######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000286 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الجصاص #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي الرازي الجصاص #META# 011.AuthorBORN :: 305 #META# 011.AuthorDIED :: 370 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفصول في الأصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الفصول في الأصول #META# 030.LibURI :: JK_000286 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د. عجيل جاسم النشمي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية #META# 044.EdPLACE :: الكويت #META# 045.EdYEAR :: 1405 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # اصول الفقه المسمى في الفصول في الاصول PageV01P001 # أما بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه ~~فصول وأبواب في أصول الفقه تشمل على معرفة طرق استنباط معاني القرآن ~~واستخراج دلائله وأحكام ألفاظه وما تتصرف عليه أنحاء كلام العرب والاسماء ~~اللغوية والعبارات الشرعية والله نسأل التوفيق لما يقر بنا إليه ويزلفنا ~~لديه إنه ولي ذلك والقادر عليه & باب العام وفيه فصول & # | فصل الظواهر التي يجب اعتبارها # من الظواهر التي يجب اعتبارها # ما روى في خبر ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في ~~الفلاة من PageV01P040 الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع فقال إذا كان ~~الماء قلتين لم يحمل خبثا فسئل عن حكم النجاسات فأجاب عن الدواب والسباع ~~بجواب مطلق فدل على نجاسة سؤر السباع لولا ذلك لبينه عليه السلام وفصل حكمه ~~في الجواب # فهذا وما جرى مجراه هو من الظواهر التي يجب اعتبارها في إيجاب الأحكام ~~بها # ومن الظواهر التي يجب اعتبارها أن يرد لفظ عموم معطوف عليه ومع ذلك فيمكن ~~استعماله في نفسه إذا أفرد عما قبله # فالجواب فيما إذا كان هذا سبيله اعتباره بنفسه من غير تضمين بما قبله إلا ~~أن تقوم دلالة النظير بما عطف عليه نحو قوله تعالى @QB@ واللائي يئسن من ~~المحيض @QE@ إلى قوله PageV01P041 @QB@ وأولات الأحمال أجلهن @QE@ وإن كان ~~معطوفا على غيره فإنه يمكن إجراء حكمه على ما أوجبه ظاهر لفظه من غير تضمين ~~له ما تقدمه لأنه لو ورد منفردا عما تقدمه لزمه الحكم بما تضمنه من غير ~~افتقار إلى ورود بيان فيه # وليس لأحد ان يقصر هذا الحكم على المطلقة من المتوفي عنها زوجها من أجل ~~أن ما تقدمه من ذكر العدد وارد في بيان المطلقة دون المتوفي عنها زوجها ~~وقوله تعالى @QB@ واللائي يئسن من المحيض @QE@ وذلك أن كل لفظ قائم بنفسه ~~غير مفتقر إلى غيره متى حملناه على غيره وقصرنا حكمه عليه فقد خصصناه # والتخصيص لا يجوز إلا بدلالة فوجب من أجل ذلك حمل ms001 اللفظ على مقتضاه ~~منفردا عما قبله # فان قال قائل ووقوله تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ ~~غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم لأن معناه غير مفهوم من ظاهره إذ ليس الأجل ~~مختصا بالعدد دون غيرها قيل له هذا المعنى الذي ذكرناه كان معقولا من ظاهر ~~الآية عند المخاطبين بها ولم يكونوا مفتقرين عند سماعها في معرفة حكمها إلى ~~بيان يرد من غيرها # والدليل عليه أن فريعة بنت مالك لما أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله ~~عن الانتقال عن بيت زوجها في عدتها وكان قد قتل عنها قال لها صلى الله عليه ~~وسلم لا حتى يبلغ الكتاب أجله PageV01P042 # فلم تحتج هذه المرأة مع سماع هذا اللفظ إلى بيان من غيره مع كونها جاهلة ~~بالحكم ولو لم يكن هذا اللفظ مكتفيا في إلزامها السكون في بيت زوجها ما ~~دامت معتدة لما أقتصر النبي صلى الله عليه وسلم لها عليه حتى يرده تبيان ~~يزول معه الإشكال لا سيما وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم انها جاءت ~~مستفتية له جاهلة الحكم # ويدل على صحة ما ذكرنا أن عبدالله بن مسعود كان يقول من شاء باهلته ان ~~قوله تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ نزل بعد قوله ~~تعالى @QB@ أربعة أشهر وعشرا @QE@ PageV01P043 # احتج بذلك على من خالفه بعدة المتوفي عنها زوجها إذا كانت حاملا أنها ~~أبعد الأجلين # فكان عنده أن عموم هذا اللفظ كاف في اعتبار الحمل لسائر المعتدات # فبان بذلك صحة ما ذكرنا من وجوب اعتبار حكم اللفظ بنفسه دون تضمينه بما ~~هو معطوف عليه متى اكتفى بنفسه في إفادة الحكم # ومن نظائر ذلك قول الله تعالى @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~جزاء بما كسبا @QE@ إلى قوله @QB@ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح @QE@ كلام ~~مكتف بنفسه لو ابتدي الخطاب به صح معناه ولا يجوز أن يجعله مضمنا لبيان ~~السرقة # فنستدل به على سقوط القطع بالتوبة وليس هذا كقوله تعالى في شأن المحاربين ~~@QB@ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم @QE@ لأن قوله ms002 تعالى راجع إلى ~~المذكورين لأن فيه كناية لا بد أن يكون له مظهر يرجع إليه وهم من تقدم ~~ذكرهم ولأنه استثناء غير مكتف بنفسه إلا بتضمينه بما قبله # وكل لفظ معطوف على غيره لا يستقل بنفسه إلا بتضمينه بما قبله وجب رده ~~إليه PageV01P044 وتضمينه به نحو قوله تعالى @QB@ فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ هذا خطاب لو ابتدأ لم يفد معنى فصح أنه معطوف على ما تقدمه ~~وأن النكاح المبدوء بذكره مضمر فيه فصار تقدير الآية @QB@ فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء @QE@ وانكحوا ما ملكت أيمانكم ويكون النكاح المضمر في ملك ~~اليمين هو النكاح المبدوء بذكره وهو العقد لاقتضاء اللفظ إضماره بعينه # ومن حمله على الوطء فإنما أضمر فيه معنى لم يجر له ذكر في الخطاب وترك ما ~~هو مذكور فيه وهذا لا يجوز PageV01P045 & فصل & # قال أبو بكر # ومتى تناول اللفظ معنيين هو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة فالواجب حمله ~~على الحقيقة ولا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة لأن الأظهر من الأسماء أن كل ~~شيء منها فهو مستعمل في موضعه ولا يعقل منه العدول به عن موضعه إلا بدلالة # والحقيقة هي اللفظ المتسعمل في موضعه الموضع له في اللغة والمجاز هو ~~المعدول به عن حقيقته والمستعمل في غير موضعه الموضوع له في أصل اللغة ولا ~~يجوز أن يعدل به عن جهته وموضعه إلا بدلالة # وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول لا يجوز استعماله للمعنيين جميعا في ~~حال واحد لأن هذا يوجب كون اللفظ حقيقة مجازا في حال واحدة وهذا محال أو ~~كانت الحقيقة ما استعمل في موضعه والمجاز ما استعمل في غير موضعه # ومحال أن يكون لفظ واحد مستعملا في موضعه ومعدا به عن موضعه في حال واحدة ~~PageV01P046 # وذلك نحو القرء انه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر فالواجب حمله على ~~الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز ولا يجوز أن يراد المعنيان جميعا في حال ~~واحدة PageV01P047 # ومن نظائر ذلك قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم @QE@ واسم ~~النكاح حقيقة للوطء مجاز ms003 للعقد فالواجب إذا ورد مطلقا حمله على الوطء حتى ~~تقوم الدلالة على غيره ولا يجوز أن ينتظمهما في حال واحدة لما وصفنا # وكذلك كان يقول في اللفظ إذا تناول معنيين وهو صريح في أحدهما كناية عن ~~الآخر أنه لا يجوز أن يراد المعنيان جميعا بلفظ واحد لأن هذا يوجب كون ~~اللفظ صريحا كناية في حال واحدة وهذا محال # وأيضا فإنه متى أراد أحدهما فكأنه قد نص عليه بعينه فانتفى أن يكون عبارة ~~عن الآخر # ومتى ورد مطلقا وجب حمله على الصريح دون الكناية حتى تقوم الدلالة على أن ~~المراد الكناية وذلك نحو قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ # فاللمس حقيقة باليد ونحوها فهو كناية عن الجماع فغير جائز أن يكون المراد ~~به PageV01P048 المعنيين جميعا في حال واحدة # ويدل على انتفاء ارادة المعنيين جميعا أن الصحابة لما اختلفت في مراد ~~الآية ان كل من اثبت المراد أحد المعنيين نفى المعنى الآخر أن يكون مرادا ~~وذلك أن أمير المؤمنين عليا وابن عباس رضي الله عنهما قالا المراد الجماع ~~وكان عندهما ان اللمس باليد PageV01P049 غير مراد وقال عمر وعبدالله بن ~~مسعود رحمة الله عليهما المراد اللمس باليد دون الجماع فكانا من أجل ذلك لا ~~يريان للجنب أن يتيمم فحصل من اتفاقهم انتفاء ارادة المعنيين جميعا بلفظ ~~واحد وهذا يدل على انهم كان لا يجيزون ارادة المعنيين بلفظ واحد على الحد ~~الذي بيناه & فصل & # قال أبو بكر # ومن الظواهر ما يقضي عليه دلالة الحال فينقل حكمه إلى ضد موجب لفظه في ~~حقيقة اللغة نحو قوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ @QB@ فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر @QE@ @QB@ واستفزز من استطعت منهم @QE@ ونحو ذلك # فلو ورد هذا الخطاب مبتدئا عاريا عن دلالة الحال لكان ظاهره يقتضي اباحة ~~جميع الافعال وهو في هذه الحال وعيد وزجر بخلاف ما يقتضيه حكم اللفظ المطلق ~~العاري عن دلالة الحال PageV01P050 # ومن نظائر ذلك قول النجاشي % إذا الله عادى أهل لؤم ورقة % فعادى بني ~~العجلان رهط ابن مقبل % % قبيلة لا يغدرون بذمة % ولا يظلمون ms004 الناس حبة ~~خردل % # ومعلوم أن النسا يتمدحون بنفي الغدر والظلم عن أنفسهم وهوفي هذا الموضع ~~ذم وهجاء فخرج اللفظ مخرج الهجاء فكان معناه انهم أقل من أن يوثق لهم بذمة ~~يغدرون بها وأعجز من ان يظلموا أحدا فكانت دلالة الحال ناقلة لحكم اللفظ ~~إلى ضد مقتضاه وموجبه لو كان وروده مطلقا # ومما اعتبر أصحابنا في هذا المعنى من مسائل الفقه قولهم من قامت امرأته ~~لتخرج فقال لها إن خرجت فأنت طالق أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث ~~وكذلك لو قال الرجل تغد عندي اليوم فقال ان تغديت فعبدي حشر ان هذا على ذلك ~~الغداء بعينه فان تغدى فعنده بعد ذلك لم يحنث # وكذلك لو قال والله إن تغديت اليوم فعبدي حر فصارت اليمين على اليوم ~~لدلالة الحال عليها # قال أبو بكر # ومما يجب مراعاته من مغالطات الخصوم في هذا الباب احتجاجهم في زعمهم ~~PageV01P051 بعموم ألفاظ من الكتاب والسنة متى حصلت عليهم وكشف عن حقيقتها ~~لم يتحصل منها شيء نحو احتجاج بعضهم في أن رقبة الظهار شرطها أن تكون مؤمنة ~~بقوله تعالى @QB@ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون @QE@ # والكافر خبيث ولا يجوز زعم بالظاهر ونحن متى سلمنا أن العتق من الإنفاق ~~لم يكن في لفظ الآية دلالة على ما قالوا وذلك لان الخبيث هو كفر الكافر لا ~~عين فعل الله تعالى وغير جائز أن يذم من أجلها # والذي أنفقه المعتق بعتقه ليس هو الكفر وإنما هو العتق والعتق ليس بخبيث ~~وكيف يكون خبيثا وهو قربة إلى الله تعالى فلم يحصل لهذه الآية تعلق بهذه ~~المسألة # ونظيره احتجاج من احتج منهم بسقوط حق الإمام في أخذ صدقة السائمة اذا ~~PageV01P052 أعطاها رب المال المساكين بقوله تعالى @QB@ إن تبدوا الصدقات ~~فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم @QE@ # فيستدل بظاهر قوله تعالى @QB@ فهو خير لكم @QE@ على سقوط حق الإمام في ~~أخذها متى أخرجها رب المال # وهذا نظير ما ذكرناه في الفصل الذي قبله لأن هذه الآية إنما تدل على أنه ~~إذا ms005 أعطاها الفقراء وأخفاها فهر خير له ولا دلالة فيه على أن الإمام لا ~~يأخذها منه ثانيا # وموضع دلالة الآية لا يتنافى لأنا نقول إخفاؤها خير له وللإمام مع ذلك ~~أخذها فإذن لا دلالة في الآية على موضع الخلاف بل دلالتها على صحة قولنا ~~أظهر منها على قول المخالف لأنا نقول هو خير له لأن الإمام يأخذ مرة اخرى ~~فيحصل له الصدقة مرتين فيكون خيرا له من هذا الوجه # ومن نظائر احتجاجهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح رأسه ~~ثلاثا في الوضوء قالوا فهذا أولى من رواية من روى المسح مرة واحدة لأنه ~~زائد عليه وخبر الزائد أولى ومتى حملت عليهم معنى هذا الخبر وقابلته بموضع ~~الخلاف لم يعترض عليه لأنا لم نختلف فيه أنه يمسح ثلاثا وإنما الخلاف بيننا ~~وبينهم في تحديد الماء لكل مسحة وليس لهذا المعنى ذكر في الخبر والاحتجاج ~~به ضرب من المغالطة # ونحوه الإستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دم الحيض حتيه ثم ~~أقرصيه ثم اغسليه بالماء PageV01P053 # على أن غسل النجاسات لا يجوز إلا بالماء وهذا غلط وليس فيه بيان موضع ~~الخلاف لأن الذي تضمنه الخبر الأمر بغسل دم الحيض بالماء ومتى أزيل الدم ~~بخل أو نحوه لم يبق هناك دم تناوله لفظ الخبر فإذن لا تعلق لهذاالخبر ~~بمسألة الخلاف # ومثله استدلال من استدل على نجاسة الماء بموت الذباب فيه بقوله تعالى ~~@QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ والآية إنما أوجبت تحريم الميتة والماء الذي ~~فيه ميتة لا يسمى ميتة فيكف يجوز اعتبار عموم لفظ لم يتناول الماء بحال # ونظيره استدلال من يستدل على ضمان العارية والسرقة عند الهلال بقوله صلى ~~الله عليه وسلم على اليد ما أخذت حتى ترده # والخبر انما أوجب رد المأخود بعينه والقيمة التي يريد المخالف تضمينها ~~إياه لا ذكر لها في الخبر فاعتبار العموم فيه ساقط # ومما يكثر استعماله من ألفاظ العموم بين المناظرين حديث القاسم بن محمد ~~عن PageV01P054 عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ms006 من أدخل في ~~أمرنا ما ليس ( فيه ) فو رد ويروي من أدخل في ديننا ما ليس منا فهو رد وهذا ~~اللفظ مما لا يصح لأحد الاحتجاج به على مخالفة في فساد العقود والقرب وذلك ~~لأنه يحتاج في إثبات ما رام إثباته إلى دلالة غير اللفظ إذا كان أكثر ما ~~فيه أن الشيء إذا حصل منهيا عنه كان مردودا # نظير ذلك اختلافهم في الصلاة في الدار المغصوبة # إذا احتج مبطلوها بهذا الخبر PageV01P055 # قيل لهم قد علمنا أنه منهي عن ذلك فما الدلالة على أن جواز الصلاة في هذا ~~الحال ليس من أمره اذ ليس يمنع أن يكون اباحة الصلاة في هذه الدار ليس من ~~أمره ويكون جوازها وسقوط الفرض بها من أمره وهذا موضع خلاف فيحتاج المحتج ~~بالخبر إلى ان يقيم دلالة من غير الخبر على ان جوازها ليس من أمره فيسقط ~~الاستدلال به # وهذا الضرب من احتجاج المخالفين اكثر من أن يحصى وانما ذكرنا منه طرفا ~~لننبه به على نظائره ولئلا يحسن الظن به فيما يدعيه ظاهرا حتى يوافق على ~~تصحيح وجه الدلالة منه فان اكثر احتجاجاتهم تجري هذا المجرى فمتى طولب ~~بتحقيقه اضمحل PageV01P056 & الباب الثاني في صفة النص& PageV01P057 ~~PageV01P058 & باب في صفة النص & # قال أبو بكر # النص كل ما يتناول عينا مخصوصة بحكم ظاهر المعنى بين المراد فهو نص وما ~~يتناوله العموم فهو نص أيضا وذلك لانه لا فرق بين الشخص المعين إذا أشير ~~إليه بعينه وبين حكمه وبين ما يتناوله العموم # إذ كان العموم اسما لجميع ما تناوله وانطوى تحته PageV01P059 # والمنصوص عليه ما نص عليه باسمه # ومن الدليل على ذلك ان احدا من المسلمين لا يمتنع من اطلاق القول بأن ~~الله تعالى قد نص على تحريم الام بقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ ~~وان قطع السارق منصوص عليه بقوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ وكذلك ~~جلد الزاني وايجاب القصاص على قاتل العمد # وكل انما نص على حكمه بعموم لفظ ينتظم ما شمله الاسم من غير اشارة إلى ~~عين مخصوصة وليس جواز دخول ms007 الاستثناء على لفظ العموم وجواز تخصيصه بمانع من ~~أن يكون نصا اذا لم تقم دلالة التخصيص كما ان العدد الذي يتناوله اسم ~~العشرة منصوص عليه بذكر العشرة مع جواز دخول الاستثناء عليها ولان المشار ~~اليه بعينه يجوز ادخال الشرط عليه وتعليقه بحال اخرى ولم يمنع ذلك ان يكون ~~نصا إذا عري من شرط أو ذكر حال # والنص في اللغة هو المبالغة في اظهار الشيء وابانته # فمنه قولهم نصصت الحديث إلى فلان بمعنى اني اظهرت أصله ومخرجه # قال الشاعر % أنص الحديث إلى أهله % فان الامانة في نصه % # ومنه نصصت الدابة في السير اذا اظهرت أقصى ما عندها PageV01P060 # قال الشاعر # % تقطع الخرق يسير نص % ومنه المنصة وهو الفرش الذي يرفع ليقعد عليه ~~العروس ليكون ظاهرا للحاضرين وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول في معنى ~~النص نحوا مما ذكرنا # وكان يقول ايضا في اللفظ المحتمل لضروب من التأويل ان ما قمت له الدلالة ~~على بعض المعاني انه هو المراد جاز له أن يقول ان هذا نص عندي # وكذلك إذا روى ذلك التأويل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز ان ~~يقال ان ذلك نص الكتاب لبيان النبي صلى الله عليه وسلم مراد الله تعالى فيه # وذلك نحو قوله تعالى @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ يحتمل السلطان ~~المعاني المختلفة # فاذا قامت الدلالة عندنا على أن المراد به القود جاز ان يقول قد نصت هذه ~~الآية على ايجاب القود لولي المقتول ظلما PageV01P061 & الباب الثالث في ~~معنى المجمل & # وفيه ثلاثة فصول الفصل الأول أوجه وأقسام المجمل الفصل الثاني الاحتجاج ~~بعموم اللفظ المجمل الفصل الثالث الأسماء المشتركة PageV01P062 & باب في ~~معنى المجمل & # | فصل # قال أبو بكر # المجمل على وجهين # أحدهما يقارب معناه معنى العموم لان العموم لا بد من ان يشتمل على جملة ~~اذا كان يقتضى جمعا من الاسماء وكل جمع فهو جملة # فمعنى العام والمجمل لا يختلفان في هذا الوجه # فجائز ان يعبر بالمجمل عن العام # وقد ذكر أبو موسى عيسى بن ابان رحمه الله العام ms008 في مواضع فسماه مجملا ~~وهذا كلام في العبارة لا يقع في مثله مضايقة # والوجه الاخر ان يكون الاجمال في لفظ واحد مجهول فهذا لا يكون عموما ولا ~~عبارة عنه نحو قوله تعالى @QB@ وفي أموالهم حق للسائل والمحروم @QE@ ونحو ~~قول القائل أعط زيدا حقه وهو ما أبينه لك بعد هذا فهذا مجمل ليس فيه معنى ~~العموم # فالمعقول عندهم من اطلاق لفظ العموم انه اللفظ المشتمل على مسميات قد علق ~~PageV01P063 به حكم يمكن استعماله على ظاهره وما تناوله لفظه غير مفتقر إلى ~~بيان من غيره # نحو قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وما أشبهه من الفاظ الجمع ~~المطلق # واما المجمل فهو اللفظ الذي يمكن استعمال حكمه عند وروده ويكون موقوفا ~~على بيان من غيره وهو على قسمين # احدهما ما يكون اجماله في نفس اللفظ بان يكون اللفظ في نفسه مبهما غير ~~معلوم المراد عند المخاطبين # والقسم الآخر ان يكون اللفظ مما يمكن استعماله لو خلينا وما يقتضيه ظاهره ~~الا انه يصير في معنى المجمل بما يقترن اليه مما يوجب اجماله من لفظ أو ~~دلالة # فأما القسم الاول # فنحو قوله تعالى @QB@ قل الله يفتيكم في الكلالة @QE@ وآتو حقه يوم حصاده ~~و @QB@ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون @QE@ @QB@ فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا @QE@ وقول النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P064 أمرت ان اقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم ~~إلا بحقها وقوله صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يؤتمن فيه الخائن ~~ويخون فيه الامين ويتكلم فيه الرويبضة قيل يا رسول الله وما الرويبضة قال ~~سفيه القوم يتكلم في أمر العامة وقد كان السامعون له من اهل اللغة ولم ~~يعرفوا معناه حتى بينه لهم بعد سؤالهم اياه وكقول القائل اعط زيدا حقه فهذا ~~هو المجمل الذي اجماله في نفس اللفظ ولا سبيل إلى استعمال حكمه الا ببيان ~~من غيره # ومن هذا الضرب اسماء الشرع الموضوعة فيه لمعان لم تكن موضوعة لها في ~~اللغة PageV01P065 نحو الربا في اللغة الزيادة يقال ms009 اربى فلان على فلان في ~~القول والفعل والرابية هي الأرض المرتفعة الزائدة على ما يليها # وهو في الشرع اسم لمعان اخر غير ما كان اسما له في اللغة # قال النبي صلى الله عليه وسلم انما الربا في النسيئة وقال عمر رضي الله ~~عنه ان من الربا ابوابا لا تخفى منها السلم في السن يعني في الحيوان وقال ~~عمر ايضا ان آية الربا من آخر ما نزل من القرآن وان النبي صلى الله عليه ~~وسلم توفي من قبل ان يبينه لنا فدعوا الربا والريبة PageV01P066 # وكان عمر من أهل اللسان ولم يكن محتاجا إلى البيان فيما كان طريق معرفة ~~استدراكه اللغة وأخبر مع ذلك ان الفظ الربا كان مفتقرا إلى البيان إذ كان ~~لفظا شرعيا قد أريد به ما لا ينتظمه الاسم من طريق اللغة # والزكاة هي النماء يقال زكا الزرع إذا نما # والصوم الامساك والكف عن الشيء قال الله تعلى @QB@ إني نذرت للرحمن صوما ~~@QE@ يعني صمتا # وقال امرؤ القيس % فدعها وسل الهم عنك بجسرة % ذمول إذا صام النهار وهجرا ~~% PageV01P067 # وقال النابغة % خيل صيام وخيل غير صائمة % تحت العجاج وخيل تعلك اللجما % # والصلاة الدعاء في اللغة وقال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما @QE@ وقد أريد بهذه الاسماء معاني لم يكن الاسم موضوعا ~~لها في اللغة فمتى ورد شيء من هذه الالفاظ مطلقا ولم يكن المراد بها اشارة ~~إلى معهود فهو مجمل محتاج إلى البيان # وقد كان شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول مرة في قوله تعالى @QB@ ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ انه من المجمل لا يصح الاحتجاج ~~بعمومه لتعلق الحكم PageV01P068 فيه بمعان لا ينتظمها الاسم وليس هو عبارة ~~عنها من نحو المقدار والحرز فصار كاسم الصلاة والزكاة والصوم ونحوها لتعلق ~~الحكم فيها بمعان لم يكن الأسم موضوعا لها في اللغة # قال أبو بكر # وهذا عندي يوجب اجماله وان كان اللفظ قد صار مجملا عندي من وجه آخر غير ~~هذا قد بيناه في شرح مختصر الطحاوي # وأما القسم الآخر ms010 منه # فو ان يرد لفظ عموم يمكن استعماله على ظاهره فيما انتظمه معناه لو اقتصر ~~عليه فتعلقه بمعنى يوجب اجماله ووقوعه على ورود البيان فيه نحو قوله تعالى ~~@QB@ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم @QE@ فصار اللفظ به مجملا اذا ~~أراد بقوله @QB@ إلا ما يتلى عليكم @QE@ مما قد حصل تحريمه الآن وأبينه لكم ~~في الثاني PageV01P069 # وذلك لأنه قد يجوز ان يريد بقوله @QB@ إلا ما يتلى عليكم @QE@ إلا ما ~~يتبين لكم مما قد حصل تحريمه الآن # ويحتمل ان يريد الا ما سنحرم عليكم # واذا كان المراد الوجه الثاني لم يصر لفظ الإباحة به مجملا وانما يصير ~~مجملا إذا كان المراد الوجه الأول # ومثله قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم @QE@ ~~فلو خلينا وظاهره وجب استعماله على عمومه فلما قرن إليه قوله تعالى @QB@ ~~محصنين غير مسافحين @QE@ احتمل ان يريد ان يجعل كونه على صفة الافعال شرطا ~~للاباحة فإن كان كذلك فاللفظ مجمل لأن الإباحة معلقة بشرط حصول الاحصان ~~بالنكاح والاحصان لفظ مجمل فصارت الإباحة مجملة مفتقرة إلى البيان # ويحتمل أن يريد بقوله تعالى @QB@ محصنين @QE@ الاخبار بحصول الاحصان ~~بالنكاح فيصير حينئذ عقد النكاح شرطا لحصول الاحصان ولا يكون لفظ الإباحة ~~مجملا # ومن نحو ذلك قوله تعالى @QB@ فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله @QE@ # فهذه الإباحة لا تقوم بنفسها حتى يثبت أنها مما أمر الله به PageV01P070 # ومما يضاهي ذلك أن يكون ما تحت الاسم معلوم المعنى إلا ان مراد المخاطب ~~فيه البعض منه غير معين في اللفظ يعلم ذلك مع ورود اللفظ لاستحالة اعتقاد ~~العموم فيه فيصير اللفظ مجملا محتاجا إلى البيان # وذلك نحو قوله تعالى @QB@ وافعلوا الخير @QE@ ليس يخلو قوله @QB@ وافعلوا ~~الخير @QE@ من أن يكون المراد به الوجوب أو الندب # فإن كان المراد به الوجوب استحال اعتقاد العموم فيه لانه معلوم مع ورود ~~اللفظ امتناع استيعاب جميعه على وجه الايجاب لانه يوجب ان يكون كل خير ~~واجبا ويستحيل أيضا منه فعل كل ما يسمى خيرا لأنه لا يحيط به ولا ms011 يتأتى له ~~فعله فصار حينئذ كقوله افعلوا بعض الخير على وجه الوجوب وذلك البعض غير ~~معلوم من اللفظ فحكمه موقوف على الدليل وهو في هذا الوجه بمنزلة قوله صوموا ~~لما لم يجز أن يكون المراد الامساك عن كل شيء صار بمنزلة قوله امسكوا عن ~~بعض الاشياء # فاللفظ مجمل مفتقر إلى البيان # هذا اذا كان المراد باللفظ الايجاب # فان كان المراد بقوله @QB@ وافعلوا الخير @QE@ الندب صح ان يكون المراد ~~به الجنس كله على حسب ما يختاره فيصير تقديره افعلوا من الخير ما شئتم ~~فانكم مندوبون اليه ومثابون عليه # وكيفما تصرفت الحال فالاحتجاج بقوله @QB@ وافعلوا الخير @QE@ في ايجاب ~~شيء من الاحكام ساقط # ومن نحو ذلك قوله تعالى @QB@ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة @QE@ ~~PageV01P071 # لا يصح الاحتجاج بعمومه في نفى المساواة بينهما في شيء من الأحكام متى ~~اختلفنا في مساواة الكافر المسلم في القصاص والشهادة ونحوهما وذلك لانه ~~معلوم أنه لم يرد بذلك نفى المساواة بينهما في كل شيء ولا يصح اعتقاد ذلك ~~فيهما لان المساواة قد حصلت قبل ذلك بينهما في أمور كثيرة من حيث هما جسمان ~~ومحدثان وسوى بينهما في تكليف الإيمان والفرائض وما لا يحصى من الاشياء ~~التي تساويا فيها # فصار تقدير اللفظ لا يستويان في بعض الاشياء ثم لا يخلو ذلك البعض من ان ~~يحصل معلوما عند المخاطبين لدلالة الحال عليه ويكون حكمه موقوفا على البيان ~~ودلالة الحال الموجبة لكون المعنى معلوما ظاهرة في الآية وهو قول الله ~~تعالى @QB@ أصحاب الجنة هم الفائزون @QE@ # فإنما نفى المساواة بينهم في الآخرة ومنه قول تعالى @QB@ وما يستوي ~~الأعمى والبصير @QE@ معلوم انه لم يرد به نفي المساواة في كل شيء وانما ~~أراد المساواة في معنى البصر وادراك الاشياء به فشبه الكافر بالاعمى ~~والمؤمن بالبصير فلا يصح الاحتجاج به في نفى المساواة بينهما في الشهادة ~~والبيع والشراء ونحو ذلك # وكثير من المخالفين الذين لا يرجعون إلى تحصيل فيما يقولون يحتجون بهذا ~~وأشباهه إما جهلا منهم بمواضع الاحتاج واما قله دين PageV01P072 # ومن الناس من يظن ms012 ان قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ من ~~خبر المجمل الذي تقدم ذكره آنفا لانه قرن اليه ما أوجب اجماله بقوله @QB@ ~~وحرم الربا @QE@ وليس هذا من ذلك في شيء عندنا # وذلك لأن الربا لا يخلو من ان يكون لفظا مجملا أو عموما # فإن كان عموما فغير جائز ان يصير لفظ البيع متعلقا بعمومه في البيع الذي ~~ليس بربا كما لو قال أحل الله البيع وحرم بيع ما ليس عندك لم يوجب عليك ~~اجمال لفظ اباحة البيع فان كان لفظ الربا مجملا مفتقرا إلى البيان فإن الذي ~~يقع الاجمال فيه من لفظ البيع ما شككنا فيه انه ربا أو ليس بربا # فاما البيع الذي قد علم انه ليس بربا فاعتبار عموم لفظ البيع شائع في ~~اباحته وليس ذلك كقوله تعالى @QB@ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~@QE@ ولا مثل قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ~~محصنين @QE@ لأن ما يتلى علينا ليس يختص بنوع من هذه الجملة دون نوع ~~والاحصان لفظ مجمل قد علقت الاباحة به فبطلت دلالة الاباحة على الاطلاق ~~PageV01P073 # | فصل # قال أبو بكر # وكل لفظ مجمل قامت الدلالة على معنى قد أريد به صح الاحتجاج بعموم المعنى ~~الذي قامت الدلالة على أنه مراد كقوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ # إذا قامت الدلالة على أنه قد أريد العشر أو زكاة المال صح الاحتجاج ~~بعمومه في ايجاب العشر والزكاة في سائر الاموال إلا ما قام دليله # ونحوه قوله تعالى @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ # فقد اتفق الجميع على أن القود مراد فيصح الاحتاج به في ايجاب القود على ~~كل قاتل ظلما # وقد ينتظم آية واحدة العموم والمجمل معا في حكم واحد فلا يمنع ما فيها من ~~الاجمال الاحتجاج بعموم ما هو عام فيها متى اختلفنا في حكم قد تناوله ~~العموم وذلك نحو قوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ # هو مجمل في الصدقة عموم في الأموال # كقوله تعالى @QB@ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~@QE@ PageV01P074 # هو ms013 عموم فيما كسب وفيما أخرجته الأرض مجمل في المقدار الواجب # فمتى اختلفنا في الموجب فيه صح الاحتجاج بالعموم ومتى اختلفنا في الواجب ~~احتجنا إلى دلالة من غير الآية # ونحو قوله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ # متى اختلفنا في بعض المقتولين ظلما صح الاحتجاج بالآية في دخوله في الحكم ~~لأن قوله تعالى @QB@ ومن قتل مظلوما @QE@ عموم في المقتولين ظلما فدخل فيه ~~المسلم والكافر # ومتى اختلفنا في الواجب بالقتل لم يصح الاحتجاج بقوله سلطانا حتى يثبت ان ~~الحكم الذي رام الخصم اثباته مراد فيصح حينئذ الاحتاج بعمومه في الحكم ~~الواجب على ما بيناه PageV01P075 # | فصل # والأسماء المشتركة متى وردت مطلقة فهي مجملة لا يصح اعتبار العموم فيها # مثل قوله تعالى @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ والسلطان اسم يقع على ~~معان مختلفة مشتركة في هذا الاسم لان الحجة تسمى سلطانا والسلطان الذي يملك ~~الأمر والنهي وغير ذلك ونحوه قول القائل وجدت يكون من الموجدة وهي الغضب ~~ومن المحبة ومن وجدان الشيء # وكقوله رأيت عينا وذلك يقع على الدنانير وعلى عين الحيوان وعين الماء ~~وعين الركبة PageV01P076 # ومثل قوله @QB@ والبحر المسجور @QE@ # قيل انه الفارغ وقيل انه الملآن # فمتى ورد مثله مطلقا لم يجز ان يقال انه عموم يتناول جميع ما شمله الاسم ~~بل يكون موقوف المعنى على البيان # وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله في هذا ويحتج فيه بانه ~~متى أراد أحمد المعنيين فكأنه قد صرح به وسماه بعينه فلا يتناول المعنى ~~الآخر وليس هذا كالاخوة والانسان في انه يجوز ان يتناول الذكر والانثى ~~والاخ من الام والاخ من الاب لان المعنى الذي به سمى الجميع إخوه هو معنى ~~واحد من أجله سمى كل واحد أخا وكل واحد انسانا # فذلك عموم يصح اعتباره # وأما سائر الاسماء التي قدمنا ونظائرها فانها تتناول الشيء وضده على وجوه ~~مختلفة فم يجز أن يراد باللفظ الواحد جميع ما يتناوله الاسم # وقد قال أصحابنا فيمن أوصى بثلث ماله لمواليه وله مولى أعلا ومولى أسفل ~~ان الوصية ms014 باطلة اذا لم يبين # وكان أبو الحسن رحمه الله يحتج لذلك بان الاسم يتناول كل واحد منهما على ~~وجه PageV01P077 الحقيقة واحدهما منعم والآخر منعم عليه فلم يجز أن يرادا ~~جميعا باللفظ # وكان يستدل به على ان الاسم الواحد اذا تناول ضدين لم يجز أن يرادا جميعا ~~بلفظ واحد وكان يذكر أيضا ان من مذهب الامام أبي حنيفة رحمه الله ان ~~الحقيقة والمجاز لا يجوز أن يرادا جميعا بلفظ واحد # ويستدل عليه بقوله فيمن قال ان شربت من الفرات فعبدي حر ان هذا على الكرع ~~ولا يحنث ان استقى بكوز أو غيره فشرب لان الحقيقة قد ثبت أنها مراده وانه ~~يحنث بها عند الجميع فانتفى المجاز وكذلك قال فيمن حلف لا يأكل من هذه ~~الحنطة شيئا ان عند أبي حنيفة رحمه الله على عين الحنطة ان يقضمها ولا يحنث ~~ان أكلها جبزا لان الحقيقة قد PageV01P078 تناولها اليمين فلا يدخل فيها ~~المجاز وقال أبو يوسف ومحمد ان كرع أو شرب بكوز حنث في المسألة الاولى ~~ويحنث ان اكل الخبز في المسألة الثانية فقد صار عندهما اللفظة الواحدة يجوز ~~أن يراد بها الحقيقة والمجاز في حال واحدة PageV01P079 PageV01P080 & الباب ~~الرابع في معاني حروف العطف وغيرها& PageV01P081 PageV01P082 & باب معاني ~~حروف العطف وغيرها & # قال أبو بكر # هذا الباب مما يحتاج إلى ذكره في تعريف حكم الألفاظ المعطوف بعضها على ~~بعض وما تدخل عليه الأدوات التي تتغير فائدة الكلام بدخولها عليه # الواو في اللغة للجمع # وذلك حقيقتها وكان أبو الحسن رحمه الله يحكي عن محمد أنه قال الواو بابها ~~الجمع حتى تقوم دلالة الاستئناف PageV01P083 # وعلى هذا بنى مسائل الجامع الكبير في الإيمان # قال أبو بكر # وذلك نحو قوله تعالى @QB@ والراسخون في العلم @QE@ # من جعلها للجمع جعل تمام الكلام عند قوله @QB@ والراسخون في العلم @QE@ ~~فيفيد ان الراسخين في العلم يعلمون تأويله ثم استأنف لهم خبرا آخر فقال ~~@QB@ يقولون آمنا به @QE@ ومعناه ويقولون آمنا به # ومن جعلها للاستثناء وجعل تمام الكلام عند قوله إلا الله ثم استأنف ~~للراسخين آخر فقال ms015 @QB@ والراسخون في العلم يقولون آمنا به @QE@ فهذه الواو ~~تحتمل الجمع وتحمل الاستئناف وقوله تعالى @QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح والنبيين من بعده @QE@ # هذه الواو للجمع لأنها أدخلت المعطوف في حكم المعطوف عليه المبدوء بذكره # ونظيره قول القائل هذه طالق وهذه فدخلت الثانية في خبر الأولى وحكمها ~~لأجل دخول الواو عليها # ولو قال هذه طالق وهذه طالق ثلاثا أو قال وهذه طالق وهذه طالق ان دخل ~~الدار كانت الواو للاستئناف وتطلق الاولى واحدة والثانية ثلاثا أبو بالشرط ~~اذا علقه به # ومحمد بن الحسن حجة فيما يحيكه في اللغة قد احتج به قوم من أئمة اللغة ~~منهم PageV01P084 ابوعبيد في غريب الحديث وغيره # وحكي لنا ثعلب انه قال محمد بن الحسن حجة في اللغة # وحكى لي أبو علي النحوي الفارسي عن ابن السراج النحوي ان المبرد سئل عن ~~الغزالة ما هي فقال الشمس قال محمد بن الحسن وكان فصيحا PageV01P085 لغلامه ~~انظر هل دلكت غزالة فخرج ورجع فقال لم أر غزالة # وانما أراد محمد هل زالت الشمس ثم انشد المبرد % يوضحن في قرن الغزالة ~~بعدما % ترشفن ذراب الغمام الركائك % # وقال المبرد الواو للجمع ولا دلالة فيها على الترتيب لانك إذا قلت رأيت ~~زيدا وعمرا لم يعقل من اللفظ رؤية احدهما قبل الآخر اذ جاز ان يكون رآهما ~~معا أو رأى عمر قبل زيد # قال أبو بكر # وقال لي أبو عمر غلام ثعلب الواو عند العرب للجمع ولا دلالة عندهم فيها ~~على الترتيب # وأخطأ من قال انها تدل على الترتيب # وقال أبو بكر # ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ~~ولاكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان # فلو كانت الواو للترتيب لماكان ممنوعا من ان تقولها بالواو كما لم يمنع ~~ان تقولها بئم # ويدل عليه ان الله تعالى ذكر موسى وهارون في مواضع كثيرة من كتابه فبدأ ~~في PageV01P086 بعضها بموسى وفي بعضها بهارون وكذلك الجن والانس # فلو كانت للترتيب لامتنع وجود التقديم والتأخير معا ms016 فيهما # فان قيل يلزمك في الجمع مثله لان الجمع يوجب كونهما معا قيل له لم نرد ~~بقولنا هي للجمع وجودهما معا وانما أردنا انها تجمع الاسمين في حكم واحد # وليس يمتنع ان يكونا مجموعين في الحكم ويكون التالي مقدما على الأول في ~~اللفظ تارة والاول مقدما على التالي تارة أخرى # وانما منعنا أن يكون فيها دلالة على ترتيب الحكم # فأما الترتيب في اللفظ فموجود فيما ذكرنا صحيح لا يقدح فيه ما ذكرت # ويدل على أنها لا تقتضي الترتيب في اللغة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما طاف بالبيت وخرج من المسجد صعد الصفا وقال نبدأ بما بدأ الله به ~~فلو كان الترتيب معقولا من اللفظ لما احتاج أن يقول نبدأ بما بدأ الله به ~~لأن القوم لم يكن يشكل عليهم ما كان طريق معرفته اللغة PageV01P087 # وقد تجىء الواو بمعنى أو فتكون لأحد ما تدخل عليه نحو قول الله تعالى ~~@QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع @QE@ # فامعني أو ثلاث أبو رباع وقوله تعالى @QB@ أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ~~@QE@ # وأما بل فلللاستدراك وإثبات الحكم المذكور بدءا بالتالي تقول رأيت زيدا ~~بل عمرا وهذه طالق بل هذه # فهي تشاكل الواو في هذا الوجه # وأما الفاء فإنها للجمع أيضا إلا أنها تقتضي التعقيب مع ذلك بلا مهلة ولا ~~تراخ لأنك إذا قلت رأيت زيدا فعمرا عقل منه رؤية عمرو بعد زيد بلا تراخ # وكذلك قال أهل اللغة فيها PageV01P088 # وأما أو فإن أهل اللغة قالوا هي للشك أو للتخيير وأصلها أنها تتناول أحد ~~ما تدخل عليه لا جميعه وهذا حقيقتها وبابها # نحو قوله تعالى @QB@ أو كسوتهم أو تحرير رقبة @QE@ وقوله @QB@ من صيام أو ~~صدقة أو نسك @QE@ تتناول أحد المذكورات لا جميعها # قال أبو بكر # وهذا حكمها إذا دخلت على الإثبات واذا دخلت على النفي تناولت كل واحد مما ~~دخلت عليه على حياله # نحو قوله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~أو الحوايا أو ما اختلط بعظم @QE@ قد ms017 نفى بها كل واحد من المذكورات على ~~حياله لا على معنى الجمع # ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن قال والله لا كلمت زيدا أو عمرا أنه أيهما ~~كلم حنث # قال أبو بكر # وهذا في المعنى غير مخالف لحكمه في الإثبات لأنها حين دخلت عليى النفي ~~نفت كل واحد مما دخلت عليه على حدة لا على وجه الجمع # كما أنها إذا دخلت على الاثنين أثبتت أحدهما بغير عينه وكل واحد منهما ~~إذا فعل على الانفراد كان فاعلا بموجب حكم الآية لا على معنى الجمع ~~PageV01P089 # وقد تجيء أو معنى الواو # قال الله تعالى @QB@ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون @QE@ ومعناه ~~ويزيدون وقال تعالى @QB@ فهي كالحجارة أو أشد قسوة @QE@ ومعناه وأشد قسوة # وأنشدنا أبو عمر غلام ثعلب عن ثعلب عن # أبن الأعرابي # % إن بها اكتل أو رزاما % خويربان ينفقان الهاما % PageV01P090 # وأنشدنا أيضا # % فلو كان البكاء يرد شيئا % بكيت على زياد أو عناق % % على المرءين إذ ~~مضيا جميعا % لشأنهما بحزن واحتراق % فقال زياد أو عناق ثم قال على المرأين ~~فدل أنه أراد الجمع # وأما ثم فهي للترتيب والتراخي تقتضي أن يكون الثاني بعد الأول كذا حكمها ~~في اللغة # وقد تجيء بمعنى الواو كقوله تعالى @QB@ أو مسكينا ذا متربة ثم كان من ~~الذين آمنوا @QE@ # معناه وكان من الذين آمنوا # وقال تعالى @QB@ ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن @QE@ يعني ~~وآتينا موسى الكتاب # وقد قيل إن المعنى فيه أنها دخلت على خطاب المتكلم صلة لكلامه لا على حكم ~~الكلام المتقدم كأن تقديره ثم بعد ما وصفنا أذكر لكم أن هذا الحكم إنما هو ~~لمن كان من الذين آمنوا وبعد ما ذكرت لكم أعلمتكم أنا آتيننا موسى الكتاب # ونحو ذلك قوله تعالى @QB@ فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون @QE@ ~~ومعناه PageV01P091 والله شهيد على ما يفعلون وقوله تعالى @QB@ وإني لغفار ~~لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى @QE@ المعنى وقد اهتدى # ونحو قوله تعالى @QB@ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم @QE@ # فإن كان المراد بقوله ms018 خلقناكم حقيقة اللفظ فقوله ثم قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم بمعنى وقلنا للملائكة # وإن كان المراد بقوله خلقناكم ثم صورناكم آدم كقوله @QB@ والله خلقكم من ~~تراب @QE@ فإن قوله ثم قلنا للملائكة اسجدوا محمول على حقيقته # وبعد للترتيب في حقيقة اللغة # قال الله تعالى @QB@ ثم بعثناكم من بعد موتكم @QE@ # وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة # وقد تجيء بمعنى مع # قال الله تعالى @QB@ عتل بعد ذلك زنيم @QE@ يعني مع ذلك # وقد قيل إنها رجعت إلى جملة الخطاب كأنه قال عتل وأقول لكم بعد ما تقدم ~~ذكرى له أنه زنيم PageV01P092 # ومع للمقارنة وقد تجيء بمعنى بعد # قال الله تعالى @QB@ فإن مع العسر يسرا @QE@ # وإلى للغاية بمعنى حتى وقد تدخل تارة في الحكم ولا تدخل أخرى # قال الله تعالى @QB@ ثم أتموا الصيام إلى الليل @QE@ # فالليل غير داخل فيه وقال تعالى @QB@ وأيديكم إلى المرافق @QE@ والمرافق ~~داخله وقال تعالى @QB@ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا @QE@ فالاغتسال ~~شرط في إباحة الصلاة # والأصل في ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله أن الغاية تدخل في الكلام على ~~وجهين # أحدهما لإسقاط بعض ما اشتمل عليه اللفظ كقوله تعالى @QB@ وأيديكم إلى ~~المرافق @QE@ واليد اسم يتاول العضو إلى المنكب فدخلت الغاية لإسقاط ما عدا ~~المرفق فكانت المرافق داخلة فيه # والآخر أن لا يتنظم الاسم الغاية وما بعدها فتصير الغاية حينئذ مشكوكا ~~فيها فلا نثبتها بالشك # وقد تجيىء إلى معنى مع # قال الله تعلى @QB@ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم @QE@ PageV01P093 # ومن قالوا إنها للتبعيض ولبدو الغاية وللتمييز وللإلغاء فالتبعيض خذ من ~~مالي واعتق من عبيدي # والابتداء خرجت من الكوفة وأخذت من فلان مالي والتمييز ثوب من قطن وباب ~~من حديد # والإلغاء قوله تعالى @QB@ يغفر لكم من ذنوبكم @QE@ و @QB@ ما لكم من إله ~~غيره @QE@ والمعنى يفغر لكم ذنوبكم ومالكم إله غيره # وأما الباء فإن النحويين يقولون هي للإلصاق كقوله كتبت بالقلم ومسحت ~~برأسي # وقال غيرهم هي مع ذلك للتبعيض لأنهم يفرقون بين قول القائل مسحت برأس ~~اليتيم ومسحت رأسه ويقول مسحت يدي بالحائظ ومسحت ms019 الحائظ # فلما كان الفرق بين اللفظين ظاهرا معقولا في اللغة وجب أن يكون لدخولها ~~فائدة وهي التبعيض حتى تقوم دلالة الإلغاء لأن هذه الأدوات موضوعة للفائدة ~~كقولنا من للتبعيض وقد تدخل للإلغاء ولا نجعلها للإلغاء إلا بدلالة # وأما في فللظرف # كقولك ثوب في منديل وتمر في صرة PageV01P094 # ومن أجل ذلك قال أصحابنا فيمن قال غصبت من فلان ثوبا في منديل إنه إقرار ~~بالمنديل أيضا لأنه أقر أنه كان ظرفا له في حال الغصب وصار مغصوبا معه # وقد تجيء في بمعنى من # قال الله تعالى @QB@ وارزقوهم فيها @QE@ يعني منها # وتجيء أيضا بمعنى مع قال الله جل وعز @QB@ فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ~~@QE@ معناه مع عبادي # ويحتمل أن يريد في جملة عبادي وفي جماعتهم # والنحويون يقولون إن أكثر حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض وهو موجود في ~~كتبهم # وأما كل فإنها تدخل لجمع الأسماء كقوله تعالى @QB@ كل نفس ذائقة الموت ~~@QE@ وقول القائل كل عبد لي حر وكل امرأة تدخل الدار فهي طالق ويكون فيها ~~بمعنى الشرط إذ علقت بالجواب ولا تتناول الأفعال لأنها لا يصح دخولها عليها # ألا ترى أنك لا تقول كل يدخل الدار وإنما تقول كل امرأة لي تدخل الدار ~~فهي طالق # ولذلك قالوا إنها إذا دخلت الدار وطلقت ثم دخلتها مرة أخرى لم تطلق لأنها ~~لما لم تتناول الأفعال وإنما تناولت الأسماء على وجه الجمع واستحال أن تجمع ~~إلى نفسها لم تطلق إلا مرة واحدة وإن دخلت الدار امرأة أخرى طلقت أيضا ~~لأنها غير الأولى PageV01P095 # وأما كلما فإنها لجمع الأفعال وفيها معنى الشرط على وجه التكرار يدل على ~~ذلك أنها تختص بالفعل ولا يصح دخولها على الأسم لأنك لا تقول كلما امرأة ~~إنما تقول كلما دخل امرأة # ويدل عليه قوله تعالى @QB@ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها @QE@ و ~~@QB@ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها @QE@ اقتضى كل مرة ~~PageV01P096 & الباب الخامس في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه& ~~PageV01P097 PageV01P098 & باب في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه & # قال أبو بكر # اختلف ms020 المتأخرون في حكم اللفظ العام الظاهر إذا ورد مطلقا عاريا من دلالة ~~الخصوص # فقال جمهور أهل العلم # الحكم بعموم اللفظ في الأخبار والأوامر جميعا فلا يصرف شيء منها إلى ~~الخصوص ولا يتوقف فيها إلا بدلالة وأبت طائفة هذا القول واختلفت فيما بينها # فقال منهم قائلون بالخصوص في الأوامر والأخبار جميعا وحكموا فيها بأقل ما ~~يتناوله الاسم حتى تقوم دلالة الكل # وزعموا أن اللفظ الموضوع كذلك بالخصوص أولى منه بالعموم ويحتمل مع ذلك أن ~~يراد به العموم # قالوا ولا يجوز الحكم بالعموم بالاحتمال لأن المحتمل غير متيقن ولا يعلم ~~PageV01P099 إنه مراد باللفظ والخصوص متيقن فوجب الحكم به والوقوف عنده حتى ~~تقوم دلالة العموم # وقال منهم آخرون بالوقف فيهما جميعا لأن اللفظ عندهم محتمل لكل واحد من ~~المعنيين كاحتماله للآخر وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان بمنزلة المجمل ~~المفتقر إلى البيان # وفرقت طائفة بين الأخبار والأوامر فوقفت في الأخبار وحكمت بالعموم في ~~الأوامر وطائفة وقفت في عموم الأوامر وقالت بالعموم في الأخبار PageV01P100 # ومذهب أصحابنا القول بالعموم في الأخبار والأوامر جميعا وكذلك كان شيخنا ~~أبو الحسن الكرخي رحمه الله يحكيه من مذهب أصحابنا جميعا وجميع من شاهدناهم ~~من شيوخنا واحتجاجهم لمسائلهم في كتبهم بعموم اللفظ مجردة من دلالة تقترن ~~إليه في إيجاب العموم يقتضي ذلك # وذلك غير خاف على من عرف مذاهبهم # قال أبو بكر # وحكى لنا أبوالطيب بن شهاب عن أبي الحسن الكرخي أنه قال له إني أقف في ~~عموم الأخبار وأقول بالعموم في الأمر والنهي # فقلت لأبي الطيب فهذا يدل على أن مذهبه كان الوقف في وعيد فساق أهل الملة # فقال لي هكذا كان مذهبه # وحكى لي أيضا أنه سمع أبا سعيد البردعي يقف في القول بالعموم في الأمر ~~والنهي وفي الأخبار جميعا # وأبو الطيب هذا غ ير متهم عندي فيما يحكيه وقد جالس أبا سعيد البردعي ~~وشيوخنا المتقدمين PageV01P101 # ولم أسمع أنا أبا الحسن رحمه الله يفرق بين الخبر والأمر والنهي في ذلك ~~بل كان يقول بالعموم على الإطلاق # ومن الناس ms021 من يظن أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله القول بالوقف في عموم ~~الأخبار وأنه لا يقطع فيها بعموم ولا خصوص إلا بدلالة لأن مذهبه المشهور ~~عنه أنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من أهل الصلاة ويجوز أن يغفر الله ~~لهم في الآخرة # وأبو حنيفة وإن كان هذا مذهبه في الوعيد فإنه لم يذهب إليه من جهة قوله ~~بالوقف في عموم الأخبار وإنما ذهب إليه لأن عنده أن الدلالة قد قامت على أن ~~الآي الموجبة للوعيد بالتخليد في النار إنما عني بها الكفار لآيات أوجبت ~~خصوصها فيهم # نحو قوله تعالى @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء @QE@ # وقوله تعالى @QB@ إن الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ # وقوله تعالى @QB@ والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ~~ويصلح بالهم @QE@ وقوله @QB@ إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ~~@QE@ PageV01P102 # وقوله تعالى @QB@ لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى @QE@ # وإنما جعل التخليد في النار مقصورا على الكفار بهذه الآيات ونحوها # وقد ذكر أبو موسى عيسى بن أبان هذا المعنى في كتابه في الرد على بشر ~~المريسى والشافعي في الأخبار # وقال إنا إنما وقفنا في وعيد فساق أهل الملة لأن آي الوعيد بإزائها هذه ~~الآيات التي تلوتها مما يقتضي ظاهرها دخول فساق أهل الملة فيها فجوزنا لهم ~~الغفران بها وجوزنا التعذيب بالآي الأخر وأرجينا أمرهم إلى الله تعالى فلم ~~نقطع فيهم بأحد الأمرين دون الآخر # وهذا تصريح منهم بالقول بعموم الأخبار أيضا # ولم يحك عن أحد من أصحابنا خلاف ذلك # فدل أنه قولهم جميعا # قال أبو بكر ومذهب كل من قال بالعموم ممن لا يرى جواز تأخير البيان أن ~~اللفظ العام المخرج حقيقته العموم لا احتمال فيه للخصوص إلا بدلالة تقرن ~~إليه # فأما اللفظ بمجرده فلا احتمال فيه وأنه متى أطلق وأريد به الخصوص كان ~~اللفظ مجازا عند من يجوز منهم إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص # والقول بعموم اللفظ فيما لم تصحبه دلالة الخصوص في موضوع اللسان وأصل ms022 ~~PageV01P103 اللغة هو مذهب السلف في الصدر الأول ومن بعدهم ممن تابعهم ~~متوارث ذلك عنهم بالفعل المستفيض # يبين ذلك محاجة الصحابة بعضا بعذا في الحوادث التي تنازعوا فيها بألفاظ ~~عموم مجردة من دلالة غيرها # من ذلك ما روي عن عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين خالف عثمان رضي ~~الله عنه في وطء الأختين بملك اليمين فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية ~~والتحريم أولى PageV01P104 # يعني بآية التحليل قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ وبآية التحريم قوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما ~~قد سلف @QE@ # وقال عثمان رضي الله عنه ? < أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحليل أولى > ? ~~وقد روي عنه الوقف فيه إلا أن المشهور عنه الإباحة فاحتج كل واحد منهما ~~بعموم لفظ القرآن غير مفتقر معه إلى دلالة من غيره ثم كان العمومان عندهما ~~متعارضين متى خلينا ومقتضى اللفظ فيهما بقولهما أحلتهما آية وحرمتهما آية ~~لاستغراق كل وحد منهما ما تحت الاسم # ثم كان من مذهب علي رضي الله عنه أن قوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت أيمانكم ~~@QE@ مرتب على قوله @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ وأن قوله @QB@ وأن ~~تجمعوا بين الأختين @QE@ قاض عليه # وكان عند عثمان رضي الله عنه أن قوله @QB@ وأن تجمعوا بين الأختين @QE@ ~~مرتب على قوله @QB@ إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ مخصوص منه وأن آية الإباحة ~~قاضية على آية الحظر ومثله اختلاف علي وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما في ~~عدة الحامل المتوفي عنها PageV01P105 زوجها فقال علي رضي الله عنه عدتها ~~أبعد الأجلين لأنه استعمل عموم الآيتين وهو قوله تعالى @QB@ والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ وقوله تعا 2 لى ~~@QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ # وقال عبدالله أن تضع حملها لقوله تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن @QE@ وقال من شاء باهلته أنها نزلت بعد قوله أربعة أشهر وعشرا ~~فكان عنده أنها قاضية عليها مخصصة لها فاعتبرا جميعا عموم اللفظ ولم يفزعا ~~إلى تأييده بغيره # وأراد عثمان رجم امرأة جاءت بولد لستة أشهر ms023 فقال ابن عباس أما أنها إن ~~خاصمتكم بكتاب الله عز وجل خصمتكم قال الله تعالى @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا @QE@ وقال @QB@ وفصاله في عامين @QE@ فحصل الحمل ستة أشهر PageV01P106 # فاحتج بالعموم لأن لفظ الإنسان فيه في هذا الموضع للجنس فهو مستوعب للكل ~~وقبله منه عثمان وعرف صحة استدلاله فرجع إليه # وقال عمر وابن عباس وعمران بن الحصين في أم المرأة إنها تحرم بالعقد وإن ~~لم يقع دخول وقالوا إنها مبهمة ولم يرجعوا فيها إلا إلى ظاهر اللفظ ~~PageV01P107 # وقال ابن عباس أبهموا ما أبهم الله تعالي # وقيل لابن عمر إن ابن الزبير يقول لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان فقال قضاء ~~الله أولى من قضاء ابن الزبير قال الله تعالى @QB@ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة @QE@ واحتج عمر على الزبير وبلال ومن سأله قسمة السواد ~~بقول الله تعالى @QB@ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~@QE@ إلى قوله @QB@ والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم @QE@ ~~PageV01P108 وقال الله تعالى @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم @QE@ # قال عمر فقد جعل الحق لهؤلاء كلهم ولو قسمته بينكم لبقى الناس لا شيء لهم ~~ولصار دولة بين الأغنياء منكم # فحاجهم بعموم هذه الآيات فتبينوا الرشد في قوله ووضح لهم طريق الحق فيه ~~فرجعوا إلى مقالته # وقال ابن عباس لم أجد الله ذكر جدا ولم يذكر إلا أبا احتجاجا ليكون الجد ~~أبا # ونظائر ذلك كثيرة ظاهرة عندهم مستفيضة لو استقصيناه لطال به الكتاب وبمثل ~~PageV01P109 هذا يوقف على مذهب القوم ومقالاتهم # فبان بما وصفنا أن العموم من مفهوم لسان العرب وإن ذلك مذهب السلف من غير ~~خلاف بينهم فيه وما خالف في هذا أحد من السلف ومن بعدهم إلى أن نشأت فرقة ~~من المرجئة ضاق عليها المذهب في القول بالإرجاء فلجأت إلى دفع القوم ~~بالعموم رأسا لئلا يلزمها لخصومها القول بوعيد الفساق بظواهر الآي المقتضية ~~لذلك فقد صنف أهل العلم على نفاة القول بالعموم كتبا واستقصوا الكلام عليهم ~~فيها وفي استقصاء القول فيه ضرب من الإطالة وشأننا الاختصار وذكر الجمل ما ~~استغنينا في إيجاب الفائدة ms024 بها عن الإطالة ونسأل الله التوفيق # دليل آخر قال أبو بكر # فنقول إن مما يدل على صحة القول بالعموم أنه لا يخلو حكم اللفظ المطلق ~~المشتمل PageV01P110 على مسميات من أحد وجوه ثلاثة # إما أن يكون الحكم لكل ما استوفاه الاسم على ما قدمنا أو الوقف فيه حتى ~~يرد بيان مراد الكل أو البعض على حسب ما قال القائلون بالوقف والحكم فيه ~~بأقل ما يقع عليه الاسم حتى تقوم دلالة الكل فإن كان الواحب فيه الحكم ~~بالأقل لم يخل وجوب ذلك من أحد معنيين # إما أن يكون ذلك بدلالة غير اللفظ أو لأن اللفظ يتناوله # فإن كان الحكم بالأول إنما يعلق وجوبه بدلالة غير اللفظ وليس هذا حكم ~~بالأقل من جهة اللفظ وعلى أن تلك الدلالة حكمها أن تكون مبنية على اللفظ ~~واللفظ لا حكم له إلا بدلالة فهذا يوجب بطلان تلك الدلالة فبطل أن يكون ~~وجوب الحكم بالأقل متعلقا بدلالة غير اللفظ وإن كان وجوب الحكم بالأقل ~~متعلقا باللفظ من حيث انتظمه وصار عبارة عنه # فالحكم باستيعاب الكل واجب لوجود اللفظ المشتمل على جميعه لأن اللفظ لم ~~يختص بكونه عبارة عن الخصوص دون العموم إذ كان يتناول الجميع على وجه واحد ~~لأن قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ لا يختص بثلاثة منهم دون جميعهم ~~فمن حيث وجب الحكم في ثلاثة من طريق اللفظ وجب مثله في الجميع لهذا المعنى ~~بعينه # فإن قال قائل منهم إنما حكمت بالأقل لأنه متيقن وما زاد فهو مشكوك فيه # قيل له ومن أين علمت أنه متيقن إلا من جهة اللفظ ومخالفوك القائلون ~~بالوقف يقولون في الأقل كقولك أنت في الأكثر فهلم دلالة غير اللفظ على وجوب ~~الحكم بالأقل PageV01P111 # فإذا ثبت عندنا وعندك وجوب الحكم بأقل وكان المرجع فيه إلى اللفظ الذي هو ~~عبارة عنه في موضوع اللسان واللفظ موجود في الأكثر كهو في الأقل فهلا حكمت ~~له بمثل حكمه فبطل بما وصفنا قول القائلين بالخصوص # ثم نقول لأصحاب الوقف أتثبتون للخطاب فائدة عند وروده مطلقا غير مقرون ms025 ~~بدلالة الخصوص أو الاحتمال أو تزعمون أن وجوده وعدمه سواء # فان قالوا له فائدة وللمخاطب فيه غرض محمود إذا كان حكما وهو أنه يعلمنا ~~أن حكما قد لزمنا يريد بيانه في التالي # قيل له فالبيان الوارد في التالي لا يخلو من أن يكون لفظا أو دلالة منه # فإن كان لفظا فحكمه حكم الأول يجب الوقف فيه # وإن كان دلالة من لفظ فكيف يدل على غيره وهو لم يثبت حكمه بنفسه # فإن قال يكون بيانه موقوفا على ورود الإجماع به فمهما حصل عليه الاتفاق ~~علمنا أنه هو المراد # قيل له فالإجماع فيما طريق معرفته السمع لا يخلو من أن يصدر عن سمع أو عن ~~دلالة منه # فإن كان عن سمع فذلك السمع حكمه أي يكون موقوفا على بيان ثان فكيف يصح ~~الإجماع عن مثله # وإن كان دلالة عن غير سمع فهي أبعد من أن يحصل عليها إجماع PageV01P112 # وحكم السمع غير ثابت على أن حجة الاجماع إنما تثبت عن طريق السمع فإن لم ~~يكن السمع دالا بنفسه وكان ثبوت حكمه موقوفا على الإجماع والإجماع لا يثبت ~~حجة إلا من جهة السمع فقد صارت حجة السمع موقوفة على الإجماع وحجة الإجماع ~~موقوفة على السمع وهذا محال لأنه يوجب أن يكون كل واحد منهما أصلا للآخر ~~وكل واحد فرعا لصاحبه وهذا غاية الاستماة فقد آل الأمر بالقائلين بالوقف ~~إلى إبطال فائدة اللفظ رأسا وإخلاء جميع خطاب الله تعالى وخطاب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من فائدة وهذا قول يؤدي بقائله إلى الانسلاخ من الدين # فلما بطل قول القائلين بالخصوص وبالوقف لما بينا لم يبق إلا قول أصحاب ~~العموم # ودليل آخر وهو قوله تعالى @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ # وفي لسان العرب ألفاظ موضوعة للجنس فقوله تعلى @QB@ فاقتلوا المشركين ~~@QE@ @QB@ والسارق والسارقة @QE@ و @QB@ الزانية والزاني @QE@ والناس ~~والحيوان تفيد هذه الأسماء في نفسها جميع ما تحت الجنس وفيها ألفاظ تعم ~~العقلاء وألفاظ تعم غير العقلاء مثل من وما في النكرة ms026 على ما بيناه فيما ~~سلف هكذا قال أهل اللغة # ويدل عليه أنه يستفهم عن جنس العقلاء ب من ويصح الجواب عنها ب من ~~PageV01P113 شاء منهم فيقول من في الدار فيجيبه برجل أو امرأة أو بنحو ذلك ~~ويكون جوابه صحيحا ولا يصح أن يكون جوابه في الدار حمار أو ثور # وكذلك هذا في المجازاة كقوله من يعطني أعطه قال الله عز وجل @QB@ ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار @QE@ ويقول ما في الدار ~~فتقول حمار أو جمل ولا يصلح أن يكون جوابه رجل وتقول في المجازاة ما تأكل ~~آكل وما تحمل أحمل ونحو ذلك فدل على أن من تتناول جميع العقلاء وما لغير ~~العقلاء وتعم الجميع فيه فإذا ورد ذلك في كلام الله تعالى وفي خطاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مطلقا وجب حمله على موضوعه في أصل اللغة # كما أن اسماء الأعيان والأجناس متى وردت مطلقة في خطاب الله تعالى كانت ~~محمولة على ما هي اسم له في اللغة والاصطلاح نحو قوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ # فمن حيث عقل بهذه الاسماء مسمياتها لأنها في اللغة موضوعة لها ولم يجز أن ~~يقال الميتة المذكورة في الآية ليست هي الميتة المعقولة من لغة العرب كان ~~المعقول أيضا PageV01P114 استغراق الجنس لأنها في اللغة كذلك # ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ فما خاطبنا به ~~مما هو في اللغة فهو محمول على حكمه فيها لأنه كذلك عند الله تعالى بقول ~~@QB@ ما يبدل القول لدي @QE@ # دليل آخر # وقد احتجوا للقول بالعموم أيضا بأن للعموم في اللغة صيغة يتميز بها من ~~الخصوص لأن أهل اللغة يقولون مخرج الكلام مخرج العموم كما أن للواحد صيغة ~~يبين بها من الجميع وكما أن للخبر صيغة ينفصل بها من الأمر وللاستخبار صورة ~~يتميز بها من الأخبار فمن حيث وجب أن يكون المعقول صيغة الأمر إذا ورد ~~مطلقا معنى هو موضوعه في اللغة # وكذلك بلفظ الجمع ولفظ الواحد وعقل بكل شيء من ms027 ذلك ما هو موضوع له ولم ~~يجز صرفه إلى غيره وكذلك وجب ألا يصرف الصيغة الموضوعة للعموم إلى الخصوص ~~كما لا يصرف لفظ الجمع إلى الواحد ولفظ الأمر إلى الاستخبار ولفظ الخبر إلى ~~الأمر PageV01P115 # فإن قال قائل إنما العموم والخصوص يتعلق بقصد المتكلم دون اللفظ قيل له ~~لو جاز ذلك جاز أن يقال في الأمر والخبر والاستخبار أن جميع ذلك إنما يتعلق ~~حكمه بقصد المتكلم # فإن قيل ما أنكرت أن يكون قولهم إن هذا عموم مجازا # قيل له إن كل مجاز فإنما هو مجاز عن حقيقة فينبغي أن يكون للعموم حقيقة ~~في اللغة حتى يستعار منه المجاز # وهذا يدل على أن قولهم هذا عام حقيقة إذ ليس يرجع منه إلى أصل غيره هو ~~استعارة منه # وأيضا لو كان لفظ العموم ولفظ الخصوص بأصل اللغة بمعنى واحد حتى يعبر بكل ~~واحد منهما عن معنى الآخر لما كان أحدهما بأولى بأن يكون مخرجه مخرج العام ~~منه بأن يكون مخرجه مخرج الخصاص فصح أن الذي مخرجه مخرج العام موضوع في ~~حقيقة اللغة للعموم والذي مخرجه مخرج الخصاص موضوع في حقيقته للخصوص # وأيضا لو كان كما قال خصمنا لجاز أن يكون مؤكدا به العموم تأكيد الخصوص ~~في حقيقة اللغة فكان إذا قال ضربت غلماني كلهم أجمعين حتى لم أبق منهم أحدا ~~إنه يكون مؤكدا لتخصيصه ودالا به على أنه ضرب البعض ولكان يجوز ما يؤكد به ~~الخصوص تأكيد العموم حتى قال ضربت غلامي وحده دون غيره مؤكدا به العموم ~~دلالة عليه فإذا بطل هذا ثبت أن ما يعبر به عن الخصوص لا يكون للعموم وما ~~يعبر به عن العموم لا يكون للخصوص إلا بدلالة # واحتجوا أيضا بأن الضرورة داعية لأهل كل لغة إلى أن يكون في لغتها ألفاظ ~~للعموم كحاجتهم إلى أسماء سائر المسميات التي يختص كل واحد منها باسم يتميز ~~به من غيره لأنهم بها يتوصلون إلى إفهامهم بعضهم بعضا ما في ضمائرهم والإ ~~بانه عن مقاصدهم وأغراضهم إذ كان معلوما أنه مستحيل ms028 متى أراد العبارة عن ~~الجنس كله أن يذكر كل واحد من آحاده أو يشير إليه بعينه لأن ذلك يفوق ~~الإحصار والعدد ويمتنع فيه الاشارة والتعيين فاحتاجوا من أجل ذلك إلى ألفاظ ~~موضوعة للجنس وللجمع يوجب PageV01P116 استغراق الجنس كله ويقتضي استيفاء ~~جميع ما الاسم موضوع له على حسب ما سلف القول فيه في بيان صفة العموم # فلما كان ذلك كذلك وجب أن يكون لفظ العموم متى ورد مطلقا محمولا على بابه ~~ومختصا بما وضع له من استغراق الجنس واستيعاب كل ما لحقه الاسم حتى تقوم ~~دلالة الخصوص كما وجب إذا خوطب بذكر سماء وأرض ورجل وفرس ونحو ذلك صرفها ~~إلى ما يختص بها في موضع اللغة دون غيره # فإن قال قائل لا نأبى أن يكون في اللغة ألفاظ موضوعة للجنس وللجمع تستغرق ~~جميع ما تحتها وتتناول كل ما يلحقه الاسم منها إلا أن هذه الألفاظ بأعيانها ~~لما كانت تصح للكل وللبعض كقوله تعالى @QB@ الذين قال لهم الناس @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ وإذ قالت الملائكة يا مريم @QE@ وقول القائل جاءني بنو تميم # فساغ إطلاقها مع إرادته البعض دون الجمع وقفت موقف الاحتمال وغير جائز ~~حملها على الكل بالاحتمال فلا يخلو حينئذ من وجوب الحكم فيه بالأقل لأن ~~اللفظ في الحالين جميعا منتظم له أو الوقف فيه حتى تقوم دلالة المراد # قيل له فلو كان اللفظ الذي مخرجه العام محتمل للخصوص والعموم دعوى لا ~~دلالة عليها وليس لأنه يصح أن يعتبره عن الخصوص صار محتملا له وللعموم وذلك ~~لأن لفظ الجمع حقيقة الثلاثة فما فوقها فمن استعمله في الثلاثة فهو مستعمل ~~له على الحقيقة فلم يعتبر الاقتصار ب به عليها PageV01P117 # وقيل له كون الثلاثة جمعا في الحقيقة لا يوجب الاقتصار به عليها إذ كان ~~عموم اللفظ يتناول ما فوقها كما يتناولها لأن استعمال اللفظ في حقيقة ما لا ~~يمنع وجوب استعماله في حقيقة أخرى # فإذا كان الجمع حقيقة فيما فوق الثلاثة وجب استعماله فيه كما وجب ~~استعماله في الثلاثة # فإن قال قائل معلوم الفرق بين ms029 قوله @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وبين قوله ~~لو قال اقتلوا المشركين وبين قول قائل اقطعوا سراقا وبين قوله اقطعوا ~~السراق فإن قوله مشركين وسراقا لا يقتضي جميع ما يقع عليه الاسم مع كونه ~~لفظ جمع # قيل له وإن كان لفظ جمع فإنه من حيث كان نكرة لم يوجب استغراق الجنس كله ~~ولو وجب استغراق الجنس صار معرفة لدخول ما تحت الجنس فيه وكان يصير كقوله ~~اقطعوا السراق واقتلوا المشركين لأن الألف واللام في مثله يدخلان لتعريف ~~الجنس وهذا يوجب أن يكون دخول الألف واللام عليه وخروجها سواء معلوم فساده ~~PageV01P118 # وليس في هذا نقض لما قلنا من أن لفظ الجمع يتناول الثلاثة فما فوقها ~~حقيقة وأنه لا يختص ببعض ذلك دون بعض من قبل أنا إنما صرفناه إلى الثلاثة ~~في هذ ه الحال بدلالة وهو خروج اللفظ مخرج النكرة وذلك يقتضي بعضا مجهولا ~~من جملة محكم اللفظ ماض على ماقدمناه # وإنما خصصناه وقصرناه على الثلاثة بدلالة وجائز أن يراد به أكثر منهم إلا ~~أن المتيقن منه ثلاثة غير أعيان # ثم لا يخلو حينئذ من أن يكون حكم اللفظ موقوفا على البيان أو يكون ~~المخاطب مخبرا قي قطع ثلاثة منهم # وقد قال أصحابنا فيمن قال إن تزوجت نساء أو اشتريت عبيدا فعبدي حر إن هذا ~~على ثلاثة منهم # وإنما يوجب لفظ الجمع استغراق الجنس بدخول الألف واللام عليه و قد قال ~~الله تعالى @QB@ الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا ~~كثيرا ونساء @QE@ هذا عموم في جميع الرجال والنساء وإنما ورد بلفظ متكرر # وقيل يحتمل أن يريد مما خلق منهما ومن صلبهما دون أولاد أولادهما فيصيرون ~~PageV01P119 مذكورين بالاضافة إلى جملة الرجال والنساء من بني آدم # فان قال قائل على الفصل المتقدم فكيفما جرت الحال فقد جاز إطلاق لفظ ~~العموم المراد الخصوص # قيل له هل هذا لا يسلمه لك جميع أصحاب العموم لأن منهم من يقول إن لفظ ~~العموم لا يكون للخصوص أبدا ومتى أريد به الخصوص علمنا أنه لم يكن قط ms030 لفظ ~~عموم لأن ما صحبه من دلالة الخصوص يجري عندهم مجرى الاستثناء فهذا السؤال ~~ساقط عن القائلين بهذا القول # وأما من سلم ورود لفظ عموم يراد به الخصوص فإنه يجعل إطلاق اللفظ في هذه ~~الحال مجازا لا حقيقة والحقيقة استعماله للعموم وليس في أن اللفظ عدل به عن ~~حقيقته واستعمل في غير موضعه في حال ما يمنع استعماله عند وروده مطلقا على ~~الحقيقة # ألا ترى أن لفظ الخبر قد يرد والمراد الأمر كقوله تعالى @QB@ يتربصن ~~بأنفسهن @QE@ ويرد لفظ الأمر والمراد الوعيد والتهديد كقوله تعالى @QB@ ~~اعملوا ما شئتم @QE@ # ولم يمنع جواز وروده على هذا الوجه لدلالة أوجبت ذلك له من وجوب استعماله ~~متى ورد مطلقا على حقيقته # فإن قيل لو كان لفظ العموم يقتضي استيعاب جميع ما تحت الاسم لصار كل اسم ~~منه كالمذكور بعينه وكان ذلك يمنع جواز دخول الاستثناء عليه كما لا يصح ~~استثناء المذكور PageV01P120 لأنه لا يصح أن يقول رأيت زيدا إلا زيدا # قيل له هذا غلط لأن أحدا لا يدفع أن تكون العشرة اسما لهذا العدد يقتضي ~~إطلاقه استيعاب جميعه ثم لم يمتنع جواز ورود الاستثناء عليها ولم يبطل ذلك ~~شمول اللفظ عند الإطلاق لجميعه # وكذلك ما وصفنا في العموم وجاز ورود الخصوص والاستثناء عليه غير مانع كون ~~اللفظ عبارة عن جميعه # فإن قال قائل ما أنكرت أن تكون صفة العموم الموجب للشمول والاستيعاب هي ~~ما يصحبه حرف التأكيد وهو الكل والجميع وبقبح معه استفهام المراد وما خلا ~~من ذلك فهو محتمل للعموم والخصوص وليس أحد المعنيين بأولى بحكم اللفظ من ~~الآخر ولولا أن ذلك كذلك ما كان للتأكيد والاستفهام معنى ولا فائدة # قيل له لفظ الكل والجميع إذا دخلا على العموم فإنما يؤكدان به ما قد حصل ~~واستقر من المعنى ولا يوجبان زيادة حكم على ما تضمنه العموم العاري من ~~التأكيد وإنما يؤكد بلفظ الكل والجميع كما يؤكد بالتكرار وليس يفيد التكرار ~~زيادة حكم على ما حصل بالعموم كقول الله @QB@ أولى لك فأولى @QE@ ثم @QB@ ~~أولى لك ms031 فأولى @QE@ والثاني تأكيد في تقرير المعنى الحاصل بدءا # وكقول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء وزنا ~~بوزن كقوله PageV01P121 في الصدقة فان لم تكن تجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر # وكقول الشاعر % هلا سألت جموع كندة % يوم ولوا أين أينا % # وكالقسم يدخل على الكلام على جهة تقدير المعنى الحاصل بالخبر وتقديره عند ~~المخاطب PageV01P122 # ويدل على صحة ذلك أنه قد يدخل على الأعداد التي لا إشكال على أحد في حصول ~~المراد به قبل التأكيد # نحو قولك أخذت العشرة كلها وقبضتها بأسرها ولم يفد زيادة عدد على ما ~~عقلناه من اللفظ قبل دخوله ويدخل على الاسم المفرد المشار إليه بعينه كقولك ~~رأيت زيدا نفسه وعينه فدل ذلك على أن التأكيد لا يفيد زيادة معنى في وجوب ~~الكلام الأول # وعلى أنه لو كان التأكيد يفيد زيادة معنى على ما اتصل به لما كان تأكيدا ~~ولكان حينئذ كلاما مستقبلا مفيدا بنفسه كقولك عشرة وعشرة أخرى فلما صح أن ~~لفظ الكل والجميع إذا اتصلا بلفظ العموم إنما يصحبانه على وجه التأكيد ثبت ~~أنه لا يفيد اكثر من تقرير المعنى الذي أفادناه لفظ العموم # فإن قيل إذا كان لفظ الكل والجميع إذا دخلا على العموم لا يفيدان زيادة ~~حكم فلا فائدة في دخولهما # قيل له بل فيهما أكبر الفائدة هو تأكيده وتقريره عند المخاطب كما أن ~~أنفسنا وجميع ما خلق الله تعالى دلائل عليه وموصول إلى العلم به # والمعجزة الواحدة والسورة الواحدة دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لو اقتصر عليها كانت موصلة إلى العلم به وقد جعل مع ذلك كل سورة ~~دلالة على نبوته وجميع ما خلقه الله تعالى دلائل على توحيده وحكمته ~~PageV01P123 # وقد قيل إن فائدة دخول حرف الكل والجميع إنه يمنع التخصيص وينفي أن يكون ~~هناك دليل عليه # و اما قولهم إن كل ما حسن معه الاستفهام فالاحتمال قائم فيه لا معنى له ~~لأن اللفظ المطلق الذي يمكن استعماله على ظاهره إذا صدر عن الحكيم الذي ms032 ~~يصنع الأشياء مواضعها لم يحسن استفهامه وإنما يحسن ذلك فيمن يظن به الغلط ~~ووضع الكلام في غير موضعه # فيقال له أحقا ما تقول أنت صدوق في ذلك ونحو هذا من القول # فأما الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها فلا يجوز هذا المعنى في كلامه ~~ويقبح استفهامه وقد يحسن الاسفهام على وجه آخر وهو أن يجوز السامع على نفسه ~~الغلط فيما سبق إلى سمعه فيستفهم المخاطب له ليعلم أن ما سبق إلى سمعه كان ~~صحيحا على ما سمعه # ألا ترى أن الاستفهام قد يحسن من مثل هذا في الأعداد المعلومة التي لا ~~تشكل مقاديرها على سامعها مثل أن تقول خذ هذه الألف درهم فيقول أتعطيني ~~الألف كلها # فأما إذا كان المخاطب حكيما والسامع واعيا لما خوطب به واللفظ ظاهر ~~المعنى فالاستفهام غير سائغ في مثله # فإن قيل لولا جواز الاستفهام في لفظ العموم لما ساغ لقوم موسى عليه ~~السلام حين أمرهم الله تعالى بذبح بقرة فقالو @QB@ ادع لنا ربك يبين لنا ما ~~هي @QE@ فدل ذلك على جواز الوقوف في لفظ العموم وحسن الاستفهام معه ~~PageV01P124 # قيل له أو قد صار قولهم حجة في ذلك ومن براهم من الخطأ في استفهامهم مع ~~ما لحقهم من اللائمة في مراجعتهم # وقد روي عن ابن عباس أنه قال لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأت عنهم ولكنهم ~~شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم # وعلى أن هؤلاء الذين استفهموا ذلك هم الذين قالوا @QB@ أتتخذنا هزوا @QE@ ~~فمن خاطب نبي الله صلوات الله عليه بمثل ذلك لم يبعد من الخطأ في الاستفهام ~~والمراجعة وعلى أن سؤالهم قد صار سببا للتغليظ عليهم عقوبة لهم على ذلك ~~فدلالة هذه القصة على صحة القول بالعموم أظهر منها على نفيه لأنهم استحقوا ~~اللوم عند المراجعة # والاستفهام با للفظ المطلق الذي قد كان يمكنهم استعماله على إطلاقه ويدل ~~على ذلك قوله تعالى @QB@ فذبحوها وما كادوا يفعلون @QE@ يعني والله أعلم ~~لما لحقهم من تغليظ المحنة لأجل مراجعتهم وسؤالهم # فإن قال قائل إنما يجب اعتبار العموم ms033 إذا أكد بضرب من التأكيد يقع معه ~~للسائل علم الضرورة بمراد المخاطب PageV01P125 # قيل له ليس وقوع علم الضرورة بمراد القائل موقوفا على التأكيد إذ قد يقع ~~ذلك له مع وجود التأكيد تارة ومع عدمه أخرى على حسب مقتضى اللفظ # وقد لا يقع له العلم مع وجود التأكيد لأنه قد يحتمل أن يؤدي باللفظ عن ~~معناه إلى غيره ملغزا في كلامه # وأيضا لو كان وقوع العلم بمراد المخاطب مقصورا على ما يضطر إليه لما جاز ~~أن يعلم أحد من المطلقين مراد الله تعالى لأن أحدا من المكلفين لا يعلم ~~كلام الله تعالى اضطرارا وإنما يعلمه باستدلال واكتساب فكيف يجوز وقوع ~~العلم بمراده في خطابه من جهة الضرورة # فلما كان المسلمون قد علموا كثيرا من مراد الله تعالى فيما خاطبهم به من ~~غير جهة الضرورة دل ذلك على بطلان هذه القاعدة # فإن قيل لا يخلو وقوع العلم بالعموم من أن يكون باللفظ أو بالمعني أو ~~بمعين يقارن اللفظ أو بهم 4 ا جميعا فإن كان معنى غير اللفظ أو بهما فقد ~~خرج اللفظ من أن يكون دالا بنفسه وفي ذلك بطلان أصلكم إن كان وقوع العلم به ~~بنفس اللفظ واللفظ مسموع محسوس فالواجب أن يشترك السامعون له في وقوع العلم ~~بصحة العموم لأن المحسوسات لا يقع فيها خلاف كالملموس والمذوق والمشموم ~~والمرئي فلما وجدنا كثيرا من سامعي اللفظ نافين للقول بالعموم علمنا أنه ~~غير معقول من اللفظ # قيل له أما الصوت فهو مسموع محسوس وإنما يجب على العموم أو PageV01P126 ~~الخصوص غير محسوس لأنه إنما يعرف بالرجوع إلى مواضعات أهل اللغة واصطلاحهم ~~على حكم اللفظ # وقد يجوز أن يكون فيه شبهة على بعض الناس أو لا يستدل عليه من جهة اللغة ~~فلا يقع له العلم بموضوعه وموجب حكمه كما أن قول القائل رجل وفرس محسوس ~~مسموع يشترك السامعون كلهم في العلم بوجوده وليس كل من سمعه عرف معناه إذا ~~لم يكن من أهل هذه اللغة # وأيضا فإن الاجسام محسوسة وهي دلائل على الله ms034 تعالى وليس كل من أحسها ~~وشاهدها عرف وجه دلالتها إذا لم يستدل بها # كذلك اللفظ المطلق يقتضي العموم وقد يجوز خفاء حكمه على بعض السامعين # فإن قال قائل أخبرني عمن سمع آية أو سنة ظاهرهما عموم هل يلزمه إمضاؤهما ~~على ظاهرهما وعمومها أو يتوقف فيهما حتى يعلم أهو عام أو خاص ومنسوخ أو ~~ناسخ # فإن قلت إنه يمضيهما على العموم مع علمه بأن في القرآن والسنة خاصا وعاما ~~وناسخا ومنسوخا فقد حكمت بعمومهما مع الشك فيه # وإن قلت إنه يقف فيهما حتى يستقرىء سائل الأصول والدلائل فاذا لم يجد ما ~~يخصصها قضى فيهما بالعموم فقد تركت القول بالعموم وصرت إلى مذهب أصحاب ~~الوقف PageV01P127 # قيل له الذي نقول في ذلك إن هذا السامع إن كان سأل الرسول عليه السلام عن ~~حادثة حدثت فأنزل الله تعالى فيها قرآنا أو أجابه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيها بجواب فعليه إمضاء الحكم على ظاهر ما سمعه وليس عليه طلب الدليل من ~~غيره في خصوصه أو عمومه لأنه لو كان خاصا لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيانه في الحال التي ألزم فيها تنفيذ الحكم مع جهل السائل # وأما من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر حكما مبتدءا معلقا بعموم لفظ ~~من غير حادثة سئل عن حكمها أو سمع آية من القرآن مبتدأة والسامع لذلك من ~~أهل النظر والاجتهاد فكان مخاطبا بمعرفة حكمها فقد قيل فيه وجهان # أحدهما أنه ليس يجوز له الحكم بظاهرها حتى يستقرىء الأصول ودلائلها هل ~~فيها ما يخصها فإذا لم يجد فيها دلالة التخصيص أمضاها على عمومها وأما ~~العامي فليس له أن يفعل شيئا من ذلك ولكنه إذا سئل عن حكم حادثة من يلزمه ~~قبول قوله فأجيب فيها بجواب مطلق أمضاه على ما سمعه وليس فيما ذكرنا ترك ~~القول بالعموم ولا موافقة لأصحاب الوقف من قبل أنا إنما نظرنا مع سماع ~~اللفظ في دلالة التخصيص فمتى عدمناها كان الموجب للحكم هو اللفظ العام ولم ~~نحتج مع اللفظ إلى دلالة ms035 أخرى في إيجاب الحكم وشموله فيما انتظمه الاسم # والفرق بيننا وبين القائلين بالوقف أنهم يقفون في حكم اللفظ حتى يجدون ~~دليلا من غيره على وجوب الحكم به # ونحن نقف لننظر هل في الأصول ما يخصه أم لا # والوجه الآخر أن من كان مخاطبا بحكم اللفظ فليس يخليه الله تعالى عند ~~سماع اللفظ من إيراد دلالة التخصيص عليه حتى يكون كالاستثناء المنوط ~~بالجملة PageV01P128 # وأما من لم يكن مخاطبا بالحكم فهو بمنزلة من لم يسمعه فليس عليه أن يعتقد ~~فيه عموما ولا خصوصا # وقد تعسف بعضهم فلم يفصل الجواب عن هذا السؤال هذا التفصيل وقال أمضى ~~اللفظ على العموم وهذا خبط وجهل من قبل أنه من علم أن في القرآن والسنة ~~عاما وخاصا وناسخا ومنسوخا فاعتقد العموم فيما لا يعلمه عاما أو خاصا فقد ~~أقدم على اعتقاد ما لا يعلم صحته # ولا يجوز أن يلزمه الله تعالى مع ذلك إقامة دلالة تخصيص لأنه يقتضي أن ~~يكون قد ألزمه اعتقاد خلاف مراده وهذا متناقض فاسد # فإن قال قائل لم أجد آية وخبرا إلا خاصا وهذا يدل على أن حكم اللفظ ~~الخصوص وإنه إنما يصرف إلى العموم بدلالة # قيل له ومن أين وجب ما قلت لو كان الأمر على ما ذكرت وما انكرت أن تكون ~~حقيقته العموم وإنما يصرف إلى الخصوص بدلالة وكل آية أو خبر وجدته خاصا فلم ~~يخل من مقارنته لدلالة أوجبت خصوصه وإزالته عن العموم وعلى أن في كتاب الله ~~تعالى من الآي العامة المستوجبة لما تحت الاسم أكثر من أن يحصره هذا الباب ~~نحو قوله @QB@ أن الله بكل شيء عليم @QE@ وقوله تعالى @QB@ يعلم سركم ~~وجهركم ويعلم ما تكسبون @QE@ PageV01P129 وقوله تعالى @QB@ إن الله لا يظلم ~~الناس شيئا @QE@ و @QB@ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا @QE@ @QB@ وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها @QE@ و @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم @QE@ ومن ~~ذكر معها # فإن قال ما أنكرت أن يكون حكم العموم ms036 لازما لمن شاهد المخاطبة به لاقتضاء ~~حال الخطاب من الامور التي يقع معها العلم بالمراد من إشارات وتقدير والحال ~~المقتضية لذلك غير ممكن نقلها فلا يقع العلم لمعاني الخطاب لمن نقل إليه ~~اللفظ حسب وقوعه لمن شاهده # فلم يلزم إذا كان هذا هكذا من نقل إليه لفظ عموم الحكم به إلا بدلالة # قيل له إن المخاطبة تكون من النبي صلى الله عليه وسلم على وجهين # أحدهما لما يريد به إفهام السامع دون غيره فقد يجوز أن يقتصر في مثله من ~~اشارات الانحصار ومخرج الكلام على المقدار الذي يقع للمخاطب العلم بمراده ~~اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد PageV01P130 # والوجه الآخر ان يريد بخطابه المشاهد له وغيره ويريد ان ينقل عنه فلابد ~~حينئذ من ان يكون مراده معقولا من لفظه غير مفتقر معه إلى دلالة الحال حتى ~~يستوى الناقل والمنقول اليه في وقوع العلم بحكم اللفظ وهو العموم المنتظم ~~لما تحته من المسميات # وعلى ان قول هذا القائل يوجب ان يكون الصحابة الذين شاهدوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم متعبدين بأحكام اللفظ على غير الوجه الذي تعبدنا به لانهم ~~كانوا يعقلون من حكم اللفظ بالمشاهدة ما لم يكن يعقله من لم يشاهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم على موضوعك وهذا خلف من القول # فان قال قائل ممن فرق بين الامر والخبر فقال لا يجوز الوقف في الامر لانا ~~متعبدون بتنفيذه ولو ساغ الوقف فيه لجاز لكل واحد ان يقول لعلي لم أعن بهذا ~~الامر فيتخلف بذلك عن أدائه فيؤدي ذلك إلى إسقاط فائدته ولأنا غير متقيدين ~~فيه بتنفيذ شيء # قيل له لست تخلو من أن تكون حكمت في الأمر بالعموم من جهة مقتضى اللفظ ~~وموجبه ولأن الصيغة توجب العموم أو حكمت فيها بالعموم من جهة دلالة غير ~~اللفظ والصيغة # فإن كنت حكمت فيها بالعموم من جهة اللفظ فقد أعطيت أن اللفظ موضوع للعموم ~~فواجب حينئذ أن لا تختلف أحكامه باختلاف أحواله ومواضعه كما أن الأسماء ~~المفردة التي هي أسماء الاعيان والاشخاص لا ms037 تختلف أحكامها في دلالاتها على ~~ما دلت عليه PageV01P131 الدلالة باختلاف المواضع والأحوال فلا يجوز حينئذ ~~أن يختلف حكم الخبر والأمر في اعتبار إجراء الحكم على ما تقتضيه صورة ~~العموم # وإن كنت تأبى أن يكون للعموم صيغة تقتضي استيعاب الحكم فيما يتناوله ~~اللفظ والكلام بيننا وبينك في الأصل فالواجب علينا حينئذ الرجوع إلى حكم ~~اللفظ في مقتضى اللغة فإن أوجب العموم قضى به ولا يجوز حينئذ أن يختلف حكم ~~الأمر والخبر على الحد لذي بينا مع وجود دلالة اللفظ المطلق العاري مما ~~يوجب تخصيصه # وقد دللنا على وجوب القول بالعموم بما يغنى عن إعادته وعلى أن الخبر ~~للإعلام فإذا ورد مطلقا لزمنا اعتقاد مخبره على حسب ما انتظمه لفظه # فلا فرق بينه وبين الأمر من هذا الوجه # وعلى ان ما ذكر لا يوجب الفصل بين الامر والخبر لان الامر قد يأتي بلفظ ~~العموم والمراد وقوع المأمور به من بعض الجملة نحو الامر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر والجهاد وغسل الموتى والصلاة عليهم ودفنهم # وإذا كان ذلك كذلك لم يختلف على موضوعكم ان يكون ما ورد الامر به من ~~الصلاة وما جرى مجراه انما هو على هذا الوجه من وجوده من بعض جملة ~~المخاطبين بذلك فلا يكون فيه اسقاط فرضالامر فلا فرق اذا بين الامر والخبر ~~من PageV01P132 هذا الوجه ويلزم ان لا نجعل فرض الصلاة والزكاة والصيام ~~عاما على كافة الناس # فإن قال قائل لم أحكم بلزوم هذه الفروض كافة الناس من جهة اللفظ بل قيل ~~له فينبغي لن يكون الذي لزم بالامر من الفرض بعض الناس وما زاد لم يلزم ~~بالامر وانما لزم بالاجماع ويلزمه مع ذلك ايضا ان لا يكون لزومه لذلك البعض ~~من جهة دلالة اللفظ وإنما لزم بالاجماع لانا قد وجدنا لفظ الامر يرد ويراد ~~به الاباحة كقوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ فلا يكون حمله على ~~هذا الوجه مبطلا لفائدته # فإن ارتكب هذا فقد نقض ما أعطى بدءا من إيجاب الفرق بين الأمر والخبر على ~~الحد الذي ذكر لأنه ms038 لم يفرق بينهما إذا لم يثبت حكم واحد منهما باللفظ دون ~~دلالة من غيره # فان قيل قد يجوز ان يخبرنا بخبر مخبره مجهول نحو قوله تعالى @QB@ وكم ~~أهلكنا من قرية @QE@ وقوله وقرونا بين ذلك كثيرا ثم لا يبينه أبدا ولا يجوز ~~أن يأمر بأمر مجهول لم يرد بيانه فليس كذلك عندنا لأنه جائز عندنا أن يرد ~~الأمر بشيء مجهول موقوف على البيان ثم لا يرد بيانه PageV01P133 # مثل أن يقول اقتلوا المنافقين إذا عرفتكم إياهم وأقيموا الصلاة وآتو ~~الزكاة إذا بينتها لكم ثم لا يبين ذلك ابدا فلا يكون موجب هذا الامر اعتقاد ~~صحة تنزيله وكونه حكمة وصوابا كما يخبرنا بخبر لا نتبين حال مخبره وكيفياته ~~وأوصافه فلا يلزمنا فيه أكثر من اعتقاد صحته وكونه حقا على ما هو عليه # فإن قال قائل الفرق بين الأمر والخبر ان الأمر يجوز فيه النسخ ولا يجوز ~~في الخبر # قيل له جواز النسخ في إحدهما وامتناعه في الآخر لا يوجب الفصل بينهما من ~~جهة ما يقتضيه إطلاق اللفظ فيهما # ولو جعل هذا المعنى فاصلا بينهما في أيجاب عموم الخبر دون الأمر كان أقرب ~~لأن لخصمك أن يقول لما لم يجز النسخ في الخبر ولم يجز في مخبره التبديل ~~والتغيير وجب اعتبار عمومه ولما جاز نسخ الأوامر لم يجب اعبتار عمومه إذ ~~جاز وقوعه تارة محظورا وتارة مباحا فهذا يدل على سقوط هذا السؤال ~~PageV01P134 & باب القول في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص & # قال أبو بكر قد يرد اللفظ العام والمراد العموم كقوله تعالى @QB@ أن الله ~~بكل شيء عليم @QE@ PageV01P135 وقوله @QB@ إن الله لا يظلم الناس شيئا @QE@ ~~وقوله @QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ وهو كثير في القرآن # وقد يرد اللفظ الخاص والمراد به الخصوص كقوله تعالى @QB@ محمد رسول الله ~~@QE@ وقوله @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها @QE@ ونظائره # وقد يرد اللفظ الخاص والمراد العموم وقد بينا قبل ذلك أن العموم يصح ~~اطلاقه في الاحكام مع عدم ms039 اللفظ فيه PageV01P136 & الباب السادس في اللفظ ~~العام المخرج إذا أريد به الخصوص & # وذلك نحو قوله تعالى @QB@ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء @QE@ فافتتح ~~الخطاب بذكر النبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق للعدة ~~وقال تعالى @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولا تكن ~~للخائنين خصيما @QE@ والمراد سائر المكلفين # واختلف أهل العلم في جواز ورود اللفظ العام والمراد الخصوص فقال كثير ~~منهم هذا لا يمتنع وقد وجد ذلك في كتاب الله تعالى نحو قوله تعالى @QB@ ~~الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم @QE@ وعمومه يقتضي دخول جميع ~~الناس في اللفظين والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم ونحو قوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم @QE@ لم يدخل فيه الاطفال والمجانين ~~ومثله كثير في القرآن # وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله ممن يجوز ذلك ويقول إن إطلاق اللفظ في ~~مثله مجاز ليس بحقيقة # وقال بعض أصحابنا لا يجوز ورود لفظ العام والمراد به الخصوص PageV01P137 # لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستنثاء المتصل بالجملة كقوله تعالى ~~@QB@ فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ غير جائز أن يقال إن هذه ~~الصيغة عبارة عن ألف سنة كاملة # كذلك قيام الدلالة على إرادة الخصوص تجعل اللفظ خاصا ويتبين أنه لم يكن ~~لفظ عموم قط # وليس وجود اللفظ الذي يصلح للعموم بموجب أن يكون عموما بل هو لفظ خاص ~~صورته غير صورة لفظ العموم كما أن وجود لفظ الألف من قوله @QB@ ألف سنة إلا ~~خمسين عاما @QE@ لا يوجب أن تكون هذه الصيغة هي صيغة الألف المطلقة العارية ~~من الاستنثناء بن الصيغتان مختلفتنان كذلك اقتران دلالة الخصوص إلى اللفظ ~~الذي يصلح للعموم يغير صيغة اللفظ ويمنع كونه عاما أريد به الخصوص فدل ذلك ~~على أن ما كان هذا وصفه من الألفاظ فهو في حقيقة فيما ورد فيه مستعمل في ~~موضعه # وليس أن دلالة التخصيص غير مذكورة مع اللفظ بمنانع أن يكون في معنى ~~الاستثناء المتصل باللفظ لأنا قد وجدنا اللفظ المطلق الذي قد أريد به ms040 في ~~استثناء بعضه قد اقتصر فيه على الاطلاق من غير ذكر الاستثناء متصلا به في ~~بعض المواضع وإن كان قد ذكر في بعضها ولم يكن وجود ذلك في الكلام وجوازه ~~فيه بمانع أن يكون الاستثناء مرادا كقوله تعالى في قصة لوط عليه السلاة ~~@QB@ فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا ~~حيث تؤمرون @QE@ PageV01P138 فلم يستثن امرأته في هذا الموضع وهي مستثناة ~~في المعنى وان لم يذكرها ثم قال في موضع آخر @QB@ فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك @QE@ فأظهر الاستثناء في هذه الآية ثم لم ~~يختلف حكم اللفظين في أن كل واحد منهما مستثنى منه المرأة في المعنى وإن ~~كانت مذكورة في أحدهما غير مذكورة في الآخر # ونحو قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم @QE@ ومعلوم ~~أنه لم يرد به المسيح وعزير صلوات الله عليهما اجمعين فأنزل الآية مطلقة ~~اكتفاء بالدلالة التي أقامها على أنه لا يعذبهما في الآخرة وكان ذلك بمنزلة ~~الاستثناء المتصل باللفظ فلما قال المشركون هذا المسيح والعزيز قد عبدا من ~~دون الله أنزل الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ~~ثم لم يختلف حكم اللفظ بعد نزول هذه الآية وقبلها فهذا يدل على أن دلالة ~~التخصيص بمنزلة الاستثناء فينبغي على هذا أن لا يختلف حكم اللفظ فيهما في ~~كونه حقيقة في موضعه وأنه ليس بلفظ عموم # فإن قال قائل هذا القول يؤدي إلى ابطال المجاز والاتساع في اللغة لانه ~~يوجب ان يكون قيام الدلالة على كونه مجازا بمنزلة المذكور معه ويكون قوله ~~تعالى @QB@ إني أراني أعصر خمرا @QE@ PageV01P139 بمنزلة اني أراني أعصر ما ~~يصير خمرا وقوله تعالى @QB@ إن الذين يؤذون الله ورسوله @QE@ بمنزلة ان ~~الذين يؤذون أولياء الله @QB@ وجاء ربك @QE@ كقوله @QB@ جاء أمر ربك @QE@ # فتصير الدلائل الموجبة لكون اللفظ مجازا هي الموجبة ان يكون حقيقة # قيل له لما لم يكن ذلك في الاستثناء لم يلزم مثله في الدلائل القائمة ~~مقام الاستثناء # ولو ms041 جاز ان يتطرق بما ذكرت إلى ابطال ما ذكرنا من حكم اللفظ لجاز أن ~~يتطرق به إلى ان تجعل اللفظ المستثنى مجازا كما قلت في دلالة التخصيص سواء # وكان أبو الحسن رحمه الله يقول في الاستثناء ان دخوله على الكلام لا ~~يجعله مجازا # وايضا فان الفصل بينهما ان القرية لا تكون عبارة عن أهلها على الحقيقة ~~بحال والخمر لا يكون عبارة عن العصير وكذلك سائر الفاظ المجاز يجوز ان لا ~~يكون عبارة عن المراد بها حقيقة # وقوله @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ اذا أريد به الخصوص وهم عبدة الاوثان ~~كان اللفظ عبارة عنهم حقيقة لا مجازا فلا فرق بين قوله @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ ومراده عبدة الاوثان لدلائل قامت وبين قوله اقتلوا المشركين ~~الذين هم عبدة الاوثان في انه لا يجعل اللفظ مجازا بل هو حقيقة فيهم فلذلك ~~لم يلزم ما ذكرت PageV01P140 @QB@ لكم من النساء @QE@ هو عموم يقتضي ظاهرة ~~إباحة جميع النساء فلما قال @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ وما ذكر بعدها دل ~~على أن المراد بقوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم @QE@ من عد ا المذكورات ~~بالتحريم في هذه الآية ونحوه قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة @QE@ فلو خلينا والعموم كانت الأمة والحرة في ذلك ~~سواء فلما قال في الإماء @QB@ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب @QE@ خصهن من الآية الأولى وبين في الثانية أن المراد بالأولى ~~الحرائر ونظاهر ذلك كثير # وقال قوم لا يكون تخصيص القرآن بقرآن مثله لأن التخصيص لما كان بيانا ~~للمراد باللفظ لم يجز أن يكون بيانه إلا من جهة السنة لقوله تعالى @QB@ ~~لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ ويقال لهم إن هذا فيما يحتاج إلى بيان ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فأما ما بينه تعالى فلم يدخل في ذلك PageV01P141 ~~& الباب السابع في الوجوه التي يقع بها التخصيص & # قال أبو بكر # الأصل في ذلك أن ورد التخصيص يبين أن المراد باللفظ العام بعض ما شمله ~~الاسم # فجائز أن يكون تخصيص عموم القرآن بقرآن مثله كقوله تعالى @QB@ فانكحوا ما ms042 ~~طاب @QE@ PageV01P142 # ألا ترى أن ما كان منه ظاهر المعنى غير محتاج إلى بيان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كذلك مابين الله تخصيصه مما يحتاج إلى بيان فليس بيانه موكولا ~~إلى النبي عليه السلام # وأيضا يحتمل أني كون معنى قوله تعالى @QB@ لتبين للناس @QE@ لتبلغه أياهم ~~وتظهره ولا تكتمه # وأيضا فقد وكل النبي صلى الله عليه وسلم الأمة في كثير مما ورد به لفظ ~~القرآن المفتقر إلى البيان إلى النظر والاستدلال كما قال لعمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في الكلالة يكفيك آية الصيف وفي أشياء كثيرة من الربا وغيره ~~وعلى أنه إذا كان التخصيص بيانا فما الذي يمنع أن يكون الله تعالى هو ~~المتولي لبيانه تارة وتارة يأمر النبي صلى الله عليه وسلم به # ومن حيث جاز نسخ القرآن بقرآن مثله جاز تخصيصه به لأن النسخ في الحقيقة ~~بيان لمدة الفرض الأول والتخصيص بيان الحكم في بعض ما شمله الاسم ~~PageV01P143 # وأيضا قال تعالى @QB@ تبيانا لكل شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ لنبين لكم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ما فرطنا في الكتاب من شيء @QE@ وقال الله تعالى @QB@ ~~ثم إن علينا بيانه @QE@ فهذا يقتضي وقوع بيان الكتاب بقرآن مثله # ويكون تخصيص القرآن بالسنة الثابتة # كقوله تعالى @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم @QE@ وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم وكقوله تعالى @QB@ فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء @QE@ PageV01P144 وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تنكح ~~المرأة على عمتها وقال تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ وقال @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين @QE@ # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وكقوله تعالى @QB@ أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم @QE@ PageV01P145 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أوراق صدقة ونظائر ذلك # ويجوز تخصيص القرآن بالاجماع أيضا # كقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ ~~ثم خص الإماء بجلد الخمسين بقوله تعالى @QB@ فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب @QE@ # ولم يذكر العبد واتفقت ms043 الامة على أن العبد يجلد خمسين فخصصنا الآية ~~بالاجماع # ويجوز تخصيصه بدلالة العقل PageV01P146 # كقوله تعالى @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم @QE@ وفي عقولنا أن مخاطبة ~~المجانين والاطفال بذلك سفه فصارت الآية مخصوصة بالعقل لأنه حجة لله تعالى ~~تبين مراده بالآية ولا فرق بينه وبين تخصيصه بقرآن أو سنة # فإن قال لا يجوز تخصيصه بالعقل لأن التخصيص إذا كان معناه بيان المراد ~~فغير جائز حصول البيان قبل وجود ما يقتضيه كما لا يجوز وجود الاستثناء قبل ~~ورود الجملة المستثنى منها # قيل له لا يخلو من أن تكون من القائلين بدلالة العقل وأنه حجة لله تعالى ~~أو تقول بنفيها # فإن كنت ممن ينفي دلائل العقول فالكلام بيننا وبينك في إثبات دلائل ~~العقول وإنها تفضي بنا إلى حقيقة العلوم التي طريقها العقل # وإن كنت ممن يقر بحجج العقول إلا أنك منعت استعماله في تخصيص العموم خاصة ~~فإن هذا خلف من القول من قبل أن دلائل العقول لا يجوز وجودها عارية من ~~مدلولها ولا يجوز ورود السمع بنقضها PageV01P147 # فإذا قال الله عز وجل @QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم @QE@ وقد أقام قبل ~~ذلك في عقولنا أنه لا يصح منه خطاب المجانين والأطفال فقد صارت دلائل العقل ~~قاضية لحكم اللفظ على المكلفين دون الأطفال والمجانين كما تنقل دلالة العقل ~~حكم اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز كقوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ ~~فجعله زجرا ونهيا وحقيقته أنه أمر # فإن قال إنما علمت خصوص هذه الآية بالاجماع # قيل له فقد كنت تجوز قبل ورود الآية وحصول الاجماع على معناها مخاطبة ~~الله تعالى المجانين والأطفال وأمره اياهم بالتقوى ووعيدهم على تركها # فإن قال نعم فقد أحال في قوله ويلزمه إجازة خطاب الله تعالى الجمادات ~~وتكليفها العبادات وكفى بهذا خزيا لمن بلغه # فإذا صح جواز تخصيص اللفظ العام من جهة العقل وليس ذلك كالاستثناء الذي ~~لا يصح وجوده قبل المستثنى منه من قبل أن الاستثناء لو انفرد قبل ذكر ~~المستثنى منه لم يعقل منه شيء # ودلالة العقل بانفرادها موجبة لأحكامها المتعلقة بها ms044 وليس يمتنع ~~PageV01P148 ان ينعدم ما يوجب تخصيص اللفظ بسمع ان يكون معناه مفهوهما قبل ~~ورود اللفظ المخصوص نحو ان يقول الرجل لعبيده إذا أمرتكم بسقي الماء ~~فاسقوني الا فلانا فيكون فلان خارجا من هذا الامر مخصوص منه بقوله المتقدم ~~للامر وانما لا يصح افراد الاستثناء قبل ذكر المستثنى منه اذا عبر عنه بلفظ ~~الاستثناء لانه لا يصح ان يقول ابتداء الا فلانا ولو قال لم يكن كلاما ~~معتدلا ولم يعقل منه شيء فلذلك لم يصح # فإن قال قائل لو جاز تخصيص العموم بالعقل لجاز نسخه به لان النسخ بيان ~~لمدة الحكم كما ان التخصيص بيان المراد بحكم اللفظ # قيل له لو فهمت ما ألزمتنا لكفيتنا مؤنتك وقضيت لنا على نفسك و ذلك انه ~~لا سبيل إلى معرفة توقيت مدة الحكم من طريق العقل وذلك ان احكام الاشياء في ~~العقل على ثلاثة أنحاء منها ما فيه ايجابه نحو شكر المنعم واعتقاد التوحيد ~~وتصديق الرسل عليهم السلام ومنها ما فيه حظره نحو الكفر والظلم والكذب ونحو ~~ذلك # وهذان البابان يجريان في حكم العقل على شاكلة واحدة لا يجوز فيها التغيير ~~والانقلاب في باب الايجاب أو الامتناع # وقسم ثالث وهو في العقل واحواله ثلاثة # يجوز حظره تارة واباحته تارة اخرى وايجابه اخرى على حسب ما يقتضيه من حسن ~~او PageV01P149 قبح وانما يعلم حكمه بالسمع من جهة العالم بمصالح العباد ~~وبما يكون من هذه الافعال حسنا أو قبيحا ثم لا يخلو السمع من ان يكون واردا ~~بالبابين الأولين اللذين ذكرنا انه لا يجوز فيهما الانقلاب والتغيير فغير ~~جائز نسخ ما كان هذا سبيله بوجه ولا ورود السمع بخلافه # وأما الوجه الثالث فانه لا يخلو من ان يكون السمع حاكما بحظره أو اباحته ~~أو ايجابه وعلى اي هذه الوجوه كان وزوده فهو مما جوزه العقل وحسنه فكيف ~~يجوز ان يحكم العقل بزواله وارتفاعه # وقد قلنا ان ما كان هذا سبيله فانما حظ العقل فيه تجويز ورود السمع بأحد ~~هذه الوجوه فلا يجوز ان يحكم بعد ms045 ورود السمع فيه بخلافه # وأيضا فان النسخ انما هو توقيت مدة الحكم الاول بعد ان كان في تقديرنا ~~ووتوهمنا بقاؤه ولاحظ للعقل في توقيت مدة الفرض لان ذلك متعلق بعلل المصالح ~~وعلل المصالح لا تعلم اعيانها من طريق العقل # وايضا فلو جاز ذلك فيه لجاز ان يكون العقل بدءا موجبا للحكم الناسخ قبل ~~ورود السمع فيه وقد ثبت انه لاحظ له في ذلك فامتنع من اجل ذلك جواز نسخ ~~السمع بالعقل # واما التخصيص بالعقل فليس كذلك لان دلالة العقل الموجبة للتخصيص هي ما ~~كان واقعا منه على أحد الوجهين الاولين اللذين يجريان في حكم العقل على ~~شاكلة واحدة فتبين ان المراد باللفظ بعض ما شمله الاسم # ولذلك يجوز في الالفاظ ولا يجوز مثله في دلالة العقل لان دلائل العقل لا ~~يجوز فيها التخصيص وكذلك صار العقل قاضيا على السمع من هذا الوجه ولم يجز ~~ان يقضي السمع على العقل PageV01P150 # فإن قال قائل لا يمتنع جواز النسخ من جهة العقل لانه قد يعرض ما يمنع ~~العقل فيدل العقل على انه لا يلزم في هذه الحال مثل ما كان يلزم قبل ذلك ~~كالسمع اذا ورد بمثله # قيل له ان هذا ليس بنسخ ولا في معناه لان مثله لو وجد في السمع لم يكن ~~نسخا ولو كان مثل هذا نسخا لكانت الشرائع كلها منسوخة لانها لا تلزم في حال ~~العجز وتعذر النقل وكان حكم كل متعلقا عند وروده على وقت أو شرط وكان ذلك ~~معلوما من حاله بسمع أو عقل فان مضى الوقت وعدم الشرط لا يوجب كونه منسوخا # ألا ترى ان كثيرا من الفروض معقودة بأوقات وشروط متى فاتت أوقاتها أو ~~عدمت شرائطها سقط فعلها نحو الجمعة والأضحية ولا يقول أحد ان الجمعة قد ~~صارت منسوخة بفوات الوقت وذلك لان النسخ انما يصح اطلاقه في الامور الواردة ~~من جهة الشرع مما كان في تقديرنا وتوهمنا بقاؤه فاما ما كان موقتا أو ~~مشروطا وكان ذلك في حاله معلوما مع ورود اللفظ فليس ذلك ms046 بنسخ # الا ترى انه لو قال اجلد اليوم هذا الزاني مائة ولا تجلده غدا أو قال صل ~~اليوم ولا تصل غدا أن فوات الوقت قبل الفعل لا يوجب نسخا ولو قال اضربه ~~مائة أو صل ثم قال غدا لا تضربه أو لا تصل كان ذلك نسخا لانا قد كنا نتوهم ~~ونقدر PageV01P151 بقاء الفرض ما لم ينسخه فلذلك كان الامر فيه على ما ~~وصفنا فان قيل دلالة لعقل على زوال الفرض في حال العجز وتعذر النقل في معنى ~~النسخ وان لم يسم نسخا لان معنى النسخ اذا كان انما هو بيان مدة الحكم وقد ~~اخذ العقل بقسطه في ايجاب ذلك من الوجه الذي ذكرنا في معنى النسخ وان لم ~~يسم به # قيل له هذا غلط لانه ليس كل ما يبين به مدة الحكم يكون نسخا ولا في معنى ~~النسخ لانه اذا قيل صم سائر الايام الا يوم الفطر لم يكن نسخا ولا في معنى ~~النسخ لان النسخ وما في معناه له شريطة متى عدمت زال المعنى # وهو أن يكون في التقدير بقاء الحكم فيرد بعده ما يبين آخر مدته فاما ما ~~كان معلوما مع ورود الامر أنه غير لازم في وقت اما بسمع أو بعقل فليس ذلك ~~في معنى النسخ في شيء # ونحن وان كنا نقول ان العبادات ونسخها متعلقة بالمصالح كالمرض والصة ~~والفقر والغنى وسائر ما يفعله الله تعالى فان للنسخ معنى قد اختص به ~~وشرائطا قد وقف عليها متى عدم منها شيء لم يكن نسخا # ولو كان ما ذكره هذا القائل في معنى النسخ لكان التخصيص ايضا في معنى ~~النسخ لانه قد قصد به وما دون قوم ممن شمله الاسم كما اريد بالامر المطلق ~~حالا دون حال وهي حال الامكان دون حال العجز ولوجب ان تكون الفروض المبتدأة ~~كلها في معنى النسخ لتعلقها بالمصالح PageV01P152 & الباب الثامن في تخصيص ~~العموم بخبر الواحد& PageV01P153 PageV01P154 & باب في تخصيص العموم بخبر ~~الواحد & # قال أبو بكر # وأما تخصيص عموم القرآن والسنة الثابتة بخبر الواحد وبالقياس ms047 فان ما كان ~~من ذلك ظاهر المعنى بين المراد غير مفتقر إلى البيان مما لم يثبت خصوصه ~~بالاتفاق فانه لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس وما كان من ظاهر ~~القرآن أو السنة قد ثبت خصوصه بالاتفاق PageV01P155 # أو كان في اللفظ احتمال للمعاني أو اختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف ~~فيه وترك الظاهر بالاجتهاد أو كان اللفظ في نفسه مجملا مفتقرا إلى البيان ~~فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به # وكذلك يجوز تخصيص ما كان هذا وصفه بالقياس وهذا عندي مذهب اصحابنا # وعليه تدل اصولهم ومسائلهم # وقد قال أبو موسى عيسى بن ابان رحمه الله في كتابه الحجج الصغير لا يقبل ~~خبر خاص في رد شيء من القرآن ظاهر المعنى ان يصير خاصااو منسوخا حتى يجيىء ~~ذلك مجيئا ظاهرا يعرفه الناس ويعلمون به مثل ما جاء عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ان لا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها # فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول لان مثله لا يكون وهما # وأما إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خاص وكان ظاهر معناه ~~بيان السنن والأحكام أو كان ينقض سنة مجمعا عليها أو يخالف شيئا من ظاهر ~~القرآن فكان للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك حمل معناه على احسن ~~وجوهه واشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن فان لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ ~~PageV01P156 # قال عيسى وكل آية من القرآن كانت خاصة في قول جماعة من أهل العلم ~~فالاخبار مقبولة فيمن عنى بها ولأهل العلم النظر في ذلك بأحسن ما يأتيهم في ~~ذلك من الاخبار وأشبهها بالسنن نحو قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ ~~هي خاصة في قول جماعة أهل العلم لبعض السراق دون بعض فالأخبار مقبولة فيمن ~~عنى بها منهم ونحو قوله تعالى PageV01P157 @QB@ والذين يرمون أزواجهم ولم ~~يكن لهم شهداء إلا أنفسهم @QE@ هذه الآية خاصة في قول أهل العلم جميعا لأن ~~الصغيرين اللذين لم يعقلا لم يدخلا في قول أحد العلماء فلما اجمعوا على ~~انها ms048 قبل الخبر الخاص فيمن عنى بها وكذلك ما أشبه هذا # وقال عيسى في الحجج الكبير كل أمر منصوص في القرآن فجاء خبر يرده أو ~~يجعله خاصا وهو عام بعد ان يكون ظاهر المعنى لا يحتمل تفسير المعاني فان ~~ذلك الخبر ان لم يكن ظاهرا قد عرفه الناس وعلموا به حتى لا يشذ منهم الا ~~الشاذ فهو متروك # قال أبو بكر ولم يذكر في هذا الموضع انه مما ثبت خصوصه أو لم يثبت قال ~~ابوبكر فنص عيسى بن ابان على أن ظاهر القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق ~~لا يخص بخبر الواحد PageV01P158 # وهذا الذي ذكرناه هو مذهب الصدر الاول عندنا # قد روي هذا الاعتبار عن جماعة منهم لان عمر وعائشة واسامة بن زيد انكروا ~~على فاطمة بنت قيس روايتها ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ~~ولا نفقة وقال عمر رضي الله عنه لا ندع كتاب الله ربنا وسنة نبينا عليه ~~السلام بقول امرأة PageV01P159 # وانكرت عائشة رضي الله عنها حديث ابن عمر وعمر رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقالت قال االله عز وجل ~~@QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ # وإنما أنكرت اعتقاد ظاهره انه يعذب لأجل فعل غيره # والذي عندنا فيه أن عمر وابن عمر إنما جوزا ذلك على وجه لا يقبح مثله ولا ~~تكون عائشة مخالفة لهما في معناه وذلك أن البكاء عند العرب هو التعديد ~~وكانوا يعددون على موتاهم في الجاهلية بما كانوا بتبارون به من الغارات ~~والسباء والقتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض من سمعه يعدد بمثله إنه ~~يعذب لهذه الأفعال وكن قبول عمر وابنه له على وجه صحيح ورد عائشة له على ~~وجه آخر صحيح أيضا PageV01P160 # فإن قيل إنما أنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لأن الفعل يحيله لأنه غير ~~جائز في الحكمة تعذيب الإنسان لأجل فعل غيره # قيل له إنه وإن كان العقل يرده متى حمل على ظاهره فقد أخبرت عائشة أن ms049 ~~مخالفته لظاهر القرآن أحد ما يرد به ويمنع قبوله وقد روي عن ابن أبي مليكة ~~أن أبا بكر رضي الله عنه جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنكم ~~تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم احاديثا تختلفون فيها فمن بعدكم ~~أشد اختلافا فمن جاءكم يسألكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقولوا عندنا كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه فأمرهم بالرجوع إلى كتاب ~~الله تعالى ومنع الاعتراض عليه بأخبار الآحاد # والأصل في ذلك أن الأحكام التي ليس فيها نص ولا اجماع طريق اثباتها وجهان # أحدهما ما كان لله تعالى عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم به حتى لا يكون ~~PageV01P161 العادل عنه مصبيا بل مخطئا تاركا لحكم الله # والثاني ما كان طريقه الاجتهاد وغالب الظن ليس عليه دليل قاطع يوصل إلى ~~العلم بالمطلوب وهذا الذي يقول فيه أصحابنا ان كل مجتهد مصيب # وإن كان المطلوب واحدا عندهم فنقول على هذا ان كل شيء ثبت من طريق يوجب ~~العلم فانه لا يجوز تركه بما لا يوجب العلم وعموم القرآن يوجب العلم بجميع ~~ما تحته فانه لا يجوز تركه بما لا يوجب العلم وخبر الواحد لا يوجب العلم ~~بمخبره وانما PageV01P162 قبلوه من جهة الاجتهاد وحسن الظن بالراوي فلا ~~يجوز الاعتراض به على ظاهر القرآن والسنن الثابتة من طريق يوجب العلم # ولهذه العلة بعينها لم يجز نسخ القرآن بخبر الواحد لانه غير جائز رفع ما ~~يوجب العلم بما لا يوجبه # فان قال قائل القول بالعموم طريق اثباته النظر والاستدلال فهو مثل خبر ~~الواحد من جهة الثبوت فينبغي ان يجوز تخصيصه بهما # قيل له أما قولك ان طريق اثبات العموم الاستدلال والنظر فان كنت أردت به ~~انه لا طريق له الا ذلك فانه ليس كذلك لان القول بالعموم لا خلاف فيه بين ~~السلف من الصدر الاول والتابعين من بعدهم لما بيناه في صدر القول بالعموم # وان كان له مع ذلك دلائل من جهة النظر توجب صحة القول به مع ms050 ذلك فليس ~~طريق اثبات العموم الاجتهاد وغالب الظن وانما طريق اثباته الدلائل الموجبة ~~للعلم بصحته # واما خبر الواحد فغير موجب للعلم بمخبره وانما هو مقبول اجتهادا على جهة ~~حسن الظن بالراوي فغير جائز ترك موجب العموم من الحكم وقد ثبت من جهة توجب ~~العلم بما لا يوجب العلم # فان قال قائل فقد جاز ترك ما كان مباحا أو محظورا من جهة العقل قبل ورود ~~السمع بخبر الواحد وقد كان ثبوته من طريق يوجب العلم وهو دلائل العقل التي ~~هي آكد في باب PageV01P163 ثبوتها من عموم اللفظ لان اللفظ قد يطلق ولا ~~يراد به حقيقته ولا يجوز وجود دليل العقل عاريا من مدلوله # قيل له اما ما كان محظورا من جهة العقل قبل ورود السمع فهو على وجهين # احدهما لا يجوز استباحته بحال # والآخر يجوز استباحته تارة وحظره اخرى على حسب ما يدل عليه السمع فما لا ~~يجوز استباحته بحال فنحو الكفر والظلم والكذب # وأما ما يجوز العقل استباحته تارة وحظره اخرى على حسب ورود السمع به من ~~جهة من هو عالم بمصالح الكل فانا لا نعرف جواب اصحابنا في حكم هذا القسم ~~قبل ورود السمع في اباحته أو حظره والناس فيه مختلفون # فمنهم من يحظره ومنهم من يبيحه ومنهم من يمنع ان يطلق فيه حظرا أو إباحة # ونحن وان كنا نقول بما ليس في العقل ايجابه ولا حظره وقد قامت له أدلة ~~صحيحة على اباحته في الجملة فانا متى أشرنا إلى شيء بعينه من هذه الجملة ~~فانما يقع القضاء باباحته من طريق الاجتهاد وغالب الظن على انه لا ضرر ~~يلحقه بمواقعته أكثر من النفع الذي يرجوه به # الا ترى انا انما نبيح له تناول الأطعمة والاشربة ما لم يغلب في ظنه انه ~~يؤديه إلى ضرر وذلك معلوم من حاله قبل ورود الشرع لانه لو غلب على ظنه انه ~~ممنوع لما جاز PageV01P164 تناوله ونبيح له التصرف والسفر للتجارات ونحوها ~~ما لم يؤده إلى ضرر اكثر مما يرجو من نفعه في غالب ms051 ظنه لانه لو غلب على ظنه ~~ان في الطريق سبعا أو لصوصا تهلكه لما جاز له الاقدام عليه وان غلب في ظنه ~~السلامة جاز له # فقد تبين ان استباحة كل شيء من هذا بعينه انما طريقه الاجتهاد وغالب الظن ~~دون حقيقة العلم فجائز تركه بخبر الواحد وسقط قول القائل انا قد تركنا ما ~~يوجب العلم بما لا يوجبه وليس يمتنع ان يكون طريق اباحته وحظره الاجتهاد ~~بعد ورود السمع ايضا # وان كانت ظواهر من القرآن والسنن تقضي بإباحته نحو قوله تعالى @QB@ وسخر ~~لكم ما في السماوات وما في الأرض @QE@ وقوله تعالى @QB@ هو الذي جعل لكم ~~الأرض ذلولا @QE@ وقوله تعالى @QB@ عفا الله عنها @QE@ ونظائره من الآيات # لان هذه الآيات خاصة فيجوز تخصيصها بخبر الواحد وقد كان حكم ذلك قبل ورود ~~السمع طريقه الاجتهاد في اباحته أو حظره # ثم ما لم يرد في اباحته سمع لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد اذ كان تجويز ~~الاجتهاد قائما في اباحته أو حظره فجاز قبول خبر الواحد فيه # وعلى ان هذا الاعتلال بعينه يوجب على قائله جواز نسخ القرآن بخبر الواحد ~~من PageV01P165 حيث جوز به حظر المباح من جهة العقل قبل ورود السمع فيلزمه ~~ان يجيز ترك حكم القرآن رأسا والانتقال عنه إلى ضده بخبر الواحد كما جاز ~~ترك ما كان مباحا قبل ورود السمع بخبر الواحد إلى ضده وهذا لا يقوله أحد # فإن قال قائل فإن الصحابة متفقون على قبول خبر الواحد والقياس في الأحكام ~~وقد استفاض ذلك عنهم كاستفاضة القول بالعموم وقد قامت على وجوب القول بهما ~~أدلة صحيحة ليس طريقها الاجتهاد وغالب الظن فلا فرق بينهما وبين العموم من ~~هذا الوجه فهلا جوزت تخصيصه بهما قيل له ان الامر وان كان على ما ذكرت ~~الاعتراض بهما على عموم القرآن من قبل ان كل عموم في القرآن شأنه ما وصفنا ~~فانه يوجب العلم بموجبه وليس الحكم بموجبه في شيء من طريق الاجتهاد ولا ~~غالب الظن # والحكم بموجب خبر الواحد والقياس في شيء بعينه من ms052 جهة غالب الظن لا من ~~جهة الحقيقة وان كان ثبوتهما في الجملة من طريق يوجب العلم # كما نقول ان قبول شهادة شاهدين عدلين في الظاهر واجب بنص القرآن بقول ~~الله تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ ثم اذاعينا الشهادة في ~~رجلين بأعيانهما كان طريق قبولهما الاجتهاد وغالب الظن لا حقيقة العلم بما ~~شهدا به ولذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا PageV01P166 # وأيضا فلو جاز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لكان في اثبات تخصيصه رفع ~~العلم بموجب العموم رأسا لأن اللفظ يحصل مجازا ثم يكون الحكم فيما عدا ~~المخصوص من طريق الاجتهاد وغالب الظن لا من جهة اليقين # ولا جائزا رفع موجب حكم العموم الموجب للعلم بخبر الواحد لان ذلك يصير في ~~معنى النسخ وهذا سديد على الأصل الذي كان يذهب إليه شيخنا أبو الحسن الكرخي ~~رحمه الله في أن ما ثبت خصوصه من ألفاظ العموم سقطت معه دلالة اللفظ واحتيج ~~في اثبات الحكم إلى دلالة من غيره فلم يجب اسقاط حكم اللفظ بخبر الواحد # وأما قول عيسى بن ابان ان العموم الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق يجوز قبول ~~خبر الواحد في تحصيصه فإنه يحتمل أن يكون إنما قاله لأنه كان من مذهبه ان ~~لفظ العموم إذا أريد به الخصوص سقط الاستدلال به في ايجاب الحكم فيما عدا ~~المخصوص به على ما كان يذهب إليه أبو الحسن الكرخي رحمه الله # فإن كان هذا مذهبه في هذا الباب فلا اشكال مع هذا ان خبر الواحد مقبول في ~~اخراج بعض ما شمله لفظ العموم من حكمه لسقوط حكم عموم اللفظ لو عري من خبر ~~الواحد # ويحتمل أن يكون مذهبه القول بعموم اللفظ فيما عدا المخصوص إلا أنه أجاز ~~تخصيص الباقي مع ذلك بخبر الواحد لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق فالاجتهاد شائع ~~في ترك حكم اللفظ على الوجه الذي يذهب إليه القائلون بذلك فصار موجب حكم ~~العموم في PageV01P167 هذه الحال من طريق الاجتهاد وغالب الظن لان اللفظ ~~حصل مجازا والمجاز لا يستعمل إلا في موضع ms053 يقوم الدليل عليه # وما كان هذا حكمه جاز تركه بخبر الواحد # وجميع ما ذكره عيسى بن ابان في الفصل الذي قدمنا ذكره يدل على ان مذهبهم ~~ان كل ما ثبت من طريق يوجب العلم فغير جائز تركه بما لا يوجب العلم وكذلك ~~كان يقول أبو الحسن رحمه الله في ذلك وهو أصل صحيح تستمر مسائلهم عليه # والدليل على صحة هذا الأصل اتفاق المسلمين جميعا على امتناع جواز نسخ ~~القرآن بخبر الواحد اذا كان ما ثبت بالكتاب يفضي بنا لى حقيقة العلم وخبر ~~الواحد لا يوجب العلم وإنما يوجب العمل فكذلك التخصيص بهذه المثابة على ~~الوجه الذي بينا # فإن قال قائل ان اهل قباء قد كانوا يصلون إلى بيت المقدس وكان ثبوت ذلك ~~عندهم من جهة توجب العلم فلما آتاهم آت وهم يصلون أخبرهم ان PageV01P168 ~~القبلة قد حولت استداروا إلى الكعبة فتركوا ما ثبت عندهم بيقين بخبر الواحد # وكذلك علم الأنصار بإباحة الخمر كان يقينا لما آتاهم آت وهم يشربونها ~~فأخبرهم ان الخمر قد حرمت اراقوها وكسروا الأواني بخبر الواحد # قال أبو بكر # وقد سئل عيسى بن ابان نفسه هذا السؤال وأجاب عنه بأن من غاب عن حضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على يقين من بقاء الحكم لجواز ورود النسخ ~~بعد غيبته وليس كذلك سبيل ما ذكرنا لأن النسخ لا يجوز بعد موت النبي صلى ~~الله عليه وسلم # فما ثبت من طريق يوجب العلم لم يجز تركه بما لا يوجبه # فإن قيل فما أنركرت انهما لما اتفقا في ان كل واحد منهما يوجب العمل وجب ~~أن يجوز تخصيص أحدهما بالآخر # قيل له أفليس قد اتفقنا عندك في وجوب العمل بهما ولم يوجب اتفاقهما من ~~هذا الوجه اتفاقهما في جواز نسخ ما يوجب العمل بما لا يوجبه فهلا قلت في ~~التخصيص مثله وعلى أن قولك قد اتفقا في وجوب العمل بهما خطأ من قبل ان وجوب ~~العمل بخبر الواحد غير مساو لوجوبه بالقرآن ما ثبت من سنن الرسول صلى ms054 الله ~~عليه وسلم بالتواتر الموجبة للعلم لأن الوجوب على مراتب بعضها فوق بعض ~~وبعضها آكد من بعض فوجب العمل بالقرآن PageV01P169 والسنة الثابتة وجوبا ~~حقيقيا لا يسع الاجتهاد في تركه وخبر الواحد يسع الاجتهاد في تركه # ألا ترى أن تارك العمل بخبر الواحد مع إعتقاد وجوبه ليس مأثمة كمأثم تارك ~~عموم القرآن مع اعتقاد القول به # فإن قال قائل الفرق بين النسخ والتخصيص أن في النسخ رفع الحكم بعد ثبوته ~~والتخصيص بيان المراد # قيل له هذا قول من لا يدري ما النسخ # ولا فرق بين النسخ والتخصيص في أن كل واحد منها بيان إلا أن النسخ فيه ~~بيان مدة الحكم والتخصيص بيان الحكم في بعض ما تناوله الاسم PageV01P170 # لأنه لا يجوز أن يحكم الله بشيء ثم يرفعه لأن هذا بداء والله يتعالى عن ~~ذلك وانما يبين أن ذلك الحكم كان إلى هذه المدة فلا فرق بينهما على ما ~~ذكرنا # فإن قال هذا القائل لا يلزمني على التخصيص جواز النسخ لاني لا انسخ ~~القرآن بالسنة PageV01P171 # قيل له فلم تخصه بالسنة فإن جوزت تخصيصه بالسنة فأجز نسخه بها # ثم يقال له إلزامنا إياك النسخ قائم عليك على علتك لأنك قلت إنما خصصت ~~القرآن بخبر الواحد للزوم العمل بهما فجوز النسخ لهذه العلة بعينها # فإن قال إذا خصصت ففقد أبقيت من الحكم ما يقتضيه ظاهر اللفظ في المدة ~~التي كان الحكم ثابتا فيها إلى وقت النسخ فلا فرق بينهما من هذا الوجه # على أن سؤالنا قائم عليك في نسخ السنة المنقولة بالتواتر بخبر الواحد كما ~~جوزت تخصيصه إذا كان من أصلك جواز نسخ السنة بالسنة # فإن قال إذا خصصت القرآن بخبر الواحد فقد استعملناهما جميعا فهو أولى من ~~الاقتصار به على أحدهما واسقاط الاخر وليس كذلك النسخ لأنه يمنع بقاء الحكم ~~علينا الان # قيل له لا يمكنك استعمال الخبر إلا برفع بعض موجب لفظ القرآن وإنما ~~كلامنا في ذلك البعض الذي رفعت حكمه فيما بقى لأن ما بقى لم استعمله من جهة ~~الخبر PageV01P172 # فلما ms055 جازلك ترك ذلك البعض بخبر الواحد فهلا جوزت نسخه كما جوزت تركه إذا ~~دخل في عموم لفظ فكيف صار استعمال خبر الواحد أولى من استعمال ما قابله من ~~لفظ القرآن # وهلا بقيت حكم القرآن من حيث العلم دون الخبر # فإن قلت لا يلزمنا من حيث جوزنا تخصيص القرآن بخبر الواحد ان نجوز نسخه ~~كما لم يلزمك نسخ خبر الواحد بالقياس من حيث تخصيصه بالقياس # قيل له هذا لا يجب من قبل انه لم يمتنع من تجويز نسخ خبر الواحد بالقياس ~~من جهة اختلافهما في موجب حكمها # وإنما نجوزه من قبل انه لا سبيل إلى اثبات المقادير من طريق المقاييس لا ~~فيما ورد بخلاف خبر الواحد ولا فيما لم يرد بخلافه فإنما منعنا النسخ ~~بالقياس من هذه الجهة لأن فيه تقدير مدة الفرض وهذا لا مدخل للقياس فيه لو ~~لم يكن على وجه النسخ به وأما خبر الواحد فجائز إثبات المقادير به فمن حيث ~~جوز التخصيص به لزم تجويز النسخ به # فإن قال قائل هل يجوز ان يخص النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر القرآن بحضرة ~~الواحد فإن PageV01P173 جاز ذلك فهلا قبلت قول ذلك الواحد في تخصيصه # قيل له إن خص النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر القرآن بحضرة الواحد كان على ~~ذلك الواحد اعتقاد تخصيصه على حسب ما علمه لأنه كما ثبت عنده الظاهر من جهة ~~توجب العلم فقد ثبت عنده تخصيصه بمثلها # وأما من نقل إليه ذلك الواحد بأنه لم يثبت عنده تخصيص النبي صلى الله ~~عليه وسلم لذلك من طريق ويوجب العلم فلا يلزمه الحكم بالخصوص حتى يثبت ما ~~يوجب العلم # ثم يقال له هل يجوز أن ينسخ النبي صلى الله عليه وسلم حكما ثابتا عند ~~الجماعة بحضرة الواحد # فإن قال لا قيل له في التخصيص مثله # فإن قال نعم قيل له فما الذي يجب على من نقل إليه ذلك النسخ بعد موت ~~النبي صلى الله عليه وسلم هل يجب عليه اعتقاد نسخ ما علم بثبوته يقينا بقول ms056 ~~الواحد # فإن قال نعم قيل له فجوز نسخ القرآن بخبر الواحد وترك الإجماع بخبر ~~الواحد # وإن قال لا قيل له في التخصيص مثله # فإن قال قد أجزتم تخصيص الظاهر بالاخبار التي تلقاها الناس بالقبول وإن ~~كانت من رواية الأفراد كقوله عليه السلام لا تنكح المرأة على عمتها ولا ~~وصية لوارث فهلا جريتم على هذا المنهاج في سائر أخبار الاحاد # قيل له لأن ما تلقاه الناس بالقبول فإن كان من أخبار الآحاد فهو عندنا ~~يجري مجرى التواتر وهو يوجب العلم فجاز تخصيص القرآن به # فإن قال ولم زعمت ان ما كان هذا وصفه من الاخبار يوجب العلم PageV01P174 # قيل له فقد تركت مسألتك وانتقلت عنها إلى غيرها على انا نجيبك عن هذا وإن ~~لم يلزمنا ذلك بحق النظر فنقول إن ذلك يوجب العلم من وجهين # أحدهما أنه إذا ظهر في السلف استعماله والقول به مع اختلافهم في شرائط ~~قبول الاخبار وتسويغ الاجتهاد في قبولها وردها فلولا أنهم قد علموا صحته ~~واستقامته لما ظهر منهم الاتفاق على قبوله واستعماله وهذا وجه يوجب العلم ~~بصحة النقل # والثاني ان مثلهم إذا اتفقوا على شيء ثبت به الاجماع وان انفرد عنهم ~~بعضهم كان شاذا لا يقدح خلافه في صحة الاجماع ولا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف ~~من خالف فيه فلذلك جاز تخصيص الظاهر بما كان هذا وصفه # فإن قيل أنما حصل الإجماع عن الخبر وهو من طريق الاحاد # قيل له لو كان ذلك كذلك لكان الاجماع تابعا لخبر الواحد وهذا يوجب أن ~~يكون خبر الواحد أقوى منه لأنه أصله وهو فرع عليه وليس أحد من أهل العلم ~~يرى خبر الواحد مقدما على الاجماع بل الاجماع أولى من خبر الواحد عند ~~الجميع # ويدل على ذلك أن خبر الواحد يرد بالاجماع ولا يرد الاجماع بخبر الواحد # ألا ترى إلى ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غسل ميتا ~~فليغتسل ومن حمله PageV01P175 فليتوضأ وأنه قال عليه السلام لا وضوء لمن لم ~~يذكر اسم الله عليه ms057 وأجمع الفقهاء على خلافه فقضى اجماعهم على الخبر وكان ~~أولى منه PageV01P176 # وكما روى البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قنت في المغرب ~~واجمع الناس على تركه فكان أولى من الخبر # وكما روى سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى فيمن وطىء ~~جارية امرأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان كانت طاوعته فعليه مثلها ~~وهي له وان استكرهها فهي حرة وعليه مثلها # ونظائرها من الاخبار التي قضى الاجماع بخلافها أكثر من أن يحصى # وأيضا فإن الاجماع لا يجوز وقوع الخطأ فيه ويجوز وقوع الخطأ في خبر ~~الواحد # فعلمنا ان الاجماع إذا وافق خبر الواحد كان هو الموجب للعمل بصحة الخبر ~~لا الخبر بانفراده ويصير الاجماع قاضيا باستقامته وصحة مخرجه PageV01P177 # ألا ترى ان خبر الواحد يسع الاجتهاد في مخالفته ولا يسع الاجتهاد في ~~مخالفة الاجماع فكيف يكون الاجماع فرعا على خبر الواحد # ألا ترى ان الرأي في نفسه قد يسع خلافه برأي مثله ثم اذا حصل من طريق ~~الاجماع والرأي لم يسع خلافه لا من حيث هو رأي لكن من جهة وقوع الاجماع ~~عليه فالاجماع يصحح خبر الواحد ويمنع الاعتراض عليه كما يصحح الرأي ويمنع ~~مخالفته فإذا كان هذا هكذا جاز تخصيص ظاهر القرآن بخبر قد تلقاه الناس ~~بالقبول وان كان وروده من طريق الاحاد ولا يلزمنا على ذلك جواز تخصيصه بخبر ~~الواحد إذا عري من المعاني التي وصفنا # فإن قال قد خالف عثمان البتي في تحريم نكاح المرأة على عمتها ووروده من ~~جهة الاحاد لأن رواية أبي هريرة مخصصة قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم @QE@ # قيل له قد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة غير أبي ~~هريرة منهم ابن عباس وابو سعيد الخدري وغيرهما وقد تلقاه السلف بالقبول ~~فصار في معنى الخبر PageV01P178 المتواتر وبمثله يجوز نسخ القرآن عندنا ~~لاستفاضته في الامة واستعمال الناس لحكمه وعثمان البتي ليس بخلاف على من ~~تقدمه # وقد خالف في ذلك الخوارج أيضا ولكنهم ms058 شذوذ لا يعتد بهم في الاجماع # وعلى ان قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ ليس بعموم بل هو ~~مجمل موقوف الحكم على البيان لأن الاباحة فيه معلقة بشرط الاحصان لقوله ~~تعالى @QB@ محصنين غير مسافحين @QE@ والاحصان لفظ مجمل فاز تخصيصه بخبر ~~الواحد # فإن سألوا عن قوله @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ وتخصيصه بقوله ~~عليه السلام لا تنكح المرأة على عمتها كان الجواب فيه ما قدمنا ولأن هذا ~~خاص بالاتفاق # فإن قيل خصصتم قول الله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه @QE@ الآية بخبر أبي ثعلبة الخشني والحكم بن عمرو الغفاري في ~~النهي عن PageV01P179 كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير # وبخبر المقداد بن معدي كرب في تحريم الحمر الأهلية وقد خالفكم مالك بن ~~أنس في ذي الناب من السباع وكان ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما يبيحان ~~PageV01P180 الحمر الأهلية وذا الناب من السباع ويحتجان فيه بظاهر الآية ~~ولم يلتفتا إلى رواية من روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم # قيل له أقل ما في ذلك أنه ليس في تحريم ذي الناب من السباع والحمر ~~الأهلية تخصيص الآية لأن الآية إنما فيها أنه لم ينزل عليه تحريم غير ما ~~ذكر فيها وما عدا ما ذكر في الآية لم تقتض الآية حظره ولا إباحته فليس في ~~تحريمه تخصيص الآية # وجهة أخرى أنه روي أن المشركين قد كانوا يحرمون أشياء من نحو السابية ~~والوصيلة فنزلت الآية ردا لقولهم فقال تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما @QE@ يعني مما يحرمون إلا أن تكون ميتة إلى آخر الآية # فلا دلالة فيها إذ كان نزولها على هذا الوجه على إباحة ما عدا المذكور ~~فيها # وأيضا فلو كان ما في هذه الآية عموما في إباحة ما عدا المذكور فيها لجاز ~~تخصيصه بخبر الواحد لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق جاز تخصيصه بخبر الواحد ~~عندنا # وقد اتفقت الأمة على تحريم أشياء غير مذكورة في هذه الآية وهي الخمر ولحم ~~القرود ms059 ونحوها فصارت الآية خاصة بالاتفاق # ومن جهة أخرى ان الصحابة قد اختلفت في تحريم ذي الناب من السباع والحمر ~~الأهلية ولحوم الخيل ولم ينكر بعضهم على بعض الاجتهاد فيه PageV01P181 # ومتى اختلفت الصحابة في تخصيص آية سوغت الاجتهاد في ترك حكمها من غير ~~نكير من بعضهم على بعض فيها جاز قبول خبر الواحد في تخصيصها # فإن سألوا عن قوله تعالى @QB@ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره @QE@ # وظاهره يقضي احلالها للزوج الأول بنفس العقد إذا طلقها وإن لم يقع دخول ~~لأنه لم يشرط فيه دخولا ثم جعلتم الدخول شرطا فيه بخبر رفاعة القرظي حين ~~طلق امرأته فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير فجاءت تشكو إليه أنه لا يصل إليها ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتريدين ان ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك # فخصصتم ظاهر القرآن بهذا الخبر وهو خبر واحد والخلاف قائم فيما ورد فيه ~~لأن سعيد بن المسيب يقول تحل للزوج الأول بالعقد PageV01P182 # قيل له هذا غلط لأنه ليس في ظاهر اللفظ ارتفاع تحريم الثلاث بنكاح الثاني ~~بل ظاهرها يقتضي أنها لا تحل له الا بالوطء # وذلك لأن لفظ الآية منتظم للعقد والوطء جميعا لأن قوله @QB@ حتى تنكح ~~زوجا غيره @QE@ ويتناول الوطء لأنه حقيقة فيه عندنا وذكر الزوجية يفيد ~~العقد فقد اشتمل ظاهر الآية على المعنيين وجعلهما شرطا في وقوع تحريم ~~فاتبعناه ولم نخالفه إلى غيره ولا خصصناه بخبر الواحد # وعلى أنه قد تقدم القول بيننا في أن خبر الواحد إذا تلقاه الناس بالقبول ~~صار بمنزلة التواتر فيجوز تخصيص ظاهر القرآن به وهذا صفة هذا الخبر لأن ~~الصحابة قد تلقته بالقبول واستعملته PageV01P183 # وليس معنى تلقي الناس أياه بالقبول أن لا يوجد له مخالف وإنما صفته ان ~~يعرفه عظم السلف ويستعملونه من غير نكير من الباقين على قائله ثم ان خالف ~~بعدهم فيه مخالف كان شاذا لا يلتفت إليه # ولا خلاف بين الصحابة في الزوج الثاني لا يرفع تحريم الثلاث ما لم يدخل ~~بها وان صح هذا ms060 عن سعيد بن المسيب فإنه جائز أن لا يكون سمع بهذا الخبر ~~وأنه لو سمعه لصار إليه # وأيضا فقد صار الاتفاق بعد سعيد بن المسيب على حكم هذا الخبر فسقط الخلاف ~~فيه كأنه لم يكن # فجاز تخصيص الظاهر به لأنه لا فرق عندنا بين اجماع يقع بعد خلاف كان من ~~أهل عصر متقدم وبين اجماع يحصل عن غير خلاف في ثبوت حجتهما ولزوم المصير ~~إليهما # فان قال خصصتم قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ بخبر المجن وفي ~~الناس من يقول يقطع في القليل والكثير # قيل له لو فهمت عنا ما قدمنا في عقد المذهب لكفيت نفسك مؤنة هذه الأسئلة ~~الفارغة # لأن قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ خاص باتفاق السلف من الصحابة ~~لا PageV01P184 # خلاف فيه بينهم وإنما اختلفوا في مقدار ما يقع فيه فقال بعضهم عشرة وقال ~~بعضهم خمسة وقال آخرون منهم اربعة وقال آخرون منهم ثلاثة فحصل حكم اللفظ ~~خاصا باتفاقهم ومع ذلك فقد سوغ كل فريق منهم لغيره الاجتهاد في المقدار ~~الذي قدره فجاز تخصيصه بخبر الواحد من وجهين # أحدهما اتفاق الجميع على خصوصه # والآخر تسويغهم الاجتهاد في ترك ظاهره # ومن قال انه يقطع في القليل والكثير لا يعد خلافا في هذا الباب بل هو ~~شذوذ ولا يلتفت إليه # ثم يصير الكلام حينئذ بيننا وبين هذا السائل في صفة الاجماع ووليس ذلك من ~~مسألتنا في شيء # وقد ذكر بعض المخالفين عنا في هذا الباب اشياء ليست مما نقوله ولا يحتج ~~به وليس هو في حد من يتشاغل به ايضا ولكنا نذكر منه طرفا يكون فيه تنبيه ~~للمبتدىء على موضع عواره وفساد ما احتج به # ذكر اخبارا زعم انا قبلناها فتركنا لها الاصل الذي ذكرناه وليس يتعلق ~~قبولها فيما نحن فيه بشيء ويشبه ان يكون وجدها لبعض سلفه فنقلها إلى هذا ~~الموضع من غير علم منه بحقيقة موضعها قد ذكرناها وبينا ذهابه عن وجه الصواب ~~فيها PageV01P185 لئلا يمر على بعض المبتدئين فيظنها شبه لأن من به ادنى ~~مسكة من فهم لا يخفى عليه ms061 فسادها # منها انه ذكر حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ وقال كان أبو فزارة نباذا ~~فتركوا حكم القرآن زعم في قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا @QE@ فقال معناه ماء أو نبيذ التمر PageV01P186 # وأما قوله ان أبا فزارة كان نباذا فانه كذب وترخص على أبي فزارة لأن أبا ~~فزارة كان من الزهاد # وحدثنا بذلك عبدالباقي بن قانع في كتابه المشهور الذي صنفه في الطبقات ~~وله أحاديث كثيرة قد نقلها عنه الائمة مثل سفيان الثوري وشعبة واسرائيل ~~وشريك في نظرائهم ولو كان نباذا ما نقلوا عنه آثار النبي صلى الله عليه ~~وسلم فهذا PageV01P187 يدل على كذب هذا القائل وقلة دينه # وأما قوله ان هذا الحديث خلاف ما تضمنه قوله تعالى @QB@ فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا @QE@ فليس كذلك لأن الآية أوجبت التيمم عند عدم كل جزء من ماء لأن ~~قوله ماء لفظ منكور يتناول كل جزء منه على الانفراد سواء كان منفردا بنفسه ~~أو مخالطا لغيرة ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء فجاء الخبر ~~موافقا لمنى الظاهر غير مخالف له وعلى انه ليس في قبول خبر الوضوء بنبيذ ~~التمر تخصيص لعموم ولا ظاهر لأن الله تعالى قال فاغسلوا ولم يقل بماذا ~~والحال التي يجب فيها استعمال الماء ونبيذ التمر غير مذكور بلفظ عموم فانما ~~ورد الخبر في تبقية حكم الماء الذي تضمنته الآية # وذكر حديث القهقهة فقال وقد قال الله عز وجل @QB@ ولا تبطلوا أعمالكم ~~@QE@ فأبطل طهارته بحديث أبي العالية الرباحي وحديثه زعم كالرياح ~~PageV01P188 # وهذا يدل على غباوته وجهله بهذا الباب لأنه لا خلاف بين أهل العلم في ~~جلالة محل أبي العالية وصدقه وأمانته وإن كان هذا الحديث قد روي موصولا من ~~عدة وجوه من غير طريق أبي العالية رواه عمران بن حصين وأنس وجابر ورواه ~~مرسلا PageV01P189 الحسن وأبي العالية وابراهيم والزهري # وعلى أنه ليس قبول هذا الخبر مما نحن فيه في شيء لأنا لم نخص به ظاهرا ~~ولا عموما لأن قوله تعالى @QB@ ولا تبطلوا أعمالكم @QE@ ظاهره نهي الانسان ms062 ~~عن أن يبطل عمله ونحن لم نبطل عمله بالقهقهة وإنما أبطله الله الذي حكم ~~ببطلانه # وأيضا فانه معلوم انه لا سبيل لأحد إلى إبطال عمله في الحقيقة لأن عمله ~~الذي PageV01P190 قد عمله منتقض معدوم لا يصح النهي عن إبطاله فإذن ليس ~~المراد النهي عن ابطال العمل في الحقيقة وإنما معناه النهي عن ان يفعل من ~~المعاصي ما يبطل ثواب عمله وهذا ليس بظاهر ولا مذكور في لفظ الآية # فكيف يكون قبول حديث القهقهة تخصيصا لظاهر # وأيضا لو كان الظاهر يتناول فعلنا على ما زعمت وخصصناه بخبر الواحد كان ~~مستقيما على أصلنا لأن العام الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق يجوز أن يخص منه ~~بعض ما انتظمه العموم بخبر الواحد # ثم خلط تخليطا آخر فقال وقبلوا شهادة القابلة وحدها # وأي ظاهر يمنع قبول شهادة القابلة في الولادة حتى يذكر في هذا الموضع # وإنما ذكر الله تعالى الشهادات في المداينات والوصية في السفر والرجعة ~~والزنا # فأما الشهادة على الولادة فلا ذكر لها في القرآن فنكون بقبولنا شهادة ~~القابلة مخصصين لها PageV01P191 # وزعم هذا القائل أنا لا نقبل خبر الشاهد واليمين وقد رواه زعم بضعة عشر ~~من الصحابة وليس بمخالف للقرآن لأن الله تعالى إنما ذكر كيف نتوثق وهذه ~~قضية قضى بها النبي صلى الله عليه وسلم # فأما قوله قد رواه بضعة عشر فإنه قد حدثني رجل من كبار أهل المعرفة ~~بالحديث أنه اجتهد في أن يجد في الشاهد واليمين حديثا واحدا صحيحا فلم يجده # وقد بينا في شرح المختصر علل الأحاديث المروية فيه وقال الزهري وهو من ~~أفقه أهل المدينة في عصره القضاء بالشاهد واليمين بدعة وإن أول من قضى ~~PageV01P192 به معاوية # وعلى أنه لو ثبتت الرواية لما لزم العمل به لو انفرد عن مخالفته القرآن ~~وذلك لأن أكثر ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد ~~فهذه حكاية قضية مند عليه السلام لا يعلم كيفيتها ولا معناها وقد نقضي نحن ~~بالشاهد واليمين في وجوه # فالاحتجاج به ساقط إذ ليس ms063 هو عموم لفظ منه فيعتبر ما انتظمه اسمه # وليس الخصم بأولى بدعواه في صرفه إلى مذهبه دون أن أحمله على وجه يوافق ~~مذهبي فكيف به مع مخالفته في حكم الكتاب إذا حمله على مذهب المخالف # وأما قوله إنه ليس بمخالف للقرآن فقد صدق لأن الخبر حمل على الوجه الذي ~~يجب حمله عليه فليس من ظاهره ما يخالف القرآن إلا أن مذهب المخالف فيه خلاف ~~القرآن لأن قوله تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ لا يخلو من أن ~~يكون المراد به حال المداينة أو حال الحكم عند التجاحد وظاهره يقتضي ~~الحالين جميعا # وعلى أنه إن كان المراد التوثق بهما في حال المداينة فانما المقصد فيه ~~حال الحكم عند PageV01P193 التجاحد فلا محالة أنه قد أفاد وجوب الحكم ~~بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند التجاحد والأمر على الوجوب فغير جائز ~~الاقتصار على أقل من من العدد المذكور ومن حكم بأقل منه فقد خالف القرآن ~~كما أن من حكم بشهادة شاهد واحد بغير يمين كان مخالفا للقرآن ويمين الطالب ~~لا ذكر لها في الآية فوجودها وعدمها واحد فلم ينفك الحكم بالشاهد واليمين ~~من مخالفة حكم القرآن # وكما أن من جوز أن يكون حد الزاني أقل من مائة كان مخالفا للقرآن تاركا ~~لحكمه فكذلك من اقتصر في المداينة على أقل من الشهود المذكورين في الآية ~~فقد خالف حكمها وليس هذا من التخصيص في شيء لأنه ليس فيه عموم لفظ ينتظم ~~مسميات فيخصه بالخبر # فإن قيل خص به حالا دون حال # قيل له الحال غير مذكورة في الآية فيخصها بالخبر فليس فيه إذن أكثر من ~~ذكر العدد المذكور فيها # فإن قيل لو جمع بين الخبر والآية لم يستحل لأنه لو قال أو رجل وامرأتان ~~أو شاهد ويمين كان صحيحا # قيل له ليس كل ما يجوز أن يجمعه إلى ما قبله في خطاب واحد يجوز الحاقه به ~~بخبر الواحد لأنه كان لا يمتنع أن يقول صلوا إن شئتم إلى بيت المقدس وإن ~~شئتم إلى الكعبة ثم لم يمنع ms064 جواز ذلك من أن تكون الصلاة إلى بيت المقدس ~~منسوخة بالصلاة إلى الكعبة # وكان لا يمتنع أن يقول إن شئتم فاجلدوا الزاني مائة وإن شئتم تسعين فكان ~~يكون PageV01P194 مقدار الضرب موكولا إلى مشيئة الامام ومع ذلك لا يخرج من ~~قال إن حد الزاني تسعون من أن يكون مخالفا للقرآن # وقد كان يجوز أن يقول أو رجل وامرأتان أو رجل إن لم يكن رجل وامرأتان من ~~غير يمين ولا يخرج جواز ذلك قائله الآن من أن يكون مخالفا للقرآن وهذا لا ~~يخفي وجه فساد القول به على أي فهم # فإذا ثبت ذلك لم يجز مخالفة القرآن بخبر الواحد فقد صح أن القول بالشاهد ~~واليمين خلاف الكتاب وهذا أبعد في الجواز من تخصيص الظاهر بخبر الواحد لأن ~~هذا ليس فيه تخصيص بوجه وإنما فيه النسخ لو ثبت على هذا الوجه لما بيناه # وعلى أنه لو ثبت الحكم بالشاهد واليمين من جهة الرواية لما جاز الاعتراض ~~به على الآية من جهة اخرى وهي ان حكم الآية مستعمل عند الجميع لا خلاف بين ~~المسلمين فيه والحكم بالشاهد واليمين مختلف فيه فيكون منسوخا بالآية لأنه ~~ليس مع الخصم تاريخ الحكم أنه كان بعد نزول الآية أو قبلها وما كان هذا ~~سبيله فالمستعمل فيه ما اتفقوا عليه وهو الآية وما اختلفوا فيه من حكم ~~الخبر فهو متروك بالآية إذ لم يثبت أنه ناسخ لها # فإن قال قائل يجوز ان الحكم بالشاهد واليمين وارد مع الآية فلا يكون ~~ناسخا لها # قيل له لا يجب ذلك من وجوه # أحدهما ان من أصلنا أنه لا يجوز ان يلحق بحكم الآية من الزيادة إلا بما ~~يجوز بمثله النسخ لأن الآية توجب العلم وخبر الواحد لا يوجبه فلا يعترض به ~~عليها لما بينا # ووجه آخر وهو أنه لو كان الحكم بالشاهد واليمين واردا مع الآية لما ترك ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيانه وذكره عقيب الآية ولكان يكون فيه عموم لفظ ~~يوجب الحاقه بالآية PageV01P195 # فلما لم يرد عنه صلى الله عليه ms065 وسلم في ذلك بيان وانما ذكر فيه قضية منه ~~فلو كان مرادا مع الآية لما أخر بيانه إلى ان يختصم اليه فيقضي # فثبت أن حكم الآية مقر على ما ورد وأن خبر الشاهد واليمين ا كان معناه ما ~~ادعاه فلا يخلو من أن يكون قبل الآية أو بعدها # فإن كان قبلها فهو منسوخ بها وإن كان بعدها فالآية منسوخة به ولا يجوز ~~نسخ القرآن بخبر الواحد بالاتفاق # وأيضا فإن ما ذكر في خبر الشاهد واليمين حكاية فعل من النبي صلى الله ~~عليه وسلم في قضية مجهولة لا ندري كيف كانت ومثلها لا يعترض به على الآية ~~من وجهين # أحدهما أن البيان لا يقع بمثله لأن البيان إنما يقع بلفظ معلوم المعنى ~~ظاهر المراد ولا يجوز أن يكون موكلا إلى قضية إذا نقلت عنه كانت مجهولة ~~عندهم # والوجه الآخر أنه يكون زيادة في حكم الآية لأنها تقتضي أن تكون بيانا ~~لمراد الله تعالى في هذه الزيادة مع ما ذكر في الآية ولا يجوز أن يكل النبي ~~صلى الله عليه وسلم الناس إلى مثل هذه القضية مع علمه أن الله تعالى لم ~~يقتصر بحكم البيان على ما ذكر في الآية دون ماقضى به النبي صلى الله عليه ~~وسلم # فدل ذلك على أن خبر الشاهد واليمين لم يرد مورد الزيادة في حكم الآية ~~واثبات حكمه معها وأنه لا يخلو أن يكون قبل الآية أبو بعدها # فإن كان قبلها فهو منسوخ بها وإن كان بعدها فهو ناسخ لها ونسخ الآية بخبر ~~الواحد غير جائز PageV01P196 # وعلى ان ماكان هذا سبيله بزيادة فهو نسخ وذلك لأنه يلزمنا عند ورود الآية ~~اعتقاد وجوب الحكم بالعدد المذكور فيها أو امتناع جوازه بأقل منه لأنه لا ~~اشكال على أي عقل سمع الآية إلا و انها تمنع الحكم بشهادة رجل واحد وبشهادة ~~امرأة واحدة # فمتى ورد خبر أجاز الحكم بشهادة رجل واحد فقد دفع ذلك الإعتقاد الذي لزم ~~مع ورود الآية وهذا هو حقيقة النسخ # فإن قال قائل يلزمك على ms066 هذا أن يكون التخصيص نسخا لأن العموم قد ألزمنا ~~اعتقاد لزوم الحكم به ووروده ما يوجب التخصيص يرفع ذلك الإعتقاد # وقد يجوز عندك تخصيص العموم بالقياس فلزمك على هذا تجويز النسخ بالقياس # قيل له ما يوجب تخصيص العموم من لفظ أو دلالة فلابد من أن يكون مقارنا ~~للفظ العموم ولا جائز أن يتأخر عنه فلم يلزمنا مع وجود دلالة الخصوص اعتقاد ~~العموم قط وتكون دلالة الخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة # وقد ذكرنا فيما سلف أن الله تعالى لا يخلي أحدا محجوجا بحكم آية ظاهرها ~~ظاهر العموم ومراده الخصوص من أن يورد عليه دلالة الخصوص عقيب كونه محجوجا ~~بالعموم وإنه غير جائز أن يتأخر عنه بيان ذلك لأنه يوجب أن يكون قد ألزمه ~~اعتقاد العموم فيما أراد به الخصوص فكأنه أمر باعتقاد خلاف ما أراد وما هو ~~حكمة جل وعز عن ذلك وتعالى # فوجب أن تكون دلالة التخصيص مقترنة بلفظ العموم كاقتران الاستثناء ~~بالجملة PageV01P197 # فإن قال قائل قد وردت في صيام كفارة اليمين شرط التتابع ووروده من طريق ~~الآحاد لما روي أنه في حرف عبدالله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات ~~فمنعت به اطلاق مافي الآية وهذا يجري عندك مجرى النسخ وماعد مخالفك في ~~الشاهد واليمين والنفي مع الجلد ما أجزته في ذلك # قيل له لم يكن حرف عبدالله بن مسعود عندهم واردا من طريق الآحاد لأن أهل ~~الكوفة في ذلك الوقت كانوا يقرءون بحرف عبدالله كما يقرءون بحرف زيد # وقال إبراهيم النخعي كانوا يعلمونا ونحن في الكتاب حرف عبدالله كما ~~يعلمونا PageV01P198 حرف زيد # وكان سعيد بن جبير يصلي بهم في شهر رمضان فيقرأ ليلة بحرف عبدالله وليلة ~~بحرف زيد # فانما اثبتوا هذه الزيادة بحرف عبدالله لاستفاضته وشهرته عندهم في ذلك ~~العصر وإن كان إنما نقل إلينا الآن من طريق الآحاد لأن الناس تركوا القراءة ~~به واتقصروا على غيره وإنما كلامنا على أصول القوم وهذا صحيح على أصلهم # وقد بينا هذه المسائل في شرح المختصر بأكثر من هذا وإنما ذكرنا هاهنا ms067 ~~مقدار ما يوقف به على طريقة العموم في هذا الباب # وقد بينا فيما سلف وجه قبولنا لخبر الواحد في تخصيص العموم الذي ثبت ~~خصوصه بالاتفاق بما يغني عن إعادته # ونحن نبين الآن سائر الوجوه التي جوزنا تخصيصها بخبر الواحد على حسب ما ~~تقدم منا القول فيه PageV01P199 # فنقول إن اللفظ إذا كان محتملا للمعاني فخبر الواحد مقبول في إثبات ~~المراد به من قبل أن الاحتمال يمنع وقوع العلم بالمراد ويجعله موقوف الحكم ~~على البيان فاحتجنا ان نستدل عليه بغيره كسائر الاشياء التي لا نص فيها ~~فيقبل خبر الواحد في إثبات حكمها وذلك نحو قوله تعالى @QB@ ثلاثة قروء @QE@ ~~فيه احتمال للحيض والطهر جميعا وروى ان ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان وكان ~~مقبولا لأنه بين مراد الآية المفتقرة إلى البيان وبمثل هذا قبلنا خبر ~~الواحد في بيان الألفاظ المجملة المفتقرة إلى البيان # وأما ما ا ختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر ~~بالاجتهاد فإنا قبلنا فيه خبر الواحد وسوغنا القياس أيضا في إثبات المراد ~~به من قبل أن السلف لما كانوا الذين شاهدوا التنزيل ولم يكن يخفى عليهم ~~المنصوص عليه الذي لا يحتمل التأويل ولا يسوغ معه الاجتهاد مما هو مدلول ~~عليه ويسوغ الاجتهاد فيه بما اختلفوا في حكم PageV01P200 لفظ ظاهره يتناول ~~في اللغة معنى معقولا فعدل بعضهم عن ظاهره ثم علم به الآخرون فلم ينكروا ~~عليهم دلنا ذلك على أنه قد كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف لهم على ~~تسويغ الاجتهاد في مثله إما بقول منه وإما بحال شاهدوها استجازوا بها القول ~~فيه من طريق الرأي وترك الظاهر وذلك نحو قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء ~~فلم تجدوا ماء فتيمموا @QE@ وحقيقة الملامسة هي على اللمس باليد وغيره من ~~البدن وهي كناية عن الجماع ثم وجدنا الصحابة قد اختلفوا فيه فقال أمير ~~المؤمنين علي وابن عباس رضي الله عنهما في آخرين منهم هو على الجماع وقال ms068 ~~عمرو وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما هو على اللمس باليد ولم ينكرا على ~~من قال هو على الجماع عدولهم عن حقيقة اللفظ وصريحة إلى المجاز والكناية ~~وسوغوا لهم الاجتهاد فيه فصار اجماعهم على تسويغ الاجتهاد فيه مانعا من ~~وقوع العلم بالمراد بنفس اللفظ ثم روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة ~~ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ جاز ~~الحكم PageV01P201 على معنى الآية بهذا الخبر وان كان وروده من طريق الآحاد ~~إذا لم يكن في قبوله دفع لما يصح ثبوته من طريق توجب العلم # ونظيره ايضا قوله تعالى @QB@ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم @QE@ حقيقته على أن اللمس باليد وهو كناية عن ~~الجماع واختلف السلف في المراد به # فقال علي وعمر رضي الله عنهما في عامة الصحابة إن المراد الخلوة وقال ~~عبدالله بن مسعود واحدى الروايتين عن ابن عباس ان المراد الجماع فسوغ ~~الجميع الاجتهاد في طلب المعنى فجاز قبول خبر الواحد في مثله # وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مرسل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال من كشف خمار امرأة ثم طلقها وجب عليه المهر فجاز إثبات ~~المراد بمثله PageV01P202 # ويجوز أيضا الاستدال على المراد في مثله من جهة القياس لأن حكم اللفظ صار ~~مستدركا كله من طريق الاجتهاد فساغ قبول خبر الواحد فيه واستعمال القياس في ~~إدراك معناه # ومن الأخبار التي يرد بها ظاهر الكتاب خبر القسامة على الوجه الذي يذهب ~~إليه لأنه حلف على ما لا علم له به وقال الله @QB@ ولا تقف ما ليس لك به ~~علم @QE@ وقال @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ ولم يثبت خصوص هذه ~~الآيات بالاجماع بل الاجماع واقع في أن أحدا لا يجوز له أن يشهد على الغير ~~بحق لا يعلم صحته وثبوته فكيف بمن يشهد بما هو معترف بأنه لا يعلمه ولم ~~يشهده ثم يحلف عليه # ونحو حديث المصراة ms069 إذا استعمل على مذهب المخالف PageV01P203 كان خلاف ~~ظاهر القرآن لأنه يوجب أن من اشترى شاة بصاع تمر فوجدها مصراة أن يردها ~~ويرد معها صاعا من تمر ومعلوم أن حصة اللبن أقل من صاع # وقد قال الله تعالى @QB@ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم @QE@ ومنه حديث ~~القرعة مذهب المخالف فيه خلاف الكتاب وذلك قوله تعالى @QB@ إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب @QE@ الآية واستعمال القرعة على ما يقوله مخالفونا من ~~الميسر بمنزلة من قال لآخر قارعتك على أن من خرجت عليه القرعة فهو عبد أو ~~فله كذا أو نحو ذلك لأن المريض كان مالكا لجميع ماله في المرض جائز التصرف ~~فيه إلى أن يرد الموت فثبت حق الورثة في الثلثين ولا يثبت حقهم في الثلث لا ~~في حال الحياة ولا بعد الموت إذا أعتقهم في المرض فلما أعتقهم ولا مال له ~~غيرهم نفذ عتقه في ثلث كل واحد منهم لا محالة إذ لا حق فيه لأحد فإذا ~~أخرجنا بعضهم من العتق رأسا وجعلناها لمن لا يستحقها كلها بدءا بالقرعة صار ~~بمنزلة رجلين تقارعا وهما حران على أن من خرجت عليه القرعة منهما فهو عبد ~~وهذا فحش PageV01P204 من الميسر والقمار اللذين حرمها الله تعالى فيما كان ~~أهل الجاهلية يستعملونها فلذلك صار معنى هذا الخبر على هذا الوجه مخالفا ~~للقرآن # ونحو ذلك مما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ولد الزنا شر الثلاثة # وهذا إن حمل على ظاهره كان مخالفا لقول الله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وقوله تعالى @QB@ فكلا أخذنا بذنبه @QE@ فلم ~~يجز من أجل ذلك اجراؤه على معنى يخالف القرآن عند الجميع PageV01P205 # ونظيره ما روى فضيل بن عمرو عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولده وهذا مثل الأول # وكل هذه الأحاديث الواردة من جهة الأفراد مما يخالف ظاهر القرآن فأما متى ~~أمكنا استعمالها ms070 على وجه لا يخالف القرآن استعملناها على ذلك الوجه ولم ~~نلغها كما قالت عائشة رضي الله عنها في قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الميت ليعذب ببكاء أهله عليه إن معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ~~بيهودي يبكون عليه فقال إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب # وخبر المصراة وخبر القرعة جميعا مستعملان عندنا على وجه لا يخالف القرآن ~~فهو أولى ممن استعمله على وجه يخالف به ظاهر القرآن وقد بيناه في مواضع ~~PageV01P206 # وأما حديث أبي هريرة في ولد الزنا أنه شر الثلاثة وانه لا يدخل الجنة ولا ~~ولده فانما معناه عندنا أنه أشار به إلى أشخاص باعيانهم فحكم فيهم بهذا ~~الحكم لعلمه عليه السلام بأحوالهم التي يستحقون بها ذلك # وقد روى أبو عبدالرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه أنه قال إذا حدثتم عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا تنكرونه فظنوا به الذي هو أهنا والذي ~~هو أنقى وقال عبدالله بن مسعود إذا حدثتكم بحديث أتيتكم بمصداق ذلك من كتاب ~~الله تعالى # فهذا يدل على أن حكم الخبر المخالف في ظاهره لحكم القرآن والسنة الثابتة ~~أن يحمل على وجه صحيح إذا أمكن حمله عليه وأن لا يستعمل على وجه يخالف ~~القرآن والسنة الثابتة PageV01P207 PageV01P208 & الباب التاسع في تخصيص ~~العموم بالقياس& PageV01P209 PageV01P210 & باب القول في تخص العموم ~~بالقياس & # قال أبو بكر # كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس وذلك لأن خبر ~~الواحد مقدم على القياس # فما لا يجوز تخصيصه فبالقياس أحرى أن لا يخص وهذا مذهب أصحابنا قال محمد ~~بن الحسن في السير الكبير وذكر قول عطاء في المحصر إذا لم يجد هديا أنه ~~يصوم عشرة أيام ويحل قياسا على هدي المتعة في قيام صوم عشرة أيام مقامه عند ~~عدمه فقال محمد لا يجزيه غير الهدي لأن الله تعالى نص عليه ولم يذكر فيه ~~صوما لمن لم يجد فنحن نبهم ما أبهم الله تعالى وإنما ذكر الله تعالى الصوم ~~في هدي المتعة لمن لم يجد ms071 فلا يستقيم الرأي والقياس في التنزيل إنما يقاس ~~على التنزيل فأما التنزيل بعينه فلا يقاس # قاس عبدالله بن مسعود الأم على البنت في الدخول فأنكره عليه الصحابة عمر ~~وغيره وقالوا قد قال الله تعالى @QB@ وأمهات نسائكم @QE@ مبهمة PageV01P211 # وقال ابن عباس ابهموا ما أبهم الله تعالى # فاستفدنا من هذا الفصل من قول محمد شيئين # أحدهما أن من مذهبه القول بالعموم # والثاني أن المنصبوصات لا يقاس بعضها على بعض # وقد دل هذا من قوله أنه كان لا يرى تخصيص العموم الذي لم يثبت خصوصه ~~PageV01P212 PageV01P213 بالقياس لأن كل من خص بقياس فلا بد من أن يكون ~~قياسه مبنيا على أصل من نص أو إجماع وقد منع محمد ذلك # فالأصل في جميع ذلك أن كل ما ثبت من وجه يوجب العلم لم يجز تركه إلا بما ~~موجب العلم وغير جائز تركه بمالا يوجب العلم لا على وجه النسخ ولا على وجه ~~التخصيص فعموم القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق ثابت من جهة توجب العلم ~~فلا يجوز تركه بالقياس إذ لا يفضي بنا القياس إلى العلم بحقيقة ما يؤدينا ~~إليه من فروع الشريعة # وإذا ثبت خصوص اللفظ بالاتفاق جاز تخصيصه بعض ما انتظمه اللفظ بالقياس ~~لأنه لما ثبت خصوصه بالاتفاق حصل اللفظ مجازا على قول الأكثر من أهل العلم ~~وساغ الاجتهاد في ترك دلالة اللفظ فصار حكم العموم في هذا ثابتا من طريق ~~الاجتهاد فجاز استعمال النظر في تخصيصه بخروج لفظ العموم من إيحاب العلم ~~بما انطوى تحته من المسميات لأن قول من قال إن الباقي بعد التخصيص على ~~العموم مبني على الاجتهاد وغالب الظن دون اليقين وحقيقة العلم وما كان هذا ~~سبيله جاز تخصيصه بما كان طريقه غالب الظن من خبر واحد أو قياس # وأما ما كان وروده ممن جهة روايات الأفراد فإن تخصيصه جائز عندنا بالقياس ~~من قبل PageV01P214 أن طريق ثبوته في الأصل اجتهاد لا يفضى بنا إلى حقيقة ~~علم وساغ الاجتهاد في تخصيصه كما ساغ الاجتهاد في رده رأسا # ألا ترى أن ms072 خبر الواحد مقبول في الأصل اجتهادا على جهة حسن الظن بالراوي ~~وأنه يسوع الاجتهاد في رده فلأن يجوز الاجتهاد في تخصيصه أولى # فإن قال قائل هلا خصصت عموم القرآن الذي يثبت خصوصه بالاتفاق بالقياس إذ ~~كان حكم العموم لازما والقول بالاعتبار واجبا أيضا فهلا استعملتها جميعا ~~ولم تسقط أحدهما بالآخر كالآيتين إحداهما خاصة والأخرى عامة أنه يجب ~~استعمالهما جميعا ما أمكن ولا يسقط حكم إحداهما بالأخرى # قيل له إن القول بالقياس وإن كان واجبا فيما يقوم عليه الدليل فإنه عمل ~~بغالب الظن لا يفضي بنا إلى حقيقة لأنا نجوز الخطأ على أنفسنا فيما طريقه ~~الاستنباط من أحكام الحوادث وعموم القرآن ي يفيدنا العلم بموجبه فلم يجز ~~تركه بمالا يوجب العلم على مابيناه فيما سلف وأما الآيتان إذا كانت إحداهما ~~خاصة فإن لنا شرائط في استعمال حكمها ليس هذا موضوع ذكرها # ومتى جمعنا بين حكم الآيتين واستعملناهما فإنما خصصنا إحداهما بمثلها لأن ~~كل واحدة منهما توجب العلم بمقتضاها # وأيضا فان استعمال العموم من الاعتبار فلم جعلت اعتبار القياس أولى من ~~اعتبار العموم فإن قال لأن قوله تعالى @QB@ فاعتبروا @QE@ عام في كل موضع ~~PageV01P215 # قيل له والقول بالعموم واجب في كل موضع فلم جعلت القياس أولى منه مع شمول ~~اللفظ # وأيضا فإن الذي أمرنا بالاعتبار هو الذي أمرنا بالحكم بالعموم فلم جعلت ~~الاعتبار أولى من حكم العموم # فإن قال استعمال القياس مع العموم أولى من الاقتصار على العموم دون ~~القياس # قيل له هذا محال لأنه لا يمكنك استعمال العموم مع استعمال القياس الموجب ~~لتخصيصه ولست تنفك معه من ترك العموم # فإن قال لأني أستعمل بعض ما شمله اللفظ مع القياس # قيل له فقد تركت بعضه وإنما الكلام بيننا وبينك فيما تركت من حكم اللفظ ~~الا فيما استعملت لأن استعمالك لما استعملته منه غير مخرجك من ترك ما تركته ~~منه وعلى أن قوله تعالى @QB@ فاعتبروا يا أولي الأبصار @QE@ لا يجوز أن ~~يكون عموما في استعمال القياس لأنه لا يصح اعتقاد العموم فيه من هذا ms073 الوجه ~~لعلمنا مع ورود اللفظ بامتناع جواز استعمال القياس في كل شيء فصار مجراه ~~مجرى ما ذكرنا من الألفاظ التي لا يصح اعتقاد العموم فيحتاج إلى دلالة أخرى ~~في إثبات حكمها نحو قوله ? < صوموا لرؤيته > ? وقوله تعالى @QB@ وافعلوا ~~الخير @QE@ إذا أريد به الإيجاب ونحو ذلك من الألفاظ PageV01P216 على ما ~~بيناه في صفة المجمل فلا يصح الاحتجاج بعمومه في استعمال القياس في موضع ~~يخالفك فيه خصمك # وأيضا فان اعتبار العموم آكد من القياس وذلك لأن العموم لابد من أن ينص ~~لزوم استعماله إما في الجميع وإما في البعض وليس استعمال القياس جائزا في ~~كل موضع لأن من الأصول مالا يقاس عليه أصلا وليس شيء من العموم لا يستعمل ~~حكمه بحال فصار حكم العموم آكد من حكم القياس فغير جائز تركه به # وعلى أن مخالفنا في ذلك كان أولى الناس بالامتناع من ترك العموم بالقياس ~~لأن الذي يدل عنده على صحة العلل جريها في معلولها وأن لا يردها أصل ~~والعموم أصل يرد هذه العلة التي تقتضي تخصيصه وترك العموم بها فهلا كان ~~القياس ممتنعا في هذا الموضع باعتراض هذا الأصل عليه ويكون اعتبار العموم ~~أولى منه # وأيضا فإن العموم يحصل مخصصا بقوله من غير دليل لله تعالى على وجوب ~~تخصيصه وذلك لأنه ثبتت العلة بقوله هذه علة للحكم دون أن يقيم عليها دليلا ~~من غيرها وجريها في معلولها ليس بدليل على صحتها لأنه قول المخالف أيضا ~~فجعل دليله على صحة دعواه دعوى أخرى أضافها إليه ومن شرطها أيضا عنده أن لا ~~يردها أصل فلم يعتبر فسادها برد ا لعموم إياها وهو أصل فحصل العموم إذا خص ~~بالقياس مخصوصا بقوله لا بدليل لله عز وجل على خصوصه # فإن قال قائل قد استعملت الأمة القياس في تخصيص العموم لأن الله تعالى ~~قال PageV01P217 @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ إلى قوله @QB@ من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين @QE@ فجعل ميراث الإخوة من الأم بعد قضاء الدين بقوله ~~تعالى @QB@ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ms074 من بعد وصية يوصى بها ~~أو دين @QE@ # واتفق الجميع على أن ميراث الولد وسائر الورثة بعد قضاء الدين # قيل له هذا غلط من وجوه # أحدهما أن الله تعالى ذكر ميراث الولد بدءا بقوله تعالى @QB@ يوصيكم الله ~~في أولادكم @QE@ ثم قال في سياقه @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ ~~لأنه قال @QB@ وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ يعني البنت ثم قال تعالى ~~@QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد @QE@ فسياقه ~~الخطاب بعد في حكم الولد والأبوين ثم عقبه بذكر الأبوين إذا لم يكن له ولد ~~فقال @QB@ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم @QE@ فلم ينقض ~~ذكر الولد حتى شرط تقديم الدين على الميراث ثم ذكر ميراث الزوجين وعقبه ~~بذكر الدين ثم الإخوة من الأم وحكم فيه بمثل ذلك فأين موضع القياس في تقديم ~~الدين على الميراث وهو مذكور مع سائر المواريث المذكورة في هذه الآيات # وأيضا فإن الأمة مجمعة على ذلك أولها وآخرها وما حصل فيه الإجماع فاعتبار ~~القياس فيه خطأ # فإن قال إنما أجمعت عليه قياسا على الموضع الذي ذكر فيه تقديم الدين # قيل له وما يدريك أنها اجتمعت عليه من طريق القياس ولعل الصدر الأول إنما ~~PageV01P218 أجمعوا عليه من توقيف أو قد يكون الإجماع تارة عن توقيف وتارة ~~عن رأي # فإن قال لو جاز أن يقال هذا في ذلك لجاز في كل إجماع # قيل له كل ما أجمع عليه الصدر الأول فجائز أن يقال فيه إن إجماعهم حصل عن ~~توقيف ما لم يخبروا عن أنفسهم أنهم اتفقوا على رأي # وأيضا فإن آية المواريث خاصة بالاتفاق وقد يجوز عندنا تخصيص ما هذا سبيله ~~من الظاهر بالقياس # وأيضا فإن الاجماع الواقع عن رأي ليس هو في معنى الرأي لو انفرد لأن ~~الرأي إذا انفرد عن الاجماع ساغ تركه برأي مثله ومتى انضاف إليه الإجماع ~~سقط جواز استعمال الرأي في خلافه ms075 # وأيضا فإنا نجيز تخصيص العموم بقياس يساعده الإجماع فما الدليل على جواز ~~تخصيصه بقياس مفرد عن الإجماع فإن هذا هو موضع الخلاف # وقال منهم قائل العموم ظاهر والقياس باطن وإذا اجتمعا كان الباطن قاضيا ~~على الظاهر كرجلين شهدا بعدالة رجل وآخران بجرحه فيكون شهادة الجرح أولى ~~لأنهما أخبرا عن باطن # وهذا كلام فارغ ليس تحته معنى وتشبيه بعيد مما ذكر من أمر الجرح والتعديل ~~لا يعتمد على مثله إلا غر وذلك لأنه إن كان إنما سمى موجب القياس باطنا ~~لأنه توصل إليه بنظر واستدلال وسمى العموم ظاهرا من حيث هو مذكور باسمه ~~فأقل ما يلزمه في هذا تجويز نسخ القرآن بالقياس لأنه باطن في زعمه والمذكور ~~باسمه الظاهر ويجب على قضية PageV01P219 هذه أن يكون العلم بالمحسوسات لما ~~كان ظاهرا وما يدل عليه باطنا لأنه توصل إليه بنظر لا يجوز قيام دليل على ~~نفي المحسوس لأن هذا باطن والمحسوس ظاهر # فان قال ما يقضي على الحس لا يكون دليلا لأن صحة الاستدلال به متعلقة ~~بصحته وبيانه # قيل له وما يقضي على العموم من القياس لا يكون دليلا لأن دلائل الأحكام ~~مبنية على السمع ولا يجوز أن يقضي عليه لأنه فرع له ولا يجوز أن يكون الفرع ~~قاضيا على الأصل # فإن قال لأني أقيسه على أصل آخر # قيل له كيف صار قياسه على أصل آخر وهو فرع له أولى من استعمال أصل آخر ~~غيره وهل يخرجك هذا من أن تكون قد جعلت الفرع آكد من الأصل وجعلت المستنبط ~~أولى من المذكور # وأما ما ذكر من أمر الجرح والتعديل فإن شاهدي الجرح قد ذكر الجرح ونصا ~~عليه كما ذكره شاهد التعديل ونصا عليه وأي باطن هاهنا # وإنما قضيت بأحد المسموعين على الآخر # فإن قال لأن المخبر بالجرح يخبر عن باطن علمه والمخبر بالتعديل إنما أخبر ~~عن ظاهر يجوز معه أن يكون باطنه بخلافه # قيل له وكذا فقل في العموم أنه يجوز أن يكون ما أخبر الله تعالى عنه بلفظ ~~عموم يكون باطنه بخلاف ms076 ظاهره كما قلت في المخبر عن العدالة فان قال نعم ~~لزمه أن يجوز PageV01P220 ذلك في كل ما أخبر الله به أو أمر به إن لم ~~يعارضه قياس ولا لفظ أن يكون باطنه خلاف ظاهره كما جاز أن يخبر شاهدا ~~التعديل عن عدالة ظاهره باطنها خلاف ظاهرها # فإن جوز ذلك انسلخ عن الملة ووصف الله تعالى بما لا يصفه به مسلم # ثم يقال له إن الذي ذكرته من أمر الجرح والتعديل شاهد لنا على صحة قولنا ~~لو جعلناه أصلا لما ذكرنا كان أولى من قبل أن الإخبار بالعدالة لما كان ~~مرجعه إلى ظاهر الحال من غير يقين ولا حقيقة علم بحاله وكان الإخبار بالجرح ~~إنما هو إخبار عن حقيقة مشاهدة موجبة للفسق كان الجرح أولى من التعديل # كذلك ينبغي على هذا القياس أن يكون اعتبار العموم الموجب للعلم أولى من ~~قياس لا يوجب العلم # فإن قال لما اتفقنا على جواز تخصيص العموم بالقياس العقلي وجب أن يكون ~~كذلك حكمه في القياس الشرعي # قيل له هذا صحيح على ما أصلنا لأن القياس العقلي لما كان مفضيا بنا إلى ~~العلم بصحة ما أدانا إليه ولم يكن يجوز فيه التخصيص وكان الحكم بموجب ~~العموم من طريق يوجب العلم إذا أطلق كان القياس العقلي قاضيا على العموم ~~لأنه يفضي إلى العلم بموجباته في سائر الأحوال والعموم لا يوجب العلم ~~بموجباته في سائر الأحوال إذ جائز إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص وأما ~~القياس الشرعي فإنما هو اجتهاد وغالب ظن لا يفضي إلى العلم بحقيقة الحكم ~~وقد يوجب عندنا أيضا فيه التخصيص وكان الحكم بالعموم الموجب للعلم أولى من ~~تركه بقياس لا يوجب العلم وهذا صحيح على ما قدمنا من أصول أصحابنا في هذا ~~الباب مستمرا عليها # فإن قال ليس إثبات الأحكام في الشريعة مقصورا على ما يوجب العلم حتى إذا ~~لم يكن القياس موجبا للعلم فيما يؤدي بنا إليه يكون مطرحا PageV01P221 # قيل له لم نقل إن القياس مطرح في الأصل ولا أن مالا يوجب العلم غير ms077 محكوم ~~به وإنما قلنا إن ما كان هذا سبيله لا يجوز ترك العموم به لأن العموم أولى ~~منه ولم أذكر هذه الأسئلة لشبهة منها على ذي بصيرة ولكني خشيت أن تمر ببعض ~~المبتدئين من كتب المخالفين يظنها شبهة فكشفنا عن حقيقتها وأنبأنا عن ~~فسادها ليعتبر به سائر حجاجهم ويعلم أن أكثر ما يذكرونه كلام مارق يجري ~~منهم على غير تحصيل وليس يحتاج إلى إفساده إلى أكبر من الكشف عن حقيقته # وقد ظن بعض المخالفين أن شرط الإيمان في رقبة القتل يقتضي تخصيص رقبة ~~الظهار بشرط الإيمان # فمنهم من يزعم أن وجوب ذلك من جهة أنه حكم الكلام وحكم اللفظ # ومنهم من يزعم أن اللفظ لا يوجب ذلك وأنه قاله قياسا PageV01P222 # والوجهان جميعا عندنا فاسدان لا يخيل وجه الفساد فيهما على متأمل نصح ~~نفسه # فأما الوجه الأول ففساده وسقوطه أظهر من أن يشك فيه عاقل # وذلك لأن قائله لا يرجع فيه إلى لغة ولا شريعة لأنه ليس في اللغة أن ~~القائل إذا ذكر شيئا علق به حكما ثم ذكر شيئا آخر غيره وعلق به حكما أن ~~أحدهما ينبغي أن يكون مبنيا على الآخر مرتبا عليه وهما معنيان متغايران ولو ~~كان ذلك صحيحا لوجب أن تكون الفروض التي فرضها الله تعالى كلها شروط بعضها ~~في بعض مركبا بعضها على بعض ولا فرق بين ذكر الكفارتين في موضعين وبين ذكر ~~الكفارة والصلاة والزكاة والصيام وسائر الفروض فتصير كلها كأنها فرض واحد ~~متعلق بعضه ببعض وهذا ظاهر الفساد # فإن قال إنما يجب ذلك في فرض واحد إذا ذكر في موضع مقيد ثم ذكر في غيره ~~مطلقا أن يكون المطلق محمولا على المقيد # قيل له هذا الذي ذكرت في الفرض الواحد مما يجوز أن يكون القول فيه على ما ~~ذكرت فلم قلت أن الفرضين إذا ذكر أحدهما مقيدا بحكم والآخر مطلقا أن المطلق ~~محمول على المقيد PageV01P223 # وإنما كلامنا معك في فرضين وكفارتين كل واحدة منهما متعلقة بسبب غير ما ~~تعلقت الأخرى به # وما الفرق بين ms078 الفرضين المختلفين وبين الكفارتين المختلفتين وهل يشكل على ~~أحد أن كفرة القتل فرض غير كفارة الظهار وأن كل واحدة منها متعلقة بسبب غير ~~ما تعلقت الأخرى به كسائر الفروض المختلفة # فإن قال إنهما قد جمعهما اسم الكفارة فكان شرط الإيمان في رقبة أحدهما ~~شرطا في الأخرى # قيل له فإذا جمعهما اسم الكفارة وجب عندك حمل إحداهما على الأخرى قياسا ~~أو من جهة أن اللغة تقتضيه # فإن قال إن اللغة تقتضي ذلك # قيل له وعن من حكيت هذا من أهل اللغة فلا يمكنه أن يدعي ذلك على أحد منهم # ثم يقال له ومن أين وجب إذا جمعهما اسم الكفارة أن تكون إحداهما محمولة ~~على الأخرى في الصفة المشروطة لإحداهما # ولو كان هذا واجبا لوجب أن يكون كل ما شرط في كفارة الظهار مشروطا في ~~كفارة القتل وكل ما شرط في كفارة اليمين مشروطا في كفارة الظهار والقتل ~~وكذلك كل ما شرط في جزاء الصيد من الكفارات ينبغي أن يكون مجموعا إلى هذه ~~الكفارات لأن الجميع عندك من حيث جمعهما اسم الكفارة كالمعطوف بعضه على بعض ~~والصفة المشروطة في بعضه مشروطة في جميعه فيكون إطعام ستين مسكينا مشروطا ~~في القتل ومشروطا PageV01P224 في اليمين وفي جزاء الصيد وفي كل كفارة ~~أوجبها الله تعالى # فإن قال لا يجب ذلك لحصول الإجماع بأن بعضها غير مشروط في البعض على هذا ~~الوجه # قيل له إذا كان الجميع كأنه كلمة واحدة معطوف بعضها على بعض يصير تقديرها ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين أو ستين مسكينا ويصير قوله في الظهار فتحرير ~~رقبة أو إطعام عشرة مساكين ويصير قوله في القتل فصيام شهرين متتابعين فمن ~~لم يجد فإطعام ستين مسكينا لأنه مشروط في الظهار وكل ما ذكر في الظهار ~~فمشروط في كفارة اليمين وما ذكر في كفارة اليمين فمشروط في الظهار # فإن اجمعوا بعد ذلك على أن شيئا من ذلك غير مشروط في كفارة أخرى لم يكن ~~ذلك إلا على وجه النسخ لأن اللفظ عندك قد ورد به على هذا ms079 الوجه وهذا يوجب ~~أن تكون هذه الكفارات كلها بعضها منسوخ ببعض وهذا تخليط وهذيان ليس يخفي ~~مثله على عاقل # ويقال له هلا دلك حصول الإجماع على أن شرائط كل كفارة من هذه الكفارات ~~غير مشروطة في الأخرى أن شرط الإيمان في رقبة كفارة القتل لا يوجب كونه ~~شرطا في كفارة الظهار فإذا لم تلجأ فيما ادعيت من ذلك إلى لغة ولا دلالة من ~~شرع ولا إجماع بل الإجماع بخلافه في سائر الشروط فهلا استدللت بذلك على ~~فساد هذا القول وانحلاله وكان الأولى بأصل المخالف في ذلك أن يكون شرط ~~الإيمان في رقبة القتل دليلا على أن رقبة الظهار غير مشروط فيها الإيمان ~~لأن من أصله أن المخصوص بالذكر يدل على أن ما PageV01P225 عداه فحكمه ~~بخلافه وإذا خص رقبة القتل بشرط الإيمان ينبغي أن يدل تخصيصه لها بذلك على ~~أن ماعداهما فحكمه بخلافه # واحتج من قال ذلك بأن هذا بمنزلة قوله تعالى @QB@ والحافظين فروجهم ~~والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات @QE@ وبمنزلة قوله تعالى @QB@ عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد @QE@ والمعنى والحافظات فروجهن والذاكرات الله وعن ~~اليمين قعيد وعن الشمال قعيد # فيقال له ولم أوجبت أن يكون من حيث كان ما تقدم من الخبر مضمرا في الثاني ~~أن يكون كذلك حكم الكفارات # أقلته من طريق اللغة أو من جهة الشرع # ولا يمكنه إثباته متى طولب بالدلالة عليه من لغة أو شرع وإنما وجب أن ~~يكون في هذه الأسماء اضمار من قبل أنه كلام لا يستعمل بنفسه بل هو مفتقر ~~إلى ضمير في إثبات فائدته لأنه لو انفرد عن الضمير لم يفد شيئا إذ لا يصح ~~ابتداء الخطاب بقوله @QB@ والحافظات والذاكرين @QE@ ونحو ذلك فلما افتقر ~~إلى ضمير وخبر كان ضميره هو الذي تقدم ذكره مظهرا في أول الخطاب وهذا مقعول ~~من اللغة وخطاب الناس لا يخفى أمره على أحد ولو كان استأنف للثاني خبرا لما ~~كان ما تقدم من الخبر مضمرا PageV01P226 فيه لأنه لو قال والحافظات أموالهن ~~لما كان الفروج المذكروة بدءا في ذكر الأزواج ms080 مضمرة فيهن ولذلك لو قال ~~والذاكرات آباءهن أو أبناءهن لما وجب أن يكون اسم الله تعالى مضمرا لهن هذا ~~مع كون بعضه معطوفا على بعض فكيف يجوز أن يكون ما ليس بمعطوف مضمرا فيه وهي ~~قضية أخرى وحكم آخر وارد في سبب غير الأول وكذلك قوله تعالى @QB@ عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد @QE@ لو انفرد قوله عن اليمين عن ضمير لم يستقم الكلام فيه ~~فوجب من أجل ذلك ان يكون ما تأخر ذكره من الخبر مضمرا فيه # وأما من قال منهم إني أجعل الإيمان شرطا في رقبة الظهار قياسا على رقبة ~~القتل وأخص به رقبة الظهار # فإن الأصل في ذلك عندنا وفي أمثاله من نحو شرط النية بالماء وما جرى ~~مجراه من إثبات زيادة لا ينبىء عنها اللفظ ولا ينتظمها فإن ذلك عندنا ليس ~~بتخصيص وإنما هو زيادة في النص والزيادة في النص توجب النسخ فلا يجوز أن ~~يزاد فيه إلا بمثل ما يجوز به نسخه وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن رحمه ~~الله في ذلك وفي نظائره PageV01P227 # ومن جهة أخرى أن من أصلنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض على ما قد ~~حكيناه عن محمد بن الحسن في صدر هذا الباب # والدليل على أن زيادة شرط الإيمان في رقبة الظهار يكون على وجه النسخ أن ~~ظاهر الآية يفيد جواز رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان فمتى شرطناه فيها ~~فقد حظرنا ما أباحته الآية من جواز الرقبة الكافرة وهذا هو حقيقة النسخ ~~وغير جائز إثبات مثله بالقياس ولا بخبر الواحد # فإن قال قائل لو كانت الزيادة في النص توجب نسخه لوجب أن يكون حدوث كل ~~فرض يوجب نسخ ما تقدم من الفروض لأنه قد كان علينا أن نعتقد قبل حدوثه أنه ~~لا فرض عليه فإذا حدث فرض آخر فقد زال الإعتقاد الأول # قيل له لو فهمت عنا ما ذكرناه لكفيت نفسك هذا السؤال # وذلك أنا قلنا أن ورود الفرض الأول مطلقا من غير ذكر الزيادة يوجب جوازه ~~عن الواجب وورود ms081 الزيادة يمنع جواز الأول وكونه فرضا وهذا نسخ # وليس ورود فرض ثان غير متعلق بالأول بمؤثر في الأول لأن الأول مبقى في ~~الحكم على ما كان لا يتعلق جوازه بفعل الثاني # ألا ترى أن ترك الصلاة لا يؤثر في جواز أداء الزكاة وترك الزكاة لا يؤثر ~~في جواز فعل الصيام فلم يكن ورود بعض هذه الفروض بعد الأول مغيرا لحكم ~~الأول وكون الإيمان PageV01P228 شرطا في رقبة الظهار مانعا من جوازها مطلقة ~~على حسب ما اقتضت الآية فلذلك كان شرط الإيمان فيها موجبا لنسخها ألا ترى ~~أن مثله لو ورد نصا كان نسخا لأنه لو قال اعتقوا رقبة في الظهار إن شئتم ~~كافرة وإن شئتم مؤمنة ثم قال بعد ذلك لا تعتقوا فيه رقبة كافرة كان ذلك ~~نسخا # وكذلك من حمل إحدى الكفارتين على الأخرى في شرط الإيمان فيها كان نخسا # وأما قولك أن ورود فرض ثان يغير حكم الإعتقاد الأول فليس الأمر فيه كذلك ~~لأن الإعتقاد الأول حكمه باق على ماكان عليه لا يؤثر فيه ورود فرض ثان لزمه ~~اعتقاد ثان من غير تأثير منه في اعتقاد الفرض الأول # فإن قيل أليس كنا نعتقد قبل ورود الفرض الثاني أن لا فرض إلا الأول ولزم ~~بعد ورود الفرض الثاني أن ينزل الإعتقاد بأن لا فرض غيره # قيل له اعتقادنا بأن لا فرض إلا الأول غير متعلق بالفرض الأول لأنه لو لم ~~يكن عليه فرض رأسا لكان عليه أن يعتقد أن لا فرض فليس اعتقادنا أن لا فرض ~~متعلقا بفرض فعلمنا أن ورود فرض ثان غير مؤثر في الأول # فإن قال قائل يلزمك على هذا أن تجعل رقبة الظهار منسوخة بامتناعك عن ~~PageV01P229 تجويزها عمياء أو مقطوعة اليدين لأن ظاهر الآية يقتضي جوازها ~~على الأصل الذي ذكرت # قيل له لا يلزمنا ما ذكرت لأن الرقبة اسم لها بجميع أعضائها فاقتضى ~~الظاهر رقبة تامة وإنما شرطنا ذلك فيها بما يقتضيه موجب اللفظ وليست الرقبة ~~اسما للإيمان ولا يقتضيها بحال فزيادة شرط الإيمان فيها موجبه ms082 للنسخ على ما ~~بينا # فإن قال قائل ما أنكرت أن يكون شرط الإيمان في رقبة الظهار تخصيصا لبعض ~~الرقاب دون بعض لا على وجه الزيادة في النص كما أن شرط الحرز والمقدار في ~~السرقة تخصيص لبعض السراق دون بعض لا على وجه الزيادة في النص # قيل له ليس كذلك لأن اسم الرقبة لا يتناول الإيمان ولا الكفر ولا ينبىء ~~عنهما فلا يكون شرط الإيمان فيها إلا على جهة الزيادة في النص بما لا ينبىء ~~عنه الاسم وكذلك شرط الحرز والمقدار في السرقة إلا أن آية السرقة لا يصح ~~عندنا الاستدلال بعمومها وهي بمنزلة اللفظ المجمل بدلائل قد ذكرناها في ~~مواضع فمن أجل ذلك جاز استعمال النظر وخبر الواحد في بيان بعض ما دخل في ~~الحكم وليس كذلك الرقبة العمياء والمقطوعة اليدين لأن اسم الرقبة يتناولها ~~بأعضائها فلم يكن امتناع جواز العيماء من جهة الزيادة في النص إذ كان اللفظ ~~يتناولها صحيحة PageV01P230 # فإن قال قائل إنما يكون شرط الإيمان في رقبة الظهار زيادة فيها ونسخا لها ~~لو ورد بعد ثبوتها مطلقة فأما إذا جعلت في الأصل كأنها لم تجب إلا مقيدة ~~بشرط الإيمان فليس في هذا نسخ بل هو تخصيص # قيل له إنما يجوز الحكم بوجوبها في الأصل على هذه الشريطة الملحقة بها ~~إذا كان ثبوت الشرط من الجهة التي يجوز بمثلها النسخ وغير جائز إثبات نسخ ~~القرآن ولا ما هو في معنى النسخ بالقياس ولا بخبر الواحد لأنا إنما نحتاج ~~أن نعتبر ذلك فيما ورد من جهة توجب العلم فيعترض به على ظاهر القرآن فأما ~~ما كان على غير ذلك فلا # ولامتناع جواز شرط الإيمان في رقبة الظهار وجه آخر وهو أن كل ما خرج مخرج ~~الجواب لسائل سأل عنه من آية نزلت فيه أو قول من الرسول عليه السلام مع ~~لزوم تنفيذ هذا الحكم وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بجهل السائل به فإن ما ~~نزل به إطلاق الآية أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو على إطلاقه ms083 ومهما ~~ألحقنا به من شرط لم يكن إلا على وجه النسخ على أي وجه كان # وذلك لأنه لو كان هناك شرط آخر أو ما يوجب تخصيص إطلاق الجواب لما أخر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بيانه للسائل مع إلزامه إياه تنفيذ الحكم وعلمه ~~بجهل السائل فلا تكون الزيادة فيما PageV01P231 كان هذا وصفة إلا من طريق ~~النسخ ورقبة الظهار من هذا القبيل # وذلك لأن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته تسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى آية الظهار فقال لها النبي صلى ~~الله عليه وسلم مريه فليعتق رقبة قالت لا يجد إلى أن ذكر الصيام والإطعام ~~فأمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان وأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها كذلك # ولو كان من شرطها الإيمان لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأن مثله لا ~~يجوز أن يكون الحكم فيه موكولا إلى استدلال المأمور به ونظره من وجهين # أحدهما 2 أنه قد ألزمه تنفيذ الحكم في الحال # والثاني أن السائل كان جاهلا بالحكم و لم يكن من أهل الاجتهاد والنظر ~~فيكون حكم الرقبة موقوفا على اعتباره بالأصول # وروي أيضا أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعتق رقبة وكان جاهلا بالحكم ولم يكن من أهل الاجتهاد فلو قيدناها بشرط ~~الإيمان لم يكن ذلك إلا نسخا على ما بينا فدل ما وصفنا على أن المأمور به ~~في الآية من الرقبة هو رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان وأنا متى قيدناها ~~بشرط الإيمان كان ذلك على وجه نسخ موجب الآية PageV01P232 بعد استقرار ~~حكمها على رقبة مطلقة ومثله لا يجوز إثباته بخبر الواحد وإثباته بالقياس ~~أبعد # ومن جهة أخرى أن رقبة الظهار مطلقة منصوص عليها ورقبة القتل مقيدة بشرط ~~الإيمان منصوص عليها أيضا والمنصوصات لا يقاس بعضها على بعض لأن المنصوص ~~عليه قد استغنى بدخوله تحت النص عن قياسه على غيره إذ كان القياس إنما ~~يفتقر إليه عند عدم ms084 النص وهو مثل ما نص الله تعالى عليه في الطهارة بالماء ~~من الحدث على غسل أربعة أعضاء ونص في التيمم على مسح عضوين ونص على قطع يد ~~السارق وعلى قطع يد المحارب ورجله فلم يجز لأحد قياس التيمم على الوضوء في ~~استعماله في أعضاء الوضوء ولا قياس السارق على المحارب في قطع يده ورجله # والمعنى فيه أن كل واحد منهما منصوص على حكمه فسقط اعتبار القياس فيه # ونظيره ما نص الله تعالى عليه في كفارة قتل الخطأ مع الدية ونص في العمد ~~على القصاص من غير ذكر كفارة فلم يجز عند إلحاق العمد بالخطأ في حكم ~~الكفارة لأن كل واحد من القتلين مذكور باسمه منصوص على حكمه ولا يجوز قياس ~~المنصوص بعضه على بعض وهذا أصل صحيح قد اعتبره أصحابنا ومنعوا القياس في ~~مثله وهو معنى قول محمد الذي قدمناه في صدر هذا الباب أنه إنما يقاس على ~~التنزيل فأما التنزيل بعينه فلا يقاس # فإن قال قائل موضع الكفارة في قتل العمد منصوص عليه وعدم الإيمان في ~~PageV01P233 رقبة الظهار غير منصوص عليه فمتى قسنا رقبة الظهار على رقبة ~~القتل في تقييدها بشرط الإيمان فإنما قسنا غير المنصوص على المنصوص # وكذلك قياس كفارة قتل العمد على الخطأ # قيل له قد نص الله تعالى على رقبة مطلقة فكل ما تناوله هذا الاسم فهو ~~منصوص عليه داخل تحته فمتى ألحقناها برقبة القتل فقد قسنا المنصوص عليه # وكذلك حكم قتل العمد منصوص عليه غير مشروط فيه الكفارة فمتى قسناه على ~~الخطأ بإيجاب الكفارة فيه فقد قسنا المنصوص عليه ولو جاز أن يقال إن هذا ~~ليس بقياس المنصوص لجاز قياس الأم على الابنه في شرط الدخول لأنهما مبهمة ~~ليس فيها شرط دخول ولا غيره ولجاز قياس التيمم على الوضوء في وجوب استعماله ~~في أربعة أعضاء لأن العضوين الآخرين غير منصوص عليهما في التيمم ولجاز قطع ~~يد السارق ورجله قياسا على المحارب لأن الرجل غير منصوص عليها في السرقة ~~فلما امتنع هذا بالاتفاق علمت أن هذا ms085 الضرب من القياس خطأ لا يسوغ فيه ولا ~~في نظائره # فإن قيل فقد قست جزاء الصيد في الخطأ على العمد والنص وارد في العمد ~~لقوله تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا @QE@ # قيل له لأن الخطأ غير منصوص عليه في الصيد والمنصوص عليه هو العمد فجاز ~~PageV01P234 اعتبار ما ليس بمنصوص عليه بالمنصوص وكفارة الظهار والقتل ~~جميعا منصوص عليهما وكذلك ذكر قتل العمد والخطأ منصوص على كل واحد منهما # وكما اتفقوا على أن كفارة القتل لا تقاس على كفارة الظاهر في باب إيجاب ~~الإطعام فيها عند عدم الصوم وإن كان الإطعام غير منصوص عليه في كفارة القتل # فإن قال إنما لم نقس كفارة القتل على الظهار في جواز الإطعام عند عدم ~~الرقبة والصوم لأن كفارة القتل لما عظم أمرها بشرط الرقبة المؤمنة لم يجز ~~لنا تخفيف حكمها بجواز الإطعام عند عدم الرقبة والصوم قياسا على الظهار لأن ~~فيه وصفها على غير الوجه الذي ورد إيجابها في الأصل # قيل له فامتنع بهذه العلة قياس رقبة الظهار على القتل بشرط الإيمان لأن ~~كفارة الظهار لما وردت مورد التخفيف في جواز الانتقال إلى الإطعام عند عدم ~~الرقبة والعجز عن الصيام لم يجز شرط الإيمان فيها لأن ذلك يوجب تغليظها على ~~ما أجازته الآية مطلقة من غير شرط التغليظ بتقييد الإيمان # فإن قال قائل ما ذكرت من امتناع جواز إحدى الكفارتين على الأخرى مسلم لك ~~فما أنكرت أن يقاس بعضها على بعض في الصفة لا في إثبات زيادة معنى غير ~~مذكور فيها فتقاس رقبة الظهار على رقبة القتل في باب إثبات شرط الإيمان ~~فيها وهي صفة كما قسنا جميعا التيمم على الوضوء في الصفة وهو كونه إلى ~~المرفقين لا في إثبات عضو آخر # قيل له هذا خطأ لأن الزيادة في النص إذا كانت نسخا على ما بينا لم يختلف ~~PageV01P235 حكمها أن تكون الزيادة أو إثبات معنى غيرها فالواجب عليك على ~~هذه القضية أن لا تثبت النفي مع الجلد حدا ولا توجب الضمان على السارق بعد ~~القطع ولا ms086 يلزم قاتل العمد كفارة لأن ذلك ليس بزيادة صفة وأما التيمم فإنا ~~لم نثبته إلى المرفقين قياسا على الوضوء إنما أثبتناه من قبل أن قوله تعالى ~~@QB@ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم @QE@ يقتضي اليد إلى المنكب لأن الاسم ~~يتناوله فأسقطنا ما فوق المرفقين بالاتفاق وإلا فظاهر اللفظ يقتضيه وأبقينا ~~حكم اللفظ في المرفقين # والمعنى الذي ذكرناه في أن شرط الإيمان في الرقبة لما لم يتناوله اسم ~~الرقبة ولم تنبىء عنه كان زيادة فيها لا على وجه التخصيص قد اعتبره أصحابنا ~~في مسائل الإيمان أيضا # قال محمد بن الحسن في الجامع الكبير لو قال رجل إن اغتسلت فعبدي حر أو ~~قال إن أكلت أو شربت فعبدي حر وقال عنيت غسلا من جنابة أو قال عنيت طعاما ~~دون طعام أو شرابا دون شراب لم يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله ~~تعالى # وكذلك إن قال إن دخلت الدار فعبدي حر وعنى إن دخلها وعليه ثوب لم تعمل ~~نيته لأن لفظ اليمين لا ينبىء على ما عناه فكأنه إنما نوى تخصيص غير اللفظ ~~الملفوظ به ففي اللفظ عموم لم تعمل فيه النية وصارت النية لغوا # ولو كان قال إن اغتسلت غسلا أو أكلت طعاما أو شربت شرابا صدق فيما بينه ~~PageV01P236 وبين الله تعالى لأن الغسل والطعام والشراب الذي نوي تخصيصها ~~مذكورة في لفظه فصلحت نية التخصيص فيها # وكذلك على هذا لما لم يتناول اسم الرقبة الإيمان لم يصح تخصيصها به وكان ~~متى شرط فيها الإيمان كان زيادة فيها لا تخصيصا وهذا معنى يبين الفصل بين ~~التخصيص و بين الزيادة # وعلى المنهاج الذي ذكرنا في امتناع شرط الإيمان في رقبة الظهار القول في ~~شرط النفي مع الجلد أو الرجم مع الجلد للزاني لأن الآية أوجبت جلد المائة ~~حدا كاملا فمتى ألحقنا به النفي والرجم معه صار جلد المائة غير حد لأنه ~~يصير بعض الحد ولم يقع الجلد بانفراده موقع الجواز فكان إيجاب النفي أو ~~الرجم معه نسخا فلم يجز ذلك إلا بمثل ما يجوز به النسخ ms087 # وكذلك شرط النية في الطهارة وكون المضمضة والاستنشاق فرضا في الوضوء ~~ونظائره يجري على منهاج واحد على الوصف الذي قدمنا # فإن قال قائل إنما كان يكون ما ذكرت نسخا لو ورد بعد استقرار حكم الآية ~~وأما إذا PageV01P237 الصامت خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم ومعلوم أنه إنما أخبر فيه ~~عن السبيل المذكور في قوله عز وجل @QB@ فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ فثبت أنه لم يكن بين قوله تعالى @QB@ ~~فأمسكوهن في البيوت @QE@ وكان هذا حد الزانية مع الأذى وبين هذا الخبر ~~واسطة حكم في الزيادة فثبت أن قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة @QE@ نزل بعد ذلك فصار ناسخا له ولهذا المعنى قلنا إن ~~الرجم ليس بجد مع الجلد وإن الآية ناسخة لكونهما جميعا حدا مستحقا في حال ~~واحد لأنها نزلت مطلقة بعد حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرنا # وكذلك سبيل خبر الشاهد واليمين مع الآية لأنها أوجبت علينا اعتبار العدد ~~المذكور PageV01P238 لم يعلم أن وروده كان متراخيا عن الآية فغير جائز حمله ~~على وجه النسخ بل الواجب الحكم بورودهما معا فنستعملهما ولا نجعل أحدهما ~~ناسخا للآخر # قيل له لا يخلو الخبر من أن يكون واردا مع الآية أو قبلها أو بعدها # فإن كان بعدها فهو ناسخ لها لما بينا # وإن كان قبلها فالآية ناسخة له لأنها وردت مطلقة موجبة لكون الجلد حدا ~~كاملا # وإن كان معها وذكره النبي صلى الله عليه وسلم عقيب تلاوة الآية فالواجب ~~وروده ونقله في وزن نقل الآية وورودها والواجب أن يرد عن الصحابة استعماله ~~مع الجلد على حسب استعمالهم للجلد # فلما وجدنا الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما رضي الله عنهم أجمعين قد عرفوا ~~النفي ولم يروه حدا وإنما رأوه على وجه المصلحة وموكولا إلى رأي الإمام ~~واجتهاده علمنا أنه لم يكن وروده على معنى أنه بعض الحد مع الجلد # وأيضا فإن خبر النفي وارد قبل ms088 الآية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~حديث عبادة بن PageV01P239 فيها والخبر يجيز الاقتصار على ما دونه وهما في ~~المعنى سواء وإن كان خبر الشاهد واليمين فيه ترك بعض موجب الآية وخبر النفي ~~مع الجلد أو الرجم مع الجلد زيادة فيه وأن اختلافهما من جهة أن في أحدهما ~~ترك بعض ما في الآية وفي الآخر زيادة فيها غير مانع من تساويهما في إيجاب ~~نسخهما # فإن قال قائل وما الذي يمنع أن يكون ذلك تخصيصا ولا يكون نسخا وليس فيه ~~أكثر من الاقتصار في كون الجلد حدا في بعض الأحوال دون بعض وهو أن يكون معه ~~نفي والحكم بالشاهد واليمين في حال وبالشاهدين والشاهد والمرأتين في حال # وكذلك هذا في الطهارة لأن شرط النية فيها يقتضي جواز بعض الغسل طهارة ~~وبعضه ليس بطهارة وهذا تخصيص للآية لا نسخ فيه # قيل له لو عرفت معنى التخصيص لم تسأل عن هذا وذلك لأن التخصيص للفظ إنما ~~يكون في اللفظ المنتظم لمسميات فيخرج بعض ما انتظمه اللفظ من الحكم فقولك ~~في الجلد أنه صار حدا في حال دون حال وهي حال وجود النفي معه غلط من وجهين # أحدهما أن الأحوال غير مذكورة في اللفظ فيخص بعضها بما ذكرت وما ليس ~~بمذكور فغير جائز أن يقال فيه تخصيص اللفظ PageV01P240 # والثاني أنك لم تجعل الجلد حدا بحال كان معه نفي أو لم يكن لأنه إن كان ~~معه نفي فهو والنفي جميعا حد واحد # وإذا كان هو وغيره حدا فليس هو في نفسه حدا بل هو بعض الحد كما أن جلد ~~تسعين ليس بحد عند أحد وإن انفرد عن النفي فهو أيضا ليس بحد عندك # فليس ها هنا تخصيص بوجه وإنما هو نسخ على الوجه الذي بينا # وأما خبر الشاهد واليمين عندك مقبول في كل موضع يقبل فيه رجل وامرأتان ~~فما الذي خصصت من الآية بخبر اليمين والشاهد فقد بان لك أن خبر النفي وخبر ~~الشاهد واليمين لا يقتضيان تخصيص شيء من لفظ القرآن وأنهما ms089 لو بنيا على ~~الوجه الذي يدعيه المخالف لاعترضا على حكم الآية على وجه النسخ ويكون ما ~~تعلق بخبر الشاهد واليمين من نسخ الآية على وجهين # أحدهما جواز الاقتصار على شاهد واحد وهو أقل من العدد المذكور # والآخر إثبات التخيير بين ثلاثة أشياء فالله تعالى إنما خير في الآية بين ~~شيئين # فإن قال قائل ليس هذا نسخا لأن الخبر كأنه ورد هو والآية معا عقيبها بلا ~~فصل # قيل له قد بينا ذلك فيما سلف # وعلى أنه لا يجوز أن يلحق بالآية فيما كان هذا وصفه إلا ما ورد من طريق ~~التواتر واستعمله الناس معها فإما أن يكون أحد الحكمين ثابتا في القرآن ~~الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وما ألحق به زيادة عليه من ~~جهة لا توجب العلم فهذا غير جائز عندنا لما وصفنا PageV01P241 # ومن نظائر ذلك قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ ~~فمن قال بإيجاب النية فيه فقد زاد في حكم الآية على وجه النسخ لا على وجه ~~التخصيص إذ ليس هاهنا تخصيص لعموم لفظ يشتمل على مسميات تحته # وقد بينا فيما سلف أن العموم شرطه أن ينتظم جمعا والجمع الذي في اللفظ ~~إنما هو عبارة عن المأمورين وليس في الآية ذكر الطهارة بلفظ الجمع فيكون ~~شرط النية مخصصا لبعض ما انتظمه العموم ولأن أحوال الطهارة وأوقاتها مذكورة ~~بلفظ الجمع فتكون النية مخصصة لجوازها في حال دون حال وفي وقت دون وقت ~~ومعلوم أن شرط النية لا يوجب بعض الغاسلين دون البعض لأن تخصيص بعض ~~الغاسلين أن يخرج بعضهم من الأمر حتى لا يلزمه الغسل # وإنما خص على قولهم بعض الطهارات دون بعض وبعض الأحوال دون بعض وليست ~~الطهارة مذكورة في عموم لفظ حتى يقع فيه التخصيص بالنية فلم يكن لشرط النية ~~فيها وجه إلا نسخ حكم الآية على الوجه الذي بينا # ومن نظائر ذلك إيجاب ضمان السارق مع القطع مع قوله تعالى @QB@ فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله @QE@ فجعل القطع جزاء والجزاء ms090 اسم لما ~~يستحق بالفعل فإذا أوجبنا عليه الضمان بالفعل مع القطع صار القطع بعض ~~الجزاء فهذا نظير إيجاب النفي مع الجلد على الزاني على الوصف الذي بينا ~~فاعتبر نظائر ذلك من المسائل بما قدمنا من الأصل فإنها تستمر عليه إن شاء ~~الله تعالى PageV01P242 & الباب العاشر في اللفظ العام إذا خص منه شيء ما ~~حكم الباقي& PageV01P243 PageV01P244 & باب القول في اللفظ العام إذا خص ~~منه شيء ما حكم الباقي & # قال أبو بكر # كان شيخنا أبو الحسن رضي الله عنه يقول في العام إذا ثبت خصوصه سقط ~~الاستدلال باللفظ وصار حكمه موقوفا على دلالة أخرى من غيره فيكون بمنزلة ~~اللفظ المجمل المفتقر إلى البيان # وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ إذا ~~أوجب PageV01P245 التخصيص فيقول إن الاستثناء غير مانع بقاء حكم اللفظ فيما ~~عدا المستثنى لأن الاستثناء لا يجعل اللفظ مجازا ولا يزيله عن حقيقته ~~ودلالة التخصيص من غير جهة اللفظ تجعل اللفظ مجازا وتزيله عن حقيقته لأن ~~الحقيقة هي العموم # وكان يقول رحمه الله إن هذا مذهبي ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابنا # وكان محمد بن شجاع يذهب هذا المذهب أيضا وقد ذكره في بعض كتبه # قال الشيخ الإمام أبو بكر رحمه الله # والذي عندي من مذهب أصحابنا في هذا المعنى أن تخصيص العموم لا يمنع ~~الاستدلال به فيما عدا المخصوص وعليه تدل أصولهم واحتجاجهم للمسائل ~~PageV01P246 # ألا ترى أنهم قد احتجوا في إيجاب الشفعة للجار بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم الجار أحق بسقبه وهذا خاص بالاتفاق لأن الجار الذي ليس بملاصق يتناوله ~~الاسم أيضا ولا شفعة له بالاتفاق # واحتجوا في منع المرأة من الحج إلا بمحرم بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاثة أيام إلا ~~مع ذي رحم محرم أو زوج وهذا خاص بالاتفاق لأن التي أسلمت في دار الحرب لها ~~الخروح إلى دار الإسلام بغير محرم # ونظائر ذلك كثيرة مما احتجوا فيه بعموم اللفظ وقد ms091 ثبت خصوصها بالاتفاق ~~نحو PageV01P247 نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض وعن بيع ماليس ~~عندك وعن بيع وشرط # قد احتجوا بعموم هذه الألفاظ في إثبات حكم اللفظ فيما عدا المخصوص وهذا ~~القول هو الصحيح عندنا وقد وافقنا أبو الحسن على كثير من هذه المسائل التي ~~احتجوا فيها بالعام الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق فكان يقوله إنما هذا شيء ~~أعتقده أنا في هذا الباب ولا يمكنني أن أعزيه إلى أصحابنا # والدليل على صحته أن قيام دلالة التخصيص في معنى الاستثناء المتصل باللفظ ~~لا فرق بينهما فلما لم يمنع الاستثناء من بقاء دلالة اللفظ في الباقي وجب ~~أن يكون كذلك حكم دلالة التخصيص في بقاء دلالة اللفظ معه فيما عداه ~~PageV01P248 PageV01P249 # وأيضا فإن اللفظ فيما عدا المخصوص حقيقة لأن المشركين اسم لمن بقي منهم ~~بعد التخصيص حقيقة فوجب أن يكون دلالته قائمة في إيجاب الحكم وهو في هذا ~~الباب أظهر دلالة على ما ذكرنا من الجملة مع الاستنثاء لأن الباقي بعد ~~الاستثناء لا تكون الجملة عبارة عنه بحال لأن العشرة لا تكون عبارة عن تسعة ~~والمشركون عبارة عن ثلاثة فما فوقها حقيقة ة PageV01P250 # وكان أبو الحسن يفرق بينهما من جهة أن وجود الاستثناء المتصل بالجملة لا ~~يجعل اللفظ مجازا بل هو حقيقة للباقي لأن ذلك يستفاد من اللفظ بنفس الصيغة ~~فصارت التسعة لها اسمان # أحدهما تسعة والآخر عشرة إلا واحدا والاسمان جميعا حقيقة لها لأن الصيغة ~~تقتضى ذلك وهي موضوعة له وكما أن قولنا واحد وواحد وقولنا اثنان سواء ~~واللفظان جميعا عبارة عن معنى واحد على جهة الحقيقة لأنه معقوب من جهة ~~اللفظ # وأما قيام دلالة الخصوص فإنه لا يصح أن يقترن إلى اللفظ حتى تصير الصيغة ~~المسموعة مع الدلالة عبارة عن الباقي لأن الدلالة لا تغير صيغة اللفظ فصارت ~~الصيغة إذا أطلقت والمراد بها الخصوص مجازا لأن حقيقتها استيعاب جميع ما ~~تحتها فمتى أطلقت والمراد البعض فقد استعملت في غير موضعها فصار اللفظ ~~مجازا والمجاز لا يستعمل إلا في ms092 موضع تقوم الدلالة عليه # كذلك العموم متى أطلق والمراد الخصوص احتاج إلى دلالة في اعتبار عمومه في ~~الباقي وكان ألزم على هذا القول إبطال فائدة اللفظ رأسا لا فتقاره إلى ~~دلالة من غيره في إثبات حكمه فكان يجيب عنه بأن هذا لا يوجب بطلان فائدة ~~اللفظ لأن وروده قد أفادنا حدوث حكم يرد بيانه في الثاني بمنزلة اللفظ ~~المجمل المفتقر إلى البيان فمتى ورد البيان كان الحكم موجبا باللفظ نحو ~~قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ متى بين الحق كان موجبا باللفظ # كذلك فيما وصفنا متى قامت دلالة المراد كان موجبا باللفظ فلم يكن هذا ~~السؤال لازما له على حب ما أراد السائل إلزامه وحاول به إفساد مذهبه ~~PageV01P251 # فأما من فرق بين الاستثناء وبين دلالة الخصوص في أن دلالة الخصوص تجعل ~~اللفظ مجازا ولا يصير مجازا بالاستثناء فإن من الناس من يقول إن ورود ~~الاستنثاء المتصل بالجملة يجعل اللفظ مجازا لأن الألف لا يكون أبدا عبارة ~~عن أقل منها فإذا قال @QB@ ألف سنة إلا خمسين عاما @QE@ فإنما أطلق اسم ~~الألف ومراده أقل منها ولا يكون ذلك إلا مجازا واختلافهما مرجعه أن ~~الاستثناء لفظ متصل بالجملة ودلالة الخصوص ليست بلفظ متصل بها ولا يوجب ~~الفرق بينهما من الوجه الذي ذكر لأن لمخالفه أن يقول إذا جاز أن يريد ~~بالألف أقل منها لما صحبه من الاستثناء ولم يمنع ذلك من بقاء دلالة اللفظ ~~في الباقي بعد الاستثناء فكذلك إطلاق لفظ العموم مع إرادة الخصوص لا يمنع ~~بقاء دلالة اللفظ فيما عدا المخصوص وأما من وافقه في أن الاستثناء لا يجعل ~~الجملة الأولى مجازا فإنهم فريقان # أحدهما من يقول في دلالة الخصوص كما يقول في الاستنثاء المتصل بالجملة ~~ويجعل اللفظ حقيقة في الباقي ويأبى أن يكون قيام دلالة الخصوص يجعل اللفظ ~~مجازا ويقول إن ما كان هذا وصفه من الألفاظ لم يكن قط عموما أريد به الخصوص ~~على حسب ما بيناه فيما سلف وحكيناه عن قائله # وذلك لأن ما بقي بعد الخصوص يتناوله ms093 الاسم على جهة الحقيقة لأن المشركين ~~إذا كان اسما لثلاثة منهم فما فقها ثم قال @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ ~~وقامت الدلالة على أن بعض المشركين لا يقتلون فمن بقي من المشركين الذي ~~يقتلون يكون حقيقة فيهم لا مجازا فوجب استعماله فيما عدا المخصوص ~~PageV01P252 # فمن كان هذا أصله في ذلك سقط عنه الجواب كما حكيناه عن أبي الحسن في ~~الفرق بين الاستنثاء وبين دلالة الخصوص ويصير حينئذ في الأصل وقد بيناه ~~فيما سلف PageV01P253 # وأما الفريق الآخر الذين يوافقون على أن قيام دلالة الخصوص يجعل اللفظ ~~مجازا فإنهم يجيبون عن ذلك بأن حصول اللفظ مجازا لا يمنع بقاء حكم دلالته ~~لأن المجاز مستعمل في موضعه كاستعمال الحقيقة في موضعها فلا فرق بينهما من ~~هذا الوجه فلذلك وجب أن تكون دلالة اللفظ باقية فيما عدا المخصوص ~~PageV01P254 & الباب الحادي عشر في حكم التحليل والتحريم إذا علقا بما لا ~~يصلح أن يتناولاه في الحقيقة& PageV01P255 PageV01P256 & باب القول في حكم ~~التحليل والتحريم إذا علقا بما لا يصلح أن يتناولاه في الحقيقة & # قال أبو بكر # الأصل في ذلك أن التحليل والتحريم إنما يتعلقان بأفعال المأمورين ~~والمنهيين وما لم يكن فعلا لهم لا يجوز أن يتعلقا به وذلك لأنه لا يصح أن ~~يؤمر أحد بفعل غيره ولا ينهى عن فعل غيره وإذا كان ذلك كذلك ثم ورد لفظ ~~التحليل والتحريم معلقا في ظاهر الخطاب بما ليس من فعلنا علمنا بذلك أن ~~المراد به فعلنا في ذلك الشيء نحو قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ ~~و @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ وقوله تعالى @QB@ لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن @QE@ ومعلوم أن غير الأم ومن ذكر معها وغير الميتة وما عطف عليها لا ~~يجوز أن يتناولها التحريم إذا كنت هذه الأشياء فعلا لله تعالى ومحال أن ~~ينهانا عن فعله لأن ذلك عبث وسفه والله تعالى عن ذلك # ويستحيل أيضا من جهة أخرى وهي أن هذه الشياء أعيان موجودة فلا يصح النهي ~~عنها ولا الأمر بها لأن النهي عنها يصير في معنى النهي عن أن ms094 يكون هذا ~~الموجود والأمر بها يصير في معنى الأمر بأن يكون هذا الموجود وهذا محال ~~فلما استحال ذلك فيها علمنا أن التحليل والتحريم يتعلق بفعلنا فيها فيجوز ~~أن يقال حينئذ فيه وجهان PageV01P257 # أحدهما أن لفظ التحريم لما تناول فعلنا صار تقدير الآية حرم عليكم فعلكم ~~في الأمهات وفي الميتة ونحوها فيسوغ اعتبار العموم في سائر الأفعال إلا ما ~~قام دليله وذلك لأن التحريم لما كان حكمه فيما وصفنا فيما يتعلق به صار ~~بمنزلة الأسماء المضمنة بأغيارها فيفيد إطلاقها ما ضمنت به كقولنا ضرب ~~يقتضي ضاربا ومضروبا وجذب يقتضي مجذبا وأب يقتضي ابنا وابن يقتضي أبا وشريك ~~يقتضي شريكا وما جرى مجرى ذلك فمن حيث كان التحريم مضمنا بأفعالنا يستحيل ~~وجوده عاريا منها وصار إطلاقه مقتضيا لنفى جميع ما يتعلق به من الفعل فيكون ~~تقدير قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ حرم عليكم فعلكم في الميتة ~~فيجوز اعتبار العموم فيه # والوجه الآخر أنه متى كان هناك عادة لقوم في استباحة الاستمتاع بالأمهات ~~والأخوات على نحو ما عليه المجوس وكثير من أصناف الكفار الذين يستحلون ~~الاستمتاع بهن # وقوم كانوا ينتفعون بالميتة على حسب انتفاعهم بالمذكي كان مخرج الكلام ~~تحريم ما كان المشركون يستبيحونه فيكون هذا المعنى متعلقا معقولا بورود ~~اللفظ فيصير بمنزلة حرمت عليكم الاستمتاع بالأمهات والبنات ومن ذكر معهن ~~وحرمت عليكم الانتفاع بالميتة لأن المتعارف المعتاد متى خرج عليه الخطاب ~~صار كالمنطوق به فيه فيصح اعتبار العموم فيه # فإن قال ما أنكرت أن يكون ورود اللفظ هذا المورد يوجب أن يكون مجازا لأنه ~~علق PageV01P258 التحريم بأعيان فأراد به غيرها والمراد غير مذكور في اللفظ ~~ولما لم يكن مذكورا لم يصح اعتبار العموم فيه # ومن جهة أخرى أن اللفظ لما حصل مجازا احتاج إلى دلالة أخرى من غيره في ~~إثبات حكمه لأن المجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه # قيل له لا يجب ذلك لأن لفظ التحريم وإن علق بما لا يصح أن يكون محرما في ~~الحقيقة من هذه الأعيان التي ms095 هي فعل الله تعالى فإنه قد عقل به عند وروده ~~ما يعقل بالمذكور من أفعالنا لو علق به التحريم بل هو آكد في إيجاب التحريم ~~فيه لو ذكر فعلنا فيها لأنه إذا ذكر ضرب من الفعل وعلق التحريم به كان حكمه ~~مقصورا عليه فيما تقتضيه دلالة اللفظ # وإذا علق التحريم بالعين تناول سائر وجوه الفعل في العين وهذا على معنى ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم و عن ابن عباس حرمت الخمر بعينها والسكر ~~من كل شراب فأخبر أن كل ما يتعلق تحريمه بالعين تناول سائر وجوهه ومالم ~~يعلقه بالعين قصر حكمه على ذلك النوع دون غيره ويدل على أن ما ذكرناه ~~معقولا من اللفظ وإن علق التحريم بالعين أن كل واحد من أهل اللسان إذا قيل ~~له أمك محرمة عليك أو قد حرمت عليك الخمر والميتة عقل من خطابه بنفس وروده ~~ما يعقله منه لو قيل له الانتفاع بالخمر محرم عليك والاستمتاع بالأم محظور ~~عليك ولا يحتاج إلى استدلال ونظر في صحة وقوع العلم به يستوي في ذلك ~~PageV01P259 العالم والجاهل ليس يتناوله الفعل إلا على وجه واحد وهو أنه ~~يقتضي كون الشيء المحرم قبيحا يستحق فاعله ضربا من العقاب ولفظ التحليل ~~أيضا لا يتناوله إلا على وجه واحد وهو أنه ليس بقبيح ولا تبعة على فاعله في ~~مواقعته إياه # فلما كان تعلق لفظ التحريم والتحليل بالفعل مقصورا على ما بينا صح اعتبار ~~عموم لفظ التحريم والتحليل في أفعالنا المضمرة في الخطاب # وأما النية فإن تعلقها بالفعل على وجهين مختلفين # أحدهما إثبات فضيلة العمل والآخر إثبات حكمه حتى إذا فقدت لم يكن له حكم ~~أصلا ومتى تعلقت به على وجه إثبات فضيلته لم يؤثر عدمها في الحكم نحو غسل ~~الثوب والبدن من النجاسة وغسل الجنابة والوضوء متى نوى بذلك طهارة الصلاة ~~كانت نيته مثبتة له فضيلة وكان مستحقا بها عليه الثواب وفقدهما لا يضره في ~~إثبات الحكم لأن الطهارة واقعة في حال وجود النية وعدمها ومتى تعلقت به على ms096 ~~جهة إثبات الحكم كان عدمها مانعا من وقوع حكم الفعل رأسا # نحو الصلاة والصيام وسائر الفروض المقصودة لأعيانها متى عريت من النية لم ~~يثبت حكمها وكان وجودها وعدمها بمنزلة فلما كان تعلق النية بالفعل على هذين ~~الوجهين ولم يكن بأحد الوجهين أولى منها بالآخر ولم يجز أن يراد به الوجهان ~~جميعا مع ذلك لاستحالة تعلقه بها على الوجهين جميعا في حال واحدة احتيج فيه ~~إلى دلالة من غير اللفظ المراد به ولم يكن من ادعى في قوله الأعمال بالنيات ~~إثبات حكم الأعمال بأولى ممن PageV01P260 ادعى فضيلة العلم ألا ترى أنه لو ~~ورد بمثله لفظ عموم لما ساغ اعتبار عمومه في معنيين مختلفين فيما ليس ~~بمذكور مما يقتضيه أولى أن لا يصلح اعتبار العموم فيه فكذلك لم يصح ~~الاحتجاج فيه بظاهر اللفظ حتى تقوم دلالة على المراد # وكذلك قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه هو ~~في معنى ما ذكرناه في هذا الفصل لأن قوله رفع عن أمتي تعلق بالفعل عن وجهين ~~مختلفين # أحدهما رفع الحكم رأسا والآخر رفع المأثم مع بقاء الحكم ولا دلالة في ~~اللفظ على اختصاصه بأحدهما دون الآخر فلم يصح اعتبار العموم فيه إذا كان ما ~~تعلق به من الضمير مختلفا # فإن قال قائل وكذلك التحريم قد تعلق بالأم على وجه دون وجه وبالميتة ~~والخمر على وجه دون وجه لأن التحريم لم يتعلق في أن يبرها وينفق عليها ~~ويكرمها ولم يتعلق بالميتة في أن يحملها فيرمي بها وفي الخمر بأن يريقها ثم ~~لم يمنع جواز تعلق التحريم بذلك على وجه دون وجه من اعتبار العموم فيه ~~بإطلاق لفظ التحريم قيل له هذا سؤال من لم يفهم ما تقدم # وذلك أنا قلنا إن التحريم إنما يتعلق بالشيء المحرم على وجه واحد وكذلك ~~التحليل ثم خروج بعض الأفعال من حكم التحريم والتحليل لا يوجب اختلاف معنى ~~التحريم فيما تعلق به ولذلك جاز اعتبار العموم فيه # وأما قوله صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنيات وقوله رفع ms097 عن أمتي الخطأ ~~فيما تعلق به إطلاق اللفظ مختلف في نفسه على ما بينا فكذلك لم يصح اعتبار ~~العموم فيه PageV01P261 PageV01P262 & الباب الثاني عشر في الاستثناء ولفظ ~~التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما& PageV01P263 PageV01P264 & باب القول ~~في الاستثناء ولفظ التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما & # قال أبو بكر # حكم الاستثناء إذا صحب خطابا معطوفا بعضه على بعض أن يرجع إلى ما يليه ~~ولا PageV01P265 يرجع إلى ما قبله إلا بدلالة وكذلك كان شيخنا أبو الحسن ~~الكرخي رحمه الله يقول في ذلك فأما الاستثناء فنحو قوله تعالى في القاذف ~~@QB@ فأولئك هم الفاسقون @QE@ ثم قال تعالى @QB@ إلا الذين تابوا @QE@ فكان ~~الاستثناء إنما عمل في إزالة سمة الفسق عن القاذف بالتوبة ولم يؤثر في جوز ~~الشهادة ولا في زوال الحد # وكذلك لفظ التخصيص إذا اتصل بالجملة نحو قوله تعالى @QB@ وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن @QE@ فقوله من نسائكم اللاتي دخلتم ~~بهن تخصيص لبعض الربائب دون بعض فهو مقصور عليهن غير راجع إلى أمهات النساء ~~وهو مذهب عمر وابن عباس في آخرين من الصحابة قال عمر وأمهات نسائكم مبهمة ~~وقال ابن عباس في ذلك أبهموا ما أبهم الله تعالى فكان عندهم أن حكم التخصيص ~~مقصور على ما يليه دون ما تقدم # وكذلك حكي عن أهل اللغة أنهم قالوا إن هذا حق الكلام ومقتضاه ومن الدليل ~~PageV01P266 على صحة ما ذكرنا في الاستثناء قوله تعالى @QB@ إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين إلا امرأته @QE@ فكانت المرأة مستثناة من المنجين لاحقة ~~بالمهلكين لاتصال الاستثناء بالمنجين ونحو قول القائل علي لفلان عشرة دراهم ~~إلا ثلاثة إلا درهمين إن عليه تسعة دراهم لأن الدرهمين مستثنيان من الثلاة ~~والثلاة مستثناة من العشرة فبقى من الثلاثة بعد الاستثناء درهم واحد فكان ~~ذلك الدرهم مستثنى من العشرة وهذا ما لا يعلم فيه بين الفقهاء خلاف فدل على ~~أن كل استثناء فحكمه أن يرجع إلى ما يليه دون ما تقدمه وكذلك حكم التخصيص ~~المتصل باللفظ هو على هذا النحو لأن التخصيص والاستثناء بمعنى واحد ms098 ~~PageV01P267 # ومن الدليل على ذلك أن إطلاق لفظ العموم يقتضي استيعاب ما تحته من ~~المسميات ولا جائز تخصيص شيء فيه إلا بدلالة فإذا اتصل الاستثناء بخطاب ~~بعضه معطوف على بعض فحكمه أن يعمل فيما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه ~~بالاحتمال لأنه لا يجوز تخصيص العموم بالاحتمال وقد وفينا حظه بإعماله فيما ~~يليه فاحتاج في رجوعه إلى ما تقدمه إلى دلالة من غيره إذ غير جائز تخصيص ~~العموم بالشك والاحتمال # وكذلك حكم لفظ التخصيص إذا اتصل بكلام بعضه معطوف على بعض هو على هذا ~~النحو # فإن قيل لما صلح رجوع الاستثناء إلى جميع المذكور لم يجز الاقتصار به على ~~بعض المذكور دون بعض كما أن لفظ العموم لما صلح لجميع ما هو اسم له لم يكن ~~بعض ما انتظمه بأولى من بعض # قيل له إن لفظ العموم اسم لجميع ما انطوى تحته فمن هذه الجهة يتناول الكل ~~لا من جهة أنه صلح له فحسب ولو كان تناوله للكل من جهة أنه يصلح لوجب أن ~~يتناول المجاز ويحمل عليه لأنه يصلح له ولو علق الحكم بشخص بعينه يسمى زيدا ~~لوجب أن يتناول كل من اسمه زيد لأن اللفظ يصلح له ولوجب أن يثبت فيه شرطا ~~غير مذكور لا يصلح أن يذكره وهذا خلف من القول PageV01P268 # وأما الاستثناء فليس في مضمونه ولا في لفظه ما يقتضي رجوعه إلى ما تقدمه ~~فوجب أن يكون حكمه مقصورا على ما يليه إذ قد صح حكمه فيه ومن ادعى رجوعه ~~إلى ما تقدم كان مدعيا لتخصيص عموم بلا دلالة # فإن قيل فلو أدخل شرطا وصله باللفظ كان جميع الخطاب متعلقا بالشرط ~~المذكور في آخره وكذلك يجب أن يكون حكم الاستثناء # قيل له يختلف حكمه عندنا منه ما يرجع إلى ما يليه ومنه ما يرجع إلى ~~الجميع وفي تفصيله ضرب من الإطالة وليس هو مع ذلك من الاستثناء في شيء في ~~الموضع الذي يتعلق فيه جميع المذكور بالشرط لأن الاستثناء لا يجوز أن يؤثر ~~في الجملة حتى يجعل ms099 حكمها موقوفا عليه وإنما يخرج منها بعض ما انتظمته بعد ~~صحة الكلام وحصول الفراغ منه # وأما الشرط فإنه يؤثر في الجملة كلها حتى يتعلق حكمها به على حسب ما يتفق ~~من وجود الشرط # ألا ترى أنه ما لم يوجب الشرط الذي علق به الحكم لم يكن للفظ حكم فلذلك ~~جاز تعلق جميع المذكور بوجود الشرط في المواضع التي يجب ذلك منها ولم يجب ~~مثله في الاستثناء # فإن قيل قال الله تعلى @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله @QE@ ~~إلى قوله تعالى @QB@ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم @QE@ ثم عقبه بعد ذكر وعيد الآخرة بقوله تعالى @QB@ إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم @QE@ فكان راجعا إلى جميع المذكور ولم ~~يكن حكمه مقصورا على ما يليه دون غيره فهذا يدل على أن حكم الاستثناء رجوعه ~~إلى جميع المذكور PageV01P269 # قيل له لولا مافي اللفظ من دلالة رجوعه إلى الجميع لكان موقوفا على ما ~~يليه دون غيره وهو قوله تعالى @QB@ من قبل أن تقدروا عليهم @QE@ ومعلوم أن ~~زوال عقوبة الآخرة لا يتعلق ثبوته قبل قدرتنا عليهم لأن التوبة إذا صحت ~~زالت عقوبة الآخرة في أي حال وجدت فعلمنا أن التوبة المشروطة قبل القدرة ~~عليهم إنما هي لزوال عقوبة الدنيا وليس يمتنع أن يكون ذلك حقيقة حكم ~~الاستثناء # ومع ذلك يصح رجوعه إلى جميع المذكور لدلالة تقوم لأن حق الكلام أن لا ~~يزال ترتيبه ونظامه ولا يجعل المقدم منه مؤخرا ولا المؤخر منه مقدما إلا ~~بدلالة وليس يمتنع مع ذلك إرادة تقديم المؤخر وتأخير المقدم في اللفظ كقوله ~~تعالى @QB@ ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى @QE@ والمعنى ~~ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ومن أجل ذلك صار الأجل مضموما ~~بعطفه على الكلمة وكذلك قوله تعالى @QB@ الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما @QE@ والمعنى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل ~~له عوجا ولو خلينا وظاهر ما يقتضيه ترتيب ms100 الخطاب لما أزلناه عن نظامه ~~وترتيبه ثم جاز وروده على هذا الوجه مع زوال ترتيب مقتضى اللفظ # وكذلك الاستثناء حكمه لن يعمل فيما يليه ولا يعمل فيما تقدم إلا بدلالة # وقال الله تعالى في شأن السرقة @QB@ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم @QE@ PageV01P270 فكان حكم التخصيص فيه مقصورا ~~على ما يليه أيضا لأن التوبة به لا تسقط القطع وإنما يخرجه من أن يكون ~~واقعا على وجه النكال والعقوبة لأن التوبة قد أخرجته من أن يكون نكالا ~~وإنما يكون حينئذ مقطوعا على وجه المحنة كما يجوز أن يبتليه الله تعالى ~~بالآلام والأمراض على وجه الفتنة والتعريض للثواب بالصبر عليها لأن التائب ~~لا عقاب عليه وقد يجوز أن يكون قوله تعالى @QB@ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ~~@QE@ كلاما مبتدأ لأنه يصح ابتداء الكلام به # ومن ألفاظ التخصيص ما يعرض بينه وبين الجملة التي وقع التخصيص فيها جملة ~~أخرى تتوسطها في نسق الخطاب فلا يمنع ما عرض من ذلك من إعمال لفظ التخصيص ~~في الجملة المتقدمة وذلك نحو قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم @QE@ ~~إلى قوله تعالى @QB@ ذلكم فسق @QE@ ثم قال تعالى @QB@ اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم فلا تخشوهم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ورضيت لكم الإسلام ~~دينا @QE@ ثم قال تعالى @QB@ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم @QE@ يعني ~~فيما تقدم تحريمه ولم يمنع ما توسطها من قوله تعالى @QB@ اليوم يئس الذين ~~كفروا من دينكم @QE@ وما بعده رجوع حكم التخصيص المذكور بعده إلى الجملة ~~لأن الجميع خطاب واحد بعضه معطوف على بعض وقوله تعالى @QB@ فمن اضطر في ~~مخمصة @QE@ لا يصح أن يضمر فيه ويعطف عليه إلا ما تقدم تحريمه في أول ~~الخطاب وقد جاء بلفظ الاستثناء ما لم يخرج شيئا من الجملة كقوله تعالى @QB@ ~~لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم @QE@ PageV01P271 فلا يدل ~~هذا القول على أن للذين ظلموا حجة وإنما معناه ولا الذين ظلموا منهم ويحتمل ~~ولكن الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ومثله قوله ms101 تعالى @QB@ وما كان لمؤمن أن ~~يقتل مؤمنا إلا خطأ @QE@ والمعنى لكن إن قتله خطأ فحكمه كيت وكيت لأن قتل ~~الخطأ لا يجوز أن يتناوله النهي فيخرج من الجملة بالإستثناء # ومن الناس من يقول معناه ولا خطأ وهذا غير صحيح لأنه يوجب أن يكون قبل ~~الخطأ منهيا عنه لعطفه على النهي وقتل الخطأ لا يجوز النهي عنه ولا الأمر ~~به فدل أن المعنى ما وصفنا ومن هذا النحو قوله تعالى @QB@ إلا ما ذكيتم ~~@QE@ ومعناه لكن ماذكيتم وهو راجع إلى جميع المذكور لأن ما أكل السبع ظاهر ~~أنه قتله وأكل منه يقول العرب هذا أكيلة السبع إذا قتله وأكل منه ونحوه ~~قوله تعالى @QB@ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما ~~آمنوا @QE@ معناه لكن قوم يونس عليه السلام وقوله تعالى @QB@ طه ما أنزلنا ~~عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى @QE@ معناه لكن تذكرة لمن يخشى ومثله ~~قوله تعالى @QB@ فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس @QE@ والمعنى لكن ~~إبليس لم يسجد PageV01P272 ويحتمل أن المراد به حقيقة الاستثناء لأنه لما ~~قال فسجد الملائكة وكان إبليس ممن يصح أمره بالسجود استثناه منهم وان لم ~~يكن من الملائكة وهذا وجه قد ذهب إليه أبو حنيفة فيمن قال لفلان علي ألف ~~درهم إلا دينار أن الاستثناء صحيح لأن قوله علي يتناول ما يثبت في الذمة ~~والدينار وإن لم يكن من جنس الدرهم فإنه مما ثبت في الذمة فصح استثناؤه ~~منها ومن الناس من يظن أن قوله تعالى @QB@ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ~~@QE@ من النوع الذي تقدم ذكره وأنه بمعنى لكن تكون @QB@ تجارة عن تراض منكم ~~@QE@ وليس كذلك عندي لأن قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~@QE@ لم يكن يمنع أن تدخل فيه التجارة عن تراض وعلى أن كثيرا من التجارات ~~الواقعة عن تراض داخل في لفظ النفي وهي أن يقع على فسادوعلى وجوه محظورة ~~فجاز أن يكون الاستثناء مقدرا على حقيقته ومخرجا لبعض ما انتظمته الجملة ~~التي دخل عليها ومن الجمل ما ينتظم مسميات ms102 ثم يعطف عليها بكناية فحكم ~~الكناية في مثل ذلك رجوعها إلى ما يليها دون ما بعد منها نحو قوله تعالى ~~@QB@ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم @QE@ فهذه الكناية راجعة إلى ~~الربائب اللاتي يلين الكناية وهذا على نحو ما ذكرناه من حكم الاستثناء # ولفظ التخصيص والمعنى في الجميع واحد # ومنها ما يكون كناية عن بعض المذكور مما يلي الكناية ويشتركان جميعا في ~~حكمها نحو قوله تعالى @QB@ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها @QE@ ~~والذي يلي الكناية هو اللهو PageV01P273 والكناية راجعة إلى التجارة لأنها ~~كناية عن مؤنث وهي التجارة وليس اللهو مؤثنا فتكون الكناية عنه وقد اشتركا ~~جميعا في الخبر # والدليل على ذلك أنك متى أفردت اللهو عن الخبر العائد إلى التجارة سقطت ~~فائدته لأنه يصير في معنى وإذا رأوا اللهو وهذا كلام مفتقر إلى خبر ولا شيء ~~ها هنا يصح أن يكون خبرا عنه إلا ما جعله خبرا عن التجارة ويحتمل أن يكون ~~إنما خص التجارة بعطف الكناية عليها دون اللهو لأن الانصراف عن الذكر ~~والخطبة إلى التجارة أكثر في العادة في مقاصد الناس منه إلى اللهو ويحتمل ~~أن يكون قوله إليها كناية عن الجملة المذكورة المنتظمة لهما ومما عادت ~~الكناية فيه إلى بعض المذكور قوله تعالى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ فظاهر الكناية في هذا الموضع أنها عائدة ~~على الفضة ويحتمل أن يكون إنما أعادها عليها لأنها تليها وإن كانتا جميعا ~~مشتركتين في الحكم لأن قوله تعالى @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة @QE@ ~~لابد له من خبر لأنه غير مستقل بنفسه فلا بد من أن يكون قوله @QB@ ولا ~~ينفقونها في سبيل الله @QE@ خبرا لهما جميعا # فإن قيل يحتمل أن يكون قوله تعالى @QB@ ولا ينفقونها في سبيل الله @QE@ ~~خبرا لهما جميعا ويحتمل أن يكون قوله @QB@ ولا ينفقونها @QE@ حكما مقصورا ~~على الفضة التي عادت الكناية إليها ويكون قوله @QB@ فبشرهم بعذاب أليم @QE@ ~~خبرا عن الذين يكنزون الذهب # قيل له معلوم أن الوعيد لم يخرج مخرج الزجر عن كنز الذهب ms103 والفضة إلا على ~~شريطة ترك الإنفاق منهما فغير جائز أن يكون قوله تعالى @QB@ فبشرهم بعذاب ~~أليم @QE@ وعيدا لمن كنز الذهب من غير شريطة ترك الإنفاق منه وعلى أن هذا ~~يوجب أن تكون الآية PageV01P274 موجبه لحظر كنز الذهب على الإطلاق وحظر كنز ~~الفضة على شرط ترك الإنفاق منها وهذا خلف من القول # وأيضا ففي سياق الآية ما دل على ما ذكرنا وهو قوله تعالى @QB@ يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ هذا ما كنزتم لأنفسكم @QE@ ~~فأخبر أنه يحمي عليها لمن كنزها والذهب قد شارك الفضة في هذا المعنى فدل ~~علي أن ترك الإنفاق راجع إليها ومن نحو ذلك قوله تعالى @QB@ والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين @QE@ فعطف بالكناية على اسم الله تعالى دون ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والرضى المشروط مشروط لله تعالى وللرسول عليه ~~السلام # والدليل على ذلك أن قوله تعالى @QB@ ورسوله @QE@ متى أخليته من حكم هذا ~~الخبر افتقر إلى خبر وليس في الآية خبر غير الرضى فعلمنا أن رضى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مشروط في ذلك # وقد قيل إنه إنما اقتصر بالكناية عن الله دون الرسول لأن رضاء الله تعالى ~~رضاء الرسول صلى الله عليه وسلم # وقد قيل فيه أيضا إنما أفرد الكناية لله تعالى لأن اسم الله تعالى واسم ~~غيره لا يجوز أن يجتمعا في كناية فيقال يرضوهما وأنه متى أريد ذكر اسم الله ~~تعالى واسم الرسول صلى الله عليه وسلم فالواجب التبدئة باسم الله تعالى قبل ~~غيره PageV01P275 # ويدل على صحة هذا القول ما روي أن رجلا خطب بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم بئس الخطيب أنت يعني بقوله ومن يعصهما لأنه جمع بقوله اسم ~~الله تعالى واسم الرسول صلى الله عليه وسلم في كناية واحدة ومن الكنايات ما ~~يتقدمه مذكوران فيرجع إلى أحدهما تارة ثم تعلق به صفة أخرى أو حكم آخر ~~فيرجع إلى ms104 الأخر نحو قوله تعالى @QB@ لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ فقوله تعزروه وتوقروه للرسول صلى الله عليه وسلم ~~وقوله وتسبحوه بكرة وأصيلا لله تعالى # ومن ألفاظ العموم ما ينتظم مسميات بحكم مذكور لها ثم يعطف عليها بعض من ~~شمله الاسم بحكم يخصه به فلا يكون في هذا دلالة على أن الحكم الأول مخصوص ~~فيمن عطف عليه دون من استوفاه الاسم واقتضاه العموم وذلك نحو قوله تعالى ~~@QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ فهذا في المطلقات ثلاثا فما ~~دونها وفي العاقلة والمجنونة PageV01P276 ثم قوله في سياق الآية @QB@ ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن @QE@ حكم مخصوص به العاقلة دون ~~المجنونة وقوله تعالى @QB@ وبعولتهن أحق بردهن @QE@ فيما دون الثلاث ولا ~~يمنع ذلك اعتبار عموم أول الخطاب في سائر المطلقات بالحكم المذكور لهن وقد ~~ذكر عيسى بن أبان نحو ذلك فقال في قوله تعالى @QB@ فطلقوهن لعدتهن @QE@ أنه ~~في الثلاث وفيما دونها وقوله تعالى @QB@ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا @QE@ فيما دون الثلاث ~~ومن نحو ذلك قوله تعالى @QB@ الطلاق مرتان @QE@ هو عام في البائن والرجعي ~~وقوله @QB@ فإمساك بمعروف @QE@ في الرجعي وقوله تعالى @QB@ فإن طلقها فلا ~~تحل له من بعد @QE@ عائد عليهما جميعا فيقتضي ذلك صحة وقوع الثالثة بعد ~~وقوع الأوليين على جهة البينونة والرجعي ومثله قوله تعالى @QB@ كتب عليكم ~~القصاص في القتلى @QE@ عام في الحر والعبد والذكر والأنثى وقوله تعالى @QB@ ~~الحر بالحر والعبد بالعبد @QE@ تخصيص لبعض ما انتظمه العموم فلا يسقط ~~اعتبار عموم اللفظ في قتل الحر بالعبد ومنه أيضا قوله تعالى @QB@ ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا @QE@ وهذا في المسلمين والكافرين ثم PageV01P277 قال ~~تعالى @QB@ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما @QE@ ~~وذلك في الوالدين المشركين ولم يمنع كون أول الخطاب في الفريقين ومثله كثير ~~في القرآن والسنن PageV01P278 PageV01P279 PageV01P280 & الباب الثالث عشر ~~في الإجماع والسنة إذا حصلا على معنى يواطىء حكما مذكورا في الكتاب& ~~PageV01P281 PageV01P282 & باب القول في الإجماع والسنة ms105 إذا حصلا على معنى ~~يواطىء حكما مذكورا في الكتاب & # قال أبو بكر رحمه الله # كان أبو الحسن يقول كل ما وجد في القرآن من حكم منوط بلفظ يشتمل على بعض ~~ما وقع عليه الإجماع أو وردت السنة به فالواجب أن يحكم بأن ما حصل عليه ~~الاجماع أو وردت به السنة مأخوذ من القرآن وأنه مراد الله تعالى بالاسم ~~المذكور فيه وذلك نحو قوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ لما احتمل ~~اللفظ الجماع واللمس باليد ثم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~الجنب بالتيمم فالواجب أن يقضي بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك لأنه ~~مراد الله تعالى بقوله @QB@ أو لامستم النساء @QE@ # والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قطع السارق لم يجز لأحد ~~أن يقول إن هذا حكم مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم في السارق بل قال ~~الجميع إنه حكم به على القرآن وكذلك لما صلى PageV01P283 الصلوات الخمس ~~وصام رمضان كانت هذه الأحكام كلها منه صلى الله عليه وسلم ومن الأمة معقولة ~~عن القرآن لأن فيه ما ينتظم ذلك ويوجبه وقد قال الله تعالى @QB@ وما ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ وقال تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم صراط الله @QE@ فكل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم وفي القرآن ~~ما يجوز أن ينتظمه فيكون عبارة عنه فذلك حكم القرآن والمراد به ومن نحو ذلك ~~قوله تعالى @QB@ فقد جعلنا لوليه سلطانا @QE@ فقد اتفقت الأمة على أن القود ~~حكم لبعض المقتولين ظلما فالواجب بأن يحكم بأن القود مراد بالآية وكذلك ~~قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ لما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما سقت السماء العشر كان ذلك مرادا بالآية لأن قوله تعالى @QB@ ~~وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ يجوز أن يتناوله ويصلح أن يكون عبارة عنه # فإن قال قائل فقوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ ~~لما احتمل العقد والوطء ثم اتفق الجميع على أن العقد يحرم وجب ms106 أن يكون ~~مرادا بالآية وإذا أريد به PageV01P284 العقد انتفى الوطء لاستحالة أن ~~يكونا جميعا مرادين بلفظ واحد # قيل 2 لما كان اللفظ يتناول الوطء حقيقة حملناه عليه ودلنا ذلك على أن ~~العقد غير مراد بالآية وإن كانت الأمة مجمعة عليه فإنما منعنا أن يكون ~~العقد مرادا وإن صلح أن يكون اللفظ عبارة عنه بهذه الدلالة # فإن قال فقوله تعالى @QB@ أو لامستم النساء @QE@ حقيقة في اللمس باليد ~~فاحملوه عليه واجعلوا الجماع ثابتا بالسنة كما جعلتم قوله تعالى @QB@ ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ على الحقيقة وهي الوطء ولم تجعلوا ~~الإجماع على العقد دليلا على أنه هو المراد بالآية # قيل له لا يجب ذلك من قبل أنه لم يثبت أن اللمس باليد مراد بالآية بوجه ~~وكان الحكم المذكور فيها متعلقا به بحال وثبت أن الجماع مراد بها لأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم الجنب بالتيمم فأثبتنا من معنى الآية ما وردت به ~~السنة وإن كان مجازا فيه ولم يثبت ما هو حقيقة من اللمس باليد لعدم السنة ~~والاتفاق فيه بل قد وردت السنة بخلافه ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ~~بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ فعلمنا أن ذلك غير مراد بالآية # وأما قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم @QE@ فإن حقيقة لفظه ~~مستعملة في الوطء والاتفاق موجود فيه لأن الوطء بملك اليمين يحرم بلا خلاف ~~فثبت أن المراد الوطء وأثبتنا تحريم القعد بالاتفاق PageV01P285 ~~PageV01P286 & الباب الرابع عشر في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر& ~~PageV01P287 PageV01P288 & باب القول في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر & # قال أبو بكر # كل خطاب ورد عن الله تعالى وعن الرسول صلى الله عليه وسلم فغير خال من ~~فائدة فمنه ما يكون PageV01P289 معناه معقولا من لفظه ومنه ما يفيد حكما ~~ومعنى يرد بيانه في الثاني # ومما يكون معناه معقولا من لفظه ما يفيد من جهة الدلالة معنى ليس اللفظ ~~موضوعا له نحو قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ قد أفاد معنيين # أحدهما النهي عن هذا القول بعينه # وأفاد من ms107 جهة الدلالة النهي عما فوقه من الشتم والضرب والقتل ومنه قوله ~~تعالى @QB@ ولا تظلمون فتيلا @QE@ @QB@ ولا يظلمون نقيرا @QE@ فيه نص على ~~نفي الظلم في القدر المذكور ودلالة على نفي ما هو أكثر منه # وكذلك قوله تعالى @QB@ وآتيتم إحداهن قنطارا @QE@ وقوله @QB@ ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك @QE@ @QB@ ولا تقولن لشيء إني فاعل ~~ذلك غدا إلا أن يشاء الله @QE@ نص على ذكر غد وأفاد الأمر بالاستثناء عند ~~ذكر كل فعل مستقبل # وكذلك قوله تعالى @QB@ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم @QE@ ~~ذكر السبعين والمراد به والله أعلم أن كثرة عدد الاستغفار لا يغني عنهم ~~وليس المراد هذا العدد بعينه PageV01P290 # ونحو قوله @QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين @QE@ نص منه على هذه الأعداد ~~والمراد التضعيف لا هذه الأعداد بأعيانها وان كانت هي المنصوص عليها وهذا ~~الضرب كثير في القرآن والسنة وفي عادات الناس ومخاطباتهم وهذا هو دليل ~~الخطاب الذي يجب اعتبار دلالته على ما دل عليه # وأما قول من قال إن كل شيء كان ذا وصفين فخص أحدهما بالذكر فيما علق به ~~من الحكم يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه # وقول من قال كل ما خص بعض أوصافه بالذكر وإن كان ذا أوصاف كثيرة فإنه يدل ~~على أن ما عداه فحكمه بخلافه فقول ظاهر الانحلال والفساد لا يرجع قائله في ~~إثباته إلى دلالة من لغة ولا شرع بل اللغة على خلافه # قال أبو بكر # ومذهب أصحابنا في ذلك أن المخصوص بالذكر حكمه مقصور عليه ولا دلالة فيه ~~على أن حكم ما عداه بخلافه سواء كان ذا وصفين فخص أحدهما بالذكر أو كان ذا ~~أوصاف PageV01P291 كثيرة فخص بعضها بالذكر ثم علق به حكم # وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن ويعزى ذلك إلى أصحابنا وكان يحكي عن أبي ~~يوسف كلاما معناه أن ليس في تخصيص بعض أوصاف الشيء بالذكر دلالة على أن ~~ماعداه فحكمه بخلافه وأنه قال إن قوله ms108 تعالى @QB@ وبنات خالك وبنات خالاتك ~~اللاتي هاجرن معك @QE@ لا دلالة فيه على أن اللاتي لم يهاجرن معه محرمات ~~عليه وكان حكى أبو الحسن عن أبي يوسف رحمه الله أيضا في قوله تعالى @QB@ ~~ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله @QE@ إنما فيه النص على درء ~~العذاب عنها إذا شهدت وليس فهي دلالة على أنه إذا لم تشهد لا يدرأ عنها ~~العذاب PageV01P292 # مطلب # وروى محمد بن الحسن في السير الكبير قال إذا حاصر المسلمون حصنا من حصون ~~المشركين فقال رجال من أهل الحصن أمنوني على أن أنزل إليكم على أن أدلكم ~~على مائة رأس من السبي في قرية كذا فأمنه المسلمون على ذلك فنزل ثم لم يخبر ~~بشيء فإنه يرد إلى مأمنه لأنه لم يقل إن لم أدلكم فلا أمان لي فلم يجعل ~~محمد وقوع الأمان على هذا الشرط دليلا على أنه متى لم يف بالشرط فلا أمان ~~له # وهذا يدل من مذهبه دلالة واضحة على أن التخصيص بالذكر أو التعليق بالشرط ~~لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه # قال أبو بكر # وليس عندي بين أصحابنا خلاف في جملة المذهب وقد كنت اسمع كثيرا من شيوخنا ~~يقول في المخصوص بعدد أنه يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه # كقول النبي صلى الله عليه وسلم خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم أنه ~~دليل على أنه لا يقتل PageV01P293 ما عداهن وكقوله أحلت لي ميتتان ودمان ~~يدل على أن غيرهما من الميتة والدم غير مباح # وأحسب محمدا بن شجاع الثلجي قد احتج بمثل هذا # ولست أعرف جواب المتقدمين من أصحابنا في ذلك # ومن قال بهذا القول الذي ذكرنا من المتأخرين كانوا يفرقون بين ما هو ~~مخصوص بذكر العدد وبين ما ليس بمخصوص بعدد نحو قوله الذهب بالذهب مثلا بمثل # وذكره الأصناف الستة ولم يكونوا يجعلون مثله دلالة على أن ما عداها فحكمه ~~بخلافها لأنه لم يحصرها بعدد ولم يقل إن الربا في ستة أشياء كما قال خمص ~~يقتلهن المحرم # قال أبو بكر # والذي ms109 عندي في ذلك أنه لا فرق بينه وبين المخوص بالذكر من غير ذكر عدد في ~~أنه لا دلالة فيه على حكم ما عداه بنفي ولا إثبات PageV01P294 # والدليل على صحة ما قلنا إنه غير جائز أن يكون شيء من الأشياء لله تعالى ~~على أحكامه ثم يوجب عاريا من مدلوله غير موجب لحكم دلالته بوجه # وهذا هو وصف المخصوص بالذكر وذلك لأنا وجدنا الله تعالى قد خص اشياء فذكر ~~بعض أوصافها ثم علق بها أحكاما ثم لم يكن تخصيصه إياها موجبا للحكم فيما لم ~~يذكر بخلافها نحو قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ # فخص النهي عن قتل الأولاد لحال خشية الإملاق # ولم يختلف حكم النهي في الحالين وقال تعالى @QB@ منها أربعة حرم ذلك ~~الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ # فخص النهي عن الظلم بهذه الأشهر ومعلوم صحة النهي عنه فيهن وفي غيرهن ~~ونحو قوله تعالى @QB@ ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا @QE@ وغير جائز ~~له أكلها بحال وإن خص PageV01P295 حال الإسراف والمبادرة لبلوغهم وكقوله ~~تعالى @QB@ إنما أنت منذر من يخشاها @QE@ وهو صلى الله عليه وسلم نذير ~~للبشر وقوله تعالى @QB@ لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة @QE@ ولا يجوز أكله ~~بحال وإن لم يكن أضعافا مضاعفة # وقال تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ ~~وقد وافقنا مخالفنا على أن المخطيء مثله في وجوب الجزاء # وقال تعالى @QB@ ومن عاد فينتقم الله منه @QE@ ولم ينتف به وجوب الكفارة ~~على العائد مع ذكره الانتقام دون غيره # وقال تعالى @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب @QE@ ووافقنا المخالف على أن ذلك حكمهن وإن لم يحصن وهذا أكثر من ~~أن يحصى # فلما وجدنا هذه الألفاظ التي شرطها عند مخالفنا إيجاب الحكم فيما عداها ~~بخلاف حكمها ثم وجدناها وما عداها متساوية في الحكم ولم يكن لما ادعوه من ~~التخصيص تأثير في الحكم الذي هو مدلوله علمنا أن مثلها لا يكون دليلا لله ~~تعالى لأنها لو كان دليلا لما وجدت في حال منفردة ms110 عن مدلولها # فإن قال قائل هذا كقولكم في العموم وفي العلل أنها موجبة لما تتضمنه من ~~PageV01P296 الأحكام حتى تقوم دلالة التخصيص وقيام دلالة التخصيص لا يمنع ~~حكم دلالته فيما بقتضيه ويوجبه فيما لا تقوم فيه دلالة التخصيص # قيل له قد رضينا بما استشهدت به حكما فإنه من أظهر الأشياء دلالة على ~~فساد أصلك # خبرنا عن لفظ العموم هل يجوز وجوده غير موجب لحكم أصلا وهل يصح وجود علة ~~لا يتعلق بها حكم رأسا # فإن قال لا لأنه لابد مع قيام دلالة التخصيص من أن يبقى من أحكام العموم ~~والعلة ما يجب استعماله # قيل له أفليس قد وجدت هذه الآيات التي ذكرناها لم يتعلق بها إيجاب الحكم ~~فيما عدا المذكور فيها بخلافه فهلا استدللت بذلك على أن مثلها لا يكون ~~دليلا ولو جاز أن يوجد عموم أو علة لا يتعلق بها حكم رأسا لما جاز أن يكونا ~~دلالة على الحكم بأنفسهما # فإن قال دلالة اللفظ قائمة في إيجاب الحكم الذي تضمنه وإن لم يوجب فيما ~~عداه الحكم بخلافه # قيل له لم نختلف في أن اللفظ دال على ما تضمنه من الحكم مما هو عبارة عنه ~~وإنما اختلفنا في كونه دالا على أن حكم غيره بخلافه وقد جاز وجوده غير دال ~~على هذا المعنى فهذا الذي تبطل به قاعدتك # ألا ترى أن اللفظ نفسه لما كان دلالة على ما وضع له من المعنى لم يجز ~~وجوده مطلقا على الحقيقة إلا وهو دال على حكمه # ولو قد جاز وجوده حقيقة في موضعه غير مفيد لما وضع له لما كان ذلك دليلا ~~على PageV01P297 المعنى وفي ذلك دليل على فساد أصل المخالف لنا في ذلك ~~المعقول المتعارف من حق اللفظ إفادة ما تحته من الحكم ودلالة على نظائره ~~وإلحاقها بحكمه فأما أن يدل على خلاف حكمه فهذا عكس المعنى وقلب الواجب # وقال بعضهم في قوله تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا @QE@ انه لما خص ~~العامد بالذكر لأجل ما ذكر في سياق الخطاب من الوعيد الذي لا ms111 يجوز عوده على ~~المخطىء وهو قوله تعالى @QB@ ومن عاد فينتقم الله منه @QE@ وهذا إغفال منه ~~لحكم اللفظ ومقتضاه لأنه لو عم الجميع بالحكم فقال @QB@ ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم @QE@ لم يكن ذكره للوعيد في سياق الخطاب ~~مانعا من عوده إلى العامد دون المخطىء وكان مع ذلك حكم عموم اللفظ مستعملا ~~في إيجاب الجزاء عليهما كما قال تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ~~@QE@ وذلك عموم في الوالدين المسلمين والكافرين ثم قال تعالى @QB@ وإن ~~جاهداك لتشرك بي @QE@ # وهذا في بعض ما شمله لفظ العموم فعلمت أن ذكر الوعيد في سياق الآية غير ~~مانع إطلاق عموم الحكم في الجميع فدل موافقة مخالفنا على استواء حكم العامد ~~والمخطىء في وجوب الجزاء مع تخصيصه العامد بالذكر على أن تخصيص بعض أوصاف ~~الشي بالذكر لا يدل على أن ما عداه يحكم بخلافه # فإن قال قائل قد وجد لفظ الأمر موضوعا للإيجاب ثم قد يرد تارة ويراد به ~~الندب ويرد أخرى ويراد به الإباحية ثم قد يرد ولا يراد شيء من ذلك بل يدل ~~على الزجر PageV01P298 والوعيد لأن قول الله تعالى @QB@ واتقوه وأقيموا ~~الصلاة @QE@ ونحو ذلك للايجاب وقوله تعالى @QB@ وافعلوا الخير @QE@ للندب ~~وقوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ للإباحة وقوله تعالى @QB@ ~~اعملوا ما شئتم @QE@ زجر وتهديد # ثم لم يمنع وروده عاريا من دلالة الايجاب من اقتضائه للوجوب متى خلا من ~~دليل ينقله من حكمه # كذلك دلالة التخصيص بالذكر على حكم ما عداه على الوجه قوله صحيحة يجب ~~اعتبارها مالم تقم دلالة تزيلها عن موجبها ومقتضاها # قيل له إن قول القائل افعل يتعلق بالفعل تارة على جهة الإيجاب وأخرى على ~~جهة الندب أو الإباحة أو الدعاء وإن كان بابها وحقيقتها الوجوب عند الإطلاق ~~ثم لم يخل عند قيام الدلالة الصارفة له عن جهة الإيجاب من أن يكون له ضرب ~~من التعلق بالفعل فحمكه قائم في هذا الموضع على بعض الوجوه التي يقتضيها ~~اللفظ كما يبقى حكم العموم بعد قيام دليل الخصوص فيما لم يخص ويبقى ms112 حكم ~~العلة إذا قامت دلالة تخصيصها فيما لم يخص منها # إلا ترى أن أكثر ما يفيده قوله افعل للإيجاب PageV01P299 # والإيجاب يتعلق به استحاق الثواب على الفعل واستحقاق العقاب على تركه ~~والندب معلق به استحقاق الثواب عليه من غير ذم تاركه والإباحة معلق بها ~~وقوع الفعل لا على جهة استحقاق الثواب بفعله ولا العقاب على تركه فعلى أي ~~حال تصرفت صيغة حقيقة الأمر فإنها لم تخل من أن يكون لها ضرب من التعلق ~~بالفعل ومن جهة أخرى إن قوله افعل متى لم يرد به الإيجاب كان مجازا مستعملا ~~في موضعه فجاز أن لا يدل على معناه حقيقة ولم يمنع ذلك اعتباره في موضع ~~الحقيقة إذا لم تقم دلالة المجاز وأما سائر المواضع التي وردت فيها الألفاظ ~~العارية من دلالتها على حكم اعتبارها بخلاف موجب حكمها فإنها حقائق فيها ~~لأن قوله تعالى @QB@ فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ حقيقة في موضعه ليس بمجاز ثم قد وجد عاريا ~~من حكمه منفردا عن مدلوله على قضيتك فعلمنا أن هذا ليس بدليل لله تعالى ~~وأما قوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ و @QB@ فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر @QE@ ونحوها فإنه على ما ذكرنا أيضا لأنه قد تعلق بالفعل ضرب من ~~التعلق على وجه وهو الزجر والنهي والوعيد # وأيضا فإنه مجاز في هذا الموضع وإنما الذي أنكرنا أن يكون اللفظ حقيقة ~~غير دال بوجهه على ما جعل دليلا عليه PageV01P300 # وأيضا لو كان المخصوص بالذكر دالا على ما عداه فحكمه بخلافه لوجب أن يكون ~~نص النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم التفاضل في الأصناف السنة دليلا على ~~أن ما عداه فحكمه بخلافها وأن يكون ورود النص في تحريم الميتة والدم دليلا ~~على أن ماعداه فحكمه بخلافهما وأن يكون ورود النص في تحريم الميتة والدم ~~دليلا على أن ما عداهما فمباح وكل ما تنص عليه بعينه ينبغي أن يوجب الحكم ~~فيما عداه بخلافه وهذا يوجب منع القياس لأن ورود النص في الأصناف الستة ms113 إذا ~~كان موجبا لإباحة التفاضل فيما عداها وكان عند جميع الفقهاء الذين يعتد ~~بأقاويلهم أن هذا النص قد أوجب الحكم في نظائرها بمثل موجب حكمها فالواجب ~~أن يكون قد دل على أن حكم ما عداها بخلافها وقد دل أيضا على أن نظائرها مما ~~عداها فحكمها حكمها وهذا غاية التناقض والاستحالة # وأيضا لو كان تخصيص بعض أوصاف الشيء بالذكر وتعليق الحكم به دليلا على أن ~~ما عداه فحكمه بخلافه لوجب أن يكون متى نص لنا على ذلك الحكم في غيره مطلقا ~~أن يصير أحد اللفظين ناسخا لحكم آخر نحو قوله تعالى @QB@ لا تأكلوا الربا ~~أضعافا مضاعفة @QE@ فوجب هذا على أصل القائلين بهذه المقالة إباحة إذا لم ~~يكن الربا أضعافا مضاعفة ثم قوله @QB@ وحرم الربا @QE@ مطلقا ناسخا لدلالة ~~الآية الأخرى # وكذلك قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ ينبغي أن يكون ~~معارضا PageV01P301 لقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق @QE@ وكقوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ معارضا لقوله تعالى @QB@ ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا @QE@ لأن دلالة الآية الأولى تقتضي إباحة الظلم فيما عدا الأشهر ~~الحرم والآية الأخرى تحظر الظلم في سائر الأحوال وليس ذلك كتخصيص العموم ~~لأن إحدى الآيتين في هذا ترفع دلالة الأخرى رأسا ولا يكون ذلك إلا على وجه ~~النسخ ولا خلاف بين الأمة أنه ليس في شيء من هذه الآيات نسخ فدل على بطلان ~~هذا الأصل # وأيضا لو كان ما ذكره من ذلك معقولا من اللفظ لكان اولى الناس بأن لا ~~يخفى عليهم وجهته أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم وقد تكلموا في أحكام ~~الحوادث وتناظروا فيها وحاج فيها بعضهم بعضا تارة بالعموم وتارة بأخبار ~~الآحاد وتارة بالنظر والمقايسة ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه حاج صاحبه بهذا ~~الضرب من الحجاج أو استدل عليه بمثله فكيف أغفلوا ذلك وخفي عليهم موضعه وهو ~~معنى معقول من لغتهم ومفهوم من ظاهر خطابهم في زعم المخالف وقد اختلفوا في ~~نفقة المبتوتة فقال عظم ms114 الصحابة لها النفقة وأبى ذلك آخرون منهم فكيف لم ~~يحتج نافوها بقوله تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن @QE@ PageV01P302 وهذا دليل ظاهر عند المخالف معقول من ظاهر اللفظ ~~فإن خفي ذلك عليهم فكيف لم يستدل الموجبون لها بهذا الدليل على نفيها وقد ~~أنكر عمر بن الخطاب رواية فاطمة بنت قيس في إبطال النفقة للمبتوتة وقال لا ~~ندع كتاب الله ربنا وسنة نبينا عليه السلام لقول امرأة لعلها أنسيت أو شبه ~~لها فكيف تكون عنده روايتها لذلك خلاف الكتاب ودليل الكتاب المعقول من ~~ظاهره ينفيها # فإن قيل قد قالت فاطمة بنت قيس إن الله تعالى إنما أوجب النفقة للحامل ~~توجبونها لغير الحامل # قيل له قد قالت ذلك ولم تستدل من اللفظ بمثل ذلك ولم نقل إن تخصيصه ~~الحامل بالذكر ينفي وجوبها لغير الحامل ولو كان ذلك كما ادعاه مخالفنا لكان ~~لا أقل من أن يوجب عن بعضهم في شيء من أحكام الحوادث الاستدلال بمثله وعلى ~~أنه لو ثبت عن بعضهم الاستدلال بمثله لما ثبتت حجته ولا لزم القول به لأن ~~الذين نفوه ولم يعرفوه كانو أيضا من أهل اللغة ولو كان ذلك من مفهوم اللسان ~~لما خفي موضعه عن جماعتهم كما لم يكن يخفى عليهم سائر وجوه دلالات الكلام ~~المفهومة من خطابهم PageV01P303 # فإن قال قائل قد قال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب كيف نقصر وقد أمنا فقال ~~عمر عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله ~~بها عليكم فاقبلوا صدقته يعني أن الله تعالى إنما خص قصر الصلاة بحال الخوف ~~بقوله تعالى @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ فعقل عمر ويعلى بن أمية من دليل الآية ~~نفي القصر في حال الأمن # قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت لأنهما لم يقولا إن الآية منعت القصر ~~في حال الأمن وإنما قالا كيف نقصر وقد أمنا وقد أمرنا الله تعالى بإتمام ms115 ~~الصلاة في حال PageV01P304 الأمن بقوله تعالى @QB@ حافظوا على الصلوات @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة @QE@ وما جرى مجرى ذلك من ~~الآي الموجبة لإتمام الصلاة ثم لما خص حال الخوف بذكر القصر كان النص ~~موقوفا عليها فاذا لم يكن خوف فليس في القرآن ما يوجب القصر فكيف نقصر وهلا ~~كان الإتمام واجبا بسائر الآي الموجبة له # هذا هو معنى ما سألا عنه عندنا فلما سأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك أعلمه أن ذلك تخفيف من الله تعالى لكم في الحالين وإن لم يكن حال الأمن ~~مذكورا في القرآن بل من جهة وحي ليس بقرآن # وزعم بعض المخالفين أن الشافعي قد قال ذلك وهو من أهل اللغة # وقاله زعم أو عبيد وثعلب والمبرد وأن أباعبيد احتج في ذلك بقوله تعالى ~~@QB@ إن تستغفر لهم سبعين مرة @QE@ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأزيدن ~~على السبعين قال فقال أبو عبيد في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأن يمتلىء ~~جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء PageV01P305 شعرا لا يجوز أن ~~يكون في الشعر الذي هجي به الصحابة رضي الله عنهم لانه لو كان كذلك لكان قد ~~أباح القليل قال وقوله لي الواجد يحل عرضه وعقوبته دليل على أن لي غير ~~الواجد بخلاف الواجد # قال أبو بكر # فأما قول هذا القائل إن الشافعي من أهل اللغة وأنه قد قال ذلك فثبتت حجته ~~فإن من يلجأ إلى مثله في الحجاج على مخالفيه فما بقى غاية في إفلاسه # فيقال له ومن قال لك إنه من أهل اللغة ومن حكى عنه منها حرفا يحتج به # فإن كان إنما صار كذلك لأنكم ادعيتم له ذلك أو ادعاه هو لنفسه فانه ليس ~~يعوز أحدا أن يدعي مثل ذلك لنفسه ولأصحابه ويحتج به على مخالفيه وإنما يعرف ~~الرجل بضرب من العلوم ويوصف به بحكاية أهله عنه وقبولهم قوله فيه كما حكى ~~جماعة من أهل اللغة عن محمد بن الحسن واحتجوا بقوله فيما وقد ذكرنا منه ms116 ~~طرفا فيما سلف PageV01P306 # وإن كان ما اختلفوا فيه من حكم دلالة اللفظ مأخوذا من أهل اللغة فإن ~~محمدا من أهلها غير مدافع وهو غير قائل بما ذكرتم ولم يعقل منها ما وصفتم ~~وإنما حكاية هذا الحاكي عن ثعلب والمبرد فإنها حكاية باطلة لا أصل لها ~~والحاكي لها ذلك غير موثوق به # وأما ما حكاه عن أبي عبيد فلا معنى له لأنه لا يختص بمعرفة ذلك أبو عبيد ~~دون غيره بل أهل اللغة وغيرهم في معرفة ذلك سواء وإنما يختص أهل اللغة ~~بمعرفة الاسماء والألفاظ الموضوعة لمسمياتها بأن يقولوا إن العرب سمت كذا ~~بكذا # فأما المعاني ودلالات الكلام فليس يختص أهل اللغة بمعرفتها دون غيرهم لأن ~~PageV01P307 ذلك المعنى يستوي فيه أهل سائر اللغات في لغاتهم على اختلافها ~~وبيئتها ولا يختص بلغة العرب دون غيرها كسائر ضروب الكلام إذا نظمت ضربا من ~~النظم ورتبت ضربا من الترتيب ثم نقلت إلى لغة أخرى على نظامها وترتيبها لم ~~يختلف حكم أهل اللغة المنقولة إليها والمنقولة عنها في معرفة دلالاتها على ~~مادلت عليه من اللغة الأولى فاذا لا اختصاص لأهل اللغة بمعرفة ذلك دون ~~غيرهم ممن ليس من أهلها فقولهم قال ذلك بعض أهل اللغة ساقط لا اعتبار به # وقد علمنا أن أعلم الأمة بلغة العرب هم الصحابة ولم يعقل أحد منهم ما ~~ذكرتم من حكم دلالة اللفظ على حسب ما بيناه أيضا # وأما ما حكاه عن أبي عبيد في قوله تعالى @QB@ إن تستغفر لهم سبعين مرة ~~فلن يغفر الله لهم @QE@ وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأزيدن على ~~السبعين رواية باطلة لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز ذلك عليه ~~وفي تجويزه انسلاخ من الدين وذلك انه معلوم انه قد كان من دين النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أول ما بعثه الله تعالى إلى ان توفاه صلى الله عليه وسلم ~~أنه دعا الناس إلى اعتقاد تخليد الكافر في النار وأنه لم يجوز قط غفران ~~الكفر فمن جوز على النبي ms117 صلى الله عليه وسلم جواز الاستغفار للكافر فهو ~~خارج عن الملة # وقد أخبر الله تعالى عن هؤلاء القوم اللذين قال فيهم ما قال انهم ماتوا ~~كفارا بقوله تعالى @QB@ إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك ~~بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين @QE@ PageV01P308 ~~فكيف يجوز أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأزيدن على السبعين هذامالا ~~يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله ولا يجوزه لأنه صلى الله عليه ~~وسلم أعلم الناس بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز # وإنما الذي روى في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فلو علمت أنه ~~يغفر لهم إذا زدت على السبعين لزدت وهذه الآية من أدل شيء على بطلان قولهم ~~لأنه لا خلاف بين المسلمين أن السبعين وما فوقها سواء وأن الله تعالى لم ~~يكن ليغفر لهم أبدا بعد موتهم كفارا # فإن قال قائل قد حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال @QB@ ~~واغفر لأبي إنه كان من الضالين @QE@ فليس يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد كان يجيز ذلك إلى أن أنزل الله تعالى وعيد الكفار # قيل له قد بين الله تعالى وجه استغفار إبراهيم لأبيه بقوله تعالى @QB@ ~~وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه @QE@ وروي أن أباه قد كان أظهر له الإيمان فتبرأ له فأخبر ~~الله تعالى أنه منافق ليست له عقيدة الإيمان فترأ منه حينئذ # وأما وعيد الكافر بالنار خالدا مخلدا فيه فقد كان من دين النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أول ما بعث فيستحيل مع ذلك أن يجيز النبي صلى الله عليه وسلم ~~الغفران لهم بزيادة الاستغفار على السبعين وعلى أنه لو صح ما قالوه من ذلك ~~لم يدل على موضع الخلاف لأنه كان يكون ما فوق PageV01P309 السبعين موقوفا ~~على الدلالة في الغفران أو غيره والحكم ثابت في السبعين لا محالة ونحن لا ~~ننكر بأن ms118 يكون ما عدا المذكور بخلاف المذكور في باب أن حكم المذكور فيما نص ~~عليه ثابت وما عداه موقوف الحكم على الدلالة # وإنما أنكرنا أن يكون النص على المذكور موجبا للحكم فيما عداه بخلافه ~~وذكر السبعين في هذا الموضع على جهة تكثير العدد وهو قوله تعالى @QB@ إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ وما دونها وما فوقها في الحكم ~~سواء وذلك معقول مع ورود اللفظ وفي مخاطبات الناس # فإن قال قائل قال الله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فاقتضى عند ~~الجميع كون الإيمان شرطا فيه وعقل بها أن غير المؤمنة لا تجزىء وقال @QB@ ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ ودل عند الجميع على أن ما دونه لا يقبل ~~وقال @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع @QE@ فأوجب عند ~~الجميع فساد نكاح ما عدا الأربع وقال تعالى @QB@ للذين يؤلون من نسائهم ~~تربص أربعة أشهر @QE@ وما دونها ليس له حكم الإيلاء وقال تعالى @QB@ ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ وقال تعالى @QB@ فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة @QE@ وما دونها ليس بحد وقال تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء @QE@ ونحو ذلك من المقادير المحصورة تدل على أن ما عداها فحكمه ~~بخلافها PageV01P310 # قيل له ليس هذا مما ذكرنا في شيء لأن قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة ~~@QE@ تخصيص في الحكم لا المحكوم فيه وإنما كان كلامنا في تخصيص المحكوم فيه ~~بالذكر إذا نصب عليه الحكم هل يدل على أن ما عداه من الأشياء المحكوم فيها ~~حكمه بخلاف حكمه نحو قوله تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن @QE@ فخص المحكوم فيهن ثم نصب عليهن الحكم ونحو قوله صلى الله ~~عليه وسلم في خمس من الإبل السائمة شاة فذكر الحكم فيه ثم نصب الحكم عليه # ونحو قوله تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~@QE@ فخص حال العمد ونظائر ذلك # وأما قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ فإنما فيه تخصيص الرقبة ~~الواجبة بشرط الإيمان والأمر يقتضي الوجوب فصارت صفة الإيمان للرقبة موجبة ~~الأمر فلم يجز إسقاطه وقوله ms119 تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ من ~~هذا القبيل أيضا لأنه تخصيص الحكم بصفة قد تضمنها لفظ الإيجاب فلم يجز ~~إسقاطه لأن في تجويز أقل من شاهدين إسقاط الوجوب الذي تضمنه الأمر في قوله ~~تعالى @QB@ فاستشهدوا @QE@ وأما قوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء مثنى وثلاث ورباع @QE@ فإنه أعلمنا بداء جميع ما يحل لنا من النساء ~~ثم فسره بالعدد المذكور فصار تفسيرا لجميعه فلم يبق مما أحل الله تعالى ~~شيئا لم يذكره PageV01P311 فلذلك لم تجز مجاوزته # وأما قوله تعالى @QB@ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر @QE@ فإنه ~~قد بين حكمه بعد المدة في سياق اللفظ بقوله تعالى فإن فاءوا @QB@ فإن الله ~~غفور رحيم @QE@ وإن عزموا الطلاق فلا يجوز بقاء حكم المدة مع حصول أحد هذين ~~المعنيين لأن الفيء وهو الجماع في المدة يسقط التربص إذ لا يمين هناك بعد ~~الخنث وتركها هذه المدة هو عزيمة الطلاق والتربص معه ساقط لا اعتبار به ~~لأنها قد بانت عزيمة فصار حكم ما بعد المدة بخلافه في المدة للدلالة التي ~~ذكرنا لا بتحديد المدة فحسب # قوله تعالى @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ فإنه قد ذكر ~~في الآية ما ينفي أن يكون ما بعده عدة بقوله تعالى @QB@ فإذا بلغن أجلهن ~~فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن @QE@ # وأيضا فإن هذا الضرب من المقادير لا يصح إثباتها إلا من طريق التوقيف أو ~~اتفاق العلماء فلما لم يرد التوقيف إلا بهذه المدة لم يجز إثبات زيادة ~~عليها من غير توقيف أو اتفاق عليها فكذلك هذا في الحدود والعدد وسائر ~~المقادير # ومن جهة أخرى في الحدود أن ظهر الانسان محظور في الأصل فلا يجوز استباحته ~~إلا بالمقدار الذي يرد به التوقيف أو يقوم عليه الدليل وإلا فهو باق على ~~أصل الحظر # وأيضا فإن جميع ما ذكرت من ذلك وارد في حكم الواجب وصفته فهو واجب لازم ~~وقد أفادت الآية أن هذا المقدار حد يقع موقع الإجزاء فلم يجز الزيادة فيها ~~إلا بنص مثله PageV01P312 # وجملة الأمر في ذلك أن ms120 كل موضع حكمنا فيه لما عدا المذكور بخلاف حكم ~~المذكور فلم يخل من أن يكون وجوبه متعلقا بدلالة أخرى غير اللفظ المذكور ~~فإما أن يكون لأن الأصل كان يوجب الحكم فيما عدا المذكور قبل ورود حكم ~~المذكور بهذا الحكم فلما ورد التوقيف في المذكور بالحكم المنصوص عليه فيه ~~أخرجناه من الأصل وتركنا الباقي على حكمه الذي كان له قبل ورود الحكم ~~المذكور # وإما بدلالة أخرى أوجبت الحكم فيما عدا المذكور بخلاف حكم المذكور # فأما المنصوص عليه فحكمه ثابت فيما هو عبارة عنه وما عداه فحكمه موقوف ~~على الدلالة على ما بيناه # فإن قال قائل كيف يجوز أن تجعلوه موقوفا وعندكم أن الزيادة في النص توجب ~~نسخه فالواجب على هذا الأصل أن تقولوا حكمه بخلاف حكم المذكور لا محالة حتى ~~تكون الزيادة نسخا فإن لم يكن كذلك فما الذي أوجب أن تكون الزيادة نسخا وقد ~~كان حكمه قبل ذلك موقوفا على قيام ورود الزيادة أو نفيها # قيل له لو عقلت ما قدمنا لم تسأل عن هذا لأن الكلام بيننا وبين مخالفنا ~~في الأصل إنما هو في تخصيص المحكوم فيه ببعض أوصافه إذا نصب عليه حكم هل ~~يدل على أن غيره مما لم يذكر في مثل حكمه أو بخلافه # فأما الزيادة في النص فإنما هي كلام في الحكم نفسه ونحن نقول إن كل حكم ~~حكم الله تعالى به ونص عليه مطلقا أو مقيدا بصفة فهو محمول على ما ورد لا ~~يجوز الزيادة فيه ولا النقصان منه ولا يجري على المذكور الواجب غير المذكور ~~مما ليس في صفته المشروطة نحو PageV01P313 قوله تعالى @QB@ فتحرير رقبة ~~مؤمنة @QE@ هو تخصيص للحكم ومقيد بشرط الإيمان فهذا على الوجوب لا يجوز فيه ~~الاقتصار على غير مؤمنه وكذلك قوله تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ~~@QE@ إلى قوله تعالى @QB@ ممن ترضون من الشهداء @QE@ وقوله @QB@ وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم @QE@ كل هذا تقييد للحكم بصفة وقد تضمنها لفظ الأمر المقتضى ~~للإيجاب ولا جائز إسقاط العدد ولا إسقاط الصفة بحال لما وصفنا ونحو قوله ms121 ~~تعالى @QB@ فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ وبقوله تعالى @QB@ فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة @QE@ تخصيص للحكم بالمقدار المذكور له وهو يفيد أن المذكور ~~هو الحد وأنه واقع موقع الاجزاء والزيادة فيه توجب أن يكون المذكور بعض ~~الحد غير واقع موقع الاجزاء وهذا نسخ وقوله @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ الآية متى زدنا فيه النية كان ~~زيادة في الحكم الواجب الذي اقتصت الآية جواز أداء الصلاة به وهو نسخ وقد ~~بيناه في غير موضع فكل موضع يكون النقصان أو الزيادة لاحقا بالحكم الذي ~~يمكن استعماله فاقتضى ظاهر اللفظ جوازه فهو نسخ # وأما إذا كانت الزيادة في الحكم والتخصيص واقع في المحكوم فيه فليس في ~~هذا PageV01P314 نسخ لأن ما عدا المخصوص قد كان حكمه موقوفا على الدليل ~~كقوله تعالى @QB@ وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن @QE@ فهذا تخصيص للمحكوم ~~فيه ولا دلالة له عليه ومن جهة اللفظ على حكم غير الحامل لا بالإيجاب ولا ~~بالنفي وكذلك قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ~~المؤمنات @QE@ فيه تخصيص المحكوم فيهن بالصفة المذكورة فلا دلالة فيه على ~~تخصيص الحكم ولا على أن غيرهن ليس في حكمهن وكذلك قوله تعالى @QB@ ومن قتله ~~منكم متعمدا @QE@ إنما فيه تخصيص القاتلين بالذكر لا تخصيص الحكم فلا يدل ~~على أن الحكم مقصور عليهم # فإن قيل قال الله تعالى @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة @QE@ فاستدللتم به على إسقاط الدية لاقتصاره على ذكر الكفارة ~~دون الدية وخصصتم به عموم قوله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله @QE@ وهو موجب للحكم في المقتول في دار الاسلام ~~PageV01P315 # وفي المقتول من أهل دار الحرب إذا كان مسلما # قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت لأن قوله تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~@QE@ لم يدخل فيه المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا وذلك لأنه قال في ~~سياق الخطاب @QB@ فإن كان من قوم عدو لكم @QE@ ولو كان قد تناوله الخطاب ~~الأول ms122 لما استأنف له ذكر الأسماء وهو لم يخصه بحكم لم يذكره في قتل المؤمن ~~خطأ لأن ذكر الرقبة قد تقدم أيضا فغير جائز أن يكون هذا مرادا له وهو قد ~~بين حكمه بدءا ويستأنف له ذكرا ينقض ذلك الحكم بعينه فعلمنا أن قوله تعالى ~~@QB@ فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن @QE@ لم يتناوله قوله تعالى @QB@ ومن ~~قتل مؤمنا خطأ @QE@ # وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ وإن كان من قوم @QE@ شرط ومحال أن يذكر الأول ~~مكررا ويجعله نفسه شرطا مع دخوله في ابتداء الخطاب # وإذا صح أن هذا كلام مبتدأ لم يتقدم ذكره فيما سبق من خطاب الآية ثم وجب ~~فيه رقبة على قاتله لم يجزلنا إيجاب شيء غيرها لأن فيه زيادة في حكم ~~المنصوص عليه على ما تقدم منا بيانه في غير موضع # فإن قيل معلوم من خطاب الناس وتعارفهم أن قول القائل إن دخل زيد الدار ~~فأعطه درهما إنما يوجب استحقاق الدرهم بالدخول فإنه إن لم يدخلها لم يجزأن ~~يعطى PageV01P316 # قيل له هذا عليك لأن كل عاقل سمع هذا الكلام قد عقل منه أنه لم ينهه عن ~~إعطاء الدرهم إذا لم يدخلها وأنه إنما جعل الدخول شرطا لاستحقاق هذا الدرهم ~~ومع ذلك فجائز أن يعطيه درهما متبرعا به # ونحن نقول أيضا أن الدخول شرط لاستحقاق هذا الدرهم بعينه ولا يستحقه إلا ~~بالدخول لا لأن اللفظ منع الاستحقاق إلا على هذا الوجه لكن من جهة أنه لما ~~كان معلوما أن الاستحقاق غير واقع في الأصل ثم علقه بالدخول أنه مستحق به ~~وإذا لم يدخل فحكمه باق على الأصل في جواز الإعطاء أو تركه # فإن قال قائل فما تقولون في قوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الإبل ~~السائمة شاة وهل هذا عندكم على أن غير السائمة لا صدقة فيها فإن لم يدل على ~~ذلك فأوجبوا الصدقة في العوامل بقوله صلى الله عليه وسلم في خبر آخر في خمس ~~من الإبل شاة إذ لم يقيدها بشرط السوم # قيل له لا فرق ms123 بين هذا وبين سائر ما قدمنا من الأشياء المخصوصة بالذكر ~~إذا علق بها حكم وإن هذا لا يدل عندنا على أن غير السائمة لا صدقة فيها ~~وإنما أسقطنا صدقة غير السائمة بدلائل أخر وإلا فلو خلينا والخبرين الذين ~~في أحدهما ذكر السوم وفي الآخر إسقاطه لأوجبنا الصدقة في غير السائمة # فإن قال قائل هذا الاعتبار يؤدي إلى اسقاط فائدة التخصيص فالواجب أن يثبت ~~للتخصيص فائدة محددة ولا فائدة فيه إلا دلالته على أن الحكم في غيره بخلافه ~~PageV01P317 # قيل له فقد تركت دعواك الأولى في دلالة اللفظ وانتقلت إلى أن افتقار ذكر ~~التخيص إلى الفائدة هو الموجب لما ذكرت فنقول لك الآن خبرنا عنك أتقول إنه ~~لا فائدة في ذكر التخصيص إلا دلالته على أن حكم ما عداه بخلافه # فإن قال كذلك أقول # قيل له ولم قلت هذا وما أنكرت أن يكون فيه فوائد أخر غير ما ادعيت # ثم يقال له فينبغي أن يدل قوله تعالى @QB@ فلا تقل لهما أف @QE@ على أن ~~له أن يزدريه ويضربه لأن هذا هو فائدة تخصيص هذا اللفظ بالذكر # وينبغي أن يدل قوله تعالى @QB@ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق @QE@ على ~~أن لنا قتلهم إذا لم نخش الإملاق # ويدل قوله تعالى @QB@ فلا تظلموا فيهن أنفسكم @QE@ على أن لنا أن نظلم ~~أنفسنا في غيرهن إذ لا فائدة للتخصيص بالذكر إلا هذا ومتى أخلينا اللفظ من ~~هذه الفائدة حصل ذكر التخصيص غير مقيد # وغير جائز أن يكون في كلام الله تعالى ما لا يفيد فإذا قد بطل أن يكون ~~فائدة التخصيص ما ذكره # فإن قال إنما جعلنا ما عدا المذكور في حكم المذكور في هذه الأشياء التي ~~ذكرناها بدلالة وإلا فقد كان حكمها ان تكون بخلاف حكم المذكور # قيل له فيجوز عندك أن يرد عن الله تعالى كلام فيه تخصيص بعض الأشياء ~~بالذكر ثم تقوم الدلالة على أنه لا فائدة في تخصيصه إياه بذلك PageV01P318 # فإن قال نعم ارتكب ما لا يرتكبه مسلم ويقال له مع ذلك فما أنكرت أن ms124 يكون ~~ذكر التخصيص لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه # ومع ذلك فلا فائدة في التخصيص إذ قد جوزت أن يخص الله عز وجل شيئا بالذكر ~~ولا يكون في تخصيصه إياه به فائدة # فإن قال لتخصيص الله تعالى هذه الأشياء بالذكر فائدة وإن لم يدل على أن ~~حكم ما عداها بخلافها # قيل له فما أنكرت ألا أن يدل التخصيص على أن ما عداه فحكمه بخلافه وتكون ~~فائدته قائمة من غير هذا الوجه # ثم يقال له ما فائدة تخصيص الميتة والدم ولحم الخنزير بالتحريم وها هنا ~~أشياء أخر محرمة غيرها # وما وجه تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم تحريم التفاضل في الأصناف الستة ~~وهناك ما هو في حكمها مما لم يذكره # ومعلوم أن جميع ذلك لم يخل من فوائد وإن لم يدل على أن حكم ماعداها ~~بخلافها وعندنا أن جميع ما خص بالذكر و نصبت عليه حكم ففي تخصيصه أجل ~~الفوائد بأن يكون حكم هذا المخصوص معقولا من النص وماعداه موكولا إلى ~~اجتهادنا وألزمنا بعد ذلك طلب الدلالة على حكم غيره هل هو في مثل حكمه أو ~~بخلافه ليظهر بذلك فضيلة المستنبطين وما وعدهم به من الثواب الجزيل ولو نص ~~على الجميع لقصر بنا عن رتبة المستنطين وحرمنا به بلوغ منزلة الناظرين ~~PageV01P319 # وزعم بعض المخالفين أنهم يخصون العموم بدلالة التخصيص على مخالفة حكم ما ~~عداه له لأنه أقوى من الخطاب في زعمه كما أن المفسر يخص المجمل والقياس يخص ~~الظاهر # وقد دللنا على فساد هذه المقالة إلا أنا مع ذلك لا ندع بيان فساد هذا ~~الفرع إذا سلم لهم ما ادعوه في الأصل # فنقول لهم لم زعمتم أن هذا الضرب من الدليل يخص الظاهر # فإن قال كما أخصه بلفظ غيره وكما أخصه بالقياس # قيل له ولم قلت إن هذا مثل القيسا ومثل لفظ آخر هو أخص منه فلا ملجأ في ~~ذلك إلا إلى دعوى عارية من البرهان # ثم يقال له أليس هذا الضرب من الدليل يجوز فيه التخصيص عندك كما ms125 يجوز في ~~العموم فلم جعلت الدليل حاكما على العموم دون أن تجعل العموم حاكما عليه ~~وهلا جعلت أقل أحوالهما أن يتساويا فلا يكون القضاء بأحدهما على الآخر أولى ~~من أن يقضي بالآخر عليه وليس هذا مثل القياس لأن القياس لا يجوز فيه ~~التخصيص عندك مع وجود العلة ولأنه غير جائز وجود قياس لا يوجب حكما رأسا ~~ويجوز وجود هذا الضرب من الدليل غير موجب لحكمه على نحو ما مر # ثم يقال له هلا جعلت العموم أولى من لأنه غير جائز وجود عموم لا يتعلق به ~~حكم PageV01P320 في شيء مما ورد به وقد جاز وجود المخصوص بالذكر غير موجب ~~للحكم فيما عداه رأسا فهلا جعلت العموم قاضيا عليه لهذا المزية التي ليست ~~كدليلك هذا # وأيضا فإن العموم أصل وهذا فرع عليه فلم تركت الأصل به وجعلته أولى منه # وأما قوله كما يخص المفسر المجمل فإن المفسر مذكور وكذلك المجمل فلا ~~يمتنع أن يقضي بأحدهما على الآخر وعلى أنهم نقضوا ذلك فقالوا إن قليل ~~الرضاع لا يحرم حتى تكون خمس رضعات لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنه كان ~~لا يحرم إلا عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهن مما يتلى وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحرم الرضعة ~~والا الرضعتان ودليل هذا الخبر يوجب تحريم ما زاد على الرضعتين فينبغي أن ~~يخص به الخمس رضعات ويجعل الخمس في الكثير الذي كان يوجب التحريم ثم نسخ # ثم يقال له خبرنا عن دليلك هذا إذا عارضه القياس إيهما يكون أولى # فإن قال هو أولى من القياس # قيل له ولم قلت هذا وهلا جعلت القياس أولى منه إذ كان دليلك هذا يجوز فيه ~~PageV01P321 التخصيص ولا يجوز مثله عندك في القياس وهلا جعلتهما متساويين ~~إذا تعارضا فيسقط حكمها جمعيا # وعلى أن قوله ان هذا الضرب من الدليل أولى من القياس على أصله لأنه يوجب ~~على المخطىء جزاء الصيد ويوجب على قاتل العمد كفارة قياسا ودليله ms126 هذا ينفي ~~وجوب الجزاء على المخطىء والكفارة على قاتل العمد لأن الله تعالى خص العامد ~~بالذكر في جزاء الصيد فقال تعالى @QB@ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم @QE@ # وخص المخطىء بالذكر في كفارة القتل فقال تعالى @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ # ودليل الخطاب عندك ينفي موجب القياس ثم جعلت القياس أولى منه # فإن سألنا سائل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي ~~واليمين على المدعى عليه وقوله صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن أعتق هل ~~دل هذا القول منه على أن مالم PageV01P322 يكن بالصفة المذكورة فبخلاف حكمه # قلنا له نعم وليس هذا مما كنا فيه في شيء وذلك لأن قوله الولاء اسم للجنس ~~لدخول الألف واللام عليه إذ لم يشر به إلى معهود فيتناوله دون غيره # فلما كان كذلك انتظم كل ما يتناوله الاسم منه في كونه للمعتق أو لغيرة ~~وكذلك قوله عليه السلام البينة على المدعي اسم للجنس فيتناول كل بينة صارت ~~على المدعي فلم يبق هناك بينة تكون على غير المدعي # وكذلك قوله اليمين على المدعى عليه يتناول جنس اليمين الواجبة بالدعاوى ~~فصارت على المدعى عليه فلم يبق هناك يمين تكون على المدعي ونحو ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى فتناول كل صدقة فما من ~~صدقة إلا وهي داخلة في اللفظ موجبة بشرط الغنى ودل على أن سائر الصدقات لا ~~تجب إلا على الأغنياء وان الفقير لا صدقة عليه إذ لم يبق هناك صدقة لم ~~يستوعبها اللفظ فتكون موقوفة في كونها على غني أو على فقير فمن هذه الجهة ~~تتناول هذه الألفاظ نفي الحكم المذمكور لها عما عداها لا من جهة تخصيصه لها ~~بالذكر وهذا واضح وبالله التوفيق PageV01P323 PageV01P324 & الباب الخامس ~~عشر في حكم المجمل& PageV01P325 PageV01P326 & باب القول في حكم المجمل & # قال أبو بكر # قد بينا فيما سلف صفة المجمل ونبين الآن بعون الله حكمه وما يجب فيه # فنقول إن المجمل على ضربين # أحدهما ms127 مالا يعلم معناه من لفظه ولا يمكن استعمال شيء منه فيما علق به ~~الحكم نحو قوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم وقوله صلى ~~الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ونحوها من الألفاظ التي لا ~~PageV01P327 تنبيء عن المعاني المراد بها فيكون حكم ما كان هذا وصفه موقوفا ~~على البيان # والضرب الآخر منه ما يمكن استعمال حكمه في أقل ما يتناوله لفظه وقد يجوز ~~أن يراد به أكثر منه فينتظم الجملة حينئذ معنيان # أحدهما لزوم استعمال الحكم في أقله # والآخر أن الزيادة على الأقل موقوفة على البيان فمتى ورد البيان بمقدار ~~أكثر مما تضمن اللفظ وجوبه بينا أن ذلك كان مرادا باللفظ الأول وذلك نحو أن ~~يطلق لفظ الأمر من غير ذكر المأمور به نحو قوله صلوا وصوموا وحجوا ونظائره # وقد علم قبل ذلك ما الصلاة والصوم والحج فأقل ما تناوله لفظ الأمر إيجابه ~~صلاة واحد وصوما واحدا وحجا واحدا # ولا يلزمنا في أكثر منه لأن الأكثر لا نهاية له ولا مقدار معلوم بينها ~~الله تعالى فاحتجاج من أجل ذلك إلى البيان # وكذلك قول القائل أعط هذه الدراهم رجالا بعد سنة أقل ما يتناوله الاسم ~~منهم ثلاثة ومازاد فجائز أن يكون مرادا باللفظ فإذا قال بعد ذلك قبل مجيء ~~وقت تنفيذ الأمر هم PageV01P328 عشرة لم يكن ذلك زيادة على الأمر الأول بل ~~بيانا أن هؤلاء كلهم كانوا مرادين به كذلك إذا ورد البيان بعدقوله صلوا ~~بمقادير أعداد الصلوات كان ذلك بيانا أن جميع ذلك كان مرادا باللفظ الأول # وقد كان في أصحابنا المتأخرين من يأبي ذلك ويقول إن هذا بمنزلة لفظ ~~العموم غير جائز في مثله ورود البيان بإرادة الأكثر إن لم يكن اللفظ مقتضيا ~~لاستعمال حكمه في جميع ما يصلح له وإنما يرد بعد ذلك مما يوجب زيادة في عدد ms128 ~~الصلوات فيه في قوله صلوا وفي عدد الرجال في قوله أعط رجالا أنه يكون حكما ~~مستأنفا غير جائز أن يكون مرادا بالكلام الأول # قال وذلك أن اللفظ تناول صلاة واحدة # وقوله أعط رجالا تناول رجالا ثلاثة بغير أعيانهم فلا يجوز ورود البيان ~~فيه بإرادة أكثر من ثلاثة ولا أنه أراد رجالا بأعيانهم إلا أن يكون ذلك ~~متصلا بالأمر فلا يستقر حكم الأمر إلا مع استقرار العدد وصفته فأما إذا ~~أطلقه ولم يعقبه بيان عدد الرجال وصفتهم وأعداد الصلوات ومقاديرها فغير ~~جائز ورود البيان بعد ذلك لأن المراد كان أكثر من ثلاثة رجال وأن المراد ~~بقوله صلوا أكثر من صلاة واحدة ومتى ورد بعده ذكر عدد أو صفة علمنا أنه ~~زيادة في الأمر الأول وحكم مستأنف لم يتضمنه اللفظ المتقدم ولم يوجبه ولا ~~يكون ذلك إلا على وجه النسخ على حسب ما نقوله في حكم الزيادة في النص # قال لأن تجويز ذلك يؤدي إلى إبطال القول بالعموم لأن قوله صلوا إن كان ~~يصلح للواحدة من الصلوات كما يصلح لما فوقها فلا دلالة فيه على أنه أريد به ~~الواحدة لا محالة فلم أوجبت به أقل ما يقع عليه الاسم وإن كان مبينا على ~~العليق بالبيان فما أنكرت ألا يجب به شيء لأن اللفظ المجمل الموقوف على ~~البيان لا يجب به شيء ويجب التوقف فيه إلى أن يرد التفسير وما أنكرت أن ~~يكون من حيث كان مفهوما بنفسه لم يكن شيئا فيه موقوفا على ما PageV01P329 ~~يأتي بعده ولو ساغ هذا لساغ لأهل الخصوص والوقف قولهم إن العموم كله مجمل ~~محتاج إلى تفسير وان صورة التعليق بما يرد من البيان # قال أبو بكر # فالذي حصل من هذا القول أن كل لفظ أمكن استعماله على وجه فلا إجمال فيه ~~أصلا ولا يجوز أن يتأخر البيان فيه إن كان مراده أكثر مما اقتضى اللفظ ~~وجوبه واستعمال حكمه وأن المجمل عنده قسم واحد وهو الذي لا يمكن استعمال ~~حكمه على وجه ويكون موقوفا على البيان # قال أبو ms129 بكر # والصحيح عندنا هو القول الأول وهو عندى مذهب أصحابنا أيضا لأن مسائلهم ~~تدل عليه ولأنهم قالوا فيمن قال لرجل طلق امرأتي فطلقها ثلاثا وقال الزوج ~~أردت ذلك طلقت ثلاثا # وإن طلقها واحدة وقال الزوج كذلك أردت وقعت واحدة فجعلوا لفظ الأمر مختصا ~~بأقل ما يتناوله وهو الواحد وجعلوه مع ذلك محتملا للثلاث لولا ذلك ما عملت ~~النية في إرادتها لأن النية لا تأثير لها في إيقاع طلاق لا يحتمله اللفظ # وقال أصحابنا أيضا فيمن أذن لعبده في التزويج أن ذلك يقتضي تزويج امرأة ~~واحدة لا أكثر منها فإن زوج امرأتين في عقد واحد لم يصح نكاح واحدة منهما ~~لأن الأمر تناول و احدة منهما ولم يتناول الأخرى فتحصل المنكوحة المأذون في ~~نكاحها مجهولة وذلك لا يصح # وقالوا فإن قال المولى عنيت امرأتين جاز نكاحهما جميعا فقد جعلوا لفظ ~~الأمر PageV01P330 يصلح لما فوق الواحدة وإن كان ظاهره إنما اقتضى نكاح ~~امرأة واحدة فهذا يدل على أن قوله صلوا قد يتناول صلاة واحدة وأنه يحتمل مع ~~ذلك أن يراد به أكثر منها # فلما كان للاحتمال مساغ في ذلك جاز أن يكون مازاد على الواحدة في معنى ~~المجمل الذي يجوز تأخير بيانه # ومتى ورد فيه البيان علمنا أنه كان مرادا باللفظ وليس إمكان استعمال ~~اللفظ في أقل ما يتناوله ويقع عليه بمانع من أن يكون مجملا في الزيادة لأن ~~اللفظ قد تضمن معنيين معنى حكم معلوم مفهوم المقدار ومعنى الإجمال في أكثر ~~منه # وكذلك قوله أعط هذه الدراهم رجالا بعد سنة من حيث صلح أن يكون اللفظ ~~عبارة عن الثلاثة وعما فوقها فقد عقلنا من اللفظ ثلاثة وما زاد عليها فجائز ~~أن يكون حكم ما زاد موقوفا على بيان يرد فيه قبل مجيء وقت تنفيذ الحكم # فإن قال قائل قوله أعط رجلا بعد سنة يمكن استعماله في الثلاثة فهلا ~~استعملته فيهم ومنعت الإجمال فيه # قيل له لأن الإجمال الذي وصفناه يوجب ما ذكرنا فصار كقوله قد أردت ~~بالإعطاء ثلاثة وما زاد عليها ms130 فموقوف الحكم على البيان وهو بمنزلة قوله ~~لقيت رجالا فالذي يلزمه في الحال اعتقاد ثلاثة منهم يجوز ورود بيان في ~~الثاني بأنهم كانوا أكثر من ذلك وليس هذا بمنزلة العموم لأن قوله صلوا ليس ~~فيه لفظ عموم في المأمور به لأنه غير مذكور باسم ينتظم جماعة منه وإنما ذكر ~~فيه الفعل فحسب والمفعول غير مذكور # وقد علمنا أن أقل ما أريد به صلاة واحدة # وفي اللفظ احتمال لارادة أكثر منها ولا نهاية للأكثر فكان مجملا من هذا ~~الوجه PageV01P331 # وأما لفظ العموم فإنه اسم لجميع ما نطوى تحته ليس بعض ذلك بأولى به من ~~بعض فلذلك وجب استعمال الجميع ولم يكن فيه إجمال إذ لا إجمال فيه # وكذلك قوله أعط رجالا عشرة دراهم بعد سنة فالمتيقن من المراد ثلاثة ~~وماعداهم فهو محتمل لأنه معلوم انه لم يرد به رجال الدنيا كلهم وانما أراد ~~به بعضهم فكان في ذلك البعض إجمال لما فوق الثلاثة فلذلك كان في معنى ~~المجمل المفتقر إلى البيان ولو قال أعط هذا رجالا ولم يوقت له وقتا ولم ~~يبين له شيئا غير ذلك لكان هذا على ثلاثة وهو مخير في الزيادة لأنه قد لزمه ~~تنفيذ الحكم في الحال فيما يمكن استعماله # فما يتناوله اللفظ وفي تركه البيان دلالة على أن ما زاد على الثلاثة فهو ~~مخير فيه لأنه قد لزمه إعطاء العشرة دراهم في الحال ولا يمكنه انفاذها في ~~الحال إلا على هذا الوجه # فالثلاثة لا محالة مرادة وما زاد فهو فيه بالخيار إن شاء أعطاهم منها وإن ~~شاء اقتصر على الثلاثة كما أن له الخيار في أن يعينها فيمن شاء من المعطين ~~وإن لم يقتض اللفظ التعيين ومما يشاكل هذا المعنى قول الله تعالى @QB@ أما ~~السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر @QE@ قد لزمنا اعتقاد كونهم ثلاثة ~~ويجوز أن يكونوا أكثر منها ويحتمل في هذا أن يقال إنه يلزمه أن يعطيها ~~ثلاثة لا اكثر منهم لأن الثلاثة متيقنة والزيادة لم يثبت أنها مرادة ~~PageV01P332 # وقد قال أبو حنيفة فيمن ms131 قال والله لا أكلمك اياما أنه على ثلاثة أيام ~~وعلى معنى قوله أعط هذا رجالا قوله تعالى @QB@ فكفارته إطعام عشرة مساكين ~~@QE@ لما ألزمه تنفيذ الحكم في العشرة لم يكن حكمه موقوفا على بيان عشرة ~~بأعيانهم أو بأوصاف يخصون بها دون غيرهم بل هو في كل عشرة # ومتى ورد بعد ذلك لفظ يوجب تخصيص الإطعام في عشرة بأعيانهم أو عشرة ~~مخصوصين بأوصاف دون غيرهم كان ذلك زيادة في حكم الأول وذلك مالا يجوز عندنا ~~إذا تراخى عن حال لزوم الفرض وإمكان تنفيذ الحكم إلا على وجه النسخ لأن هذا ~~اللفظ ليس فيه احتمال بل هو موجب لإعطاء عشرة مساكين أي مساكين كانوا فلذلك ~~كان الأمر فيه فبه احتمال بل هو موجب لعطاء عشرة مساكين أي مساكين كانوا ~~فلذلك كان الأمر فيه PageV01P333 على ما وصفنا # قال أبو بكر # ومن الألفاظ ما يجوز أن يكون مجملا ويجوز أن يكون عموما على حسب دلالة ~~الحال وذلك لأن قوله @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ لا يخلو من أن يريد به صلاة ~~معهودة قد عرفوها قبل ذلك فانصرف الأمر إليها فتناول جميع تلك الصلوات على ~~شرائطها وأوصافها المعهودة لها وإن لم يكن هذا القول إشارة إلى معهود من ~~الصلوات فهو مجمل مفتقر إلى البيان لأن لفظ الصلاة مجمل إذ كان قد أريد بها ~~في الشريعة معان لم يكن اللفظ موضوعا لها في اللغة فهو مجمل موقوف الحكم ~~على البيان # وأما بعد استقرار أمر الصلاة والصوم وسائر ألفاظ الشرع على المعاني ~~المتعارفة المعهودة لها فإنه متى أطلق منها شيء فهو منصرف إلى ما استقرت ~~معاني هذه الأسماء عليه # ألا ترى أن القائل منا إذا قال لآخر صل الظهر وصم رمضان كان معلوما عنده ~~مراد القائل PageV01P334 & الباب السادس عشر في الكلام الخارج عن سبب& ~~PageV01P335 PageV01P336 & باب حكم الكلام الخارج عن سبب & # قال أبو بكر # كل كلام خرج عن سبب فالحكم له لا للسبب فإذا كان أعم من السبب وجب اعتبار ~~حمكه بنفسه دون سببه PageV01P337 # ومن الناس من يعتبر السبب ويجعل حكم السبب ms132 مقصورا عليه وإن كان عموما في ~~نفسه وهذا عندنا خطأ إذا لم تقم الدلالة على وجوب الاقتصار به على السبب ~~وذلك لأن كل لفظ فحكمه قائم بنفسه إلا أن تقوم الدلالة على إزالته عن موجبه ~~ومقتضاه وليس في كونه خارجا على سبب ما يوجب تخصيصه والاقتصار بحكمه على ~~سببه وذلك لأنه PageV01P338 ليس يمتنع أن يريد الله تعالى بإنزاله الحكم ~~بيان حكم السبب وحكم غيره عند وجود هذا السبب كما ينزل حكما عاما من غير ~~سبب تقدم # فإذا ليس في نزوله على سبب ما يوجب الاقتصار به عليه PageV01P339 # فمن قصره على السبب فإنما خص اللفظ وأزاله عن حقيقته بغير دلالة # وقد اعتبر هذا المعنى الذي ذهبنا إليه سائر الفقهاء الذين يعتد بأقاويلهم ~~في كثر من الأحكام النازلة على أسباب نحو قوله تعالى @QB@ إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله @QE@ إلى آخر القصة روي أنه نزلت في شأن العرنيين الذي ~~ارتدوا وقتلوا الراعي وساقوا الإبل # والحكم عام عند سائر الفقهاء في المرتدين وأهل الملة # وإن كان سبب نزولها قوما مرتدين محاربين ومنه آية الظهار كان سبب نزولها ~~أن أوس بن PageV01P340 الصامت ظاهر من امرأته فأنزل الله تعالى ذلك وكان ~~سبب نزول آية اللعان أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء فكان عموم ~~في سائر الناس وكان سبب آية PageV01P341 القذف القوم الذي قذفوا عائشة ~~الصديقة رضي الله عنها فأنزل الله تعالى @QB@ إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة ~~منكم @QE@ إلى آخر القصة فحكم بكذبهم إن لم يقيموا بينة على صدق مقالتهم ~~وقذفهم وهو حكم عام في سائر القاذفين # ومن الألفاظ ما ذكر معه السبب الذي ورد فيه وكان الحكم فيه لعموم اللفظ ~~دون السبب كقوله تعالى @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم @QE@ إلى ~~آخر القصة # كان السبب فيه أنه كان محظورا عليهم أن يفطروا بعد النوم ليلا فنام بعض ~~الصحابة قبل أن يفطر ثم أفطر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنز الله ~~هذه الآية وساق فيها القصة والسبب الذي من أجله نزلت ms133 ثم قال @QB@ فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم @QE@ إلى قوله تعالى PageV01P342 @QB@ ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل @QE@ وهذه الإباحة عامة فيمن اختان نفسه وفي غيره ~~وقال تعالى @QB@ وعلى الثلاثة الذين خلفوا @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ خذ من ~~أموالهم صدقة @QE@ فذكر قصتهم وسبب نزول هذه الآية ثم كان وجوب الصدقة عاما ~~على من كان بصفتهم وعلى غيرهم # وكذلك قوله تعالى @QB@ علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض ~~يبتغون من فضل الله @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر منه @QE@ ~~PageV01P343 # فذكر السبب الذي أباح ترك قيام الليل من المرض والضرب في الأرض والحكم ~~عام فيمن هذه صفته وفي غيرهم # ومثله كثير في القرآن وهو يدل على أن الحكم للاسم لا للسبب # فإن قال قائل خروج الكلام على سبب كخروجه مخرج الجواب # ومعلوم أن حكم الجواب أن يكون مقصورا على ما صار جوابا عنه # قيل له ليس الأمر فيه عندنا على هذا الإطلاق بل هو عندنا على وجهين # منه ما يكون الجواب فيه لفظ عموم ينتظم ما هو جواب عنه وغيره ومنه ما ~~يكون حمكمه مقصورا على ما هو جواب عنه # فأما الأول فإن الحكم فيه جار على اللفظ إذا كان مستقلا بنفسه حتى يقوم ~~الدليل على وجوب الاقتصار به على ما هو جواب عنه # والثاني هو ما لا يستقل بنفسه واقتصر إلى تضمينه بغيره فهذا حكمه مقصور ~~على الجواب # نظير الأول قوله تعالى @QB@ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم @QE@ ~~إلى آخر القصة # وقوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة @QE@ ونحوها من الألفاظ المكتفية ~~بنفسها عن تضمينها بغيرها مع اشتمالها على ما هي جواب عنه # وعلى غيره فلم يكن حكمها مقصورا على الجواب # ونظير هذا الوجه الثاني مما لا يستقل بنفسه قوله تعالى @QB@ فهل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا قالوا نعم @QE@ فقولهم نعم لا يفيد إلا على وجه الجواب فصار ~~معناه مطابقا لما PageV01P344 هو جواب عنه لا زائد ولا ناقصا وصار الجواب ~~مضمرا فيه وعلى الاعتبار الذي قدمناه قلنا في قوله تعالى @QB@ ولا ms134 تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق @QE@ انه عموم في كل ما تركت التسمية ~~فيه عامدا وإن كان قد روي أنها نزلت في شأن الميتة حين جادل المشركون ~~المسلمين فقالوا لهم تأكلوا تأكون مما قتلتموه ولا تأكلوا مما قتله الله ~~فلم نعتبر السبب وأجرينا الحكم على اللفظ ومنه ما روي أن حكيم بن حزام قال ~~رسول الله إني أرى الشيء في السوق ثم يطله مني طالب فأبيعه ثم اشتريه ~~فأسلمه فقال صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك فهذا عموم في كل بيع ~~لما ليس عند الانسان سواء كان عينا أو في الذمة ومثل هذا كثير في القرآن ~~والسنن وفيما ذكرنا تنبيه على ما تركنا PageV01P345 # وقد يجيىء من الكلام ما يكون حكمه مقصورا على السبب الذي خرج عليه إلا أن ~~ذلك لا يجوز حمله عليه إلا بدلالة كما يخص سائل العموم بالدلائل وذلك نحو ~~قوله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه @QE@ عمومه ~~ينفى أن يكون هناك شيء محرم غير المذكور في الآية إلا أنه لما روي ان ذلك ~~نزل فيما كان المشركون يحرمونه من السائبة والوصيلة والحام صار تقديره قل ~~لا أجد فيما أوحي إلى محرما مما يحرمونه إلا كيت كيت # وإنما كان ذلك كذلك لأن الدلالة قد دلت على أن هاهنا أشياء أخر محرمة غير ~~ما ذكر في الاية ونحوها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بئر ~~بضاعة وما يطرح فيها من المحايض ولحوم الكلاب فقال صلى الله عليه وسلم ~~الماء طهور لا ينجسه شيء والمعنى أن ما كان حاله حال هذا البئر فهذا حكمه # لأنه معلوم انه لم يرد به عموم الحكم بطهارة لاماء الذي فيه لحوم الكلاب ~~والمحايض # وإنما لامعنى ان البئر كان يطرح فيها ذلك ثم نظفت فأخرج ما فيها فسئل عن ~~الماء الحادث بعد النزح والتطهير فقال انه طهور لا ينجسه شيء # وكذلك حديث أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه ms135 وسلم أنه قال لا ربا إلا ~~في النسيئة وهو أنه سئل عن الجنسين متفاضلا فقال إنما الربا في مثله في ~~النسيئة # ومتى كان الجواب أخص من السؤال فالحكم له لا للسؤال نحو قوله تعالى @QB@ ~~يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح @QE@ فقوله ~~ماذا أحل PageV01P346 لهم سؤال أعم من الجواب لأنه ينتظم الجواب وغيره ~~وقوله تعالى @QB@ قل أحل لكم الطيبات @QE@ يعني والله أعلم الحلال الذي قد ~~بين الله تعالى حكمه في غير هذا الموضع وما علمتم من الجوارح وذلك أخص من ~~السؤال # ونظيره ما روي عن عمر أنه سال النبي صلى الله عليه وسلم عما يحل من ~~الحائض فقال لك منها ما فوق الإزار فغير جائز فيما كان هذا سبيله اعتبار ~~عموم من السؤال في الإباحة بل يجب اعتبار لفظ الجواب فيما ورد فيه فيكون ~~الحكم متعلقا به دون غيره حتى تقوم الدلالة على أن غيره بمثابته في الإباحة ~~والحظر PageV01P347 PageV01P348 & الباب السابع عشر في حرف النفي إذا دخل ~~على الكلام& PageV01P349 PageV01P350 & باب حرف النفي ما حكمه إذا دخل على ~~الكلام & # قال أبو بكر # حرف النفي قد يدخل على الكلام ويراد به نفي الأصل نحو قوله تعالى @QB@ لا ~~يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما @QE@ وقوله تعالى @QB@ فاليوم لا يؤخذ منكم ~~فدية @QE@ ونحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي ولا نكاح ~~إلا بشهود ولا صلاة إلا بقراءة وقد يراد بن نفي الكمال مع بقاء الأصل نحو ~~قوله تعالى @QB@ إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون @QE@ ثم قال تعالى @QB@ ~~ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم @QE@ فنفاها بدءا ثم أثبتها ثانيا فعلمنا ~~أنه لم يرد به PageV01P351 نفي الأصل وإنما أراد نفي الكمال يعني لا أيمان ~~لهم وافية يفون بها ومثله قوله صلى الله عليه وسلم ولا صلاة لجار المسجد ~~إلا في المسجد ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له ولا وضوء لمن لم يذكر ~~اسم الله عليه ولا دين لمن لا أمانة له # ونحو قول الشاعر % لو كنت من ms136 أحد يهجي هجوتكم % يا بن الرقاع ولكن سلت من ~~أحد % # ومعوم أنه لم يود نفيه عن أن يكون متسما بذلك ومعدودا من جملة ا لناس ~~وانه أحدهم وإنما أراد لست من أحد يؤبه له ويعتد به # فقد ثبت بما وصفنا أن حرف النفي قد ينفي به الأصل تارة والكمال أخرى مع ~~ثبات الأصل وغير جائز أن يراد به الأمران جميعا في حال واحدة لأنه إذا أراد ~~نفي الأصل لم يثبت فيه شيء ومتى أراد إيجاب النقص ونفي الكمال فقد دل لا ~~محالة على أن شيئا منه قد ثبت وأنه مع ذلك غير كامل وهذا لا يصح أن يوصف به ~~مالم يثبت منه شيء # لأنا متى قلنا إن هذه صلاة ناقصة فقد أثبتنا منها شيئا ناقصا لأنه لا يصح ~~أن يوصف ما لم يثبت منه شيء بالنقصان إذ كان النقصان هو فوات البعض مع ثبات ~~الأصل فثبت PageV01P352 بذلك أنه غير جائز أن يراد به الأمران جميعا من نفي ~~الأصل ونفي الكمال في حال واحدة # ثم ما بعد هذا من حكمه مختلف فيه عند الإطلاق # فقال قائلون اللفظ محتمل للأمرين وليس هو بأحد الوجهين أولى منه بالآخر # وغير ذلك جائز أن يرادا جميعا فغير جائزالحكم به على أحد الوجهين دون ~~الآخر إلا بدلالة كسائر الألفاظ المحتملة للمعاني المختلفة التي لا يصح أن ~~ينتظمها لفظ واحد في حال واحدة نحو القرء المحتمل اللحيض والطهر ونظائره من ~~الأسماء # وقال آخرون هو عند الإطلاق بنفي الأصل أولى منه بنفي الكمال وإنما الحمل ~~على نفي الكمال بدلالة PageV01P353 # قالوا لأن حقيقته نفي ما يدخل عليه فينفى جميعه وإنما يحمل على نفي البعض ~~بدلالة # وقد قال أبو موسى عيسى بن ابان في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه إنه لما اتفق الجميع على أن ترك ~~التسمية على الوضوء لا يمنع صحته لم يخل الحديث من أن يكون منسوخا أووهما ~~أوله معنى غير الظاهر لأن التسمية لو كانت ms137 من شرط الوضوء لنقلته الأمة ~~كنقلها الظهر أربعا والمغرب ثلاثا ولأمروا من لم يسم بإعادة الوضوء والصلاة # قال أبو بكر # فدل قوله ان له معنى غير الظاهر إذ الذي يقتضيه ظاهر اللفظ هو نفي الأصل ~~وأنه إنما صار إلى نفي الكمال بدلالة وهذا القول هو الصحيح عندنا لأنهم لا ~~يختلفون أن دخوله على الخبر عن الفعل يقتضى نفيه رأسا كقوله تعالى @QB@ ~~فاليوم لا يخرجون منها @QE@ وقوله تعالى @QB@ لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون @QE@ وهذا ظاهر معقول من اللفظ في دخوله على الاسم أيضا كقولنا لا ~~إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وقوله تعالى @QB@ فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة @QE@ و @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء @QE@ و ~~@QB@ ليس على الأعمى حرج @QE@ قد اقتضى ننفي جميع ما دخل عليه إلا ما ~~استثني PageV01P354 منه ولا يحتاج السامع في الوصول إلى العلم بوقوع نفي ~~الأصل بوقوع نفي الأصل إلى دلالة أخرى من غير اللفظ وكذلك عقل من قول ~~القائل ليس في الدار أحد وليس عند فلان مال وما جرى مجرى ذلك إذا أطلق ~~اقتضى نفي الجميع ولا يحتاج السامع له إلى استفهام القائل في إرادة نفي ~~الكمال أو الأصل بل المفهوم منه نفي الأصل # وأيضا فلما كانت حقيقة هذا اللفظ وموضوعه النفي فواجب أن يكون نفي الجميع ~~أولى به حتى تقوم الدلالة على إرادة نفي البعض كلفظ العموم وسائر الألفاظ ~~الموضوعة للمعاني تقتضي إفادة جميع ما وضع له وجعل عبارة عنه حتى تقوم ~~الدلالة على إرادة البعض دون الكل PageV01P355 PageV01P356 & الباب الثامن ~~عشر في الحقيقة والمجاز& PageV01P357 PageV01P358 & باب القول في الحقيقة ~~والمجاز & # قال أبو بكر # في لغة العرب الحقيقة والمجاز # فالحقيقة ما سمي به الشيء في أصل اللغة وموضوعها PageV01P359 PageV01P360 # والمجاز هو ما يجوز به الموضع الذي هو حقيقة له في الأصل وسمي به ما ليس ~~الاسم له حقيقة وهو على وجوه نذكرها إن شاء الله # وكان أبو الحسن رحمه الله يحد ذلك بأن الحقيقة ما لاينتفي عن مسمياته ~~بحال # والمجاز ms138 ما ينتفي عن مسمياته بحال # ونظير ذلك أنا إذا سمينا الجد أبا والأب الأدنى أبا فإن اسم الأب قد ~~ينتفي عن الجد بحال بأن نقول ليس هذا بأبيه في الحقيقة ولا ينتفي ذلك عن ~~الأب الأدنى والمجاز على وجوه منها # إطلاق اللفظ مع حذف كلمة يريدها ولم يلفظ بها كقوله تعالى @QB@ إن الذين ~~يؤذون الله ورسوله @QE@ ومعناه أولياء الله فحذف الأولياء وهو يريدهم لأن ~~الله تعالى لا يلحقه الأذى ولا PageV01P361 المنافع ولا المضار ونحو قوله ~~تعالى @QB@ واسأل القرية التي كنا فيها @QE@ ومعناه واسأل أهل القرية # ولو كان ذلك حقيقة لكانت القرية هي المسئولة # ومحال مسألة الجدران # فإن قيل إن أهل القرية يسمون قرية إذا كانوا فيها # قيل له لو كان كذلك لجاز متى أشرنا إلى رجال في القرية أن نقول هؤلاء ~~قرية نريد به الرجال دون البنيان وهذا ممتنع إطلاقا عند كل أحد ولكان جائزا ~~أن يسمى هؤلاء الرجال بعد خروجهم من القرية فنقول إنهم قرية لأن الأسم لهم ~~حقيقة على قول من ينفي المجاز وأن لا يمنع خروجهم منها إطلاق القول بأنهم ~~قرية كما لا يمنع إطلاق القول فيهم بأنهم رجال حيث كانوا فدل امتناع اطلاق ~~اسم القرية على جماعة رجال ان القرية لا تكون اسما للرجال بحال وأن قوله ~~@QB@ واسأل القرية @QE@ اقتضى إضمار أهلها ومنها ما يكون بزيادة حرف ليس ~~منه كقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ومراده ليس مثله شيء لأنه غير ~~جائز أن يكون المراد نفي التشبيه عن مثله إذ هو تعالى لا مثل له فصح أن ~~المراد نفي التشبيه عنه راسا وان معناه ان ليس مثله شيء وقد وجد مثل ذلك في ~~كلام العرب # وقال الشاعر % وصاليات ككما يؤثفين % PageV01P362 # وروي في بعض الأخبار وانشق القمر ككنصف الجفنة والكاف زائدة في هذا ~~الموضع # ومنها مايكون بوضع لفظ مكان غيره كقوله تعالى @QB@ أن تقول نفس يا حسرتى ~~على ما فرطت في جنب الله @QE@ يعني في أمر الله يعبر عن الأمر بالجنب وقال ~~تعالى حاكيا عن إبراهيم خليل الله ms139 صلوات الله عليه @QB@ واجعل لي لسان صدق ~~في الآخرين @QE@ وأراد به اثناء الحسن فعبر عن القول باللسان لأن القول به ~~يكون من العباد وقال تعالى @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ يعني لغة لأن اللغة ~~باللسان تظهر # وقالت فاطمة بنت قيس للنبي صلى اله عليه وسلم قد خطبني أبو الجهم في جملة ~~من خطبها فقال أما أبو الجهم فإنه رجل لا يضع عصاه على عاتقه يعني أنه يضرب ~~النساء فجعل هذا اللفظ عبارة عن الضرب وقد عقل به المبالغة في وصفه بضرب ~~النساء ونحو ذلك قوله تعالى @QB@ يوم يكشف عن ساق @QE@ يعني عن شدة الأمر ~~لأن من عنى أمرا عظيما شمر عن ساقه # ومنه ما يراد التشبيه فيحذف حرف التشبيه اكتفاء بدلالة الحال وعلم ~~المخاطب PageV01P363 بالمراد نحو قوله تعالى @QB@ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ~~@QE@ والمعنى انهم كالصم البكم العمي في عدم الانتفاع بما سمعوا وأبصروا ~~ومنه قول النابغة % فإنك شمس والملوك كواكب % إذا طلعت لم يبد منهم كوكب % # يعني أنك الشمس # وقال آخر % وكنا حسبنا كل أسود تمرة % ليالي لاقينا جذام وحميرا % % فلما ~~قرعنا النبع بالنبع بعضه % ببعض أبت عيدانه أن تكسرا % % سقيناهم كأسا ~~سقونا بمثله % ولكنهم كانوا على الموت أصبرأ % # فقال كنا حسبنا كل أسود تمرة فهم ما حسبوا كل أسود تمرة قط # والمعنى مع ذلك صحيح لأن مراده وكنا كمن حسب كل أسود تمرة في إقدامنا على ~~قتال هؤلاء القوم وطمعنا فيهم واستهانتنا بأمرهم ثم قال قرعنا النبع بالنبع ~~بعضه ببعض ومعلوم أنهم لم يقرعوا النبع بعضه ببعض ولم يرد حقيقة ذلك قط ~~وإنما أراد أنا لما قارعناهم وجالدناهم ثبتوا لنا تشبيها بعيدان النبع إذا ~~قرع بعضها ببعض ولا تنكسر لصلابتها ثم قال سقيناهم كأسا سقونا بمثله وماكان ~~هناك كأس ولا سقي وإنما أراد قتلنا منهم وقتلوا منا ولكنهم كانوا على الموت ~~أصبرا يعني أجرأ منا كما قال الله تعالى @QB@ فما أصبرهم على النار @QE@ ~~يعني فما أجرأهم لأنه لا صبر لأحد على عذاب الله تعالى فذكر PageV01P364 ~~الشاعرهذه الألفاظ وهي مجاز ms140 وهي من فصيح الكلام وجيدة وهو احسن من الحقيقة ~~في هذا الموضع # ومنه أن يسمى الشيء باسم غيره على جهة المقابلة المجازاة وإن لم يكن ذلك ~~في الحقيقة اسمه ولا يجوز إطلاقه إذا وقع على غير هذا الوجه نحو قوله تعالى ~~@QB@ قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم @QE@ # وليس ذلك من الله استهزاء في الحقيقة ولكنه حين أخبر عن جزاء الاستهزاء ~~سماه باسمه لوله تعالى @QB@ وجزاء سيئة سيئة مثلها @QE@ والجزاء ليس تشبيها ~~وإنما سماه بها من حيث كانت في مقابلتها ومستحقة من أجلها # وتقول العرب الجزءا بالجزاء والأول ليس بجزاء فسماه باسم ما يقابله ومما ~~يسمى باسم غيره للمجاورة أو لأنه منه بسبب قولهم للمزادة والسقا رواية ~~والراوية اسم للجمل الذي يحمل ذلك عليه # وقال أبو النجم % تمشي من الردة مشي الجفل % مشي الروايا بالمزاذ الأثقل ~~% PageV01P365 # سميت باسم الجمل للمجاورة # ومنه قوله لهم للشاة التي تذبح عند حلق رأس الصبي عقيقة والعيقة اسم ~~للشعر نفسه فسميت الشاة باسمه لأنه كان هو سببها # ومنه الغائط وهو اسم للمكان المطمئن من الأرض وكانوا يقضون حوائجهم في ~~مثله فسمي ما يخرج من الإنسان به لقرب المجاورة على جهة الكناية # ومنه الجماع كنى عنه باللمس وبالدخول قال الله تعالى @QB@ فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم @QE@ فهذا أكثر من أن يحصى في اللغة وربما كان ~~المجاز في بعض المواضع أبلغ وأحسن من استعمال الحقيقة فيه وهذا مالا يدفعه ~~أحد له أدنى معرفة بشيء من لسان العرب وقد وضع أهل اللغة كتبا في المجاز ~~وقالوا هذا اللفظ مجاز وهذا حقيقة مشهور ذلك عنهم متعارف متعالم بينهم # وربما سمي الشيء بما لا يجوز أن يكون اسما له بحال على وجه يعتبر المخاطب ~~به لأن في زعمه كذلك نحو قوله تعالى @QB@ وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه ~~عاكفا @QE@ يعني الذي في زعمك أنه إلهك وقوله تعالى @QB@ فما أغنت عنهم ~~آلهتهم @QE@ يعني الذي يزعمون بأنهم آلهتهم ونظيره قوله تعالى @QB@ ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم @QE@ يعني ms141 إنك كنت في زعمك كذلك PageV01P366 # وقد أبى بعض من تكلم في ذلك بغير دراية أن يكون في القرآن أو في اللغة ~~استعارة وأجاز مع ذلك أن يطلق القول ولا يراد به الحقيقة فمنع لفظ ~~الاستعارة وأعطى المعنى واحتج بأن المستعير هو الآخذ لما ليس له وذلك لا ~~يجوز أن يقال في كلام الله تعالى # فيقال له فقد أعطيتنا أن في القرآن ما أطلق على جهة التشبيه ولم يرد به ~~التحقيق فكأنك إنما خالفتنا في العبارة دون المعنى والمضايقة في العبارة ~~بعد المدافعة على المعنى لا وجه للاشتغال بها # ولكنا نقول في ذلك إن إطلاق لفظ الاستعارة شائع في اللغة وذلك لأنهم لما ~~وجدوا لفظة حقيقة في موضع قد استعمل في غير موضعه الموضوع له في أصل اللغة ~~سموه مجازا تارة واتساعا أخرى واستعارة أخرى ليفيدوا به أنه ليس إطلاقه على ~~حقيقة معناه في موضوع اللسان وإنما قالوا ذلك إفهاما للمخاطبين وسموه ~~استعارة لأن الاسم موضوع لغيره في الأصل وسمي هذا باسمه ولنا أن نقول إن ~~الله تعالى استعار شيئا لأن لله الدنيا والآخرى وهو الذي علم الناس اللغات ~~وهداهم إليها # ولكنا نقول لما قال الله تعالى @QB@ لسان عربي مبين @QE@ وقال @QB@ إنا ~~جعلناه قرآنا عربيا @QE@ وكان في لغة العرب ما ذكرنا من وجوه المجاز ~~والإستعارات فقد علمنا أنه خاطبنا بما في لغتها من ذلك وليس لأن أهل اللغة ~~سموا ذلك استعارة بواجب أن يكون الله تعالى قد استعار شيئا ولكنه خاطبنا ~~بما هو استعارة في اللغة ومجاز واتساع فيها لا على حقيقة موضوعها في الأصل ~~والأصل في ألفاظ المجاز أن طريقها السمع وما ورد منها في اللغة وليس يجوز ~~لنا أن نتعدى بها مواضعها التي تكلمت العرب بها PageV01P367 ألا ترى أنه ~~يجوز لأحد أن يقول إن الذين يضربون الله ويتقلوان الله ويريد به يضربون ~~أولياء الله ويقتلون أولياءه لأن في كتاب الله تعالى @QB@ إن الذين يؤذون ~~الله @QE@ ومراده يؤذون أولياء الله فلا يستعمل المجاز إلا في موضع يقوم ~~الدليل عليه وإلا ms142 فحكم اللفظ أن يكون محمولا على الحقيقة أبدا حتى تقوم ~~دلالة المجاز # والأسماء الشرعية بمنزلة أسماء المجاز لا يجوز إثباتها إلا من جهة ~~التوقيف أو الاتفاق # فإن قال قائل إذا كانت العرب قد تكلمت بما سميته مجازا وبالحقيقة وكل ذلك ~~من كلامها فما أنكرت أن يكون الجميع حقيقة لأن ما سميته حقيقة إنما صار ~~كذلك لأن العرب تكلمت به # قيل له لم يكن الحقيقة حقيقة لأن العرب إن تكلمت به دون أن يكون تكلمت به ~~على موضوعاتها في اصل اللغة ثم تجاوزت ذلك فسمت به ماليس الاسم له في الأصل ~~تشبيها به واتساعا في لغتها واكتفاء بعلم المخاطب بالمراد فلم تسم ذلك ~~حقيقة # فأفدنا بقولنا حقيقة إنه اسم له في موضوع اللغة فسمى به ذلك الشيء في ~~سائر الأحوال ويفيد بقولنا مجازا إنه مسمى باسم غيره في مواضع مخصوصة لا ~~نتعدى بها مواضعها ولا يجري على غيرها و إن شاركت الاول في معانيه فإن كنت ~~إنما أنكرت اللفظ دون المعنى فانا لا نضايقك في اللفظ سمه أنت بما شئت بعد ~~أن توافق في المعنى وإن كنت PageV01P368 إنما خالفت به في المعنى رددناك ~~إلى اللغة وأريناك صحة ما ادعيناه فيها بما لا يمكنك دفعه متى أنصفت نفسك ~~وحكمت عقلك وقد ذكرنا منه طرفا وذكر جميعه يعجز عنه الكتاب وبالله التوفيق # وقد يكون لفظ واحد يتناول ضدين على جهة الحقيقة فيهما جميعا وقد يجوز أن ~~يتناولهما ويكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر # وقد ذكر قطرب النحوي أشياء كثيرة من هذا نحو الجون أنه اسم للأبيض ~~والأسود والمسجور اسم للفارغ والملآن ونحو ذلك # ومما يكون مجازا في أحدهما حقيقة في الآخر نحو القرء وهو حقيقة للحيض ~~مجاز للطهر والنكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد وقد أبى بعض أهل اللغة أن يكون ~~في اللغة اسم واحد لمعنيين متضادين وتكلم في ذلك بأشياء تجري مجرى الهذيان ~~لأن ذلك أشهر في اللغة PageV01P369 من أن يمكن أحدا دفعه وإنما تناول هذا ~~الراد على قطرب في هذا الباب ms143 ما ذكره على معان بعيدة متعسفة # وكان أبو الحسن الكرخي يقول في اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين ليس يجوز ~~أن يرادا جميعا في حال واحدة بلفظ واحد # وقد ذكرنا ذلك في أضعاف ما سلف من هذا الكتاب وبينا قول أصحابنا فيه # فمتى ورد لفظ يتناول معنيين مختلفين # فإن كان حقيقة فيهما احتجنا إلى دلالة من غيره في إثبات المراد لأن ~~المراد أحدهما وليس واحدا منهما بعينه بأولى به من الآخر وغير جائز أن يريد ~~المعنيين جميعا بلفظ واحد وإن كان حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر كان ~~اللفظ محمولا على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز PageV01P370 & الباب ~~التاسع عشر في المحكم والمتشابه& PageV01P371 PageV01P372 & باب القول في ~~المحكم والمتشابه & # قال أبو بكر # كان أبو الحسن رحمه الله يقول المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا ~~والمتشابه ما يحتمل وجهين أو أكثر منهما PageV01P373 # وسبيل المتشابه أن يحمل على المحكم ويرد إليه وذللك في الفقه كثير نحو ~~قوله تعالى @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ قرىء بالتخفيف ~~وبالتشديد فمن قرأ بالتخفيف احتمل أن يكون المراد به عقد اليمين واحتمل أن ~~يريد به اعتقاد القلب بأن يكون قاصدا إلى اليمين فيكون تقديره لما قصدتموه ~~من الأيمان وتقدير الأول ولكن يؤاخذكم باليمين المعقودة وهي التي تعقد على ~~حال مستقبلة فقراءة التشديد لا تحتمل إلا وجها واحدا وقراءة التخفيف تحتمل ~~معنيين # فوجب حمل ما احتمل وجهين على مالا يحتمل إلا وجها واحدا لأن الله تعالى ~~أمرنا بذلك في قوله تعالى @QB@ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ فجعل المحكم أما للمتشابه وأم الشيء هي ~~منها ابتداؤه وإليها مرجعه قال أمية بن أبي الصلت PageV01P374 % الأرض ~~معقلنا وكانت أمنا % فيها مقابرنا وفيها نوأد % # فسماها أما لنا من حيث كان منها ابتداء خلقنا وإليها مرجعنا # ونظيره أيضا قوله تعالى @QB@ حتى يطهرن @QE@ قرىء بالتخفيف والتشديد فمن ~~قرأها بالتخفيف أراد انقطاع الدم لا يحتمل اللفظ غيره ومن قرأها بالتشديد ~~كان محتملا لانقاطع الدم لأنه يقال طهرت المرأة وتطهرت بمعنى ms144 واحد فاحتمل ~~أيضا الاغتسال فلما احتمل معنيين وجب حمله على مالا يحتمل إلا وجها واحدا ~~وهو انقطاع الدم # وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول أيضا في قوله تعالى @QB@ فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين @QE@ إن ~~قراءة النصب لا تحتمل إلا عطفها على الغسل وقراءة الخفض تحتمل عطفها على ~~الغسل وتكون مخفوضة بالمجاورة ويحتمل عطفها على المسح PageV01P375 # فلما احتملت قراءة الخفض وجهين ولم تحتمل قراءة النصب إلا وجها واحدا وجب ~~أن تكون قراءة معنى الخفض محمولة على قراءة النصب فتكون الرجل مغسولة # فإن قال قائل ذكرت أن المتشابه ما يحتمل الوجوه المحكم ما لا يحتمل إلا ~~وجها واحدا وقد قال الله تعالى @QB@ كتابا متشابها مثاني @QE@ فسمى الجميع ~~متشابها وليس الجميع محتملا للوجوه # قيل له قد بين في آية أخرى أن بعضه متشابه في قوله تعالى @QB@ منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ فجعل البعض متشابها ويحتمل أن يكون ~~المراد بقوله @QB@ كتابا متشابها @QE@ أن بعضه متشابه كما قال مثاني وإنما ~~بعضه مثاني لا جميعه وهي سور معدودة # وقيل إنه فاتحة الكتاب لأنها تثنى في كل ركعة وكقوله تعالى @QB@ وكذب به ~~قومك @QE@ والمراد بعضهم وكقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اشدد وطأتك ~~على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف وإنما أراد كفار مضر دون مؤمنيهم ~~PageV01P376 وأيضا يحتمل أن يريد بقوله متشابها أي متماثلا غير مختلف ~~المعنى اختلاف تضاد وإن اختلف اللفظ كما قال تعالى @QB@ ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ يعنى اختلاف التضاد وليس ذلك موجودا في ~~القرآن بل كله متفق المعنى في الإتقان والحكمة وجهة الدلالة ويكون قوله ~~تعالى @QB@ وأخر متشابهات @QE@ معناه متشابهات في الظاهر لأنه يشبه المحكم ~~من وجه ويشبه غيره من وجه فيجب حينئذ حمله على ما يوافق المعنى ويشبهه دون ~~ما يخالفه وكذلك يجب هذا الاعتبار في كل ما جاء في القرآن من المتشابه في ~~ذكر صفات الله تعالى وافعاله مما يحتمل في اللغة معنيين فهو محمول على ms145 ~~المحكم الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا وكذلك ما احتمل من ذلك معنيين وأحدهما ~~يجوزه العقل والثاني لا يجوزه فهو محمول على ما يجوز في العقل دون مالا ~~يجوز لأن العقل أصل وهو حجة الله تعالى يجب به اعتبار ما يجوز مما لا يجوز ~~PageV01P377 PageV01P378 & الباب العشرون في العام والخاص والمجمل والمفسر& ~~PageV01P379 PageV01P380 & باب القول في العام والخاص والمجمل والمفسر & # قال أبو بكر # إذا وردت آية عامة توجب حكما ووردت آية خاصة توجب حكما بضد موجب الآية ~~العامة فإن ذلك ليس يخلو من أحد وجوه أربعة PageV01P381 PageV01P382 # إما أن يعلم ورود الآية الخاصة بعد استقرار حكم العامة والتمكين من فعله # أو يعلم نزول الآية الخاصة واستقرار حكمها ثم نزول الآية العامة بعدها # أو يعلم ورودهما معا متصلا بعضها ببعض كاتصال الاستثناء بالجملة # أو لا يعلم تاريخ نزولها # فأما الوجه الأول أن يكون العموم متقدما ويرد الخصوص بعد استقرار حكمه ~~والتمكين من فعله فإن ذلك نسخ لبعض ما اقتضاه بقدر ما قابله منه ولا يكون ~~ذلك تخصيصا لأن التخصيص بمنزلة الاستثناء يبين أن ما خص منه لم يكن مرادا ~~بلفظ العموم ولا يجوز أن يتأخر بيان ما كان هذا سبيله لأنه يوجب اعتقاد ~~الشيء على خلاف ما هو عليه من مراد الله تعالى بلفظ الآية فلذلك لم يجز أن ~~يستقر الحكم عليه ثم يرد لفظ PageV01P383 التخصيص الموجب للحكم بضده إلا ~~على وجه نسخ ذلك نحو قوله تعالى @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة @QE@ فكان هذا حكما ثابتا على قاذف ~~الأجنبيات والزوجات بدلالة أن هلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك بن سحماء ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم ائتني بأربعة يشهدون وإلا حد في ظهرك ~~وقالت الأنصار الآن يجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين # وقال عويمر العجلاني أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن تكلم ~~جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ ثم أنزل الله آية اللعان فنسخ ~~الحد عن قاذف الزوجات ms146 بعد ثبات حكمه فهذا وما أشبهه نسخ ليس بتخصيص لأنه لا ~~يمنع أن تكون الآية الأولى قد أريد بها عموم الحكم وقت ورودها فيما اشتملت ~~عليه من PageV01P384 المسميات وهذا لا يخالف فيه إلا من جوز تأخير بيان ~~العموم الذي يمكن استعماله في مقتضى لفظه وإن كان قائله ليس ممن يعتد به ~~لجهله بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز # وأما إذا تقدم لفظ الخصوص واستقر حكمه ثم ورد العموم بضد موجب حكم الخصوص ~~فإن ذلك عندنا يوجب نسخ ما تضمنه لفظ الخصوص من الحكم متى لم تقم دلالة من ~~غيره على أن العموم مرتب على الخصوص وكذا كان يحكي شيخنا ان مذهب اصحابنا ~~ومسائلهم تدل عليه # وقد جعل أبو حنيفة قوله تعالى @QB@ فإما منا بعد وإما فداء @QE@ منسوخا ~~بقوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ لأنه نزل بعده # وقال مخالفنا بترتيب العموم وبنائه على الخصوص # والدليل على صحة قولنا أن العموم حكمه فيما تضمنه لفظه وهو فيما وصفنا ~~موجب لنفي الحكم الخصوص المتقدم له لأنه اسم له ولغيره مما اشتمل عليه لفظه ~~فكأنه ذكر ما تضمنه لفظ الخصوص وذر غيره معه لا ينفي ان يكون ما قابل ~~الخصوص منه مذكورا موجبا للحكم بخلاف حكم الخصوص # نظير ذلك قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه ~~كبير وصد عن سبيل الله @QE@ PageV01P385 وقوله تعالى @QB@ لا تحلوا شعائر ~~الله ولا الشهر الحرام @QE@ فاقتضى ذلك النهي عن القتال في الشهر وهو خاص ~~فيما ورد فيه ثم قال بعد ذلك @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ وكان في هذه الآية الامر بقتل المشركين عامة من ~~غير تخصيص وقت من وقت فأوجبت نسخ القتال في الشهر الحرام لاشتمال اللفظ على ~~قتلهم عامة من غير تخصيص منه فيه للشهر الحرام فلو لم يذكر في هذه الآية ~~إلا الأمر بالقتال في الشهر الحرام لكان ما ذكره من حظره فيه منسوخا به # فإذا وردت الإباحة بعموم لفظ تناول إباحته للشهر الحرام وفي غيره لم ms147 يجز ~~لنا أن نجعله مرتبا على الخصوص بل واجب أن يكون قاضيا عليه ناسخا له كما ~~ينسخه لو اباحه منفردا بذكره دون غيره # وأيضا فمن حيث كان ورود الخصوص بعد استقرار حكم العموم ناسخا لما قابله ~~منه وجب أن يكون العموم الوارد بعد استقرار الخصوص ناسخا له # فإن قال قائل إنما يسوغ اعتبار العموم فيما ذكرت إذا لم يتقدمه لفظ خصوص ~~بخلاف حكمه PageV01P386 # فأما إذا كان الخصوص متقدما فالواجب أن يكون العموم مبيا عليه # قيل له ولم قلت ذلك # ألأن ما ور بلفظ الخصوص لا يجوز نسخه بعد ثوب حكمه فان قال نعم # قيل له انما الكلام بيننا وبنيك فيما يجوز نسخه لو أفرد به فقلنا لا فرق ~~بين إفراده بلفظ خاص لا يزيد عليه فيما تضمنه من الحكم يوجب نسخه وبين وجوب ~~نسخه وبين وجوب نسخه بلفظ عموم يشتمل عليه وعلى غيره # وإذ جاز نسخه فما الذي يمنع اعتبار العموم الوارد بعده بإيجاب نسخه وما ~~الفرق بين أن يرد بعد الخصوص لفظ يقابل الخصوص لا يزيد عليه بخلاف حكمه ~~وبين أن يرد لفظ عموم ينتظم الخصوص وغيره # ولا خلاف بيننا أنه لو اختص في الحكم الثاني على مقدار ما يقابل الخصوص ~~المتقدم كان ناسخا له فهلا لزمت هذا الاعتبار في إيجياب نسخه إذا ذكر ما ~~يتناول لفظ الحكم المتقدم ويزيد عليه # فإن قال لأن الحكم الخاص متيقن بثبوته ونسخه بالعام غير متيقن إذ جائز أن ~~يكون العام مبنيا عليه فلم يجز نسخه بالشك # قيل له ما معنى قولك ان الحكم الخاص متيقن ثبوته أعنيت به أن كان متيقنا ~~قبل ورود العام الموجب للحكم بخلافه أو أردت أنه متيقن بعد ورود العام # فإن قال أردت أنه كان متيقنا قبل ورود اللفظ العام # قيل له فهذا ما لا يخالف فيه وليس هو موضوع المنازعة فما الدلالة منه على ~~PageV01P387 انتفاء نسخه بالعموم الوارد بعده # فإن قال إنما أردت أنه متيقن بعد ورود العموم # قيل له ولم قلت ذلك وهو موضع الخلاف بيننا ms148 وبينك فكأنك إنما ذكرت صورة ~~المسألة التي منها الخلاف وجعلتها دلالة على نفسها # فإن قال لما كان الحكم الأول متيقنا وجب البقاء على ما كنا عليه حتى يثبت ~~زواله # قيل له ومن أين وجب ما قلت والأول إنما كان متيقنا متفقا على ثبوته قبل ~~ورود لفظ العموم بخلاف حكمه فما الدلالة من هذا الأصل على بقاء حكمه بعد ~~ورود لفظ العموم بخلافه فلا يرجع به عليه إذا حققت عليه المطالبة إلا إلى ~~دعوى عارية من البرهان # ثم يقال له ما أنكرت أن الحكم بما اشتمل عليه لفظ العموم لما كان متيقنا ~~ألا يخص منه شيء بما تقدم لفظ الخصوص بالشك # فإن قال لا يكون موجب حكم العموم متيقنا مع تقدم لفظ الخصوص # قيل له ولا يكون بقاء حكم الخصوص متيقنا مع ورود لفظ العموم الموجب للحكم ~~بخلافه # فإن قال لأن الخصوص مع العموم بمنزلة الاستثناء مع الجملة # قيل له ولم قلت ذلك والاستنثاء لابد من أن يكون متصلا بالجملة ثابت الحكم ~~معه فما الدليل على بقاء حكم الخصوص بعد ورود العموم بخلافه حتى يجعله ~~منزلة الاستثناء # فإن قال لأن في بناء العام على الخاص استعمال اللفظين جميعا وفي إثبات ~~النسخ إسقاط أحدهما واستعمالها جميعا أولى من إسقاط أحدهما بالآخر ~~PageV01P388 # قيل له وفي بناء العموم عليه اسقاط حكم العموم فيما قابل الخصوص منه فلم ~~جعلت إسقاط ذلك أولى من اسقاط حكم الخصوص المتقدم له # ومعلوم أن استعمال حكم العموم فيما لم يقابل الخصوص عنه غير متعلق ~~باستعمال الخصوص # وإنما يجب أن يعتبر الاستعمال فيما تعارض فيه لفظ الخصوص والعموم فلا ~~معنى لقولك أن استعمالهما أولى من الاقتصار به على أحدهما لأنك لم تستعمل ~~مما قابل الخصوص من لفظ العموم شيئا قط فصار ما قابل العموم من لفظ الخصوص ~~كخبرين متضادين أحدهما متأخر عن الآخر فيجب استعمال الآخر منهما ويكون ~~الأول منسوخا به وكل ما اعتل به خصمنا فيه لإثبات الخصوص عورض به بمثله في ~~إثبات ما قابله من العموم ثم يكون ms149 لقولنا مزية في إثبات حكم العموم ليست له ~~في إثبات الخصوص وهي وروده بعده وإلا يقضتي على الأول وينسخه والول لا يقضي ~~على الآخر فصار العموم أولى # ومن جهة أخرى إن بناء العام على الخاص ينقل لفظ العموم عن حقيقته إلى ~~المجاز ويجعل وقوع العلم بموجبه فيما عدا الخصوص من طريق الاجتهاد بعد أن ~~كان موجبا للعلم بمقتضاه وما اشتمل عليه لفظه وفي وجوب حمل لفظ العموم على ~~الحقيقة وامتناع صرفه PageV01P389 الى المجاز ما يوجب أن يكون ناسخا للخصوص ~~المتقدم # فإن قال قائل لما احتمل العام أن يكون مبنيا على الخاص ولم يحتمل الخاص ~~أن يكون مبنيا على العام وجب حمل ما فيه احتمال على مالا احتمال فيه # قيل له ان قولك إن العام يحتمل أن يكون مبنيا على الخصاص غلط لأن العموم ~~حكمه فلا احتمال فيه لغيره وإنما يطلق الاحتمال في اللفظ الذي يصلح لأحد ~~شيئين ويحتمل كل واحد منهما ولا يجوز أن يرادا به جميعا مثل القرء المحتمل ~~للحيض والطهر # وأما العموم فمنتظم لجميع ما اشتمل عليه من مسميات فلا احتمال فيه لغيره # وإذا كان ذلك كذلك فالعموم غير محتمل لكونه مبنيا على الخصوص كما قلت إن ~~الخصوص غير محتمل لكونه مبنيا على العموم فقد استويا في هذا الوجه من باب ~~الاحتمال وانفصلنا نحن منكم بورود العموم بعد الخصوص وكونه ناسخا له على ما ~~بينا # وذكر بعض من احتج على عيسى بن أبان في هذا الباب ألفاظا من العموم مبنية ~~على الخصوص رام بها دفع هذه المقالة فمنها ما فساده أظهر من أن يحتاج إلى ~~كشفه ومنها ماهو ظاهر من بناء العام على الخاص وجميع ما ذكره وأطال القول ~~فيه يسقط بحرف واحد نحن نذكره ثم نشرع في بيان خطئه في كل شيء أتى به على ~~حياله وتوضيح أن أكثره موضوع في غير موضعه فنقول # إن جميع ما ذكره هذا الرجل لو سلم له على حسب ما ادعاه لم يكن فيه دلالة ~~على موضع الخلاف بيننا لأنا لا ms150 ننكر بناء العام على الخاص فنستعملها ~~PageV01P390 في حال إذا قامت دلالته ونقضي بالعام على الخاص في حال أخرى ~~فنوجب نسخه به فلا دلالة له فيما ذكره على موضع الخلاف وإنما كان يلزمنا ما ~~ذكر لو قلنا إنه لا يجوز بناء العام على الخاص بحال فهذا يسقط جميع ما ذكره ~~إلا أنا مع ذلك لا ندع الإبانة عن خطئه فما أورده # فمما ذكره هذا الرجل قوله تعالى @QB@ كلوا من ثمره إذا أثمر @QE@ قال ~~فهذا عام وقوله تعالى @QB@ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل @QE@ وهذا خاص ~~قضى على العام فيقال له هذا ما لا يعترض على موضع الخلاف لأنا إنما قلنا ~~نقضي بالعام على الخاص إذا ورد بعد استقرار حكم الخاص وأما إذا لم نعلم ~~تاريخهما فإنا قد نبني العام على الخاص إذا قامت دلالته # وأيضا فإن في سياق الآية ما يوجب خصوصها وهو قوله تعالى ولا تسرفوا وأكل ~~المال بالباطل من الإسراف فلا يحتاج إلى تخصيصها بغيرها # وذكر أيضا قوله تعالى @QB@ إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ~~@QE@ # قال فلم يدل ذلك على جواز عفو المحجور عليه # قال أبو بكر # ونسي أن المحجور عليه ليس بيده عقدة النكاح # وعلى أنه لو كان فيها تخصيص كان بدلالة PageV01P391 # وذكر قوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وأنه ~~لم ينسخه قوله لا صلاة إلا بطهور وليس هذا مما نحن فيه في شيء لأن الصلاة ~~اسم شرعي موقوف المعنى على الدلالة فقوله فليصلها اذا ذكرها معناه ما تكون ~~صلاة في الشرع ومن فعلها بغير طهور لم يكن مصليا وقوله عليه السلام لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور بيان أن الصلاة ما هي الا تخصيص فيه # وأيضا فإن قوله فليصها إذا ذكرها أمر بقضاء الفائتة والفائتة إنما كانت ~~صلاة بطهارة ولم تكن صلاة قبل فواتها إلا بهذا الوصف كما لم تكن صلاة الا ~~بركوع وسجود وسائل شرائطها فانما أمر بقضاء الفائتة على الوصف الذي حصل ~~عليه الفوات فأي تخصيص في ms151 ذلك إذ جمعنا إلى ذلك شرط الطهارة في الصلاة ~~PageV01P392 # قال هذا الرجل # وبالذهاب عن هذه الجملة خاصمت قريش النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون @QE@ حتى ~~ورد @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ وهذا أبعد ~~من الاول في جهة الدلالة منه على موضع الخلاف # وذلك أن قوله تعالى @QB@ وما تعبدون من دون الله @QE@ لم يتناول قط غير ~~الأصنام التي عبدت من دون الله لأن ما في اللغة لغير العقلاء ومن للعقلاء ~~فمن اعترض عليه بعبادة المسيح والملائكة صلوات الله عليهم فقد تعسف وذهب عن ~~معنى الآية # وقد علمت قريش أن هذا اللفظ لم يناول غير الأصنام ولكنها اعترضت بما ذكرت ~~من عبادة المسيح والملائكة متعنتين له فقال إن كانت هذه الاصنام في النار ~~لأنها عبدت من دون الله فقد يجب مثل ذلك في الملائكة والمسيح لأنهم عبدوا ~~من دون الله # ولكنه أخبر بما يفعله بها في الآخرة والله تعالى لم يقل إن الأصنام في ~~النار لأنها عبدت من دون الله ولكنه أخبر بما يفعله بها في الآخرة تعبير ~~للكفار وإظهارا لتكذيبهم بأنهم يقربونهم إلى الله زلفى PageV01P393 # وليس يجب إذا أخبر أنه يجعل الأصنام مع عبدتها في النار أن يكون كذلك حكم ~~الملائكة والمسيح لأنهم من أنبياء الله تعالى وأوليائه ومن لا يجوز أن ~~يعذبهم في الآخرة # ثم لم يدعهم وما اعترضوا به حتى أنزل @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون @QE@ وعلى ان ما سبق من وعد الله تعالى أنبياءه وأولياءه ~~الجنة خبر لا يجوز النسخ والتبديل في مخبره # وقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى @QE@ خبر ورد بعده فلا بد ~~له وإن كان مخرجه مخرج عموم من أن يكون مرتبا عليه كما يكون العموم مرتبا ~~على أحكام العقل التي لا يجوز فيها النسخ والتبديل # وذلك ضرب من الدلالة على وجوب ترتيب أحدهما على الآخر وقد عقدنا في أصل ~~المذهب جواز ذلك ms152 بدلالة # وأيضا فإن قوله تعالى @QB@ وما تعبدون من دون الله @QE@ لم يرد إلا مرتبا ~~على ما في العقل من امتناع جواز تعذيب الملائكة والمسيح في الآخرة # وذكر أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب ألم يقل الله تعالى ~~@QB@ استجيبوا لله وللرسول @QE@ حين دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه ~~PageV01P394 # قال أبو بكر # وهذا عليه دلالة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أن قوله تعالى @QB@ ~~استجيبوا لله وللرسول @QE@ قاض على النهي عن الكلام في الصلاة والآية عامة ~~والنهي عن الكلام في الصلاة خاص فأعلمه عليه السلام ان العام قاض على الخاص ~~والإكثار من مثل هذه الاعتراضات التي ذكرها هذا الرجل إنما يطول بها الكتاب ~~من غير تحصيل ولا فائدة # لأن النكتة التي عليها مدار الباب ان العام قد بني على الخاص بدلالة وقد ~~يقضي عليه اذا لم تقم دلالة الترتيب وكل موضع بنى فيه العام على الخاص فلم ~~يخل من دلالة أوجبته # وذكر غيره في نحو هذا قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ من الذين أوتوا الكتاب @QE@ وليس في ذلك ترتيب عام على ~~خاص لأن قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن @QE@ لم يتناول ~~الكتابيات عندنا لما بيناه فيما PageV01P395 سلف من أن إطلاق اسم المشرك ~~يتناول عبدة الأوثان وعلى أنه لو كان عموما لم يعترض على ما ذكرنا من وجهين # أحدهما أنا إنما قلنا إن العام ينسخ الخاص إذا ورد بعد استقرار حكمه وليس ~~عندنا علم ذلك في هاتين # والثاني أنا إنما رتبنا العام عليه لاتفاق السلف عليه إذا لم يعلم تاريخ ~~نزولهما # ونظائر ذلك كثير في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب ~~لكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ إلى آخره وقوله تعالى ~~@QB@ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فاعتزلوا ~~النساء في المحيض @QE@ # وكل ذلك إنما وجب فيه الترتيب لدلائل أوجبته واعتراض مخالفنا علينا بمثل ~~ذلك كاعتراض نفاة العموم بالآي التي ظواهرها العموم والمراد بها الخصوص ~~واستدلالهم بها على نفي ms153 القول بالعموم فقلنا لهم إن الأصل العموم وصرنا إلى ~~الخصوص بدلالة كما أن الأصل في الكلمة الحقيقية ولا تصرف إلى المجاز إلا ~~بدلالة # كذلك نقول فيما قد ذكرنا أنا قد دللنا على صحة المقالة بما وصفنا # وكل موضع أريتمونا فيه الترتيب فإنما رتبناه بدلالة فلا يقدح ذلك في أصل ~~المقالة كما لا يقدح وجود لفظ مراده الخصوص في أصل القول في العموم ~~PageV01P396 # قال أبو بكر # وقد وجدنا في القرآن والسنة عموما قضى على الخصوص نحو قوله تعالى @QB@ ~~يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير @QE@ إلى آخرها وقوله ~~تعالى @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين @QE@ عموم نسخ به حظر ~~القتال في الشهر الحرام ان كان بعض السلف قد خالفنا فيه جميعا وزعم أن 2 ~~النهي عن القتال في الشهر الحرام ثابت غير منسوخ وهو مذهب عطاء بن رباح # وقد ذكر عيسى بن أبان في نحو ذلك أشياء منها قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لا وصية لوارث عام نسخ به الوصية للوالدين والأقربين وقوله @QB@ وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ وجميع ذلك خاص نسخه العام # قال أبو بكر # وقوله @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ يوجب نسخ ذلك أيضا لأن قوله ~~تعالى @QB@ من بعد وصية @QE@ اقتضى وصية منكورة لمن كانت من الناس وجعل ~~باقي المال بعد الوصية للورثة وقوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين @QE@ وقوله @QB@ وصية ~~لأزواجهم @QE@ اقتضى وجوب الوصية لهم وهو خاص نسخه قوله تعالى @QB@ من بعد ~~وصية يوصي بها أو دين @QE@ وهو عام لأنه اقتضى جواز وصية لمن كان من ~~PageV01P397 الناس ويجعل الباقي للورثة فلا يبقى للوالدين والأقربين ولا ~~للزوجة وصية فقد دل هذا على أن هذه الآية قد اقتضت نسخ إيجاب الوصية ~~للوالدين والأقربين # قال عيسى بن أبان وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع المستعيرة وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا قطع على حائز فقضى بذلك على الخاص وقامر ~~أبو ms154 بكر رضي الله عنه المشركين حين نزلت آية @QB@ الم غلبت الروم @QE@ ثم ~~نسخها عموم تحريم القمار # قال وتحريم الربا مجمل نسخ كل ربا كان من قرض أو بيع أو غيره # قال أبو بكر # ويدل على أن العام يقضي على الخاص إذا ورد بعده قول أم سلمة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم حين صلى في بيتها ركعتين بعد العصر ما هاتان الركعتان وقد ~~كنت نهيت عنهما فقال ركعتان كنت أصليها فشغلني عنهما الوفد ولم يقل لها ان ~~اعتبارك هذا لا يجوز بل بين لها جهة الخصوص وروي أنها قالت أونقضيهما إذا ~~فاتتا قال لا فيقال لهذا الرجل إذا كنت قد وجدت عاما قضى على خاص ونسخه ~~وعاما مرتبا على خاص فلم جعلت ما وجدت من نسخ فيهما قاضيا بوجوب الترتيب في ~~كل حال دون أن تجعل ما وجدت من نسخ الخاص بالعام موجبا لكون الخاص منسوخا ~~بالعام أبدا حتى تقوم دلالة الترتيب فلا يمكنه الانفصال من ذلك إذ كان أكثر ~~حجاجه في الباب الاقتصار على ما PageV01P398 وجد من الترتيب والاستدلال به ~~على وجوب اعتباره في كل حال وعلى أن صاحبه قد خالف هذا الأصل الذي رام هذا ~~الرجل نصرته بما هو أبعد من نسخ الخاص بالعام # وذلك لأن الشافعي رحمه الله قال في قوله تعالى @QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~@QE@ أنه ناسخ لقوله تعالى في ذكر الوصية @QB@ اثنان ذوا عدل منكم أو آخران ~~من غيركم @QE@ ومعلوم أن قوله تعالى @QB@ وأشهدوا ذوي عدل منكم @QE@ خاص ~~ورد في شأن الرجعة # وقوله تعالى @QB@ أو آخران من غيركم @QE@ خاص أيضا في شأن الوصية في ~~السفر فكيف تعترض إحدى الآيتين وكل واحدة منهما واردة في غير ما وردت فيه ~~الأخرى وهذا أبعد من نسخ الخاص بالعام وإنما يصح الاحتجاج في مثل هذا بقوله ~~تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ~~@QE@ PageV01P399 إلى قوله تعالى @QB@ فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ~~ضعيفا @QE@ إلى قوله @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ ممن ترضون من ms155 الشهداء @QE@ وقد يكون حين الوصية عقود المداينات وإملاء ~~الحق الذي على المدين وهذه الإية منتظمة لحال الوصية وغيرها فصارت ناسخة ~~لقبول شهادة أهل الكفر في الوصية لأن الوصية قد تشتمل على ذكر الدين # وإذا ثبت بهذه الآية بطلان شهادة أهل الكفر على إملاء الحق على وجه ~~الوصية يثبت بطلانها في سائر وجوه الوصايا لن أحدا لم يفرق بينهما فهذا عام ~~قد نسخ عند عامة الفقهاء حكما خاصا في شأن الوصية # وإن كان بعض الناس يرى حكم الآية ثابتا في جواز شهادة أهل الكفر على وصية ~~المسلم في السفر وهو مذهب أبي موسى الأشعري في آخرين من التابعين كمجاهد ~~PageV01P400 وعبيدة السلماني وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب وجعل الشافعي ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنيس واغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ~~قاضيا على قصة ماعز في اعتبار الاقرار اربع مرات فقصة ماعز خاصة مفسرة وقصة ~~أنيس عامة هذا مع احتمال لفظه لموافقة قصة ماعز لأن ما دون الاربع مرات من ~~الإقرار يجوز أن لا يكون اعترافا ف يالحكم ومع احتمال أن يكون النبي صلى ~~الله عليه وسلم اقتصر في تركه عدد الاقرار على علم أنيس بأن الاعتراف ~~الموجب للرجم هو الاقرار أربع مرات PageV01P401 # وقال الشافعي الوضوء مما مست النار منسوخ بأكل النبي صلى الله عليه وسلم ~~خبزا ولحما ولم يتوضأ فنسخ العام بالخاص لأن الوضوء مما مست النار عموم في ~~الخبر واللحم وغيرهما وتركه الوضوء من الخبز واللحم خصوص في هاتين الصفتين ~~ممن ينسخ العام بالخاص مع امتناع وقوع النسخ في مثله بنفس اللفظ غير جائز ~~له الامتناع من إيجاب نسخ الخاص بالعام المشتمل عليه وعلى غيره # وإن قال قائل قد أوجبتهم أنتم نسخ الوضوء مما مست النار بتركه الوضوء من ~~الخبز واللحم # قيل له ليس الأمر فيه على ما ظننت وذلك ان لنا أصلا في قبول الاخبار ~~وشرائط نعتبرها فيه متى خرج الخبر عنها لم نقبله وهو أن ما كان بالناس إلى ~~معرفته حاجة عامة فغير جائز وروده من ms156 جهة الآحاد # فلما كانت الحاجة إلى معرفة الوضوء مما مست النار عامة ولم يرد إيجاب ~~الوضوء منه الا من طريق الآحاد لم يثبت ايجاب الوضوء منه وحملنا معنى ~~الحديث على غسل اليدين دون وضوء الصلاة # وقد قال الشافعي قول النبي صلى الله عليه وسلم إن شرب الخمر في الرابعة ~~فاقتلوه PageV01P402 منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرىء مسلم ~~الا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس وهذا عام ~~نسخ به خاصا مع وجود الخلاف في قتل شارب الخمر في الرابعة لان الحسن روى عن ~~عبدالله بن عمر أنه قال ائتوني بمن شرب الخمر في الرابعة فإني اقتله وهذا ~~الاعتبار الذي ذكرنا من القضاء بالعام على الخاص موجود عن الصحابة رضى الله ~~عنهم مستفيض من مذهبهم وما نعلم أحدا من السلف روي عنه المذهب الذي ذهب ~~اليه مخالفونا في هذا الباب ومما روي عن السلف في ذلك قول أمير المؤمنين ~~على رضى الله عنه في الجمع بين الاختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية وروي عنه ان التحريم اولى فقضى بقوله تعالى @QB@ وأن تجمعوا بين ~~الأختين @QE@ PageV01P403 على ملك اليمين والنكاح ولم يجعله مترتبا على ~~قوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ وكان عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه يقول أحلتهما آية وحرمتهما آية # وروي عنه ان التحليل أولى فقضى بقوله تعالى @QB@ إلا ما ملكت أيمانكم ~~@QE@ على تحريم الجمع بين الاختين ويجوز ان يكون ذهب فيه إلى قوله تعالى ~~@QB@ فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ وهو عموم وتحريم الجمع خاص وقد كان ~~ابن عمر اذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية قال إن الله تعالى حرم ~~المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الشرك شيئا أكثر من قول المرأة عيسى أو ~~عبد من العباد الله عز وجل فاحتج بعموم PageV01P404 قوله تعالى @QB@ ولا ~~تنكحوا المشركات @QE@ فجعله قاضيا على قوله @QB@ والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم @QE@ # وقيل لابن عمر إن ابن الزبير يقول ? < لا يحرم ms157 الرضعة ولا الرضعتان فقال ~~قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير قال الله > ? وأخواتكم من الرضاعة ~~? < وعارضت عائشة ما روي عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم وقف على ~~قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال إنهم الآن يسمعون ما أقول ~~فقالت قال الله تعالى > ? @QB@ فإنك لا تسمع الموتى @QE@ وهل ابن عمر إنما ~~قال إنهم الآن ليعلمون إن الذي كنت أقول لهم الحق وردت حديث الميت يعذب ~~ببكاء أهله عليه بقول الله تعالى @QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ وكانت ~~عائشة وابن عباس رضي الله عنهما يردان حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع وذي مخلب من الطير بقول الله تعالى @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما @QE@ وجعل عمر وعبدالله بن مسعود وابن عمر وأبو مسعود البدري قول ~~الله تعالى @QB@ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن @QE@ قاضيا على قوله ~~تعالى @QB@ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ PageV01P405 وهذا خاص في ~~المتوفى عنها زوجها والاول عام فيها وفي غيرها ونظائر ذلك عن السلف اكثر من ~~أن يحتمل ذكرها هذا الكتاب وفيما ذكرنا ما يوضح عن مذهب السلف فيه # وأما إذا ورد لفظ العموم والخصوص في خطاب واحد فإنهما يستعملان جميعا لأن ~~لفظ التخصيص إذا ورد مع العام فهو بمنزلة الاستثناء مع الجملة وهذا لا خلاف ~~فيه وذلك نحو قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ ~~ثم قال في سياق خطاب الآية @QB@ فمن اضطر في مخمصة @QE@ فخص حال الاضطرار ~~من الجملة قبل اسقرار حكمها فصار عموم اللفظ مبنيا على الخصوص المعطوف عليه ~~وذلك نحو قول الله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ فخص الربا ~~بالتحريم من جملة ما أحله من البيع في خطاب واحد ولو لم يخصه لكانت الإباحة ~~عامة في سائر البياعات ربا كان أو غيره ونحوه في الاخبار قول الله تعالى ~~@QB@ الأعراب أشد كفرا ونفاقا @QE@ فلولا التخصيص لعم سائرهم فلما قال في ~~سياق الخطاب @QB@ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ms158 ما ينفق ~~قربات عند الله وصلوات الرسول @QE@ صار أول الخطاب مبنيا عليه ونظائر ذلك ~~كثير PageV01P406 # فأما إذا ورد العام والخاص ولم يعلم تاريخ واحد منهما فإن عيسى بن ابان ~~ذكر حكم الخبرين إذا وردا بهذا الوصف فقسمهما اقساما أربعة فقال ~~PageV01P407 إما أن يعمل الناس بها جميعا فيستعملان ويرتب العام على الخاص ~~كنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ماليس عند الانسان ورخصته في السلم ~~بكيل معلوم ووزن معلون إلى أجل معلوم # أو يتفقوا على استعمال أحدهما دون الآخر العمل على ما اتفقوا عليه والاخر ~~منسوخ # أو يختلفوا في ذلك فيعمل بعض الناس بأحد الخبرين والعامة تخالفه وتعيب ~~عليه ما ذهب اليه فلا يلتفت إلى قوله فالعمل على ما عليه العامة # قال أبو بكر # ونعني بالعامة عامة فقهاء السلف نحو حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد وروى أسامة بن زيد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إنما الربا في النسيئة والأمر على حديث أبي سعيد ~~لأنه مفسر لا يحتمل المعاني وحديث اسامة يحتمل المعاني فإما أن يكون منسوخا ~~أو محمولا على موافقة الأول في الجنسين # وقال عيسى أيضا في الخبرين المتضادين إذا عمل الناس بالأول منهما والذي ~~يعمل بالآخر شاذ خامل # ويسوغ الأولون الاجتهاد لهؤلاء وكان سبيله الاجتهاد لانهم قد سوغوه وإن ~~عابوه عليهم فالعمل على الأول ولا يعمل بالآخر PageV01P408 # قال أبو بكر # وهذا يدل على أن مراده بقوله في العام والخاص فعمل بعض الناس بأحد ~~الخبرين والعامة تخالفه أن المنفرد واحد شاذ لا يعترض بمثله على خلاف ~~الجماعة في ذلك # قال عيسى وإن وجدنا الناس مختلفين في العام والخاص يدخل بعضهم الخاص في ~~العام ويخرجه بعضهم منه وسوغ كل فريق لصحابه ما ذهب اليه فيه كان أحد ~~الحديثين عندنا ناسخا لصاحبه فلم نعرف الناسخ منهما بعينه واختلفوا فيه ~~بالاجتهاد وسوغ كل واحد منهما لصاحبه ما ذهب إليه # ولو كان أحدهما لا ينقض الاخر لم يجز للناس الاختلاف فيهما ms159 ويعملوا بهما ~~جميعا كما عملوا بالسلم وبكراهة بيع ما ليس عنده قال ومن ذلك النهي عن ~~الصلاة بعد الصبح وبعد العصر وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يا بني ~~عبد مناف لا تمنعوا أحد يطوف بهذا البيت ويصلي في أي ساعة شاء من ليل أو ~~نهار وأنه رأى رجلين لم يصليا PageV01P409 معه الغداة فقال إذا صليتما في ~~رحالكما وجئتما فصليا فإنها لكما نافلة فقال ناس النهي ناسخ للإباحة وقال ~~آخرون هو مخصوص كالسلم وبيع ما ليس عند الانسان فلما اختلفوا ووجدنا رواة ~~النهي عمر وعائشة وابا سعيد الخدري فذكر هو ذلك بعد الطواف فلو كان مخصوصا ~~كانوا اعلم به # قال أبو بكر رحمه الله # الذي حصل من قول عيسى في هذا الباب ان الخاص والعام اذا وردا وعريا من ~~دلالة النسخ أنهما يستعملان جميعا على الترتيب وأنه إن اختلف السلف فيهما ~~دل ذلك على ان احدهما ناسخ للآخر لأنه لولا ثبوت النسخ لكان بابهما الترتيب ~~عند الجميع ولما اختلفوا فيه وما ذكره من ان اتفاق السلف هو المعتبر في ~~استعمال ذلك فهو صحيح لأن اتفاقهم حجة # فعلى أي وجه حصل اتفاقهم من استعمال الخبرين على الترتيب أو القضاء ~~بالعام PageV01P410 # على الخاص فهو صحيح لا يجوز العدول عنه وإن اجمع الجميع على استعمال ~~أحدهما إلا واحدا شذ عنهم وعابوا على الواحد ما ذهب إليه فالعمل على ما ~~اجتمعت عليه الجماعة # قال أبو بكر # فهذا الفصل من قوله يحتمل وجهين # احدهما انه لم يعد ذلك الشاذ خلافا على الجمهور وإن كان من أهل عصرهم وإن ~~شرط الإجماع عنده اتفاق مثل هذه الطائفة وأن من انفرد عنهم كان شاذا على ~~مذهب من لا يعد الواحد ولا الاثنين من أهل العصر خلافا على عظم الفقهاء # والوجه الآخر أنه يعتد بخلاف هذا الواحد عليهم اذا كان من أهل العصر في ~~حكم الحادثة التي لا أثر فيها إلا أنه لا يعتد به في الخاص والعام والخبرين ~~المتضادين من جهة أنه جعل اجتماع الجمهور على ms160 حكم أحد الخبرين وإظهارهم ~~النكير على من شذ عنهم مقويا لخبرهم ودالا على أنهم قد علموا نسخ الخبر ~~الآخر بخبرهم الذي اتفقوا على استعماله لولا ذلك لما ساغ لهم النكير على ~~مخالفهم في ذلك وهو مما يسوغ الاجتهاد فيه فدل إظهارهم النكير على من شذ ~~عنهم في مخالفتهم وفي اعتصامه بالخبر الذي صار اليه على أنهم قد علموا نسخه ~~بما علموا من الخبر الذي رووه ولأن ما عملوا به لوكان هو المنسوخ لكانوا هم ~~أولى بعلمه من المنفرد الشاذ PageV01P411 # فجعل ما وصفنا دلالة على أن ما اتفقت عليه الجماعة هو الناسخ وأن الآخر ~~منسوخ به وهذا أظهر الوجهين عندي وأولاهما بمراده فيما ذكره لأنه لو كان ~~إنما جعل قول الجمهور أولى لأنه لم يعتد بخلاف المنفرد عنهم لما اختلف عنده ~~في ذلك حكم ذلك المنفرد في حال ظهور النكير من الجماعة عليه فيما صار إليه ~~أو تركه النكير عليه لأن من لا يعتد بخلافه لا يختلف حاله في ظهور النكير ~~عليه ممن خالف عليه أو تركهم ذلك عند كثير ممن يعتد بخلاف الواحد على ~~الجماعة # وقد سوغ عيسى بن أبان اجتهاد الرأي في الخبرين المتضادين والمصير إلى قول ~~الواحد الشاذ دون الجماعة اذا لم تعب الجماعة على الواحد ماذهب إليه من ذلك # فدل ذلك من قوله على أنه لم يسقط حكم الواحد المنفرد إذا ظهر نكير ~~الجماعة عليه في مخالفته إياهم من حيث لم يعده خلافا وأنه إنما اعتبر ما ~~صار إليه الجماعة من حكم الخبرين لانه استدل بذلك على أنه هو الناسخ عندهم ~~ومن أجله أنكروا على من خالفهم # والدليل على صحة ما ذهب اليه من ذلك أن ما كان طريقه الاجتهاد لا يجوز ~~ظهور النكير من بعضهم على بعض فيه فإذا وجدنا النكير ظاهرا من الجماعة على ~~الواحد ولم يلجئوا فيما ذهبوا إليه إلا إلى الخبر الذي اعتصموا به وقد ~~سمعوا مع ذلك خبر PageV01P412 المنفرد عنهم دل ذلك على انهم لم يفعلوا ذلك ~~إلا وقد علموا ان ما ms161 صاروا إليه من حكم أحد الخبرين هو الناسخ المعول عليه ~~دون الآخر فصار ذلك بمنزلة خبر التواتر مع خبر الواحد أنه يقضى عليه ولا ~~يعترض به على التواتر # فإن قال قائل فإن الواحد يقول للجماعة مثل ذلك فيما صار إليه من حكم ~~الخبر الذي رواه # قيل له لم يذكر عيسى أن الواحد انكر على الجماعة مصيرها إلى الخبر الذي ~~روته كما ذكر إنكار الجماعة على الواحد ولا يدرى ما جوابه في ذلك على انا ~~نلتزمه مع ذلك ونقول إنه لو ظهر مع ذلك في النكير من كل واحد من الفريقين ~~على صاحبه فيما صار إليه من حكم الخبر الذي رواه كان ماذهب إليه الجماعة ~~أولى بالحق وذلك لأن الناسخ سبيله أن يظهر كظهور الخبر المنسوخ فلو كان ما ~~صار إليه الواحد هو الناسخ لظهر ذلك في الجماعة كظهور الأصل ولعرفته وما ~~خفي عليها # فلما لم تعرف الجماعة ذلك ناسخا وعرفت ما صارت إليه منهما ناسخا كان ~~ماذهب إليه الجماعة أولى بالاستعمال وليس يمنع أن يخفى حكم النسخ على ~~الواحد والاثنين فيتمسك من اجل خفائه عليه بما سمعه بدءا لانه ليس على ~~النيبي صلى الله عليه وسلم إذا نسخ حكما قد حكم به ان يقصد به كل واحد من ~~الناس في عينه وإنما عليه إظهاره في الجماعة وإن خفي بعد ذلك حكمه على ~~الواحد والاثنين كان عليهما أن يصيرا فيه إلى قول الجماعة وأيضا فإذا ثبت ~~أن اختلافهم في حكم الخبرين على هذا الوجه كان من طريق النسخ كان قول ~~الجماعة في ذلك أولى لأن أكثر أحوالهم أن يصيروا بمنزلة الجماعة إذا روت ~~النسخ وخالفهم الواحد والاثنان فتصير رواية الجماعة أولى من رواية المنفرد ~~فبان بما وصفنا أن PageV01P413 ما صار إليه الجماعة من حكم الخبرين أولى ~~بالاستعمال # وأما إذا اختلف السلف في الخاص والعام فقضى بعضهم بالعام على الخاص وقضى ~~بعضهم فيهما بالترتيب ولم يظهر من بعضهم النكير على بعض فيما صاروا إليه # فإن ماكان طريقه الاجتهاد والاستدلال بالأصول على ما ms162 يجب من حكمهما من ~~قبل أناقد بينا في الفصل الذي قبل هذا ان العام إذا ورد بعد استقرار حكم ~~الخاص كان قاضيا عليه وناسخا له وإذا كان هذا هكذا واحتمل فيما وصفنا إذا ~~لم يعلم التاريخ أن يكون الخاص وأراد بعد العام فيجب الترتيب واحتمل أن ~~يكونا وردا معا فيجب الترتيب أيضا واحتمل ان يكون العام فيجب الترتيب ~~واحتمل بعد استقرار حكم الخاص فيكون ناسخا له لم يجز لنا القضاء بشيء من ~~هذه الوجوه دون الآخر لاحتمالهما كل واحد منهما فصار بمنزلة اللفظ المحتمل ~~للمعاني المختلفة إذا ورد مطلقا وليس بعض المعاني للذي يحتمل بأولى به من ~~بعض فيحتاج في إثبات حكمه إلى دلالة غيره وهذا صحيح على الأصل الذي قدمنا ~~من أن ورود العام بعد استقرار حكم الخاص يوجب نسخه فمن سلم هذا الأصل ثم ~~قال مع ذلك إني أرتب العام على الخاص مع عدم التاريخ ووجود الخلاف فيه بين ~~السلف وتسويغهم الاجتهاد فيه بتركهم النكير على مخالفهم من غير دلالة يرجع ~~إليها في ايجاب الترتيب كان متعسفا قائلا لما لا دليل له عليه PageV01P414 # وأيضا فإن الخلاف إذا حصل بين السلف فيما ذكرنا والاحتمال قائم في ~~الترتيب والنسخ على وصفنا صار حكم اللفظ بمنزلة سائر الحوادث التي يحتاج في ~~اثبات حكمها إلى ردها إلى الأصول والاستشهاد بها عليه فلذلك لم نجز الاقدام ~~على شيء من ذلك إلا بعد الاستشهاد بالأصول فما شهد له الأصول منهما كان ~~أولى بالاستعمال وهو الناسخ والآخر منسوخ به # وأيضا لما لم نعلم تاريخهما صار كالخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما ~~واختلف السلف فيهما فيكون سبيله الاستدلال على الناسخ منهما بالنظائر ~~والأصول # فإن قيل قد علم ثبوت الخاص في وقت وثبوت العام أيضا واستعمالهما ممكن فلا ~~نرفع ما تيقنا ثبوته بالشك # قيل له انا وان كنا قد تيقنا ثبوتهما فلم نتيقن بقاءهما لأن العام إذا ~~ورد بعد استقرار حكم الخاص فهو ناسخ له عندنا # فإذا لم يكن معنا يقين ببقاء حكم الخاص لم يجز إثباته ms163 بالشك ووجب الرجوع ~~إلى الدلائل في بقاء حكمه أو نفيه # فإن قيل لما احتمل العام أن يكون مبنيا على الخاص ولم يحتمل الخاص أن ~~يكون مبنيا على العام صار العام بمنزلة اللفظ المحتمل للمعاني فحمل على ما ~~لا يحتمل إلا معنى واحدا كما يحمل المتشابه على المحكم # قيل له ما لم يعلم تاريخه من العام والخاص فالاحتمال قائم في كل واحد ~~منهما لأن PageV01P415 الخاص جائز أن يكون منسوخا وجائز أن يكون مخصصا له ~~وكذلك جائز أن يكون ناسخا وجائز أن يكون مخصوصا # فلما كان الاحتمال قائما في كل واحد منهما سقط قول القائل إن العام فيه ~~احتمال ولا احتمال في الخاص # وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول إن مذهب أبي حنيفة في الخاص والعام ~~أنه متى اتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال الآخر اكان ~~ما اتفق على استعمال حكمه منهما قاضيا على ما اختلف فيه وقد رأيت هذا ~~المعنى لعيسى بن أبان أيضا وذلك نحو ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال فيما سقت السماء العشر فهذا خبر متفق على استعماله في الخمسة الأوسق ~~وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ~~مختلف في استعماله فكان خبر إيجاب العشر مطلقا قاضيا عليه ناسخا له # ونظيره ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن صلاة ركعتين بعد ~~العصر حتى تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع هو متفق على استعماله في النفل ~~المبتدأ وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ركعتين بعد العصر عند ~~عائشة وأم سلمة وأنه رأى قيسا يصلي PageV01P416 صلاة بعد صلاة الفجر فلم ~~ينكر عليه وقال للرجلين اللذين لم يصليا معه الفجر إذا صليتما في رحالكما ~~ثم أتيتما المسجد فصليا مع الإمام كل هذه أخبار مختلف في استعمالها فكان ~~خبر النهي قاضيا عليه # وكذلك نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس متفق عليه وحديث أبي ذر إلا بمكة ~~مختلف فيه فكان خبر ms164 النهي أولى ومثله حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في ~~الكلام في الصلاة ناسيا وسائر الاخبار المروية في حظر الكلام فيها فهي ~~قاضية على خبر جواز البناء مع الكلام لأن خبر حظر الكلام متفق على استعماله ~~والبناء بعد الكلام مختلف فيه فكان خبر الحظر ناسخا لسائر ما روي في جواز ~~البناء مع الكلام ومثله نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التمر بالتمر إلا ~~مثلا بمثل ونهيه عن المزابنة # فهذان الخبران متفق على استعمالهما وخبرا العرايا والخرص مختلف في ~~استعمالهما فكان النهي قاضيا على الإباحة PageV01P417 # وهذا أصل صحيح يستمر عليه المسائل # والدليل على صحة هذا الأصل أن الخبر الذي تلقاه الناس بالقبول واستعملوه ~~يجري مجرى التواتر عندنا ويوجب العلم والعمل وان كان وروده من طريق الآحاد ~~فغير جائز فيما كان هذا وصفه الاعتراض عليه بخبر الواحد في نسخه أو تخصيصه ~~على ما بينا فيما سلف من امتناع جواز الاعتراض بأخبار الآحاد على حكم ~~الكتاب والسنن الثابتة # وأيضا فلو كان الخاص ثابتا كثبوت العام المتفق على استعماله لوجب ان ~~يعرفه الجميع كما عرفوا العام لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد ان يبين ~~الناسخ كما بين المنسوخ قبل ورود نسخه فسبيله أن يعرفه عامة من عرف الحكم ~~المنسوخ فلما وجدناهم قد عرفوا العام واستعملوه ولم يعرف الجميع بقاء حكم ~~الخاص كما عرفوا العام علمنا ان العام ناسخ له وقاض عليه وكذلك يجب هذا ~~الاعتبار في التخصيص وان لم يكن وجهه النسخ لأنه لابد من بيان التخصيص اذا ~~كان العام مما يمكن استعماله بنفسه حتى يعرفه من عرف العام # فإن قيل فالواجب ان يعرف الجميع الخاص ونسخه كما عرفوا العام فإن لم يثبت ~~نسخ الخاص عند الجميع كثبوت العام علمنا ان الخاص غير منسوخ # قيل له ليس عليهم ان يعرفوا المنسوخ وما قد ارتفع حكمه ولا عليهم نقله ~~بعد علمهم بنسخه فليس يمتنع ان يحصل منسوخا ولا تنقله الكافة ويخفى على ~~بعضهم PageV01P418 نسخه فيتعلق به ونقلهم للعام واستعمالهم إياه دلالة ms165 على ~~انه هو الثابت الحكم وأن الخاص منسوخ به وان لم يقولوا لنا انه منسوخ # قال أبو بكر رحمه الله # وذكر عيسى بن أبان ما قدمنا حكايته عنه في هذا الباب في حكم الخبرين اذا ~~وردا على الوجه الذي ذكرنا وينبغي ان يكون كذلك حكم الآيتين إذا كانت ~~إحداهما خاصة والاخرى عامة اذا لم يعلم تاريخهما على الوصف الذي بينا ~~PageV01P419 PageV01P420 & الباب الحادي والعشرون في الخبرين إذا كان كل ~~واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه آخر& PageV01P421 PageV01P422 & باب ~~القول في الخبرين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه آخر & # قال أبو بكر # الأصل فيما كان هذا وصفه من الأخبار أن يعتبر السبب الذي ورد فيه كل واحد ~~منهما فنخبر عن سببه ولا يعترض به على الآخر ما أمكن استعماله غير مخصص ~~لصاحبه فيما ورد فيه إلا أن تقوم الدلالة فيهما على غير ذلك فيصار إليها ~~ولك على نحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة عند ~~طلوع الشمس وعند غروبها فهذا وارد في بيان حكم الأوقات وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم من نام عن صلاة أو نيسها فليصلها إذا ذكرها # وهذا وارد في إيجاب القضاء على تاركها حتى يخرج الوقت فلا يعترض به على ~~خبر بيان حكم الأوقات PageV01P423 # وكذلك ما روي عنه عليه السلام من قوله يا بني عبدمناف لا تمنعوا طائفا ~~يطوف بالبيت ويصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار إنما ورد في النهي عن منع ~~الطواف والصلاة في المسجد الحرام فلا يعترض به على بيان الوقت الذي ينهى عن ~~الصلاة فيه ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا ~~إلى الصلاة فهذا أمر بصلاة الكسوف وليس فيه بيان الوقت الذي يجوز فيه أو لا ~~يجوز وخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة فيه بيان الوقت الذي لا تجوز ms166 ~~الصلاة فيه ونحوه قوله تعالى @QB@ فعدة من أيام أخر @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وسبعة إذا رجعتم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام @QE@ ~~هذه الآيات واردة في إيجاب الصوم وليس فيها ذكر تفصيل الأوقات المنهي عن ~~الصوم فيها وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن صوم يوم الفطر ~~وأيام التشريق فلم يعترض الأمر بفعل الصيام في PageV01P424 الأيام التي ~~ذكرناها مطلقا على حكم الوقت بل كان النهي عن الصيام في الأوقات المذكورة ~~جاريا على بابه ومحمولا على ما ورد به والأمر بوجوب صيام رمضان وصوم الحج ~~وصوم الكفارة محمولا على بابه في إيجاب الصوم ونحو قوله تعالى @QB@ وأن ~~تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف @QE@ فيه بيان حظر الجمع وهو عموم في ~~بابه وقوله تعالى @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ لا ~~نعترض عليه لأنه ورد في إباحة ملك اليمين بالسبي ولم يتعرض فيه لجهة الجمع ~~فلا يعترض به عليه ولولا اجتماع الخبرين على هذا الوجه لم يكن يمتنع في كل ~~واحد منهما إذا ورد منفردا عن الآخر إجراؤه على العموم في جميع ما انتظمه ~~ظاهره إلا أنه لما ورد بإزائه خبر هو أخص منه في بابه وصار كل واحد منهما ~~واردا على وجه وسبب غير ما ورد فيه الآخر أجرينا كلا منهما وحملناه على ~~سببه أصول الفقه المسمى الفصول في الأصول للإمام أحمد الجصاص PageV01P425 & ~~باب صفة البيان # قال أبو بكر البيان إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا مما يلتبس به ~~ويشتبه من أجله PageV02P006 وأصله في اللغة من القطع والفصل يقال بان منه ~~إذا انقطع قال النبي صلى الله عليه وسلم ما بان من البهيمة وهي حية فهو ~~ميتة وبان إذا فارق قال جرير % بان الخليط ولو طوعت ما بانا % $ # وبان الأمر إذا ظهر وبانت المرأة بينونة إذا فارقت زوجها ثم قالوا بان ~~الأمر ووضح بيانا وبان من الفراق بينا ومن انقطاع النكاح بينونة والأصل في ~~جميع ذلك واحد وهو الانقطاع فسمي الفراق بيبا لانقطاع المفارق عن صاحبه # وسمى ms167 اظهار المعنى وإيضاحه بيانا لانفصاله عما يلتبس به من المعاني فيشكل ~~من PageV02P007 أجله وإنما خالفوا بين أبنية هذه الأفعال لإفادة أحوال ~~الموصوفين بها كما قالوا عدل وعديل والمعنى واحد الا أنه سمى ما يعدل به ~~المتاع عدلا وما يعدل به الرجل عديلا ليفيدوا عند الإطلاق كل واحد على ~~حياله من غير حاجة منهم إلى ذكر غيره وقالوا امرأة حصان وبناء حصين وامرأة ~~رزان وحجر رزين # وقال حسان بن ثابت % حصان رزان ما تزن بريبة % وتصبح غرثى من لحوم ~~الغوافل % $ # والأصل في اللفظين واحد وإنما فرقوا بينهما ليفيدوا به عند الإطلاق من ~~وصف به والبيان وإن كان حقيقة ما وصفنا فإنه سمى ما يوصل إلى علمه ~~بالاجتهاد وغالب الظن بيانا في الشريعة لأن الله تعالى قد أمر به ونص على ~~اعتباره PageV02P008 # فإن قال قائل فواجب على هذا أن يطلق على كل من أفهمنا قصده ومراده بأنه ~~ذو بيان # قيل له كل من فعل ذلك فقد أبان عن مراده وأتى ببيانه إلا أنه لا يسمى ~~لذلك على الإطلاق لأن الإطلاق إنما يتناول من غلب على كلامه الإيضاح وانتفى ~~عنه العي والتعقيد كما أن الفصاحة والبلاغة أصلها إفصاح اللسان بمراده ~~وبلوغه حاجته فيما يريد الإبانة عنه # ولا يسمى كل من أفصح عن نفسه فصيحا على الإطلاق وكما أن قولنا عالم وفقيه ~~مشتق من العلم والفقه ولا يسمى كل من علم شيئا عالما ولا من فقه مسألة ~~فقيها على الإطلاق وكذلك قولنا فلان ذو بيان وبين اللسان إنما ينصرف عند ~~الإطلاق إلى من كان الغالب على كلامه الإبانة عن نفسه مع انتفاء العي ~~والتعقيد عنه # فإن قال قائل هلا قلت إن البيان هو ما يتبين به الشيء كما أن التحريك هو ~~ما يتحرك به الشيء والتسويد وهو ما يسود به الشيء # قيل له لا يجب ذلك لأن البيان قد يحصل من المبين وإن لم يتبين به المخاطب # وقد حصل البيان من الله تعالى ومن رسوله للمكفلين فيما تهم إليه الحاجة ~~من أمر دينهم ولم ms168 يتبينه كثير من أهل العناد والكفر ودل ذلك على أن فقد ~~التبيين من PageV02P009 المخاطب لا يؤثر في صحة وقوع البيان من المبين وأما ~~التحريك فإنه لا يوجد أبدا إلا ويحصل به التحريك وكذلك التسويد لا يكون إلا ~~ويسود به الشيء فهذا غير مشبه للبيان # وذكر الشافعي البيان ووصفه فقال البيان اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول ~~متشعبة الفروع فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن يكون بيانا لمن خوطب به ~~فيمن نزل القرآن بلسانه وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض ثم جعله على ~~خمسة أوجه وهذه الجملة التي ذكرها فيها PageV02P010 خلل من وجوه # أحدها أن ما حد به البيان وقصد به إلى صفته لم يبين به ماهية البيان ولا ~~صفته لأنه ذكر جملة مجهولة فكان بمنزلة من قال البيان اسم يشتمل على أشياء ~~ثم لا يبين تلك الأشياء ما هي # فالذ 4 ي وصف به البيان هو بالإلباس أشبه منه بالبيان لأنه لم يذكر ~~المعاني المجتمعة الأصول المتشعبة الفروع ما هي وما حدها وصفتها والذي ~~اقتضاه كلامه أن يقول و PageV02P011 المعاني المجتمعة الأصول كذا والمتشعبة ~~الفروع كذا حتى يكون قد أفادنا شيئا واسم البيان إذا اطلق من غير تفسير دل ~~على معناه عند السامعين مما وصفه به وقصد به إلى بيان تحديده # وأيضا فإن ما ذكره لا يجوز أن يكون تحديدا للبيان ولا وصفا له بوجه لأنه ~~يشرك فيه ما ليس ببيان ولا من جنسه إذ كان أكثر الأشياء شاركه في أنها ~~مجتمعة الأصول متشعبة الفروع إذ ليس يحتمل قوله مجتمعة الأصول متشعبة ~~الفروع إلا أنه يجمعها أصل واحد ثم تنقسم إلى معان أخر # فإن قال قائل قد بين مراده حين قسمه على خمسة أقسام والأقسام هي الفروع ~~المتشعبة والمجتمعة الأصول إلا أنها يجمعها كلها معنى واحد وهو القصد إلى ~~إعلام المخاطبين # قيل له لم يقل هو ذلك وإن سلمنا لك كان ما ذكرناه صحيحا لأنه يوجب أن ~~يكون كل ما انقسم أقساما يجمعها أصل واحد أن يكون بيانا ms169 حتى نقول إن الجسم ~~بيانه لأنه ينقسم إلى حيوان ونام وجماد و يقول إن الحيوان بيان لأنه ينقسم ~~إلى إنسان وبهمية وطائر وغير ذلك ونقول إن الشيء بيان لأنه ينقسم بعد ذلك ~~إلى أشياء كثيرة مختلفة وهذا هو الفساد لأن أحدا لا يجعل البيان اسما لشيء ~~من ذلك # وعلى أنه قد يقضي هذا التحديد بالتفسير حين سمى كل قسم من الأقسام الخمسة ~~التي ذكرها بيانا # فقال البيان أول كذا والثاني كذا فاقتضت الجملة التي قدمها في وصف البيان ~~أن يكون كل قسم من هذه الأقسام بيانا وتكون اسما لمعان مجتمعة الأصول ~~متشعبة الفروع ومعلوم أن كل قسم من الأقسام الخمسة التي ذكرها ليس بهذا ~~الوصف PageV02P012 # وأيضا فقد يكون بيانا ما لا يشتمل عليه هذا الوصف لأن قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما سقت السماء العشر إذ كان بيانا لقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه ~~يوم حصاده @QE@ لم يكن هذا القول مما يصح وصفه بأنه معان مجتمعة الأصول ~~متشعبة الفروع وهو مع ذلك بيان صحيح # فإن قال قائل لا يلزمه ما ذكرت لأن هذا أحد أقسام البيان لا جميعه # قيل له أو ليس هو بيانا في نفسه مع ذلك وما حده بالوصف الذي ذكر يقتضي أن ~~يكون المذكور شرطا لجميع ما سمي بيانا فلا يجوز إذا كان هذا هكذا أن يحد ~~البيان بما لا يجوز أن يخرج عنه لأن التحديد يقتضي ألا يخرج عن الحد ما هو ~~منه كما لا يدخل فيه ما ليس منه فإذا وجدنا بيانا صحيحا لا يحصره الحد الذي ~~ذكره للبيان فقد وضح بطلان تحديده # وأيضا فإن الرجل أخبر عن البيان ما هو والبيان اسم جنس لدخول الألف ~~واللام يقتضي استيعاب جميعه فواجب على قضيته أن لا بيان إلا ما كان بهذا ~~الوصف وقد نقض هو ذلك بكل قسم من الأقسام التي ذكرها للبيان لأن كل قسم ~~منها ليس بهذا الوصف # وأيضا فإنه سمى قوله تعالى @QB@ فتم ميقات ربه أربعين ليلة @QE@ بيانا ~~لقوله تعالى @QB@ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ms170 وأتممناها بعشر @QE@ وهذا لا ~~يسميه أحد بيانا في شرع ولا لغة لأن البيان هو إظهار المعنى وإيضاحه منفصلا ~~مما يلتبس به PageV02P013 # وليس في ذكر الأربعين بعد تقديم ذكر الثلاثين والعشر اظهار شيء ولا إيضاح ~~لما اشكل بالكلام الأول وإنما يسمى كذلك تأكيدا وتقريرا كما يؤكد بتكرار ~~اللفظ كقوله تعالى @QB@ فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى @QE@ وكقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإن لم تجد بنت مخاض فابن لبون ذكر وليس هذا من البيان في شيء # وجعل أيضا الشافعي قوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة @QE@ زيادة في البيان وما سمى أحد هذا بيانا غيره ~~وإنما قال أهل العلم في ذلك أنها عشرة كاملة في قيامها مقام الهدي وما ~~يستحق بها من الثواب # ثم قسم البيان إلى خمسة أقسام وما سبقه إلى هذا التقسيم أحد فلا يخلو من ~~أن يكون أخذه عن لغة أو عن شرع ولا سبيل له إلى اثبات ذلك من واحدة من ~~الجهتين ولا ندرى عمن أخذه ويشبه أن يكون ابتدأه من قبل نفسه ثم لم يعضده ~~بدلالة فحصل على الدعوى # ثم جعل القسم الأول قوله تعالى @QB@ فتم ميقات ربه أربعين ليلة @QE@ ~~ونحوه وقد بينا أن هذا ليس ببيان # وقد قال بعض أصحابه أن فائدة ذكر العشرة بعد تقديم العدد المذكور أن الله ~~تعالى أراد أن يعلمنا بذلك الحساب وهذا تأويل يكفي في الإبانة عن جهل قائله ~~وغباوة حكاية PageV02P014 قوله # وجعل القسم الثاني قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وتحريم الفواحش ~~والميتة والدم ولحم الخنزير وقال أصحابه إنما جعل الشافعي هذا بيانا ثانيا ~~لأنه كاف بنفسه # قال أبو بكر وما ذكره في البيان الأول هو مستغن مستقل بنفسه أيضا لأن ~~قوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم @QE@ مكتف بنفسه ~~في إفادة مقدار العدد وكذلك قوله تعالى @QB@ تلك عشرة كاملة @QE@ فإن ms171 كان ~~قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ وما ذكر معه إنما ~~وجب أن يكون من البيان الثاني لأنه كاف بنفسه فيجب أن يكون ذلك حكم ما قدم ~~ذكره في البيان الأول لهذه العلة فيوجب هذا أن يكونا جميعا من قسم واحد ~~فإما أن يكون الأول من الثاني أو يكون الثاني من الأول فلا يجوز أن يكونا ~~قسمين مع اتفاقهما في المعنى الذي صار به احدهما من القسم الثاني # وجعل البيان الثالث بيان النبي صلى الله عليه وسلم للفروض المجملة ~~كالصلاة والزكاة PageV02P015 # وجعل البيان الرابع ما ابتدأه النبي صلى الله عليه وسلم من السنن في حيز ~~ما ابتدأه الله من الفروض وأن يكونا جميعا قسما واحدا # وذلك لأنهما غير مختلفين في جهة البيان وليس يختلف البيان بالقائلين ~~وإنما يختلف في نفسه # فإذا بان ما سنه صلى الله عليه وسلم وابتدأه غير مخالف لما ابتدأه الله ~~تعالى من الفروض في وقوع الدلالة على المعنى فهما من قسم واحد # ولو جاز أن يجعل ذلك قسما آخر من البيان لجاز أن يجعل كل فرض على حدة ~~قسما آخر من البيان وهذا يوجب أن لا يكون لأقسام البيان مقدار معلوم لأن ~~ذلك أكثر من أن يحصى # وجعل البيان الخامس الاجتهاد والاجتهاد وإن كان مما قد قامت الدلالة على ~~صحة القول به فإن ما يؤديه إليه إنما هو عليه ظن ليس بيقين وما كان كذلك ~~فليس يقع به بيان الحكم في الحقيقة ألا ترى إلى قول الله تعالى @QB@ لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ فذكر المنصوص ووصفه بالبيان ولم ~~يجعل ما كان طريقه الاجتهاد في حيز ما وقع البيان فيه إلا أنه ان كان سمى ~~الاجتهاد بيانا من حيث أمرنا به لم يصق العبارة عنه بذلك # ولم يذكر الإجماع في أقسام البيان وكان الاجماع أولى بذكره في ذلك من ~~القياس والاجتهاد لأن الاجماع حجة الله تعالى لا يجوز وقوع الخطأ فيه ~~PageV02P016 # وأما قوله عقيب ذكره البيان فأقل ما في تلك المعاني المجتمعة المتشبعة أن ms172 ~~يكون بيانا لمن خوطب به ممن نزل القرآن بلسانه فإنه إخبار عن البيان لمن ~~يكون ولا دلالة فيه على معنى البيان بوجه # وفيه أيضا خلل من قبل أن البيان لا يختص بلغة دون غيرها وإن كانت لغة ~~العرب أبين وأفصح من سائر اللغات لأن أهل كل لغة ولهم ضرب من البيان في ~~لغتهم # وموضوع اللغات في الأصل للبيان لا غير والرجل إنما ابتدأ القول بذكر ~~البيان على الإطلاق ولم يقل البيان الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ليكون بيانا لمن ذكر ممن نزل القرآن بلسانه وعلى أن اقتصاره ~~بالبيان أنه لمن نزل القرآن بلسانه غير مستقيم لأن القرآن والسنن بيان ~~لسائر المكلفين من الناس من عرف لغة العرب منهم ومن لم يعرف وإن كان من لا ~~يعرف لغة العرب يحتاج إلى أن يعرف معناه بلغته وينقل إلى لسانه # والدليل عليه قوله تعالى @QB@ هذا بيان للناس @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ @QE@ وقال تعالى @QB@ إن هو إلا ~~ذكر للعالمين @QE@ وقال في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم @QB@ نذيرا للبشر ~~@QE@ فكل من ترجم له معنى القرآن والسنن من أهل سائر اللغات فهم منذرون ~~بالقرآن وبالرسول عليه السلام # وقول القائل إن ذلك بيان لمن نزل القرآن بلسانه خطأ ثم لم يرض أصحابه ~~بتحديد البيان على ما ذكر فقالوا البيان اسم لإخراج الشيء من حيز الأشكال ~~إلى التجلى فخالفوه في ذلك من وجهين PageV02P017 # أحدهما أن الشافعي جعل قوله تعالى @QB@ فتم ميقات ربه أربعين ليلة @QE@ ~~وقوله @QB@ تلك عشرة كاملة @QE@ بيانا وليس فيه إخراج الشيء من حيز الاشكال ~~إلى التجلي لأن قوله تعالى @QB@ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~@QE@ لم يكن قط مشكلا وكذلك قوله تعالى @QB@ فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم @QE@ لم يشكل على أحد انه عشرة فلم يخرج بذكره الأربعين ~~والعشرة شيئا من حيز الاشكال إلى التجلي # والوجه الآخر أن ما كان طريقه الاجتهاد من الحوادث لا يخرج به الشيء من ~~حيز الاشكال إلى ms173 التجلي لأنه لو كان كذلك لما كان من باب الاجتهاد ولكان ~~بمنزلة سائر ما عليه أدلة قائمة يكشف عن حقيقته كالتوحيد وسائر صفات الله ~~تعالى فكان يجب أن يكون من خالف في مسألة اجتهادا مخالفا لحكم الله تعالى ~~مردود الحكم إذا حكم به وهذا لا يقوله أحد من الفقهاء فدل على أن ما كان ~~طريقه الاجتهاد لم يخرج من حيز الإشكال إلى التجلي # وقد جعله الشافعي أحد أقسام البيان مع خروجه عن الحد الذي حده أصحابه ~~للبيان # وعلى أن هذا التحديد أيضا ظاهر الانحلال من قبل أن هذا الوصف إنما يوجد ~~في بعض أقسام البيان وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه والخطاب ~~PageV02P018 المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن سائر ~~المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بين المراد فهو بيان صحيح لا يدفع أحد أن ~~يكون بيانا في الحقيقة ولا يشتمل عليه مع ذلك الوصف الذي وصف به البيان ألا ~~ترى أن قوله تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ حرمت عليكم ~~أمهاتكم @QE@ و @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ لم يكن قط في حيز الاشكال ~~فأخرج بهذا البيان إلى التجلي إذ لم يكن هناك اشكال قبل نزول الآية في أن ~~الغسل واجب أو غير واجب وأن الأم محرمة أو غير محرمة وقد اطلق مع ذلك القول ~~بأن البيان اسم لكذا وكذا فذلك يقتضي سائر ما يسمى بيانا ثم اقتصر بهذا ~~الوصف على بعض أقسام البيان دون جميعه PageV02P019 PageV02P020 PageV02P021 ~~& باب القول في وجوه البيان # قال أبو بكر البيان في الشرع على وجوه منها الأحكام المبتدأة ومنها تخصيص ~~العموم الذي يمكن استعماله على ظاهر ما ينتظمه الاسم فبين أن المراد البعض # ومنها صرف الكلام عن الحقيقة أو المجاز وصرف الأمر إلى الندب أو الإباحة ~~وصرف الخبر إلى الأمر فبين أن المراد باللفظ غير حقيقته ومنها بيان الجملة ~~التي لا تستغني عن البيان في إفادة الحكم وهذا البيان ليس بتخصيص ولكنه ~~تفسير للمراد بالجملة كقوله تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ فبين ~~النبي صلى الله ms174 عليه وسلم أن المراد العشر ونصف العشر والحق نفسه هو العشر ~~فلا تخصيص في ذلك ولا صرف للكلام عن الحقيقة # ومنها النسخ وهو بيان لمدة الحكم بعد أن كان في وهمنا وتقديرنا بقاؤه ~~PageV02P022 PageV02P023 PageV02P024 & باب فيما يحتاج إلى البيان وما لا ~~يحتاج إليه # قال أبو بكر كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته ولم يقترن إليه ما ~~يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان إلا أن يريد به ~~المخاطب بعض ما انتظمه أو كان مراده غير حقيقته فيحتاج إلى بيان المراد به ~~وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه أو لأنه اقترن إليه ما ~~جعله في معنى المجمل عل حسب ما تقدم منا القول في صفة المجمل وما في معناه ~~فهو مفتقر إلى البيان فالأول نحو قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ ~~@QB@ وأحل الله البيع @QE@ و @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ هذه ألفاظ ~~معانيها معقولة ظاهرة فهو مفتقر إلى البيان بنفس ورودها والثاني نحو قوله ~~تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وقوله تعالى @QB@ والذين في أموالهم ~~حق معلوم @QE@ وقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني PageV02P025 دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها وحسابهم على الله ونحو قوله تعالى @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن ~~تبتغوا بأموالكم محصنين @QE@ @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا ~~بأموالكم @QE@ ونحو قوله تعالى @QB@ والسارق والسارقة @QE@ لأنه قد اقترن ~~إليهما ما أوجب كونهما موقوفين على ورود البيان بهما على ما بينا فيما سلف ~~PageV02P026 PageV02P027 PageV02P028 & باب ما يقع به البيان # قال أبو بكر بيان الشرع يقع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس # وقد قال بعض أهل العلم من المتقدمين إن البيان يقع بخمسة أشياء بالقول ~~والخط والإشارة والعقد وهو يعني عقد الحساب وبالنسبة الدالة # فنقول على هذا إن البيان من الله تعالى يقع بالقول وبالكتابة والبيان ~~بالقول نحو سائر الفروض المبتدأة المعقول معانيها من ظاهر الخطاب # ويقع بالكتاب أيضا لأن القرآن كلام الله تعالى وكتابه في اللوح المحفوظ ~~وفي ms175 غيره فيكون منه بيان الأحكام المبتدأة بهذين الوجهين # ويكون منه بهما أيضا تخصيص العموم كقوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء @QE@ وخص منه المحرمات بالآية الأخرى وهو قوله تعالى @QB@ حرمت ~~عليكم أمهاتكم @QE@ ونحو بيان الجملة كقوله تعالى @QB@ للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون @QE@ ثم بينه بقوله تعالى @QB@ يوصيكم الله في أولادكم ~~@QE@ PageV02P029 # ويكون منه أيضا بيان مدة الفرض بهذين الوجهين وهو النسخ نحو قوله تعالى ~~@QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء @QE@ ثم قال تعالى @QB@ فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام @QE@ ونحو قوله تعالى @QB@ وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ~~غير إخراج @QE@ ثم نسخ منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشر بقوله تعالى @QB@ ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ # وكا 4 ن حد الزانين الحبس والأذى بقوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم @QE@ إلى آخره ثم قال تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة @QE@ فنسخ به الحبس والأذى المذكورين في الآية الأخرى ~~عن غير المحصن # ويكون منه تعالى البيان بالنسبة الدالة وذلك على وجهين # أحدهما العقليات ودلائلها والبيان بها أكثر من دلالة اللفظ لأن اللفظ ~~يجوز فيه التخصيص وصرفه عن الحقيقة إلى المجاز والدلائل العقلية الدالة على ~~توحيد الله تعالى وعدله وسائر صفاته لا يجوز عليها الانقلاب والتخصيص فهي ~~آكد من اللفظ في هذا الباب فكان البيان واقعا بها # والوجه الآخر ما كان طريقه الاجتهاد بين فروع أحكام الشريعة وقد قامت ~~الدلائل الموجبة لصحة القول بالاجتهاد فجاز أن يسمى ما يؤدينا إليه بيانا ~~وإن كان PageV02P030 عن غالب ظن # ويكون البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول نحو سائر السنن ~~المبتدأة ونحو تخصيصه لعموم القرآن كنهيه عن بيع ما ليس عند الانسان وبيع ~~ما لم يقبض وأحلت لي ميتتان ونحو قوله خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم خص ~~به قوله تعالى @QB@ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ # ويكون البيان منه بالكتابة أيضا كنحو كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم في ~~الصدقات والديات وسائر الأحكام وكتابه الذي كتبه لأبي بكر الصديق في ~~الصدقات وقال عبد ms176 الله بن عكيم ورد علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل موته بشهرين أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب PageV02P031 # وقال الضحاك بن سفيان الكلابي كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فثبت أن الكتابة يقع بها البيان ~~كوقوعه بالقول ويكون من النبي صلى الله عليه وسلم بيان المجمل في الكتاب ~~بهذين الوجهين نحو قوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق صدقة ولا ~~زكاة في مال حتى يحول عليه الحول وبيانه لفروض صدقات المواشي بالقول ~~والكتابة كل ذلك بيان للمراد بقوله تعالى @QB@ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~@QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر بيان لقوله تعالى ~~@QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وقوله تعالى @QB@ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ PageV02P032 # ويكون البيان منه بالفعل أيضا كفعله لأعداد ركعات الصلاة المفروضة ~~وأوصافها وقع به بيان المجمل من قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ ونحو ~~فعله في المناسك بيانا لقوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ وقد ~~أكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وقوله خذوا عني ~~مناسككم نبههم به على وجوب اعتبار البيان بفعله عما أجمل في الكتاب ذكره ~~وليس كل فعله في الصلاة أو الصدقة بيانا للجملة التي في الكتاب لأنه لو صلى ~~لنفسه لم يدل ذلك على أنه بيان لقوله تعالى @QB@ أقيموا الصلاة @QE@ ولو ~~تصدق بصدقة لم يدل على أنها مراده بقوله تعالى @QB@ وآتوا الزكاة @QE@ ~~وإنما يقع على وجه البيان ما يجمع الناس عليه من المكتوبات أو عقل من فعله ~~أنه فعلها على أنها فرض فيكون هذا دليلا على أنه معقول بالكتاب فصار بيانا ~~له لأن قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ PageV02P033 موجب ~~لفرضهما وما فعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضا فلا يكون فيه دلالة على ~~أنه فعله بيانا # ويكون منه أيضا بيان مدة الفرض المنصوص عليه في الكتاب أو السنة بقوله ~~صلى الله عليه ms177 وسلم لا وصية لوارث قد قيل إنه نسخ به الوصية للوالدين ~~والأقربين وقوله في الرجم نسخ به الحبس والاذى عن المحصن وفي السنه نحو ~~قوله صلى الله عليه وسلم ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ) فزوروها وكنت ~~نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا # ويكون البيان منه بالاشارة أيضا كقوله الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار ~~بأصابعه العشر فأفاد بأنه ثلاثون يوما # ثم قال الشهر هكذا وهكذ وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة فأفاد أنه تسعة ~~وعشرون يوما وقال الله تعالى لزكريا عليه السلام @QB@ آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا @QE@ ثم قال تعالى @QB@ فخرج على قومه من المحراب ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا @QE@ PageV02P034 يعني أشار إليهم فقامت ~~إشارته مقام القول في بلوغ المراد # وحكى الله تعالى عن مريم صلوات الله عليها @QB@ فأشارت إليه @QE@ فبينت ~~لهم مرادها بالإشارة # ويكون فيه البيان أيضا بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص نحو قوله ~~عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش في دم الاستحاضة إنها دم عرق وليست الحيضة ~~فدل على وجوب اعتبار خروج دم العرق في نقض الطهارة وقوله صلى الله عليه ~~وسلم حين سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال إن كان جامدا فألقوها وما حولها ~~وإن كان مائعا فأريقوه فدل بتفريقه بين المائع والجامد على سائر المائعات ~~ينجس بمجاورة أجزاء النجاسة إياها وغير ذلك من وجوه النظر المستنبطة من ~~السنن # وقد يقع من النبي صلى الله عليه وسلم بيان الحكم بالإقرار على فعل شاهده ~~من فاعل يفعله على PageV02P035 وجه من الوجوه فيترك النكير عليه فيكون عليه ~~فيكون ذلك بيانا منه في جواز فعل ذلك الشيء على الوجه الذي أقره عليه أو ~~وجوبه إن كان شاهده يفعله على وجه الوجوب فلم ينكره # وذلك نحو علمنا بأن عقود الشرك والمضاربات والقروض وما جرى مجرى ذلك قد ~~كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته مع علمه بوقوع ذلك منهم ~~واستفاضتها فيما بينهم ولم ينكرها على فاعليها فدل ذلك من إقراره إياهم على ~~إباحته ذلك ms178 لأن ذلك لو كان من حيز المحظور لأنكره وأبطله إذ غير جائز على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى أحدا على منكر من الفعل أو القول فيقاره ~~عليه ولا ينكره إذ كان إنكاره ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # وقد أمر الله تعالى جميع الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللنبي ~~صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر منه إذ كل من أمر بمعروف أو نهى عن منكر من ~~أمته فإنما فعله اقتداء به وبأمره فإذا علمنا إقرار النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوما على أمور علمها منهم من غير نكير منه عليهم فيها كان أقل أحوال ~~تلك الأفعال أن تكون جارية على الوجه الذي أقرهم عليه فدل ذلك على أن ~~البيان قد يقع من النبي صلى الله عليه وسلم بإقرار من شاهده على فعل وتركه ~~النكير عليه فيه فيدل على جوازه على الوجه الذي شاهده يفعله # فإن قال قائل ليس في إقراره عليه السلام من شاهده على فعل وتركه النكير ~~دلالة على إباحته وجوازه لأنه يجوز أن يترك النكير عليه اكتفاء بما قدم من ~~النهي عنه من جهة النص أو الدلالة لأنه قد أقر اليهود والنصارى على الكفر ~~وعلى عبادة غير الله تعالى ولم يدل ذلك على جوازه عنده ورضاه به # قيل له أي نكير أشد من قتاله إياهم عليه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~PageV02P036 صاغرون مع ما قدم فيه من الوعيد بالخلود في النار وإنما أعطاهم ~~العهد وأخذ منهم الجزية عقوبة لهم على أن يقرهم على كفرهم وذلك معلوم ظاهر ~~من أمرهم # ألا ترى أنه قد أنكر عليهم ما لم يعطهم العهد فيه على إقرارهم عليه من ~~المحظورات نحو ما كتب به إلى أهل نجران وكانوا نصارى إما أن تذروا الربا ~~وإما أن تأذنوا الحرب من الله ورسوله فابتدأهم بهذا الخطاب حين علم أنهم ~~كانوا يربون وإن اقرارهم عليه لم يدخل فيما أعطاهم من الذمة # ويقال لهذا القائل خبرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم هل ms179 يجوز أن يرى ~~رجلا يربي أو يغصب أو يقتل فلا ينكر على فاعله اكتفاء بما قدم من النهي عن ~~ذلك فإن قال نعم خرج من إجماع الأمة وجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~نزهه الله تعالى منه وأجاز على النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ويقال له فإن جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو لنا أجوز وإن جاز ذلك لنا فقد أدى ذلك إلى سقوط فرض الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر اكتفاء بما قدمه الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم ~~من النهي عن ذلك وفي هذا نقض ركن من أركان الدين عظيم # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم ~~يستطع فبلسانه فإن لم PageV02P037 يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان وكيف ~~يجوز أن يأمرنا بأن لا نقار أحدا على منكر إذا أمكننا تغييره ثم يقر هو ~~الناس عليه ويترك النكير