######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000676 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (المتوفى: 370هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 370 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفصول في الأصول #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000676 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-676 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/676 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1414هـ - 1994م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: وزارة الأوقاف الكويتية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فهذه " فصول وأبواب في أصول الفقه ". تشمل على ~~معرفة طرق استنباط معاني القرآن، واستخراج دلائله، وأحكام ألفاظه، وما ~~تتصرف عليه أنحاء كلام العرب، والأسماء اللغوية، والعبارات الشرعية، والله ~~نسأل التوفيق لما يقربنا إليه، ويزلفنا لديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه ### | [باب العام] ### | [فصل في الظواهر التي يجب اعتبارها] # باب العام # وفيه فصول: فصل في الظواهر التي يجب اعتبارها # من الظواهر التي يجب اعتبارها: ما روي في خبر ابن عمر «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: سئل عن الماء يكون في الفلاة من # PageV01P040 # الأرض، وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل ~~خبثا» ، فسئل عن حكم النجاسات، فأجاب عن الدواب والسباع بجواب مطلق، فدل ~~على نجاسة سؤر السباع، لولا ذلك لبينه - عليه السلام -، وفصل حكمه في ~~الجواب. فهذا، وما جرى مجراه، هو من الظواهر التي يجب اعتبارها في إيجاب ~~الأحكام بها. ومن الظواهر التي يجب اعتبارها: أن يرد لفظ عموم معطوف عليه ~~ومع ذلك فيمكن استعماله في نفسه إذا أفرد عما قبله. # فالجواب فيما إذا كان هذا سبيله اعتباره بنفسه من غير تضمين بما قبله إلا ~~أن تقوم دلالة النظير بما عطف عليه. نحو قوله تعالى: {واللائي يئسن من ~~المحيض} [الطلاق: 4] إلى قوله # PageV01P041 # {وأولات الأحمال أجلهن} [الطلاق: 4] وإن كان معطوفا على غيره فإنه يمكن ~~إجراء حكمه على ما أوجبه ظاهر لفظه من غير تضمين له ما تقدمه؛ لأنه لو ورد ~~منفردا عما تقدمه لزمه الحكم بما تضمنه من غير افتقار إلى ورود بيان فيه. ~~وليس لأحد أن يقصر هذا الحكم على المطلقة من المتوفى عنها زوجها من أجل أن ~~ما تقدمه من ذكر العدد وارد في بيان المطلقة دون المتوفى عنها زوجها وهو ~~قوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض} [الطلاق: 4] وذلك أن كل لفظ قائم ~~بنفسه غير مفتقر إلى غيره متى حملناه على غيره وقصرنا حكمه عليه فقد ms001 ~~خصصناه. والتخصيص لا يجوز إلا بدلالة، فوجب من أجل ذلك حمل اللفظ على ~~مقتضاه منفردا عما قبله. فإن قال قائل: وقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] غير مكتف بنفسه في إفادة الحكم لأن معناه غير ~~مفهوم من ظاهره إذ ليس الأجل مختصا بالعدد دون غيرها. قيل له: هذا المعنى ~~الذي ذكرناه كان معقولا من ظاهر الآية عند المخاطبين بها ولم يكونوا ~~مفتقرين عند سماعها في معرفة حكمها إلى بيان يرد من غيرها، والدليل عليه ~~«أن فريعة بنت مالك لما أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأله عن ~~الانتقال عن بيت زوجها في عدتها - وكان قد قتل عنها - قال لها - صلى الله ~~عليه وسلم -: لا حتى يبلغ الكتاب أجله» . # PageV01P042 # فلم تحتج هذه المرأة مع سماع هذا اللفظ إلى بيان من غيره مع كونها جاهلة ~~بالحكم، ولو لم يكن هذا اللفظ مكتفيا في إلزامها السكون في بيت زوجها ما ~~دامت معتدة لما اقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لها عليه حتى يرده ~~تبيان يزول معه الإشكال لا سيما وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ~~جاءت مستفتية له جاهلة الحكم. ويدل على صحة ما ذكرنا أن عبد الله بن مسعود ~~كان يقول (من شاء باهلته أن قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 4] نزل بعد قوله تعالى {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] # PageV01P043 # احتج بذلك على من خالفه بعدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا أنها ~~أبعد الأجلين. فكان عنده أن عموم هذا اللفظ كاف في اعتبار الحمل لسائر ~~المعتدات. فبان بذلك صحة ما ذكرنا من وجوب اعتبار حكم اللفظ بنفسه دون ~~تضمينه بما هو معطوف عليه متى اكتفى بنفسه في إفادة الحكم. ومن نظائر ذلك ~~قول الله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} ~~[المائدة: 38] إلى قوله {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} [المائدة: 39] كلام ~~مكتف بنفسه لو ابتدئ الخطاب به صح معناه، ولا يجوز أن يجعله مضمنا لبيان ~~السرقة. فنستدل به على سقوط القطع بالتوبة، ms002 وليس هذا كقوله تعالى في شأن ~~المحاربين: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] ، لأن ~~قوله تعالى راجع إلى المذكورين لأن فيه كناية لا بد أن يكون له مظهر يرجع ~~إليه وهم من تقدم ذكرهم، ولأنه استثناء غير مكتف بنفسه إلا بتضمينه بما ~~قبله. وكل لفظ معطوف على غيره لا يستقل بنفسه إلا بتضمينه بما قبله وجب رده ~~إليه # PageV01P044 # وتضمينه به، نحو قوله تعالى: {فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ، ~~هذا خطاب لو ابتدئ لم يفد معنى، فصح أنه معطوف على ما تقدمه، وأن النكاح ~~المبدوء بذكره مضمر فيه، فصار تقدير الآية {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~[النساء: 3] وانكحوا ما ملكت أيمانكم، ويكون النكاح المضمر في ملك اليمين ~~هو النكاح المبدوء بذكره وهو العقد لاقتضاء اللفظ إضماره بعينه. ومن حمله ~~على الوطء فإنما أضمر فيه معنى لم يجر له ذكر في الخطاب وترك ما هو مذكور ~~فيه وهذا لا يجوز. # PageV01P045 ### | [فصل تناول اللفظ معنيين هو في أحدهما مجاز وفي الآخر حقيقة] # فصل: قال أبو بكر: ومتى تناول اللفظ معنيين هو في أحدهما مجاز وفي الآخر ~~حقيقة فالواجب حمله على الحقيقة، ولا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة لأن ~~الأظهر من الأسماء أن كل شيء منها فهو مستعمل في موضعه، ولا يعقل منه ~~العدول به عن موضعه إلا بدلالة. والحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضعه ~~الموضوع له في اللغة. والمجاز هو المعدول به عن حقيقته والمستعمل في غير ~~موضعه الموضوع له في أصل اللغة ولا يجوز أن يعدل به عن جهته وموضعه إلا ~~بدلالة. وكان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول: لا يجوز استعماله للمعنيين ~~جميعا في حال واحد لأن هذا يوجب كون اللفظ حقيقة مجازا في حال واحدة، وهذا ~~محال أو كانت الحقيقة ما استعمل في موضعه والمجاز ما استعمل في غير موضعه. ~~ومحال أن يكون لفظ واحد مستعملا في موضعه ومعدولا به عن موضعه في حال ~~واحدة. # PageV01P046 # وذلك نحو القرء إنه حقيقة في الحيض مجاز في الطهر فالواجب ms003 حمله على ~~الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز ولا يجوز أن يراد المعنيان جميعا في حال ~~واحدة. # PageV01P047 # ومن نظائر ذلك قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22] واسم ~~النكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد. فالواجب إذا ورد مطلقا حمله على الوطء حتى ~~تقوم الدلالة على غيره. # ولا يجوز أن ينتظمهما في حال واحدة لما وصفنا. وكذلك كان يقول في اللفظ ~~إذا تناول معنيين وهو صريح في أحدهما كناية عن الآخر إنه لا يجوز أن يراد ~~المعنيان جميعا بلفظ واحد لأن هذا يوجب كون اللفظ صريحا كناية في حال واحدة ~~وهذا محال، وأيضا فإنه متى أراد أحدهما فكأنه قد نص عليه بعينه فانتفى أن ~~يكون عبارة عن الآخر. ومتى ورد مطلقا وجب حمله على الصريح دون الكناية حتى ~~تقوم الدلالة على أن المراد الكناية، وذلك نحو قوله تعالى: {أو لامستم ~~النساء} [المائدة: 6] . فاللمس حقيقة باليد ونحوها فهو كناية عن الجماع ~~فغير جائز أن يكون المراد به # PageV01P048 # المعنيين جميعا في حال واحدة. ويدل على انتفاء إرادة المعنيين جميعا أن ~~الصحابة لما اختلفت في مراد الآية أن كل من أثبت المراد أحد المعنيين نفى ~~المعنى الآخر أن يكون مرادا، وذلك أن أمير المؤمنين عليا وابن عباس - رضي ~~الله عنهما - قالا المراد الجماع، وكان عندهما أن اللمس باليد # PageV01P049 # غير مراد، وقال عمر وعبد الله بن مسعود رحمة الله عليهما المراد اللمس ~~باليد دون الجماع، فكانا من أجل ذلك لا يريان للجنب أن يتيمم فحصل من ~~اتفاقهم انتفاء إرادة المعنيين جميعا بلفظ واحد وهذا يدل على أنهم كانوا لا ~~يجيزون إرادة المعنيين بلفظ واحد على الحد الذي بيناه. ### | [فصل الظواهر التي يقضي عليها دلالة الحال فينقل حكمه إلى ضد موجب لفظه] # فصل: قال أبو بكر: ومن الظواهر ما يقضي عليه دلالة الحال فينقل حكمه إلى ~~ضد موجب لفظه في حقيقة اللغة نحو قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] ~~{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] {واستفزز من استطعت منهم} ~~[الإسراء: 64] ونحو ذلك. فلو ورد هذا الخطاب ms004 مبتدئا عاريا عن دلالة الحال ~~لكان ظاهره يقتضي إباحة جميع الأفعال، وهو في هذه الحال وعيد وزجر بخلاف ما ~~يقتضيه حكم اللفظ المطلق العاري عن دلالة الحال. # PageV01P050 # ومن نظائر ذلك قول النجاشي # إذا الله عادى أهل لؤم ورقة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # ومعلوم أن الناس يتمدحون بنفي الغدر والظلم عن أنفسهم وهو في هذا الموضع ~~ذم وهجاء فخرج اللفظ مخرج الهجاء، فكان معناه: أنهم أقل من أن يوثق لهم ~~بذمة يغدرون بها، وأعجز من أن يظلموا أحدا فكانت دلالة الحال ناقلة لحكم ~~اللفظ إلى ضد مقتضاه وموجبه لو كان وروده مطلقا. ومما اعتبر أصحابنا في هذا ~~المعنى من مسائل الفقه قولهم: من قامت امرأته لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت ~~طالق أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث. وكذلك لو قال الرجل: تغد عندي ~~اليوم، فقال: إن تغديت فعبدي حر، أن هذا على ذلك الغداء بعينه، فإن تغدى ~~عنده بعد ذلك لم يحنث. وكذلك لو قال: (والله إن تغديت اليوم فعبدي حر) ~~فصارت اليمين على اليوم لدلالة الحال عليها. # قال أبو بكر: ومما يجب مراعاته من مغالطات الخصوم في هذا الباب: احتجاجهم ~~في زعمهم # PageV01P051 # بعموم ألفاظ من الكتاب والسنة متى حصلت عليهم وكشف عن حقيقتها لم يتحصل ~~منها شيء نحو احتجاج بعضهم في أن رقبة الظهار شرطها أن تكون مؤمنة بقوله ~~تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة: 267] . والكافر خبيث ولا ~~يجوز زعم بالظاهر، ونحن متى سلمنا أن العتق من الإنفاق لم يكن في لفظ الآية ~~دلالة على ما قالوا، وذلك لأن الخبيث هو كفر الكافر لا عين فعل الله تعالى، ~~وغير جائز أن يذم من أجلها. والذي أنفقه المعتق بعتقه ليس هو الكفر وإنما ~~هو العتق، والعتق ليس بخبيث وكيف يكون خبيثا وهو قربة إلى الله تعالى، فلم ~~يحصل لهذه الآية تعلق بهذه المسألة. ونظيره احتجاج من احتج منهم بسقوط حق ~~الإمام في أخذ صدقة السائمة، ms005 إذا # PageV01P052 # أعطاها رب المال المساكين بقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] . فيستدل بظاهر قوله ~~تعالى {فهو خير لكم} [البقرة: 271] على سقوط حق الإمام في أخذها متى أخرجها ~~رب المال. وهذا نظير ما ذكرناه في الفصل الذي قبله لأن هذه الآية إنما تدل ~~على أنه إذا أعطاها الفقراء وأخفاها فهو خير له ولا دلالة فيه على أن ~~الإمام لا يأخذها منه ثانيا. وموضع دلالة الآية لا يتنافى لأنا نقول: ~~إخفاؤها خير له، وللإمام مع ذلك أخذها، فإذن لا دلالة في الآية على موضع ~~الخلاف، بل دلالتها على صحة قولنا أظهر منها على قول المخالف، لأنا نقول هو ~~خير له لأن الإمام يأخذ مرة أخرى فيحصل له الصدقة مرتين فيكون خيرا له من ~~هذا الوجه. # ومن نظائر احتجاجهم بما روي عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مسح ~~رأسه ثلاثا في الوضوء» قالوا: فهذا أولى من رواية من روى " المسح مرة واحدة ~~" لأنه زائد عليه وخبر الزائد أولى ومتى حملت عليهم معنى هذا الخبر وقابلته ~~بموضع الخلاف لم يعترض عليه لأنا لم نختلف فيه أنه يمسح ثلاثا وإنما الخلاف ~~بيننا وبينه في تجديد الماء لكل مسحة، وليس لهذا المعنى ذكر في الخبر، ~~والاحتجاج به ضرب من المغالطة. ونحوه الاستدلال بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في دم الحيض «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» . # PageV01P053 # على أن غسل النجاسات لا يجوز إلا بالماء وهذا غلط، وليس فيه بيان موضع ~~الخلاف لأن الذي تضمنه الخبر الأمر بغسل دم الحيض بالماء، ومتى أزيل الدم ~~بخل أو نحوه لم يبق هناك دم تناوله لفظ الخبر، فإذن لا تعلق لهذا الخبر ~~بمسألة الخلاف. ومثله استدلال من استدل على نجاسة الماء بموت (الذباب فيه) ~~بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] والآية إنما أوجبت تحريم ~~الميتة، والماء الذي فيه ميتة لا يسمى ميتة فكيف يجوز اعتبار عموم لفظ لم ~~يتناول الماء بحال. ونظيره استدلال من يستدل على ضمان العارية والسرقة ms006 عند ~~الهلاك بقوله - صلى الله عليه وسلم - «على اليد ما أخذت حتى ترده» . والخبر ~~إنما أوجب رد المأخوذ بعينه، والقيمة التي يريد المخالف تضمينها إياه لا ~~ذكر لها في الخبر فاعتبار العموم فيه ساقط. ومما يكثر استعماله من ألفاظ ~~العموم بين المناظرين حديث القاسم بن محمد عن # PageV01P054 # عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدخل في أمرنا ما ~~ليس فيه فهو رد» ويروى: «من أدخل في ديننا ما ليس منا فهو رد» وهذا اللفظ ~~مما لا يصح (لأحد) الاحتجاج به على مخالفة في فساد العقود والقرب، وذلك ~~لأنه يحتاج في إثبات ما رام إثباته إلى دلالة غير اللفظ، إذا كان أكثر ما ~~فيه أن الشيء إذا حصل منهيا عنه كان مردودا. نظير ذلك اختلافهم في الصلاة ~~في الدار المغصوبة. إذا احتج مبطلوها بهذا الخبر. # PageV01P055 # قيل لهم: قد علمنا أنه منهي عن ذلك، فما الدلالة على أن جواز الصلاة في ~~هذا الحال ليس من أمره، إذ ليس يمنع أن يكون إباحة الصلاة في هذه الدار ليس ~~من أمره، ويكون جوازها وسقوط الفرض بها من أمره، وهذا موضع خلاف، فيحتاج ~~المحتج بالخبر إلى أن يقيم دلالة من غير الخبر على أن جوازها ليس من أمره ~~فيسقط الاستدلال به وهذا الضرب من احتجاج المخالفين أكثر من أن يحصى، وإنما ~~ذكرنا منه طرفا لننبه به على نظائره، ولئلا يحسن الظن به فيما يدعيه ظاهرا ~~حتى يوافق على تصحيح وجه الدلالة منه، فإن أكثر احتجاجاتهم تجري هذا ~~المجرى، فمتى طولب بتحقيقه اضمحل. # PageV01P056 ### | [باب في صفة النص] # قال أبو بكر: النص: (كل) ما يتناول عينا مخصوصة بحكم ظاهر المعنى بين ~~المراد فهو نص وما يتناوله العموم فهو نص أيضا وذلك لأنه لا فرق بين الشخص ~~المعين إذا أشير إليه بعينه وبين حكمه وبين ما يتناوله العموم. إذ كان ~~العموم اسما لجميع ما تناوله وانطوى تحته. # PageV01P059 # والمنصوص عليه ما نص عليه باسمه. ومن الدليل على ذلك أن أحدا من المسلمين ~~لا يمتنع من إطلاق ms007 القول بأن الله تعالى قد نص على تحريم الأم بقوله تعالى: ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] وأن قطع السارق منصوص عليه بقوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة} [المائدة: 38] وكذلك جلد الزاني، وإيجاب القصاص على ~~قاتل العمد. وكل إنما نص على حكمه بعموم لفظ ينتظم ما شمله الاسم من غير ~~إشارة إلى عين مخصوصة، وليس جواز دخول الاستثناء على لفظ العموم وجواز ~~تخصيصه بمانع من أن يكون نصا إذا لم تقم دلالة التخصيص. كما أن العدد الذي ~~يتناوله اسم العشرة منصوص عليه بذكر العشرة مع جواز دخول الاستثناء عليها، ~~ولأن المشار إليه بعينه يجوز إدخال الشرط عليه وتعليقه بحال أخرى، ولم يمنع ~~ذلك أن يكون نصا إذا عري من شرط أو ذكر حال. # والنص في اللغة: هو المبالغة في إظهار الشيء وإبانته. فمنه قولهم: نصصت ~~الحديث إلى فلان، بمعنى أني أظهرت أصله. ومخرجه. قال الشاعر: # أنص الحديث إلى أهله ... فإن الأمانة في نصه # ومنه نصصت الدابة في السير إذا أظهرت أقصى ما عندها. # PageV01P060 # قال الشاعر: # تقطع الخرق بسير نص # ، ومنه المنصة، وهو الفرش الذي يرفع ليقعد عليه العروس (ليكون ظاهرا) ~~للحاضرين، وكان أبو الحسن الكرخي - رحمه الله - يقول في معنى النص نحوا مما ~~ذكرنا. وكان يقول أيضا في اللفظ المحتمل لضروب (من) التأويل أن ما قامت له ~~الدلالة على بعض المعاني أنه (هو) المراد جاز له أن يقول (إن) هذا نص عندي، ~~وكذلك إذا روى ذلك التأويل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجائز أن ~~يقال إن ذلك نص الكتاب لبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - مراد الله تعالى ~~فيه. وذلك نحو قوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] يحتمل ~~السلطان المعاني المختلفة. فإذا قامت الدلالة عندنا على أن المراد (به) ~~القود جاز أن يقول قد نصت هذه الآية على إيجاب القود لولي المقتول ظلما # PageV01P061 ### | [باب في معنى المجمل] ### | [فصل المجمل على وجهين] # فصل: قال أبو بكر: المجمل على وجهين: أحدهما: يقارب معناه معنى العموم ~~(لأن العموم) لا بد من أن يشتمل على ms008 جملة إذا كان يقتضي جمعا من الأسماء ~~وكل جمع فهو جملة. فمعنى العام والمجمل لا يختلفان في هذا الوجه. فجائز أن ~~يعبر بالمجمل عن العام # وقد ذكر أبو موسى عيسى بن أبان - رحمه الله - العام في مواضع فسماه ~~مجملا، وهذا كلام في العبارة لا يقع في مثله مضايقة. والوجه الآخر: أن يكون ~~الإجمال في لفظ واحد مجهول فهذا لا يكون عموما ولا عبارة عنه نحو قوله ~~تعالى {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات: 19] ، (ونحو قول) ~~القائل أعط زيدا (حقه) وهو ما أبينه لك بعد هذا، فهذا مجمل ليس فيه معنى ~~العموم # فالمعقول عندهم من إطلاق لفظ العموم: أنه اللفظ المشتمل على مسميات قد ~~علق # PageV01P063 # به حكم يمكن استعماله على ظاهره وما تناوله لفظه غير مفتقر إلى بيان من ~~غيره. نحو قوله تعالى {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] وما أشبهه من ألفاظ ~~الجمع المطلق. # وأما المجمل: فهو اللفظ الذي يمكن استعمال حكمه عند وروده، ويكون موقوفا ~~على بيان من غيره وهو على قسمين. أحدهما: ما يكون إجماله في نفس اللفظ بأن ~~يكون اللفظ في نفسه مبهما غير معلوم المراد عند المخاطبين. والقسم الآخر: ~~أن يكون اللفظ مما يمكن استعماله لو خلينا وما يقتضيه ظاهره إلا أنه يصير ~~في معنى المجمل بما يقترن إليه مما يوجب إجماله من لفظ أو دلالة. # فأما القسم الأول: فنحو قوله تعالى {قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: ~~176] {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] و {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون} [التوبة: 29] {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P064 # «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها» . وقوله - صلى الله عليه وسلم - «يأتي على ~~الناس زمان يؤتمن فيه الخائن ويخون فيه الأمين ويتكلم فيه الرويبضة قيل يا ~~رسول الله وما الرويبضة؟ . قال: سفيه القوم يتكلم في أمر العامة» وقد كان ~~السامعون له من أهل اللغة ولم يعرفوا معناه حتى بينه لهم بعد سؤالهم إياه. ~~وكقول ms009 القائل أعط زيدا حقه فهذا هو المجمل الذي إجماله في نفس اللفظ ولا ~~سبيل إلى استعمال حكمه إلا ببيان من غيره. # ومن هذا الضرب أسماء الشرع الموضوعة فيه لمعان لم تكن موضوعة لها في ~~اللغة، # PageV01P065 # نحو الربا في اللغة الزيادة يقال: أربى فلان على فلان في القول والفعل، ~~والرابية هي الأرض المرتفعة الزائدة على ما يليها. وهو في الشرع اسم لمعان ~~أخر غير ما كان اسما له في اللغة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إنما ~~الربا في النسيئة» وقال عمر - رضي الله عنه - " إن من الربا أبوابا لا تخفى ~~منها السلم في السن " يعني (في) الحيوان. وقال عمر أيضا " إن آية الربا من ~~آخر ما نزل من القرآن وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي (من) قبل أن ~~يبينه لنا فدعوا الربا والريبة ". # PageV01P066 # وكان عمر من أهل اللسان، ولم يكن محتاجا إلى البيان فيما (كان) طريق ~~معرفة استدراكه اللغة، وأخبر مع ذلك أن لفظ الربا كان مفتقرا إلى البيان إذ ~~كان لفظا شرعيا قد أريد به ما لا ينتظمه الاسم من طريق اللغة. والزكاة هي ~~النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما. والصوم: الإمساك والكف عن الشيء قال الله ~~تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] يعني صمتا. وقال امرؤ القيس: # فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # PageV01P067 # وقال النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما # والصلاة الدعاء في اللغة، وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] ، وقد أريد بهذه الأسماء معاني لم يكن ~~الاسم موضوعا (لها) في اللغة، فمتى ورد شيء من هذه الألفاظ مطلقا ولم يكن ~~المراد بها إشارة إلى معهود فهو مجمل محتاج إلى البيان. وقد كان شيخنا أبو ~~الحسن الكرخي - رحمه الله - يقول مرة في قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] إنه (من المجمل) لا يصح الاحتجاج بعمومه ~~لتعلق الحكم # PageV01P068 # فيه بمعان لا ينتظمها الاسم وليس هو عبارة عنها، من نحو المقدار والحرز ~~فصار ms010 كاسم الصلاة والزكاة والصوم ونحوها لتعلق الحكم فيها بمعان لم يكن ~~الاسم موضوعا لها في اللغة. # قال أبو بكر: وهذا عندي يوجب إجماله وإن كان اللفظ قد صار مجملا عندي من ~~وجه آخر غير هذا قد بيناه في شرح (مختصر الطحاوي) . # وأما القسم الآخر منه: فهو أن يرد لفظ عموم يمكن استعماله على ظاهره فيما ~~انتظمه معناه لو اقتصر عليه. فتعلقه بمعنى يوجب إجماله ووقوعه على ورود ~~البيان فيه نحو قوله تعالى: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [الحج: ~~30] فصار اللفظ (به) مجملا إذا أراد بقوله {إلا ما يتلى عليكم} [الحج: 30] ~~(مما) قد حصل تحريمه الآن وأبينه لكم في الثاني. # PageV01P069 # وذلك لأنه (قد يجوز أن) يريد بقوله {إلا ما يتلى عليكم} [الحج: 30] إلا ~~ما يتبين لكم مما قد حصل تحريمه الآن. ويحتمل أن يريد إلا ما سنحرم عليكم. ~~وإذا كان المراد الوجه الثاني لم يصر لفظ الإباحة به مجملا، (وإنما يصير ~~مجملا) إذا كان المراد الوجه الأول. ومثله قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] فلو خلينا وظاهره وجب استعماله على ~~عمومه فلما قرن إليه قوله تعالى {محصنين غير مسافحين} [النساء: 24] احتمل ~~أن يريد أن يجعل كونه على صفة الأفعال شرطا للإباحة، فإن كان كذلك فاللفظ ~~مجمل لأن الإباحة معلقة بشرط حصول الإحصان بالنكاح والإحصان لفظ مجمل فصارت ~~الإباحة مجملة مفتقرة إلى البيان. ويحتمل أن يريد بقوله تعالى {محصنين} ~~[النساء: 24] الإخبار بحصول الإحصان بالنكاح فيصير حينئذ عقد النكاح شرطا ~~لحصول الإحصان ولا يكون لفظ الإباحة مجملا، و (من) نحو ذلك قوله تعالى ~~{فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة: 222] . فهذه الإباحة لا ~~تقوم بنفسها حتى يثبت أنها مما أمر الله به. # PageV01P070 # ومما يضاهي ذلك أن يكون ما تحت الاسم معلوم المعنى إلا أن مراد المخاطب ~~فيه البعض منه غير معين في اللفظ يعلم ذلك مع ورود اللفظ لاستحالة اعتقاد ~~العموم فيه، فيصير اللفظ مجملا محتاجا إلى البيان. وذلك نحو قوله تعالى: ~~{وافعلوا الخير} [الحج: ms011 77] ليس يخلو قوله: {وافعلوا الخير} [الحج: 77] من ~~أن يكون المراد به الوجوب أو الندب. فإن كان المراد (به) الوجوب استحال ~~اعتقاد العموم فيه لأنه معلوم مع ورود اللفظ امتناع استيعاب جميعه على وجه ~~الإيجاب لأنه يوجب أن يكون كل خير واجبا، ويستحيل أيضا منه فعل كل ما يسمى ~~خيرا لأنه لا يحيط به ولا يتأتى له فعله. فصار حينئذ كقوله افعلوا بعض ~~الخير على وجه الوجوب، وذلك البعض غير معلوم من اللفظ فحكمه موقوف على ~~الدليل، وهو في هذا الوجه بمنزلة قوله صوموا لما لم يجز أن يكون المراد ~~الإمساك عن كل شيء صار بمنزلة قوله امسكوا عن بعض الأشياء. فاللفظ مجمل ~~مفتقر إلى البيان. هذا إذا كان المراد باللفظ الإيجاب. فإن كان المراد ~~بقوله {وافعلوا الخير} [الحج: 77] الندب صح أن يكون المراد به الجنس كله ~~على حسب ما يختاره، فيصير تقديره افعلوا من الخير ما شئتم فإنكم مندوبون ~~إليه ومثابون عليه. # وكيفما تصرفت الحال فالاحتجاج بقوله {وافعلوا الخير} [الحج: 77] في إيجاب ~~شيء من الأحكام ساقط. ومن نحو ذلك قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار ~~وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] . # PageV01P071 # لا يصح الاحتجاج بعمومه في نفي المساواة بينهما في شيء من الأحكام متى ~~اختلفنا في مساواة الكافر المسلم في القصاص والشهادة ونحوهما وذلك لأنه ~~معلوم أنه لم يرد بذلك نفي المساواة بينهما في كل شيء ولا يصح اعتقاد ذلك ~~فيهما لأن المساواة قد حصلت قبل ذلك بينهما في أمور كثيرة من حيث هما جسمان ~~ومحدثان وسوى بينهما في تكليف الإيمان والفرائض وما لا يحصى من الأشياء ~~التي تساويا فيها. # فصار تقدير اللفظ لا يستويان في بعض الأشياء، ثم لا يخلو ذلك (البعض) من ~~أن يحصل معلوما عند المخاطبين لدلالة الحال عليه ويكون حكمه موقوفا على ~~البيان، ودلالة الحال الموجبة لكون المعنى معلوما ظاهرة في الآية، وهو قول ~~الله تعالى {أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] . فإنما نفى المساواة ~~بينهم في الآخرة. ومنه قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} [فاطر: 19] ~~معلوم أنه لم يرد ms012 به نفي المساواة في كل شيء، وإنما أراد المساواة في معنى ~~البصر (وإدراك الأشياء به فشبه الكافر بالأعمى والمؤمن بالبصير) فلا يصح ~~الاحتجاج به في نفي المساواة بينهما في الشهادة والبيع والشراء ونحو ذلك. ~~وكثير من المخالفين الذين لا يرجعون إلى تحصيل فيما يقولون (يحتجون) بهذا ~~وأشباهه، إما جهلا منهم بمواضع الاحتجاج، وإما قلة دين. # PageV01P072 # ومن الناس من يظن أن قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: ~~275] من خبر المجمل الذي تقدم ذكره آنفا لأنه قرن إليه ما أوجب إجماله ~~بقوله {وحرم الربا} [البقرة: 275] وليس هذا من ذلك في شيء عندنا. وذلك لأن ~~الربا لا يخلو من أن يكون لفظا مجملا أو عموما. # فإن كان عموما فغير جائز أن يصير لفظ البيع متعلقا بعمومه في البيع الذي ~~ليس بربا كما لو قال أحل الله البيع وحرم بيع ما ليس عندك لم يوجب عليك ~~إجمال لفظ إباحة البيع فإن كان لفظ الربا مجملا مفتقرا إلى البيان فإن الذي ~~يقع الإجمال فيه من لفظ البيع ما شككنا فيه أنه ربا أو ليس بربا. فأما ~~البيع الذي قد علم (أنه) ليس بربا فاعتبار عموم لفظ البيع شائع في إباحته، ~~وليس ذلك كقوله تعالى {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [الحج: 30] ~~ولا مثل قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين} ~~[النساء: 24] لأن ما يتلى علينا ليس يختص بنوع من هذه الجملة دون نوع، ~~والإحصان لفظ مجمل قد علقت الإباحة به فبطلت دلالة الإباحة على الإطلاق # PageV01P073 ### | [فصل الاحتجاج بعموم اللفظ المجمل] # فصل: قال أبو بكر: وكل لفظ مجمل قامت الدلالة على معنى قد أريد به صح ~~الاحتجاج بعموم المعنى الذي قامت الدلالة على أنه مراد كقوله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة} [التوبة: 103] . إذا قامت الدلالة على أنه (قد أريد) العشر ~~أو زكاة المال صح الاحتجاج بعمومه في إيجاب العشر والزكاة في سائر الأموال ~~إلا ما قام دليله. ونحوه قوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: ~~33] . فقد اتفق الجميع على ms013 أن القود مراد فيصح الاحتجاج (به) في (إيجاب ~~القود) على كل قاتل ظلما. # وقد ينتظم آية واحدة العموم والمجمل معا في حكم واحد، فلا يمنع ما فيها ~~من الإجمال الاحتجاج بعموم ما هو (عام فيها) متى اختلفنا في حكم قد تناوله ~~العموم. وذلك نحو قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] . هو مجمل ~~في الصدقة عموم في الأموال. كقوله تعالى: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] . # PageV01P074 # هو عموم فيما كسب وفيما أخرجته الأرض، مجمل في المقدار الواجب. فمتى ~~اختلفنا في الموجب فيه صح الاحتجاج بالعموم. ومتى اختلفنا في الواجب احتجنا ~~إلى دلالة من غير الآية. ونحو قوله تعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا} [الإسراء: 33] . متى اختلفنا في بعض المقتولين ظلما صح الاحتجاج ~~(بالآية) في دخوله في الحكم لأن قوله تعالى {ومن قتل مظلوما} [الإسراء: 33] ~~عموم في المقتولين ظلما فدخل فيه المسلم والكافر. ومتى اختلفنا في الواجب ~~بالقتل لم يصح الاحتجاج بقوله {سلطانا} [الإسراء: 33] حتى يثبت أن الحكم ~~الذي رام الخصم إثباته مراد، فيصح (حينئذ الاحتجاج) بعمومه في الحكم الواجب ~~على ما بيناه. # PageV01P075 ### | [فصل الأسماء المشتركة] # فصل: والأسماء المشتركة متى وردت مطلقة فهي مجملة لا يصح اعتبار العموم ~~فيها. مثل قوله تعالى: {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] والسلطان ~~اسم يقع على معان مختلفة مشتركة في (هذا) الاسم لأن الحجة تسمى سلطانا. ~~والسلطان الذي يملك الأمر والنهي وغير ذلك. ونحوه قول القائل وجدت يكون من ~~الموجدة وهي الغضب، ومن المحبة، ومن وجدان الشيء. وكقوله رأيت عينا وذلك ~~يقع على الدنانير، وعلى عين الحيوان، وعين الماء، وعين الركبة. # PageV01P076 # ومثل قوله) {والبحر المسجور} [الطور: 6] . قيل إنه الفارغ وقيل إنه ~~الملآن. فمتى ورد مثله مطلقا لم يجز أن يقال إنه عموم يتناول جميع ما شمله ~~الاسم بل يكون موقوف المعنى على البيان. و (كذا) كان يقول شيخنا أبو الحسن ~~(الكرخي) - رحمه الله - في هذا ويحتج فيه بأنه متى أراد أحد المعنيين فكأنه ~~قد صرح (به) وسماه بعينه فلا ms014 يتناول المعنى الآخر، وليس هذا كالأخوة ~~والإنسان في إنه يجوز أن يتناول الذكر والأنثى والأخ من الأم والأخ من الأب ~~لأن المعنى الذي به سمي الجميع إخوة هو معنى واحد من أجله سمي كل واحد أخا ~~وكل واحد إنسانا. فذلك عموم يصح اعتباره. وأما سائر الأسماء التي قدمنا ~~ونظائرها فإنها تتناول الشيء وضده على وجوه مختلفة فلم يجز أن يراد باللفظ ~~الواحد جميع ما يتناوله الاسم. وقد قال أصحابنا فيمن أوصى بثلث ماله ~~لمواليه وله مولى أعلى ومولى أسفل، إن الوصية باطلة إذا لم يبين. وكان أبو ~~الحسن - رحمه الله - يحتج لذلك بأن الاسم يتناول كل واحد منهما على وجه # PageV01P077 # الحقيقة وأحدهما منعم والآخر منعم (عليه) ، فلم يجز أن يرادا جميعا ~~باللفظ. وكان يستدل به على (أن) الاسم الواحد إذا تناول ضدين لم يجز أن ~~يرادا (جميعا) بلفظ واحد، وكان يذكر أيضا أن من مذهب الإمام أبي حنيفة - ~~رحمه الله - أن الحقيقة والمجاز لا يجوز أن يرادا جميعا بلفظ واحد. ويستدل ~~عليه بقوله فيمن قال إن شربت من الفرات فعبدي حر إن هذا على الكرع ولا يحنث ~~إن استقى بكوز أو غيره فشرب لأن (الحقيقة) قد ثبت أنها مراده، وأنه يحنث ~~بها عند الجميع فانتفى المجاز، وكذلك قال فيمن حلف لا يأكل من هذه الحنطة ~~شيئا أن عند أبي حنيفة - رحمه الله - على عين الحنطة أن يقضمها ولا يحنث إن ~~أكلها خبزا لأن الحقيقة قد # PageV01P078 # تناولها اليمين فلا يدخل فيها المجاز. وقال أبو يوسف ومحمد إن كرع أو شرب ~~بكوز حنث في المسألة الأولى ويحنث إن أكل الخبز في المسألة الثانية فقد صار ~~عندهما اللفظة الواحدة يجوز أن يراد بها الحقيقة والمجاز في حال واحدة. # PageV01P079 ### | [باب معاني حروف العطف وغيرها] # قال أبو بكر: هذا الباب مما يحتاج إلى ذكره في تعريف حكم الألفاظ المعطوف ~~بعضها على بعض، وما تدخل عليه الأدوات التي تتغير فائدة الكلام بدخولها ~~عليه. الواو في اللغة للجمع. وذلك حقيقتها وكان أبو الحسن - رحمه الله - ~~يحكي عن ms015 محمد أنه قال: الواو بابها الجمع حتى تقوم دلالة الاستئناف. # PageV01P083 # وعلى هذا بنى مسائل الجامع الكبير في الأيمان. قال أبو بكر: وذلك نحو ~~قوله تعالى {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] . من جعلها للجمع جعل تمام ~~الكلام عند قوله {والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] فيفيد أن الراسخين في ~~العلم يعلمون تأويله، ثم استأنف لهم خبرا آخر فقال {يقولون آمنا به} [آل ~~عمران: 7] (ومعناه ويقولون آمنا به) . ومن جعلها للاستثناء، وجعل تمام ~~الكلام عند قوله إلا الله ثم استأنف للراسخين آخر فقال: {والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به} [آل عمران: 7] فهذه الواو تحتمل الجمع وتحتمل ~~الاستئناف وقوله تعالى {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده} [النساء: 163] . هذه الواو للجمع لأنها أدخلت المعطوف في حكم المعطوف ~~عليه المبدوء بذكره. ونظيره قول القائل هذه طالق وهذه، فدخلت الثانية في ~~خبر الأولى وحكمها لأجل دخول الواو عليها. ولو قال هذه طالق وهذه طالق ~~ثلاثا (أو قال وهذه طالق، وهذه طالق إن دخلت الدار) كانت الواو للاستئناف ~~وتطلق الأولى واحدة، والثانية ثلاثا أو بالشرط إذا علقه به. ومحمد بن الحسن ~~حجة (فيما يحكيه في اللغة، قد احتج به قوم من أئمة اللغة، منهم # PageV01P084 # أبو عبيد في " غريب الحديث " وغيره. وحكى لنا ثعلب أنه قال: محمد بن ~~الحسن حجة في اللغة. وحكى (لي) أبو علي النحوي) الفارسي عن ابن السراج ~~النحوي أن المبرد سئل عن الغزالة ما هي، فقال: الشمس قال محمد بن الحسن ~~وكان فصيحا # PageV01P085 # لغلامه: (انظر) هل دلكت غزالة فخرج ورجع فقال: لم أر غزالة. وإنما أراد ~~محمد هل زالت الشمس، ثم أنشد المبرد: # يوضحن في قرن الغزالة بعدما ... ترشفن ذراب الغمام الركائك # وقال المبرد: الواو للجمع ولا دلالة فيها على الترتيب لأنك إذا قلت: رأيت ~~زيدا وعمرا لم يعقل من اللفظ رؤية أحدهما قبل الآخر إذ جاز أن يكون رآهما ~~معا أو رأى عمرا قبل زيد. # قال أبو بكر: وقال لي أبو عمر غلام ثعلب الواو عند العرب للجمع ولا دلالة ms016 ~~(عندهم فيها) على الترتيب. وأخطأ من قال إنها تدل على الترتيب. وقال أبو ~~بكر: ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تقولوا ما شاء الله ~~وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» . فلو كانت الواو للترتيب ~~لما كان ممنوعا من أن تقولها بالواو كما لم يمنع أن تقولها بثم. ويدل عليه ~~أن الله تعالى ذكر موسى وهارون في مواضع كثيرة من كتابه فبدأ في # PageV01P086 # بعضها بموسى (وفي) بعضها بهارون وكذلك الجن والإنس. فلو كانت للترتيب ~~لامتنع وجود التقديم والتأخير (معا) فيهما. فإن قيل: يلزمك في الجمع مثله ~~لأن الجمع يوجب كونهما معا. قيل له: لم نرد بقولنا هي للجمع وجودهما معا، ~~وإنما أردنا أنها تجمع الاسمين في حكم واحد. وليس يمتنع أن يكونا مجموعين ~~في الحكم ويكون التالي مقدما على الأول في اللفظ تارة، والأول مقدما على ~~التالي تارة أخرى. # وإنما منعنا أن يكون فيها دلالة على ترتيب الحكم. فأما الترتيب في اللفظ ~~فموجود فيما ذكرنا صحيح لا يقدح فيه ما ذكرت. ويدل على أنها لا تقتضي ~~الترتيب في اللغة أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما طاف بالبيت ~~وخرج من المسجد، صعد الصفا وقال نبدأ بما بدأ الله به» . فلو كان الترتيب ~~معقولا من اللفظ لما احتاج أن يقول «نبدأ بما بدأ الله به» لأن القوم لم ~~يكن يشكل عليهم ما كان طريق معرفته اللغة. # PageV01P087 # وقد تجيء الواو بمعنى " أو " فتكون لأحد ما تدخل عليه نحو قول الله تعالى ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] # فالمعنى أو ثلاث أو رباع، وقوله تعالى {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} ~~[فاطر: 1] . # وأما " بل " فللاستدراك وإثبات الحكم المذكور بدءا بالتالي تقول رأيت ~~زيدا بل عمرا، وهذه طالق بلى هذه. فهي تشاكل الواو في هذا الوجه. # وأما " الفاء " فإنها للجمع أيضا إلا أنها تقتضي التعقيب مع ذلك بلا مهلة ~~ولا تراخ، لأنك إذا قلت رأيت زيدا فعمرا عقل منه رؤية عمرو بعد زيد بلا ms017 ~~تراخ. وكذلك قال أهل اللغة فيها. # PageV01P088 # وأما " أو " فإن أهل اللغة قالوا هي للشك أو للتخيير وأصلها أنها تتناول ~~أحد ما تدخل عليه لا جميعه، وهذا حقيقتها وبابها. نحو قوله تعالى {أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] وقوله {من صيام أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196] تتناول أحد المذكورات لا جميعها. قال أبو بكر: وهذا حكمها ~~إذا دخلت على الإثبات. وإذا دخلت على النفي تناولت كل واحد مما دخلت عليه ~~على حياله. نحو قوله تعالى {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] . ~~وقوله تعالى: {أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] . قد نفى بها ~~كل واحد من المذكورات على حياله لا على معنى الجمع. # ومن أجل ذلك قال أصحابنا: فيمن قال: والله لا كلمت زيدا أو عمرا أنه ~~أيهما كلم حنث. قال أبو بكر: وهذا في المعنى غير مخالف لحكمه في الإثبات ~~لأنها حين دخلت على النفي نفت كل واحد مما دخل عليه على حدة، لا على وجه ~~الجمع. كما أنها إذا دخلت على الاثنين أثبتت أحدهما بغير عينه، وكل واحد ~~منهما إذا فعل على الانفراد كان فاعلا بموجب حكم الآية لا (على) معنى ~~الجمع. . # PageV01P089 # وقد تجيء " أو " بمعنى " الواو ". قال الله تعالى {وأرسلناه إلى مائة ألف ~~أو يزيدون} [الصافات: 147] معناه ويزيدون، وقال تعالى: {فهي كالحجارة أو ~~أشد قسوة} [البقرة: 74] ، ومعناه وأشد قسوة. وأنشدنا أبو عمر غلام ثعلب عن ~~(ثعلب عن) ابن الأعرابي: # إن بها أكتل أو رزاما ... (خويربان ينفقان) الهاما # PageV01P090 # وأنشدنا أيضا: # فلو كان البكاء يرد شيئا ... بكيت على زياد أو عناق # على المرأين إذ مضيا جميعا ... لشأنهما بحزن واحتراق # فقال زياد أو عناق ثم قال: على المرأين، فدل أنه أراد الجمع. . # وأما " ثم " فهي للترتيب والتراخي، تقتضي أن يكون الثاني بعد الأول كذا ~~حكمها في اللغة. وقد تجيء بمعنى الواو كقوله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} ~~[البلد: 16] {ثم كان من الذين آمنوا} [البلد: 17] . معناه وكان من الذين ~~آمنوا. وقال تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن} [الأنعام: ms018 ~~154] ، يعني وآتينا موسى الكتاب. وقد قيل: إن المعنى (فيه) أنها دخلت على ~~خطاب المتكلم صلة لكلامه لا على حكم (الكلام) المتقدم، كأن تقديره ثم بعدما ~~وصفنا أذكر لكم أن هذا الحكم إنما (هو لمن) كان من الذين آمنوا وبعدما ذكرت ~~(لكم) أعلمتكم أنا آتينا موسى الكتاب. ونحو ذلك قوله تعالى: {فإلينا مرجعهم ~~ثم الله شهيد على ما يفعلون} [يونس: 46] ومعناه # PageV01P091 # والله شهيد (على ما يفعلون) . وقوله تعالى {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى} [طه: 82] . المعنى وقد اهتدى. ونحو قوله تعالى: {ولقد ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] . # فإن كان المراد بقوله خلقناكم حقيقة اللفظ فقوله ثم قلنا للملائكة ~~{اسجدوا لآدم} [الأعراف: 11] بمعنى وقلنا للملائكة. وإن كان المراد بقوله ~~خلقناكم ثم صورناكم آدم كقوله {والله خلقكم من تراب} [فاطر: 11] فإن قوله ~~{ثم قلنا للملائكة اسجدوا} [الأعراف: 11] محمول على حقيقته. . # وبعد للترتيب في حقيقة اللغة. قال الله تعالى {ثم بعثناكم من بعد موتكم} ~~[البقرة: 56] وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة. # وقد تجيء بمعنى مع: قال الله تعالى: {عتل بعد ذلك زنيم} [القلم: 13] يعني ~~مع ذلك. وقد قيل (إنها) رجعت إلى جملة الخطاب كأنه قال عتل وأقول لكم بعدما ~~تقدم ذكري له إنه زنيم. # PageV01P092 # ، و " مع " للمقارنة، وقد تجيء بمعنى بعد. قال الله تعالى: {فإن مع العسر ~~يسرا} [الشرح: 5] . # وإلى للغاية " بمعنى حتى، وقد تدخل تارة في الحكم ولا تدخل أخرى. قال ~~الله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] # فالليل غير داخل فيه، وقال تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] ~~والمرافق داخلة، وقال تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} ~~[النساء: 43] فالاغتسال شرط في إباحة الصلاة. والأصل في ذلك عند أبي حنيفة ~~- رحمه الله -: أن الغاية تدخل في الكلام على وجهين: أحدهما: لإسقاط بعض ما ~~اشتمل عليه اللفظ كقوله تعالى {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] واليد ~~اسم يتناول العضو إلى المنكب فدخلت الغاية لإسقاط ما عدا المرفق فكانت ~~المرافق داخلة فيه. # والآخر: أن لا ينتظم الاسم ms019 الغاية وما بعدها فتصير الغاية حينئذ مشكوكا ~~فيها فلا نثبتها بالشك. # وقد تجيء " إلى " بمعنى " مع ". قال الله تعالى {ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم} [النساء: 2] . # PageV01P093 # ومن " قالوا إنها للتبعيض ولبدو الغاية وللتمييز وللإلغاء. فالتبعيض خذ ~~من مالي وأعتق من عبيدي. والابتداء خرجت من الكوفة، وأخذت من فلان مالي، ~~والتمييز ثوب من قطن وباب من حديد. # والإلغاء قوله تعالى {يغفر لكم من ذنوبكم} [الأحقاف: 31] و {ما لكم من ~~إله غيره} [الأعراف: 59] ، والمعنى يغفر لكم ذنوبكم وما لكم إله غيره. # وأما الباء: فإن النحويين يقولون هي للإلصاق كقوله كتبت بالقلم ومسحت ~~برأسي. وقال غيرهم هي مع ذلك للتبعيض، لأنهم يفرقون بين قول القائل مسحت ~~برأس اليتيم ومسحت رأسه، ويقول مسحت يدي بالحائط، ومسحت الحائط. فلما كان ~~الفرق بين اللفظين ظاهرا معقولا في اللغة، وجب أن يكون لدخولها فائدة وهي ~~التبعيض حتى تقوم دلالة الإلغاء، لأن هذه الأدوات موضوعة للفائدة كقولنا من ~~للتبعيض وقد تدخل للإلغاء ولا نجعلها للإلغاء إلا بدلالة. . # وأما " في " فللظرف كقولك ثوب في منديل، وتمر في صرة # PageV01P094 # ومن أجل ذلك قال أصحابنا (فيمن قال) : غصبت من فلان ثوبا في منديل إنه ~~إقرار بالمنديل أيضا لأنه أقر أنه كان ظرفا له في حال الغصب وصار مغصوبا ~~معه. # وقد تجيء " في " بمعنى " من ". قال الله تعالى {وارزقوهم فيها} [النساء: ~~5] يعني منها. # وتجيء أيضا بمعنى مع قال الله جل وعز {فادخلي في عبادي} [الفجر: 29] ~~{وادخلي جنتي} [الفجر: 30] معناه مع عبادي. ويحتمل أن يريد في جملة عبادي ~~وفي جماعتهم. والنحويون يقولون إن أكثر حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض ~~وهو موجود في كتبهم. # وأما " كل " فإنها تدخل لجمع الأسماء كقوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} ~~[آل عمران: 185] وقول (القائل) كل عبد لي حر وكل امرأة تدخل الدار فهي طالق ~~ويكون فيها بمعنى الشرط إذا علقت بالجواب، ولا تتناول الأفعال لأنها لا يصح ~~دخولها عليها. ألا ترى أنك لا تقول كل يدخل الدار، وإنما تقول كل امرأة لي ~~تدخل الدار فهي طالق. ولذلك قالوا ms020 إنها إذا دخلت الدار وطلقت ثم دخلتها مرة ~~أخرى لم تطلق، لأنها لما لم تتناول الأفعال، وإنما تناولت الأسماء على وجه ~~الجمع واستحال أن تجمع إلى نفسها لم تطلق إلا مرة واحدة، وإن دخلت الدار ~~امرأة أخرى طلقت أيضا لأنها غير الأولى. . # PageV01P095 # وأما " كلما " فإنها لجمع الأفعال وفيها معنى الشرط على وجه التكرار. يدل ~~على ذلك أنها تختص بالفعل ولا يصح دخولها على الاسم لأنك لا تقول: كلما ~~امرأة إنما تقول: كلما دخلت امرأة. ويدل عليه قوله تعالى: {كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] و {كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها} [السجدة: 20] اقتضى كل مرة # PageV01P096 ### | [باب في إثبات القول بالعموم وذكر الاختلاف فيه] # قال أبو بكر: اختلف المتأخرون في حكم اللفظ العام الظاهر إذا ورد مطلقا ~~عاريا من دلالة الخصوص. فقال جمهور أهل العلم: الحكم بعموم اللفظ في ~~الأخبار والأوامر جميعا فلا يصرف شيء منها إلى الخصوص ولا يتوقف فيها إلا ~~بدلالة. وأبت طائفة هذا القول، واختلفت فيما بينها. فقال: (منهم) قائلون ~~بالخصوص في الأوامر والأخبار جميعا وحكموا فيها بأقل ما يتناوله الاسم حتى ~~تقوم دلالة الكل. وزعموا أن اللفظ الموضوع كذلك بالخصوص أولى منه بالعموم ~~ويحتمل مع ذلك أن يراد به العموم. قالوا: ولا يجوز الحكم بالعموم بالاحتمال ~~لأن المحتمل غير متيقن، ولا يعلم # PageV01P099 # أنه مراد باللفظ، والخصوص متيقن فوجب الحكم به، والوقوف عنده حتى تقوم ~~دلالة العموم. وقال منهم آخرون: بالوقف فيهما جميعا. لأن اللفظ عندهم محتمل ~~لكل واحد من المعنيين كاحتماله للآخر، وليس أحدهما بأولى من الآخر. فكان ~~بمنزلة المجمل المفتقر إلى البيان. وفرقت طائفة بين الأخبار والأوامر ~~(فوقفت في الأخبار وحكمت بالعموم في الأوامر، وطائفة وقفت في عموم الأوامر) ~~وقالت بالعموم في الأخبار # PageV01P100 # ومذهب أصحابنا: القول بالعموم في الأخبار والأوامر جميعا وذلك كان شيخنا ~~أبو الحسن (الكرخي) - رحمه الله - يحكيه من مذهب أصحابنا جميعا، وجميع من ~~شاهدناهم من شيوخنا واحتجاجهم لمسائلهم في كتبهم بعموم اللفظ مجردة من ~~دلالة تقترن إليه في إيجاب العموم يقتضي ms021 ذلك. وذلك غير خاف على من عرف ~~مذاهبهم. (قال أبو بكر) : وحكى لنا أبو الطيب بن شهاب عن أبي الحسن الكرخي ~~أنه قال له: إني أقف في عموم الأخبار، وأقول بالعموم في الأمر والنهي. فقلت ~~لأبي الطيب فهذا يدل على أن مذهبه كان الوقف في وعيد فساق أهل الملة. فقال ~~لي: هكذا كان مذهبه. وحكى لي أيضا أنه سمع أبا سعيد البردعي يقف في القول ~~بالعموم في الأمر والنهي وفي الأخبار جميعا. وأبو الطيب هذا غير متهم عندي ~~فيما يحكيه، وقد جالس أبا سعيد البردعي وشيوخنا المتقدمين. # PageV01P101 # ولم أسمع أنا أبا الحسن - رحمه الله - يفرق بين الخبر والأمر والنهي في ~~ذلك بل كان يقول بالعموم على الإطلاق. ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة ~~- رحمه الله - القول بالوقف في عموم الأخبار، وأنه لا يقطع فيها بعموم ولا ~~خصوص إلا بدلالة، لأن مذهبه المشهور عنه أنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر ~~من أهل الصلاة ويجوز أن يغفر الله لهم في الآخرة. وأبو حنيفة وإن كان هذا ~~مذهبه في الوعيد فإنه لم يذهب إليه من جهة قوله بالوقف في عموم الأخبار. ~~وإنما ذهب إليه؛ لأن عنده أن الدلالة قد قامت على أن الآي الموجبة للوعيد ~~بالتخليد في النار إنما عنى بها الكفار لآيات أوجبت خصوصها فيهم. نحو قوله ~~تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: ~~48] . وقوله تعالى {إن الله يغفر الذنوب جميعا} [الزمر: 53] . وقوله تعالى ~~{والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4] {سيهديهم ويصلح ~~بالهم} [محمد: 5] (وقوله {إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون} ~~[يوسف: 87] . # PageV01P102 # وقوله تعالى {لا يصلاها إلا الأشقى} [الليل: 15] {الذي كذب وتولى} ~~[الليل: 16] وإنما جعل التخليد في النار مقصورا على الكفار بهذه الآيات ~~ونحوها. # وقد ذكر (أبو موسى) عيسى بن أبان هذا المعنى في كتابه في الرد على بشر ~~المريسي والشافعي في الأخبار. وقال إنا إنما وقفنا في وعيد فساق أهل الملة ~~لأن آي الوعيد ms022 بإزائها. هذه الآيات التي تلوتها مما يقتضي ظاهرها دخول فساق ~~أهل الملة فيها فجوزنا لهم الغفران بها وجوزنا التعذيب بالآي الأخر وأرجينا ~~أمرهم إلى الله تعالى، فلم نقطع فيهم بأحد الأمرين دون الآخر. وهذا تصريح ~~منهم بالقول بعموم الأخبار أيضا. ولم يحك عن أحد من أصحابنا خلاف ذلك. فدل ~~أنه قولهم جميعا. . # قال أبو بكر: (ومذهب) كل من قال بالعموم ممن لا يرى جواز تأخير البيان أن ~~اللفظ العام المخرج حقيقته العموم لا احتمال فيه للخصوص إلا بدلالة تقرن ~~إليه. فأما اللفظ بمجرده فلا احتمال فيه، وأنه متى أطلق وأريد به الخصوص ~~كان اللفظ مجازا عند من يجوز منهم إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص. والقول ~~بعموم اللفظ فيما لم تصحبه دلالة الخصوص في موضوع اللسان وأصل # PageV01P103 # اللغة، هو مذهب السلف في الصدر الأول ومن بعدهم ممن تابعهم متوارث ذلك ~~عنهم بالفعل المستفيض. يبين ذلك محاجة الصحابة بعضهم بعضا في الحوادث التي ~~تنازعوا فيها بألفاظ عموم مجردة من دلالة غيرها. من ذلك ما روي عن أمير ~~المؤمنين علي - رضي الله عنه - حين خالف عثمان - رضي الله عنه - في وطء ~~الأختين بملك اليمين فقال " أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى ". # PageV01P104 # يعني بآية التحليل قوله تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] وبآية التحريم قوله تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف} [النساء: 23] . وقال عثمان - رضي الله عنه - " أحلتهما آية وحرمتهما ~~آية والتحليل أولى ". وقد روي عنه الوقف فيه إلا أن المشهور عنه الإباحة ~~فاحتج كل واحد منهما بعموم لفظ القرآن غير مفتقر معه إلى دلالة من غيره، ثم ~~كان العمومان عندهما متعارضين متى خلينا ومقتضى اللفظ فيهما بقولهما: ~~أحلتهما آية وحرمتها آية لاستغراق كل واحدة منهما ما تحت الاسم. ثم كان من ~~مذهب علي - رضي الله عنه - أن قوله تعالى {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: ~~24] مرتب على قوله {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] (وأن قوله {وأن ~~تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] قاض عليه. وكان عند عثمان - رضي الله عنه ms023 ~~- أن قوله {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] . مرتب على قوله {إلا ما ~~ملكت أيمانكم} [النساء: 24] مخصوص، وأن آية الإباحة قاضية على آية الحظر. # ومثله اختلاف علي وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - في عدة الحامل ~~المتوفى عنها # PageV01P105 # زوجها، فقال علي - رضي الله عنه - " عدتها أبعد الأجلين لأنه استعمل عموم ~~الآيتين وهو قوله تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وقوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . وقال عبد الله " أن تضع حملها (لقوله تعالى ~~{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] وقال: من شاء باهلته ~~أنها نزلت بعد قوله {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] فكان عنده أنها قاضية ~~عليها مخصصة لها فاعتبرا جميعا عموم اللفظ ولم يفزعا إلى تأييده بغيره. ~~وأراد عثمان رجم امرأة جاءت بولد لستة أشهر فقال ابن عباس (أما إنها إن ~~خاصمتكم بكتاب الله عز وجل خصمتكم، قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا} [الأحقاف: 15] وقال: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] فحصل الحمل ستة ~~أشهر) . # PageV01P106 # فاحتج بالعموم لأن لفظ الإنسان (فيه) في هذا الموضع للجنس فهو مستوعب ~~للكل وقبله منه عثمان وعرف صحة استدلاله فرجع إليه. وقال عمر وابن عباس ~~وعمران بن الحصين في أم المرأة إنها تحرم بالعقد وإن لم يقع دخول، وقالوا ~~إنها مبهمة ولم يرجعوا فيها إلا إلى ظاهر اللفظ. # PageV01P107 # وقال ابن عباس " أبهموا ما أبهم الله تعالى ". وقيل لابن عمر إن ابن ~~الزبير يقول " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان فقال قضاء الله أولى من قضاء ~~ابن الزبير) قال الله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} ~~[النساء: 23] واحتج عمر على الزبير وبلال ومن سأله قسمة السواد بقول الله ~~تعالى " {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] ~~إلى قوله {والذين تبوءوا الدار # PageV01P108 # والإيمان من قبلهم} [الحشر: 9] (وقال الله تعالى) {والذين جاءوا من ~~بعدهم} [الحشر: 10] . قال عمر " فقد جعل الحق لهؤلاء كلهم ولو قسمته بينكم ~~لبقي الناس لا شيء لهم، ولصار دولة بين الأغنياء منكم ". فحاجهم بعموم هذه ms024 ~~الآيات فتبينوا الرشد في قوله، ووضح لهم طريق الحق (فيه) فرجعوا إلى ~~مقالته. # وقال ابن عباس: لم أجد الله ذكر جدا ولم يذكر إلا أبا احتجاجا ليكون الجد ~~أبا. ونظائر ذلك كثيرة ظاهرة عندهم مستفيضة لو استقصيناه لطال به الكتاب ~~وبمثل # PageV01P109 # هذا يوقف على مذهب القوم ومقالاتهم. فبان بما وصفنا أن العموم من مفهوم ~~لسان العرب، وإن ذلك مذهب السلف من غير خلاف بينهم فيه، وما خالف في هذا ~~أحد من السلف ومن بعدهم. إلى أن نشأت فرقة من المرجئة ضاق عليها المذهب في ~~القول بالإرجاء فلجأت إلى دفع القول بالعموم رأسا لئلا يلزمها لخصومها ~~القول بوعيد الفساق بظواهر الآي المقتضية لذلك، فقد صنف أهل العلم على نفاة ~~القول بالعموم كتبا واستقصوا الكلام (عليهم فيها) وفي استقصاء القول فيه ~~ضرب (من الإطالة) وشأننا الاختصار، وذكر الجمل ما استغنينا في إيجاب ~~الفائدة بها عن الإطالة، ونسأل الله التوفيق. # دليل آخر: (قال أبو بكر) : فنقول إن مما يدل على صحة القول بالعموم: أنه ~~لا يخلو حكم اللفظ المطلق المشتمل # PageV01P110 # على مسميات من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون الحكم لكل ما استوفاه الاسم ~~على ما قدمنا أو الوقف فيه حتى يرد بيان مراد الكل، أو البعض على حسب ما ~~قال القائلون بالوقف والحكم (فيه) بأقل ما يقع عليه الاسم حتى تقوم دلالة ~~الكل. فإن كان الواجب فيه الحكم بالأقل لم يخل وجوب ذلك من أحد معنيين: إما ~~أن يكون ذلك بدلالة غير اللفظ أو لأن اللفظ يتناوله. فإن كان الحكم بالأول ~~إنما يعلق وجوبه بدلالة غير اللفظ، وليس هذا حكم بالأقل من جهة اللفظ، وعلى ~~أن تلك الدلالة حكمها أن تكون مبنية على اللفظ، واللفظ لا حكم له إلا ~~بدلالة، فهذا يوجب بطلان تلك الدلالة فبطل أن يكون وجوب الحكم بالأقل. ~~متعلقا (بدلالة غير اللفظ وإن كان وجوب الحكم بالأقل متعلقا) باللفظ من حيث ~~انتظمه وصار عبارة عنه. فالحكم باستيعاب الكل واجب لوجود اللفظ المشتمل على ~~جميعه، لأن اللفظ لم يختص بكونه ms025 عبارة عن الخصوص دون العموم إذ كان يتناول ~~الجميع على وجه واحد؛ لأن قوله تعالى {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] لا ~~يختص بثلاثة منهم دون جميعهم، فمن حيث وجب الحكم في ثلاثة من طريق اللفظ ~~وجب مثله في الجميع لهذا المعنى بعينه. فإن قال قائل منهم: إنما حكمت ~~بالأقل لأنه متيقن وما زاد فهو مشكوك فيه. قيل له: ومن أين علمت أنه متيقن ~~إلا من جهة اللفظ ومخالفوك القائلون بالوقف يقولون في الأقل كقولك أنت في ~~الأكثر، فهل لهم دلالة غير اللفظ على وجوب الحكم بالأقل # PageV01P111 # فإذا ثبت عندنا وعندك وجوب الحكم بأقل، وكان المرجع فيه إلى اللفظ الذي ~~هو عبارة عنه في موضوع اللسان، واللفظ موجود في الأكثر كهو في الأقل، فهلا ~~حكمت له بمثل حكمه فبطل بما وصفنا قول القائلين بالخصوص. # ثم نقول لأصحاب الوقف: أتثبتون للخطاب فائدة عند وروده مطلقا غير مقرون ~~بدلالة الخصوص أو الاحتمال أو تزعمون أن وجوده وعدمه سواء. فإن قالوا له ~~فائدة، وللمخاطب فيه غرض محمود إذا كان حكما وهو أنه يعلمنا أن حكما قد ~~لزمنا يريد بيانه في التالي. قيل له: فالبيان الوارد في التالي (لا) يخلو ~~من أن يكون لفظا أو دلالة منه. فإن كان لفظا فحكمه حكم الأول يجب الوقف ~~(فيه) . وإن كان دلالة من لفظ فكيف يدل على غيره وهو لم يثبت حكمه بنفسه. ~~فإن قال: يكون بيانه موقوفا على ورود الإجماع به، فمهما حصل عليه الاتفاق ~~علمنا أنه هو المراد. قيل له: فالإجماع فيما طريق معرفته السمع لا يخلو من ~~أن يصدر عن سمع أو عن دلالة منه. فإن كان عن سمع فذلك السمع حكمه أن يكون ~~موقوفا على بيان ثان فكيف يصح الإجماع عن مثله. وإن كان دلالة عن (غير) سمع ~~فهي أبعد من أن يحصل عليها إجماع. # PageV01P112 # وحكم السمع غير ثابت، على أن حجة الإجماع إنما تثبت عن طريق السمع، فإن ~~لم يكن السمع دالا بنفسه، وكان ثبوت حكمه موقوفا على الإجماع، والإجماع لا ~~يثبت حجة إلا من ms026 جهة السمع، فقد صارت حجة السمع موقوفة على الإجماع، وحجة ~~الإجماع موقوفة على السمع، وهذا محال لأنه يوجب أن يكون كل واحد منهما أصلا ~~للآخر وكل واحد فرعا لصاحبه، وهذا غاية الاستحالة، فقد آل الأمر بالقائلين ~~بالوقف إلى إبطال فائدة اللفظ رأسا وإخلاء جميع خطاب الله تعالى وخطاب ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من فائدة، وهذا قول يؤدي بقائله إلى ~~الانسلاخ من الدين. فلما بطل قول القائلين بالخصوص وبالوقف لما بينا لم يبق ~~إلا قول أصحاب العموم. # ودليل آخر: وهو قوله تعالى {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] وقوله تعالى ~~{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] . وفي لسان العرب ألفاظ ~~موضوعة للجنس، فقوله تعالى {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] و {الزانية والزاني} [النور: 2] والناس والحيوان ~~تفيد هذه الأسماء في نفسها جميع ما تحت الجنس، وفيها ألفاظ تعم العقلاء ~~وألفاظ تعم غير العقلاء مثل من وما في النكرة على ما بيناه فيما سلف هكذا ~~قال أهل اللغة. ويدل عليه أنه يستفهم عن جنس العقلاء ب " من " ويصح الجواب ~~عنها ب " من " # PageV01P113 # شاء منهم، فيقول من في الدار فيجيبه برجل أو امرأة أو بنحو ذلك، ويكون ~~جوابه صحيحا ولا يصح أن يكون جوابه في الدار حمار أو ثور. وكذلك هذا في ~~المجازاة كقوله من يعطني أعطه، قال الله عز وجل {ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار} [النساء: 13] ويقول: ما في الدار فتقول حمار ~~أو جمل، ولا يصلح أن يكون جوابه رجل وتقول في المجازاة ما تأكل آكل وما ~~تحمل أحمل ونحو ذلك. فدل على أن من تتناول جميع العقلاء وتعم الجميع فيه، ~~فإذا ورد ذلك في كلام الله تعالى وفي خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مطلقا وجب حمله على موضوعه في (أصل) اللغة. # كما أن أسماء الأعيان والأجناس متى وردت مطلقة في خطاب الله تعالى كانت ~~محمولة على ما هي اسم له في اللغة والاصطلاح، نحو قوله تعالى {حرمت عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: ms027 3] فمن حيث عقل بهذه الأسماء ~~مسمياتها لأنها في اللغة موضوعة لها، ولم يجز أن يقال الميتة (المذكورة) في ~~الآية ليست هي الميتة المعقولة من لغة العرب كان المعقول أيضا # PageV01P114 # استغراق الجنس لأنها في اللغة كذلك. ويدل (عليه) أيضا قوله تعالى {ما ~~يبدل القول لدي} [ق: 29] فما خاطبنا به مما هو في اللغة فهو محمول على حكمه ~~فيها؛ لأنه كذلك عند الله تعالى بقوله {ما يبدل القول لدي} [ق: 29] . # دليل آخر: وقد احتجوا للقول بالعموم أيضا: بأن للعموم في اللغة صيغة ~~يتميز بها من الخصوص لأن أهل اللغة يقولون مخرج الكلام مخرج العموم كما أن ~~للواحد صيغة يبين بها من الجميع، وكما أن للخبر صيغة ينفصل بها من الأمر ~~وللاستخبار صورة يتميز بها من الإخبار فمن حيث وجب أن يكون المعقول صيغة ~~الأمر إذا ورد مطلقا معنى هو موضوعه في اللغة. وكذلك بلفظ الجمع ولفظ ~~الواحد، وعقل بكل شيء من ذلك ما هو موضوع له، ولم يجز صرفه إلى غيره، وكذلك ~~وجب ألا يصرف الصيغة الموضوعة للعموم إلى الخصوص كما لا يصرف لفظ الجمع إلى ~~الواحد، ولفظ الأمر إلى الاستخبار، ولفظ الخبر إلى الأمر. # PageV01P115 # فإن قال قائل: إنما العموم والخصوص يتعلق بقصد المتكلم دون اللفظ، قيل ~~له: لو جاز ذلك جاز أن يقال في الأمر والخبر والاستخبار أن جميع ذلك إنما ~~يتعلق حكمه بقصد المتكلم. فإن قيل: ما أنكرت أن يكون قولهم: إن هذا عموم ~~مجازا قيل له: إن كل مجاز فإنما هو مجاز عن حقيقة، فينبغي أن يكون للعموم ~~حقيقة في اللغة حتى يستعار منه المجاز. وهذا يدل على أن قولهم هذا عام ~~حقيقة إذ ليس يرجع منه إلى أصل غيره هو استعارة منه. وأيضا: لو كان لفظ ~~العموم ولفظ الخصوص بأصل اللغة بمعنى واحد حتى يعبر بكل واحد منهما عن معنى ~~الآخر لما كان أحدهما بأولى بأن يكون مخرجه مخرج العام منه بأن يكون مخرجه ~~مخرج الخاص فصح أن الذي مخرجه مخرج العام موضوع في حقيقة اللغة للعموم، ~~والذي ms028 مخرجه مخرج الخاص موضوع في حقيقته للخصوص. وأيضا: لو كان كما قال ~~خصمنا لجاز أن يكون مؤكدا به العموم تأكيد الخصوص في حقيقة اللغة، فكان إذا ~~قال ضربت غلماني كلهم أجمعين حتى لم أبق منهم أحدا إنه يكون مؤكدا لتخصيصه ~~ودالا به على أنه ضرب البعض ولكان يجوز ما يؤكد به الخصوص تأكيد العموم حتى ~~قال: ضربت غلامي وحده دون غيره مؤكدا به العموم ودلالة عليه، فإذا بطل هذا ~~ثبت أن ما يعبر به عن الخصوص لا يكون للعموم، وما يعبر به عن العموم لا ~~يكون للخصوص إلا بدلالة. # واحتجوا أيضا: بأن الضرورة داعية لأهل كل لغة إلى أن يكون في لغتها ألفاظ ~~للعموم كحاجتهم إلى أسماء سائر المسميات التي يختص كل واحد منها باسم يتميز ~~به من غيره، لأنهم بها يتوصلون إلى أفهامهم بعضهم بعضا ما في ضمائرهم، ~~والإنابة عن مقاصدهم وأغراضهم، إذ كان معلوما أنه مستحيل متى أراد العبارة ~~عن الجنس كله أن يذكر كل واحد من آحاده أو يشير إليه بعينه، لأن ذلك يفوق ~~الإحصار والعدد ويمتنع فيه الإشارة والتعيين، فاحتاجوا من أجل ذلك إلى ~~ألفاظ موضوعة للجنس وللجمع يوجب # PageV01P116 # استغراق الجنس كله ويقتضي استيفاء جميع ما الاسم موضوع له على حسب ما سلف ~~القول فيه في بيان صفة العموم. فلما كان ذلك كذلك وجب أن يكون لفظ العموم ~~متى ورد مطلقا محمولا على بابه ومختصا بما وضع له من استغراق الجنس ~~واستيعاب كل ما لحقه الاسم حتى تقوم دلالة الخصوص كما وجب إذا خوطب بذكر ~~سماء وأرض ورجل وفرس ونحو ذلك، صرفها إلى ما يختص بها في موضع اللغة دون ~~غيره. فإن قال قائل: لا نأبى. أن يكون في اللغة ألفاظ موضوعة للجنس وللجمع ~~تستغرق جميع ما تحتها. وتتناول كل ما يلحقه الاسم منها إلا أن هذه الألفاظ ~~بأعيانها لما كانت تصح للكل وللبعض كقوله تعالى {الذين قال لهم الناس} [آل ~~عمران: 173] وقوله تعالى {وإذ قالت الملائكة يا مريم} [آل عمران: 42] وقول ~~القائل جاءني بنو تميم. ms029 فساغ إطلاقها مع إرادته البعض دون الجمع وقفت موقف ~~الاحتمال، وغير جائز حملها على الكل بالاحتمال فلا يخلو حينئذ من وجوب ~~الحكم فيه بالأقل، لأن اللفظ في الحالين جميعا منتظم له أو الوقف فيه حتى ~~تقوم دلالة المراد. قيل له: فلو كان اللفظ الذي مخرجه العام محتمل للخصوص ~~والعموم دعوى لا دلالة عليها. وليس لأنه يصح أن يعتبره عن الخصوص صار ~~محتملا له وللعموم، (وذلك لأن) لفظ الجمع حقيقة الثلاثة فما فوقها فمن ~~استعمله في الثلاثة فهو مستعمل له على الحقيقة (فلم يعتبر) الاقتصار ب (به) ~~عليها. # PageV01P117 # وقيل له كون الثلاثة جمعا في الحقيقة لا يوجب الاقتصار به عليها إذ كان ~~عموم اللفظ يتناول ما فوقها كما يتناولها لأن استعمال اللفظ في حقيقة ما لا ~~يمنع وجوب استعماله في حقيقة أخرى. فإذا كان الجمع حقيقة (فيما) فوق ~~الثلاثة وجب استعماله فيه كما وجب استعماله في الثلاثة. # فإن قال قائل: معلوم الفرق بين قوله {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] وبين ~~قوله لو قال اقتلوا المشركين، وبين قول قائل اقطعوا سراقا وبين قوله اقطعوا ~~السراق. فإن قوله مشركين وسراقا لا يقتضي جميع ما يقع عليه الاسم مع كونه ~~لفظ جمع. قيل له: وإن كان لفظ جمع فإنه من حيث كان نكرة لم يوجب استغراق ~~الجنس كله، ولو وجب استغراق الجنس صار معرفة لدخول ما تحت الجنس فيه وكان ~~يصير كقوله اقطعوا السراق واقتلوا المشركين لأن الألف واللام في مثله ~~يدخلان لتعريف الجنس، وهذا يوجب أن يكون دخول الألف واللام عليه وخروجها ~~سواء معلوم فساده. # PageV01P118 # وليس في هذا نقض لما قلنا من أن لفظ الجمع يتناول الثلاثة فما فوقها ~~حقيقة وأنه لا يختص ببعض ذلك دون بعض من قبل أنا إنما صرفناه إلى الثلاثة ~~في هذه الحال بدلالة وهو خروج اللفظ مخرج النكرة، وذلك يقتضي بعضا مجهولا ~~من جملة محكم اللفظ ماض على ما قدمناه، وإنما خصصناه وقصرناه على الثلاثة ~~بدلالة. وجائز أن يراد به أكثر منهم إلا أن المتيقن منه ثلاثة غير أعيان. ~~ثم ms030 لا يخلو حينئذ من أن يكون حكم اللفظ موقوفا على البيان أو يكون المخاطب ~~مخبرا في قطع ثلاثة منهم. وقد قال أصحابنا فيمن قال: إن تزوجت نساء أو ~~اشتريت عبيدا فعبدي (حر) إن هذا على ثلاثة منهم. وإنما يوجب لفظ الجمع ~~استغراق الجنس بدخول الألف واللام عليه، وقد قال الله تعالى {الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1] هذا ~~عموم في جميع الرجال والنساء وإنما ورد بلفظ متكرر. وقيل: يحتمل أن يريد ~~مما خلق منهما ومن صلبهما دون أولاد أولادهما فيصيرون # PageV01P119 # مذكورين بالإضافة إلى جملة الرجال والنساء من بني آدم. # فإن قال قائل: على الفصل المتقدم - فكيفما جرت الحال فقد جاز إطلاق لفظ ~~العموم والمراد الخصوص. قيل له: هذا لا يسلمه لك جميع أصحاب العموم لأن ~~منهم من يقول: إن لفظ العموم لا يكون للخصوص أبدا، ومتى أريد به الخصوص ~~علمنا أنه لم يكن قط (لفظ) عموم لأن ما صحبه من دلالة الخصوص يجري عندهم ~~مجرى الاستثناء، فهذا السؤال ساقط عن القائلين بهذا القول. وأما من سلم ~~(ورود) لفظ عموم يراد به الخصوص فإنه يجعل إطلاق اللفظ في هذه الحال مجازا ~~لا حقيقة، والحقيقة استعماله للعموم وليس (في) أن اللفظ عدل به عن حقيقته ~~واستعمل في غير موضعه في حال ما يمنع استعماله عد وروده مطلقا على الحقيقة. ~~ألا ترى أن لفظ الخبر قد يرد والمراد الأمر كقوله تعالى {يتربصن بأنفسهن} ~~[البقرة: 228] ويرد لفظ الأمر والمراد الوعيد والتهديد كقوله تعالى {اعملوا ~~ما شئتم} [فصلت: 40] . ولم يمنع جواز وروده على هذا الوجه لدلالة أوجبت ذلك ~~له من وجوب استعماله (متى ورد) مطلقا على حقيقته. فإن قيل: لو كان لفظ ~~العموم يقتضي استيعاب جميع ما تحت الاسم لصار كل اسم منه كالمذكور بعينه، ~~وكان ذلك يمنع جواز دخول الاستثناء عليه كما لا يصح استثناء المذكور # PageV01P120 # لأنه لا يصح أن يقول: رأيت زيدا إلا زيدا. قيل له: هذا غلط لأن أحدا لا ~~يدفع أن تكون العشرة ms031 اسما لهذا العدد يقتضي إطلاقه استيعاب جميعه ثم لم ~~يمتنع جواز ورود الاستثناء عليها، ولم يبطل ذلك شمول اللفظ عند الإطلاق ~~لجميعه. وكذلك ما وصفنا في العموم وجواز ورود الخصوص والاستثناء عليه غير ~~مانع كون اللفظ عبارة عن جميعه. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن تكون صفة العموم الموجب للشمول والاستيعاب هي ~~ما يصحبه حرف التأكيد، وهو الكل والجميع، ويقبح معه استفهام المراد وما خلا ~~من ذلك فهو محتمل للعموم والخصوص، وليس أحد المعنيين بأولى بحكم اللفظ من ~~الآخر، ولولا أن ذلك كذلك ما كان للتأكيد والاستفهام معنى ولا فائدة. قيل ~~له: لفظ الكل والجميع إذا دخلا على العموم، فإنما يؤكدان به ما قد حصل ~~واستقر من المعنى ولا يوجبان زيادة حكم على ما تضمنه العموم (العاري) من ~~التأكيد، وإنما يؤكد بلفظ الكل والجميع كما يؤكد بالتكرار، وليس يفيد ~~التكرار زيادة حكم على ما حصل بالعموم. كقول الله {أولى لك فأولى} ~~[القيامة: 34] (ثم {أولى لك فأولى} [القيامة: 35] والثاني) تأكيد في تقرير ~~المعنى الحاصل بدءا. وكقول النبي «الذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء وزنا ~~بوزن» ، وكقوله # PageV01P121 # في الصدقة " فإن (لم) تكن تجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر ". وكقول الشاعر: # هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا # وكالقسم يدخل على الكلام على جهة تقدير المعنى الحاصل بالخبر وتقديره عند ~~المخاطب. # PageV01P122 # ويدل على صحة ذلك أنه قد يدخل على الأعداد التي لا إشكال على أحد في حصول ~~المراد به قبل التأكيد. نحو قولك: أخذت العشرة كلها وقبضتها بأسرها ولم يفد ~~زيادة عدد (على) ما عقلناه من اللفظ قبل دخوله، ويدخل على الاسم المفرد ~~المشار إليه بعينه كقولك رأيت زيدا نفسه وعينه فدل ذلك على أن التأكيد لا ~~يفيد زيادة معنى في وجوب الكلام الأول. وعلى أنه لو كان التأكيد يفيد زيادة ~~معنى على ما اتصل به لما كان تأكيدا، ولكان حينئذ كلاما مستقبلا مفيدا ~~بنفسه كقولك: عشرة وعشرة أخرى فلما صح أن لفظ الكل (و) الجميع إذا اتصلا ~~بلفظ العموم إنما يصحبانه ms032 على وجه التأكيد ثبت أنه لا يفيد أكثر من تقرير ~~المعنى الذي أفادناه لفظ العموم. # فإن قيل: إذا كان لفظ الكل والجميع إذا دخلا على العموم لا يفيدان زيادة ~~حكم فلا فائدة في دخولهما. قيل له: بل فيهما أكبر الفائدة، هو تأكيده ~~وتقريره عند المخاطب كما أن أنفسنا وجميع ما خلق الله تعالى دلائل عليه ~~وموصول إلى العلم به. والمعجزة الواحدة والسورة الواحدة دلالة على صحة ~~(نبوة) النبي - صلى الله عليه وسلم - لو اقتصر عليها كانت موصلة إلى العلم ~~به، وقد جعل مع ذلك كل سورة دلالة على نبوته، وجميع ما خلقه الله تعالى ~~دلائل على توحيده وحكمته. # PageV01P123 # وقد قيل: إن فائدة دخول حرف الكل والجميع أنه يمنع التخصيص وينفي أن يكون ~~هناك دليل عليه. # وأما قولهم إن كل ما حسن معه الاستفهام فالاحتمال قائم فيه لا معنى له، ~~لأن اللفظ المطلق الذي يمكن استعماله على ظاهره إذا صدر (عن) الحكيم الذي ~~يضع الأشياء مواضعها لم يحسن استفهامه، وإنما يحسن ذلك فيمن يظن به الغلط ~~ووضع الكلام في غير موضعه. فيقال له: أحقا ما تقول؟ أنت صدوق في ذلك؟ ونحو ~~هذا من القول. فأما الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها فلا يجوز هذا ~~المعنى في كلامه ويقبح استفهامه، وقد يحسن الاستفهام على وجه آخر، وهو أن ~~يجوز السامع على نفسه الغلط فيما سبق إلى سمعه فيستفهم المخاطب له ليعلم ~~(أن) ما سبق إلى سمعه كان صحيحا على ما سمعه. ألا ترى أن الاستفهام قد يحسن ~~من مثل هذا في الأعداد المعلومة التي لا تشكل مقاديرها على سامعها، مثل أن ~~تقول خذ هذه الألف درهم، فيقول أتعطيني الألف كلها. فأما إذا كان المخاطب ~~حكيما والسامع واعيا لما خوطب به واللفظ ظاهر المعنى فالاستفهام غير سائغ ~~في مثله. فإن قيل: لولا جواز الاستفهام في لفظ العموم لما ساغ لقوم موسى - ~~عليه السلام - حين أمرهم الله تعالى بذبح بقرة فقالوا {ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما هي} [البقرة: 68] فدل ذلك على جواز الوقوف ms033 في لفظ العموم وحسن ~~الاستفهام معه. # PageV01P124 # قيل له: (أو) قد صار قولهم حجة في ذلك ومن براهم من الخطأ في استفهامهم ~~مع ما لحقهم من اللائمة في مراجعتهم؟ وقد روي عن ابن عباس أنه قال " لو ~~ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى ~~عليهم ". وعلى أن هؤلاء الذين استفهموا ذلك هم الذين قالوا: {أتتخذنا هزوا} ~~[البقرة: 67] ، فمن خاطب نبي الله صلوات الله عليه بمثل ذلك لم يبعد من ~~الخطأ في الاستفهام والمراجعة، وعلى أن سؤالهم قد صار سببا للتغليظ عليهم ~~عقوبة لهم على ذلك فدلالة هذه القصة على صحة القول بالعموم أظهر منها على ~~نفيه لأنهم استحقوا اللوم عند المراجعة. والاستفهام باللفظ المطلق الذي قد ~~(كان) يمكنهم استعماله على إطلاقه ويدل على ذلك قوله تعالى {فذبحوها وما ~~كادوا يفعلون} [البقرة: 71] يعني - والله أعلم - لما لحقهم من تغليظ المحنة ~~لأجل مراجعتهم وسؤالهم. # فإن قال قائل: إنما يجب اعتبار العموم إذا أكد بضرب من التأكيد يقع معه ~~للسائل علم الضرورة بمراد المخاطب. # PageV01P125 # قيل له: ليس وقوع علم الضرورة بمراد القائل موقوفا على التأكيد إذ قد يقع ~~ذلك له مع وجود التأكيد تارة ومع عدمه أخرى على حسب مقتضى اللفظ. وقد لا ~~يقع له العلم مع وجود التأكيد لأنه قد يحتمل أن يؤدي باللفظ عن معناه إلى ~~غيره ملغزا في كلامه. وأيضا: لو كان وقوع العلم بمراد المخاطب مقصورا على ~~ما يضطر إليه لما جاز أن يعلم أحد من المطلقين مراد الله تعالى، لأن أحدا ~~من المكلفين لا يعلم (كلام) الله تعالى اضطرارا وإنما يعلمه باستدلال ~~واكتساب فكيف يجوز وقوع (العلم) بمراده في خطابه من جهة الضرورة. فلما كان ~~المسلمون قد علموا كثيرا من مراد الله تعالى فيما خاطبهم به من غير جهة ~~الضرورة دل ذلك على بطلان هذه القاعدة. # فإن قيل: لا يخلو وقوع العلم بالعموم من أن يكون باللفظ أو بالمعنى أو ~~بمعين يقارن اللفظ أو بهما جميعا فإن كان معنى غير اللفظ أو بهما ms034 فقد خرج ~~اللفظ من أن يكون دالا بنفسه، وفي ذلك بطلان أصلكم إن كان وقوع العلم به ~~بنفس اللفظ، واللفظ مسموع محسوس فالواجب أن يشترك السامعون له في وقوع ~~العلم بصحة العموم لأن المحسوسات لا يقع فيها خلاف كالملموس والمذوق ~~والمشموم والمرئي فلما وجدنا كثيرا من سامعي اللفظ نافين للقول بالعموم ~~علمنا أنه غير معقول من اللفظ. قيل له: أما الصوت فهو مسموع محسوس وإنما ~~يجب على العموم أو # PageV01P126 # الخصوص غير محسوس لأنه إنما يعرف بالرجوع إلى مواضعات " أهل اللغة ~~واصطلاحهم على حكم اللفظ. وقد يجوز أن يكون فيه شبهة على بعض الناس أو لا ~~يستدل عليه من جهة اللغة فلا يقع له العلم بموضوعه وموجب حكمه، كما أن قول ~~القائل رجل وفرس محسوس مسموع يشترك السامعون (كلهم) في العلم (بوجوده) وليس ~~كل من سمعه عرف معناه إذا لم يكن من أهل هذه اللغة. وأيضا: فإن الأجسام ~~محسوسة، وهي دلائل على الله تعالى، وليس كل من أحسها وشاهدها عرف وجه ~~دلالتها إذا لم يستدل (بها) . كذلك اللفظ المطلق يقتضي العموم، وقد يجوز ~~خفاء حكمه على بعض السامعين. # فإن قال قائل: أخبرني عمن سمع آية أو سنة ظاهرهما عموم هل يلزمه إمضاؤهما ~~على ظاهرهما وعمومهما أو يتوقف فيهما حتى يعلم (أهو عام أو خاص) ومنسوخ أو ~~ناسخ. فإن قلت إنه يمضيهما على العموم مع علمه بأن في القرآن والسنة خاصا ~~وعاما وناسخا ومنسوخا فقد حكمت بعمومهما مع الشك فيه. وإن قلت إنه يقف ~~فيهما حتى يستقرئ سائر الأصول والدلائل، فإذا لم يجدها يخصصها قضى فيهما ~~بالعموم فقد تركت القول بالعموم وصرت إلى (مذهب) أصحاب الوقف. # PageV01P127 # قيل (له) : الذي نقول في ذلك: إن هذا السامع إن كان سأل الرسول - عليه ~~السلام - عن حادثة حدثت فأنزل الله تعالى فيها قرآنا أو أجابه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيها بجواب فعليه إمضاء الحكم على ظاهر ما سمعه، وليس ~~عليه طلب الدليل من غيره في خصوصه أو عمومه لأنه لو كان خاصا (لما) ترك ~~النبي ms035 - صلى الله عليه وسلم - بيانه في الحال التي ألزم فيها تنفيذ الحكم ~~مع جهل السائل. وأما من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر حكما مبتدأ ~~معلقا بعموم لفظ من غير حادثة سئل عن حكمها أو سمع آية من القرآن مبتدأة ~~والسامع لذلك من أهل النظر والاجتهاد فكان مخاطبا بمعرفة حكمها. # فقد قيل فيه وجهان: أحدهما: إنه ليس يجوز له الحكم بظاهرها حتى يستقرئ ~~الأصول ودلائلها، هل فيها ما يخصها، فإذا لم يجد فيها دلالة التخصيص أمضاها ~~على عمومها، وأما العامي فليس له أن يفعل شيئا من ذلك، ولكنه إذا سئل عن ~~حكم حادثة ممن يلزمه قبول قوله فأجيب فيها بجواب مطلق أمضاه على ما سمعه ~~وليس فيما ذكرنا ترك القول بالعموم ولا موافقة لأصحاب الوقف، من قبل أنا ~~إنما نظرنا مع سماع اللفظ في دلالة التخصيص فمتى عدمناها كان الموجب للحكم ~~هو اللفظ العام ولم نحتج مع اللفظ (إلى) دلالة أخرى في إيجاب الحكم وشموله ~~فيما انتظمه الاسم. والفرق بيننا وبين القائلين بالوقف أنهم يقفون في حكم ~~اللفظ حتى يجدوا دليلا من غيره على وجوب الحكم به. ونحن نقف لننظر هل في ~~الأصول ما يخصه أم لا. # والوجه الآخر: أن من كان مخاطبا بحكم اللفظ فليس يخليه الله تعالى عند ~~سماع اللفظ من إيراد دلالة التخصيص عليه حتى يكون كالاستثناء المنوط ~~بالجملة. # PageV01P128 # وأما من لم يكن مخاطبا بالحكم فهو بمنزلة من (لم) يسمعه، فليس عليه أن ~~يعتقد فيه عموما ولا خصوصا. وقد تعسف بعضهم فلم يفصل الجواب عن هذا السؤال ~~هذا التفصيل، وقال أمضي اللفظ على العموم، وهذا خبط وجهل من قبل أنه من علم ~~أن في القرآن والسنة عاما وخاصا وناسخا ومنسوحا فاعتقد العموم فيما لا ~~يعلمه (عاما أو خاصا) فقد أقدم على اعتقاد ما لا يعلم صحته. ولا يجوز أن ~~يلزمه الله تعالى (مع ذلك) إقامة دلالة تخصيص، لأنه يقتضي أن يكون قد ألزمه ~~اعتقاد خلاف مراده، وهذا متناقض فاسد. # فإن قال قائل: لم أجد آية وخبرا ms036 إلا خاصا، وهذا يدل على أن حكم اللفظ ~~الخصوص وإنه إنما يصرف إلى العموم بدلالة. قيل (له) : ومن أين وجب ما قلت ~~لو كان الأمر على ما ذكرت وما أنكرت أن تكون حقيقته العموم وإنما يصرف إلى ~~الخصوص بدلالة، وكل آية أو خبر وجدته خاصا فلم يخل من مقارنته لدلالة أوجبت ~~خصوصه وإزالته عن العموم، وعلى أن في كتاب الله تعالى من الآي (العامة) ~~المستوجبة لما تحت الاسم من أن يحصره هذا الباب، نحو قوله {إن الله بكل شيء ~~عليم} [الأنفال: 75] وقوله تعالى {يعلم سركم وجهركم ويعلم # PageV01P129 # ما تكسبون} [الأنعام: 3] وقوله تعالى: {إن الله لا يظلم الناس شيئا} ~~[يونس: 44] ، و {مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] {وما من دابة في ~~الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] و {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} ~~[النساء: 23] ومن ذكر معها. فإن قال: ما أنكرت أن يكون حكم العموم لازما ~~لمن شاهد المخاطبة (به) لاقتضاء حال الخطاب من الأمور التي يقع معها العلم ~~بالمراد من إشارات وتقدير، والحال المقتضية لذلك غير ممكن نقلها فلا يقع ~~العلم لمعاني الخطاب لمن نقل إليه اللفظ حسب وقوعه لمن شاهده. فلم يلزم إذا ~~كان هذا هكذا من نقل إليه لفظ عموم الحكم به إلا بدلالة قيل له: إن ~~المخاطبة تكون من النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهين: أحدهما: لما ~~يريد به إفهام السامع دون غيره، فقد يجوز أن يقتصر في مثله من إشارات ~~الانحصار ومخرج الكلام على المقدار الذي يقع للمخاطب العلم بمراده اكتفاء ~~بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد. # PageV01P130 # والوجه الآخر: أن يريد بخطابه المشاهد له وغيره، ويريد أن ينقل عنه فلا ~~بد حينئذ من أن يكون مراده معقولا من لفظه غير مفتقر معه إلى دلالة الحال ~~حتى يستوي الناقل والمنقول إليه في وقوع العلم بحكم اللفظ وهو العموم ~~المنتظم لما تحته من المسميات. وعلى أن قول هذا القائل يوجب أن يكون ~~الصحابة الذين شاهدوا النبي ms037 - صلى الله عليه وسلم - متعبدين بأحكام اللفظ ~~على غير الوجه الذي تعبدنا به، لأنهم كانوا يعقلون من حكم اللفظ بالمشاهدة ~~ما لم يكن يعقله من لم يشاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على موضوعك، ~~وهذا خلف من القول. # فإن قال قائل ممن فرق بين الأمر والخبر: فقال لا يجوز الوقف في الأمر ~~لأنا متعبدون بتنفيذه ولو ساغ الوقف فيه لجاز لكل واحد (أن يقول) لعلي لم ~~أعن بهذا الأمر فيتخلف بذلك عن أدائه فيؤدي ذلك إلى إسقاط الغرض عن الجملة ~~فتبطل فائدة الكلام وليس كذلك الخبر لأن كل من سمعه إذا لم يعلم أهو على ~~الخصوص أو العموم لم يكن فيه إسقاط فائدته، ولأنا غير متقيدين فيه بتنفيذ ~~شيء. قيل (له) : (لست تخلو) من أن تكون حكمت في الأمر بالعموم من جهة ~~(مقتضى اللفظ وموجبه ولأن الصيغة توجب العموم أو حكمت فيها بالعموم من جهة) ~~دلالة غير اللفظ والصيغة. فإن كنت حكمت فيها بالعموم من جهة اللفظ فقد ~~أعطيت أن اللفظ موضوع للعموم فواجب حينئذ أن لا تختلف أحكامه باختلاف ~~أحواله ومواضعه كما أن الأسماء المفردة التي هي أسماء الأعيان والأشخاص لا ~~تختلف أحكامها في دلالاتها على ما دلت عليه # PageV01P131 # الدلالة (باختلاف المواضع) والأحوال فلا يجوز (حينئذ أن يختلف) حكم ~~الخبر، والأمر في اعتبار إجراء الحكم على ما تقتضيه صورة العموم. # وإن كنت تأبى أن يكون للعموم صيغة تقتضي استيعاب الحكم فيما يتناوله ~~اللفظ والكلام بيننا وبينك في الأصل فالواجب علينا حينئذ الرجوع إلى حكم ~~اللفظ في مقتضى اللغة فإن أوجب العموم قضي به ولا يجوز حينئذ أن يختلف حكم ~~الأمر والخبر على الحد الذي بينا مع وجود دلالة اللفظ المطلق العاري مما ~~يوجب تخصيصه. وقد دللنا على وجوب القول بالعموم بما يغني عن إعادته. وعلى ~~أن الخبر للإعلام فإذا ورد مطلقا لزمنا اعتماد مخبره على حسب ما انتظمه ~~لفظه. فلا فرق بينه وبين الأمر من هذا الوجه. وعلى أن ما ذكر لا يوجب الفصل ~~بين الأمر والخبر لأن الأمر ms038 قد يأتي بلفظ العموم والمراد وقوع المأمور به ~~من بعض الجملة نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وغسل الموتى ~~والصلاة عليهم ودفنهم. وإذا كان ذلك كذلك لم يختلف على موضوعكم أن يكون ما ~~ورد الأمر به (من الصلاة) وما جرى مجراه إنما هو على هذا الوجه (من وجوده) ~~من بعض جملة المخاطبين بذلك، فلا يكون فيه إسقاط فرض الأمر فلا فرق إذا بين ~~الأمر والخبر من # PageV01P132 # هذا الوجه، ويلزم أن لا نجعل فرض الصلاة (والزكاة والصيام) عاما على كافة ~~الناس. (فإن قال قائل: لم أحكم بلزوم هذه الفروض كافة الناس من جهة اللفظ) ~~بل قيل له: فينبغي أن يكون الذي لزم بالأمر من الفرض بعض الناس وما زاد لم ~~يلزم بالأمر وإنما لزم بالإجماع، (ويلزمه مع ذلك أيضا أن لا يكون لزومه ~~لذلك البعض من جهة دلالة اللفظ وإنما لزم بالإجماع) لأنا قد وجدنا لفظ ~~الأمر يرد ويراد به الإباحة كقوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: ~~2] فلا يكون حمله (على) هذا الوجه مبطلا لفائدته. فإن ارتكب هذا فقد نقض ما ~~أعطى بدءا من إيجاب الفرق بين الأمر والخبر على الحد الذي ذكر لأنه لم يفرق ~~بينهما إذا لم يثبت حكم واحد منهما باللفظ دون دلالة من غيره. # فإن قيل: قد يجوز أن يخبرنا بخبر مخبره مجهول نحو قوله تعالى {وكم أهلكنا ~~من قرية} [القصص: 58] وقوله: {وقرونا بين ذلك كثيرا} [الفرقان: 38] ثم لا ~~يبينه أبدا ولا يجوز أن يأمر بأمر مجهول لم يرد بيانه فليس كذلك عندنا لأنه ~~جائز عندنا أن يرد الأمر بشيء مجهول موقوف على البيان ثم لا يرد بيانه. # PageV01P133 # مثل أن يقول اقتلوا المنافقين إذا عرفتكم إياهم وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة إذا بينتها لكم ثم لا يبين ذلك أبدا فلا يكون موجب هذا الأمر اعتقاد ~~صحة تنزيله وكونه حكمة وصوابا كما يخبرنا بخبر لا نتبين حال مخبره وكيفياته ~~وأوصافه فلا يلزمنا فيه أكثر من اعتقاد صحته وكونه حقا على ما هو عليه. # فإن قال قائل: الفرق بين ms039 الأمر والخبر أن الأمر يجوز فيه النسخ ولا يجوز ~~في الخبر. قيل له: جواز النسخ في أحدهما وامتناعه في الآخر لا يوجب الفصل ~~بينهما من جهة ما يقتضيه إطلاق اللفظ فيهما. ولو جعل هذا المعنى فاصلا ~~بينهما في إيجاب عموم الخبر (دون الأمر كان أقرب لأن لخصمك أن يقول لما لم ~~يجز النسخ في الخبر) ولم يجز في مخبره التبديل (والتغيير) وجب اعتبار ~~عمومه، ولما جاز نسخ الأوامر لم يجب اعتبار عمومه إذ جاز وقوعه تارة محظورا ~~وتارة مباحا فهذا يدل على سقوط هذا السؤال. # PageV01P134 ### | [باب القول في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص] # قال أبو بكر: قد يرد اللفظ العام والمراد العموم كقوله تعالى: {إن الله ~~بكل # PageV01P135 # شيء عليم} [الأنفال: 75] وقوله {إن الله لا يظلم الناس شيئا} [يونس: 44] ~~وقوله: {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] وهو كثير في القرآن. وقد يرد اللفظ ~~الخاص والمراد به الخصوص، كقوله تعالى {محمد رسول الله} [الفتح: 29] وقوله ~~{يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] وقوله تعالى {فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37] ونظائره. وقد يرد اللفظ الخاص ~~والمراد (العموم) ، وقد بينا قبل ذلك أن العموم يصح إطلاقه في الأحكام مع ~~عدم اللفظ فيه. # PageV01P136 ### | [الباب السادس في اللفظ العام المخرج إذا أريد به الخصوص] # وذلك نحو قوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] ~~فافتتح الخطاب بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد سائر من يملك ~~الطلاق للعدة. وقال تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] وقوله تعالى ~~{ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] والمراد سائر المكلفين. واختلف أهل ~~العلم في جواز ورود اللفظ العام والمراد الخصوص، فقال كثير منهم هذا لا ~~يمتنع وقد وجد ذلك في كتاب الله تعالى نحو قوله تعالى: {الذين قال لهم ~~الناس إن الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] وعمومه يقتضي دخول جميع ~~الناس في اللفظين والمراد بعضهم لأن القائلين غير المقول لهم. ونحو قوله ~~تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} [النساء: 1] لم يدخل فيه الأطفال ms040 ~~والمجانين، ومثله كثير في القرآن. وكان (شيخنا) أبو الحسن - رحمه الله - ~~ممن يجوز ذلك ويقول: إن إطلاق اللفظ في مثله مجاز ليس بحقيقة. وقال بعض ~~أصحابنا: لا يجوز ورود لفظ العام والمراد (به) الخصوص. # PageV01P137 # لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة كقوله تعالى ~~{فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] غير جائز أن يقال إن ~~هذه الصيغة عبارة عن ألف (سنة) كاملة. كذلك قيام الدلالة على إرادة الخصوص ~~تجعل اللفظ خاصا، ويتبين أنه لم يكن لفظ عموم قط. وليس وجود اللفظ الذي ~~يصلح للعموم بموجب أن يكون عموما بل هو (لفظ) خاص صورته غير صورة لفظ ~~العموم كما أن وجود لفظ (الألف من) قوله {ألف سنة إلا خمسين عاما} ~~[العنكبوت: 14] لا يوجب أن تكون هذه الصيغة هي صيغة الألف المطلقة العارية ~~من الاستثناء بل الصيغتان مختلفتان كذلك اقتران دلالة الخصوص إلى اللفظ ~~الذي يصلح للعموم يغير صيغة اللفظ ويمنع كونه عاما أريد به الخصوص. فدل ذلك ~~على أن ما كان هذا وصفه من الألفاظ فهو حقيقة فيما ورد فيه مستعمل في ~~موضعه. # وليس أن دلالة التخصيص غير مذكورة مع اللفظ بمانع أن يكون في معنى ~~الاستثناء المتصل باللفظ لأنا قد وجدنا اللفظ المطلق الذي قد أريد به في ~~استثناء بعضه قد اقتصر فيه على الإطلاق من غير ذكر الاستثناء متصلا به في ~~بعض المواضع وإن كان قد ذكر في بعضها ولم يكن وجود ذلك في الكلام وجوازه ~~فيه بمانع أن يكون الاستثناء مرادا كقوله تعالى في قصة لوط - عليه السلام - ~~{فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت # PageV01P138 # منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون} [الحجر: 65] فلم يستثن امرأته في هذا الموضع ~~وهي مستثناة في المعنى وإن لم يذكرها ثم قال في موضع آخر {فأسر بأهلك بقطع ~~من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك} [هود: 81] فأظهر الاستثناء في هذه ~~الآية، ثم لم يختلف حكم اللفظين في أن كل واحد منهما مستثنى منه المرأة في ~~المعنى، وإن كانت مذكورة ms041 في أحدهما غير مذكورة في الآخر. ونحو قوله تعالى ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] ومعلوم أنه لم يرد ~~به المسيح وعزيرا صلوات الله عليهما (أجمعين) فأنزل الآية مطلقة اكتفاء ~~بالدلالة التي أقامها على أنه لا يعذبهما (في الآخرة) ، وكان ذلك بمنزلة ~~الاستثناء المتصل باللفظ، فلما قال المشركون هذا المسيح والعزير قد عبدا من ~~دون الله أنزل الله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} [الأنبياء: 101] ثم لم يختلف حكم اللفظ بعد نزول هذه الآية وقبلها. ~~فهذا يدل على أن دلالة التخصيص بمنزلة الاستثناء فينبغي على هذا أن لا ~~يختلف حكم اللفظ فيهما في كونه حقيقة في موضعه وأنه ليس بلفظ عموم. # فإن قال قائل: هذا القول يؤدي إلى إبطال المجاز والاتساع في اللغة لأنه ~~يوجب أن يكون قيام الدلالة على كونه مجازا بمنزلة المذكور معه ويكون قوله ~~تعالى {إني أراني أعصر # PageV01P139 # خمرا} [يوسف: 36] (بمنزلة إني أراني أعصر ما يصير خمرا) وقوله تعالى: {إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله} [الأحزاب: 57] بمنزله: إن الذين يؤذون أولياء ~~الله {وجاء ربك} [الفجر: 22] كقوله جاء أمر ربك ". فتصير الدلائل الموجبة ~~لكون اللفظ مجازا هي الموجبة أن يكون حقيقة. قيل له: لما لم يكن ذلك في ~~الاستثناء لم يلزم (مثله في) الدلائل القائمة مقام الاستثناء. ولو جاز أن ~~يتطرق بما ذكرت إلى إبطال ما ذكرنا من حكم اللفظ لجاز أن يتطرق به إلى أن ~~تجعل اللفظ المستثنى مجازا كما قلت في دلالة التخصيص سواء. وكان أبو الحسن ~~- رحمه الله - يقول في الاستثناء: إن دخوله على الكلام لا يجعله مجازا. ~~وأيضا: فإن الفصل بينهما أن القرية لا تكون عبارة عن أهلها على الحقيقة ~~بحال، والخمر لا يكون عبارة عن العصير، وكذلك سائر ألفاظ المجاز (يجوز أن) ~~لا يكون عبارة عن المراد بها (حقيقة) . وقوله {فاقتلوا المشركين} [التوبة: ~~5] إذا أريد به الخصوص، وهم عبدة الأوثان، كان اللفظ عبارة عنهم حقيقة لا ~~مجازا فلا فرق بين قوله {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ومراده عبدة ~~الأوثان ms042 لدلائل قامت وبين قوله اقتلوا المشركين الذين هم عبدة الأوثان في ~~أنه لا يجعل اللفظ مجازا بل هو حقيقة (فيهم) فلذلك لم يلزم ما ذكرت. # PageV01P140 # {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] هو عموم يقتضي ظاهره إباحة ~~جميع النساء فلما قال {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] وما ذكر بعدها دل ~~على (أن) المراد بقوله {فانكحوا ما طاب لكم} [النساء: 3] من عدا المذكورات ~~بالتحريم في هذه الآية. ونحوه قوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2] فلو خلينا والعموم كانت الأمة والحرة في ذلك ~~سواء، فلما قال في الإماء {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب} [النساء: 25] خصهن من الآية الأولى، وبين في الثانية أن المراد ~~بالأولى الحرائر، ونظائر ذلك كثير. # وقال قوم: لا يكون تخصيص القرآن بقرآن مثله. لأن التخصيص لما كان بيانا ~~للمراد باللفظ لم يجز أن يكون بيانه إلا من جهة السنة لقوله تعالى {لتبين ~~للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ويقال لهم: إن هذا فيما يحتاج إلى بيان ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. فأما ما بينه تعالى فلم يدخل في ذلك. # PageV01P141 ### | [الباب السابع في الوجوه التي يقع بها التخصيص] # قال أبو بكر: الأصل في ذلك: أن ورود التخصيص يبين أن المراد باللفظ العام ~~بعض ما شمله الاسم. فجائز أن يكون تخصيص عموم القرآن بقرآن مثله كقوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب} [النساء: 3] # PageV01P142 # ألا ترى: (أن) ما كان منه ظاهر المعنى غير محتاج إلى بيان الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - كذلك ما بين الله تخصيصه مما يحتاج إلى بيان فليس بيانه ~~موكولا إلى النبي - عليه السلام -. وأيضا: يحتمل أن يكون معنى قوله تعالى ~~{لتبين للناس} [النحل: 44] لتبلغه إياهم وتظهره ولا تكتمه. وأيضا: فقد وكل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمة في كثير مما ورد به لفظ القرآن المفتقر ~~إلى البيان إلى النظر والاستدلال، كما «قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- في الكلالة يكفيك آية الصيف» وفي أشياء كثيرة من الربا وغيره، وعلى أنه ~~إذا ms043 كان التخصيص بيانا فما الذي يمنع أن يكون الله تعالى هو المتولي لبيانه ~~تارة وتارة يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به. # ومن حيث جاز نسخ القرآن بقرآن مثله جاز تخصيصه (به) لأن النسخ في الحقيقة ~~بيان (لمدة) الفرض الأول والتخصيص بيان الحكم في بعض ما شمله الاسم # PageV01P143 # وأيضا قال تعالى: {تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وقال تعالى {لنبين لكم} ~~[الحج: 5] وقال تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] وقال الله ~~تعالى {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19] فهذا يقتضي وقوع بيان الكتاب ~~بقرآن مثله. # ويكون تخصيص القرآن بالسنة الثابتة كقوله تعالى {ولكم نصف ما ترك ~~أزواجكم} [النساء: 12] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يرث المسلم ~~الكافر ولا الكافر المسلم» وكقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} ~~[النساء: 3] # PageV01P144 # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تنكح المرأة على عمتها» وقال ~~تعالى {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين} [البقرة: 180] وقال {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] ~~. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصية لوارث» وكقوله تعالى ~~{أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: 267] # PageV01P145 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ونظائر ~~ذلك. # ويجوز تخصيص القرآن بالإجماع أيضا كقوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا ~~كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ثم خص الإماء بجلد الخمسين بقوله ~~تعالى {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . # ولم يذكر العبد واتفقت الأمة (على) أن العبد يجلد خمسين، فخصصنا الآية ~~بالإجماع. # ويجوز تخصيصه بدلالة العقل. # PageV01P146 # كقوله تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم} [النساء: 1] وفي عقولنا أن ~~مخاطبة المجانين والأطفال بذلك سفه. فصارت الآية مخصوصة بالعقل لأنه حجة ~~لله تعالى تبين مراده بالآية، ولا فرق بينه وبين تخصيصه بقرآن أو سنة. فإن ~~قال: لا يجوز تخصيصه بالعقل لأن التخصيص إذا كان معناه بيان المراد فغير ~~جائز حصول البيان قبل وجود ما يقتضيه، كما لا يجوز وجود الاستثناء قبل ورود ~~الجملة المستثنى منها. قيل ms044 له: لا يخلو من أن تكون من القائلين بدلالة ~~العقل وأنه حجة لله تعالى، أو تقول بنفيها. فإن كنت ممن ينفي دلائل العقول ~~فالكلام بيننا وبينك في إثبات دلائل العقول وأنها تفضي بنا إلى حقيقة ~~العلوم التي طريقها العقل. وإن كنت ممن يقر بحجج العقول إلا أنك منعت ~~استعماله في تخصيص العموم خاصة، فإن هذا خلف من القول من قبل أن دلائل ~~العقول لا يجوز وجودها عارية من مدلولها، ولا يجوز ورود السمع بنقضها. # PageV01P147 # فإذا قال الله عز وجل: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} [النساء: 1] وقد أقام ~~قبل ذلك في عقولنا أنه لا يصح منه خطاب المجانين والأطفال، فقد صارت دلائل ~~العقل قاضية لحكم اللفظ على المكلفين دون الأطفال والمجانين كما تنقل دلالة ~~العقل حكم اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم} ~~[فصلت: 40] فجعله زجرا ونهيا وحقيقته أنه أمر. فإن قال: إنما علمت خصوص هذه ~~الآية بالإجماع. قيل له: فقد كنت تجوز قبل ورود الآية وحصول الإجماع على ~~معناها مخاطبة الله تعالى المجانين والأطفال وأمره إياهم بالتقوى ووعيدهم ~~على تركها. فإن قال: نعم فقد أحال في قوله، ويلزمه إجازة خطاب (الله تعالى) ~~الجمادات وتكليفها العبادات، وكفى بهذا خزيا لمن بلغه. # فإذا (صح جواز) تخصيص اللفظ العام من جهة العقل وليس ذلك كالاستثناء الذي ~~لا يصح وجوده قبل المستثنى منه، من قبل أن الاستثناء لو انفرد قبل ذكر ~~المستثنى منه لم يعقل منه شيء ودلالة العقل بانفرادها موجبة لأحكامها ~~المتعلقة بها، وليس يمتنع # PageV01P148 # أن ينعدم ما يوجب تخصيص اللفظ بسمع أن يكون معناه مفهوما قبل ورود اللفظ ~~المخصوص نحو أن يقول الرجل لعبيده إذا أمرتكم بسقي الماء فاسقوني إلا ~~فلانا، فيكون فلان خارجا من هذا الأمر مخصوصا منه بقوله المتقدم للأمر، ~~وإنما لا يصح إفراد الاستثناء قبل ذكر المستثنى منه إذا عبر عنه بلفظ ~~الاستثناء لأنه لا يصح أن يقول ابتداء إلا فلانا، ولو قاله لم يكن كلاما ~~معتدلا ولم يعقل منه شيء فلذلك لم يصح. # فإن قال ms045 قائل: لو جاز تخصيص العموم بالعقل لجاز نسخه به لأن النسخ بيان ~~لمدة الحكم، كما أن التخصيص بيان المراد بحكم اللفظ. قيل له: لو فهمت ما ~~ألزمتنا لكفيتنا مؤنتك وقضيت لنا على نفسك وذلك أنه لا سبيل إلى معرفة ~~توقيت مدة الحكم من طريق العقل، وذلك أن أحكام الأشياء في العقل على ثلاثة ~~أنحاء: منها ما فيه إيجابه نحو شكر المنعم، واعتقاد التوحيد، وتصديق الرسل ~~- عليهم السلام - (ومنها ما فيه حظره نحو الكفر والظلم والكذب ونحو ذلك) . # وهذان البابان يجريان في حكم العقل على شاكلة واحدة لا يجوز فيها التغيير ~~(والانقلاب في باب الإيجاب أو الامتناع. وقسم ثالث: وهو في العقل، وأحواله ~~ثلاثة: يجوز حظره تارة وإباحته تارة أخرى وإيجابه أخرى على حسب ما يقتضيه ~~من حسن أو # PageV01P149 # قبح، وإنما يعلم حكمه بالسمع من جهة العالم بمصالح العباد وبما يكون من ~~هذه الأفعال حسنا أو قبيحا، ثم لا يخلو السمع من أن يكون واردا بالبابين ~~الأولين اللذين ذكرنا أنه لا يجوز فيهما الانقلاب والتغير) فغير جائز نسخ ~~ما كان هذا سبيله بوجه، ولا ورود السمع بخلافه. وأما الوجه الثالث: فإنه لا ~~يخلو من أن يكون السمع حاكما بحظره أو إباحته أو إيجابه، وعلى أي هذه ~~الوجوه كان وروده فهو مما جوزه العقل وحسنه، فكيف يجوز أن يحكم العقل ~~بزواله وارتفاعه. وقد قلنا: إن ما كان هذا سبيله فإنما حظ العقل فيه تجويز ~~ورود السمع بأحد هذه الوجوه، فلا يجوز أن يحكم بعد ورود السمع فيه بخلافه. # وأيضا: فإن النسخ إنما هو توقيت مدة الحكم الأول بعد أن كان في تقديرنا ~~وتوهمنا بقاؤه ولا حظ للعقل في توقيت مدة الفرض، لأن ذلك متعلق بعلل ~~المصالح، (وعلل المصالح) لا تعلم أعيانها من طريق العقل. وأيضا: فلو جاز ~~ذلك فيه لجاز أن يكون العقل بدءا موجبا للحكم الناسخ قبل ورود السمع فيه. ~~وقد ثبت أنه لا حظ له في ذلك فامتنع من أجل ذلك جواز نسخ السمع بالعقل. ~~وأما التخصيص بالعقل فليس كذلك، ms046 لأن دلالة العقل الموجبة للتخصيص هي ما كان ~~واقعا منه على أحد الوجهين الأولين اللذين يجريان في حكم العقل على شاكلة ~~واحدة، فتبين أن المراد باللفظ بعض ما شمله الاسم. ولذلك يجوز في الألفاظ ~~ولا يجوز مثله في دلالة العقل، لأن دلائل العقل لا يجوز فيها التخصيص وكذلك ~~صار العقل قاضيا على السمع من هذا الوجه، ولم يجز أن يقضي السمع على العقل. # PageV01P150 # فإن قال قائل: لا يمتنع جواز النسخ من جهة العقل لأنه قد يعرض ما يمنع ~~العقل فيدل (العقل) على أنه لا يلزم في هذه الحال مثل ما كان يلزم قبل ذلك، ~~كالسمع إذا ورد بمثله. قيل له: إن هذا ليس بنسخ ولا في معناه لأن مثله لو ~~وجد في السمع لم يكن نسخا، ولو كان مثل هذا نسخا لكانت الشرائع كلها منسوخة ~~لأنها لا تلزم في حال العجز وتعذر النقل وكل حكم كان متعلقا عند وروده على ~~وقت أو شرط وكان ذلك معلوما من حاله بسمع أو عقل فإن مضى الوقت وعدم الشرط ~~لا يوجب كونه منسوخا. ألا ترى أن كثيرا من الفروض معقودة بأوقات وشروط متى ~~فاتت (أوقاتها) أو عدمت شرائطها سقط فعلها نحو الجمعة والأضحية، ولا يقول ~~أحد إن الجمعة قد صارت منسوخة بفوات الوقت، وذلك لأن النسخ إنما يصح إطلاقه ~~في الأمور الواردة من جهة الشرع مما كان في تقديرنا وتوهمنا بقاؤه فأما ما ~~كان موقتا أو مشروطا، وكان ذلك في حاله معلوما مع ورود اللفظ فليس ذلك ~~بنسخ. # ألا ترى أنه لو قال: اجلد اليوم (هذا) الزاني مائة ولا تجلده غدا، أو ~~قال: صل اليوم ولا تصل غدا أن فوات الوقت قبل الفعل لا يوجب نسخا، ولو قال: ~~اضربه مائة أو صل ثم قال: غدا لا تضربه أو لا تصل، كان ذلك نسخا لأنا (قد) ~~كنا نتوهم ونقدر # PageV01P151 # بقاء الفرض ما لم ينسخه، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا فإن قيل: ~~دلالة العقل على زوال الفرض في حال العجز، وتعذر النقل في ms047 معنى النسخ، وإن ~~لم يسم نسخا لأن معنى النسخ إذا كان إنما هو بيان مدة الحكم، وقد أخذ العقل ~~بقسطه في إيجاب ذلك من الوجه الذي ذكرنا في معنى النسخ، وإن لم يسم به. قيل ~~له: هذا غلط لأنه ليس كل ما يبين به مدة الحكم يكون نسخا ولا في (معنى ~~النسخ) ، لأنه إذا قيل: صم سائر الأيام إلا يوم الفطر لم يكن نسخا ولا في ~~(معنى النسخ) ، لأن النسخ وما في معناه له شريطة متى عدمت زال المعنى. وهو ~~أن يكون في التقدير بقاء الحكم فيرد بعده ما يبين آخر مدته فأما ما كان ~~معلوما مع ورود الأمر أنه غير لازم في وقت إما بسمع أو بعقل فليس ذلك في ~~معنى النسخ في شيء. # ونحن وإن كنا نقول إن # العبادات ونسخها متعلقة بالمصالح # كالمرض والصحة والفقر والغنى وسائر ما يفعله الله تعالى فإن للنسخ معنى ~~قد اختص به وشرائط قد وقف عليها متى عدم منها شيء لم يكن نسخا. ولو كان ما ~~ذكره هذا القائل في معنى النسخ لكان التخصيص أيضا في معنى النسخ لأنه قد ~~قصد به قوما دون قوم ممن شمله الاسم كما أريد بالأمر المطلق حال دون حال، ~~وهي حال الإمكان دون حال العجز، ولوجب أن تكون الفروض المبتدأة كلها في ~~معنى النسخ لتعلقها بالمصالح. # PageV01P152 ### | [باب تخصيص العموم بخبر الواحد] # باب في تخصيص العموم بخبر الواحد قال أبو بكر: وأما تخصيص عموم القرآن ~~والسنة الثابتة بخبر الواحد وبالقياس فإن ما كان من ذلك ظاهر المعنى بين ~~المراد غير مفتقر إلى البيان مما لم يثبت خصوصه بالاتفاق فإنه لا يجوز ~~تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس. وما كان من ظاهر القرآن أو السنة قد ثبت ~~خصوصه بالاتفاق. # PageV01P155 # أو كان في اللفظ احتمال للمعاني أو اختلف السلف في معناه، وسوغوا ~~الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد، أو كان اللفظ في نفسه مجملا مفتقرا ~~إلى البيان فإن خبر الواحد مقبول في تخصيصه والمراد به. وكذلك يجوز تخصيص ~~ما كان هذا وصفه ms048 بالقياس وهذا عندي مذهب أصحابنا. وعليه تدل أصولهم ~~ومسائلهم. # وقد قال (أبو موسى) عيسى بن أبان - رحمه الله - في (كتابه) الحجج الصغير ~~لا يقبل خبر خاص في رد شيء من القرآن ظاهر المعنى أن يصير خاصا أو منسوخا ~~حتى يجيء ذلك مجيئا ظاهرا يعرفه الناس ويعلمون به مثل ما جاء عن (النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -) أن «لا وصية لوارث» «ولا تنكح المرأة على عمتها» . ~~فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول لأن مثله لا يكون وهما. وأما إذا روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث خاص وكان ظاهر معناه بيان (السنن) ~~والأحكام أو كان ينقض سنة مجمعا عليها أو يخالف شيئا من ظاهر القرآن فكان ~~للحديث وجه ومعنى يحمل عليه لا يخالف ذلك حمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه ~~بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ. # PageV01P156 # قال عيسى: وكل آية من القرآن كانت خاصة في قول جماعة من أهل العلم ~~فالأخبار مقبولة فيمن عنى بها ولأهل العلم النظر في ذلك بأحسن ما يأتيهم في ~~ذلك من الأخبار وأشبهها بالسنن نحو قوله تعالى {والسارق والسارقة} ~~[المائدة: 38] هي خاصة في قول جماعة أهل العلم لبعض السراق دون بعض ~~فالأخبار مقبولة فيمن عنى بها منهم. ونحو قوله تعالى # PageV01P157 # {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] هذه ~~الآية خاصة في قول أهل العلم جميعا لأن الصغيرين اللذين لم يعقلا لم يدخلا ~~في قول أحد العلماء فلما أجمعوا على أنها مخصوصة قبل الخبر الخاص فيمن عنى ~~بها، وكذلك ما أشبه هذا. وقال (عيسى) في الحجج الكبير: كل أمر منصوص في ~~القرآن فجاء خبر يرده أو يجعله خاصا وهو عام بعد أن يكون ظاهر المعنى لا ~~يحتمل (تفسير المعاني) فإن ذلك الخبر إن لم يكن ظاهرا قد عرفه الناس وعلموا ~~به حتى لا يشذ منهم إلا الشاذ فهو متروك. # قال أبو بكر: ولم يذكر في هذا الموضع أنه مما ثبت خصوصه أو لم يثبت قال ~~أبو ms049 بكر: فنص عيسى بن أبان على أن ظاهر القرآن الذي لم يثبت خصوصه بالاتفاق ~~لا يخص بخبر الواحد. # PageV01P158 # وهذا الذي ذكرناه هو مذهب الصدر الأول عندنا. قد روي هذا الاعتبار عن ~~جماعة منهم، لأن عمر وعائشة وأسامة بن زيد أنكروا على «فاطمة بنت قيس ~~روايتها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة» وقال ~~عمر - رضي الله عنه - " لا ندع كتاب الله ربنا وسنة نبينا - عليه السلام - ~~بقول امرأة ". # PageV01P159 # وأنكرت عائشة - رضي الله عنها - حديث " ابن عمر وعمر - رضي الله عنهما - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه» فقالت: ~~قال الله عز وجل {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] . وإنما أنكرت ~~اعتقاد ظاهره أنه يعذب لأجل فعل غيره. # والذي عندنا فيه أن عمر وابن عمر إنما جوزا ذلك على وجه لا يقبح مثله، ~~ولا تكون عائشة مخالفة لهما في معناه وذلك أن البكاء عند العرب هو التعديد، ~~وكانوا يعددون على موتاهم في الجاهلية بما كانوا يتبارون به من الغارات ~~والسباء والقتل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض من سمعه يعدد بمثله ~~إنه يعذب لهذه الأفعال، وكان قبول عمر وابنه له على وجه صحيح، ورد عائشة له ~~على وجه آخر صحيح أيضا. # PageV01P160 # فإن قيل: إنما أنكرت عائشة - رضي الله عنها - ذلك لأن العقل يحيله لأنه ~~غير جائز في الحكمة تعذيب الإنسان لأجل فعل غيره. قيل له: (إنه) وإن كان ~~العقل يرده متى حمل على ظاهره فقد أخبرت عائشة أن مخالفته لظاهر القرآن أحد ~~ما يرد به ويمنع قبوله (وقد) روي عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر - رضي الله ~~عنه - جمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال " إنكم تحدثون عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث تختلفون فيها فمن بعدكم أشد ~~اختلافا فمن جاءكم يسألكم الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقولوا عندنا كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه " فأمرهم بالرجوع إلى ~~كتاب الله تعالى ومنع ms050 الاعتراض عليه بأخبار الآحاد. # والأصل في ذلك: أن الأحكام التي ليس فيها نص ولا إجماع طريق إثباتها ~~وجهان: أحدهما: ما كان لله تعالى (عليه) دليل قاطع يوصل إلى العلم به حتى ~~لا يكون # PageV01P161 # العادل عنه مصيبا بل مخطئا تاركا لحكم الله والثاني: ما كان طريقه ~~الاجتهاد وغالب الظن ليس عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم (بالمطلوب) وهذا ~~الذي يقول فيه أصحابنا إن كل مجتهد مصيب وإن كان المطلوب (واحدا عندهم) ~~فنقول: على هذا أن كل شيء ثبت من طريق يوجب العلم فإنه لا يجوز تركه بما لا ~~يوجب العلم. # (وعموم القرآن يوجب العلم بجميع ما تحته فإنه لا يجوز تركه) بما لا يوجب ~~العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلم بمخبره، وإنما # PageV01P162 # قبلوه من جهة الاجتهاد وحسن الظن بالراوي، فلا يجوز الاعتراض به على ظاهر ~~القرآن والسنن الثابتة من طريق يوجب العلم. ولهذه العلة بعينها لم يجز نسخ ~~القرآن بخبر الواحد لأنه غير جائز رفع ما يوجب العلم بما لا يوجبه. فإن قال ~~قائل: القول بالعموم طريق إثباته (النظر والاستدلال) فهو مثل خبر الواحد من ~~جهة الثبوت فينبغي أن يجوز تخصيصه بهما. قيل له: أما قولك إن طريق إثبات ~~العموم الاستدلال والنظر فإن كنت أردت به أنه لا طريق له إلا ذلك فإنه ليس ~~كذلك، لأن القول بالعموم لا خلاف فيه بين السلف (من) الصدر الأول والتابعين ~~(من) بعدهم لما بيناه في صدر القول بالعموم. وإن كان له مع ذلك دلائل من ~~جهة النظر توجب صحة القول (به) مع ذلك فليس طريق إثبات العموم الاجتهاد ~~وغالب الظن وإنما طريق إثباته الدلائل الموجبة للعلم بصحته. وأما خبر ~~الواحد فغير موجب للعلم بمخبره وإنما هو مقبول اجتهادا على جهة حسن الظن ~~بالراوي، فغير جائز ترك موجب العموم من الحكم، وقد ثبت من جهة توجب العلم ~~بما لا يوجب العلم. # فإن قال قائل: فقد جاز ترك ما كان مباحا أو محظورا من جهة العقل قبل ورود ~~السمع بخبر الواحد، وقد كان ثبوته من طريق ms051 يوجب العلم وهو دلائل العقل التي ~~هي آكد في باب # PageV01P163 # ثبوتها من عموم اللفظ لأن اللفظ قد يطلق ولا يراد به حقيقته ولا يجوز ~~وجود دليل العقل عاريا من مدلوله. قيل له: أما ما كان محظورا من جهة العقل ~~قبل ورود السمع فهو على وجهين: أحدهما: لا يجوز استباحته بحال. والآخر: ~~يجوز استباحته تارة وحظره أخرى على حسب ما يدل عليه السمع. فما لا يجوز ~~استباحته بحال، فنحو الكفر والظلم والكذب. وأما ما يجوز العقل استباحته ~~تارة وحظره أخرى (على حسب) ورود السمع به من جهة من هو عالم بمصالح الكل ~~فإنا لا نعرف جواب أصحابنا في حكم هذا القسم قبل ورود السمع في إباحته أو ~~حظره، والناس فيه مختلفون. فمنهم من يحظره ومنهم من يبيحه ومنهم من يمنع أن ~~يطلق فيه حظرا أو إباحة. # ونحن وإن كنا نقول بما ليس في العقل إيجابه ولا حظره وقد قامت له أدلة ~~صحيحة على إباحته في الجملة، فإنا متى أشرنا إلى شيء بعينه من هذه الجملة ~~فإنما يقع القضاء بإباحته من طريق الاجتهاد وغالب الظن على أنه لا ضرر ~~يلحقه بمواقعته أكثر من النفع الذي يرجوه به. ألا ترى أنا إنما # نبيح له تناول الأطعمة والأشربة ما لم يغلب في ظنه أنه يؤديه إلى ضرر # ، وذلك معلوم من حاله قبل ورود الشرع لأنه لو غلب على ظنه أنه ممنوع لما ~~جاز # PageV01P164 # تناوله. # ونبيح له # التصرف والسفر للتجارات ونحوها ما لم يؤد إلى ضرر أكثر مما يرجو من نفعه ~~في غالب ظنه # (لأنه) لو غلب على ظنه أن في الطريق سبعا أو لصوصا تهلكه لما جاز له ~~الإقدام عليه، وإن غلب في ظنه السلامة جاز له. فقد تبين أن استباحة كل شيء ~~من هذا بعينه إنما طريقه الاجتهاد وغالب الظن دون حقيقة العلم فجائز تركه ~~بخبر الواحد وسقط قول القائل إنا قد تركنا ما يوجب العلم بما لا يوجبه وليس ~~يمتنع أن يكون طريق إباحته وحظره الاجتهاد بعد ورود السمع أيضا. وإن كانت ms052 ~~ظواهر من القرآن والسنن تقضي بإباحته نحو قوله تعالى {وسخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض} [الجاثية: 13] وقوله تعالى {هو الذي جعل لكم الأرض ~~ذلولا} [الملك: 15] وقوله تعالى {عفا الله عنها} [المائدة: 101] ونظائره من ~~الآيات. لأن هذه الآيات خاصة فيجوز تخصيصها بخبر الواحد وقد كان حكم ذلك ~~قبل ورود السمع طريقه الاجتهاد في (إباحته أو حظره) . ثم ما لم يرد في ~~إباحته سمع لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد إذ كان تجويز الاجتهاد قائما في ~~إباحته أو حظره فجاز قبول (خبر) الواحد فيه. وعلى أن هذا الاعتلال بعينه ~~يوجب على قائله جواز نسخ القرآن بخبر الواحد من # PageV01P165 # حيث جوز به حظر المباح من جهة العقل قبل ورود السمع فيلزمه أن يجيز ترك ~~حكم القرآن رأسا والانتقال عنه إلى ضده بخبر الواحد كما جاز ترك ما كان ~~مباحا قبل ورود السمع بخبر الواحد إلى ضده وهذا لا يقوله أحد. # فإن قال (قائل) : فإن الصحابة متفقون على قبول خبر الواحد والقياس في ~~الأحكام، وقد استفاض ذلك عنهم كاستفاضة القول بالعموم، وقد قامت على وجوب ~~القول بهما أدلة صحيحة (ليس طريقها) الاجتهاد وغالب الظن فلا فرق بينهما ~~وبين العموم من هذا الوجه، فهلا جوزت تخصيصه بهما. قيل له: إن الأمر وإن ~~كان على ما ذكرت الاعتراض بهما على عموم القرآن من قبل أن كل عموم في ~~القرآن شأنه ما وصفنا فإنه يوجب العلم بموجبه، وليس الحكم بموجبه في شيء من ~~طريق الاجتهاد ولا غالب الظن. والحكم (بموجب) خبر الواحد والقياس في شيء ~~بعينه من جهة غالب الظن لا من جهة الحقيقة، وإن كان ثبوتهما في الجملة من ~~طريق يوجب العلم. # كما نقول إن (قبول) شهادة شاهدين عدلين في الظاهر واجب بنص القرآن بقول ~~الله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ثم إذا عينا ~~الشهادة في رجلين بأعيانهما كان طريق قبولهما الاجتهاد وغالب الظن لا حقيقة ~~العلم بما شهدا به ولذلك كان الأمر (فيه) على ما وصفنا # PageV01P166 # وأيضا فلو جاز تخصيص عموم القرآن بخبر ms053 الواحد لكان في إثبات تخصيصه رفع ~~العلم بموجب العموم رأسا لأن اللفظ يحصل مجازا ثم يكون الحكم فيما عدا ~~المخصوص من طريق الاجتهاد وغالب الظن لا من جهة اليقين. ولا جائزا رفع موجب ~~حكم العموم الموجب للعلم بخبر الواحد لأن ذلك يصير في معنى النسخ وهذا سديد ~~على الأصل الذي كان يذهب إليه شيخنا أبو الحسن الكرخي - رحمه الله - في أن ~~ما ثبت خصوصه من ألفاظ العموم سقطت معه دلالة اللفظ واحتيج في إثبات الحكم ~~إلى دلالة من غيره فلم يجب إسقاط (حكم اللفظ) بخبر الواحد. # وأما قول عيسى بن أبان إن العموم الذي قد ثبت خصوصه بالاتفاق يجوز (قبول) ~~خبر الواحد في تخصيصه فإنه يحتمل أن يكون (إنما) قاله لأنه كان من مذهبه أن ~~لفظ العموم إذا أريد به الخصوص سقط الاستدلال به في إيجاب الحكم فيما عدا ~~المخصوص به على ما كان يذهب إليه أبو الحسن الكرخي - رحمه الله -. فإن كان ~~هذا مذهبه في هذا الباب فلا إشكال مع هذا أن خبر الواحد مقبول في إخراج بعض ~~ما شمله لفظ العموم من حكمه لسقوط حكم عموم اللفظ لو عري من خبر الواحد. # ويحتمل أن يكون مذهبه القول بعموم اللفظ فيما عدا المخصوص. إلا أنه أجاز ~~تخصيص الباقي مع ذلك بخبر الواحد لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق فالاجتهاد شائع ~~في ترك حكم اللفظ على الوجه الذي يذهب إليه القائلون بذلك فصار موجب حكم ~~العموم في # PageV01P167 # هذه الحال من طريق الاجتهاد وغالب الظن، لأن اللفظ حصل مجازا، والمجاز لا ~~يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه. وما كان هذا حكمه جاز تركه بخبر ~~الواحد. وجميع ما ذكره عيسى بن أبان في الفصل الذي قدمنا ذكره يدل على أن ~~مذهبهم أن كل ما ثبت من طريق يوجب العلم فغير جائز تركه بما لا يوجب العلم. ~~(وكذلك كان يقول أبو الحسن - رحمه الله - في ذلك، وهو أصل صحيح تستمر ~~مسائلهم عليه) والدليل على صحة هذا الأصل اتفاق المسلمين جميعا على امتناع ~~جواز ms054 (نسخ القرآن) بخبر الواحد، إذا كان ما ثبت بالكتاب يفضي (بنا) إلى ~~حقيقة العلم، وخبر الواحد لا يوجب العلم وإنما يوجب العمل فكذلك التخصيص ~~بهذه المثابة على الوجه الذي بينا. # فإن قال قائل: إن أهل قباء (قد) كانوا يصلون إلى بيت المقدس وكان ثبوت ~~ذلك عندهم (من جهة توجب) العلم فلما أتاهم آت وهم يصلون أخبرهم أن # PageV01P168 # القبلة قد حولت استداروا إلى الكعبة فتركوا ما ثبت عندهم بيقين بخبر ~~الواحد. وكذلك علم الأنصار بإباحة الخمر (كان يقينا) فلما أتاهم آت وهم ~~يشربونها فأخبرهم أن الخمر قد حرمت أراقوها وكسروا الأواني بخبر الواحد. ~~قال أبو بكر: وقد سئل عيسى بن أبان نفسه هذا السؤال وأجاب عنه بأن من غاب ~~عن حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على يقين من بقاء الحكم لجواز ~~ورود النسخ بعد غيبته وليس كذلك سبيل ما ذكرنا لأن النسخ لا يجوز بعد موت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فما (ثبت) من طريق يوجب العلم لم يجز تركه ~~بما لا يوجبه. فإن قيل: فما أنكرت أنهما لما اتفقا (في أن كل واحد منهما ~~يوجب العمل) وجب أن يجوز تخصيص أحدهما بالآخر. قيل له: أفليس قد اتفقا عندك ~~في وجوب العمل بهما ولم يوجب اتفاقهما من هذا الوجه اتفاقهما في جواز نسخ ~~ما يوجب العمل (بما لا يوجبه فهلا قلت في التخصيص مثله، وعلى أن قولك قد ~~اتفقا في وجوب العمل) بهما خطأ من قبل أن وجوب العمل بخبر الواحد غير مساو ~~لوجوبه بالقرآن، وما ثبت من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتواتر ~~الموجبة للعلم لأن الوجوب على مراتب بعضها فوق بعض، وبعضها آكد من بعض فوجب ~~العمل بالقرآن # PageV01P169 # والسنة الثابتة وجوبا حقيقيا لا يسع الاجتهاد في تركه (وخبر الواحد يسع ~~الاجتهاد في تركه) . ألا ترى أن تارك العمل بخبر الواحد مع اعتقاد وجوبه ~~ليس مأثمه كمأثم تارك عموم القرآن مع اعتقاد القول به. # فإن قال (قائل) : الفرق بين النسخ والتخصيص أن في النسخ رفع الحكم ms055 بعد ~~ثبوته، والتخصيص بيان المراد. قيل له: هذا قول من لا يدري ما النسخ. ولا ~~فرق بين النسخ والتخصيص في أن كل واحد منهما بيان إلا أن النسخ فيه بيان ~~مدة الحكم والتخصيص بيان الحكم في بعض ما تناوله الاسم # PageV01P170 # لأنه لا يجوز أن يحكم الله بشيء ثم يرفعه (لأن) هذا بداء، والله يتعالى ~~عن ذلك، وإنما يبين أن ذلك الحكم كان إلى هذه المدة فلا فرق بينهما على ما ~~ذكرنا. فإن قال هذا القائل: لا يلزمني على التخصيص جواز النسخ لأني لا أنسخ ~~القرآن بالسنة. # PageV01P171 # قيل له: فلم تخصه بالسنة، فإن جوزت تخصيصه بالسنة فأجز نسخه بها. ثم يقال ~~له: إلزامنا إياك النسخ قائم عليك (على علتك) لأنك قلت: إنما خصصت القرآن ~~بخبر الواحد للزوم العمل بهما فجوز النسخ لهذه العلة بعينها. فإن قال: إذا ~~خصصت فقد أبقيت من الحكم ما يقتضيه ظاهر اللفظ. قيل له: وإذا نسخت فقد أثبت ~~من الحكم ما اقتضاه ظاهر اللفظ في المدة التي كان الحكم ثابتا فيها إلى وقت ~~النسخ فلا فرق بينهما من هذا الوجه. على أن سؤالنا قائم عليك في نسخ السنة ~~المنقولة بالتواتر بخبر الواحد كما جوزت تخصيصه إذا كان من أصلك جواز نسخ ~~السنة بالسنة. فإن قال: إذا خصصت القرآن بخبر الواحد فقد استعملناهما جميعا ~~فهو أولى من الاقتصار به على أحدهما وإسقاط الآخر، وليس كذلك النسخ لأنه ~~يمنع بقاء الحكم علينا الآن. قيل له: لا يمكن استعمال الخبر إلا برفع بعض ~~موجب لفظ القرآن، وإنما كلامنا في ذلك البعض الذي رفعت حكمه (فيما بقي) لأن ~~ما بقي لم أستعمله من جهة الخبر. # PageV01P172 # فلما جاز لك (ترك) ذلك البعض (بخبر) الواحد فهلا جوزت نسخه كما جوزت تركه ~~إذا دخل في عموم لفظ، فكيف صار استعمال خبر الواحد أولى من استعمال ما ~~قابله من لفظ القرآن. وهلا بقيت حكم القرآن من حيث العلم دون الخبر. # فإن قلت: لا يلزمنا من حيث جوزنا تخصيص القرآن بخبر الواحد أن نجوز نسخه ~~كما ms056 لم يلزمك نسخ خبر الواحد بالقياس من حيث (تخصيصه بالقياس) ، قيل له: ~~هذا لا يجب من قبل أنه لم يمتنع من تجويز نسخ خبر الواحد بالقياس من جهة ~~اختلافهما في موجب حكمها. وإنما نجوزه من قبل أنه لا سبيل إلى إثبات ~~المقادير من طريق المقاييس لا فيما ورد بخلاف خبر الواحد ولا فيما لم يرد ~~(بخلافه) ، فإنما منعنا النسخ بالقياس من هذه الجهة لأن فيه تقدير مدة ~~الفرض، وهذا لا مدخل للقياس فيه لو لم يكن على وجه النسخ به وأما خبر ~~الواحد فجائز إثبات المقادير به فمن (حيث) جوز التخصيص به لزم تجويز النسخ ~~به. # فإن قال قائل: هل يجوز أن يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهر القرآن ~~بحضرة الواحد (فإن) # PageV01P173 # جاز ذلك فهلا قبلت قول ذلك الواحد في تخصيصه. قيل له: إن خص النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ظاهر القرآن بحضرة الواحد كان على ذلك الواحد اعتقاد ~~تخصيصه (على حسب) ما علمه لأنه كما ثبت عنده الظاهر من جهة توجب العلم فقد ~~ثبت عنده تخصيصه بمثلها. وأما من نقل إليه ذلك الواحد بأنه لم يثبت عنده ~~تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك من طريق يوجب العلم فلا يلزمه ~~الحكم بالخصوص حتى يثبت ما يوجب العلم. # ثم يقال (له) : هل يجوز أن ينسخ النبي - صلى الله عليه وسلم - حكما ثابتا ~~عند الجماعة بحضرة الواحد فإن قال لا: قيل له: في التخصيص مثله. فإن قال: ~~نعم: قيل له: فما الذي يجب على من نقل إليه ذلك النسخ بعد موت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هل يجب عليه اعتقاد نسخ ما علم بثبوته يقينا بقول الواحد. ~~(فإن قال: نعم، قيل له: فجوز) (نسخ القرآن بخبر الواحد وترك الإجماع بخبر ~~الواحد) . وإن قال: لا. قيل له: في التخصيص مثله. فإن قال قد أجزتم تخصيص ~~الظاهر بالأخبار التي تلقاها الناس بالقبول، وإن كانت من رواية الأفراد ~~كقوله - عليه السلام - «لا تنكح المرأة على عمتها» ، و «لا وصية لوارث» ~~فهلا جريتم على ms057 هذا المنهاج في سائر أخبار الآحاد. # قيل له: لأن ما تلقاه الناس بالقبول فإن كان من أخبار الآحاد فهو عندنا ~~يجري مجرى التواتر، وهو يوجب العلم فجاز تخصيص القرآن به فإن قال: ولم زعمت ~~أن ما كان هذا وصفه من الأخبار يوجب العلم # PageV01P174 # (قيل له) : فقد تركت مسألتك وانتقلت عنها إلى غيرها، على أنا نجيبك عن ~~هذا وإن لم يلزمنا ذلك بحق النظر فنقول: إن ذلك يوجب العلم من وجهين: ~~أحدهما: أنه إذا ظهر في السلف استعماله والقول به مع اختلافهم في شرائط ~~قبول الأخبار وتسويغ الاجتهاد في قبولها وردها فلولا أنهم قد علموا صحته ~~واستقامته لما ظهر منهم الاتفاق على قبوله واستعماله، وهذا وجه يوجب العلم ~~بصحة النقل. والثاني: أن مثلهم إذا اتفقوا على شيء ثبت به الإجماع وإن ~~انفرد عنهم بعضهم كان شاذا لا يقدح خلافه في صحة الإجماع، ولا يلتفت بعد ~~ذلك إلى خلاف من خالف فيه، فلذلك جاز تخصيص الظاهر بما كان هذا وصفه. فإن ~~قيل: إنما حصل الإجماع عن الخبر وهو من طريق الآحاد. قيل له: لو كان (ذلك) ~~كذلك لكان الإجماع تابعا لخبر الواحد، وهذا يوجب أن يكون خبر الواحد (أقوى ~~منه لأنه أصله) وهو فرع عليه وليس أحد من أهل العلم يرى خبر الواحد مقدما ~~على الإجماع بل الإجماع أولى من خبر الواحد عند الجميع. ويدل على ذلك أن ~~خبر الواحد يرد بالإجماع ولا يرد الإجماع بخبر الواحد. ألا ترى إلى ما روى ~~أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله # PageV01P175 # فليتوضأ» وأنه قال - عليه السلام - «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» ~~. وأجمع الفقهاء على خلافه فقضى إجماعهم على الخبر وكان أولى منه # PageV01P176 # وكما روى البراء بن عازب عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت في ~~المغرب» وأجمع الناس على تركه فكان أولى من الخبر. وكما روى سلمة بن المحبق ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى فيمن وطئ جارية امرأته فقال النبي - ~~صلى ms058 الله عليه وسلم - إن كانت طاوعته فعليه مثلها وهي له وإن استكرهها فهي ~~حرة وعليه مثلها» . ونظائرها من الأخبار التي قضى الإجماع بخلافها أكثر من ~~أن يحصى. # وأيضا: فإن الإجماع لا يجوز وقوع الخطأ فيه، ويجوز وقوع الخطأ في خبر ~~الواحد. فعلمنا أن الإجماع إذا وافق خبر الواحد كان هو الموجب للعمل بصحة ~~الخبر لا الخبر بانفراده، ويصير الإجماع قاضيا باستقامته وصحة مخرجه. # PageV01P177 # ألا ترى أن خبر الواحد يسع الاجتهاد في مخالفته، ولا يسع الاجتهاد في ~~مخالفة الإجماع، فكيف يكون الإجماع فرعا على خبر الواحد ألا ترى أن الرأي ~~في نفسه قد يسع خلافه برأي مثله ثم إذا (حصل من طريق الإجماع والرأي) لم ~~يسع خلافه لا من حيث هو رأي لكن من جهة وقوع الإجماع عليه، فالإجماع يصحح ~~خبر الواحد، ويمنع الاعتراض عليه، كما يصحح الرأي ويمنع مخالفته، فإذا كان ~~هذا هكذا جاز تخصيص ظاهر القرآن بخبر قد تلقاه الناس بالقبول، وإن كان ~~وروده من طريق الآحاد ولا يلزمنا على ذلك جواز تخصيصه بخبر الواحد إذا عري ~~من المعاني التي وصفنا. # فإن قال: قد خالف عثمان البتي في تحريم نكاح المرأة على عمتها ووروده من ~~جهة الآحاد لأن رواية أبي هريرة مخصصة، قوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] . قيل له: قد روى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جماعة غير أبي هريرة منهم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وغيرهما، و (قد) تلقاه ~~السلف بالقبول فصار في معنى الخبر # PageV01P178 # المتواتر وبمثله يجوز نسخ القرآن عندنا لاستفاضته في الأمة واستعمال ~~الناس لحكمه، وعثمان البتي ليس بخلاف على من تقدمه. وقد خالف في ذلك ~~الخوارج، (أيضا) ولكنهم شذوذ لا يعتد بهم في الإجماع. وعلى أن قوله تعالى ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ليس بعموم بل هو مجمل موقوف الحكم ~~على البيان لأن الإباحة فيه معلقة بشرط الإحصان لقوله تعالى {محصنين غير ~~مسافحين} [النساء: 24] والإحصان لفظ مجمل فجاز تخصيصه بخبر الواحد. # فإن سألوا عن قوله {فانكحوا ما طاب ms059 لكم من النساء} [النساء: 3] وتخصيصه ~~بقوله - عليه السلام - «لا تنكح المرأة على عمتها» كان الجواب فيه ما ~~قدمنا، ولأن هذا خاص بالاتفاق فإن قيل: خصصتم قول الله تعالى {قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145] الآية بخبر أبي ثعلبة ~~الخشني والحكم بن عمرو الغفاري في «النهي عن # PageV01P179 # كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير» . وبخبر المقداد بن معدي كرب في ~~«تحريم الحمر الأهلية» (وقد خالفكم مالك بن أنس في ذي الناب من السباع، ~~وكان ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما - يبيحان # PageV01P180 # الحمر الأهلية) وذا الناب من السباع ويحتجان فيه بظاهر الآية ولم يلتفتا ~~إلى رواية من روى ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قيل له: أقل ما في ~~ذلك أنه ليس في تحريم ذي الناب من السباع والحمر الأهلية تخصيص الآية. لأن ~~الآية إنما فيها أنه لم ينزل عليه تحريم غير ما ذكر فيها، وما عدا ما ذكر ~~في الآية لم تقتض الآية حظره ولا إباحته، فليس في تحريمه تخصيص الآية. وجهة ~~أخرى أنه روي أن المشركين قد كانوا يحرمون أشياء من نحو السابية والوصيلة ~~فنزلت الآية ردا لقولهم فقال تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} ~~[الأنعام: 145] يعني مما يحرمون {إلا أن يكون ميتة} [الأنعام: 145] إلى آخر ~~الآية. (فلا دلالة فيها إذ) كان نزولها على هذا الوجه على إباحة ما عدا ~~المذكور فيها. # وأيضا: فلو كان ما في هذه الآية عموما في إباحة ما عدا المذكور فيها لجاز ~~تخصيصه بخبر الواحد، لأن ما ثبت خصوصه بالاتفاق جاز تخصيصه بخبر الواحد ~~عندنا. وقد اتفقت الأمة على تحريم أشياء غير مذكورة في هذه الآية وهي الخمر ~~ولحم القرود ونحوها فصارت الآية خاصة بالاتفاق. ومن جهة أخرى: أن الصحابة ~~قد اختلفت في تحريم ذي الناب من السباع والحمر الأهلية ولحوم الخيل، ولم ~~ينكر بعضهم على بعض الاجتهاد فيه. # PageV01P181 # ومتى اختلفت الصحابة في تخصيص آية سوغت الاجتهاد في ترك حكمها من غير ~~نكير ms060 من بعضهم على بعض فيها، جاز قبول خبر الواحد في تخصيصها. فإن سألوا عن ~~قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] . ~~وظاهره يقتضي إحلالها للزوج الأول بنفس العقد إذا طلقها، وإن لم يقع دخول، ~~لأنه لم يشرط فيه دخولا ثم جعلتم الدخول شرطا فيه بخبر رفاعة القرظي حين ~~طلق امرأته فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير فجاءت تشكو (إليه) أنه لا يصل ~~إليها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا، ~~حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» . فخصصتم ظاهر القرآن بهذا الخبر، وهو خبر ~~واحد والخلاف قائم فيما ورد فيه، لأن سعيد بن المسيب يقول: تحل للزوج الأول ~~بالعقد. # PageV01P182 # قيل له: هذا غلط لأنه ليس في ظاهر اللفظ ارتفاع تحريم الثلاث بنكاح ~~الثاني، بل ظاهرها يقتضي أنها لا تحل له إلا بالوطء. وذلك لأن لفظ الآية ~~منتظم للعقد والوطء جميعا، لأن قوله {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ~~يتناول الوطء لأنه حقيقة فيه عندنا وذكر الزوجية يفيد العقد فقد اشتمل ظاهر ~~الآية على المعنيين وجعلهما شرطا في وقوع تحريم فاتبعناه، ولم نخالفه إلى ~~غيره ولا خصصناه بخبر الواحد. وعلى أنه قد تقدم القول بيننا في أن خبر ~~الواحد إذا تلقاه الناس بالقبول صار بمنزلة التواتر فيجوز تخصيص ظاهر ~~القرآن به، وهذا صفة هذا الخبر، لأن الصحابة قد تلقته بالقبول واستعملته. # PageV01P183 # وليس معنى تلقي الناس إياه بالقبول أن لا يوجد (له) مخالف، وإنما صفته أن ~~يعرفه عظم السلف ويستعملونه من غير نكير من الباقين على قائله، ثم إن خالف ~~بعدهم فيه مخالف كان شاذا لا يلتفت إليه. ولا خلاف بين الصحابة في أن ~~الزواج الثاني لا يرفع تحريم الثلاث ما لم يدخل بها، وإن صح هذا عن سعيد بن ~~المسيب فإنه جائز أن لا يكون سمع بهذا الخبر، وأنه لو سمعه لصار إليه. ~~وأيضا: فقد صار الاتفاق بعد سعيد بن المسيب على حكم هذا الخبر فسقط الخلاف ~~فيه كأنه لم يكن. فجاز تخصيص الظاهر به ms061 لأنه لا فرق عندنا بين إجماع يقع ~~بعد خلاف كان من أهل عصر متقدم وبين إجماع يحصل عن غير خلاف في ثبوت حجتهما ~~ولزوم المصير إليهما. فإن قال: خصصتم قوله تعالى {والسارق والسارقة} ~~[المائدة: 38] بخبر المجن وفي الناس من يقول يقطع في القليل والكثير. قيل ~~له: لو فهمت عنا ما قدمنا في عقد المذهب لكفيت نفسك مؤنة هذه الأسئلة ~~الفارغة. لأن قوله تعالى {والسارق والسارقة} [المائدة: 38] خاص باتفاق ~~السلف من الصحابة (لا) # PageV01P184 # خلاف (فيه بينهم) وإنما اختلفوا في مقدار ما يقطع فيه، فقال بعضهم، عشرة ~~وقال بعضهم خمسة وقال آخرون منهم: أربعة، وقال آخرون منهم: ثلاثة، فحصل حكم ~~اللفظ خاصا باتفاقهم، ومع ذلك فقد سوغ كل فريق منهم (لغيره الاجتهاد) في ~~المقدار الذي قدره فجاز تخصيصه بخبر الواحد من وجهين: أحدهما: اتفاق الجميع ~~على خصوصه. والآخر: تسويغهم الاجتهاد في ترك ظاهره. ومن قال: إنه يقطع في ~~القليل والكثير لا يعد خلافا في هذا الباب بل هو شذوذ ولا يلتفت إليه. ثم ~~يصير الكلام حينئذ بيننا وبين هذا السائل في صفة الإجماع، وليس ذلك من ~~مسألتنا في شيء. # وقد ذكر بعض المخالفين عنا في هذا الباب أشياء ليست مما نقوله ولا يحتج ~~به وليس هو في حد من يتشاغل به أيضا، (ولكنا نذكر منه طرفا يكون فيه تنبيه ~~للمبتدئ على موضع عواره وفساد ما احتج به) . ذكر أخبارا زعم أنا قبلناها ~~فتركنا لها الأصل الذي ذكرناه، وليس (يتعلق قبولها فيما) نحن فيه (بشيء) ~~ويشبه أن يكون وجدها لبعض سلفه فنقلها إلى هذا الموضع من غير علم منه ~~بحقيقة موضعها، قد ذكرناها وبينا ذهابه عن وجه الصواب فيها # PageV01P185 # لئلا يمر على بعض المبتدئين فيظنها شبها (لأن من به) أدنى مسكة من فهم لا ~~يخفى عليه فسادها. منها أنه ذكر حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ، وقال: ~~كان أبو فزارة نباذا فتركوا حكم القرآن - زعم - في قوله تعالى: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] فقال معناه ماء أو نبيذ التمر # PageV01P186 # وأما قوله ms062 إن أبا فزارة كان نباذا فإنه كذب وترخص على أبي فزارة، لأن أبا ~~فزارة كان من الزهاد وحدثنا بذلك عبد الباقي بن قانع في كتابه (المشهور) ~~الذي صنفه في الطبقات، وله أحاديث كثيرة قد نقلها عنه الأئمة مثل سفيان ~~الثوري وشعبة (وإسرائيل وشريك) في نظرائهم، ولو كان نباذا ما نقلوا عنه ~~آثار النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا # PageV01P187 # يدل على كذب هذا القائل وقلة دينه وأما قوله إن هذا الحديث خلاف ما تضمنه ~~قوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] فليس كذلك لأن الآية ~~أوجبت التيمم عند عدم كل جزء من ماء لأن قوله {ماء} [المائدة: 6] لفظ منكور ~~يتناول كل جزء منه على الانفراد سواء كان منفردا بنفسه أو مخالطا لغيره، ~~ولا يمتنع أحد أن يقول في نبيذ التمر ماء فجاء الخبر موافقا لمعنى الظاهر ~~غير مخالف له وعلى أنه ليس في قبول خبر الوضوء بنبيذ التمر تخصيص لعموم ولا ~~ظاهر، لأن الله تعالى قال {فاغسلوا} [المائدة: 6] ولم يقل بماذا والحال ~~التي يجب فيها استعمال الماء (ونبيذ التمر) غير مذكور بلفظ عموم، فإنما ورد ~~الخبر في تبقية حكم الماء الذي تضمنته الآية. وذكر حديث القهقهة (فقال: وقد ~~قال) الله عز وجل {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] فأبطل طهارته بحديث أبي ~~العالية الرياحي، وحديثه - زعم - كالرياح. # PageV01P188 # وهذا يدل على غباوته وجهله بهذا الباب لأنه لا خلاف بين أهل العلم في ~~جلالة محل أبي العالية وصدقه وأمانته وإن كان هذا الحديث قد روي موصولا من ~~عدة وجوه من غير طريق أبي العالية رواه عمران بن حصين وأنس وجابر، ورواه ~~مرسلا # PageV01P189 # الحسن وأبو العالية وإبراهيم والزهري. وعلى أنه ليس قبول هذا الخبر مما ~~نحن فيه (في شيء) لأنا لم نخص به ظاهرا ولا عموما لأن قوله تعالى {ولا ~~تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] ظاهره نهي الإنسان عن أن يبطل عمله، ونحن (لم) ~~نبطل عمله بالقهقهة وإنما أبطله الله الذي حكم ببطلانه. # وأيضا: فإنه معلوم أنه لا سبيل لأحد إلى إبطال عمله في الحقيقة لأن عمله ~~الذي ms063 # PageV01P190 # قد عمله منتقض معدوم لا يصح النهي عن إبطاله، فإذن ليس المراد النهي عن ~~إبطال العمل في الحقيقة، وإنما معناه النهي عن أن يفعل من المعاصي ما يبطل ~~ثواب عمله وهذا ليس بظاهر ولا مذكور في لفظ الآية. فكيف يكون قبول حديث ~~القهقهة تخصيصا لظاهر. وأيضا: لو كان الظاهر يتناول فعلنا على ما زعمت ~~وخصصناه بخبر الواحد كان مستقيما على أصلنا لأن العام الذي قد ثبت خصوصه ~~بالاتفاق يجوز أن يخص منه بعض ما انتظمه العموم بخبر الواحد. ثم خلط تخليطا ~~آخر فقال: وقبلوا شهادة القابلة وحدها. وأي ظاهر يمنع قبول شهادة القابلة ~~في الولادة حتى يذكر في هذا الموضع. وإنما ذكر الله تعالى الشهادات في ~~المداينات والوصية في السفر والرجعة والزنا. فأما الشهادة على الولادة فلا ~~ذكر لها في القرآن فنكون بقبولنا شهادة القابلة مخصصين لها. . # PageV01P191 # وزعم هذا القائل أنا لا نقبل خبر الشاهد واليمين وقد رواه - زعم بضعة عشر ~~من الصحابة، وليس بمخالف للقرآن، لأن الله تعالى إنما ذكر كيف نتوثق، وهذه ~~قضية قضى بها النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأما قوله قد رواه بضعة عشر ~~فإنه قد حدثني رجل من كبار أهل المعرفة بالحديث أنه اجتهد في أن يجد في ~~الشاهد واليمين حديثا واحدا صحيحا فلم يجده. وقد بينا في شرح المختصر علل ~~الأحاديث المروية فيه وقال الزهري وهو من أفقه أهل المدينة في عصره القضاء ~~بالشاهد واليمين بدعة، وإن أول من قضى # PageV01P192 # به معاوية. وعلى أنه لو ثبتت الرواية لما لزم العمل به لو انفرد عن ~~مخالفته القرآن وذلك لأن أكثر ما فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قضى ~~باليمين مع الشاهد» فهذه حكاية قضية منه (- عليه السلام -) لا يعلم كيفيتها ~~ولا معناها، وقد نقضي نحن بالشاهد واليمين في وجوه. فالاحتجاج به ساقط إذ ~~ليس هو عموم لفظ (منه) فيعتبر ما انتظمه اسمه. وليس الخصم بأولى بدعواه في ~~صرفه إلى مذهبه دون أن أحمله على وجه يوافق مذهبي فكيف به مع مخالفته في ~~حكم الكتاب ms064 إذا حمله على مذهب المخالف. وأما قوله: إنه ليس بمخالف للقرآن ~~فقد صدق لأن الخبر حمل على الوجه الذي (يجب) حمله عليه فليس من ظاهره ما ~~يخالف القرآن إلا أن مذهب المخالف فيه خلاف القرآن لأن قوله تعالى ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] لا يخلو من أن يكون المراد به ~~حال المداينة أوحال الحكم عند التجاحد، وظاهره يقتضي الحالين جميعا. وعلى ~~أنه إن كان المراد التوثق بهما في حال المداينة فإنما المقصد فيه حال الحكم ~~عند # PageV01P193 # التجاحد فلا محالة أنه قد أفاد وجوب الحكم بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ~~عند التجاحد، والأمر على الوجوب فغير جائز الاقتصار على أقل من العدد ~~المذكور ومن حكم بأقل منه فقد خالف القرآن كما أن من حكم بشهادة (شاهد) ~~واحد بغير يمين كان مخالفا للقرآن ويمين الطالب لا ذكر لها في الآية ~~فوجودها وعدمها واحد فلم ينفك الحكم بالشاهد واليمين من مخالفة حكم القرآن. # وكما أن من جوز أن يكون حد الزاني أقل من مائة كان مخالفا للقرآن تاركا ~~لحكمه فكذلك من اقتصر في المداينة على أقل من الشهود المذكورين في الآية ~~فقد خالف حكمها وليس هذا من التخصيص في شيء لأنه ليس فيه عموم لفظ ينتظم ~~مسميات فيخصه بالخبر. فإن قيل: خص به حالا دون حال. قيل له: الحال غير ~~مذكورة في الآية فيخصها بالخبر فليس فيه إذن أكثر من ذكر العدد المذكور ~~فيها. فإن قيل: لو جمع بين الخبر والآية لم يستحل لأنه لو قال أو رجل ~~وامرأتان أو شاهد ويمين كان صحيحا. قيل له: ليس كل ما يجوز أن يجمعه إلى ما ~~قبله في خطاب واحد يجوز إلحاقه به بخبر الواحد لأنه كان (لا) يمتنع أن يقول ~~صلوا إن شئتم إلى بيت المقدس وإن شئتم إلى الكعبة، ثم لم يمنع جواز ذلك من ~~أن تكون الصلاة إلى بيت المقدس منسوخة بالصلاة إلى الكعبة. وكان لا يمتنع ~~أن يقول إن شئتم فاجلدوا الزاني مائة وإن شئتم تسعين فكان يكون # PageV01P194 # مقدار الضرب موكولا ms065 إلى مشيئة الإمام ومع ذلك لا يخرج من قال إن حد ~~الزاني تسعون من أن يكون مخالفا للقرآن. وقد كان يجوز أن يقول أو رجل ~~وامرأتان أو رجل إن لم يكن رجل وامرأتان من غير يمين ولا يخرج جواز ذلك ~~قائله الآن من أن يكون مخالفا للقرآن وهذا لا يخفي وجه فساد القول به على ~~أي فهم. # فإذا ثبت ذلك لم يجز مخالفة القرآن بخبر الواحد فقد صح أن القول بالشاهد ~~واليمين خلاف الكتاب وهذا أبعد في الجواز من تخصيص الظاهر بخبر الواحد لأن ~~هذا ليس فيه تخصيص بوجه وإنما فيه النسخ لو ثبت على هذا الوجه (لما بيناه) ~~. وعلى أنه لو ثبت الحكم بالشاهد واليمين من جهة الرواية لما جاز الاعتراض ~~به على الآية من جهة أخرى. وهي أن حكم الآية مستعمل عند الجميع لا خلاف بين ~~المسلمين فيه، والحكم بالشاهد واليمين مختلف فيه فيكون منسوخا بالآية لأنه ~~ليس مع الخصم تاريخ الحكم أنه كان بعد نزول الآية أو قبلها وما كان هذا ~~سبيله فالمستعمل فيه ما اتفقوا عليه وهو الآية، وما اختلفوا فيه من حكم ~~الخبر فهو متروك بالآية (إذ لم) يثبت أنه ناسخ لها فإن قال قائل: يجوز أن ~~الحكم بالشاهد واليمين وارد مع الآية فلا يكون ناسخا (لها) قيل له: لا يجب ~~ذلك من وجوه: أحدهما: أن من أصلنا أنه لا يجوز أن يلحق بحكم الآية من ~~الزيادة إلا بما يجوز بمثله النسخ لأن الآية توجب العلم وخبر الواحد لا ~~يوجبه فلا يعترض به عليها لما بينا. ووجه آخر: وهو أنه لو كان الحكم ~~بالشاهد واليمين واردا مع الآية لما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بيانه وذكره عقيب الآية، ولكان يكون فيه عموم لفظ يوجب إلحاقه بالآية. # PageV01P195 # فلما لم يرد عنه - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بيان وإنما ذكر فيه قضية ~~منه فلو كان مرادا مع الآية لما أخر بيانه إلى أن يختصم إليه فيقضي. فثبت ~~أن حكم الآية مقر على ما ورد وأن ms066 خبر الشاهد واليمين إن كان (معناه) ما ~~ادعاه فلا يخلو من أن يكون قبل الآية أو بعدها. فإن كان قبلها فهو منسوخ ~~بها. وإن كان بعدها فالآية منسوخة به. # ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد بالاتفاق. وأيضا: فإن ما ذكر في خبر ~~الشاهد واليمين حكاية فعل من النبي - صلى الله عليه وسلم - في قضية مجهولة ~~لا ندري كيف كانت ومثلها لا يعترض به على الآية من وجهين. أحدهما: أن ~~البيان لا يقع بمثله لأن البيان إنما يقع بلفظ معلوم المعنى ظاهر المراد ~~ولا يجوز (أن يكون) موكلا إلى قضية إذا نقلت عنه كانت مجهولة عندهم. والوجه ~~الآخر: (أنه يكون) زيادة في حكم الآية لأنها تقتضي أن تكون بيانا لمراد ~~الله تعالى في هذه الزيادة مع ما ذكر في الآية ولا يجوز أن يكل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - (الناس) إلى مثل هذه القضية مع علمه أن الله تعالى (لم) ~~يقتصر بحكم البيان على ما ذكر في الآية دون ما قضى به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فدل ذلك على أن خبر الشاهد واليمين لم يرد مورد الزيادة في ~~حكم الآية وإثبات حكمه معها، وأنه لا يخلو أن يكون قبل الآية أو بعدها. فإن ~~كان قبلها فهو منسوخ بها، وإن كان بعدها فهو ناسخ لها ونسخ الآية بخبر ~~الواحد غير جائز. # PageV01P196 # وعلى أن ما كان هذا سبيله بزيادة فهو نسخ وذلك لأنه يلزمنا عند ورود ~~الآية اعتقاد وجوب الحكم بالعدد المذكور فيها أو امتناع جوازه بأقل منه ~~لأنه لا إشكال على أي عقل سمع الآية (إلا و) إنها تمنع الحكم بشهادة رجل ~~(واحد) وبشهادة امرأة واحدة فمتى ورد خبر أجاز الحكم بشهادة رجل واحد فقد ~~دفع ذلك الاعتقاد الذي لزم (مع ورود) الآية، وهذا هو حقيقة النسخ. فإن قال ~~قائل: يلزمك على هذا أن يكون التخصيص نسخا لأن العموم قد ألزمنا اعتقاد ~~لزوم الحكم به ووروده ما يوجب التخصيص يرفع ذلك الاعتقاد. # وقد يجوز عندك تخصيص العموم بالقياس فلزمك على هذا ms067 تجويز النسخ بالقياس. ~~قيل له: ما يوجب تخصيص العموم من لفظ أو دلالة فلا بد من أن يكون مقارنا ~~للفظ العموم، ولا جائز أن يتأخر عنه فلم يلزمنا مع وجود دلالة الخصوص ~~(اعتقاد العموم قط وتكون دلالة الخصوص) بمنزلة الاستثناء المتصل بالجملة. ~~وقد ذكرنا فيما سلف أن الله تعالى لا يخلي أحدا محجوجا بحكم آية ظاهرها ~~ظاهر العموم ومراده الخصوص من أن يورد عليه دلالة الخصوص عقيب كونه محجوجا ~~بالعموم وإنه غير جائز أن يتأخر عنه بيان ذلك لأنه يوجب أن يكون قد ألزمه ~~اعتقاد العموم فيما أراد به الخصوص فكأنه أمر باعتقاد خلاف ما أراد وما هو ~~حكمه جل (وعز) (عن) ذلك وتعالى. فوجب أن تكون دلالة التخصيص مقترنة بلفظ ~~العموم كاقتران الاستثناء بالجملة # PageV01P197 # فإن قال قائل: قد وردت في صيام كفارة اليمين شرط التتابع (و) وروده من ~~طريق الآحاد لما روي (أنه) في حرف عبد الله بن مسعود {فصيام ثلاثة أيام} ~~[المائدة: 89] متتابعات فمنعت به إطلاق ما في الآية وهذا (يجري عندك) مجرى ~~النسخ وما عد مخالفك في الشاهد واليمين والنفي مع الجلد ما أجزته في ذلك. ~~قيل له: لم يكن حرف عبد الله بن مسعود عندهم واردا من طريق الآحاد لأن أهل ~~الكوفة في ذلك الوقت كانوا يقرءون بحرف عبد الله كما يقرءون بحرف زيد. وقال ~~إبراهيم النخعي: كانوا يعلمونا ونحن في الكتاب حرف عبد الله كما يعلمونا # PageV01P198 # حرف (زيد) . وكان سعيد بن جبير يصلي بهم في شهر رمضان فيقرأ ليلة بحرف ~~عبد الله وليلة بحرف زيد فإنما أثبتوا هذه الزيادة بحرف عبد الله لاستفاضته ~~وشهرته عندهم في ذلك العصر، وإن كان إنما نقل إلينا الآن من طريق الآحاد ~~لأن الناس تركوا القراءة (به) واقتصروا على غيره، وإنما كلامنا على أصول ~~القوم وهذا صحيح على أصلهم. وقد بينا هذه المسائل في شرح المختصر بأكثر من ~~هذا وإنما ذكرنا هاهنا مقدار ما يوقف به على طريقة العموم في هذا الباب وقد ~~بينا فيما سلف وجه قبولنا لخبر الواحد ms068 في تخصيص العموم الذي ثبت خصوصه ~~بالاتفاق بما يغني عن إعادته. # ونحن نبين الآن سائر الوجوه التي جوزنا تخصيصها بخبر الواحد على حسب ما ~~تقدم منا القول فيه # PageV01P199 # فنقول: إن اللفظ إذا كان محتملا للمعاني فخبر الواحد مقبول في إثبات ~~المراد به من قبل أن الاحتمال يمنع وقوع العلم بالمراد ويجعله موقوف الحكم ~~على البيان فاحتجنا إن نستدل عليه بغيره كسائر الأشياء التي لا نص فيها ~~فيقبل خبر الواحد في إثبات حكمها وذلك نحو قوله تعالى: {ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] فيه احتمال للحيض والطهر جميعا، وروى ابن عمر وعائشة - رضي ~~الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طلاق الأمة ~~تطليقتان وعدتها حيضتان» وكان مقبولا لأنه بين مراد الآية (المفتقرة إلى) ~~البيان وبمثل هذا قبلنا خبر الواحد في بيان الألفاظ المجملة المفتقرة إلى ~~البيان. # وأما ما اختلف السلف في معناه وسوغوا الاختلاف فيه وترك الظاهر بالاجتهاد ~~فإنا قبلنا فيه خبر الواحد وسوغنا القياس أيضا في إثبات المراد به من قبل ~~أن السلف لما كانوا الذين شاهدوا التنزيل ولم يكن يخفى عليهم المنصوص عليه ~~الذي لا يحتمل التأويل ولا يسوغ معه الاجتهاد مما هو مدلول عليه ويسوغ ~~الاجتهاد فيه بما اختلفوا في حكم # PageV01P200 # لفظ ظاهره يتناول في اللغة معنى معقولا فعدل بعضهم عن ظاهره (ثم علم) به ~~الآخرون فلم (ينكروا عليهم) دلنا ذلك على أنه قد كان من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - توقيف لهم على تسويغ الاجتهاد في مثله إما بقول منه وإما بحال ~~شاهدوها استجازوا بها القول فيه من طريق الرأي وترك الظاهر وذلك نحو قوله ~~تعالى {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] وحقيقة ~~الملامسة (هي) على اللمس باليد وغيره من البدن، وهي كناية عن الجماع. # ثم وجدنا الصحابة قد اختلفوا فيه فقال: أمير المؤمنين علي وابن عباس (- ~~رضي الله عنهما -) في آخرين منهم هو على الجماع وقال (عمر وعبد الله بن ~~مسعود) - رضي الله عنهما - هو على اللمس باليد ولم ينكرا على من قال هو ms069 ~~(على) الجماع عدولهم عن حقيقة اللفظ وصريحه إلى المجاز والكناية وسوغوا لهم ~~الاجتهاد فيه فصار إجماعهم على تسويغ الاجتهاد فيه مانعا من وقوع العلم ~~بالمراد بنفس اللفظ ثم روى حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ» جاز الحكم # PageV01P201 # على معنى الآية بهذا الخبر وإن كان وروده من طريق الآحاد إذا لم يكن في ~~قبوله دفع لما يصح ثبوته من طريق توجب العلم. ونظيره أيضا: قوله تعالى {وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: ~~237] حقيقته على (أن) اللمس باليد وهو كناية عن الجماع واختلف السلف في ~~المراد به. فقال (علي وعمر - رضي الله عنهما -) في عامة الصحابة إن المراد ~~الخلوة وقال عبد الله (ابن مسعود) وإحدى الروايتين عن ابن عباس (إن) المراد ~~الجماع فسوغ الجميع الاجتهاد في طلب المعنى فجاز قبول خبر الواحد في مثله. ~~وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث مرسل أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من كشف خمار امرأة ثم طلقها وجب عليه المهر» فجاز إثبات ~~المراد بمثله. # PageV01P202 # ويجوز أيضا الاستدلال على المراد في مثله من جهة القياس لأن حكم اللفظ ~~صار مستدركا كله من طريق الاجتهاد فساغ (قبول) خبر الواحد فيه واستعمال ~~القياس في إدراك معناه. # ومن الأخبار التي يرد بها ظاهر الكتاب خبر القسامة على الوجه الذي يذهب ~~إليه لأنه حلف على ما لا علم له به، وقال الله {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] وقال: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] ولم يثبت ~~خصوص هذه الآيات بالإجماع بل الإجماع واقع (في) أن أحدا لا يجوز له أن يشهد ~~على الغير بحق لا يعلم صحته وثبوته فكيف بمن يشهد بما هو معترف بأنه لا ~~يعلمه ولم يشهده ثم يحلف عليه. ونحو حديث المصراة إذا استعمل على مذهب ~~المخالف # PageV01P203 # كان (خلاف) ظاهر القرآن لأنه يوجب أن من ms070 اشترى شاة بصاع تمر فوجدها مصراة ~~أن يردها ويرد معها صاعا من تمر، ومعلوم أن حصة اللبن أقل من صاع. وقد قال ~~الله تعالى {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} [البقرة: 279] ومنه حديث القرعة ~~مذهب المخالف فيه خلاف الكتاب وذلك قوله تعالى {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب} [المائدة: 90] الآية واستعمال القرعة على ما يقوله مخالفونا من ~~الميسر بمنزلة من قال لآخر قارعتك على أن من خرجت عليه القرعة فهو عبد أو ~~فله كذا أو نحو ذلك لأن المريض كان (مالكا لجميع) ماله في المرض جائز ~~التصرف فيه إلى أن يرد الموت فثبت حق الورثة في الثلثين ولا يثبت حقهم في ~~الثلث لا في (حال) الحياة ولا بعد الموت إذا أعتقهم في المرض، فلما أعتقهم ~~ولا مال له (غيرهم) نفذ عتقه في ثلث كل واحد منهم (لا محالة إذ) لا حق فيه ~~لأحد فإذا أخرجنا بعضهم من العتق رأسا وجعلناها لمن لا يستحقها كلها بدءا ~~بالقرعة صار بمنزلة رجلين تقارعا وهما حران على أن من خرجت عليه القرعة ~~منهما فهو عبد، وهذا أفحش # PageV01P204 # من الميسر والقمار اللذين حرمهما الله تعالى فيما كان أهل الجاهلية ~~يستعملونها فلذلك صار معنى هذا الخبر على هذا الوجه مخالفا للقرآن. ونحو ~~ذلك مما روى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «ولد الزنا شر الثلاثة» وهذا إن حمل على ظاهره كان ~~مخالفا لقول الله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى} [الأنعام: 164] وقوله تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه} [العنكبوت: 40] فلم ~~يجز من أجل ذلك إجراؤه على معنى يخالف القرآن عند الجميع. # PageV01P205 # ونظيره: ما روى فضيل بن عمرو عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «لا يدخل الجنة ولد زنا ولا ولده» وهذا مثل الأول. ~~وكل هذه الأحاديث الواردة من جهة الأفراد مما يخالف ظاهر القرآن فأما متى ~~أمكنا استعمالها على وجه لا يخالف القرآن استعملناها على ذلك الوجه ms071 ولم ~~نلغها، كما قالت عائشة - رضي الله عنها -: في قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» . # إن معناه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بيهودي يبكون عليه فقال ~~إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب» وخبر المصراة وخبر القرعة جميعا مستعملان ~~عندنا على وجه لا يخالف القرآن فهو أولى ممن استعمله على وجه يخالف به ظاهر ~~القرآن، وقد بيناه في مواضع # PageV01P206 # وأما حديث أبي هريرة في ولد الزنا أنه شر الثلاثة وأنه لا يدخل الجنة ~~(ولا ولده) فإنما معناه عندنا أنه أشار (به) إلى أشخاص بأعيانهم فحكم فيهم ~~بهذا الحكم لعلمه - عليه السلام - بأحوالهم التي يستحقون بها ذلك وقد روى ~~أبو عبد الرحمن السلمي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: إذا حدثتم عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا تنكرونه فظنوا به الذي (هو أهنا والذي ~~هو أنقى) . وقال عبد الله بن مسعود " إذا حدثتكم بحديث أتيتكم بمصداق ذلك ~~من كتاب الله تعالى ". فهذا يدل على أن حكم الخبر المخالف في ظاهره لحكم ~~القرآن والسنة الثابتة أن يحمل على وجه صحيح إذا أمكن حمله عليه وأن لا ~~يستعمل على وجه يخالف القرآن والسنة الثابتة. # PageV01P207 ### | [باب القول في تخصيص العموم بالقياس] # قال أبو بكر: (كل ما) لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه ~~بالقياس. وذلك لأن خبر الواحد مقدم على القياس. فما لا يجوز تخصيصه ~~فبالقياس أحرى أن لا يخص وهذا مذهب أصحابنا. قال محمد (بن الحسن) في السير ~~الكبير وذكر قول عطاء في المحصر إذا لم يجد هديا أنه يصوم عشرة أيام ويحل ~~قياسا على هدي المتعة في قيام (صوم) عشرة أيام مقامه عند عدمه، فقال محمد ~~لا يجزيه غير الهدي لأن الله تعالى نص عليه ولم يذكر فيه صوما لمن لم يجد ~~فنحن نبهم ما أبهم الله تعالى وإنما ذكر الله تعالى الصوم في هدي المتعة ~~لمن لم يجد فلا يستقيم الرأي والقياس في التنزيل، إنما يقاس على التنزيل ~~فأما التنزيل بعينه ms072 فلا يقاس. قاس عبد الله بن مسعود الأم على البنت في ~~الدخول فأنكره عليه الصحابة عمر وغيره وقالوا: (قد) قال الله تعالى {وأمهات ~~نسائكم} [النساء: 23] مبهمة. # PageV01P211 # وقال ابن عباس " أبهموا ما أبهم الله تعالى ". # فاستفدنا من هذا (الفصل) من قول محمد شيئين: أحدهما: أن من مذهبه القول ~~بالعموم. # والثاني: أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض. وقد دل هذا من قوله أنه ~~كان لا يرى تخصيص العموم الذي لم يثبت خصوصه # PageV01P212 # بالقياس لأن كل من خص بقياس فلا بد (من) أن يكون قياسه مبنيا على أصل من ~~نص أو إجماع، وقد منع محمد ذلك. فالأصل في جميع ذلك أن كل ما ثبت من وجه ~~يوجب العلم لم يجز تركه إلا بما يوجب العلم، وغير جائز تركه بما لا يوجب ~~العلم لا على وجه النسخ ولا على وجه التخصيص فعموم القرآن الذي لم يثبت ~~خصوصه بالاتفاق ثابت من جهة توجب العلم فلا يجوز تركه بالقياس إذ لا يقضي ~~بنا القياس إلى العلم (بحقيقة ما يؤدينا) إليه من فروع الشريعة. وإذا ثبت ~~خصوص اللفظ بالاتفاق جاز تخصيصه بعض ما انتظمه اللفظ بالقياس لأنه لما ثبت ~~خصوصه بالاتفاق حصل اللفظ مجازا على قول الأكثر من أهل العلم وساغ الاجتهاد ~~في ترك دلالة اللفظ فصار حكم العموم في هذا ثابتا من طريق الاجتهاد فجاز ~~استعمال النظر في تخصيصه بخروج لفظ العموم من إيجاب العلم بما انطوى تحته ~~من المسميات، لأن قول من قال إن الباقي بعد التخصيص على العموم مبني على ~~الاجتهاد وغالب الظن دون اليقين وحقيقة العلم، وما كان هذا سبيله جاز ~~تخصيصه بما كان طريقه غالب الظن من خبر واحد أو قياس. # وأما ما كان وروده من جهة روايات الأفراد فإن تخصيصه جائز عندنا بالقياس ~~من قبل # PageV01P214 # أن طريق ثبوته في الأصل اجتهاد لا يفضي بنا إلى حقيقة علم وساغ الاجتهاد ~~في تخصيصه كما ساغ الاجتهاد في رده رأسا. ألا ترى أن خبر الواحد مقبول في ~~الأصل اجتهادا على جهة حسن الظن ms073 بالراوي وأنه يسوغ الاجتهاد في رده فلأن ~~يجوز الاجتهاد في تخصيصه أولى. فإن قال قائل: هلا خصصت عموم القرآن الذي لم ~~يثبت خصوصه بالاتفاق بالقياس إذ كان حكم العموم لازما والقول بالاعتبار ~~واجبا أيضا فهلا استعملتهما جميعا ولم تسقط أحدهما بالآخر كالآيتين إحداهما ~~خاصة والأخرى عامة أنه يجب استعمالهما جميعا ما أمكن ولا يسقط حكم إحداهما ~~بالأخرى. قيل له: إن القول بالقياس وإن كان واجبا فيما يقوم عليه الدليل ~~فإنه عمل بغالب الظن لا يفضي بنا إلى حقيقة لأنا نجوز الخطأ على أنفسنا ~~فيما طريقه الاستنباط من أحكام الحوادث، وعموم القرآن يفيدنا العلم بموجبه ~~فلم يجز تركه بما لا يوجب العلم على ما بيناه فيما سلف. # وأما الآيتان إذا كانت إحداهما خاصة فإن لنا شرائط في استعمال حكمها ليس ~~هذا موضوع ذكرها. ومتى جمعنا بين حكم الآيتين واستعملناهما فإنما خصصنا ~~إحداهما بمثلها لأن كل واحدة منهما توجب العلم بمقتضاها. وأيضا فإن استعمال ~~العموم من الاعتبار فلم جعلت اعتبار القياس أولى من اعتبار العموم. فإن ~~قال: لأن قوله تعالى {فاعتبروا} [الحشر: 2] عام في كل موضع. # PageV01P215 # قيل له: والقول بالعموم واجب في كل موضع فلم جعلت القياس أولى منه مع ~~شمول اللفظ؟ . وأيضا: فإن الذي أمرنا بالاعتبار هو الذي أمرنا بالحكم ~~بالعموم فلم جعلت الاعتبار أولى من حكم العموم؟ . فإن قال: استعمال القياس ~~مع العموم أولى من الاقتصار على العموم دون القياس. # قيل له: هذا محال لأنه لا يمكنك استعمال العموم مع استعمال القياس الموجب ~~لتخصيصه ولست تنفك معه من ترك العموم. فإن قال: لأني أستعمل بعض ما شمله ~~اللفظ مع القياس. قيل له: فقد تركت بعضه، وإنما الكلام بيننا وبينك فيما ~~تركت من حكم اللفظ لا فيما استعملت لأن استعمالك لما استعملته منه غير ~~مخرجك (من ترك ما) تركته منه وعلى أن قوله تعالى {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} [الحشر: 2] لا يجوز أن يكون عموما في استعمال القياس لأنه لا يصح ~~اعتقاد العموم فيه من هذا الوجه لعلمنا مع ورود اللفظ بامتناع ms074 (جواز) ~~استعمال القياس في كل شيء فصار مجراه مجرى ما ذكرنا من الألفاظ التي لا يصح ~~اعتقاد العموم فيحتاج إلى دلالة أخرى في إثبات حكمهما نحو قوله «صوموا ~~لرؤيته» وقوله تعالى {وافعلوا الخير} [الحج: 77] إذا أريد به الإيجاب ونحو ~~ذلك من الألفاظ # PageV01P216 # على ما بيناه في صفة المجمل فلا يصح الاحتجاج بعمومه في استعمال القياس ~~في موضع يخالفك فيه خصمك. # وأيضا: فإن اعتبار العموم آكد من القياس، وذلك لأن العموم لا بد من (أن) ~~ينص لزوم استعماله إما في الجميع وإما في البعض، وليس استعمال القياس جائزا ~~في كل موضع لأن من الأصول ما لا يقاس عليه أصلا، وليس شيء من العموم لا ~~يستعمل حكمه بحال فصار حكم العموم آكد من حكم القياس فغير جائز تركه به. ~~وعلى أن مخالفنا في ذلك كان أولى الناس بالامتناع من ترك العموم بالقياس ~~لأن الذي يدل عنده على صحة العلل جريها في معلولها وأن لا يردها أصل، ~~والعموم أصل يرد هذه العلة التي تقتضي تخصيصه وترك العموم بها، فهلا كان ~~القياس ممتنعا في هذا الموضع باعتراض هذا الأصل عليه ويكون اعتبار العموم ~~أولى منه. وأيضا: فإن العموم يحصل مخصصا بقوله من غير دليل (لله تعالى) على ~~وجوب تخصيصه وذلك لأنه ثبتت العلة بقوله هذه علة للحكم دون أن يقيم عليها ~~دليلا من غيرها، وجريها في معلولها ليس بدليل على صحتها لأنه قول المخالف ~~أيضا فجعل دليله على صحة دعواه دعوى أخرى أضافها إليه ومن شرطها (أيضا ~~عنده) أن لا يردها أصل فلم يعتبر فسادها برد العموم إياها وهو أصل فحصل ~~العموم إذا خص بالقياس مخصوصا بقوله لا بدليل لله عز وجل على خصوصه. # فإن قال قائل: قد استعملت الأمة القياس في تخصيص العموم لأن الله تعالى ~~قال # PageV01P217 # {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] إلى قوله {من بعد وصية يوصى بها ~~أو دين} [النساء: 12] فجعل ميراث الإخوة من الأم بعد قضاء الدين بقوله ~~تعالى {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد ms075 وصية يوصى بها أو ~~دين} [النساء: 12] . واتفق الجميع على أن ميراث الولد وسائر الورثة بعد ~~قضاء الدين. # قيل له: هذا غلط من وجوه: أحدها: أن الله تعالى ذكر ميراث الولد بدءا ~~بقوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ثم قال في سياقه {من ~~بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] لأنه قال: {وإن كانت واحدة فلها ~~النصف} [النساء: 11] يعني البنت ثم قال تعالى {ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد} [النساء: 11] فسياقه الخطاب بعد في حكم الولد ~~والأبوين ثم عقبه بذكر الأبوين إذا لم يكن له ولد فقال {فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها ~~أو دين آباؤكم وأبناؤكم} [النساء: 11] فلم ينقض ذكر الولد حتى شرط تقديم ~~الدين على الميراث ثم ذكر ميراث الزوجين وعقبه بذكر الدين ثم الإخوة من ~~الأم وحكم فيه بمثل ذلك فأين موضع القياس في تقديم الدين على الميراث، وهو ~~مذكور مع سائر المواريث المذكورة في هذه الآيات؟ . وأيضا: فإن الأمة مجمعة ~~على ذلك أولها وآخرها وما حصل فيه الإجماع فاعتبار القياس فيه خطأ. # فإن قال: إنما أجمعت عليه قياسا على الموضع الذي ذكر فيه تقديم الدين. ~~قيل له: وما يدريك أنها اجتمعت عليه من طريق القياس ولعل الصدر الأول إنما ~~أجمعوا عليه من توقيف أو قد يكون الإجماع تارة عن توقيف وتارة عن رأي. # PageV01P218 # فإن قال: لو جاز أن يقال هذا في ذلك لجاز في كل إجماع. # قيل له: (كل ما أجمع) عليه الصدر الأول فجائز أن يقال فيه إن إجماعهم حصل ~~عن توقيف ما لم يخبروا عن أنفسهم أنهم اتفقوا على رأي. وأيضا: فإن آية ~~المواريث خاصة بالاتفاق، وقد يجوز عندنا تخصيص ما هذا سبيله من الظاهر ~~بالقياس. وأيضا: فإن الإجماع الواقع عن رأي ليس هو في معنى الرأي لو انفرد، ~~لأن الرأي إذا انفرد عن الإجماع ساغ تركه برأي مثله، ومتى انضاف إليه ~~الإجماع سقط جواز ms076 استعمال الرأي في خلافه. وأيضا: فإنا نجيز تخصيص العموم ~~بقياس يساعده الإجماع فما الدليل على جواز تخصيصه (بقياس) مفرد عن الإجماع ~~فإن هذا هو موضع الخلاف. وقال منهم قائل: العموم ظاهر والقياس باطن وإذا ~~اجتمعا كان الباطن قاضيا على الظاهر كرجلين شهدا بعدالة رجل وآخران بجرحه ~~فيكون شهادة الجرح أولى لأنهما أخبرا عن باطن. # وهذا كلام فارغ ليس تحته معنى وتشبيه بعيد مما ذكر من أمر الجرح والتعديل ~~لا يعتمد على مثله إلا غر، وذلك لأنه إن كان إنما سمى موجب القياس باطنا ~~لأنه توصل إليه بنظر واستدلال، وسمى العموم ظاهرا من حيث هو مذكور (باسمه) ~~فأقل ما يلزمه في هذا تجويز نسخ القرآن بالقياس لأنه باطن في زعمه، ~~والمذكور باسمه الظاهر ويجب على قضية # PageV01P219 # هذه أن يكون العلم بالمحسوسات لما كان ظاهرا وما يدل عليه باطنا لأنه ~~توصل إليه بنظر (لا يجوز) قيام دليل على نفي المحسوس لأن هذا باطن، ~~والمحسوس ظاهر. فإن قال: ما يقضي على الحس لا يكون دليلا لأن صحة الاستدلال ~~به متعلقة بصحته وبيانه. قيل له: وما يقضي على العموم من القياس لا يكون ~~دليلا لأن دلائل الأحكام مبنية على السمع ولا يجوز أن يقضي عليه لأنه فرع ~~له، ولا يجوز أن يكون الفرع قاضيا على الأصل. فإن قال: لأني أقيسه على أصل ~~آخر. قيل له: كيف صار قياسه على أصل آخر وهو فرع له أولى من استعمال أصل ~~آخر غيره، وهل يخرجك هذا من أن تكون قد جعلت الفرع آكد من الأصل وجعلت ~~المستنبط أولى من المذكور. # وأما ما ذكر من (أمر) الجرح والتعديل فإن شاهدي الجرح قد ذكرا الجرح ونصا ~~عليه كما ذكره شاهدا التعديل ونصا عليه وأي باطن هاهنا. وإنما قضيت بأحد ~~المسموعين على الآخر. فإن قال: لأن المخبر بالجرح يخبر عن باطن علمه ~~والمخبر بالتعديل إنما أخبر عن ظاهر يجوز معه أن يكون باطنه بخلافه. قيل ~~له: وكذا فقل في العموم إنه يجوز أن يكون ما أخبر الله تعالى عنه بلفظ ms077 عموم ~~يكون باطنه بخلاف ظاهره كما قلت في المخبر (عن العدالة فإن قال نعم لزمه أن ~~يجوز # PageV01P220 # ذلك في كل ما أخبر الله به أو أمر به) إن لم يعارضه قياس ولا لفظ أن يكون ~~باطنه خلاف ظاهره كما جاز أن يخبر شاهدا التعديل عن عدالة ظاهرة باطنها ~~خلاف ظاهرها. فإن جوز ذلك انسلخ عن الملة ووصف الله تعالى بما لا يصفه به ~~مسلم. ثم يقال له: إن الذي ذكرته من أمر الجرح والتعديل شاهد لنا على صحة ~~قولنا لو جعلناه أصلا لما ذكرنا كان أولى، من قبل أن الإخبار بالعدالة لما ~~كان مرجعه إلى ظاهر الحال من غير يقين ولا حقيقة علم بحاله وكان الإخبار ~~بالجرح إنما (هو) إخبار عن حقيقة مشاهدة موجبة للفسق كان الجرح أولى من ~~التعديل. كذلك ينبغي على هذا القياس أن يكون اعتبار العموم الموجب للعلم ~~أولى من قياس لا يوجب العلم. فإن قال: لما اتفقنا على جواز تخصيص العموم ~~بالقياس العقلي وجب أن يكون كذلك حكمه في القياس الشرعي. قيل له: هذا صحيح، ~~على ما أصلنا لأن القياس العقلي لما كان مفضيا بنا إلى العلم (بصحة ما ~~أدانا إليه ولم يكن يجوز فيه التخصيص وكان الحكم) بموجب العموم من طريق ~~يوجب العلم إذا أطلق كان القياس العقلي قاضيا على العموم لأنه يفضي إلى ~~العلم بموجباته في سائر الأحوال، والعموم لا يوجب العلم بموجباته في سائر ~~الأحوال إذ جائز إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص، وأما القياس الشرعي ~~فإنما هو اجتهاد وغالب ظن لا يفضي إلى العلم بحقيقة الحكم، وقد يوجب عندنا ~~أيضا فيه التخصيص وكان الحكم بالعموم الموجب للعلم أولى من تركه بقياس لا ~~يوجب العلم، وهذا صحيح على ما قدمنا من أصول أصحابنا في هذا الباب مستمرا ~~عليها. # فإن قال: ليس إثبات الأحكام في الشريعة مقصورا على ما يوجب العلم حتى إذا ~~لم يكن القياس موجبا للعلم فيما يؤدي بنا إليه يكون مطرحا. # PageV01P221 # قيل له: لم نقل إن القياس مطرح في الأصل ولا أن ms078 ما لا يوجب العلم غير ~~محكوم (به) وإنما قلنا إن ما كان هذا سبيله لا يجوز ترك العموم به لأن ~~العموم أولى منه ولم أذكر هذه الأسئلة لشبهة منها على ذي بصيرة ولكني خشيت ~~أن تمر ببعض المبتدئين من كتب المخالفين يظنها شبهة فكشفنا عن حقيقتها ~~وأنبأنا عن فسادها ليعتبر به سائر حجاجهم ويعلم أن أكثر ما يذكرونه كلام ~~مارق يجري منهم على غير تحصيل وليس يحتاج إلى إفساده إلى أكبر من الكشف عن ~~حقيقته. . # وقد ظن بعض المخالفين أن شرط الإيمان في رقبة القتل يقتضي تخصيص رقبة ~~الظهار بشرط الإيمان. فمنهم من يزعم أن وجوب ذلك من جهة أنه حكم الكلام ~~وحكم اللفظ. ومنهم من يزعم أن اللفظ لا يوجب ذلك وأنه قاله قياسا. # PageV01P222 # والوجهان جميعا عندنا فاسدان لا يخيل وجه الفساد فيهما على متأمل نصح ~~نفسه. فأما الوجه الأول: ففساده وسقوطه أظهر من أن يشك فيه عاقل. وذلك لأن ~~قائله لا يرجع فيه إلى لغة ولا شريعة لأنه ليس في اللغة أن القائل إذا ذكر ~~شيئا علق به حكم ثم ذكر شيئا آخر غيره وعلق به حكم أن أحدهما ينبغي أن يكون ~~مبنيا على الآخر مرتبا عليه وهما معنيان متغايران ولو كان ذلك صحيحا لوجب ~~أن تكون الفروض التي فرضها الله تعالى كلها شروطا بعضها في بعض مرتبا بعضها ~~على بعض، ولا فرق بين ذكر الكفارتين في موضعين وبين ذكر الكفارة والصلاة ~~والزكاة والصيام وسائر الفروض فتصير كلها كأنها فرض واحد متعلق بعضه ببعض ~~وهذا ظاهر الفساد. فإن قال: إنما يجب ذلك في فرض واحد إذا ذكر في موضع مقيد ~~ثم ذكر في غيره مطلقا أن يكون المطلق محمولا على المقيد. قيل له: هذا الذي ~~ذكرت في الفرض الواحد مما يجوز أن يكون القول فيه على ما ذكرت فلم قلت إن ~~الفرضين إذا ذكر أحدهما مقيدا بحكم والآخر مطلقا أن المطلق محمول على ~~المقيد. # PageV01P223 # وإنما كلامنا معك في فرضين وكفارتين كل واحدة منهما متعلقة بسبب غير ما ~~تعلقت ms079 الأخرى به. وما الفرق بين الفرضين المختلفين وبين الكفارتين ~~المختلفتين وهل (يشكل على أحد أن) كفارة القتل فرض غير كفارة الظهار وأن ~~(كل) واحدة منها متعلقة بسبب غير ما تعلقت الأخرى به كسائر الفروض ~~المختلفة. # فإن قال: إنهما قد جمعهما اسم الكفارة فكان شرط الإيمان في رقبة أحدهما ~~شرطا في الأخرى. قيل له: فإذا جمعهما اسم الكفارة وجب عندك حمل إحداهما على ~~الأخرى قياسا أو من جهة أن اللغة تقتضيه. فإن قال: إن اللغة تقتضي ذلك. قيل ~~له: وعن من حكيت هذا من أهل اللغة فلا يمكنه أن يدعي ذلك على أحد منهم. ثم ~~يقال له: ومن أين وجب إذا جمعهما اسم الكفارة أن تكون إحداهما محمولة على ~~الأخرى في الصفة المشروطة لإحداهما. ولو كان هذا واجبا لوجب أن يكون كل ما ~~شرط في كفارة الظهار مشروطا في كفارة القتل، وكل ما شرط في كفارة اليمين ~~مشروطا في كفارة الظهار والقتل، وكذلك كل ما شرط في جزاء الصيد من الكفارات ~~ينبغي أن يكون مجموعا إلى هذه الكفارات لأن الجميع عندك من حيث جمعهما (اسم ~~الكفارة) كالمعطوف بعضه على بعض، والصفة المشروطة في بعضه مشروطة في جميعه ~~فيكون إطعام ستين مسكينا مشروطا في القتل ومشروطا # PageV01P224 # في اليمين وفي جزاء الصيد، و (في) كل كفارة أوجبها الله تعالى. فإن قال: ~~لا يجب ذلك لحصول الإجماع بأن بعضها غير مشروط في البعض على هذا الوجه. قيل ~~له: إذا كان الجميع كأنه كلمة واحدة معطوف بعضها على بعض يصير تقديرها ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] أو ستين مسكينا ويصير قوله في ~~الظهار فتحرير رقبة أو إطعام عشرة مساكين ويصير قوله في القتل فصيام شهرين ~~متتابعين فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا لأنه مشروط في الظهار وكل ما ذكر ~~في الظهار فمشروط في كفارة اليمين وما ذكر في كفارة اليمين فمشروط في ~~الظهار. # فإن اجمعوا بعد ذلك على أن شيئا من ذلك غير مشروط في كفارة أخرى لم يكن ~~ذلك إلا على وجه النسخ لأن ms080 اللفظ عندك قد ورد به على هذا الوجه وهذا يوجب ~~أن تكون هذه الكفارات كلها بعضها منسوخ ببعض وهذا تخليط وهذيان ليس يخفى ~~مثله على عاقل. ويقال له: هلا دلك حصول الإجماع على أن شرائط كل كفارة من ~~هذه الكفارات غير مشروطة في الأخرى أن شرط الإيمان في رقبة كفارة القتل لا ~~يوجب كونه شرطا في كفارة الظهار، فإذا لم تلجأ فيما ادعيت من ذلك إلى لغة ~~ولا دلالة من شرع ولا إجماع بل الإجماع بخلافه في سائر الشروط فهلا استدللت ~~بذلك على فساد هذا القول وانحلاله وكان الأولى بأصل المخالف في ذلك أن يكون ~~شرط الإيمان في رقبة القتل دليلا على أن رقبة الظهار غير مشروط فيها ~~الإيمان لأن من أصله أن المخصوص بالذكر يدل على أن ما # PageV01P225 # عداه فحكمه بخلافه وإذا خص رقبة القتل بشرط الإيمان ينبغي أن يدل تخصيصه ~~(لها) بذلك على (أن) ما عداهما فحكمه بخلافه. # واحتج من قال ذلك: بأن هذا بمنزلة قوله تعالى {والحافظين فروجهم ~~والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} [الأحزاب: 35] وبمنزلة قوله ~~تعالى {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] (والمعنى والحافظات فروجهن ~~والذاكرات الله، وعن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد) . فيقال له: ولم أوجبت ~~أن يكون من حيث كان ما تقدم من الخبر مضمرا في الثاني أن يكون كذلك حكم ~~الكفارات. أقلته من طريق اللغة أو من جهة الشرع. ولا يمكنه إثباته متى طولب ~~بالدلالة (عليه) من لغة أو شرع وإنما وجب أن يكون في هذه الأسماء إضمار من ~~قبل أنه كلام لا يستعمل بنفسه بل هو مفتقر إلى ضمير في إثبات فائدته لأنه ~~لو انفرد عن الضمير لم يفد شيئا إذ لا يصح ابتداء الخطاب بقوله " والحافظات ~~والذاكرات " ونحو ذلك فلما افتقر إلى ضمير وخبر كان ضميره هو الذي تقدم ~~ذكره مظهرا (في أول الخطاب) ، وهذا معقول من اللغة وخطاب الناس لا يخفى ~~أمره على أحد، ولو كان استأنف (للثاني) خبرا لما كان ما تقدم من الخبر ~~مضمرا # PageV01P226 # فيه لأنه لو قال ms081 والحافظات أموالهن لما كان الفروج المذكورة بدءا في ذكر ~~الأزواج مضمرة فيهن ولذلك لو قال: والذاكرات آباءهن أو أبناءهن لما وجب أن ~~يكون اسم الله تعالى مضمرا لهن، هذا مع كون بعضه معطوفا على بعض فكيف يجوز ~~أن يكون ما ليس بمعطوف مضمرا فيه وهي قضية أخرى وحكم آخر وارد في سبب غير ~~الأول. # وكذلك قوله تعالى {عن اليمين وعن الشمال قعيد} [ق: 17] لو انفرد (قوله) ~~عن اليمين عن ضمير لم يستقم الكلام (فيه) فوجب من أجل ذلك أن يكون ما تأخر ~~ذكره من الخبر مضمرا فيه. وأما من قال منهم: إني أجعل الإيمان شرطا في رقبة ~~الظهار قياسا على رقبة القتل وأخص (به) رقبة الظهار. فإن الأصل في ذلك ~~عندنا وفي أمثاله من نحو شرط (النية) بالماء وما جرى مجراه من إثبات زيادة ~~لا ينبئ عنها اللفظ ولا ينتظمها فإن ذلك عندنا ليس بتخصيص وإنما هو زيادة ~~في النص، والزيادة في النص توجب النسخ فلا يجوز أن يزاد فيه إلا بمثل ما ~~يجوز به نسخه وكذا كان يقول شيخنا أبو الحسن - رحمه الله - في ذلك، و (في) ~~نظائره. # PageV01P227 # ومن جهة أخرى أن من أصلنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض على ما قد ~~حكيناه عن محمد بن الحسن في صدر هذا الباب. والدليل على أن زيادة شرط ~~الإيمان في رقبة الظهار يكون على وجه النسخ أن ظاهر الآية يفيد جواز رقبة ~~مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان فمتى شرطناه فيها فقد حظرنا ما أباحته الآية ~~من جواز الرقبة الكافرة، وهذا هو حقيقة النسخ (وغير جائز إثبات مثله ~~بالقياس ولا بخبر الواحد) . # فإن قال (قائل) : لو كانت الزيادة في النص توجب نسخه لوجب أن يكون حدوث ~~كل فرض يوجب نسخ ما تقدم من الفروض لأنه قد كان علينا أن نعتقد قبل حدوثه ~~أنه لا فرض عليه، فإذا حدث فرض آخر فقد زال الاعتقاد الأول. قيل له: لو ~~فهمت عنا ما ذكرناه لكفيت نفسك هذا السؤال. وذلك أنا قلنا إن ورود ms082 الفرض ~~الأول مطلقا من غير (ذكر) الزيادة يوجب جوازه عن الواجب وورود الزيادة يمنع ~~جواز الأول وكونه فرضا (وهذا نسخ) وليس ورود فرض ثان غير متعلق بالأول ~~بمؤثر في الأول لأن الأول مبقى في الحكم على ما كان لا يتعلق جوازه بفعل ~~الثاني. ألا ترى أن ترك الصلاة لا يؤثر في جواز أداء الزكاة، وترك الزكاة ~~لا يؤثر في جواز فعل الصيام فلم يكن ورود بعض هذه الفروض بعد الأول مغيرا ~~لحكم الأول وكون الإيمان # PageV01P228 # شرطا في رقبة الظهار مانعا من جوازها مطلقة على حسب ما اقتضت الآية، ~~فلذلك كان شرط الإيمان فيها موجبا لنسخها ألا ترى أن مثله لو ورد نصا كان ~~نسخا لأنه لو قال اعتقوا رقبة في الظهار إن شئتم كافرة (وإن شئتم) مؤمنة ثم ~~قال بعد ذلك لا تعتقوا فيه رقبة كافرة كان ذلك نسخا. وكذلك من حمل إحدى ~~الكفارتين على الأخرى في شرط الإيمان فيها كان نسخا. وأما قولك إن ورود فرض ~~ثان يغير حكم الاعتقاد الأول فليس الأمر فيه كذلك لأن الاعتقاد الأول حكمه ~~باق على ما كان عليه لا يؤثر فيه ورود فرض ثان لزمه اعتقاد ثان من (غير ~~تأثير منه) في اعتقاد الفرض الأول. فإن قيل: أليس كنا نعتقد قبل ورود الفرض ~~الثاني أن لا فرض إلا الأول ولزم بعد ورود الفرض الثاني أن ينزل الاعتقاد ~~بأن لا فرض غيره. # قيل له: اعتقادنا بأن لا فرض إلا الأول غير متعلق بالفرض الأول لأنه لو ~~لم يكن عليه فرض رأسا لكان عليه أن يعتقد أن لا فرض فليس اعتقادنا أن لا ~~فرض متعلقا بفرض فعلمنا أن ورود فرض ثان غير مؤثر في الأول. فإن قال قائل: ~~يلزمك على هذا أن تجعل رقبة الظهار منسوخة بامتناعك عن # PageV01P229 # تجويزها عمياء أو مقطوعة اليدين لأن ظاهر الآية يقتضي جوازها على الأصل ~~الذي ذكرت. قيل له: لا يلزمنا ما ذكرت لأن الرقبة اسم لها بجميع أعضائها ~~فاقتضى الظاهر رقبة تامة وإنما شرطنا ذلك فيها بما يقتضيه (موجب ms083 اللفظ ~~وليست الرقبة اسما للإيمان ولا يقتضيها) بحال فزيادة شرط الإيمان فيها ~~موجبة للنسخ على ما بينا. فإن قال قائل: ما أنكرت (أن يكون) شرط الإيمان في ~~رقبة الظهار تخصيصا لبعض الرقاب دون بعض لا على وجه الزيادة في النص كما أن ~~شرط الحرز والمقدار في السرقة تخصيص لبعض السراق دون بعض لا على وجه ~~الزيادة في النص. # قيل له: ليس كذلك لأن اسم الرقبة لا يتناول الإيمان ولا الكفر (ولا) ينبئ ~~عنهما فلا يكون شرط الإيمان (فيها) إلا على جهة الزيادة في النص بما لا ~~ينبئ عنه الاسم وكذلك شرط الحرز والمقدار في السرقة إلا أن آية السرقة لا ~~يصح عندنا الاستدلال بعمومها وهي بمنزلة اللفظ المجمل بدلائل قد ذكرناها في ~~مواضع فمن أجل ذلك جاز استعمال النظر وخبر الواحد في بيان بعض ما دخل في ~~الحكم وليس كذلك الرقبة العمياء والمقطوعة اليدين لأن اسم الرقبة يتناولها ~~بأعضائها فلم يكن امتناع جواز العمياء من جهة الزيادة في النص إذ كان اللفظ ~~يتناولها صحيحة. # PageV01P230 # فإن قال قائل: إنما يكون شرط الإيمان في رقبة الظهار زيادة فيها ونسخا ~~لها لو ورد بعد ثبوتها مطلقة فأما إذا جعلت في الأصل كأنها لم تجب إلا ~~مقيدة بشرط الإيمان فليس في هذا نسخ بل هو تخصيص قيل له: إنما يجوز الحكم ~~بوجوبها في الأصل على هذه الشريطة الملحقة بها إذا كان ثبوت الشرط من الجهة ~~التي يجوز بمثلها النسخ وغير جائز إثبات نسخ القرآن ولا ما هو في معنى ~~النسخ (بالقياس ولا) بخبر الواحد لأنا إنما نحتاج أن نعتبر ذلك (فيما ورد) ~~من جهة توجب العلم فيعترض به على ظاهر القرآن فأما ما كان على (غير ذلك ~~فلا) . ولامتناع جواز شرط الإيمان في رقبة الظهار وجه آخر، وهو: أن كل ما ~~خرج (مخرج) الجواب لسائل سأل عنه من آية نزلت فيه أو قول من الرسول - عليه ~~السلام - (مع لزوم) تنفيذ، هذا الحكم وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بجهل السائل به فإن ما نزل ms084 به إطلاق الآية أو قول الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - فهو (على) إطلاقه، ومهما ألحقنا به من شرط لم يكن إلا على وجه النسخ ~~على أي وجه كان. # وذلك لأنه لو كان هناك شرط آخر أو ما يوجب تخصيص إطلاق الجواب لما أخر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانه للسائل مع إلزامه إياه تنفيذ الحكم ~~وعلمه بجهل السائل، فلا تكون الزيادة فيما # PageV01P231 # كان) هذا وصفه إلا من طريق النسخ، ورقبة الظهار من هذا القبيل. وذلك لأن ~~«أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته تسأل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى آية الظهار فقال لها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مريه فليعتق رقبة قالت لا يجد. . . إلى أن ذكر الصيام والإطعام ~~فأمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان، وأمره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بها كذلك» . ولو كان من شرطها الإيمان (لبينه) النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأن مثله لا يجوز أن يكون الحكم فيه موكولا إلى استدلال ~~المأمور به، ونظره من وجهين: أحدهما: أنه قد ألزمه تنفيذ الحكم في الحال. # والثاني: أن السائل كان جاهلا بالحكم ولم يكن من أهل الاجتهاد والنظر ~~فيكون حكم الرقبة موقوفا على اعتباره بالأصول. # وروي أيضا «أن سلمة بن صخر ظاهر من امرأته فأمره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعتق رقبة» وكان جاهلا بالحكم ولم يكن من أهل الاجتهاد، فلو قيدناها ~~بشرط الإيمان لم يكن ذلك إلا نسخا على ما بينا فدل ما وصفنا على أن المأمور ~~به في الآية من الرقبة هو رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان وأنا متى ~~قيدناها بشرط الإيمان كان ذلك على وجه نسخ موجب الآية # PageV01P232 # بعد استقرار حكمها على رقبة مطلقة، ومثله لا يجوز إثباته بخبر الواحد، ~~وإثباته بالقياس أبعد. ومن جهة أخرى أن رقبة الظهار مطلقة منصوص عليها ~~ورقبة القتل مقيدة بشرط الإيمان منصوص عليها أيضا والمنصوصات لا يقاس بعضها ~~على بعض لأن المنصوص عليه قد استغنى بدخوله تحت النص عن ms085 قياسه على غيره إذ ~~كان القياس إنما يفتقر إليه عند عدم النص وهو مثل ما نص الله تعالى (عليه) ~~في الطهارة بالماء من الحدث على غسل أربعة أعضاء، ونص في التيمم على مسح ~~عضوين، ونص على قطع يد السارق وعلى قطع يد المحارب ورجله فلم يجز لأحد قياس ~~التيمم على الوضوء (في استعماله في أعضاء في الوضوء) ولا قياس السارق على ~~المحارب في قطع يده ورجله. والمعنى فيه أن كل واحد منهما منصوص على حكمه ~~فسقط اعتبار القياس فيه. # ونظيره: ما نص الله تعالى عليه في كفارة قتل الخطأ مع الدية، ونص في ~~العمد على القصاص من غير ذكر كفارة فلم يجز عند إلحاق العمد بالخطأ في حكم ~~الكفارة لأن كل واحد من القتلين مذكور باسمه منصوص على حكمه ولا يجوز قياس ~~(المنصوص بعضه) على بعض، وهذا أصل صحيح قد اعتبره أصحابنا ومنعوا القياس في ~~مثله، وهو معنى قول محمد الذي قدمناه في صدر هذا الباب أنه إنما يقاس على ~~التنزيل فأما التنزيل (بعينه فلا يقاس) . فإن قال قائل: موضع الكفارة في ~~قتل العمد منصوص عليه وعدم الإيمان في # PageV01P233 # رقبة الظهار غير منصوص عليه فمتى قسنا رقبة الظهار على رقبة القتل في ~~تقييدها بشرط الإيمان فإنما قسنا غير المنصوص (على المنصوص) . وكذلك قياس ~~كفارة قتل العمد على الخطأ. قيل له: قد نص الله تعالى على رقبة مطلقة فكل ~~ما تناوله هذا الاسم فهو منصوص عليه داخل تحته فمتى ألحقناها برقبة القتل ~~فقد قسنا المنصوص عليه. وكذلك حكم قتل العمد منصوص عليه غير مشروط فيه ~~الكفارة فمتى قسناه على الخطأ بإيجاب الكفارة فيه فقد قسنا المنصوص عليه، ~~ولو جاز أن يقال إن هذا ليس بقياس المنصوص لجاز قياس الأم على الابنة (في ~~شرط الدخول لأنها مبهمة) ليس فيها شرط دخول ولا غيره ولجاز قياس التيمم على ~~الوضوء في وجوب استعماله في أربعة أعضاء لأن العضوين الآخرين غير منصوص ~~عليهما في التيمم ولجاز قطع يد السارق ورجله قياسا على المحارب لأن الرجل ms086 ~~غير منصوص عليها في السرقة. # فلما امتنع هذا بالاتفاق علمت أن هذا الضرب من القياس خطأ لا يسوغ فيه، و ~~(لا) في نظائره. فإن قيل: فقد قست جزاء الصيد في الخطأ على العمد والنص ~~وارد في العمد لقوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] . قيل له: ~~لأن الخطأ غير منصوص عليه في الصيد والمنصوص عليه هو العمد فجاز # PageV01P234 # اعتبار ما ليس بمنصوص (عليه) بالمنصوص وكفارة الظهار والقتل جميعا منصوص ~~عليهما، وكذلك ذكر قتل العمد والخطأ منصوص على كل واحد منهما. وكما اتفقوا ~~على أن كفارة القتل لا تقاس على كفارة الظهار في باب إيجاب الإطعام فيها ~~عند عدم الصوم، وإن كان الإطعام غير منصوص عليه في كفارة القتل. # فإن قال: إنما لم نقس كفارة القتل على الظهار في جواز الإطعام عند عدم ~~الرقبة والصوم لأن كفارة القتل لما عظم أمرها بشرط الرقبة المؤمنة لم يجز ~~لنا تخفيف حكمها بجواز الإطعام عند عدم الرقبة والصوم قياسا على الظهار لأن ~~فيه وصفها على غير الوجه الذي ورد إيجابها في الأصل. قيل له: فامتنع بهذه ~~العلة قياس رقبة الظهار على القتل بشرط الإيمان لأن كفارة الظهار لما وردت ~~مورد التخفيف في جواز الانتقال إلى الإطعام عند عدم الرقبة والعجز عن ~~الصيام لم يجز شرط الإيمان فيها لأن ذلك يوجب تغليظها على ما أجازته الآية ~~مطلقة من غير شرط التغليظ بتقييد الإيمان. فإن قال قائل: ما ذكرت من امتناع ~~جواز إحدى الكفارتين على الأخرى مسلم لك فما أنكرت أن يقاس بعضها على بعض ~~في الصفة لا في إثبات زيادة معنى غير مذكور فيها فتقاس رقبة الظهار على ~~رقبة القتل في باب إثبات شرط الإيمان فيها وهي صفة كما قسنا جميعا التيمم ~~على الوضوء في الصفة وهو كونه إلى المرفقين لا في إثبات عضو آخر. # قيل له: (هذا) خطأ لأن الزيادة في النص إذا كانت نسخا على ما بينا لم ~~يختلف # PageV01P235 # حكمها أن تكون الزيادة أو إثبات معنى غيرها فالواجب عليك على هذه القضية ~~أن ms087 لا تثبت النفي مع الجلد حدا، ولا توجب الضمان على السارق بعد القطع، ولا ~~يلزم قاتل العمد كفارة لأن ذلك ليس بزيادة صفة، وأما التيمم فإنا لم نثبته ~~إلى المرفقين قياسا على الوضوء إنما أثبتناه من قبل أن قوله تعالى {فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم} [المائدة: 6] يقتضي اليد إلى المنكب لأن الاسم يتناوله ~~فأسقطنا ما فوق المرفقين بالاتفاق وإلا فظاهر اللفظ يقتضيه وأبقينا حكم ~~اللفظ في المرفقين. . # والمعنى الذي ذكرناه في أن شرط الإيمان في الرقبة (لما) لم يتناوله اسم ~~الرقبة ولم تنبئ عنه كان زيادة فيها لا على وجه التخصيص، قد اعتبره أصحابنا ~~في مسائل الأيمان أيضا. قال محمد (بن الحسن) في الجامع الكبير: لو قال رجل ~~إن اغتسلت فعبدي حر، أو قال: إن أكلت أو شربت فعبدي حر وقال عنيت غسلا من ~~جنابة أو قال عنيت طعاما دون طعام أو شرابا دون شراب لم يصدق في القضاء ولا ~~فيما بينه وبين الله تعالى. وكذلك إن قال: إن دخلت الدار فعبدي حر وعنى إن ~~دخلها وعليه ثوب لم تعمل نيته لأن لفظ اليمين لا ينبئ (على ما عناه فكأنه ~~إنما) نوى تخصيص غير اللفظ (الملفوظ به) ففي اللفظ عموم لم تعمل فيه النية ~~وصارت النية لغوا. ولو كان قال: إن اغتسلت غسلا أو أكلت طعاما أو شربت ~~شرابا صدق فيما بينه # PageV01P236 # وبين الله تعالى لأن الغسل والطعام والشراب الذي نوى تخصيصها مذكورة في ~~لفظه فصلحت نية التخصيص فيها. # وكذلك على هذا لما (لم) يتناول اسم الرقبة الإيمان لم (يصح) تخصيصها (به ~~وكان متى شرط فيها الإيمان كان زيادة فيها لا تخصيصا) وهذا معنى يبين الفصل ~~بين التخصيص وبين الزيادة. وعلى المنهاج الذي ذكرنا في امتناع شرط الإيمان ~~في رقبة الظهار القول في شرط النفي مع الجلد أو الرجم مع الجلد للزاني لأن ~~الآية أوجبت جلد المائة حدا كاملا فمتى ألحقنا به النفي والرجم معه صار جلد ~~المائة غير حد لأنه يصير بعض الحد ولم يقع الجلد بانفراده موقع الجواز فكان ~~إيجاب ms088 النفي أو الرجم معه نسخا فلم يجز ذلك إلا بمثل ما يجوز به النسخ. ~~وكذلك شرط النية في الطهارة وكون المضمضة والاستنشاق فرضا في الوضوء ~~ونظائره يجري على منهاج واحد على الوصف الذي قدمنا. فإن قال قائل: إنما كان ~~يكون ما ذكرت نسخا لو ورد بعد استقرار حكم الآية وأما إذا # PageV01P237 # لم يعلم أن وروده كان متراخيا عن الآية فغير جائز حمله على وجه النسخ بل ~~الواجب الحكم بورودهما معا فنستعملهما ولا نجعل أحدهما ناسخا للآخر. # قيل له: لا يخلو الخبر من أن يكون واردا مع الآية أو قبلها أو بعدها. فإن ~~كان بعدها فهو ناسخ لها لما بينا. إن كان قبلها فالآية ناسخة له لأنها وردت ~~مطلقة موجبة لكون الجلد حدا كاملا. وإن كان معها، وذكره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عقيب تلاوة الآية فالواجب وروده، ونقله في وزن نقل الآية ~~وورودها، والواجب أن يرد عن الصحابة استعماله مع الجلد على حسب استعمالهم ~~للجلد. فلما وجدنا الصحابة مثل (عمر وعلي) وغيرهما - رضي الله عنهم أجمعين ~~- قد عرفوا النفي ولم يروه حدا وإنما رأوه على وجه # المصلحة # وموكولا إلى رأي الإمام واجتهاده علمنا أنه لم يكن وروده على معنى أنه ~~بعض الحد مع الجلد. # وأيضا: فإن خبر النفي وارد قبل الآية لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في حديث عبادة بن الصامت # PageV01P238 # «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ~~والثيب بالثيب الجلد والرجم» ومعلوم أنه إنما أخبر فيه عن السبيل المذكور ~~في قوله عز وجل {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا} [النساء: 15] فثبت أنه لم يكن بين قوله تعالى {فأمسكوهن في البيوت} ~~[النساء: 15]- وكان هذا حد الزانية مع الأذى - وبين هذا الخبر واسطة حكم في ~~الزيادة فثبت أن قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} [النور: 2] نزل بعد ذلك فصار ناسخا له، ولهذا المعنى قلنا إن الرجم ~~ليس بحد مع الجلد، وإن الآية ناسخة لكونهما ms089 جميعا حدا مستحقا في حال واحد ~~لأنها نزلت مطلقة بعد حديث عبادة بن الصامت الذي ذكرنا. # وكذلك سبيل خبر الشاهد واليمين مع الآية لأنها أوجبت علينا اعتبار العدد ~~المذكور # PageV01P239 # فيها والخبر يجيز الاقتصار على ما دونه وهما في المعنى سواء، وإن كان خبر ~~الشاهد واليمين فيه ترك بعض موجب الآية وخبر النفي مع الجلد أو الرجم مع ~~الجلد زيادة فيه، وأن اختلافهما من جهة أن في أحدهما ترك بعض ما في الآية، ~~وفي الآخر زيادة فيها غير مانع من تساويهما في إيجاب نسخهما. فإن قال قائل: ~~وما الذي يمنع أن يكون ذلك تخصيصا ولا يكون نسخا وليس فيه أكثر من الاقتصار ~~في كون الجلد حدا في بعض الأحوال دون بعض وهو أن يكون معه نفي، والحكم ~~بالشاهد واليمين في حال وبالشاهدين والشاهد والمرأتين في حال. وكذلك هذا في ~~الطهارة لأن شرط النية فيها يقتضي جواز بعض الغسل طهارة وبعضه ليس بطهارة، ~~وهذا تخصيص للآية لا نسخ فيه. قيل له: لو عرفت معنى التخصيص لم تسأل عن ~~هذا، وذلك لأن (التخصيص للفظ) إنما يكون في اللفظ المنتظم لمسميات فيخرج ~~بعض ما انتظمه اللفظ من الحكم فقولك في الجلد أنه صار حدا في حال دون حال ~~وهي (حال) وجود النفي معه غلط من وجهين: أحدهما: أن الأحوال غير مذكورة في ~~اللفظ فيخص بعضها بما ذكرت وما ليس بمذكور فغير جائز أن يقال فيه تخصيص ~~اللفظ. # PageV01P240 # والثاني: أنك لم تجعل الجلد حدا بحال كان معه نفي أو لم يكن لأنه إن كان ~~معه نفي فهو والنفي (جميعا) حد واحد. وإذا كان هو وغيره حدا فليس هو في ~~نفسه حدا بل هو بعض الحد كما أن جلد تسعين ليس بحد عند أحد وإن انفرد عن ~~النفي فهو أيضا (ليس بحد عندك) فليس هاهنا تخصيص بوجه وإنما هو نسخ على ~~الوجه الذي بينا. # وأما خبر الشاهد واليمين عندك مقبول في كل موضع يقبل فيه رجل وامرأتان ~~فما الذي خصصت من الآية بخبر (اليمين والشاهد) فقد ms090 بان لك أن خبر النفي ~~وخبر الشاهد واليمين لا يقتضيان تخصيص شيء من لفظ القرآن وأنهما لو بنيا ~~على الوجه الذي يدعيه (المخالف لاعترضا) على حكم الآية على وجه النسخ ويكون ~~ما تعلق بخبر الشاهد واليمين من نسخ الآية على وجهين: أحدهما: جواز ~~الاقتصار على شاهد واحد وهو أقل من العدد المذكور. والآخر: إثبات التخيير ~~بين ثلاثة أشياء، فالله تعالى إنما (خير في الآية) بين شيئين. # فإن قال قائل: ليس هذا نسخا لأن الخبر كأنه ورد هو والآية معا عقيبها بلا ~~فصل. قيل له: قد بينا ذلك فيما سلف. وعلى أنه لا يجوز أن يلحق بالآية فيما ~~كان هذا وصفه إلا ما ورد من طريق التواتر واستعمله الناس معها، فإما أن ~~يكون أحد الحكمين ثابتا في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه وما ألحق به زيادة عليه من جهة لا توجب العلم فهذا غير جائز عندنا لما ~~وصفنا. # PageV01P241 # ومن نظائر ذلك قوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} ~~[المائدة: 6] فمن قال بإيجاب النية فيه فقد زاد في حكم الآية على وجه النسخ ~~لا على وجه التخصيص إذ ليس (هاهنا) تخصيص لعموم لفظ يشتمل على مسميات تحته. ~~وقد بينا فيما سلف أن العموم شرطه أن ينتظم جمعا، والجمع الذي في اللفظ ~~إنما هو عبارة عن المأمورين وليس في الآية ذكر الطهارة بلفظ الجمع فيكون ~~شرط النية مخصصا لبعض ما انتظمه العموم ولأن أحوال الطهارة وأوقاتها مذكورة ~~بلفظ الجمع فتكون النية مخصصة لجوازها في حال دون حال وفي وقت دون وقت ~~ومعلوم أن شرط النية لا يوجب بعض الغاسلين دون البعض لأن تخصيص بعض ~~الغاسلين أن يخرج بعضهم من الأمر حتى لا يلزمه الغسل. # وإنما خص على قولهم بعض الطهارات دون بعض وبعض الأحوال دون بعض وليست ~~الطهارة مذكورة في عموم لفظ (حتى يقع) (فيه) التخصيص بالنية فلم يكن لشرط ~~النية فيها وجه إلا نسخ حكم الآية على الوجه الذي بينا. # ومن نظائر ذلك إيجاب ضمان السارق ms091 مع القطع (مع قوله تعالى {فاقطعوا ~~أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} [المائدة: 38] فجعل القطع) جزاء ~~والجزاء اسم لما يستحق بالفعل فإذا أوجبنا عليه الضمان بالفعل مع القطع صار ~~القطع بعض الجزاء فهذا نظير إيجاب النفي مع الجلد على الزاني على الوصف ~~الذي بينا، فاعتبر نظائر ذلك من المسائل بما قدمنا من الأصل فإنها تستمر ~~عليه إن شاء الله تعالى. # PageV01P242 ### | [باب القول في اللفظ العام إذا خص منه شيء] # ما حكم الباقي؟ قال أبو بكر - رحمه الله -: كان شيخنا أبو الحسن - رضي ~~الله عنه - يقول في العام إذا ثبت خصوصه سقط الاستدلال باللفظ وصار حكمه ~~موقوفا (على) دلالة أخرى من غيره فيكون بمنزلة اللفظ المجمل المفتقر إلى ~~البيان. وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ ~~إذا أوجب # PageV01P245 # التخصيص فيقول: إن الاستثناء غير مانع بقاء (حكم) اللفظ فيما عدا ~~المستثنى، لأن الاستثناء لا يجعل اللفظ مجازا ولا يزيله عن حقيقته. (ودلالة ~~التخصيص من غير جهة اللفظ تجعل اللفظ مجازا وتزيله عن حقيقته) ، لأن ~~الحقيقة هي العموم. وكان يقول - رحمه الله - إن هذا مذهبي (ولا يمكنني) أن ~~أعزيه إلى أصحابنا. وكان محمد بن شجاع يذهب هذا المذهب أيضا وقد ذكره في ~~بعض كتبه. قال (الشيخ الإمام) أبو بكر - رحمه الله -: والذي عندي من (مذهب ~~أصحابنا) في هذا المعنى أن تخصيص العموم لا يمنع الاستدلال (به) فيما عدا ~~المخصوص وعليه تدل أصولهم واحتجاجهم للمسائل. # PageV01P246 # ألا ترى: أنهم قد احتجوا في إيجاب الشفعة للجار بقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الجار أحق بسقبه» وهذا خاص بالاتفاق، لأن الجار الذي ليس ~~بملاصق يتناوله الاسم أيضا ولا شفعة (له) بالاتفاق. واحتجوا في منع المرأة ~~من الحج إلا بمحرم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي رحم محرم أو ~~زوج» وهذا خاص بالاتفاق لأن التي أسلمت في دار الحرب لها الخروج إلى دار ~~الإسلام بغير محرم. # ونظائر ms092 ذلك كثيرة مما احتجوا فيه بعموم اللفظ وقد ثبت خصوصها بالاتفاق ~~نحو «نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما لم يقبض # PageV01P247 # وعن بيع ما ليس عندك وعن بيع وشرط» قد احتجوا بعموم هذه الألفاظ في إثبات ~~حكم اللفظ فيما عدا المخصوص وهذا القول هو الصحيح (عندنا وقد وافقنا أبو ~~الحسن على كثير من هذه المسائل التي احتجوا فيها بالعام الذي قد ثبت خصوصه ~~بالاتفاق فكان يقول: إنما هذا شيء أعتقده أنا في هذا الباب ولا يمكنني أن ~~أعزيه إلى أصحابنا) . والدليل على صحته أن قيام دلالة التخصيص في معنى ~~الاستثناء المتصل باللفظ لا فرق بينهما، فلما لم يمنع الاستثناء من بقاء ~~دلالة اللفظ في الباقي وجب أن يكون كذلك حكم دلالة التخصيص في بقاء دلالة ~~اللفظ معه فيما عداه. # PageV01P248 # وأيضا: فإن اللفظ فيما عدا المخصوص حقيقة لأن المشركين اسم لمن بقي منهم ~~بعد التخصيص حقيقة فوجب أن يكون دلالته قائمة في إيجاب الحكم وهو في هذا ~~الباب أظهر دلالة على ما ذكرنا من الجملة مع الاستثناء لأن الباقي بعد ~~الاستثناء لا تكون الجملة عبارة عنه بحال لأن العشرة لا تكون عبارة عن ~~تسعة، والمشركون عبارة عن ثلاثة فما فوقها حقيقة. # PageV01P250 # وكان أبو الحسن يفرق بينهما من جهة أن وجود الاستثناء المتصل بالجملة لا ~~يجعل اللفظ مجازا بل هو حقيقة للباقي لأن ذلك يستفاد من اللفظ بنفس الصيغة ~~فصارت التسعة لها اسمان. أحدهما: تسعة، والآخر: عشرة إلا واحدا والاسمان ~~جميعا حقيقة لها لأن الصيغة تقتضي ذلك وهي موضوعة له، وكما أن قولنا واحد ~~وواحد، وقولنا اثنان سواء واللفظان جميعا عبارة عن معنى واحد على جهة ~~الحقيقة لأنه معقول من جهة اللفظ. # وأما قيام دلالة الخصوص فإنه لا يصح أن يقترن إلى اللفظ حتى تصير الصيغة ~~المسموعة مع الدلالة عبارة عن الباقي، لأن الدلالة لا تغير صيغة اللفظ ~~فصارت الصيغة إذا أطلقت والمراد بها الخصوص مجازا لأن حقيقتها استيعاب جميع ~~ما تحتها فمتى أطلقت والمراد البعض فقد استعملت في غير موضعها ms093 فصار اللفظ ~~مجازا، والمجاز لا يستعمل إلا في موضع (تقوم الدلالة) عليه. # كذلك العموم متى أطلق والمراد الخصوص احتاج إلى دلالة في اعتبار عمومه في ~~الباقي، وكان ألزم على هذا القول إبطال فائدة اللفظ رأسا لافتقاره إلى ~~دلالة (من) غيره في إثبات حكمه فكان يجيب عنه بأن هذا لا يوجب بطلان فائدة ~~اللفظ لأن وروده (قد) أفادنا حدوث حكم يرد بيانه في الثاني بمنزلة اللفظ ~~المجمل المفتقر إلى البيان، فمتى ورد البيان كان الحكم موجبا باللفظ نحو ~~قوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] متى بين الحق كان موجبا ~~باللفظ. كذلك فيما وصفنا متى قامت دلالة المراد كان موجبا باللفظ فلم يكن ~~هذا السؤال لازما (له) على حسب ما أراد السائل إلزامه وحاول به إفساد ~~مذهبه. # PageV01P251 # فأما من فرق بين الاستثناء وبين دلالة الخصوص في أن دلالة الخصوص تجعل ~~اللفظ مجازا ولا يصير مجازا بالاستثناء، فإن من الناس من يقول إن ورود ~~الاستثناء المتصل بالجملة يجعل اللفظ مجازا لأن الألف لا يكون أبدا عبارة ~~عن أقل منها فإذا قال {ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] (فإنما) ~~أطلق اسم الألف ومراده أقل منها ولا يكون ذلك إلا مجازا واختلافهما مرجعه ~~أن الاستثناء لفظ متصل بالجملة ودلالة الخصوص ليست بلفظ متصل بها ولا يوجب ~~الفرق بينهما من الوجه الذي ذكر، لأن لمخالفه أن يقول إذا جاز أن يريد ~~بالألف أقل منها لما صحبه من الاستثناء، ولم يمنع (ذلك من) بقاء دلالة ~~اللفظ في الباقي بعد الاستثناء، فكذلك إطلاق لفظ العموم مع إرادة الخصوص لا ~~يمنع بقاء دلالة اللفظ فيما عدا المخصوص. وأما من وافقه في أن الاستثناء لا ~~يجعل الجملة الأولى مجازا فإنهم فريقان: أحدهما: من يقول في دلالة الخصوص ~~كما يقول في الاستثناء المتصل بالجملة، ويجعل اللفظ حقيقة في الباقي، ويأبى ~~أن يكون قيام دلالة الخصوص يجعل اللفظ مجازا، ويقول إن ما كان هذا وصفه من ~~الألفاظ لم يكن قط عموما أريد به الخصوص على حسب ما بيناه فيما سلف وحكيناه ms094 ~~عن قائله. # وذلك لأن ما بقي بعد الخصوص يتناوله الاسم على جهة الحقيقة لأن المشركين ~~إذا كان اسما لثلاثة منهم فما فوقها ثم قال {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ~~وقامت الدلالة على أن بعض المشركين لا يقتلون فمن بقي من المشركين الذين ~~يقتلون يكون حقيقة فيهم لا مجازا فوجب استعماله فيما عدا المخصوص. # PageV01P252 # فمن كان هذا أصله في ذلك سقط عنه الجواب كما حكيناه عن أبي الحسن في ~~الفرق بين الاستثناء وبين دلالة الخصوص، ويصير حينئذ في الأصل، وقد بيناه ~~فيما سلف. # PageV01P253 # وأما الفريق الآخر الذين يوافقون على أن قيام دلالة الخصوص يجعل اللفظ ~~مجازا فإنهم يجيبون عن ذلك بأن حصول اللفظ مجازا لا يمنع بقاء حكم دلالته ~~لأن المجاز مستعمل في موضعه كاستعمال الحقيقة في موضعها فلا فرق بينهما من ~~هذا الوجه فلذلك وجب أن تكون دلالة اللفظ باقية فيما عدا المخصوص. # PageV01P254 ### | [باب القول في حكم التحليل والتحريم إذا علقا بما لا يصلح أن يتناولاه في الحقيقة] # . قال أبو بكر: الأصل في ذلك أن التحليل والتحريم إنما يتعلقان بأفعال ~~المأمورين والمنهيين وما لم يكن فعلا لهم لا يجوز أن يتعلقا به وذلك لأنه ~~لا يصح أن يؤمر أحد بفعل غيره ولا ينهى عن فعل غيره، وإذا كان (ذلك) كذلك ~~ثم ورد لفظ (التحليل والتحريم) معلقا في ظاهر الخطاب بما ليس من فعلنا ~~علمنا بذلك أن المراد به فعلنا في ذلك الشيء نحو قوله تعالى {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} [النساء: 23] و {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] وقوله تعالى {لا ~~هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] ومعلوم أن غير الأم ومن ذكر ~~معها وغير الميتة وما عطف عليها لا يجوز أن يتناولها التحريم إذا كانت هذه ~~الأشياء فعلا لله تعالى ومحال أن ينهانا عن فعله لأن ذلك عبث وسفه، والله ~~تعالى عن ذلك. # ويستحيل أيضا من جهة أخرى وهي أن هذه الأشياء أعيان موجودة فلا يصح النهي ~~عنها، و (لا) الأمر بها لأن النهي عنها يصير في معنى النهي عن أن يكون هذا ms095 ~~الموجود والأمر بها يصير في معنى الأمر بأن يكون هذا الموجود وهذا محال ~~فلما استحال ذلك فيها علمنا أن (التحليل والتحريم) يتعلق بفعلنا فيها فيجوز ~~أن يقال حينئذ فيه وجهان: # PageV01P257 # أحدهما: أن لفظ التحريم لما تناول فعلنا صار تقدير الآية حرم عليكم فعلكم ~~في الأمهات وفي الميتة ونحوها فيسوغ اعتبار العموم في سائر الأفعال إلا ما ~~قام دليله وذلك لأن التحريم لما كان حكمه فيما وصفنا فيما يتعلق به صار ~~بمنزلة الأسماء المضمنة بأغيارها فيفيد إطلاقها ما ضمنت به كقولنا ضرب ~~يقتضي ضاربا ومضروبا وجذب يقتضي مجذوبا وأب يقتضي ابنا وابن يقتضي أبا ~~وشريك يقتضي شريكا وما جرى مجرى ذلك فمن حيث كان التحريم مضمنا بأفعالنا ~~يستحيل وجوده عاريا منها وصار إطلاقه مقتضيا لنفي جميع ما يتعلق به من ~~الفعل فيكون تقدير قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] حرم عليكم ~~فعلكم في الميتة فيجوز اعتبار العموم فيه. # والوجه الآخر أنه متى كان هناك عادة لقوم في استباحة الاستمتاع بالأمهات ~~والأخوات على نحو ما عليه المجوس وكثير من أصناف الكفار الذين يستحلون ~~الاستمتاع بهن. وقوم كانوا ينتفعون بالميتة على حسب انتفاعهم بالمذكى كان ~~مخرج الكلام تحريم ما كان المشركون يستبيحونه فيكون هذا المعنى (متعلقا ~~معقولا بورود) اللفظ فيصير بمنزلة (حرمت عليكم الاستمتاع بالأمهات والبنات ~~ومن ذكر معهن) . وحرمت عليكم الانتفاع بالميتة لأن المتعارف المعتاد متى ~~خرج عليه الخطاب صار كالمنطوق به فيه فيصح اعتبار العموم فيه. # فإن قال: ما أنكرت أن يكون ورود اللفظ هذا المورد يوجب أن يكون مجازا ~~لأنه علق # PageV01P258 # التحريم بأعيان فأراد (به) غيرها والمراد غير مذكور في اللفظ ولما لم يكن ~~مذكورا لم يصح اعتبار العموم فيه. ومن جهة أخرى أن اللفظ لما حصل مجازا ~~احتاج إلى دلالة (أخرى) من غيره في إثبات حكمه لأن المجاز لا يستعمل إلا في ~~موضع يقوم الدليل عليه. قيل له: لا يجب ذلك لأن لفظ التحريم وإن علق بما لا ~~يصح أن يكون محرما في الحقيقة من هذه الأعيان التي هي ms096 فعل الله تعالى فإنه ~~قد عقل به عند وروده ما يعقل بالمذكور من أفعالنا لو علق به التحريم بل هو ~~آكد في إيجاب التحريم فيه لو ذكر فعلنا فيها لأنه إذا ذكر ضرب من الفعل ~~وعلق التحريم به كان (حكمه) مقصورا عليه فيما تقتضيه دلالة اللفظ. # وإذا علق التحريم بالعين تناول سائر وجوه الفعل في العين، وهذا (على ~~معنى) روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ابن عباس «حرمت الخمر ~~بعينها والسكر من كل شراب» فأخبر أن كل ما يتعلق تحريمه بالعين تناول سائر ~~وجوهه وما لم يعلقه بالعين قصر حكمه على ذلك النوع دون غيره ويدل على أن ما ~~ذكرناه معقولا من اللفظ وإن علق التحريم بالعين أن كل واحد من أهل اللسان ~~إذا قيل له أمك محرمة عليك أو قد حرمت عليك الخمر والميتة عقل من خطابه ~~بنفس وروده ما يعقله منه لو (قيل له) الانتفاع بالخمر محرم عليك والاستمتاع ~~بالأم محظور عليك ولا يحتاج إلى استدلال ونظر في صحة وقوع العلم به يستوي ~~في ذلك # PageV01P259 # العالم والجاهل ليس يتناوله الفعل إلا على وجه واحد وهو أنه يقتضي كون ~~الشيء المحرم قبيحا يستحق فاعله ضربا من العقاب، ولفظ التحليل أيضا لا ~~يتناوله إلا على وجه واحد وهو أنه ليس بقبيح ولا تبعة على فاعله في مواقعته ~~إياه. # فلما كان تعلق لفظ التحريم والتحليل بالفعل مقصورا على ما بينا صح اعتبار ~~عموم لفظ التحريم والتحليل في أفعالنا المضمرة في الخطاب. وأما النية فإن ~~تعلقها بالفعل على وجهين مختلفين: أحدهما: إثبات فضيلة العمل والآخر إثبات ~~حكمه حتى إذا فقدت لم يكن له حكم أصلا ومتى تعلقت به على وجه إثبات فضيلته ~~لم يؤثر عدمها في الحكم نحو غسل الثوب والبدن من النجاسة وغسل الجنابة ~~(والوضوء) متى نوى بذلك طهارة الصلاة كانت نيته مثبتة له فضيلة، وكان ~~مستحقا بها عليه الثواب وفقدهما لا يضره في إثبات الحكم لأن الطهارة واقعة ~~في حال وجود النية وعدمها ومتى تعلقت به على جهة ms097 إثبات الحكم كان عدمها ~~(مانعا من) وقوع حكم الفعل رأسا. # نحو الصلاة والصيام وسائر الفروض المقصودة لأعيانها متى عريت من النية لم ~~يثبت حكمها وكان وجودها وعدمها بمنزلة، فلما كان تعلق النية بالفعل على ~~هذين الوجهين ولم (يكن) بأحد الوجهين أولى منها بالآخر ولم يجز أن يراد به ~~الوجهان جميعا مع ذلك لاستحالة تعلقه بها على الوجهين جميعا في حال واحدة ~~احتيج فيه إلى دلالة من غير اللفظ المراد به ولم يكن من ادعى في قوله ~~الأعمال بالنيات إثبات حكم الأعمال بأولى ممن # PageV01P260 # ادعى فضيلة العمل. ألا (ترى) أنه لو ورد بمثله لفظ عموم لما ساغ اعتبار ~~عمومه في معنيين مختلفين فما ليس بمذكور مما يقتضيه أولى أن لا يصلح اعتبار ~~العموم فيه فكذلك لم يصح الاحتجاج فيه بظاهر اللفظ حتى تقوم دلالة على ~~المراد. # وكذلك قوله - عليه السلام - «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه» هو (في) معنى ما ذكرناه في هذا الفصل؛ لأن قوله «رفع عن أمتي» تعلق ~~بالفعل عن وجهين مختلفين: أحدهما: رفع الحكم رأسا. والآخر: رفع المأثم مع ~~بقاء الحكم ولا دلالة في اللفظ على اختصاصه بأحدهما دون الآخر فلم يصح ~~اعتبار العموم فيه إذا كان ما تعلق به من الضمير مختلفا. فإن قال قائل: ~~وكذلك التحريم قد تعلق بالأم على وجه دون وجه، وبالميتة والخمر على وجه دون ~~وجه لأن التحريم لم يتعلق في أن يبرها وينفق عليها ويكرمها ولم يتعلق ~~بالميتة في أن يحملها فيرمي بها وفي الخمر بأن يريقها ثم لم يمنع جواز تعلق ~~التحريم بذلك على وجه دون وجه من اعتبار العموم فيه بإطلاق لفظ التحريم. # قيل له: هذا سؤال من لم يفهم ما تقدم، وذلك أنا قلنا إن التحريم إنما ~~يتعلق بالشيء المحرم على وجه واحد وكذلك التحليل ثم خروج بعض الأفعال من ~~حكم التحريم والتحليل لا يوجب اختلاف معنى التحريم فما تعلق به، ولذلك جاز ~~اعتبار العموم فيه. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - «الأعمال بالنيات» ~~وقوله «رفع عن ms098 أمتي الخطأ» فيما تعلق به إطلاق اللفظ مختلف في نفسه على ما ~~بينا فكذلك لم يصح اعتبار العموم (فيه) . # PageV01P261 ### | [باب القول في الاستثناء ولفظ التخصيص إذا اتصلا بالخطاب ما حكمهما] # ؟ . قال أبو بكر: حكم الاستثناء إذا صحب خطابا معطوفا بعضه على بعض أن ~~يرجع إلى ما يليه ولا # PageV01P265 # يرجع إلى ما قبله إلا بدلالة وكذلك كان (شيخنا) أبو الحسن (الكرخي) - ~~رحمه الله - (يقول في ذلك) فأما الاستثناء فنحو قوله تعالى في القاذف ~~{فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55] ثم قال تعالى {إلا الذين تابوا} [النور: ~~5] فكان الاستثناء إنما عمل في إزالة سمة الفسق عن القاذف بالتوبة ولم يؤثر ~~في جواز الشهادة ولا في زوال الحد. وكذلك لفظ التخصيص إذا اتصل بالجملة نحو ~~قوله تعالى {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~[النساء: 23] فقوله {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] تخصيص لبعض ~~الربائب دون بعض فهو مقصور عليهن غير راجع إلى أمهات النساء وهو مذهب عمر ~~وابن عباس في آخرين من الصحابة قال عمر " وأمهات نسائكم مبهمة " وقال ابن ~~عباس في ذلك " أبهموا ما أبهم الله تعالى " فكان عندهم أن حكم التخصيص ~~مقصور على ما يليه دون ما تقدم. # وكذلك حكي عن أهل اللغة أنهم قالوا إن هذا حق الكلام ومقتضاه. ومن الدليل # PageV01P266 # على صحة ما ذكرنا في الاستثناء قوله تعالى {إلا آل لوط إنا لمنجوهم ~~أجمعين} [الحجر: 59] {إلا امرأته} [الحجر: 60] فكانت (المرأة) مستثناة من ~~المنجين لاحقة بالمهلكين لاتصال الاستثناء بالمنجين ونحو قول القائل علي ~~(لفلان) عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمين أن عليه تسعة (دراهم) لأن ~~الدرهمين مستثنيان من الثلاثة والثلاثة مستثناة من العشرة (فبقي من الثلاثة ~~بعد الاستثناء درهم واحد فكان ذلك الدرهم مستثنى من العشرة) وهذا ما لا ~~يعلم فيه بين الفقهاء خلاف، فدل على أن كل استثناء فحكمه أن يرجع إلى ما ~~يليه دون ما تقدمه وكذلك حكم التخصيص المتصل باللفظ هو على هذا النحو لأن ~~التخصيص والاستثناء بمعنى واحد # PageV01P267 # ومن الدليل على ذلك أن إطلاق لفظ ms099 العموم يقتضي استيعاب ما تحته من ~~المسميات ولا جائز تخصيص شيء فيه إلا بدلالة فإذا اتصل الاستثناء بخطاب ~~بعضه معطوف على بعض فحكمه أن يعمل فيما يليه ولا يرجع إلى ما تقدمه ~~بالاحتمال لأنه لا يجوز تخصيص العموم بالاحتمال وقد وفينا حظه بإعماله فيما ~~يليه فاحتاج في رجوعه إلى ما تقدمه إلى دلالة من غيره إذ غير جائز تخصيص ~~العموم بالشك والاحتمال. # وكذلك حكم لفظ التخصيص إذا اتصل بكلام بعضه معطوف على بعض هو على هذا ~~النحو. # فإن قيل لما صلح رجوع الاستثناء إلى جميع المذكور لم يجز الاقتصار به على ~~بعض المذكور دون بعض، كما أن لفظ العموم لما صلح لجميع ما هو (اسم) له لم ~~يكن بعض ما انتظمه بأولى من بعض. # قيل له: إن لفظ العموم اسم لجميع ما انطوى تحته فمن هذه الجهة يتناول ~~الكل لا من جهة أنه صلح له فحسب ولو كان تناوله للكل من جهة أنه يصلح لوجب ~~أن يتناول المجاز ويحمل عليه لأنه يصلح له ولو علق (الحكم) بشخص بعينه يسمى ~~زيدا لوجب أن يتناول كل من (اسمه زيد) لأن اللفظ يصلح له ولوجب أن يثبت فيه ~~شرطا غير مذكور لا يصلح أن يذكره وهذا خلف من القول. # PageV01P268 # وأما الاستثناء فليس في مضمونه ولا في لفظه ما يقتضي رجوعه إلى ما تقدمه ~~فوجب أن يكون حكمه مقصورا على ما يليه إذ قد صح حكمه فيه، ومن ادعى رجوعه ~~إلى ما تقدم كان مدعيا لتخصيص عموم بلا دلالة. فإن قيل: فلو أدخل شرطا وصله ~~باللفظ كان جميع الخطاب متعلقا بالشرط المذكور في آخره وكذلك يجب أن يكون ~~حكم الاستثناء. # قيل له: يختلف حكمه عندنا، منه ما يرجع إلى ما يليه ومنه ما يرجع إلى ~~الجميع وفي تفصيله ضرب من الإطالة وليس هو مع ذلك من الاستثناء في شيء في ~~الموضع الذي يتعلق فيه جميع المذكور بالشرط لأن الاستثناء لا يجوز أن يؤثر ~~في الجملة حتى يجعل حكمها موقوفا عليه وإنما يخرج منها بعض ms100 ما انتظمته بعد ~~(صحة) الكلام وحصول الفراغ منه. وأما الشرط فإنه يؤثر في الجملة كلها حتى ~~يتعلق حكمها به على حسب ما يتفق من وجود الشرط. # ألا ترى أنه ما لم يوجد الشرط الذي علق به الحكم لم يكن للفظ حكم فلذلك ~~جاز تعلق جميع المذكور بوجود الشرط في المواضع التي يجب ذلك منها ولم يجب ~~مثله في الاستثناء. فإن قيل: قال الله تعالى {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله} [المائدة: 33] . إلى قوله تعالى {أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] ثم عقبه بعد ذكر وعيد ~~الآخرة بقوله تعالى {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: ~~34] فكان راجعا إلى جميع المذكور (ولم يكن حكمه مقصورا على ما يليه دون ~~غيره فهذا يدل على أن حكم الاستثناء رجوعه إلى جميع المذكور) . # PageV01P269 # قيل له: لولا ما في اللفظ من دلالة رجوعه إلى الجميع لكان موقوفا على ما ~~يليه دون غيره وهو قوله تعالى {من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34] ~~ومعلوم أن زوال عقوبة الآخرة لا يتعلق ثبوته قبل قدرتنا عليهم لأن التوبة ~~إذا صحت زالت عقوبة الآخرة في أي حال وجدت فعلمنا أن التوبة المشروطة قبل ~~القدرة عليهم إنما هي لزوال عقوبة الدنيا وليس يمتنع أن يكون ذلك حقيقة حكم ~~الاستثناء. # ومع ذلك يصح رجوعه إلى جميع المذكور لدلالة تقوم لأن حق الكلام أن لا ~~يزال ترتيبه ونظامه ولا يجعل المقدم منه مؤخرا ولا المؤخر (منه) مقدما إلا ~~بدلالة وليس يمتنع مع ذلك إرادة تقديم المؤخر وتأخير المقدم في اللفظ كقوله ~~تعالى {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} [طه: 129] والمعنى ~~ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما ومن أجل ذلك صار الأجل مضموما ~~(بعطفه) على الكلمة وكذلك قوله تعالى {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ~~ولم يجعل له عوجا} [الكهف: 1] {قيما} [الكهف: 2] والمعنى أنزل على عبده ~~الكتاب ولم يجعل له عوجا ولو خلينا وظاهر ما يقتضيه ms101 ترتيب الخطاب لما ~~أزلناه عن نظامه وترتيبه ثم جاز وروده على هذا الوجه مع زوال ترتيب مقتضى ~~اللفظ، وكذلك الاستثناء حكمه لن يعمل فيما يليه ولا يعمل فيما تقدم إلا ~~بدلالة. # وقال الله تعالى في شأن السرقة {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب ~~عليه # PageV01P270 # إن الله غفور رحيم} [المائدة: 39] فكان حكم التخصيص فيه مقصورا على ما ~~يليه أيضا لأن التوبة به لا تسقط القطع، وإنما يخرجه من أن يكون واقعا على ~~وجه النكال والعقوبة لأن التوبة قد أخرجته من أن يكون نكالا وإنما يكون ~~حينئذ مقطوعا على وجه المحنة كما يجوز أن يبتليه الله تعالى بالآلام ~~والأمراض على وجه الفتنة والتعريض للثواب بالصبر عليها لأن التائب لا عقاب ~~عليه (وقد يجوز أن يكون قوله تعالى {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} [المائدة: ~~39] كلاما مبتدأ لأنه يصح ابتداء الكلام به) . # ومن ألفاظ التخصيص ما يعرض بينه وبين الجملة التي وقع التخصيص فيها جملة ~~أخرى تتوسطها في نسق الخطاب فلا يمنع ما عرض من ذلك من إعمال لفظ التخصيص ~~في الجملة المتقدمة وذلك نحو قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم} ~~[المائدة: 3] إلى قوله تعالى {ذلكم فسق} [المائدة: 3] ثم قال تعالى {اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم} [المائدة: 3] إلى قوله تعالى {ورضيت ~~لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ثم قال تعالى {فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم} [المائدة: 3] يعني فيما تقدم تحريمه ولم يمنع ما توسطها من ~~قوله تعالى {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} [المائدة: 3] وما بعده رجوع ~~حكم التخصيص المذكور بعده إلى الجملة لأن الجميع خطاب واحد بعضه معطوف على ~~بعض وقوله تعالى {فمن اضطر في مخمصة} [المائدة: 3] لا يصح أن يضمر فيه ~~ويعطف عليه إلا ما تقدم تحريمه في أول الخطاب وقد جاء بلفظ الاستثناء ما لم ~~يخرج شيئا من الجملة كقوله تعالى {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين # PageV01P271 # ظلموا منهم} [البقرة: 150] فلا يدل هذا القول على أن للذين ظلموا حجة ~~وإنما معناه ولا الذين ms102 ظلموا منهم، (ويحتمل ولكن الذين ظلموا منهم) فلا ~~تخشوهم ومثله قوله تعالى {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: ~~92] والمعنى لكن إن قتله خطأ فحكمه كيت وكيت لأن قتل الخطأ لا يجوز أن ~~يتناوله النهي فيخرج من الجملة بالاستثناء. # ومن الناس من يقول معناه ولا خطأ وهذا غير صحيح لأنه يوجب أن يكون قتل ~~الخطأ منهيا عنه لعطفه على النهي وقتل الخطأ لا يجوز النهي عنه ولا الأمر ~~به فدل أن المعنى ما وصفنا ومن هذا النحو قوله تعالى {إلا ما ذكيتم} ~~[المائدة: 3] ومعناه لكن ما ذكيتم وهو راجع إلى جميع المذكور لأن ما أكل ~~السبع ظاهر أنه قتله وأكل منه يقول العرب هذا أكيلة السبع إذا قتله وأكل ~~منه ونحوه قوله تعالى {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ~~لما آمنوا} [يونس: 98] معناه لكن قوم يونس - عليه السلام - وقوله تعالى ~~{طه} [طه: 1] {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 2] {إلا تذكرة لمن يخشى} ~~[طه: 3] معناه لكن تذكرة (لمن يخشى) ومثله قوله تعالى {فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون} [الحجر: 30] {إلا إبليس} [الحجر: 31] والمعنى لكن إبليس لم يسجد، # PageV01P272 # ويحتمل أن المراد (به) حقيقة الاستثناء لأنه لما قال فسجد الملائكة وكان ~~إبليس ممن يصح أمره بالسجود استثناه منهم وإن لم يكن من الملائكة وهذا وجه ~~قد ذهب إليه أبو حنيفة فيمن قال لفلان علي ألف درهم إلا دينار. أن ~~الاستثناء صحيح لأن قوله (علي) يتناول ما (يثبت في) الذمة (والدينار وإن لم ~~يكن من جنس الدرهم فإنه مما ثبت في الذمة) فصح استثناؤه منها ومن الناس من ~~يظن أن قوله تعالى {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] من النوع ~~الذي تقدم ذكره وأنه بمعنى لكن تكون {تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ~~وليس كذلك عندي لأن قوله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ~~[البقرة: 188] لم يكن يمنع أن تدخل فيه التجارة عن تراض وعلى أن كثيرا من ~~التجارات الواقعة عن تراض داخل في لفظ النفي وهي أن يقع على ms103 فساد وعلى وجوه ~~محظورة فجاز أن يكون الاستثناء مقدرا على حقيقته ومخرجا لبعض ما انتظمته ~~الجملة التي دخل عليها ومن الجمل ما ينتظم مسميات ثم يعطف عليها بكناية ~~فحكم الكناية في مثل ذلك رجوعها إلى ما يليها دون ما بعد منها نحو قوله ~~تعالى {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] فهذه الكناية ~~راجعة إلى الربائب اللاتي يلين الكناية، وهذا على نحو ما ذكرناه من حكم ~~الاستثناء ولفظ التخصيص والمعنى في الجميع واحد. # ومنها ما يكون كناية عن بعض المذكور مما يلي الكناية ويشتركان جميعا في ~~حكمها نحو قوله تعالى {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة: 11] ~~والذي يلي الكناية هو اللهو # PageV01P273 # والكناية راجعة إلى التجارة لأنها كناية عن مؤنث وهي التجارة وليس اللهو ~~مؤنثا فتكون الكناية عنه وقد اشتركا جميعا في الخبر. والدليل على ذلك أنك ~~متى أفردت اللهو عن الخبر العائد إلى التجارة سقطت فائدته لأنه يصير في ~~معنى وإذا رأوا اللهو وهذا كلام مفتقر إلى خبر ولا شيء هاهنا يصح أن يكون ~~خبرا عنه إلا ما جعله خبرا (عن التجارة) ويحتمل أن يكون إنما خص التجارة ~~بعطف الكناية عليها دون اللهو لأن الانصراف عن الذكر والخطبة إلى التجارة ~~أكثر في العادة في مقاصد الناس منه إلى اللهو ويحتمل أن يكون قوله إليها ~~كناية عن الجملة المذكورة المنتظمة لهما ومما عادت الكناية فيه إلى بعض ~~المذكور قوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله} [التوبة: 34] فظاهر الكناية في هذا الموضع أنها عائدة على الفضة ~~ويحتمل أن يكون إنما أعادها عليها لأنها تليها وإن كانتا جميعا مشتركتين في ~~الحكم؛ لأن قوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] لا بد له ~~من خبر لأنه غير مستقل بنفسه فلا بد من أن يكون قوله " ولا ينفقونها في ~~سبيل الله " خبرا لهما جميعا. # فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله تعالى {ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: ~~34] خبرا لهما جميعا ويحتمل أن يكون قوله " ولا ينفقونها " حكما ms104 مقصورا على ~~الفضة التي عادت الكناية إليها ويكون قوله {فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: ~~34] خبرا عن الذين يكنزون الذهب. قيل له: معلوم أن الوعيد لم يخرج مخرج ~~الزجر عن كنز الذهب والفضة إلا على شريطة ترك الإنفاق منهما فغير جائز أن ~~يكون قوله تعالى {فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] وعيدا لمن كنز الذهب من ~~غير شريطة ترك الإنفاق منه، وعلى أن هذا يوجب أن تكون الآية # PageV01P274 # موجبة) لحظر كنز الذهب (على الإطلاق) وحظر كنز الفضة على شرط ترك الإنفاق ~~منها وهذا خلف من القول. # وأيضا ففي سياق الآية ما دل على ما ذكرنا وهو قوله تعالى {يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم} [التوبة: 35] إلى قوله تعالى {هذا ما كنزتم لأنفسكم} [التوبة: ~~35] فأخبر أنه يحمى عليها لمن كنزها والذهب (قد) شارك الفضة في هذا المعنى ~~فدل (على) أن ترك الإنفاق راجع إليها ومن نحو ذلك قوله تعالى {والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين} [التوبة: 62] فعطف بالكناية على اسم الله ~~تعالى دون الرسول - صلى الله عليه وسلم - والرضى (المشروط) مشروط لله تعالى ~~وللرسول - عليه السلام -. والدليل على ذلك أن قوله تعالى " ورسوله " متى ~~أخليته من حكم هذا الخبر افتقر إلى خبر وليس في الآية (خبر) غير الرضى ~~فعلمنا أن رضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مشروط (في ذلك) . # وقد قيل: إنه إنما اقتصر بالكناية عن الله دون الرسول لأن رضاء الله ~~تعالى رضاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -. و (قد) قيل فيه أيضا: إنما أفرد ~~الكناية لله تعالى لأن اسم الله تعالى واسم غيره لا يجوز أن يجتمعا في ~~كناية فيقال يرضوهما، وأنه متى أريد (ذكر) اسم الله تعالى واسم الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - فالواجب التبدئة باسم الله تعالى قبل غيره. # PageV01P275 # ويدل على صحة هذا القول (ما روي) «أن رجلا خطب بين يدي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بئس الخطيب أنت» يعني بقوله ومن ms105 يعصهما لأنه ~~جمع (بقوله اسم) الله تعالى واسم (الرسول - صلى الله عليه وسلم -) في كناية ~~واحدة. ومن الكنايات ما يتقدمه مذكوران فيرجع إلى أحدهما تارة ثم تعلق به ~~صفة أخرى أو حكم آخر فيرجع إلى الآخر نحو قوله تعالى {لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا} [الفتح: 9] فقوله تعزروه وتوقروه ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - (وقوله) وتسبحوه بكرة وأصيلا لله تعالى. # ومن ألفاظ العموم ما ينتظم مسميات بحكم مذكور لها ثم يعطف عليها بعض من ~~شمله الاسم بحكم يخصه به فلا يكون في هذا دلالة على أن الحكم الأول مخصوص ~~فيمن عطف عليه دون من استوفاه الاسم واقتضاه العموم وذلك نحو قوله تعالى ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] فهذا في المطلقات ~~ثلاثا فما دونها وفي العاقلة والمجنونة # PageV01P276 # ثم قوله) في سياق الآية {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} ~~[البقرة: 228] حكم مخصوص به العاقلة دون المجنونة وقوله تعالى {وبعولتهن ~~أحق بردهن} [البقرة: 228] فيما دون الثلاث ولا يمنع ذلك اعتبار عموم أول ~~الخطاب في سائر المطلقات بالحكم المذكور لهن وقد ذكر عيسى بن أبان نحو ذلك ~~فقال (في) قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أنه في الثلاث وفيما ~~دونها وقوله تعالى {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن} [الطلاق: 2] وقوله تعالى {لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] فيما دون الثلاث ومن نحو ذلك ~~قوله تعالى {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] هو عام في البائن والرجعي وقوله ~~{فإمساك بمعروف} [البقرة: 229] في الرجعي وقوله تعالى {فإن طلقها فلا تحل ~~له من بعد} [البقرة: 230] عائد عليهما جميعا فيقتضي ذلك صحة وقوع الثالثة ~~بعد وقوع الأوليين على جهة البينونة والرجعي ومثله قوله تعالى {كتب عليكم ~~القصاص في القتلى} [البقرة: 178] عام في الحر والعبد والذكر والأنثى وقوله ~~تعالى {الحر بالحر والعبد بالعبد} [البقرة: 178] تخصيص لبعض ما انتظمه ~~العموم فلا يسقط اعتبار عموم اللفظ في قتل الحر بالعبد ومنه أيضا قوله ~~تعالى {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] وهذا في المسلمين ~~والكافرين ثم # PageV01P277 # قال تعالى {وإن ms106 جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} ~~[لقمان: 15] وذلك في الوالدين المشركين ولم يمنع كون أول الخطاب في ~~الفريقين، ومثله كثير في القرآن والسنن. # PageV01P278 ### | [باب القول في الإجماع والسنة إذا حصلا على معنى يواطئ حكما مذكورا في الكتاب] # . قال أبو بكر - رحمه الله -: كان أبو الحسن يقول كل ما وجد في القرآن من ~~حكم منوط بلفظ يشتمل على بعض ما وقع عليه الإجماع أو وردت (السنة به) ~~(فالواجب أن يحكم بأن ما حصل عليه الإجماع أو وردت به السنة) مأخوذ من ~~القرآن وأنه مراد الله تعالى بالاسم المذكور فيه وذلك نحو قوله تعالى {أو ~~لامستم النساء} [المائدة: 6] لما احتمل اللفظ الجماع واللمس باليد ثم روي ~~«عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر الجنب بالتيمم» فالواجب أن يقضي ~~بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك لأنه مراد الله تعالى بقوله {أو ~~لامستم النساء} [المائدة: 6] . # والدليل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قطع السارق لم يجز ~~لأحد أن يقول إن هذا حكم مبتدأ من النبي - صلى الله عليه وسلم - في السارق ~~بل قال الجميع إنه حكم به على القرآن وكذلك لما صلى # PageV01P283 # الصلوات الخمس وصام رمضان كانت هذه الأحكام كلها منه - صلى الله عليه ~~وسلم - ومن الأمة معقولة عن القرآن لأن فيه (ما) ينتظم ذلك ويوجبه وقد قال ~~الله تعالى {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] {إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: ~~4] وقال تعالى {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] {صراط الله} ~~[الشورى: 53] فكل ما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي القرآن ما ~~يجوز أن ينتظمه فيكون عبارة عنه فذلك حكم القرآن والمراد به ومن نحو ذلك ~~قوله تعالى {فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] فقد اتفقت الأمة على أن ~~القود حكم لبعض المقتولين ظلما فالواجب بأن يحكم بأن القود مراد بالآية ~~وكذلك قوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] (لما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «فيما سقت السماء العشر» ) كان ms107 ذلك مرادا بالآية لأن ~~قوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] يجوز أن يتناوله ويصلح أن ~~يكون عبارة عنه. فإن قال قائل: فقوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء} [النساء: 22] لما احتمل العقد والوطء (ثم اتفق الجميع على أن العقد ~~يحرم وجب أن يكون مرادا بالآية، وإذا أريد به # PageV01P284 # العقد انتفى الوطء) لاستحالة أن يكونا جميعا مرادين بلفظ واحد. # قيل: لما كان اللفظ يتناول الوطء حقيقة حملناه عليه ودلنا ذلك على أن ~~العقد غير مراد بالآية، وإن كانت الأمة مجمعة عليه فإنما منعنا أن يكون ~~العقد مرادا. وإن صلح أن يكون اللفظ عبارة عنه بهذه الدلالة. # فإن قال: فقوله تعالى: {أو لامستم النساء} [المائدة: 6] حقيقة في اللمس ~~باليد فاحملوه عليه واجعلوا الجماع ثابتا بالسنة كما جعلتم قوله تعالى {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] على الحقيقة وهي الوطء ولم ~~تجعلوا الإجماع على العقد دليلا على أنه هو المراد بالآية. قيل له: لا يجب ~~ذلك من قبل أنه لم يثبت أن اللمس باليد مراد بالآية بوجه وكان الحكم ~~المذكور فيها متعلقا به بحال وثبت أن الجماع مراد بها لأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الجنب بالتيمم فأثبتنا من معنى الآية ما وردت به السنة ~~وإن كان مجازا فيه ولم يثبت ما هو حقيقة من اللمس باليد لعدم السنة ~~والاتفاق فيه بل قد وردت السنة بخلافه؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ» فعلمنا أن ذلك غير مراد بالآية. وأما ~~قوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} [النساء: 22] فإن حقيقة لفظه ~~مستعملة في الوطء والاتفاق موجود فيه لأن الوطء بملك اليمين يحرم بلا خلاف ~~فثبت أن المراد الوطء وأثبتنا تحريم العقد بالاتفاق. # PageV01P285 ### | [باب القول في دليل الخطاب وحكم المخصوص بالذكر] # قال أبو بكر: كل خطاب ورد عن الله تعالى وعن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- فغير خال من فائدة، فمنه ما يكون # PageV01P289 # معناه معقولا (من لفظه) ومنه ما يفيد حكما ومعنى يرد ms108 بيانه في الثاني. ~~ومما يكون معناه معقولا من لفظه ما يفيد من جهة الدلالة معنى ليس اللفظ ~~موضوعا له نحو قوله تعالى {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] قد أفاد معنيين: ~~أحدهما: النهي عن هذا القول بعينه. وأفاد من جهة الدلالة النهي عما فوقه من ~~الشتم والضرب والقتل ومنه قوله تعالى {ولا تظلمون فتيلا} [النساء: 77] {ولا ~~يظلمون نقيرا} [النساء: 124] فيه نص على نفي الظلم في القدر المذكور، ~~ودلالة على نفي ما هو أكثر منه. وكذلك قوله تعالى {وآتيتم إحداهن قنطارا} ~~[النساء: 20] (وقوله {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل ~~عمران: 75] {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن يشاء ~~الله} [الكهف: 24] نص على ذكر غد وأفاد الأمر بالاستثناء عند ذكر كل فعل ~~مستقبل. # وكذلك قوله تعالى {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: ~~80] ذكر السبعين والمراد به - والله أعلم - أن كثرة عدد الاستغفار لا يغني ~~عنهم وليس المراد هذا العدد بعينه. # PageV01P290 # ونحو قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] وقوله ~~تعالى {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} [الأنفال: 66] نص منه على ~~هذه الأعداد والمراد التضعيف لا هذه الأعداد بأعيانها وإن كانت هي المنصوص ~~عليها وهذا الضرب (كثير في القرآن) والسنة وفي عادات الناس ومخاطباتهم وهذا ~~هو دليل الخطاب الذي يجب اعتبار دلالته على ما دل عليه. وأما قول من قال: ~~إن كل شيء كان ذا وصفين فخص أحدهما بالذكر فيما علق به من الحكم يدل على أن ~~ما عداه فحكمه بخلافه. وقول من قال: كل ما خص بعض أوصافه بالذكر، وإن كان ~~ذا أوصاف كثيرة فإنه يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه فقول ظاهر الانحلال ~~والفساد لا يرجع قائله في إثباته إلى دلالة من لغة ولا شرع بل اللغة على ~~خلافه (قال أبو بكر) : ومذهب أصحابنا في ذلك أن المخصوص بالذكر حكمه مقصور ~~عليه ولا دلالة فيه على أن حكم ما عداه بخلافه سواء كان ذا وصفين فخص ~~أحدهما ms109 بالذكر أو كان ذا أوصاف # PageV01P291 # كثيرة فخص بعضها بالذكر ثم علق به حكم. وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن ~~ويعزي ذلك إلى أصحابنا وكان يحكي عن أبي يوسف كلاما معناه أن ليس في تخصيص ~~بعض أوصاف الشيء بالذكر دلالة على أن ما عداه فحكمه بخلافه وأنه قال إن ~~قوله تعالى: {وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] لا ~~دلالة فيه على أن اللاتي لم يهاجرن معه محرمات عليه (وكان حكى أبو الحسن عن ~~أبي يوسف - رحمه الله -. أيضا) في قوله تعالى {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله} [النور: 8] إنما فيه النص على درء العذاب عنها إذا شهدت ~~وليس فيه دلالة على أنها إذا لم تشهد لا يدرأ عنها العذاب. # PageV01P292 # مطلب: وروى محمد بن الحسن في السير الكبير. قال: إذا حاصر المسلمون حصنا ~~من حصون المشركين فقال رجال من أهل الحصن أمنوني على أن أنزل إليكم على أن ~~أدلكم على مائة رأس من السبي في قرية (كذا) فأمنه المسلمون على ذلك فنزل ثم ~~لم يخبر بشيء فإنه يرد إلى مأمنه لأنه لم يقل إن لم أدلكم فلا أمان لي فلم ~~يجعل محمد وقوع الأمان على هذا الشرط دليلا على أنه متى لم يف بالشرط فلا ~~أمان له. وهذا يدل من مذهبه دلالة واضحة على أن التخصيص بالذكر أو التعليق ~~بالشرط لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه. قال أبو بكر: وليس عندي بين ~~أصحابنا خلاف في جملة المذهب وقد كنت أسمع كثيرا من شيوخنا يقول في المخصوص ~~بعدد أنه يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه. كقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم» أنه دليل على أنه لا يقتل # PageV01P293 # ما عداهن وكقوله «أحلت لي ميتتان ودمان» يدل على أن غيرهما من الميتة ~~والدم غير مباح. # وأحسب محمد بن شجاع الثلجي قد احتج بمثل هذا. ولست أعرف جواب المتقدمين ~~من أصحابنا في ذلك. ومن قال بهذا القول الذي ذكرنا من المتأخرين كانوا ~~يفرقون ms110 بين ما هو مخصوص بذكر العدد وبين ما ليس بمخصوص بعدد نحو قوله ~~«الذهب بالذهب مثلا بمثل» . وذكره الأصناف الستة ولم يكونوا يجعلون مثله ~~دلالة على أن ما عداها فحكمه بخلافها لأنه لم يحصرها بعدد ولم يقل إن الربا ~~في ستة أشياء كما قال «خمس يقتلهن المحرم» . (قال أبو بكر) والذي عندي في ~~ذلك أنه لا فرق بينه وبين المخصوص بالذكر من غير ذكر عدد في أنه لا دلالة ~~(فيه) على حكم ما عداه بنفي ولا إثبات. # PageV01P294 # والدليل على صحة ما قلنا: أنه غير جائز أن يكون شيء من الأشياء دليلا لله ~~تعالى على أحكامه ثم يوجد عاريا من مدلوله غير موجب لحكم دلالته بوجه. # وهذا هو وصف المخصوص بالذكر وذلك لأنا وجدنا الله تعالى قد خص أشياء فذكر ~~بعض أوصافها ثم علق بها أحكاما ثم لم يكن تخصيصه إياها موجبا للحكم فيما لم ~~يذكر بخلافها نحو قوله تعالى {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: ~~31] . فخص النهي عن قتل الأولاد لحال خشية الإملاق. ولم يختلف (حكم) النهي ~~في الحالين وقال تعالى {منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم} [التوبة: 36] . فخص النهي عن الظلم بهذه الأشهر ومعلوم صحة النهي ~~عنه فيهن وفي غيرهن ونحو قوله تعالى {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ~~[النساء: 6] وغير جائز له أكلها بحال وإن خص # PageV01P295 # حال الإسراف والمبادرة لبلوغهم وكقوله تعالى {إنما أنت منذر من يخشاها} ~~[النازعات: 45] وهو - صلى الله عليه وسلم - نذير للبشر وقوله تعالى {لا ~~تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] ولا يجوز أكله بحال وإن لم ~~يكن أضعافا مضاعفة. # وقال تعالى {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: ~~95] وقد وافقنا مخالفنا على أن المخطئ مثله في وجوب الجزاء. وقال (تعالى) ~~{ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة: 95] ولم ينتف (به) وجوب الكفارة على ~~العائد مع ذكره الانتقام دون غيره. وقال تعالى {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] ووافقنا المخالف على ms111 ~~أن ذلك حكمهن وإن لم يحصن وهذا أكثر من أن يحصى. فلما وجدنا هذه الألفاظ ~~التي شرطها عند مخالفنا إيجاب الحكم فيما عداها بخلاف حكمها ثم وجدناها وما ~~عداها متساوية في الحكم ولم يكن لما ادعوه من التخصيص تأثير في الحكم الذي ~~هو مدلوله علمنا أن مثلها لا يكون دليلا لله تعالى لأنها لو كانت دليلا لما ~~وجدت في حال منفردة عن مدلولها. # فإن قال قائل: هذا كقولكم في العموم وفي العلل إنها موجبة لما تتضمنه من # PageV01P296 # الأحكام حتى تقوم دلالة التخصيص وقيام دلالة التخصيص لا يمنع حكم دلالته ~~فيما يقتضيه ويوجبه (فيما لا تقوم) فيه دلالة التخصيص. قيل له: قد رضينا ~~بما استشهدت به حكما فإنه من أظهر الأشياء دلالة على فساد أصلك. خبرنا عن ~~لفظ العموم هل يجوز وجوده غير موجب لحكم أصلا وهل يصح وجود علة لا يتعلق ~~بها حكم رأسا. فإن قال: لا، لأنه لا بد مع قيام دلالة التخصيص من أن يبقى ~~من أحكام العموم والعلة ما يجب استعماله. قيل (له) : أفليس قد وجدت هذه ~~الآيات التي ذكرناها لم يتعلق بها إيجاب الحكم فيما عدا المذكور فيها ~~بخلافه فهلا استدللت بذلك على أن مثلها لا يكون دليلا ولو جاز أن يوجد عموم ~~أو علة لا يتعلق بها حكم رأسا لما جاز أن يكونا دلالة على الحكم بأنفسهما. # فإن قال: دلالة اللفظ قائمة في إيجاب الحكم الذي تضمنه وإن لم يوجب فيما ~~عداه الحكم بخلافه. قيل له: لم نختلف في أن اللفظ دال على ما تضمنه من ~~الحكم مما هو عبارة عنه وإنما اختلفنا في كونه دالا على أن حكم غيره بخلافه ~~وقد جاز وجوده غير دال على هذا المعنى فهذا الذي تبطل به قاعدتك. ألا ترى: ~~أن اللفظ نفسه لما كان دلالة على ما وضع له من المعنى لم يجز وجوده مطلقا ~~على الحقيقة إلا وهو دال على حكمه. ولو قد جاز وجوده حقيقة في موضعه غير ~~مفيد لما وضع له لما كان (ذلك) دليلا ms112 على # PageV01P297 # المعنى وفي ذلك دليل على فساد أصل المخالف لنا وفي ذلك المعقول المتعارف ~~من حق اللفظ إفادة ما تحته من الحكم ودلالة على نظائره وإلحاقها بحكمه فأما ~~أن يدل على خلاف حكمه فهذا عكس المعنى وقلب الواجب. # وقال بعضهم: في قوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] أنه لما ~~خص العامد بالذكر لأجل ما ذكر في سياق الخطاب من الوعيد الذي لا يجوز عوده ~~على المخطئ وهو قوله تعالى {ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة: 95] وهذا ~~إغفال منه لحكم اللفظ ومقتضاه لأنه لو عم الجميع بالحكم فقال " ومن قتله ~~فجزاء مثل ما قتل (من النعم) " لم يكن ذكره للوعيد في سياق الخطاب مانعا من ~~عوده إلى العامد دون المخطئ، وكان مع ذلك حكم عموم اللفظ مستعملا في إيجاب ~~الجزاء عليهما كما قال تعالى {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] ~~وذلك عموم في الوالدين المسلمين والكافرين ثم قال تعالى {وإن جاهداك لتشرك ~~بي} [العنكبوت: 8] . وهذا في بعض ما شمله لفظ العموم فعلمت أن ذكر الوعيد ~~في سياق الآية (غير) مانع إطلاق عموم الحكم في الجميع فدل موافقة مخالفنا ~~على استواء حكم العامد والمخطئ في وجوب الجزاء مع تخصيصه العامد بالذكر، ~~على أن تخصيص بعض أوصاف الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه يحكم بخلافه. # فإن قال قائل: قد وجد لفظ الأمر موضوعا للإيجاب ثم قد يرد تارة ويراد به ~~الندب ويرد أخرى ويراد به الإباحة ثم قد يرد ولا يراد شيء من ذلك، بل يدل ~~على الزجر # PageV01P298 # والوعيد لأن قول الله تعالى {واتقوا الله} [البقرة: 189] ، {وأقيموا ~~الصلاة} [البقرة: 43] ونحو ذلك للإيجاب وقوله تعالى {وافعلوا الخير} [الحج: ~~77] للندب وقوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] للإباحة وقوله ~~تعالى {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] زجر وتهديد. ثم لم يمنع وروده عاريا من ~~دلالة الإيجاب من (اقتضائه للوجوب متى خلا من دليل ينقله من) حكمه. كذلك ~~دلالة التخصيص بالذكر على حكم ما عداه على الوجه قولة صحيحة يجب اعتبارها ~~ما لم تقم دلالة تزيلها عن ms113 موجبها ومقتضاها. قيل له: إن قول القائل افعل ~~يتعلق بالفعل تارة على جهة الإيجاب وأخرى على جهة الندب أو الإباحة أو ~~الدعاء وإن كان بابها وحقيقتها الوجوب عند الإطلاق ثم لم يخل عند قيام ~~الدلالة الصارفة له عن جهة الإيجاب من أن (يكون له ضرب من التعلق بالفعل ~~فحكمه قائم) في هذا الموضع على بعض الوجوه التي يقتضيها اللفظ (كما يبقى) ~~حكم العموم بعد قيام دليل الخصوص فيما لم يخص ويبقى حكم العلة إذا قامت ~~دلالة تخصيصها فيما لم يخص منها. # ألا ترى: أن أكثر ما يفيده قوله افعل للإيجاب. # PageV01P299 # والإيجاب يتعلق به استحقاق الثواب على الفعل واستحقاق العقاب على تركه ~~والندب معلق به استحقاق الثواب عليه من غير ذم تاركه والإباحة معلق بها ~~وقوع الفعل لا على جهة استحقاق الثواب بفعله ولا العقاب على تركه فعلى أي ~~حال تصرفت صيغة (حقيقة) الأمر فإنها لم تخل من أن يكون لها ضرب من التعلق ~~بالفعل ومن جهة أخرى إن قوله افعل متى لم يرد به الإيجاب كان مجازا مستعملا ~~في موضعه فجاز أن لا يدل على معناه حقيقة ولم يمنع ذلك اعتباره في موضع ~~الحقيقة إذا لم تقم دلالة المجاز وأما سائر المواضع التي وردت (فيها) ~~الألفاظ العارية من دلالتها على حكم اعتبارها بخلاف موجب حكمها فإنها حقائق ~~فيها لأن قوله تعالى {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] وقوله تعالى ~~{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] حقيقة في موضعه ليس بمجاز، ~~ثم قد وجد عاريا من حكمه منفردا عن مدلوله على قضيتك فعلمنا أن هذا ليس ~~بدليل لله تعالى وأما قوله تعالى {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] و {فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] (ونحوها فإنه) على ما ذكرنا أيضا لأنه ~~قد تعلق بالفعل ضرب من (التعلق على وجه وهو) (الزجر والنهي والوعيد) . # (وأيضا) فإنه مجاز في هذا الموضع، وإنما الذي أنكرنا أن يكون اللفظ حقيقة ~~غير دال بوجهه على ما جعل دليلا عليه. # PageV01P300 # وأيضا: لو كان المخصوص بالذكر دالا على ما ms114 عداه فحكمه بخلافه لوجب أن ~~يكون نص النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم التفاضل في الأصناف الستة ~~(دليلا) على أن ما عداه فحكمه بخلافها وأن يكون ورود النص في تحريم الميتة ~~والدم دليلا على أن ما عداه فحكمه بخلافهما وأن يكون ورود النص في تحريم ~~الميتة والدم دليلا على أن ما عداهما فمباح، وكل ما تنص عليه بعينه ينبغي ~~أن يوجب الحكم فيما عداه بخلافه وهذا يوجب منع القياس لأن ورود النص في ~~الأصناف الستة إذا كان موجبا (لإباحة التفاضل) فيما عداها وكان عند جميع ~~الفقهاء الذين يعتد بأقاويلهم أن هذا النص قد أوجب الحكم في نظائرها بمثل ~~موجب حكمها فالواجب أن يكون قد دل على أن حكم ما عداها بخلافها وقد دل أيضا ~~على أن نظائرها مما عداها فحكمها حكمها وهذا غاية التناقض والاستحالة. # ، وأيضا لو كان تخصيص بعض أوصاف الشيء بالذكر وتعليق الحكم (به) دليلا ~~على أن ما عداه فحكمه بخلافه لوجب أن يكون متى نص لنا على ذلك الحكم في ~~غيره مطلقا أن يصير أحد اللفظين ناسخا لحكم آخر نحو قوله تعالى {لا تأكلوا ~~الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] فوجب هذا على أصل القائلين بهذه ~~المقالة إباحة الربا إذا لم يكن أضعافا مضاعفة ثم قوله {وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] مطلقا ناسخا لدلالة الآية الأخرى. وكذلك قوله تعالى {ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ينبغي أن يكون معارضا # PageV01P301 # لقوله تعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151] ~~(وكقوله تعالى) {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] وقوله تعالى {فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم} [التوبة: 36] معارضا لقوله تعالى {ومن يظلم منكم نذقه عذابا ~~كبيرا} [الفرقان: 19] لأن دلالة الآية الأولى تقتضي إباحة الظلم فيما عدا ~~الأشهر الحرم، والآية الأخرى تحظر الظلم في سائر الأحوال وليس ذلك كتخصيص ~~العموم لأن إحدى الآيتين في هذا ترفع دلالة الأخرى رأسا ولا يكون ذلك إلا ~~(على) وجه النسخ ولا خلاف بين الأمة أنه ليس في شيء من هذه الآيات نسخ فدل ~~على بطلان هذا الأصل. # وأيضا لو ms115 كان ما ذكره من ذلك معقولا من اللفظ لكان أولى الناس بأن لا ~~يخفى عليهم وجهته أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تكلموا في أحكام ~~الحوادث وتناظروا فيها وحاج فيها بعضهم بعضا تارة بالعموم وتارة بأخبار ~~الآحاد وتارة بالنظر والمقايسة ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه حاج صاحبه بهذا ~~الضرب من الحجاج أو استدل عليه بمثله فكيف أغفلوا ذلك وخفي عليهم موضعه، ~~وهو معنى معقول من لغتهم ومفهوم من ظاهر خطابهم في زعم المخالف، وقد ~~اختلفوا في نفقة المبتوتة فقال عظم الصحابة لها النفقة وأبى ذلك آخرون ~~(منهم) فكيف لم يحتج نافوها بقوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن # PageV01P302 # حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] وهذا دليل ظاهر عند المخالف معقول من ظاهر ~~اللفظ فإن خفي ذلك عليهم فكيف لم يستدل الموجبون لها بهذا الدليل على نفيها ~~وقد أنكر عمر بن الخطاب رواية فاطمة بنت قيس في إبطال (النفقة للمبتوتة) ~~وقال لا ندع كتاب (الله) ربنا وسنة نبينا (- عليه السلام - لقول امرأة ~~لعلها أنسيت أو شبه لها) فكيف تكون (عنده) روايتها لذلك خلاف الكتاب، ودليل ~~الكتاب المعقول من ظاهره ينفيها. فإن قيل: قد قالت فاطمة بنت قيس إن الله ~~تعالى إنما أوجب النفقة للحامل، توجبونها لغير الحامل؟ قيل له: قد قالت ذلك ~~ولم تستدل من اللفظ بمثل ذلك ولم نقل إن تخصيصه الحامل بالذكر ينفي وجوبها ~~لغير الحامل ولو كان ذلك كما ادعاه مخالفنا لكان (لا أقل من أن) يوجد عن ~~بعضهم (في شيء من أحكام الحوادث الاستدلال بمثله وعلى أنه لو ثبت عن بعضهم) ~~الاستدلال بمثله لما ثبتت حجته ولا لزم القول به؛ لأن الذين نفوه ولم ~~يعرفوه كانوا أيضا من أهل اللغة ولو كان ذلك من مفهوم اللسان لما خفي موضعه ~~عن جماعتهم كما لم يكن يخفى عليهم سائر وجوه دلالات الكلام المفهومة من ~~خطابهم # PageV01P303 # فإن قال قائل: (قد «قال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب كيف نقصر وقد أمنا، ~~فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي ms116 - صلى الله عليه وسلم - فقال صدقة ~~تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» يعني أن الله تعالى إنما خص قصر الصلاة ~~بحال الخوف بقوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] فعقل عمر ويعلى بن ~~أمية من دليل الآية نفي القصر في حال الأمن. (قيل له: ليس الأمر فيه على ما ~~ظننت لأنهما لم يقولا إن الآية منعت القصر في حال الأمن) وإنما قالا: كيف ~~نقصر وقد أمنا وقد أمرنا الله تعالى بإتمام الصلاة في حال # PageV01P304 # الأمن بقوله تعالى {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] وقوله تعالى {فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] وما جرى مجرى ذلك من الآي الموجبة ~~لإتمام الصلاة ثم لما خص حال الخوف بذكر القصر كان (النص موقوفا عليها) ~~فإذا لم يكن خوف فليس في القرآن ما يوجب القصر، فكيف نقصر وهلا كان الإتمام ~~واجبا بسائر الآي الموجبة له. هذا هو معنى ما سألا عنه (عندنا) ، فلما سأل ~~عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أعلمه أن ذلك تخفيف من الله تعالى ~~لكم في الحالين وإن لم يكن حال الأمن مذكورا في القرآن بل من جهة وحي ليس ~~بقرآن. # وزعم بعض المخالفي أن الشافعي (قد) قال ذلك وهو من أهل اللغة. وقاله - ~~زعم - أبو عبيد وثعلب والمبرد وأن أبا عبيد احتج في ذلك «بقوله تعالى {إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة} [التوبة: 80] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأزيدن على السبعين» (قال) فقال أبو عبيد في قول النبي «لأن يمتلئ جوف ~~أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ # PageV01P305 # شعرا» لا يجوز أن يكون في الشعر الذي هجى به الصحابة - رضي الله عنهم - ~~لأنه لو كان كذلك لكان قد أباح القليل قال وقوله «لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته» دليل على أن (لي) غير الواجد بخلاف الواجد. قال أبو بكر: فأما قول ~~هذا القائل إن الشافعي من أهل اللغة وأنه (قد) قال ذلك فثبتت حجته فإن من ~~يلجأ ms117 إلى مثله في الحجاج على مخالفيه فما بقي غاية في إفلاسه. فيقال له: ~~ومن قال لك إنه من أهل اللغة ومن حكى عنه منها حرفا يحتج به. فإن كان إنما ~~صار كذلك لأنكم ادعيتم له ذلك أو ادعاه هو لنفسه فإنه ليس يعوز أحدا أن ~~يدعي مثل ذلك لنفسه ولأصحابه ويحتج به على مخالفيه، وإنما يعرف الرجل بضرب ~~من العلوم ويوصف به بحكاية أهله عنه وقبولهم قوله فيه، كما حكى جماعة من ~~أهل اللغة عن محمد بن الحسن واحتجوا بقوله فيها وقد ذكرنا منه طرفا فيما ~~سلف. # PageV01P306 # وإن كان ما اختلفوا فيه من حكم دلالة اللفظ مأخوذا من (أهل) اللغة فإن ~~محمدا من أهلها غير مدافع وهو غير قائل (بما ذكرتم) ولم يعقل منها ما وصفتم ~~وإنما حكاية (هذا) الحاكي عن ثعلب والمبرد فإنها حكاية باطلة لا أصل لها ~~والحاكي لها ذلك غير موثوق به. # ، و (أما) ما حكاه عن أبي عبيد فلا معنى له لأنه لا يختص بمعرفة (ذلك) ~~أبو عبيد دون غيره بل أهل اللغة وغيرهم في معرفة ذلك سواء وإنما يختص أهل ~~اللغة بمعرفة الأسماء والألفاظ الموضوعة لمسمياتها بأن (يقولوا) إن العرب ~~سمت كذا بكذا. فأما المعاني ودلالات الكلام فليس يختص (أهل اللغة بمعرفتها) ~~دون غيرهم لأن # PageV01P307 # ذلك المعنى يستوي فيه أهل سائر اللغات في لغاتهم على اختلافها وبيئتها ~~ولا يختص بلغة العرب دون غيرها كسائر ضروب الكلام إذا نظمت ضربا من النظم ~~ورتبت ضربا من الترتيب ثم نقلت إلى لغة أخرى على نظامها وترتيبها؛ لم يختلف ~~حكم أهل اللغة المنقولة إليها والمنقولة عنها في معرفة دلالاتها على ما دلت ~~عليه من اللغة الأولى فإذا لا اختصاص لأهل اللغة بمعرفة ذلك دون غيرهم ممن ~~ليس من أهلها فقولهم قال ذلك بعض أهل اللغة ساقط لا اعتبار به. وقد علمنا ~~أن أعلم الأمة بلغة العرب هم الصحابة ولم يعقل أحد منهم ما ذكرتم من حكم ~~دلالة اللفظ على حسب ما بيناه أيضا. # وأما ما حكاه عن أبي عبيد ms118 «في قوله تعالى {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم} [التوبة: 80] وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأزيدن ~~على السبعين» رواية باطلة لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز ~~ذلك عليه، وفي تجويزه انسلاخ من الدين وذلك أنه معلوم أنه قد كان من دين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أول ما بعثه الله تعالى إلى (أن) توفاه - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه دعا الناس إلى اعتقاد تخليد الكافر في النار وأنه ~~لم يجوز قط غفران الكفر فمن جوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - جواز ~~الاستغفار للكافر فهو خارج عن الملة. وقد أخبر (الله تعالى) عن هؤلاء القوم ~~الذين قال فيهم ما قال أنهم ماتوا (كفارا) بقوله تعالى {إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله # PageV01P308 # ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 80] فكيف يجوز أن يقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - " لأزيدن على السبعين " هذا ما لا يجوز على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقوله ولا يجوزه؛ لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أعلم الناس بما يجوز على الله تعالى مما لا يجوز. # وإنما الذي روي في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «فلو علمت ~~أنه يغفر لهم إذا زدت على السبعين لزدت» وهذه الآية من أدل شيء على بطلان ~~قولهم لأنه لا خلاف بين المسلمين أن السبعين وما فوقها سواء وأن الله تعالى ~~لم يكن ليغفر لهم أبدا بعد موتهم كفارا. فإن قال قائل: قد حكى الله تعالى ~~عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} ~~[الشعراء: 86] فليس يمنع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان يجيز ~~ذلك إلى أن أنزل الله تعالى وعيد الكفار. قيل له: قد بين الله تعالى وجه ~~استغفار إبراهيم لأبيه بقوله تعالى {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن ~~موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] وروي ~~أن ms119 أباه قد كان أظهر له الإيمان (فاستغفر له) فأخبر الله تعالى أنه منافق ~~ليست له عقيدة الإيمان فتبرأ منه حينئذ. وأما وعيد الكافر بالنار خالدا ~~مخلدا (فيه) فقد كان من دين النبي - صلى الله عليه وسلم - من أول ما بعث ~~فيستحيل مع ذلك أن يجيز النبي - صلى الله عليه وسلم - الغفران لهم بزيادة ~~الاستغفار على السبعين وعلى أنه لو صح ما قالوه من ذلك لم يدل على موضع ~~الخلاف لأنه كان يكون ما فوق # PageV01P309 # السبعين موقوفا على الدلالة في الغفران أو غيره. # والحكم ثابت في السبعين لا محالة ونحن لا ننكر بأن يكون ما عدا المذكور ~~بخلاف المذكور في باب أن حكم المذكور فيما نص عليه ثابت وما عداه موقوف ~~الحكم على الدلالة. وإنما أنكرنا أن يكون النص (على) المذكور موجبا للحكم ~~فيما عداه بخلافه وذكر السبعين في هذا الموضع على جهة تكثير العدد وهو قوله ~~تعالى {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] وما دونها، ~~و (ما) فوقها في الحكم سواء، وذلك معقول مع ورود اللفظ وفي مخاطبات الناس. # فإن قال قائل: قال الله تعالى {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فاقتضى ~~عند الجميع كون الإيمان شرطا فيها وعقل بها أن غير المؤمنة لا تجزئ (وقال: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ودل عند الجميع على أن ما دونه ~~لا يقبل) وقال {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: ~~3] فأوجب عند الجميع فساد نكاح ما عدا الأربع، وقال تعالى {للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] وما دونها ليس له حكم الإيلاء وقال ~~تعالى {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] وقال تعالى {فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} [النور: 4] وما دونها ليس بحد وقال تعالى {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ونحو ذلك من المقادير المحصورة تدل على ~~أن ما عداها فحكمه بخلافها. # PageV01P310 # قيل له: ليس هذا مما ذكرنا في شيء لأن قوله تعالى {فتحرير رقبة مؤمنة} ~~[النساء: 92] تخصيص في الحكم لا المحكوم فيه وإنما كان كلامنا في تخصيص ms120 ~~المحكوم فيه بالذكر إذا نصب عليه الحكم هل يدل على أن ما عداه من الأشياء ~~المحكوم فيها حكمه بخلاف حكمه نحو قوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] فخص المحكوم فيهن ثم نصب عليهن الحكم، ~~ونحو قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل السائمة شاة» ، فذكر ~~الحكم فيه ثم نصب الحكم عليه. ونحو قوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] فخص حال العمد ونظائر ذلك. # وأما قوله تعالى {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فإنما فيه تخصيص ~~الرقبة الواجبة بشرط الإيمان والأمر يقتضي الوجوب فصارت صفة الإيمان للرقبة ~~موجبة الأمر فلم يجز إسقاطه وقوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ~~[البقرة: 282] من هذا القبيل (أيضا لأنه) تخصيص الحكم بصفة قد تضمنها لفظ ~~الإيجاب فلم يجز إسقاطه لأن في تجويز أقل من شاهدين إسقاط الوجوب الذي ~~تضمنه الأمر في قوله تعالى {فاستشهدوا} [النساء: 15] وأما قوله تعالى ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] فإنه أعلمنا ~~بدءا جميع ما يحل لنا من النساء ثم فسره بالعدد المذكور فصار تفسيرا لجميعه ~~فلم يبق مما أحل (الله تعالى) شيئا لم يذكره # PageV01P311 # فلذلك لم يجز مجاوزته. # وأما قوله تعالى {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] ~~فإنه قد بين (حكمه بعد المدة) في سياق اللفظ بقوله تعالى {فإن فاءوا فإن ~~الله غفور رحيم} [البقرة: 226] {وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 227] فلا يجوز ~~بقاء حكم المدة مع حصول أحد هذين المعنيين لأن الفيء وهو الجماع في المدة ~~يسقط التربص إذ لا يمين هناك بعد الحنث وتركها هذه المدة هو عزيمة الطلاق ~~والتربص معه ساقط لا اعتبار به لأنها قد بانت عزيمة، فصار حكم ما بعد المدة ~~بخلافه في المدة للدلالة التي ذكرنا لا بتحديد المدة فحسب. وقوله تعالى ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] فإنه قد ذكر في الآية ~~ما ينفي أن يكون ما بعده عدة لقوله تعالى {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ms121 ~~فيما فعلن في أنفسهن} [البقرة: 234] . وأيضا فإن هذا الضرب من المقادير لا ~~يصح إثباتها إلا من طريق التوقيف أو اتفاق العلماء (فلما) لم يرد التوقيف ~~إلا بهذه المدة لم يجز إثبات زيادة عليها من غير توقيف أو اتفاق (عليها) ، ~~فكذلك هذا في الحدود والعدد وسائر المقادير. ومن جهة أخرى في الحدود أن ظهر ~~الإنسان محظور في الأصل فلا يجوز استباحته إلا بالمقدار الذي يرد به ~~التوقيف أو يقوم عليه الدليل وإلا فهو باق على أصل الحظر. وأيضا: فإن جميع ~~ما ذكرت من ذلك وارد في حكم الواجب وصفته فهو (واجب) لازم وقد أفادت الآية ~~أن هذا المقدار حد يقع موقع الإجزاء فلم يجز الزيادة فيها إلا بنص مثله. # PageV01P312 # وجملة الأمر في ذلك أن كل موضع حكمنا فيه لما عدا المذكور بخلاف حكم ~~المذكور فلم يخل من أن يكون وجوبه متعلقا بدلالة أخرى غير اللفظ المذكور ~~فإما أن يكون لأن الأصل كان يوجب الحكم فيما عدا المذكور قبل ورود حكم ~~المذكور بهذا الحكم، فلما ورد التوقيف في المذكور بالحكم المنصوص عليه ~~(فيه) أخرجناه من الأصل، وتركنا الباقي على حكمه الذي كان له قبل ورود ~~الحكم المذكور. # وإما بدلالة أخرى أوجبت الحكم فيما عدا المذكور (بخلاف حكم المذكور) . ~~فأما المنصوص عليه فحكمه ثابت فيما هو عبارة عنه وما عداه فحكمه موقوف على ~~الدلالة على ما بينا. فإن قال قائل: كيف يجوز أن تجعلوه موقوفا وعندكم (أن) ~~الزيادة في النص توجب نسخه فالواجب على هذا الأصل أن تقولوا حكمه بخلاف حكم ~~المذكور لا محالة حتى تكون الزيادة نسخا فإن لم يكن كذلك فما الذي أوجب أن ~~تكون الزيادة نسخا وقد كان حكمه قبل ذلك موقوفا على قيام ورود الزيادة أو ~~نفيها. # قيل له: لو عقلت ما قدمنا لم تسأل عن هذا؛ لأن الكلام بيننا وبين مخالفنا ~~في الأصل إنما هو في تخصيص المحكوم فيه ببعض أوصافه إذا نصب عليه حكم هل ~~يدل على أن غيره مما لم يذكر في مثل حكمه أو بخلافه. ms122 فأما الزيادة في النص ~~فإنما هي كلام في الحكم نفسه ونحن نقول إن كل حكم حكم الله تعالى به ونص ~~عليه مطلقا أو مقيدا بصفة فهو محمول على ما ورد لا يجوز الزيادة فيه ولا ~~النقصان منه ولا يجري على المذكور الواجب غير المذكور مما ليس في صفته ~~المشروطة نحو # PageV01P313 # قوله تعالى {فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] (هو تخصيص للحكم ومقيد) ~~بشرط الإيمان فهذا على الوجوب لا يجوز فيه الاقتصار على غير مؤمنة، و ~~(كذلك) قوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] إلى قوله ~~تعالى {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وقوله {وأشهدوا ذوي عدل منكم} ~~[الطلاق: 2] كل هذا تقييد للحكم بصفة وقد تضمنها لفظ الأمر المقتضي للإيجاب ~~ولا جائز إسقاط العدد ولا إسقاط الصفة بحال لما وصفنا. # (ونحو) قوله تعالى {فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] وبقوله تعالى ~~{فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] (تخصيص للحكم بالمقدار) ~~المذكور (له) وهو يفيد أن المذكور هو الحد وأنه واقع موقع الإجزاء والزيادة ~~فيه توجب أن يكون المذكور بعض الحد غير واقع موقع الإجزاء وهذا نسخ وقوله ~~{إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] ~~الآية، متى زدنا فيه النية كان زيادة في الحكم الواجب الذي اقتضت الآية ~~جواز أداء الصلاة به وهو نسخ وقد بيناه في غير موضع فكل موضع يكون (النقصان ~~أو الزيادة) لاحقا بالحكم الذي يمكن استعماله فاقتضى ظاهر اللفظ جوازه فهو ~~نسخ، وأما إذا كانت الزيادة في الحكم، والتخصيص واقع في المحكوم فيه فليس ~~في هذا # PageV01P314 # نسخ؛ لأن ما عدا المخصوص قد كان حكمه موقوفا على الدليل كقوله تعالى {وإن ~~كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] ، فهذا تخصيص للمحكوم فيه ولا ~~دلالة له عليه من جهة اللفظ على حكم غير الحامل لا بالإيجاب ولا بالنفي. # وكذلك قوله تعالى {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} ~~[النساء: 25] فيه تخصيص المحكوم فيهن بالصفة المذكورة فلا دلالة فيه على ~~تخصيص الحكم، ولا على أن غيرهن ليس في حكمهن وكذلك قوله ms123 تعالى {ومن قتله ~~منكم متعمدا} [المائدة: 95] إنما فيه تخصيص القاتلين بالذكر لا تخصيص الحكم ~~فلا يدل على أن الحكم مقصور عليهم فإن قيل: قال الله تعالى {فإن كان من قوم ~~عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] فاستدللتم (به) على ~~إسقاط الدية لاقتصاره على ذكر الكفارة دون الدية وخصصتم (به) عموم قوله ~~تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: ~~92] وهو موجب للحكم في المقتول في دار الإسلام. # PageV01P315 # وفي المقتول من أهل (دار) الحرب إذا كان مسلما. قيل له: ليس الأمر (فيه) ~~على ما ظننت لأن قوله تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ} [النساء: 92] لم يدخل فيه ~~المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا وذلك لأنه قال في سياق الخطاب {فإن ~~كان من قوم عدو لكم} [النساء: 92] ولو كان قد تناوله الخطاب الأول لما ~~استأنف له ذكر الأسماء وهو لم يخصه بحكم لم يذكره في قتل المؤمن خطأ لأن ~~ذكر الرقبة قد تقدم أيضا، فغير جائز أن يكون هذا مرادا له وهو قد بين حكمه ~~بدءا ويستأنف له ذكرا ينقض ذلك الحكم بعينه فعلمنا أن قوله تعالى {فإن كان ~~من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: 92] لم يتناوله قوله تعالى {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ} [النساء: 92] وأيضا فإن قوله تعالى {وإن كان من قوم} [النساء: ~~92] شرط ومحال أن يذكر الأول مكررا ويجعله نفسه شرطا مع دخوله في ابتداء ~~الخطاب. # وإذا صح أن هذا كلام مبتدأ لم يتقدم ذكره فيما سبق من خطاب الآية ثم (وجب ~~فيه رقبة) على قاتله لم يجز لنا إيجاب شيء غيرها لأن فيه زيادة في حكم ~~المنصوص عليه (على) ما تقدم (منا بيانه) في غير موضع. فإن قيل: معلوم من ~~خطاب الناس وتعارفهم أن قول القائل إن دخل زيد الدار فأعطه درهما إنما يوجب ~~استحقاق الدرهم بالدخول فإنه (إن) لم يدخلها لم يجز أن يعطى. # PageV01P316 # قيل له: هذا عليك لأن كل عاقل سمع هذا الكلام قد عقل (منه) أنه لم ينهه ~~عن ms124 إعطاء الدرهم إذا لم يدخلها وأنه إنما جعل الدخول شرطا لاستحقاق هذا ~~الدرهم (ومع ذلك فجائز أن يعطيه درهما متبرعا به. ونحن نقول أيضا إن الدخول ~~شرط لاستحقاق هذا الدرهم) ، بعينه ولا يستحقه إلا بالدخول لا لأن اللفظ منع ~~الاستحقاق إلا على هذا الوجه (لكن من جهة أنه) لما كان معلوما أن الاستحقاق ~~غير واقع في الأصل ثم علقه بالدخول أنه مستحق به إذا لم يدخل فحكمه باق على ~~الأصل في جواز الإعطاء أو تركه. # فإن قال قائل: فما تقولون في قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من ~~الإبل السائمة شاة» وهل هذا عندكم على أن غير السائمة لا صدقة فيها فإن لم ~~يدل على ذلك فأوجبوا الصدقة في العوامل بقوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~خبر آخر «في خمس من الإبل شاة» إذ لم يقيدها بشرط السوم. قيل له: لا فرق ~~بين هذا وبين سائر ما قدمنا من الأشياء المخصوصة بالذكر إذا علق بها حكم ~~وأن هذا لا يدل عندنا على أن غير السائمة لا صدقة فيها وإنما أسقطنا صدقة ~~(غير) السائمة بدلائل أخر وإلا فلو خلينا والخبرين اللذين في أحدهما ذكر ~~السوم وفي الآخر إسقاطه لأوجبنا الصدقة في غير السائمة. فإن قال قائل: هذا ~~الاعتبار يؤدي إلى إسقاط فائدة التخصيص فالواجب أن يثبت للتخصيص فائدة ~~محددة ولا فائدة فيه إلا دلالته على أن الحكم في غيره بخلافه. # PageV01P317 # قيل له: فقد تركت دعواك الأولى في دلالة اللفظ وانتقلت إلى أن افتقار ذكر ~~التخصيص إلى الفائدة هو الموجب لما ذكرت فنقول لك الآن خبرنا عنك أتقول إنه ~~لا فائدة في ذكر التخصيص إلا دلالته على أن حكم ما عداه بخلافه. فإن قال: ~~كذلك أقول. قيل له: ولم قلت هذا، و (ما) أنكرت أن يكون فيه فوائد أخر غير ~~ما ادعيت. ثم يقال له فينبغي أن يدل قوله تعالى {فلا تقل لهما أف} ~~[الإسراء: 23] على أن له أن يزدريه ويضربه لأن هذا هو فائدة تخصيص هذا ~~اللفظ بالذكر. # وينبغي أن ms125 يدل قوله تعالى {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] ~~على أن لنا قتلهم إذا لم نخش الإملاق. ويدل قوله تعالى {فلا تظلموا فيهن ~~أنفسكم} [التوبة: 36] على أن لنا أن نظلم أنفسنا في غيرهن إذ لا فائدة ~~للتخصيص (بالذكر) إلا هذا، ومتى أخلينا اللفظ من هذه الفائدة حصل ذكر ~~التخصيص غير مقيد. وغير جائز أن يكون (في) كلام الله تعالى ما لا يفيد، ~~فإذا قد بطل أن يكون فائدة التخصيص ما ذكره. فإن قال: إنما جعلنا ما عدا ~~المذكور في حكم المذكور في هذه الأشياء التي ذكرناها بدلالة وإلا فقد كان ~~حكمها أن تكون بخلاف حكم المذكور. قيل له: فيجوز عندك أن يرد عن الله تعالى ~~كلام فيه تخصيص بعض الأشياء بالذكر ثم تقوم الدلالة على أنه لا فائدة في ~~تخصيصه إياه بذلك. # PageV01P318 # فإن قال: نعم ارتكب ما لا يرتكبه مسلم ويقال له مع ذلك فما أنكرت أن يكون ~~ذكر التخصيص لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه. ومع ذلك فلا فائدة في ~~التخصيص إذا قد جوزت أن يخص الله عز وجل شيئا بالذكر، ولا يكون في تخصيصه ~~إياه به فائدة. فإن قال: لتخصيص الله تعالى، هذه الأشياء بالذكر فائدة، وإن ~~لم يدل على أن حكم ما عداها بخلافها. قيل له: فما أنكرت إلا أن يدل التخصيص ~~على أن ما عداه فحكمه بخلافه وتكون فائدته قائمة من غير هذا الوجه. ثم يقال ~~له: ما فائدة تخصيص الميتة والدم ولحم الخنزير (بالتحريم) وهاهنا أشياء أخر ~~محرمة غيرها. وما وجه تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم التفاضل في ~~الأصناف الستة وهذا ما هو في حكمها (مما) لم يذكره. ومعلوم أن جميع ذلك لم ~~يخل من فوائد وإن لم يدل على أن حكم ما عداها بخلافها، و (عندنا) أن جميع ~~ما خص بالذكر ونصب عليه حكم ففي تخصيصه أجل الفوائد بأن يكون حكم هذا ~~المخصوص معقولا من النص وما عداه موكولا إلى اجتهادنا وألزمنا (بعد) ذلك ~~طلب الدلالة على حكم غيره هل ms126 هو في مثل حكمه أو بخلافه ليظهر بذلك فضيلة ~~المستنبطين (وما وعدهم به من الثواب الجزيل ولو نص على الجميع لقصر بنا عن ~~رتبة المستنبطين) وحرمنا به بلوغ منزلة الناظرين. # PageV01P319 # وزعم بعض المخالفين أنهم يخصون العموم بدلالة التخصيص على مخالفة حكم ما ~~عداه له لأنه أقوى من الخطاب في زعمه كما أن المفسر يخص المجمل والقياس يخص ~~الظاهر. وقد دللنا على فساد هذه المقالة إلا أنا مع ذلك لا ندع (بيان) فساد ~~هذا الفرع إذا سلم لهم ما ادعوه في الأصل. فنقول لهم: لم زعمتم أن هذا ~~الضرب من الدليل يخص الظاهر. فإن قال: كما أخصه بلفظ غيره وكما أخصه ~~بالقياس. قيل له: ولم قلت إن هذا مثل القياس ومثل لفظ آخر (هو) أخص منه فلا ~~ملجأ في ذلك (إلا) إلى دعوى عارية من البرهان. # ثم يقال له: أليس هذا الضرب من الدليل يجوز فيه التخصيص عندك كما يجوز في ~~العموم فلم جعلت الدليل حاكما على العموم دون أن تجعل العموم حاكما عليه ~~وهلا جعلت أقل أحوالهما أن يتساويا فلا يكون القضاء بأحدهما على الآخر أولى ~~من أن يقضي بالآخر عليه وليس هذا مثل القياس لأن القياس لا يجوز فيه ~~التخصيص عندك مع وجود العلة ولأنه غير جائز وجود قياس لا يوجب حكما رأسا ~~ويجوز وجود هذا الضرب من الدليل غير موجب لحكمه على (نحو ما مر) . ثم يقال ~~له هلا جعلت العموم أولى منه لأنه غير جائز وجود عموم لا يتعلق به حكم # PageV01P320 # في شيء (مما ورد به) وقد جاز وجود المخصوص بالذكر غير موجب للحكم فيما ~~عداه رأسا فهلا جعلت العموم قاضيا عليه لهذه المزية التي ليس كدليلك هذا. ~~وأيضا: فإن العموم أصل وهذا فرع عليه فلم تركت الأصل به وجعلته أولى منه. # وأما قوله كما يخص المفسر المجمل فإن المفسر مذكور وكذلك المجمل فلا ~~يمتنع أن يقضى بأحدهما على الآخر وعلى أنهم قد نقضوا ذلك فقالوا إن قليل ~~الرضاع لا يحرم حتى تكون خمس رضعات لما روي ms127 عن عائشة - رضي الله عنها - ~~«أنه كان لا يحرم إلا عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس فتوفي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهن مما يتلى» وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«لا يحرم الرضعة ولا الرضعتان» ودليل هذا الخبر يوجب تحريم ما زاد على ~~الرضعتين فينبغي أن يخص به الخمس رضعات ويجعل الخمس في الكثير الذي كان ~~يوجب التحريم ثم نسخ. ثم يقال له: خبرنا عن دليلك هذا إذا عارضه القياس ~~أيهما يكون أولى؟ . فإن قال: هو أولى من القياس. قيل له: ولم قلت هذا وهلا ~~جعلت القياس أولى منه إذ كان (دليلك هذا) يجوز فيه # PageV01P321 # التخصيص ولا يجوز مثله عندك في القياس وهلا جعلتهما متساويين إذا تعارضا ~~فيسقط حكمهما جميعا. # وعلى أن قوله إن هذا (الضرب) من الدليل أولى من القياس على أصله لأنه ~~يوجب على المخطئ جزاء الصيد ويوجب على قاتل العمد كفارة قياسا ودليله هذا ~~ينفي وجوب الجزاء على المخطئ والكفارة على قاتل العمد لأن الله تعالى خص ~~العامد بالذكر في جزاء الصيد فقال تعالى {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} [المائدة: 95] وخص المخطئ بالذكر في كفارة القتل فقال ~~تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] . ودليل الخطاب ~~عندك ينفي موجب القياس ثم جعلت القياس أولى منه. فإن سألنا سائل عن قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الولاء لمن أعتق» هل (دل) هذا القول ~~(منه) على أن ما لم # PageV01P322 # يكن بالصفة المذكورة فبخلاف حكمه. # قلنا له نعم وليس هذا مما كنا فيه في شيء وذلك لأن قوله (الولاء) اسم ~~للجنس لدخول الألف واللام عليه إذ لم يشر به إلى معهود فيتناوله دون غيره. ~~فلما كان كذلك انتظم كل ما يتناوله الاسم منه في كونه للمعتق أو لغيره ~~وكذلك قوله - عليه السلام - «البينة على المدعي» اسم للجنس فيتناول كل بينة ~~صارت على المدعي فلم يبق هناك بينة ms128 تكون على غير المدعي. وكذلك قوله ~~«اليمين على المدعى عليه» يتناول جنس اليمين الواجبة (بالدعاوى) فصارت على ~~المدعى عليه فلم يبق هناك يمين تكون على المدعي ونحو ذلك قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» فتناول كل صدقة فما من صدقة ~~إلا وهي داخلة في اللفظ موجبة بشرط الغنى ودل على أن سائر الصدقات لا تجب ~~(إلا) على الأغنياء وأن الفقير لا صدقة عليه إن لم يبق هناك صدقة لم ~~يستوعبها اللفظ فتكون موقوفة في كونها على غني أو (على) فقير (فمن هذه) ~~الجهة تتناول هذه الألفاظ نفي الحكم المذكور لها عما عداها لا من جهة ~~تخصيصه لها بالذكر وهذا واضح وبالله التوفيق. # PageV01P323 ### | [باب القول في حكم المجمل] # قال أبو بكر: قد بينا فيما سلف صفة المجمل ونبين الآن بعون الله حكمه وما ~~يجب فيه. فنقول إن المجمل على ضربين: أحدهما: ما لا يعلم معناه من لفظه ولا ~~يمكن استعمال شيء منه فيما علق به الحكم نحو قوله تعالى {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] «وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ أعلمهم أن ~~الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «أمرت ~~أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها» ونحوها من الألفاظ التي لا # PageV01P327 # تنبئ عن المعاني المراد بها فيكون حكم ما (كان) هذا وصفه موقوفا على ~~البيان. # والضرب الآخر منه: ما يمكن استعمال حكمه في أقل ما يتناوله لفظه. وقد ~~يجوز أن يراد به أكثر منه فينتظم الجملة حينئذ معنيان: أحدهما: لزوم ~~استعمال الحكم في أقله. والآخر: أن الزيادة على الأقل موقوفة على البيان، ~~فمتى ورد البيان بمقدار أكثر مما تضمن اللفظ وجوبه بينا أن ذلك كان مرادا ~~باللفظ الأول وذلك نحو أن يطلق لفظ الأمر من غير ذكر المأمور به نحو قوله ~~صلوا وصوموا وحجوا ونظائره. وقد علم قبل ذلك ما الصلاة والصوم والحج فأقل ~~ما تناوله لفظ الأمر ms129 إيجابه صلاة واحدة وصوما واحدا وحجا واحدا. # ولا يلزمنا في أكثر منه لأن الأكثر لا نهاية له ولا مقدار معلوم بينها ~~الله تعالى فاحتاج من أجل ذلك إلى البيان. وكذلك قول القائل: أعط هذه ~~الدراهم رجالا بعد سنة أقل ما يتناوله الاسم منهم ثلاثة وما زاد فجائز أن ~~يكون مرادا باللفظ فإذا قال بعد ذلك قبل مجيء وقت تنفيذ الأمر (هم # PageV01P328 # عشرة) لم يكن ذلك زيادة على الأمر الأول بل بيانا أن هؤلاء كلهم كانوا ~~مرادين به كذلك إذا ورد البيان بعد قوله صلوا بمقادير أعداد الصلوات كان ~~ذلك بيانا أن جميع ذلك كان مرادا باللفظ الأول. # وقد كان في أصحابنا المتأخرين من يأبى ذلك ويقول إن هذا بمنزلة لفظ ~~العموم غير جائز في مثله ورود البيان بإرادة الأكثر إن لم يكن اللفظ مقتضيا ~~لاستعمال حكمه في جميع ما يصلح له وإنما يرد بعد ذلك مما يوجب زيادة في عدد ~~الصلوات فيه في قوله صلوا وفي عدد الرجال في قوله أعط رجالا أنه يكون حكما ~~مستأنفا غير جائز أن يكون مرادا بالكلام الأول. قال وذلك أن اللفظ تناول ~~صلاة واحدة. وقوله أعط رجالا تناول رجالا ثلاثة بغير أعيانهم فلا يجوز ورود ~~البيان فيه بإرادة أكثر من ثلاثة. ولا أنه أراد رجالا بأعيانهم إلا أن يكون ~~ذلك متصلا بالأمر فلا يستقر حكم الأمر إلا مع استقرار العدد وصفته. (فأما ~~إذا) أطلقه ولم يعقبه بيان عدد الرجال وصفتهم وأعداد الصلوات ومقاديرها ~~فغير جائز ورود البيان بعد ذلك لأن المراد كان أكثر من ثلاثة رجال وأن ~~المراد بقوله صلوا أكثر من صلاة واحدة، ومتى ورد بعده ذكر عدد أو صفة علمنا ~~أنه زيادة في الأمر الأول وحكم مستأنف لم يتضمنه اللفظ المتقدم ولم يوجبه ~~ولا يكون ذلك إلا على وجه النسخ على حسب ما نقوله في حكم الزيادة في النص. # قال: لأن تجويز ذلك يؤدي إلى إبطال القول بالعموم لأن قوله صلوا إن كان ~~يصلح للواحدة من الصلوات كما يصلح لما فوقها فلا ms130 دلالة فيه على أنه أريد به ~~الواحدة لا محالة فلم أوجبت به أقل ما يقع عليه الاسم وإن كان مبنيا على ~~التعليق بالبيان فما أنكرت ألا يجب به مجيء اللفظ المجمل الموقوف (على ~~البيان) لا يجب به شيء ويجب التوقف فيه إلى أن يرد التفسير وما أنكرت أن ~~يكون من حيث كان مفهوما بنفسه لم يكن شيئا فيه موقوفا على ما # PageV01P329 # يأتي بعده ولو ساغ هذا لساغ لأهل الخصوص والوقف قولهم إن العموم كله مجمل ~~محتاج إلى تفسير وإن صورته صورة توجب التعليق بما، يرد من البيان. قال أبو ~~بكر: فالذي حصل من هذا القول أن كل لفظ أمكن استعماله على وجه فلا إجمال ~~فيه أصلا ولا يجوز أن يتأخر البيان فيه إن كان مراده أكثر مما اقتضى اللفظ ~~وجوبه واستعمال حكمه، وأن المجمل عنده قسم واحد وهو الذي لا يمكن استعمال ~~حكمه على وجه ويكون موقوفا على البيان. قال أبو بكر: والصحيح عندنا هو ~~القول الأول وهو عندي مذهب أصحابنا أيضا؛ لأن مسائلهم تدل عليه ولأنهم ~~قالوا فيمن قال لرجل طلق امرأتي فطلقها ثلاثا وقال الزوج أردت ذلك طلقت ~~ثلاثا. وإن طلقها واحدة وقال الزوج كذلك أردت وقعت واحدة فجعلوا لفظ الأمر ~~مختصا بأقل ما يتناوله وهو الواحدة وجعلوه مع ذلك محتملا للثلاث لولا ذلك ~~ما عملت النية في إرادتها لأن النية لا تأثير لها في إيقاع طلاق لا يحتمله ~~اللفظ. # وقال أصحابنا أيضا فيمن أذن لعبده في التزويج: أن ذلك يقتضي (تزويج) ~~امرأة واحدة لا أكثر منها فإن زوج امرأتين في عقد (واحد) لم يصح نكاح واحدة ~~منهما لأن الأمر تناول واحدة منهما ولم يتناول الأخرى فتحصل المنكوحة ~~المأذون في نكاحها مجهولة وذلك لا يصح وقالوا: فإن قال المولى عنيت امرأتين ~~جاز نكاحهما جميعا فقد جعلوا لفظ الأمر # PageV01P330 # يصلح لما فوق الواحدة وإن كان ظاهره إنما اقتضى نكاح امرأة واحدة فهذا ~~يدل على أن قوله صلوا قد يتناول صلاة واحدة وأنه يحتمل مع ذلك أن يراد به ~~أكثر ms131 منها. فلما كان للاحتمال مساغ في ذلك جاز أن يكون ما زاد على الواحدة ~~في معنى المجمل الذي يجوز تأخير بيانه. # ومتى ورد فيه البيان علمنا أنه كان مرادا باللفظ وليس إمكان استعمال ~~اللفظ في أقل ما يتناوله ويقع عليه بمانع (من) أن يكون مجملا في الزيادة ~~لأن اللفظ قد تضمن معنيين معنى حكم معلوم مفهوم المقدار ومعنى الإجمال في ~~أكثر منه. وكذلك قوله أعط هذه الدراهم رجالا بعد سنة من حيث صلح أن يكون ~~اللفظ عبارة عن الثلاثة وعما فوقها فقد عقلنا من اللفظ ثلاثة وما زاد عليها ~~فجائز أن يكون حكم ما زاد (موقوفا) على بيان يرد فيه قبل مجيء وقت تنفيذ ~~الحكم. # فإن قال (قائل) : قوله أعط رجالا بعد سنة يمكن استعماله في الثلاثة فهلا ~~استعملته فيهم ومنعت الإجمال فيه. قيل له: لأن الإجمال الذي وصفناه يوجب ما ~~ذكرنا فصار كقوله قد أردت بالإعطاء ثلاثة وما زاد عليها فموقوف الحكم على ~~البيان، وهو بمنزلة قوله لقيت رجالا فالذي يلزمه في الحال اعتقاد ثلاثة ~~منهم ويجوز ورود بيان في الثاني بأنهم كانوا أكثر من ذلك، وليس هذا بمنزلة ~~العموم لأن قوله صلوا ليس فيه لفظ عموم في المأمور به لأنه غير مذكور باسم ~~ينتظم جماعة منه وإنما ذكر فيه الفعل فحسب والمفعول غير مذكور. وقد علمنا ~~أن أقل ما أريد به صلاة واحدة. وفي اللفظ احتمال لإرادة أكثر منها ولا ~~نهاية للأكثر فكان مجملا من هذا الوجه. # PageV01P331 # وأما لفظ العموم فإنه اسم لجميع ما انطوى تحته ليس بعض ذلك بأولى (به) من ~~بعض فلذلك وجب استعمال الجميع ولم يكن فيه إجمال إذ لا إجمال (فيه) . وكذلك ~~قوله أعط رجالا عشرة دراهم بعد سنة فالمتيقن من المراد ثلاثة وما عداهم فهو ~~محتمل لأنه معلوم أنه لم يرد به رجال الدنيا كلهم وإنما أراد (به) بعضهم ~~فكان في ذلك البعض إجمال لما فوق الصلاة فلذلك كان في معنى المجمل المفتقر ~~إلى البيان، ولو قال أعط هذا رجالا ولم يوقت له ms132 وقتا ولم يبين له شيئا غير ~~ذلك لكان هذا على ثلاثة وهو مخير في الزيادة لأنه قد لزمه تنفيذ الحكم في ~~الحال فيما يمكن استعماله. فما يتناوله اللفظ وفي تركه البيان دلالة على أن ~~ما زاد على الثلاثة فهو مخير فيه لأنه قد لزمه إعطاء العشرة دراهم في الحال ~~ولا يمكنه إنفاذها في الحال إلا على هذا الوجه. فالثلاثة لا محالة مرادة ~~وما زاد فهو (فيه) بالخيار إن شاء أعطاهم منها وإن شاء اقتصر على الثلاثة ~~كما أن له الخيار في أن يعينها فيمن شاء من المعطين وإن لم يقتض اللفظ ~~التعيين. # ومما يشاكل هذا المعنى قول الله تعالى {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون ~~في البحر} [الكهف: 79] قد لزمنا اعتقاد كونهم ثلاثة ويجوز أن يكونوا أكثر ~~منها ويحتمل في هذا أن يقال إنه يلزمه أن يعطيها ثلاثة لا أكثر منهم لأن ~~الثلاثة متيقنة والزيادة لم يثبت أنها مرادة. # PageV01P332 # وقد قال أبو حنيفة فيمن قال والله لا أكلمك أياما أنه على ثلاثة أيام، ~~وعلى معنى قوله أعط هذا رجالا قوله تعالى {فكفارته إطعام عشرة مساكين} ~~[المائدة: 89] لما ألزمه تنفيذ الحكم في العشرة لم يكن حكمه موقوفا على ~~بيان عشرة بأعيانهم أو بأوصاف يخصون بها دون غيرهم بل هو في كل عشرة. ومتى ~~ورد بعد ذلك لفظ يوجب تخصيص الإطعام في عشرة بأعيانهم أو عشرة مخصوصين ~~بأوصاف دون غيرهم كان ذلك زيادة في حكم الأول وذلك ما لا يجوز عندنا إذا ~~تراخى عن حال لزوم الفرض وإمكان تنفيذ الحكم إلا على وجه النسخ لأن هذا ~~اللفظ ليس فيه احتمال بل (هو) موجب لإعطاء عشرة مساكين أي مساكين كانوا ~~فلذلك كان الأمر فيه # PageV01P333 # على ما وصفنا. # قال أبو بكر: ومن الألفاظ ما يجوز أن يكون مجملا ويجوز أن يكون عموما على ~~حسب دلالة الحال وذلك لأن قوله {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] لا يخلو (من) ~~أن يريد به صلاة معهودة قد عرفوها قبل ذلك فانصرف الأمر إليها فتناول جميع ~~تلك الصلوات (على شرائطها وأوصافها المعهودة ms133 لها وإن لم يكن هذا القول ~~إشارة إلى معهود من الصلوات) فهو مجمل مفتقر إلى البيان لأن لفظ الصلاة ~~مجمل إذ كان قد أريد بها (في) الشريعة معان لم يكن اللفظ موضوعا لها في ~~اللغة فهو مجمل موقوف الحكم على البيان. وأما بعد استقرار أمر الصلاة ~~والصوم وسائر ألفاظ الشرع على المعاني المتعارفة المعهودة لها فإنه متى ~~أطلق منها شيء فهو منصرف إلى ما استقرت معاني هذه الأسماء عليه. ألا ترى أن ~~القائل منا إذا قال لآخر صل الظهر وصم رمضان كان معلوما عنده مراد القائل. # PageV01P334 ### | [باب حكم الكلام الخارج عن سبب] # قال أبو بكر: كل كلام خرج عن سبب فالحكم له لا للسبب فإذا كان أعم من ~~السبب وجب اعتبار حكمه بنفسه دون سببه. # PageV01P337 # ومن الناس من يعتبر السبب ويجعل حكم السبب مقصورا عليه وإن كان عموما في ~~نفسه وهذا عندنا خطأ إذا لم تقم الدلالة على وجوب الاقتصار به على السبب ~~وذلك لأن كل لفظ فحكمه قائم بنفسه إلا أن تقوم الدلالة على إزالته عن موجبه ~~ومقتضاه وليس في كونه خارجا على سبب ما يوجب تخصيصه والاقتصار بحكمه على ~~سببه وذلك لأنه # PageV01P338 # ليس يمتنع أن يريد الله تعالى بإنزاله الحكم بيان حكم السبب وحكم غيره ~~عند وجود هذا السبب كما ينزل حكما عاما من غير سبب تقدم. فإذا ليس في نزوله ~~على سبب ما يوجب الاقتصار به عليه. # PageV01P339 # فمن قصره على السبب فإنما خص اللفظ وأزاله عن حقيقته بغير دلالة. # وقد اعتبر هذا المعنى الذي ذهبنا إليه سائر الفقهاء الذين يعتد بأقاويلهم ~~في كثير من الأحكام النازلة على أسباب نحو قوله تعالى: {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] إلى آخر القصة روي أنها نزلت في شأن ~~العرنيين الذين ارتدوا وقتلوا الراعي وساقوا الإبل. والحكم عام عند سائر ~~الفقهاء في المرتدين وأهل الملة. وإن كان سبب نزولها قوما مرتدين محاربين ~~ومنه آية الظهار كان سبب نزولها أن أوس بن الصامت # PageV01P340 # ظاهر من امرأته فأنزل الله تعالى ذلك وكان ms134 سبب نزول آية اللعان أن هلال ~~بن أمية قذف امرأته بشريك ابن سحماء فكان عموما في سائر الناس وكان سبب آية # PageV01P341 # القذف القوم الذين قذفوا عائشة الصديقة - رضي الله عنها - فأنزل الله ~~تعالى {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} [النور: 11] إلى آخر القصة فحكم ~~بكذبهم إن لم يقيموا بينة على (صدق) مقالتهم وقذفهم وهو حكم عام في سائر ~~القاذفين. # ومن الألفاظ ما ذكر معه السبب الذي ورد فيه وكان الحكم فيه لعموم اللفظ ~~دون السبب كقوله تعالى {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187] ~~إلى آخر القصة. # كان السبب فيه أنه كان محظورا عليهم أن يفطروا بعد النوم ليلا فنام بعض ~~الصحابة قبل أن يفطر ثم أفطر فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل ~~الله هذه الآية وساق فيها القصة والسبب الذي من أجله نزلت ثم قال {فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] إلى قوله تعالى # PageV01P342 # {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] وهذه الإباحة عامة فيمن اختان ~~نفسه، و (في) غيره وقال تعالى {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} [التوبة: 118] ~~إلى قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] فذكر قصتهم وسبب نزول ~~(هذه) الآية ثم كان وجوب الصدقة عاما على من كان بصفتهم وعلى غيرهم. وكذلك ~~قوله تعالى {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل ~~الله} [المزمل: 20] إلى قوله تعالى {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] . # PageV01P343 # فذكر السبب الذي أباح ترك قيام الليل من المرض والضرب في الأرض، والحكم ~~عام فيمن هذه صفته وفي غيرهم ومثله كثير في القرآن وهو يدل على أن الحكم ~~للاسم لا للسبب. فإن قال قائل: خروج الكلام على سبب كخروجه مخرج الجواب. ~~ومعلوم أن حكم الجواب أن يكون مقصورا على ما صار جوابا عنه. قيل له: ليس ~~الأمر فيه عندنا على هذا الإطلاق بل (هو) عندنا على وجهين منه ما يكون ~~الجواب فيه لفظ عموم ينتظم ما هو جواب عنه وغيره، ومنه ما يكون حكمه مقصورا ~~على ما هو جواب ms135 عنه. # فأما الأول: فإن الحكم فيه جار على اللفظ إذا كان مستقلا بنفسه حتى يقوم ~~الدليل على وجوب الاقتصار به على ما هو جواب عنه. # والثاني: هو ما (لا) يستقل بنفسه واقتصر إلى تضمينه بغيره فهذا حكمه ~~مقصور على الجواب. نظير الأول قوله تعالى {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب ~~الله لكم} [البقرة: 187] إلى آخر القصة. وقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} ~~[التوبة: 103] ونحوها من الألفاظ المكتفية بنفسها عن تضمينها بغيرها مع ~~اشتمالها على ما هي جواب عنه. وعلى غيره فلم يكن حكمها مقصورا على الجواب. ~~ونظير هذا الوجه الثاني مما لا يستقل بنفسه قوله تعالى {فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] (فقولهم نعم) ، لا يفيد إلا على وجه ~~الجواب فصار معناه مطابقا لما # PageV01P344 # هو جواب عنه لا زائدا ولا ناقصا وصار الجواب مضمرا فيه وعلى الاعتبار ~~الذي قدمناه قلنا في قوله تعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق} [الأنعام: 121] إنه عموم في كل ما تركت التسمية فيه عامدا وإن ~~كان قد روي أنها نزلت في شأن الميتة حين جادل المشركون المسلمين فقالوا لهم ~~تأكلون مما قتلتموه ولا تأكلوا مما قتله الله فلم نعتبر السبب وأجرينا ~~الحكم على اللفظ ومنه ما روي أن حكيم بن حزام قال رسول الله إني أرى الشيء ~~في السوق ثم يطلبه مني طالب فأبيعه ثم أشتريه فأسلمه فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا تبع ما ليس عندك» فهذا عموم في كل بيع لما ليس عند الإنسان سواء ~~كان عينا أو في الذمة ومثل هذا كثير في القرآن والسنن وفيما ذكرنا تنبيه ~~على ما تركنا. # PageV01P345 # وقد يجيء من الكلام ما يكون حكمه مقصورا على السبب الذي خرج عليه إلا أن ~~ذلك لا يجوز حمله عليه إلا بدلالة كما يخص سائر العموم بالدلائل وذلك نحو ~~قوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: ~~145] عمومه ينفي أن يكون (هناك) شيء محرم غير المذكور في الآية إلا ms136 أنه لما ~~روي أن ذلك نزل فيما كان المشركون يحرمونه من السائبة والوصيلة والحام صار ~~تقديره {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] مما يحرمونه إلا ~~كيت وكيت. وإنما كان ذلك كذلك لأن الدلالة قد دلت على أن هاهنا أشياء أخر ~~محرمة غير ما ذكر في الآية ونحوها ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سئل عن بئر بضاعة وما يطرح فيها من المحايض ولحوم الكلاب فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - «الماء طهور لا ينجسه شيء» والمعنى أن ما كان حاله حال هذا ~~البئر فهذا حكمه. لأنه معلوم أنه لم يرد به عموم الحكم بطهارة الماء الذي ~~فيه لحوم الكلاب والمحايض. وإنما المعنى أن البئر كان يطرح فيها ذلك ثم ~~نظفت فأخرج ما فيها «فسئل عن الماء الحادث بعد النزح والتطهير فقال أنه ~~طهور لا ينجسه شيء» . وكذلك حديث أسامة بن زيد عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «لا ربا إلا في النسيئة» وهو «أنه سئل عن الجنسين متفاضلا ~~فقال إنما الربا في مثله في النسيئة» . ومتى كان الجواب أخص من السؤال ~~فالحكم له لا للسؤال نحو قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] فقوله ماذا أحل # PageV01P346 # لهم سؤال أعم من الجواب لأنه ينتظم الجواب وغيره وقوله تعالى: {قل أحل ~~لكم الطيبات} [المائدة: 4] يعني - والله أعلم - الحلال الذي قد بين الله ~~تعالى حكمه في غير هذا الموضع {وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] ، وذلك ~~أخص من السؤال. ونظيره ما روي عن «عمر أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عما يحل من الحائض فقال لك منها ما فوق الإزار» فغير جائز فيما كان هذا ~~سبيله اعتبار عموم من السؤال في الإباحة بل يجب اعتبار لفظ الجواب فيما ورد ~~فيه فيكون الحكم متعلقا به دون غيره حتى تقوم الدلالة على أن غيره بمثابته ~~في الإباحة والحظر. # PageV01P347 ### | [الباب السابع عشر في حرف النفي إذا دخل على الكلام] # باب حرف النفي ms137 ما حكمه إذا دخل على الكلام؟ . قال أبو بكر: حرف النفي قد ~~يدخل على الكلام ويراد به نفي الأصل نحو قوله تعالى {لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما} [الواقعة: 25] وقوله تعالى {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} ~~[الحديد: 15] ، ونحو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا نكاح إلا بولي» ~~و «لا نكاح إلا بشهود» ، و «لا صلاة إلا بقراءة» وقد يراد به نفي الكمال مع ~~بقاء الأصل نحو قوله تعالى {إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [التوبة: 12] ~~ثم قال تعالى {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} [التوبة: 13] فنفاها بدءا ~~ثم أثبتها ثانيا فعلمنا أنه لم يرد به # PageV01P351 # نفي الأصل وإنما أراد نفي الكمال يعني لا أيمان لهم وافية يفون بها ومثله ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ، و «من ~~سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له» ، و «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» ~~و «لا دين لمن لا أمانة له» . ونحو قول الشاعر: # لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد # ومعلوم أنه لم يود نفيه عن أن يكون متسما بذلك ومعدودا من جملة الناس ~~وأنه أحدهم وإنما أراد لست من أحد يؤبه له ويعتد به. فقد ثبت بما وصفنا أن ~~حرف النفي قد ينفى به الأصل تارة والكمال أخرى مع ثبات الأصل وغير جائز أن ~~يراد به الأمران جميعا في حال واحدة لأنه إذا أراد نفي الأصل لم يثبت فيه ~~شيء ومتى أراد إيجاب النقص ونفي الكمال فقد دل لا محالة على أن شيئا منه قد ~~ثبت وأنه مع ذلك غير كامل وهذا لا يصح أن يوصف به ما لم يثبت منه شيء. لأنا ~~متى قلنا إن هذه صلاة ناقصة فقد أثبتنا منها شيئا ناقصا لأنه لا يصح أن ~~يوصف ما لم يثبت منه شيء بالنقصان إذ كان النقصان هو فوات البعض مع ثبات ~~الأصل. فثبت # PageV01P352 # بذلك أنه غير جائز أن يراد به الأمران جميعا من نفي الأصل ms138 ونفي الكمال في ~~حال واحدة. ثم ما بعد هذا من حكمه مختلف فيه عند الإطلاق. # فقال قائلون: اللفظ محتمل للأمرين وليس هو بأحد الوجهين أولى منه بالآخر. # وغير ذلك جائز أن يرادا جميعا فغير جائز الحكم به على أحد الوجهين دون ~~الآخر إلا بدلالة كسائر الألفاظ المحتملة للمعاني المختلفة التي لا يصح أن ~~ينتظمها لفظ واحد في حال واحدة نحو القرء المحتمل للحيض والطهر ونظائره من ~~الأسماء. # وقال آخرون: هو عند الإطلاق بنفي الأصل أولى منه بنفي الكمال وإنما الحمل ~~على نفي الكمال بدلالة. # PageV01P353 # قالوا لأن حقيقته نفي ما يدخل عليه فينفي جميعه وإنما يحمل على نفي البعض ~~بدلالة. # و (قد) قال أبو موسى عيسى بن أبان في حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» إنه لما اتفق الجميع على ~~أن ترك التسمية على الوضوء لا يمنع صحته لم يخل الحديث من أن يكون منسوخا ~~أو وهما أو له معنى غير الظاهر لأن التسمية لو كانت من شرط الوضوء لنقلته ~~الأمة كنقلها الظهر أربعا والمغرب ثلاثا ولأمروا من لم يسم بإعادة الوضوء ~~والصلاة. # قال أبو بكر: فدل قوله أن له معنى غير الظاهر (إذ) الذي (يقتضيه) ظاهر ~~اللفظ هو نفي الأصل، و (أنه) إنما صار إلى نفي الكمال بدلالة وهذا القول هو ~~الصحيح عندنا، لأنهم لا يختلفون أن دخوله على الخبر عن الفعل يقتضي نفيه ~~رأسا كقوله تعالى {فاليوم لا يخرجون منها} [الجاثية: 35] وقوله تعالى {لا ~~يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} [البقرة: 162] وهذا ظاهر معقول من اللفظ ~~في دخوله على الاسم أيضا كقولنا لا إله إلا الله (ولا حول) ولا قوة إلا ~~بالله وقوله تعالى {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] ، ~~و {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء} [البقرة: 236] ، و {ليس على الأعمى حرج} ~~[النور: 61] قد اقتضى نفي جميع ما دخل عليه إلا ما استثني # PageV01P354 # منه ولا يحتاج السامع في الوصول إلى العلم بوقوع نفي الأصل إلى ms139 دلالة ~~أخرى من غير اللفظ. وكذلك عقل من قول القائل ليس في الدار أحد وليس عند ~~فلان مال وما جرى مجرى ذلك إذا أطلق اقتضى نفي الجميع ولا يحتاج السامع ~~(له) إلى استفهام القائل في إرادة نفي الكمال أو الأصل بل المفهوم منه نفي ~~الأصل. # وأيضا: فلما كانت حقيقة هذا اللفظ وموضوعه النفي فواجب أن يكون نفي ~~الجميع أولى به حتى تقوم الدلالة على إرادة نفي البعض كلفظ العموم وسائر ~~الألفاظ الموضوعة للمعاني تقتضي إفادة جميع ما وضع له وجعل عبارة عنه حتى ~~تقوم الدلالة على إرادة البعض دون الكل. # PageV01P355 ### | [الباب الثامن عشر في الحقيقة والمجاز] # باب القول في الحقيقة والمجاز قال أبو بكر: في لغة العرب الحقيقة ~~والمجاز. فالحقيقة ما سمي به الشيء في أصل اللغة وموضوعها # PageV01P359 # والمجاز (هو) ما يجوز به الموضع الذي هو حقيقة له في الأصل وسمي به ما ~~ليس الاسم له حقيقة وهو على وجوه نذكرها إن شاء الله. وكان أبو الحسن - ~~رحمه الله - يحد ذلك بأن الحقيقة ما لا ينتفي عن مسمياته بحال. والمجاز ما ~~ينتفي عن مسمياته بحال. نظير ذلك أنا إذا سمينا الجد أبا والأب الأدنى أبا ~~فإن اسم الأب قد ينتفي عن الجد بحال بأن نقول ليس هذا بأبيه في الحقيقة ولا ~~ينتفي ذلك عن الأب الأدنى. # والمجاز على وجوه منها: إطلاق اللفظ مع حذف كلمة يريدها ولم يلفظ بها ~~كقوله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله} [الأحزاب: 57] ومعناه أولياء ~~الله فحذف الأولياء وهو يريدهم لأن الله تعالى لا يلحقه الأذى ولا # PageV01P361 # المنافع، و (لا) المضار ونحو قوله تعالى {واسأل القرية التي كنا فيها} ~~[يوسف: 82] ومعناه (و) اسأل أهل القرية. ولو كان ذلك حقيقة لكانت القرية هي ~~المسئولة، ومحال مسألة الجدران. فإن قيل: إن أهل القرية يسمون قرية إذا ~~كانوا فيها. قيل له: لو كان كذلك لجاز متى أشرنا إلى رجال في القرية أن ~~نقول هؤلاء قرية نريد به الرجال دون البنيان وهذا ممتنع إطلاقا عند كل أحد ~~(ولكان جائزا) أن ms140 يسمى هؤلاء الرجال بعد خروجهم من القرية فنقول إنهم قرية ~~لأن الاسم لهم حقيقة على قول من ينفي المجاز وأن لا يمنع خروجهم منها إطلاق ~~القول بأنهم قرية كما لا يمنع إطلاق القول فيهم بأنهم رجال حيث كانوا فدل ~~امتناع إطلاق اسم القرية على جماعة رجال أن القرية لا تكون اسما للرجال ~~بحال وأن قوله {واسأل القرية} [يوسف: 82] اقتضى إضمار أهلها ومنها ما يكون ~~بزيادة (حرف ليس) منه كقوله تعالى {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ومراده ليس ~~مثله شيء لأنه غير جائز أن يكون المراد نفي التشبيه عن مثله إذ هو (تعالى) ~~لا مثل له فصح أن المراد نفي التشبيه عنه رأسا وأن معناه (أن) ليس مثله شيء ~~وقد وجد مثل ذلك في كلام العرب. وقال الشاعر: # وصاليات ككما يؤثفين # PageV01P362 # وروي في بعض الأخبار وانشق القمر كنصف الجفنة والكاف زائدة في هذا ~~الموضع. # ومنها ما يكون بوضع (لفظ) مكان غيره كقوله تعالى { [039 056] أن تقول نفس ~~يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] يعني في أمر الله يعبر عن ~~الأمر بالجنب، وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم (خليل الله صلوات الله عليه) ~~{واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] وأراد به الثناء الحسن فعبر ~~عن القول باللسان لأن القول به يكون من العباد وقال تعالى {بلسان عربي ~~مبين} [الشعراء: 195] يعني لغة لأن اللغة باللسان تظهر. # «وقالت فاطمة بنت قيس للنبي - صلى الله عليه وسلم - قد خطبني أبو الجهم ~~في جملة من خطبها فقال أما أبو الجهم فإنه رجل لا يضع عصاه عن عاتقه» يعني ~~أنه يضرب النساء فجعل هذا اللفظ عبارة عن الضرب وقد عقل به المبالغة في ~~وصفه بضرب النساء ونحو ذلك قوله تعالى {يوم يكشف عن ساق} [القلم: 42] يعني ~~عن شدة الأمر لأن من عني أمرا عظيما شمر عن ساقه. ومنه ما يراد به التشبيه ~~فيحذف حرف التشبيه اكتفاء بدلالة الحال وعلم المخاطب # PageV01P363 # بالمراد نحو قوله تعالى {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18] والمعنى ~~أنهم كالصم البكم ms141 العمي في عدم الانتفاع بما سمعوا وأبصروا ومنه قول ~~النابغة: # فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # يعني أنك كالشمس. # وقال آخر: # وكنا حسبنا كل أسود تمرة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا # فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # سقيناهم كأسا سقونا بمثله ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # فقال كنا حسبنا كل أسود تمرة فهم ما حسبوا كل أسود تمرة قط. # والمعنى مع ذلك صحيح لأن مراده وكنا كمن حسب كل أسود تمرة في إقدامنا على ~~قتال هؤلاء القوم (و) طمعنا فيهم واستهانتنا بأمرهم ثم قال قرعنا النبع ~~بالنبع بعضه ببعض ومعلوم أنهم لم يقرعوا النبع بعضه ببعض ولم يرد حقيقة ذلك ~~قط وإنما أراد أنا لما قارعناهم وجالدناهم ثبتوا لنا تشبيها بعيدان النبع ~~إذا قرع بعضها ببعض ولا تنكسر لصلابتها ثم قال سقيناهم كأسا سقونا بمثله ~~وما كان هناك كأس ولا سقي وإنما أراد قتلنا منهم وقتلوا منا ولكنهم كانوا ~~على الموت أصبرا يعني أجرأ منا كما قال الله تعالى {فما أصبرهم على النار} ~~[البقرة: 175] يعني فما أجرأهم لأنه لا صبر لأحد على عذاب الله تعالى فذكر # PageV01P364 # الشاعر هذه الألفاظ وهي مجاز وهي من فصيح الكلام وجيده وهو أحسن من ~~الحقيقة في هذا الموضع. # ومنه أن يسمى الشيء باسم غيره على جهة المقابلة والمجازاة، وإن لم يكن ~~ذلك في الحقيقة اسمه ولا يجوز إطلاقه إذا وقع على غير هذا الوجه نحو قوله ~~تعالى {قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} [البقرة: 14] {الله يستهزئ بهم} ~~[البقرة: 15] . وليس (ذلك من الله استهزاء) في الحقيقة ولكنه حين أخبر عن ~~جزاء الاستهزاء سماه باسمه لقوله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: ~~40] والجزاء ليس تشبيها وإنما سماه بها من حيث كانت في مقابلتها ومستحقة من ~~أجلها. # وتقول العرب الجزاء بالجزاء والأول ليس بجزاء فسماه باسم ما يقابله. ومما ~~يسمى باسم غيره للمجاورة أو لأنه (منه) بسبب قولهم للمزادة (و) السقاء ~~راوية والراوية اسم للجمل الذي يحمل ذلك عليه. # وقال أبو ms142 النجم: # تمشي من الردة مشي الجفل ... مشي الروايا بالمزاد الأثقل # PageV01P365 # سميت باسم الجمل للمجاورة. ومنه قولهم للشاه التي تذبح عند حلق رأس الصبي ~~عقيقة. والعقيقة اسم للشعر نفسه فسميت الشاة باسمه لأنه كان (هو) سببها. # ومنه الغائط وهو اسم للمكان المطمئن من الأرض وكانوا يقضون حوائجهم في ~~مثله فسمي ما يخرج من الإنسان به لقرب المجاورة على جهة الكناية. ومنه ~~الجماع كني عنه باللمس (و) بالدخول قال الله تعالى {فإن لم تكونوا دخلتم ~~بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] فهذا أكثر من أن يحصى في اللغة وربما كان ~~المجاز في بعض المواضع أبلغ وأحسن من استعمال الحقيقة فيه وهذا ما لا يدفعه ~~أحد له أدنى معرفة بشيء من لسان العرب وقد وضع أهل اللغة كتبا في المجاز ~~وقالوا هذا (اللفظ) مجاز وهذا حقيقة مشهور ذلك عنهم (متعارف) متعالم بينهم. ~~وربما سمي الشيء بما لا يجوز أن يكون اسما له بحال على وجه يعتبر المخاطب ~~به لأن في زعمه كذلك نحو قوله تعالى: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} ~~[طه: 97] يعني الذي في زعمك أنه إلهك وقوله تعالى {فما أغنت عنهم آلهتهم} ~~[هود: 101] يعني الذين يزعمون بأنهم آلهتهم، ونظيره قوله تعالى {ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم} [الدخان: 49] يعني إنك كنت في زعمك كذلك. # PageV01P366 # وقد أبى بعض من تكلم في (ذلك) بغير دراية أن يكون في القرآن أو في اللغة ~~استعارة وأجاز مع ذلك أن يطلق القول ولا يراد به الحقيقة فمنع لفظ ~~الاستعارة وأعطى المعنى واحتج بأن المستعير هو الآخذ لما ليس له وذلك لا ~~يجوز أن يقال في كلام الله تعالى. فيقال له: فقد أعطيتنا أن في القرآن ما ~~أطلق (على) جهة التشبيه ولم يرد به التحقيق فكأنك إنما خالفتنا في العبارة ~~دون المعنى والمضايقة في العبارة بعد المدافعة على المعنى لا وجه للاشتغال ~~بها. # ولكنا نقول في ذلك إن إطلاق لفظ الاستعارة شائع في اللغة وذلك لأنهم لما ~~وجدوا لفظة حقيقة في موضع قد استعمل في غير موضعه الموضوع ms143 له في أصل اللغة ~~سموه مجازا تارة واتساعا أخرى (واستعارة أخرى) ليفيدوا به أنه ليس إطلاقه ~~على حقيقة معناه في موضوع اللسان وإنما قالوا ذلك إفهاما للمخاطبين وسموه ~~استعارة لأن الاسم موضوع لغيره في الأصل وسمي هذا باسمه ولنا أن نقول إن ~~الله تعالى استعار شيئا لأن لله الدنيا والآخرة، وهو الذي علم الناس اللغات ~~(وهداهم إليها) . # ولكنا نقول لما قال الله تعالى {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] . وقال ~~{إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] وكان في لغة العرب ما ذكرنا من وجوه ~~المجاز والاستعارات فقد علمنا أنه خاطبنا بما في لغتها من ذلك وليس لأن أهل ~~اللغة سموا ذلك استعارة بواجب أن يكون الله تعالى قد استعار شيئا ولكنه ~~خاطبنا بما هو استعارة في اللغة ومجاز واتساع فيها لا على حقيقة موضوعها في ~~الأصل، والأصل في ألفاظ المجاز أن طريقها السمع وما ورد منها في اللغة، ~~وليس يجوز لنا أن نتعدى بها مواضعها التي تكلمت العرب بها. # PageV01P367 # ألا ترى أنه لا يجوز لأحد أن يقول إن الذين يضربون الله ويقتلون الله ~~ويريد (به) يضربون أولياء الله ويقتلون أولياءه لأن في كتاب الله تعالى {إن ~~الذين يؤذون الله} [الأحزاب: 57] ومراده يؤذون أولياء (الله) فلا يستعمل ~~المجاز إلا في موضع يقوم الدليل عليه وإلا فحكم اللفظ أن يكون محمولا على ~~الحقيقة أبدا حتى تقوم دلالة المجاز. # والأسماء الشرعية بمنزلة أسماء المجاز لا يجوز إثباتها إلا من جهة ~~التوقيف أو الاتفاق. # فإن قال قائل: إذا كانت العرب قد تكلمت بما سميته مجازا وبالحقيقة وكل ~~ذلك من كلامها فما أنكرت أن يكون الجميع حقيقة؛ لأن ما سميته حقيقة إنما ~~صار كذلك لأن العرب تكلمت به. # قيل له: لم يكن الحقيقة حقيقة لأن العرب إن تكلمت به دون أن يكون تكلمت ~~به على موضوعاتها في أصل اللغة ثم تجاوزت ذلك فسمت به ما ليس الاسم له في ~~الأصل تشبيها به واتساعا في لغتها (و) اكتفاء بعلم المخاطب بالمراد فلم تسم ~~ذلك حقيقة. فأفدنا بقولنا حقيقة أنه ms144 اسم له في موضوع اللغة فسمي به ذلك ~~الشيء في سائر الأحوال ويفيد بقولنا مجازا أنه مسمى باسم غيره في مواضع ~~مخصوصة لا (نتعدى بها) مواضعها ولا يجري على غيرها وإن شاركت الأول في ~~معانيه فإن كنت إنما أنكرت اللفظ دون المعنى فإنا لا نضايقك في اللفظ سمه ~~أنت بما شئت بعد أن توافق في المعنى وإن كنت # PageV01P368 # إنما خالفت (به) في المعنى رددناك إلى اللغة وأريناك صحة ما ادعيناه فيها ~~بما لا يمكنك دفعه متى أنصفت نفسك وحكمت عقلك وقد ذكرنا منه طرفا وذكر ~~جميعه يعجز عنه الكتاب وبالله التوفيق. # وقد يكون لفظ واحد يتناول ضدين على جهة الحقيقة فيهما جميعا وقد يجوز أن ~~يتناولهما ويكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر. وقد ذكر قطرب النحوي ~~أشياء كثيرة من هذا نحو الجون أنه اسم (للأبيض والأسود) والمسجور اسم ~~للفارغ والملآن ونحو ذلك. (و) مما يكون مجازا في أحدهما حقيقة في الآخر نحو ~~القرء وهو حقيقة للحيض مجاز للطهر والنكاح حقيقة للوطء مجاز للعقد وقد أبى ~~بعض أهل اللغة أن يكون في اللغة اسم واحد لمعنيين متضادين وتكلم في ذلك ~~بأشياء يجري مجرى الهذيان لأن ذلك أشهر في اللغة # PageV01P369 # من أن يمكن أحدا دفعه وإنما تناول هذا الراد على قطرب في هذا الباب ما ~~ذكره على معان بعيدة متعسفة. # وكان أبو الحسن (الكرخي) يقول في اللفظ الموضوع لمعنيين مختلفين ليس يجوز ~~أن يرادا جميعا في حال واحدة بلفظ واحد. # وقد ذكرنا ذلك في أضعاف ما سلف من هذا الكتاب وبينا قول أصحابنا فيه فمتى ~~ورد لفظ يتناول معنيين مختلفين. فإن كان حقيقة فيهما احتجنا إلى دلالة من ~~غيره في إثبات المراد لأن المراد أحدهما وليس واحدا منهما بعينه بأولى (به) ~~من الآخر وغير جائز أن يريد المعنيين جميعا بلفظ واحد وإن كان حقيقة في ~~أحدهما مجازا في الآخر كان اللفظ محمولا على الحقيقة حتى تقوم دلالة المجاز # PageV01P370 ### | [باب القول في المحكم والمتشابه] # قال أبو بكر: كان أبو الحسن - رحمه الله ms145 - يقول المحكم (ما) لا يحتمل إلا ~~وجها واحدا والمتشابه ما يحتمل وجهين أو أكثر منهما. # PageV01P373 # وسبيل المتشابه أن يحمل على المحكم ويرد إليه وذلك في الفقه كثير نحو ~~قوله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] قرئ بالتخفيف ~~وبالتشديد.