنه قد حكي عن الواقدي أن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى ~~البساتين فهذا يدل على أنه كان جاريا حاملا لما يقع فيه من الأنجاس وينفله ~~وجائز أن يكون سئل عنها بعد ما نظفت من الأخباث فأخبر بطهارتها بعد النزح ~~وأما قصة الغدير فجائز أن تكون الجيفة كانت في جانب منه فأباح صلى الله ~~عليه وسلم الوضوء من الجانب الآخر وهذا يدل على صحة قول أصحابنا ms2269 في اعتبار ~~الغدير وأما # حديث ابن عباس فإن أصله ما رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال اغتسل بعض ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليتوضأ منها أو يغتسل فقالت له إني كنت جنبا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن الماء لا يجنب # والمراد أن إدخال الجنب يده فيه لا ينجسه فجائز أن يكون الراوي سمع ذلك ~~فنقل المعنى عنده اللفظ ويدل على أن معناه ما وصفنا أن من مذهب ابن عباس ~~الحكم بتنجيس الماء بوقوع النجاسة فيه وإن لم تغيره وقد روى عطاء وابن ~~سيرين أن زنجيا مات في بئر زمزم فأمر ابن عباس بنزحها وروى حماد عن إبراهيم ~~عن ابن عباس قال إنما ينجس الحوض أن تقع فيه فتغتسل وأنت جنب فأما إذا أخذت ~~بيدك تغتسل فلا بأس ولو صح أيضا هذا اللفظ احتمل أن يكون في قصة بئر بضاعة ~~فحذف ذكر السبب ونقل لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن # قوله الماء طهور لا ينجسه شيء # لا دلالة فيه على جواز استعماله وإنما كلامنا في جواز استعماله بعد حلول ~~النجاسة فيه فليس يجوز الاعتراض به على موضع الخلاف لأنا نقول إن الماء ~~طهور لا ينجسه شيء ومع ذلك لا يجوز استعماله إذا حلته نجاسة ولم يقل النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فاستعملوه حتى تحتج به ~~لقولك فإن قيل هذا الذي ذكرت يؤدي إلى إبطال فائدته قيل له قد سقط استدلالك ~~بالظاهر إذا وصرت إلى أن تستدل بغيره وهو أن حمله على غير مذهبك تخلية من ~~الفائدة ونحن نبين أن فيه ضروبا من الفوائد غير ما ادعيت من جواز استعماله ~~بعد حلول النجاسة فيه فنقول إنه أفاد الماء لا ينجس بمجاورته للنجاسة ولا ~~يصير في حكم أعيان النجاسات واستفدنا به أن الثوب والبدن إذا أصابتهما ~~نجاسة فأزيلت بموالاة صب الماء عليها أن الباقي من الماء الذي في الثوب ليس ~~هو ms2270 في حكم الماء الذي جاوره عين النجاسة فيلحقه حكمها لأنه إنما جاور ما ~~ليس «14- احكام م» # PageV05P209 # بنجس في نفسه وإنما يلحقه حكم النجاسة بمجاورته لها ولولا قوله صلى الله ~~عليه وسلم لكان جائزا أن يظن ظان أن الماء المجاور للنجاسة قد صار في حكم ~~عين النجاسة فينجس ما جاوره فلا يختلف حينئذ حكم الماء الثاني والثالث إلى ~~العاشر وأكثر من ذلك في كون جميعه نجاسا فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذا الظن وأفاد أن الماء الذي لحقه حكم النجاسة من جهة المجاورة لا يكون في ~~معنى أعيان النجاسات وأفادنا أيضا أن البئر إذا ماتت فيه فأرة فأخرجت أن ~~حكم النجاسة إنما لحق ما جاور الفأرة دون ما جاور هذا الماء وإن الفأرة ~~تجعله بمنزلة أعيان النجاسات فلذلك حكمنا بتطهير بعض ما بها فإن قيل لو كان ~~الأمر على ما ذكرت لم يكن # لقوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء # إلا ما غير طعمه أو لونه معنى لأن الماء المجاور للنجاسة ليس نجس في نفسه ~~مع ظهور النجاسة فيه قيل له هذا أيضا معنى صحيح غير ما ادعيت واستفدنا به ~~فائدة أخرى غير ما استفدناه بالخبر الذي اقتصر فيه على قوله الماء طهور لا ~~ينجسه شيء عاريا من ذكر الاستثناء وذلك لأنه إخبار عن حال غلبة النجاسة ~~وسقوط حكم الماء معها فيصير الجميع في حكم أعيان النجاسات وأفاد بذلك أن ~~الحكم للغالب كما تقول في الماء إذا مازجه اللبن أو الخل إن الحكم للأغلب ~~منهما وقد تكلمنا في هذه المسألة وفي مسألة القلتين في مواضع فأغنى عن ~~إعادته هاهنا. # (فصل) وأما الماء المستعمل فإن أصحابنا والشافعي لا يجيزون الوضوء به على ~~اختلاف منهم في الماء المستعمل ما هو وقال مالك والثوري يجوز الوضوء به على ~~كراهة من مالك له والدليل على صحة القول الأول ما # روى أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه ms2271 وسلم قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة وتغتسل المرأة بفضل وضوء الرجل وليفترقا # وفضل الطهور يتناول شيئين ما يسيل من أعضاء المغتسل والآخر ما يبقى في ~~الإناء بعد الغسل وعمومه ينتظمهما فاقتضى ذلك النهي عن الوضوء بالماء ~~المستعمل لأنه فضل طهور وأيضا # قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه ~~من جنابة # وروى بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو ~~جنب # ويدل عليه ما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا بني عبد المطلب إن الله كره ~~لكم غسالة أيدي الناس # وعن عمر أنه قال لأسلم حين أكل من تمر الصدقة أرأيت # PageV05P210 # لو توضأ إنسان بماء أكنت شاربه فدل تشبيه الصدقة حين حرمها عليهم بغسالة ~~أيدي الناس أن غسالة أيدي الناس لا يجوز استعمالها ومن جهة النظر أن الماء ~~إذا أزيل به الحدث مشبه للماء الذي أزيل به النجاسة من حيث استباح الصلاة ~~بهما فلما لم تجز الطهارة بالماء الذي أزيل به النجاسة كذلك ما أزيل به ~~الحدث ومن جهة أخرى وهي أن الاستعمال قد أكسبه إضافة سلبه بها إطلاق الاسم ~~فصار بمنزلة الماء الذي امتنع فيه إطلاق اسم الماء بمخالطة غيره له ~~والمستعمل أولى بذلك من جهة ما تعلق به من الحكم في زوال الحدث أو حصول ~~قربة فإن قيل فلو استعمله للتبرد لم يمنع ذلك جواز استعماله للطهارة كذلك ~~إذا استعمله للطهارة قيل له استعماله للتبرد لم يمنع إطلاق الاسم فيه إذ لم ~~يتعلق به حكم فهو كاستعماله في غسل ثوب طاهر واحتج من أجاز ذلك بقوله تعالى ~~وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ~~قال فذلك يقتضي جواز الوضوء به من وجهين أحدهما أنه لما لم يكن نجسا ولم ~~تجاوره نجاسة ms2272 وجب بقاؤه على الحال الأولى والثاني أن قوله طهورا يقتضي جواز ~~التطهير به مرة بعد أخرى فيقال له إن بقاءه على الحالة الأولى بعد الطهارة ~~هو موضع الخلاف وما ذكرت من العموم فإنما هو فيما لم يستعمل فيبقى على ~~إطلاقه فأما ما يتناوله الاسم مقيدا فلم يتناوله العموم وأما قولك إن كونه ~~طهورا يقتضي جواز الطهارة به مرة بعد أخرى فليس كذلك لأن ذلك إنما يذكر على ~~جهة المبالغة في الوصف له بالطهارة أو التطهير ولا دلالة فيه على التكرار ~~كما يقال رجل ضروب بالسيف ويراد المبالغة في الوصف بالضرب وليس المقتضى فيه ~~تكرار الفعل ويقال رجل أكول إذا كان يأكل كثيرا وإن كان أكله في مجلس واحد ~~ولا يراد به تكرار الأكل وقد بينا ذلك في مواضع أيضا وقوله تعالى وهو الذي ~~خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا يجوز أن يريد به الماء الذي خلق منه ~~أصل الحيوان في قوله وجعلنا من الماء كل شيء حي وقوله والله خلق كل دابة من ~~ماء ويجوز أن يريد به النطفة التي خلق منها ولد آدم وقوله فجعله نسبا وصهرا ~~قال طاوس الرضاعة من الصهر وقال الضحاك رواية النسب الرضاع والصهر الختونة ~~وقال الفراء النسب الذي لا يحل نكاحه والصهر النسب الذي يحل نكاحه كبنات ~~العم وقيل إن النسب ما رجع إلى ولادة قريبة والصهر خلطة تشبه القرابة وقال ~~الضحاك النسب # PageV05P211 # سبعة أصناف ذكروا في قوله حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله وبنات الأخت ~~والصهر خمسة أصناف ذكروا في قوله وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إلى قوله وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم قال أبو بكر والتعارف في الأصهار أنهم كل ذي رحم ~~محرم من نساء من أضيف إليه ذلك ولذلك قال أصحابنا فيمن أوصى لأصهار فلان ~~أنه لكل ذي رحم محرم لنساء فلان وهو المتعارف من مفهوم كلام الناس قال ~~والأختان أزواج البنات وكل ذات محرم من المضاف إليه الختن وكل ذي رحم محرم ~~من الأزواج أيضا وقد يستعمل الصهر في موضع الختن فيسمون ms2273 الختن صهرا قال ~~الشاعر: # سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن زميت # فأقام الصهر مقام الختن وهو محمول على المتعارف من ذلك قوله تعالى وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة الآية روى شمر بن عطية عن ابن سلمة قال جاء ~~رجل إلى عمر ابن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين فاتتني الصلاة فقال أبدل ما ~~فاتك من ليلك في نهارك فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ~~أو أراد شكورا # وروى يونس عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد وعبد الله بن عتبة أنهما أخبرا ~~عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من نام عن جزئه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة ~~الفجر إلى صلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل # وقال الحسن جعل الليل والنهار خلفة جعل أحدهما خلفة للآخر إن فات من ~~النهار شيء أدركه بالليل وكذلك لو فات من الليل قال أبو بكر هذا في نحو ~~قوله وأقم الصلاة لذكري # وقوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ~~ذلك وقتها # وقد روي عن مجاهد في قوله خلفة أحدهما أسود والآخر أبيض وقيل يذهب أحدهما ~~ويجيء الآخر # وقوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا روى ابن أبي نجيح ~~عن مجاهد هونا قال بالوقار والسكينة وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما قال ~~سدادا وعن الحسن أيضا يمشون على الأرض هونا حلماء لا يجهلون على أحد وإن ~~جهل عليهم حلموا قد براهم الخوف كأنهم القداح هذا نهارهم ينتشرون به في ~~الناس # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما قال هذا ليلهم إذا دخل يراوحون بين ~~أطرافهم فهم بينهم وبين ربهم وعن ابن عباس يمشون على الأرض هونا قال ~~بالتواضع لا يتكبرون # وقوله # PageV05P212 # تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا قال من أنفق در ms2274 هما في معصية الله ~~فهو مسرف ولم يقتروا البخل منع حق الله وكان بين ذلك قواما قال القصد ~~والإنفاق في طاعة الله عز وجل وقال ابن سيرين السرف إنفاقه في غير حق # وقوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر الآية روى الأعمش عن أبي ~~وائل عن عبد الله قال جاء رجل فقال يا رسول الله أي الذنب أكبر قال أن تجعل ~~لله ندا وهو خلقك قال ثم أي قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قال ثم أي ~~قال أن تزنى بحليلة جارك قال فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه والذين لا ~~يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله أثاما # قوله تعالى والذين لا يشهدون الزور عن أبى حنيفة الزور الغنا وعن ابن ~~عباس في قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال يشتري المغنية وعن ~~عبد الله بن مسعود مثله وعن مجاهد قال ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ~~الغناء وكل لعب ولهو # وروى ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان ~~وصوت عند نغمة لهو ولعب ومزامير شيطان # وروى عبيد الله بن زحر عن بكر بن سوادة عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم علي الخمر والكوبة والغناء # قال محمد بن الحنفية أيضا في قوله لا يشهدون الزور أن لا تقف ما ليس لك ~~به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا قال أبو بكر يحتمل ~~أن يريد به الغنا على ما تأولوه عليه ويحتمل أيضا القول بما لا علم للقائل ~~به وهو على الأمرين لعموم اللفظ قوله تعالى وإذا مروا باللغو مروا كراما ~~قال سعيد بن جبير ومجاهد إذا أوذوا مروا كراما صفحوا وروى أبو مخزوم عن ~~سنان إذا مروا باللغو مروا كراما قال إذا مروا بالرفث كنوا ms2275 وقال الحسن ~~اللغو كله المعاصي قال السدي هي مكية قال أبو بكر يعني أنه قبل الأمر بقتال ~~المشركين وقوله تعالى إن عذابها كان غراما قيل لازما ملحا دائما ومنه ~~الغريم لملازمته والحاجة وإنه لمغرم بالنساء أي ملازم لهن لا يصبر عنهن ~~وقال الأعشى: # إن يعاقب يكن غراما وإن يعط جزيلا فإنه لا يبالي وقال بشر بن أبى حازم: # PageV05P213 # يوم النساء ويوم الجفا ... ركانا عذابا وكان غراما # قال لنا أبو عمر غلام ثعلب أصل الغرم اللزوم في اللغة وذكر نحوا مما ~~قدمنا ويسمى الدين غرما ومغرما لأنه يقتضي اللزوم والمطالبة فيقال للطالب ~~الغريم لأن له اللزوم وللمطلوب غريم لأنه يثبت عليه اللزوم وعلى هذا # قوله صلى الله عليه وسلم لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه # يعني دينه الذي هو مرهون به وزعم الشافعي أن الغرم الهلاك قال أبو عمر ~~وهذا خطأ في اللغة وروي عن الحسن أنه قال ليس غريم إلا مفارقا غريمه غير ~~جهنم فإنها لا تفارق غريمها # قوله تعالى قرة أعين قال الحسن قرة الأعين في الدنيا وهو أن يرى العبد من ~~زوجته ومن أخيه طاعة الله تعالى وقال والله ما شيء أقر لعين المسلم من أن ~~يرى ولده أو والده أو ولد ولده أو أخاه أو حميما مطيعا لله تعالى وعن سلمة ~~بن كهيل أقربهم عينا أن يطيعوك # وروى أبو أسامة عن الأحوص بن حكيم عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من رزق إيمانا وحسن خلق فذاك إمام المتقين # وقال مجاهد والحسن واجعلنا للمتقين إماما نأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من ~~بعدنا # وقوله تعالى قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم قال مجاهد ما يصنع بكم ربي ~~وهو لا يحتاج إليكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته لتنتفعوا أنتم بذلك آخر ~~سورة الفرقان. ### | سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى واجعل لي لسان صدق في الآخرين قال الثناء الحسن فاليهود تقر ~~بنبوته وكذلك النصارى وأكثر الأمم وقيل اجعل ms2276 من ولدي من يقوم بالحق ويدعو ~~إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به وقوله تعالى إلا من أتى ~~الله بقلب سليم قيل إنما سأل سلامة القلب لأنه إذا سلم القلب سلم سائر ~~الجوارح من الفساد إذ الفساد بالجوارح لا يكون إلا عن قصد فاسد بالقلب فإن ~~اجتمع مع ذاك جهل فقد عدم السلامة من وجهين # وروى النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني لأعلم مضغة ~~إذا صلحت صلح البدن كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب # وقوله تعالى وإنه لتنزيل رب العالمين- إلى قوله- وإنه لفي زبر الأولين ~~أخبر عن القرآن بأنه تنزيل رب العالمين ثم أخبر أنه في زبر الأولين ومعلوم ~~أنه لم يكن في زبر الأولين بهذه اللغة فهذا مما يحتج به في أن نقله # PageV05P214 # إلى لغة أخرى لا يخرجه من أن يكون قرآنا لإطلاق اللفظ بأنه في زبر ~~الأولين مع كونه فيها بغير اللغة العربية وقوله تعالى والشعراء يتبعهم ~~الغاوون روى سفيان عن سلمة بن كهيل عن مجاهد في قوله والشعراء يتبعهم ~~الغاوون قال عصاة الجن وروى خصيف عن مجاهد والشعراء يتبعهم الغاوون قال ~~الشاعران يتهاجيان فيكون لهذا أتباع ولهذا أتباع من الغواة فذم الله ~~الشعراء الذين صفتهم ما ذكروهم الذين في كل واد يهيمون يقولون ما لا يفعلون ~~وشبهه بالهائم على وجهه في كل واد يعن له لما يغلب عليه من الهوى غير مفكر ~~في صحة ما يقول ولا فساده ولا في عاقبة أمره وقال ابن عباس وقتادة في كل ~~واد يهيمون في كل لغو يخوضون يمدحون ويذمون يعنون الأباطيل # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى ~~يريه خير له من أن يمتلئ شعرا # ومعناه الشعر المذموم الذي ذم الله قائله في هذه الآية لأنه قد استثنى ~~المؤمنين منهم بقوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms2277 لحسان اهجهم ومعك روح القدس # وذلك موافق لقوله وانتصروا من بعد ما ظلموا كقوله تعالى ولمن انتصر بعد ~~ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقوله لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا ~~من ظلم # وروى أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ~~من الشعر لحكمة آخر سورة الشعر ### | سورة القصص # قوله تعالى إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج ~~من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر وليس فيه دلالة ~~على ما ذكروا لأنه شرط منافعه لشعيب عليه السلام ولم يشرط لها مهرا فهو ~~بمنزلة من تزوج امرأة بغير مهر مسمى وشرط لوليها منافع الزوج مدة معلومة ~~فهذا إنما يدل على جواز عقد من غير تسمية مهر وشرطه للمولى ذلك يدل على أن ~~عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد وجائز أن يكون قد كان ~~النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة فإن كان كذلك فهذا ~~منسوخ بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على أنه قد كان جائزا في تلك ~~الشريعة أن يشرط للولي منفعة # ويحتج به في جواز الزيادة في العقود لقوله تعالى فإن # PageV05P215 # أتممت عشرا فمن عندك # قال ابن عباس قضى موسى أتم الأجلين وأوفاهما # قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه الآية قال مجاهد كان ناس من أهل ~~الكتاب أسلموا فآذاهم المشركون فصفحوا عنهم يقولون سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين قال أبو بكر هذا سلام متاركة وليس بتحية وهو نحو قوله وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما وقوله واهجرني مليا وقال إبراهيم سلام عليك سأستغفر ~~لك ربي ومن الناس من يظن أن هذا يجوز على جواز ابتداء الكافر بالسلام وليس ~~كذلك لما وصفنا من أن السلام ينصرف على معنيين أحدهما المسالمة التي هي ~~المتاركة والثاني التحية التي هي دعاء بالسلامة والأمن نحو تسليم المسلمين ~~بعضهم على بعض وقوله صلى الله عليه وسلم للمؤمن على المؤمن ms2278 ست أحدهما أن ~~يسلم عليه إذا لقيه وقوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها وقوله تحيتهم فيها سلام # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الكفار لا تبدؤهم بالسلام وأنه ~~إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم # قوله فوكزه موسى فقضى عليه وقال تعالى وقتلت نفسا فأخبر أنه قتله بوكزه ~~ثم قال رب إني ظلمت نفسي فقال بعضهم هذا يدل على أن القتل باللطمة عمد لولا ~~ذلك لم يقل إني ظلمت نفسي على الإطلاق وهذا خطأ لأنه يجوز أن يقول ظلمت ~~نفسي بإقدامي على الوكز من غير توقيف ولا دلالة فيه على أن القتل عمد إذ ~~الظلم لا يختص بالقتل دون الظلم وكان صغيرة وقوله تعالى فلما قضى موسى ~~الأجل وسار بأهله يستدل به بعضهم على أن للزوج أن يسافر بامرأته وينقلها ~~إلى بلد آخر ويفرق بينها وبين أبويها ولا دلالة فيه عندي على ذلك لأنه جائز ~~أن يكون فعل برضاها آخر سورة القصص. ### | سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا # روى أبو عبيدة عن عبد الله قال قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال ~~الصلوات لوقتهن قلت ثم مه قال الجهاد في سبيل الله قلت ثم مه قال بر ~~الوالدين # وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة عاق ~~ولا مدمن خمر # والآية والخبر يدلان معا على أنه لا يجوز للرجل أن يقتل أباه وإن كان ~~مشركا # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر عن قتل أبيه وكان مشركا # ويدل على أنه # PageV05P216 # لا يقتص للولد من الوالد # قوله تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر روى ابن مسعود وابن عباس ~~تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وقال ابن مسعود الصلاة لا تنفع إلا من ~~أطاعها قال أبو بكر يعني القيام بموجبات الصلاة من الإقبال عليها بالقلب ~~والجوارح وإنما قيل تنهى عن الفحشاء والمنكر لأنها تشتمل على أفعال وأذكار ~~لا يتخللها ms2279 غيرها من أمور الدنيا وليس شيء من الفروض بهذه المنزلة فهي تنهى ~~عن المنكر وتدعو إلى المعروف بمعنى أن ذلك مقتضاها وموجبها لمن قام بحقها ~~وعن الحسن قال من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا ~~بعدا وقيل # إن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له إن فلانا يصلي بالليل ويسرق بالنهار ~~فقال لعل صلاته تنهاه # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حبب إلى من دنياكم ثلاث النساء ~~والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة # وروي عن بعض السلف قال لم تكن الصلاة قرة عينه ولكنه كان إذا دخل الصلاة ~~يرى فيها ما تقر عينه قوله تعالى ولذكر الله أكبر قال ابن عباس وابن مسعود ~~وسلمان ومجاهد ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته وروي عن ~~سلمان أيضا وأم الدرداء وقتادة ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله وقال ~~السدي ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة # وقوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن قال قتادة هي ~~منسوخة بقوله وقاتلوا المشركين ولا مجادلة أشد من السيف قال أبو بكر يعني ~~أن ذلك كان قبل الأمر بالقتال وقوله تعالى إلا الذين ظلموا منهم يعني والله ~~أعلم إلا الذين ظلموكم في جدالهم أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم وهو نحو ~~قوله ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم وقال مجاهد إلا الذين ظلموا منهم بمنع الجزية وقيل إلا الذين ~~ظلموا منهم بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم آخر سورة العنكبوت. ### | سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ~~روي عن ابن عباس ومجاهد في قوله وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس هو ~~الرجل يهب الشيء يريد أن يثاب أفضل منه فذلك الذي لا يربو عند الله ولا ~~يؤجر صاحبه فيه ولا إثم عليه وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله وعن سعيد ms2280 ~~بن جبير قال هو الرجل يعطى # PageV05P217 # ليثاب عليه وروى عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة وما آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس قال الربا ربوان فربا حلال وربا حرام فأما الربا الحلال فهو ~~الذي يهدى يلتمس به ما هو أفضل منه وروى زكريا عن الشعبي وما آتيتم من ربا ~~ليربوا في أموال الناس قال كان الرجل يسافر مع الرجل فيخف له ويخدمه فيجعل ~~له من ربح ماله ليجزيه بذلك وروى عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك وما ~~آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس قال هو الربا الحلال الرجل يهدي ليثاب ~~أفضل منه فذلك لا له ولا عليه ليس فيه أجر وليس عليه فيه إثم وروى منصور عن ~~إبراهيم ولا تمنن تستكثر قال لا تعط التزداد قال أبو بكر أن يجوز أن يكون ~~ذلك خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان في أعلى مراتب مكارم الأخلاق ~~كما حرم عليه الصدقة وقد روي عن الحسن في قوله تعالى ولا تمنن تستكثر لا ~~تستكثر عملك فتمن به على ربك وقوله تعالى الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من ~~بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يعني أنه خلقكم ضعفاء حملا في ~~بطون الأمهات ثم أطفالا لا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضرا ثم جعلكم أقوياء ثم ~~أعطاكم من الاستطاعة والعقل والدراية للتصرف في اختلاف المنافع ودفع المضار ~~ثم جعلكم ضعفاء في حال الشيخوخة كقوله تعالى ومن نعمره ننكسه في الخلق ~~وقوله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا فيبقى مسلوب ~~القوى والفهم كالصبي بل حاله دون حال الصبي لأن الصبي في زيادة من القوى ~~والفهم من حين البلوغ وكمال حال الإنسانية وهذا يزداد على البقاء ضعفا ~~وجهلا ولذلك سماه الله تعالى أرذل العمر وجعل الشيب قرينا للضعف بقوله ثم ~~جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة وهو كقوله تعالى حاكيا عن نبيه زكريا عليه ~~السلام رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ms2281 شيبا آخر سورة الروم. ### | سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى حملته أمه وهنا على وهن قال الضحاك ضعفا على ضعف يعني ضعف ~~الولد على ضعف الأم وقيل بل المعنى فيه شدة الجهد وفصاله في عامين يعني في ~~انقضاء عامين وفي آية أخرى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فحصل بمجموع الآيتين ~~أن أقل مدة # PageV05P218 # الحمل ستة أشهر وبه استدل ابن عباس على مدة أقل الحمل واتفق أهل العلم ~~عليه # وقوله تعالى يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ~~ما أصابك يعني والله أعلم اصبر على ما أصابك من الناس في الأمر بالمعروف ~~وظاهره يقتضي وجوب الصبر وإن خاف على النفس إلا أن الله تعالى قد أباح ~~إعطاء التقية في حال الخوف في آي غيرها قد بيناها وقد اقتضت الآية وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # قوله تعالى ولا تصعر خدك للناس قال ابن عباس ومجاهد معناه لا تعرض بوجهك ~~عن الناس تكبرا وقال إبراهيم هو التشدق ومعناه يرجع إلى الأول لأن المتشدق ~~في الكلام متكبر وقيل إن أصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤسها حتى ~~يلوي وجوهها وأعناقها فيشبه بها الرجل الذي يلوي عنقه عن الناس قال الشاعر: # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما # قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه إلى قوله وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا أبان تعالى ~~بذلك أن أمره بالإحسان إلى الوالدين عام في الوالدين المسلمين والكفار ~~لقوله تعالى وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم وأكده بقوله ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا وفي ذلك دليل على أنه لا يستحق القود على أبيه ~~وأنه لا يحد له إذا قذفه ولا يحبس له بدين عليه وأن عليه نفقتهما إذا ~~احتاجا إليه إذ كان جميع ذلك من الصحبة بالمعروف وفعل ضده ينافي مصاحبتهما ~~بالمعروف ولذلك قال أصحابنا إن الأب لا يحبس بدين ابنه وروي ms2282 عن أبي يوسف ~~أنه يحبسه إذا كان متمردا وقوله تعالى واتبع سبيل من أناب إلي يدل على صحة ~~إجماع المسلمين لأمر الله تعالى إيانا باتباعهم وهو مثل قوله ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين وقوله تعالى ولا تمش في الأرض مرحا المرح البطر وإعجاب المرء ~~بنفسه وازدراء الناس والاستهانة بهم فنهى الله عنه إذ لا يفعل ذلك إلا جاهل ~~بنفسه وأحواله وابتداء أمره ومنتهاه قال الحسن أنى لابن آدم الكبر وقد خرج ~~من سبيل البول مرتين وقوله تعالى إن الله لا يحب كل مختال فخور قال مجاهد ~~هو المتكبر والفخور الذي يفتخر بنعم الله تعالى على الناس استصغارا لهم ~~وذلك مذموم لأنه إنما يستحق عليه الشكر لله على نعمه لا التوصل بها إلى ~~معاصيه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر نعم الله أنه سيد ولد آدم ولا # PageV05P219 # فخر فأخبر أنه إنما ذكرها شكرا لا افتخارا # على نحو قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث # قوله تعالى واقصد في مشيك قال يزيد بن أبي حبيب هو السرعة قال أبو بكر ~~يجوز أن يكون تأوله على ذلك لأن المختال في مشيته لا يسرع فيها فسرعة المشي ~~تنافي الخيلاء والتكبر وقوله تعالى واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير فيه أمر بخفض الصوت لأنه أقرب إلى التواضع كقوله تعالى إن الذين ~~يغضون أصواتهم عند رسول الله ورفع الصوت على وجه ابتهار الناس وإظهار ~~الاستخفاف بهم مذموم فأبان عن قبح هذا الفعل وأنه لا فضيلة فيه لأن الحمير ~~ترفع أصواتها وهو أنكر الأصوات قال مجاهد في قوله أنكر الأصوات أقبحها كما ~~يقال هذا وجه منكر فذكر الله تعالى ذلك وأدب العباد تزهيدا لهم في رفع ~~الصوت # وقوله تعالى إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ~~مفهوم هذا الخطاب الإخبار بما يعلمه هو دون خلقه وأن أحدا لا يعلمه إلا ~~بإعلامه إياه وفي ذلك دليل على أن حقيقة وجود الحمل غير معلومة عندنا وإن ~~كانت قد يغلب على الظن وجوده وهذا ms2283 يوجب أن يكون نافي حمل امرأته من نفسه ~~غير قاذف لها وقد بينا ذلك فيما سلف قوله تعالى واخشوا يوما لا يجزي والد ~~عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا يدل على أن أحدا لا يستحق عند الله ~~فضيلة بشرف أبيه ولا بنسبه لأنه لم يخصص أحدا بذلك دون أحد وبذلك ورد الأثر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في # قوله من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه # وقال يا بني عبد المطلب لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم فأقول ~~إني لا أغني عنكم من الله شيئا # وقوله لا يجزي والد عن ولده معناه لا يغني يقال جزيت عنك إذا أغنيت عنك ~~آخر سورة لقمان. ### | سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع # حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل ~~عن معاذ بن جبل في قوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع قال كنت مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت يا نبي الله ~~أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال لقد سألت عن عظيم وإنه ~~ليسير على من يسره الله # PageV05P220 # عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان ~~وتحج البيت ثم قال ألا أدلك على أبواب من الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ ~~الخطيئة وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ تتجافى جنوبهم عن المضاجع- حتى ~~بلغ- جزاء بما كانوا يعملون ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة ~~سنامه قلت بلى يا رسول الله قال رأسه الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه ~~الجهاد في سبيل الله ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت بلى يا رسول الله ~~فأخذ بلسانه فقال اكفف عليك هذا قلت يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم ~~به قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب ms2284 الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا ~~حصائد ألسنتهم # وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال تلا قتادة فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين قال قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر وروى أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال للذين ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ~~ثم تلا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وروي عن مجاهد وعطاء تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع قالا العشاء الآخرة وقال الحسن تتجافى جنوبهم عن المضاجع ~~كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء وقال الضحاك في قوله يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا إنهم يذكرون الله بالدعاء والتعظيم وقال قتادة خوفا من عذاب الله ~~وطمعا في رحمة الله مما رزقناهم ينفقون في طاعة الله آخر سورة السجدة. ### | سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه روي عن ابن عباس رواية أنه ~~كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه وعن مجاهد وقتادة مثله وعن ابن ~~عباس أيضا كان المنافقون يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم قلبان فأكذبهم ~~الله تعالى وقال الحسن كان رجل يقول لي نفس تأمرني ونفس تنهاني فأنزل الله ~~فيه هذا وروي عن مجاهد أيضا أن رجلا من بني فهر قال في جوفي قلبان أعقل بكل ~~واحد منهما أفضل من عقل محمد فكذبه الله عز وجل وذكر أبو جعفر الطحاوي أنه ~~لم يرو في تفسيرها غير ما ذكرنا قال وحكى # PageV05P221 # الشافعي عن بعض أهل التفسير ممن لم يسمه في احتجاجه على محمد في نفي أن ~~يكون الولد من رجلين أنه أريد بها ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام ~~قال أبو بكر اللفظ غير محتمل لما ذكر لأن القلب لا يعبر به عن الأب لا ms2285 ~~مجازا ولا حقيقة ولا ذلك اسم له في الشريعة فتأويل الآية على هذا المعنى ~~خطأ من وجوه # وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جارية مجحا ~~فقال لمن هذه الجارية فقالوا لفلان فقال أيطؤها قالوا نعم قال لقد هممت أن ~~ألعنه لعنة رجل يدخل معه في قبره كيف يورثه وهو لا يحل له أم كيف يسترقه ~~وقد غذاه في سمعه وبصره # فقوله قد غذاه في سمعه وبصره # يدل على أن الولد يكون من ماء رجلين وقد روي عن علي وعمر إثبات نسب الولد ~~من رجلين ولا يعرف عن غيرهما من الصحابة خلافه وقوله تعالى وما جعل أزواجكم ~~اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم قال أبو بكر كانوا يظاهرون من نسائهم فيقولون ~~أنت علي كظهر أمي فأخبر الله تعالى أنها لا تصير بمنزلة أمه في التحريم ~~وجعل هذا القول منكرا من القول وزورا بقوله تعالى وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا وألزمه بذلك تحريما ترفعه الكفارة وأبطل ما أوجبه المظاهر من ~~جعله إياها كالأم لأن تحريمها تحريما مؤبدا وقوله تعالى وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم قيل إنه نزل في زيد بن حارثة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~تبناه فكان يقال له زيد بن محمد وروي ذلك عن مجاهد وقتادة وغيرهما قال أبو ~~بكر هذا يوجب نسخ السنة بالقرآن لأن الحكم الأول كان ثابتا بغير القرآن ~~ونسخه بالقرآن وقوله تعالى ذلكم قولكم بأفواهكم يعني أنه لا حكم له وإنما ~~هو قول لا معنى له ولا حقيقة # وقوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم فيه إباحة إطلاق اسم الأخوة وحظر إطلاق اسم ~~الأبوة من غير جهة النسب ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لعبده هو أخي لم يعتق ~~إذا قال لم أرد به الأخوة من النسب لأن ذلك يطلق في الدين ولو قال هو ابني ~~عتق لأن إطلاقه ممنوع إلا من جهة النسب # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ms2286 أنه قال من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم ~~أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام # وقوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به قال قيل هذا النهي في هذا أو في غيره ولكن ~~ما تعمدت قلوبكم والعمد ما آثرته بعد البيان في النهي في هذا أو في غيره ~~وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق # PageV05P222 # قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به قال ~~قتادة لو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه ليس عليك بأس وسمع عمر بن ~~الخطاب رجلا وهو يقول اللهم اغفر لي خطاياي فقال استغفر الله في العمد فأما ~~الخطأ فقد تجوز عنك قال يقول ما أخاف عليكم الخطأ ولكني أخاف عليكم العمد ~~وما أخاف عليكم المقاتلة ولكني أخاف عليكم التكاثر وما أخاف عليكم. أن ~~تزدروا أعمالكم ولكني أخاف عليكم أن تستكثروها # وقوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع ~~الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم قال أخبرني أبو سلمة عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه فأيما رجل مات وترك دينا ~~فإلي وإن ترك مالا فهو لورثته # وقيل في معنى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم إنه أحق بأن يختار ما دعا ~~إليه من غيره ومما تدعوه إليه أنفسهم وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم أحق ~~أن يحكم في الإنسان بما لا يحكم به في نفسه لوجوب طاعته لأنها مقرونة بطاعة ~~الله تعالى قال أبو بكر الخبر الذي قدمنا لا ينافي ما عقبناه به من المعنى ~~ولا يوجب الاقتصار بمعناه على قضاء الدين المذكور فيه وذلك لأنه جائز أن ~~يكون مراده ms2287 أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أن يختاروا ما أدعوهم إليه دون ~~ما تدعوهم أنفسهم إليه وأولى بهم في الحكم عليهم ولزومهم اتباعه وطاعته ثم ~~أخبر بعد ذلك بقضاء ديونهم وقوله تعالى وأزواجه أمهاتهم قيل فيه وجهان ~~أحدهما أنهم كأمهاتهم في وجوب الإجلال والتعظيم والثاني تحريم نكاحهن وليس ~~المراد أنهم كالأمهات في كل شيء لأنه لو كان كذلك لما جاز لأحد من الناس أن ~~يتزوج بناتهن لأنهن يكن أخوات للناس وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~بناته ولو كن أمهات في الحقيقة ورثن المؤمنين وقد روي في حرف عبد الله وهو ~~أب لهم ولو صح ذلك كان معناه أنه كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم ~~كما قال تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤف رحيم وقوله تعالى إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا روي عن ~~محمد بن الحنفية أنها نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني وعن ~~الحسن أن تصلوا أرحامكم وقال عطاء هو المؤمن والكافر بينهما قرابة إعطاؤه ~~له # PageV05P223 # أيام حياته ووصيته له وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي ~~الربيع الجرجاني قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ~~إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا قال إلا أن يكون لك ذو قرابة ليس على ~~دينك فتوصي له بشيء هو وليك في النسب وليس وليك في الدين # وقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة من الناس من يحتج به في ~~وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ولزوم التأسي به فيها ومخالفو هذه ~~الفرقة يحتجون به أيضا في نفي إيجاب أفعاله فأما الأولون فإنهم ذهبوا إلى ~~أن التأسي به هو الاقتداء به وذلك عموم في القول والفعل جميعا فلما قال ~~تعالى لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر دل على أنه واجب إذ جعله شرطا ~~للإيمان كقوله تعالى واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ونحوه من الألفاظ المقرونة ~~إلى الإيمان فيدل على الوجوب ms2288 واحتج الآخرون بأن قوله لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة يقتضي ظاهره الندب دون الإيجاب لقوله تعالى لكم مثل قول ~~القائل لك أن تصلي ولك أن تتصدق لا دلالة فيه على الوجوب بل يدل ظاهره على ~~أن له فعله وتركه وإنما كان يدل على الإيجاب لو قال عليكم التأسي بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر والصحيح أنه لا دلالة فيه على الوجوب بل ~~دلالته على الندب أظهر منها على الإيجاب لما ذكرنا ومع ذلك ورد بصيغة الأمر ~~لما دل على الوجوب في أفعاله صلى الله عليه وسلم لأن التأسي به هو أن نفعل ~~مثل ما فعل ومتى خالفناه في اعتقاد الفعل أو في معناه لم يكن ذلك تأسيا به ~~ألا ترى أنه إذا فعله على الندب وفعلناه على الوجوب كنا غير متأسين به وإذا ~~فعل صلى الله عليه وسلم فعلا لم يجز لنا أن نفعله على اعتقاد الوجوب فيه ~~حتى نعلم أنه فعله على ذلك فإذا علمنا أنه فعله على الوجوب لزمنا فعله على ~~ذلك الوجه لا من جهة هذه الآية إذ ليس فيها دلالة على الوجوب لكن من جهة ما ~~أمرنا الله تعالى باتباعه في غير هذه الآية # وقوله تعالى ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ~~قيل إنه وعدهم أنهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم كقوله ~~تعالى ليظهره على الدين كله وقال قتادة الذي وعدهم في قوله أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية وقوله تعالى وما ~~زادهم إلا إيمانا وتسليما إخبار عن صفتهم في حال المحنة وأنهم ازدادوا ~~عندها يقينا وبصيرة وذلك صفة أهل البصائر في الإيمان بالله # وقوله تعالى فمنهم من قضى نحبه قيل إن النحب النذر أي قضى نذره # PageV05P224 # الذي نذره فيما عاهد الله عليه وقال الحسن قضى نحبه مات على ما عاهد عليه ~~ويقال إن النحب الموت والنحب المد في السير يوما وليلة وقال مجاهد قضى نحبه ~~عهده قال ms2289 أبو بكر لما كان النحب قد يجوز أن يكون المراد به العهد والنذر ~~وقد مدحهم الله على الوفاء به بعينه دل ذلك على أن من نذر قربة فعليه ~~الوفاء به بعينه دون كفارة اليمين # وقوله تعالى وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم قيل في ~~الصياصي إنها الحصون التي كانوا يمتنعون بها وأصل الصيصة قرن البقرة وبها ~~تمتنع وتسمى بها شوكة الديك لأنه بها يمتنع فسميت الحصون صياصي على هذا ~~المعنى وروي أن المراد بها بنو قريظة كانوا نقضوا العهد وعاونوا الأحزاب ~~وقال الحسن هم بنو النضير وسائر الرواة على أنهم بنو قريظة وظاهر الآية يدل ~~عليه لأنه قال تعالى فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ولم يقتل النبي صلى الله ~~عليه وسلم بني النضير ولا أسرهم وإنما أجلاهم عن بلادهم # وقوله تعالى وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها يعني به أرض ~~بني قريظة وعلى تأويل من تأوله على بني النضير فالمراد أرض بنى النضير ~~وقوله تعالى وأرضا لم تطؤها قال الحسن أرض فارس والروم وقال قتادة مكة وقال ~~يزيد بن رومان خيبر قال أبو بكر من الناس من يحتج به في أن الأرضين العنوية ~~التي يظهر عليها الإمام يملكها الغانمون ولا يجوز للإمام أن يقر أهلها ~~عليها على أنها ملك لهم لقوله وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم ~~تطؤها وظاهره يقتضي إيجاب الملك لهم ولا دلالة فيه على ما ذكروا لأن ظاهره ~~قوله وأورثكم لا يختص بإيجاب الملك دون الظهور والغلبة وثبوت اليد ومتى وجد ~~أحد هذه الأشياء فقد صح معنى اللفظ قال الله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا ولم يرد بذلك الملك وأيضا فلو صح أن المراد الملك كان ~~ذلك في أرض بنى قريظة في قوله وأورثكم أرضهم وأما قوله وأرضا لم تطؤها فإنه ~~يقتضي أرضا واحدة لا جميع الأرضين فإن كان المراد خيبر فقد ملكها المسلمون ~~وإن كان المراد أرض فارس والروم لقد ملك المسلمون بعض أرض فارس والروم فقد ~~وجد مقتضى الآية ولا ms2290 دلالة فيه على أن سبيلهم أن يملكوا جميعها إذ كان قوله ~~وأرضا لم تطؤها لم يتناول إلا أرضا واحدة فلا دلالة فيه على قول المخالف # وقوله تعالى «15- احكام مس» # PageV05P225 # يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية # حدثنا عبد الله ابن محمد المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني ~~قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت لما نزلت وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بي فقال يا عائشة إني ~~ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك قالت قد علم الله ~~تعالى إن أبوى لم يكونا يأمر اننى بفراقه قالت فقرأ علي يا أيها النبي قل ~~لأزواجك # الآية فقلت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة # وروى غير الجرجاني عن عبد الرزاق قال معمر فأخبرني أيوب أن عائشة قالت يا ~~رسول الله لا تخبر أزواجك أني أختارك قال إنما بعثت معلما ولم أبعث متعنتا # قال أبو بكر اختلف الناس في معنى تخيير الآية فقال قائلون وهم الحسن ~~وقتادة إنما خيرهن بين الدنيا والآخرة لأنه قال إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها- إلى قوله- وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة وقال آخرون بل ~~كان تخييرا للطلاق على شريطة أنهن إذا اخترن الدنيا وزينتها كن مختارات ~~للطلاق لأنه تعالى قال إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ~~وأسرحكن سراحا جميلا فجعل اختيارهن للدنيا اختيارا للطلاق ويستدلون عليه ~~أيضا بما روى مسروق عن عائشة أنها سئلت عن الرجل يخير امرأته فقالت قد ~~خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقا وفي بعض الأخبار فاخترناه ~~فلم يعده طلاقا قالوا ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرهن إلا ~~الخيار المأمور به في الآية ويدل عليه ما قدمناه # من حديث عروة عن عائشة أنها لما نزلت الآية قال لها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ms2291 أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ~~قالت قد علم الله أن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه ثم تلا عليها الآية ~~قالت إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة # فقالوا هذا الخبر أيضا قد حوى الدلالة من وجوه على أنه خيرهن بين الدنيا ~~والآخرة وبين اختيارهن الطلاق أو البقاء على النكاح لأنه قال لها لا عليك ~~أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ومعلوم أن الاستئمار لا يقع في اختيار ~~الدنيا على الآخرة فثبت أن الاستئمار إنما أريد به في الفرقة أو الطلاق أو ~~النكاح وقولها إن أبوي لم يكونا يأمرانني بفراقه وقولها إني أريد الله ~~ورسوله فهذه الوجوه كلها تدل على أن الآية قد اقتضت التخيير بين الطلاق ~~والنكاح واحتج من قال لم يكن تخيير طلاق بقوله تعالى # PageV05P226 # تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا فإنما ~~أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطلقهن إذا اخترن الدنيا ولم يوجب ذلك ~~وقوع طلاق باختيارهن كما يقول القائل لامرأته إن اخترت كذا طلقتك يريد به ~~استئناف إيقاع بعد اختيارها لما ذكره قال أبو بكر قد اقتضت الآية لا محالة ~~تخييرهن بين الفراق وبين النبي صلى الله عليه وسلم لأن قوله وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله والدار الآخرة قد دل على إضمار اختيارهن فراق النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها إذ كان النسق الآخر ~~من الاختيار هو اختيار النبي صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة فثبت أن ~~الاختيار الآخر إنما هو اختيار فراقه ويدل عليه قوله فتعالين أمتعكن ~~والمتعة إنما هي بعد اختيارهن للطلاق وقوله وأسرحكن إنما المراد إخراجهن من ~~بيوتهن بعد الطلاق كما قال تعالى إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن- إلى ~~قوله- سراحا جميلا فذكر المتعة بعد الطلاق وأراد بالتسريح إخراجها من بيته ~~وقد اختلف السلف فيمن خيرا امرأته # فقال علي رضي الله عنه إن اختارت زوجها فواحدة رجعية وإن اختارت نفسها ~~فواحدة بائنة # وذلك في رواية زادان عنه # وروى أبو جعفر عن علي أنها ms2292 إذا اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها ~~فواحدة بائنة # وقال عمر وعبد الله رضي الله عنهما في الخيار وأمرك بيدك إن اختارت نفسها ~~فواحدة رجعية وإن اختارت زوجها فلا شيء وقال زيد بن ثابت في الخيار إن ~~اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فثلاث وقال في أمرك بيدك إن اختارت ~~نفسها فواحدة رجعية واختلف فقهاء الأمصار في ذلك أيضا فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد إن اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة ~~إذا أراد الزوج الطلاق ولا يكون ثلاثا وإن نوى وقالوا في أمرك بيدك مثل ذلك ~~إلا أن ينوي ثلاثا فيكون ثلاثا وقال ابن أبى ليلى والشورى والأوزاعي في ~~الخيار إن اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت نفسها فواحدة يملك بها الرجعة ~~وقال مالك في الخيار إنه ثلاث إذا اختارت نفسها وإن طلقت نفسها واحدة لم ~~يقع شيء وقال في أمرك بيدك إذا قالت أردت واحدة فهي واحدة يملك الرجعة ولا ~~يصدق في الخيار أنه أراد واحدة ولو قال اختاري تطليقة فطلقت نفسها فهي ~~واحدة رجعية وقال الليث في الخيار إن اختارت زوجها فلا شيء وإن اختارت ~~نفسها فهي بائنة وقال الشافعي في اختاري وأمرك بيدك ليس بطلاق إلا أن # PageV05P227 # يريد الزوج ولو أراد طلاقها فقالت قد اخترت نفسي فإن أرادت طلاقا فهو ~~طلاق وإن لم ترده فليس بطلاق قال أبو بكر التخيير في نفسه ليس بطلاق لا ~~صريح ولا كناية ولذلك قال أصحابنا إنه لا يكون ثلاثا وإن أرادهن ويدل عليه # أن النبي صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه # فلم يكن ذلك طلاقا ولأن الخيار لا يختص بالطلاق دون غيره فلا دلالة فيه ~~عليه وليس هو عندكم كقوله اعتدى أن يكون طلاقا إذا نوى لأن العدة من موجب ~~الطلاق فالطلاق مدلول عليه باللفظ وإنما جعلوا الخيار طلاقا إذا اختارت ~~نفسها بالاتفاق وبأنه معلوم أن تخيير النبي صلى الله عليه وسلم نساءه لما ~~كان بين الفراق والبقاء على النكاح أنهن لو اخترن ms2293 أنفسهن لوقعت الفرقة لولا ~~ذلك لم يكن للتخيير معنى وتشبيها له أيضا بسائر الخيارات التي تحدث في ~~النكاح كخيار امرأة العنين والمجبوب فيقع به الطلاق إذا اختارت الفرقة ومن ~~أجل ذلك لم يجعلوه ثلاثا لأن الخيارات الحادثة في الأصول لا تقع بها ثلاث. # (فصل) قال أبو بكر ومن الناس من يحتج بهذه الآية في إيجاب الخيار وفي ~~التفريق لامرأة العاجز عن النفقة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير بين ~~الدنيا والآخرة فاختار الفقر والآخرة أمر الله بتخير نسائه فقال تعالى يا ~~أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية قال أبو ~~بكر لا دلالة فيها على ما ذكروا وذلك لأن الله علق اختيار النبي صلى الله ~~عليه وسلم لفراقهن بإرادتهن الحياة الدنيا وزينتها ومعلوم أن من أراد من ~~نسائنا الحياة الدنيا وزينتها لم يوجب ذلك تفريقا بينها وبين زوجها فلما ~~كان السبب الذي من أجله أوجب الله التخيير المذكور في الآية غير موجب ~~للتخيير في نساء غيره فلا دلالة فيه على التفريق بين امرأة العاجز عن ~~النفقة وبينه وأيضا فإن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للآخرة دون الدنيا ~~وإيثاره للفقر دون الغنى لم يوجب أن يكون عاجزا عن نفقة نسائه لأن الفقير ~~قد يقدر على نفقة نسائه مع كونه فقيرا ولم يدع أحد من الناس ولا روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان عاجزا عن نفقة نسائه بل كان يدخر لنسائه قوت ~~سنة فالمستدل بهذه الآية على ما ذكر مغفل لحكمها # قوله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين قيل في تضعيف عذابهن وجهان أحدهما أنه لما كانت نعم الله عليهن أكثر ~~منها على غيرهن بكونهن أزواجا للنبي صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي في ~~بيوتهن وتشريفهن بذلك كان # PageV05P228 # كفرانها منهن أعظم وأجدر بعظم العقاب لأن النعمة كلما عظمت كان كفرانها ~~أعظم فيما يستحق به من العقاب إذ كان استحقاق العقاب على حسب كفران النعمة ~~ألا ترى ms2294 أن من لطم أباه استحق من العقوبة أكثر مما يستحقه من لطم أجنبيا ~~لعظم نعمة أبيه عليه وكفرانه لها بلطمته ويدل على هذا التأويل قوله تعالى ~~في نسق التلاوة واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة # فدل على أن تضعيف العذاب عليهن بالمعصية لأجل عظم النعمة عليهن بتلاوة ~~آيات الله في بيوتهن ومن أجل ذلك عظمت طاعاتهن أيضا بقوله ومن يقنت منكن ~~لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين لأن الطاعة في استحقاق الثواب ~~بها بإزاء المعصية في استحقاق العقاب بها والوجه الآخر أن في إتيانهن ~~المعاصي أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لما يلحق من العار والغم ومعلوم أن ~~من آذى النبي صلى الله عليه وسلم فهو أعظم جرما ممن آذى غيره وقال تعالى إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ثم قال والذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ولما ~~عظم الله تعالى طاعات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب بها الأجر ~~مرتين دل بذلك على أن أجر العامل العالم أفضل وثوابه أعظم من العامل غير ~~العالم وقوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة قد دل ~~على ذلك # قوله تعالى فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض قيل فيه أن لا تلين ~~القول للرجال على وجه يوجب الطمع فيهن من أهل الريبة وفيه الدلالة على أن ~~ذلك حكم سائر النساء في نهيهن عن إلانة القول للرجال على وجه يوجب الطمع ~~فيهن ويستدل به على رغبتهن فيهم والدلالة على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع ~~صوتها بحيث يسمعها الرجال وفيه الدلالة على أن المرأة منهية عن الأذان ~~وكذلك قال أصحابنا وقال الله تعالى في آية أخرى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن فإذا كانت منهية عن إسماع صوت خلخالها فكلامها إذا كانت ~~شابة تخشى من قبلها الفتنة أولى بالنهي عنه # وقوله تعالى وقرن في بيوتكن روى هشام عن محمد بن سيرين ms2295 قال قيل لسودة بنت ~~زمعة ألا تخرجين كما تخرج إخوتك قالت والله لقد حججت واعتمرت ثم أمرني الله ~~أن أقر في بيتي فو الله لا أخرج فما خرجت حتى أخرجوا جنازتها وقيل إن معنى ~~وقرن في بيوتكن كن أهل وقار وهدوء وسكينة يقال وقرفلان في منزله يقر وقورا ~~إذا هدأ فيه واطمأن به وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم # PageV05P229 # البيوت منهيات عن الخروج وقوله تعالى ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى روى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى قال كانت المرأة ~~تتمشى بين أيدي القوم فذلك تبرج الجاهلية وقال سعيد عن قتادة ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى يعني إذا خرجتن من بيوتكن قال كانت لهن مشية وتكسر ~~وتغنج فنهاهن الله عن ذلك وقيل هو إظهار المحاسن للرجال وقيل في الجاهلية ~~الأولى ما قبل الإسلام والجاهلية الثانية حال من عمل في الإسلام بعمل أولئك ~~فهذه الأمور كلها مما أدب الله تعالى به نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~صيانة لهن وسائر نساء المؤمنين مرادات بها وقوله تعالى إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت روي عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت في علي ~~وفاطمة والحسن والحسين وقال عكرمة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~ومن قال بذلك # يحتج بأن ابتداء الآية ونسقها في ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ألا ~~ترى إلى قوله واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وقال بعضهم في ~~أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي أزواجه لاحتمال اللفظ للجميع # وقوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم فيه الدلالة على أن أوامر الله وأوامر رسوله على ~~الوجوب لأنه قد نفى بالآية أن تكون لنا الخيرة في ترك أوامر الله وأوامر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن على الوجوب لكنا مخيرين بين الترك ~~والفعل وقد نفت الآية التخيير وقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ms2296 في نسق ذكر ~~الأوامر يدل على ذلك أيضا وأن تارك الأمر عاص لله تعالى ولرسوله صلى الله ~~عليه وسلم فقد انتظمت الآية الدلالة على وجوب أوامر الله وأوامر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من وجهين أحدهما أنها نفت التخيير معهما والثاني أن تارك ~~الأمر عاص الله ورسوله # وقوله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه الآية # روى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد قال قال لي علي بن الحسين ما كان ~~الحسين يقول في قوله تعالى وتخفي في نفسك ما الله مبديه قال قلت كان يقول ~~إنها كانت تعجبه وإنه قال لزيد اتق الله وأمسك عليك زوجك قال لا ولكن الله ~~أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه فلما جاءه زيد يشكو منها قال له اتق ~~الله وأمسك عليك زوجك # قال الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وقيل إن زيدا قد كان يخاصم امرأته ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودام الشر بينهما حتى ظن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها فأضمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إن ~~طلقها زيد تزوجها وهي زينب بنت جحش وكانت بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم # PageV05P230 # فأراد أن يضمها إليه صلة لرحمها وإشفاقا عليها فعاتبه الله على إضمار ذلك ~~وإخفائه وقوله لزيد اتق الله أمسك عليك زوجك وأراد أن يكون باطنه وظاهره ~~عند الناس سواء كما قال في قصة عبد الله بن سعد حين قيل له هلا أومأت إلينا ~~بقتله فقال ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين وأيضا فإن ذلك لم يكن ~~مما يجب إخفاءه لأنه مباح جائز والله تعالى عالم به وهو أحق بأن يخشى من ~~الناس وقد أباحه الله تعالى فالناس أولى بأن لا يخشوا في إظهاره وإعلانه ~~وهذه القصة نزلت في زيد بن حارثة وكان ممن أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالعتق ولذلك قيل للمعتق مولى نعمة وقوله ~~تعالى فلما قضى زيد منها ms2297 وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم الآية قد حوت هذه الآية أحكاما أحدها الإبانة عن علة الحكم ~~في إباحة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأن ذلك قد اقتضى إباحته للمؤمنين ~~فدل على إثبات القياس في الأحكام واعتبار المعاني في إيجابها والثاني أن ~~النبوة من جهة التبني لا تمنع جواز النكاح والثالث أن الأمة مساوية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في الحكم إلا ما خصه الله تعالى به لأنه أخبر أنه أحل ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون المؤمنون مساوين له # قوله عز وجل هو الذي يصلي عليكم وملائكته فإن الصلاة من الله هي الرحمة ~~ومن العباد الدعاء قال الأعشى: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # وروى معمر عن الحسن في قوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته قال إن ~~بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام هل يصلي ربك فكأن ذلك كبر في صدره ~~فسأله فأوحى الله إليه أن أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي رحمتي سبقت غضبي فإن ~~قيل من أصلكم أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان وقد جاء في ~~القرآن اشتمال لفظ الصلاة على معنى الرحمة والدعاء جميعا قيل له هذا يجوز ~~عندنا في الألفاظ المجملة والصلاة اسم مجمل مفتقر إلى البيان فلا يمتنع ~~إرادة المعاني المختلفة فيما كان هذا سبيله # قال قتادة في قوله وسبحوه بكرة وأصيلا صلاة الضحى وصلاة العصر وقوله ~~تعالى وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا سمي النبي صلى الله عليه وسلم ~~سراجا منيرا تشبيها له بالسراج الذي به يستنار الأشياء في الظلمة لأنه بعث ~~صلى الله عليه وسلم وقد طبقت على الأرض ظلمة الشرك فكان كالسراج الذي يظهر ~~في الظلمة وكما سمي القرآن نورا وهدى وروحا وسمي جبريل عليه السلام روحا ~~لأن # PageV05P231 # الروح بها يحيى الحيوان وذلك كله مجاز واستعارة وتشبيه وقوله تعالى ~~تحيتهم يوم يلقونه سلام قال قتادة تحية أهل الجنة السلام قال أبو بكر هو ~~مثل قوله دعواهم فيها ms2298 سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام. ### | باب الطلاق قبل النكاح # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ~~قال أبو بكر قد تنازع أهل العلم في دلالة هذه الآية في صحة إيقاع طلاق ~~المرأة بشرط التزويج وهو أن يقول إن تزوجت امرأة فهي طالق فقال قائلون قد ~~اقتضت الآية إلغاء هذا القول وإسقاط حكمه إذ كانت موجبة لصحة الطلاق بعد ~~النكاح وهذا القائل مطلق قبل النكاح وقال آخرون دلالتها ظاهرة في صحة هذا ~~القول من قائله ولزوم حكمه عند وجود النكاح لأنها حكمت بصحة وقوع الطلاق ~~بعد النكاح ومن قال لأجنبية إذا تزوجتك فأنت طالق فهو مطلق بعد النكاح فوجب ~~بظاهر الآية إيقاع طلاقه وإثبات حكم لفظه وهذا القول هو الصحيح وذلك لأنه ~~لا يخلو العاقد لهذا القول من أن يكون مطلقا في حال العقد أو في حال ~~الإضافة ووجود الشرط فلما اتفق الجميع على أن من قال لامرأته إذا بنت مني ~~وصرت أجنبية فأنت طالق أنه موقع للطلاق في حال الإضافة لا في حال القول ~~وأنه بمنزلة من أبان امرأته ثم قال لها أنت طالق فسقط حكم لفظه ولم يعتبر ~~حال العقد مع وجود النكاح فيها صح أن الاعتبار بحال الإضافة دون حال العقد ~~فإن القائل للأجنبية إذا تزوجتك فأنت طالق موقع للطلاق بعد الملك وقد اقتضت ~~الآية إيقاع الطلاق لمن طلق بعد الملك وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ضروب ~~من الأقاويل فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد إذا قال كل امرأة أتزوجها ~~فهي طالق أو قال كل مملوك أملكه فهو حر أن من تزوج تطلق ومن ملك من ~~المماليك يعتق ولم يفرقوا بين من عم أو خص وقال ابن أبي ليلى إذا عم لم يقع ~~وإن سمى شيئا بعينه أو جماعة إلى أجل وقع وكذلك قول مالك وذكر عن مالك أيضا ~~أنه إذا ضرب لذلك أجلا يعلم أنه لا ms2299 يبلغه فقال إن تزوجت امرأة إلى كذا وكذا ~~سنة لم يلزمه شيء ثم قال مالك ولو قال كل عبد أشتريه فهو حر فلا شيء عليه ~~وقال الثوري إذا قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لزمه ما قال وهو # PageV05P232 # قول عثمان البتي وقال الأوزاعي فيمن قال لامرأته كل جارية أتسرى بها عليك ~~فهي حرة فتسرى عليها جارية فإنها تعتق وقال الحسن بن صالح إذا قال كل مملوك ~~أملكه فهو حر فليس بشيء ولو قال أشتريه أو أرثه أو نحو ذلك عتق إذا ملك ~~بذلك الوجه لأنه خص ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فليس بشيء ولو قال ~~من بني فلان أو من أهل الكوفة أو آل كذا لزمه قال الحسن لا نعلم أحدا منذ ~~وضعت الكوفة أفتى بغير هذا وقال الليث فيما خص إنه يلزمه في الطلاق والعتق ~~وقال الشافعي لا يلزمه من ذلك شيء لا إذا خص ولا إذا عم وقد اختلف السلف ~~أيضا في ذلك روي عن ياسين الزيات عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن أن عمر بن الخطاب قال في رجل قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق قال هو ~~كما قال وروى مالك عن سعيد بن عمرو بن سليم الزرقي أنه سأل القاسم بن محمد ~~عن رجل طلق امرأته قبل أن يتزوجها فقال القاسم إن رجلا خطب امرأة فقال هي ~~علي كظهر أمي إن تزوجتها فأمره عمر بن الخطاب أن يتزوجها ولا يقربها حتى ~~يكفر كفارة الظهار وروى الثوري عن محمد بن قيس عن إبراهيم عن الأسود أنه ~~قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوجها ناسيا فأتى ابن مسعود فذكر ذلك له ~~فألزمه الطلاق وهو قول النخعي والشعبي ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وقال ~~الشعبي إذا سمى امرأة بعينها أو قال إن تزوجت من بني فلان فهو كما قال وإذا ~~قال كل امرأة أتزوجها فليس بشيء وقال سعيد بن المسيب إذا قال إن تزوجت ~~فلانة فهي طالق فليس بشيء وقال القاسم بن سالم وعمر ms2300 بن عبد العزيز هو جائز ~~عليه وروي عن ابن عباس في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق أنه ليس بشيء ~~وروي عن عائشة وجابر في آخرين من التابعين قالوا لا طلاق قبل نكاح ولا ~~دلالة في هذا اللفظ على مخالفة قول أصحابنا لأن عندنا أن من قال إن تزوجت ~~امرأة فهي طالق أنه # مطلق بعد النكاح وما قدمنا من دلالة الآية على صحة قولنا كاف في الاحتجاج ~~على المخالف وتصحيح المقالة ويدل عليه قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود اقتضى ظاهره إلزام كل عاقد موجب عقده ومقتضاه فلما كان هذا ~~القائل عاقدا على نفسه إيقاع طلاق بعد النكاح وجب أن يلزمه حكمه ويدل عليه # قوله صلى الله عليه وسلم المسلمون عند شروطهم # أوجب ذلك أن كل من شرط على نفسه شرطا ألزم حكمه عند وجود شرطه ويدله عليه ~~من طريق النظر اتفاق الجميع على أن النذر لا يصح إلا في ملك وأن من قال إن ~~رزقني الله ألف درهم فلله علي # PageV05P233 # أن أتصدق بمائة منها أنه ناذر في ملكه من حيث أضافه إليه وإن لم يكن ~~مالكا في الحال فكذلك الطلاق والعتق إذا أضافهما إلى الملك كان مطلقا ~~ومعتقا في الملك ويدل عليه أن من قال لجاريته إن ولدت ولدا فهو حر فحملت ~~بعد ذلك وولدت أنه يعتق وإن لم يكن مالكا في حال القول لأن الولد مضاف إلى ~~الأم التي هو مالكها كذلك إذا أضاف العتق إلى الملك فهو معتق في الملك وإن ~~لم يكن له ملك موجود في الحال وأيضا قد اتفق الجميع على أنه إذا قال ~~لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلتها مع بقاء النكاح أنها تطلق ويكون ~~بمنزلة ما لو قال لها في تلك الحال أنت طالق ولو أبانها ثم دخلها كان ~~بمنزلة ما لو قال لها في تلك الحال أنت طالق فلا تطلق فدل ذلك على أن ~~الحالف يصير كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت فوجب أن يكون القائل كل امرأة ~~أتزوجها ms2301 فهي طالق فتزوج بمنزلة من تزوج ثم قال لها أنت طالق فإن قيل لو كان ~~هذا صحيحا لوجب أنه لو حلف ثم جن فوجد شرط اليمين أن لا يحنث لأنه بمنزلة ~~المتكلم بالجواب في ذلك الوقت قيل له لا يجب ذلك لأن المجنون لا قول له ~~وقوله وسكوته بمنزلة فلما لم يصح قوله لم يصح إيقاعه ابتداء ولما كان قوله ~~قبل الجنون صحيحا لزمه حكمه في حال الجنون ومع ذلك فإن المجنون قد يصح طلاق ~~امرأته وعتق عبده لأنه لو كان مجنون أو عنينا لفرق بينه وبينها وكان طلاقا ~~ولو ورث أباه عتق عليه كالنائم لا يصح منه ابتداء الإيقاع ويلزمه حكمه بسبب ~~يوجبه مثل أن يكون قد وكل بعتق عبده أو طلاق امرأته فطلق وهو نائم فإن قيل # قد روي عن علي ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا طلاق قبل نكاح # قيل له أسانيدها مضطربة لا يصح من جهة النقل ولو صح من جهة النقل لم يدل ~~على موضع الخلاف لأن من ذكرنا مطلق بعد النكاح وأيضا فإنه نفى بذلك إيقاع ~~طلاق قبل النكاح ولم ينف العقد فلما كان قوله لا طلاق قبل نكاح حقيقته نفي ~~الإيقاع والعقد على الطلاق ليس بطلاق لم يتناوله اللفظ من وجهين أحدهما أن ~~إطلاق ذلك في العقد مجاز لا حقيقة لأن من عقد يمينا على طلاق لإيقاع إنه قد ~~طلق ما لم يقع وحكم اللفظ حمله على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز والثاني ~~أنهم لم يختلفوا أنه مستعمل في الحقيقة فغير جائز أن يراد به المجاز لأن ~~لفظا واحدا لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز # وقد روي عن الزهري في قوله صلى الله عليه وسلم لا طلاق قبل نكاح # إنما هو أن يذكر للرجل المرأة فيقال له تزوجها فيقول هي طالق ألبتة فهذا ~~ليس # PageV05P234 # بشيء فأما من قال إن تزوجت فلانة فهي طالق ألبتة فإنما طلقها حين تزوجها ~~وكذلك في الحرية وقد قيل ms2302 فيه إنه إن أراد العقد فهو الرجل يقول لأجنبية إن ~~دخلت الدار فأنت طالق ثم يتزوجها فتدخل الدار فلا تطلق وإن كان الدخول في ~~حال النكاح قال أبو بكر لا فرق بين من خص أو عم لأنه إن كان إذا خص فهو ~~مطلق في الملك وكذلك حكمه إذا عم وإن كان إذا عم غير مطلق في ملك فكذلك في ~~حال الخصوص فإن قيل إذا عم فقد حرم جميع النساء على نفسه كالمظاهر لما حرم ~~امرأته تحريما مبهما لم يثبت حكمه قيل له هذا غلط من وجوه أحدها أن المظاهر ~~إنما قصد تحريم امرأة بعينها ومن أصل المخالف أنه إذا عين وخص وقع طلاقه ~~وإنما لا يوقعه إذا عم فواجب على أصله أن لا يقع طلاقه وإن خص كما لم تحرم ~~المظاهر منها تحريما مبهما وأيضا فإن الله تعالى لم يبطل حكم ظهاره وتحريمه ~~بل حرمها عليه بهذا القول وأثبت عليه حكم ظهاره وأيضا إن الحالف بطلاق من ~~يتزوج من النساء غير محرم للنساء على نفسه لأنه لم يوجب بذلك تحريم النكاح ~~وإنما أوجب طلاقا بعد صحة النكاح ووقوع استباحة البضع وأيضا فإنه إذا قال ~~كل امرأة أتزوجها فهي طالق متى ألزمناه ما عقد عليه من الطلاق لم يكن تحريم ~~المرأة مبهما بل إنما تطلق واحدة ويجوز له أن يتزوجها ثانيا ولا يقع شيء ~~فهذه الوجوه كلها تنبئ عن إغفال هذا السائل في سؤاله ذلك وأنه لا تعلق له ~~بالمسألة قال أبو بكر ومن الناس من يقول إذا قال إن تزوجتها فهي طالق وإن ~~اشتريته فهو حر أنه لا يقع إلا أن يقول إذا صح نكاحي لك فأنت طالق بعد ذلك ~~وإذا ملكتك بالشرى فأنت حر وذهب إلى أنه إذا جعل النكاح والشرى شرطا للطلاق ~~والعتاق فسبيل ذلك البضع وملك الرقبة أن يقعا بعد العقد وهذه هي حال إيقاع ~~الطلاق والعتق فيرد الملك والطلاق والعتاق معا فلا يقعان لأن الطلاق ~~والعتاق لا يقعان إلا في ملك مستقر قبل ذلك قال أبو ms2303 بكر وهذا لا معنى له ~~لأن القائل إذا تزوجتك فأنت طالق وإذا اشتريتك فأنت حر معلوم من فحوى كلامه ~~أنه أراد به إيقاع الطلاق بعد صحة النكاح وإيقاع العتاق بعد صحة الملك ~~فيكون بمنزلة القائل إذا ملكتك بالنكاح أو ملكتك بالشرى فلما كان الملك ~~بالنكاح والشرى في مضمون اللفظ صار ذلك كالنطق به فإن قيل لو كان ذلك كذلك ~~لوجب أن يكون القائل إن اشتريت عبدا فامرأتي طالق فاشترى عبدا لغيره أن لا ~~تطلق امرأته لأن في مضمون لفظه الملك كأنه قال إن ملكت بالشرى قيل له لا ~~يجب ذلك لأن اللفظ # PageV05P235 # إنما الملك يتضمن فيما يوقع طلاقه أو عتقه فأما في غيرهما فهو محمول على ~~حكم اللفظ من غير تضمين له بوقوع ملك ولا غيره # وقوله تعالى من قبل أن تمسوهن قد بينا في سورة البقرة أن الخلوة مرادة ~~بالمسيس وأن نفي العدة متعلق بنفي الخلوة والجماع جميعا وفيما قدمنا ما ~~يغني عن الإعادة وقوله تعالى فمتعوهن إن كان من لم يسم لها مهرا فهو على ~~الوجوب كقوله تعالى أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن وإن كان المراد المدخول ~~بها فهو ندب غير واجب وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن ~~بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها الآية قال التي نكحت ولم يبين لها ولم يفرض لها ~~فليس لها صداق وليس عدة وقال قتادة عن سعيد هي منسوخة بقوله في البقرة فنصف ~~ما فرضتم وقوله تعالى وسرحوهن بعد ذكر الطلاق قبل الدخول يشبه أن يكون ~~المراد به إخراجها من بيته أو من حباله لأنه مذكور بعد الطلاق فالأظهر أن ~~هذا التسريح ليس بطلاق ولكنه بيان أنه لا سبيل له عليها وأن عليه تخليتها ~~من يده وحباله وبالله التوفيق. ### | باب ما أحل الله تعالى لرسوله من النساء # قال الله تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ~~الآية قال أبو ms2304 بكر قد انتظمت الآية ضروب النكاح الذي أباحه الله تعالى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم فمنها قوله اللاتي آتيت أجورهن يعني من تزوج منهن ~~بمهر مسمى وأعطاهن ومنها ما ملكت اليمين بقوله وما ملكت يمينك مما أفاء ~~الله عليك مثل ريحانة وصفية وجويرية ثم أعتقهما وتزوجهما وذلك مما أفاء ~~الله عليه من الغنيمة وذكر تعالى بعد ذلك ما أحل له من أقاربه فقال وبنات ~~عمك وبنات عماتك ثم ذكر ما أحل له من النساء بغير مهر فقال وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي وأخبر أنه مخصوص بذلك دون أمته وأنه وأمته سواء فيمن تقدم ~~ذكرهن وقوله تعالى اللاتي هاجرن معك قال أبو يوسف لا دلالة فيه على أن ~~اللاتي لم يهاجرن كن محرمات عليه وهذا يدل على أنه لم يكن يرى أن المخصوص ~~بالذكر يدل على أن ما عداه بخلافه وروى داود بن أبي هند عن محمد بن أبي ~~موسى عن زياد عن أبي بن كعب قال قلت له أرأيت لو هلك نساء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكان له أن ينكح قال وما # PageV05P236 # يمنعه أحل الله له ضروبا من النساء فكان يتزوج منهن ما شاء ثم تلا يا ~~أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك الآية وهذا يدل على أن تخصيص الله تعالى ~~للمذكورات بالإباحة لم يوجب عليه حظر من سواهن عند أبي بن كعب لأنه أخبر ~~أنهن لو هلكن لكان له أن يتزوج غيرهن وقد روي عن أم هانئ خلاف ذلك # روى إسرائيل عن السدي عن أبي صالح عن أم هانئ قالت خطبني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذر فأنزل الله إنا أحللنا لك أزواجك- إلى ~~قوله- اللاتي هاجرن معك # قالت فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه كنت مع الطلقاء فإن صح هذا الحديث ~~فإن مذهب أم هانئ أن تخصيصه للمهاجرات منهن قد أوجب حظر من لم تهاجر ويحتمل ~~أن تكون قد علمت حظرهن بغير دلالة الآية وأن الآية إنما فيها إباحة من ~~هاجرت منهن ms2305 ولم تعرض لمن لم تهاجر بحظر ولا إباحة إلا أنها قد علمت من جهة ~~أخرى حظرهن قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي الآية فيها نص على ~~إباحة عقد النكاح بلفظ الهبة للنبي صلى الله عليه وسلم واختلف أهل العلم في ~~عقد النكاح بلفظ الهبة لغير النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف وزفر ومحمد والثوري والحسن بن صالح يصح النكاح بلفظ الهبة ولها ما سمى ~~لها وإن لم يسم شيئا فلها مهر مثلها وذكر ابن القاسم عن مالك قال الهبة لا ~~تحل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح ~~وإنما وهبها له ليحصنها أو ليكفيها فلا أرى بذلك بأسا وقال الشافعي لا يصح ~~النكاح بلفظ الهبة وقد تنازع أهل العلم حكم هذه الآية فقال قائلون كان عقد ~~النكاح بلفظ الهبة مخصوصا به النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى في نسق ~~التلاوة خالصة لك من دون المؤمنين وقال آخرون بل كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمته في عقد النكاح بلفظ الهبة سواء وإنما خصوصية النبي صلى الله ~~عليه وسلم كانت في جواز استباحة البضع بغير بدل وقد روي نحو ذلك عن مجاهد ~~وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وهذا هو الصحيح لدلالة الآية والأصول ~~عليه فأما دلالة الآية على ذلك فمن وجوه أحدها قوله وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين فلما أخبر ~~في هذه الآية أن ذلك كان خالصا له دون المؤمنين مع إضافة لفظ الهبة إلى ~~المرأة دل ذلك على أن ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك إنما هو ~~استباحة البضع بغير بدل لأنه لو كان المرأة اللفظ لما شاركه فيه غيره لأن ~~ما كان مخصوصا به وخالصا له فغير جائز أن تقع بينه وبين # PageV05P237 # غيره فيه شركة حتى يساويه فيه إذ كانت مساواتهما في الشركة تزيل معنى ~~الخلوص والتخصيص فلما ms2306 أضاف لفظ الهبة إلى المرأة فقال وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي فأجاز العقد منها بلفظ الهبة علمنا أن التخصيص لم يقع في اللفظ ~~وإنما كان في المهر فإن قيل قد شاركه في جواز تمليك البضع بغير بدل ولم ~~يمنع ذلك خلوصها له فكذلك في لفظ العقد قيل له هذا غلط لأن الله أخبر أنها ~~خالصة له وإنما جعل الخلوص فيما هو له وإسقاط المرأة المهر في العقد ليس هو ~~لها ولكنه عليها فلم يخرجه ذلك من أن يكون ما جعل له خالصا لم تشركه فيه ~~المرأة ولا غيره والوجه الثاني من دلالة الآية قوله تعالى إن أراد النبي أن ~~يستنكحها فسمى العقد بلفظ الهبة نكاحا فوجب أن يجوز لكل أحد لقوله تعالى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء وأيضا لما جاز هذا العقد للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد أمرنا باتباعه والاقتداء به وجب أن يجوز لنا فعل مثله إلا أن تقوم ~~الدلالة على أنه كان مخصوصا باللفظ دون أمته وقد حصل له معنى الخلوص ~~المذكور في الآية من جهة إسقاط المهر فوجب أن يكون ذلك مقصورا عليه وما ~~عداه فغير محمول على حكمه إلا أن تقوم الدلالة على أنه مخصوص به ومما يدل ~~على أن خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم كانت في الصداق ما # حدثنا عن عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن بشر ~~قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت تعير النساء اللاتي ~~وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألا تستحي أن تعرض نفسها ~~بغير صداق فأنزل الله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء- إلى ~~قوله- فلا جناح عليك قالت عائشة رضى الله عنها لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إني أرى ربك يسارع في هواك ويدل على جوازه بلفظ الهبة ما # حدثنا عن محمد بن على ابن زيد الصائغ قال حدثنا سعيد بن منصور قال حدثنا ~~يعقوب بن عبد الرحمن قال ms2307 حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله جئت لأهب نفسي لك فنظر ~~إليها فصعد البصر وصوبه ثم طأطأ رأسه فقام رجل من الصحابة فقال يا رسول ~~الله إن لم تك لك بها حاجة فزوجنيها وذكر الحديث إلى قوله فقال معي سورة ~~كذا وسورة كذا فقال اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن # ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح بلفظ التمليك والهبة من ألفاظ التمليك ~~فوجب أن يجوز بها عقد النكاح ولأنه إذا ثبت بلفظ التمليك بالسنة ثبت بلفظ ~~الهبة إذ لم # PageV05P238 # يفرق أحد بينهما فإن قيل قد روي أنه قال قد زوجتك بما معك من القرآن قيل ~~له يجوز أن يكون ذكر مرة التزويج ثم ذكر لفظ التمليك ليبين أنهما سواء في ~~جواز عقد النكاح بهما وأيضا لما أشبه عقد النكاح عقود التمليكات في إطلاقه ~~من غير ذكر الوقت وكان التوقيت يفسده وجب أن يجوز بلفظ التمليك والهبة ~~كجواز سائر الأشياء المملوكة وهذا أصل في جواز سائر ألفاظ التمليك ولا يجوز ~~بلفظ الإباحة لأن لذلك أصلا آخر يمنع جوازه وهو المتعة التي حرمها النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعنى المتعة إباحة التمتع بها فكل ما كان من ألفاظ ~~الإباحة لم ينعقد به عقد النكاح قياسا على المتعة وكل ما كان من ألفاظ ~~التمليك ينعقد به النكاح قياسا على سائر عقود التمليكات لشبهه بها من ~~الوجوه التي ذكرنا وقد اختلف في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فروي عن ابن عباس رواية وعكرمة أنها ميمونة بنت الحارث وقال علي ~~بن الحسن هي أم شريك الدوسية وعن الشعبي أنها امرأة من الأنصار وقيل إنها ~~زينب بنت خزيمة الأنصارية قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~قال قتادة فرض أن لا ينكح امرأة إلا بولي وشاهدين وصداق ولا ينكح الرجل إلا ~~أربعا وقال مجاهد وسعيد بن جبير أربع قال أبو بكر وقوله وما ms2308 ملكت أيمانهم ~~يعني ما أباح لهم بملك اليمين كما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله ~~لكيلا يكون عليك حرج يرجع والله أعلم إلى قوله إنا أحللنا لك أزواجك وما ~~ذكر بعده فيما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يضيق عليه لأن الحرج ~~الضيق فأخبر تعالى بتوسعته على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أباحه له ~~وعلى المؤمنين فيما أطلقه لهم قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من ~~تشاء حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن أبى رزين في قوله ترجي من تشاء منهن ~~المرجات ميمونة وسودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وكانت عائشة وحفصة وأم سلمة ~~وزينب سواء في القسم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بينهن وحدثنا عبد ~~الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن ابن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله تعالى ترجي من تشاء منهن قال كان ذلك حين ~~أنزل الله أن يخيرهن قال الزهري وما علمنا رسول الله أرجى منهن أحدا ولقد ~~آواهن كلهن حتى مات صلى الله عليه وسلم قال معمر وقال قتادة جعله الله في ~~حل أن يدع من شاء منهن ويؤوي إليه من شاء يعني قسما وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قسم قال # PageV05P239 # معمر وأخبرنا من سمع الحسن يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب ~~امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ~~يدعها ففي ذلك نزلت ترجي من تشاء منهن قال أبو بكر وروى زكريا عن الشعبي ~~ترجي من تشاء منهن قال نساء كن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأرجى بعضهن ودخل ببعض منهن أم شريك لم تتزوج بعده وقال مجاهد ترجي من تشاء ~~منهن قال ترجيهن من غير طلاق ولا تأتيهن # وروى عاصم الأحول عن معاذة العدوية عن عائشة قالت كان رسول ms2309 الله صلى الله ~~عليه وسلم يستأذننا في يوم إحدانا بعد ما أنزل ترجي من تشاء منهن # فقالت لها معاذة فما كنت تقولين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~استأذن قالت كنت أقول إن كان ذلك إلي لم أوثر على نفسي أحدا قال أبو بكر # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه # ولم يذكر فيه تخصيص واحدة منهن بإخراجها من القسم # حدثنا محمد ابن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد الخطمي عن عائشة قالت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فيما ~~أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك # قال أبو داود يعني القلب وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال ~~حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا عبد الرحمن يعني ابن أبي الزناد عن هشام بن ~~عروة عن أبيه قالت عائشة ابن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ~~يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندها وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا ~~جميعا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت ~~عندها # ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا رسول الله يومي لعائشة فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منها # قالت نقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها أراه قال وإن امرأة خافت ~~من بعلها نشوزا # وروي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن نساءه في مرضه أن يكون ~~عند عائشة فأذن له # وهذا يدل على أنه قد كان يقسم لجميعهن وهو أصح من حديث أبي رزين الذي ذكر ~~فيه أنه أرجى جماعة من نسائه ثم لم يقسم لهن وظاهر الآية يقتضى تخير النبي ~~صلى الله عليه وسلم في إرجاء من شاء منهن ms2310 وإيواء من شاء فليس يمتنع أن ~~يختار إيواء الجميع إلا سودة فإنها رضيت بأن تجعل يومها لعائشة قوله تعالى ~~ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك يعني والله أعلم في إيواء من أرجى منهن ~~أباح له بذلك أن يعتزل من شاء منهن ويؤوي من شاء وأن يؤوي منهن من شاء بعد ~~الاعتزال وقوله تعالى # PageV05P240 # ذلك أدنى أن تقر أعينهن يعني والله أعلم إذا علمن بعد الإرجاء أن لك أن ~~تؤوي وترد إلى القسم وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجبا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان مخيرا في القسم لمن شاء منهن وترك من ~~شاء منهن # قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج روى ليث عن ~~مجاهد قال يعني من بعد ما سمي لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا ~~كافرة وعن مجاهد أيضا في قوله إلا ما ملكت يمينك قال لا بأس أن تتسرى ~~اليهودية والنصرانية وروى سعيد عن قتادة لا يحل لك النساء من بعد ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج قال لما خيرهن فاخترن الله ورسوله قصره عليهن وهن التسع ~~اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وهو قول الحسن وروي غير ذلك وهو ما ~~روى إسرائيل عن السدي عن عبد الله بن شداد لا يحل لك النساء من بعد ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج قال ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل قال وكان ينكح ما ~~شاء بعد ما نزلت هذه الآية قال فنزلت هذه الآية وعنده تسع نسوة ثم تزوج أم ~~حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية بنت الحارث قال أبو بكر ظاهر الآية يفيد تحريم ~~سائر النساء على النبي صلى الله عليه وسلم سوى من كن تحته وقت نزولها وقد ~~روى ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت ما مات رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى حل له النساء قال أبو بكر وهذا يوجب أن تكون ms2311 الآية ~~منسوخة وليس في القرآن ما يوجب نسخها فهي إذا منسوخة بالسنة ويحتج به في ~~جواز نسخ القرآن بالسنة فإن قيل قوله لا يحل لك النساء من بعد خبر والخبر ~~لا يجوز النسخ في مخبره قيل له إنه وإن كان في صورة الخبر فهو نهي يجوز ~~ورود النسخ عليه وهو بمنزلة ما لو قال لا تتزوج بعدهن النساء فيجوز نسخه ~~قوله تعالى ولو أعجبك حسنهن يدل على جواز النظر إلى وجه المرأة الأجنبية إذ ~~لا يعجبه حسنها إلا وقد نظر إليها. ### | باب ذكر حجاب النساء # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم إلى طعام غير ناظرين إناه # حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي عثمان واسمه الجعد بن دينار عن أنس قال لما ~~تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب أهدت إليه أم سليم حيسا في تور من ~~حجارة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اذهب فادع من «16- أحكام مس» # PageV05P241 # لقيت من المسلمين فدعوت له من لقيت فجعلوا يدخلون فيأكلون ويخرجون فوضع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال فيه ما شاء الله أن ~~يقول ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وبقي طائفة ~~منهم فأطالوا عليه الحديث فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه- إلى قوله- وقلوبهن # وروى بشر بن المفضل عن حميد الطويل عن أنس ذكر حديث بناء النبي صلى الله ~~عليه وسلم بزينب ووليمته فلما طعم القوم وكان مما يفعل إذا أصبح ليلة بنائه ~~دنا من حجر أمهات المؤمنين فسلم عليهن وسلمن عليه ودعا لهن ودعون له فلما ~~انصرف وأنا معه إلى بيته بصر برجلين قد جرى بينهما الحديث من ناحية البيت ~~فانصرف عن بيته فلما رأى الرجلان انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيته وثبا ms2312 خارجين فأخبر أنهما قد خرجا فرجع حتى دخل بيته فأرخى الستر بيني ~~وبينه وأنزلت آية الحجاب # وروى حماد بن زيد عن أسلم العلوي عن أنس قال لما نزلت آية الحجاب جئت ~~لأدخل كما كنت أدخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءك يا أنس # قال أبو بكر فانتظمت الآية أحكاما منها النهي عن دخول بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا بإذن وأنهم إذا أذن لهم لا يقعدون انتظارا لبلوغ الطعام ~~ونضجه وإذا أكلوا لا يقعدون للحديث وروى عن مجاهد غير ناظرين إناه قال ~~متحينين حين نضجه ولا مستأنسين لحديث بعد أن يأكلوا وقال الضحاك غير ناظرين ~~إناه قال نضجه قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب قد ~~تضمن حظر رؤية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبين به أن ذلك أطهر لقلوبهم ~~وقلوبهن لأن نظر بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة فقطع الله ~~بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب قوله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ~~يعني بما بين في هذه الآية من إيجاب الاستئذان وترك الإطالة للحديث عنده ~~والحجاب بينهم وبين نسائه وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأزواجه فالمعنى عام فيه وفي غيره إذ كنا مأمورين باتباعه والاقتداء ~~به إلا ما خصه الله به دون أمته وقد روى معمر عن قتادة أن رجلا قال لو قبض ~~النبي صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة فأنزل الله تعالى وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله قال أبو بكر ما ذكره قتادة هو أحد ما انتظمته الآية وروى ~~عيسى بن يونس عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة أنه قال لامرأته إن سرك ~~أن تكوني زوجتي في الجنة إن جمع الله بيننا فيها فلا تزوجي بعدي فإن # PageV05P242 # المرأة لآخر أزواجها ولذلك حرم الله على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يتزوجن بعده وروى حميد الطويل عن أنس قال سألت أم حبيبة زوج النبي صلى ~~الله ms2313 عليه وسلم المرأة منا يكون لها زوجان فتموت فتدخل الجنة هي وزوجها ~~لأيهما تكون قال يا أم حبيبة لأحسنهما خلقا كان معها في الدنيا فتكون زوجته ~~في الجنة يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة # قوله تعالى لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن الآية قال قتادة رخص ~~لهؤلاء أن لا يجتنبن منهم قال أبو بكر ذكر ذوي المحارم منهن وذكر نساءهن ~~والمعنى والله أعلم الحرائر ولا ما ملكت أيمانهن يعني الإماء لأن العبد ~~والحر لا يختلفان فيما يباح لهم من النظر إلى النساء # قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما الصلاة من الله هي الرحمة ومن العباد الدعاء وقد تقدم ~~ذكره وروي عن أبي العالية إن الله وملائكته يصلون على النبي قال صلاة الله ~~عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة عليه بالدعاء قال أبو بكر يعني والله ~~أعلم إخبار الله الملائكة برحمته لنبيه صلى الله عليه وسلم وتمام نعمه عليه ~~فهو معنى قوله صلاته عند الملائكة وروي عن الحسن هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته إن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام هل يصلي ربك فكأن ذلك كبر ~~في صدره فأوحى الله إليه أن أخبرهم أني أصلي وأن صلاتي أن رحمتي سبقت غضبي ~~وقوله يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه قد تضمن الأمر بالصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وظاهره يقتضي الوجوب وهو فرض عندنا فمتى فعلها الإنسان مرة ~~واحدة في صلاة أو غير صلاة فقد أدى فرضه وهو مثل كلمة التوحيد والتصديق ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم متى فعله الإنسان مرة واحدة في عمره فقد أدى ~~فرضه وزعم الشافعي أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض في الصلاة ~~وهذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل العلم فيما نعلمه وهو خلاف الآثار ~~الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لفرضها في الصلاة منها # حديث ابن مسعود حين علمه التشهد فقال إذا فعلت هذا أو قلت هذا ms2314 فقد تمت ~~صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم # وقوله ثم اختر من أطيب الكلام ما شئت # وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رفع الرجل رأسه من آخر ~~سجدة وقعد فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته # وحديث معاوية بن الحكم السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن صلاتنا هذه ~~لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن # ولم يذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد استقصينا الكلام في ~~هذه المسألة في شرح مختصر الطحاوي # PageV05P243 # وقوله وسلموا تسليما يحتج به أصحاب الشافعي في إيجاب فرض السلام في آخر ~~الصلاة ولا دلالة فيه على ما ذكروا لأنه لم يذكر الصلاة فهو على نحو ما ~~ذكرنا في الصلاة عليه ويحتجون به أيضا في فرض التشهد لأن فيه السلام على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا دلالة فيه على ما ذهبوا إليه إذ لم يذكر ~~السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يريد به تأكيد الفرض في ~~الصلاة عليه بتسليمهم لأمر الله إياهم بها كقوله ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما قال أبو بكر قد ذكر الله تعالى في كتابه اسمه ~~وذكر نبيه صلى الله عليه وسلم فأفرد نفسه بالذكر ولم يجمع الاسمين تحت ~~كناية واحدة نحو قوله والله ورسوله أحق أن يرضوه ولم يقل ترضوهما لأن اسم ~~الله واسم غيره لا يجتمعان في كناية # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب بين يديه رجل فقال من يطع الله ~~ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم فبئس ~~خطيب القوم أنت لقوله ومن يعصهما # فإن قيل فقد قال الله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي فجمع اسمه ~~واسم ملائكته في الضمير قيل له إنما أنكرنا جمعهما في كناية يكون اسما لهما ~~نحو الهاء التي هي كناية عن الاسم فأما الفعل الذي ليس باسم ولا كناية عنه ~~وإنما ms2315 فيه الضمير فلا يمتنع ذلك فيه وقد قيل أيضا في هذا الموضع أن قوله ~~يصلون ضمير الملائكة دون اسم الله تعالى وصلاة الله على النبي مفهومة من ~~الآية من جهة المعنى كقوله انفضوا إليها رد الكناية إلى التجارة دون اللهو ~~لأنه مفهوم من جهة المعنى وكذلك قوله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله المذكور في ضمير النفقة هو الفضة والذهب مفهوم من ~~جهة المعنى # قوله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله يعني يؤذون أولياء الله ورسوله ~~وذلك لأن الله لا يجوز أن يلحقه الأذى فأطلق ذلك مجازا لأن المعنى مفهوم ~~عند المخاطبين كما قال وسئل القرية والمعنى أهل القرية # وقوله تعالى والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا قد قيل إنه ~~أراد من أضمر ذكره في الآية الأولى من أولياء الله فأظهر ذكرهم بعد الضمير ~~وبين أنهم المرادون بالضمير وأخبر عن احتمالهم البهتان والاسم اللذين بهما ~~يستحقون ما ذكر في الآية الأولى من اللعن والعذاب # قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن ~~من جلابيبهن روي عن عبد الله قال الجلباب الرداء وقال ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد يتجلببن ليعلم أنهن حرائر ولا يعرض لهن فاسق وروى محمد بن سيرين عن ~~عبيدة يدنين # PageV05P244 # عليهن من جلابيبهن قال تقنع عبيدة وأخرج إحدى عينيه وحدثنا عبد الله بن ~~محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر ~~عن الحسن قال كن إماء بالمدينة يقال لهن كذا وكذا يخرجن فيتعرض بهن السفهاء ~~فيؤذونهن وكانت المرأة الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة فيتعرضون لها فيؤذونها ~~فأمر الله المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن أنهن ~~حرائر فلا يؤذين وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها ~~خلاف حال الإماء وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي خيثم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت لما ~~نزلت هذه ms2316 الآية يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء من الأنصار كان على رؤسهن ~~الغربان من أكسية سود يلبسنها قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على أن ~~المرأة الشابة مأمورة بستر وجها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند ~~الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر ~~وجهها وشعرها لأن قوله تعالى ونساء المؤمنين ظاهره أنه أراد الحرائر وكذا ~~روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس ~~والوجه فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر من الإماء وقد روي عن عمر أنه كان ~~يضرب الإماء ويقول اكشفن رؤسكن ولا تشبهن بالحرائر # قوله تعالى لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة الآية حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن قتادة أن ناسا من المنافقين أرادوا أن يظهر وانفاقهم ~~فنزلت لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم أى لنحرشنك وقال ابن عباس لنغربنك بهم لنسلطنك عليهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا بالنفي عنها قال أبو بكر في هذه الآية دلالة على ~~أن الإرجاف بالمؤمنين والإشاعة بما يغمهم ويؤذيهم يستحق به التعزير والنفي ~~إذا أصر عليه ولم ينته عنه وكان قوم من المنافقين وآخرون ممن لا بصيرة لهم ~~في الدين وهم الذين في قلوبهم مرض وهو ضعف اليقين يرجفون باجتماع الكفار ~~والمشركين وتعاضدهم ومسيرهم إلى المؤمنين فيعظمون شأن الكفار بذلك عندهم ~~ويخوفونهم فأنزل الله تعالى ذلك فيهم وأخبر تعالى باستحقاقهم النفي والقتل ~~إذا لم ينتهوا عن ذلك فأخبر تعالى أن ذلك سنة الله وهو الطريقة المأمور ~~بلزومها واتباعها # وقوله تعالى ولن # PageV05P245 # تجد لسنة الله تبديلا # يعني والله أعلم أن أحدا لا يقدر على تغيير سنة الله وإبطالها آخر سورة ~~الأحزاب. ### | سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى اعملوا آل داود شكرا # روي عن عطاء بن يسار قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms2317 المنبر ~~اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ثم قال ثلاث ومن أوتيهن فقد ~~أوتي مثل ما أوتي آل داود العدل في الغضب والرضا والقصد في الغنى والفقر ~~وخشية الله في السر والعلانية # قوله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل يدل على أن عمل التصاوير ~~كان مباحا وهو محظور في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لما # روي عنه أنه قال لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة # وقال من صور صورة كلف يوم القيامة أن يحييها وإلا فالنار # وقال لعن الله المصورين # وقد قيل فيه إن المراد من شبه الله تعالى بخلقه آخر سورة سبأ. ### | سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # روى عكرمة قال ذكر عند ابن عباس بقطع الصلاة الكلب والحمار فقرأ إليه ~~يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فما الذي يقطع هذا وروى سالم عن سعيد ~~بن جبير الكلم الطيب يرفعه العمل الصالح # قوله تعالى ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها الحلية ~~هاهنا اللؤلؤ وما يتحلى به مما يخرج من البحر واختلف الفقهاء في المرأة ~~تحلف أن لا تلبس حليا فقال أبو حنيفة اللؤلؤ وحده ليس بحلي إلا أن يكون معه ~~ذهب لقوله تعالى ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع وهذا في ~~الذهب دون اللؤلؤ إذ لا توقد عليه وقوله حلية تلبسونها إنما سماه حلية في ~~حال اللبس وهو لا يلبس وحده في العادة إنما يلبس مع الذهب ومع ذلك فإن ~~إطلاق لفظ الحلية عليه في القرآن لا يوجب حمل اليمين عليه والدليل عليه ~~قوله تأكلون لحما طريا وأراد به السمك ولو حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا ~~لم يحنث وكذلك قوله وجعل الشمس سراجا ومن حلف لا يقعد في سراج وقعد في ~~الشمس لا يحنث # قوله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء فيه الإبانة عن فضيلة العلم ~~وأن به يتوصل إلى خشية الله وتقواه لأن من # PageV05P246 # عرف توحيد الله وعدله بدلائله أو صله ذلك إلى خشية الله ms2318 وتقواه إذ كان من ~~لا يعرف الله ولا يعرف عدله وما قصد له بخلقه لا يخشى عقابه ولا يتقيه ~~وقوله في آية أخرى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~وقال تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية- إلى قوله- ~~ذلك لمن خشي ربه خبر أن خير البرية من خشي ربه وأخبر في الآية أن العلماء ~~بالله هم الذين يخشونه فحصل بمجموع الآيتين أن أهل العلم بالله هم خير ~~البرية وإن كانوا على طبقات في ذلك ثم # وصف أهل العلم بالله الموصوفين بالخشية منه فقال إن الذين يتلون كتاب ~~الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ~~فكان ذلك في صفة الخاشعين لله العاملين بعلمهم وقد ذكر في آية أخرى المعرض ~~عن موجب علمه فقال واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع ~~هواه إلى آخر القصة فهذه صفة العالم غير العامل والأول صفة العالم المتقي ~~لله وأخبر عن الأولين بأنهم واثقون بوعد الله وثوابه على أعمالهم بقوله ~~تعالى يرجون تجارة لن تبور # قوله تعالى الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن روى بعض السلف قال من شأن ~~المؤمن الحزن في الدنيا ألا تراهم حين يدخلون الجنة يقولون الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الدنيا سجن المؤمن # قيل لبعض النساك ما بال أكثر النساك محتاجين إلى ما في يد غيرهم قال لأن ~~الدنيا سجن المؤمن وهل يأكل المسجون إلا من يد المطلق قوله تعالى وما يعمر ~~من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب روي عن الحسن والضحاك قالا ما يعمر ~~من معمر ولا ينقص من عمر معمر آخر وقال الشعبي لا ينقص من عمره لا ينقضي ما ~~ينقص منه وقتا بعد وقت وساعة بعد ساعة والعمر هو مدة الأجل التي كتبها الله ~~لخلقه فهو عالم بما ينقص منها بمضي ms2319 الأوقات والأزمان # قوله تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير روي عن ابن ~~عباس ومسروق أن العمر الذي ذكر الله به أربعون سنة وعن ابن عباس رواية # وعن علي ستون سنة # وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر قال أخبرني رجل من غفار عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد أعذر الله عبدا أحياه حتى بلغ ستين ~~أو سبعين سنة لقد أعذر # PageV05P247 # الله إليه # حدثنا عبد الله قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أبي ~~خيثم عن مجاهد عن ابن عباس قال العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون ~~سنة وبإسناده عن مجاهد مثله من قوله تعالى وجاءكم النذير روي عن بعض أهل ~~التفسير أن النذير محمد صلى الله عليه وسلم وروي أنه الشيب قال أبو بكر ~~ويجوز أن يكون المراد النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ما أقام الله من ~~الدلائل على توحيده وتصديق رسله ووعده ووعيده وما يحدث في الإنسان من حين ~~بلوغه إلى آخر عمره من التغير والانتقال من حال إلى حال من غير صنع له فيه ~~ولا اختيار منه له فيكون حدثا شابا ثم كهلا ثم شيخا وما ينقلب فيه فيما بين ~~ذلك من مرض وصحة وفقر وغناء وفرح وحزن ثم ما يراه في غيره وفي سائر الأشياء ~~من حوادث الدهر التي لا صنع للمخلوقين فيها وكل ذلك داع له إلى الله ونذير ~~له إليه كما قال تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله ~~من شيء فأخبر أن في جميع ما خلق دلالة عليه ورادا للعباد إليه آخر سورة ~~فاطر. ### | سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى والشمس تجري لمستقر لها حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا ~~الحسن ابن أبي الربيع قال أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد ~~الله ابن ms2320 عمر في قوله والشمس تجري لمستقر لها قال الشمس تطلع فيراها بنو ~~آدم حتى إذا كان يوم غربت فتحبس ما شاء الله ثم يقال اطلعي من حيث غربت فهو ~~يوم لا ينفع نفسا إيمانها الآية قال معمر وبلغني عن أبي موسى الأشعري أنه ~~قال إذا كانت الليلة التي تطلع فيها الشمس من حيث تغرب قام المتهجدون ~~لصلاتهم فصلوا حتى يملوا ثم يعودون إلى مضاجعهم يفعلون ذلك ثلاث مرات ~~والليل كما هو والنجوم واقفة لا تسري حتى يخرج الرجل إلى أخيه ويخرج الناس ~~بعضهم إلى بعض قال أبو بكر فكان معنى قوله لمستقر لها على هذا التأويل ~~وقوفها عن السير في تلك الليلة إلى أن تطلع من مغربها قال معمر وبلغني أن ~~بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر قيل له وما الآيات # قال زعم قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال ستا طلوع ~~الشمس من مغربها والدجال والدخان ودابة الأرض وخويصة أحدكم وأمر العامة قيل ~~له هل بلغك أي الآيات أول قال # PageV05P248 # طلوع الشمس من مغربها وقد بلغني أن رجالا يقولون الدجال # وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تقوم الساعة على أحد يقول لا إله إلا الله # وروى قتادة لمستقر لها قال لوقت واحد لها لا تعدوه قال أبو بكر يعني أنها ~~استقرت على سير واحد وعلى مقدار واحد لا تختلف وقيل لمستقر لها لا بعد ~~منازلها في الغروب # قوله تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر حدثنا عبد الله بن محمد قال ~~حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الحسن ~~في قوله لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر قال ذاك ليلة الهلال قال أبو بكر ~~يعني والله أعلم أنها لا تدركه فتستره بشعاعها حتى تمنع من رؤيته لأنهما ~~مسخران مقسوران على ما رتبهما الله عليه ms2321 لا يمكن واحدا منهما أن يتغير عن ~~ذلك وقال أبو صالح لا يدرك أحدهما ضوء الآخر وقيل لا الشمس ينبغي لها أن ~~تدرك القمر حتى يكون نقصان ضوئها كنقصانها وقيل لا تدركه في سرعة السير ~~وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر قال وبلغني أن عكرمة قال لكل واحد منهما سلطان للقمر سلطان ~~الليل وللشمس النهار فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل ولا الليل سابق النهار ~~يقول لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون نهارا فإن قيل هذا ~~يدل على أن ابتداء الشهر نهار لا ليل لأنه قال ولا الليل سابق النهار فإذا ~~لم يسبق الليل النهار واستحال اجتماعهما معا وجب أن يكون النهار سابقا لليل ~~فيكون ابتداء الشهور من النهار لا من الليل قيل له ليس تأويل الآية ما ذهبت ~~إليه وإنما معناها أحد الوجوه التي تقدم ذكرها عن السلف ولم يقل أحد منهم ~~إن معناها أن ابتداء الشهور من النهار فهذا تأويل ساقط بالإجماع وأيضا فلما ~~كانت الشهور التي تتعلق بها أحكام الشرع هي شهور الأهلة والهلال أول ما ~~يظهر فإنما يظهر ليلا ولا يظهر ابتداء النهار وجب أن يكون ابتداؤها من ~~الليل ولا خلاف بين أهل العلم أن أول ليلة من شهر رمضان هي من رمضان وأن ~~أول ليلة من شوال هي من شوال فثبت بذلك أن ابتداء الشهور من الليل ألا ترى ~~أنهم يبتدئون بصلاة تراويح في أول ليلة منه # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا كان أول ليلة من رمضان ~~صفدت فيه الشياطين # وجميع ذلك يدل على أن ابتداء الشهور من أول الليل وقد قال أصحابنا # PageV05P249 # فيمن قال لله علي اعتكاف شهر أنه يبتدئ به من الليل لأن ابتداء الشهور من ~~الليل # قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون روي عن الضحاك ~~وقتادة أنه أراد سفينة نوح قال أبو بكر فنسب الذرية إلى ms2322 المخاطبين لأنهم من ~~جنسهم كأنه قال ذرية الناس # وقوله تعالى وخلقنا لهم من مثله ما يركبون قال ابن عباس السفن بعد سفينة ~~نوح وروي عن ابن عباس رواية أخرى وعن مجاهد أن الإبل سفن البر # قوله تعالى ومن نعمره ننكسه في الخلق قال قتادة نصيره إلى حال الهرم التي ~~تشبه حال الصبي في غروب العلم وضعف القوى وقال غيره نصيره بعد القوة إلى ~~الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الجدة والطراوة إلى البلى قال أبو ~~بكر ومثله قوله تعالى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وسماه أرذل العمر لأنه ~~لا يرجى له بعده عود من النقصان إلى الزيادة ومن الجهل إلى العلم كما يرجى ~~مصير الصبي من الضعف إلى القوة ومن الجهل إلى العلم ونظيره قوله تعالى ثم ~~جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # قوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له # حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر في قوله وما علمناه الشعر وما ينبغي له قال ~~بلغني أن عائشة سئلت هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من ~~الشعر فقالت لا إلا ببيت أخى بنى قيس ابن طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود قال فجعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول يأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر ليس هكذا ~~يا رسول الله قال إني لست بشاعر ولا ينبغي لي # قال أبو بكر لم يعط الله نبيه صلى الله عليه وسلم العلم بإنشاء الشعر لم ~~يكن قد علمه الشعر لأنه الذي يعطي فطنة ذلك من يشاء من عباده وإنما لم يعط ~~ذلك لئلا تدخل به الشبهة على قوم فيما أتى به من القرآن أنه قوي على ذلك ~~بما في طبعه من الفطنة للشعر وإذا كان التأويل أنه لم يعطه الفطنة لقول ~~الشعر لم يمتنع على ذلك أن ينشد شعرا لغيره إلا أنه لم يثبت من ms2323 وجه صحيح ~~أنه تمثل بشعر لغيره وإن كان # قد روي أنه قال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت # وقد روي أن القائل لذلك بعض الصحابة وأيضا فإن من أنشد شعرا لغيره أو قال ~~بيتا أو بيتين لم يسم شاعرا ولا يطلق عليه أنه قد علم الشعر أو قد تعلمه ~~ألا ترى أن من # PageV05P250 # لا يحسن الرمي قد يصيب في بعض الأوقات برميته ولا يستحق بذلك أن يسمى ~~راميا ولا أنه تعلم الرمي فكذلك من أنشد شعرا لغيره وأنشأ بيتا ونحوه لم ~~يسم شاعرا # قوله تعالى قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~فيه من أوضح الدليل على أن من قدر على الابتداء كان أقدر على الإعادة إذ ~~كان ظاهر الأمر أن إعادة الشيء أيسر من ابتدائه فمن قدر على الإنشاء ابتداء ~~فهو على الإعادة أقدر فيما يجوز عليه البقاء وفيه الدلالة على وجوب القياس ~~والاعتبار لأنه ألزمهم قياس النشأة الثانية على الأولى وربما احتج بعضهم ~~بقوله تعالى قال من يحي العظام وهي رميم على أن العظم فيه حياة فيجعله حكم ~~الموت بموت الأصل ويكون ميتة وليس كذلك لأنه إنما سماه حيا مجازا إذ كان ~~عضوا يحي الأرض بعد موتها ومعلوم أنه لا حياة فيها آخر سورة يس. ### | سورة والصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ~~ما تؤمر- إلى قوله- وفديناه بذبح عظيم قال أبو بكر ظاهره يدل على أنه كان ~~مأمورا بذبحه فجائز أن يكون الأمر إنما تضمن معالجة الذبح لا ذبحا يوجب ~~الموت وجائز أن يكون الأمر حصل على شريطة التخلية والتمكن منه وعلى أن لا ~~يفديه بشيء وأنه إن فدى منه بشيء كان قائما مقامه والدليل على أن ظاهره قد ~~اقتضى