عليهم فيه حاشا له من ذلك صلى الله عليه وسلم # وقد جعل أصحابنا رحمة الله عليهم ترك العلماء النكير على العامة في ~~معاملات قد تعارفوها واستفاضت فيما بينهم إجماعا منهم على جوازه نحو ما ~~قالوا في الاستصناع أنهم لما شاهدوا علماء السلف لم ينكروه على عاقديه مع ~~ظهوره واستفاضته كان ذلك اتفاقا منهم على جوازه وتركوا القياس من أجله ومثل ~~دخول الحمام من غير شرط أجرة معلومة ولا مدة معلومة ولا ذكر لمقدار الماء ~~الذي يستعمله أجازوه لظهوره في علماء السلف من العامة وتركهم النكير عليهم ~~فيه ومثل علمهم بأن الجباب والكيزان لا يخلو من بق أو بعوض يموت فيها في ~~أكثر الحال ثم لم يقل أحد PageV02P038 من علماء السلف للعامة لا يجوز لكم ~~استعمال الماء الذي هذه حاله مع علمهم بعموم بلواهم به فدل تركهم النكير ~~فيه على طهارة ذلك الماء لأنه لو كان نجسا ما جاز لهم ترك النكير على ~~مستعمله للطهارة إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها في قوله @QB@ كنتم ms180 ~~خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر @QE@ فدل ذلك على أن ~~كل ما أقر النبي صلى الله عليه وسلم الناس عليه فهو جائز على الوجه الذي ~~أقرهم عليه ومن نحو ذلك حديث الزهري عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمر ~~العجلاني لما لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته قال كذبت ~~عليها يا رسول الله إن أمسكتها هي طالق ثلاثا فتضمن هذا القول إخبارا منه ~~بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أنها امرأته إلى أن طلقها ثلاثا ولم ينكر ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم إخباره بذلك ومعلوم أنه غير جائز أن يخبر ~~أحد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه PageV02P039 مالك لبضع امرأة وهو ~~غير مالك في الحقيقة ثم يقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولا ينكره ~~عليه لأن قائل ذلك قد انتظم أمرين # أحدهما إخباره أنه مالك لبضعها وهو غير مالك وهذا كذب والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يقر أحدا على الكذب # والثاني إخباره عن اعتقاده بأن فرجها له مباح وهو محظور في الحقيقة فدل ~~تركه النكير على عويمر فيما أخبره به من ذلك أن الفرقة لم تكن قد وقعت بنفس ~~اللعان # ومثله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن لبس الحرير ~~والتختم بالذهب ثم يرى على نسائه الحرير والذهب فلا ينكره فدل ذلك على أن ~~النهي خاص بالرجال دون النساء # وقد يقع بيان المجمل بالإجماع لأنه حجة لله تعالى قد أمر باتباعه وحكم ~~بصحته فيجوز وقوع البيان به نحو إجماعهم على أن دية الخطأ على العاقلة ~~والذي في كتاب الله تعالى @QB@ فدية مسلمة إلى أهله @QE@ ولم يذكر وجوبها ~~على العاقلة فبين الإجماع المراد PageV02P040 بها وكإجماعهم على أن للجد مع ~~الولد الذكر السدس إذا لم يكن له أب وأن لبنتي الابن الثلثان إذا لم يكن ~~ولد لصلب وأن للجدتين أم الأم وأم الأب إذا اجتمعتا سدسا واحدا وهو مما قد ~~وقع به بيان قوله تعالى @QB@ للرجال ms181 نصيب مما ترك الوالدان والأقربون @QE@ ~~كما بين الله تعالى بعضه بنص قوله @QB@ يوصيكم الله في أولادكم @QE@ إلى ~~آخر القصة وكما بينت السنة بعضه فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الجدة ~~السدس كذلك الإجماع بين هذه الفرائض التي ذكرناها وهي مجملة في قوله تعالى ~~@QB@ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب @QE@ # وقد يكون بيان الإجماع بحكم مبتدأ كما يكون بيان حكم الكتاب والسنة وذلك ~~نحو إجماع السلف على حد الخمر ثمانين على ما بيناه في غير هذا الكتاب ~~وإجماعهم على تأجيل امرأة العنين # وقد يكون بيان خصوص العموم بالإجماع نحو قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني ~~@QE@ واجمعت الأمة أن العبد يجلد خمسين والإجماع وإن لم يخل من أن يكون عن ~~توقيف أو رأي فإنه اصل برأسه يجب اعتباره فيما يقع البيان به PageV02P041 ~~PageV02P042 PageV02P043 PageV02P044 & باب القول في تأخير البيان # قال أبو بكر اختلف الناس في تأخير البيان # فقال قائلون غير جائز تأخير بيان اللفظ الذي يمكن إجراؤه على ظاهره ~~وحقيقته إذا كان المراد به غير الظاهر ومنعوا أيضا جواز تأخير بيان المجمل # وقال آخرون لا يجوز تأخير بيان الظاهر ويجوز تأخير بيان المجمل إذا كان ~~اللفظ مؤديا ببيان يرد في الثاني # نحو قول القائل اعط زيدا حقه إذا بينه له # وامتنعوا من إجازته إذا لم يكن لفظ الإجمال مظهرا فيه فقالوا في نحو قوله ~~تعالى @QB@ وآتوا حقه يوم حصاده @QE@ وقوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ إذا لم يكن المراد بهما صلاة أو زكاة معهودة أنه غير ~~جائز تأخير البيان في مثله عن حال وروده إذ ليس معه ما يوجب تعليقه ببيان ~~يرد في الثاني # وقال آخرون يجوز تأخير البيان في جميع هذه الوجوه سواء كان اللفظ مكتفيا ~~بنفسه في إفادة حكمه أو كان مجملا موقوف الحكم على بيان من غيره ~~PageV02P045 # وقال آخرون ما كان مجملا لا يمكن استعمال حكمه أو لم يكن اللفظ في نفسه ~~مجملا إلا أنه قرن به ما يوجب إجماله ويمنع استعمال حكمه فجائز تأخير بيانه ~~عن وقت وروده سواء كان ms182 اللفظ مؤديا ببيان يرد في الثاني أو لم يكن فيه ذلك ~~وأما ما أمكن استعمال حكمه فغير جائز تأخير بيان خصوصه إن كان المراد ~~الخصوص عن حال إيقاع الخطاب والفراغ منه # قال أبو بكر # الذي أحفظه عن شيخنا أبي الحسن رحمه الله جواز تأخير بيان المجمل ~~وامتناعه فيما يمكن استعمال حكمه # وكذلك يجب أن يكون القول في اللفظ المطلق إذا أراد به المخاطب غير ~~الحقيقة فغير جائز تأخير بيان مراده # وهذا الذي حكيناه عن أبي الحسن هو عندي مذهب أصحابنا لأنهم يجعلون ~~PageV02P046 PageV02P047 الزيادة في النص نسخا إذا وردت متراخية عنه ولا ~~يجوزونها إلا بمثل ما يجوز به النسخ نحو إيجاب النفي مع الجلد وشرط الإيمان ~~في رقبة الظهار والنية في الطهارة وما يجري مجرى ذلك # ولو جاز عنده تأخير البيان في مثله لما كانت الزيادة عندهم نسخا بل كان ~~يكون بيانا لأن المذكور بدءا بعض الفرض لا جميعه وقد أجازوا مثل هذه ~~الزيادة في المجمل بالقياس وخبر الواحد # ألا ترى أنهم يشترطون النية في الصوم ولم يوجب ذلك عندهم نسخة بل كانت ~~PageV02P048 على وجه البيان لأن اللفظ لما كان مجملا مفتقرا إلى البيان بكل ~~ما ثبت أنه مشروط فيه من جهة خبر الواحد أو القياس أو غيره من وجوه الأدلة ~~فهو مراد باللفظ ويصير اللفظ عبارة عنه فكان ثبوت ذلك فيه على جهة بيان ~~المراد # والدليل على امتناع جواز تأخير بيان ما يمكن استعمال حكمه على ما ورد فيه ~~أنه قد ثبت عندنا صحة القول بالعموم ووجب حمل اللفظ على الحقيقة فالواجب ~~علينا إذا كان هذا هكذا اعتقاد حكم اللفظ على ما تضمنه من عموم وحقيقة فغير ~~جائز إذا كان المراد به الخصوص أو المجاز تأخير بيانه عن حال الخطاب به لأن ~~ذلك يوجب أن يكون قد ألزمناه اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ولزوم حكمه ~~على خلاف مراده وهذا لا يجوز على الله تعالى ولا على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ولأنه إذا أوجب علينا اعتقاده بنفس ظهور ms183 اللفظ على ما تضمنه من عموم ~~أو حقيقة فقد أجاز لنا الإخبار عنه بذلك وإن كان مراده البعض أو غير ~~الحقيقة فقد أجاز لنا الكذب لأنه إخبار عن الشيء بخلاف ما هو به تعالى لله ~~عن ذلك فلا ينفك القائل بتأخير بيان ما هذا وصفه من أحد أمرين # إما ترك القول بالعموم والظاهر # أو إجازة مجيء العبادة من الله تعالى باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ~~والإخبار عنه بذلك وكلاهما منفيان عن الله تعالى # وأيضا فإن إرادة التخصيص بمنزلة الاستثناء فكما لم يجز أن يتراخى ~~الاستثناء عن الجملة بأن يقول @QB@ فلبث فيهم ألف سنة @QE@ ثم يقول بعد مدة ~~@QB@ إلا خمسين عاما @QE@ وجب أن يكون كذلك حكم العموم إذا أريد به الخصوص ~~ألا يتأخر بيانه لأن العلة فيهما جميعا PageV02P049 أن تأخير بيانهما يؤدي ~~إلى جواز التعبد باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به # وأيضا قال الله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ وقال ~~@QB@ بلسان عربي مبين @QE@ وفي مخاطبات الحكماء أن الكلام إذا انقطع ضربا ~~من الانقطاع يعرف به الفراغ منه أنه يجب اعتقاد موجبه غير منتظر به ورود ~~بيان في الثاني ينفي بعض موجبه كما يعقل مثله في الإعداد إذا عريت من ~~الاستثناء فلو أن متكلما أطلق لفظ عموم أو عددا معلوم المقدار ثم قال بعد ~~ذلك بزمان أردت بعض ذلك دون بعض حكموا عليه بالكذب في مقالته كما لو أقر ~~لرجل بألف درهم ثم قال بعد زمان أردت تسعمائة ولولا أن ذلك كذلك لما استنكر ~~على أحد كذب أبدا لأن كل ما ينفي به الكلام الأول يمكنه أن يقول ما أردته ~~باللفظ أو أردت نفيه بشرط فلما كان جواز ذلك منفيا عن مخاطباتنا فيما بيننا ~~وجب أن ينتفي عن خطاب الله تعالى وخطاب رسول الله عليه السلام لأن الله ~~تعالى إنما خاطبنا بما هو في لغتنا وتعارفنا # فإن قال قائل يلزمك مثله في النسخ لأن كل ما ورد عن الله تعالى وعن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ms184 فواجب علينا اعتقاد بقاء حكمه ثم لا يمتنع مع ذلك ورود ~~نسخه كذلك لا يمتنع أن يلزمنا اعتقاد العموم ما لم يرد بيان الخصوص ~~PageV02P050 # قيل له هذا غلط لأن كل ما حكم الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~وهو مما يجوز نسخه وتبديله فغير جائز لأحد أن يعتقد بقاءه ما دام النبي صلى ~~الله عليه وسلم حيا بل يجب علينا اعتقاد جواز نسخه ما بقي النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإذا ورد النسخ فإنما ورد ما كان في اعتقادنا عند ورود الفرض ~~المتقدم # وقد احتج بعض من صنف في هذا الباب لامتناع جواز تأخير البيان فيما كان ~~وصفه ما ذكرنا بقوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك @QE@ قال فقد أمره بالتبليغ ~~والبيان فلا يجوز له أن يؤخره لأن في تأخيره مخالفة أمر الله تعالى والنبي ~~صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من ذلك # وهذا لا دليل فيه على ما ذكر لأن قوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل ~~إليهم @QE@ إنما يقتضي المنزل بعينه والمنزل مبين وإنما أراد إظهاره وترك ~~كتمانه ولا دلالة فيه على أنه أراد بيان الخصوص # وأيضا فإنه احتاج أن يثبت أولا أن البيان مما نزل إليه حتى يبين وكلامنا ~~مع المخالف في هل جائز أن يؤخر الله تعالى بيان العموم إذا كان مراده ~~الخصوص وليس في الآية امتناعه فلا معنى للاحتجاج بها في ذلك # وأيضا فإنه لو كان المراد بيان الخصوص لما دلت على وجوبه على الفور كما ~~تقول أعطيتك هذه الدراهم لتشتري بها ثوبا أو لتنفقها على نفسك لا دلالة فيه ~~على إرادة ذلك في الحال PageV02P051 # وأيضا فمعلوم أن المراد لتبين ما أمرت ببيانه فيحتاج إلى أن يثبت أولا ~~أنه مأمور بالبيان على الفور إذ ليس في اللفظ دلالة عليه فقد بين أنه ليس ~~في الآية دليل على ما ذكر هذا القائل في امتناع جواز تأخير البيان # وأما قوله تعالى @QB@ بلغ ما أنزل إليك ms185 من ربك @QE@ فعليه أن يثبت أولا ~~أن البيان مما قد أنزل إليه حتى يبينه لأن من يخالف في هذا مجوز أن ينزل ~~الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم عموم حكم ومراده الخصوص ثم يؤخر ~~بيانه عنه # واحتج بعض من أجاز البيان في ذلك بأنه ليس في العقل زعم إحالة ذلك لأنه ~~جائز أن يعلم الله تعالى من مصلحتنا أن يخاطبنا بالعموم فنعتقده ثم يبينه ~~لنا في الثاني # قال أبو بكر وفساد هذا الكلام وانحلاله أظهر من أن يخفي على ذي بصيرة ~~وذلك لأنه ادعى أولا أن في العقل يجوز ذلك واستدل عليه بأنه جائز أن يعلم ~~الله تعالى من مصلحتنا ان يخاطبنا بالعموم فنعتقده ثم يبينه لنا في الثاني # وقائل هذا لا يدري أنه غير جائز ان تكون المصلحة في أن يتعبدنا بخلاف ~~مراده وأن يبيح لنا الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به فرام هذا القائل إثبات ~~تجويز كون المصلحة في مجيء العبادة به بأن يجوز على الله تعالى ان يتعبد ~~بخلاف مراده وباعتقاد الشيء على خلاف ما هو به فانتظم أمرين كلاهما منفي عن ~~الله تعالى # أحدهما تجويزه على الله تعالى ان يتعبدنا بالجهل لأن اعتقاد الشيء على ~~خلاف ما هو به جهل PageV02P052 # والثاني تجويزه ان يتعبدنا بالكذب ثم انه بنى على هذا الأصل الفاسد الذي ~~أصله في التجويز وجود ما ادعاه في جواز تأخير البيان في زعمه واحتج فيه ~~بقول الله تعالى @QB@ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه @QE@ # قال وقد قيل في تأويله وجهان # أحدهما تلاوته والآخر بيانه قال وهو على الأمرين # قال أبو بكر ولا دلالة فيه على ما ذكر من وجهين # أحدهما أنه إن سلم له ما قد ادعاه من التأويل من أن وحيه بيانه كان ذلك ~~فيما يقتضي البيان ويحتاج إليه فأما اللفظ المكتفي بنفسه عن البيان فلم ~~تتناوله الآية # والآخر أنه نهى عن العجلة به قبل الفراغ من جميعه لأن بيان القول إنما ~~يحصل بالفراغ منه وبلوغ آخره ms186 لأنه قد يعلق تارة بشرط و يوصل باستثناء وبلفظ ~~التخصيص ولا دلالة فيه على جواز تأخير البيان فيما كان هذا وصفه ويكون ~~معناه موافقا لما قلنا من قبل أن يقضى إليك بيانه متصلا بالكلام # ويقال للمحتج بهذا ما معنى قوله تعالى @QB@ ولا تعجل بالقرآن @QE@ عندك ~~أراد به أن لا يتلوه أو أراد أن لا يعتقد حكمه على ما ورد حتى نبين لك ~~معناه # فإن قال أراد التلاوة # قيل له فلا خلاف بين المسلمين انه كان جائزا له التلاوة إذا حصل الفراغ ~~منه بانقطاع الكلام PageV02P053 # فإن قال أراد أن لا يعتقده على ما يقتضيه ظاهره فإن هذا يمنع من اعتقاد ~~العموم فيه وليس هذا كذلك # وهذا لو صح كان ينبغي ان يستدل به من يقف في العموم وأنت تقول أني اعتقد ~~العموم فيه ما لم يرد بيانه فقد خالفت قوله @QB@ ولا تعجل بالقرآن @QE@ على ~~معناه عندك وعلى هذا التأويل يوجب أن لا يعتقد النبي صلى الله عليه وسلم ~~العموم في شيء من القرآن إلى آخر عمره لأن تأخير بيان جميعه يجوز عندك ~~وكلما بين له شيء فجائز أن يكون هناك بيان آخر والبيان نفسه قد يكون من ~~القرآن فيكون موقوفا أيضا على بيان آخر وهذا فاسد لا يجوز القول به # واحتج أيضا بقوله تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه ثم إن علينا بيانه @QE@ وثم للتراخي فيقال له معلوم أن هذا فيما ~~يحتاج فيه إلى البيان والقول المكتفي بنفسه في إفادة الحكم غير مفتقر إلى ~~البيان فما الدلالة في الآية على جواز كونه بيانا حتى يجوز تأخيره # وأيضا معلوم أنه لم يرد بيان جميع ما أنزل من القرآن لأنه لو كان كذلك ~~لوجب أن يكون البيان أيضا مفتقرا إلى بيان # وكذلك الثاني والثالث إلى ما لا نهاية له وهذا فاسد فدل أن المراد بيان ~~بعض القرآن وذلك البعض هو المجمل الذي يحتاج إلى البيان فسقط استدلاله ~~بالآية على جواز تأخير بيان الظاهر # وأيضا فإذا كان معلوما مع ورود الآية ms187 أن المراد بيان بعض القرآن صار ~~تقديرها ثم إن علينا بيان بعضه فيحتاج إلى دلالة أخرى على ما اختلفنا فيه ~~من ذلك البعض الذي اخبر الله تعالى أنه يؤخر بيانه # وقال هذا الرجل أيضا لما كان تأخير بيان الجملة جاز مثله في العموم ولا ~~فرق PageV02P054 واقتصر على هذا القدر من غير أن يبين وجه الاستدلال ~~بأحدهما على الآخر وهذا الكلام لا يستحق به جوابا ولا زيادة أكثر من أن ~~يقال له ولم قلت إن هذا مثل بيان الجملة # ثم قال فإن قيل الفرق بينهما أن في الجملة لم يدر ما الإعتقاد وفي العموم ~~يدري # قال فإنهما قد اجتمعا في أن سارقا يقطع وأن كل سارق يقطع # وقال وأيضا فإذا جاز أن يؤخر بيان ما لا يدرى ما هو كان بيان ما يدرى ~~أولى أن يؤخر هنا # قال أبو بكر فأما قوله قد اجتمعا في الإعتقاد فهما سواء فإنه ضرب من ~~الهذيان لأن الجملة لا يمكننا اعتقاد معناها وإنما نعتقد بورودها أن فرضنا ~~ما قد تعلق وجوبه بهذا القول عند ورود البيان فليس يمتنع أن نبين في الثاني ~~معنى اللفظ وأما العموم فعلينا فيه اعتقاد ظاهره وموجب لفظه فإن كان مراده ~~غير ما دخل تحت اللفظ فحين ألزمنا القول بالعموم فقد أوجب علينا اعتقاده ~~على خلاف ما أراده منا وهذا ممتنع وأما قوله إذا جاز تأخير بيان ما لا يدري ~~ما هو ففيما يدرى أولى فلا معنى له لان ما لا يدرى لا يلزمنا فيه اعتقاد ~~شيء يبين لنا في الثاني خلافه وما يدرى قد ألزمنا منه اعتقاد ظاهره فلا ~~يجوز ورود البيان بعده بخلافه # ثم يقال له لا يجوز أن يتأخر الاستثناء عن الجملة لأنا لا ندري معنى قوله ~~تعالى @QB@ فلبث فيهم ألف سنة @QE@ فتأخير بيان الاستثناء أولى حتى يقول ~~بعد مدة @QB@ إلا خمسين عاما @QE@ كما قلت في تأخير بيان العموم إذا كان ~~مراده الخصوص PageV02P055 # قال هذا القائل وإنما نقول في اعتقاد مثله أنا نعتقده على العموم إن ~~خلينا وهو ms188 فليس يرفع البيان ذلك الإعتقاد # قال أبو بكر وإنما حكينا ألفاظه على وجهها وإن كانت ملحونة عنه لأنا لم ~~نحب تغييرها وأردنا أن يكون الكلام عليها على حسب ما ذكرها # فيقال له في هذا الفصل ما تقول في حكم اللفظ إذا صدر عن الله تعالى وعن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وحصل الفراغ منه قبل ورود البيان أنقطع فيه بأن ~~مراده العموم أو لا نقطع فيه بشيء لجواز أن يكون مراده الخصوص وإن لم يبينه ~~في الحال # فإن قال لا اعتقد فيه العموم إلا لأنه جائز أن يريد به الخصوص وإن لم ~~يبين # قيل له فإنا كلمناك على أنك تقول معنا بالعموم فإن صرت إلى مذهب أصحاب ~~الوقف سحبنا عليك جميع ما تقدم في باب اثبات العموم على أصحاب الوقف ~~وألزمنا أن تقف في البيان لجواز أن يكون له بيان آخر لم يذكره ويذكره في ~~الثاني وكذلك في كل بيان يرد سواء كان لفظا أو دلالة منه لأن دلالة اللفظ ~~ليست بآكد من اللفظ فأوجب الوقف في حكم اللفظ لجواز تأخير بيانه فدلالته ~~أحرى أن تكون كذلك فيؤدي ذلك إلى اسقاط حكم اللفظ رأسا # فإن قال إني لا أقول بالوقف والفصل بيني وبين أصحاب الوقف أني أقول إني ~~اعتقد العموم إن خليت وإياه وهؤلاء يقولون نقف فيه حتى يثبت العموم أو ~~الخصوص # قيل له لا فصل بينكما في المعنى وإنما خالفتم في العبارة وذلك لأنك معترف ~~أنك PageV02P056 لم تخل والعموم حين وروده وحصول الفراغ منه فالعموم لم ~~يثبت بعد لأنك علقته بشرط لم يثبت وهو قولك إن خليت وإياه وأنت إذا لا تدري ~~أخليت وإياه أم لا وأنت واقف في العموم فلا فرق بينك وبين أصحاب الوقف حين ~~قالوا نعتقد العموم ان كان هو المراد والخصوص إن كان هو المراد فان قلت إني ~~قد خليت والعموم نقضت ما ابتدأت به في هذا الفصل ورجعت عنه ولزمك جميع ما ~~قدمناه في صدر هذا الباب # ويقال له ما الفصل بينك وبين من ms189 اعتقد في ذكر الأعداد مثل اعتقادك في ~~العموم فنقول في قوله تعالى @QB@ فصيام شهرين متتابعين @QE@ أنه كان يجوز ~~أن يعتقد فيه عند وروده انهما شهران إن خلينا وإياهما وان لم يعقبه بعد ذلك ~~ببيان استثناء يوجب الاقتصار على ما دونهما بأن نقول شهرين إلا عشرة أيام ~~ولا نعتقد في قوله تعالى @QB@ واختار موسى قومه سبعين رجلا @QE@ وفي قوله ~~تعالى @QB@ وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا @QE@ العدد المذكور فيه حتى يتوفى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأنه جائز أن يرد بعده الاستثناء فيقول سبعين إلا ~~عشرة واثني عشر إلا واحدا فإن لم يجز ذلك في الاعداد والاستثناء منها فما ~~الفصل بينهما وبين العموم وكذلك يجب ان يصدق من قال لفلان علي ألف درهم ~~وسكت ثم قال بعد شهر أردت ألفا إلا مائة فلما كان المعقول من اطلاق هذه ~~الألفاظ متى حصل الفراغ منها PageV02P057 اعتقاد مضمونها غير مرتقب فيها ~~بيانا وجب أن يكون ذلك حكمها في خطاب الله تعالى إيانا # واحتج أيضا بأنه قد يجوز أن يقع البيان من النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالفعل كما يبين بالقول وزمان الفعل أطول من زمان القول فقد أخر البيان عن ~~وقت إمكانه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا ~~عني مناسككم وبين جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم مواقيت الصلاة ولم يجب ~~النبي صلى الله عليه وسلم السائل عن مواقيت الصلاة حتى صلى الصلوات ثم قال ~~أين السائل عن مواقيت الصلاة الوقت فيما بين هذين # قال أبو بكر وليس في شيء مما ذكر دلالة على موضع الخلاف في هذه المسألة ~~وذلك لأن فرض الصلاة والحج لم يخل من أن يكون تعلق بمعهود معلوم عندهم ~~فانصرف الأمر إليه فهذا لا يحتاج إلى بيان ويكون قوله صلى الله عليه وسلم ~~صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم تأكيدا وتقريرا لما قد علموه فلم ~~يقع بهذا بيان كما قال عليه السلام ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم وهذا ~~تأكيد لمعنى قد عرفوه قبل ms190 ذلك وليس ببيان # وكذلك مواقيت الصلاة أو أن يكون فرض الصلاة والحج حين ورد كان مجملا ~~مفتقرا إلى البيان فأخر النبي صلى الله عليه وسلم بيانهما ونحن نجوز تأخير ~~بيان المجمل PageV02P058 # فإذا لا دلالة فيما ذكر على موضع الخلاف بيننا # وقال أيضا إن النسخ تأخير البيان لأنا أمرنا بالصلاة إلى بيت المقدس ~~ومعنى ذلك أنا نصلي إليها ما بقينا والأمر الأول فنعتقد أن لا يزال يصلى ~~إليها إن بقينا والأمر الأول فيقال له ليس هذا من تأخير البيان في شيء وذلك ~~لأنه يجب علينا اعتقاد ثبوت الحكم بعد وروده # وهذا الذي قد اعتقدنا ثبوته لا يجوز رفعه ولا تبين لنا خلافه وإنما الذي ~~يجوزه من ذلك بيان آخر وقته غير مذكور في اللفظ فيلزمنا اعتقاد عمومه وإذا ~~كان ذلك كذلك لم يكن ورود النسخ رافعا للاعتقاد الأول لأن ما اعتقدنا ثبوته ~~لم يرتفع بورود النسخ وأما ورود نسخه فقد كنا نجوزه مع ورود الأمر وأنت فلا ~~يمكنك أن تقول مثله في بيان الخصوص إلا بترك اعتقاد العموم في حال ورود ~~اللفظ فيجعل نفس الحكم موقوفا على ما يرد من بيانه # وأيضا فلو ورد الحكم الناسخ مع المنسوخ في خطاب واحد لم يتنافيا لأنه يصح ~~أن تقول صل إلى بيت المقدس إلى وقت كذا ثم صل إلى الكعبة كما تقول صل إذا ~~زالت الشمس ولا تصل عند الطلوع والغروب # واعتقاد العموم لا يصح معه تأخير البيان لو جمعهما في خطاب واحد لأنه لو ~~قال اعتقد قطع جميع السراق لم يصح أن يضم إليه وقف في السراق لا يحكم فيهم ~~بشيء حتى يرد البيان لأن الإعتقاد الثاني ينافي الأول # فلما لم يصح ورودهما على هذا الوجه في خطاب واحد لم يصح أن يريده به ولما ~~صح جمع ذكر الحكم الناسخ والمنسوخ في خطاب واحد صح أن يريده PageV02P059 # وأيضا فإن مدة الفرض لما لم تكن مذكورة وكان تجويز بيانها بالنسخ فإنما ~~صار النسخ في معنى بيان المجمل الذي هو غير معلول المعنى فجاز ms191 تأخير بيانه # ثم يقال له أليس كل حكم ورد مما يجوز نسخه فأنت تجوز نسخه ما بقي النبي ~~صلى الله عليه وسلم # فإذا قال نعم قيل له فنقول في كل عموم يرد مما يجوز تخصيصه أنه جائز ألا ~~يكون المراد به العموم وأن المراد به الخصوص # فإن قال نعم # قيل فقد تركت القول بالعموم ويلزمك أن لا تثق بالبيان أنه على ما ورد من ~~مقتضى لفظه وأن يجوز فيه ورود بيان خصوصه أو تعليقه على شرط أو حال اخرى أو ~~استثناء ويسحب عليه جميع ما يلزم من ينفى القول بالعموم في إخلاء اللفظ من ~~الفائدة # واحتج أيضا بقصة موسى والخضر عليهما السلام أنه لم يتبين له وجه ما فعله ~~من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار في وقت الفعل وأخره إلى ثان # قال أبو بكر وليس هذا مما نحن فيه في شيء لأنه لم يكن عليه السلام عليه ~~أن يبين وجه المصلحة والحكمة في جميع ما فعله لموسى عليه السلام كما أنه ~~ليس على الله تعالى أن يعلمنا وجه المصلحة فيما يفعله من الآلام والأمراض ~~والموت بكل واحد منا وإنما علينا أن نعتقد أنه لا يفعل من ذلك إلا ما هو ~~صلاح وحكمة PageV02P060 # فأما أن يعرفنا كل شيء منها بعينه فيقول ان هذا وجه الحكمة والمصلحة فيه ~~كذا وهذا وجهه كذا فإن ذلك غير واجب # وقد كان الخضر عليه السلام مخيرا بين أن يبين أو لا يبين إذ لم يكن الله ~~تعالى قد أمره بالبيان فلم يؤخر بيان شيء لزمه بيانه # وأيضا فإن موسى عليه السلام قد كان عالما بأن الخضر لم يفعل إلا ما هو ~~صواب وحكمة في الجملة وإنما أراد أن يبين وجه المصلحة في كل شيء منه بعينه ~~فكان وجه المصلحة فيه بمنزلة المجمل الموقوف الحكم على البيان فجاز أن ~~يتأخر بيانه كما نقول في تأخير بيان المجمل # وقال أيضا إن الله تعالى حكى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم عليه ~~السلام @QB@ إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ms192 أهلها كانوا ظالمين @QE@ وقال ~~إبراهيم عليه السلام @QB@ إن فيها لوطا @QE@ فبينوا حينئذ وقالوا @QB@ ~~لننجينه وأهله @QE@ فخاطبوه بخطاب اقتضى العموم ولم يبينوه في الحال حتى ~~سأل # والجواب عن هذا ان الدلالة قد كانت تقدمت من الله تعالى لإبراهيم عليه ~~السلام على أن لوطا عليه السلام والمؤمنين معه خارجون من الخطاب فصاروا ~~مستثنين بالدلالة فلم يكن على المخاطب استثناؤهم وإخراجهم من الجملة ~~بالبيان فقد كان إبراهيم عليه السلام عالما بأن الله تعالى لا يهلك لوطا ~~والمؤمنين معه وعلمت الملائكة أيضا ذلك من علم إبراهيم عليه السلام فلم يكن ~~عليهم استثناؤه من خطابهم # فإن قال لو كان إبراهيم عليه السلام قد علم أن لوطا مستثنى من خطابهم لما ~~قال PageV02P061 لهم إن فيها لوطا هذا يدل انه كان اعتقد من خطابهم العموم ~~وجائز على الله تعالى أن يميت الأنبياء عليهم السلام مع قومهم من غير أن ~~يكون لهم عقوبة وإن كان عقوبة لقومهم # قيل له وما في قول إبراهيم عليه السلام ان فيها لوطا من الدلالة على أنه ~~لم يعتقد من خطابهم استثناء لوط من الجملة وليس يمتنع عندنا أن يكون اعتقد ~~استثناء لوط منهم وقال ان فيها لوطا على وجه المسألة عن كيفية خلاصه بأن ~~يتركه الله تعالى في القرية ويهلك أهلها سواه وسوى من آمن به أو يخرجه منها ~~ثم يهلك القرية بما فيها فأخبرته الملائكة حينئذ بجهة خلاصه أو لم تبينه له ~~إذ لم يكن عليهم بيانه كل ذلك جائز غير ممتنع فلم يثبت لهذا القائل وجه ~~الدلالة من الآية على جواز تأخير البيان # وذكر أيضا قصة نوح عليه السلام وأن الله تعالى وعده أن ينجيه وأهله ثم ~~بين في الثاني استثناء ابنه من المنجيين فقال له إن الله تعالى قد كان ~~أخبره @QB@ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن @QE@ وكان ابنه كافرا فعلم ~~نوح عليه السلام أن الابن مستثنى من المنجيين إن بقي على كفره # وليس يمتنع أن يكون قد كان يجوز أن يؤمن ابنه قبل الغرق لأن ms193 الله تعالى ~~إنما قال له @QB@ أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن @QE@ وظاهر هذا ألا ~~يتناول أهله فقال @QB@ رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق @QE@ PageV02P062 ~~فأخبره الله تعالى أنه لن يؤمن ويجوز أن يكون سأل الله تعالى أن يعرفه حال ~~ابنه بعد الغرق هل كان نزع عن كفره بعد فراقه إياه فأخبره أنه مات على كفره ~~ومنع أن يشفع فيه بقوله تعالى @QB@ فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين @QE@ # وذكر أيضا قصة بقرة بني اسرائيل وانه أطلق اسم بقرة وبين في الثاني أنها ~~على صفة فدل أنه اطلق لفظ عموم وأراد خصوص بقرة بعينها في الثاني # فيقال له إن الحكم الأول كان ذبح بقرة أي بقرة كانت فلما تعنتوا شدد ~~عليهم بزيادة الصفة وهذا عندنا على وجه النسخ لأنه ورد بعد استقرار الحكم ~~الأول فليس فيه تأخير البيان # فإن قال إن الله تعالى علم أنهم سيفعلون هذا ويتعنتون # قيل له علم الله تعالى بأنهم يفعلون أو لا يفعلون لا يمنع من جواز النسخ ~~بعد التمكين من الفعل قبل وقوعه # وذكر أيضا قوله تعالى @QB@ ولذي القربى واليتامى @QE@ والاسم يتناول بني ~~هاشم وبني عبد المطلب وبني عبد شمس فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم بني ~~هاشم وبني عبد المطلب ولم يذكر بني عبد شمس بشيء فلما سأله عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه وجبير بن مطعم رضي الله عنه عن ذلك أخبر أنهم لم يرادوا ~~بالقرابة وقد كان اللفظ يشملهم فلم يبينه حتى سئل فدل على جواز تأخير ~~البيان PageV02P063 # فيقال له إن هذا غلط لأن قوله ولذي القربى لفظ مجمل مفتقر إلى البيان ~~لأنه يتناول قرابة كل أحد كما يتناول قرابة النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~محتاج إلى البيان ونحن نجوز تأخير بيان المجمل # وذكر أيضا قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم @QE@ ~~فقال ابن الزبعري قد عبدت الملائكة والمسيح فأنزل الله تعالى @QB@ إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى ms194 @QE@ فأطلق اللفظ ولم يعقبه ببيان حتى قال ابن الزبعري ~~ما قال # فيقال له هذا جهل بموضوع اللفظ لأن قوله تعالى @QB@ إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم @QE@ لم يدخل فيه العقلاء لأن ما لغير العقلاء ومن ~~للعقلاء وقد كان ابن الزبعري علم ذلك وإنما اعترض بما ذكر متعتنا في غير ~~موضع اعتراض كما كانوا يكابرون في تسميتهم إياه مرة ساحرا ومرة مجنونا ~~ويناقضون فيه أفحش مناقضة ولا يبالون لأن الساحر هو الذي يبلغ بدقة تدبيره ~~ولطف حيلته مالا يبلغه غيره والمجنون هو الذي يخبط ويتعسف في أفعال لا ~~يجريها على نظام ولا ترتيب فمن ناقض في قوله هذه المناقضة ويباهت هذا البهت ~~إذ لم يجد سبيلا إلى الطعن في دلائل PageV02P064 وأعلام نبوته صلى الله ~~عليه وسلم حسدا وبغيا ليس يمتنع أن يباهت في الاعتراض بذكر الملائكة ~~والمسيح صلوات الله عليهم أجمعين على الآية وإن لم يتضمن لفظ الآية دخولهم ~~فيه وإنما كان وجه اعتراضه أن هذه الأصنام إن كانت في النار لأنها عبدت من ~~دون الله عز وجل فإنه يجب مثله في الملائكة والمسيح والله تعالى لم يقل ~~إنها في النار مع عبدتها لأنها عبدت من دون الله ثم أبان الله تعالى عن جهل ~~هذا القائل وبهته بقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون @QE@ ويدل على أن الآية لم تتناول غير الأصنام أنه خاطب بها ~~قريشا وكانوا يعبدون الأوثان ولم يكونوا يعبدون المسيح ولا الملائكة # فإن قال لو لم تتضمن الآية دخول هؤلاء فيه لبينه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأجاب من اعترض بذلك قبل نزول الآية # قيل له فكأنك تجوز ان يكون النبي صلى الله عليه وسلم اعتقد دخول الملائكة ~~والمسيح في حكمها وأنهم في النار لأنهم عبدوا من دون الله فإن أجاز ذلك على ~~النبي صلى الله عليه وسلم انسلخ من الملة لأن أحدا من المسلمين لا يجيز ذلك ~~و كلهم يقولون ان معتقده كافر # فإن قال قد كان النبي صلى الله عليه ms195 وسلم علم انهم لم يرادوا بالآية # قيل له أفليس قد جاز أن لا يجيبهم إلا بعد نزول قوله تعالى @QB@ إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى @QE@ مع علمه أنهم غير داخلين فيها فما انكرت من قولنا ~~حين قلنا إن الملائكة والمسيح لم يدخلوا قط في الآية ومع ذلك لم يجبهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لظهور فساد اعتراضهم ولأنه علم أنه لا شبهة فيه ~~على أحد وعلى أن قوله @QB@ إنكم وما تعبدون من دون الله @QE@ لو ~~PageV02P065 تناول العقلاء وغيرهم لكان مرتبا على ما قرر في العقول وانزل ~~به الكتب في أنه لا يعذب أولياءه وأنبياءه في الآخرة فلم يرد اللفظ مقترنا ~~بدلالة التخصيص فأي بيان تأخر وقوله تعالى @QB@ إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى @QE@ تأكيد لما قد ثبت قبل ذلك وتقرير له كما ذكر في صحة التوحيد ~~وسائر صفاته تعالى في الكتاب بعد تقديم الدلائل عليها من جهة القول # فإن قيل الدليل على جواز تأخير البيان قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة @QE@ فأخر بيان الصلاة على حال الأمر بذكر الزكاة وإذا جاز أن ~~يتأخر البيان هذا القدر جاز أن يتأخر أوقاتا كثيرة # قيل له لا يخلوا قوله تعالى @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ من أن يكون تناول ~~صلاة معهودة قد عرفوها فلم تكن مفتقرة إلى البيان فقولك اخر بيانها ساقط أو ~~أن يكون مجملا عندهم عند نزول الآية ونحن نجوز تأخير بيان المجمل # وأيضا فإن حكم الكلام إنما يتعلق تأخره وحصول الفراغ منه ألا ترى أنه لو ~~وصله باستثناء أو علقه بشرط تعلق الجميع به فلو أطلق لفظ العموم ومراده ~~الخصوص لم يمتنع أن يؤخر بيانه بمقدار الفراغ من الكلام لأن السامع لا ~~يلزمه أن يعتقد فيه شيئا إلا بعد الفراغ منه # فإن قال قائل جميع ما ألزمته القائلين بتأخير البيان من أن الوقوف فيه ~~إلى ورود البيان ينفي وجوب القول بالعموم وترك الوقوف والقول باعتقاد عمومه ~~ويؤدي إلى تجويز اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه فإنه يلزمك مثله في دلائل ~~التخصيص من طريق ms196 النظر لأنك لا تخلو من أن تعتقد العموم بنفس وروده أو تقف ~~فيه حتى يستبين حكم PageV02P066 اللفظ في عمومه أو خصوصه فإن اعتقدت العموم ~~لم تأمن أن يكون هناك دليل يوجب خصوصه فتكون قد اعتقدت الشيء على خلاف ما ~~هو به # وإن وقفت فيه قلنا ان تقول مثله في حكم اللفظ العام أنه على العموم ان لم ~~يكن مراده الخصوص فيكون موقوفا على البيان الذي يرد في الثاني ولا يقدح ذلك ~~في القول بالعموم كما أن وقوفك في عموم اللفظ إلى أن تستبرئ حال الدليل ~~الموجب لتخصيصه يعترض عليك في القول بالعموم # قيل له الجواب عن هذا من وجهين أحدهما أنه يحتمل أن يقال ان الله تعالى ~~لا يخاطب أحدا بلفظ العموم ومراده الخصوص إلا مع إيراد دلائل التخصيص عليه ~~حتى يعقل الخصوص مع ورود اللفظ كما يعقل الاستثناء # والثاني أنه ليس يخلو السامع لذلك إذا كان مخاطبا بحكم اللفظ من أن يكون ~~سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره ممن يلزمه قبول قوله # ومن يلزمه قبول قوله فلا يورد عليه الخطاب إذا كان مكلفا لاعتقاد حكمه ~~عاريا من دلالة التخصيص إلا وقد أراد منه امضاءه على ظاهره فيجب على السامع ~~إذا كان هذا وصفه اعتقاد حكم مقتضى اللفظ والقطع بأن لا دليل هناك يوجب ~~تخصيصه # وكذلك العامي ومن ليس من أهل العلم بأصول الحكم وطرق الاجتهاد فإنه متى ~~سأل من يلزمه تقليده عن حكم حادثة فأجابه فيها بجواب معلق من آية أو خبر ~~فعليه اعتقاد عمومه والعمل عليه لأنه لو كان خاصا لبينه له فإن سمع خبرا أو ~~آية على غير PageV02P067 هذا الوجه فليس عليه أن يعتقد فيهما شيئا لأنه في ~~هذه الحال غير مخاطب بحكمهما فهو في معنى من لم يسمعهما وإن كان رجلا من ~~أهل العلم بأصول الأحكام والنظر فيها فتلا آية من القرآن أو سمع خبرا عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ليس يصير من أهل الاجتهاد والعلم بأصول ~~الأحكام إلا وقد ms197 عرف مثل ذلك ما يعترض على هذا العموم من تخصيص أو نسخ أو ~~صرفه عن حقيقته إلى المجاز فتكون حينئذ دلائل الأصول مقارنة للعموم في ~~إيجاب تخصيصه إن كان المرد الخصوص فإن كان في الحقيقة خاصا ولم يبين هو ~~خصوصه لعموم دلالته وخفائها عليه فإنه إنما أتي من قبل نفسه في ذهابه عن ~~وجه الدلالة وقد بين الله تعالى له ما يوجب تخصيصه فإن اعتقد فيه العموم ~~فإنما قصر في اجتهاده وأخطأ في اعتقاده والله تعالى لم يأمره باعتقاد الخطأ ~~وإنما ألزمنا نحن القائلين بتأخير البيان أن يكون الله تعالى قد أمرنا ~~باعتقاد عموم لفظ مراده فيه الخصوص فيكون أمرا له باعتقاد الشيء على خلاف ~~ما هو به ولا يمكنهم أن يجيبوا عن ذلك بمثل جوابنا عن سؤالهم # لأن من قولهم إن الله تعالى لم يبين بعد شيئا وكيف يمكنهم ولا يمكنهم ~~الوصول معه على علم الخصوص فإنما أتوا في اعتقاد عموم معناه الخصوص من قبل ~~الله تعالى لا من قبل تقصيرهم وذهابهم عن وجه دلالة الخصوص وهذا هو المنكر ~~عندنا ولم ننكر أن يخطئ الإنسان فيعتقد العموم فيما قد بين خصوصه فيخطئ ~~دلالة الخصوص ويعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه وليس على الله تعالى أن ~~يوقف على PageV02P068 خطأ قول كل قائل بنص يزيل معه الإشكال عنه وإنما عليه ~~إقامة الدلالة عليه فإن أخطأها مخطئ لم يؤثر ذلك في وقوع البيان من الله ~~تعالى بإقامة الدلالة عليه # ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~حين سأله عن الكلالة يكفيك آية الصيف فلم ينص له على الحكم عند إشكاله عليه ~~لأنه قد بينه قبل ذلك فوكله إلى ما قدمه من بيانه ثم يقال له فإذا لم تأمن ~~أن يكون ما سمعه من الآية أو الخبر منسوخا بغيره وكان الواجب عليه النظر في ~~الأصول هل فيها ما ينسخها ثم لم يلزم مع ذلك أن يقف في حكم قد تيقنا ثبوته ~~بجواز أن يكون ms198 منسوخا بل واجب علينا الثبات عليه حتى يثبت نسخه فكذلك علينا ~~اعتبار حكم اللفظ واعتقاد عمومه ولا جائز أن يكون مراده غير ظاهره فلا ~~يبينه كما أن علينا الثبات على حكم قد علمنا ثبوته يقينا ولا يجوز الوقوف ~~فيه لأجل جواز نسخه لأن النسخ لو كان ثابتا لبينه # وأيضا فإن من وقف في حكم اللفظ للنظر في الأصول هل فيها ما يخصه فإنه متى ~~لم يجد فيها دلالة التخصيص حكم بعموم اللفظ في حال وروده وإن وجد فيها ما ~~يخصه تبين به اقتران دلالة الخصوص إلى اللفظ كالاستثناء فإنما وقف طلبا ~~لبيان قد حصل إن كان خاصا # وأنت تقف لرد البيان في الثاني ولا تطلب بوقوفك بيانا قد حصل كنت بذلك ~~تاركا للقول بالعموم على الحقيقة PageV02P069 # فإن قال قائل ليس جائزا أن ينسخ الله تعالى حكما فيتعلق حكمه على من سمعه ~~ولا يتعلق على من لم يسمعه كما روي أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس ~~فأتاهم آت فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا إلى الكعبة فقد صلوا بعض ~~صلاتهم بعد نسخ التوجه إلى بيت المقدس ولم يؤمروا باستئنافها لأن حكم النسخ ~~لم يتعلق عليهم إلا بعد العلم فكذلك ما أنكر أن يجوز اعتقاد العموم في ~~اللفظ العام ويتأخر بيانه فيكون السامع متعبدا باعتقاد العموم فإذا ورد ~~البيان تبين خصوص اللفظ فصار إليه ولا يؤثر ذلك في اعتقاده بدءا كما أن من ~~لم يبلغه النسخ فهو متعبد بالفرض الأول فإذا بلغه علم أنه كان منسوخا قبل ~~ذلك # قيل له الفصل بينهما أن من بلغه النسخ بعد زمان فقد كان متعبدا بالفرض ~~الأول وقت بلوغه إياه ولم ينسخ عنه ذلك إلا بعد علمه وإن كان منسوخا عن ~~غيره فمن بلغه قبله فلم يكن في ذلك اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به ~~ومخالفنا في تأخير البيان يزعم أنه يجب عليه اعتقاد عموم معناه الخصوص في ~~تلك الحال بعينها وهذا مستنكر لما بيناه وإنما نظير النسخ من هذا أن يعتقد ~~العموم ms199 ثم يخصه بعد ثبوت حكمه فيكون ذلك نسخا لبعض حكم اللفظ وهذا لا نأباه ~~ولا نكرهه PageV02P070 $ فصل # وأما المجمل الذي لا سبيل إلى استعمال حكمه إلا ببيان فإنما جاز تأخير ~~بيانه لأنه لما لم يمكن استعمال حكمه علمنا أنه أراد منا اعتقاد وجوبه إذا ~~كان بين حكمه ولا يمتنع تكليف ذلك لأنه يجوز أن يعلم ان المصلحة لنا في ~~تقدمة ذلك إلينا وتكليفنا توطين النفس على فعله عند بيانه كما كلفنا سائر ~~العبادات وكما كلفنا اعتقاد أداء الصلاة عند مجيء وقتها وفعل صوم رمضان إذا ~~حضر الشهر كذلك لا يمتنع أن يقدم إلينا جملة يلزمنا بها توطين النفس على ~~فعله إذا ورد بيانه فالأمر المجمل قد تضمن معنيين # أحدهما لزوم توطين النفس في الحال على فعله إذا ورد بيانه وترقب مجيء ~~وقته والثاني أنه متى بين كان وجوبه متعلقا بالجملة المتقدمة وليس تأخير ~~بيان المجمل كتأخير بيان العموم إذا كان مراده الخصوص لأن ورود لفظ العموم ~~يلزمنا شيئين PageV02P071 أحدهما اعتقاد حكمه على ما انتظمه لفظه والآخر ~~لزوم فعله في أول أحوال الإمكان ولزوم هذين المعنيين مانع من تأخير بيان ~~خصوصه لأنه يوجب اعتقاد العموم فيما مراده الخصوص ويوجب أيضا اعتقاد لزومه ~~على الفور # والمراد تأخيره إلى وقت البيان وكلا الوجهين منفي عن الله عز وجل والمجمل ~~لا يلزمنا فيه اعتقاد عموم ولا خصوص ولا يلزم به الفعل على الفور بل عند ~~ورود البيان وأكثر ما يلزمنا فيه عند وروده إعلام حكم يبينه لنا في الثاني ~~ويلزمنا ببيانه فعله وقبل بيانه توطين النفس عليه وتسهيله عليها وينبهنا ~~على الفكر فيما حتم فعله من الثواب وبتركه من العقاب فيصير حتما على ~~المتمسك بما هو مفترض عليه لأن توطين النفس على المأمور به يسهل فعله # ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مروا صبيانكم بالصلاة لسبع ~~واضربوهم عليها لعشر وقال تعالى @QB@ قوا أنفسكم وأهليكم نارا @QE@ # روي في التفسير أدبوهم وعلموهم ومعلوم أنه ليس عليهم فرض في الحال وأما ~~أمرنا بذلك فيهم ms200 ليتمرنوا عليها ويعتادوها قبل البلوغ ليسهل عليهم فعلها ~~إذا PageV02P072 بلغوا وقد قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أخبار الأنبياء عليهم السلام حثا له على التمسك بالصبر وتسهيلا للمحنة عليه ~~قال الله تعالى @QB@ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك @QE@ ~~وقص علينا أخبار القرون السالفة لنتعظ بها وننتهي عن مثل الأفعال التي ~~استحقوا العقاب بها فليس فيها أمر لنا بشيء أكثر من اعتقاد صحتها والاتعاظ ~~بها وكذلك الأمر المجمل إذا كان فيه ضرب من التكليف والمصلحة في الحال ~~يمتنع وروده غير مقترن ببيان يصحبه ثم يبينه لنا إذا أراد إلزام الفعل به ~~وهذا يسقط جميع ما يتعلقون به في ذلك من أنه لا فائدة في التلاوة إذا لم ~~يكن تحته مأمور به يلزمنا فعله في الحال وأنه متى كان ذلك كذلك كان بمنزلة ~~مخاطبة العربي بالزنجية وأن إيراد ذلك بلفظ الأمر ليس بأولى منه بلفظ النهي ~~إذ ليس تحته فعل مراد في الحال وذلك لأن خطاب العربي بالزنجية لا يفهم به ~~المخاطب شيئا ووجوده وعدمه بمنزلة فيكون عبثا ولغوا والخطاب المجمل قد تعلق ~~به ما ذكرنا من وجوه التكليف والمصلحة فلم يمتنع وروده موقوفا على البيان ~~على الوجه الذي ذكرنا # فأما الخطاب بالأمر المجمل فمنفصل عن الخطاب بالنهي المجمل كانفصال ~~الخطاب بالأمر المعلوم المعنى عن الخطاب بالنهي لأن النهي المجمل يفيد ~~توطين النفس على اجتناب ما يرد بيانه كما يفيد الخطاب بالأمر المجمل ~~توطينها على فعله عند ورود البيان فبان بذلك فساد قول من اعترض بمثله على ~~جواز تأخير بيان المجمل # فإن قال قائل لا يجوز تأخير بيان المجمل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يأمن أن تعاجله المنية قبل بيانه فلا يوصل بعده إلى حكمه PageV02P073 # قيل له قد علم عليه السلام أن الله تعالى لن يتوفاه حتى يبلغ رسالته ~~ويبين للامة ما تحتاج فيه إلى بيانه فهذا سؤال ساقط # وأيضا فإذا علم الله تعالى أنه إن أخر البيان عن وقت لا يمكنه ms201 بعده ~~تبليغه وأداؤه فلابد من توقيفه إياه على تعجيله وترك تأخيره لأن الله تعالى ~~إنما ارسله إلى الناس ليبلغهم ما تهم إليه الحاجة من أمر دينهم فإذا اباح ~~له تأخير البيان فإنما يبيحه له ما لم يؤخره إلى وقت يفوته فيه فعله فإذا ~~صار في حال إن لم يبينه فيه فاته وتعذر عليه أعلمه قبل تأخيره # فأما من أجاز تأخير بيان المجمل إذا كان في الخطاب ما يوجب تعلقه بحال ~~ثابتة وأباه إذا ورد مطلقا غير مطمع في بيان يرد في الثاني فإنه ذهب فيه ~~إلى أن الأمر لما كان يقتضي فعله على الفور فقد الزمنا بورود الأمر فعله ~~فوجب أن يكون بيانه مقرونا به ليمكنه تنفيذه وإلا كان فيه تكليف ما لا يطاق ~~وهذا لا يوجب ما قالوه # وذلك لأنه يمنع ورود الأمر مطلقا غير معلق بوقت وتقوم الدلالة على أن ~~المراد به المهلة دون الفور فمتى ورد لفظ مجمل لا يمكن استعمال حكمه كان ~~وروده هذا المورد دلالة على أنه لم يرد منا فعله في الحال وأن لزومه موقوف ~~على ورود البيان فيه فلا فرق بين مقارنة هذه الدلالة للفظ وبين ذكر ما يوجب ~~وقوفه على البيان متصلا به PageV02P074 PageV02P075 PageV02P076 & باب ~~القول في الأمر ما هو # قال أبو بكر قول القائل لمن دونه افعل إذا أراد به الإيجاب وذلك لأن أهل ~~اللغة حين قسموا PageV02P077 الكلام جعلوا الأمر أحد أقسامه وقالوا هو قول ~~القائل افعل كما ذكروا الخبر والاستخبار والطلب وقول القائل افعل يستعمل ~~على سبعة أوجه على جهة إيجاب الفعل وإلزامه كقوله تعالى @QB@ اتقوا الله ~~@QE@ @QB@ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ ونحوها وعلى الندب كقوله تعالى ~~@QB@ وافعلوا الخير @QE@ وقوله @QB@ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين @QE@ ~~وعلى الإرشاد إلى الأوثق والأحواط لنا كقوله تعالى @QB@ وأشهدوا إذا ~~تبايعتم @QE@ وقوله @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فرهان مقبوضة @QE@ وقوله PageV02P078 تعالى في شأن الرجعة @QB@ وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم @QE@ وعلى الإباحة كقوله تعالى @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض @QE@ وقوله تعالى @QB@ وإذا حللتم فاصطادوا @QE@ وعلى التقريع ~~والتعجيز ms202 كقوله @QB@ قل فأتوا بسورة مثله @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات @QE@ وقوله تعالى @QB@ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا ~~صادقين @QE@ # وعلى الوعيد والتهديد كقوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ واستفزز من استطعت منهم بصوتك @QE@ # وهذه الوجوه كلها تكون خطابا من القائل لمن دونه # وتكون على وجه المسألة والطلب ولا يكون ذلك إلا لمن فوقه كقولنا ربنا ~~اغفر لنا وارحمنا ونحو ذلك # ولا يختلف أهل اللغة وأهل العلم أن ما كان من ذلك على وجه التقريع أو ~~الوعيد أو المسألة لا يسمى أمرا وإن كانت صورته صورة الأمر # واختلف أهل العلم في قوله افعل إذا كان ندبا أو إباحة أو إشارة هل يسمى ~~أمرا بعد اتفاقهم على أنه إذا أراد الإيجاب كان أمرا # فقال قائلون جميع ذلك يسمى أمرا وليس وروده مطلقا أولى بأحد هذه الوجوه ~~الثلاثة منه بالآخر وجميعه يسمى أمرا # وقال آخرون حقيقة الأمر ما كان إيجابا وما عداه فليس بأمر على الحقيقة ~~وان PageV02P079 أجري عليه الاسم في حال كان مجازا وكذلك كان يقول أبو ~~الحسن رحمه الله في ذلك وهذا القول هو الصحيح وذلك لأن القول الثاني يؤدي ~~إلى أن يكون للإيجاب صيغة في اللغة تختص به عند الاطلاق والضرورة داعية ~~لأهل كل لغة إلى أن يكون في لغتهم صيغة موضوعة للأمر الذي هو إيجاب كما أن ~~بهم ضرورة إلى أن يكون منها لفظ موضوع للخبر ولفظ موضوع للاستخبار ولفظ ~~موضوع للعموم وكما سمى الاجناس ونحوها # فلما كان ذلك وجب أن يكون في لغتهم لفظ موضوع لإيجاب المأمور به فثبت أن ~~قول القائل لمن دونه افعل هو لفظ الأمر الموضوع للإيجاب # ويدل على أن حقيقته الإيجاب أن كل واجب يتعلق وجوبه بهذا اللفظ فهو مأمور ~~به عند الجميع وأنه جائز أن ينتفى ذلك عنه والندب والإباحة قد ينتفي عنهما ~~PageV02P080 ذلك لأن من قال ان الله تعالى أمر بصلاة الظهر وصوم شهر رمضان ~~كان صادقا ولو قال لم يأمرنا الله تعالى بذلك كان كاذبا خارجا من الملة ولو ms203 ~~قال رجل لرجل إن الله تعالى أمرك في هذا الوقت بصلاة تطوع أو صدقة نفل أو ~~بالاصطياد أو بالشراء والبيع بعد صلاة الجمعة لم يكن مصيبا في قوله وكان ~~واضعا للأمر في غير موضعه # ولو قال رجل ليس عليه صلاة ولا صدقة ما أمرني الله تعالى بفعل الصلاة ~~والصدقة في هذا الوقت كان مصيبا في قوله فلما كان اطلاق لفظ الأمر ممتنعا ~~في النوافل والمباحات على الوجوه التي ذكرنا غير منتف عن الفروض والواجبات ~~بحال دل ذلك على ان لفظ الأمر يختص بالإيجاب حقيقة وأنه لا يكون أمرا متى ~~لم يصادف واجبا # ويدل على ذلك أيضا ان العربي يسمي تارك الأمر عاصيا يدل عليه قوله تعالى ~~حاكيا عن موسى عليه السلام @QB@ أفعصيت أمري @QE@ وقال تعالى لإبليس @QB@ ~~ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ ومنه قول دريد بن الصمة % أمرتهم أمري ~~بمنعرج اللوى % فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد % % فلما عصوني كنت منهم ~~وقد أرى % غوايتهم وأنني غير مهتدى % $ # فسمى تارك الأمر عاصيا وسمة العصيان لا تلحق إلا تارك الواجبات فدل على ~~أن لفظ الأمر مختص بالإيجاب PageV02P081 PageV02P082 PageV02P083 ~~PageV02P084 & باب القول في لفظ الأمر إذا صدر لمن تحت طاعته على الوجوب هو ~~أم على الندب # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في ذلك # فقال قائلون الذي يفيده هذا اللفظ عند الاطلاق الدلالة على حسن المأمور ~~به كونه مرغبا فيه ولا يصرف إلى الإيجاب ولا الإباحة إلا بدلالة # وقال آخرون هو على الإباحة حتى يثبت الندب أو الإيجاب # وقال آخرون اللفظ محتمل للإيجاب والندب والإباحة فهو موقوف الحكم حتى ~~تقوم دلالة من غيره على المراد به # وقال آخرون هو على الإيجاب حتى تقوم الدلالة على غيره وهو مذهب أصحابنا ~~وإليه كان مذهب شيخنا أبي الحسن PageV02P085 PageV02P086 # والدليل على صحة هذا القول قول الله تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ~~إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله ~~فقد ضل ضلالا مبينا @QE@ فدلت هذه الآية على وجوب الأمر من وجهين ms204 # أحدهما نفيه التخيير فيما أمر به وقول من يقول بالندب والإباحة يثبت ~~معهما التخيير وذلك خلاف مقتضى الآية # والثاني قول الله تعالى @QB@ ومن يعص الله ورسوله @QE@ فسمى تارك الأمر ~~عاصيا واسم العصيان لا يلحق إلا بترك الواجبات ولا لفظ للأمر في لغة العرب ~~غير قولهم افعل فدل أنه للإيجاب حتى تقوم الدلالة على غيره ويدل عليه أيضا ~~قوله تعالى PageV02P087 @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ والقضاء يسمى ~~أمرا قال الله تعالى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~@QE@ معناه أمر متضمن لزوم الأمر # ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة @QE@ ومعلوم أن الوعيد لا يلحق تارك الندب والمباح فدل على لزوم الأمر ~~ووجوبه لولا ها ما استحق الوعيد بتركه # وإن قيل إنما أوعد من خالف الأمر وتارك المأمور به غير مخالف للأمر # قيل له بل هو مخالف للأمر لأن أحدا لا يمتنع أن يقول لمن افطر في شهر ~~رمضان من غير عذر خالفت أمر الله تعالى فدل على أن ترك المأمور به مخالف ~~للأمر # ويدل عليه قوله تعالى @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ فعلق ذمه بترك ~~الفعل المأمور به فدل على أن تارك الأمر مستحق للوم وذلك حكم الواجبات # فإن قيل إنما ذمه لأنه استكبر لما في الآية الاخرى @QB@ إلا إبليس أبى ~~واستكبر @QE@ # قيل له قد ذمه على الأمرين جميعا على ترك الأمر وعلى الاستكبار ولولا أن ~~ترك الأمر بمجرده مذموم لما قرنه إلى الاستكبار فيما عنفه عليه PageV02P088 # وأيضا فإن قوله افعل لا يخلو من أن يكون للايجاب أو الندب أو الإباحة ~~فيكون مقتضيا لجميع ذلك على الحقيقة أو لبعضها حقيقة ولبعضها مجازا # فإن كان حقيقة في الإيجاب مجازا فيما سواه على ما يقوله فالواجب حمله على ~~الحقيقة فلا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة # وإن كان حقيقة في كل شيء من ذلك فقد صار حقيقة في الإيجاب وأفادنا باللفظ ms205 ~~فغير جائز صرفه عنه إلى غيره لأن حكم اللفظ استعماله على الحقيقة # فإن قيل ما أنكرت أن يكون حقيقة في كل واحد من ذلك وأن الواجب إذا كان ~~كذلك جاز حمله على الندب والإباحة حتى تقوم دلالة الإيجاب لأن ما صلح ~~للإيجاب ولغيره لم يجز أن يجعله واجبا إلا بدلالة غير اللفظ أو نقف فيه حتى ~~تقوم دلالة المراد إذ لم يجز ان يتناول جميع هذه الوجوه في حال واحدة ~~لتضادها # قيل له حقيقة الأمر أنه للإيجاب بما قد دللنا عليه في الباب الذي قبله ~~ولو سلمنا لك ما ادعيته من الحقيقة في كل واحد من هذه الوجوه لكان حمله على ~~الإيجاب أولى # وذلك لأن المباح ما لا يستحق بفعله الثواب ولا بتركه العقاب # والندب ما يستحق بفعله الثواب ولا يستحق بتركه العقاب ففيه زيادة معنى ~~على المباح PageV02P089 # والواجب ما يستحق بفعله الثواب وبتركه العقاب ففيه زيادة حكم على الندب ~~فلو سلم لك أن اللفظ حقيقة في جميع هذه الوجوه كان الأولى حمله على الوجوب ~~لأنه أكثر ما يتناوله ويقتضيه وهو يفيد هذه المعاني فيه حقيقة كما أن لفظ ~~العموم وإن كان حقيقة في الثلاثة فما فوقها نحو قوله تعالى @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ كان الواجب حمله على أكثر ما يتضمنه ويقتضيه ولم يجز ~~الاقتصار به على الأقل إلا بقيام الدلالة كذلك لفظ الأمر إذا كان يفيد ~~الإيجاب حقيقة فقد تضمن وروده استيعاب جميع ما تعلق به من الحكم فلا جائز ~~الاقتصار به على البعض وثبت أن اللفظ إن كان حقيقة في الجميع فهو يقتضي عند ~~الاطلاق لزوم الفعل و إن كان لفظ الأمر حقيقة في بعض هذه الوجوه التي ~~ذكرناها مجازا في البعض وليس يخلو ما هو حقيقة فيه أن يكون هو الإيجاب أو ~~الندب أو الإباحة # فإن كان للإيجاب حقيقة فالواجب حمله عليه وإن كان يتناول الندب والإباحة ~~حقيقة دون غيرهما فهذا يوجب أن يكون من استعماله للإيجاب عند قيام الدلالة ~~فقد صرفه عن الحقيقة إلى المجاز واستعمله في غير ms206 موضعه وهذا لا يقوله أحد ~~ويلزم قائله أن يقول لم يأمر الله تعالى بالإيمان حقيقة في قوله @QB@ آمنوا ~~بالله ورسوله @QE@ ولم يأمر بالتقوى على الحقيقة في قوله تعالى @QB@ اتقوا ~~ربكم @QE@ فلما بطل ذلك ثبت أنه حقيقة في الإيجاب PageV02P090 # فإن قال قائل موضوع اللفظ لإفادة كون المأمور به حسنا ممدوحا وأنه ~~للإيجاب متعلق بإرادة الآمر فمتى صار عاريا عن دلالة الإيجاب لم نحمله عليه ~~لفقد علمنا بإرادته إذ كانت الصيغة لا تفيد الإيجاب لأنها لو كانت تفيده ~~لأفادته حيث وجدت وقد علمنا أنها قد ترد ولا يراد بها الإيجاب # قيل له فما تقول إذا وردت الصيغة مقارنة لدلالة الإيجاب أيكون اللفظ عندك ~~مستعملا للإيجاب حقيقة أم مجازا # فإن قال حقيقة # قيل له إن الحقائق لا تختلف أحكامها بالإرادات ولا تنتفي عما هي موضوعة ~~له في مواصفات اللغة فيها بحال فإذا قد اعطيت أنه مستعمل للإيجاب حقيقة عند ~~إرادة الآمر ذلك فهلا دلك هذا على أن اللفظ حقيقة في الأصل للإيجاب فيعقل ~~به ذلك عند وروده فلا يحتاج أن يقف فيه إلى أن يعرف إرادة القائل إذا لم ~~يقرنه بدلالة تزيله عن حقيقته بل يكون وروده مطلقا دلالة على إرادة القائل ~~للإيجاب لأن ذلك حقيقة فيجب إمضاؤه على حقيقته وموضوعه في اللغة كما أن ~~سائر الأسماء الموضوعة لمسمياتها حقيقة في أصل اللغة متى وردت مطلقة لم يجز ~~الوقوف فيها إلى أن يتعرف إرادة القائل بإطلاقها ووجوب امضائها على موضوعها ~~في اللغة متى لم يقرنه بدلالة تزيله عن حقيقته وكلفظ العموم لما كان في ~~موضوع اللغة أنه للشمول والاستيعاب لم يحتج عند وروده مطلقا إلى مساعدة ~~الدلالة في حمله على العموم # فإن قال إن لفظ الأمر متى ورد مقارنا لدلالة الإيجاب كان مجازا مستعملا ~~في غير موضوعه رفع بذلك أن يكون للفظ الإيجاب صيغة في اللغة وخرج به أيضا ~~عن قول أهل اللغة وغيرهم ولزمه ما قدمناه ذكره فيما سلف PageV02P091 # وأما قوله إن الصيغة نفسها لو كانت موجبة لذلك لما اختلف حكمها في ms207 ~~إيجابها لذلك ولما وردت إلا موجهة فإنا نقول له إن الصيغة موضوعة لذلك في ~~الأصل فمتى صدرت والمراد الندب أو الإباحة فهي مجاز في هذا الموضوع لا ~~حقيقة كما تقول في سائر ألفاظ المجاز وليس ورود الصيغة عارية من حكم ~~الإيجاب لقيام الدلالة بمانع أن يكون أصلها وبابها الوجوب كما أن صيغة ~~العموم تقتضي الاستيعاب ولا يمتنع وروده مع إرادة الخصوص ولا يمنع ذلك ~~اعتبار دلالة اللفظ على وجوب الاستيعاب عند تعريه من دلالة الخصوص # وأيضا فإن من قال إن ظاهر الأمر الندب فقد أعطى بأنه قد أريد منه إيقاع ~~الفعل وإذا صح أنه موضوع لإرادة إيقاع الفعل وجب فعله عند الإمكان واحتجنا ~~في جواز تركه إلى الدلالة من غيره # وأيضا فلو لم يكن الأمر مقتضيا للإيجاب لكان المأمور به مخيرا بعد ورود ~~الأمر بين الفعل والترك ولا دلالة فيه على التخيير فلا يصح إثبات التخيير ~~إلا بلفظ يقتضيه أو بدلالة غير الأمر # فإن قيل لم يثبت التخيير بلفظ الأمر وإنما أثبتناه لأنه كان مخيرا قبل ~~ورود الأمر وكان تركه مباحا فبقيناه على ما كان عليه إذ لم يثبت الوجوب # قيل له إنما كان الترك مباحا قبل ورود الأمر فأما بعد وروده وإرادة الآمر ~~إيقاعه فما الدليل على إباحة تركه وقد اعطينا أن الآمر قد أراد منه إيقاع ~~الفعل # فإن قال لأنه ليس في إرادة الفعل كراهة لتركه إذ ليس يمتنع اجتماعهما في ~~الحسن PageV02P092 # قيل له ما انكرت ان لفظ الامر موضوع لإيقاع الفعل وكراهة الترك كما أن ~~لفظ النهي موضوع لكراهة الفعل وارادة الترك ولو جاز أن يقال في الأمر إنه ~~لا دلالة فيه على كراهة الترك لجواز اجتماعهما في الحسن لجاز مثله في النهي ~~حتى يقال إن النهي لا دلالة فيه على كراهة المنهي عنه وإنما فيه الدلالة ~~على إرادة ضده كما قلت في الامر لأنه لا يمنع اجتماع المنهي عنه وضده في ~~الحسن # فإن قال ما من نهي إلا ومعه كراهة الفعل # قيل له وما من أمر ms208 إلا ومعه كراهة الترك # فإن قال قد يرد الامر ولا يراد كراهة ضده # قيل له لا نسلم لك أن هذا أمر ومع هذا فقد يرد النهي ولا يراد به كراهة ~~الفعل لقوله تعالى @QB@ ولا تنسوا الفضل بينكم @QE@ وفعل الفضل ليس بواجب ~~وقال تعالى @QB@ ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله @QE@ وليس بواجب على ~~من عرف الشروط أن يكتب للناس ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ ولا يضار كاتب ~~ولا شهيد @QE@ يعنى والله أعلم بأن يشغل عن حوائجه ويضر به وقد قال @QB@ ~~ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله @QE@ وهو ندب في هذه المواضع ~~PageV02P093 # ألا ترى إلى قوله تعالى @QB@ فإن أمن بعضكم بعضا @QE@ فلم يرد بهذا النهي ~~كراهة الفعل # فإن قال ليس هذا بنهي وإن كان في صورة النهي # قيل له ولفظ الأمر إذا لم يقارنه كراهة الترك فليس بأمر على الحقيقة وإن ~~كان في صورة الأمر كما قلت في النهي سواء # دليل آخر وهو أن تارك الأمر يلحقه سمة العصيان في اللغة قال الله تعالى ~~@QB@ أفعصيت أمري @QE@ وقال @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ فذمه ~~ولعنه على ترك المأمور به قاصدا له # فإن قيل لم يستحق إبليس الذم بترك الأمر بمجرده وإنما استحقه بالاستكبار ~~لأن الل 4 ه تعالى حكى عنه أنه أبى واستكبر # قيل له قد استحق الذم بالأمرين جميعا بترك الأمر على حياله وبالاستكبار ~~أيضا لأن قوله تعالى @QB@ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك @QE@ قد اقتضى توجيه ~~اللائمة إليه لترك الأمر متعريا من الاستكبار والآية الأخرى أوجبت الذم ~~بالاستكبار # ويدل على أن تارك الأمر يستحق سمة العصيان في اللغة قول دريد بن الصمة % ~~أمرتهم أمري بمنعرج اللوى % فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد % % فلما ~~عصوني كنت منهم وقد أرى % غوايتهم وأني غير مهتد % $ # فسمى تارك الأمر عاصيا ولا يستحق سمة العصيان إلا تارك الواجبات ~~PageV02P094 # وأيضا فإن تارك أمر من يلزمه طاعته فيما بينا مستحق للتعنيف واللائمة ~~وأوامر الله تعالى محمولة على المعقول المتعارف بيننا بقوله تعالى ms209 @QB@ وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ وقال تعالى @QB@ بلسان عربي مبين @QE@ ~~ولا شيء يستحق به تارك الأمر اللوم فيما بينا إلا وروده مطلقا فدل على أنه ~~موضوع للإيجاب # وكذلك معلوم متقرر عند الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمر رجلا ~~بالقيام أو القعود أمرا مطلقا فلم يفعله كان معنفا عند الجميع مستحقا للذم ~~فدل على أنه يقتضي الإيجاب # فإن قيل إنما وجب ذلك في أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وأوامرنا فيما ~~بيننا لعبيدنا ومن تلزمه طاعتنا لأن المأمور يقع له علم الضرورة بمراد ~~الآمر وذلك معدوم في خطاب الله تعالى # قيل له يقع للسامع علم الضرورة بإرادة الآمر الوجوب بنفس الأمر أو بمعنى ~~يقارنه # فإن قال بنفس الأمر # قيل له فينبغي أن يقع له ذلك في سائر الأوامر لوجوب الضرورة الموجبة لعلم ~~الضرورة # وإن قال إنما يقع له ذلك بأحوال مقارنة # قيل له فكل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن غيره ممن تجب طاعته ~~مقارنة حال يعلم المأمور إرادة الأمر لإيجابه ضرورة PageV02P095 # فإن قال نعم علم بطلان قوله ضرورة لأنه معلوم أنه قد يرد لفظ الأمر من ~~الآمر لمن يخاطبه به ولا يقارنه حال يعلم بها الوجوب ضرورة بل يشك في أنه ~~أراد الإيجاب أم لا ثم لم تعتبر الناس الأحوال لإلحاق الذم بتارك الأمر ~~فعلمنا أنه إنما يستحق الذم عندهم لتركه الأمر بمجرده # وأيضا فإن كان كما قال من أن لزوم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن ~~يخاطبه به من جهة ما يقع للسامع من العلم الضروري بمراده فينبغي أن يختلف ~~حكم الأمر لمن شاهد النبي صلى الله عليه وسلم ولمن لم يشاهده ممن بلغه أمره ~~فيلزم المشاهد له والسامع منه ولا يلزم المبلغ لأن المشاهد وقع له العلم ~~بمراده من جهة الضرورة والمبلغ لا يقع له ذلك ومعلوم أن أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يختلف في السامع والمبلغ وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~السامعين بالتبليغ ms210 بقوله نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من ~~لم يسمعها فدل على أن السامع والمبلغ في حكم الأمر سواء ولو كان يختلف ~~حكمهما فيما تعبدا به لقيده عليه السلام بمعنى غير إطلاق اللفظ يستوى في ~~العلم بمراده السامع والمبلغ # وأيضا لو ساغ أن يقال هذا في الأوامر لساغ لنفاة العموم أن يقولوا مثله ~~في نفيه لأن الناس قد يعرف بعضهم مراد بعض في العموم والخصوص ضرورة فوجب في ~~PageV02P096 مخاطباتنا اعتبار العموم لوقوع علم السامع بمراد القائل ضرورة ~~ولا يجب مثله في خطاب الله تعالى لأنه لا يقع لنا العلم بمراده ضرورة فلا ~~يجب أن يحمل ما ورد عن الله تعالى من ألفاظ العموم على عمومه حتى تقوم ~~الدلالة على إرادته العموم وكذلك نقول في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لمن شاهده أنه على العموم ومن بلغه ذلك لا يلزمه اعتبار العموم لأن من شاهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم مراده ضرورة لخطابه لمقارنة الأحوال ~~الموجبة لذلك وكان يلزم السامع اعتبار العموم لهذه العلة ومن لم يشاهد لم ~~يقع له علم الضرورة بمراده بورود لفظ العموم عليه فلا يجوز له اعتبار ~~العموم إلا بدلالة غير اللفظ فلما بطل ذلك كان قول المحتج بمثله في نفس ~~وجوب الأمر بمثابته # وأيضا معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تلا عليهم الآيات التي ~~فيها الأوامر نحو قوله تعالى @QB@ وقاتلوا المشركين كافة @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وقوله @QB@ انفروا خفافا وثقالا @QE@ @QB@ ~~حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~@QE@ لم يكونوا محتاجين إلى مسألته في إن ذلك على الوجوب بل كان المتخلف ~~عندهم عن ذلك معنفا تاركا لأوامر الله ولم يزدهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~على تلاوة الآية ولم يعقبها بالإخبار عن مراد الله تعالى في إيجابه ~~PageV02P097 # ومعلوم أن الآيات لم توجب لهم علم الضرورة بمراد الله تعالى فيها لأن ~~مراد الله تعالى لا يعلم ضرورة فثبت بذلك سقوط اعتراض من اعترض بما ذكر في ms211 ~~الفصل بين أوامر الله تعالى وبين أوامر الآدمي # وقد استدل بعض أهل العلم بأن قوله افعل لو صلح للإيجاب والندب لكان ~~المصير إلى جهة الإيجاب أولى لما فيه الاحتياط والأخذ بالثقة وهذا وإن كان ~~استدلالا من غير جهة اللفظ فإنه احتجاج صحيح في وجوب الأمر كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك وقال إن لكل ملك حمى وإن حمى الله تعالى محارمه ومن ~~رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه فأمر صلى الله عليه وسلم بالاحتياط والأخذ ~~بالثقة فيما يحتمل وجهين # فإن قال قائل اعتبار الاحتياط في إيجاب الأمر هو ترك الاحتياط من قبل أنه ~~إن لم يكن مراد الله تعالى الإيجاب واعتقدنا فيه الوجوب فقد أقدمنا على ما ~~لا يجوز الاقدام عليه من اعتقادنا الشيء على خلاف ما هو عليه # قيل له ليس هذا كما ظننت لأنا لم نكلف في هذه الحال غير الاحتياط والأخذ ~~بالحزم فقد تيقنا متى فعلنا ذلك أنا غير معتقدين للشيء على خلاف ما هو عليه # ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر ذلك حين قال فدع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك وعلتك قائمة فيه لأنك لا تأمن أن تدعه على أن عليه تركه ~~وليس عليه تركه في PageV02P098 الحقيقة وقال عليه السلام للرجل الذي اخبرته ~~امرأة سوداء أنها ارضعته وزوجته دعها عنك فقال يا رسول الله إنها سوداء ~~يعني المخبرة فقال عليه السلام كيف وقد قال دعها عنك فأمر بالاحتياط والأخذ ~~بالحزم والثقة مع عدم العلم بصحة خبرها واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل ~~كبير من أصول الفقه قد استعمله الفقهاء كلهم وهو في العقل كذلك أيضا لأن من ~~قيل له إن في طريقك سبعا أو لصوصا كان الواجب عليه الأخذ بالحزم وترك ~~الإقدام على سلوكها حتى يتبين أمرها # وأيضا قد صح عندنا أن النهي عن الشيء أمر بضده من جهة الدلالة إذا لم يكن ~~إلا ضد ms212 واحد فمن حيث كان ما دل عليه لفظ النهي من فعل ضده على الوجوب وجب ~~أن يكون اللفظ الموضوع للأمر أدل على الإيجاب مما يتعلق به منه بدلالة لفظ ~~النهي # فإن قال قائل في القول بإيجاب الأمر المطلق إثبات الوعيد على تاركه وليس ~~ذلك في اللفظ فغير جائز إثباته إلا بدلالة من غيره إذ كان لفظ الأمر لا ~~ينبئ عنه # قيل له لا يخلو من أن تعطى ان لفظ الأمر إذا أريد به الإيجاب كان مستعملا ~~في موضعه حقيقة أو يمتنع ذلك فإن أعطيت أنه مستعمل في الإيجاب حقيقة سقط ~~سؤالك لأن حقيقة الواجب ما يستحق الذم بتركه فلا معنى حينئذ لقولك إنه غير ~~جائز إثبات الوعيد على تاركه إلا بلفظ ينبئ عنه # وإن كنت ممن يأبى أن يكون لفظ الأمر إذا أريد به الإيجاب كان مستعملا فيه ~~على جهة الحقيقة كان اتفاق أهل اللغة وغيرهم قاضيا بفساد قولك ولزمك أن لا ~~تثبت للأمر صيغة في اللغة وهذا قول ظاهر الفساد PageV02P099 # وأيضا فإنا قد اتفقنا على أن النهي عن الإيجاب يستحق مرتكبه الذم مع عدم ~~الوعيد مذكورا في اللفظ فانتقض بذلك ما أحلت من امتناع إثبات الوعيد إلا ~~بلفظ ينبئ عنه # وأيضا فإن هذا السائل إن كان ممن يقول إن ظاهر لفظ الأمر إنما يقتضي ~~الدلالة على حسن الشيء المأمور به وكونه ممدوحا مرغبا فيه فإنه قد أثبت له ~~ضربا من الثواب بفعل المأمور به وليس لفظ الأمر عبارة عن استحقاق الثواب ~~فما ينكر من اثبات الوعيد على تاركه وإن لم يكن اللفظ عبارة عنه # وأيضا معلوم في تعارفنا وعاداتنا أن من أمر عبده بفعل شيء فتخلف عنه ~~استحق التعنيف وإن لم يكن ما يستحقه من ذلك مذكورا في اللفظ بل كان معقولا ~~منه من حيث عقل وجوب الأمر # وأما من قال إني اجعله على الإباحة حتى تقوم دلالة الندب أو الإيجاب فإنه ~~يطالب بإقامة الدلالة على ما قال فلا سبيل له إليها # ويقال له فإذا قامت دلالة الإيجاب كان ms213 اللفظ مستعملا فيه حقيقة أو مجازا # فإن قال حقيقة # قيل له فهلا حملته على الإيجاب إذا كان مقتضاه من غير دلالة تطلبها من ~~غيره # فإن قال يكون مجازا في الإيجاب أكذبته اللغة وخرج عن قول الامة # ويقال له مع ذلك أيضا ما أنكرت أن لا يدل على الإباحة أيضا لأنه قد يرد ~~ولا يراد به الإباحة كقوله تعالى @QB@ اعملوا ما شئتم @QE@ فيؤدي هذا القول ~~اللفظ إلى إسقاط فائدته رأسا PageV02P100 PageV02P101 PageV02P102 & باب ~~القول في الأمر إذا صدر غير مؤقت هل هو على الفور أو على المهلة # قال أبو بكر اختلف أهل العلم في ذلك # فقال قائلون هو على المهلة وله تأخيره إلى الوقت الذي يخشى الفوات بتركه ~~في آخر عمره # وقال آخرون هو على الفور يلزم المأمور فعله في أول أحوال الإمكان # وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يحكي ذلك عن اصحابنا ويستدل عليه بقولهم ~~في فرض الحج أنه على الفور على من استطاع إليه سبيلا وأنه لا يسعه تأخيره ~~PageV02P103 PageV02P104 # والدليل على صحة هذا القول أنه قد ثبت أن الأمر على الوجوب بما قدمنا ~~والفعل مراد من المأمور في الحال بدلالة اتفاق الجميع على ان فاعله فيها ~~مؤد للواجب بالأمر فإذا كان فعله في الحال مرادا بالأمر صار بمنزلة قوله ~~افعله في أول أحوال الامكان فلزم فعله في الحال واحتجنا في جواز التأخير ~~إلى دلالة وأنه لو نص على الوقت فقال افعله في هذا الوقت لزمه فعله فيه ولم ~~يسعه التأخير إلى وقت غيره # كذلك لما ثبت بالدلالة التي ذكرنا أن الفعل مراد في الحال لم يجز لنا ~~التأخير إلا بدلالة تدل عليه # فإن قال قائل فلو أخر الأمر المطلق حتى فعله في الوقت الثاني والثالث إلى ~~انقضاء عمره كان مؤديا للواجب بالأمر فينبغي أن يدل ذلك على جواز التأخير ~~لأنه قد ثبت أن فعله في هذه الأوقات مراد بالأمر # قيل له لم قلت إنه مؤد للواجب ولا دلالة فيه على جواز التأخير لأن تقديره ~~افعله في الوقت الأول ولا تؤخره فإن ms214 أخرته إلى الوقت الثاني فافعله فيه ولا ~~تؤخره فلا يدل ذلك على جواز التأخير إذ قد يكون مأمورا بالتعجيل ثم إذا ~~أخره لزمه فعله في الوقت الذي PageV02P105 يليه فإن لم يفعله ففي الوقت ~~الذي يليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ولا كفارة لها إلا ذلك فألزمه فعلها عند ~~الذكر ومنعه التأخير ولو آخرها كان تاركا للواجب ولزمه فعلها في الثاني وما ~~يليه من الأوقات # وكالديون الواجبة للآدميين يلزمه أداؤها بعد حال الوجوب فإن أخره عن ~~الحال لزمه في الثاني أداؤه وإن آخره لزمه في الوقت الذي يليه فدل ذلك على ~~سقوط سؤال من اعترض علينا بما وصفنا وأنه لا دلالة في كون الفعل مرادا في ~~الوقت الثاني إذا تركه في الوقت الأول على جواز التأخير # وأيضا فلما ثبت أن المأمور به مراد فعله احتجنا في جواز تركه في الحال ~~إلى دلالة أخرى كما احتجنا في جواز تركه رأسا إلى دلالة فمن حيث دلت صورة ~~الأمر على الإيجاب فهي تدل على وجوبه على الفور # وأيضا فإن من جعله على المهلة فقد اثبت تخييرا غير مذكور في لفظ الأمر ~~وغير جائز إثبات التخيير إلا بدلالة # وأيضا فإن الديون وسائر حقوق الآدميين إذا لم يكن فيها شرط التأخير لزم ~~أداؤها على الفور ولم يجز للذي هي عليه تأخيرها إلا بإذن الذي له الحق فوجب ~~أن يكون كذلك حقوق الله تعالى والمعنى الجامع بينهما أن وجوبهما غير مؤقت # ويدل على ذلك أيضا أن المتعارف المعتاد من أوامرنا لعبيدنا ومن تلزمه ~~طاعتنا أنه على الفور فوجب مثله في أوامر الله تعالى لأن ذلك قد صار موجب ~~القول ومقتضاه PageV02P106 وقد خاطبنا الله تعالى بالمتعارف من مخاطباتنا ~~فيما بيننا وبقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ # وأيضا فلو احتمل الفور والمهلة جميعا لكان الأخذ بالثقة واستعمال الحزم ~~في المبادرة أولى من تأخيره على ما ذكرنا في دلالة وجوب الأمر من جهة ms215 أخرى ~~أنه لا يأمن اخترام المنية إياه فيحصل مفرطا في التأخير فوجب عليه المسارعة ~~إليه ويدل على صحة اعتبار هذا المعنى قوله تعالى @QB@ فاستبقوا الخيرات ~~@QE@ وقوله تعالى @QB@ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات @QE@ وقوله @QB@ ~~فاستبقوا الخيرات @QE@ يمكن أن يكون دليلا مبتدأ على لزوم التعجيل لأن ~~الأمر على الوجوب # ودليل آخر لا يخلو القول في الأمر المطلق إذا لم يكن آخر وقته معلوما عند ~~المخاطب من أحد وجهين إما أن يكون على الفور على ما قلنا أو على المهلة على ~~ما قال مخالفنا # فإن كان على المهلة لم يخل المأمور من أحد وجهين إما أن يكون له تأخيره ~~أبدا حتى لا يلحقه التفريط ولا يستحق اللوم وإن مات قبل فعله أو يكون مفرطا ~~مستحقا للوم إذا مات قبل فعله # فإن قلنا إنه لا يكون مفرطا بتركه في حياته خرج الأمر من حيز الوجوب وصار ~~في حيز النوافل لأن ما كان المأمور مخيرا بين فعله وتركه فهو نافلة أو مباح ~~ولما ثبت وجوب PageV02P107 الأمر بطل هذا القول # وإن قلنا إنه يلحقه التفريط بالموت فغير جائز أن يلحقه التفريط في وقت لا ~~يعلم أنه الوقت المضيق عليه تأخير الفعل عنه ولم ينصب له دليل يوصله إلى ~~العلم به فغير جائز أن يكون من هذا وصفه منهيا عن تأخير الفعل عن الوقت ~~الذي إذا أخره عنه لم يستدرك فعله كما لا يصح أن يتعبده الله تعالى بعبادة ~~لا يعلمه بها ولا ينصب له عليها دليلا فلما كان آخر عمر الانسان الذي يخشى ~~فيه فوات الفعل غير معلوم عنده لم يجز أن يكلف فعله فيه وهذا يوجب أن لا ~~يكون مفرطا بتركه إلى أن يموت فيعود القول فيه إلى القسم الذي قد دللنا على ~~بطلانه فلما بطل ذلك ولم تحتمل المسألة وجها غير ما ذكرنا وبطل الوجهان ~~الآخران صح الثالث # وقد كان شيخنا أبو الحسن احتج بهذا مرة فألزمت عليه الزكوات والنذور ~~وقضاء شهر رمضان وما جرى مجراه من حقوق الله تعالى التي ثبتت في ذمته ms216 في ~~وقت غير معين # وقلت له إن هذا الاعتلال يقتضي أن يكون لزوم جميع ذلك متعلقا بأول أحوال ~~الإمكان بعد حال وجوبه وثبوته في ذمته فالتزم ذلك وقال لا يسعه تأخير شيء ~~من ذلك # قال أبو بكر ويدل على أن جميع ذلك لا يسع من لزمه تأخيره من غير عذر قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ~~ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك وفي PageV02P108 بعض الألفاظ لا وقت لها ~~إلا ذلك لما أثبتها في ذمته منعه تأخيرها عن وقت لزومها في الذمة وليس ذلك ~~بمنزلة صلاة الظهر في جواز تأخيرها إلى آخر الوقت لأن آخر وقتها معلوم فإذا ~~لم يبق من الوقت إلا مقدار ما يؤدي ف فيه الفرض تعين عليه الفعل في وقت ~~عنده ومتى لم يكن آخر وقت الفعل معينا فإن مخالفنا إنما يلزمه التفريط في ~~وقت لم ينصب له عليه دليل أنه آخر أوقاته ويجعله منهيا عن ترك فعل لا يعلم ~~أنه منهي عنه ولم ينصب له عليه دليل # فإن قال قائل قد روي عن عائشة أنها قالت كان يكون علي قضاء أيام من رمضان ~~فلا أقضيها إلا في شعبان فقد كانت تؤخرها ولم ينكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهذا خلاف قولكم ان قضاء رمضان واجب في أول أحوال الامكان # قيل له لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقرها عليه # وأيضا يجوز أن يكون عندها أن قضاء رمضان فرض موقت بالسنة كلها إلى أن ~~يجيء رمضان آخر فيجوز تأخيره إلى آخر الوقت كصلاة الظهر لأن الوقت المنهى ~~عن تأخيره عنه معلوم معين # دليل آخر وهو أن الامر لما كان على الوجوب اقتضى كراهة تركه فكان بمنزلة ~~من نهى عن تركه وقد اتفق الجميع على أن النهي يقتضي ترك المنهي عنه على ~~الفور فإن قيل ما الدليل على أنه اقتضى كراهة تركه في الحال دون أن يكون قد ~~كره منه تركه في عمره ms217 كله # قيل له إذا كان الأمر به قد تضمن كراهة الترك وكان ما كره تركه فهو ~~PageV02P109 منهى عنه في المعنى صار كمن قيل له لا تتركه فاقتضى ذلك كراهة ~~تركه على الفور فوجب أن يلزم فعله والحال على وجه الإيجاب فإن قال قائل في ~~القول بإيجاب الأمر على الفور إثبات الوعيد على تاركه في الحال ولفظ الأمر ~~لا ينبئ عن ذلك فلا يجوز إثباته إلا بدلالة # قيل له قد ثبت وجوب الأمر وما كان واجبا فهو يقتضي ذم تاركه فلسنا نحتاج ~~بعد ذلك إلى استئناف دلالة على ذم تاركه ولو صح هذا السؤال لاعترض على ~~القول بوجوب الأمر في الأصل ولساغ لمن ينفي ذلك أن يستدل به على نفي الوجوب ~~رأسا فلما لم يصح ذلك لمن نفى وجوب الأمر للدلائل الدالة على وجوبه كذلك لا ~~يعترض على القول بلزومه على الفور # فإن قيل قد يرد الأمر والمراد الفور وقد يرد والمراد المهلة ولا دلالة في ~~اللفظ على لزوم فعله في الحال فغير جائز إلزامه في الحال إلا بدلالة # قيل له لم يثبت أمر على المهلة إلا وآخر وقته معلوم معين # فقولك إنه قد يرد والمراد المهلة خطأ على هذا الاطلاق وعلى أنه لو ثبت ~~وروده والمراد المهلة لما كان مؤثرا في صحة قولنا لأن ذلك إنما يصار إليه ~~بدلالة غير اللفظ كما يخص العموم بدلالة وكما يصرف اللفظ عن الحقيقة إلى ~~المجاز بدلالة ولا يؤثر ذلك في صحة اعتبارنا القول بالعموم ووجوب حمل اللفظ ~~على الحقيقة # فإن قال لو كان الأمر لازما على الفور لسقط فعله بتركه على الفور كما ~~يسقط الأمر المؤقت بترك فعله في الوقت # قيل له الذي كان واجبا في الوقت الأول ليس هو الواجب في الوقت التالي بل ~~قد PageV02P110 سقط ما وجب في الوقت الأول بفوات وقته كما سقط الظهر بفوات ~~وقتها والذي يجب بعد الوقت فرض غير الأول فقد استويا في هذا الوجه فإن قال ~~لو كان كذلك لاحتجنا إلى دلالة أخرى غير الأمر في ms218 إيجابه في الوقت الثاني ~~فلما كان الواجب في الوقت الثاني إذا تركه في الوقت الأول واجبا بالأمر دل ~~ذلك على أن لزومه لم يتعلق بالحال دون المهلة وليس كذلك الظهر وسائر الفروض ~~المؤقتة لأن فوات الوقت قبل فعلها يسقطها ولا يلزمه فرض آخر بالأمر الأول ~~وإنما يلزمه القضاء بدلالة أخرى # قيل له ان تقرير الأمر المطلق عندنا أن صل في أول حال الامكان فإن تركته ~~فافعله في الثاني فإن تركته فافعله في الثالث فتضمن الأمر فعله في هذه ~~الأوقات إذا لم يفعله قبل ذلك وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن يكون لزومه ~~متعلقا بالأمر على هذا الوجه ولا يدل ذلك على جواز التأخير لأنه لو قيده ~~بما ذكرناه كان جائزا # ألا ترى ان مخالفنا يقول معنا فيمن ترك الظهر حتى فات الوقت أنه يصليها ~~عند الذكر فإن أخرها عن حال الذكر من غير عذر استحق اللوم وكذلك إن أخرها ~~عن الوقت الثاني إلى الثالث ولم يدل ذلك على جواز تأخيرها عن وقت الذكر ~~وبذلك ورد الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك # فإن قال لو كان لزوم الأمر على الفور لكان فعله بعد ذلك واقعا على وجه ~~القضاء كالظهر إذا فات وقتها قبل فعلها PageV02P111 # قيل له تسميتنا إياه قضاء أو غير قضاء إنما هو كلام في العبارة وقد قلنا ~~إن المفعول في الوقت الثاني غير المتروك في الوقت الأول وأنه فرض آخر غيره # فإن شئت بعد ذلك ان تسميه قضاء لم نمنعك منه فإن قال قائل لما لم نتبين ~~في الخبر عما يكون في المستقبل مقتضيا للفور كقول الله تعالى @QB@ لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ ولم يدخله على الفور وكقوله الله ~~تعالى @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~@QE@ ولم يكن في فور الخطاب # وكقول القائل والله لأضربن زيدا ولأكلمن عمرا فلا يقتضي الفور ms219 وجب أن ~~يكون الأمر مثله # قيل له ولم وجب إذا كان الاخبار عن أمر يقع في المستقبل مقتضيا للفور أن ~~يكون الأمر مثله وبأية علة وجب الجمع بينهما وكيف وجه دلالة أحدهما على ~~الآخر # وعلى أن الإخبار عن الاستقبال لا يقتضي إلزام شيء لأن من قال والله ~~لأدخلن الدار ولأكلمن زيدا لم يلزمه بهذا القول فعل المخبر عنه ولو تركه لم ~~يكن عليه شيء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه فأمره بترك ما حلف عليه أن ~~يفعله ولا يحنث فيه وقال الله تعالى @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ~~أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ~~@QE@ PageV02P112 روي أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف أبو بكر ألا ~~ينفق عليه لما كان منه في أمر عائشة فأمره الله تعالى بترك ما حلف عليه ~~فثبت أن حلفه على فعل أن يفعله في المستقبل لا يلزمه فعله فكما جاز له تركه ~~رأسا فكيف لا يجوز له تركه على الفور # فإن قيل إنما وجه استدلالنا منه أن الخبر واليمين لم تفيدا فعل المخبر ~~عنه والمحلوف عليه على الفور ولم يقتض اللفظ ذلك فكذلك الأمر واختلافهما من ~~جهة ما يعلق بالأمر من الإيجاب دون الخبر لا يوجب الفرق بينهما من الوجه ~~الذي ذكرنا # قيل له فالذي فيه إلزام الفعل إنما كان على الفور من أجل ما تعلق به من ~~الوجوب والذي ليس فيه إلزام الفعل لم يقتض الحال لعدم الالزام # فإن قيل لما كان ورود الأمر يقتضي عموم فعله في سائر الازمان ما لم يفعله ~~كان له في أي وقت شاء منها لأن في إلزامه إياه على الفور تخصيصا لوقت دون ~~وقت ولا يجوز ذلك إلا بدليل # قيل له قولك إنه عموم في الأزمان غلط لأن الزمان غير مذكور فيكون عموما ~~من طريق اللفظ وإنما لم يسقط عنه لتركه في الوقت الأول من ms220 قبل أنه قد ثبت ~~في ذمته PageV02P113 وجوبها فلا يسقط عنه إلا بأدائه كالديون إذا أخرها من ~~هي عليه عن وقت وجوبها # ولو جاز أن يقال إن ورود الأمر المطلق يقتضي عمومه جواز فعله في سائر ~~الأزمان فيجوز تأخيره لجاز مثله في الديون الحالة # فإن قيل قد أخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج عن وقت وجوبه لأنه بعث أبا ~~بكر رضي الله عنه على الحج ولم يحج هو حتى حج في السنة الثانية مع تقدم فرض ~~الحج على السنة التي حج فيها فدل على أنه لم يقتض الفور # قيل له ليس هذا بسؤال في المسألة التي نحن فيها لأن الكلام بيننا وبين ~~مخالفنا في الأصل ونحن لا نأبى أن تقوم الدلالة في الأمر المطلق على جواز ~~التأخير ثم الكلام في أعيان المسائل أنها مما يجوز تأخيره أو لا يجوز يكون ~~كلاما في الدلالة الموجبة لجواز التأخير في تلك المسألة بعينها وفي ذلك ~~خروج عن مسألتنا وكلام في غيرها كما أن الكلام في دلالة التخصيص لفظ ظاهره ~~العموم ليس هو كلاما في أصل القول بالعموم أو نفيه ولا قادحا فيه فلو صح ان ~~وجوب الحج قد كان متقدما للسنة التي حج النبي صلى الله عليه وسلم فيها لما ~~دل ذلك على موضع الخلاف لجواز أن يكون اخره لعذر أوجب تأخيره على أنه قد ~~قيل إن PageV02P114 فرض الحج إنما نزل في سنة عشر وهي السنة التي حج النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها وقيل في سنة تسع # فإن كان في سنة تسع فجائز أن يكون بعد حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~وإن كان في سنة عشر فقد انتفى أن يكون واجبا قبله # والذي يدل على هذا ظاهر الحال وهو أن أبا بكر لم يحج في تلك السنة حجة ~~الاسلام وإنما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بحضور الموسم والوقوف بتلك ~~المشاهد متنفلا به على الرسم الذي كانوا يحجونه ليعلم العرب ومن شهد ذلك ~~الموسم أن من شريعة الرسول صلى الله ms221 عليه وسلم فعل الحج اقتداء بسنة ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم والدليل على أنه لم يحج حجة فرضه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما حج في السنة الثانية خطب الناس في عرفات فقال إن الزمان ~~قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض فروي في معنى ذلك ان الحج قد ~~صار في تلك السنة إلى PageV02P115 الوقت الذي ابتدأ الله تعالى الحج فيه ~~حين أمر به إبراهيم عليه السلام وقد كان المشركون قبل ذلك ينسئون الشهور ~~فيتفق الحج في أكثر السنين في غير وقته المأمور فيه واتفق عوده إلى وقته ~~المفروض فيه في السنة التي حج النبي صلى الله عليه وسلم فلا محالة إذا كان ~~هذا هكذا أن حج أبي بكر كان في غير وقت الحج فلم يكن ما فعله أبو بكر ومن ~~حج معه في تلك السنة حجة الاسلام # وهذا يدل على أن فرض الحج لم يكن تقدم وجوبه قبل تلك السنة التي حج النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيها # وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يحتج لعذر النبي صلى الله عليه وسلم في ~~تأخره عن الحج في السنة التي بعث فيها أبا بكر أن المشركين قد كانوا يحجون ~~البيت وكانت تلبيتهم شركا وكفرا وكان منهم من يطوف بالبيت عريانا الرجال ~~والنساء فصان الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن مشاهدة ذلك فأمره ~~بتأخير الحج إلى السنة الأخرى لينبذ إلى المشركين عهودهم في تلك السنة وقال ~~لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك PageV02P116 كغيره لأن من كشف عورته بحضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم استخفافا كان كافرا ولا يكون كذلك إذا فعله بحضرة غيره # فإن قيل فقد أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم قوم لم يحجوا قيل له لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بد بأن يكون بحضرته قوم من المسلمين ~~لكثرة الكفار والمنافقين هناك وحول المدينة فكانوا معذورين في المقام فإن ~~قيل ms222 فقد حبس النبي صلى الله عليه وسلم عليا بن أبي طالب رضي الله عنه لما ~~نزلت سورة براءة وأمره أن يلحق أبا بكر فيقرأ سورة براءة على المشركين ~~بالموسم فبعث به بعد أن حبسه عنده فدل على أنه لم يكن معذورا في الابتداء ~~إذن قد جاز أن يبعث به بعد حبسه ندبا # قيل له قد كان كونه عند النبي صلى الله عليه وسلم فرضا في الابتداء ثم ~~لزمه فرض الخروج للتبليغ عنه فيما عهد إليه فيه فقد كان هذا أوجب من الأول ~~فلذلك بعث به PageV02P117 PageV02P118 PageV02P119 PageV02P120 & باب القول ~~في الأمر المؤقت # قال أبو بكر إذا ورد الأمر مؤقتا بوقت له أول وآخر وأجيز له تأخيره إلى ~~آخر الوقت نحو صلاة الظهر فإن أهل العلم مختلفون في وقت وجوبه # فقال بعض أصحابنا قد وجب في أول الوقت وجوبا موسعا فإذا انتهى إلى آخر ~~الوقت بمقدار ما يؤدي فيه الفرض صار وجوبه مضيقا # وكذلك قال هؤلاء في الزكاة أنها قد وجبت بوجوب النصاب وجوبا موسعا إلى ~~آخر الحول فإذا حال الحول صار وجوبها مضيقا لأن الوجوب عندهم في الشريعة ~~يتعلق بالشيء على معنيين # أحدهما ثبوت الواجب عليه ولزومه إياه وإن لو يلزمه معه الفعل # والآخر وجوب الأداء كالدين المؤجل أن وجوبه قد تعلق في ذمته وإن لم يلزمه ~~الأداء في الحال ثم إذا أجل تعلق عليه وجوب الأداء # والدليل على أن الدين المؤجل قد تعلق وجوبه في ذمته أنه لو لم يكن كذلك ~~لما جاز أن يشتري عبدا بألف درهم مؤجلة لأن الوجوب لو كان متعلقا بحلول ~~الأجل لما صح العقد إذ غير جائز أن يتعلق حدوث الملك فيه بمجئ الوقت # ألا ترى أنه لا يصح أن يقول إذا جاء غد فقد بعتك هذا العبد لأنه علق وجوب ~~الملك على مجيء الوقت فثبت بذلك أن الدين المؤجل قد ملك في ذمة من هو عليه ~~وان لم يجب أداؤه إلا بعد حلول الأجل # قالوا فكذلك الفرض قد وجب في أول الوقت وجوبا موسعا حتى ms223 إذا صار إلى آخر ~~الوقت لزمه الأداء ولم يسعه التأخير PageV02P121 # وقد حكي لنا معنى هذا المذهب عن محمد بن شجاع الثلجي رحمه الله # وقال غيره من أصحابنا أن الوجوب في مثله يتعلق بآخر الوقت فإن أول الوقت ~~لم يوجب عليه شيئا # ثم اختلفوا فقال منهم قائلون إن ما فعله في أول الوقت نفل يمنع لزوم ~~الفروض في آخره مثل رجل محدث توضأ قبل مجيء وقت الصلاة فيكون متنفلا ~~بطهارته ومنع ذلك لزوم فرض الطهارة له عند مجيء وقت الفرض # وكذلك قالوا في الزكاة إذا عجلها قبل الحول بعد وجود النصاب # ويستدلون على ذلك من قول أصحابنا بما لا خلاف بينهم فيه ان امرأة لو حاضت ~~في آخر الوقت لم يكن عليها قضاء تلك الصلاة # وكذلك لو سافر رجل في آخر الوقت لزمه القصر ولم يكن لما سلف من الوقت ~~تأثير في لزوم الفرض # ولا خلاف بين الفقهاء ان امرأة لو طهرت في آخر الوقت لزمها فرض الصلاة # ولو ان مسافرا أقام في آخر الوقت قبل أن يصلي لزمه الاتمام قالوا فلما ~~كان هذا هكذا علمنا ان لزوم فرض الصلاة متعلق بآخر الوقت وان ما قبل ذلك من ~~الوقت لا تأثير له في الإيجاب # وقالت الفرقة الأخرى من أصحابنا ما فعله في أول الوقت مراعى فإن لحق آخره ~~وهو من أهل الخطاب بها كان ما أداه فرضا وإن لم يكن من أهل الخطاب بها كان ~~المفعول في أول الوقت نفلا PageV02P122 # وكذلك قالوا في الزكاة إذا عجلها بعد وجوب النصاب قبل الحول أنه إن كان ~~في آخر الحول من أهل الخطاب بها كان المؤدي فرضا وإن لم يكن كذلك كان ~~المؤدي تطوعا # وقد قال أصحابنا فيمن له أربعون من الغنم فعجل للمصدق شاة ثم حال الحول ~~وليس عنده إلا ثمانية وثلاثون شاة أنه يأخذ الشاة من المصدق إذا كانت قائمة ~~بعينها # وإن حال الحول وعنده تسعة وثلاثون أجزأته الشاة عن الصدقة ولم يكن له أن ~~يأخذها فجعلوا حكم الشاة مراعى في جوازها ms224 عن الفرض وكونها غير مجزية عنه # قالوا وليس يمنع في الأصول أن يكون المفعول على وجه الفرض مراعى بموقوف ~~الحكم فيصير تارة في حيز الواجب وتارة في حيز النفل # ألا ترى أن مريضا أو مسافرا لو صلى الظهر في بيته قبل أن يصلي الامام كان ~~ظهره مراعى فإن حضر الإمام بعد ذلك فصلى معه الجمعة تبينا أن الأولى لم تكن ~~ظهرا وإن لم يصل الجمعة كانت الأولى ظهرا # قال أبو بكر والذي حصلناه عن شيخنا أبي الحسن رحمه الله في ذلك أن وقت ~~الظهر كله وقت لأداء الفرض والواجب يتعين فيه بأحد وقتين # أما إذا لم يصل الظهر حتى ينتهي إلى آخره فإن الوجوب يتعين عليه بآخر ~~الوقت وهو الوقت الذي لا يسعه تأخيرها عنه # وأما إذا فعلها قبل ذلك فإن حكم الوجوب يتعين بالوقت المفعول فيه الصلاة ~~كما يقول في كفارة اليمين ان الواجب أحد الأشياء الثلاثة ولم يتعين الوجوب ~~عليه PageV02P123 PageV02P124 في واحد كالحنث حتى إذا فعل أحدها تعلق به ~~حكم الوجوب فكان كأنه هو الواجب # وكما يقول فيمن باع قفيز حنطة من صبرة أن المبيع لم يتعين بنفس العين فإن ~~كال منها قفيزا وسلمه تعين فيه حكم العقد ويصير كأنه هو المبيع بعينه وإنما ~~تعين فيه حكم العقد بالتسليم كذلك حكم الوجوب يجوز أن يتعلق بالفعل وإن كان ~~لو لم يفعله لم يكن للوقت تأثير في وجوبه فإن قال قائل لا يجوز أن يتعين ~~عليه حكم الوجوب بالفعل لأن المفعول لا يصح إيجابه ولا الأمر به وإنما ~~يتعلق حكم الإيجاب بما لم يفعله مما يصح وقوعه منه # قيل له لم نقل أن الأمر بالفعل توجه إليه في حال الفعل # وإنما قلنا إن حكم الوجوب يتعين فيه وهو كما نقول في الحانث في يمينه أنه ~~متى فعل واحدا من الأشياء الثلاثة تعين حكم الوجوب بالمفعول منها وانتفى ~~عما لم يفعل فصار كأنه هو الواجب وإن لم يكن تعين الوجوب فيه بالأمر وكما ~~يلزمه فرض أداء الزكاة PageV02P125 إلى مساكين لم ms225 يتعينوا بوجوب الفرض ثم ~~إذا أعطاها مساكين بأعيانهم تعين حكم الوجوب فيهم وإن كان له في الابتداء ~~الانصراف عنهم إلى غيرهم # فإن قال لا يشبه ما ذكرت كفارة اليمين لأنه قد تعلق عليه وجوب أحد ~~الأشياء الثلاثة بالحنث في الحال فله أن يفعل أيها شاء فأيها فعل كان هو ~~الواجب وأنت لا تقول إنه تعلق عليه وجوب إحدى الصلوات التي لم يمكن فعلها ~~في الوقت من أوله إلى آخره لأنه إنما يمكنه فعلها على حسب مجيء الأوقات ولا ~~سبيل له إلى فعل أيها شاء بدخول الوقت كما يمكنه فعل أحد الأشياء الثلاثة ~~من الكفارة بالحنث فلا يخلو حينئذ في أول الوقت من أن تكون قد وجبت وجوبا ~~موسعا أو أن يكون فاعلها متنفلا # قيل له لا يوجب ما ذكرت الفرق بينهما من الوجه الذي ذكرنا وذلك لأن تعلق ~~فعل الصلاة بالأوقات المستقبلة لا يمنع أن يكون الخطاب قد توجه إليه بها في ~~أن يفعل ما شاء منها إلى آخر الوقت كأنه قيل له إن شئت تصلي الظهر فصلها في ~~أول الوقت فإن لم تفعل ففي الثاني وإن لم تفعل ففي الثالث على أنك مخير ~~فيها فلا يختلف حكمها وحكم كفارة اليمين لأن حكم الوجوب قد تعلق عليه ~~بفعلها في أول الوقت أو تركها إلى صلاة أخرى تليها كما تعلق حكم الوجوب ~~بأحد الأشياء الثلاثة في الكفارة لا بجميعها لأنه لا يصح له جميعها في ~~الإيجاب # ألا ترى أنه لو كفر بالجميع في حال واحدة لم يكن الواجب إلا واحدا منها ~~كما لا يكون الواجب إلا إحدى الصلوات المفعولة في الوقت دون جميعها # وكان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يستدل على أن الفرض لم يتعلق وجوبه بأول ~~الوقت إذا لم يفعل فيه أن له تأخيرها عنه لا إلى بدل لأن المفعول في آخر ~~الوقت ليس ببدل PageV02P126 عن المتروك في أوله ولو كان الوجوب قد تعلق به ~~لما كان له ذلك لأن ما كان له تركه انصرف عنه لا إلى بدل منه ms226 فليس بفرض # فإن قال قائل فهذا يدل على أن المفعول في أول الوقت نفل لأنه قد كان له ~~تركه لا إلى بدل # قيل له لا يجب ذلك لأن أحد الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين إذا تركه ~~انصرف عنه لا إلى بدل منه لأن بعضها ليس ببدل عن بعض وأيها فعل مع ذلك كان ~~فرضا ولم يكن نفلا وكذلك تارك الصلاة في أول الوقت إلى آخره وإن كان تاركا ~~لها لا إلى بدل منها فليس يمنع ذلك أن يكون متى فعلها تعلق فيها حكم الوجوب ~~بالفعل # ويدل على أن المفعول في أول الوقت ليس بنفل قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~أول وقت الظهر إذا زالت الشمس # فإن قيل إنما أراد به وقت النفل الذي يمنع وجوب الظهر PageV02P127 # قيل له الظهر لا يكون نفلا وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم وقتا لها ~~فدل على أن فاعله فاعل للفرض إذ كان لا يصح أن يقال إنه وقت الظهر إلا وقد ~~جعل وقتا لوجوبها أو لأدائها وقد علمنا أنه لم يرد الوجوب فدل على أنه أراد ~~أنه وقت لأداء الظهر # ويلزم هذا القائل أن يقول إن مصلي الجمعة في أول وقت مصلي نفل ولا خلاف ~~أن الجمعة لا يتنفل بها بحال # فإن قال قائل ليس يخلو وقت الوجوب من أن يكون مقدار ما يلحق فيه افتتاح ~~الصلاة فيلزم الطاهر من الحيض فرضها ويلزم المسافر الاتمام إذا نوى الإقامة ~~فيه أو أن يكون الفرض متعلقا في الوقت بمقدار ما يمكن استيفاء أفعال الصلاة ~~فيه قبل خروجه فإن كان الفرض إنما يتعين بآخر الوقت الذي يلحق فيه مقدار ~~الافتتاح فواجب ألا يأثم بتأخير الافتتاح إلى ذلك الوقت لأن الوجوب لا ~~يتعين عليه إلا فيه فهو بمنزلة أول الوقت فإن كان يأثم بتأخير الافتتاح إلى ~~ذلك الوقت فإنما يتعين من الوجوب عليه في أول الوقت الذي يلحقه الإساءة ~~بتأخير الافتتاح عنه وإذا كان ذلك كذلك لزمك على هذا أن تقول في المرأة إذا ~~حاضت بعد ms227 الوقت الذي تكون مسيئة بتأخير الافتتاح أن يلزمها فرض الصلاة ~~لأنها قد أدركت من وقت الفرض مقدار الافتتاح كما قلت فيمن طهرت وقد بقي من ~~الوقت ما يمكنها فيه الافتتاح لزمها فرض الوقت # قيل له أن لزوم فرض الوقت عندنا متعلق بآخره وهو مقدار ما يلحق فيه ~~الافتتاح وما قبله ليس بوقت للوجوب فلذلك لم يلزم الطاهر إذا حاضت في آخر ~~الوقت فرض الصلاة وإن كانت قد أدركت منه وهي طاهر المقدار الذي لو تحرمت ~~فيه بالصلاة لم يمكنها قضاؤها PageV02P128 حتى يخرج الوقت لأنها لم تلحق ~~وقت الوجوب وإنما نهى عن التأخير إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ما يصلى ~~فيه لأنه لو أخرها لحصل فعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت فمنع من التأخير من ~~أجل ذلك وليس كونه منهيا عن التأخير بموجب أن يكون هو وقت لزوم الفرض إذ لا ~~يمتنع أن يكون ممنوعا من ذلك لمعنى غيره كما يقول فيمن أدرك من وقت الفجر ~~مقدار ما يصلى فيه ركعة أنه منهى عن التحريمة لأن بعض صلاته تحصل بعد طلوع ~~الشمس وإن كان مدركا لوقت الفرض فكذلك لا يمتنع أن يؤمر بتقديم الفعل على ~~وقت لزوم الفرض لهذه العلة # فإن قال قائل كيف يجوز أن يكون مأمورا بفعل الصلاة قبل وجود وقت وجوبها ~~وينهى عن تركها وهل صورة الواجب إلا أن يكون مأمورا بفعله منهيا عن تركه ~~وهذا يدل على أن وقت الوجوب هو الذي لا يلحقه الإساءة بتأخيرها # قيل له ليس يمتنع هذا في الأصول # ألا ترى أن صوم ثلاثة أيام في الحج للمتمتع قبل وجوبه يوم النحر لأن يوم ~~النحر هو الوقت الذي يجب فيه الهدي والصوم بدل منه ثم أمر بتقديمه على وقت ~~وجوبه لئلا يحصل في الوقت المنهى عنه فيه الصوم وهو يوم النحر وأيام ~~التشريق وكذلك لا يمتنع أن يكون مأمورا بتقديم افتتاح الصلاة على وقت ~~وجوبها لئلا يحصل فعل بعضها بعد خروج الوقت PageV02P129 PageV02P130 ~~PageV02P131 PageV02P132 & باب القول في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار # اختلف ms228 الناس في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أم لا فقال أكثر الفقهاء ~~لا يجب التكرار إلا بدلالة ومتى فعل المأمور به مرة واحدة فقد قضى عهدة ~~الأمر # قال أبو بكر رحمه الله والذي يدل عليه مذهب أصحابنا رحمهم الله أن الأمر ~~يقتضي الفعل مرة واحدة ويحتمل أكثر منها إلا أن الأظهر حمله على الأقل حتى ~~تقوم الدلالة على إرادة أكثر منها لأن الزيادة لا تلزمه إلا بدلالة # والذي يدل على ذلك من مذهب أصحابنا قولهم فيمن قال لامرأته طلقي نفسك أن ~~هذا على واحدة إلا أن يريد ثلاثا فيكون ثلاثا وقولهم فيمن قال لعبده تزوج ~~أنه على امرأة واحدة إلا أن يريد ثنتين فيكون الأمر على ما عنى فهذا يقتضي ~~أن يكون مذهبهم في الأمر إذا لم يتعلق بعدد مذكور في اللفظ أنه يتناول مرة ~~واحدة ويحتمل أكثر منها إلا أنه لا يحمل على الأكثر إلا بدلالة # وقال بعضهم يقتضي التكرار إلا أن تقوم الدلالة على غيره PageV02P133 # الدليل على صحة القول الأول إنه متى فعل المأمور به مرة واحدة فقد تناوله ~~إطلاق الوصف بأنه قد فعل ما أمر به ولا يقول أحد أنه فعل بعض المأمور به ~~وإن كان يقتضي التكرار لما جاز أن يقال إنه قد فعل ما أمر به PageV02P134 # فإن قيل فإذا فعله مرة أخرى وثالثة يطلق عليه أنه قد فعل المأمور به ~~فينبغي أن يدخل في الأمر من حيث صلح له اللفظ على موضوعك # قيل له لم نجعل جواز اطلاق القول بأنه قد فعل المأمور به علة لوجوب الأمر ~~فيلزمنا ما ذكرت وإنما قلنا إنه لما كان يطلق عليه أنه فعل المأمور به ولم ~~يقتض الأمر أكثر من ذلك فمن اثبت شيئا غيره احتاج إلى دلالة أخرى غير لفظ ~~الأمر وعلى أن قول القائل إنه إذا فعله مرة ثانية وثالثة فقال إنه قد فعل ~~المأمور به خطأ لأنه لا يكون فعله في الثاني والثالث على وجه التكرار آتيا ~~بما أمر به وإنما يكون نفلا وتطوعا فهذا سؤال ms229 ساقط # دليل آخر وهو أن في إيجاب التكرار اثبات عدد وجمع ليس اللفظ موضوعا له ~~ولا يجوز إثبات ذلك إلا بلفظ أو دلالة فلم يجب التكرار # ويدل عليه أيضا ان للتكرر لفظا موضوعا في اللغة نحو قولهم كل وكلما ولغير ~~التكرار صيغة معروفة فيها فغير جائز إيجاب التكرار إلا مع وجود حرف التكرار ~~وقيام دلالة من غيره # ويدل على ذلك أيضا أن المعقول من الخبر عن ماض أو مستقبل في الإثبات فعل ~~مرة واحدة لا أكثر منها كقولك دخل زيد الدار أو سيدخلها لا يعقل منه ~~التكرار ولو قال بدل هذا قد دخلها كل يوم أو كلما مضى يوم كان المعقول منه ~~وجود الدخول مكررا على حسب عدد الأيام فلما كان ذلك كذلك وجب أن يكون الأمر ~~كذلك إذا لم يفارقه لفظ التكرار PageV02P135 # وغير جائز اثبات التكرار فيما ليس فيه حرف التكرار كما لا يجوز اسقاط حرف ~~التكرار عما ذكر فيه # فإن قال قائل لما لم يتوقف الأمر وكان متى فعل المأمور به في أي زمان كان ~~فاعلا للمأمور به علمنا أنه قد أريد منه الفعل في هذه الأوقات على وجه ~~التكرار # قيل له هذا خطأ لأنه لو قيل له افعله ما بينك وبين خمسين سنة كان مؤديا ~~للغرض في أي وقت فعله من هذه المدة ومعلوم مع ذلك أنه لم يرد منه فعله على ~~وجه الاتصال والدوام في هذه الأوقات كلها لعجزه عنه ولانقطاعه به عن سائر ~~الفرض فدل على سقوط قولك أنه من حيث كان مؤديا للواجب في أي وقت فعله من ~~هذه الأوقات وجب أن تكون هذه الأوقات كلها وقتا للفعل فيها على وجه التكرار ~~فهذا سؤال ساقط من هذا الوجه # وأيضا فإنا نقول إنما يكون مؤديا للواجب في أي وقت فعله من عمره ما لم ~~يفعل المأمور به مرة فأما إذا فعله مرة فإن الوقت الذي يوجد بعد الفعل ليس ~~بوقت للفرض كما يقول المسلمون جميعا إن فرض صلاة الظهر في الوقت مرة واحدة ~~فإن فعلها ms230 مرة واحدة ما بين أول الوقت وآخره لم يكن عليه غيرها ولم يكن ما ~~بعد وقوع الفعل وقتا للوجوب ولم يجب من أجل كون الوقت كله وقتا لها ما لم ~~يقيدها بأن يكون فعل الظهر واجبا على وجه التكرار من أول الوقت إلى آخره # وأيضا لو كان الأمر يقتضي التكرار لما كان بعض الأوقات أولى بفعل المأمور ~~به فيه من بعض بل كان الواجب أن تكون الأوقات كلها متساوية في باب وجوب فعل ~~المأمور به فيه وهذا مقتضى وجوب فعله دائما متصلا غير منقطع ومعلوم أن هذا ~~ليس في وسع أحد من الناس فإذن المراد منه فعله في بعض الأوقات وليس بعضها ~~بأولى بإيقاع الفعل من بعض فيحصل الأمر مجملا مفتقرا إلى البيان غير معلوم ~~منه تنفيذ الحكم ولما اتفق الجميع على أن المأمور بفعل ظاهر المعنى بين ~~المراد يلزمه فعله قبل ورود بيان الوقت الذي يفعله فيه علمنا أنه لم يقتض ~~التكرار في الأوقات إذ كان وجوب اعتبار ذلك يؤدي إلى PageV02P136 أن يكون ~~لزوم المأمور به موقوفا على ورود بيان الوقت # فإن قال ما أنكرت أن يكون هذا بمنزلة العموم كقوله تعالى @QB@ فاقتلوا ~~المشركين @QE@ فيجب اعتباره أبدا حتى تقوم دلالة الخصوص # قيل له هذا غلط من قبل إن الوقت غير مذكور في الأمر فيعتبر عمومه فقولك ~~فقولك إن اعتبار فعله في الأوقات واجب حتى تقوم دلالة خصوصه في بعض الأوقات ~~دون بعض خطأ # وعلى أنه لو كان الوقت مذكورا بلفظ عموم لم يكن ذلك عموما في الأمر لأن ~~قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت @QE@ ليس بعموم في الحج لأنه ~~مذكور بلفظ يقتضي فعله مرة واحدة فلا معنى لاعتبار ذكر عموم الوقت لو ذكر ~~مع عدم لفظ العموم في المأمور به # ألا ترى أنه لو قال له ادخل الدار اليوم كان الذي يلزمه بهذا القول ~~دخولها مرة واحدة في اليوم وإن كان الوقت مذكورا بعموم لفظ ينتظم سائر ~~أجزائه # ويدل على صحة ما قلنا أن الأقرع بن حابس سأل ms231 النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال الحج في كل عام أو مرة واحدة فقال بل حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت ولو ~~وجبت ثم تركتموه لضللتم قد حوى هذا الخبر الدلالة على صحة ما ذكرنا من ~~ثلاثة أوجه PageV02P137 # أحدها أن التكرار لو كان معقولا من الآية لما سأل الأقرع عنه لأنه كان ~~رجلا من أهل اللسان # والثاني قوله عليه الصلاة السلام بل حجة واحدة فأخبر أن الاية لم تقتض ~~إيجاب أكثر من حجة # والثالث قوله صلى الله عليه وسلم ولو قلت نعم لوجبت فأخبر أنه لو قال نعم ~~كان واجبا بقوله لا بالآية # فإن قال قائل لو اقتضت الآية وجوبها مرة واحدة لما سأل عنه # قيل له لم يشكل عليه أن الآية لم تقتض فعله إلا مرة واحدة وإنما أراد أن ~~يعرف هل أراد بالأمر أكثر من حجة أو هل من النبي عليه السلام حكم في إيجابه ~~في كل سنة زيادة على ما اقتضت الآية وجوبه فأخبره عليه السلام أنه لم يوجب ~~غير ما في الآية PageV02P138 # ويدل على ذلك أيضا أن المعقول من مخاطباتنا فما بيننا أن من قال لعبده ~~أعط هذا الفقير درهما أنه لم يقتض أمره أن يفعل المأمور به مكررا دائما ~~متصلا فوجب أن يكون خطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم محمولا ~~على ذلك لقوله تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ # وليس الأمر في هذا كالنهي لأن النهي يقتضي نفي ما تعلق به فوجب أن ينتفي ~~أبدا # ألا ترى أنه لو أدخل حرف النفي على الخبر كان المخبر عنه منتفيا ابدا ~~لأنه لو قال ما دخل زيد الدار أو قال لا يدخلها فعلق الخبر على ماض أو ~~مستقبل بحرف النفي علق به نفي جميع ما تضمنه في سائر الأوقات وليس كذلك ~~الأمر لأن الأمر يقتضي الإثبات والخبر إذا وقع عن اثبات فعل ماض أو مستقبل ~~لم يقتض التكرار كذلك الأمر إذا كان موضوعه الاثبات فمتى فعل المأمور به ~~مرة فقد أدى موجب ms232 الأمر وإن فعل المنهي عنه مرة لم يسقط عنه حكم النهي فيما ~~بعد لأن النهي لما تناول نفي المنهي عنه في سائر الأوقات صار كمن قيل له لا ~~تفعل ذلك في شيء من هذه الأوقات فإذا أوقع الفعل في شيء منها لم يبطل حكم ~~النهي عن فعله في باقي الأوقات # فإن قال قائل لما تضمن الأمر وجوب الإعتقاد للزوم فعله كما تضمن وجوب ~~PageV02P139 الفعل ثم كان الإعتقاد لوجوب فعله لازما على وجه التكرار وجب ~~أن يكون كذلك الفعل لأن كلاهما من مضمون الأمر # قيل له هذا غلط لأنه لا يجب عليه تكرار الإعتقاد بل يكيفه الإعتقاد الأول ~~إلى أن يوقع الفعل فقولك إن الأمر يتضمن تكرار الإعتقاد خطأ # وأيضا لو فعله عقيب وروده لم يجب عليه تكرار الإعتقاد وإنما ظن السائل أن ~~لزوم الثبات على اعتقاد وجوبه إلى وقت ايقاعه تكرار للاعتقاد وليس هو كما ~~ظن وعلى أنه منتقض باتفاق الجميع وعلى أنه لو قيل له حج في عمرك حجة واحدة ~~لكان عليه الثبات على اعتقاد وجوبها إلى وقت إيقاعها ولم يجب عليه تكرار ~~الحج من حيث لزومه الثبات على الإعتقاد إلى وقت إيقاعها $ فصل # قال أبو بكر رحمه الله ولا فرق عند أصحابنا بين الأمر إذا كان مطلقا أو ~~معلقا بوقت أو شرط أو صفة أنه لا يقتضي التكرار إذا لم يكن في اللفظ حرف ~~التكرار ولا قامت عليه الدلالة من غيره PageV02P140 PageV02P141 # وذلك نحو قوله تعالى @QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ فإذا أفضتم من عرفات @QE@ لم يقتض ظاهر الأمر التكرار لأن ~~أصحابنا رحمهم الله قد قالوا فيمن قال لأمرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق ~~فدخلتها طلقت ولو دخلتها مرة أخرى لم تطلق وأنه لو قال كلما دخلت الدار ~~فأنت طالق أن الطلاق يتكرر عليها بتكرار الدخول لأن إذا ليس فيها تكرار ~~وإنما هي شرط فيه وقت # فإن قيل يلزمك على هذا أن تقول إن أحدا لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة # قيل له المرة الثانية لم ms233 يتناولها اللفظ والذي تناول اللفظ من ذلك مرة ~~واحدة وإنما دخلت المرة الثانية في الحكم من طريق المعنى لأن المراد إذا ~~قمتم وأنتم محدثون فلما كان الحكم متعلقا بالحدث لا بالقيام إلى الصلاة ~~لزمته الطهارة متى أراد الصلاة وهو محدث # فإن قيل إذا كانت إذا للوقت فواجب أن تقتضي التكرار لوجود الأوقات التي ~~علق الفعل بها # قيل له لا يجب ذلك لأنه لما لم يكن في اللفظ ما يوجب تكرار الفعل لم يكن ~~لذكر الوقت تأثير في إيجابه # ألا ترى أنه لو قال له صل في هذا اليوم أو صم في هذه السنة لم يقتض ذلك ~~تكرار الفعل في الأوقات لأجل تعليقه إياه باسم ينتظم عدة أوقات فكذلك ما ~~وصفناه # وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق إذا شئت أن لها أن تطلق ~~PageV02P142 نفسها متى شاءت واحدة لا أكثر منها ولا تكون مشيئتها مقصورة ~~على المجلس لأنه علقها بسائر الأوقات المستقبلة فيثبت لها المشيئة فيها وان ~~لم يملك إلا إيقاع تطليقه واحدة # وفرقوا بينه وبين قوله أنت طالق إن شئت في باب الوقت فجعلوا ذلك على ~~المجلس إذ لم يكن في اللفظ دلالة على الوقت وكان من ألفاظ التمليك وألفاظ ~~التمليك تتعلق على المجلس ما لم تتعلق بوقت بعده # والعلة في كون الأمر المعلق بشرط أو وقت على مرة واحدة دون وجوب التكرار ~~في الأمر المطلق هي أن التكرار لا يصح إيجابه إلا بوجود لفظ التكرار أو ~~بقيام الدلالة عليه # ولذلك يجب أن يكون القول في نحو قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس ~~@QE@ أن الذي يقتضيه اللفظ صلاة واحدة فلا يمتنع مع ذلك أن يراد به تكرار ~~الفعل بتكرار الوقت لأن اللفظ يصلح لذلك وإن كان ظاهره ما وصفنا # ونظير قوله تعالى @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس @QE@ ما قال أصحابنا فيمن ~~قال لامرأته أنت طالق للسنة وأراد ثلاثا أنه كما نوى وجعلوا قوله للسنة ~~محتملا أن يكون معناه لأوقات السنة فيتكرر الطلاق عليها بتكرار الأوقات ~~كقول الرجل أنت طالق في ms234 ثلاثة PageV02P143 أطهار وكقوله تعالى @QB@ فطلقوهن ~~لعدتهن @QE@ أنه قد تناول الطلاق الثلاث متفرقة في أوقات السنة وقد قال ~~عيسى بن أبان رحمه الله إن قوله تعالى @QB@ فطلقوهن لعدتهن @QE@ قد تناول ~~الطلاق الثلاث والواحدة فوجب على هذا أن يصح أن يكون المراد بقوله تعالى ~~@QB@ لدلوك الشمس @QE@ لزوم فعل الصلاة مكررا عند أوقات الدلوك إلا أن ~~اللفظ وإن كان محتملا لذلك فغير جائز حمله عليه إلا بدلالة PageV02P144 ~~PageV02P145 PageV02P146 & باب القول في الأمر إذا تناول أحد أشياء على جهة ~~التخيير # إذا خير المأمور بين فعل أحد أشياء مثل كفارة اليمين فالواجب في الحقيقة ~~أحدها ولا يجوز عندنا أن يقال إن جميعها هو الواجب لأن الواجب هو ما لا ~~يجوز له الانصراف عنه مع الإمكان إلا إلى بدل ومعلوم أن كل واحد منها إذا ~~تعين بالفعل منفردا عن غيره كان في الحكم هو الواجب لا على معنى أنه بدل من ~~غيره فلما كان له ترك ما عدا الواحد لا إلى بدل علمنا أنه ليس بواجب # ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع من مخالفينا في ذلك على أنه لو فعل الجميع ~~دفعة واحدة كان المفعول على وجه الوجوب واحدا منها لا جميعها فدل على أن ~~الواجب واحد فيها إذ لو كان الجميع واجبا لكان الجميع إذا فعله مفعولا على ~~وجه الوجوب لأنه محال أن يكون واجبا قبل الفعل ثم إذا وقع الفعل وقع نفلا ~~لا واجبا فثبت بما ذكرنا أن الواجب أحدها لا بعينه لا جميعها وأن ما فعل من ~~ذلك يتعين حكم الوجوب فيه بالفعل وهو مثل ما يقول في انه مخير في أن يعطى ~~زكاته من شاء من المساكين فأيهم أعطى كان مؤديا للواجب وغير جائز مع ذلك أن ~~يقال إن الواجب اعطاء مساكين أهل الأرض من حيث جاز اعطاؤها لمن شاء منهم ~~PageV02P147 # فإن قال قائل بل إذا كان وجه الإيجاب ما يتعلق به من المصلحة ومن أجله ~~يقبح تركه فلا بد من أن يفصل بينه وبين ما ليس بواجب فإذا خير بين أحد ~~أشياء ولم ms235 يفصل بين شيء منها علمنا أن حكم الوجوب قد تعلق بالجميع # قيل له ليس يمتنع أن يعلم الله تعالى أن المصلحة في إيجاب واحد منها بغير ~~عينه على وجه التخيير على أنه أيها فعل منها كانت المصلحة فيه كنهى في ~~الآخر لو فعله فإذا لم يكن هذا ممتنعا لم يجب أن يكون الوجوب متعلقا ~~بالجميع على ما ذكره $ فصل في تكرار لفظ الأمر # قال أبو بكر تكرار الأمر يوجب تكرار الفعل وإن كان في صورة الأول ما لم ~~تقم الدلالة على أن المراد بالثاني هو الأول نحو قول القائل تصدق بدرهم ثم ~~يقول له بعد ذلك تصدق بدرهم فيكون الثاني غير الأول # وكذلك قال أصحابنا فيمن قال لامرأته أنت طالق أنت طالق أن الثاني غير ~~الأول # وقال أبو حنيفة فيمن أقر لرجل بدرهم ثم أقر له بدرهم إن الثاني غير الأول # وإنما كان هذا هكذا من قبل أن لكل واحد من اللفظين حكما في نفسه فغير ~~جائز PageV02P148 تضمينه بغيره إلا بدلالة ولأن حكم الكلام أن يكون محمولا ~~على فائدة محدودة وحكم مستأنف فلا يجوز أن يرده إلى الأول ويجعله تكرارا ~~إلا بدلالة # والدلالة الموجبة لذلك يجوز أن تكون في مضمون اللفظ وظاهر الحال ويجوز أن ~~تكون في غيره نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجدت الماء فأمسه جلدك ~~ثم يقول في حال أخرى إذا وجدت الماء فأمسه جلدك معلوم من ظاهر الخطاب ~~والحال التي خرج عليها الكلام أنه لم يرد بالثاني غير الأول فلا يجب تكرار ~~استعمال الماء لأجل تكرار اللفظ لأن تكراره إنما تعلق بسؤال سائل أو حدوث ~~حال احتيج فيه إلى بيان الحكم لغير من قيل له ذلك أولا ولولا ذلك لوجب أن ~~يكون الثاني غير الأول $ فصل # قال أبو بكر من شرط صحة الأمر أن يكون المأمور ممكنا من فعله في حال ~~لزومه ولا اعتبار بحال فصول الأمر من الآمر والدليل على ذلك أن أوامر الله ~~تعالى قد تناولت جميع الناس من المكلفين ممن كان ms236 منهم في عصر النبي عليه ~~السلام ومن حدث بعدهم إلى قيام الساعة وقد بين الله تعالى ذلك بقوله تعالى ~~@QB@ نذيرا للبشر @QE@ وقوله تعالى @QB@ لأنذركم به ومن بلغ @QE@ ~~PageV02P149 وقوله تعالى @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ~~@QE@ فمن حيث كان رسولا إلى أهل سائر الأعصار إلى قيام الساعة وجب أن يكون ~~آمرا لهم وإن لم يكن جميعهم موجودين وقت الأمر لأن الآمر انفصل من أمره ~~للمأمورين على شرط التمكين ولو لم تكن أوامر الله تعالى أمرا لنا لأنا لم ~~نكن موجودين وقت الأمر لوجب أن لا يكون الرسول رسولا إلينا لأنا لم نكن ~~موجودين وقت الرسالة ولم نكن مأمورين بها الان وهذا لا يقوله مسلم فصح أن ~~أوامر الله تعالى لجميع المكلفين ممن كانوا موجودين في وقت الأمر ومن وجد ~~بعده على شرط بلوغ الأمر والتمكين من الفعل # وليس يمتنع أن ينفصل الآمر من أمره متوجها إلى المأمور معقودا بشرط ~~التمكين وإن لم يكن ممكنا منه في حال فصول الأمر # ألا ترى أنه يصح أن يقال للمريض إذا برأت فصم وصل وقاتل المشركين وقال ~~الله تعالى @QB@ فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة @QE@ فقد صح خطاب العاجز ~~بالفعل على شريطة التمكين # فإن قيل كيف يصح أمر المعدوم # قيل له ليس هذا بأمر للمعدوم بأن يفعله وهو معدوم وإنما قلنا إن الأمر قد ~~PageV02P150 يصح وجوده والمأمور غير موجود لأن الأمر هو قول القائل افعل ~~وقد حصل أمر لمن وجد بعد زمان النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم يوجد بعده ~~أمر يكونون مخاطبين به ولو لزمنا أن لا نجيز للمعدم لتعذر الفعل واستحالته ~~منه في حال الأمر للزم أن لا يصح خطاب المريض بقتال المشركين على شرط البرء ~~والامكان وهذا لا ينكره أحد $ فصل # وقد اختلف في أمر الله تعالى لمن في المعلوم أنه لا يمكن منه ويحال بينه ~~وبينه على شرط بلوغه في حال التمكين # فأبى ذلك قوم وقالوا لا يجوز أن يأمر أحدا بشيء إلا وفي المعلوم أنه ~~سيبلغ حال التمكين ms237 منه فيفعله أو يتركه مع القدرة عليه # وقال آخرون يجوز أن يأمره الله على شريطة التمكين وبلوغ حال القدرة ~~وارتفاع الموانع وإن كان في معلومه أنه سيحال بينه وبينه ويقطع دونه إذا ~~جوز المأمور أنه لا يحال بينه وبينه PageV02P151 # فذهبت الفرقة الأولى إلى أن هذا لو جاز لجاز أن يأمر الله تعالى بصعود ~~السماء ونقل الجبال عن مواضعها بشرط الإمكان وهذا سفه وعبث لأن في معلومه ~~أن ذلك لا يتأتى منا ولا يمكن منه بحال كذلك كل ما كان في معلومه أن ~~المأمور لا يبلغ حال التمكين منه لم يصح تكليفه إياه لا مطلقا ولا معلقا ~~بشرط ومن أجل هذا القول ذهبوا إلى أن المكلف لا يدري أنه مأمور فيما يستقبل ~~من عمره بالإيمان وأنه منهي عن الكفر إذا لم يكن على ثقة بالبقاء وأنه لا ~~يدري هل هو منهي عن القتل والزنا وسائر القبائح لأنه لا يدري هل يبلغ الحال ~~الثانية أم لا # وأبى هذا القول مخالفوهم وقالوا قد أجمع المسلمون على استنكار هذا القول ~~ممن ظهر فيه # قالوا وقد وجدنا ما أجزناه من ذلك جائزا فيما بيننا في أوامرنا لعبيدنا # ألا ترى أن من قال لعبده اسقني ماء كان عالما باضطرار أنه قد أمر عبده ~~بشيء وأراده منه وإن لم يحط علما ببقائه إلى وقت الفعل ومع تجويزه أنه يحال ~~بينه وبينه وكان معلوما مع ذلك مع ورود أمره أن مراده إيقاع الفعل على شرط ~~الإمكان والبقاء وكذلك يصح في أوامر الله تعالى لنا على هذه الشريطة لأن ~~المأمور إذا جوز بلوغ وقوع حال الشرط وقد قيل له إن قدم زيد فتصدق بدرهم ~~وإن لم يقدم فلا تفعله فيكون المأمور متعبدا بشيئين في الحال PageV02P152 # أحدهما الإعتقاد أنه إن قدم لزمه فعله وأنه سيفعله إن قدم # والآخر أنه إن لم يقدم وجب عليه تركه كان هذا معنى سائغا وتكليفا جائزا ~~يستفيد به المأمور توطين النفس على فعله إن وجد الشرط وعلى تركه إن لم يوجد ~~فيستحق الثواب عليه وليس ms238 هذا بمنزلة أمرنا بصعود السماء وقلع الجبال على ~~شرط التمكين لأن هذا قد وقع الإياس من وجوده فلا يكون الأمر به إلا عبثا لا ~~فائدة فيه # والأول الذي قد يجوز عندنا وجود التمكين منه ويجوز غيره غير ممتنع مثله ~~في عادات الحكماء على الشرط الذي وصفنا # ولو قال رجل لعبده اقلع الجبال واشرب ماء البحر على شرط التمكين منه ~~والقدرة عليه كان عابثا واضعا للامر في غير موضعه فكذلك أوامر الله تعالى ~~لنا تجري على هذا المنهاج # فإن قال قائل يجوز على هذا أن يرد الامر معلقا بشرط أن لا ينسخ مثل أن ~~يقول صل غدا إن لم ننسخ هذه الصلاة عليكم كما أجزت أن يقول صل غدا إن مكنت ~~منها ولم يحل بينك وبينها وما الفصل بين الأمر المعلق بشرط التمكين وبينه ~~معلقا بشرط ألا ينسخ # قيل له لا يجوز ورود الأمر معقودا بشريطة أن افعلوه إن لم أنسخه عنكم قبل ~~وقت الفعل والفصل بينه وبين ما ذكرنا أنه إذا أمر بأمر فقد أراده منه وإذا ~~نهاه عنه فقد كرهه منه ولا يصح أن يقول قد أردته منك إن لم اكرهه فلما لم ~~يصح أن يجمع ذلك في لفظ الأمر لم يصح الأمر به معقودا بهذه الشريطة ولا ~~يمتنع أن تقول افعله إن قدرت PageV02P153 عليه وإن امكنك فلما صح الجمع بين ~~هذين اللفظين على هذا الوجه صح وورد الأمر معلقا بالشرط على هذا الوجه # ألا ترى أن الأمر منا لعبيدنا جائز على هذه الشريطة وأنه لا يصح أن يقول ~~واحد منا لعبده قد أردت منك هذا الفعل إن لم اكرهه إلا ومعناه عنده إن لم ~~يبد لي وذلك لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى عالم بالعواقب لا يجوز عليه ~~البداء $ فصل # ومن أمر بأحد شيئين بغير عينه على وجه التخيير ففعل أحدهما فقد فعل ~~المأمور به وليس عليه غيره نحو كفارة اليمين وجزاء الصيد وما خير الإنسان ~~فيه بين أن يفعله أو يفعل غيره # وإذا نهي عن شيئين ms239 لم يجز له فعل واحد منهما وذلك لأن أو تتناول أحد ما ~~تدخل عليه بغير عينه فإذا أدخلت على النهي تناولت كل واحد على حياله بالنهي ~~وإذا دخلت على الإيجاب تناولت أيضا أحد ما دخلت عليه بغير عينه فإذا دخلت ~~على النهي لم يجز إيقاع شيء منه لأن فعله لواحد منه لا يخرجه من أن يكون قد ~~أوقع المنهي عنه # ويدل عليه أيضا قوله تعالى @QB@ ولا تطع منهم آثما أو كفورا @QE@ وقوله ~~تعالى @QB@ إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم @QE@ ~~PageV02P154 لما دخلت أو على النهي تناولت كل واحد منه على حياله # وإذا دخلت على الإيجاب تناولت واحدا منه إلا أنه أيها فعل أجزأه وكان ~~مؤديا لما عليه على نحو ما ذكرنا في كفارة اليمين وغيرها $ فصل # ومن الأمر ما يكون فرضا على الكفاية ويتوجه به الخطاب إلى جماعتهم نحو ~~الجهاد والصلاة على الجنائز ودفن الموتى وغسلهم ونحو التفقه في الدين قال ~~الله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم @QE@ فدل على أنه فرض على الكفاية والجهاد كذلك لأنه معلوم ~~أن فرض الجهاد لازم لإظهار دين الله ولو لزم كل واحد ذلك لتعطل الناس عن ~~سائر أمورهم وفي ذلك ظهور أعدائهم عليهم فدل على أنه وان كان الخطاب به ~~متوجها إلى الجميع فإن لزوم فرضه مقصور على وقوع الكفاية به من بعضهم فمن ~~وقع ذلك منهم نابوا عن الناس الباقين على هذا مضى السلف وسائر الخلف من عصر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا PageV02P155 $ فصل في حكم تكليف ~~الكفار # قال أبو بكر والكفار مكلفون بشرائع الإسلام وأحكامه كما هم مكلفون ~~بالإسلام وكذلك كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله يقول PageV02P156 # والدليل على صحة ذلك أن الله تعالى قد ذم الكفار على ترك كثير مما تعلق ~~لزومه بالشرع نحو قوله تعالى @QB@ الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~كافرون @QE@ ونحو حكايته عن أهل النار @QB@ قالوا لم نك من المصلين ولم نك ~~نطعم ms240 المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ~~@QE@ فيه إخبار عن عقابهم على ترك الصلاة وترك إطعام المساكين مع ما ~~استحقوا من العقاب على كفرهم وقال الله تعالى في صفة المنافقين وذمهم @QB@ ~~وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ~~وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه @QE@ فذمهم الله على ~~فعل الربا فدل PageV02P157 على أنهم منهيون عنه في حال الكفر مستحقون ~~للعقاب عليه والعقاب لا يستحق إلا بترك الواجبات # ويدل عليه أيضا وجوب حد الزنا والسرقة على أهل الذمة عقوبة لهم على فعلهم ~~فدل جميع ما وصفنا على أن الكفار مخاطبون بالشرائع معاقبون على تركها سوى ~~عقوبة الكفر # فإن قال قائل كيف يجوز أن يكونوا مخاطبين بها ولا يصح منهم فعلها قبل ~~الإسلام في حال الكفر # قيل له لأنه قد جعل لهم السبيل إلى فعلها بأن يسلموا ثم يأتوا بها كما أن ~~الجنب لا يصح منه فعل الصلاة في حال الجنابة ولم يسقط عنه فرضها إذ كان قد ~~جعل له السبيل إلى فعلها بطهارة يقدمها أمامها كذلك الكافر قد جعل له ~~السبيل إلى التمسك بشرائع الإسلام بأن يقدم أمامها فعل الإيمان # فإن قال لو كانوا مخاطبين بها لما أجاز إقرارهم على تركها كالمسلمين قيل ~~له هم مخاطبون بالإيمان عند الجميع وقد أقروا على تركه بالجزية كذلك شرائعه ~~$ فصل # الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده على ما تقدم من بيانه فيما سلف من أن لفظ ~~الأمر يقتضي الإيجاب PageV02P158 # ثم اختلف بعد ذلك من قال بذلك في إطلاق لفظ النهي على ضده # فقال قائلون يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء نهى عن ضده فيكون لفظ الأمر ~~مقتضيا لذلك وموجبا له # وقال آخرون لا يجوز أن يكون لفظ الأمر موجبا للنهي عن ضده من جهة اللفظ ~~لكن من جهة الدلالة على أنه لا يجوز له فعل ضده المنافي له في وقت ms241 وجوبه # وقال آخرون لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء نهى عن ضده لا من جهة اللفظ ~~ولا من جهة الدلالة وإن كان لفظ الأمر قد دل على كراهة ضده لأن للنهي صيغة ~~يختص بها في اللغة كما أن للأمر لفظا يختص به فغير جائز فيما لم يكن وجوبه ~~أو حظره من PageV02P159 طريق اللفظ أن يقال إنه مأمور به وإن كان قد لزمه ~~فعله أو منهي عنه وان لزمه اجتنابه إذا كان ثبوت هذا الحكم له من جهة ~~الدلالة لا من جهة اللفظ لا يسمى أمرا أو نهيا # وهذه الأقاويل إنما تصح معانيها على قول من يجعل الأمر للوجوب # فأما من لم يجعل الأمر على الوجوب فإنه لا يجعل لفظ الأمر دليلا على ~~كراهة ضده وإنما يحتاج فيه إلى دلالة من غيره متى اقتضى الأمر الإيجاب في ~~وقت مضيق لا يسع المأمور تأخيره عنه فمحظور عليه تركه فيه # وزعم بعض الناس أن الأمر بالشيء وكون المأمور به واجبا لا يقتضي قبح تركه ~~وأنه إنما يستحق الذم إذا ترك المأمور به لا لأنه فعل قبيحا بل لأنه لم ~~يفعل ما وجب عليه وهذا مذهب فاحش قبيح لأنه يوجب استحقاق العقاب لا على فعل ~~كان من العبد # ثم اختلف من أطلق لفظ الأمر والنهي فيما كان وجوبه أو حظره من طريق ~~الدلالة في الأمر بالشيء هل يكون نهيا عن ضده فكل من جعل من هذه الطائفة ~~الأمر على الفور فإنه يقول إن الأمر بالشيء نهى عن ضده من جهة الدلالة # وقالت الطائفة التي بدأنا بذكرها في صدر هذا الباب إنه نهي عن ضده من ~~PageV02P160 جهة اللفظ وكل من جعل الأمر على المهلة فإنه لا يجعل الأمر ~~بالشيء نهيا عن ضده في الحال من طريق اللفظ ولا من جهة الدلالة لأن له أن ~~يفعل سائر أضداده ويتركه إلى الوقت الذي يتعين عليه فعل المأمور به ولا ~~يسعه تأخيره عنه فيجب عليه حينئذ فعله وترك سائر أضداده # وأما النهي عن الشيء فإنه إذا لم ms242 يكن له إلا ضد واحد فإنه أمر بضده عند ~~من يطلق لفظ الأمر في مثله أما من جهة اللفظ أو الدلالة يجوز أن يقول له لا ~~تتحرك فإن السكون ضد لسائر الحركات التي نهى عنها فهو مأمور بفعل السكون إذ ~~ليس يجوز أن ينفك من سائر الحركات إلا إلى سكون ويستحيل أن يخلو من الحركة ~~والسكون جميعا وإن كان ذا أضداد كثيرة فإن النهي عنه لا يكون أمرا بشيء من ~~أضداده وذلك نحو أن تقول له لا تسكن فللسكون أضداد كثيرة وهي حركاته في ~~الجهات الست # ومن الناس يقول إن النهي عن الشيء أمر بضده وإن كان ذا أضداد كثيرة # وجعل هؤلاء أفعال المكلف على ضربين واجبا أو محظورا وأسقطوا القسم المباح ~~ويلزمهم على فود قولهم إسقاط المندوب إليه أيضا لأن كل من نهى عن شيء فكل ~~فعل يفعله مما يضاد المنهي عنه فهو مأمور به عندهم وإذا أمر بشيء فكل فعل ~~يضاد المأمور به فهو محظور عندهم فلا يبقى ها هنا فعل يكون واقعا على وجه ~~الإباحة لا واجبا ولا محظورا PageV02P161 # والصحيح عندنا أن الأمر بالشيء نهى عن ضده سواء كان ذا ضد واحد أو أضداد ~~كثيرة # وذلك لأنه قد ثبت عندنا وجوب الأمر وأنه على الفور فيلزمه بوروده ترك ~~سائر أضداده فكان بمنزلة من قيل له لا تفعل أضداد هذا الفعل المأمور به في ~~هذا الوقت مثل أن يقول لمن كان في الدار اخرج في هذا الوقت من هذه الدار ~~فقد كره له سائر ما يضاد الخروج منها نحو القعود والقيام والاضطجاع والحركة ~~في الجهات الست إلا ما كان منها خروجا من الدار فصار كمن نهى عن هذه ~~الأفعال بلفظ يقتضي كراهة فعلها و النهي عن هذه الأفعال في وقت واحد نهي ~~صحيح لو نص عليها بلفظ النهي لم يكن مستحيلا ولا ممتنعا فكذلك إذا تضمنه ~~لفظ الأمر من الوجه الذي ذكرنا كانت هذه الأفعال محظورة يلزم المأمور ~~اجتنابها عند ورود الأمر # وأما النهي عن الشيء فإنه أمر ms243 بضده إذا لم يكن له إلا ضد واحد لأنه لا ~~يصح منه ترك المنهي عنه واجتنابه إلا بفعل ضده إذ غير جائز أن ينفك منهما ~~إذا لم يكن له إلا ضد واحد # وأما إذا كان له أضداد كثيرة فليس النهي عنه أمرا بسائر أضداده لأن له أن ~~ينصرف PageV02P162 عن كل واحد منهما إلى غيره على وجه الإباحة # ألا ترى أنه يصح أن يقول قد نهيتك عن السكون وأبحت لك الحركة في الجهات ~~الست فيطلق لفظ الاباحة على الحركة في هذه الجهات ولو كانت الحركة في هذه ~~الجهات أو في شيء منها واجبة لما صح اطلاق لفظ الإباحة عليها وليس كذلك إذا ~~كان له ضد واحد لأنه لا يجوز أن يقول له قد نهيتك عن الحركة في الجهات الست ~~وأبحت لك السكون لأن السكون إذا كان ضدا لهذه الحركات وهو لا ينفك منها أو ~~منه فالسكون واجب لا محالة فلا يصح اطلاق لفظ الاباحة على ما هو واجب ولهذه ~~العلة قلنا ان الأمر بالشيء نهى عن ضده من جهة الدلالة وإن كان ذا أضداد ~~كثيرة لأنه لا يصح أن يقول قد أوجبت عليك فعل المأمور به على الفور وأبحت ~~لك سائر أضداده أو واحدا من أضداده فلما انتفى عن سائر أضداده اسم الاباحة ~~والإيجاب صح أنه مدلول بالأمر كراهة ولزم اجتنابه PageV02P163 # ومن جهة أخرى إنا لو قلنا إن النهي عن الشيء أمر بضده وان كان ذا أضداد ~~كثيرة لأدى ذلك إلى إسقاط قسم المباح والمندوب إليه من أقسام الأفعال وقد ~~علمنا أن أفعال المكلف إذا كانت واقعة عن قصد وارادة ولم تكن واقعة على وجه ~~السهو تنقسم أقساما أربعة واجب ومحظور ومندوب إليه ومباح فلو كان النهي عن ~~الزنا أمرا بسائر أضداد الزنا لوجب ان يكون المشي إلى السوق وصلاة التطوع ~~وصوم النفل والطواف بالبيت وكل ما يضاد الزنا من هذه الأفعال مأمورا به ~~واجبا # وقد علمنا أن كل فعل مندوب إليه أو مباح فإنه يضاد فعل المحظور بتلك ~~الجارحة ومعلوم ms244 أن من أمكنه فعل المباح أو المندوب إليه فهو يمكنه فعل ~~أضداده من المحظورات فإذا ترك أضداده من المحظورات بفعل المباح أو المندوب ~~فواجب على قضية من حكينا قوله أن كل ما يضاد ذلك مأمور به فيكون هذا مؤديا ~~إلى أن لا يكون في الشرع فعل مباح ولا مندوب إليه وهذا فاسد لان المسلمين ~~قد عقلوا ان في الشريعة مباحا ومندوبا إليه مرغبا فيه ليس بواجب فصح بطلان ~~كل قول يؤدي إلى دفع ذلك # فإن قال قائل هلا قلت ان النهي عن الشيء أمر بضده فإن كان له أضداد كثيرة ~~كان أمرا بواحد من أضداده وهو الذي يتفق فعله في وقته مما ينافى فعل المنهى ~~عنه فلا يكون مأمورا بفعل جميع اضداده إلا على وجه التخيير كما يقول في ~~كفارة اليمين ان الواجب منها أحد ثلاثة أشياء على وجه التخيير PageV02P164 # قيل له ما تقدم يسقط هذا السؤال وهو أنه يصح أن يقول قد نهيتك عن السكون ~~وأبحت لك سائر أضداده من الحركات فنطلق اسم الإباحة على الجميع وكفارة ~~اليمين وما جرى مجراها من الأشياء التي تعلق الوجوب بواحد منها على وجه ~~التخيير لا يصح إطلاق لفظ الإباحة على واحد منها بل يقال له افعل أيها شئت ~~على وجه الوجوب فلذلك اختلفا # وأيضا فلو كان لا ينصرف عن فعل مأمور به فيما وصفت إلا إلى واجب مثله على ~~حسب ما ذكرت من كفارة اليمين لوجب أن يستحق الثواب بفعل ما يفعله من ذلك ~~كما يستحقه بما فعل من كفارة اليمين أي الأشياء الثلاثة فعل منها فلما لم ~~يكن مستحقا للثواب فيما وصفنا باتفاق الجميع علمنا أن فعله غير مأمور به ~~ولا واجب وأنه يفعله على وجه الإباحة إذ غير جائز أن لا يستحق على فعل ~~الواجب الثواب PageV02P165 $ فصل # كل أمر مضمن بوقت بعينه فهو واجب في ذلك الوقت إن كان الوقت يستوعب الفعل ~~كصوم رمضان مؤقت بالشهر فعليه فعله فيه ولا يسعه التأخير إلا من عذر # وإن كان الوقت يتسع لإيقاع ms245 ذلك الفعل فيه مرارا كثيرة فوجوبه متعلق بأول ~~أوقاته حتى تقوم الدلالة على جواز تأخيره ويكون حينئذ فائدة ذكر الوقت من ~~أوله إلى آخره أنه إن أخره عن الوقت الأول لزمه فعله في الثاني والثالث إلى ~~آخر الوقت وإن لم يفعله في هذه الأوقات لم يكن عليه فعله بعد خروج الوقت ~~بالأمر الأول وإن أبيح لنا تأخير الفعل إلى آخر الوقت كان القول فيه على ما ~~بيناه في وجوب الظهر وتعلق فرضه بالوقت على الوصف الذي قدمنا ومتى فات ~~الوقت قبل فعله لم يلزمه بالأمر الأول فعله بعد خروج الوقت لأن الأمر يوجه ~~في الابتداء إلى فعله في الوقت وما بعد الوقت لم يتضمنه الأمر لأنه غير ما ~~دخل تحت الأمر فلا يجوز إيجابه إلا بدلالة أخرى غير الأمر الأول وكذلك حكم ~~النهي إذا كان مؤقتا فإن مضي الوقت يزيل حكمه ويحتاج في إثبات حكمه إلى ~~دلالة أخرى من غيره PageV02P166 PageV02P167 PageV02P168 & باب القول في ~~النهي هل يوجب فساد ما تعلق به من العقود والقرب أم لا # قال أبو بكر رحمه الله مذهب أصحابنا أن ظاهر النهي يوجب فساد ما تناوله ~~من العقود والقرب إلا أن تقوم دلالة الجواز PageV02P169 وهذا المذهب معقول ~~من احتجاجاتهم لإفساد ما أفسدوه من PageV02P170 PageV02P171 العقود والقرب ~~لمجرد النهي دون غيره نحو احتجاجهم لإفساد الصلاة عند طلوع الشمس وعند ~~الزوال بظاهر النهي الوارد من النبي عليه السلام واحتجاجهم لإفساد بيع ما ~~ليس عند الإنسان وبيع ما لم يقبض بظاهر ما ورد فيهما من النهي المطلق # وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن رحمه الله إلا أنه كان يقول مع ذلك قد ~~قامت الدلالة على أن المنهي عنه إذا كان النهي عنه إنما تعلق بمعنى في غيره ~~لا لنفسه لم يوجب فساد هذه العقود ولا القرب المفعولة على هذا الوجه ونحن ~~نفصل ذلك بعد # وهذا الذي كان يقوله في ذلك هو أيضا عندي مذهب أصحابنا ومسائلهم تدل عليه ~~وحكاية عبد الوارث بن سعيد مشهورة في المعنى الذي قدمناه في هذا الباب ms246 وهي ~~أنه قال أتيت مكة فوجدت بها أبا حنيفة رحمه الله وابن أبي ليلى وابن شبرمة ~~رحمهم الله فأتيت أبا حنيفة فقلت له ما تقول في رجل ابتاع بيعا واشترط شرطا ~~فقال البيع باطل والشرط باطل فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك فقال البيع ~~جائز والشرط PageV02P172 باطل فأتيت ابن شبرمة فسألته عن ذلك فقال البيع ~~جائز والشرط جائز قال فقلت ثلاثة من فقهاء الكوفة اختلفوا علينا في مسألة ~~واحدة فأتيت أبا حنيفة رحمه الله فذكرت له ذلك فقال لا أدري ما قالا حدثني ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شرطين في ~~بيع وأتيت ابن أبي ليلى فذكرت له ذلك فقال لا أدري ما قالا حدثني هشام ابن ~~عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ~~اشتري بريرة واشترطي الولاء لهم فإن الولاء لمن أعتق البيع جائز والشرط ~~PageV02P173 باطل قال فأتيت ابن شبرمة فذكرت له ذلك فقال لا أدري ما قالا ~~حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال بعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ناقة واشترط لي حملانه إلى المدينة فأجاز البيع والشرط ~~فاحتج أبو حنيفة في افساد ما أفسد بظاهر النهي دون غيره # قال أبو بكر رحمه الله و هذا مذهب السلف وفقهاء الأمصار لا نعلم أن أحدا ~~منهم قال إن النهي لا يدل على فساد ما تناوله من هذه العقود أو القرب بل ~~ظاهر احتجاجاتهم ومناظراتهم تدل على أن النهي عندهم يقتضي فساد ما تناوله ~~من هذه العقود # ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم لما اختلفوا في المرأة بقوله تعالى ~~@QB@ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم @QE@ فقال منهم قائلون إنه ~~راجع إلى الربائب دون أمهات النساء وقال آخرون منهم هو راجع إليهما ثم اتفق ~~الجميع منهم على أنه إذا رجع PageV02P174 إلى أمهات النساء وجب فساد نكاحهن ~~ولم يلجأ من أفسده برجوع ms247 الحكم إليه إلا إلى ظاهر ما علق به من التحريم ~~المذكور في أول الآية وهو قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ وكذلك ~~تحريم نكاح المشركات قد عقل منه فساد العقد عليهن # قال ابن عمر وقد سئل عن نكاح النصرانية فقال حرم الله المشركات على ~~المؤمنين ولا أعلم من الشرك شيئا أعظم من قول المرأة عيسى أو عبد من العباد ~~الله وكذلك قوله تعالى @QB@ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء @QE@ من ~~حمله على الوطء أفسد به النكاح بعد الوطء ومن حمله على العقد دون الوطء منع ~~من تزويجها بعد عقد الأب عليها ولا يمنعه بعد وطئها بالزنا وكذلك من حرم ~~نكاح الزانية منهم لم يرجع في إفساد نكاحها إلا إلى قوله تعالى @QB@ الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ وحرم ذلك على ~~المؤمنين @QE@ # وكذلك قوله تعالى @QB@ ولا تعزموا عقدة النكاح @QE@ يعني في العدة @QB@ ~~حتى يبلغ الكتاب أجله @QE@ PageV02P175 وقوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع ~~وحرم الربا @QE@ عقلت الأمة من ظاهره أن ما كان من هذه العقود اقتضى فساد ~~العقد وعقلت الصحابة من ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب ~~مثلا بمثل مع ذكره الأصناف الستة فساد البيع فيها إذا عقد عليها على الوجه ~~الذي حظره الخبر وقال في الصرف لا تبيعوا غائبا بناجز وقال إذا اختلف ~~الصنفان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد وحاجوا ابن عباس في تجويزه الصرف بهذا ~~الخبر ولم يخالفهم ابن عباس في مقتضى لفظ الخبر أنه يوجب فساد البيع وإنما ~~عارضهم بخبر اسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ربا إلا ~~في النسيئة ثم لما تواتر عنده الأخبار بذلك رجع عن قوله في الصرف وعقل ~~السلف من نهيه عن الدين بالدين فساد العقد إذا حصل على هذا الوجه بعد ~~الافتراق وكذلك نهيه عن بيع ما لم PageV02P176 يقبض وعن بيع الغرر وبيع ~~المجر ما في البطون ونحو ذلك من البياعات ولم يرجعوا في افسادها إلا إلى ~~ظاهر النهي # ونظائر ذلك في ms248 القرآن والسنن أكثر من أن تحصى فهذا يدل على أنه كان من ~~مذهبهم أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تناوله من هذه العقود وكذلك احتجاج ~~أصحابنا في كتبهم في افساد هذه العقود بظاهر النهي دون غيره يوجب أن يكون ~~مذهبهم فيه ما وصفنا ومن أصل أصحابنا أن النهي وإن منع جواز هذه العقود ~~والقرب إذا تناولها فإنه غير مانع من وقوعها على فساد وقد ذكر محمد هذا ~~المعنى في كتاب الصوم فقال في نهي النبي عليه السلام من صوم يوم النحر ~~وأيام التشريق إنه لولا أنه إذا صام فيهن كان صومه صوما لما كان للنهي معنى ~~وقال مع ذلك إنه إن صام هذه الأيام عن صوم واجب عليه في ذمته لم يجزه فدل ~~ذلك من قوله على معنيين أحدهما أن ظاهر النهي لا يمنع وقوع المنهي عنه على ~~فساد # والثاني أنه يمنع جوازه عن واجب عليه # وكان أبو الحسن رحمه الله يقول إن ظاهر النهي يدل على فساد ما تناوله على ~~ان المنهي عنه غير مجزئ عن فاعله إلا أنه قد قامت الدلالة على أن النهي إذا ~~لم يتناول معنى PageV02P177 في نفس العقد أو القربة المفعولة أو ما هو من ~~شروطها التي يخصها لم يمنع جواز ذلك نحو البيع عند اذان الجمعة وتلقى الجلب ~~وبيع حاضر لباد والتفريق بين السبي لذوى الرحم المحرم في البيع إذا كانوا ~~صغارا ومثل الصلاة في الأرض المغصوبة والطهارة بماء مغصوب وغسل النجاسة به ~~والوقوف بعرفات على جمل مغصوب أن كون الفعل فيها عنه في هذه الوجوه لا يمنع ~~جوازه لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول وإنما تناول معنى في ~~غيره وكون الإنسان مرتكبا للنهي عاصيا في غير المعقود عليه لا يمنع وقوع ~~فعله موقع الجواز كما أن كونه عاصيا في تركه الصلاة لا يمنع صحة صيامه إذا ~~صام # والدليل على صحة ما ذكرنا أن رجلا لو رأى رجلا يغرق وهو يصلي وقد كان ~~يمكنه تخليصه انه منهى عن المضي في هذه ms249 الصلاة ومأمور بتخليص الرجل # وكذلك لو رأى رجلا يقتل آخر ويمكنه دفعه عنه ان عليه ترك الصلاة ودفع ~~القاتل عمن يريد قتله فإن لم يفعل ومضى في صلاته كانت صلاته مجزئة # وكذلك لو استنفر الناس إلى عدو أظلهم من المشركين كان على من قدر على ذلك ~~أن ينفر إليهم فلو اشتغل بفعل الظهر في أول وقتها وترك الخروج كانت صلاته ~~ماضية مع كونه منهيا عن الاشتغال بها في هذه الحال # ولولا أن ذلك كذلك لكان واجبا أن لا يجوز لأحد منا فعل الصلاة في أول ~~الوقت إذا ألزمنا الخروج إلى طرسوس لقتال العدو وفي اتفاق المسلمين على ~~جواز صلاة من PageV02P178 هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى ~~في نفس العقد أو في نفس القربة المفعولة أو بما هو من شروطها التي تختص بها ~~انه لا يمنع صحة العقد و وقوع القربة موقع الجواز # ألا ترى أن تخليص الرجل من الغرق ليس من الصلاة ولا من شروطها في شيء # ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق لو اشتغل بالصلاة أيضا كان عاصيا في ~~اشتغاله عن تخليصه وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع ولا من شرطه فلم يفسد ~~البيع من أجله وان كان منهيا عنه لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة ~~لا البيع لأنه لو لم يعقد البيع في ذلك الوقت واشتغل بغيره كان النهي قائما ~~في اشتغاله بغير الصلاة فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن الجمعة لا ~~البيع نفسه # وكذلك النهي عن تلقي الجلب وبيع حاضر لباد إنما هو لأجل حق الغير لا لأجل ~~البيع # وكذلك هذا في استيام الرجل على سوم أخيه انه منهي عنه ولو عقد البيع على ~~هذا الوجه كان العقد صحيحا مع كونه منهيا عنه لأن النهي عنه إنما تعلق لحق ~~المساوم لا بالعقد نفسه # وكذلك في الخلع إذا وقع على أكثر من المهر الذي تزوجها عليه كان جائزا مع ~~الكراهة لأنه لم تتعلق كراهته بمعنى في العقد إنما تعلق بالذي ms250 أخذته أقل ~~مما أعطت PageV02P179 ألا ترى أن مهرها لو كان مثل هذا أو أكثر لجاز له أن ~~يخلعها به إذا لم يكن النشوز من قبله # ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في أشباهه فصار ما ذكرنا ~~أصلا في هذه المسائل # ثم العقود وما سبيله أن يفعل على وجه القربة إذا فعلت على وجه منهي عنها ~~على وجوه فمنها ما يكون حاله ما وصفنا من تعلق النهي بمعنى في غير العقد ~~وفي غير شروطه التي تخصه فلا يمنع جواز العقد # ومنها ما يتعلق النهي فيه بمعنى في نفس العقد أو في شروطه التي تخصه فهذا ~~على وجهين فما كان منه مختلفا فيه أنه جائز أو غير جائز وهو مما يلحقه ~~الفسخ ويسوغ الاجتهاد فيه فإن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على فساد ويجب ~~فسخه مع ذلك # ومنها ما لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه # فأما ما يلحقه الفسخ من ذلك مما تعلق النهي فيه بمعنى في نفس العقد وفي ~~شروطه التي تخصه فكبيع العبد بالخمر والخنزير بثمن مجهول وبيع الغرر وبيع ~~ما ليس عند الإنسان فهذا تعلق النهي فيه بنفس المعقود عليه لأن المعقود ~~عليه بدل ومبدل عنه فإذا جعل الخمر والخنزير والمجهول والغرر وما ليس عنده ~~بدلا وهو منهي عنه فقد تعلق النهي بنفس المعقود عليه فأوجب فساده # وأما شروطه التي تخصه فنحو القبض والأجل وإلحاق شرط به لا يوجبه العقد ~~فإذا باع إلى أجل مجهول أو باع ما لم يقبض أو شرط أن لا يبيع ولا يهب أو ~~شرط أن لا يسلم إلى المشترى ونحو ذلك من الأمور التي يوجبها العقد فمتى ~~تعلق النهي بهذه PageV02P180 الأوصاف أوجب فساد البيع ولا يمنع ما تناول ~~النهي من هذه العقود وقوعها على فساد لأن هذه كلها عقود مختلف فيها # قال أبو يوسف في بيع العبد بالخمر والخنزير إنه مختلف فيه لأن من الناس ~~من يجيز البيع في مثله بالقيمة والبيع إلى العطاء والدياس ونحو ذلك مختلف ~~فيه فمن الصحابة من ms251 أجاز ذلك ويروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ~~البيع إلى العطاء أنه جائز فلما كان كذلك لم يمنع ما تعلق به من النهي الذي ~~تناول نفس المعقود عليه أو بعض شروطه من وقوعه على فساد وإنما كان هذا هكذا ~~عندهم من قبل أن الدلالة قد دلت على أن كل عقد يجوز أن تلحقه إجازة بحال ~~فإن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على فساد ووقوع الملك به عند القبض إذا ~~وجد التسليط من مالكه لمشتريه على ذلك # والبيوع المختلف فيها وما يسوغ الاجتهاد فيه قد تلحقه الاجازة بحال لأن ~~قاضيا لو قضي بجوازه نفذ حكمه وصح وإن كان فاسدا عندنا قبل حكم الحاكم به ~~فصار كالبيع الموقوف الذي يجوز أن تلحقه الاجازة من جهة من وقف عليه فيملك ~~مشتريه بدله إذا قبضه وقد بينا وقوع الملك بالعقد الفاسد إذا اتصل به القبض ~~في مواضع من غير هذا الكتاب # واستدل أبو يوسف على ذلك بأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة واشترطت ~~الولاء لمواليها ثم اعتقتها ثم سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجاز ~~عتقها وقد كان البيع فاسدا بشرطها الولاء لهم هذا معنى قضية بريرة عندنا ~~وان كانت الألفاظ الواردة فيها PageV02P181 مختلفة فهذا الضرب من العقود ~~يقع فاسدا ويملك به المعقود عليه عند القبض وكذلك النكاح الفاسد إذا اتصل ~~به الوطء تعلق به حكم النكاح الصحيح في باب لزوم المهر ووجوب العدة وثبوت ~~النسب # وكذلك الكتابة الفاسدة إذا اتصل بها الأداء اعتق به العبد وان وقعت في ~~الأصل على فساد # وضرب آخر مما يتناوله النهي فلا يقع رأسا مثل بيع العبد بالحر والميتة ~~والدم لأن هذه ليست بعقود إذ غير جائز أن تلحقها الاجازة بحال لأن أحدا لا ~~يجيز بيع العبد بهذه الابدال لا بقيمة ولا غيرها فلما لم يكن عقدا بحال صار ~~لغوا لا حكم له # ومن أصحابنا من يعبر عن هذه العقود بأن قال هي على ثلاثة # منها عقد جائز وهي المبايعات ms252 الصحيحة ومنها عقد فاسد وهي كشراء العبد ~~بالخمر والخنزير وبالاثمان المجهولة أو إلى آجال مجهولة أو يشرط فيها شروطا ~~فاسدة وسائر العقود الفاسدة التي يقع الملك فيها عند القبض ومنها عقد باطل ~~وهو الشراء بالخمر وبالميتة ولا يتعلق به حكم الملك قبض أو لم يقبض فيفرقون ~~بين الفاسد والباطل وهذا إنما هو كلام في العبارة ولا يضيق أن يعبر بهذه ~~العبارات PageV02P182 ويفرق بين معانيها للافهام وأما ما كان من ذلك واقعا ~~على وجه منهي عنه مما لا يلحقه فسخ فإن كونه واقعا على وجه منهي لا يمنع ~~صحة وقوعه لما ذكرنا من أن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على وجه الفساد ~~وما يقع فاسدا فإنه قد تتعلق به أحكام العقد الصحيح في باب وقوع الملك به ~~عند القبض فيما يملك وإنما يجب فسخه بعد وقوعه لانتفاء أحكام الصحة عنه فما ~~يلحقه الفسخ فهو واقع فيصير في حكم الصحيح من حيث صار بحال لا يلحقه الفسخ ~~وذلك مثل الطلاق في الحيض فإنه وان تعلق النهي لمعنى في نفس الطلاق وفيما ~~هو من شروطه إذا أراد إيقاعه على الوجه المسنون فإن كونه منهيا عنه لم يمنع ~~وقوعه كما لا يمتنع ذلك في سائر العقود التي يلحقها الفسخ على الوجه الذي ~~بينا إلا أن ذلك لما لم يجز أن يلحقه الفسخ نفذ وصح وقد نهى النبي عليه ~~السلام عن الطلاق في الحيض وأجاز مع ذلك طلاق ابن عمر وكذلك في الحرية ~~PageV02P183 إذا أوقعها على وجه منهي عنه مثل أن يعتقه في المرض ولا مال له ~~غيره قاصدا به اضرار الورثة فينفذ عتقه وان وقع منهيا عنه # وقال عليه السلام في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته لو أدركته ما صليت ~~عليه وأعتق مع ذلك ثلث ذلك الرقيق مع كونه منهيا عنه ومتى وقعت هذه الامور ~~التي لا يلحقها الفسخ بعد وقوعها كالطلاق والعتق والعفو من دم العمد على ~~ابدال مذكورة منهي عنها كانت واقعة نافذة لا يبطلها بطلان البدل # وإن كان ms253 مما لا يصح دخوله تحت العقد نحو أن يطلق امرأته على خمر أو ميتة ~~أو يعتق عبده على خمر أو يعفو من دم عمد على خمر أو ميتة فيقع الطلاق وينفذ ~~العتق ويصح العفو ولم يستحق عنها بدلا لأن هذه الأشياء مما لا يصح أن تكون ~~بدلا ولم يكن PageV02P184 من العاقد غرور للمعقود له لعلمه بأنه خمر وميتة ~~لا يستحقها من جهة العقد فلم يكن هذا عقدا بحال وإنما وقع به الطلاق ~~ونظائره مما وصفناه من حيث علقه بشرط القبول لأن هذه الأشياء مما تعلق على ~~الاخطار والشروط # ألا ترى أنه يصح تعليقها بدخول الدار ونحوه لأنها مما يصح إيقاعها ~~بالقبول دون شرط البدل فلا يقدح فساد البدل في صحة وقوعه ولأنه لما علقه ~~بشرط القبول صار كقوله إن قبلت فأنت حر # وأما عقد النكاح إذا وقع على خمر وميتة ونحوهما فإنه يشبه العتق ونظائره ~~الواقعة على هذه الابدال من وجه واحد وهو أنه يصح بالقول من غير شرط البدل ~~فلا يقدح فساد البدل في صحته ويفارقها من جهة تعلقها بالأخطار والشروط لأن ~~عقد النكاح لا يتعلق بالأخطار ولا على الشروط الفاسدة كقوله إن دخلت الدار ~~فقد تزوجتك فإنما جاز مع فساد البدل لأحد المعنيين اللذين ذكرناهما في ~~العتق ونظائره وهو جواز وقوعه بالقول دون شرط البدل # فإن قال قائل هذا الأصل ينتقض عليك في عقود البياعات وسائر عقود ~~التمليكات الواقعة على أبدال إذا وقعت على خمر أو ميتة أو نحوهما لأن ما ~~يملك بالبيع PageV02P185 من نحو العبد والدار يجوز أن يملك بالهبة من غير ~~شرط البدل ثم لم يمنع ذلك فساد عقد البيع لأجل فساد البدل # قيل له لو تأملت ما قلناه لعلمت بطلان هذا السؤال لأنا إنما قلنا إن ما ~~يصح إيقاعه بالقول على وجه على غير شرط البدل لم يقدح فساد البدل في صحته ~~كالطلاق والعتق والعفو عن دم العمد والنكاح لأن هذه العقود مما تصح بالقول # وأما تمليك الاعيان على جهة الهبة فإنه لا يصح بالقول ms254 دون انضمام معنى ~~آخر إليه وهو القبض فلم يلزم على ما قدمنا ولم يجز لنا تصحيح البيع المعقود ~~على بدل فاسد لأجل أن الهبة قد تصح بغير بدل لأنا لو صححناه لكان إنما يجب ~~تصحيحه بالقول من غير إثبات البدل فيه والقول لا تأثير له في إيجاب تمليك ~~العين من غير بدل وكذلك الوصية لا تلزم على هذا لأن الوصية أيضا لا تصح ~~بالقول وإنما تحتاج في صحة الوصية بعد القول إلى موت الموصي حتى تملك بها # فإن قال البراءة من الدين تصح بالقول ومع ذلك إذا عقدها على بدل فاسد لم ~~يصح كالبيع # قيل له البراءة في هذا الوجه بمنزلة الهبة وإنما صحت من حيث كان الدين في ~~ذمة PageV02P186 المبرأ وكان بمنزلة الهبة المقبوضة فلم يخل أن تكون صحتها ~~متعلقة بالقول وبمعنى آخر ينضم إليه # ومن جهة أخرى إن حكم الملك الواقع بالهبة مخالف لحكم الواقع بالبيع لما ~~تتعلق بكل واحد من الأحكام التي لا تتعلق بالآخر وليس حكم الطلاق الواقع ~~ببدل مخالفا لحكم وقوعه بغير بدل # وكذلك العتق والصلح من دم العمد فلما لم يختلف حكم هذه الأشياء في نفسه ~~سواء وقعت ببدل أو غير بدل وجب أن لا يؤثر فساد البدل في وقوعها على الوجه ~~الذي كان يقع عليه لو لم يكن هناك بدل لأن الموقع في الحالين واحد غير ~~مختلف الحكم في نفسه # ولما كان المملوك بالبيع حكمه في نفسه مخالفا لحكم المملوك بالهبة كان ~~لفساد البدل تأثير في منع صحته لأنه لا يخلو من أن يكون واقعا على غير بدل ~~أو على بدل فاسد على ما شرط فإن اوقعناه على غير بدل كنا قد ألزمناهما عقد ~~هبة لم يعقداها وان أوقعناه على بدل فاسد فواجب أن يفسد البيع بفساد البدل ~~إذ لا يصح إلا ببدل صحيح وهذا الاعتبار الذي ذكرناه في العقود واجب فيما ~~سبيله أن يكون قربة إذا أوقعه على وجه منهى عنه في أن النهي متى تناول معنى ~~في نفس الفعل أو في ms255 شروطه التي تخصه فما PageV02P187 كان من ذلك مختلفا فيه ~~فإنه يقع على فساد ولا يجزئ عن الواجب عليه في ذمته وما لا خلاف فيه أنه من ~~شروطه وبه تتعلق صحته فإنه متى أخل به بطل حكم فعله رأسا فصار بمنزلة ما لم ~~يفعله # فالأول مثل الصلاة عند طلوع الشمس والصلاة بغير قراءة هي فاسدة إذا وقعت ~~على هذا الوجه ولم يخرجها الفساد من ثبات حكمها على فساد ولم يجزه من ذلك ~~عن الفرض وإن ضحك فيها أعاد وأعاد الوضوء عند أبي حنيفة وأبي يوسف # والثاني مثل الكلام في الصلاة والصلاة بغير طهارة فوجود الكلام فيها يمنع ~~بقاء حكمها ناسيا كان أو عامدا وكذلك عدم الطهارة يمنع صحة فعلها وثبوت ~~حكمها لأنه لا خلاف ان ترك الكلام فيها من شروطها وان وجود الطهارة شرط في ~~صحة فعلها فمتى أخل بذلك خرج منها وكان نظيرها من عقود البياعات العقد على ~~حر وميتة ودم ومدبر PageV02P188 $ فصل في الدلالة على صحة ما قدمنا في أصل ~~الباب # والدليل على صحة ما قدمنا من أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تعلق به قول ~~الله تعالى @QB@ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا @QE@ إلى آخر الآية # قد حوت هذه الآية الدلالة على صحة ما ذكرنا من أربعة أوجه أحدها قوله ~~تعالى @QB@ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس @QE@ فنهى عن أكل الزيادة المأخوذة عن عقد الربا لما تقدم من نهيه ~~عنه من قوله تعالى @QB@ لا تأكلوا الربا @QE@ فدل أن ظاهر نهيه قد اقتضى ~~وجوب الامتناع من التصرف فيما أخذ عن عقد الربا # والثاني قوله تعالى @QB@ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا @QE@ فذم ~~من سوى بين الربا المنهى عنه وبين البيع المباح ودل ذلك على أن المباح من ~~ذلك والمحظور لا يستويان في الحكم الواجب فظاهر اللفظ أن يكون المحظور ~~مخالفا للمباح # فإذا ms256 كان وقوعه على الوجه المباح يوجب صحته فواجب أن يكون وقوعه على ~~الوجه المحظور موجبا لفساده بما في فحوى الآية من إيجاب التفرقة بينهما من ~~هذه الجهة # والثالث قوله تعالى @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ فاقتضى ظاهر ~~النهى رد PageV02P189 الزيادة المأخوذة عن عقد الربا إلى بائعها وذلك لا ~~يكون إلا مع فساد العقد وكان ذلك متعلقا بظاهر النهي # والرابع قوله تعالى @QB@ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم @QE@ لما نهى عنه ~~حكم برد رأس المال فلولا أن ظاهر النهي قد اقتضى الفساد لكان مملوكا بعقد ~~صحيح لا يجب رده # وكذلك قال النبي عليه السلام كل ربا في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أضعه ~~ربا العباس فلما تعلق الفساد فيما ذكرنا بما دلت عليه الآية بالنهي ثبت أن ~~ظاهر النهي يقتضي فساد ما تناوله حتى تقوم دلالة الجواز # والدليل على ذلك أيضا ان هذه العقود والقرب لا يخلو من أن يكون سبيلها أن ~~تكون مفعولة على وجه الفرض أو الندب أو الاباحة وكونه منهيا عنه يخرجه من ~~أن يكون مفعولا فرضا أو مباحا إذ غير جائز أن يكون المنهي عنه هو الفرض أو ~~الندب أو المباح # فلما كان ذلك كذلك وجب ألا يكون فاعلا للمأمور به ولا لما قصد إلى فعله ~~PageV02P190 من ندب أو إباحة فوجب أن يبقى ما كان عليه في ذمته من فرض على ~~ما كان عليه وأن لا تصح له قربة ولا فعل المباح فإذا كان ما فعله عقدا من ~~عقود المعاملات فيما بين العباد الذي سبيله أن يفعله على الوجه المباح فهو ~~إذا كان منهيا عن العقد نفسه أو ما يتعلق به من شروطه فهو غير فاعل في هذه ~~الحال للعقد المباح فينبغي أن لا يصح عقده على هذا الوجه وأن لا يزول ملك ~~مالكه عنه بهذا العقد وذلك لأن الملك الواقع بذلك إنما هو حكم متعلق بإباحة ~~الله تعالى إياه وحكمه به وإذا حكم بنهيه فغير جائز وقوع الحكم الذي يتعلق ~~به من إيقاع الملك فوجب أن يقع ms257 فاسدا لا حكم له # وكذلك نقول في سائر البياعات الفاسدة إنها لا توجب الملك ولا يتعلق بها ~~حكم بنفس العقد ثم إذا اتصل به القبض ثبت للمقبوض حكم الملك من وجه لقيام ~~الدلالة ونحن فإنما كلامنا هاهنا في إفساد العقد بظاهر النهي وذلك موجود في ~~كل عقد منهي عنه لمعنى في نفس المعقود عليه # ودليل آخر وهو أن النهي يتناول ما يتعلق به على وجه النهي بأن لا يفعله ~~ومعلوم أن ما وقع من الإيجاب والقبول لهذه العقود لا يصح النهي عنه بعد ~~وقوعه وإن كان قبل وقوعه منهيا عنه وعن التصرف فيه فإذا وجب ذلك كان لزوم ~~فسخه حقا لله تعالى ولزم الحاكم إذا اختصموا إليه أن يمنع من قبضه والتصرف ~~فيه وإذا لم يستحق قبض المبيع لم يصح العقد وان قبضه ثم اختصما كان ممنوعا ~~من سائر وجوه التصرف وكان المنع من ذلك حقا لله تعالى متعلقا بظاهر النهي ~~لأنه معلوم أن النهي إنما يتناول أحكام العقد المتعلقة به وإذا كانت هذه ~~الأحكام ممنوعة بعد العقد بظاهر النهي وجب فسخه ما لم تقم الدلالة على نفاذ ~~تصرفه PageV02P191 # وهذا هو معنى قولنا إن العقد واقع على فساد لأن النهي إنما تناول العقد ~~على الوجه الذي قدمنا # وأما إذا تناول النهي معنى ليس هو نفس المعقود ولا من شرائطه وإنما هو ~~معنى في غيره فخارج عن هذا الأصل لما قدمنا فيما سلف وهو أن كونه فاعلا لما ~~نهي عنه لا يمنع صحة فعله لشيء آخر لم يتعلق النهي به من عقد أو قربة # ألا ترى أن تارك الصلاة لا يمنع تركه لصلاته صحة صومه وكذلك سائر الفروض ~~متى ارتكب النهي في ترك بعضها لا يمنعه من صحة فعل ما فعل منها # ألا ترى أن تحريم نكاح الأمهات وذوات المحارم والمعتدة لما تعلق بمعنى في ~~نفس المعقود عليه وبما هو من شروطه منع صحة العقد # وأن نكاح من خطب على خطبة أخيه وإن كان منهيا عنه لم يمنع ذلك صحة قوعه ms258 ~~لأن النهي تناول معنى في غير المعقود عليه فبان بذلك صحة ما وصفنا ~~PageV02P192 PageV02P193 PageV02P194 & باب الكلام في الناسخ والمنسوخ $ ~~فصل في الكلام في ماهية النسخ # اختلف العلماء في معنى النسخ في موضوع اللغة # فقال قائلون هو النقل ومنه قولهم نسخ الكتاب أي نقل ما فيه إلى غيره ~~فيطلقون اسم النسخ والنقل على ذلك و قال آخرون معناه الإبطال ومنه قولهم ~~نسخت الرياح الآثار # وهذه الألفاظ متقاربة المعاني وأيها كان المعنى في اللغة فإنه متى استعمل ~~في نسخ الأحكام فهو مستعمل فيها على وجه المجاز دون الحقيقة وذلك لأنه إن ~~كان معنى النسخ في موضوع اللغة هو النقل فهذا المعنى بعينه غير موجود في ~~نسخ الحكم لأن للنقل معنى معقولا في اللغة لا تصح حقيقته في نسخ الحكم ولا ~~يخلو حينئذ من أن يكون المراد به نقل الحكم نفسه أو نقل المتعبد به عن ~~الحكم الأول إلى غيره # فإن كان المراد الحكم فإن الحكم ليس هو معنى يصح نقله في الحقيقة لأن ~~النقل المعقول في اللغة هو نقل الشيء من مكان إلى غيره وذلك مستحيل في ~~الحكم وإن كان PageV02P195 المراد نقل المتعبد بالحكم إلى حكم غيره فإنه لم ~~يحصل فيه نقل بأن يتعبد بحكم غير الأول # فعلمت أن الاسم إن كان موضوعا للنقل في أصل اللغة حقيقة فإنه مجاز في ~~الحكم فكأنه إنما سمي بذلك على جهة التشبيه لأن النقل يوجب تغيير المنقول ~~عن الحال التي كان عليها إلى غيرها فشبه تغيير الحكم في الثاني بالنقل # وعلى أن نسخ الكتاب إنما يسمى نقلا مجازا أيضا لا حقيقة لأن المكتوب بدءا ~~هو باق في موضعه غير منقول عنه وإنما سمي ما نسخ منه منقولا تشبيها له ~~بالشيء المنقول من مكان إلى غيره فلم يحصل معنى النسخ أنه نقل ما في الكتاب ~~ولا في الأحكام إلا مجازا # وأما من قال النسخ هو الإزالة في اللغة فإنه لا يرجع منه أيضا إلا إلى ~~المجاز في اللغة والحكم جميعا لأن قولهم نسخت الرياح الآثار قد يطلق ms259 في ~~الريح إذا أعفت آثار الديار بأن سفت عليها التراب فأخفتها وهي باقية كما ~~يقال عفت الديار ودرست ويدل عليه أيضا أنه لا يصح إطلاق النسخ على كل مزال ~~لأنه لو أزال جسما من مكان إلى غيره لم يجز أن يقال له أنه قد نسخه فلما ~~كان من الأشياء المزالة ما ينتفي عنه اسم النسخ دل ذلك على ان إطلاق لفظ ~~النسخ في إزالة الريح الأثر مجاز لا حقيقة وهو في الحكم أيضا كذلك لأن ~~الحكم الأول لا يصح إزالته بعد ثبوته إذ كان المأمور به بعينه غير جائز أن ~~يكون منهيا عنه فلم يكن هناك حكم أزيل بالنسخ وإنما النسخ يبين أن مثل ذلك ~~PageV02P196 الحكم لا يجب في المستقبل فلا يكون النسخ بمعنى الإزالة على ~~هذا الوجه إلا تشبيها له بما كان ثابتا في موضوع فأزيل عنه إلى غيره # ويدل على ما ذكرنا أيضا أن إزالة الشيء في اللغة لا يقتضي ارتفاع عينه ~~ولا إبطاله لأنه يصح أن تقول أزلت الحجر عن موضعه وهو باق العين في موضع ~~غيره والحكم الأول ليس بباق بعد النسخ فلا يصح فيه معنى الإزالة إلا على ~~وجه المجاز # وأما من قال معناه الإبطال في اللغة واستدل عليه بقولهم نسخت الشمس الظل ~~فإنه يوجب أيضا أن يكون هذا اللفظ مجازا لأنهم قد قالوا نسخت الكتاب وليس ~~فيه إبطال شيء وقال الله سبحانه وتعالى @QB@ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ~~@QE@ ولم يرد إبطال شيء بل معناه إثبات مقاديرها وما يستحق عليها من ثواب ~~أو عقاب والله أعلم # وهو في معنى نسخ الكتاب وإثبات مثله في هذا الوجه أولى بمعنى اللفظ من ~~الإبطال # ولو ثبت أيضا أن معناه الإبطال لما صح إطلاقه في الأحكام إلا مجازا لأن ~~الحكم الأول لا يصح إبطاله بحال وإن ما ثبت في الثاني حكم غير الأول والأول ~~لم يكن قط مرادا في الثاني فليس هناك حكم أبطل بالنسخ والنسخ في الشريعة هو ~~بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا وتقديرنا جواز ms260 بقائه فتبين لنا أن ذلك ~~الحكم مدته إلى هذه الغاية وأنه لم يكن قط مرادا بعدها # ولا يجوز أن يكون لنسخ الأحكام معنى غيره لأنه غير جائز أن يكون الحكم ~~الأول مرادا في الوقت الثاني الذي ورد فيه النسخ ثم أبطله ونهى عنه لأن ذلك ~~هو PageV02P197 البداء ولا يجوز على الله تعالى إذ هو العالم بالعواقب فغير ~~جائز أن يبدو له علم شيء لم يكن علمه في الأول فثبت بذلك أن معنى النسخ في ~~الشرع ما وصفنا # وعلى أي وجه كان معنى النسخ في اللغة فإنه لا يخل بمعناه في الشرع لأنه ~~إذا كان معلوما وقوعه في الشرع على الحد الذي وصفنا وقد أريد به معنى ليس ~~الاسم موضوعا له في اللغة فقد صار اسما شرعيا قال الله تعالى @QB@ ما ننسخ ~~من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ وليس في اللغة أن توقيت المدة ~~فيما كان يظن بقاؤه ودوامه يسمى نسخا فثبت أنه اسم شرعي ويدل على أنه اسم ~~شرعي إطلاقه في أوامرنا لمن تلزمه طاعتنا من عبيدنا ومن تحت أيدينا وأن هذا ~~الاسم مخصوص بأحكام الشرع # وليس كل ما بين به مدة الحكم يسمى نسخا لأنه لو كانت المدة معلومة مع ~~ورود الأمر بأن قال صلوا في هذا اليوم ولا تصلوا في غيره لم يكن زوال الأمر ~~بمضي الوقت نسخا لأنا قد علمنا عند ورود الأمر توقيت مدته وإنما يطلق اسم ~~النسخ فيما يكون في توهمنا و تقديرنا تجويز بقائه على الدوام فيأتي الحكم ~~الناسخ ويبين أن ما كان في تقديرنا من بقاء الحكم غير ثابت وأن مدة الحكم ~~الأول قد انقضت # ومن الناس من يظن أن النسخ رفع الحكم وهذا جهل مفرط وذلك لأن ما ثبت من ~~الأحكام لا يجوز رفعه لأنه يدل على البداء وإنما يدلنا النسخ أن الحكم ~~المنسوخ لم يكن مرادا في هذا الوقت PageV02P198 PageV02P199 PageV02P200 & ~~باب القول فيما يجوز نسخه وما لا يجوز # الأصل في هذا الباب أن أفعال المكلفين إذا وقعت عن قصد ms261 فاعلها فهي على ~~ثلاثة أنحاء في العقل # منها واجب لا يجوز عليه التغيير والتبديل كتوحيد الله عز وجل وتصديق رسله ~~وشكر المنعم واجتناب المقبحات في العقول # ومنها ممتنع محظور انقلابه عن حال نحو كفران النعمة والكذب وتكذيب رسل ~~الله وارتكاب المقبحات في العقول فهذان البابان يجريان في حكم العقل على ~~شاكلة واحدة لا يجوز عليهما التغيير والتبديل ولا يصح مجيء العبادة فيهما ~~بخلاف ما في العقول من حكمها ومن أجل ذلك لم يصح نسخهما وذلك لأن العقل حجة ~~لله تعالى فما حسنه من شيء فهو حسن وما قبحه فهو قبيح والسمع حجة لله تعالى ~~أيضا وغير جائز أن تتضاد حجج الله تعالى ولا يجوز أن تتنافيا فثبت أن السمع ~~لا يرد برفع ما في العقل وجوبه ولا إيجاب ما في العقل حظره فلذلك قلنا إن ~~هذين الوجهين لا يجوز ورود النسخ فيهما PageV02P201 # وأما الوجه الثالث فهو ما يجوز العقل إيجابه تارة وحظره أخرى وإباحته مثل ~~الصلاة والصيام والحج وذبح البهائم وما جرى مجرى ذلك فهذا الضرب مما يجوز ~~ورود النسخ فيه على الوجه الذي كان يجوز العقل مجيء الشرع به وإنما صار ~~النسخ يتطرق على هذا الوجه لأن حكمه مردود إلى ما في علم الله تعالى من ~~المصلحة فإذا علم المصلحة في إيجابه أوجبه وإذا علمها في حظره بعد الإيجاب ~~حظره وإذا علمها في إباحته دون إيجابه وحظره فعل فلذلك جاز أن يأمر بصيام ~~شهر رمضان والصلوات في أوقاتها المعلومة و يحظر صيام يوم الفطر ويوم النحر ~~وأيام التشريق ويحظر الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ويبيح فعل الصيام ~~في غير هذين الوقتين وكذلك الصلاة فلذلك ليس يمتنع أن يتعبد الله تعالى ~~بفعل هذه الأشياء على وجه الإيجاب ثم ينسخه بحظرها أو إباحتها ويدلك على ~~الفرق بينه وبين الوجهين الأولين أنه جائز ورود العبادة بلزوم الصلاة ~~والصيام بعض المكلفين وحظرهما على بعضهم كنحو ما أمر الطاهر بفعل الصلاة ~~والصوم ونهي عنهما وهو في هذا الباب يجري مجرى سائر أفعال الله ms262 تعالى في ~~تدبير عباده من الغني والفقر والصحة والمرض ومن إحداث الحر والبرد وكل شيء ~~من ذلك في وقت دون وقت لما علم تعالى فيه من مصالح عباده فكذلك سبيل هذا ~~الضرب الذي يتطرق عليه مجيء العبادة به تارة وبضده أخرى على حسب المصلحة ~~PageV02P202 # والبابان الأولان لا يختلف حكم سائر المكلفين فيهما ألا ترى أنه لا يصح ~~أن يكون بعض المكلفين مأمورين بالتوحيد وتصديق الرسول عليه السلام وبعضهم ~~منهيون عنه أو مباحا لهم تركه والإعراض عنه وكذلك لا يصح أن يكلف بعضهم ~~مجانبة المقبحات في العقل من نحو كفران النعمة والكذب وتكذيب الرسل ويؤمر ~~بعضهم بارتكابها # فلما لم يختلف حكم سائر المكلفين في هذين البابين في زمان واحد لم يختلف ~~حكم سائر المكلفين فيها في الأزمنة المختلفة فلم يجز من أجل ذلك ورود النسخ ~~فيهما ولما جاز في غيرهما مما وصفنا اختلاف أحكام المكلفين فيها في الزمان ~~الواحد جاز مثله في الأزمنة المختلفة فيتعبدون بالحظر في زمان وبالإيجاب أو ~~الإباحة في زمان غيره # وأما الخبر الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه ~~ينتظم معنيين أحدهما العبادة باعتقاد مخبره على ما أخبر به فهذا ما لا يجوز ~~نسخه ولا تبديله ولا التعبد فيه بغير الإعتقاد الأول # والمعنى الآخر حفظه وتلاوته وهذا مما يجوز نسخه بأن يأمر بالإعراض عنه ~~وترك تلاوته حتى يندرس على مرور الأزمان فينسى كما نسخت تلاوة سائر كتب ~~الله تعالى القديمة كصحف إبراهيم وكثير من الأنبياء عليهم السلام قد نسخت ~~تلاوة حتى صارت لا يتلوها أحد ولا يحفظها PageV02P203 # وإنما لم يجز ورود العبادة بنسخ اعتقاد معنى الخبر وإن جاز ورودها بنسخ ~~الخبر الذي هو التلاوة من قبل أنه لو جاز ذلك لكان فيه إيجاب التعبد ~~باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به لأن خبر الله تعالى لا بد أن يكون صدقا ~~يلزمنا عند وروده اعتقاد مخبره على ما هو به وهذا لا يجوز على الله تعالى ~~ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم ولو ms263 جاز أن يأمرنا باعتقاد ذلك لجاز أن ~~يأمرنا بالإخبار عنه على حسب ما أمرنا باعتقاده فيكون أمرا لنا بالكذب ولو ~~جاز أن يأمرنا بالكذب لجاز أن يفعله هو تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا # فلذلك قلنا إن معاني الأخبار الواردة من الله تعالى لا يجوز ورود النسخ ~~على اعتقادنا فيها بأن يتعبدنا باعتقاد ضد مخبرها لأن المخبر عنه لا يجوز ~~عليه التغيير والتبديل بتغير الأحوال والأزمان # فلذلك لم يجز أن نعتقد فيها خلاف ما أوجبه ورود الخبر وهذا نظير ما أمر ~~الله تعالى به من العبادات واستقر عليه أحكامها ومضى عليها أوقات فعلها ~~فغير جائز أن ترد العبادة بنسخ اعتقاد صحتها وثبوتها في الأوقات الماضية ~~لأن في نسخ ذلك الإعتقاد وجوب اعتقاد فساد ما أمر الله تعالى به واعتقاد ~~ذلك قبح لا يجوز ورود العبادة به فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا ومما ~~يبين أن اعتقاد معاني الأخبار الواردة عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله ~~عليه وسلم جار مجرى التوحيد وتصديق الرسل وسائر ما لا يجوز فيه النسخ ~~والتبديل فإنه مخالف لما له في العقول حالان من الأمور التي يجوز ورود ~~العبادة بها تارة وبأضدادها أخرى أنه يمتنع الأمر بالاعتقادين في خطاب واحد ~~لزمانين مختلفين فلا يجوز أن يقول اعتقدوا في خبري هذا أنه على ما هو عليه ~~إلى مدة كذا فإذا انقضت المدة فاعتقدوا فيه ضده كما لا يجوز أن يقول ~~اعتقدوا صحة التوحيد وتصديق الرسل إلى وقت كذا فإذا انقضى الوقت فاعتقدوا ~~ضدهما ولا يمتنع أن يقول صلوا وصوموا إلى وقت كذا فإذا مضى الوقت ~~PageV02P204 فلا تصوموا ولا تصلوا فثبت أن اعتقاد معنى الخبر يجري في حكم ~~العقل على شاكلة واحدة كاعتقاد التوحيد والعدل وتصديق الرسل عليهم السلام ~~فلا يجوز ورود النسخ على واحد منهما # ومن جوز النسخ في اعتقاد معاني خبر الله تعالى وخبر الرسول عليه السلام ~~فقد وصف الله تعالى بالبداء وأنه ظهر له في الثاني ما لم يكن علمه قبل لأن ~~البداء معناه ms264 الظهور قال الله تعالى @QB@ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم @QE@ يعني إن تظهر لكم وقال تعالى @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ ومن جوز البداء على الله تعالى فهو خارج عن ملة ~~الإسلام # فإن قال قائل قال الله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب @QE@ # وهذا يدل على جواز نسخ الأخبار إذا شاء الله تعالى نسخها # قيل له ليس في الآية دلالة على ما ذكرت لأنه لم يقل تعالى @QB@ يمحو الله ~~ما يشاء @QE@ من معاني الأخبار الواردة من جهته فإن تعلقت بعمومه فجعلته ~~على الخبر وغيره فالواجب عليك أولا أن تثبت أن نسخ معاني الأخبار مما يجوز ~~أن يشاءه الله وقد دللنا آنفا على أن هذا سفه وقبح لا يجوز أن يشاءه الله ~~تعالى والاحتجاج بظاهر في هذا المعنى باطل ساقط وعلى أنه لو ثبت أن المراد ~~نسخ الخبر لكان المعنى نسخ تلاوته لا مخبره لأنه ليس هو الخبر وقد بينا ~~جواز نسخ التلاوة وامتناع جواز نسخ اعتقاد مخبره PageV02P205 # وقد روي في تأويل هذه الآية عن جماعة من السلف أقاويل ليس في شيء منها أن ~~المراد نسخ الأخبار لأن ابن عباس قال معناه إن الله تعالى يبدله ما يشاء من ~~القرآن فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبد له وعنده أم الكتاب يعني جملة ذلك ~~عنده في أم الكتاب # وعن زيد بن أسلم يمحو الله ما يشاء مما ينزله على الأنبياء ويثبت ما يشاء ~~مما ينزله على الأنبياء وعنده أم الكتاب لا يغير ولا يبدل # وعن الحسن قال يمحو الله من جاء أجله فيذهب ويثبت الذي هو حي يجري إلى ~~أجله $ فصل من هذا الباب # قد بينا القول فيما يجوز نسخه ومالا يجوز نسخه بما فيه كفاية # ونبين الآن حكم الألفاظ الواردة في القبيل الذي يجوز نسخه من الأحكام ~~ومالا يجوز نسخه منها # فنقول إن الحكم الوارد عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم إذا ~~لم يكن مؤقتا ولا مقرونا PageV02P206 بلفظ ms265 التأبيد في الأزمان المستقبلة ~~فإن الذي يجب على سامعه من المكلفين له والمتعبدين به لزوم اعتقاد جواز ~~نسخه ما دام النبي عليه السلام حيا كقوله صلوا وصوموا في مستقبل الأيام ~~ونحو ذلك وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل العلم نعلمه وأما إذا قرنه ~~بوقت بعينه نحو أن يقول صلوا هذه السنة في كل يوم أو يقول صوموا شهر رمضان ~~القابل فإن هذا لا يجوز ورود النسخ فيه عندنا بحال وسنفرد القول فيه بعد ~~هذا # وأما إذا قال صلوا الظهر أبدا في مستقبل أعماركم ومن بعدكم إلى أن تقوم ~~الساعة فإن من الناس من يجيز ورود النسخ في مثله إذا كان هذا القول من ~~شرائع الأنبياء عليهم السلام الذين كانوا قبل نبينا خاتم النبيين ولا يجوز ~~النسخ بعده # ومن الناس من لا يجيز ورود النسخ على مثل هذه الألفاظ # فأما الوجه الأول الذي بدأنا بذكره في هذا الفصل فإنما جاز نسخه لأنه لما ~~لم يحصره توقيت ولا مدة وكان جواز النسخ قائما في مثله وجب علينا ألا نعتقد ~~عند وصوله إلينا بقاء حكمه على التأبيد مع بقاء النبي عليه السلام بل ~~الواجب علينا في مثله اعتقاد جواز نسخه # وإذا كان ذلك كذلك جاز ورود النسخ فيه حتى إذا توفي النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل نسخه استقر حكمه على التأبيد لأن النسخ لا يجوز بعد موته عليه ~~السلام # وأما إذا قرنه بالتأبيد فقال افعلوه أبدا أنتم ومن يحدث بعدكم إلى ~~PageV02P207 أن تقوم الساعة فإن الأظهر في مثله أنه لا يجوز نسخ ما كان هذا ~~وصفه لأنه قد ألزمنا اعتقاد بقائه مؤبدا وغير جائز أن يكون المراد بقاؤه ~~إلى وقت ومدة لأن تجويز ذلك يؤدي إلى إبطال دلالة الكلام على حسب ما تقدم ~~القول فيه في إثبات العموم وامتناع جواز تأخير بيان الخصوص فيما سلف # فإن قال قائل إن اليهود تزعم أن في التوراة الأمر بالتمسك بالسبت ما دامت ~~السموات والأرض وقد ورد نسخه على لسان كثير ممن جاء ms266 بعده من الأنبياء عليهم ~~السلام # قيل له لم يثبت أن في التوراة هذا الذي قالوه ولو كان ثابتا لم يمنع أن ~~يكون اللفظ الذي ادعوه في التوراة باللسان العبراني يحتمل التأبيد ويحتمل ~~غيره فحمله هؤلاء على التأبيد من جهة التأويل وإذا لم يكن عندنا علم بحقيقة ~~معنى اللفظ المذكور في التوراة في هذا الباب لم يثبت ما ذكروه # وأيضا فلو كان ما ادعوه في ذلك ثابتا وكان العلم به واقعا لوجب أن يقع ~~لنا العلم به مع سماعنا لذلك كوقوع علمهم به في زعمهم فلما لم يثبت عندنا ~~ذلك مع سماعنا لهذه الأخبار علمنا بطلان ما ادعوه ومن أجاز ذلك في أزمان ~~الأنبياء عليهم السلام مع ذكر التأبيد فيه ممن وصفنا قولهم فإنما أجازه لأن ~~علينا اعتقاد صحة ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من الشريعة ~~مما يخالف ذلك أو يوافقه فيصير تقدير ذكر التأبيد فيه مقرونا بجواز النسخ ~~كأنه قال افعلوا هذه الأفعال في الزمان المستقبل أبدا ما لم أنسخه # والصحيح عندنا هو الأول لأن هذا لو جاز مثله في العموم فيقال إنا نعتقد ~~فيه PageV02P208 العموم إن لم يكن أراد الخصوص ولجاز في الحكم المفروض في ~~وقت بعينه أن يقول له افعله في ذلك الوقت ما لم أنسخه وهذا قول فاحش قبيح ~~لا يصح فثبت بذلك ما وصفنا PageV02P209 PageV02P210 PageV02P211 ~~PageV02P212 & باب في الدلالة على جواز النسخ في الوجوه التي بينا # قال أبو بكر من ينكر النسخ فريقان أحدهما اليهود والآخر فريق من أهل ~~الملة من المتأخرين لا يعتد بهم # فأما اليهود فإن منهم من أنكر تجويز النسخ فيما زعم من طريق العقل ومنهم ~~من يجوزه في العقل إلا أنه يزعم موسى عليه السلام قد أعلمهم أن شريعة ~~التوراة وتحريم يوم السبت لا ينسخ أبدا فأما من منع منهم ذلك من جهة العقل ~~فإنه ذهب إلى أن هذا بداء ورجوع عن إرادة الشيء إلى كراهته وهذا لا يكون ~~إلا ممن كان جاهلا بالعواقب والله تعالى عالم الأشياء قبل ms267 كونها فإن كان ~~المأمور به صحيحا فالرجوع عن الصحيح لا يفعله حكيم وإن كان فاسدا لم يجز أن ~~يشرعه الله تعالى في وقت من الأوقات # قال أبو بكر رحمه الله وهذا الذي قالوه جهلا منهم بمعنى النسخ لأن ~~المأمور به غير المنهي عنه فيما يقع فيه النسخ وإنما النسخ يبين أن زمان ~~الفرض الأول قد انقضى PageV02P213 وأن الواجب في الزمان المستقبل غير ~~الواجب الذي كان في الماضي وهذا لو نص عليه في خطاب واحد كان جائزا مستقيما ~~ألا ترى أنه لو قال تمسكوا بتحريم السبت إلى مائة سنة ثم أحلوه كان جائزا ~~وكذلك لا يمتنع أن تطلق القول بتحريم السبت ثم تبين الوقت الذي انتهى إليه ~~مدة التحريم على حسب ما علم سبحانه من مصالح العباد فيه وكما أنه جاز أن ~~يخالف بين أحكام العباد فيتعبد بعضهم بحكم ويتعبد بعضهم بضد ذلك الحكم في ~~زمان واحد نحو تحريم الصلاة والصوم على الحائض وإيجابهما على الطاهر على ~~حسب ما علم من مصالحهم # كذلك لا يمتنع أن يخالف بين أحكامهم في زمانين وكما جاز أن يخالف بينهم ~~في تغييره وأفعاله فيهم نحو أن يميت واحدا ويخلق آخر ويمرض واحدا ويصح آخر ~~ويغني واحدا ويفقر آخر ويفعل ذلك بواحد في زمانين مختلفين ولم يكن شيء من ~~ذلك دليلا على البداء وعلى الرجوع عما أراده لأن الذي أراده في الثاني غير ~~الذي أراده في الأول # وكذلك العبادات تجري على هذا المنهاج # وأيضا فإنه قد كان مباحا لولد آدم من صلبه أن يتزوج الأخ منهم بأخته ~~ولولا ذلك لم يكن بينهم تناسل وهو محرم في شريعة التوراة وسائر الشرائع ~~بعدها ولم يكن فيه ما يوجب البداء وكذلك تحريم السبت وسائر الشرائع التي ~~يجوز العقل حظرها تارة وإباحتها أخرى جائز نسخها والإبانة عن مضي وقت ~~تحريمها # وأما من زعم منهم أن موسى عليه السلام قد أعلمهم أن شريعة التوراة لا ~~تنسخ فإنه معترف أن التوراة قد أنبأت عن نبوة أنبياء بعد موسى عليه السلام ~~وإذ كان ms268 كذلك فمعلوم أن تحريم السبت معلق بتوقيف الأنبياء بعد موسى عليه ~~السلام فإذا أحلته صار ذلك PageV02P214 مقرونا إلى لفظ التحريم كأنه قال ~~حرموا السبت ما لم أحله على لسانك # وعلى أن ما يدعونه من توقيف موسى عليه السلام على التمسك بتحريم السبت ~~أبدا لو كان ثابتا لوجب أن يقع لنا العلم به مع سماعنا للخبر عنه به كما ~~أدعى هؤلاء لأنفسهم # فلما لم يقع لنا العلم بذلك مع سماعنا الأخبار التي سمعوها في ذلك علمنا ~~أنهم إنما صاروا إلى ذلك من طريق التأويل فأخطئوا فيه # وقد تكلم الناس عليهم في هذا الباب بأشياء كثيرة لا انفصال لهم منها وليس ~~غرضنا في هذا الموضع الكلام على هؤلاء وإنما القصد الكلام في أصول الفقه ~~إلا أنه لما عرض فيه القول بالنسخ أحببنا ألا نخليه من جملة تدل عليه وعلى ~~بطلان قول من أبي ذلك من الفرقة التي تنتحل دين الإسلام ثم ضاهت اليهود في ~~امتناعها من تجويز نسخ الشريعة # فنقول بعد تقدمة القول في جواز النسخ في الجملة إن الفرقة المنكرة للنسخ ~~من أهل الصلاة قد خالفت الكتاب والآثار المتواترة واتفاق السلف والخلف ~~جميعا فيما صارت إليه من هذه المقالة # فأما مخالفتها للكتاب فقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها @QE@ فأثبت النسخ في الكتاب PageV02P215 وأمره بالتوجه إلى ~~الكعبة بقوله تعالى @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ ثم قال تعالى @QB@ سيقول السفهاء من الناس ~~ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم @QE@ فأخبر أنهم قد كانوا على قبلة غيرها ثم نقلوا عنها ~~وقد كان حد الزانيين الحبس والأذى فنسخا عن غير المحصنين بقوله تعالى @QB@ ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ وكانت عدة المتوفي ~~عنها زوجها سنة لقوله تعالى @QB@ متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ ثم نسخ ~~منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشرة بقوله تعالى @QB@ يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا ms269 @QE@ ومثال ذلك أكثر من أن يحصى في الكتاب والسنة # وقد نقلت الأمة الناسخ والمنسوخ وتوارثوهما قرنا عن قرن لا يتناكرونه ولا ~~يشكون فيه # وذكر من أبي وجود النسخ في القرآن أن النسخ المذكور في القرآن إنما هو ~~نسخه من اللوح المحفوظ وتنزيله على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يوجب أن ~~يكون القرآن كله منسوخا وكله PageV02P216 # وإن قال قائل إنما أراد النسخ في هذا الموضع الإزالة والإسقاط # قيل له لا يخلو من أن يريد به إزالة الحكم أو إزالة الرسم فإن أردت إزالة ~~الحكم فقد وافقت وإن أردت إزالة الرسم مع بقاء الحكم فإن هذا فاسد من وجهين # أحدهما أن عموم اللفظ يقتضي الأمرين ومن حمله على أحد الوجهين دون الآخر ~~بغير دليل فهو متحكم قائل بغير علم # والوجه الآخر أنا لو سلمنا لك ما ادعيت من إزالة الرسم فدلالته قائمة على ~~ما ادعينا لأنه قد أسقط عنا فرض تلاوته واعتقاد كونه من القرآن بعد أن كان ~~لزمنا ذلك ووجه آخر وهو أنه قد ذكر في الآية الإزالة والإسقاط أيضا في قوله ~~تعالى @QB@ أو ننسها @QE@ فعلمنا أن مراده بذكر النسخ هو نسخ الحكم وقال ~~تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ وقال تعالى @QB@ يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب @QE@ وقال تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا @QE@ وأخبر عن نسخ بعض أحكام الشرائع المتقدمة بقوله تعالى @QB@ ~~ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا ~~كل ذي ظفر @QE@ وقال تعالى @QB@ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم @QE@ وقد ورد من طريق النقل المستفيض والخبر المتواتر الذي لا ~~يتطرق إليه الفساد والبطلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يصلي إلى ~~بيت المقدس إلى أن نسخ الله تعالى الصلاة إلى تلك الجهة PageV02P217 ناسخا ~~وهذا محال ممتنع عند الأمة # وقول هذه الطائفة أظهر فسادا وأبين انحلالا من أن يحتاج إلى الإكثار في ~~الإبانة عن قبحه وشناعته PageV02P218 PageV02P219 PageV02P220 & باب نسخ ~~الحكم بما هو أثقل منه # اختلف الناس في ms270 ذلك # فقال قائلون وهم الأكثر لا يمتنع نسخ الحكم بما هو مثله وبما هو أخف منه ~~وبما هو أثقل منه # و قال آخرون لا ينسخ حكم إلا بما هو أخف منه # ومنهم من يقول ينسخ بمثله وبما هو أخف منه ولا ينسخ بما هو أثقل منه وكل ~~واحدة من هاتين المقالتين إنما هي تظنين وحسبان من قائليها لا يرجع منها ~~إلى دلالة يعضد بها مقالته # والصحيح هو القول الأول # وهو عندي قول أصحابنا رحمهم الله # والأصل فيه أن العبادات إنما ترد من الله تعالى على حسب ما يعلم من ~~مصالحنا فيها وليس يمتنع أن تكون المصلحة تارة في الأخف وتارة في الأثقل ~~فينقل المتعبد من أحدهما إلى الآخر على حسب ما تقتضيه المصلحة ألا ترى أنه ~~قد ينقلهم PageV02P221 من الرخاء إلى الشدة تارة ومن الشدة إلى الرخاء أخرى ~~فيغني في وقت ثم يفقر في وقت آخر ويصح في وقت ويمرض في وقت آخر كذلك ~~العادات جارية هذا المجرى والعلة في الجميع واحدة وهي جهة المصلحة وهذا ~~أيضا معلوم من تدبير الحكماء لم يلون أمرهم من أولادهم وعبيدهم أنهم ~~ينقلونهم من الشدة إلى الرخاء ومن الرخاء إلى الشدة فينقلونهم من حال إلى ~~حال على حسب ما يرون لهم من المصلحة في أحوالهم # وأيضا فإن مقالة هاتين الطائفتين يوجب ألا يفرض الله شيئا أبدا بعد أن لم ~~يكن مفروضا لأن إيجاب الفرض تكليف وهو أثقل من الإباحة وقد وجدنا في كتاب ~~الله تعالى ما يوضح عن بطلان قول هؤلاء قال تعالى @QB@ فبظلم من الذين ~~هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا @QE@ فأخبر ~~أنه نقلهم من الإباحة إلى الحظر وهو أشد على المكلف # وروي عن معاذ بن جبل وابن عباس وسلمة بن الأكوع وابن عمر وجماعة من ~~التابعين في تأويل قوله تعالى @QB@ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ~~@QE@ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ثم أنزل الله تعالى @QB@ ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ فجعل الصوم حتما ms271 وأسقط التخيير وأيضا فإن ~~الخمرة قد كانت مباحة في PageV02P222 أول الإسلام ثم حرمها الله تعالى وقد ~~كان النبي عليه السلام مأمورا بترك قتال المشركين بقوله تعالى @QB@ فاعف ~~عنهم واصفح @QE@ ثم أوجبه الله تعالى بقوله @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا @QE@ وقال تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وقاتلوا في سبيل الله @QE@ ونحوه من الآيات فنقلهم من الأخف إلى ما هو ~~أشق عليهم وقد كان حد الزانين الحبس والأذى فنقلوا إلى الجلد والرجم وقد ~~كان من قتل مسلما لا كفارة عليه ثم أوجبها الله تعالى ومن كان يفطر في شهر ~~رمضان لم تكن تجب عليه كفارة ثم أوجبها النبي عليه السلام على المجامع ~~وكفارة اليمين لم تكن واجبة حتى أوجبها الله تعالى # وكذلك سائر البياعات المحرمة لم يكن تحريمها متقدما ثم حرمت # والعلة الموجبة لجواز النسخ في الأصل لا تفرق بين نسخ الأخف بالأثقل وبين ~~نسخ الأثقل بالأخف لأن المعنى في الجميع ما يعلم الله تعالى من مصلحة ~~المتعبد به ولا يمكن أحد أن يقول قد علمت أنه لا مصلحة في نقل المتعبد من ~~الأخف إلى الأثقل لأن ذلك شيء لا يعلمه إلا الله تعالى العالم بكل شيء # وأيضا لو جمع الأمران جميعا في خطاب واحد لم يتنافيا بأن يقول قد أ بحت ~~لكم كذا PageV02P223 إلى وقت إذا ثم هو محرم عليكم كما أباح الإفطار في ~~سائر السنة إلى دخول شهر رمضان فإذا جاء شهر رمضان حظر الإفطار فيه و كما ~~قالت عائشة رضي الله عنها فرضت الصلاة في السفر والحضر ركعتين ركعتين ثم ~~زيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت # فإن قيل قال الله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها @QE@ وهذا يدل على أنه لا ينقل إلى ما هو أشق علينا وإنما ينقل إلى ~~مثله أو أخف منه قيل له ليس أن يكون الأثقل خيرا لنا وأصلح ألا ترى أن فعل ~~الصلاة والصوم والحج أشق على العباد من تركها وفعلها مع ms272 ذلك خير لنا من ~~تركها فليس الخير إذن عبارة عن الأخف ولا الأثقل فلا دلالة في الآية على ما ~~ذكره والله أعلم وأحكم PageV02P224 PageV02P225 PageV02P226 & باب القول في ~~نسخ الحكم قبل مجيء وقته # ليس يخلو الأمر في تعليقه بالمأمور من أحد أقسام خمسة # أما أن يتعلق به في وقت بعينه نحو قوله صلوا إذا زالت الشمس أو يقول ~~صوموا شهر رمضان بعينه # أو أن يعلقه بوقت بغير عينه نحو أن يقول صلوا صلاة واحدة في أي يوم شئتم ~~وصوموا شهر رمضان في أي شهر رمضان شئتم # وأن يكون مطلقا غير محصور بوقت يتناول فرضا في واحد إلا على وجه تكراره ~~في الأوقات ولا التخيير في أوقات فعله نحو قوله صلوا صلاة واحدة وصوموا ~~يوما أو شهرا واحدا # أو أن يكون مؤقتا بالتأبيد نحو أن يقول صلوا أبدا في كل يوم ما بقيتم ~~وصوموا شهر رمضان في كل سنة ما حييتم # أو أن يكون واردا بلفظ يقتضي أدنى الجمع حقيقة ويحتمل أكثر منه ويقتضي ~~فعله مكررا في الأزمان إلا أنه غير مقرون بذكر التأبيد # فالأمر الوارد عن الله تعالى وعن رسوله عليه السلام لا يخلو من أن يكون ~~واردا على أحد هذه الأقسام PageV02P227 # فأما هذه الأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها فغير جائز ورود النسخ فيها ~~بحال وإن كان قد يسقط عنا الفرض بأمور أخرى على غير وجه النسخ # والقسم الخامس هو الذي يجوز فيه النسخ # وأصل في ذلك أن كل مأمور به تعلق وجوب فعله بوقت بعينه أو بغير عينه فغير ~~جائز ورود نسخه لأنه يكون نهيا عن المأمور بعينه وغير جائز أن يكون المأمور ~~به من أحكام الله تعالى هو المنهي عنه # والأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها هي من هذا القبيل وذلك لأن قوله صلوا ~~إذا زالت الشمس من هذا اليوم وصوموا شهر رمضان من هذه السنة فرض قد تعلق ~~بوقت بعينه فليس يخلو من أن ينسخ قبل مجيء وقت الفعل أو بعده وغير جائز ~~نسخه قبل مجيء وقت الفعل لما نستند ms273 عليه إن شاء الله تعالى # وإذا مضى وقت الفعل قبل أن يفعله فإن ما يتعلق بالأمر من لزوم الفعل قد ~~سقط بمضي وقته لما بيناه فيما سلف من الأبواب المتقدمة وسقوط الفرض بمضي ~~وقته لا يسمى نسخا لأن ذلك كان معقولا مع ورود الأمر وما لا يتوهم بقاؤه ~~لأن ما بلفظ الأمر لا يسمى سقوطه بمضى وقته نسخا ألا ترى أنه لو قال صوموا ~~يوم عاشوراء من هذه السنة واقتصر عليه فلم يصمه لم يلزمه القضاء بذلك الأمر ~~وأنه يحتاج في لزوم PageV02P228 القضاء إلى دلالة من غيره وأن سقوطه بمضي ~~الوقت