الأمر قوله افعل ما تؤمر وقوله وفديناه بذبح عظيم فلو لم يكن ظاهره ~~قد اقتضى الأمر بالذبح لما قال افعل ما تأمر ولم يكن الذبح فداء عن ms2324 ذبح ~~متوقع وروي أن إبراهيم عليه السلام كان نذر إن رزقه الله ولدا ذكرا أن ~~يجعله ذبيحا لله فأمر بالوفاء به وروي أن الله تعالى ابتدأ بالأمر بالذبح ~~على نحو ما قدمنا وجائز أن يكون الأمر ورد بذبح ابنه وذبحه فوصل الله ~~أوداجه قبل خروج الروح وكانت الفدية لبقاء حياته قال أبو بكر وعلى أي وجه ~~تصرف تأويل الآية قد تضمن الأمر بذبح الولد إيجاب شاة في العاقبة فلما صار ~~موجب هذا اللفظ إيجاب شاة في المتعقب في شريعة إبراهيم عليه السلام وقد أمر ~~الله باتباعه بقوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وقال ~~أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده وجب على من نذر ذبح ولده شاة وقد اختلف ~~السلف وفقهاء الأمصار بعدهم في ذلك # PageV05P251 # فروى عكرمة عن ابن عباس في الرجل يقول هو ينحر ابنه قال كبش كما فدى ~~إبراهيم إسحاق # وروى سفيان عن منصور عن الحكم عن علي في رجل نذر أن ينحر ابنه قال يهدي ~~بدنة أو ديته # شك الراوي وعن مسروق مثل قول ابن عباس وروى شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال ~~يحج ويهدي بدنة وروى داود بن أبي هند عن عامر في رجل حلف أن ينحر ابنه قال ~~قال بعضهم مائة من الإبل وقال بعضهم كبش كما فدي إسحاق قال أبو بكر قال أبو ~~حنيفة ومحمد عليه ذبح شاة وقال أبو يوسف لا شيء عليه وقال أبو حنيفة لو نذر ~~ذبح عبده لم يكن عليه شيء وقال محمد عليه ذبح شاة وظاهر الآية يدل على قول ~~أبي حنيفة في ذبح الولد لأن هذا اللفظ قد صار عبارة عن إيجاب شاة في شريعة ~~إبراهيم عليه السلام فوجب بقاء حكمه ما لم يثبت نسخه وذهب أبو يوسف إلى # حديث أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم # وروى الحسن عن عمران بن حصين عن ms2325 النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نذر في ~~معصية وكفارته كفارة يمين # قال أبو بكر لا يلزم القائلين بالقول الأول وذلك لأن قوله علي ذبح ولدي ~~لما صار عبارة عن إيجاب ذبح شاة صار بمنزلة ما لو قال علي ذبح شاة ولم يكن ~~ذلك معصية وإنما لم يوجب أبو حنيفة على الناذر ذبح عبده شيئا لأن هذا اللفظ ~~ظاهره معصية ولم يثبت في الشرع عبارة عن ذبح شاة فكان نذر معصية وقد قالوا ~~جميعا فيمن قال لله علي أن أقتل ولدي إنه لا شيء عليه لأن هذا اللفظ ظاهره ~~معصية ولم يثبت في الشرع عبارة عن ذبح شاة وقد روى يزيد بن هارون عن يحيى ~~بن سعيد عن القاسم بن محمد قال كنت عند ابن عباس فجاءته امرأة فقالت إني ~~نذرت أن أنحر ابني قال لا تنحري ابنك وكفري عن يمينك فقال رجل عند ابن عباس ~~إنه لا وفاء لنذر في معصية فقال ابن عباس مه قال الله تعالى في الظهار ما ~~سمعت وأوجب فيه ما ذكره قال أبو بكر وليس ذلك بمخالف لما قدمنا من قول ابن ~~عباس في إيجابه كبشا لأنه جائز أن يكون من مذهبه إيجابهما جميعا إذا أراد ~~بالنذر اليمين كما قال أبو حنيفة ومحمد فيمن قال لله علي أن أصوم غدا فلم ~~يفعل وأراد اليمين أن عليه كفارة اليمين والقضاء جميعا وقد اختلف في الذبيح ~~من ولدي إبراهيم عليهم السلام # فروي عن علي وابن مسعود وكعب والحسن وقتادة أنه إسحاق # وعن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القرظي أنه إسماعيل ~~وروي عن النبي # PageV05P252 # صلى الله عليه وسلم القولان جميعا ومن قال هو إسماعيل يحتج # بقوله عقيب ذكر الذبح وبشرناه بإسحاق نبيا فلما كانت البشارة بعد الذبح ~~دل على أنه إسماعيل # واحتج الآخرون بأنه ليس ببشارة بولادته وإنما هي بشارة بنبوته # لأنه قال وبشرناه بإسحاق نبيا # قوله تعالى فساهم فكان من المدحضين # احتج به بعض الأغمار في إيجاب القرعة في العبيد ms2326 يعتقهم المريض وذلك إغفال ~~منه وذلك لأنه عليه السلام ساهم في طرحه في البحر وذلك لا يجوز عند أحد من ~~الفقهاء كما لا تجوز القرعة في قتل من خرجت عليه وفي أخذ ماله فدل على أنه ~~خاص فيه عليه السلام دون غيره # قوله تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال ابن عباس بل يزيدون قيل ~~إن معنى أو هاهنا الإبهام كأنه قال أرسلناه إلى أحد العددين وقيل هو على شك ~~المخاطبين إذ كان الله تعالى لا يجوز عليه الشك آخر سورة والصافات. ### | سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يسبحن بالعشي والإشراق روى عن معمر عن عطاء الخراساني عن ابن ~~عباس قال لم يزل في نفسي من صلاة الضحى حتى قرأت إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق # وروى القاسم عن زيد بن أرقم قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال إن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى # وروى شريك عن زيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي هريرة قال أوصاني خليلي ~~بثلاث ونهاني عن ثلاث أوصاني بصلاة الضحى والوتر قبل النوم وصيام ثلاثة ~~أيام من كل شهر ونهاني عن نقر كنقر الديك والتفات كالتفات الثعلب وإقعاء ~~كإقعاء الكلب # وروى عطية عن أبي سعيد الخدري قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ~~الضحى حتى نقول لا يدعها ويدعها حتى نقول لا يصليها # وروي عن عائشة وأم هاني أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى # وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها # وقال ابن عمر هي من أحب ما أحدث الناس إلي وروى ابن أبي مليكة عن ابن ~~عباس أنه سئل عن صلاة الضحى فقال إنها لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا ~~غواص ثم قرأ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال قوله تعالى إنا سخرنا الجبال معه قيل إنه سخرها معه فكانت تسير معه ms2327 ~~وجعل ذلك تسبيحا # PageV05P253 # منها لله تعالى لأن التسبيح لله هو تنزيهه عما لا يليق به فلما كان سيرها ~~دلالة على تنزيه الله جعل ذلك تسبيحا منها له # قوله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب حدثنا عبد الله بن محمد ~~بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا ~~معمر عن عمر وبن عبيد عن الحسن في قوله وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ~~المحراب قال جزأ داود الدهر أربعة أيام يوما لنسائه ويوما لقضائه ويوما ~~يخلو فيه لعبادة ربه ويوما لبنى إسرائيل يسئلونه وذكر الحديث قال أبو بكر ~~وهذا يدل على أن القاضي لا يلزمه الجلوس للقضاء في كل يوم وأنه جائز له ~~الاقتصار على يوم من أربعة أيام ويدل على أنه لا يجب على الزوج الكون عند ~~امرأته في كل يوم وأنه جائز له أن يقسم لها يوما من أربعة أيام وقال أبو ~~عبيدة المحراب صدر المجلس ومنه محراب المسجد وقيل إن المحراب الغرفة وقوله ~~تعالى إذ تسوروا المحراب يدل على ذلك والخصم اسم يقع على الواحد وعلى ~~الجماعة # وإنما فزع منهم داود لأنهم دخلوا عليه في موضع صلاته على صورة الآدميين ~~بغير إذن فقالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ومعناه أرأيت إن جاءك ~~خصمان فقالا بغى بعضنا على بعض وإنما كان فيه هذا الضمير لأنه معلوم أنهما ~~كانا من الملائكة ولم يكن من بعضهم بغي على بعض والملائكة لا يجوز عليهم ~~الكذب فعلمنا أنهما كلماه بالمعاريض التي تخرجهما من الكذب مع تقريب المعنى ~~بالمثل الذي ضرباه وقولهما # إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة هو على معنى ما قدمنا من ضمير أرأيت إن ~~كان له تسع وتسعون نعجة وأراد بالنعاج النساء وقد قيل إن داود كان له تسع ~~وتسعون امرأة وأن أوريا بن حنان لم تكن له امرأة وقد خطب امرأة فخطبها داود ~~مع علمه بأن أوريا خطبها وتزوجها وكان فيه شيئان مما سبيل الأنبياء التنزه ~~عنه أحدهما خطبته ms2328 على خطبة غيره والثاني إظهار الحرص على التزويج مع كثرة ~~من عنده من النساء ولم يكن عنده أن ذلك معصية فعاتبه الله تعالى عليها ~~وكانت صغيرة وفطن حين خاطبه الملكان بأن الأولى كان به أن لا يخطب المرأة ~~التي خطبها غيره وقوله ولي نعجة واحدة يعني خطبت امرأة واحدة قد كان ~~التراضي منا وقع بتزويجها وما روى في أخيار القصاص من أنه نظر إلى المرأة ~~فرآها متجردة فهويها وقدم زوجها للقتل فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء لأن ~~الأنبياء لا يأتون للعاصي مع العلم بأنها معاص إذ لا يدرون لعلها كبيرة ~~تقطعهم عن ولاية الله # PageV05P254 # تعالى ويدل على صحة التأويل الأول أنه قال وعزني في الخطاب فدل ذلك على ~~أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة ولم يكن قد تقدم تزويج الآخر وقوله ~~تعالى فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط يدل على أن للخصم أن يخاطب الحاكم بمثله # وقوله تعالى لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه من غير أن يسئل الخصم عن ذلك ~~يدل على أنه أخرج الكلام مخرج الحكاية والمثل على ما بينا وأن داود قد كان ~~عرف ذلك من فحوى كلامه لولا ذلك لما حكم بظلمه قبل أن يسئله فيقر عنده أو ~~تقوم عليه البينة به وقوله تعالى وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض ~~وهو يعني الشركاء يدل على أن العادة في أكثر الشركاء الظلم والبغي ويدل ~~عليه أيضا قوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم قوله تعالى ~~وظن داود أنما فتناه يدل على أنه عليه السلام لم يقصد المعصية بديا وأن ~~كلام الملكين أوقع له الظن بأنه قد أتى معصية وأن الله تعالى قد شدد عليه ~~المحنة بها لأن الفتنة في هذا الموضع تشديد التعبد والمحنة فحينئذ علم أن ~~ما أتاه كان معصية واستغفر منها وقوله تعالى وخر راكعا وأناب # روى أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سجد في ص # وليست من العزائم # وروى سعيد بن ms2329 جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجدة ~~ص سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا # وروى الزهري عن السائب بن يزيد أنه رأى عمر سجد في ص وروى عثمان وابن عمر ~~مثله وقال مجاهد قلت لابن عباس من أين أخذت سجدة ص قال فتلا علي أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده فكان داود سجد فيها فلذلك سجد فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم وروى مسروق عن ابن مسعود أنه كان لا يسجد فيها ويقول هي ~~توبة نبي وقول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلها اقتداء بداود لقوله فبهداهم اقتده يدل على أنه رأى فعلها واجبا لأن ~~الأمر على الوجوب وهو خلاف رواية عكرمة عنه أنها ليست من عزائم السجود ولما ~~سجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها كما سجد في غيرها من مواضع السجود دل ~~على أنه لا فرق بينها وبين سائر مواضع السجود وأما قول عبد الله أنها ليس ~~بسجدة لأنها توبة نبي فإن كثيرا من مواضع السجود إنما هو حكايات عن قوم ~~مدحوا بالسجود نحو قوله تعالى إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون وهو موضع السجود للناس بالاتفاق وقوله تعالى إن الذين ~~أوتوا العلم من قبله إذا يتلى # PageV05P255 # عليهم يخرون للأذقان سجدا # ونحوها من الآي التي فيها حكاية سجود قوم فكانت مواضع السجود وقوله وإذا ~~قرئ عليهم القرآن لا يسجدون يقتضي لزوم فعله عند سماع القرآن فلو خلينا ~~والظاهر أوجبناه في سائر القرآن فمتى اختلفنا في موضع منه فإن الظاهر يقتضي ~~وجوب فعله إلا أن تقوم الدلالة على غيره وأجاز أصحابنا الركوع عن سجود ~~التلاوة وذكر محمد بن الحسن أنه قد روي في تأويل قوله تعالى وخر راكعا أن ~~معناه خر ساجدا فعبر بالركوع عن السجود فجاز أن ينوب عنه إذ صار عبارة عنه ~~قوله تعالى وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب روى أشعث عن الحسن قال العلم ~~بالقضاء وعن شريح قال ms2330 الشهود والإيمان وعن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي قال فصل الخطاب قال الخصوم قال أبو بكر الفصل بين الخصوم بالحق وهذا ~~يدل على أن فصل القضاء واجب على الحاكم إذا خوصم إليه وأنه غير جائز له ~~إهمال الحكم وهو يبطل قول من يقول إن الناكل عن اليمين يحبس حتى يقرأ ويحلف ~~لأن فيه إهمال الحكم وترك الفصل وروى الشعبي عن زياد أن فصل الخطاب (أما ~~بعد) وليس زياد ممن يعتد به في الأقاويل ولكنه قد روي وعسى أن يكون ذهب إلى ~~أنه فصل بين الدعاء في صدر الكتاب وبين الخطاب المقصود به الكتاب # قوله تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا ~~تتبع الهوى حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال ~~حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن ~~سلمة عن حميد بن سلمة عن الحسن قال إن الله أخذ على الحكام ثلاثا أن لا ~~يتبعوا الهوى وأن يخشوه ولا يخشوا الناس وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا ~~ثم قرأ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع ~~الهوى الآية وقرأ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين ~~أسلموا- إلى قوله- فلا تخشوا الناس واخشون وروى سليمان بن حرب عن حماد بن ~~أبي سلمة عن حميد قال لما استقضي إياس بن معاوية أتاه الحسن فبكى إياس فقال ~~له الحسن ما يبكيك يا أبا وائلة قال بلغني أن القضاة ثلاثة اثنان في النار ~~وواحد في الجنة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار ورجل مال به الهوى فهو في ~~النار ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة قال الحسن إن فيما قص الله من نبأ ~~داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى قوله وكلا آتينا حكما وعلما فأثنى على ~~سليمان ولم يذم دواد ثم قال # PageV05P256 # الحسن إن الله أخذ على الحكام ثلاثا وذكر نحو الحديث الأول قال أبو ms2331 بكر ~~قد بين في حديث أبي بريدة معنى ما ذكر في الحديث الذي رواه إياس بن معاوية ~~أن القاضي إذا أخطأ فهو في النار وهو ما # حدثنا محمد بن بكر البصري قال حدثنا أبو داود السجستاني قال حدثنا محمد ~~بن حسان السمني قال حدثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن ابن بريدة عن أبيه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في ~~النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في ~~الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار # فأخبر أن الذي في النار من المخطئين هو الذي تقدم على القضاء بجهل # قوله تعالى إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد- إلى قوله- بالسوق ~~والأعناق قال مجاهد صفوان الفرس رفع إحدى يديه حتى تكون على طرف الحافر ~~وذاك من عادة الخيل والجياد السراع من الخيل يقال فرس جواد إذا جاء بالركض ~~قوله تعالى إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي يحتمل وجهين أحد هما إني أحببت ~~حب الخير الذي ينال بهذا الخيل فشغلت به عن ذكر ربي وهو الصلاة التي كان ~~يفعلها في ذلك الوقت ويحتمل إني أحببت حب الخير وهو يريد به الخيل نفسها ~~فسماها خيرا لما ينال بها من الخير بالجهاد في سبيل الله وقتال أعدائه ~~ويكون قوله عن ذكر ربي معناه أن ذلك من ذكري لربي وقيامي بحقه في اتخاذ هذا ~~الخيل قوله تعالى حتى توارت بالحجاب روي عن ابن مسعود حتى توارت الشمس ~~بالحجاب قال أبو بكر وهو كقول لبيد: # حتى إذا لقيت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها # وكقول حاتم: # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فأضمر النفس في قوله حشرجت وقال غير ابن مسعود حتى توارت الخيل بالحجاب ~~وقوله تعالى ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق روي عن ابن عباس أنه جعل ~~يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبالها وهذا كما # حدثنا محمد بن بكر ms2332 قال حدثنا أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله قال ~~حدثنا هشام بن سعيد الطالقاني قال أخبرنا محمد بن المهاجر قال حدثني عقيل ~~بن شبيب عن أبي وهب الجشمي وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأعجازها أو قال أكفالها وقلدوها ولا ~~«17- احكام مس» # PageV05P257 # تقلدوها الأوتار # فجائز أن يكون سليمان إنما مسح أعرافها وعراقيبها على نحو ما ندب إليه ~~نبينا صلى الله عليه وسلم # وقد روي عن الحسن أنه كشف عراقيبها وضرب أعناقها وقال لا تشغليني عن ~~عبادة ربي مرة أخرى # والتأويل الأول أصح والثاني جائز ومن تأوله على الوجه الثاني يستدل به ~~على إباحة لحوم الخيل إذ لم يكن ليتلفها بلا نفع وليس كذلك لأنه جائز أن ~~يكون محرم الأكل وتعبد الله بإتلافه ويكون المنفعة في تنفيذ الأمر دون غيره ~~ألا ترى أنه كان جائز أن يميته الله تعالى ويمنع الناس من الانتفاع بأكله ~~فكان جائزا أن يتعبد بإتلافه ويحظر الانتفاع بأكله بعده # وقوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث روي عن ابن عباس أن امرأة ~~أيوب قال لها إبليس إن شفيته تقولين لي أنت شفيته فأخبرت بذلك أيوب فقال إن ~~شفاني الله ضربتك مائة سوط فأخذ شماريخ قدر مائة فضربها ضربة واحدة قال ~~عطاء وهي للناس عامة وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن ~~أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله وخذ ~~بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث فأخذ عودا فيه تسعة وتسعون عودا والأصل تمام ~~المائة فضرب به امرأته وذلك أن امرأته أرادها الشيطان على بعض الأمر فقال ~~لها قولي لزوجك يقول كذا وكذا فقالت له قل كذا وكذا فحلف حينئذ أن يضربها ~~فضربها تحلة ليمينه وتخفيفا على امرأته قال أبو بكر وفي هذه الآية دلالة ~~على أن من حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها وضربه ضربة واحدة أنه ~~يبر في يمينه إذا أصابه ms2333 جميعها لقوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا ~~تحنث والضغث هو ملء الكف من الخشب أو السياط أو الشماريخ ونحو ذلك فأخبر ~~الله تعالى أنه إذا فعل ذلك فقد بر في يمينه لقوله ولا تحنث وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد إذا ضربه ضربة واحدة ~~بعد أن يصيبه كل واحدة منه فقد بر في يمينه وقال مالك والليث لا يبر وهذا ~~القول خلاف الكتاب لأن الله تعالى قد أخبر أن فاعل ذلك لا يحنث وقد روي عن ~~مجاهد أنه قال هي لأيوب خاصة وقال عطاء للناس عامة قال أبو بكر دلالة الآية ~~ظاهرة على صحة القول الأول من وجهين أحدهما أن فاعل ذلك يسمى ضاربا لما شرط ~~من العدد وذلك يقتضي البر في يمينه والثاني أنه لا يحنث لقوله ولا تحنث ~~وزعم بعض من يحتج لمذهب مالك أن ذلك لأيوب خاصة لأنه قال فاضرب به ولا # PageV05P258 # تحنث # فلما أسقط عنه الحنث كان بمنزلة من جعلت عليه الكفارة فأداها أو بمنزلة ~~من لم يحلف على شيء وهذا حجاج ظاهر السقوط لا يحتج بمثله من يعقل ذلك ~~لتناقضه واستحالته ومخالفته لظاهر الكتاب وذلك لأن الله تعالى أخبر أنه إذا ~~فعل ذلك لم يحنث واليمين تتضمن شيئين حنثا أو برا فإذا أخبر الله أنه لا ~~يحنث فقد أخبر بوجود البر إذ ليس بينهما واسطة فتناقضه واستحالته من جهة أن ~~قوله هذا يوجب أن كل من بر في يمينه بأن يفعل المحلوف عليه كان بمنزلة من ~~جعلت عليه الكفارة على قضيته لسقوط الحنث ولو كان لأيوب خاصة وكان عبادة ~~تعبد بها دون غيره كان الله أن يسقط عنه الحنث ولا يلزمه شيئا وإن لم ~~يضربها بالضغث فلا معنى على قوله لضربها بالضغث إذ لم يحصل به بر في اليمين ~~وزعم هذا القائل أن لله تعالى أن يتعبد بما شاء في الأوقات وفيما تعبدنا به ~~ضرب الزاني قال ولو ضربه ضربة واحدة بشماريخ لم يكن حدا قال أبو ms2334 بكر أما ~~ضرب الزاني بشماريخ فلا يجوز إذا كان صحيحا سليما وقد يجوز إذا كان عليلا ~~يخاف عليه لأنه لو أفرد كل ضربة لم يجز إذا كان صحيحا ولو جمع أسواطا فضربه ~~بها وأصابه كل أحد منها وأعيد عليه ما وقع عليه من الأسواط وإن كانت مجتمعة ~~فلا فرق بين حال الجمع والتفريق وأما في المرض فجائز أن يقتصر من الضرب على ~~شماريخ أو درة أو نحو ذلك فيجوز أن يجمعه أيضا فيضربه به ضربة # وقد روي في ذلك ما حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد ~~بن سعيد الهمداني قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال ~~أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الأنصار أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى فعاد جلدة على عظم فدخلت ~~عليه جارية لبعضهم فهش لها فوقع عليها فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه ~~أخبرهم بذلك وقال استفتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإني قد وقعت على ~~جارية دخلت علي فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما رأينا ~~أحدا به من الضر مثل الذي هو به لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلا جلد ~~على عظم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له شماريخ مائة شمراخ ~~فيضربوه بها ضربة واحدة ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عن أبي أمامة بن ~~سهل عن سعيد بن سعد وقال فيه فخذوا عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة ~~واحدة ففعلوا # وهو سعيد بن سعد بن عبادة وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وأبو أمامة ~~بن سهل بن حنيف هذا ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV05P259 # (فصل) وفي هذه الآية دلالة على أن للزوج أن يضرب امرأته تأديبا لولا ذلك ~~لم يكن أيوب ليحلف عليه ويضربها ولما أمره الله تعالى بضربها بعد حلفه ~~والذي ذكره الله في ms2335 القرآن وأباحه من ضرب النساء إذا كانت ناشزا بقوله ~~واللاتي تخافون نشوزهن- إلى قوله- واضربوهن وقد دلت قصة أيوب على أن له ~~ضربها تأديبا لغير نشوز وقوله تعالى الرجال قوامون على النساء فما روي من ~~القصة فيه يدل على مثل دلالة قصة أيوب لأنه روي أن رجلا لطم امرأته على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أهلها القصاص فأنزل الله الرجال قوامون ~~على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم وفي الآية ~~دليل على أن للرجل أن يحلف ولا يستثني لأن أيوب حلف ولم يستثن ونظيره من ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم # قوله في قصة الأشعريين حين استحملوه فقال والله لا أحملكم ولم يستثن ثم ~~حملهم وقال من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر ~~عن يمينه # وفيها دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ثم فعل المحلوف ~~عليه أن عليه الكفارة لأنه لو لم تجب كفارة لترك أيوب ما حلف عليه ولم يحتج ~~إلى أن يضربها بالضغث وهو خلاف قول من قال لا كفارة عليه إذا فعل ما هو خير # وقد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى ~~غيرها خيرا فليأت الذي هو خير وذلك كفارته وفيها # دليل على أن التعزير يجاوز به الحد لأن في الخبر أنه حلف أن يضربها مائة ~~فأمره الله تعالى بالوفاء به إلا أنه # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بلغ حدا في غير حد فهو من ~~المعتدين # وفيها دليل على أن اليمين إذا كانت مطلقة فهي على المهلة وليست على الفور ~~لأنه معلوم أن أيوب لم يضرب امرأته في فور صحته ويدل على أن من حلف على ضرب ~~عبده أنه لا يبر إلا أن يضربه بيده لقوله وخذ بيدك ضغثا إلا أن أصحابنا ~~قالوا فيمن لا يتولى الضرب بيده إن أمر غيره بضربه لا يحنث للعرف وفيها ~~دليل ms2336 على أن الاستثناء لا يصح إلا أن يكون متصلا باليمين لأنه لو صح ~~الاستثناء متراخيا عنها لأمر بالاستثناء ولم يؤمر بالضرب وفيها دليل على ~~جواز الحيلة في التوصل إلى ما يجوز فعله ودفع المكروه بها عن نفسه وعن غيره ~~لأن الله تعالى أمره بضربها بالضغث ليخرج به من اليمين ولا يصل إليها كثير ~~ضرر آخر سورة ص. # PageV05P260 ### | سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها ثم راجعة إلى صلة ~~الكلام كأنه قال خلقكم من نفس واحدة ثم أخبر أنه جعل منها زوجها لأنه لا ~~يصح رجوعها إلى المخلوقين من الأولاد على معنى الترتيب لأن الوالدين قبل ~~الولد وهو مثل قوله ثم الله شهيد على ما يفعلون وقوله ثم آتينا موسى الكتاب ~~تماما ونحو ذلك آخر سورة الزمر. # سورة المؤمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يا هامان ابن لي صرحا روى سفيان عن منصور عن إبراهيم في قوله ~~يا هامان ابن لي صرحا قال بني بالآجر وكانوا يكرهون أن يبنوا بالآجر ~~ويجعلونه في قبورهم # وقوله تعالى وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # روى الثوري عن الأعمش ومنصور عن سبيع الكندي عن النعمان بن بشير قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ادعوني أستجب ~~لكم # الآية وقوله تعالى النار يعرضون عليها هذه الآية تدل على عذاب القبر ~~لقوله تعالى ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب فدل على أن ~~المراد النار يعرضون عليها غدوا وعشيا قبل القيامة آخر ### | سورة المؤمن ### | سورة حم السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا فيه بيان أن ذلك ~~أحسن قول ودل بذلك على لزوم فرض الدعاء إلى الله إذ لا جائز أن يكون النفل ~~أحسن من الفرض فلو لم يكن الدعاء إلى الله فرضا وقد جعله من أحسن قول اقتضى ~~ذلك أن يكون النفل أحسن من الفرض وذلك ممتنع وقوله تعالى إن ms2337 الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا الآية قيل إن الملائكة تتنزل عليهم عند الموت ~~فيقولون لا تخف مما أنت قادم عليه فيذهب الله خوفه ولا تحزن على الدنيا ولا ~~على أهلها فيذهب الله خوفه وأبشر بالجنة وروى ذلك عن زيد ابن أسلم وقال ~~غيره إنما يقولون له ذلك في القيام عند الخروج من القبرفيرى تلك الأهوال # PageV05P261 # فيقول له الملائكة لا تخف ولا تحزن فإنما يراد بهذا غيرك ويقولون له نحن ~~أولياؤك في الحياة الدنيا فلا يفارقونه تأنيسا له إلى أن يدخل الجنة وقال ~~أبو العالية إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا قال أخلصوا له الدين ~~والعمل والدعوة # قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~قال بعض أهل العلم ذكر الله العدو فأخبر بالحيلة فيه حتى تزول عداوته ويصير ~~كأنه ولي فقال تعالى ادفع بالتي هي أحسن الآية قال وأنت ربما لقيت بعض من ~~ينطوي لك على عداوة وضغن فتبدأه بالسلام أو تبسم في وجهه فيلين لك قلبه ~~ويسلم لك صدره قال ثم ذكر الله الحاسد فعلم أن لا حيلة عندنا فيه ولا في ~~استملاك سخيمته واستخراج ضغينته فقال تعالى قل أعوذ برب الفلق- إلى قوله- ~~ومن شر حاسد إذا حسد فأمر بالتعوذ منه حين علم أن لا حيلة عندنا في رضاه # قوله تعالى واسجدوا لله الذي خلقهن الآية قال أبو بكر اختلف في موضع ~~السجود من هذه السورة فروي عن ابن عباس ومسروق وقتادة أنه عند قوله وهم لا ~~يسأمون وروي عن أصحاب عبد الله والحسن وأبي عبد الرحمن أنه عند قوله إن ~~كنتم إياه تعبدون قال أبو بكر الأولى أنها عند آخر الآيتين لأنه تمام ~~الكلام ومن جهة أخرى أن السلف لما اختلفوا كان فعله بالآخر منهما أولى لا ~~تفاق الجميع على جواز فعلها بأخراهما واختلافهم في جوازها بأولاهما # قوله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية يدل على أنه لو جعله أعجميا ~~كان أعجميا فكان يكون قرآنا أعجميا وأنه إنما كان عربيا لأن ms2338 الله أنزله ~~بلغة العرب وهذا يدل على أن نقله إلى لغة العجم لا يخرجه ذلك من أن يكون ~~قرآنا آخر سورة حم السجدة. ### | سورة حم عسق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ~~فيه الدلالة على بطلان الاستئجار على ما سبيله أن لا يفعل إلا على وجه ~~القربة لإخباره تعالى بأن من يريد حرث الدنيا فلا حظ له في الآخرة فيخرج ~~ذلك من أن يكون قربة فلا يقع موقع الجواز # وقوله تعالى قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال ابن عباس ~~ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي معناه إلا أن تودوني لقرابتي منكم قالوا كل # PageV05P262 # قريش كانت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة # وقال علي بن الحسن وسعيد بن جبير إلا أن تودوا قرابتي # وقال الحسن إلا المودة في القربى أي إلا التقرب إلى الله والتودد بالعمل ~~الصالح # وقوله تعالى والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم يدل ~~على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أنا ~~مأمورون بها # قوله تعالى والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون روي عن إبراهيم النخعي في ~~معنى الآية قال كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ~~وقال السدي هم ينتصرون معناه ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا عليهم قال أبو ~~بكر قد ندبنا الله في مواضع من كتابه إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس فمنه ~~قوله وأن تعفوا أقرب للتقوى وقوله تعالى في شأن القصاص فمن تصدق به فهو ~~كفارة له وقوله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وأحكام هذه ~~الآي ثابتة غير منسوخة وقوله والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون يدل ظاهره ~~على أن الانتصار في هذا الموضع أفضل ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة ~~لله تعالى وإقامة الصلاة وهو محمول على ما ذكره إبراهيم النخعي أنهم كانوا ~~يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ الفساق عليهم ms2339 فهذا فيمن تعدى وبغى ~~وأصر على ذلك والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما مقلعا # وقد قال عقيب هذه الآية ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ~~ومقتضى ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به # وقد عقبه بقوله ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور فهو محمول على ~~الغفران عن غير المصر فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل الانتصار منه ~~بدلالة الآية التي قبلها وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قوله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل قال فبما يكون بين الناس من القصاص فأما لو ظلمك رجل لم ~~يحل لك أن تظلمه آخر سورة حم عسق. ### | سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # في التسمية عند الركوب قوله تعالى لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم ~~إذا استويتم عليه # حدثنا عبد الله # PageV05P263 # ابن إسحاق قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~عن أبي إسحاق عن علي بن ربيعة أنه شهد عليا كرم الله وجهه حين ركب فلما وضع ~~رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى قال الحمد لله ثم قال سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ثم قال حمدا لله ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال لا ~~إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل ~~له مم تضحك يا أمير المؤمنين قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل ~~الذي فعلت وقال مثل الذي قلت ثم ضحك فقيل له مم تضحك يا نبي الله قال العبد ~~أو قال عجب للعبد إذا قال لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو # وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر ~~عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان إذا ركب ms2340 قال بسم الله ثم قال هذا منك وفضلك ~~علينا الحمد لله ربنا ثم يقول سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~وإنا إلى ربنا لمنقبلون # وروى حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ذروة سنام كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فقولوا كما أمركم الله ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين # وروي عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن أبي معمر أن ابن مسعود قال إذا ركب ~~الدابة فلم يذكر اسم الله عليه ردفه الشيطان فقال له تغن فإن لم يحسن قال ~~له تمن. ### | فصل في إباحة لبس الحلي للنساء # قال أبو العالية ومجاهد رخص للنساء في الذهب ثم قرأ أومن ينشؤا في الحلية # وروى نافع عن سعيد عن أبي هند عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لبس الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها # وروى شريك عن العباس بن زريح عن البهي عن عائشة قالت سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول وهو يمص الدم عن شجة بوجه أسامة ويمجه لو كان أسامة جارية ~~لحليناه لو كان أسامة جارية لكسوناه لتنفقه # وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~امرأتين عليهما أسورة من ذهب فقال أتحبان أن يسوركما الله بأسورة من نار ~~قالتا لا قال فأديا حق هذا # وقالت عائشة لا بأس بلبس الحلي إذا أعطى زكاته وكاتب عمر إلى أبي موسى أن ~~مر من قبلك من نساء المؤمنين أن يصدقن من الحلي وروى أبو حنيفة عن عمرو بن ~~دينار أن عائشة حلت أخواتها الذهب وأن ابن # PageV05P264 # عمر حلى بناته الذهب # وقد روى خصيف عن مجاهد عن عائشة قالت لما نهانا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن لبس الذهب قلنا يا رسول الله أو نربط المسك بشيء من الذهب قال أفلا ~~تربطونه بالفضة ثم تلطخونه بشيء من زعفران فيكون مثل الذهب ms2341 # وروى جرير عن مطرف عن أبي هريرة قال كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأتته امرأة فقالت يا رسول الله سواران من ذهب فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم سوران من نار فقالت قرطان من ذهب قال قرطان من نار قالت طوق من ~~ذهب قال طوق من نار قالت يا رسول الله إن المرأة إذا لم تتزين لزوجها صلفت ~~عنده فقال ما يمنعكن أن تجعلن قرطين من فضة تصفرينه بعنبر أو زعفران فإذا ~~هو كالذهب # قال أبو بكر الأخبار الواردة في إباحته للنساء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة أظهر وأشهر من اخبار الحذر ودلالة الآية أيضا ظاهرة في ~~إباحته للنساء وقد استفاض لبس الحلي للنساء منذ لدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة إلى يومنا هذا من غير نكير من أحد عليهن ومثل ذلك لا يعترض ~~عليه بإخبار الآحاد # قوله تعالى وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون يعني أن الكفار قالوا لو شاء الله ما عبدنا الأصنام ولا ~~الملائكة وإنا إنما عبدناهم لأن الله قد شاء منا ذلك فأكذبهم الله في قيلهم ~~هذا وأخبر أنهم يخرصون ويكذبون بهذا القول في أن الله تعالى لم يشأ كفرهم ~~ونظيره قوله سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم أخبر فيه أنهم مكذبون لله ولرسوله ~~بقولهم لو شاء الله ما أشركنا وأبان به أن الله قد شاء أن لا يشركوا وهذا ~~كله يبطل مذهب الجبر الجهمية # قوله تعالى بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة- إلى قوله- قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فيه الدلالة على إبطال التقليد لذمه إياهم على ~~تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم # قوله تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ينتظم معنيين أحدهما أن الشهادة ~~بالحق غير نافعة إلا مع العلم وأن التقليد لا يغني مع عدم العلم ms2342 بصحة ~~المقالة والثاني أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها أن يكون الشاهد ~~عالما بها ونحوه # ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع # وقوله تعالى وإنه لعلم للساعة حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن ~~قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى وإنه لعلم للساعة ~~قال نزول عيسى بن مريم عليه السلام علم الساعة # PageV05P265 # وناس يقولون القرآن علم للساعة آخر سورة الزخرف. ### | سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال ~~أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله قال نسخها قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه حدثنا عبد الله بن محمد قال أخبرنا ~~عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أفرأيت من اتخذ إلهه هواه قال ~~لا يهوى شيئا إلا ركبه لا يخاف الله قال أبو بكر وقد روي في بعض الأخبار أن ~~الهوى إله يعبد وتلا قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه يعني يطيعه كطاعة ~~الإله وعن سعيد بن جبير قال كانوا يعبدون العزى وهو حجر أبيض حينا من الدهر ~~فإذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر وقال الحسن اتخذ إلهه ~~هواه يعني لا يعرف إلهه بحجة عقله وإنما يعرفه بهواه # قوله تعالى وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر قيل هو على التقديم والتأخير أي نحيا ونموت من غير رجوع وقيل نموت ~~ويحيا أولادنا كما يقال ما مات من خلف ابنا مثل فلان وقوله وما يهلكنا إلا ~~الدهر فإنه حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق ~~قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله وما يهلكنا إلا الدهر قال قال ذلك مشركو ~~قريش قالوا ما يهلكنا إلا الدهر يقولون إلا العمر قال أبو بكر ms2343 هذا قول ~~زنادقة قريش الذين كانوا ينكرون الصانع الحكيم وأن الزمان ومضي الأوقات هو ~~الذي يحدث هذه الحوادث والدهر اسم يقع على زمان العمر كما قال قتادة يقال ~~فلان يصوم الدهر يعنون عمره كله ولذلك قال أصحابنا إن من حلف لا يكلم فلانا ~~الدهر أنه على عمره كله وكان ذلك عندهم بمنزلة قوله والله لا أكلمك الأبد ~~وأما قوله لا أكلمك دهرا فإن ذلك عند أبي يوسف ومحمد على ستة أشهر ولم يعرف ~~أبو حنيفة معنى دهرا فلم يجب فيه بشيء # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في بعض ألفاظه لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر # فتأوله أهل العلم على أن أهل الجاهلية كانوا ينسبون الحوادث المجحفة ~~والبلايا النازلة والمصائب المتلفة إلى الدهر فيقولون فعل الدهر بنا وصنع ~~بنا ويسبون الدهر كما # PageV05P266 # قد جرت عادة كثير من الناس بأن يقولوا أساء بنا الدهر ونحو ذلك # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا فاعل هذه الأمور فإن الله هو ~~فاعلها ومحدثها # وأصل هذا الحديث ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود وقال حدثنا محمد بن الصباح قال ~~حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال يقول الله تعالى يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ~~الليل والنهار قال ابن السرح عن ابن المسيب مكان سعيد # فقوله وأنا الدهر # منصوب بأنه ظرف للفعل # كقوله تعالى أنا أبدا بيدي الأمر أقلب الليل والنهار # وكقول القائل أنا اليوم بيدي الأمر أفعل كذا وكذا ولو كان مرفوعا كان ~~الدهر اسما لله تعالى وليس كذلك لأن أحدا من المسلمين لا يسمي الله بهذا ~~الاسم # وحدثنا عبد الله ابن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر ~~عن الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله يقول لا ~~يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت ~~قبضتهما ms2344 # فهذان هما أصل الحديث في ذلك والمعنى ما ذكرنا وإنما غلط بعض الرواة فنقل ~~المعنى عنده فقال لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر وأما # قوله في الحديث الأول يؤذيني ابن آدم يسب الدهر # فإن الله تعالى لا يلحقه الأذى ولا المنافع والمضار وإنما هو مجاز معناه ~~يؤذي أوليائي لأنهم يعلمون أن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي ينسبها ~~الجهال إلى الدهر فيتأذون بذلك كما يتأذون بسماع سائر ضروب الجهل والكفر ~~وهو كقوله إن الذين يؤذون الله ورسوله ومعناه يؤذون أولياء الله آخر سورة ~~حم الجاثية. ### | سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا روي أن عثمان أمر برجم امرأة قد ~~ولدت لستة أشهر فقال له علي قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال ~~وفصاله في عامين وروي أن عثمان سأل الناس عن ذلك فقال له ابن عباس مثل ذلك ~~وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس وروي عن ابن عباس أن كل ما زاد في ~~الحمل نقص من الرضاع فإذا كان الحمل تسعة أشهر فالرضاع واحد وعشرون شهرا ~~وعلى هذا القياس جميع ذلك وروي عن ابن عباس أن الرضاع حولان في جميع الناس ~~ولم يفرقوا بين من زاد # PageV05P267 # حمله أو نقص وهو مخالف للقول الأول وقال مجاهد في قوله وما تغيض الأرحام ~~وما تزداد ما نقص عن تسعة أشهر أو زاد عليها قوله تعالى حتى إذا بلغ أشده ~~روي عن ابن عباس وقتادة أشده ثلاث وثلاثون سنة وقال الشعبي هو بلوغ الحلم ~~وقال الحسن أشده قيام الحجة عليه # وقوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها # روى الزهري عن ابن عباس قال قال عمر فقلت يا رسول الله ادع الله أن يوسع ~~على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالسا وقال ~~أفي شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا # وحدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق ms2345 عن ~~معمر في قوله أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قال إن عمر بن الخطاب قال لو ~~شئت أن أذهب طيباتي في حياتي لأمرت بجدي سمين يطبخ باللبن وقال معمر قال ~~قتادة قال عمر لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما وألينكم ثيابا لفعلت ولكني ~~أستبقي طيباتي وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال قدم على عمر بن الخطاب ناس ~~من أهل العراق فقرب إليهم طعامه فرآهم كأنهم يتعذرون في الأكل فقال يا أهل ~~العراق لو شئت أن يدهمق لي كما يدهمق لكم لفعلت ولكن نستبقي من دنيانا ~~لآخرتنا ما سمعتم الله يقول أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قال أبو بكر ~~هذا محمول على أنه رأى ذلك أفضل لا على أنه لا يجوز غيره لأن الله قد أباح ~~ذلك فلا يكون آكله فاعلا محظورا قال الله تعالى قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق آخر سورة الأحقاف. ### | سورة محمد صلى الله عليه وسلم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب قال أبو بكر قد اقتضى ~~ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان وهو نظير قوله تعالى ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال حدثنا ~~جعفر ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض قال ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ~~فلما كثروا واشتد سلطانهم # PageV05P268 # أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى فإما منا بعد وإما فداء فجعل الله ~~النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استعبدوهم ~~وإن شاءوا فادوهم شك أبو عبيد في وإن شاءوا استعبدوهم # وحدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو ~~عبيد قال حدثنا أبو مهدي ms2346 وحجاج كلاهما عن سفيان قال سمعت السدي يقول في ~~قوله فإما منا بعد وإما فداء قال هي منسوخة نسخها قوله فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم قال أبو بكر أما قوله فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ~~وقوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض وقوله فإما تثقفنهم ~~في الحرب فشرد بهم من خلفهم فإنه جائز أن يكون حكما ثابتا غير منسوخ وذلك ~~لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإثخان بالقتل وحظر عليه ~~الأسر إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم وكان ذلك في وقت قلة عدد المسلمين ~~وكثرة عدد عدوهم من المشركين فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد ~~جاز الاستبقاء فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا وجد مثل الحال التي كان ~~عليها المسلمون في أول الإسلام أما قوله فإما منا بعد وإما فداء ظاهره ~~يقتضى أخذ شيئين إما من وإما فداء وذلك ينفي جواز القتل وقد اختلف السلف في ~~ذلك حدثنا جعفر بن محمد قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو ~~عبيد قال حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره قتل الأسير وقال ~~من عليه أو فاده وحدثنا جعفر قال حدثنا جعفر قال حدثنا أبو عبيد قال أخبرنا ~~هشيم قال أخبرنا أشعث قال سألت عطاء عن قتل الأسير فقال من عليه أو فاده ~~قال وسألت الحسن قال يصنع به ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى ~~بدر يمن عليه أو يفادى به وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء ~~إصطخر ليقتله فأبى أن يقتله وتلا قوله فإما منا بعد وإما فداء وروي أيضا عن ~~مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة قتل الأسير وقد روينا عن السدي أن قوله فإما ~~منا بعد وإما فداء منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # وروي مثله عن ابن جريج حدثنا جعفر قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا حجاج عن ~~ابن جريج قال هي منسوخة وقال قتل رسول الله صلى الله ms2347 عليه وسلم عقبة بن أبي ~~معيط يوم بدر صبرا # قال أبو بكر اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافا ~~فيه # وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله الأسير منها ~~قتله عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر وقتل يوم أحد ~~أبا عزة الشاعر بعد ما أسر وقتل # PageV05P269 # بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية ~~ومن على الزبير ابن باطا من بينهم وفتح خيبر بعضها صلحا وبعضها عنوة وشرط ~~على بن أبي الحقيق أن لا يكتم شيئا فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله وفتح ~~مكة وأمر بقتل هلال بن خطل ومقيس ابن حبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~وآخرين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ومن على أهل مكة ~~ولم يغنم أموالهم # وروي عن صالح بن كيسان عن محمد ابن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف ~~أنه سمع أبا بكر الصديق يقول وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته ~~وكنت قتلته سريحا أو أطلقته نجيحا وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعد ما ~~أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله فهذه ~~آثار متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في جواز قتل الأسير ~~وفي استبقائه واتفق فقهاء الأمصار على ذلك وإنما اختلفوا في فدائه فقال ~~أصحابنا جميعا لا يفادى الأسير بالمال ولا يباع السبي من أهل الحرب فيردوا ~~حربا وقال أبو حنيفة لا يفادون بأسرى المسلمين أيضا ولا يردون حربا أبدا ~~وقال أبو يوسف ومحمد لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين وهو قول ~~الثوري والأوزاعي وقال الأوزاعي لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب ولا يباع ~~الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون وقال المزني عن الشافعي للإمام أن يمن ~~على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم فأما المجيزون للفداء بأسرى ~~المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله ms2348 فإما منا بعد وإما فداء وظاهره يقتضي ~~جوازه بالمال وبالمسلمين وبأن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسارى بدر ~~بالمال ويحتجون للفداء بالمسلمين # بما روى ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن ~~عمران بن حصين قال أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأسر ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عامر بن صعصعة فمر به على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو موثق فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال علام أحبس قال بجريرة حلفائك فقال الأسير إني مسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح ثم مضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فناداه أيضا فأقبل فقال إني جائع فأطعمني فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذه حاجتك ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم فداه ~~بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما # وروى ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني ~~عقيل # ولم يذكر # PageV05P270 # إسلام الأسير وذكره في الحديث الأول ولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا ~~الوجه لأن المسلم لا يرد أهل الحرب # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط في صلح الحديبية لقريش أن من جاء ~~منهم مسلما رده عليهم ثم نسخ ذلك ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإقامة ~~بين أظهر المشركين وقال أنا بريء من كل مسلم مع مشرك # وقال من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة # وأما ما في الآية من ذكر المن أو الفداء وما روي في أسارى بدر فإن ذلك ~~منسوخ بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل ~~مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وقد روينا ذلك عن ~~السدي وابن جريج وقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ms2349 ~~الآخر- إلى قوله تعالى- حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فتضمنت الآيتان ~~وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية والفداء بالمال أو بغيره ~~ينافي ذلك ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد سورة محمد ~~صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخا للفداء المذكور ~~في غيرها قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها قال الحسن حتى يعبد الله ولا ~~يشرك به غيره وقال سعيد بن جبير خروج عيسى بن مريم عليه السلام فيكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير ويلقى الذئب الشاة فلا يعرض لها ولا تكون عداوة بين ~~اثنين وقال الفراء آثامها وشركها حتى لا يكون إلا مسلم أو مسالم قال أبو ~~بكر فكأن معنى الآية على هذا التأويل إيجاب القتال إلى أن لا يبقى من يقاتل # وقوله تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم روي عن ~~مجاهد لا تضعفوا عن القتال وتدعوا إلى الصلح وحدثنا عبد الله بن محمد قال ~~حدثنا الحسن الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله ~~تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم قال لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى ~~صاحبتها وأنتم الأعلون قال أنتم أولى بالله منهم قال أبو بكر فيه الدلالة ~~على امتناع جواز طلب الصلح من المشركين وهو بيان لما أكد فرضه من قتال ~~مشركي العرب حتى يسلموا وقتال أهل الكتاب ومشركي العجم حتى يسلموا أو يعطوا ~~الجزية والصلح على غير إعطاء الجزية خارج عن مقتضى الآيات الموجبة لما ~~وصفنا فأكد النهي عن الصلح بالنص عليه في هذه الآية وفيه الدلالة على أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا وإنما فتحها عنوة لأن الله قد ~~نهاه عن الصلح في هذه الآية وأخبر أن # PageV05P271 # المسلمين هم الأعلون الغالبون ومتى دخلها صلحا برضاهم فهم متساوون إذ كان ~~حكم ما يقع بتراضي الفريقين فهما متساويان فيه ليس أحدهما بأولى بأن يكون ~~غالبا على صاحبه من الآخر وقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم يحتج به في ms2350 أن كل ~~من دخل في قربة لا يجوز له الخروج منها قبل إتمامها لما فيه من إبطال عمله ~~نحو الصلاة والصوم والحج وغيره آخر سورة محمد صلى الله عليه وسلم. ### | سورة الفتح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل إنا فتحنا لك فتحا مبينا روي أنه أراد فتح مكة وقال قتادة ~~قضينا لك قضاء مبينا والأظهر أنه فتح مكة بالغلبة والقهر لأن القضاء لا ~~يتناوله الإطلاق وإذا كان المراد فتح مكة فإنه يدل على أنه فتحها عنوة إذ ~~كان الصلح لا يطلق عليه اسم الفتح وإن كان قد يعبر مقيدا لأن من قال فتح ~~بلد كذا عقل به الغلبة والقهر دون الصلح # ويدل عليه قوله في نسق التلاوة وينصرك الله نصرا عزيزا وفيه الدلالة على ~~أن المراد فتح مكة وأنه دخلها عنوة ويدل عليه قوله تعالى إذا جاء نصر الله ~~والفتح لم يختلفوا أن المراد فتح مكة ويدل عليه قوله تعالى إنا فتحنا لك # وقوله تعالى هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين وذكره ذلك في سياق ~~القصة يدل على ذلك لأن المعنى سكون النفس إلى الإيمان بالبصائر التي بها ~~قاتلوا عن دين الله حتى فتحوا مكة # وقوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد روي أن ~~المراد فارس والروم وروي أنهم بنو حنيفة فهو دليل على صحة إمامة أبي بكر ~~وعمر وعثمان رضي الله عنهم لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى قتال بني حنيفة ~~ودعاهم عمر إلى قتال فارس والروم وقد ألزمهم الله اتباع طاعة من يدعوهم ~~إليه بقوله تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن ~~تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما فأوعدهم الله على التخلف عمن ~~دعاهم إلى قتال هؤلاء فدل على صحة إمامتهما إذ كان المتولي عن طاعتهما ~~مستحقا للعقاب فإن قيل قد روى قتادة أنهم هو ازن وثقيف يوم حنين قيل له لا ~~يجوز أن يكون الداعي لهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال فقل لن ms2351 تخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ويدل على أن المراد بالدعاة لهم غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يدع # PageV05P272 # هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما # وقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فيه ~~الدلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ~~بالحديبية وصدق بصائرهم فهم قوم بأعيانهم قال ابن عباس كانوا ألفين وخمس ~~مائة وقال جابر ألفا وخمس مائة فدل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة ~~أولياء الله إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا وباطنهم ~~كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان وقد أكد ذلك بقوله فعلم ما في قلوبهم ~~فأنزل السكينة عليهم أخبر أنه علم من قلوبهم صحة البصيرة وصدق النية وأن ما ~~أبطنوه مثل ما أظهروه وقوله تعالى فأنزل السكينة عليهم يعني الصبر بصدق ~~نياتهم وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية وهو مثل قوله إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما # وقوله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية روي عن ابن عباس ~~أنها نزلت في قصة الحديبية وذلك أن المشركين قد كانوا بعثوا أربعين رجلا ~~ليصيبوا من المسلمين فأتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرى فخلى ~~سبيلهم وروي أنها نزلت في فتح مكة حين دخلها النبي صلى الله عليه وسلم عنوة ~~فإن كانت نزلت في فتح مكة فدلالتها ظاهرة على أنها فتحت عنوة لقوله تعالى ~~من بعد أن أظفركم عليهم ومصالحتهم لا ظفر فيها للمسلمين فاقتضى ذلك أن يكون ~~فتحها عنوة # وقوله تعالى والهدي معكوفا أن يبلغ محله يحتج به من يجيز ذبح هدي الإحصار ~~في غير الحرم لإخباره بكونه محبوسا عن بلوغ محله ولو كان قد بلغ الحرم وذبح ~~فيه لما كان محبوسا عن بلوغ المحل وليس هذا كما ظنوا لأنه قد كان ممنوعا ~~بديا عن بلوغ المحل ثم لما وقع الصلح زال المنع فبلغ ms2352 محله وذبح في الحرم ~~وذلك لأنه إذا حصل المنع في أدنى وقت فجائز أن يقال قد منع كما قال تعالى ~~قالوا يا أبانا منع منا الكيل وإنما منع في وقت وأطلق في وقت آخر وفي الآية ~~دلالة على أن المحل هو الحرم لأنه قال والهدي معكوفا أن يبلغ محله فلو كان ~~محله غير الحرم لما كان معكوفا عن بلوغه فوجب أن يكون المحل في قوله ولا ~~تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله هو الحرم. ### | باب رمى حصون المشركين وفيهم أطفال المسلمين وأسراهم # قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري لا بأس برمي حصون المشركين ~~«18- أحكام مس» # PageV05P273 # وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين ولا بأس بأن يحرقوا الحصون ~~ويقصدوا به المشركين وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي المشركون ~~وإن أصابوا أحدا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة وقال الثوري فيه ~~الكفارة ولا دية فيه وقال مالك لا تحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى من ~~المسلمين لقوله تعالى لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إنما ~~صرف النبي صلى الله عليه وسلم عنهم لما كان فيهم من المسلمين ولو تزيل ~~الكفار عن المسلمين لعذب الكفار وقال الأوزاعي إذا تترس الكفار بأطفال ~~المسلمين لم يرموا لقوله ولولا رجال مؤمنون الآية قال ولا يحرق المركب فيه ~~أسارى المسلمين ويرمى الحصن بالمنجنيق وإن كان فيه أسارى مسلمون فإن أصاب ~~أحدا من المسلمين فهو خطأ وإن جاءوا يتترسون بهم رمي وقصد العدو وهو قول ~~الليث بن سعد وقال الشافعي لا بأس بأن يرمى الحصن وفيه أسارى أو أطفال ومن ~~أصيب فلا شيء فيه ولو تترسوا ففيه قولان أحدهما يرمون والآخر لا يرمون إلا ~~أن يكونوا ملتحمين فيضرب المشرك ويتوقى المسلم جهده فإن أصاب في هذه الحال ~~مسلما فإن علمه مسلما فالدية مع الرقبة وإن لم يعلمه مسلما فالرقبة وحدها ~~قال أبو بكر نقل أهل السير # أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف ورماهم بالمنجنيق مع نهيه ~~صلى ms2353 الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان # وقد علم صلى الله عليه وسلم أنه قد يصيبهم وهو لا يجوز تعمد بالقتل فدل ~~على أن كون المسلمين فيما بين أهل الحرب لا يمنع رميهم إذ كان القصد فيه ~~المشركين دونهم # وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل الديار من المشركين يبيتون فيصاب من ~~ذراريهم ونساءهم فقال هم منهم # وبعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة ابن زيد فقال أغر على هؤلاء يا بنى ~~صباحا وحرق وكان يأمر السرايا بأن ينتظروا بمن يغزونهم فإن أذنوا للصلاة ~~أمسكوا عنهم وإن لم يسمعوا أذانا أغاروا # وعلى ذلك مضى الخلفاء الراشدون ومعلوم أن من أغار على هؤلاء لا يخلوا من ~~أن يصيب من ذراريهم ونسائهم المحظور قتلهم فكذلك إذا كان فيهم مسلمون وجب ~~أن لا يمنع ذلك من شن الغارة عليهم ورميهم بالنشاب وغيره وإن خيف عليه ~~إصابة المسلم فإن قيل إنما جاء ذلك لأن ذراري المشركين منهم كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم في حديث الصعب بن جثامة قيل له لا يجوز أن يكون مراده ~~صلى الله عليه وسلم في ذراريهم أنهم منهم في الكفر لأن الصغار لا يجوز أن ~~يكونوا # PageV05P274 # كفارا في الحقيقة ولا يستحقون القتل ولا العقوبة لفعل آبائهم في باب سقوط ~~الدية والكفارة وأما احتجاج من يحتج بقوله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات ~~الآية في منع رمي الكفار لأجل من فيهم من المسلمين فإن الآية لا دلالة فيها ~~على موضع الخلاف وذلك لأن أكثر ما فيها أن الله كف المسلمين عنهم لأنه كان ~~فيهم قوم مسلمون لم يأمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوا مكة ~~بالسيف أن يصيبوهم وذلك إنما تدل إباحة ترك رميهم والإقدام عليهم فلا دلالة ~~على حظر الإقدام عليهم مع العلم بأن فيهم مسلمين لأنه جائز أن يبيح الكف ~~عنهم لأجل المسلمين وجائز أيضا إباحة الإقدام على وجه ms2354 التخيير فإذا لا ~~دلالة فيها على حظر الإقدام فإن قيل في فحوى الآية ما يدل على الحظر وهو ~~قوله لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم فلولا الحظر ما ~~أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم قيل له قد اختلف أهل التأويل في معنى ~~المعرة هاهنا فروي عن ابن إسحاق أنه غرم الدية وقال غيره الكفارة وقال ~~غيرهما الغم باتفاق قتل المسلم على يده لأن المؤمن يغم لذلك وإن لم يقصده ~~وقال آخرون العيب وحكي عن بعضهم أنه قال المعرة الإثم وهذا باطل لأنه تعالى ~~قد أخبر أن ذلك لو وقع كان بغير علم منا لقوله تعالى لم تعلموهم أن تطؤهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ولا مأثم عليه فيما لم يعلمه ولم يضع الله عليه ~~دليلا قال الله تعالى وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ~~فعلمنا أنه لم يرد المأثم ويحتمل أن يكون ذلك كان خاصا في أهل مكة لحرمة ~~الحرم ألا ترى أن المستحق للقتل إذا لجأ إليها لم يقتل عندنا وكذلك الكافر ~~الحربي إذا لجأ إلى الحرم لم يقتل وإنما يقتل من انتهك حرمة الحرم بالجناية ~~فيه فمنع المسلمين من الإقدام عليهم خصوصية لحرمة الحرم ويحتمل أن يريد ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات قد علم أنهم سيكونون من أولاد هؤلاء الكفار ~~إذ لم يقتلوا فمنعنا قتلهم لما في معلومه من حدوث أولادهم مسلمين وإذا كان ~~في علم الله أنه إذا أبقاهم كان لهم أولاد مسلمون أبقاهم ولم يأمر بقتلهم ~~وقوله لو تزيلوا على هذا التأويل لو كان هؤلاء المؤمنون الذين في أصلابهم ~~قد ولدوهم وزايلوهم لقد كان أمر بقتلهم وإذا ثبت ما ذكرنا من جواز الإقدام ~~على الكفار مع العلم بكون المسلمين بين أظهرهم وجب جواز مثله إذا تترسوا ~~بالمسلمين لأن القصد في الحالين رمي المشركين دونهم ومن أصيب منهم فلا دية ~~فيه ولا كفارة كما أن من أصيب برمي حصون الكفار من # PageV05P275 # المسلمين الذين في الحصن لم يكن فيه دية ولا ms2355 كفارة ولا أنه قد أبيح لنا ~~الرمي مع العلم بكون المسلمين في تلك الجهة فصار وافى الحكم بمنزلة من أبيح ~~قتله فلا يجب شيء وليست المعرة المذكورة دية ولا كفارة إذ لا دلالة عليه من ~~لفظه ولا من غيره والأظهر منه ما يصيبه من الغم والحرج باتفاق قتل المؤمن ~~على يده على ما جرت به العادة ممن يتفق على يده ذلك وقول عن تأوله على ~~العيب محتمل أيضا لأن الإنسان قد يعاب في العادة باتفاق قتل الخطإ على يده ~~وإن لم يكن ذلك على وجه العقوبة # قوله تعالى إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية # قيل إنه لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب صلح الحديبية أمر علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه فكتبه وأملى عليه بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما ~~اصطلح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو # فأبت قريش أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله وقالوا نكتب ~~باسمك اللهم ومحمد ابن عبد الله ومنعوه دخول مكة فكانت أنفتهم من الإقرار ~~بذلك من حمية الجاهلية وقوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى روي عن ابن عباس ~~قال لا إله إلا الله وعن قتادة مثله وقال مجاهد كلمة الإخلاص وحدثنا عبد ~~الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في ~~قوله وألزمهم كلمة التقوى قال بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين ~~قال أبو بكر المقصد إخبارهم بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين متقربين ~~بالإحرام فلما ذكر معه الخلق والتقصير دل على أنهما قربة في الإحرام وأن ~~الإحلال بهما يقع لولا ذلك ما كان للذكر هاهنا وجه # وروى جابر وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا ~~وللمقصرين مرة # وهذا أيضا يدل على أنهما قربة ونسك عند الإحلال من الإحرام آخر سورة ~~الفتح. ### | سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ms2356 حدثنا عبد الله بن محمد قال ~~حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله أن ناسا كانوا يقولون لولا أنزل ~~في كذا قال معمر وكان الحسن يقول هم قوم ذبحوا قبل أن يصلي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأمرهم أن يعيدوا الذبح قال أبو بكر وروي عن مسروق أنه دخل على ~~عائشة فأمرت الجارية أن تسقيه فقال إني صائم وهو # PageV05P276 # اليوم الذي يشك فيه فقالت قد نهي عن هذا وتلت يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله في صيام ولا غيره قال أبو بكر اعتبرت عموم ~~الآية في النهي عن مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في قول أو فعل وقال أبو ~~عبيدة معمر بن المثنى لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه قال أبو بكر يحتج بهذه ~~الآية في امتناع جواز مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم الفروض على ~~أوقاتها وتأخيرها عنها في تركها وقد يحتج بها من يوجب أفعال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن في ترك ما فعله تقدما بين يديه كما أن في ترك أمره تقدما بين ~~يديه وليس ذلك كما ظنوا لأن التقدم بين يديه إنما هو فيما أراد منا فعله ~~ففعله غيره فأما ما لم يثبت أنه مراد منه فليس في تركه تقديم بين يديه ~~ويحتج به نفاة القياس أيضا ويدل ذلك على جهل المحتج به لأن ما قامت دلالته ~~فليس في فعله تقدم بين يديه وقد قامت دلالة الكتاب والسنة والإجماع على ~~وجوب القول بالقياس في فروع الشرع فليس فيه إذا تقدم بين يديه # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فيه أمر ~~بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره وهو نظير قوله تعالى لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وروى أنها نزلت في قوم كانوا إذ سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن شيء قالوا فيه قبل النبي صلى الله ms2357 عليه وسلم وأيضا ~~لما كان في رفع الصوت على الإنسان في كلامه ضرب من ترك المهابة والجرأة نهى ~~الله عنه إذ كنا مأمورين لتعظيمه وتوقيره وتهييبه وقوله تعالى ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض زيادة على رفع الصوت وذلك أنه نهى عن أن تكون ~~مخاطبتنا له كمخاطبة بعضنا لبعض بل على ضرب من التعظيم تخالف به مخاطبات ~~الناس فيما بينهم وهو كقوله لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا # وقوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وروي أنها نزلت ~~في قوم من بني تميم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه من خارج الحجرة ~~وقالوا اخرج إلينا يا محمد فذمهم الله تعالى بذلك وهذه الآيات وإن كانت ~~نازلة في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب الفرق بينه وبين الأمة فيه ~~فإنه تأديب لنا فيمن يلزمنا تعظيمه من والد وعالم وناسك وقائم بأمر الدين ~~وذي سن وصلاح ونحو ذلك إذ تعظيمه بهذا الضرب من التعظيم في ترك الجهر دفع ~~الصوت عليه وترك عليه والتمييز بينه وبين غيره ممن ليس في مثل حاله وفي ~~النهي عن ندائه من وراء الباب والمخاطبة له بلفظ الأمر لأن الله قد ذم ~~هؤلاء القوم بندائهم إياه من وراء الحجرة وبمخاطبته بلفظ الأمر في قولهم ~~اخرج إلينا # حدثنا عبد الله بن محمد # PageV05P277 # قال حدثنا الحسن الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن ~~ثابت بن قيس قال يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت لما نزلت هذه الآية ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا ~~امرؤ جهير الصوت ونهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب ~~الحمد ونهانا الله عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة فعاش ~~حميدا وقتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب ### | باب حكم خبر الفاسق # قال الله تعالى ms2358 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة الآية # حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني ~~المصطلق فأتاهم الوليد فخرجوا يتلقونه ففرق ورجع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال ارتدوا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فلما دنا ~~منهم بعث عيونا ليلا فإذا هم يؤذنون ويصلون فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا ~~طاعة وخيرا فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره # قال وقال معمر فتلا قتادة لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم قال فأنتم ~~أسخف رأيا وأطيش أحلاما فاتهم رجل رأيه وانتصح كتاب الله وروي عن الحسن قال ~~والله لئن كانت نزلت في رجل يعني قوله إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا إنها ~~لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء قال أبو بكر مقتضى الآية إيجاب التثبت ~~في خبر الفاسق والنهي عن الإقدام على قبوله والعمل به إلا بعد التبين ~~والعلم بصحة مخبره وذلك لأن قراءة هذه الآية على وجهين فتثبتوا من التثبت ~~وفتبينوا كلمتاهما يقتضي النهي عن قبول خبره إلا بعد العلم بصحته لأن قوله ~~فتثبتوا فيه أمر بالتثبت لئلا يصيب بجهالة فاقتضى ذلك النهي عن الإقدام إلا ~~بعد العلم لئلا يصيب قوما بجهالة وأما قوله فتبينوا فإن التبين هو العلم ~~فاقتضى أن لا يقدم بخبره إلا بعد العلم فاقتضى ذلك النهي عن قبول شهادة ~~الفاسق مطلقا إذ كان كل شهادة خبرا وكذلك سائر أخباره فلذلك قلنا شهادة ~~الفاسق غير مقبولة في شيء من الحقوق وكذلك إخباره في الرواية عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكل ما كان من أمر الدين يتعلق به من إثبات شرع أو حكم أو ~~إثبات حق على إنسان واتفق أهل العلم على جواز قبول خبر # PageV05P278 # الفاسق في أشياء ms2359 فمنها أمور المعاملات يقبل فيها خبر الفاسق وذلك نحو ~~الهدية إذا قال إن فلانا أهدى إليك هذا يجوز له قبوله وقبضه ونحو قوله ~~وكلني فلان ببيع عبده هذا فيجوز شراؤه منه ونحو الإذن في الدخول إذا قال له ~~قائل ادخل لا تعتبر فيه العدالة وكذلك جميع أخبار المعاملات ويقبل في جميع ~~ذلك خبر الصبي والعبد والذمي # وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر بريرة فيما أهدت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان يتصدق عليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم هي لها صدقة ~~ولنا هدية # فقبل قولها في أنه تصدق به عليها وأن ملك المتصدق قد زال إليها ويقبل قول ~~الفاسق وشهادته من وجه آخر وهو من كان فسقه من جهة الدين باعتقاد مذهب وهم ~~أهل الأهواء فساق وشهادتهم مقبولة وعلى ذلك جرى أمر السلف في قبول أخبار ~~أهل الأهواء في رواية الأحاديث وشهادتهم ولم يكن فسقهم من جهة التدين مانعا ~~من قبول شهادتهم وتقبل أيضا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وقد بيناه فيما ~~سلف من هذا الكتاب فهذه الوجوه الثلاثة يقبل فيها خبر الفاسق وهو مستثنى من ~~جملة قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا لدلائل قد قامت عليه فثبت أن ~~مراد الآية في الشهادات وإلزام الحقوق أو إثبات أحكام الدين والفسق التي ~~ليست من جهة الدين والاعتقاد وفي هذه الآية دلالة على أن خبر الواحد لا ~~يوجب العلم إذ لو كان يوجب العلم بحال لما احتيج فيه إلى التثبت ومن الناس ~~من يحتج به في جواز قبول خبر الواحد العدل ويجعل تخصيصه الفاسق بالتثبت في ~~خبره دليلا على أن التثبت في خبر العدل غير جائز وهذا غلط لأن تخصيص الشيء ~~بالذكر لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه. ### | باب قتال أهل البغي # قال الله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما حدثنا ~~عبد الله ابن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن الحسن أن قوما من المسلمين ms2360 كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال ~~والأيدي فأنزل الله فيهم وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~قال معمر قال قتادة وكان رجلان بينهما حق تدارء فيه فقال أحدهما لآخذنه ~~عنوة لكثرة عشيرته وقال الآخر بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي وروي عن سعيد بن جبير والشعبي ~~قالا كان قتالهم بالعصي والنعال وقال مجاهدهم الأوس والخزرج كان بينهم قتال # PageV05P279 # بالعصا قال أبو بكر قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة الباغية حتى ~~ترجع إلى أمر الله وهو عموم في سائر ضروب القتال فإن فاءت إلى الحق بالقتال ~~بالعصي والنعال لم يتجاوز به إلى غيره وإن لم تفئ بذلك قوتلت بالسيف على ما ~~تضمنه ظاهر الآية وغير جائز لأحد الاقتصار على القتال بالعصي دون السلاح مع ~~الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى الحق وذلك أحد ضروب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان # فأمر بإزالة المنكر باليد ولم يفرق بين السلاح وما دونه فظاهره يقتضي ~~وجوب إزالته بأي شيء أمكن وذهب قوم من الحشو إلى أن قتال أهل البغي إنما ~~يكون بالعصي والنعال وما دون السلاح وأنهم لا يقاتلون بالسيف واحتجوا بما ~~روينا من سبب نزول الآية وقتال القوم الذين تقاتلوا بالعصي والنعال وهذا لا ~~دلالة فيه على ما ذكروا لأن القوم تقاتلوا بما دون السلاح فأمر الله تعالى ~~بقتال الباغي منهما ولم يخصص قتالنا إياه بما دون السلاح وكذلك نقول متى ~~ظهر لنا قتال من فئة على وجه البغي قابلناه بالسلاح وبما دونه حتى ترجع إلى ~~الحق وليس في نزول الآية على حال قتال الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب أن ~~يكون الأمر بقتالنا إياهم مقصورا على مادون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ ~~للقتال بسلاح وغيره ألا ترى أنه لو قال من قاتلكم بالعصى فقاتلوه بالسلاح ~~لم يتناقص القول ms2361 به فكذلك أمره إيانا بقتالهم إذ كان عمومه يقتضي القتال ~~بسلاح وغيره وجب أن يجرى على عمومه وأيضا قاتل علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه الفئة الباغية بالسيف ومعه من كبراء الصحابة وأهل بدر من قد علم مكانهم ~~وكان محقا في قتاله لهم لم يحالف فيه أحد إلا الفئة الباغية التي قابلته ~~وأتباعها # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار تقتلك الفئة الباغية # وهذا خبر مقبول من طريق التواتر حتى إن معاوية لم يقدر على جحده لما قال ~~له عبد الله بن عمر فقال إنما قتله من جاء به فطرحه بين أسنتنا رواه أهل ~~الكوفة وأهل البصرة وأهل الحجاز وأهل الشام وهو علم من أعلام النبوة لأنه ~~خبر عن غيب لا يعلم إلا من جهة علام الغيوب وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في إيجاب قتال الخوارج وقتلهم أخبار كثيرة متواترة منها # حديث أنس وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيكون في أمتي ~~اختلاف وفرقة قوم يحسنون القول ويسيئون العمل يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم # PageV05P280 # من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقه هم شر الخلق والخليقة طوبى لمن ~~قتلهم أو قتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قتلهم كان أولى ~~بالله منهم قالوا يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق # وروى الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة قال سمعت عليا يقول إذا حدثتكم ~~بشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء فتخطفني الطير ~~أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيننا فإن الحرب خدعة وإني سمعته ~~صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء ~~الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية فإن لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر من ~~قتلهم يوم القيامة # ولم يختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب قتال الفئة ~~الباغية ms2362 بالسيف إذا لم يردعها غيره ألا ترى أنهم كلهم رأوا قتال الخوارج ~~ولو لم يروا قتال الخوارج وقعدوا عنها لقتلوهم وسبوا ذراريهم ونساءهم ~~واصطلموهم فإن قيل قد جلس عن علي جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم سعد ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وابن عمر قيل له لم يقعدوا عنه ~~لأنهم لم يروا قتال الفئة الباغية وجائز أن يكون قعودهم عنه لأنهم رأوا ~~الإمام مكتفيا بمن معه مستغنيا عنهم بأصحابه فاستجازوا القعود عنه لذلك ألا ~~ترى أنهم قد قعدوا عن قتال الخوارج لا على أنهم لم يروا قتالهم واجبا لكنه ~~لما وجدوا من كفاهم قتل الخوارج استغنوا عن مباشرة قتالهم فإن احتجوا بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون فتنة القائم فيها خير من ~~الماشي والقاعد فيها خير من القائم # قيل له إنما أراد به الفتنة التي يقتتل الناس فيها على طلب الدنيا وعلى ~~جهة العصبية والحمية من غير قتال مع إمام تجب طاعته فأما إذا ثبت أن إحدى ~~الفئتين باغية والأخرى عادلة مع الإمام فإن قتال الباغية واجب مع الإمام ~~ومع من قاتلهم محتسبا في قتالهم فإن قالوا # قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد قتلته وهو قد قال لا إله إلا ~~الله # إنما يردد ذلك مرارا فوجب أن لا يقاتل من قال لا إله إلا الله ولا يقتل ~~قيل له لأنهم كانوا يقاتلون وهم مشركون حتى يقولوا لا إله إلا الله كما # قال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها # فكانوا إذا أعطوا كلمة التوحيد أجابوا إلى ما دعوا إليه من خلع الأصنام ~~واعتقاد التوحيد ونظير ذلك أن يرجع البغاة إلى الحق فيزول عنهم القتال ~~لأنهم إنما يقاتلون على إقامتهم على قتال أهل العدل فمتى كفوا عن القتال ~~ترك قتالهم كما # PageV05P281 # يقاتل المشركون على إظهار الإسلام فمتى أظهروه زال عنهم ألا ترى أن قطاع ~~الطريق ms2363 والمحاربين يقاتلون ويقتلون مع قولهم لا إله إلا الله. ### | باب ما يبدأ به أهل البغي # قال الله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما قال أبو ~~بكر أمرا عند ظهور القتال منهم بالإصلاح بينهما وهو أن يدعوا إلى الصلاح ~~والحق وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن البغي وقوله تعالى فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى يعني والله أعلم إن رجعت إحداهما إلى الحق وأرادت ~~الصلاح وأدامت الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع فقاتلوا التي تبغى حتى ~~تفي إلى أمر الله فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال ثم إن أبت الرجوع ~~قوتلت وكذا فعل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بدأ بدعاء الفئة الباغية إلى ~~الحق واحتج عليهم فلما أبوا القبول قاتلهم وفي هذه الآية دلالة على أن ~~اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم يقاتلوا لأنه قال فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإنما أمر ~~بقتالهم إذا بغوا على غيرهم بالقتال وكذلك # فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج وذلك لأنهم حين اعتزلوا ~~عسكره بعث إليهم عبد الله بن عباس فدعاهم فلما أبوا الرجوع ذهب إليهم ~~فحاجهم فرجعت منهم طائفة وأقامت طائفة على أمرها فلما دخلوا الكوفة خطب ~~فحكمت الخوارج من نواحي المسجد وقالت لا حكم إلا الله فقال على رضى الله ~~عنه كلمة حق يراد بها باطل أما إن لهم ثلاثا أن لا نمنعهم مساجد الله أن ~~يذكروا فيها اسمه وأن لا نمنعهم حقهم من الفيء مادامت أيديهم مع أيدينا وأن ~~لا نقاتلهم حتى يقاتلونا ### | باب الأمر فيما يؤخذ من أموال البغاة # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في ذلك فقال محمد في الأصل لا يكون غنيمة ~~ويستعان بكراعهم وسلاحهم على حربهم فإذا وضعت الحرب أوزارها رد المال عليهم ~~ويرد الكراع أيضا عليهم إذا لم يبق من البغاة أحد وما استهلك فلا شيء فيه ~~وذكر إبراهيم بن الجراح عن أبي يوسف قال ما وجد في ms2364 أيدي أهل البغي من كراع ~~أو سلاح فهو فيء يقسم ويخمس وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه ~~وقال مالك ما استهلكه الخوارج # PageV05P282 # من دم أو مال ثم تابوا لم يؤخذوا به وما كان قائما بعينه رد وهو قول ~~الأوزاعي والشافعي وقال الحسن بن صالح إذا قوتل اللصوص المحاربون فقتلوا ~~وأخذ ما معهم فهو غنيمة لمن قاتلهم بعد إخراج الخمس إلا أن يكون شيء يعلم ~~أنهم سرقوه من الناس قال أبو بكر واختلفت الرواية عن علي كرم الله وجهه في ~~ذلك # فروى فطر بن خليفة عن منذر بن يعلى عن محمد بن الحنفية قال قسم أمير ~~المؤمنين علي رضي الله عنه يوم الجمل فيئهم بين أصحابه ما قوتل به من ~~الكراع والسلاح # فاحتج من جعله غنيمة بهذا الحديث وهذا ليس فيه دلالة على أنه غنيمة لأنه ~~جائز أن يكون قسم ما حصل في يده من كراع أو سلاح ليقاتلوا به قبل أن تضع ~~الحرب أوزارها ولم يملكهم ذلك على ما قال محمد في الأصل # وقد روى عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عبد الله بن الدولي عن ابن عباس أن ~~الخوارج نقموا على علي رضي الله عنه أنه لم يسب ولم يغنم فحاجهم بأن قال ~~لهم أفتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها فلئن فعلتم ~~لقد كفرتم # وروى أبو معاوية عن الصلت ابن بهرام عن أبي وائل قال سألته أخمس علي رضي ~~الله عنه أموال أهل الجمل قال لا # وقال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون ~~وأجمعوا أن كل دم أريق على وجه التأويل أو مال استهلك على وجه التأويل فلا ~~ضمان فيه ويدل على أنه لا تغنم أموالهم التي ليست معهم مما تركوه في ديارهم ~~لا تغنم وإن قتلوا كذلك ما معهم منها ألا ترى أن أهل الحرب لا يختلف فيما ~~يغنم من أموالهم ما منعهم وما تركوه منها في ديارهم أن ما حصل في أيدينا ~~منها مغنوم وأنه لا ms2365 خلاف أنه لا تسبى ذراريهم ونساؤهم ولا تملك رقابهم ~~فكذلك لا تغنم أموالهم فإن قيل مشركو العرب لا تملك رقابهم وتغنم أموالهم ~~قيل لأنهم يقتلون إذا أسروا إن لم يسلموا وتسبى ذراريهم ونساؤهم فلذلك غنمت ~~أموالهم والخوارج إذا لم تبق لهم منعة لا يقتل أسراهم ولا تسبى ذراريهم ~~بحال فكذلك لا تغنم أموالهم. ### | باب الحكم في أسرى أهل البغي وجرحاهم # روى كوثر بن حكيم عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة قال الله ورسوله ~~أعلم قال لا يجهز على جرحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها # وروى عطاء بن السائب عن أبي البختري وعامر قالا لما ظهر علي رضي الله عنه ~~على أهل الجمل قال لا تتبعوا مدبرا ولا تذففوا على جريح # وروى # PageV05P283 # شريك عن السدي عن عبد خير قال قال علي رضي الله عنه يوم الجمل لا تقتلوا ~~أسيرا ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى السلاح فهو آمن # قال أبو بكر هذا حكم على رضى الله عنه في البغاة ولا نعلم له مخالفا من ~~السلف وقال أصحابنا إذا لم تبق لأهل البغي فئة فإنه لا يجهز على جريح ولا ~~يقتل أسير ولا يتبع مدبر فإذا كانت لهم فئة فإنه يقتل الأسير إن رأى ذلك ~~الإمام ويجهز على الجريح ويتبع المدبر وقول علي رضي الله عنه محمول على أنه ~~لم تبق لهم فئة لأن هذا القول إنما كان منه في أهل الجمل ولم تبق لهم فئة ~~بعد الهزيمة والدليل عليه أنه أسر بن بثري والحرب قائمة فقتله يوم الجمل ~~فدل ذلك على أن مراده في الأخبار الأول إذا لم تبق لهم فئة. ### | باب في قضايا البغاة # قال أبو يوسف في البرمكي لا ينبغي لقاضي الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل ~~البغي ولا شهادته ولا حكمه قال أبو بكر وكذلك قال محمد وقال لو أن الخوارج ~~ولوا قاضيا منهم فحكم ثم رفع إلى ms2366 حاكم أهل العدل لم يمضه إلا أن يوافق رأيه ~~فيستأنف القضاء فيه قال ولو ولوا قاضيا من أهل العدل بقضية أنفذها من رفعت ~~إليه كما يمضي قضاء أهل العدل وقال مالك فيما حكم به أهل البغي تكشف ~~أحكامهم فما كان منها مستقيما أمضي وقال الشافعي إذا غلب الخوارج على مدينة ~~فأخذوا صدقات أهلها وأقاموا عليهم الحدود لم تعد عليهم ولا يرد من قضاء ~~قاضيهم إلا ما يرد من قضاء قاضي غيرهم وإن كان غير مأمون برأيه على استحلال ~~دم أو مال لم ينفذ حكمه ولم يقبل كتابه قال أبو بكر إذا قاتلوا وظهر بغيهم ~~على أهل العدل فقد وجب قتلهم وقتالهم فغير جائز قبول شهادة من هذه سبيله ~~لأن إظهار البغي وقتالهم لأهل العدل هو فسق من جهة الفعل وظهور الفسق من ~~جهة الفعل يمنع قبول الشهادة كشارب الخمر والزاني والسارق فإن قيل فأنت ~~تقبل شهادتهم فهلا أمضيت أحكامهم قيل له قد قال محمد بن الحسن إنهم إنما ~~تقبل شهادتهم ما لم يقاتلوا ولم يخرجوا على أهل العدل فأما إذا قاتلوا فإني ~~لا أقبل شهادتهم فقد سوى بين القضاء وبين الشهادة ولم يذكر في ذلك خلافا ~~بين أصحابنا وهذا سديد والعلة فيه ما ذكرنا فإن قيل فقد قالوا إن الخوارج ~~إذا ظهروا وأخذوا صدقات المواشي والثمار أنه لا يعاد على أربابها فجعلوا ~~أخذهم بمنزلة أخذ أهل العدل قيل له إن الزكاة لا تسقط عنهم بأخذ هؤلاء ~~لأنهم قالوا إن على أرباب # PageV05P284 # الأموال إعادتها فيما بينهم وبين الله تعالى وإنما أسقطوا به حق الإمام ~~في الأخذ لأن حق الإمام إنما يثبت في الأخذ لأجل حمايته أهل العدل فإذا لم ~~يحمهم من البغاة لم يثبت حقه في الأخذ وكان ما أخذه البغاة بمنزلة أخذه في ~~باب سقوط حقه في الأخذ ألا ترى أن أصحابنا قالوا لو مر رجل من أهل العدل ~~على عاشر أهل البغي بمال فعشره أنه لا يحتسب له الإمام بذلك ويأخذ منه ~~العشر إذا مر به على عاشر أهل ms2367 العدل فعلمت أن المعنى في سقوط حق الإمام في ~~الأخذ لا على معنى أنهم جعلوا حكمهم كأحكام أهل العدل وإنما أجازوا قضاء ~~قاضي البغاة إذا كان القاضي من أهل العدل من قبل أن الذي يحتاج إليه في صحة ~~نفاذ القضاء هو أن يكون القاضي عدلا في نفسه ويمكنه تنفيذ قضائه وحمل الناس ~~عليه بيد قوية سواء كان المولي له عدلا أو باغيا ألا ترى أنه لو لم يكن ~~ببلد سلطان فاتفق أهله على أن ولوا رجلا منهم القضاء كان جائزا وكانت ~~أحكامه نافذة عليهم فكذلك الذي ولاه البغاة القضاء إذا كان هو في نفسه عدلا ~~نفذت أحكامه ويحتج من يجيز مجاوزة الحد بالتعزير بقوله تعالى فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فأمر بقتالهم ~~إلى أن يرجعوا إلى الحق فدل على أن التعزير يجب إلى أن يعلم إقلاعه عنه ~~وتوبته إذ كان التعزير للزجر والردع وليس له مقدار معلوم في العادة كما أن ~~قتال البغاة لما كان المردع وجب فعله أن يرتدعوا وينزجروا قال أبو بكر إنما ~~اقتصر من لم يبلغ بالتعزير الحد على ذلك بما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من بلغ حدا في غير حد فهو من ~~المعتدين # وقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم يعني أنهم إخوة في ~~الدين كقوله تعالى فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وفي ~~ذلك دليل على جواز إطلاق لفظ الأخوة بين المؤمنين من جهة الدين وقوله تعالى ~~فأصلحوا بين أخويكم يدل على أن من رجا صلاح ما بين متعاديين من المؤمنين أن ~~عليه الإصلاح بينهما # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم نهى الله بهذه الآية ~~عن عيب من لا يستحق أن يعاب على وجه الاحتقار له لأن ذلك هو معنى السخرية ~~وأخبر أنه وإن كان أرفع حالا منه في الدنيا فنسي أن يكون المسخور منه خيرا ~~عند الله وقوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم وروى ms2368 عن ابن عباس وقتادة لا يطعن ~~بعضكم على بعض قال أبو بكر هو كقوله ولا تقتلوا أنفسكم لأن المؤمنين كنفس ~~واحدة فكأنه بقتله أخاه قاتل نفسه وكقوله فسلموا على # PageV05P285 # أنفسكم # يعني يسلم بعضكم على بعض واللمز العيب يقال لمزه إذا عابه وطعن عليه قال ~~الله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات قال زياد الأعجم: # إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة ... وإن تغيبت الهامز اللمزه # ما كنت أخشى وإن كان الزمان به ... حيف على الناس أن يغتا بنى عنزه # وإنما نهى بذلك عن عيب من لا يستحق وليس بمعيب فإن من كان معيبا فاجرا ~~فعيبه بما فيه جائز وروي أنه لما مات الحجاج قال الحسن اللهم أنت أمته ~~فاقطع عنا سنته فإنه أتانا أخيفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان والله ما عرق ~~فيها عنان في سبيل الله يرحل جمته ويخطر في مشيته ويصعد المنبر فيهذر حتى ~~تفوته الصلاة لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي فوقه الله وتحته مائة ألف ~~أو يزيدون لا يقول له لا قائل الصلاة أيها الرجل ثم قال الحسن هيهات والله ~~حال دون ذلك السيف والسوط وقوله تعالى ولا تنابزوا بالألقاب # روى حماد بن سلمة عن يونس عن الحسن أن أبا ذر كان عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكان بينه وبين رجل منازعة فقال له أبو ذر يا ابن اليهودية فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم أما ترى ما هاهنا ما شيء أحمر ولا أسود وما أنت ~~أفضل منه إلا بالتقوى قال ونزلت هذه الآية ولا تنابزوا بالألقاب # وقال قتادة في قوله تعالى ولا تنابزوا بالألقاب قال لا تقل لأخيك المسلم ~~يا فاسق يا منافق حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد ~~الرزاق عن معمر عن الحسن قال كان اليهودي والنصراني يسلم فقال له يا يهودي ~~يا نصراني فنهوا عن ذلك # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا وهيب عن داود عن عامر قال ms2369 حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال فينا نزلت ~~هذه الآية في بني سلمة ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~قال قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ~~ثلاثة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا فلان فيقولون مه يا رسول ~~الله إنه يغضب من هذا الاسم فأنزلت هذه الآية ولا تنابزوا بالألقاب # وهذا يدل على أن اللقب المكروه هو ما يكرهه صاحبه ويفيد ما للموصوف به ~~لأنه بمنزلة السباب والشتيمة فأما الأسماء والأوصاف الجارية غير هذا المجرى ~~فغير مكروهة لم يتناولها النهي لأنها بمنزلة أسماء الأشخاص والأسماء ~~المشتقة من أفعال # وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن يزيد بن خيثم عن محمد بن كعب قال حدثني ~~محمد بن خيثم المحاربي عن # PageV05P286 # عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من ~~بطن ينبع فلما نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا وصالح ~~فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ووادعهم فقال لي علي رضي الله عنه هل ~~لك أن تأتي هؤلاء من بني مدلج يعملون في عير لهم ننظر كيف يعملون فأتيناهم ~~فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من ~~الأرض فنمنا فما أنبهنا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدمه فجلسنا وقد ~~تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يا ~~أبا تراب لما عليه من التراب فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال ألا أخبركم ~~بأشقى رجلين قلنا من هما يا رسول الله قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ~~والذي يضربك يا علي على هذا ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ~~رأسه حتى تبل منه هذه ووضع يده على لحيته # وقال سهل بن سعد ما كان اسم أحب إلى علي رضي الله عنه أن يدعى به من أبي ~~تراب فمثل هذا لا ms2370 يكره إذ ليس فيه ذم ولا يكرهه صاحبه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا إبراهيم بن مهدي قال ~~حدثنا شريك عن عاصم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ذا ~~الأذنين وقد غير النبي صلى الله عليه وسلم أسماء قوم فسمى العاص عبد الله ~~وسمى شهابا هشاما وسمى حربا سلما # وفي جميع ذلك دليل على أن المنهي من الألقاب ما ذكرنا دون غيره # وقد روي أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا يعني الصغر # قال أبو بكر فلم يكن ذلك غيبة لأنه لم يرد به ذم المذكور ولا غيبته # وقوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم اقتضت الآية النهي عن ~~بعض الظن لا عن جميعه لأن قوله كثيرا من الظن يقتضي البعض وعقبه بقوله إن ~~بعض الظن إثم فدل على أنه لم ينه عن جميعه وقال في آية أخرى إن الظن لا ~~يغني من الحق شيئا وقال وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا فالظن على أربعة ~~أضرب محظور ومأمور به ومندوب إليه ومباح فإن الظن المحظور فهو سوء الظن ~~بالله تعالى # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى ومحمد ابن حبان ~~التمار قالا حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن ~~جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاث يقول لا يموتن ~~أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي قال ~~حدثنا سويد بن نصر قال حدثنا ابن المبارك عن هشام بن الغازي عن حبان بن أبي # PageV05P287 # النصر قال سمعت وائلة بن الأسقع يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله أنا عند ظن عبدى بن فليظن بي ما شاء # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود ms2371 قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال ~~حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن واسع عن شتير يعني ابن نهار عن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال حسن الظن من العبادة # وهو مرفوع في حديث نصر بن علي غير مرفوع في حديث موسى بن إسماعيل فحسن ~~الظن بالله فرض وسوء الظن به محظور منهى عنه وكذلك سوء الظن بالمسلمين ~~الذين ظاهرهم العدالة محظور مزجور عنه وهو من الظن المحظور المنهي عنه # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن محمد المروزي ~~قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن صفية ~~قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ~~وقمت فانقلبت فقام معي ليقلبني وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان ~~من الأنصار فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم على رسلكما إنها صفية بنت حي قالا سبحان الله يا رسول الله قال ~~إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا أو ~~قال سوءا # وحدثنا عبد الباقي ابن قانع قال حدثنا معاذ بن المثنى قال حدثنا عبد ~~الرحمن قال حدثنا وهيب قال حدثنا ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث # فهذا من الظن المحظور وهو ظنه بالمسلم سواء من غير سبب يوجبه وكل ظن فيما ~~له سبيل إلى معرفته مما تعبد بعلمه فهو محظور لأنه لما كان متعبدا تعبد ~~بعلمه ونصب له الدليل عليه فلم يتبع الدليل وحصل على الظن كان تاركا ~~للمأمور به وأما ما لم ينصب له عليه دليل يوصله إلى العلم به وقد تعبد ~~بتنفيذ الحكم فيه فالاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب وذلك نحو ~~ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول وتحري القبلة وتقويم المستهلكات وأروش ~~الجنايات التي لم يرد ms2372 بمقاديرها توقيف فهذه وما كان من نظائرها قد تعبدنا ~~فيها بتنفيذ أحكام غالب الظن وأما الظن المباح فالشاك في الصلاة أمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه فلو غلب ظنه كان ~~مباحا وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا ونحوه ما روي عن أبي ~~بكر الصديق رضى الله عنه أنه قال لعائشة إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا ~~بالعالية وإنك لم تكوني حزتيه ولا قبضتيه وإنما هو مال الوارث وإنما هو ~~أخواك وأختاك قال فقلت إنما هي أسماء فقال ألقي في روعي أن # PageV05P288 # ذا بطن خارجة جارية فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا هشام بن ~~عمار عن عبد الرحمن بن سعد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ظننتم فلا تحققوا # فهذا من الظن الذي يعرض بقلب الإنسان في أخيه مما يوجب الريبة فلا ينبغي ~~أن يحققه وأما الظن المندوب إليه فهو حسن الظن بالأخ المسلم هو مندوب إليه ~~مثاب عليه فإن قيل إذا كان سوء الظن محظورا فواجب أن يكون حسن الظن واجبا ~~قيل له لا يجب ذلك لأن بينهما واسطة وهو أن لا يظن به شيئا فإذا أحسن الظن ~~به فقد فعل مندوبا إليه قوله تعالى ولا تجسسوا # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود عن القعنبي عن مالك عن أبي الزناد ~~عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن ~~فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ~~قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب قال أتي ابن مسعود فقيل هذا ~~فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله إنا قد هينا عن التجسس ولكن إن يظهر ~~لنا شيء نأخذ ms2373 به وعن مجاهد لا تجسسوا خذوا بما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله ~~فنهى الله في هذه الآيات عن سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة والستر ~~ودل به على أنه يجب تكذيب من قذفه بالظن وقال تعالى لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين فإذا وجب تكذيب ~~القاذف والأمر بحسن الظن فقد اقتضى ذلك النهي عن تحقيق المظنون وعن إظهاره ~~ونهى عن التجسس بل أمر بالستر على أهل المعاصي ما لم يظهره منهم إصرار # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ~~قال حدثنا الفريابي عن إسرائيل عن الوليد قال أبو داود ونسبه لنا زهير بن ~~حرب عن حسين بن محمد عن إسرائيل في هذا الحديث قال الوليد بن أبي هشام عن ~~زيد بن زائد عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغني ~~أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر لكم # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسلم ابن إبراهيم قال ~~حدثنا عبد المبارك عن إبراهيم بن نشيط عن كعب بن علقمة عن أبي الهيثم عن ~~عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من رأي عورة فسترها كان كمن ~~أحيى موءودة # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال ~~حدثنا الليث عن عقيل # PageV05P289 # عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم أخو ~~المسلم لا يظلمه ولا يسلمه من كان في حاجة أخيه فإن الله في حاجته ومن فرج ~~عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره ~~الله يوم القيامة # وجميع ما أمرنا الله به من ذلك يؤدي إلى صلاح ذات البين وفي صلاح ذات ~~البين صلاح أمر الدنيا والدين قال الله تعالى فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم # وحدثنا محمد بن بكر ms2374 قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال ~~حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن مرة عن سالم عن أم الدرداء عن أبي ~~الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل من درجة ~~الصيام والصلاة والصدقة قالوا بلى يا رسول الله قال إصلاح ذات البين وفساد ~~ذات البين الحالقة # وقوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القعنبي قال حدثنا عبد ~~العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما ~~الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن ~~كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان ~~عن علي بن الأقمر عن أبي حذيفة عن عائشة قالت قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~حسبك من صفية كيت وكيت قال غير مسدد تعني قصيرة فقال لقد قلت كلمة لو مزجت ~~بماء البحر لمزجته قالت وحكيت له إنسانا آخر فقال ما أحب أني حكيت إنسانا ~~وأن لي كذا وكذا # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا الحسن ابن علي قال ~~حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني أبو الزبير أن عبد الرحمن بن ~~الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول جاء الأسلمي إلى نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه أربع مرات أنه أصاب امرأة حراما ~~وذكر الحديث إلى قوله فما تريد بهذا القول قال أريد أن تطهرني فأمر به فرجم ~~فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه انظر ~~إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب فسكت عنهما ثم ~~سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله فقال أين فلان وفلان ms2375 فقال نحن ذان ~~يا رسول الله قال انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار فقالا يا نبي الله من يأكل ~~من هذا قال فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من الأكل منه والذي نفسي بيده ~~إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إبراهيم بن عبد الله # PageV05P290 # قال حدثنا يزيد بن مرة سنة ثلاث عشر ومائتين قال حدثنا ابن عون أن ناسا ~~أتوا ابن سيرين فقالوا إنا ننال منك فاجعلنا في حل فقال لا أحل لكم ما حرم ~~الله عليكم وروى الربيع بن صبيح أن رجلا قال للحسن يا أبا سعيد إني أرى ~~أمرا أكرهه قال وما ذاك يا ابن أخي قال أرى أقواما يحضرون مجلسك يحفظون ~~عليك سقط كلامك ثم يحكونك ويعيبونك فقال يا ابن أخي لا يكبرن هذا عليك ~~أخبرك بما هو أعجب قال وما ذاك يا عم قال أطمعت نفسي في جوار الرحمن وحلول ~~الجنان والنجاة من النيران ومرافقة الأنبياء ولم أطمع نفسي في السلامة من ~~الناس إنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم فإذا لم يسلم خالقهم ~~فالمخلوق أجدر أن لا يسلم # حدثنا عبد الباقي بن قانع قال أخبرنا الحارث ابن أبي أسامة قال حدثنا ~~داود بن المجبر قال حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن قال حدثني خالد ابن يزيد ~~اليمامي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة ~~الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته # وقوله تعالى أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه تأكيد لتقبيح ~~الغيبة والزجر عنه من وجوه أحدهما أن لحم الإنسان محرم الأكل فكذلك الغيبة ~~والثاني النفوس تعاف أكل لحم الإنسان من جهة الطبع فلتكن الغيبة عندكم ~~بمنزلته في الكراهة ولزوم اجتنابه من جهة موجب العقل إذا كانت دواعي العقل ~~أحق بالاتباع من دواعي الطبع ولم يقتصره على ذكر الإنسان الميت حتى جعله ~~أخاه وهذا أبلغ ما يكون في التقبيح والزجر فهذا كله إنما هو في المسلم الذي ~~ظاهره العدالة ms2376 ولم يظهر منه ما يوجب تفسيقه كما يجب علينا تكذيب قاذفه بذلك ~~فإن كان المقذوف بذلك مهتوكا فاسقا فإن ذكر ما فيه من الأفعال القبيحة غير ~~محظور كما لا يجب على سامعه النكير على قائله ووصفه بما يكرهه على ضربين ~~أحدهما ذكر أفعاله القبيحة والآخر وصف خلقته وإن كان مشينا على جهة ~~الاحتقار له وتصغيره لا على جهة ذمه بها ولا عيب صانعها على نحو ما روينا ~~عن الحسن في وصفه الحجاج بقبح الخلقة وقد يجوز وصف قوم في الجملة ببعض ما ~~إذا وصف به إنسان بعينه كان غيبة محظورة ثم لا يكون غيبة إذا وصف به الجملة ~~على وجه التعريف كما # روى أبو حازم عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله إني تزوجت امرأة قال هل نظرت إليها فإن في أعين الأنصار ~~شيئا # فإنه لم يكن غيبة وجعل وصف عائشة الرجل بالقصر في الحديث الذي قدمنا غيبة ~~لأن ذلك كان من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه # PageV05P291 # التعريف لا على جهة العيب وهو كما # روي عنه أنه قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه صغار ~~العيون فطس الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة # فلم يكن ذلك غيبة وإنما كان تعريفا لهم صفة القوم # قوله تعالى إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا روي ~~عن مجاهد وقتادة الشعوب النسب الأبعد والقبائل الأقرب فيقال بنى فلان وفلان ~~وقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم بدأ بذكر الخلق من ذكر وأنثى وهما ~~آدم وحواء ثم جعلهم شعوبا يعني متشعبين متفرقين في الأنساب كالأمم المتفرقة ~~نحو العرب وفارس والروم والهند ونحوهم ثم جعلهم قبائل وهم أخص من الشعوب ~~نحو قبائل العرب وبيوتات العجم ليتعارفوا بالنسبة كما خالف بين خلقهم ~~وصورهم ليعرف بعضهم بعضا ودل بذلك على أنه لا فضل لبعضهم على بعض من جهة ~~النسب إذ كانوا جميعا من أب وأم واحدة ولأن الفضل لا يستحق بعمل غيره فبين ~~الله ms2377 تعالى ذلك لنا لئلا يفخر بعضنا على بعض بالنسب وأكد ذلك بقوله تعالى ~~إن أكرمكم عند الله أتقاكم فأبان أن الفضيلة والرفعة إنما تستحق بتقوى الله ~~وطاعته # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته أنه قال إن الله قد أذهب نخوة ~~الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله ~~أتقاكم لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى # وقال ابن عباس وعطاء إن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أعظمكم بيتا آخر سورة ~~الحجرات: ### | سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج حدثنا عبد الله بن ~~محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال أخبرنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن قتادة في قوله فهم في أمر مريج قال من ترك الحق مرج عليه رأيه ~~والتبس عليه دينه # وقوله تعالى وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب # روى جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن استطعتم أن لا ~~تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل الغروب # وروي عن ابن عباس وقتادة أن المراد صلاة الفجر وصلاة العصر # وقوله تعالى ومن الليل فسبحه قال مجاهد # PageV05P292 # صلاة الليل قال أبو بكر يجوز أن يريد صلاة المغرب والعتمة وقوله تعالى ~~وأدبار السجود # قال علي وعمر والحسن بن علي وابن عباس والحسن البصري ومجاهد والنخعي ~~والشعبي وأدبار السجود ركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر # وعن ابن عباس مثله وعن مجاهد عن ابن عباس وأدبار السجود إذا وضعت جبهتك ~~على الأرض أن تسبح ثلاثا قال أبو بكر اتفق من ذكرنا قوله بديا أن قوله وسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب أراد به الصلاة وكذلك ومن الليل فسبحه ~~هو صلاة الليل وهي العتمة والمغرب فوجب أن يكون قوله وأدبار السجود هو ~~الصلاة لأن فيه ضمير فسبحه # وقد روي عن النبي صلى الله ms2378 عليه وسلم التسبيح في دبر كل صلاة # ولم يذكر أنه تفسير الآية # وروى محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح عن زيد بن ثابت قال أمرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن نسبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ونحمد ثلاثا ~~وثلاثين ونكبر أربعا وثلاثين فأتى رجل من الأنصار في المنام فقال أمركم ~~محمد صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدوا ~~ثلاثا وثلاثين وتكبروا أربعا وثلاثين فلو جعلتموها خمسا وعشرين خمسا وعشرين ~~فاجعلوا فيها التهليل فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال افعلوا # وروى سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله ذهب أهل ~~الدثور بالدرجات والنعيم المقيم قال كيف ذاك قالوا صلوا كما صلينا وجاهدوا ~~كما جاهدنا وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال فقال أنا أخبركم بأمر ~~تدركون به من كان قبلكم وتسبقون به من بعدكم لا يأتي أحد بمثل ما جئتم به ~~إلا من جاء بمثله تسبحون الله في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون الله عشرا ~~وتكبرون عشرا وروي نحوه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ألا أنه قال ~~تسبح في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمد ثلاثا وثلاثين وتكبر أربعا ~~وثلاثين وروى كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقال وتكبر ~~أربعا وثلاثين # وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في آخر صلاته عند انصرافه سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام ~~على المرسلين والحمد لله رب العالمين # قال أبو بكر فإن حمل معنى الآية على الوجوب كان قوله وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس على صلاة الفجر وقبل الغروب على صلاة الظهر والعصر وكذلك روي عن ~~الحسن ومن الليل فسبحه صلاة العتمة والمغرب فتكون الآية منتظمة للصلوات ~~الخمس وعبر عن الصلاة بالتسبيح لأن التسبيح تنزيه لله عما لا يليق # PageV05P293 # به والصلاة تشتمل على قراءة القرآن وأذكار هي تنزيه ms2379 لله تعالى آخر سورة ~~ق. ### | سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال ابن عباس وإبراهيم ~~والضحاك الهجوع النوم وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانوا أقل ليلة ~~تمر عليهم إلا صلوا فيها وقال قتادة عن الحسن لا ينامون فيها إلا قليلا ~~وقال مطرف بن عبد الله أقل ليلة تأتي عليهم لا يصلون فيها إما من أولها ~~وإما من أوسطها وقال مجاهد كانوا لا ينامون كل الليل وروى قتادة عن أنس قال ~~كانوا ينتفلون بين المغرب والعشاء وروى أبو حيوة عن الحسن قال كانوا يطيلون ~~الصلاة بالليل وإذا سجدوا استغفروا وروي عن قتادة قال كانوا لا ينامون عن ~~العتمة ينتظرونها لوقتها كأنه جعل هجوعهم قليلا في جنب يقظتهم لصلاة العتمة ~~قال أبو بكر قد كانت صلاة الليل فرضا فنسخ فرضها بما نزل في سورة المزمل ~~ورغب فيها في هذه السورة وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار في ~~فضلها والترغيب فيها # وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله فيها بخير الدنيا والآخرة ~~إلا أعطاه الله إياه وذلك في كل ليلة # وقال أبو مسلم قلت لأبي ذر أي صلاة الليل أفضل قال سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال نصف الليل وقليل فاعله # وروى عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف ~~الليل ويصلي ثلث الليل وينام سدس الليل # وروي عن الحسن كانوا قليلا من الليل ما يهجعون قال ما يرقدون وبالأسحار ~~هم يستغفرون قال مدوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة ~~والاستغفار # وقوله تعالى وفي أموالهم حق قال أبو بكر اختلف السلف في تأويله فقال ابن ~~عمر والحسن والشعبي ومجاهد هو حق سوى الزكاة واجب في المال ms2380 وقال ابن عباس ~~من أدى زكاة ماله فلا جناح عليه أن لا يتصدق وقال ابن سيرين والذين في ~~أموالهم حق معلوم قال الصدقة حق معلوم وروى حجاج عن الحكم عن ابن عباس قال ~~نسخت الزكاة كل صدقة والحجاج عن أبي جعفر مثله واختلف الرواة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك فروي عنه ما يحتج به كل واحد من الفريقين # فروى طلحة بن عبيد الله قصة الرجل الذي # PageV05P294 # سأل النبي صلى الله عليه وسلم عما عليه فذكر الصلاة والزكاة والصيام فقال ~~هل علي شيء غير هذا قال لا # وروى عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك فيه # وروى دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت الحق الذي يجب عليك # فهذه الأخبار يحتج بها من تأول حقا معلوما على الزكاة وأنه لا حق على ~~صاحب المال غيرها واحتج ابن سيرين بأن الزكاة حق معلوم وسائر الحقوق التي ~~يوجبها مخالفوه ليست بمعلومة واحتج من أوجب فيه حقا سوى الزكاة بما # روى الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي ~~المال حق سوى الزكاة فتلا ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب # الآية فذكر الزكاة في نسق التلاوة بعد قوله وآتى المال على حبه ويحتجون ~~أيضا # بحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من صاحب إبل لا يؤدي ~~حقها في عسرها ويسرها إلا برز لها بقاع قرقر تطأه بأخفافها وذكر البقر ~~والغنم فقال أعرابي يا أبا هريرة وما حقها قال تمنح الغزيرة وتعطي الكريمة ~~وتحمل على الظهر وتسقي اللبن # وفي حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول ~~الله وما حقها قال إطراق فحلها وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على الماء وحمل ~~عليها في سبيل ms2381 الله # وروى الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال انتهيت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني مقبلا قال هم الأخسرون ورب ~~الكعبة فقلت يا رسول الله من هم قال هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا ~~وهكذا حثا عن يمينه وعن شماله وبين يديه ما من رجل يموت ويترك إبلا لم يؤد ~~زكاتها إلا جاءته يوم القيامة تنطحه بقرونها وتطأه بأخفافها كلما بعدت ~~أخراها أعيدت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس # قال أبو بكر هذه الأخبار كلها مستعملة وفي المال حق سوى الزكاة باتفاق ~~المسلمين منه ما يلزم من النفقة على والديه إذا كانا فقيرين وعلى ذوي ~~أرحامه وما يلزم من إطعام المضطر وحمل المنقطع به وما جرى مجرى ذلك من ~~الحقوق اللازمة عند ما يعرض من هذه الأحوال وقوله تعالى للسائل والمحروم ~~قال ابن عباس رواية عائشة وابن المسيب ومجاهد رواية عطاء وأبو العالية ~~والنخعي وعكرمة المحروم المحارف وقال الحسن المحروم الذي يطلب فلا يرزق ~~وقال ابن عباس رواية ومجاهد المحروم الذي ليس له في الإسلام سهم وفي لفظ ~~آخر الذي ليس له في الغنيمة شيء وقال عكرمة الذي لا ينموا # PageV05P295 # له مال وقال الزهري وقتادة المحروم المسكين المتعفف وقال عمر بن عبد ~~العزيز المحروم الكلب قال أبو بكر من تأوله على الكلب فإنه لا يجوز أن يكون ~~المراد عنده بحق معلوم الزكاة لأن إطعام الكلب لا يجزي من الزكاة فينبغي أن ~~يكون المراد عنده حقا غير الزكاة فيكون في إطعام الكلب قربة كما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن في كل ذي كبد حرى أجرا وإن رجلا سقى ~~كلبا فغفر الله له # والأظهر في قوله حق معلوم أنه الزكاة لأن الزكاة واجبة لا محالة وهي حق ~~معلوم فوجب أن يكون مرادا بالآية إذ جائز أن ينطوي تحتها ويكون اللفظ عبارة ~~عنها ثم جائز أن يكون جميع ما تأول السلف عليه المحروم مرادا بالآية في ~~جواز إعطائه الزكاة ms2382 وهو يدل على أن الزكاة إذا وضعت في صنف واحد أجزأ لأنه ~~اقتصر على السائل والمحروم دون الأصناف المذكورة في آية الصدقات وفرق الله ~~تعالى في الآية بين السائل والمحروم لأن الفقير قد يحرم نفسه بتركه المسألة ~~وقد يحرمه الناس بترك إعطائه فإذا لم يسئل فقد حرم نفسه بترك المسألة فسمي ~~محروما من هذا الوجه لأنه يصير محروما من وجهين من قبل نفسه ومن قبل الناس ~~وقد روي عن الشعبي أنه قال أعياني أن أعلم ما المحروم آخر سورة الذاريات. ### | سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وسبح بحمد ربك حين تقوم قال ابن مسعود وأبو الأحوص ومجاهد حين ~~تقوم من كل مكان سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك وروى علي ~~بن هاشم قال سئل الأعمش أكان إبراهيم يستحب إذا قام من مجلسه أن يقول ~~سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك قال ما كان يستحب ~~أن يجعل ذلك سنة وقال الضحاك عن عمر يعني به افتتاح الصلاة قال أبو بكر ~~يعنى به قوله سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك إلى آخره # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك بعد التكبير # وقال أبو الجوزاء حين تقوم من منامك قال أبو بكر يجوز أن يكون عموما في ~~جميع ما روي من هذه التأويلات قوله تعالى وإدبار النجوم روي عن جماعة من ~~الصحابة والتابعين أنه ركعتا الفجر وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبار في ركعتي الفجر منها # حديث سعد بن هشام عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتا ~~الفجر خير من الدنيا وما فيها # PageV05P296 # وروى عبيد بن عمير عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسرع إلى شيء من النوافل إسراعه إلى ركعتي الفجر ولا إلى غنيمة # وروى أيوب عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الركعتان قبل صلاة ~~الفجر واجبتان على كل مسلم # وروي عنه أنه قال ms2383 لا تدعوهما فإن فيهما الرغائب # وقال لا تدعو هما وإن طرقتكم الخيل # آخر سورة الطور. ### | سورة النجم # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وما ينطق عن الهوى # يحتج به من لا يجيز أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحوادث من جهة ~~اجتهاد الرأي بقوله إن هو إلا وحي يوحى وليس كما ظنوا لأن اجتهاد الرأي إذا ~~صدر عن الوحي جاز أن ينسب موجبه وما أدى إليه أنه عن وحي # وقوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى روي عن ابن مسعود ~~وعائشة ومجاهد والربيع قالوا رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها ~~مرتين وروي عن ابن عباس أنه رأى ربه بقلبه وهذا يرجع إلى معنى العلم وعن ~~ابن مسعود والضحاك سدرة المنتهى في السماء السادسة وإليها ينتهي ما يعرج ~~إلى السماء وقيل سميت سدرة المنتهى لأنه ينتهي إليها أرواح الشهداء وقال ~~الحسن جنة المأوى هي التي يصير إليها أهل الجنة # وفي هذه الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صعد إلى السماء ~~وإلى الجنة بقوله تعالى رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى # وقوله تعالى إلا اللمم قال ابن عباس رواية لم أر أشبه باللمم مما # قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى كتب على ابن ~~آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق ~~والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه # وروي عن ابن مسعود وأبي هريرة أنه النظرة والغمزة والقبلة والمباشرة فإذا ~~مس الختان الختان فهو الزنا ووجب الغسل وعن أبي هريرة أيضا إن اللمم النكاح ~~وعنه أيضا إن اللمة من الزنا ثم يتوب فلا يعود وقال ابن عباس رواية اللمم ~~ما بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة وقال ابن عباس أيضا رواية هو الذي يلم ~~بالمرأة وقال عطاء اللمم ما دون الجماع وقال مجاهد أن تصيب الذنب ثم تتوب # وروى عمرو بن دينار عن عطاء عن ms2384 ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول اللهم إن تغفر تغفر جما وأي عبد لك لا ألما # ويقال إن اللمم هو الهم بالخطيئة من جهة حديث النفس بها من غير عزم عليها ~~وقيل إن اللمم # PageV05P297 # مقاربة الشيء من غير دخول فيه يقال ألم بالشيء إلماما إذا قاربه وقيل إن ~~اللمم الصغير من الذنوب لقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم # وقوله تعالى ألا تزر وازرة وزر أخرى هو كقوله ومن يكسب إثما فإنما يكسبه ~~على نفسه # وكقوله ولا تكسب كل نفس إلا عليها # وقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى في معنى ذلك ويحتج به في امتناع ~~جواز تصرف الإنسان على غيره في إبطال الحجر على الحر العاقل البالغ # وقوله تعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى قال أبو ~~بكر لما كان قوله الذكر والأنثى اسم للجنس استوعب الجميع وهذا يدل على أنه ~~لا يخلوا من أن يكون ذكرا أو أنثى وأن الخنثى وإن اشتبه علينا أمره لا يخلو ~~من أحدهما وقد قال محمد بن الحسن إن الخنثى المشكل إنما يكون ما دام صغيرا ~~فإذا بلغ فلا بد من أن تظهر فيه علامة ذكر أو أنثى وهذه الآية تدل على صحة ~~قوله آخر سورة النجم. ### | سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن الله لا يقلب العادات بمثله إلا ليجعله دلالة على صحة نبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وروى انشقاق القمر عشرة من الصحابة منهم عبد الله ~~بن مسعود وابن عمر وأنس وابن عباس وحذيفة وجبير بن مطعم في آخرين كرهت ذكر ~~أسانيدها للإطالة فإن قيل معناها سينشق في المستقبل عند قيام الساعة لأنه ~~لو كان قد انشق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم لما خفي على أهل الآفاق ~~قيل له هذا فاسد من وجهين أحدهما أنه خلاف ظاهر اللفظ وحقيقته والآخر أنه ~~قد ms2385 تواتر الخبر به عن الصحابة ولم يدفعه منهم أحد وأما قوله إنه لو كان ذلك ~~قد وقع لما خفي على أهل الآفاق فإنه جائز أن يستره الله عنهم بغيم أو ~~يشغلهم عن رؤيته ببعض الأمور لضرب من التدبير ولئلا يدعيه بعض المتنبئين في ~~الآفاق لنفسه فأظهره للحاضرين عند دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ~~واحتجاجه عليهم # قوله تعالى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم الآية تدل على جواز المهايأة على ~~الماء لأنهم جعلوا شرب الماء يوما للناقة ويوما لهم ويدل أيضا على أن ~~المهايأة قسمة المنافع لأن الله تعالى قد سمى ذلك قسمة وإنما هي مهايأة على ~~الماء لا قسمة الأصل واحتج محمد بن الحسن بذلك في جواز المهايأة على الماء ~~على هذا الوجه وهذا يدل من قوله على # PageV05P298 # أنه كان يرى شرائع من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة ما لم يثبت نسخها آخر ~~سورة القمر. ### | سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى والحب ذو العصف والريحان روي عن ابن عباس وقتادة والضحاك أن ~~العصف التبن وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك الريحان الورق وعن ابن عباس أيضا ~~أن الريحان الحب وقال الحسن هو الريحان الذي يشم قال أبو بكر لا يمتنع أن ~~يكون جميع ذلك مرادا لوقوع الاسم عليه والظاهر من الريحان أنه المشموم ولما ~~عطف الريحان على الحب ذي العصف والعصف هو ساقه دل على أن الريحان ما يخرج ~~من الأرض وله رائحة مستلذة قبل أن يصير له ساق وذلك نحو الضيمران والنمام ~~والآس الذي يخرج ورقه ريحانا قبل أن يصير ذا ساق لأن العطف يقتضي ظاهره أن ~~المعطوف غير المعطوف عليه # وقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان مراده من أحدهما لأنه إنما يخرج ~~من الملح دون العذب وهو كقوله امعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # وإنما أرسل من الإنس وقال ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك المرجان صغار ~~اللؤلؤ وقيل المرجان المختلط من الجواهر من مرجت أي خلطت وقيل إنه ضرب من ~~الجواهر كالقضبان يخرج من ms2386 البحر وقيل إنما قال يخرج منهما لأن العذب والملح ~~يلتقيان فيكون العذب لقاحا للملح كما يقال يخرج الولد من الذكر والأنثى ~~وإنما تلده الأنثى وقال ابن عباس إذا جاء القطر من السماء تفتحت الأصداف ~~فكان من ذلك اللؤلؤ # وقوله تعالى فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان روي أنها تحمر وتذوب ~~كالدهن روي أن سماء الدنيا من حديد فإذا كان يوم القيامة صارت من الخضرة ~~إلى الاحمرار من حر جهنم كالحديد إذا أحمي بالنار # وقوله تعالى فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان قيل فيه لا يسئل سؤال ~~استفهام لكن سؤال تقرير وتوقيف وقيل فيه لا يسأل في أول أحوال حضورهم يوم ~~القيامة لما يلحقهم من الدهش والذهول ثم يسئلون في وقت آخر # وقوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان يحتج به لأبي حنيفة في أن الرطب ~~والرمان ليس من الفاكهة لأن الشيء لا يعطف على نفسه إنما يعطف على غيره هذا ~~هو ظاهر الكلام ومفهومه إلا أن تقوم الدلالة على أنه انفرد بالذكر وإن كان ~~من جنسه لضرب من التعظيم وغيره كقوله # PageV05P299 # تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال آخر سورة الرحمن. ### | سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون روي عن ~~سلمان أنه قال لا يمس القرآن إلا المطهرون فقرأ القرآن ولم يمس المصحف حين ~~لم يكن على وضوء وعن أنس بن مالك في حديث إسلام عمر قال فقال لأخته أعطوني ~~الكتاب الذي كنتم تقرءون فقالت إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم ~~فاغتسل أو توضأ فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه وذكر الحديث وعن سعد أنه أمر ~~ابنه بالوضوء لمس المصحف وعن ابن عمر مثله وكره الحسن والنخعي مس المصحف ~~على غير وضوء وروي عن حماد أن المراد القرآن الذي في اللوح المحفوظ لا يمسه ~~إلا المطهرون يعني الملائكة وقال أبو العالية في قوله لا يمسه إلا المطهرون ~~قال هو في كتاب مكنون ليس أنتم من ms2387 أصحاب الذنوب وقال سعيد بن جبير وابن ~~عباس المطهرون الملائكة وقال قتادة لا يمسه عند الله إلا المطهرون فأما في ~~الدنيا فإنه يمسه المجوسي والنجس والمنافق قال أبو بكر إن حمل اللفظ على ~~حقيقة الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي عند الله والمطهرون ~~الملائكة وإن حمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان عموما فينا وهذا ~~أولى لما # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار متظاهرة أنه كتب في كتابه ~~لعمرو بن حزم ولا يمس القرآن إلا طاهر # فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية إذ فيها احتمال له آخر سورة الواقعة. ### | سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح الآية # روي عن الشعبي قال فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية وفيه أنزلت هذه ~~الآية قالوا يا رسول الله أفتح هو قال نعم عظيم # وقال سعيد عن قتادة هو فتح مكة قال أبو بكر أبان عن فضيلة الإنفاق قبل ~~الفتح على ما بعده لعظم عناء النفقة فيه وكثرة الانتفاع به ولأن الإنفاق في ~~ذلك الوقت كان أشد على النفس لقلة المسلمين وكثرة الكفار مع شدة المحنة ~~والبلاء وللسبق إلى الطاعة # PageV05P300 # ألا ترى إلى قوله الذين اتبعوه في ساعة العسرة وقوله والسابقون الأولون ~~فهذه الوجوه كلها تقتضي تفضيلها # وقوله تعالى فطال عليهم الأمد الآية يدل على أن كثرة المعاصي ومساكنتها ~~وألفها تقسي القلب وتبعد من التوبة وهو نحو قوله كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون # وقوله تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ~~ربهم # روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم إن كل مؤمن شهيد لهذه ~~الآية # وجعل قوله والشهداء صفة لمن تقدم ذكره من المؤمنين وهو قول عبد الله ~~ومجاهد وقال ابن عباس ومسروق وأبو الضحى والضحاك هو ابتداء كلام وخبره لهم ~~أجرهم ونورهم # وقوله تعالى وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ~~الآية قال أبو بكر أخبر عما ms2388 ابتدعوه من القرب والرهبانية ثم ذمهم على ترك ~~رعايتها بقوله فما رعوها حق رعايتها والابتداع قد يكون بالقول وهو ما ينذره ~~ويوجبه على نفسه وقد يكون بالفعل بالدخول فيه وعمومه يتضمن الأمرين فاقتضى ~~ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها وإتمامها فوجب على ذلك ~~أن من دخل في صلاة أو صوم أو حج أو غيرها من القرب فعليه إتمامها إلا وهي ~~واجبة عليه فيجب عليه القضاء إذا أفسدها وروي عن أبي أمامة الباهلي قال كان ~~ناس من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان ~~الله فلم يرعوها حق رعايتها فعابهم الله بتركها فقال ورهبانية ابتدعوها ~~الآية آخر سورة الحديد. ### | سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله عز وجل قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها- إلى قوله- وإن الله ~~لعفو غفور روى سفيان عن خالد عن أبي قلابة قال كان طلاقهم في الجاهلية ~~الإيلاء والظهار فلما جاء الإسلام جعل الله في الظهار ما جعل فيه وجعل في ~~الإيلاء ما جعل فيه وقال عكرمة كانت النساء تحرم بالظهار حتى أنزل الله قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها الآية وأما المجادلة التي كانت في ~~المرأة فإن # عبد الله بن محمد حدثنا قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد ~~الرزاق قال أخبرنا معمر عن أبي إسحاق في قوله قد سمع الله قول التي تجادلك ~~في زوجها في امرأة تقال لها خويلة وقال عكرمة بنت ثعلبة زوجها أوس بن # PageV05P301 # الصامت قالت إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما أراك إلا قد حرمت عليه وهو يومئذ يغسل رأسه فقالت انظر جعلني الله فداك ~~يا نبي الله قال ما أراك إلا قد حرمت عليه فأعادت ذلك مرارا فأنزل الله قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها- إلى قوله- ثم يعودون لما قالوا # قال قتادة حرمها ثم يريد أن يعود لها فيطأها فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا قال أبو بكر ms2389 # قوله صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه # يحتمل أن يريد به تحريم الطلاق على ما كان عليه حكم الظهار ويحتمل أن ~~يريد به تحريم الظهار والأولى أن يكون المراد بجميع الطلاق لأن حكم الظهار ~~مأخوذ من الآية والآية نزلت بعد هذا القول فثبت أن مراده تحريم الطلاق ورفع ~~النكاح وهذا يوجب أن يكون هذا الحكم قد كان ثابتا في الشريعة قبل نزول آية ~~الظهار وإن كان قبل ذلك من حكم أهل الجاهلية فإن قيل إن كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد حكم فيها بالطلاق بقوله ما أراك إلا قد حرمت فكيف حكم فيها ~~بعينها بالظهار بعد حكمه بالطلاق بذلك القول بعينه في شخص بعينه وإنما ~~النسخ يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي قيل له لم يحكم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالطلاق وإنما علق القول فيه فقال ما أراك إلا قد حرمت ~~فلم يقطع بالتحريم وجائز أن يكون الله تعالى قد أعلمه قبل ذلك أنه سينسخ ~~هذا الحكم وينقله من الطلاق إلى تحريم الظهار الآن فجوز النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ينزل الله الآية فلم يثبت الحكم فيه فلما نزلت الآية حكم فيها ~~بموجبها وقوله تعالى وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا يعني والله أعلم ~~في تشبيهها بظهر الأم لأن الاستمتاع بالأم محرم تحريما مؤبدا وهي لا تحرم ~~عليه بهذا القول تحريما مؤبدا فكان ذلك منكرا من القول وزورا وقوله تعالى ~~الذين يظاهرون منكم من نسائهم وذلك خطاب للمؤمنين يدل على أن الظهار مخصوص ~~به المؤمنون دون أهل الذمة فإن قيل فقد قال الله تعالى والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا ولم يخصص المذكورين في الثانية قيل له ~~المذكورون في الآية الثانية هم المذكورون في الآية الأولى فوجب أن يكون ~~خاصا في المسلمين دون غيرهم وأما قوله ثم يعودون لما قالوا فقد اختلف الناس ~~فيه فروى معمر عن طاوس عن أبيه ثم يعودون لما قالوا قال الوطء فإذا حنث ~~فعليه ms2390 الكفارة وهذا تأويل مخالف للآية لأنه قال فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا وقد روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال إذا تكلم بالظهار لزمه ~~وروي عن ابن عباس # PageV05P302 # أنه إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر وروي عن ابن شهاب ~~وقتادة إذا أراد جماعها لم يقربها حتى يكفر وقد اختلف فقهاء الأمصار في ~~معنى العود فقال أصحابنا والليث ابن سعد الظهار يوجب تحريما لا يرفعه إلا ~~الكفارة ومعنى العود عندهم استباحة وطئها فلا يفعله إلا بكفارة يقدمها وذكر ~~بشر بن الوليد عن أبي يوسف لو وطئها ثم ماتت لم يكن عليه كفارة وقال الثوري ~~إذا ظاهره بها لم تحل له إلا بعد الكفارة وإن طلقها ثم تزوجها لم يطأها حتى ~~يكفر وهذا موافق لقول أصحابنا وقال ابن وهب عن مالك إذا أجمع بعد الظهار ~~على إمساكها وإصابتها فقد وجبت عليه الكفارة فإن طلقها بعد الظهار ولم يجمع ~~على إمساكها وإصابتها فلا كفارة عليه وإن تزوجها بعد ذلك لم يمسها حتى يكفر ~~كفارة الظهار وذكر ابن القاسم عنه أنه إذا ظاهر منه ثم وطئها ثم ماتت فلا ~~بد من الكفارة لأنه وطئ بعد الظهار وقال أشهب عن مالك إذا أجمع بعد الظهار ~~على إمساكها وإصابتها وطلب الكفارة فماتت امرأته فعليه الكفارة وقال الحسن ~~إذا أجمع رأي المظاهر على أن يجامع امرأته فقد لزمته الكفارة وإن أراد ~~تركها بعد ذلك لأن العود هو الإجماع على مجامعتها وقال عثمان البتي فيمن ~~ظاهر من امرأته ثم طلقها قبل أن يطأها قال أرى عليه الكفارة راجعها أو لم ~~يراجعها وإن ماتت لم يصل إلى ميراثها حتى يكفر وقال الشافعي إن أمكنه أن ~~يطلقها بعد الظهار فلم يطلق فقد وجبت الكفارة ماتت أو عاشت وحكي عن بعض من ~~لا يعد خلافا أن العود أن يعيد القول مرتين # قال أبو بكر روت عائشة وأبو العالية أن آية الظهار نزلت في شأن خولة حين ~~ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فأمر ms2391 النبي صلى الله عليه وسلم بعتق رقبة ~~فقال لا أجد فقال صم شهرين متتابعين قال لو لم آكل في اليوم ثلاث مرات كاد ~~أن يغشى على بصري فأمره بالإطعام # وهذا يدل على بطلان قول من اعتبر العزم على إمساكها ووطئها لأنه لم يسئله ~~عن ذلك وبطلان قول من اعتبر إرادة الجماع لأنه لم يسئله وبطلان قول من ~~اعتبر الطلاق لأنه لم يقل هل طلقتها وبطلان قول من اعتبر إعادة القول لأنه ~~لم يسئله هل أعدت القول مرتين فثبت قول أصحابنا وهو أن لفظ الظهار يوجب ~~تحريما ترفعه الكفارة ومعنى قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا يحتمل وجهين ~~أحدهما ذكر الحال الذي خرج عليه الخطاب وهو أنه قد كان من عادتهم في ~~الجاهلية الظهار فقال الذين يظاهرون منكم من نسائهم قبل هذه الحال ثم ~~يعودون لما قالوا والمعنى ويعودون # PageV05P303 # بعد الإسلام إلى ذلك كما قال تعالى فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد ومعناه ~~والله شهيد فيكون نفس القول عود إلى العادة التي كانت لهم في ذلك كما قال ~~حتى عاد كالعرجون القديم والمعنى حتى صار كذلك وكما قال أمية بن أبي الصلت: # هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # معناه صارا كذلك لأنهما في الثدي لم يكونا كذلك وكما قال لبيد: # وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # ويحور يرجع وإنما معناه هاهنا يصير رمادا كذلك ثم يعودون لما قالوا أنهم ~~يصيرون إلى حال الظهار الذي كان يكون مثله منهم في الجاهلية والوجه الآخر ~~أنه معلوم أن حكم الله في الظهار إيجاب تحريم الوطء موقتا بالكفارة فإذا ~~كان الظهار مخصوصا بتحريم الوطء دون غيره ولا تأثير له في رفع النكاح وجب ~~أن يكون العود هو العود إلى استباحة ما حرمه بالظهار فيكون معناه يعودون ~~للمقول فيه كقوله عليه السلام العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه وإنما هو ~~عائد في الموهوب وكقولنا اللهم أنت رجاؤنا أي من رجونا وقال تعالى واعبد ~~ربك حتى يأتيك ms2392 اليقين يعني الموقن به وقال الشاعر: # أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... ولو شئت قال المنبئون أساؤا # وإني لراجيكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء # يعني مرجوا وكذلك قوله ثم يعودون لما قالوا معناه لما حرموا فيستبيحونه ~~فعليهم الكفارة قبل الاستباحة ويبطل قول من اعتبر البقاء على النكاح من ~~وجهين أحدهما أن الظهار لا يوجب تحريم العقد والإمساك فيكون العود إمساكها ~~على النكاح لأن العود لا محالة قد اقتضى عودا إلى حكم معنى قد تقدم إيجابه ~~فلا يجوز أن يكون للإمساك على النكاح فيه تأثير والثاني أنه قال ثم يعودون ~~وثم يقتضي التراخي ومن جعل العود البقاء على النكاح فقد جعله عائدا عقيب ~~القول بلا تراخ وذلك خلاف مقتضى الآية وأما من جعل العود العزيمة على الوطء ~~فلا معنى لقوله أيضا لأن موجب القول هو تحريم الوطء لا تحريم العزيمة ~~والعزيمة على المحظور وإن كانت محظورة فإنما تعلق حكمها بالوطء فالعزيمة ~~على الانفراد لا حكم لها وأيضا لا حظ للعزيمة في سائر الأصول ولا # PageV05P304 # تتعلق بها الأحكام ألا ترى أن سائر العقود والتحريم لا يتعلق بالعزيمة ~~فلا اعتبار بها # وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عفا لأمتى عما حدثت أنفسها ما لم ~~يتكلموا به أو يعملوا به # فإن قيل هلا كان العود إعادة القول مرتين لأن اللفظ يصلح أن يكون عبارة ~~عنه كما قال الله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ومعناه لفعلوا مثل ما ~~نهوا عنه قيل له هذا خطأ من وجهين أحدهما أن إجماع السلف والخلف جميعا قد ~~انعقد بأن هذا ليس بمراد فقائله خارج عن نطاق الإجماع والثاني أنه يجعل ~~قوله ثم يعودون لما قالوا تكرارا للقول واللفظ ولا يجوز أن يكون عبارة عنه ~~وإن حملته على أنه عائد لمثل القول ففيه إضمار لمثل ذلك القول وذلك لا يجوز ~~إلا بدلالة فالقائل بذلك خارج عن الإجماع ومخالف لحكم الآية ومقتضاها فإن ~~قيل وأنت إذا حملته على تحريم الوطء وأن تقديم الكفارة لاستباحة ms2393 الوطء فقد ~~زلت عن الظاهر قيل له إذا كان الظهار قد أوجب تحريم الوطء فالذي يستبيحه ~~منه هو الذي حرمه بالقول فجاز أن يكون ذلك عودا لما قال إذ هو مستبيح لذلك ~~الوطء الذي حرمه بعينه وكان عودا لما قال من إيجاب التحريم ومن جهة أخرى أن ~~الوطء إذا كان مستحقا بعقد النكاح وحكم الوطء الثاني كالأول في أنه مستحق ~~بسبب واحد ثم حرمه بالظهار جاز أن يكون الإقدام على استباحته عودا لما حرم ~~فكان هذا المعنى مطابقا للفظ فإن قيل إن كانت الاستباحة هي الموجبة للكفارة ~~فليس يخلو ذلك من أن يكون العزيمة على الاستباحة وعلى الإقدام على الوطء أو ~~إيقاع الوطء فإن كان المراد الأول فهذا يلزمك إيجاب الكفارة بنفس العزيمة ~~قبل الوطء كما قال مالك والحسن ابن صالح وإن كان المراد إيقاع الوطء فواجب ~~أن لا تلزمه الكفارة إلا بعد الوطء وهذا خلاف الآية وليس هو قولك أيضا قيل ~~له المعنى في ذلك هو ما قد بينا من الإقدام على استباحة الوطء فقيل له إذا ~~أردت الوطء وعدت لاستباحة ما حرمته فلا تطأ حتى تكفر لا أن الكفارة واجبة ~~ولكنها شرط في رفع التحريم كقوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من ~~الشيطان الرجيم يعني فقدم الاستعاذة قبل القراءة وقوله إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا والمعنى إذا أردتم القيام وأنتم محدثون فقدموا الغسل وكقوله إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة وكقوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن «20- أحكام مس» # PageV05P305 # والمعنى إذا أردتم ذلك قال أبو بكر قد ثبت بما قدمنا أن الظهار لا يوجب ~~كفارة وإنما يوجب تحريم الوطء ولا يرتفع إلا بالكفارة فإذا لم يرد وطأها ~~فلا كفارة عليه وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه إذ كان حكم الظهار إيجاب ~~التحريم فقط موقتا بأداء الكفارة وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه فإن ~~وطئ سقط الظهار والكفارة وذلك لأنه علق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة ~~بأدائها قبل الوطء لقوله من قبل أن ms2394 يتماسا فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط ~~فلا تجب الكفارة بالآية لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط فإنه متى ~~فات الوقت وعدم الشرط لم يجب باللفظ الأول واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب ~~مثله في الوقت الثاني فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير إلا أنه # قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ظاهر من امرأته فوطئها قبل ~~التكفير ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له استغفر الله ولا تعد # حتى تكفر فصار التحريم الذي بعد الوطء واجبا بالسنة وقد اختلف السلف فيمن ~~وطأ ما الذي يجب عليه من الكفارة بعده فقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم ~~وابن المسيب ليس عليه إلا كفارة واحدة وكذلك قول مجاهد وطاوس وابن سيرين في ~~آخرين وقد روي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب والزهري وقتادة عليه ~~كفارتان قال # وروي عن ابن عباس أن رجلا قال يا رسول الله ظاهرت من امرأتي فجامعتها قبل ~~أن أكفر فقال استغفر الله ولا تعد حتى تكفر # فلم يوجب عليه كفارتين بعد الوطء واختلف الفقهاء في توقيت الظهار فقال ~~أصحابنا والثوري والشافعي إذا قال أنت علي كظهر أمي اليوم بطل الظهار بمضي ~~اليوم وقال ابن أبي ليلى ومالك والحسن بن صالح هو مظاهر أبدا قال أبو بكر ~~تحريم الظهار لا يقع إلا موقتا بأداء الكفارة فإذا وقته المظاهر وجب توقيته ~~لأنه لو كان مما لا يتوقت لما انحل ذلك التحريم بالتكفير كالطلاق فأشبه ~~الظهار اليمين التي يحلها الحنث فوجب توقيته كما يتوقت اليمين وليس كالطلاق ~~لأنه لا يحله شيء فإن قيل تحريم الطلاق الثلاث يقع مؤقتا بالزوج الثاني ولا ~~يتوقت بتوقيت الزوج إذا قال أنت طالق اليوم قيل له إن الطلاق لا يتوقت ~~بالزوج الثاني وإنما يستفيد الزوج الأول بالزوج الثاني إذا تزوجها بعد ثلاث ~~تطليقات مستقبلات والثلاث الأول واقعة على ما كانت وإنما استفاد طلاقا ~~غيرها فليس في الطلاق توقيت بحال والظهار موقت لا محالة بالتكفير فجاز ms2395 ~~توقيته بالشرط واختلفوا في الظهار هل يدخل # PageV05P306 # عليه إيلاء فقال أصحابنا والحسن بن صالح والثوري في إحدى الروايتين ~~والأوزاعي لا يدخل الإيلاء على المظاهر وإن طال تركه إياها وروى ابن وهب عن ~~مالك لا يدخل على حر إيلاء في ظهار إلا أن يكون مضارا لا يريد أن يفيء من ~~ظهاره وأما العبد فلا يدخل على ظهاره إيلاء وقال ابن القاسم عنه يدخل ~~الإيلاء على الظهار إذا كان مضارا ومما يعلم به ضراره أن يقدر على الكفارة ~~فلا يكفر فإنه إذا علم ذلك وقف مثل المولي فإما كفر وإما طلقت عليه امرأته ~~وروي عن الثوري أن الإيلاء يدخل على الظهار قال أبو بكر ليس الظهار كناية ~~عن الطلاق ولا صريحا فلا يجوز إثبات الطلاق به إلا بتوقيف # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أدخل على أمرنا ما ليس منه فهو رد ومن ~~أدخل الإيلاء على المظاهر فقد أدخل عليه ما ليس منه # وأيضا نص الله على حكم المولي بالفيء أو عزيمة الطلاق ونص على حكم ~~المظاهر بإيجاب كفارة قبل المسيس فحكم كل واحد منهما منصوص عليه فغير جائز ~~حمل أحدهما على الآخر إذ من حكم المنصوصات أن لا يقاس بعضها على بعض وأن كل ~~واحد منها مجرى على بابه ومحمول على معناه دون غيره وأيضا فإن معنى الإيلاء ~~وقوع الحنث ووجوب الكفارة بالوطء في المدة ولا تتعلق كفارة الظهار بالوطء ~~فليس هو إذا في معنى الإيلاء ولا في حكمه وأيضا فإن المولى سواء قصد الضرار ~~أو لم يقصد لا يختلف حكمه وقد اتفقنا أنه متى لم يقصد الضرار بالظهار لم ~~يلزمه حكم الإيلاء بمضي المدة فوجب أن لا يلزمه وإن قصد الضرار فإن قيل لم ~~يعتبر ذلك في الإيلاء لأن نفس الإيلاء ينبئ عن قصد الضرار إذ هو حلف على ~~الامتناع من الوطء في المدة قيل له الظهار قصد إلى الضرار من حيث حرم وطؤها ~~إلا بكفارة يقدمها عليه فلا فرق بينهما فيما يقتضيانه من المضارة واختلف ~~السلف ومن بعدهم ms2396 فقهاء الأمصار في الظهار من الأمة فروى عبد الكريم عن ~~مجاهد عن ابن عباس قال من شاء باهلته أنه ليس من أمة ظهار وهذا قول إبراهيم ~~والشعبي وابن المسيب وهو قول أصحابنا والشافعي وروي عن ابن جبير والنخعي ~~وعطاء وطاوس وسليمان بن يسار قالوا هو ظهار وهو قول مالك والثوري والأوزاعي ~~والليث والحسن بن صالح وقالوا يكون مظاهرا من أمته كما هو من زوجته وقال ~~الحسن إن كان يطأها فهو مظاهر وإن كان لا يطأها فليس بظهار قال أبو بكر قال ~~الله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم وهذا اللفظ ينصرف من الظهار إلى ~~الحرائر دون الإماء والدليل # PageV05P307 # عليه قوله تعالى أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن فكان المفهوم من قوله أو ~~نسائهن الحرائر لولا ذلك لما صح عطف قوله أو ما ملكت أيمانهن عليه لأن ~~الشيء لا يعطف على نفسه وقال تعالى وأمهات نسائكم فكان على الزوجات دون ملك ~~اليمين فلما كان حكم الظهار مأخوذا من الآية وكان مقتضاها مقصورا على ~~الزوجات دون ملك اليمين لم يجز إيجابه في ملك اليمين إذ لا مدخل للقياس في ~~إثبات ظهار في غير ما ورد فيه ووجه آخر ما بينا فيما سلف أنهم قد كانوا ~~يطلقون بلفظ الظهار فأبدل الله تعالى به تحريما ترفعه الكفارة فلما لم يصح ~~طلاق الأمة لم يصح الظهار منها ووجه آخر وهو أن الظهار يوجب تحريما من جهة ~~القول يوجب الكفارة والأمة لا يصح تحريمها من جهة القول فأشبه سائر ~~المملوكات من الطعام والشراب متى حرمها بالقول لم تحرم ألا ترى أنه لو حرم ~~على نفسه طعاما أو شرابا لم يحرم ذلك عليه وإنما يلزمه إذا أكل أو شرب ~~كفارة يمين فكذلك ملك اليمين وجب أن لا يصح الظهار منها إذ لا يصح تحريمها ~~من جهة القول. ### | في الظهار بغير الأم # واختلفوا فيمن قال لامرأته أنت علي كظهر أختي أو ذات محرم منه فقال ~~أصحابنا هو مظاهر وإن قال كظهر فلانة وليست بمحرم منه لم يكن مظاهرا وهو ms2397 ~~قول الثوري والحسن بن صالح والأوزاعي وقال مالك وعثمان البتي يصح الظهار ~~بالمحرم والأجنبية وللشافعي قولان أحدهما أن الظهار لا يصح إلا بالأم ~~والآخر أنه يصح بذوات المحارم قال أبو بكر لما صح الظهار بالأم وكانت ذوات ~~المحارم كالأم في التحريم وجب أن يصح الظهار بهن إذ لا فرق بينهن في جهة ~~التحريم ألا ترى أن الظهار بالأم من الرضاعة صحيح مع عدم النسب لوجود ~~التحريم فكذلك سائر ذوات المحارم وروي نحو قول أصحابنا عن جابر بن زيد ~~والحسن وإبراهيم وعطاء وقال الشعبي إن الله تعالى لم ينس أن يذكر البنات ~~والأخوات والعمات إنما الظهار من الأم وأيضا لما قال تعالى والذين يظاهرون ~~من نسائهم اقتضى ظاهره الظهار بكل ذات محرم إذ لم يخصص الأم دون غيرها ومن ~~قصرها على الأم فقد خص بلا دليل فإن قيل لما قال تعالى ما هن أمهاتهم إن ~~أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم دل على أنه أراد الظهار بالأم قيل له إنما ذكر ~~الأمهات لأنهن مما اشتمل عليهن حده الآية وذلك لا ينفي أن يكون قوله والذين ~~يظاهرون من نسائهم # PageV05P308 # عموما في سائر من أوقع التشبيه بظهرها من سائر ذوات المحارم وأيضا فإن ~~ذلك يدل على صحة الظهار من سائر ذوات المحارم لأنه قد نبه على المعنى الذي ~~من أجله ألزمه حكم الظهار وهو قوله ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا فأخبر أنه ألزمهم هذا الحكم ~~لأنهن لسن بأمهاتهم وأن قولهم هذا منكر من القول وزور فاقتضى ذلك إيجاب هذا ~~الحكم في الظهار بسائر ذوات المحارم لأنه إذا ظاهر بأجنبية فليست هي أخته ~~ولا ذات محرم منه وهذا القول منكر من القول وزورا لأنه يملك بضع امرأته وهي ~~مباحة له وذوات المحارم محرمات عليه تحريما مؤبدا فإن قيل يلزمك على هذا ~~إيجاب الظهار بالأجنبية لعموم الآية ولدلالة فحواها على جواز الظهار بسائر ~~ذوات المحارم إذ لم تفرق الآية بين شيء منهن ولأن تشبيهها بالأجنبية منكر ~~من القول ms2398 وزور قيل له لا يجب ذلك لأن الأجنبية لما كانت قد تحل له بحال لم ~~يكن قوله أنت علي كظهر الأجنبية مفيدا للتحريم في سائر الأوقات لجواز أن ~~يملك بضع الأجنبية فتكون مثلها وفي حكمها وأيضا لا خلاف أن التحريم ~~بالأمتعة وسائر الأموال لا يصح بأن يقول أنت على كمتاع فلان أو ولا كمال ~~فلان لأن ذلك قد يملكه بحال فيستبيحه واختلفوا في الظهار بغير الظهر فقال ~~أصحابنا إذا قال أنت علي كيد أمي أو كرأسها أو ذكر شيئا يحل له النظر إليه ~~منها لم يكن مظاهرا وإن قال كبطنها أو كفخذها ونحو ذلك كان مظاهرا لأنه لا ~~يحل له النظر إليه كالظهر وقال ابن القاسم قياس قول مالك أن يكون مظاهرا ~~بكل شيء من الأم وقال الثوري والشافعي إذا قال أنت علي كرأس أمي أو كيدها ~~فهو مظاهر لأن التلذذ بذلك منها محرم قال أبو بكر نص الله تعالى على حكم ~~الظهار وهو أن يقول أنت علي كظهر أمي والظهر مما لا يستبيح النظر إليه فوجب ~~أن يكون سائر ما لا يستبيح النظر إليه في حكمه وما يجوز له أن يستبيح النظر ~~إليه فليس فيه دلالة على تحريم الزوجة بتشبيهها به إذ ليس تحريمها من الأم ~~مطلقا فوجب أن لا يصح الظهار به إذ كان الظهار يوجب تحريما وأيضا لما جاز ~~له استباحة النظر إلى هذه الأعضاء أشبه سائر الأشياء التي يجوز أن يستبيح ~~النظر إليها مثل الأموال والأملاك واختلفوا فيما يحرمه الظهار فقال الحسن ~~للمظاهر أن يجامع فيما دون الفرج وقال عطاء يجوز أن يقبل أو يباشر لأنه قال ~~من قبل أن يتماسا وقال الزهري وقتادة # PageV05P309 # من قبل أن يتماسا الوقاع نفسه وقال أصحابنا لا يقرب المظاهر ولا يلمس ولا ~~يقبل ولا ينظر إلى فرجها لشهوة حتى يكفر وقال مالك مثل ذلك وقال لا ينظر ~~إلى شعرها ولا صدرها حتى يكفر لأن ذلك لا يدعوه إلى خير وقال الثوري يأتيها ~~فيما دون الفرج وإنما نهي عن الجماع وقال ms2399 الأوزاعي يحل له فوق الإزار ~~كالحائض # وقال الشافعي يمنع القبلة والتلذذ احتياطا قال أبو بكر لما قال تعالى من ~~قبل أن يتماسا كان ذلك عموما في حظر جميع ضروب المسيس من لمس بيد أو غيرها ~~وأيضا لما قال والذين يظاهرون من نسائهم فألزمه حكم التحريم لتشبيهه بظهرها ~~وجب أن يكون ذلك التحريم عاما في المباشرة والجماع كما أن مباشرة ظهر الأم ~~ومسه محرم عليه وأيضا # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا ~~إسماعيل قال حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم ~~واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره قال فاعتزلها حتى ~~تكفر ورواه معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نحوه وقال لا تقربها حتى تكفر وذلك يمنع المسيس والقبلة ### | في ظهار المرأة من زوجها # قال أصحابنا لا يصح ظهار المرأة من زوجها وهو قول مالك والثوري والليث ~~والشافعي وذكر الطحاوي عن ابن أبي عمران عن علي بن صالح عن الحسن بن زياد ~~أنها إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أمي أو كظهر أخي كانت مظاهرة من زوجها ~~قال على فسئلت محمد ابن الحسن فقال ليس عليها شيء فأتيت أبا يوسف فذكرت له ~~قوليهما فقال هذان شيخا الفقه أخطأ هو تحريم عليها كفارة يمين كقولها أنت ~~علي حرام وقال الأوزاعي هي يمين تكفرها وقال الحسن بن صالح تعتق رقبة وتكفر ~~بكفارة الظهار فإن لم تفعل وكفرت يمينا رجونا أن يجزيها وروى مغيرة عن ~~إبراهيم قال خطب مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة فقالت هو عليها كظهر أبيها ~~إن تزوجته فلما ولي الإمارة أرسل إليها فأرسلت تسئل والفقهاء يومئذ ~~بالمدينة كثير فأفتوها أن تعتق رقبة وتتزوجه وقال إبراهيم لو كانت عنده ~~يعني عند زوجها يوم قالت ذلك ما كان عليها عتق رقبة ولكنها كانت تملك نفسها ~~حين قالت ما قالت وروي عن الأوزاعي أنها إذا ms2400 قالت إن تزوجته فهو علي كظهر ~~أبي كانت مظاهرة ولو قالت وهي تحت زوج كان عليها كفارة يمين قال أبو بكر لا ~~يجوز أن # PageV05P310 # تكون عليها كفارة يمين لأن الرجل لا تلزمه بذلك كفارة يمين وهو الأصل ~~فكيف يلزمها ذلك كما أن قول الرجل أنت طالق لا يكون غير طالق كذلك ظهارها ~~لا يلزمها به شيء ولا يصح منها ظهار بهذا القول لأن الظهار يوجب تحريما ~~بالقول وهي لا تملك ذلك كما لا تملك الطلاق إذ كان موضوعا لتحريم يقع ~~بالقول واختلفوا فيمن قال أنت علي كظهر أبي فقال أصحابنا والأوزاعي ~~والشافعي ليس بشيء وقال مالك هو مظاهر قال أبو بكر إنما حكم الله تعالى ~~بالظهار فيمن شبهها بظهر الأم ومن جرى مجراها من ذوات المحارم التي لا يجوز ~~له أن يستبيح النظر إلى ظهرها بحال وهو يجوز له النظر إلى ظهر أبيه والأب ~~والأجنبي في ذلك سواء ولو قال أنت علي كظهر الأجنبي لم يكن شيئا فكذلك ظهر ~~الأب واختلفوا فيمن ظاهر مرارا فقال أصحابنا والشافعي عليه لكل ظهار كفارة ~~إلا أن يكون في مجلس واحد وأراد التكرار فتكون عليه كفارة واحدة وقال مالك ~~من ظاهر من امرأته في مجالس متفرقة فليس عليه إلا كفارة واحدة وإن ظاهر ثم ~~كفر ثم ظاهر فعليه الكفارة أيضا وقال الأوزاعي عليه كفارة واحدة وإن كان في ~~مقاعد شتى قال أبو بكر الأصل أن الظهار لما كان سببا لتحريم ترفعه الكفارة ~~أن تجب بكل ظهار كفارة إلا أنهم قالوا إذا أراد التكرار في مجلس واحد فعليه ~~كفارة واحدة لاحتمال اللفظ لما أراد من التكرار فإن قيل قوله والذين ~~يظاهرون من نسائهم يقتضي إيجاب كفارة واحدة وإن ظاهر مرارا لأن اللفظ لا ~~يختص بالمرة الواحدة دون المرار الكثير قيل له لما كانت الكفارة في رفع ~~التحريم متعلقة بحرمة اللفظ أشبه اليمين فمتى حلف مرارا لزمته لكل يمين ~~كفارة إذا حنث ولم يكن قوله فكفارته إطعام عشرة مساكين موجبا للاقتصار ~~بالأيمان الكثيرة على كفارة واحدة ms2401 واختلفوا في المظاهر هل يجبر على التكفير ~~فقال أصحابنا لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر وذكر الطحاوي عن ~~عباد بن العوام عن سفيان بن حسين قال سألت الحسن وابن سيرين عن رجل ظاهر من ~~امرأته فلم يكفر تهاونا قال تستعدي عليه قال وسألت أبا حنيفة فقال تستعدي ~~عليه وقال مالك عليها أن تمنعه نفسها ويحول الإمام بينه وبينها وقول ~~الشافعي يدل على أنه يحكم عليه بالتكفير قال أبو بكر قال أصحابنا يجبر على ~~جماع المرأة فإن أبى ضربته رواه هشام وهذا يدل على أنه يجبر على التكفير ~~ليوفيها حقها من الجماع واختلفوا في الرقبة الكافرة عن الظهار فقال # PageV05P311 # عطاء ومجاهد وإبراهيم وإحدى الروايتين عن الحسن يجزي الكافر وهو قول ~~أصحابنا والثوري والحسن بن صالح وروي عن الحسن أنه لا يجزي في شيء من ~~الكفارات إلا الرقبة المؤمنة وهو قول مالك والشافعي قال أبو بكر ظاهر قوله ~~فتحرير رقبة يقتضي جواز الكافرة وكذلك # قوله صلى الله عليه وسلم للمظاهر أعتق رقبة # ولم يشترط الإيمان ولا يجوز قياسها على كفارة القتل لامتناع جواز قياس ~~المنصوص بعضه على بعض ولأن فيه إيجاب زيادة في النص وذلك عندنا يوجب النسخ ~~واختلفوا في جواز الصوم مع وجود رقبة للخدمة فقال أصحابنا إذا كانت عنده ~~رقبة للخدمة ولا شيء له غيرها أو كان عنده دراهم ثمن رقبة ليس له غيرها لم ~~يجزه الصوم وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وقال الليث والشافعي من له خادم ~~لا يملك غيره فله أن يصوم # قال الله فتحرير رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فأوجب الرقبة بديا ~~على واجدها ونقله إلى الصوم عند عدمها فلما كان هذا واجدا لها لم يجزه غيره ~~فإن قيل هو بمنزلة من معه ماء يخاف على نفسه العطش فيجوز له التيمم قيل له ~~لأنه مأمور في هذه الحال باستبقاء الماء وهو محظور عليه استعماله وليس ~~بمحظور عليه عند الجميع عتق هذه الرقبة فعلمنا أنه واجد واختلفوا في عتق أم ~~الولد والمدبر والمكاتب ونحوهم ms2402 في الكفارة فقال أصحابنا لا يجوز عتق أم ~~الولد والمدبر والمكاتب إذا كان قد أدى شيئا عن الكتابة ولا المدبر فإن لم ~~يكن أدى شيئا أجزأه وإن اشترى أباه ينوي به عن كفارته جاز وكذلك كل ذي رحم ~~محرم ولو قال كل عبد أشتريه فهو حر ثم اشترى عبدا ينويه عن كفارته لم يجزه ~~وقال زفر لا يجزي المكاتب وإن لم يكن أدى شيئا وقال مالك لا يجزي المكاتب ~~ولا المدبر ولا أم الولد ولا معتق إلى سنين عن الكفارة ولا الولد والوالد ~~وقال الأوزاعي لا يجزي المكاتب ولا المدبر ولا أم الولد وقال عثمان البتي ~~يجزي المدبر وأم الولد في كفارة الظهار واليمين وقال الليث يجزي أن يشتري ~~أباه فيعتقه بالكفارة التي عليه وقال الشافعي لا يجزي من إذا اشتراه عتق ~~عليه ويجزى المدبر ولا يجزى المكاتب وإن لم يؤدى شيئا ويجزي المعتق إلى ~~سنين ولا تجزي أم الولد قال أبو بكر أما أم الولد والمدبر فإنهما لا يجزيان ~~من قبل أنهما قد استحقا العتق من غير جهة الكفارة ألا ترى أن ما ثبت لهما ~~من حق العتاق يمنع بيعهما ولا يصح فسخ ذلك عنهما فمتى أعتقهما فإنما عجل ~~عتقا مستحقا وليس كذلك من قال له المولى أنت حر # PageV05P312 # بعد شهر أو سنة لأنه لم يثبت له حق بهذا القول يمنع بيعه ألا ترى أنه ~~يجوز له أن يبيعه وأما المكاتب فإنه وإن لم يجز بيعه فإن الكتابة يلحقها ~~الفسخ وإنما لا يجوز بيعه كما لا يجوز بيع الآبق والعبد المرهون والمستأجر ~~فلا يمنع ذلك جواز عتقه عن الكفار فإذا أعتق المكاتب قبل أن يؤدي شيئا فقد ~~أسقط المال فصار كمن أعتق عبدا غير مكاتب وإن كان قد أدى شيئا لم يجز من ~~قبل أن الأداء لا ينفسخ بعتقه فقد حصل له عن عتقه بدل فلا يجزي عن الكفارة ~~وأما إذا اشترى أباه فإنه يجزي إذا نوى لأن قبوله للشرى بمنزلة قوله أنت حر ~~والدليل عليه # قول النبي صلى ms2403 الله عليه وسلم لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه # ومعلوم أن معناه يعتقه بشرائه إياه فجعل شراه بمنزلة قوله أنت حر فأجزأ ~~بمنزلة من قال لعبده أنت حر واختلفوا في مقدار الطعام فقال أصحابنا والثوري ~~لكل مسكين نصف صاع بر أو صاع تمر أو شعير وقال مالك مد بمد هشام وهو مدان ~~إلا ثلثا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من الحنطة وأما الشعير فإن كان ~~طعام أهل بلده فهو مثل الحنطة وكذلك التمر وإن لم يكونا طعام أهل البلد ~~أطعمهم من كل واحد منهما وسطا من شبع الشعير والتمر وقال الشافعي لكل مسكين ~~مد من طعام بلده الذي يقتات حنطة أو شعير أو أرز أو تمر أو أقط وذلك بمد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتبر مد أحدث بعده # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عثمان ابن أبي شيبة ~~ومحمد بن سليمان الأنباري قالا حدثنا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن محمد ~~ابن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال كنت امرأ أصيب من ~~النساء وذكر قصة ظهاره من امرأته وأنه جامع امرأته وسأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال حرر رقبة فقلت والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها وضربت ~~صفحة رقبتي قال فصم شهرين متتابعين قال وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ~~قال فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قلت والذي بعثك بالحق نبيا لقد بتنا ~~وحشين وما لنا طعام قال فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ~~ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها فإن قيل روى إسماعيل بن ~~جعفر عن محمد بن أبي حرملة عن عطاء بن يسار أن خولة بنت مالك بن ثعلبة ظاهر ~~منها زوجها أوس بن الصامت فقال النبي صلى الله عليه وسلم مريه فليذهب إلى ~~فلان فإن عنده شطر وسق فليأخذه صدقة عليه ثم يتصدق به على ستين مسكينا ms2404 وروى ~~عبد الله ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف ~~بن عبد الله بن # PageV05P313 # سلام عن خولة أن زوجها ظاهر منها فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره ~~أن يتصدق بخمسة عشر صاعا على ستين مسكينا # قيل له قد روينا حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء وأنه أمره ~~بأن يطعم وسقا من تمر ستين مسكينا وهذا أولى لأنه زائد على خبرك وأيضا ~~فجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعانه بهذا القدر ولا دلالة فيه ~~على أن ذلك جميع الكفارة وقد بين ذلك في حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن يزيد ~~بن زيدان زوج خولة ظاهر منها وذكر الحديث فأعانه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخمسة عشر صاعا وهذا يدل على أنه أعانه ببعض الكفارة # وقد روي ذلك أيضا في حديث يوسف بن عبد الله بن سلام رواه يحيى بن زكريا ~~عن محمد بن إسحاق عن معمر بن عبد الله عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال ~~حدثتني خولة بنت مالك بن ثعلبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعان زوجها ~~حين ظاهر منها بعذق من تمر وأعانته هي بعذق آخر وذلك ستون صاعا فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تصدق به # واختلفوا في المظاهر هل يجامع قبل أن يطعم فقال أصحابنا ومالك والشافعي ~~لا يجامع حتى يطعم إذا كان فرضه الطعام روى زيد بن أبي الزرقاء عن الثوري ~~أنه إذا أراد أن يطأها قبل أن يطعم لم يكن آثما # وروى المعافى والأشجعي عن الثوري أنه لا يقربها حتى يطعم قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم للمظاهر بعد ما ذكر عجزه عن الصيام ثم لا يقربها حتى يكفر # وأيضا لما اتفق الجميع على أن الجماع محظور عليه قبل عتق الرقبة وجب بقاء ~~حظره إذا عجز إذ جائز أن يجد الرقبة قبل الإطعام فيكون الوطء واقعا قبل ~~العتق. ### | باب كيف يحيي أهل الكتاب # قال ms2405 الله تعالى وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله # روى سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس ~~مع أصحابه إذ أتى عليهم يهودي فسلم عليهم فردوا عليه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل تدرون ما قال قالوا سلم يا نبي الله قال قال اسم عليكم ~~أي تسأمون دينكم # وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب ~~فقولوا عليكم أي عليك ما قلت # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسحاق بن الحسين قال حدثنا أبو ~~حذيفة قال حدثنا سفيان عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدؤهم بالسلام واضطروهم ~~إلى أضيقه # قال أبو بكر قد روي في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون ~~بقولهم السام أنكم تسأمون دينكم # وروي أنهم # PageV05P314 # يريدون به الموت لأن السام اسم من أسماء الموت قال أبو بكر ذكر هشام عن ~~محمد عن أبي حنيفة قال نرى أن نرد على المشرك السلام ولا نرى أن نبدأه وقال ~~محمد وهو قول العامة من فقهائنا وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا معاذ بن ~~المثنى قال حدثنا عمرو بن مرزوق قال حدثنا شعبة عن منصور عن إبراهيم عن ~~علقمة قال صحبنا عبد الله في سفر ومعنا أناس من الدهاقين قال فأخذوا طريقا ~~غير طريقنا فسلم عليهم فقلت لعبد الله أليس هذا تكره قال إنه حق الصحبة قال ~~أبو بكر ظاهره يدل على أن عبد الله بدأهم بالسلام لأن الرد لا يكره عند أحد # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلموا عليكم فقولوا وعليكم # قال أبو بكر وإنما كره الابتداء لأن السلام من تحية أهل الجنة فكره أن ~~يبدأ به الكافر إذ ليس من أهلها ولا يكره الرد على وجه المكافأة قال الله ~~تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وحدثنا عبد ms2406 الباقي قال ~~حدثنا الحسن بن المثنى قال حدثنا عثمان قال حدثنا عبد الواحد قال حدثنا ~~سليمان الأعمش قال قلت لإبراهيم أختلف إلى طبيب نصراني أسلم عليه قال نعم ~~إذا كانت لك إليه حاجة فسلم عليه # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~قال قتادة كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقيل لهم ~~تفسحوا وقال ابن عباس هو مجلس القتال قال قتادة وإذا قيل انشزوا قال إذا ~~دعيتم إلى خير وقيل انشزوا أي ارتفعوا في المجلس ولهذا ذكر أهل العلم لأنهم ~~أحق بالرفعة وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يرفع مجلس ~~أهل العلم على غيرهم ليبين للناس فضلهم ومنزلتهم عنده وكذلك يجب أن يفعل ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات وكذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم # فرتب أولي الأحلام والنهى في أعلى المراتب إذ جعلهم في المرتبة التي تلي ~~النبوة # وقوله تعالى إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة روى ليث عن ~~مجاهد قال قال علي إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها ~~أحد بعدي كان عندي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تصدقت بدرهم # وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال إن المسلمين أكثروا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المسائل حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف عن نبيه فلما ~~نزلت إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة كف كثير من المسلمين عن ~~المسألة فأنزل الله أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات # PageV05P315 # الآية فوسع لهم قال أبو بكر قد دلت الآية على أحكام ثلاثة أحدها تقديم ~~الصدقة أمام مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لمن يجد والثاني الرخصة في ~~المناجاة لمن لا يجد الصدقة بقوله ms2407 فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم فهذا ~~يدل على أن المسألة كانت مباحة لمن لم يجد الصدقة والثالث وجوب الصدقة أمام ~~المسألة بقوله أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن مجاهد في قوله إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة الآية # قال على رضى الله عنه ما عمل بها أحد غيري # حتى نسخت وما كانت إلا ساعة # وقوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله قال أبو بكر المحادة أن يكون كل واحد منهما في حد وحيز غير حد صاحبه ~~وحيزه فظاهره يقتضي أن يكون المراد أهل الحرب لأنهم في حد غير حدنا فهو يدل ~~على كراهة مناكحة أهل الحرب وإن كانوا من أهل الكتاب لأن المناكحة توجب ~~المودة قال الله تعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا ~~إليها وجعل بينكم مودة ورحمة آخر سورة المجادلة. ### | سورة الحشر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ~~قال مجاهد وقتادة أول الحشر جلاء بني النضير من اليهود فمنهم من خرج إلى ~~خيبر ومنهم من خرج إلى الشام وقال الزهري قاتلهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى صالحهم على الجلاء فأجلاهم إلى الشام وعلى أن لهم ما أقلت الإبل ~~من شيء إلا الحلقة والحلقة السلاح قال أبو بكر قد انتظم ذلك معنيين أحدهما ~~مصالحة أهل الحرب على الجلاء عن ديارهم من غير سبي ولا استرقاق ولا دخول في ~~الذمة ولا أخذ جزية وهذا الحكم منسوخ عندنا إذا كان بالمسلمين قوة على ~~قتالهم على الإسلام أو أداء الجزية وذلك لأن الله قد أمر بقتال الكفار حتى ~~يسلموا أو يؤدوا الجزية قال الله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله- إلى ~~قوله- حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ms2408 وقال فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم فغير جائز إذا كان بالمسلمين قوة على قتالهم وإدخالهم في الذمة أو ~~الإسلام أن يجلوهم ولكنه لو عجز # PageV05P316 # المسلمون عن مقاومتهم في إدخالهم في الإسلام أو الذمة جاز لهم مصالحتهم ~~على الجلاء عن بلادهم والمعنى الثاني جواز مصالحة أهل الحرب على مجهول من ~~المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على أراضيهم وعلى الحلقة وترك ~~لهم ما أقلت الإبل وذلك مجهول وقوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار فيه ~~أمر بالاعتبار والقياس في أحكام الحوادث ضرب من الاعتبار فوجب استعماله ~~بظاهر الآية وقوله تعالى ما قطعتم من لينة قال ابن عباس وقتادة كل نخلة ~~لينة سوى العجوة وقال مجاهد وعمرو بن ميمون كل نخلة لينة وقيل اللينة كرام ~~النخل وروى ابن جريج عن مجاهد ما قطعتم من لينة النخلة نهى بعض المهاجرين ~~عن قطع النخل وقال إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى ~~وبتحليل من قطعها من الإثم قال أبو بكر صوب الله الذين قطعوا والذين أبوا ~~وكانوا فعلوا ذلك من طريق الاجتهاد وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب # وقد روي عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أغر على أبنى صباحا وحرق # وروى قتادة عن أنس قال لما قاتل أبو بكر أهل الردة قتل وسبى وحرق # وروى عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال لما تحصن بنو النضير أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع نخلهم وتحريقه فقالوا يا أبا القاسم ما ~~كنت ترضى بالفساد فأنزل الله ما قطعتم من لينة # الآية وروى عثمان بن عطاء عن أبيه قال لما وجه أبو بكر الجيش إلى الشام ~~كان فيما أوصاهم به ولا تقطع شجرة مثمرة قال أبو بكر تأوله محمد بن الحسن ~~على أنهم قد علموا أن الله سيغنمهم إياها وتصير للمسلمين بوعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم بفتح الشام فأراد عليهم أن تبقى للمسلمين وأما جيش ms2409 ~~المسلمين إذا غزوا أرض الحرب وأرادوا الخروج فإن الأولى أن يحرقوا شجرهم ~~وزروعهم وديارهم وكذلك قال أصحابنا في مواشيهم إذا لم يمكنهم إخراجها ذبحت ~~ثم أحرقت وأما ما رجوا أن يصير فيأ للمسلمين فإنهم إن تركوه ليصير للمسلمين ~~جاز وإن أحرقوه غيظا للمشركين جاز استدلالا بالآية وبما فعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أموال بني النضير # وقوله تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل الآية ~~الفيء الرجوع ومنه الفيء في الإيلاء في قوله فإن فاؤ وأفاءه عليه إذا رده ~~عليه والفيء في مثل هذا الموضع ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك ~~فالغنيمة فيء والجزية فيء والخراج فيء لأن جميع ذلك مما ملكه الله المسلمين ~~من أموال أهل الشرك والغنيمة وإن كانت فيأ فإنها تختص بمعنى لا يشاركها فيه # PageV05P317 # سائر وجوه الفيء لأنها ما أخذ من أموال أهل الحرب عنوة بالقتال فمنها ما ~~يجري فيه سهام الغانمين بعد إخراج الخمس لله عز وجل # وروى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب قال كانت أموال ~~بني النضير فيئا مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ~~ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكان ينفق منها على ~~أهله نفقة سنة وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله # قال أبو بكر فهذا من الفيء الذي جعل الأمر فيه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يكن لأحد فيه حق إلا من جعله له النبي صلى الله عليه وسلم ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله ويجعل الباقي في الكراع ~~والسلاح وذلك لما بينه الله في كتابه وهو أن المسلمين لم يوجفوا عليه بخيل ~~ولا ركاب ولم يأخذوه عنوة وإنما أخذوه صلحا وكذلك كان حكم فدك وقرى عرينة ~~فيما ذكره الزهري وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الغنيمة الصفي وهو ~~ما كان يصطفيه من جملة الغنيمة قبل أن ms2410 يقسم المال وكان له أيضا سهم من ~~الخمس فكان للنبي صلى الله عليه وسلم من الفيء هذه الحقوق يصرفها في نفقة ~~عياله والباقي في نوائب المسلمين ولم يكن لأحد فيها حق إلا من يختار هو صلى ~~الله عليه وسلم أن يعطيه وفي هذه الآية دلالة على أن كل مال من أموال أهل ~~الشرك لم يغلب عليه المسلمون عنوة وإنما أخذ صلحا أنه لا يوضع في بيت مال ~~المسلمين ويصرف على الوجوه التي يصرف فيها الخراج والجزية لأنه بمنزلة ما ~~صار للنبي صلى الله عليه وسلم من أموال بني النضير حين لم يوجف المسلمون ~~عليه # وقوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول الآية قال ~~أبو بكر بين الله حكم ما لم يوجف عليه المسلمون من الفيء فجعله للنبي صلى ~~الله عليه وسلم على ما قدمنا من بيانه ثم ذكر حكم الفيء الذي أوجف المسلمون ~~عليه فجعله لهؤلاء الأصناف وهم الأصناف الخمس المذكورون في غيرها وظاهره ~~يقتضي أن لا يكون للغانمين شيء منه إلا من كان منهم من هذه الأصناف وقال ~~قتادة كانت الغنائم في صدر الإسلام لهؤلاء الأصناف ثم نسخ بقوله واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه قال أبو بكر لما فتح عمر رضي الله عنه ~~العراق سأله قوم من الصحابة قسمته بين الغانمين منهم الزبير وبلال وغيرهما ~~فقال إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم واحتج عليهم بهذه الآية إلى ~~قوله والذين جاؤ من بعدهم وشاور عليا وجماعة من الصحابة في ذلك فأشاروا ~~عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها عليها ويضع عليها الخراج ففعل ذلك ووافقته ~~الجماعة عند احتجاجه بالآية وهذا # PageV05P318 # يدل على أن هذه الآية غير منسوخة وأنها مضمومة إلى آية الغنيمة في ~~الأرضين المفتتحة فإن رأى قسمتها أصلح للمسلمين وأرد عليهم قسم وإن رأى ~~إقرار أهلها عليها وأخذ الخراج منهم فيها فعل لأنه لو لم تكن هذه الآية ~~ثابتة الحكم في جواز أخذ الخراج منها حتى يستوي الآخر والأول ms2411 فيها لذكروه ~~له وأخبروه بنسخها فلما لم يحاجوه بالنسخ دل على ثبوت حكمها عندهم وصحة ~~دلالتها لديهم على ما استدل به عليه فيكون تقدير الآيتين بمجموعهما واعلموا ~~أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه في الأموال سوى الأرضين وفي الأرضين إذا ~~اختار الإمام ذلك وما أفاء الله على رسوله من الأرضين فلله وللرسول إن ~~اختار تركها على ملك أهلها ويكون ذكر الرسول هاهنا لتفويض الأمر عليه في ~~صرفه إلى من رأى فاستدل عمر رضي الله عنه من الآية بقوله كي لا يكون دولة ~~بين الأغنياء منكم وقوله والذين جاؤ من بعدهم وقال لو قسمتها بينهم لصارت ~~دولة بين الأغنياء منكم ولم يكن لمن جاء بعدهم من المسلمين شيء وقد جعل لهم ~~فيها الحق بقوله والذين جاؤ من بعدهم فلما استقر عنده حكم دلالة الآية ~~وموافقة كل الصحابة على إقرار أهلها عليها ووضع الخراج بعث عثمان بن حنيف ~~وحذيفة بن اليمان فمسحا الأرضين ووضعا الخراج على الأوضاع المعلومة ووضعا ~~الجزية على الرقاب وجعلاهم ثلاث طبقات اثني عشر وأربعة وعشرين وثمانية ~~وأربعين ثم لم يتعقب فعله هذا أحد ممن جاء بعده من الأئمة بالفسخ فصار ذلك ~~اتفاقا واختلف أهل العلم في أحكام الأرضين المفتتحة عنوة فقال أصحابنا ~~والئورى إذا افتتحها الإمام عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها وأهلها وأموالهم ~~بين الغانمين بعد إخراج الخمس وإن شاء أقر أهلها عليها وجعل عليها وعليهم ~~الخراج ويكون ملكا لهم ويجوز بيعهم وشراؤهم لها وقال مالك ما باع أهل الصلح ~~من أرضهم فهو جائز وما افتتح عنوة فإنه لا يشتري منهم أحد لأن أهل الصلح من ~~أسلم منهم كان أحق بأرضه وماله وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة فمن أسلم ~~منهم أحرز له إسلامه نفسه وأرضه للمسلمين لأن بلادهم قد صارت فيأ للمسلمين ~~وقال الشافعي ما كان عنوة فخمسها لأهله وأربعة أخماسها للغانمين فمن طاب ~~نفسا عن حقه للإمام أن يجعلها وقفا عليهم ومن لم يطب نفسا فهو أحق بما له ~~قال أبو بكر لا ms2412 تخلوا الأرض المفتتحة عنوة من أن تكون للغانمين لا يجوز ~~للإمام صرفها عنهم بحال إلا بطيبة من أنفسهم أو أن # PageV05P319 # يكون الإمام مخيرا بين إقرار أهلها على أملاكهم فيها ووضع الخراج عليها ~~وعلى رقاب أهلها على ما فعله عمر رضى الله عنه في أرض السواد فلما اتفق ~~الجميع من الصحابة على تصويب عمر فيما فعله في أرض السواد بعد خلاف من ~~بعضهم عليه على إسقاط حق الغانمين عن رقابها دل ذلك على أن الغانمين لا ~~يستحقون ملك الأرضين ولا رقاب أهلها إلا بأن يختار الإمام ذلك لهم لأن ذلك ~~لو كان ملكا لهم لما عدل عنهم بها إلى غيرهم ولنازعوه في احتجاجه بالآية في ~~قوله كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وقوله والذين جاؤ من بعدهم فلما ~~سلم له الجميع رأيه عند احتجاجه بالآية دل # على أن الغانمين لا يستحقون ملك الأرضين إلا باختيار الإمام ذلك لهم ~~وأيضا لا يختلفون أن للإمام أن يقتل الأسرى من المشركين ولا يستبقيهم ولو ~~كان ملك الغانمين قد ثبت فيهم لما كان له إتلافه عليهم كما لا يتلف عليهم ~~سائر أموالهم فلما كان له أن يقتل الأسرى وله أن يستبقيهم فيقسمهم بينهم ~~ثبت أن الملك لا يحصل للغانمين بإحراز الغنيمة في الرقاب والأرضين إلا أن ~~يجعلها الإمام لهم ويدل على ذلك أيضا ما # روى الثوري عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال قسم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفا لنوائبه وحاجته ونصفا بين ~~المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما # فلو كان الجميع ملكا للغانمين لما جعل نصفه لنوائبه وحاجته وقد فتحها ~~عنوة ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة ومن على أهلها ~~فأقرهم على أملاكهم فقد حصل بدلالة الآية وإجماع السلف والسنة تخيير الإمام ~~في قسمة الأرضين أو تركها ملكا لأهلها ووضع الخراج عليها ويدل عليه # حديث سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ms2413 صلى الله عليه وسلم ~~منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مداها ودينارها ومنعت مصر أردبها ~~ودينارها وعدتم كما بدأتم شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه # فأخبر صلى الله عليه وسلم عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة لله تعالى في ~~الأرضين وأنهم يعودون إلى حال أهل الجاهلية في منعها وذلك يدل على صحة قول ~~عمر رضى الله عنه في السواد وأن ما وضعه هو من حقوق الله تعالى التي يجب ~~أداؤها فإن قيل ليس فيما ذكرت من فعل عمر في السواد إجماع لأن # حبيب بن أبي ثابت وغيره قد رووا عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال دخلنا على ~~على رضى الله عنه بالرحبة فقال لولا أن يضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد ~~بينكم # قيل له الصحيح عن على رضى الله عنه أنه أشار على عمر # PageV05P320 # رضى الله عنه بترك قسمة السواد وإقرار أهله عليه # ومع ذلك فإنه لا يجوز أن يصح عن علي ما ذكرت لأنه لا يخلو من خاطبهم علي ~~بذلك من أن يكونوا هم الذين فتحوا السواد فاستحقوا ملكه وقسمته بينهم من ~~غير خيار للإمام فيه أو أن يكون المخاطبون به غير الذين فتحوه أو خاطب به ~~الجيش وهم أخلاط منهم من شهد فتح السواد ومنهم من لم يشهده وغير جائز أن ~~يكون الخطاب لمن لم يشهد فتحه لأن أحدا لا يقول إن الغنيمة تصرف إلى غير ~~الغانمين ويخرج منها الغانمون وأن يكونوا أخلاطا فيهم من شهد الفتح واستحق ~~الغنيمة وفيهم من لم يشهده وهذا مثل الأول لأن من لم يشهد الفتح لا يجوز أن ~~يسهم له وتقسم الغنيمة بينه وبين الذين شهدوه أو أن يكون خاطب به من شهد ~~الفتح دون غيره فإن كان كذلك وكانوا هم المستحقين له دون غيرهم من غير خيار ~~للإمام فيه فغير جائز أن يجعل حقهم لغيرهم لأن بعضهم يضرب وجوه بعض إذ كان ~~أتقى لله من أن يترك حقا يجب عليه القيام به إلى غيره لما وصفت وعلى أنه لم ~~يخصص ms2414 بهذا الخطاب الذين فتحوه دون غيرهم وفي ذلك دليل على فساد هذه الرواية ~~وقد اختلف الناس بعد ثبوت هذا الأصل الذي ذكرنا وصحة الرواية عن عمر في ~~كافة الصحابة على ترك قسمة السواد وإقرار أهله عليه فقال قائلون أقرهم على ~~أملاكهم وترك أموالهم في أيديهم ولم يسترقهم وهو الذي ذكرناه من مذهب ~~أصحابنا وقال آخرون إنما أقرهم على أرضهم على أنهم وأرضهم فيء للمسلمين ~~وأنهم غير ملاك لها وقال آخرون أقرهم على أنهم أجرار والأرضون موقوفة على ~~مصالح المسلمين قال أبو بكر ولم يختلفوا أن من أسلم من أهل السواد كان حرا ~~وأنه ليس لأحد أن يسترقه # وقد روي عن علي رضي الله عنه أن دهقانا أسلم على عهده فقال له إن أقمت في ~~أرضك رفعنا الجزية عن رأسك وأخذناها من أرضك وإن تحولت عنها فنحن أحق بها # وكذلك روي عن عمر رضي الله عنه في دهقانة نهر الملك حين أسلمت فلو كانوا ~~عبيدا لما زال عنهم الرق بالإسلام فإن قيل فقد قالا إن تحولت عنها فنحن أحق ~~بها قيل له إنما أراد بذلك أنك إن عجزت عن عمارتها عمرناها نحن وزرعناها ~~لئلا تبطل الحقوق التي قد وجبت للمسلمين في رقابها وهو الخراج وكذلك يفعل ~~الإمام عندنا بأراضي العاجزين عن عمارتها ولما ثبت بما وصفنا أن من أسلم من ~~أهل السواد فهو حر ثبت أن أراضيهم على أملاكهم كما كانت رقابهم مبقاة على ~~أصل الحرية ومن حيث جاز للإمام عند مخالفينا أن يقطع حق «21- أحكام مس» # PageV05P321 # الغانمين عن رقابها ويجعلها موقوفة على المسلمين بصرف خراجها إليهم جاز ~~إقرارها على أملاك أهلها ويصرف خراجها إلى المسلمين إذ لا حق للمسلمين في ~~نفي ملك ملاكها عنها بعد أن لا يحصل للمسلمين ملكها وإنما حقهم في الحالين ~~في خراجها لا في رقابها بأن يتملكوها وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح ~~قال سمعنا أن الغنيمة ما غلب عليه المسلمون حتى يأخذوه عنوة بالقتال وأن ~~الفيء ما صولحوا عليه قال الحسن فأما سوادنا ms2415 هذا فإنا سمعنا أنه كان في ~~أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون إليهم الخراج فلما ظهر ~~المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من الدهاقين على حالهم ~~ووضعوا الجزية على رموس الرجال ومسحوا ما كان في أيديهم من الأرضين ووضعوا ~~عليهم الخراج وقبضوا على كل أرض ليست في يد أحد فكانت صوافي للإمام قال أبو ~~بكر كأنه ذهب إلى أن النبط لما كانوا أحرارا في مملكة أهل فارس فكانت ~~أملاكهم ثابتة في أراضيهم ثم ظهر المسلمون على أهل فارس وهم الذين قاتلوا ~~المسلمين ولم يقاتلهم النبط كانت أراضيهم ورقابهم على ما كانت عليه في أيام ~~الفرس لأنهم لم يقاتلوا المسلمين فكانت أرضوهم ورقابهم في معنى ما صولح ~~عليه وأنهم إنما كانوا يملكون أراضيهم ورقابهم لو قاتلوهم وهذا وجه كان ~~يحتمله الحال لولا أن محاجة عمر لأصحابه الذين سألوه قسمة السواد كانت من ~~غير هذا الوجه وإنما احتج بدلالة الكتاب دون ما ذكره الحسن فإن قيل إنما ~~دفع عمر السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإجارة والأجرة ~~تسمى خراجا # قال النبي صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان # ومراده أجرة العبد المشترى إذا رد بالعيب قال أبو بكر هذا غلط من وجوه ~~أحدها أن عمر لم يستطب نفوس القوم في وضع الخراج وترك القسمة وإنما شاور ~~الصحابة وحاج من طلب القسمة بما أوضح به قوله ولو كان قد استطاب نفوسهم ~~لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة فإن قيل قد نقل ذلك ~~وذكر ما رواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال كنا ربع الناس ~~فأعطنا عمر ربع السواد فأخذناه ثلاث سنين ثم وقد جرير إلى عمر بعد ذلك فقال ~~عمرو الله لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسم لكم فأرى أن تردوه على ~~المسلمين ففعل فأجازه عمر ثمانين دينارا فأتته امرأة فقالت يا أمير ~~المؤمنين إن قومي صالحوك على أمر ولست أرضى حتى تملأ كفي ذهبا وتحملني ms2416 على ~~جمل ذلول وتعطيني قطيفة حمراء قال ففعل قال أبو بكر ليس فيه دليل على # PageV05P322 # أنه كان ملكهم رقاب الأرضين وجائز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ~~ذلك أن يقتصر بهم على أعطياتهم دون الخراج ليكونوا أسوة لسائر الناس وكيف ~~يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر عمر أنه رأى رده على المسلمين ~~وأظهر أنه لا يسعه غيره لما كان عنده أنه صلح للمسلمين وأما أمر المرأة ~~فإنه أعطاها من بيت المال لأنه قد كان جائزا له أن يفعله من أخذ ما كان في ~~أيديهم من السواد وأما قوله إن الخراج أجرة ففاسد من وجوه أحدها أنه لا ~~خلاف أن الإجارات لا تجوز إلا على مدة معلومة إذا وقعت على المدة وأيضا فإن ~~أهلها لم يخلوا من أن يكونوا عبيدا أو أحرارا فإن كانوا عبيدا فإن إجارة ~~المولى من عبده لا تجوز وإن كانوا أحرارا فكيف جاز أن تترك رقابهم على أصل ~~الحرية ولا نترك أراضيهم على أملاكهم وأيضا لو كانوا عبيدا لم يجز أخذ ~~الجزية من رقابهم لأنه لا خلاف أن العبيد لا جزية عليهم وأيضا لا خلاف أن ~~إجارة النخل والشجر غير جائزة وقد أخذ عمر الخراج من النخل والشجر فدل على ~~أنه ليس بأجرة وقد اختلف الفقهاء في شرى أرض الخراج واستئجارها فقال ~~أصحابنا لا بأس بذلك وهو قول الأوزاعي وقال مالك أكره استئجار أرض الخراج ~~وكره شريك شرى أرض الخراج وقال لا تجعل في عنقك صغارا وذكر الطحاوي عن بن ~~أبي عمران عن سليمان بن بكار قال سأل رجل المعافى بن عمران عن الزرع في أرض ~~الخراج فنهاه عن ذلك فقال له قائل فإنك تزرع أنت فيها فقال يا ابن أخي ليس ~~في الشر قدوة وقال الشافعي لا بأس بأن يكتري المسلم أرض خراج كما يكتري ~~دوابهم قال # والحديث الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لمسلم أن ~~يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل المسجد الحرام # إنما هو خراج الجزية ms2417 قال أبو بكر روي عن عبد الله بن مسعود أنه اشترى أرض ~~خراج # وروي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تتخذوا الضيعة فترغبوا ~~في الدنيا # قال عبد الله وبراذان ما براذان وبالمدينة ما بالمدينة وذلك أنه كانت له ~~ضيعة براذان وراذان من أرض الخراج وروي أن الحسن والحسين ابني علي رضي الله ~~عنهم اشتروا من أرض السواد فهذا يدل على معنيين أحدهما أنهما أملاك لأهلها ~~والثاني أنه غير مكره للمسلم شراها # وروى عن على وعمر رضى الله عنهما فيمن أسلم من أهل الخراج أنه إن أقام ~~على أرضه أخذ منه الخراج # وروي عن ابن عباس أنه كره شرى أرض أهل الذمة وقال لا تجعل ما جعل الله في ~~عنق هذا الكافر في عنقك وقال ابن عمر مثل ذلك # PageV05P323 # وقال لا تجعل في عنقك الصغار قال أبو بكر وخراج الأرض ليس بصغار لأنا لا ~~نعلم خلافا بين السلف أن الذمي إذا كانت له أرض خراج فأسلم أنه يؤخذ الخراج ~~من أرضه ويسقط عن رأسه فلو كان صغارا لسقط بالإسلام # وقول النبي صلى الله عليه وسلم منعت العراق قفيزها ودرهمها # يدل على أنه واجب على المؤمنين لأنه أخبر عما يمنع المسلمون من حق الله ~~في المستقبل ألا ترى أنه # قال وعدتم كما بدأتم # والصغار لا يجب على المسلمين وإنما يجب على الكفار للمسلمين # وقوله تعالى والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ~~يعني والله أعلم أن ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~وللذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يعني الأنصار وقد كان إسلام ~~المهاجرين قبل إسلام الأنصار ولكنه أراد الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبل ~~هجرة المهاجرين وقوله تعالى ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا قال الحسن ~~يعني أنهم لا يحسدون المهاجرين على فضل آتاهم الله تعالى وقيل لا يجدون في ~~أنفسهم ضيقا لما ينفقونه عليهم وقوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة الخصاصة الحاجة فأثنى عليهم بإيثارهم ms2418 المهاجرين على أنفسهم فيما ~~ينفقونه عليهم وإن كانوا هم محتاجين إليه فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال له معي دينار فقال أنفقه ~~على نفسك فقال معي دينار آخر فقال أنفقه على عيالك فقال معي دينار آخر قال ~~تصدق به وأن رجلا جاء ببيضة من ذهب فقال يا رسول الله تصدق بهذه فإني ما ~~أملك غيرها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه من الشق الآخر ~~فأعرض عنه إلى أن أعاد القول فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورماه ~~بها فلو أصابته لعقرته ثم قال يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم ~~يقعد يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى # وأن رجلا دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب والرجل بحال بذاذة ~~فحث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة فطرح قوم ثيابا ودراهم فأعطاه ~~ثوبين ثم حثهم على الصدقة فطرح الرجل أحد ثوبيه فأنكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم # ففي هذه الأخبار كراهة الإيثار على النفس والأمر بالإنفاق على النفس ثم ~~الصدقة بالفضل قبل له إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه لم يثق ~~منه بالصبر على الفقر وخشي أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه ألا ترى أنه ~~قال يأتيني أحدهم بجميع ما يملك فيتصدق به ثم يقعد يتكفف الناس فإنما كره ~~الإيثار لمن كانت هذه حاله فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار ~~على النفس فلم يكونوا بهذه # PageV05P324 # الصفة بل كانوا كما قال الله تعالى والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس فكان الإيثار منهم أفضل من الإمساك والإمساك ممن لا يصبر ويتعرض ~~للمسألة أولى من الإيثار وقد روى محارب بن دثار عن ابن عمر قال أهدي لرجل ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن فلانا وعياله أحوج ~~إلى هذا منابه فبعث إليه فلم يزل يبعث به واحدا إلى آخر حتى تداولها تسعة ~~أهل أبيات حتى رجعت إلى الأول فنزلت ومن ms2419 يوق شح نفسه الآية وروى الأعمش عن ~~جامع بن شداد عن الأسود بن هلال قال جاء رجل إلى عبد الله فقال يا أبا عبد ~~الرحمن قد خفت أن تصيبني هذه الآية ومن يوق شح نفسه فو الله ما أقدر على أن ~~أعطي شيئا أطيق منعه فقال عبد الله هذا البخل وبئس الشيء البخل ولكن الشح ~~أن تأخذ مال أخيك بغير حق وروي عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ومن يوق شح ~~نفسه قال إدخال الحرام ومنع الزكاة آخر سورة الحشر. ### | سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة # روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى كفار قريش يتنصح لهم فيه ~~فأطلع الله نبيه على ذلك فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنت كتبت هذا ~~الكتاب قال نعم قال وما حملك على ذلك قال أما والله ما ارتبت في الله منذ ~~أسلمت ولكني كنت امرأ غريبا في قريش وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدفع ~~بذلك عنهم فقال عمر ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم مهلا يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع ~~على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم # حدثنا بذلك عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال أخبرنا ~~عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري في قوله يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء عن عروة بن الزبير بمعنى ما قدمنا قال أبو بكر ~~ظاهر ما فعله حاطب لا يوجب الردة وذلك لأنه ظن أن ذلك جائز له ليدفع به عن ~~ولده وماله كما يدفع عن نفسه بمثله عند التقية ويستبيح إظهار كلمة الكفر ~~ومثل هذا الظن إذا صدر عنه الكتاب الذي كتبه فإنه لا يوجب الإكفار ولو كان ~~ذلك يوجب الإكفار لاستنابه النبي صلى الله عليه وسلم ms2420 فلما لم يستتبه وصدقه ~~على ما قال علم أنه ما كان مرتد # PageV05P325 # وإنما قال عمر ائذن لي فأضرب عنقه لأنه ظن أنه فعله عن غير تأويل فإن قيل ~~قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما منع عمر من قتله لأنه شهد بدرا # وقال ما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد ~~غفرت لكم # فجعل العلة المانعة من قتله كونه من أهل بدر وقيل له ليس كما ظننت لأن ~~كونه من أهل بدر لا يمنع أن يكون كافرا مستحقا للنار إذا كفر وإنما معناه ~~ما يدريك لعل الله قد علم أن أهل بدر وإن أذنبوا لا يموتون إلا على التوبة ~~ومن علم الله منه وجود التوبة إذا أمهله فغير جائز أن يأمر بقتله أو يفعل ~~ما يقتطعه به عن التوبة فيجوز أن يكون مراده أن أهل بدر وإن أذنبوا فإن ~~مصيرهم إلى التوبة والإنابة وفي هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال ~~والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه ~~لأن الله نهى المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله وكذلك ~~قال أصحابنا أنه لو قال لرجل لأقتلن ولدك أو لتكفرن أنه لا يسعه إظهار ~~الكفر ومن الناس من يقول فيمن له على رجل مال فقال لا أقر لك حتى تحط عني ~~بعضه فحط عنه بعضه أنه لا يصح الحط عنه وجعل خوفه على ذهاب ماله بمنزلة ~~الإكراه على الحط وهو فيما أظن مذهب ابن أبي ليلى وما ذكرناه يدل على صحة ~~قولنا ويدل على أن الخوف على المال والأهل لا يبيح التقية أن الله فرض ~~الهجرة على المؤمنين ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأهلهم فقال قل إن ~~كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم الآية وقال قالوا كنا ~~مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها # وقوله تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه الآية ms2421 وقوله ~~والذين معه قيل فيه الأنبياء وقيل الذين آمنوا معه فأمر الله الناس بالتأسي ~~بهم في إظهار معاداة الكفار وقطع الموالاة بيننا وبينهم بقوله إنا برآؤا ~~منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا فهذا حكم قد تعبد المؤمنون به وقوله إلا قول إبراهيم لأبيه ~~يعني في أن لا يتأسوا به في الدعاء للأب الكافر وإنما فعل إبراهيم ذلك لأنه ~~أظهر له الإيمان ووعده إظهاره فأخبر الله تعالى أنه منافق فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه فأمر الله تعالى بالتأسي بإبراهيم في كل أموره إلا في ~~الاستغفار للأب الكافر # وقوله تعالى ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا قال قتادة يعني بإظهارهم ~~علينا فيروا أنهم على حق # PageV05P326 # وقال ابن عباس لا تسلطهم علينا فيفتنوننا. ### | باب صلة الرحم المشرك # قال الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين الآية # روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أم لها مشركة جاءتني أأصلها قال نعم صليها # قال أبو بكر وقوله أن تبروهم وتقسطوا إليهم # عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة إذ ليس هم من أهل قتالنا فيه ~~النهي عن الصدقة على أهل الحرب لقوله إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في ~~الدين وقد روي فيه غير ذلك حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم قال نسخها قوله فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الآية روى ~~الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال كان مما شرط سهيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح ~~الحديبية لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته علينا فرد ms2422 أبا جندل ~~على أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن ~~كان مسلما وجاء المؤمنات مهاجرات # وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يرجعها فأنزل الله فيهن إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات # الآية # قال عروة فأخبرتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن ~~بهذه الآية يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك قالت فمن أقر بهذا ~~الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايعتك كلاما يكلمها ~~به والله ما مست يده يد امرأة من أهل المبايعة # وروى عكرمة بن عمار عن أبي زميل عن عمر بن الخطاب قال لقد صالح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أهل مكة يوم الحديبية وجعل لهم أن من لحق بالكفار من ~~المسلمين لم يردوه ومن لحق بالمسلمين من الكفار يردونه # وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان في الصلح يوم الحديبية أن من ~~أسلم من أهل مكة فهو رد إليهم ونزلت سورة الممتحنة بعد الصلح فكان من أسلم ~~من نسائهم تسأل ما أخرجك فإن كانت خرجت هربا من زوجها ورغبة عنه ردت وإن ~~كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت وردت على زوجها ما أنفق قال أبو بكر لا ~~يخلو # PageV05P327 # الصلح من أن يكون كان خاصا في الرجال دون النساء على الوجه الذي ذكر من ~~رد من جاء منهم مسلما إليهم أو أن يكون وقع بديا عاما ثم نسخ عن النساء ~~وهذا أظهر الوجهين وذلك جائز عندنا وإن لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحدا من النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد التمكن من الفعل وإن لم يقع الفعل ~~وقوله يا أيها الذين آمنوا خطاب للمؤمنين والمراد به النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا هاجرن إليه لأنه هو الذي يتولى امتحانهن دون المؤمنين وقد أريد به ms2423 ~~سائر المؤمنين عند غيبة النبي صلى الله عليه وسلم عن حضرتهم وقوله تعالى ~~فإن علمتموهن مؤمنات المراد به العلم الظاهر لا حقيقة اليقين لأن ذلك لا ~~سبيل لنا إليه وهو مثل قول إخوة يوسف إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ~~يعنون يعنون العلم الظاهر لأنه لم يكن سرق في الحقيقة ألا ترى إلى قوله وما ~~كنا للغيب حافظين وإنما حكموا عليه بالسرقة من جهة الظاهر لما وجدوا الصواع ~~في رحله وهو مثل شهادة الشهود الذين ظاهرهم العدالة قد تعبدنا الله بالحكم ~~بها من طريق الظاهر وحمل شهادتهما على الصحة وكذلك قبول أخبار الآحاد عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الطريق وقد ألزمنا الله بهذه الآية قبول ~~قول من أظهر لنا الإيمان والحكم بصحة ما أخبر به عن نفسه فيما بيننا وبينه ~~وهذا أصل في تصديق كل من أخبر عما لا يطلع عليه غيره من حاله مثل المرأة ~~إذا أخبرت عن حيضها وطهرها وحبلها ومثل الرجل يقول لامرأته أنت طالق إذا ~~حضت أو قال إذا طهرت فيكون قولها مقبولا فيه وقال عطاء ابن أبي رباح وتلا ~~هذه الآية إذا جاءكم المؤمنات فقال عطاء ما علمنا إيمانهم إلا بما ظهر من ~~قولهن وقال قتادة امتحانهن ما خرجن إلا للدين والرغبة في الإسلام وحب الله ~~تعالى ورسوله. ### | باب وقوع الفرقة باختلاف الدارين # قال الله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن الآية قال أبو بكر في هذه الآية ضروب من الدلالة على وقوع ~~الفرقة باختلاف الدارين بين الزوجين واختلاف الدارين أن يكون أحد الزوجين ~~من أهل دار الحرب والآخر من أهل دار الإسلام وذلك لأن المهاجرة إلى دار ~~الإسلام قد صارت من أهل دار الإسلام وزوجها باق على كفره من أهل دار الحرب ~~فقد اختلفت بهما الداران وحكم الله بوقوع الفرقة بينهما بقوله فلا ترجعوهن ~~إلى الكفار # PageV05P328 # ولو كانت الزوجية باقية لكان الزوج أولى بها بأن تكون معه حيث أراد ms2424 ويدل ~~عليه أيضا قوله لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وقوله وآتوهم ما أنفقوا يدل ~~عليه أيضا لأنه أمر برد مهرها على الزوج ولو كانت الزوجية باقية لما استحق ~~الزوج رد المهر لأنه لا يجوز أن يستحق البضع وبدله ويدل عليه قوله ولا جناح ~~عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولو كان النكاح الأول باقيا لما جاز ~~لها أن تتزوج ويدل عليه قوله ولا تمسكوا بعصم الكوافر والعصمة المنع فنهانا ~~أن نمتنع من تزويجها لأجل زوجها الحربي واختلف أهل العلم في الحربية تخرج ~~إلينا مسلمة فقال أبو حنيفة في الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في ~~دار الحرب قد وقعت الفرقة فيما بينهم ولا عدة عليها وقال أبو يوسف ومحمد ~~عليها العدة وإن أسلم الزوج لم تحل له إلا بنكاح مستقبل وهو قول الثوري ~~وقال مالك والأوزاعي والليث والشافعي إن أسلم الزوج قبل أن تحيض ثلاث حيض ~~فقد وقعت الفرقة ولا فرق عند الشافعي بين دار الحرب وبين دار الإسلام لا ~~حكم للدار عنده # قال أبو بكر روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن علي قال إذا أسلمت اليهودية ~~والنصرانية قبل زوجها فهو أحق بها ماداموا في دار الهجرة # وروى الشيباني عن السفاح بن مطر عن داود بن كردوس قال كان رجل من بني ~~تغلب نصراني عنده امرأة من بني تميم نصرانية فأسلمت المرأة وأبى الزوج أن ~~يسلم ففرق عمر بينهما وروى ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد في النصراني تسلم ~~امرأته قالوا إن أسلم معها فهي امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما وروى قتادة ~~عن مجاهد قال إذا أسلم وهي في عدتها فهي امرأته وإن لم يسلم فرق بينهما ~~وروى حجاج عن عطاء مثله وعن الحسن وابن المسيب مثله وقال إبراهيم إن أبى أن ~~يسلم فرق بينهما وروى عباد بن العوام عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال إذا ~~أسلمت النصرانية قبل زوجها فهي أملك لنفسها قال أبو بكر حصل اختلاف السلف ~~في ذلك على ثلاثة ms2425 أنحاء # فقال علي رضي الله عنه هو أحق بها ماداموا في دار الهجرة # وهذا معناه عندنا إذا كانا في دار واحدة ومتى اختلفت بهما الدار فصار ~~أحدهما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام بانت وقال عمر رضي الله عنه إذا ~~أسلمت وأبى الزوج الإسلام فرق بينهما وهذا أيضا على أنهما في دار الإسلام ~~وقال آخرون ممن ذكرنا قوله هي امرأته مادامت في العدة فإذا انقضت العدة ~~وقعت الفرقة وقال ابن عباس تقع الفرقة بإسلامها واتفق فقهاء الأمصار على ~~أنها لا تبين # PageV05P329 # منه بإسلامها إذا كانا في دار واحدة واختلفوا في وقت وقوع الفرقة إذا ~~أسلمت ولم يسلم الزوج فقال أصحابنا إن كانا ذميين لم تقع الفرقة حتى يعرض ~~الإسلام عليه فإن أسلم وإلا فرق بينهما وهو معنى ما روي عن علي وعمر وقالوا ~~إن كانا حربيين في دار الحرب فأسلمت فهي امرأته ما لم تحض ثلاث حيض فإذا ~~حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم فرق بينهما ويجوز أن يكون من روي عنه من السلف ~~اعتبار الحيض إنما أرادوا به الحربيين في دار الحرب وقال أصحابنا إذا أسلم ~~أحد الحربيين وخرج إلينا أيهما كان وبقي الآخر في دار الحرب فقد وقعت ~~الفرقة باختلاف الدارين وقد ذكرنا وجوه دلائل الآية على صحة هذا القول ومن ~~الدليل على ذلك قوله والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال أبو سعيد ~~الخدري نزلت في سبايا أو طاس كان لهن أزواج في الشرك وأباحهن لهم بالسبي ~~وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم قال كل ذات زوج فإتيانها زنا إلا ما سبيت # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في السبايا لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل ~~حتى تستبرأ بحيضة # واتفق الفقهاء على جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج في ~~دار الحرب إذا لم يسب زوجها معها فلا يخلو وقوع الفرقة من أن يتعلق ~~بإسلامها أو باختلاف الدارين على الحد الذي ms2426 بينا أو بحدوث الملك عليها وقد ~~اتفق الجميع على أن إسلامها لا يوجب الفرقة في الحال وثبت أيضا أن حدوث ~~الملك لا يرفع النكاح بدلالة أن الأمة التي لها زوج إذا بيعت لم تقع الفرقة ~~وكذلك إذا مات رجل عن أمة لها زوج لم يكن انتقال الملك إلى الوارث رافعا ~~للنكاح فلم يبق وجه لإيقاع الفرقة إلا اختلاف الدارين فإن قيل اختلاف ~~الدارين لا يوجب الفرقة لأن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح ~~امرأته وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين زوجته وكذلك ~~لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الإسلام لم تقع الفرقة ~~فعلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيجاب الفرقة قيل له ليس معنى ~~اختلاف الدارين ما ذهبت إليه وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل دار ~~الإسلام إما بالإسلام أو بالذمة والآخر من أهل دار الحرب فيكون حربيا كافرا ~~فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيما في دار ~~الحرب والآخر في دار الإسلام فإن احتج المخالف لنا بما # روى يونس عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس # PageV05P330 # قال رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع ~~بالنكاح الأول بعد ست سنين # وقد كانت زينب هاجرت إلى المدينة وبقي زوجها بمكة مشركا ثم ردها عليه ~~بالنكاح الأول وهذا يدل على أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيقاع الفرقة ~~فيقال لا يصح الاحتجاج به للمخالف من وجوه أحدها أنه قال ردها بعد ست سنين ~~بالنكاح الأول لأنه لا خلاف بين الفقهاء أنها لا ترد إليه بالعقد الأول بعد ~~انقضاء ثلاث حيض ومعلوم أنه ليس في العادة أنها لا تحيض ثلاث في ست سنين ~~فسقط احتجاج المخالف به من هذا الوجه ووجه آخر وهو ما روى خالد عن عكرمة عن ~~ابن عباس في اليهودية تسلم قبل زوجها أنها أملك لنفسها فكان ms2427 من مذهبه أن ~~الفرقة قد وقعت بإسلامها وغير جائز أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~قد رواه عنه والوجه الثالث # أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ردا ~~بنته زينب على بن العاص بنكاح ثان # فهذا يعارض حديث داود بن الحصين وهو مع ذلك أولى لأن حديث ابن عباس إن صح ~~فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعد ما أسلم ولم يعلم حدوث عقد ثان وفي ~~حديث عمرو بن شعيب الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه فهو أولى لأن الأول ~~إخبار عن ظاهر الحال والثاني إخبار عن معنى حادث قد علمه وهذا مثل ما نقوله ~~في رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم وحديث ~~يزيد بن الأصم أنه تزوجها وهو حلال فقلنا حديث ابن عباس أولى لأنه أخبر عن ~~حال حادثة وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول وحديث زوج بريرة أنه كان حرا ~~حين أعتقت ورواية من روى أنه كان عبدا فكان الأول أولى لإخباره عن حال ~~حادثة علمها وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول ولم يعلم حدوث حال أخرى. # (فصل) وإنما قال أبو حنيفة في المهاجرة أنه لا عدة عليها من الزوج الحربي ~~لقوله تعالى ولا جناح عليكم أن تنكحوهن فأباح نكاحها من غير ذكر عدة وقال ~~في نسق التلاوة ولا تمسكوا بعصم الكوافر والعصمة المنع فحظر الامتناع من ~~نكاحها لأجل زوجها الحربي والكوافر يجوز أن يتناول الرجال وظاهره في هذا ~~الموضع الرجال لأنه في ذكر المهاجرات وأيضا أباح النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطء المسبية بعد الاستبراء ليس بعدة لأن # النبي صلى الله عليه وسلم قال عدة الأمة حيضتان # والمعنى فيها وقوع الفرقة باختلاف الدارين وقوله تعالى وسئلوا ما أنفقتم ~~وليسئلوا ما أنفقوا قال معمر عن الزهري يعني رد الصداق واسئلوا أهل # PageV05P331 # الحرب مهر المرأة المسلمة إذا صارت إليهم وليسئلوهم أيضا مهر من صارت ~~إلينا مسلمة منهم وقال الزهري فأما ms2428 المؤمنون فأقروا بحكم الله وأما ~~المشركون فأبوا أن يقروا فأنزل الله وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فأمر المسلمون أن يردوا ~~الصداق إذا ذهبت امرأة من المسلمين ولها زوج مسلم أن يرد إليه المسلمون ~~صداق امرأته إن كان في أيديهم مما يردون وأن يردوا إلى المشركين وروى خصيف ~~عن مجاهد في قوله تعالى وسئلوا ما أنفقتم من الغنيمة أن يعوض منها وروى ~~زكريا ابن أبي زائدة عن الشعبي قال كانت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ممن ~~ذكر الله في القرآن وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا خرجت إلى المؤمنين ~~وروى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~قال ليس بينكم وبينهم عهد فعاقبتم وأصبتم غنيمة فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل ما أنفقوا قالوا عوضوا زوجها مثل الذي ذهب منه وروى سعيد عن قتادة مثله ~~وزاد يعطى من جميع الغنيمة ثم يقسمون غنيمتهم وقال ابن إسحاق عن الزهري قال ~~إن فات أحدكم أهله إلى الكفار ولم يأت من الكفار من تأخذون منه مثل ما أخذ ~~منكم فعوضوهم من فيء إن أصبتموه وجائز أن تكون هذه الرواية عن الزهري غير ~~مخالفة لما قدمنا من أنهم يعوضون من صداق إن وجب عليهم رده إلى الكفار وأنه ~~إنما يجب رده من صداق وجب للكفار إذا كان هناك صداق قد وجب رده عليهم وإذا ~~لم يكن صداق رد عليهم من الغنيمة وهذه الأحكام في رد المهر وأخذه من الكفار ~~تعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب منسوخ عند ~~جماعة أهل العلم غير ثابت الحكم إلا شيئا روي عن عطاء فإن عبد الرزاق روى ~~عن ابن جريج قال قلت لعطاء أرأيت لو أن امرأة من أهل الشرك جاءت المسلمين ~~فأسلمت أيعوض زوجها منها شيئا لقوله تعالى في الممتحنة وآتوهم ما أنفقوا ~~قال إنما كان ذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل عهد ms2429 قلت فجاءت ~~امرأة الآن من أهل عهد قال نعم يعاض فهذا مذهب عطاء في ذلك وهو خلاف ~~الإجماع فإن قيل ليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخ هذه الأحكام فمن ~~أين وجب نسخها قيل له يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم # وبقول # PageV05P332 # النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وقوله تعالى ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن قال ابن عباس ~~لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وقيل إنه قد دخل فيه قذف أهل الإحصان والكذب ~~على الناس وقذفهم بالباطل وما ليس فيهم وسائر ضروب الكذب وظاهر الآية يقتضي ~~جميع ذلك وقوله تعالى ولا يعصينك في معروف # روى معمر عن ثابت عن أنس قال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم على النساء ~~حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول الله إن نساء أسعدننا في الجاهلية ~~فنساعدهن في الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إسعاد في الإسلام ~~ولا شغار في الإسلام ولا جلب في الإسلام ولا جنب في الإسلام ومن انتهب فليس ~~منا # وروي عن شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعصينك ~~في معروف قال النوح # وروى هشام عن حفصة عن أم عطية قالت أخذ علينا في البيعة أن لا ننوح وهو ~~قوله تعالى ولا يعصينك في معروف # وروى عطاء عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نهيت عن صوتين أحمقين ~~صوت لعب ولهو ومزامير شيطان عند نغمة وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ~~ورنة شيطان # قال أبو بكر هو عموم في جميع طاعة الله لأنها كلها معروف وترك النوح أحد ~~ما أريد بالآية وقد علم الله أن نبيه لا يأمر إلا بمعروف إلا أنه شرط في ~~النهي عن عصيانه إذا أمرهن بالمعروف لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين إذا ~~لم تكن طاعة الله تعالى إذ كان الله ms2430 تعالى قد شرط في طاعة أفضل البشر فعل ~~المعروف وهو في معنى # قوله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق # وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أطاع مخلوقا في معصية الخالق سلط الله ~~عليه ذلك المخلوق وفي لفظ آخر عاد حامده من الناس ذاما # وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة في قوله تعالى يا أيها ~~النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك لأن بيعة من أسلم كان مخصوصا بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعم المؤمنين بذكر الممتحنة في قوله تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات لأنه لم يكن يختص بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم دون غيره ألا ترى أنا نمتحن المهاجرة الآن والله أعلم ~~بالصواب آخر سورة الممتحنة. ### | سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند ~~الله أن # PageV05P333 # تقولوا ما لا تفعلون # قال أبو بكر يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة وأوجب على نفسه ~~عقدا لزمه الوفاء به إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ~~ذم الله فاعل ذلك وهذا فيما لم يكن معصية فأما المعصية فإن إيجابها في ~~القول لا يلزمه الوفاء بها # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين # وإنما يلزم ذلك فيما عقده على نفسه مما يتقرب به إلى الله عز وجل مثل ~~النذور وفي حقوق الآدميين العقود التي يتعاقدونها وكذلك الوعد بفعل يفعله ~~في المستقبل وهو مباح فإن الأولى الوفاء به مع الإمكان فأما قول القائل إني ~~سأفعل كذا فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله تعالى وأن يكون في ~~عقد ضميره الوفاء به ولا جائز له أن يعدوا في ضميره أن لا يفي به لأن ذلك ~~هو المحظور الذي نهى الله عنه ومقت فاعله عليه وإن كان في عقد ضميره الوفاء ~~به ولم يقرنه بالاستثناء ms2431 فإن ذلك مكروه لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به ~~أم لا فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف الوعد فيه وهو يدل ~~على أن من قال إن فعلت كذا فأنا أحج أو أهدي أو أصوم فإن ذلك بمنزلة ~~الإيجاب بالنذر لأن ترك فعله يؤديه إلى أن يكون قائلا ما لم يفعل وروي عن ~~ابن عباس ومجاهد أنها نزلت في قوم قالوا لو علمنا أحب الأعمال إلى الله ~~تعالى لسارعنا إليه فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه وقال قتادة نزلت في ~~قوم كانوا يقولون جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا وقال الحسن نزلت في المنافقين ~~وسماهم بالإيمان لإظهارهم له وقوله تعالى ليظهره على الدين كله من دلائل ~~النبوة لأنه أخبر بذلك والمسلمون في ضعف وقلة وحال خوف مستذلون مقهورون ~~فكان مخبره على ما أخبر به لأن الأديان التي كانت في ذلك الزمان اليهودية ~~والنصرانية والمجوسية والصابئة وعباد الأصنام من السند وغيرهم فلم تبق من ~~أهل هذه الأديان أمة إلا وقد ظهر عليهم المسلمون فقهروهم وغلبوهم على جميع ~~بلادهم أو بعضها وشردوهم إلى أقاصي بلادهم فهذا هو مصداق هذه الآية التي ~~وعد الله تعالى رسوله فيها إظهاره على جميع الأديان وقد علمنا أن الغيب لا ~~يعلمه إلا الله عز وجل ولا يوحي به إلا إلى رسله فهذه دلالة واضحة على صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم # فإن قيل كيف يكون ذلك إظهارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على جميع ~~الأديان وإنما حدث بعد موته قيل له إنما وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يظهر دينه على سائر الأديان لأنه قال هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله يعنى دين # PageV05P334 # الحق وعلى أنه لو أراد رسوله لكان مستقيما لأنه إذا أظهر دينه ومن آمن به ~~على سائر الأديان فجائز أن يقال قد أظهر نبيه صلى الله عليه وسلم كما أن ~~جيشا لو فتحوا بلدا عنوة جاز أن يقال إن الخليفة فتحه وإن ms2432 لم يشهد القتال ~~إذ كان بأمره وتجهيزه للجيش فعلوا # وقوله تعالى هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم- إلى قوله- وفتح ~~قريب وهذا أيضا من دلائل النبوة لوعده من أمر بالنصر والفتح وقد وجد ذلك ~~لمن آمن منهم والله الموفق آخر سورة الصف. ### | سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم قيل إنما سموا أميين ~~لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة وأراد الأكثر الأعم وإن كان فيهم ~~القليل ممن يكتب ويقرأ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا وهكذا وأشار بأصابعه وقال إنا ~~نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب # وقال تعالى رسولا منهم لأنه كان أميا وقال تعالى الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي وقيل إنما سمي من لا يكتب أميا لأنه نسب إلى حال ولادته من ~~الأم لأن الكتابة إنما تكون بالاستفادة والتعلم دون الحال التي يجري عليها ~~المولود وأما وجه الحكمة في جعل النبوة في أمى إنه ليوافق ما تقدمت به ~~البشارة في كتب الأنبياء السالفة ولأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى ~~به من الحكمة بالكتابة فهذان وجهان من الدلالة في كونه أميا على صحة النبوة ~~ومع أن حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم وذلك إلى مساواته لو كان ذلك ~~ممكنا فيه فدل عجزهم عما أتى به على مساواته لهم في هذا الوجه على أنه من ~~قبل الله عز وجل # وقوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها الآية وروى أنه أراد ~~اليهود الذين أمروا بتعلم التوراة والعمل بها فتعلموها ثم لم يعملوا بها ~~فشبههم الله بالحمار الذي يحمل الكتب وهي الأسفار إذ لم ينتفعوا بما حملوه ~~كما لا ينتفع الحمار بالكتب التي حملها وهو نحو قوله إن هم إلا كالأنعام بل ~~هم أضل سبيلا وقوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها- إلى ~~قوله- كمثل الكلب # وقوله تعالى قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون ~~الناس- # إلى قوله- والله عليم بالظالمين روي ms2433 أن اليهود زعموا أنهم أولياء لله من ~~دون الناس فأنزل الله هذه الآية # PageV05P335 # وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إن تمنوه ماتوا فقامت الحجة عليهم ~~بها من وجهين أحدهما أنهم لو كانوا صادقين فيما ادعوه من المنزلة عند الله ~~لتمنوا الموت لأن دخول الجنة مع الموت خير من البقاء في الدنيا والثاني أنه ~~أخبر أنهم لا يتمنونه فوجد مخبره على ما أخبر به فهذا واضح من دلائل النبوة # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله الآية قال أبو بكر يفعل في يوم الجمعة جماعة صلوات كما يفعل ~~في سائر الأفعال ولم يبين في الآية أنها هي واتفق المسلمون على أن المراد ~~الصلاة التي إذا فعلها مع الإمام جمعة لم يلزمه فعل الظهر معها وهي ركعتان ~~بعد الزوال على شرائط الجمعة واتفق الجميع أيضا على أن المراد بهذا النداء ~~هو الأذان ولم يبين في الآية كيفيته وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~حديث عبد الله بن زائد الذي رأى في المنام الأذان ورآه عمر أيضا كما رآه ~~ابن زيد وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة وذكر فيه الترجيع وقد ~~ذكرنا ذلك عند قوله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة وروي عن ابن عمر والحسن ~~في قوله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة قال إذا خرج الإمام وأذن المؤذن فقد ~~نودي للصلاة وروى الزهري عن السائب بن زيد قال ما كان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا مؤذن واحد يؤذن إذا قعد على المنبر ثم يقيم إذا نزل ثم أبو ~~بكر كذلك ثم عمر كذلك فلما كان عثمان وفشا الناس وكثروا زاد النداء الثالث ~~وقد روي عن جماعة من السلف إنكار الأذان الأول قبل خروج الإمام روى وكيع ~~قال حدثنا هشام بن الغار قال سألت نافعا عن الأذان الأول يوم الجمعة قال ~~قال ابن عمر بدعة وكل بدعة ضلالة وإن رآه الناس حسنا وروى منصور عن الحسن ~~قال النداء ms2434 يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام والذي قبل محدث وروى عبد ~~الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال إنما كان أذان يوم الجمعة فيما مضى واحدا ~~ثم الإقامة وأما الأذان الأول الذي يؤذن به الآن قبل خروج الإمام وجلوسه ~~على المنبر فهو باطل أول من أحدثه الحجاج وأما أصحابنا فإنهم إنما ذكروا ~~أذانا واحدا إذا قعد الإمام على المنبر فإذا نزل أقام على ما كان في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأما وقت ~~الجمعة فإنه بعد الزوال # وروى أنس وجابر وسهل بن سعد وسلمة بن الأكوع أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس # وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال صلى بنا عبد الله بن ~~مسعود وأصحابه الجمعة ضحى ثم قال إنما فعلت ذلك مخافة الحر عليكم # PageV05P336 # وروي عن عمر وعلي أنهما رضي الله عنهما صلياها بعد الزوال # ولما قال عبد الله إني قدمت مخافة الحر عليكم علمنا أنه فعلها على غير ~~الوجه المعتاد المتعارف بينهم ومعلوم أن فعل الفروض قبل أوقاتها لا يجوز ~~لحر ولا لبرد إذا لم يوجد أسبابها ويحتمل أن يكون فعلها في أول وقت الظهر ~~الذي هو أقرب أوقات الظهر إلى الضحى فسماه الراوي ضحى لقربه منه كما # قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر تعالى إلى الغداء المبارك فسماه ~~غداء لقربه من الغداء # وكما # قال حذيفة تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نهارا # والمعنى قريب من النهار ولما اختلف الفقهاء في الذي يلزم من الفرض بدخول ~~الوقت فقال قائلون فرض الوقت الجمعة والظهر بدل منها وقال آخرون فرض الوقت ~~الظهر والجمعة بدل منه استحال أن يفعل البدل إلا في وقت يصح فيه فعل المبدل ~~عنه وهو الظهر ولما ثبت أن وقتها بعد الزوال ثبت أن وقت النداء لها بعد ~~الزوال كسائر الصلوات وقوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله قرأ عمر وابن مسعود ms2435 ~~وأبي وابن الزبير فامضوا إلى ذكر الله قال عبد الله لو قرأت فاسعوا لسعيت ~~حتى يسقط ردائي قال أبو بكر يجوز أن يكون أراد التفسير لا نص القراءة كما ~~قال ابن مسعود للأعجمى الذي كان يلقنه إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فكان ~~يقول طعام اليتيم فلما أعياه قال له طعام الفاجر وإنما أراد إفهامه المعنى ~~وقال الحسن ليس يريد به العدو وإنما السعى بقلبك ونينك وقال عطاء السعي ~~الذهاب وقال عكرمة السعي العمل قال أبو عبيدة فاسعوا أجيبوا وليس من العدو ~~قال أبو بكر الأولى أن يكون المراد بالسعي هاهنا إخلاص النية والعمل وقد ~~ذكر الله السعي في مواضع من كتابه ولم يكن مراده سرعة المشي منها قوله ومن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها وإذا تولى سعى في الأرض وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى وإنما أراد العمل # وروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ولكن ائتوها وعليكم ~~السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا # ولم يفرق بين الجمعة وغيرها واتفق فقهاء الأمصار على أنه يمشى إلى الجمعة ~~على هينته. # (فصل) واتفق فقهاء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع لا يجوز فعلها في ~~غيره لأنهم مجمعون على أن الجمعة لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب فقال ~~أصحابنا هي مخصوصة بالأمصار ولا تصح في السواد وهو قول الثوري وعبيد الله ~~بن الحسن «22- أحكام مس» # PageV05P337 # وقال مالك تصح الجمعة في كل قرية فيها بيوت متصلة وأسواق متصلة يقدمون ~~رجلا يخطب ويصلي بهم الجمعة إن لم يكن لهم إمام وقال الأوزاعي لا جمعة إلا ~~في مسجد جماعة مع الإمام وقال الشافعي إذا كانت قرية مجتمعة البناء ~~والمنازل وكان أهلها لا يظعنون عنها إلا ظعن حاجة وهم أربعون رجلا حرا ~~بالغا غير مغلوب على عقله وجبت عليهم الجمعة # قال أبو بكر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا جمعة ولا تشريق ~~إلا ms2436 في مصر جامع # وروي عن علي مثله وأيضا لو كانت الجمعة جائزة في القرى لورد النقل به ~~متواترا كوروده في فعلها في الأمصار لعموم الحاجة إليه وأيضا لما اتفقوا ~~على امتناع جوازها في البوادي لأنها ليست بمصر وجب مثله في السواد وروي أنه ~~قيل للحسن إن الحجاج أقام الجمعة بالأهواز فقال لعن الله الحجاج يترك ~~الجمعة في الأمصار ويقيمها في حلاقيم البلاد فإن قيل روي عن ابن عمر أن ~~الجمعة تجب على من آواه الليل وأن أنس بن مالك كان بالطف فربما جمع وربما ~~لم يجمع وقيل من الطف إلى البصرة أقل من أربع فراسخ وأقل من مسيرة نصف يوم ~~قيل له إنما هذا كلام فيما حكمه حكم المصر فرأى ابن عمر أن ما قرب من المصر ~~فحكمه حكمه وتجب على أهله الجمعة وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يرون الجمعة ~~إلا في الأمصار أو ما حكمه حكم الأمصار # والجمعة ركعتان نقلتها الأمة عن النبي صلى الله عليه وسلم # قولا وعملا وقال عمر صلاة السفر ركعتان وصلاة الفجر ركعتان وصلاة الجمعة ~~ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وإنما قصرت الجمعة ~~لأجل الخطبة. ### | باب وجوب خطبة الجمعة # قال الله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فاقتضى ذلك وجوب السعي ~~إلى الذكر ودل على أن هناك ذكرا واجبا يجب السعي إليه وقال ابن المسيب ~~فاسعوا إلى ذكر الله موعظة الإمام وقال عمر في الحديث الذي قدمنا إنما قصرت ~~الجمعة لأجل الخطبة # وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون ~~الناس الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة # فالمهجر إلى الجمعة كالذي يهدي بدنة ثم الذي يليه كالمهدي بقرة ثم الذي ~~يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي دجاجة ثم الذي يليه كالمهدي بيضة ~~ويدل على أن المراد بالذكر هاهنا هو الخطبة أن الخطبة ms2437 هي التي # PageV05P338 # تلي النداء وقد أمر بالسعي إليه فدل على أن المراد الخطبة وقد روي عن ~~جماعة من السلف أنه إذا لم يخطب صلى أربعا منهم الحسن وابن سيرين وطاوس ~~وابن جبير وغيرهم وهو قول فقهاء الأمصار واختلف أهل العلم فيمن لم يدرك ~~الخطبة وأدرك الصلاة أو بعضها فروي عن عطاء بن أبي رباح في الرجل تفوته ~~الخطبة يوم الجمعة أنه يصلي الظهر أربعا وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد وعطاء وطاوس قالوا من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة صلى أربعا وقال ابن ~~عون ذكر لمحمد بن سيرين قول أهل مكة إذا لم يدرك الخطبة يوم الجمعة صلى ~~أربعا قال ليس هذا بشيء قال أبو بكر ولا خلاف بين فقهاء الأمصار والسلف ما ~~خلا عطاء ومن ذكرنا قوله أن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف إليها أخرى ولم ~~يخالفهم عطاء وغيره أنه لو شهد الخطبة فذهب يتوضأ ثم جاء فأدرك مع الإمام ~~ركعة أنه يصلي ركعتين فلما لم يمنعه فوات الركعة من فعل الجمعة كانت الخطبة ~~أولى وأحرى بذلك وروى الأوزاعي عن عطاء أن من أدرك ركعة من الجمعة أضاف ~~إليها ثلاثا وهذا يدل على أنه فاتته الخطبة وركعة منها وروي عن عبد الله بن ~~مسعود وابن عمر وأنس والحسن وابن المسيب والنخعي والشعبي إذا أدرك ركعة من ~~الجمعة أضاف إليها أخرى # وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى ومن فاتته الركعتان يصلي ~~أربعا # واختلف السلف وفقهاء الأمصار فيمن أدرك الإمام في التشهد فروى أبو وائل ~~عن عبد الله بن مسعود قال من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة وروى ابن جريج عن ~~عبد الكريم عن معاذ بن جبل قال إذا دخل في صلاة الجمعة قبل التسليم وهو ~~جالس فقد أدرك الجمعة وروي عن الحسن وإبراهيم والشعبي قالوا من لم يدرك ~~الركوع يوم الجمعة صلى أربعا وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إذا ms2438 أدركهم في ~~التشهد صلى ركعتين وقال زفر ومحمد يصلي أربعا وذكر الطحاوي عن ابن أبي ~~عمران عن محمد بن سماعة عن محمد أنه قال يصلي أربعا يقعد في الثنتين ~~الأوليين قدر التشهد فإن لم يقعد قدر التشهد أمرته أن يصلي الظهر أربعا ~~وقال مالك والثوري والحسن بن صالح والشافعي يصلي أربعا إلا أن مالكا قال ~~إذا قام يكبر تكبيرة أخرى وقال الثوري إذا أدرك الإمام جالسا لم يسلم صلى ~~أربعا ينوي الظهر وأحب إلي أن يستفتح الصلاة وقال عبد العزيز بن أبي سلمة ~~إذا أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد قعد بغير تكبير فإذا سلم الإمام قام ~~فكبر ودخل في الصلاة نفسه # PageV05P339 # وإن قعد مع الإمام بتكبير سلم إذا فرغ الإمام ثم قام فكبر للظهر وقال ~~الليث إذا أدرك ركعة مع الإمام يوم الجمعة وعنده أن الإمام قد خطب فإنما ~~يصل إليها ركعة أخرى ثم يسلم فإن أخبره الناس أن الإمام لم يخطب وأنه صلى ~~أربعا صلى ركعتين وسجد سجدتي السهو # قال أبو بكر لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما أدركتم فصلوا وما فاتكم ~~فاقضوا # وجب على مدرك الإمام في تشهد الجمعة اتباعه فيه والقعود معه ولما كان ~~مدركا لهذا الجزء من الصلاة وجب عليه قضاء الفائت منها بظاهر # قوله صلى الله عليه وسلم وما فاتكم فاقضوا # والفائت منها هي الجمعة فوجب أن يقضي ركعتين وأيضا لما كان مدرك المقيم ~~في التشهد لزمه الإتمام إذا كان مسافرا وكان بمنزلة مدركه في التحريمة وجب ~~مثله في الجمعة إذ الدخول في كل واحدة من الصلاتين بغير الفرض فإن قيل # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أدرك ركعة من الجمعة فليصل ~~إليها أخرى وفي بعض الأخبار وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا # قيل له أصل الحديث من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فقال الزهري وهو راوي ~~الحديث ما أرى الجمعة إلا من الصلاة فذكر الجمعة إنما هو من كلام الزهري ~~والحديث إنما يدور على الزهري مرة يرويه ms2439 عن سعيد بن المسيب ومرة عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة وقد قال حين روى الحديث في صلاة مطلقة أرى الجمعة من ~~الصلاة فلو كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم نص في الجمعة لما قال ما ~~أرى الجمعة إلا من الصلاة وعلى أن # قوله من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك # لا دلالة فيه أنه إذا لم يدرك ركعة صلى أربعا كذلك # قوله من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى # وأما ما روي وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا فإنه لم يثبت أنه من كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجائز أن يكون من كلام بعض الرواة أدرجه في الحديث ولو ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه وإن أدركهم جلوسا وقد سلم الإمام ~~ولم يختلف الفقهاء أن وجوب الجمعة مخصوص بالأحرار البالغين المقيمين دون ~~النساء والعبيد والمسافرين والعاجزين # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربعة لا جمعة عليهم العبد ~~والمرأة والمريض والمسافر # وأما الأعمى فإن أبا حنيفة قال لا جمعة عليه وجعله بمنزلة المقيمين دون ~~النساء والعبيد والمسافرين والعاجزين # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أربعة لا جمعة عليهم العبد ~~والمرأة والمريض والمسافر # وأما الأعمى فإن أبا حنيفة قال لا جمعة عليه وجعله بمنزلة المقعد لأنه لا ~~يقدر على الحضور بنفسه إلا بغيره وقال أبو يوسف ومحمد عليه الجمعة وفرقا ~~بينه وبين المقعد لأن الأعمى بمنزلة من لا يهتدي الطريق فإذا هدي سعى بنفسه ~~والمقعد لا يمكنه السعي بنفسه ويحتاج إلى من يحمله وفرق أبو حنيفة بين ~~الأعمى وبين من لا يعرف الطريق لأن الذي لا يعرف وهو بصير إذا أرشد اهتدى ~~بنفسه والأعمى لا يهتدي بنفسه ولا يعرفه # PageV05P340 # بالإرشاد والدلالة ويحتج لأبي يوسف ومحمد # بحديث أبي رزين عن أبي هريرة أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال إني ضرير شاسع الدار وليس لي قائد يلازمني أفلي رخصة أن لا ~~آتي المسجد فقال ms2440 رسول الله صلى الله عليه وسلم لا # وفي خبر حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن ابن أم مكتوم نحوه ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتسمع الإقامة قال نعم قال فأتها # واختلفوا في عدد من تصح به الجمعة من المأمومين أبو حنيفة وزفر ومحمد ~~والليث ثلاثة سوى الإمام وروي عن أبي يوسف اثنان سوى الإمام وبه قال الثوري ~~وقال الحسن بن صالح إن لم يحضر الإمام إلا رجل واحد فخطب عليه وصلى به ~~أجزأهما وأما مالك فلم يجد فيه شيئا واعتبر الشافعي أربعين رجلا # قال أبو بكر روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة ~~فقدم عير فنفر الناس إليه وبقي معه اثنا عشر رجلا فأنزل الله تعالى وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الجمعة منذ قدم المدينة ولم ~~يذكر رجوع القوم فوجب أن يكون قد صلى باثني عشر رجلا ونقل أهل السير أن أول ~~جمعة كانت بالمدينة صلاها مصعب بن عمير بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~باثني عشر رجلا وذلك قبل الهجرة فبطل بذلك اعتبار الأربعين وأيضا الثلاثة ~~جمع صحيح فهي كالأربعين لاتفاقهما في كونهما جمعا صحيحا وما دون الثلاثة ~~مختلف في كونه جمعا صحيحا فوجب الاقتصار على الثلاثة وإسقاط اعتبار ما زاد ~~وقوله تعالى وذروا البيع قال أبو بكر اختلف السلف في وقت النهي عن البيع ~~فروي عن مسروق والضحاك ومسلم بن يسار أن البيع يحرم بزوال الشمس وقال مجاهد ~~والزهري يحرم بالنداء وقد قيل إن اعتبار الوقت في ذلك أولى إذ كان عليهم ~~الحضور عند دخول الوقت فلا يسقط ذلك عنهم تأخير النداء ولما لم يكن للنداء ~~قبل الزوال معنى دل ذلك على أن النداء الذي بعد الزوال إنما هو بعد ما قد ~~وجب إتيان الصلاة واختلفوا في جواز البيع عند نداء الصلاة فقال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف وزفر ومحمد والشافعي البيع يقع مع النهي وقال مالك البيع ms2441 باطل ~~قال أبو بكر قال الله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون ~~تجارة عن تراض منكم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه # وظاهره يقتضي وقوع الملك للمشتري في سائر الأوقات لوقوعه عن تراض فإن قيل ~~قال الله تعالى وذروا البيع قيل له نستعملهما فنقول يقع محظورا عليه عقد ~~البيع في ذلك الوقت لقوله وذروا البيع ويقع الملك بحكم # PageV05P341 # الآية الأخرى والخبر الذي رويناه وأيضا لما لم يتعلق النهي بمعنى في نفس ~~العقد وإنما تعلق بمعنى في غيره وهو الاشتغال عن الصلاة وجب أن لا يمنع ~~وقوعه وصحته كالبيع في آخر وقت صلاة يخاف فوتها إن اشتغل به وهو منهي عنه ~~ولا يمنع ذلك صحته لأن النهي تعلق باشتغاله عن الصلاة وأيضا هو مثل تلقي ~~الجلب وبيع حاضر لباد والبيع في الأرض المغصوبة ونحوها كونه منهيا عنه لا ~~يمنع وقوعه # وقد روى عبد العزيز الدرا وروى عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن ~~بن ثوبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم من ~~يبيع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في ~~المسجد فقولوا لارد الله عليك # وروى محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى أن يباع في المسجد وأن يشترى فيه وأن تنشد فيه ضالة أو ~~تنشد فيه الأشعار ونهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة # وروى عبد الرزاق قال حدثنا محمد بن مسلم عن عبد ربه بن عبيد الله عن ~~مكحول عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبوا مساجدكم ~~مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وبيعكم وشراكم وإقامة حدودكم ~~وخصومتكم وجمروها يوم جمعكم واجعلوا مطاهركم على أبوابها # فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع في المسجد ولو باع فيه جاز لأن ~~النهي تعلق بمعنى في ms2442 غير العقد. ### | باب السفر يوم الجمعة # قال أصحابنا لا بأس به قبل الزوال وبعده إذا كان يخرج من مصره قبل خروج ~~وقت الظهر حكاه محمد في السير بلا خلاف وقال مالك لا أحب له أن يخرج بعد ~~طلوع الفجر وليس بحرام وبعد الزوال لا ينبغي أن يسافر حتى يصلي الجمعة وكان ~~الأوزاعي والليث والشافعي يكرهون السفر يوم الجمعة حتى يصلي # وروى حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن ~~عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه ابن رواحة وجعفرا وزيد بن حارثة ~~فتخلف ابن رواحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلفك قال الجمعة يا ~~رسول الله أجمع ثم أروح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغدوة في سبيل ~~الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها قال فراح منطلقا # وروى سفيان الثوري عن الأسود بن قيس عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال لا ~~تحبس الجمعة عن سفر ولا نعرف أحدا من الصحابة خالفه وروى يحيى بن سعيد عن ~~نافع أن ابنا لعبد الله بن عمر كان بالعقيق على رأس أميال من المدينة # PageV05P342 # فأتى ابن عمر غداة الجمعة فأخبر بشكواه فانطلق إليه وترك الجمعة وقال ~~عبيد الله بن عمر خرج سالم من مكة يوم الجمعة وروي عن عطاء والقاسم بن محمد ~~أنهما كرها أن يخرج يوم الجمعة في صدر النهار وعن الحسن وابن سيرين قالا لا ~~بأس بالسفر يوم الجمعة ما لم تحضر الجمعة وروى إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر ~~عن النخعي قال إذا أراد الرجل السفر يوم الخميس فليسافر غدوة إلى أن يرتفع ~~النهار فإن أقام إلى العشي فلا يخرج حتى يصلي الجمعة وروي عن عطاء عن عائشة ~~قالت إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تجمع فهذا مذهب عائشة وإبراهيم ~~قال الله تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها فأباح السفر ~~في سائر الأوقات ولم يخصصه بوقت دون وقت فإن قيل هذا ms2443 واضح في ليلة الجمعة ~~ويوم الجمعة قبل الزوال وإباحة السفر فيهما والواجب أن يكون منهيا عنه بعد ~~الزوال لأنه قد صار من أهل الخطاب بحضورها لقوله تعالى إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع قيل له لا خلاف أن الخطاب بذلك ~~لم يتوجه إلى المسافرين وفرض الصلاة عندنا يتعلق بآخر الوقت فإذا خرج وصار ~~مسافرا في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن من أهل الخطاب بفعل الجمعة وقوله ~~تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله قال الحسن ~~والضحاك هو إذن ورخصة قال أبو بكر لما ذكر بعد الحظر كان الظاهر أنه إباحة ~~وإطلاق من حظر كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا وقيل وابتغوا من فضل الله ~~بعمل الطاعة والدعاء لله وقيل وابتغوا من فضل الله بالتصرف في التجارة ~~ونحوها وهو إباحة أيضا وهو أظهر الوجهين لأنه قد حظر البيع في صدر الآية ~~كما أمر بالسعي إلى الجمعة قال أبو بكر ظاهر قوله وابتغوا من فضل الله ~~إباحة للبيع الذي حظر بديا وقال الله تعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون ~~من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فكان المعنى يبتغون من فضل الله ~~بالتجارة والتصرف ويدل على أنه إنما أراد ذلك أنه قد عقبه بذكر الله فقال ~~واذكروا الله كثيرا وفي هذه الآية دلالة على إباحة السفر بعد صلاة الجمعة ~~لأنه قال فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله # وقوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها روي عن جابر بن عبد ~~الله والحسن قالا؟؟؟ رأوا عير طعام قدمت المدينة وقد أصابتهم مجاعة وقال ~~جابر اللهو المزامير وقال مجاهد الطبل قل ما عند الله من الثواب على سماع ~~الخطبة وحضور الموعظة خير من اللهو ومن التجارة # PageV05P343 # قوله تعالى وتركوك قائما يدل على أن الخطبة قائما روى الأعمش عن إبراهيم ~~أن رجلا سأل علقمة أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا فقال ~~ألست تقرأ القرآن وتركوك قائما وروى حصين ms2444 عن سالم عن جابر قال قدمت عير من ~~الشام يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فانصرف الناس ينظرون ~~وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر رجلا فنزلت الآية وتركوك ~~قائما وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يخطب فجاءت عير فخرج الناس إليها حتى بقي اثنى عشر رجلا فنزلت هذه الآية ~~قال أبو بكر اختلف ابن فضيل وابن إدريس في الحديث الأول عن حصين فذكر ابن ~~فضيل أنه قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ابن إدريس أنه قال ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ويحتمل أن يريد بقوله نصلي أنهم قد ~~حضروا للصلاة منتظرين لها لأن من ينتظر الصلاة فهو في الصلاة وحدثنا عبد ~~الله بن محمد قال حدثنا الحسن قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن ~~الحسن في قوله تعالى انفضوا إليها وتركوك قائما قال إن أهل المدينة أصابهم ~~جوع وغلاء سعر فقدمت عير والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فسمعوا ~~بها فخرجوا إليها والنبي صلى الله عليه وسلم قائم كما هو قال الله تعالى ~~وتركوك قائما # قال النبي صلى الله عليه وسلم لو اتبع آخرهم أولهم لا لتهب الوادي عليهم ~~نارا # آخر سورة الجمعة. ### | سورة المنافقين # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله- إلى قوله- ~~اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله قال أبو بكر هذا يدل على أن قوله ~~أشهد يمين لأن القوم قالوا نشهد فجعله الله يمينا بقوله اتخذوا أيمانهم جنة ~~وقد اختلف الفقهاء في ذلك فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي أشهد وأقسم وأعزم ~~وأحلف كلها أيمان وقال زفر إذا قال أقسم لأفعلن فهو يمين ولو قال أشهد ~~لأفعلن لم يكن يمينا وقال مالك إن أراد بقوله أقسم أي أقسم بالله فهو يمين ~~وإلا فلا شيء وكذلك أحلف قال ولو قال أعزم لم يكن يمينا إلا أن يقول أعزم ms2445 ~~بالله ولو قال علي نذر أو قال نذر لله فهو على ما نوى وإن لم تكن له نية ~~فكفارته كفارة يمين وقال الشافعي أقسم ليس بيمين وأقسم بالله يمين إن ~~أرادها وإن أراد الموعد فليست بيمين وأشهد بالله إن نوى اليمين فيمين وإن ~~لم ينو يمينا فليست # PageV05P344 # بيمين وأعزم بالله إن أراد يمينا فهو يمين وذكر الربيع عن الشافعي إذا ~~قال أقسم أو أشهد أو أعزم ولم يقل بالله فهو كقوله والله وإن قال أحلف ~~بالله فلا شيء عليه إلا أن ينوي اليمين قال أبو بكر لا يختلفون أن أشهد ~~بالله يمين فكذلك أشهد من وجهين أحدهما أن الله حكى عن المنافقين أنهم ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله ثم جعل هذا الإطلاق يمينا من غير أن يقرنه باسم ~~الله وقال تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله فعبر عن اليمين بالشهادة ~~على الإطلاق والثاني أنه لما أخرج ذلك مخرج القسم وجب أن لا يختلف حكمه في ~~حذف اسم الله تعالى وفي إظهاره وقد ذكر الله تعالى القسم في كتابه فأظهر ~~تارة الاسم وحذفه أخرى والمفهوم باللفظ في الحالين واحد بقوله وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم وقال في موضع آخر إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين فحذفه تارة ~~اكتفاء بعلم المخاطبين بإضماره وأظهره أخرى # وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن أبا بكر ~~عبر عند النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبت ~~بعضا وأخطأت بعضا فقال أبو بكر أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا تقسم # وروي أنه قال والله لتخبرني فجعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله أقسمت ~~عليك يمينا فمن الناس من يكره القسم # لقوله لا تقسم # ومنهم من لا يرى به بأسا وأنه إنما قال لا تقسم لأن عبارة الرؤيا ظن قد ~~يقع فيها الخطأ وهذا يدل أيضا على أنه ليس على من أقسم عليه غيره أن يبر ~~قسمه لأنه صلى الله ms2446 عليه وسلم لم يخبره لما أقسم عليه ليخبره ويدل أيضا على ~~أن من علم تأويل رؤيا فليس عليه الإخبار به لأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يخبر بتأويل هذه الرؤيا وروى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال كان ~~أبو بكر قد استعمل عمر على الشام فلقد رأيتني وأنا أشد الإبل بأقتابها فلما ~~أراد أن يرتحل قال له الناس تدع عمر ينطلق إلى الشام والله إن عمر ليكفيك ~~الشام وهو هاهنا قال أقسمت عليك لما أقمت # وروي عن ابن عباس أنه قال للعباس فيما خاصم فيه عليا من أشياء تركها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بإيثاره أقسمت عليك لما سلمته لعلي # وقد روى البراء قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبرار القسم # وهذا يدل على إباحة القسم وأنه يمين وهذا على وجه الندب لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يبر قسم أبي بكر لما قال أقسمت عليك وعن ابن مسعود وابن عباس ~~وعلقمة وإبراهيم وأبي العالية والحسن القسم يمين وقال الحسن وأبو العالية ~~أقسمت وأقسمت بالله سواء. # PageV05P345 ### | باب من فرط في زكاة ماله # قال الله تعالى وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت الآية # روى عبد الرزاق قال حدثنا سفيان عن أبي حباب عن أبي الضحى عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال من كان له مال تجب فيه الزكاة ومال يبلغه بيت ~~الله ثم لم يحج ولم يزك سأل الرجعة وتلا قوله تعالى وأنفقوا من ما رزقناكم # الآية وقد روي ذلك موقوفا على ابن عباس إلا أن دلالة الآية ظاهرة على ~~حصول التفريط بالموت لأنه لو لم يكن مفرطا ووجب أداؤها من ماله بعد موته ~~لكانت قد تحولت إلى المال فلزم الورثة إخراجها فلما سأل الرجعة علمنا أن ~~الأداء فائت وأنه لا يتحول إلى المال ولا يؤخذ من تركته بعد موته إلا أن ~~يتبرع به الورثة آخر سورة المنافقين. ### | سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله ms2447 تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن قال أبو ~~بكر يحتمل تخصيص النبي بالخطاب وجوها أحدها اكتفاء بعلم المخاطبين بأن ما ~~خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خطاب لهم إذ كانوا مأمورين بالاقتداء به ~~إلا ما خص به دونهم فخصه بالذكر ثم عدل بالخطاب إلى الجماعة إذ كان خطابه ~~خطابا للجماعة والثاني أن تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء ~~والثالث على العادة في خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الأتباع كقوله تعالى إلى ~~فرعون وملائه وقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن # قال أبو بكر روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه طلق امرأته في الحيض فذكر ~~ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال مره فليراجعها وليمسكها حتى تطهر من ~~حيضتها ثم تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت فليفارقها قبل أن يجامعها أو يمسكها ~~فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء رواه نافع عن ابن عمر # وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع ابن عمر يقول قرأ النبي صلى الله ~~عليه وسلم فطلقوهن في قبل عدتهن قال طاهرا من غير جماع # وروى وكيع عن سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن سالم عن ابن ~~عمر أنه طلق امرأته في الحيض فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال مره فليراجعها ثم يطلقها وهي حامل أو غير حامل وفي لفظ آخر فليطلقها ~~طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها # قال أبو بكر بين النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله في قوله # PageV05P346 # تعالى فطلقوهن لعدتهن وأن وقت الطلاق المأمور به أن يطلقها طاهرا من غير ~~جماع أو حاملا قد استبان حملها وبين أيضا أن السنة في الإيقاع من وجه آخر ~~وهو أن يفصل بين التطليقتين بحيضة بقوله يراجعها ثم يدعها حتى تطهر ثم تحيض ~~حيضة أخرى ثم تطهر ثم يطلقها إن شاء فدل ذلك على أن الجمع بين التطليقتين ~~في طهر واحد ليس من السنة وما نعلم أحدا ms2448 أباح طلاقها في الطهر بعد الجماع ~~إلا شيئا رواه وكيع عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال إذا طلقها وهي ~~طاهر فقد طلقها للسنة وإن كان قد جامعها وهذا القول خلاف السنة الثابتة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف إجماع الأمة إلا أنه قد روي عنه ما يدل على ~~أنه أراد الحامل وهو ما رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن بيان عن ~~الشعبي قال إذا طلقها حاملا فقد طلقها للسنة وإن كان قد جامعها فيشبه أن ~~يكون هذا أصل الحديث وأغفل بعض الرواة ذكر الحامل وقوله تعالى فطلقوهن ~~لعدتهن منتظم للواحدة وللثلاث مفرقة في الأطهار لأن إدخال اللام يقتضي ذلك ~~كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل قد انتظم فعلها مكررا ~~عند الدلوك فدل ذلك على معنيين أحدهما إباحة الثلاث مفرقة في الأطهار ~~وإبطال قول من قال إيقاع الثلاث في الأطهار المتفرقة ليس من السنة وهو مذهب ~~مالك والأوزاعي والحسن بن صالح والليث والثاني تفريقها في الأطهار وحظر ~~جمعها في طهر واحد لأن قوله لعدتهن يقتضي ذلك لا فعل الجميع في طهر واحد ~~كقوله تعالى لدلوك الشمس لم يقتض فعل صلاتين في وقت واحد وإنما اقتضى فعل ~~الصلاة مكررة في الأوقات وقول أصحابنا إن طلاق السنة من وجهين أحدهما في ~~الوقت وهو أن يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها والآخر من ~~جهة العدد وهو أن لا يزيد في الطهر الواحد على تطليقة واحدة والوقت مشروط ~~لمن يطلق في العدة لأن من لا عدة عليها بأن كان طلقها قبل الدخول فطلاقها ~~مباح في الحيض لقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة فأباح طلاقها في كل حال من طهر أو حيض وقد بينا بطلان قول ~~من قال إن جمع الثلاث في طهر واحد من السنة ومن منع إيقاع الثلاث في ~~الأطهار المتفرقة في سورة البقرة فإن قيل لما جاز طلاق الحامل بعد ms2449 الجماع ~~كذلك الحائل يجوز طلاقها في الطهر بعد الجماع قيل له لا حظ للنظر مع الأثر ~~واتفاق السلف ومع ذلك فإن الفرق بينهما واضح وهو أنه إذا طهرت # PageV05P347 # من حيضتها ثم جامعها لا ندري لعلها قد حملت من الوطء وعسى أن لا يريد ~~طلاقها إن كانت حاملا فيلحقه الندم وإذا لم يجامعها بعد الطهر فإن وجد ~~الحيض علم براءة الرحم فيطلقها وهو على بصيرة من طلاقها قوله تعالى وأحصوا ~~العدة يعني والله أعلم العدة التي أوجبها الله بقوله تعالى والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وبقوله واللائي يئسن من المحيض- إلى قوله- ~~واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن لأن جميع ذلك عدد ~~للمطلقات على حسب اختلاف الأحوال المذكورة لهن فيكون إحصاؤها لمعان أحدها ~~لما يريد من رجعة وإمساك أو تسريح وفراق والثاني مراعاة حالها في بقائها ~~على الحال التي طلقت عليها من غير حدوث حال يوجب انتقال عدتها إليها ~~والثالث لكي إذا بانت يشهد على فراقها ويتزوج من النساء غيرها ممن لم يكن ~~يجوز له جمعها إليها ولئلا يخرجها من بيتها قبل انقضائها وذكر بعض من صنف ~~في أحكام القرآن أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون إن طلاق السنة واحدة وأن من ~~طلاق السنة أيضا إذا أراد أن يطلقها ثلاثا طلقها عند كل طهر تطليقة فذكروا ~~أن الأول هو السنة والثاني أيضا سنة فكيف يكون شيء وخلافه سنة ولو جاز ذلك ~~لجاز أن يكون حراما حلالا ولو قال إن الثاني رخصة كان أشبه قال أبو بكر ~~وهذا كلام من لا تعلق له بمعرفة أصول العبادات ولا يجوز وروده منها مما لا ~~يجوز ولا يمنع أحد من أهل العلم جواز ورود العبادات بمثله إذ جائز أن يكون ~~السنة في الطلاق أن # يخير بين إيقاع الواحدة في طهر والاقتصار عليها وبين أن يطلق بعدها في ~~الطهر الثاني والثالث وجميع ذلك مندوب إليه ويكون مع ذلك أحد الوجهين أحسن ~~من الآخر كما قال تعالى والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس ~~عليهن جناح ms2450 أن يضعن ثيابهن ثم قال وأن يستعففن خير لهن وخير الله الحانث في ~~يمينه بين أحد أشياء ثلاثة وأيها فعل كان فرضه وقوله ولو جاز ذلك لجاز أن ~~يكون حلالا حراما يوجب نفي التخيير في شيء من السنن والفروض كما امتنع أن ~~يكون شيء واحد حراما حلالا وعوار هذا القول وفساده أظهر من أن يحتاج إلى ~~الإطناب في الرد على قائله وروي نحو قولنا بعينه عن ابن مسعود وجماعة من ~~التابعين وقوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن فيه نهي للزوج عن ~~إخراجها ونهي لها من الخروج وفيه دليل على وجوب السكنى لها مادامت في العدة ~~لأن بيوتهن التي نهى الله عن إخراجها منها هي # PageV05P348 # البيوت التي كانت تسكنها قبل الطلاق فأمر بتبقيتها في بيتها ونسبها إليها ~~بالسكنى كما قال وقرن في بيوتكن وإنما البيوت كانت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ولهذه الآية قال أصحابنا لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها ~~ومنعوها من السفر في العدة قال أبو بكر ولا خلاف نعلمه بين أهل العلم في أن ~~على الزوج إسكانها ونفقتها في الطلاق الرجعي وأنه غير جائز له إخراجها من ~~بيتها وقوله تعالى إلا أن يأتين بفاحشة مبينة روي عن ابن عمر قال خروجها ~~قبل انقضاء العدة فاحشة وقال ابن عباس إلا أن تبذوا على أهله فإذا فعلت ذلك ~~حل لهم أن يخرجوها وقال الضحاك الفاحشة المبينة عصيان الزوج وقال الحسن ~~وزيد بن أسلم أن تزني فتخرج للحد وقال قتادة إلا أن تنشز فإذا فعلت حل ~~إخراجها قال أبو بكر هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ وجائز أن يكون جميعها ~~مرادا فيكون خروجها فاحشة وإذا زنت أخرجت للحد وإذا بذت على أهله أخرجت ~~أيضا # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس بالانتقال حين بذت على ~~أحمائها # فأما عصيان الزوج والنشوز فإن كان في البذاء وسوء الخلق اللذين يتعذر ~~المقام معها فيه فجائز أن يكون مراد وإن كانت إنما عصت زوجها في شيء غير ms2451 ~~ذلك فإن ذلك ليس بعذر في إخراجها وما ذكرنا من التأويل المراد يدل على جواز ~~انتقالها للعذر لأنه تعالى قد أباح لها الخروج للأعذار التي وصفنا قوله ~~تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه يدل على أنه إذا طلق لغير السنة وقع ~~طلاقه وكان ظالما لنفسه بتعديه حدود الله لأنه ذكر ذلك عقيب طلاق العدة ~~فأبان أن من طلق لغير العدة فطلاقه واقع لأنه لو لم يقع طلاقه لم يكن ظالما ~~لنفسه ويدل على أنه أراد وقوع طلاقه مع ظلمه لنفسه قوله تعالى عقيبه لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني أن يحدث له ندم فلا ينفعه لأنه قد ~~طلق ثلاثا وهو يدل أيضا على بطلان قول الشافعي في أن إيقاع الثلاث في كلمة ~~واحدة من السنة لأن الله جعله ظالما لنفسه حين طلق ثلاثا وترك اعتبار ما ~~عسى أن يلحقه من الندم بإبانتها وحكم النبي صلى الله عليه وسلم على ابن عمر ~~بطلاقه إياها في الحيض وأمره بمراجعتها لأن الطلاق الأول كان خطأ فأمره ~~بالرجعة ليقطع أسباب الخطإ ويبتدئه على السنة وزعم قوم أن الطلاق في حال ~~الحيض لا يقع وقد بينا بطلان هذا القول في سورة البقرة من جهة الكتاب ~~والسنة # وسؤال يونس بن جبير لابن عمر عن الطلاق في الحيض وذكره لأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إياه بالمراجعة قال قلت فيعتد بها قال فمه أرأيت إن عجز # PageV05P349 # واستمخق # فإن احتج محتج بما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا ~~عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن ~~بن أيمن مولى عروة يسئل ابن عمر وأبو الزبير يسمع فقال كيف ترى في رجل طلق ~~امرأته حائضا قال طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عبد ~~الله بن عمر طلق امرأته وهي ms2452 حائض فقال عبد الله فردها علي ولم يرها شيئا ~~وقال إذا طهرت فليطلق أو ليمسك قال ابن عمر فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن # فقال المحتج فأخبر أنه ردها عليه ولم يرها شيئا وذلك يدل على أن الطلاق ~~لم يقع فيقال له ليس فيما ذكرت دليل على أنه لم يحكم بالطلاق بل دلالته ~~ظاهرة على وقوعه لأنه قال وردها علي وهو يعني الرجعة # وقوله ولم يرها شيئا # يعني أنه لم يبنها منه # وقد روي حديث ابن عمر عنه عن أنس بن سيرين وابن جبير وزيد ابن أسلم ~~ومنصور عن أبي وائل عنه كلهم يقول فيه إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ~~يراجعها حتى تطهر # وقوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف يعنى به ~~مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقة لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو انقضاء ~~العدة ولم يذكر الله تعالى طلاق المدخول بها ابتداء إلا مقرونا بذكر الرجعة ~~بقوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يعني أن يبدو له فيراجعها وقوله ~~فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف قال في سورة البقرة فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف. ### | باب الإشهاد على الرجعة أو الفرقة # قال الله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ~~وأشهدوا ذوي عدل منكم فأمر بالإشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار الزوج ~~وقد روي عن عمران بن حصين وطاوس وإبراهيم وأبى قلابة أنه إذا رجع ولم يشهد ~~فالرجعة صحيحة ويشهد بعد ذلك قال أبو بكر لما جعل له الإمساك أو الفراق ثم ~~عقبه بذكر الإشهاد كان معلوما وقوع الرجعة إذا رجع وجواز الإشهاد بعدها إذ ~~لم يجعل الإشهاد شرطا في الرجعة ولم يختلف الفقهاء في أن المراد بالفراق ~~المذكور في الآية إنما هو تركها حتى تنقضي عدتها وأن الفرقة تصح وإن لم يقع ~~الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك وقد ذكر الإشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطا ~~في صحتها كذلك الرجعة ms2453 وأيضا لما كانت الفرقة حقا # PageV05P350 # له وجازت بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيها إلى رضا غيره وكانت الرجعة أيضا ~~حقا له وجب أن تجوز بغير إشهاد وأيضا لما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو ~~الفرقة احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما إذا علم الطلاق ولم يعلم الرجعة أو ~~لم يعلم الطلاق والفراق فلا يؤمن التجاحد بينهما ولم يكن معنى الاحتياط ~~فيهما مقصورا على الإشهاد في حال الرجعة أو الفرقة بل يكون الاحتياط باقيا ~~وإن أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما إذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ~~ساعتين ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في صحة وقوع الرجعة بغير شهود إلا ~~شيئا يروى عن عطاء فإن سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال الطلاق والنكاح ~~والرجعة بالبينة وهذا محمول على أنه مأمور بالإشهاد على ذلك احتياطا من ~~التجاحد لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها ~~ولا يشك أحد في وقوع الطلاق بغير بينة وقد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء ~~والحكم قالا إذا غشيها في العدة فغشيانه رجعة وقوله تعالى وأقيموا الشهادة ~~لله فيه أمر بإقامة الشهادات عند الحكام على الحقوق كلها لأن الشهادة هنا ~~اسم للجنس وإن كان مذكورا بعد الأمر بإشهاد ذوي عدل على الرجعة لأن ذكرها ~~بعده لا يمنع استعمال اللفظ على عمومه فانتظم ذلك معنيين أحدهما الأمر ~~بإقامة الشهادة والآخر أن إقامة الشهادة حق لله تعالى وأفاد بذلك تأكيده ~~والقيام به. ### | باب عدة الآيسة والصغيرة # قال الله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن قال أبو بكر قد اقتضت الآية إثبات الإياس لمن ذكرت في ~~الآية من النساء بلا ارتياب وقوله تعالى إن ارتبتم غير جائز أن يكون المراد ~~به الارتياب في الإياس لأنه قد أثبت حكم من ثبت إياسها في أول الآية فوجب ~~أن يكون الارتياب في غير الإياس واختلف أهل العلم في الريبة المذكورة في ~~الآية # فروى مطرف ms2454 عن عمرو ابن سالم قال قال أبي بن كعب يا رسول الله إن عددا من ~~عدد النساء لم تذكر في الكتاب الصغار والكبار وأولات الأحمال فأنزل الله ~~تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # فأخبر في هذا الحديث أن سبب نزول الآية كان ارتيابهم في عدد من ذكر من # PageV05P351 # الصغار والكبار وأولات الأحمال وأن ذكر الارتياب في الآية إنما هو على ~~وجه ذكر السبب الذي نزل عليه الحكم فكان بمعنى واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واختلف السلف ومن بعدهم من فقهاء ~~الأمصار في التي يرتفع حيضها فروى ابن المسيب عن عمر رضى الله عنه قال أيما ~~امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعت حيضتها فإنه ينتظر بها تسعة أشهر ~~فإن استبان بها حمل فذاك وإلا اعتدت بعد التسعة الأشهر بثلاثة أشهر ثم حلت ~~وعن ابن عباس في التي ارتفع حيضها سنة قال تلك الريبة وروى معمر عن قتادة ~~عن عكرمة في التي تحيض في كل سنة مرة قال هذه ريبة عدتها ثلاثة أشهر وروى ~~سفيان عن عمر وعن طاوس مثله # وروي عن علي وعثمان وزيد ابن ثابت أن عدتها ثلاث حيض # وروى مالك عن يحيى بن سعد عن محمد بن يحيى بن حبان أنه قال وكان عند جده ~~حبان امرأتان هاشمية وأنصارية فطلق الأنصارية وهي ترضع فمرت به سنة ثم هلك ~~ولم تحض فقالت أنا أرثه ولم أحض فاختصما إلى عثمان فقضى لها بالميراث فلامت ~~الهاشمية عثمان فقال هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بذلك يعنى على ابن أبي ~~طالب # وروى ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب بهذه القصة قال وبقيت تسعة ~~أشهر لا تحيض وذكر القصة فشاور عثمان عليا وزيدا فقالا ترثه لأنها ليست من ~~القواعد اللائي قد يئسن من المحيض ولا من الأبكار اللائي لم يحضن وهي عنده ~~على حيضتها ما كانت من قليل ms2455 أو كثير # وهذا يدل من قولهما أن قوله تعالى إن ارتبتم ليس على ارتياب المرأة ولكنه ~~على ارتياب الشاكين في حكم عددهن وأنها لا تكون آيسة حتى تكون من القواعد ~~اللاتي لا يرجى حيضهن وروي عن ابن مسعود مثل ذلك واختلف فقهاء الأمصار في ~~ذلك أيضا فقال أصحابنا في التي يرتفع حيضها لا يأس منه في المستأنف إن ~~عدتها الحيض حتى تدخل في السن التي لا تحيض أهلها من النساء فتستأنف عدة ~~الآيسة ثلاثة أشهر وهو قول الثوري والليث والشافعى قال مالك تنتظر تسعة ~~أشهر فإن لم تحض فيهن اعتدت ثلاثة أشهر فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة ~~أشهر استقبلت الحيض فإن مضت بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر ~~وقال ابن القاسم عن مالك إذا حاضت المطلقة ثم ارتابت فإنما تعتد بالتسعة ~~الأشهر من يوم رفعت حيضتها لا من يوم طلقت قال مالك في قوله تعالى إن ~~ارتبتم معناه إن لم تدروا ما تصنعون # PageV05P352 # في أمرها وقال الأوزاعي في رجل طلق امرأته وهي شابة فارتفعت حيضتها فلم ~~تر شيئا ثلاثة أشهر فإنها تعتد سنة قال أبو بكر أوجب الله بهذه الآية عدة ~~الآيسة ثلاثة أشهر واقتضى ظاهر اللفظ أن تكون هذه العدة لمن قد ثبت إياسها ~~من الحيض من غير ارتياب كما كان قوله واللائي لم يحضن لمن ثبت أنها لم تحض ~~وكقوله وأولات الأحمال أجلهن لمن قد ثبت حملها فكذلك قوله واللائي يئسن لمن ~~قد ثبت إياسها وتيقن ذلك منها دون من يشك في إياسها ثم لا يخلو قوله إن ~~ارتبتم من أحد وجوه ثلاثة إما أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسة وليست ~~بآيسة أو الارتياب في أنها حامل أو غير حامل أو ارتياب المخاطبين في عدة ~~الآيسة والصغيرة وغير جائز أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسة أو غير ~~آيسة لأنه تعالى قد أثبت من جعل الشهور عدتها أنها آيسة والمشكوك فيها لا ~~تكون آيسة لاستحالة مجامعة اليأس الرجاء إذ هما ضدان لا يجوز ms2456 اجتماعهما حتى ~~تكون آيسة من المحيض مرجوا ذلك منها فبطل أن يكون المعنى الارتياب في اليأس ~~ومن جهة أخرى اتفاق الجميع على أن المسنة التي قد تيقن إياسها من الحيض ~~مرادة بالآية والارتياب المذكور راجع إلى جميع المخاطبين وهو في التي قد ~~تيقن إياسها ارتياب المخاطبين في العدة فوجب أن يكون في المشكوك في إياسها ~~مثله لعموم اللفظ في الجميع وأيضا فإذا كانت عادتها وهي شابة أنها تحيض في ~~كل سنة مرة فهذه غير مرتاب في إياسها بل قد تيقن أنها من ذوات الحيض فكيف ~~يجوز أن تكون عدتها سنة مع العلم بأنها غير آيسة وأنها من ذوات الحيض ~~وتراخي ما بين الحيضتين من المدة لا يخرجها من أن تكون من ذوات الحيض ~~فالموجب عليها عدة الشهور مخالف للكتاب لأن الله تعالى جعل عدة ذوات ~~الأقراء الحيض بقوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولم يفرق ~~بين من طالت مدة حيضتها أو قصرت ولا يجوز أيضا أن يكون المراد الارتياب في ~~الإياس من الحمل لأن اليأس من الحيض هو الإياس من الحبل وقد دللنا على ~~بطلان قول من رد الارتياب إلى الحيض فلم يبق إلا الوجه الثالث وهو ارتياب ~~المخاطبين على ما روي عن أبي بن كعب حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~شك في عدة الآيسة والصغيرة وأيضا لو كان المراد الارتياب في الإياس لكان ~~توجيه الخطاب إليهن أولى من توجيهه إلى الرجال لأن الحيض إنما يتوصل إلى ~~معرفته من جهتها ولذلك كانت مصدقة فيه فكان يقول إن ارتبتن أو ارتبن «23- ~~أحكام مس» # PageV05P353 # فلما خاطب الرجال بذلك دونهن علم أنه أراد ارتياب المخاطبين في العدة ~~وقوله تعالى واللائي لم يحضن يعني واللائي لم يحضن عدتهن ثلاثة أشهر لأنه ~~كلام لا يستقل بنفسه فلا بد له من ضمير وضميره ما تقدم ذكره مظهرا وهو ~~العدة بالشهور. ### | باب عدة الحامل # قال الله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن قال أبو بكر لم يختلف ~~السلف والخلف بعدهم أن عدة ms2457 المطلقة الحامل أن تضع حملها واختلف السلف في ~~عدة الحامل المتوفى عنها زوجها # فقال علي وابن عباس تعتد الحامل المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين # وقال عمر وابن مسعود وابن عمر وأبو مسعود البدري وأبو هريرة عدتها الحمل ~~فإذا وضعت حلت للأزواج وهو قول فقهاء الأمصار قال أبو بكر روى إبراهيم عن ~~علقمة عن ابن مسعود قال من شاء لا عنته ما نزلت وأولات الأحمال أجلهن إلا ~~بعد آية المتوفى عنها زوجها قال أبو بكر قد تضمن قول ابن مسعود هذا معنيين ~~أحدهما إثبات تاريخ نزول الآية وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها ~~زوجها والثاني أن الآية مكتفية بنفسها في إفادة الحكم على عمومها غير مضمنة ~~بما قبلها من ذكر المطلقة فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المطلقات ~~والمتوفى عنهن أزواجهن وأن لا يجعل الحكم مقصورا على المطلقات لأنه تخصيص ~~عموم بلا دلالة ويدل على أن المتوفى عنها زوجها داخلة في الآية مرادة بها ~~اتفاق الجميع على أن مضي شهور المتوفى عنها زوجها لا يوجب انقضاء عدتها دون ~~وضع الحمل فدل على أنها مرادة بها فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره ولو جاز ~~اعتبار الشهور لأنها مذكورة في آية أخرى لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في ~~المطلقة لأنها مذكورة في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # وفي سقوط اعتبار الحيض مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل # وقد روى منصور عن إبراهيم عن الأسود عن أبي السنابل بن بعكك أن سبيعة بنت ~~الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين فتشوفت للنكاح فذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال إن تفعل فقد خلا أجلها # وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال اختلف ابن عباس ~~وأبو هريرة في ذلك فأرسل ابن عباس كريبا إلى أم سلمة فقالت إن سبيعة وضعت ~~بعد وفاة زوجها بأيام فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تتزوج # وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ms2458 أبي سلمة عن # PageV05P354 # سبيعة أنها وضعت بعد موت زوجها بشهرين فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تزوجي # وجعل أصحابنا عدة امرأة الصغير من الوفاة الحمل إذا مات عنها زوجها وهي ~~حامل لقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ولم يفرق بين امرأة ~~الصغير والكبير ولا بين من يلحقه بالنسب أو لا يلحقه. ### | باب السكنى للمطلقة # قال الله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم الآية قال أبو بكر اتفق ~~الجميع من فقهاء الأمصار وأهل العراق ومالك والشافعي على وجوب السكنى ~~للمبتوتة وقال ابن أبي ليلى لا سكنى للمبتوتة إنما هي للرجعية قال أبو بكر ~~قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن قد انتظم الرجعية والمبتوتة والدليل على ذلك أن ~~من بقي من طلاقها واحدة فعليه أن يطلقها للعدة إذا أراد طلاقها بالآية ~~وكذلك # قال النبي صلى الله عليه وسلم يطلقها طاهرا من غير جماع أو حاملا قد ~~استبان حملها # ولم يفرق بين التطليقة الأولى وبين الثالثة فإذا كان قوله فطلقوهن لعدتهن ~~قد تضمن البائن ثم قال أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم وجب ذلك للجميع من ~~البائن والرجعي فإن قيل لما قال تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ~~وقال فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف دل ذلك على أنه ~~أراد الرجعي قيل له هذا أحد ما انتظمته الآية ولا دلالة فيه على أن أول ~~الخطاب في الرجعي دون البائن وهو مثل قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء وهو عموم في البائن والرجعي ثم قوله وبعولتهن أحق بردهن إنما هو حكم ~~خاص في الرجعي ولم يمنع أن يكون قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء عاما في الجميع واحتج ابن أبي ليلى بحديث فاطمة بنت قيس وسنتكلم فيه ~~عند ذكر نفقة المبتوتة إن شاء الله تعالى واختلف فقهاء الأمصار في نفقة ~~المبتوتة فقال أصحابنا والثوري والحسن بن صالح لكل مطلقة السكنى والنفقة ما ~~دامت في العدة حاملا كانت أو غير حامل وروي مثله عن عمر وابن ms2459 مسعود وقال ~~ابن أبي ليلى لا سكنى للمبتوتة ولا نفقة وروي عنه أن لها السكنى ولا نفقة ~~لها وقال عثمان البتي لكل مطلقة السكنى والنفقة وإن كانت غير حامل وكان يرى ~~أنها تنتقل إن شاءت وقال مالك للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون ~~حاملا وروي عنه أن عليه نفقة الحامل المبتوتة إن # PageV05P355 # كان موسرا وإن كان معسرا فلا نفقة لها عليه وقال الأوزاعي والليث ~~والشافعي للمبتوتة السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا قال الله تعالى ~~أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وقد تضمنت هذه ~~الآية الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من ثلاثة أوجه أحدها أن السكنى لما ~~كانت حقا في مال وقد أوجبها الله لها بنص الكتاب إذ كانت الآية قد تناولت ~~المبتوتة والرجعية فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذ كانت السكنى حقا في مال ~~وهي بعض النفقة والثاني قوله ولا تضآروهن والمضارة تقع في النفقة كهي في ~~السكنى والثالث قوله لتضيقوا عليهن والتضييق قد يكون في النفقة أيضا فعليه ~~أن ينفق عليها ولا يضيق عليها فيها وقوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن قد انتظم المبتوتة والرجعية ثم لا تخلو هذه النفقة من أن يكون وجوبها ~~لأجل الحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته فلما اتفق الجميع على أن النفقة ~~واجبة للرجعية بالآية لا للحمل بل لأنها محبوسة عليه في بيته وجب أن تستحق ~~المبتوتة النفقة لهذه العلة إذ قد علم ضمير الآية في علية استحقاق النفقة ~~للرجعية فصار كقوله فأنفقوا عليهن لعلة أنها محبوسة عليه في بيته لأن ~~الضمير الذي تقوم الدلالة عليه بمنزلة المنطوق به ومن جهة أخرى وهي أن نفقة ~~الحامل لا تخلو من أن تكون مستحقة للحمل أو لأنها محبوسة عليه في بيته فلو ~~كانت مستحقة للحمل لوجب أن الحمل لو كان له مال أن ينفق عليها من ماله كما ~~أن نفقة الصغير في مال نفسه فلما اتفق الجميع على أن الحمل إذا كان له مال ms2460 ~~كانت نفقة أمه على الزوج لا في مال الحمل دل على أن وجوب النفقة متعلق ~~بكونها محبوسة في بيته وأيضا كان يجب أن تكون في الطلاق الرجعي نفقة الحامل ~~في مال الحمل إذا كان له مال كما أن نفقته بعد الولادة من ماله فلما اتفق ~~الجميع على أن نفقتها في الطلاق الرجعي لم تجب في مال الحمل وجب مثله في ~~البائن وكان يجب أن تكون نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها في نصيب الحمل من ~~الميراث فإن قيل فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب النفقة قيل له قد ~~دخلت فيه المطلقة الرجعية ولم يمنع نفي النفقة لغير الحامل فكذلك في ~~المبتوتة وإنما ذكر الحمل لأن مدته قد تطول وتقصر فأراد إعلامنا وجوب ~~النفقة مع طول مدة الحمل التي هي في العدة أطول من مدة الحيض ومن جهة النظر ~~أن الناشزة إذا خرجت من بيت زوجها لا تستحق النفقة مع بقاء الزوجية لعدم ~~تسليم نفسها # PageV05P356 # في بيت الزوج ومتى عادت إلى بيته استحقت النفقة فثبت أن المعنى الذي ~~تستحق به النفقة هو تسليم نفسها في بيت الزوج فلما اتفقنا ومن أوجب السكنى ~~على وجوب السكنى وصارت بها مسلمة لنفسها # في بيت زوجها وجب أن تستحق النفقة وأيضا لما اتفق الجميع على أن المطلقة ~~الرجعية تستحق النفقة في العدة وجب أن تستحقها المبتوتة والمعنى فيها أنها ~~معتدة من طلاق وإن شئت قلت إنها محبوسة عليه بحكم عقد صحيح وإن شئت قلت ~~إنها مستحقة للسكنى فأي هذه المعاني اعتللت به صح القياس عليها ومن جهة ~~السنة ما # روى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن الشعبي أن فاطمة بنت قيس ~~طلقها زوجها طلاقا بائنا فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نفقة لك ~~ولا سكنى قال فأخبرت بذلك النخعي فقال قال عمر بن الخطاب وأخبر بذلك فقال ~~لسنا بتاركي آية في كتاب الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول ~~امرأة لعلها أوهمت سمعت رسول الله صلى الله عليه ms2461 وسلم يقول لها السكنى ~~والنفقة # وروى سفيان عن سلمة عن الشعبي عن فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~لم يجعل لها حين طلقها زوجها ثلاثا سكنى ولا نفقة # فذكرت ذلك لإبراهيم فقال قد رفع ذلك إلى عمر فقال لا ندع كتاب ربنا ولا ~~سنة نبينا لقول امرأة لها السكنى والنفقة فقد نص هذان الخبران على إيجاب ~~النفقة والسكنى وفي الأول سمعت # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها السكنى والنفقة # ولو لم يقل ذلك كان قوله لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا يقضى أن يكون ذلك ~~نصا من النبي صلى الله عليه وسلم في إيجابهما واحتج المبطلون للسكنى ~~والنفقة ومن نفى النفقة دون السكنى بحديث فاطمة بنت قيس هذا وهذا حديث قد ~~ظهر من السلف النكير على راويه ومن شرط قبول أخبار الآحاد تعريها