على هذا الوجه لا يسمى نسخا # وأما القسم الثاني وهو قوله صلوا صلاة واحدة في أي وقت شئتم أو صوموا ~~شهرا أي شهر شئتم على قول من يجيز ورود الأمر بمثله فإن هذا لو صح الأمر به ~~لم يصح نسخه وذلك لأنه ما دام حيا فأي وقت فعل فيه المأمور به كان ذلك وقت ~~فرضه # والأظهر عندنا أنه غير جائز ورود الأمر بمثله لما بينا فيما سلف من أنه ~~لو صح ذلك وسعه التأخير أبدا ثم لا يصير مفرطا بالموت لعدم علمه بالوقت ~~الذي يعين عليه فيه الفرض فيخرج ذلك الأمر من أن يكون فرضا إلا أنا تكلمنا ~~فيه على قول من يجيز ورود الأمر بمثله فقلنا واجب ألا يجوز نسخه لأن كل وقت ~~يأتي عليه إذا فعله فيه كان فاعلا للمأمور به بذلك الأمر بعينه فغير جائز ~~ورود نسخه قبل مجيء وقته لما وصفنا في القسم الأول وأما إذا فعله فقد سقط ~~عنه فرضه فليس هناك أمر يتوهم بقاؤه فينسخ # وأما القسم الثالث وهو أن يكون الفرض منهما غير محصور بوقت وهو فرض واحد ~~لا يقتضي لفظ الأمر فعله مكررا في أوقات مستقبلة فإنه لا يصح نسخه أيضا ~~وذلك لأن عليه فعله على الفور عند ورود الأمر في أول أحوال الإمكان فغير ~~جائز نسخه قبل وقته فإن لم يفعله ففي الثاني فإن لم يفعله في الوقت الأول ~~لزمه ms274 فعله في الثاني بذلك الأمر بعينه فإن لم يفعله في الثاني لزمه فعل ~~مثله في الثالث بالأمر أيضا فصار تقدير الأمر أن يفعله في الوقت الأول فإن ~~لم يفعله ففي الثاني فإن لم يفعله ففي الثالث فلما كان كل وقت لم يفعله فيه ~~كان الذي يليه وقتا لفعله بالأمر الأول ثم لم يخل من أن ينسخه قبل الفعل أو ~~بعده # ولا يجوز نسخه قبل وقته كما قلنا في نسخ الفعل قبل مجيء وقته المعين له ~~أو أن PageV02P229 ينسخه بعد الفعل وهذا محال لأنه قد أدى الواجب عليه ~~بالأمر ومن سقط عنه الفرض بأدائه فغير جائز أن يقال إنه قد نسخ عنه ما قد ~~أداه ولم يقض لفظ الأمر لزوم غير ما فعله فلم يكن ها هنا شيء نسخ في ~~الحقيقة # وأما القسم الرابع وهو أن يوجب فعله مكررا في أوقات ويقرنه بذكر التأبيد ~~نحو قوله صلوا أبدا ما بقيتم في كل يوم وصوموا شهر رمضان في كل سنة أبدا ما ~~حييتم إلى أن تقوم الساعة فإن هذا قد ذكرنا حكمه فيما سلف واختلاف الناس في ~~جواز نسخه وامتناعه # وبينا أن الأظهر من أمره أنه لا يجوز نسخه # وأما القسم الخامس وهو أن يكون وروده بلفظ تناول أدنى الجمع حقيقة ويحتمل ~~أكثر منه ويقتضي فعله مكررا في أوقات مستقبلة من غير أن يكون مؤقتا ولا ~~مقرونا بذكر التأبيد فإن هذا هو الذي يجوز نسخه بعد التمكن من فعله على ~~أدنى ما يتناوله لفظه سواء فعله المأمور به أو لم يفعله # وأقسام النهي فيما يجوز نسخه وما لا يجوز على هذا النحو الذي ذكرناه في ~~الأمر إلا في وجه واحد وهو أن قوله صل وصم ونحو ذلك إنما يقتضي فعله مرة ~~واحدة إذا لم تقم الدلالة على أن المراد فعله مكررا فمتى فعله لم يلزمه شيء ~~آخر بالأمر فلم يصح معنى النسخ فيه قبل فعله ولا بعد فعله PageV02P230 # وأما النهي فإنه إذا قال لا تصم أو لا تصل ففعل المنهي عنه لم ms275 يسقط عنه ~~حكم النهي فيما يستقبل ويكون في توهمنا وتقديرنا بقاء حكم النهي ما لم يرد ~~النسخ فيصح ورود النسخ فيه فأما في سائر الوجوه التي ذكرناها فهو والأمر ~~سواء على ما بينا $ فصل في الدلالة على امتناع جواز نسخ الأمر قبل مجيء ~~وقته # الدلالة على امتناع جواز ذلك أن إطلاق لفظ الأمر يقتضي لزوم فعله في ~~الوقت الذي علق به وقد علمنا أن الله عز وجل لا يأمر إلا بحسن ولا ينهى إلا ~~عن قبيح فكل ما أمر الله به فقد دل بأمره به على حسنه وعلى قبح تركه وكل ما ~~نهى عنه فقد دل على قبحه بنهيه فجرى ذلك مجرى الإخبار فيه فيكون المأمور به ~~حسنا ويكون تركه قبيحا وإذا صح هذا لم يجز أن ينهى عما ورد الأمر به مما ~~هذا وصفه لأنه لو نهى عنه لكان نهيه دلالة منه على قبحه وعلى حسن تركه وكان ~~ذلك بمنزلة الإخبار PageV02P231 منه بكونه قبيحا إذا وقع من فاعله وغير ~~جائز أن يدل على فعل شيء في وقت بعينه أنه حسن ثم يدل عليه أيضا أنه قبيح ~~من الوجه الذي دل عليه حسنه لأن هذا يقضي تناقض دلالته وتنافيها تعالى الله ~~عن ذلك # وكما لا يجوز أن يخبرنا عنه بأنه حسن ويخبر عنه أيضا بأنه قبيح فكذلك لا ~~يجوز أن يتناوله الأمر والنهي على هذا الوجه لما قدمنا أن الأمر والنهي ~~يجريان مجرى الإخبار في باب الدلالة على الحسن أو القبيح # فإن قال قائل ما أنكرت أن يكون المأمور به فيما ذكرت غير المنهي عنه وإن ~~كان معينا بوقت محصور # قيل له هذا محال لأنه قد دل بالأمر على أنه متى أوقع هذا الفعل في ذلك ~~الوقت على الوجه المأمور به وقع حسنا والنسخ إذا ورد فإنما تناول ذلك الفعل ~~بعينه لا فعلا غيره لأنه لم يكن هناك فعل غير ما تعلق حكمه بالأمر فيتناوله ~~النسخ على أنه إن كان النهي الذي وقع به النسخ لم يتناول ذلك المأمور به ms276 ~~بعينه فواجب أن يبقى وجوب فعله بعد النهي على حسب اقتضائه الأمر بدءا وهذا ~~يدل على أن هذا السائل لم يحصل معنى ما قال # دليل آخر وهو أنه معلوم أن ما أمر الله به فقد أراد منا فعله وما نهانا ~~عنه فقد كره منا فعله لأنه لو جاز ألا يكون مريدا لما أمر به لجاز أن يكون ~~مريدا بضده ولو جاز ذلك لما كان المأمور مطيعا بفعل ما أمر به لأنه إنما ~~يكون مطيعا له بفعل ما أراده منه وكان لا يكون عاصيا بفعل ما نهاه عنه لأنه ~~قد أراده منه فكان يجب أن يكون مرتكب النهي مطيعا لله PageV02P232 تعالى ~~لأنه فعل ما أراده منه وهذا يوجب سقوط معنى الأمر والنهي ويجعل ورودهما ~~عبثا وسفها فإذا صح هذا ثم ورد الأمر مقتضيا لإرادة الفعل لم يجز أن يكرهه ~~منه بعد ذلك من الوجه الذي أراده منه وفي النهي عنه بعد الأمر به كراهة ~~لذلك الفعل بعينه من الوجه الذي أراده وهذا هو البداء الذي هو منفي عن الله ~~تعالى لأنه لا يكرهه بعد إرادته له إلا وقد استحدث علما لم يكن علمه وقت ~~إرادته أو أن يكون الأمر عبثا وسفها في الابتداء والوجهان جميعا منفيان عن ~~الله عز وجل وليس يمتنع أن يراد الفعل من وجه ويكره من وجه آخر فتتعلق ~~الإرادة والكراهة به من وجهين مختلفين فأما من وجه واحد فلا # وتعلق الإرادة والكراهة من وجهين أن يريد الفعل عبادة لله ويكرهه عبادة ~~للشيطان ومن وجه واحد أن يريده منه عبادة لله تعالى ويكرهه عبادة لله تعالى ~~وهذا هو حقيقة النسخ قبل مجيء وقت الفعل الذي أجازه مخالفونا في ذلك وذلك ~~غير جائز على الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ومن الناس من يأبى جواز ~~تعلق الحظر والإباحة لفعل واحد من وجهين مختلفين ويزعم أن الفعل الذي تعلقت ~~الإباحة به غير الفعل الذي تعلق به الحظر وأي الوجهين صح منهما فلا يتعلق ~~به لجواز النسخ قبل مجيء الفعل ms277 لما بينا # ودليل آخر وهو أن النسخ إنما يجوز وروده على وجه يجوز شرطه مع الأمر به ~~في خطاب واحد مثل أن يقول صلوا إلى وقت كذا إلى بيت المقدس ثم صلوا بعد ذلك ~~إلى الكعبة PageV02P233 # وما لا يجوز شرطه مع لفظ الأمر في خطاب واحد لم يصح ورود النسخ به وما ~~ذكرنا وصفه من نسخ الأمر قبل مجيء وقت الفعل هو من هذا القبيل ألا ترى أنه ~~لا يجوز أن يقول قد فرضت عليكم الظهر ونهيتكم عنه بعينه فلما لم يجز أن ~~يكون النهي مذكورا مع لفظ الأمر يصح أن يريده الله عز وجل ولا يتعبد بالنهي ~~عنه بعده ألا ترى أن سائر ما يجوز نسخه إنما يجوز على وجه لو ذكر مع لفظ ~~الأمر بدءا لم يتناقض وأنه لا يجوز أن يريد بما لو ذكر مع لفظ الأمر تناقض ~~الكلام واستحال فدل على صحة ما ذكرنا من امتناع جواز نسخ ما هذه صفته # فإن قال قائل ما أنكرت أن يجوز ورود النسخ فيما كان هذا وصفه إذا كان لفظ ~~الأمر مطلقا وإن لم يجر ذكر النهي عنه مع لفظ الأمر بأن يكون الأمر معلقا ~~بعدم ورود النسخ فيصير تقديره افعلوا إن لم أنسخه عنكم # قيل له فهذا هو المستنكر الذي لا يجوز شرطه في لفظ الأمر لأنه يصير في ~~معنى قوله قد أمرتكم به إن لم أنهكم عنه وقد أردته منكم ان لم أكرهه ولا ~~يجوز شرط ذلك في الأمر فكذلك قوله افعلوه إن لم أنسخه عنكم إذا كان يقتضي ~~ذلك لم يجز أن يشرطه مع الأمر # وعلى أن قائل هذا لا يخلو من أن يقول بان الأمر يقتضي فعل المأمور به في ~~الوقت المعين على جهة الإيجاب أو الندب على حسب اختلاف الناس فيه أو أن ~~يقول إن صيغة الأمر لا تقتضي شيئا من ذلك وإنما يكون حكمه في اقتضاء الفعل ~~المأمور موقوفا على دلالة غير اللفظ فإن كان ممن يأبى القول باقتضاء ورود ~~الأمر فعل المأمور ms278 به وهو أن يقول إنه موقوف على الدليل فإن الأمر مع ذلك ~~في صيغته وحيال وروده ليس بالإيجاب PageV02P234 أولى منه بالنهي حتى إذا ~~ورد النهى علمت أنه لم يرد الأمر الإيجاب فهذا قول مردود خارج عن أقاويل ~~الأمة إذ ليس أحد منهم يجوز أن يكون المراد بالأمر النهي وإن كان ممن يقول ~~إن الأمر يقتضي إيقاع الفعل على أحد الوجوه التي اختلف الناس فيه فغير جائز ~~أن يكون معلقا بشرط ألا ينسخ لأن اللفظ قد اقتضى إيقاعه على جهة الإيجاب أو ~~الندب فلا يجوز أن يجعل معلقا بشرط ولا مقيدا بوصف غير مذكور في اللفظ كما ~~يقول في ألفاظ العموم والحقائق أنها متى وردت مطلقة كانت مقتضية لأحكامها ~~الموضوعة لها في أصل اللغة ولزمنا بها اعتقاد موجب صيغتها ثم غير جائز أن ~~ترد بعد أن استقر حكمها على ما اقتضته صورتها بحصول الفراغ فيها غير مقيد ~~بشرط ولا وصف أن المراد بها غير ما اقتضته حقيقة لفظها فكذلك الأمر إذا ورد ~~مطلقا مقتضيا لفعل المأمور به في الوقت المذكور فغير جائز أن يجعل مقيدا ~~بشرط ألا ينسخ وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل إنما هو كلام في نفي إثبات ~~الشرط في الأمر المطلق العاري من الشرط على حسب ما ذكره السائل وسنتكلم بعد ~~هذا في أنه لا يجوز ورود الأمر مقيدا بهذا الشرط # فإن قال قائل أليس لو قال الله تعالى لنا صلوا الظهر في مستقبل أعماركم ~~أو صوموا شهر رمضان في مستقبل السنين كان الواجب علينا اعتقاد وجوبه في ~~مستقبل الأوقات مكررا ثم جائز مع ذلك عندك ورود نسخه بعد التمكين من فعل ~~أدنى ما يقتضيه اللفظ فلم أنكرت أن يجوز ورود النسخ فيه قبل مجيء وقته ~~والتمكن من فعل شيء منه كما أجزت وروده فيما يستقبل من فعل الصلاة والصوم ~~على الوجه الذي بيناه # قيل له ليس هذا مما ذكرناه في شيء وذلك لأن ورود الأمر على هذه الصفة ~~مقارن لجواز نسخه بعد التمكين من أدنى فعل ما ms279 تناوله اللفظ ما دام النسخ ~~قائما ببقاء النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ورد النسخ علمنا أن الفرض كان ~~المقدار الذي وقع التمكين منه إلى وقت PageV02P235 النسخ وأن ما بعد الوقت ~~لم يكن مرادا بالأمر وليس كذلك مسألتنا لأنه إذا قال لنا صلوا إذا زالت ~~الشمس من هذا اليوم لزمنا اعتقاد وجوبها في الوقت المذكور من غير تجويز ~~لغيره فمتى ورد نسخه كان نهيا عن المأمور بعينه وقد بينا فساده # فإن قيل فهلا أجزت ورود الأمر معقودا بشرط فعله في وقت إن لم ينه عنه ولم ~~ينسخه فيقول صلوا عند الزوال إن لم أنسخه عنكم # قيل له هذا لا يجوز لأنه يصير بمنزلة قوله قد أردته منكم إن لم أكرهه ~~وكقوله هو حسن في ذلك الوقت إن لم يكن قبيحا وكقوله خبري هذا صدق إن لم يكن ~~كذبا تعالى الله عن ذلك وكقوله قد أمرتكم به إن لم يبد لي في ذلك الأمر ~~وهذا لا يقوله إلا جاهل بالعواقب وبقبح الأمر أو بحسنه لأن الأمر بالشيء ~~ليس هو الموجب لحسن المأمور به ولا النهي عنه موجبا لقبحه وإنما يدلان إذا ~~وردا من الله تعالى على حسنه أو قبحه لأنه الله تعالى عالم بحسن المأمور به ~~قبل الأمر به وعالم بقبحه قبل النهي عنه فغير جائز منه جواز شرط النهي فيما ~~علم حسنه ولا يجوز شرط الأمر فيما علم قبحه # فإن قال أليس جائز فيما بيننا أن يقول الرجل لعبده ادخل الدار غدا ما لم ~~أنهك عنه ولا يكون هذا مستنكرا عند العقلاء فما أنكرت من تجويز مثله في ~~أوامر الله تعالى # قيل له إنما يجوز هذا فيما بيننا لجواز البداء علينا والتنقل في الرأي ~~واستحداث العلم بالأمر فجاز أن يقول الواحد منا لعبده افعل غدا كذا ما لم ~~أنهك عنه كما يجوز أن يقول افعله إن لم بيد لي فيه والله تعالى لا يجوز ~~عليه البدءات ولا استحداث العلم PageV02P236 بالأمور فلذلك امتنع جواز شرط ~~ذلك في أوامره ألا ترى أن ms280 من قال مثل ذلك منا لعبده عقلنا من لفظه أنه إنما ~~جوز على نفسه انتقاله عن الرأي الأول إلى غيره لما عسى أن يبدو له في ~~المستأنف وأن سيحدث علما لم يكن علمه في الأول فلما كان كذلك وجب ألا يجوز ~~مثله على الله تعالى كما لا يجوز عليه البداء واستحداث العلم بالأمور # فإن قال قد أجزت فيما سلف من الأبواب المتقدمة ورود الأمر من الله تعالى ~~معلقا بشرط التمكين منه مثل أن يقول صل إذا زالت الشمس إن كنت صحيحا في ذلك ~~الوقت وقاتل المشركين غدا إن أمكنك وإن كان في المعلوم أنه لا يبلغ حال ~~التمكين ولا يمنع ذلك عندك صحة الأمر معلقا بهذه الشريطة فهلا جوزت أن يقول ~~صل عند الزوال إن لم أنهك عنه # قيل له ما قدمنا من علة كل واحد من المثلين في الجواز أو الإمتناع هو ~~الموجب للفصل بينهما وهو أنه لا يصح أن يقول قد أردته منك إن لم أكرهه وأن ~~أمري إياك حسن إن لم يك قبيحا وإن هذا القول منه يقتضي تجويز البداء وهذه ~~الصفة منفية وليس في قوله صل إن قدرت عليه اقتضاء صفة حكمها أن تكون منفية ~~عن الله تعالى فلم يمتنع وروده على هذه الشريطة # ومن جهة أخرى أن شرط صحة الأمر وكونه حسنا وجود التمكين في حال لزوم فعله ~~فلا يمتنع وروده مقرونا بهذه الشريطة وإن كان في المعلوم أنه لا يبلغ حال ~~التمكين # ويدل على هذا أيضا أنه يصح أن يأمر الله تعالى بفعل يفعله في الثاني مع ~~عمله بأنه يفعل في الثاني ما يضاد فعل المأمور به ومعلوم امتناع وقوع الفعل ~~منه في حال وجود ضده كما أنه معلوم امتناع وقوعه منه مع عدم التمكين منه ثم ~~لم يمتنع ورود الأمر PageV02P237 بفعل في وقت معين لأجل ما في المعلوم من ~~وقوع ضده منه في تلك الحال بدلا منه ولم يكن هذا عبثا ولا سفها كذلك الأمر ~~المعلق بشرط التمكين أمر صحيح وإن كان في ms281 معلوم الله تعالى إن المأمور لا ~~يبلغ حال التمكين ومن منع حسن الأمر على شرط التمكين إذا كان في المعلوم ~~إنه لا يتمكن منه فإنما منع ذلك من جهة أن الأمر إذا كان عالما بذلك كان ~~أمره به عبثا كأمره لنا بصعود السماء ونحوه # وفرق بين أوامر الله تعالى وأوامرنا لعبيدنا ومن يلزمه طاعتنا في جوازه ~~معلقا بشرط التمكين منه لأن الأمر منا يجوز في مثله بلوغ المأمور حال ~~التمكين ولو كان وجوده من المأمور فيما بيننا ميؤسا منه لما كان الأمر به ~~حسنا # قال وكذلك إذا كان في معلوم الله تعالى أن المكلف لا يبلغ حال التمكين لم ~~يصح أمره # والجواب عن هذا إن هذا إنما جاز وروده من الله تعالى مقرونا بهذه الشريطة ~~فيما يجوز فيه بلوغ حال التمكين وإن كان في معلوم الله إنا لا نبلغها لأنا ~~متى جوزنا ذلك لزمنا بوروده إعتقاد وجوبه على الشريطة المذكورة فيه ~~ويلزمناها توطين النفس عليه وتسهيله عليها إن بلغنا حال التمكين وهذه عبادة ~~يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بها ويلزمنا ها في الحال # وليس هذا بمنزلة الأمر بصعود السماء بشرط الإمكان لأنا قد تيقنا أنا لا ~~نبلغ حال التمكين منه أبدا ولا يصح مع ذلك اعتقاد جواز بلوغ حال الإمكان ~~وتوطين النفس على الفعل إذا بلغناها فإذا لم يتعلق بهذا الأمر وجوب الفعل ~~ولا إعتقاد شيء تصح العبادة به PageV02P238 كان عبثا فلم يصح أن يفعله الله ~~تعالى # فإن قال ما أنكرت على هذا أن يجوز ورود الأمر معقودا بشريطة أن يقول ~~افعلوا مالم أنسخه عنكم قبل مجيء وقت الفعل وأن تكون العبادة علينا فيه ~~اعتقاد وجوبه إن لم ينسخه # قيل له لا يخلو من أن يلزمه اعتقاد وجوبه بورود الأمر أو أن يلزمه اعتقاد ~~وجوبه إن كان واجبا أو اعتقاد حظره إن كان محظورا فيعتقد أحدهما بغير عينه ~~أو يعتقد أنه واجب عليه إن لم ينهه عنه # فإن قلنا أنه يلزمه بورود الأمر المعقود بشريطة أن لا ينهي عنه اعتقاد ms282 ~~وجوبه فهذا الإعتقاد ليس هو مما يقتضيه لفظ الأمر المقيد بالشرط على الوصف ~~الذي ذكرت بل هو مقتضى اعتقاد الأمر المبهم الذي لا شرط فيه فيؤدي هذا إلى ~~إسقاط فائدة الشرط # وقد دللنا على فساد القول بجواز نسخ الأمر المبهم العاري من الشرط إذا ~~تناول وقتا محصورا وأيضا فإن كونه معقودا بشريطة أن لا ينهي عنه يمنع وقوع ~~العلم بوجوبه لأنه ليس اعتقاد وجوب فعله عند مجيء وقته بأولى من اعتقاد ~~وجوب تركه فلو لزمنا بورود الأمر الذي هذه صفته اعتقاد وجوبه كان في ذلك ~~إيجاب اعتقاد ما ليس بواجب وهذا أمر باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به وجواز ~~الأمر بمثله منتف عن الله تعالى فبطل هذا القسم بما وصفنا فإن كان إنما ~~يلزمه بورود الأمر الذي هذا وصفه اعتقاد وجوبه إن PageV02P239 كان واجبا أو ~~حظره إن كان محظورا على وجه الشك فهذا لم يحصل بعد على اعتقاد شيء لا حظر ~~ولا إيجاب وهذا يؤدي إلى سقوطه رأسا لأن حاله بعد ورود الأمر كهي قبل وروده ~~لأنه قد كان يعتقد قبل ورود الأمر أن ما يوجه الله تعالى عليه في المستأنف ~~فهو واجب وأن ما يحظره فهو محظور فيؤدي هذا القول إلى إسقاط فائدة الأمر ~~رأسا فبطل هذا القسم أيضا # فإن قلنا إنه يعتقد أنه واجد عليه إن لم ينهه عنه لم يصح هذا لأنه لا يصح ~~مجيء العبادة به كما لا يجوز أن يقول قد أردته منك إن لم اكرهه وهو حسن إن ~~لم يكن قبيحا وأن هذا الخبر صدق إن لم يكن كذبا فلما لم يجز ورود الخطاب من ~~الله تعالى بذلك لم يجز أن يعتقد في خطابه مالا يجوز عليه فلما لم يكن ~~للاعتقاد في الأمر الذي وصفه ما ذكرت وجه غير ما وصفنا ولم يصح شيء منها ~~لما بينا ثبت إمتناع جواز وروده على هذه الشريطة # فإن قال ما أنكرت أن يجوز ورود الأمر على هذه الشريطة # فنقول قد أمرتك به إن لم أنسخه ويكون ms283 الذي يلزمنا بورود الأمر الذي هذه ~~صورته أن هذا الخطاب قد تعلق به حكم مجمل يرد بيانه في الثاني من حظر أو ~~إباحة ويكون بيان حكمه مترقبا بمجيء وقت الفعل فإن حظره علمنا أن المراد ~~بالخطاب المتقدم كان الحظر وإن لم ينسخه علمنا أن المراد به كان الإيجاب ~~كما نقول في سائر الألفاظ المجملة التي لا سبيل إلى استعمالها إلا بورود ~~بيانها ولا يؤدي إلى إبطال فائدة الأمر كما لا يكون اللفظ المجمل عاريا من ~~الفائدة لوروده مجملا # PageV02P240 # قيل له هذا فاسد من وجهين أحدهما أن قوله صل ركعتين عند زوال الشمس أو ~~تصدق بدرهم غدا ليس بمجمل من حيث اقتضى وجوب الفعل في الوقت المذكور له فقد ~~ألزمنا بوروده اعتقاد وجوبه فلو جاز أن يقرن به قوله افعل ما لم أنسخه لما ~~كان ذلك مؤثرا في نفس الأمر أنه مقتضى الإيجاب إلا أنه شرط جواز رفعه وقد ~~بينا أن ذلك لا يجوز # وأما المجمل فمن حيث لم يلزمنا فيه اعتقاد شيء بعينه جاز أن يكون حكمه ~~موقوفا على البيان فما ورد فيه من بيان الحكم علمنا أنه كان المراد بالجملة # والوجه الآخر أن النهي لو ورد بعد ذلك لم يجز أن يكون لفظ الأمر عبارة ~~عنه # فقولك إن لفظ الأمر المقرون بجواز شرط النهي موقوف على ورود البيان خطأ ~~لأن النسخ لو صح لما كان الأمر باقيا بل يكون مرفوعا زائلا فكيف يكون ما ~~يوجب دفعه وإسقاطه بيانا له وهو يوجب أيضا أن يكون لفظ الأمر موضوعا للنهي ~~ولفظ الإيجاب موضوعا للحظر في هذا الموضع وهذا خلف من القول # وأما ورود بيان المجمل فغير مزيل لحكم اللفظ لأن لفظ الجملة قد كان يصلح ~~له ويصح أن يكون عبارة عنه إما في اللغة أو الشرع فلم يكن بيانه منافيا ~~لحكم الجملة # وقد احتج من أجاز نسخ الحكم قبل مجيء وقته بما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرض عليه وعلى أمته ليلة أسري به إلى السماء خمسون صلاة فما ms284 زال ~~يسأل الله حتى ردها إلى خمس # قالوا فقد نسخ فرض الخمسين إلى الخمس قبل مجيء وقت الفعل # وبأمر الله تعالى إبراهيم بذبح ابنه وأنه نسخ قبل مجيء وقت الفعل وبصلح ~~النبي صلى الله عليه وسلم قريشا على أنه يرد عليهم من جاءه منهم مسلما ثم ~~نسخ ذلك عن النساء قبل PageV02P241 مجيئهن إليه وقوله تعالى @QB@ إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة @QE@ @QB@ فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم @QE@ فأخبر أنه نسخه قبل مجيء وقت فعله # والجواب عن ذلك أن ما روى من فرض الخمسين صلاة يجوز أن يكون ورد في ~~الابتداء معقودا بشرط اختيار النبي عليه السلام لذلك كما قال تعالى @QB@ ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم @QE@ قال ابن عباس فجعل النبي ~~عليه السلام بما على النظرين في ذلك ليس يمتنع عندنا تعلق الفرض بإختيار ~~المأمور به كاختلاف حكم صلاة السفر والحضر باختياره السفر والإقامة وكما ~~يلزمنا القرب بالنذر وإيجابنا لها على أنفسنا وكما يكون الحانث في يمنيه ~~مخيرا في أن يكفر يمينه بواحدة من الأشياء الثلاثة وبأيها كفر تعين حكم ~~الفرض به دون غيره # فإن قيل لا يجوز أن يكون إيجاب الفرض موكولا إلى اختيار أحد من المأمورين ~~لأن الفروض والأوامر إنما هي حسب المصالح ولا علم لأحد غير الله تعالى ~~بمصالح العباد # قيل له ليس يمتنع عندنا أن يكون في معلوم الله تعالى أن هذه الأشياء ~~متساوية من جهة الصلاح فإذا خير النبي عليه السلام في ذلك لا يختار إلا ما ~~هو صلاح فيكل وجوب الفرض إلى اختياره # وقد قال بعض أهل العلم جائز أن يكون الله عز وجل قد جعل لنبيه عليه ~~السلام أن يسن ما رأى ويفرض ما شاء باختياره من غير وحي يأتيه في ذلك الشيء ~~بعينه كما قال PageV02P242 للأقرع بن حابس لما سأله عن الحج أواجب في كل ~~عام أو حجة واحدة فقال عليه السلام بل حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت وكما ~~استثنى الإذخر عند مسألة العباس إياه ذلك حين ms285 قال لا يختلى خلاها ولا يعضد ~~شوكها فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله فقال إلا الإذخر بعدما أطلق ~~النهي في الجميع قال فهذا يدل على أنه قد كان حكم التحريم أو الإباحة معلقا ~~باختياره # وكما قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب ~~عام والثيب بالثيب الجلد والرجم فدل على أن إيجاب ذلك كان مجعولا إليه ~~وموقوفا على اختياره وليس الغرض الكلام في هذه المسألة ألا أنا بينا أن ذلك ~~غير ممتنع عند قوم من أهل العلم وإن لم يثبت عندنا صحته إذا لم يكن قوله ~~فيه من طريق الاجتهاد وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع عندنا أن نكل فرض الخمسين ~~إلى اختيار النبي صلى الله عليه وسلم المسالة فيه فما زال صلوات الله عليه ~~يسأل الله تعالى في ذلك حتى استقر الفرض على خمس # فإن قيل فإن كان الفرض في الابتداء موكولا إلى اختيار النبي عليه السلام ~~فما معنى مسألته التخفيف ومراجعته فيه # قيل له إنما قلنا إنه لا يمتنع أن يكون موكولا إلى اختيار النبي عليه ~~السلام بأن PageV02P243 يسأل الله تعالى التخفيف عن أمته فتكون مسألته سببا ~~للتخفيف كما قلنا في فرض السفر والإقامة أنه موقوف على اختيارنا للسفر أو ~~الإقامة فيختلف الفرض باختلاف الحالين اللذين هما موقوفان على اختيارنا # وقد بينا فيما سلف أن الفرض وكفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة لا جميعها ~~وأن حكم المفروض فيها متعلق باختيار المكفر حتى يتعين به الحكم إذا فعله ~~دون غيره وأما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فقد قيل فيه ~~وجوه أحدها أنه إنما أمره بذبحه في وقت بعينه على شرط التمكين منه وارتفاع ~~الموانع الحائلة بينه وبينه وقد بينا جواز ورود الأمر معقود ا بهذه الشريطة ~~فلما عالج أسباب الذبح حيل بينه وبينه بضرب من المنع # وقد قال بعض أهل العلم في التفسير ضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس ~~فلم تعمل فيها الشفرة فقيل له بعد ذلك قد صدقت الرؤيا ms286 لأنه فعل ما أمكنه ~~وبذل المجهود فيه ولم يكن عليه غيره وهذا التأويل غير مخالف لقوله تعالى ~~@QB@ إني أرى في المنام أني أذبحك @QE@ فانظر ماذا ترى لأنه جائز أن يكون ~~إنما رأى في المنام فعل أسباب الذبح ومعالجته وقد فعل وسماه ذبحا لأنه سبب ~~يقع بمثله الذبح في العادة ما لم يحدث منع كما يسمى الشيء باسم غيره إذا ~~كان مجاورا له أو كان منه بسبب # فإن قال قائل فلا معنى إذن للفدية إذا لم يكن مأمورا بالذبح لعدم التمكين ~~منه ولا يقع ما سمي فدية موقع الفدية لأن الفدية ما قام مقام الشيء ~~PageV02P244 # وما فدي به عندك لم يقم مقام شيء أمر به ثم لم يفعله إذا كان جميع ما أمر ~~به قد فعله عندك # قيل له ليس يمتنع أن يكون قد سمي فدية لما كان يتوقعه إبراهيم عليه ~~السلام من حدوث الموت بالذبح ففدي ما كان في تقديره أنه سيقع بما قدر به # وقد قيل إنه ذبحه وفرى الأوداج ثم وصلها الله في أسرع من لمح الطرف قبل ~~خروج الروح وهذا جائز غير ممتنع # وأما صلح النبي عليه السلام قريشا على ما صالحهم عليه ونسخ الحكم عن ~~النساء فلا دلالة فيه على ما ذكره لأنه قد كان مضى من وقت الحكم إلى أن نزل ~~القرآن برد النساء مدة يمكن استعمال الحكم فيها فليس في هذا نسخ الحكم قبل ~~مجيء وقته وكذلك نسخ الصدقة عند مناجاة الرسول عليه السلام وهو على هذا ~~السبيل لأنه قد كان مضى من وقت نزول الحكم إلى وقت ورود النسخ مدة يمكن ~~استعمال الحكم فيها ونسخ مثله غير ممتنع وليس هو من مسألتنا في شيء فثبت ~~بما ذكرنا امتناع جواز النسخ قبل مجيء وقت الفعل وجميع الأقسام التي ذكرنا ~~أنه لا يجوز نسخها هو في معنى ذلك # وأما القسم الذي ذكرنا جواز نسخه وهو أن يرد لفظ يقتضي ظاهره عموما في ~~جنس يوجب فعله على الدوام في مستقبل الأوقات من غير ذكر توقيت فهو ms287 من نحو ~~قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ وقوله تعالى @QB@ والذين يرمون ~~المحصنات @QE@ وما جرى مجرى PageV02P245 ذلك من ألفاظ العموم وفيما يقتضي ~~مستقبل الأوقات كقوله صوموا عاشوراء فيما يستقبل من السنين ونحو ذلك قوله ~~لبني إسرائيل تمسكوا بتحريم السبت في مستقبل الزمان فيجب على من كان مخاطبا ~~بها اعتقاد موجب لفظها وتجويز نسخها مع ذلك إذا وجد من وقت الفعل أدنى ما ~~يتناوله لفظ الأمر لأن لفظ العموم لما كان عبارة عن ثلاثة فما فوقها وذكره ~~بمستقبل الأوقات يصلح أن يكون عبارة عن قليل الأوقات وكثيرها لم يمتنع ورود ~~النسخ فيه بأن يبين تارة أن حكم بعض المشركين إلى هذه الغاية وجوب قتلهم ~~ومن الآن قبول الجزية منهم ويبين أن حكم بعض القاذفين إلى هذا الوقت الجلد ~~ومن الآن اللعان وهم قاذفو الزوجات ويبين أن صوم عاشوراء فرضه إلى وقت نزول ~~الأمر بصوم شهر رمضان وأن تحريم السبت إلى الوقت الذي نسخه على لسان نبي ~~آخر جاء بعده وسواء في ذلك فعل المأمور به أو لم يفعل فإن نسخه جائز عندنا ~~وذلك لأنه إذا وقع التمكين من الفعل فقد لزمه فرضه وتفريطه فيه لا يمنع ~~نسخه عنه كما يجوز أن يعلقه في الابتداء بوقت بعينه فإذا مضى الوقت قبل ~~فعله سقط عنه الفرض وكما يجوز أن يشرط ذلك في الابتداء فتقول له إن فعلته ~~عند وجود التمكين منه فذاك وإن تركته فأنت معاقب على تركه ولا فرض عليك ~~بعده ويدل على ذلك أيضا أن ورود النسخ جائز وإن ترك بعض المأمورين ما أمر ~~به في وقت لزومه ولولا أن ذلك كذلك لكان الرسول عليه السلام إذا أراد نسخ ~~شيء سألهم هل ترك أحد منكم فعل المأمور به حتى يصح نسخه على قول المخالف ~~ولو فعل ذلك لنقل فلما لم يسألهم عن ذلك في شيء مما نسخه بل قد روي عنه أنه ~~نسخ أشياء كثيرة من غير بحث منه عن حال PageV02P246 المأمورين في فعله أو ~~تركه دل ذلك على أنه ليس شرط جواز ms288 النسخ فعل المأمور به # وأيضا فقد اتفق الجميع على أن النهي يصح نسخه بعد التمكين من تركه وإن ~~ارتكب المنهي فعله ولم يكن ارتكابه للفعل المنهي عنه مانعا من نسخه كذلك ~~تركه لفعل المأمور به لا يمنع جواز نسخه PageV02P247 PageV02P248 ~~PageV02P249 PageV02P250 & باب في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم # اختلف الناس في نسخ رسم القرآن وتلاوته مع بقاء حكمه # فقال قوم لا يكون رفع حكمه إلا برفع رسمه وتلاوته فيرتفع الحكم بارتفاعها # وقال آخرون يجوز رفع أحدهما مع بقاء الآخر أيهما كان من تلاوة أو حكم # وقالت طائفة لا يجوز نسخ القرآن وتلاوته ولكن يجوز نسخ الحكم مع بقاء ~~التلاوة # قال أبو بكر رحمه الله أما جواز نسخ الحكم فلا خلاف فيه بين الأمة إلا ~~فرقة شذت عنها وقد حكينا فيما تقدم قولها # وأما نسخ الرسم والتلاوة فإنما يكون بأن ينسيهم الله تعالى إياه ويرفعه ~~من أوهامهم أو يأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على ~~الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله تعالى @QB@ إن ~~هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى @QE@ ولا نعرف اليوم منها شيئا ثم ~~لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا توفي لا ~~يكون متلوا من القرآن أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ثم ينسيه الله الناس ~~ويرفعه من أوهامهم # وغير جائز عندنا نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~رسمه ولا حكمه ولا خلاف بين الأمة أن نسخ القرآن وسائر الأحكام لا يكون بعد ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم إلا قوم ملحدة يستهزئون بإظهار الإسلام ~~ويقصدون إفساد الشريعة بتجويز نسخ الأحكام بعد موت النبي عليه السلام # وأما نسخ رسم القرآن دون حكمه في حياة النبي عليه السلام فإن في مذهب ~~أصحابنا ما يدل على تجويزهم نسخ التلاوة قبل وفاة النبي عليه السلام مع ~~بقاء الحكم وأما بعد وفاته عليه السلام فغير جائز PageV02P251 # والذي يدل على مذهب أصحابنا على ما ms289 ذكرنا إيجابهم التتابع في صوم كفارة ~~اليمين لما ذكروا أن في حرف عبد الله بن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات ~~ومعلوم أن ذلك ليس في القرآن اليوم ولا يجوز تلاوته فيه ولا القطع بأنه منه ~~وقد كان حرف عبد الله مستفيضا عندهم في ذلك العصر # ومعلوم أن النسخ غير جائز وقوعه بعد موت النبي عليه السلام لأنه لو جاز ~~بعد موته لم نأمن من أن تكون الشريعة كانت عند وفاة النبي عليه السلام ~~أضعاف ما في أيدينا اليوم فرفعها الله من أوهام الأمة ولو جاز ذلك لجاز ألا ~~يكون شيء مما في أيدينا من الشريعة مما كان موجودا في عصر النبي عليه ~~السلام بأن يكون أنسى الأمة جميع ما أتى به النبي عليه السلام ورفعه من ~~أوهامهم ثم ألف بين قلوبهم وألهمهم هذه الشريعة التي في أيدينا اليوم # وفي القول بهذا المصحف خروج عن الملة فثبت امتناع جواز النسخ بعد وفاة ~~النبي عليه السلام وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ما ذكروه من شرط التتابع في ~~كفارة اليمين في حرف عبد الله بن مسعود منسوخ التلاوة في حياة النبي عليه ~~السلام بأن يكون قد أمروا بألا يقرءوه من القرآن ولا يكتبوه في الصحف فلذلك ~~لم ينقل إلينا من الطريق التي نقل القرآن ويكون معنى قولهم أنه في حرف عبد ~~الله أن ذلك كان من القرآن في حرف عبد الله ثم نسخت التلاوة وبقي الحكم ~~لأنه لو كان المراد أنه ثابت في حرف عبد الله بعد وفاة الرسول عليه السلام ~~لما جاز أن يكون نقله إلينا إلا من الوجه الذي نقل إلينا منه سائر القرآن ~~وهو التواتر والاستفاضة حتى لا يشك أحد في كونه منه فلما لم يرد نقله على ~~هذا الوجه دل ذلك على أن مرادهم أنه مما كان في حرف عبد الله وأن تلاوته ~~منسوخة PageV02P252 # فإن قال قائل فإذا لم ينقل ذلك إلينا إلا من طريق الأحاديث فلا يثبت حكمه ~~ولا يعترض به على حكم القرآن لأن من أصلك ms290 أن الزيادة في نص القرآن لا يجوز ~~إلا بمثل ما يجوز به النسخ # قيل له قد كان هذا الحكم مستفيضا عندهم أنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا ~~الحكم بالاستفاضة وبقاء تلاوته غير ثابت بالاستفاضة لأنه جائز بقاء الحكم ~~مع نسخ التلاوة فلذلك لم نثبته متلوا فيه # فإن قال قائل فإن كان الحكم ثابتا بالاستفاضة فأثبت التلاوة بمثلها لأنه ~~الوجه الذي منه نقل الرسم # قيل له لا يجب ذلك لأن التلاوة لما لم يبق حكمها اليوم من جهة نقل ~~الاستفاضة إذا لم تثبت في سائر المصاحف علمنا إنها منسوخة وليس في ترك ~~تلاوتها ما يوجب نسخ حكمها إذ لا يمتنع بقاء أحدهما مع عدم الآخر # فأما نسخ التلاوة والحكم جميعا فجائز أيضا عندنا في زمان النبي عليه ~~السلام # ويجوز عندنا أيضا نسخ الأخبار دون مخبرها في حياته عليه السلام على ما ~~بينا فيما سلف ولا يجوز ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وذلك لأن العبادة ~~تتعلق بنا لورود رسم القرآن من وجهين # أحدهما التلاوة والآخر الحكم فليس يمتنع زوال العبادة بالأمرين جميعا ~~PageV02P253 # أما نسخ الحكم فبأن يتعبد بضده # وأما نسخ التلاوة فبأن ينسيه النبي عليه السلام ومن كان حفظ من الأمة في ~~عصره ويرفعه من أوهامهم أو يأمرهم بألا يثبتوه في المصحف ولا يتلوه فينسى ~~على مر الأوقات قبل وفاة النبي عليه السلام # وقد روي أن نسخه بالنسيان قد كان في زمان النبي عليه السلام وأن بعضهم ~~أنسي سورة قد كان حفظها فسأل النبي عليه السلام عن ذلك فقال عليه السلام ~~إنها نسخت وروي أن النبي عليه السلام قرأ في صلاة سورة فترك آية منها فقال ~~له رجل تركت آية كذا فقال ألا أذكرتنيها فقال الرجل ظننت أنها نسخت @QB@ ~~ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك @QE@ # و قال تعالى @QB@ سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ # وروي في التفسير أو ننسها من النسيان وروي أنه من الترك بألا ms291 ينسخها وأقل ~~أحوال الآية إذا كانت محتملة للنسيان تجويز ما وصفنا فيها # وأما ما طعن به بعض أهل الإلحاد ممن ينتحل دين الإسلام وليس منه في شيء ~~ثم كشف قناعه وأبدى ما كان يضمره من إلحاده بأن القرآن مدخول فاسد النظام ~~لسقوط كثير منه # ويحتج فيه بما روي أن عمر رضي الله عنه قال إن آية الرجم في كتاب الله ~~تعالى PageV02P254 وسيجيء أقوام يكذبون بالرجم وأنه كان فيه إذا زنى الشيخ ~~والشيخة فارجموهما البتة وأن أبي بن كعب قال أن سورة الأحزاب كانت توازي ~~البقرة أو هي أطول وأنه كان فيها آية الرجم وأنه كان فيها لو أن لابن آدم ~~واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب ~~الله على من تاب PageV02P255 # وأنه روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقرأ لا ترغبوا عن ~~آبائكم فإنه كفر بكم # وروي عن أنس أنهم كانوا يقرءون بلغوا قوما عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ~~وأرضانا ونحو ذلك مما يروى أنه كان في القرآن فإنه لا مطعن لملحد فيه لأن ~~هذه الأخبار ورودها من طريق الآحاد فغير جائز إثبات القرآن بها ثم لا يخلو ~~من أن تكون صحيحة في الأصل ثابتة على ما روي فيها أو سقيمة مدخولة فإن كانت ~~مدخولة فالكلام عنا فيها ساقط وإن كانت صحيحة في الأصل لم يخل من أحد وجهين # إما أن تكون محتملة أن يكون المراد بها أنها من القرآن ومحتملة لغيره أو ~~لا تحتمل إلا كونها من القرآن فما لم يحتمل منها إلا أن يكون قد كانت من ~~القرآن فهو من الخبر الذي قلنا إنه منسوخ التلاوة والرسم في زمان النبي ~~عليه السلام وما احتمل منها لفظه وجهين أحدهما أن يكون مراده أنه آية من ~~القرآن واحتمل أن يكون المراد آية من حكم الله ومما أنزله الله وإن لم يكن ~~من القرآن فليس القطع فيه بأحد وجهي الاحتمال بأولى من الآخر فالكلام فيه ~~عنا ساقط وعلى أي ms292 الوجهين حمل فلا اعتراض فيه لملحد لأنه إن حمل على أنه ~~كان من القرآن فهو من القبيل الذي هو منسوخ PageV02P256 التلاوة وعلى أن كل ~~خبر ذكر في سياقه لفظه فليس في ظاهره دلالة على المراد به أنه كان من ~~القرآن مثل خبر عمر رضي الله عنه فإن لفظه يحتمل معنيين ولا دلالة فيه على ~~أن المراد به أنه كان من القرآن لأنه قال إن الرجم في كتاب الله قرأناه ~~ووعيناه فهذا يحتمل أن يكون مراده أنه في فرض الله كما قال تعالى @QB@ كتاب ~~الله عليكم @QE@ يعني فرضه وكقوله تعالى @QB@ وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله @QE@ يعني في فرضه وكقوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام ~~@QE@ أي فرض عليكم @QB@ كتب عليكم القتال @QE@ يعني فرض عليكم وإذا كان ذلك ~~كذلك لم يثبت أن مراده أنه كان من القرآن فنسخت تلاوته لأن ذلك لا يعلم إلا ~~باستفاضة النقل في لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا # ويدل على أن مراده كان ما وصفنا أنه قال لولا أن يقول الناس زاد عمر في ~~كتاب الله لكتبته في المصحف فلو كان عنده آية من القرآن لكتبه فيه قال ~~الناس ذلك أو لم يقولوه فهذا يدل على أنه لم يرد بقوله إن الرجم في كتاب ~~الله أنه من القرآن وروي عنه أنه قال إن الرجم مما أنزل الله وسيجيء قوم ~~يكذبون به وهذا اللفظ أيضا لا دلالة فيه على أنه أراد به أنه من القرآن لأن ~~فيما أنزل الله تعالى قرآنا وغير قرآن قال الله تعالى في وصف الرسول عليه ~~السلام @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ وروي في ~~PageV02P257 بعض ألفاظ هذا الحديث أنه قال إن مما أنزل الله آية الرجم وهذا ~~اللفظ لو ثبت لم يدل أيضا على أن مراده أنه كان من القرآن لأن ما يطلق عليه ~~اسم الآية لا يختص بالقرآن دون غيره قال تعالى @QB@ ومن آياته خلق السماوات ~~والأرض @QE@ ثم قال تعالى @QB@ إن في ذلك لآيات @QE@ فسمى الدلالة القائمة ~~مما ms293 خلق على توحيده آية فليس يمتنع أن يذكر آية الرجم وهو يعني أن ما يوجب ~~الرجم أنزله الله على رسوله عليه السلام بوحي من عنده وأيضا فإنه يحتمل أن ~~يكون أصل الخبر ما ذكر فيه أن مما أنزل الله الرجم ثم كان تغيير الألفاظ ~~فيه من جهة الرواة فعبر كل منهم بما كان عنده أنه هو المراد لأن من الرواة ~~من يرى نقل المعنى عنده دون اللفظ فظن بعض الرواة أنه إذا قال إنه مما أنزل ~~الله فقد قال إنه من القرآن وإنه آية منه فعبر عنه بذلك # فإن قيل فلو لم يكن عنده من القرآن كيف كان يجوز له أن يقول لولا أن يقول ~~الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف وكيف يجوز أن يكتب في المصحف ~~ما ليس منه # قيل له يجوز أن يكون مراده أنه كان يكتبه في آخر المصحف ويبين مع ذلك أنه ~~ليس من القرآن ليتصل نقله ويتواتر الخبر به كما يتصل نقل القرآن لئلا يشك ~~فيه شاك ولا يجحده PageV02P258 جاحد فقال لولا أن يظن ظان أنه من القرآن أو ~~يقول قائل إن عمر زاد في القرآن لكتبته في المصحف # ويدل عليه ما روى ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما أنه قال لقد هممت أن ~~أكتب في المصحف شهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رجم ورجمنا بعده وسيجيء قوم يكذبون بالرجم وبالشفاعة وبقوم ~~يخرجون من النار فبين بهذا الحديث أن مراده كان إشاعته وإظهاره ليستفيض ~~نقله لا أنه من القرآن وذلك لأنه كان سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~سيجيء قوم يكذبون بذلك لأنه غير جائز أن يكون قوله سيجيء قوم يكذبون بالرجم ~~من قبل نفسه من غير توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم له لأن ذلك لا يعلم ~~إلا بطريق الوحي # وأما حديث أبي بن كعب فإن ثبت وصح فهو من المنسوخ التلاوة لا محالة وما ~~روي عن أبي بكر ms294 الصديق رضي الله عنه أنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه ~~كفر بكم فلا دلالة فيه على أنه كان يراه من القرآن لأن السنن وسائر كلام ~~الناس يقرأ وكذلك حديث أنس PageV02P259 # فإن قال قائل تأويلكم لهذه الأخبار أنه إن ثبت الخبر فإنه من الخبر ~~المنسوخ التلاوة والرسم كلام متناقض لأن كل منسوخ الرسم والتلاوة لا يعرفه ~~الناس ولا يقرءونه وقد أخرت ثبوت الخبر وقراءتهم إياه بعد وفاة النبي عليه ~~السلام فكيف يكون منسوخ الرسم مما بقيت تلاوته ورسمه إلى يومنا هذا # قيل له تجويزنا لثبوت الخبر لا يمنع ما ذكرنا ولا ينقض تأويلنا لأن الخبر ~~لم يقتض أن يكون هذا المنقول بعينه هو الذي كان من ألفاظ القرآن على نظامه ~~وتأليفه حسب ما نقلوه إلينا وليس يمتنع أن يكون ذلك قد نقلوه على نظم آخر ~~ونسخ ذلك النظم وأنسي من كان يحفظه ولم ينسخ الحكم فنقلوه بلفظ غير اللفظ ~~الذي كان رسم القرآن حين نزوله إلى أن رفع فلا يكون هذا من القرآن وهذا ~~جائز أن يفعله الله وذلك لأن قوله من القرآن ومن رسمه يتعلق به أحكام لا ~~تتعلق بغيره منها أنه مما يلزم الجميع اعتقاد أنه كلام الله تعالى الذي ~~أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم على نظامه وترتيبه من غير تغيير لنظمه ~~ولا إزالة لتأليفه فإذا نسخ رسمه ونظامه أسقط عنا التعبد بالاعتقاد والذي ~~ألزمناه في حال كونه غير منسوخ # والثاني ما يتعلق به من حكم جواز الصلاة به وأن قراءته فيها لا تفسدها ~~وإذا كان من غير القرآن أفسدها # والثالث العبادة بالتقرب إلى الله تعالى بتلاوته وما يستحق من الثواب ~~الجزيل بقراءته # والرابع أن نكون مأمورين بحفظه وإثباته في مصاحفنا ونقله على نظامه ~~وترتيبه فهذه كلها أحكام متعلقة بوجود رسم القرآن دون معانيه وأحكامه ~~المذكورة فيه فلا يمتنع إذا PageV02P260 كان هذا كما وصفنا أن ينسخ الرسم ~~فتزول هذه الأحكام عن المنسوخ ويبقى حكمه فيكون بمنزلة سائر السنن كما نسخ ~~رسم الكتب القديمة وتلاوتها وكثير ms295 من أحكامها ومعانيها باقية # فإن قال قائل كيف يجوز نسخ الرسم والتلاوة وهو مما لا يجوز أن يختلف حكم ~~الإعتقاد فيه فيعتقد في حال أنه قرآن وفي حال أنه غير قرآن وهلا كان بمنزلة ~~سائر الأشياء التي لا يجوز نسخها كأخبار الله تعالى أن اعتقادنا في ~~مخبراتها لما لم يختلف حكمها في حال فنعتقد في حال نزولها موجب مخبراتها ~~ونعتقد في حال أخرى خلاف ذلك لم يجز نسخها # قيل له ما ذكرت لا يمنع نسخ الرسم والتلاوة على الوجه الذي ذكرنا وذلك ~~لأن القرآن إنما كان قرآنا لوجوده على هذا الضرب من النظام المعجز للإنس ~~والجن والله قادر على إزالة النظم ورفعه من قلوب عباده وأوهامهم كما قال ~~تعالى @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك @QE@ فإذا ذهب به وأنساه ~~خلقه لم يكن قرآن لأن ما ليس بموجود لا يسمى قرآنا وإذا كان كذلك لم يمتنع ~~ورود النسخ فيه على هذا الوجه إلا أن الإعتقاد الأول باق في أن ما أنزل على ~~ذلك الضرب من النظام كان قرآنا حين كان موجودا متلوا ومسطورا فإذا عدم ذلك ~~فيه لم يكن في هذا الحال قرآنا وليس كذلك مخبر اخبار الله تعالى لأنه قد ~~لزمنا اعتقاد معناه على ما وقع عليه ورود الخبر به وذلك المعنى الذي ورد ~~الخبر لم يتغير ولم يتبدل فلا يصح أن نتعبد بخلاف معتقده وأما النظم الذي ~~من أجله كان قرآنا إذا زال فقد زال المعنى الذي من أجله لزم الدوام على ~~الإعتقاد في بقائه في المستقبل قرآنا فلذلك اختلفا PageV02P261 # فإن قال قائل قال الله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن ~~علينا بيانه @QE@ وظاهره يقتضي أن يكون حافظا له أبدا وأن البيان به حاصل ~~لجميع الأمة إذ لم يخص وقتا من وقت ولا قوما من قوم وقال تعالى @QB@ إن هو ~~إلا ذكرى للعالمين @QE@ فأخبر أن جميعه ذكر للعالمين وذلك يؤمننا وقوع نسخ ~~تلاوته ورسمه لأن ms296 ما رفع وأنسي ولم ينقل لا يكون ذكرا للعالمين وقال تعالى ~~@QB@ لأنذركم به ومن بلغ @QE@ فأخبر أنه منذر بجميع القرآن في كل الأوقات ~~وما رفع لا يصح إلا نذر به وقال تعالى @QB@ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد @QE@ وهذا يمنع جواز ~~رفعه وقال تعالى @QB@ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم @QE@ فأخبر أن جميعه ~~يهدي ولم يستثن وقتا من وقت فوجب أن توجد الهداية في جميعه أبدا # وقال تعالى @QB@ مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين @QE@ وذلك خبر ~~عن جميعه # والجواب بأن جميع ما ذكر لا يمنع جواز نسخ رسمه وتلاوته كما لم تمنع هذه ~~الآيات من جواز نسخ أحكامه وموجباته لأن القرآن ينتظم شيئين النظم والمعنى ~~فإذا لم تمنع هذه الآيات من جواز نسخ أحكامه لم تمنع جواز نسخ رسمه وتلاوته ~~وكانت معاني هذه الآيات محمولة على غير جواز النسخ PageV02P262 # وأما نسخ الرسم والتلاوة بعد وفاة الرسول فغير جائز كما لا يجوز نسخ ~~الحكم ولو جاز ذلك في رسمه وتلاوته لجاز مثله في أحكامه فلما امتنع نسخ ~~أحكامه بعد وفاة الرسول عليه السلام امتنع نسخ رسمه وتلاوته لأن الرسم قد ~~تعلق به الأحكام على ما بيناه فيما سلف وفي نسخه نسخ تلك الأحكام # وقد احتج الشافعي لاعتبار الخمس رضعات في إيجاب التحريم بما روى أبو بكر ~~بن محمد ابن عمرو بن حزم ويحيى بن شعبة الأنصاري عن عمرة عن عائشة رضي الله ~~عنها قال كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس ~~PageV02P263 معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مما ~~يقرأ من القرآن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث وكانت في صحيفة تحت السرير فلما ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتغلنا بدفنه فدخلت داجن فأكلتها # فلا يخلو المحتج بهذا الحديث من إحدى منزلتين أما أن يجيز نسخ رسم القرآن ~~وتلاوته بعد وفاته عليه السلام أو لا يجيزه # فإذا أجازه ارتكب أمرا ms297 شنيعا قبيحا خارجا عن أقاويل الأمة كطرق الملحدين ~~الطاعنين في القرآن بأنه لم ينقل أكثره وأنه قد فقد عظمه ولا يمكنه مع ذلك ~~الفصل بين إجازة نسخ رسمه وتلاوته وبين إجازة نسخ أحكامه بعد وفاة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما بيناه فيما سلف وإن منع جواز نسخ رسمه وتلاوته ~~بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصح له الاحتجاج به لأن فيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ورسمه باق لأنها قالت توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن فإن كان الخبر ثابتا عنده ~~فالواجب عليه إثباته من القرآن PageV02P264 لأنه قد أعطى امتناع جواز النسخ ~~بعد وفاة النبي عليه السلام # فإن قال إنما أثبت الحكم دون التلاوة كما أثبت أنت التتابع في كفارة ~~اليمين لما في حرف عبد الله وإن لم تثبت الرسم # قيل له ليس في حرف عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى وهو من ~~القرآن وكونه من القرآن في وقت لا يوجب كونه من القرآن أبدا ما دام النبي ~~عليه السلام باقيا فوجب إذ لم يثبت نقله قرآنا من طريق التواتر ألا نثبته ~~قرآنا بعد وفاة النبي علية السلام وفي خبر عائشة هذا أنه كان قرآنا بعد ~~وفاته وما ثبت في ذلك لا يجوز بعد ذلك نسخه على أنه قد ذكر فيه أن ذهابه ~~كان لأجل أن الداجن أكل الصحيفة التي كان فيها ذلك ولا يجوز أن يتوهم في ~~كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنه كان معرضا ~~لأكل الداجن له وذهابه بعد وفاة النبي عليه السلام # فإن قيل فما وجه هذا الحديث عندكم # قيل له يحتمل أن يكون لفظ عائشة فيه على غير الوجه الذي روي في هذا ~~الحديث بأن تكون قالت إنه كان فيما أنزل الله تعالى أو في كتاب الله كيت ~~وكيت ونحوه من الألفاظ التي يحتمل أن يراد به القرآن ويراد به وحي ms298 غير قرآن ~~فظن الراوي أن معنى اللفظين واحد وأن المراد كان قرآنا إلى أن توفي فنقل ~~المعنى عنده على نحو ما ذكرنا في خبر عمر في الرجم وإذا احتمل ذلك سقط ~~الاحتجاج به في إثبات ما روي فيه لا سيما وهو معنى يرده الكتاب وإجماع ~~الأمة قال الله تعالى @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا ~~بيانه @QE@ PageV02P265 ونحوه من الآي المقتضية لبقاء رسم القرآن ونظمه بعد ~~وفاة النبي عليه السلام فإن قيل فأثبتوا الحكم وإن لم تثبتوا الرسم كما ~~أثبتم التتابع في كفارة اليمين بحرف عبد الله بن مسعود وإن لم يثبت له ~~الرسم # قيل له الفرق بينهما أن حديث عائشة لا يخلو من أحد معنيين إما ان يكون ~~واهنا سقيما غير ثابت في الأصل من طريق الرواية فيسقط الاحتجاج به في إثبات ~~الأحكام أو أن يكون ثابتا على غير الوجه الذي ورد النقل به فلا يصح إثبات ~~حكمه لما قد بان من خطأ الراوي له في نقله إذ غير جائز أن يكون لفظه ثابتا ~~على ما روي فيه وإذا لم يثبت لفظ الحديث ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة حقيقته ~~لم يجز إثبات حكمه لأنه ليس معنى من المعاني يقصد إلى إثباته إلا وجائز أن ~~يكون وهو مما غلط فيه راويه كغلطه في لفظه وجائز أن يكون قد حذف منه أيضا ~~بعض لفظه مما يوجب الاقتصار بحكمه على بعض الأحوال وفي بعض الموضعين دون ~~بعض بأن يكون قد كان حكما في رضاع الكبير خاصة فلما تعذر الوقوف على حقيقة ~~لفظه وسياقة معناه سقط الاحتجاج به # وأما حرف عبد الله في التتابع فليس في ظاهر لفظه ما يدفع لأن أكثر ما فيه ~~أن ذلك كان من القرآن وهذا معنى صحيح غير مدفوع وليس لأنه كان من القرآن ما ~~يوجب أن يكون منه في كل وقت قبل وفاته صلى الله عليه وسلم # وأما نسخ الحكم مع بقاء الرسم ms299 فموجود في القرآن في كثير من المواضع نحو ~~قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم @QE@ إلى آخرها منسوخ ~~الحكم بالجلد تارة PageV02P266 وبالرجم أخرى وكقوله تعالى @QB@ إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة @QE@ منسوخ بقوله تعالى @QB@ فإذ لم ~~تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ منسوخ بقوله @QB@ والذين يتوفون منكم ~~ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا @QE@ وقوله تعالى @QB@ وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين @QE@ روي أن الصحيح كان مخيرا بين الصوم ~~والفدية فنسخ بقوله تعالى @QB@ فمن شهد منكم الشهر فليصمه @QE@ وأشباه ذلك ~~كثير في القرآن PageV02P267 PageV02P268 PageV02P269 PageV02P270 & باب ~~القول في الوجوه التي يعلم بها النسخ # قال أبو بكر رحمه الله نسخ أحكام الشرع على وجهين أحدهما نسخ جميع الحكم # والآخر نسخ بعضه # والوصول إلى معرفة الناسخ من المنسوخ من وجوه أربعة الكتاب والسنة ~~والإجماع ثم بدلائل الأصول إذا عدم ذلك # والحكم الناسخ هو الذي يرد بعد استقرار حكم المنسوخ والتمكين من فعله مما ~~ينافي بقاء حكم المنسوخ ويمتنع معه اجتماعهما في أمر واحد في حال واحدة ~~لشخص واحد فيكون الآخر ناسخا للأول وإن اقتضى زوال جميعه وإن اقتضى بعضه ~~فهو ناسخ لذلك البعض # فأما نسخ الجميع فنحو قوله تعالى @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم وعفا عنكم @QE@ روي أنه قد كان حرم عليهم الجماع والأكل والشرب ~~بعد النوم في ليالي الصوم فنسخ ذلك بقوله تعالى @QB@ وكلوا واشربوا حتى ~~يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر @QE@ الآية فأباح الأكل ~~والشرب والجماع في ليالي الصوم بعد النوم وقبله ونحوه قوله تعالى @QB@ فاعف ~~عنهم واصفح @QE@ ونحو قوله تعالى @QB@ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم @QE@ PageV02P271 نسخه قوله تعالى @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ~~@QE@ # وأما نسخ بعض الحكم فنحو الصلاة إلى بيت المقدس إنما نسخ منها التوجه إلى ~~هناك وسائر أحكامها باقية وصلاة الليل نسخ منها الوجوب وسائر أحكامها باقية ~~من أوصاف أفعالها وشرائطها وكونها قربة ثابتة ونحو ما أوجب الله تعالى ms300 من ~~الجلد على قاذف الأجنبيات والزوجات بقوله @QB@ والذين يرمون المحصنات @QE@ ~~الآية ثم نسخ الجلد عن قاذف الزوجات وأوجب اللعان إذا كانا على صفة ويدل ~~على أن حد الجميع كان الجلد قوله عليه السلام لهلال بن أمية حين قذف امرأته ~~ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك وقالت الأنصار الآن يجلد هلال بن ~~أمية وتبطل شهادته في المسلمين # ولم يوجب النبي عليه السلام غير الجلد فلما نزلت آية اللعان أمره باللعان ~~ولم يحده # وإذا عرف تاريخ الحكمين اللذين لا يصح اجتماع التعبد بهما في حال واحدة ~~PageV02P272 لشخص واحد فإن الآخر منهما ناسخ للأول # قال ابن عباس رضي الله عنهما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره # وإنما قلنا إن النسخ يقع بما لا تصح العبادة به مع الحكم الأول في حال ~~واحدة لشخص واحد وإنما يصح اجتماعه مع الأول في حال واحدة لم ولا يكون نسخا ~~لأن ما جازت العبادة به في حال واحدة لشخص واحد فليس في تكليف أحدهما ما ~~ينفي لزوم الآخر فوجب أن يثبتا جميعا إذا ورد أحدهما بعد الآخر # والدليل على ذلك أنه كان يصح التعبد بهما معا في حال واحدة في أمر واحد ~~فإذا لم يتنافيا إذا وردا معا وجب ألا يتنافيا إذا ورد أحدهما بعد الآخر ~~ألا ترى أن الصلاة والصيام لما صح الأمر بهما في حال واحدة لم يكن أحدهما ~~ناسخا للآخر ولا مانعا من بقاء حكمه إذا ورد بعده وهذا الاعتبار واجب في ~~نظائر ذلك من العبادات # وقد يرد حكم يصح اجتماعه مع الأول ويكون وروده عقيب نسخ الأول فيطلق بعض ~~الناس أن الأول منسوخ بالثاني وإن كان النسخ في الحقيقة واقعا بغيره وإطلاق ~~هذا مجاز عندنا ليس بحقيقة وإنما سمي هذا نسخا لأنه ورد عقيب النسخ متصلا ~~به وسمي باسمه كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب ~~على جهة المجاز والتشبيه به وذلك نحو قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم ms301 فاستشهدوا عليهن أربعة منكم @QE@ إلى آخر القصة فروي أن ~~هذا كان حد الزانيين في أول الأمر PageV02P273 # قال ابن عباس وهو منسوخ بقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة @QE@ ومعلوم أنا لو خلينا والآيتين لم يكن يمتنع ~~الجمع بين حكمهما على شخص واحد في حال واحدة فيكون حده الحبس والأذى والجلد ~~مع ذلك فلا يكون وجوب جلد غير المحصن مانعا من بقاء حكم الحبس والأذى ولا ~~يكون ذلك مزيلا لهما من هذا الوجه إلا أنه كان يكون نسخا من جهة أخرى وهي ~~الزيادة في النص لأن الزيادة في النص توجب النسخ عندنا لما سنبينه بعد هذا ~~إن شاء الله تعالى فعلمنا أن زوال حكم الحبس والأذى لم يتعلق بوجوب الجلد ~~وإنما تعلق بشيء غيره فلما أوجب الجلد على الزاني غير المحصن عند نسخهما ~~أطلق عليه أنه نسخه وهذا الذي قلناه هو في الزاني غير المحصن فأما الزاني ~~المحصن فهذا الحكم لا محالة منسوخ عنه بسنة الرسول عليه السلام في إيجابه ~~الرجم على المحصن إذ لا يصح اجتماع الرجم والحبس والأذى # فإن قال قائل قد كان يصح اجتماع الحبس والأذى والرجم عليه ويكونان جميعا ~~عقوبته بأن يكون الرجم بعد الحبس والأذى # قيل له أما الذي في الآية من ذلك فلم يكن يصح اجتماعه مع الرجم لأنه قال ~~@QB@ حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ فكان الحبس والأذى هما ~~الحد إلى أن تموت حتف أنفها أو يجعل الله لها سبيلا غيرهما ووقوع الرجم ~~يمنع استيفاء ذلك فقد نسخ الرجم هذا الحكم بحيث لم يصح اجتماعهما في حال ~~واحدة PageV02P274 # ومن جهة أخرى إن الرجم إذا كان مستحقا بالزنى وقد كان قبل ذلك حدهما ~~الحبس والأذى في الحال التي أبدل مكانها الرجم فغير جائز ثبوت الحبس والأذى ~~في الحال التي وجب فيها الرجم لأن وقوع الرجم ينافيهما فثبت أنهما منسوخان ~~به على الحقيقة # ويدل على ذلك أيضا أن النبي عليه السلام قال خذوا عني قد جعل الله لهن ~~سبيلا وهذا يعني ms302 والله أعلم السبيل المذكور في قوله تعالى @QB@ حتى يتوفاهن ~~الموت @QE@ أو يجعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة والثيب بالثيب ~~الجلد والرجم فأخبر بزوال الحبس لأن الله تعالى أوجب حبسهن إلى وقت ورود ~~السبيل فبين الرسول عليه السلام ذلك السبيل وأخبر بنسخ حكم الآية عن الزاني ~~غير المحصن لا بإيجاب الجلد لكن بمعنى غيره ونسخه عن المحصن بالرجم لأن ~~وقوع الرجم ينافي الحبس # ونحو قوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين @QE@ قيل إنها منسوخة بالميراث ومعلوم أن وجوب الميراث ~~لم يكن ينافي بقاء الوصية فيستحقهما جميعا معا إلا أنه لما نسخت الوصية ~~وأوجب عقيبها الميراث قيل على وجه المجاز إنها منسوخة به # ولو خلينا والآيتين لاستعملناهما جميعا ومثله ما روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر بصيام عاشوراء ثم نسخ بصيام شهر رمضان وأن الزكاة نسخت كل ~~صدقة كانت واجبة قبلها وأن الأضحية نسخت كل ذبيحة كانت واجبة قبلها وأن ~~قوله عليه السلام الماء من الماء منسوخ بإيجاب الغسل بالتقاء الختانين ولم ~~يكن يمتنع اجتماع ذلك كله فعلمنا PageV02P275 أن شيئا من هذه الأحكام لم ~~ينسخ بالأحكام الواردة بعدها فإن من سمى ذلك نسخا فإنما سماه به مجازا لا ~~حقيقة لأنه لما نسخ الأول وجب الثاني عقيبه وإن كان النسخ واقعا لغيره # وأما كل حكمين لا يصح مجيء التعبد بهما في حال واحدة لشخص واحد فإن ~~الثاني منهما يكون ناسخا للأول إذا ورد بعد استقرار حكمه وذلك نحو قوله ~~تعالى @QB@ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض @QE@ متى استقر هذا الحكم ثم قال ~~تعالى @QB@ وأن احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ فأوجب ذلك نسخ التخيير ~~المذكور فيه إذ لا يصح اجتماعهما في حال واحدة ألا ترى أنه لا يصح أن يقول ~~قد خيرتك بين الحكم والإعراض ومع ذلك فاحكم بينهم من غير إعراض لأن اللفظ ~~يتناقض به ويستحيل معناه ومن أجل ذلك منعنا أن يعترض بقوله عليه السلام لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب على ms303 قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن ~~@QE@ لأن الآية اقتضت التخيير في المفروض من القراءة وإذا حمل معنى التخيير ~~على تعيين فرض القراءة بفاتحة الكتاب أوجب إسقاط التخيير الذي في الآية ~~فيكون ناسخا له ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد # ونحو قوله تعالى @QB@ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم مائة يغلبوا ألفا @QE@ فأوجب على العشرين مقاومة المائتين وعلى المائة ~~مقاومة الألف وحظر عليهم الفرار منهم ثم قال @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين @QE@ فصار الثاني ناسخا للأول لاستحالة اجتماعهما في حال ~~واحدة فثبت نسخ الأول بالثاني ومن هذه الجهة قلنا إن الزيادة في النص يوجب ~~نسخه إذا وردت بعد استقرار حكمه وكذلك النص إذا ورد منفردا عن ذكر ~~PageV02P276 الزيادة بعد ذكر الزيادة مع النص واستقرار حكمها فإنه يكون ~~ناسخا للزيادة وذلك لاستحالة جمعهما في حال واحدة فالوجه الأول نحو قوله ~~تعالى @QB@ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق @QE@ اقتضى ظاهره وحقيقته ~~جواز الصلاة بغسل هذه الأعضاء فصار كقوله قد أجزأتكم صلاتكم بغسلها دون ~~وجود النية فيه فلا يصح أن يقول مع ذلك النية واجبة في غسلها فإن لم تنووا ~~به الطهارة لم تجزكم صلاتكم # وكذلك قوله تعالى @QB@ واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ الآيه لا يصح ~~اجتماعه مع الشاهد واليمين في امر واحد مع استعمال حكم الآيه على حسب ~~مقتضاها وموجبها لأنه لا يصح ان تقول قد أوجبت عليكم الحكم بالشاهدين ~~والرجل والمرأتين دون غيرهم وأجزت لكم مع ذلك الحكم بالشاهد واليمين لأن ~~اللفظ يتناقض ويستحيل معنا # وكذلك قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~@QE@ يقتضي أن يكون المائه حدهما وأن وجودهما يوجب وقوعها موقع الجواز ~~واستيفاء كمال الحد بها فغير جائز أن تقول بعد ذلك هذا بعض الحد دون جميعه ~~وأن كماله بوجود النفي معه # ونظائر ذلك كثير فلما امتنع وجودهما في أمر واحد وجب أن يكون وروده بعد ~~استقرار الحكم ms304 الأول موجبا لنسخه ولا فرق بين ورود النص منفردا عن ذكر ~~الزيادة في كونها ناسخا للنص المتقدم له المعقود بذكر الزيادة وبين ورود ~~الزيادة بعد ورود النص منفردا عنها فأما ورود النص بعد الزيادة فنحو قوله ~~تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ فاقتصر ~~منها على ذكر الجلد دون النفي والرجم وقد كان تقدم قبل نزول هذه الآية من ~~النبي عليه السلام ذكر النفي والرجم مع الجلد في حال وجود الإحصان أو عدمه ~~بقوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ~~والثيب بالثيب الجلد والرجم وبه نسخ الحبس والأذى لأن هذا السبيل هو السبيل ~~المذكور في قوله تعالى @QB@ أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ فعلمنا أن قوله ~~تعالى @QB@ الزانية والزاني @QE@ لم يكن نزل حينئذ لأنه لو PageV02P277 كان ~~نزل لكان السبيل قد جعل لهن قبل قوله ? < خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا > ~~? فلما أخبر أن السبيل المذكور في الآية مأخوذ عنه بما ذكر علم أن الآية لم ~~تكن نزلت قبله فلما نزلت الآية بعده منفردة عن ذكر النفي والرجم وجب أن ~~يكون حكمها مستعملا على حسب مقتضاها وموجبها فيكون الجلد المذكور فيها هو ~~كمال الحد وتكون ناسخة للنفي والرجم المذكورين في الخبر حدا مع الجلد # فإن قال قائل قد قلت فيما سلف إن النسخ إنما يصح على الوجه الذي يجوز ~~ورود الأمر به في خطاب واحد وأن مالا يصح اجتماع ذكره مع المنسوخ في خطاب ~~واحد لم يصح نسخه به والزيادة مع الأصل مما يصح وجوده معه في خطاب واحد # قيل له ليس فيما ذكرنا إلى هاهنا من حكم أحكام الزيادة في النص نفي لما ~~قلنا من اعتبار جواز النسخ في الأصل بل هما جميعا صحيحان وذلك لأنا قلنا إن ~~ما لا يصح ورود التعبد به في حال واحدة حتى يكون مأمورا باعتقاد الحكم على ~~وجه ومأمورا أيضا في تلك الحال باعتقاده على خلافه في ذلك الوقت الذي يلزمه ~~تنفيذ الحكم لا يصح ms305 ورود النص به نحو ما ذكرنا في أن الآية إذا كانت موجبة ~~لكون الحد جلد مائة فقد ألزمنا اعتقاد كونه حدا كاملا ولا يصح أن يقول ~~فاعتقدوا في هذه الحال أيضا أن جلد المائة هو بعض الحد إذ غير جائز أن يكون ~~هو بعض الحد وهو جميعه وكما لا يصح أن يقول عدة المتوفى عنها زوجها سنة ~~وعدتها أيضا أربعة أشهر وعشرا فلا يصح الأمر باعتقاد كل واحدة من المدتين ~~عدة كاملة في حال واحدة وأما ما قلنا في اعتبار جواز النسخ باجتماع ذكر ~~الحكمين جميعا في خطاب واحد فهو صحيح لأن هناك أمرين مدة كل واحد منهما غير ~~مدة الآخر نحو قوله تعالى @QB@ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ PageV02P278 فكان هذا حكما ثابتا ~~في عدة المتوفى عنها زوجها ثم نزل قوله تعالى @QB@ يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا @QE@ فكان ناسخا لما عدا هذه المدة من الحول المذكور في الآية ~~الأخرى وقد كان يجوز أن يجمعهما في خطاب واحد بأن نتعبد بهما في حالين ~~بجواز أن تقول عدة المتوفى عنها زوجها حول إلى أن يمضي خمس سنين فإذا مضت ~~السنون الخمس كانت عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا # فإن قال قائل ما ذكرت من حكم الزيادة في النص لا يقتضي ما ذكرت من ~~إيجابها النسخ لأنه يصح أن تقول حد الزانيين الجلد والنفي ويجوز أن يقول ~~واستشهدوا شاهدين من رجالكم أو شاهدا ويمينا وأن غسل الأعضاء الأربعة فرض ~~مع إحضار النية له ولا يتناقض الخطاب به فليس في ورود أحدهما بعد الآخر ما ~~يوجب النسخ # قيل له هذا سؤال ساقط محال على هذا الوجه لأنهما إذا وردا معا لا يكونان ~~زيادة في النص وإنما يكون المذكور جميع النص لأن ما جمعه أمر واحد وخطاب ~~واحد لا يصح أن يقال إن بعضه زيادة في بعض وإنما الزيادة في النص أن يرد ~~النص مفردا عن ذكر الزيادة ثم ترد الزيادة منفصلة عن خطاب النص نحو قوله ms306 ~~تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ فتكون ~~الآية موجبة لكون جلد المائة حدا واقعا موقع الجواز في عقاب الزاني فإذا ~~قال بعد ذلك فاجلدوهم مائة جلدة وانفوهم فقد تغير بورود الزيادة على هذا ~~الوجه اعتقاد موجب حكم الآية فكل ما ورد بعده مما يوجب زيادة فيه أو نقصانا ~~منه فهو لا محالة نسخ لاستحالة ورود الخطاب به في أمر واحد بل يقول ~~PageV02P279 جلد المائة هو جميع الحد وهو بعضه فأما أن يردا معا فهذا غير ~~ممتنع ولا يكون زيادة كما لا يمتنع أن تكون عدة المتوفى عنها زوجها سنة ~~ويكون الأربعة الأشهر والعشر داخلة فيها ويمتنع أن يقول العدة سنة والعدة ~~أربعة وعشرا وكما لا يمتنع أن نقول صلوا إلى بيت المقدس وإن شئتم فإلى ~~الكعبة ويمتنع أن نقول صلوا إلى بيت المقدس وصلوا إلى الكعبة في خطاب واحد # ومتى استقر أحدهما ثم ورد الآخر كان ناسخا للأول فكذلك الزيادة هاهنا في ~~النص هي على هذا المعنى # وأيضا فإنا نقول في الزيادة كما يقول مخالفنا معنا في النقصان فلما كان ~~النقصان بعد استقرار الفرض نسخا كذلك الزيادة وذلك نحو أن يقول العدة سنة ~~ثم يقول العدة أربعة أشهر وعشرا كان ذلك نسخا ولو جمعهما في خطاب واحد بأن ~~قال العدة سنة إلا كذا وكذا وشهرا لم يكن نسخا كذلك الزيادة إذا وردت مع ~~النص في خطاب واحد فليس بنسخ وإذا وردت بعد استقرار حكم النص كان نسخا وهذا ~~الذي ذكرناه إنما هو كلام في الزيادة إذا وردت بعد النص فأما إذا أورد النص ~~منفردا عن ذكر الزيادة ووردت الزيادة ولا يعلم تاريخهما فإن هذا له شريطة ~~أخرى غير ماكنا فيه وسنذكرها أيضا فيما بعد وإن كان قد تقدم ذكر شيء منها ~~فيما سلف من هذا الباب # قال أبو بكر قد بينا كيفية وجود النسخ # ونبين الآن الوجوه التي توصل إلى العلم بالناسخ والمنسوخ من الجهات التي ~~ذكرنا أن النسخ يقع بها # فنقول إن ما يعلم به النسخ ms307 على وجوه منها أن يرد لفظ يشتمل على ذكر ~~الناسخ والمنسوخ معا مع ذكر تاريخهما فلا يشكل على سامعهما أن الثاني منهما ~~في التاريخ ناسخ للأول نحو قوله تعالى @QB@ فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام @QE@ PageV02P280 وقد قال تعالى قبل ذلك @QB@ سيقول ~~السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها @QE@ فأخبر أنهم قد ~~كانوا على قبلة غيرها ثم حولوا إليها ونحو قوله تعالى @QB@ إن يكن منكم ~~عشرون صابرون يغلبوا مائتين @QE@ فكان هذا حكما ثابتا ثم قال @QB@ الآن خفف ~~الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ إلى آخر الآية فدل ذكره للتخفيف أنه وارد ~~بعد حكم هو أثقل منه فصار ناسخا له ونحو قوله تعالى @QB@ إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ فتاب عليكم ~~@QE@ يعني خفف عنكم وهذا بعد قوله تعالى @QB@ قم الليل إلا قليلا @QE@ ثم ~~قال @QB@ علم أن سيكون منكم مرضى @QE@ إلى آخر السورة فاقتضت القصة بفحواها ~~ومضمون خطابها أن فرض صلاة الليل منسوخ بما تضمنت من إباحة تركها وكقوله ~~تعالى @QB@ إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة @QE@ ثم قال ~~تعالى @QB@ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~@QE@ وكقوله تعالى @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا ~~عنكم @QE@ يعني والله أعلم سهل عليكم وخفف عنكم فدل على نسخ حظر الأكل ~~والشرب والجماع بعد النوم في ليالي رمضان فانتظمت هذه الآيات ذكر الناسخ ~~والمنسوخ معا في خطاب واحد والسنة على وجهين قول من النبي عليه السلام وفعل ~~وقد يقع النسخ بكل واحد منهما فأما النسخ بالسنة من جهة القول فنحو قول ~~النبي عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وكنت نهيتكم عن ~~الأوعية فاشربوا ولا تسكروا وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ~~وادخروا فانتظم الخبر ذكر الناسخ والمنسوخ معا PageV02P281 # وكما روى عبد الله بن المغفل أن النبي عليه السلام أمر بقتل الكلاب ثم ~~قال مالي وللكلاب ثم رخص في كلب الصيد وقال جابر ms308 أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقتل الكلاب ثم أذن لطوائف # فهذه الآي والأخبار مما نقل إلينا فيه حكم الناسخ والمنسوخ وكل ما كان ~~هذا وصفه فلا إشكال على أحد في حكمه # وأما النسخ من جهة الفعل فنحو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ~~شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ثم قال في الرابعة فإن ~~عاد فاقتلوه ثم روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بشارب الخمر في ~~الرابعة فلم يقتله ومثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم = PageV02P282 ~~أكل لحما وصلى ولم يتوضأ نسخ به ما روي من قوله توضئوا مما مست النار # ومن الألفاظ ما يوجب النسخ من جهة قيام الدلالة على تأخر حكمها عن الحكم ~~المنسوخ وإن لم يكن الحكم المنسوخ مذكورا معها كقوله تعالى @QB@ فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم @QE@ ثم قال تعالى @QB@ فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ فمنع تخلية سبيلهم إلا بشرط الإيمان # وروي أن سورة براءة من آخر ما أنزل من القرآن فوجب بذلك أن يكون ناسخا ~~للفداء المذكور في قوله تعالى @QB@ فإما منا بعد وإما فداء @QE@ # ومثله ما روي عن النبي عليه السلام أنه رضخ رأس يهودي قتل جارية على ~~أوضاح PageV02P283 لها وأنه قطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم لما ~~ارتدوا وقتلوا راعي الإبل وساقوها # وروي عنه أنه أشعر البدن ثم روي عنه عليه السلام في أخبار مستفيضة أنه ~~نهى عن المثلة وقال سمرة ابن جندب ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا وأمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة فاقتضى ذلك وجوب النهي عنها في آخر ~~خطبة خطبها فيكون ناسخا لسمل أعين المحاربين ورضخ الرأس على وجه القصاص ~~وإشعار البدن لأن جميع ذلك من المثلة # ومثله ما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يصلي بالهجر حين قدم المدينة ~~ثم قال أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم فأخبرنا بأن الأمر بتأخير ~~الظهر في شدة الحر PageV02P284 كان متأخرا فالواجب أن ms309 يقضي على خبر خباب ~~شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا لأنه قد ثبت ~~أن الأمر بالتأخير كان متأخرا # ومن الألفاظ الدالة على تأخير أحد الحكمين عن الأخر ما روي عن النبي عليه ~~السلام أنه قال لا قود إلا بالسيف فهذا يدل على أن حكم وجوب القود متقدم ~~لهذا الخبر لأنه لا يذكر كيفية القود إلا وقد تقدم ذكر وجوبه فغير جائز ~~لأحد أن يستدل بقوله تعالى @QB@ كتب عليكم القصاص @QE@ على إيجاب القود بكل ~~ما قتل به لأن إيجاب القود بالسيف متأخر عنه فهو قاض عليه # ونحو قوله عليه السلام ألا أن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه ~~الدية مغلظة فلم يذكر خطأ العمد إلا وقد تقدم ذكر العمد والخطأ ومثله ما ~~روي في شاة ميمونة أن النبي عليه السلام قال حين رآها ميتة هلا انتفعتم ~~بإهابها فقالوا إنها ميتة فدل على PageV02P285 أن تحريم الميتة كان متقدما ~~لذلك # وكذلك قوله عليه السلام إنما الرضاعة من المجاعة وكذلك قوله إنما الرضاع ~~ما أنبت اللحم وأنشز العظم يقتضي أن يكون إيجاب التحريم بالرضاع متقدما ~~لهذا الخبر ونظائر ذلك كثيرة # ويجوز أن يجعل إخبار الصحابي والتابعي عن تاريخ الحكمين عيارا في هذا ~~الباب فيوجب به النسخ نحو ما روي عن مجاهد وعكرمة أن قوله تعالى @QB@ وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله @QE@ نزل بعد قوله تعالى @QB@ فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم @QE@ ونحو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما ذكر له ~~الرضعة الرضعتان قال قد كان ذلك فأما اليوم فلا خبر عن تقدم علمه بهذا ~~الخبر وأخبر أنه قد كان وإن كان حكمه غير PageV02P286 ثابت الآن فصار ذلك ~~إخبارا منه بنسخه وتاريخ حكمه # ومثله ما روي عن الزهري أن النبي عليه السلام رد زينب ابنته عليها السلام ~~على أبي العاص بن الربيع وكانت هاجرت وبقي هو مشركا ثم جاء مسلما بعد سنين ~~قال الزهري وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض # ونحوه ما روي من قصة ms310 ذي اليدين في الكلام في الصلاة قال الزهري إنما كان ~~ذلك قبل أن استحكمت الفرائض # وإنما قلنا إن الصحابي والتابعي إذا أخبرا بنسخ حكم كان خبرهما مقبولا ~~فيه من قبل أن العلم بالتاريخ لا سبيل إليه من طريق اجتهاد الرأي وإنما ~~يعلم من جهة السماع والتوقيف فعلمنا أنه لم يقل ذلك إلا من جهة التوقيف ~~فهذه الوجوه التي ذكرنا PageV02P287 من الكتاب والسنة مما أوصل إلى العلم ~~بتاريخ الحكمين إما بذكر الناسخ والمنسوخ معا مع ذكر تاريخهما أو بذكر ~~الناسخ وتاريخه دون ذكر المنسوخ من جهة اللفظ أو فحوى الخطاب ودلالته # وأما الاستدلال بالإجماع على النسخ فقد ذكره عيسى بن أبان رحمه الله وذلك ~~أنه قال إذا روي خبران متضادان والناس على أحدهما فهو الناسخ للآخر فاستدل ~~بالإجماع على النسخ # قال أبو بكر ولسنا نقول إن الإجماع يوجب النسخ لأن الإجماع إنما يثبت ~~حكمه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم # وأما في حياته فالمرجع إليه صلى الله عليه وسلم في معرفة الحكم لمن كان ~~في حضرته ولا اعتبار بالإجماع فيه # ومعلوم أن النسخ لا يصح إلا من طريق التوقيف ولا يصح بعد وفاة الرسول ~~عليه الصلاة والسلام إلا أن الإجماع إذا حصل على زوال حكم قد ثبت بالنص ~~دلنا الإجماع على أنه منسوخ بتوقيف وإن لم ينقل إلينا اللفظ الناسخ له فمما ~~دلنا الإجماع على نسخه قوله تعالى @QB@ وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا @QE@ ولم يعلم زوال ~~هذا الحكم إلا من طريق الإجماع # ونحو حديث أبي هريرة عن النبي عليه السلام من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله ~~فليتوضأ وحديث سلمة بن المحبق فيمن وطئ جارية امرأته فقال عليه السلام إن ~~كانت طاوعته فعليه مثلها وهي له وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها وحديث ~~النعمان بن بشير عن النبي عليه السلام فيمن وطئ جارية امرأته أنها إن كانت ~~أذنت له جلد مائة PageV02P288 وإن لم تكن امرأته أذنت له فعليه الرجم # فهذه الأحكام ms311 التي ذكرناها لم يثبت نسخها إلا بدلالة الإجماع عليه # وأما اعتبار دلائل النظر على الناسخ من الحكمين فإنما يجب فيما لا يعرف ~~تاريخه من جهة النقل على الوجوه التي بينا فيرجع فيه إلى شواهد الأصول ~~ودلائل النظر فيثبت منه ما أثبتته وينتفى منه ما نفته # وقد ذكر عيسى بن أبان رحمه الله في هذا المعنى جملة يعرف بها عامة هذا ~~الباب من فهم معاني كلامه # قال عيسى إذا روي خبران متضادان والناس على أحدهما فهو الناسخ وإن ~~اختلفوا ساغ الاجتهاد فيهما واستعمال أشبههما بالأصول وإن علم تاريخهما ~~فالآخر ناسخ الأول إذا لم يحتمل الموافقة وإن احتمل الموافقة ساغ الاجتهاد ~~فيه # وإن عمل الناس بالأول وهو الظاهر في أيدي أهل العلم والآخر خامل لا يعمل ~~به إلا الشاذ نظر فإن سوغ الذين عملوا بالأول العمل بالآخر ساغ الاجتهاد ~~فيه وإن عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو المستعمل لأن النسخ لو ~~كان ثابتا لما عرفوا الأول ولظهر النسخ منهم كما ظهر الفرض الأول حتى لا ~~يشذ عنه إلا القليل ألا ترى أن لحوم الأضاحي قد ظهرت الإباحة فيها كما ظهر ~~الحظر وكذلك زيارة القبور وإباحة الظروف ومتعة النساء # قال أبو بكر رحمه الله أما قوله أما إذا كان الناس على أحدهما فهو الناسخ ~~فإن وجهه أنه قد ثبتت صحة حجة الإجماع فحيثما وجدت فواجب الحكم بصحته ~~PageV02P289 وإن وجد الحكم بصحة ما اجمعوا عليه واستحال ثبوت ما يضاده من ~~الحكم في حال ثبوته ثبت هو وانتفى ما يضاده وكان هذا دليلا على أن الحكم ~~الآخر منسوخ بما أجمعوا عليه # وأما قوله إذا اختلفوا ساغ الاجتهاد واستعمل أشبههما بالأصول فإن مراده ~~في هذا الفصل إذا لم يعلم تاريخهما فإذا كان هكذا وجب الاستدلال بالأصول ~~على الناسخ منهما وجهات الاستدلال بها على الناسخ منهما مختلفة وأنا ذاكر ~~منها طرفا تستدل به على جملة القول فيه # فنقول قبل أن نشرع في ذكر جهات الاستدلال على الحكم الناسخ # إن الدليل على وجوب الاستدلال ms312 على الحكم الناسخ منهما على أن اختلاف ~~الناسخ في حكم الخبرين المتضادين اللذين لا يحتملان غير النسخ يجعل الحكم ~~الذي تضمنه كل واحد منهما في معنى سائر أحكام الحوادث التي قد اختلف الناس ~~فيها على وجوه مختلفة ثم كان طريق استدراك حكمها بالنظر والاستدلال بالأصول ~~فوجب أن يكون طريق إثبات حكم أحد الخبرين دون الآخر اعتبار شواهد الأصول ~~فيكون الخبر الذي تعضده الأصول منها أولى بالإثبات كحكم الحادثة إذا عاضدته ~~دلائل الأصول فيكون أولى بالإثبات من غيره مما اختلف فيه # وأيضا فإن الخبرين إذا تضادت أحكامهما على هذا الوجه فإن أقل أحوالهما أن ~~يسقطا كأنهما لم يردا فيجعل الحكم موقوفا على شواهد الأصول فما دلت الأصول ~~على ثباته من الحكمين فهو ثابت دون الآخر # وأيضا فإن حكما يوجبه الأثر ودلائل الأصول أولى بالإثبات من حكم ينفرد ~~بإيجابه الأثر دون دلائل الأصول # فدل جميع ما وصفنا على وجوب اعتبار الاستدلال بالأصول على الناسخ من ~~الخبرين وأما قوله إن علم تاريخهما فالآخر أولى إذا لم يحتمل الموافقة فمن ~~قبل أن الآخر ثابت الحكم PageV02P290 لأنه لم يوجد بعده ما يزيله وفي ثبوته ~~نفي الأول لتضادهما # وأما قوله ان احتمل الموافقة ساغ الاجتهاد فلأنه إذا احتمل النسخ واحتمل ~~الموافقة لم يجز إثبات النسخ بالاحتمال ولا الحكم بالموافقة أيضا بالاحتمال ~~إذ ليس أحد وجهي الاحتمال بأولى من الآخر فصار طريقه الاجتهاد والاستدلال ~~بالأصول على ثبوتهما بالحمل على الموافقة أو إثبات حكم أحدهما بإثبات النسخ # فإن قال قائل هلا حكمت بالموافقة دون النسخ من غير اعتبار الأصول لأن ~~الأصل أن كل خبر حكمه ثابت قائم بنفسه حتى يثبت ما يزيله فإذا احتمل كون ~~الثاني ناسخا للأول واحتمل كونه موافقا له لم يزل عن الحكم الأول إلا بيقين ~~ولم يثبت النسخ بالشك # قيل له هذا غلط لأن هاهنا أصل آخر وهو أن الخبر الثاني إذا كان حكمه ~~منافيا للحكم الأول فهو ناسخ له فإذا احتمل الموافقة صار بقاء الحكم الأول ~~مشكوكا فيه وصار إيجاب النسخ مشكوكا فيه ms313 أيضا فلما تطرق الشك على الحكمين ~~جميعا احتجنا إلى اعتبارهما بالأصول فإن شهدت الأصول لأحد الحكمين دون ~~الآخر كان حكمه ثابتا فإن كان هو الأول حمل الثاني على موافقته وإن شهدت ~~الأصول للثاني دون الأول كان الخبر الثاني ثابت الحكم وكان الأول محمولا ~~على موافقه الثاني # وأما قوله فإن عمل الناس بالأول وهو الظاهر في يد أهل العلم والآخر خامل ~~لا يعمل به إلا الشاذ نظر فإن سوغ الذين عملوا بالأول العمل بالآخر ساغ ~~الاجتهاد فيه وان عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو المستعمل فإن ~~الأصل فيه أن عملهم بالأول مع تركهم النكير على من عمل بالثاني دليل على أن ~~طريق استعمال حكم كل واحد منهما الاجتهاد لولا ذلك لكان الآخر عندهم نسخا ~~للأول ولظهر النكير PageV02P291 منهم على من عمل بالأول فكان في ترك بعضهم ~~النكير على بعض فيما ذهب إليه من حكم أحد الخبرين دلالة على جواز الاجتهاد ~~عندهم في استعمال أحد الخبرين أيهما كان دون الآخر # وأما قوله وان عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو المستعمل ~~فلأنهم إذا عابوا على الآخرين ما ذهبوا إليه من ذلك فقد أبانوا عن نسخ ~~الآخر وأفصحوا به ولولا أن ذلك كذلك لكان الاجتهاد فيه سائغا عندهم وما ~~يسوغ فيه الاجتهاد لا يسع بعضهم إظهار النكير فيه على بعض فدل ظهور النكير ~~منهم على الآخرين فيما ذهبوا إليه على أن خبرهم ثابت عندهم غير منسوخ فصار ~~ذلك كالإخبار منهم بأن الثابت هو الذي استعملوه دون الآخر ولأن نسخ الأول ~~لو كان ثابتا لعرفوه كما عرفوا الأول ولظهر النسخ فيهم كما ظهر الأول حتى ~~لا يشذ عن علمه إلا القليل منهم كالنهي عن لحوم الأضاحي وزيارة القبور ~~والشرب في الظروف ومتعة النساء على حسب ما حكيناه عن عيسى بن أبان رحمه ~~الله # فإن قال قائل كيف يكون الأول ناسخا للآخر # قيل له لم نقل ان الاول ناسخ للآخر وإنما قلنا إن ما ذكرناه من حال يدل ms314 ~~على أنه الثابت الحكم دون الآخر وأن الآخر لا ينفك من أحد معنيين إما أن ~~يكون غير ثابت في الاصل وإن كان ثابتا فهو محمول على معنى لا يخالف الأول ~~أو يكون منسوخا بالاول ولكن بمعنى آخر لم ينقل إلينا كما قلنا فيما دل ~~الإجماع على نسخه من الأخبار قال أبو بكر وما حكيناه عن عيسى من أن نسخ ~~الأول لو كان ثابتا لظهر فيهم كظهور الحكم الأول صحيح يجب اعتباره وذلك لأن ~~الحكم إذا ثبت وانتشر في الكافة ثم أحدث النبي عليه السلام نسخا فلا بد من ~~أن يظهره عليه السلام للكافة حتى يعرفوه كما كانوا عرفوا المنسوخ قبل نسخه ~~لأنه إذا علم أنهم ثابتون على الحكم الأول معتقدون لبقائه PageV02P292 ~~عليهم فغير جائز أن يقرهم على اعتقاد ثبوته والعمل به مع إيجاب نسخه لأنه ~~لو أقرهم على ذلك لكان فيه إقرارهم على اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه ~~وعلى العمل بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به ولكان فيه أيضا ترك الإبلاغ ~~الذي أمره الله تعالى به بقوله تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك @QE@ وقوله تعالى @QB@ فاصدع بما تؤمر @QE@ وكان صلى الله عليه وسلم ~~من أشد الناس مسارعة إلى اتباع أمر الله تعالى فوجب من أجل ذلك إظهار الحكم ~~الناسخ ممن عرف الحكم المنسوخ بدءا ومتى أظهره فيهم نقلوه كما نقلوا الأول ~~ولو نقلوه لاستفاض فيهم وظهر كظهور الأول فلما لم ينقل الحكم الآخر إلا ~~الشاذ منهم وثبت الحكم الأول بنقل الكافة كان الحكم الأول ثابتا غير مرفوع ~~بالشاذ الذي لا يوازيه في النقل والاستعمال # وأيضا فإن الحكم الآخر إذا كانت الحاجة إلى معرفته ماسة ثم عرف الأول ~~فالواجب توقيفهم عليه وإعلامهم إياه فيكون الحكم الناسخ بمنزلة الأشياء ~~التي تعم البلوى بها فلا يقبل فيه إلا نقل الكافة ولا يلتفت فيه إلى نقل ~~الشاذ فيصير الحكم بالآخر حينئذ بمنزلة ما لم يرد فيه نقل وصار الأول ثابتا ~~غير معارض بالآخر # قال أبو بكر رحمه الله ms315 وينبغي أن يكون كذلك حكم الآيتين إذا أوجبتا حكمين ~~لا يصح اجتماعهما على الوجوه التي ذكرها في الأخبار فإن قال قائل إنما وجب ~~ذلك من جهة أن عمل الناس بأحدهما يدل على ضعف الآخر ووهانته من طريق النقل ~~أو على PageV02P293 إغفال بعض الرواة لبعض معانيه وما جرى مجرى ذلك فيصير ~~المعمول به عند الناس كالمنقول من طريق التواتر والآخر كخبر الواحد فلا ~~يعترض به عليه وأما الآتيان فجواز وقوع ذلك فيهما مأمون منهما # قيل له ليس كذلك لأن عيسى لم يفرق ما بين الخبرين المتضادين إذا وردا من ~~جهة التواتر وبينهما إذا وردا من طريق الآحاد فعلمنا أنه لم يعتبر ما ذكرت ~~وعلى أنه لما اعتبر ظهور الحكم الناسخ أنه ناسخ كظهور المنسوخ كان عندهم ~~بدءا وجب ألا يختلف في ذلك حكم الآيتين والخبرين لأن نقل الناسخ منهما أنه ~~ناسخ واجب على من عمله كذلك كنقل لفظه وأحكامه وإذا لم ينقل أنه هو الناسخ ~~علمنا أن حكمه موكول إلى الاجتهاد واعتبار الأصول # قال أبو بكر وأما طرق الاستدلال على الحكم الناسخ منهما من جهة الأصول ~~فعلى وجوه كثيرة يتعذر وصف جميعها ولكنا نذكر منها جملا يعتبر بها نظائرها ~~وتدل على أمثالها # فنقول وبالله التوفيق إن مما يجب اعتباره في حكم الخبرين المتضادين إذا ~~لم يعلم تاريخهما وجاز على أحدهما أن يكون منسوخا بالآخر أن ما كان من ذلك ~~مباح الأصل ثم ورد فيه خبران أحدهما يوجب الإباحة والآخر الحظر فحكم الحظر ~~أولى ويصير خبر الحظر رافعا للإباحة # ومن الناس من لا يسمى ذلك نسخا إذا لم تكن الإباحة المتقدمة ثابتة من جهة ~~الشرع وليس غرضنا في هذا الموضع الكلام في أن ذلك يسمى نسخا أو لا يسمى لأن ~~ذلك كلام في العبارة فلا معنى للاشتغال به وإنما يجب أن يكون كلامنا في ~~المعنى وفي إثبات الحكم وزواله وفي أن أي الخبرين يجب أن يكون قاضيا على ~~الآخر ومزيلا لحكمه # فنقول إن الدلالة على صحة ما ذكرنا من وجوب القضاء بخبر ms316 الحظر دون ~~الإباحة أنا قد علمنا ورود النقل عن الإباحة التي كانت الأصل بخبر الحظر ~~والخبر المبيح جائز أن يكون وروده مؤكدا للإباحة التي كانت هي الأصل من ~~طريق دلالة العقل إذ ذلك غير ممتنع وفي القرآن والسنن منه ما يفوق الإحصاء ~~نحو قوله تعالى @QB@ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق @QE@ وقوله تعالى @QB@ فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه @QE@ ~~PageV02P294 وكقوله تعالى @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ ونحو ذلك # فإذا كان خبر الإباحة جائز أن يكون ورد مؤكدا لما كان في العقل منها وكان ~~خبر الحظر طارئا لا محالة على الإباحة وناقلا عنه إلى الحظر وجب أن يكون ~~حكم الحظر ثابتا وألا يعترض عليه بخبر الإباحة إن لم نتيقن وروده على الحظر ~~وناقلا عنه وقد روي نحو هذا الاعتبار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين ~~سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال أحلتهما آية وحرمتهما آية ~~والتحريم أولى فأثبت حكم الحظر عند تعارض موجب الآيتين فهذه الجملة قد كان ~~يقولها شيخنا أبو الحسن الكرخي رحمه الله في هذا المعنى وذلك نحو خبر جرهد ~~الأسلمي ومعمر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه أمر بتغطية الفخذ وقال ~~إنها عورة وما روي أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما دخلا على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وفخذه مكشوف فلم يغطها ثم دخل عثمان فغطاها فقيل له في ~~ذلك فقال أما أستحي من رجل تستحي منه الملائكة فاقتضى هذا الخبر إباحة كشف ~~PageV02P295 الفخذ واقتضى خبر جرهد ومعمر حظر كشفهما فصار خبر الحظر أولى ~~وكذلك ما روى عن النبي عليه السلام أنه نهى عن أكل الضب وروي عنه أنه إباحة ~~فكان خبر الحظر أولى لما وصفنا # فإن قال قائل فهلا وقفت حكم الحظر والإباحة فيما كان هذا وصفه على دلالة ~~أخرى من غير هذين الخبرين لأن خبر الحظر وإن كان يقينا في وردوه على إباحة ~~الأصل فإن بقاءه مع ورود خبر الإباحة ليس بيقين لجواز ms317 أن يكون خبر الإباحة ~~واردا بعد الحظر فيكون رافعا له وإذا كان ذلك جائزا فيهما فقد وقف كل واحد ~~من الخبرين موقف الاحتمال فلا يخلو حينئذ من أن يجعلا كأنهما لم يردا فيبقى ~~الشيء على حكم الإباحة المتقدمة أو يوقف حكمه ويطلب حكم حظره أو إباحته من ~~وجه غيرهما # قيل له لا يجب ذلك لأنا لما علمنا ورود الحظر على الإباحة وثبوت حكمه ~~بعده لم يجز لنا الحكم بزواله إلا بيقين لأن خبر الإباحة لو كان متأخرا عن ~~الحظر يعرفه من عرف الحظر فكان يجب أن ينقل الجميع تاريخ الإباحة متأخرا عن ~~الحظر لأنهم عرفوا الحظر بعد الإباحة المتقدمة كما قلنا في خبر زيارة ~~القبور وما ذكر معها ومتعة النساء ونظائرها فلما لم ينقلوا تاريخ الإباحة ~~متأخرا عن الحظر علمنا أن خبر الإباحة وارد PageV02P296 على الأصل الذي كان ~~عليه حال الشيء المحكوم فيه قبل ورود حظره # وأيضا فإن ما كان أصله الإباحة قبل ورود السمع ثم أقر النبي عليه السلام ~~الناس عليه وترك النكير عليهم في إتيانهم إياه على وجه الإباحة فإن ذلك ~~يكون بمنزلة الإخبار عن النبي عليه السلام بإباحته فلما لم يمنع ما كان ~~أصله ما وصفنا من القضاء بخبر الحظر عليه وإزالته عن حكم الإباحة المتقدمة ~~كذلك ورود خبر الإباحة مع خبر الحظر لا يمنع القضاء بالحظر دون الإباحة كما ~~لم يمنع النبي عليه السلام الناس عن إباحة شيء من إزالته بخبر الحظر # فإن قال قائل يلزمك على هذا الأصل أن تقضي بخبر إيجاب الوضوء من مس الذكر ~~على الخبر النافي له لأن خبر النفي وارد على الأصل وخبر الإيجاب ناقل عنه ~~فوجب حظر الصلاة قبل إحداث الطهارة بعد المس # قيل له لا يلزمنا ذلك لأن خبر الوضوء من مس الذكر لو انفرد عن معارضة خبر ~~النفي لما لزمنا قبوله على أصلنا لأنه مما بالناس إلى معرفته حاجة عامة فلا ~~يقبل فيه أخبار الآحاد وإنما ذكرنا الاعتبار الذي وصفنا في الخبرين إذا ~~توازيا وتساويا في النقل ووجه ms318 الاستعمال فأما إذا كانا على غير هذا الوجه ~~فلهما حكم آخر وكذلك يجب على هذا الاعتبار الذي قدمنا أن نقول لو علمنا ~~شيئا كان أصله الحظر ثم ورود خبر يبيحه وخبر يحظره يجب أن تكون الإباحة ~~أولى لأن الإباحة في هذه الحال طارئة على الحظر لا محالة والحظر يجوز أن ~~يكون تأكيدا لما كانت عليه حاله قبل ورود إباحته فخبر الإباحة ناقل عن ~~الحظر فلا يعلم خبر الحظر طارئا عليها ناقلا عنها فوجب أن يكون خبر الإباحة ~~أولى ما لم تعم الدلالة على ورود خبر الحظر بعد خبر الإباحة # ولا أحفظ عن أبي الحسن رحمه الله شيئا في هذا الفصل الأخير واعتلاله لما ~~ذكرنا في الفصل المتقدم يدل على أن خبر الإباحة في مثله أولى لما ذكرنا من ~~ثبوت ورودها على الحظر وإزالتها لحكمه يقينا وغير معلوم ورود خبر الحظر ~~عليها بعد ذلك بل جائز أن يكون ورد تأكيدا لما كان عليه حكم الحظر قبل ورود ~~الإباحة إلا أني قد سمعته PageV02P297 يحتج أيضا بوجوب استعمال خبر الحظر ~~دون الإباحة في الفصل المتقدم إذا وردا على الجهة التي وصفنا بأن ترك ~~المباح لا يستحق عليه العقاب وفعل المحظور يستحق عليه العقاب فالاحتياط عند ~~الشك اجتنابه والامتناع من موافقته # قال أبو بكر والذي يعضد هذا الحجاج قول النبي عليه السلام الحلال بين ~~والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وقال فمن ~~تركهن كان أشد استبراء لعرضه ودينه وقال عليه السلام إن لكل ملك حمى وحمى ~~الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه # قال أبو بكر والحجاج الذي حكيناه عن أبي الحسن في هذا الفصل يوجب أن ~~يختلف الحكم في وجوب اعتبار الحظر لاختلاف حال الشيء المحكوم فيه في الأصل ~~من حظر أو إباحة لأنه إذ كان المعنى الموجب لاستعمال خبر الحظر فيما وصفنا ~~ما لزم من الأخذ بالحزم والاحتياط للدين فهذا موجود فيما كان أصله الحظر ثم ~~ورد فيه خبران أحدهما حاظر والآخر ms319 مبيح وتجويز ورود خبر الحظر بعد الإباحة ~~قائم فالواجب أن يكون ما لزم من الاحتياط للدين والأخذ بالحزم موجبا للحظر ~~دون الإباحة # فإن قال قائل ليس في استعمال الحظر دون الإباحة احتياط ولا أخذ بالحزم من ~~الوجه الذي ذكرت لأنه محظور عليه اعتقاد الحظر فيما هو مباح كما حظر علينا ~~اعتقاد الإباحة فيما هو محظور فمن اعتقد الحظر فيما جاز أن يكون مباحا فهو ~~تارك للاحتياط # قيل له ليس كذلك لأنه إذ كان مأمورا بترك الإقدام على مالا يأمنه محظورا ~~وكان ذلك أصلا ثابتا في الشريعة وجب اعتباره فيما وصفنا وقد بينا ذلك فيما ~~سلف من القول في وجوب الأمر # قال أبو بكر رحمه الله وقد ذهب عيسى بن أبان إلى غير هذا المذهب الذي ~~حكيناه عن أبي الحسن رحمه الله فيما كان أصله الإباحة ثم ورد خبران حاظر ~~ومبيح ولم يعلم PageV02P298 تاريخهما فقال عيسى فيهما إذا عريا من شواهد ~~الأصول وتساويا في جهة النقل فإنهما إذا تعارضا ولم يحتملا الموافقة سقطا ~~وصارا كأنهما لم يردا وبقي الشيء على أصل الإباحة كأنه لم يرد فيه خبر وذكر ~~من نظائر ذلك حديث النبي عليه السلام كل شراب أسكر فهو حرام وما روي عنه ~~أنه أتي بنبيذ فرفعه إلى فيه فقطب فقيل له أحرام هو فدعاء بماء فصبه عليه ~~ثم شربه وروي عنه من خشي من شرابه فليكثره بالماء # وذكر أن خبر الإباحة أولى لأن الحظر لو كان ثابتا في مثله لعرفه جل ~~الصحابة وقد روي عنهم الإباحة ولأن خبر الحظر يحتمل المعاني وخبر الإباحة ~~لا يحتملها ثم قال بعد ذلك ولو لم يكن في واحد من الخبرين إلا وفي الآخر ~~مثله لكان الأمر عندنا على إحلاله لأن التحريم لا يثبت إذا تضاد الخبران ~~كذلك ما أشبه هذا من الأخبار المتضادة # وذكر أيضا خبر الوضوء من مس الذكر وما روي عن النبي عليه السلام أنه قال ~~لا وضوء فيه ثم ذكر وجوه الترجيح للخبر النافي للوضوء من ذلك ثم قال بعد ~~ذلك ms320 ولو لم يكن في ذلك إلا تضاد الخبرين ولم يكن لأحدهما ما ليس للآخر كان ~~الخبران كأنهما لم يأتيا وكان الأمر على أن لا وضوء فيه # وذكر عيسى بن أبان عن ابن عباس وابن عمر أن كل واحد منهما بعث رجلين ~~ينظران إلى الفجر فقال أحدهما قد طلع وقال الآخر لم يطلع فقال ابن عباس ~~اختلفتما إذا شذا بي وقال ابن عمر مثل ذلك # قال عيسى فأسقطا الخبرين عند التعارض وتركا الأمر على الأصل # قال أبو بكر رحمه الله فهذا المذهب خلاف ما حكيناه عن أبي الحسن رحمه ~~الله PageV02P299 # ووجه ما ذهب إليه عيسى رحمه الله أن كل واحد من خبري