من نكير ~~السلف أنكره عمر بن الخطاب على فاطمة بنت قيس في الحديث الأول الذي قدمناه ~~وروى القاسم بن محمد أن مروان ذكر لعائشة حديث فاطمة بنت قيس فقال لا يضرك ~~أن لا تذكر حديث فاطمة بنت قيس وقالت في بعضه ما لفاطمة خير في أن تذكر هذا ~~الحديث يعني قولها لا سكنى لك ولا نفقة وقال ابن المسيب تلك امرأة فتنت ~~الناس استطالت على أحمائها بلسانها فأمرت بالانتقال وقال أبو سلمة أنكر ~~الناس عليها ما كانت تحدث به # وروى الأعرج عن أبي سلمة أن فاطمة كانت تحدث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لها اعتدي في بيت ابن أم مكتوم # قال وكان محمد بن أسامة يقول كان أسامة إذا ذكرت فاطمة من ذلك شيئا رماها ~~بما كان في يده فلم يكن ينكر عليها هذا النكير إلا وقد علم بطلان ما روته # وروى # PageV05P357 # عمار بن رزيق عن أبي إسحاق قال كنت عند الأسود بن يزيد في المسجد فقال ~~الشعبي حدثتني فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لا سكنى ~~لك ولا نفقة قال فرماه الأسود بحصا ms2462 ثم قال ويلك اتخذت بمثل هذا قد رفع ذلك ~~إلى عمر فقال لسنا بتاركي كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا تدري لعلها ~~كذبت قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن # وروى الزهري قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن فاطمة بنت قيس ~~أفتت بنت أخيها وقد طلقها زوجها بالانتقال من بيت زوجها فأنكر ذلك مروان ~~فأرسل إلى فاطمة يسئلها عن ذلك فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفتاها بذلك فأنكر ذلك مروان وقال قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن قالت فاطمة إنما هذا في الرجعي لقوله تعالى لا تدري لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف فقال مروان لم أسمع بهذا ~~الحديث من أحد قبلك وسآخذ بالعصمة التي وجدت الناس عليها فقد ظهر من هؤلاء ~~السلف النكير على فاطمة في روايتها لهذا الحديث ومعلوم أنهم كانوا لا ~~ينكرون روايات الأفراد بالنظر والمقايسة فلو أنهم قد علموا خلافه من السنة ~~ومن ظاهر الكتاب لما أنكروه عليها وقد استفاض خير فاطمة في الصحابة فلم ~~يعمل به منهم أحد إلا شيئا روي عن ابن عباس رواه الحجاج بن أرطاة عن عطاء ~~عن ابن عباس أنه كان يقول في المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها لا نفقة ~~لهما وتعتدان حيث شاءتا فهذا الذي ذكرنا في رد خبر فاطمة بنت قيس من جهة ~~ظهور النكير من السلف عليها وفي روايتها ومعارضة حديث عمر إياه يلزم ~~الفريقين من نفاة السكنى والنفقة وممن نفى النفقة وأثبت السكنى وهو لمن نفى ~~النفقة دون السكنى ألزم لأنهم قد تركوا حديثها في نفي السكنى لعلة أوجبت ~~ذلك فتلك العلة بعينها هي الموجبة لترك حديثها في نفي النفقة فإن قيل إنما ~~لم يقبل حديثها في نفي السكنى لمخالفته لظاهر الكتاب وهو قوله تعالى ~~أسكنوهن من حيث سكنتم قيل له قد احتجت هي في أن ذلك في المطلقة الرجعية ومع ~~ذلك فإن جاز عليها الوهم والغلط في روايتها حدثنا مخالفا ms2463 للكتاب فكذلك ~~سبيلها في النفقة وللحديث عندنا وجه صحيح يستقيم على مذهبها فيما روته من ~~نفي السكنى والنفقة وذلك لأنه قد روي أنها استطالت بلسانها على أحمائها ~~فأمروها بالانتقال وكانت سبب النقلة وقال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن ~~ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وقد روي عن ابن عباس في تأويله # PageV05P358 # أن تستطيل على أهله فيخرجوها فلما كان سبب النقلة من جهتها كانت بمنزلة ~~الناشزة فسقطت نفقتها وسكناها جميعا فكانت العلة الموجبة لا سقاط النفقة هي ~~الموجبة لإسقاط السكنى وهذا يدل على صحة أصلنا الذي قدمنا في أن استحقاق ~~النفقة متعلق باستحقاق السكنى فإن قيل ليست النفقة كالسكنى لأن السكنى حق ~~الله تعالى لا يجوز تراضيهما على إسقاطها والنفقة حق لها لو رضيت بإسقاطها ~~لسقطت قيل له لا فرق بينهما من الوجه الذي وجب قياسها عليها وذلك لأن ~~السكنى فيها معنيان أحدهما حق لله تعالى وهو كونها في بيت الزوج والآخر حق ~~لها وهو ما يلزم في المال من أجرة البيت إن لم يكن له ولو رضيت بأن تعطى هي ~~الأجرة وتسقطها عن الزوج جاز فمن حيث هي حق في المال قد استويا واختلفوا في ~~نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وشريح ~~وأبو العالية والشعبي وإبراهيم نفقتها من جميع المال وقال ابن عباس وجابر ~~وابن الزبير والحسن وابن المسيب وعطاء لا نفقة لها في مال الزوج بل هي على ~~نفسها واختلف فقهاء الأمصار أيضا في ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ~~ومحمد لا سكنى لها ولا نفقة في مال الميت حاملا كانت أو غير حامل وقال ابن ~~أبي ليلى نفقتها في مال الزوج بمنزلة الدين على الميت إذا كانت حاملا وقال ~~مالك نفقتها على نفسها وإن كانت حاملا ولها السكنى إن كانت الدار للزوج وإن ~~كان عليه دين فالمرأة أحق بسكناها حتى ينقضي عدتها وإن كانت في بيت بكراء ~~فأخرجوها لم يكن لها سكنى في مال الزوج هذه رواية ابن وهب ms2464 وقال ابن القاسم ~~عن مالك لا نفقة لها في مال الزوج الميت ولها السكنى إن كانت الدار للميت ~~وإن كان عليه دين فهي أحق بالسكنى من الغرماء وتباع للغرماء ويشترط السكنى ~~على المشتري وقال الأشجعي عن الثوري إذا كانت حاملا أنفق عليها من جميع ~~المال حتى تضع فإذا وضعت أنفق على الصبي من نصيبه وروى المعافى عنه أن ~~نفقتها من حصتها وقال # الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل فلا نفقة لها وإن كانت أم ولد ~~فلها النفقة من جميع المال حتى تضع وقال الليث في أم الولد إذا كانت حاملا ~~منه فإنه ينفق عليها من جميع المال فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها وإن لم ~~تلد كان ذلك دينا يتبع به وقال الحسن بن صالح للمتوفى عنها زوجها بالنفقة ~~من جميع المال وقال الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين أحدهما لها السكنى ~~والنفقة والآخر لا سكنى لها ولا نفقة قال أبو بكر قد اتفق الجميع على أن لا ~~نفقة للمتوفى # PageV05P359 # عنها زوجها غير الحامل ولا سكنى فوجب أن تكون الحامل مثلها لا تفاق ~~الجميع على أن هذه النفقة غير مستحقة للحمل ألا ترى أن أحدا منهم لم يوجبها ~~في نصيب الحمل من الميراث وإنما قالوا فيه قولين قائل يجعل نفقتها من ~~نصيبها وقائل يجعل النفقة من جميع مال الميت ولم يوجبها أحد في حصة الحمل ~~فلما تجب النفقة لأجل الحمل ولم يجز أن تكون مستحقة لأجل كونها في العدة ~~لأنها لو وجبت للعدة لوجبت لغير الحامل فلم يبق وجه تستحق به النفقة وأيضا ~~لما لم تستحق السكنى في مال الزوج بدلائل قد قامت عليه لم تستحق النفقة ~~وأيضا فإن النفقة إذا وجبت فإنما تجب حالا فحالا فلما مات الزوج انتقل ~~ميراثه إلى الورثة وليس للزوج مال في هذا الحال وإنما هو مال الوارث فلا ~~يجوز إيجابها عليهم فإن قيل تصير بمنزلة الدين قيل له الدين الذي يثبت في ~~ميراث المتوفى إنما يثبت بأحد وجهين إما أن يكون ثابتا ms2465 على الميت في حياته ~~أو يتعلق وجوبه بسبب كان من الميت قبل موته مثل الجنايات وحفر البئر إذا ~~وقع فيها إنسان بعد موته والنفقة خارجة عن الوجهين فلا يجوز إيجابها في ~~ماله لعدم السبب الذي به تعلق وجوب النفقة وعدم ماله بزواله إلى الورثة ألا ~~ترى أن النكاح قد بطل بالموت وأن ملك الميت قد زال إلى الورثة فلم يبق ~~لإيجاب النفقة وجه ألا ترى أن غير الحامل لا نفقة لها بهذه العلة فإن قيل ~~قال الله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن وهو عموم في المتوفى عنها ~~زوجها والمطلقة كما كان قوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عموما في ~~الصنفين قيل له هذا غلط من قبل أن قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم خطاب للأزواج وكذلك قوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن خطاب ~~لهم وقد زال عنهم الخطاب بالموت ولا جائز أن يكون ذلك خطابا لغير الأزواج ~~فلم تقتض الآية إيجاب نفقة المتوفى عنها زوجها بحال وقوله تعالى فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن قد انتظم الدلالة على أحكام منها أنها إذا رضيت بأن ~~ترضعه بأجر مثلها لم يكن للأب أن يسترضع غيرها لأمر الله إياه بإعطاء الأجر ~~إذا أرضعت ويدل على أن الأم أولى بحضانة الولد من كل أحد ويدل على أن ~~الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل ولا تستحق بالعقد لأنه أوجبها بعد ~~الرضاع بقوله فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وقد دل على أن لبن المرأة وإن ~~كان عينا فقد أجري مجرى المنافع التي تستحق بعقود الإجارات ولذلك لم يجز ~~أصحابنا بيع لبن المرأة # PageV05P360 # كما لا يجوز عقد البيع على المنافع وفارق لبن المرأة بذلك لبن سائر ~~الحيوان ألا ترى أنه لا يجوز استئجار شاة لرضاع صبي لأن الأعيان لا تستحق ~~بعقود الإجارات كاستئجار النخل والشجر وقوله تعالى وأتمروا بينكم بمعروف ~~يعنى والله أعلم لا تشترط المرأة على الزوج فيما تطلبه من الأجرة ولا يقصر ~~الزوج لها عن المقدار المستحق وقوله تعالى ms2466 وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى قيل ~~إنه إذا طلبت المرأة أكثر من أجر مثلها ورضيت غيرها بأن تأخذه بأجر مثلها ~~فللزوج أن يسترضع الأجنبية ويكون ذلك في بيت الأم لأنها أحق بإمساكه ~~والسكون عنده # قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته يدل على أن النفقة تفرض عليه على قدر ~~إمكانه وسعته وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر وقوله تعالى ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه الله قيل معناه من ضيق عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله يعني والله أعلم أنه لا يكلف نفقة الموسر في هذه الحال بل على قدر ~~إمكانه ينفق وقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها فيه بيان أن الله ~~لا يكلف أحدا مالا يطيق وهذا وإن كان قد علم بالعقل إذ كان تكليف ما لا ~~يطاق قبحا وسفها فإن الله ذكره في الكتاب تأكيدا لحكمه في العقل وقد تضمن ~~معنى آخر من جهة الحكم وهو الإخبار بأنه إذا لم يقدر على النفقة لم يكلفه ~~الله الإنفاق في هذه الحال وإذا لم يكلف الإنفاق في هذه الحال لم يجز ~~التفريق بينه وبين امرأته لعجزه عن نفقتها وفي ذلك دليل على بطلان قول من ~~فرق بين العاجز عن نفقة امرأته وبينها فإن قيل فقد آتاه الطلاق فعليه أن ~~يطلق قيل له قد بين به أنه لم يكلفه النفقة في هذه الحال فلا يجوز إجباره ~~على الطلاق من أجلها لأن فيه إيجابه التفريق بشيء لم يجب وأيضا فإنه أخبر ~~أنه لم يكفه من الإنفاق إلا ما آتاه والطلاق ليس من الإنفاق فلم يدخل في ~~اللفظ وأيضا إنما أراد أنه لا يكلفه ما لا يطيق ولم يرد أنه يكلفه كل ما ~~يطيق لأن ذلك مفهوم من خطاب الآية وقوله تعالى سيجعل الله بعد عسر يسرا يدل ~~على أنه لا يفرق بينهما من أجل عجزه عن النفقة لأن العسر يرجى له اليسر آخر ~~سورة الطلاق. ### | سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى يا أيها النبي ms2467 لم تحرم ما أحل الله لك روي في سبب نزول ~~الآية # PageV05P361 # وجوه أحدها # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب ويأكل عند زينب فتواطأت عائشة ~~وحفصة على أن تقولا له نجد منك ريح المغافير قال بل شربت عندها عسلا ولن ~~أعود له فنزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك # وقيل إنه شرب عند حفصة وقيل عند سودة وأنه حرم العسل # وفي بعض الروايات والله لا أذوقه # وقيل إنه أصاب مارية القبطية في بيت حفصة فعلمت به فجزعت منه # فقال لها ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها قالت بلى فحرمها وقال لا تذكري ~~ذلك لأحد فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه وأنزل عليه يا أيها النبي لم تحرم ~~ما أحل الله لك الآية رواه محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد ~~الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب # بذلك قال أبو بكر وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا من تحريم مارية ~~وتحريم العسل إلا أن الأظهر أنه حرم مارية وأن الآية فيها نزلت لأنه قال ~~تبتغي مرضات أزواجك وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه وفي ترك قرب مارية ~~رضاهن فروي في العسل أنه حرمه وروي أنه حلف أن لا يشربه وأما مارية فكان ~~الحسن يقول حرمها # وروى الشعبي عن مسروق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى وحرم فقيل له ~~الحرام حلال وأما اليمين فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم # وقال مجاهد وعطاء حرم جاريته وكذلك روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة ~~وأما قول من قال إنه حرم وحلف أيضا فإن ظاهر الآية لا يدل عليه وإنما فيها ~~التحريم فقط فغير جائز أن يلحق بالآية ما ليس فيها فوجب أن يكون التحريم ~~يمينا لإيجاب الله تعالى فيها كفارة يمين بإطلاق لفظ التحريم ومن الناس من ~~يقول لا فرق بين التحريم واليمين لأن اليمين تحريم للمحلوف عليه والتحريم ~~أيضا يمين وهذا عند أصحابنا يختلف في وجه ويتفق في وجه آخر فالوجه ms2468 الذي ~~يوافق اليمين فيه التحريم أن الحنث فيهما يوجب كفارة اليمين والوجه الذي ~~يختلفان فيه أنه لو حلف أنه لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه لم يحنث ولو قال ~~قد حرمت هذا الرغيف على نفسي فأكل منه اليسير حنث ولزمته الكفارة لأنهم ~~شبهوا تحريمه الرغيف على نفسه بمنزلة قوله والله لا أكلت من هذا الرغيف ~~شيئا تشبيها بسائر ما حرمه الله من الميتة والدم أنه اقتضى تحريم القليل ~~منه والكثير واختلف السلف في الرجل يحرم امرأته فروي عن أبي بكر وعمر وابن ~~مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر أن الحرام يمين وهو قول الحسن وابن المسيب ~~وجابر بن زيد وعطاء وطاوس # PageV05P362 # وروي عن ابن عباس رواية مثله وروي عنه غير ذلك وعن علي بن أبي طالب وزيد ~~بن ثابت رواية وابن عمر رواية وأبي هريرة وجماعة من التابعين قالوا هي ثلاث ~~وروى خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقول في الحرام بمنزلة ~~الظهار وروى منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال النذر والحرام إذا لم ~~يسم مغلظة فتكون عليه رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ~~وروى ابن جبير عن ابن عباس أيضا إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها أما ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا محمول على أنه إذا لم تكن له نية فهو ~~بمنزلة يمين وأنه إن أراد الظهار كان ظهارا وقال مسروق ما أبالي إياها حرمت ~~أو قصعة من ثريد وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ما أبالي حرمت امرأتي أو ماء ~~فراتا قال أبو بكر وليس فيه دلالة على أنهم لم يروه يمينا لأنه لا جائز أن ~~يكون قولهما في تحريم الثريد والماء أنه يمين فكأنهما لم يريا ذلك طلاقا ~~وكذلك نقول إنه ليس بطلاق إلا أن ينويه فلم تظهر مخالفة هذين لمن ذكرنا ~~قولهم من الصحابة واتفاقهم على أن هذا القول ليس بلغو وأنه إما أن يكون ~~يمينا أو طلاقا أو ظهارا واختلف فقهاء الأمصار ms2469 في الحرام فقال أصحابنا إن ~~نوى الطلاق فواحدة بائنة أن لا ينوي ثلاثا وإن لم ينو طلاقا فهو يمين وهو ~~مول وذكر ابن سماعة عن محمد أنه إن نوى ظهارا لم يكن ظهارا لأن الظهار أصله ~~بحرف التشبيه وروى ابن شجاع عن أبي يوسف في اختلاف زفر وأبي يوسف أنه إن ~~نوى ظهارا كان ظهارا وقال ابن أبي ليلى هي ثلاث ولا أسئله عن نيته وقال ~~مالك فيما ذكر عنه ابن القاسم الحرام لا يكون يمينا في شيء إلا أن يحرم ~~امرأته فيلزمه الطلاق وهو ثلاث إلا أن ينوي واحدة أو اثنتين فيكون على ما ~~نوى وقال الثوري إن نوى ثلاثا فثلاث وإن نوى واحدة فواحدة بائنة وإن نوى ~~يمينا فهي يمين يكفرها وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فليس بشيء هي كذبة وقال ~~الأوزاعي هو على ما نوى وإن ينو شيئا فهو يمين وقال عثمان البتي هو بمنزلة ~~الظهار وقال الشافعي ليس بطلاق حتى ينوي فإذا نوى فهو طلاق على ما أراد من ~~عدده وإن أراد تحريمها بلا طلاق فعليه كفارة يمين وليس بمول قال أبو بكر قد ~~جعل أصحابنا التحريم يمينا إذا لم تقارنه نية الطلاق إذا حرم امرأته فيكون ~~بمنزلة قوله لها والله لا أقربك فيكون موليا وأما إذا حرم غير امرأته من ~~المأكول والمشروب وغيرهما فإنه بمنزلة قوله والله # PageV05P363 # لا آكل منه وو الله لا أشرب منه ونحو ذلك لقوله تعالى لم تحرم ما أحل ~~الله لك ثم # قال قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فجعل التحريم يمينا فصارت اليمين في ~~مضمون لفظ التحريم ومقتضاه في حكم الشرع فإذا أطلق كان محمولا على اليمين ~~إلا أن ينوي غيرها فيكون ما نوى فإذا حرم امرأته وأراد الطلاق كان طلاقا ~~لاحتمال اللفظ له وكل لفظ يحتمل الطلاق ويحتمل غيره فإنه متى أراد به ~~الطلاق كان طلاقا والأصل فيه # قول النبي صلى الله عليه وسلم لركانة حين طلق امرأته ألبتة بالله ما أردت ~~إلا واحدة # فتضمن ذلك معنين أحدهما ms2470 أن كل لفظ يحتمل الثلاث ويحتمل غيرها فإنه متى ~~أراد الثلاث كان ثلاثا لولا ذلك لم يستحلفه عليها والثاني أنه لم يلزمه ~~الثلاث بوجود اللفظ وجعل القول قوله لاحتمال فيه فصار ذلك أصلا في أن كل ~~لفظ يحتمل الطلاق وغيره أنا لا نجعله طلاقا إلا بمقارنة الدلالة لإرادة ~~الطلاق ومما يدل على أن اللفظ المحتمل للطلاق يجوز إيقاع الطلاق به وإن لم ~~يكن طلاقا في نفسه # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسودة اعتدي ثم راجعها # فأوقع الطلاق # بقوله اعتدي # لاحتماله له ولا نعلم أحدا من السلف منع إيقاع الطلاق بلفظ التحريم ومن ~~قال منهم هو يمين فإنما أراد به عندنا إذا لم تكن له نية الطلاق ولم تقارنه ~~دلالة الحال وزعم مالك أن من حرم على نفسه شيئا غير امرأته أنه لا يلزمه ~~بذلك شيء وإن ذلك ليس بيمين وقد ذكرنا ما اقتضى قوله تعالى يا أيها النبي ~~لم تحرم ما أحل الله لك من كونه يمينا لقوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم وأنه لا يجوز إسقاط موجب هذا اللفظ من كون الحرام يمينا برواية من # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يشرب # العسل إذ غير جائز الاعتراض على حكم القرآن بخبر الواحد ولأن من روى ~~اليمين يجوز أن يكون إنما عنى به التحريم وحده إذ كان التحريم يمينا ويدل ~~من جهة النظر على أن التحريم يمين أن المحرم للشيء على نفسه قد اقتضى لفظه ~~إيجاب الامتناع منه كالأشياء المحرمة وذلك في معنى النذر وقول القائل لله ~~علي أن لا أفعل ذلك فلما كان النذر يمينا بالسنة واتفاق الفقهاء وجب أن ~~يكون تحريم الشيء بمنزلة النذر فتجب فيه كفارة يمين إذا حنث كما تجب في ~~النذر # وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا # روي عن علي في قوله قوا أنفسكم وأهليكم قال علموا أنفسكم وأهليكم الخير # وقال الحسن تعلمهم وتأمرهم وتنهاهم قال أبو بكر وهذا يدل على أن علينا ms2471 ~~تعليم أولادنا وأهلينا الدين # PageV05P364 # والخير وما لا يستغنى عنه من الآداب وهو مثل قوله تعالى وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها ونحو قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وأنذر ~~عشيرتك الأقربين ويدل على أن للأقرب فالأقرب منا مزية في لزومنا تعليمهم ~~وأمرهم بطاعة الله تعالى ويشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم كلكم راع ~~وكلكم مسئول عن رعيته ومعلوم أن الراعي كما عليه حفظ من استرعي وحمايته ~~والتماس مصالحه فكذلك عليه تأديبه وتعليمه وقال صلى الله عليه وسلم فالرجل ~~راع على أهله وهو مسئول عنهم والأمير راع على رعيته وهو مسئول عنهم وحدثنا ~~عبد الباقي بن قانع قال حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال حدثنا محمد بن ~~عبد الله بن حفص قال حدثنا محمد ابن موسى السعدي عن عمرو بن دينار قهرمان ~~آل الزبير عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما نحل والد ~~ولدا خيرا من أدب حسن وحدثنا عبد الباقي قال حدثنا الحضرمي قال حدثنا جبارة ~~قال حدثنا محمد بن الفضل عن أبيه عن عطاء عن ابن عباس قال قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن أدبه وحدثنا عبد ~~الباقي قال حدثنا عبد الله بن موسى بن أبي عثمان قال حدثنا يحيى بن معين ~~قال حدثنا محمد بن ربيعة قال حدثنا محمد بن الحسن بن عطية قال حدثنا محمد ~~بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ ~~أولادكم سبع سنين فعلموهم الصلاة وإذا بلغوا عشر سنين فاضربوهم عليها ~~وفرقوا بينهم في المضاجع # وقوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم ~~جهنم قال الحسن أكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون فأمر أن ~~يغلظ عليهم في إقامة الحد وقيل جهاد المنافقين بالقول وجهاد الكفار بالحرب ~~قال أبو بكر فيه الدلالة على وجوب الغلظة على الفريقين من الكفار ~~والمنافقين ونهي عن مقارنتهم ومعاشرتهم وروي ms2472 عن ابن مسعود قال إذا لم ~~تقدروا أن تنكروا على الفاجر فألقوه بوجه مكفهر # وقوله تعالى فخانتاهما قال ابن عباس كانتا منافقتين ما زنت امرأة نبي قط ~~وكانت خيانتهما أن امرأة نوح عليه السلام كانت تقول للناس إنه مجنون وكانت ~~امرأة لوط عليه السلام تدل على الضيف آخر سورة التحريم. ### | سورة نون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين قيل من يحلف بالله كاذبا وسماه مهينا # PageV05P365 # لاستجازته الكذب والحلف عليه والحلاف اسم لمن أكثر الحلف بحق أو باطل وقد ~~نهى الله عن ذلك بقوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم # وقوله تعالى هماز مشاء بنميم يعني وقاعا في الناس عائبا لهم بما ليس فيهم ~~وقوله مشاء بنميم يعني ينقل الكلام من بعض إلى بعض على وجه التضريب بينهم # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة قتات يعني النمام # وقوله تعالى عتل بعد ذلك زنيم قيل في العتل إنه الفظ الغليظ والزنيم ~~الدعي # وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا الحسين بن إسحاق التستري قال حدثنا ~~الوليد بن عتبة قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن ~~عثمان عن عثمان بن عمير البجلي عن شهر ابن حوشب عن شداد بن أوس قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا عتل زنيم ~~قلت وما الجواظ قال كل جماع قلت وما الجعظري قال الفظ الغليظ قلت وما العتل ~~الزنيم قال رحب الجوف # آخر سورة نون. ### | سورة سأل سائل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى الذين هم على صلاتهم دائمون روى أبو سلمة عن عائشة قالت كان ~~أحب الصلاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ديم عليه وقرأت الذين هم ~~على صلاتهم دائمون وعن ابن مسعود قال دائمون على مواقيتها وعن عمران بن ~~حصين في الآية قال الذي لا يلتفت في صلاته # وقوله تعالى للسائل والمحروم روى عن ابن عباس الذي يسئل والمحروم الذي لا ~~يستقيم له ms2473 تجارة وقال أبو قلابة المحروم من ذهب ماله وقال الحسن بن محمد ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فغنمت فجاء آخرون بعد ذلك فنزلت في ~~أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم # وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحروم من حرم وصيته # قال أبو بكر قد ذكرنا فيما تقدم معنى المحروم واختلافهم فيه آخر سورة سأل ~~سائل. ### | سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا روى زرارة بن أوفى عن سعد ~~بن هشام قال قلت لعائشة أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ~~أما تقرأ هذه السورة يا أيها # PageV05P366 # المزمل قم الليل إلا قليلا # قلت بلى قالت فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة فقام النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله تعالى خاتمتها اثني ~~عشر شهرا ثم أنزل التخفيف في آخر السورة فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة ~~وقال ابن عباس لما نزلت أول المزمل كانوا يقومون نحو قيامهم في شهر رمضان ~~حتى نزل آخرها وكان بين نزول أولها وآخرها نحو سنة # وقوله تعالى ورتل القرآن ترتيلا قال ابن عباس بينه تبيينا وقال طاوس بينه ~~حتى تفهمه وقال مجاهد ورتل القرآن ترتيلا قال وال بعضه على إثر بعض على ~~تؤدة قال أبو بكر لا خلاف بين المسلمين في نسخ فرض قيام الليل وأنه مندوب ~~إليه مرغب فيه وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار كثيرة في الحث ~~عليه والترغيب فيه # روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحب الصلاة إلى الله صلاة ~~داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وأحب الصيام إلى الله صيام ~~داود كان يصوم يوما ويفطر يوما # وروي عن على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ثماني ركعات ~~حتى إذا انفجر عمود الصبح أوتر بثلاث ركعات ثم سبح وكبر حتى إذا انفجر ~~الفجر صلى ركعتي الفجر # وعن عائشة أن ms2474 النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة # وقوله تعالى إن ناشئة الليل هي أشد وطئا قال ابن عباس وابن الزبير إذا ~~نشأت قائما فهي ناشئة الليل كله وقال مجاهد الليل كله إذا قام يصلي فهو ~~ناشئة وما كان بعد العشاء فهو ناشئة وعن الحسن مثله وقال في قوله تعالى أشد ~~وطئا وأقوم قيلا قال أجهد للبدن وأثبت في الخير وقال مجاهد وأقوم قيلا قال ~~أثبت قراءة # وقوله تعالى واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا قال مجاهد أخلص إليه إخلاصا ~~وقال قتادة أخلص إليه الدعاء والعبادة وقيل الانقطاع إلى الله وتأميل الخير ~~منه دون غيره ومن الناس من يحتج به في تكبيرة الافتتاح لأنه ذكر في بيان ~~الصلاة فيدل على جواز الافتتاح بسائر أسماء الله تعالى وقوله تعالى سبحا ~~طويلا قال قتادة فراغا طويلا وقوله تعالى هي أشد وطئا قال مجاهد واطأ ~~اللسان القلب مواطأة ووطاء ومن قرأ وطاء قال معناه هي أشد من عمل النهار # وقوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه- إلى ~~قوله تعالى- فاقرؤا ما تيسر من القرآن قال أبو بكر قد انتظمت هذه الآية ~~معاني أحدها أنه نسخ به قيام الليل المفروض كان بديا والثاني دلالتها على ~~لزوم فرض القراءة في الصلاة بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن والثالث ~~دلالتها على جواز # PageV05P367 # الصلاة بقليل القراءة والرابع أنه من ترك قراءة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها ~~أجزأه وقد بينا ذلك فيما سلف فإن قيل إنما نزل ذلك في صلاة الليل وهي ~~منسوخة قيل له إنما نسخ فرضها ولم ينسخ شرائطها وسائر أحكامها وأيضا فقد ~~أمرنا بالقراءة بعد ذكر التسبيح بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر منه فإن قيل ~~فإنما أمر بذلك في التطوع فلا يجوز الاستدلال به على وجوبها في الصلاة ~~المكتوبة قيل إذا ثبت وجوبها في التطوع فالفرض مثله لأن أحدا لم يفرق ~~بينهما وأيضا فإن قوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن يقتضي الوجوب لأنه ~~أمر والأمر على ms2475 الوجوب ولا موضع يلزم قراءة القرآن إلا في الصلاة فوجب أن ~~يكون المراد القراءة في الصلاة فإن قيل إذا كان المراد به بالقراءة في صلاة ~~التطوع والصلاة نفسها ليست بفرض فكيف يدل على فرض القراءة قيل له إن صلاة ~~التطوع وإن لم تكن فرضا فإن عليه إذا صلاها أن لا يصليها إلا بقراءة ومتى ~~دخل فيها صارت القراءة فرضا كما أن عليه استيفاء شرائطها من الطهارة وستر ~~العورة وكما أن الإنسان ليس عليه عقد السلم وسائر عقود البياعات ومتى قصد ~~إلى عقدها فعليه أن لا يعقدها إلا على ما أباحته الشريعة ألا ترى إلى # قوله صلى الله عليه وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل ~~معلوم # وليس عليه عقد السلم ولكنه متى قصد إلى عقده فعليه أن يعقده بهذه الشرائط ~~فإن قيل إنما المراد بقوله تعالى فاقرؤا ما تيسر من القرآن الصلاة نفسها ~~فلا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها قيل له هذا غلط لأن فيه صرف الكلام عن ~~حقيقة معناه إلى المجاز وهذا لا يجوز إلا بدلالة وعلى أنه لو أسلم لك ما ~~ادعيت كانت دلالته قائمة على فرض القراءة لأنه لم يعبر عن الصلاة بالقراءة ~~إلا وهي من أركانها كما قال تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون قال مجاهد ~~أراد به الصلاة وقال واركعوا مع الراكعين والمراد به الصلاة فعبر عن الصلاة ~~بالركوع لأنه من أركانها آخر سورة المزمل. ### | سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ولا تمنن تستكثر قال ابن عباس وإبراهيم ومجاهد وقتادة والضحاك ~~لا تعط عطية لتعطى أكثر منها وقال الحسن والربيع بن أنس لا تمنن حسناتك على ~~الله مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله وقال آخرون لا تمنن بما أعطاك الله ~~من النبوة والقرآن # PageV05P368 # مستكثرا به الأجر من الناس وعن مجاهد أيضا لا تضعف في عملك مستكثرا ~~لطاعتك قال أبو بكر هذه المعاني كلها يحتملها اللفظ وجائز أن يكون جميعها ~~مرادا به فالوجه حمله على العموم في سائر ms2476 وجوه الاحتمال وقوله تعالى وثيابك ~~فطهر يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات للصلاة وأنه لا تجوز الصلاة في ~~الثوب النجس لأن تطهيرها لا يجب إلا للصلاة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى عمارا يغسل ثوبه فقال مم تغسل ~~ثوبك فقال من نخامة فقال إنما يغسل الثوب من الدم والبول والمني # وقالت عائشة أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل المني من الثوب إذا ~~كان رطبا # وزعم بعضهم أن المراد بذلك ما روي عن أبي رزين قال عملك أصلحه وقال ~~إبراهيم وثيابك فطهر من الإثم وقال عكرمة أمره أن لا يلبس ثيابه على عذرة ~~وهذا كله مجاز لا يجوز صرف الكلام إليه إلا بدلالة واحتج هذا الرجل بأنه لا ~~يجوز أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتاج إلى أن يؤمر بغسل ثيابه من ~~البول وما أشبهه قال أبو بكر وهذا كلام شديد الاختلال والفساد والتناقض لأن ~~في الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر الأوثان بقوله تعالى والرجز ~~فاهجر ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان هاجرا للأوثان قبل النبوة وبعدها ~~وكان مجتنبا للآثام والعذرات في الحالين فإذا جاز خطابه بترك هذه الأشياء ~~وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك تاركا لها فتطهير الثياب لأجل ~~الصلاة مثله وقال الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تدع مع ~~الله إلها آخر والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع مع الله إلها قط فهذا يدل ~~على تناقض قول هذا الرجل وفساده وزعم أنه من أول ما نزل الله من القرآن قبل ~~كل شيء من الشرائع من وضوء أو صلاة أو غيرها وإنما يدل على أنها الطهارة من ~~أوثان الجاهلية وشركها والأعمال الخبيثة وقد نقض بهذا ما ذكره بديا من أنه ~~لم يكن يحتاج إلى أن يؤمر بتطهير الثياب من النجاسة أفتراه ظن أنه كان ~~يحتاج إلى أن يوصى بترك الأوثان فإذا لم يكن يحتاج إلى ذلك لأنه كان تاركا ~~لها وقد جاز ms2477 أن يخاطب بتركها فكذلك طهارة الثوب وأما قوله إن ذلك من أول ما ~~نزل فما في ذلك مما يمنع أمره بتطهير الثياب لصلاة يفرضها عليه وقد روي عن ~~عائشة ومجاهد وعطاء أن أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك الذي خلق آخر ~~سورة المدثر. «24- أحكام مس» # PageV05P369 ### | سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة # روي عن ابن عباس أنه قال شاهد على نفسه وقيل معناه بل الإنسان على نفسه ~~من نفسه بصيرة جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة قوله تعالى ولو ألقى معاذيره # قال ابن عباس لو اعتذر وقبل شهادة نفسه عليه أولى من اعتذاره قال أبو بكر ~~لما احتمل اللفظ هذه المعاني وجب حمله عليها إذ لا تنافي في هذا ويدل على ~~أن قوله مقبول على نفسه إذ جعله الله حجة على نفسه وشاهدا عليها ولما عبر ~~عن كونه شاهدا على نفسه بأنه على نفسه بصيرة دل على تأكيد أمر شهادته على ~~نفسه وثبوتها فيوجب ذلك جواز عقوده وإقراره وجميع ما اعترف بلزوم نفسه آخر ~~سورة القيامة. ### | سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه- إلى قوله تعالى وأسيرا عن أبي وائل ~~أنه أمر بأسرى من المشركين فأمر من يطعمهم ثم قرأ ويطعمون الطعام على حبه ~~الآية وقال قتادة كان أسيرهم يومئذ المشرك فأخوك المسلم أحق أن تطعمه وعن ~~الحسن وأسيرا قال كانوا مشركين وقال مجاهد الأسير المسجون وقال ابن جبير ~~وعطاء ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا قال هم أهل القبلة ~~وغيرهم قال أبو بكر الأظهر الأسير المشرك لأن المسلم المسجون لا يسمى أسيرا ~~على الإطلاق وهذه الآية تدل على أن في إطعام الأسير قربة ويقتضي ظاهره جواز ~~إعطائه من سائر الصدقات إلا أن أصحابنا لا يجيزون إعطاءه من الزكاة وصدقات ~~المواشي وما كان أخذه منها إلى الإمام ويجيز أبو حنيفة ومحمد جواز إعطائه ~~من الكفارات ونحوها وأبو يوسف لا يجيز دفع الصدقة الواجبة إلا إلى المسلم ~~وقد ms2478 بيناه فيما سلف آخر سورة الإنسان. ### | سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # قال الله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا قال الشعبي يعني أنه ~~جعل # PageV05P370 # ظهرها للأحياء وبطنها للأموات والكفات الضمام فأراد أنها تضمهم في ~~الحالين وروى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد ألم نجعل الأرض كفاتا قال تكفت ~~الميت فلا يرى منه شيء وأحياء قال الرجل في بيته لا يرى من عمله شيء قال ~~أبو بكر وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله ~~وهذا يدل على أن شعره وشيئا من بدنه لا يجوز بيعه ولا التصرف فيه لأن الله ~~قد أوجب دفنه # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله الواصلة وهي التي تصل شعر غيرها ~~بشعرها # فمنع الانتفاع به وهو معنى ما دلت عليه الآية وهذه الآية نظير قوله تعالى ~~ثم أماته فأقبره يعني أنه جعل له قبرا وروي في تأويل الآية غير ذلك وعن ابن ~~مسعود أنه أخذ قملة فدفنها في المسجد في الحصى ثم قال الله تعالى ألم نجعل ~~الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وعن أبي أمامة مثله وأخذ عبيد بن عمير قملة عن ~~ابن عمر فطرحها في المسجد قال أبو بكر هذا التأويل لا ينفي الأول وعمومه ~~يقتضي الجميع آخر سورة المرسلات. ### | سورة إذا السماء انشقت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فلا أقسم بالشفق قال مجاهد الشفق النهار ألا تراه # قال الله تعالى والليل وما وسق وقال عمر بن عبد العزيز الشفق البياض وقال ~~أبو جعفر محمد بن علي الشفق السواد الذي يكون إذا ذهب البياض قال أبو بكر ~~الشفق في الأصل الرقة ومنه ثوب شفق إذا كان رقيقا ومنه الشفقة وهو رقة ~~القلب وإذا كان هذا أصله فهو البياض أولى منه بالحمرة لأن أجزاء الضياء ~~رقيقة في هذه الحال وفي وقت الحمرة أكثف # وقوله تعالى وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون يستدل به على وجوب سجدة ~~التلاوة لذمه لتارك السجود عند سماع التلاوة وظاهره يقتضي إيجاب السجود عند ms2479 ~~سماع سائر القرآن إلا أنا خصصنا منه ما عدا مواضع السجود واستعملناه في ~~مواضع السجود بعموم اللفظ ولأنا لو لم نستعمله على ذلك كنا قد ألغينا حكمه ~~رأسا فإن قيل إنما أراد به الخضوع لأن اسم السجود يقع على الخضوع قيل له هو ~~كذلك إلا أنه خضوع على وصف وهو وضع الجبهة على الأرض كما أن الركوع والقيام ~~والصيام والحج وسائر العبادات خضوع ولا يسمى سجودا لأنه خضوع على صفة إذا ~~خرج عنها لم يسم به آخر سورة إذا السماء انشقت. # PageV05P371 ### | سورة سبح اسم ربك الأعلى # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى روي عن عمر بن عبد العزيز ~~وأبي العالية قالا أدى زكاة الفطر ثم خرج إلى الصلاة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بإخراج صدقة الفطر قبل الخروج ~~إلى المصلى # وقال ابن عباس السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة قال أبو بكر ويستدل ~~بقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى على جواز افتتاح الصلاة بسائر الأذكار لأنه ~~لما ذكر عقيب ذكر اسم الله الصلاة متصلا به إذ كانت الفاء للتعقيب بلا تراخ ~~دل على أن المراد افتتاح الصلاة آخر سورة سبح. ### | سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فك رقبة # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل علمني عملا يدخلني الجنة قال ~~أعتق النسمة وفك الرقبة قال أليسا سواء يا رسول الله فقال لا عتق النسمة أن ~~تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها # قال أبو بكر قد اقتضى ذلك جواز إعطاء المكاتب من الصدقات لأنه معونة في ~~ثمنه وهو نحو قوله في شأن الصدقات وفي الرقاب # وقوله تعالى ذي مسغبة ذي مجاعة # وقوله تعالى أو مسكينا ذا متربة قال ابن عباس المتربة بقعة التراب أي هو ~~مطروح في التراب لا يواريه عن الأرض شيء وعن ابن عباس أيضا رواية المتربة ~~شدة الحاجة من قولهم ترب الرجل إذا افتقر # وقوله تعالى ثم كان ms2480 من الذين آمنوا معناه وكان من الذين آمنوا فصارت ثم ~~هاهنا بمعنى الواو آخر سورة البلد. ### | سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر قيل لا تقهره بظلمه وأخذ ماله وخص ~~اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله فغلظ في أمره لتغليظ العقوبة على ظالمه # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا ظلم من لا ناصر له ~~غير الله # وقوله تعالى وأما السائل فلا تنهر فيه نهي عن إغلاظ القول له لأن ~~الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول وقد أمر في آية أخرى بحسن # PageV05P372 # القول له وهو قوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل ~~لهم قولا ميسورا وهذا وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد أريد ~~به جميع المكلفين آخر السورة. ### | سورة ألم نشرح # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا # حدثنا عبد الله بن محمد المروزي قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال ~~أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله تعالى فإن مع العسر يسرا قال ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم وهو مسرور يضحك وهو يقول لن يغلب عسر ~~يسرين لن يغلب عسر يسرين إن مع العسر يسرا # قال أبو بكر يعني أن العسر المذكور بديا هو المثنى به آخرا لأنه معرف ~~بالألف واللام فيرجع إلى المعهود المذكور واليسر الثاني غير الأول لأنه ~~منكور ولو أراد الأول لعرفه بالألف واللام # وقوله تعالى فإذا فرغت فانصب قال ابن عباس إذا فرغت من فرضك فانصب إلى ما ~~رغبك تعالى فيه من العمل وقال الحسن فإذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب إلى ~~ربك في العبادة وقال قتادة فإذا فرغت من صلاتك فانصب إلى ربك في الدعاء ~~وقال مجاهد فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب إلى عبادة ربك وهذه المعاني كلها ~~محتملة والوجه حمل اللفظ عليها فيكون كلها جميعها مرادا وإن خطابا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فإن ms2481 المراد به جميع المكلفين آخر السورة. ### | سورة ليلة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر- إلى قوله- ليلة القدر خير من ألف ~~شهر قيل إنما هي خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وذلك لما يقسم فيها من ~~الخير الكثير الذي لا يكون مثله في ألف شهر فكانت أفضل من ألف شهر لهذا ~~المعنى وإنما وجه تفضيل الأوقات والأماكن بعضها على بعض لما يكون فيها من ~~الخير الجزيل والنفع الكثير واختلاف الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ليلة القدر متى تكون واختلف الصحابة فيها # فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها ليلة ثلاث وعشرين رواه ابن عباس # وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال التمسوها في العشر ~~الأواخر واطلبوها في كل وتر # وعن ابن مسعود قال # PageV05P373 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة تسع عشرة من رمضان وليلة إحدى ~~وعشرين وليلة ثلاث وعشرين # وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تحروا ليلة القدر في ~~السبع الأواخر # وروي أنه قال في سبع وعشرين # حدثنا محمد بن بكر البصري قال أخبرنا أبو داود قال حدثنا حميد ابن زنجويه ~~النسائي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير ~~قال أخبرنا موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال هي في كل رمضان # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا سليمان بن حرب ومسدد ~~قالا حدثنا حماد بن زيد عن عاصم عن زر قال قلت لأبي بن كعب أخبرني عن ليلة ~~القدر يا أبا المنذر فإن صاحبنا يعني عبد الله بن مسعود سئل عنها فقال من ~~يقم الحول يصبها فقال رحم الله أبا عبد الرحمن والله لقد علم أنها في رمضان ~~ولكن كره أن يتكلوا والله إنها في رمضان ليلة سبع ms2482 وعشرين قال أبو بكر هذه ~~الأخبار كلها جائز أن تكون صحيحة فتكون في سنة في بعض الليالي وفي سنة أخرى ~~في غيرها وفي سنة أخرى في العشر الأواخر من رمضان وفي سنة في العشر الأوسط ~~وفي سنة في العشر الأول وفي سنة في غير رمضان ولم يقل ابن مسعود من يقم ~~الحول يصيبها إلا من طريق التوقيف إذ لا يعلم ذلك إلا بوحي من الله تعالى ~~إلى نبيه فثبت بذلك أن ليلة القدر غير مخصوصة بشهر من السنة وأنها قد تكون ~~في سائر السنة ولذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق في ليلة القدر ~~إنها لا تطلق حتى يمضي حول لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك ولم يثبت أنها ~~مخصوصة بوقت فلا يحصل اليقين بوقوع الطلاق بمضي حول آخر السورة. ### | سورة لم يكن الذين كفروا # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء فيه أمر ~~بإخلاص العبادة له وهو أن لا يشرك فيها غيره لأن الإخلاص ضد الإشراك وليس ~~له تعلق بالنية لا في وجودها ولا في فقدها فلا يصح الاستدلال به في إيجاب ~~النية لأنه متى اعتقد الإيمان فقد حصل له الإخلاص في العبادة ونفي الإشراك ~~فيها آخر السورة. # PageV05P374 ### | سورة أرايت الذي يكذب بالدين # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى الذين هم عن صلاتهم ساهون قال ابن عباس يؤخرونها عن وقتها ~~وكذلك قال مصعب بن سعد عن سعد وروى مالك بن دينار عن الحسن قال يسهون عن ~~ميقاتها حتى يفوت وروى إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال هم المنافقون يؤخرونها ~~عن وقتها يراؤن بصلاتهم إذا صلوا وقال أبو العالية هو الذي لا يدري أعلى ~~شفع انصرف أو على وتر قال أبو بكر يشهد لهذا التأويل ما # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ~~عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة ~~عن النبي صلى الله ms2483 عليه وسلم قال لا غرار في الصلاة ولا تسليم # ومعناه أنه لا ينصرف منها على غرار وهو شاك فيها ونظيره ما # روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شك في صلاته فلم يدر ~~أثلاثا صلى أم أربعا فليصل ركعة أخرى وإن كان قد تمت صلاته فالركعة ~~والسجدتان له نافلة # وروي عن مجاهد ساهون قال لاهون قال أبو بكر كأنه أراد أنهم يسهون للهوهم ~~عنها فإنما استحقوا اللوم لتعرضهم للسهو لقلة فكرهم فيها إذ كانوا مرائين ~~في صلاتهم لأن السهو الذي ليس من فعله لا يستحق العقاب عليه وقوله تعالى ~~يدع اليتيم قال ابن عباس ومجاهد وقتادة يدفعه عن حقه وقوله تعالى ويمنعون ~~الماعون قال على وابن عباس رواية ابن عمر وابن المسيب الماعون الزكاة # وروى الحارث عن علي الماعون منع الفأس والقدر والدلو # وكذلك قال ابن مسعود عن ابن عباس رضى الله عنهما رواية أخرى العارية وقال ~~ابن المسيب الماعون المال وقال أبو عبيدة كل ما فيه منفعة فهو الماعون قال ~~أبو بكر يجوز أن يكون جميع ما روي فيه مرادا لأن عارية هذه الآلات قد تكون ~~واجبة في حال الضرورة إليها ومانعها مذموم مستحق للذم وقد يمنعها المانع ~~لغير ضرورة فينبئ ذلك عن لؤم ومجانبة أخلاق المسلمين # وقال النبي صلى الله عليه وسلم بعثت لأتمم مكارم الأخلاق # آخر السورة. ### | سورة الكوثر # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى فصل لربك وانحر قال الحسن صلاة يوم النحر ونحر البدن وقال # PageV05P375 # عطاء ومجاهد صل الصبح بجمع وانحر البدن بمنى قال أبو بكر وهذا التأويل ~~يتضمن معنيين أحدهما إيجاب صلاة الضحى والثاني وجوب الأضحية وقد ذكرناه ~~فيما سلف # وروى حماد بن سلمة عن عاصم الجحدري عن أبيه عن علي فصل لربك وانحر قال ~~وضع اليد اليمنى على الساعد الأيسر ثم وضعه على صدره # وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس فصل لربك وانحر قال وضع اليمين على الشمال ~~عند النحر في الصلاة وروي عن عطاء أنه رفع اليدين في الصلاة ms2484 وقال الفراء ~~يقال استقبل القبلة بنحرك فإن قيل يبطل التأويل الأول # حديث البراء بن عازب قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الأضحى إلى البقيع فبدأ فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وقال إن أول نسكنا ~~في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ~~ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء # فسمى صلاة العيد والنحر سنة فدل على أنه لم يؤمر بهما في الكتاب قيل له ~~ليس كما ظننت لأن ما سنه الله وفرضه فجائز أن نقول هذا سنتنا وهذا فرضنا ~~كما نقول هذا ديننا وإن كان الله فرضه علينا وتأويل من تأوله على حقيقة نحر ~~البدن أولى لأنه حقيقة اللفظ ولأنه لا يعقل بإطلاق اللفظ غيره لأن من قال ~~نحر فلان اليوم عقل منه نحر البدن ولم يعقل منه وضع اليمين على اليسار ويدل ~~على أن المراد الأول اتفاق الجميع على أنه لا يضع يده عند النحر # وقد روي عن علي وأبي هريرة وضع اليمين على اليسار أسفل السرة # وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يضع يمينه على شماله في ~~الصلاة من وجوه كثيرة # آخر السورة. ### | سورة الكافرون # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى لكم دينكم ولي دين قال أبو بكر هذه الآية وإن كانت خاصة في ~~بعض الكفار دون بعض لأن كثيرا منهم قد أسلموا وقد قال ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد فإنها قد دلت على أن الكفر كله ملة واحدة لأن من لم يسلم منهم مع ~~اختلاف مذاهبهم مرادون بالآية ثم جعل دينهم دينا واحدا ودين الإسلام دينا ~~واحدا فدل على أن الكفر مع اختلاف مذاهبه ملة واحدة آخر السورة. # PageV05P376 ### | سورة إذا جاء نصر الله # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح روي أنه فتح مكة وهذا يدل على أنها ~~فتحت عنوة لأن إطلاق اللفظ يقتضيه ولا ينصرف إلى الصلح إلا بتقييد ms2485 # وقوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره # روى أبو الضحى عن مسروق عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ~~أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي # يتأول القرآن # وروى الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ~~قالت قلت يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك قد أحدثتها قال جعلت لي ~~علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخرها # آخر السورة. ### | سورة تبت # بسم الله الرحمن الرحيم # قوله تعالى ما أغنى عنه ماله وما كسب روي عن ابن عباس وما كسب يعني ولده ~~وسماهم ابن عباس الكسب الخبيث # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده ~~من كسبه # قال أبو بكر هو # كقوله أنت ومالك لأبيك # وهو يدل على صحة استيلاد الأب لجارية ابنه وأنه مصدق عليه وتصير أم ولده ~~ويدل على أن الوالد لا يقتل بولده لأنه سماه كسبا له كما لا يقاد لعبده ~~الذي هو كسبه # وقوله تعالى سيصلى نارا ذات لهب إحدى الدلالات على صحة نبوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأنه أخبر بأنه وامرأته سيموتان على الكفر ولا يسلمان فوجد ~~مخبره على ما أخبر به وقد كان هو وامرأته سمعا بهذه السورة ولذلك قالت ~~امرأته إن محمدا هجانا فلو أنهما قالا قد أسلمنا وأظهرا ذلك وإن لم يعتقداه ~~لكانا قد ردا هذا القول ولكان المشركون يجدون متعلقا ولكن الله علم أنهما ~~لا يسلمان إلا بإظهاره ولا باعتقاده فأخبر بذلك وكان مخبره على ما أخبر به ~~وهذا نظير قوله لو قال إنكما لا تتكلمان اليوم فلم يتكلما مع ارتفاع ~~الموانع وصحة الآلة فيكون ذلك من أظهر الدلالات على صحة نبوته وإنما ذكر ~~الله أبا لهب # PageV05P377 # بكنيته وذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسمه وكذلك زيد وكل من ذكره ms2486 في ~~الكتاب فإنما ذكرهم بالاسم دون الكنية لأن أبا لهب كان اسمه عبد العزى وغير ~~جائز تسميته بهذا الاسم فلذلك عدل عن اسمه إلى كنيته آخر سورة. ### | سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا عبد الله بن محمد ~~النفيلي قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري عن أبيه عن عقبة بن عامر قال بينا أنا أسير مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتعوذ بأعوذ برب الفلق وأعوذ برب الناس ويقول يا عقبة ~~تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما قال وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة # وروي عن جعفر بن محمد قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرقاه ~~بالمعوذتين # وقالت عائشة أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسترقي من العين # وروى الشعبي عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رقية إلا ~~من عين أو حمى # وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله # وحدثنا محمد بن بكر قال حدثنا أبو داود قال حدثنا محمد بن العلاء قال ~~حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ~~ابن أخي زينب امرأة عبد الله عن زينب امرأة عبد الله عن عبد الله قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الرقى والتمائم والتولة شرك # قالت قلت لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان ~~اليهودي يرقيني فإذا رقاني سكنت فقال عبد الله إنما ذلك عمل الشيطان كان ~~ينخسها بيده فإذا رقاهما كف عنهما إنما يكفيك أن تقولي كما # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أذهب الباس رب الناس اشف أنت ~~الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما # وقوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد قال ms2487 أبو صالح النفاثات في العقد ~~السواحر وروى معمر عن قتادة أنه تلا ومن شر النفاثات في العقد قال إياكم ~~وما يخالط السحر من هذه الرقى قال أبو بكر النفاثات في العقد السواحر ينفثن ~~على العليل ويرقونه بكلام فيه كفر وشرك وتعظيم للكواكب ويطعمن العليل ~~الأدوية الضارة والسموم القاتلة ويحتالون في التوصل إلى ذلك ثم يزعمن أن ~~ذلك من رقاهن هذا لمن أردن ضرره # PageV05P378 # وتلفه وأما من يزعمن أنهن يردن نفعه فينفثن عليه ويوهمن أنهن ينفعن بذلك ~~وربما يسقينه بعض الأدوية النافعة فينفق للعليل خفة الوجع فالرقية المنهي ~~عنها هي رقية الجاهلية لما تضمنته من الشرك والكفر وأما الرقية بالقرآن ~~وبذكر الله تعالى فإنها جائزة وقد أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وندب ~~إليها وكذلك قال أصحابنا في التبرك بالرقية بذكر الله وإنما أمر الله تعالى ~~بالاستعاذة من شر النفاثات في العقد لأن من صدق بأنهن ينفعن بذلك كان ذلك ~~ضررا عليه في الدين من حيث يعتقد جواز نفعها وضررها بتلك الرقية ومن جهة ~~أخرى شرهن فيما يحتلن من سقى السموم والأدوية الضارة # وقوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسن ~~بن أبي الربيع قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى ومن ~~شر حاسد إذا حسد قال يقول من شر عينيه ونفسه # قال أبو بكر قد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تسترقي ~~من العين # وروى ابن عباس وأبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال العين حق # والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بصحة العين متظاهرة # حدثنا ابن قانع قال حدثنا القاسم بن زكريا قال حدثنا سويد بن سعيد قال ~~حدثنا أبو إبراهيم السقاء عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم العين حق فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين فإذا ~~استغسلتم فاغسلوا # قال أبو بكر زعم بعض الناس أن ضرر العين إنما هو ms2488 من جهة شيء ينفصل من ~~العائن فيتصل بالمعين وهذا هو شر وجهل وإنما العين في الشيء المستحسن عند ~~العائن فيتفق في كثير من الأوقات ضرر يقع بالمعين ويشبه أن يكون الله تعالى ~~إنما يفعل ذلك عند إعجاب الإنسان بما يراه تذكيرا له لئلا يركن إلى الدنيا ~~ولا يعجب بشيء منها وهو نحو ما # روي أن العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن تسبق فجاء ~~أعرابي على قعود له فسابق بها فسبقها فشق ذلك على أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا ~~إلا وضعه # وكذلك أمر العائن عند إعجابه بما يراه أن يذكر الله وقدرته فيرجع إليه ~~ويتوكل عليه قال الله تعالى ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله فأخبر بهلاك جنته عند إعجابه بها بقوله فقال ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا- إلى قوله تعالى ولولا إذ دخلت جنتك قلت ~~ما شاء الله لا قوة إلا بالله أي لتبقى عليك نعم الله تعالى إلى وقت وفاتك # وحدثنا # PageV05P379 # عبد الباقي قال حدثنا إسماعيل بن الفضل قال حدثنا العباس بن أبي طالب قال ~~حدثنا حجاج قال حدثنا أبو بكر الهذلي عن ثمامة عن أنس قال قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم من رأى شيئا أعجبه فقال الله الله ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله # لم يضره شيء. PageV05P380 ms2489