الحظر والإباحة لما ~~احتمل أن يكون طارئا على صاحبه فنسخه وجب أن يسقطا جميعا إذا تساويا كأنهما ~~لم يردا فيبقي الشيء على ما كان عليه حكمه قبل ورودهما وقد بينا وجه ما كان ~~يقوله أبو الحسن رحمه الله في ذلك # ومذهب أبي الحسن في هذا أظهر القولين عندي والله أعلم بالصواب # فإن قال قائل قلتم في رجل دعي إلى طعام أو شراب فقال له رجل مسلم ثقة إن ~~هذا اللحم ذبيحة مجوسي وهذا الشراب قد خالطه خمر وأخبره آخر أنه طاهر حلال ~~أو كان ذلك في ماء أراد الوضوء به وقال له أحد المخبرين قد حلته نجاسة وقال ~~الآخر هو طاهر أنه ينظر في ذلك فيعمل على آكد ظنه فإن لم يكن له رأي في ذلك ~~واستوت الحالان عنده جاز له أكل ذلك وشربه والوضوء به وأسقطتم الخبرين لما ~~تعارضا وجعلتموه بمنزلة ما لم يرد فيه خبر فهلا قلتم مثله في الخبرين ~~المتضادين إذا رويا عن النبي عليه السلام وتساويا في النقل ودلالة الأصول ~~أنهما يتعارضان ويسقطان # قيل له الفرق بينهما أن أخبار النبي عليه السلام لما جاز فيها ورود الحظر ~~على الإباحة ثم ورود الإباحة بعد الحظر وقد علمنا الحظر طارئا على الإباحة ~~لا محالة والإباحة لو وردت بعد الحظر لظهر أمرها وانتشر تاريخها فيمن عرف ~~الحظر لأن ms321 النبي عليه السلام كان لا محالة يظهر الإباحة لكافة من علم الحظر ~~حتى ينتشر فيهم ويظهر كظهور الحظر قبلها على نحو ما قلناه في خبر النهي عن ~~زيارة القبور وما ذكر معها ومتعة النساء ونحوها فلما فقدنا ذلك فيما وصفنا ~~دل ذلك على أن خبر الإباحة ورد على الأصل وأن خبر الحظر متأخر عنه وكانت ~~هذه جهة توجب لخبر الحظر مزية ليست الخبر الإباحة وتغلب PageV02P300 بها في ~~النفس أنه أولى منه كما قلنا في المخبرين إذا أخبر أحدهما بنجاسة الطعام ~~والشراب والآخر بطهارته أنه متى غلب في الظن صحة أحد الخبرين عملنا عليه ~~وألغينا الآخر فالخبران المتضادان عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات ~~حكم الحظر دون الإباحة بمنزلة غلبة الظن في خبر أحد المخبرين بالنجاسة ~~والطهارة ولا يشبه تساوي الخبرين المتضادين في هذا الوجه تساوي خبر ~~المخبرين في الطهارة والنجاسة فيسقطان ويبقى الشيء مباحا على الأصل لأنه ~~غير جائز ارتفاع حكم النجاسة بعد حلولها في الطعام أو الشراب فيعتبر فيه ~~ورود الإباحة على الحظر وظهور أمرها لو ثبت على حسب ما قلنا في أخبار النبي ~~عليه السلام فلما لم يكن هاهنا حال يغلب بها جهة الحظر دون الإباحة تساوي ~~الخبران جميعا وسقطا ولم يثبت لهما الحكم وصارا كأنهما لم يردا وبقي الشيء ~~على أصل الإباحة # فإن قال قائل إن كانت العلة في تغليب جهة الحظر على الإباحة ما ذكرت من ~~أن الإباحة لو كانت بعد الحظر لظهر أمرها وانتشر تاريخها حتى يعرفها عامة ~~من عرف الحظر فإن ذلك يلزمك مثله في الإباحة لأن الحظر لو كان ثابتا بعد ~~الإباحة لظهر تاريخ الحظر عنها ولعرفه عامة من عرف الإباحة متأخرا عنها # قيل له لا يجب ذلك لأن ورود خبر الإباحة ليس بأكثر في إيجابه ما أوجب من ~~ذلك بأكثر من علمنا بكون الشيء مباحا على الأصل وإقرار النبي عليه السلام ~~الناس عليها ثم لم يجب إذا ورد خبر الحظر عاريا عن خبر الإباحة لفظا عن ~~النبي عليه السلام أن ms322 تكون الإباحة أولى بل أن يكون الحظر أولى ولا يحتاجون ~~أن ينقلوا إلينا أن هذا الحظر كان بعد إقرار النبي عليه السلام الناس على ~~الإباحة المتقدمة كذلك إذا نقل لفظ الإباحة عن النبي عليه السلام ونقل ~~الحظر فليس يجب عليهم ذكر ورود الحظر بعد الإباحة لأن ذلك قد علم كونه على ~~هذا الوجه فلا يحتاج فيه إلى نقل التاريخ وأما إذا ثبت الحظر ثم نقلوا عنه ~~إلى الإباحة فلا بد من نقل تاريخه وظهوره فيمن عرف الحظر فإذا لم يوجد بهذا ~~الوصف فعلى أن الإباحة واردة على ما كان عليه الأصل وأن الحظر وارد بعدها ~~فكان أولى # فإن قال قائل ما ذكرت في الفصل بين أخبار النبي عليه السلام وبين خبر ~~PageV02P301 المخبرين بالطهارة والنجاسة بأن ما يثبته النبي عليه السلام من ~~ذلك شرعا يجوز فيه ورود الإباحة على الحظر تارة وورود الحظر على الإباحة ~~أخرى وأن ذلك ممتنع في مخالطة النجاسة للطعام والشراب لأنه لا يصير طاهرا ~~بعد أن كان نجسا فوجب تأكيد حبر النجاسة والتحريم على خبر الطهارة والتحليل ~~لأنه إذا حلته النجاسة فغير جائز أن تطهر بعده وما حظره النبي عليه السلام ~~يجوز أن يبيحه بعده # قيل له لا يجب ذلك من قبل أنا لم نجعل الفصل بين المسألتين أن أحدهما ~~يجوز فيها ورود كل واحد من حظر أو إباحة على صاحبه وأن الأخرى لا يجوز فيها ~~ورود الإباحة بعد الحظر فحسب دون ما ذكرنا من أن أخبار الشرع في الحظر ~~والإباحة لما جاز فيها ورود الإباحة على الحظر وقد علمنا صحة الحظر طارئا ~~على الإباحة امتنع وجود الإباحة بعده إلا مع ورود تاريخهما متأخرا عن الحظر ~~منتشرا ظاهرا عند من ثبت عنده الحظر أو أكثرهم فلما عدمنا ذلك علمنا أن خبر ~~الإباحة وارد على الأصل وأن خبر الحظر بعده و قلنا إن مثل ذلك ممتنع في خبر ~~المخبرين بالنجاسة والطهارة لامتناع ورود الطهارة على الماء بعد ورود ~~النجاسة فلم يكن ها هنا جهة توجب كون إثبات النجاسة ms323 أولى من إثبات الطهارة # ويبين ويبين لك الفصل بينهما أنك لا تخالفنا في صحة خبر الحظر طارئا على ~~إباحة الأصل وإنما تريد إثبات الإباحة التي هي قول من النبي عليه السلام أو ~~فعل طارئ على الحظر ولا نقول مثله في خبر المخبرين بالنجاسة والطهارة لأنك ~~تمنع إثبات الطهارة بعد النجاسة وإنما عارضت أحدهما بالآخر فاسقطتهما جميعا ~~وبقيت الشيء على ما كان عليه حاله قبل خبر المخبرين # ومما يدل على الفصل بين خبر النجاسة والطهارة وبين أخبار الشرع في الحظر ~~والإباحة أن المخبرين بالنجاسة والطهارة إنما تناول خبراهما عينا واحدة ~~أخبر أحدهما PageV02P302 بنجاستها والآخر بطهارتها ويستحيل وجود مخبريهما ~~على ما أخبرا به من حكم المخبر عنه فلما كان كذلك علمنا أن أحد المخبرين قد ~~أوهم في خبره وأخبر عن الشيء على خلاف حقيقة حاله فلما لم يعرف الغالط ~~منهما ولم يكن أحدهما أولى بقبول خبره من الآخر سقط الخبران جميعا فصار ~~وجود خبريهما على هذا الوصف قادحا في نفس الخبر وليس كذلك حكم أخبار الشرع ~~إذا وردت متعارضة في الحظر والإباحة لأن ورودها على هذا الوجه لم يقدح في ~~نفس الخبر ولم يوجب كونه مشكوكا فيه إذ لا فرق عندنا في ذلك بين ما ورد من ~~طريق التواتر ومن جهة الآحاد وإنما تعارض الخبران من حيث فقدنا العلم ~~بتاريخهما لأنهما لم يردا في حكم شيء واحد في حال واحدة ألا ترى أن خبر ~~الحظر إذا ورد على ما علمت إباحته في الأصل وقد أقر النبي عليه السلام ~~الناس عليها أنه يقضي على الإباحة ويرفعها ولا يكون ذلك تعارضا ولا تضادا ~~في الخبرين لأن ما حظر من ذلك غير ما كان مباحا فلم يرد الخبران في عين ~~واحدة في حال واحدة أنه محظور مباح فلما كان ذلك كذلك ثبت حكم الحظر دون ~~الإباحة للعلة التي ذكرنا وكان خبر الإباحة صحيحا محكوم به أيضا إلا أنه ~~قبل الحظر في غير ما ورد فيه الحظر فلذلك لم يتعارضا على هذا الوجه لأن ~~الخبرين جميعا ms324 في إثبات الإباحة والحظر ثابتان إلا أنا حكمنا بتقدم الإباحة ~~على الحظر وأثبتنا الحظر بعدها فالكلام في ذلك إنما هو في تاريخ الحكمين ~~أيهما المتقدم لصاحبه # وأما المخبران بطهارة الماء أو بنجاسته فإن كل واحد منهما يثبت ما أخبر ~~به في حال يثبت صاحبه فيها ضده فلم يصح ثبوتهما إذا تساويا ولم يجر الحكم ~~بتأخير حلول النجاسة عن الحال التي أخبر المخبر الآخر منهما بالطهارة لأن ~~المخبر بالطهارة يزعم أنه طاهر في الحال وأن ما أخبر به ثابت الحكم والمخبر ~~بالنجاسة يقول هو نجس في الحال لا يجوز استعماله فتناول خبرهما عينا واحدة ~~بحكمين متضادين فتعارض موحب خبرهما عند استواء حالهما وسقط كأن لم يرد وبقي ~~الشيء على ما كان عليه ومن حكم الإباحة ويكون هذا نظير شاهدين شهدا على رجل ~~أنه قتل عمرا يوم النحر بالكوفة وشهد آخران PageV02P303 أنه قتل زيدا يوم ~~النحر بمكة فتبطل شهادة الفريقين لتضادهما إذ قد علمنا كذب أحدهما وكل واحد ~~منهما يثبت كونه بالموضع الذي ذكره في شهادته في الحال التي أثبت الآخر ~~كونه بالموضع الآخر وذلك متناف متضاد لا يصح إثباته وليس أحد الفريقين ~~بأولى بقبول شهادته من الآخر فسقطت شهادتهما جميعا فقد تبين بما ذكرنا أن ~~مسألة السائل عما وصفنا ليست من تعارض الخبرين المتضادين اللذين يجوز على ~~كل واحد منهما أن يكون هو الناسخ لصاحبه في شيء وإنما نظير المسألة التي ~~سأل عنها السائل أن يرد خبران متضادان في عين واحدة يخبر كل واحد منهما عنه ~~بحال تضاد ما أخبر عنه به صاحبه فيحتاج حينئذ فيه إلى اعتبار آخر نحو ما ~~روي أن النبي عليه السلام تزوج ميمونة وهو محرم وما روي أنه تزوجها وهو ~~حلال وكان ذلك تزويجا واحدا ونحو ما PageV02P304 روي أن زوج بريرة كان حرا ~~فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أعتقت وروي أنه كان عبدا وما روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة حين دخلها وروي أنه لم يصل فيها ~~وليس ذلك ms325 من الناسخ والمنسوخ في شيء وله شروط أخر سنذكرها إن شاء الله ~~تعالى إذا انتهينا إلى موضع الكلام في الخبرين المتضادين PageV02P305 $ فصل # من هذا الباب قال أبو بكر رحمه الله وأما إذا ورد خبر ان في أحدهما إيجاب ~~شيء وفي الآخر حظر وهما مما لا يجوز أن يكون أحدهما ناسخا للآخر على حسب ما ~~قدمنا فإن ما ورد فيه ذلك لا يخلو من أن يكون من خبر المباح قبل ورود السمع ~~أو من خبر المحظور فإن كان قبل ورود السمع من خبر المحظور الذي يجوز ~~استباحته على حسب مجيء السمع بها فقد علمنا يقينا ورود الإيجاب على الحظر ~~وإزالته لحكمه # وجائز أن يكون خبر الحظر واردا على جهة التأكيد لما كان عليه حاله قبل ~~ورود السمع فالحكم في مثله ينبغي أن يكون الإيجاب للعلة التي وصفنا # وإن كان ذلك الشيء في الأصل قبل ورود السمع من خبر المباح فليس ورود ~~الحظر بأن يكون طارئا على إباحة الأصل بأولى من ورود خبر الإيجاب عليها ~~فإذا لم يكن معنا تاريخ فليس أحد الخبرين بأولى بالحكم من الآخر فالواجب ~~حينئذ طلب الدليل على الثابت من حكم الخبرين والاستدلال بالأصول عليه فإن ~~لم يكن في الأصول ما يشهد لثبوت حكم أحد الخبرين دون الآخر فإنه يحتمل أن ~~يقال إن الواجب في مثله أن يتعارضا وأن يسقطا ويصيرا كأنهما لم يردا ويحتمل ~~أن يقال إن الواجب الامتناع من الفعل لأنه غير جائز لنا الإقدام على فعله ~~على أنه طاعة ولم يثبت ذلك عندنا # وغير جائز أيضا فعله على وجه الإباحة لأن المخبرين قد أخرجاه من حيز ~~الإباحة وألحقاه بحكم الحظر أو الإيجاب والاحتياط في مثله الكف عن الإقدام ~~لأنه ليس بمباح فيفعل على وجه الإباحة ولا يعلمه واجبا ولا مندوبا إليه ~~فيفعله على هذا الوجه فالاحتياط به إذن لم يثبت إيجابه وعلى أنا بحمد الله ~~لم نجد خبرين أحدهما يحظر والآخر يوجب إلا والدلائل قائمة على ثبوت أحدهما ~~دون الآخر إما من جهة العلم بتاريخهما ms326 أو قيام دلائل من الأصول على الثابت ~~منهما # وإنما تكلمنا على حال عدم الدليل على ثبوت حكمهما وتساويهما في موجب ~~لفظهما لستويا في الكلام في المسألة حسب ما يقتضيه أقسام الاحتمال ~~PageV02P306 # ومما يستدل به على الناسخ أن يرد خبران متضادان مع احتمال نسخ أحدهما ~~بالآخر فيختلف أهل العلم في الناسخ منهما بعد اتفاق الجميع على نسخ بعض ~~أحكام أحدهما فيدل ذلك من أمره على أنه متقدم على الخبر الذي لم يتفق على ~~نسخ شيء منه فواجب أن يكون ما اتفق على نسخ بعضه منسوخا بالآخر لدلالة ~~الاتفاق على أن بعض ما فيه قد نسخ بالآخر وأن الآخر قد صار متأخرا عنه في ~~وجوب نسخ بعضه وذلك نحو ما روي أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه إذا ركع ~~وإذا رفع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود وإذا نهض إلى القيام # وروي عن عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى وقد اتفق الجميع على ترك الرفع ~~عند السجود وعند رفع رأسه منه وإذا نهض إلى القيام فدل على أن خبر رفع ~~اليدين في هذه الأحوال متقدم لخبر الترك فوجب أن يجعل منسوخا به وذلك لأنه ~~لم يثبت هنا خبر يوجب نسخ الرفع عند السجود وبعده إلا الخبر الذي روي فيه ~~ترك الرفع في الركوع وفي سائر أحوال الصلاة إلا عند الافتتاح وإذا ثبت أن ~~هذا هو الناسخ للرفع عند السجود صار متأخرا عنه في التاريخ فوجب أن ينسخ ~~الرفع عند الركوع إذ ليس في لفظه وما يقتضيه عمومه فرق بين الرفع عند ~~الركوع وعند السجود # ونظيره أيضا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في المغرب والعشاء ~~والفجر وفي سائر الصلوات وروي عنه ترك القنوت في سائر الصلوات واتفق الجميع ~~على تركه في PageV02P307 المغرب والعشاء والظهر والعصر فدل على أن خبر ~~الترك متأخر عنه فوجب أن يكون ناسخا لجميعه إذ كان قد قضى عليه ms327 وأوجب نسخ ~~بعضه وغير جائز أن يقال إن فعل القنوت في المغرب والعشاء لم ينسخ بهذا ~~الخبر لأنه ليس معنا خبر غيره يوجب نسخه فوجب أن يحكم بأنه الناسخ دون غيره ~~كما أنا إذا وجدنا الأمة مجتمعة على معنى مذكور في القرآن والسنة وجب أن ~~يحكم بأن الإجماع حصل عن القرآن أو السنة فكذلك ما وصفنا ومثله ما روي عن ~~النبي عليه السلام في صفة صلاة الكسوف أنه ركع ركوعين ثم سجد وروي أنه ركع ~~ثلاث ركعات ثم سجد وروي أنه ركع أربع ركعات ثم PageV02P308 سجد وروي أنه ~~صلى كهيئة صلاتنا وأنه قال صلوا كأحدث صلاة صليتموها # وقد اتفق الجميع على أنه لا يركع في ركعة أكثر من ركوعين فصار ما زاد على ~~الركوعين منسوخا بخبر ما فعلمنا أنه متأخر فوجب أن يكون متأخرا عن الركوعين ~~أيضا ناسخا لهما كنسخه لما زاد عليهما # ومما يستدل به على النسخ أيضا أن يكون أحد الحكمين متفقا على استعماله ~~والآخر مختلفا في استعماله فالواجب فالواجب فيما كان هذا سبيله أن يقضى فيه ~~بالمتفق عليه على المختلف فيه فيصير ناسخا له إن اقتضى لفظه رفع جميعه وإن ~~اقتضى رفع بعضه كان ناسخا لذلك البعض وذلك نحو قوله تعالى @QB@ واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم @QE@ الآية وروي عن النبي عليه السلام أنه قضى بشاهد ~~ويمين فلو ثبت الخبر على الوجه الذي يدعيه المخالف لكانت الآية ناسخة له ~~لاتفاق الجميع على ثبات حكمها واختلافهم في ثبوت حكم الخبر ونحو وقول النبي ~~عليه السلام التمر بالتمر مثلا بمثل ونهيه عن PageV02P309 المزابنة فهذان ~~الخبران متفق على استعمالهما وخبر الخرص والعرايا مختلف فيهما فهما منسوخان ~~بهما ولذلك نظائر كثيرة قد ذكرنا بعضها فيما سلف من القول في العام والخاص ~~PageV02P310 # وأما الاستدلال على الناسخ من الخبرين بالقياس والنظر فنحو ما ذكرنا عن ~~عيسى بن أبان رحمه الله تعالى فيما روي عن النبي عليه السلام أنه قال ~~توضئوا مما مست النار وروي عنه أنه أكل مما مست النار ثم صلى ولم يتوضأ # وروي ms328 فيه عن السلف اختلاف فكان ترك الوضوء منه أشبه بالسنة لأنا لم نر ~~الوضوء في السنة القائمة إلا في الأنجاس الخارجة وكذلك ما روي في الوضوء من ~~مس الذكر وقد روي فيه أنه لا وضوء فيه ووجدنا كمس ما هو أنجس من الذكر فلا ~~يجب فيه الوضوء فكان الأمر فيه عندنا أن لا وضوء فيه # فاستدل عيسى بشهادة الأصول لأحد الخبرين ومعاضدة القياس له على بيان حكمه ~~دون الآخر # قال أبو بكر رحمه الله ومن نظائر ذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه ~~قال في المحرم الذي وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ~~ملبيا وروى عن PageV02P311 ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال غطوا رءوس موتاكم ولا تشبهوا باليهود وروى عنه عليه السلام ~~أنه قال إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم يعمل به بعد ~~موته وولد صالح يدعو له فكان النظر معاضدا لهذين الخبرين ومنافيا لخبر ~~النهي عن تغطية رأس المحرم لاتفاق الناس على أن من مات محرما لا يوقف به ~~بعرفة ولا بالمزدلفة ولا يطاف به ولا يفعل به سائر أفعال المناسك فدل على ~~انقطاع إحرامه وعلى أن خبر النهي عن تخمير رأسه منسوخ بالخبرين اللذين ~~ذكرنا وكذلك ما روي عنه عليه السلام أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وروي أنها ~~تتوضأ لوقت كل صلاة فكان الخبر الذي ذكرنا فيه اعتبار الوقت أولى من قبل ~~أنا قد وجدنا في الأصول طهارة مقدرة بوقت وهو المسح على الخفين وليس منها ~~طهارة مقدرة بفعل الصلاة ونظيره أيضا ما روي من الأخبار المتضادة في صلاة ~~الكسوف فقلنا إن خبرنا أولى لاتفاق الجميع على سائر الصلوات ليس فيها الجمع ~~بين ركوعين من غير سجود بينهما فكانت الأصول شاهدة بخبرنا فدل على أنه ناسخ ~~لسائر الأخبار التي تخالفه ونظائر ذلك كثيرة وفيما ذكرنا تنبيه على ما ~~تركنا وقد تقدم ذكر الدلالة في مواضع على أن شهادة الأصول لحكم أحد ms329 الخبرين ~~يوجب كونه أولى مما تنافيه الأصول في مواضع فكرهنا إعادته مخافة التطويل ~~PageV02P312 $ فصل # من هذا الباب قال أبو بكر قد بينا فيما سلف من هذا الباب أن الزيادة في ~~النص إذا وردت بعد استقرار حكمه منفردا عنها كان نسخا وأن الزيادة إن وردت ~~متصلة بالنص معطوفة عليه كاتصال الاستثناء بالجملة فإنهما جميعا مستعملان ~~فيكون النص مستعملا بالزيادة الواردة معه وغير جائز في مثله إفراد أحدهما ~~عن الآخر كما لا يجوز إفراد الجملة عن الاستثناء # ونذكر الآن حكم الزيادة إذا وردت وقد ورد النص منفردا عنها ولا نعلم ~~تاريخهما # فنقول إن الزيادة إن كانت وردت من جهة ثبت النص بمثلها فإن طريقه ~~الاستدلال بالأصول فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معا ~~أثبتناهما فإن شهدت بالنص منفردا عنها أثبتناه دونها وإن لم يكن في الأصول ~~دلالة على إسقاط حكم الزيادة وإثبات النص دونها فالواجب أن يحكم في ذلك ~~بورودهما معا ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا وردا ولا نعلم تاريخهما ولا ~~في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر فيكونان مستعملين جميعا # كذلك إذا وردت الزيادة والنص ولم نعلم تاريخها ولا مع أحدهما دلالة من ~~الأصول ولا استعمال الناس للنص دون الزيادة فالحكم بورودهما معا واجب فيكون ~~النص ثابتا بزيادته # وأما إذا كان ورود النص من جهة توجب العلم بموجبه نحو أن يكون نص الكتاب ~~أو سنة ثابتة بالنقل المستفيض وكان ورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد فإنه ~~لا يجوز إلحاقها بالنص الثابت بالكتاب أو بالنقل المستفيض لأن الزيادة لو ~~كانت ثابتة موجودة مع النص لنقلها إلينا من نقل النص إذ غير جائز أن يكون ~~المراد إثبات النص معقودا بالزيادة فتقتصر النبي عليه السلام على إبلاغ ~~النص منفردا منها فواجب PageV02P313 إذن أن يذكرها معه ولو ذكرهما معا لنقل ~~الزيادة من نقل النص # فإن كان النص مذكورا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغير جائز أن ~~يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على تلاوة الحكم المنزل في ms330 القرآن دون أن ~~يعقبها بذكر الزيادة لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكن استعماله بنفسه ~~يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه نحو قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ فإن كان الحد هو الجلد والنفي أو الجلد ~~والرجم فغير جائز أن يتلو النبي عليه السلام الآية على الناس عارية من ذكر ~~النفي والرجم عقيبها لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها ~~ولأن المذكور فيها هو كمال الحد الواقع موقع الجزاء عند إيقاعه ولو كان ~~هناك معه نفي أو رجم مستحق بالفعل لكان الجلد بعض الحد وغير جائز أن يكون ~~مراده أنه بعض الحد وأنه جميعه فإذا أخلى النبي عليه السلام التلاوة من ذكر ~~النفي والرجم عقيبها فقد ألزمنا اعتقاد الجلد المذكور في الآية حدا كاملا ~~فغير جائز إلحاق الزيادة به إلا على وجه النسخ ألا ترى أنه لما قال عليه ~~السلام اغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يذكر معه جلدا ~~كان ذلك نسخا لما في حديث عبادة بن الصامت عن النبي عليه السلام من قوله ~~والثيب بالثيب الجلد والرجم # وكذلك لما رجم ما عزا ولم يجلده دل على أنه نسخ الجلد مع الرجم # كذلك يجب أن يكون قوله تعالى @QB@ الزانية والزاني @QE@ عاريا عن ذكر ~~النفي والرجم موجبا لنسخ النفي المذكور في حديث عبادة بن الصامت البكر ~~بالبكر جلد مائة وتغريب عام فلو كانت هذه الزيادة ثابتة مع الأصل لذكرها ~~النبي صلى الله عليه وسلم عقيب التلاوة ولو ذكرها لنقلتها الكافة التي نقلت ~~الأصل إذ غير جائز عليهم أن يعلموا الحد الجلد PageV02P314 والنفي جميعا ~~فينقلوا الجلد دون النفي كما لا يجوز أن ينقلوا بعض الحد دون بعض وقد سمعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الجميع فلما عدمنا نقل الكافة للزيادة حسب ~~نقلها للنص علمنا أنه لم يكن من النبي عليه السلام عقيب التلاوة ذكر ~~الزيادة إذ كان السامعون للآية معتقدين نقل الزيادة المذكورة مع الأصل وغير ~~جائز عليهم التبعيض وترك النقل فيما ms331 كان هذا وصفه فامتنع من أجل ذلك إلحاق ~~الزيادة بالنص من جهة توجب العلم بنقل الكافة إياها فلا تخلو حينئذ الزيادة ~~الواردة من جهة الآحاد إن كانت ثابتة من أن تكون قبل النص أو بعده # فإن كانت بعده فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكر الزيادة وإن كانت بعده ~~فهذا يوجب نسخ الآية وغير جائز نسخ الآية بخبر لا يوجب العلم ومن نحو ذلك ~~قوله تبارك وتعالى @QB@ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا @QE@ والقياس الذي ~~شرط في الرقبة الإيمان يوجب نسخ ما في الآية على الوجه الذي بينا # ومن جهة أخرى إن النبي عليه السلام أعتق رقبة وكذلك قال للذي سأله عن ~~الإفطار في شهر رمضان أعتق رقبة ولم يشرط فيها الإيمان مع علمه بجهل السائل ~~بالحكم فلا يجوز زيادة شرط الإيمان فيها إلا على وجه النسخ وهذا يمنع ~~استعمال القياس وإلحاق شرط الإيمان بها من وجهين # أحدهما أن نسخ الآية لا يجوز بالقياس # والثاني أن القياس لو أوجب شرط الإيمان فيها لأخبره النبي عليه السلام ~~بذلك لئلا يعتقد السائل غيره ولئلا يقدم في الحال على تنفيذها في رقبة ~~كافرة إذ قد أمره بعتقها في الحال ألا ترى أنه لما قال عليه السلام اغد يا ~~أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها عقلنا من هذا أنه لا شيء عليها غير ~~الرجم إذ كان مأمورا في الحال بتنفيذ هذا PageV02P315 الحكم وإمضائه على ~~هذا الوجه فوجب أن يكون هذا الحد لا غير # كذلك أمره السائل برقبة مطلقة في الحال أي رقبة كانت يقتضي أن تكون هي ~~الواجبة كافرة كانت أو مسلمة # وأما إذا كان ثبوت النص من جهة أخبار الآحاد فإنه جائز إلحاق الزيادة به ~~بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به على الاعتبار الذي ذكرنا في ~~الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما ولم يرد مع النص في خطاب واحد ~~معطوف بعضه على بعض وإذا كانت واردة مع النص في خطاب واحد فليست هذه زيادة ~~في النص على الحقيقة بل الجملة ms332 كلها هي النص فجميعها ثابت الحكم # وأما القياس فإنه لا يجوز وقوع النسخ به وهذا ما لا نعلم فيه خلافا بين ~~السلف والخلف ممن يعتد بقوله # وحكي لي عن بعض من كان ببغداد من أذناب المتأخرين أنه كان يجيز نسخ ~~القرآن قياسا على نص في القرآن وكذلك نسخ السنة قياسا على سنة أخرى # والذي يحكى عنه هذا القول خامل غير معروف من أهل العلم وخلافه في ذلك ~~كخلاف رجل من العامة لا يعتد به لو خالف على أهل عصره فكيف به إذا خالف على ~~السلف والخلف جميعا من أهل الأعصار المتقدمة وهو مع ذلك قول مخالف للمأثور ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إباحة الاجتهاد عند عدم النص فمنه ما ~~روي بالنقل الشائع الذي تلقاه الناس بالقبول أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن جاءك شيء ليس ~~في كتاب الله قال أقضي بما قضى به رسول الله قال فإن جاءك شيء ليس في كتاب ~~الله ولا فيما قضى به رسول الله قال أجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق ~~رسوله لما يحبه رسول الله PageV02P316 # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن جواز الاجتهاد مقصور على عدم النص المتوارث ~~عن الصدر الأول ومن بعدهم من فقهاء سائر الأعصار إذا ابتلوا بحادثة طلب ~~حكمها من النص ثم إذا عدموا النص فزعوا إلى الاجتهاد والقياس ولا يسوغون ~~لأحد الاجتهاد واستعمال القياس مع النص ألا ترى إلى ما روي عن جماعة من ~~الصحابة من أتاه منكم أمر ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله فليجتهد رأيه ~~وكان عمر رضي الله عنه إذا نزل به نازلة من أمر الأحكام سأل الصحابة هل ~~فيكم من يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شيئا فإذا روي له فيها ~~أثر قبله ولم يفتقر معه إلى مشاورة ولا اجتهاد فإذا عدم حكمها في الكتاب ~~والسنة فزع إلى مشاورة الصحابة وإلى اجتهاد الرأي فيها # وكذلك ms333 كان أمر سائر الصحابة والتابعين ومن بعدهم إنما كانوا يفزعون إلى ~~النظر والاستدلال عند عدم النصوص ولم يحك عن أحد منهم مقابلة النص بالقياس ~~ولا معارضته بالاجتهاد # ومما يدل على صحة ما قلنا أن نص القرآن والسنة الثابتة من طريق التواتر ~~يوجبان PageV02P317 العلم بما تضمناه والقياس الشرعي لا يفضي إلى العلم ~~بموجبه وإنما هو غالب ظن فغير جائز رفع ما أوجب العلم بما لا يوجبه وقد ~~بينا ذلك فيما سلف من القول في تخصيص النص بالقياس # فإن قال قائل يلزمك على هذا ألا تزيل الإباحة الثابتة في الأصل من غير ~~جهة الشرع بالقياس وخبر الواحد لأن ثبوتها من طريق الدلائل العقلية الموجبة ~~للعلم # قيل له هذا غلط من قبل أن العقل وإن دل على إباحة أشياء في الجملة فإنا ~~متى قصدنا إلى استباحة شيء منها بعينه فإنما نستبيحه من طريق الاجتهاد ~~وغالب الظن # ألا ترى أنه لو غلب في ظننا أن علينا في تناوله ضررا أكثر مما نرجو من ~~نفعه لم يجز لنا تناوله وهذا الضرب من الاستباحة طريقه غلبة الظن لا حقيقة ~~العلم لأن الإباحة لما كانت معقودة بألا يلحقنا ضرر أكثر مما نرجو من نفعه ~~وكان هذا المعنى موقوفا على غلبة الظن بطل قول القائل أن إستباحة هذه ~~الأشياء في الجملة من طريق يوجب العلم وهذا نظير ما نقول إنه قد ثبت من ~~طريق يوجب العلم قبول شهادة شاهدين عدلين في الديون بقوله تعالى @QB@ ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم @QE@ ثم إذا أردنا قبول شهادة شاهدين بأعيانهما ~~كان طريق قبولهما الاجتهاد وغلبة الظن لا من جهة تفضي إلى العلم بصحة ~~مقالتهما فكذلك ما وصفنا # وأيضا فإن النسخ لما كان بيانا لمقدار مدة الحكم وكان لا سبيل إلى إثبات ~~المقادير من طريق المقاييس كتوقيت مقدار فرض الصوم وركعات الظهر لم يجز ~~إثبات النسخ بالقياس لما فيه من تقدير مدة الفرض PageV02P318 PageV02P319 ~~PageV02P320 & باب القول فيما ينسخ بعضه ببعض وما لا ينسخ # قال أبو بكر رحمه الله قد ثبت نسخ القرآن بقرآن مثله وقد ms334 تقدم بيانه # وكذلك نسخ السنة بسنة مثلها وقد تقدم ذكره # وجائز عندنا نسخ السنة بالقرآن ونسخ القرآن بالسنة الثابتة من طريق ~~التواتر PageV02P321 # ولا يجوز نسخ القرآن ولا نسخ السنة الثابتة من جهة التواتر بخبر الواحد # ويجوز نسخ ما ثبت بخبر الواحد بمثله وبما هو آكد منه # وجملة الأمر فيه أن ما ثبت من طريق يوجب العلم فجائز نسخه بما يوجب العلم # فلا يجوز نسخه بما لا يوجب العلم وما ثبت من طريق لا يوجب العلم وإنما ~~يوجب العمل فجائز نسخه بمثله وبما هو آكد منه مما يوجب العلم $ فصل # والدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن قوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء @QE@ فإذا كان النسخ بيانا لمدة الحكم على ما بينا اقتضى ~~عموم الكتاب جواز نسخ السنة به # وأيضا لما جاز نسخ السنة بوحي ليس بقرآن وجب أن يجوز نسخها أيضا بوحي هو ~~قرآن لأنهما وحي من الله تعالى # وأيضا لا خلاف بين السلف في جواز نسخ السنة بالقرآن لأن الروايات قد ~~تظاهرت عنهم في أشياء من السنن ذكروا أنها منسوخة بالقرآن منها ما روي في ~~شأن القبلة أن النبي لما قدم المدينة صلى بضعة عشر PageV02P322 شهرا إلى ~~بيت المقدس ثم أنزل الله تعالى @QB@ فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ ونسخ ~~به التوجه إلى بيت المقدس # وروى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب فقال الناس ~~يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها فأنزل الله تعالى ~~@QB@ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~@QE@ # قال أبو بكر فأخبر أن نسخ قتل الكلاب كان بالآية # وروي أنهم كانوا يشربون الخمر حتى نزل قوله تعالى @QB@ يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس @QE@ ثم أنزل قوله @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه @QE@ # وروي أنه قد كان الأكل والشرب والجماع محظورا عليهم في ليالي الصوم بعد ~~النوم فأنزل الله ms335 تعالى @QB@ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر @QE@ فنسخ به الحظر المتقدم # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشا على أنه يرد إليهم من جاءه ~~من نسائهم بغير إذن وليها فنسخ ذلك بقوله تعالى @QB@ فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار @QE@ الآية # روي عن جماعة من السلف أنه رد عليه السلام زينب على أبي العاص منسوخ ~~بقوله تعالى @QB@ لا هن حل لهم @QE@ وقال قتادة كان رده إياها إليه قبل أن ~~تنزل سورة PageV02P323 براءة فرأى أن هذا الحكم منسوخ بسورة براءة يعني ~~والله أعلم قوله تعالى @QB@ فاقتلوا المشركين @QE@ # وروي أن الناس كانوا يدخلون على النبي عليه السلام ونساؤه عنده فأنزل ~~الله آية الحجاب بعد أن كن غير محجبات # ومنها تبني النبي عليه السلام زيد بن حارثة وتبني أبي حذيفة سالما نسخه ~~قوله تعالى @QB@ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله @QE@ # وكان النبي عليه السلام أمرهم في حجة الوداع بفسخ الحج وقال عمر بن ~~الخطاب ذلك منسوخ بقوله تعالى @QB@ وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ # ونظائر ذلك كثيرة وقد اعترض بعض المخالفين على هذا وزعم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد كان يقف من تأويل مجمل الكتاب على مالا يشركه في الوقوف ~~عليه أحد من أمته فليست له سنة لا كتاب فيها إلا وقد يحتمل أن يكون لها في ~~الكتاب جملة تدل عليها فخص الله تعالى رسوله بعلم ذلك فلم يثبت أن آية نسخت ~~سنة لأن تلك السنة قد تكون مأخوذة من جملة هذا الكتاب وإن خفي علينا علم ~~ذلك # قال أبو بكر وهذا الكلام بين الانحلال ظاهر السقوط وذلك لأن جواز ما ذكره ~~PageV02P324 يمنع وجود نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة وذلك لأن كل ~~آيتين ظاهرهما النسخ فجائز أن يكون نسخ إحداهما إنما كان بسنة الرسول وإن ~~لم ينقل إلينا إلا بقرآن وأن القرآن إنما نزل بعد ذلك بحكم قد سنه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ونسخ ms336 به القرآن وكل سنتين كان ظاهرهما النسخ فجائز أن ~~يكون نسخ المنسوخ منهما إنما كان بحكم أوجبه جملة من القرآن نحو قوله تعالى ~~@QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~فاتبعوه @QE@ وقوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول @QE@ وعلى أن ~~هذا يوجب ألا يكون للنبي عليه السلام سنة رأسا وأن يكون كل ما سنه فإنما هو ~~بيان لجملة مذكورة في القرآن وقد علم النبي عليه السلام تفسيرها دوننا لما ~~خصه الله تعالى به من النبوة والعلم بتأويل الآية التي لا يشركه فيه غيره # وبطلان هذا القول معلوم من اتفاق الأمة لأنها قد عقلت أن في الشريعة ~~أحكاما مأخوذة من الكتاب وأحكاما ليست من الكتاب مأخوذة من السنة # فإن قال قائل إن هذا القول الذي عارضت به ما حكيت يرده ظاهر الكتاب لأن ~~الله تعالى قال @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ فقد أفصح الكتاب بأن بعضه ~~ينسخ بعضا # قيل له نقول لك إنما أفصح الكتاب بوجود النسخ في القرآن ولا دلالة فيه ~~على أنه نسخه بقرآن مثله أو بغيره لأنه لا يمتنع أن يكون مراده ما ننسخ من ~~آية بسنة نوحي بها إليك نأت بخير منها PageV02P325 # وكذلك قوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ بأن ننسخها بوحي ليس ~~2 بقرآن ثم ننزل أخرى مكانها وإن لم تكن ناسخة لها فلا يمكن القائل بما ~~وصفنا الانفصال ممن نفى نسخ الكتاب إلا بالسنة ونسخ السنة إلا بالكتاب فإن ~~قال قد اتفق أهل العلم على جواز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة # قيل له الذين اتفقوا على ذلك هم الذين اتفقوا على جواز نسخ السنة بالكتاب # فإن قال قائل الشافعي يخالف في ذلك # قيل له من تقدم الشافعي قد أجازوا ذلك فكيف يكون الشافعي خلافا عليهم وهو ~~لا يمكنه أن يحكي هذا القول عن أحد ممن تقدمه # وقد حكينا نحن عن خلق من السلف جوازه فإن جاز أن يكون ms337 الشافعي خلافا على ~~من تقدمه من أهل العلم جاز أن يكون هذا القائل الذي حكينا قوله وعارضنا به ~~قول الشافعي خلافا علينا وعلى الشافعي جميعا # ثم قال هذا القائل لم نر من خالف في هذا أورد آية نسخت عنده لسنة وقد ~~وجدنا لها جملة في الكتاب نحو ما ادعوه من نسخ استقبال بيت المقدس واستحلال ~~الخمر وتحريم المباشرة والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم # فقد يكون استقبال بيت المقدس مأخوذا من جملة قوله تعالى @QB@ أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ وشرب الخمر مأخوذ من قوله تعالى @QB@ يسألونك ~~عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس @QE@ ومعلوم أن شربها لا ~~يحل وفيه إثم وقد روي أنهم كانوا يشربونها بعد نزول هذه الآية ثم نزل قوله ~~تعالى @QB@ إنما الخمر والميسر @QE@ الآية وتحريم ما يحل للمفطر في ليالي ~~الصوم قد يكون مأخوذا من جملة قوله @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ أي على تلك الهيئة # وكذلك ما أشبه هذه الآيات قد يمكن تخريجها على ذلك PageV02P326 # قال وإن ورد مالا يمكن فيه فقد يجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب وإن خفي ~~علينا علمه فيقال له بم تنفصل ممن قال لك إن هذا القول يؤدي إلى ألا يكون ~~في شريعة الرسول عليه السلام ناسخ ولا منسوخ لأن قوله تعالى @QB@ أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ فيه الأمر بالاقتداء بالأنبياء ~~المتقدمين في شرائعهم وجائز أن يكون جميع ما شرعه الله تعالى في كتابه وسنة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان من شرائع الأنبياء المتقدمين وأن معنى ~~الناسخ والمنسوخ أنه كان في شريعة من قبلنا بقاء الحكم المنسوخ فيهم هذه ~~المدة من الزمان ثم نقلوا إلى الحكم الثاني فلا شيء في هذه القضية من حظر ~~أو إيجاب أو إباحة إلا وقد كان مثله في شريعة من قبلنا على الوجه الذي ثبت ~~في شريعتنا # وإنما صار في شريعتنا بقوله تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده @QE@ # فإن قال لا ms338 يجب ذلك لأنا قد علمنا كون أشياء مباحة في شريعة من قبلنا ~~حظرت في شريعتنا كالخمر ونحوها وكون أشياء محظورة في شريعتهم اباحتها ~~شريعتنا كقوله تعالى @QB@ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر ~~والغنم حرمنا عليهم شحومهما @QE@ # قيل له نقول لهذا القائل ليس شيء مما حظر بعد الإباحة وأبيح بعد الحظر ~~إلا وقد كان في شريعة من كان من قبلنا كذلك مدة من الزمان فتعبد النبي عليه ~~السلام بالاقتداء بهم في الحكم في مثل المدة التي كان فيها الحظر أو ~~الإباحة # ثم يقال له ما أنكرت أن تكون هذه الآية دالة على جواز نسخ السنة بالقرآن ~~لأنه ليس يمتنع أن يكون قد كان في شريعة من قبلنا أن سنن الأنبياء قد كان ~~يجوز نسخها بالكتاب المنزل عليهم من الله تعالى إذ ليس معنا نص ولا إجماع ~~يمنع من ذلك PageV02P327 # ثم قال تعالى @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده @QE@ فينتظم جواز ~~نسخ السنة بالكتاب كما كان في شريعة الأنبياء المتقدمين # وأما قوله في حظر الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم بعد النوم ونسخه ~~بقوله تعالى @QB@ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ وأنه ~~جائز أن يكون كذلك في الشرائع المتقدمة فانتظمت الآية إثباته علينا على هذا ~~الوجه فإنه يلزمنا ألا نجعل هذا الحكم منسوخا بقوله تعالى @QB@ فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم @QE@ وأنه إنما زال بعد ثبوته في المدة ~~التي كان بقي فيها لأنه كذلك كان في شريعة من كان قبلنا من الأنبياء فلا ~~يكون في ذلك من شريعتنا ناسخ ولا منسوخ كما لو قال @QB@ كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ ثم قال حظر عليهم الأكل والشرب والمباشرة ~~في ليالي الصوم بعد النوم مقدار سنة واحدة ثم كان بعد مضي السنة إباحة جميع ~~ذلك بالليل بعد النوم وقبله لم يكن فيه نسخ شيء وإنما كان يكون فيه إيجاب ~~حكم إلى وقت معلوم ولا يمكنه مع ذلك الانفصال ممن ينفي من أهل الملة وجود ms339 ~~ناسخ ومنسوخ في القرآن لأن من ينفي من ذلك إنما نسلك فيه هذه الطريقة ويجري ~~فيه على هذا المنهاج في نفي النسخ # وهذا قول ظاهر الفساد وعلى أنه إنما ذكر أنه كتب علينا الصيام والصيام لا ~~يكون بالليل وإن حظر الأكل فيه بعد النوم فكيف يتناول الليل وقد بين ذلك في ~~سياق الآية PageV02P328 في قوله تعالى @QB@ أياما معدودات @QE@ فأخبر أن ~~الصوم الذي كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا إنما هو أيام معدودات فلم ~~يتناول الليل قط فسقط قوله إن ما نسخ من ذلك قد كان موجبا بالآية قبل نسخها # وأما قوله في شرب الخمر أنه كان مباحا بقوله تعالى @QB@ ومنافع للناس ~~@QE@ وأنه قد قرنها بالإثم بقوله تعالى @QB@ قل فيهما إثم كبير @QE@ ثم قال ~~تعالى @QB@ وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ وهذا اللفظ قد اقتضى تحريمها لأن ~~الإثم كله محرم بقوله تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم @QE@ وذكر المنافع التي فيها لا يدل على الإباحة لأن سائر ~~المحظورات قد يمكن الانتفاع بها في أمور الدنيا مع بقاء الحظر # وأما قوله إنهم قد كانوا يشربونها بعد نزول الآية فلا دلالة فيه على ~~الإباحة لأنه ليس فيه أنهم كانوا يشربونها مع علم النبي عليه السلام بشربهم ~~إياها وإقراره إياهم عليه وجائز أن يكون قد كان يشربه من لم يعلم بالحظر ~~وظن أن الآية لم توجب تحريمها # فإن قال قائل ليس في تحريم الخمر بعد إباحتها دلالة على ما ذكرت لأن ~~إباحتها قبل نزول الآية كانت من طريق العقل وكون الأشياء مباحة في الأصل ~~قبل ورود الشرع ومثل هذا لا يطلق فيه اسم النسخ فلا يمتنع ورود الكتاب ~~بحظرها ولا يدل على جواز نسخ السنة بالقرآن لأن موضع الخلاف بينك وبينهم ~~إنما هو فيما يثبت حكمه بالسنة هل يجوز نزول القرآن بزواله ونسخه أم لا # قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أنهم قد كانوا يشربونها في أول الإسلام ~~مع علم النبي عليه السلام بذلك فصار إقراره إياهم ms340 عليه إباحة منه بشربها من ~~طريق الشرع بمنزلة قوله لو قال قد أبحت لكم شربها لا فرق بين وجود لفظه منه ~~عليه السلام من ذلك وبين إقراره إياهم عليه وقد وردت الآية بعد ذلك بنسخه ~~على الوجه الذي ذكرنا فثبت نسخ السنة بالقرآن PageV02P329 # والوجه الآخر أن دلالتنا على ما استدللنا به عليه قائمة لأن هذا كلام في ~~الاسم لا في المعنى وإذا جاز أن يزيل الله حكما أقام عليه الدلالة في الأصل ~~من طريق العقل بالقرآن جاز أن يزيل به ما حكم به على لسان الرسول عليه ~~السلام لأن الجميع من عنده فجهة الاستدلال بالآية صحيحة على ما ذكرنا # وأما قول هذا الرجل وكذلك ما أشبه هذه الآيات قد يمكن تخريجها على ذلك ~~وإن ورد ما لا يمكن فيه فقد يجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب وإن خفي علينا ~~علمه # فإنه يقال له هل يجوز عندك أن يكون لله تعالى مراد في حكم يشتمل عليه لفظ ~~مذكور في الكتاب فيخفى عامه على جميع الأمة # فإن قال نعم جواز أن يكون ها هنا أحكام كثيرة في الكتاب والسنة قد خفي ~~علمها عن الأمة فأخطئوها وحكموا بغيرها وهذا يوجب جواز اجتماعهم على الخطأ ~~وقد علمنا أن وقوع ذلك مأمون منهم # وإن قال لا يجوز ذلك قيل له فلم أجزت ان ترد آية تشتمل على حكم مذكور ~~فيها ثم ينسخ ذلك الحكم فلا يعلم الناس الحكم المنسوخ من الكتاب فهذا يقتضي ~~أن يكون هذا الحكم قد ذهب عن الأمة لأن مخالفيك يقولون ليس في الكتاب حكم ~~قد خفي علينا في المعنى الذي اختلفنا فيه وإنما الكتاب في مثل ذلك ورد في ~~نسخ السنة وتزعم أنت أنك لا تقف عليه ولا تعلمه ويجوز أن يكون هناك حكم قد ~~خفي عليك فقد أداك هذا إلى خفاء الحكم عن الأمة بأسرها # ولو جاز هذا ليجوز أن يقال إن في كتاب الله تعالى أحكاما كثيرة نحن ~~متعبدون بها لم تقف الأمة على شيء منها وهذا قول ظاهر ms341 السقوط PageV02P330 # ويقال له فعلى هذا يجوز أن يقال كل ما سنه النبي عليه السلام فهو مما ~~أوجبته جملة مذكورة في الكتاب ولم نقف عليها وكذلك ما نسخه النبي عليه ~~السلام بعد ثبات حكمه من سنته يجوز أن يكون نسخه بما اقتضته جملة في الكتاب ~~لم نقف على معناها ويجب على هذا القول ألا يكون للنبي عليه السلام سنن بوحي ~~غير القرآن # وهذا قول ساقط مردود على أنه لو جاز أن يكون في كتاب الله تعالى أحكام ~~تخفى على الأمة لما صح الرد إلى كتاب الله تعالى ولبطل الاستدلال والنظر ~~لأنا متى أردنا رد الحادثة إلى الأصل وجوزنا مع ذلك أن يكون في الأصول ما ~~قد خفي علينا حكمه لم نأمن أن يكون أصل هذه الحادثة هو مما قد خفي علينا ~~حكمه من الكتاب وهذا يؤدي إلى بطلان القياس وكفى بقاعدة تؤدي الباني عليها ~~إلى هذه الجهالات فسادا من إبطال نسخ الكتاب والسنة ومن أنه لو ثبت النسخ ~~فيهما لم يثبت نسخ الكتاب بالكتاب ولا السنة بالسنة وإلى تجويز خفاء حكم ~~مذكور في الكتاب على الأمة فلا نعلمه ولا نقف عليه وإلى تجويز ألا يكون ~~للنبي عليه السلام سنة وأن جميع ما سنه فهو في القرآن وإلى بطلان رد ~~الحادثة إلى الكتاب لجواز أن يكون أصلها مما لم تقف عليه الأمة # وذكر هذا الرجل وجها ثالثا في زعمه لتخريج هذه الآيات قد ذكره الشافعي ~~سنذكره عند حكايتنا بقوله في هذا الباب وعلى أن الآي التي احتججنا بها إنما ~~يطلب لها تأويل يوافق مذهب من أقام الدلالة على صحة المقالة في الأصل فأما ~~من لم يعضد قوله بحجة ولا شبهة فلم يلجأ فيه إلى دلالة من عقل ولا شرع ثم ~~استغل مطلب تأويل PageV02P331 الآي الموجبة لفساد مقالته وحملها على وجوه ~~تناقض الأصول وتنافيها كان قوله ساقطا مطروحا # فإن قال قائل الدليل على صحة مقالتنا قوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل ~~إليهم @QE@ فأخبر أن النبي عليه السلام بعث مبينا فلا يكون الكتاب إذن ms342 ~~مبينا لقوله # وقوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ ~~يدل على أنه إنما ينسخ آية مثلها وكذلك قوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية ~~مكان آية @QE@ # قيل له لا يخلو قوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ من أحد ~~وجهين # إما أن يكون المراد به إظهاره وترك كتمانه فيتناول جميع القرآن ما افتقر ~~منه إلى بيان وما لم يفتقر فيكون بمعنى قوله تعالى @QB@ يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك @QE@ أن يكون المراد منه ما احتاج منه إلى بيان الرسول ~~دون غيره فإن كان المراد به الوجه الأول فليس يمتنع أن ينزل الله تعالى ~~إليه النسخ للسنة فيبينه للناس بإظهاره إياه فهذا لا يكون دلالة على جواز ~~نسخ السنة بالقرآن أقرب منه إلى أن يمنع منه # وإن كان المراد الوجه الثاني فلا دلالة فيه أيضا على ما ذكرت لأنه ليس في ~~لزوم النبي عليه السلام بيان مجمل الكتاب ما ينفي نسخ السنة بحكم في القرآن ~~غير مفتقر PageV02P332 إلى بيان النبي عليه السلام لأنه لو نص عليه على هذا ~~الوجه بأن يقول لتبين مجمل الكتاب لم ينف بذلك أن يكون ما لا يحتاج إلى ~~البيان منه ناسخا لسنته # وأيضا فإذا كان ما يحصل من بيان النبي عليه السلام فالله تعالى المتولى ~~لتبيينه بوحي من عنده ولم يكن قوله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم ~~@QE@ مانعا أن يكون ما حصل من البيان فهو من عند الله وهو المتولى لذلك منه ~~ولم يمتنع أيضا أن يبين مدة السنة فينسخها بالكتاب كما تولى تبيينها على ~~لسان الرسول عليه السلام # وأيضا ليس في أن النبي عليه السلام يبين القرآن ما يمنع أن يكون القرآن ~~يبين السنة أيضا كما أن القرآن يبين القرآن ولم يمنع ذلك نسخه به وكما أن ~~السنة تبين السنة وتنسخها أيضا فليس إذن في وصف النبي عليه السلام تبيين ~~القرآن ما يمنع أن ينسخ سنة بالقرآن # وأيضا فالذي قال لتبين للناس ما نزل إليهم هو الذي ms343 قال @QB@ ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ فهلا أجزت لعمومه تبيين مدة السنة إذ لم يكن في ~~قوله لتبين للناس ما نزل إليهم ما يوجب تخصيصه ألا ترى أنه يصح أن يقول ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ولتبيين الكتاب ما يسنه إذ ليس بيان مجمل الكتاب ~~بسنة النبي عليه السلام وإنما يبين النبي عليه السلام أن الله تعالى قال ~~كذا أو أن مراده بما قال كذا فلا يسمى هذا سنة فلم يعترض على قوله تعالى ~~@QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ وإيجاب تخصيصه # وأما قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ فليس له PageV02P333 تعلق بما ذكرنا لأن أكثر ما فيه أنه إذا نسخ آية ~~أتى بخير منها أو مثلها ولا دلالة فيه أن السنة لا تنسخ بها وكذلك قوله ~~تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ أنه لا يمنع أن يبدل آية مكان سنة ~~وإنما ذكر حكاية قول الكفار عند نسخ آية بآية مثلها ولم ينف نسخ السنة بآية # وقال الشافعي في كتاب الرسالة وسنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة رسول ~~الله ولو أحدث الله لنبيه في أمر سن منه غير ما سن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها ~~مما يخالفنا وهذا مذكور في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # فإن قال قائل فقد وجدنا الدلالة على أن القرآن ينسخ القرآن لأنه لا مثل ~~له فأوجبنا ذلك في السنة # قال الشافعي فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم دليل على أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قبلت عن ~~الله فمن قبلها فكتاب الله تعالى يتبعها ولا نجد خبرا ألزمه الله عز وجل ~~خلقه نصا مبينا إلا كتابه ثم سنة نبيه عليه السلام # فإذا كانت السنة كما وصفت لا شبه لها من قول خلق من خلق الله تعالى ms344 لم ~~يجز أن ينسخها إلا مثلها ولا مثل لها غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال أبو بكر رحمه الله تعالى هذا الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من ~~الاختلال منها قوله إن السنة لا ينسخها إلا سنة رسول الله فمنع بذلك نسخ ~~السنة إلا بسنة مثلها ثم نقض ذلك بقوله في سياق كلامه ولو أحدث الله عز وجل ~~لنبيه في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله ليس فيما أحدث الله إليه حتى يبين ~~للناس أن له سنة ناسخة فأجاز بذلك أن ينسخ الله سنة نبيه بالقرآن وهذا ينقض ~~قوله بدءا أن السنة لا ينسخها إلا سنة PageV02P334 # فإن قال قائل لم يقل إن أحدث الله ذلك بقرآن ينزله ويحتمل أن يكون مراده ~~أنه ينسخه بوحي ليس بقرآن # قيل له فإذن يكون ما أحدث سنة للنبي عليه السلام لأن ما نزل به وحي غير ~~قرآن من الأحكام هي من سنن النبي عليه السلام فما معنى قوله لسن فيما أحدث ~~الله إليه والذي أحدث الله إليه سنة لا يفتقر في وقوع النسخ بها إلى سنة ~~أخرى # وعلى أن الشافعي قد أبطل تأويل هذا القائل بقوله بعد ذلك في هذا الفصل # فإن قال قائل فهل تنسخ السنة بالقرآن # قيل له لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي عليه السلام فيه سنة تبين أن ~~سنته الأولى منسوخة حتى تقوم الحجة على الناس فإن الشيء ينسخ بمثله فأجاز ~~نسخها بالقرآن إذا سن النبي عليه السلام ما يبين أن سنته الأولى منسوخة # وقوله لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي ~~قبلها كلام متناقض مستحيل لأنه أخير أن الله نسخه بما أحدثه من خلاف سنة ~~النبي عليه السلام # وقوله أيضا لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي ~~قبلها فما قد نسخه الله تعالى كيف يجوز أن ينسخه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعده وكيف يجوز نسخ المنسوخ ومن جهة أخرى أن ما ms345 قد نسخه الله تعالى كيف ~~يجوز من النبي عليه السلام الإخبار عنه بأن سنته نسخته فيكون فيه الإخبار ~~عن الشيء بخلاف ما هو عليه حاشا له PageV02P335 من ذلك عليه السلام ثم ~~استدل على أن السنة لا ينسخها إلا سنة بما ذكر من أمر الله الناس باتباع ~~نبيه عليه السلام وهذا لا دليل فيه على أن السنة لا ينسخها القرآن اذ ليس ~~في الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ما ينفي جواز نسخها بالقرآن كما ~~لا ينفي جواز نسخها بوحي من عند الله ليس بقرآن فإذن ليس في الأمر باتباع ~~النبي عليه السلام تعلق بنسخ السنة بقرآن ولا غيره لأنا إنما أمرنا باتباع ~~سنة النبي عليه السلام التي لم تنسخ فأما إذا نسخها القرآن أو سنة له أخرى ~~فنحن مأمورون حينئذ باعتقاد نسخها وزوال حكمها وقد أمر الله باتباع كتابه ~~بقوله @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم @QE@ ولم يمنع جواز نسخه بالقرآن # وأما قوله إن السنة لا شبه لها من قول خلق من خلق الله فليس يخلو مراده ~~من ذلك من أحد معنيين # إما أن يريد أن نظمها معجز غير مقدور للخلق # أو أن يكون مراده الحكم # فإن كان مراده اللفظ فإن أحدا من المسلمين لا يقول إن كلام النبي عليه ~~السلام معجز بالنظم وإن كان عليه السلام أفصح الخلق ولو كان كلامه معجزا ~~لكان مساويا للقرآن في إعجاز النظم وهذا خلف من القول لأن القرآن هو المختص ~~بإعجاز النظم دون سائر الكلام # ولو كان كلام النبي عليه السلام معجزا لتحدى به العرب كما تحداهم بالقرآن ~~ولا استغنى الناس به عن طلب الشبه لمباينته لكلام غيره من البشر في إعجاز ~~PageV02P336 نظمه كما بان القرآن من سائر الكلام بالنظم المعجز والتأليف ~~البديع الذي ليس في وسع أحد من الخلق الاتيان بمثله فبطل هذا القسم # وإن كان مراده الحكم الثابت من جهة السنة فإن أحدا من المسلمين لا يقول ~~إن لغير النبي عليه السلام من الخلق أن يشرع الشرائع ويبتدع الأحكام فلا ms346 ~~معنى لذكره هاهنا إذ ليس هو موضع الخلاف لأن كلامنا إنما هو في نسخ السنة ~~بالقرآن الذي لا شبه له من قول أحد من الخلق لا في نسخها بماله شبه كلام من ~~كلام المخلوقين وعلى أنه لو ثبت أن السنة لا شبه لها من قول أحد من ~~المخلوقين على أي وجه حصل معنى كلامه لما دل على أن القرآن لا ينسخها لأن ~~القرآن لا شبه له من قوله أحد من الخلق وينسخه القرآن كذلك السنة لا يكون ~~لها شبه من قول الخلق وينسخها القرآن الذي لا يشبه قول المخلوقين فلم يحصل ~~له من كلامه في هذا الفصل وجه الدلالة على منع نسخ السنة بالقرآن # قال الشافعي بعد ذلك ولو جاز أن يقال قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونسخت سنته بالقرآن ولا يؤثر عن النبي عليه السلام السنة الناسخة جاز أن ~~يقال فيما حرم رسول الله تعالى من البيوع كلها قد يحتمل أن يكون حرمها قبل ~~أن تنزل عليه @QB@ وأحل الله البيع وحرم الربا @QE@ وفيمن يرجم من الزنا قد ~~يحتمل أن يكون الرجم قبل نزول قوله PageV02P337 تعالى @QB@ الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ # قال أبو بكر وهذا الفصل نظير ما تقدم لأنه قال ونسخت سنته بالقرآن ولا ~~يؤثر عن النبي عليه السلام والسنة الناسخة فأطلق نسخها بالقرآن ثم أوجب ~~نسخها بعدذلك بالسنة ومعلوم أن ما نسخ بالقرآن يستحيل نسخه بالسنة لامتناع ~~جواز نسخ المنسوخ # وأما قوله لو جاز أن ينسخ الله سنة بالقرآن ولا يؤثر عن النبي عليه ~~السلام السنة الناسخة جاز أن يقال فيما حرم الله من البيوع إلى آخر ما ذكر ~~فإن هذه القضية إن صحت منعت نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة إلا أن ~~يكون مع الناسخ منهما سنة تبين النسخ فإذ قد وجدنا في القرآن والسنن ناسخا ~~ومنسوخا من غير أن يكون مع الناسخ منهما سنة تبين الناسخ من المنسوخ ومن ~~غير ذكر تاريخ في واحد منهما بل يكون استدراك حكم الناسخ ms347 من المنسوخ وتفضيل ~~أحدهما من الأخر والتمييز بينه وبينه موكولا إلى الاستدلال بغيره # كذلك يجوز نسخ السنة بالقرآن ويكون سبيل معرفة الناسخ من المنسوخ طلب ~~تاريخ الحكم من سائر الأصول إذا لم يكن عندنا علم بتاريخهم ولا كان في ~~لفظهما ما يدل على الناسخ منهما # وعلى أن الشافعي قد نص على نسخ السنة بالقرآن في باب صلاة الخوف في كتاب ~~الرسالة فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري في تأخر النبي صلى الله عليه ~~وسلم يوم الخندق بالصلوات حتى كان هوي من الليل ثم قضاهن قال أبو سعيد وكان ~~PageV02P338 ذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف ثم ذكر حديث يزيد بن رومان عن صالح ~~بن خوات في صلاة الخوف قال الشافعي فنسخ الله تعالى تأخير الصلاة عن وقتها ~~في الخوف إلى ان يصلوها كما أنزل الله وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~وقتها ونسخ رسول الله سنته في تأخيرها بفرض الله تعالى في كتابه ثم بسنته ~~صلاها في وقتها كما وصفت فنص في هذا الموضوع على نسخ السنة بالقرآن إلا أنه ~~وصله بما يستحيل كونه لأنه قال نسخها بفرض الله في كتابه ثم بسنته وما قد ~~نسخ بالكتاب لا يصح نسخه بعد ذلك لا بالسنة ولا بغيرها PageV02P339 ~~PageV02P340 PageV02P341 PageV02P342 & باب القول في نسخ القرآن بالسنة # اختلف الناس في نسخ القرآن بالسنة فأجازه أصحابنا إذا جاءت السنة مجيئا ~~يوجب العلم ولم يكن من أخبار الآحاد # وكان أبو الحسن رحمه الله يحكي عن أبي يوسف أن السنة التي يجوز نسخ ~~القرآن بها هي ما ورد من طريق التواتر ويوجب العلم نحو خبر المسح على ~~الخفين # ومنع الشافعي ذلك # واختلف أصحابه فقال بعضهم هو جائز في العقل إلا أن الشرع لم يرد به ولم ~~يمنعه أيضا # وقال آخرون منهم قد منع الشرع جوازه # والدليل على جوازه قول الله تعالى @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ # والنسخ بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا بقاؤه على حسب ما تقدم وصفنا ~~له فانتظم قوله @QB@ لتبين للناس ms348 ما نزل إليهم @QE@ سائر وجوه البيان فلما ~~كان النسخ ضربا من البيان وجب أن تستوعبه الآية # فإن قال قائل المراد به إظهار ما أنزل وتبليغه # قيل له هذا أحد ما تناوله اللفظ ولم ينف غيره من سائر ضروب البيان # ألا ترى أنه قد دل على جواز تخصيصه بالسنة إذا كان ضربا من البيان ولم ~~يكن استعمال اللفظ على الأمر بإظهار وترك كتمانه مانعا من دخول بيان ~~التخصيص تحته PageV02P343 # كذلك بيان مدة الحكم الذي هو النسخ واجب أن يتناوله اللفظ # فإن قيل إذا كانت السنة تبين القرآن استحال أن تنسخه لأنه لا يجوز أن ~~ينسخ الشيء بما يبينه # قيل له إن هذه دعوى ليس عليها دلالة وهو موضوع الخلاف بيننا وبينكم فكأنك ~~إنما جعلت موضع الخلاف دلالة على المسألة # وعلى أن النسخ ضرب من البيان فلا يمتنع وقوعه بالسنة كما أن القرآن يبين ~~القرآن بقوله تعالى @QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء @QE@ ولم يمتنع ~~نسخه به # ودليل آخر وهو قوله تعالى @QB@ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى @QE@ # فلما كان الناسخ لحكم القرآن صراط الله وجب أن يصح وقوعه بالسنة لإخبار ~~الله تعالى بأنه يهدي إلى صراط الله ولأن السنة لما كانت واجبا من الله ~~تعالى جاز أن ينسخ بها وحي وهو قرآن كما جاز نسخ القرآن بالقرآن من حيث هما ~~وحي من الله تعالى # وأيضا فإن نسخ القرآن يكون من وجهين أحدهما نسخ التلاوة والثاني نسخ ~~الحكم # وقد جاز عند الجميع نسخ التلاوة لا بقرآن على ما بينا فيما سلف لأن نسخ ~~التلاوة يكون بالإنساء تارة وبالأمر بالإعراض عن كتبها وحفظها أخرى وكلا ~~الوجهين من ذلك يجوز وقوعه بغير قرآن # ألا ترى أن نسخ التلاوة وجد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وليس معنا ~~قرآن موجود نسخت به فلما جاز نسخ التلاوة لا بقرآن وجب أن يجوز نسخ الحكم ~~لأنه أحد وجهي نسخ القرآن PageV02P344 ولأن التلاوة يتعلق بها ms349 حكم في جواز ~~الصلاة بها وما يستحق به من الثواب إذ كانت قرآنا و لا تستحق بغيره فدل ذلك ~~من وجهين على نسخ حكم القرآن بالسنة # أحدهما أن نسخ التلاوة لا محالة يقتضي نسخ حكم # والثاني أنه قد ثبت قرآن منسوخ بغير قرآن فوجب مثله في حكم تضمنه لفظ ~~القرآن # دليل آخر وهو أن الأصل في الناسخ والمنسوخ أن ما صح اجتماعه في خطاب واحد ~~جاز النسخ به على حسب ما تقدم القول منا فيه فلما لم يمنع أحد من تجويز سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم عقيب تلاوة القرآن موجبة لتوقيت حكمه أن مراد ~~الله في فعل ذلك إلى وقت كذا ثم ليس عليكم فعله بعده وإنما عليكم بعد مضي ~~المدة عبادة أخرى كما جاز أن يقول الزكاة واجبة بعد الحول والحج واجب في ~~وقت دون وقت وكذلك سائر الفروض وجب أن لا يمنع إبهام القول في حكم القرآن ~~ثم ترد سنة الرسول عليه السلام بزوال ذلك الحكم ووجوب ضده كما جاز وجود ذلك ~~منه عقيب نزول القرآن # ودليل آخر وهو اتفاق الجميع على جواز تخصيص القرآن بالسنة والتخصيص إنما ~~هو بيان الحكم في بعض المسميات فلا يمتنع على ذلك نسخة بالسنة إذ كان النسخ ~~تخصيصا بالوقت دون وقت على الوجه الذي بينا والمعنى الجامع بينهما أن كل ~~واحد منهما وارد على وجه التخصيص # فإن قيل يلزمك على هذا تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس كما جوزت ~~تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس # قيل له لنا في تجويز تخصيص القرآن بخبر الواحد وبالقياس شرايط قد بينا ~~PageV02P345 بعضها فيما سلف وجملته أن ما كان منه ظاهر المعنى بين المراد ~~لم يجز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس إلا أن يختلف السلف فيه ويسوغوا ~~الاجتهاد في تركه أو يتفقوا على خصوصه فيكون العلم بموجب عمومه من طريق ~~الاجتهاد فيجوز تركه بخبر الواحد وبالقياس # وأما ما لم يكن بهذا الوصف فموجب حكمه ثابت من طريق يوجب العلم فلا يجوز ~~تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس وكذلك ms350 لا يجوز نسخه بذلك إذا كان موجبه ~~ثابتا من طريق يوجب العلم فإنما يجوز التخصيص بما يجوز به النسخ في مثله # فإن قال الفرق بين التخصيص والنسخ أنه يبقى مع التخصيص من حكم اللفظ ما ~~يصح استعماله ولا يبقى مع النسخ حكم يستعمل # قيل له هذا فرق من وجه آخر لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرنا ~~وعلى أن النسخ لا يصح إلا وقد مضى من وقت الحكم ما يصح استعماله فيه وذلك ~~الوقت هو بمنزلة ما تبقى من حكم الاسم بعد التخصيص ولا فرق بينهما من هذه ~~الجهة فثبت بما ذكرنا جواز نسخ القرآن بالسنة # وأما من نفي جوازه من المخالفين بما ادعى فيه من ورود السمع فإنه احتج ~~فيه بقول الله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ~~@QE@ # قال والسنة لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله بوجه # فنقول وبالله التوفيق إنه لا دلالة في هذه الآية على ما ذكره بل فيها ~~الدلالة على جواز نسخ القرآن بالسنة من وجوه نذكرها إن شاء الله تعالى # فنبدأ ببيان وجه الدلالة من هذه الآية على صحة قولنا ثم نشرع في الإبانة ~~عن PageV02P346 فساد استدلاهم بها على ما ادعوه إن شاء الله # فأما وجه الدلالة منها على صحة قولنا فمن وجهين أحدهما أن قوله تعالى ~~بخير منها لا يخلو من أن يكون المراد به خيرا منها في نظمها وصورتها ~~وحروفها أو خيرا منها أصلح لنا وأنفع فأما الوجه الأول ففاسد لأن أحدا لا ~~يقول إن هذه الآية خير من هذه الآية في نفسها فثبت الوجه الثاني وليس يمتنع ~~أن يكون حكم ثبت من جهة السنة أصلح لنا وأنفع منه لو نزل به قرآن ومن أجل ~~ذلك أنزل الله ببعض الأحكام قرآنا وأنزل ببعضها وحيا ليس بقرآن على حسب ~~علمه بمصالحنا فيها # وإذا كان المراد بالآية ما وصفنا فقد دلت على جواز نسخها بالسنة لجواز ~~إطلاقها أنها خير لنا من الوجه الذي ذكرنا # والوجه الثاني أن ms351 قوله مثلها لا يخلو من أن يكون المراد المماثلة بينهما ~~من جميع جهاتهما أو من بعضها فلو كان المراد وجود المماثلة بينهما من جميع ~~الجهات لوجب أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في نظمه وصورته وحروفه ومعانيه ~~وهذا يوجب أن يكون الناسخ هو المنسوخ ويوجب بطلان النسخ رأسا فلما بطل هذا ~~علمنا أن المراد وجود المماثلة بينهما من بعض الجهات وقد يصح إطلاق اسم ~~المثل إذا تماثلا من بعض الوجوه كما قال تعالى @QB@ وحور عين كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون @QE@ فأطلق اسم المماثلة لمماثلتها من بعض الوجوه إذ معلوم أن ~~الحور العين غير مماثلة للؤلؤ من جميع الجهات وإنما مثلهن به من جهة الصفاء ~~والنقاء ونحو ذلك والله أعلم # فمتى استحق اسم المماثلة من وجه فهو داخل تحت الآية وقد تكون السنة مثل ~~الآية من جهة النفع والصلاح ومن جهة أنهما جميعا وحي من الله تعالى فوجب أن ~~يجوز نسخه بها لعموم اللفظ PageV02P347 # فإن قال قائل لا يطلق اسم المماثلة على الحقيقة إلا فيما يكون مماثلا له ~~من جميع جهاته فإذا لم يكن كذلك فإنما يقال هو مثله على التقييد # قيل له لم يرد بالمثل ها هنا ما ذكرت لما بينا فثبت أنه أراد المماثلة من ~~بعض الوجوه فقدت دلت الآية في هذين الوجهين على جواز نسخ القرآن بالسنة # وأما ما قلنا إنه لا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه فمن جهة أن الذي في ~~الآية أنه إذا نسخ آية أتى بخير منها ولم يذكر الناسخ لها وإنما قلنا فيها ~~أنه يأت بخير من المنسوخ أو مثله وليس يمتنع أن ينسخ الآية بالسنة ثم يأتي ~~بآية أخرى مثلها ولا تكون هي الناسخة إذ لم يقل ما ننسخ من آية نأت بما ~~ينسخها خيرا منها # ويدل على ذلك أن قوله نأت بخير منها راجع إلى الحكم والتلاوة ونسخ ~~التلاوة لا يكون بآية مثلها بل بغير آية ثم يأتي بآية خير منها ليست هي ~~الناسخة للتلاوة فكذلك هذا في الحكم # وأيضا فإن الذي تقتضيه حقيقة ms352 اللفظ هو نسخ التلاوة والنظم دون الحكم لأن ~~الآية في الحقيقة اسم للنظم ألا ترى أن الآية قد تكون باقية والحكم منسوخ ~~وقد تنسخ الآية والحكم باق فدل على أن الآية اسم للرسم والنظم دون الحكم ~~فوجب أن يحمل قوله ما ننسخ من آية على نسخ التلاوة والرسم دون الحكم وألا ~~يدخل الحكم فيه إلا بدلالة # وأيضا لا يخلوا قوله تعالى @QB@ ما ننسخ من آية @QE@ من أحد أوجه ثلاثة ~~إما أن يريد به نسخ التلاوة دون الحكم أو نسخ الحكم دون التلاوة أو نسخهما ~~معا PageV02P348 # فإن كان المراد نسخ التلاوة دون الحكم لم يعترض على موضوع الخلاف لأن ~~الخلاف بيننا في نسخ الحكم ولم نختلف أن نسخ التلاوة قد يكون بغير القرآن # وإن كان المراد نسخ الحكم دون التلاوة لم يمتنع نسخه بالسنة لجواز أن ~~يكون حكم السنة خيرا لنا من حكم القرآن في باب أنه أصلح لنا وأنفع لأن اسم ~~الخير لا يطلق في مثل هذه إلا بإضمار إضافته إلى من يحصل له لأنك لا تقول ~~إن هذا خير من هذا إلا ومرادك أنه خير لمن تعبد به أو جعل له أو ما جرى ~~مجرى ذلك # وإن كان المراد نسخ التلاوة والحكم معا فإن نسخ التلاوة قد يجوز عند ~~الجميع بغير قرآن بأن ينسي الله من يحفظها أو يأمر على لسان رسول الله ~~بالإعراض عنها فتنسى # وقد بينا أن الآية لم تمنع نسخ الحكم على الانفراد بالسنة وكذلك لا يمتنع ~~نسخهما معا بالسنة # فإن قال قائل ما أنكرت أن يجوز أن يكون المراد بقوله بخير منها أو مثلها ~~أن يكون خيرا من الأولى من جهة ما يستحق من زيادة الثواب بتلاوتها كما روي ~~أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وأن قل يا أيها الكافرون تعدل ربع ~~القرآن يعني فيما يستحق بتلاوتها من الثواب زيادة على ما يستحق بغيرها # وإذا كان قوله بخير منها أو مثلها يحتمل أن يكون هذا معناه لم يكن لنا أن ~~نعدل به عن ms353 قرآن مثله إلى غيره مما ليس بقرآن من جهة ما ذكر ثم إن القرآن ~~لا يكون بعضه خيرا من بعض PageV02P349 # الجواب إن هذا لا يعترض على شيء مما قدمنا ولا يمنع جواز نسخ القرآن ~~بالسنة على الوجه الذي بينا من وجوه # أحدهما أنا إذا سلمنا له ما ادعاه من ذلك في كون التلاوة خيرا له لما ~~يستحق بها من زيادة الثواب فقد ثبت أن في الآية ضميرا ليس مذكورا في اللفظ ~~وهو كون ثوابها خيرا لنا فحينئذ لا يكون خصمنا أولى بصرف معناها إليه منا ~~بصرفه إلى الحكم وما لنا فيه من النفع والصلاح # ووجه آخر وهو أنه قد ثبت أن المراد بقوله خيرا منها أنه خير لنا لأن ~~الآية ليست خيرا من آية أخرى غيرها في نفسها وإذا كان كذلك فقد ثبت أن ~~المراد أنه أنفع لنا وأصلح إما من جهة استحقاق زيادة الثواب وإما من جهة ~~النفع والصلاح ثم لا يختلف حينئذ الحكم الثابت بالسنة والحكم الثابت ~~بالقرآن إن كان هذا الإطلاق يجوز أن يتناول كل واحد منهما على حياله بأنه ~~خير لنا في باب أنه أصلح لنا فليس إذن فيما ذكره هذا القائل ما يمنع كون ~~الثاني خيرا من الأول على الوجه الذي بينا # وأيضا فإذا كان جائز أن يكون حكم السنة خيرا لنا من حكم لو كان في القرآن ~~وجاز هذا الإطلاق فيه كما جاز فيما ذكره من استحقاق زيادة الثواب كان أقل ~~أحواله تجويز الأمرين من نسخها بقرآن مثلها أو خير منها من جهة الثواب ومن ~~نسخها بالسنة من جهة ما يكون خيرا لنا في باب النفع والصلاح # وأيضا فإن الذي يقتضيه حقيقة اللفظ نسخ النظم والتلاوة لأن الآية اسم ~~للنظم والرسم لا الحكم ولا دلالة فيه على نسخ الحكم إذ جائز بقاء الحكم مع ~~نسخ التلاوة وإذا كان كذلك صار تقدير الآية ما ننسخ من نظم آية ورسمها نأت ~~بخير منها أو مثلها فلا يعترض ذلك على موضوع الخلاف لأن الخلاف بيننا إنما ~~هو ms354 في نسخ حكم الآية بالسنة لا في نسخ النظم والتلاوة إذ لا خلاف بين من ~~يجيز نسخ التلاوة أنه جائز وقوعه بغير قرآن لما بيناه فيما سلف # وأيضا فليس في قوله تعالى @QB@ نأت بخير منها أو مثلها @QE@ دلالة على أن ~~المأتي به PageV02P350 هو الناسخ لها إذ لم يقل نأت بما ينسخها خيرا منها ~~أو مثلها ومن ادعى أن المراد به نأت بناسخ خير منها لم يسلم له دعواه إلا ~~بدلالة وسقط استدلاله بالآية على موضع الخلاف بيننا إذ ليس أحد الخصمين ~~بأولى بما ادعاه من أحد وجهي الاحتمال من الآخر بل لو قلنا إن الأظهر والذي ~~يقتضيه فحوى الخطاب نسخ الآية بأي وجه كان من وجوه النسخ قرآنا أو غير قرآن ~~ثم يأتي بعد ذلك بخير منها أو مثلها كان قولا سديدا أو أشبه بالصواب من قول ~~مخالفنا # فإن قال قوله تعالى في سياق الآية @QB@ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ~~@QE@ يدل على أن المراد نسخ الآية بقرآن معجز لا يقدر أحد غير الله على ~~الإتيان بمثله فثبت أنه منع نسخها بالسنة # قيل له ولو سلمنا لك ما ادعيت لم يعترض على موضع الخلاف وذلك لأنه يقتضي ~~نسخ التلاوة ونسخ التلاوة والنظم لا يقدر عليه أحد غير الله وهذا ما لا ~~خلاف فيه بيننا فما الدلالة منها على أن هذا يدل على امتناع جواز نسخ الحكم ~~الذي تضمنته الآية # ومن وجه آخر لا دلالة فيه على ما وصفت لأنه ليس في الآية أن الذي هو خير ~~منها أو مثلها هو الناسخ لها فإذا لم يكن ذلك في الآية لم يجز لأحد أن ~~يدعيه إلا بدلالة من غيرها فلا يمتنع حينئذ أن يكون المراد نسخ حكم القرآن ~~أو تلاوته بوحي من عنده ليس بقرآن ويأتي مع ذلك بقرآن خير منها أو مثلها ~~على حسب ما يحتمله اللفظ ويجوز فيه فلا يدل ذلك على أن الناسخ يجب أن يكون ~~قرآنا وإن كان الذي يأتي به بعد النسخ يكون قرآنا إن ms355 اقتضت الآية ذلك # ووجه آخر وهو أنه جائز أن يكون الذي يأتي به حكما من جهة وحي ليس بقرآن # ويصح الوصف له من أجل ذلك أنه على كل شيء قدير لأن الحكم الذي هو أصلح لا ~~يعلمه أحد غير الله الذي على كل شيء قدير فلا دلالة فيه على أن الذي يأتي ~~به بعد النسخ قرآن معجز PageV02P351 # فإن قيل قال الله تعالى @QB@ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير ~~هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~@QE@ # فدل أنهم سألوه تبديل الآية نفسها وقد أخبر أنه لا يبدله من تلقاء نفسه ~~ولو جاز نسخه بالسنة لكان قد بدله من تلقاء نفسه # قيل له هذا استدلال فاسد من وجوه # أحدها أنهم إذا كانوا سألوه تبديل الآية نفسها لم يعترض على ذلك الحكم ~~وكلامنا إنما هو في الحكم الذي يثبت بالقرآن هل يجوز نسخه بالسنة أم لا ~~وعلى أنه لا يخلو من أن يكون سألوه تبديل النظم والرسم أو تبديل الحكم أو ~~تبديلهما جميعا # فإن كانوا سألوه تبديل النظم وهو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ فلا دلالة فيه ~~على موضع الخلاف من المسألة لما بينا ولأن أحدا غير الله لا يقدر على تبديل ~~نظم القرآن إلى نظم آخر معجز فلا معنى للاشتغال بهذا الوجه في موضع الخلاف # وإن كانوا سألوه تبديل الحكم دون النظم لم يعترض أيضا على قولنا لأن أكثر ~~ما فيه نفي تبديله من تلقاء نفسه ونحن لا نقول إنه يبدله من تلقاء نفسه ~~وإنما يبدله الله بوحي من عنده إما قرآن وإما غير قرآن ويدل على ذلك قوله ~~في سياق الخطاب إن أتبع إلا ما يوحى إلي والوحي لا يختص بالقرآن دون غيره ~~فهذا يدل على جواز تبديل حكمه بوحي ليس بقرآن وعلى أنه لا يجوز لنا حمل ~~المعنى على الحكم لأن الذي يقتضيه ظاهر اللفظ نسخ النظم والرسم إذ كان ~~المعنى الذي من أجله كان قرآنا وجوده على ms356 ضرب من النظم وإن كانوا سألوه ~~تبديل النظم والحكم معا فلا دلالة فيه أيضا على ما اختلفنا فيه لأنا لم نقل ~~أنه يبدل شيئا منه من تلقاء نفسه وإنما قلنا إنما يتبع ما يوحى إليه ~~PageV02P352 وما يوحى إليه قد يكون قرآنا وغير قرآن # فإن قال قائل قال الله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم ~~بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر @QE@ وهذا يدل على أنه إنما تنسخ الآية بآية ~~مثلها قطعا لحجج الكفار وإبطالا لدعواهم أنه افتراها وأنه أتى بها من قبل ~~نفسه # قيل له وما في قوله تعالى @QB@ وإذا بدلنا آية مكان آية @QE@ ما يوجب أن ~~حكم القرآن لا ينسخ بالسنة وإنما أكثر ما فيه الإخبار بأنه إذا بدل آية ~~مكان آية قال الكفار إنما أنت مفتر ولم يقل إنه لا ينسخها بالسنة # وأما قوله إنه إنما بدل آية مكان آية قطعا لحجج الكفار وبطلانا لدعواهم ~~فإنه قد أخبر الله تعالى أنهم لم ينتهوا عن قولهم هذا مع تبديل آية مكان ~~آية ولم يمنع قولهم ذلك من نسخ آية أخرى وكذلك لا يمنع نسخها بالسنة وإن ~~قال الكفار ذلك # وعلى أن قوله وإذا بدلنا آية مكان آية إنما يتناول نفس المتلو لا الحكم ~~وليس في المتلو ما يوجب تبديل الحكم والاختلاف بيننا في الحكم لا في المتلو ~~فليس لما ذكروه تعلق بموضع الخلاف # فإن قيل لو نسخها بالسنة لارتاب الكفار وقالوا إنه من عنده # قيل له قد ارتاب الكفار مع نسخها بآية أخرى ولم يمنع ارتيابهم من نسخها ~~بآية غيرها فكذلك لا يمنع نسخها بالسنة # وقد دللنا على جواز نسخ القرآن بالسنة بما قدمنا وأنه ليس في العقل ولا ~~في PageV02P353 السمع ما يمنع من ذلك وندل الآن على بطلان قول من زعم أنه ~~لا يجد نسخ القرآن بالسنة بعد موافقته إيانا على تجويزه # فنقول إن أصحابنا قد ذكروا أحكاما في القرآن لم يثبت نسخها إلا بالسنة ~~منها قوله تعالى @QB@ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم ms357 فإن شهدوا فأمسكوهن @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ توابا رحيما @QE@ # فاتفق السلف من أهل العلم بالتفسير منهم ابن عباس وغيره أن حد الزانيين ~~المحصن وغير المحصن كان الحبس والأذى المذكورين في هذه الآية ثم نسخ ذلك ~~عنهما بالجلد لغير المحصن والرجم للمحصن # قال أبو بكر والموجب لنسخ ذلك حديث عبادة بن الصامت عن النبي عليه السلام ~~البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم والدليل على ~~أن الحبس والأذى نسخا بالخبر قول النبي عليه السلام في هذا الحديث خذوا عني ~~قد جعل الله لهن سبيلا فنبهنا على وجود السبيل الذي ذكره الله تعالى في ~~قوله أو يجعل الله لهن سبيلا ودل بقوله خذوا عني على معنيين أحدهما الإخبار ~~بالنسخ في الحال وأنه لم يتقدمها قبل هذا الوقت # والثاني أن هذا النسخ واقع لا بقرآن بل بسنته عليه السلام # فإن قال قائل إنما نسخ ذلك بقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة @QE@ # قيل له هذا غلط من وجهين أحدهما أن قوله خذوا عني قد أفاد وقوع 2 النسخ ~~بسنته لا بالقرآن PageV02P354 # والثاني قوله قد جعل الله لهن سبيلا قد دل على أن آية الجلد لم تكن نزلت ~~وأن السبيل كان متقدما فلم يكن يصح الإخبار بأن السبيل مأخوذ عنه ولا ~~ينبههم على وجوده إلا مع تقدم علمهم بها وتقريرها قبل ذلك عندهم # وعلى أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكانت دلالة الخبر قائمة على وقوع ~~نسخها بالسنة وهي أن آية الجلد معلوم أن حكمها مقصور على غير المحصن وقد ~~كان الحبس والأذى حدا ثابتا على المحصن وغيره لأن أحدا من السلف لم يقل إنه ~~كان حدا لأحد الفريقين دون الآخر وكانت آية الجلد ناسخة للحبس والأذى عن ~~غير المحصن # ولو خلينا بعد ذلك ومقتضى حكم آية الحبس والأذى وآية الجلد لأوجب ذلك ~~بقاء حكم الحبس والأذى في المحصنين ولا شيء نسخه عنهما إلا إيجاب الرجم ~~والرجم إنما ثبت بالسنة وعلى أنه ليس في آية الجلد ما يوجب ms358 نسخ الحبس ~~والأذى لأنه لم يكن يمتنع اجتماعهما وما يصح اجتماعه مع الأول لا يجوز وقوع ~~النسخ به فعلمنا أن النسخ وقع بغيره وليس في القرآن ما يوجب نسخه فثبت أنه ~~منسوخ بالسنة # فإن قيل ما أنكرت ألا يدل حديث عبادة في الجلد والرجم على نسخ الحبس ~~والأذى لأن الذي في الآية من ذلك مؤقت بقوله تعالى @QB@ أو يجعل الله لهن ~~سبيلا @QE@ فإنما بين الرسول عليه السلام ذلك السبيل كما لو قال في الآية ~~إلى سنة لم يكن مضي السنة موجبا لنسخها # قيل له ليس هذا كما ظننت لأن قوله @QB@ أو يجعل الله لهن سبيلا @QE@ ليس ~~بتوقيت إذا لم يكن يمتنع مع وجود هذا القول ألا يجعل الله لهن سبيلا فيكون ~~حدهما الحبس والأذى على PageV02P355 التأبيد ولو لم يعطف عليه قوله أو يجعل ~~الله لهن سبيلا لكان معقولا من الآية ثبات حكمها إلى أن ينسخها الله تعالى ~~بغيرها من الأحكام وذكر السبيل إنما أفاد تأكيد بقاء الحكم إلى وقت وقوع ~~النسخ وعلى أنا لو سلمنا لك ما ادعيت كانت دلالة الخبر قائمة على صحة ما ~~ذكرنا وذلك لأن السبيل مذكور في النساء خاصة غير مذكور في الرجال لأن حد ~~الرجل كان الأذى إلى أن يتوب بقوله تعالى @QB@ فآذوهما فإن تابا وأصلحا ~~فأعرضوا عنهما @QE@ وهو منسوخ الآن برجم المحصن وجلد غير المحصن # وقد بينا أن ثبوت الرجم الناسخ لحكم الآية ثابت بالسنة فلا محالة قد أوجب ~~نسخ القرآن بالسنة # وقد قال بعض المخالفين يحتمل أن يكون الحبس والأذى كان في غير المحصن ~~فنسخ بقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا @QE@ ولم يكن للمحصن حكم ~~ثابت فكان وجوب الرجم حدا مبتدأ # قال أبو بكر رحمه الله وهذا غلط من قائله من وجهين # أحدهما أن كل من روي عنه تأويل هذه الآية من السلف قد قال إن ذلك كان حد ~~الزانيين ولم يذكروا فرقا بين المحصن وغيره ولو كان حدا لأحد الفريقين دون ~~الآخر لنقل ولفرقوا بينهما إذ غير جائز أن يعلموه حد لفريق دون ms359 فريق ~~فينقلوا ما يوجب كونه حدا للفريقين جميعا فدل ذلك على سقوط قول هذا القائل # والوجه الآخر أن قوله عليه السلام خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا إخبار ~~بأن السبيل لجميع من تضمنته الآية التي فيها ذكر السبيل للفريقين من ~~المحصنات وغيرهن لولا ذلك لاقتصر بذكر السبيل على غير المحصنة فلما جمع ~~الفريقين من PageV02P356 المحصنات وغيرهن في بيان السبيل فقال البكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم دل ذلك على أن الحبس ~~والأذى المذكورين في الآية كان للفريقين ومن أجل ذلك صار السبيل المذكور في ~~الخبر ناسخا للحكم عن الفريقين جميعا # وعلى أن الشافعي قد قال نسخ الحبس والأذى عن المحصنين بقول النبي عليه ~~السلام الثيب بالثيب الجلد والرجم # فمن منع ذلك من أصحابه فإنما ينقض بذلك قول صاحبه # وقال قائل يحتمل أن يكون الحبس والأذى منسوخين عن المحصن بالرجم الذي كان ~~في آية من القرآن وقد نسخت تلاوته فلا يدل ما ذكرت على أنه منسوخ بالسنة ~~وهذا أيضا غلط لأن النبي عليه السلام أخبر في حديث عبادة أن السبيل في ~~الآية كان عقيب ما أوجبه بقوله خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا فعلمنا أنهم ~~نقلوا من الحبس والأذى إلى ما هو هذا الحديث بلا واسطة حكم بينهما # ولا يقول أحد من الناس إن ما روي في خبر عبادة من قوله خذوا عني قد جعل ~~الله لهن سبيلا كان قرآنا في وقت من الأوقات وكيف يكون قرآنا مع إخباره ~~عليه السلام بأنه مأخوذ عنه لا عن القرآن # فدل على أن الحبس والأذى منسوخان عن المحصن بالرجم المذكور في خبر عبادة ~~الذي لم يكن قرآنا قط ولو كان قرآنا منسوخ التلاوة لما قال عليه السلام ~~خذوا عني ولكان السبيل الذي جعل لهن متقدما لهذا القول بالقرآن المنسوخ ~~التلاوة الثابت الحكم وفي خبر عبادة ما ينفي هذا فدل على أن الحبس والأذى ~~منسوخان عن المحصن بالرجم الذي لم يكن ثبوته بقرآن نسخت تلاوته # ومن جهة أخرى إنه ms360 لو شاع هذا التأويل في ذلك لجاز أن يقال في كل سنة ثبتت ~~عن النبي عليه السلام أنها من القرآن المنسوخ التلاوة فيوجب هذا ألا يثبت ~~للنبي عليه السلام سنة ولجاز أن يقال في جميع ما نسخ من القرآن مما قد وجد ~~في القرآن ما يوجب نسخه إنه إنما نسخ بالقرآن المنسوخ التلاوة ثم نزلت ~~الآية الأخرى بالحكم الآخر وهذا خلف من القول PageV02P357 # ولجاز أن يقال ما نسخت سنة قط إلا بقرآن قد نسخت تلاوته فيوجب هذا بطلان ~~قول مخالفنا إن السنة لا ينسخها القرآن # فإن قال قائل كيف يجوز أن يكون حديث عبادة ناسخا لحكم القرآن وهو من ~~أخبار الآحاد ومن أصلكم أنه لا يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد # فالجواب عن هذا من وجهين # أحدهما وهو أن خبر عبادة وإن كان وروده من طريق الآحاد فقد اجتمعت الأمة ~~على استعمال حكمه في إيجاب الرجم إلا من شذ عليها ممن لا يعتبر خلافه خلافا ~~من الخوارج وما كان هذا سبيله من أخبار الآحاد فهو موجب للعلم في معنى ~~الخبر المتواتر ويجوز نسخ القرآن به # ألا ترى أن قوله عليه السلام لا وصية لوارث هو من أخبار الآحاد وقد أجاز ~~أصحابنا نسخ القرآن به لتلقي الناس إياه بالقبول واتفاقهم على استعمال حكمه # والوجه الآخر أن رجم المحصن قد ثبت عن النبي عليه السلام بأخبار متواترة ~~منتشرة موجبة للعلم بمخبراتها فإنما أثبتنا الرجم بهذه الأخبار وبخبر عبادة ~~وأثبتنا بها نسخ الحبس والأذى عن المحصنات فصار حظ خبر عبادة في إثبات ~~تاريخ الرجم وأنهم نقلوا أمر الحبس والأذى إلى الرجم بلا واسطة حكم بينهما ~~ولا نزول آية قبله أوجبت نسخهما # وقد يجوز إثبات تاريخ الحكم بمثله وإن تعلق به حكم النسخ إذا كان النسخ ~~واقعا به وبغيره مما يوجب العلم بخبره عند اجتماعهما # ومما قيل إنه نسخ من حكم القرآن بالسنة قوله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على ~~المتقين @QE@ # وقوله تعالى @QB@ وصية لأزواجهم ms361 متاعا إلى الحول غير إخراج @QE@ فقد كانت ~~الوصية لهم واجبة بهذه الآية لأن قوله تعالى @QB@ كتب عليكم @QE@ معناه فرض ~~عليكم كقوله @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ ونحوه وليس في القرآن ما يوجب نسخه ~~فلم ينسخ إلا بقول النبي عليه السلام لا وصية لوارث PageV02P358 # فزعم مخالفونا أن ذلك منسوخ بآية المواريث لقول النبي عليه السلام حين ~~نزلت آية المواريث إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ~~فأخبر أن الوصية للوارث منسوخة بآية المواريث كما لو قال لا وصية لوارث ~~لأنه قد جعل له الميراث كان معقولا أن الناسخ للوصية هو استحقاق الميراث لا ~~قوله لا وصية لوارث # والجواب إن ما ذكره من ذلك لا يوجب كون الميراث ناسخا للوصية وذلك أنه لا ~~يمتنع اجتماع الميراث والوصية في حال واحدة لشخص واحد وآية المواريث إنما ~~فيها إيجاب الميراث بعد الوصية لقوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين @QE@ فلو خلينا والآيتين لجمعنا لهما بين الميراث والوصية لأن كل حكمين ~~يجوز اجتماعهما في حال واحدة لشخص واحد فليس في ورود أحدهما بعد الآخر ما ~~يوجب نسخه على ما بيناه فيما سلف فوجب على هذا متى وجدنا حكمين قد نسخ ~~أحدهما عند إيجاب الآخر مما يصح اجتماعه أن يقول إن النسخ واقع بغيره لأنا ~~لو خلينا وإياهما لما أوجبنا نسخا وقوله عليه السلام إن الله قد أعطى كل ذي ~~حق حقه فلا وصية لوارث لا يوجب ما ذكروه لأن آية الميراث إذن لم توجب نسخ ~~الوصية لما بينا فليس يجوز أن يقول النبي عليه السلام إنها هي الناسخة لها # وأما قولهم إن هذا بمنزلة قوله لو قال لا وصية لوارث لأن الله تعالى قد ~~أعطى كل ذي حق حقه # فإنا لو سلمنا لهم ذلك لم يدل على ما قالوا لأنه لا يمتنع أن يقول لا ~~وصية لوارث لأن الله قد أعطى الميراث فنسخ وصيته بوحي من عنده لا بآية ~~الميراث فإذا لم يكن هذا ممتنعا بل يكون سائغا جائزا لم ms362 يجز لنا أن نقول إن ~~هذا القول يقتضي كون الوصية منسوخة بالميراث وإنما معنى ذكره عليه السلام ~~الميراث عند ذكر نسخ الوصية أنه والله أعلم أراد أن يبين أنه وإن حرم حظه ~~من الوصية فإنه قد أعطي من حظ الميراث ما PageV02P359 عسى أن يكون خيرا له ~~من الوصية فأخبر عليه السلام أنه لم يخله في الحالين قبل نسخ الوصية وبعدها ~~من حظ في مال الميت فبان بما وصفنا أنه ليس فيما اعترض به المخالف ما ينفي ~~أن يكون الميراث منسوخا بقوله لاوصيه لوارث والذي عندي أن الوصية للوالدين ~~والأقربين يجوز أن تكون منسوخة بقوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين @QE@ فأجاز له وصية أي وصية كانت لأنه أطلقها بلفظ منكور ثم جعل باقي ~~المال للورثة على السهام فلا يبقى بعد ذلك وصية يستحقها الوالدان والأقربون ~~فتضمنت هذه الآية نسخ إيجاب الوصية لهم من هذه الجهة # فإن قال قائل ليس في قوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو دين @QE@ ~~نفي لجواز نسخ الوصية للوالدين والأقربين إذ كان المذكور في الآية وصية ~~منكورة غير مقصورة على قوم فهي جائزة للوارث بظاهر الآية فلم ينسخ جوازها ~~للوارث إلا قوله عليه السلام لا وصية لوارث # قيل له الذي في القرآن ذكر إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بقوله @QB@ ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت @QE@ وليس فيه ذكر جوازها إلا عن الواجب ولم ~~تقتض الآية جوازها على جهة التبرع بها والوصية المذكورة في آية المواريث ~~لما كانت مطلقة على وجه النكرة فقد تضمنت نسخ إيجابها # فإذن قوله عليه السلام لا وصية لوارث لم ينسخ به شيء من حكم الآية لأن ~~الذي فيها الإيجاب قد نسخ بما ذكرنا # وأما الجواز على غير وجه الإيجاب فهو حكم آخر ليس له ذكر في الآية # فإن قال يحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى @QB@ من بعد وصية يوصي بها أو ~~دين @QE@ الوصية التي أوجبها للوالدين والأقربين بالآية الأخرى PageV02P360 # قيل له لو كان كذلك لقال من بعد الوصية حتى يرجع ms363 اللفظ إلى الوصية ~~المعهودة التي قد تقدم ذكر إيجابها للوالدين والأقربين ويخصصها بلفظ يوجب ~~الاقتصار عليها فلما أطلقها بلفظ النكرة اقتضى ذلك جواز وصية لمن كان من ~~الناس فدل بذلك عل نسخ وجوبها للوالدين والأقربين إذ جعل باقي المال بعد ~~هذه الوصية للورثة ومن أجل ذلك قلنا إن إيجاب الوصية للوالدين والأقربين ~~إذا لم يكونوا ورثة منسوخة بقوله تعالى @QB@ من بعد وصية توصون بها أو دين ~~@QE@ لأنه اقتضى جوازها لسائر الناس وجعل باقي المال بعدها للورثة فتضمن ~~ذلك نسخ وجوبها للوالدين والأقربين وارثين كانوا أو غير وارثين واستدللنا ~~بذلك على بطلان قول طاووس ومسروق ومسلم بن يسار في آخرين حين أثبتوا فرض ~~الوصية للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة ولم يجوزوها للأجنبيين ما ~~دام هؤلاء موجودين # وقد استدل الشافعي على جواز الوصية للأجنبي لأن النبي عليه السلام جعل ~~PageV02P361 للمعتقين في المرض الثلث ولم يكن بينهم وبين الميت قرابة قال ~~فقد دل هذا على بطلان إيجاب الوصية للوالدين والأقربين وهذا يقتضي منه ~~إجازة نسخ الوصية المذكورة للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة بالخبر # ومما قيل إنه نسخ من القرآن بالسنة قول الله تعالى @QB@ فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره @QE@ # قالوا فقد كان هذا حكما عاما مستقرا في سائر الصلوات بإجماع الأمة إذ غير ~~جائز ورود دليل الخصوص بعد استقرار حكم العموم إلا على وجه النسخ # قالوا والدليل على أن صلاة الخوف إنما نزلت بعد ذلك أن النبي عليه السلام ~~أخر الصلوات يوم الخندق ولم يصل صلاة الخوف لأنها لم تكن نزلت # قالوا وقد اعترف الشافعي بذلك في أمر صلاة الخوف # قال أبو بكر وهذا عندي لا دليل فيه على وجود النسخ لأنه لا يمكن لأحد أن ~~يدعي أن التوجه إلى الكعبة قد كان واجبا في حال الخوف وفي السفر على ~~الراحلة للمتنفل ثم نسخ ترك التوجه إليهما في هاتين الحالتين بل يجوز أن ~~يقال لم يؤمروا بدءا بالتوجه إلى الكعبة إلا في حال الأمن وفي غير ms364 حال ~~السفر للمتنفل على الراحلة وإنما كانت حال الخوف مخصوصة من قوله تعالى @QB@ ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ لأن النبي عليه السلام لم يصل صلاة الخوف ~~إلا بعد مضي مدة من لزوم فرض التوجه إلى الكعبة مما يوجب أن يكون لزوم ~~التوجه إليها قد كان عاما في سائر الصلوات ثم نسخ لأنه لا يمتنع أن يكون ~~الصحابة قد علمت حين نزول الآية من خطاب النبي عليه السلام ما أوجب كون ذلك ~~مقصورا على حال الأمن والإقامة دون حال الخوف والسفر ثم لم يتفق فعلها غير ~~متوجه إلى الكعبة إلا عند الحاجة وعلى أن في سياق قصة الأمر PageV02P362 ~~بالتوجه إلى الكعبة ما يدل على أنهم كانوا مأمورين بها في حال دون حال وهو ~~قوله تعالى @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ وظاهر الآية يقتضي جواز ~~التوجه إلى سائر الجهات إلا أنه لما كان قوله تعالى @QB@ فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام @QE@ يقتضي لزوم التوجه إليه حتما كان قوله تعالى @QB@ ~~فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ مستعملا في حالتي الخوف والسفر للتنقل على ~~الراحلة اللتين صلى النبي عليه السلام فيهما إلى غير الكعبة ولا يجوز أن ~~يقال في مثل هذا أنه نسخ كما لا يقال في قوله تعالى @QB@ حرمت عليكم ~~أمهاتكم @QE@ أنه ناسخ لبعض ما انتظمه قوله تعالى @QB@ فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء @QE@ وما جرى مجرى ذلك من الآي الخاصة والعامة وعلى أنه لو كان ~~ناسخا لكان نسخ القرآن بقرآن وهو قوله تعالى @QB@ فأينما تولوا فثم وجه ~~الله @QE@ # وقد روى عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعا حيث توجهت به راحلته وهو يأتي من ~~مكة إلى المدينة قال ابن عمر وأنا أصلي حيث توجهت بي راحلتي تطوعا ثم تلا ~~@QB@ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ وقال في هذا نزلت ~~هذه الآية # فأخبر ابن عمر أن هذه الآية هي التي أباحت الصلاة في هذه الحال إلى غير ~~الكعبة ms365 فلا يخلو من أن يكون خصت الآية التي فيها الأمر باستقبال الكعبة ~~عاما أو نسختها وأي الوجهين كان فلا دلالة فيه على نسخ القرآن بالسنة # وأما قول الشافعي وغيره ممن قال ذلك من أصحابنا إن صلاة الخوف لم تكن ~~نزلت يوم الخندق وقد كانوا مأمورين في حال الخوف بالتوجه إلى الكعبة فلذلك ~~لم يصلها يومئذ PageV02P363 لتعذر التوجه إليها فإنه دعوى ليس عليها دليل ~~وقد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي جميعا أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق ~~ولم يختلفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى بذات الرقاع صلاة الخوف ~~فثبت أن صلاة الخوف قد كانت نزلت قبل الخندق وإنما ترك النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلاة الخوف يوم الخندق لأنه شغل بالقتال عن الصلاة ومن أجل ذلك قلنا ~~إنه لا يجوز للمسايف والمقاتل صلاة وأنه يؤخرها حتى ينقضي القتال # ولذلك قال النبي عليه السلام يومئذ ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما ~~شغلونا عن الصلاة الوسطى # ومما قيل إنه منسوخ من القرآن بالسنة قول الله تعالى @QB@ وإن فاتكم شيء ~~من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا ~~@QE@ وهذا الحكم منسوخ الآن عند الجميع وليس في القرآن ما يوجب نسخه فعلمنا ~~أن نسخه كان بالسنة # ومما نسخ منه أيضا بغير قرآن ما روى عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة ~~PageV02P364 رضي الله عنها في قوله تعالى @QB@ لا يحل لك النساء من بعد ~~@QE@ قالت ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له أن يتزوج من ~~النساء ما شاء وروي عنها حتى أحل له نساء أهل الأرض # وليس في القرآن ما يوجب نسخ ذلك فثبت أنه نسخ بالسنة # فإن قيل نسخه قوله تعالى @QB@ إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ~~@QE@ # قيل له لا دلالة في هذا على ما ذكرت لأن هذه الإباحة مقصورة على النساء ~~المذكورات في الآية لأنه قال تعالى @QB@ إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن وما ملكت يمينك @QE@ إلى آخر الآية فلم ms366 يوجب نسخ قوله @QB@ لا يحل ~~لك النساء من بعد @QE@ وعلى أنه قد روي في التفسير أن قوله تعالى @QB@ لا ~~يحل لك النساء من بعد @QE@ نزلت بعد قوله @QB@ إنا أحللنا لك أزواجك @QE@ # وأما نسخ حكم القرآن وما ثبت من السنة من طريق التواتر بخبر الواحد فإنه ~~غير جائز عندنا لأن خبر الواحد لا يوجب العلم والقرآن وما ثبت بالتواتر ~~يوجبان العلم بصحة ما تضمناه فغير جائز أن ينزل ما كان هذا وصفه بما لا ~~يوجب العلم # فإن قال قائل قد يجوز ترك ما يوجب العلم بما لا يوجبه لأن ما ثبت من ~~إباحة الأشياء في الأصل قبل ورود المنع قد وقع العلم بصحتها ويقبل مع ذلك ~~خبر الواحد PageV02P365 في حظرها # قيل له ليس كذلك لأن النقل وإن كان قد دل على إباحة أشياء في الجملة على ~~حسب ما تقدم منا القول فيه فإنا متى قصدنا إلى استباحة شيء منها بعينه ~~فإنما طريق استباحته الاجتهاد وغلبة الظن في ألا يلحقنا به ضرر أكثر مما ~~نرجو به من نفع ألا ترى أن التصرف في التجارات والخروج في الأسفار وشرب ~~الأودية وأكل الأطعمة إنما يصح لنا منها استباحة ما لا يلحقنا به ضرر أكثر ~~من النفع الذي نرجوه بها في غالب ظننا # وقد بينا ذلك فيما سلف وذكرنا أن نظيره ما أمر الله تعالى به في قبول ~~شهادة شاهدين مرضيين في الجملة وذلك ثابت بما أوجب لنا العلم الحقيقي ثم ~~متى عينا شاهدين كان قبول شهادتهما من طريق غالب الظن لا من جهة حقيقة ~~العلم ألا ترى أنه يسع الاجتهاد في رد شهادتهما على حسب ما يغلب في الظن من ~~قبولها أوردها فكذلك ما وصفنا في كون الأشياء مباحة في الأصل هو على هذا ~~السبيل PageV02P366 ms367