، فمن قرأ بالتخفيف احتمل أن يكون المراد به عقد اليمين واحتمل ~~أن يريد به اعتقاد القلب بأن يكون قاصدا إلى اليمين فيكون تقديره لما ~~قصدتموه من الأيمان. وتقدير الأول ولكن يؤاخذكم باليمين المعقودة، هي التي ~~تعقد على حال مستقبلة فقراءة التشديد لا تحتمل إلا وجها واحدا وقراءة ~~التخفيف تحتمل معنيين. فوجب حمل ما احتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجها ~~واحدا لأن الله تعالى أمرنا بذلك في قوله تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] فجعل المحكم ~~أما للمتشابه وأم الشيء هي منها ابتداؤه وإليها مرجعه. قال أمية بن أبي ~~الصلت: # PageV01P374 # الأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا وفيها نوأد # فسماها أما لنا من حيث كان منها ابتداء خلقنا وإليها مرجعنا. # ونظيره أيضا قوله تعالى {حتى يطهرن} [البقرة: 222] قرئ بالتخفيف والتشديد ~~فمن قرأها بالتخفيف أراد انقطاع الدم لا يحتمل اللفظ غيره ومن قرأها ~~بالتشديد كان محتملا لانقطاع الدم؛ لأنه يقال طهرت المرأة وتطهرت بمعنى ~~واحد فاحتمل أيضا الاغتسال فلما احتمل معنيين وجب حمله على ما لا يحتمل إلا ~~وجها واحدا وهو انقطاع الدم. # وكان أبو الحسن الكرخي - رحمه الله - يقول أيضا في قوله تعالى {فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} ~~[المائدة: 6] إن قراءة النصب لا تحتمل إلا عطفها على الغسل وقراءة الخفض ~~تحتمل عطفها على الغسل وتكون مخفوضة بالمجاورة ويحتمل (عطفها) على المسح. # PageV01P375 # فلما احتملت قراءة الخفض وجهين ولم تحتمل قراءة النصب إلا وجها واحدا وجب ~~أن تكون قراءة معنى الخفض محمولة على قراءة النصب فتكون الرجل مغسولة. # فإن قال قائل: ذكرت أن المتشابه ما يحتمل الوجوه والمحكم ما لا يحتمل إلا ~~وجها واحدا وقد قال الله تعالى ms146 {كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23] فسمى ~~الجميع متشابها وليس الجميع محتملا للوجوه. # قيل له: قد بين في آية أخرى أن بعضه متشابه في قوله تعالى {منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] فجعل البعض متشابها ~~ويحتمل أن يكون المراد بقوله {كتابا متشابها} [الزمر: 23] أن بعضه متشابه ~~كما قال مثاني وإنما بعضه مثاني لا جميعه وهي سور معدودة. وقيل إنه فاتحة ~~الكتاب لأنها تثنى في كل ركعة وكقوله تعالى {وكذب به قومك} [الأنعام: 66] ~~والمراد بعضهم وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «اللهم اشدد وطأتك على ~~مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وإنما أراد كفار مضر دون مؤمنيهم. # PageV01P376 # وأيضا: يحتمل أن يريد بقوله متشابها أي متماثلا غير مختلف المعنى اختلاف ~~تضاد وإن اختلف اللفظ كما قال تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا} [النساء: 82] يعني اختلاف التضاد وليس ذلك موجودا في القرآن ~~بل كله متفق المعنى في الإتقان. # والحكمة وجهة الدلالة ويكون قوله تعالى {وأخر متشابهات} [آل عمران: 7] ~~(معناه) متشابهات في الظاهر لأنه يشبه المحكم من وجه ويشبه غيره من وجه ~~(فيجب) حينئذ حمله على ما يوافق المعنى ويشبهه دون ما يخالفه وكذلك يجب هذا ~~الاعتبار في كل ما جاء في القرآن من المتشابه في ذكر صفات الله تعالى ~~وأفعاله مما يحتمل في اللغة معنيين فهو محمول على المحكم الذي لا يحتمل إلا ~~معنى واحدا وكذلك ما احتمل من ذلك معنيين وأحدهما يجوزه العقل، والثاني لا ~~يجوزه فهو محمول على ما يجوز في العقل (دون ما لا يجوز) لأن العقل أصل، وهو ~~حجة الله تعالى يجب به اعتبار ما يجوز مما لا يجوز. # PageV01P377 ### | [باب القول في العام والخاص والمجمل والمفسر] # قال أبو بكر: إذا وردت آية عامة توجب حكما ووردت آية خاصة توجب حكما بضد ~~موجب الآية العامة فإن ذلك ليس يخلو من أحد وجوه أربعة: # PageV01P381 # أما أن يعلم ورود الآية الخاصة بعد استقرار (حكم العامة) والتمكين من ~~فعله أو يعلم نزول الآية الخاصة واستقرار حكمها ms147 ثم نزول الآية العامة ~~بعدها. أو يعلم ورودهما معا متصلا بعضها ببعض كاتصال الاستثناء بالجملة. أو ~~لا يعلم تاريخ نزولها. # فأما الوجه الأول: أن يكون العموم متقدما ويرد الخصوص بعد استقرار حكمه ~~والتمكين من فعله، فإن ذلك نسخ لبعض ما اقتضاه بقدر ما قابله منه، ولا يكون ~~ذلك تخصيصا لأن التخصيص بمنزلة الاستثناء يبين أن ما خص منه لم يكن مرادا ~~بلفظ العموم، ولا يجوز أن يتأخر بيان ما كان هذا سبيله لأنه يوجب اعتقاد ~~الشيء على خلاف ما هو عليه من مراد الله تعالى بلفظ الآية فلذلك لم يجز أن ~~يستقر الحكم عليه ثم يرد لفظ # PageV01P383 # التخصيص " (الموجب للحكم) بضده (إلا) على وجه نسخ ذلك نحو قوله تعالى ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4] فكان هذا حكما ثابتا على قاذف الأجنبيات والزوجات بدلالة أن ~~«هلال بن أمية لما قذف امرأته بشريك ابن سحماء قال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ائتني بأربعة يشهدون وإلا حد في ظهرك وقالت الأنصار الآن يجلد ~~هلال بن أمية وتبطل شهادته» في المسلمين. # «وقال عويمر العجلاني أرأيتم لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فإن تكلم ~~جلدتموه وإن قتل قتلتموه وإن سكت سكت على غيظ ثم أنزل الله آية اللعان» ~~فنسخ الحد عن قاذف الزوجات بعد ثبات حكمه، فهذا وما أشبهه نسخ ليس بتخصيص؛ ~~لأنه لا يمنع أن تكون الآية الأولى قد أريد بها عموم الحكم وقت ورودها فيما ~~اشتملت عليه من # PageV01P384 # المسميات وهذا لا يخالف (فيه) إلا من جوز تأخير بيان العموم الذي يمكن ~~استعماله في مقتضى لفظه، وإن كان قائله ليس ممن يعتد (به) لجهله بما يجوز ~~على الله تعالى مما لا يجوز. # وأما إذا تقدم لفظ الخصوص واستقر حكمه ثم ورد العموم بضد موجب حكم الخصوص ~~فإن ذلك عندنا يوجب نسخ ما تضمنه لفظ الخصوص من الحكم متى لم تقم دلالة من ~~غيره على أن العموم مرتب على الخصوص (وكذا) كان يحكي شيخنا أن مذهب ms148 أصحابنا ~~ومسائلهم تدل عليه. وقد جعل أبو حنيفة قوله تعالى " فإما منا بعد وإما فداء ~~" منسوخا بقوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] لأنه ~~نزل بعده. # وقال مخالفنا بترتيب العموم وبنائه على الخصوص، والدليل على صحة قولنا: ~~إن العموم حكمه فيما تضمنه لفظه وهو فيما وصفنا موجب لنفي حكم الخصوص ~~المتقدم له لأنه اسم له ولغيره مما اشتمل عليه لفظه فكأنه ذكر ما تضمنه لفظ ~~الخصوص (وذكر غيره معه لا ينفي أن) يكون (ما قابل) الخصوص منه مذكورا موجبا ~~للحكم بخلاف حكم الخصوص نظير ذلك قوله تعالى {يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير وصد # PageV01P385 # عن سبيل الله} [البقرة: 217] . وقوله تعالى {لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام} [المائدة: 2] فاقتضى ذلك النهي عن القتال في الشهر وهو خاص ~~فيما ورد فيه، ثم قال بعد ذلك {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وكان في هذه الآية الأمر بقتل المشركين عامة من ~~غير تخصيص وقت من وقت فأوجبت نسخ القتال في الشهر الحرام لاشتمال اللفظ على ~~قتلهم عامة من غير تخصيص منه فيه للشهر الحرام فلو لم يذكر في هذه الآية ~~إلا الأمر بالقتال في الشهر الحرام لكان ما ذكره من حظره فيه منسوخا به. # فإذا وردت الإباحة بعموم لفظ تناول إباحته للشهر الحرام وفي غيره لم يجز ~~لنا أن نجعله مرتبا على الخصوص بل واجب أن يكون قاضيا عليه ناسخا (له) كما ~~ينسخه لو أباحه منفردا بذكره دون غيره. وأيضا: فمن حيث كان ورود الخصوص بعد ~~استقرار حكم العموم ناسخا لما قابله منه وجب أن يكون العموم الوارد بعد ~~استقرار الخصوص ناسخا له. فإن قال قائل: إنما يسوغ اعتبار العموم فيما ذكرت ~~إذا لم يتقدمه لفظ خصوص بخلاف حكمه. # PageV01P386 # فأما إذا كان الخصوص متقدما فالواجب أن يكون العموم مبنيا عليه. قيل له: ~~ولم قلت ذلك؟ لأن ما ورد بلفظ الخصوص لا يجوز نسخه بعد ثبوت حكمه؟ فإن قال ~~نعم. قيل له: إنما الكلام بيننا (وبينك) ms149 فيما يجوز نسخه لو أفرد به، فقلنا ~~لا فرق بين إفراده بلفظ خاص لا يزيد عليه فيما تضمنه من الحكم يوجب نسخه ~~وبين وجوب نسخه بلفظ عموم يشتمل عليه وعلى غيره. وإذ جاز نسخه فما الذي ~~يمنع اعتبار العموم الوارد بعده بإيجاب نسخه وما الفرق بين أن يرد بعد ~~الخصوص لفظ يقابل الخصوص لا يزيد عليه بخلاف حكمه وبين أن يرد لفظ عموم ~~ينتظم الخصوص وغيره. ولا خلاف بيننا أنه لو اختص في الحكم الثاني على مقدار ~~ما يقابل الخصوص المتقدم كان ناسخا له فهلا لزمت هذا الاعتبار في إيجاب ~~نسخه إذا ذكر ما يتناول لفظ الحكم المتقدم (ويزيد) عليه. # فإن قال: لأن الحكم الخاص متيقن بثبوته، ونسخه بالعام غير متيقن، إذ جائز ~~أن يكون العام مبنيا عليه فلم يجز نسخه بالشك. قيل (له: ما) معنى قولك إن ~~الحكم الخاص متيقن ثبوته أعنيت به أن كان متيقنا قبل ورود العام الموجب ~~للحكم بخلافه أو أردت أنه متيقن بعد ورود العام؟ . # فإن قال: أردت أنه كان متيقنا قبل ورود اللفظ العام. # قيل له: فهذا ما (لا) يخالف فيه وليس هو موضوع المنازعة فما الدلالة منه ~~على # PageV01P387 # انتفاء نسخه بالعموم الوارد بعده. # فإن قال: إنما أردت أنه متيقن بعد ورود العموم. قيل له: ولم قلت ذلك وهو ~~موضع الخلاف بيننا وبينك فكأنك إنما ذكرت صورة المسألة التي منها الخلاف ~~وجعلتها دلالة على نفسها. # فإن قال: لما كان الحكم الأول متيقنا وجب البقاء على ما كنا عليه حتى ~~يثبت زواله. قيل له: ومن أين وجب ما قلت والأول إنما كان (متيقنا متفقا) ~~على ثبوته قبل ورود لفظ العموم بخلاف حكمه فما الدلالة من هذا الأصل على ~~بقاء حكمه بعد ورود لفظ العموم بخلافه، فلا يرجع به (عليه) إذا حققت عليه ~~المطالبة إلا إلى دعوى عارية من البرهان. ثم يقال (له) : ما أنكرت أن الحكم ~~بما اشتمل عليه لفظ العموم لما كان متيقنا ألا يخص منه شيء بما تقدم لفظ ~~الخصوص بالشك. # فإن قال: ms150 لا يكون موجب حكم العموم متقدما مع تقدم لفظ الخصوص. قيل له: ~~ولا يكون بقاء حكم الخصوص متيقنا مع ورود لفظ العموم الموجب للحكم بخلافه. # فإن قال: لأن الخصوص مع العموم بمنزلة الاستثناء مع الجملة. # قيل له: ولم قلت ذلك والاستثناء لا بد من أن يكون متصلا بالجملة ثابت ~~الحكم معه فما الدليل على بقاء حكم الخصوص بعد ورود العموم بخلافه حتى ~~يجعله بمنزلة الاستثناء؟ . # فإن قال: لأن في بناء العام على الخاص استعمال اللفظين جميعا، وفي إثبات ~~النسخ إسقاط أحدهما، واستعمالهما جميعا أولى من إسقاط أحدهما بالآخر. # PageV01P388 # قيل له: وفي بناء العموم عليه إسقاط حكم العموم (فيما قابل الخصوص منه ~~فلم جعلت إسقاط ذلك أولى من إسقاط حكم الخصوص المتقدم له) . # ، ومعلوم أن استعمال حكم العموم فيما لم يقابل الخصوص عنه غير متعلق ~~باستعمال الخصوص. وإنما يجب أن يعتبر (الاستعمال فيما) تعارض فيه لفظ ~~الخصوص والعموم فلا معنى لقولك إن استعمالهما أولى من الاقتصار به على ~~أحدهما لأنك لم تستعمل مما قابل الخصوص من لفظ العموم شيئا (قط) فصار ما ~~قابل العموم من لفظ الخصوص كخبرين متضادين أحدهما متأخر عن الآخر فيجب ~~استعمال الآخر منهما ويكون الأول منسوخا به وكل ما اعتل به خصمنا (فيه ~~لإثبات) الخصوص عورض به بمثله في إثبات ما قابله من العموم ثم يكون لقولنا ~~مزية في إثبات حكم العموم ليست له في إثبات الخصوص وهي وروده بعده وألا ~~يقضي على الأول وينسخه، والأول (لا) يقضي على الآخر فصار العموم أولى. # ، ومن جهة أخرى إن بناء العام على الخاص ينقل لفظ العموم عن حقيقته إلى ~~المجاز ويجعل وقوع العلم بموجبه فيما عدا الخصوص من طريق الاجتهاد بعد أن ~~كان موجبا (للعلم بمقتضاه) وما اشتمل عليه لفظه وفي وجوب حمل لفظ العموم ~~على الحقيقة وامتناع صرفه # PageV01P389 # إلى المجاز ما يوجب أن يكون ناسخا للخصوص المتقدم. # فإن قال قائل: لما احتمل العام أن يكون مبنيا على الخاص ولم يحتمل الخاص ~~أن يكون مبنيا على العام وجب حمل ms151 ما فيه احتمال على ما لا احتمال فيه. # قيل له: (إن) قولك إن العام يحتمل أن يكون مبنيا على الخاص غلط لأن ~~العموم حكمه فلا احتمال فيه لغيره وإنما يطلق الاحتمال في اللفظ الذي يصلح ~~لأحد شيئين ويحتمل كل واحد منهما ولا يجوز أن يرادا به جميعا مثل القرء ~~المحتمل للحيض والطهر. # ، وأما العموم فمنتظم لجميع ما اشتمل عليه من المسميات فلا احتمال فيه ~~لغيره. وإذا كان ذلك كذلك فالعموم غير محتمل لكونه مبنيا على الخصوص كما ~~قلت إن الخصوص غير محتمل لكونه مبنيا على العموم فقد استويا في هذا الوجه ~~من باب الاحتمال وانفصلنا نحن منكم بورود العموم بعد الخصوص وكونه ناسخا له ~~على ما بينا. # ، وذكر بعض من احتج على عيسى بن أبان في هذا الباب ألفاظا من العموم ~~مبنية على الخصوص رام بها دفع هذه المقالة فمنها ما فساده أظهر من أن يحتاج ~~إلى كشفه، ومنها ما هو ظاهر من بناء العام على الخاص. # ، وجميع ما ذكره وأطال القول فيه يسقط بحرف واحد نحن نذكره ثم نشرع في ~~بيان خطئه في كل شيء أتى به على حياله وتوضيح أن أكثره موضوع في غير موضعه ~~فنقول: إن جميع ما ذكره هذا الرجل لو سلم (له) على حسب ما ادعاه لم يكن ~~(فيه) دلالة على موضع الخلاف بيننا (لأنا لا ننكر) بناء العام على الخاص ~~فنستعملها # PageV01P390 # في حال إذا قامت دلالته ونقضي بالعام على الخاص في حال أخرى فنوجب نسخه ~~(به) فلا دلالة له فيما ذكره على موضع الخلاف. وإنما كان يلزمنا ما ذكر لو ~~قلنا: إنه لا يجوز بناء العام على الخاص (بحال) فهذا يسقط جميع ما ذكره إلا ~~أنا مع ذلك لا ندع الإبانة عن خطئه فيما أورده. فمما ذكره هذا الرجل قوله ~~تعالى {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] قال فهذا عام وقوله تعالى ~~{ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] وهذا خاص قضى على العام، ~~فيقال له هذا ما لا يعترض على موضع الخلاف لأنا إنما ms152 قلنا نقضي بالعام على ~~الخاص إذا ورد بعد استقرار حكم الخاص وأما إذا لم نعلم تاريخهما فإنا قد ~~نبني العام على الخاص إذا قامت (دلالته) . # ، وأيضا فإن في سياق الآية ما يوجب خصوصها وهو قوله تعالى {ولا تسرفوا} ~~[الأنعام: 141] وأكل المال بالباطل من الإسراف فلا يحتاج إلى تخصيصها ~~بغيرها. وذكر أيضا قوله تعالى {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح} [البقرة: 237] (قال) فلم يدل ذلك على جواز عفو المحجور عليه. قال ~~أبو بكر: ونسي أن المحجور عليه ليس بيده عقدة النكاح. وعلى أنه لو كان فيها ~~تخصيص كان بدلالة. # PageV01P391 # ، وذكر قوله - عليه السلام - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها» وأنه لم ينسخه قوله «لا صلاة إلا بطهور» وليس هذا مما نحن فيه في ~~شيء لأن الصلاة اسم شرعي موقوف المعنى على الدلالة فقوله فليصلها (إذا ~~ذكرها) معناه ما تكون صلاة في الشرع ومن فعلها بغير طهور لم يكن مصليا ~~وقوله - عليه السلام - «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» بيان أن الصلاة ما هي ~~إلا تخصيص (فيه) . وأيضا فإن قوله فليصلها إذا ذكرها أمر بقضاء (الفائتة) ، ~~والفائتة إنما كانت صلاة بطهارة ولم تكن صلاة قبل فواتها إلا بهذا الوصف ~~كما لم تكن صلاة إلا بركوع وسجود وسائر شرائطها فإنما أمر بقضاء الفائتة ~~على الوصف الذي حصل عليه الفوات فأي تخصيص في ذلك إذا جمعنا إلى ذلك شرط ~~الطهارة في الصلاة. # PageV01P392 # قال هذا الرجل: وبالذهاب عن هذه الجملة خاصمت قريش النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في قوله تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون} [الأنبياء: 98] حتى ورد {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} [الأنبياء: 101] وهذا أبعد من الأول في جهة الدلالة منه على موضع ~~الخلاف. وذلك أن قوله تعالى {وما تعبدون من دون الله} [الأنبياء: 98] لم ~~يتناول قط غير الأصنام التي عبدت من دون الله لأن " ما " في اللغة لغير ~~العقلاء " ومن " للعقلاء فمن اعترض (عليه) بعبادة المسيح والملائكة ms153 - صلوات ~~الله عليهم - فقد تعسف وذهب عن (معنى) الآية. # ، وقد علمت قريش أن (هذا) اللفظ لم يتناول غير الأصنام ولكنها اعترضت بما ~~ذكرت من عبادة المسيح والملائكة متعنتين له فقالت إن كانت هذه الأصنام في ~~النار لأنها عبدت من دون (الله) فقد يجب مثل ذلك في الملائكة والمسيح لأنهم ~~عبدوا من دون الله. ولكنه أخبر بما يفعله بها في الآخرة والله تعالى لم يقل ~~إن الأصنام في النار لأنها عبدت من دون الله (ولكنه أخبر بما يفعله بها في ~~الآخرة) تعييرا للكفار وإظهارا لتكذيبهم بأنهم يقربونهم إلى الله زلفى. # PageV01P393 # وليس يجب إذا أخبر أنه يجعل الأصنام مع عبدتها في النار أن يكون كذلك حكم ~~(الملائكة والمسيح) (لأنهم) من أنبياء الله تعالى وأوليائه ومن لا يجوز أن ~~يعذبهم في الآخرة. # ثم لم يدعهم وما اعترضوا به حتى أنزل {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] وعلى أن ما سبق من وعد الله تعالى ~~أنبياءه وأولياءه الجنة خبر لا يجوز النسخ والتبديل في مخبره، وقوله تعالى: ~~{إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101] خبر ورد بعده فلا بد له ~~وإن كان مخرجه مخرج عموم من أن يكون مرتبا عليه كما يكون العموم مرتبا على ~~أحكام العقل التي لا يجوز فيها النسخ والتبديل. # ، وذلك ضرب من الدلالة على وجوب ترتيب أحدهما على الآخر وقد عقدنا في أصل ~~المذهب جواز ذلك بدلالة. وأيضا فإن قوله تعالى {وما تعبدون من دون الله} ~~[الأنبياء: 98] لم يرد إلا مرتبا على ما في العقل من امتناع جواز تعذيب ~~الملائكة والمسيح في الآخرة. وذكر أيضا «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأبي بن كعب ألم يقل الله تعالى {استجيبوا لله وللرسول} [الأنفال: 24] حين ~~دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه» . # PageV01P394 # (قال أبو بكر) : وهذا عليه دلالة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبره ~~أن قوله تعالى {استجيبوا لله وللرسول} [الأنفال: 24] قاض على النهي عن ~~الكلام في الصلاة والآية عامة والنهي عن الكلام في الصلاة خاص فأعلمه - ~~عليه ms154 السلام - أن العام قاض على الخاص، والإكثار من مثل هذه الاعتراضات ~~التي ذكرها هذا الرجل إنما يطول بها الكتاب من غير تحصيل ولا فائدة. لأن ~~النكتة التي عليها مدار الباب أن العام قد بني على الخاص بدلالة وقد يقضى ~~عليه إذا لم تقم دلالة (الترتيب) وكل موضع بني فيه العام على الخاص فلم يخل ~~من دلالة أوجبته. # ، وذكر غيره في نحو هذا قوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~[البقرة: 221] ووقوله تعالى {من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29] وليس في ~~ذلك ترتيب عام على خاص، لأن قوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~[البقرة: 221] لم يتناول الكتابيات عندنا لما بيناه فيما # PageV01P395 # سلف من أن إطلاق اسم المشرك يتناول عبدة الأوثان وعلى أنه لو كان عموما ~~لم يعترض على ما ذكرنا من وجهين: أحدهما: أنا إنما قلنا إن العام ينسخ ~~الخاص إذا ورد بعد استقرار حكمه وليس عندنا علم ذلك في هاتين. # والثاني: أنا إنما رتبنا العام عليه لاتفاق السلف عليه إذا لم يعلم تاريخ ~~نزولهما. # ، ونظائر ذلك كثير في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى {فانكحوا ما طاب لكم} ~~[النساء: 3] وقوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] إلى آخره وقوله ~~تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] وقوله تعالى ~~{فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] . # ، وكل ذلك إنما وجب فيه الترتيب لدلائل أوجبته، واعتراض مخالفنا علينا ~~بمثل ذلك كاعتراض نفاة العموم بالآي التي ظواهرها العموم والمراد بها ~~الخصوص واستدلالهم بها على نفي القول بالعموم فقلنا لهم إن الأصل العموم ~~وصرنا إلى الخصوص بدلالة كما أن الأصل في الكلمة الحقيقة (ولا تصرف) إلى ~~المجاز إلا بدلالة. # كذلك نقول فيما (قد) ذكرنا أنا قد دللنا على صحة المقالة بما وصفنا. # ، وكل موضع أريتمونا فيه الترتيب فإنما رتبناه بدلالة فلا يقدح ذلك في ~~أصل المقالة كما لا يقدح وجود لفظ مراده الخصوص في أصل القول في العموم. # PageV01P396 # قال أبو بكر: وقد وجدنا في القرآن والسنة عموما قضى على الخصوص نحو قوله ~~تعالى {يسألونك عن الشهر ms155 الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} [البقرة: 217] ~~إلى آخرها وقوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] عموم نسخ به حظر القتال في الشهر الحرام، وإن كان بعض السلف قد ~~خالفنا فيه جميعا وزعم أن النهي عن القتال في الشهر الحرام ثابت غير منسوخ ~~وهو مذهب عطاء بن رباح. # ، وقد ذكر عيسى بن أبان في نحو ذلك أشياء منها قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا وصية لوارث» عام نسخ به الوصية للوالدين والأقربين وقوله {وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] وجميع ذلك خاص نسخه ~~العام. قال أبو بكر: وقوله {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] ~~يوجب نسخ ذلك أيضا لأن قوله تعالى {من بعد وصية} [النساء: 11] اقتضى وصية ~~منكورة لمن كانت من الناس، وجعل باقي المال بعد الوصية للورثة وقوله تعالى ~~{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} ~~[البقرة: 180] وقوله {وصية لأزواجهم} [البقرة: 240] اقتضى وجوب الوصية لهم ~~وهو خاص نسخه قوله تعالى {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] وهو ~~عام لأنه اقتضى جواز وصية لمن كان من # PageV01P397 # الناس ويجعل الباقي للورثة فلا يبقى للوالدين والأقربين ولا للزوجة وصية ~~فقد دل (هذا) على أن هذه الآية قد اقتضت نسخ إيجاب الوصية للوالدين ~~والأقربين. # قال عيسى بن أبان وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع المستعيرة» ~~وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - (أنه) قال «لا قطع على حائز» فقضى بذلك ~~على الخاص، وقامر أبو بكر - رضي الله عنه - المشركين حين نزلت آية {الم} ~~[الروم: 1] {غلبت الروم} [الروم: 2] ثم نسخها عموم تحريم القمار. قال ~~وتحريم الربا مجمل نسخ كل ربا كان من قرض أو بيع أو غيره. # قال أبو بكر: ويدل على أن العام يقضي على الخاص إذا ورد بعده «قول أم ~~سلمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين صلى في بيتها ركعتين بعد العصر، ما ~~هاتان الركعتان وقد كنت نهيت عنهما؟ فقال ركعتان كنت أصليها فشغلني عنهما ms156 ~~الوفد» . ولم يقل لها إن اعتبارك هذا (لا يجوز) بل بين لها جهة الخصوص وروي ~~أنها قالت (أونقضيهما) إذا فاتتا؟ قال: " لا " فيقال لهذا الرجل إذا كنت قد ~~وجدت عاما قضى على خاص (ونسخه وعاما مرتبا على خاص) فلم جعلت ما وجدت من ~~نسخ فيهما قاضيا بوجوب الترتيب في كل حال دون أن تجعل ما وجدت من نسخ الخاص ~~بالعام موجبا لكون الخاص منسوخا بالعام أبدا حتى تقوم دلالة الترتيب، فلا ~~يمكنه الانفصال من ذلك إذ كان أكثر حجاجه في الباب الاقتصار على ما # PageV01P398 # وجد من الترتب والاستدلال (به) على وجوب اعتباره في كل حال وعلى أن صاحبه ~~قد خالف هذا الأصل الذي رام هذا الرجل نصرته بما هو أبعد من نسخ الخاص ~~(بالعام) . # ، وذلك لأن الشافعي - رحمه الله - قال في قوله تعالى {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2] (أنه ناسخ لقوله تعالى في ذكر الوصية {اثنان ذوا عدل ~~منكم أو آخران من غيركم} [المائدة: 106] ومعلوم أن قوله تعالى {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} [الطلاق: 2] خاص ورد في شأن الرجعة. وقوله تعالى {أو آخران من ~~غيركم} [المائدة: 106] خاص أيضا في شأن الوصية في السفر فكيف تعترض إحدى ~~الآيتين وكل واحدة منهما واردة في غير ما وردت فيه الأخرى؟ وهذا أبعد من ~~نسخ الخاص بالعام وإنما يصح الاحتجاج في مثل هذا بقوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا # PageV01P399 # تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] إلى قوله تعالى {فإن ~~كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} [البقرة: 282] إلى قوله {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقوله تعالى {ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] وقد يكون حين الوصية عقود المداينات وإملاء الحق الذي على ~~المدين، وهذه الآية منتظمة لحال الوصية وغيرها فصارت ناسخة لقبول شهادة أهل ~~الكفر في الوصية لأن الوصية قد تشتمل على ذكر الدين. # (وإذا ثبت) بهذه الآية بطلان شهادة أهل الكفر على إملاء الحق على وجه ~~الوصية يثبت بطلانها في سائر وجوه الوصايا لأن أحدا لم يفرق بينهما فهذا ~~عام قد نسخ عند ms157 عامة الفقهاء حكما خاصا في شأن الوصية. وإن كان بعض الناس ~~يرى حكم الآية ثابتا في جواز شهادة أهل الكفر على وصية المسلم في السفر وهو ~~مذهب أبي موسى الأشعري في آخرين من التابعين (كمجاهد # PageV01P400 # وعبيدة السلماني وإبراهيم النخعي وسعيد بن المسيب) وجعل الشافعي «قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنيس واغد على امرأة هذا فإن اعترفت ~~فارجمها» قاضيا على قصة ماعز في اعتبار الإقرار أربع مرات، فقصة ماعز خاصة ~~مفسرة وقصة أنيس عامة، هذا مع احتمال لفظه لموافقة قصة ماعز لأن ما دون ~~الأربع مرات (من الإقرار) يجوز أن لا يكون اعترافا في الحكم ومع احتمال أن ~~يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتصر في تركه عدد الإقرار على علم أنيس ~~بأن الاعتراف الموجب للرجم هو الإقرار أربع مرات. # PageV01P401 # وقال الشافعي: «الوضوء مما مست النار» منسوخ «بأكل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خبزا ولحما ولم يتوضأ» فنسخ العام بالخاص لأن الوضوء مما مست النار ~~عموم في الخبز واللحم وغيرهما، وتركه الوضوء من الخبز واللحم خصوص في هاتين ~~الصفتين ممن ينسخ العام بالخاص مع امتناع وقوع النسخ في مثله بنفس اللفظ ~~غير جائز له الامتناع من إيجاب نسخ الخاص بالعام المشتمل عليه وعلى غيره. # ، وإن قال قائل: قد أوجبتم أنتم نسخ الوضوء مما مست النار بتركه الوضوء ~~من الخبز واللحم. قيل له: ليس الأمر فيه على ما ظننت، وذلك أن لنا أصلا في ~~قبول الأخبار وشرائط نعتبرها فيه متى خرج الخبر عنها لم نقبله وهو أن ما ~~كان بالناس إلى معرفته حاجة عامة فغير جائز وروده من جهة الآحاد. # فلما كانت الحاجة إلى معرفة الوضوء مما مست النار عامة ولم يرد إيجاب ~~الوضوء منه (إلا من طريق الآحاد لم يثبت إيجاب الوضوء منه) . وحملنا معنى ~~الحديث على غسل اليدين دون وضوء الصلاة. # ، و (قد) قال الشافعي. قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن شرب الخمر ~~في الرابعة فاقتلوه» # PageV01P402 # منسوخ بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يحل دم امرئ مسلم إلا ms158 بإحدى ثلاث ~~كفر بعد إيمان وزنى بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس» وهذا عام نسخ به خاصا مع ~~وجود الخلاف في قتل شارب الخمر في الرابعة (لأن الحسن روى) عن عبد الله بن ~~عمر أنه قال " ائتوني بمن شرب الخمر في الرابعة فإني أقتله " وهذا الاعتبار ~~الذي ذكرنا من القضاء بالعام على الخاص موجود عن الصحابة - رضي الله عنهم - ~~مستفيض من مذهبهم وما نعلم أحدا من السلف روي عنه المذهب الذي ذهب إليه ~~مخالفونا في هذا الباب ومما روي عن السلف في ذلك قول أمير المؤمنين علي - ~~رضي الله عنه - في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية ~~وروي عنه أن التحريم أولى فقضى بقوله تعالى " {وأن تجمعوا بين # PageV01P403 # الأختين} [النساء: 23] على ملك اليمين والنكاح ولم يجعله مترتبا على قوله ~~تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] وكان عثمان ~~بن عفان - رضي الله عنه - يقول: أحلتهما آية وحرمتهما آية. # وروي عنه أن التحليل أولى فقضى بقوله تعالى {إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] على تحريم الجمع بين الأختين ويجوز أن يكون ذهب فيه إلى قوله ~~تعالى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وهو عموم وتحريم الجمع ~~خاص وقد كان ابن عمر إذا سئل عن نكاح (اليهودية والنصرانية) قال: إن الله ~~تعالى حرم المشركات على المؤمنين ولا أعلم من الشرك (شيئا) أكثر من قول ~~المرأة عيسى أو عبد من العباد الله عز وجل فاحتج (بعموم # PageV01P404 # قوله تعالى) {ولا تنكحوا المشركات} [البقرة: 221] فجعله قاضيا على قوله ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] . # ، وقيل لابن عمر: إن ابن الزبير يقول " لا يحرم الرضعة ولا الرضعتان " ~~فقال قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير، قال الله {وأخواتكم من ~~الرضاعة} [النساء: 23] وعارضت عائشة ما روي عن ابن عمر «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال ~~إنهم الآن يسمعون ما أقول فقالت قال الله تعالى {" فإنك لا ms159 تسمع الموتى} ~~[الروم: 52] وهل ابن عمر إنما قال إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم ~~الحق» وردت حديث «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» بقول الله تعالى {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] وكانت عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما - ~~يردان (حديث) «النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير» بقول ~~الله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] وجعل عمر وعبد ~~الله (بن مسعود) وابن عمر وأبو مسعود البدري قول الله تعالى {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] قاضيا على قوله تعالى. {يتربصن # PageV01P405 # بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وهذا خاص في المتوفى عنها زوجها ~~والأول عام فيها وفي غيرها، ونظائر ذلك عن السلف أكثر من أن يحتمل ذكرها ~~هذا الكتاب، وفيما ذكرنا ما يوضح عن مذهب السلف فيه. # وأما إذا ورد لفظ العموم والخصوص في (خطاب) واحد فإنهما يستعملان جميعا ~~لأن لفظ التخصيص إذا ورد مع العام فهو بمنزلة الاستثناء مع الجملة وهذا لا ~~خلاف فيه، وذلك نحو قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} ~~[المائدة: 3] ثم قال في سياق (خطاب الآية) {فمن اضطر في مخمصة} [المائدة: ~~3] فخص حال الاضطرار من الجملة قبل استقرار حكمها فصار عموم اللفظ مبنيا ~~على الخصوص المعطوف عليه، و (ذلك) نحو قول الله تعالى {وأحل الله البيع ~~وحرم الربا} [البقرة: 275] فخص الربا بالتحريم من جملة ما أحله من البيع في ~~خطاب واحد ولو لم يخصه لكانت الإباحة عامة في سائر البياعات ربا كان أو ~~غيره. ونحوه في الإخبار قول الله تعالى {الأعراب أشد كفرا ونفاقا} [التوبة: ~~97] (فلولا التخصيص) لعم سائرهم فلما قال في سياق (الخطاب) {ومن الأعراب من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} ~~[التوبة: 99] صار أول الخطاب مبنيا عليه ونظائر ذلك كثير. # PageV01P406 # فأما إذا ورد العام والخاص ولم يعلم تاريخ واحد منهما فإن عيسى بن أبان ~~ذكر حكم الخبرين إذا وردا بهذا الوصف فقسمهما أقساما أربعة فقال: # PageV01P407 # إما ms160 أن يعمل الناس بهما جميعا فيستعملان ويرتب العام على الخاص «كنهي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخصته في السلم ~~بكيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» أو يتفقوا على استعمال أحدهما دون ~~الآخر والعمل على ما اتفقوا عليه (والآخر) منسوخ. أو يختلفوا في ذلك فيعمل ~~بعض الناس بأحد الخبرين والعامة تخالفه وتعيب عليه ما ذهب إليه فلا يلتفت ~~إلى قوله فالعمل على ما عليه العامة. # قال أبو بكر: ونعني بالعامة عامة فقهاء السلف نحو حديث أبي سعيد عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد» . وروى أسامة بن ~~زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنه قال) «إنما الربا في النسيئة» ~~والأمر على حديث أبي سعيد لأنه مفسر لا يحتمل المعاني وحديث أسامة يحتمل ~~المعاني فإما أن يكون منسوخا أو محمولا على موافقة الأول في الجنسين. # وقال عيسى (أيضا) في الخبرين المتضادين إذا عمل الناس بالأول منهما، ~~والذي يعمل بالآخر شاذ خامل. ويسوغ الأولون الاجتهاد لهؤلاء وكان سبيله ~~الاجتهاد لأنهم قد سوغوه وإن عابوه عليهم فالعمل على الأول ولا يعمل ~~بالآخر. # PageV01P408 # قال أبو بكر: وهذا يدل (على) أن مراده بقوله في العام والخاص فعمل (بعض) ~~الناس بأحد الخبرين والعامة تخالفه أن المنفرد واحد شاذ لا (يعترض) بمثله ~~على خلاف الجماعة في ذلك. # قال عيسى: وإن وجدنا الناس مختلفين في العام والخاص يدخل بعضهم الخاص في ~~العام ويخرجه بعضهم (منه) وسوغ كل فريق لصاحبه ما ذهب إليه (فيه) كان أحد ~~الحديثين (عندنا) ناسخا لصاحبه فلم نعرف الناسخ منهما بعينه، واختلفوا فيه ~~بالاجتهاد وسوغ كل واحد منهما لصاحبه ما ذهب إليه. # ، ولو كان أحدهما لا ينقض الآخر لم يجز للناس الاختلاف فيهما (ويعملوا ~~بهما) جميعا كما عملوا بالسلم (وبكراهة بيع ما ليس عنده) قال، ومن ذلك ~~النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «يا بني عبد مناف لا تمنعوا ~~أحدا يطوف بهذا البيت يصلي ms161 في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» وأنه رأى رجلين ~~لم يصليا # PageV01P409 # معه الغداة فقال إذا صليتما في رحالكما وجئتما فصليا فإنها لكما نافلة ~~فقال ناس: النهي ناسخ للإباحة وقال آخرون: هو مخصوص كالسلم وبيع ما ليس عند ~~الإنسان فلما اختلفوا ووجدنا رواة النهي عمر وعائشة وأبا سعيد الخدري فذكر ~~هو ذلك بعد الطواف فلو كان مخصوصا كانوا أعلم به. # قال أبو بكر - رحمه الله -: (الذي) حصل من قول عيسى في هذا الباب أن ~~الخاص والعام إذا وردا وعريا من دلالة النسخ أنهما يستعملان جميعا على ~~الترتيب وأنه إن اختلف السلف فيهما دل ذلك على أن أحدهما ناسخ للآخر لأنه ~~لولا ثبوت النسخ لكان بابهما الترتيب عند الجميع ولما اختلفوا فيه، وما ~~ذكره من أن اتفاق السلف هو المعتبر في استعمال ذلك فهو صحيح لأن اتفاقهم ~~حجة. # فعلى أي وجه حصل اتفاقهم من استعمال الخبرين على الترتيب أو القضاء ~~بالعام # PageV01P410 # على الخاص فهو صحيح لا يجوز العدول عنه وإن أجمع الجميع على استعمال ~~أحدهما إلا واحدا شذ عنهم وعابوا على الواحد ما ذهب إليه فالعمل على ما ~~اجتمعت عليه الجماعة. # قال أبو بكر: فهذا الفصل من قوله يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لم يعد ذلك ~~الشاذ خلافا على الجمهور وإن كان من أهل عصرهم، وإن شرط الإجماع عنده اتفاق ~~مثل هذه الطائفة وأن من انفرد عنهم كان شاذا على مذهب من لا يعد الواحد، و ~~(لا) الاثنين من أهل العصر خلافا على عظم الفقهاء. والوجه الآخر: أنه يعتد ~~بخلاف هذا الواحد عليهم إذا كان من أهل العصر في حكم الحادثة التي لا أثر ~~فيها إلا أنه لا يعتد به في الخاص والعام والخبرين المتضادين من جهة أنه ~~جعل اجتماع الجمهور على حكم أحد الخبرين وإظهارهم النكير على من شذ عنهم ~~مقويا لخبرهم ودالا على أنهم قد علموا نسخ الخبر الآخر بخبرهم الذي اتفقوا ~~على استعماله، لولا ذلك لما ساغ لهم النكير على مخالفهم في ذلك وهو مما ~~يسوغ الاجتهاد فيه ms162 فدل إظهارهم النكير على من شذ عنهم في مخالفتهم وفي ~~اعتصامه بالخبر الذي صار إليه على أنهم قد علموا نسخه بما علموا من الخبر ~~الذي رووه، (و) لأن ما عملوا به لو كان هو المنسوخ لكانوا هم أولى بعلمه من ~~المنفرد الشاذ. # PageV01P411 # فجعل ما وصفنا دلالة على أن ما اتفقت (عليه الجماعة) وهو الناسخ وأن ~~الآخر منسوخ به وهذا أظهر الوجهين عندي وأولاهما بمراده فيما ذكره لأنه لو ~~كان إنما جعل قول الجمهور (أولى) لأنه لم يعتد بخلاف المنفرد عنهم لما ~~اختلف عنده في ذلك حكم ذلك المنفرد في حال ظهور النكير من الجماعة عليه ~~فيما صار إليه أو تركه النكير عليه، لأن من لا يعتد بخلافه لا يختلف حاله ~~في ظهور النكير عليه ممن خالف (عليه) أو تركهم ذلك عند كثير ممن يعتد بخلاف ~~الواحد على الجماعة. # ، وقد سوغ عيسى (بن أبان) اجتهاد الرأي في الخبرين المتضادين والمصير إلى ~~قول الواحد الشاذ دون الجماعة إذا لم تعب الجماعة على الواحد ما ذهب (إليه) ~~من ذلك. فدل ذلك من قوله على أنه لم يسقط حكم الواحد المنفرد إذا ظهر نكير ~~الجماعة (عليه في مخالفته إياهم من حيث لم يعده خلافا وأنه إنما اعتبر ما ~~صار إليه الجماعة) من حكم الخبرين لأنه استدل بذلك على أنه هو الناسخ عندهم ~~ومن أجله أنكروا على من خالفهم. # ، والدليل على صحة ما ذهب إليه من ذلك أن ما كان طريقه الاجتهاد لا يجوز ~~ظهور النكير من بعضهم على بعض فيه فإذا وجدنا النكير ظاهرا من الجماعة على ~~الواحد ولم يلجئوا فيما ذهبوا إليه إلا إلى الخبر الذي اعتصموا به. وقد ~~سمعوا مع ذلك خبر # PageV01P412 # المنفرد عنهم دل ذلك على أنهم لم يفعلوا ذلك إلا وقد علموا أن ما صاروا ~~إليه من حكم أحد الخبرين هو الناسخ المعول عليه دون الآخر، فصار ذلك بمنزلة ~~خبر التواتر مع خبر الواحد أنه يقضي عليه ولا يعترض به على التواتر. # فإن قال قائل: فإن الواحد يقول للجماعة مثل ms163 ذلك فيما صار إليه من حكم ~~الخبر الذي رواه. قيل له لم يذكر عيسى أن الواحد أنكر على الجماعة مصيرها ~~إلى الخبر الذي روته كما ذكر إنكار الجماعة على الواحد ولا يدري ما جوابه ~~في ذلك على أنا نلتزمه مع ذلك ونقول: إنه لو ظهر (مع ذلك) في النكير من كل ~~واحد من الفريقين على صاحبه فيما صار إليه من حكم الخبر الذي رواه كان ما ~~ذهب إليه الجماعة أولى بالحق وذلك لأن الناسخ سبيله أن يظهر كظهور الخبر ~~المنسوخ فلو كان ما صار إليه الواحد هو الناسخ لظهر ذلك في الجماعة كظهور ~~الأصل ولعرفته وما خفي عليها. # فلما لم تعرف الجماعة ذلك ناسخا وعرفت (ما صارت إليه) منهما ناسخا كان ما ~~ذهب إليه الجماعة أولى بالاستعمال، وليس يمنع أن يخفى حكم النسخ على الواحد ~~والاثنين فيتمسك من أجل خفائه عليه بما سمعه بدءا لأنه ليس على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا نسخ حكما قد حكم به أن يقصد به كل واحد من الناس في ~~عينه وإنما عليه إظهاره في الجماعة. وإن خفي بعد ذلك حكمه على الواحد ~~والاثنين كان عليهما أن يصيرا فيه إلى قول الجماعة وأيضا فإذا ثبت أن ~~اختلافهم في حكم الخبرين على هذا الوجه كان من طريق النسخ كان قول الجماعة ~~في ذلك أولى لأن أكثر أحوالهم أن يصيروا بمنزلة الجماعة إذا روت النسخ ~~وخالفهم الواحد والاثنان (فتصير رواية) الجماعة أولى من رواية المنفرد فبان ~~بما وصفنا أن # PageV01P413 # ما صار إليه الجماعة من حكم الخبرين أولى بالاستعمال. # ، وأما إذا اختلف السلف في الخاص والعام فقضى (بعضهم) بالعام على الخاص ~~وقضى بعضهم فيهما بالترتيب ولم يظهر من بعضهم النكير على بعض فيما صاروا ~~إليه. # فإن ما كان طريقه الاجتهاد والاستدلال بالأصول على ما يجب من حكمهما من ~~قبل أنا قد بينا في الفصل الذي قبل هذا أن العام إذا ورد بعد استقرار حكم ~~الخاص كان قاضيا عليه (و) ناسخا له وإذا كان هذا هكذا واحتمل فيما ms164 وصفنا ~~إذا لم يعلم التاريخ أن يكون الخاص واردا بعد العام فيجب الترتيب، واحتمل ~~أن يكونا وردا معا فيجب الترتيب أيضا، واحتمل أن يكون العام بعد استقرار ~~حكم الخاص فيكون ناسخا (له) لم يجز لنا القضاء بشيء هذه الوجوه دون الآخر ~~لاحتمالهما كل واحد منهما، فصار بمنزلة اللفظ المحتمل للمعاني المختلفة إذا ~~ورد مطلقا وليس بعض المعاني للذي يحتمل بأولى (به) من بعض فيحتاج في إثبات ~~حكمه إلى دلالة غيره وهذا صحيح على الأصل الذي قدمنا من أن ورود العام بعد ~~استقرار حكم الخاص يوجب نسخه، فمن سلم هذا الأصل ثم قال مع ذلك إني أرتب ~~العام على الخاص مع عدم التاريخ ووجود الخلاف فيه بين السلف وتسويغهم ~~الاجتهاد فيه بتركهم النكير على مخالفهم من غير دلالة يرجع إليها في إيجاب ~~الترتيب كان متعسفا قائلا لما لا دليل له عليه. # PageV01P414 # ، وأيضا: فإن الخلاف إذا حصل بين السلف فيما ذكرنا والاحتمال قائم في ~~الترتيب والنسخ على ما وصفنا صار حكم اللفظ بمنزلة سائر الحوادث التي يحتاج ~~في إثبات حكمها إلى ردها إلى الأصول والاستشهاد بها عليه، فلذلك لم نجز ~~الإقدام على شيء من ذلك إلا بعد الاستشهاد بالأصول فما شهد له (الأصول) ~~منهما كان أولى بالاستعمال وهو الناسخ والآخر منسوخ (به) . # ، وأيضا (لما لم) نعلم تاريخهما صارا كالخبرين المتضادين إذا لم يعلم ~~تاريخهما واختلف السلف فيهما فيكون سبيله الاستدلال على الناسخ منهما ~~بالنظائر والأصول. فإن قيل قد علم ثبوت الخاص في وقت وثبوت العام أيضا، ~~واستعمالهما ممكن فلا نرفع ما تيقنا ثبوته بالشك. # قيل له: إنا وإن كنا (قد) تيقنا ثبوتهما فلم نتيقن بقاءهما لأن العام إذا ~~ورد بعد استقرار حكم الخاص فهو ناسخ له عندنا. فإذا لم يكن معنا يقين ببقاء ~~حكم الخاص لم يجز إثباته بالشك ووجب الرجوع إلى الدلائل في بقاء حكمه أو ~~نفيه. فإن قيل: لما احتمل العام أن يكون مبنيا على الخاص ولم يحتمل الخاص ~~أن يكون مبنيا على العام صار العام بمنزلة اللفظ (المحتمل للمعاني ms165 فحمل) ~~على ما لا يحتمل إلا معنى واحدا كما يحمل المتشابه على المحكم. قيل له: ما ~~لم يعلم تاريخه من العام والخاص فالاحتمال قائم في كل واحد منهما لأن # PageV01P415 # الخاص جائز أن يكون (منسوخا وجائز أن يكون مخصصا له وكذلك جائز أن يكون) ~~ناسخا وجائز أن يكون مخصوصا. # فلما كان الاحتمال قائما في كل (واحد) منهما سقط قول القائل إن العام فيه ~~احتمال ولا احتمال في الخاص. # ، وكان أبو الحسن (الكرخي - رحمه الله -) يقول إن مذهب أبي حنيفة في ~~الخاص والعام أنه متى اتفق الفقهاء على استعمال أحدهما واختلفوا في استعمال ~~الآخر كان ما اتفق على استعمال حكمه منهما قاضيا على ما اختلف فيه، وقد ~~رأيت هذا المعنى لعيسى (بن أبان أيضا) وذلك نحو ما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «فيما سقت السماء العشر» فهذا خبر متفق على استعماله ~~في الخمسة الأوسق وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة» مختلف في استعماله فكان خبر إيجاب العشر مطلقا ~~قاضيا عليه ناسخا له. ونظيره ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~«النهي عن صلاة ركعتين بعد العصر حتى تغرب الشمس وبعد الفجر حتى تطلع» هو ~~متفق على استعماله في النفل المبتدأ وما روي (عنه - صلى الله عليه وسلم -) ~~«أنه صلى ركعتين بعد العصر عند عائشة وأم سلمة» «وأنه رأى قيسا يصلي # PageV01P416 # صلاة بعد صلاة الفجر فلم ينكر عليه» . «وقال للرجلين اللذين لم يصليا معه ~~الفجر: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا مع الإمام» كل هذه ~~أخبار مختلف في استعمالها فكان خبر النهي قاضيا عليه، وكذلك «نهيه عن ~~الصلاة عند طلوع الشمس» متفق عليه. # ، وحديث أبي (ذر) «إلا بمكة» مختلف فيه فكان خبر النهي أولى، ومثله حديث ~~أبي هريرة في " قصة ذي اليدين في الكلام في الصلاة ناسيا " وسائر الأخبار ~~المروية في حظر الكلام فيها فهي قاضية على خبر جواز البناء مع الكلام لأن ~~خبر حظر ms166 الكلام متفق على استعماله والبناء بعد الكلام مختلف فيه فكان خبر ~~الحظر ناسخا لسائر ما روي في جواز البناء مع الكلام، ومثله «نهي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن التمر بالتمر إلا مثلا بمثل» ، و «نهيه عن ~~المزابنة» . فهذان الخبران متفق على استعمالهما، وخبرا العرايا والخرص ~~مختلف في استعمالهما فكان النهي قاضيا على الإباحة. # PageV01P417 # وهذا أصل صحيح يستمر عليه المسائل. # ، والدليل على صحة هذا الأصل أن الخبر الذي تلقاه الناس بالقبول ~~واستعملوه يجري مجرى التواتر عندنا ويوجب العلم والعمل، وإن كان وروده من ~~طريق الآحاد فغير جائز فيما كان هذا وصفه الاعتراض عليه بخبر الواحد في ~~نسخه أو تخصيصه، على ما بينا فيما سلف من امتناع جواز الاعتراض بأخبار ~~الآحاد على حكم الكتاب والسنن الثابتة. # ، وأيضا: فلو كان الخاص ثابتا كثبوت العام المتفق على استعماله لوجب أن ~~يعرفه الجميع كما عرفوا العام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بد أن ~~يبين الناسخ كما بين المنسوخ قبل ورود نسخه، فسبيله أن يعرفه عامة من عرف ~~الحكم المنسوخ فلما وجدناهم قد عرفوا العام (واستعملوه ولم يعرف الجميع ~~بقاء حكم الخاص كما عرفوا العام) علمنا أن العام ناسخ له (و) قاض عليه ~~وكذلك يجب هذا الاعتبار في التخصيص وإن لم يكن وجهه النسخ لأنه لا بد من ~~بيان التخصيص إذا كان العام مما يمكن استعماله بنفسه حتى يعرفه من عرف ~~العام. فإن قيل: فالواجب أن يعرف الجميع الخاص ونسخه كما عرفوا العام فإن ~~لم يثبت (نسخ) الخاص عند الجميع كثبوت العام. علمنا أن الخاص غير منسوخ. ~~قيل له: ليس عليهم أن يعرفوا المنسوخ وما قد ارتفع حكمه ولا عليهم نقله بعد ~~علمهم بنسخه فليس يمتنع أن يحصل منسوخا ولا تنقله الكافة ويخفى على بعضهم # PageV01P418 # نسخه فيتعلق به، ونقلهم للعام واستعمالهم إياه دلالة على أنه هو الثابت ~~الحكم، وأن الخاص منسوخ به وإن لم يقولوا لنا إنه منسوخ. قال أبو بكر - ~~رحمه الله -: (و) ذكر عيسى (بن أبان) ما قدمنا حكايته عنه في ms167 هذا الباب في ~~حكم الخبرين إذا وردا على الوجه الذي ذكرنا وينبغي أن يكون كذلك حكم ~~الآيتين إذا كانت إحداهما خاصة والأخرى عامة إذا لم يعلم تاريخهما على ~~الوصف الذي بينا. # PageV01P419 ### | [باب القول في الخبرين إذا كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه آخر] # ) . قال أبو بكر: الأصل فيما كان هذا وصفه من الأخبار أن يعتبر السبب ~~الذي ورد فيه كل واحد منهما فنخبر عن سببه ولا يعترض به على الآخر ما أمكن ~~استعماله غير مخصص لصاحبه فيما ورد فيه، إلا أن تقوم الدلالة فيهما (على ~~غير ذلك) فيصار إليها، وذلك على نحو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه «نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها» فهذا وارد في بيان حكم ~~الأوقات وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها» . وهذا وارد في إيجاب القضاء على تاركها حتى يخرج الوقت، فلا ~~يعترض به على خبر بيان حكم الأوقات. # PageV01P423 # ، وكذلك ما روي عنه - عليه السلام - من قوله «يا بني عبد مناف لا تمنعوا ~~طائفا يطوف بالبيت ويصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار» إنما ورد في النهي ~~عن منع الطواف والصلاة في المسجد الحرام فلا يعترض به على بيان الوقت الذي ~~ينهى عن الصلاة فيه، ومثله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن ~~الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا ~~رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة» فهذا أمر بصلاة الكسوف وليس فيه بيان الوقت ~~الذي (يجوز فيه أو لا يجوز، وخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة فيه ~~بيان الوقت الذي) لا تجوز الصلاة فيه، ونحوه قوله تعالى {فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] وقوله تعالى {وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] وقوله تعالى ~~{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] هذه الآيات واردة في إيجاب ~~الصوم وليس فيها ذكر تفصيل الأوقات المنهي عن الصوم فيها. # ، وروي عن النبي - صلى الله ms168 عليه وسلم - «أنه نهى عن صوم يوم الفطر وأيام ~~التشريق» فلم يعترض الأمر بفعل الصيام في # PageV01P424 # الأيام التي ذكرناها مطلقا على حكم الوقت بل كان النهي عن الصيام في ~~الأوقات المذكورة جاريا على بابه ومحمولا على ما ورد به، والأمر بوجوب صيام ~~رمضان وصوم الحج وصوم الكفارة محمولا على بابه في إيجاب الصوم، ونحو قوله ~~تعالى {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء: 23] فيه بيان حظر ~~الجمع وهو عموم في بابه وقوله تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 24] لا نعترض عليه لأنه ورد في إباحة ملك اليمين بالسبي ~~ولم يتعرض فيه (لجهة الجمع) فلا يعترض به عليه ولولا اجتماع الخبرين على ~~هذا الوجه لم يكن يمتنع في كل واحد منهما إذا ورد منفردا عن الآخر إجراؤه ~~على العموم في جميع ما انتظمه ظاهره إلا أنه لما ورد بإزائه خبر هو أخص منه ~~في بابه وصار كل واحد منهما واردا على وجه وسبب غير ما ورد فيه الآخر ~~أجرينا كلا منهما وحملناه على سببه. # PageV01P425 ### | [باب صفة البيان] # الباب الثاني والعشرون في صفة البيان # PageV02P005 # باب صفة البيان # قال أبو بكر: البيان إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب منفصلا مما يلتبس به ~~ويشتبه من أجله، # PageV02P006 # وأصله في اللغة من القطع والفصل يقال بان منه إذا انقطع قال، النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «ما بان من البهيمة وهي حية فهو ميتة» ، وبان إذا فارق. ~~قال جرير: # وبان الخليط ولو طوعت ما بانا # وبان الأمر إذا ظهر، وبانت المرأة بينونة إذا فارقت زوجها، ثم قالوا بان ~~الأمر ووضح بيانا وبان من الفراق بينا ومن انقطاع النكاح بينونة، والأصل في ~~جميع ذلك واحد وهو الانقطاع فسمي الفراق بينا لانقطاع المفارق عن صاحبه. ~~وسمي إظهار المعنى وإيضاحه بيانا لانفصاله عما يلتبس به من المعاني فيشكل ~~من # PageV02P007 # أجله، وإنما خالفوا بين أبنية هذه الأفعال لإفادة أحوال الموصوفين بها ~~كما قالوا: عدل وعديل والمعنى واحد إلا أنه سمي ما يعدل به المتاع عدلا وما ~~يعدل به ms169 الرجل عديلا ليفيدوا عند الإطلاق كل واحد على حياله من غير حاجة ~~منهم إلى ذكر غيره، وقالوا امرأة حصان، وبناء حصين، وامرأة رزان، وحجر ~~رزين. وقال حسان بن ثابت: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # والأصل في اللفظين واحد وإنما فرقوا بينهما ليفيدوا به عند الإطلاق من ~~وصف به. # والبيان وإن كان حقيقة ما وصفنا فإنه سمي ما يوصل إلى (علمه بالاجتهاد) ~~وغالب الظن بيانا في الشريعة لأن الله تعالى قد أمر به، ونص على اعتباره. # PageV02P008 # فإن قال قائل: فواجب على هذا أن يطلق على كل من أفهمنا قصده ومراده بأنه ~~ذو بيان. قيل له: كل من فعل ذلك فقد أبان عن مراده وأتى ببيانه إلا أنه لا ~~يسمى لذلك على الإطلاق، لأن الإطلاق إنما يتناول من غلب على كلامه الإيضاح ~~وانتفى عنه العي والتعقيد كما أن الفصاحة والبلاغة أصلها إفصاح اللسان ~~بمراده وبلوغه حاجته فيما يريد الإبانة عنه. ولا يسمى كل من أفصح عن نفسه ~~فصيحا على الإطلاق وكما أن قولنا عالم وفقيه مشتق من العلم والفقه ولا يسمى ~~كل من علم شيئا عالما ولا من فقه مسألة فقيها على الإطلاق، وكذلك قولنا ~~فلان ذو بيان وبين اللسان إنما ينصرف عند الإطلاق إلى من كان الغالب (على ~~كلامه) الإبانة عن نفسه مع انتفاء العي والتعقيد عنه. فإن قال قائل: هلا ~~قلت إن البيان هو ما يتبين به الشيء كما أن التحريك هو ما يتحرك به (الشيء) ~~والتسويد (وهو) ما يسود به الشيء. # قيل له: لا يجب ذلك لأن البيان قد يحصل من المبين وإن لم يتبين به ~~المخاطب وقد حصل البيان من الله تعالى ومن رسوله للمكلفين فيما تهم إليه ~~الحاجة من أمر دينهم ولم يتبينه كثير من أهل العناد والكفر، ودل ذلك على أن ~~فقد التبيين من # PageV02P009 # المخاطب لا يؤثر في صحة وقوع البيان من المبين، وأما التحريك فإنه لا ~~يوجد أبدا إلا ويحصل به التحريك، وكذلك التسويد لا يكون إلا ويسود به ~~الشيء، ms170 فهذا غير مشبه للبيان. # وذكر الشافعي البيان ووصفه فقال: البيان: اسم جامع لمعان مجتمعة الأصول ~~متشعبة الفروع، فأقل ما في تلك المعاني المتشعبة أن يكون بيانا لمن خوطب به ~~فيمن نزل القرآن بلسانه وإن كان بعضها أشد تأكيد بيان من بعض ثم جعله على ~~خمسة أوجه، وهذه الجملة التي ذكرها فيها # PageV02P010 # خلل (من) وجوه. أحدها: أن ما حد به البيان وقصد به إلى صفته لم يبين به ~~ماهية البيان ولا صفته لأنه ذكر جملة مجهولة فكان بمنزلة من قال البيان اسم ~~يشتمل على أشياء ثم لا يبين تلك الأشياء ما هي. فالذي وصف به البيان هو ~~بالإلباس أشبه منه بالبيان لأنه لم يذكر المعاني المجتمعة الأصول المتشعبة ~~الفروع ما هي وما حدها وصفتها، والذي اقتضاه كلامه أن يقول " (و) # PageV02P011 # المعاني المجتمعة الأصول " كذا " والمتشعبة الفروع " كذا حتى يكون (قد) ~~أفادنا شيئا. واسم البيان إذا أطلق من غير تفسير دل على معناه عند السامعين ~~مما وصفه (به) وقصد به إلى بيان تحديده. وأيضا: فإن ما ذكره لا يجوز أن ~~يكون تحديدا (للبيان) ولا وصفا له بوجه، لأنه يشرك فيه ما ليس ببيان ولا من ~~جنسه، إذ كان أكثر الأشياء شاركه في أنها مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، إذ ~~ليس يحتمل قوله مجتمعة الأصول متشعبة الفروع إلا أنه يجمعها أصل واحد ثم ~~تنقسم إلى معان أخر. فإن قال قائل: قد بين مراده حين قسمه على خمسة أقسام، ~~والأقسام هي الفروع المتشعبة والمجتمعة الأصول (إلا) أنها يجمعها كلها معنى ~~واحد وهو القصد إلى إعلام المخاطبين. قيل له: لم يقل هو ذلك وإن سلمنا لك ~~كان ما ذكرناه صحيحا لأنه يوجب أن يكون كل (ما انقسم) أقساما يجمعها أصل ~~واحد أن يكون بيانا حتى نقول إن الجسم بيانه لأنه ينقسم إلى حيوان ونام ~~وجماد (و) يقول إن الحيوان بيان لأنه ينقسم إلى إنسان وبهيمة وطائر وغير ~~ذلك، ونقول إن الشيء بيان لأنه ينقسم بعد ذلك إلى أشياء كثيرة مختلفة وهذا ~~هو الفساد لأن أحدا لا ms171 يجعل البيان اسما لشيء من ذلك. وعلى أنه قد يقضي هذا ~~التحديد بالتفسير حين سمى كل قسم من الأقسام الخمسة التي ذكرها بيانا. ~~فقال: البيان أول كذا والثاني كذا فاقتضت الجملة التي قدمها في وصف البيان ~~أن يكون كل قسم من هذه (الأقسام) بيانا وتكون اسما لمعان مجتمعة الأصول ~~متشعبة الفروع ومعلوم أن كل قسم من الأقسام الخمسة التي ذكرها ليس بهذا ~~الوصف. # PageV02P012 # وأيضا فقد يكون بيانا ما لا يشتمل عليه هذا الوصف، لأن قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «فيما سقت السماء العشر» إذ كان بيانا لقوله تعالى {وآتوا ~~حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] لم يكن هذا القول مما يصح وصفه بأنه معان ~~مجتمعة الأصول متشعبة الفروع وهو مع ذلك بيان صحيح. فإن قال قائل: لا يلزمه ~~ما ذكرت لأن هذا أحد أقسام البيان لا جميعه. قيل له: أو ليس هو بيانا في ~~نفسه مع ذلك وما حده بالوصف الذي ذكر يقتضي أن يكون المذكور شرطا لجميع ما ~~سمي بيانا فلا يجوز إذا كان هذا هكذا أن يحد البيان بما لا يجوز أن يخرج ~~عنه، لأن التحديد يقتضي ألا يخرج عن الحد ما هو منه كما (لا يدخل) فيه ما ~~ليس منه، فإذا وجدنا بيانا صحيحا لا يحصره (الحد) الذي ذكره للبيان فقد وضح ~~بطلان تحديده. وأيضا: فإن الرجل أخبر عن البيان ما هو، والبيان: اسم جنس ~~لدخول الألف واللام يقتضي استيعاب جميعه فواجب على قضيته أن لا بيان إلا ما ~~كان بهذا الوصف # ، (وقد نقض هو ذلك بكل قسم من الأقسام التي ذكرها للبيان لأن كل قسم منها ~~ليس بهذا الوصف) . # وأيضا: فإنه سمى قوله تعالى {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142] ~~بيانا لقوله تعالى {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: ~~142] وهذا لا يسميه أحد بيانا في شرع ولا لغة لأن البيان هو إظهار المعنى ~~وإيضاحه منفصلا مما يلتبس به. # PageV02P013 # وليس في ذكر الأربعين بعد تقديم ذكر الثلاثين والعشر إظهار شيء، و (لا) ~~إيضاح لما أشكل بالكلام الأول، ms172 وإنما يسمى كذلك تأكيدا وتقريرا كما يؤكد ~~بتكرار اللفظ كقوله تعالى {فإن مع العسر يسرا} [الشرح: 5] {إن مع العسر ~~يسرا} [الشرح: 6] وقوله تعالى {أولى لك فأولى} [القيامة: 34] {ثم أولى لك ~~فأولى} [القيامة: 35] وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «فإن لم تجد بنت ~~مخاض فابن لبون ذكر» وليس هذا من البيان في شيء. # وجعل أيضا الشافعي قوله تعالى {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ~~تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] زيادة في البيان وما سمى (أحد هذا) بيانا ~~غيره، وإنما قال أهل العلم في ذلك إنها عشرة كاملة في قيامها مقام الهدي ~~وما يستحق بها من الثواب. ### | [أقسام البيان] # ثم قسم البيان إلى خمسة أقسام وما سبقه إلى هذا التقسيم أحد، فلا يخلو من ~~أن يكون أخذه عن لغة أو (عن) شرع ولا سبيل له إلى إثبات ذلك من واحدة من ~~الجهتين، ولا ندري (عمن) أخذه ويشبه أن يكون ابتدأه من قبل نفسه ثم لم ~~يعضده بدلالة فحصل على الدعوى. ثم جعل القسم الأول: قوله تعالى {فتم ميقات ~~ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142] ونحوه وقد بينا أن هذا ليس ببيان. وقد قال ~~بعض أصحابه إن فائدة ذكر العشرة بعد تقديم العدد المذكور أن الله تعالى ~~أراد أن يعلمنا بذلك الحساب، وهذا تأويل يكفي في الإبانة عن جهل قائله ~~وغباوة حكاية # PageV02P014 # قوله. # وجعل القسم الثاني: قوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} ~~[المائدة: 6] وقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ~~وتحريم الفواحش والميتة والدم ولحم الخنزير وقال أصحابه إنما جعل الشافعي ~~هذا بيانا ثانيا لأنه كاف بنفسه. # قال أبو بكر: وما ذكره في البيان الأول هو مستغن (مستقل) بنفسه أيضا؛ لأن ~~قوله تعالى {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] مكتف ~~بنفسه في إفادة مقدار العدد وكذلك قوله تعالى {تلك عشرة كاملة} [البقرة: ~~196] . فإن كان قوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: ~~6] وما ذكر معه إنما وجب أن يكون من البيان الثاني لأنه كاف بنفسه، (فيجب) ~~أن يكون ذلك ms173 حكم ما قدم ذكره في البيان الأول لهذه العلة فيوجب هذا أن ~~يكونا جميعا من قسم واحد، فإما أن يكون الأول من الثاني أو يكون الثاني من ~~الأول، فلا يجوز أن يكونا قسمين مع اتفاقهما في المعنى الذي صار (به) ~~أحدهما من القسم الثاني. # وجعل البيان الثالث: بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - للفروض المجملة ~~كالصلاة والزكاة. # PageV02P015 # وجعل البيان الرابع: ما ابتدأه النبي - صلى الله عليه وسلم - من السنن في ~~حيز ما ابتدأه الله من الفروض وأن يكونا جميعا قسما واحدا. وذلك لأنهما غير ~~مختلفين في جهة البيان وليس يختلف البيان بالقائلين، وإنما يختلف في نفسه. # فإذا بان ما سنه - صلى الله عليه وسلم - وابتدأه غير مخالف لما ابتدأه ~~الله تعالى من الفروض في وقوع الدلالة على المعنى فهما من قسم واحد. ولو ~~جاز أن يجعل ذلك قسما (آخر) من البيان لجاز أن يجعل كل فرض على حدة قسما ~~آخر من البيان، وهذا يوجب أن لا يكون لأقسام البيان مقدار معلوم لأن ذلك ~~أكثر من أن يحصى. # وجعل البيان الخامس: الاجتهاد، والاجتهاد وإن كان مما (قد) قامت الدلالة ~~على صحة القول به فإن ما يؤديه إليه إنما (هو) غلبة ظن ليس بيقين، وما كان ~~كذلك فليس يقع به بيان الحكم في الحقيقة. ألا ترى إلى قول الله تعالى ~~{لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] فذكر المنصوص ووصفه ~~بالبيان ولم يجعل ما كان طريقه الاجتهاد في حيز ما وقع البيان فيه، إلا أنه ~~إن كان سمى الاجتهاد بيانا من حيث أمرنا به لم يسق العبارة عنه بذلك. ولم ~~يذكر الإجماع في أقسام البيان، وكان الإجماع أولى بذكره في ذلك من القياس ~~والاجتهاد لأن الإجماع حجة الله تعالى لا يجوز وقوع الخطأ فيه. # PageV02P016 # وأما قوله (عقيب ذكره البيان: فأقل) ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة ~~أن يكون بيانا لمن خوطب (به) ممن نزل القرآن بلسانه فإنه إخبار عن البيان ~~لمن يكون ولا دلالة فيه على معنى البيان بوجه. # وفيه أيضا ms174 خلل من قبل أن البيان لا يختص بلغة دون غيرها وإن كانت لغة ~~العرب أبين وأفصح من سائر اللغات، لأن أهل كل لغة لهم ضرب من البيان في ~~لغتهم. وموضوع اللغات في الأصل للبيان لا غير، والرجل إنما ابتدأ القول ~~بذكر البيان على الإطلاق ولم يقل البيان الوارد عن الله تعالى وعن رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - ليكون بيانا لمن ذكر ممن نزل القرآن بلسانه (وعلى أن ~~اقتصاره بالبيان أنه لمن نزل القرآن بلسانه) غير مستقيم، لأن القرآن والسنن ~~بيان لسائر المكلفين من الناس من عرف لغة العرب منهم ومن لم يعرف، وإن كان ~~من لا يعرف لغة العرب يحتاج إلى أن يعرف معناه بلغته وينقل إلى لسانه. # والدليل عليه قوله تعالى {هذا بيان للناس} [آل عمران: 138] وقوله تعالى ~~{وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] وقال تعالى {إن ~~هو إلا ذكر للعالمين} [التكوير: 27] وقال في صفة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - {نذيرا للبشر} [المدثر: 36] فكل من ترجم له معنى القرآن والسنن من ~~أهل سائر اللغات فهم منذرون بالقرآن وبالرسول - عليه السلام -. # وقول القائل: إن ذلك بيان لمن نزل القرآن بلسانه خطأ. ثم لم يرض أصحابه ~~بتحديد البيان على ما ذكر فقالوا: البيان اسم لإخراج الشيء من حيز الإشكال ~~إلى التجلي فخالفوه في ذلك من وجهين: # PageV02P017 # أحدهما: أن الشافعي جعل قوله تعالى {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ~~[الأعراف: 142] وقوله {تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] بيانا وليس فيه إخراج ~~الشيء من حيز الإشكال إلى التجلي لأن قوله تعالى {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] لم يكن قط مشكلا وكذلك قوله تعالى {فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] لم يشكل على أحد أنه ~~عشرة فلم يخرج بذكره الأربعين والعشرة شيئا من حيز الإشكال إلى التجلي. # والوجه الآخر: أن ما كان طريقه الاجتهاد من الحوادث لا يخرج به الشيء من ~~حيز الإشكال إلى التجلي (لأنه) لو كان كذلك لما كان من باب الاجتهاد ولكان ~~بمنزلة سائر ما عليه ms175 أدلة قائمة يكشف عن حقيقته كالتوحيد وسائر صفات الله ~~تعالى، فكان يجب أن يكون من خالف في مسألة اجتهادا (مخالفا) لحكم الله ~~تعالى مردود الحكم إذا حكم به، وهذا لا يقوله أحد من الفقهاء، فدل على أن ~~ما (كان طريقه) الاجتهاد لم يخرج من حيز الإشكال إلى التجلي. # وقد جعله الشافعي أحد (أقسام البيان) مع خروجه عن الحد الذي حده (أصحابه ~~للبيان) . وعلى أن هذا التحديد أيضا (ظاهر الانحلال) ، من قبل أن هذا الوصف ~~إنما يوجد في بعض أقسام البيان وهو بيان المجمل (الذي لا يستقل بنفسه) ~~والخطاب # PageV02P018 # المبتدأ من الله تعالى ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن سائر ~~(المخاطبين إذا كان ظاهر) المعنى بين المراد فهو بيان صحيح لا يدفع أحد أن ~~يكون بيانا (في الحقيقة ولا يشتمل عليه مع) ذلك الوصف الذي وصف به البيان، ~~ألا ترى أن قوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] وقوله تعالى {حرمت ~~عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] و {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] لم يكن قط ~~في حيز الإشكال فأخرج بهذا البيان إلى التجلي، إذ لم يكن هناك إشكال قبل ~~نزول الآية في أن الغسل واجب أو غير واجب وأن الأم محرمة أو غير محرمة وقد ~~أطلق مع ذلك القول بأن البيان اسم لكذا وكذا فذلك يقتضي سائر ما يسمى بيانا ~~ثم اقتصر بهذا الوصف على بعض أقسام البيان دون جميعه. # PageV02P019 ### | [باب القول في وجوه البيان] # قال أبو بكر: البيان في الشرع على وجوه: منها الأحكام المبتدأة، ومنها ~~تخصيص العموم الذي يمكن استعماله على ظاهر ما ينتظمه الاسم فبين أن المراد ~~البعض. ومنها صرف الكلام عن الحقيقة أو المجاز وصرف الأمر إلى الندب أو ~~الإباحة وصرف الخبر إلى الأمر، فبين أن المراد باللفظ غير حقيقته، ومنها ~~بيان الجملة التي لا تستغني عن البيان في إفادة الحكم، وهذا البيان ليس ~~بتخصيص (ولكنه) تفسير للمراد بالجملة كقوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: 141] فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المراد العشر ونصف ~~العشر والحق نفسه هو العشر ms176 فلا تخصيص في ذلك ولا صرف للكلام عن الحقيقة. ~~ومنها النسخ، وهو بيان لمدة الحكم بعد أن كان في وهمنا وتقديرنا بقاؤه. # PageV02P022 ### | [باب فيما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه] # قال أبو بكر: كل لفظ أمكن استعماله على ظاهره وحقيقته ولم يقترن إليه ما ~~يمنع استعمال حكمه على مقتضى لفظه فغير محتاج إلى البيان، إلا أن يريد به ~~المخاطب بعض ما انتظمه، أو كان مراده غير حقيقته (فيحتاج إلى بيان المراد ~~به وكل لفظ لا يمكن استعمال حكمه إما لأنه مجمل في نفسه) أو لأنه اقترن ~~إليه ما جعله في معنى المجمل على حسب ما تقدم منا القول في (صفة المجمل) ~~وما في معناه فهو مفتقر إلى البيان، فالأول نحو قوله تعالى {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] و {حرمت عليكم ~~أمهاتكم} [النساء: 23] هذه ألفاظ معانيها معقولة ظا (هرة) فهو مفتقر إلى ~~البيان بنفس ورودها، والثاني (نحو) قوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: 141] وقوله تعالى {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] ~~وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله فإذا قالوها عصموا مني # PageV02P027 # دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (ونحو) قوله تعالى {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين} [النساء: 24] {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] و (نحو) قوله تعالى {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] لأنه قد اقترن إليهما ما أوجب كونهما موقوفين (على ~~ورود البيان بهما على ما بينا فيما سلف) . # PageV02P028 ### | [باب ما يقع به البيان] # قال أبو بكر: بيان الشرع يقع بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. وقد قال ~~بعض أهل العلم من المتقدمين إن البيان يقع بخمسة أشياء: بالقول والخط ~~والإشارة والعقد وهو يعني عقد الحساب وبالنسبة الدالة. فنقول على هذا: إن ~~البيان من الله تعالى يقع بالقول وبالكتابة، والبيان بالقول: نحو سائر ~~الفروض المبتدأة المعقول معانيها من ظاهر الخطاب. ويقع بالكتاب أيضا: لأن ~~القرآن كلام الله تعالى وكتابه في اللوح المحفوظ وفي غيره، ms177 فيكون منه (بيان ~~الأحكام المبتدأة بهذين الوجهين. ويكون منه) بهما أيضا تخصيص العموم كقوله ~~تعالى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وخص منه المحرمات بالآية ~~الأخرى وهو قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ونحو بيان الجملة ~~كقوله تعالى {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] ثم بينه ~~بقوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] . # PageV02P031 # ويكون منه أيضا بيان مدة الفرض بهذين الوجهين وهو النسخ نحو قوله تعالى ~~{قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] ثم قال (تعالى) {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام} [البقرة: 144] ، ونحو قوله تعالى {وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول غير إخراج} [البقرة: 240] ، ثم نسخ منه ما عدا الأربعة الأشهر والعشر ~~بقوله تعالى {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] . وكان حد ~~الزانين الحبس والأذى بقوله تعالى {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} ~~[النساء: 15] إلى آخره، ثم قال تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2] فنسخ به الحبس والأذى المذكورين في الآية ~~الأخرى عن غير المحصن. ### | [البيان من الله تعالى بالنسبة الدالة] # ويكون منه تعالى البيان بالنسبة الدالة وذلك على وجهين. أحدهما: العقليات ~~ودلائلها، والبيان بها أكثر من دلالة اللفظ، لأن اللفظ يجوز فيه التخصيص ~~وصرفه عن الحقيقة إلى المجاز، والدلائل العقلية الدالة على توحيد الله ~~تعالى وعدله وسائر صفاته لا يجوز عليها الانقلاب والتخصيص فهي آكد من اللفظ ~~في هذا الباب فكان البيان واقعا بها. # والوجه الآخر: ما كان طريقه الاجتهاد بين فروع أحكام الشريعة وقد قامت ~~الدلائل الموجبة لصحة القول بالاجتهاد فجاز أن يسمى ما يؤدينا إليه بيانا ~~وإن (كان # PageV02P032 # عن) غالب ظن. ### | [البيان من الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول] # ويكون البيان من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالقول: نحو سائر السنن ~~المبتدأة ونحو تخصيصه لعموم القرآن " كنهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان "، و ~~" بيع ما لم يقبض "، و " أحلت لي ميتتان " ونحو قوله " خمس يقتلهن المحرم ~~في الحل والحرم " خص به قوله تعالى {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: ~~95] . ### | [البيان من الرسول ms178 صلى الله عليه وسلم بالكتابة] # ويكون البيان منه بالكتابة أيضا: كنحو " كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم في ~~الصدقات والديات وسائر الأحكام "، و " كتابه الذي كتبه لأبي بكر الصديق في ~~الصدقات " وقال عبد الله بن حكيم، ورد علينا كتاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل موته بشهرين «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» . # PageV02P033 # وقال (الضحاك بن سفيان) الكلابي «كتب إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» فثبت أن الكتابة يقع بها ~~البيان كوقوعه بالقول ويكون من النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان المجمل ~~في الكتاب بهذين الوجهين، نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس فيما دون ~~خمس أواق صدقة» ، و «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ، وبيانه لفروض ~~صدقات المواشي بالقول والكتابة، كل ذلك بيان للمراد بقوله تعالى {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم} [التوبة: 103] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «فيما ~~سقت السماء العشر» بيان لقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ~~وقوله تعالى {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: ~~267] . # PageV02P034 ### | [البيان من الرسول بالفعل] # ويكون (البيان منه بالفعل أيضا كفعله) لأعداد ركعات الصلاة المفروضة ~~وأوصافها وقع به بيان المجمل من قوله تعالى {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ~~ونحو فعله في المناسك بيانا لقوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} [آل ~~عمران: 97] وقد أكد ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - «صلوا كما رأيتموني ~~أصلي» وقوله «خذوا عني مناسككم» نبههم به على وجوب اعتبار البيان بفعله عما ~~أجمل في الكتاب (ذكره) وليس كل فعله في الصلاة أو الصدقة بيانا للجملة ~~(التي) في الكتاب، لأنه لو صلى لنفسه لم يدل ذلك على أنه بيان لقوله تعالى ~~{وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مراده بقوله ~~تعالى {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] وإنما يقع على وجه البيان ما يجمع الناس ~~عليه من المكتوبات أو عقل (من) فعله أنه فعلها على أنها فرض، فيكون هذا ~~دليلا على أنه معقول ms179 بالكتاب فصار بيانا له، لأن قوله تعالى {وأقيموا ~~الصلاة # PageV02P035 # وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] موجب لفرضهما وما فعله في نفسه لم يثبت أنه ~~فعله فرضا فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بيانا. ### | [بيان مدة الفرض المنصوص عليه في الكتاب أو السنة] # ويكون منه أيضا بيان (مدة الفرض) المنصوص عليه في الكتاب أو السنة بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - «لا وصية لوارث» قد قيل: إنه نسخ به الوصية ~~للوالدين والأقربين، وقوله في الرجم نسخ به الحبس والأذى عن المحصن، وفي ~~السنة نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ~~فزوروها» ، و «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا» . ### | [البيان بالإشارة] # ويكون البيان منه بالإشارة أيضا كقوله: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار ~~بأصابعه العشر» فأفاد بأنه ثلاثون يوما. ثم قال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا ~~وحبس الإبهام في الثالثة» فأفاد أنه تسعة وعشرون يوما، وقال الله تعالى ~~لزكريا - عليه السلام -: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل ~~عمران: 41] ثم قال تعالى: {فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا ~~بكرة # PageV02P036 # وعشيا} [مريم: 11] يعني أشار إليهم فقامت إشارته مقام القول في بلوغ ~~المراد. وحكى الله تعالى عن مريم (صلوات الله عليها) {فأشارت إليه} [مريم: ~~29] فبينت لهم مرادها بالإشارة. ### | [البيان بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص] # ويكون فيه البيان أيضا بالدلالة والتنبيه على الحكم من غير نص، نحو «قوله ~~- عليه السلام - لفاطمة بنت أبي حبيش في دم الاستحاضة إنها دم عرق وليست ~~الحيضة» فدل على وجوب اعتبار (خروج) دم العرق في نقض الطهارة، «وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - حين سئل عن سمن ماتت فيه فأرة فقال: إن كان جامدا فألقوها ~~وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه» فدل بتفريقه بين المائع والجامد على أن ~~سائر المائعات ينجس بمجاورة أجزاء النجاسة إياها، وغير ذلك من وجوه النظر ~~المستنبطة من السنن. ### | [بيان الحكم بالإقرار] # وقد يقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان الحكم بالإقرار على فعل ~~شاهده من فاعل يفعله على ms180 # PageV02P037 # وجه من الوجوه فيترك النكير عليه، فيكون (ذلك) بيانا منه في جواز فعل ذلك ~~الشيء على الوجه الذي أقره عليه، أو وجوبه إن كان شاهده يفعله على وجه ~~الوجوب فلم ينكره. وذلك نحو علمنا بأن عقود الشرك والمضاربات والقروض وما ~~جرى مجرى ذلك قد كانت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وبحضرته مع علمه ~~بوقوع ذلك منهم واستفاضتها فيما بينهم ولم ينكرها على فاعليها، فدل ذلك من ~~إقراره إياهم على إباحته ذلك، لأن ذلك لو كان من حيز المحظور لأنكره ~~وأبطله، إذ غير جائز على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرى أحدا على ~~منكر من الفعل أو القول فيقاره عليه ولا ينكره، إذ كان إنكاره ذلك من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أمر الله تعالى جميع الناس بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وللنبي - صلى الله عليه وسلم - الحظ الأوفر منه، إذ كل من ~~أمر بمعروف أو نهى عن منكر من أمته فإنما فعله اقتداء به وبأمره، فإذا ~~علمنا إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - قوما على أمور علمها منهم من غير ~~نكير منه عليهم فيها كان أقل أحوال تلك الأفعال أن تكون (جارية) على الوجه ~~(الذي) أقرهم عليه، فدل ذلك على أن البيان قد يقع (من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -) بإقرار من شاهده على فعل وتركه النكير عليه فيه فيدل على ~~جوازه على الوجه الذي (شاهده) يفعله. # فإن قال قائل: ليس في إقراره - عليه السلام - من شاهده على فعل وتركه ~~النكير دلالة على إباحته وجوازه، لأنه يجوز أن يترك النكير عليه اكتفاء بما ~~قدم من النهي عنه. من جهة النص أو الدلالة لأنه قد أقر اليهود والنصارى على ~~الكفر وعلى عبادة غير الله تعالى، ولم يدل ذلك على جوازه عنده ورضاه به. # قيل له: أي نكير أشد من قتاله إياهم عليه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم # PageV02P038 # صاغرون، مع ما قدم فيه من الوعيد بالخلود في النار وإنما أعطاهم العهد ~~وأخذ منهم الجزية عقوبة لهم على ms181 أن يقرهم على كفرهم وذلك معلوم ظاهر من ~~أمرهم. ألا ترى أنه قد أنكر عليهم ما لم يعطهم العهد فيه على إقرارهم عليه ~~من المحظورات، نحو ما كتب به إلى أهل نجران وكانوا نصارى «إما أن تذروا ~~الربا وإما أن تأذنوا بحرب من الله ورسوله» فابتدأهم بهذا الخطاب حين علم ~~أنهم كانوا يربون وأن إقرارهم (عليه) لم يدخل فيما أعطاهم من الذمة. # ويقال لهذا القائل: خبرنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يجوز أن ~~يرى رجلا يربي أو يغصب أو يقتل فلا ينكر على فاعله اكتفاء بما قدم من النهي ~~عن ذلك. فإن قال نعم: خرج من إجماع الأمة وجوز على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ما نزهه الله تعالى منه وأجاز (على) (النبي - صلى الله عليه وسلم -) ~~ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويقال له: (فإن) جاز ذلك للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فهو لنا أجوز، وإن جاز ذلك لنا فقد أدى ذلك إلى سقوط ~~(فرض) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اكتفاء بما قدمه الله تعالى والرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - من النهي عن ذلك وفي هذا نقض ركن من أركان الدين ~~عظيم. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ~~فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم # PageV02P039 # يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وكيف يجوز أن يأمرنا بأن لا نقر أحدا ~~على منكر إذا أمكننا تغييره ثم يقر (هو) الناس عليه ويترك النكير عليهم ~~فيه، حاشا له من ذلك - صلى الله عليه وسلم -. وقد جعل أصحابنا - (رحمة الله ~~عليهم) - ترك العلماء النكير على العامة في معاملات قد تعارفوها واستفاضت ~~فيما بينهم إجماعا منهم على جوازه، نحو ما قالوا في الاستصناع أنهم لما ~~شاهدوا علماء السلف (لم ينكروه) على عاقديه مع ظهوره واستفاضته كان ذلك ~~اتفاقا منهم على جوازه وتركوا القياس من أجله، ومثل دخول الحمام من غير شرط ~~أجرة (معلومة) ولا مدة معلومة ولا ذكر لمقدار الماء الذي يستعمله أجازوه ~~لظهوره في علماء السلف ms182 من العامة وتركهم النكير عليهم (فيه) ، ومثل علمهم ~~بأن الجباب والكيزان لا يخلو من بق أو بعوض يموت فيها في أكثر الحال ثم لم ~~يقل أحد # PageV02P040 # من علماء السلف للعامة لا يجوز لكم استعمال الماء الذي هذه حاله مع علمهم ~~بعموم بلواهم به، فدل تركهم النكير فيه على طهارة ذلك الماء لأنه لو كان ~~نجسا ما جاز لهم ترك النكير على مستعمله للطهارة إذ كانوا بالصفة التي ~~وصفهم الله بها في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون ~~عن المنكر} [آل عمران: 110] فدل ذلك على أن كل ما أقر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الناس عليه فهو جائز على الوجه الذي أقرهم عليه. # ومن نحو ذلك حديث الزهري عن سهل بن سعد الساعدي «أن عويمرا العجلاني لما ~~لاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين امرأته قال كذبت عليها يا ~~رسول الله إن أمسكتها هي طالق ثلاثا» فتضمن هذا القول إخبارا منه بحضرة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها امرأته إلى أن طلقها ثلاثا ولم ينكر ~~(عليه) النبي - صلى الله عليه وسلم - إخباره بذلك، ومعلوم أنه غير جائز أن ~~يخبر أحد بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه # PageV02P041 # مالك لبضع امرأة وهو غير مالك في الحقيقة، ثم يقره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على ذلك ولا ينكره عليه، لأن قائل ذلك قد انتظم أمرين. أحدهما: ~~إخباره أنه مالك لبضعها وهو غير مالك، وهذا كذب والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يقر أحدا على الكذب. # والثاني: إخباره عن اعتقاده بأن فرجها له مباح وهو محظور في الحقيقة، فدل ~~تركه النكير على عويمر (فيما أخبره به من) ذلك أن الفرقة لم تكن (قد) وقعت ~~بنفس اللعان. ومثله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من «النهي عن ~~لبس الحرير والتختم بالذهب، ثم يرى على نسائه الحرير والذهب فلا ينكره» فدل ~~ذلك على أن النهي (خاص) بالرجال دون النساء. ### | [بيان المجمل بالإجماع] # وقد يقع بيان المجمل (بالإجماع) ، لأنه حجة ms183 لله تعالى قد أمر باتباعه ~~وحكم بصحته، فيجوز وقوع البيان به، نحو إجماعهم على أن دية الخطأ على ~~العاقلة، والذي في كتاب الله تعالى {فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ولم ~~يذكر وجوبها على العاقلة فبين الإجماع المراد # PageV02P042 # بها، وكإجماعهم على أن للجد مع الولد الذكر السدس إذا لم يكن له أب، وأن ~~لبنتي الابن الثلثين إذا لم يكن ولد لصلب، وأن للجدتين أم الأم وأم الأب ~~(إذا اجتمعتا) سدسا واحدا، وهو مما قد وقع به بيان قوله تعالى {للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] كما بين الله تعالى بعضه بنص قوله ~~{يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] إلى آخر القصة، وكما بينت السنة ~~بعضه «فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجدة السدس» كذلك الإجماع بين ~~هذه الفرائض التي ذكرناها وهي مجملة في قوله تعالى {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنساء نصيب} [النساء: 7] . # وقد يكون بيان الإجماع بحكم مبتدأ كما يكون بيان حكم الكتاب والسنة، وذلك ~~نحو إجماع السلف على حد الخمر ثمانين على ما بيناه في غير هذا الكتاب، ~~وإجماعهم على تأجيل امرأة العنين. وقد يكون بيان خصوص العموم بالإجماع نحو ~~قوله تعالى {الزانية والزاني} [النور: 2] وأجمعت الأمة أن العبد يجلد ~~خمسين، والإجماع (وإن) لم يخل من أن يكون عن توقيف أو رأي فإنه أصل برأسه ~~يجب اعتباره فيما يقع البيان به. # PageV02P043 ### | [باب القول في تأخير البيان] # قال أبو بكر: اختلف الناس في تأخير البيان. فقال قائلون: غير جائز تأخير ~~بيان اللفظ الذي يمكن إجراؤه على ظاهره وحقيقته إذا كان المراد به غير ~~الظاهر، ومنعوا أيضا جواز تأخير بيان المجمل. # وقال آخرون: لا يجوز تأخير بيان الظاهر ويجوز تأخير بيان المجمل إذا كان ~~اللفظ مؤديا ببيان يرد في الثاني. نحو قول القائل: أعط زيدا حقه إذا بينه ~~(له) . وامتنعوا من إجازته إذا لم يكن لفظ (الإجمال مظهرا) فيه فقالوا في ~~نحو قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وقوله تعالى ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] إذا لم يكن المراد ms184 بهما صلاة ~~أو زكاة معهودة أنه غير جائز تأخير البيان في مثله عن حال وروده، إذ ليس ~~معه ما يوجب تعليقه ببيان يرد في الثاني. # وقال آخرون: يجوز تأخير البيان في جميع هذه الوجوه سواء كان اللفظ مكتفيا ~~بنفسه في إفادة حكمه أو كان مجملا موقوف الحكم على بيان من غيره. # PageV02P047 # وقال آخرون: ما كان مجملا لا يمكن استعمال حكمه، أو لم يكن اللفظ في نفسه ~~مجملا إلا أنه قرن به ما يوجب إجماله ويمنع استعمال حكمه فجائز تأخير بيانه ~~عن وقت وروده سواء كان اللفظ مؤديا ببيان يرد في الثاني أو لم يكن فيه ذلك، ~~وأما ما أمكن استعمال حكمه فغير جائز تأخير بيان خصوصه - إن كان المراد ~~الخصوص - عن حال إيقاع الخطاب والفراغ منه. # قال أبو بكر: الذي أحفظه عن (شيخنا) أبي الحسن - رحمه الله - جواز تأخير ~~بيان المجمل وامتناعه فيما يمكن استعمال حكمه. وكذلك يجب أن يكون القول في ~~اللفظ (المطلق) إذا أراد به المخاطب غير الحقيقة فغير جائز تأخير بيان ~~مراده. # وهذا الذي حكيناه عن أبي الحسن هو عندي مذهب أصحابنا؛ لأنهم يجعلون # PageV02P048 # الزيادة في النص نسخا إذا وردت متراخية عنه (ولا يجوزونها) إلا بمثل ما ~~يجوز به النسخ نحو إيجاب النفي مع الجلد، وشرط الإيمان في رقبة الظهار، ~~والنية في الطهارة وما يجري مجرى ذلك. ولو جاز عنده تأخير البيان في مثله ~~لما كانت الزيادة عندهم نسخا (بل) كان يكون بيانا لأن المذكور بدءا بعض ~~الفرض لا جميعه، وقد أجازوا (مثل) هذه الزيادة في المجمل بالقياس وخبر ~~الواحد. # ألا ترى أنهم يشترطون النية في الصوم ولم يوجب ذلك عندهم نسخه بل كانت # PageV02P050 # على وجه البيان، لأن اللفظ لما كان مجملا مفتقرا إلى البيان بكل ما ثبت ~~أنه مشروط فيه من جهة خبر الواحد أو القياس أو غيره من وجوه الأدلة فهو ~~مراد باللفظ ويصير اللفظ عبارة عنه، فكان ثبوت ذلك فيه على جهة بيان ~~المراد. # والدليل على امتناع جواز تأخير بيان ما يمكن استعمال حكمه ms185 على ما ورد ~~فيه: أنه قد ثبت عندنا صحة القول بالعموم ووجب حمل اللفظ على الحقيقة، ~~فالواجب علينا إذا كان (هذا) هكذا اعتقاد حكم اللفظ على ما تضمنه من عموم ~~(و) حقيقة، فغير جائز إذا كان المراد به الخصوص أو المجاز تأخير بيانه عن ~~حال الخطاب به، لأن ذلك يوجب أن يكون قد ألزمنا اعتقاد الشيء على خلاف ما ~~هو به ولزوم حكمه على خلاف مراده، وهذا لا يجوز على الله تعالى، و (لا) على ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه إذا أوجب علينا اعتقاده بنفس ظهور ~~اللفظ على ما تضمنه من عموم أو حقيقة فقد أجاز لنا الإخبار عنه بذلك وإن ~~كان مراده البعض أو غير الحقيقة فقد أجاز لنا الكذب لأنه إخبار عن الشيء ~~بخلاف ما هو به، تعالى الله عن ذلك، فلا ينفك القائل بتأخير بيان ما هذا ~~وصفه من أحد أمرين: إما ترك القول بالعموم والظاهر. أو إجازة مجيء العبادة ~~من الله تعالى باعتقاد الشيء على خلاف ما هو به والإخبار عنه بذلك وكلاهما ~~منفيان عن الله تعالى. # وأيضا: فإن إرادة التخصيص بمنزلة الاستثناء فكما لم يجز أن يتراخى ~~الاستثناء عن الجملة بأن يقول {فلبث فيهم ألف سنة} [العنكبوت: 14] ثم يقول ~~بعد مدة {إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] وجب أن يكون كذلك حكم العموم إذا ~~أريد به الخصوص ألا يتأخر بيانه لأن العلة فيهما جميعا: # PageV02P051 # أن) تأخير بيانهما يؤدي إلى جواز التعبد باعتقاد الشيء على خلاف ما هو ~~به. # وأيضا: قال الله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] ~~وقال {بلسان عربي مبين} [الشعراء: 195] ، وفي مخاطبات الحكماء أن الكلام ~~إذا انقطع ضربا من الانقطاع يعرف به الفراغ منه أنه يجب اعتقاد موجبه غير ~~منتظر به ورود بيان في الثاني ينفي بعض موجبه، كما يعقل مثله في الإعداد ~~إذا عريت من الاستثناء، فلو أن متكلما أطلق لفظ عموم أو عددا معلوم المقدار ~~ثم قال بعد ذلك بزمان: أردت بعض ذلك دون بعض حكموا عليه بالكذب في ms186 مقالته، ~~كما لو أقر لرجل بألف (درهم) ثم قال بعد زمان: أردت تسعمائة، ولولا أن ذلك ~~كذلك لما استنكر على أحد كذب أبدا، لأن كل ما ينفي به الكلام الأول يمكنه ~~أن يقول (ما أردته) باللفظ أو أردت نفيه بشرط، فلما كان جواز ذلك منفيا عن ~~مخاطباتنا فيما بيننا وجب أن ينتفي عن خطاب الله تعالى (وخطاب رسول الله - ~~عليه السلام - لأن الله تعالى) إنما خاطبنا بما هو في لغتنا وتعارفنا. # فإن قال (قائل) : يلزمك مثله في النسخ لأن كل ما ورد عن الله تعالى وعن ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - فواجب علينا اعتقاد بقاء حكمه، ثم لا يمتنع ~~مع ذلك ورود نسخه، كذلك لا يمتنع أن يلزمنا اعتقاد العموم ما لم يرد بيان ~~الخصوص. # PageV02P052 # قيل له: هذا غلط لأن كل ما حكم الله تعالى به ورسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو مما يجوز نسخه وتبديله فغير جائز لأحد أن يعتقد بقاءه ما دام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حيا، بل يجب علينا اعتقاد جواز نسخه ما بقي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ورد النسخ فإنما ورد ما كان في اعتقادنا ~~عند ورود الفرض المتقدم. # وقد احتج بعض من صنف في هذا الباب لامتناع جواز تأخير البيان فيما كان ~~وصفه ما ذكرنا بقوله تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] وقوله ~~تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] قال: فقد ~~أمره بالتبليغ والبيان فلا يجوز له أن يؤخره لأن في تأخيره مخالفة أمر الله ~~تعالى والنبي - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس من ذلك. # وهذا لا دليل فيه على ما ذكر لأن قوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ~~[النحل: 44] إنما يقتضي المنزل بعينه والمنزل مبين، وإنما أراد إظهاره وترك ~~كتمانه، ولا دلالة فيه على أنه أراد بيان الخصوص. # وأيضا: فإنه احتاج أن يثبت أولا أن البيان مما نزل إليه حتى يبين، ~~وكلامنا مع المخالف في: هل جائز أن يؤخر الله تعالى بيان العموم (إذا ms187 كان ~~مراده الخصوص) وليس في الآية امتناعه فلا معنى للاحتجاج بها في ذلك. وأيضا: ~~فإنه لو كان المراد بيان الخصوص لما دلت على وجوبه على الفور كما تقول: ~~أعطيتك هذه الدراهم لتشتري بها ثوبا أو لتنفقها على نفسك لا دلالة فيه على ~~إرادة ذلك في الحال. # PageV02P053 # وأيضا: فمعلوم أن المراد لتبين ما أمرت ببيانه فيحتاج إلى (أن) يثبت أولا ~~أنه مأمور بالبيان على الفور إذ ليس في اللفظ دلالة عليه فقد بين أنه ليس ~~في الآية دليل على ما ذكر هذا القائل في امتناع جواز تأخير البيان. # وأما قوله تعالى: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] فعليه أن يثبت ~~أولا أن البيان مما (قد) أنزل إليه حتى يبينه، لأن من يخالف في هذا مجوز أن ~~ينزل الله تعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم - عموم حكم ومراده الخصوص ~~ثم يؤخر بيانه عنه. واحتج بعض من أجاز البيان في ذلك بأنه ليس في العقل زعم ~~إحالة ذلك، لأنه جائز أن يعلم الله تعالى من مصلحتنا أن يخاطبنا بالعموم ~~فنعتقده ثم يبينه لنا في الثاني. # قال أبو بكر: وفساد هذا الكلام وانحلاله أظهر من أن يخفى على ذي بصيرة، ~~وذلك لأنه ادعى أولا أن في العقل يجوز ذلك، واستدل عليه بأنه جائز أن يعلم ~~الله تعالى من مصلحتنا أن يخاطبنا بالعموم فنعتقده ثم يبينه لنا في الثاني. # وقائل هذا لا يدري أنه غير جائز أن تكون # المصلحة # (في) أن يتعبدنا بخلاف مراده وأن يبيح لنا الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ~~به، فرام هذا القائل إثبات تجويز كون # المصلحة # في مجيء العبادة به بأن يجوز على الله تعالى أن يتعبد بخلاف مراده، ~~وباعتقاد الشيء على خلاف ما هو به فانتظم أمرين كلاهما منفي عن الله تعالى. ~~أحدهما: تجويزه على الله تعالى أن (يتعبدنا بالجهل) لأن اعتقاد الشيء على ~~خلاف ما هو به جهل. # PageV02P054 # والثاني: تجويزه أن يتعبدنا بالكذب، ثم إنه بنى على هذا الأصل الفاسد ~~الذي أصله في التجويز وجود ما ms188 ادعاه في جواز تأخير البيان في زعمه، واحتج ~~فيه بقول الله تعالى {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} [طه: ~~114] قال: وقد قيل في تأويله وجهان. أحدهما: تلاوته. والآخر: بيانه. قال: ~~وهو على الأمرين. قال أبو بكر: ولا دلالة فيه على ما ذكر من وجهين: أحدهما: ~~(أنه) إن سلم له ما (قد) ادعاه من التأويل من أن وحيه بيانه كان ذلك فيما ~~يقتضي البيان ويحتاج إليه، فأما اللفظ المكتفي بنفسه عن البيان فلم تتناوله ~~الآية. والآخر: أنه نهى عن العجلة (به) قبل الفراغ من جميعه لأن بيان القول ~~إنما يحصل بالفراغ منه وبلوغ آخره، لأنه قد يعلق تارة بشرط (و) يوصل ~~باستثناء وبلفظ التخصيص، ولا دلالة فيه على جواز تأخير البيان فيما كان هذا ~~وصفه ويكون معناه موافقا لما قلنا من قبل أن يقضى إليك بيانه متصلا ~~بالكلام. ويقال للمحتج بهذا: ما معنى قوله تعالى {ولا تعجل بالقرآن} [طه: ~~114] عندك؟ أراد به أن (لا) يتلوه أو أراد أن (لا) يعتقد حكمه على ما ورد ~~حتى نبين لك معناه. فإن قال: أراد التلاوة. قيل له: فلا خلاف بين المسلمين ~~أنه كان جائزا له التلاوة إذا حصل الفراغ منه بانقطاع الكلام. # PageV02P055 # فإن قال: أراد (أن) لا يعتقده على ما يقتضيه ظاهره فإن هذا يمنع (من) ~~اعتقاد العموم فيه وليس هذا كذلك. # وهذا لو صح كان ينبغي أن يستدل به من يقف في العموم وأنت تقول إني أعتقد ~~العموم فيه ما لم يرد بيانه، فقد خالفت قوله {ولا تعجل بالقرآن} [طه: 114] ~~على معناه عندك، وعلى هذا التأويل يوجب أن لا يعتقد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - العموم في شيء من القرآن إلى آخر عمره، لأن تأخير بيان جميعه يجوز ~~عندك. وكلما بين له شيء فجائز أن يكون هناك بيان آخر والبيان نفسه قد يكون ~~من القرآن فيكون موقوفا أيضا على بيان آخر، وهذا فاسد لا يجوز القول به. ~~واحتج أيضا: بقوله تعالى {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} ms189 [القيامة: 18] {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19] وثم ~~للتراخي فيقال له: معلوم أن هذا فيما يحتاج فيه إلى البيان والقول المكتفي ~~بنفسه في إفادة الحكم غير مفتقر إلى البيان. فما الدلالة في الآية على جواز ~~(كونه) بيانا حتى يجوز تأخيره. # وأيضا: معلوم أنه لم يرد بيان جميع ما أنزل من القرآن، لأنه لو كان كذلك ~~لوجب أن يكون البيان أيضا مفتقرا إلى بيان. وكذلك الثاني والثالث إلى ما لا ~~نهاية له، وهذا فاسد فدل أن المراد بيان بعض القرآن وذلك البعض هو المجمل ~~الذي يحتاج إلى البيان فسقط استدلاله بالآية على جواز تأخير بيان الظاهر. ~~وأيضا: فإذا كان معلوما مع ورود الآية أن المراد بيان بعض القرآن صار ~~تقديرها (ثم) إن علينا بيان بعضه فيحتاج إلى دلالة أخرى على ما اختلفنا فيه ~~من ذلك البعض الذي أخبر الله تعالى أنه يؤخر بيانه. # وقال هذا الرجل أيضا: لما كان (تأخير) بيان الجملة جاز مثله في العموم ~~ولا فرق، # PageV02P056 # واقتصر على هذا القدر من غير أن يبين وجه الاستدلال بأحدهما على الآخر. # وهذا الكلام لا يستحق به جوابا ولا زيادة أكثر من أن يقال له: ولم قلت إن ~~هذا مثل بيان الجملة؟ . ثم قال: فإن قيل: الفرق بينهما أن في الجملة لم يدر ~~ما الاعتقاد وفي العموم يدري. قال: فإنهما قد اجتمعا في أن سارقا يقطع وأن ~~كل سارق يقطع. # وقال (و) أيضا فإذا جاز أن يؤخر بيان ما لا يدرى ما هو كان بيان ما يدرى ~~أولى أن يؤخر هنا. قال أبو بكر: فأما قوله قد اجتمعا في الاعتقاد (فهما ~~سواء) فإنه ضرب من الهذيان، لأن الجملة لا يمكننا اعتقاد معناها، وإنما ~~نعتقد بورودها إن فرضنا ما قد تعلق وجوبه بهذا القول عند ورود البيان، فليس ~~يمتنع أن نبين في الثاني معنى اللفظ، وأما العموم فعلينا فيه اعتقاد ظاهره ~~وموجب لفظه، فإن كان مراده غير ما دخل تحت اللفظ فحين ألزمنا القول بالعموم ~~فقد أوجب علينا اعتقاده على خلاف ما أراده منا، ms190 وهذا ممتنع، وأما قوله إذا ~~جاز تأخير بيان ما لا يدرى ما هو ففيما يدرى أولى فلا معنى له لأن ما لا ~~يدرى لا يلزمنا فيه اعتقاد شيء يبين لنا في الثاني خلافه، وما يدرى قد ~~ألزمنا منه اعتقاد ظاهره فلا يجوز ورود البيان بعده بخلافه. # ثم يقال له: لا يجوز أن يتأخر الاستثناء عن الجملة لأنا لا ندري معنى ~~قوله تعالى {فلبث فيهم ألف سنة} [العنكبوت: 14] فتأخير بيان الاستثناء أولى ~~حتى يقول بعد مدة {إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] كما قلت في تأخير بيان ~~العموم إذا كان مراده الخصوص. # PageV02P057 # قال هذا القائل: وإنما نقول في اعتقاد مثله أنا نعتقده على العموم إن ~~خلينا وهو، فليس يرفع البيان ذلك الاعتقاد. # قال أبو بكر: وإنما حكينا ألفاظه على وجهها وإن كانت ملحونة عنه لأنا لم ~~نحب تغييرها وأردنا أن يكون الكلام عليها على حسب ما ذكرها. فيقال (له) : ~~في هذا الفصل ما تقول في حكم اللفظ إذا صدر عن الله تعالى وعن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - وحصل الفراغ منه قبل ورود البيان، أنقطع فيه بأن مراده ~~العموم أو لا نقطع فيه بشيء لجواز أن يكون مراده الخصوص، وإن لم يبينه في ~~الحال؟ . فإن قال: لا أعتقد فيه العموم إلا لأنه جائز أن يريد (به) الخصوص ~~وإن لم يبين. قيل له: فإنا كلمناك على أنك تقول معنا بالعموم، فإن صرت إلى ~~مذهب أصحاب الوقف سحبنا عليك جميع ما تقدم في باب إثبات العموم على أصحاب ~~الوقف وألزمناك أن تقف في البيان لجواز أن يكون له بيان آخر لم يذكره ~~ويذكره في الثاني، وكذلك في كل بيان يرد سواء كان لفظا أو دلالة منه، لأن ~~دلالة اللفظ ليست بآكد من (اللفظ فأوجب الوقف في حكم اللفظ) لجواز تأخير ~~بيانه فدلالته أحرى أن تكون كذلك فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكم اللفظ رأسا. # فإن قال: إني لا أقول بالوقف، والفصل بيني وبين أصحاب الوقف أني أقول إني ~~أعتقد العموم إن خليت وإياه، وهؤلاء يقولون نقف ms191 فيه حتى يثبت العموم أو ~~الخصوص. قيل له: لا فصل بينكما في المعنى وإنما خالفتهم في العبارة، وذلك ~~لأنك معترف أنك # PageV02P058 # لم تخل والعموم حين وروده وحصول الفراغ منه، فالعموم لم يثبت بعد لأنك ~~علقته بشرط لم يثبت وهو قولك إن خليت وإياه وأنت (إذا لا) تدري أخليت وإياه ~~أم لا، وأنت واقف في العموم فلا فرق بينك وبين أصحاب الوقف حين قالوا نعتقد ~~العموم إن كان هو المراد والخصوص إن كان هو المراد، فإن قلت إني قد خليت ~~والعموم نقضت ما ابتدأت به في هذا الفصل ورجعت عنه ولزمك جميع ما قدمناه في ~~صدر هذا الباب. # ويقال له: ما الفصل بينك وبين من اعتقد في ذكر الأعداد مثل اعتقادك في ~~العموم، فنقول في قوله تعالى {فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] إنه كان ~~يجوز أن يعتقد فيه عند وروده أنهما شهران إن خلينا وإياهما وإن (لم) يعقبه ~~بعد ذلك ببيان استثناء يوجب الاقتصار على ما دونهما بأن نقول شهرين إلا ~~عشرة أيام، ولا نعتقد في قوله تعالى {واختار موسى قومه سبعين رجلا} ~~[الأعراف: 155] وفي قوله تعالى {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} [المائدة: 12] ~~العدد المذكور فيه حتى يتوفى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه جائز أن ~~يرد بعده الاستثناء (فيقول) : سبعين إلا عشرة واثني عشر إلا واحدا فإن لم ~~يجز ذلك في الأعداد والاستثناء منها فما الفصل بينهما وبين العموم، وكذلك ~~يجب أن يصدق من قال لفلان علي ألف درهم وسكت ثم قال بعد شهر أردت ألفا إلا ~~مائة فلما كان المعقول من إطلاق هذه الألفاظ متى حصل الفراغ منها # PageV02P059 # اعتقاد مضمونها غير مرتقب فيها بيانا وجب أن يكون ذلك حكمها في خطاب الله ~~تعالى إيانا. # واحتج أيضا: بأنه قد يجوز أن يقع البيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالفعل كما يبين بالقول وزمان الفعل أطول من زمان القول فقد أخر البيان عن ~~وقت إمكانه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلوا كما رأيتموني أصلي» ~~. و «خذوا عني مناسككم» وبين ms192 جبريل (للنبي - صلى الله عليه وسلم -) مواقيت ~~الصلاة ولم يجب النبي - صلى الله عليه وسلم - (السائل) عن مواقيت الصلاة ~~(حتى صلى الصلوات) ثم قال «أين السائل عن مواقيت الصلاة؟ الوقت فيما بين ~~هذين» . قال أبو بكر: وليس (في شيء) مما ذكر دلالة على موضع الخلاف في هذه ~~المسألة وذلك لأن فرض الصلاة والحج لم يخل من أن يكون تعلق بمعهود معلوم ~~عندهم فانصرف الأمر إليه فهذا لا يحتاج إلى بيان، ويكون قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - «صلوا كما رأيتموني أصلي» و «خذوا عني مناسككم» تأكيدا وتقريرا ~~لما قد علموه، فلم يقع بهذا بيان كما قال - عليه السلام - «ائتموا بي ~~وليأتم بكم من بعدكم» وهذا تأكيد لمعنى قد عرفوه قبل ذلك وليس ببيان. وكذلك ~~مواقيت الصلاة أو أن يكون فرض الصلاة والحج حين ورد كان مجملا مفتقرا إلى ~~البيان، فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيانهما ونحن نجوز تأخير بيان ~~المجمل # PageV02P060 # فإذا لا دلالة فيما ذكر على موضع الخلاف بيننا. # (وقال أيضا) : إن النسخ تأخير البيان لأنا أمرنا بالصلاة إلى بيت المقدس ~~ومعنى ذلك أنا نصلي إليها ما بقينا والأمر الأول، فنعتقد أن لا يزال يصلى ~~إليها إن بقينا والأمر الأول فيقال له ليس هذا من تأخير البيان في شيء وذلك ~~لأنه يجب علينا اعتقاد ثبوت الحكم بعد وروده. # وهذا الذي قد اعتقدنا ثبوته لا يجوز رفعه ولا تبين لنا خلافه، وإنما الذي ~~يجوزه من ذلك بيان آخر وقته غير مذكور في اللفظ، فيلزمنا اعتقاد عمومه، ~~وإذا كان ذلك كذلك لم يكن ورود النسخ رافعا للاعتقاد الأول لأن ما اعتقدنا ~~ثبوته لم يرتفع بورود النسخ (وأما ورود نسخه فقد) كنا نجوزه مع ورود الأمر، ~~وأنت فلا يمكنك أن تقول مثله في بيان الخصوص إلا بترك اعتقاد العموم في حال ~~ورود اللفظ فيجعل نفس الحكم موقوفا على ما يرد من بيانه. # وأيضا: فلو ورد الحكم الناسخ مع المنسوخ في خطاب واحد لم يتنافيا، لأنه ~~يصح أن تقول: صل إلى بيت المقدس إلى ms193 وقت كذا، ثم صل إلى الكعبة، كما تقول ~~صل إذا زالت الشمس ولا تصل عند الطلوع والغروب. واعتقاد العموم لا يصح معه ~~تأخير البيان لو جمعهما في خطاب واحد لأنه لو قال أعتقد قطع جميع السراق لم ~~يصح أن يضم إليه وقف في السراق لا يحكم فيهم بشيء حتى يرد البيان لأن ~~الاعتقاد الثاني ينافي الأول. فلما لم يصح ورودهما على هذا الوجه في خطاب ~~واحد لم يصح أن يريده به، ولما صح جمع (ذكر) الحكم الناسخ والمنسوخ في خطاب ~~واحد صح أن يريده. # PageV02P061 # وأيضا: فإن مدة الفرض لما لم تكن مذكورة وكان تجويز بيانها بالنسخ فإنما ~~صار النسخ في (معنى) بيان المجمل الذي هو غير معلول المعنى فجاز تأخير ~~بيانه. ثم يقال له: أليس كل حكم ورد مما يجوز نسخه فأنت تجوز نسخه ما بقي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإذا قال: نعم، قيل له: فنقول في كل عموم ~~يرد مما يجوز تخصيصه أنه جائز ألا يكون المراد به العموم، وأن المراد به ~~الخصوص. فإن قال: نعم. قيل: فقد تركت القول بالعموم، ويلزمك أن لا تثق ~~بالبيان أنه على ما ورد من مقتضى لفظه وأن يجوز فيه ورود بيان خصوصه أو ~~تعليقه على شرط أو حال أخرى، أو استثناء، ويسحب عليه جميع ما يلزم من ينفي ~~القول بالعموم في إخلاء اللفظ من الفائدة. واحتج أيضا: بقصة موسى والخضر - ~~عليهما السلام - أنه لم يتبين له وجه ما فعله من خرق السفينة وقتل الغلام ~~وإقامة الجدار في وقت الفعل وأخره إلى ثان. قال أبو بكر: وليس هذا مما نحن ~~فيه في شيء، لأنه لم يكن - عليه السلام - عليه أن يبين وجه المصلحة والحكمة ~~في جميع ما فعله لموسى - عليه السلام -، كما أنه ليس على الله تعالى أن ~~يعلمنا وجه المصلحة فيما يفعله من الآلام والأمراض والموت بكل واحد منا، ~~وإنما علينا أن نعتقد أنه لا يفعل من ذلك إلا ما هو صلاح وحكمة. # PageV02P062 # فأما أن يعرفنا كل شيء منها بعينه فيقول ms194 إن هذا وجه الحكمة والمصلحة فيه ~~كذا وهذا وجهه كذا فإن ذلك غير واجب. وقد كان الخضر - عليه السلام - مخيرا ~~بين أن يبين أو لا يبين، إذ لم يكن الله تعالى قد أمره بالبيان فلم يؤخر ~~بيان شيء لزمه بيانه. # وأيضا: فإن موسى - عليه السلام - (قد) كان عالما بأن الخضر لم يفعل إلا ~~ما هو صواب وحكمة في الجملة، وإنما أراد أن يبين وجه المصلحة في كل شيء ~~(منه) بعينه فكان وجه المصلحة فيه بمنزلة المجمل الموقوف الحكم على البيان ~~فجاز أن يتأخر بيانه كما نقول في تأخير بيان المجمل. (وقال أيضا: إن الله ~~تعالى حكى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم - عليه السلام - {إنا مهلكو أهل ~~هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين} [العنكبوت: 31] وقال إبراهيم - عليه ~~السلام - {إن فيها لوطا} [العنكبوت: 32] فبينوا حينئذ وقالوا {لننجينه ~~وأهله} [العنكبوت: 32] فخاطبوه بخطاب اقتضى العموم ولم يبينوه في الحال حتى ~~سأل) . والجواب عن هذا: أن الدلالة قد كانت تقدمت من الله تعالى لإبراهيم - ~~عليه السلام - على أن لوطا - عليه السلام - والمؤمنين معه خارجون من الخطاب ~~فصاروا مستثنين بالدلالة، فلم يكن على المخاطب استثناؤهم وإخراجهم من ~~الجملة بالبيان فقد كان إبراهيم - عليه السلام - عالما بأن الله تعالى لا ~~يهلك لوطا والمؤمنين معه وعلمت الملائكة (أيضا ذلك) من علم إبراهيم - عليه ~~السلام - فلم يكن عليهم استثناؤه من خطابهم. # فإن قال: لو كان إبراهيم - عليه السلام - قد علم أن لوطا مستثنى من ~~خطابهم لما قال # PageV02P063 # لهم: إن فيها لوطا، هذا يدل أنه كان اعتقد من خطابهم العموم، وجائز على ~~الله تعالى أن يميت الأنبياء - عليهم السلام - مع قومهم (من غير) أن يكون ~~لهم عقوبة وإن كان عقوبة لقومهم. قيل له: وما في قول إبراهيم - عليه السلام ~~- إن فيها لوطا من الدلالة على أنه لم يعتقد من خطابهم استثناء لوط من ~~الجملة وليس يمتنع عندنا أن يكون اعتقد استثناء لوط منهم وقال إن فيها لوطا ~~على وجه المسألة عن كيفية خلاصه (بأن يتركه) الله تعالى في القرية ويهلك ms195 ~~أهلها سواه وسوى من آمن به، أو يخرجه منها ثم يهلك القرية بما فيها فأخبرته ~~الملائكة حينئذ بجهة خلاصه، أو لم تبينه له إذ لم يكن عليهم بيانه، كل ذلك ~~جائز غير ممتنع فلم يثبت لهذا القائل وجه الدلالة من الآية على جواز تأخير ~~البيان. # وذكر أيضا: قصة نوح - عليه السلام - وأن الله تعالى وعده أن ينجيه وأهله، ~~ثم بين في الثاني استثناء ابنه من المنجيين فقال له: إن الله تعالى قد كان ~~أخبره {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] وكان ابنه كافرا فعلم ~~نوح - عليه السلام - أن الابن مستثنى من المنجيين إن بقي على كفره. وليس ~~يمتنع أن يكون قد كان يجوز أن يؤمن ابنه قبل الغرق، لأن الله تعالى إنما ~~قال له {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] وظاهر هذا ألا ~~يتناول أهله فقال {رب إن ابني من # PageV02P064 # أهلي وإن وعدك الحق} [هود: 45] فأخبره الله تعالى أنه لن يؤمن، ويجوز أن ~~يكون سأل الله تعالى أن يعرفه حال ابنه بعد الغرق هل كان نزع عن كفره بعد ~~فراقه إياه فأخبره أنه مات على كفره ومنع أن يشفع فيه بقوله تعالى {فلا ~~تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] . وذكر ~~أيضا: قصة بقرة بني إسرائيل وأنه أطلق اسم بقرة، وبين في الثاني أنها على ~~صفة فدل أنه أطلق لفظ عموم وأراد خصوص بقرة بعينها في الثاني. فيقال له: إن ~~الحكم الأول كان ذبح بقرة أي بقرة كانت فلما تعنتوا شدد عليهم بزيادة ~~الصفة. # وهذا عندنا على وجه النسخ لأنه ورد بعد استقرار الحكم الأول فليس فيه ~~تأخير البيان. فإن قال: إن الله تعالى علم أنهم سيفعلون هذا ويتعنتون. قيل ~~له: علم الله تعالى بأنهم يفعلون أو لا يفعلون لا يمنع (من) جواز النسخ بعد ~~التمكين من الفعل قبل وقوعه. وذكر أيضا: قوله تعالى {ولذي القربى واليتامى} ~~[الأنفال: 41] والاسم يتناول بني هاشم وبني (عبد) المطلب وبني ms196 عبد شمس ~~فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني هاشم وبني عبد المطلب ولم يذكر بني ~~عبد شمس بشيء فلما سأله عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وجبير بن مطعم - ~~رضي الله عنه - عن ذلك أخبر أنهم (لم) يرادوا بالقرابة، وقد كان اللفظ ~~يشملهم فلم يبينه حتى سئل فدل على جواز تأخير البيان. # PageV02P065 # فيقال (له: إن) هذا غلط، لأن قوله ولذي القربى لفظ مجمل مفتقر إلى البيان ~~لأنه يتناول قرابة كل أحد كما يتناول قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فهو محتاج إلى البيان، ونحن نجوز تأخير بيان المجمل. وذكر (أيضا) قوله ~~تعالى {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] فقال ابن ~~الزبعرى قد عبدت الملائكة والمسيح فأنزل الله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى} [الأنبياء: 101] فأطلق اللفظ ولم يعقبه ببيان حتى قال ابن الزبعرى ~~ما قال. فيقال (له) : هذا جهل بموضوع اللفظ لأن قوله تعالى {إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] لم يدخل فيه العقلاء (لأن ما ~~لغير العقلاء) ومن للعقلاء، وقد كان ابن الزبعرى علم ذلك وإنما اعترض بما ~~ذكر متعنتا في غير موضع اعتراض كما كانوا يكابرون في تسميتهم (إياه) مرة ~~ساحرا ومرة مجنونا ويناقضون فيه أفحش مناقضة ولا يبالون، لأن الساحر هو ~~الذي يبلغ (بدقة تدبيره ولطف حيلته) ما لا يبلغه غيره، والمجنون هو الذي ~~يخبط ويتعسف في أفعال لا يجريها على نظام ولا ترتيب فمن ناقض في قوله هذه ~~المناقضة ويباهت هذا البهت إذ لم يجد سبيلا إلى الطعن في دلائل # PageV02P066 # وأعلام نبوته - صلى الله عليه وسلم - حسدا وبغيا ليس يمتنع أن يباهت في ~~الاعتراض بذكر الملائكة والمسيح - صلوات الله عليهم أجمعين - على الآية، ~~وإن لم يتضمن لفظ الآية دخولهم فيه، وإنما كان وجه اعتراضه أن هذه الأصنام ~~إن كانت في النار لأنها عبدت من دون الله عز وجل فإنه يجب مثله في ~~(الملائكة والمسيح) والله تعالى لم يقل إنها في النار مع عبدتها لأنها عبدت ~~من دون الله، ms197 ثم أبان الله تعالى عن جهل هذا القائل وبهته بقوله تعالى {إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] . # ويدل على أن الآية لم تتناول غير الأصنام أنه خاطب بها قريشا وكانوا ~~يعبدون الأوثان ولم يكونوا يعبدون (المسيح ولا الملائكة) . فإن قال: لو لم ~~تتضمن الآية دخول هؤلاء فيه لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجاب من ~~اعترض بذلك قبل نزول الآية. قيل له: فكأنك تجوز أن يكون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - اعتقد دخول الملائكة والمسيح في حكمها وأنهم في النار لأنهم ~~عبدوا من دون الله فإن أجاز ذلك على النبي - صلى الله عليه وسلم - انسلخ من ~~الملة لأن أحدا من المسلمين لا يجيز ذلك (و) كلهم يقولون: إن معتقده كافر. ~~فإن قال: قد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنهم لم يرادوا بالآية. # قيل له: أفليس قد جاز أن لا يجيبهم إلا بعد نزول قوله تعالى {إن الذين ~~سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101] مع علمه أنهم غير داخلين فيها فما ~~أنكرت من قولنا حين قلنا إن الملائكة والمسيح لم يدخلوا قط في الآية ومع ~~ذلك لم يجبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لظهور فساد اعتراضهم ولأنه علم ~~أنه لا شبهة فيه على أحد، وعلى أن قوله {إنكم وما تعبدون من دون الله} ~~[الأنبياء: 98] لو # PageV02P067 # تناول العقلاء وغيرهم، لكان مرتبا على ما قرر في العقول وأنزل به الكتب ~~في أنه لا يعذب أولياءه وأنبياءه في الآخرة فلم يرد اللفظ مقترنا بدلالة ~~التخصيص فأي بيان تأخر. وقوله تعالى {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} ~~[الأنبياء: 101] تأكيد لما قد ثبت قبل ذلك وتقرير له (كما) ذكر (في صحة) ~~التوحيد وسائر صفاته (تعالى) في الكتاب بعد تقديم الدلائل عليها من جهة ~~القول. # فإن قيل: الدليل على جواز تأخير البيان قوله تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة} [البقرة: 43] فأخر بيان الصلاة على حال الأمر بذكر الزكاة، وإذا ~~جاز أن يتأخر البيان هذا القدر جاز أن يتأخر أوقاتا كثيرة. قيل له: لا ms198 يخلو ~~قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] من أن يكون تناول صلاة معهودة ~~قد عرفوها فلم تكن مفتقرة إلى البيان فقولك أخر بيانها ساقط أو أن يكون ~~مجملا عند هم عند نزول الآية ونحن نجوز تأخير بيان المجمل. # وأيضا: فإن حكم الكلام إنما يتعلق تأخره وحصول الفراغ منه، ألا ترى أنه ~~لو وصله باستثناء أو علقه بشرط تعلق الجميع به، فلو أطلق لفظ العموم ومراده ~~الخصوص لم يمتنع أن يؤخر بيانه بمقدار الفراغ من الكلام، لأن السامع لا ~~يلزمه أن يعتقد فيه شيئا إلا بعد الفراغ منه. فإن قال قائل: جميع ما ألزمته ~~القائلين بتأخير البيان من أن الوقوف فيه إلى ورود البيان ينفي وجوب القول ~~بالعموم وترك الوقف والقول باعتقاد عمومه (و) يؤدي إلى تجويز اعتقاد الشيء ~~بخلاف ما هو عليه فإنه يلزمك مثله في دلائل التخصيص من طريق النظر، لأنك لا ~~تخلو من أن تعتقد العموم بنفس وروده أو تقف فيه حتى يستبين حكم # PageV02P068 # اللفظ في عمومه أو خصوصه، فإن اعتقدت العموم لم تأمن أن يكون هناك دليل ~~يوجب خصوصه فتكون قد اعتقدت الشيء على خلاف ما هو به. # وإن وقفت فيه قلنا: أن تقول مثله في حكم اللفظ العام أنه على العام إن لم ~~يكن مراده الخصوص فيكون موقوفا على البيان الذي يرد في الثاني، ولا يقدح ~~(ذلك) في القول بالعموم كما أن وقوفك في عموم اللفظ إلى أن تستبرئ حال ~~الدليل الموجب لتخصيصه، يعترض عليك في القول بالعموم. قيل له: الجواب عن ~~هذا من وجهين: أحدهما: أنه يحتمل أن يقال إن الله تعالى لا يخاطب أحدا بلفظ ~~العموم ومراده الخصوص إلا مع إيراد دلائل التخصيص عليه حتى يعقل الخصوص مع ~~ورود اللفظ كما يعقل الاستثناء. # والثاني: أنه ليس يخلو السامع لذلك إذا كان مخاطبا بحكم اللفظ من أن يكون ~~سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من غيره ممن يلزمه قبول قوله. ومن ~~يلزمه قبول قوله فلا يورد عليه الخطاب إذا كان مكلفا لاعتقاد حكمه عاريا ms199 من ~~دلالة التخصيص إلا وقد أراد منه إمضاءه على ظاهره فيجب على السامع إذا كان ~~هذا وصفه اعتقاد حكم مقتضى اللفظ (والقطع) بأن لا دليل هناك يوجب تخصيصه. ~~وكذلك العامي ومن ليس من أهل العلم بأصول الحكم وطرق الاجتهاد، فإنه متى ~~سأل من يلزمه تقليده عن (حكم) حادثة فأجابه فيها بجواب معلق من آية أو خبر ~~فعليه اعتقاد عمومه والعمل عليه لأنه لو كان خاصا لبينه له، فإن سمع (خبرا ~~أو آية) على غير # PageV02P069 # هذا الوجه فليس عليه أن يعتقد فيهما شيئا لأنه في هذه الحال غير مخاطب ~~بحكمهما فهو في معنى من (لم) يسمعهما. # وإن كان رجلا من أهل العلم بأصول الأحكام والنظر فيها فتلا آية من القرآن ~~أو سمع خبرا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو ليس (يصير) من أهل ~~الاجتهاد والعلم بأصول الأحكام إلا وقد عرف مثل ذلك ما يعترض على هذا ~~العموم من تخصيص أو نسخ أو صرفه (عن حقيقته) إلى المجاز، فتكون حينئذ دلائل ~~الأصول مقارنة للعموم في إيجاب تخصيصه إن كان المراد الخصوص، فإن كان في ~~الحقيقة خاصا ولم يبين هو خصوصه لعموم دلالته وخفائها عليه فإنه إنما أتي ~~من قبل نفسه في ذهابه عن وجه الدلالة وقد بين الله تعالى له ما يوجب ~~تخصيصه، فإن اعتقد فيه العموم فإنما قصر في اجتهاده وأخطأ في اعتقاده والله ~~تعالى لم يأمره باعتقاد الخطأ. # وإنما ألزمنا نحن القائلين بتأخير البيان أن يكون الله تعالى قد أمرنا ~~باعتقاد عموم لفظ مراده فيه الخصوص فيكون أمرا له باعتقاد الشيء على خلاف ~~ما هو به، ولا يمكنهم أن يجيبوا عن ذلك بمثل جوابنا عن سؤالهم. لأن من ~~قولهم إن الله تعالى لم يبين بعد شيئا، وكيف يمكنهم (ولا يمكنهم) الوصول ~~معه على علم الخصوص. فإنما أتوا في اعتقاد عموم معناه (الخصوص) من قبل الله ~~تعالى لا من قبل تقصيرهم وذهابهم عن وجه دلالة الخصوص وهذا هو المنكر ~~عندنا. ولم ننكر أن يخطئ الإنسان فيعتقد العموم فيما (قد) بين ms200 خصوصه فيخطئ ~~دلالة الخصوص ويعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه وليس على الله تعالى أن ~~يوقف على # PageV02P070 # خطأ (قول) كل قائل بنص يزيل معه الإشكال عنه وإنما عليه إقامة الدلالة ~~عليه فإن أخطأها مخطئ لم (يؤثر) ذلك في وقوع البيان من الله تعالى بإقامة ~~الدلالة عليه. # ألا ترى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - حين سأله عن الكلالة يكفيك آية الصيف» فلم ينص له على الحكم عند ~~إشكاله عليه لأنه قد بينه قبل ذلك فوكله إلى ما قدمه من بيانه ثم يقال له: ~~فإذا لم تأمن أن يكون ما سمعه من الآية أو الخبر منسوخا بغيره، وكان الواجب ~~عليه النظر في الأصول هل فيها ما ينسخها ثم لم يلزم مع ذلك أن يقف في حكم ~~قد تيقنا ثبوته بجواز أن يكون منسوخا، بل واجب علينا الثبات عليه حتى يثبت ~~نسخه، فكذلك علينا اعتبار حكم اللفظ واعتقاد عمومه، ولا جائز أن يكون مراده ~~غير ظاهره فلا يبينه، كما أن علينا الثبات على حكم قد علمنا ثبوته يقينا ~~ولا يجوز الوقوف فيه لأجل جواز نسخه لأن النسخ لو كان ثابتا لبينه. # وأيضا فإن من وقف في حكم اللفظ للنظر في الأصول هل فيها ما يخصه فإنه متى ~~لم يجد فيها (دلالة التخصيص حكم بعموم اللفظ في حال وروده، وإن وجد فيها) ~~ما يخصه تبين به اقتران دلالة الخصوص إلى اللفظ كالاستثناء فإنما وقف (طلبا ~~لبيان) قد حصل (إن كان خاصا) . وأنت تقف لرد البيان في الثاني ولا تطلب ~~بوقوفك بيانا قد حصل كنت بذلك تاركا للقول بالعموم على الحقيقة # PageV02P071 # (فإن قال قائل) ليس جائزا أن ينسخ الله تعالى (حكما) فيتعلق حكمه على من ~~سمعه ولا يتعلق على من لم يسمعه كما روي «أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت ~~المقدس فأتاهم آت فأخبرهم أن القبلة قد حولت فاستداروا إلى الكعبة» فقد ~~صلوا بعض صلاتهم بعد نسخ التوجه إلى بيت المقدس ولم يؤمروا باستئنافها لأن ms201 ~~حكم النسخ لم يتعلق عليهم إلا بعد العلم، فكذلك ما أنكر أن يجوز اعتقاد ~~العموم في اللفظ العام ويتأخر بيانه فيكون السامع متعبدا باعتقاد العموم، ~~فإذا ورد البيان تبين خصوص اللفظ فصار إليه ولا يؤثر ذلك في اعتقاده بدءا ~~كما أن من لم يبلغه النسخ فهو متعبد بالفرض الأول فإذا بلغه علم أنه كان ~~منسوخا قبل ذلك. قيل له: الفصل بينهما أن من بلغه النسخ بعد زمان فقد كان ~~متعبدا بالفرض الأول وقت بلوغه إياه ولم ينسخ عنه ذلك إلا بعد علمه، وإن ~~كان منسوخا عن غيره فمن بلغه قبله فلم يكن في ذلك اعتقاد الشيء على خلاف ما ~~هو به، ومخالفنا في تأخير البيان يزعم أنه يجب عليه اعتقاد عموم، معناه ~~الخصوص في تلك الحال بعينها. # وهذا مستنكر لما بيناه، وإنما نظير النسخ من هذا أن يعتقد العموم ثم يخصه ~~بعد ثبوت حكمه فيكون ذلك نسخا لبعض حكم اللفظ، وهذا لا نأباه ولا نكرهه. # PageV02P072 ### | [فصل في تأخير بيان المجمل] # فصل: وأما المجمل الذي لا سبيل إلى استعمال حكمه إلا ببيان فإنما جاز ~~تأخير بيانه، لأنه لما لم يمكن استعمال حكمه علمنا أنه أراد منا اعتقاد ~~وجوبه إذا (كان) بين حكمه ولا يمتنع تكليف ذلك، لأنه يجوز أن يعلم أن # المصلحة # لنا في تقدمة ذلك إلينا وتكليفنا توطين النفس على فعله عند بيانه كما ~~كلفنا سائر العبادات وكما كلفنا اعتقاد (أداء) الصلاة عند مجيء وقتها، وفعل ~~صوم رمضان إذا حضر الشهر، كذلك لا يمتنع أن يقدم إلينا جملة يلزمنا بها ~~توطين النفس على فعله إذا ورد بيانه، فالأمر المجمل قد تضمن معنيين: ~~أحدهما: لزوم توطين النفس في الحال على فعله إذا ورد بيانه، وترقب مجيء ~~وقته. # والثاني: (أنه) متى بين كان وجوبه متعلقا بالجملة المتقدمة وليس تأخير ~~بيان المجمل كتأخير بيان العموم إذا كان مراده الخصوص، لأن ورود لفظ العموم ~~يلزمنا شيئين: # PageV02P073 # أحدهما: اعتقاد حكمه على ما انتظمه لفظه. # والآخر: لزوم فعله في أول أحوال الإمكان، ولزوم هذين المعنيين مانع ms202 من ~~تأخير بيان خصوصه، لأنه يوجب اعتقاد العموم فيما مراده الخصوص، ويوجب أيضا ~~اعتقاد لزومه على الفور. والمراد تأخيره إلى وقت البيان وكلا الوجهين منفي ~~عن الله عز وجل والمجمل لا يلزمنا فيه اعتقاد عموم ولا خصوص و (لا) يلزم به ~~الفعل على الفور، بل عند ورود البيان، وأكثر ما يلزمنا فيه عند وروده إعلام ~~حكم يبينه لنا في الثاني ويلزمنا (ببيانه فعله) وقبل بيانه توطين النفس ~~عليه وتسهيله عليها، وينبهنا على الفكر فيما حتم فعله من الثواب وبتركه من ~~العقاب فيصير حتما على المتمسك بما هو مفترض عليه لأن توطين النفس على ~~المأمور به يسهل فعله. # ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مروا صبيانكم بالصلاة لسبع ~~واضربوهم عليها لعشر» . وقال تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6] ~~. روي في التفسير أدبوهم وعلموهم ومعلوم (أنه ليس) عليهم فرض في الحال، ~~وأما أمرنا بذلك (فيهم) ليتمرنوا عليها ويعتادوها قبل البلوغ ليسهل عليهم ~~فعلها إذا # PageV02P074 # بلغوا وقد قص الله تعالى على نبيه - صلى الله عليه وسلم - أخبار الأنبياء ~~- عليهم السلام - حثا له على التمسك بالصبر وتسهيلا للمحنة عليه قال الله ~~تعالى {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود: 120] وقص ~~(علينا) أخبار القرون السالفة لنتعظ بها وننتهي عن مثل الأفعال التي ~~استحقوا العقاب بها فليس فيها أمر لنا بشيء أكثر من اعتقاد صحتها والاتعاظ ~~بها، وكذلك الأمر المجمل إذا كان فيه ضرب من التكليف والمصلحة في الحال ~~يمتنع وروده غير مقترن ببيان يصحبه ثم يبينه لنا إذا أراد إلزام الفعل (به) ~~، وهذا يسقط جميع ما يتعلقون به في ذلك من أنه لا فائدة في التلاوة إذا لم ~~يكن تحته مأمور به يلزمنا فعله في الحال وأنه متى كان ذلك كذلك كان بمنزلة ~~مخاطبة العربي بالزنجية وأن إيراد ذلك بلفظ الأمر ليس بأولى منه بلفظ النهي ~~إذ ليس تحته فعل مراد في الحال، وذلك لأن خطاب العربي بالزنجية لا يفهم به ~~المخاطب شيئا ووجوده وعدمه بمنزلة، فيكون عبثا ms203 ولغوا، والخطاب المجمل قد ~~تعلق به ما ذكرنا من وجوه التكليف # والمصلحة # فلم يمتنع وروده موقوفا على البيان على الوجه الذي ذكرنا. # فأما الخطاب بالأمر المجمل فمنفصل عن الخطاب بالنهي المجمل كانفصال ~~الخطاب بالأمر المعلوم المعني عن الخطاب بالنهي، لأن النهي المجمل يفيد ~~توطين النفس على اجتناب ما يرد بيانه، كما يفيد الخطاب بالأمر المجمل ~~توطينها (على) فعله عند ورود البيان، فبان بذلك فساد قول من اعترض بمثله ~~على جواز تأخير بيان المجمل. فإن قال قائل: لا يجوز تأخير بيان المجمل لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يأمن أن تعاجله المنية قبل بيانه فلا ~~يوصل بعده إلى حكمه. # PageV02P075 # قيل له: قد علم - عليه السلام - أن الله تعالى لن يتوفاه حتى يبلغ رسالته ~~ويبين (للأمة) ما تحتاج فيه إلى بيانه فهذا سؤال ساقط. # وأيضا: فإذا علم الله تعالى أنه إن أخر البيان عن وقت لا يمكنه بعده ~~تبليغه وأداؤه، فلا بد من توقيفه إياه على تعجيله وترك تأخيره لأن الله ~~تعالى إنما أرسله إلى الناس ليبلغهم ما تهم إليه الحاجة من أمر دينهم، فإذا ~~أباح له تأخير البيان فإنما يبيحه له ما (لم) يؤخره إلى وقت يفوته فيه ~~فعله، فإذا صار في حال إن لم يبينه فيه فاته وتعذر عليه أعلمه قبل تأخيره. ~~فأما من أجاز تأخير بيان المجمل إذا كان في الخطاب ما يوجب تعلقه بحال ~~ثابتة، وأباه إذا ورد مطلقا غير مطمع في بيان يرد في الثاني، فإنه ذهب فيه ~~إلى أن الأمر لما كان يقتضي فعله على الفور فقد ألزمنا بورود الأمر فعله ~~فوجب أن يكون بيانه مقرونا به ليمكنه تنفيذه وإلا كان فيه تكليف ما لا يطاق ~~وهذا (لا) يوجب ما قالوه. وذلك لأنه يمنع ورود الأمر مطلقا غير معلق بوقت، ~~وتقوم الدلالة على (أن) المراد به المهلة دون الفور، فمتى ورد لفظ مجمل لا ~~يمكن استعمال حكمه كان وروده هذا المورد دلالة على أنه لم يرد منا فعله في ~~الحال، وأن لزومه موقوف على ms204 ورود البيان فيه، فلا فرق بين مقارنة هذه ~~الدلالة للفظ وبين ذكر ما يوجب وقوفه على البيان متصلا به. # PageV02P076 ### | [باب القول في الأمر ما هو] # ؟ قال أبو بكر: قول القائل لمن دونه: افعل إذا أراد به الإيجاب، وذلك لأن ~~أهل اللغة حين قسموا # PageV02P079 # الكلام جعلوا الأمر أحد أقسامه، وقالوا هو قول القائل افعل كما (ذكروا ~~الخبر) والاستخبار والطلب. وقول القائل افعل يستعمل على سبعة أوجه: على جهة ~~إيجاب الفعل (وإلزامه) كقوله تعالى {واتقوا الله} [البقرة: 189] {وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ونحوها، وعلى الندب كقوله تعالى ~~{وافعلوا الخير} [الحج: 77] وقوله {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: ~~195] ، وعلى الإرشاد إلى الأوثق والأحوط لنا كقوله تعالى {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم} [البقرة: 282] ، (وقوله) {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: ~~282] وقوله تعالى {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] وقوله تعالى # PageV02P080 # في (شأن) الرجعة {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، وعلى الإباحة ~~كقوله تعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10] . وقوله ~~تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ، وعلى التقريع والتعجيز كقوله ~~{قل فأتوا بسورة مثله} [يونس: 38] وقوله تعالى {فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات} [هود: 13] وقوله تعالى: {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} ~~[الطور: 34] . وعلى الوعيد والتهديد كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم} [فصلت: ~~40] . وقوله تعالى {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} [الإسراء: 64] . وهذه ~~الوجوه كلها تكون خطابا من القائل لمن دونه. وتكون على وجه المسألة والطلب، ~~ولا يكون ذلك إلا لمن فوقه كقولنا: ربنا اغفر لنا وارحمنا ونحو ذلك. # ولا يختلف أهل اللغة وأهل العلم أن ما كان من ذلك على وجه التقريع أو ~~الوعيد أو المسألة لا يسمى أمرا وإن كانت صورته صورة الأمر. واختلف أهل ~~العلم في قوله: " افعل " إذا كان ندبا أو إباحة أو إشارة، هل يسمى أمرا، ~~بعد اتفاقهم على أنه إذا أراد الإيجاب كان أمرا. فقال قائلون: جميع ذلك ~~يسمى أمرا وليس وروده مطلقا أولى بأحد هذه الوجوه الثلاثة منه بالآخر ~~وجميعه يسمى أمرا. # وقال آخرون: حقيقة الأمر ما كان إيجابا وما عداه فليس بأمر على الحقيقة ~~وإن # PageV02P081 # أجري ms205 عليه الاسم في حال كان مجازا، (وكذلك كان يقول أبو الحسن - رحمه ~~الله - في ذلك، وهذا) القول هو الصحيح، وذلك لأن القول الثاني يؤدي إلى أن ~~يكون للإيجاب صيغة في اللغة تختص به عند الإطلاق، والضرورة داعية لأهل كل ~~لغة إلى أن (يكون) في لغتهم صيغة موضوعة للأمر الذي هو إيجاب كما أن بهم ~~ضرورة إلى أن يكون منها لفظ موضوع للخبر ولفظ موضوع للاستخبار ولفظ موضوع ~~للعموم وكما سمى الأجناس ونحوها. # فلما كان ذلك وجب أن يكون في لغتهم لفظ موضوع لإيجاب المأمور به، فثبت أن ~~قول القائل لمن دونه افعل هو: لفظ الأمر الموضوع للإيجاب. ويدل على أن ~~حقيقته الإيجاب: أن كل واجب يتعلق وجوبه بهذا اللفظ فهو مأمور به عند ~~الجميع، وأنه جائز أن ينتفي ذلك عنه، والندب والإباحة قد ينتفي عنهما # PageV02P082 # ذلك لأن من قال: إن الله تعالى أمر بصلاة الظهر وصوم (شهر) رمضان كان ~~صادقا، ولو قال: لم يأمرنا الله تعالى بذلك كان كاذبا (خارجا) من الملة، و ~~(لو) قال رجل لرجل: إن الله تعالى أمرك في هذا الوقت بصلاة تطوع أو صدقة ~~نفل أو بالاصطياد أو بالشراء والبيع بعد صلاة الجمعة لم يكن مصيبا في قوله، ~~وكان واضعا للأمر في غير موضعه. ولو قال رجل ليس عليه صلاة ولا صدقة: ما ~~أمرني الله تعالى بفعل الصلاة والصدقة في هذا الوقت كان مصيبا في قوله، ~~فلما كان إطلاق لفظ الأمر ممتنعا في النوافل والمباحات على الوجوه التي ~~ذكرنا غير منتف عن الفروض والواجبات بحال، دل ذلك على أن لفظ الأمر يختص ~~بالإيجاب حقيقة، وأنه لا يكون أمرا متى لم يصادف واجبا. ويدل (على ذلك) ~~أيضا أن العربي يسمي تارك الأمر عاصيا، يدل عليه قوله تعالى حاكيا عن موسى ~~- عليه السلام - {أفعصيت أمري} [طه: 93] ، وقال تعالى لإبليس {ما منعك ألا ~~تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ومنه قول دريد بن الصمة # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم ms206 وأنني غير مهتدي # فسمى تارك الأمر عاصيا وسمة العصيان لا تلحق إلا تارك الواجبات فدل على ~~أن لفظ الأمر مختص بالإيجاب. # PageV02P083 ### | [باب القول في لفظ الأمر إذا صدر لمن تحت طاعته على الوجوب هو أم على الندب] # ؟ . قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في ذلك. فقال قائلون: الذي يفيده هذا ~~اللفظ عند الإطلاق الدلالة على حسن المأمور به كونه مرغبا فيه ولا يصرف إلى ~~الإيجاب ولا الإباحة إلا بدلالة. # وقال آخرون: هو على الإباحة حتى يثبت الندب أو الإيجاب. وقال آخرون: ~~اللفظ (محتمل) للإيجاب والندب والإباحة فهو موقوف الحكم حتى تقوم (دلالة من ~~غيره على المراد) به. وقال آخرون: هو على الإيجاب حتى تقوم الدلالة على ~~غيره. وهو مذهب أصحابنا وإليه كان مذهب شيخنا أبي الحسن. # PageV02P087 # والدليل على صحة هذا القول: قول الله تعالى {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ~~ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب: 36] فدلت هذه الآية على وجوب الأمر من وجهين: ~~أحدهما: نفيه التخيير فيما أمر به وقول من يقول بالندب والإباحة يثبت معهما ~~التخيير وذلك خلاف مقتضى الآية. # والثاني: قول الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله} [الأحزاب: 36] فسمى تارك ~~الأمر عاصيا واسم العصيان لا يلحق إلا بترك الواجبات، ولا لفظ للأمر في لغة ~~العرب غير قولهم افعل فدل أنه للإيجاب حتى (تقوم الدلالة) على غيره، ويدل ~~عليه أيضا قوله تعالى # PageV02P089 # {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] ، والقضاء يسمى أمرا قال الله ~~تعالى {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] ~~معناه أمر متضمن لزوم الأمر. ويدل عليه أيضا قوله تعالى {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} [النور: 63] . ومعلوم أن الوعيد لا يلحق ~~تارك الندب والمباح، فدل على لزوم الأمر ووجوبه لولا (ها) ما استحق الوعيد ~~بتركه. # وإن قيل: إنما أوعد من خالف الأمر، وتارك المأمور به ms207 غير مخالف للأمر. ~~قيل له: (بل) هو مخالف للأمر، لأن أحدا لا يمتنع أن يقول لمن أفطر في (شهر) ~~رمضان من غير عذر خالفت أمر الله تعالى، فدل على أن ترك المأمور به مخالف ~~للأمر. ويدل عليه قوله تعالى {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ~~فعلق ذمه بترك الفعل المأمور به، فدل على أن تارك الأمر مستحق للوم وذلك ~~حكم الواجبات. # فإن قيل: إنما ذمه لأنه استكبر لما في الآية الأخرى {إلا إبليس أبى ~~واستكبر} [البقرة: 34] . قيل له: قد ذمه على الأمرين جميعا على ترك الأمر ~~وعلى الاستكبار، ولولا أن ترك الأمر بمجرده مذموم لما قرنه إلى الاستكبار ~~فيما عنفه عليه. # PageV02P090 # وأيضا: فإن قوله " افعل " لا يخلو من أن يكون للإيجاب أو الندب أو ~~الإباحة فيكون مقتضيا لجميع ذلك على الحقيقة أو لبعضها حقيقة ولبعضها ~~مجازا. فإن كان حقيقة في الإيجاب مجازا فيما سواه على ما يقوله فالواجب ~~حمله على الحقيقة (فلا يصرف) إلى المجاز إلا بدلالة. وإن كان حقيقة في كل ~~شيء من ذلك فقد صار حقيقة في الإيجاب وأفادنا باللفظ فغير جائز صرفه عنه ~~إلى غيره لأن حكم اللفظ استعماله على الحقيقة. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون حقيقة في كل واحد من ذلك، وأن الواجب إذا (كان ~~كذلك جاز) حمله على الندب والإباحة حتى تقوم دلالة الإيجاب، لأن ما صلح ~~للإيجاب ولغيره لم يجز أن يجعله واجبا إلا بدلالة غير اللفظ أو نقف فيه حتى ~~تقوم دلالة المراد إذ لم يجز أن يتناول جميع هذه الوجوه في حال واحدة ~~لتضادها. قيل له: حقيقة الأمر أنه (للإيجاب) بما قد دللنا عليه في الباب ~~الذي قبله، ولو سلمنا لك ما ادعيته من الحقيقة في كل واحد من هذه الوجوه ~~لكان حمله على الإيجاب أولى. وذلك لأن المباح ما لا يستحق بفعله الثواب ولا ~~بتركه العقاب. (والندب ما يستحق بفعله الثواب ولا يستحق بتركه العقاب) ففيه ~~زيادة معنى على المباح. # PageV02P091 # والواجب ما يستحق بفعله الثواب وبتركه العقاب # ، ففيه زيادة ms208 حكم على الندب. فلو سلم لك أن اللفظ حقيقة في جميع هذه ~~الوجوه كان الأولى حمله على الوجوب، لأنه أكثر ما يتناوله ويقتضيه وهو يفيد ~~هذه المعاني (فيه) حقيقة، كما أن لفظ العموم وإن كان حقيقة في الثلاثة فما ~~فوقها نحو قوله تعالى {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] كان الواجب حمله على ~~أكثر ما يتضمنه ويقتضيه، ولم يجز الاقتصار (به) على الأقل إلا بقيام ~~الدلالة، كذلك لفظ الأمر إذا كان يفيد الإيجاب حقيقة فقد تضمن وروده ~~استيعاب جميع ما تعلق به من الحكم فلا جائز الاقتصار به على البعض، وثبت أن ~~اللفظ إن كان حقيقة في الجميع فهو يقتضي عند الإطلاق لزوم الفعل وإن كان ~~لفظ الأمر حقيقة في بعض هذه الوجوه التي ذكرنا (ها) مجازا في البعض، وليس ~~يخلو ما هو حقيقة فيه أن يكون هو الإيجاب أو الندب أو الإباحة. فإن كان ~~للإيجاب حقيقة فالواجب حمله عليه، وإن كان يتناول الندب والإباحة حقيقة دون ~~غيرهما فهذا يوجب أن يكون من استعمله للإيجاب عند قيام الدلالة فقد صرفه عن ~~الحقيقة إلى المجاز واستعمله في غير موضعه وهذا لا يقوله أحد، ويلزم قائله ~~أن يقول: لم يأمر الله تعالى بالإيمان حقيقة في قوله {فآمنوا بالله ورسوله} ~~[الأعراف: 158] ، ولم يأمر بالتقوى على الحقيقة في قوله تعالى {اتقوا ربكم} ~~[النساء: 1] فلما بطل ذلك ثبت أنه حقيقة في الإيجاب. # PageV02P092 # فإن قال قائل: موضوع اللفظ لإفادة كون المأمور به حسنا ممدوحا، وأنه ~~للإيجاب متعلق بإرادة الآمر فمتى صار عاريا عن دلالة الإيجاب لم نحمله عليه ~~لفقد علمنا بإرادته إذ كانت الصيغة لا تفيد الإيجاب، لأنها لو كانت تفيده ~~لأفادته حيث وجدت وقد علمنا أنها قد ترد ولا يراد بها الإيجاب. قيل له: فما ~~تقول إذا وردت الصيغة مقارنة لدلالة الإيجاب؟ أيكون اللفظ عندك مستعملا ~~للإيجاب حقيقة أم مجازا؟ فإن قال: حقيقة. # قيل له: إن الحقائق لا تختلف أحكامها بالإرادات ولا تنتفي عما هي موضوعة ~~له في مواصفات اللغة فيها بحال فإذا قد أعطيت أنه مستعمل للإيجاب ms209 حقيقة عند ~~إرادة الآمر ذلك فهلا دلك هذا على أن اللفظ حقيقة في الأصل للإيجاب فيعقل ~~به ذلك عند وروده فلا يحتاج أن يقف فيه إلى أن يعرف إرادة القائل إذا لم ~~يقرنه بدلالة تزيله عن حقيقته، بل يكون وروده مطلقا دلالة على إرادة القائل ~~للإيجاب، لأن ذلك حقيقة فيجب إمضاؤه على حقيقته وموضوعه في اللغة، كما أن ~~سائر الأسماء الموضوعة لمسمياتها حقيقة في أصل اللغة متى وردت مطلقة لم يجز ~~الوقوف فيها إلى أن يتعرف إرادة القائل بإطلاقها ووجوب إمضائها على موضوعها ~~في اللغة متى لم يقرنه بدلالة تزيله عن حقيقته، وكلفظ العموم لما كان في ~~موضوع اللغة أنه للشمول والاستيعاب لم يحتج عند وروده مطلقا إلى مساعدة ~~الدلالة في حمله على العموم. فإن قال: إن لفظ الأمر متى ورد مقارنا لدلالة ~~الإيجاب كان مجازا مستعملا في غير موضوعه رفع بذلك أن يكون للفظ الإيجاب ~~صيغة في اللغة، وخرج (به) أيضا عن قول أهل اللغة وغيرهم ولزمه ما قدمنا ~~ذكره فيما سلف. # PageV02P093 # وأما قوله إن الصيغة نفسها لو كانت موجبة لذلك لما اختلف حكمها في ~~إيجابها لذلك ولما وردت إلا موجهة. # فإنا نقول له إن الصيغة موضوعة لذلك (في) الأصل فمتى صدرت والمراد الندب ~~أو الإباحة فهي مجاز في هذا الموضوع لا حقيقة كما تقول في سائر ألفاظ ~~المجاز، وليس ورود الصيغة (عارية من) حكم الإيجاب لقيام الدلالة بمانع أن ~~يكون أصلها وبابها الوجوب، كما أن صيغة العموم تقتضي الاستيعاب ولا يمتنع ~~وروده مع إرادة الخصوص ولا يمنع ذلك اعتبار دلالة اللفظ على وجوب الاستيعاب ~~عند تعريه من دلالة الخصوص. # وأيضا: فإن (من) قال إن ظاهر الأمر الندب فقد أعطى بأنه قد أريد منه ~~إيقاع الفعل، وإذا صح أنه موضوع لإرادة إيقاع الفعل وجب فعله عند الإمكان ~~(و) احتجنا في جواز تركه (إلى) الدلالة من غيره. وأيضا فلو لم يكن الأمر ~~مقتضيا للإيجاب لكان المأمور به مخيرا بعد ورود الأمر (بين الفعل والترك) ~~ولا دلالة فيه على التخيير، فلا ms210 يصح إثبات التخيير إلا بلفظ يقتضيه أو ~~بدلالة غير الأمر. # فإن قيل: لم يثبت التخيير بلفظ الأمر، وإنما أثبتناه لأنه كان مخيرا قبل ~~ورود الأمر وكان تركه مباحا فبقيناه على ما كان عليه إذ لم يثبت الوجوب. ~~قيل له: إنما كان الترك مباحا قبل ورود الأمر فأما بعد وروده وإرادة الآمر ~~إيقاعه فما الدليل على إباحة تركه وقد أعطينا أن الآمر قد أراد منه إيقاع ~~الفعل؟ . فإن قال: لأنه ليس في إرادة الفعل كراهة لتركه إذ ليس يمتنع ~~اجتماعهما في الحسن. # PageV02P094 # قيل له: ما أنكرت أن لفظ الأمر موضوع لإيقاع الفعل وكراهة الترك كما أن ~~لفظ النهي موضوع لكراهة الفعل وإرادة الترك، ولو جاز أن يقال في الأمر إنه ~~لا دلالة فيه على كراهة الترك لجواز اجتماعهما في الحسن لجاز مثله في النهي ~~حتى يقال إن النهي لا دلالة فيه على كراهة المنهي عنه وإنما فيه الدلالة ~~على إرادة ضده كما قلت في الأمر لأنه لا يمنع اجتماع المنهي عنه وضده في ~~الحسن. فإن قال: ما من نهي إلا ومعه كراهة الفعل. قيل له: وما من أمر إلا ~~ومعه كراهة الترك. فإن قال: قد يرد الأمر ولا يراد كراهة ضده. قيل له: لا ~~نسلم لك أن هذا أمر، ومع هذا (فقد يرد) النهي ولا يراد به كراهة الفعل ~~لقوله تعالى {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] وفعل الفضل ليس بواجب ~~وقال تعالى {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} [البقرة: 282] وليس بواجب ~~على من عرف الشروط أن يكتب للناس. # ألا ترى إلى قوله تعالى {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] يعني ~~والله أعلم بأن يشغل عن حوائجه ويضر به (وقد قال) {ولا تسأموا أن تكتبوه ~~صغيرا أو كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] وهو ندب في (هذه المواضع) . # PageV02P095 # ألا ترى إلى قوله تعالى {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: 283] فلم يرد بهذا ~~النهي كراهة الفعل. فإن قال: ليس هذا بنهي وإن كان في صورة النهي. قيل له: ~~ولفظ الأمر إذا لم يقارنه كراهة ms211 الترك فليس بأمر على الحقيقة وإن كان في ~~صورة الأمر كما قال في النهي سواء. دليل آخر: وهو أن تارك الأمر يلحقه سمة ~~العصيان في اللغة، قال الله تعالى {أفعصيت أمري} [طه: 93] وقال {ما منعك ~~ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] فذمه ولعنه على ترك المأمور به قاصدا له. # فإن قيل: لم يستحق إبليس الذم بترك الأمر بمجرده وإنما استحقه بالاستكبار ~~لأن الله تعالى حكى عنه أنه أبى واستكبر. قيل له: (قد) استحق الذم بالأمرين ~~جميعا: بترك الأمر على حياله وبالاستكبار (أيضا) ، لأن قوله تعالى {ما منعك ~~ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] قد اقتضى توجيه اللائمة إليه لترك الأمر ~~متعريا من الاستكبار، والآية الأخرى أوجبت الذم بالاستكبار. ويدل على أن ~~تارك الأمر يستحق سمة العصيان في اللغة قول دريد بن الصمة: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وإني غير مهتد # فسمى تارك الأمر عاصيا، ولا يستحق سمة العصيان إلا تارك الواجبات. # PageV02P096 # وأيضا: فإن تارك أمر من يلزمه طاعته فيما بينا مستحق للتعنيف واللائمة، ~~وأوامر الله تعالى محمولة على المعقول المتعارف بيننا بقوله تعالى {وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] وقال تعالى {بلسان عربي مبين} ~~[الشعراء: 195] ولا (شيء) يستحق به تارك الأمر اللوم فيما بينا إلا وروده ~~مطلقا، فدل على أنه موضوع للإيجاب. وكذلك معلوم متقرر عند الناس أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لو أمر رجلا بالقيام أو القعود أمرا مطلقا فلم يفعله ~~كان معنفا عند الجميع مستحقا للذم فدل (على) أنه يقتضي الإيجاب. # فإن قيل: إنما وجب ذلك في أوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوامرنا ~~فيما (بيننا) لعبيدنا ومن تلزمه طاعتنا لأن المأمور يقع له علم الضرورة ~~بمراد الآمر وذلك معدوم في خطاب الله تعالى. قيل له: يقع للسامع علم ~~الضرورة بإرادة الآمر (الوجوب) بنفس الأمر أو بمعنى يقارنه؟ فإن قال: بنفس ~~الأمر. قيل له: فينبغي أن يقع له ذلك في سائر الأوامر لوجوب الضرورة ~~الموجبة ms212 لعلم الضرورة. وإن قال: إنما يقع له ذلك بأحوال مقارنة. قيل (له) : ~~فكل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن غيره ممن تجب طاعته ~~مقارنة حال يعلم المأمور إرادة الأمر لإيجابه ضرورة. # PageV02P097 # فإن قال: نعم، علم بطلان قوله ضرورة لأنه معلوم أنه (قد) يرد لفظ الأمر ~~من الآمر لمن يخاطبه به ولا يقارنه حال يعلم بها الوجوب ضرورة، بل يشك في ~~أنه أراد الإيجاب أم لا، ثم لم تعتبر الناس الأحوال لإلحاق الذم بتارك ~~الأمر فعلمنا أنه إنما يستحق الذم عندهم لتركه الأمر بمجرده. # وأيضا: فإن كان كما قال من أن لزوم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ~~يخاطبه به من جهة ما يقع للسامع من العلم الضروري بمراده فينبغي أن يختلف ~~حكم الأمر لمن شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن لم يشاهده ممن بلغه ~~أمره، فيلزم المشاهد له (والسامع منه) و (لا) يلزم المبلغ، لأن المشاهد وقع ~~له العلم بمراده من جهة الضرورة، والمبلغ لا يقع له ذلك، ومعلوم أن أمر ~~(النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يختلف في السامع والمبلغ وقد) أمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - السامعين بالتبليغ بقوله «نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها» فدل (على) أن السامع والمبلغ في حكم ~~الأمر سواء ولو كان يختلف حكمهما فيما تعبدا به لقيده - عليه السلام - ~~بمعنى غير إطلاق اللفظ يستوي في العلم بمراده السامع والمبلغ. # وأيضا: لو ساغ أن يقال هذا في الأوامر لساغ لنفات العموم أن يقولوا مثله ~~في نفيه، لأن الناس قد يعرف بعضهم مراد بعض (في العموم) والخصوص ضرورة، ~~فوجب في # PageV02P098 # مخاطباتنا اعتبار العموم لوقوع علم السامع بمراد (القائل) ضرورة (ولا يجب ~~مثله في خطاب الله تعالى لأنه لا يقع لنا العلم بمراده ضرورة) فلا يجب أن ~~يحمل ما ورد عن الله تعالى من ألفاظ العموم على عمومه حتى تقوم الدلالة على ~~إرادته العموم، وكذلك نقول في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ms213 شاهده ~~أنه على العموم و (من) بلغه ذلك لا يلزمه اعتبار العموم، لأن من شاهد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يعلم مراده ضرورة لخطابه لمقارنة الأحوال ~~الموجبة لذلك وكان يلزم السامع اعتبار العموم لهذه العلة، ومن لم يشاهد لم ~~يقع له علم الضرورة بمراده بورود لفظ العموم عليه فلا يجوز له اعتبار ~~العموم إلا بدلالة غير اللفظ فلما بطل ذلك كان قول المحتج بمثله في نفس ~~وجوب الأمر بمثابته. # وأيضا: معلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تلا عليهم الآيات ~~التي فيها الأوامر نحو قوله تعالى {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] ~~وقوله تعالى {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] و (قوله) {انفروا خفافا ~~وثقالا} [التوبة: 41] و {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ~~{فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] لم يكونوا محتاجين إلى مسألته ~~في أن ذلك على الوجوب بل كان المتخلف عندهم عن ذلك معنفا تاركا لأوامر الله ~~ولم يزدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلاوة الآية ولم يعقبها ~~بالإخبار عن مراد الله تعالى في إيجابه. # PageV02P099 # ومعلوم أن الآيات لم توجب لهم علم الضرورة بمراد الله تعالى فيها لأن ~~مراد الله تعالى لا يعلم ضرورة، فثبت بذلك سقوط اعتراض من اعترض بما ذكر في ~~الفصل بين أوامر الله تعالى وبين أوامر الآدمي. وقد استدل بعض أهل العلم ~~بأن قوله " افعل " لو صلح للإيجاب والندب، لكان المصير إلى جهة الإيجاب ~~أولى لما فيه الاحتياط والأخذ بالثقة. # وهذا وإن كان استدلالا من غير جهة اللفظ فإنه احتجاج صحيح في وجوب الأمر ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك ~~أمور متشابهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقال: «إن لكل ملك حمى وإن ~~حمى الله تعالى محارمه ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فأمر - صلى الله ~~عليه وسلم - بالاحتياط والأخذ بالثقة فيما يحتمل وجهين. فإن قال قائل: ~~اعتبار الاحتياط في إيجاب الأمر هو ترك الاحتياط من قبل أنه إن لم يكن مراد ~~الله تعالى ms214 الإيجاب واعتقدنا فيه الوجوب فقد أقدمنا على ما لا يجوز الإقدام ~~عليه من اعتقادنا الشيء على خلاف ما هو عليه. قيل له: ليس هذا كما ظننت ~~لأنا لم نكلف في هذه الحال غير الاحتياط والأخذ بالحزم، فقد تيقنا متى ~~فعلنا ذلك أنا غير معتقدين للشيء على خلاف ما هو عليه. # ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتبر ذلك حين قال «فدع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك» وعلتك قائمة فيه (لأنك لا تأمن) أن تدعه على أن ~~عليه تركه وليس عليه تركه في # PageV02P100 # الحقيقة، «وقال - عليه السلام - للرجل الذي أخبرته امرأة سوداء أنها ~~أرضعته وزوجته دعها عنك فقال يا رسول الله إنها سوداء يعني المخبرة فقال - ~~عليه السلام - كيف وقد قيل دعها عنك» فأمر بالاحتياط والأخذ بالحزم والثقة ~~مع عدم العلم بصحة خبرها. # واعتبار الاحتياط والأخذ بالثقة أصل كبير من أصول الفقه (قد) استعمله ~~الفقهاء كلهم وهو في العقل كذلك أيضا، لأن من قيل له إن في طريقك سبعا أو ~~لصوصا كان الواجب عليه الأخذ بالحزم وترك الإقدام على سلوكها حتى يتبين ~~أمرها. # وأيضا: قد صح عندنا أن النهي عن الشيء أمر بضده من جهة الدلالة إذا لم ~~يكن إلا ضد واحد فمن حيث كان ما دل عليه لفظ النهي من فعل ضده على الوجوب ~~وجب أن يكون اللفظ الموضوع للأمر أدل على الإيجاب مما يتعلق (به) منه ~~بدلالة لفظ النهي. فإن قال قائل: في القول بإيجاب الأمر المطلق إثبات ~~الوعيد على تاركه وليس ذلك في اللفظ فغير جائز إثباته إلا بدلالة من غيره ~~إذ كان (لفظ) الأمر لا ينبئ عنه. قيل له: لا يخلو من أن تعطى أن لفظ الأمر ~~إذا أريد به الإيجاب كان مستعملا في موضعه حقيقة أو يمتنع ذلك، فإن أعطيت ~~أنه مستعمل في الإيجاب حقيقة سقط سؤالك لأن حقيقة الواجب ما يستحق الذم ~~بتركه فلا معنى حينئذ لقولك إنه غير جائز إثبات الوعيد على تاركه إلا بلفظ ~~(ينبئ عنه) . وإن كنت ممن ms215 يأبى أن يكون لفظ الأمر إذا أريد به الإيجاب كان ~~مستعملا فيه على جهة الحقيقة كان اتفاق أهل اللغة وغيرهم قاضيا بفساد قولك، ~~ولزمك أن (لا) تثبت للأمر صيغة في اللغة وهذا (قول) ظاهر الفساد # PageV02P101 # وأيضا: فإنا قد اتفقنا على أن النهي عن الإيجاب يستحق مرتكبه الذم مع عدم ~~الوعيد مذكورا في اللفظ فانتقض بذلك ما أحلت من امتناع إثبات الوعيد إلا ~~بلفظ ينبئ عنه. وأيضا: فإن هذا السائل إن كان ممن يقول إن ظاهر لفظ الأمر ~~إنما يقتضي الدلالة على حسن الشيء المأمور به وكونه ممدوحا مرغبا فيه فإنه ~~قد أثبت له ضربا من الثواب بفعل المأمور به وليس لفظ الأمر عبارة عن ~~استحقاق الثواب، فما ينكر من إثبات الوعيد على تاركه وإن لم يكن اللفظ ~~عبارة عنه. # وأيضا: معلوم في تعارفنا وعاداتنا أن من أمر عبده بفعل شيء فتخلف عنه ~~استحق التعنيف، وإن لم يكن ما يستحقه من ذلك مذكورا في اللفظ بل كان معقولا ~~(منه) من حيث عقل وجوب الأمر. وأما من قال: إني أجعله على الإباحة حتى تقوم ~~دلالة الندب أو الإيجاب فإنه يطالب بإقامة الدلالة على ما قال فلا سبيل له ~~إليها. ويقال له: فإذا قامت، دلالة الإيجاب كان اللفظ مستعملا فيه حقيقة أو ~~مجازا. فإن قال: حقيقة. قيل له: فهلا حملته على الإيجاب إذا كان مقتضاه من ~~غير دلالة تطلبها من غيره. فإن قال: يكون مجازا في الإيجاب أكذبته اللغة ~~وخرج عن قول الأمة. ويقال له مع ذلك أيضا: ما أنكرت أن لا يدل على الإباحة ~~أيضا، لأنه قد يرد ولا يراد به الإباحة كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم} ~~[فصلت: 40] فيؤدي هذا (القول) اللفظ إلى إسقاط فائدته رأسا. # PageV02P102 ### | [باب القول في الأمر إذا صدر غير مؤقت هل هو على الفور أو على المهلة] # ؟ قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في ذلك. فقال قائلون: هو على المهلة، وله ~~تأخيره إلى الوقت الذي يخشى الفوات بتركه في آخر عمره. وقال آخرون: هو على ~~الفور يلزم المأمور ms216 فعله في أول أحوال الإمكان. وكان شيخنا أبو الحسن - ~~رحمه الله - يحكي ذلك عن أصحابنا، ويستدل عليه بقولهم في فرض الحج إنه على ~~الفور على من استطاع إليه سبيلا وأنه لا يسعه تأخيره. # PageV02P105 # والدليل على صحة هذا القول: أنه قد ثبت أن الأمر على الوجوب بما قدمنا، ~~والفعل مراد من المأمور في الحال، بدلالة اتفاق الجميع على أن فاعله فيها ~~مؤد للواجب بالأمر، فإذا كان فعله في الحال مرادا بالأمر صار بمنزلة قوله: ~~افعله في أول أحوال الإمكان، فلزم فعله في الحال، واحتجنا في جواز التأخير ~~إلى دلالة، وأنه لو نص على الوقت فقال: افعله في هذا الوقت لزمه فعله فيه ~~ولم يسعه التأخير (إلى وقت غيره. كذلك لما ثبت بالدلالة التي ذكرنا (أن) ~~الفعل مراد في الحال لم يجز لنا التأخير) إلا بدلالة تدل عليه. فإن قال ~~قائل: فلو أخر الأمر المطلق حتى فعله في الوقت الثاني والثالث إلى انقضاء ~~عمره كان مؤديا للواجب بالأمر، فينبغي أن يدل ذلك على جواز التأخير لأنه قد ~~ثبت أن فعله في هذه الأوقات مراد بالأمر. قيل له: لم قلت إنه مؤد للواجب ~~ولا دلالة فيه على جواز التأخير لأن تقديره افعله في الوقت الأول، ولا ~~تؤخره، فإن أخرته إلى الوقت الثاني فافعله فيه ولا تؤخره، فلا يدل ذلك على ~~جواز التأخير إذ قد يكون مأمورا بالتعجيل ثم إذا أخره لزمه فعله في الوقت ~~الذي # PageV02P107 # يليه. # فإن لم يفعله ففي الوقت الذي يليه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها ولا كفارة لها ~~إلا ذلك» فألزمه فعلها عند الذكر. ومنعه التأخير، ولو أخرها كان تاركا ~~للواجب ولزمه فعلها في الثاني وما يليه من الأوقات. وكالديون الواجبة ~~للآدميين: يلزمه أداؤها بعد حال الوجوب، فإن أخره عن الحال لزمه في الثاني ~~(أداؤه) وإن أخره لزمه في الوقت الذي يليه، فدل ذلك على سقوط سؤال من اعترض ~~علينا بما وصفنا، وأنه لا دلالة في ms217 كون الفعل مرادا في الوقت الثاني إذا ~~تركه في الوقت الأول على جواز التأخير. # وأيضا: فلما ثبت أن المأمور به مراد فعله احتجنا في جواز تركه في الحال ~~إلى دلالة (أخرى) كما احتجنا في جواز تركه (رأسا) إلى دلالة، فمن حيث دلت ~~صورة الأمر على الإيجاب فهي تدل على وجوبه على الفور. وأيضا: فإن من جعله ~~على المهلة فقد أثبت تخييرا غير مذكور في لفظ الأمر وغير جائز إثبات ~~التخيير إلا بدلالة. # وأيضا: فإن الديون وسائر حقوق الآدميين إذا لم يكن فيها شرط التأخير لزم ~~أداؤها على الفور، ولم يجز للذي هي عليه تأخيرها إلا بإذن الذي له الحق، ~~فوجب أن يكون كذلك حقوق الله تعالى، والمعنى الجامع بينهما أن وجوبهما غير ~~مؤقت. # ويدل على ذلك (أيضا) : أن المتعارف المعتاد من أوامرنا لعبيدنا ومن تلزمه ~~طاعتنا أنه على الفور، فوجب مثله في أوامر الله تعالى، لأن ذلك قد صار موجب ~~القول ومقتضاه، # PageV02P108 # وقد خاطبنا الله تعالى بالمتعارف من مخاطباتنا فيما بيننا وبقوله تعالى: ~~{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] . وأيضا: فلو احتمل ~~الفور والمهلة جميعا لكان الأخذ بالثقة واستعمال الحزم في المبادرة أولى من ~~تأخيره على ما ذكرنا في دلالة وجوب الأمر، من جهة أخرى أنه لا يأمن اخترام ~~المنية إياه فيحصل مفرطا في التأخير فوجب عليه المسارعة إليه. ويدل على صحة ~~اعتبار هذا المعنى قوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] وقوله ~~تعالى {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} [الأنبياء: 90] ، وقوله {فاستبقوا ~~الخيرات} [البقرة: 148] يمكن أن يكون دليلا مبتدأ على لزوم التعجيل لأن ~~الأمر على الوجوب. # ودليل آخر: لا يخلو (القول) في الأمر المطلق إذا لم يكن آخر وقته معلوما ~~عند المخاطب من أحد وجهين: إما أن يكون على الفور على ما قلنا، أو على ~~المهلة على ما قال مخالفنا. فإن كان على المهلة لم يخل المأمور من أحد ~~وجهين: إما أن يكون له تأخيره أبدا حتى لا يلحقه التفريط ولا يستحق اللوم ~~وإن مات قبل فعله، أو يكون مفرطا ms218 مستحقا للوم إذا مات قبل فعله. # فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطا بتركه في حياته خرج الأمر من حيز الوجوب ~~وصار في حيز النوافل، لأن ما كان المأمور مخيرا بين فعله وتركه فهو نافلة ~~أو مباح، ولما ثبت وجوب # PageV02P109 # الأمر بطل هذا القول. وإن قلنا: إنه يلحقه التفريط بالموت، فغير جائز أن ~~يلحقه التفريط في وقت لا يعلم أنه الوقت المضيق عليه تأخير الفعل عنه، ولم ~~ينصب له دليل يوصله إلى العلم به، فغير جائز أن يكون من هذا وصفه منهيا عن ~~تأخير الفعل عن الوقت الذي إذا أخره عنه لم يستدرك فعله، كما لا يصح أن ~~يتعبده الله تعالى بعبادة لا (يعلمه بها) ولا ينصب له عليها دليلا، فلما ~~كان آخر عمر الإنسان الذي يخشى فيه فوات الفعل غير معلوم عنده لم يجز أن ~~يكلف فعله فيه، وهذا يوجب أن لا يكون مفرطا بتركه إلى أن يموت، فيعود القول ~~فيه إلى القسم الذي قد دللنا على بطلانه، فلما بطل ذلك ولم تحتمل المسألة ~~وجها غير ما ذكرنا، وبطل الوجهان الآخران صح الثالث. # وقد كان شيخنا أبو الحسن احتج بهذا مرة فألزمت عليه الزكوات والنذور ~~وقضاء (شهر) رمضان وما جرى مجراه من حقوق الله تعالى (التي) ثبتت في ذمته ~~في وقت غير معين، وقلت له: إن هذا الاعتلال يقتضي أن يكون لزوم جميع ذلك ~~متعلقا بأول أحوال الإمكان بعد حال وجوبه وثبوته في ذمته فالتزم ذلك وقال: ~~لا يسعه تأخير شيء من ذلك. # قال أبو بكر: ويدل على أن جميع ذلك لا يسع من لزمه تأخيره من غير عذر قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك» وفي # PageV02P110 # بعض الألفاظ " لا وقت لها إلا ذلك " لما أثبتها في ذمته منعه تأخيرها عن ~~وقت لزومها في الذمة، وليس ذلك بمنزلة صلاة الظهر في جواز تأخيرها إلى آخر ~~الوقت لأن آخر وقتها معلوم فإذا لم يبق من ms219 الوقت إلا مقدار ما يؤدى فيه ~~الفرض تعين عليه الفعل في وقت عنده، ومتى لم يكن آخر وقت الفعل معينا فإن ~~مخالفنا إنما يلزمه التفريط في وقت لم ينصب له عليه دليل أنه آخر أوقاته، ~~ويجعله منهيا عن ترك فعل لا يعلم أنه منهي عنه ولم ينصب له عليه دليل. # فإن (قال قائل) : قد روي عن عائشة أنها قالت: " كأن يكون علي قضاء أيام ~~من رمضان فلا أقضيها إلا في شعبان "، فقد كانت تؤخرها، ولم ينكر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهذا خلاف قولكم إن قضاء رمضان واجب في أول أحوال ~~الإمكان. قيل له: لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك فأقرها ~~عليه. وأيضا: يجوز أن يكون عندها أن قضاء رمضان فرض موقت بالسنة كلها إلى ~~أن يجيء رمضان آخر فيجوز تأخيره إلى آخر الوقت كصلاة الظهر؛ لأن الوقت ~~المنهي عن تأخيره عنه معلوم معين. دليل آخر: وهو أن الأمر لما كان على ~~الوجوب اقتضى كراهة تركه فكان بمنزلة من نهي عن تركه، وقد اتفق الجميع على ~~أن النهي يقتضي ترك المنهي عنه على الفور. فإن قيل: ما الدليل على أنه ~~اقتضى كراهة تركه في الحال دون أن يكون قد كره منه تركه في عمره كله. # قيل له: إذا كان الأمر به (قد) تضمن كراهة الترك (و) كان ما كره تركه فهو # PageV02P111 # منهي عنه في المعنى صار كمن قيل له لا تتركه، فاقتضى ذلك كراهة تركه على ~~الفور، فوجب أن يلزم فعله، والحال على وجه الإيجاب. # فإن قال قائل: في القول بإيجاب الأمر على الفور إثبات الوعيد على تاركه ~~في الحال ولفظ الأمر لا ينبئ عن ذلك فلا يجوز إثباته إلا بدلالة. قيل له: ~~قد ثبت وجوب الأمر وما كان واجبا فهو يقتضي ذم تاركه، فلسنا نحتاج بعد ذلك ~~إلى استئناف دلالة على ذم تاركه، ولو صح هذا السؤال لاعترض على القول بوجوب ~~الأمر في الأصل ولساغ لمن ينفي ذلك أن يستدل به على نفي الوجوب رأسا، ms220 فلما ~~لم يصح ذلك لمن نفى وجوب الأمر للدلائل الدالة على وجوبه، كذلك لا يعترض ~~على القول بلزومه على الفور. فإن قيل: قد يرد الأمر والمراد الفور، وقد يرد ~~والمراد المهلة. ولا دلالة في اللفظ على لزوم فعله في الحال، فغير جائز ~~إلزامه في الحال إلا بدلالة. قيل له: لم يثبت أمر على المهلة إلا وآخر وقته ~~معلوم معين. فقولك إنه قد يرد والمراد المهلة (خطأ على هذا الإطلاق) ، وعلى ~~أنه لو ثبت وروده والمراد المهلة لما كان مؤثرا في صحة قولنا، لأن ذلك إنما ~~يصار إليه بدلالة غير اللفظ كما يخص العموم بدلالة وكما يصرف اللفظ عن ~~الحقيقة إلى المجاز بدلالة ولا يؤثر ذلك في (صحة اعتبارنا القول بالعموم) ~~ووجوب حمل اللفظ على الحقيقة. فإن قال: لو كان الأمر لازما على الفور لسقط ~~فعله بتركه على الفور كما يسقط الأمر المؤقت بترك فعله في الوقت. قيل له: ~~الذي كان واجبا في الوقت الأول ليس هو الواجب في الوقت التالي بل قد # PageV02P112 # سقط ما وجب في الوقت الأول بفوات وقته، كما سقط الظهر بفوات وقتها، والذي ~~يجب بعد الوقت فرض غير الأول فقد استويا في هذا الوجه. # فإن قال: لو كان كذلك لاحتجنا إلى دلالة أخرى غير الأمر في إيجابه في ~~الوقت الثاني (فلما كان الواجب في الوقت الثاني) إذا تركه في الوقت الأول ~~واجبا بالأمر دل ذلك على أن لزومه لم يتعلق بالحال دون المهلة، وليس كذلك ~~الظهر وسائر الفروض المؤقتة لأن فوات الوقت قبل فعلها يسقطها ولا يلزمه فرض ~~آخر بالأمر الأول وإنما يلزمه القضاء بدلالة أخرى. قيل له: إن تقرير الأمر ~~المطلق عندنا أن صل في أول حال الإمكان فإن تركته فافعله في الثاني فإن ~~تركته فافعله في الثالث فتضمن الأمر (فعله) في هذه الأوقات إذا لم يفعله ~~قبل ذلك، وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن يكون لزومه متعلقا بالأمر على هذا ~~الوجه، ولا يدل ذلك على جواز التأخير، لأنه لو قيده بما ذكرناه كان جائزا. ms221 ~~ألا ترى: أن مخالفنا يقول معنا فيمن ترك الظهر حتى فات الوقت أنه يصليها ~~عند الذكر، فإن أخرها عن حال الذكر من غير عذر استحق اللوم، وكذلك إن أخرها ~~عن الوقت الثاني إلى الثالث، ولم يدل ذلك على جواز (تأخيرها) عن وقت الذكر، ~~وبذلك ورد الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله «من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا كفارة لها إلا ذلك» . ~~فإن قال: لو كان لزوم الأمر على الفور لكان فعله بعد ذلك واقعا على وجه ~~القضاء كالظهر إذا فات وقتها قبل فعلها. # PageV02P113 # قيل له: تسميتنا إياه قضاء أو غير قضاء إنما هو كلام في العبارة، وقد ~~قلنا إن المفعول في الوقت الثاني غير المتروك في الوقت الأول وأنه فرض آخر ~~غيره. فإن شئت بعد ذلك (أن) تسميه (قضاء) لم نمنعك منه. فإن قال قائل: لما ~~لم (نتبين في الخبر) عما يكون في المستقبل مقتضيا للفور، كقول الله تعالى ~~{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح: 27] ، ولم يدخله على ~~الفور، وكقول الله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض} [النور: 55] ، ولم يكن في فور الخطاب. وكقول القائل: ~~والله لأضربن زيدا ولأكلمن عمرا فلا يقتضي الفور وجب أن يكون الأمر مثله. ~~قيل له: ولم وجب إذا (كان) الإخبار عن أمر يقع في المستقبل مقتضيا للفور أن ~~يكون الأمر مثله، وبأية علة وجب الجمع بينهما، وكيف وجه دلالة أحدهما على ~~الآخر؟ . وعلى أن الإخبار عن الاستقبال لا يقتضي إلزام شيء لأن من قال: ~~والله لأدخلن الدار ولأكلمن زيدا لم يلزمه بهذا القول فعل المخبر عنه ولو ~~تركه لم يكن عليه شيء، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من حلف على ~~يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» فأمره بترك ~~ما حلف عليه أن يفعله. # (ولا يحنث) فيه، وقال الله تعالى {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى ms222 والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا # PageV02P114 # وليصفحوا} [النور: 22] روي أنها نزلت في شأن مسطح بن أثاثة حين حلف أبو ~~بكر ألا ينفق عليه لما كان منه في أمر عائشة، فأمره الله تعالى بترك ما حلف ~~عليه، فثبت أن حلفه على فعل أن يفعله في المستقبل لا يلزمه فعله، فكما جاز ~~له تركه رأسا فكيف لا يجوز له تركه على الفور. فإن قيل: إنما وجه استدلالنا ~~منه أن الخبر واليمين لم تفيدا فعل المخبر عنه والمحلوف عليه على الفور، ~~ولم يقتض اللفظ ذلك فكذلك الأمر واختلافهما من جهة ما يعلق بالأمر من ~~الإيجاب دون الخبر لا يوجب الفرق بينهما من الوجه الذي ذكرنا. قيل له: ~~فالذي (فيه) إلزام الفعل إنما كان على الفور من أجل ما تعلق به من الوجوب، ~~والذي ليس فيه إلزام الفعل لم يقتض الحال لعدم الإلزام. فإن قيل: لما كان ~~ورود الأمر يقتضي عموم فعله في سائر الأزمان ما لم يفعله كان له في أي وقت ~~شاء منها، لأن في إلزامه إياه على الفور تخصيصا لوقت دون وقت ولا يجوز ذلك ~~إلا بدليل. قيل له: قولك إنه عموم في الأزمان غلط لأن الزمان غير مذكور، ~~فيكون عموما من طريق اللفظ، وإنما لم يسقط عنه لتركه في الوقت الأول من قبل ~~أنه قد ثبت في ذمته # PageV02P115 # وجوبها) (فلا يسقط عنه إلا بأدائه، كالديون إذا أخرها من هي عليه عن وقت ~~وجوبها) . ولو جاز أن يقال: إن ورود الأمر المطلق يقتضي عمومه جواز فعله في ~~سائر الأزمان فيجوز تأخيره لجاز مثله في الديون الحالة. # فإن قيل: قد أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج عن وقت وجوبه لأنه ~~بعث أبا بكر - رضي الله عنه - على الحج، ولم يحج هو حتى حج في السنة ~~الثانية مع تقدم فرض الحج على السنة التي حج فيها فدل على أنه لم يقتض ~~الفور. قيل له: ليس هذا (بسؤال في) المسألة التي نحن فيها لأن الكلام بيننا ~~وبين مخالفنا في الأصل، ونحن لا نأبى ms223 أن تقوم الدلالة في الأمر المطلق على ~~جواز التأخير، ثم الكلام في أعيان المسائل أنها مما يجوز تأخيره أو لا يجوز ~~يكون كلاما في الدلالة الموجبة لجواز التأخير في تلك المسألة بعينها، وفي ~~ذلك خروج عن مسألتنا وكلام في غيرها، كما أن الكلام في دلالة التخصيص لفظ ~~(ظاهره) العموم ليس هو كلاما في أصل القول بالعموم أو نفيه ولا قادحا فيه، ~~فلو صح أن وجوب الحج قد كان متقدما للسنة التي حج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيها لما دل (ذلك) على موضع الخلاف، لجواز أن يكون أخره لعذر (أوجب ~~تأخيره) ، على أنه قد قيل إن # PageV02P116 # فرض الحج إنما نزل في سنة عشر وهي السنة التي حج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيها، وقيل في سنة تسع. فإن كان في سنة تسع فجائز أن يكون بعد حجة ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وإن كان في سنة عشر فقد انتفى أن يكون ~~واجبا قبله. # والذي يدل على (هذا) ظاهر الحال (وهو) أن أبا بكر لم يحج في تلك السنة ~~حجة الإسلام، وإنما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بحضور الموسم ~~والوقوف بتلك المشاهد متنفلا به على الرسم الذي كانوا يحجونه، ليعلم العرب ~~ومن شهد ذلك الموسم أن من شريعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعل الحج ~~اقتداء بسنة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - والدليل: على أنه لم يحج حجة ~~فرضه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حج في السنة الثانية خطب الناس ~~في عرفات فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» ~~فروي في معنى ذلك أن الحج قد صار في تلك السنة إلى # PageV02P117 # الوقت الذي ابتدأ الله تعالى (الحج) فيه حين أمر به إبراهيم - عليه ~~السلام -، وقد كان المشركون (قبل ذلك) ينسئون الشهور فيتفق الحج في أكثر ~~السنين في غير وقته المأمور فيه، واتفق عوده إلى وقته المفروض فيه في السنة ~~التي حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا محالة إذا كان هذا هكذا أن ms224 حج ~~أبي بكر كان في غير وقت الحج، فلم يكن ما فعله أبو بكر ومن حج معه في تلك ~~السنة حجة الإسلام. وهذا يدل على أن فرض الحج لم يكن تقدم وجوبه قبل تلك ~~السنة التي حج النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها. وكان (شيخنا) أبو الحسن ~~- رحمه الله - يحتج لعذر النبي - صلى الله عليه وسلم - في تأخره عن الحج في ~~السنة التي بعث فيها أبا بكر أن المشركين قد كانوا يحجون البيت وكانت ~~تلبيتهم شركا وكفرا، وكان منهم من يطوف بالبيت عريانا الرجال والنساء، فصان ~~الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن مشاهدة ذلك، فأمره بتأخير الحج ~~إلى السنة الأخرى لينبذ إلى المشركين عهودهم في تلك السنة وقال: «لا يحج ~~بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان» ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في ذلك # PageV02P118 # كغيره لأن من كشف عورته بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - استخفافا كان ~~كافرا. ولا يكون كذلك إذا فعله بحضرة غيره. فإن قيل: فقد أقام مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قوم لم يحجوا، قيل (له) لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يكن له بد بأن يكون بحضرته قوم من المسلمين لكثرة الكفار ~~والمنافقين هناك وحول المدينة، فكانوا معذورين في المقام. فإن قيل: فقد ~~«حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لما ~~نزلت سورة براءة وأمره أن يلحق أبا بكر فيقرأ سورة براءة على المشركين ~~بالموسم فبعث به بعد أن حبسه عنده» ، فدل على أنه لم يكن معذورا في ~~الابتداء إذن قد جاز أن يبعث به بعد حبسه ندبا. قيل له: قد كان كونه عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضا في الابتداء ثم لزمه فرض الخروج للتبليغ ~~عنه فيما عهد إليه فيه، فقد كان هذا أوجب من الأول فلذلك بعث به. # PageV02P119 ### | [الباب الثلاثون في الأمر المؤقت] # PageV02P121 # باب القول في الأمر المؤقت قال أبو بكر: إذا ورد الأمر مؤقتا بوقت له أول ~~وآخر وأجيز له ms225 تأخيره إلى آخر الوقت نحو صلاة الظهر فإن أهل العلم مختلفون ~~في وقت وجوبه. فقال بعض أصحابنا: قد وجب في أول الوقت وجوبا موسعا فإذا ~~انتهى إلى آخر الوقت بمقدار ما يؤدي فيه الفرض صار وجوبه مضيقا. وكذلك قال ~~هؤلاء في الزكاة أنها قد وجبت بوجوب النصاب وجوبا موسعا إلى آخر الحول فإذا ~~حال الحول صار وجوبها مضيقا، لأن الوجوب عندهم في الشريعة يتعلق بالشيء على ~~معنيين. أحدهما: ثبوت الواجب عليه ولزومه إياه وإن لم يلزمه معه الفعل. ~~والآخر: وجوب الأداء كالدين المؤجل، أن وجوبه قد تعلق في ذمته وإن لم يلزمه ~~الأداء في الحال ثم إذا أجل تعلق عليه وجوب الأداء. والدليل على أن الدين ~~المؤجل قد تعلق وجوبه في ذمته أنه لو لم يكن كذلك لما جاز أن يشتري عبدا ~~بألف درهم مؤجلة لأن الوجوب لو كان متعلقا بحلول الأجل لما صح العقد إذ غير ~~جائز أن يتعلق حدوث الملك فيه بمجيء الوقت. # ألا ترى: أنه لا يصح أن يقول إذا جاء غد فقد بعتك هذا العبد لأنه علق ~~وجوب الملك على مجيء الوقت فثبت بذلك أن الدين المؤجل قد ملك في ذمة من هو ~~عليه وإن لم يجب أداؤه إلا بعد حلول الأجل. قالوا: فكذلك الفرض قد وجب في ~~أول الوقت وجوبا موسعا حتى إذا صار إلى آخر الوقت لزمه الأداء ولم يسعه ~~التأخير. # PageV02P123 # وقد حكي لنا معنى هذا المذهب عن محمد بن شجاع الثلجي - رحمه الله -. وقال ~~غيره من أصحابنا: إن الوجوب في مثله يتعلق بآخر الوقت فإن أول الوقت لم ~~يوجب عليه شيئا. ثم اختلفوا، فقال منهم قائلون: إن ما فعله في أول الوقت ~~نفل يمنع لزوم الفروض في آخره، مثل رجل محدث توضأ قبل مجيء وقت الصلاة ~~فيكون متنفلا بطهارته ومنع ذلك لزوم (فرض) الطهارة (له) عند مجيء (وقت) ~~الفرض. # وكذلك قالوا في الزكاة إذا عجلها قبل الحول بعد وجود النصاب. ويستدلون ~~على ذلك من قول أصحابنا بما لا خلاف بينهم فيه: أن امرأة ms226 لو حاضت في آخر ~~الوقت لم يكن عليها قضاء تلك الصلاة. وكذلك لو سافر رجل في آخر الوقت لزمه ~~القصر ولم يكن لما سلف من الوقت تأثير في لزوم الفرض. ولا خلاف بين الفقهاء ~~أن امرأة لو طهرت في آخر الوقت لزمها فرض الصلاة. ولو أن مسافرا أقام في ~~آخر الوقت قبل أن يصلي لزمه الإتمام، قالوا فلما كان هذا هكذا علمنا أن ~~لزوم فرض الصلاة متعلق بآخر الوقت وأن ما قبل ذلك (من) الوقت لا تأثير له ~~في الإيجاب. وقالت الفرقة الأخرى من أصحابنا: ما فعله في أول الوقت مراعى ~~فإن لحق آخره وهو من أهل الخطاب بها كان ما أداه فرضا، وإن لم يكن من أهل ~~الخطاب بها كان المفعول في أول الوقت نفلا. # PageV02P124 # وكذلك قالوا في الزكاة إذا عجلها بعد وجوب النصاب قبل الحول أنه إن كان ~~في آخر الحول من أهل الخطاب بها كان المؤدى فرضا، وإن لم يكن كذلك كان ~~المؤدى تطوعا. وقد قال أصحابنا فيمن له أربعون من الغنم فعجل للمصدق شاة ثم ~~حال الحول وليس عنده إلا ثمانية وثلاثون شاة أنه يأخذ الشاة من المصدق إذا ~~كانت قائمة بعينها. وإن حال الحول وعنده تسعة وثلاثون أجزأته الشاة عن ~~الصدقة ولم يكن له أن يأخذها، فجعلوا حكم الشاة مراعى في جوازها عن الفرض ~~وكونها غير مجزية عنه. قالوا: وليس يمنع في الأصول أن يكون المفعول على وجه ~~الفرض مراعى بموقوف الحكم فيصير تارة في حيز الواجب وتارة في حيز النفل. ~~ألا (ترى) : أن مريضا أو مسافرا لو صلى الظهر في بيته قبل أن يصلي الإمام ~~كان ظهره مراعى فإن حضر الإمام بعد ذلك فصلى معه الجمعة تبينا أن الأولى لم ~~تكن ظهرا وإن لم يصل الجمعة كانت الأولى ظهرا. # (قال أبو بكر) : والذي حصلناه عن (شيخنا) أبي الحسن - رحمه الله - في ذلك ~~أن وقت الظهر كله وقت لأداء الفرض والواجب يتعين فيه بأحد وقتين. أما إذا ~~لم يصل الظهر حتى ينتهي إلى آخره فإن ms227 الوجوب يتعين (عليه بآخر الوقت وهو ~~الوقت الذي لا يسعه تأخيرها عنه. وأما إذا فعلها قبل ذلك فإن حكم الوجوب ~~يتعين) بالوقت المفعول فيه الصلاة كما يقول في كفارة اليمين إن الواجب أحد ~~الأشياء الثلاثة ولم يتعين الوجوب عليه # PageV02P125 # في واحد كالحنث حتى إذا فعل أحدها تعلق به حكم الوجوب فكان كأنه هو ~~الواجب. وكما يقول فيمن باع قفيز حنطة من صبرة إن المبيع لم يتعين بنفس ~~العين، فإن كال منها قفيزا وسلمه تعين فيه حكم العقد ويصير كأنه هو المبيع ~~بعينه وإنما تعين فيه حكم العقد بالتسليم، كذلك حكم الوجوب يجوز أن يتعلق ~~بالفعل (وإن كان لو لم يفعله لم يكن للوقت تأثير في وجوبه. فإن قال قائل: ~~لا يجوز أن يتعين عليه حكم الوجوب بالفعل) لأن المفعول لا يصح إيجابه ولا ~~الأمر به وإنما يتعلق حكم الإيجاب بما لم يفعله مما يصح وقوعه منه. قيل له: ~~لم نقل إن الأمر بالفعل توجه إليه في حال الفعل. # وإنما قلنا إن حكم الوجوب يتعين فيه وهو كما نقول في الحانث في يمينه إنه ~~متى فعل واحدا من الأشياء الثلاثة تعين حكم الوجوب (بالمفعول منها وانتفى ~~عما لم يفعل، فصار كأنه هو الواجب، وإن لم يكن تعين الوجوب) فيه بالأمر، ~~وكما يلزمه فرض أداء الزكاة # PageV02P127 # إلى مساكين لم يتعينوا بوجوب الفرض ثم إذا أعطاها مساكين بأعيانهم تعين ~~حكم الوجوب فيهم وإن كان له في الابتداء الانصراف عنهم (إلى غيرهم) . فإن ~~قال: لا يشبه ما ذكرت كفارة اليمين لأنه قد تعلق عليه وجوب أحد الأشياء ~~الثلاثة بالحنث في الحال فله أن يفعل أيها شاء، فأيها فعل كان هو الواجب، ~~وأنت لا تقول إنه تعلق عليه وجوب إحدى الصلوات التي (لم) يمكن فعلها في ~~الوقت من أوله إلى آخره، لأنه (إنما يمكنه) فعلها على حسب مجيء الأوقات ولا ~~سبيل له إلى فعل أيها شاء بدخول الوقت، كما يمكنه فعل أحد الأشياء الثلاثة ~~من الكفارة بالحنث فلا يخلو حينئذ في أول الوقت من أن ms228 تكون قد وجبت وجوبا ~~موسعا أو أن يكون فاعلها متنفلا. قيل له: لا يوجب ما ذكرت الفرق بينهما من ~~الوجه الذي ذكرنا، وذلك لأن تعلق فعل الصلاة بالأوقات المستقبلة لا يمنع أن ~~يكون الخطاب قد توجه إليه بها في أن يفعل ما شاء منها إلى آخر الوقت، كأنه ~~قيل له: إن (شئت) تصلي الظهر فصلها في أول الوقت، فإن لم تفعل ففي الثاني ~~وإن لم تفعل ففي الثالث على أنك مخير فيها، فلا يختلف حكمها وحكم كفارة ~~اليمين لأن حكم الوجوب قد تعلق عليه بفعلها في أول الوقت أو تركها إلى صلاة ~~أخرى تليها، كما تعلق (حكم) الوجوب بأحد الأشياء الثلاثة في الكفارة لا ~~بجميعها لأنه لا يصح له جميعها في الإيجاب. # ألا ترى: أنه لو كفر بالجميع في حال واحدة لم يكن الواجب إلا واحدا منها ~~كما لا يكون الواجب إلا إحدى الصلوات المفعولة في الوقت دون جميعها. وكان ~~(شيخنا) أبو الحسن - رحمه الله - يستدل على أن الفرض لم يتعلق وجوبه بأول ~~الوقت إذا لم يفعل فيه أن له تأخيرها عنه لا إلى بدل، لأن المفعول في آخر ~~الوقت ليس ببدل # PageV02P128 # عن المتروك في أوله، ولو كان الوجوب قد تعلق به لما كان له ذلك لأن ما ~~(كان) له تركه (انصرف) عنه لا إلى بدل منه فليس بفرض. فإن قال قائل: فهذا ~~يدل على أن المفعول في أول الوقت نفل، لأنه قد كان له تركه لا إلى بدل. قيل ~~(له) : لا يجب ذلك لأن أحد الأشياء الثلاثة في كفارة اليمين إذا تركه انصرف ~~عنه لا إلى بدل منه، لأن بعضها ليس ببدل عن بعض، وأيها فعل مع ذلك كان فرضا ~~ولم يكن نفلا. وكذلك تارك الصلاة في أول الوقت إلى آخره وإن كان تاركا لها ~~لا إلى بدل منها فليس يمنع ذلك أن يكون متى فعلها تعلق فيها حكم الوجوب ~~بالفعل. ويدل على أن المفعول في أول الوقت ليس بنفل قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أول وقت الظهر ms229 إذا زالت الشمس» . فإن قيل: إنما أراد (به) وقت ~~النفل الذي يمنع وجوب الظهر. # PageV02P129 # قيل له: الظهر لا يكون نفلا وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتا ~~لها فدل على أن فاعله فاعل للفرض، إذ كان لا يصح أن يقال إنه وقت الظهر إلا ~~وقد جعل وقتا لوجوبها أو لأدائها، وقد علمنا أنه لم يرد الوجوب فدل على أنه ~~أراد أنه وقت لأداء الظهر. ويلزم هذا القائل أن يقول: إن مصلي الجمعة في ~~أول وقت مصلي نفل ولا خلاف أن الجمعة لا يتنفل بها بحال. فإن قال قائل: ليس ~~يخلو وقت الوجوب (من أن يكون) مقدار ما يلحق فيه افتتاح الصلاة فيلزم ~~الطاهر من الحيض فرضها، ويلزم المسافر الإتمام إذا نوى الإقامة فيه، أو أن ~~يكون الفرض متعلقا في الوقت بمقدار ما يمكن استيفاء أفعال الصلاة فيه قبل ~~خروجه، فإن كان الفرض إنما يتعين بآخر الوقت الذي يلحق فيه مقدار الافتتاح ~~فواجب ألا يأثم بتأخير الافتتاح إلى ذلك الوقت، لأن الوجوب لا يتعين (عليه ~~إلا فيه) فهو بمنزلة أول الوقت، فإن كان يأثم بتأخير الافتتاح إلى ذلك ~~الوقت فإنما يتعين من الوجوب عليه في (أول) الوقت (الذي) يلحقه الإساءة ~~بتأخير الافتتاح عنه، وإذا كان ذلك كذلك لزمك على هذا أن تقول في المرأة ~~إذا حاضت بعد الوقت الذي تكون مسيئة بتأخير الافتتاح أن يلزمها فرض الصلاة ~~لأنها قد أدركت من وقت الفرض مقدار الافتتاح، كما قلت فيمن طهرت وقد بقي من ~~الوقت ما يمكنها فيه الافتتاح لزمها فرض الوقت. # قيل له: إن لزوم فرض الوقت عندنا متعلق بآخره وهو مقدار ما يلحق فيه ~~الافتتاح، وما قبله ليس بوقت للوجوب فلذلك لم يلزم الطاهر إذا حاضت في آخر ~~الوقت فرض الصلاة وإن كانت قد أدركت منه وهي طاهر المقدار الذي لو تحرمت ~~فيه بالصلاة لم يمكنها قضاؤها # PageV02P130 # حتى يخرج الوقت، لأنها لم تلحق وقت الوجوب، وإنما نهي عن التأخير إذا لم ~~يبق من الوقت إلا مقدار ما يصلي فيه لأنه ms230 لو أخرها لحصل فعل بعض الصلاة بعد ~~خروج الوقت فمنع من التأخير من أجل ذلك، وليس كونه منهيا عن التأخير بموجب ~~أن يكون هو وقت لزوم الفرض، إذ لا يمتنع أن يكون ممنوعا من ذلك لمعنى غيره. ~~كما يقول فيمن أدرك من وقت الفجر مقدار ما يصلي فيه ركعة إنه منهي عن ~~التحريمة، لأن بعض صلاته تحصل بعد طلوع الشمس وإن كان مدركا لوقت الفرض ~~فكذلك لا يمتنع أن يؤمر بتقديم الفعل على وقت لزوم الفرض لهذه العلة. فإن ~~قال قائل: كيف يجوز أن يكون مأمورا (بفعل الصلاة قبل وجود وقت وجوبها وينهى ~~عن تركها، وهل صورة الواجب إلا أن يكون مأمورا بفعله منهيا) عن تركه وهذا ~~يدل على أن وقت الوجوب هو الذي لا يلحقه الإساءة بتأخيرها. # قيل له: ليس يمتنع هذا في الأصول. ألا ترى: أن صوم ثلاثة أيام في الحج ~~للمتمتع قبل وجوبه يوم النحر، لأن يوم النحر هو الوقت الذي يجب فيه الهدي ~~والصوم بدل منه ثم أمر بتقديمه على وقت وجوبه لئلا يحصل في الوقت المنهي ~~عنه فيه الصوم وهو يوم النحر وأيام التشريق، وكذلك لا يمتنع أن يكون مأمورا ~~بتقديم افتتاح الصلاة على وقت وجوبها لئلا يحصل فعل بعضها بعد خروج الوقت. # PageV02P131 ### | [الباب الحادي والثلاثون في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار] ### | [فصل الأمر إذا كان مطلقا أو معلقا هل يقتضي التكرار] # وفيه فصل: الأمر إذا كان مطلقا أو معلقا بوقت أو شرط أو صفة هل يقتضي ~~التكرار # PageV02P133 # باب القول في الأمر المطلق هل يقتضي التكرار؟ اختلف الناس في الأمر ~~المطلق هل يقتضي التكرار أم لا؟ فقال أكثر الفقهاء: لا يجب التكرار إلا ~~بدلالة، ومتى فعل المأمور به مرة واحدة فقد قضى عهدة الأمر. قال أبو بكر - ~~رحمه الله -: والذي يدل عليه مذهب أصحابنا - رحمهم الله -: أن الأمر يقتضي ~~الفعل مرة واحدة ويحتمل أكثر منها، إلا أن الأظهر حمله على الأقل حتى تقوم ~~الدلالة على إرادة أكثر منها لأن الزيادة لا تلزمه إلا بدلالة. والذي ms231 يدل ~~على ذلك من مذهب أصحابنا قولهم فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك أن هذا على ~~واحدة إلا أن يريد ثلاثا فيكون ثلاثا، وقولهم فيمن قال لعبده: تزوج أنه على ~~امرأة واحدة إلا أن يريد ثنتين فيكون (الأمر) على ما عنى، فهذا يقتضي أن ~~يكون مذهبهم في الأمر إذا لم يتعلق بعدد مذكور في اللفظ أنه يتناول مرة ~~واحدة (ويحتمل أكثر منها إلا أنه لا يحمل على الأكثر إلا بدلالة) . وقال ~~بعضهم: يقتضي التكرار إلا أن تقوم الدلالة على غيره. # PageV02P135 # الدليل على صحة القول (الأول) أنه متى فعل المأمور به مرة واحدة فقد ~~تناوله إطلاق الوصف بأنه قد فعل ما أمر به، ولا يقول أحد أنه فعل بعض ~~المأمور به وإن كان يقتضي التكرار لما جاز أن يقال: إنه قد فعل ما أمر به. # PageV02P136 # فإن قيل: فإذا فعله مرة أخرى وثالثة يطلق عليه أنه (قد) فعل المأمور به ~~فينبغي أن يدخل في الأمر من حيث صلح له اللفظ على موضوعك. قيل له: لم نجعل ~~جواز إطلاق القول بأنه قد فعل المأمور به علة لوجوب الأمر فيلزمنا ما ذكرت، ~~وإنما قلنا إنه لما كان يطلق عليه أنه فعل المأمور به، ولم يقتض الأمر أكثر ~~من ذلك فمن أثبت شيئا غيره احتاج إلى دلالة أخرى غير لفظ الأمر، وعلى أن ~~قول القائل أنه إذا فعله مرة ثانية وثالثة فقال إنه قد فعل المأمور به خطأ، ~~لأنه لا يكون (فعله) في الثاني والثالث على وجه التكرار آتيا بما أمر به ~~وإنما يكون نفلا وتطوعا فهذا سؤال ساقط. دليل آخر: وهو أن في إيجاب التكرار ~~إثبات عدد وجمع ليس اللفظ موضوعا له ولا يجوز إثبات ذلك إلا بلفظ أو دلالة ~~فلم يجب التكرار. # ويدل عليه أيضا: أن للتكرار لفظا موضوعا في اللغة، نحو قولهم كل وكلما ~~ولغير التكرار صيغة معروفة فيها، فغير جائز إيجاب التكرار إلا مع وجود حرف ~~التكرار وقيام دلالة من غيره. ويدل على ذلك أيضا: أن المعقول من الخبر عن ~~ماض أو ms232 مستقبل في الإثبات فعل مرة واحدة لا أكثر منها، كقولك: دخل زيد ~~الدار أو سيدخلها لا يعقل منه التكرار، ولو قال بدل هذا: قد دخلها كل يوم ~~أو كلما مضى يوم كان المعقول منه وجود الدخول مكررا على حسب عدد الأيام ~~فلما كان ذلك كذلك وجب أن يكون الأمر كذلك إذا لم يفارقه لفظ التكرار. # PageV02P137 # وغير جائز إثبات التكرار فيما ليس فيه حرف التكرار، كما لا يجوز إسقاط ~~حرف التكرار عما ذكر فيه. فإن قال قائل: لما لم يتوقف الأمر وكان متى فعل ~~المأمور به في أي زمان كان فاعلا للمأمور به علمنا أنه قد أريد منه الفعل ~~في هذه الأوقات على وجه التكرار. قيل له: هذا خطأ، لأنه لو قيل له: افعله ~~ما بينك وبين خمسين سنة كان مؤديا للغرض في أي وقت فعله من هذه المدة، ~~ومعلوم مع ذلك أنه لم يرد منه فعله على وجه الاتصال والدوام في هذه الأوقات ~~كلها لعجزه عنه ولانقطاعه (به) عن سائر الفروض، فدل على سقوط قولك أنه (من) ~~حيث كان مؤديا للواجب في أي وقت فعله من هذه الأوقات وجب أن تكون هذه ~~(الأوقات) كلها وقتا للفعل فيها على وجه التكرار فهذا سؤال ساقط من هذا ~~الوجه. # وأيضا: فإنا نقول: إنما يكون مؤديا للواجب في أي وقت فعله من عمره ما لم ~~يفعل المأمور به مرة، فأما إذا فعله مرة فإن الوقت الذي يوجد بعد الفعل ليس ~~بوقت للفرض، كما يقول المسلمون جميعا إن فرض صلاة الظهر في الوقت مرة ~~واحدة، فإن فعلها مرة واحدة ما بين أول الوقت وآخره لم يكن عليه غيرها ولم ~~يكن ما بعد وقوع الفعل وقتا للوجوب، ولم يجب من أجل كون الوقت كله وقتا لها ~~ما لم يقيدها بأن يكون فعل الظهر واجبا على وجه التكرار من أول الوقت إلى ~~آخره. وأيضا: لو كان الأمر (يقتضي التكرار) لما كان بعض الأوقات أولى بفعل ~~المأمور به فيه من بعض، بل كان الواجب أن تكون الأوقات كلها ms233 متساوية في باب ~~وجوب فعل المأمور به فيه، وهذا مقتضى وجوب فعله دائما متصلا غير منقطع، ~~ومعلوم أن هذا ليس في وسع أحد من الناس، فإذن المراد منه فعله في بعض ~~الأوقات، وليس بعضها بأولى بإيقاع الفعل من بعض فيحصل الأمر مجملا مفتقرا ~~إلى البيان غير معلوم منه تنفيذ الحكم. ولما اتفق الجميع على أن المأمور ~~بفعل ظاهر المعنى بين المراد يلزمه فعله قبل ورود بيان الوقت الذي يفعله ~~فيه علمنا أنه لم يقتض التكرار في الأوقات إذ كان وجوب اعتبار ذلك يؤدي إلى # PageV02P138 # أن يكون لزوم المأمور به موقوفا على ورود بيان الوقت. # فإن قال: ما أنكرت أن يكون هذا بمنزلة العموم كقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] فيجب اعتباره أبدا حتى تقوم دلالة الخصوص. قيل له: ~~هذا غلط من قبل أن الوقت غير مذكور في الأمر فيعتبر عمومه، فقولك إن اعتبار ~~فعله في الأوقات واجب حتى تقوم دلالة خصوصه في بعض الأوقات دون بعض خطأ. ~~وعلى أنه لو كان الوقت مذكورا بلفظ عموم لم يكن ذلك عموما في الأمر؛ لأن ~~قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ليس بعموم في الحج ~~(لأنه) مذكور بلفظ يقتضي فعله مرة واحدة فلا معنى لاعتبار (ذكر) عموم الوقت ~~(لو ذكر) مع عدم لفظ العموم في المأمور به. ألا ترى أنه لو قال له: ادخل ~~الدار اليوم كان الذي يلزمه بهذا القول دخولها مرة واحدة في اليوم، وإن كان ~~الوقت مذكورا بعموم لفظ ينتظم سائر أجزائه. ويدل على صحة ما قلنا: «أن ~~الأقرع بن حابس سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: الحج في كل عام أو ~~مرة واحدة؟ فقال بل حجة واحدة، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ثم تركتموه ~~لضللتم» قد حوى هذا الخبر الدلالة على صحة ما ذكرنا من ثلاثة أوجه: # PageV02P139 # أحدها: أن التكرار لو كان معقولا من الآية لما سأل الأقرع عنه؛ لأنه كان ~~رجلا من أهل اللسان. # والثاني: قوله - عليه الصلاة والسلام - " بل حجة واحدة " فأخبر أن ms234 الآية ~~لم تقتض إيجاب أكثر من حجة. # والثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم - " ولو قلت نعم لوجبت " فأخبر أنه ~~لو قال نعم كان واجبا بقوله لا بالآية. فإن قال قائل: لو اقتضت الآية ~~وجوبها مرة واحدة لما سأل عنه. قيل له: لم يشكل عليه أن الآية لم تقتض فعله ~~إلا مرة واحدة وإنما أراد أن يعرف هل أراد بالأمر أكثر من حجة، أو هل من ~~النبي - عليه السلام - حكم في إيجابه في كل سنة زيادة على ما اقتضت الآية ~~(وجوبه) فأخبره - عليه السلام - أنه لم يوجب غير ما في الآية. # PageV02P140 # ويدل على ذلك أيضا: أن المعقول من مخاطباتنا فيما بيننا أن من قال لعبده: ~~أعط هذا الفقير درهما أنه لم يقتض أمره أن يفعل المأمور به مكررا دائما ~~متصلا، فوجب أن يكون خطاب الله تعالى وخطاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~محمولا على ذلك، لقوله تعالى {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} ~~[إبراهيم: 4] . وليس الأمر في هذا كالنهي، لأن النهي يقتضي نفي ما تعلق به ~~فوجب أن ينتفي أبدا. ألا ترى: أنه لو أدخل حرف النفي على الخبر كان المخبر ~~عنه منتفيا أبدا، لأنه لو قال: ما دخل زيد الدار أو قال لا يدخلها فعلق ~~الخبر على ماض أو مستقبل بحرف النفي علق به (نفي) جميع ما تضمنه في سائر ~~الأوقات، وليس كذلك الأمر لأن الأمر يقتضي الإثبات، والخبر إذا وقع عن ~~إثبات فعل ماض أو مستقبل لم يقتض التكرار. # كذلك الأمر إذا كان موضوعه الإثبات فمتى فعل المأمور به مرة فقد أدى موجب ~~الأمر، وإن فعل المنهي عنه مرة لم يسقط عنه حكم النهي فيما بعد لأن النهي ~~لما تناول نفي المنهي عنه في سائر الأوقات صار كمن قيل له: لا تفعل (ذلك) ~~في شيء من هذه الأوقات، فإذا أوقع الفعل في شيء منها لم يبطل حكم النهي عن ~~فعله في باقي الأوقات. فإن قال قائل: لما تضمن الأمر وجوب الاعتقاد (للزوم) ~~فعله كما تضمن وجوب # PageV02P141 # الفعل ثم ms235 كان الاعتقاد لوجوب فعله لازما على وجه التكرار وجب أن يكون ~~كذلك الفعل لأن كليهما من مضمون الأمر. قيل له: هذا غلط لأنه لا يجب عليه ~~تكرار الاعتقاد بل يكفيه الاعتقاد الأول إلى أن يوقع الفعل، فقولك: إن ~~الأمر يتضمن تكرار الاعتقاد خطأ. وأيضا: لو فعله عقيب وروده لم يجب عليه ~~تكرار الاعتقاد، وإنما ظن السائل أن لزوم الثبات على اعتقاد وجوبه إلى وقت ~~إيقاعه تكرار للاعتقاد وليس هو كما ظن، وعلى أنه منتقض باتفاق الجميع. وعلى ~~أنه لو قيل له: حج في عمرك حجة واحدة لكان عليه الثبات على اعتقاد وجوبها ~~إلى وقت إيقاعها ولم يجب عليه تكرار الحج من حيث لزومه الثبات على الاعتقاد ~~إلى وقت إيقاعها. ### | [فصل الأمر إذا كان مطلقا أو معلقا بوقت أو شرط أو صفة أنه لا يقتضي التكرار] # فصل: قال أبو بكر - رحمه الله -: ولا فرق عند أصحابنا بين الأمر إذا كان ~~مطلقا أو معلقا بوقت أو شرط أو صفة أنه لا يقتضي التكرار إذا لم يكن في ~~اللفظ حرف التكرار ولا قامت عليه الدلالة من غيره. # PageV02P142 # وذلك نحو قوله تعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] ~~وقوله تعالى {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة: 198] ، لم يقتض ظاهر الأمر ~~التكرار لأن أصحابنا - رحمهم الله - قد قالوا فيمن قال لامرأته: إذا دخلت ~~الدار فأنت طالق فدخلتها طلقت، ولو دخلتها مرة أخرى لم تطلق، وأنه لو قال: ~~كلما دخلت الدار فأنت طالق أن الطلاق يتكرر عليها بتكرار الدخول لأن " إذا ~~" ليس فيها تكرار وإنما هي شرط فيه وقت. فإن قيل: يلزمك على هذا أن تقول إن ~~أحدا لم يتوضأ بالآية إلا مرة واحدة. قيل له: المرة الثانية لم يتناولها ~~اللفظ والذي تناول اللفظ من ذلك مرة واحدة، وإنما دخلت المرة الثانية في ~~الحكم من طريق المعنى، لأن المراد إذا قمتم وأنتم محدثون، فلما كان الحكم ~~متعلقا بالحدث لا بالقيام إلى الصلاة لزمته الطهارة متى أراد الصلاة وهو ~~محدث. فإن قيل: إذا كانت " إذا " للوقت فواجب ms236 أن تقتضي التكرار لوجود ~~الأوقات التي علق الفعل بها. # قيل له: لا يجب ذلك لأنه لما لم يكن في اللفظ ما يوجب تكرار الفعل لم يكن ~~لذكر الوقت تأثير في إيجابه. ألا ترى: أنه لو قال (له) صل في هذا اليوم أو ~~صم في هذه السنة لم يقتض ذلك تكرار الفعل في الأوقات لأجل تعليقه إياه باسم ~~ينتظم عدة أوقات فكذلك ما وصفناه. وكذلك قال أصحابنا فيمن (قال) لامرأته: ~~أنت طالق إذا شئت أن لها أن تطلق # PageV02P144 # نفسها متى شاءت واحدة لا أكثر منها، ولا تكون مشيئتها مقصورة على المجلس ~~لأنه علقها بسائر الأوقات المستقبلة فيثبت لها المشيئة فيها وإن لم يملك ~~إلا إيقاع تطليقة واحدة. # وفرقوا بينه وبين قوله: أنت طالق إن شئت في باب الوقت فجعلوا ذلك على ~~المجلس إذ لم يكن في اللفظ دلالة على الوقت وكان من ألفاظ التمليك، وألفاظ ~~التمليك تتعلق على المجلس ما لم تتعلق بوقت بعده. والعلة في كون الأمر ~~المعلق بشرط (أو) وقت على مرة واحدة دون وجوب التكرار في الأمر المطلق هي ~~أن التكرار لا يصح إيجابه إلا بوجود لفظ التكرار أو بقيام الدلالة عليه. ~~ولذلك يجب أن يكون القول في نحو قوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ~~[الإسراء: 78] أن الذي يقتضيه اللفظ صلاة واحدة فلا يمتنع مع ذلك أن يراد ~~به تكرار الفعل بتكرار الوقت لأن اللفظ يصلح لذلك، وإن كان ظاهره ما وصفنا. ~~ونظير قوله تعالى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78] ما قال أصحابنا ~~فيمن قال لامرأته: أنت طالق للسنة، وأراد ثلاثا أنه كما نوى، وجعلوا قوله ~~للسنة محتملا أن يكون معناه لأوقات السنة فيتكرر الطلاق عليها بتكرار ~~الأوقات، كقول الرجل: أنت طالق في ثلاثة # PageV02P145 # أطهار، وكقوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أنه (قد) تناول الطلاق ~~الثلاث متفرقة في أوقات السنة. وقد قال عيسى بن أبان - رحمه الله - إن قوله ~~تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] قد تناول الطلاق الثلاث والواحدة، فوجب ~~على هذا أن يصح أن يكون المراد بقوله تعالى {لدلوك ms237 الشمس} [الإسراء: 78] ~~لزوم فعل الصلاة مكررا عند أوقات الدلوك، إلا أن اللفظ وإن كان محتملا لذلك ~~فغير جائز حمله عليه إلا بدلالة. # PageV02P146 ### | [باب القول في الأمر إذا تناول أحد أشياء على جهة التخيير] # إذا خير المأمور بين فعل أحد أشياء مثل كفارة اليمين، فالواجب في الحقيقة ~~أحدها، ولا يجوز عندنا أن يقال إن جميعها هو الواجب، لأن الواجب هو ما لا ~~يجوز له الانصراف عنه مع الإمكان إلا إلى بدل، ومعلوم أن كل واحد منها إذا ~~تعين بالفعل (منفردا عن) غيره كان في الحكم هو الواجب، لا على معنى أنه بدل ~~من غيره، فلما كان له ترك ما عدا الواحد لا إلى بدل علمنا أنه ليس بواجب. ~~ويدل عليه أيضا: اتفاق الجميع من مخالفينا في ذلك على أنه لو فعل الجميع ~~دفعة (واحدة) كان المفعول على وجه الوجوب واحدا منها لا جميعها فدل على أن ~~الواجب واحد فيها، إذ لو كان الجميع واجبا لكان الجميع إذا فعله مفعولا على ~~وجه الوجوب، لأنه محال أن يكون واجبا قبل الفعل ثم إذا وقع الفعل وقع نفلا ~~لا واجبا، فثبت بما ذكرنا أن الواجب أحدها (لا بعينه) لا جميعها وأن ما فعل ~~من ذلك يتعين حكم الوجوب فيه بالفعل، وهو مثل ما يقول في أنه مخير في أن ~~يعطي زكاته من شاء من المساكين فأيهم أعطى كان مؤديا للواجب، وغير جائز مع ~~ذلك أن يقال: إن الواجب إعطاء مساكين أهل الأرض من حيث جاز إعطاؤها لمن شاء ~~منهم. # PageV02P149 # فإن قال قائل: بل إذا كان وجه الإيجاب ما يتعلق به (من) المصلحة ومن أجله ~~يقبح تركه فلا بد (من) أن يفصل بينه وبين ما ليس بواجب، فإذا خير بين أحد ~~أشياء ولم يفصل بين شيء منها علمنا أن حكم الوجوب قد تعلق بالجميع. قيل له: ~~ليس يمتنع أن يعلم الله تعالى أن المصلحة في إيجاب واحد منها بغير عينه على ~~وجه التخيير على أنه أيها فعل منها كانت المصلحة فيه، كنهي في الآخر لو ms238 ~~فعله فإذا لم يكن هذا ممتنعا لم يجب أن يكون الوجوب متعلقا بالجميع على ما ~~ذكره. ### | [فصل في تكرار لفظ الأمر] # (قال أبو بكر: تكرار الأمر) يوجب تكرار الفعل وإن كان في صورة الأول ما ~~لم تقم الدلالة (على) أن المراد بالثاني هو (الأول، نحو) قول القائل: تصدق ~~بدرهم ثم يقول له بعد ذلك: تصدق بدرهم فيكون الثاني غير الأول. وكذلك قال ~~أصحابنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق أنت طالق (أن) الثاني غير الأول. وقال ~~أبو حنيفة فيمن أقر لرجل بدرهم ثم أقر له بدرهم: إن الثاني غير الأول. ~~وإنما كان هذا هكذا من قبل أن لكل واحد من اللفظين حكما في نفسه، فغير جائز # PageV02P150 # تضمينه بغيره إلا بدلالة، ولأن حكم الكلام أن يكون محمولا على فائدة ~~محددة وحكم مستأنف، فلا يجوز أن يرده إلى الأول ويجعله تكرارا إلا بدلالة. ~~والدلالة الموجبة لذلك يجوز أن تكون في مضمون اللفظ وظاهر الحال، ويجوز أن ~~تكون في غيره، نحو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وجدت الماء ~~فأمسه جلدك» ثم يقول في حال أخرى «إذا وجدت الماء فأمسه جلدك» ، معلوم من ~~ظاهر الخطاب والحال التي خرج عليها الكلام أنه لم يرد بالثاني غير الأول ~~فلا يجب تكرار استعمال الماء لأجل تكرار اللفظ، لأن تكراره إنما تعلق بسؤال ~~سائل أو حدوث حال احتيج فيه إلى بيان الحكم لغير من قيل له ذلك أولا، ولولا ~~ذلك لوجب أن يكون الثاني غير الأول. ### | [فصل من شرط صحة الأمر أن يكون المأمور ممكنا من فعله في حال لزومه] # فصل: (قال أبو بكر) : من شرط صحة الأمر أن يكون المأمور ممكنا من فعله في ~~حال لزومه، ولا اعتبار بحال فصول الأمر من الآمر. والدليل على ذلك: أن ~~أوامر الله تعالى قد تناولت جميع الناس من المكلفين ممن كان منهم في عصر ~~النبي - عليه السلام - ومن حدث بعدهم إلى قيام الساعة، وقد بين الله تعالى ~~ذلك بقوله تعالى {نذيرا للبشر} [المدثر: 36] وقوله تعالى {لأنذركم به ومن # PageV02P151 # بلغ} ms239 [الأنعام: 19] وقوله تعالى {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا} [الأعراف: 158] فمن حيث كان رسولا إلى أهل سائر الأعصار إلى قيام ~~الساعة وجب أن يكون آمرا لهم وإن لم يكن (جميعهم) موجودين (وقت) الأمر، لأن ~~الآمر انفصل من أمره للمأمورين على شرط التمكين، ولو لم تكن أوامر الله ~~تعالى أمرا لنا لأنا لم نكن موجودين وقت (الأمر لوجب أن لا يكون الرسول ~~رسولا إلينا لأنا لم نكن موجودين وقت) الرسالة، (ولم نكن مأمورين بها الآن) ~~وهذا لا يقوله مسلم، فصح أن أوامر الله تعالى لجميع المكلفين، ممن كانوا ~~موجودين (في) وقت الأمر ومن وجد بعده على شرط بلوغ الأمر والتمكين من ~~الفعل. وليس يمتنع أن ينفصل الآمر من أمره متوجها إلى المأمور معقودا بشرط ~~التمكين، وإن لم يكن ممكنا منه في حال فصول الأمر. ألا ترى: أنه يصح أن ~~يقال للمريض: إذا برأت فصم وصل وقاتل المشركين، وقال الله تعالى {فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة} [النساء: 103] فقد صح خطاب العاجز بالفعل على ~~شريطة التمكين. فإن قيل: كيف يصح (أمر المعدوم) قيل له: ليس هذا بأمر ~~للمعدوم بأن يفعله وهو معدوم، وإنما قلنا إن الأمر قد # PageV02P152 # يصح وجوده والمأمور غير موجود، لأن الأمر هو قول القائل " افعل " وقد حصل ~~أمر لمن وجد بعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يوجد بعده أمر ~~يكونون مخاطبين به، ولو لزمنا أن لا نجيز للمعدم لتعذر الفعل واستحالته منه ~~في حال الأمر (للزم أن) لا يصح خطاب المريض بقتال المشركين على شرط البرء ~~والإمكان وهذا لا ينكره أحد. ### | [فصل في أمر الله تعالى لمن في المعلوم أنه لا يمكن منه] # فصل: وقد اختلف في أمر الله تعالى لمن في المعلوم أنه لا يمكن منه ويحال ~~بينه وبينه على شرط بلوغه (في) حال التمكين. فأبى ذلك قوم، وقالوا: لا يجوز ~~أن يأمر أحدا بشيء إلا وفي المعلوم أنه سيبلغ حال التمكين منه فيفعله أو ~~يتركه مع القدرة عليه. وقال آخرون: يجوز أن يأمره ms240 الله على شريطة التمكين ~~وبلوغ حال القدرة وارتفاع الموانع، وإن كان في معلومه أنه سيحال بينه وبينه ~~ويقطع دونه إذا جوز المأمور أنه لا يحال بينه وبينه. # PageV02P153 # فذهبت الفرقة الأولى: (إلى) أن هذا لو جاز لجاز أن يأمر الله تعالى بصعود ~~السماء ونقل الجبال عن مواضعها (بشرط) الإمكان وهذا سفه وعبث، لأن في ~~معلومه أن ذلك لا يتأتى منا ولا يمكن منه بحال، كذلك كل ما (كان) في معلومه ~~أن المأمور لا يبلغ حال التمكين منه لم يصح تكليفه إياه لا مطلقا ولا معلقا ~~بشرط، ومن أجل هذا القول ذهبوا إلى أن المكلف لا يدري أنه مأمور فيما ~~يستقبل من عمره بالإيمان، وأنه منهي عن الكفر إذا لم يكن على ثقة بالبقاء، ~~وأنه لا يدري هل هو منهي عن القتل والزنا وسائر القبائح، لأنه لا يدري هل ~~يبلغ الحال الثانية أم لا. وأبى هذا القول مخالفوهم، وقالوا: قد أجمع ~~المسلمون على استنكار هذا القول ممن ظهر فيه. قالوا: وقد وجدنا ما أجزناه ~~من ذلك جائزا فيما بيننا في أوامرنا لعبيدنا. ألا ترى أن من قال لعبده: ~~اسقني ماء كان عالما باضطرار أنه قد أمر عبده بشيء وأراده منه، وإن لم يحط ~~علما ببقائه إلى وقت الفعل، ومع تجويزه أنه يحال بينه (وبينه) وكان معلوما ~~(مع) ذلك مع ورود أمره أن مراده إيقاع الفعل على شرط الإمكان والبقاء، ~~وكذلك يصح في أوامر الله تعالى لنا على هذه الشريطة، لأن المأمور إذا جوز ~~بلوغ (وقوع) حال الشرط - وقد قيل له إن قدم زيد فتصدق بدرهم وإن لم يقدم ~~فلا تفعله - فيكون المأمور متعبدا بشيئين في الحال. # PageV02P154 # أحدهما: الاعتقاد (أنه) إن قدم لزمه فعله وأنه سيفعله إن قدم. # والآخر: أنه إن لم يقدم وجب عليه تركه - كان هذا معنى سائغا وتكليفا ~~جائزا يستفيد به المأمور توطين النفس على فعله إن وجد الشرط، وعلى تركه إن ~~لم يوجد فيستحق الثواب عليه، وليس هذا بمنزلة أمرنا بصعود السماء وقلع ~~الجبال على شرط التمكين لأن هذا ms241 قد وقع الإياس من وجوده، فلا يكون الأمر به ~~إلا عبثا لا فائدة فيه. # والأول الذي قد يجوز عندنا وجود التمكين منه ويجوز غيره غير ممتنع مثله ~~في عادات الحكماء على الشرط الذي وصفنا. # ولو قال رجل لعبده: اقلع الجبال واشرب ماء البحر على شرط التمكين منه ~~والقدرة عليه كان عابثا واضعا للأمر في غير موضعه، فكذلك أوامر الله تعالى ~~لنا تجري على هذا المنهاج. # فإن قال قائل: يجوز على هذا أن يرد الأمر معلقا بشرط أن لا ينسخ، مثل أن ~~يقول: صل غدا إن لم ننسخ هذه الصلاة عليكم، كما أجزت أن يقول: صل غدا إن ~~مكنت منها ولم يحل بينك وبينها، وما الفصل بين الأمر المعلق بشرط التمكين ~~وبينه معلقا بشرط ألا ينسخ. قيل له: لا يجوز ورود الأمر (معقودا) بشريطة أن ~~افعلوه إن لم أنسخه عنكم قبل وقت الفعل، والفصل بينه وبين ما ذكرنا أنه إذا ~~أمر بأمر فقد أراده منه، وإذا نهاه عنه فقد كرهه منه، ولا يصح أن يقول: قد ~~أردته منك إن لم أكرهه، فلما لم يصح أن يجمع ذلك في لفظ الأمر لم يصح الأمر ~~به معقودا بهذه الشريطة. ولا يمتنع أن تقول: افعله إن قدرت # PageV02P155 # عليه وإن أمكنك، فلما صح الجمع بين هذين اللفظين على هذا الوجه صح وورد ~~الأمر معلقا بالشرط على هذا الوجه. # ألا ترى: أن الأمر منا لعبيدنا جائز على هذه الشريطة، وأنه لا يصح أن ~~يقول واحد منا لعبده: قد أردت منك هذا الفعل إن لم أكرهه إلا ومعناه عنده ~~إن لم يبد (لي) وذلك لا يجوز على الله تعالى (لأنه تعالى) عالم بالعواقب لا ~~يجوز عليه البداء. ### | [فصل فيمن أمر بأحد شيئين بغير عينه على وجه التخيير ففعل أحدهما] # فصل: ومن أمر بأحد شيئين بغير عينه على وجه التخيير ففعل أحدهما فقد فعل ~~المأمور به وليس عليه غيره، نحو كفارة اليمين، وجزاء الصيد، وما خير ~~الإنسان فيه بين أن يفعله أو يفعل غيره. وإذا نهي عن شيئين ms242 لم يجز له فعل ~~واحد منهما -، وذلك لأن أو تتناول أحد ما تدخل عليه بغير عينه، فإذا أدخلت ~~على النهي تناولت كل واحد على حياله بالنهي، وإذا دخلت على الإيجاب تناولت ~~أيضا أحد ما دخلت عليه بغير عينه، فإذا دخلت على النهي لم يجز إيقاع شيء ~~منه لأن فعله لواحد منه، لا يخرجه من أن يكون قد أوقع المنهي عنه. # ويدل عليه (أيضا) : قوله تعالى {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: ~~24] وقوله تعالى {إلا # PageV02P156 # ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم} [الأنعام: 146] لما دخلت ~~أو على النهي تناولت كل واحد منه على حياله. # وإذا دخلت على الإيجاب تناولت واحدا منه، إلا أنه أيها فعل أجزأه وكان ~~مؤديا لما عليه، على نحو ما ذكرنا في كفارة اليمين وغيرها. ### | [فصل من الأمر ما يكون فرضا على الكفاية ويتوجه به الخطاب إلى جماعتهم] # فصل: ومن الأمر ما يكون فرضا على الكفاية ويتوجه به الخطاب إلى جماعتهم، ~~نحو الجهاد والصلاة على الجنائز ودفن الموتى وغسلهم، ونحو التفقه في الدين ~~قال الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ~~ولينذروا قومهم} [التوبة: 122] فدل على أنه فرض على الكفاية، والجهاد كذلك ~~لأنه معلوم أن فرض الجهاد لازم لإظهار دين الله، ولو لزم كل واحد ذلك لتعطل ~~الناس عن سائر أمورهم، وفي ذلك ظهور أعدائهم عليهم، فدل (على) أنه وإن كان ~~الخطاب به متوجها إلى الجميع فإن لزوم فرضه مقصور على وقوع الكفاية (به) من ~~بعضهم، فمن وقع ذلك منهم نابوا عن (الناس) الباقين، على هذا مضى السلف ~~وسائر الخلف من عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا. # PageV02P157 ### | [فصل في حكم تكليف الكفار] # (قال أبو بكر) : والكفار مكلفون بشرائع الإسلام وأحكامه كما هم مكلفون ~~بالإسلام، وكذلك كان شيخنا أبو الحسن - رحمه الله - يقول: # PageV02P158 # والدليل على صحة ذلك: أن الله تعالى قد ذم الكفار على ترك كثير مما تعلق ~~لزومه بالشرع، نحو قوله تعالى: {الذين لا يؤتون الزكاة وهم ms243 بالآخرة هم ~~كافرون} [فصلت: 7] ونحو حكايته عن أهل النار {قالوا لم نك من المصلين} ~~[المدثر: 43] {ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 44] {وكنا نخوض مع الخائضين} ~~[المدثر: 45] {وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 46] {حتى أتانا اليقين} ~~[المدثر: 47] فيه إخبار عن عقابهم على ترك الصلاة وترك إطعام المساكين مع ~~ما استحقوا من العقاب على كفرهم، وقال الله تعالى في صفة المنافقين وذمهم ~~{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا} [النساء: 142] وقال تعالى {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا} [النساء: 160] {وأخذهم الربا وقد نهوا ~~عنه} [النساء: 161] فذمهم (الله) على فعل الربا، فدل # PageV02P159 # على أنهم منهيون عنه في حال الكفر (مستحقون للعقاب) عليه والعقاب لا ~~يستحق إلا بترك الواجبات. # ويدل عليه (أيضا) : وجوب حد الزنا والسرقة على أهل الذمة عقوبة لهم على ~~فعلهم، فدل جميع ما وصفنا على أن الكفار مخاطبون (بالشرائع معاقبون على ~~تركها سوى عقوبة الكفر. فإن قال قائل: كيف يجوز أن يكونوا مخاطبين) بها ولا ~~يصح منهم فعلها قبل الإسلام في حال الكفر. # قيل له: لأنه قد جعل لهم السبيل إلى فعلها بأن يسلموا ثم يأتوا بها، كما ~~أن الجنب لا يصح منه فعل الصلاة في حال الجنابة ولم يسقط عنه فرضها، إذ كان ~~قد جعل له السبيل إلى فعلها بطهارة يقدمها أمامها، كذلك الكافر قد جعل له ~~السبيل إلى التمسك بشرائع الإسلام بأن يقدم أمامها فعل الإيمان. # فإن قال: لو كانوا مخاطبين بها لما جاز إقرارهم على تركها كالمسلمين، قيل ~~له: هم مخاطبون بالإيمان عند الجميع وقد أقروا على تركه بالجزية، كذلك ~~شرائعه. ### | [فصل الأمر بالشيء يقتضي كراهة ضده] # على ما تقدم من بيانه - فيما سلف - من أن لفظ الأمر يقتضي الإيجاب. # PageV02P160 # ثم اختلف بعد ذلك من قال بذلك في إطلاق لفظ النهي على ضده. فقال قائلون: ~~يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فيكون لفظ الأمر مقتضيا لذلك ~~وموجبا له. وقال آخرون: لا يجوز أن ms244 يكون لفظ الأمر موجبا للنهي عن ضده من ~~جهة اللفظ لكن من جهة الدلالة، على أنه لا يجوز (له) فعل (ضده) المنافي له ~~في وقت وجوبه. # وقال آخرون: لا يجوز أن يقال إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، لا من جهة ~~اللفظ ولا من جهة الدلالة، وإن كان لفظ الأمر قد دل على كراهة ضده، لأن ~~للنهي صيغة يختص بها في اللغة، كما أن للأمر لفظا يختص به، فغير جائز فيما ~~لم يكن وجوبه أو حظره من # PageV02P161 # طريق اللفظ أن يقال إنه مأمور به وإن كان قد لزمه فعله، أو منهي عنه وإن ~~لزمه اجتنابه إذا (كان) ثبوت هذا الحكم له من جهة الدلالة لا من جهة اللفظ ~~لا يسمى أمرا أو نهيا. # وهذه الأقاويل إنما تصح معانيها على قول من يجعل الأمر (للوجوب) . فأما ~~من لم يجعل الأمر على الوجوب فإنه لا يجعل لفظ الأمر دليلا على كراهة ضده، ~~وإنما يحتاج فيه إلى دلالة من غيره متى اقتضى الأمر الإيجاب في وقت مضيق لا ~~يسع المأمور تأخيره عنه فمحظور عليه تركه فيه. # وزعم بعض الناس: أن الأمر بالشيء وكون المأمور به واجبا (لا) يقتضي قبح ~~تركه، وأنه إنما يستحق الذم إذا ترك المأمور به لا لأنه فعل قبيحا بل لأنه ~~لم يفعل ما وجب عليه، وهذا مذهب فاحش قبيح لأنه يوجب استحقاق العقاب لا على ~~فعل كان من العبد. ثم اختلف من أطلق لفظ الأمر والنهي فيما كان وجوبه أو ~~حظره من طريق الدلالة في الأمر بالشيء هل يكون نهيا عن ضده؟ فكل من جعل من ~~هذه الطائفة الأمر على الفور فإنه يقول: إن الأمر بالشيء نهي (عن) ضده من ~~جهة الدلالة. وقالت الطائفة التي بدأنا بذكرها في صدر (هذا) الباب: إنه نهي ~~عن ضده من # PageV02P162 # جهة اللفظ، وكل من جعل الأمر على المهلة فإنه لا يجعل الأمر بالشيء نهيا ~~عن ضده في الحال من طريق اللفظ ولا من جهة الدلالة، لأن له أن يفعل سائر ~~أضداده ويتركه إلى ms245 الوقت الذي يتعين عليه فعل المأمور به ولا يسعه تأخيره ~~عنه فيجب عليه حينئذ فعله وترك سائر أضداده. # وأما النهي عن الشيء فإنه إذا لم يكن له إلا ضد واحد فإنه أمر بضده عند ~~من يطلق لفظ الأمر في مثله، أما من جهة اللفظ أو الدلالة يجوز أن يقول (له) ~~: لا تتحرك، فإن السكون ضد لسائر الحركات التي نهي عنها فهو مأمور بفعل ~~السكون، إذ ليس يجوز أن ينفك من سائر الحركات إلا إلى سكون، ويستحيل أن ~~يخلو من الحركة والسكون جميعا، وإن كان ذا أضداد كثيرة فإن النهي عنه لا ~~يكون أمرا بشيء من أضداده، وذلك نحو أن تقول له: لا تسكن فللسكون أضداد ~~كثيرة وهي حركاته في الجهات الست. ومن الناس من يقول: (إن) النهي عن الشيء ~~أمر بضده وإن كان ذا أضداد كثيرة. وجعل هؤلاء أفعال المكلف على ضربين: ~~واجبا أو محظورا، وأسقطوا القسم المباح، ويلزمهم على قود قولهم إسقاط ~~المندوب إليه أيضا لأن كل من نهي عن شيء فكل فعل يفعله مما يضاد المنهي عنه ~~فهو مأمور به عندهم، وإذا أمر بشيء فكل فعل يضاد المأمور به فهو محظور ~~عندهم، فلا يبقى (ها) هنا فعل يكون واقعا على وجه الإباحة لا واجبا (ولا ~~محظورا) . # PageV02P163 # والصحيح عندنا: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده سواء كان ذا ضد واحد أو أضداد ~~كثيرة. وذلك لأنه قد ثبت عندنا وجوب الأمر وأنه على الفور، فيلزمه بوروده ~~ترك سائر أضداده، فكان بمنزلة من قيل له لا تفعل أضداد هذا الفعل المأمور ~~به في هذا الوقت، مثل أن يقول لمن كان في الدار: اخرج في هذا الوقت من هذه ~~الدار، فقد كره له سائر ما يضاد الخروج منها نحو القعود (والقيام) ~~والاضطجاع والحركة في الجهات الست إلا ما كان منها خروجا من الدار فصار كمن ~~نهى عن هذه الأفعال بلفظ يقتضي كراهة فعلها، والنهي عن هذه الأفعال في وقت ~~واحد نهي صحيح لو نص عليها بلفظ النهي لم يكن مستحيلا ولا ممتنعا، ms246 فكذلك ~~إذا تضمنه لفظ الأمر من الوجه الذي ذكرنا كانت هذه الأفعال محظورة يلزم ~~المأمور اجتنابها عند ورود الأمر. # وأما النهي عن الشيء فإنه أمر بضده إذا لم يكن له إلا ضد واحد، لأنه لا ~~يصح منه ترك المنهي عنه واجتنابه إلا بفعل ضده، إذ غير جائز أن ينفك منهما ~~إذا لم يكن له إلا ضد واحد. وأما إذا كان له أضداد كثيرة فليس النهي عنه ~~أمرا بسائر أضداده لأن له أن ينصرف # PageV02P164 # عن كل واحد منهما إلى غيره على وجه الإباحة. # ألا ترى أنه يصح أن يقول: قد نهيتك عن السكون وأبحت لك الحركة في الجهات ~~الست، فيطلق لفظ الإباحة على الحركة في هذه الجهات، ولو كانت الحركة في هذه ~~الجهات أو في شيء منها واجبة لما صح إطلاق لفظ الإباحة (عليها) ، وليس كذلك ~~إذا كان له ضد واحد لأنه لا يجوز أن يقول له: قد نهيتك عن الحركة في الجهات ~~الست وأبحت لك السكون (لأن السكون) إذا كان ضدا لهذه الحركات (وهو) لا ينفك ~~منها أو منه فالسكون واجب لا محالة، فلا يصح إطلاق لفظ الإباحة على ما هو ~~واجب، ولهذه العلة قلنا: إن الأمر (بالشيء) نهي عن ضده من جهة الدلالة وإن ~~كان ذا أضداد كثيرة، لأنه لا يصح أن يقول قد أوجبت عليك فعل المأمور به على ~~الفور وأبحت لك سائر أضداده أو واحدا من أضداده، فلما انتفى عن سائر أضداده ~~اسم الإباحة والإيجاب صح أنه (مدلول بالأمر كراهة) ولزم اجتنابه. # PageV02P165 # ومن جهة أخرى: أنا لو قلنا إن النهي عن الشيء أمر بضده وإن كان ذا أضداد ~~كثيرة لأدى ذلك إلى إسقاط قسم المباح والمندوب إليه من أقسام الأفعال، وقد ~~علمنا أن أفعال المكلف إذا كانت واقعة عن قصد وإرادة ولم تكن واقعة على وجه ~~السهو تنقسم أقساما أربعة: واجب ومحظور ومندوب إليه ومباح، فلو كان النهي ~~عن الزنا أمرا بسائر أضداد الزنا لوجب أن يكون المشي إلى السوق وصلاة ~~التطوع وصوم النفل والطواف بالبيت وكل ms247 ما يضاد (الزنا) من هذه الأفعال ~~مأمورا به واجبا. # وقد علمنا أن كل فعل مندوب إليه أو مباح فإنه يضاد فعل المحظور بتلك ~~الجارحة، ومعلوم أن من أمكنه فعل المباح أو المندوب إليه فهو يمكنه فعل ~~أضداده من المحظورات، فإذا ترك أضداده من المحظورات بفعل المباح أو المندوب ~~فواجب على قضية من حكينا قوله أن كل ما يضاد ذلك مأمور (به) فيكون هذا ~~مؤديا إلى أن لا يكون في الشرع فعل مباح ولا مندوب إليه، وهذا فاسد، لأن ~~المسلمين قد عقلوا أن في الشريعة مباحا ومندوبا إليه مرغبا فيه ليس بواجب، ~~فصح بطلان كل قول يؤدي إلى دفع ذلك. # فإن قال قائل هلا قلت: إن النهي عن الشيء أمر بضده فإن كان له أضداد ~~كثيرة كان أمرا بواحد من أضداده، وهو الذي يتفق فعله في وقته (مما ينافي) ~~فعل المنهي عنه، فلا يكون مأمورا بفعل جميع أضداده إلا على وجه التخيير، ~~كما يقول في كفارة اليمين، إن الواجب منها أحد ثلاثة أشياء على وجه ~~التخيير. # PageV02P166 # قيل له: ما تقدم يسقط هذا السؤال وهو أنه يصح أن يقول (قد) نهيتك عن ~~السكون وأبحث لك سائر أضداده من الحركات، فنطلق اسم الإباحة على الجميع، ~~وكفارة اليمين وما جرى مجراها من الأشياء التي تعلق الوجوب بواحد منها على ~~وجه التخيير لا يصح إطلاق لفظ الإباحة على واحد منها، بل يقال (له) افعل ~~أيها شئت على وجه الوجوب فلذلك اختلفا. # (وأيضا: فلو كان لا ينصرف عن فعل مأمور به فيما وصفت إلا إلى واجب مثله ~~على حسب ما ذكرت من كفارة اليمين لوجب أن يستحق الثواب بفعل ما يفعله من ~~ذلك كما يستحقه بما فعل من كفارة اليمين أي الأشياء الثلاثة فعل منها، فلما ~~لم يكن مستحقا للثواب فيما وصفنا باتفاق الجميع علمنا أن فعله غير مأمور به ~~ولا واجب، وأنه يفعله على وجه الإباحة، إذ غير جائز أن لا يستحق على فعل ~~الواجب الثواب) . # PageV02P167 ### | [فصل كل أمر مضمن بوقت بعينه فهو واجب في ms248 ذلك الوقت] # (إن كان الوقت) يستوعب الفعل، كصوم رمضان مؤقت بالشهر فعليه فعله فيه، ~~ولا يسعه التأخير إلا من عذر. وإن كان الوقت يتسع لإيقاع ذلك الفعل فيه ~~مرارا كثيرة فوجوبه متعلق بأول أوقاته حتى تقوم الدلالة على جواز تأخيره، ~~ويكون حينئذ فائدة ذكر الوقت من أوله إلى آخره أنه إن أخره عن الوقت الأول ~~لزمه فعله في الثاني والثالث إلى آخر الوقت، وإن لم يفعله في هذه الأوقات ~~لم يكن عليه فعله بعد خروج الوقت بالأمر الأول، وإن أبيح لنا تأخير الفعل ~~إلى آخر الوقت كان القول فيه على ما بيناه في وجوب الظهر وتعلق فرضه بالوقت ~~على الوصف الذي قدمنا، ومتى فات الوقت قبل فعله لم يلزمه بالأمر الأول فعله ~~بعد خروج الوقت، لأن الأمر يوجه في الابتداء إلى فعله في الوقت، وما بعد ~~الوقت لم يتضمنه الأمر، لأنه غير ما دخل تحت الأمر، فلا يجوز إيجابه إلا ~~بدلالة أخرى غير الأمر الأول، وكذلك حكم النهي إذا كان مؤقتا فإن مضى ~~(الوقت) يزيل حكمه ويحتاج في إثبات حكمه إلى دلالة أخرى (من غيره) . # PageV02P168 ### | [باب القول في النهي هل يوجب فساد ما تعلق به من العقود والقرب أم لا] # قال أبو بكر - رحمه الله -: مذهب أصحابنا: أن ظاهر النهي يوجب فساد ما ~~تناوله من العقود والقرب إلا أن تقوم دلالة الجواز. # PageV02P171 # وهذا (المذهب) معقول من احتجاجاتهم لإفساد ما أفسدوه من. # PageV02P172 # العقود والقرب لمجرد النهي دون غيره، نحو احتجاجهم لإفساد الصلاة عند ~~طلوع الشمس وعند الزوال بظاهر (النهي الوارد من النبي - عليه السلام -) ، ~~واحتجاجهم لإفساد بيع ما ليس عند الإنسان وبيع ما لم يقبض بظاهر ما ورد ~~فيهما من النهي المطلق. وكذلك كان يقول شيخنا أبو الحسن - رحمه الله -، إلا ~~أنه كان يقول مع ذلك، قد قامت الدلالة على أن المنهي عنه إذا كان (النهي ~~عنه) إنما تعلق بمعنى في غيره لا لنفسه لم يوجب فساد هذه العقود ولا القرب ~~المفعولة على هذا الوجه، ونحن نفصل ذلك بعد. # وهذا الذي ms249 كان يقوله في ذلك هو أيضا عندي مذهب أصحابنا ومسائلهم تدل ~~عليه، وحكاية عبد الوارث بن سعيد مشهورة في المعنى الذي قدمناه في هذا ~~الباب، وهي أنه قال: أتيت مكة فوجدت بها أبا حنيفة - رحمه الله - (وابن أبي ~~ليلى وابن شبرمة - رحمهم الله - فأتيت أبا حنيفة) . فقلت (له) : ما تقول في ~~رجل ابتاع بيعا واشترط شرطا فقال: البيع باطل والشرط باطل، فأتيت ابن أبي ~~ليلى فسألته عن ذلك فقال: البيع جائز والشرط # PageV02P173 # باطل فأتيت ابن شبرمة فسألته عن ذلك فقال: البيع جائز والشرط جائز قال ~~فقلت: ثلاثة من فقهاء الكوفة اختلفوا علينا في مسألة (واحدة) فأتيت أبا ~~حنيفة - رحمه الله - فذكرت له ذلك فقال: " لا أدري ما قالا، حدثني عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن شرطين في ~~بيع» . وأتيت ابن أبي ليلى فذكرت له ذلك فقال: لا أدري ما قالا، حدثني هشام ~~بن عروة عن أبيه «عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لها اشتري بريرة واشترطي الولاء لهم فإن الولاء لمن أعتق» البيع ~~جائز والشرط # PageV02P174 # باطل. قال فأتيت ابن شبرمة فذكرت (له ذلك) فقال لا أدري ما قالا، حدثني ~~مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن «جابر بن عبد الله قال بعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ناقة واشترط لي حملانه إلى المدينة» فأجاز البيع والشرط، ~~فاحتج أبو حنيفة في إفساد ما أفسد بظاهر النهي دون غيره. # قال أبو بكر - رحمه الله - (و) هذا مذهب السلف وفقهاء الأمصار لا نعلم أن ~~أحدا منهم قال: إن النهي لا يدل على فساد ما تناوله من هذه العقود أو القرب ~~بل ظاهر احتجاجاتهم ومناظراتهم تدل على أن النهي عندهم يقتضي فساد ما ~~تناوله من هذه العقود. ألا ترى: أن الصحابة - رضي الله عنهم - لما اختلفوا ~~في المرأة بقوله تعالى {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: ~~23] فقال منهم قائلون: إنه راجع إلى الربائب دون أمهات ms250 النساء، وقال آخرون ~~منهم: هو راجع إليهما. ثم اتفق الجميع منهم على أنه إذا رجع # PageV02P175 # إلى أمهات النساء وجب فساد نكاحهن، ولم يلجأ من أفسده برجوع الحكم إليه ~~إلا إلى ظاهر ما علق به من التحريم المذكور في أول الآية وهو قوله تعالى ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] . وكذلك تحريم نكاح المشركات قد عقل منه ~~فساد العقد عليهن. # قال ابن عمر - وقد سئل عن نكاح النصرانية - فقال: " حرم الله المشركات ~~على المؤمنين ولا أعلم من الشرك شيئا أعظم من قول المرأة: عيسى أو عبد من ~~العباد الله ". # وكذلك قوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] من ~~حمله على الوطء أفسد (به) النكاح بعد الوطء، ومن حمله على العقد دون الوطء ~~منع (من) تزويجها بعد عقد الأب عليها، ولا يمنعه بعد وطئها بالزنا، وكذلك ~~من حرم نكاح الزانية منهم لم يرجع في إفساد نكاحها إلا إلى قوله تعالى ~~{الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3] إلى قوله تعالى {وحرم ذلك ~~على المؤمنين} [النور: 3] . # وكذلك قوله تعالى {ولا تعزموا عقدة النكاح} [البقرة: 235] (يعني في ~~العدة) {حتى يبلغ # PageV02P176 # الكتاب أجله} [البقرة: 235] وقوله تعالى {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] عقلت الأمة من ظاهره أن ما كان من هذه العقود، اقتضى فساد ~~العقد، وعقلت الصحابة من ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الذهب ~~بالذهب مثلا بمثل» مع ذكره الأصناف الستة فساد البيع فيها إذا عقد عليها ~~على الوجه الذي حظره الخبر، وقال في الصرف «لا تبيعوا غائبا بناجز» وقال ~~«إذا اختلف الصنفان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» ، وحاجوا ابن عباس في تجويزه ~~الصرف بهذا الخبر ولم يخالفهم ابن عباس في مقتضى لفظ الخبر أنه يوجب فساد ~~البيع، وإنما عارضهم بخبر أسامة بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «لا ربا إلا في النسيئة» ثم لما تواتر عنده الأخبار بذلك رجع عن ~~قوله في الصرف، وعقل السلف من «نهيه عن الدين بالدين» فساد العقد إذا حصل ~~على هذا ms251 الوجه بعد الافتراق، وكذلك «نهيه عن بيع ما لم # PageV02P177 # يقبض، وعن بيع الغرر، وبيع المجر» (ما في البطون) ونحو ذلك من البياعات ~~ولم يرجعوا في إفسادها (إلا) إلى ظاهر النهي. # ونظائر ذلك في القرآن والسنن أكثر من أن تحصى، فهذا يدل على أنه كان (من) ~~مذهبهم، أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تناوله من هذه العقود، وكذلك احتجاج ~~أصحابنا في كتبهم في إفساد هذه العقود بظاهر النهي دون غيره يوجب أن يكون ~~مذهبهم فيه ما وصفنا، ومن أصل أصحابنا أن النهي وإن منع جواز هذه العقود، ~~والقرب إذا تناولها، فإنه غير مانع من وقوعها على فساد، وقد ذكر محمد هذا ~~المعنى في كتاب الصوم فقال في نهي النبي - عليه السلام - من صوم يوم النحر ~~وأيام التشريق: إنه لولا أنه إذا صام فيهن كان صومه صوما لما كان للنهي ~~معنى، وقال مع ذلك إنه (إن) صام هذه الأيام عن صوم واجب عليه في ذمته لم ~~يجزه، فدل ذلك من قوله على معنيين: أحدهما: أن ظاهر النهي لا يمنع وقوع ~~المنهي عنه على فساد. والثاني: أنه يمنع جوازه عن واجب عليه. # وكان أبو الحسن - رحمه الله - يقول: إن ظاهر النهي يدل على فساد ما ~~تناوله، على أن المنهي عنه غير مجزئ عن فاعله، إلا أنه قد قامت الدلالة على ~~أن النهي إذا لم يتناول معنى # PageV02P178 # في نفس العقد، أو القربة المفعولة، أو ما هو من شروطها التي يخصها لم ~~يمنع جواز ذلك نحو البيع عند أذان الجمعة، وتلقي الجلب، وبيع حاضر لباد، ~~والتفريق بين السبي (لذوي الرحم) المحرم في البيع إذا كانوا صغارا، ومثل ~~الصلاة في الأرض المغصوبة، والطهارة بماء مغصوب، وغسل النجاسة به، والوقوف ~~بعرفات على جمل مغصوب: أن كون (الفعل) فيها عنه في هذه (الوجوه) لا يمنع ~~جوازه، لأن النهي عنها لم يتناول معنى في نفس المفعول، وإنما تناول معنى في ~~غيره، وكون الإنسان مرتكبا للنهي عاصيا في غير المعقود عليه (لا يمنع وقوع ~~فعله موقع الجواز، كما أن كونه ms252 عاصيا في تركه الصلاة لا يمنع) صحة صيامه ~~إذا صام. # والدليل على صحة ما ذكرنا أن رجلا لو رأى رجلا يغرق، وهو يصلي، وقد كان ~~يمكنه تخليصه، أنه منهي عن المضي في هذه الصلاة ومأمور بتخليص الرجل. وكذلك ~~لو رأى رجلا يقتل آخر ويمكنه دفعه عنه أن عليه ترك الصلاة ودفع القاتل عمن ~~يريد قتله، فإن لم يفعل ومضى في صلاته كانت صلاته مجزئة. # وكذلك لو استنفر الناس إلى عدو أظلهم من المشركين كان على من قدر على ذلك ~~أن ينفر إليهم، فلو اشتغل بفعل الظهر في أول وقتها وترك الخروج كانت صلاته ~~ماضية، مع كونه منهيا عن الاشتغال بها في هذه الحال. ولولا أن ذلك كذلك ~~لكان واجبا أن لا يجوز لأحد منا فعل الصلاة في أول الوقت إذا ألزمنا الخروج ~~إلى طرسوس لقتال العدو، وفي اتفاق المسلمين على جواز صلاة من # PageV02P179 # هذا وصفه دلالة على أن النهي إذا لم يتعلق بمعنى في نفس العقد أو في نفس ~~القربة المفعولة أو بما هو من شروطها التي تختص بها أنه لا يمنع صحة العقد ~~(و) وقوع القربة موقع الجواز. # ألا ترى أن تخليص (الرجل من) الغرق ليس من الصلاة ولا من شروطها في شيء. ~~ألا ترى أن من عليه تخليص الغريق (لو اشتغل) بالصلاة أيضا كان عاصيا في ~~اشتغاله عن تخليصه، وأن أذان الجمعة ليس من نفس البيع ولا من شرطه فلم يفسد ~~البيع من أجله وإن كان منهيا عنه، لأن المعنى فيه الاشتغال عن صلاة الجمعة ~~(لا البيع) ، لأنه لو لم يعقد البيع في ذلك الوقت واشتغل بغيره كان النهي ~~قائما في اشتغاله بغير الصلاة، فعلمت أن النهي إنما تناول الاشتغال عن ~~الجمعة لا البيع نفسه. # وكذلك النهي عن تلقي الجلب، وبيع حاضر لباد، إنما هو لأجل حق الغير لا ~~لأجل البيع. وكذلك (هذا) في استيام الرجل على سوم أخيه أنه منهي عنه، ولو ~~عقد البيع على هذا الوجه كان العقد صحيحا مع كونه منهيا عنه، لأن النهي عنه ms253 ~~إنما تعلق لحق المساوم لا بالعقد نفسه. وكذلك في الخلع إذا وقع على أكثر من ~~المهر الذي تزوجها عليه كان جائزا مع الكراهة، لأنه لم تتعلق كراهته بمعنى ~~في العقد، إنما تعلق بالذي أخذته أقل مما أعطت، # PageV02P180 # ألا ترى أن مهرها لو كان مثل هذا أو أكثر لجاز له أن يخلعها به إذا لم ~~يكن النشوز من قبله. ونظائر ذلك كثيرة، وفيما ذكرنا تنبيه على المعنى في ~~أشباهه، فصار ما ذكرنا أصلا في هذه المسائل. # ثم العقود وما سبيله أن يفعل على وجه القربة إذا فعلت على وجه منهي عنها ~~على وجوه: فمنها ما يكون حاله ما وصفنا من تعلق النهي بمعنى في غير العقد ~~وفي غير شروطه التي تخصه فلا يمنع جواز العقد. ومنها ما يتعلق النهي فيه ~~بمعنى في نفس العقد أو في شروطه التي تخصه فهذا على وجهين: فما كان منه ~~مختلفا فيه أنه جائز أو غير جائز - وهو مما يلحقه الفسخ ويسوغ الاجتهاد فيه ~~- فإن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على فساد، ويجب فسخه مع ذلك. ومنها ما ~~لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه. فأما ما يلحقه الفسخ من ذلك مما تعلق النهي فيه ~~بمعنى في نفس العقد وفي شروطه التي تخصه، فكبيع العبد بالخمر، والخنزير ~~بثمن مجهول، وبيع الغرر، وبيع ما ليس عند الإنسان، فهذا تعلق النهي فيه ~~بنفس المعقود عليه لأن المعقود عليه بدل ومبدل عنه، فإذا جعل الخمر ~~والخنزير والمجهول والغرر وما ليس عنده بدلا وهو منهي عنه فقد تعلق النهي ~~بنفس المعقود عليه فأوجب فساده. # وأما شروطه التي تخصه: فنحو القبض والأجل وإلحاق شرط به لا يوجبه العقد، ~~فإذا باع إلى أجل مجهول، أو باع ما لم يقبض، أو شرط أن لا يبيع ولا يهب، أو ~~شرط أن لا يسلم إلى المشتري ونحو ذلك من الأمور التي يوجبها العقد، فمتى ~~تعلق النهي بهذه # PageV02P181 # الأوصاف أوجب فساد البيع، ولا يمنع ما تناول النهي من هذه العقود وقوعها ~~على فساد، لأن هذه كلها عقود ms254 مختلف فيها. # قال أبو يوسف في بيع العبد بالخمر والخنزير: إنه مختلف فيه، (لأن من ~~الناس من يجيز البيع في مثله بالقيمة، والبيع إلى العطاء والدياس ونحو ذلك ~~مختلف فيه) فمن الصحابة من أجاز ذلك، " ويروى عن علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنه - في البيع إلى العطاء أنه جائز " فلما كان كذلك لم يمنع ما تعلق ~~به من النهي الذي تناول نفس المعقود عليه أو بعض شروطه من وقوعه على فساد، ~~وإنما كان هذا هكذا عندهم من قبل أن الدلالة قد دلت على أن كل عقد يجوز أن ~~تلحقه إجازة بحال، فإن كونه منهيا (عنه) لا يمنع وقوعه على فساد، ووقوع ~~الملك به عند القبض إذا وجد التسليط (من مالكه لمشتريه) على ذلك. # والبيوع المختلف فيها وما يسوغ الاجتهاد فيه قد تلحقه الإجازة بحال، لأن ~~قاضيا لو قضى بجوازه نفذ حكمه وصح، وإن كان فاسدا عندنا قبل حكم الحاكم ~~(به) ، فصار كالبيع الموقوف الذي يجوز أن تلحقه الإجازة من جهة من وقف ~~عليه، فيملك مشتريه بدله إذا قبضه، وقد بينا وقوع الملك بالعقد الفاسد إذا ~~اتصل به القبض في مواضع من غير هذا الكتاب. # واستدل أبو يوسف على ذلك: «بأن عائشة - رضي الله عنها - اشترت بريرة ~~واشترطت الولاء لمواليها، ثم أعتقتها، ثم سألت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن ذلك فأجاز عتقها» ، وقد كان البيع فاسدا بشرطها الولاء لهم. هذا معنى ~~قضية بريرة عندنا وإن كانت الألفاظ الواردة فيها # PageV02P182 # مختلفة، فهذا الضرب من العقود يقع فاسدا ويملك به المعقود عليه عند ~~القبض، وكذلك النكاح الفاسد إذا اتصل به الوطء تعلق به حكم النكاح الصحيح ~~في باب لزوم المهر ووجوب العدة وثبوت النسب. وكذلك الكتابة الفاسدة إذا ~~اتصل بها الأداء أعتق به العبد، وإن وقعت في الأصل على فساد. # وضرب آخر مما يتناوله النهي فلا يقع رأسا، مثل بيع العبد بالحر والميتة ~~والدم، لأن هذه ليست بعقود، إذ غير جائز أن تلحقها (الإجازة بحال) ، لأن ~~أحدا لا يجيز بيع العبد ms255 بهذه الأبدال لا بقيمة ولا غيرها، فلما لم يكن عقدا ~~بحال صار لغوا لا حكم له. ومن أصحابنا من يعبر عن هذه العقود بأن قال هي ~~على ثلاثة: منها عقد جائز، وهي المبايعات الصحيحة، ومنها عقد فاسد، وهي ~~كشراء العبد بالخمر (والخنزير) وبالأثمان المجهولة، أو إلى آجال مجهولة، أو ~~يشرط فيها شروطا فاسدة، وسائر العقود الفاسدة التي يقع الملك (فيها) عند ~~القبض. ومنها عقد باطل وهو الشراء بالخمر وبالميتة ولا يتعلق به حكم الملك ~~قبض أو لم يقبض، فيفرقون بين الفاسد والباطل، وهذا إنما هو كلام في العبارة ~~ولا يضيق أن يعبر بهذه العبارات # PageV02P183 # ويفرق بين معانيها للإفهام، وأما ما كان من ذلك واقعا على وجه منهي عنه ~~مما لا يلحقه (فسخ) ، فإن كونه واقعا على وجه منهي لا يمنع صحة وقوعه لما ~~ذكرنا من أن كونه منهيا عنه لا يمنع وقوعه على وجه الفساد، وما يقع فاسدا ~~فإنه قد تتعلق به أحكام العقد الصحيح في باب وقوع الملك به عند القبض فيما ~~يملك، وإنما يجب فسخه بعد وقوعه لانتفاء أحكام الصحة عنه، فما (يلحقه الفسخ ~~فهو واقع فيصير في حكم الصحيح من حيث صار بحال) لا يلحقه الفسخ، وذلك مثل ~~الطلاق في الحيض (فإنه) وإن تعلق النهي لمعنى في نفس الطلاق، وفيما هو (من) ~~شروطه، إذا أراد إيقاعه على الوجه المسنون، فإن كونه منهيا عنه لم يمنع ~~وقوعه، كما لا يمتنع ذلك في سائر العقود التي يلحقها الفسخ على الوجه الذي ~~بينا، إلا أن ذلك لما لم يجز أن يلحقه الفسخ نفذ وصح " وقد «نهى النبي - ~~عليه السلام - عن الطلاق في الحيض» (و) أجاز مع ذلك طلاق ابن عمر. # وكذلك في الحرية # PageV02P184 # إذا أوقعها على وجه منهي عنه مثل أن يعتقه في المرض - ولا مال له غيره ~~قاصدا به (إضرار) - الورثة فينفذ عتقه، وإن وقع منهيا عنه. «وقال - عليه ~~السلام - في الذي أعتق ستة أعبد له عند موته لو أدركته ما صليت عليه» وأعتق ~~مع ذلك ثلث ذلك الرقيق ms256 مع كونه منهيا عنه، ومتى وقعت هذه الأمور التي لا ~~يلحقها الفسخ بعد وقوعها كالطلاق والعتق والعفو من دم العمد على أبدال ~~مذكورة منهي عنها، كانت واقعة نافذة لا يبطلها بطلان البدل. # وإن كان مما لا يصح دخوله تحت العقد نحو أن يطلق امرأته على خمر أو ميتة ~~أو يعتق عبده على خمر أو يعفو من دم عمد على خمر أو ميتة فيقع الطلاق، ~~وينفذ العتق، ويصح العفو، ولم يستحق عنها بدلا، لأن هذه الأشياء مما لا يصح ~~أن تكون بدلا، ولم يكن # PageV02P185 # من العاقد غرور للمعقود له لعلمه بأنه خمر وميتة لا يستحقها من جهة ~~العقد، فلم يكن هذا عقدا بحال وإنما وقع به الطلاق ونظائره مما وصفناه من ~~حيث علقه بشرط القبول، لأن هذه الأشياء مما تعلق على الأخطار والشروط. # ألا ترى أنه يصح تعليقها بدخول الدار ونحوه لأنها مما يصح إيقاعها ~~بالقبول دون شرط البدل، فلا يقدح فساد البدل في صحة وقوعه، ولأنه لما علقه ~~بشرط القبول صار كقوله: إن قبلت فأنت حر. وأما عقد النكاح إذا وقع على خمر ~~وميتة ونحوهما فإنه يشبه العتق ونظائره الواقعة على هذه الأبدال من وجه ~~واحد، وهو أنه يصح بالقول من غير شرط البدل فلا يقدح فساد البدل في صحته، ~~ويفارقها من جهة تعلقها بالأخطار والشروط، لأن عقد النكاح لا يتعلق ~~بالأخطار ولا على الشروط الفاسدة كقوله، إن دخلت الدار فقد تزوجتك، فإنما ~~جاز مع فساد البدل لأحد المعنيين اللذين ذكرناهما في العتق ونظائره وهو ~~جواز وقوعه بالقول دون شرط (البدل) . # فإن قال قائل: هذا (الأصل) ينتقض عليك في عقود البياعات وسائر عقود ~~التمليكات الواقعة على أبدال إذا وقعت على خمر أو ميتة أو نحوهما، لأن ما ~~يملك بالبيع # PageV02P186 # من) نحو العبد والدار يجوز أن يملك بالهبة من غير شرط (البدل) ثم لم يمنع ~~ذلك فساد عقد البيع لأجل فساد البدل. قيل له: لو تأملت ما قلناه لعلمت ~~بطلان هذا السؤال؛ لأنا إنما قلنا (إن) ما يصح (إيقاعه) بالقول (على ms257 وجه) ~~على غير شرط البدل لم يقدح فساد البدل في صحته كالطلاق والعتق والعفو عن دم ~~العمد والنكاح لأن هذه العقود مما تصح بالقول. # وأما تمليك الأعيان: على جهة الهبة فإنه لا يصح بالقول دون انضمام معنى ~~آخر إليه، وهو القبض فلم يلزم على ما قدمنا، ولم يجز لنا تصحيح البيع ~~المعقود على بدل فاسد لأجل أن الهبة قد تصح بغير بدل؛ لأنا لو صححناه لكان ~~إنما يجب تصحيحه بالقول من غير إثبات البدل فيه، والقول لا تأثير له في ~~إيجاب تمليك العين من غير بدل، وكذلك الوصية لا تلزم على هذا، لأن الوصية ~~أيضا لا تصح بالقول، وإنما تحتاج في صحة الوصية بعد القول إلى موت الموصي ~~حتى تملك بها. # فإن قال: البراءة من الدين تصح بالقول ومع ذلك إذا عقدها على بدل فاسد لم ~~يصح كالبيع. قيل له: البراءة في هذا الوجه بمنزلة الهبة، وإنما صحت من حيث ~~كان الدين في ذمة # PageV02P187 # المبرئ، وكان بمنزلة الهبة المقبوضة فلم يخل أن تكون صحتها متعلقة بالقول ~~(وبمعنى) آخر ينضم إليه. ومن جهة أخرى أن حكم الملك الواقع بالهبة مخالف ~~لحكم الواقع بالبيع لما تتعلق بكل واحد من الأحكام التي (لا) تتعلق بالآخر، ~~وليس حكم الطلاق (الواقع) ببدل مخالفا لحكم وقوعه بغير بدل. وكذلك العتق ~~والصلح من دم العمد، فلما لم يختلف حكم هذه الأشياء في نفسه سواء وقعت ببدل ~~أو غير بدل - وجب أن (لا) يؤثر فساد البدل في وقوعها على الوجه الذي كان ~~يقع (عليه) لو لم (يكن) هناك بدل، لأن الموقع في الحالين واحد غير مختلف ~~الحكم في نفسه. # ولما كان المملوك بالبيع حكمه في نفسه مخالفا لحكم المملوك بالهبة كان ~~لفساد البدل تأثير في منع صحته لأنه لا يخلو من أن يكون واقعا على غير بدل ~~أو (على) بدل فاسد على ما شرط، فإن أوقعناه على غير بدل كنا قد ألزمناهما ~~(عقد) هبة لم يعقداها، وإن أوقعناه على بدل فاسد فواجب أن يفسد البيع بفساد ~~البدل، إذ ms258 لا يصح إلا ببدل صحيح، وهذا الاعتبار الذي ذكرناه في العقود واجب ~~فيما سبيله أن يكون قربة إذا أوقعه على وجه منهي عنه (في) أن النهي متى ~~تناول معنى في نفس الفعل أو في شروطه التي تخصه فما # PageV02P188 # كان من ذلك مختلفا فيه فإنه يقع على فساد، ولا يجزئ عن الواجب عليه في ~~ذمته، وما لا خلاف فيه أنه من شروطه وبه تتعلق صحته فإنه متى أخل به بطل ~~حكم فعله رأسا فصار بمنزلة ما لم يفعله. # فالأول: مثل الصلاة عند طلوع الشمس، والصلاة بغير قراءة، هي فاسدة إذا ~~وقعت على (هذا الوجه) ولم يخرجها الفساد من ثبات حكمها على فساد ولم (يجزه ~~من ذلك) عن الفرض، وإن ضحك فيها أعاد (وأعاد) الوضوء عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف. والثاني: مثل الكلام في الصلاة، والصلاة بغير طهارة، فوجود الكلام ~~فيها يمنع بقاء حكمها ناسيا كان أو عامدا، وكذلك عدم الطهارة يمنع صحة ~~فعلها (وثبوت حكمها؛ لأنه لا خلاف أن ترك الكلام فيها من شروطها، وأن وجود ~~الطهارة شرط في صحة فعلها) فمتى أخل بذلك خرج منها، وكان نظيرها من عقود ~~البياعات (العقد) على حر وميتة (ودم) (ومدبر) . # PageV02P189 ### | [فصل في الدلالة على صحة ما قدمنا في أصل الباب] # والدليل على صحة ما قدمنا من أن ظاهر النهي يقتضي فساد ما تعلق به قول ~~الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع ~~وحرم الربا} [البقرة: 275] إلى آخر الآية. قد حوت هذه الآية الدلالة على ~~صحة ما ذكرنا من أربعة أوجه: أحدها: قوله تعالى {الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] فنهى عن ~~أكل الزيادة المأخوذة عن عقد الربا لما تقدم من نهيه عنه من قوله تعالى {: ~~لا تأكلوا الربا} [آل عمران: 130] ، فدل أن ظاهر نهيه قد اقتضى وجوب ~~الامتناع من التصرف فيما أخذ عن عقد الربا. # والثاني: قوله تعالى ms259 {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} [البقرة: ~~275] فذم من سوى بين الربا (المنهي عنه) وبين البيع المباح، ودل ذلك على أن ~~المباح من ذلك والمحظور لا يستويان في الحكم الواجب، فظاهر اللفظ أن يكون ~~المحظور مخالفا للمباح. فإذا كان وقوعه على الوجه المباح يوجب صحته فواجب ~~أن يكون وقوعه على الوجه المحظور موجبا (لفساده بما) في فحوى الآية من ~~إيجاب التفرقة بينهما من هذه الجهة. # والثالث: قوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] فاقتضى ~~ظاهر النهي رد # PageV02P190 # الزيادة المأخوذة عن عقد الربا إلى بائعها، وذلك لا يكون إلا مع فساد ~~العقد، وكان ذلك متعلقا بظاهر النهي. والرابع: قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم ~~رءوس أموالكم} [البقرة: 279] لما نهى عنه حكم برد رأس المال، فلولا أن ظاهر ~~النهي قد اقتضى الفساد لكان مملوكا بعقد صحيح لا يجب رده. وكذلك قال النبي ~~- عليه السلام - «كل ربا في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» ~~فلما تعلق الفساد فيما ذكرنا بما دلت عليه الآية بالنهي ثبت أن ظاهر النهي ~~يقتضي فساد ما تناوله حتى تقوم دلالة الجواز. والدليل على ذلك أيضا: أن هذه ~~العقود والقرب لا يخلو من أن يكون (سبيلها أن تكون) (مفعولة على وجه الفرض ~~أو الندب أو الإباحة) (و) كونه منهيا عنه يخرجه من أن يكون مفعولا فرضا أو ~~مباحا، إذ غير جائز أن يكون المنهي عنه هو الفرض أو الندب أو المباح. فلما ~~كان ذلك (كذلك) وجب ألا يكون فاعلا للمأمور به، ولا لما قصد إلى فعله # PageV02P191 # من ندب أو إباحة، فوجب أن يبقى ما كان عليه في ذمته من فرض على ما كان ~~عليه، وأن لا تصح له قربة ولا فعل المباح، فإذا كان ما فعله عقدا من عقود ~~المعاملات فيما بين العباد الذي سبيله أن يفعله على الوجه المباح، فهو إذا ~~كان منهيا عن العقد نفسه أو ما يتعلق به من شروطه فهو غير فاعل في هذه ~~الحال للعقد المباح، فينبغي أن لا يصح عقده ms260 على هذا الوجه، وأن لا يزول ملك ~~مالكه عنه بهذا العقد، وذلك لأن الملك الواقع بذلك إنما هو حكم متعلق ~~بإباحة الله تعالى إياه وحكمه به، وإذا حكم بنهيه فغير جائز وقوع الحكم ~~الذي يتعلق به من إيقاع الملك، فوجب أن يقع فاسدا لا حكم له. # وكذلك نقول في سائر البياعات الفاسدة: إنها لا توجب الملك ولا يتعلق بها ~~حكم بنفس العقد، ثم إذا اتصل به القبض ثبت للمقبوض حكم الملك من وجه لقيام ~~الدلالة، ونحن فإنما كلامنا هاهنا في إفساد العقد بظاهر النهي، وذلك موجود ~~في كل عقد منهي عنه لمعنى في نفس المعقود عليه. # ودليل آخر: وهو أن النهي يتناول ما يتعلق به على وجه النهي بأن لا يفعله، ~~ومعلوم أن ما وقع من الإيجاب والقبول لهذه العقود لا يصح النهي عنه بعد ~~وقوعه، وإن كان قبل وقوعه منهيا عنه وعن التصرف فيه، فإذا وجب ذلك كان لزوم ~~فسخه حقا لله تعالى (ولزم الحاكم إذا اختصموا إليه أن يمنع من قبضه والتصرف ~~فيه، وإذا لم يستحق قبض المبيع لم يصح العقد، وإن قبضه ثم اختصما كان ~~ممنوعا من سائر وجوه التصرف، وكان المنع من ذلك حقا لله تعالى) متعلقا ~~بظاهر النهي، لأنه معلوم أن النهي إنما يتناول أحكام العقد المتعلقة به، ~~وإذا كانت هذه الأحكام ممنوعة بعد العقد بظاهر النهي وجب فسخه ما لم تقم ~~الدلالة على نفاذ تصرفه. # PageV02P192 # وهذا هو معنى قولنا: إن العقد واقع على فساد، لأن النهي إنما تناول العقد ~~على الوجه الذي قدمنا. وأما إذا تناول النهي معنى ليس هو نفس المعقود ولا ~~من شرائطه، وإنما هو معنى في غيره فخارج عن هذا الأصل لما قدمنا فيما سلف، ~~وهو أن كونه فاعلا لما نهي عنه لا يمنع صحة فعله لشيء آخر لم يتعلق النهي ~~به من عقد أو قربة. ألا ترى أن تارك الصلاة لا يمنع تركه لصلاته صحة صومه، ~~وكذلك سائر الفروض متى ارتكب النهي في ترك بعضها لا يمنعه من صحة فعل ms261 ما ~~فعل منها. ألا ترى أن تحريم نكاح الأمهات وذوات المحارم والمعتدة لما تعلق ~~بمعنى في نفس المعقود عليه وبما هو من شروطه منع صحة العقد. وأن نكاح من ~~خطب على خطبة أخيه - وإن كان منهيا عنه - لم يمنع ذلك صحة وقوعه لأن النهي ~~تناول معنى في غير المعقود عليه، فبان بذلك (صحة) ما وصفنا. # PageV02P193 ### | [باب الكلام في الناسخ والمنسوخ] # [فصل في الكلام في ماهية النسخ] ### | فصل (في الكلام) في ماهية النسخ. # اختلف العلماء في معنى النسخ في موضوع اللغة. فقال قائلون: هو النقل، ~~ومنه قولهم: نسخ الكتاب، أي نقل ما فيه إلى غيره، فيطلقون اسم النسخ والنقل ~~على ذلك، وقال آخرون: معناه الإبطال، ومنه (قولهم) : نسخت الرياح الآثار. ~~وهذه الألفاظ متقاربة المعاني، وأيها كان المعنى في اللغة فإنه متى استعمل ~~في نسخ الأحكام فهو مستعمل فيها على وجه المجاز دون الحقيقة، وذلك لأنه إن ~~كان معنى النسخ في موضوع اللغة هو النقل: فهذا المعنى بعينه غير موجود في ~~نسخ الحكم، لأن (للنقل معنى معقولا) في اللغة لا تصح حقيقته في نسخ الحكم، ~~ولا يخلو حينئذ من أن يكون المراد به نقل الحكم نفسه، أو نقل المتعبد به عن ~~الحكم الأول إلى غيره. فإن كان المراد الحكم فإن الحكم ليس هو معنى يصح ~~نقله في الحقيقة، لأن النقل المعقول في اللغة هو نقل الشيء من مكان إلى ~~غيره، وذلك مستحيل في الحكم. وإن كان # PageV02P197 # المراد نقل المتعبد بالحكم إلى حكم غيره، فإنه لم يحصل فيه نقل بأن يتعبد ~~بحكم غير الأول. فعلمت أن الاسم إن كان موضوعا (للنقل) في (أصل) اللغة ~~حقيقة فإنه مجاز في الحكم، فكأنه إنما سمي بذلك على جهة التشبيه، لأن النقل ~~يوجب تغيير المنقول عن الحال التي كان عليها إلى غيرها، فشبه تغيير الحكم ~~في الثاني بالنقل. # وعلى أن نسخ الكتاب إنما يسمى نقلا مجازا أيضا لا حقيقة، لأن المكتوب ~~بدءا هو باق في موضعه غير منقول عنه، وإنما سمي ما نسخ منه منقولا تشبيها ~~له ms262 بالشيء المنقول من مكان إلى غيره، فلم يحصل معنى النسخ أنه نقل (ما) في ~~الكتاب ولا في الأحكام إلا مجازا. وأما من قال النسخ هو الإزالة في اللغة ~~فإنه لا يرجع منه أيضا إلا إلى المجاز في اللغة والحكم جميعا؛ لأن قولهم: ~~نسخت الرياح الآثار، قد يطلق في الريح إذا أعفت آثار الديار بأن سفت عليها ~~التراب فأخفتها وهي باقية، كما يقال: عفت الديار ودرست. ويدل عليه أيضا أنه ~~لا يصح إطلاق النسخ على كل مزال، لأنه لو أزال جسما من مكان إلى غيره لم ~~يجز أن يقال له (إنه) قد نسخه، فلما كان من الأشياء المزالة ما ينتفي عنه ~~اسم النسخ دل ذلك على أن إطلاق لفظ النسخ في إزالة الريح الأثر مجاز لا ~~حقيقة، وهو في الحكم أيضا كذلك، لأن الحكم الأول لا يصح إزالته بعد ثبوته، ~~إذ كان المأمور به بعينه غير جائز أن يكون منهيا عنه، فلم يكن هناك حكم ~~أزيل بالنسخ، وإنما النسخ يبين أن مثل ذلك # PageV02P198 # الحكم لا يجب في المستقبل، فلا يكون النسخ بمعنى الإزالة على هذا الوجه ~~إلا تشبيها له بما كان ثابتا في موضوع فأزيل عنه إلى غيره. # ويدل على ما ذكرنا أيضا أن إزالة الشيء في اللغة لا يقتضي ارتفاع عينه ~~ولا إبطاله، لأنه يصح أن تقول: أزلت الحجر عن موضعه وهو باقي العين في موضع ~~غيره، والحكم الأول ليس بباق بعد النسخ فلا يصح فيه معنى الإزالة إلا على ~~وجه المجاز. وأما من قال معناه الإبطال في اللغة، واستدل عليه بقولهم نسخت ~~(الشمس الظل) فإنه يوجب أيضا أن يكون هذا اللفظ مجازا لأنهم قد قالوا: نسخت ~~الكتاب وليس فيه إبطال شيء، وقال الله سبحانه وتعالى: {إنا كنا نستنسخ ما ~~كنتم تعملون} [الجاثية: 29] ولم يرد إبطال شيء بل معناه إثبات مقاديرها وما ~~يستحق عليها من ثواب أو عقاب والله أعلم. وهو في معنى نسخ الكتاب وإثبات ~~مثله في هذا الوجه أولى بمعنى اللفظ من الإبطال. # ولو ثبت أيضا أن معناه ms263 الإبطال لما صح إطلاقه في الأحكام إلا مجازا؛ لأن ~~الحكم الأول لا يصح إبطاله بحال، وأن ما ثبت في الثاني حكم غير الأول ~~(والأول) لم يكن قط مرادا في الثاني فليس هناك حكم أبطل بالنسخ. والنسخ في ~~الشريعة هو بيان مدة الحكم الذي كان في توهمنا وتقديرنا جواز بقائه، فتبين ~~لنا أن ذلك الحكم مدته إلى هذه الغاية، وأنه لم يكن قط مرادا بعدها. ولا ~~يجوز (أن يكون) لنسخ الأحكام معنى غيره، لأنه غير جائز أن يكون الحكم الأول ~~مرادا في الوقت الثاني الذي (ورد) فيه النسخ ثم أبطله ونهى عنه، لأن ذلك هو # PageV02P199 # البداء، ولا يجوز على الله تعالى، إذ هو العالم بالعواقب، فغير جائز أن ~~يبدو له علم شيء لم يكن علمه في الأول، فثبت بذلك أن معنى النسخ في الشرع ~~ما وصفنا. وعلى أي وجه كان معنى النسخ في اللغة فإنه لا يخل بمعناه في ~~الشرع لأنه إذا كان معلوما وقوعه في الشرع على الحد الذي وصفنا، وقد أريد ~~به معنى ليس الاسم موضوعا له في اللغة، فقد صار اسما شرعيا، قال الله ~~تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] ~~وليس في اللغة أن توقيت المدة فيما كان يظن بقاؤه ودوامه يسمى نسخا، فثبت ~~أنه اسم شرعي. # (ويدل على أنه اسم شرعي) إطلاقه في أوامرنا لمن تلزمه طاعتنا من عبيدنا ~~ومن تحت أيدينا، وأن هذا الاسم مخصوص بأحكام الشرع. وليس كل ما بين به ~~(مدة) الحكم يسمى نسخا لأنه لو كانت المدة معلومة مع ورود الأمر بأن قال: ~~صلوا في هذا اليوم ولا تصلوا في غيره، لم يكن زوال الأمر بمضي الوقت نسخا، ~~لأنا قد علمنا عند ورود الأمر توقيت مدته، وإنما يطلق اسم النسخ فيما يكون ~~في توهمنا وتقديرنا تجويز بقائه على الدوام، فيأتي الحكم الناسخ ويبين أن ~~ما كان في تقديرنا من بقاء الحكم غير ثابت وأن مدة الحكم الأول قد انقضت. ~~ومن الناس من يظن أن النسخ رفع ms264 الحكم وهذا جهل مفرط، وذلك لأن ما ثبت من ~~الأحكام لا يجوز رفعه لأنه يدل على البداء، وإنما يدلنا النسخ أن الحكم ~~المنسوخ لم يكن مرادا في هذا الوقت. # PageV02P200 ### | [باب القول فيما يجوز نسخه وما لا يجوز] # الأصل في هذا الباب أن أفعال المكلفين إذا وقعت عن قصد فاعلها فهي على ~~ثلاثة أنحاء في العقل. منها واجب لا يجوز عليه التغيير والتبديل، كتوحيد ~~الله عز وجل وتصديق رسله وشكر المنعم واجتناب المقبحات في العقول. ومنها ~~ممتنع محظور انقلابه عن حال، نحو كفران النعمة والكذب وتكذيب رسل الله ~~وارتكاب المقبحات في العقول، فهذان البابان يجريان في حكم العقل على شاكلة ~~واحدة لا يجوز عليهما التغيير والتبديل، ولا يصح مجيء العباد فيهما بخلاف ~~ما في العقول من حكمها، ومن أجل ذلك لم يصح نسخهما، وذلك لأن العقل حجة لله ~~تعالى، فما حسنه من شيء فهو حسن وما قبحه فهو قبيح، والسمع حجة لله تعالى ~~أيضا، وغير جائز أن تتضاد حجج الله تعالى، ولا (يجوز أن) تتنافيا فثبت أن ~~السمع لا يرد برفع ما في العقل وجوبه ولا إيجاب ما في العقل حظره، فلذلك ~~قلنا إن هذين الوجهين لا يجوز ورود النسخ فيهما. # PageV02P203 # وأما الوجه الثالث فهو ما يجوز العقل إيجابه (تارة) وحظره أخرى وإباحته، ~~مثل (الصلاة والصيام) والحج وذبح البهائم وما جرى مجرى ذلك، فهذا الضرب مما ~~يجوز ورود النسخ فيه على الوجه الذي كان يجوز العقل مجيء الشرع به، وإنما ~~صار النسخ يتطرق على هذا الوجه لأن حكمه مردود إلى ما في علم الله تعالى من ~~المصلحة، فإذا علم المصلحة في إيجابه أوجبه، وإذا علمها في حظره بعد ~~الإيجاب حظره، وإذا علمها في إباحته دون إيجابه وحظره فعل فلذلك جاز أن ~~يأمر بصيام شهر رمضان والصلوات في أوقاتها المعلومة، ويحظر صيام يوم الفطر ~~ويوم النحر وأيام التشريق، ويحظر الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ويبيح ~~فعل الصيام في غير هذين الوقتين وكذلك الصلاة، فلذلك ليس يمتنع أن يتعبد ~~الله تعالى بفعل ms265 هذه الأشياء على وجه الإيجاب ثم ينسخه بحظرها أو إباحتها، ~~ويدلك على الفرق بينه وبين الوجهين (الأولين) أنه جائز ورود العبادة بلزوم ~~(الصلاة، والصيام) بعض المكلفين وحظرهما على بعضهم كنحو ما أمر الطاهر بفعل ~~الصلاة والصوم ونهى عنهما، وهو في هذا الباب يجري مجرى سائر أفعال الله ~~تعالى في تدبير عباده من الغنى والفقر (والصحة والمرض) ومن إحداث الحر ~~والبرد وكل شيء من ذلك في وقت دون وقت لما علم تعالى (فيه) من مصالح عباده، ~~فكذلك سبيل هذا الضرب الذي يتطرق عليه مجيء العبادة (به) تارة وبضده أخرى ~~على حسب المصلحة. # PageV02P204 # والبابان الأولان لا يختلف حكم سائر المكلفين فيهما، ألا ترى أنه لا يصح ~~أن يكون بعض المكلفين مأمورين بالتوحيد وتصديق الرسول - عليه السلام -، ~~وبعضهم منهيين عنه، أو مباحا لهم تركه والإعراض عنه، وكذلك لا يصح أن يكلف ~~بعضهم مجانبة المقبحات في العقل (من نحو) كفران النعمة والكذب وتكذيب الرسل ~~ويؤمر بعضهم بارتكابها. فلما لم يختلف حكم سائر المكلفين في هذين البابين ~~في زمان واحد لم يختلف حكم سائر المكلفين فيها في الأزمنة المختلفة، فلم ~~يجز من أجل ذلك ورود النسخ فيهما. ولما جاز في غيرهما مما وصفنا اختلاف ~~أحكام المكلفين فيها في الزمان الواحد جاز مثله في الأزمنة (المختلفة) ~~فيتعبدون بالحظر في زمان وبالإيجاب أو الإباحة في زمان غيره. # وأما الخبر الوارد عن الله تعالى وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنه ~~ينتظم معنيين: # أحدهما: العبادة باعتقاد مخبره على ما أخبر به، فهذا ما لا يجوز نسخه ولا ~~تبديله ولا التعبد فيه بغير الاعتقاد الأول. والمعنى الآخر: حفظه وتلاوته، ~~وهذا مما يجوز نسخه بأن يأمر بالإعراض عنه وترك تلاوته حتى يندرس على مرور ~~الأزمان فينسى، كما نسخت (تلاوة) سائر كتب (الله تعالى) القديمة كصحف ~~إبراهيم وكثير من الأنبياء - عليهم السلام -، قد نسخت تلاوة حتى صارت لا ~~يتلوها أحد ولا يحفظها. # PageV02P205 # وإنما لم يجز ورود العبادة بنسخ اعتقاد معنى الخبر وإن جاز ورودها بنسخ ~~الخبر الذي هو التلاوة من قبل ms266 أنه لو جاز ذلك لكان فيه إيجاب (التعبد ~~باعتقاد الشيء) على خلاف ما هو به (لأن خبر الله تعالى لا بد أن يكون صدقا ~~يلزمنا عند وروده اعتقاد مخبره على ما هو به) وهذا لا يجوز على الله تعالى ~~ولا على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولو جاز أن يأمرنا باعتقاد ذلك لجاز ~~أن يأمرنا بالإخبار عنه على حسب ما أمرنا باعتقاده، فيكون أمرا لنا بالكذب، ~~ولو جاز أن يأمرنا بالكذب لجاز أن يفعله هو، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~فلذلك قلنا إن معاني الأخبار الواردة من الله تعالى لا يجوز ورود النسخ على ~~اعتقادنا فيها، بأن يتعبدنا باعتقاد ضد مخبرها لأن المخبر عنه لا يجوز عليه ~~التغيير والتبديل بتغير الأحوال والأزمان. فلذلك لم يجز أن نعتقد فيها خلاف ~~ما أوجبه ورود الخبر، وهذا نظير ما أمر الله تعالى (به) من العبادات واستقر ~~عليه أحكامها ومضى عليها أوقات فعلها، فغير جائز أن ترد العبادة بنسخ ~~اعتقاد صحتها وثبوتها في الأوقات الماضية؛ لأن في نسخ ذلك الاعتقاد وجوب ~~اعتقاد فساد ما أمر الله تعالى به، واعتقاد ذلك قبح لا يجوز ورود العبادة ~~به، فلذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. # ومما يبين أن اعتقاد معاني الأخبار الواردة عن الله تعالى وعن رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - جار مجرى التوحيد وتصديق الرسل وسائر ما لا يجوز فيه ~~النسخ والتبديل، فإنه مخالف لما له في العقول حالان من الأمور التي يجوز ~~ورود العبادة بها تارة وبأضدادها أخرى أنه يمتنع الأمر بالاعتقادين في خطاب ~~واحد لزمانين مختلفين، فلا يجوز أن يقول: اعتقدوا في خبري هذا أنه (على) ما ~~هو عليه إلى مدة كذا، فإذا انقضت المدة فاعتقدوا فيه ضده، كما لا يجوز أن ~~يقول: اعتقدوا صحة التوحيد وتصديق الرسل إلى وقت كذا (فإذا انقضى الوقت ~~فاعتقدوا ضدهما، ولا يمتنع أن يقول: صلوا وصوموا إلى وقت كذا) فإذا مضى ~~الوقت # PageV02P206 # فلا تصوموا ولا تصلوا، فثبت أن اعتقاد معنى الخبر يجري في حكم العقل على ms267 ~~شاكلة واحدة كاعتقاد التوحيد والعدل وتصديق الرسل - عليهم السلام -، فلا ~~يجوز ورود النسخ على واحد منهما. ومن جوز النسخ في اعتقاد معاني خبر الله ~~تعالى وخبر الرسول - عليه السلام - فقد وصف الله تعالى بالبداء، وأنه ظهر ~~له في الثاني ما لم يكن علمه قبل، لأن البداء معناه، الظهور، قال الله ~~تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] يعني إن تظهر ~~لكم، وقال تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ~~[البقرة: 284] ومن جوز البداء على الله تعالى فهو خارج عن ملة الإسلام. # فإن قال قائل: قال الله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب} [الرعد: 39] . وهذا يدل على جواز نسخ الأخبار إذا شاء الله تعالى ~~(نسخها) . قيل له ليس في الآية دلالة على ما ذكرت لأنه لم يقل تعالى: ~~{يمحوا الله ما يشاء} [الرعد: 39] من معاني الأخبار الواردة من جهته، فإن ~~تعلقت بعمومه فجعلته على الخبر وغيره فالواجب عليك أولا أن تثبت أن نسخ ~~معاني الأخبار مما يجوز أن يشاءه الله، وقد دللنا آنفا على أن هذا سفه وقبح ~~لا يجوز أن يشاءه الله تعالى، والاحتجاج بظاهر في هذا المعنى (باطل) ساقط، ~~وعلى أنه لو ثبت أن المراد نسخ الخبر لكان المعنى نسخ تلاوته لا مخبره ~~(لأنه) ليس هو الخبر، وقد بينا جواز نسخ التلاوة، وامتناع جواز نسخ اعتقاد ~~مخبره. # PageV02P207 # وقد روي في تأويل هذه الآية عن جماعة من السلف أقاويل ليس في شيء منها أن ~~المراد نسخ الأخبار، لأن ابن عباس قال معناه: إن الله تعالى يبدله ما يشاء ~~من القرآن فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] ~~يعني جملة ذلك عنده في أم الكتاب. وعن زيد بن أسلم يمحو الله ما يشاء مما ~~ينزله على الأنبياء ويثبت ما يشاء مما ينزله على الأنبياء وعنده أم الكتاب ~~لا يغير ولا يبدل. وعن الحسن قال: يمحو الله من جاء أجله فيذهب، ويثبت الذي ~~هو حي يجري إلى أجله. ### | [فصل ms268 في حكم الألفاظ الواردة في القبيل الذي يجوز نسخه من الأحكام وما لا يجوز] # فصل من هذا الباب قد بينا القول فيما يجوز نسخه وما لا يجوز نسخه بما فيه ~~كفاية. ونبين الآن حكم الألفاظ الواردة في القبيل الذي يجوز نسخه من ~~الأحكام وما لا يجوز نسخه منها. فنقول: إن الحكم الوارد عن الله تعالى وعن ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يكن مؤقتا ولا مقرونا # PageV02P208 # بلفظ التأبيد في الأزمان المستقبلة، فإن الذي يجب على سامعه من المكلفين ~~(له والمتعبدين به لزوم) اعتقاد جواز نسخه ما دام النبي - عليه السلام - ~~حيا، كقوله: صلوا وصوموا في مستقبل الأيام ونحو ذلك، وهذا ما لا خلاف فيه ~~بين أحد من أهل العلم نعلمه، وأما إذا (قرنه بوقت) بعينه نحو أن يقول: صلوا ~~هذه السنة في كل يوم، أو يقول: صوموا شهر رمضان القابل، فإن هذا لا يجوز ~~ورود النسخ فيه عندنا بحال، وسنفرد القول فيه بعد هذا. وأما إذا قال: صلوا ~~الظهر أبدا في مستقبل أعماركم ومن بعدكم إلى أن تقوم الساعة، فإن من الناس ~~من يجيز ورود النسخ في مثله، إذا كان هذا القول من شرائع الأنبياء - عليهم ~~السلام - الذين كانوا قبل نبينا خاتم النبيين ولا يجوز النسخ بعده. ومن ~~الناس من لا يجيز ورود النسخ على مثل هذه الألفاظ. فأما الوجه الأول الذي ~~بدأنا بذكره في هذا الفصل فإنما جاز نسخه لأنه لما لم يحصره توقيت ولا مدة، ~~وكان جواز النسخ قائما في مثله، وجب علينا ألا نعتقد عند وصوله إلينا بقاء ~~حكمه على التأبيد مع بقاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل الواجب علينا ~~في مثله اعتقاد جواز نسخه. وإذا كان ذلك (كذلك) جاز ورود النسخ فيه، حتى ~~إذا توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل نسخه استقر حكمه على التأبيد، ~~لأن النسخ لا يجوز بعد موته - عليه السلام -. وأما إذا (قرنه بالتأبيد) ~~فقال: افعلوه (أبدا) أنتم ومن (يحدث) بعدكم إلى # PageV02P209 # أن تقوم الساعة، فإن الأظهر في مثله أنه ms269 لا يجوز نسخ (ما كان هذا وصفه) ~~لأنه قد ألزمنا اعتقاد بقائه مؤبدا، وغير جائز أن يكون المراد بقاءه إلى ~~وقت ومدة، لأن تجويز ذلك يؤدي إلى إبطال دلالة الكلام على حسب ما تقدم ~~القول (فيه) في إثبات العموم وامتناع جواز تأخير (بيان) الخصوص فيما سلف. # فإن قال قائل: إن اليهود تزعم أن في التوراة الأمر بالتمسك بالسبت ما ~~دامت السموات والأرض، وقد ورد نسخه على لسان كثير ممن جاء بعده من الأنبياء ~~- عليهم السلام -. قيل له: لم يثبت أن في التوراة هذا الذي قالوه، ولو كان ~~ثابتا لم يمنع أن يكون اللفظ الذي ادعوه في التوراة باللسان العبراني يحتمل ~~التأبيد ويحتمل غيره، فحمله هؤلاء على التأبيد من جهة التأويل، وإذا لم يكن ~~عندنا علم بحقيقة معنى اللفظ المذكور في التوراة في هذا الباب لم يثبت ما ~~ذكروه. وأيضا فلو كان ما ادعوه في ذلك ثابتا وكان العلم به واقعا لوجب أن ~~يقع لنا العلم به مع سماعنا لذلك، كوقوع علمهم به في زعمهم، فلما لم يثبت ~~عندنا ذلك مع سماعنا لهذه الأخبار علمنا بطلان ما ادعوه، ومن أجاز ذلك في ~~أزمان الأنبياء - عليهم السلام - مع ذكر التأبيد فيه ممن وصفنا قولهم فإنما ~~أجازه لأن علينا اعتقاد صحة ما يأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~ذلك من الشريعة مما يخالف ذلك أو يوافقه، فيصير تقدير ذكر التأبيد فيه ~~مقرونا بجواز النسخ، كأنه قال: افعلوا هذه الأفعال في الزمان المستقبل أبدا ~~ما لم أنسخه. والصحيح عندنا هو الأول، لأن هذا لو جاز مثله في العموم ~~فيقال: إنا نعتقد فيه # PageV02P210 # العموم إن لم يكن أراد الخصوص، ولجاز في الحكم المفروض في وقت بعينه أن ~~(يقول له) : افعله في ذلك الوقت ما لم أنسخه، وهذا قول فاحش قبيح لا يصح، ~~فثبت بذلك ما وصفنا. # PageV02P211 ### | [باب في الدلالة على جواز النسخ] # (في الوجوه التي) بينا (قال أبو بكر) من ينكر النسخ فريقان: أحدهما: ~~اليهود، والآخر: فريق من أهل الملة من المتأخرين لا ms270 يعتد بهم. فأما اليهود ~~فإن منهم من أنكر (تجويز) النسخ (فيما زعم) من طريق العقل. ومنهم من يجوزه ~~في العقل إلا أنه يزعم أن موسى - عليه السلام - قد أعلمهم أن شريعة ~~التوراة، و (تحريم) يوم السبت لا ينسخ أبدا، فأما من منع منهم ذلك من جهة ~~العقل فإنه ذهب إلى (أن) هذا (بداء) ورجوع عن إرادة الشيء إلى كراهته، وهذا ~~لا يكون إلا ممن كان جاهلا بالعواقب، والله تعالى عالم الأشياء قبل كونها، ~~فإن كان المأمور به صحيحا فالرجوع عن الصحيح لا يفعله حكيم، وإن كان فاسدا ~~لم يجز أن يشرعه الله تعالى في وقت من الأوقات. قال أبو بكر - رحمه الله -: ~~وهذا الذي قالوه جهل منهم بمعنى النسخ، لأن المأمور به غير المنهي عنه فيما ~~يقع فيه النسخ، وإنما النسخ يبين أن زمان الفرض الأول قد انقضى، # PageV02P215 # وأن الواجب في الزمان المستقبل غير الواجب (الذي) كان في الماضي، وهذا لو ~~نص عليه في خطاب واحد كان جائزا مستقيما، ألا ترى أنه لو قال: تمسكوا ~~بتحريم السبت، إلى مائة سنة ثم أحلوه كان جائزا. # وكذلك لا يمتنع أن تطلق القول بتحريم السبت ثم تبين الوقت الذي انتهى ~~إليه مدة التحريم على حسب ما علم سبحانه من مصالح العباد فيه، وكما (أنه) ~~جاز أن يخالف بين أحكام العباد فيتعبد بعضهم بحكم، و (يتعبد) بعضهم بضد ذلك ~~الحكم في زمان واحد، نحو تحريم الصلاة والصوم على الحائض، وإيجابهما على ~~الطاهر على حسب ما علم من مصالحهم. كذلك لا يمتنع أن يخالف بين أحكامهم (في ~~زمانين وكما جاز أن يخالف بينهم في تغييره وأفعاله فيهم نحو أن) يميت واحدا ~~ويخلق آخر ويمرض واحدا ويصح آخر ويغني واحدا ويفقر آخر، و (يفعل) ذلك بواحد ~~في زمانين مختلفين ولم يكن شيء من ذلك دليلا على البداء وعلى الرجوع عما ~~أراده، لأن الذي أراده في الثاني غير الذي أراده في الأول. وكذلك العبادات ~~تجري على هذا المنهاج. وأيضا فإنه قد كان مباحا لولد آدم من صلبه ms271 أن يتزوج ~~الأخ منهم بأخته، ولولا ذلك لم يكن بينهم تناسل وهو محرم في شريعة التوراة ~~وسائر الشرائع بعدها ولم يكن فيه ما يوجب البداء، وكذلك تحريم السبت وسائر ~~الشرائع التي يجوز العقل حظرها تارة وإباحتها أخرى جائز نسخها والإبانة عن ~~مضي وقت تحريمها. # وأما من زعم منهم أن موسى - عليه السلام - قد أعلمهم أن شريعة التوراة لا ~~تنسخ، فإنه معترف أن التوراة قد أنبأت عن نبوة أنبياء بعد موسى - عليه ~~السلام - (وإذ كان كذلك فمعلوم أن تحريم السبت معلق بتوقيف الأنبياء بعد ~~موسى - عليه السلام -) فإذا أحلته صار ذلك # PageV02P216 # مقرونا إلى لفظ التحريم، كأنه قال: حرموا السبت ما لم أحله على لسانك. ~~وعلى أن ما يدعونه من توقيف موسى - عليه السلام - على التمسك (بتحريم ~~السبت) أبدا لو كان ثابتا لوجب أن يقع لنا العلم به مع سماعنا للخبر عنه ~~(به) كما ادعى هؤلاء لأنفسهم. فلما لم يقع لنا العلم بذلك مع سماعنا ~~الأخبار التي سمعوها في ذلك علمنا أنهم إنما صاروا إلى ذلك من طريق التأويل ~~فأخطئوا فيه. وقد تكلم الناس عليهم في هذا الباب بأشياء كثيرة لا انفصال ~~لهم منها، وليس غرضنا في هذا الموضع الكلام على هؤلاء وإنما (القصد) الكلام ~~في أصول الفقه إلا أنه لما عرض فيه القول بالنسخ أحببنا ألا نخليه من جملة ~~تدل عليه وعلى بطلان قول من أبى ذلك من الفرقة التي تنتحل دين الإسلام، ثم ~~ضاهت اليهود في امتناعها من تجويز نسخ الشريعة. فنقول بعد تقدمة القول في ~~جواز النسخ في الجملة إن الفرقة المنكرة للنسخ من أهل الصلاة قد خالفت ~~الكتاب والآثار المتواترة واتفاق السلف والخلف جميعا فيما صارت إليه (من) ~~هذه المقالة. # فأما مخالفتها للكتاب فقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير ~~منها أو مثلها} [البقرة: 106] فأثبت النسخ في الكتاب. # PageV02P217 # وإن قال قائل إنما أراد النسخ في هذا الموضع الإزالة والإسقاط. قيل له: ~~لا يخلو (من) أن يريد به إزالة الحكم (أو إزالة الرسم، فإن أردت إزالة ms272 ~~الحكم فقد وافقت، وإن أردت إزالة الرسم مع بقاء الحكم) فإن هذا فاسد من ~~وجهين. أحدهما: أن عموم اللفظ يقتضي الأمرين ومن حمله على أحد الوجهين دون ~~الآخر بغير دليل فهو متحكم قائل بغير علم. والوجه الآخر: أنا لو سلمنا لك ~~ما ادعيت من إزالة الرسم فدلالته قائمة على ما ادعينا لأنه قد أسقط عنا فرض ~~تلاوته واعتقاد كونه من القرآن بعد أن كان لزمنا ذلك. ووجه آخر وهو أنه قد ~~ذكر في الآية الإزالة والإسقاط أيضا في قوله تعالى: {أو ننسها} [البقرة: ~~106] فعلمنا أن مراده بذكر النسخ هو نسخ الحكم. # وقال تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: 101] وقال تعالى: {يمحوا ~~الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] وقال تعالى: {لكل جعلنا ~~منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] وأخبر عن نسخ بعض أحكام الشرائع المتقدمة ~~بقوله تعالى: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [آل عمران: 50] وقال تعالى: ~~{وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} [الأنعام: 146] وقال تعالى: {فبظلم من ~~الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} [النساء: 160] وقد ورد من طريق ~~النقل المستفيض والخبر المتواتر الذي لا يتطرق إليه الفساد والبطلان «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن نسخ الله ~~تعالى الصلاة إلى تلك الجهة # PageV02P218 # وأمره بالتوجه إلى الكعبة بقوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء ~~فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] » ثم قال ~~تعالى: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل ~~لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] فأخبر ~~أنهم (قد) كانوا على قبلة غيرها ثم نقلوا عنها، وقد كان حد الزانيين الحبس ~~والأذى فنسخا عن غير المحصنين بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ، وكانت عدة المتوفى عنها زوجها سنة ~~لقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] ، ثم نسخ منه ما ~~عدا الأربعة الأشهر والعشرة بقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] ومثال ms273 ذلك أكثر من أن يحصى في الكتاب والسنة. وقد ~~نقلت الأمة الناسخ والمنسوخ وتوارثوهما قرنا عن قرن لا يتناكرونه ولا يشكون ~~فيه. وذكر من أبى وجود النسخ في القرآن (أن النسخ) المذكور في القرآن إنما ~~هو نسخه من اللوح المحفوظ وتنزيله على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ~~يوجب أن يكون القرآن كله منسوخا وكله # PageV02P219 # ناسخا، وهذا محال ممتنع عند الأمة. وقول هذه الطائفة أظهر فسادا وأبين ~~انحلالا من أن يحتاج إلى الإكثار في الإبانة (عن) قبحه وشناعته. # PageV02P220 ### | [باب نسخ الحكم بما هو أثقل منه] # اختلف الناس في ذلك. فقال قائلون وهم الأكثر: لا يمتنع نسخ الحكم بما هو ~~مثله وبما هو أخف منه وبما هو أثقل منه. وقال آخرون لا ينسخ حكم إلا بما هو ~~أخف منه. ومنهم من يقول ينسخ بمثله وبما هو أخف منه، ولا ينسخ بما هو أثقل ~~منه. وكل واحدة من هاتين المقالتين إنما هي تظنين وحسبان من قائليها لا ~~يرجع منها إلى دلالة يعضد بها مقالته. والصحيح هو القول الأول. وهو عندي ~~قول أصحابنا - رحمهم الله -. # والأصل فيه: أن العبادات إنما ترد من الله تعالى (على) حسب ما يعلم من ~~مصالحنا فيها، وليس يمتنع أن تكون المصلحة تارة في الأخف وتارة في الأثقل، ~~فينقل (المتعبد) من أحدهما إلى الآخر على حسب ما تقتضيه المصلحة، ألا ترى ~~أنه قد ينقلهم # PageV02P223 # من الرخاء، إلى الشدة تارة ومن الشدة إلى الرخاء أخرى فيغني في وقت ثم ~~يفقر في (وقت) آخر ويصح في وقت ويمرض في (وقت) آخر كذلك العادات جارية هذا ~~المجرى، والعلة في الجميع واحدة وهي جهة المصلحة، وهذا أيضا معلوم من تدبير ~~الحكماء لمن يلون أمرهم من أولادهم وعبيدهم أنهم ينقلونهم من الشدة، إلى ~~الرخاء ومن الرخاء إلى الشدة فينقلونهم من حال إلى حال على حسب ما يرون لهم ~~من المصلحة في أحوالهم. وأيضا فإن مقالة هاتين الطائفتين يوجب ألا يفرض ~~الله شيئا أبدا بعد أن لم يكن مفروضا، لأن إيجاب الفرض تكليف وهو أثقل ms274 من ~~الإباحة، وقد وجدنا في كتاب الله تعالى ما يوضح عن بطلان قول هؤلاء، قال ~~تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا} [النساء: 160] فأخبر أنه نقلهم من الإباحة إلى الحظر وهو أشد ~~على المكلف. # وروي عن معاذ بن جبل وابن عباس وسلمة بن الأكوع (وابن عمر) وجماعة من ~~التابعين (في) تأويل قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ~~[البقرة: 184] فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا، ثم أنزل الله ~~تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] فجعل الصوم حتما وأسقط ~~التخيير، (وأيضا) فإن الخمرة قد كانت مباحة في # PageV02P224 # أول الإسلام ثم حرمها الله تعالى، وقد كان النبي - عليه السلام - مأمورا ~~بترك قتال المشركين بقوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] ثم أوجبه ~~الله تعالى بقوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] وقال تعالى ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وقال تعالى: {وقاتلوا في سبيل ~~الله} [البقرة: 190] ونحوه (من) الآيات فنقلهم من الأخف إلى ما هو أشق ~~عليهم، وقد كان حد الزانيين الحبس والأذى فنقلوا إلى الجلد والرجم، وقد كان ~~من قتل مسلما لا كفارة عليه ثم أوجبها الله تعالى، ومن كان يفطر في (شهر) ~~رمضان لم (تكن) تجب عليه كفارة ثم أوجبها النبي - عليه السلام - على ~~المجامع، وكفارة اليمين لم تكن واجبة حتى أوجبها الله تعالى. # وكذلك سائر البياعات المحرمة لم يكن تحريمها متقدما ثم حرمت. والعلة ~~الموجبة لجواز النسخ في الأصل لا تفرق بين نسخ الأخف بالأثقل وبين نسخ ~~الأثقل بالأخف لأن المعنى في الجميع ما يعلم الله تعالى من مصلحة (المتعبد ~~به) ولا يمكن أحد أن يقول: قد علمت أنه لا مصلحة في نقل المتعبد من الأخف ~~إلى الأثقل، لأن ذلك شيء لا يعلمه إلا الله تعالى العالم بكل شيء. وأيضا لو ~~جمع الأمران جميعا في خطاب واحد لم يتنافيا، بأن يقول: قد أبحت لكم كذا # PageV02P225 # إلى وقت كذا ثم هو محرم عليكم. كما أباح الإفطار في سائر السنة ms275 إلى دخول ~~(شهر) رمضان فإذا جاء (شهر) رمضان حظر الإفطار (فيه، و) كما قالت عائشة - ~~رضي الله عنها -: " فرضت الصلاة في السفر والحضر ركعتين ركعتين ثم زيدت في ~~صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت ". فإن قيل قال الله تعالى: {ما ~~ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] وهذا يدل على ~~أنه لا ينقل إلى ما هو أشق علينا، وإنما ينقل إلى مثله أو أخف (منه) . قيل ~~له: ليس أن يكون الأثقل خيرا لنا وأصلح. ألا ترى أن فعل الصلاة والصوم ~~والحج أشق على العباد من تركها، وفعلها مع ذلك خير لنا من تركها، فليس ~~الخبر إذن عبارة عن الأخف ولا الأثقل، فلا دلالة في الآية على ما ذكره. ~~(والله أعلم وأحكم) . # PageV02P226 ### | [باب القول في نسخ الحكم قبل مجيء وقته] # ليس يخلو الأمر في تعليقه بالمأمور من أحد أقسام خمسة: إما أن يتعلق به ~~في وقت بعينه نحو قوله: صلوا إذا زالت الشمس، أو يقول: صوموا شهر رمضان ~~بعينه. أو أن يعلقه بوقت بغير عينه، نحو أن يقول: صلوا صلاة واحدة في أي ~~يوم شئتم، وصوموا (شهر) رمضان في أي (شهر) رمضان شئتم. وأن يكون مطلقا غير ~~محصور بوقت يتناول فرضا في واحد إلا على وجه تكراره في الأوقات، ولا ~~التخيير في أوقات فعله، نحو قوله: صلوا صلاة واحدة، وصوموا يوما أو شهرا ~~واحدا. أو أن يكون مؤقتا بالتأبيد نحو (أن يقول) : صلوا أبدا في كل يوم ما ~~بقيتم، وصوموا شهر رمضان في كل سنة ما حييتم. أو (أن) يكون واردا بلفظ ~~يقتضي أدنى الجمع حقيقة، ويحتمل أكثر منه، ويقتضي فعله مكررا في الأزمان ~~إلا أنه غير مقرون بذكر التأبيد. فالأمر الوارد عن الله تعالى وعن رسوله - ~~عليه السلام - لا يخلو من أن يكون واردا على أحد هذه الأقسام. # PageV02P229 # فأما هذه الأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها فغير جائز ورود النسخ فيها ~~بحال، وإن كان قد يسقط عنا الفرض بأمور أخرى على غير وجه النسخ. والقسم ms276 ~~الخامس هو الذي يجوز فيه النسخ. والأصل في ذلك: أن كل مأمور به تعلق وجوب ~~فعله بوقت بعينه أو بغير عينه فغير جائز ورود نسخه، لأنه يكون نهيا عن ~~المأمور بعينه، وغير جائز أن يكون المأمور (به) من أحكام الله تعالى هو ~~المنهي عنه. والأقسام الأربعة التي قدمنا ذكرها هي من هذا القبيل، وذلك لأن ~~قوله، صلوا إذا زالت الشمس من هذا اليوم، وصوموا شهر رمضان من هذه السنة، ~~فرض (قد تعلق) بوقت بعينه، فليس يخلو من أن ينسخ قبل مجيء وقت الفعل (أو ~~بعده وغير جائز نسخه قبل مجيء وقت الفعل) لما نستند عليه إن شاء الله ~~تعالى. # وإذا مضى وقت الفعل (قبل أن) يفعله، فإن ما يتعلق بالأمر من لزوم الفعل ~~قد سقط بمضي وقته لما بيناه فيما سلف من الأبواب المتقدمة (وسقوط الفرض ~~بمضي وقته لا يسمى نسخا) لأن ذلك كان معقولا مع ورود الأمر وما لا يتوهم ~~بقاؤه، لأن ما بلفظ الأمر لا يسمى سقوطه بمضي وقته نسخا، ألا ترى أنه لو ~~قال: صوموا يوم عاشوراء من هذه السنة (واقتصر عليه) فلم يصمه لم يلزمه ~~القضاء بذلك الأمر، وأنه يحتاج في لزوم # PageV02P230 # القضاء إلى دلالة من غيره، وأن سقوطه بمضي الوقت على هذا الوجه لا يسمى ~~نسخا. # وأما القسم الثاني: وهو قوله: صلوا صلاة واحدة في أي وقت شئتم، أو صوموا ~~شهرا أي شهر شئتم على قول من يجيز ورود الأمر بمثله، فإن هذا لو صح الأمر ~~به لم يصح نسخه وذلك لأنه ما دام حيا فأي وقت فعل فيه المأمور به كان ذلك ~~وقت فرضه. والأظهر عندنا أنه غير جائز ورود الأمر بمثله لما بينا فيما سلف ~~من أنه لو صح ذلك وسعه التأخير أبدا، ثم لا يصير مفرطا بالموت لعدم علمه ~~بالوقت الذي يعين عليه فيه الفرض، فيخرج ذلك الأمر من أن يكون فرضا، إلا ~~أنا تكلمنا فيه على قول من يجيز ورود الأمر بمثله فقلنا: واجب ألا يجوز ~~نسخه لأن كل وقت يأتي ms277 عليه إذا فعله فيه كان فاعلا للمأمور به بذلك الأمر ~~بعينه، فغير جائز ورود نسخه قبل مجيء وقته لما وصفنا في القسم الأول. وأما ~~إذا فعله فقد سقط عنه فرضه فليس هناك أمر يتوهم بقاؤه فينسخ. # وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الفرض منهما غير محصور بوقت وهو فرض واحد ~~لا يقتضي لفظ الأمر فعله مكررا في أوقات مستقبلة، فإنه لا يصح نسخه أيضا، ~~وذلك لأن عليه فعله على الفور عند ورود الأمر في أول أحوال الإمكان، فغير ~~جائز نسخه قبل وقته، فإن لم يفعله ففي الثاني، فإن لم يفعله في الوقت الأول ~~(لزمه فعله) في الثاني بذلك الأمر بعينه فإن لم يفعله في الثاني لزمه فعل ~~مثله في الثالث بالأمر أيضا، فصار تقدير الأمر أن يفعله في الوقت الأول، ~~فإن لم يفعله ففي الثاني فإن لم يفعله ففي الثالث فلما كان كل وقت لم يفعله ~~فيه كان الذي يليه وقتا لفعله بالأمر الأول (ثم) لم يخل من أن ينسخه قبل ~~الفعل أو بعده. ولا يجوز نسخه قبل وقته كما قلنا في نسخ الفعل قبل (مجيء) ~~وقته المعين له أو أن # PageV02P231 # ينسخه بعد الفعل، وهذا محال لأنه قد أدى الواجب عليه بالأمر، ومن سقط عنه ~~(الفرض) بأدائه فغير جائز أن يقال: إنه قد نسخ عنه ما قد أداه ولم يقض لفظ ~~الأمر لزوم غير ما فعله (فلم يكن هاهنا شيء نسخ في الحقيقة. وأما القسم ~~الرابع وهو أن يوجب فعله) # مكررا في أوقات ويقرنه بذكر التأبيد، نحو قوله: صلوا أبدا ما بقيتم في كل ~~يوم، وصوموا شهر رمضان في كل سنة (أبدا) ما حييتم إلى أن تقوم الساعة فإن ~~هذا قد ذكرنا حكمه فيما سلف واختلاف الناس في جواز نسخه وامتناعه. وبينا أن ~~الأظهر من أمره أنه لا يجوز نسخه. # وأما القسم الخامس: وهو أن يكون وروده بلفظ تناول أدنى الجمع حقيقة ~~ويحتمل أكثر منه ويقتضي فعله مكررا في أوقات مستقبلة من غير أن يكون مؤقتا ~~ولا مقرونا بذكر التأبيد ms278 فإن هذا هو الذي يجوز نسخه بعد التمكن من فعله على ~~أدنى ما يتناوله لفظه سواء فعله المأمور (به) أو لم يفعله. وأقسام النهي ~~فيما يجوز نسخه وما لا يجوز على هذا النحو الذي ذكرناه في الأمر إلا في وجه ~~واحد، وهو أن قوله: صل وصم ونحو ذلك إنما يقتضي فعله مرة واحدة إذا لم تقم ~~الدلالة على أن المراد فعله مكررا، فمتى فعله لم يلزمه شيء آخر بالأمر فلم ~~يصح معنى النسخ (فيه) قبل فعله ولا بعد فعله. # PageV02P232 # وأما النهي فإنه إذا قال: لا تصم أو لا تصل ففعل المنهي عنه لم يسقط عنه ~~حكم النهي فيما يستقبل: ويكون في توهمنا وتقديرنا بقاء حكم النهي ما لم يرد ~~النسخ فيصح ورود النسخ (فيه) ، فأما في سائر الوجوه التي ذكرناها فهو ~~والأمر سواء على ما بينا. ### | [فصل في الدلالة على امتناع جواز نسخ الأمر قبل مجيء وقته] # الدلالة على امتناع جواز ذلك أن إطلاق لفظ الأمر يقتضي لزوم فعله في ~~الوقت الذي علق به، وقد علمنا أن الله عز وجل لا يأمر إلا بحسن، ولا ينهى ~~إلا عن قبيح، فكل ما أمر الله به فقد دل بأمره (به) على حسنه وعلى قبح ~~تركه، وكل ما نهى عنه فقد دل على قبحه بنهيه فجرى ذلك مجرى الإخبار فيه ~~فيكون المأمور به حسنا ويكون تركه قبيحا. وإذا صح هذا لم يجز (أن) ينهى عما ~~ورد الأمر به مما هذا وصفه لأنه لو نهى (عنه) لكان نهيه دلالة منه على قبحه ~~وعلى حسن تركه، وكان ذلك بمنزلة الإخبار # PageV02P233 # منه بكونه قبيحا إذا وقع من فاعله، وغير جائز أن يدل على فعل شيء في وقت ~~بعينه أنه حسن، ثم يدل عليه أيضا أنه قبيح الوجه الذي (دل) عليه حسنه لأن ~~هذا يقتضي تناقض دلالته وتنافيها، تعالى الله عن ذلك. وكما لا يجوز أن ~~يخبرنا عنه بأنه حسن، ويخبر عنه أيضا بأنه قبيح، فكذلك لا يجوز أن يتناوله ~~الأمر والنهي على هذا الوجه، لما قدمنا ms279 أن الأمر والنهي يجريان مجرى ~~الإخبار في باب الدلالة على الحسن أو القبيح. فإن قال قائل: ما أنكرت أن ~~يكون المأمور به فيما ذكرت غير المنهي عنه وإن كان معينا بوقت محصور. قيل ~~له: هذا محال لأنه قد دل بالأمر على أنه متى أوقع هذا الفعل في ذلك الوقت ~~على الوجه المأمور به وقع حسنا، والنسخ إذا ورد فإنما تناول ذلك الفعل ~~بعينه لا فعلا غيره، لأنه لم يكن هناك فعل غير ما تعلق حكمه بالأمر ~~فيتناوله النسخ على أنه إن كان النهي الذي وقع به النسخ لم يتناول ذلك ~~المأمور (به) بعينه، فواجب أن يبقى وجوب فعله بعد النهي على حسب اقتضائه ~~الأمر بدءا، وهذا يدل على أن هذا السائل لم يحصل معنى ما قال. # دليل آخر: وهو أنه معلوم أن ما أمر الله به فقد أراد منا فعله، وما نهانا ~~عنه فقد كره منا فعله لأنه لو جاز ألا يكون مريدا لما أمر به، لجاز أن يكون ~~مريدا بضده، ولو جاز ذلك لما كان المأمور مطيعا بفعل ما أمر به لأنه إنما ~~يكون مطيعا له بفعل ما أراده منه، وكان لا يكون عاصيا بفعل ما نهاه عنه، ~~لأنه قد أراده منه، فكان يجب أن يكون مرتكب النهي مطيعا لله # PageV02P234 # تعالى، لأنه فعل ما أراده منه وهذا يوجب سقوط معنى الأمر والنهي ويجعل ~~ورودهما عبثا وسفها، فإذا صح هذا ثم ورد الأمر مقتضيا لإرادة الفعل لم يجز ~~أن يكرهه منه بعد ذلك من الوجه الذي أراده منه وفي النهي عنه بعد الأمر به ~~كراهة لذلك الفعل بعينه من الوجه الذي أراده، وهذا هو البداء الذي هو منفي ~~عن الله تعالى لأنه لا يكرهه بعد إرادته، له إلا وقد استحدث علما لم يكن ~~علمه وقت إرادته أو أن يكون الأمر عبثا وسفها في الابتداء، والوجهان جميعا ~~منفيان عن الله عز وجل وليس يمتنع أن يراد الفعل من وجه ويكره من وجه آخر ~~فتتعلق الإرادة والكراهة (به من وجهين مختلفين، فأما ms280 من وجه واحد فلا. ~~وتعلق الإرادة والكراهة) # من وجهين أن يريد الفعل عبادة لله ويكرهه عبادة للشيطان (ومن وجه واحد أن ~~يريده منه عبادة لله تعالى ويكرهه عبادة لله تعالى) وهذا هو حقيقة النسخ ~~قبل مجيء وقت الفعل الذي أجازه مخالفونا في ذلك، وذلك غير جائز على الله، ~~تعالى (الله) عن ذلك علوا كبيرا (ومن الناس من يأبى جواز تعلق الحظر ~~والإباحة لفعل واحد من وجهين مختلفين، ويزعم أن الفعل الذي تعلقت الإباحة ~~به غير الفعل الذي تعلق به الحظر، وأي الوجهين صح منهما، فلا يتعلق به ~~لجواز النسخ قبل مجيء الفعل لما بينا) . ودليل آخر: وهو أن النسخ إنما يجوز ~~وروده على وجه يجوز شرطه مع الأمر (به) في خطاب واحد مثل أن يقول: صلوا إلى ~~وقت كذا إلى بيت المقدس، ثم صلوا، بعد ذلك إلى الكعبة. # PageV02P235 # وما لا يجوز شرطه مع لفظ الأمر في خطاب واحد لم يصح ورود النسخ (به) وما ~~ذكرنا وصفه من نسخ الأمر قبل مجيء وقت الفعل هو من هذا القبيل، ألا ترى أنه ~~لا يجوز أن يقول قد فرضت عليكم الظهر ونهيتكم عنه بعينه، فلما لم يجز أن ~~يكون النهي مذكورا مع لفظ الأمر يصح أن يريده الله عز وجل ولا يتعبد بالنهي ~~عنه بعده، ألا ترى أن سائر ما يجوز نسخه إنما يجوز على وجه لو ذكر مع لفظ ~~الأمر بدءا لم يتناقض (وأنه لا يجوز أن يريد بما لو ذكر مع لفظ الأمر ~~تناقض) الكلام واستحال، فدل على صحة ما ذكرنا من امتناع (جواز) نسخ ما هذه ~~صفته. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يجوز ورود النسخ فيما (كان) هذا وصفه إذا كان ~~لفظ الأمر مطلقا وإن لم يجز ذكر النهي عنه مع لفظ الأمر بأن يكون الأمر ~~معلقا بعدم ورود النسخ فيصير تقديره، افعلوا إن لم أنسخه عنكم. قيل له: ~~فهذا هو المستنكر الذي لا يجوز شرطه في لفظ الأمر لأنه يصير في معنى قوله: ~~قد أمرتكم به إن لم ms281 أنهكم عنه، وقد أردته منكم إن لم أكرهه، ولا يجوز شرط ~~ذلك في الأمر، فكذلك قوله: افعلوه إن لم أنسخه عنكم إذا كان يقتضي ذلك لم ~~يجز أن يشرطه مع الأمر. وعلى أن قائل هذا لا يخلو من أن يقول: بأن الأمر ~~يقتضي فعل المأمور به في الوقت المعين على جهة الإيجاب أو الندب على حسب ~~اختلاف الناس فيه، أو أن يقول: إن صيغة الأمر لا تقتضي شيئا من ذلك، وإنما ~~يكون حكمه في اقتضاء الفعل المأمور موقوفا على دلالة غير اللفظ، فإن كان ~~ممن يأبى القول باقتضاء ورود الأمر فعل المأمور به (وهو أن) يقول: إنه ~~موقوف على الدليل فإن الأمر مع ذلك في صيغته وحيال وروده ليس بالإيجاب # PageV02P236 # أولى منه بالنهي، حتى إذا ورد النهي علمت أنه لم يرد بالأمر الإيجاب. # فهذا قول مردود خارج عن أقاويل الأمة إذ ليس أحد منهم يجوز أن يكون ~~المراد بالأمر النهي. وإن كان ممن يقول: إن الأمر يقتضي إيقاع الفعل على ~~أحد الوجوه التي اختلف الناس فيه، فغير جائز أن يكون معلقا بشرط ألا ينسخ ~~لأن اللفظ قد اقتضى إيقاعه على جهة الإيجاب أو الندب، فلا يجوز أن يجعل ~~معلقا بشرط ولا مقيدا بوصف غير مذكور في اللفظ كما يقول في ألفاظ العموم، ~~والحقائق أنها متى وردت مطلقة كانت مقتضية لأحكامها الموضوعة لها في أصل ~~اللغة ولزمنا بها اعتقاد موجب صيغتها، ثم غير جائز أن ترد - بعد أن استقر ~~حكمها على ما اقتضته صورتها بحصول الفراغ فيها غير مقيد بشرط ولا وصف - أن ~~المراد بها غير ما اقتضته حقيقة لفظها، فكذلك الأمر إذا ورد مطلقا (مقتضيا) ~~لفعل المأمور به في الوقت المذكور فغير جائز أن يجعل مقيدا بشرط ألا ينسخ، ~~وهذا الذي ذكرناه في هذا الفصل إنما هو كلام في نفي إثبات الشرط في الأمر ~~المطلق العاري من الشرط على حسب ما ذكره السائل، وسنتكلم بعد هذا في أنه لا ~~يجوز ورود الأمر مقيدا بهذا الشرط. # فإن قال قائل: أليس لو ms282 قال (الله تعالى) لنا: صلوا الظهر في مستقبل ~~أعماركم، أو صوموا شهر رمضان في مستقبل السنين، كان الواجب علينا اعتقاد ~~وجوبه في مستقبل الأوقات مكررا، ثم جائز مع ذلك عندك ورود نسخه بعد التمكين ~~من فعل أدنى ما يقتضيه اللفظ، فلم أنكرت أن يجوز ورود النسخ فيه قبل مجيء ~~وقته والتمكن من فعل شيء منه كما أجزت وروده فيما يستقبل من فعل الصلاة ~~والصوم على الوجه الذي بيناه. قيل له: ليس هذا مما ذكرناه في شيء، وذلك لأن ~~ورود الأمر على هذه الصفة مقارن لجواز نسخه بعد التمكين من أدنى فعل ما ~~تناوله اللفظ ما دام النسخ قائما ببقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~ورد النسخ علمنا أن الفرض كان المقدار الذي وقع التمكين منه إلى وقت # PageV02P237 # النسخ، وأن ما بعد الوقت لم يكن مرادا بالأمر، وليس كذلك مسألتنا لأنه ~~إذا قال لنا: صلوا إذا زالت الشمس من هذا اليوم لزمنا اعتقاد وجوبها في ~~الوقت المذكور من غير تجويز لغيره، فمتى ورد نسخه كان نهيا عن المأمور ~~بعينه وقد بينا فساده. فإن قيل: فهلا أجزت ورود الأمر معقودا بشرط فعله في ~~وقت إن لم (ينه) عنه ولم ينسخه فيقول: صلوا عند الزوال إن لم أنسخه عنكم. ~~قيل له: هذا لا يجوز لأنه يصير بمنزلة قوله قد (أردته) منكم إن لم أكرهه، ~~وكقوله: هو حسن في ذلك الوقت إن لم يكن قبيحا، وكقوله: خبري هذا صدق إن لم ~~يكن كذبا تعالى الله عن ذلك، وكقوله: (قد) أمرتكم به إن لم يبد لي في ذلك ~~الأمر، وهذا لا يقوله إلا جاهل بالعواقب وبقبح الأمر أو بحسنه، لأن الأمر ~~بالشيء ليس هو الموجب لحسن المأمور به ولا النهي عنه موجبا لقبحه وإنما ~~يدلان إذا وردا من الله تعالى على حسنه أو قبحه، لأنه الله تعالى عالم بحسن ~~المأمور به قبل الأمر به وعالم بقبحه قبل النهي عنه، فغير جائز منه جواز ~~شرط النهي فيما علم حسنه ولا يجوز شرط الأمر فيما علم ms283 قبحه. # فإن قال: أليس جائزا فيما بيننا أن يقول الرجل لعبده: ادخل الدار غدا ما ~~لم أنهك عنه ولا يكون هذا مستنكرا عند العقلاء فما أنكرت من تجويز مثله في ~~أوامر الله تعالى. قيل له: إنما يجوز هذا فيما بيننا لجواز البداء علينا ~~والتنقل في الرأي واستحداث العلم (بالأمر) ، فجاز أن يقول الواحد منا ~~لعبده: افعل غدا كذا ما لم أنهك عنه كما يجوز أن يقول: افعله إن لم يبد لي ~~فيه، والله تعالى لا يجوز عليه البداءات، ولا استحداث العلم # PageV02P238 # بالأمور فلذلك امتنع جواز شرط ذلك في أوامره، ألا ترى أن من قال (مثل) ~~ذلك منا لعبده عقلنا من لفظه (أنه) إنما جوز على نفسه انتقاله عن الرأي ~~(الأول) إلى غيره لما عسى أن يبدو له في المستأنف وأن سيحدث علما لم يكن ~~علمه في الأول، فلما كان كذلك وجب ألا يجوز مثله على الله تعالى كما لا ~~يجوز عليه البداء واستحداث العلم بالأمور. فإن قال: قد أجزت فيما سلف من ~~الأبواب المتقدمة. # ورود الأمر من الله تعالى معلقا بشرط التمكين منه مثل أن يقول: صل إذا ~~زالت الشمس إن كنت صحيحا في ذلك الوقت، وقاتل المشركين غدا إن أمكنك، وإن ~~كان في المعلوم أنه لا يبلغ حال التمكين، ولا يمنع ذلك عندك صحة الأمر ~~معلقا بهذه الشريطة، فهلا جوزت (أن يقول) صل عند الزوال إن لم أنهك عنه. # قيل له: ما قدمنا من علة كل واحد من المثلين في الجواز أو الامتناع هو ~~الموجب للفصل بينهما وهو أنه لا يصح أن يقول: قد أردته منك إن لم أكرهه، ~~وأن أمري إياك حسن إن لم يك قبيحا، وإن هذا القول منه يقتضي تجويز البداء، ~~وهذه الصفة منفية، وليس في قوله: صل إن قدرت عليه اقتضاء صفة حكمها أن تكون ~~منفية عن الله تعالى، فلم يمتنع وروده على هذه الشريطة. ومن جهة أخرى أن ~~شرط صحة الأمر وكونه حسنا وجود التمكين في حال لزوم فعله فلا يمتنع وروده ~~مقرونا بهذه ms284 الشريطة، وإن كان في المعلوم أنه لا يبلغ حال التمكين. ويدل ~~على هذا أيضا أنه يصح أن يأمر الله تعالى بفعل يفعله في الثاني مع علمه ~~بأنه يفعل في الثاني ما يضاد فعل المأمور به ومعلوم امتناع وقوع الفعل منه ~~في حال وجود ضده، كما أنه معلوم امتناع وقوعه (منه) مع عدم التمكين منه، ثم ~~لم يمتنع ورود الأمر # PageV02P239 # بفعل في وقت معين لأجل ما في المعلوم من وقوع ضده منه في تلك الحال بدلا ~~منه ولم يكن هذا عبثا ولا سفها، كذلك الأمر المعلق بشرط التمكين أمر صحيح ~~وإن كان (في) معلوم الله تعالى أن المأمور لا يبلغ حال التمكين، ومن منع ~~حسن الأمر على شرط التمكين إذا كان في المعلوم أنه لا يتمكن منه فإنما منع ~~ذلك من جهة أن الآمر إذا كان عالما بذلك كان أمره (به) عبثا كأمره لنا ~~بصعود السماء ونحوه. # وفرق بين أوامر الله تعالى وأوامرنا لعبيدنا ومن يلزمه طاعتنا في جوازه ~~معلقا بشرط التمكين منه لأن الأمر منا يجوز في مثله بلوغ المأمور حال ~~التمكين ولو كان وجوده من المأمور فيما بيننا ميئوسا منه لما كان الأمر به ~~حسنا. قال: وكذلك إذا كان في معلوم الله تعالى أن المكلف لا يبلغ حال ~~التمكين لم يصح أمره. والجواب عن هذا: أن هذا إنما جاز وروده من الله تعالى ~~مقرونا بهذه الشريطة فيما يجوز فيه بلوغ حال التمكين وإن كان (في) معلوم ~~الله (أنا) لا نبلغها لأنا متى جوزنا ذلك لزمنا بوروده اعتقاد وجوبه على ~~الشريطة المذكورة فيه ويلزمناها توطين النفس عليه وتسهيله عليها إن بلغنا ~~حال التمكين وهذه عبادة يجوز أن يتعبدنا الله تعالى بها ويلزمناها في ~~الحال. وليس هذا بمنزلة الأمر بصعود السماء بشرط الإمكان، لأنا قد تيقنا ~~أنا لا نبلغ حال التمكين منه أبدا ولا يصح مع ذلك اعتقاد جواز بلوغ حال ~~الإمكان وتوطين النفس على الفعل إذا بلغناها، فإذا لم يتعلق بهذا الأمر ~~وجوب الفعل ولا اعتقاد شيء تصح العبادة به ms285 # PageV02P240 # كان عبثا فلم يصح أن يفعله الله تعالى. فإن قال: ما أنكرت على هذا أن ~~يجوز ورود الأمر معقودا بشريطة (أن يقول) افعلوا ما لم أنسخه عنكم قبل مجيء ~~وقت الفعل، وأن تكون العبادة علينا فيه اعتقاد وجوبه إن لم ينسخه. قيل له: ~~لا يخلو من أن يلزمه اعتقاد وجوبه بورود الأمر، أو أن يلزمه اعتقاد وجوبه ~~إن كان واجبا، أو اعتقاد حظره إن كان محظورا فيعتقد أحدهما بغير عينه أو ~~يعتقد أنه واجب عليه إن لم ينهه عنه. # فإن قلنا إنه يلزمه بورود الأمر المعقود بشريطة أن لا ينهى عنه اعتقاد ~~وجوبه فهذا الاعتقاد ليس هو مما يقتضيه لفظ الأمر المقيد بالشرط على الوصف ~~الذي ذكرت، بل هو مقتضى اعتقاد الأمر المبهم الذي لا شرط فيه فيؤدي هذا إلى ~~إسقاط فائدة الشرط. وقد دللنا على فساد القول بجواز نسخ (الأمر) المبهم ~~العاري من الشرط إذا تناول (وقتا) محصورا، وأيضا فإن كونه معقودا بشريطة أن ~~لا ينهى عنه يمنع وقوع العلم بوجوبه، لأنه ليس اعتقاد وجوب فعله عند مجيء ~~وقته بأولى من اعتقاد وجوب تركه فلو لزمنا بورود الأمر الذي هذه صفته ~~اعتقاد وجوبه كان في ذلك إيجاب اعتقاد ما ليس بواجب، وهذا أمر باعتقاد ~~الشيء على خلاف ما هو به وجواز الأمر بمثله منتف عن الله تعالى فبطل هذا ~~القسم بما وصفنا فإن كان إنما يلزمه بورود الأمر الذي هذا وصفه اعتقاد ~~وجوبه إن # PageV02P241 # كان واجبا، أو حظره إن كان محظورا على وجه الشك، فهذا لم يحصل بعد على ~~اعتقاد شيء لا حظر ولا إيجاب، وهذا يؤدي إلى سقوطه رأسا، لأن بعد ورود ~~الأمر كهي قبل وروده، لأنه قد كان يعتقد قبل ورود الأمر أن ما يوجبه الله ~~تعالى عليه في المستأنف فهو واجب، وأن ما يحظره فهو محظور، فيؤدي هذا القول ~~(إلى) إسقاط فائدة الأمر رأسا، فبطل هذا القسم أيضا. فإن قلنا: إنه يعتقد ~~أنه واجب عليه إن لم ينهه عنه لم يصح هذا، لأنه لا يصح مجيء ms286 العبادة به، ~~كما لا يجوز أن يقول قد أردته منك إن لم أكرهه، وهو حسن إن لم يكن قبيحا، ~~وأن هذا الخبر صدق إن لم يكن كذبا، فلما لم يجز ورود الخطاب من الله تعالى ~~بذلك لم يجز أن يعتقد في خطابه ما لا يجوز عليه، فلما لم يكن للاعتقاد في ~~الأمر الذي وصفه ما ذكرت وجه غير ما وصفنا، ولم يصح شيء منها لما بينا، ثبت ~~امتناع جواز وروده على هذه الشريطة. # فإن قال: ما أنكرت أن يجوز ورود الأمر على هذه الشريطة. فنقول: قد أمرتك ~~(به) إن لم أنسخه، ويكون الذي يلزمنا بورود الأمر الذي هذه صورته: أن هذا ~~الخطاب قد تعلق به حكم مجمل يرد بيانه في الثاني من حظر أو إباحة، ويكون ~~بيان حكمه مترقبا بمجيء وقت الفعل فإن حظره علمنا أن المراد (بالخطاب ~~المتقدم كان الحظر، وإن لم ينسخه علمنا أن المراد) (به) كان الإيجاب، كما ~~نقول في سائر الألفاظ المجملة التي لا سبيل إلى استعمالها إلا بورود بيانها ~~ولا يؤدي إلى إبطال (فائدة الأمر كما لا يكون) اللفظ المجمل عاريا من ~~(الفائدة) لوروده مجملا. # PageV02P242 # قيل له: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن قوله صل ركعتين عند زوال الشمس أو ~~تصدق بدرهم غدا ليس بمجمل من حيث اقتضى وجوب الفعل في الوقت المذكور له، ~~فقد ألزمنا بوروده اعتقاد وجوبه فلو جاز أن يقرن به (قوله) افعل ما لم ~~أنسخه لما كان ذلك مؤثرا في نفس الأمر أنه مقتضى الإيجاب إلا أنه شرط جواز ~~رفعه، وقد بينا أن ذلك لا يجوز. وأما المجمل: فمن حيث لم يلزمنا فيه اعتقاد ~~شيء بعينه جاز أن يكون حكمه موقوفا على البيان، فما ورد فيه من بيان الحكم ~~علمنا أنه كان المراد بالجملة. # والوجه الآخر: أن النهي لو ورد بعد ذلك لم يجز أن يكون لفظ الأمر عبارة ~~عنه. فقولك: إن لفظ الأمر المقرون بجواز شرط النهي موقوف على ورود البيان ~~خطأ، لأن النسخ لو صح لما كان الأمر باقيا، ms287 بل يكون مرفوعا زائلا فكيف يكون ~~ما يوجب دفعه وإسقاطه بيانا له، وهو يوجب أيضا أن يكون لفظ الأمر موضوعا ~~للنهي، ولفظ الإيجاب موضوعا للحظر في هذا الموضع، وهذا خلف من القول. وأما ~~ورود بيان المجمل فغير مزيل لحكم اللفظ، لأن لفظ الجملة قد كان يصلح له، ~~ويصح أن يكون عبارة عنه إما في اللغة أو الشرع، فلم يكن بيانه منافيا لحكم ~~الجملة. وقد احتج من أجاز نسخ الحكم قبل مجيء وقته بما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فرض عليه وعلى أمته ليلة أسري به إلى السماء خمسون صلاة ~~فما زال يسأل الله حتى ردها إلى خمس. قالوا: فقد نسخ فرض الخمسين إلى الخمس ~~قبل مجيء وقت الفعل. وبأمر الله تعالى إبراهيم بذبح ابنه وأنه نسخ قبل مجيء ~~وقت الفعل، وبصلح النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشا على أنه يرد عليهم من ~~جاءه (منهم) مسلما ثم نسخ ذلك عن النساء قبل # PageV02P243 # مجيئهن إليه، وقوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة} [المجادلة: 12] {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم} [المجادلة: 13] ~~فأخبر أنه نسخه قبل مجيء (وقت فعله) . والجواب عن ذلك: أن ما روي من فرض ~~الخمسين صلاة يجوز أن يكون ورد في الابتداء معقودا بشرط اختيار النبي - ~~عليه السلام - لذلك كما قال تعالى: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم} [النور: 62] قال ابن عباس: فجعل النبي - عليه السلام - (بأعلى) ~~النظرين في ذلك، ليس يمتنع عندنا تعلق الفرض باختيار المأمور به، كاختلاف ~~حكم صلاة السفر والحضر باختياره السفر والإقامة، وكما تلزمنا القرب بالنذر ~~وإيجابنا لها على أنفسنا، وكما يكون الحانث في يمينه مخيرا في أن يكفر ~~يمينه بواحدة من الأشياء الثلاثة وبأيها كفر تعين حكم الفرض به دون غيره. ~~فإن قيل: لا يجوز أن يكون إيجاب الفرض موكولا إلى اختيار أحد من المأمورين، ~~لأن الفروض والأوامر إنما (هي) حسب المصالح ولا علم لأحد غير الله تعالى ~~بمصالح العباد. قيل له: ليس يمتنع عندنا أن يكون في معلوم ms288 الله تعالى أن ~~هذه الأشياء متساوية من جهة الصلاح، فإذا خير النبي - عليه السلام - في ذلك ~~لا يختار إلا ما هو صلاح فيكل وجوب الفرض إلى اختياره. # وقد قال بعض أهل العلم: جائز أن يكون الله عز وجل قد جعل لنبيه - عليه ~~السلام - أن يسن ما رأى، ويفرض ما شاء باختياره من غير وحي يأتيه في ذلك ~~الشيء بعينه، كما «قال # PageV02P244 # للأقرع بن حابس لما سأله عن الحج أواجب في كل عام أو حجة واحدة، فقال - ~~عليه السلام -: بل حجة واحدة ولو قلت نعم لوجبت» وكما استثنى الإذخر عند ~~مسألة العباس إياه ذلك حين قال: «لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها، فقال ~~العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فقال: إلا الإذخر» بعدما أطلق النهي في ~~الجميع قال: فهذا يدل على أنه قد كان حكم التحريم أو الإباحة معلقا ~~باختياره. وكما قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد ~~مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم» فدل على أن إيجاب ذلك كان ~~مجعولا إليه وموقوفا على اختياره، وليس الغرض الكلام في هذه المسألة، إلا ~~أنا بينا أن ذلك غير ممتنع عند قوم من أهل العلم، وإن لم يثبت عندنا صحته ~~إذا لم يكن قوله فيه من طريق الاجتهاد، وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع (عندنا) ~~أن نكل فرض الخمسين إلى اختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - المسألة فيه، ~~فما زال صلوات الله عليه يسأل الله تعالى في ذلك حتى استقر الفرض على خمس. # فإن قيل: فإن كان الفرض في الابتداء موكولا إلى اختيار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فما معنى مسألته التخفيف ومراجعته فيه. قيل له: إنما قلنا إنه ~~لا يمتنع أن يكون موكولا إلى اختيار النبي - عليه السلام - بأن # PageV02P245 # يسأل الله تعالى التخفيف عن أمته فتكون مسألته سببا للتخفيف، كما قلنا ~~(في) فرض السفر والإقامة إنه موقوف على اختيارنا للسفر أو الإقامة فيختلف ~~الفرض باختلاف الحالين اللذين هما موقوفان على اختيارنا. وقد بينا فيما سلف ~~أن الفرض ms289 وكفارة اليمين أحد الأشياء الثلاثة لا جميعها، وأن حكم المفروض ~~فيها متعلق باختيار المكفر حتى يتعين به الحكم إذا فعله دون غيره، وأما أمر ~~الله تعالى إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه فقد قيل فيه وجوه: أحدها: ~~أنه إنما أمره بذبحه في وقت بعينه على شرط التمكين منه وارتفاع الموانع ~~الحائلة بينه وبينه، وقد بينا جواز ورود الأمر معقودا بهذه الشريطة، فلما ~~عالج أسباب الذبح حيل بينه وبينه بضرب من المنع. وقد قال بعض أهل (العلم ~~في) التفسير: ضرب الله تعالى على حلقه صفيحة نحاس فلم تعمل فيها الشفرة، ~~فقيل له بعد ذلك، قد صدقت الرؤيا، لأنه فعل ما أمكنه وبذل المجهود فيه ولم ~~يكن عليه غيره، وهذا التأويل غير مخالف لقوله تعالى: {إني أرى في المنام ~~أني أذبحك فانظر ماذا ترى} [الصافات: 102] ، لأنه جائز أن يكون (إنما) رأى ~~في المنام فعل أسباب الذبح ومعالجته وقد فعل وسماه ذبحا لأنه سبب يقع بمثله ~~الذبح في العادة ما لم يحدث منع كما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان مجاورا ~~له أو كان منه بسبب. فإن قال قائل: فلا معنى إذن للفدية إذا لم يكن مأمورا ~~بالذبح لعدم التمكين منه ولا يقع ما سمي فدية موقع الفدية لأن الفدية ما ~~قام مقام الشيء. # PageV02P246 # وما فدي به عندك لم يقم مقام شيء أمر به ثم لم يفعله إذا كان جميع ما أمر ~~به قد فعله عندك. قيل له: (ليس) يمتنع أن يكون قد سمي فدية لما كان يتوقعه ~~إبراهيم - عليه السلام - من حدوث الموت بالذبح، ففدى ما كان في تقديره أنه ~~سيقع بما (قدر) به. وقد قيل: إنه ذبحه وفرى الأوداج ثم وصلها الله في أسرع ~~من لمح الطرف قبل خروج الروح، وهذا جائز غير ممتنع. # وأما صلح النبي - عليه السلام - قريشا على ما صالحهم عليه ونسخ الحكم عن ~~النساء فلا دلالة فيه على ما ذكره، لأنه قد كان مضى من وقت الحكم إلى أن ~~نزل القرآن برد النساء مدة يمكن استعمال الحكم فيها ms290 فليس في هذا نسخ الحكم ~~قبل مجيء وقته، وكذلك نسخ الصدقة عند مناجاة الرسول - عليه السلام - وهو ~~على هذا السبيل لأنه قد كان مضى من وقت نزول الحكم إلى وقت ورود النسخ مدة ~~يمكن استعمال الحكم فيها، ونسخ مثله غير ممتنع وليس هو من مسألتنا في شيء. ~~فثبت بما ذكرنا امتناع جواز النسخ قبل مجيء وقت الفعل وجميع الأقسام التي ~~ذكرنا أنه لا يجوز نسخها هو في معنى ذلك. # وأما القسم الذي ذكرنا جواز نسخه، وهو أن يرد لفظ يقتضي ظاهره عموما في ~~جنس يوجب فعله على الدوام في مستقبل الأوقات من غير ذكر توقيت فهو (من) نحو ~~قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] وقوله تعالى: {والذين يرمون ~~المحصنات} [النور: 4] وما جرى مجرى # PageV02P247 # ذلك من ألفاظ العموم وفيما (يقتضي) مستقبل الأوقات كقوله: صوموا عاشوراء ~~فيما (يستقبل) من السنين ونحو (ذلك) قوله لبني إسرائيل: تمسكوا بتحريم ~~السبت في مستقبل الزمان، فيجب على من كان مخاطبا بها اعتقاد موجب لفظها ~~وتجويز نسخها مع ذلك إذا وجد من وقت الفعل أدنى ما يتناوله لفظ الأمر، لأن ~~لفظ العموم لما كان عبارة عن ثلاثة فما فوقها، وذكره بمستقبل الأوقات يصلح ~~أن يكون عبارة عن قليل الأوقات وكثيرها، لم يمتنع ورود النسخ فيه بأن يبين ~~تارة أن حكم بعض المشركين إلى هذه الغاية وجوب قتلهم، ومن الآن قبول الجزية ~~منهم، ويبين أن حكم بعض القاذفين إلى هذا الوقت الجلد، ومن الآن اللعان وهم ~~قاذفو الزوجات، ويبين أن صوم عاشوراء فرضه إلى وقت نزول (الأمر بصوم شهر) ~~رمضان، وأن تحريم السبت (إلى الوقت) الذي نسخه على لسان نبي آخر جاء بعده، ~~وسواء في ذلك فعل المأمور به أو لم يفعل، فإن نسخه جائز عندنا. # وذلك لأنه إذا وقع التمكين من الفعل فقد لزمه فرضه، وتفريطه فيه لا يمنع ~~نسخه عنه كما يجوز أن يعلقه في الابتداء بوقت بعينه، فإذا مضى الوقت قبل ~~فعله سقط عنه الفرض، وكما يجوز أن يشرط ذلك في الابتداء فتقول (له: إن ~~فعلته ms291 عند وجود التمكين منه فذاك وإن تركته فأنت معاقب) على تركه ولا فرض ~~عليك بعده، ويدل على ذلك أيضا: أن ورود النسخ جائز، وإن ترك بعض المأمورين ~~ما أمر به في وقت لزومه، ولولا أن ذلك كذلك لكان الرسول - عليه السلام - ~~إذا أراد نسخ شيء سألهم: هل ترك أحد منكم فعل المأمور به حتى يصح نسخه على ~~قول المخالف. ولو فعل ذلك لنقل، فلما لم يسألهم عن ذلك في شيء مما نسخه، بل ~~قد روي عنه أنه نسخ أشياء كثيرة من غير بحث منه عن حال # PageV02P248 # المأمورين في فعله أو تركه دل (ذلك) على أنه ليس شرط جواز النسخ فعل ~~المأمور به. # وأيضا فقد اتفق الجميع على أن النهي يصح نسخه بعد التمكين من تركه وإن ~~ارتكب المنهي فعله ولم يكن ارتكابه للفعل المنهي عنه مانعا من نسخه كذلك ~~تركه لفعل المأمور به لا يمنع جواز نسخه. # PageV02P249 ### | [باب في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم] # اختلف الناس في نسخ (رسم) القرآن وتلاوته مع بقاء حكمه. فقال قوم: لا ~~يكون رفع حكمه إلا برفع رسمه وتلاوته فيرتفع الحكم بارتفاعها. # وقال آخرون: يجوز رفع أحدهما مع بقاء الآخر أيهما كان من تلاوة أو حكم. ~~وقال طائفة: لا يجوز نسخ القرآن وتلاوته ولكن يجوز نسخ الحكم مع بقاء ~~التلاوة. قال أبو بكر - رحمه الله -: أما جواز نسخ الحكم فلا خلاف فيه بين ~~الأمة إلا فرقة شذت عنها، وقد حكينا فيما تقدم قولها. # وأما نسخ الرسم والتلاوة فإنما يكون بأن ينسيهم الله تعالى إياه ويرفعه ~~من أوهامهم (أو يأمرهم) بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على ~~الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله تعالى: {إن هذا ~~لفي الصحف الأولى} [الأعلى: 18] {صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: 19] ولا نعرف ~~اليوم منها شيئا، ثم لا يخلو ذلك من أن يكون في زمان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى إذا توفي لا يكون متلوا من القرآن، أو يموت وهو متلو موجود ~~بالرسم ثم ينسيه الله ms292 الناس ويرفعه من أوهامهم. # وغير جائز عندنا نسخ شيء من القرآن بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لا رسمه ولا حكمه، ولا خلاف بين الأمة أن نسخ القرآن وسائر الأحكام لا ~~يكون بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قوم ملحدة يستهزئون بإظهار ~~الإسلام ويقصدون إفساد الشريعة بتجويز نسخ الأحكام بعد موت النبي - عليه ~~السلام -. # وأما نسخ رسم القرآن دون حكمه في حياة النبي - عليه السلام -، فإن في ~~مذهب أصحابنا ما يدل على تجويزهم نسخ التلاوة قبل وفاة النبي - عليه السلام ~~- مع بقاء الحكم، وأما بعد وفاته - عليه السلام - فغير جائز. # PageV02P253 # والذي يدل على مذهب أصحابنا على ما ذكرنا: إيجابهم التتابع في صوم كفارة ~~اليمين، لما ذكروا أن في حرف عبد الله بن مسعود " فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات " ومعلوم أن ذلك ليس في القرآن اليوم ولا يجوز تلاوته فيه ولا ~~القطع بأنه منه، وقد كان حرف عبد الله مستفيضا عندهم في ذلك العصر. # ومعلوم أن النسخ غير جائز وقوعه بعد موت النبي - عليه السلام -، لأنه لو ~~جاز بعد موته لم نأمن من أن تكون الشريعة كانت عند وفاة النبي - عليه ~~السلام - أضعاف ما في أيدينا اليوم فرفعها الله من أوهام الأمة، ولو جاز ~~ذلك لجاز ألا يكون شيء مما في أيدينا من الشريعة مما كان موجودا في عصر ~~النبي - عليه السلام -، بأن يكون أنسى الأمة جميع ما أتى به النبي - عليه ~~السلام -، ورفعه من أوهامهم ثم ألف بين قلوبهم وألهمهم هذه الشريعة التي في ~~أيدينا (اليوم) . # وفي القول بهذا خروج عن الملة، فثبت امتناع جواز النسخ بعد وفاة النبي - ~~عليه السلام -، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ما ذكروه من شرط التتابع في كفارة ~~اليمين في حرف عبد الله بن مسعود منسوخ التلاوة في حياة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بأن يكون قد أمروا بألا يقرءوه من القرآن ولا يكتبوه في الصحف، ~~فلذلك لم ينقل إلينا من الطريق التي نقل القرآن، ويكون معنى قولهم أنه في ~~حرف عبد ms293 الله (أن ذلك كان من القرآن في حرف عبد الله) ثم نسخت التلاوة وبقي ~~الحكم، لأنه لو كان المراد أنه ثابت في حرف عبد الله بعد وفاة الرسول - ~~عليه السلام -، لما جاز أن يكون نقله إلينا إلا من الوجه الذي نقل إلينا ~~منه سائر القرآن، وهو التواتر والاستفاضة، حتى لا يشك أحد في كونه منه، ~~فلما لم يرد نقله على هذا الوجه دل ذلك على أن مرادهم أنه مما كان في حرف ~~عبد الله وأن تلاوته منسوخة. # PageV02P254 # فإن قال قائل: فإذا لم ينقل ذلك إلينا إلا من طريق الأحاديث فلا يثبت ~~حكمه ولا يعترض به على حكم القرآن، لأن من أصلك أن الزيادة في نص القرآن لا ~~يجوز (إلا بمثل ما يجوز) به النسخ. قيل له: قد كان هذا الحكم مستفيضا عندهم ~~أنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا الحكم بالاستفاضة وبقاء تلاوته غير ثابت ~~بالاستفاضة، لأنه جائز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة فلذلك لم نثبته متلوا ~~فيه. فإن قال قائل: فإن كان الحكم ثابتا بالاستفاضة، فأثبت التلاوة بمثلها، ~~لأنه الوجه الذي منه نقل الرسم. قيل له: لا يجب ذلك لأن التلاوة لما لم يبق ~~حكمها اليوم من جهة نقل الاستفاضة إذا لم تثبت في سائر المصاحف، علمنا أنها ~~منسوخة وليس في ترك تلاوتها ما يوجب نسخ حكمها إذ لا يمتنع بقاء أحدهما مع ~~عدم الآخر. ### | [نسخ التلاوة والحكم جميعا] # فأما نسخ التلاوة والحكم جميعا: فجائز (أيضا) عندنا في زمان النبي - عليه ~~السلام -. # ويجوز (عندنا أيضا) نسخ الأخبار دون مخبرها في حياته - عليه السلام - على ~~ما بينا فيما سلف، ولا يجوز ذلك بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأن ~~العبادة تتعلق بنا بورود رسم القرآن من وجهين. # أحدهما: التلاوة. # والآخر: الحكم فليس يمتنع زوال العبادة بالأمرين جميعا. # PageV02P255 # أما نسخ الحكم: فبأن يتعبد بضده. وأما نسخ التلاوة فبأن ينسيه النبي - ~~عليه السلام - ومن كان حفظ من الأمة في عصره ويرفعه من أوهامهم أو يأمرهم ~~بألا يثبتوه في المصحف ولا يتلوه، فينسى ms294 على مر الأوقات قبل وفاة النبي - ~~عليه السلام -. # وقد روي أن نسخه بالنسيان قد كان في زمان النبي - عليه السلام -، «وأن ~~بعضهم أنسي سورة قد كان حفظها فسأل النبي - عليه السلام - عن ذلك فقال - ~~عليه السلام -: إنها نسخت» ، وروي «أن النبي - عليه السلام - قرأ في صلاة ~~سورة، فترك آية منها فقال له رجل: تركت آية كذا، فقال: ألا أذكرتنيها فقال ~~الرجل: ظننت أنها نسخت» . {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: ~~86] . وقال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6] {إلا ما شاء الله} ~~[الأعلى: 7] وقال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~[البقرة: 106] . # وروي في التفسير: أو ننسها من النسيان. # وروي أنه من الترك بألا ينسخها، وأقل أحوال الآية إذا كانت محتملة ~~(للنسيان) تجويز ما وصفنا فيها. # وأما ما طعن به بعض أهل الإلحاد ممن ينتحل دين الإسلام وليس منه في شيء ~~ثم كشف قناعه وأبدى ما كان يضمره من إلحاده، بأن القرآن مدخول فاسد النظام ~~لسقوط كثير منه. # ويحتج فيه بما روي أن عمر - رضي الله عنه - قال: " إن آية الرجم في كتاب ~~الله تعالى # PageV02P256 # وسيجيء أقوام يكذبون بالرجم وأنه كان فيه إذا زنى الشيخ والشيخة ~~فارجموهما ألبتة " " وإن أبي بن كعب قال: إن سورة الأحزاب كانت توازي ~~البقرة أو هي أطول، وأنه " كان فيها آية الرجم وأنه كان فيها لو أن لابن ~~آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ~~ويتوب الله على من تاب " # PageV02P257 # وأنه روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ لا ترغبوا عن ~~آبائكم فإنه كفر بكم ". # وروي عن أنس " أنهم كانوا يقرءون بلغوا قوما عنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ~~وأرضانا "، ونحو ذلك مما يروى أنه كان في القرآن، فإنه لا مطعن لملحد فيه، ~~لأن هذه الأخبار ورودها من طريق الآحاد فغير جائز إثبات القرآن بها. # ثم لا يخلو من أن تكون صحيحة في الأصل ثابتة على ما روي فيها أو ms295 سقيمة ~~مدخولة، (فإن كانت مدخولة) فالكلام عنا فيها ساقط، وإن كانت صحيحة في الأصل ~~لم يخل من أحد وجهين: إما أن تكون محتملة أن يكون المراد بها أنها من ~~القرآن، ومحتملة لغيره، أو لا تحتمل إلا كونها من القرآن، فما لم يحتمل ~~منها إلا أن يكون قد كانت من القرآن فهو من الخبر الذي قلنا إنه منسوخ ~~التلاوة والرسم في زمان النبي - عليه السلام -، وما احتمل منها لفظه وجهين ~~أحدهما: أن يكون مراده (أنه) آية من القرآن، واحتمل أن يكون المراد (آية) ~~من حكم الله ومما أنزله (الله) ، وإن لم يكن من القرآن فليس القطع فيه بأحد ~~وجهي الاحتمال بأولى من الآخر فالكلام فيه عنا ساقط، وعلى أي الوجهين حمل ~~فلا اعتراض فيه لملحد، لأنه إن حمل على أنه كان من القرآن فهو (من) القبيل ~~الذي هو منسوخ # PageV02P258 # التلاوة، وعلى أن كل خبر ذكر في سياقه لفظه فليس في ظاهره دلالة على ~~المراد به أنه كان من القرآن، مثل خبر عمر - رضي الله عنه - فإن لفظه يحتمل ~~معنيين ولا دلالة فيه على (أن المراد به) أنه كان من القرآن لأنه قال: إن ~~الرجم في كتاب الله قرأناه ووعيناه، فهذا يحتمل أن يكون مراده أنه في فرض ~~الله كما قال تعالى: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24] يعني فرضه وكقوله ~~تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأنفال: 75] يعني ~~في فرضه وكقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] (أي فرض عليكم) و ~~{كتب عليكم القتال} [البقرة: 216] يعني فرض عليكم، وإذا كان (ذلك) كذلك لم ~~يثبت أن مراده أنه كان من القرآن فنسخت تلاوته لأن ذلك لا يعلم إلا ~~باستفاضة النقل في لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا. # ويدل على أن مراده كان ما وصفنا، أنه قال: لولا أن يقول الناس زاد عمر في ~~كتاب الله لكتبته في المصحف، فلو كان عنده آية من القرآن لكتبه فيه قال ~~الناس ذلك أو لم يقولوه فهذا يدل على أنه لم يرد بقوله إن الرجم في ms296 كتاب ~~الله أنه من القرآن (و) روي عنه أنه قال: إن الرجم مما أنزل الله وسيجيء ~~قوم يكذبون به، وهذا اللفظ أيضا لا دلالة فيه على أنه أراد به أنه من ~~القرآن لأن فيما أنزل الله تعالى قرآنا وغير قرآن، قال الله تعالى في وصف ~~الرسول - عليه السلام -: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] {إن هو إلا وحي ~~يوحى} [النجم: 4] وروي في # PageV02P259 # بعض ألفاظ هذا الحديث أنه قال: " إن مما أنزل الله آية الرجم " وهذا ~~اللفظ لو ثبت لم يدل أيضا على أن مراده أنه كان من القرآن، لأن ما يطلق ~~عليه اسم الآية لا يختص بالقرآن دون غيره، قال تعالى: {ومن آياته خلق ~~السماوات والأرض} [الروم: 22] ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآيات} [الروم: 22] ~~فسمى الدلالة القائمة مما خلق على توحيده آية فليس يمتنع أن يذكر (آية) ~~الرجم وهو يعني أن ما يوجب الرجم أنزله الله على رسوله - عليه السلام - ~~بوحي من عنده. # وأيضا (فإنه) يحتمل أن يكون أصل الخبر ما ذكر فيه أن مما أنزل الله ~~(الرجم) ثم (كان) تغيير الألفاظ فيه من جهة الرواة فعبر كل منهم بما كان ~~عنده أنه هو المراد لأن من الرواة من يرى نقل المعنى (عنده دون) اللفظ فظن ~~بعض الرواة أنه إذا قال إنه مما أنزل الله فقد قال إنه من القرآن وإنه آية ~~منه فعبر عنه بذلك. # فإن قيل: فلو لم يكن عنده من القرآن كيف كان يجوز له أن يقول (لولا أن ~~يقول) الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف، وكيف يجوز أن يكتب في ~~المصحف ما ليس منه. قيل له: يجوز أن يكون مراده أنه كان يكتبه في آخر ~~المصحف ويبين مع ذلك أنه ليس من القرآن ليتصل نقله ويتواتر الخبر به كما ~~يتصل نقل القرآن لئلا يشك فيه شاك ولا يجحده # PageV02P260 # جاحد فقال: لولا أن يظن ظان أنه من القرآن، أو يقول قائل: إن عمر زاد في ~~القرآن لكتبته في المصحف. # ويدل عليه ما روى ابن ms297 عباس «عن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: لقد هممت ~~أن أكتب في المصحف شهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف أن رسول الله رجم ~~ورجمنا بعده وسيجيء قوم يكذبون بالرجم وبالشفاعة وبقوم يخرجون من النار» ~~فبين بهذا الحديث أن مراده كان إشاعته وإظهاره ليستفيض نقله لا أنه من ~~القرآن، وذلك لأنه كان سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول سيجيء قوم ~~يكذبون بذلك، لأنه غير جائز أن يكون قوله سيجيء قوم يكذبون بالرجم من قبل ~~نفسه من غير توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - له لأن ذلك لا يعلم إلا ~~بطريق الوحي. # وأما حديث أبي بن كعب، فإن ثبت وصح فهو من المنسوخ التلاوة لا محالة. # وما روي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ: لا ترغبوا عن ~~آبائكم فإنه كفر بكم فلا دلالة (فيه) على أنه كان يراه من القرآن لأن السنن ~~وسائر كلام الناس يقرأ، وكذلك حديث أنس. # PageV02P261 # فإن قال قائل: تأويلكم لهذه الأخبار أنه إن ثبت الخبر فإنه من الخبر ~~المنسوخ التلاوة والرسم كلام متناقض، لأن كل منسوخ الرسم والتلاوة لا يعرفه ~~الناس ولا يقرءونه، وقد أخرت ثبوت الخبر وقراءتهم إياه بعد وفاة النبي - ~~عليه السلام - فكيف يكون منسوخ الرسم مما بقيت تلاوته (ورسمه) إلى يومنا ~~هذا. قيل له: تجويزنا لثبوت الخبر لا يمنع ما ذكرنا ولا ينقض تأويلنا، لأن ~~الخبر لم يقتض أن يكون هذا المنقول بعينه هو الذي كان من ألفاظ القرآن على ~~نظامه وتأليفه حسب ما نقلوه إلينا وليس يمتنع أن يكون ذلك قد نقلوه على نظم ~~آخر ونسخ ذلك النظم وأنسي من كان يحفظه ولم ينسخ الحكم، فنقلوه بلفظ غير ~~اللفظ الذي كان رسم القرآن حين نزوله إلى أن رفع فلا يكون هذا من القرآن، ~~وهذا جائز أن يفعله الله، وذلك لأن قوله من القرآن ومن رسمه يتعلق به أحكام ~~لا تتعلق بغيره، منها أنه مما يلزم الجميع اعتقاد أنه كلام الله تعالى الذي ~~أنزله على رسوله ms298 - صلى الله عليه وسلم - على نظامه وترتيبه من (غير) تغير ~~لنظمه ولا إزالة لتأليفه فإذا نسخ رسمه ونظامه أسقط عنا التعبد بالاعتقاد ~~والذي ألزمناه في حال كونه غير منسوخ. # والثاني: ما يتعلق به من حكم جواز الصلاة (به) وأن قراءته فيها لا تفسدها ~~وإذا كان من غير القرآن أفسدها. # والثالث: العبادة بالتقرب إلى الله تعالى بتلاوته وما يستحق من الثواب ~~الجزيل بقراءته. والرابع: أن نكون مأمورين بحفظه وإثباته في مصاحفنا ونقله ~~على نظامه وترتيبه. فهذه كلها أحكام متعلقة بوجود رسم القرآن دون معانيه ~~وأحكامه المذكورة (فيه) فلا يمتنع إذا # PageV02P262 # كان هذا كما وصفنا أن ينسخ الرسم فتزول هذه الأحكام من المنسوخ ويبقى ~~حكمه فيكون بمنزلة سائر السنن كما نسخ رسم الكتب القديمة وتلاوتها وكثير من ~~أحكامها ومعانيها باقية. # فإن قال قائل: كيف يجوز نسخ الرسم والتلاوة وهو مما لا يجوز أن يختلف حكم ~~الاعتقاد فيه فيعتقد في حال أنه قرآن وفي حال أنه غير قرآن، وهلا كان ~~بمنزلة سائر الأشياء التي لا يجوز نسخها كأخبار الله تعالى أن اعتقادنا في ~~مخبراتها لما لم يختلف حكمها في حال فنعتقد في حال نزولها موجب مخبراتها ~~ونعتقد في حال أخرى خلاف ذلك لم يجز نسخها. قيل له: ما ذكرت لا يمنع (نسخ) ~~الرسم والتلاوة على الوجه الذي ذكرنا، وذلك لأن القرآن إنما كان (قرآنا) ~~لوجوده على هذا الضرب من النظام المعجز للإنس والجن، والله قادر على إزالة ~~النظم ورفعه من قلوب عباده وأوهامهم، كما قال تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن ~~بالذي أوحينا إليك} [الإسراء: 86] فإذا ذهب به وأنساه خلقه لم يكن قرآن، ~~لأن ما ليس بموجود لا يسمى قرآنا وإذا كان كذلك لم يمتنع ورود النسخ فيه ~~على هذا الوجه (إلا أن الاعتقاد) الأول باق في أن ما أنزل على ذلك الضرب من ~~النظام كان قرآنا حين كان موجودا متلوا ومسطورا، فإذا عدم ذلك فيه لم يكن ~~في هذا الحال قرآنا وليس كذلك مخبر أخبار الله تعالى لأنه قد لزمنا اعتقاد ~~معناه على ما ms299 وقع عليه ورود الخبر به وذلك المعنى الذي ورد الخبر لم يتغير ~~ولم يتبدل (فلا يصح) أن نتعبد بخلاف معتقده، وأما النظم الذي من أجله كان ~~قرآنا إذا زال فقد زال المعنى الذي من أجله لزم الدوام على الاعتقاد في ~~بقائه في المستقبل قرآنا فلذلك اختلفا. # PageV02P263 # فإن قال قائل: قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ~~[الحجر: 9] وقال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] {فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19] . وظاهره ~~يقتضي أن يكون حافظا له أبدا وأن البيان به حاصل لجميع الأمة إذ لم يخص ~~وقتا من وقت ولا قوما من قوم، وقال تعالى: {إن هو إلا ذكر للعالمين} ~~[التكوير: 27] فأخبر أن جميعه ذكر للعالمين وذلك يؤمننا وقوع نسخ تلاوته ~~ورسمه، لأن ما رفع وأنسي ولم ينقل لا يكون ذكرا للعالمين، وقال تعالى: ~~{لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] فأخبر أنه منذر بجميع القرآن في (كل) ~~الأوقات وما رفع لا يصح الإنذار به، وقال تعالى: {وإنه لكتاب عزيز} [فصلت: ~~41] {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: ~~42] وهذا يمنع جواز (رفعه) ، وقال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم} [الإسراء: 9] ، فأخبر أن جميعه يهدي ولم يستثن وقتا من وقت فوجب أن ~~توجد الهداية في جميعه أبدا. # وقال تعالى: {مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} [البقرة: 97] وذلك ~~خبر عن جميعه. والجواب: بأن جميع ما ذكر لا يمنع جواز نسخ رسمه وتلاوته كما ~~لم تمنع (هذه الآيات من) جواز نسخ أحكامه وموجباته، لأن القرآن ينتظم ~~شيئين، النظم والمعنى، فإذا لم تمنع هذه الآيات من جواز نسخ أحكامه لم تمنع ~~جواز نسخ رسمه وتلاوته، وكانت معاني هذه الآيات محمولة على غير جواز النسخ. # PageV02P264 ### | [نسخ الرسم والتلاوة بعد وفاة الرسول] # وأما نسخ الرسم والتلاوة بعد وفاة الرسول فغير جائز كما لا يجوز نسخ ~~الحكم، ولو جاز ذلك في رسمه وتلاوته لجاز مثله في أحكامه، فلما امتنع نسخ ~~أحكامه بعد ms300 وفاة الرسول - عليه السلام - امتنع نسخ رسمه وتلاوته، لأن الرسم ~~قد تعلق به الأحكام على ما بيناه فيما سلف وفي نسخه نسخ تلك الأحكام. # وقد احتج الشافعي لاعتبار الخمس رضعات في إيجاب التحريم بما روى أبو بكر ~~بن محمد بن عمرو بن حزم ويحيى بن شعبة الأنصاري عن عمرة عن عائشة - رضي ~~الله عنها - قال: «كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم ~~نسخن بخمس # PageV02P265 # معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن مما يقرأ من ~~القرآن» وفي بعض ألفاظ هذا الحديث " وكانت في صحيفة تحت السرير فلما توفي ~~رسول الله اشتغلنا بدفنه فدخلت داجن فأكلتها " فلا يخلو (المحتج بهذا) ~~الحديث من إحدى منزلتين: إما أن يجيز نسخ رسم القرآن وتلاوته بعد وفاته - ~~عليه السلام - أو لا يجيز. فإذا أجازه ارتكب أمرا شنيعا قبيحا خارجا عن ~~أقاويل الأمة كطرق الملحدين الطاعنين في القرآن بأنه لم ينقل أكثره وأنه قد ~~فقد عظمه، ولا يمكنه مع ذلك الفصل بين إجازة نسخ رسمه وتلاوته وبين إجازة ~~نسخ أحكامه بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بيناه فيما سلف، ~~وإن منع جواز نسخ رسمه وتلاوته بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يصح له الاحتجاج (به) ، لأن فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~توفي ورسمه باق، لأنها قالت: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن ~~مما يقرأ من القرآن، فإن كان الخبر ثابتا عنده فالواجب عليه إثباته من ~~القرآن # PageV02P266 # لأنه قد أعطى امتناع جواز النسخ بعد وفاة النبي - عليه السلام -. # فإن قال: إنما أثبت الحكم دون التلاوة كما أثبت أنت التتابع في كفارة ~~اليمين لما في حرف عبد الله وإن لم تثبت الرسم. قيل له: ليس في حرف عبد ~~الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توفي وهو من القرآن، وكونه من ~~القرآن في وقت لا يوجب (كونه من القرآن) أبدا ما دام النبي - عليه السلام - ~~باقيا فوجب إذ لم يثبت نقله ms301 قرآنا من طريق التواتر ألا نثبته قرآنا بعد ~~وفاة النبي - عليه السلام -، وفي خبر عائشة هذا أنه كان قرآنا بعد وفاته، ~~وما ثبت في ذلك، لا يجوز بعد ذلك نسخه، على أنه قد ذكر فيه أن ذهابه كان ~~لأجل أن الداجن أكل الصحيفة التي كان فيها ذلك ولا يجوز أن يتوهم في كتاب ~~الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنه كان معرضا لأكل ~~الداجن له وذهابه بعد وفاة النبي - عليه السلام -. # فإن قيل: فما وجه هذا الحديث عندكم. قيل له: يحتمل أن يكون لفظ عائشة فيه ~~على غير الوجه الذي روي في هذا الحديث بأن تكون قالت إنه كان فيما أنزل ~~الله تعالى أو في كتاب الله كيت (و) كيت، ونحوه من الألفاظ التي يحتمل أن ~~يراد به القرآن ويراد به وحي غير قرآن. فظن الراوي أن معنى اللفظين واحد، ~~وأن المراد كان قرآنا إلى أن توفي، فنقل المعنى عنده على نحو ما ذكرنا في ~~خبر عمر في الرجم، وإذا احتمل ذلك سقط الاحتجاج به في إثبات ما روي فيه لا ~~سيما وهو معنى يرده الكتاب وإجماع الأمة، قال الله تعالى: {إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] وقال تعالى: {إن علينا جمعه وقرآنه} ~~[القيامة: 17] {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] {ثم إن علينا ~~بيانه} [القيامة: 19] # PageV02P267 # ونحوه من الآي المقتضية لبقاء رسم القرآن ونظمه بعد وفاة النبي - عليه ~~السلام -، فإن قيل، فأثبتوا الحكم وإن لم تثبتوا الرسم (كما أثبتم التتابع ~~في كفارة اليمين بحرف عبد الله بن مسعود وإن لم يثبت له الرسم) قيل له: ~~الفرق بينهما أن حديث عائشة لا يخلو من أحد معنيين إما أن يكون واهنا سقيما ~~غير ثابت في الأصل من طريق الرواية فيسقط الاحتجاج به في إثبات الأحكام، أو ~~أن يكون ثابتا على غير الوجه الذي ورد النقل به فلا يصح إثبات حكمه لما قد ~~بان من خطأ الراوي له في نقله. إذ غير جائز أن يكون لفظه ثابتا على ms302 ما روي ~~فيه، وإذا لم يثبت لفظ الحديث ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة حقيقته لم يجز ~~إثبات حكمه، لأنه ليس معنى من المعاني يقصد إلى إثباته إلا وجائز أن (يكون) ~~وهو مما غلط فيه راويه كغلطه في لفظه، وجائز أن يكون قد حذف منه أيضا بعض ~~لفظه مما يوجب الاقتصار بحكمه على بعض الأحوال، وفي بعض الموضعين دون بعض، ~~بأن يكون قد كان حكما في رضاع الكبير خاصة، فلما تعذر الوقوف على حقيقة ~~لفظه وسياقة معناه سقط الاحتجاج به. # وأما حرف عبد الله في التتابع: فليس في ظاهر لفظه ما يدفع، لأن أكثر ما ~~فيه أن ذلك كان من القرآن، وهذا معنى صحيح غير مدفوع وليس لأنه كان من ~~القرآن ما يوجب أن يكون منه في كل وقت قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم -. ### | [نسخ الحكم مع بقاء الرسم] # وأما نسخ الحكم مع بقاء الرسم فموجود في القرآن في كثير من المواضع نحو ~~قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} [النساء: 15] إلى آخرها ~~منسوخ الحكم بالجلد تارة # PageV02P268 # وبالرجم أخرى، وكقوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة} [المجادلة: 12] منسوخ بقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [المجادلة: 13] ، وقوله تعالى: {متاعا إلى ~~الحول غير إخراج} [البقرة: 240] منسوخ بقوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وقوله تعالى: {، ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: 184] روي أن الصحيح كان ~~مخيرا بين الصوم والفدية فنسخ بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~[البقرة: 185] وأشباه ذلك كثير في القرآن. # PageV02P269 ### | [باب القول في الوجوه التي يعلم بها النسخ] # قال أبو بكر - رحمه الله -: نسخ أحكام الشرع على وجهين: أحدهما: (نسخ ~~جميع الحكم. والآخر: نسخ بعضه. والوصول إلى معرفة الناسخ من المنسوخ) # من وجوه أربعة: الكتاب والسنة والإجماع، ثم بدلائل الأصول إذا عدم ذلك. ~~والحكم الناسخ هو الذي يرد بعد استقرار حكم المنسوخ (والتمكين من فعله مما ~~ينافي بقاء حكم المنسوخ) ويمتنع معه اجتماعهما ms303 في أمر واحد في حال واحدة ~~لشخص واحد فيكون الآخر ناسخا للأول وإن اقتضى زوال (جميعه، وإن اقتضى) بعضه ~~فهو ناسخ لذلك البعض. فأما نسخ الجميع: فنحو قوله تعالى: {علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} [البقرة: 187] روي أنه قد كان ~~حرم عليهم الجماع والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم فنسخ ذلك بقوله ~~تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة: 187] الآية فأباح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم بعد ~~النوم وقبله، ونحوه قوله تعالى: {فاعف عنهم واصفح} [المائدة: 13] و (نحو) ~~قوله تعالى: {فإذا # PageV02P273 # الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34] نسخه قوله تعالى: {أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] . ### | [نسخ بعض الحكم] # وأما نسخ بعض الحكم: فنحو الصلاة إلى بيت المقدس إنما نسخ منها التوجه ~~إلى هناك وسائر أحكامها باقية، وصلاة الليل نسخ منها الوجوب وسائر أحكامها ~~باقية، من أوصاف أفعالها وشرائطها وكونها قربة ثابتة، ونحو ما أوجب الله ~~تعالى من الجلد على قاذف الأجنبيات والزوجات بقوله: {والذين يرمون ~~المحصنات} [النور: 4] الآية ثم نسخ الجلد عن قاذف الزوجات وأوجب اللعان إذا ~~كانا على صفة. ويدل على أن حد الجميع كان الجلد «قوله - عليه السلام - ~~لهلال بن أمية حين قذف امرأته: ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك، ~~وقالت الأنصار: الآن يجلد هلال بن أمية، وتبطل شهادته في المسلمين» . ولم ~~يوجب النبي - عليه السلام - غير الجلد، فلما نزلت آية اللعان أمره باللعان ~~ولم يجده. وإذا عرف تاريخ الحكمين اللذين لا يصح اجتماع التعبد بهما في حال ~~واحدة # PageV02P274 # لشخص واحد فإن الآخر منهما ناسخ للأول. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ~~" كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعون الأحدث فالأحدث من ~~أمره ". # وإنما قلنا: إن النسخ يقع بما لا تصح العبادة به مع الحكم الأول في حال ~~واحدة لشخص واحد، وإنما يصح اجتماعه مع الأول في حال واحدة لم ولا يكون ~~نسخا، لأن ما جازت العبادة به في ms304 حال (واحدة) لشخص واحد فليس في تكليف ~~أحدهما ما ينفي لزوم الآخر، فوجب أن يثبتا جميعا إذا ورد أحدهما بعد الآخر. ~~والدليل على ذلك: أنه كان (يصح) التعبد بهما معا في حال واحدة في أمر واحد، ~~فإذا لم يتنافيا إذا وردا معا وجب ألا يتنافيا إذا ورد أحدهما بعد الآخر، ~~ألا (ترى) أن الصلاة والصيام لما صح الأمر بهما في حال واحدة لم يكن أحدهما ~~ناسخا للآخر ولا مانعا (من بقاء) حكمه إذا ورد بعده، وهذا الاعتبار واجب في ~~نظائر ذلك من العبادات. وقد يرد حكم يصح اجتماعه مع الأول ويكون وروده عقيب ~~نسخ الأول، فيطلق (بعض الناس أن الأول منسوخ بالثاني وإن كان النسخ) في ~~الحقيقة واقعا بغيره، وإطلاق هذا مجاز عندنا ليس بحقيقة، وإنما سمي هذا ~~نسخا لأنه ورد عقيب النسخ متصلا به وسمي باسمه، كما يسمى (الشيء) باسم غيره ~~إذا كان مجاورا له وكان منه بسبب على جهة المجاز والتشبيه به، وذلك نحو ~~قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} ~~[النساء: 15] إلى آخر القصة، فروي أن هذا كان حد الزانيين في أول الأمر. # PageV02P275 # قال ابن عباس: وهو منسوخ بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2] ومعلوم أنا لو خلينا والآيتين لم يكن يمتنع ~~الجمع (بين) حكمهما على شخص واحد في حال واحدة، فيكون حده الحبس والأذى ~~والجلد مع ذلك، فلا يكون وجوب جلد غير المحصن مانعا من بقاء حكم الحبس ~~والأذى، ولا يكون ذلك مزيلا لهما من هذا الوجه، إلا أنه (كان) يكون نسخا من ~~جهة أخرى وهي الزيادة في النص، لأن الزيادة في النص توجب النسخ عندنا لما ~~سنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى، فعلمنا أن زوال حكم الحبس والأذى لم ~~يتعلق بوجوب الجلد وإنما تعلق بشيء غيره، فلما أوجب الجلد على الزاني غير ~~المحصن عند نسخهما، أطلق عليه أنه نسخه. # وهذا الذي قلناه هو في الزاني غير المحصن، فأما الزاني المحصن فهذا الحكم ~~لا محالة منسوخ ms305 عنه بسنة الرسول - عليه السلام - في إيجابه الرجم على ~~المحصن، إذ لا يصح اجتماع (الرجم والحبس والأذى) . فإن قال قائل: قد كان ~~يصح اجتماع الحبس والأذى والرجم عليه ويكونان جميعا عقوبته، بأن يكون الرجم ~~بعد الحبس والأذى. قيل له: أما الذي في الآية (من ذلك) فلم يكن يصح اجتماعه ~~مع الرجم، لأنه قال: {حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: ~~15] فكان الحبس والأذى هما الحد إلى أن تموت حتف أنفها أو يجعل الله لها ~~سبيلا غيرهما، ووقوع الرجم يمنع استيفاء ذلك، فقد نسخ الرجم هذا الحكم بحيث ~~لم يصح اجتماعهما في حال واحدة. # PageV02P276 # ومن جهة أخرى: إن الرجم إذا كان مستحقا بالزنى، وقد كان قبل ذلك حدهما ~~الحبس والأذى في الحال التي أبدل مكانها الرجم، فغير جائز ثبوت (الحبس ~~والأذى) في الحال التي وجب فيها الرجم، لأن وقوع الرجم ينافيهما، فثبت ~~أنهما منسوخان به على الحقيقة. # ويدل على ذلك أيضا أن النبي - عليه السلام - قال: «خذوا عني، قد جعل الله ~~لهن سبيلا» وهذا يعني - والله أعلم - السبيل المذكور في قوله تعالى: {حتى ~~يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] «البكر بالبكر جلد ~~مائة والثيب بالثيب الجلد والرجم» فأخبر بزوال الحبس لأن الله تعالى أوجب ~~حبسهن إلى وقت ورود السبيل، فبين الرسول - عليه السلام - (ذلك) السبيل، ~~وأخبر بنسخ حكم الآية عن الزاني غير المحصن لا بإيجاب الجلد، لكن بمعنى ~~غيره، ونسخه عن المحصن بالرجم، لأن وقوع الرجم ينافي الحبس. ونحو قوله ~~تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين} [البقرة: 180] ، قيل إنها منسوخة بالميراث، ومعلوم أن وجوب ~~الميراث لم يكن ينافي بقاء الوصية فيستحقها جميعا معا، إلا أنه لما نسخت ~~الوصية وأوجب عقيبها الميراث، قيل على وجه المجاز إنها منسوخة به. ولو ~~خلينا والآيتين لاستعملناهما جميعا، ومثله ما روي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر بصيام عاشوراء ثم نسخ بصيام شهر رمضان» وأن الزكاة نسخت كل ~~صدقة كانت واجبة قبلها، وأن الأضحية ms306 نسخت كل ذبيحة كانت واجبة قبلها، وأن ~~قوله - عليه السلام -: «الماء من الماء» منسوخ بإيجاب الغسل بالتقاء ~~الختانين، ولم يكن يمتنع اجتماع ذلك كله فعلمنا # PageV02P277 # أن شيئا من هذه الأحكام لم ينسخ بالأحكام الواردة بعدها، فإن من سمى ذلك ~~نسخا فإنما سماه (به) مجازا لا حقيقة، لأنه لما نسخ الأول وجب الثاني عقيبه ~~وإن كان النسخ واقعا لغيره. # وأما كل حكمين لا يصح مجيء التعبد بهما في حال واحدة لشخص واحد، فإن ~~الثاني منهما يكون ناسخا للأول إذا ورد بعد استقرار حكمه، وذلك نحو قوله ~~تعالى: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض} [المائدة: 42] متى استقر هذا الحكم ~~ثم قال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] فأوجب ذلك نسخ ~~التخيير المذكور فيه، إذ لا يصح اجتماعهما في حال واحدة، ألا ترى أنه لا ~~يصح أن يقول: قد خيرتك بين الحكم والإعراض ومع ذلك فاحكم بينهم من غير ~~إعراض، لأن اللفظ يتناقض به ويستحيل معناه، ومن أجل ذلك منعنا أن يعترض ~~بقوله - عليه السلام -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» على قوله تعالى: ~~{فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] لأن الآية اقتضت التخيير في ~~المفروض من القراءة، وإذا حمل معنى التخيير على تعيين فرض القراءة بفاتحة ~~الكتاب أوجب إسقاط التخيير الذي في الآية فيكون ناسخا له. # ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد. ونحو قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا} [الأنفال: 65] فأوجب ~~على العشرين مقاومة المائتين وعلى المائة مقاومة الألف وحظر عليهم الفرار ~~منهم ثم قال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} [الأنفال: 66] فصار ~~الثاني ناسخا للأول لاستحالة اجتماعهما في حال واحدة فثبت نسخ الأول ~~بالثاني، ومن هذه الجهة قلنا: إن الزيادة في النص (يوجب نسخه إذا وردت بعد ~~استقرار حكمه، وكذلك النص إذا ورد منفردا عن ذكر # PageV02P278 # الزيادة بعد ذكر الزيادة مع النص واستقرار) حكمها فإنه يكون ms307 ناسخا ~~للزيادة، وذلك (لاستحالة) جمعهما في حال واحدة، فالوجه الأول نحو قوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] اقتضى ظاهره ~~وحقيقته جواز الصلاة بغسل هذه الأعضاء فصار كقوله: قد أجزأتكم صلاتكم ~~بغسلها دون وجود النية فيه، فلا يصح أن يقول مع ذلك النية واجبة في غسلها ~~فإن لم تنووا به الطهارة لم تجزكم صلاتكم. وكذلك قوله تعالى: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] الآية لا يصح اجتماعه مع الشاهد واليمين ~~في أمر واحد مع استعمال حكم الآية على حسب مقتضاها وموجبها، لأنه لا يصح أن ~~تقول: (قد) أوجبت عليكم الحكم بالشاهدين والرجل والمرأتين دون غيرهم، وأجزت ~~لكم مع ذلك الحكم بالشاهد واليمين، لأن اللفظ يتناقض ويستحيل معناه. وكذلك ~~قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ~~يقتضي أن يكون المائة حدهما (وأن وجودهما) يوجب وقوعها موقع الجواز ~~واستيفاء كمال الحد بها فغير جائز أن تقول بعد ذلك: هذا بعض الحد دون جميعه ~~وأن كماله بوجود النفي معه. # ونظائر ذلك كثير فلما امتنع وجودهما في أمر واحد وجب أن يكون وروده بعد ~~استقرار الحكم الأول موجبا لنسخه، ولا فرق بين ورود النص منفردا عن ذكر ~~الزيادة في كونها ناسخا للنص المتقدم له المعقود بذكر الزيادة، وبين ورود ~~الزيادة بعد ورود النص منفردا عنها، فأما ورود النص بعد الزيادة فنحو قوله ~~تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] ~~فاقتصر منها على ذكر الجلد دون النفي والرجم، وقد كان تقدم قبل نزول هذه ~~الآية من النبي - عليه السلام - ذكر النفي والرجم مع الجلد في حال وجود ~~الإحصان أو عدمه بقوله: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد ~~مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم» وبه نسخ الحبس والأذى لأن هذا ~~السبيل هو السبيل المذكور في قوله تعالى: {أو يجعل الله لهن سبيلا} ~~[النساء: 15] فعلمنا أن قوله تعالى: {الزانية والزاني} [النور: 2] لم يكن ~~نزل حينئذ، لأنه لو # PageV02P279 # كان نزل لكان السبيل قد جعل لهن قبل ms308 قوله: «خذوا عني قد جعل الله لهن ~~سبيلا» فلما أخبر أن السبيل المذكور في الآية مأخوذ عنه بما ذكر علم أن ~~الآية لم تكن نزلت قبله، فلما نزلت الآية بعده منفردة عن ذكر النفي والرجم ~~وجب أن يكون حكمها مستعملا على حسب مقتضاها وموجبها فيكون الجلد المذكور ~~فيها (هو) كمال الحد وتكون ناسخة للنفي والرجم المذكورين في الخبر حدا مع ~~الجلد. # فإن (قال قائل) قد قلت فيما سلف: إن النسخ إنما يصح على الوجه الذي يجوز ~~ورود الأمر به في خطاب واحد وأن ما لا يصح اجتماع ذكره مع المنسوخ في خطاب ~~واحد لم يصح نسخه به، والزيادة مع الأصل مما يصح وجوده معه في خطاب واحد. ~~قيل له: ليس فيما ذكرنا (إلى هاهنا) من حكم أحكام الزيادة في النص نفي لما ~~قلنا من اعتبار جواز النسخ في الأصل بل هما جميعا صحيحان، وذلك لأنا قلنا ~~إن ما (لا) يصح ورود التعبد به في حال واحدة حتى يكون مأمورا باعتقاد الحكم ~~على وجه ومأمورا أيضا في تلك الحال باعتقاده على خلافه في ذلك الوقت الذي ~~يلزمه تنفيذ الحكم، لا يصح ورود النص به نحو ما ذكرنا في أن الآية إذا كانت ~~موجبة لكون الحد (جلد مائة فقد ألزمنا اعتقاد كونه) حدا كاملا، ولا يصح أن ~~يقول: فاعتقدوا في هذه الحال أيضا أن جلد المائة هو بعض الحد، إذ غير جائز ~~أن يكون هو بعض الحد وهو جميعه، وكما لا يصح أن يقول: عدة المتوفى عنها ~~زوجها سنة، وعدتها أيضا أربعة أشهر وعشر، فلا يصح الأمر باعتقاد كل واحدة ~~من المدتين عدة كاملة في حال واحدة، وأما ما قلنا في اعتبار جواز النسخ ~~باجتماع ذكر الحكمين جميعا في خطاب واحد فهو صحيح لأن هناك أمرين مدة كل ~~واحد منهما غير مدة الآخر، نحو قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية # PageV02P280 # لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] فكان هذا حكما ثابتا ~~في عدة المتوفى عنها زوجها، ثم نزل قوله تعالى: ms309 {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] فكان ناسخا لما عدا هذه المدة من الحول المذكور في ~~الآية الأخرى وقد كان يجوز أن يجمعهما في خطاب واحد بأن نتعبد بهما في ~~حالين بجواز أن تقول: عدة المتوفى عنها زوجها حول إلى أن يمضي خمس سنين ~~فإذا مضت السنون الخمس كانت عدة المتوفى عنها (زوجها) أربعة أشهر وعشرا. # فإن قال قائل: ما ذكرت من حكم الزيادة في النص لا يقتضي ما ذكرت من ~~إيجابها النسخ، لأنه يصح أن تقول: حد الزانيين الجلد والنفي، ويجوز أن ~~يقول: واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو شاهدا ويمينا، وأن غسل الأعضاء ~~الأربعة فرض مع إحضار النية له ولا يتناقض الخطاب به، فليس (في) ورود ~~أحدهما بعد الآخر ما يوجب النسخ. قيل له: هذا سؤال ساقط محال على هذا الوجه ~~لأنهما إذا وردا معا لا يكونان زيادة في النص، وإنما يكون المذكور جميع ~~النص، لأن ما جمعه أمر واحد (وخطاب واحد) لا يصح أن يقال إن بعضه زيادة في ~~بعض وإنما الزيادة في النص، (أن يرد النص مفردا عن ذكر الزيادة ثم ترد ~~الزيادة منفصلة عن خطاب النص) نحو قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] فتكون الآية موجبة لكون جلد المائة حدا ~~واقعا موقع الجواز في عقاب الزاني، فإذا قال بعد ذلك: فاجلدوهم مائة (جلدة) ~~وانفوهم فقد تغير بورود الزيادة على هذا الوجه اعتقاد موجب حكم الآية فكل ~~ما ورد بعده مما يوجب زيادة فيه أو نقصانا منه فهو لا محالة نسخ لاستحالة ~~ورود الخطاب (به) في أمر واحد، بل يقول: # PageV02P281 # جلد المائة هو جميع الحد وهو بعضه، فأما أن يردا معا فهذا غير ممتنع ولا ~~يكون زيادة، كما لا يمتنع أن تكون عدة المتوفى عنها زوجها سنة ويكون ~~الأربعة الأشهر والعشر داخلة فيها ويمتنع أن يقول: العدة سنة والعدة أربعة ~~وعشر، وكما لا يمتنع أن نقول: صلوا إلى بيت المقدس، وإن شئتم فإلى الكعبة، ~~ويمتنع أن نقول صلوا إلى بيت المقدس وصلوا ms310 إلى الكعبة في خطاب واحد. # ومتى استقر أحدهما ثم ورد الآخر كان ناسخا للأول، فكذلك الزيادة (هاهنا) ~~في النص (هي) على هذا المعنى. وأيضا فإنا نقول في الزيادة (كما يقول ~~مخالفنا معنا في النقصان: فلما كان النقصان بعد استقرار الفرضي نسخا كذلك ~~الزيادة) وذلك نحو أن يقول: العدة سنة، ثم يقول: العدة أربعة أشهر وعشر كان ~~ذلك نسخا، ولو جمعهما في خطاب واحد بأن قال: العدة سنة إلا (كذا وكذا ~~وشهرا) لم يكن نسخا، كذلك الزيادة إذا وردت مع النص في خطاب واحد فليس بنسخ ~~وإذا وردت بعد استقرار حكم النص كان نسخا، وهذا الذي ذكرناه إنما هو كلام ~~في الزيادة إذا وردت بعد النص، فأما إذا أورد النص منفردا عن ذكر الزيادة ~~(ووردت الزيادة) ولا يعلم تاريخهما فإن هذا له شريطة أخرى غير ما كنا فيه، ~~وسنذكرها أيضا فيما بعد وإن كان قد تقدم ذكر شيء منها فيما سلف من هذا ~~الباب. ### | [الوجوه التي توصل إلى العلم بالناسخ والمنسوخ] # قال أبو بكر: قد بينا كيفية وجود النسخ. ونبين الآن الوجوه التي توصل إلى ~~العلم بالناسخ والمنسوخ من الجهات التي ذكرنا أن النسخ يقع بها. فنقول: إن ~~ما يعلم به النسخ على وجوه، منها أن يرد لفظ يشتمل على ذكر الناسخ والمنسوخ ~~معا مع ذكر تاريخهما فلا يشكل على سامعهما أن الثاني منهما في التاريخ ناسخ ~~(للأول) نحو قوله تعالى: {فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام} [البقرة: 144] # PageV02P282 # وقد قال تعالى قبل ذلك: {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها} [البقرة: 142] فأخبر أنهم قد كانوا على قبلة غيرها ثم حولوا ~~إليها ونحو قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ~~[الأنفال: 65] فكان هذا حكما ثابتا ثم قال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا} [الأنفال: 66] إلى آخر الآية فدل ذكره للتخفيف أنه وارد بعد حكم ~~هو أثقل منه فصار ناسخا له، ونحو قوله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي الليل ms311 ونصفه وثلثه} [المزمل: 20] إلى قوله تعالى: {فتاب عليكم} ~~[المزمل: 20] يعني فخفف عنكم وهذا بعد قوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا} ~~[المزمل: 2] ثم قال: {علم أن سيكون منكم مرضى} [المزمل: 20] إلى آخر السورة ~~فاقتضت القصة بفحواها ومضمون خطابها أن فرض صلاة الليل منسوخ بما تضمنت من ~~إباحة تركها، وكقوله تعالى: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة} [المجادلة: 12] ثم قال تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [المجادلة: 13] ، وكقوله تعالى: {علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} [البقرة: 187] يعني - ~~والله أعلم - سهل عليكم وخفف عنكم، فدل على نسخ حظر الأكل والشرب والجماع ~~بعد النوم في ليالي رمضان، فانتظمت هذه الآيات ذكر الناسخ والمنسوخ معا في ~~خطاب واحد. # والسنة على وجهين، قول من النبي - عليه السلام - وفعل، وقد يقع النسخ بكل ~~واحد منهما. فأما النسخ بالسنة من جهة القول فنحو قول النبي - عليه السلام ~~-: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» ، و «كنت نهيتكم عن الأوعية، ~~فاشربوا ولا تسكروا» ، و «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا ~~وادخروا» فانتظم الخبر ذكر الناسخ والمنسوخ معا. # PageV02P283 # وكما روى عبد الله بن المغفل «أن النبي - عليه السلام - أمر بقتل الكلاب، ~~ثم قال مالي وللكلاب ثم رخص في كلب الصيد» . وقال جابر «أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقتل الكلاب ثم أذن لطوائف» فهذه الآية والأخبار مما نقل ~~إلينا فيه حكم الناسخ والمنسوخ وكل ما كان هذا وصفه فلا إشكال على أحد في ~~حكمه. # وأما النسخ من جهة الفعل فنحو ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من شرب الخمر فاجلدوه. فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه ثم قال في ~~الرابعة: فإن عاد فاقتلوه» ثم روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~أتي بشارب الخمر في الرابعة فلم يقتله» ومثل ما روي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV02P284 # أكل لحما وصلى ولم يتوضأ» نسخ به ما روي من قوله «توضئوا مما مست النار» ~~. ### | [من الألفاظ ms312 ما يوجب النسخ من جهة قيام الدلالة على تأخر حكمها عن الحكم المنسوخ] # ومن الألفاظ ما يوجب النسخ من جهة قيام الدلالة على تأخر حكمها عن الحكم ~~المنسوخ وإن لم يكن الحكم المنسوخ مذكورا معها كقوله تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] ثم قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] ، فمنع تخلية سبيلهم إلا ~~بشرط الإيمان. # وروي أن سورة " براءة " من آخر ما أنزل من القرآن فوجب بذلك أن يكون ~~ناسخا للفداء المذكور في قوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] . ~~ومثله ما روي عن «النبي - عليه السلام -: أنه رضخ رأس يهودي قتل جارية على ~~أوضاح # PageV02P285 # لها» «وأنه قطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم لما ارتدوا وقتلوا ~~راعي الإبل وساقوها» . # وروي عنه أنه أشعر البدن ثم روي عنه - عليه السلام - في أخبار مستفيضة ~~أنه «نهى عن المثلة» ، وقال سمرة (بن جندب) «ما خطبنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا وأمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة» فاقتضى ذلك وجوب النهي ~~عنها في آخر خطبة خطبها، فيكون ناسخا لسمل أعين المحاربين ورضخ الرأس على ~~وجه القصاص وإشعار البدن لأن جميع ذلك من المثلة. ومثله ما روي عن النبي - ~~عليه السلام - «أنه كان يصلي بالهجير حين قدم المدينة، ثم قال: أبردوا ~~بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» فأخبرنا بأن الأمر بتأخير الظهر في شدة ~~الحر # PageV02P286 # كان متأخرا، فالواجب أن يقضي على خبر خباب «شكونا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حر الرمضاء فلم يشكنا» لأنه قد ثبت أن الأمر بالتأخير كان ~~متأخرا. ومن الألفاظ الدالة على تأخير أحد الحكمين عن الآخر: ما روي عن ~~النبي - عليه السلام - أنه قال «لا قود إلا بالسيف» ، فهذا يدل على أن حكم ~~وجوب القود متقدم لهذا الخبر لأنه لا يذكر كيفية القود إلا وقد تقدم ذكر ~~وجوبه فغير جائز لأحد أن يستدل بقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: ~~178] على إيجاب القود بكل ما قتل به لأن إيجاب القود بالسيف متأخر ms313 عنه فهو ~~قاض عليه. ونحو قوله - عليه السلام - «ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط ~~والعصا فيه الدية مغلظة» فلم يذكر خطأ العمد إلا وقد تقدم ذكر العمد ~~والخطأ. # ومثله ما روي «في شاة ميمونة أن النبي - عليه السلام - قال حين رآها ~~ميتة: هلا انتفعتم بإهابها فقالوا إنها ميتة» فدل على # PageV02P287 # أن تحريم الميتة كان مقدما لذلك. وكذلك قوله - عليه السلام -: «إنما ~~الرضاعة من المجاعة» وكذلك قوله: «إنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» ~~يقتضي أن يكون إيجاب التحريم بالرضاع متقدما لهذا الخبر، ونظائر ذلك كثيرة. ### | [إخبار الصحابي والتابعي عن تاريخ الحكمين عيارا في وجوه معرفة الناسخ والمنسوخ] # ويجوز أن يجعل إخبار الصحابي والتابعي عن تاريخ الحكمين (عيارا في) هذا ~~الباب، فيوجب به النسخ نحو ما روي عن مجاهد وعكرمة أن قوله تعالى: {وأن ~~احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] (نزل) بعد قوله تعالى: {فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] ، ونحو ما روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه لما ذكر له الرضعة الرضعتان قال: قد كان ذلك، فأما اليوم فلا ~~فأخبر عن تقدم علمه بهذا الخبر وأخبر أنه قد كان، وإن (كان) حكمه غير # PageV02P288 # ثابت الآن فصار ذلك إخبارا منه بنسخه وتاريخ حكمه. ومثله ما روي عن ~~الزهري «أن النبي - عليه السلام - رد زينب ابنته - عليها السلام - على أبي ~~العاص بن الربيع وكانت هاجرت وبقي هو مشركا ثم جاء مسلما بعد سنين» . قال ~~الزهري وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض. " ونحوه ما روي من قصة ذي اليدين في ~~الكلام في الصلاة، قال الزهري: (إنما) كان ذلك قبل أن استحكمت الفرائض. ~~وإنما قلنا: إن الصحابي والتابعي إذا أخبرا بنسخ حكم كان خبرهما مقبولا فيه ~~من قبل أن العلم بالتاريخ لا سبيل إليه من طريق. (اجتهاد الرأي) وإنما يعلم ~~من جهة السماع والتوقيف، فعلمنا أنه لم يقل (ذلك) إلا من جهة (التوقيف) . ~~فهذه الوجوه التي ذكرنا # PageV02P289 # من الكتاب والسنة مما أوصل إلى العلم بتاريخ الحكمين، إما بذكر الناسخ ~~والمنسوخ معا ms314 مع ذكر تاريخهما، أو بذكر الناسخ وتاريخه دون ذكر المنسوخ من ~~جهة اللفظ أو فحوى الخطاب ودلالته. ### | [الاستدلال بالإجماع على النسخ] # وأما الاستدلال بالإجماع على النسخ فقد ذكره عيسى بن أبان - رحمه الله - ~~وذلك أنه قال: إذا روي خبران متضادان والناس على أحدهما فهو الناسخ للآخر، ~~فاستدل بالإجماع على النسخ. قال أبو بكر: ولسنا نقول إن الإجماع يوجب ~~النسخ، لأن الإجماع إنما يثبت حكمه بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-. وأما في حياته فالمرجع إليه - صلى الله عليه وسلم - في معرفة الحكم لمن ~~كان في حضرته ولا اعتبار بالإجماع فيه. # ومعلوم أن النسخ لا يصح إلا من طريق التوقيف، ولا يصح بعد وفاة الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام -، إلا أن الإجماع إذا حصل على زوال حكم قد ثبت بالنص ~~دلنا الإجماع على أنه منسوخ بتوقيف، وإن لم ينقل إلينا اللفظ الناسخ له. ~~فمما دلنا الإجماع على نسخه قوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} [الممتحنة: 11] ~~ولم يعلم زوال هذا الحكم إلا من طريق الإجماع. ونحو حديث أبي هريرة عن ~~النبي - عليه السلام - «من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» ، وحديث ~~سلمة بن المحبق «فيمن وطئ جارية امرأته فقال - عليه السلام - إن كانت ~~طاوعته فعليه مثلها وهي له، وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها» وحديث ~~النعمان بن بشير عن النبي - عليه السلام - «فيمن وطئ جارية امرأته أنها إن ~~كانت أذنت له جلد مائة # PageV02P290 # وإن لم تكن امرأته أذنت له فعليه الرجم» . فهذه الأحكام التي ذكرناها (لم ~~يثبت نسخها إلا بدلالة) الإجماع عليه. ### | [اعتبار دلائل النظر على الناسخ من الحكمين] # وأما اعتبار دلائل النظر على الناسخ من الحكمين فإنما يجب فيما لا يعرف ~~تاريخه من جهة النقل على الوجوه التي بينا، فيرجع فيه إلى شواهد الأصول ~~ودلائل النظر فيثبت منه ما أثبته وينتفي (منه) ما نفته وقد ذكر عيسى بن ~~أبان - رحمه الله - في هذا المعنى جملة يعرف بها عامة هذا الباب ms315 من فهم ~~معاني كلامه. قال عيسى: إذا روي خبران متضادان والناس على أحدهما فهو ~~الناسخ، وإن اختلفوا ساغ الاجتهاد فيهما واستعمال أشبههما بالأصول، وإن علم ~~تاريخهما فالآخر ناسخ الأول إذا لم يحتمل الموافقة وإن احتمل الموافقة، ساغ ~~الاجتهاد (فيه) . وإن عمل الناس بالأول وهو الظاهر في أيدي أهل العلم ~~والآخر خامل لا يعمل به إلا الشاذ نظره، فإن سوغ الذين عملوا بالأول العمل ~~بالآخر ساغ الاجتهاد فيه، وإن عابوا من عمل بالآخر كان ما عمل به الناس هو ~~المستعمل، لأن النسخ لو كان ثابتا لما عرفوا الأول ولظهر النسخ منهم كما ~~ظهر الفرض الأول، حتى لا يشذ عنه إلا القليل. # ألا ترى أن لحوم الأضاحي قد ظهرت الإباحة فيها كما ظهر الحظر، وكذلك ~~زيارة القبور، وإباحة الظروف، ومتعة النساء. قال أبو بكر - رحمه الله -: ~~(أما قوله) أما إذا كان الناس على أحدهما فهو الناسخ، فإن وجهه أنه قد ثبتت ~~صحة (حجة) الإجماع، فحيثما وجدت فواجب الحكم بصحته، # PageV02P291 # وإن وجد الحكم بصحة ما أجمعوا عليه واستحال ثبوت ما يضاده من الحكم في ~~حال ثبوته ثبت هو وانتفى ما يضاده، وكان هذا دليلا على أن الحكم الآخر ~~منسوخ بما أجمعوا عليه. # وأما قوله: إذا اختلفوا ساغ الاجتهاد واستعمل أشبههما بالأصول، فإن مراده ~~في هذا الفصل، إذا لم يعلم تاريخهما، فإذا كان هكذا وجب الاستدلال بالأصول ~~على الناسخ منهما وجهات الاستدلال بها على الناسخ منهما مختلفة، وأنا ذاكر ~~منها طرفا نستدل به على جملة القول فيه. ### | [الدليل على وجوب الاستدلال على الحكم الناسخ] # فنقول قبل أن نشرع في ذكر جهات الاستدلال على الحكم الناسخ: إن الدليل ~~على وجوب الاستدلال على الحكم الناسخ منهما (على) أن اختلاف الناسخ في حكم ~~الخبرين المتضادين اللذين لا يحتملان غير النسخ يجعل الحكم الذي تضمنه كل ~~واحد منهما في معنى سائر أحكام الحوادث التي (قد) اختلف الناس فيها على ~~وجوه مختلفة، ثم كان طريق استدراك حكمها بالنظر والاستدلال بالأصول، فوجب ~~أن يكون طريق إثبات (حكم) أحد الخبرين دون ms316 الآخر اعتبار شواهد الأصول، ~~فيكون الخبر الذي تعضده الأصول منها أولى بالإثبات، كحكم الحادثة إذا ~~عاضدته دلائل الأصول فيكون أولى بالإثبات من غيره مما اختلف فيه. وأيضا: ~~فإن الخبرين إذا تضادت أحكامهما على هذا الوجه فإن أقل أحوالهما أن يسقطا ~~كأنهما لم يردا فيجعل الحكم موقوفا على شواهد الأصول فما دلت الأصول على ~~ثباته من الحكمين فهو الثابت دون الآخر. # وأيضا فإن حكما (يوجبه الأثر) ودلائل الأصول أولى بالإثبات من حكم ينفرد ~~بإيجابه الأثر دون (دلائل) الأصول. فدل جميع ما وصفنا على وجوب اعتبار ~~الاستدلال بالأصول على الناسخ من الخبرين، وأما قوله إن علم تاريخهما ~~فالآخر أولى إذا لم يحتمل الموافقة، فمن قبل أن الآخر ثابت الحكم # PageV02P292 # لأنه لم يوجد بعده ما يزيله، وفي (ثبوته نفي الأول لتضادهما) وأما قوله: ~~إن احتمل الموافقة ساغ الاجتهاد، فلأنه إذا احتمل النسخ واحتمل الموافقة لم ~~يجز إثبات النسخ بالاحتمال، ولا الحكم بالموافقة أيضا بالاحتمال، إذ ليس ~~أحد (وجهي الاحتمال) بأولى من الآخر، فصار طريقه الاجتهاد والاستدلال ~~بالأصول على ثبوتهما بالحمل على الموافقة أو إثبات حكم أحدهما بإثبات ~~النسخ. # فإن قال (قائل) : هلا حكمت بالموافقة دون النسخ، من غير اعتبار الأصول، ~~لأن الأصل أن كل خبر حكمه ثابت قائم بنفسه حتى يثبت ما يزيله، فإذا احتمل ~~كون الثاني ناسخا للأول واحتمل كونه موافقا له، لم يزل عن الحكم الأول إلا ~~بيقين ولم يثبت النسخ بالشك. قيل له: هذا غلط، لأن هاهنا أصل آخر وهو (أن) ~~الخبر (الثاني) إذا كان حكمه منافيا للحكم الأول، فهو ناسخ له فإذا احتمل ~~الموافقة صار بقاء الحكم الأول مشكوكا فيه، وصار إيجاب النسخ مشكوكا فيه ~~أيضا، فلما تطرق الشك على الحكمين جميعا احتجنا إلى اعتبارهما بالأصول، فإن ~~شهدت الأصول لأحد الحكمين دون الآخر كان حكمه ثابتا، فإن كان هو الأول حمل ~~الثاني على موافقته، وإن شهدت الأصول للثاني دون الأول كان الخبر الثاني ~~ثابت الحكم وكان الأول محمولا على موافقة الثاني. # وأما قوله فإن عمل الناس (بالأول) وهو الظاهر ms317 في يد أهل العلم والآخر ~~خامل لا يعمل به إلا الشاذ نظره، فإن سوغ الذين عملوا بالأول العمل بالآخر، ~~ساغ الاجتهاد فيه وإن عابوا من عمل بالآخر، كان ما (عمل به) الناس هو ~~المستعمل، فإن الأصل فيه أن عملهم بالأول مع تركهم النكير على من عمل ~~بالثاني دليل على أن طريق استعمال حكم كل واحد منهما الاجتهاد، لولا ذلك ~~لكان الآخر عندهم نسخا للأول ولظهر النكير # PageV02P293 # منهم) على من عمل بالأول، فكان في ترك بعضهم النكير على بعض فيما ذهب ~~إليه من حكم أحد الخبرين دلالة على جواز الاجتهاد عندهم في استعمال أحد ~~الخبرين أيهما كان دون الآخر. وأما قوله: وإن عابوا من عمل بالآخر كان ما ~~عمل به الناس هو المستعمل، فلأنهم إذا عابوا على الآخرين ما ذهبوا إليه من ~~ذلك، فقد أبانوا عن نسخ الآخر وأفصحوا به، ولولا أن ذلك كذلك، لكان ~~الاجتهاد فيه سائغا عندهم، وما يسوغ فيه الاجتهاد لا يسع بعضهم إظهار ~~النكير فيه على بعض، فدل ظهور النكير منهم على الآخرين فيما ذهبوا إليه على ~~أن خبرهم ثابت (عندهم) غير منسوخ، فصار ذلك كالإخبار منهم بأن الثابت هو ~~الذي استعملوه دون الآخر، ولأن نسخ الأول (لو كان) ثابتا لعرفوه كما عرفوا ~~الأول ولظهر النسخ فيهم كما ظهر الأول حتى لا يشذ عن علمه إلا القليل منهم، ~~كالنهي عن لحوم الأضاحي وزيارة القبور والشرب في الظروف ومتعة النساء على ~~حسب ما حكيناه عن عيسى بن أبان - رحمه الله -. # فإن قال قائل: كيف يكون الأول ناسخا للآخر. قيل له: لم نقل إن الأول ناسخ ~~للآخر، وإنما قلنا إن ما ذكرناه من حاله يدل على أنه هو الثابت الحكم دون ~~الآخر، وأن الآخر لا ينفك من أحد معنيين: إما أن يكون غير ثابت في الأصل، ~~وإن كان ثابتا فهو محمول على معنى لا يخالف الأول، أو يكون منسوخا بالأول ~~(ولكن) بمعنى آخر لم ينقل إلينا كما قلنا فيما دل الإجماع على نسخه من ~~الأخبار، قال أبو بكر: وما ms318 حكيناه عن عيسى من أن نسخ الأول لو كان ثابتا ~~لظهر فيهم كظهور الحكم (الأول) صحيح يجب اعتباره، وذلك لأن الحكم إذا ثبت ~~وانتشر في الكافة ثم أحدث النبي - عليه السلام - نسخا فلا بد (من) أن يظهره ~~- عليه السلام - للكافة حتى يعرفوه كما كانوا عرفوا المنسوخ قبل نسخه، لأنه ~~إذا علم أنهم ثابتون على الحكم الأول معتقدون لبقائه # PageV02P294 # عليهم فغير جائز أن يقرهم على اعتقاد ثبوته والعمل به مع إيجاب نسخه، ~~لأنه لو أقرهم على ذلك لكان فيه إقرارهم على اعتقاد الشيء (على خلاف) ما هو ~~عليه، وعلى العمل بالمنسوخ الذي لا يجوز العمل به، ولكان فيه أيضا ترك ~~الإبلاغ الذي أمره الله تعالى به بقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك} [المائدة: 67] وقوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94] ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - من أشد الناس مسارعة إلى اتباع أمر الله ~~تعالى، فوجب من أجل ذلك إظهار الحكم الناسخ ممن عرف (الحكم) المنسوخ بدءا، ~~ومتى أظهره فيهم نقلوه كما نقلوا الأول، ولو نقلوه لاستفاض فيهم وظهر كظهور ~~الأول، فلما لم ينقل الحكم الآخر إلا الشاذ منهم وثبت الحكم الأول بنقل ~~الكافة كان الحكم الأول ثابتا غير (مرفوع بالشاذ) الذي لا يوازيه في النقل ~~والاستعمال. # وأيضا: فإن الحكم الآخر إذا كانت الحاجة إلى معرفته ماسة ثم عرف الأول، ~~فالواجب توقيفهم عليه، وإعلامهم إياه، فيكون الحكم الناسخ بمنزلة الأشياء ~~التي تعم البلوى بها، فلا يقبل فيه إلا نقل الكافة، ولا يلتفت (فيه) إلى ~~نقل الشاذ، فيصير الحكم (بالآخر) حينئذ بمنزلة ما لم يرد فيه نقل، وصار ~~الأول ثابتا غير معارض بالآخر. قال أبو بكر - رحمه الله -: وينبغي أن يكون ~~كذلك (حكم) الآيتين إذا أوجبتا حكمين لا يصح اجتماعهما على الوجوه التي ~~ذكرها في الأخبار (فإن قال قائل: إنما وجب ذلك) من جهة أن عمل الناس ~~بأحدهما يدل على ضعف الآخر ووهانته من طريق النقل أو على # PageV02P295 # إغفال بعض الرواة لبعض معانيه، وما جرى مجرى ذلك، فيصير المعمول ms319 به عند ~~الناس كالمنقول من طريق التواتر، والآخر كخبر الواحد فلا يعترض به عليه. # وأما الآيتان فجواز وقوع ذلك فيهما مأمون (منهما) . قيل له: ليس كذلك لأن ~~عيسى لم يفرق (ما) بين الخبرين المتضادين إذا وردا من جهة التواتر، وبينهما ~~إذا وردا من طريق الآحاد، فعلمنا أنه لم يعتبر ما ذكرت، وعلى أنه لما اعتبر ~~ظهور الحكم الناسخ أنه ناسخ كظهور المنسوخ كان عندهم بدءا، وجب ألا يختلف ~~في ذلك حكم الآيتين والخبرين لأن نقل الناسخ منهما أنه ناسخ واجب على من ~~علمه كذلك كنقل لفظه وأحكامه، وإذا لم ينقل أنه هو الناسخ علمنا أن حكمه ~~موكول إلى الاجتهاد واعتبار الأصول. ### | [طرق الاستدلال على الحكم الناسخ من الخبرين المتضادين من جهة الأصول] # قال أبو بكر: وأما طرق الاستدلال على الحكم الناسخ منهما من جهة الأصول، ~~فعلى وجوه كثيرة يتعذر وصف جميعها ولكنا نذكر منها جملا يعتبر بها نظائرها ~~وتدل على أمثالها. فنقول وبالله التوفيق: (إن) مما يجب اعتباره في حكم ~~الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما وجاز على أحدهما أن يكون منسوخا ~~بالآخر أن ما كان من ذلك مباح الأصل ثم ورد فيه خبران أحدهما يوجب الإباحة، ~~والآخر الحظر فحكم الحظر أولى ويصير خبر الحظر رافعا للإباحة. # ومن الناس من لا يسمي ذلك نسخا إذا لم تكن الإباحة المتقدمة ثابتة من جهة ~~الشرع. وليس غرضنا في هذا الموضع الكلام في أن ذلك يسمى نسخا أو لا يسمى، ~~لأن ذلك كلام في العبارة، فلا معنى للاشتغال به، وإنما يجب أن يكون كلامنا ~~في المعنى وفي إثبات الحكم وزواله، وفي أن أي الخبرين يجب أن يكون قاضيا ~~على الآخر ومزيلا لحكمه. فنقول: إن الدلالة على صحة ما ذكرنا من وجوب ~~القضاء بخبر الحظر دون الإباحة، أنا قد علمنا ورود النقل عن الإباحة التي ~~كان (الأصل) بخبر الحظر، والخبر المبيح جائز أن يكون وروده مؤكدا للإباحة ~~التي كانت هي الأصل من طريق دلالة العقل، إذ ذلك غير ممتنع، وفي القرآن ~~والسنن منه ما ms320 يفوق الإحصاء، نحو قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] وقوله تعالى: {فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من # PageV02P296 # رزقه} [الملك: 15] وكقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: ~~31] ونحو ذلك. فإذا كان خبر الإباحة جائزا أن يكون ورد مؤكدا لما كان (في) ~~العقل منها، وكان خبر الحظر طارئا لا محالة على الإباحة وناقلا عنها إلى ~~الحظر، وجب أن يكون حكم الحظر ثابتا، وألا يعترض عليه بخبر الإباحة إن لم ~~نتيقن وروده على الحظر وناقلا عنه. وقد روي نحو هذا الاعتبار عن علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -، حين سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فقال: " ~~أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى " فأثبت حكم الحظر عند تعارض موجب ~~الآيتين، فهذه الجملة قد كان يقولها شيخنا أبو الحسن الكرخي - رحمه الله - ~~في هذا المعنى، وذلك نحو خبر جرهد الأسلمي ومعمر بن عبد الله عن «النبي - ~~عليه السلام - أنه أمر بتغطية الفخذ وقال: إنها عورة» . # وما روي «أن أبا بكر الصديق وعمر - رضي الله عنهما - دخلا على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وفخذه مكشوف فلم يغطها، ثم دخل عثمان فغطاها، فقيل له ~~في ذلك فقال أما أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة» فاقتضى هذا الخبر ~~إباحة كشف # PageV02P297 # الفخذ، واقتضى (خبر) جرهد ومعمر حظر كشفهما فصار خبر الحظر أولى. وكذلك ~~ما روي عن «النبي - عليه السلام - أنه نهى عن أكل الضب وروي عنه أنه أباحه» ~~فكان خبر الحظر أولى لما وصفنا. # فإن قال قائل: فهلا وقفت حكم الحظر والإباحة فيما كان هذا وصفه على دلالة ~~أخرى من غير هذين الخبرين، لأن خبر الحظر وإن كان يقينا في وروده على إباحة ~~الأصل، فإن بقاءه مع ورود خبر الإباحة ليس بيقين، لجواز أن يكون خبر ~~الإباحة (واردا) بعد الحظر فيكون رافعا له وإذا كان ذلك جائزا فيهما (فقد) ~~وقف كل واحد من الخبرين موقف الاحتمال، فلا يخلو حينئذ من أن يجعلا كأنهما ~~لم يردا، فيبقى الشيء على حكم الإباحة ms321 المقدمة (أو يوقف) حكمه، ويطلب حكم ~~حظره أو إباحته من وجه غيرهما. قيل له: لا يجب ذلك لأنا لما علمنا ورود ~~الحظر على الإباحة، وثبوت حكمه بعده لم يجز لنا الحكم بزواله إلا بيقين، ~~لأن خبر الإباحة لو كان متأخرا (عن الحظر) يعرفه من عرف الحظر، فكان يجب أن ~~ينقل الجميع تاريخ الإباحة متأخرا عن الحظر، لأنهم عرفوا الحظر بعد الإباحة ~~المتقدمة كما قلنا في خبر زيارة القبور وما ذكر معها، ومتعة النساء ~~ونظائرها: فلما لم ينقلوا تاريخ الإباحة متأخرا عن الحظر علمنا أن خبر ~~الإباحة وارد # PageV02P298 # على الأصل الذي كان عليه حال الشيء المحكوم فيه قبل ورود حظره. # وأيضا: فإن ما كان أصله الإباحة قبل ورود السمع، ثم أقر النبي - عليه ~~السلام - الناس عليه وترك النكير عليهم في إتيانهم إياه (على) وجه الإباحة، ~~فإن ذلك يكون بمنزلة الإخبار عن النبي - عليه السلام - بإباحته، فلما لم ~~يمنع ما كان أصله ما وصفنا من القضاء بخبر الحظر عليه وإزالته عن حكم ~~الإباحة المتقدمة. كذلك ورود خبر الإباحة مع خبر الحظر لا يمنع القضاء ~~بالحظر دون الإباحة، كما لم يمنع النبي - عليه السلام - الناس عن إباحة شيء ~~(من) إزالته بخبر الحظر. # فإن قال قائل: يلزمك على هذا الأصل أن تقضي بخبر إيجاب الوضوء من مس ~~الذكر على الخبر النافي له، لأن خبر النفي وارد على الأصل، وخبر الإيجاب ~~ناقل عنه، فوجب حظر الصلاة قبل إحداث الطهارة بعد المس. قيل له: لا يلزمنا ~~ذلك، لأن خبر الوضوء من مس الذكر (لو) انفرد عن معارضة خبر النفي لما لزمنا ~~قبوله على أصلنا، لأنه مما بالناس إلى معرفته حاجة عامة، فلا يقبل فيه ~~أخبار الآحاد، وإنما ذكرنا الاعتبار الذي وصفنا في الخبرين إذا توازيا ~~وتساويا في النقل ووجه الاستعمال، فأما إذا كانا على غير هذا الوجه فلهما ~~حكم آخر، وكذلك يجب على هذا الاعتبار الذي قدمنا أن نقول: لو علمنا شيئا ~~كان أصله الحظر، ثم ورد خبر يبيحه وخبر يحظره (يجب أن تكون الإباحة) أولى، ms322 ~~لأن الإباحة في هذه الحال طارئة على الحظر لا محالة، والحظر يجوز أن يكون ~~تأكيدا لما كانت عليه حاله قبل ورود إباحته، فخبر الإباحة ناقل عن الحظر ~~فلا يعلم خبر الحظر طارئا عليها ناقلا عنها، فوجب أن يكون خبر الإباحة أولى ~~ما لم تعم الدلالة على ورود خبر الحظر بعد خبر الإباحة. ولا أحفظ عن أبي ~~الحسن - رحمه الله - شيئا (في هذا) الفصل الأخير، واعتلاله لما ذكرنا في ~~الفصل المتقدم يدل على أن خبر الإباحة في مثله أولى. لما ذكرنا من ثبوت ~~ورودها على الحظر وإزالتها (لحكمه يقينا) وغير معلوم ورود خبر الحظر عليها ~~بعد ذلك، بل جائز أن يكون (ورد تأكيدا) لما كان عليه حكم الحظر قبل ورود ~~الإباحة، إلا أني قد سمعته # PageV02P299 # يحتج أيضا بوجوب استعمال خبر الحظر دون الإباحة في الفصل المتقدم إذا ~~وردا على الجهة التي وصفنا، بأن ترك المباح لا يستحق عليه العقاب، وفعل ~~المحظور يستحق عليه العقاب، فالاحتياط (عند الشك) اجتنابه والامتناع من ~~موافقته. # قال أبو بكر: والذي يعضد هذا الحجاج قول النبي - عليه السلام - «الحلال ~~بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ~~وقال: «فمن تركهن كان أشد استبراء لعرضه ودينه» وقال - عليه السلام -: «إن ~~لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . قال ~~أبو بكر: والحجاج الذي حكيناه عن أبي الحسن في هذا الفصل يوجب أن يختلف ~~الحكم في وجوب اعتبار الحظر، لاختلاف حال الشيء المحكوم فيه في الأصل من ~~حظر أو إباحة، لأنه إذ كان المعنى الموجب لاستعمال خبر الحظر فيما وصفنا ما ~~لزم من الأخذ بالحزم والاحتياط للدين، فهذا موجود فيما كان أصله الحظر ثم ~~ورد فيه خبران: أحدهما حاظر، والآخر مبيح، وتجويز (ورود) خبر الحظر بعد ~~الإباحة قائم، فالواجب أن يكون ما لزم من الاحتياط للدين والأخذ بالحزم ~~موجبا للحظر دون الإباحة. فإن قال قائل: ليس في استعمال الحظر دون الإباحة ~~احتياط، ولا أخذ بالحزم من الوجه ms323 الذي ذكرت، لأنه محظور عليه اعتقاد الحظر ~~فيما هو مباح، كما حظر علينا اعتقاد الإباحة فيما هو محظور، فمن اعتقد ~~الحظر فيما جاز أن يكون مباحا فهو تارك للاحتياط. قيل له: ليس كذلك، لأنه ~~إذ كان مأمورا بترك الإقدام على ما لا يأمنه محظورا، وكان ذلك أصلا ثابتا ~~في الشريعة وجب اعتباره فيما وصفنا، وقد بينا ذلك فيما سلف من القول في ~~وجوب الأمر. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وقد ذهب عيسى بن أبان (إلى) غير هذا المذهب ~~الذي حكيناه عن أبي الحسن - رحمه الله - فيما كان أصله الإباحة، ثم ورد ~~خبران: حاظر ومبيح، ولم يعلم # PageV02P300 # تاريخهما، فقال عيسى فيهما: إذا عريا من شواهد الأصول، وتساويا في جهة ~~النقل فإنهما إذا تعارضا ولم يحتملا الموافقة سقطا، وصارا كأنهما لم يردا، ~~وبقي الشيء على أصل الإباحة كأنه لم يرد فيه خبر. وذكر من نظائر ذلك حديث ~~النبي - عليه السلام -: «كل شراب أسكر فهو حرام» وما روي عنه أنه «أتي ~~بنبيذ فرفعه إلى فيه فقطب، فقيل له: أحرام هو؟ فدعا بماء فصبه عليه ثم ~~شربه» . # وروي عنه «من خشي من شرابه فليكثره بالماء» . # وذكر أن خبر الإباحة أولى، لأن الحظر لو كان ثابتا في مثله لعرفه جل ~~الصحابة، وقد روي عنهم الإباحة، ولأن خبر الحظر يحتمل المعاني، وخبر ~~الإباحة لا يحتملها. ثم قال بعد ذلك: ولو لم يكن في واحد من الخبرين إلا ~~وفي الآخر مثله، لكان الأمر عندنا على إحلاله لأن التحريم لا يثبت إذا تضاد ~~الخبران، كذلك ما أشبه هذا من الأخبار المتضادة. # وذكر أيضا خبر الوضوء من مس الذكر، وما روي عن النبي - عليه السلام - أنه ~~(قال) : " لا وضوء فيه "، ثم ذكر وجوه الترجيح للخبر النافي للوضوء من ذلك، ~~ثم قال بعد ذلك: ولو لم يكن في ذلك إلا تضاد الخبرين، ولم يكن لأحدهما ما ~~ليس للآخر، كان الخبران كأنهما لم يأتيا وكان الأمر على أن لا وضوء فيه. # وذكر عيسى (بن أبان) عن ابن عباس وابن عمر: أن ms324 كل واحد منهما بعث رجلين ~~ينظران إلى الفجر، فقال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لم يطلع، فقال ابن ~~عباس اختلفتما إذا (شذا بي) وقال ابن عمر مثل ذلك. قال عيسى: (فأسقطا ~~الخبرين) عند التعارض، وتركا الأمر على الأصل. قال أبو بكر - رحمه الله -: ~~فهذا المذهب خلاف ما حكيناه عن أبي الحسن - رحمه الله -. # PageV02P301 # ووجه ما ذهب إليه عيسى - رحمه الله -: أن كل واحد من خبري الحظر والإباحة ~~لما احتمل أن يكون طارئا على صاحبه فنسخه، وجب أن يسقطا (جميعا) إذا ~~تساويا، كأنهما لم يردا فيبقى الشيء على ما كان عليه (حكمه) قبل ورودهما. ~~وقد بينا (وجه ما) كان يقوله أبو الحسن - رحمه الله - في ذلك. ومذهب أبي ~~الحسن في هذا أظهر القولين عندي، والله أعلم بالصواب. # فإن قال قائل: قلتم في رجل دعي إلى طعام أو شراب، فقال له رجل مسلم ثقة: ~~إن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، وهذا الشراب قد خالطه خمر، وأخبره آخر أنه طاهر ~~حلال. أو كان ذلك (في ماء) أراد الوضوء به، وقال له أحد المخبرين: قد حلته ~~نجاسة، وقال الآخر: هو طاهر، أنه ينظر في ذلك فيعمل على آكد ظنه، فإن لم ~~يكن له رأي في ذلك، واستوت الحالان عنده، جاز له أكل ذلك وشربه والوضوء به. ~~وأسقطتم الخبرين لما تعارضا، وجعلتموه بمنزلة ما لم يرد فيه خبر، فهلا قلتم ~~مثله في الخبرين المتضادين إذا رويا عن النبي - عليه السلام - وتساويا في ~~النقل، ودلالة الأصول أنهما يتعارضان ويسقطان؟ . قيل له: الفرق بينهما أن ~~أخبار النبي - عليه السلام - لما جاز فيها ورود الحظر على الإباحة ثم ورود ~~الإباحة بعد الحظر، وقد علمنا الحظر طارئا على الإباحة لا محالة، والإباحة ~~لو وردت بعد الحظر لظهر أمرها وانتشر تاريخها فيمن عرف الحظر، لأن النبي - ~~عليه السلام - كان لا محالة يظهر الإباحة لكافة من علم الحظر، حتى ينتشر ~~فيهم ويظهر كظهور الحظر قبلها على نحو ما قلناه في خبر النهي عن زيارة ~~القبور وما ذكر معها، ومتعة النساء ونحوها، فلما ms325 فقدنا ذلك فيما وصفنا، دل ~~ذلك على (أن خبر) الإباحة ورد على الأصل، وأن خبر الحظر متأخر عنه، وكانت ~~هذه جهة توجب لخبر الحظر مزية ليست لخبر الإباحة، وتغلب # PageV02P302 # بها في النفس أنه أولى منه، كما قلنا في المخبرين إذا أخبر أحدهما بنجاسة ~~الطعام والشراب، والآخر بطهارته أنه متى غلب (في الظن) صحة أحد الخبرين ~~عملنا عليه وألغينا الآخر، فالخبران المتضادان عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في إثبات حكم الحظر دون الإباحة بمنزلة غلبة الظن في خبر أحد ~~المخبرين بالنجاسة والطهارة ولا يشبه تساوي الخبرين المتضادين (في هذا ~~الوجه تساوي خبر المخبرين) في الطهارة والنجاسة فيسقطان ويبقى الشيء مباحا ~~على الأصل، لأنه غير جائز ارتفاع حكم النجاسة بعد حلولها في الطعام أو ~~الشراب، فيعتبر فيه ورود الإباحة على الحظر وظهور أمرها لو ثبت على حسب ما ~~قلنا في أخبار النبي - عليه السلام -، فلما لم يكن هاهنا حال يغلب بها جهة ~~الحظر دون الإباحة تساوى الخبران جميعا وسقطا ولم يثبت لهما الحكم، وصارا ~~كأنهما لم يردا. وبقي الشيء على أصل الإباحة. # فإن قال قائل: إن كانت العلة في تغليب جهة الحظر على الإباحة ما ذكرت، من ~~أن الإباحة لو كانت بعد الحظر لظهر أمرها وانتشر تاريخها حتى يعرفها عامة ~~من عرف الحظر، فإن ذلك يلزمك مثله في الإباحة، لأن الحظر لو كان ثابتا بعد ~~الإباحة لظهر تاريخ الحظر عنها، ولعرفه عامة من عرف الإباحة متأخرا عنها. ~~قيل له: لا يجب ذلك، لأن ورود خبر الإباحة ليس بأكثر في إيجابه ما أوجب من ~~ذلك بأكثر من علمنا بكون الشيء مباحا على الأصل، وإقرار النبي - عليه ~~السلام - الناس عليها، ثم لم يجب إذا ورد خبر الحظر عاريا عن خبر الإباحة ~~لفظا عن النبي - عليه السلام -، أن تكون الإباحة أولى بل (أن) يكون الحظر ~~أولى، ولا يحتاجون أن ينقلوا إلينا أن هذا الحظر كان بعد إقرار النبي - ~~عليه السلام - الناس على الإباحة المتقدمة. كذلك إذا نقل لفظ الإباحة عن ~~النبي - عليه السلام - ونقل ms326 الحظر، فليس يجب عليهم ذكر ورود الحظر بعد ~~الإباحة، لأن ذلك قد علم كونه على هذا الوجه، فلا يحتاج فيه إلى نقل ~~التاريخ، وأما إذا ثبت الحظر ثم نقلوا عنه إلى الإباحة فلا بد من نقل ~~تاريخه وظهوره فيمن عرف الحظر، فإذا لم يوجد بهذا الوصف فعلى أن الإباحة ~~واردة على ما كان عليه الأصل، وأن الحظر وارد بعدها فكان أولى. # فإن قال قائل: ما ذكرت في الفصل بين أخبار النبي - عليه السلام -، وبين ~~خبر # PageV02P303 # المخبرين بالطهارة والنجاسة، بأن ما يثبته النبي - عليه السلام - من ذلك ~~شرعا يجوز فيه ورود الإباحة على الحظر تارة وورود الحظر على الإباحة أخرى، ~~وأن ذلك ممتنع في مخالطة النجاسة للطعام والشراب، لأنه لا يصير طاهرا بعد ~~أن كان نجسا. (فوجب تأكيد) خبر النجاسة والتحريم على خبر الطهارة والتحليل، ~~لأنه إذا حلته النجاسة فغير جائز أن تطهر بعده، وما حظره النبي - عليه ~~السلام - يجوز أن يبيحه بعده. قيل له: لا يجب ذلك من قبل أنا لم نجعل الفصل ~~بين المسألتين، أن أحدهما يجوز فيها ورود كل واحد من حظر أو إباحة على ~~صاحبه، وأن الأخرى لا يجوز فيها ورود الإباحة بعد الحظر فحسب، دون ما ذكرنا ~~من أن أخبار الشرع في الحظر والإباحة، لما جاز فيها ورود الإباحة على ~~الحظر، وقد علمنا صحة الحظر طارئا على الإباحة، امتنع وجود الإباحة بعده، ~~إلا مع ورود تاريخهما متأخرا عن الحظر منتشرا ظاهرا عند من ثبت عنده الحظر، ~~أو أكثرهم، فلما عدمنا ذلك علمنا أن خبر الإباحة وارد (على الأصل) وأن خبر ~~(الحظر) بعده (و) قلنا: إن مثل ذلك ممتنع في خبر المخبرين بالنجاسة ~~والطهارة، لامتناع ورود الطهارة على الماء بعد ورود النجاسة، فلم يكن هاهنا ~~جهة توجب كون إثبات النجاسة أولى من إثبات الطهارة. # ويبين لك الفصل بينهما (أنك لا تخالفنا) في صحة خبر الحظر طارئا على ~~إباحة الأصل، وإنما تريد إثبات الإباحة التي هي قول من النبي - عليه السلام ~~-، أو فعل طارئ على الحظر، ولا نقول ms327 مثله في خبر المخبرين بالنجاسة ~~والطهارة، لأنك تمنع إثبات الطهارة بعد النجاسة، وإنما عارضت أحدهما ~~بالآخر، فأسقطتهما جميعا، وبقيت الشيء على ما كان عليه حاله قبل خبر ~~المخبرين. ومما يدل على الفصل بين خبر النجاسة والطهارة، وبين أخبار الشرع ~~في الحظر والإباحة، أن المخبرين بالنجاسة والطهارة إنما (تناول خبراهما ~~عينا واحدة أخبر أحدهما) # PageV02P304 # بنجاستها، والآخر بطهارتها، ويستحيل وجود مخبريهما على ما (أخبرا به) من ~~حكم المخبر عنه، فلما كان كذلك علمنا أن أحد المخبرين قد أوهم في خبره ~~وأخبر عن (الشيء على) خلاف حقيقة حاله. فلما لم يعرف الغالط منهما، ولم يكن ~~أحدهما أولى بقبول خبره، من الآخر سقط الخبران جميعا فصار وجود خبريهما على ~~هذا الوصف قادحا في نفس الخبر، وليس كذلك حكم أخبار الشرع إذا وردت متعارضة ~~في الحظر والإباحة، لأن ورودها على هذا الوجه لم يقدح في نفس الخبر، ولم ~~يوجب كونه مشكوكا فيه إذ لا فرق عندنا في ذلك بين ما ورد من طريق التواتر ~~ومن جهة الآحاد، وإنما تعارض الخبران من حيث فقدنا العلم بتاريخهما، لأنهما ~~لم يردا في (حكم) شيء واحد في حال واحدة. # ألا ترى أن خبر الحظر إذا ورد (على ما) علمت إباحته في الأصل، وقد أقر ~~النبي - عليه السلام - (الناس) عليها، أنه يقضي على الإباحة ويرفعها، ولا ~~يكون ذلك تعارضا ولا تضادا في الخبرين لأن ما حظر من ذلك غير ما كان مباحا، ~~فلم يرد الخبران في عين واحدة (في حال واحدة) أنه: محظور مباح، فلما كان ~~ذلك كذلك ثبت حكم الحظر دون الإباحة للعلة التي ذكرنا، وكان خبر الإباحة ~~صحيحا، محكوم به أيضا، إلا أنه قبل الحظر في غير ما ورد فيه الحظر، فلذلك ~~لم يتعارضا على هذا الوجه، لأن الخبرين جميعا في إثبات الإباحة والحظر ~~ثابتان، إلا أنا حكمنا بتقدم الإباحة على الحظر، وأثبتنا الحظر بعدها، ~~فالكلام في ذلك إنما هو في تاريخ الحكمين أيهما المتقدم لصاحبه وأما ~~المخبران بطهارة الماء أو بنجاسته، فإن كل واحد منهما يثبت ما ms328 أخبر به في ~~حال يثبت صاحبه فيه ضده، فلم يصح ثبوتهما إذا تساويا، ولم يجر الحكم بتأخير ~~حلول النجاسة عن الحال التي أخبر المخبر الآخر منهما بالطهارة، لأن المخبر ~~بالطهارة يزعم أنه طاهر في الحال، وأن ما أخبر به ثابت الحكم، والمخبر ~~بالنجاسة يقول: هو نجس في الحال، لا يجوز استعماله، فتناول خبرهما عينا ~~واحدة بحكمين متضادين، فتعارض موجب خبريهما عند استواء حالهما، وسقطا كأن ~~لم يردا، وبقي الشيء على ما كان عليه من حكم الإباحة، ويكون هذا نظير ~~شاهدين شهدا على رجل أنه قتل عمرا يوم النحر بالكوفة، وشهد آخران # PageV02P305 # أنه قتل زيدا يوم النحر بمكة، فتبطل شهادة الفريقين لتضادهما، إذ قد ~~علمنا كذب أحدهما، وكل واحد منهما يثبت كونه بالموضع (الذي ذكره في شهادته ~~في الحال التي أثبت الآخر كونه بالموضع) الآخر، وذلك متناف متضاد، لا يصح ~~إثباته، وليس أحد الفريقين بأولى بقبول شهادته من الآخر، فسقطت شهادتهما ~~جميعا. # فقد تبين بما ذكرنا أن مسألة السائل عما وصفنا ليست (من) تعارض الخبرين ~~المتضادين اللذين يجوز على كل واحد منهما أن يكون هو الناسخ لصاحبه في شيء، ~~وإنما نظير المسألة التي سأل عنها السائل: أن يرد خبران متضادان في عين ~~واحدة يخبر كل واحد منهما عنه بحال تضاد ما أخبر عنه به صاحبه، فيحتاج ~~حينئذ فيه إلى اعتبار آخر، نحو ما روي «أن النبي - عليه السلام - تزوج ~~ميمونة وهو محرم» ، وما روي «أنه تزوجها وهو حلال» وكان ذلك تزويجا واحدا، ~~ونحو ما # PageV02P306 # روي «أن زوج بريرة كان حرا فخيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~أعتقت» . وروي أنه كان عبدا " وما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى في الكعبة حين دخلها. وروي أنه لم يصل فيها» وليس ذلك من الناسخ ~~والمنسوخ في شيء، وله شروط أخر سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى ~~موضع الكلام في الخبرين المتضادين. # PageV02P307 ### | [فصل إذا ورد خبران في أحدهما إيجاب شيء وفي الآخر حظر ولا يجوز أن يكون أحدهما ناسخا ms329 للآخر] # فصل من هذا (الباب) قال أبو بكر - رحمه الله -: وأما إذا ورد خبران في ~~أحدهما إيجاب شيء وفي الآخر حظر، وهما مما لا يجوز أن يكون أحدهما ناسخا ~~للآخر على حسب ما قدمنا، فإن ما ورد فيه ذلك لا يخلو من أن يكون من خبر ~~المباح قبل ورود السمع أو من خبر المحظور، فإن كان قبل ورود السمع من خبر ~~المحظور الذي يجوز استباحته على حسب مجيء السمع بها، فقد علمنا يقينا ورود ~~الإيجاب على الحظر وإزالته لحكمه. وجائز أن يكون خبر الحظر واردا على جهة ~~التأكيد لما كان عليه حاله قبل ورود السمع، فالحكم في مثله ينبغي أن يكون ~~الإيجاب للعلة التي وصفنا. # وإن كان ذلك الشيء في الأصل قبل ورود السمع من خبر المباح، فليس ورود ~~الحظر بأن يكون طارئا على إباحة الأصل، بأولى من ورود خبر الإيجاب عليها، ~~فإذا لم يكن معنا تاريخ، فليس أحد الخبرين بأولى بالحكم من الآخر، فالواجب ~~حينئذ طلب الدليل (على الثابت) من حكم الخبرين، والاستدلال بالأصول عليه ~~فإن لم يكن في الأصول ما يشهد لثبوت حكم أحد الخبرين دون الآخر فإنه يحتمل ~~أن يقال إن الواجب في مثله أن يتعارضا، وأن يسقطا ويصيرا كأنهما لم يردا، ~~ويحتمل أن يقال: إن الواجب الامتناع من الفعل، لأنه غير جائز لنا الإقدام ~~على فعله على أنه طاعة ولم يثبت ذلك عندنا. وغير جائز أيضا فعله على وجه ~~الإباحة، لأن المخبرين قد أخرجاه من حيز الإباحة وألحقاه بحكم الحظر أو ~~الإيجاب، والاحتياط في مثله الكف عن الإقدام، لأنه ليس بمباح فيفعل على وجه ~~الإباحة، ولا يعلمه واجبا ولا مندوبا إليه فيفعله على هذا الوجه، فالاحتياط ~~به إذن لم يثبت إيجابه، وعلى أنا بحمد الله لم نجد خبرين أحدهما يحظر ~~والآخر يوجب، إلا والدلائل قائمة على ثبوت أحدهما دون الآخر، إما من جهة ~~العلم بتاريخهما، أو قيام دلائل من الأصول على الثابت منهما. وإنما تكلمنا ~~على حال عدم الدليل على ثبوت حكمهما وتساويهما في موجب لفظهما، ms330 استويا في ~~الكلام في المسألة حسب ما يقتضيه أقسام الاحتمال. # PageV02P308 # ومما يستدل به على الناسخ، أن يرد خبران متضادان مع احتمال نسخ أحدهما ~~بالآخر، فيختلف أهل العلم في الناسخ منهما، بعد اتفاق الجميع على نسخ بعض ~~أحكام أحدهما، فيدل ذلك من أمره على أنه متقدم على الخبر الذي لم يتفق على ~~نسخ شيء منه، فواجب أن يكون ما اتفق على نسخ بعضه منسوخا بالآخر لدلالة ~~الاتفاق على أن بعض ما فيه قد نسخ بالآخر (وأن الآخر قد) صار متأخرا عنه في ~~وجوب نسخ بعضه، وذلك نحو ما روي: «أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه ~~إذا ركع وإذا رفع وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا نهض إلى القيام» ~~. # وروي (عن) عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى» وقد اتفق الجميع على ترك ~~الرفع عند السجود وعند رفع رأسه منه، وإذا نهض إلى القيام، (فدل على) أن ~~خبر رفع اليدين في هذه الأحوال متقدم لخبر الترك، فوجب أن يجعل منسوخا به، ~~وذلك لأنه لم يثبت هنا خبر يوجب نسخ الرفع عند السجود وبعده إلا الخبر الذي ~~روي فيه ترك الرفع في الركوع وفي سائر أحوال الصلاة إلا عند الافتتاح، وإذا ~~ثبت أن هذا هو الناسخ للرفع عند السجود، صار متأخرا عنه في التاريخ، فوجب ~~أن ينسخ الرفع عند الركوع، إذ ليس في لفظه وما يقتضيه عمومه فرق بين الرفع ~~عند الركوع و (عند) السجود. # ونظيره أيضا ما روي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قنت في المغرب ~~والعشاء والفجر وفي سائر الصلوات» وروي عنه: «ترك القنوت في سائر الصلوات» ~~واتفق الجميع على تركه في # PageV02P309 # المغرب والعشاء والظهر والعصر (فدل على) أن خبر الترك متأخر عنه فوجب أن ~~يكون ناسخا لجميعه إذ كان قد قضى عليه وأوجب نسخ بعضه، وغير جائز أن يقال ~~إن فعل القنوت في المغرب والعشاء لم ينسخ بهذا الخبر، لأنه ليس معنا ms331 خبر ~~غيره يوجب نسخه، فوجب أن يحكم بأنه هو الناسخ دون غيره، كما أنا إذا ~~(وجدنا) الأمة مجتمعة على معنى مذكور في القرآن أو السنة، وجب أن يحكم بأن ~~الإجماع حصل عن القرآن أو السنة، فكذلك ما وصفنا. ومثل ما روي «عن النبي - ~~عليه السلام - في صفة صلاة الكسوف أنه: ركع ركوعين ثم سجد» وروي أنه «ركع ~~ثلاث ركعات ثم سجد» وروي أنه: «ركع أربع ركعات ثم # PageV02P310 # سجد» وروي أنه «صلى كهيئة صلاتنا، وأنه قال: صلوا كأحدث صلاة صليتموها» ~~وقد اتفق الجميع على أنه لا يركع في ركعة أكثر من ركوعين فصار (ما زاد على ~~الركوعين منسوخا بخبر ما، فعلمنا أنه متأخر فوجب أن يكون متأخرا) عن ~~الركوعين أيضا ناسخا لهما كنسخه لما زاد عليهما ومما يستدل به على النسخ ~~أيضا أن يكون أحد الحكمين متفقا على استعماله، والآخر مختلفا في استعماله، ~~فالواجب فيما كان هذا سبيله أن يقضى فيه بالمتفق عليه على المختلف فيه ~~فيصير ناسخا (له) إن اقتضى لفظه رفع جميعه وإن اقتضى رفع بعضه كان ناسخا ~~لذلك البعض، وذلك نحو قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: ~~282] الآية وروي عن النبي - عليه السلام - أنه «قضى بشاهد ويمين» فلو ثبت ~~الخبر على الوجه الذي يدعيه المخالف لكانت الآية ناسخة له لاتفاق الجميع ~~على ثبات حكمها واختلافهم في ثبوت حكم الخبر، ونحو قول النبي - عليه السلام ~~- «التمر بالتمر مثلا بمثل» «ونهيه عن # PageV02P311 # المزابنة» فهذان الخبران متفق على استعمالهما، " وخبر الخرص والعرايا " ~~مختلف فيهما فهما منسوخان بهما، ولذلك نظائر كثيرة قد ذكرنا بعضها فيما سلف ~~من القول في العام والخاص. # PageV02P312 ### | [الاستدلال على الناسخ من الخبرين بالقياس والنظر] # وأما الاستدلال على الناسخ من الخبرين بالقياس والنظر فنحو ما ذكرنا عن ~~عيسى بن أبان - رحمه الله تعالى - فيما روي عن النبي - عليه السلام - أنه ~~قال: «توضئوا مما مست النار» . # وروي عنه «أنه أكل مما مست النار ثم صلى ولم يتوضأ» . # وروي فيه عن السلف اختلاف فكان ترك الوضوء منه أشبه بالسنة، لأنا ms332 لم نر ~~الوضوء في السنة القائمة إلا في الأنجاس الخارجة، وكذلك ما روي في الوضوء ~~من مس الذكر، وقد روي فيه أنه لا وضوء فيه. ووجدنا لمس ما هو أنجس من الذكر ~~فلا يجب فيه الوضوء فكان الأمر (فيه) عندنا أن لا وضوء فيه. # فاستدل عيسى بشهادة الأصول لأحد الخبرين ومعاضدة القيام له على بيان حكمه ~~دون الآخر. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ومن نظائر ذلك ما روي عن النبي - عليه السلام ~~- «أنه قال في المحرم الذي وقصت به ناقته: لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم ~~القيامة ملبيا» وروي عن # PageV02P313 # ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«غطوا رءوس موتاكم ولا تشبهوا باليهود» . # وروي عنه - عليه السلام - أنه قال: «إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ~~ثلاث صدقة جارية وعلم يعمل به بعد موته وولد صالح يدعو له» ، فكان النظر ~~معاضدا لهذين الخبرين ومنافيا لخبر النهي عن تغطية رأس المحرم لاتفاق الناس ~~على أن من مات محرما لا يوقف به بعرفة ولا بالمزدلفة ولا يطاف به ولا يفعل ~~به سائر أفعال المناسك، فدل على انقطاع إحرامه، وعلى أن خبر النهي عن تخمير ~~رأسه منسوخ بالخبرين اللذين ذكرنا، وكذلك (ما) روي عنه - عليه السلام - «أن ~~المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» وروي «أنها تتوضأ لوقت كل صلاة» فكان الخبر الذي ~~ذكرنا فيه اعتبار الوقت أولى، من قبل أنا قد وجدنا في الأصول طهارة مقدرة ~~بوقت وهو المسح على الخفين، وليس منها طهارة مقدرة بفعل الصلاة ونظيره ~~أيضا: ما روي من الأخبار المتضادة في صلاة الكسوف، فقلنا: إن خبرنا أولى ~~لاتفاق الجميع على سائر الصلوات ليس فيها الجمع بين ركوعين من غير سجود ~~بينهما، فكانت الأصول شاهدة بخبرنا، فدل على أنه ناسخ لسائر الأخبار التي ~~تخالفه ونظائر ذلك كثيرة. وفيما ذكرنا تنبيه على ما تركنا، وقد تقدم ذكر ~~الدلالة (في مواضع) على أن شهادة الأصول لحكم أحد الخبرين يوجب كونه أولى ~~مما تنافيه الأصول (في مواضع) فكرهنا إعادته ms333 مخافة التطويل. # PageV02P314 ### | [فصل في حكم الزيادة إذا وردت وقد ورد النص منفردا عنها ولا يعلم تاريخها] # فصل # في حكم الزيادة إذا وردت، وقد ورد النص منفردا عنها ولا يعلم تاريخها. من ~~هذا الباب قال أبو بكر: قد بينا فيما سلف من هذا الباب أن الزيادة في النص ~~إذا وردت بعد استقرار حكمه منفردا عنها كان نسخا، وأن الزيادة إن وردت ~~متصلة بالنص معطوفة عليه - كاتصال الاستثناء بالجملة - فإنهما جميعا ~~مستعملان، فيكون النص مستعملا بالزيادة الواردة معه، وغير جائز في مثله ~~إفراد أحدهما عن الآخر، كما لا يجوز إفراد الجملة عن الاستثناء. # ونذكر الآن حكم الزيادة إذا وردت، وقد ورد النص منفردا عنها، ولا نعلم ~~تاريخهما فنقول: إن الزيادة إن كانت وردت من جهة ثبت النص بمثلها فإن طريقه ~~الاستدلال بالأصول، فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معا ~~أثبتناهما، فإن شهدت (بالنص) منفردا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في ~~الأصول دلالة على إسقاط حكم الزيادة وإثبات النص دونها فالواجب أن يحكم في ~~ذلك بورودهما معا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا وردا ولا نعلم ~~تاريخهما، ولا في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما على الآخر، فيكونان ~~مستعملين جميعا. # كذلك إذا وردت الزيادة والنص ولم نعلم تاريخهما ولا مع أحدهما دلالة من ~~الأصول ولا استعمال الناس للنص دون الزيادة، فالحكم بورودهما معا واجب ~~فيكون النص ثابتا بزيادته. # وأما إذا كان ورود النص من جهة توجب العلم بموجبه، نحو أن يكون نص الكتاب ~~أو سنة ثابتة بالنقل (المستفيض) وكان ورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد ~~فإنه لا يجوز إلحاقها بالنص الثابت بالكتاب أو بالنقل المستفيض، لأن ~~الزيادة لو كانت ثابتة موجودة (مع النص) لنقلها إلينا من نقل النص، إذ غير ~~جائز أن يكون المراد إثبات النص معقودا بالزيادة، فيقتصر النبي - عليه ~~السلام - (على) إبلاغ النص منفردا منها، فواجب # PageV02P315 # إذن) أن يذكرها معه، ولو ذكرهما معا لنقل الزيادة من نقل النص. # فإن كان النص مذكورا في القرآن والزيادة واردة من ms334 جهة السنة، فغير جائز ~~أن يقتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على تلاوة الحكم المنزل في القرآن ~~دون أن يعقبها بذكر الزيادة، لأن حصول الفراغ من النص الذي يمكن استعماله ~~بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، نحو قوله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] فإن كان الحد هو الجلد والنفي ~~أو الجلد والرجم، فغير جائز أن يتلو النبي - عليه السلام - الآية على الناس ~~عارية من ذكر النفي والرجم عقيبها، لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا ~~اعتقاد موجبها، ولأن المذكور فيها هو كمال الحد الواقع موقع الجزاء عند ~~إيقاعه، ولو كان هناك معه نفي أو رجم مستحق بالفعل لكان الجلد بعض الحد، ~~وغير جائز أن يكون مراده (أنه) بعض الحد وأنه جميعه، فإذا أخلى النبي - ~~عليه السلام - التلاوة من ذكر النفي والرجم عقيبها، فقد ألزمنا اعتقاد ~~الجلد المذكور في الآية (حدا كاملا) ، فغير جائز إلحاق الزيادة به إلا على ~~وجه النسخ، ألا ترى أنه لما قال - عليه السلام -: «اغد يا أنيس على امرأة ~~هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم يذكر معه جلدا، كان ذلك نسخا لما في حديث ~~عبادة بن الصامت عن النبي - عليه السلام - من قوله «والثيب بالثيب الجلد ~~والرجم» . # وكذلك لما رجم ماعزا ولم يجلده دل على (أنه) نسخ الجلد مع الرجم. كذلك ~~يجب أن يكون قوله تعالى: {الزانية والزاني} [النور: 2] عاريا عن ذكر النفي ~~والرجم موجبا لنسخ النفي المذكور في حديث عبادة (بن الصامت) «البكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام» . فلو كانت هذه الزيادة ثابتة مع الأصل لذكرها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عقيب التلاوة، ولو ذكرها لنقلتها " الكافة التي ~~نقلت الأصل، إذ غير جائز عليهم أن يعلموا (الحد) الجلد # PageV02P316 # والنفي جميعا فينقلوا الجلد دون النفي. كما لا يجوز أن ينقلوا بعض الحد ~~دون بعض وقد سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الجميع. فلما عدمنا ~~نقل الكافة للزيادة حسب نقلها للنص علمنا أنه لم يكن من النبي - عليه ~~السلام - عقيب التلاوة ذكر الزيادة، ms335 إذ كان (السامعون للآية معتقدين نقل) ~~الزيادة المذكورة مع الأصل وغير جائز عليهم التبعيض وترك النقل فيما كان ~~هذا وصفه، فامتنع من أجل ذلك إلحاق الزيادة بالنص من جهة توجب العلم بنقل ~~الكافة إياها، فلا تخلو حينئذ الزيادة الواردة من جهة الآحاد إن كانت ثابتة ~~من أن تكون قبل النص أو بعده. # فإن كانت قبله فقد نسخها النص المطلق عاريا من ذكر الزيادة، وإن كانت ~~بعده فهذا يوجب نسخ الآية، وغير جائز نسخ الآية بخبر لا يوجب العلم، ومن ~~نحو ذلك قوله تبارك وتعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] ~~والقياس الذي (شرط في الرقبة الإيمان) يوجب نسخ ما في الآية على الوجه الذي ~~بينا. # ومن جهة أخرى، أن النبي - عليه السلام - أعتق رقبة، وكذلك قال للذي سأله ~~عن الإفطار في شهر رمضان: أعتق رقبة، ولم يشرط فيها الإيمان مع علمه بجهل ~~السائل بالحكم فلا يجوز زيادة شرط الإيمان فيها إلا على وجه النسخ، وهذا ~~يمنع استعمال القياس وإلحاق شرط الإيمان بها من وجهين. # أحدهما: أن نسخ الآية لا يجوز بالقياس. والثاني: أن القياس لو أوجب شرط ~~الإيمان فيها لأخبره النبي - عليه السلام - بذلك لئلا يعتقد السائل غيره، ~~ولئلا يقدم في الحال على تنفيذها في رقبة كافرة، إذ قد أمره بعتقها في ~~الحال، ألا ترى أنه لما قال - عليه السلام - «اغد يا أنيس على امرأة هذا ~~فإن اعترفت فارجمها» عقلنا من هذا أنه لا شيء عليها غير الرجم إذ كان ~~مأمورا في الحال بتنفيذ هذا # PageV02P317 # الحكم وإمضائه على هذا الوجه فوجب أن يكون هذا الحد لا غير. # كذلك أمره السائل برقبة مطلقة في الحال أي رقبة كانت، يقتضي أن تكون هي ~~الواجبة كافرة كانت أو مسلمة. # وأما إذا كان ثبوت النص من جهة أخبار الآحاد، فإنه جائز إلحاق الزيادة به ~~بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به على الاعتبار الذي ذكرنا في ~~الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما، ولم يرد مع النص في خطاب واحد ~~(معطوف بعضه على ms336 بعض، وإذا كانت واردة مع النص في خطاب واحد) فليست هذه ~~زيادة في النص على الحقيقة بل الجملة كلها هي النص فجميعها ثابت الحكم. # وأما القياس فإنه لا يجوز وقوع النسخ به، وهذا ما لا نعلم فيه خلافا بين ~~السلف والخلف ممن يعتد بقوله. # وحكي لي عن بعض من (كان ببغداد من) أذناب المتأخرين أنه كان يجيز نسخ ~~القرآن قياسا على نص في القرآن. وكذلك نسخ السنة قياسا على سنة أخرى. # والذي يحكي عنه هذا القول خامل غير معروف من أهل العلم، وخلافه في ذلك ~~كخلاف رجل من العامة لا يعتد به لو خالف على أهل عصره، فكيف به إذا خالف ~~على السلف والخلف جميعا من أهل الأعصار المتقدمة، وهو مع ذلك قول مخالف ~~للمأثور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إباحة الاجتهاد عند عدم ~~النص، فمنه ما روي بالنقل الشائع الذي تلقاه الناس بالقبول «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن بم تقضي قال: بكتاب الله، ~~قال: فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله، قال: أقضي بما قضى به رسول الله قال: ~~فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله ولا فيما قضى به رسول الله قال: أجتهد رأيي، ~~قال: الحمد لله الذي وفق رسوله لما يحبه رسول الله» . # PageV02P318 # فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن جواز الاجتهاد مقصور على عدم النص ~~المتوارث عن الصدر الأول ومن بعدهم من فقهاء سائر الأعصار إذا ابتلوا ~~بحادثة طلب حكمها من النص، ثم إذا عدموا النص فزعوا إلى الاجتهاد والقياس، ~~ولا يسوغون لأحد الاجتهاد واستعمال القياس مع النص. # ألا ترى إلى ما روي عن جماعة من الصحابة «من أتاه منكم أمر ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله فليجتهد رأيه» . وكان عمر - رضي الله عنه - إذا نزل به ~~نازلة من أمر الأحكام سأل الصحابة: هل فيكم من يحفظ عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيها شيئا فإذا روي له فيها (أثر) قبله ولم يفتقر معه إلى ms337 ~~مشاورة ولا اجتهاد، فإذا عدم حكمها في الكتاب والسنة فزع إلى مشاورة ~~الصحابة وإلى اجتهاد الرأي فيها ". # وكذلك كان أمر سائر الصحابة والتابعين ومن بعدهم إنما كانوا يفزعون إلى ~~النظر والاستدلال عند عدم النصوص، ولم يحك عن أحد منهم مقابلة النص بالقياس ~~ولا معارضته بالاجتهاد. # ومما يدل على صحة ما قلنا أن نص القرآن والسنة الثابتة من طريق التواتر ~~يوجبان # PageV02P319 # العلم بما تضمناه، والقياس الشرعي لا يفضي إلى العلم بموجبه وإنما هو ~~غالب ظن فغير جائز رفع ما أوجب العلم بما لا يوجبه، وقد بينا ذلك فيما سلف ~~من القول في تخصيص النص بالقياس. # فإن قال قائل: يلزمك على هذا ألا تزيل الإباحة الثابتة في الأصل من غير ~~جهة الشرع بالقياس وخبر الواحد، لأن ثبوتها من طريق الدلائل العقلية ~~الموجبة للعلم. # قيل (له) : هذا غلط من قبل أن العقل وإن دل على إباحة أشياء في الجملة، ~~فإنا متى قصدنا إلى استباحة شيء منها بعينه، فإنما نستبيحه من طريق ~~الاجتهاد وغالب الظن. # ألا ترى أنه لو غلب (في) ظننا أن علينا في تناوله ضررا أكثر مما نرجو من ~~نفعه لم يجز لنا تناوله، وهذا الضرب من الاستباحة طريقه غلبة الظن لا حقيقه ~~العلم، لأن الإباحة لما كانت معقودة بألا يلحقنا ضرر أكثر مما نرجو من ~~نفعه، وكان هذا المعنى موقوفا على غلبة الظن، بطل قول القائل: إن استباحة ~~هذه الأشياء في الجملة من طريق يوجب العلم، وهذا نظير ما نقول: إنه قد ثبت ~~من طريق يوجب العلم قبول شهادة شاهدين عدلين في الديون بقوله تعالى: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ثم إذا أردنا قبول شهادة ~~شاهدين بأعيانهما كان طريق قبولها الاجتهاد وغلبة الظن، لا من جهة تفضي إلى ~~العلم بصحة مقالتهما فكذلك ما وصفنا. # وأيضا: فإن النسخ لما كان بيانا لمقدار مدة الحكم وكان لا سبيل إلى إثبات ~~المقادير من طريق المقاييس، كتوقيت مقدار فرض الصوم وركعات الظهر لم يجز ~~إثبات النسخ بالقياس لما فيه من تقدير مدة الفرض. # PageV02P320 ### | [باب القول ms338 فيما ينسخ بعضه ببعض وما لا ينسخ] # باب # القول (فيما ينسخ) بعضه ببعض وما لا ينسخ قال أبو بكر - رحمه الله -: قد ~~ثبت نسخ القرآن بقرآن مثله، وقد تقدم بيانه. # وكذلك نسخ السنة بسنة مثلها، وقد تقدم ذكره. وجائز عندنا نسخ السنة ~~بالقرآن، و (نسخ) القرآن بالسنة الثابتة من طريق التواتر. # PageV02P323 # ولا يجوز نسخ القرآن ولا نسخ السنة الثابتة من جهة التواتر بخبر الواحد. # ويجوز نسخ ما ثبت بخبر الواحد بمثله وبما هو آكد منه. # وجملة الأمر فيه أن ما ثبت من طريق يوجب العلم فجائز نسخه بما يوجب ~~العلم. (فلا) يجوز نسخه بما لا يوجب العلم، وما ثبت من طريق لا يوجب العلم ~~وإنما يوجب العمل فجائز نسخه بمثله وبما هو آكد منه مما يوجب العلم. # فصل والدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب ~~تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] فإذا كان النسخ بيانا لمدة الحكم على ما بينا ~~اقتضى عموم الكتاب جواز نسخ السنة (به) ، وأيضا: لما جاز نسخ السنة بوحي ~~ليس بقرآن وجب أن يجوز نسخها أيضا بوحي هو قرآن، لأنهما وحي من الله تعالى. # وأيضا: لا خلاف بين السلف في جواز نسخ السنة بالقرآن، لأن الروايات قد ~~تظاهرت عنهم في أشياء من السنن ذكروا أنها منسوخة بالقرآن. منها (ما) روي ~~في شأن القبلة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة صلى بضعة ~~عشر # PageV02P324 # شهرا إلى بيت المقدس ثم أنزل الله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} ~~[البقرة: 144] ، ونسخ به التوجه إلى بيت المقدس» . # وروى أبو رافع «أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بقتل الكلاب، فقال ~~الناس: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها، فأنزل الله ~~تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~(مكلبين) } [المائدة: 4] » قال أبو بكر: فأخبر أن نسخ قتل الكلاب كان ~~بالآية. . # وروي أنهم كانوا يشربون الخمر حتى نزل قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم ms339 كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] ثم أنزل (قوله) {يا ~~أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه} [المائدة: 90] . # وروي أنه قد كان الأكل والشرب والجماع محظورا عليهم في ليالي الصوم بعد ~~النوم فأنزل الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] فنسخ (به) الحظر المتقدم. # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشا على أنه يرد إليهم من ~~جاءه من نسائهم بغير إذن وليها، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] » الآية. روي عن جماعة من ~~السلف «أنه رد - عليه السلام - زينب على أبي العاص» منسوخ بقوله تعالى: {لا ~~هن حل لهم} [الممتحنة: 10] ، وقال قتادة: كان رده إياها إليه قبل أن تنزل ~~سورة # PageV02P325 # براءة " فرأى أن هذا الحكم منسوخ بسورة " براءة " يعني - والله أعلم - ~~قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] . # وروي «أن الناس كانوا يدخلون على النبي - عليه السلام - ونساؤه عنده ~~فأنزل الله آية الحجاب بعد أن كن غير محجبات» . # ومنها تبني النبي - عليه السلام - زيد بن حارثة، وتبني أبي حذيفة سالما ~~نسخه قوله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب: 40] وقوله ~~تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5] . # «وكان النبي - عليه السلام - أمرهم في حجة الوداع بفسخ الحج، وقال عمر بن ~~الخطاب: ذلك منسوخ بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] » ~~. # ونظائر ذلك كثيرة، وقد اعترض بعض المخالفين على هذا، وزعم أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قد كان يقف من تأويل مجمل الكتاب على ما لا يشركه في ~~الوقوف عليه أحد من أمته، فليست له سنة لا كتاب فيها إلا وقد يحتمل أن يكون ~~لها في الكتاب جملة تدل عليها، فخص (الله تعالى) رسوله بعلم ذلك، فلم يثبت ~~أن آية نسخت سنة، لأن تلك السنة قد تكون مأخوذة من جملة (هذا) الكتاب وإن ~~خفي (علينا) علم ذلك. # قال أبو بكر: وهذا الكلام بين الانحلال ظاهر السقوط، وذلك لأن جواز ms340 ما ~~ذكره # PageV02P326 # يمنع وجود نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة، وذلك لأن كل آيتين ~~ظاهرهما النسخ فجائز أن يكون نسخ إحداهما إنما كان بسنة الرسول وإن لم ينقل ~~إلينا إلا بقرآن. و (أن) القرآن إنما نزل بعد ذلك بحكم قد سنه الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ونسخ به القرآن، وكل سنتين كان ظاهرهما النسخ فجائز أن ~~يكون نسخ المنسوخ منهما إنما كان بحكم أوجبه جملة من القرآن نحو قوله ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] وقوله ~~تعالى: {فاتبعوه} [الأنعام: 153] وقوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} [النساء: 59] ، وعلى أن هذا يوجب ألا يكون للنبي - عليه السلام - ~~سنة رأسا وأن يكون كل ما سنه (فإنما هو) بيان لجملة مذكورة في القرآن، وقد ~~علم النبي - عليه السلام - تفسيرها دوننا لما خصه الله تعالى به من النبوة ~~والعلم بتأويل الآية التي لا يشركه فيه غيره. # وبطلان هذا القول معلوم من اتفاق الأمة، لأنها قد عقلت أن في الشريعة ~~أحكاما مأخوذة من الكتاب، وأحكاما ليست من الكتاب مأخوذة من السنة. # فإن قال (قائل) : إن (هذا القول) الذي عارضت به ما حكيت يرده ظاهر ~~الكتاب، لأن الله تعالى قال: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها} [البقرة: 106] ، وقال تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: ~~101] فقد أفصح الكتاب بأن بعضه ينسخ بعضا. # قيل له: نقول لك إنما أفصح الكتاب بوجود النسخ في القرآن ولا دلالة فيه ~~على أنه نسخه بقرآن مثله أو بغيره، لأنه لا يمتنع أن يكون مراده ما ننسخ من ~~آية بسنة نوحي بها إليك نأت بخير منها. # PageV02P327 # وكذلك قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: 101] بأن ننسخها ~~بوحي ليس بقرآن ثم ننزل أخرى مكانها وإن لم تكن ناسخة لها، فلا يمكن القائل ~~بما وصفنا الانفصال ممن نفى نسخ الكتاب إلا بالسنة ونسخ السنة إلا بالكتاب، ~~فإن قال: قد اتفق أهل العلم على جواز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة ~~بالسنة. # قيل له: الذين اتفقوا على ms341 ذلك هم الذين اتفقوا على جواز نسخ السنة ~~بالكتاب. # فإن قال (قائل) : الشافعي يخالف في ذلك. # قيل له: من تقدم الشافعي قد أجازوا ذلك فكيف يكون الشافعي خلافا عليهم ~~وهو لا يمكنه أن يحكي هذا القول عن أحد ممن تقدمه. # وقد حكينا نحن عن خلق من السلف جوازه فإن جاز أن يكون الشافعي خلافا على ~~من تقدمه من أهل العلم جاز أن يكون هذا القائل الذي حكينا قوله وعارضنا به ~~قول الشافعي خلافا علينا وعلى الشافعي جميعا. # ثم قال هذا القائل: (لم نر) من خالف (في) هذا أورد آية نسخت عنده لسنة، ~~وقد وجدنا لها جملة في الكتاب نحو ما ادعوه من نسخ استقبال بيت المقدس ~~واستحلال الخمر وتحريم المباشرة والأكل والشرب بعد النوم في ليالي الصوم. # فقد يكون استقبال بيت المقدس مأخوذا من جملة قوله تعالى: {أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ، وشرب الخمر مأخوذ من قوله تعالى: ~~{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] ~~، ومعلوم أن شربها لا يحل وفيه إثم. وقد روي أنهم كانوا يشربونها بعد نزول ~~هذه الآية ثم نزل قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر. . .} [المائدة: 90] ~~الآية. وتحريم ما يحل للمفطر في ليالي الصوم قد يكون مأخوذا من جملة قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} ~~[البقرة: 183] أي على (تلك) الهيئة. # وكذلك ما أشبه هذه الآيات قد يمكن تخريجها على ذلك. # PageV02P328 # قال: وإن ورد ما لا يمكن فيه فقد يجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب وإن خفي ~~علينا علمه فيقال (له) : بم تنفصل ممن قال لك إن هذا القول يؤدي (إلى) ألا ~~يكون في شريعة الرسول - عليه السلام - ناسخ ولا منسوخ لأن قوله تعالى: ~~{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] فيه الأمر (بالاقتداء ~~بالأنبياء) المتقدمين في شرائعهم، وجائز أن يكون جميع ما شرعه الله تعالى ~~في كتابه وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان من شرائع الأنبياء ~~المتقدمين، وأن معنى الناسخ والمنسوخ أنه ms342 كان في شريعة من قبلنا بقاء الحكم ~~المنسوخ فيهم هذه المدة من الزمان ثم نقلوا إلى الحكم الثاني، فلا شيء في ~~هذه القضية من حظر أو إيجاب أو إباحة إلا وقد كان مثله في شريعة من قبلنا ~~على الوجه الذي ثبت في شريعتنا. # وإنما صار في شريعتنا (بقوله تعالى) {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} [الأنعام: 90] . # فإن قال: لا يجب ذلك لأنا قد علمنا كون أشياء مباحة في شريعة من قبلنا ~~حظرت في شريعتنا كالخمر ونحوها، وكون أشياء محظورة في شريعتهم أباحتها ~~شريعتنا كقوله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم ~~حرمنا عليهم شحومهما} [الأنعام: 146] قيل له: نقول لهذا القائل ليس شيء مما ~~حظر بعد الإباحة وأبيح بعد الحظر إلا وقد كان في شريعة من كان (من) قبلنا ~~كذلك مدة من الزمان فتعبد النبي - عليه السلام - بالاقتداء بهم في الحكم في ~~(مثل) المدة التي فيها الحظر أو الإباحة. # ثم يقال له: ما أنكرت أن تكون هذه الآية دالة على جواز نسخ السنة ~~بالقرآن، لأنه ليس يمتنع أن يكون قد كان في شريعة من قبلنا أن سنن الأنبياء ~~قد كان يجوز نسخها بالكتاب المنزل عليهم من الله تعالى إذ ليس (معنا) نص ~~ولا إجماع يمنع من ذلك. # PageV02P329 # ثم قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ~~فينتظم جواز نسخ السنة بالكتاب كما كان في شريعة الأنبياء المتقدمين. # وأما قوله في حظر الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم (بعد النوم) ، ~~ونسخه بقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} ~~[البقرة: 183] ، وأنه جائز أن يكون كذلك في الشرائع المتقدمة فانتظمت الآية ~~إثباته علينا على هذا الوجه، فإنه يلزمنا ألا نجعل هذا الحكم منسوخا بقوله ~~تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] ، وأنه إنما ~~زال بعد ثبوته في المدة التي كان بقي فيها، لأنه كذلك كان في شريعة من كان ~~قبلنا من الأنبياء فلا يكون في ذلك من شريعتنا ناسخ ولا منسوخ، كما لو ms343 قال: ~~{كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] ثم قال: حظر ~~(عليهم) الأكل والشرب والمباشرة في ليالي الصوم بعد النوم مقدار سنة واحدة، ~~ثم كان بعد مضي السنة إباحة جميع ذلك بالليل بعد النوم وقبله، لم يكن فيه ~~نسخ شيء وإنما كان يكون فيه إيجاب حكم إلى وقت معلوم، ولا يمكنه مع ذلك ~~الانفصال ممن ينفي من أهل الملة وجود ناسخ، ومنسوخ في القرآن، لأن من ينفي ~~من ذلك إنما نسلك فيه هذه الطريقة ويجري (فيه) على هذا المنهاج في نفي ~~النسخ. # وهذا قول ظاهر الفساد وعلى أنه إنما ذكر أنه كتب علينا الصيام، والصيام ~~لا يكون بالليل وإن حظر الأكل فيه بعد النوم فكيف يتناول الليل وقد بين ~~(ذلك) في سياق الآية # PageV02P330 # في قوله تعالى: {أياما معدودات} [البقرة: 184] فأخبر أن الصوم الذي كتب ~~علينا (كما كتب على الذين من قبلنا إنما هو أيام معدودات) فلم يتناول الليل ~~قط فسقط قوله إن ما نسخ من ذلك قد كان موجبا بالآية قبل نسخها. # وأما قوله في شرب الخمر أنه كان مباحا بقوله تعالى: {ومنافع للناس} ~~[البقرة: 219] وأنه قد قرنها بالإثم بقوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير} ~~[البقرة: 219] ثم قال تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وهذا ~~اللفظ قد اقتضى تحريمها لأن الإثم كله محرم بقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} [الأعراف: 33] ، و (ذكر المنافع) التي ~~فيها لا يدل على الإباحة لأن سائر المحظورات قد يمكن الانتفاع بها في أمور ~~الدنيا مع بقاء الحظر. # وأما قوله: إنهم قد كانوا يشربونها بعد نزول الآية فلا دلالة فيه على ~~الإباحة لأنه ليس فيه أنهم كانوا يشربونها مع علم النبي - عليه السلام - ~~بشربهم إياها وإقراره إياهم عليه، وجائز أن يكون قد كان يشربه من لم يعلم ~~بالحظر وظن أن الآية لم توجب تحريمها. # فإن قال قائل: ليس في تحريم الخمر بعد إباحتها دلالة على ما ذكرت، لأن ~~إباحتها قبل نزول الآية كانت من طريق العقل ms344 وكون الأشياء مباحة في الأصل ~~قبل ورود الشرع، ومثل هذا لا يطلق فيه اسم النسخ فلا يمتنع ورود الكتاب ~~بحظرها، ولا يدل على جواز نسخ السنة بالقرآن لأن موضع الخلاف بينك وبينهم: ~~إنما هو فيما يثبت حكمه بالسنة هل يجوز نزول القرآن بزواله ونسخه أم لا. # قيل له: هذا غلط من وجهين: أحدهما: أنهم قد كانوا يشربونها في أول ~~الإسلام مع علم النبي - عليه السلام - بذلك فصار إقراره إياهم عليه (إباحة ~~منه بشربها من طريق الشرع بمنزلة قوله لو قال: قد أبحت لكم شربها لا فرق ~~بين وجود لفظه منه - عليه السلام - من ذلك وبين إقراره إياهم عليه) ، وقد ~~وردت الآية بعد ذلك بنسخه على الوجه الذي ذكرنا فثبت نسخ السنة بالقرآن. # PageV02P331 # والوجه الآخر (أن) دلالتنا على ما استدللنا (به) عليه قائمة، لأن هذا ~~كلام في الاسم لا في المعنى، وإذا جاز أن يزيل الله حكما أقام عليه الدلالة ~~في الأصل من طريق العقل بالقرآن، جاز أن يزيل به ما حكم به على لسان الرسول ~~- عليه السلام -، لأن الجميع من عنده فجهة الاستدلال بالآية صحيحة على ما ~~ذكرنا. # وأما قول هذا الرجل وكذلك ما أشبه هذه الآيات قد يمكن تخريجها على ذلك ~~وإن ورد ما لا يمكن فيه فقد يجوز أن يكون مأخوذا من الكتاب وإن خفي علينا ~~علمه. # فإنه يقال (له) : هل يجوز عندك أن يكون لله تعالى مراد في حكم يشتمل عليه ~~لفظ مذكور في الكتاب فيخفى عامه على جميع الأمة؟ . # فإن قال: نعم جواز أن يكون هاهنا أحكام كثيرة في الكتاب والسنة قد خفي ~~علمها عن الأمة فأخطئوها، وحكموا بغيرها وهذا يوجب جواز اجتماعهم على ~~الخطأ، وقد علمنا أن وقوع ذلك مأمون منهم. # وإن قال: لا يجوز ذلك، قيل له: فلم أجزت أن ترد آية تشتمل على حكم مذكور ~~فيها ثم ينسخ ذلك الحكم، فلا يعلم الناس الحكم المنسوخ من الكتاب، فهذا ~~يقتضي أن يكون هذا الحكم قد ذهب عن الأمة لأن مخالفيك يقولون. ليس في ~~الكتاب ms345 حكم قد خفي علينا في المعنى الذي اختلفنا فيه، وإنما الكتاب في مثل ~~ذلك ورد في نسخ السنة وتزعم أنت أنك لا تقف عليه ولا تعلمه، ويجوز أن يكون ~~هناك حكم قد خفي عليك فقد أداك هذا إلى خفاء الحكم عن الأمة بأسرها. # ولو جاز هذا ليجوز أن يقال: إن في كتاب الله تعالى أحكاما كثيرة نحن ~~متعبدون بها لم تقف الأمة على شيء منها، وهذا قول ظاهر السقوط. # PageV02P332 # ويقال له: فعلى هذا يجوز أن يقال كل ما سنه النبي - عليه السلام - فهو ~~مما أوجبته جملة مذكورة في الكتاب ولم نقف عليها، وكذلك ما نسخه النبي - ~~عليه السلام - بعد ثبات حكمه من سنته يجوز أن يكون نسخه بما اقتضته جملة في ~~الكتاب لم نقف على معناها ويجب على هذا القول ألا يكون للنبي - عليه السلام ~~- سنن بوحي غير القرآن. وهذا قول ساقط مردود، على أنه لو جاز أن يكون في ~~كتاب الله تعالى أحكام تخفى على الأمة، لما صح الرد إلى كتاب الله تعالى، ~~ولبطل الاستدلال والنظر لأنا متى أردنا رد الحادثة إلى الأصل، وجوزنا مع ~~ذلك أن يكون في الأصول ما قد خفي علينا حكمه لم نأمن أن يكون أصل هذه ~~الحادثة هو مما قد خفي علينا حكمه من الكتاب، وهذا يؤدي إلى بطلان القياس، ~~وكفى بقاعدة تؤدي الباني عليها إلى هذه الجهالات فسادا من إبطال نسخ الكتاب ~~والسنة، ومن أنه لو ثبت النسخ فيهما لم يثبت نسخ الكتاب بالكتاب ولا السنة ~~بالسنة، وإلى تجويز (خفاء حكم مذكور في الكتاب على الأمة فلا نعلمه ولا نقف ~~عليه، وإلى تجويز) ألا يكون للنبي - عليه السلام - سنة، وأن جميع ما سنه ~~فهو في القرآن، وإلى بطلان رد الحادثة إلى الكتاب، لجواز أن يكون أصلها مما ~~لم تقف عليه الأمة. وذكر هذا الرجل وجها ثالثا في زعمه لتخريج هذه الآيات ~~قد ذكره الشافعي سنذكره عند حكايتنا بقوله في هذا الباب، وعلى أن الآي التي ~~احتججنا بها إنما يطلب لها تأويل يوافق مذهب ms346 من أقام الدلالة على صحة ~~المقالة في الأصل، فأما من لم يعضد قوله بحجة ولا شبهة فلم يلجأ فيه إلى ~~دلالة من عقل ولا شرع، ثم استغل مطلب تأويل # PageV02P333 # الآي الموجبة لفساد مقالته وحملها على وجوه تناقض الأصول وتنافيها كان ~~قوله ساقطا مطروحا فإن قال قائل: الدليل على صحة مقالتنا قوله تعالى: ~~{لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] فأخبر أن النبي - عليه السلام - ~~بعث مبينا فلا يكون الكتاب إذن مبينا لقوله. # وقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: ~~106] يدل على أنه إنما ينسخ آية مثلها، وكذلك قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية ~~مكان آية} [النحل: 101] . # قيل له لا يخلو قوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] من ~~أحد وجهين: إما أن يكون المراد به إظهاره وترك كتمانه، فيتناول جميع القرآن ~~ما افتقر منه إلى بيان، وما لم يفتقر، فيكون بمعنى قوله تعالى: {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] (أن) يكون المراد (منه) ما ~~احتاج منه إلى (بيان) الرسول دون غيره، فإن كان المراد به الوجه الأول فليس ~~يمتنع أن ينزل الله تعالى (إليه) النسخ للسنة فيبينه (للناس) بإظهاره إياه، ~~فهذا لا يكون دلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن أقرب منه إلى أن يمنع منه. # وإن كان المراد الوجه الثاني، فلا دلالة فيه أيضا على ما ذكرت، لأنه ليس ~~في لزوم النبي - عليه السلام - بيان مجمل الكتاب، ما ينفي نسخ السنة بحكم ~~في القرآن غير مفتقر # PageV02P334 # إلى بيان النبي - عليه السلام - لأنه لو نص عليه على هذا الوجه بأن يقول: ~~لتبين مجمل الكتاب لم ينف بذلك أن يكون (ما لا يحتاج) إلى البيان منه ناسخا ~~لسنته. # وأيضا فإذا كان ما يحصل من بيان النبي - عليه السلام - فالله تعالى ~~المتولي لتبيينه بوحي من عنده ولم يكن قوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل ~~إليهم} [النحل: 44] مانعا أن يكون ما حصل من البيان فهو من عند الله وهو ~~المتولي لذلك منه، ولم يمتنع ms347 أيضا أن يبين مدة السنة فينسخها بالكتاب كما ~~تولى تبيينها على لسان الرسول - عليه السلام -. # وأيضا: ليس في أن النبي - عليه السلام - يبين القرآن ما يمنع أن يكون ~~القرآن يبين السنة أيضا، كما أن القرآن يبين القرآن، ولم يمنع ذلك نسخه به، ~~وكما أن السنة تبين السنة وتنسخها أيضا، فليس إذن في وصف النبي - عليه ~~السلام - نبين القرآن ما يمنع أن ينسخ سنة بالقرآن. # وأيضا: فالذي قال: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] هو الذي قال: ~~{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] فهلا أجزت لعمومه تبيين ~~مدة السنة إذ لم يكن في قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ما ~~يوجب تخصيصه، ألا ترى أنه يصح أن يقول: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: ~~44] ولتبين الكتاب ما بسنة إذ ليس بيان مجمل الكتاب بسنة النبي - عليه ~~السلام - وإنما يبين النبي - عليه السلام - أن الله تعالى قال كذا، أو أن ~~مراده بما قال كذا، فلا يسمى هذا سنة فلم يعترض على قوله تعالى: {ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وإيجاب تخصيصه. # وأما قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~[البقرة: 106] فليس له # PageV02P335 # تعلق بما ذكرنا لأن أكثر ما فيه أنه إذا نسخ آية أتى بخير منها أو مثلها ~~ولا دلالة فيه أن السنة لا تنسخ بها، وكذلك قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية ~~مكان آية} [النحل: 101] (أنه) لا يمنع أن يبدل آية مكان سنة وإنما ذكر ~~حكاية قول الكفار عند نسخ آية بآية مثلها ولم ينف نسخ السنة بآية. # وقال الشافعي في كتاب الرسالة: وسنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة رسول ~~الله ولو أحدث الله لنبيه في أمر سن منه غير ما سن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي ~~قبلها مما يخالفها وهذا مذكور في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # فإن قال قائل: فقد، وجدنا الدلالة على ms348 أن القرآن ينسخ القرآن لأنه لا مثل ~~له فأوجبنا ذلك في السنة. # قال الشافعي: فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - دليل على أن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~قبلت عن الله، فمن قبلها فكتاب الله تعالى يتبعها، ولا نجد خبرا ألزمه الله ~~عز وجل خلقه نصا مبينا إلا كتابه ثم سنة نبيه - عليه السلام -. # فإذا كانت السنة كما وصفت لا شبه لها من قول خلق من خلق الله تعالى، لم ~~يجز أن ينسخها إلا مثلها ولا مثل لها غير سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قال أبو بكر - رحمه الله تعالى -: هذا الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من ~~الاختلال منها قوله: إن السنة لا ينسخها إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فمنع بذلك نسخ السنة إلا بسنة مثلها، ثم نقض ذلك بقوله في سياق ~~كلامه، ولو أحدث الله عز وجل لنبيه في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله، ليس ~~فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة، فأجاز بذلك أن ينسخ ~~الله سنة نبيه بالقرآن، وهذا ينقض قوله بدءا أن السنة لا ينسخها إلا سنة. # PageV02P336 # فإن قال قائل: لم يقل إن أحدث الله ذلك بقرآن ينزله، ويحتمل أن يكون ~~مراده أنه ينسخه بوحي ليس بقرآن. # قيل له: فإذن يكون ما أحدث سنة للنبي - عليه السلام -، لأن ما نزل به وحي ~~غير قرآن من الأحكام هي من سنن النبي - عليه السلام -، فما معنى قوله: لسن ~~فيما أحدث (الله) إليه،، والذي أحدث الله إليه سنة لا يفتقر في وقوع النسخ ~~بها إلى سنة أخرى. # وعلى أن الشافعي قد أبطل تأويل هذا القائل بقوله بعد ذلك في هذا الفصل. # فإن قال قائل: فهل تنسخ السنة بالقرآن. # قيل له: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي - عليه السلام - فيه سنة تبين ~~أن سنته الأولى منسوخة، حتى تقوم الحجة على الناس، فإن الشيء ينسخ بمثله، ms349 ~~فأجاز نسخها بالقرآن إذا سن النبي - عليه السلام - ما يبين أن سنته الأولى ~~منسوخة. # وقوله: لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي ~~قبلها كلام متناقض مستحيل، لأنه أخبر أن الله نسخه بما أحدثه من خلاف سنة ~~النبي - عليه السلام -. # وقوله أيضا: لسن فيما أحدث الله إليه حتى يبين للناس أن له (سنة) ناسخة ~~للتي قبلها. فما قد نسخه الله تعالى كيف يجوز أن ينسخه (النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -) بعده، وكيف يجوز نسخ المنسوخ، ومن جهة أخرى أن ما قد نسخه ~~الله تعالى كيف يجوز من النبي - عليه السلام - الإخبار عنه بأن سنته نسخته ~~فيكون فيه الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، حاشا له # PageV02P337 # من ذلك - عليه السلام -. ثم استدل على أن السنة لا ينسخها إلا سنة بما ~~ذكر من أمر الله الناس باتباع نبيه - عليه السلام -. # وهذا لا دليل فيه على أن السنة لا ينسخها القرآن، إذ ليس في الأمر باتباع ~~(النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ينفي جواز نسخها بالقرآن كما لا ينفي ~~جواز نسخها بوحي من عند الله ليس بقرآن، فإذن ليس في الأمر باتباع) النبي - ~~عليه السلام - تعلق بنسخ السنة بقرآن ولا غيره، لأنا إنما أمرنا باتباع سنة ~~النبي - عليه السلام - (التي) لم تنسخ (فأما) إذا نسخها القرآن أو سنة له ~~أخرى فنحن مأمورون حينئذ باعتقاد نسخها وزوال حكمها، وقد أمر الله باتباع ~~كتابه بقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3] ، ولم ~~يمنع جواز نسخه بالقرآن. # وأما قوله إن السنة لا شبه لها من قول خلق من خلق الله فليس يخلو مراده ~~من ذلك من أحد معنيين. # إما أن يريد أن نظمها معجز غير مقدور للخلق. # أو أن يكون مراده الحكم. # فإن كان مراده اللفظ فإن أحدا من المسلمين لا يقول إن كلام النبي - عليه ~~السلام - معجز بالنظم، وإن كان - عليه السلام - أفصح الخلق، ولو كان كلامه ~~معجزا لكان مساويا للقرآن في إعجاز النظم وهذا خلف من ms350 القول، لأن القرآن هو ~~المختص بإعجاز النظم دون سائر الكلام. # ولو كان كلام النبي - عليه السلام - معجزا لتحدى به العرب كما تحداهم ~~بالقرآن ولاستغنى الناس (به) عن طلب الشبه لمباينته لكلام غيره من البشر في ~~إعجاز # PageV02P338 # نظمه كما بان القرآن من سائر الكلام بالنظم المعجز والتأليف البديع الذي ~~ليس في وسع أحد من الخلق الإتيان بمثله فبطل هذا القسم. # وإن كان مراده الحكم الثابت من جهة السنة فإن أحدا من المسلمين لا يقول: ~~إن لغير النبي - عليه السلام - من الخلق أن يشرع الشرائع (ويبتدع) الأحكام ~~فلا معنى لذكره هاهنا إذ ليس هو موضع الخلاف، لأن كلامنا إنما هو في نسخ ~~السنة بالقرآن الذي لا شبه له من قول أحد من الخلق لا في نسخها بما له شبه ~~(كلام) من كلام المخلوقين، وعلى أنه لو ثبت أن السنة لا شبه لها من قول أحد ~~من المخلوقين على أي وجه حصل معنى كلامه، لما دل على أن القرآن لا ينسخها ~~لأن القرآن لا شبه له من قوله أحد من الخلق، وينسخه القرآن (فكذلك السنة لا ~~يكون لها شبه من قول الخلق، وينسخها القرآن) الذي لا يشبه قول المخلوقين ~~فلم يحصل (له) من كلامه في هذا الفصل وجه الدلالة على منع نسخ السنة ~~بالقرآن. # قال الشافعي بعد ذلك: ولو جاز أن يقال قد سن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ونسخت سنته بالقرآن، ولا يؤثر عن النبي - عليه السلام - السنة ~~الناسخة، جاز أن يقال فيما حرم (رسول) الله تعالى من البيوع كلها قد يحتمل ~~أن يكون حرمها قبل أن تنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - {وأحل الله البيع ~~وحرم الربا} [البقرة: 275] وفيمن يرجم من الزنا قد يحتمل أن يكون الرجم ~~(قبل نزول) # PageV02P339 # قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: ~~2] . # قال أبو بكر: وهذا الفصل نظير ما تقدم لأنه قال: ونسخت سنته بالقرآن، ولا ~~يؤثر عن النبي - عليه السلام - (والسنة) الناسخة فأطلق نسخها بالقرآن ثم ~~أوجب نسخها بعد ذلك بالسنة، ms351 ومعلوم أن ما نسخ بالقرآن يستحيل نسخه بالسنة ~~لامتناع جواز نسخ المنسوخ. # وأما قوله: لو جاز أن ينسخ الله سنة بالقرآن ولا يؤثر عن النبي - عليه ~~السلام - السنة الناسخة جاز أن يقال فيما حرم (الله من البيوع إلى آخر) ما ~~ذكر فإن هذه القضية إن صحت منعت نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة بالسنة إلا ~~أن يكون مع الناسخ منهما سنة تبين النسخ، فإذ قد وجدنا في القرآن والسنن ~~ناسخا ومنسوخا من غير أن يكون مع الناسخ منهما سنة تبين الناسخ من المنسوخ، ~~ومن غير ذكر تاريخ في واحد منهما، بل يكون استدراك حكم الناسخ من المنسوخ ~~وتفضيل أحدهما من الآخر والتمييز بينه وبينه موكولا إلى الاستدلال بغيره. # كذلك يجوز نسخ السنة بالقرآن ويكون سبيل معرفة الناسخ من المنسوخ طلب ~~تاريخ الحكم من سائر الأصول إذا لم يكن عندنا علم بتاريخهم، ولا كان في ~~لفظهما ما يدل على الناسخ منهما. # وعلى أن الشافعي قد نص على نسخ السنة بالقرآن في (باب) صلاة الخوف في ~~كتاب الرسالة، فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد الخدري في «تأخر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم الخندق بالصلوات حتى كان هوي من الليل ثم قضاهن، قال ~~أبو سعيد وكان # PageV02P340 # ذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف» ، ثم ذكر حديث يزيد بن رومان عن صالح بن ~~خوات في صلاة الخوف، قال الشافعي: " فنسخ الله تعالى تأخير الصلاة عن وقتها ~~في الخوف إلى أن يصلوها - كما أنزل (الله) ، وسن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في وقتها ونسخ (رسول الله) سنته في تأخيرها بفرض الله تعالى في ~~كتابه ثم بسنته، صلاها في وقتها كما وصفت " فنص في هذا الموضوع على نسخ ~~السنة بالقرآن، إلا أنه وصله بما يستحيل كونه، لأنه قال: نسخها بفرض الله ~~في كتابه ثم بسنته، وما قد نسخ بالكتاب (لا) يصح نسخه بعد ذلك لا بالسنة ~~ولا بغيرها. # PageV02P341 ### | [الباب الثاني والأربعون في القول في نسخ القرآن بالسنة] ### | [فصل في نسخ حكم القرآن وما ثبت من ms352 السنة من طريق التواتر بخبر الواحد] # وفيه فصل: نسخ حكم القرآن وما ثبت من السنة من طريق التواتر بخبر الواحد # PageV02P343 # باب القول في نسخ القرآن بالسنة اختلف الناس في نسخ القرآن بالسنة فأجازه ~~أصحابنا إذا جاءت السنة مجيئا يوجب العلم، ولم يكن من أخبار الآحاد. # وكان أبو الحسن - رحمه الله - يحكي عن أبي يوسف أن السنة التي يجوز نسخ ~~القرآن بها هي ما ورد من طريق التواتر ويوجب العلم، نحو خبر المسح على ~~الخفين.، ومنع الشافعي ذلك. # واختلف أصحابه فقال بعضهم: هو جائز في العقل إلا أن الشرع لم يرد به ولم ~~يمنعه أيضا. # وقال آخرون منهم: قد منع الشرع جوازه والدليل على جوازه قول الله تعالى: ~~{لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44] ، والنسخ بيان مدة الحكم الذي كان ~~(في) توهمنا بقاؤه على حسب ما تقدم وصفنا له، فانتظم قوله: {لتبين للناس ما ~~نزل إليهم} [النحل: 44] سائر وجوه البيان، فلما كان النسخ ضربا من البيان ~~وجب أن تستوعبه الآية. # فإن قال قائل: المراد به إظهار ما أنزل وتبليغه. # قيل له: هذا أحد ما تناوله اللفظ، ولم ينف غيره من سائر ضروب البيان. # ألا ترى أنه قد دل على جواز تخصيصه بالسنة إذا كان ضربا من البيان، ولم ~~يكن استعمال اللفظ على الأمر بإظهار، وترك كتمانه مانعا من دخول بيان ~~التخصيص تحته. # PageV02P345 # كذلك بيان مدة الحكم الذي هو النسخ (واجب أن) يتناوله اللفظ. # فإن قيل: إذا كانت السنة تبين القرآن استحال أن تنسخه، لأنه لا يجوز أن ~~ينسخ الشيء بما يبينه. # قيل (له) : إن هذه دعوى ليس عليها دلالة وهو موضوع الخلاف بيننا وبينكم ~~فكأنك إنما جعلت موضع الخلاف دلالة على المسألة. # وعلى أن النسخ ضرب من البيان فلا يمتنع وقوعه بالسنة، كما أن القرآن يبين ~~القرآن بقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] ، ~~ولم يمتنع نسخه به. # ودليل آخر وهو قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] ~~{صراط الله} [الشورى: 53] ، وقال تعالى: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: ms353 3] ~~{إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 4] . # فلما كان الناسخ لحكم القرآن صراط الله، وجب أن يصح وقوعه بالسنة لإخبار ~~الله تعالى بأنه يهدي إلى صراط الله، ولأن السنة لما كانت واجبا من الله ~~تعالى، جاز أن ينسخ بها وحي وهو قرآن كما جاز نسخ القرآن بالقرآن من حيث ~~هما، وحي من الله تعالى. # وأيضا فإن نسخ القرآن يكون من وجهين. # (أحدهما) : نسخ التلاوة. # (والثاني) : نسخ الحكم. # وقد جاز عند الجميع نسخ التلاوة لا بقرآن على ما بينا فيما سلف، لأن نسخ ~~التلاوة يكون بالإنساء تارة وبالأمر بالإعراض عن كتبها وحفظها أخرى، وكلا ~~الوجهين من ذلك يجوز وقوعه بغير قرآن. # ألا ترى أن نسخ التلاوة وجد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ~~معنا قرآن موجود نسخت به، فلما جاز نسخ التلاوة لا بقرآن وجب أن يجوز نسخ ~~الحكم، لأنه أحد وجهي نسخ القرآن، # PageV02P346 # ولأن التلاوة يتعلق بها حكم في جواز الصلاة بها (وما يستحق به) من الثواب ~~إذ كانت قرآنا، ولا تستحق بغيره، فدل ذلك من وجهين على نسخ حكم القرآن ~~بالسنة. # أحدهما: أن نسخ التلاوة لا محالة يقتضي نسخ حكم. # والثاني: أنه قد ثبت قرآن منسوخ بغير قرآن فوجب مثله في حكم تضمنه لفظ ~~القرآن. # دليل آخر: وهو أن الأصل في الناسخ والمنسوخ أن ما صح اجتماعه في خطاب ~~واحد جاز النسخ به على (حسب) ما تقدم القول منا فيه، فلما لم يمنع أحد من ~~تجويز سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقيب تلاوة القرآن، موجبة لتوقيت ~~حكمه، أن مراد الله في فعل ذلك إلى وقت كذا، ثم ليس عليكم فعله بعده، وإن ~~عليكم بعد مضي المدة عبادة أخرى، كما جاز أن يقول: الزكاة واجبة بعد الحول، ~~والحج واجب في وقت دون وقت، وكذلك سائر الفروض، وجب أن (لا) يمنع إبهام ~~القول في حكم القرآن ثم ترد سنة الرسول - عليه السلام - بزوال ذلك (الحكم) ~~، ووجوب ضده كما جاز وجود ذلك (منه) عقيب نزول القرآن. # ودليل آخر وهو اتفاق ms354 الجميع على جواز تخصيص القرآن بالسنة. والتخصيص إنما ~~هو بيان الحكم في بعض المسميات، فلا يمتنع على ذلك نسخه بالسنة. إذ كان ~~النسخ تخصيصا بالوقت دون وقت على الوجه الذي بينا، والمعنى الجامع بينهما ~~أن كل واحد (منهما) ، وارد على وجه التخصيص. # فإن قيل: يلزمك على هذا تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس كما جوزت ~~تخصيصه بخبر الواحد وبالقياس. # قيل له: لنا في تجويز تخصيص القرآن بخبر الواحد وبالقياس شرائط قد بينا # PageV02P347 # بعضها فيما سلف، وجملته أن ما كان (منه) ظاهر المعنى بين المراد لم يجز ~~تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس، إلا أن يختلف السلف فيه ويسوغوا الاجتهاد ~~في تركه أو يتفقوا على خصوصه، فيكون العلم بموجب عمومه من طريق الاجتهاد، ~~فيجوز تركه بخبر الواحد وبالقياس. # وأما ما لم يكن بهذا الوصف فموجب حكمه ثابت من طريق يوجب العلم، فلا يجوز ~~تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس، وكذلك لا يجوز نسخه بذلك إذا كان موجبه ~~ثابتا من طريق يوجب العلم، فإنما يجوز التخصيص بما يجوز (به) النسخ في ~~مثله. # فإن قال: الفرق بين التخصيص والنسخ أنه يبقى مع التخصيص من حكم اللفظ ما ~~يصح استعماله ولا يبقى مع النسخ حكم يستعمل. # قيل (له) : هذا فرق من وجه (آخر) لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ~~ذكرنا، وعلى أن النسخ لا يصح إلا وقد مضى من وقت الحكم ما يصح استعماله فيه ~~وذلك الوقت هو بمنزلة ما تبقى من حكم الاسم بعد التخصيص ولا فرق بينهما من ~~هذه الجهة فثبت بما ذكرنا جواز نسخ القرآن بالسنة. # وأما من نفى جوازه من المخالفين بما ادعى (فيه) من ورود السمع فإنه احتج ~~فيه بقول الله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ~~[البقرة: 106] . # قال: والسنة لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله بوجه. # فنقول وبالله التوفيق: إنه لا دلالة في هذه الآية على ما ذكره، بل فيها ~~الدلالة على جواز نسخ القرآن بالسنة من وجوه نذكرها (إن شاء الله ms355 تعالى) . # فنبدأ ببيان وجه الدلالة من هذه الآية على صحة قولنا، ثم نشرع في الإبانة ~~عن # PageV02P348 # فساد استدلالهم بها على ما ادعوه (إن شاء الله) . # فأما وجه الدلالة منها على صحة قولنا فمن وجهين. # أحدهما: أن قوله تعالى: " بخير منها " لا يخلو من أن يكون المراد (به) ~~خيرا منها في نظمها وصورتها وحروفها، أو خيرا منها أصلح لنا وأنفع. فأما ~~الوجه الأول ففاسد، لأن أحدا لا يقول إن هذه الآية خير من هذه الآية في ~~نفسها، فثبت الوجه الثاني وليس يمتنع أن يكون حكم ثبت من جهة السنة أصلح ~~لنا وأنفع منه لو نزل به قرآن، ومن أجل ذلك أنزل الله ببعض الأحكام قرآنا ~~وأنزل ببعضها وحيا ليس بقرآن على حسب علمه بمصالحنا (فيها) . # وإذا كان المراد بالآية ما وصفنا فقد دلت على جواز نسخها بالسنة لجواز ~~إطلاقها أنها خير لنا من الوجه الذي ذكرنا. # والوجه الثاني أن قوله " مثلها " لا يخلو من أن يكون المراد المماثلة ~~بينهما من (جميع جهاتهما أو من بعضها، فلو كان المراد وجود المماثلة بينهما ~~من جميع الجهات لوجب أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في نظمه وصورته وحروفه ~~ومعانيه، وهذا يوجب أن يكون الناسخ هو المنسوخ ويوجب بطلان النسخ رأسا، ~~فلما بطل هذا علمنا أن المراد وجود المماثلة بينهما من) بعض الجهات، وقد ~~يصح إطلاق (اسم) المثل إذا تماثلا من بعض الوجوه كما قال تعالى: {وحور عين} ~~[الواقعة: 22] {كأمثال اللؤلؤ المكنون} [الواقعة: 23] فأطلق اسم المماثلة ~~لمماثلتها من بعض الوجوه إذ معلوم أن الحور العين غير مماثلة للؤلؤ من جميع ~~الجهات، وإنما مثلهن به من جهة الصفاء والنقاء ونحو ذلك (والله أعلم) . # فمتى استحق اسم المماثلة من وجه فهو داخل تحت الآية، وقد تكون السنة مثل ~~الآية، من جهة النفع والصلاح، ومن جهة أنهما جميعا وحي من الله تعالى، فوجب ~~أن يجوز نسخه بها لعموم اللفظ. # PageV02P349 # فإن قال قائل: لا يطلق اسم المماثلة على الحقيقة إلا فيما يكون (مماثلا) ~~له من جميع جهاته، فإذا لم يكن ms356 كذلك فإنما (يقال) هو مثله على التقييد. # قيل له: لم يرد بالمثل هاهنا ما ذكرت، لما بينا، فثبت أنه أراد المماثلة ~~من بعض الوجوه، فقد دلت الآية في هذين الوجهين على جواز نسخ القرآن بالسنة. # وأما ما قلنا: إنه لا دلالة فيها على ما ذهبوا إليه، فمن جهة أن الذي في ~~الآية أنه إذا نسخ آية أتى بخير منها ولم يذكر الناسخ لها، وإنما (قلنا) ~~(فيها) أنه يأت بخير من المنسوخ أو مثله، وليس يمتنع أن ينسخ الآية بالسنة ~~ثم يأتي بآية أخرى مثلها ولا تكون هي الناسخة إذ لم يقل (ما ننسخ) من آية ~~نأت بما ينسخها خيرا منها. # ويدل على ذلك (أن قوله) " نأت بخير منها " راجع إلى الحكم والتلاوة، ونسخ ~~التلاوة لا يكون بآية مثلها بل بغير آية ثم يأتي بآية خير منها ليست هي ~~الناسخة للتلاوة فكذلك هذا في الحكم. # وأيضا: فإن الذي تقتضيه حقيقة اللفظ هو نسخ التلاوة والنظم دون الحكم، ~~لأن الآية في الحقيقة اسم للنظم، ألا ترى أن الآية قد تكون باقية والحكم ~~منسوخ، وقد تنسخ الآية والحكم باق، فدل على أن الآية اسم للرسم والنظم دون ~~الحكم، (فوجب أن يحمل قوله {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] على نسخ التلاوة ~~والرسم دون الحكم) ، وألا يدخل الحكم فيه إلا بدلالة. # وأيضا لا يخلو قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} [البقرة: 106] من (أحد) أوجه ~~ثلاثة: إما أن يريد (به) نسخ التلاوة دون الحكم أو نسخ الحكم دون التلاوة ~~أو نسخهما معا. # PageV02P350 # فإن كان المراد نسخ التلاوة دون الحكم لم يعترض على موضوع الخلاف (لأن ~~الخلاف) بيننا في نسخ الحكم، ولم نختلف أن نسخ التلاوة (قد) يكون بغير ~~القرآن. # وإن كان المراد نسخ الحكم دون التلاوة لم يمتنع نسخه بالسنة، لجواز أن ~~يكون حكم السنة خيرا لنا من حكم القرآن في باب أنه أصلح لنا وأنفع، لأن اسم ~~الخير لا يطلق في مثل هذه إلا بإضمار إضافته إلى من يحصل له، لأنك لا تقول ~~إن هذا ms357 خير من هذا إلا ومرادك أنه خير لمن تعبد به أو جعل له أو ما جرى ~~مجرى ذلك. # وإن كان المراد نسخ التلاوة والحكم معا، فإن نسخ التلاوة قد يجوز عند ~~الجميع بغير قرآن، بأن ينسي الله من يحفظها أو يأمر على (لسان) رسول الله ~~بالإعراض عنها فتنسى، وقد بينا أن الآية لم تمنع نسخ الحكم على الانفراد ~~بالسنة، وكذلك لا يمتنع نسخهما معا بالسنة. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يجوز أن يكون المراد بقوله {بخير منها} ~~[البقرة: 106] ؟ (أو مثلها أن يكون) خيرا من الأولى من جهة ما يستحق من ~~زيادة الثواب بتلاوتها، كما روي أن {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] تعدل ثلث ~~القرآن، وأن {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن يعني ~~فيما يستحق بتلاوتها من الثواب زيادة على ما يستحق بغيرها. # وإذا كان قوله {بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] يحتمل أن يكون هذا ~~معناه لم يكن لنا أن نعدل به عن قرآن مثله إلى غيره مما ليس بقرآن من جهة ~~ما ذكر، ثم إن القرآن لا يكون بعضه خيرا من بعض. # PageV02P351 # الجواب: إن هذا لا يعترض على شيء مما قدمنا ولا يمنع جواز نسخ القرآن ~~بالسنة على الوجه الذي بينا من وجوه. # أحدهما: أنا إذا سلمنا له ما ادعاه من ذلك في كون التلاوة خيرا له لما ~~يستحق بها من زيادة الثواب. فقد ثبت أن في الآية ضميرا ليس مذكورا في ~~اللفظ، وهو كون ثوابها خيرا لنا، فحينئذ لا يكون خصمنا أولى بصرف معناها ~~إليه منا (بصرفه) إلى الحكم وما لنا فيه من النفع والصلاح. # ووجه آخر: وهو أنه قد ثبت أن المراد بقوله خيرا منها أنه خير لنا (لأن ~~الآية ليست خيرا من آية أخرى غيرها في نفسها، وإذا كان كذلك فقد ثبت أن ~~المراد أنه أنفع لنا) ، وأصلح إما من جهة استحقاق زيادة الثواب، وإما من ~~جهة النفع والصلاح، ثم لا يختلف حينئذ الحكم الثابت بالسنة والحكم الثابت ~~بالقرآن، إن كان هذا الإطلاق يجوز ms358 أن يتناول كل واحد منهما على حياله بأنه ~~خير لنا في باب أنه أصلح لنا، فليس إذن فيما ذكره هذا القائل ما يمنع كون ~~الثاني خيرا من الأول على الوجه الذي بينا. # وأيضا: فإذا كان جائزا أن يكون حكم السنة خيرا لنا من حكم لو كان في ~~القرآن وجاز هذا الإطلاق فيه كما جاز فيما ذكره من استحقاق زيادة الثواب، ~~كان أقل أحواله تجويز الأمرين من نسخها بقرآن مثلها، أو خير منها، من جهة ~~الثواب ومن نسخها بالسنة من جهة ما يكون خيرا لنا في باب النفع والصلاح. # وأيضا: فإن الذي يقتضيه حقيقة اللفظ نسخ النظم والتلاوة، لأن الآية اسم ~~للنظم والرسم لا الحكم، ولا دلالة فيه على نسخ الحكم. إذ جائز بقاء الحكم ~~مع نسخ التلاوة، وإذا كان كذلك صار تقدير الآية: ما ننسخ من نظم آية ورسمها ~~نأت بخير منها أو مثلها فلا يعترض (ذلك) على موضوع الخلاف، لأن الخلاف ~~بيننا إنما هو في نسخ حكم الآية بالسنة لا في نسخ النظم والتلاوة، إذ لا ~~خلاف بين من يجيز نسخ التلاوة أنه جائز وقوعه بغير قرآن لما بيناه فيما ~~سلف. # وأيضا: فليس في قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] ~~دلالة على (أن) المأتي به # PageV02P352 # هو الناسخ لها، إذ لم يقل نأت بما ينسخها خيرا منها أو مثلها، ومن ادعى ~~أن المراد به نأت بناسخ خير منها، لم يسلم له دعواه إلا بدلالة، وسقط ~~استدلاله بالآية على موضع الخلاف بيننا، إذ ليس أحد الخصمين بأولى بما ~~ادعاه من أحد وجهي الاحتمال من الآخر، بل لو قلنا: إن الأظهر والذي يقتضيه ~~فحوى الخطاب، نسخ الآية بأي وجه كان من وجوه النسخ قرآنا أو غير قرآن، ثم ~~يأتي بعد ذلك بخير منها أو مثلها، كان قولا سديدا أو أشبه بالصواب من قول ~~مخالفنا. # فإن قال: قوله تعالى في سياق الآية {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} ~~[البقرة: 106] يدل على أن المراد نسخ الآية بقرآن معجز لا يقدر ms359 أحد غير ~~الله على الإتيان بمثله، فثبت أنه منع نسخها بالسنة. # قيل له: (ولو) سلمنا لك ما ادعيت لم يعترض على موضع الخلاف، وذلك لأنه ~~يقتضي نسخ التلاوة (ونسخ التلاوة) ، والنظم لا يقدر عليه أحد غير الله، ~~وهذا ما لا خلاف فيه بيننا، فما الدلالة منها (على أن هذا يدل) على امتناع ~~جواز نسخ الحكم الذي تضمنته الآية. # ومن (وجه آخر) : لا دلالة فيه على ما وصفت لأنه ليس في الآية أن الذي هو ~~خير منها أو مثلها هو الناسخ لها، فإذا لم يكن ذلك في الآية لم يجز لأحد أن ~~يدعيه إلا بدلالة من غيرها فلا يمتنع حينئذ أن يكون المراد نسخ حكم القرآن ~~أو تلاوته بوحي من عنده ليس بقرآن ويأتي مع ذلك بقرآن خير منها أو مثلها ~~على حسب ما يحتمله اللفظ ويجوز فيه، فلا يدل ذلك على أن الناسخ يجب أن يكون ~~قرآنا، وإن كان الذي يأتي (به) بعد النسخ يكون قرآنا (إن اقتضت) الآية ذلك. # ووجه آخر: وهو أنه جائز أن يكون الذي يأتي به حكما من جهة وحي ليس بقرآن. # ويصح الوصف له من أجل ذلك أنه على كل شيء قدير، لأن الحكم الذي هو أصلح ~~لا يعلمه أحد غير الله الذي على كل شيء قدير، فلا دلالة فيه على أن الذي ~~يأتي به بعد النسخ قرآن معجز. # PageV02P353 # فإن قيل: قال الله تعالى: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا ~~أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ~~[يونس: 15] (فدل أنهم) سألوه تبديل الآية نفسها وقد أخبر أنه لا يبدله من ~~تلقاء نفسه، ولو جاز نسخه بالسنة لكان قد بدله من تلقاء نفسه. # قيل له: هذا استدلال فاسد من وجوه. # أحدها: أنهم (إذا كانوا) سألوه تبديل الآية نفسها لم يعترض على ذلك الحكم ~~وكلامنا إنما هو في الحكم الذي يثبت بالقرآن، هل يجوز نسخه بالسنة أم لا، ~~وعلى أنه لا يخلو من أن ms360 يكون سألوه تبديل النظم والرسم، أو تبديل الحكم، أو ~~تبديلهما جميعا. # فإن كانوا سألوه تبديل النظم، وهو الذي يقتضيه ظاهر اللفظ، فلا دلالة فيه ~~على موضع الخلاف من المسألة لما بينا، ولأن أحدا غير الله لا يقدر على ~~تبديل نظم القرآن إلى نظم آخر معجز. فلا معنى للاشتغال بهذا الوجه في موضع ~~الخلاف. # وإن كانوا سألوه تبديل الحكم دون النظم لم يعترض أيضا على قولنا، لأن ~~أكثر ما فيه نفي تبديله من تلقاء نفسه ونحن لا نقول إنه يبدله من تلقاء ~~نفسه، وإنما يبدله الله بوحي من عنده إما قرآن (وإما) غير قرآن، ويدل على ~~ذلك قوله في سياق الخطاب {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [يونس: 15] (والوحي) لا ~~يختص بالقرآن دون غيره فهذا يدل على جواز تبديل حكمه بوحي ليس بقرآن وعلى ~~أنه لا يجوز لنا حمل المعنى على الحكم، لأن الذي يقتضيه ظاهر اللفظ نسخ ~~النظم والرسم. إذ كان المعنى الذي من أجله كان قرآنا وجوده على ضرب من ~~النظم، وإن كانوا سألوه تبديل النظم والحكم معا فلا دلالة فيه أيضا على ما ~~اختلفنا فيه، لأنا لم نقل إنه يبدل شيئا منه من تلقاء نفسه، و (إنما) قلنا ~~إنما يتبع ما يوحى إليه، # PageV02P354 # وما يوحى إليه قد يكون قرآنا وغير قرآن. # فإن قال قائل: قال الله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنما أنت مفتر} [النحل: 101] ، وهذا يدل على أنه إنما تنسخ ~~الآية بآية مثلها قطعا لحجج الكفار وإبطالا لدعواهم أنه افتراها وأنه أتى ~~بها من قبل نفسه. # قيل له: وما في قوله تعالى {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: 101] ما ~~يوجب أن حكم القرآن لا ينسخ بالسنة، وإنما أكثر ما فيه الإخبار بأنه إذا ~~بدل آية مكان آية قال الكفار {إنما أنت مفتر} [النحل: 101] ولم يقل إنه لا ~~ينسخها بالسنة. # وأما قوله: (إنه) إنما بدل آية مكان آية قطعا لحجج الكفار وبطلانا ~~لدعواهم فإنه (قد) أخبر الله تعالى أنهم لم ينتهوا عن ms361 قولهم هذا (مع) تبديل ~~آية مكان آية ولم يمنع قولهم ذلك من نسخ آية أخرى، وكذلك لا يمنع نسخها ~~بالسنة وإن قال الكفار ذلك. # وعلى أن " قوله {وإذا بدلنا آية مكان آية} [النحل: 101] إنما يتناول نفس ~~المتلو لا الحكم وليس (في) المتلو ما يوجب تبديل الحكم والاختلاف بيننا في ~~الحكم لا في المتلو، فليس لما ذكروه تعلق بموضع الخلاف. # فإن قيل: لو نسخها بالسنة لارتاب الكفار وقالوا: إنه من عنده. # قيل له: قد ارتاب الكفار مع نسخها بآية أخرى ولم يمنع، ارتيابهم من نسخها ~~بآية غيرها. فكذلك لا يمنع نسخها بالسنة. # وقد دللنا (على جواز نسخ القرآن بالسنة بما قدمنا) وأنه ليس في العقل ولا ~~في # PageV02P355 # السمع ما يمنع (من) ذلك، وندل الآن على بطلان قول من زعم أنه (لا يجد) ~~نسخ القرآن بالسنة بعد موافقته إيانا على تجويزه # فنقول: إن أصحابنا قد ذكروا أحكاما في القرآن لم يثبت نسخها إلا بالسنة، ~~منها قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم فإن شهدوا فأمسكوهن} [النساء: 15] إلى قوله تعالى: {توابا رحيما} ~~[النساء: 16] . فاتفق السلف من أهل العلم بالتفسير منهم ابن عباس وغيره أن ~~حد الزانيين المحصن وغير المحصن كان الحبس والأذى المذكورين في هذه الآية ~~ثم نسخ ذلك عنهما بالجلد لغير المحصن والرجم للمحصن. # قال أبو بكر: والموجب (لنسخ) ذلك حديث عبادة بن الصامت عن النبي - عليه ~~السلام - «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد، والرجم» ~~. والدليل على أن الحبس والأذى نسخا بالخبر قول النبي - عليه السلام - (في ~~هذا الحديث) «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» فنبهنا على وجود السبيل الذي ~~ذكره الله تعالى في قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] ، ودل ~~بقوله: «خذوا عني» على معنيين: # أحدهما: الإخبار بالنسخ في الحال، وأنه لم يتقدمها قبل هذا الوقت. # والثاني: أن هذا النسخ واقع لا بقرآن بل بسنته - عليه السلام -. # فإن قال قائل: إنما نسخ ذلك بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مائة ms362 جلدة} [النور: 2] قيل له: هذا غلط من وجهين: # أحدهما: أن قوله: «خذوا عني» قد أفاد وقوع النسخ بسنته لا بالقرآن. # PageV02P356 # والثاني: قوله: «قد جعل الله لهن سبيلا» قد دل على أن آية الجلد لم تكن ~~نزلت وأن السبيل كان متقدما، فلم يكن (يصح) الإخبار بأن السبيل مأخوذ عنه ~~ولا ينبههم على وجوده إلا مع تقدم علمهم بها، وتقريرها قبل ذلك عندهم. # وعلى أنه لو كان الأمر على ما ذكرت، لكانت دلالة الخبر قائمة على وقوع ~~نسخها بالسنة، وهي أن آية الجلد معلوم أن حكمها مقصور على غير المحصن، وقد ~~كان الحبس والأذى حدا ثابتا على المحصن وغيره، لأن أحدا من السلف لم يقل ~~إنه كان حدا لأحد الفريقين دون الآخر، وكانت آية الجلد ناسخة للحبس والأذى ~~عن غير المحصن. # ولو خلينا بعد ذلك ومقتضى حكم آية الحبس والأذى وآية الجلد، لأوجب ذلك ~~بقاء حكم الحبس والأذى في المحصنين،، ولا شيء نسخه عنهما إلا إيجاب الرجم ~~والرجم (إنما) ثبت بالسنة. وعلى أنه ليس في آية الجلد ما يوجب نسخ الحبس ~~والأذى، لأنه لم يكن يمتنع اجتماعهما، وما يصح اجتماعه مع الأول لا يجوز ~~وقوع النسخ به. فعلمنا أن النسخ وقع بغيره (وليس في القرآن ما يوجب نسخه ~~فثبت أنه منسوخ بالسنة) . # فإن قيل: ما أنكرت ألا يدل حديث عبادة في الجلد والرجم على نسخ الحبس ~~والأذى. لأن الذي في الآية من ذلك مؤقت بقوله تعالى: {أو يجعل الله لهن ~~سبيلا} [النساء: 15] فإنما بين الرسول - عليه السلام - ذلك السبيل كما لو ~~قال في الآية إلى سنة لم يكن مضي السنة موجبا لنسخها. # قيل له: ليس هذا كما ظننت، لأن قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: ~~15] ليس بتوقيت إذا لم يكن يمتنع مع وجود هذا القول ألا يجعل الله لهن ~~سبيلا فيكون حدهما الحبس والأذى على # PageV02P357 # التأبيد، ولو لم يعطف عليه قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] ~~لكان معقولا من الآية ثبات حكمها إلى أن ينسخها الله تعالى بغيرها من ~~الأحكام، ms363 وذكر السبيل إنما أفاد تأكيد بقاء الحكم إلى وقت وقوع النسخ. وعلى ~~أنا لو سلمنا لك ما ادعيت كانت دلالة الخبر قائمة على صحة ما ذكرنا، وذلك ~~لأن السبيل مذكور في النساء خاصة غير مذكور في الرجال، لأن حد الرجل كان ~~الأذى إلى أن يتوب بقوله تعالى: {فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} ~~[النساء: 16] ، وهو منسوخ الآن برجم المحصن وجلد غير المحصن. # وقد بينا أن ثبوت الرجم الناسخ لحكم الآية ثابت بالسنة فلا محالة قد أوجب ~~نسخ القرآن بالسنة. # وقد قال بعض المخالفين: يحتمل أن يكون الحبس، والأذى كان في غير المحصن، ~~فنسخ بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} [النور: 2] ولم يكن للمحصن ~~حكم ثابت فكان وجوب الرجم حدا مبتدأ. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وهذا غلط من قائله من وجهين. # أحدهما: أن كل من روي عنه تأويل هذه الآية من السلف قد قال إن ذلك كان حد ~~الزانيين ولم يذكروا فرقا بين المحصن وغيره، ولو كان حدا لأحد الفريقين دون ~~الآخر لنقل ولفرقوا بينهما إذ غير جائز أن يعلموه حدا لفريق دون فريق ~~فينقلوا ما يوجب كونه حدا للفريقين جميعا، فدل ذلك على سقوط قول هذا ~~القائل. # والوجه الآخر: أن قوله - عليه السلام - «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» ~~، إخبار بأن السبيل لجميع من تضمنته الآية التي فيها ذكر السبيل للفريقين ~~من المحصنات وغيرهن، لولا ذلك لاقتصر بذكر السبيل على غير المحصنة، فلما ~~جمع الفريقين من # PageV02P358 # المحصنات وغيرهن في بيان السبيل فقال: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ~~والثيب بالثيب الجلد والرجم» ، دل ذلك على أن الحبس والأذى المذكورين في ~~(الآية كان للفريقين ومن أجل ذلك صار السبيل المذكور في) الخبر ناسخا للحكم ~~عن الفريقين جميعا. # وعلى أن الشافعي قد قال: نسخ الحبس والأذى عن المحصنين بقول النبي - عليه ~~السلام - «الثيب بالثيب الجلد والرجم» . # فمن منع ذلك من أصحابه فإنما ينقض بذلك قول صاحبه. # وقال قائل: يحتمل أن يكون الحبس والأذى منسوخين عن المحصن بالرجم الذي ~~كان في آية ms364 من القرآن وقد نسخت تلاوته، فلا يدل ما ذكرت على أنه منسوخ ~~بالسنة. وهذا (أيضا) غلط، لأن النبي - عليه السلام - أخبر في حديث عبادة أن ~~السبيل في الآية كان عقيب ما أوجبه بقوله: «خذوا عني قد جعل الله لهن ~~سبيلا» فعلمنا أنهم نقلوا من الحبس والأذى إلى ما هو هذا الحديث بلا واسطة ~~حكم بينهما. # ولا يقول أحد من الناس: إن ما روي في خبر عبادة من قوله: «خذوا عني قد ~~جعل الله لهن سبيلا» كان قرآنا في وقت من الأوقات، وكيف يكون قرآنا مع ~~إخباره - عليه السلام - بأنه مأخوذ عنه لا عن القرآن. # فدل على أن الحبس والأذى منسوخان عن المحصن بالرجم المذكور في خبر عبادة ~~الذي لم يكن قرآنا قط. ولو كان قرآنا منسوخ التلاوة لما قال - عليه السلام ~~-: «خذوا عني» ، ولكان السبيل الذي جعل لهن متقدما لهذا القول بالقرآن ~~المنسوخ التلاوة الثابت الحكم، وفي خبر عبادة ما ينفي هذا فدل على أن الحبس ~~والأذى منسوخان عن المحصن بالرجم الذي لم يكن ثبوته بقرآن نسخت تلاوته. # ومن جهة أخرى: إنه لو شاع هذا التأويل في ذلك لجاز أن يقال في كل سنة ~~ثبتت عن النبي - عليه السلام - أنها من القرآن المنسوخ التلاوة، فيوجب هذا ~~ألا يثبت للنبي - عليه السلام - سنة، ولجاز أن يقال في جميع ما نسخ من ~~القرآن مما قد وجد في القرآن ما يوجب نسخه إنه إنما نسخ بالقرآن المنسوخ ~~التلاوة، ثم نزلت الآية الأخرى بالحكم الآخر. وهذا خلف من القول. # PageV02P359 # ولجاز أن يقال: ما نسخت سنة قط إلا بقرآن قد نسخت تلاوته فيوجب هذا بطلان ~~قول مخالفنا إن السنة لا ينسخها القرآن. # فإن قال قائل: كيف يجوز أن يكون حديث عبادة ناسخا لحكم القرآن وهو من ~~أخبار الآحاد ومن أصلكم أنه لا يجوز نسخ القرآن بأخبار الآحاد. # فالجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: (وهو) أن خبر عبادة وإن كان وروده من طريق الآحاد، فقد اجتمعت ~~الأمة على استعمال حكمه في إيجاب الرجم، إلا من شذ ms365 عليها ممن لا يعتبر ~~خلافه خلافا من الخوارج، وما كان هذا سبيله من أخبار الآحاد فهو موجب للعلم ~~في معنى الخبر المتواتر ويجوز نسخ القرآن به. # ألا ترى أن قوله - عليه السلام - «لا وصية لوارث» هو من أخبار الآحاد، ~~وقد أجاز أصحابنا نسخ القرآن به لتلقي الناس إياه بالقبول واتفاقهم على ~~استعمال حكمه. # والوجه الآخر: أن رجم المحصن قد ثبت عن النبي - عليه السلام - بأخبار ~~متواترة منتشرة موجبة علم بمخبراتها فإنما أثبتنا الرجم بهذه الأخبار وبخبر ~~عبادة، وأثبتنا بها نسخ الحبس والأذى عن المحصنات، فصار حظ خبر عبادة في ~~إثبات تاريخ الرجم، وأنهم نقلوا أمر الحبس والأذى إلى الرجم بلا واسطة حكم ~~بينهما ولا نزول آية قبله أوجبت نسخهما. ### | [إثبات تاريخ الحكم بمثله وإن تعلق به حكم النسخ] # وقد يجوز إثبات تاريخ الحكم بمثله وإن تعلق به حكم النسخ إذا كان النسخ ~~واقعا به وبغيره مما يوجب العلم بخبره عند اجتماعهما. # ومما قيل إنه نسخ من حكم القرآن بالسنة قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر ~~أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على ~~المتقين} [البقرة: 180] . # وقوله تعالى: {وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: 240] ~~فقد كانت الوصية لهم واجبة بهذه الآية، لأن قوله تعالى: {كتب عليكم} ~~[البقرة: 180] معناه فرض عليكم كقوله: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] ، ~~ونحوه، وليس في القرآن ما يوجب نسخه فلم ينسخ إلا بقول النبي - عليه السلام ~~-: «لا وصية لوارث» . # PageV02P360 # فزعم مخالفونا أن ذلك منسوخ بآية المواريث «لقول النبي - عليه السلام - ~~حين نزلت آية المواريث إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» ~~فأخبر أن الوصية للوارث منسوخة بآية المواريث، كما لو قال: لا وصية لوارث، ~~لأنه قد جعل له الميراث. كان معقولا أن الناسخ للوصية هو استحقاق الميراث ~~لا قوله لا وصية لوارث. # والجواب: أن ما (ذكره من) ذلك لا يوجب كون الميراث ناسخا للوصية، وذلك ~~أنه لا يمتنع اجتماع الميراث والوصية في حال واحدة لشخص واحد، وآية ~~المواريث ms366 إنما فيها إيجاب (الميراث) بعد الوصية لقوله تعالى: {من بعد وصية ~~يوصى بها أو دين} [النساء: 12] فلو خلينا والآيتين لجمعنا لهما بين الميراث ~~والوصية، لأن كل حكمين يجوز اجتماعهما في حال واحدة لشخص واحد، فليس في ~~ورود أحدهما بعد الآخر ما يوجب نسخه على ما بيناه فيما سلف. فوجب على هذا ~~متى وجدنا حكمين قد نسخ أحدهما عند إيجاب الآخر مما يصح اجتماعه أن يقول إن ~~النسخ واقع بغيره لأنا لو خلينا وإياهما لما أوجبنا نسخا، وقوله - عليه ~~السلام - «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» لا يوجب ما ذكروه، ~~لأن آية الميراث إذن لم توجب نسخ الوصية لما بينا، فليس يجوز أن يقول النبي ~~- عليه السلام - إنها هي الناسخة لها. # وأما قولهم: إن هذا بمنزلة قوله لو قال: «لا وصية لوارث» لأن الله تعالى ~~قد أعطى كل ذي حق حقه. # فإنا لو سلمنا لهم ذلك لم يدل على ما قالوا، لأنه لا يمتنع أن يقول: لا ~~وصية لوارث لأن الله قد أعطى الميراث، فنسخ وصيته (بوحي من عنده) لا بآية ~~الميراث. فإذا لم يكن هذا ممتنعا بل يكون سائغا جائزا، لم يجز لنا أن نقول ~~إن هذا القول يقتضي كون الوصية منسوخة بالميراث وإنما معنى ذكره - عليه ~~السلام - الميراث عند ذكر نسخ الوصية (أنه) ، والله أعلم: أراد أن يبين أنه ~~وإن حرم حظه من الوصية، فإنه قد أعطي من حظ الميراث ما # PageV02P361 # عسى أن يكون خيرا له من الوصية فأخبر - عليه السلام - أنه لم يخله في ~~الحالين قبل نسخ الوصية وبعدها من حظ في مال الميت، فبان بما وصفنا أنه ليس ~~فيما اعترض به المخالف ما ينفي أن كون الميراث منسوخا بقوله: لا وصية ~~لوارث، والذي عندي أن الوصية للوالدين والأقربين يجوز أن تكون منسوخة بقوله ~~تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] فأجاز له وصية أي وصية ~~كانت، لأنه أطلقها بلفظ منكور، ثم جعل باقي المال للورثة على السهام، فلا ~~يبقى بعد ms367 ذلك وصية يستحقها الوالدان والأقربون، فتضمنت هذه الآية نسخ إيجاب ~~الوصية لهم من هذه الجهة. # فإن قال قائل: ليس في قوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} ~~[النساء: 12] نفي لجواز (نسخ) الوصية للوالدين والأقربين، إذ كان المذكور ~~في الآية وصية منكورة غير مقصورة على قوم، فهي جائزة للوارث بظاهر الآية، ~~فلم ينسخ جوازها للوارث إلا قوله - عليه السلام - «لا وصية لوارث» . # قيل (له) : الذي في القرآن ذكر إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بقوله: ~~{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} [البقرة: 180] ، وليس فيه ذكر جوازها إلا ~~عن الواجب، ولم تقتض الآية جوازها على جهة التبرع بها، والوصية المذكورة في ~~آية المواريث لما كانت مطلقة على وجه النكرة فقد تضمنت نسخ إيجابها. # فإذن قوله - عليه السلام -: «لا وصية لوارث» لم ينسخ به شيء من حكم ~~الآية، لأن الذي فيها الإيجاب قد نسخ بما ذكرنا. # وأما الجواز على غير وجه الإيجاب فهو حكم آخر ليس له ذكر في الآية. # فإن قال: يحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو ~~دين} [النساء: 12] الوصية التي أوجبها للوالدين والأقربين بالآية الأخرى. # PageV02P362 # قيل له: لو كان كذلك لقال من بعد الوصية حتى يرجع اللفظ إلى الوصية ~~المعهودة التي قد تقدم ذكر إيجابها للوالدين والأقربين (ويخصصها بلفظ يوجب ~~الاقتصار عليها فلما أطلقها بلفظ النكرة اقتضى ذلك جواز وصية لمن كان من ~~الناس، فدل بذلك على نسخ وجوبها للوالدين والأقربين) إذ جعل باقي المال بعد ~~هذه الوصية للورثة، ومن أجل ذلك قلنا: إن إيجاب الوصية للوالدين والأقربين ~~إذا لم يكونوا ورثة منسوخة بقوله تعالى: {من بعد وصية توصون بها أو دين} ~~[النساء: 12] لأنه اقتضى جوازها لسائر الناس، وجعل باقي المال بعدها للورثة ~~فتضمن ذلك نسخ وجوبها للوالدين والأقربين، وارثين كانوا أو غير وارثين، ~~واستدللنا بذلك على بطلان قول طاوس ومسروق ومسلم بن يسار في آخرين حين ~~أثبتوا فرض الوصية للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة ولم يجوزوها ~~للأجنبيين ما دام هؤلاء موجودين. # وقد استدل ms368 الشافعي على جواز الوصية للأجنبي، لأن النبي - عليه السلام - ~~جعل # PageV02P363 # للمعتقين في المرض الثلث ولم يكن بينهم وبين الميت قرابة (قال) : فقد دل ~~هذا على بطلان إيجاب الوصية للوالدين والأقربين، وهذا يقتضي منه إجازة نسخ ~~الوصية المذكورة للوالدين والأقربين إذا لم يكونوا ورثة بالخبر. # ومما قيل: إنه نسخ من القرآن بالسنة قول الله تعالى: {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] قالوا: فقد ~~كان هذا حكما عاما مستقرا في سائر الصلوات بإجماع الأمة، إذ غير جائز ورود ~~دليل الخصوص بعد استقرار حكم العموم إلا على وجه النسخ. # قالوا: والدليل على أن صلاة الخوف إنما نزلت بعد ذلك «أن النبي - عليه ~~السلام - أخر الصلوات يوم الخندق ولم يصل صلاة الخوف» لأنها لم تكن نزلت. # قالوا: وقد اعترف الشافعي بذلك في أمر صلاة الخوف. قال أبو بكر: وهذا ~~عندي لا دليل فيه على وجود النسخ لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن التوجه إلى ~~الكعبة قد كان واجبا في حال الخوف وفي السفر على الراحلة للمتنفل ثم نسخ ~~ترك التوجه إليهما في هاتين الحالتين: بل يجوز أن يقال: لم يؤمروا بدءا ~~بالتوجه إلى الكعبة إلا في حال الأمن وفي غير حال السفر للمتنفل على ~~الراحلة (وإنما كانت حال الخوف) مخصوصة من قوله تعالى {فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام} [البقرة: 144] ، لأن النبي - عليه السلام - لم يصل صلاة الخوف إلا ~~بعد مضي مدة من لزوم فرض التوجه إلى الكعبة، مما يوجب أن يكون لزوم التوجه ~~إليها قد كان عاما في سائر الصلوات ثم نسخ، لأنه لا يمتنع أن يكون الصحابة ~~قد علمت حين نزول الآية من خطاب النبي - عليه السلام - ما أوجب كون ذلك ~~مقصورا على حال الأمن (والإقامة) دون حال الخوف والسفر، ثم لم يتفق فعلها ~~غير متوجه إلى الكعبة إلا عند الحاجة، وعلى أن (في) سياق قصة الأمر # PageV02P364 # بالتوجه إلى الكعبة ما يدل على أنهم كانوا مأمورين بها في حال دون حال. ~~وهو قوله تعالى {فأينما تولوا ms369 فثم وجه الله} [البقرة: 115] وظاهر الآية ~~يقتضي جواز التوجه إلى سائر الجهات إلا أنه لما كان قوله تعالى {فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] يقتضي لزوم التوجه إليه حتما كان قوله ~~تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] مستعملا في حالتي الخوف ~~والسفر - للتنقل على الراحلة - اللتين صلى النبي - عليه السلام - فيهما إلى ~~غير الكعبة، ولا يجوز أن يقال في مثل هذا أنه نسخ كما لا يقال في قوله ~~تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] أنه ناسخ لبعض ما انتظمه قوله ~~تعالى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وما جرى مجرى ذلك من ~~الآي الخاصة والعامة، وعلى أنه لو كان ناسخا لكان (نسخ القرآن) بقرآن وهو ~~قوله تعالى {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] . # وقد روى عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال «كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي تطوعا حيث توجهت به راحلته وهو يأتي ~~من مكة إلى المدينة» قال ابن عمر وأنا أصلي حيث توجهت بي راحلتي تطوعا ثم ~~تلا {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] .، ~~وقال: في هذا نزلت هذه الآية. # فأخبر ابن عمر أن هذه الآية هي التي أباحت الصلاة في هذه الحال إلى غير ~~الكعبة، فلا يخلو من أن يكون خصت الآية التي فيها الأمر باستقبال الكعبة ~~عاما أو نسختها، وأي الوجهين كان فلا دلالة فيه على نسخ القرآن بالسنة. # وأما قول الشافعي وغيره ممن قال ذلك من أصحابنا: إن صلاة الخوف لم تكن ~~نزلت يوم الخندق، وقد كانوا مأمورين في حال الخوف بالتوجه إلى الكعبة فلذلك ~~لم يصلها يومئذ # PageV02P365 # لتعذر التوجه إليها. فإنه دعوى ليس عليها دليل وقد ذكر محمد بن إسحاق ~~والواقدي جميعا أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق ولم يختلفوا أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قد صلى بذات الرقاع صلاة الخوف. فثبت أن صلاة الخوف ~~(قد) كانت نزلت قبل الخندق، وإنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة ~~الخوف ms370 يوم الخندق، لأنه شغل بالقتال عن الصلاة، ومن أجل ذلك قلنا: إنه لا ~~يجوز للمسايف والمقاتل صلاة وأنه يؤخرها حتى ينقضي القتال. # ولذلك قال النبي - عليه السلام - يومئذ «ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ~~كما شغلونا عن الصلاة الوسطى» . # ومما قيل: إنه منسوخ من القرآن بالسنة قول الله تعالى {وإن فاتكم شيء من ~~أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} ~~[الممتحنة: 11] ، وهذا الحكم منسوخ (الآن) عند الجميع، وليس في القرآن ما ~~يوجب نسخه فعلمنا أن نسخه كان بالسنة. # ومما نسخ منه أيضا بغير قرآن ما روى عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة # PageV02P366 # - رضي الله عنها - في قوله تعالى {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: ~~52] قالت: «ما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل له أن يتزوج ~~من النساء ما شاء» ، وروي عنها حتى " أحل له نساء أهل الأرض ". # وليس في القرآن ما (يوجب نسخ ذلك) فثبت أنه نسخ بالسنة. # فإن قيل: نسخه قوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} ~~[الأحزاب: 50] قيل له: لا دلالة في هذا على ما ذكرت لأن هذه الإباحة مقصورة ~~على النساء المذكورات في الآية، لأنه قال تعالى {إنا أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك} [الأحزاب: 50] إلى آخر الآية فلم يوجب ~~نسخ قوله {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] ، وعلى أنه قد روي في ~~التفسير أن قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] نزلت بعد ~~قوله {إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] . # وأما نسخ حكم القرآن وما ثبت من السنة من طريق التواتر بخبر الواحد؛ فإنه ~~غير جائز عندنا، لأن خبر الواحد لا يوجب العلم، والقرآن وما ثبت بالتواتر ~~يوجبان العلم بصحة ما تضمناه، فغير (جائز) أن (ينزل ما) كان هذا وصفه بما ~~لا يوجب العلم. # فإن قال قائل: قد يجوز ترك ما يوجب العلم بما لا يوجبه، لأن ما ثبت من ~~إباحة الأشياء في الأصل قبل ورود المنع قد وقع العلم بصحتها ms371 ويقبل (مع ذلك) ~~خبر الواحد # PageV02P367 # في حظرها. # قيل له: ليس كذلك، لأن النقل وإن كان قد دل على إباحة أشياء في الجملة ~~على حسب ما تقدم منا القول فيه، فإنا متى قصدنا إلى استباحة شيء منها بعينه ~~فإنما طريق استباحته الاجتهاد، وغلبة الظن في ألا يلحقنا به ضرر أكثر مما ~~نرجو به من نفع، ألا ترى أن التصرف في التجارات والخروج في الأسفار وشرب ~~الأدوية وأكل الأطعمة إنما يصح لنا منها استباحة ما لا يلحقنا به ضرر أكثر ~~من النفع الذي نرجوه بها في غالب ظننا. وقد بينا ذلك (فيما) سلف، وذكرنا أن ~~نظيره ما أمر الله تعالى به في قبول شهادة شاهدين مرضيين في الجملة، وذلك ~~ثابت بما أوجب لنا العلم الحقيقي، ثم متى عينا شاهدين كان قبول شهادتهما ~~(من طريق غالب الظن لا من جهة حقيقة العلم ألا ترى أنه يسع الاجتهاد في رد ~~شهادتهما) على حسب ما يغلب في الظن من قبولها أو ردها فكذلك ما وصفنا في ~~كون الأشياء مباحة في الأصل هو على (هذا السبيل) . . # PageV02P368 ### | [باب ذكر نسخ الناسخ من الأحكام] # قال أبو بكر - رحمه الله -: قد يرد النسخ على الناسخ من الحكم، وذلك نحو ~~قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: ~~67] قال ابن عباس: نسخه قوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] ~~(وقال السدي قوله {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] نسخه قوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . # قال أبو بكر: ويدل على ذلك: أنه قد روي: أن سورة براءة من آخر ما نزل من ~~القرآن. # ومن نحو ذلك قوله تعالى. {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] إلى آخر القصة. # ذكر ابن عباس: أنه كان حد الزانيين بدءا، وأنه نسخ بالجلد والرجم اللذين ~~نسخ بهما. # PageV03P007 # ذلك ما روي في حديث عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا. البكر بالبكر جلد ms372 مائة وتغريب عام، ~~والثيب بالثيب الجلد، والرجم» وهذا الحد منسوخ عن غير المحصن بقوله تعالى: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] . وعن ~~المحصن رجمه ماعزا والغامدية (من غير جلد وبقوله:) «يا أنيس اغد على امرأة ~~هذا، فإن اعترفت فارجمها» ، فلم توجب الآية النفي، ولم يوجب الخبر الجلد مع ~~الرجم، وكان ذلك بعد حديث عبادة (بن الصامت) لأنهم نقلوا من الحبس والأذى ~~إلى ما في حديث عبادة، بلا واسطة لقوله: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا» ~~ثم كان نزول الآية وقصة ماعز بعد ذلك. # ونحو ذلك من السنة حديث: إباحة الكلام في الصلاة في أول الإسلام، ثم حظر ~~ثم أبيح، ثم حظر، وذلك لأن «عبد الله بن مسعود - رحمه الله -، ذكر أنه قدم ~~من الحبشة، فروى: أنه كان بمكة، وروى: أن قدومه منها كان بعد الهجرة إلى ~~المدينة، والنبي - عليه السلام - كان يريد الخروج إلى بدر، قال: فسلمت على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، وقد كان يسلم بعضنا على بعض في ~~الصلاة. قال فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما سلم من صلاته ~~قال: # PageV03P008 # - عليه السلام - إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث: أن لا ~~تتكلموا في الصلاة» فثبت بذلك حظر الكلام في الصلاة متقدما ليوم بدر. # وحديث ذي اليدين في إباحته أيضا قبل يوم بدر (لأنه قتل يوم بدر) وروي عن ~~«زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: {وقوموا ~~لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت» . فأخبر عن نفسه مشاهدة حال: ~~إباحة الكلام منها، وهو (ممن) لم يشهد بدرا، ولم يكن (حينئذ) ممن يعقل ~~لصغره، أو عسى لم يكن # PageV03P009 # ولد، فثبت بذلك: إباحته بعد حظره، ثم حظره بعد ذلك بسائر الأخبار المروية ~~في حظره، نحو حديث معاوية بن الحكم السلمي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح منها شيء من كلام الناس» ولأن (الناس قد) ~~اتفقوا: أن آخر حكمه ms373 كان الحظر، ومن ذلك أيضا: متعة النساء، لأنه (روي عن ~~علي بن أبي طالب «أن النبي - عليه السلام - أباحها، ثم حرمها يوم خيبر» ، ~~وروى سمرة الجهني «أن النبي - عليه السلام - أباحها في حجة الوداع، ثم ~~حرمها» (فدل أنها) أبيحت بعد الحظر، ثم حظرت بعد الإباحة، فكان آخر أمرها ~~الحظر) . # PageV03P010 ### | [باب آخر في النسخ] # روي: أنهم كانوا يتوارثون بالحلف وبالهجرة في أول الإسلام. وأن الرحم ~~(بعد) قوله تعالى {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] وقال ~~تعالى {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد ~~كبير} [الأنفال: 73] وقال تعالى {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] . # فقيل: إن ذلك منسوخ بقوله تعالى {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله من المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] . ومن الناس من لا يرى ذلك ~~نسخا، ويقول: إنما حدث وارث أولى من وارث قال: فأما الميراث بالحلف ~~والمعاقدة فقائم لم ينسخ لأنه إن لم يكن له قرابة استحق (الحليف) الميراث، ~~إذا كان عاقده ووالاه على (أنه) يرثه إذا مات. # وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (يا معشر همدان ما أحد من العرب ~~بأولى من أن يموت الرجل منهم ولا يترك وارثا منكم، فإذا كان كذلك، فليضع ~~أحدكم ماله حيث شاء) . # PageV03P013 # وقال القائلون بما وصفنا: إن هذا ليس بنسخ، لأن ميراثه لم يسقط، وإن كان ~~غيره أولى به منه في هذه الحال، كما أن الأخ من أهل الميراث ولا يرث مع ~~الابن، ولا يكون ميراثه منسوخا عند وجود الابن، كذلك لم يكن له وارث من (ذي ~~رحم) أو ولاء، فإن له أن يضع ميراثه حيث شاء، بحكم الآية التي فيها إيجاب ~~التوارث بالمعاقدة. # قال أبو بكر: والذي نقول في ذلك: وجوب الإرث بالمعاقدة منسوخ لا محالة في ~~حال وجود ذي الرحم، وذلك لأن الله تعالى قد كان أوجبه للحليف مع وجود ذي ~~الرحم، ومع عدمهم، وجعله أولى منهم، فلما قال تعالى بعد ذلك {وأولو الأرحام ~~بعضهم ms374 أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] . # فقد صرف عنهم في هذه الحال ما كان جعله لهم إلى غيرهم من ذوي رحم الميت، ~~فأوجب ذلك نسخ ميراث الحليف والمعاقد، في حال وجود ذوي الرحم، وإذا لم يكن ~~ذو رحم: فحكم الإرث قائم بينهما على ما اقتضته الآية، فكأن النسخ إنما ورد ~~على إحدى حالي استحقاق الميراث بالمعاقدة والحلف (وهي حال وجود ذوي الرحم ~~دون غيرها، ونفي هذا الحكم) في الحال التي لا يترك الميت فيها ذا رحم على ~~ما أوجبته الآية الموجبة لميراث الحليف والمعاقدة. # ومما يشبه هذا وليس بنسخ قوله تعالى {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} ~~[النور: 58] الآية. قال ابن عباس: كان الناس لم تكن لهم ستور، فكان خادم ~~الرجل يدخل إليه وهو مع # PageV03P014 # أهله، فأمره الله بالاستئذان لذلك، فلما أتى الله بالخير واتخذوا الستور ~~والحجال رأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان. # قال أبو بكر: فهذا يدل من قوله على أن مثل ذلك السبب لو عاد لعاد الحكم، ~~وليس ذلك بنسخ، لأن الحكم الأول باق، ولم يسقط إلا بحدوث سبب، متى زال ~~السبب عاد الحكم، كالحائض لا صلاة عليها، لأجل وجود الحيض الذي إذا زال ~~لزمتها الصلاة، وليس ذلك بنسخ للصلاة عنها، لأن الصلاة إنما تجب في هذه ~~الحال لحدوث سبب، متى زال عاد حكم لزومها، ولم يكن هناك حكم ثابت، فنقلت ~~عنه إلى غيره، وإنما وردت الآية في إيجاب الاستئذان عند عدم الأسباب ~~الساترة لهم عن أعين الداخلين إليهم، من خدمهم، وأولادهم، فكان الأمر ~~بالاستئذان مقصورا على هذه الحالة، ولم يكن قبله حكم ثابت نقلوا عنه بالآية ~~إلى غيره (فمتى زال السبب) الذي من (أجله) أمروا بذلك (زال) الحكم # PageV03P015 ### | [باب القول في لزوم شرائع من كان قبل نبينا من الأنبياء] # - عليهم السلام - # قال أبو بكر - رحمه الله -: اختلف أهل العلم في ذلك. فقال قائلون: لا ~~يلزمنا الاقتداء بمن كان قبل نبينا - عليه السلام - في شرائعهم، لأنهم لم ~~يكونوا مبعوثين إلينا، وإنما المبعوث إلينا نبينا - عليه ms375 السلام -، وإنما ~~يلزمنا شريعته خاصة دون شرائع غيره من الأنبياء - عليهم السلام -. # وقال آخرون: كل ما ثبت من شرائع من كان قبله من الأنبياء ما لم يثبت نسخه ~~فهو لازم لنا، ثابت الحكم علينا، والوصول إلى معرفته، بأن يذكر الله تعالى ~~في كتابه: أن حكم كيت وكيت قد كنت شرعته لبعض الأنبياء، ويخبرنا بذلك النبي ~~- عليه السلام -. ولم يثبت أنه منسوخ، فيلزمنا ذلك، على حسب ما كان يلزمنا ~~لو شرعه النبي - عليه السلام -. # PageV03P019 # وأما ما لم يثبت من ذلك من أحد هذين الوجهين فلا اعتبار به، لأن أهل ~~الكتاب قد غيروا كثيرا من أحكامه وبدلوها، فلا يلتفت إلى رواية من حكى من ~~المسلمين: أن في التوراة أو الإنجيل كذا، ولا إلى رواية أهل الكتاب عن ~~كتبهم أيضا، لأن قول هؤلاء غير مقبول في إثبات الشريعة، بكفرهم وضلالهم. # وقد احتج محمد بن الحسن - رحمه الله - في كتاب الشرب، لإجارة المهايأة في ~~الشرب، بما حكى الله تعالى في كتابه في قصة صالح وقومه، حين قال تعالى: ~~{ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} [القمر: 28] وقال تعالى: {هذه ~~ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] . وهذا يدل دلالة بينة: ~~أنه كان يرى أن ما لم يثبت نسخه من شرائع الأنبياء المتقدمين فهؤلاء لازم ~~لنا. ثم جائز لنا أن يقال: إنه إنما رآه لازما لنا لأن عنده أنه قد صار ~~شريعة لنبينا - عليه السلام -. # وقد كنت أرى أبا الحسن - رحمه الله - كثيرا ما يحتج لإيجاب القصاص بين ~~الحر والعبد، والمسلم والذمي، بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] وظاهر احتجاجه بهذه الآية يدل على أنه يرى هذا ~~المذهب صحيحا. # قال أبو بكر؟ قائل: قد كانت شرائع من قبلنا لازمة لمن جاء بعدهم إلى آخر ~~الأبد ما لم ينسخ. # PageV03P020 # أو يقول: إن تلك الشرائع لم تلزم الناس كافة على التأبيد، وإنما لزمتنا ~~لأن الله تعالى جعل ما لم ينسخ من تلك الشرائع شريعة لنبينا - عليه السلام ~~-، وإنما يلزمنا اتباعها والعمل بها ms376 من حيث صارت شريعة النبي - عليه السلام ~~-، لا من حيث كانت شريعة للأنبياء الماضين - عليهم السلام -. # أو يقول قائل: ليس شيء من شرائع الأنبياء المتقدمين ثابتة، لا من جهة ~~بقاء هذا، إذا لم يرد نسخها على ما قال من حكينا قوله بدءا ولا من جهة: ~~أنها صارت شريعة لنبينا وأنه لا يلزمنا منها شيء، وإن حكى الله تعالى في ~~كتابه: أنه شرعها لمن كان قبلنا حتى يأمرنا الله تعالى بها أو النبي - عليه ~~السلام -: أنها شريعة لنا. # فأما القول الأول: فإنه بعيد، من قبل أن هذا لو كان هكذا، لوجب أن يكون ~~أولئك مبعوثين إلينا، وأن تكون تلك الأوامر أوامر لنا، وقد علمنا: أن ذلك ~~ليس كذلك، لأن النبي - عليه السلام - قال (خصصت بخمس لم يعطهن أحد قبلي، ~~منها: أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وكل نبي فإنما كان يبعث إلى قومه) ولأن ~~ذلك لو كان كذلك لوجب علينا طلب شرائع الأنبياء - عليهم السلام - ونتبعها، ~~ولدعا النبي - عليه السلام - الناس إليها دعاء عاما، كدعائه - عليه السلام ~~- إلى اتباع شريعته، ولو كان كذلك لنقلت الأمة ذلك نقلا عاما، ولوجب على ~~النبي - عليه السلام - تعليمها الصحابة وتبليغها إياهم، ولو كان كذلك ~~لنقلوها # PageV03P021 # كنقلهم شريعة النبي - عليه السلام -. # وقد روي عن «النبي - عليه السلام -: أنه رأى في يد عمر بن الخطاب - رضي ~~الله عنه - صحيفة فقال: ما هذه فقال: التوراة، فغضب - عليه السلام - وقال: ~~أمتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لو كان موسى - عليه السلام - حيا لما ~~وسعه إلا أن يتبعني» فهذا يدل: على أن تلك الشريعة لم تكن لازمة لنا، لولا ~~ذلك لما نهاه عن النظر فيها وعن تعلمها. # فإن قيل: إنما نهاه عن ذلك لأن اليهود قد بدلت وغيرت، فلم يأمن أن نتبع ~~منها ما قد بدلوه. # قيل له: لو كان هذا مراده لقاله له، فلما عدل عن ذكر ذلك إلى قوله: (لو ~~كان حيا لما وسعه إلا أن يتبعني) ، دل ذلك: على أن شريعة موسى - عليه ~~السلام - لم تكن قائمة ثابتة الحكم ms377 في ذلك الوقت، لأنها لو كانت باقية ~~ثابتة لما كان ممنوعا من البقاء عليها، ما لم يبق عليها، فهذا الوجه يفسد ~~بما ذكرناه. # وبقي الكلام في المقالتين الآخرتين اللتين ذكرنا. فنقول: إن الصحيح أن ~~تلك الشرائع التي لم تنسخ قبل نبينا صارت شريعة لنبينا - عليه السلام -، ~~فلزم الناس حينئذ حكمها، من حيث صارت شريعة للنبي - عليه السلام -، لا من ~~حيث كانت شريعة لمن كان قبله. # والدليل على صحة ذلك قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ~~[الأنعام: 83] إلى قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~[الأنعام: 90] وذلك بعد ذكر الأنبياء - عليهم السلام - وبقوله تعالى: {ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] وقوله: {وما جعل # PageV03P022 # عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] . # وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} ~~[الشورى: 13] إلى قوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: ~~13] فبقي ظاهر هذه الآيات: أن شرائع من كان قبلنا من الأنبياء لم تكن لازمة ~~لنا بنفس ورودها قبل مبعث النبي - عليه السلام -، فإنها قد صارت على ~~شريعته، ولزمتنا من حيث أمرنا باتباعها والاقتداء بهم فيها، لأن أقل أحوال ~~هذه الأوقات: أن تكون بمنزلة قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم} [البقرة: 183] فتكون شرائع من قبلنا لازمة لنا من حيث صارت ~~شريعة لنا، فإلزام الله تعالى إيانا فعلها بالقرآن، لا لأن الأنبياء ~~المتقدمين كانوا مبعوثين إلينا، ولا كانت شرائعهم أمرا لنا عند ورودها. # وقد روى محمد بن عبد الله عن العوام بن حوشب عن مجاهد، قال: سألت ابن ~~عباس عن سجدة (ص) من أين سجدت؟ قال: أوما تقرءوا {ومن ذريته داود وسليمان} ~~[الأنعام: 84] # PageV03P023 # إلى قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ~~فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود - عليه السلام -، وسجدها ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قال قائل: ليس فيما دلت من هذه الآيات دلالة على ما ذكرت من وجوه. ms378 # أحدها: قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ~~راجع إلى ما تقدم ذكره من الاستدلال على التوحيد، لأنه تعالى قد ذكر ~~استدلال إبراهيم صلوات الله عليه على التوحيد لقوله تعالى: {فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا قال هذا ربي} [الأنعام: 76] ثم قال تعالى في سياق الخطاب: ~~{وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] ثم ساق القصة إلى ~~قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] يعني في ~~الاستدلال على الله تعالى، واستعمال النظر المؤدي إلى معرفته، فلا دلالة ~~فيه إذا على لزوم الاقتداء به في غيره من شرائع مثله، التي يجوز أن يختلف ~~أحكام الأمم فيها. # ومن جهة أخرى: أنه ذكر آباءهم وذرياتهم وإخوانهم، ولم يكونوا كلهم أنبياء ~~ذوي شرائع، وقد أمر باقتدائهم، فدل على أن المراد ما تساوى الجميع في ~~تكليفه: من التوحيد، وتصديق الرسل - عليهم السلام -، ونحوه، من موجبات ~~أحكام العقول. # ووجه آخر: أن شرائعهم كانت مختلفة، وغير جائز أن يأمره بالاقتداء بهم في ~~شرائعهم مع اختلافها، لاستحالة التكليف بها على هذا الوجه، فثبت أن ~~الاقتداء مقصور على ما لا يصح الاختلاف فيه في الأزمان. # ومن جهة أخرى: لا يمتنع أن يكون قد كان في شريعة كل نبي منهم الناسخ ~~والمنسوخ، ومعلوم أنه لا يصح تكليف الحكم الناسخ والمنسوخ معا، فعلم أن ~~المراد ما لا يجوز نسخه وتبديله مما في العقول إيجابه، وقد قال تعالى: {لكل ~~جعلنا منكم شرعة # PageV03P024 # ومنهاجا} [المائدة: 48] وهذا يوجب أن تكون شريعة لكل واحد من الأنبياء ~~غير شريعة الآخرين. # الجواب: أما ما ذكره من استدلال إبراهيم - عليه السلام - على التوحيد، ~~وأن قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] راجع ~~إليه ومقصور عليه دون غيره، فإنه غير موجب لما ذكر، من قبل أن اسم الهدى ~~يتناول ما أبان الله تعالى من الدلائل على توحيده، وعدله، وسائر صفاته، ~~ويتناول أيضا ما أنزل على أنبيائه من أحكام شرائعه، قال الله تعالى: {إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا} ms379 [المائدة: ~~44] فسمى ما في التوراة من أحكام الشرع هدى، وقال تعالى: {الم} [البقرة: 1] ~~{ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة: 2] والقرآن يشتمل على: ~~موجبات أحكام العقول التي لا يجوز الاختلاف فيها، وعلى الشرائع التي طريق ~~معرفة إدراكها السمع، ثم سمى الجميع هدى، فدل أن اسم الهدى لا يختص بما في ~~العقل إيجابه، دون ما يدل السمع على وجوبه، وإذا كان ذلك كذلك، اقتضى عموم ~~قوله تعالى: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] الاقتداء بهم في جميع ما سمي ~~هدى، ولا يجوز لأحد الاقتصار به على الاستدلال على التوحيد دون أحكام ~~الشرائع، لأنه تخصيص بلا دلالة. # وأيضا: فإن قوله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: ~~90] كلام قائم بنفسه يصح ابتداء الخطاب به، وكل كلام هذا حكمه فهو محمول ~~على ما يقتضيه ظاهر لفظه، ولا يجوز تضمينه لغيره إلا بدلالة، فوجب من أجل ~~ذلك حمله على عمومه على حسب ما اقتضاه حكم لفظه. # وأما قوله: إنه قد ذكر آباءهم وذرياتهم وإخوانهم، وأنه لم يكونوا كلهم ~~أنبياء ذوي شرائع، وقد أمر مع ذلك بالاقتداء بهم، فدل أن المراد الاستدلال ~~على التوحيد، فليس بموجب لما ذكره، من قبل أنه أوجب بالآية الاقتداء ~~بالأنبياء المذكورين فيها، ثم عقبه بذكر من اقتدى بهم من آبائهم، وإخوانهم، ~~وذرياتهم، واتبع سنتهم، فأمر بالاقتداء بهم أيضا، # PageV03P025 # وليس يمتنع هذا، وإن لم يكونوا على منهاج الأنبياء وطريقتهم، واتباع ~~شرائعهم، كما قال تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] وقال تعالى: ~~{ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] جملة، لأنهم لا يكونون مؤمنين إلا ~~وهم متبعون للأنبياء - عليهم السلام -، ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم} [الأنعام: 87] . # وأيضا: فإن ظاهر اللفظ: يقتضي الاقتداء بالجميع، فمن كان منهم له شريعة ~~فالاقتداء به فيها واجب، ومن لم يكن له منهم شريعة مخصوص من اللفظ، إن كان ~~المراد الأنبياء خاصة. # وأما ما ذكره: من اختلاف شرائعهم وأنه يستحيل الاقتداء بهم فيها على ~~اختلافها، فلا معنى له، لأن في شريعة النبي - عليه السلام -: الناسخ ms380 ~~والمنسوخ، كذلك شرائع الأنبياء المتقدمين إنما يلزمنا منها، وتصير شريعة ~~لنبينا ما استقر وثبت حكمه إلى مبعثه - عليه السلام -، فجعل شريعة له دون ~~ما نسخ منها، وعلمنا بالناسخ منها من المنسوخ على التفصيل لا يمنع صحة ~~الاقتداء بهم فيها، لأنا نقول: إنما يلزمنا منها ما أخبر الله ورسوله أنه ~~كان شريعة لهم، ثم لم يخبر بنسخه، فأما عدا ذلك فليس علينا تتبعه، لأنها لا ~~تصل إلى حقيقته من غير جهة الرسول - عليه السلام -. # وأما قوله: لو كنا متعبدين بذلك، لكان علينا طلبه وتتبعه، فليس بموجب ما ~~ذكر، لأن ما كان من شريعتهم إذا صار شريعة لنا فقد اكتفينا بوجوده في ~~القرآن والسنة الثابتة عن النبي - عليه السلام -، عن طلبه من جهة أخرى. ~~ونقول: إن كل ما وجد في القرآن أو السنة أنه كان شريعة لنبينا - عليه ~~السلام - على ما بينا ولا يحتاج بعد ذلك إلى طلبها من غير هذه الجهة، لأنا ~~لا نصل إليه من طريق يوثق بها، وما كان هذا حكمه فقد سقط عنا تكليفه، فإن ~~اتفق أن يكون في شريعة من قبلنا شيء قد أراد الله تعالى أن يتعبدنا به - ~~فإنه إن لم يذكر أنه قد كان شريعة لهم، فإنه يبتدئ بإيجابه شريعة للنبي، ~~وإن لم يكن فيه حكاية كونه شريعة لمن قبلنا - فيكفي بهذا عن طلبه وتتبعه من ~~شرائع من قبلنا. # PageV03P026 # وأما قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] فغير مانع ~~مما قلنا: من قبل أن هذا القول لم يمنع تساوي الجمع في كثير من الشرائع، ~~فعلمنا أن المراد بعضها، وذلك البعض الذي خالف به شريعتنا شرائعهم، هو ما ~~وقع فيه النسخ، فلا يلزمنا استعماله، وقدمنا ذكر قوله تعالى: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا} [الشورى: 13] إلى قوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] وهذا الظاهر قد اقتضى المساواة في الجميع، لأن ~~الدين اسم ينتظم جميع ما ألزمنا الله تعالى من موجبات أحكام العقل والسمع ~~جميعا. # وكذلك قوله تعالى: {ثم أوحينا إليك ms381 أن اتبع ملة إبراهيم} [النحل: 123] ~~لأن الملة اسم يجمع ذلك. # ومما يدل على أن ما ينسخ من شرائع الأنبياء المتقدمين فهو شريعة للنبي - ~~عليه السلام -: قوله تعالى: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} [المائدة: 44] إلى ~~قوله تعالى: {فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، والظالمون، والفاسقون ~~فانتظمت هذه الدلالة على صحة ما ذكرنا من وجوه: # أحدها: أنه روي أنها نزلت في اليهود حين تحاكموا إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في شأن الرجم، فنبه بها على كذبهم، وبهتهم في كتمانهم لأمر ~~النبي - عليه السلام -، ولأحكام التوراة، فقال تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة، فيها حكم الله، ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} ~~[المائدة: 43] إلى قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] فحكم بإكفارهم في الإعراض عن الرجم، الذي كان صار ~~شريعة للنبي - عليه السلام -، والامتناع من قبول شريعته فيه، فصار كأنه كتب ~~عليهم في التوراة. # وغير جائز أن يكون الحكم بإكفارهم متعلقا بتركهم الرجم الذي كان من حكم ~~التوراة، لأنهم قد كانوا مأمورين بترك تلك الشريعة، واتباع شريعة النبي - ~~عليه السلام -، فغير جائز أن يكونوا مستحقين لسمة الكفر في هذه الحال ~~بتركهم حكم التوراة، إذ هم # PageV03P027 # مأمورون فيها بترك الانصراف عنه، إلى شريعة النبي - عليه السلام -، فثبت ~~أن ما كان في التوراة من حكم الرجم، صار شريعة لنبينا - صلى الله عليه وسلم ~~- وخرج من أن يكون شريعة لموسى - عليه السلام - في تلك الحال، بل صارت تلك ~~الشريعة منسوخة بشرائع الرسول - عليه السلام -، إذ كان الرسول مبعوثا إلى ~~كافة الناس. # ووجه آخر من دلالة هذه الآية على ما ذكرنا: وهو قوله تعالى: {وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] إلى قوله تعالى: {ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45]- والظلم هو وضع الشيء في ~~غير موضعه - فلولا أن هذا الحكم الذي كان في التوراة قد صار من شريعة ~~الرسول - عليه السلام - بعينه، وإعلامه أن التوراة كذلك، ms382 لما كان اليهود ~~ظالمين بالإعراض عن ذلك الحكم به، على أنه حكم التوراة؛ لأنهم كانوا ~~مأمورين في تلك الحال بالانتقال عنه إلى حكم شريعة الرسول - عليه السلام -، ~~فدل: على أنهم إنما استحقوا سمة الظلم والوصف به من حيث لم يعتقدوا شريعة ~~النبي - عليه السلام -. # ثم قال تعالى في الآية الأخرى: {وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] فلا يخلو ~~قوله ذلك من أحد معنيين: إما أن يكون قد استحقوا الذم - لأنهم لم يحكموا ~~بما في الإنجيل بعد بعثة النبي - عليه السلام -، ودعائه إياهم إلى دينه، ~~على أنه من حكم الإنجيل شريعة لعيسى على نبينا - عليه الصلاة والسلام - ~~ودون أن تكون شريعة لنبينا - عليه السلام -، أو على أنه من شريعة النبي - ~~عليه السلام - دون كونه من شريعة عيسى - عليه السلام -. # وغير جائز أن يقال: إنهم استحقوا الذم وسمة الفسق، لأنهم أمروا في هذه ~~الحال بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لعيسى - عليه السلام -، لأن هذا ~~يوجب أن لا يكونوا مأمورين باتباع النبي - عليه السلام - في شرائعه، بل ~~يقتضي: أن يكونوا مأمورين بالبقاء على شريعة عيسى - عليه السلام -، وبلوغهم ~~دعوته بالحكم بما في الإنجيل على أنه شريعة لنبينا - عليه السلام -، ما لم ~~يأمرهم بخلافها ونسخها، ومن أجل ذلك وصفهم بالفسق، لأنهم زالوا عن حد ما ~~يجب عليهم المصير إليه، من اتباعه، والحكم بما في الإنجيل، على أنه من ~~شريعته - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك أوضح دليل على صحة ما قلنا، والله ~~الموفق للصواب. # PageV03P028 ### | [باب الكلام في الأخبار واختلاف الناس في أصول الأخبار] # قال أبو بكر - رحمه الله -: قد تكلم أهل العلم قديما في أصول الأخبار على ~~مخالفي الملة، وعلى من شذ من أهل الإسلام على جمهور الأمة، ما يغني ويكفي. ~~ونحن نذكر منه جملا، ثم نعقبها بفروعها التي اختلف الفقهاء فيها، والله ~~نسأل العون على ذلك، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # اختلف الناس في الأخبار: فنفت طائفة صحة جميع الأخبار، وأنكرت ms383 وقوع العلم ~~بشيء منها، ونفت اليهود كل خبر فيه اختلاف، وأثبتت ما لا خلاف فيه. # وقالت طائفة، من أهل الملة: لا تعرف صحة الأخبار إلا أن يكون المخبر بها ~~معصوما. # وقال آخرون: شرط صحتها: أن يكون المخبرون بها عدولا، أولياء الله تعالى، ~~لا يجوز عليهم التغيير والتبديل، وليسوا بأعيانهم. # وقال أبو الهذيل: لا يعرف بخبر الأربعة فمن دونهم شيء، ومن فوق الأربعة ~~إلى # PageV03P031 # العشرين فقد يجوز أن يعلم بخبرهم، ويجوز أن لا يعلم، إذا لم يدل الدليل ~~على وجوب العلم بخبرهم، وعلى نفيه، وأما العشرون فقد يعلم صحة خبرهم لا ~~محالة، إذا كان العشرون ظاهرهم وباطنهم سواء، أولياء الله تعالى. # وقال النظام: خبر الواحد يضطر إلى العلم بخبره إذا أخبر عن مشاهدة، ومتى ~~علمه اضطرارا عند مقاربة أسبابه. # ومن الناس من يعتبر اثني عشر، لقوله تعالى: {وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} ~~[المائدة: 12] . ومنهم من يعتبر سبعين رجلا. فهذه الأقاويل بعضها خارج عن ~~أقاويل أهل الملة، وبعضها شذوذ عن كافة الأمة. # والوجه: أن نبتدئ بذكر وجوه الأخبار ومراتبها على مذاهب الفقهاء، وما صح ~~عندنا فيها من مذاهب أصحابنا، ثم بإفساد ما خالفها وخرج عنها. # PageV03P032 ### | [باب ذكر وجوه الأخبار ومراتبها وأحكامها] ### | [الأخبار على ضربين متواتر وغير متواتر] # قال أبو بكر - رحمه الله -: وقد ذكر أبو موسى عيسى بن أبان - رحمه الله ~~-، جملة في ترتيب الأخبار وأحكامها في كتابه في الرد على بشر المريسي في ~~الأخبار، وأنا أذكر معانيها مختصرة دون سياقة ألفاظها، فإنه ذكرها في موضع ~~من كتابه، فكرهت الإطالة بذكرها على نسقها، واقتصرت منها على موضع الحاجة ~~في معرفة مذهبه فيها. # ذكر: أن الأخبار على ثلاثة أقسام: # قسم فيها: يحيط العلم بصحته وحقيقة مخبره. # وقسم منها: يحيط العلم بكذب قائله والمخبر به. # وقسم: يجوز فيه الصدق والكذب. # فأما القسم الأول: فما وقع العلم بمخبره لوروده من جهة التواتر، وامتناع ~~جواز التواطؤ والاتفاق على مخبره، كعلمنا بأن في الدنيا مكة والمدينة ~~وخراسان، وأن محمدا النبي - عليه السلام - دعا الناس إلى الله تعالى، ms384 وجاء ~~بالقرآن، وذكر أن الله تعالى أنزله عليه، وأمره إيانا: بالصلاة، والزكاة، ~~وصوم شهر رمضان، وحج البيت، ونحو ذلك. # قال عيسى - رحمه الله -: والعلم بهذه الأشياء علم اضطرار وإلزام، لما ~~ذكرنا من جملة هذه الشرائع، ردا على النبي - عليه السلام -، كأنه سمع النبي ~~- عليه السلام - يقول ذلك فرده عليه، فيكون بذلك كافرا، خارجا عن ملة ~~الإسلام، لأن العلم كان علم ضروري، كالعلم بالمحسوسات والمشاهدات، وكالعلم ~~بأنه قد كان قبلنا في هذه الدنيا قوم، وأن الموجودين أولاد أولئك، وكالعلم ~~بأن السماء كانت موجودة قبل ولادتنا، وما جرى مجرى ذلك. # وذكر: أنه ليس لما يوجب العلم من هذه الأخبار حد معلوم، ولا عدة محصورة. ~~وقال أيضا: إن العشرة والعشرين قد لا يتواتر بهم الخبر. # PageV03P035 # قال أبو بكر: ومعناه عندي إذا جاءوا مجتمعين متشاعرين، يجوز على مثلهم ~~التواطؤ على الكذب. # قال عيسى - رحمه الله -: لأن الذي يعمل عليه في ذلك: هو ما يقع لنا به من ~~العلم الضروري، الذي لا مجال للشك معه، ولا مساغ للشبهة فيه، وذكر ما في ~~هذا القسم، ما في القرآن من الإخبار بالغيوب، عن أمور مستقبلة، فوجد مخبره ~~على ما أخبر به، نحو قوله تعالى: {الم} [الروم: 1] {غلبت الروم} [الروم: 2] ~~{في أدنى الأرض} [الروم: 3] الآية، وكقوله تعالى {لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شاء الله آمنين} [الفتح: 27] الآية، وكقوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} ~~[النور: 55] إلى آخر الآية، ونظائر ذلك، فوجد مخبر هذه الأخبار ما أخبر به ~~تعالى. # ونحوه: ما أخبر به النبي - عليه السلام - ونحو ذلك، مما لا يخفى كثرة، ~~فوجد على ما قال ووصف. فمنه ما وجد في أيامه، ومنه ما أخبر به عما يكون ~~بعده، فوجد على ما أخبر به. # وما ذكر من نحو ذلك أيضا: إنا إذا رأينا الناس منصرفين يوم الجمعة من ~~طريق الجمع، فاعترضناهم سائلين لهم عن مجيئهم فقالوا: جئنا من الجامع، وقد ~~صلينا علمنا ضرورة: أن خبرهم قد اشتمل على صدق، مع ms385 جواز الكذب على بعضهم ~~فيما أخبر به على نفسه، وكذلك لو اعترضنا قافلة الحاج وهم راجعون من طريق ~~مكة وسألناهم، فقالوا: حججنا، ووقفنا بعرفات، علمنا ضرورة بأن خبرهم قد ~~اشتمل على صدق، مع جواز كون بعضهم كاذبا فيما أخبر به عن نفسه. # قال عيسى: وأما الخبر الذي يعلم كذبه حقيقة، فكنحو أخبار مسيلمة وإضرابه ~~من المتنبئين الكذابين، أخبروا بأشياء من الأمور المستقبلة فكانت كذبا ~~وزورا، وادعوا أن لهم # PageV03P036 # دلائل على ما انتحلوه من النبوة، فلم يأتوا بشيء منها، فبان كذبهم، ~~وانكشف بطلان دعواهم. # قال: ومن هذا القبيل قول قائل: رأيت رجالا خلقوا من غير نسل، ورأيت دارا ~~وجدت من غير بان بناها، ورأيت الناس تفانوا بالقتل يوم عرفة بعرفات، فلم ~~يبق منهم مخبر، ثم لا يخبر أحد ممن جاء من مكة بمثل خبره، فهذا أيضا من ~~الكذب الذي لا ريب فيه. # قال: فأما ما يجوز فيه الصدق والكذب، فخبر الواحد والجماعة التي لا ~~يتواتر بها الخبر، ويجوز عليها التواطؤ، فيجوز في خبرهم الصدق والكذب، فمن ~~كان ظاهره العدالة ونفي التهمة، فخبره مقبول في الأحكام، على شرائط نذكرها، ~~من غير شهادة منا بصدقه، ولا القطع على عينه. # ومن كان ظاهره الفسق والتهمة بالكذب فخبره غير مقبول. # قال أبو بكر: قصد عيسى إلى ذكر تقسيم الأخبار وما تقتضيه من الحكم ~~بمخبرها دون الخبر الذي يقارنه، دلالة تدل على صدقه، وسنفصلها باستيفائنا ~~لجميع أقسامها فنقول وبالله التوفيق: إن الأخبار على ضربين: متواتر، وغير ~~متواتر. # فالمتواتر ما تنقله جماعة لكثرة عددها لا يجوز عليهم في مثل صفتهم ~~الاتفاق والتواطؤ في مجرى العادة على اختراع خبر لا أصل له، فيما نبينه ~~بعد. # وغير المتواتر: ما ينقله واحد وجماعة، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق ~~على نقله. # فأما المتواتر: فعلى ضربين: ضرب يعلم بخبره باضطرار، من غير نظر ولا ~~استدلال، لما يقارنه من الدلائل الموجبة للعلم بصحته. وضرب منه لا يوجب ~~العلم. وما لا يوجب العلم منه على ضربين. أحدهما: يوجب العلم. والآخر: لا ~~يوجبه، وسنبين القول ms386 من وجوهه، بعد فراغنا من ذكر أقسام المتواتر، وما يوجب ~~العلم من الأخبار بصحة مخبرها. # الكلام على من حكينا أقاويلهم في الباب الأول # قال: الذين دفعوا وقوع العلم بصحة شيء من الأخبار فليس طريق الحجاج عليهم # PageV03P037 # بالاستدلال مبنيا على علوم الاضطرار، فمن جحد علم الاضطرار فإنما يحتاج ~~إلى تقدير ما جحده، مما لا يشك هو ولا واحد من الناس في مكابرته، ودفع ما ~~لا يعلمه ضرورة، كما نتكلم في دفع علوم الخبر في المشاهدات، إذ لا فرق في ~~عقول الناس جميعا كاملهم وناقصهم وذكيهم وغبيهم، بين ما علموه وتقرر في ~~عقولهم: أنه قد كان في الدنيا ناس قبلنا، وأن السماء قد كانت موجودة قبل ~~ولادتنا، وأنه قد كان لنا أجداد وملوك (قبل) وجودنا، ولا سبيل إلى العلم ~~بذلك إلا من طريق الخبر، ومن أراد أن يشكك نفسه في ذلك، كان كمن رام ~~تشكيكها في وجود نفسه، ووجود ما نشاهده ونحسه، ألا ترى أن المميز وغير ~~المميز يستوي في العلم بذلك. # وأنا ذاكر: إن علمنا ذلك في حال صبانا بكون السماء موجودة قبل وجودنا، ~~وأنه قد كان قبلنا في هذه الدنيا ناس مثلنا، وتكون البلدان الفانية والأمم ~~السالفة كعلمنا الآن بها، وكعلمنا بالأمور المشاهدة، والأشياء المحسوسة. # وقد ذكر أهل العلم فيما أفسدوا به قول هذه الطائفة: أنهم وسائر العقلاء ~~متى أرادوا الخروج إلى خراسان، قصدوا إلى ناحية المشرق، وإذا أرادوا مصر ~~خرجوا إلى ناحية المغرب، فلو لم يكن العلم بكون خراسان ناحية المشرق، وكون ~~مصر ناحية المغرب قد تقرر في نفوسهم، وتواترت الأخبار عليهم تقريرا لا ~~يستطيعون دفعه، ولا تشكيك أنفسهم فيه، كيف كان يجوز لهم التغرير بأنفسهم ~~وأموالهم لشيء لا يعلمون حقيقته، ثم لا يختلف في ذلك المميز وغيره من سائر ~~الناس ولا يخطر لهم فيه خواطر، ولا تعتريهم الشكوك، ولا يقع بينهم فيه ~~خلاف، فعلمنا بذلك: أن الجميع قد علموا صحة ذلك من جهة الأخبار التي ثارت ~~إليهم، من جهة من لا يجوز عليهم الغلط والشهود، ولا الاتفاق والتواطؤ. ms387 # فإن قال قائل: إنما يقصدون سمت الشرق إذا أرادوا خراسان، وسمت المغرب إذا # PageV03P038 # أرادوا مصر، لما غلب في ظنونهم وسكنت إليه نفوسهم، وليس ذلك بحقيقة علم، ~~إذ قد يغلب في علم الإنسان ما لا يكون له حقيقة، وتسكن نفسه إلى ما لا يرجع ~~منه إلى يقين. # قيل: إن ما وصفت أنه غلبة ظن، وسكون نفس، علم بصحة مخبر هذه الأخبار، ~~وإنما توهمتم أن علمكم هذا. # فإن قال: لو كان العلم بصحة ما ذكرتم اضطرارا، لما جاز أن يدفع، ونحن ~~جماعة كثيرة أن نكون عالمين بصحة ما ذكرتم. # قيل له: لم تدفعوا أنتم كون هذه البلدان، ولا وجود السماء، قبل مولدكم، ~~ولا وجود أجدادكم، وإنما أنكرتم أن تكونوا عالمين به حين توهمتم: أن علمكم ~~هذا ظن وحسبان، كظن من أنكر حقائق الأشياء، والأصل وقوع العلم بخبر ~~التواتر. # إن الله تعالى لما أراد عباده وترغيبهم فيما فيه نجاتهم، وتعبدهم بما فيه ~~مصالح دينهم ودنياهم، على سنة رسله - عليهم السلام -، بعدما قرر في عقولهم ~~وجوب اجتناب المقبحات فيها، وفعل ما يقتضي فعله من موجبات أحكامها، ولم يكن ~~في وسع الرسل - صلوات الله عليهم - إبلاغ كل أحد في نفسه، ومشافهته بما ~~تعبده به من أول الأمة وآخرها، خالف بين طبائع الناس، وهممهم وأغراضهم، ~~ليجمعهم بذلك على مصالحهم، في دينهم ودنياهم، ولئلا يقع منهم اتفاق، ومن ~~غير تشاعر ولا تواطؤ على اختراع خبر لا أصل له. # وأجرى بذلك عادة تقررت في نفوس الناس، كما أجرى العادة بامتناع وقوع ~~الخبر على مخبرات كثيرة من إنسان واحد، على جهة التظني والحسبان، فصادف ذلك ~~وجود مخبره في جميع ما أخبر به، وإن كان قد تيقن بذلك في الواحد، ثم وفق ~~بين طبائعهم في استنقال كتمان ما يشاهدون من الأشياء العجيبة، والأمور ~~العظام، وحبب إليهم نقلها وإذاعتها، لتتم الحجة في نقل الشرائع، وما بهم ~~إليه الحاجة في مصالح دينهم ودنياهم، فكل خبر ورد بالوصف الذي ذكرنا ونقله ~~قوم مختلفو الآراء، والهمم، غير متشاعرين، لا يجوز على مثلهم التواطؤ، ~~أولهم ms388 كآخرهم، ووسطهم كطرفهم، فأخبروا عمن شاهدوه وعرفوه # PageV03P039 # اضطرارا بأنه يوجب العلم بمخبره، لامتناع وجود اجتماع الكذب منهم في شيء ~~واحد، عن مخبر واحد، وذلك لأن نقل الأخبار من ناقليها إنما يكون حسب ~~الأسباب الداعية إليه، والعلل المثيرة لنقلها. # ألا ترى أنهم ينقلون ما ليس له سبب داع إلى نقله، من نحو مخبر إنه رأى ~~ناسا يمشون في الأسواق، وآخرين يتبايعون فيها، وما جرى مجرى ذلك، لأنه ليس ~~هناك سبب يدعو إلى نقل مثله. # وكذلك اختراع الأخبار التي لا أصل لها، وإنما تتفق على حسب الأسباب ~~الداعية إليه. # ومعلوم الاختلاف (في) دواعي الناس وأسبابهم. فغير جائز منهم وقوع اختراع ~~خبر لا أصل له من غير تواطؤ. # ألا ترى: أنه يمتنع في العادة أن يخطر ببال كل واحد من الناس في وقت ~~واحد: أن يبتدئ اختراع الكذب في شيء واحد، حتى يخبر كل واحد منهم: أن القمر ~~انشق ليلة البدر وصار قطعتين، وبقيتا طول الليل كذلك حتى غابتا. فكذلك ~~يمتنع اختراع خبر لا أصل له في الجمع الكثير، إلا عن تواطؤ. # وليس الكذب في هذا كالصدق، فيجوز اتفاقهم على نقل خبر أمر قد شاهدوه، وإن ~~كانوا مختلفي الهمم والأسباب غير متشاعرين، وذلك لأن الإخبار بالصدق داع ~~تجمع هذه الجماعات على نقله والإخبار به، وهو مشاهدة ما أخبروا عنه، وما ~~جعل في طباعهم من استنقال كتمان الأمور العظام والأشياء العجيبة. # فلما كانت هناك دواعي تدعو إلى نقله، وسبب يجمعهم إلى العلم به، وكان ~~كتمان مثله مستقلا في طباعهم سواء كان عليهم في إشاعته ونقله ضرر، أو لم ~~يكن، صارت هذه الدواعي سببا لنقله والإشادة بذكره، لتبلغ الحجة بالإخبار ~~مبلغها، وتنتهي منتهاها. # PageV03P040 ### | [الإخبار بالكذب عن شيء واحد] # وأما الإخبار بالكذب عن شيء واحد، فإنه ليس هناك داع يدعو الجماعات التي ~~وصفنا حالها إلى اختراعه، والإخبار به، ولا سبب يجمعهم على وضعه، بل ~~الدواعي متفقة في الزجر عن الكذب والإشاعة، فإن اتفق هناك سبب يجمعهم على ~~نقله من تواطؤ وتراسل، فإن مثله لا يخفى، بل ms389 يظهر وينتشر في أسرع مدة، حتى ~~يضمحل ويبطل. # وعلى أنا قد شرطنا في ذلك: امتناع التواطؤ والتشاعر فيه، على حسب ~~امتحاننا لأحوال الناس، فما كان بهذا الوصف فإنه يوجب العلم بمخبره لا ~~محالة، وليس سبيل الإخبار في هذا السبيل اعتقاد المذاهب الفاسدة، وإن لم ~~يجز على مثلهم اختراع خبر لا أصل له من غير تواطؤ، من وجهين: # أحدهما: أنا رجعنا في الأمرين جميعا إلى امتحان أحوال الناس، فوجدنا مثل ~~هذه الجماعات التي وصفنا أمرها، لا يجوز منها وقوع الاتفاق على اختراع خبر ~~لا أصل له، ووجدناهم يجوز منهم الاتفاق على اعتقاد مذهب فاسد، فإنما رجعنا ~~في الأمرين جميعا إلى الموجود من أحوالهم، فيما صح وقوعه منهم، وفيما ~~امتنع. # والوجه الثاني: أنا منعنا وقوع اختراع خبر لا أصل له منهم، لما ذكرنا من ~~اختلاف هممهم وأسبابهم، ودواعيهم، وأن جماعتهم يستحيل أن يخطر ببال كل واحد ~~منهم أن يبتدئ اختراع خبر في شيء لا أصل له، في الوقت الذي يخطر ببال ~~صاحبه. فإذا كان هذا وصفهم، لم يجز أن تتفق دواعيهم على نقله والإخبار به، ~~لأن ما لا يجوز خطوره ببال جماعتهم في وقت واحد فالإخبار به ونقله أبعد في ~~الجواز، فلذلك لم يصح وقوعه منهم. # وأما اعتقاد مذهب من المذاهب الفاسدة، فإنهم لا يصيرون إليه، ولا يتفقون ~~عليه، إلا بدعاء داع لهم إليه، أو لشبهة يدخل عليهم في جواز اعتقاده ~~فيعتقدونه. # ونظير ذلك من الأخبار: أن يدعوهم ويجمعهم جامع على التواطؤ على اختراع ~~خبر لا أصل له، وقد يتفق مثل هذا، إلا أنه لا يتفق فيمن وصفنا حالهم، وإن ~~اتفق التواطؤ من جماعة فلا بد من ظهور أمره وانتشاره، ولا بد من أن يضمحل ~~ويبطل، فلذلك اختلف حكم الأخبار والاعتقادات. # فإن قال قائل: قد نقلت اليهود والنصارى قتل المسيح - عليه السلام - ~~وصلبه، وقد كذبوا في ذلك، ونقلت المجوس أعلام زرادشت ومعجزاته، وهو كذاب، ~~مع اختلاف # PageV03P041 # أسبابهم ودواعيهم. وكيف نحكم بصحة الأخبار مع وجود من وصفنا بخبر لا أصل ~~له، ولا شك ms390 في كذبه، وهم بالصفة التي ذكرتموها من اختلاف الهمم والأسباب ~~وامتناع التواطؤ عليه. # قيل له: شرط ما ذكرنا من الأخبار: أن ينقله قوم وصفهم ما ذكرنا، ويخبروا ~~عن مشاهدة من عرفوه اضطرارا. # والنصارى واليهود لم يكذبوا على أسلافهم فيما نقلوا، ولكن الدليل على أن ~~أول هذا الخبر ليس كآخره، أنه لو كان كذلك لوقع لنا العلم بصحة ما أخبروا ~~به، إذ نحن وهم متساوون في سماعه، كما أن علوم المحسوسات والمشاهدات أن لا ~~تختلف مشاهدوها مع ارتفاع الموانع من كل واحد منهم، فيما يقع لهم العلم ~~بها، فلما لم يقع لنا العلم بمخبر أخبارها، ولا مع سماعنا لها، علمنا أن ~~أول خبرهم كان عمن يجوز عليه الغلط والتواطؤ، فقلدوهم فيه ونقلوا عنهم: أن ~~العلم بكون المسيح - عليه السلام - في الدنيا، كعلمنا بالأمور المشاهدة ~~التي لا يجوز وقوع الشك فيها، من حيث كان أول خبرهم كآخره في امتناع وقوع ~~التواطؤ منهم، واختراع خبر لا أصل له، فهذا الذي وصفنا يسقط هذا السؤال. # وأيضا: فإن النصارى إنما نقلوا ذلك عن أربعة يجوز عليهم الغلط، والخطأ، ~~والتواطؤ في النقل، وأما اليهود: فلم يكونوا يعرفونه بعينه قبل قصدهم إياه ~~لقتله، وإنما دلهم عليه رجل يقال له: يهوذا، كان ممن يصحب المسيح. واجتعل ~~منهم على دلالته ثلاثين درهما، وقال لهم: الذي تروني أقبله هو صاحبكم، فلما ~~رأوه فعل ذلك برجل هناك أخذوه، وقتلوه، على أنه المسيح، ولم يكن هو. # وأيضا: فإنه معلوم أنه لا يتولى قتل رجل (إلا من يجوز) عليه التواطؤ في ~~الأخبار، # PageV03P042 # والناقلون لقتل المسيح إنما نقلوا عن هؤلاء الذين تولوا قتل الرجل الذي ~~زعموا أنه المسيح، وهؤلاء، إما أن يكونوا قتلوه وصلبوه ظنا منهم أنه المسيح ~~فأخطئوا في ظنهم، وإما أن يكونوا تواطئوا على الاجتهاد عنه بالكذب. # فإن قيل: الذين شاهدوه بعد القتل من اليهود والنصارى مصلوبا قد قالوا: إن ~~المصلوب كان المسيح، ولم يشكوا في ذلك، ولا سائر من نقلوا إليه الخبر به، ~~إلى أن أنزل الله تعالى {وما قتلوه وما ms391 صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء: 157] ~~حينئذ كذب الخواطر في أمره، وشك فيه كثير من الناس، واعتقد المسلمون بطلان ~~خبرهم. # قيل له: أما الحواريون ومن كان من أصحاب المسيح مستخفين غير ظاهرين من ~~اليهود، حتى طلبوا المسيح ليقتلوه، وإنما سمعوا ممن أخبرهم أنه رأى رجلا ~~مصلوبا، قيل: إنه المسيح، وأما اليهود فما كانوا يعرفونه بعينه، وإنما ~~رجعوا فيه إلى قول يهوذا الذي دلهم عليه بزعمه. # وأما قوله: إن الناس لم يكونوا يشكون في ذلك إلى أن أنزل الله تعالى: ~~{وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء: 157] فإن أول الناقلين لذلك ~~لم يكونوا مخطئين في ظنهم، أنه قتل وصلب، أو متواطئين على نقله، لما جاز ~~وقوع الشك من أحد سمع أخبار هذه الجماعات في قتله وصلبه، كما لا يجوز تشكيك ~~أحد في أن المسيح قد كان في الدنيا. # فإن قيل: لو جاز أن يقال هذا فيما ذكرت لجاز على قوم مختلفي الهمم لا ~~يجوز على مثلهم التواطؤ، أن يخبروا عن رجل مشهور معروف، أنهم رأوه مصلوبا ~~مقتولا، فلا يقع لنا العلم بخبرهم، إذ لا فرق بين رؤيتهم إياه مقتولا ~~مصلوبا، وبين رؤيتهم إياه حيا فيما بينهم، والذين يقولون: إن المسيح قد كان ~~في الدنيا، هم الذين نقلوا إلينا أنه قتل وصلب، ومن عرفه حيا فيما بينهم، ~~هو الذي ذكر: أنه عرفه مقتولا، مصلوبا. # قيل له: ليس الأمر فيه على ما ظننت، لما بينا فيما سلف، ولأن نقلهم لقتله ~~وصلبه لو كان في وزن نقلهم لكونه في الدنيا، لوقع لنا العلم الضروري بقتله، ~~وصلبه، كوقوعه بكونه في الدنيا، وليس لنقل كونه في الدنيا سبب يمنع صحة ~~الخبر به، ولا مدخل للشبهة فيه، والقتل والصلب قد اعترضهما أسباب تمنع أن ~~يكون أصل الخبر بهما من قوم يوجب خبرهم # PageV03P043 # علما، وإنما أكثر ما فيه: أنهم لما فقدوا المسيح، ورأوا رجلا مقتولا ~~مصلوبا، قال لهم من بحضرته: هذا هو المسيح، فسكنت نفوسهم إليه، من غير تعقب ~~منهم بصحة خبرهم، ولا تأمل لأصله، وما يجوز فيه، ms392 مما لا يجوز. # وأيضا: فلو ثبت أن الناقلين لقتله وصلبه قوم لا يجوز على مثلهم التواطؤ ~~ولا اختراع الكذب في خبر عن شيء بعينه، لما أوجب خبرهم العلم بأنه هو ~~المسيح، لأن أكثر أحوالهم في ذلك أن يكونوا نقلوا أنهم رأوا شخصا مقتولا ~~مصلوبا، فهم صادقون في رؤيتهم لشخص هذه صفته، ولوقع لنا العلم بأنهم قد ~~رأوا شخصا قد قتل وصلب، فأما أنه المسيح أو غير المسيح فلم يكن يقينا، لأن ~~الله تعالى قادر على إحداث شخص مثل المسيح، في صورته وهيئته، في أسرع من ~~لمح البصر، وظنه القاتلون والذين رأوه مصلوبا، بأنه المسيح، وتسكن نفوسهم ~~إليه، لوجود الشبه. # وقد روي: أن اليهود لما جاءوا يطلبونه، قال لأصحابه: من يختار أن يلقى ~~عليه شبهي فيقتل وله الجنة، فاختار بعضهم ذلك. وإذا كان أصل خبرهم عن ظن لا ~~يقين، وعلم اضطرار، لم يجز أن يقع لنا العلم بخبرهم. وإن كانوا ممن لا يجوز ~~عليهم فعل خبر لا حقيقة له، لأن شرط ما يوجب العلم من ذلك: أن يخبر به ~~المخبرون عن مشاهدة أمر عرفوه اضطرارا. فأما إذا كان مرجع خبرهم إلى ظن لا ~~حقيقة له، فإنه لا يوجب وقوع العلم بصحة خبرهم: أنه كان المسيح أو غيره. # فإن قيل: كيف يجوز أن يلقى شبه المسيح وهو نبي من أنبياء الله على غيره، ~~حتى لا يفرق الناظر إليه بينه وبين من سواه فيعتقد أنه المسيح.؟ ؟ (قيل له) ~~: لأن قلب العادات ونقضها جائزان في أزمان الأنبياء كما (كان يرى جبريل في ~~صورة دحية الكلبي) ، ودخول إبليس في صورة شيخ نجدي مرة وفي صورة # PageV03P044 # سراقة بن مالك المدلجي مرة أخرى) ، ولا يجوز مثله في غير أزمان الأنبياء، ~~فلو أن رجلا رأى في زمن النبي - عليه السلام - شخصا على صورة دحية الكلبي، ~~لم يجز له أن يقطع بأنه دحية، ووجب عليه أن يجوز أنه جبريل - عليه السلام ~~-، وإذا كان كذلك فليس في مشاهدتهم لشخص مقتول يشبه المسيح، ما يوجب القطع ~~بأنه هو لا محالة، مع ms393 تجويزه لنقض العادة بإحداث الله مثله، أو إلقاء شبهه ~~على غيره. فلما وجدنا القرآن الذي ثبت أنه من عند الله بالشواهد الصادقة قد ~~نطق بأنهم {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء: 157] علمنا أن: ~~الأمر جرى في أصل الخبر عن قتله وصلبه، على أحد الوجوه التي ذكرناها. # وأما المجوس: فإن الذي تدعيه في أعلام زرادشت يجري مجرى الخرافات، التي ~~تتحدث بها النساء والصبيان، وإنما أكثر ما يعدونه له أنه أدخل قوائم فرس ~~للملك في جوفه، ثم أخرجها، وعاد الفرس صحيحا كما كان، ومرجع هذا الخبر ~~عندهم إلى الملك وقوم من خاصته، وهؤلاء يجوز عليهم التواطؤ على الكذب، وأن ~~من سياسة الملك لما اختبره فرأى حيلته ودهاءه واطأه على الاستجابة له، على ~~أن يكون أحد أركان شرائعه التي يدعو الناس إليها للتدين بطاعة الملوك، ~~وتعظيم شأنهم، ثم أخبر الملك قوما من خاصته بما ذكر من أمر الفرس، فتلقوه ~~وانتشر الخبر به، ثم حمل الناس بالسيف على الدخول في دينه، ثم طالت مدته، ~~ونشأ عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وألفوه واعتادوه، ثم ما زال من ينتحل ~~منهم الدين ويتخصص بنقل الأخبار، ويزيد فيه، ويشيعه في الدهماء، فينقلوه ~~إرادة منهم لتأييد الدين، وبتأكيد أمره، وكانت العلوم في زمن ملوك الفرس ~~مقصورة على قوم بأعيانهم، لا يدخل فيه غيرهم، ويمنعون من لم يكن من أهله ~~انتحاله، والنظر فيه، # PageV03P045 # وكذلك الصناعات. وكانت سائر الناس إنما يأخذون أخبار زرادشت وأمر الدين ~~عن قوم بأعيانهم، يجوز عليهم التواطؤ على الكذب، فلم يثبت بأخبارهم صحة ما ~~أخبروا عنه مما ادعوه. # ولما كان قول زرادشت: إن لله ضدا مغالبا في ملكه، مع ما يضيفون إليه من ~~الأمور القبيحة الفاحشة التي قامت أدلة العقول: إن أنبياء الله تعالى لا ~~يعتقدونها. علمنا أنه كان كذابا مخرفا، ولم يكن الله تعالى ليظهر المعجزات ~~على يديه. # فإن قال قائل: كيف يكون الإخبار حجة والمخبرون بها هم الذين تولوها، ومتى ~~شاءوا اخترعوها، وأخبروا بها، وإنما الحجة فيما يعجز الخلق عنه، فأما ما ~~كان ms394 في مقدورهم ويمكنهم اختراعه والإخبار به كيف شاءوا، فإنه غير موثوق به ~~ولا حجة فيه. # قيل له: لم نقل: إن الأخبار في أنفسها هي الموجبة للعلم بصحة مخبرها من ~~حيث كانت أخبارا، حتى يلزمنا ما ذكرت، وإنما قلنا: إنها متى قارنها أحوال ~~ليست هي من أفعال المخبرين، بل الله المتولي لها وواضعها على ما هي عليه، ~~حتى خالف بين أسباب المخبرين وعللهم، وأجرى العادة بامتناع وجود الأخبار ~~منهم عن أمر ذكروا: أنهم شاهدوه اضطرارا، من غير أن تكون له حقيقة، فالحجة ~~إنما لزمت بالأخبار من هذه الجهة. # فإن قيل: إن افتعال الكذب جائز على كل واحد من هؤلاء المخبرين، لم يكن ~~اجتماعهم على الإخبار به مما يؤمننا كذبهم فيه. # قيل له: لا يجب ذلك من وجهين: # أحدهما: أن حكم ذلك لما كان مأخوذا من الشاهد وما يجوز في العادة مما لا ~~يجوز على حسب ما امتحنا من أحوال الناس، فوجدنا الجماعات التي وصفنا شأنها، ~~يمتنع جواز اختراع الكذب عليها في شيء بعينه أخبرت به عن مشاهده، مع بقاء ~~العادات على ما هي عليه، علمنا أن مثله لا يجوز إلا صدقا، وأن مخبره واقع ~~على ما أخبروا به، ولهذه العلة بعينها جوزنا الكذب على كل واحد منهم، إذا ~~انفرد بخبر، ولم تقم دلالة على امتناع وقوع الكذب منه، فرجعنا في الأمرين ~~جميعا إلى ما اقتضته أحوال الشاهد، وخبر إن العادة، فجوزنا منه ما أجازته، ~~ومنعنا منه ما منعته. # PageV03P046 # والوجه الآخر: أنه لو كان حكم الكثير في هذا كحكم القليل، لوجب إذا جاز ~~من كل واحد منا أن يتكلم بحرف من حروف المعجم، وتكلمه من عرض الكلام، أن ~~يجوز منه إن أتى بمثل القرآن في نظمه وترتيبه، إن كان يمكنه أن يتكلم بكل ~~حرف منه على الانفراد، لوجب أن يكون المعجم الذي يمكنه أن يتكلم بكل كلمة ~~مما في شعر امرئ القيس، فيخترعه وينتبه مبتدئا به. أن نجوز منه إنشاء قصائد ~~مثل قصائد امرئ القيس، في وزنها وألفاظها ونظمها، وكان يجب أن ms395 يكون الواحد ~~إذا أخبر عن شيء واحد على جهة التظني والحسبان، فيصادف وجود مخبره على ما ~~أخبر به، أن يجوز منه أن يظن كل شيء يخطر بباله ويتوهمه، فيخبر به، ثم يتفق ~~أن يصادف في جميع ذلك وقوع مخبره، وقد علم بطلان ذلك ضرورة، فكذلك كل واحد ~~منا إذا جاز عليه الكذب في خبره إذا انفرد به فغير جائز وقع ذلك من ~~الجماعات الكثيرة، التي لا يجوز عليها التواطؤ في خبرها. # قال أبو بكر: ومن الناس من يقول: إن العلم بصحة الأخبار المتواترة التي ~~ذكرنا اكتساب، وليس بعلم اضطرار. # والدليل على أن العلم: بما قدمنا وصفه من الأخبار اضطراريا استواء حال ~~المميز وغير المميز في العلم، كالصبيان ونحوهم، لأنا نعلم من أنفسنا أنا ~~كنا نعلم في حال صبانا بكون أجدادنا وأوائلنا كعلمنا الآن بهم. وأيضا:. فلو ~~كان العلم بالاكتساب لجاز لبعضنا أن لا يكتسبه (ولا يستدل) عليه، فلا يعلم ~~بصحته، لأن ما كان طريق العلم به الاستدلال (لا يعرفه) من لا يستدل. # وأيضا: فلو كان العلم به اكتسابا، لجاز وقوع الاختلاف فيه، ولجاز وجود ~~الشك فيه مع سماع هذه الأخبار كسائر العلوم المكتسبة، فلما بطل ذلك، وكان ~~المنكر لبعض ما ذكرنا كالمنكر لبعض ما يذكره بحاسته، علمنا أن العلم بما ~~وصفنا اضطرار. # قال أبو بكر: فهذا الذي ذكرنا جملة كافية، تثبت التواتر الذي نعلم صحته ~~اضطرارا. # PageV03P047 ### | [القسم الثاني من قسمي التواتر وهو ما يعلم صحته بالاستدلال] # فأما القسم الثاني من قسمي التواتر وهو: ما يعلم صحته بالاستدلال: فإن ~~أبا الحسن - رحمه الله -، كان يحكي عن أبي يوسف: أن نسخ القرآن بالسنة إنما ~~يجوز بالخبر المتواتر، الذي يوجب العلم، كخبر المسح على الخفين، فهذا الذي ~~ذكره من قوله يدل على أنه كان يرى: أن من الأخبار المتواترة ما يعلم صحتها ~~بالاستدلال، لأن هذه صفة المسح على الخفين، إذ لا يمكن أحد أن يدعي في ~~ثبوته وصحته علم اضطرار. # وقد حكينا عن عيسى بن أبان - رحمه الله - في صدر هذا الباب: أن ms396 الخبر ~~المتواتر عنده هو الذي يوجب علم الضرورة، وأنه لم يجعل ما ليست هذه منزلته ~~من خبر التواتر. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ومن نظائر المسح على الخفين من الأخبار: ما ~~روي عن النبي - عليه السلام -: في تحريم التفاضل في الأصناف الستة، وما روي ~~عنه - عليه السلام -: من «إباحته متعة النساء، ثم حظرها بعد الإباحة» ، ~~ومثله أخبار الرجم، وأشباه ذلك من الأخبار التي نقلها عن النبي - عليه ~~السلام - جماعة يمتنع في مثلهم وقوع التواطؤ عليه، أو وقوع السهو والغلط ~~فيه، فنعلم بتأملنا حالها أنها صحيحة، ولا توجب العلم الضروري؛ لأنا لم ~~نتأمل حال هذه الأخبار، ولم نستدل على صحتها، لما وقع لنا العلم بخبرها. # وقد كان ابن عباس يجيز التفاضل في الأصناف الستة، ويعارض هذا الخبر بخبر ~~أسامة بن زيد: عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» ~~ثم لما تأمل وتواتر عنده الخبر به نزل عن قوله، ورجع إلى تحريم التفاضل ~~فيها. وقد قال عيسى في كتابه (في الرد) على المريسي لا يخلو الحديث من ~~ثلاثة أوجه: يضل تاركه، ويأثم، ويشهد عليه بالبدعة والخطأ. # وذلك مثل الرجم يرده قوم بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2] قالوا: لأنه لم يتواتر به الخبر كما تواتر ~~بالصلاة والصيام، ولا يكفرون لأنهم لم يردوا على الله ولا على رسوله، وإنما ~~خالفوا الناقلين، فأخطئوا في التأويل، وعارضوا بظاهر الكتاب. # قال: والوجه الثاني: مثل خبر الصرف، وخبر المسح على الخفين، يخطأ مخالفه، # PageV03P048 # ويخشى عليه الإثم، ولا يحكم عليه بالضلال، لأن ابن عباس عارض حديث الصرف ~~بخبر أسامة بن زيد «لا ربا إلا في النسيئة» والخوارج خالفت الإجماع، وخبر ~~المسح على الخفين: رواه جماعة كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخالف ~~فيه ابن عباس، وعائشة وأبو هريرة. وقالوا: إن المسح كان قبل نزول المائدة، ~~فأخطئوا، ولم يحكم عليهم بالضلال، ويخشى عليهم المأثم، وكذلك خبر الشاهد ~~واليمين، لأن القائل به لا يدرى هو ثابت الحكم، أم لا، ويرد ms397 قضاء من قضى به ~~(لأن ظاهر الآية يرده) . # قال: ومما يخاف عليه الإثم ولا يحكم عليه بالضلال، من استحق دما بالقسامة ~~مع علمهم أن المخالفين كاذبون في حلفهم، وأنه خلاف الكتاب، قال الله تعالى: ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] وقال تعالى: {إلا من شهد بالحق ~~وهم يعلمون} [الزخرف: 86] . وأنكره جماعة من السلف، وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وكبار الصحابة خلافه. # قال عيسى بن أبان - رحمه الله -: والوجه الثالث: ما روي في الأخبار ~~المختلفة لا نعلم الناسخ منها، واختلفت الأمة في العمل بها، مع احتمال ~~التأويل فيها، كاختلافهم في أقل الحيض وأكثره، وكاختلافهم في قوله تعالى: ~~{فإن كان له إخوة} [النساء: 11] وقال بعضهم: لا تكون الإخوة أقل من ثلاثة. ~~وقال آخرون: اثنان. وكاختلافهم في مقدار السفر فيه، وما أشبهه طريقه اجتهاد ~~الرأي، ولا يأثم المخطئ، فيه ولا يضل. # قال أبو بكر - رحمه الله -: والذي ذكره عيسى في هذا الموضع من تقسيم ~~منازل موجب الأخبار غير مخالف لما حكينا عنه في خبر التواتر، أنه قسم واحد، ~~وهو الذي يوجب علم الاضطرار، لأن خبر الرجم إنما أوجب العلم عنده لا من ~~طريق التواتر، لكن لأن الأمة عملت به سلفها وخلفها، ولا يعد الخوارج خلافا، ~~فإنما يوجب العلم بوجوب هذه الأخبار لمساعدة إجماع السلف إياه، وجعل خبر ~~المسح على الخفين وخبر الصرف دون ذلك، لأن قوما ممن يعتد بخلافهم على السلف ~~قد ذهبوا إليهما، إلا أنه كان عليهم المصير إلى ما روته الجماعة، وأخطئوا ~~بتركهم ذلك، ولم يبلغوا منزلة الضلال. # PageV03P049 # وقد قال بعض أهل العلم: إن مما يعلم صحته من الأخبار من جهة ما لا يجوز ~~فيه اتفاق الجماعة الكثيرة على اختراع الكذب فيه، كإخبار أهل بلد بخبر كل ~~واحد عن نفسه: أنه يعتقد الإسلام، وكإخبار جماعة كثيرة بخبر كل عن نفسه: ~~أنه يعتقد النصرانية، فإن هذا ونحوه (إذا أدلى) المخبرون به فصاروا بحيث لا ~~يتفق منهم كتمان خلاف ما أظهروه، دل ذلك على اشتمال خبرهم على جماعة قد ms398 ~~صدقوا فيما أخبروا به عن أنفسهم. ومن نحو ذلك ما روته الرواة من أخبار ~~الآحاد، كل يخبر بخبر غير ما يخبر به الآخر، فعلم أن جماعتهم غير كاذبة، ~~وكل شيء أخبر به كل واحد منهم، ونعلم أن هذه الجماعة قد اشتملت فيما أخبرت ~~به على صدق، وإن لم يتميز لنا صدق الصادق منهم من غيره، فهذا ضرب من ~~التواتر الذي يعلم مخبره بالاستدلال، ولم يجد أصحابنا فيمن يتواتر بهم ~~الخبر عددا. # وكذلك قال عيسى بن أبان في ذلك، وذكر أنه إذا نقله قوم مختلفو الآراء ~~والهمم، لا يجوز على مثلهم التواطؤ فهو تواتر. وقد قال قوم من أهل العلم: ~~إنا قد تيقنا: أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بحال إذا لم تقم دلالة أخرى من ~~غير الخبر على صدقهم، وذلك لأن الله تعالى تعبدنا في أربعة شهداء على رجل ~~بالزنا، أنا متى حكمنا بشهادتهم أن لا نقطع على غيبهم، وأن يجوز عليهم ~~الكذب، إذ الغلط والسهو في شهادتهم، وأن يكل أمرهم في مغيب شهادتهم إلى ~~الله تعالى، وإن أمضيا الحكم بها. # قالوا: وهذا حكم عام في سائر الشهادات، فغير جائز أن يجمع علينا التعبد ~~بما وصفنا، مع وقوع العلم بصحة خبرهم، لأن ذلك يتضاد ويتنافى. فدل ذلك على ~~أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بحال، وما زاد على هذا خبرهم من الأحوال ~~المقارنة له، حتى إذا كثر العدد في قوم مختلفي الآراء والهمم لا يجوز وقوع ~~التواطؤ منهم، أوجب العلم بصحة خبرهم لا محالة. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وهدانا على خلاف ما قالوه، وذلك: أن الشهود ~~الذين يشهدون بالزنا: شرط صحة شهادتهم أن يحضروا مجتمعين، ويكونوا ~~متشاعرين، يجوز على مثلهم التواطؤ، فلذلك لم يقع العلم بخبرهم، ولو كانوا ~~عشرة أو عشرين جاءوا مجتمعين # PageV03P050 # متشاعرين يخبرون بخبر واحد عن أمر شاهدوه، لما وقع لنا العلم بخبرهم، إذا ~~جوزنا عليهم التواطؤ، وقد رأينا كثيرا من أهل هذه الأسواق هاهنا ببغداد ~~متواطئين على تعارض الشهادات فيما بينهم، وربما حضر منهم عشرون رجلا ms399 أو ~~أكثر، يشهدون لرجل على آخر بجناية في نفس، أو عرض، أو مال، فلا يقع العلم ~~بصحة خبرهم، لجواز التواطؤ عليهم. فغير جائز إذا كان الأمر على ما وصفنا: ~~أن يستدل بامتناع وقوع العلم بشهادة أربعة جاءوا مجتمعين: على أن كل عدد من ~~المخبرين هذا مقداره لا يقع لنا العلم بصحة خبرهم. # فإن قال قائل: فما تقول إن جاء هؤلاء الأربعة متفرقين يشهدون على رجل ~~بالزنا. # قيل له: نحدهم جميعا، لأن شرط قبول الشهادة عندنا أن يحضروا جميعا، ~~فيشهدون مجتمعين، وإلا كانوا قذفة. # وكذلك قال الشعبي: لو شهد عندي مثل ربيعة ومضر متفرقين على رجل بالزنا ~~لحددتهم جميعا. # فإن قيل: فما تقول لو شهد عشرة أو أكثر على إقرار رجل بحق لرجل وجاءوا ~~متفرقين. هل يقع لك العلم بصحة خبرهم؟ وهل نحكم بشهادتهم إذا كانوا فساقا، ~~لأجل ما وقع من العلم بصحة شهادتهم حتى جاءوا غير متشاعرين، ولا يجوز على ~~مثلهم التواطؤ فيه؟ . # قيل له: إن جاز وقوع مثل هذا في العدد الكثير من قوم مختلفي الهمم، لا ~~يجوز على مثلهم التواطؤ، فليس يمتنع أن يقع العلم بصحة خبرهم، إلا أنه لا ~~اعتبار فيه بوقوع العلم حتى يكونوا عدولا مرضيين، إذ قد يجوز عندنا أن يعلم ~~الحاكم حقا لإنسان على غيره، فلا يجوز له الحكم به، وهو أن يكون قد علمه ~~قبل أن يلي الحكم، أو يعلمه في غير موضع حكمه، ثم يصير إلى علمه، أو يعلم ~~شيئا مما يوجب حد الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر في علمه، أو في مخبر ~~علمه، فيكون كواحد من الشهود يحتاج أن يشهد مع غيره عند حاكم سواه، حتى ~~يحكم به، وإذا كان كذلك فلا اعتبار في إمضاء الحكم بوقوع العلم بخبرهم إذا ~~لم يكونوا عدولا. # وأيضا: فإن الاثنين فما فوقهما في الشهادة في الحقوق سواء، والأربعة ومن ~~فوقهم في الشهادة على الزنا سواء، فلا اعتبار إذا فيها بكثرة العدد. # قال أبو بكر: واختلف الذين اعتبروا في شرط التواتر أكثر من أربعة. # PageV03P051 # فقال ms400 منهم قائلون: إذا أخبر جماعة عددهم أكثر من أربعة فوقع العلم بصحة ~~خبرهم، فغير جائز أن يكون العلم واقعا بخبر أكثر من أربعة هم صادقون فيما ~~أخبروا به، قد علموه اضطرارا، وإن كان جائزا أن يكون من غير هؤلاء الذين ~~أوقع العلم بخبرهم فكذبوا فيما أخبروا به بأن لم يكونوا شاهدوا ذلك الشيء ~~الذي أخبروا عنه. # وقال آخرون منهم: ليس يمتنع أن يكون العلم واقعا عند خبر الخمسة ومن ~~فوقهم، بخبر أربعة منهم فمن دونهم، وأن يكون الصادق في خبره واحدا منهم، ~~والباقون أخبروا عن غير يقين، ولا مشاهدة، ومع ذلك فغير جائز وقوع العلم ~~بقول ذلك الواحد لو انفرد، لأن الله تعالى إنما أجرى العادة بأن يجعل العلم ~~في قلوبنا عند إخبار الجماعة التي وصفنا أمرها، وليس المخبر هو الموجب ~~للعلم بخبره، فيعتبر كون الجماعة صادقين في خبرهم. # قالوا: وإذا كان كذلك لم يمتنع وقوع العلم بمخبر بعض الجماعة المخبرين، ~~وإن كانوا أربعة وأقل منهم، بعد أن يكون المخبرون أكثر من أربعة. # PageV03P052 # قال أبو بكر: وليس لما يقع العلم به من الأخبار عدد معلوم من المخبرين ~~عندنا، إلا أنا قد تيقنا: أن القليل لا يقع العلم بخبرهم، ويقع بخبر ~~الكثير، إذا جاءوا متفرقين، لا يجوز عليهم التواطؤ في مجرى العادة، وليس ~~يمتنع أن يقع العلم في بعض الأحوال بخبر جماعة، ولا يقع بخبر مثلهم في حال ~~أخرى، حتى يكونوا أكثر، على حسب ما يصادف خبرهم من الأحوال، وقد علمنا ~~يقينا: أنه لا يقع العلم بخبر الواحد والاثنين ونحوهما، إذا لم تقم الدلالة ~~على صدقهم من غير جهة خبرهم، لأنا لما امتحنا أحوال الناس لم نر العدد ~~القليل يوجب خبرهم العلم، والكثير يوجبه، إذا كانوا بالوصف الذي ذكرنا، وما ~~كان من الأمور محمولا على العادة، فلا سبيل إلى تحديده، وإيجاب الفصل بينه ~~وبين ما عداه بأقل القليل. # وأما من قال: إن خبر الواحد يوجب علم الاضطرار، فإنه لا يخلو من أن يقول: ~~إنه يوجب العلم لسامعه، إذا كان المخبر عنه ms401 باضطرار، من غير معنى يقارنه، ~~ولا يوجبه إلا إذا قارنته أسباب توجب العلم بصحة خبره. # فإن كان خبر الواحد يوجب العلم بنفسه إذا كان المخبر قد علم ما أخبر عنه ~~باضطرار، فوجب أن يعلم كل سامع صدق كل من أخبر عن شيء شاهده من كذبه، وأنه ~~يحكم بأن غيره كاذب، إذا لم يقع له العلم الضروري بصحة ما أخبر به، وكان ~~يجب أن يعلم صدق المدعي والمدعى عليه، فمتى وقع لنا العلم الضروري بصحة ~~دعواه حكمنا بها، وإذا لم يقع لنا العلم الضروري لما ادعاه حكمنا ببطلان ~~قوله، فلا يحتاج المدعي إلى بينة، ولا يحتاج المدعى عليه إلى اليمين، وواجب ~~أن يعلم كذب الزوج أو صدقه إذا قذف امرأته، فإذا لم يقع لنا علم الاضطرار ~~بصدقه حكمنا بكذبه وحددناه، ولا نوجب بينهما لعانا، وقد حكم الله بصحة ~~اللعان بينهما، ولو كان العلم كافيا لنا بقول أحدهما ما جاز أن يستحلف ~~الآخر على صدقه، مع وقوع العلم بكذبه، لأنه غير جائز أن يتعبدنا الله بأن ~~يأمرنا بالإخبار بالكذب والحلف عليه، مع علمنا بأنه كذب، وهذا شيء قد علم ~~بطلانه. # وأوجب أيضا: أن لا تعتبر عدالة الشهود إذا شهدوا على رجل بحق وأن الحكم ~~بشهادتهم يكون موقوفا على ما يقع للحاكم من العلم الضروري بصحة خبرهم، فإن ~~وقع # PageV03P053 # له علم الاضطرار بذلك علم صدقهم، وإن لم يقع له ذلك حكم بكذبهم، عدولا ~~كانوا أو غير عدول. # فإن قال قائل: إنما يقع العلم لخبر بعض الناس دون بعض، وليس يمتنع، لأنه ~~إذا كان الله تعالى هو المتولي لإحداث العلم عند خبر هذا السامع، فليس ~~يمتنع أن يفعله في حال دون حال. # قيل له: قولك إن الله تعالى هو المتولي لإحداث العلم للسامع عند هذا ~~الخبر: هو نفس المسألة، وهو موضع الخلاف، لأنا نقول ليس أحد من المخبرين ~~يحدث الله عند خبره للسامع علما، فاقتصارك به على بعض الناس دون بعض لا ~~معنى له، وعلى أن ما ألزمناه قائم عليه، لأن كل سامع فإنما ms402 يكون محجوجا بما ~~أحدث الله تعالى له من العلم عند الخبر، وإن لم يحدث له علم لم يجب عليه ~~الحكم بصحة الخبر، وإن أحدثه حكم بصحته، فلا معنى إذا للكلام في تبيينه في ~~نظر وحجاج، وإنما يجب على كل إنسان أن يحكم بما يضطر إلى علمه دون غيره، ~~وعلى هذا الخبر لا ينبغي أن يختلف أن يكون المخبر قد علم ما أخبر به عنه ~~ضرورة أو لا يعلمه، لأن العلم بصحة مخبره موقوف على ما يحدثه الله تعالى ~~فيه، وعلى أن الله تعالى قد أمرنا لنتثبت في سائر الشهادات، وأن لا نقطع ~~بصحتها ولو كان خبر الشهود يوجب علم الاضطرار بحال، لما جاز أن نكون ~~مأمورين في تلك الحال، بأن لا نقطع بصحة ما علمناه ضرورة. # فإن قال قائل: إن خبر الواحد إنما يوجب علم الاضطرار إذا صحبه أسباب، ~~وأخبر به عن مشاهدة. قيل له: ليس من الأسباب التي تقارن الخبر شيء آكد ولا ~~أثبت من الأسباب التي (قارنت أخبار) النبي - عليه السلام -، الموجبة ~~لتصديقه، ثم لم نعلم صحة خبر الاستدلال، إذا أخبر عن مشاهدة جبريل - عليه ~~السلام -، وخطابه إياه، وأنه أسري به إلى بيت المقدس، وإلى السماء، ولو كان ~~في الدنيا خبر واحد يوجب علم الضرورة لكان خبر النبي - عليه السلام - أولى ~~الأخبار بذلك. فلما عدمنا ذلك في أخبار النبي - عليه السلام -، علمنا بطلان ~~قول هذا القائل. # PageV03P054 # فإن قال قائل: قد يرى الرجل يمر بباب دار الرجل فيرى جنازة منصوبة ومغسلا ~~موضوعا، ويسمع صراخا في الدار، فيسأل عجوزا خرجت من الدار عن ذلك، فتقول ~~مات فلان، فلا يرتاب السامع بخبرها، ولا يشك في قولها. وكذلك لو دخل رجل ~~مجلسا حافلا ورأى رجلا في الصدر عليه قلنسوة طويلة، فيسأل رجلا من الحاضرين ~~عن الجالس في الصدر فيقول: فلان القاضي، فلا يرتاب السامع بخبره، ولا يشك ~~في قوله، فعلمنا أن خبر هؤلاء أوجب العلم الضروري بصحة مخبرهم. # قيل له: ليس هذا كما ظننت، وذلك لأنك لم تفرق بين سكون النفس إلى ms403 الشيء ~~من غير علم به ولا يقين العلم، وقد تسكن نفس الإنسان إلى الأشياء ثم ~~يتعقبها، فيجدها بخلاف ما اعتقد فيها. # ألا ترى أن أكثر المبطلين والمقلدين نفوسهم ساكنة إلى اعتقاداتهم، وليسوا ~~على علم ولا يقين، بل على جهل وكفر، ثم إذا تعقبوا اعتقاداتهم، ونظروا فيها ~~من وجه النظر، ونبههم عليه منبه، علموا فساد ما هم عليه، وقد يسهو الرجل ~~فيصلي الظهر ثلاثا ويسلم، ولا يشك أنه قد صلاها أربعا. # فإن قال له قائل: إنما صليت ثلاثا، شك فيما كانت نفسه ساكنة إليه، فلا ~~اعتبار إذا بسكون النفس إلى الشيء، ولا يجوز أن تجعل علما لليقين. وعلى أنا ~~قد نرى كثيرا من الناس يتعمدون هذه الأسباب التي ذكرت أنها إذا قاربت الخبر ~~أو أوجبت علم الاضطرار بمخبره ويكون لهم فيها أغراض مقصودة من خوف من سلطان ~~أو مجون وخلاعة. # وقد بلغنا: أن أبا العير في أيام المتوكل قد كان يتعمد بكثير من هذه ~~الأمور على # PageV03P055 # وجه المجون والخلاعة ألا ترى أن إنسانا لو قال لهذا السائل (عن) العجوز ~~الخارجة من الدار: إن هذه العجوز قد غلطت أو كذبت، وإنما ظنوا أن الرجل قد ~~مات فأحضروا الجنازة والمغتسل، ثم تبينوه حيا، أو قال هو ميئوس منه، ولم ~~يمت، لشك السائل في خبرها، ولو كان الأول يقينا وعلما ضروريا لما جاز أن ~~يتعقبه بضده، ولما جاز أن يوجد أمره على خلاف ما اعتقده. # فإن قال: لم كانت الجماعة إذا أخبرت بشيء شاهدته وعلمته ضرورة إنما يقع ~~العلم لسامعه عند قول الواحد دون جماعتهم، فما أنكرت أن يكون ذلك الواحد ~~منهم متى أخبر أوجب العلم بقوله. # قيل له: إن الجماعة إذا أخبرت فليست تخلو من أن يقع للسامع بقولها علم ~~الاضطرار بصحة مخبرها، أو علم اكتساب، فإن أوجب خبرها علما مكتسبا فليس هذا ~~العلم جاريا بقول الواحد منهم دون الجماعة. # وقول القائل في هذا القسم: إن العلم حادث من قول الواحد خطأ، لأن السامع ~~إنما استدل بخبر الجماعة على صحة الخبر، فاستحال أن ms404 يكون العلم جاريا بقول ~~الواحد، وأن خبر الواحد أوجب علم الاضطرار، فإن كانوا يخبرون بذلك مجتمعين ~~وكانوا ممن لا يجوز عليهم التواطؤ، فالعلم حادث أيضا عند قول جماعتهم، دون ~~الواحد منهم، إذا كانوا قد علموا ما أخبروا به ضرورة، وإن كانوا أخبروا به ~~متفرقين، فإن أحدث الله به العلم عند قول أحدهم، فغير جائز أن يقال على ~~هذا: جوزوا إحداث الله له العلم بقول الواحد، إذا انفرد بخبره دون الجماعة ~~التي تقدمته في الأخبار عنه، من قبل أن الله تعالى إنما أجرى العادة بإحداث ~~العلم عند خبر هذا الواحد إذا تقدمته جماعة تخبر بمثل خبره، ولم تجر العادة ~~بإحداث العلم بقول الواحد. # ألا ترى أن مثل هذه الجماعة متى وجدت على هذا الوصف أوجب خبرها العلم ~~بصحة ما أخبرت به، وأن الواحد المنفرد لم تجر العادة بحدوث العلم بخبره. # وأيضا: فإن خبر الواحد (لو) كان يوجب علم الضرورة عند مقارنة الأسباب، ~~لجاز أن تخبر الجماعة العظيمة بخبر، فلا يقع العلم بخبرهم، إذا لم يقارن ~~خبرهم أسباب # PageV03P056 # تقتضي إيجاب العلم بصحته، ولو جاز ذلك لما أمنا أن يكون ببغداد من قد نشأ ~~فيها، وأتى عليه خمسون سنة، وهو لا يعلم أن في الدنيا مكة، والمدينة، ~~والشام، ومصر، لأنه لم يقارن ما سمعه من الأخبار عن هذه المواضيع أسباب ~~توجب له العلم بصحة ذلك، وهذا فاسد قد علم بطلانه ضرورة، فثبت بذلك أن ~~الجماعة التي وصفنا حالها إنما يقع العلم عند خبرها بجريان العادة بأن ~~مثلها لا يجوز وجود الإخبار منها على أمر شاهدته وعرفته ضرورة، ثم لا يقع ~~لسماعه ضرورة العلم بخبرها. # وجريان العادة أيضا بأن الواحد لا يوجب ضرورة العلم بخبره بحال، فكان أمر ~~الخبرين جميعا محمولا على ما جرت العادة به، وعرف بامتحان أحوال الأخبار ~~والمخبرين. # وأما اعتبار الاثني عشر، والعشرين، والسبعين، فشيء لا دلالة عليه، ويجوز ~~أن يعارض قول كل واحد منهم بقول الآخر، ويجوز لغيرهم أيضا أن يعتبر عددا ~~أقل من جميع ذلك، أو أكثر فلا يمكن ms405 لقائلي هذه الأقوال الانفصال منه، إذ ~~ليس في اقتصاره بالبقاء به على الاثني عشر، وأمر العشرين بالجهاد، واختيار ~~السبعين لحضورهم مع موسى ما يوجب تعلقه بالأخبار، إذ ليس هناك خبر أمروا ~~بنقله دون من أقل منهم عددا، وقد يلزم الجهاد الواحد والاثنين، وجاز كون ~~النقيب واحدا لجماعة كثيرة. # PageV03P057 ### | [فصل فيمن رد الأخبار المختلف فيها وأثبت المتفق عليها] # فصل # وأما من رد الأخبار المختلف فيها وأثبت المتفق عليها فقوله ظاهر الفساد. ~~ويقال لهم: أليس خلاف من خالف في صحة وقوع العلم بالإخبار عن البلدان ~~الثابتة لم يقدح عندكم في صحتها، ووقوع العلم بمخبرها، مع وجود الخلاف من ~~هذه الطائفة منها. فهلا استدللتم بذلك على أن خلاف من خالف لا يقدح في صحة ~~المقالة بعد قيام الدلالة على صحتها. # وأيضا: فإن سائر الأشياء التي طريق معرفتها والعلم بها العقل لا الاعتبار ~~فيها بالإجماع، ولا الاختلاف، وإنما المعتبر فيها قيام الدلالة على صحة ~~الصحيح، وفساد الفاسد، ثم إذا قامت الدلالة على صحة شيء منها من جهة العقل ~~لم يعتبر خلاف مخالف فيها، ولم يقدح في صحته، فهلا اعتبرتم صحتها من جهة ~~قيام الدلالة دون الإجماع والاختلاف، وعلى أن هذه القضية توجب على اليهود ~~على أن لا يثبت شيء من أعلام موسى لوجود الخلاف فيها، إذ كانت الثنوية ~~والمجوس وسائر الملحدين يجحدونها، فلما صحت أعلام موسى - عليه السلام - ~~لوجود النقل المتواتر الذي يمتنع معه التواطؤ، يجب أن يصح ويثبت، وأن لا ~~يقدح فيها خلاف من خالف. . ### | [فصل فيمن قال لا نعرف صحة الخبر إلا بقول المعصوم] # فصل وأما من قال لا نعرف صحة الخبر إلا بقول المعصوم، فإن قوله ظاهر ~~الفساد، من جهة: أن علم الروم وسائر ملك الكفرة في بلادها تكون أقاويلهم ~~وسائر ملوكهم وأسلافهم وبلدانهم النائية عنها - كعلمنا بكون أوائلنا ~~وأسلافنا، فلو كان صحة وقوع العلم بالأخبار موقوفة على قول المعصوم لوجب أن ~~(لا) يعلم الكفار في دار الحرب شيئا (من # PageV03P058 # أخبارهم) ، وهذا أيضا يوجب أن من لم يلق المعصوم منا لا ms406 يعرف صحة وجود ~~البلدان النائية، وكون الأمم السالفة. ويجب عليه أن يقول: إن من لم يلق ~~المعصوم فلا حجة عليه في شيء من أمر الدين. فإن قال: لما جاز على كل واحد ~~من ليس بمعصوم الغلط والكذب، جاز ذلك على جماعتهم في خبرهم. فإن الجواب عن ~~هذا، قد تقدم القول فيه، على من نفى صحة الأخبار رأسا، فأغنى عن إعادته. # PageV03P059 ### | [باب القول في بيان موجب أخبار الآحاد وما في معناه] # باب # القول في بيان موجب أخبار الآحاد وما في معناه، وما يتعلق بها في الأحكام ~~فنقول وبالله التوفيق: إن أخبار الآحاد على ضربين: # أحدهما: يوجب العلم لما تصحبه من الدلالة الموجبة لصحته. # والآخر: لا يوجب العلم بصحة مخبره، وهو على ضربين: # أحدهما: يوجب العلم. # والآخر: لا يوجبه. ثم ما يوجب العلم به على وجوه، منه: ما يقبل فيه خبر ~~الواحد العدل إذا ورد على شرائط نذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومنه: ~~ما يشترط فيه مقدار من العدد، وهو: الشاهدان، ويعتبر فيها عدالة الشاهد. # ومنها: ما يسقط فيه اعتبار العدد والعدالة جميعا، كأخبار المعاملات، يقبل ~~فيها خبر الفاسق، والكافر، والعبد، والصبي، في وجوه منها. ومن أخبار ~~المعاملات ما يشترط فيه أحد وصفي الشهادة: من عدالة، أو عدد، ولا حاجة بنا ~~إلى تبيين وجوهه، إذ ليست من أصول الفقه. # فنقول: إن أخبار الآحاد الموجبة للعلم لما يصحبها من الدلالة الموجبة ~~لصحتها على وجوه، منها: إخبار النبي - عليه السلام - عن صحة نبوته، وعما ~~أوحى الله تعالى إليه، قد # PageV03P063 # شهدت بصحته الشواهد الصادقة، والأعلام المعجزة، التي ليست في مقدور ~~البشر، فأوجبت لنا العلم بصحة إخباره - عليه السلام -، وهذا العلم هو علم ~~اكتساب، واقع من نظر واستدلال، وليس بعلم ضروري. # ألا ترى: أن من لم ينظر ولم يستدل لم يعلم صحة ذلك، ولو كان ذلك علم ~~ضرورة لاستوى السامعون بخبره، في وقوع العلم بمخبره، وقد علمنا أن الكفار ~~الذين كانوا في زمان النبي - عليه السلام - لم يعلموا ذلك، مع سماعهم ~~بخبره، ومشاهدتهم لأعلامه ms407 ومعجزاته. # وكذلك من اتصل به خبر ذلك من طريق التواتر ممن كان شاهده، ولم يعلم صحته ~~من لم يستدل عليه. # ومن أخبار الآحاد الذي نعلم صحته بالاستدلال: من أخبر بشيء بحضرة النبي - ~~عليه السلام -، فصدقه النبي - عليه السلام - فيه، فيكون تصديقه إياه بمنزلة ~~إخباره به، وقد ثبت بالدلائل الواضحة: ما قال النبي - عليه السلام -، فهو ~~حق وصدق. وكذلك خبر مخبر ينزل القرآن بتصديقه، أو يجمع المسلمون على صدقه. # فبذا كله نعلم صحته بالاستدلال، وهي الدلائل الدالة على صدق النبي - عليه ~~السلام -، وعلى أن القرآن من عند الله. وأن إجماع الأمة حق. # ومن هذا القبيل أيضا: أن يخبر مخبر بشيء من الأشياء يحيله على قصة ~~مشهورة، وقد شهدها جماعة كثيرة، فيخبر بذلك بحضرة هذه الجماعة، فيبلغ ذلك ~~الجماعة: فلا تنكره فيدل ذلك من فعل الجماعة على أنهم عالمون بصحة ما أخبر ~~به، إذ غير جائز من مثلهم على ما جرت به العادة، وامتحناه من أحوال الناس: ~~ترك النكير على مثله، إذا لم يعرفوا ذلك من خبره، وهو في هذا الباب يجري ~~مجرى كتمان الأمور العظام، والأعاجيب الحادثة في أنه غير جائز على مثل هذه ~~الجماعة كتمانها، فكذلك ترك النكير غير جائز من مثلهم، فبما وصفنا سواء كان ~~في ذلك نفع لهم أو لم يكن. # ألا ترى: أن رجلا لو قال في محفل عظيم، بحضرة قوم مختلفي الهمم والآراء: ~~إن النبي - عليه السلام - قد كان من معجزاته: أن سارت معه الجبال، وأنه كان ~~يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، كما جعله الله ~~معجزة المسيح، وأنه دعا على قوم فمسخهم الله قردة وخنازير، وأراد بذلك ~~تأكيد نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه يمتنع في العادة على # PageV03P064 # هذه الجماعة التي سمعت ذلك منه، أن تخليه من تكذيبه، وظاهر النكير عليه، ~~كما يمتنع على مثلها خبر لا أصل له، على شيء يخبرون به عن مشاهدة، لأن ~~العلة من وقوع الإخبار منهم بذلك موجودة في الكتمان، واختلاف هممهم ~~ودواعيهم وأسبابهم، ms408 وأن الإخبار بمثله إذا لم يكن له حقيقة لا يكون إلا عن ~~مواطأة وعن سبب يجمعهم، والمواطأة، عن مثلهم إذا كانت ظهرت ولم تنكتم. # كذلك كتمان الأمور العظام والأشياء العجيبة لا يجوز أن تتفق في مجرى ~~العادة، لأن الله قد جعل في طباعهم استثقال كتمان مثلها، وحبب إليهم ~~الإخبار بها، وجعل لهم دواعي من أنفسهم تدعوهم إلى إشاعتها ونشرها، سواء ~~كان لهم في كتمانها ضرر، أو لم يكن، وذلك معلوم من أحوال الناس. # ألا ترى: أن موت الخلفاء وقتلهم وخلفهم ونحو ذلك من أمورهم - لا يجوز على ~~مثل أهل بغداد وقوع الكتمان فيه، حتى يبقى الناس بعد موت خليفة والبيعة ~~لآخر عشرين سنة لا يخبر واحد منهم به، ولا ينقله إلى غيره، وأنه غير جائز ~~في العادة: أن يدخل رجل بغداد فيسأل عن دار الخليفة، أو عن مسجد جامع ~~المدينة، فلا يرشده أحد إليه، حتى يبقى طول دهره بها فلا يجد أحدا يدله على ~~هذه المواضع، وبمثله علمنا بطلان قول الرافضة: إن النبي - عليه السلام - ~~نصب رجلا بعينه للإمامة بعده، ونص عليه. # لأن نصب النبي لإمام بعده، وتعيينه لرجل بعينه - أعظم في الصدور، وأثبت ~~في النفوس من خلع خليفة في زماننا، والبيعة لغيره، لما يتعلق به من الأمور ~~العظام في الدين والدنيا، ولأن عللهم وأسبابهم تمنع اتفاقهم على كتمانه، ~~كما تمنع اتفاقهم على كتمان الرسول في الدنيا، ولو جاز كتمان مثله لجاز ~~لقائل أن يقول: لعله كان في زمان النبي - عليه السلام - نبي آخر بعثه، ~~فكتمت الأمة أمره، ولجاز أن يقول آخر: إن النبي كان غيره فكتمته الأمة، ~~وادعت النبوة لغيره، وفيما دون النص على الإمامة وتعيينها لرجل بعينه لا ~~يجوز الكتمان. فكيف بمثله، لأن الشيء كلما كان أعظم في النفوس، وأجل في ~~الصدور، كان حرص الناس على نقله أشد، وكلفهم بالإخبار به أكثر، فعلم بذلك ~~بطلان قول من ادعى: أنه كان هناك نص من النبي - عليه السلام - على رجل ~~بعينه ولهذه العلة شرط # PageV03P065 # أصحابنا في قبول خبر الآحاد: أن ms409 لا يكون وروده فيما بالناس إليه # حاجة عامة # ، لأن ما كان بهم إليه حاجة عامة فلا بد أن يكون من النبي توقف للكافة ~~عليه، ولو فعل لما جاز وقوع الكتمان منهم في مثله، وترك نقله مع تدينهم ~~بوجوب نقله، وما يرجون من الثواب والقربة إلى الله تعالى بإذاعته ونشره. # فأما ما قلنا: من تصديق النبي - عليه السلام - لمخبر في خبره - فيوجب لنا ~~ذلك علما بصدقه: فنحو ما روي: «أن سعد بن أبي وقاص قال لرجل يوم الجمعة ~~بعدما انصرف: لا جمعة لك. فقال الرجل: يا رسول الله، إن سعدا قال لي: لا ~~جمعة لك. فقال النبي - عليه السلام -: لم يا سعد؟ قال: إنه تكلم وأنت تخطب، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: صدق سعد» . # وروي في غير هذه القصة: «أن رجلا قال لأبي بن كعب والنبي - عليه السلام - ~~يخطب وقرأ آية: متى أنزلت هذه الآية؟ فلم يجبه أبي، فلما فرغ من صلاته، قال ~~له أبي: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذكر الرجل ذلك للنبي - عليه ~~السلام -، فقال: صدق أبي» فلو لم يصدق النبي - عليه السلام - هذين المخبرين ~~بما أخبرا به لكان ظاهر خبرهما يوجب العمل، ولا يوجب العلم بصحة مخبره، ~~فلما صدقهما وقع لسامعه علم اليقين بصدقهما فيما أخبرا به، ونظائر ذلك ~~كثيرة. # وأما نزول القرآن بتصديق مخبر في خبره، نحو ما روي: أن «زيد بن أرقم ذكر ~~للنبي # PageV03P066 # - عليه السلام - في غزاة بني المصطلق أن عبد الله بن أبي ابن سلول قد دفع ~~بين قوم من الأنصار وبعض المهاجرين كلاما، قال: لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، فجاء عبد الله بن أبي وحلف للنبي - عليه السلام ~~-: أنه ما قاله، فأنزل الله تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] فقال النبي - عليه السلام - لزيد بن أرقم ~~بعد نزول هذه الآية: إن الله صدقك» أو نحو هذا من القول. # وأما: إخبار من أخبر بخبر يحيله على قصة مشهورة بحضرة جماعات كثيرة فيبلغ ms410 ~~ذلك الجماعة فلا تنكره، أو يذكره لحضرتها فلا تكره، فيوجب ذلك العلم بصدق ~~المخبر: فنحو ما روي عن الصحابة في كثير من معجزات النبي - عليه السلام -، ~~وسيره، وسننه وأحكامه، مما لا يشك في أن الرواية به كانت شائعة مستفيضة، ~~يحيلونها على مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحضرة الجماعات ~~العظيمة، فلم ينكره ولم يرده، فيكون ذلك بمنزلة رواية الجماعة لذلك الإخبار ~~به، إذ غير جائز في العادة على الجماعة تسليم مثله، وترك النكير على قائله، ~~إذا لم يكونوا عالمين بحقيقته، على نحو ما بينا فيما تقدم. # وكما لا يجوز منها: الإخبار بالكذب، كذلك لا يجوز منها: الإقرار عليه، مع ~~العلم بأنه كذب، لأن العادة التي منعت وقوع الإخبار منها بشيء لا أصل له - ~~هي المانعة من إقرارها من يدعي مشاهدة أمر لا يفقهونه على دعواه وخبره، ~~والعلم الواقع في هذا الوجه اكتساب ليس بضرورة، لأنه مبني على ما ذكرنا من ~~الاستدلال بما وصفنا. # وأما: ما ذكرنا من خبر الواحد إذا ساعده الإجماع كان ذلك دليلا على صحته، ~~وموجبا للعلم بمخبره - فإنه نحو ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ~~«لا وصية لوارث» إنما روي من طريق الآحاد، واتفق الفقهاء على العمل به، فدل ~~على صحة مخرجه # PageV03P067 # واستقامته. ونحوه حديث ابن مسعود في المتبايعين إذا اختلفا، «إن القول ~~قول البائع، أو يترادان» ونحوه: حديث عبد الرحمن بن عوف في «أخذ الجزية من ~~المجوس» وحديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في «إعطاء الجدة السدس» . # قد اتفق السلف والخلف على استعمال هذه الأخبار حين سمعوها، فدل ذلك من ~~أمرها على صحة مخرجها وسلامتها، وإن كان قد خالف فيها قوم، فإنهم عندنا ~~شذوذ، لا يعتد بهم في الإجماع. # وإنما قلنا: إن ما كان هذا سبيله من الأخبار - فإنه يوجب العلم بصحة ~~مخبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قبول خبر من هذا وصفه من ~~غير تثبت فيه ولا معارضة بالأصول، أو بخبر مثله، مع علمنا بمذاهبهم في ~~التثبت ms411 في قبول الأخبار، والنظر فيها، وعرضها على الأصول - دلنا ذلك من ~~أمرهم: على أنهم لم يصيروا إلى حكمه إلا من حيث ثبتت عندهم صحته واستقامته، ~~فأوجب ذلك لنا العلم بصحته. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون مساعدة الاتفاق لحكم الخبر الذي وصفتم ~~دليلا # PageV03P068 # على صحته، وأنه مع ذلك جائز أن يكون الراوي له غالطا، ويكون حكمه مع ذلك ~~ثابتا من طريق الإجماع لا من طريق الخبر. # قيل له: لا يجب ذلك، من قبل أنه معلوم في عامة الأخبار التي وصفها ما ~~ذكرنا، أن فقهاء السلف ومن بعدهم: إنما صاروا إلى حكمها حين سمعوا وبلغهم ~~أمرها، وأنهم كانوا يحتجون بها، ويجيزون عن أنفسهم أنهم سلموا لها ~~واتبعوها، فقول القائل: إنهم أجمعوا من غير جهة الخبر الذي وصفنا أمره، مع ~~ما اتصل بنا من تسليمهم، فحكمه خطأ، خطأ لا معنى له. # قال أبو بكر - رحمه الله -: فهذه جملة كافية إن شاء الله في بيان أخبار ~~الآحاد الموجبة للعلم بما يصحبها من الدلائل. # وقد قلنا قبل ذلك: إن أخبار الآحاد على ضربين: # أحدهما: يتعلق به الأحكام. # والآخر: لا يتعلق به الأحكام. وأن ما يتعلق به الحكم منها على ضربين: # أحدهما: يوجب العلم والعمل. # والآخر: يوجب العمل دون العلم. # وقد بينا ما يوجب العلم منها. # فأما الذي يوجب العمل دون العلم فعلى ثلاثة أقسام: # فقسم منها: الشهادات. # والقسم الآخر: أخبار الديانات الواردة في الأمور الخاصة، على الأوصاف ~~التي نذكرها. # والقسم الثالث: أخبار المعاملات. # فأما الشهادات فعلى ثلاثة منازل: # أحدها: الشهادات على ما تسقطه الشبهة، وهو: الحدود، والقصاص. فلا يقبل ~~منها إلا أربعة رجال في الزنا، ورجلان في سائر الحدود والقصاص، ولا مدخل ~~لشهادة النساء في ذلك. # والثاني: الشهادة على ما لا تسقطه الشبهة من حقوق الناس، وعلى هلال شوال، ~~وذي الحجة - إذا كان بالسماء علة، ولا يقبل في شيء منها إلا رجل وامرأتان. # PageV03P069 # والثالث: الشهادة على الولادة، وعلى ما لا يطلع عليه الرجال من أمور ~~النساء - فيقبل فيها شهادة امرأة واحدة، وهذه الشهادات ms412 وإن اختلفت مراتبها، ~~فإنها متفقة في معنيين. # أحدهما: الأداء بلفظ الشهادة. ولا يقبل: أعلم، وأخبر. # والثاني: ما يقتضيه من صفة الشاهد. وهي: أن (يكون) بالغا، عاقلا، حرا، ~~مسلما، عدلا، غير محدود في قذف، صحيح النظر، طائقا لما يتحمله، نافيا لما ~~يؤذيه، لا تجر شهادته إلى نفسه مغنما، ولا يدفع عنها مغرما. # وأما أخبار المعاملات فهي: نحو خبر الرسول في الهدية، والوكيل في الشراء، ~~والبيع فيما علم قبل ذلك ملكه لغيره، ونحو: قول الآذن لمن استأذن على غيره، ~~فهذه الأخبار وما أشبهها مقبولة من المسلم والكافر، والعبد والصبي، والعدل ~~والفاسق، ما لم يغلب في ظن السامع كذب المخبر، وهي عند أبي حنيفة على ~~قسمين: # منها: ما يقبل فيه قول الواحد على أي صفة كان. # PageV03P070 # ومنها: ما لا يقبل قول المخبر، حتى يكون على أحد وصفي الشهادة في خبره. # فأما الأول: فنحو خبر الوكيل، وسائر ما ذكرنا من خبر الرسول في الهدية، ~~وخبر الأذان ونحوه. # وأما الثاني: فنحو خبر العزل عن الوكالة إذا لم يكن المخبر رسولا، فلا ~~يثبت القول عنده حتى يكون المخبر رجلين، أو رجلا وامرأتين، وإن كانوا غير ~~عدول. أو أن يكون رجلا عدلا، فشرط فيه: أحد وصفي الشهادة، وهو العدد، أو ~~العدالة. # وكذلك قال في المولى إذا أخبر بجناية عبده فأعتقه، فإنه لا يكون مختارا، ~~ولا تلزمه الدية، حتى يكون المخبر به رجلين، أو رجلا وامرأتين لم يكونوا ~~عدولا، أو رجلا عدلا. # والأصل في الشهادات: ما ورد به نص الكتاب على الترتيب المذكور فيها من ~~الأعداد، وما ذكرنا من أوصافها، بعضها مأخوذ من السنة، وبعضها إجماع، ~~وبعضها من جهة دلائل الأصول، ولا حاجة بنا إلى الكلام فيها، إذ ليس لها ~~تعلق بأصول الفقه. # وأما أخبار المعاملات: فالأصل في قبولها قول الله تعالى: {لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] إلى قوله ~~تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} [النور: 28] . فحظر الدخول بدءا، إلا ~~بعد الإذن، ثم أباحه بإذن من كان من الناس، فدل ذلك على ms413 سقوط اعتبار العدد ~~ووصف المخبر فيه. # ومن جهة السنة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة لما سألته ~~عن بريرة: إنها يتصدق عليها فتهديه فقال: هي لها صدقة ولنا هدية» فقبل ~~قولها: في إنها يتصدق عليها، وقد كان ما يتصدق عليها قبل ذلك ملكا لغيرها، ~~فصدقها على انتقاله إليها بالصدقة. # وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «رسول الرجل إلى الرجل إذنه» . # PageV03P071 ### | [باب الكلام في قول أخبار الآحاد في أمور الديانات] # باب # الكلام في قول أخبار الآحاد في أمور الديانات # قال أبو بكر - رحمه الله -: نتكلم بعون الله في تثبيت وجوب العلم ~~بالأخبار التي لا توجب العلم في الأمور الخاصة، واحدا كان المخبر، أو أكثر، ~~ثم نتبعه بالكلام على من أبى إلا قبول خبر الاثنين، ثم نتكلم بعد ذلك في ~~فروع أخبار الآحاد وشروطها، بما يسهل الله تعالى من القول فيها. # قال أبو بكر تغمده الله برحمته ورضوانه: قد احتج عيسى بن أبان - رحمه ~~الله - لذلك بحجج كافية مغنية، وأنا ذاكر جملة، ونتبعها بما يصح أن يكون ~~دليلا فيه إن شاء الله تعالى. # فما احتج به في ذلك في كتاب الله عز وجل قول الله تعالى: {وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] ~~وقوله تعالى: {الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب} [البقرة: 159] . # فنقول: إن دلالة هاتين الآيتين ظاهرة في لزوم قبول الخبر المقصر عن ~~المنزلة الموجبة للعلم، وذلك لأنه أمرهم بالبيان، ونهاهم عن الكتمان، فثبت ~~وقوع البيان منهم للناس إذا أخبروا، فدل وجوب العلم به، لوقوع بيان أحكام ~~الله بخبرهم. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكونوا أمروا بالبيان ليتواتر الخبر وينتشر فيوجب ~~العلم. # قيل له: لما ذمهم على الكتمان وأمرهم بالبيان، دل على أن الأمر قد تناول ~~من لا يتواتر به الخبر، واقتضى ذلك وقوع البيان بخبرهم، لأن من جاز عليهم ~~الكتمان في خبرهم جاز وقوع التواطؤ (فلا يوجب خبرهم العلم) # PageV03P075 # فإن قيل: لا دلالة ms414 منه على وجوب العمل، وإنما أكثر ما فيه الأمر ~~بالإخبار. فما الدلالة منه على العمل به؟ قيل له: لما كان قوله تعالى: ~~{لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187] إخبارا منه بوقوع بيان حكمه ~~إذا أخبروا - دل على لزوم العمل، ووجوب التزام حكمه، لولا ذلك لم يكن ما ~~أمروا بالإخبار بيانا لهم فيما تعبدوا به من أحكام الله تعالى، وأقل أحوال ~~ما يوصف بوقوع البيان به، لزوم العمل به، إذا لم يوجب العلم. # ومن الدليل على ذلك أيضا: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: ~~122] والفرقة اسم لجماعة، وأقل الجماعة ثلاثة، ثم جعل الطائفتين الفرقة، ~~وهي بعضها، فدل على لزوم العمل بخبر من دون الثلاثة. # وأيضا: فإن الطائفة قد يجوز أن تتناول الواحد، يدل عليه قوله تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] وقد يتناول ~~اثنين منهم. # ألا ترى إلى قوله تعالى {فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] . # وكذلك قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] قد ~~قيل: إن أقلها واحد، فكيف ما تصرفت الحال فالطائفة اسم قد يتناول من لا ~~يتواتر به الخبر، وقد تضمنت الآية إيجاب قبول خبرها. # فإن قال قائل: إنما أمر الطوائف بالإنذار ليتواتر بهم الخبر، فيقع العلم ~~بخبرهم، ولا دلالة فيه على لزوم العمل بقول طائفة منهم إذا أخبرت. # قيل له: لا يخلو قوله تعالى: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} [التوبة: ~~122] أن يكون المراد به رجوع الطوائف ودورانها على كل قوم على حيالهم، أو ~~رجوع كل طائفة إلى قومها دون قوم طائفة أخرى غيرها. فلما امتنع أن يقال ~~للقوم الذين لم تنفر الطائفة منهم: إنها رجعت إليهم، لأنه لا يقال لمن لم ~~يكن في قوم: إنه رجع إليهم، وإنما يقال ذلك لمن خرج منهم ثم عاد إليهم. صح ~~أن # PageV03P076 # المراد رجوع كل طائفة أفردت من قوم رجوعها إليهم دون غيرهم، ثم لما أوجب ~~الإنذار على كل طائفة لقومها وأوجب عليهم الحذر بخبرها ms415 دل ذلك على لزومهم ~~قبول خبرها وإنذارها. # وأيضا: فلو كان المراد اجتماع الطوائف للتفقه في الدين، ثم دوران جميعها ~~في القبائل على فرقة، لكان دلالة الآية قائمة على صحة ما ذكرنا، من قبل ~~أنهم إذا جاءوا مجتمعين جاز عليهم التواطؤ، وإذا جاز ذلك عليهم امتنع وقوع ~~العلم بخبرهم. # وأيضا: فلو كان ذلك مشروطا في الآية لظهر العمل بها في عصر النبي - عليه ~~السلام -، لأن النبي - عليه السلام - كان لا محالة يأمرهم بذلك، لتقوم ~~الحجة على الخلق بهم، فلما لم يأمرهم النبي - عليه السلام - بالاجتماع ~~للتفقه، ثم الدوران على القبائل للإنذار والإبلاغ عنه، بل كان يقتصر لكل ~~قوم على ما تنقله إليهم الطائفة النافرة منهم، والوافد الوارد من قبلهم. دل ~~ذلك: على أن الحجة كانت تقوم عليهم في إبلاغهم أحكام الشريعة، بما تنقله ~~إليهم تلك الطائفة. # فإن قيل: ما أنكرت أن تكون كل واحدة من الطوائف إنما أمرت بإنذار قومها ~~وإبلاغها ما سمعته من النبي - عليه السلام -، لينتشر الخبر عنها، ويستفيض، ~~فلا يكون في أمر كل طائفة بالإنذار دلالة على لزوم قبول خبرها، كما أمر كل ~~واحد من الشاهدين بإقامة الشهادة على حياله، ولا دلالة فيه على جواز شهادة ~~كل واحد منهم وحده. # قيل له: ظاهر الأمر بالإنذار يقتضي تعلق الحكم به وحده، حتى تقوم الدلالة ~~على وقوفه على معنى آخر غيره. # ألا ترى: أن أمر الله تعالى نبيه - عليه السلام - بالإنذار قد اقتضى لزوم ~~قبول خبره، دون معنى آخر ينضاف إليه. # ألا ترى: أن قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ~~وقوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وقوله تعالى: {ولا يأب ~~الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] وقوله تعالى: {وأقيموا الشهادة لله} ~~[الطلاق: 2] # PageV03P077 # وقوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: ~~283] فكان الاقتصار على الأمر بالشهادة وبإقامة الشهادة موجبين - لقبولها ~~ولزوم الحكم بها، وإن لم ينص على وجوب الحكم بها، إذ كان معقولا من ظاهر ~~اللفظ أن (أمرنا بإقامتها) وأدائها - موجب لقبولها، فكذلك أمره تعالى كل ~~طائفة ms416 على حيالها بإنذار قومها قد اقتضى لزوم حكم الإنذار بقولها. # وأيضا: فإن كل أحد ممن سمع من النبي - عليه السلام - حكما فهو مأمور ~~بإبلاغه بظاهر الآية، سواء كان منفردا بسماعه، أو مشاركا لغيره فيه، فدل ~~ذلك على: أن الحكم قد تعلق لزومه بخبره، وأما الشاهد فإنه إن لم يكن هناك ~~شاهد غيره، فليس عليه إقامة الشهادة، فدل ذلك: على أن من حكم الخبر تعلق ~~قوله بإخبار المخبر به وحده، وأن من حكم الشهادة تعلق صحتها به وبغيره. # وأيضا: لما قال تعالى: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ~~[التوبة: 122] ومعناه لكي يحذروا، فأوجب عليهم الحذر من مخالفتهم ما سمعوه، ~~كما قال {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] دل ذلك على لزوم العمل ~~به. # فإن قيل: ليس في إيجابه الحذر بإنذار طائفة دلالة على لزوم قبول خبرها، ~~لأن الحذر ليس من الحكم الذي تضمنه خبر الطائفة في شيء، وقد يجب على ~~الإنسان الحذر في سائر أحواله، من تقصير يقع منه في حقوق الله تعالى. # قيل له: إنما المعنى في ذلك - والله أعلم - لكي يحذروا من مخالفة ما ~~أنذرت الطائفة به كقوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] . فإنما أمرهم بالحذر من العقوبة في ~~مخالفتهم ما أخبرت به الطائفة، ولو كان المراد ما ذكره السائل - لما كان ~~الإنذار قد ألزمه شيئا، إذ كان الحذر من الوجه الذي ذكره واجبا قبل إنذار ~~الطائفة وبعده # PageV03P078 # فإن قيل: المعنى لكي يحذروا، فلا يأمنوا أن يكون الإنذار صحيحا، فألزمه ~~بذلك البحث عنه، حتى يعلمه من طريق التواتر إن كان صحيحا، فيصير حينئذ إلى ~~موجب حكمه. # قيل له: إن لم يكن إنذار الطائفة قد ألزمه حكما فوجوده وعدمه سواء، إذ لا ~~فرق بينه قبل إنذارها وبعده، ويكون حينئذ بمنزلة: احذر واطلب الآثار ~~والسنن، لتعرف المتواتر فيها من غيره، من غير أن يكون روي له من النبي - ~~عليه السلام - شيء. # وهذا يوجب إسقاط فائدة الإنذار، وإيجاب الحذر به، وما أدى ms417 إلى إسقاط ~~فائدة الإنذار فهو ساقط، وفائدة الآية ثابتة. # ومن الناس من يحتج لقبول خبر الواحد بقوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} [الجاثية: 21] . # وقوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} [السجدة: 18] ~~وقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [القلم: 35] ونحوه من الآي ~~الموجبة للتفرقة بين حكم العدل والفاسق. # فمنهم: من يحتج بمجردها في لزوم خبر العدل لأمر الله إيانا بالتفرقة ~~بينهما، وقد ثبت خبر الفاسق غير مقبول، فوجب قبول خبر العدل، لتحصل ~~التفرقة. # ومنهم: من يضم إليها قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] فتوكد قبول خبر العدل بمجموع الآيتين، وأوجب ~~التثبت في خبر الفاسق في الآية الأخرى، دل بذلك على لزوم قبول خبر العدل، ~~وترك التثبت فيه، وهذا الضرب من الحجاج غير معتمد عندنا، لأن الآيات التي ~~فيها إيجاب التفرقة بين العدل والفاسق لا يصح الاحتجاج خاصة موجودة بعد ~~ورود هذه الآيات وقبلها في وجوه كثيرة. فالمعقول من معنى هذه الآيات: إيجاب ~~التفرقة من وجه دون وجه، ثم ليس يخلو من أن تكون الوجوه التي أوجب بها ~~التفرقة معلومة عند المخاطبين، فيكون الحكم مقصورا # PageV03P079 # عليهما دون غيرها، ويكون في معنى المجمل. كأنه قال: أو خبر التفرقة ~~بينهما في بعض الوجوه، فكل بعض أشرنا إليه قبل ورود البيان فيه فجائز أن ~~يكون مما لم يفرق به بينهما، فالاحتجاج بمثله فيما وصفنا ساقط لا معنى له. # ومنهم من يحتج بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] ~~فلما أمر بالتثبت في خبر الفاسق دل على أنه لا يجب التثبت في خبر العدل، ~~فوجب قبوله من جهة أن المخصوص بالذكر يدل عندهم على أن ما عداه فحكمه ~~بخلافه، وهذا الضرب من الحجاج لا يجوز الاشتغال به، وقد بينا فساده. # واحتج بعضهم لقبول خبر الواحد بقوله تعالى: {استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24] قال: فقد اقتضت الآية إجابة رسول الله - ~~صلى الله ms418 عليه وسلم - إذا دعاه وهو واحد. # فقال أبو بكر وهذا ليس بشيء من وجوه: # أحدها: أن الذي يقتضيه ظاهر مشافهة النبي - عليه السلام - إياه ليس هو ~~دعاء النبي - عليه السلام - في الحقيقة، كما أن قوله ليس هو قول النبي - ~~عليه السلام -، فلا يدخل في الآية من عدا النبي - عليه السلام - إلا ~~بدلالة. # فإن قيل: لما جاز في المتعارف أن يقال: دعاني فلان، وإنما أرسل إليه ~~برسول تناول لفظ الآية، دعا النبي - عليه السلام - إياهم شفاها، وبإرساله ~~من أرسل إليهم. # قيل له: قد علمنا أن دعاء النبي - عليه السلام - إياهم شفاها مراد ~~بالآية، وهو حقيقة اللفظ، وما ذكرته فإنما هو مجاز، فلا يجوز دخوله في ~~اللفظ من وجهين: # أحدهما: أن المجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه. # والثاني: أن اللفظ متى حصل على الحقيقة انتفى دخول المجاز فيه. # وأيضا: فإن لخصمه أن يقول: ثبت أن الواحد إذا جاء فذكر أنه (مدعو من) ~~رسول الله، أنه قد حصل هناك دعاء من النبي - عليه السلام -، إذ ليس يثبت ~~عندي أنه دعاء من الرسول، دون أن ينقله من يوجب خبره العلم، فيسقط الاحتجاج ~~به، بدلالة تحتاج أن تثبت أنه قد حصل هناك دعاء من النبي - عليه السلام - # PageV03P080 # وذكر بعضهم: أنه احتج لخبر الواحد بقوله تعالى: {ويقولون هو أذن قل أذن ~~خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] قال والآذن هو الذي يقبل ~~ما يقال له، فمدحه الله على ذلك، فدل على قبول خبر الواحد في أمر الدين. # قال: والدليل على أنه أراد قوله في أمر الدين وما يتعلق به، أنه قال: ~~{يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] . # قال أبو بكر: وليس فيما حكينا عنهم شيء أوهى من هذا، وذلك لأنه لا يخلو ~~من أن يكون المراد به كان من قبل أخبار الديانات من غيره، أو أخبار ~~المعاملات، أو الشهادات، في إثبات الحقوق. ومعلوم أن النبي - عليه السلام - ~~لم يكن يأخذ شيئا من أحكام الدين عن أحد من الناس، بل كان على الناس كلهم ms419 ~~اتباعه، والأخذ عنه، فبطل هذا القسم. # وليس يجوز أيضا: أن يكون المراد قبول الشهادات في إثبات الحقوق، لأن ~~الشهادات موقوفة على أعداد معلومة، لا يجوز الاقتصار بها على ما دونه من ~~الأعداد المنصوص عليها. # وعلى أنه ليس الخلاف بيننا وبينهم في الشهادات فلا معنى لذكرها هاهنا، ~~فثبت أن المراد أخبار المعاملات ونحوها، والكلام بيننا وبينهم في قبول ~~أخبار الآحاد في إثبات أحكام الشريعة. # فأما قبول أخبار المعاملات فلا خلاف فيه، فإذا لا دلالة في هذه الآية على ~~لزوم قبول خبر الواحد في إثبات أحكام الشريعة. # قال أبو بكر: وأما ما يدل على لزوم خبر الواحد من جهة السنة، فما روي عن ~~النبي - عليه السلام - من الأخبار الموجبة لقبول خبر الواحد في الأحكام من ~~وجوه مختلفة. # فمنها: قوله - عليه السلام - «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها ~~إلى من يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه إلى من هو أفقه منه» . # وقوله - عليه السلام - في حجة الإسلام: «ليبلغ الشاهد الغائب» فلعل بعض ~~من تبلغه أوعى له من بعض من سمعه. # وما روي عنه - عليه السلام - أنه «أمر أن ينادى في أيام التشريق: إنها ~~أيام أكل وشرب # PageV03P081 # وبعال» وأنه «أمر بالغداء يوم خيبر، نهى عن لحوم الأهلية» «وأمر بالنداء ~~في بعض أسفاره أن صلوا في رحالكم» . # وأنه «قبل شهادة أعرابي على رؤية الهلال في شهر رمضان» وأخبار كثيرة ~~كنحوها توجب قبول خبر الواحد في أمر الدين، وهذه الأخبار وإن كان ورودها في ~~طريق الآحاد فإنها من الأخبار الشائعة المستفيضة في الأمة، وقد تلقتها ~~واستعملتها في نقل العلم وأدائه إلى من لم يسمعه، وفي قبول نداء المنادي ~~وما يجري مجرى ذلك. # وقد احتج عيسى بن أبان - رحمه الله - بذلك، وروى بعضها مرسلا، ومن الجهال ~~من يتعجب من احتجاجه بذلك ويقول: كيف يحتج على مبطلي خبر الواحد بخبر مرسل. # وقد اختلف قائلو خبر الواحد في قبوله، فكيف يحتج به على من لا يقبل أخبار ~~الآحاد رأسا. # وإنما وجه احتجاجه به: أن أحدا لم يرفعها، ms420 بل جميع الأمة قد استعملتها، ~~وتلقتها بالقبول في لزوم نقل العلم، ودلالتها واضحة على ما ذكرنا، لأنه ~~قال: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» فأخبر: أن الذي يحمله الواحد ~~ويؤديه إلى غيره فقه، وليس يكون فقيها إلا وقد لزم المنقول إليه العمل به. # وكذلك النداء، لو لم يلزم العمل بقول المنادي - وهو واحد - لما كان للأمر ~~به معنى. # وضرب آخر من ذلك: وهو رسل النبي - عليه السلام - إلى ملوك الآفاق، أرسل - ~~عليه السلام - إلى كل ملك منهم رسولا وكتابا، وكان في كتبه إليهم، الدعاء ~~إلى التوحيد، والتصديق بالرسالة، وجمل من الأحكام، ولو لم يكن قد لزمهم ~~قبولها، والعمل بما تضمنته من الحكم لما كان لإرسالهم وكتب الكتب معهم ~~معنى. # فإن قال قائل: التصديق والتوحيد بالرسالة لا يتعلق حكمها بالخبر. قيل له: ~~أما التوحيد فإنما يلزم اعتقاده بالدلائل الموجبة له قبل دعاء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV03P082 # وأما الرسالة: فقد كان الخبر تواتر عنهم بدعاء النبي - عليه السلام - ~~الناس إلى تصديقه، وظهور المعجزات الموجبة لصحة نبوته على يده، وقد كان ~~عليهم النظر في أمره وما يدعو إليه، وفي معجزاته ودلائل نبوته قبل بعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الرسل، للأحكام التي تتضمنها كتبه ورسائله ~~إليهم. # وبعد تقدمه الدعاء إلى التوحيد والتصديق بالرسالة. # ألا ترى أنه قد بين لهم: أنهم إن أجابو فلهم كذا، وإن لم يجيبوا فعليهم ~~كذا، فقد تضمن ذلك أمرا لهم بحمل الشرائع. # وضرب آخر: وهو توجيه النبي - عليه السلام - عماله إلى الآفاق، كتوجيهه ~~لمعاذ وأبي موسى الأشعري إلى اليمن، واستعمال العلاء بن الحضرمي على ~~البحرين، وغيرهم من عمال الصدقات. # وقد كان يتقدم إليهم بجمل الفروض والأحكام، ويأمرهم بتعليمها للناس، ~~وحملهم عليها، وإلزام المبعوث إليهم قبولها، فدل على لزوم العمل بخبر ~~الواحد. # فإن قيل: إن الخبر كان يتواتر عندهم باستعمال العامل عليهم، كما يتواتر ~~الخبر الآن بتولية الخليفة أميرا من الأمراء بعض البلدان. # قيل له: أجل قد كان يتواتر الخبر عندهم بالولاية، إلا أنه لم يكن يتواتر ms421 ~~عندهم الخبر بالأحكام التي يقدم بها إليهم، فأمرهم بأدائها إلى المولى ~~عليهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان كلما بعث عاملا بين لسائر ~~الناس كل حكم أمره بإنفاذه، وكل شريعة أمره بأدائها إليهم، لنقل الناس ذلك ~~إلينا نقلا متواترا، فما كان المنقول إلينا من طريق التواتر: توجيه العمال ~~دون الأحكام التي تقدم إليهم بها، وقد علمنا مع ذلك: أنه كان يتقدم إليهم ~~بأشياء من أحكام الشرع، ويأمرهم بأدائها إلى المبعوثين إليهم، ثبت أن الخبر ~~لم يكن يتواتر عندهم بتلك الأحكام، فدل على أن نقلها إليهم كان من طريق ~~الآحاد. # فإن قال قائل: إنما ألزم المولى عليهم، قبول خبر المولى في الأحكام، لأن ~~النبي - عليه السلام - # PageV03P083 # قد كان علم أنهم لا يؤدون عنه إلا ما كان حقا، وقد كان يعلم المولى عليهم ~~ذلك من أحوال الولاة، يتوارثها أعقابهم، كسائر الفضائل التي خص بها بعض ~~الصحابة، نحو " ما خص جعفر بأن له جناحين في الجنة "، وأن الملائكة غسلت ~~حنظلة "، ونحوها من الأمور. فلما لم ينقل أحد عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن ولاته معصومون لا يقولون إلا الحق، علمنا بطلان هذا القائل. # وضرب آخر: وهو ما لا يشك فيه من وجود الروايات المنقولة عن النبي - عليه ~~السلام - من طريق الآحاد في الأحكام مختلفة، قد علمنا ضرورة: وقوع الحكم من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعضها، وإن لم يقطع على كل واحد منها بعينه ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم به، كما علمنا ضرورة اختلاف ~~الصحابة - رضي الله عنهم - في كثير من أحكام الحوادث، وإن لم يقطع على كل ~~قول منها: أنه قول قائل منهم بعينه، وكما نعلم ضرورة إذا أخبرنا الناس يوم ~~الجمعة وهم منصرفون في طريق الجامع قد صلوا صلاة الجمعة، أن هذه الجماعة قد ~~اشتمل خبرها على صدق، وإن # PageV03P084 # لم يقطع بصحة خبر كل واحد منهم بعينه، إذا قررناه في أنه صلى الجمعة ~~معهم، وإذا كنا قد علمنا باضطرار: أن روايات الأفراد في كثير من ms422 الأحكام قد ~~اشتملت على صدق فيما أخبرت به وروته، ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قد كان يكون منه الحكم في بعض أمور الدين، يخبر به الخاص من الناس الذي لا ~~يوجب نقله العلم بصحة مخبره، ولا يشيعه في سائر الناس، على ما كان يحدث من ~~الحوادث، ويبلى بها خواص من الناس، فيكون معرفة أحكامها موقوفة على من بلي ~~بها، دون كافة الناس. وإن كان ذلك كذلك # فلولا أن خبر ذلك الواحد يوجب العمل بموجب حكمه، لما أخبر النبي - عليه ~~السلام - ذلك الحكم من إشاعته وإظهاره للناس حتى يتواتر الحكم، وغير جائز ~~أن يكلهم إلى اجتهاد رأيهم، مع وجود النص منه في حكم بعينه، فدل على أنه ~~إنما وكلهم إلى العمل بالخبر الذي أودعه الواحد والاثنين، ومن لا يوجب خبره ~~العلم. # ومن جهة الإجماع: أنه لا خلاف في الصدر الأول ومن بعدهم، ومن تابعهم، ~~وأتباعهم، في قبول الأخبار في كثير من أمور الديانات. # والذي نبينه ما روي في الأخبار المتواترة من الصدر الأول، وأخبار الآحاد ~~في ذلك، والعمل بها من غير نكير من أحد منهم على قائلها، ولا رد لها. # وقد أورد عيسى بن أبان من ذلك جملا. # منها: ما روي عن علي - عليه السلام - قال: كنت إذا سمعت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري ~~استحلفته، فإن حلف صدقته، وحدثني أبو بكر: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «ليس من رجل يذنب ثم يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ويستغفر ~~الله، إلا غفر له الله» # PageV03P085 # وقبل أبو بكر شهادة المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، عن النبي - عليه ~~السلام - في «إعطاء الجدة السدس» وعمل به الناس إلى يومنا هذا # " وقبل عمر - رضي الله عنه - خبر عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -، عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في «أخذ الجزية من المجوس» وقبل أيضا خبر ~~الضحاك بن سفيان، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في «توريث ms423 المرأة من دية ~~زوجها» . وقبل خبر حمل بن مالك، والمغيرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في دية الجنين ". # وقبلت الأنصار تحريم الخمر بخبر الواحد. # وقبل أهل مسجد القبلتين حين نسخ القبلة، فاستداروا إلى الكعبة. # وقال عبد الله بن عمر: «كنا لا نرى بالمخابرة بأسا، حتى أخبرنا رافع بن ~~خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، فتركناها» وكانت الصحابة ~~تسأل نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمور، كان الغالب فيها أنهن ~~مخصوصات بعلمها. # وفي نظائر ذلك مما قبلوا من أخبار الآحاد مستفيض ذلك عنهم، وعليه جرى ~~أيضا أمر التابعين ومن بعدهم، إلى أن نشأت فرقة فاجرة، قليلة الفقه، جاهلة ~~بأصول الشريعة، فخالفت دلائل القرآن، وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وإجماع السلف والخلف في ذلك، إلى # PageV03P086 # آرائهم، وعارضوها بنظر لو انفرد عن معارضة ما قدمنا من الدلائل لما ~~أمكنهم به تصحيح مقالتهم. # ومما يدل على إجماع السلف على قبول الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: تفرد كل واحد منهم برواية شيء بعينه، خاصة دون غيره، ودعاء الناس ~~إلى العمل به، ولو كان ذلك مستنكرا لأنكروه على رواتها، ومنعوهم منها، إذ ~~كانوا كما وصفهم الله تعالى في كتابه {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله} [التوبة: 112] . # فإن قال قائل: هذا الذي رويته عن الصحابة في تثبيت إجماعهم على قبول ~~أخبار الآحاد: هو من أخبار الآحاد، فكيف جعلته أصلا في الاحتجاج به على ~~خصمك وهو نفس المسألة التي ننازعك فيها. # قيل له: الجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أن نقل ذلك وظهوره في الأمة وتلقيهم إياه بالقبول أشهر من أن ~~يخفى عن أحد من أهل العلم على قبول خبر الواحد. # والثاني: أنا قد علمنا يقينا كون ذلك ووجوده منهم، وإن لم يمكنا القطع ~~على صحة كل خبر منها بعينه، كما قلنا آنفا في أخبار الآحاد المروية عن ~~النبي - عليه السلام -، (إلا) أنه معلوم باضطرار: أنها قد اشتملت على صدق ~~في بعض مخبراتها، وإن لم نعرفه بعينه. ms424 # ولعلمنا باختلاف الصحابة في حوادث المسائل، وإن لم نقطع في كل مسألة على ~~قول كل واحد منهم بعينه فيها. # وقد استدل عيسى بن أبان على ذلك أيضا: بأنه معلوم أن النساء في عهد النبي # PageV03P087 # - عليه السلام - كانت إذا حدثت لهن حوادث فيما خصهن من أمور النساء: أن ~~الذي كان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك أزواجهن، ومن يقرب ~~منهن، وأنهن كن يقتصرن فيها على أخبار من خبرهن من هؤلاء، ولم يكن النبي - ~~عليه السلام - يكلفهن الحضور لذلك، فدل على لزوم العمل بأخبار الآحاد. # ويدل على ما ذكرناه من جهة النظر: اتفاق أهل العلم على لزوم العمل ~~للمستفتي بما يخبر به المفتي، من حكم الحادثة، وعلى أن على المحكوم عليه ~~التزام حكم الحاكم إذا حكم عليه بحكم، وذكر أنه مذهبه، وقد ضمن ذلك من ~~الأخبار عن اعتقاده، ومذهبه الحكم الذي أمضاه عليه، ومعلوم أنه لو كان ~~اعتقاده بخلاف ما أظهر لما جاز حكمه، وقد قبل الجميع خبره عن اعتقاده، وذلك ~~شيء من أمور الدين، فصار أصلا في قبول خبر الواحد فيما كان من أمر الدين، ~~على الشرائط التي يجب قبوله عليها. # وإذا كان المستفتي يلزمه قبول قول المفتي، ويلزم المحكوم عليه حكم الحاكم ~~إذا أخبرا عن رأيهما واعتقادهما، فإذا أخبر حكم النبي - عليه السلام - فيه، ~~فهو أولى (من قبول) خبرهما. # ألا ترى: أن المفتي إذا قال: إن هذا أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو: كيت وكيت، لزم المستفتي قبوله والعمل به، فكذلك إذا قال ذلك لغير ~~المستفتي لزم السامع حكمه، والعمل به. # فإن قال قائل: لو قال المستفتي للمفتي: إن هذا الحكم في القرآن، لزمه ~~قبول قوله، وأنت لا تثبت القرآن بخبر الواحد، فدل على أن هذا ليس كما ذكرت. # قيل له: لا يثبت القرآن بخبر الواحد، لأن القرآن لا يثبت إلا بخبر يوجب ~~العلم به، وأما الحكم: فإني أثبته، وكلامنا في الحكم لا في غيره. # فإن قال: إنما لزم المستفتي قبول خبر المفتي، لأن العامي لا ms425 سبيل له إلى ~~معرفة # PageV03P088 # الحكم إلا من هذه الجهة، وأما أهل العلم فإنهم متى فقدوا الخبر المتواتر ~~في إثبات الحكم، رجعوا إلى استعمال النظر والاجتهاد. # قيل له: إن القياس الشرعي لا يفضي بنا إلى العلم بحقيقة الحكم، وإنما هو ~~غالب الظن. والأثر مقدم عليه، وإن ورد من طريق الآحاد، لأن المخبر يقول هذا ~~حكم الله تعالى، أيضا ولا يمكن أن يقول مثله في الاجتهاد. # وأيضا: فإن الصحابة إنما كانوا يفزعون إلى القياس واجتهاد الرأي عند عدم ~~الأثر عن الرسول - عليه السلام - في حكم الحادثة، ولم يكونوا يستعملون ~~النظر مع الأثر، وقدمنا الأثر عليه باتفاقهم جميعا عليه. # واحتج من أبى قبول خبر الواحد بقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] وبقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: ~~169] وبقوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] وبقوله ~~تعالى: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] وخبر الواحد لا يوجب ~~العلم، فانتفى قبوله بظاهر هذه الآيات، وقال تعالى: {وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا} [النجم: 28] . # وخبر الواحد عند قائليه موقوف على حسن الظن براويه. # وقد نفى سبحانه وتعالى بهذه الآية الحكم بالظن، فانتفى بها قبول خبر ~~الواحد. # واحتجوا أيضا: أن النبي - عليه السلام - لم يجز قبول خبره في (بدء دعائه) ~~الناس إلى التصديق بثبوته، إلا بعد ظهور المعجزات على يديه، وإقامة الدلائل ~~الموجبة # PageV03P089 # لصدقه، فمن دونه من الناس أحرى أن لا يقبل خبرا إلا بمقارنة الدلائل ~~الدالة على صدقه، وبأن خبر الواحد لو كان مقبولا من قائله بلا دلالة توجب ~~صحته، لكانت منزلة المخبر عن النبي - عليه السلام - أعلى من منزلة النبي، ~~إذ لم يجز قبول خبره إلا بعد إقامة الدلائل الموجبة لصدقه، وجاز قبول خبر ~~غيره بلا دلالة تدل على صدقه. # والجواب وبالله التوفيق: أنه ليس في هذه الآيات ما ينفي قبول خبر الواحد، ~~وذلك: أن الحكم بقبول خبر الواحد عندنا حكم يعلم من حيث أقام الله تعالى ~~لنا الدلائل الموجبة لقبوله، والحكم به، ms426 فغير جائز لأحد أن يقول: إن الحكم ~~بخبر الواحد حكم بغير علم، وإنه قول على الله بغير حق، وليس هذا أيضا حكم ~~بالظن، لأن الدلائل الموجبة للحكم به قد أوقعت لنا العلم بلزوم قبوله، فهو ~~حكم بعلم، كما نقول في الحكم بشهادة الشهود: إنه حكم بعلم، ولا يجوز أن ~~يقال: إنه حكم بغير علم، وإنه اتباع ظن بلا حقيقة، وإن كنا لا نعلم صدق ~~الشهود من كذبهم، إذ كان الله تعالى قد أمرنا بقبولها والحكم بها، كذلك ~~قبول خبر الواحد، وهو قول الله تعالى بما قد علمناه، وحكم بالحق دون الظن. # وأيضا: فإن العلم على وجهين: أحدهما: على الحقيقة. # والآخر: حكم الظاهر وغلبة الظن. # والدليل على ذلك - وأنه يسمى علما: قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} ~~[الممتحنة: 10] ومعلوم أنا لا نحيط علما بما في ضمائرهن، وقد سمى الله ~~تعالى ما ظهر لنا من أمرهن علما، وقال تعالى حاكيا عن إخوة يوسف: {إن ابنك ~~سرق، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين} [يوسف: 81] فسموا ما ~~غلب في ظنونهم من غير إحاطة منهم بغيبه وحقيقته علما، لأنه لم يكن يسرق في ~~الحقيقة، «وقال النبي - عليه السلام - لمعاذ - رضي الله عنه - حين بعثه إلى ~~اليمن أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم، يؤخذ من أغنيائهم، ~~ويرد على فقرائهم» فسمى إخبارهم إعلاما، وإن لم يقع لهم العلم بحقيقة ~~مخبره. # وكالشهود إذا شهدوا بحق، حكمنا بقولهم بظاهر العلم، حسب ما يغلب في ~~ظنوننا من صدقهم، وإذا كان اسم العلم قد يطلق على غلبة الظن وما تقتضيه ~~الحال، وكان خبر # PageV03P090 # الواحد إنما يوجب عندنا العلم الظاهر دون الحقيقة، لم يكن في الآيات التي ~~ذكرها السائل ما ينفي قبوله، إذا كان ما أوجبه ضربا من العلم يجوز أن ~~يقتضيه ظاهر هذه الآيات، ليكون الحكم به حكما لموجبها ومقتضاها، ولو كانت ~~هذه الآية موجبة لما ادعاه السائل - لمنعت قبول قول الرسول في الهدية، ~~ولسقطت أخبار المعاملات كلها، لأنها لا توجب علم الحقيقة. # ومعلوم: أن أكثر ms427 أخبار المعاملات تشتمل على إباحة ما كان محظورا قبل ~~الخبر، وحظر ما كان مباحا. # فلما اتفق المسلمون على قبول أخبار المعاملات في إباحة ما كان محظورا، ~~وحظر ما كان مباحا، مع عدم العلم الحقيقي بصحة مخبرها، بطل بذلك استدلال من ~~استدل بظواهر هذه الآيات على نفي قبول أخبار الآحاد في أمور الديانات، من ~~حيث لم يوجب علما لمخبرها. # وعلى أنه لو استدل مستدل على قبول خبر الواحد بظواهر هذه الآيات، لم ~~يتعدد ذلك، لأن قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] ~~وقوله تعالى: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] ونحو ذلك قد ~~اقتضى الحكم بما يجوز في إطلاق اللفظ، فإنه حكم بعلم، وهو قول الحق، وكان ~~ما يخبر به العدل موجبا لضرب من العلم، أوجب ذلك دخوله في ظاهر الآية، ولزم ~~الحكم به بعمومها. # فإن قال قائل: أخبار الآحاد الواردة في أمور الديانات مخالفة للشهادات، ~~والإقرارات، وأخبار المعاملات، وذلك؛ لأنا إنما كلفنا الشهادة في الإقرار ~~من علم الإقرار والشهادة والقضاء بهما، ولم نكلف علم ما كان به الإقرار، ~~ولا علم ما قامت به الشهادة. # وكذلك قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: 10] إنما كلفنا فيهن ~~علم ظهور ذلك منهن، لا علم المضمن، فهو مخالف لخبر الواحد في الدين، لأنا ~~كلفنا فيه علم المخبر عنه بقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ~~[البقرة: 169] {ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] وقوله تعالى: ~~{وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] # PageV03P091 # قيل: الجواب عن هذا من وجهين: # أحدهما: أنا نقول: إنهما سواء، ولا نكلف في جميع أمور الدين علم الحقيقة، ~~ومنها ما اقتصرنا فيه على غلبة الظن، وما قبلنا فيه أخبار الآحاد - فهو من ~~هذا القبيل، فهما سواء في هذا الوجه، لا فرق بينهما، وقوله تعالى: {ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] {وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون} [البقرة: 169] لا ينفي لما ذكرناه في الفصل الذي قبل هذا، وعلى أنه ~~لو كان الأمر فيه كما ظنه ms428 هذا السائل، لوجب أن نقبل أخبار المعاملات في ~~الهدايا والوكالات ونحوها، وهي ما يتعلق بها أشياء من أمور الدين: من حظر ~~مباح، أو إباحة محظور، فلما كانت أخبار المعاملات مقبولة مع ما يتعلق بها ~~من أمور الدين، علمنا أنا لم نكلف في جميع أمور الدين إصابة علم الحقيقة. # وأيضا: فإن قضية هذا السائل يمنع المستفتي قبول قول المفتي إذا لم يعلم ~~به حقيقة الحكم، وكذلك يلزمه أن لا يقبل حكم الحاكم إذا حكم عليه بشيء ~~مختلف فيه، فأخبر عن اعتقاده ومذهبه فيه، إذ لا سبيل إلى العلم بحقيقة ذلك. # وينبغي أن لا يقبل قول المرأة إذا قالت: قد طهرت من حيضي، أو قد حضت، في ~~إباحة الوطء وحظره، لهذه العلة، فلما كانت أخبار هؤلاء مقبولة مع عدم العلم ~~بحقيقة مخبراتها، علمنا به فساد هذا السؤال. # وأيضا: فإن أخبار الشرع لو كانت مقصورة على ما يوجب حقيقة العلم، لما ساغ ~~الاستدلال والنظر في إثبات أحكام الحوادث، لأن القياس الشرعي يفضي إلى ~~حقيقة العلم، وإنما هو تغليب الظن وأكثر الرأي في أمور الدين. # وأما الوجه الثاني: فهو ما قدمناه: من أن خبر الواحد يوجب ضربا من العلم ~~على النحو الذي بينا، فلا يعترض عليه ما عارض به السائل من الآية التي ~~ذكرها. # وأما قوله: إن خبر النبي - عليه السلام - لما لم يجب قبوله في الابتداء ~~إلا بمقارنة الدلائل # PageV03P092 # الموجبة لتصديقه، فكان غيره بمثابته في امتناع جواز الاقتصار على خبره ~~عاريا من دليل يوجب صدقه. فلا معنى له، لأنه لم يجمع بينهما معنى يقتضي ~~الجمع بينهما. # وأيضا: فإن خبر النبي - عليه السلام - بدء فإنما كان مع دعائه للناس إلى ~~العلم بصدقه وصحة نبوته، وكل من دعا إلى العلم بصحة خبره، وكذلك نقول في ~~(كل ما) كان سبيله وقوع العلم بخبره من الأخبار، فغير جائز الاقتصار به على ~~الخبر مجردا دون مقارنة الدلائل الموجبة لصحته. ثم إذا صحت نبوته بالمعجزات ~~التي أظهرها الله له، صارت تلك الدلائل موجبة لصدق إخباره في جميع ما يخبر ms429 ~~به. # وأما أخبار الآحاد في أحكام الشرع، فإنما الذي يلزمنا بها العمل دون ~~العلم. # فالمستدل بأخبار النبي - عليه السلام - على نفي خبر الواحد معتقد لما ~~وصفنا. # وأيضا: فإن هذا القول منتقض على قائله في الشهادات، وأخبار المعاملات، في ~~الفتيا، وحكم الحاكم، ونحوها، لأن هذه الأخبار مقبولة عند الجميع، مع ~~تفردها من الدلائل الموجبة لصحتها، وأما قوله: إن ذلك يوجب كون المخبر أعلى ~~منزلة من النبي - عليه السلام - فليس كما ظن، لأنه إنما يكون كذلك لو قلنا: ~~إن خبر النبي - عليه السلام - لا يوجب العلم بمجرده، حتى تقارنه دلائل غيره ~~توجب صحته، وخبر غيره يوجب العلم بمجرده، دون مقارنة الدلائل له. # فأما إذا قلنا: إنما يقبل خبر الواحد المخبر غيره عن النبي - عليه السلام ~~- في لزوم العمل به، دون وقوع العلم بصحته، والقطع على عينه. # وقلنا: إن خبر النبي - عليه السلام - لما اقتضى وقوع العلم بصحة خبره، ~~وما دعا إليه، احتاج إلى الدلائل الموجبة لصدقه، فلم نجعل المخبر عن النبي ~~- عليه السلام - أعلى منزلة منه - عليه السلام - في خبره، ولو كان هذا كما ~~ظن السائل للزمه أن يكون المخبر بأخبار المعاملات والشهادات والفتيا والحكم ~~- أعلى منزلة من النبي - عليه السلام -، لقبول خبرهم بلا دلالة تقارنه ~~موجبة لتصديقه، وامتناعه من قبول خبر النبي - عليه السلام -، إلا بعد إقامة ~~الدلائل على صدقه. # PageV03P093 # فصل # قال أبو بكر - رحمه الله -: جميع ما قدمنا من الدلائل الموجبة لقبول خبر ~~الواحد الذي لا دلالة معه موجب العلم بصحة مخبره في أمور الدين، من جهة ~~الكتاب والسنة، واتفاق الأمة، فهو دال: على أنه بين خبر الواحد والاثنين. # وقد ذهب بعض أهل العلم: إلى قبول خبر الاثنين، ورد خبر الواحد. # واحتج فيها بأشياء أنا ذاكرها، ومبين وجه القول فيها، إن شاء الله تعالى. # واعترض أيضا على بعض ما قدمنا من الدلائل الموجبة لقبول أخبار الآحاد، ~~وأنا أذكر موضع اعتراضاته، وأبين عن صحة ما قدمنا في ذلك. # فما اعترض به على استدلال من استدل بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل ms430 فرقة ~~منهم طائفة} [التوبة: 122] . # أن الطائفة اسم لجماعة، وأن الواحد لا يسمى طائفة، وأن الفرقة التي أمر ~~الطائفة بالنفور منها يجب أن تكون أكثر من ثلاثة، كما لو قال: فلو نفر من ~~كل فرقة منهم جماعة، علم أن الفرقة المرادة بهذا القول: أكثر من ثلاثة. # قال أبو بكر - رحمه الله -: أما قوله: إن الطائفة اسم للجماعة، فلا سبيل ~~إلى تثبيته من أدلة، ولا شرع، بل الدلائل من القرآن، وقول السلف ظاهرة: أن ~~الواحد قد يتناول # PageV03P094 # اسم الطائفة، قال الله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ~~[النور: 2] . وروي في التفسير: أن أقله واحد. فقد تأول السلف اسم الطائفة ~~في هذا الموضع على الواحد، ولولا أنها اسم له لما تأولها عليه. وقال تعالى: ~~{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] ثم قال في ~~سياق الخطاب {فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] فدل: أنه قد أراد بالطائفة ~~الواحد. وموجود أيضا: في العرف والعادة: أن اسم الطائفة والبعض والخبر يجري ~~مجرى واحدا. ألا ترى أنه لو قال: لفلان طائفة من هذه الدراهم: أنه يعطيه ما ~~شاء منها، من قليل أو كثير، كما لو قال: له بعضها، أو جزء منها. وإذا كان ~~كذلك، كانت الطائفة بمعنى البعض، فتناول الواحد منها. # وقال في أمر النبي - عليه السلام - الواحد بالأداء عنه: إنه لا دلالة فيه ~~على قبول خبره، لأن الأمر بالأداء لا يختص بالعدول دون الفساق. # وإذا كان الفاسق مأمورا بالأداء ولم يدل ذلك على قبول خبره، والشاهد ~~الواحد مأمور بإقامة شهادته، ولم يدل ذلك على قبول شهادته وحده، كذلك ليس ~~في أمر الواحد والعدل بأداء ما سمع من الحكم - دلالة على قبول خبره وحده، ~~وإن أمر بالأداء لينتشر وليستفيض. # قال أبو بكر: وقد تكلمنا في هذا المعنى فيما سلف. # ونقول أيضا: إن ظاهر الأمر بالأداء والإبلاغ يقتضي قبول خبره، وما يؤديه، ~~كما اقتضى قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ، وقوله ~~تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] قبول شهادتهما، هذا ظاهر ما ~~يقتضيه # PageV03P095 # الأمر بالأداء، ولا يمتنع ms431 مع ذلك قيام الدلالة على وجوب التثبت في خبر ~~بعض المأمورين بالأداء، وهم الفساق، كما أن للشاهدين عليهما إقامة الشهادة، ~~وإن كانا فاسقين، إذا دعيا للشهادة، (وأنه واجب) التثبت في شهادتهما، ولا ~~يقدح وجوب التثبت في شهادة بعض المأمورين بالأداء، في صحة الاستدلال بقوله ~~تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] على قبول شهادة العدلين ~~كما يقول في العموم: إنه يوجب الحكم بما تضمنه لفظه، ثم لا يمتنع قيام ~~الدلالة على تخصيص بعض ما تناوله اللفظ من جملته. # وذكر: أنه ليس توجيه النبي - عليه السلام - العمال على البلدان واستعمال ~~السعاة على الصدقات - دليلا على لزوم العمل بخبر الواحد، لأن الولاية كانت ~~تثبت عندهم بالتواتر. # وأما الأحكام فإنما تثبت بقولهم، لأن قبول حكم الحاكم واجب على رعيته، ~~ولا يصح لأحد منهم الاجتهاد في مخالفة رأيه. # قال أبو بكر - رحمه الله -: لم يفرق أحد بين قبول خبر الواحد إذا رواه عن ~~النبي - عليه السلام -، وبين قبول أخبار الآحاد من غيره، وإذ قد وافق على ~~أن الحاكم إذا قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بكذا، أو ~~أمر بكذا - يوجب العلم بخبره، فغيره من المخبرين بمنزلته. # ومعلوم أن الولاة الذين كان يبعثهم النبي - عليه السلام - لم يكونوا ~~يقتصرون في تعليم رعاياهم على ما يتعلق حكمه بالولاة والحكام، لأن النبي - ~~عليه السلام - كان يتقدم إليهم بدعاء الناس إلى الإسلام، ثم إن أجابوا ~~أمرهم بإقامة الصلاة، وجمل الفروض والعبادات التي يحتاج إليها الكافة، فدل ~~على أن رعايا الولاة لم يلزمها قبول أخبار الولاة من حيث كانوا حكاما عليهم ~~يلزمهم التزام أحكامهم، وإنما لزمها ذلك من حيث أخبرت به الولاة عن النبي - ~~عليه السلام -. # وذكر في شأن مسجد القبلتين وتحريم الخمر: أنه جائز قد كان تقدم عندهم ~~الخبر بذلك من جهات أخرى، غير خبر المخبر الذي حكى إخباره، فلا دلالة فيه ~~على أنهم عملوا لخبر الواحد. # PageV03P096 # وهذا عندنا لا يصح، ولا يحتمل ما روي فيه، لأنه لو كان هناك مخبر آخر وقد ~~أخبرهم بذلك ms432 لنقل، فلما لم ينقل إلا خبر مخبر واحد، وأن الصحابة صارت إلى ~~حكم خبره، علمنا أنه لم يبلغهم ذلك من جهة غيره. # ولو ساغ هذا التأويل لجاز أن يقال: إن النبي - عليه السلام - لم يرجم ~~ماعزا بإقراره، وإنما رجمه بشهادة أربع شهود عليه بالزنا، وإن لم ينقل ~~إلينا، ولجاز أن يقال: إنه لم يرجمه للزنا وحده، ولكن؛ لأنه كان قبل عن ~~ذلك، فلذلك استحق الرجم، ولجاز أن يقال: إنه لم يخبر بريرة للعتق فحسب، لكن ~~لأن زوجها خيرها بعد العتق، وإن لم ينقل ذلك إلينا، ولزوم هذا الاعتبار ~~يؤدي إلى إبطال السنن كلها، لأنه جائز في حكم روي أن النبي - عليه السلام - ~~حكم به لحدوث حادثة - أن يكون وجوبه كان متعلقا بأسباب أخرى لم تنقل إلينا. # وعلى أن القائل بخبر الاثنين لا يصح له الاحتجاج بفعل أبي بكر وعمر ~~وغيرهما، لأنه جائز أن يكون إنما قبل خبر جماعة بتواتر الخبر عندهم، وإن لم ~~ينقل إلينا إلا خبر الاثنين في نحو توريث الجدة السدس. # وذكر: أن راوي خبر تحويل القبلة: عبد الله بن عمر، وكان صغيرا يومئذ، ~~لأنه بلغ عام الخندق، فلم يكن ممن يضبط ذلك. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وهذا لا متعلق له فيه، لأن خبر مسجد قباء قد ~~رواه أيضا أنس بن مالك، وهو مشهور عنه. # وأيضا: فإن كون هذه القصة أشهر في الأمة من أن تحتاج إلى إسناد، حتى قد ~~صار يسمى مسجد القبلتين إلى يومنا هذا، لأنهم صلوا فيه بعض صلاتهم إلى بيت ~~المقدس، وبعضها إلى الكعبة، في صلاة واحدة. # وعلى أن ابن عمر كان صغيرا يومئذ - فإنه لم يكن من الصغر في حد لا يضبط ~~مثله في ذلك، لأن سنه في وقت تحويل القبلة كان أربع عشرة سنة ونحوها، لأن ~~القبلة حولت قبل وقعة بدر بشهرين، وكان سن ابن عمر يومئذ أربع # PageV03P097 # عشرة سنة، لأنه قال: عرضت يوم بدر على النبي - عليه السلام -، ولي أربع ~~عشرة سنة، فلم يجزني، وأجازني يوم أحد، وبي خمس عشرة ms433 سنة. # ومن روى: أن سنه كانت يوم أحد أربع عشرة سنة، ويوم الخندق خمس عشرة فقد ~~غلط، لأن بين أحد والخندق سنتين، وعلى أن ابن عمر قد روى قصة تحويل القبلة ~~بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان عنده: أنها غير مضبوطة لما ~~رواها، ولا قطع بها، وكثير من الصحابة إنما يروي ما يرويه مما سمعه من غيره ~~عن النبي - عليه السلام -، أو منه في حال صغره، هذا ابن عباس في الذروة ~~العليا من العلم والرواية، ويقال: إن ما يرويه عن النبي - عليه السلام - ~~سماعا بضعة عشر حديثا، والباقي سماعا من غيره، ولم يطعن في روايته لما رواه ~~سماعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صغره، بل قد قبله الناس وجعلوه ~~أصولا. # روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة صلاة الليل، وأحكامها، في ~~الليلة التي بات فيها عند ميمونة زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي ~~خالته - ليعرف صلاته بالليل، وكان أصلا يعمل عليه في أحكام صلاة الليل ~~وغيرها، ولم يمتنع أحد من قبوله والعمل به من أجل صغره. # وممن كان صغيرا في حياة النبي - عليه السلام -، وروى عنه الروايات ~~الكثيرة، فلم يفرق أحد بينه وبين روايته، وبين روايات غيره: زيد بن أرقم، ~~ورافع بن خديج، والنعمان بن بشير، وابن الزبير، في آخرين منهم، فلا اعتبار ~~إذا فيما يرويه الصحابي بالسن في وقت القصة التي يحكيها. # وذكر: أن الأنصار يجوز أن يكونوا أراقوا شرابهم حين أخبرهم مخبر بتحريم ~~الخمر، على وجه التنزه والاحتياط، كما كسروا الأواني. # قال أبو بكر: وهذا تأويل لا يجوز حمل أمرهم عليه، لأن ذلك الشراب كان ~~مالا لهم قبل سماع الخبر، فلو لم يكن الخبر قد أوجب عندهم تحريمه لما ~~أسرعوا إلى إتلافه، وإنما كسروا الجرار تأكيدا لأمر التحريم، وللمبالغة في ~~قطع العادة في شربها، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشق روايا ~~الخمر بعد تحريمها، ولم يقتصر على صبها، تأكيدا لأمر تحريمها، وتغليظا # PageV03P098 # عليهم في قطع عاداتهم عنها. # وذكر ms434 في قبول عمر - رضي الله عنه - خبر الضحاك بن سفيان في «توريث المرأة ~~من دية زوجها» : أنه رواية سعيد بن المسيب، وكان صغيرا في عهد عمر. ومع ذلك ~~إن الضحاك ذكر: أن ذلك كان في قصة مشهورة في رجل معروف، فلما لم يظهر من ~~واحد النكير عليه في روايته استدل عمر بذلك على صدقه. # قال أبو بكر: أما كون سعيد بن المسيب صغيرا في عهد عمر فإنه لا يقدح في ~~صحة روايته، على نحو ما بينا في رواية الأحداث من الصحابة، وليس يقول هذا ~~إلا من لا يعرف محل سعيد بن المسيب من العلم والرواية، وقد كان سعيد بن ~~المسيب يسمى راوية عمر، وكان يقال في ذلك العصر: ما أحد أعلم بقضايا عمر من ~~سعيد بن المسيب. وعلى أن عامة الفقهاء متفقون على استعمال هذا الحديث، ~~والمصير إلى حكمه. فدل على صحة مخرجه. # وأما قوله: إن الضحاك حكى لعمر: أن ذلك كان في قصة مشهورة في رجل معروف، ~~فإن الذين كان فيهم هذه القصة لم يكونوا حضروا عند عمر وقت رواية الضحاك ~~لذلك، إنما كانوا في قبائلهم وديارهم، والضحاك إنما ذكر: أن النبي - عليه ~~السلام - كتب إليه بذلك، فكان غائبا عن حضرة النبي - عليه السلام -، فلا ~~معنى إذا لاعتبار شهرة القصة، وترك النكير ممن كانت فيهم على راوي الخبر، ~~إذ لم يثبت أن أهلها الذين كانت القصة فيهم كانوا حضروا عنده وقت روايته. # وذكر في خبر عبد الرحمن بن عوف - رحمه الله - في أخذ الجزية من مجوس هجر: ~~أن عمر لم يقض بخبر عبد الرحمن، لأنه قد كان سمع ذلك من ولاة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالبحرين. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وهذا تظني وحسبان، ولا يجوز القول به، ولا ~~بروايته، ولا نعلم أن أحدا ذكر: أن عمر أخبره عن عبد الرحمن بن عوف بذلك، ~~ولا يجوز إثبات الأخبار إلا برواية، وذكر: أن رجوع زيد بن ثابت إلى قول ابن ~~عباس: إن الحائض تنفر قبل طواف الصدر، حين ms435 سأل أم سلمة فأخبرته عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك: أنه جائز أن يكون سمع من غيرها أيضا، ~~ولأن ابن عباس وأم سلمة قد أخبراه جميعا. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وقد أفسدنا عليه هذا الاعتبار. وهو يرجع عليه ~~أيضا في جميع # PageV03P099 # ما يستدل به على قبول خبر الاثنين مما يرويه عن الصحابة، لأنه يقال له: ~~جائز أن يكونوا جماعة تواتر الخبر عندهم بها، فلذلك حكموا به، فأما قوله: ~~إن ابن عباس قد أخبره مع أم سلمة، فإن ابن عباس لم يروه له عن النبي - عليه ~~السلام -، وإنما أفتى به. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وذكر أخبارا أخر استدل بها مثبتو خبر الواحد ~~بتناولها على نحو من هذا التأويل، وقد تقدم منا القول في إفساده بما فيه ~~كفاية، فأغنى عن إعادته وتكراره. # ثم استدل على قبول خبر الاثنين، ونفي خبر الواحد بقوله تعالى: {إن جاءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] قال: ونزل ذلك في شأن الوليد بن عقبة، حين ~~بعثه النبي - عليه السلام - مصدقا. على أنه عنده ثقة عدل، فجاء وادعى: ~~أنهما أرادوا قتله، فنهى الله تعالى عن قبول قول الوليد. # فإن لم نعلم فسقه وجعله فاسقا بإخباره بالكذب - فوجب أن لا يقبل قول ~~الواحد، وإن كان عدلا منه الظاهر، لأنا لا ندري لعله فسق في إخباره، كما ~~فسق الوليد. # قال أبو بكر: وهذا لا دلالة فيه على ما ذكر، بل فيه الدلالة على قبول خبر ~~الواحد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استعمله على أنه ثقة عنده، ~~فقد جعله بمحل من يقبل خبره وحده. # فالنبي - عليه السلام - قد استعمله في بيان ما يجب عليهم من الصدقات، ~~ومقاديرها، وما يجري مجرى ذلك. ولولا أنه قد كان مقبول القول لما استعمله. ~~ثم لما حكم الله تعالى بفسقه حين أخبر بخبر كذب، أمر بالتثبت في قبول خبره. ~~فكيف يجوز الاستدلال به على نفي قبول خبر العدل؟ # فإن قال قائل: فإنا لا نعلم لعله قد فسق في قوله. # قيل له: فهذه ms436 العلة تمنع قبول خبر الاثنين، لأنا لا ندري لعلهما قد فسقا، ~~وتمنع في # PageV03P100 # قبول الشهادات كلها، وإن كان الشهود عدولا عندنا، يجوز أن يكونوا قد ~~فسقوا، فهذا اعتبار ظاهر البطلان. # واستدل على اعتبار خبر الاثنين: أن الشهادات على الحقوق لا يقبل فيها أقل ~~من الاثنين، وأن الواحد غير مقطوع بشهادته، فكذلك يجب أن يكون حكمه في أمور ~~الديانات، ثم لم يجمع بينهما لعلة توجب قياس الأخبار على الشهادات. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وليست الشهادة أصلا للأخبار، لاتفاق الجميع ~~على قبول أخبار العبيد، والمحدودين في القذف، وخبر النساء وحدهن. # واتفق الجميع أيضا: على أن الشهادات في الأموال غير مقبولة، إلا من ~~الأحرار غير المحدودين في القذف، وأن (شهادة) النساء وحدهن مقبولة في ~~الولادة، ونحوها، فثبت أن الشهادات ليست بأصل للأخبار. # ولو كانت الشهادات أصلا لذلك لوجب أن لا يقبل الخبر في إثبات حد الزنا ~~إلا أربعة، كما لا يقبل على الزنا إلا شهادة أربعة، ولوجب أن لا يقبل خبر ~~النساء، وإن كثرن، مع الرجال في الحدود، كما لا يقبل شهادتهن فيها، فدل على ~~ما وصفنا: أن الأخبار غير معتبرة بالشهادات. # ويلزمه أيضا أن يعتبر في الأخبار، رجلين أو رجلا وامرأتين، فيما يقبل فيه ~~شهادة النساء مع الرجال: أن الشهادات كذلك حكمها في هذا الوجه، ولم يعتبر ~~ذلك أحد في الأخبار، فدل على صحة ما وصفنا. # ويدل أيضا على ذلك: أن الشهادة لا تقبل إلا على المعاينة. والأخبار يقبل ~~فيها: فلان عن فلان، ويعتبر في الشهادات ذكر لفظ الشهادة، ولا يعتبر ذلك في ~~الخبر، والخبر يصح نقله عن السامع وإن لم يأمره بالنقل عنه، والشهادة على ~~الشهادة لا تصح، إلا بتحميل الشاهد إياه، وأمره بالشهادة على شهادته. # واحتج من رد خبر الواحد، وقبل خبر الاثنين، بأخبار لم يثبت شيء منها من ~~الطريق # PageV03P101 # التي يعتبرها قائل هذه المقالة. بل لا يمكنه حتى إثبات خبر يرويه اثنان، ~~عن اثنين، حتى يبلغوه النبي - عليه السلام -. فكيف يصح له الاحتجاج بها في ~~اعتبار خبر الاثنين؟ ms437 # منها: أنه ذكر قصة «ذي اليدين حين قال للنبي - عليه السلام -: أقصرت ~~الصلاة أم نسيت؟ فقال: كل ذلك لم يكن، ثم أقبل على أبي بكر وعمر - رضي الله ~~عنهما -. فقال: أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم» قال: فلما لم يكتف ~~النبي - عليه السلام - بقول ذي اليدين وحده - دل على أن خبره لم يوجب حكما، ~~ولو كان يوجب حكما لما احتاج إلى مسألة غيره في إثبات حكمه. # فيقال له: إن لأخبار الآحاد عندنا شرائط في قبوله. # منها: أن المخبر إذا حكى شيئا ذكر أنه كان يحضره جماعة، ثم لم تعرفه ~~الجماعة كان ذلك عندنا موجبا للتثبت في خبره، وقصة ذي اليدين من هذا ~~القبيل، فامتنع عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخفى ما ذكره على ~~جماعة الحاضرين، وينفرد هو بمعرفته دونهم، فلذلك سأل غيره. # ألا ترى: أن رجلا لو قال للإمام يوم الجمعة: إنك صليت ركعة، لم يعرف ذلك ~~من خلفه مع كثرتهم، أنه لا يلتفت إلى خبره، وكما نقول في رؤية الهلال: إنه ~~لا يقبل قول الواحد فيه إذا لم تكن بالسماء علة، لأنه يمتنع أن لا يحضر ~~جماعات كثيرة لطلب الهلال، فينفرد برؤيته واحد دونهم، مع تساويهم في صحة ~~الإبصار، واتفاق هممهم في الطلب. # وذكر أيضا: أن النبي - عليه السلام - لم يشهد في عهوده والإقطاعات للناس ~~أقل من رجلين، فدل على وجوب اعتبار العدد في الأخبار. # قال أبو بكر - رحمه الله -: أما العهود والإقطاعات: فإن فيها حقوقا لقوم ~~بأعيانهم، كسائر حقوق الآدميين، فاحتاج إلى شهادة رجلين توثقة لهم، وحجة ~~يصلون بها إلى إثباتها بعد وفاة النبي - عليه السلام -، وليس ذلك من أخبار ~~الديانات في شيء. # ألا ترى: أن النبي - عليه السلام - قد كتب كتبا في الأحكام، ولم يشهد ~~فيها أحدا، نحو كتابه لعمرو بن حزم في ضروب من الأحكام، وكتابه إلى أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - في الصدقات، وكتابه إلى الضحاك بن سفيان، وكتابه ~~إلى ملوك الآفاق، وغير ذلك من الكتب، ولم يشهد في شيء منها ms438 شهودا، لأن طريق ~~إثباتها كان للخبر، لا للشهادة # PageV03P102 # وأيضا: فإنه يلزم هذا القائل: أن لا يقبل خبر اثنين، لأنه لم يثبت: أن ~~النبي - عليه السلام - اقتصر في كتب عهوده وإقطاعاته على شهادة رجلين فحسب، ~~بل المستفيض: أنه كان يشهد فيها جماعة أكثر من اثنين، فإذا لم يدل إشهاده ~~على هذه الكتب من اثنين على بطلان خبر الاثنين، كذلك لا يدل على بطلان خبر ~~الواحد. # واستدل على اعتبار خبر الاثنين من فعل الأئمة: بأن أبا بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - حين سأل الناس عن ميراث الجدة، أخبره المغيرة بن شعبة: أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أعطاها السدس. وقال له أبو بكر: ائتني بمن يشهد ~~معك، فشهد معه محمد بن مسلمة، فحكم لها بالسدس، وأن عمر - رضي الله عنه - ~~رد خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان، حتى شهد معه أبو سعيد الخدري، ورد ~~خبر المغيرة بن شعبة في الحبس، حتى شهد معه محمد بن مسلمة ولم يقبل خبر ~~فاطمة ابنة قيس في إسقاط نفقة المبتوتة وسكناها، وقال: " لا ندع كتاب ربنا، ~~وسنة نبينا، بقول امرأة، لا أدري أصدقت، أم كذبت " وهذه العلة موجبة في ~~سائر أخبار الآحاد. # ولم يقبل أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - خبر عثمان في رد الحكم بن أبي ~~العاص إلى المدينة، وطلبا مخبرا آخر معه، وقد كان عثمان ذكر: أن النبي - ~~عليه السلام - وعده أن يرده إلى المدينة. # ولم يقبل علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، خبر أبي سنان الأشجعي # PageV03P103 # في قصة بروع بنت واشق الأشجعية (و) ذكر أخبارا من نحوها، لم يقبلها قوم ~~من الصحابة. # واستدل أيضا: على أنهم إنما ردوها؛ لأنها كانت أخبار آحاد، وأن المخبر ~~بها لو كان اثنين لقبلوها. # وذكر أيضا في هذا المعنى: أن عثمان لم يقبل قول أبي بن كعب في سورتي ~~القنوت، ولا قول ابن مسعود في إسقاط المعوذتين، «وأن عمر بن الخطاب: لم ~~يقبل قراءة هشام بن حكيم # PageV03P104 # حين سمعه يقرأ خلاف قراءته، حتى خاصمه إلى النبي - صلى ms439 الله عليه وسلم - ~~فقال - عليه السلام - لعمر: اقرأ، فقرأ، فقال: هكذا أنزلت، ثم أمر هشاما ~~فقرأ، فقال: هكذا أنزلت» . # قال أبو بكر - رحمه الله -: فأول ما يقال في هذا: إنه لا يمكن من قال ~~بخبر الاثنين إثبات شيء من هذه الأخبار التي ذكرناها بنقل اثنين، حتى يبلغ ~~به أقصاه، فلا يصح له إذا الاحتجاج به في دفع خبر الواحد، واعتبار الاثنين. # فإن قال: وإن لم يكن إثباتها بنقل اثنين عن اثنين، فإنها أخبار مشهورة، ~~فيجوز إثباتها من هذه الجهة. # قيل له: فإذا كانت أخبارا واردة من جهة الآحاد وقد قبلتها الأمة ~~وأثبتتها، فهلا استدللت بذلك: على أنها قد قبلت أخبار الآحاد؟ وأنها لم ~~تعتبر رواية الاثنين؟ ثم نقول مع ذلك: إنه ليس في شيء مما ذكره دلالة على ~~أنهم لم يكونوا يرون قبول أخبار الآحاد، وإنما كأن يكون ما ذكره دلالة على ~~فساد قول من يرى قبول الأخبار كلها، ولا يرى ردها لعلل توجب ردها. # فأما من اعتبر في قبول أخبار الآحاد شرائط متى خرجت عنها لم توجب قبولها، ~~فقوله موافق لقول السلف، وليس في رد السلف لبعض الأخبار ما يوجب خلاف قوله، ~~وكل خبر من ذلك ردوه فهو من القبيل الذي يجب رده للعلل التي يجب بها رد ~~الآحاد، كما ترد شهادة # PageV03P105 # الشاهدين، وإن كانا عدلين، للعلل التي يجب بها رد الأخبار، كما ترد شهادة ~~الشاهدين، وإن كانا عدلين للعلل التي توجب ردها، ولا يدل ذلك: على أن شهادة ~~الشاهدين غير مقبولة عند تعريتهما من العلل الموجبة لردها، ولا يمكن هذا ~~القائل أن يثبت عنهم في ردهم لهذه الأخبار التي ذكروها: أنهم ردوها لأنها ~~أخبار آحاد، دون أن يكونوا ردوها لعلل أخر غيرها، على النحو الذي نقوله. # ثم لو كان ظاهر ما ورد عنهم من ردهم لهذه الأخبار محتملا أن يكونوا ردوها ~~لعلل أوجبت ردها، واحتمل أن يكون؛ لأنها أخبار آحاد سقط احتجاجه بها، إذ ~~ليس هو أسعد بدعواه هذه منا فيما ذكرناه، فيحتاج حينئذ أن يستدل على خصمه ms440 ~~بغيرها، وعلى أن الدلائل ظاهرة: على أنهم لم يردوها لأنها أخبار آحاد، ~~لأنهم قد استفاض عندهم قبول أخبار الآحاد في غير ذلك من الأمور، فدل على ~~صحة ما وصفنا. ونحن نبين مع ذلك وجه كل خبر من هذه الأخبار التي ذكرها. # ويدل على أنها لو تعرت مما روي عنهم في قبول أخبار الآحاد، لما دلت: على ~~أنهم ردوا ما ردوا منها لما ذكره. # فنقول وبالله التوفيق: إن قول أبي بكر - رضي الله عنه - للمغيرة في ميراث ~~الجدة: ائتني بمن يشهد معك، حتى شهد معه محمد بن مسلمة - رضي الله عنه -، ~~فإن عيسى بن أبان - رحمه الله - ذكر: أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يطلب ~~من المغيرة هذا إلا احتياطا، وإلا قد ضعف الخبر عنده. # إما: لعلة لم يعرفها، وإما: أن يكون المغيرة أخبر: أن ذلك كان بحضرة قوم ~~سمعوه معه، أو أن يكون أخبر: بأن ذلك كان في وقت قريب بالمدينة، بحضرة ~~المهاجرين والأنصار، ولم تكن طالت المدة. ولا يمكن في مقدار ذلك أن يكون قد ~~تفرق من حضره وعلمه، فقال أبو بكر: إن تأتني بمن يشهد معك عليه، فلم يبعد، ~~أبو بكر من أن يكون رد خبر المغيرة لعلة أوجبت رده، لو قد زالت لقد كان ~~خبره عنده مقبولا. # وقد روي أن أبا بكر الصديق قضى بقضية بين قوم. # فقال بلال - رحمه الله -: أشهد أنهم اختصموا إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقضى في ذلك بينهم بخلاف ذلك، فردهم أبو بكر ونقض قضاءه، وقضى ~~بينهم بما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فقد قضى أبو بكر بخبر بلال وحده، # PageV03P106 # ونقض به قضاء كان قضى به، فلو لم يكن في خبر المغيرة علة ليس في خبر بلال ~~مثلها لأجراهما مجرى واحدا. # وأما رد عمر لخبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان - فإن وجهه: أن ذلك مما ~~بالناس إلى معرفته حاجة عامة، لعموم البلوى به فاستنكر وروده من طريق ~~الآحاد، وهذا عندنا إحدى العلل التي يرد بها أخبار ms441 الآحاد على نحو ما ذكرنا ~~في رواية الهلال، وخبر من أخبر عن فتنة وقعت في الجامع، أو في عرفات، قتل ~~فيها خلق، فلا يخبر أحد بمثل خبره فنستدل بذلك على بطلانه. # وأما رد عمر لخبر المغيرة في الجد حتى شهد معه محمد (بن) مسلمة، فإنه إن ~~ثبت الخبر على هذا الوجه - كان وجهه بعض ما ذكر في تثبت أبي بكر في خبر ~~المغيرة، في ميراث الجدة. # على (أن) ما روي عن محمد بن مسلمة والمغيرة: أن يأتي بمن يشهد معه في خبر ~~حكم الجنين مضطرب، وإنما يرويه عروة بن الزبير وهو لم يشهد هذه القصة، ولا ~~كان موجودا في ذلك الوقت، والذي يدل على اضطرابه أنه مشهور عن «عمر أنه قال ~~أذكر الله امرأ سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين شيئا، فقام ~~إليه حمل بن مالك فقال: كنت بين جارتين لي فضربت إحداهما بطن الأخرى بمسطح، ~~فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغرة» . فقال ~~عمر: " كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا ". وفي بعض الأخبار لو لم نسمع هذا ~~- لقضينا فيه بغير هذا. فإن كان الصحيح خبر حمل بن مالك وقد قبله عمر وعمل ~~به - فالخبر الذي فيه: أنه سأل المغيرة، من يشهد معه في ذلك غير صحيح، وإن ~~كان خبر المغيرة ومحمد بن مسلمة مقدما لخبر حمل بن مالك، وقد ثبت ذلك عنده، ~~فكيف سأل الناس بعد ذلك عن قضية النبي - عليه السلام - في الخبر، مع تقدم ~~سماعه لحكمه، وثبوته عنده بخبر اثنين؟ فهذا يدل على فساد الخبر الذي ذكر ~~فيه سؤال عن المغيرة من يشهد معه # PageV03P107 # وأما خبر فاطمة بنت قيس فإنما رده عمر، لأنه كان عنده خلاف الكتاب، في ~~إبطاله السكنى، وهو منصوص علينا في الكتاب في قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث ~~سكنتم} [الطلاق: 6] . # فلما كان عنده: أنها قد أوهمت في خبرها في إبطال السكنى، وكانت النفقة ~~بمنزلة السكنى - لم يقبل خبرها، وسوغ الاجتهاد في رده. # وعلى أنه: قد ms442 روي في بعض الأخبار " أن عمر - رضي الله عنه - قال: «بعث ~~النبي - عليه السلام - يقول: لها السكنى والنفقة» رواه حماد بن سلمة عن ~~حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن عمر، فإن صح هذا فإنما رد خبرها لهذه ~~العلة، لا لأنه خبر واحد. # وأما قوله: إن عمر جعل العلة في رد خبرها: أنه لا يدري صدقته أم كذبت. ~~فإنه لم يقتصر في الاعتلال لرده على ذلك، لأنه قال مع ذلك: لا ندع كتاب ~~ربنا، ولا سنة نبينا، لخبر من يجوز الصدق والكذب في خبره، وما ورد به ~~الكتاب فهو حق وصدق، لا يسع الشك فيه. # وكذلك ما سمعه من النبي - عليه السلام -، وكذلك نقول: إن أخبار الآحاد لا ~~يعترض بها على الكتاب، ولا على السنن الثابتة من طريق اليقين، وعلى أن جواز ~~الصدق والكذب على المخبر بانفراده لو كان علة لرده - لوجب رد خبر الاثنين ~~أيضا لهذه العلة، ولوجب رد الشهادات كلها أيضا لذلك. # وأما رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في رد الحكم بن العاص إلى المدينة - فإن ~~عثمان # PageV03P108 # ذكر: أن النبي - عليه السلام - أطمعه في رده، ولم يحك عن النبي - عليه ~~السلام -: أنه أمره برده، ولو كانا هما سمعا النبي - عليه السلام - يطمعه ~~في رده ثم لم يرده - لما جاز لهما أن يرداه، إذا لم يأمرهما بذلك، فليس في ~~هذا تعلق بما ذكره. # وأما رد علي بن أبي طالب لخبر أبي سنان الأشجعي، في قصة بروع بنت واشق ~~الأشجعية فإن قصة بروع قد شهدها جماعة من أشجع، منهم: أبو سنان، وأبو ~~الجراح، وغيرهما، ولم يكن المخبر بها واحدا، فلا تعلق فيه، لموضع الخلاف، ~~وعلى أن عليا لم يرد خبره؛ لأنه واحد، لأنه قال: لا نقبل شهادة الأعراب على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبر: أنه إنما رده، وإن كانوا جماعة - ~~لأنه اتهمهم لكثرة وهمهم، وقلة ضبطهم، لأنهم أعراب، فكان ذلك إحدى العلل ~~التي رد خبرهم لها. # وأما قولهم: إن عثمان لم يقبل من أبي سورتي القنوت، وأن ms443 عمر لم يقبل ~~قراءة الرجل الذي قرأ خلاف قراءته. # فإن من أصلنا: أنا لا نثبت القراءة بخبر الواحد، فلا معنى للاعتراض به ~~فيما وصفنا. # PageV03P109 ### | [باب القول في قبول شرائط أخبار الآحاد] # قال أبو بكر - رحمه الله -: قد ثبت بما قدمنا وجوب العمل بأخبار الآحاد ~~في الجملة بما ذكرنا من الطرق الموجبة للعلم بصحة القول بها، ووجوب العمل ~~بها على حسب ما تقدم من وجوه الحجاج لها، ومع ذلك فإنا متى عينا القول في ~~قبول خبر بعينه من أخبار الآحاد، كان طريق إثباته والعمل بموجبه الاجتهاد، ~~كما نقول في الشهادات: إن ثبوتها في الجملة بنص الكتاب. # ومتى عينا القول في شهادة شهود بأعيانهم، كان طريق إثبات شهادتهم والعمل ~~بها الاجتهاد، وغلبة الظن، لا حقيقة العلم. فمتى غلب على الظن عدالتهم ~~وضبطهم لما تحملوا، وإتقانهم لما أوجب قبولها منهم. ومتى غلب في ظننا غير ~~ذلك من أمرهم وجب ردها، ولم يجز لنا قبولها، وكذلك أخبار الآحاد، يجوز ردها ~~لعلل، إذا كان طريق قبولها من قوم بأعيانهم الاجتهاد وغالب الظن، على جهة ~~حسن الظن بالرواة. # فمن العلل التي يردها أخبار الآحاد عند أصحابنا: ما قاله عيسى بن أبان: ~~ذكر أن خبر الواحد يرد لمعارضة السنة الثابتة إياه. أو أن يتعلق القرآن ~~بخلافه فيما لا يحتمل المعاني. أو يكون من الأمور العامة، فيجيء خبر خاص لا ~~تعرفه العامة. أو يكون شاذا قد رواه الناس، وعملوا بخلافه. # PageV03P113 # قال أبو بكر - رحمه الله تعالى -: إنما ما كانت مخالفته لنص الكتاب (لا) ~~يوجب العلم بمقتضاه. وخبر الواحد لا يوجب العلم. وقد بينا ذلك فيما سلف من ~~القول: من تخصيص القرآن ونسخه بخبر الواحد، من الأخبار المخالفة للكتاب، ~~حديث فاطمة بنت قيس: في إسقاط سكنى المبتوتة ونفقتها، قال الله تعالى ~~{أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] ونحوه ما روي «إن الميت يعذب ~~ببكاء أهله عليه» ظاهره مخالف لقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] وما روي: أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - " رأى ربه " يرده ~~قوله ms444 تعالى {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] وحديث المصراة. يرده آية ~~الربا، وحديث مانع الزكاة: أنها تؤخذ منه وشطر ماله. # وحديث: أخذ الثمرة من أكمامها: أنه يعني يغرمها ومثلها معها، وجلدات ~~نكال. هذه الأخبار تردها آية الربا. # وكذلك معارضة السنة الثابتة إياه، علة ترد هذا المعنى بعينه، لأن السنة ~~الثابتة من طريق التواتر توجب العلم، كنص الكتاب. # وأما حكمه فيما تعم البلوى به: فإنما كان علة لرده من توقيف من النبي - ~~عليه السلام - الكافة على حكمه، فيما كان فيه إيجاب أو حظر نعلمه، بأنهم لا ~~يصلون إلى علمه إلا بتوقيفه، وإذا أشاعه في الكافة ورد نقله بحسب استفاضته ~~فيهم. فإذا لم نجده كذلك # PageV03P114 # علمنا: أنه لا يخلو من أن يكون منسوخا، أو غير صحيح في الأصل، ولا يجوز ~~فيما كان هذا وصفه: أن يختص بنقله الأفراد دون الجماعة، كما قلنا في أهل ~~مصر إذا طلبوا الهلال، ولا علة بالسماء: إنه غير جائز قبول أخبار الآحاد في ~~رؤيته، لأنه لو كان ما أخبر به (صحيحا) لما جاز أن يختص هو برؤيته دون ~~الكافة. ولو كان بالسماء علة، وجاء من خارج المصر قبل خبره. # وكذلك لو أخبر مخبر عن فتنة وقعت في الجامع تفانى فيها الخلق، لم يجز ~~قبول خبره دون نقل الكافة. # وكذلك لو قال رجل للإمام يوم الجمعة بعدما سلم: إنما صليت ركعة واحدة، ~~ولم يخبره غيره بذلك، مع كثرة المصلين خلفه، لم يجز له أن يلتفت إلى خبره، ~~ولو كان رجل صلى بآخر فلما سلما، قال له: سهوت: وإنما صليت ركعة، كان يجب ~~عليه قبول خبره، إذا لم يتيقن: أنه قد أتم صلاته. # ومما ورد خاصا مما سبيله أن تعرفه الكافة: ما روى أبو هريرة عن النبي - ~~عليه السلام -: أنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» . # فهذا الخبر إن حمل على ظاهره اقتضى بطلان الطهارة إلا مع وجود التسمية ~~عليها، ولو كان ذلك من حكمها - تعرفه الكافة، كما عرفت سائر فروضها، لعموم ~~الحاجة في الجميع على وجه واحد. ms445 # وكما روي عن النبي - عليه السلام -: أنه قال «من غسل ميتا فليغتسل، ومن ~~حمله فليتوضأ» . ونحو الوضوء من مس الذكر، ومن مس المرأة، والوضوء مما مسته ~~النار، وما روي في الجهر: ببسم الله الرحمن الرحيم. فلو كانت هذه الأمور ~~ثابتة لنقلها الكافة. # ومثله: حديث رفع اليدين في الركوع، لو كان ثابتا لنقل نقلا متواترا. # ومما يدل على صحة هذا الاعتبار: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يقتصر على خبر ذي اليدين في قوله: «أقصرت الصلاة أم نسيت حتى سأل أبا بكر ~~وعمر - رضي الله عنهما -، فقال لهما: أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم» ، ~~لأنه يمتنع في العادة أن يختص هو بعلم ذلك من بين الجماعة، كما قلنا فيمن ~~قال للإمام يوم الجمعة بعدما سلم: سهوت، وإنما صليت ركعة واحدة، فلا يلتفت ~~إلى قوله، إذا لم يعرفه مع جماعة غيره. # فإن قال قائل: الحيض مما تعم بلوى النساء به، ولم يرد النقل مستفيضا ~~بمقداره. # قيل له: قد ورد النقل المستفيض: بأنها تدع الصلاة أيام أقرائها، وأقل ما ~~يتناول ذلك # PageV03P115 # ثلاثة، وأكثره عشرة، وعلى أن المتعارف منه ست، أو سبع، كما «قال - عليه ~~السلام - لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستا أو سبعا، كما تحيض النساء ~~في كل شهر» وهذا المعتاد منه قد ورد ثبوته وكونه حيضا بالنقل المتواتر، ~~واتفقت الأمة: على أن مثله يكون حيضا، وكذلك الثلاثة، والعشرة، متفق على: ~~أنها حيض، فما زاد على ذلك أو نقص فخارج عن العادة، فجائز أن لا يرد النقل ~~بنفيه أو إيجابه من جهة الاستفاضة. # فإن قيل: قد اختلف في التلبية عن النبي - عليه السلام - بعد الوقوف بعرفة ~~مع كثرة الجمع هناك. قيل لم يختلف فيه، ولم يرو أحد: أنه لم يلب بعد ~~الوقوف، وروى جماعة: «أنه كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة» ، وفعل التلبية هي ~~في هذه الحال ليس بواجب، وإنما هو فضيلة وقربة، وليس على النبي - عليه ~~السلام - توقيف الأمة عليه، لأنه كان جائزا له تركها رأسا، فلما لم ms446 يرد ~~فعلها بعد الوقوف، من جهة نقل الكافة؛ لأنه لم يكن بد منها في تلك الحال، ~~وإنما كان يلبي في الوقت بعد الوقت، فلم يكن يسمعها إلا من قرب منه: مثل ~~الفضل بن عباس، فإنه كان رديفه، ومثل ابن مسعود، فإنه كان يقرب منه. # ومن المخالفين من يعترض على هذا الأصل بقولنا في وجوب الوتر، ووجوب ~~المضمضة والاستنشاق في الجنابة، ووجوب تحريمة الصلاة، ونحوها، مع عموم ~~البلوى بها، وليس هذا مما ذكرنا في شيء، لأن هذه الأشياء مما قد ورد به ~~النقل المتواتر عن النبي - عليه السلام -، ولم يختلف الناس: في أن النبي - ~~عليه السلام - قد فعله، وإنما اختلفوا في وجوبه، ولسنا ننكر أن مذهب بعض عن ~~جهة الوجوب فيما قد صح نقله مصروفة إلى الندب بتأويل، وإنما كان كلامنا في ~~نقل ما عمت الحاجة إليه من هذه الأمور. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن لا اعتبار بما ذكرت من وجوب استفاضة النقل ~~فيما عمت الحاجة إليه، لأنه جائز للنبي - عليه السلام -: أن يخص أهل العلم ~~والإتقان بإعلام ما عمت به البلوى، حتى يؤديه إلى الكافة قيل له في هذا ~~جوابان: # أحدهما: إنا لو سلمنا لك ما ذكرت كان مؤديا لما ذكرنا، لأنه إذا أودع ذلك ~~عامة أهل الفقه والدراية من أصحابه، فإنما يودعهم إياه لينقلوه إلى الكافة، ~~وإلى من بعدهم، وتنقله الكافة أيضا عملا، فيتصل للنقلة ويستفيض، فقضيتنا ~~بما وصفنا من وجوب ورود النقل المتواتر صحيحة فيما كان وصفه ما ذكرنا. # والجواب الثاني: أن النبي - عليه السلام - لما كان مبعوثا إلى الكافة وقد ~~علم أن حاجة # PageV03P116 # العامي إلى معرفة الحكم كحاجة غيره، فلا بد من أن يكون منه توقيف الجماعة ~~على الحكم، على الوجه الذي وصفنا. # ألا ترى: أنه لم يكن يختص بتعليم الصلاة والزكاة والصيام وغسل الجنابة - ~~الخاصة دون الكافة. فكذلك سائر ما عمت فيه البلوى، ودعت الحاجة إليه، ~~سبيله: أن يكون نقله من طريق التواتر والاستفاضة. # وأما ما روي من الأخبار، وعمل الناس بخلافه: فنحو ما روي ms447 عن النبي - عليه ~~السلام - «كأن يقنت في المغرب وفي سائر الصلوات» . واتفق أهل العلم على ~~خلافه، فهو حديث سلمة بن المحبق «عن النبي - عليه السلام - فيمن وقع على ~~جارية امرأته: أنها إن طاوعته فهي له، وعليه مثلها، وإن كان استكرهها فهي ~~حرة وعليه مثلها» . # وكذلك حديث مانع الصدقة، وآخذ الثمرة من أكمامها، قد اتفق الناس على ~~العمل بخلافها، قال عيسى بن أبان: ورد أخبار الآحاد لعلل عليه عمل الناس، ~~وهو مذهب الأئمة من الصحابة، ومن بعدهم، وذكر أخبارا ردها السلف للعلل التي ~~قدمنا ذكرها، فمنها: " رد عمر لحديث أبي موسى في الاستئذان ثلاثا " لأنه ~~مما تعم به البلوى، وهو في كتاب الله تعالى قال الله تعالى: {لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] فاستنكر عمر ~~انفراد أبي موسى بمعرفة تحديد الثلاث دون الكافة، مع عموم الحاجة إليه، ~~فأوعده حتى حضر مجلس الأنصار، فذكر ذلك لهم فعرفوه، وقالوا: " لا يقوم معك ~~إلا أصغرنا ". # فقام أبو سعيد الخدري وأخبره بذلك، ألا ترى: أنه لو لم يوجد عبد الرحمن ~~بن عوف، ولا حمل بن مالك، وغيرهما ممن كان يرى الخبر الخاص بل كان يقبله ~~منهم، ويعمل به إذا لم يكن فيه علة يرد من أجلها. # فإن قال قائل: فقد قبل عمر خبر أبي سعيد حين شهد لأبي موسى، ومعلوم أن ~~خبر الاثنين والواحد سواء في عموم وقوع العلم به، وشرطك في مثله ألا يقبل ~~إلا الخبر المتواتر. # قيل له: إن عمر لم يقتصر على خبر أبي سعيد، لأن أبا سعيد أخبره عن نفسه، ~~وعن # PageV03P117 # الأنصار بذلك، فصدق أبا سعيد على الأنصار في معرفتهم لصحة ما رواه أبو ~~موسى، فصار كأن الأنصار شهدوا مع أبي سعيد عنده، فصار ذلك من أخبار ~~الاستفاضة والتواتر، فلذلك عمل به وقبله ورد عمر وعبد الله بن مسعود " حديث ~~عمار في التيمم للجنب " وكانت العلة التي من أجلها رده عمر: أن عمارا ذكر ~~أن عمر كان معه شاهدا لتلك القصة، ولم يذكر ذلك عمر، فاتهم ms448 وهم عمار فيه، ~~مع عدالته وفضله عنده، ولم يرد خبره، لأنه اتهمه في الرواية، لكن خاف منه ~~الغلط، والوهم فيها. # ومثله رد عمر (لقول أنس) في أمانه الهرمزان، حتى شهد معه غيره، لأنه حكي ~~عنه: أنه أمنه، وكان في ذلك المجلس جماعة غيره، ولم يكن عمر ذاكرا له، ~~فاستنكر أن يحفظه هو دون جماعتهم. فلما شهد معه غيره أمضى أمانه. # ورد عمر وابن مسعود " حديث فاطمة بنت قيس في إسقاط سكنى المبتوتة ونفقتها ~~" لمخالفة الكتاب. (وقد رد) ابن عباس، وعائشة، ظاهر رواية من روى «أن الميت ~~ليعذب # PageV03P118 # ببكاء أهله عليه» وعارضوه بقول الله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164] وردت عائشة حديث ابن عمر «عن النبي - عليه السلام - في أهل ~~قليب بدر، وأنه قال: إنهم ليسمعون ما أقول لهم» وعارضه بقوله تعالى {إنك لا ~~تسمع الموتى} [النمل: 80] وقالت: إنما قال: «إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت ~~أقول لهم حق» . وقالت عائشة - رضي الله عنها - " من زعم أن محمدا رأى ربه ~~فقد كفر " قال الله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] ، وأنكر ابن ~~عباس حديث أبي هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي - عليه السلام - في ~~«الوضوء مما مست النار» وقال: (إنا نتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار) ، ~~ولأنه لو كان ثابتا لنقلته الكافة، لعموم الحاجة إليه. # ومشت عائشة في خف واحد وقالت: " لأحدثن أبا هريرة في روايته عن النبي - ~~عليه السلام - «إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في نعل واحدة حتى يصلح ~~الأخرى» . # قال عيسى - رحمه الله -: وهذا مذهب التابعين ومن بعدهم في قبول أخبار ~~الآحاد وردها بالعلل. قال إبراهيم: كان عبد الله إذا ذكر لهم حديث أبي ~~هريرة: أن النبي - عليه السلام - قال «إذا قام أحدكم من الليل فلا يدخل يده ~~في الإناء حتى يغسلها ثلاثا» يقولون: كيف # PageV03P119 # يصنع بالمهراس بالمدينة. # وقال قيس الأشجعي لأبي هريرة حين روى هذا الحديث " فكيف يصنع بمهراسكم ~~هذا؟ قال: فقال: أعوذ بالله من شرك " وروى إنسان للقاسم بن محمد: «أن رسول ~~الله - صلى الله ms449 عليه وسلم - نهى عن لبس الأحمرين: الذهب، والمعصفر» فقال ~~القاسم بن محمد: " كذبوا والله، لقد رأيت عائشة - رضي الله عنها -: تلبس ~~خواتيم الذهب، وتلبس المعصفر ". # وقال سالم بن عبد الله: أكثر ابن خديج على نفسه، والله ليكرنها كراء ~~الإبل، يعني في روايته أن النبي - عليه السلام - «نهى عن كراء الأرض» وقال ~~مغيرة: ذكر لإبراهيم # PageV03P120 # ما رووا في أم سليم وفي قصة ابن أخي ابن أبي القعيس في رضاع الرجل فلم ~~يرهما شيئا. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ذكر عيسى هذه الأخبار وأخبارا أخر غيرها ~~معها، واستدل بها: على أن من مذهب السلف: رد أخبار الآحاد بالعلل. # وهذا استدلال صحيح على ما ذكر، لأنه قد ثبت به إجماعهم على اعتبار ذلك، ~~كما أثبت بإجماعهم لما قبلوه من الأخبار، في لزوم العمل بها والمصير إليها. ~~فمن حيث كان إجماعهم على قبول أخبار الآحاد بمثل الروايات التي يثبت بمثلها ~~ردهم لها للعلل التي ذكرنا، حجة في لزوم قبولها إذا عريت من العلل الموجبة ~~لردها، وجب أن يكون إجماعهم فيما ردوا منها - حجة في ردها، للعلل التي ~~وصفنا. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ومما يرد به أخبار الآحاد من العلل أن ينافي ~~موجبات أحكام العقول، لأن العقول حجة لله تعالى. وغير جائز انقلاب ما دلت ~~عليه وأوجبته. وكل # PageV03P121 # خبر يضاده حجة للعقل فهو فاسد غير مقبول. وحجة العقل ثابتة صحيحة، إلا أن ~~يكون الخبر محتملا لوجه لا يخالف به أحكام العقول، فيكون محمولا على ذلك ~~الوجه. # قال أبو بكر - رحمه الله -: قد حكيت جملة ما ذكره عيسى في هذا المعنى، ~~وهو عندي مذهب أصحابنا، وعليه تدل أصولهم، وإنما قصد عيسى - رحمه الله - ~~فيما ذكره إلى بيان حكم الأخبار الواردة في الحظر، أو الإيجاب، أو في ~~الإباحة، ما قد ثبت حظره بالأصول التي ذكرها، أو حظر ما ثبت إباحته، مما ~~كان هذا وصفه، فحكمه جار على المنهاج الذي ذكرناه في القبول، أو الرد. # وأما الأخبار الواردة في تبقية الشيء على إباحة الأصل، أو نفي حكم ms450 لم يكن ~~واجبا في الأصل، أو في استحباب فعل، أو تفضيل بعض القرب على بعض، فإن هذا ~~عندنا خارج عن الاعتبار الذي قدمنا، وذلك لأنه ليس على النبي - عليه السلام ~~- بيان كل شيء مباح، ولا توقيف الناس عليه بنص يذكره، بل جائز له ترك الناس ~~فيه على ما كان عليه حال الشيء من الإباحة قبل ورود الشرع. # وكذلك ليس عليه تبيين منازل القرب ومراتبها بعد إقامة الدلالة لنا على ~~كونها قربا، كما أنه ليس عليه أن يبين لنا مقادير ثواب الأعمال، فلذلك جاز ~~ورود خبر خاص فيما كان هذا وصفه، وتوقيفه بعض الناس عليه دون جماعتهم، حسب ~~ما يتفق من سؤال السائل عنه، أو وجود سبب يوجب ذكره، فيعرفه خواص من الناس، ~~وينقلوه دون كافتهم. # ومن نحو ما قلنا في ورود خبر خاص فيما تركوا فيه على الأصل: حديث نفي ~~الوضوء من كل ما لا يوجب حدوثه الوضوء، من نحو خروج اللبن، والدمع، والعرق، ~~من بدن الإنسان. # وأما الوضوء من مس الذكر فلو كان ثابتا، لكان من النبي - عليه السلام - ~~توقيف الكافة عليه، لعلمه بأنهم كانوا متفقين في الأصل على نفي الوضوء منه. ~~فإذا أحدث لهم هذا الحكم وجب إعلامهم إياه، لئلا يقدموا على الصلاة بغير ~~وضوء، كما وقف على الوضوء من البول والغائط. # وكذلك خبر «ترك الوضوء مما مست النار» . وليس يجب أن يكون من جهة العامة ~~للعلة التي وصفنا. وإيجاب الوضوء من هذه الأشياء حكمه أن يرد بالنقل ~~المتواتر لما بينا. ومن نظائر ما ذكرناه في الأمور المستحبة، وتفضيل ~~الأعمال بعضها على بعض مما لا # PageV03P122 # تعلق فيه، بحظر ولا إيجاب: ما يروى عن النبي - عليه السلام - في " المشي ~~خلف الجنازة وأمامها " وفي (المغلس بصلاة الفجر والإسفار بها) وفي " عدد ~~تكبير العيدين، ومقدار تكبير التشريق " وفي " فعل الصلوات المفروضات، تارة ~~في أوائل أوقاتها، وتارة في أواخرها " وفي " إدامة التلبية إلى أن يرى جمرة ~~العقبة " وفي " مسح بعض الرأس في حال، وكله في أخرى ". # فهذه كلها قرب ونوافل. والخلاف بين ms451 الفقهاء إنما هو في أيها أفضل، فليس ~~على النبي - عليه السلام - توقيف الجميع على الأفضل، وإن كان فعله مستفيضا ~~في الكافة، وليس يمنع أن يكون النبي - عليه السلام - قد فعل هذا تارة، وهذا ~~تارة، على وجه التخيير، وليعلمهم جواز الجميع، وإن كان بعضها أفضل من بعض، ~~فعلى هذه المعاني التي ذكرنا: يجب اعتبار أخبار الآحاد، في قبولها وردها. # PageV03P123 ### | [باب القول في اعتبار أحوال أخبار الآحاد] # قال عيسى بن أبان - رحمه الله -: ويقبل من حديث أبي هريرة ما لم يتم وهمه ~~فيه، لأنه كان عدلا. # وقال أيضا في موضع آخر: ويقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم ~~يخالف نظائره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شيء من ذلك قبله الصحابة ~~والتابعون، ولم يردوه. وقال: ولم ينزل حديث أبي هريرة منزلة حديث غيره من ~~المعروفين بحمل الحديث والحفظ، لكثرة ما نكر الناس من حديثه، وشكهم في ~~أشياء من روايته. # قال إبراهيم النخعي: " كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون ". # وقال: " كانوا لا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان في ذكر الجنة ~~والنار ". ولم يقبل ابن عباس روايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~«الوضوء مما مست النار» وعارضه بالقياس لأنه قال: يا أبا هريرة " إنا نتوضأ ~~بالحميم، وقد أغلي على النار، وإنا ندهن بالدهن وقد # PageV03P127 # أغلي على النار. فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا جاءك الحديث عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلا تضرب له الأمثال ". # وقال عيسى - رضي الله عنه -: فإن قيل: إن ابن عباس كان عنده عن النبي - ~~عليه السلام - خلاف رواية أبي هريرة. # قيل له: لو كان كذلك لقال: سمعت النبي - عليه السلام -، ولسأله عن ~~التاريخ ليعلم الناسخ، ولما لجأ في رده إلى القياس. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وقد روى ابن عباس عن «النبي - عليه السلام - ~~أنه أكل لحما وصلى ولم يتوضأ» إلا أن احتجاج عيسى - رحمه الله - برد ابن ~~عباس خبره بالقياس الصحيح، لأن خبره عنده لو كان مقبولا ms452 مع مخالفته للقياس ~~- لوجب أن يكون اللحم مبينا من جملة ما مست النار: في أن لا وضوء فيه، ~~ويكون حديث أبي هريرة مستعملا عنده فيما عدا اللحم، فلما رد جملة الحديث ~~لمخالفته لقياس ما يثبت عنده من نفي الوضوء من اللحم ومن الحميم، ثبت: أنه ~~كان من أصل ابن عباس: رد خبر أبي هريرة بالقياس. # " وكانت عائشة تمشي في الخف الواحد وتقول: لأحدثن أبا هريرة ". وقالت ~~لابن أخيها: " لا تعجب من هذا وكثرة حديثه. إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يحدث حديثا لو عده العاد أحصاه ". # PageV03P128 # وقد أنكر عليه ابن عمر - رضي الله عنه -، وجماعة غير هؤلاء من الصحابة - ~~كثرة روايته، ولم يأخذوا بكثير منها، حتى يسألوا غيره، فإذا أخبرهم به غيره ~~عملوا به. # وقالت عائشة فيما روى أبو هريرة عن النبي في أنه قال: «ولد الزنا شر ~~الثلاثة» : " لم ينتظر بأمه أن تضع ". # قال أبو بكر - رحمه الله -: جعل عيسى - رحمه الله - ما ظهر من مقابلة ~~السلف لحديث أبي هريرة بقياس الأصول، وتثبيتهم فيه، علة لجواز مقابلة ~~رواياته بالقياس. فما وافق القياس منها قبله، وما خالفه لم يقبله، إلا أن ~~يكون خبرا قد قبله الصحابة فيتبعون فيه، ولم يجعل حديث أبي هريرة في ذلك ~~كحديث غيره من الصحابة، لأنه لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غيره ~~مقابلته بالقياس، مثل ما ظهر منهم في حديثه، فجعل ذلك أحد الوجوه الموجبة ~~للتثبت في خبره، وعرضه على النظائر من الأصول، فإن لم ترده النظائر من ~~الأصول قبله، وإن كانت نظائره من الأصول بخلافه - عمل على النظائر، ولم ~~يعمل بالخبر، كما اعتبر ابن عباس في روايته في الوضوء مما مست النار بما ~~ذكر من النظائر، وكما فعلت عائشة في مشيها في خف واحد. # والأصل في ذلك: أن خبر الواحد مقبول على جهة الاجتهاد، وحسن الظن ~~بالراوي، كالشهادات، فمتى كثر غلط الراوي، وظهر من السلف التثبت في روايته، ~~كان ذلك مسوغا للاجتهاد في مقابلته بالقياس، وشواهد الأصول. # PageV03P129 # وحكى بعض من ms453 لا يرجع إلى دين، ولا مروءة، ولا يخشى من البهت والكذب: أن ~~عيسى بن أبان - رحمه الله - طعن في أبي هريرة - رضي الله عنه -، وأنه روى ~~عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - أنه قال: " سمعت النبي - عليه السلام ~~- يقول: إنه يخرج من أمتي ثلاثون دجالا، وأنا أشهد: أن أبا هريرة منهم وهذا ~~كذب منه على عيسى - رحمه الله -، ما قاله عيسى، ولا رواه، ولا نعلم أحدا ~~روى ذلك عن علي في أبي هريرة وإنما أردنا بما ذكرنا: أن نبين عن كذب هذا ~~القائل، وبهته، وقلة دينه. # بل الذي ذكر عيسى في كتابه المشهور: هو ما قدمنا ذكره، مع تقديمه القول ~~في مواضع من كتبه بأنه عدل، مقبول القول والرواية، غير متهم بالتقول على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن الوهم والغلط لكل بني آدم منه ~~نصيب، فمن أظهر من السلف تثبتا في رواية تثبتنا فيها، واعتبرناها بما ~~وصفنا. # فإن قيل، قد روي عن أبي هريرة أنه قال: " يزعمون: أن أبا هريرة يكثر ~~الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني كنت امرأ مسكينا، أصحب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطني، وكانت الأنصار يشغلهم ~~القيام على أموالهم، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وإني شهدت من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسا وهو يتكلم، فقال: «من يبسط رداءه ~~حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، ولا ينسى شيئا سمعه مني، فبسطت بردة كانت ~~علي، حتى قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته، فقبضتها، فما نسيت شيئا ~~بعده» سمعته منه. # وكان أبو هريرة قد حفظ ما سمعه، وقد شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بذلك، فلذلك كانت روايته أكثر من روايات غيره. # قيل له: أما قوله: إنهم يزعمون: أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فإنه يدل: على أنهم قد كانوا أنكروا كثرة روايته # PageV03P130 # وأما حفظه لما كان سمعه حتى لا ينسى منه شيئا، فإنه لو كان كذلك لكانت ms454 ~~هذه فضيلة له قد اختص بها، وفاز بحظها من سائر الصحابة، ولو كانت هذه ~~لعرفوا ذلك له، واشتهر عندهم أمره، حتى كان لا يخفى على أحد منهم منزلته، ~~ولرجعت الصحابة إليه في روايته، ولقدموها على روايات غيره، لامتناع جواز ~~النسيان عليه، وجوازه على غيره، ولكان هذا التشريف والتفضيل الذي اختص به ~~متوارثا في أعقابه، كما " خص جعفر بأن له جناحين في الجنة " وخص " حنظلة ~~بأن الملائكة غسلته ". # فلما وجدنا أمره عند الصحابة بضد ذلك، لأنهم أنكروا كثرة روايته: علمنا: ~~أن ما روى: في أنه لا ينسى شيئا سمعه - غلط. وكيف يكون كذلك وقد روي عنه ~~حديث رواه عن النبي - عليه السلام - وهو قوله فيما أخبر «لا عدوى ولا طيرة» ~~ثم روى «لا يوردن ممرض على مصح» . # فقيل له: قد رويت لنا عن النبي - عليه السلام - قبل ذلك «لا عدوى ولا ~~طيرة» . فقال: ما رويته. # ولا يشك أهل المعرفة: أن ذلك مما قد نسيه أبو هريرة، لأن الروايتين جميعا ~~صحيحتان عنه، وعلى أنه لو صح الحديث الذي فيه: أنه بسط رداءه، ثم لم ينس ~~شيئا، كان محمولا على ما سمعه في ذلك المجلس خاصة، دون غيره، والذي لا يشك ~~فيه أحد من أهل العلم: أن أبا هريرة ليس في رتبة عبد الله بن مسعود: في ~~الفقه، والدراية، والإتقان، وقرب المحل من النبي - عليه السلام - # PageV03P131 # وقد قال عمرو بن ميمون: " جالست عبد الله بن مسعود فما سمعته يروي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، إلا مرة واحدة، فإنه قال سمعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم اعتراه السهو والعرق ثم قال: أو نحو هذا، ~~أو قريبا من هذا، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان مثله ~~في محله من العلم: يتهيب الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن ~~لا يدانيه ولا يقاربه في الضبط والإتقان أولى بذلك. # ولا يخفى على ذي معرفة: أن رواية أبي هريرة ليست مثل رواية ابن مسعود: في ~~التثبت، والإتقان، وسكون ms455 النفس إليها. # وقد روي عن عمر: أنه قال لأبي هريرة لما بلغه أنه يروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أشياء لا تعرف: " لئن لم تكف عن هذا لألحقك بجبال دوس ~~". # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول للجيش يوجه به (أقلوا ~~الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شريككم) . # وقد كان جماعة من كبراء الصحابة كعثمان وطلحة والزبير وسعد وأمثالهم، # PageV03P132 # يتوقون كثرة الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوفا من الزلل ~~والغلط. وكان أنس إذا حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث قال ~~عند انقضائه: " أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". وكان زيد ~~بن أرقم إذا سئل أن يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتنع من ~~ذلك، وقال: " كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~شديد ". وسمع الزبير رجلا يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~فرغ منه حلف الزبير بالله: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال ~~ذلك. ثم قال الزبير: " هذا وأشباهه يمنعنا من الحديث عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ". وذكر الزبير: أنه حضر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يحدث بذلك من قول أهل الكتاب، فلم يفهم الرجل عنه، وظن أنه من قول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " كنا نحفظ الحديث - والحديث يحفظ عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأما إذا ركبتم الصعب والذلول فهيهات ". # وقال بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد: " اتقوا الحديث عن # PageV03P133 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوالله إن كنا لنجالس أبا هريرة فيقول: ~~سمعت أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - يقول، ثم يقول " أخبر كعب، ثم ~~نفترق من ذلك المجلس فنسمعهم يذكرون حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~كعب، وحديث كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " فهذا الذي ذكرنا يدل: ~~على أن كبراء ms456 الصحابة قد أشفقوا على حديث النبي - عليه السلام -، من أن ~~يدخله خلل أو وهم، أو أن يلحقوا به ما ليس منه. # فلذلك أمروا بالإقلال من الرواية، إلا لذوي الضبط والإتقان منهم، وإذا ~~كان السهو والغلط جائزا على الرواة، ثم ظهر من السلف إنكار كثرة الرواية ~~على بعضهم، كان ذلك سببا لاستعمال الرأي والاجتهاد فيما يرويه، وعرضه على ~~الأصول والنظائر. # قال عيسى بن أبان - رحمه الله -: فإن كان الذي روى ذلك عنه مجهولا، أو شك ~~الناس في خبره، واتهموا وهمه، نظر فيه بالاجتهاد، ورد منه ما كان يخالف ~~نظائره من السنة والتأويل، وجاز الاجتهاد في قبوله ورده. # قال: وكل من حمل عنه الثقات الحديث: من أعرابي وغيره، ممن سمع حديثا ~~فرواه، ولم يعرف نشره، وليس من أهل العلم المعروفين بالثقة فيه، والحفظ له، ~~مثل: معقل بن سنان ووابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق: حديثهم عندنا مقبول، ~~لحمل الثقات عنهم. # وللعلماء أن ينظروا في أخبارهم، فيردوا منها ما أنكروا بالتأويل، ~~والقياس، والاجتهاد، ولم يشق على من اجتهد، فرد بعضه، وقبل بعضا، فقبل منه ~~ما لم يرده نظائره من الأصول، ورد منه ما كذبته نظائره، بكون أخبار هؤلاء ~~عندنا كأخبار المعروفين بالعلم والحفظ، كالشهود، وإن كانوا عدولا، ولا يكون ~~منهم المغفل الذي تقبل شهادته في الواضح، الذي يرى الحاكم: أنه يضبط مثله، ~~ويرده في الأمر المشكل الذي يرى: أنه لا يضبط حفظه، والقيام به، أجاز رد ~~رواية المجهول بقياس الأصول، وسوغ الاجتهاد في قبولها وردها من هذا الوجه. # PageV03P134 # ويحتمل أن يكون مراده المجهول من أهل عصره، أو قبيل عصره، ويحتمل أن يريد ~~به المجهول من الصحابة والتابعين، فإن كان مراده: أن المجهول الذي ذكر أمره ~~من أهل عصره أو قبيل ذلك، فهذا وجهه عندنا: أن القرن الرابع من الأمة قد ~~حكم النبي - عليه السلام - بظهور الكذب منهم، بقوله - عليه السلام - «خير ~~الناس قرني الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب» فجائز أن يكون ~~استعماله للقياس في معارضة خبر المجهول من هذه ms457 الجهة. # وإن كان هذا المجهول من السلف، من صحابي، أو تابعي، فإن عيسى قد ذكر: " ~~أن عليا - عليه السلام - إنما رد خبر معقل بن سنان الأشجعي في قصة بروع بنت ~~واشق " لأنه كان خلاف القياس عنده، وكان سنان غير مشهور بالحفظ والرواية. # ألا ترى أنه قال: لا تقبل شهادات الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. فإنما رد خبره لأنه لم يكن معروفا بتحمل العلم، ونقل الأخبار، ~~وقبله عبد الله بن مسعود وفرح به، لأنه كان عنده موافقا لرأيه، فجعل عيسى - ~~رحمه الله - مذهبهما في ذلك أصلا في جواز رد رواية المجهولين من الرواة، ~~لمخالفتها القياس، ونزل رواية المجهول منزلة أخبار من شك الناس في خبره، " ~~واتهم حفظه " على نحو ما ذكرنا من إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة ~~الرواية، ومعارضتها بالقياس. # قال أبو بكر - رحمه الله -، وتحصيل ما روينا عنه وجملته: أنه نزل أخبار ~~الآحاد على منازل ثلاث: # أحدها: ما يرويه عدل معروف بحمل العلم، والضبط، والاتفاق من غير ظهور ~~ينكر # PageV03P135 # من السلف عليه في رواية، فيكون مقبولا، إلا أن يجيء معارضا للأصول التي ~~هي: الكتاب، والسنة الثابتة، والاتفاق. ولا يرد بقياس الأصول. # والثاني: ما يرويه من لا يعرف ضبطه وإتقانه، وليس بمشهور بحمل العلم، إلا ~~أن الثقات قد حملوا عنه، فيكون حملهم عنه تعديلا منهم له، فخبره مقبول، ما ~~لم يرده قياس الأصول، ويسوغ به رده، وقبوله بالاجتهاد. نحو ما ذكر عيسى من ~~حديث: وابصة، وابن سنان، وسلمة بن المحبق، ونظرائهم، وذلك لأن حملهم العلم ~~عنه وإن كان تعديلا منهم إياه، إذ لم يجز أن يظن بهم: أنهم نقلوا عن غير ~~عدل، فليس في تعديلهم إياه ما يوجب وقوع الحكم منهم بضبطه وإتقانه. # وهذان الأمران مما يحتاج إليهما في صحة النقل: أعني العدالة، والضبط لما ~~نقل، فإذا لم يثبت عندنا ضبط الراوي لما رواه، ولم يثبت عدالته - جاز لنا ~~النظر والاجتهاد في (قبول روايته) وردها. # والثالث ما: يرويه رجل معروف وقد شك السلف في روايته، واتهموا غلطه، ms458 ~~فروايته مقبولة، ما لم تعارضه الأصول التي قدمنا، ولم يعارضه القياس أيضا، ~~فإنه إذا عارضه القياس ساغ الاجتهاد في رده بقياس الأصول، فعلى هذه المعاني ~~يدور هذا الباب. # PageV03P136 # والأصل فيه ما قدمنا من (أن) خبر الواحد ما لم يوجب العلم بصحة مخبره - ~~كان كالشهادة، فمتى عرض فيه شيء من الأسباب التي وصفنا ساغ الاجتهاد في ~~ردها وقبولها. # ويدل على اعتبار أحوال الرجال: ما حدثنا عن يوسف بن يعقوب، حدثنا إبراهيم ~~بن بشار، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: أخبرني أبو الشعثاء جابر بن ~~زيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: «تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ميمونة - رضي الله عنها -، وهو محرم» قال عمرو فقلت لجابر: إن ابن شهاب ~~أخبرني عن يزيد بن الأصم، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج وهو ~~حلال» ، فقال لي جابر: إن زيدا خاله ابن عباس، فهو أعلم بها، فقلت وهي خالة ~~يزيد بن الأصم، فقال لي: وأين تجعل يزيد بن الأصم؟ أعرابيا يبول على عقبيه، ~~إلى ابن عباس " فاعتبر حال هذا الرجل في الضبط والإتقان. # وقال عيسى أيضا، روى رجل من الثقات المعروفين خبرا، وروى ضده من قد حمل # PageV03P137 # عنه الثقات، وليس بمعروف الضبط والحفظ. جاز قبول رواية غير المعروف ~~بالحفظ اجتهادا، كالشهادة على الحقوق. # قال أبو بكر - رحمه الله -: لم يذكر هاهنا جهالة الرجل، وإنما ذكر: أنه ~~غير معروف بالحفظ، والآخر معروف بالحفظ، فأجراه مجرى ما قدمنا من اعتبار ~~الاجتهاد فيه. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ولا بد من اعتبار عدالة الناقل، وضبط ما ~~يتحمله وإتقانه، لما يؤديه. # كما يعتبر أوصاف الشهادة في هذا المعنى، وذلك فيمن شاهدناه، وأما من تقدم ~~ممن لم نشاهده، فإن نقل العلماء عنهم من غير طعن منهم فيهم تعديل لهم، وليس ~~نقلهم عن المجهول - وإن كان تعديلا له - حكما منهم بإتقانه وضبطه، فكان ~~أمره محمولا على الاجتهاد، في قبول رواية أو ردها. # والذكر والأنثى، والحر والعبد، والبصير والأعمى، في ذلك سواء، لأن ~~الصحابة لم تفرق في ms459 قبولها أخبار الآحاد بين شيء من ذلك، بل كانوا يسألون ~~نساء النبي - عليه السلام - عن الأحكام التي تخصهن، هل عندهن عن النبي - ~~عليه السلام - منها شيء؟ فقبلوا ما يوردنه عليهم من ذلك، وكانوا يقبلون من ~~روايات من كف بصره. # منهم: ابن عباس، وجابر وواثلة بن الأسقع، وعتبان بن مالك في نظائرهم من ~~الصحابة. # قال أبو بكر: وقد ذكر عيسى أخبارا متضادة استدل بها على: وقوع الوهم ~~والغلط في كثير من روايات الأفراد. # منها: أن عروة بن الزبير روى عن عائشة: أنها كانت مهلة بالعمرة حين حجت ~~مع النبي - عليه السلام -، وروى القاسم عنها: أنها كانت مهلة بالحج. # PageV03P138 # قال ابن أبي مليكة: " ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم في عائشة؟ قال ~~عروة: أهلت بالحج. وروى «أنس: أنه سمع النبي - عليه السلام - يقول: لبيك ~~بعمرة وحجة» . وقال ابن عمر: " وهم أنس، إنما أهل بالحج ". وروى عبد الله ~~بن فروخ، عن «أم سلمة عن النبي - عليه السلام -: كان يقبلها وهو صائم» روى ~~أبو قيس قال: «سألت أم سلمة: أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل ~~وهو صائم؟ فقالت: لا. فقلت: إن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يقبل وهو صائم، فقالت لعله إنه كان لا يتمالك ~~عنها حبا، أما إياي فلا» . # وذكر أخبارا أخر من هذا الضرب، مستدلا بها على وقوع الغلط من الرواة ~~الثقات في الأخبار، وأن الأمر إذا كان كذلك لم يجز الإقدام على إثبات سنن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بظاهر الروايات الواردة، دون عرضها على ~~الأصول، إذ غير جائز قبول جميعها، وإضافتها إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مع ما فيها من الاختلاف والتضاد. # PageV03P139 ### | [فصل في الدلالة على الصحيح مما قسمنا عليه أخبار الآحاد] # قال أبو بكر - رحمه الله -: الدليل على أن خبر الواحد إذا رواه العدل ~~الثقة الذي لم يظهر من السلف النكير عليه في رواياته مقدم على القياس - قول ~~الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ms460 البينات والهدى} [البقرة: 159] ~~وقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه} [آل عمران: 187] فدلت هذه الآيات: على أن من عنده نص من حكم الله ~~فأظهره، فقال: هذا نص حكم الله تعالى، لزم قبول قوله، إذا كان عدلا ضابطا، ~~لأن الدلالة قد قامت: على أن غير العدل لا يقبل خبره، فإذا كان كذلك لم يجز ~~رده بالقياس، مع أمر الله تعالى إيانا بقبوله والحكم به، من غير اعتبار ~~قياس معه. # ويدل عليه أيضا: أن الصحابة - رضي الله عنهم - قد كانوا يعتقدون القول من ~~طريق القياس، ثم يتركونه إلى خبر واحد يرويه عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كقبول عمر - رضي الله عنه - خبر حمل بن مالك، وترك رأيه له، لأنه ~~قال: " كدنا أن نقضي في مثله برأينا، وفيه سنة عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " فإن بعض الألفاظ: لولا من رواه لكان رأينا فيه غير ذلك. # وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «كنا لا نرى في المخابرة بأسا، حتى ~~أخبرنا رافع بن خديج: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها» ، ~~فتركناها " وأخبار أخرى كثيرة كانوا يتركون القياس لها، وكان الخلفاء ~~الراشدون # PageV03P140 # إذا نزلت بهم نازلة في أمر الدين، سألوا الصحابة عن سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم يفزعوا إلى القياس، (ولم يعتدوا به) ، إلا بعد فقد ~~السنة. فدل: على أن خبر الواحد مقدم على القياس. # ومن جهة أخرى: إن المخبر إذا كان عدلا، (صادقا) ، ضابطا، تسكن النفس إلى ~~خبره - فهو يقول لنا: هذا نص الحكم. # والقائس لا يمكنه أن يدعي: أن ما أداه إليه قياسه حقيقة حكم لله تعالى، ~~فكان للخبر مزية على النظر. # وأما إذا كان ورود الخبر ممن ظهر من السلف التثبت في روايته، ومقابلتها ~~بالقياس، أو لم يكن الراوي له معروفا بالضبط والإتقان، فإنما جاز معارضته ~~بالقياس وساغ الاجتهاد في تقدمة القياس عليه، من قبل: أن السلف قد اعتبروا ~~ذلك وعارضوا كثيرا من هذا الضرب من الأخبار بالنظر، ms461 كنحو معارضة (ابن عباس) ~~لخبر أبي هريرة في «الوضوء مما مست النار» فقال: " إنا نتوضأ بالحميم وقد ~~أغلي على النار " وكخبر فاطمة بنت قيس - في إبطال السكنى والنفقة - قال فيه ~~عمر بن الخطاب: " لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا " لقول امرأة ". # ذهب عيسى بن أبان - رحمه الله - إلى أن قوله: وسنة نبينا، إنما عنى به ~~قياس السنة # PageV03P141 # لا أنه كان عنده سنة) بخلاف ما روته. (قال) : وذلك لأنه لو كان عند عمر ~~سنة بخلاف ما روته في غير الحادثة لسألها عن تاريخ حديثها، لينظر أيهما ~~الناسخ، فيعمل عليه، فلما (لم) يسألها عن ذلك علم أنه لم يكن عنده نص سنة ~~في ذلك، وأن مراده كان: أنه مخالف لقياس السنة، وهي ممن يثبت لها السكنى - ~~والسكنى من النفقة - فإذا وجب بعضها، وجب جميعها، لا فرق بينهما. ولأنها ~~حين جعلت في حكم الزوجات في وجوب السكنى لها وبقي حق في المال، كان القياس: ~~أن يكون كذلك في حكم النفقة. # وكما رد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - خبر أبي سنان الأشجعي، في قصة ~~بروع بنت واشق الأشجعية، لأنه كان خلاف القياس عنده، ولم يكن الراوي له ~~معروفا عنده بالضبط. ألا ترى أنه قال: لا تقبل شهادة الأعرابي على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV03P142 ### | [باب القول في الخبر المرسل] # باب # القول في الخبر المرسل قال أبو بكر - رحمه الله -: مذهب أصحابنا: أن ~~مراسيل الصحابة والتابعين مقبولة. وكذلك عندي: قبوله في أتباع التابعين، ~~بعد أن يعرف بإرسال الحديث عن العدول الثقات. # فأما مراسيل من كان في القرن الرابع من الأمة: فإني كنت أرى بعض شيوخنا ~~يقول: إن مراسيلهم غير مقبولة، لأنه الزمان الذي روي عن النبي - عليه ~~السلام -: أن الكذب يفشو فيه، وحكم النبي - عليه السلام - للقرن الأول ~~والثاني والثالث بالصلاح والخير، لقوله - عليه السلام -: «خير الناس قرني ~~الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب» . # PageV03P145 # قال: فإذا كان الغالب على أهل الزمان: الفساد والكذب، لم نقبل فيه ms462 إلا ~~خبر من عرفناه بالعدالة، والصدق والأمانة. # ولم أر أبا الحسن الكرخي يفرق بين المراسيل من سائر أهل الأعصار. وأما ~~عيسى بن أبان فإنه قال: من أرسل من أهل زماننا حديثا عن النبي - عليه ~~السلام - فإن كان من أئمة الدين - وقد نقله عن أهل العلم - فإن مرسله ~~مقبول، كما يقبل مسنده، ومن حمل عنه الناس الحديث المسند، ولم يحملوا عنه ~~المرسل، فإن مرسله عندنا موقوف. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ففرق في أهل زمانه: بين من حمل عنه أهل العلم ~~المرسل، دون من لم يحملوا عنه إلا المسند، والذي يعني بقوله: حمل عنه ~~الناس، قبولهم لحديثه، لا سماعه، فإن سماع المرسل وغير المرسل جائز. # وقال عيسى في كتابه في المجمل والمفسر: المرسل أقوى عندي من المسند. # قال أبو بكر: والصحيح عندي، وما يدل عليه مذهب أصحابنا: أن مرسل التابعين ~~وأتباعهم مقبول، ما لم يكن الراوي ممن يرسل الحديث عن غير الثقات، فإن من ~~استجاز ذلك لم تقبل روايته، لا لمسند ولا لمرسل. # والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ظاهر أحوال الناس كان في عصر التابعين ~~وأتباعهم الصلاح والصدق، لما دل عليه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن أجله كان يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " المسلمون عدول بعضهم ~~على بعض، إلا مجلودا حدا، مجربا # PageV03P146 # عليه شهادة، أو ظنينا في ولاء، أو قرابة ". # وكان إبراهيم النخعي يقول: " المسلمون عدول ". # قال أبو بكر - رحمه الله -: والصحيح عندي وما يدل عليه مذهب أصحابنا: أن ~~مرسل التابعين وأتباعهم مقبول، ما لم يظهر منهم ريبة، وكذلك كان مذهب أبي ~~حنيفة، فإن الذي لا شك فيه: أن مراسيل غير العلماء والموثوق بعلمهم ودينهم ~~ومن يعلم أنه لا يرسل إلا عن غير الثقات - غير مقبول. # والدليل على لزوم العلم بالأخبار المرسلة على الحد الذي بينا: ما ~~استدللنا به من عموم الآيات الموجبة لقبول أخبار الآحاد. منها: قوله تعالى: ~~{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} [البقرة: 159] وغيرها من ~~الآيات الدالة على وجوب العلم بأخبار ms463 الآحاد، ولم يختلف حكم دلالتها في ~~وجوب العلم بالمسند دون المرسل، لأن التابعي إذا قال: قال النبي - عليه ~~السلام -: كيت وكيت، فقد بين، وترك الكتمان، فيلزم قبوله بظاهر الآية، ~~وكذلك قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} ~~[التوبة: 122] إلى آخر الآية. # فدل: على أن الطائفة من التابعين إذا رجعت إلى قومها فقالت: أنذركم ما ~~قال النبي - عليه السلام -، وأحذركم مخالفته، قد لزمهم قبول خبرها، كما دل ~~على لزوم خبر الصحابي إذا قال: قال - صلى الله عليه وسلم -. وأيضا: فلما ~~كان المسند من أخبار الآحاد مقبولا، وجب أن يكون المرسل منها بمثابته من ~~حيث وجب الحكم بعدالة المنقول عنه في الظاهر، من حيث شهد النبي - عليه ~~السلام - # PageV03P147 # لأهل عصره والتابعين بالصلاح، كما شهد للصحابة، فوجب حمل أمرهم على ما ~~حملنا عليه أمر الصحابي، إذ قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ~~ظاهر حالهم يقضي تعديلهم، بشهادة النبي - عليه السلام - لهم بذلك. # ألا ترى: «أن النبي - عليه السلام - قال للأعرابي الذي شهد عنده على رؤية ~~الهلال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فلما قال: نعم.» قبل ~~خبره. وأمر الناس بالصوم بنفس ظهور الإسلام منه، قبل أن يعرف شيئا آخر من ~~أحواله، لأنه لو كان قد عرفه قبل ذلك، لما سأله هل هو مسلم أو لا؟ # كذلك يجب هذا الحكم لأهل عصر التابعين، بشهادة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لهم به. فيقبل خبر من روى عن واحد منهم إذا لم يسمه، ما لم يكن ~~المخبر بذلك لنا معروفا بإرسال الحديث عمن لا يجوز قبول خبره، فإن من ~~عرفناه بذلك لم نلتفت إلى خبره، كما أن من عرف من الصحابة بزوال عدالته لم ~~تقبل روايته، حتى تثبت عدالته. # وثبوته كنحو ما حكم الله تعالى من فسق الوليد بن عقبة بقوله تعالى: {إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] . # ومن جهة أخرى: لأن من فقهاء التابعين من قد أخبروا عن أنفسهم: أنهم لا ~~يرسلون الحديث عن رسول ms464 الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد صحته وثبوته ~~عندهم. # قال الأعمش: قلت لإبراهيم: إن حدثتني فأسند. فقال: إذا قلت لك # PageV03P148 # حدثني فلان عن عبد الله: فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: قال عبد الله، فقد ~~حدثني جماعة عنه. # وروي عن الحسن قال: (كنت إذا اجتمع لي أربع نفر من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - تركتهم، وأسندته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . # وروى عروة بن الزبير، لعمر بن عبد العزيز، حديث النبي - عليه السلام - ~~«من أحيا أرضا ميتة فهي له» وأرسله، فقال له عمر: أتشهد على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك؟ فقال: نعم، أخبرني بذلك العدل الرضي، ولم يسم ~~من أخبره. فاكتفى منه عمر بن عبد العزيز بذلك، وقبله، وعمل به. # وكان سعيد بن المسيب، والحسن، وغيرهما، يرسلون الحديث عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا سئلوا عن إسناده أسندوه إلى الثقات، وعلى هذا المنهاج ~~جرى أمر الصحابة - رضي الله عنهم - في إرسالهم الأخبار عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا بضعة عشر حديثا، والباقي سماع من غيره، وليس يكاد ~~يذكر من حدثه به عن النبي - عليه السلام -، إنما يرسله عنه. # PageV03P149 # وقال البراء بن عازب - رضي الله عنه - (ما كل ما نحدث به سمعناه من النبي ~~- عليه السلام -، ولكنا سمعناه، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب) . وكذلك ~~النعمان بن بشير يقال: إنه لا يعرف له ما يحكيه سماعا من النبي - عليه ~~السلام -، إلا الحديث الذي فيه «إن في البدن مضغة، إذا صلحت صلح البدن، ~~وإذا فسدت فسد البدن، ألا وهي القلب» . # وكذلك عامة الصحابة لم يكونوا يفرقون بين المسند والمرسل، فدل ذلك على ~~اتفاقهم جميعا: أنه لا فرقة بينهما في لزوم قبولهما، والعمل بهما. # ووجه آخر: وهو أنه لما ثبت عن الصحابة والتابعين إرسال الأخبار عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وحذف تسمية من بينهم وبينه، لم يخلو في ذلك ~~من إحدى منزلتين: # إما أن يكون عندهم: أن المسند والمرسل واحد، لا ms465 فرق بينهما، فيما يتعلق ~~بهما من الحكم، وهو الذي نقوله. # بل كان عند بعضهم: أنه إذا أرسله فقد أكده بإرساله، وقطع به على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، كما قال الحسن، وإبراهيم. # وإما أن يكونوا أرسلوه، لأن الذي حذفوا اسمه لم يكن بينا، ولا مقبول ~~الرواية، أو كان بينا مقبول الرواية عندهم، وإن لم يجز عندهم قبول المرسل، ~~وغير جائز أن نظن منهم أنهم حملوه عن غير الثقات، ثم أرسلوه، وحذفوا اسم من ~~بينهم وبين النبي - عليه السلام -، لوجوه: # - أحدها: أن في قولهم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إثباتا منهم ~~لذلك الحكم، وقطع به على # PageV03P150 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يرويه غير الثقة لا يجوز القطع به ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والثاني: أن من حمل عن غير ثقة ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فليس بأهل لقبول خبره، وإن أسنده. # والثالث: أنه كان معلوما عندهم: إن عظم من سمع منهم لا يفرقون بين المرسل ~~والمسند، فغير جائز لهم أن يحملوه عن غير ثقة، ثم يكتمونه، ويحذفون اسمه، ~~فيعتبر بهم السامع، ويعتقد ثبوته، وصحته، فبطل هذا القسم. # وغير جائز أيضا: أن يكونوا حملوه عن ثقة ثم أرسلوه، وعندهم: أن المرسل ~~غير مقبول، لأنهم لو فعلوا ذلك لكانوا قد كتموا موضع الحجة. # ومن كان كذلك لم يكن موضعا لحمل العلم عنه، ولا موثوقا بروايته، فلما بطل ~~هذان القسمان، صح الوجه الثالث، وهو: أنهم كانوا يرسلونه على وجه القطع ~~والتأكيد له على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأيضا: فإنا وجدنا عامة الصحابة - رضوان الله عليهم -، والتابعين - رحمهم ~~الله -، يسمعون الأخبار المرسلة فيصيرون إليها، ويتركون آراءهم لها، وذلك ~~مشهور عنهم، ولو ذكرناهم لطال بهم الكتاب، كما وجدناهم يقبلون المتصل، فمن ~~حيث كانوا حجة في قبول المتصل فهم حجة في قبول المرسل. # فإن قيل: أما الصحابة فإن ظاهر أمرهم بالسماع من النبي - عليه السلام -، ~~حتى يثبت غيره، وكذلك سبيل كل من روى عمن ms466 لقيه وظاهر أمره: أنه سمعه. وإن ~~لم يقل: حدثني. فلا يكون في مثل الآخر. ولأن الصحابي إنما يروي عن صحابي ~~مثله. والصحابة كلهم مقبولو الرواية. # قيل له: قد كانوا يجيزون: أنهم لم يسمعوه من النبي - عليه السلام -، وأن ~~بينهم وبينه رجلا، فلا يفرقون بينه وبين ما أسندوه لهم. # PageV03P151 # وأيضا: فكما أن ظاهر من روى عمن لقيه: السماع منه، فكذا ظاهر من حمله عنه ~~أهل العلم: أنه عدل، مقبول الرواية، حتى يثبت غيره. # وأما قوله: إن الصحابي إنما يروي عن صحابي مثله، وكلهم مقبول الرواية، ~~فإنه ليس كذلك، لأنه قد كان في عصر النبي - عليه السلام - من حكم الله ~~بفسقه، بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6] وهو: ~~الوليد بن عقبة، وقد كان قوم آخرون هناك قد رأوا النبي - عليه السلام - ~~وعملوا بعده أعمالا أسقطت عدالتهم، وهذا ما لا خفاء به. # أيضا: فلو أن حاكما حكم بشهادة شاهدين وأسند بهما ولم يسمهما - لم يجز ~~لأحد الاعتراض على حكمه، لأجل تركه تزكية الشهود، وكان أمرهم محمولا على ~~الصحة والجواز. # كذلك من روى عمن لم يسمه، يجب حمل أمره على الصحة والعدالة، حتى يثبت ~~غيرهما. # فإن قيل: إن الجرح والتعديل طريقه الاجتهاد، ويجوز أن يعدل الراوي عنه، ~~ولا يكون عندي عدلا، فيحتاج أن يتبين حيث تثبت عدالته، كما أن شاهدين لو ~~شهدا على شهادة شاهدين، ولم يسمياهما، فلم يجز للقاضي الحكم بشهادتهما، حتى ~~يسمياهما فينظر القاضي في حالهما، كذلك المرسل. # قيل له: أما من شاهدناه وخبرنا أمره - فالواجب الرجوع في جرحه وتزكيته ~~إلى معرفتنا به، أو مسألة من خالطه، وخبر أمره - عنه. # وأما من كان من أهل الأعصار المتقدمة فإنا لا نصل إلى معرفة عدالته وثقته ~~إلا بنقل الأئمة عنه. فتكون روايتهم تعديلا منهم له، فلا يجوز لنا أن ~~نتعقبهم في تعديلهم إياه بغيره. # وأما الشهادة على الشهادة: فليست من هذا في شيء، من قبل أنه: يقبل في ~~رواية الأخبار ما لا يقبل في الشهادات. # ألا ترى: أنه يقبل منه فلان عن ms467 فلان، ولا يقبل في الشهادة إلا أن يقول: ~~أشهدني على شهادته، فعلمت: أن روايات الأخبار غير معتبر بالشهادة على ~~الشهادة، من الوجه الذي ذكرت. # PageV03P152 # وأيضا: فإن سامع الخبر يجوز له الإخبار به عن راويه، وإن لم يقل له ~~الراوي: اروه عني، ومن سمع رجلا يقول: أشهد لفلان على فلان بكذا، لم يجز له ~~أن يشهد على شهادته حتى يقول له: أشهد على شهادتي بذلك، فيحملها إياه فعلمت ~~بطلان اعتبار الإخبار بالشهادة على الشهادة من هذا الوجه. # وأيضا: فإن الشاهد إنما يشهد على شهادة من كان من أهل عصره، وقد يمكن ~~الحاكم: أن يتوصل إلى معرفة حال المشهود على شهادته بالمسألة عنه. فلم يجز ~~له الحكم بشهادة شهود الأصل إلا بعد المعرفة بهم، وثبوت عدالته عندهم. # وأما المتقدمون من الرواة فلا سبيل لنا إلى العلم بحالهم إلا من جهة ~~الناقلين عنهم، فكان نقلهم وإرسالهم الحديث عنهم تعديلا منهم إياهم. # أيضا: فإن الشهود إذا رجعوا إلى شهادتهم بعد حكم الحاكم، يلحقهم ضمان ما ~~أتلفوه بشهادتهم. فمن الفقهاء من لا يوجب ضمانا على شهود الأصل وإن رجعوا. # ومنهم: من يوجبه عليهم. فاحتاج الحاكم إلى: أن يعرفهم بأعيانهم، لكي إذا ~~رجعوا لزمهم حكم ما يوجبه إشهادهم غيرهم على شهادتهم، وليس ذلك موجودا في ~~الأخبار، فلم يحتج إلى معرفة المنقول عنهم ذلك بأعيانهم، إن كانت رواية ~~الأئمة عنهم تعديلا منهم لهم، وهذا هو الذي يحتاج إليه في قبول الأخبار. # دليل آخر: وهو اتفاق. قد اتفق الفقهاء على: قبول فلان عن فلان، وإن لم ~~يذكر سماعا، إذا كان ممن قد لقيه، ولو كان المرسل غير مقبول - لما جاز: ~~قبول فلان عن فلان، إذ ليس فيه سماع له. # فإن قيل: لأن الظاهر: أن من روى عمن لقيه: أنه سماع حتى يثبت غيره. قيل ~~له: ولم قلت ذلك؟ بل الظاهر: أنه يروي عنه سماعا تارة، ويرويه تارة سماعا ~~من غيره عنه. # وأيضا: فإن الظاهر: أنه لم يرسل الحديث إلا عن عدل حتى يثبت غيره. فإن ~~قيل: يحتاج أن ms468 يثبت: أنه عدل عندي. قيل له: ويحتاج: أن يثبت عندي: أنه ~~سماع، إذا قال فلان عن فلان، وإن لم يثبت # PageV03P153 # عندك: أنه سماع، كذلك يجوز: أن يقبل المرسل، وإن لم يثبت: أنه عدل عندي، ~~فاكتفى تعديله إياه بإرساله عنه. # وأيضا: فإن المفتي إذا قال: للمستفتي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في ذلك بكذا. أو قال فيه: كذا، لزمه قبول خبره، مع حذف سنده، وهذا أحد ما ~~يحتج به في إثبات المسند، فهو حجة في إثبات المرسل أيضا. # وزعم بعض مخالفينا: أنه إنما روى التابعون المرسل ليطلب في المسند. # فيقال له: معنى قولك ليطلب في المسند، كأنه لم يكن له عندهم إسناد، فإن ~~كنت تعني ذلك فلا يكون كذلك إلا وهم يسمعون، وهذا يوجب أن يحصروا المراسيل ~~لينظر هل توجد في المسند، وهذا لا يجوزه أحد عليهم، لأنهم لو كانوا كذلك - ~~لما كانوا أهلا لقبول رواياتهم أصلا: المسند والمرسل جميعا. # وإن كانوا قد سمعوه - فما الذي منعهم من إظهار سنده وهو موجود عندهم؟ ~~فعلمت أن هذا الفصل من كلامه فارغ لا معنى تحته. وعلى أنه لو جاز أن يقال ~~هذا في المرسل - لجاز لمبطلي أخبار الآحاد أن يقولوا: إن الصحابة والتابعين ~~إنما رووا الآحاد ليطلب في التواتر، والاثنين والأربعة. # واحتج بعضهم: بأن المرسل لو كان مقبولا لما كان لذكر الإسناد وجه. فيقال: ~~يقول لك مبطلو خبر الواحد: لو كان خبر الواحد مقبولا لما كان لسماعه من ~~وجهين، وثلاثة، وأربعة، معنى. فلما جاز أن يطلب الأثر من وجوه مختلفة، ~~ويروى من جهات كثيرة، ولم ينف ذلك جواز الاقتصار على الواحد، كذلك يروى ~~الحديث، فيذكر إسناده تارة، ولا يدل: على أن المرسل غير مقبول. فإن قال: ~~إنما أرسل التابعون الأخبار إعلاما منهم لسامعيها: أن المحذوف اسمه في ~~السند ليس ممن يحمل عنه العلم. # قيل له: قد أخبروا هم عن أنفسهم بخلاف ذلك. فإن صدقتهم كنت كاذبا فيما ~~حكيت عنهم، وإن أكذبتهم فلا تقبل رواياتهم، لا مرسلا ولا مسندا. # وأيضا: فما الذي ms469 حملهم: على أن يرووا ما لا يجوز قبوله، ثم يكتموا ~~إسناده. فيعرفوا # PageV03P154 # الناس به، وكان أقل ما يجب عليهم أن يسكتوا عنه. فلا يرووه. # وعلى أن من روى عمن لا يجوز الرواية عنه ثم كتمه، ولم يبين أمره، صار من ~~المجروح، والمطعون عليه في روايته. وهذا يوجب الطعن على عامة التابعين، ~~لأنهم قد أرسلوا الأخبار. وأيضا: فإن من علمنا من حاله: أنه يرسل الحديث ~~عمن لا يوثق بروايته، ولا يجوز حمل العلم عنه، فهو غير مقبول المراسيل ~~عندنا، وإنما الكلام منا فيمن لا يرسل إلا عن الثقات الأثبات عنده. # فإن قال: قد كان بعض التابعين يرسل الحديث فإذا سئل عنه أخبر به، وكان ~~كاذبا. قيل له: ما نعلم أحدا من التابعين فعل ذلك. وعلى أن هذا طعن في ~~الروايتين لأن من روى عن كذاب وكتم أمره فهو غير مقبول الرواية، لا سيما ~~إذا حذف اسمه من الإسناد. # وذكر بعض من احتج في إبطال المراسيل: بأن التابعين قد كانوا يتساهلون في ~~الإرسال عمن لو كشف عنه وبين أمره، كانت حاله بخلافها إذا أرسل عنه، وذكر ~~في ذلك ما حدثنا عن إسماعيل بن إسحاق عن علي بن المديني: أن عبد الرحمن بن ~~مهدي قال له: إن حديث الوضوء من القهقهة في الصلاة يدور على أبي العالية. ~~فقلت له: قد رواه الحسن عن النبي - عليه السلام -. فقال عبد الرحمن: حدثنا ~~حماد بن زيد عن سليمان قال: أنا # PageV03P155 # حدثت به الحسن عن حفصة عن أبي العالية، فقلت لعبد الرحمن: فقد رواه ~~إبراهيم مرسلا فقال عبد الرحمن: حدثني شريك عن أبي هاشم. # قال: أنا حدثت به إبراهيم، عن أبي العالية، فقلت له: قد رواه الزهري ~~مرسلا. فقال عبد الرحمن: قرأت هذا الحديث في كتاب ابن أخي الزهري، عن ~~الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن. # قال القائل: فإذا سمع السامع هذه الأخبار مرسلة يقول: قد رواه الحسن، ~~وإبراهيم، وأبو العالية. ثم إذا كشف عنه كان مداره على أبي العالية. # قال أبو بكر - رحمه الله -: والعجب ms470 من غباوة هذا القائل، حين جعل قول ~~فلان: أنا حدثت به فلانا نفيا، لأنه يكون حدثه به غيره، أو سمعه من سواه. ~~ولا يمتنع: أن يحدث به رجل مرسلا، وقد سمعه هو متصلا من غيره ثم يرسله. # وعلى أنه لو دار الحديث على أبي العالية ما الذي كان يوجب القدح فيه؟ وقد ~~روى هذا الحديث عبد الكريم، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: وقد # PageV03P156 # رواه عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي - عليه السلام ~~-. ورواه ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي - عليه السلام ~~-. وقد ثبت: أن الحسن والزهري قد روياه من غير هذا الوجه الذي ذكره هذا ~~القائل، وقد روي من وجه آخر موصولا عن النبي - عليه السلام -، وليس غرضنا ~~الكلام في هذه المسألة، وقد ذكرنا ما فيها من الكلام في شرح المختصر ~~المنسوب إلى أبي جعفر الطحاوي - رحمه الله - # PageV03P157 ### | [باب الخبرين المتضادين] # باب # الخبرين المتضادين قال أبو بكر - رحمه الله -: - تعارض الخبرين يكون على ~~ثلاثة أنحاء: منها: ما يكون من غلط الرواة، ونتيقن معه وهم رواة أحد ~~الخبرين. # ومنها: ما يحتمل أن يكونا صحيحين من جهة النقل. ولا يحتمل مع ذلك بقاء ~~حكمهما بلا محالة، إن ثبتا، وصحا، فأحدهما منسوخ متروك الحكم. # ومنها: ما يحتمل أن يكونا صحيحين، ويكونا جميعا مستعملين في حالين، أو في ~~شيئين. # فأما الوجه الأول: فنحو حديث ابن عباس - رحمه الله -: «أن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - تزوج ميمونة وهو محرم» . وروى يزيد بن الأصم: «أن النبي - ~~عليه السلام - تزوجها وهو حلال» . # وقد علمنا أنه لم يتزوجها إلا مرة واحدة. وغير جائز: أن يكون محرما وغير ~~محرم في حالة واحدة. # ونحو حديث ابن عباس: «أن النبي - عليه السلام - لم يصل في الكعبة حين ~~دخلها يوم الفتح. # PageV03P161 # وقال بلال: بأنه صلى فيها» مع علمنا: بأنهم أخبروا عن وقت واحد، وكرواية ~~ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - عليه السلام - «أفرد بالحج» . # وروى جابر وأنس: ms471 «أن النبي - عليه السلام - كان قارنا» . ونحو ما روى زوج ~~بريرة: " إنه كان حرا حين أعتقت، وقال بعضهم: إنه كان عبدا. متى أخبروا عن ~~حاله في الرق والحرية عند عتقها كان الخبران متضادين، نعلم يقينا أن (أحد ~~الراويين) مخطئ. # وكرواية ابن عباس: «أن النبي - عليه السلام - رد زينب ابنته على أبي ~~العاص بن الربيع بالنكاح الأول» # PageV03P162 # وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «إن النبي - عليه السلام - ردها عليه ~~بنكاح جديد» ، فهذه الأخبار وما شاكلها مما تقع الإشارة فيها إلى حال ~~واحدة، بالنفي والإثبات في معنى واحد، فمعلوم فيها غلط رواة أحد الخبرين، ~~مع ثبوت حكم أحدهما دون الآخر. # والثاني منهما: فنحو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في «الوضوء ~~من مس الذكر» ، وما روي عنه أنه لا وضوء فيه. # وما روي عنه: أنه «نهى عن أكل الضب» وروي " أنه أباحه ". # وما روي عنه: «أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع» وروي عنه: «أنه كان لا ~~يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح» هذه الأخبار يحتمل أن تكون كلها صحيحة ~~في الأصل، وأن يكون بعضها منسوخا ببعض، ويحتمل أيضا أن يكون بعضها وهما ~~وغلطا، لأنها من أخبار الآحاد. # إلا أنه لا يصح ثبوت حكم جميعها لتنافيها، وتضادها، ولاتفاق الفقهاء: على ~~أن بعضها ثابت الحكم دون جميعها. # والوجه الثالث منها: أن يرد خبران متضادان في الظاهر، فيستعملان جميعا في ~~حالين، أو على وجهين، نحو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«دباغ الأديم ذكاته» ، وقال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» . # PageV03P163 # وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «لا تنتفعوا من الميتة ~~بإهاب ولا عصب» . ومحمول على حاله قبل الدباغ، وقوله - عليه السلام - «دباغ ~~الأديم ذكاته» محمول على حاله بعد الدباغ. # وقوله - عليه السلام - «والذهب بالذهب مثلا بمثل، يدا بيد، والفضة ~~بالفضة، مثلا بمثل يدا بيد» ، محمول على ما يرد فيه الخبر. # وقوله - عليه السلام -: «لا ربا إلا في النسيئة» محمول على الجنسين ~~المختلفين، ms472 فيما ذكر في الخبر وما في معناه " وكالتمر بالشعير والذهب ~~بالفضة " كما قال في خبر آخر «وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم، يدا ~~بيد» . # وقد ذكر عيسى بن أبان حكم الخبرين المتضادين، فجعل أحد الأسباب المقوية ~~لأحدهما: وجود عمل الناس، دون الآخر، فيكون المعمول ثابت الحكم، ناسخا، ~~والآخر منسوخا، إن صحت في الأصل روايته. # قال: وإن اختلفوا ساغ الاجتهاد في تثبيت أحدهما. قال: وإن كان أحدهما ~~متقدما على الآخر والناس مختلفون في العمل بهما، - فإن احتملا الموافقة ~~والجمع بينهما - استعمل الاجتهاد. # وإن لم يحتملا الموافقة، فالآخر ناسخ للأول، إن كان الأول قد عمل به ~~الناس، وهو الظاهر في أيدي أهل العلم، والذي يعتمدون عليه. ويكون الآخر ~~منهما خاملا، لا يعمل به إلا الشاذ من الناس، فحينئذ ننظر إلى الذين عملوا ~~بالأول. فإن وجدناهم يجوزون للذين عملوا بالآخر، ولا يعتبون عليهم ذلك، جاز ~~اجتهاد الرأي في ذلك، وإن وجدناهم يعيبون ما ذهب إليه من خالفهم، كان الأمر ~~عندنا على ما عمل الناس، وظهر في أيديهم، ولم يجز الأخذ بالخبر الشاذ الذي ~~قد عابوه على من عمل به، لأن الأمر إذا ظهر في المسلمين وعملوا به ثم نسخ، ~~ظهر نسخه منهم، كما ظهر للغير نصه، حتى لا يشذ إلا على القليل. # كالنهي عن لحوم الأضاحي، والشرب في الظروف، وزيارة القبور، ونسخها، # PageV03P164 # ومتعة النساء. لما نسخت هذه الأحكام ظهر نسخها، كظهور الحكم الأول ~~ابتداء. # قال أبو بكر - رحمه الله -: جعل عيسى استعمال الناس لأحد الخبرين موجبا ~~لثبوت حكمه دون الآخر، لأن الإجماع حجة لا تسع مخالفته، ولا يجوز اجتهاد ~~الرأي معه، فالخبر الذي ساعده الإجماع منها ثابت الحكم، والآخر: إما أن ~~يكون منسوخا، أو غير ثابت في الأصل. # وأما إذا اختلفوا فاستعمل بعضهم الآخر، ساغ الاجتهاد في استعمال أحدهما، ~~فيكون ما عاضده شواهد الأصول أولى بالاستعمال، من قبل: أنهم لما اختلفوا لم ~~يكن أحد الخبرين بأولى باستعمال حكمه من الآخر في ظاهر ورودهما، كان ما شهد ~~له الأصول منهما أولى بالاستعمال، لأن شواهد ms473 الأصول لو انفردت عن الخبر لا ~~يثبت الحكم بنفيها، فإذا ساعدت أحد الخبرين كان أولى بالإثبات. # وأيضا: فلما ثبت عن الصحابة عرضهم كثيرا من أخبار الآحاد على الأصول، ~~ومقابلتها بالقياس واجتهاد الرأي حسب ما حكينا عن جماعة منهم، فصار بشهادة ~~الأصول تأثير في رد بعض الأخبار الآحاد، وحسب كون مساعدتها لأحد الخبرين ~~المتضادين - موجبة لاستعماله، دون الآخر الذي يخالفها. # وأيضا: لما اختلفوا في استعمال الخبرين، ولم يعب بعضهم على بعض ما ذهب ~~إليه، فقد سوغوا الاجتهاد في إثبات حكم أحدهما بالنظائر، كسائر الحوادث. # وأما إذا كان أحدهما متقدما على الآخر والناس مختلفون فيهما، فإن احتملا ~~الموافقة ساغ الاجتهاد، لأنهم لما اختلفوا ولم يجعلوا الآخر قاضيا على ~~الأول، فقد سوغوا # PageV03P165 # الاجتهاد فيهما، فمتى أدى الاجتهاد إلى حملهما على الوفاق حملناهما عليه، ~~ولم يسقط أحدهما بالآخر، مع إمكان الاستعمال، ودلالة الأصول عليه. # وأما إذا لم يحتملا الموافقة - فإن الآخر منهما يكون ناسخا الأول، لأن ~~الحكم الآخر ثابت إذ ليس للأول مزية عليه في ثبوته دونه، وفي ثبوت الآخر ~~نفي الأول. # وأما إذا عمل الناس بالأول إلا الشاذ منهم، وسوغوا مع ذلك الذين عملوا ~~بالآخر، ولم يعيبوا ذلك عليهم، فإنما جاز اجتهاد الرأي فيه، لأن الجميع قد ~~اتفقوا في هذه على تسويغ الاجتهاد في استعمال أحدهما أيهما كان، فلذلك كان ~~الأمر على ما قال. # وأما إذا عابوا على من ذهب إلى الخبر الآخر، فإنما وجب استعمال ما عمل ~~عليه الجمهور، وظهر في أيديهم، دون ما ذهب إليه الشاذ منهم، من قبل أن ~~استعمال الناس الأول يوجب صحته وثباته، فلو كان الآخر ثابتا يعرفه من يعرف ~~الأول، ولما أنكره على من عمل بالآخر، لأن الحكم إذا ثبت واستفاض في الكافة ~~ثم نسخ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا محالة يظهر نسخه فيمن ظهر ~~فيهم في حكمه بدر، فدل إنكارهم على الآخرين ما ذهبوا إليه من حكم الخبر ~~الآخر، أن الأول ثابت الحكم، وأن الثاني شاذ، لا يجوز الاعتراض به على ~~الأول. # وأيضا: فإن ms474 الجمهور لما علموا بالخبر الأول دون الآخر مع علمهم بأن الآخر ~~قد روي - فهم لا يتركون الحكم بالثاني، إلا مع علمهم بأن الأول ثابت الحكم، ~~لولا ذلك لكان الثاني ناسخا له عندهم، فلما لم يعتبروا الثاني وثبتوا على ~~الأول، علمنا: أنهم قد علموا شذوذ الثاني، وأنه غير جائز الاعتراض به على ~~الأول دون الثاني. # وهذا ضرب من الاجتهاد موجب لتقوية بقاء حكم خبر الأول، وهو مبني على ما ~~قدمناه: من أن أخبار الآحاد مقبولة اجتهادا، على حسب ما تغلب في الظن من ~~صحتها وسلامتها، ومن شهادة الأصول لها، أو مخالفتها إياها، فكان ما وصفنا ~~في هذا # PageV03P166 # الفصل ضربا من الاجتهاد، تقوى معه في النفس بقاء حكم الخبر الأول دون ~~الآخر. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وقد بينا فيما سلف من أبواب النسخ: ما كان ~~يقول أبو الحسن - رحمه الله - في خبري الحظر والإباحة، إذا لم يعلم ~~تاريخهما: إن خبر الحظر أولى، واحتجاجه له، بل الإباحة لما كانت هي الأصل، ~~والحظر طارئ عليه، كان حدوث الحظر على الإباحة متيقنا، ولسنا نتيقن بعد ذلك ~~حدوث الإباحة على الحظر. # وذكرنا من نظائر ذلك: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إباحة ~~أكل الصيد، وما روي عنه في النهي عنه، ونحو ما روي «أن الفخذ عورة» وما روي ~~في " إباحة النظر إليها " وما جرى مجرى ذلك. # وحكينا ما ذكره محمد في كتاب الاستحسان: بأن أحد المخبرين إذا أخبر ~~بنجاسة الماء والآخر بطهارته، ولم يكن للسامع رأي في ترجيح أحد الخبرين: ~~أنه يسقط خبرهما جميعا، ويكون الماء باقيا على أصل طهارته. # وبينا: أن نظير ما ذكره محمد من أخبار أحكام الدين هو الذي قدمنا القول ~~فيه بدأ في صدر هذا الكتاب، وأن أحد المخبرين فيه غلط لا محالة، كرواية من ~~روى: أنه تزوج ميمونة وهو محرم، ومن روى: أنه تزوجها حلالا، وأنه ليس نظير ~~الماء، لما ذكره محمد من القسمين الآخرين، اللذين ذكرنا: أنه جائز أن يكون ~~الخبران جميعا صحيحين في الأصل، وأحدهما ms475 منسوخ بالآخر، وليس ما ذكره محمد ~~في خبر المخبرين بطهارة الماء ونجاسته مخالف الخبرين المتضادين الذين ذكرنا ~~في صدر هذا الباب في المعنى، وذلك لأنه إنما قال: أسقط الخبرين إذا تساويا، ~~ولم يكن له رأي في ترجيح أحدهما. # والأخبار التي ذكرنا في نكاح المحرم وغيره، وقد ثبت لما ذهب إليه ترجيح ~~أحد الخبرين، نحو حديث ابن عباس وروايته: " أنه كان محرما "، (لتعارضها مع ~~رواية) يزيد بن الأصم: " أنه كان حلالا، كما قال جابر بن زيد، لعمرو بن ~~دينار، حين عارض خبر ابن عباس. # وكذلك ما ذكرنا من نظائر هذا الخبر، يجوز أن يكون ذهب فيها إلى ضرب من ~~الترجيح، أوجب كون أحدهما أولى بإثبات حكمه من الآخر. # ويجوز أن يقال: ليس الخبر بنجاسة الماء وطهارته أصلا للإخبار في أحكام ~~الدين، # PageV03P167 # وأنه ليس فيما ذكره محمد من إسقاط حكم الخبرين إذا تساويا دلالة: على أن ~~الأخبار الواردة في أحكام الدين حكمها: أن تكون محمولة على هذا الأصل، ~~ويكون الفرق بينهما: أن الحوادث التي لا نص فيها لا يخلو من أن يكون لها ~~أصول من النصوص، وأشباه ونظائر، وإن لم يرد بحكمها خبر. فمتى خلت الحوادث ~~من أن يوجد فيها أخبار الآحاد، حمل على نظائرها من الأصول، فإذا عارضت ~~الأصول بعض الأخبار المتضادة كان الحكم له، دون ما خالفته. # وأما نجاسة الماء أو طهارته فليس له أصل يرد إليه إذا تعرت من الخبر، ~~فلذلك وجب عند تساوي الخبرين. اطراحهما، وبقاء الشيء على أصل ما كان عليه. # وقد سوى عيسى بن أبان بين حكم الخبرين المتضادين إذا تعرى كل واحد منهما ~~من أن يكون له مزية على صاحبه، من شواهد الأصول، فإن سبيلهما: أن يسقط، ~~كأنهما لم يرويا، وجعلهما بمنزلة ما ذكره محمد - رحمه الله - في حكم ~~الخبرين إذا أخبر أحدهما بطهارة الماء، والآخر بنجاسته، وتساويا، ولم يكن ~~له رأي. فيسقطان جميعا. وذكر نحوه عن ابن عباس وابن عمر: في الرجلين حين ~~اختلفا في طلوع الفجر: أنهما أسقطا خبرهما وشربا. وقد كان الحسن ms476 يحتج ~~لترجيح خبر ابن عباس على خبر يزيد بن الأصم، في تزويج النبي - عليه السلام ~~- ميمونة وهو محرم أو حلال: بأن ابن عباس أخبر عن أمر حادث علمه، ويزيد بن ~~الأصم، وأبو رافع، ومن روى: أنه كان حلالا. # إنما أخبر عن ظاهر ما كان علمه بدءا، من حال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ولم يعلم حدوث إحرامه، فكان خبر ابن عباس أولى. # وكذلك من أخبر: أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت، فقد أخبر عن حرية حادثة ~~علمها، لأنهم لم يختلفوا أن زوج بريرة قد كان عبدا مرة، ومن قال كان عبدا. ~~فإنما أخبر عن ظاهر ما كان عليه بدءا من رقه. ولم يعلم حدوث عتقه. # وكذلك من روى: «أن النبي - عليه السلام - رد زينب على أبي العاص بنكاح ~~جديد» . فقد علم حدوث نكاح لم يعلمه من أخبر: أنه ردها بالنكاح الأول. فعلى ~~هذا الاعتبار كان يجري حكم الأخبار المتضادة إذا كان بالوصف الذي ذكرنا، ~~وظاهر ما يقتضيه حجاجه لتثبيت أحد الخبرين المتضادين اللذين وصفنا: أن نقول ~~مثله في الخبرين بنجاسة الماء وطهارته، فنجعل الخبر بالنجاسة أولى، لأنه ~~علم حدوث نجاسة لم يعلمه المخبر بطهارته، وإن المخبر # PageV03P168 # بطهارته إنما أخبر عما علمه من حاله بدءا. # قال أبو بكر - رحمه الله -: ويجوز أن نفرق بينهما من جهة أنهم لم يختلفوا ~~في تزويج النبي - عليه السلام - ميمونة، وإنما اختلفوا في تاريخه. # فقال بعضهم: تزوجها قبل الإحرام. # وقال بعضهم: تزوجها بعد الإحرام. # وكذلك لم يختلفوا في تخيير بريرة لما خيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين أعتقت. # واختلفوا في تاريخه. فقال قائلون: كان بعد عتق زوجها. وقال آخرون: قبل ~~عتق زوجها. فكان خبر من أخبر بتاريخ الإحرام، وتاريخ عتق زوج بريرة، مقدما ~~لعتقها. أو كما لو شهد شاهدان: أنه أعتقه منذ شهر، وأخبر اثنان: أنه منذ ~~سنة. أن الوقت المتقدم أولى. فكان ذلك كلاما في تاريخ الحكم، وكان لما ~~أثبتناه ضربا من الترجيح، وكان أولى. # وأما المخبر بنجاسة الماء وطهارته، فإن أخبر عن ms477 شيء بعينه على وصفين ~~متضادين، فجاز إسقاط خبريهما إذا تساويا، ولم يكن نظيرا لما وصفنا. # قال أبو بكر: ومتى ورد خبران متضادان: أحدهما بان على أصل قد ثبت، ~~والآخر، ناقل عنه، وقد تساويا في جهة النقل، وسائر الأسباب، فالواجب أن ~~يكون الخبر الناقل عن الأصل أولى من الخبر الباني عليه، على ما ذكرنا عن ~~أبي الحسن في خبري الحظر والإباحة، سواء كان الناقل مبيحا لشيء قد ثبت ~~حظره، أو حاظرا لشيء قد ثبت إباحته. # وينبغي على ما ذكرناه عن أبي الحسن وعن عيسى أن يسقطا جميعا، ويبقى الشيء ~~على ما كان عليه قبل ورود الخبرين، وعلى هذا الاعتبار ينبغي أن يكون حكم ~~الخبرين إذا تعارضا في النفي والإثبات، أن الشيء إن كان منفيا في الأصل، ~~فخبر الإثبات أولى، وإن كان ثابتا في الأصل، فخبر النفي أولى، للعلة التي ~~ذكرناها عن أبي الحسن: من أن ورود الإثبات على النفي متيقن، والثاني: يجوز ~~أن يكون ورد على ما كانت عليه حال الشيء قبل ورود الإثبات. # وكذلك إن كان الشيء قد علم ثبوته ثم ورد خبران: أحدهما: في إثباته، ~~والآخر في نفيه، فخبر النفي أولى، لأنا قد علمناه طارئا على الإثبات بدءا، ~~وجائز أن يكون خبر الإثبات واردا على ما كان عليه حال الشيء في الأصل، وذلك ~~نحو ما روي: «أن النبي - عليه السلام -: كان يقنت في الفجر» . وهذا متفق ~~على نقله، وأنه قد كان. ثم روي أنه: ترك القنوت بعد فعله. فكان المثبت ~~للقنوت ثابتا على أصل ما ثبت بالنقل. والنافي له أخبر: أن الترك كان طارئا ~~على الفعل، فكان أولى، لأنه قنت بعد الترك، وقد ثبت أنه ترك بعد الفعل، ~~فكان أولى، لما وصفنا. # PageV03P169 # وعلى ما حكيناه عن عيسى: ينبغي أن يسقطا جميعا، ويبقى الشيء على ما كان ~~عليه قبل ورود الخبرين. # وإن ورد خبران: أحدهما يوجب شيئا، والآخر ينهى عنه، وكان حكم ذلك الشيء ~~في الأصل الإباحة، فإنا قد تيقنا أنه قد نقل عن الإباحة: إما إلى إيجاب، أو ~~إلى ms478 حظر. # فجائز أن يقال حينئذ: إن الإباحة قد زالت، ولم يثبت حظر، ولا إيجاب، ~~فيكون أمره موقوفا، لا يجوز إثباته. # وجائز أن يقال: يطرح الخبران جميعا، فيبقى الشيء على ما كان عليه حكمه من ~~الإباحة. ومتى ورد خبران متعارضان: في أحدهما فعل من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لشيء، وفي الآخر النهي عنه وتساويا، فالخبر الذي فيه النهي أولى، ~~وذلك نحو ما روي: «أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه عند الركوع» ، ~~فهذا فعل ليس فيه أمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعله. # وروي عنه أنه قال: «كفوا أيديكم في الصلاة» وأنه قال: «لا ترفع الأيدي ~~إلا في سبعة مواطن» ولم يذكر منها حال الركوع، فكان خبر النهي أولى لوجوه: # أحدها: أن فعل المنهي عنه يستحق فاعله العقاب. # وترك ما فعله النبي - عليه السلام - لا يستحق عليه العقاب، بظاهر فعل ~~النبي - عليه السلام - إياه. # والوجه الآخر: أنه قد يفعل أفعالا لنفسه لا يريدها منا، ولا يأمرنا بشيء، ~~أو ينهى عنه إلا وقد أراد منا ما تضمنه الأمر والنهي. # ووجه ثالث: وهو أن فعل النبي - عليه السلام - في الأصلي لا يقتضي الوجوب، ~~فلا يعارض، الأمر والنهي بالفعل. # فإن قال قائل: قد روي عن النبي - عليه السلام -: أنه قد «أمر بالوضوء مما ~~مست النار» وروي عنه - عليه السلام - «أنه: أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ» ~~فعارضت الأمر بالفعل وجعلت الفعل أولى منه. # PageV03P170 # قيل له: لا يلزم على ما ذكرنا، لأنا إنما شرطنا فيما قدمنا عند تعارض ~~الأخبار وتساويها في الوجوه الموجبة للقبول، فأما إذا كان أحد الخبرين إذا ~~ورد منفردا عن معارضة الآخر إياه، لم يجز قبوله لوروده منفردا فيما عمت ~~الحاجة إليه. فكيف يلزمنا قبوله إذا عارضه غيره؟ وخبر الوضوء مما مست النار ~~مما يحتاج فيه إلى النقل من الكافة، لعموم الحاجة إليه، فلم يساو خبر نفي ~~الوضوء من أكل اللحم من جهة النقل. ولذلك كان الأمر فيه على ما وصفنا. # PageV03P171 ### | [فصل التعارض في الخبرين إذا وردا في شيئين مختلفين] ms479 # فصل قال أبو بكر - رحمه الله -: وقد يقع التعارض في الخبرين إذا وردا في ~~شيئين مختلفين، إذا قامت الدلالة: على أن في ثبوت أحدهما نفيا للآخر. مثل ~~ما روي: «أن النبي - عليه السلام - سئل عن ميراث العمة والخالة. فقال: لا ~~شيء لهما» . # وروي أنه قال: «الخال وارث من لا وارث له» ، فلو خلينا وظاهرهما لم ~~يتعارضا، واستعمل كل واحد منهما فيما ورد، لأن نفي ميراث العمة والخالة غير ~~ناف لميراث الخال من جهة اللفظ. # إلا أنه لما اتفق المسلمون على أن الخال إن ثبت ميراثه - كان ميراث العمة ~~والخالة ثابتا. # وأنه. إن سقط ميراث العمة والخالة سقط ميراث الخال. صار انضمام الإجماع ~~على الوصف الذي ذكرنا إلى الخبر موجبا لتعارض هذين الخبرين، ثم يكون إثبات ~~الميراث أولى من وجهين. # أحدهما: أنه ناقل من الأصل، ونفي الميراث وارد على الأصل. # والثاني: أن في خبرنا إثبات الميراث، وفي خبرهم نفيه، ومتى اجتمع خبر ناف ~~وخبر مثبت كان المثبت أولى من النافي. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وأما عدد المخبرين في الخبرين المضادين فلا ~~اعتبار به عندنا، إذا لم يبلغ مقدارا يوجب العلم، ولا فرق بين أن يروي أحد ~~الخبرين واحد، ويروي الآخر اثنان. # وزيادة العدد من هذا الوجه لا يوجب ترجيح أكثرهما عددا، وإن كان أكثرهما ~~عددا أقوى في النفس من أقلهما عددا، كما أن شهادة الأربعة بملك هذا العبد ~~لعمرو أقوى في # PageV03P172 # النفس من شهادة اثنين به لزيد، ولو اجتمعوا كان بينهما نصفين، فليس ~~لزيادة الشهود تأثير في وجوب الاستحقاق. # وهو عندي مذهب أصحابنا، لأنهم قد قبلوا من أخبار الآحاد التي عارضها خبر ~~الاثنين، والثلاثة، أخبارا كثيرة، أكثر من أن تحصى، ولم يلتفتوا إلى زيادة ~~العدد. # وما سمعنا أيضا أبا الحسن - رحمه الله - قط يفرق بين خبر الواحد، وخبر ~~الاثنين في طول ما جاريناه في حكم هذه الأخبار، بل كان المفهوم عندنا من ~~مذهبه وما لا شك فيه اعتقاده، وما يجري عليه حجاجه: أنه لا فرق بين خبر ~~الاثنين، وخبر الواحد، ms480 ولا حكي أيضا عن أحد من أصحابنا الفرق بينهما. # وقد ذكر عيسى بن أبان - رحمه الله - ما يدل على ما ذكرناه؛ لأنه قال: ~~يلزم من قال: لا ألتفت إلى عمل الناس، لأن الخبر مستغن بنفسه، أن يقول: إذا ~~تضادت الأخبار أخذت بأقواها إسنادا، وأصحها في الخبر، فيلزمه أن يكون ما ~~جاء من وجهين أولى أن يعمل به مما جاء من وجه واحد، ولأن الاثنين أقوى في ~~الخبر من الواحد. # قال أبو بكر - رحمه الله -: فظاهر هذا الكلام يدل على: أن هذا الأصل كان ~~متقررا بينه وبين خصمه الذي تكلم عليه، في أن خبر الاثنين لا مزية له على ~~خبر الواحد، وإن كانا أقوى في النفس منه. # قال أبو بكر: وقد ذكر محمد في كتاب الاستحسان: أنه إذا أخبره رجلان ثقتان ~~بنجاسة الماء أو طهارته، وأخبره واحد ثقة بخلاف ذلك: أنه يعمل بقول ~~الاثنين، وإن كانا عبدين ويترك قول الواحد وإن كان حرا. # قال: وإن أخبره حران ثقتان بالأمر بأحد الأمرين، وعبدان ثقتان بالأمر ~~الآخر. أنه يأخذ بقول الحرين، لأن شهادتهما تقطع بها الأحكام. # قال أبو بكر: وهذا لا يدل من قوله: على أن خبر الاثنين في أحكام الدين ~~أولى من خبر الواحد، وذلك لأنه لا خلاف بين ناقلي أخبار الآحاد أن خبر ~~الرجلين لا مزية له على خبر المرأتين، وأنهما سواء في إثبات الأحكام، يجوز ~~الاعتراض بأحدهما على الآخر، وكذلك خبر الحرين، وخبر العبدين سواء، لا مزية ~~لأحدهما على الآخر، وإن كان الحران يقطع بشهادتهما ولا يقطع بشهادة ~~العبدين. # PageV03P173 # ولذلك لم يفرق أحد من السلف بين خبر أبي بكرة، وشبل بن معبد. وهما ~~محدودان في قذف، غير تائبين منه، وبين خبر اثنين غيرهما من الصحابة، فدل ~~ذلك على أن خبر المخبرين بنجاسة الماء أو طهارته، ليس بأصل الأخبار في ~~إثبات أحكام الدين. # أولا ترى: أن الشهادة لما شرط في أقل عددها اثنان لم يختلف فيها حكم ~~الاثنين، وحكم الأربعة. كذلك خبر الواحد في الأحكام، لما كان أقل من يقبل ~~فيه ms481 واحد لم يختلف فيه حكم الواحد والاثنين. # PageV03P174 ### | [باب القول في اختلاف الرواية في زيادات ألفاظ الحديث] # باب # القول في اختلاف الرواية في زيادات ألفاظ الحديث كان أبو الحسن الكرخي - ~~رحمه الله -: يذهب إلى أن راوي الحديث إذا كان واحدا، ثم اختلف الرواة عنه ~~في زيادة ألفاظه ونقصانها: إن الأصل هو ما رواه الذي ساقه بزيادة، وأن ~~النقصان إنما هو إغفال من بعض الرواة، وذلك نحو ما روى عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «إذا اختلف المتبايعان ~~والسلعة قائمة بعينها، فالقول ما قال البائع، أو يترادان» ومن الناس من ~~يروي هذا الخبر فلا يذكر فيه حال قيام السلعة بعينها. فالأصل فيه هو الأول، ~~وحذف قيام السلعة إغفال من بعض رواته. # وإنما كان ذلك كذلك: من قبل أنه لما كان راوي الخبر واحدا، لم يثبت ~~عندنا: أن النبي - عليه السلام - قال ذلك مرتين. ذكر في إحداهما حال قيام ~~السلعة، ولم يذكرها في الأخرى فلم يجز لنا إثبات ذلك، لأن فيه إثبات خبر ~~الشك من غير رواية. # وأما إذا روي الخبر من النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجهين، أو ثلاثة، ~~أو أكثر، فكان في ظاهر الحال دلالة: على أن النبي - عليه السلام - قد قال ~~ذلك في أوقات مختلفة، وفي بعض ألفاظ الرواة زيادة. فالزيادة مقبولة، والخبر ~~المطلق أيضا محمول على إطلاقه، وذلك نحو ما روى عمر - رضي الله عنه -، قال: ~~«فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر صاع تمر، أو صاع شعير، ~~على كل حر وعبد من المسلمين» فزاد في لفظ الحديث ذكر المسلمين. # PageV03P177 # وروى جماعة غيره عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «أدوا صدقة الفطر على ~~كل حر وعبد، صغير وكبير» . # ولم يذكر فيه المسلمين، فهذان الخبران كل واحد منهما غير الآخر، فهما ~~مستعملان جميعا، ولا يجوز لنا حمل الخبر المطلق على الخبر المقيد بشرط ~~الإسلام، لأن ظاهر ما وصفنا أن النبي - عليه السلام - قد قال هذا مرة وهذا ~~مرة. # ونظيره أيضا: ms482 ما روى ابن عباس «أن النبي - عليه السلام - نهى عن بيع ~~الطعام حتى يقبض» . # وروي في أخبار أخر من غير جهة ابن عباس: «أن النبي - عليه السلام - نهى ~~عن بيع ما لم يقبض» فاستعمل الخبرين، ولم يحمل الأمر على أنهما خبر واحد ~~حذف منه بعض الرواة ذكر الزيادة. # ألا ترى: «أن النبي - عليه السلام - قد أمر عتاب بن أسيد مبتدأ القول ~~مطلقا حين بعثه إلى مكة، فقال: انههم عن أربع: بيع ما لم يقبض، وربح ما لم ~~يضمن، وعن بيع وسلف، وعن شرطين في بيع» فدل على أنهما خبران قد قالهما ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقتين. # فإن قيل: قد روي عن «النبي - عليه السلام -: مسح ببعض رأسه» ، وفي خبر ~~آخر «أنه مسح بجميع رأسه» ، فهلا أثبت الزيادة ". # قيل له: هذه الزيادة ثابتة عندنا، إلا أنه على وجه الندب، لأن النبي - ~~عليه السلام - لا يترك المفروض بحال. ويجوز أن يفعل المندوب في حال، ويتركه ~~في آخر، فيقتصر على المقدار المفروض على وجه التعليم، وإذا روى بعض الصحابة ~~حديثا رفعه إلى النبي - عليه السلام -، ثم روي ذلك الحديث عن ذلك الصحابي ~~موقوفا عليه فإن ذلك عندنا غير مفسد لرواية من رواه مرفوعا، بل هو مما يؤكد ~~روايته التي رواها عن النبي - عليه السلام -، # PageV03P178 # يوجب تأكيد روايته، ويكون دليلا: على أنه رآه ثابت الحكم، غير منسوخ. # وقوم من أصحاب الحديث يصنفون الرواة، فيجعلونهم طبقات، فإذا روى رجل من ~~أهل الطبقة العليا حديثا قبلوا عليه زيادة من هو في طبقته، ولم يقبلوا عليه ~~زيادة من هو دون طبقته. # وكذلك إذا أسند رجل من أهل الطبقة العليا حديثا إلى النبي - عليه السلام ~~-، ورفعه رجل ممن هو دون طبقته كان عندهم مسندا، وإن رفعه من كان من أهل ~~الطبقة العليا على الصحابي، ورفعه من هو في طبقة دونها، كان ذلك عندهم ~~موقوفا، ولم يكن مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك يقولون فيما يرسله واحد، ويسنده آخر، على هذا الاعتبار، ولا ~~يعتبرون معارضتها ms483 للأصول ودلائلها، وإنما يصححون الروايات بالرجال فحسب. # ولم نعلم أحدا من الفقهاء يعتبر في قبول أخبار الآحاد اعتبارهم. # PageV03P179 ### | [باب القول فيمن روي عنه حديث وهو ينكره] # باب # القول فيمن روي عنه حديث وهو ينكره # قال أبو بكر - رحمه الله -: كان كثير من شيوخنا يستدل على فساد حديث ~~سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - عليه السلام -: ~~أنه قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» بما ذكر ابن جريج: ~~أنه سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه، فكانوا يجعلون إنكار الزهري لذلك ~~مفسدا لرواية من روي عنه. # ومثله حديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: # PageV03P183 # «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد» فلما سئل سهيل ~~عنه قال: لا أعرفه. فقيل له: فإن ربيعة يرويه عنك، فقال: إن كان ربيعة ~~يرويه عني فهو كما قال. قال: فكان بعد ذلك يقول: حدثني ربيعة عني. # قال أبو بكر: وقد روي عن أبي يوسف في قاض ادعي عنده قضاؤه بحق لرجل، فلم ~~يذكره - فأحضر المدعي بينة لتشهد على قضائه له بذلك: أن للقاضي ألا يسمع ~~بينته على ذلك. وقال محمد - رحمه الله -: يسمع منها، ويقضي له بالحق. # فإن حملنا الخبر على الشهادة على قضاء القاضي، وهو لا يذكره - فالواجب ~~على مذهب أبي يوسف: أنه يفسد الحديث إذا لم يذكره المروي عنه، وإن كان ~~الراوي له ثقة. ويجب على محمد أن يقبل. # وقد روي «عن عمار: أنه قال لعمر حين خالفه في جواز التيمم للجنب: أما ~~تذكر يا أمير المؤمنين أنا كنا في الإبل فأجنبت، فتمعكت في التراب، ثم سألت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك، فتمسح ~~بها وجهك وذراعيك» . # فلم يقنع عمر قول عمار وهو عنده ثقة أمين، إلا أنه ذكر أنه كان شاهدا ~~للأمر الذي قاله. فلما لم يذكره عمر لم يأخذ به، فهذا يؤيد قول من يقول ~~بفساد الحديث بجحود المروي عنه إياه. ms484 # ولا خلاف بين الفقهاء: في أن شاهدين عدلين لو قالا لرجل: قد كنت أشهدتنا ~~على شهادتك: أن لفلان على فلان ألف درهم، وهو لا يذكر ذلك، أنه لا يسعه أن ~~يشهد عند القاضي بما قالا. # وكذلك لو رأى خطه ولم يذكر الشهادة لم يسعه إقامتها، وهذا أيضا مما يؤيد ~~قول من أفسد الحديث بما ذكرنا. # فإن قيل: فقد يحتمل أن ينساه بعد روايته، إياه فينبغي أن يقبل رواية ~~الثقة عنه. # PageV03P184 # قيل له: ويحتمل أن يكون الراوي نسي، فظن أنه يزيد، فسمعه منه، وهو إنما ~~سمعه من غيره، فالنسيان جائز عليهما جميعا، فلم جعلت المروي عنه أولى ~~بالنسيان من الراوي؟ # وأما من لا يفسد الحديث بإنكار المروي عنه له، فإنه يذهب فيه إلى أن ~~رواية الثقة مقبولة، والنسيان جائز على المروي عنه، فلا يفسده. # وقد «قبل النبي - عليه السلام - قول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، ~~حين قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فأقبل عليهما، فقال: أحق ما يقول ~~ذو اليدين؟ فقالا: نعم» فقبل خبرهما. # وقبل عمر قول أنس في أمان الهرمزان حين، قال له: " أتكلم بكلام حي أم ~~بكلام ميت؟ " فقال: تكلم بكلام حي " ولم يذكر عمر ما قاله له من ذلك. ثم ~~قبل قول من أخبر به. # وهذا عندنا لا يلزم من خالفه في ذلك، لأنه يحتمل أن يكون النبي - عليه ~~السلام - في قصة ذي اليدين، وعمر في قصة الهرمزان، ذكرا ذلك بعد إخبار من ~~أخبرهما به. # PageV03P185 ### | [باب القول في رواية المدلس وغيره] # باب # القول في رواية المدلس وغيره قال أبو بكر - رحمه الله -: التدليس أن يروي ~~عن آخر لقيه، ويوهم السامع منه أنه سماع، ولا يكون قد سمعه منه، وإنما سمعه ~~من غيره، فيقول: قال فلان، وذكر فلان، ونحو ذلك. # وقد كان الأعمش، والثوري، وهشام، في آخرين يدلسون الأخبار. # وكان شعبة يقول: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس. # والقول فيه عندنا: أنه إن كان المدلس مشهورا بأنه لا يدلس إلا عمن يجوز ~~قبول روايته، فروايته مقبولة ms485 فيما دلس، وإن كان الظاهر من حاله أنه لا ~~يبالي عمن دلس: من ثقة أو غير ثقة، فإنه لا يقبل روايته إلا أن تذكر سماعه ~~فيه، على نحو ما بينا في إرساله الحديث، ولا سيما كل من أسقط من بينه وبين ~~من روى عنه رجلا مدلسا، لأن الصحابة قد رووا عن النبي - عليه السلام - ~~كثيرا من الأحاديث التي لم يسمعوها، وحذفوا ذكر من بينهم وبين النبي - عليه ~~السلام -، واقتصروا على أن قالوا: قال النبي - عليه السلام -. # وكذلك التابعون، ولا يسمون مدلسين من وجهين: أحدهما: أنهم إنما قصدوا ~~الاختصار، وتقريب الإسناد على السامعين منهم. # الآخر: أنهم أرادوا بالإسناد تأكيد الحديث، والقطع على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: بأنه قاله، ولم يقصدوا التزين بعلو الإسناد. # PageV03P189 # وكذلك نقول فيمن بعدهم، من قصد منهم بحذف الرجل الذي بينه وبين المروي ~~عنه: أحد هذين الوجهين. فإنا لا نسميه مدلسا، وإنما المدلس من يقصد بحذف ~~الرجل الذي سمعه: التزين بعلو السند، ونحو ذلك. # وهذا القصد غير محمود، غير أنه من ثبت أنه لا يدلس إلا عن الثقات، فهو ~~مقبول الخبر، وإن لم يقل حدثنا. # ومن يدلس عن غير الثقات فالأظهر من أمره: أنه غير مقبول الرواية حتى يبين # PageV03P190 ### | [فصل وجائز للرجل أن يقرئ المحدث فيقول فيه حدثنا] # إذا كان المحدث يسمع ويضبط ما يقرأ عليه، وهكذا روي عن أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه -، أنه قال: إن قراءتك علي لمحدث أثبت من قراءته عليك. # ووجه ذلك: أنه إذا كان قارئا لم يعقل شيئا منه، وإذا كان المحدث هو ~~السامع، فقد يجوز أن يعقل بعض ما يقرؤه القارئ. # ومثله يجوز فيه الشهادات، وهي أكبر في الأصل من الأخبار، لأنك لو قرأت ~~صكا على إنسان بحق عليه، وقلت له: أشهد عليك بذلك، فقال: نعم. وسعك أن ~~تقول: أقر عندي فلان بجميع ما في هذا الكتاب. # وأما من كتب إليه بحديث، فإنه إذا صح عنده أنه كتابه إما بقول ثقة، أو ~~بعلامات # PageV03P191 # منه وخطه، يغلب معها في النفس أنه ms486 كتابه، فإنه يسع المكتوب إليه الكتاب ~~أن يقول: أخبرني فلان، يعني الكاتب إليه، ولا يقول حدثني. # وقد قال أصحابنا فيمن قال: إن أخبرت فلانا بسر فلان فعبدي حر، فكتب إليه، ~~ووصل إليه كتاباته. فقد أخبر، وحنث في يمينه، وقد أخبرنا الله تعالى عن ~~القرون الماضية والأمم السالفة في كتابه. # وجائز لنا أن نقول: أخبرنا الله بذلك، ولا يجوز في مثله أن يقول: حدثنا. ~~وقد كان النبي - عليه السلام - كتب إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الإسلام، ~~«وكتب إلى الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها» . # وقال عبيد الله بن عكيم: ورد علينا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء» . فدل على أن ما تضمنه الكتاب من ذلك: ~~هو إخبار من الكاتب به. # وأما ما يوجد من كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف به قد تناولته النسخ، ~~فإنه جائز لمن نظر فيه أن يقول: قال فلان كذا، ومذهب فلان كذا، وإن لم ~~يسمعه من أحد. # مثل كتب محمد بن الحسن، وموطأ مالك، ونحوها من الكتب المصنفة في أصناف ~~العلوم، لأن وجود ذلك على هذا الوصف بمنزلة خبر التواتر والاستفاضة، لا ~~يحتاج مثله إلى إسناد، وقد عاب بعض أغمار أصحاب الحديث على محمد بن الحسن - ~~رحمه الله - حين سئل عن هذه الكتب فقيل له: أسمعتها من أبي حنيفة؟ فقال: ~~لا. فقيل له: أسمعتها من أبي يوسف؟ فقال: لا. وإنما أخذناها مذاكرة. فأنكر ~~هذا القائل بجهله على محمد بن الحسن - رحمه الله -: أن يحكي عنهم أقاويلهم ~~التي في كتبهم المصنفة من غير سماع. # وقد قلنا: إن مثل هذا لا يحتاج فيه إلى سماع، ولا إسناد، لظهوره ~~واستفاضته. ولو لم يكن هذا هكذا لما جاز لأحد أن يقول لموطإ مالك، أو كتاب ~~أبي يوسف: هذا كتاب فلان، وهذا كتاب فلان، إذا لم يكن قد سمعه بإسناد. وأما ~~إذا قال الراوي لرجل: قد أجزت لك أن تروي عني جميع ما في هذا الكتاب، فاروه ~~عني. # فإن كانا قد ms487 علما ما فيه، جاز له أن يرويه عنه. فيقول: حدثني، وأخبرني، ~~كما أن # PageV03P192 # رجلا لو كتب صكا والشهود يرونه، ثم قال: اشهدوا علي بما فيه، جاز لهم ~~إقامة الشهادة عليه بما فيه. # وأما إذا لم يعلم الراوي، ولا السامع بما فيه، فإن الذي يجيء على مذهب ~~أصحابنا لا يجوز له أن يقول: أخبرني فلان بذلك، كما قالوا في الصك إذا ~~أشهدهم وهم لا يعلمون ما فيه: لم يصح الإشهاد. وكذلك إذا قالوا له: أجزنا ~~لك ما يصح عندك من حديثنا، فإن هذا ليس بشيء، كما لو قال: ما صح عندك من صك ~~فيه إقراري فاشهد به علي. لم يصح ذلك، ولم يجز الشهادة به عليه. والله ~~أعلم. # PageV03P193 ### | [باب قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا والسنة كذا] # باب # قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، والسنة كذا قال أبو بكر: قول ~~الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا. وقوله: السنة كذا. لا يجوز أن يجعل ~~شيء منه رواية عن النبي - عليه السلام -، إذ كان الأمر والنهي والسنة لا ~~يختص بالنبي - عليه السلام -، دون غيره من الناس، قال الله تعالى: {أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] . # فقد يكون الأمر والنهي للأمير والولاة، فلا دلالة في مثله على: أنه رواية ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك السنة، فقد تكون لغير النبي - عليه ~~السلام -، قال النبي - عليه السلام -: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي» . وقال - عليه السلام -: «سن لكم معاذ سنة حسنة» . # PageV03P197 # وقال: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن ~~سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» . # وقال سعيد بن المسيب لربيعة، حين سأله عن أرش أصابع المرأة إذا كن ثلاثا ~~فقال: " فيها ثلاثة آلاف درهم، فقال: فإذا كن أربعا. فقال: فيها ألفا درهم. ~~قلت: لما كثر جرحها وعظمت مصيبتها نقص أرشها؟ فقال: أعراقي أنت؟ هكذا السنة ~~" وإنما مخرج ذلك عن زيد بن ثابت، فسماه سعيد بن المسيب ms488 سنة. # وحكي لنا عن الشافعي قال: " إذا قال مالك: السنة كذا، فإنما يريد سنة ~~سليمان بن بلال، وكان عريف السوق ". # وأما إذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، أو ~~نهانا عن كذا، وسن رسول # PageV03P198 # الله - صلى الله عليه وسلم - كذا، أو قال هذي سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإن من الناس من يأبى أن يوجب بمثله حكما، حتى يحكي لفظ رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بعينه، لأنه جائز أن يكون سمع لفظا يحتمل ~~المعاني، فتأوله على المعنى عنده، ونحن فلا يلزمنا تأويله، لا سيما وقد ~~عرفنا من مذهب بعض علماء السلف نقل المعنى دون اللفظ. # وقال آخرون: حكم ما هذا سبيله من الألفاظ ثابت فيما يتناوله من أمر ونهي، ~~وليس لأحد العدول عنه لأجل ما ذكر، لأن الراوي إذا كان من أهل اللسان وممن ~~يوثق بضبطه ومعرفته فهو يعرف ما يحتمل التأويل من الألفاظ، مما لا يحتمله. # فلو كان مصدر هذا القول عنده عن لفظ يحتمل التأويل لبين حكاية اللفظ ~~بعينه، فلما اقتصر على إجمال ذكر الأمر والنهي علمنا: أن ذلك اللفظ عنده لم ~~يغير ما حكيناه. ولو ساغ الاعتبار الذي ذكره قائل القول الأول - لوجب أن لا ~~يحكم به إذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كيت وكيت "، لأن ~~من العلماء من يروي نقل المعنى دون اللفظ. # منهم: الحسن، والشعبي، وغيرهما. # ومنهم: من يرى نقل اللفظ بعينه، فيجوز على موضوع هذا القائل أن يقال: إن ~~هذا إنما حكى معنى ما سمعه من النبي - عليه السلام -، لا لفظه بعينه، لأن ~~عيسى بن أبان - رحمه الله - كان ممن يرى المعنى دون اللفظ، فلما أبطل ذلك. ~~وكان قوله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كذا. محمولا على حكاية ~~لفظ وحقيقة معناه، وجب أن يحمل قوله: " أمرني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بكذا: ونهانا عن كذا، وسن لنا كذا، على حقيقة الأمر والنهي " كأنه ~~قول من النبي - عليه السلام - بعينه. # وقد كانت ms489 الصحابة - رضوان الله عليهم - تكتفي في رواية بعضهم لبعض سنن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحكامه، وسماع بعضهم من بعض بسماع هذا ~~اللفظ، فيما يزيد معرفة من # PageV03P199 # النصوص والسنن، ألا ترى: أن صفوان بن عسال لما سئل عن المسح على الخفين، ~~قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفرا: أن لا ننزع ~~خفافنا ثلاثة أيام ولياليها، ليس الجنابة، لكن من غائط وبول ونوم» فاكتفى ~~بذكر الأمر مجملا، دون حكاية لفظ أمر النبي - عليه السلام -، وقنع السائل ~~أيضا منه بذلك، دون مطالبته بإيراد لفظه. # وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا، حتى ~~أخبرنا رافع بن خديج: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها، ~~فتركناها» فاكتفى منه بإطلاق لفظ النهي، دون حكاية لفظ النبي - عليه السلام ~~-. # ومثله كثير عن الصحابة، يطول الكتاب بذكره، ومن نحوه: قول عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - للصبي بن معبد، حين قرن بين الحج والعمرة: السنة، ثم سأله ~~عمر - رضي الله عنه - عن ذلك فقال: " هديت لسنة نبيك " ولم يحتج مع إضافته ~~السنة إلى النبي: إلى حكاية لفظه أو فعله. # PageV03P200 ### | [باب القول في الصحابي إذا روى خبرا ثم عمل بخلافه] # قال أبو بكر - رحمه الله -: هذا على وجهين: إن كان الخبر يحتمل التأويل ~~لم يلتفت إلى تأويل الصحابي ولا غيره، وأمضى الخبر على ظاهره، إلا أن تقوم ~~الدلالة على وجوب صرفه إلى ما يؤوله الراوي. # والوجه الآخر: أن يرويه ثم يقول بخلافه فيما لا يحتمل التأويل، ولا يصلح ~~أن يكون اللفظ عبارة عنه. فهذا يدل عندنا من قوله: أنه قد علم نسخ الخبر، ~~أو عقل من ظاهر حاله: أن مراده كان الندب، دون الإيجاب. # فالأول: نحو ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - ~~أنه قال: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا» . والتفريق يكون بالقول، ويكون ~~بالفعل، واللفظ يحتمل. # وكان مذهب ابن عمر: أنه على التفريق بالأبدان. وهذا تأويل منه، فلا يقضي ~~تأويله على ms490 مراد الخبر. # والوجه الثاني: نحو ما روى أبو هريرة عن النبي - عليه السلام -: في «غسل ~~الإناء من ولوغ الكلب سبعا» . # ونظيره أيضا: ما روي «عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان على المنبر يوم ~~الجمعة فجاء عثمان فقال له عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: ما هو إلا أن سمعت ~~النداء، فلم أزد على أن # PageV03P203 # توضأت، فقال عمر: وللوضوء أيضا وقد علمت: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يأمرنا بالغسل» . # فأخبر: أن النبي - عليه السلام - أمر بالغسل، ثم قال هو: إن الوضوء يجزئ ~~عنه، والأمر بالغسل لا يحتمل جواز الوضوء. فعلمنا: أنه لم يقبل بإجزاء ~~الوضوء عن الغسل، إلا وقد علم من فحوى خطاب النبي - عليه السلام -، ومن ~~دلالة الحال، ومخرج الكلام: أن الأمر بالغسل كان على وجه الندب. ونحوه ما ~~روى عبيد الله بن أبي رافع، عن علي - رضي الله عنه -، عن «النبي - عليه ~~السلام -: رفع اليدين عند الركوع» . # وروي عن علي أنه: " لم يرفعهما " وكذلك روي عن ابن عمر، عن «النبي - عليه ~~السلام -: رفع اليدين عند الركوع» . ثم روى مجاهد أنه: " صلى خلف ابن عمر ~~فلم يرفع يديه، إلا عند الافتتاح " فدل تركهما الرفع بعد النبي - عليه ~~السلام - على: أنهما قد عرفا نسخ الأول، لولاه لما تركاه، إذ غير جائز أن ~~يظن بهما مخالفة سنة روياها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مما لا احتمال ~~فيه للتأويل. # قال عيسى: وإن كان مثل ذلك الخبر ما يجوز أن يخفى على من خالفه إلى غيره، ~~فالعمل على الخبر، دون ما روى الصحابي. # فأما الأول: فنحو ما روي عن النبي - عليه السلام -، أنه قال: «البكر ~~بالبكر، جلد مائة، وتغريب عام» وجاء عن عمر - رضي الله عنه - أنه " نفى ~~رجلا، فلحق بالروم. فقال # PageV03P204 # عمر: لا أنفي بعدها أحدا ". # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " كفى بالتفرقة فتنة " فلو كان ~~النفي حدا ثابتا لما تركوه بعد المعرفة به، ومثله قول عمر - رضي الله عنه ~~-: " متعتان كانتا على عهد رسول الله ms491 - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهى ~~عنها، إذا صرت عليها. متعة النساء، ومتعة الحج ". قال ابن سيرين " هم ~~شهدوا، وهم نهوا عنها، فما في رأيهم ما يرغب عنه، ولا في نصيحتهم # PageV03P205 # ما يتهم ". # ومنها: «أن النبي - عليه السلام - قسم خيبر حين افتتحها» وفتح عمر السواد ~~فلم يقسمه، وتركها في أيدي أهلها، فلو لم يكن قد علم: أن ما فعله النبي - ~~عليه السلام - في قسمة خيبر لم يكن حتما، لأن ما لا يجوز غيره، لا يجوز ~~مخالفته. # ومثله ما روي: «أن النبي - عليه السلام - جمع بين الصلاتين في السفر ~~بالمدينة» . وقال عمر بن الخطاب: " إن جمعا بين الصلاتين من غير عذر من ~~الكبائر " ولو كان الجمع على الوجه الذي ادعاه مخالفنا ثابتا - لما خفى ~~مثله عن عمر - رضي الله عنه -، وهو يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~سفره وحضره. # فإن قيل: قد خفي على عبد الله بن مسعود - رحمه الله - نسخ التطبيق، وكان ~~يطبق بعد النبي - عليه السلام -، مع قرب محله من النبي، وملازمته إياه في ~~السفر والحضر. # قيل له: لم يخف عليه ترك التطبيق عمدا، وإنما تأول لفظ النبي - عليه ~~السلام - فيه على الرخصة، لأنه روي أنه: " شكا إليه مشقة التطبيق فقال: ~~«استعينوا بالركب» . # PageV03P206 # وكان ظاهر هذا اللفظ: الترخيص، فحمله على ذلك، وكان عنده: أن الأول ثابت، ~~فاختاره، لأنه أشق على المصلي. # قال عيسى: فأما الوجه الثاني مما يجوز أن يخفى على الصحابي: فنحو ما روي ~~عن النبي - عليه السلام - «أنه: رخص للحائض أن تنفر قبل طواف الصدر» وروي ~~عن عمر أنه قال: " تقيم حتى تطهر فتطوف ". # ومثل ذلك يجوز خفاؤه على عمر. فالأمر فيه على ما جاء عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # قال: ومثله ما روي عن «النبي - عليه السلام - أنه: أمر بإعادة الوضوء من ~~الضحك في الصلاة» وروى أبو موسى الأشعري أنه: " لا يعيد الوضوء "، ومثله قد ~~يجوز أن يخفى عليه، فلا يعترض بخلافه على الخبر، ولا يوهنه. # PageV03P207 # ومثله ما روي عن النبي - عليه السلام - " في ms492 الحج عن الشيخ الكبير، الذي ~~لا يثبت على الراحلة ". # وروي عن ابن عمر أنه قال: " لا يحج أحد عن أحد " فهذه أمور خاصة يجوز ~~خفاء مثلها على هؤلاء، فلا تقدح مخالفتهم فيها في الخبر، ويحمل أمره على: ~~أنه لم يبلغهم ما روي عن النبي - عليه السلام - فيه، وأنه لو قد كان بلغهم ~~لصاروا إليه، وتركوا رأيهم. # PageV03P208 ### | [باب القول في راوي الخبر كيف سبيله أن يؤديه] # باب # القول في راوي الخبر كيف سبيله أن يؤديه # قال أبو بكر - رحمه الله -: قد حكينا عن الحسن والشعبي: أنهما كانا ~~يحدثان بالمعاني، وكان غيرهم - منهم ابن سيرين - يحدث باللفظ. # والأحوط عندنا إذا اللفظ وسياقه على وجهه، دون الاقتصار على المعنى، سواء ~~كان اللفظ مما يحتمل التأويل أو لا يحتمله. # إلا أن يكون الراوي مثل: الحسن، والشعبي، في إتقانهما للمعاني والعبارات ~~التي هي وفقها غير فاضلة عنها، ولا مقصرة. وهذا عندنا إنما كان يفعلانه في ~~اللفظ الذي يحتمل التأويل، ويكون للمعنى عبارات مختلفة، فيعبران تارة ~~بعبارة، وتارة بغيرها. # فأما ما لا يحتمل التأويل من الألفاظ فإنا لا نظن بهما: أنهما كانا ~~يغيرانه إلى لفظ غيره، مع احتماله لمعنى غير معنى لفظ الأصل، وأكثر فساد ~~أخبار الآحاد وتناقضها واستحالتها إنما جاء من هذا الوجه، وذلك لأنه قد كان ~~منهم من يسمع اللفظ المحتمل للمعاني، فيعبر هو بلفظ غيره، ولا يحتمل إلا ~~معنى واحدا، على أنه هو المعنى عنده فيفسد. # والدليل على صحة ما ذكرنا من وجوب نقل اللفظ بعينه قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها. فرب حامل ~~فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . # فأمر - عليه السلام - بنقل اللفظ بعينه ليعتبره الفقهاء، ويحملوه على ~~الوجوه التي يصح حمله عليها. # PageV03P211 ### | [باب القول في أفعال النبي] # - صلى الله عليه وسلم -) # قال أبو بكر - رحمه الله -: أفعال النبي - عليه السلام - الواقعة على قصد ~~منه يقتسمها وجوه ثلاثة. # واجب، وندب، ومباح، إلا ما قامت الدلالة على ms493 أنه من الصغائر المعفوة. فإن ~~ظهر منه فعل ليس في ظاهره دلالة على وقوعه منه، على أحد الوجوه الثلاثة ~~التي ذكرنا، فقد اختلف الناس فيما يتعلق علينا من حكمها. # فقال قائلون: واجب علينا أن نفعل مثله، حتى تقوم الدلالة على أنه غير ~~واجب. # وقال آخرون: ليس منها شيء واجب علينا فعله، حتى تقوم الدلالة على وجوبه، ~~ولنا فعله على وجه الإباحة، إذ كان ذلك أدنى منازل أفعاله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقال آخرون: نقف فيه، ولا نفعله، لا على وجه الإباحة، ولا غيرها، حتى ~~تقوم الدلالة على شيء من ذلك. # واختلفوا أيضا إذا علم وقوعه على شيء من هذه الوجوه الثلاثة: من الإباحة، ~~والندب والإيجاب. # فقال قائلون: علينا اتباعه فيه، وإيقاعه على الوجه الذي أوقعه عليه. # وقال آخرون: ليس علينا فعله، حتى تقوم الدلالة عليه، وكان أبو الحسن ~~الكرخي - رحمه الله - يقول: ظاهر فعله - عليه السلام - لا يلزمنا به شيء، ~~حتى تقوم الدلالة على لزومه لنا، ولا أحفظ عنه الجواب أيضا، إذا علم وقوعه ~~على أحد الوجوه التي ذكرناها، والذي يغلب على ظني من مذهبه، أنه علينا ~~اتباعه فيه، على الوجه الذي أوقعه عليه، فهذا هو الصحيح عندنا. # PageV03P215 # والدليل على أن ظاهر فعله - عليه السلام - لا يوجب علينا فعل مثله - قول ~~الله تعالى {أطيعوا الله} [النساء: 59] وقال تعالى {فاتبعوه} [الأنعام: ~~153] وقال تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: ~~31] فلما أمرنا بطاعته واتباعه، وكانت طاعته واتباعه لا يكونان إلا بأن ~~نوقع أفعالنا على الوجه الذي يريده منا. # PageV03P216 # ولم يكن فعله عبارة عن إرادته ذلك منا، ولا كان في ظاهره ما يدل عليه، لم ~~يجز لنا فعله على وجه الإيجاب، مع فقد العلم بأنه يريد ذلك منا، فلا يكون ~~فعلنا له على هذا الوجه طاعة، ولا اتباعا له، ولأنا متى أقدمنا على ذلك فقد ~~قضينا بأنه مريد منا ذلك، وغير جائز لنا إثبات إرادته لذلك إلا بنص أو ~~دلالة، وظهور فعله لا يدل عليها، أو قد يفعل هو ms494 في نفسه فعلا ولا يريد منا ~~مثله، فإذا ليس وجود فعله على أنه واجب مع عدم العلم به، وليس ظهور الفعل ~~منه على هذا الوجه كظهور أمره في دلالته على إرادته منا، لأنه لا يأمرنا ~~بشيء إلا وقد أراد منا فعله. # فظاهر الأمر يقتضي إرادة المأمور منا. فلذلك اختلفا. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون ما استدللت به من الآي هو الدلالة على وجوب ~~فعله علينا، لأنه حين أمرنا باتباعه، فقد أمرنا بأن نفعل مثل فعله، إذ كان ~~المعقول من لفظ الاتباع، أن نفعل مثل ما فعل. # قيل: لا يخلو شرط الاتباع: من أن يكون إيقاع الفعل في ظاهره على حسب ما ~~أوقعه، من غير أن يكون معلقا بإرادته ذلك منا، أو أن نفعله على حسب ما ~~يريده منا، ومتى فعله في صورته من غير تعلقه بإرادته إياه منا، لكنا متبعين ~~إذا نهانا عنه، وفعله هو في نفسه، ففعلنا مثل فعله لوجود مثله في صورته ~~منا، ولو كان كذلك لكنا مطيعين له بذلك، لأن متبع النبي - عليه السلام - لا ~~بد من أن يكون مطيعا له: فكان يجب أن يكون مطيعا عاصيا، فلما بطل هذا ~~علمنا: أن شرط اتباعه في فعله: أن نوقعه على الوجه الذي أوقع عليه وأراده ~~منا، فلما لم يك ظاهر فعله دلالة على الوجه الذي أوقعه عليه، ولا على أنه ~~قد أراد منا ذلك لم يجز لنا إيقاعه على جهة الإيجاب، مع فقد العلم منا ~~بالوجه الذي أوقعه عليه. # وأيضا: فمعلوم أنه إن كان فعله على وجه الإباحة والندب ثم فعلناه نحن على ~~وجه الوجوب - لم نكن متبعين له، لأن شرط الاتباع إيقاعه على الوجه الذي ~~أوقعه عليه، ومتى خالفناه في هذا الوجه خرجنا من حد الاتباع. # ألا ترى أن من فعل فعلا ففعل غيره مثله على وجه المعارضة له والمضاهاة ~~لفعله قاصدا المعارضة ومباراته، لم يكن متبعا له، وإن كان قد أوقع فعلا مثل ~~فعله في الظاهر. # PageV03P217 # فإن قيل: الدليل على وجوبه قوله تعالى {فليحذر الذين ms495 يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] والفعل يجوز أن يتناوله لفظ ~~الأمر، لأن الأمر يجوز أن يكون عبارة عن شأنه وطريقته. كما قال تعالى {وما ~~أمر فرعون برشيد} [هود: 97] وقال تعالى {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38] ~~وقال تعالى {قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154] وإذا كان ذلك كذلك تضمن ~~قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] . النهي عن ~~مخالفته: في شأنه، وطريقته، وأفعاله، وأحواله فيه. # قيل له: أول ما في هذا: أن إطلاق لفظ الأمر إنما يتناول الأمر الذي هو ~~قول القائل: افعل، ولا يتناول غيره، إلا على وجه المجاز. # والدليل على أن اسم الأمر لا ينتفي عن هذا القول، إذا أريد به إلزام ~~الفعل بحال، وينتفي لفظ الأمر عن الفعل بأن يقال: الفعل ليس بأمر على ~~الحقيقة. # ألا ترى: أنه يجوز أن يفصل بينهما في اللفظ، ويعطف أحدهما على الآخر، ~~فيقول: فعل النبي - عليه السلام -، وأمره - صلى الله عليه وسلم - ولو كان ~~الفعل أمرا على الحقيقة - لجاز أن يقال: لكل فعل أمر، ولجاز أن يقال: إن ~~صلاتنا أمر، وقعودنا، وأكلنا، وشربنا، أمر. # ويدل على هذا: أن اللفظ الذي في مقابلة الأمر - وهو النهي - إنما يكون ~~قولا لا فعلا، فكذلك ضده، وما في مقابلته ينبغي أن يكون قولا. # وأيضا: فلو صح أن لفظ الأمر يتناول الفعل لما كان في الآية دلالة على ما ~~ذكرت، لأن الضمير الذي في قوله تعالى: (عن أمره) راجع إلى الله تعالى، دون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن حكم الكناية أن ترجع إلى ما يليها، ولا ~~ترجع إلى ما تقدم إلا بدلالة، فلما كان الذي يلي الكناية اسم الله تعالى، ~~لأنه قال: {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] وقال: # PageV03P218 # {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] وجب أن يكون ضمير هذه ~~الكناية اسم الله تعالى، وإذا صح رجوعه إلى الله تعالى لم يصح رجوعه إلى ~~الرسول - عليه السلام -، لأن فيها ضمير الواحد لا أكثر منه، فكان تقدير ~~الآية، ms496 فليحذر الذين يخالفون عن أمر الله، فيما أمركم به من تعظيم الرسول ~~لقوله تعالى {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [النور: 63] . # قيل في التفسير: أي لا تدعوه كما يدعو بعضكم بعضا، بأن يقول قائل منكم: ~~يا محمد، بل يدعوه بأنبه أسمائه وأشرفها، فيقول: يا نبي الله، ويا رسول ~~الله. # فإن قيل: لا يمتنع رجوع ضمير الكناية إليه، كقوله تعالى: {وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} [الجمعة: 11] فرد الضمير إلى ~~التجارة، وقد توسطها ذكر اللهو. # قيل له: ليس هذا كما ظننته، لأن الأصل رجوع الكناية إلى ما يليها، ولا ~~يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة. # وأيضا: فإن قوله تعالى: (انفضوا إليها) قد عاد إليهما جميعا في المعنى، ~~لأنه خبر لهما جميعا، ولولا ذلك لحصل قوله: (أو لهوا) منفردا عن خبره، ~~فيبطل فائدته، فإن كان قوله: أو لهوا، مفتقرا إلى خبر، ولا خبر له غير ما ~~في الآية علمنا أن قوله: انفضوا إليها خبر لهما جميعا، وإنما خص التجارة ~~بالكناية، لأن في العادة: أن تفرق الناس إليها أكثر منه إلى غيره. # وجواب آخر: وهو أن هذه الآية قد اقتضت أن لا يكون ظاهر فعله موجبا علينا ~~فعل مثله، وذلك لأنه حذر مخالفة أمره، ومتى لم يعلم على أي وجه فعله هو في ~~نفسه من إيجاب، أو ندب، أو إباحة، ثم فعلناه على غير الوجه الذي فعله ~~وأراده منا فإن ذلك إلى مخالفته أقرب منه إلى المتابعة، وليس ترك المخالفة ~~أن يفعل مثل فعله، في صورته، دون أن يكون واقعا على إرادته منه، لأنه لو ~~نهاه عن فعله كان مخالفا لأمره، وإن فعل مثل ما فعل. # PageV03P219 # وأيضا: لو سلمنا لهم أن لفظ الأمر يتناول الفعل، لما صح أن يكون الفعل ~~مرادا بالآية عندنا، وإن رجع الضمير إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن ~~الجميع متفقون: أن الأمر الذي هو القول مراد، وإذا صح أن ذلك مراد امتنع ~~دخول الفعل فيه، لأن اللفظ الواحد لا يجوز عندنا أن يتناول ms497 معنيين مختلفين، ~~على ما بينا فيما سلف. # وأيضا: فلو سلمنا لهم جميع ما ادعوه في الآية: من أن المراد بالأمر ~~هاهنا: طريقته، وشأنه، وأن الضمير راجع إلى النبي - عليه السلام -، لما صح ~~الاحتجاج بعمومه في إيجابه، لأنه لا يصح اعتقاد العموم في لزوم سائر أفعاله ~~لنا، وما لا يصح اعتقاد العموم فيه لم يجز اعتبار العموم فيه على ما بينا ~~في أول الكتاب، فيصير حينئذ تقديره: فليحذر الذين يخالفون عن بعض أفعاله، ~~فيحتاج ذلك البعض إلى دلالة في إثبات حكمه، ولزوم فعله، لأنه يصير مجملا، ~~مفتقرا إلى البيان. # فإن قيل: قوله تعالى: {فاتبعوه} [الأنعام: 153] يقتضي وجوب فعله علينا. # قيل له: قد بينا أن هذه الدلائل تدل: على أن فعله ليس يقتضي وجوبه علينا، ~~لتعذر اتباعه فيه، عند فقدنا العلم بالوجه الذي أوقع عليه الفعل، لأن اتباع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بد من أن يكون طاعة، ومتى فعلناه على جهة ~~الوجوب ونحن لا نأمن أن يكون هو قد فعله على غير هذا الوجه، فليس ذلك ~~بطاعة، فلا نكون متبعين له. # فإن قيل: قال الله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~[الأحزاب: 21] وهذا يدل على وجوب التأسي به، لأنه قال: {لمن كان يرجو الله ~~واليوم الآخر} [الأحزاب: 21] ومعناه يخاف الله. # قيل له: هذا يدل على نفي الوجوب، لأنه قال: لكم أن تتأسوا به، وهذا ندب ~~وليس بإيجاب، وغير جائز حمله على الوجوب إلا بدلالة، لأن قول القائل: كان ~~يفعل كذا لا يقتضي الوجوب، وإنما كان يدل على الوجوب، لو قال: عليك به، أن ~~تفعل كذا. # فإن قيل: يجوز أن يكون معناه: عليكم. كما قال تعالى: {وإن أسأتم فلها} ~~[الإسراء: 7] وقوله تعالى: {ولهم اللعنة} [غافر: 52] معناه عليهم. # PageV03P220 # قيل الحقيقة: ما وصفنا، وهذا مجاز، لا يصرف اللفظ إليه إلا بدلالة، وأما ~~قوله تعالى: {لمن كان يرجو الله} [الأحزاب: 21] فلا دلالة فيه على ما ذكره، ~~لأن معناه لمن كان يرجو ثواب الله، أبان به عن استحقاق الثواب بالتأسي به، ~~واستحقاق ms498 الثواب بالفعل لا يدل على الوجوب، لأن الندب يستحق الثواب بفعله، ~~ولا يدل على وجوبه. # وأما تأويل من تأوله على معنى: يخاف الله واليوم الآخر - غلط، لأن الرجاء ~~غير الخوف في اللغة. # ألا ترى أنك تقول: أرجو الثواب، ولا تقول: أرجو العقاب. وإنما تقول: أخاف ~~العقاب، وقال تعالى: {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} [الإسراء: 57] ، فالرجاء ~~يتعلق بضد ما يتعلق به الخوف، فغير جائز حمله على غير الحقيقة، وصرفه إلى ~~ضد موجبه. # وأيضا: لو دل على الوجوب لما دل على موضع الخلاف، لأنه كان حينئذ يقتضي ~~وجوب التأسي به، ليكون فعلا مساويا لفعله في الحكم، فإذا لم أعلم أن فعله ~~على جهة الوجوب، ثم فعلته أنا على وجه الإيجاب، فليس ذلك تأسيا به. # وأيضا: فإن التأسي بالنبي - عليه السلام - طاعة، وإذا فعله هو ندبا أو ~~إباحة وفعلته أنا على الوجوب فقد خالفته، ومخالفته ليست بطاعة. # وأيضا: فلما كان معلوما تعذر التأسي به في كل أفعاله، لأن ذلك يوجب لزوم ~~سائر أحواله، وذلك ممتنع، صار ما بدر إليه من التأسي به متعلقا ببعض ~~أفعاله، لاستحالة اعتقاد العموم فيه. فصار تقديره: لكم التأسي به في بعض ~~أفعاله، فيحتاج إلى دلالة أخرى غير اللفظ في إثبات الوجه الذي يتأسى به ~~فيه. # فإن قيل: قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] يدل على: أن ~~ما فعله يجب علينا فعل مثله، لأنه مما أتى به الرسول - عليه السلام -، ~~ولأنه لا فرق بين قوله: (ما آتاكم الرسول) وبين لو قال: ما أتى الرسول به ~~فخذوه، كما لا فرق بين قوله: " ما نهاكم عنه " # PageV03P221 # وبين ما لو قال: ما نهى عنه فانتهوا عنه. # فيقال له: هذا غلط، لأن قوله: (ما آتاكم) لا يجوز أن يكون في معنى قوله: ~~ما أتى به فخذوه، بقصر الألف، لأن قوله: (ما آتاكم) بمعنى ما أعطاكم، وذلك ~~يقتضي خطابنا به، وإرادته منا، وما فعله في نفسه فغير جائز أن يقال: إنه قد ~~أتانا في نفسه أفعالا لا يريدها منا. # وأما قوله: {وما نهاكم عنه} ms499 [الحشر: 7] ، فإن النهي لا يكون إلا خطابا ~~لنا، وذلك في مضمون اللفظ، فلا فرق بين قوله {وما نهاكم عنه} [الحشر: 7] ~~وبين قوله لو قال: ما نهانا عنه، يبين لكم ذلك أنه إذا قيل: أتى فلان كذا: ~~أنه لا يتعدى إلى غيره، وإنما يكون فعلا فعله في نفسه، وإذا قيل: آتى كذا ~~فلا بد من أن يتعدى إلى غيره، ينبغي إعطاء، فيقتضي معطيا، فاقتضت الآية ~~فيما وصفنا خطاب الغير به، وأما فعل يفعله في نفسه فلا يجوز إطلاق ذلك فيه. # فإن قيل: لما «خلع النبي - عليه السلام - نعله في الصلاة خلع القوم ~~نعالهم» ، فدل: على أنهم كانوا معتقدين للوجوب في أفعال النبي - عليه ~~السلام -. # قيل له: هذه دعوى غير مقرونة بدلالة، من أين لكم أنهم كانوا يعتقدون فيه ~~الوجوب؟ دون أن يكونوا فعلوه على وجه الندب؟ وهذا الخبر: يدل على أنه لم ~~يكن يجوز اعتقاد الوجوب في أفعال النبي - عليه السلام -، وذلك لأن «النبي - ~~عليه السلام - لما سلم قال لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: رأيناك خلعت فخلعنا. ~~فقال: إن جبريل أخبرني أن بها قذرا» فلو كان جائزا لهم اعتقاد الوجوب فيه - ~~لما كان أنكر عليهم خلعها في الصلاة. # فإن قيل: لما روي: «أن النبي - عليه السلام - صلى في شهر رمضان ليلة، أو ~~ليلتين، ثم لم يخرج حتى اجتمعوا بعد ذلك، فلما أصبح قال لهم: خشيت أن تكتب ~~عليكم» فدل على: أن مداومته على فعل الشيء موجب للتأسي به فيه، لولاه لم ~~يكن لقوله: خشيت أن تكتب عليكم معنى. # قيل له: هذا من أدل الدلائل على نفي الوجوب من وجهين. # PageV03P222 # أحدهما: أن كلامنا في ظاهر فعل النبي - عليه السلام - هل يقتضي الوجوب أم ~~لا؟ ولم نتكلم في المداومة، وقد صلى النبي - عليه السلام - بهم ليلتين، ~~وأخبر مع ذلك: أنها لم تجب بفعله، فلو كان فعله يقتضي الوجوب لكان قد وجب ~~بأول ليلة. # والثاني: قوله: خشيت أن تكتب عليكم لو داومت، فأخبر: أنها كانت تكتب ~~عليهم من جهة الفعل، ولو كانت مداومته على الفعل ms500 تقتضي الوجوب لقال: لو ~~داومت عليها لوجبت بالمداومة، وكان لا يحتاج أن تكتب عليهم بغيرها. # وقوله: " خشيت أن تكتب عليكم " يجوز أن يكون قد علم في مثله: أنه إذا ~~داوم عليه كتبه الله علينا، وأنه إذا لم يداوم لم تكتب، فكان لزومه للفروض ~~موقوفا على اختياره، كما كان لزوم الخمسين صلاة أو الخمس في الليلة التي ~~أسري به فيها موقوفا على اختياره. # ومما يدل على أن فعله ليس على الوجوب: أن أفعاله - عليه السلام - يعتورها ~~معنيان: الأخذ، والترك. فلما كان الترك غير واجب وهو أحد قسمي الفعل، كان ~~الأخذ مثله. # والعلة الجامعة بينهما: أنه ليس في ظاهر الفعل دلالة على حكمه في نفسه، ~~كما أنه ليس في ظاهر الترك دلالة على حكمه في نفسه: من وجوب، أو ندب، أو ~~إباحة. فوجب أن لا يتعلق وجوب الفعل علينا بوجوده " منه لوجود المعنيين " # فإن قيل: قد اتفقنا على أن فعله إذا ورد على وجه البيان فهو على الوجوب، ~~وكذلك فعله في القضاء بين متنازعين، والفصل بين خصمين بالقضاء لأحدهما على ~~الآخر، فوجب أن يكون سائر أفعاله بمثابتها. # قيل له: لم يجمع بينهما فعله، فهو سؤال ساقط. # وأيضا: فإنا لا نقول: إن ورود فعله مورد البيان يقتضي الإيجاب على هذا ~~الإطلاق، وإنما نقول: إن ورود فعله مورد البيان يقتضي الإيجاب إذا كان ~~بيانا للفظ يقتضي الإيجاب، وإن ورد بيانا لما لا يقتضي الإيجاب فليس على ~~الوجوب. # وأما القضاء على أحد الخصمين على الآخر ونحوه - فإنما كان على الوجوب لأن ~~الدلالة قد قامت على أن فعل ذلك على جهة الوجوب، فلزمنا الاقتداء فيه. # وكذلك نقول في جميع أفعال النبي - عليه السلام -: إن ما علمنا وجوبه عليه ~~منها فواجب # PageV03P223 # علينا فعله. والكلام في الدلالة على أنه فعل ذلك على جهة الوجوب - خروج ~~عن المسألة. # ومن الدليل أن ظاهر فعله لا يقتضي وجوب مثله علينا: أنه لا يصح تكليفنا ~~عموم مثل أفعاله، لأنا لا نقدر عليه، ولا نتوصل إليه، لأن من كان مخاطبا ~~بذلك يحتاج إلى ms501 ملازمته، وترك مفارقته، فاستحال من أجل ذلك تكليفنا عموم ~~أفعاله، فلما استحال ذلك علمنا أن بعضها غير واجب، فلو كان بعضه واجبا ~~لاستحال أن يميز ما هو واجب منها مما ليس بواجب، بدلالة غير الفعل، فإذا لا ~~يصح الاستدلال بظاهر فعله على وجوب فعل مثله علينا. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون أفعاله واجبة علينا حتى تقوم الدلالة على أن ~~شيئا منها غير واجب، فيخرج على حد الوجوب بالدلالة الموجبة لذلك. # قيل له: هذا خطأ، لأن هذا إنما يسوغ أن يقال فيما يصح تكليف جميعه، ثم ~~يرد لفظ يقتضي لزوم الجميع. # فيقال: إن الجميع واجب، إلا ما قام دليله، فأما ما لا يصح تكليف جميعه - ~~فغير جائز أن يقال: إن جميعه واجب، إلا ما قام دليله، وعلى أنك لم تعضد هذا ~~القول بدليل. ولخصمك أن يقول: إن جميعه غير واجب، حتى يقوم دليل على ~~الوجوب. # قال أبو بكر - رحمه الله -: قد دللنا على أن ظاهر قوله - عليه السلام - ~~لا يقتضي وجوب مثله علينا. # وندلل الآن: على أنا متى وقفنا على حكم فعله: من إباحة، أو ندب، أو ~~إيجاب، فعلينا اتباعه، والتأسي به فيه، فنقول وبالله التوفيق: الدليل على ~~ذلك: قوله تعالى: {فاتبعوه} [الأنعام: 153] وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] وقال تعالى: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] والاتباع: أن يفعل مثل فعله، وفي حكمه، فإذا ~~فعله واجبا، فعلنا على الوجوب، وإذا فعله ندبا، أو مباحا، فعلناه كذلك، ~~لنكون قد وفينا الاتباع حقه، وفيما يقتضيه. # PageV03P224 # ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} ~~[الأحزاب: 21] فإذا علمناه فعل فعلا على الوجوب قلنا: التأسي به في فعله ~~على ذلك الوجه، فلولا أنه قد وجب علينا بوقوفنا على جهة فعله، أن نفعل مثله ~~- لما جاز لنا أن نتأسى به - عليه السلام - فيه، على وجه الإيجاب، لأن ما ~~ليس بواجب - لا يجوز فعله على أنه واجب، وكذلك ما علمنا من أفعاله: أنه ~~فعله على وجه ms502 الندب. # قلنا: فعله على هذا الوجه، بظاهر الآية، فلولا أنه قد صار ندبا لما جاز ~~فعله على وجه الندب، والتأسي به أن يفعل مثل فعله، وفي حكمه سواء، ولا يلزم ~~على هذا إذا لم يعلم فعله على أي وجه وقع، لأنه لا يمكن التأسي به في هذه ~~الحال، لما وصفنا. # ويدل على ذلك أيضا: أن المسلمين قد عقلوا فيما نقلوه من دين النبي - عليه ~~السلام -: أنه وسائر أمته سواء في حكم الشرع، إلا ما خصه الله تعالى به، ~~وأفرده بحكمه، دون سائر المؤمنين، كما عقلوا: أن أهل سائر الأعصار بعد ~~النبي في حكم من كان في عصره في أحكام الشرع، وكما عقلوا: أن ما حكم به ~~النبي - عليه السلام - في شخص بعينه من حكم، جار في سائر الأمة. # فإن كان حكما مبتدأ فالجميع فيه سواء، وإن كان حكما متعلقا بسبب فبحدوث ~~(السبب) . # فكل ما كان له مثل ذلك السبب فحكمه حكم من حكم فيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك الحكم، وعلى هذا المنهاج والمفهوم من دين النبي - عليه السلام ~~- توافقوا على نقل أحكام النبي - عليه السلام - المحكوم بها في أشخاص ~~بأعيانهم، إلى من بعدهم، لأنهم عقلوا أنها أحكام جارية في جميعهم، إلا من ~~خصه الدليل. # ويدل عليه قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] فأخبر: ~~أنه أباح ذلك للنبي - عليه السلام -، ليكون حكما جاريا في أمته، ونبهنا به، ~~على أن النبي - عليه السلام - وأمته في أحكام الشرع سواء، إلا ما خصه الله ~~به: من نحو تحريم الصدقة، والجمع بين أكثر من تسع نسوة. # ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} ~~[الأحزاب: 50] إلى قوله تعالى # PageV03P225 # {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] لما أراد إفراد النبي بذلك خصه ~~بالذكر، وأخبر أن غيره لا يشاركه فيه، لأنه لو لم يخصه لعقلت الأمة ~~مساواتها له فيه. # ويدل عليه: حديث «المرأة التي سألت أم سلمة ms503 حين بعث بها زوجها إليها ~~لتسألها عن القبلة للصائم، فأخبرتها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقبل وهو صائم، فقال الرجل: لست كالنبي - عليه السلام -، إن الله تعالى قد ~~غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فلما جاء النبي - عليه السلام - ~~سألته، فقال: النبي - عليه السلام - لأم سلمة: هلا أخبرتيها أني أقبل وأنا ~~صائم؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها بذلك، فقال زوجها: لست كالنبي، إن الله قد ~~غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فغضب النبي - عليه السلام -، وقال: إني ~~أرجو أن أكون أتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده» . # فأعلم النبي - عليه السلام -: أن وجود فعله في ذلك كان كافيا في الاقتصار ~~عليه في مسألته عن حكم نفسه، وإذا كان هذا على ما وصفنا، فما علمناه من ~~أفعال النبي - عليه السلام - واقعا على وجهه كان علينا الاقتداء به، في ~~إيقاعه على الوجه الذي فعله عليه، وما لم نعلمه على أي وجه فعله، قلنا فعله ~~على وجه الإباحة، إذ كانت أدنى منازل أفعاله، وليس علينا فعله بدءا، ولا ~~واجبا، لأن فيه زيادة حكم لا نعلم وجوده. # فإن قيل: شرط الطاعة والاتباع والتأسي بالنبي - عليه السلام -: أن يكون ~~هو فعله، حتى تقوم الدلالة على أنه قد أراد منا مثله. # قيل له: لما قال تعالى: فاتبعوه وقال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة} [الأحزاب: 21] فكان الاتباع والتأسي: أن نفعل مثل ما فعله، على الوجه ~~الذي فعله عليه، فقد أراد الله تعالى منا إيقاعه على ذلك الوجه، وما أراده ~~الله من ذلك فقد أراده النبي - عليه السلام - منا، بإرادة مقرونة بفعل ~~مثله، على الوجه الذي فعله عليه، من الجهة التي ذكرنا. # وأيضا: لما أقام الله لنا الدلائل: على أن حكم النبي - عليه السلام - ~~وحكم أمته سواء، إلا فيما خصه به على ما بينا، فقد أراد منا: أن نفعل مثل ~~فعله على ذلك الوجه، ونكون # PageV03P226 # بذلك متبعين ومتأسين به، ولا نحتاج إلى دلالة أخرى: في أنه قد أراد منا ~~فعله غير ما ms504 وصفنا. # وقد ذكرنا: أن من الناس من يقول: إني إذا لم أعلم وقوع فعله على أحد هذه ~~الوجوه وقفت فيه، ولم أفعله، حتى أعلم حقيقته، فأقتدي به فيه، لأني إذا ~~فعلته على وجه الإباحة لا آمن أن يكون مخالفا له فيه، لجواز أن يكون - عليه ~~السلام - فعله على وجه الندب، أو الوجوب. # وهذا عندنا ليس بشيء، لأنه لا يخلو في قوله: أقف فيه: من أن يمنع فعل ~~مثله ويحظره، أو يقول: إني لا أمنعه، ولا تبعة على فاعله، فإن حظره ومنع ~~منه - فقد حكم بحظره وأبطل الوقف، وهذا عين المخالفة إذا كان حاظرا لما ~~استباح النبي - عليه السلام - فعله. # وإن قال: لا أحكم فيه بشيء، ولا ألوم فاعله. # قيل له: فهذا هو الإباحة التي أنكرتها، وعلى أن قوله بالوقف قبل أن يسأله ~~عن وجهه هو نفس المخالفة للنبي - عليه السلام -، لأنا قد علمنا أن النبي - ~~عليه السلام - حين فعله لم يقف فيه، فالقول بالوقف فاسد من هذه الوجوه التي ~~ذكرنا. # فإن قيل: وأنت إذا فعلته على وجه الإباحة فلست تأمن أن يكون النبي - عليه ~~السلام - قد فعله ندبا، أو إيجابا، فتكون قد خالفته. # قيل له: لو كان قد فعله على أحد هذين الوجهين لبينه - عليه السلام -، لأن ~~منا الحاجة إليه، فلما لم يبينه: علمنا أنه قد أجاز لنا فعله على وجه ~~الإباحة. # فإن قيل: ولو فعله على وجه الإباحة لبينه، فإذا جاز أن لا يبين له ما ~~يفعله على وجه الإباحة، جاز أن لا يبين ما يفعله على وجه الندب والإيجاب. # قيل له: لا يجب ذلك، لأن النبي - عليه السلام - جائز له أن لا يبين ~~المباحات كلها، إذ ليس بنا حاجة إليها في ديننا، إذ لا نستحق بفعلها ثوابا، ~~ولا بتركها عقابا. # PageV03P227 # وأما الندب، والواجب، فلا يجوز أن يترك بيانه، لأن منا الحاجة إليه في ~~معرفته، لنستحق الثواب بفعل المندوب إليه، ولئلا نواقع المحظور بترك ~~الواجب. # قال أبو بكر: وكذلك نقول في الترك، كقولنا في الفعل، فمتى رأينا النبي - ~~عليه ms505 السلام - قد ترك فعل شيء ولم ندر على أي وجه تركه، قلنا: تركه على جهة ~~الإباحة، فليس بواجب علينا، إلا أن يثبت عندنا: أنه تركه على جهة التأثم ~~بفعله، فيجب علينا تركه حينئذ على ذلك الوجه، حتى يقوم الدليل: على أنه ~~مخصوص به دوننا # PageV03P228 ### | [باب القول فيما يستدل به على أحكام أفعاله عليه السلام] # قال أبو بكر: ما يستدل به على حكم فعله - عليه السلام -: أن يرد فعله ~~مورد بيان جملة تقتضي الإيجاب، أو الندب، أو الإباحة، فيكون حكم فعله تابعا ~~لحكم الجملة، فإن اقتضت الجملة الإيجاب كان فعله واجبا، وإن اقتضت الندب ~~كان فعله ندبا، وكذلك إن اقتضت الإباحة كان فعله في ذلك مباحا، وذلك: لأنه ~~إذا ورد مورد البيان فمعناه: أن المراد بالجملة ما فعله، فيكون تابعا لحكم ~~الجملة، على الوجوه التي ذكرناها. # فأما وقوع البيان بفعله فيما يقتضي الوجوب، فنحو فعله لأعداد ركعات ~~الصلاة المفروضة، هو بيان لقوله تعالى {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43] وفعله ~~لأفعال الحج بيان قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، ~~وفعله لبيان جملة يقتضي الندب نحو قوله تعالى {وافعلوا الخير} [الحج: 77] ~~وقوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] وليس الخير كله ~~حتما، ولا الإحسان واجبا فيما فعله النبي - عليه السلام -، من صدقة تطوع، ~~أو صلاة تطوع، ونحوهما، مفعول بالآي، إلا أنه ليس على الوجوب، إذا لم تكن ~~الجملة التي هذا بيان عنها مقتضية للوجوب، وما فعله النبي - عليه السلام -: ~~من استخراج حق من رجل لغيره، ومن عقوبة رجل على فعل كان منه، فهذا على ~~الوجوب، لأن ذلك لا يجوز فعله على وجه الإباحة، ولا على جهة الندب، قال - ~~عليه السلام -: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام» وقال الله تعالى: {لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة} [النساء: 29] فما وقع في هذا ~~النوع من أفعال النبي - عليه السلام - فهو على الوجوب بالدلالة التي ذكرنا. # PageV03P231 # ومن أفعاله ما يقارنه أمر منه بالاقتداء به، فيكون ظاهره لزوم فعله لنا، ~~حتى تقوم الدلالة على غيره، ms506 كقوله - عليه السلام -: «خذوا عني مناسككم» ~~وكقوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقوله: «أقيموني وليأتم بكم من بعدكم» ~~فيقتضي هذا القول لزوم الاقتداء به في سائر أفعال المناسك، وأفعال الصلاة، ~~ويجوز أن يقال في قوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» أن لا يصح الاستدلال به في ~~وجوب أفعاله فيها، لأنه أمرنا بالاقتداء به على وصف، وهو: أن نصلي كما ~~رأيناه صلى، فنحتاج أن نعلم كيف صلى: من ندب، أو فرض، فعليه مثله، وما فعله ~~النبي - عليه السلام - مما يحتاج إليه كل أحد في نفسه ولا يستغنى عنه في ~~العادة: من نحو الأكل، والشرب، والقيام، والقعود، والنوم، ونحو ما روي أنه ~~«كان إذا دخل بيته يخصف النعل، ويخيط الثوب» فإن ذلك ليس على الوجوب، لأنا ~~قد علمنا أنه لم يكن ينفك من هذه الأفعال، والحاجة إلى فعلها ضرورة لكل ~~واحد، ومع ذلك فلا سبيل لأحد إلى الاقتداء به فيها، لاستحالة لزومه في سائر ~~أحواله، وخصف النعل، وخياطة الثوب، قد علم بظاهر فعله أنه لم يرد به إيجابه ~~علينا. # وجائز أن يكون فعله يرد لمثل هذه الأشياء قربة، من جهة ما قصد به من ~~التواضع، وترك الكبر، ومساواة أهل البيت، ليستحق به الثواب على الله تعالى، ~~وليقتدي به غيره فيه. # PageV03P232 ### | [باب القول في سنن رسول الله] # باب # القول في سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # قال أبو بكر - رحمه الله -: سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما فعله، ~~أو قاله، ليقتدى به فيه، ويداوم عليه. وهو مأخوذ من سنن الطريق، وهي جادته ~~التي يكون المرور فيها. # وسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجهين: قول وفعل. # فأما القول: فقد تقدم ذكره في سائر ما قدمناه: من حكم الأقوال، والأوامر، ~~والنواهي وغيرها. # والفعل ضربان: أحدهما: فعل يفعله في نفسه، ويدلنا على حكمه، على الوجوه ~~التي ذكرنا، لنفعله على الوجه الذي فعله. # والثاني: تركه النكير على فاعل يراه يفعل فعلا على وجه، فيكون تركه ~~النكير عليه بمنزلة القول منه، في تجويز فعله على ذلك ms507 الوجه، فإن رآه يفعله ~~على جهة الوجوب فأقره عليه كان واجبا، وإن كان رآه يفعله على جهة الندب ~~فأقره عليه كان ندبا، وكذلك الإباحة على هذا، وذلك لأنه لا يجوز منه أن يقر ~~أحدا على خلاف حكم الله تعالى، لأن الله تعالى إنما بعثه داعيا إليه، وآمرا ~~بالمعروف، وناهيا عن المنكر، فلو كان ما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من فعل من شاهده منكرا لأنكره، ووقفه على ما يجوز منه، مما لا يجوز في تركه ~~النكير على من وصفنا شأنه، دلالة على جواز إيقاعه على ذلك الوجه. # وقد دللنا على صحة ذلك فيما سلف من هذا الكتاب. # PageV03P235 # قال أبو بكر: وأحكام السنة على ثلاثة أنحاء: فرض، وواجب، وندب، وليس يكاد ~~يطلق على المباح لفظ السنة، لأنا قد بينا: أن معنى السنة: أن يفعل، أو ~~يقول، ليقتدى به فيه، ويداوم عليه، ويستحق به الثواب، وذلك معدوم في قسم ~~المباح. # فأما الفرض: فهو ما كان في أعلى مراتب الإيجاب. والواجب دون الفرض، ألا ~~ترى أنا نقول: الوتر واجب، وليس بفرض، وصلاة العيد واجبة، وليست بفرض، وقال ~~- عليه السلام -، «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» ، ولم يرد به الفرض، ولا ~~يجوز لنا أن نقول: يدل على أنه فرض على كل محتلم، ويدل على أن معنى الفرض ~~قد يخالف معنى الواجب: أنه قد يمتنع إطلاق الفرض فيما لا يمتنع فيه إطلاق ~~الواجب، لأنا نطلق أنه يجب على الله تعالى من جهة الحكمة مجازاة المحسنين، ~~ولا نقول إن ذلك فرض عليه. # وقد قيل: إن معنى الفرض في الأصل: هو الأثر الحاصل بالجزاء الواقع في ~~السنة ونحوها فشبه ما لزم وثبت بذلك الأثر، والوجوب في الأصل هو السقوط، ~~قال الله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36] يعني سقطت، ويقال: وجبت ~~الشمس إذا سقطت. وقال الشاعر # حتى كان أول واجب # يعني ساقط، فجعل ما لزم في الشرع بمنزلة الشيء الذي سقط، ويثبت في ~~الموضع، فكان معنى الفرض أثبت منه، لأن هناك أثرا لا يزول، والساقط في ~~الموضع ms508 فقد زال عن الموضع من غير تأثير يحصل فيه، فلما كان الفرض في موضوع ~~اللغة أثبت من الوجوب، كان كذلك حكمه في الشرع، فمن أجل ذلك قلنا: إن الفرض ~~هو ما كان في أعلى مراتب اللزوم، والثبوت. والفرض، أيضا التقدير. منه: ~~فرائض المواريث، وفرائض الإبل في الصدقات. ويجوز أن يكون الفرض الذي هو ~~اللزوم من هذا أيضا، كأنه قدر له شيء منع تركه، ومجاوزته، إلى غيره. # PageV03P236 ### | [باب القول في أن النبي هل كان يسن من طريق الاجتهاد] # باب القول في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان يسن (من) طريق ~~الاجتهاد؟ # قال أبو بكر - رحمه الله -: اختلف الناس في ذلك: - # فقال قائلون: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكم في شيء من أمر ~~الدين إلا من طريق الوحي، لقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] {إن ~~هو إلا وحي يوحى} [النجم: 4] . # وقال آخرون: جائز أن يكون النبي - عليه السلام - قد جعل له (أن يقول) من ~~طريق الاجتهاد فيما لا نص فيه. # وقال آخرون: جائز أن يكون بعض سنته وحيا، وبعضها إلهاما، وشيء يلقى في ~~روعه، كما (قال) - صلى الله عليه وسلم -: «إن الروح الأمين نفث في روعي: أن ~~نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» . # ويجوز أن يكون بعض ما يقوله نظرا واستدلالا، وترد الحوادث التي لا نص ~~فيها إلى نظائرها من النصوص باجتهاد الرأي. # قال أبو بكر - رحمه الله -: وهذا هو الصحيح عندنا. # PageV03P239 # والدليل على أنه قد كان جعل له أن يقول من طريق الاجتهاد: قوله تعالى: ~~{ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ~~[النساء: 83] عمومه يقتضي جواز الاستنباط من جماعة المردود إليهم، وفيهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - من أجلهم ويدل عليه ما حكى الله تعالى من ~~قصة داود وسليمان - عليهما السلام -، ثم قال: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما} [الأنبياء: 79] وظاهره ms509 يدل على أن حكمهما كان من طريق ~~الاجتهاد، لأنهما لو حكما من طريق النص لما خص سليمان بالفهم فيها دون داود ~~- عليهما السلام -. # ويدل عليها أيضا: أن درجة المستنبطين أفضل درجات العلوم، ألا ترى: أن ~~المستنبط أعلى درجة من الحافظ غير المستنبط، فلم يكن الله ليحرم نبيه - ~~عليه السلام - أفضل درجات العلم التي هي درجة الاستنباط. # ويدل أيضا عليه: قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] ولا ~~يخلو المعنى فيه: من أن يكون مشاورته إياهم فيما نص عليه تطيبا لنفوسهم ~~فيما لا نص فيه، فأمر بمشاورتهم ليقرب وجه الرأي فيه، وليزداد (بصيرة في ~~رأيه إن) كان موافقا لرأيهم. # PageV03P240 # والوجه الأول: لا معنى له، ولا فائدة فيه، لأنه لا يجوز أن يشاورهم في أن ~~فرض الظهر أربع (ركعات) ولا في مائتي درهم خمسة دراهم، ولا في سائر ما فيه ~~النصوص، وقول القائل: إنه يكون تطييبا لنفوسهم (فلغو ساقط، لأنهم إذا ~~علموا) أنه شاورهم في المنصوص تطييبا لقلوبهم، علموا أنه لا فضيلة لهم فيه، ~~ولا فائدة، ثبت الوجه الثاني. # وأيضا: فقد شاور النبي - عليه السلام - أصحابه في كثير من الأمور التي ~~تتعلق بالدين، من أمر الحروب وغيرها، ألا ترى: «أنه لما أراد النزول دون ~~بدر قال له الحباب بن المنذر أرأي رأيته يا رسول الله؟ أم وحي؟ فقال: بل ~~رأي رأيته. فقال: إني أرى أن تنزل على الماء ففعل» «وشاور النبي - عليه ~~السلام - أبا بكر، وعمر - رضي الله عنهما -، في أسارى بدر» . «ورأى أن يعطي ~~المشركين في الخندق نصف ثمار المدينة، فكتب الكتاب، فلما أراد أن يشهد فيه ~~وحضر الأنصار قالوا يا رسول الله، أرأي رأيته؟ أم وحي؟ فقال: بل رأيي. ~~فقالوا: فإنا لا نعطيهم شيئا. وكانوا لا يطمعون فيها في الجاهلية، أن ~~يأخذوا منها ثمرة إلا قرى، أو مشرى، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام» ؟ «وقال ~~- عليه السلام - لعمر بن الخطاب: أرأيت لو تمضمضت بماء أكان يفطرك؟ فكذلك ~~القبلة» # «وقال للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فتقضينه أكان يجزي؟ قالت: # PageV03P241 # نعم. ms510 قال: فدين الله أحق» ولما «أخبره عبد الله بن زيد بما رأى في أمر ~~الأذان أمر بلالا فأذن به من غير انتظار الوحي» ، وكان ذلك منه على جهة ~~الاجتهاد. # فقد «كان النبي - عليه السلام - يجتهد في أمر الحروب أحيانا من غير ~~مشاورة» ، ولا فرق بين الاجتهاد في أمر الحروب وبينه في حوادث الأحكام، ~~(ومما فعله في غالب رأيه فأنزل الله تعالى معاتبته: قوله عز وجل {عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] وقال تعالى: {عبس وتولى} [عبس: 1] {أن جاءه ~~الأعمى} [عبس: 2] ، ونحو ذلك من الآي التي نبه الله تعالى نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - فيه على موضع إغفاله، وعاتبه عليه) . # ومما لم يعاتب عليه وأمر فيه بترك اجتهاده: «أن النبي - عليه السلام - ~~بعث سورة براءة مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فأوحى الله عز وجل ~~إليه أنه لا يؤدي عنك إلا رجل منك، فأخذها من أبي بكر، ودفعها إلى علي، كرم ~~الله وجهه» ، «ولما رجع من الخندق ووضع السلاح فجاء جبرائيل فقال له: إن ~~الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، وأمره بالمضي إلى بني قريظة» . # وقد قيل: إن خطأ آدم - عليه السلام - في أكل الشجرة كان من طريق الاجتهاد ~~(فإن قال قائل: لو جاز أن يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق ~~الاجتهاد لكان لغيره) . من الصحابة # PageV03P242 # مخالفته، لأن ما كان طريقه الاجتهاد فكل من أداه اجتهاده إلى شيء لزمه ~~القول به، وجاز له مخالفة غيره فيه، وفي اتفاق جميع المسلمين على وجوب ~~التسليم له فيما قاله وفعله دلالة على أنه لا يقول إلا وحيا وتنزيلا. # قيل له: الجواب عن ذلك من وجهين: # أحدهما: أنا قد علمنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قال قولا من ~~طريق الاجتهاد فأغفل موضع الصواب نبهه الله عليه بوحي من عنده، وغير جائز ~~أن يخليه موضع إغفاله، كما قال تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: ~~43] وكقوله تعالى: {عبس وتولى} [عبس: 1] فإذا كان هذا سبيله فغير جائز لأحد ~~مخالفته. # والوجه الثاني: ms511 أن هذا القائل يوافقنا: على أن الإجماع قد يكون من طريق ~~الاجتهاد، وقد يثبت عندنا ذلك أيضا بالدلائل الصحيحة، ثم إذا انعقد إجماع ~~أهل العصر من طريق الاجتهاد لم يجز لمن بعدهم أن يخالفهم، كذلك النبي - ~~عليه السلام - يقول من طريق الاجتهاد ويكون لاجتهاده مزية لا يحق من أجلها ~~لغيره أن يخالفه، فأما قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] {إن هو ~~إلا وحي يوحى} [النجم: 4] فإن فيه جوابين: # أحدهما: أنه أراد القرآن نفسه، لأنه قال تعالى: {والنجم إذا هوى} [النجم: ~~1] قيل في التفسير معناه القرآن إذا نزل. # والوجه الثاني: أن الاجتهاد لما كان مصدره عن الوحي لأن الله قد أمر به، ~~فدل عليه - جاز أن يقال: إن ما أداه إليه اجتهاد فهو عن وحي، لأنه قد أوحي ~~إليه باستعمال الاجتهاد. # PageV03P243 # فإن قيل: لو جاز له الاجتهاد لما توقف في كثير (مما يسأل) عنه ينتظر ~~الوحي. # قيل له: هذا لا يدل على ما ذكرت لأنه، جائز أن يكون توقفه وانتظاره للوحي ~~من جهة أنه لم يتوجه له فيه رأي، ولا غلبة ظن في شيء بعينه، فتوقف فيه ~~ينتظر الوحي، ويجوز أن يكون قد كان يقوى طمعه في مثله: أن ينزل عليه فيه ~~وحي فلم يعجل بالحكم فيه. ويجوز أيضا أن يكون قد كان أوحي إليه في ذلك شيء ~~بعينه، بأن لا يستعمل الاجتهاد إذا سئل عنه وينتظر الوحي فيه # PageV03P244 ### | [باب القول في أحكام الأشياء قبل مجيء السمع في الحظر والإباحة] # باب # القول في أحكام الأشياء قبل (مجيء) السمع: # - في الحظر والإباحة - قال أبو بكر - رحمه الله -: أحكام أفعال المكلف ~~الواقعة عن قصد على ثلاثة أنحاء في العقل: مباح، وواجب، ومحظور. # فالمباح: ما لا يستحق المكلف بفعله ثوابا، ولا بتركه عقابا. والواجب: ما ~~يستحق بفعله الثواب، وبتركه العقاب. والمحظور: ما يستحق بفعله العقاب، ~~وبتركه الثواب. # ثم اختلف الناس بعد ذلك في (حكم) الأشياء التي يمكن الانتفاع بها قبل ~~مجيء السمع. # فقال قائلون: هي كلها مباحة، إلا ما دل العقل على قبحه، ms512 أو على وجوبه. # فما دل العقل على قبحه: الكفر، والظلم، والكذب، ونحوها، فهذه الأشياء ~~محظورة في العقل. # وما دل العقل على وجوبه: التوحيد، وشكر المنعم، وما جرى مجرى ذلك. # وما عدا ذلك فهو مباح، قالوا: ومعنى قولنا مباح: أنه لا تبعة على فاعله، ~~ولا يستحق بفعله ثوابا، على ما بينا. # وقال آخرون: ما عدا ما دل العقل على وجوبه من نحو: الإيمان بالله تعالى، ~~وشكر المنعم، ونحوهما فهو محظور. # وقال آخرون: لا يقال في الأشياء قبل ورود السمع: إنها مباحة (ولا يقال) : ~~إنها محظورة، لأن الإباحة تقتضي مبيحا، والحظر يقتضي حاظرا، وقالوا مع ذلك: ~~لا تبعة # PageV03P247 # على فاعل شيء مما يدل العقل على قبحه: من نحو الظلم والكفر. # قال أبو بكر: ونقول: إن حكم الأشياء في العقل قبل مجيء السمع: ثلاثة ~~أنحاء. # منها: واجب لا يجوز فيه التغيير (والتبديل) نحو: الإيمان بالله، وشكر ~~المنعم، ووجوب الإنصاف. # ومنها: ما هو قبيح لنفسه، محظور، لا يتبدل، ولا يتغير عن حاله، نحو: ~~الكفر، والظلم، فلا يختلف حكمه على المكلفين. # ومنها ما هو ذو جواز في العقل: يجوز إباحته تارة، وحظره أخرى، وإيجابه ~~أخرى، على حسب ما يتعلق بفعله من منافع المكلفين ومضارهم. # فما لم يكن من القسمين الأولين فهو قبل مجيء السمع على الإباحة، ما لم ~~يكن فيه ضرر أكثر مما يجتلب بفعله من النفع، ويجوز مجيء السمع تارة بحظره، ~~وتارة بإباحته، وأخرى بإيجابه، على حسب المصالح. # والدليل على إباحة ما وصفنا لفاعلها من المكلفين: أنه معلوم أنها مخلوقة ~~لمنافع المكلفين، وذلك لأن خلقها لا يخلو من أحد أربعة معان. # إما: أن يكون الله تعالى خلقها لا لينفع أحدا، وهذا عبث وسفه، والله ~~تعالى منزه عنه، أو يكون خلقها ليضر بها من غير نفع، وهذا أشنع وأقبح، ولا ~~يجوز فعله على الله تعالى، أو أن يكون خلقها لمنافع نفسه، وذلك محال، لأنه ~~لا يلحقه المنافع، و (لا) المضار. فثبت أنه خلقها لمنافع المكلفين، فوجب أن ~~يكون لهم الانتفاع بها على أي وجه يأتي ms513 لهم ذلك منها، ما لم يؤد إلى ضرر ~~أعظم مما يجتلب به من النفع. # PageV03P248 # والدليل على ذلك: أنه لما خلقها ليستدل بها المكلفون كان لهم الاستدلال ~~بها، وهي ضرب من الانتفاع، كذلك سائر ما يتأتى لهم فيها من وجوه الانتفاع، ~~ينبغي أن يجوز لهم إتيانها. # دليل آخر، وهو: أنا لما وجدنا السماوات والأرض وأنفسنا دلائل على الله ~~تعالى، ولا دلالة فيها على تحريم الانتفاع بهذه الأشياء، لأنها لو كانت ~~دالة على حظرها لما جاز ورود الشرع بإباحتها، لأن موجب دلائل الله تعالى لا ~~ينقلب، فعلمنا: أنه لا دلالة فيها على حظرها. ولو كانت محظورة لما أخلاها ~~من دليل يوجب حظرها، وقبح مواقعتها، فدل ذلك على أنها مباحة، وأنه لا تبعة ~~على فاعليها، لأن ما كان على الإنسان من فعله تبعة - فغير جائز أن يخليه ~~الله تعالى من إقامة الدليل على أن عليه فيه تبعة، لينتهي عنه، هذا حكم ~~العقل، و (قد) أكد السمع هذا المعنى (بقوله تعالى) : {وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم} [التوبة: 115] الآية. فأخبر أن ما لم يدل على تحريمه ~~فلا تبعة على فاعله. # دليل آخر: وهو أن الأشياء التي وصفنا أمرها لا يخلو من أن تكون مباحة على ~~ما بينا. أو محظورة، أو بعضها محظور، وبعضها مباح. وغير جائز أن يقال: ~~جميعها، لأنه يوجب أن يكون محظورا على الإنسان: الحركة، والسكون، والقيام، ~~والقعود، والاضطجاع، وأن يكون مأمورا بأن: يخلو من جميع أفعاله، فلما ~~استحال ذلك علمنا: أن بعضها مباح، ثم البعض الآخر لا يخلو من أن يكون مباحا ~~أو محظورا، فلو كان محظورا لوجب أن يكون هناك دليل يتميز به من المباح، ~~فلما عدمنا الدليل على ذلك: علمنا أن البعض مساو للمباح (في باب فقد الدليل ~~على حظره وما ساوى المباح) في هذا الوجه فهو مباح. فثبت: أن الجميع مباح. # PageV03P249 # وأيضا: فإن في حظر هذه الأشياء تكليفا ومشقة تدخل على النفس، وغير جائز ~~للإنسان إدخال الضرر والمشقة على نفسه، من غير اجتلاب نفع، ولا دليل ms514 في ~~العقل يوجب ذلك، فقبح إلزامه ذلك. # وأيضا: فإن تكليف الفرض لطف من الله تعالى في التمسك بما في المعقول ~~إيجابه، ومن أجله حسن إيجابها، وما كان هذا سبيله فغير جائز أن يخليه الله ~~تعالى من إقامة دليل على لزوم اجتنابه، إن كان محظورا. فدل على (أن) ما كان ~~هذا وصفه مما لم يرد السمع بإيجابه وحظره فهو مباح. # وأيضا فإن في ترك الإقدام على الأكل والشرب تلف النفس، وذلك قبيح إذا لم ~~يؤد إلى نفع هو أعظم من الضرر اللاحق به، فلما لم يعلم: أن له نفعا في ~~تركه، لم يجز له تركه. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون في العقل دلالة على حظر هذه الأشياء قبل ~~مجيء السمع، وهي: أن هذه الأشياء ملك الله تعالى، وفي عقل كل عاقل: أنه لا ~~يجوز التصرف في ملك الغير إلا بإذنه. # قيل له: ليس الانتفاع بملك الغير بغير إذنه محظورا لعينه، لأنه جائز له ~~الانتفاع بملك الغير بغير إذنه إذا لم يكن عليه فيه ضرر، نحو: أن يستظل بظل ~~حائطه، ويقعد في ضوء سراجه، ويسرج منه لنفسه، فلما كان ذلك ضربا من ~~الانتفاع بملك الغير ولم يكن قبيحا من أجل وقوعه بغير إذن مالكه - علمنا ~~أن: الانتفاع بملك الغير يجوز بغير إذنه، فالمستدل على حظر ذلك لأجل كونه ~~ملكا للغير، وأنه ينتفع به بغير إذنه مخطئ. # فقد سقط هذا السؤال من هذا الوجه، ونقول مع ذلك: إن حكم هذه الأشياء في ~~جواز الانتفاع بها قبل مجيء السمع حكم (انتفاع الواحد) منا بظل حائط غيره، ~~وبضوء سراجه، والاستصباح منه، وذلك لأن الله تعالى المالك لهذه الأشياء لا ~~يلحقه الضرر بانتفاع المنتفع منا بها، ولا ضرر يلحقنا بها أعظم مما نرجوه ~~من النفع، لأنه لو كان علينا فيه # PageV03P250 # ضرر في الدين لما أخلانا الله عز وجل من توقيف عليه، فوجب أن يجوز لنا ~~الإقدام عليه كما جاز الإقدام على الانتفاع بملك الغير فيما لا ضرر عليه ~~فيه، وأما الانتفاع بملك الغير فيما ms515 بيننا فإنما كان ممنوعا لأجل الضرر ~~الذي يدخل به عليه، ولأنه يحتاج إليه، كما احتجنا نحن إليه، فلم يكن لنا أن ~~ننفع أنفسنا بضرر غيرنا، من غير أن نوصله به نفعا أعظم منه، إلا أن يبيحه ~~لي (مالكه) ومالك الأعواض كلها، وهو الله سبحانه وتعالى. # فإن قال قائل: الفرق بين ما ذكرته وبين الأشياء التي ذكرنا: أن في ~~الإقدام على الأكل والشرب إتلاف ملك الغير، وليس في الاستظلال بظل حائط ~~الإنسان والقعود في ضوء سراجه إتلاف شيء عليه. # قيل له: إتلافه إياها لم يخرجها من ملك مالكها (لأن الله تعالى مالك لها) ~~قبل الإتلاف وبعده، إذ كان قادرا على إعادتها إلى ما كانت، فلم يخرج ~~بالإتلاف عن ملكه كما لم يخرج الحائط والسراج عن ملك مالكه بانتفاع غيره به ~~في الوجوه التي ذكرنا. # وأيضا: فإنه لا فرق بينهما من الوجه الذي ذكرنا، لأن المعنى كان في إباحة ~~الانتفاع بظل حائطه والقعود في ضوء سراجه هو: أنه لا ضرر على مالكه فيه، ~~ولهذا فيه نفع. فهذا المعنى موجود فيما وصفنا من هذه الأشياء من حيث كان له ~~فيها نفع من غير ضرر على مالكها، فوجب أن يكون (حكمها حكم) ما وصفنا، وأن ~~لا يمنع اختلافهما من جهة: أن في أحدهما إتلافا، وليس في الآخر مثله، من ~~الجمع بينهما من الوجه الذي ذكرنا. # PageV03P251 # وأما من قال: إني لا أقول: إنها مباحة، ولا محظورة، لأن الإباحة تقتضي ~~مبيحا، والحظر يقتضي حاظرا، فإنه إنما منع إطلاق لفظ الإباحة (والحظر) ~~ووافق في المعنى، حين قال: لا تبعة على فاعلها، لأن هذا هو صورة المباح، ~~إذا لم يستحق بفعله الثواب، ويلزمه أن يمتنع من أن يقول في شيء من الأشياء: ~~إنه واجب، قبل مجيء السمع، من نحو الإيمان بالله، وشكر المنعم، ووجوب ~~الإنصاف، (وأن لا يقول: إن الكفر بالله والظلم والكذب محظور، قبل مجيء ~~السمع، لأن الوجوب يقتضي موجبا، والحظر يقتضي حاظرا. فإن قال: الموجب ~~لاعتقاد الإيمان، والحاظر لاعتقاد الكفر: هو الله تعالى، الذي أقام الدليل ms516 ~~على ذلك. قيل له: فهلا قلت مثله في هذه الأشياء قبل مجيء السمع؟ لأن المبيح ~~هو الله عز وجل الذي خلقها) للانتفاع بها، ثم لم يقم الدليل على حظرها. # فإن قال: لو كان ما لا تبعة على فاعله مباحا، لوجب أن تكون الأشياء مباحة ~~للبهائم، والمجانين، والساهي. # قيل له: لا يجب ذلك لأنا قد قلنا: إن حد المباح ما لا تبعة على فاعله من ~~المكلفين، ويكون فيما ذكرت، لأنهم غير مكلفين، والساهي فعله غير واقع عن ~~قصده. # قال أبو بكر: وجميع ما قدمناه إنما هو كلام في حكم هذه الأشياء في العقل ~~قبل مجيء السمع، ثم جاء السمع بتأكيد ما كان في العقل إباحته، وهو: قوله ~~تعالى {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] ~~وقال: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] وقال تعالى {قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] وقال تعالى: ~~{ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره} [الحج: ~~65] وقال تعالى: # PageV03P252 # {والنخل باسقات لها طلع نضيد} [ق: 10] {رزقا للعباد} [ق: 11] وقال تعالى: ~~{كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168] وقال تعالى: {أحل لكم ~~الطيبات} [المائدة: 5] وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم. . .} [الأعراف: 33] وقال تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا ~~من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15] وقال تعالى: {وفاكهة وأبا} [عبس: 31] ~~{متاعا لكم ولأنعامكم} [عبس: 32] وقال تعالى: {ينبت لكم به الزرع والزيتون} ~~[النحل: 11] الآية وقال: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} [النحل: 5] إلى آخر ~~الآيات. # في آي أخر يقتضي إباحة هذه الأشياء. # من جهة السنة: حديث أبي ثعلبة الخشني عن النبي - عليه السلام - «إن الله ~~فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، ~~وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها» وحديث الزهري عن ~~عامر بن سعد عن أبيه عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «إن أعظم المسلمين ~~في المسلمين جرما من ms517 سأل عن شيء لم يحرم فحرم على المسلمين من أجل مسألته» ~~فأخبر: أنه لم يكن حراما فوجب أن يكون (مباحا في الأصل) وحديث أبي هريرة ~~قال «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P253 # فقال: أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فقال عكاشة بن محصن يا رسول ~~الله، أفي كل عام؟ فقال: - عليه السلام -: أما إني لو قلت: نعم لوجبت، ولو ~~وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك الذين من قبلكم ~~بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم عفا الله عنها} [المائدة: 101] » وعن سلمان قال: «سئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن السمن والفراء والجبن فقال: الحلال ما أحل ~~الله، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا» # PageV03P254 ### | [باب الكلام في الإجماع] # قال أبو بكر - رحمه الله -: اتفق الفقهاء على صحة إجماع الصدر الأول، ~~وأنه حجة الله، لا يسع من يجيء بعدهم خلافه، وهو مذهب جل المتكلمين. # وقال بعضهم: لا يكون إجماعهم حجة، كما لم يكن إجماع سائر الأمم حجة. # قال أبو بكر: ومعرفة حجة الإجماع من طريق السمع. # فأما العقل: فإنه لم يكن يمنع وقوع الإجماع من أمتنا على خطأ، كاليهود ~~والنصارى، وغيرهما من الأمم. # والدليل على صحته من جهة السمع: قول الله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] هذه ~~الآية دالة على حجة الإجماع من وجهين: # أحدهما: قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] والوسط: ~~العدل في اللغة. # قال الشاعر: # هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم # PageV03P257 # يعني: هم عدول. فلما وصف الله تعالى الأمة بالعدالة اقتضى ذلك: قبول ~~قولها، وصحة مذهبها. # والوجه الثاني: قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} [البقرة: 143] ، فجعلهم شهداء على من بعدهم، كما جعل الرسول شهيدا ~~عليهم، ولا يستحقون ms518 هذه الصفة إلا وقولهم حجة، وشهادتهم مقبولة، كما أنه ~~(لما) وصف الرسول بأنه شهيد عليهم بقوله {ويكون الرسول عليكم شهيدا} ~~[البقرة: 143] أفاد به: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - حجة عليهم، وشهادته ~~صحيحة. # ونظير هذا المعنى أيضا مذكور في قوله تعالى {هو سماكم المسلمين من قبل ~~وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} [الحج: 78] ~~فثبت: أنها إذا قالت قولا في الشريعة لزم من بعدها، ولم يجز لأحد مخالفتها. # فإن قال قائل: فواجب (على) هذا أن يحكم لجميع الأمة بالعدالة، حتى لا ~~يكون فيها من ليس بعدل، بظاهر الآية، ويجعل قول كل واحد منهم حجة. # قيل له: لا يجب ذلك، لأن الله تعالى لم يحكم لكل واحد من الأمة (بالعدالة ~~في عينه) وإنما حكم بها لجماعة الأمة، وأفاد: أن جماعتها تشتمل على جماعة ~~لا تقول إلا الحق، فيكون (قولهم) حجة على من بعدهم. ويجوز هذا الإطلاق، وإن ~~لم يرد وصف كل واحد منهم على حياله بالعدالة، كقوله تعالى {وإذ قلتم يا ~~موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] ومعناه: أن قوما منكم ~~قالوه. وكما قال تعالى {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} [البقرة: 72] ~~ومعناه: أنه قتلها بعضكم، وكذلك قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ~~[البقرة: 143] معناه جعلنا منكم. # PageV03P258 # وهو مشهور في العادة أيضا، كقول القائل: بنو هاشم حكماء، وأهل الكوفة ~~فقهاء، والعرب (تقري الضيف وتحمي الديار) وتمنع الجار، وما جرى مجرى ذلك. ~~والمراد منهم: من هذه صفته، فإذا ثبت بهذه الآية: أن جملة الأمة تشتمل على ~~عدول شهداء على من بعدهم؛ إذ لم يجز أن يكون المراد أن جميعهم كذلك، ثبت أن ~~إجماعها حجة، لا سيما وقد أخبر: أنهم شهداء على الناس، ولا يجوز أن يجعلهم ~~الله شهداء على من بعدهم، ثم إذا شهدوا لم تصح شهادتهم، وإذا قالوا لم يقبل ~~قولهم، كما أنه لما جعل الرسول شهيدا عليهم تضمن ذلك إخبارا لصحة شهادته ~~عليهم، ولزمهم قبول قوله. # فإن قال قائل: فإن الرسول - عليه السلام - لم يكن ms519 قوله شهادة صحيحة لازمة ~~للأمة بنفس القول دون ظهور المعجزات الدالة على صدقه على يده. وكذلك (الأمة ~~لا ينبغي أن يكون) قولها حجة وصدقا إلا بقيام الدلالة: أنها لا تقول إلا ~~الحق، من غير جهة وصفها بالشهادة. # قيل له: الذي أقام الدلائل على صحة نبوة النبي - عليه السلام -، وأيده ~~بالمعجزات: هو الذي حكم للأمة بالعدالة وصحة الشهادة، فلم تخل الأمة من أن ~~يكون قولها قد صار حقا وصدقا، بدليل غير قولها، وهو حكم الله لها بذلك، ~~وشهادته لها به، ولو قد جاز على الأمة بأسرها الخروج عن صفة العدالة وصارت ~~كفارا أو فساقا - لخرجت من أن تكون عدولا وشهداء على الناس، وذلك بخلاف ما ~~أخبر الله تعالى من حكمها وصفتها. فثبت أنها لا تخلو من أن يكون فيها عدول ~~لا يقولون إلا حقا، وإن لم يكونوا قوما نعرفهم بأعيانهم. # فإن قال قائل: ليس في إيجاب قبول شهادتها دلالة على حقيقة صدقها، لأن ~~الشاهدين منا تقبل شهادتهما على ظاهر عدالتهم، من غير أن نقطع على غيبهما ~~بذلك، وكذلك الأمة ليس في لزوم قبول شهادتها حكم بصدقها، ولا القطع على ~~غيبها. # PageV03P259 # قيل له: لا يجب ذلك، لأن الله تعالى لم ينص لنا على (وجوب) قبول شهادة ~~شاهدين بأعيانهما، ولم يحكم لهما بالعدالة، وإنما أمرنا في الجملة بقبول ~~شهادة عدول عندنا، ومن في غالب ظننا أنهم عدول والظن قد يخطئ ويصيب، فلذلك ~~لم يجز لنا القطع على غيبهما، ولو كان الله تعالى شهد لشاهدين بأعيانهما ~~بالعدالة وصحة الشهادة - لقطعنا على غيبهما، وحكمنا بصدقهما، وأما الأمة ~~فقد حكم الله تعالى بالعدالة وصحة الشهادة على من بعدها، على معنى: أنها ~~تشتمل (على) من هذه صفته، فمتى وجدناها مجتمعة على شيء حكمنا بأنه حكم الله ~~تعالى، لأن العدول الذين حكم الله بصحة شهادتهم قد قالت ذلك، وقولها صدق. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون الله تعالى إنما جعل الأمة شهداء في الآخرة لا ~~في الدنيا حتى يكونوا عدولا، فيكونون عدولا في الآخرة، ولا دلالة في الآية ms520 ~~على: أنهم عدول في الدنيا. # قيل له: إن الله تعالى قد مدحهم وأثنى عليهم بذلك في الدنيا، فلولا أنهم ~~مستحقون لهذه الصفة في الدنيا ما جاز أن يوصفوا بها في الآخرة، لأن من لا ~~يستحق في الدنيا صفة مدح وثواب، فغير جائز أن يستحقها في الآخرة. # وأيضا لما جعل للأمة في كونها شهداء على الناس كالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في (وكونه شهيدا عليهم ثم كان النبي - صلى الله عليه وسلم -) مستحقا ~~لقبول الشهادة في الدنيا. وجب أن يكون كذلك حكم الأمة فيما يستحقونه من هذه ~~الصفة. # ولو جاز أن يقال: إن الأمة شهداء في الآخرة، وليست شهداء في الدنيا - ~~لجاز أن يقال مثله في النبي - عليه السلام -، إذ كان الله تعالى لم يفرق ~~بين شهادتهما. وأيضا: فلما لم يخصص وصفها بذلك حالا دون حال اقتضى عموم ~~الآية استحقاق هذه الصفة لها في سائر الأحوال. # PageV03P260 # فإن قيل: قوله تعالى {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] كقوله ~~تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] وفيهم من عبد، ~~وفيهم من لم يعبد. # وكذلك جائز من الأمة تضييع الشهادة، كما جاز من بعض من خلق للعبادة ~~تركها. # قيل له: لو جاز أن يقال هذا في الأمة - لجاز في الرسول - عليه السلام - ~~مثله، فلما كان وصفه الرسول - عليه السلام - بذلك قد اقتضى قبول شهادته، ~~ولزوم قوله، كانت الأمة مثله، ولما لم يجز أن يقال ذلك في الرسول - لم يجز ~~في الأمة مثله، وفارق العبادة ما ذكرت من الوصف بالشهادة. # وأيضا: فإنه (لما) وصف الأمة بالعدالة بقوله تعالى {جعلناكم أمة وسطا} ~~[البقرة: 143] فجعلهم شهداء بعد (وصفه إياهم) بالعدالة. # فقد أفاد هذا الوصف لهم قبول الشهادة، لأنه حكم لهم بذلك، وليس يجوز أن ~~يحكم له بالعدالة وقبول الشهادة وهم غير مستحقين لذلك، وهو كقوله تعالى ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} [السجدة: 24] يعني: أنهم كذلك، ~~وهذه صفتهم، وليس كذلك قوله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ~~[الذاريات: 56] لأنه إخبار عن إرادته خلقهم لعبادته، لا ms521 على وجه وقوع الحكم ~~لهم بالعبادة. # وأيضا: فإنه عز وجل لم يستشهدهم (على الناس) إلا وقولهم مقبول، وشهادتهم ~~جائزة، لأنه لا يجوز أن يستشهد من لا يجوز شهادته، لأنه عبث، والله يتعالى ~~عنه. # وأما قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] فإنه ~~إخبار أنه كان مريدا لخلقه إياهم أن يعبدوه، ليستحقوا بها الثواب الجزيل، ~~وقد وجد ذلك منه، وإن تركوها هم. # PageV03P261 # وأيضا: لما خلق الجن والإنس لعبادته لم يخل من أن يكون فيهم من عبد. # ووزان هذا من أمر الأمة (أن يكون) فيه عدول تجوز شهادتهم. # دليل آخر: وهو قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع، غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] الآية فقد أوجب به اتباع سبيل ~~المؤمنين، وحظر مخالفتهم، فدل على صحة إجماعهم، لأنهم لا يخلون من أن يكون ~~فيهم مؤمنون، لقوله تعالى: {هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج: 78] (وفي ~~هذا) ولو جاز عليهم الخطأ لكان المأمور باتباعهم مأمورا باتباع الخطأ، وما ~~أمر الله باتباعه لا يكون إلا حقا وصوابا، ثم أكد بإلحاقه بتارك اتباعهم. # فإن قيل: إنما ألحق الذم بتارك سبيل المؤمنين إذا شاق الرسول مع ذلك ~~(لأنه تعالى قال) {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين} [النساء: 115] فاستحق الذم بالأمرين فما الدليل على أنه ~~يستحقه بترك اتباع سبيل المؤمنين وحده، دون مشاقة الرسول؟ . # قيل له: لولا أن ترك اتباع سبيل المؤمنين فعل مذموم - لما قرنه إلى مشاقة ~~الرسول، فلما قرنه إلى مشاقة الرسول وألحق الذم بفاعله - دل على صحة ما ~~ذكرنا من وجهين: # أحدهما: أنه لولا أنه فعل مذموم على الانفراد لما جمعه إلى مشاقة الرسول ~~- عليه السلام -. # والثاني: أنه ذمه على الفعلين جميعا، ولولا أن ترك اتباع سبيل المؤمنين ~~معنى يستحق عليه الذم لما استحق الذم إذا شاق الرسول معه. ألا ترى أن قوله ~~تعالى # PageV03P262 # {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون} [الفرقان: 68] قد دل ms522 (على) أن كل واحد من هذه الأفعال ~~مذموم على حياله، يستحق عليه العقاب، وإن جمعها في خطاب واحد. # ويدل على صحة الإجماع أيضا: قوله تعالى: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم ~~الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة} [التوبة: 16] سوى فيه بين من اتخذ من دون المؤمنين وليجة، وبين من ~~اتخذها من دون النبي - عليه السلام -، فدل على (أن مخالف المؤمنين تارك ~~للحق) كمخالف الرسول - عليه السلام -. # دليل آخر: وهو قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: 110] فشهد للأمة بهذه الخصال، ~~ولو جاز إجماعهم على الخطأ لما كانوا بهذه الصفة، ولكانوا قد أجمعوا - على ~~المنكر، وتركوا المعروف، وقد أمننا الله عن وقوع ذلك منهم، بوصفه إياهم ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعنى وصفه إياهم بذلك: أنها تشتمل ~~على من هذه صفته. # دليل آخر: وهو قوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] وفي ~~الأمة لا محالة من أناب إليه، فوجب اتباع جماعتها. # والدليل على أن في الأمة منيبين إلى الله عز وجل: قوله تعالى: {هو سماكم # PageV03P263 # المسلمين من قبل} [الحج: 78] وقوله تعالى: {وتؤمنون بالله} [آل عمران: ~~110] . # فإن قيل: فأوجب اتباع الواحد إذا أناب إلى الله تعالى. # قيل له: لا يعلم في الواحد هذه الصفة من جهة الحقيقة، وإنما حكم له بها ~~من جهة الظاهر، فلا يلزمنا اتباعه، لأن الله تعالى إنما أمرنا باتباع من ~~أناب إليه حقيقة، وأما جملة الأمة فقد علمنا أنها تشتمل على من أناب إلى ~~الله. # فإذا أجمعت على شيء فقد علمنا: أن المنيبين الذين فيها قد قالوا ذلك ~~واعتقدوه - فهو حكم الله تعالى لا محالة. # ، ويدل على صحة حجة الإجماع من جهة السنة: الأخبار التي قد ثبت ورودها من ~~طريق التواتر من جهات: جهات قد علمنا أنها تشتمل على صدق بخبر عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بشهادته للأمة بصحة إجماعها، ولزوم اتباعها. # منها: «خطبة عمر - رضي الله عنه ms523 - بالجابية بحضرة الصحابة - رضوان الله ~~عليهم -. قال فيها: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقيامي ~~فيكم، فقال: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو ~~الكذب، حتى يشهد الرجل من قبل أن يستشهد، ويحلف من قبل أن يستحلف، فمن سره ~~بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد» ~~. # وروي عنه - عليه السلام - في أخبار مستفيضة: «لا تزال طائفة من أمتي ~~قائمين على الحق، لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله عز وجل» وروي عنه - ~~عليه السلام -: أنه # PageV03P264 # قال: «لا تجتمع أمتي على ضلال» وأنه قال: «يد الله مع الجماعة» وروى أبو ~~إدريس الخولاني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «نضر الله عبدا سمع مقالتي، ثم لم يزد فيها، فرب حامل فقه إلى من هو ~~أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لولاة ~~الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم» وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» وروى ~~أبو إدريس عن حذيفة في حديث طويل «فقلت يا رسول الله: ما يعصمني من ذلك؟ ~~قال: جماعة المسلمين وإمامهم» فهذه أخبار ظاهرة مشهورة، قد وردت من جهات ~~مختلفة، وغير جائز أن تكون كلها وهما أو كذبا، على ما بينا فيما سلف من ~~أخبار المتواتر، وقد كانت مع ذلك شائعة في عهد الصحابة: يحتجون بها في لزوم ~~حجة الإجماع، ويدعون الناس إليها، ولم يظهر من أحد منهم إنكار ذلك، ولا ~~رده، وما كان هذا سبيله من الأخبار فهو في حيز التواتر الموجب للعلم بصحة ~~مخبرها، فثبت بما ذكرنا من الكتاب والسنة وجوب حجية الإجماع، ودلت هذه ~~الأخبار على صحة ما ذكرنا من وجهين: # أحدهما: أن قد رواها جماعة ووردت من طرق مختلفة، وهي مع اختلاف طرقها # PageV03P265 # وكثرة روايتها متوافقة على لزوم اتباع الجماعة، فهو نظير ما ذكرنا من ~~أقسام التواتر إذا أخبرت ms524 جماعة كبيرة مختلفة عن أمر شاهدوه، فيعلم يقينا أن ~~خبرهم قد اشتمل على صدق نحو قافلة الحج إذا انصرفت فأخبر كل واحد منهم أنه ~~قد حج، أن خبرهم قد اشتمل على صدق وإن لم يجب القطع على خبر كل واحد منهم ~~فيما (ذكره) وأخبر به عن نفسه. # والآخر: أنهم قد رووه بحضرة جماعات وذكروا أنه كان بحضرتهم توقيف من ~~النبي - عليه السلام - إياهم على لزوم الجماعة، ولم ينكروه. فدل (صحته على ~~صحة) ما بينا من وجهه في الكلام في الأخبار. # فإن قال قائل: لما جاز على كل واحد من الأمة الخطأ في اعتقاده ومذهبه لم ~~يكن اجتماعهم مانعا من جواز ذلك عليهم، كما أن كل واحد منهم إذا كان أسود ~~فجميعهم سود، وإن كان كل واحد منهم إنسانا فجميعهم ناس، فكذلك إذا جاز على ~~كل واحد الضلال، فذلك جائز على جميعهم. ولو جاز أن يجمع بين من يجوز عليه ~~الخطأ وبين من (لا) يجوز عليه الخطأ فنجا منهم من لا يجوز عليه الخطأ - ~~لجاز أن يجمع بين قادر وقادر (فيصيران) عاجزين، وأن يجمع بين بصير وبصير ~~(فيصيران) أعميين. # قيل له: هذه القاعدة خطأ لا يوافقك عليها الخصم (لأنه يقول لك: إني) إنما ~~أجوز الخطأ على كل واحد من الأمة في حال لا يطابقه الباقون على الخطأ. # فأما مع مطابقة # PageV03P266 # الآخرين (فإني لا) أجوز على كل واحد منهم الخطأ على هذا الوجه، فيصير ~~الكلام بينكما في إقامة الدليل على امتناع جواز ذلك ويسقط هذا السؤال. # على أن هذه القاعدة منتقضة، لأنها توجب أن حجرا لا يرفعه كل واحد من عشرة ~~رجال إنهم إذا اجتمعوا أن لا يجوز منهم رفعه، وإن كان لقمة من خبز إذا كانت ~~بانفرادها لا تشبع وجب ألا تشبع، وإن أكل عشرة أرطال. وإن كان جرعة من ~~الماء إذا لم ترو يجب أن لا تروي عشرة أرطال (ماء) وهذا فاسد. وإن كان ~~القائل ممن يقول بالتواتر لزمه أن لا يثبت للتواتر حكما، لأن كل واحد من ~~المخبرين إذا ms525 كان خبره لا يوجب العلم فواجب أن يكون اجتماعهم غير موجب ~~للعلم. # وأيضا: فإنا لم نثبت حجة الإجماع من جهة العقل، وقد قدمنا أنه لم يكن ~~يمتنع في العقل قبل مجيء السمع جواز إجماع الأمة على خطأ إلا أن السمع منع ~~منه. # فإن قال قائل: قد روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «لا تقوم الساعة ~~إلا على شرار الخلق» وفي بعض الأخبار: «لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على ظهر ~~الأرض أحد يقول: الله» . وهذا يدل على (جواز) اجتماع الأمة على الضلال، ~~ورجوعها عن الإسلام. # قيل له: أما قوله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» ، فإن معناه أن ~~الأشرار تكثر فيهم فجاز إطلاق اللفظ عليهم، لأن الغالب الأشرار، وإن كان ~~فيهم صالحون. # وأيضا: فإنه إذا جاءت أشراط الساعة زال التكليف وقبض الله المؤمنين في ~~تلك الحال قبل قيام الساعة حتى لا يبقى على الأرض من يقول: الله. # PageV03P267 ### | [باب القول في إجماع أهل الأعصار] # قال أبو بكر - رحمه الله -: مذهب أصحابنا وعامة الفقهاء أن إجماع أهل ~~الأعصار حجة، (وكذلك كان يقول شيخنا) أبو الحسن، وذكر هشام بن عبيد الله عن ~~محمد بن الحسن أنه قال: الفقه على أربعة أوجه (ما في القرآن) وما جاءت به ~~السنة (متواتر) . عن رسول الله (مشهور) ، وما أشبهها، وما أجمع عليه ~~الصحابة، وما اختلفوا فيه، وما أشبهه، وما رآه المسلمون حسنا، وما أشبهه. # قال أبو بكر: فذكر ما أجمع عليه الصحابة، وجعله أصلا وحجة، كالكتاب ~~والسنة. # وذكر ما اختلف فيه الصحابة وما أشبهه، (وإنما عنى: أن الصحابة) إذا ~~اختلفت في المسألة على وجوه معلومة فليس لأحد أن يخرج عن جميع أقاويلهم ~~ويبتدع قولا لم يقل به واحد منهم، لأنا قد علمنا: أن الحق لم يخرج من ~~بينهم. # وقوله: وما رآه المسلمون حسنا بعد الصحابة من أهل سائر الأعصار، وقد ذكر ~~محمد (صحة) إجماع أهل الأعصار بعد الصحابة في مواضع أخر. # PageV03P271 # والدليل على صحة ذلك: أن الآي التي قدمنا ذكرها من حيث دلت على صحة ms526 إجماع ~~الصدر الأول فهي في دلالتها على صحة إجماع أهل سائر الأعصار كهي في دلالتها ~~على صحة إجماع الصدر الأول، لأن قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] عام في أهل سائر الأعصار، ومعلوم ~~أن قوله لتكونوا شهداء على الناس قد انتظم: أن يكونوا شهداء على أهل عصرهم ~~عند انعقاد إجماعهم، وعلى من بعدهم، وأنهم حجة على الجميع، كما كان الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - شاهدا على أهل عصره وعلى من بعده، وكذلك قوله ~~تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} [النساء: 115] وقوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: ~~15] وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قول عام في ~~أهل سائر الأعصار (ومن حيث دلت على إجماع الصدر الأول فهي دالة على إجماع ~~من بعدهم من أهل سائر الأعصار) . # ولو جاز أن يقال: ذلك مخصوص به الصدر الأول، لجاز أن يقال في سائر ألفاظ ~~العموم التي يتناول ظاهرها جميع الأمة. أو يقال هي: مخصوصة في الصحابة دون ~~غيرهم، ولما كان المفهوم من خطاب الله تعالى وخطاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه متوجه إلى سائر الناس وإلى أهل كل عصر إلى يوم القيامة. ~~وجب أن يكون الآي التي تلوتها في إيجاب حجة الإجماع محمولة على المعقول من ~~خطاب الله في تناولها أهل سائر الأعصار. # ولو جاز أن يخص بها الصحابة - لجاز أن يقال: هي مخصوصة في طائفة منهم دون ~~طائفة ولجاز أن يقال: إنه حكم مخصوص به أهل المدينة دون غيرهم من الناس. ~~فلما بطل ذلك ثبت أنها عامة في جميع أهل الأعصار، وأن (إجماع) أهل كل عصر ~~حجة على من # PageV03P272 # بعدهم، وجميع ما استدللنا به من السنة على صحة الإجماع يوجب صحة إجماع ~~سائر أهل الأعصار، لأنه لا يخصص في أمره إيانا بلزوم الجماعة جماعة من ~~الأمة دون غيرها، بل عم سائر الجماعات به، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- «لا تجتمع أمتي على ms527 ضلال» لأن قوله: «لا تجتمع أمتي على ضلال» لا يخلو من ~~أن يكون المراد به من كان في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع من جاء ~~بعدهم إلى أن تقوم الساعة، ولا يجتمعون على ضلال. # أو أن يريد به أهل كل عصر على الانفراد، أو أهل عصر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مع من حدث بعدهم إلى أن تقوم القيامة. وأنهم باجتماعهم لا ~~يجتمعون على ضلال، لأنه معلوم أن أهل عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -. لم ~~يكونوا على ضلال، ولم يكن لضم أهل الأعصار إليهم في نفي اجتماع الجميع على ~~ضلال معنى ولا فائدة، علمنا أن مراده: أن أهل كل عصر لا يقع منهم اجتماع ~~على ضلال. # ولا يجوز الاقتصار على عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، لأن فيه ~~تخصيصا بلا دلالة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تجتمع أمتي على ضلال» ~~قد نفى به أن يضل كل أهل عصر بضلال واحد. ونفى به أيضا أن يضلوا، كلهم، بأن ~~يضل كل طائفة منهم بضرب من الضلال غير ضلالة الطائفة الأخرى. # هذا كله منتف بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجتمع أمتي على ضلال» ~~وإفادته أن طائفة منهم لا تزال متمسكة بالحق إلى وقت حدوث أشراط الساعة، ~~وزوال التكليف. # فإن قيل: كيف يصح لكم القول بإجماع أهل الأعصار مع ما روي عن أبي حنيفة ~~أنه قال: إذا (اجتمعت الصحابة على شيء سلمناه لهم، وإذا اجتمع التابعون ~~زاحمناهم) وأبو حنيفة لم يكن من التابعين، ولم يعتد بإجماع التابعين في ~~لزوم صحته له ولأهل عصره. # قيل له: أما أبو حنيفة فهو تابعي قد أدرك فيما يحكي (أربعة) من الصحابة: ~~أنسا # PageV03P273 # وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وعبد الله بن أبي أوفى، وآخر قد ذهب ~~علي اسمه، فجاز له مزاحمة التابعين. # وأيضا: فإن أبا حنيفة قد كان من أهل الاجتهاد في زمن التابعين، وكان يفقه ~~الناس فيما قبل أربعين سنة. وكثير من التابعين كانوا موجودين بعد سنة عشرين ~~ومائة، فلما ms528 لحق أيامهم وهو من " أهل " الفتيا جاز له مخالفتهم والقول ~~معهم. # PageV03P274 ### | [باب القول فيما يكون عنه الإجماع] # قال أبو بكر: قد يكون الإجماع عن توقيف، ويكون عن استخراج فهم معنى ~~التوقيف، فمنه ما علم وجه التوقيف فيه. ومنه ما لا يعلم، لعدم النقل فيه، ~~ويكون أيضا عن رأي واجتهاد. # فأما الإجماع الذي علمنا كونه عن توقيف، فنحو قوله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] الآية، وقد اجتمعت الأمة على ما ذكر في ~~الآية، وإنما صدر إجماعهم عن التوقيف المذكور فيها. # وكذلك سائر الآي المحكمة التي اتفق الناس على حكمها. # ومنه ما هو عن توقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم - منه ما ورد من جهة ~~التواتر، ومنه ما روي في أخبار الأفراد من طريق التواتر، فمما ورد من طريق ~~التواتر: رجم المحصن. اجتمعت الأمة # PageV03P277 # عليه، إلا قوم من الخوارج، وليسوا عندنا بخلاف، ومنه قوله: «لا تنكح ~~المرأة على عمتها، ولا على خالتها» ومنه قوله: «الذهب بالذهب، مثلا بمثل، ~~والفضة بالفضة مثلا بمثل» وقد اجتمعت الأمة عليه، وقد كان ابن عباس خالف ~~فيه، ثم رجع إلى قول الجماعة. ونظائر ذلك من الأخبار. # ومما ورد من التوقيف من طريق الأفراد واجتمعت الأمة على معناه: ما روي عن ~~النبي - عليه السلام - أنه قال: «في إحدى اليدين نصف الدية، وفي إحدى ~~الرجلين نصف الدية، في إحدى العينين نصف الدية، وفي الأنف الدية، وأن الدية ~~مائة من الإبل» «ومن ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه» واجتمعت الأمة على ~~ما وردت به هذه الأخبار. # وليس يمنع أن يكون كثير من الإجماعات التي لا تعرفها معها توقيف قد كانت ~~صدرت له عن توقيف من النبي - عليه السلام -، ترك الناس نقله، اكتفاء بوقوع ~~الاتفاق، وفقد الخلاف. # وأما الإجماع الواقع عن غير توقيف نعلمه عن النبي - عليه السلام -، وإنما ~~كان استخراج بعضهم لمعنى التوقيف واتباع الباقين إياه، في نحو ما روي (أن ~~بلالا ونفرا معه من الصحابة قد كانوا سألوا عمر قسمة السواد فأبى عليهم، ~~وراجعوه فيه مرارا، ثم ms529 قال لهم يوما: قد وجدت في كتاب الله عز وجل ما يفصل ~~بيني وبينكم، وهو قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول} [الحشر: 7] إلى قوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ~~[الحشر: 7] إلى أن قال: {للفقراء المهاجرين} [الحشر: 8] ثم ذكر الأنصار ~~{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} [الحشر: 9] ، ثم ذكر من جاء بعدهم ~~فقال: {والذين جاءوا من بعدهم} [الحشر: 10] ، فقد جعل لهؤلاء كلهم فيه ~~الحق، ومنع أن يكون دولة بين الأغنياء منكم، ولو قسمت السواد بينكم لتداوله ~~الأغنياء منكم، وبقي آخر الناس لا شيء لهم) فلما سمعوا ذلك من عمر عرفوا # PageV03P278 # صحة احتجاجه بها، وإبانته عن موضع الدلالة منها، على ما ذهب إليه، فرجعوا ~~إلى قوله، وتابعوه على رأيه. # ونحو إجماعهم: على أن عمة الأب وخالته حرام عليه، وكذلك عمة أمه وخالتها، ~~وليس ذلك منصوصا عليه في الكتاب، وإنما أجمعوا عليه بدلالة المنصوص في ~~تحريمه: العمة والخالة، ثم كانت أم الأب بمنزلة أمه في التحريم، كذلك عمة ~~الأب وخالته بمنزلة عمته وخالته، ونحو قول أبي بكر الصديق للصحابة حين ~~خالفوه في قتال أهل الردة: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فقال له ~~أصحابه: قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» . فقال: ~~إنما قال: عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وهذا من حقها فعرف الجميع ~~صحة استخراجه لمعنى التوقيف، (ورجعوا إلى قوله. وأما الإجماع الذي وقع منهم ~~من غير توقيف ورد فيه، ولا استخراج معنى التوقيف) # فجائز أن يكون أصله كان توقيفا، وجائز أن يكون اجتهادا، نحو إجماعهم على ~~أن للجدتين: أم الأم، وأم الأب، إذا اجتمعتا السدس، وأن لبنت الابن نصف ~~الميراث إذا لم يكن للميت ولد الصلب. # وأجمعوا أيضا على تأجيل امرأة العنين، وليس فيه توقيف، والأغلب من أمره: ~~أنه عن اجتهاد، وكذلك اتفاقهم: على أن عدة الأمة على نصف من عدة الحرة، مع ~~قوله تعالى: ms530 {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وأن دية ~~المرأة على النصف من دية الرجل، وإجماعهم على جواز شهادة النساء وحدهن فيما ~~لا يطلع عليه الرجال: كالولادة ونحوها. ومما علمنا وقوعه عن اجتهاد: حد ~~الخمر ثمانين، وذلك أن عمر شاور الصحابة في حد الخمر فقال علي: " إذا شرب ~~سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد الفرية ثمانون " وكذلك قال عبد ~~الرحمن بن عوف، وقال علي - عليه السلام - (ما أحد أقيم عليه # PageV03P279 # حدا) فيموت منه فأديه (لأن الحق قتله) إلا حد الخمر فإنه شيء وضعناه ~~بآرائنا) فإن قيل: لا يجوز عندكم إثبات الحدود بالقياسات، فإن كان الصحابة ~~قد اتفقت على إثبات حد الخمر قياسا فهذا إبطال لأصلكم في نفيكم إثبات ~~الحدود قياسا. # قيل له: الذي نمنعه ونأباه من ذلك: هو أن نبتدئ إيجاب حد بقياس، في غير ~~ما ورد فيه التوقيف، فأما استعمال الاجتهاد في شيء قد ورد فيه التوقيف، ~~فيتحرى فيه معنى التوقيف، فهذا جائز عندنا، واستعمال اجتهاد السلف في حد ~~الخمر من هذا القبيل، وذلك؛ لأنه قد ثبت عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قد ضرب في حد الخمر بالجريد والنعال» . # وروي: أنه (ضربه أربعون رجلا، كل رجل بنعله ضربتين إنما تحروا في) ~~اجتهادهم موافقة أمر النبي - عليه السلام -، فجعلوه ثمانين من هذا الوجه، ~~ونقلوا ضربه بالنعال والجريد إلى السوط، كما يجتهد الجلاد في الضرب، وكما ~~يختار السوط الذي يصلح للجلد اجتهادا، فالاجتهاد من هذا الوجه شائع فيما ~~وصفنا. # فإن قال قائل: لا يجوز وقوع الاجتهاد من جهة القياس، لأن الناس يختلفون ~~في إثبات القياس، ولا جائز أن يكون ما أجمعوا # (عليه) هو ما اختلفوا فيه. قيل له: أما الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ~~أتباعهم - فلا خلاف بينهم في إثبات القياس، في أحكام الحوادث، وإنما أنكر ~~إثبات القياس قوم من المتأخرين، من المتكلمين لا حظ لهم في علم الفقه، ~~وأصول الأحكام، ولم يعرفوا قول السلف وإجماعهم عليه، وعلمهم بالآثار، وما ~~كان عليه الصدر الأول، وطريقهم في استعمال الاجتهاد ms531 والفزع إلى # PageV03P280 # النظر والقياس عند فقد النصوص، فتهوروا في إقدامهم على ذلك. ثم تبعهم قوم ~~من الحشو الذين لا نباهة لهم، ولا روية، وأمثال هؤلاء لا يعتد بخلافهم، ولا ~~يؤنس بوفاقهم. # فإن قال قائل: إن الإجماع إذا صدر عن رأي واجتهاد من غير توقيف فلا بد من ~~أن يتقدمه اختلاف ومنازعة، على مجرى العادة في قوم مختلفي الهمم والمنازل ~~في العلم أنهم إذا تشاوروا فيما كان طريقه الرأي والاجتهاد واختلفوا ~~وتنازعوا فإذا وجدناهم متفقين من غير خلاف كان منهم تقدما (فقد علمنا) : أن ~~ذلك عن توقيف. # قيل له: هذا غلط، لأنه يجوز أن يكون دليل الحكم ظاهرا جليا لا يحتاجون ~~معه إلى استقصاء النظر، فينووا في هممهم التنبيه عليه، ويسبق إليه بعضهم، ~~ويحتج به فيتبعه الباقون، فلا يحصل هناك خلاف، وإن كان أصله رأيا، ومصدره ~~عن اجتهاد. # وجائز أن يكون دليل الحكم غامضا خفيا في الابتداء، فيختلفون، ثم يتجلى ~~للجميع باستقصاء النظر، وكثرة الخوض، فيصدرون عن اتفاق، ثم لا ينقل إلينا ~~مع ذلك ما كان بينهم فيه من التنازع والاختلاف، لأن وقوع الإجماع قد أغناهم ~~عن ذلك في معرفة حكم الحادثة، ونقل الخلاف والمنازعة لا فائدة فيه. # فإن قال قائل: لو جاز وقوع الإجماع عن اجتهاد ولا يكون مع ذلك إلا حقا ~~وصوابا لأوجب أن يكون اجتهاد الأمة أفضل من اجتهاد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأعلى مرتبة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان يجوز عليه ~~وقوع الخطأ في الاجتهاد. # PageV03P281 # والدليل (على) ذلك: أن الله تعالى ذكره قد عاتبه في أسارى بدر، وأنزل ~~{لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] وقال عز ~~وجل: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] وما جرى مجرى ذلك. # فلما امتنع أن يكون اجتهاد الأمة أفضل من اجتهاد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جاز عليه وقوع الخطأ في ~~الاجتهاد، دل ذلك على جواز وقوع الخطأ على الأمة فيما نقول من طريق الرأي. ms532 # قال أبو بكر: قد أجبت عن هذا بأجوبة. # أحدها: أن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقع فيه خطأ، لأن ~~معاصي الأنبياء - عليهم السلام - ولو كانت صغائر - مغفورة، فغير جائز ~~وقوعها في شيء يظهر للناس، ويلزمهم فيه الاتباع والاقتداء بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولو ظهرت معاصي الأنبياء - عليهم السلام - (للناس) لكان ~~فيه تنفير عن الطاعة، وإيحاش عن السكون والطمأنينة إلى صحة ما ظهر من ~~الأنبياء - عليهم السلام -. # ومن الناس من أجاب: إنا نقول: إن اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أفضل من اجتهاد الأمة، ومعناه: أنه أفضل من اجتهاد كل واحد منهم في نفسه، ~~ولا نعني بذلك أن اجتهاده أفضل من اجتهاد الأمة مجتمعة، كما نقول: إن صلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من صلاة الأمة، وإنما المعنى: إنها أفضل ~~من صلاة كل واحد منهم في نفسه، لا أنها أفضل من صلوات جميع الأمة بأسرها ~~مجتمعة، وكما نقول: فلان أقوى من إخوة فلان وهم عشرة، والمعنى أنه أقوى من ~~كل واحد منهم في نفسه. # PageV03P282 ### | [باب القول في صفة الإجماع الذي هو حجة لله تعالى] # الإجماع على وجهين: أحدهما: يشترك فيه الخاصة والعامة، لحاجة الجميع إلى ~~معرفته، وذلك نحو إجماعهم: (على) أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث، وصوم رمضان، ~~وحج البيت، وغسل الجنابة، وتحريم الزنا، وشرب الخمر، وتحريم نكاح الأمهات، ~~والأخوات، ونحوهن، فهذا إجماع قد تساوى الخاصة والعامة فيه. # والإجماع الآخر: ما يختص به الخاصة من أهل العلم، الذين هم شهداء الله عز ~~وجل على ما ذكره في كتابه، ولا اعتبار فيه بقول العامة، لأن العامة لا مدخل ~~لها في ذلك، إذ ليس بلواها به عامة. # وذلك كنحو: فرائض الصدقات، وما يجب في الزروع والثمار من الحق، وتحريم ~~الجمع بين العمة وبنت الأخ، وما جرى مجرى ذلك، مما لم يكثر بلوى العامة به، ~~فعرفته الخاصة، وأجمعت عليه. # ثم لا يخلو من ينعقد به الإجماع: من أن يكون وجود إجماعه معتبرا، بأن ~~نعرف قول كل واحد منهم بعينه، أو أن ms533 يظهر القول من بعضهم، وينتشر في كافتهم ~~من غير إظهار خلاف من الباقين عليهم، ولا نكير على القائلين به، وغير جائز ~~أن تكون صحة الإجماع موقوفة على وجود القول في المسألة من كل واحد منهم، ~~بوفاق الآخرين، لأن ذلك لو كان شرط الإجماع لما صح إجماع أبدا، إذ لا يمكن ~~لأحد من الناس أن يحكي في شيء من الأشياء قول كل أحد من أهل عصر انعقد ~~إجماعهم على شيء، إن شئت من الصدر الأول، وإن شئت ممن بعدهم. # فلما ثبت عندنا صحة إجماع الأمة (بما قدمنا من الدلائل وامتنع وجود ~~الإجماع) بإثبات قول كل أحد من الصحابة والتابعين في مسألة، علمنا: أن # PageV03P285 # هذا ليس بشرط. ألا ترى إلى تحريم نكاح الأمهات والبنات مجمع عليه، لا ~~يمتنع أحد من الناس من إطلاق القول: بأن هذا إجماع الأمة، من غير أن يحكيه ~~عن كل واحد منهم به، إلا ما ظهر وانتشر (من تحريمهن) وترك الباقين الخلاف ~~فيه. فبان بذلك أن شرط وجود الإجماع. انتشار القول (عمن هو من أهل الإجماع) ~~مع سماع الباقين من غير إظهار نكير ولا مخالفة. # فإن قال قائل: ليس في ترك النكير وعدم إظهار الخلاف دلالة على الوفاق، ~~لأنه ليس يمتنع أن يتركوا (النكير) مهابة، أو تقية، أو لغير ذلك من الأمور. ~~فإذا ليس في ترك إظهار الخلاف دلالة على الموافقة، كما روي: " أن عمر سأل ~~الصحابة في قصة المرأة التي أرسل إليها يدعوها، ففزعت، فألقت جنينا ميتا، ~~فقالوا: إنما أنت مؤدب، ولم ترد إلا الخير وما نرى عليك شيئا، وعلي - عليه ~~السلام - ساكت، فقال له: ما تقول أبا الحسن؟ فقال علي: إن كان هذا جهد ~~رأيهم فقد أخطئوا، وإن كانوا قاربوك فقد غشوك، أرى عليك الدية. فقال عمر - ~~رضي الله عنه -: (أنت صدقتني) " # فقد كان علي ساكتا مضمرا لخلاف الجماعة، ولم يكن سلوكه دلالة على ~~الموافقة، ولم يستدل عمر أيضا بسكوته على الموافقة. # ذكر عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أنه (ذكر) مسألة العدل، واحتج: ms534 # PageV03P286 # بأن من لا ينتقل من فرض إلى فرض ففرضه قائم، ومن كان ينتقل من (فرض) لا ~~إلى فرض أدخلت النقصان عليه. قال: فقلت: هلا ذكرته لعمر؟ فقال: إنه كان ~~أميرا مهيبا، فأخبر: أن مهابته كانت مانعة له من إظهار الخلاف عليه. # قيل له: أما قصة عمر في أمر المرأة فلا دلالة فيها على ما ذكرت. من قبل: ~~أن عليا لم يسكت إلى أن أبرموا الأمر وفرغوا من الكلام في المسألة، وإنما ~~سكت لينظر في جواب القوم ثم لما أجاب القوم، أقبل عليه عمر - رضي الله عنه ~~- فسأله قبل أن يتكلم علي بشيء، وعسى (لو) قد كان عمر أراد أن يأخذ قولهم، ~~أو أن يقف في الحكم، أن يخبره ولا يسكت، ونحن إنما نجعل ترك إظهار الخلاف ~~حجة إذا نشرت المقالة، وظهرت، واستمر القائلون بها عليها، ثم لا يظهر من ~~غيرهم فيها خلاف، فأما ما داموا في مجلس التشاور والارتياء فيها فجائز - أن ~~يكون الساكت ناظرا في المسألة، مرويا فيها، لم يتجه له فيها شيء، فإذا ~~استمرت الأيام عليه ولم يظهر خلافا مع العناية منهم بأمر الدين وحراسة ~~الأحكام، علمنا (أنهم إنما) لم يظهروا الخلاف لأنهم موافقون لهم. # وأما حديث ابن عباس في العول: فإن ابن عباس قد كان يظهر هذا الخلاف في ~~عهد الصحابة، فإنما منعته مهابة عمر من محاجته، كما يهاب الأحداث ذوي ~~الأسنان، وكيف يجوز أن يكون ابن عباس يمنعه مهابة عمر من الخلاف عليه، وقد ~~كان عمر يقدمه ويسأله مع سائر من كان يسأله من الصحابة، لما عرف من فضل ~~فطنته، ونفاذ بصيرته، وكان يمدحه ويقول: غص يا غواص، ويقول: شنشنة أعرفها ~~من أخزم. يعني شبهه بالعباس - رضي الله عنه - في فهمه وعقله ودهائه. ومتى ~~كان الناس في تقية من عمر في إظهار الخلاف عليه في مسائل الحوادث؟ وهو قد ~~كان يستدعي منهم الكلام فيها. # قال أبو بكر: وقد كان عيسى بن أبان يقول: إن ترك النكير لا يدل على ~~الموافقة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ms535 - لم يكتف في قصة ذي اليدين بترك ~~الناس النكير عليه في قوله: «أقصرت # PageV03P287 # الصلاة أم نسيت حتى سأل أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فقال: أحق ما ~~يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم. فحينئذ أتم الصلاة» . وكان أبو الحسن يقول: إن ~~ترك النكير لا يدل على الوفاق (فيما كان طريقه اجتهاد الرأي، لأن ما كان ~~طريقه الاجتهاد) فغير جائز لأحد إظهار النكير على من قال بخلاف قوله، فليس ~~إذن في سكوت القوم وتركهم النكير على القائلين في الحادثة دلالة على ~~الموافقة. # قال أبو بكر: ولسنا نقول: إن ترك النكير على الانفراد يدل على الموافقة، ~~لأن ترك النكير قد يجوز أن يجامعه إظهار الخلاف، وعامة مسائل الاجتهاد هذا ~~سبيلها، وإنما نقول: إن تركهم لإظهار المخالفة مع انتشار القول واستمرار ~~الأيام قد يدل على الوفاق. # فأما قصة ذي اليدين: فإن القوم وإن تركوا مخالفته ولم يظهروا النكير ~~عليه، فغير جائز عندنا أن يستدل به في الموضع الذي نحن فيه من الكلام على ~~الإجماع، ولعل عيسى إنما، أراد: أن ترك النكير على الوجه الذي كانت عليه ~~قصة ذي اليدين لا يدل على الموافقة، وإنما قلنا: إن قصة ذي اليدين لا تعترض ~~على ما قلنا في الإجماع، من قبل: أن ذا اليدين لما قال هذا القول، قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عقيبه قبل أن يظهر من القول خلاف عليه أو ~~وفاق له: (أحق ما يقول ذو اليدين) ، لأن الكلام كان مباحا في الصلاة حينئذ، ~~فلم يكن هناك شيء يمنع من الاستفهام، وقد كان له - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يعتبر حال القوم، هل هم تاركون للنكير عليه أم لا؟ فيستدل بتركهم الخلاف ~~عليه، على صحة خبره، ولكنه اختار الاستفهام بالقول، وقد قلنا قبل ذلك: إن ~~ترك إظهار الخلاف إنما يكون دلالة على الموافقة إذا انتشر القول، وظهر، ~~ومرت عليه أوقات يعلم في مجرى العادة بأنه لو كان هناك مخالف لأظهر الخلاف، ~~ولم ينكر على غير مقالته. إذ كان قد استوعب مدة النظر والفكر. # وأما ms536 ما حكيناه عن أبي الحسن: من أنه غير جائز له الإنكار فيما طريقه ~~الاجتهاد فهو صحيح. ولم نجعل نحن ترك النكير حجة في الإجماع دون ترك إظهار ~~الخلاف، بعدما مضى # PageV03P288 # وقت ظهور القول وانتشاره مدة لو كان هناك قائل بخلافه لكان قد استوفى مدة ~~نظره واستقر رأيه على قول يقول به إن كان مخالفا له، فإذ لم يظهر منه ذلك ~~علمنا: أنه موافق له. # ومن الدليل على صحة ما ذكرناه من اعتبار ترك إظهار الخلاف في القول الذي ~~قد استفاض وظهر من بعض الأمة: أنه معلوم في مجرى العادة وما عليه طبائع ~~الناس إذا تشاوروا في أمر من الأمور فقال فيه أعلامهم وأولو الألباب منهم ~~قولا وسكت الباقون، أن ذلك رضا منهم بذلك القول، وموافقة للقائلين به ~~(وأنه) لو كان هناك مخالف لهم لأظهر الخلاف إذا كان ذلك (أمرا) يهمهم ~~ويتعلق بشيء من مصالحهم في دنياهم، فما كان منهم دينا تضيفه جماعة منهم إلى ~~الحق وأنه حكم الله تعالى الذي أداهم إليه اجتهادهم فهو أولى، بأن يكون ~~تركهم إظهارا لخلاف فيه دلالة على الموافقة. # وأيضا: فإنهم مع اختلاف أحوالهم وتفاوت طبائعهم ومقاصدهم، لا يجوز أن ~~تتوانى همتهم على ترك إظهار خلاف هم له مضمرون، كما أن قائلا لو قال: يوم ~~الجمعة إن الإمام لما صعد المنبر (إنسان) بسهم فقتله، لم يجز أن يحضر جماعة ~~ممن شهد الجامع ولم يسمعوا بذلك أن يتركوا إظهار النكير عليه، ولا يجوز أن ~~تتفق هممهم على السكوت مع اختلاف أحوالهم. # وأيضا: فإنه معلوم: أن السلف قد كانوا يعتقدون: أن إجماعهم حجة على من ~~بعدهم، فغير جائز إذا كان هذا هكذا أن يكون هناك مخالف لهم مع انتشار ~~قولهم، فيضمر خلافهم ويسره، ولا يظهره، حتى يتبين للناس: أنه ليس هناك ~~إجماع تلزم حجته من # PageV03P289 # بعدهم. فوجب بهذا أن يكون سكوتهم بعد ظهور القول وانتشاره: دلالة على ~~الموافقة. ولو لم يصح الإجماع من هذا الوجه، لما صح إجماع أبدا، إذ غير ~~ممكن أن يضاف شيء من الأشياء ms537 بقول إلى جميع الأمة: على (أنها قد قالته ~~ولفظت به) وإنما يعتمدون فيه على ظهور القول فيهم، من غير مخالف لهم. # وقال بعضهم ممن لا يؤبه له: الإجماع الذي يحكم بصحته وينقطع به العذر: هو ~~اتفاق العلماء على موضع الكعبة من مكة، وموضع الصفا والمروة، وأن شهر ~~رمضان: هو الشهر التاسع، من ذلك، ونحو ذلك، وما عدا هذا فلم يقم الدليل ~~بإيجابه. # فيقال له: من أين علمت: أن العلماء متفقون على ذلك، هل لقيت كل واحد منهم ~~من أسلافهم وأخلافهم فأخبروك (بذلك) ؟ فإن قال: نعم. # أكذبه الناس كلهم، وإن قال: لا. قيل له: فلم قضيت باتفاقهم عليه؟ وهل ~~علمته إلا من حيث استفاض ذلك من جماعة ولم ينكره منكر؟ إذ لا سبيل إلى ~~إثباته إلا من هذه الجهة. فهلا جعلت هذا عيارا في أمثاله، مما لم يظهر ~~وينتشر؟ ثم لا يوجد لأحد من أهل ذلك العصر خلاف فيه فنثبته إجماعا؟ # PageV03P290 ### | [باب القول فيمن ينعقد بهم الإجماع] # قال أبو بكر: لا نعرف عن أصحابنا كلاما في تفصيل من ينعقد بهم الإجماع، ~~وكيف صفتهم، وقد اختلف أهل العلم بعدهم في ذلك. # فقال قائلون: لا ينعقد الإجماع الذي هو حجة لله عز وجل إلا باتفاق فرق ~~الأمة كلها، من كان محقا، أو مبتدعا ضالا، ببعض المذاهب الموجبة للضلال. # وقال آخرون: لا اعتبار بموافقة أهل الضلال، لأن الحق في صحة الإجماع. ~~وإنما الإجماع الذي هو حجة لله تعالى عز وجل: إجماع أهل الحق، الذين لم ~~يثبت فسقهم، ولا ضلالهم. # قال أبو بكر: وهذا هو الصحيح عندنا. # وذلك لأن الله تعالى قد حكم لمن ألزمنا قبول شهادتهم من الأمة بالعدالة ~~بقوله عز وجل {جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] ~~فجعل الشهداء على # PageV03P293 # الناس والحجة عليهم فيما قالوه، وشهدوا به، الذين وصفهم أنهم وسط، والوسط ~~العدل، وقد قيل: الوسط الخيار. # كما قال الله تعالى: {قال أوسطهم} [القلم: 28] يعني خيرهم والمعنى واحد، ~~لأن العدل الخيار، والخيار العدل، وإذا كان ذلك كذلك، فلا اعتبار بمن لم ms538 ~~يكن من هذه الصفة في الاعتداد بإجماعهم، وقال تعالى: {واتبع سبيل من أناب ~~إلي} [لقمان: 15] وقال تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ~~وقال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] . فألزمنا اتباع ~~من أناب إليه، والاقتداء بالمؤمنين، وبمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. # وأهل الضلال والفسق بخلاف هذه الصفة، فلا يلزمنا اتباعهم، ومتى أجمعت فرق ~~الأمة كلها على أمر، علمنا: أن المأمور باتباعه منهم المؤمنين، ومن أناب ~~إلى الله تعالى، دون (أهل) الضلال والفاسقين. # فدل ذلك: على أنه لا عبرة بخلافهم، إذ كانوا لو وافقوهم لم يكونوا متبعين ~~ولا مقتدى بهم. ولا كان قولهم حجة على أحد، فثبت بذلك: أن انعقاد الإجماع ~~متعلق بقول الجماعة التي قد شملها الوصف من الله تعالى بالعدالة، ولزوم ~~قبول الشهادة، ولأجل ما قد بينا من الأصل. لم يعتد بخلاف الخوارج، وسائر ~~فرق الضلالة، لما قد ثبت من ضلالهم، وأنهم لا يجوز أن يكونوا شهداء لله ~~تعالى. # ومما يوجب أيضا أن لا يعتد بقول هؤلاء في الإجماع: أن علم الشريعة مبني ~~على السمع. ومن لم يعرف الأصول السمعية لم يصل إلى علم فروعها. والخوارج ~~ومن جرى مجراهم قد أكفرت السلف الذين نقلوا الدين، ولم يقبلوا # PageV03P294 # أخبارهم ونقلهم لها، ومن كان كذلك عدم العلم بها، فصاروا بمنزلة العامي ~~الذي لا يعتد به في الإجماع، ولا الاختلاف، لعدم علمه بأصول الشرع التي ~~عليها مبنى فروعه. # فإن قال قائل: إن كنت لا تعتد بمن ثبت ضلاله بالإجماع، ولا تعد خلافه ~~خلافا لأجل ما ثبت من ضلاله وفسقه، فالذي يلزمك على هذا الأصل: أن لا تعتد ~~بخلاف (من ثبت) فسقه من جهة الأفعال، وإن كان صحيح الاعتقاد، لأن الفاسق ~~على أي وجه كان فسقه لا يكون من شهداء الله تعالى، ولا ممن حكم له ~~بالعدالة، وأناب إليه. # قيل له: كذلك نقول: إن من ثبت فسقه لم يعتد بخلافه، ولا يعتبر إجماعه، ~~وكيف يعتد به في الإجماع والاختلاف، وهو لا تقبل شهادته ولا فتياه فإن قال ~~قائل: فهل تجوزون ms539 على هذه الجماعة التي انعقد بها الإجماع: الانتقال عن حال ~~العدالة إلى غيرها من الضلال والكفر؟ # قيل له: من الناس من لا يجيز ذلك، لأنه لما ثبت أنهم شهداء الله تعالى في ~~لزوم قولهم امتنع خروجهم عن هذه الحال إلى غيرها، لأنه يوجب بطلان حجة الله ~~تعالى. ألا ترى أن قول الأنبياء - عليهم السلام -، لما كان حجة على أمتهم، ~~لم يجز عليهم التبديل والتغيير والانتقال عن الحال التي هم عليها؟ # ومن الناس من يجيز ذلك على هذه الجماعة، إذا قام غيرهم بدلا منهم، لئلا ~~تخلو الأمة من أن يكون فيها قوم متمسكون بالإيمان، قائمون بحجة الله تعالى، ~~التي هي الإجماع، وجعلوا انتقالهم عن ذلك بمنزلة موتهم. # قال أبو بكر: وأي القولين صح من ذلك فإنه لا يخل بحجة الإجماع، لأن الأمة ~~لا تخلو في الحالين من أن يكون فيها شهداء الله تعالى، ومن أن يكون إجماعهم ~~حجة. # PageV03P295 # قال أبو بكر: ولا يعتد بخلاف من لا يعرف أصول الشريعة، ولم يرتض بطرق ~~المقاييس ووجوه اجتهاد الرأي: كداود الأصبهاني والكرابيسي، وأضرابهما من ~~السخفاء (الجهال) ، لأن هؤلاء إنما كتبوا شيئا من الحديث، ولا معرفة لهم ~~بوجوه النظر، ورد الفروع والحوادث إلى الأصول، فهم بمنزلة العامي الذي لا ~~يعتد بخلافه، لجهله ببناء الحوادث على أصولها من النصوص، وقد كان داود ينفي ~~حجج العقول، ومشهور عنه أنه كان يقول: (بل على العقول) ، وكان يقول: ليس في ~~السماوات والأرض ولا في أنفسنا دلائل على الله تعالى وعلى توحيده، وزعم أنه ~~إنما عرف الله عز وجل بالخبر، ولم يدر الجاهل أن الطريق إلى معرفة صحة خبر ~~النبي - عليه السلام -، والفرق بين خبره وخبر مسيلمة وسائر المتنبئين ~~والعلم بكذبهم إنما هو العقل، والنظر في المعجزات، والأعلام والدلائل، التي ~~لا يقدر عليها إلا الله تبارك وتعالى، فإنه لا يمكن لأحد أن يعرف النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل أن يعرف الله تبارك وتعالى، فمن كان هذا مقدار ~~عقله ومبلغ علمه كيف يجوز أن يعد من أهل العلم؟ وممن يعتد ms540 بخلافه؟ وهو ~~معترف مع ذلك أنه لا يعرف الله تعالى، لأن قوله: إني ما أعرف الله تعالى من ~~جهة الدلائل اعتراف منه بأنه لا يعرفه، فهو أجهل من العامي، وأسقط من ~~البهيمة، فمثله لا يعد خلافا على أهل عصره إذا قالوا قولا يخالفهم، فكيف ~~يعتد بخلافه على من تقدمه. # ونقول أيضا: في كل من لم يعرف أصول السمع وطرق الاجتهاد (و) المقاييس # PageV03P296 # الفقهية: إنه لا يعتد بخلافه، وإن كان ذا حظ من المعرفة بالعلوم العقلية، ~~(وكذلك كان يقول أبو الحسن، لأن علم الأصول العقلية) لا يكتفى به في معرفة ~~الأصول السمعية، فمن كان بالمنزلة التي وصفنا من فقد العلم بأصول السمع لم ~~يعتد بخلافه، وإن كان ذا حظ في علوم أخر، لأنه يكون في هذا الحال بمنزلة ~~العامي الذي لا يعرف الأصول ورد الفروع إليها، فلا يكون من أجل ذلك خلافا. # واختلف أهل العلم في مقدار من يعتبر إجماعه، فقال قائلون: الاعتبار في ~~ذلك بإجماع جماعة يمتنع في العادة أن يخبروا عن اعتقادهم، ولا يكون خبرهم ~~فيما يخبرون مشتملا على صدق. # فإذا اجتمعت جماعة هذه صفتها على قول من الوجه الذي بينا: أن الإجماع ~~يثبت به، ثم خالف عليها العدد القليل الذي يجوز على مثلهم أن يظهروا خلاف ~~ما يعتقدون، ولا نعلم يقينا: أن خبرهم فيما يظهرونه من اعتقادهم مشتمل على ~~صدق، لم يعتد بخلاف هؤلاء عليهم، إذا أظهرت الجماعة إنكار قولهم، ولم ~~يسوغوا لهم خلافا، وإن سوغت الجماعة للنفر اليسير خلافها ولم ينكروه، لم ~~يكن ما قالت به الجماعة إجماعا، وإن خالفت هذه الجماعة جماعة مثلها لا يجوز ~~عليها في مجرى العادة أن يظهر لنا وصف اعتقادها إلا وهي مشتملة على صدق ~~فيما أخبرت به، وإن لم يقطع على كل واحد في عينه: أنه صادق في قوله على حسب ~~ما تقدم القول فيه في الأخبار، إن مثل جماعات من المسلمين إذا أخبرت عن ~~اعتقادها للإسلام علمنا يقينا أن فيها مسلمين. # كما أن اليهود والروم إذا أخبروا عن اعتقادهم لليهودية ms541 والنصرانية، علمنا ~~يقينا أن فيهم من يعتقدها. فاختلفت الجماعتان اللتان وصفهما ما ذكرنا في ~~حكم حادثة، وأنكر بعضهم على بعض ما قالوا، أو لم ينكره، لم ينعقد بقول إحدى ~~الجماعتين إجماع، إذا لم يكن يثبت ضلال أحد الفريقين عندنا، وهذا لا خلاف ~~فيه. # وقال آخرون: إذا خالف على الجماعة التي وصفتم حالها العدد اليسير وإن كان # PageV03P297 # واحدا، كان خلافه عليها خلافا صحيحا، ولم يثبت مع خلافه إجماع، وكان أبو ~~الحسن يذهب إلى هذا القول، ولم أسمعه يحكي عن أصحابنا في ذلك شيئا. # قال أبو بكر: واستدل من قال بالقول الأول على صحته بقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فمن سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع ~~الواحد، وهو من الاثنين أبعد» فقد تضمن هذا القول الأمر بلزوم الجماعة دون ~~الواحد، ومعلوم أن مراده: إذا قالت الجماعة شيئا وقال الواحد خلافه. # ولولا أن ذلك كذلك - لما كان لذكره الواحد منفردا عن الجماعة معنى، فلو ~~وجب أن يعتد بخلاف مثله فيما لم تسوغ الجماعة فيه خلافها، لما انعقد إجماع ~~أبدا على شيء، لأن القول إذا انتشر وظهر في أهل العصر من غير خلاف ظهر من ~~بعضهم على بعض، فإنا نجوز مع ذلك أن يكون هناك واحد أو اثنان لم تبلغهم هذه ~~المقالة، أو بلغتهم فلم يظهروا الخلاف، لأن مثله جائز من الواحد والاثنين ~~والعدد اليسير، ولا يجوز من الجماعات المختلفي الهمم والأسباب. # فإذا كان تجويز ذلك لم يمنع صحة الإجماع، فإن إظهارهم لهذا الخلاف غير ~~قادح في الإجماع، لأن إجماع الجماعة التي ذكرنا حالها لا يخلو من أن يكون ~~حجة على ذلك الإنسان الذي أسر الخلاف ولم يظهر، أو لا يكون حجة، فإن كان ~~حجة له فهو حجة عليه أيضا، وإن أظهر الخلاف فإن لم يكن حجة عليه لم يثبت ~~إجماع أصلا، لتعذر الوصول إلى العلم: بأن كل واحد من أهل العصر قد وافق ~~الجماعة على ذلك القول. # ومن جهة أخرى: أن هذا لا يخلو من أن يضل القائل به، أو ms542 يكون مخطئا فيه، ~~فغير جائز إذا كان هذا هكذا: أن يكون الجماعة في حيز الضلال أو الخطأ، ~~والواحد في حيز الصواب، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك الواحد المنفرد بنفسه ~~حجة، لوقوع الصواب في خبره دون الجماعة. # فلما لم يجز القطع على أحد من الأمة (بأنه) ممن لا يجوز وقوع الخطأ منه، ~~علمنا: أنه غير جائز أن يكون الحق في قول الواحد والاثنين دون الجماعة. ولو ~~جاز هذا لجاز أن ترتد الجماعة ويبقى الواحد على الإيمان. ولو جاز وقوع هذا ~~بطلت الشريعة لعدم # PageV03P298 # من تقوم به الحجة في نقلها. ولكان ذلك الواحد الباقي محكوما له باستواء ~~الظاهر والباطن. ولوجب القطع على عينه بأنه حجة الله على الناس في الإجماع. # وهذا قول فاحش لا يرتكبه ذو بصيرة. # وأيضا: فإن النفر اليسير يجوز (أن يكون) باطنهم خلاف ظاهرهم، وأن (لا) ~~يكونوا معتقدين للإيمان في الحقيقة. وجائز أيضا: أن لا يعتقدوا صحة ما ~~يظهرونه من هذه المقالة التي يخالفون بها على الجماعة، ومن جاز ذلك عليه لا ~~يجوز القطع على عينه: بأنه لا يقول إلا الحق، وأما الجماعة فإنا نعلم ~~يقينا: أنها قد اشتملت على صدق فيما أخبرت: أن منهم من باطنه كظاهره في صحة ~~اعتقاده، وكما تعلم يقينا: أن في الأمة من هو كذلك، وإن لم يقطع به في واحد ~~بعينه. وقد قال الله تبارك وتعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] ~~وقال تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] فوجب اتباع من علم ~~الحق في حيزه وناحيته، دون من يجوز عليه الخطأ والضلال منهم. # قال أبو بكر: فهذا القول أظهر وأوضح دلالة مما حكيناه عن أبي الحسن: في ~~إثبات خلاف الواحد على الجماعة. # فإن قال قائل: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أصحابي ~~كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» وهذا يوجب جواز الاقتداء بالواحد منهم، وإن ~~خالفته الجماعة. # قيل له: لا دلالة في هذا على ما ذكرت، لاتفاق الجميع: على أن الجماعة إذا ~~اختلفت، لم يجز لأحد من بعدهم تقليد الواحد ms543 منهم بلا نظر ولا استدلال، فصار ~~شرط مساعدة الدليل لقوله مضمرا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا ~~كان ذلك كذلك، وجب الرجوع إلى ما يوجبه الدليل، وقد أقمنا الدلالة: على أن ~~الجماعة إذا قالت قولا وانفرد عنها الواحد والنفر # PageV03P299 # اليسير: أنهم شذوذ، لا يلتفت إليهم، وإنما فائدة قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» أن الحق لا يخرج عنهم، وأنه ~~سائغ لكل واحد استعمال الرأي في اتباع أحدهم، على حسب ما يقوده إليه ~~الدليل، وأنه غير جائز له الخروج عن أقاويلهم جميعا. # وأيضا: فإن قوله: (فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد) ينفي جواز ~~اتباع الواحد وترك الجماعة، فوجب: أن يكون قوله (بأيهم اقتديتم اهتديتم) ~~محمولا على الحال التي لا يكون هناك جماعة يلزم اتباعها، وفي الاختلاف الذي ~~يسوغ لكل واحد القول فيه من جهة الرأي والاجتهاد، ولولا أن ذلك كذلك، لكان ~~من اقتدى بواحد من الصحابة مصيبا باقتدائه في كل حال، وقد علمنا أن الصحابة ~~قد اختلفت في أمور، تحزبوا فيها، وتبرأ بعضهم من بعض، وخرجوا إلى القتال ~~وسفك الدماء، ولم يسوغوا الخلاف فيه. # فدل: على أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بأيهم اقتديتم اهتديتم» فيما ~~اختلفوا فيه مما يسوغ فيه الاجتهاد، فيجتهد الناظر في طلب الحق من ~~أقاويلهم، غير خارج عنها، ولا مبتدع مقالة لم يقولوا بها. # ونظير ما قدمنا من خلاف الواحد فيما لم يسوغ الجماعة خلافه عليها: فنحو ~~مذهب ابن عباس، كان في الصرف يجيز بيع الدرهم بالدرهمين، وأنكرت عليه ~~الصحابة هذا القول، فرجع عنه. وكقول ابن عباس في متعة النساء، وإنكار ~~الصحابة ذلك عليه. وقد قال محمد بن الحسن: لو أن قاضيا (قضى) بجواز بيع ~~درهم بدرهمين، أبطلت قضاءه، لأن جماعة الصحابة سوى ابن عباس: قد أجمعت على ~~بطلانه. # قال: وكذلك لو أن قاضيا جعل ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة، أبطلت ~~قضاءه، لأن الصحابة سوى ابن مسعود، قد أجمعت: على أن مولى العتاقة أولى من ~~ذوي الأرحام. # وروي أيضا # PageV03P300 # فيه ms544 حديث «في قصة مولى ابنة حمزة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل ~~نصف ميراثه لبنته، ونصف ميراثه لابنة حمزة» . # قال أبو بكر: فهذه من الأقاويل التي أنكرت الجماعة فيه على الواحد، ولم ~~يسوغوا له خلافهم فيه. فأما ما سوغوا فيه خلاف الواحد إياهم، ولم يظهر منهم ~~نكير عليه: فنحو ما روي من قول ابن عباس: في منع العول في زوج وأبوين، ~~وامرأة وأبوين، وفي قول ابن مسعود: في أنه لا يزاد بنات الابن على تكملة ~~الثلثين مع بنت الصلب، وأنه لا يفضل أما على جد، فأظهروا خلاف الجماعة ~~(بحضرتها) ، ولم تنكره الجماعة عليهم، وسوغوا لهم الاجتهاد فيه، فصار ذلك ~~إجماعا من الجميع على جواز الخلاف، وتسويغ الاجتهاد في ترك قول الجماعة. ~~فمن أجل ذلك قلنا: إنه لا ينعقد الإجماع فيما كان هذا سبيله. # قال أبو بكر: وسمعت بعض شيوخنا يحكي عن أبي حازم القاضي - وكان هذا الشيخ ~~ممن جالسه وأخذ عنه - فذكرا أن أبا حازم كان يقول: إن الخلفاء الأربعة من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - إذا اجتمعت على شيء كان اجتماعها حجة، لا يتسع ~~خلافها فيه، ويحتج فيه بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في «عليكم بسنتي، ~~وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ» ولأجل هذا المذهب: ~~لم يعتد بزيد بن ثابت خلافا في توريث ذوي # PageV03P301 # الأرحام، وحكم برد أموال قد كانت حصلت في بيت مال المعتضد بالله: على أن ~~بيت المال من ذوي الأرحام. # فردها إلى ذوي الأرحام، وقبل المعتضد فتياه وأنفذ قضاءه بذلك، وكتب به ~~إلى الآفاق. وبلغني: أن أبا سعيد البردعي كان أنكر ذلك عليه، وقال هذا فيه ~~خلاف بين الصحابة. فقال أبو حازم: لا أعد زيدا خلافا على الخلفاء الأربعة، ~~وإذا لم أعده خلافا فقد حكمت برد المال إلى ذوي الأرحام. فقد نفذ قضاي به، ~~ولا يجوز لأحد أن يتعقبه بالفسخ. # PageV03P302 ### | [فصل ظهر القول من جماعة كبيرة أو من واحد أو اثنين من أهل العصر ولم يظهر من واحد منهم خلاف للقائل بالإجماع] ms545 # فصل # من هذا الباب: # واختلف أهل العلم في هذا الباب من وجه آخر. # فقال قائلون: إذا ظهر القول من جماعة كبيرة، أو من واحد أو اثنين من أهل ~~العصر وانتشر واستفاض في عامة أهل العلم، ولم يظهر من واحد منهم خلاف ~~للقائل به - فهو إجماع صحيح. # وقال آخرون: لا يكون هذا إجماعا حتى يكون القائلون به الجمهور الأعظم، ~~ويكون الذي لم يظهر خلافه عدد قليل، فأما إذا كان القائلون نفرا يسيرا، ~~والساكتون الجمع الكثير، فليس ينعقد بهذا إجماع، وإن تركت الجماعة إظهار ~~الخلاف. # قال أبو بكر: أما إذا كان القائلون به الجمع الكثير والساكتون نفرا ~~يسيرا: هذا إجماع صحيح إذا لم يظهروا مخالفة الجماعة بعد انتشار المقالة ~~وظهورها. # والدليل على صحته: ما قدمنا من أن الإجماع لا يخلو من أن تكون صحته ~~موقوفة على معرفة قول كل واحد بعينه من أهل العصر ممن يعتد بقوله في هذا ~~الباب، أو أن يكون شرطه ظهور قول الجماعة القائلة به، وانتشاره في الباقين ~~من غير إظهار منهم عليهم خلافا، ومحال أن يكون شرط الإجماع وجود القول من ~~كل واحد من أهل العصر بعينه، لأن ذلك لا يوصل إليه، وفي وجوب اعتباره بطلان ~~حجة الإجماع الذي قد حكم الله تعالى بصحته، ولزوم حجته، ويمتنع أن يحكم ~~الله تعالى بصحة الإجماع ويأمرنا بلزومه (واعتباره) ثم لا يوصل إليه، ولا ~~يوقف عليه بوجه. # فلما بطل هذا الوجه صح الثاني، وهو: أن شرطه ظهور القول في الجماعة التي ~~يعتد بإجماعهم. ثم لا يظهر منهم خلاف على القائلين، وأما إذا كان القائل ~~واحدا أو اثنين ونفرا يسيرا، وانتشر قولهم في الجماعة، لأنهم لو كانوا ~~معتقدين لخلافهم لما جاز أن تتفق هممهم على كتمانه وترك إظهاره، إذ ليس ~~هناك مانع يمنعهم من إظهار قولهم ومعلوم: أن عادات الناس وتعارفهم، أن ~~مثلهم لا يجوز أن تتفق هممهم وخواطرهم على كتمان خلاف هم معتقدون له من غير ~~سبب يمنعهم من إظهاره. # فهذا يدل: على أن سكوتهم بعد انتشار المقالة وظهورها فيهم ms546 موافقة منهم ~~للقائلين. # PageV03P303 ### | [باب القول في وقت انعقاد الإجماع] # اختلف (العلماء) في وقت انعقاد الإجماع. فقال قائلون: إذا أجمع أهل عصر ~~على قول لم يثبت إجماع ما داموا باقين، حتى ينقرض أهل العصر، من غير خلاف ~~يظهر ممن يعتد بخلافه. # وقال آخرون: إذا أجمعوا على شيء فقد صح الإجماع وثبتت حجته، ولا يجوز بعد ~~ذلك لأحد من أهل العصر ولا من أهل عصر ثان مخالفتهم. انقرض أهل العصر، أو ~~لم ينقرضوا. # قال أبو بكر: وهذا القول هو الصحيح عندنا، وكذا كان يقول أبو الحسن من ~~قبل: إن الآيات الموجبة لحجة الإجماع قد أوجبت الحكم بصحة إجماعهم، من غير ~~تخصيص وقت من وقت، ولا حال من حال. فثبت حجة إجماعهم في سائر الأوقات، ~~بمقتضى الآي الدالة على حجة الإجماع، ولو لم ينعقد الإجماع قبل انقراض ~~العصر - لوجب أن لا ينعقد إجماع أبدا، لأن الصدر الأول إذا أجمعوا ثم لا ~~يعتد بإجماعهم ما داموا أحياء فجائز أن يلحق بهم من التابعين قبل انقراضهم ~~من يسوغ له القول معهم، والخلاف عليهم، فيكون بمنزلة واحد منهم في جواز ~~الاعتراض بخلافه، كما كان سعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم # PageV03P307 # والحسن، في آخرين من التابعين يفتون مع الصحابة، ويخالفونهم، ويسوغ ~~الصحابة لهم ذلك، كما سوغوا خلاف بعضهم لبعض، فكان يجب على هذا: أن لا ~~ينعقد الإجماع بانقراض الصحابة، لأن هناك من التابعين من هو في حكمهم، وفي ~~مثل حالهم في جواز إعراضه بالخلاف عليهم فيما قالوه. # فإن كان (ذلك) كذلك، فواجب ألا يصح (ذلك) الإجماع بإجماع التابعين بعدهم ~~معهم، لأنهم قد يلحق بهم من أتباعهم من يخالف، عليهم ويعتد به وكذلك سائر ~~الأعصار، فيؤدي ذلك إلى بطلان حجة الإجماع، فلما ثبتت عندنا حجة الإجماع ~~بما قدمنا، علمنا: أن إجماع أهل كل عصر حجة في كل حين وزمان، انقرض أهل ~~العصر، أو لم ينقرضوا، وأنه غير جائز بعد انعقاد إجماعهم: أن يعتد بخلاف ~~أحد عليهم من أهل عصرهم، ولا من غيرهم. # وأيضا: فلما ثبت: أن إجماعهم حجة ودليل ms547 لله تعالى، فحيثما وجد ينبغي أن ~~يكون حكمه ثابتا في جهة الدلالة، ووجوب الحجة، لأن حجج الله تعالى ودلائله ~~لا تختلف أحكامها بالأزمان والأوقات: كنص الكتاب والسنة، لما كانا حجة لله ~~تعالى لم يختلف حكمهما فيما لا يوجبانه في سائر الأوقات. # وأيضا: فلو لم يكن إجماعهم صحيحا قبل انقراض العصر: لما أمنا أن يكون ~~الذي أجمعوا عليه خطأ وضلالا، وقد أمنا وقوع ذلك منهم بقول الله تعالى: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: ~~110] وقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وسائر الآي ~~الموجبة لحجة الإجماع، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يد الله مع ~~الجماعة» # PageV03P308 # وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تجتمع أمتي على ضلال» وسائر الأخبار ~~الموجبة لصحة الإجماع من غير تخصيص وقت عن وقت، ولو جاز اجتماعهم على خطأ ~~قبل انقراض العصر - لجاز ذلك عليهم أيضا مع انقراضهم، وهذا يؤدي إلى بطلان ~~حجة الإجماع. # فإن قال قائل: قد خالف عمر أبا بكر في التسوية في العطاء، وقد روي عن علي ~~(أنه قال) : (أجمع رأي ورأي عمر في جماعة المسلمين: أن لا تباع أمهات ~~الأولاد، ثم رأيت أن أرقهن) وهذا يدل على اعتبار انقراض العصر. # قيل له: أما التسوية في العطاء فلم يقع عليها إجماع قط، لأن عمر قد خالف ~~أبا بكر، وقال له: أتجعل من لا سابقة له في الإسلام كذي السابقة؟ فقال أبو ~~بكر: إنما عملوا لله عز وجل، وأجورهم على الله تبارك وتعالى. فلم يحصل منهم ~~إجماع على التسوية. # وأما بيع أم الولد: فإنه لم يثبت عن علي (وذلك لأنه روي أنه قال: ثم ~~رأيت: أن أرقهن) ، وليس في قوله: (رأيت أن أرقهن دليل أنه) رأى جواز بيعهن، ~~لأنها قد تكون رقيقا، ولا يجوز بيعها، مثل الرهن، والمستأجرة، وهي عندنا ~~رقيق، ولا نرى بيعها. # فإذا كان كذلك فإنما أفاد بقوله: رأيت أن أرقهن: أن للمولى وطأهن بملك ~~اليمين. وأخذ أكسابها، وما جرى مجرى ذلك من أحكام الأرقاء، وقد روي أنه ms548 ~~قال: رأيت: أن أبيعهن، وجائز أن يكون المحفوظ هو الأول، وأن ما روي من ~~قوله: رأيت أن أبيعهن: إنما هو لفظ الراوي، حمله على المعنى عنده، لما ظن ~~أن قوله (أن) أرقهن: يوجب جواز بيعهن. # فإن قيل: إذا كان في الابتداء جائز لهم خلافهم، فهلا جوزت لهم الخلاف بعد ~~موافقتهم إياهم؟ ؟ # PageV03P309 # قيل له: إنما يجوز خلاف بعضهم على بعض ما لم يحصل منهم الاتفاق، الذي هو ~~حجة لله تعالى، كما يجوز للتابعي مخالفة الصحابي، ما لم يحصل منهم (إجماع) ~~، فإذا حصل الإجماع سقط اعتبار الخلاف، لأن الإجماع على أي وجه حصل، وفي أي ~~وقت وجد - فهو حجة لله تعالى، فحكمه ثابت أبدا. # فإن قال قائل: لم جعلت قول بعضهم حجة على بعض مع كونهم من أهل عصر واحد؟ ~~ولو جاز أن يكون الثابتون على تلك المقالة حجة على من خالف عليهم فيها - ~~لجاز أن يجعل قول المخالف حجة # (على الآخرين. قيل له: لم نجعل قول بعضهم حجة على بعض، وإنما جعلنا قوله ~~في الجماعة حجة) عليهم جميعا، و (لو) لم يكونوا قد وافقوا الجماعة بديا، ~~لما كان قولهم حجة عليهم، لأن الحجة إنما ثبتت باتفاق الجميع. # PageV03P310 ### | [فصل إذا اختلفت الأمة في مسألة على قولين فقال بأحد القولين طائفة وبالقول الآخر طائفة أخرى مثلها] # فصل وإذا اختلفت الأمة في مسألة على قولين، فقال بأحد القولين طائفة، ~~وبالقول الآخر طائفة أخرى مثلها، وكل واحد من الطائفتين ممن يجوز الاعتراض ~~بخلافها، ولا يصح الإجماع مع وجود الخلاف منها، ثم انقرضت إحدى الطائفتين ~~وبقيت الأخرى - فإن بعض أهل العلم ذكر: أنه إن كان الاختلاف في شيء جروا ~~فيه إلى تأثيم بعضهم بعضا، ولم يسوغوا اجتهاد الرأي فيه، فإن الطائفة ~~الباقية يكون إجماعها حجة، لأنا قد علمنا: أن الطائفة المتمسكة بالحق لا ~~يخلو منها زمان، وهي قد شهدت ببطلان قول الطائفة التي انقرضت، فوجب أن يكون ~~قولها حقا وصوابا، ووجب الحكم بفساد قول الطائفة التي انقرضت. # وإن كان ذلك شيئا سوغوا فيه الاختلاف، وأباحوا فيه ms549 اجتهاد الرأي، فإنه لا ~~يثبت الإجماع ببقاء هذه الطائفة، قال: لأن الطائفتين جميعا قد أجمعوا بديا ~~على تسويغ الاختلاف، ووسعوا فيه اجتهاد الرأي، وهذا الإجماع حجة لا يسع ~~خلافه. # قال أبو بكر: وإنما بني هذا القول على أصله: في أن الإجماع بعد الخلاف لا ~~يرفع الخلاف المتقدم فيما كان طريقه اجتهاد الرأي. وسنتكلم في هذه المسألة ~~بعد هذا إن شاء تعالى. # PageV03P311 ### | [باب القول في خلاف الأقل على الأكثر] # إذا اختلفت الأمة على قولين، وكل فرقة من الكثرة في حد ينعقد بمثلها ~~الإجماع لو لم يخالفها مثلها. # فإن من الناس من يعتبر إجماع الأكثر وهم الحشو. # قال أهل العلم: لا ينعقد بذلك إجماع، ووجب الرجوع إلى ما يوجبه الدليل. # والحجة لهذا القول: أن الحق يجوز أن يكون مع القليل، بعد أن يكونوا في حد ~~متى أخبرت عن اعتقادها للحق، وظهرت عدالتها، وقع العلم باشتمال خبرها على ~~صدق، على نحو ما ذكرنا فيما سلف. # والدليل على ذلك: أن الله تعالى قد أثنى على القليل، ومدحهم في مواضع من ~~كتابه بقوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] وقال تعالى: {وما ~~آمن معه إلا قليل} [هود: 40] وقال تعالى: {فلولا كان من القرون من قبلكم ~~أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم} [هود: 116] ~~وقال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الأعراف: 187] ، # PageV03P315 # وآيات نحوها يذم فيها الكثير، ويمدح القليل. وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء. قيل: ومن هم؟ ~~قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس» ، وقال: «خير الناس قرني، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب» وعن أنس عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إن من أشراط الساعة أن يظهر الجهل ويقل العلم» . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه ~~من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء ~~جهالا» وقال - عليه السلام - «ستفترق أمتي على اثنين وسبعين فرقة، كلها ms550 في ~~النار إلا واحدة» في أخبار نحوها، توجب تصويب الأقل، وتقليل الأكثر، فبطل ~~اعتبار الكثرة والقلة إذا وقع الخلاف على الوجه الذي قد ذكرنا، ويجب علينا ~~حينئذ طلب الدليل على الحكم من غير جهة الإجماع، وقد ارتد أكثر الناس بعد ~~وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنعوا الصدقة، وكان المحقون - الأقل، ~~وهم الصحابة، وقد كان أكثر الناس في زمن بني أمية على القول بإمامة معاوية ~~ويزيد وأشباههما من # PageV03P316 # ملوك بني مروان، والأقل كانوا على خلاف ذلك، ومعلوم: أن الحق كان مع ~~الأقل، دون الأكثر. # فإن قيل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «عليكم بالجماعة، فإن الشيطان ~~مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» . وقال: «يد الله مع الجماعة» وقال: ~~«عليكم بالسواد الأعظم» ، فهذا يدل على وجوب اعتبار إجماع الأكثر. # قيل له: فكل واحدة من الفرقتين اللتين ذكرنا جماعة، فلم اعتبرت الأكثر؟ ~~ولا دلالة في الخبر عليه. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بالجماعة» ~~يعني إذا اجتمعت على شيء وخالفها الواحد والاثنان، فلا يعتد بخلافهما، ~~ولزوم اتباع الجماعة، ألا ترى إلى قوله: «فإن الشيطان مع الواحد» فأخبر أن ~~لزوم الجماعة: إنما يجب إذا لم يخالفها إلا الواحد، والعدد اليسير، وكذلك ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «عليكم بالسواد الأعظم» معناه: ما اتفقت عليه ~~الأمة في أصول اعتقاداتها، فلا تنقضوه وتصيروا إلى خلافه، وكل من قال بقول ~~باطل فقد خالف الجماعة والسواد الأعظم، إما في جملة اعتقادها، أو في ~~تفصيله. # PageV03P317 ### | [باب القول في إجماع أهل المدينة] # (زعم قوم) من المتأخرين: أن إجماع أهل المدينة لا يسوغ لأهل سائر الأعصار ~~مخالفتهم فيما أجمعوا عليه، وقال سائر الفقهاء: أهل المدينة وسائر الناس ~~غيرهم في ذلك سواء، وليس لأهل المدينة مزية عليهم في لزوم اتباعهم. # والدليل على صحة هذا القول: أن جميع الآي الدالة على صحة حجة الإجماع ليس ~~فيها تخصيص أهل المدينة بها من غيرهم، لأن قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] خطاب لسائر الأمة لا يختص ~~بهذا الاسم أهل المدينة ms551 دون غيرهم. # وكذلك قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر} [آل عمران: 110] وقوله: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ~~وقوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] قد عمت هذه الآيات سائر ~~الأمم فغير جائز لأحد أن يختص (بها) على أهل المدينة دون غيرهم. # PageV03P321 # ولو جاز ذلك، لجاز أن يقال في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43] وقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] وقوله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] إنه مخصوص به أهل المدينة دون ~~غيرهم، فلما بطل هذا لأن عموم اللفظ لم يفرق بينهم وبين غيرهم، كذلك حكم ~~الآيات الموجبة لصحة الإجماع، لما كانت مبهمة، لم يجز لأحد الاقتصار بها ~~على أهل المدينة دون غيرهم، ولو جاز لقائل أن يخص بها أهل المدينة، لجاز ~~لغيره أن يخص بها أهل الكوفة دون من سواهم، فلما لم يجز تخصيص أهل الكوفة ~~فيما تضمنته هذه الآيات كان كذلك حكم أهل المدينة فيها. # وأيضا: فلو كان إجماعهم هو المعتبر في كونه حجة، لما خفي أمره على ~~التابعين ومن بعدهم، فلما لم نر أحدا من تابعي أهل المدينة ومن غيرهم وممن ~~جاء بعدهم، دعا سائر الأمصار إلى اعتبار إجماع أهل المدينة ولزوم اتباعهم. ~~دل ذلك: على أنه قول محدث، لا أصل له عن أحد من السلف، بل إجماع السلف من ~~أهل المدينة وغيرهم ظاهر في تسويغ الاجتهاد لأهل سائر الأمصار معهم، ~~وأجازوا لهم مخالفتهم إياهم. # فقد حصل من إجماع السلف من أهل المدينة وغيرهم بطلان قول من اعتبر إجماع ~~أهل المدينة. # وأيضا: فلو كان إجماع أهل المدينة حجة، لوجب أن يكون حجة في سائر ~~الأعصار، كما أن إجماع الأمة لما كان حجة لم يختلف حكمه في سائر الأزمان في ~~كونه حجة، ولو كان كذلك، لوجب اعتبار إجماع أهل المدينة في هذا الوقت، ~~ومعلوم: أنهم في هذا الوقت أجهل الناس، وأقلهم علما، وأبعدهم من كل خير. # فإن قيل: إنما يعتبر الآن إجماع من يتفقه على مذهب أهل ms552 المدينة وهم: ~~أصحاب مالك بن أنس. # PageV03P322 # قيل له: أفتعتبر إجماعهم وإن لم يكونوا في هذا العصر من أهل المدينة من ~~الصحابة. فإن قال: نعم. قيل له: فاعتبر إجماع أهل الكوفة من التابعين، وإن ~~لم يكونوا من أهل المدينة من الصحابة، فإنهم أخذوا العلم عمن انتقل إليهم ~~من أهل المدينة من الصحابة. # وأيضا: فليس يخلو إجماع أهل المدينة: من أن تكون صحته متعلقة بالموضع، أو ~~بالرجال ذوي العلم منهم، فإن كان متعلقا بالموضع، فالموضع موجود، فيجب ~~اعتبار إجماع أهل الموضع في سائر الأزمان. # وهذا خلف من القول. (وإن اعتبر) بالرجال دون الموضع، فإن الذين نزلوا ~~الكوفة هم عمدة أهل (علم) الدين وأعلامه. # منهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وعمار، وأبو موسى الأشعري، ~~وآخرون، من ذوي العلم منهم. # وقيل: إنه نزلها من الصحابة ثلاثمائة ونيف، فيهم سبعون بدريا، فلم خصصت ~~بصحة الإجماع من أخذ عمن بقي بالمدينة؟ دون من أخذ عمن نزل الكوفة وسائر ~~الأمصار؟ ولخصمك أن يعارضك فيقول: إنما اعتبر إجماع أهل الكوفة، دون أهل ~~المدينة، لأنهم أخذوا عن هؤلاء الذين ذكرناهم، وهم أعلام الصحابة وعلماؤهم. # فإن قيل: إنما خصصنا أهل المدينة بصحة الإجماع، لأنها دار السنة ودار ~~الهجرة، ولأن سائر الناس عنهم أخذوا، كما كان إجماع الصحابة حجة على ~~التابعين، لأنهم عنهم أخذوا. # قيل له: فتعتبر إجماع (أهل) المدينة من الصحابة الذين ثبتوا بالمدينة، ~~ولم يخرجوا # PageV03P323 # عنها دون من خرج عنها، وانتقل إلى غيرها من الصحابة؟ أو تعتبر إجماع أهل ~~المدينة ممن كانوا بعد الصحابة؟ فإن قال: أعتبر إجماعهم خاصة في زمن ~~الصحابة، وبعدهم، ولا أعتد بخلاف من خالف عليهم من الصحابة ممن خرج عنها، ~~قال قولا قد أجمع المسلمون على خلافه، وقد ثبت عندهم بطلانه، لأنه إن كان ~~كذلك، فواجب أن لا يجعل علي بن أبي طالب، (وعبد الله) بن مسعود، وعمار بن ~~ياسر، ونظراؤهم، خلافا، وكفى بهذا خزيا لمن بلغه. # فإن قال: إنما اعتبر إجماع أهل المدينة بعد الصحابة، لأن الصحابة كلهم ~~أهل المدينة في الأصل. ms553 # قيل له: فإنما اعتبرت إجماعهم بعد الصحابة، لأنهم أخذوا عن الصحابة فهلا ~~اعتبرت إجماع أهل الكوفة، لأنهم أخذوا عن الصحابة الذين انتقلوا إليهم من ~~أهل المدينة؟ . # وأما قوله: إن سائر الناس لما أخذوا عنهم (وجب) لزوم اتباعهم، كما لزم ~~التابعين اتباع الصحابة، لأنهم أخذوا عنهم. # قيل له: فإن تابعي أهل الكوفة أخذوا عمن انتقل إليهم من أهل المدينة، فلا ~~فرق بينهم وبين من أخذ عنهم أهل المدينة فاعتبر إجماع أهل الكوفة مع أهل ~~المدينة. # فإن قال: إنما اعتبر إجماع أهل المدينة، لأن «النبي - عليه السلام - دعا ~~لأهل المدينة ومدحهم فقال: اللهم بارك لهم في صاعهم وفي مدهم» ، وقال: «من ~~أرادهم بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» ، وقال: «إن الإيمان ~~ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» ، وقال: «إن المدينة تنفي ~~خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد» ، فإذا كان # PageV03P324 # النبي - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لهم، وأثنى عليهم، ومدحهم - وجب ~~اتباعهم، لأنه لا يدعو لهم ولا يمدحهم إلا وهم مؤمنون. # قيل له: وما في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له في صاعهم ومدهم مما ~~يوجب كون إجماعهم حجة، وكيف وجه تعلق صحة إجماعهم به، وكذلك قوله: «من ~~أرادهم بسوء أذابه الله كما يذوب الثلج» ، لا تعلق له بحجة الإجماع، لأنه ~~ليس في الخلاف (عليهم) إرادتهم بسوء، ولو كان كذلك لكانت الصحابة حين ~~اختلفت في الحوادث التي اجتهدوا فيها آراءهم قد أراد بعضهم بعضا بسوء. # وأيضا: فإنما دعا لأهل المدينة الذين كانوا في عصره، لأنهم كانوا مهاجرين ~~وأنصارا، وكانوا مجتمعين في المدينة، ثم تفرقوا في البلدان بعد موت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فإن كنت إنما جعلت إجماع هؤلاء حجة، فهذا ما لا تنازع ~~فيه، وإن أردت إجماع من بعدهم، فما الدليل على أنهم بالوصف الذي ذكرت بعد ~~ذهاب الصحابة؟ . # (ومعنى) قوله: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» ~~: إنها دار الهجرة، هاجر إليها المسلمون من دون الشرك، فلما زال فرض الهجرة ~~زال ذلك، ms554 لأنه قد كان بعد زوال الهجرة لكل أحد أن يقيم في قبيلته وحيه ~~وبلده، ولا يهاجر إليها، ولو كان ذلك حكما عاما في سائر الأزمان، لوجب أن ~~يكونوا كذلك الآن. ونحن لا نعلم في هذا الوقت أهل مصر من الأمصار الكبار ~~وقد استولى عليهم من الجهل وقلة الدين، وفساد الاعتقاد، وعدم الخير ما ~~استولى على أهل المدينة. # فإن قيل: قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه قال: «إن الدجال ~~لا يدخل المدينة، وإن على كل نقب من أنقابها ملكا شاهرا سيفه» وهذا يدل: ~~على حراسة الله عز وجل إياهم، وأنه قد أبانهم بذلك من غيرهم، فوجب أن تكون ~~لهم مزية في لزوم اتباعهم. # PageV03P325 # قيل له: وما في هذا ما يوجب ما ذكرت، ولم لا يجوز أن تكون محروسة سواء ~~صار أهلها إلى الضلال، أو ثبتوا على الحق؟ كما حرس أهل مكة من أصحاب الفيل، ~~وكانوا مشركين، وجائز أن يكون وصفها بأن على أنقابها الملائكة في الوقت ~~الذي حصرها المشركون يوم الخندق، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~حراسة الله تعالى إياها بالملائكة، وأنهم لا يدخلونها، فيكون حكم الخبر ~~مقصورا على تلك الحال. # PageV03P326 ### | [باب القول في الخروج عن اختلاف السلف] # إذا اختلف أهل عصر في مسألة على أقاويل معلومة، لم يكن لمن بعدهم: أن ~~يخرج عن جميع أقاويلهم، ويبدع قولا لم يقل به أحد، وهذا معنى ما حكاه هشام ~~عن محمد في ذكر أقسام أصول الفقه. فقال: وما اختلف فيه أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وما أشبهه يعني: أنه لا يخرج عن اختلافهم. # والدليل على صحة هذا القول: قول الله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} ~~[النساء: 115] وقوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: 15] وقوله ~~تعالى: {ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] ، وقوله ~~تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] وهذه صفة أهل كل عصر في ~~الخروج عن أقاويل الجمع، اتباع غير سبيل المؤمنين، ومخالفة من أمرنا الله ~~تعالى بالاقتداء به، لأنا قد علمنا بدلالة صحة ms555 الإجماع: أن الحق لا يخرج ~~عنهم، فلو جاز إبداع قول لم يقل به واحد منهم، لما أمنا أن يكون هذا القول ~~هو الصواب، وأن ما قالوه خطأ، فيوجب ذلك جواز إجماعهم على الخطأ، وذلك ~~مأمون وقوعه منهم. # فإن قال قائل: ما ذكرت (لا) يلزم القائلين: أن كل مجتهد مصيب، وأن الحق ~~في جميع أقاويل المختلفين، لأنه لا يمنع عندهم أن يكون هؤلاء مصيبين، ومن ~~يقول بخلاف قولهم أيضا مصيبا، إذا كانوا حين اختلفوا فقد سوغوا الاجتهاد في ~~طلب الحكم. # قيل له: ما ذكرت من مذهب من يقول: إن كل مجتهد مصيب: لا يعصم القائل مما # PageV03P329 # ألزمناه، وذلك لأنهم حين اختلفوا في المسألة على هذه الوجوه، فقد أجمعوا: ~~على أن ما عداها خطأ، سواء كانوا مصيبين في اختلافهم، أو بعضهم مصيبا، ~~وبعضهم مخطئا، كما لو أجمعوا على قول واحد، كان ذلك إجماعا منهم، بأن ما ~~عداه خطأ، وإن كان إجماعهم عليه من طريق الاجتهاد، فالإلزام صحيح على ما ~~ذكرنا لمن قال: إن الحق في واحد، ولمن قال: إن كل مجتهد مصيب، ألا ترى ~~أنهم: قد سوغوا الاجتهاد في ميراث الجد، واختلفوا فيه على وجوه قد عرفت، ~~فأوجب بعضهم الشركة بينه وبين الأخ، وجعل بعضهم الجد أولى، فلو قال بعدهم ~~قائل: إني أجعل المال للأخ دون الجد، كان مخطئا في قوله، مخالفا لإجماعهم، ~~ولو ساغ ما قال هذا السائل، لساغ مخالفة إجماعهم الواقع عن اجتهاد، لأنهم ~~حين اجتهدوا في المسألة، فقد سوغوا الاجتهاد فيها، ولم يكن ذلك مبيحا لمن ~~بعدهم مخالفتهم فيما أداه إليه اجتهادهم، كذلك إذا اختلفوا فيها على وجوه ~~معلومة، وإن كان اختلافهم عن اجتهاد، فغير جائز لمن بعدهم الخروج عن ~~أقاويلهم إذا كان إجماعهم: على أن لا قول في المسألة - إلا ما قالوه - ~~مانعا من تسويغ الاجتهاد في الخروج عنه. # PageV03P330 ### | [باب القول في التابعي هل يعد خلافا على الصحابة] # قال أصحابنا: التابعي الذي قد صار في عصر الصحابة من أهل الفتيا، يعتد ~~بخلافه على الصحابة، كأنه واحد منهم. # وقال ms556 بعضهم: لا يجوز خلاف الصحابي إلا لصحابي مثله. # والدليل على صحة قولنا: أن الصحابة قد سوغت للتابعين مخالفتهم، والفتيا ~~بحضرتهم، وتنفيذ أحكامهم، مع إظهارهم لهم المخالفة في مذاهبهم، ألا ترى: أن ~~عليا وعمر - رضي الله عنهما - قد وليا شريحا القضاء، ولم يعترضا عليه في ~~أحكامه، مع إظهاره الخلاف عليهما في كثير من المسائل. # فإن قيل: إنما ولوهم الحكم ليحكموا بقول الصحابة من غير خلاف عليهم منهم. # قيل له: هذا غلط، لأن في رسالة عمر إلى شريح، (فإن لم تجد في السنة ~~فاجتهد رأيك) ولم يأمره بالرجوع إليه، ولا الحكم بقوله، وخاصم علي - عليه ~~السلام - إلى شريح ورضي بحكمه، حين حكم عليه بخلاف رأيه، وشاور عمر - رضي ~~الله عنه - كعب بن سور، وأمره بالحكم بين المرأة وزوجها في الكون عندها، ~~فجعل لها كعب قسما واحدا من أربع. # وقال أبو سلمة: (تذاكرت أنا وابن عباس، وأبو هريرة، عدة الحامل، المتوفى ~~عنها # PageV03P333 # زوجها. فقال ابن عباس: " آخر الأجلين " وقلت أنا: عدتها أن تضع حملها، ~~فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي) وذكر إبراهيم عن مسروق قال: (كان ابن عباس ~~إذا قدم عليه أصحاب عبد الله صنع لهم طعاما ودعاهم، قال: فصنع لنا مرة ~~طعاما، فجعل يسأل ويفتي فكان يخالفنا، فما كان يمنعنا أن نرد عليه إلا أنا ~~(كنا) على طعامه) ، وسئل ابن عمر عن فريضة، فقال: (سلوا سعيد بن جبير، فإنه ~~أعلم بها مني) وسئل أنس عن مسألة، فقال: (سلوا مولانا الحسن) . # وأيضا: كان التابعي إذا كان من أهل النظر وممن يجوز له الاجتهاد في ~~استدراك حكم الحادثة، وكان في عصر الصحابة، فلا فرق بينه وبين الصحابي، لأن ~~العلة التي من أجلها جاز للصحابي الخلاف على مثله موجودة في التابعي: وهو ~~كونه من أهل النظر، وهما في عصر واحد. # فإن قيل: لا يجوز للتابعي مخالفة الصحابي، لأن الصحابة مخصوصون بالفضل ~~دونهم، وقد مدحهم الله تعالى في كتابه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر، وعمر» وقال: «أصحابي كالنجوم ms557 بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» ، وقال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه» وإذا كان هذا وصفهم لم يجز: أن يساويهم أحد في منزلة. # قيل له: أما الفضل فمسلم لهم، إلا أن الفضل الذي ذكرت لا يجوز أن يكون ~~علة # PageV03P334 # في منع خلاف المفضول عليه، لأن الصحابة متفاضلون، وأفضلهم: الخلفاء ~~الأربعة، بإجماع الأمة، وقد سوغوا مع ذلك الاجتهاد لمن دونهم معهم، ~~ومخالفتهم، مثل: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة، وأنس - رضي الله ~~عنهم -، ولو كان الفضل موجبا لهم التفرد بالفتيا - لما جاز لأحد من الصحابة ~~مخالفة الأئمة الأربعة، وقوله - عليه السلام -: «اقتدوا باللذين من بعدي» ~~لما لم يمنع أن يقول: معهما من دونها من الصحابة كذلك لا يمنع التابعي. # فإن قيل: لقول الصحابي مزية على قول التابعي، لأنه قد شاهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعلم بمشاهدته مصادر قوله ومخارجه، ومن بعدهم ليست له هذه ~~الحال، فواجب أن لا يزاحموهم. # قيل له: ما (عرفه الصحابي) بالمشاهدة، قد عرفه التابعي بسماعه ممن نقله ~~إليه، فلا يختلف حكمه وحكم الصحابي في هذا الوجه، لأنه غير جائز من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في، إطلاق لفظ يشتمل على حكم يريد به أن ينقل عنه ~~ليشترك العام والخاص في معرفته، ولزوم حكمه، إلا وذلك اللفظ متى نقل يفيد ~~الغائب ما أفاده الشاهد، ولا يجوز: أن يخص الشاهد من دلالة الحال ومخارج ~~اللفظ، بما لا يفيده اللفظ، إذا نقل عنه، إلا وحكمه مقصور على الشاهد، ~~ومخصوص به، دون الغائب. # فأما إذا أراد (عموم الحكم) في الفريقين، فلا معنى لاعتبار حال المشاهدة ~~ومخارج اللفظ، وإذا كان ذلك كذلك، فلا فرق بين من شاهد النبي - عليه السلام ~~- وبين غيره، ألا ترى إلى قوله في: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، ثم ~~أداها إلى من لم يسمعها. فرب # PageV03P335 # حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» فجعل المنقول إليه ~~الغائب أفقه في بعض الأحوال بمعنى خطابه من السامع. ms558 # وأيضا: فإن كثيرا ممن شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كالأعراب ~~ونحوهم، لم يكن يجوز لهم الفتيا مع مشاهدة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~فليس مشاهدته إذا علة لوجوب الاختصاص بالفتيا، ومنع من لم يشاهد القول معه، ~~ولما لم يمنع التابعي: أن يقول في الفتيا، ويجتهد رأيه، وإن لم يشاهد ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - كذلك يجوز أن يخالف الصحابة. # PageV03P336 ### | [باب القول في الإجماع بعد الاختلاف] # إذا اختلف الصحابة في حكم مسألة وانقرضوا، ثم أجمع أهل عصر بعدهم على أحد ~~تلك الأقاويل التي قال به أهل العصر المتقدم - فإن من الناس من يقول: إجماع ~~أهل العصر الثاني ليس بحجة، ويسع كل أحد خلافه ببعض الأقاويل التي قال بها ~~أهل العصر المتقدم. # وقال آخرون: هذا على وجهين: فإن كان خلافا يؤثم فيه بعضهم بعضا فإن إجماع ~~أهل العصر الثاني يسقط الخلاف الأول. # وإن كان خلافا يؤثم فيه بعضهم بعضا وسوغوا الاجتهاد فيه فإن إجماع من ~~بعدهم لا يسقط الخلاف المتقدم. # قال أبو بكر: وقال أصحابنا: إجماع أهل العصر الثاني حجة لا يسع من بعدهم ~~خلافه، قال محمد بن الحسن - في قاض حكم بجواز بيع أم الولد بعد موت مولاها: ~~إني أبطل قضاءه، لأن الصحابة كانت اختلفت فيه، ثم أجمع بعد ذلك قضاة ~~المسلمين وفقهاؤهم (على أنها حرة لا تباع، ولا تورث، لم يختلف في ذلك أحد ~~من قضاة المسلمين وفقهائهم) في جميع الأمصار إلى يومنا هذا، ولم يكن الله ~~تعالى ليجمع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على ضلالة، وقال محمد: فكل ~~أمر اختلف فيه أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم أجمع التابعون من ~~بعدهم جميعا على قول بعضهم دون بعض، وترك قول الآخر، فلم يعمل به أحد، إلى ~~يومنا هذا، فعمل به عامل اليوم وقضى به، فليس ينبغي لقاض ولي هذا أن يجيزه، ~~ولكن يرده ويستقبل فيه القضاء بما أجمع عليه المسلمون. # PageV03P339 # قال أبو بكر: فقد بان من قول محمد: أن هذا عنده إجماع صحيح، بمنزلة ~~الإجماع الذي يتقدمه ms559 اختلاف في باب وجوب فسخ قضاء القاضي (ببيع أمهات ~~الأولاد) وكان أبو الحسن يقول: إجازة أبي حنيفة قضاء القاضي ببيع أمهات ~~الأولاد، لا يدل على: أنه كان لا يرى الإجماع الذي حصل في منع بيع أمهات ~~الأولاد بعد الاختلاف الذي كان بين السلف فيه إجماعا صحيحا، يلزم صحته، ~~ويجب على من بعدهم اتباعه، إذ جائز أن يكون مذهبه: أنه إجماع صحيح، وإن لم ~~يفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه، فكان يذكر لذلك وجها ذهب عني حفظه، والذي ~~يقوله في ذلك: إن منازل الإجماعات مختلفة كمنازل النصوص، يكون بعضها آكد من ~~بعض، ويسوغ الاجتهاد في ترك بعضها، ولا يجوز في ترك بعض. # ألا ترى: أن النص المتفق على معناه ليس في لزوم حجته بمنزلة النص المختلف ~~في معناه، وإن كان حجتهما جميعا عندنا ثابتة، كذلك حكم الإجماعات، فليس ~~يمتنع على هذا أن يفرق بين الإجماع الذي قد تقدمه اختلاف، وبين الإجماع ~~الذي لم يسبقه خلاف في باب فسخ قضاء القاضي، بخلاف أحدهما ومنعه ذلك في ~~الآخر، وإن كان كل واحد منهما حجة لا يجوز مخالفته، ويكون الفرق بينهما من ~~وجهين: أحدهما: أنه مختلف فيه أنه إجماع، أو ليس بإجماع، وهو خلاف مشهور ~~بين الفقهاء. # والثاني: أنه إجماع قد سبقه اختلاف، وقد سوغ أهل العصر المتقدم الاجتهاد ~~فيه وأباحوا فيه الاختلاف، فساغ الاجتهاد في منع انعقاد الإجماع بعدهم، ~~والإجماع الذي يسوغ الاجتهاد في خلافه لا يفسخ به قضاء القاضي، ولا يكون ~~بمنزلة إجماع أهل عصر لم يتقدمه خلاف، فيفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه، ~~لأن هذا إجماع لا يسوغ الاجتهاد في رده، ولا نعلم أحدا من الفقهاء يخالف ~~فيه، وإنما خالف فيه قوم - هم شذوذ عندنا - لا نعدهم خلافا، فبان بما ~~وصفنا: (أنه) ليس في منع أبي حنيفة - رضي الله عنه - فسخ قضاء # PageV03P340 # القاضي ببيع أمهات الأولاد - دلالة: على أنه كان لا يرى الإجماع بعد ~~الاختلاف إجماعا صحيحا. # قال أبو بكر: والدليل على صحة هذه المقالة: أن سائر ما قدمناه من الآي ms560 ~~الموجبة لحجة الإجماع يوجب صحة الإجماع الحادث بعد الاختلاف، وذلك أن قوله ~~تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا} [البقرة: 143] وقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] وقوله تعالى: {ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} [النساء: 115] وقوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} [لقمان: ~~15] من حيث دلت هذه الآيات على صحة الإجماع ولزوم حجته إذا لم يتقدمه خلاف ~~فهي دالة على (صحته ولزوم) حجته، وإن تقدمه اختلاف، إذ لم يفرق بين شيء من ~~ذلك. # وأيضا: فلو جاز إجماع أهل عصر على قول يجوز الشك في تصويبه والوقوف على ~~اتباعه، لبطل وقوع العلم: بأنه لا بد في كل عصر من (شهداء لله) تعالى، ~~متمسكين بالحق غير مبطلين ولا ضالين، وهذا يوجب بطلان القول بصحة الإجماع. # فإن قال قائل: لما اختلفوا وسوغوا الاجتهاد فيه، صار ذلك إجماعا منهم على ~~جواز الاختلاف، وتسويغ الاجتهاد فيه، فقد صار ما أجمعوا عليه من تجويز ذلك ~~- حكما لله تعالى، وما ثبت به حكم الله تعالى في وقت، فهو ثابت أبدا حتى ~~يثبت نسخه، والنسخ معدوم بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قيل له: تسويغهم الاجتهاد فيه معقود ببقاء الخلاف وعدم الإجماع، وذلك ~~لأنا قد علمنا: أنهم قد كانوا يعتقدون حجة الإجماع، فعلمنا بذلك: أن ~~تسويغهم الاجتهاد فيه مضمن بهذه الشريطة. # PageV03P341 # ألا ترى: أنهم لو اختلفوا، ثم أجمعوا على قول كان إجماعهم قاطعا ~~لاختلافهم بدءا، وكان بمنزلة ما لم يتقدمه اختلاف، وكثير من الإجماعات إنما ~~حصلت على هذا الوجه، ألا ترى: أنهم قد كانوا اختلفوا بعد وفاة النبي - عليه ~~السلام - في أمر الإمامة، فقالت الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) ، ثم ~~أجمعوا على بيعة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، فانحسم ذلك الخلاف، وصح ~~الإجماع، وكذلك اختلفوا في قتال أهل الردة، ثم أجمعوا على قتالهم، فكان ~~إجماعهم بعد الاختلاف قاطعا للخلاف السابق له. # وكذلك اختلفوا في وجوب قسمة السواد، ثم أجمعوا على ترك قسمته، فكان ~~إجماعا ms561 صحيحا، لم يكن لأحد بعدهم مخالفته. # قال أبو بكر: وهذا الذي ذكرنا: إنما يلزم من يقول: إن إجماعهم بعد ~~الاختلاف يقطع الاختلاف، لأنه زعم أن الإجماع إنما يثبت حكمه بانقراض أهل ~~العصر، فأما من لا يعتبر انقراض أهل العصر في صحة وقوع الإجماع، فإنه يأبى ~~أيضا أن يجعل إجماعهم بعد اختلافهم إجماعا صحيحا يلزم حجته، للعلة التي ~~ذكرناها عنهم من انعقاد إجماعهم على تسويغ الاجتهاد فيه، فلا ينعقد هذا ~~الإجماع عندهم باتفاقهم على قول واحد من تلك الأقاويل. # وقد قلنا: إن انعقاد إجماعهم على تسويغ الاجتهاد وجواز الاختلاف مضمن ~~بعدم الإجماع، وهو كما تقول في المجتهد: إنه مأمور بإمضاء ما يؤديه إليه ~~اجتهاده (بعد ذلك) ، وكان ما لزمه من ذلك مضمنا ببقاء الاجتهاد الأول، فإن ~~أداه اجتهاده بعد ذلك إلى قول آخر، حرم عليه الحكم بالقول الأول، فكانت صحة ~~القول الأول ولزوم حكمه موقوفا على بقاء الاجتهاد المؤدي إلى القول به. # وكذلك نقول: إن تسويغ الاجتهاد في المسألة التي اختلفوا فيها موقوف على ~~عدم وقوع الإجماع على بعض تلك الأقاويل، فمتى # PageV03P342 # حصل الإجماع على قول منها زال الخلاف، وثبتت حجة الإجماع. # ثم ليس يخلو القائل بخلاف ما ذكرنا من أحد معنيين: إما أن يحيل وجود ~~إجماع بعد اختلاف كان في العصر المتقدم، ويمنع كونه، أو يجيز وقوعه، إلا ~~أنه (لا) تثبت حجته، ولا يرفع (الخلاف المتقدم به) ، فإن أحال وجود إجماع ~~بعد اختلاف كان في عصر متقدم، فإنا نوجده، ذلك بحيث لا يمكنه دفعه، وإن كان ~~يجيز وجوده، إلا أنه لا يثبت حجته، فإن هذا يوجب عليه نفي صحة إجماع أهل ~~الأعصار، وقد ثبت عندنا صحة القول بإجماع أهل الأعصار، وما كان حجة لله ~~تعالى لم يختلف حكمه باختلاف الأزمان والأعصار، ولو جاز على الأمة الإجماع ~~على الخطأ في عصر، لجاز اجتماعها على الخطأ في سائر الأزمان. # وهذا شيء قد علمت بطلانه. # ألا ترى: أن الكتاب والسنة لما كانا حجة لله تعالى على الأمة، لم يختلف ~~حكمهما في ثبوت حجتهما ms562 في سائر الأوقات، وكذلك سائر حجج الله تعالى ~~ودلائله، إلا فيما يجوز (نسخه) وتبديله. # والإجماع مما لا يجوز وقوع النسخ فيه، لأنا إنما نعتبره بعد وفاة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز النسخ بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون إجماع أهل العصر الثاني بعد الاختلاف ~~الذي كان بين أهل العصر المتقدم صوابا، ويسوغ الخلاف عليه بأحد أقاويل ~~المختلفين الذين # PageV03P343 # سبقوهم به، كما نقول في سائر الاجتهاد: إن كل واحد من المختلفين جائز له ~~القول بما صار إليه من المذهب الذي أداه إليه اجتهاده. # قيل له: ولو ساغ هذا لبطلت حجة الإجماع رأسا، لأن كل إجماع يحصل على قول ~~يجوز لأهل العصر الثاني خلافه، ويكون كله جائزا، ولا يقدم في صحة الإجماع، ~~لأنه صواب كما قلت في المجتهدين إذا اختلفوا، وهذا يوجب بطلان حجة الإجماع. # قال أبو بكر: فأما ما وعدنا إيجاده من حصول إجماعات في الأمة بعد اختلاف ~~شائع في عصر متقدم. فإنه أكثر من أن يحصى، ولكنا نذكر منه طرفا نبين به ~~فساد قول من أبى وجوده، فمن ذلك: قول عمر في المرأة تزوج في عدتها: (إن ~~مهرها (يجعل) في بيت المال) ، وتابعه على ذلك سليمان بن يسار. # وقال علي: المهر لها، بما استحل من فرجها، فهذا قد كان خلافا مشهورا في ~~السلف، وقد أجمعت الأمة بعدهم: على أن المهر إذا وجب فهو لها، لا يجعل في ~~بيت المال. # ومنه: قول (ابن) عمر، والحسن، وشريح، وسعيد بن المسيب، وطاوس، في جارية ~~بين رجلين وطئها أحدهما: أنه لا حد عليه، وقال مكحول والزهري: عليه الحد. ~~وقد أجمعت الأمة بعد هذا الاختلاف، أنه لا حد عليه. واختلفت الصحابة في عدة ~~المتوفى عنها زوجها. فقال عمر، وابن مسعود في آخرين: (أجلها أن تضع حملها) ~~. وقال علي، وابن عباس: (عدتها أبعد الأجلين) # ، وكان هذا الخلاف منتشرا ظاهرا في الصدر الأول حاج فيه # PageV03P344 # بعضهم بعضا، وفيه قال ابن مسعود: (من شاء باهلته) : أن قول الله ms563 تعالى ~~{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] : نزل بعد قوله: {أربعة ~~أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وقد اتفق فقهاء الأمصار بعدهم: أن عدتها أن تضع ~~حملها، وقال عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعمران بن حصين، ومسروق، وطاوس: ~~أمهات النساء مبهمة يحرمن بالعقد. # وقال علي، وجابر بن عبد الله، (ومجاهد) : هن كالربائب، لا يحرمن إلا ~~بالوطء، وقال زيد بن ثابت: إن طلقها قبل الدخول بها تزوج بأمها، وإن ماتت ~~عنده لم يتزوج الأم، وهذا أيضا كان من الخلاف المشهور في السلف، واتفق ~~الفقهاء بعدهم: على أنهن يحرمن بالعقد، وقال علي، وعمر، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وسعد، وشريح: بيع الأمة لا يفسد نكاحها، وقال (ابن) مسعود، وابن عباس، ~~وعمران بن حصين، وأبي بن كعب، وابن عمر، وأنس، وجابر، وسعيد بن المسيب، ~~والحسن: بيع الأمة طلاقها. واتفق فقهاء الأمصار بعدهم: على أن بيع الأمة لا ~~يفسد نكاحها. # ونظائر ذلك كثيرة، تفوق الإحصاء، ويطول الكتاب بذكرها، وإذا كنا قد وجدنا ~~أهل الأعصار من الفقهاء بعدهم قد اتفقوا على أحد الأقاويل التي قالوا بها، ~~فلو جاز مخالفتهم بعد إجماعهم (لخرج إجماعهم) من أن يكون حجة لله تعالى لا ~~يسع خلافه، ولا نأمن مع ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأ، وأن الصواب ~~في أحد الأقاويل التي لم يجمعوا عليها، مما كان السلف اختلفوا فيها. # فإن قال القائل على ما قدمنا: لو جاز أن يقال فيما اختلف فيه السلف ~~وسوغوا فيه # PageV03P345 # الاجتهاد، وأنهم سوغوا ما لم يحصل إجماع، لجاز أن يقال فيما أجمعوا عليه: ~~إنما يكون حجة ما لم يحصل خلاف، فإذا وقع بعدهم خلاف لم يكن إجماعا. # قيل له: لا يجب ذلك، لأن الإجماع حيثما وجد فهو حجة لله تعالى: كالكتاب ~~والسنة، ولا جائز أن يقال فيه: إنه حجة ما لم يكن بعده خلاف. # وأما تسويغ الاجتهاد في المسألة فجائز أن يكون مضمنا بالشريطة التي ~~ذكرنا، فيقال: إن الاجتهاد سائغ، ما لم يوجد نص، أو إجماع فإذا وجد نص أو ~~إجماع سقط جواز الاجتهاد. ms564 # ألا ترى: أن عمر كان يسوغ الاجتهاد في أمر الجنين، حتى لما أخبره حمل بن ~~مالك بنص السنة. قال: (كدنا أن نقضي في مثل ذلك برأينا، وفيه سنة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -) . وكذلك كل مجتهد، فإنما جواز اجتهاده عند ~~نفسه مضمن بعدم النص والإجماع، فإن اجتهد ثم وجد نصا أو إجماعا بخلافه ترك ~~اجتهاده، وصار إلى موجب النص والإجماع، فكذلك اجتهاد الصحابة في حكم ~~الحادثة، وتسويغهم الخلاف فيه، معقود بهذه الشريطة: وهو أن (لا) يحصل بعده ~~إجماع والله أعلم. # PageV03P346 ### | [باب في وقوع الاتفاق على التسوية بين شيئين في الحكم] # باب # في وقوع الاتفاق (على التسوية) بين شيئين في الحكم # قال أصحابنا: إذا (أجمع) أهل عصر على التسوية بين حكم شيئين، فليس لأحد ~~أن يخالف بين حكمهما من ذلك الوجه. وقد ذكره عيسى فقال: أجمع الناس على أن ~~حكم العمة والخالة واحد في وجوب توريثهما، أو حرمانهما، وأنه لا فرق بينهما ~~من هذا الوجه. وكذلك الخال والخالة، فمن ورث الخال ورث الخالة، وكذلك من ~~ورث العمة ورث الخالة، ومن لم يورث أحدهما وجعل الميراث لبيت المال، لم ~~يورث الآخر. # والدليل على صحة هذا القول: وقوع الاتفاق من الجميع على تساويهما في هذا ~~الوجه، فمن فرق بينهما فقد خالف إجماع الجميع، ولو ساغ هذا لساغ الخروج عن ~~اختلافهم جميعا. # فإن قال قائل: إنما لم يجز الخروج عن اختلافهم لإجماعهم: على أن لا قول ~~في المسألة إلا ما قالوا، فلم يكن لأحد إحداث مذهب غير مذاهبهم. # قيل له: فإنما صح ذلك من حيث صح القول بلزوم إجماعهم، وأن الحق لا يخرج ~~عنهم ولا يعدوهم، فواجب أن يقول مثله في مسألتنا لهذه العلة بعينها، لحصول ~~إجماعهم على التسوية، فلا يجوز خلافهم. # PageV03P349 # فإن قال: إنما سووا بينهم لدلالة أوجبت ذلك عندهم، فتحتاج أن نطلب الدليل ~~(في إيجاب التسوية أو جواز التفريق. قيل له: فقل مثله في كل إجماع وقع ~~منهم، إنه إنما يصح لدلالة أوجبت ذلك فتحتاج أن تنظر في الدليل) # فإن ms565 صح ثبت الإجماع، وإلا لم يثبت، وتجويز ذلك يؤدي إلى بطلان حجة ~~الإجماع. # PageV03P350 ### | [باب القول في اعتبار الإجماع في موضع الخلاف] # إذا حصل الاتفاق على حكم شيء ثم حدث معنى في ذلك الشيء فاختلفوا عند ~~حدوثه، فإن من الناس من يحتج بعد حدوث الخلاف بالإجماع المتقدم قبل حدوث ~~المعنى. وذلك: نحو احتجاج من يحتج في الماء إذا حلته نجاسة لم تغير طعمه ~~ولونه ولا رائحته: أنه طاهر، لإجماعنا على طهارته قبل حدوث النجاسة فيه، ~~(فنحن) على ذلك الإجماع حتى يزيلنا عنه دليل، وكمن يجيز للمتيمم إذا رأى ~~الماء في الصلاة المضي فيها. # ويحتج: أنا قد أجمعنا على صحة دخوله في الصلاة، فنحن على ذلك الإجماع في ~~بقاء صلاته، حتى يقوم الدليل على غيره، وكمن احتج بجواز بيع أم الولد ~~باتفاق الجميع على جواز بيعها قبل الاستيلاد، فنحن على ذلك الإجماع، حتى ~~يقوم الدليل على امتناع جواز بيعها. ونظائر ذلك من المسائل. # قال أبو بكر: وهذا (عندنا) مذهب ساقط، متروك، لا يرجع القائل به إلى ~~تحصيل دلالته متى حققت عليه مقالته، ذلك: (أنه) لا يخلو: من أن يكون ~~الإجماع المتقدم قبل حدوث المعنى الذي من أجله وقع الخلاف، إنما وجب اتباعه ~~ولزومه لأجل وقوع # PageV03P353 # الاتفاق، أو لدليل غيره، فإن كان الحكم إنما ثبت قبل حدوث المعنى الذي ~~كان الخلاف من أجله للإجماع الواقع عليه ولا إجماع فيه بعد حدوث المعنى، ~~فمن أين أثبته؟ وقوله: ونحن على ما كنا عليه من الإجماع خطأ، لأن ذلك ~~الإجماع غير موجود. # فيقال فيه: نحن على ما كنا عليه، لأن الذي كنا عليه قد زال، فإن بنيت ~~موضع الخلاف على الإجماع المنصوص، فأرنا وجه بنائه، مقرونا بدلالة توجب ~~صحته. # فإن قال: إنما حكمت بدءا في حال ما وقع الإجماع، بدلالة غير الإجماع، وهي ~~موجودة في موضع الخلاف. # قيل له: فأظهر تلك الدلالة حتى تنورها، فإن كانت موجبة له بعد وقوع ~~الخلاف كإيجابها له (قبله) حكمنا له (بحكمه) ، وإلا فقد أخليت قولك من دليل ~~يعضده، وحصلت فيه ms566 على دعوى مجردة. # وعلى أن أكثر المسائل من هذا الضرب يمكن عكسها على القائل بها في الوجه ~~الذي يحتج به، فيلزمه بها ضد موجب حكمها الذي رام إثباته. فلا يمكنه ~~الانفصال منها. نحو قوله في الماء بعد حلول النجاسة (فيه) : إنه على أصل ~~طهارته، لإجماعنا على أنه كان طاهرا قبل حلولها فيه، فنحن على ذلك الإجماع، ~~حتى ينقلنا عنه دليل، فنقلب عليه، هذا في المحدث إذا توضأ بهذا الماء، أنه ~~قد أجمعنا قبل طهارته بهذا أنه غير جائز له الدخول في الصلاة إلا بطهارة ~~صحيحة، واختلفنا بعد استعماله له، هل صح له الدخول في الصلاة أم لا؟ فنحن ~~على ما كنا عليه من الإجماع في بقاء الحدث وامتناع دخوله في الصلاة، حتى ~~تقوم الدلالة على زوال حدثه. # وكذلك المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة، فقد اتفقنا: (على) أن فرضه لم ~~يسقط بالدخول في الصلاة، واختلفنا إذا بنى عليها بعد وجود الماء، فنحن على ~~ما كنا عليه في # PageV03P354 # بقاء الفرض عليه حتى ينقلنا عنه دليل. فكذلك يقال لمن أجاز بيع أم الولد ~~بالإجماع المتقدم في جواز بيعها قبل الاستيلاد: إنا قد أجمعنا أنها في حال ~~الحمل لا يجوز بيعها، فلا تزول عن ذلك الإجماع بعد الولادة، حتى ينقلنا عنه ~~دليل، وهذا أيضا قول من يقول: إن النافي ليس عليه دليل، فنقول له: فأقم ~~الدليل على صحة اعتقادك للنفي، لأن اعتقادك لنفي الحكم: هو إثبات حكم. # فمن أين ثبت هذا الاعتقاد؟ فإنك لا تأبى من إيجاب (الدليل) على المثبت. ~~وأنت مثبت للحكم من الوجه الذي ذكرنا، كذلك نقول للقائل: بأنا على الإجماع ~~الأول: إنك قد أثبت حكما لغير الإجماع بعد وقوع الخلاف، فهلم الدلالة عليه، ~~إلى أن نرجع إلى قول من يقول: لا دليل على النافي فيلزمك ما ألزمناه، وما ~~سنبينه فيما بعد: من فساد قول القائلين بهذه المقالة. # فإن قال قائل: لما كانت الحال الأولى يقينا، لم يجز لنا بعد حدوث ~~الحادثة: أن نزول عنها بالشك، لأن الشك لا يزيل اليقين ms567 (فوجب البقاء على ~~الحال الأولى. قيل له: اليقين غير موجود بعد وجود الشك) # فقولك لا يزول اليقين بالشك خطأ، وعلى أن الله قد حكم في مواضع كثيرة ~~بزوال حكم قد علمناه يقينا بغير يقين، قال الله تعالى: {فإن علمتموهن ~~مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] وقد كان كفرهن يقينا، ~~فأزاله ظهور الإسلام منهن من غير حصول اليقين بزواله، لأن إظهارهن الإيمان ~~ليس بيقين أنهن كذلك في الحقيقة. # وقد قال تعالى في قصة المتخلفين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~غزوة تبوك: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا} [التوبة: 102] إلى ~~آخر الآية، فحكم بقبول توبتهم، وإزالة حكم الذنب الذي قد تيقن وجوده منهم ~~من غير يقين منا بحقيقتها، إلا ما أظهروا من التوبة، ثم قال تعالى: في قوم ~~آخرين: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا # PageV03P355 # عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس} [التوبة: 95] فأمرنا بالإعراض عنهم من غير ~~قبول لتوبتهم، وقال تعالى في قوم آخرين: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ~~[التوبة: 118] فوقف أمرهم مع إظهارهم التوبة، فحكم في هؤلاء بثلاثة أحكام: ~~قبول التوبة من فريق منهم على الظاهر. # ومنع قبول توبة آخرين. # ووقف أمر فريق آخر، فلم يأمر بأن يحملوا على الأصل الذي كان يقينا، وأمر ~~بقبول شهادة الشهود: على الحقوق، والقتل، والزنا، وغيرهما. مما يوجب ~~استحقاق الدم، والمال، وشهادة الشهود، ولا توجب علم اليقين، وأن المشهود ~~عليه غير مستحق عليه القتل، والمال كان يقينا، فأزال ذلك اليقين بما ليس ~~بيقين. # ولا خلاف بين المسلمين: أن رجلا لو قال لامرأته: أنت علي حرام، أنه غير ~~جائز له البقاء على ما كان عليه من استباحتها، وترك مسألة الفقهاء عما بلي ~~به من النازلة. # فإن احتج القائل بذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشاك ~~في الحدث: أنه يبني على اليقين طهارته التي كانت، ولا يزول عنها بالشك، ~~وبما روي عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر الشاك في صلاته بالبناء ~~على اليقين» ، باتفاق الفقهاء: على أن الشاك في ms568 طلاق امرأته لا يلزمه شيء، ~~فكانت المرأة زوجته على ما كانت، وكذلك ما ذكرنا: من وجوب البناء على الحال ~~الأولى التي قد ثبتت قبل حدوث المعنى الموجب للخلاف، وبقاء حكمها حتى يقوم ~~الدليل على زواله. # قيل له: ليس هذا من ذاك في شيء، لأن أحكام الحوادث عليها دليل قائمة، ~~فوجب عند حدوث الخلاف طلب الدليل على الحكم، فإن وجدنا على موضع الخلاف ~~دليلا من # PageV03P356 # الإجماع الذي كنا عليه ووجوب مساواته له بنيناه عليه، وإلا اعتبرناه ~~بغيره من الأصول، فحكمنا بما يوجبه كسائر الحوادث المختلف فيها، وأما الشاك ~~في الصلاة والحدث، والشاك في طلاق امرأته، فليس على ما شككنا فيه من ذلك ~~دليل من أصل يرجع إليه، ويرد عليه، فحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(فيه) من ذلك بإلغاء الشك والبناء على اليقين، واتبعناه، ولم يجز لنا رد ما ~~وصفنا من أحكام الحوادث إليه. # ونظير هذا من الأحكام: ما نقوله في المقادير التي لا سبيل إلى إثباتها من ~~طريق المقاييس، وإنما طريقها التوقيف والاتفاق، فمتى عدمنا التوقيف وقفنا ~~عند الإجماع، وألغينا المختلف فيه، إذ لا سبيل إلى اعتبار مقداره بمقادير ~~غيرها في الأصول، من جهة النظر والاستدلال، وذلك نحو ما نقوله في مدة أقل ~~الحيض وأكثره، وفي مقدار السفر والإقامة، وما جرى مجرى ذلك: إنه يجوز ~~الوقوف عند الاتفاق، وإلغاء الخلاف وتبقيته على الأصل، إذ لا سبيل إلى ~~إثباته من طريق القياس والاجتهاد، وإنما: طريقه التوقيف، أو الإيقاف، وقد ~~عدمناهما في موضع الخلاف. # PageV03P357 ### | [باب القول في تقليد الصحابي إذا لم يعلم خلافه] # قال أبو بكر: كان أبو الحسن يقول: كثيرا مما أرى لأبي يوسف في إضعاف ~~مسألة يقول: القياس كذا، إلا أني تركته للأثر، وذلك الآثر قول صحابي لا ~~يعرف عن غيره من نظرائه خلافه. # قال أبو الحسن: فهذا يدل من قوله دلالة بينة على أنه (كان) يرى " أن " ~~تقليد الصحابي إذا لم يعلم خلافه من أهل عصره أولى من القياس. # قال أبو الحسن: أما أنا فلا يعجبني هذا المذهب. # قال ms569 أبو الحسن: وأما أبو حنيفة فلا يحفظ عنه ذلك، إنما الذي يحفظ عنه: ~~أنه قال: إذا اجتمعت الصحابة على شيء سلمناه لهم، وإذا اجتمع التابعون ~~زاحمناهم. # قال أبو بكر: وقد يوجد نحو ما ذكره عن أبي يوسف في كتب الأصول أيضا. # وقد قال أصحابنا: (إن القياس) فيمن أغمي عليه وقت صلاة: أن لا قضاء عليه، ~~إلا أنهم تركوا القياس لما روي (عن عمار: أنه أغمي عليه يوما وليلة فقضى) ، ~~فتركوا القياس لفعل عمار، وكان أبو عمر الطبري يحكي عن أبي سعيد البردعي: ~~أن قول # PageV03P361 # الصحابي حجة، يترك له القياس، إذا لم يعلم عن أحد من نظرائه خلافه، قال: ~~وكان يحتج فيه بأن قياس الصحابي أرجح من قياسنا وأقوى، لعلمهم بأحوال ~~المنصوصات بمشاهدة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان بمنزلة خبر الواحد عن ~~النبي - عليه السلام - في كونه مقدما على القياس مع عدم العلم بوقوع مخبره. # كذلك اجتهاد الصحابي لما كان أقوى من اجتهادنا - وجب أن يكون مقدما على ~~رأينا. # قال: وأيضا فإنه جائز أن يكون قاله نصا وتوثيقا، وجائز أن يقوله اجتهادا، ~~فصار له هذه المزية في لزوم تقليده، وترك قولنا لقوله. # قال أبو بكر: وقد قال أبو حنيفة: إن من كان من أهل الاجتهاد فله تقليد ~~غيره من العلماء، وترك رأيه لقوله، وإن شاء أمضى اجتهاد نفسه (وروى داود بن ~~رشيد) ، عن محمد مثل قول أبي حنيفة،، وقال محمد: ليس لمن كان من أهل ~~الاجتهاد تقليد غيره. # وكان أبو الحسن يقول: إن قول أبي يوسف في ذلك كقول محمد، وكان يحتج لمذهب ~~أبي حنيفة في هذه المسألة: بأن هذا عنده ضرب من الاجتهاد، لأنه جائز عنده ~~أن من يقلده أعلم وأعرف بوجوه القياس وطرق الاجتهاد منه، فيكون تقليده إياه ~~ضربا من الاجتهاد، يوجب أن يكون اجتهاد من قلده أقوى وأوثق في نفسه من ~~اجتهاده. # قال أبو بكر: وهذا يقوي ما حكيناه: من حجاج أبي سعيد في تقليد الصحابي، ~~ويكون لتقديم قياس الصحابي واجتهاده على اجتهادنا فضل مزية بمشاهدته للرسول ms570 ~~- صلى الله عليه وسلم -، ومعرفته بأحوال النصوص، وما نزلت فيه، وعلمه ~~بتصاريف الكلام، ووجوه الخطاب # PageV03P362 # التي لا يبلغها علمنا ومعرفتنا، فيكون قياسه أولى من قياسنا. # ومما يحتج به أيضا: بهذا القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «اقتدوا ~~باللذين من بعدي» قد اقتضى ظاهر لزوم تقليدهما، إذا اتفقا على قول، إلا أنه ~~قد قامت الدلالة: على أنهما إذا خالفهما غيرهما من الصحابة لم يلزم ~~تقليدهما فخصصناه من اللفظ،، وبقي حكمه في لزوم تقليدهما إذا أجمعا على قول ~~لم يخالفهما فيه أحد من نظرائهما، وإذا لزم تقليدهما عند اجتماعهما - لزم. ~~تقليد أحدهما، وأحد الصحابة إذا لم يعلم عن غيره خلافه، لأن أحدا لم يفرق ~~بينهما. # ويدل أيضا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» ، فظاهره يقتضي جواز الاقتداء بالواحد منهم، وأن الاقتداء ~~به هدى، وإذا كان قوله محكوما له بالهدى لم يجز العدول عنه إلى غيره. # وكان أبو الحسن يحتج في أن قول الصحابي ليس بحجة فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ~~وللقياس مدخل في إثباته: أنه لو كان حجة، لما جاز لغيره من أهل عصره ~~مخالفته، كما أن الكتاب والسنة لما كانا حجة يلزم اتباعهما لم يجز لأحد ~~مخالفتهما. # فقيل له: بأن إجماعهم حجة، ومع ذلك فجائز للواحد منهم مخالفة الجماعة مع ~~كون إجماعهم حجة علينا. فما أنكرت أن لا يكون قول بعضهم على بعض حجة، ويكون ~~قول الواحد منهم حجة علينا يلزمنا اتباعه إذا لم يخالفه غيره، فأجاب بأن ~~خلاف الواحد منهم للجماعة يمنع انعقاد الإجماع. # قال: ونظير ما قلنا: أن يجمعوا على شيء ثم يشذ واحد منهم، فيخالفهم بعد # PageV03P363 # موافقته إياهم، فلا يعتد بخلافه، لأن الإجماع قد انعقد، وثبتت حجته فلا ~~ينقضه خلاف من خالفهم بعد موافقته لهم. # فأما إذا لم يحصل إجماع من جميعهم، فلم يثبت هناك حجة من جهة الإجماع، ~~فلذلك جاز لواحد منهم مخالفته. # قال: ووجه آخر: وهو أن الصحابي لم يكن يدعو الناس إلى تقليده واتباع ~~قوله. # (ألا ترى: أن عمر بن ms571 الخطاب سئل عن مسألة فأجاب فيها، فقال له رجل: أصبت ~~الحق، أو كلاما نحوه، فقال عمر: والله ما يدري عمر أصاب أو أخطأ، ولكن لم ~~آل عن الحق) وقال زيد بن ثابت، في قضية قضى بها (في الجد) : ليس رأيي حق ~~على المسلمين، في نحو ذلك من الروايات عنهم، في نفي لزوم تقليدهم. # فإذا لم ير هؤلاء وجوب تقليدهم على الناس، فكيف يجوز لنا أن نقلدهم قال ~~أبو بكر: وهذا يحتمل: أن يكون الصحابة إنما منعت وجوب تقليدهم لأهل عصرهم ~~من العلماء، أو أن تكون مسألة خلاف بينهم فأخبروا: أنهم لا يلزم أحد أن ~~يقلد بعضهم دون بعض فيها، وأنه يجب على من بعدهم النظر والاجتهاد في طلب ~~الحكم دون التقليد. # وكان أبو الحسن يرى قبول قول الصحابي، (لازما) في المقادير التي لا سبيل ~~إلى إثباتها من طريق المقاييس، والاجتهاد. # ويعزي ذلك إلى أصحابنا، ويذكر مسائل قالوا فيها بتقليد الصحابي ولزوم ~~قبول قوله، نحو ما روي عن علي - عليه السلام -: لا مهر أقل من عشرة دراهم، ~~وما روي عنه (إذا قعد الرجل في آخر صلاته مقدار التشهد فقد تمت صلاته) ونحو ~~ما روي عن أنس في أقل الحيض: أنه ثلاثة، وأن أكثره عشرة (وما روي عن عثمان ~~بن أبي العاص وغيره (في أن أكثر النفاس أربعون يوما) ، وما روي عن عائشة # PageV03P364 # - رضي الله عنها -: أن الولد لا يبقى في بطن أمه بعد سنتين بمقدار فلكة ~~مغزل) . # قال أبو الحسن: فلما لم يكن لنا سبيل لإثبات هذه المقادير من طريق ~~الاجتهاد والمقاييس وكان طريقه التوقيف أو الاتفاق، ثم وجدنا الصحابي قد ~~قطع بذلك وأثبته، دل ذلك من أمره: على أنه قاله توقيفا، لأنه لا يجوز أن ~~يظن بهم أنهم قالوه تخمينا وتظننا، فصار ما كان هذا وصفه من المقادير إنما ~~يلزم قبول قول الصحابي الواحد فيه، ويجب اتباعه من حيث كان توقيفا. # قال: والدليل على أنه لا سبيل لنا إلى إثبات هذا الضرب من المقادير من ~~طريق المقاييس والرأي وأن طريقه ms572 التوقيف: أن هذه المقادير حق لله تعالى، ~~ليس على جهة إيجاب الفصل (بين) قليل وكثير، وصغير وكبير، فيكون موكولا إلى ~~الاجتهاد والرأي، وإنما هي حق لله تعالى مبتدأ، كمقادير أعداد ركعات ~~الصلوات، الظهر والعصر، وسائر الصلوات، ومقادير أيام الصوم الواجب، ومقدار ~~الجلد في الحد، لا سبيل إلى إثبات شيء من ذلك من طريق الاجتهاد والمقاييس ~~لو لم يرد به توقيف، كذلك ما قدمنا ذكره من هذه المقادير هو بهذه المنزلة. # فإن قال قائل: قد تثبتون أنتم مقادير من طريق الاجتهاد، وإن تعلق بها ~~حقوق لله تعالى. فقد قال أبو حنيفة في حد البلوغ: ثماني عشرة سنة من غير ~~توقيف، وقال في الغلام # PageV03P365 # إذا لم يكن رشيدا: لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: للرجل أن ينفي ولده ما لم تمض أربعون يوما، ولا توقيف لهم في ~~إثبات (شيء من) هذه المقادير، ولا اتفاق، فأثبتوها من طريق الرأي ~~والاجتهاد. # وإذا كان الرأي والاجتهاد يدخل في إثبات شيء من المقادير، لم يمتنع أن ~~تكون الصحابة قالت بالمقادير التي ذكرت عنها من طريق الرأي. فلا يثبت به ~~توقيف. # قيل: ليس هذا مما ذكرنا في شيء، لأنا إنما قلنا ذلك في المقادير التي هي ~~حقوق لله تعالى، لا على، جهة إيجاب الفصل بين القليل الذي قد علم، وبين ~~الكثير الذي قد عرف، أو بين الصغير والكبير على هذا الحد، فوكل حكم الواسطة ~~التي بينهما إلى آرائنا وما يؤدينا إليه اجتهادنا، وليس هذا من المقادير ~~التي ذكرنا. # ألا ترى: أن القياس والاجتهاد لا يوجبان حد الزنا (مائة جلدة) ، ولا حد ~~القذف ثمانين، ولا يدلان على مقادير أعداد ركعات الصلوات على اختلافها، ولا ~~على مقادير أيام الصوم وما جرى مجراها، لأنها كلها حقوق لله تعالى مبتدأة. ~~كذلك ما وصفنا من المقادير التي حكينا عن الصحابة هو بهذه المنزلة. # PageV03P366 ### | [باب القول في وجوب النظر وذم التقليد] # اختلف الناس في وجوب النظر وإثبات حجج العقول. # فقال أهل العلم: النظر واجب، وحجج العقول ms573 صحيحة ثابتة، تعرف بها صحة ~~المذاهب من فاسدها. # وقال قوم من أهل الجهل والغباوة: لا مدخل للعقل في تصحيح شيء ولا إفساده، ~~وإنما تعرف صحة المذاهب وفسادها من طريق الخبر، ومشهور عن داود الأصفهاني: ~~أنه كان يقول: بل على العقول. وموجود في كتبه: أن حجة العقول لا يثبت بها ~~شيء. # قال أبو بكر: والقائلون بنفي حجج العقول إنما ينفونها بالقول، فأما ~~استعمال العقول في إثبات كثير من الأشياء أو في نفيها والحجاج لها من جهة ~~العقل فإنهم لا يخلون منه، لأن ذلك صورته في عقول سائر العقلاء، إلا أن من ~~العلوم العقلية ما هو ظاهر جلي، ومنها ما هو غامض خفي. # فالجلي منه: لا يمكن لأحد الشك فيه، ولا إيراد شبهة على نفسه في نفيه. # PageV03P369 # والخفي منها: قد يعرض فيه شبهة يتبعها الناظر، فيذهب عن وجه الصواب، ~~وأكثر ما يعرض هذا لمن نظر في الفروع قبل إحكام الأصول، أو لا ينظر في شيء ~~من وجه النظر. # ألا ترى: أن أحدا لا يعتريه الشك ولا تعرض له شبهة: في أن القولين ~~المتضادين لا يخلوان من أن يكونا فاسدين، أو يكون أحدهما صحيحا والآخر ~~فاسدا، لأنه لا يصح له الاعتقاد لصحتهما جميعا، كنحو قول القائل: زيد في ~~الدار (في هذه الساعة) . # وقال آخر: ليس هو في هذه الدار (في هذه الساعة) إنهما جميعا لا يجوز أن ~~يكونا صادقين، وجائز أن يكونا كاذبين، وجائز أن يكون أحدهما صادقا والآخر ~~كاذبا، وهذا التقسيم وما يجوز فيه مما لا يجوز طريقه العقل. # وسائر العقلاء لا يشتركون في العلم بأن حكم هذا الخبر واقع في أحد هذه ~~الأوصاف، ومن نفى هذا فهو كنافي علوم الحس والمشاهدات. وقد يكون في ~~المحسوسات ما يدق ويلطف، فيحتاج في صحة وقوع العلم إلى ضرب من التأمل. ~~كالشخص إذا رأيناه من بعيد، وكالهلال إذا طلبناه، فربما اشتبه، وربما كان ~~إدراكه بعد التأمل والتحديق الشديد، وكذلك علوم العقل: فيها جلي، وفيها ~~خفي. # ويبين بما ذكرنا أيضا: أن العلم يفرق ما بين البهيمة ms574 وبين الإنسان العاقل ~~المميز، كالعلم بوجود الأشياء المحسوسات، وكالعلم يفرق ما بين الحيوان ~~والجمادات. ولو لم يكن للعقل حظ في التمييز بين هذه الأشياء التي سبيل ~~إدراكها العقل (لكان الإنسان والبهيمة) بمثابة واحدة، فكأن الإنسان لا يعلم ~~إلا ما تعلمه البهيمة إذا كانت علومه مقصورة على ما تؤديه إليه حواسه. # وتبين: أن استعمال حجج العقول ضرورة إذ كل من نفاها فإنما ينفيها بحجج # PageV03P370 # العقول، وبالنظر والاستدلال. ويحتج لصحة التقليد بالعقول، ولا يصح له ~~الاحتجاج للتقليد بالتقليد نفسه، إذ لا يجوز أن تكون المسألة حجة لنفسها، ~~فإنما يفزع إلى معنى غير التقليد، فيقول: إن (النظر بدعة، وإنه يدعو إلى ~~الحيرة، وإلى الاختلاف والتباين) ونحو ذلك من النظر، وإن كان فاسدا، فقد ~~علمنا: أن المقلد والنافي للنظر إنما يثبته من حيث ينفيه، كما أن النافي ~~لعلوم الحس إنما يروم نفيها بحجاج ونظر هو دون علوم الحس في منزلة الثبات ~~والوضوح، فيقول: إنما أبطلت علم الحس، لأن الإنسان قد يرى في النوم ما (لا) ~~يشك في حقيقته وصحته، كرؤيته لما يراه في اليقظة، ثم لا يجد بعد الانتباه ~~له حقيقة، وكما يرى الإنسان السراب، فلا يشك في أنه ماء، ثم إذا جاءه لم ~~يجده شيئا، وكالمريض يجد العسل مرا، فلم آمن أن يكون كذلك حكم سائر ~~المحسوسات، فيروم إبطال (علوم) الحس بالنظر والاستدلال. # كذلك المقلد: إنما يفزع في إثبات التقليد وإبطال النظر، إلى النظر ~~والحجاج، فيناقض في مذهبه، ويهدم مقالته بحجاجه. # ويقال للقائل بالتقليد والنافي لحجج العقول: أثبت القول بالتقليد بحجة، ~~فإن قال بغير حجة، فقد حكم على مذهبه بالفساد، لاعترافه بأنه لا حجة له في ~~إثباته. # وأما قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -: " حد البلوغ " فإنا قد علمنا: أن ~~ابن عشر سنين لا يكون بالغا، وقد علمنا: أن ابن عشرين سنة يكون بالغا، ~~فهذان الطرفان قد علمنا حكمهما يقينا، ووكل حكم ما بينهما في إثبات حد ~~البلوغ إلى اجتهادنا، إذا لم يرد فيه توقيف، ولا يثبت به إجماع، فأوجب عنده ~~اجتهاده: أن ms575 يكون حد البلوغ ثماني عشرة سنة. # وقد بينا وجه قوله فيه في مواضع غير هذا. # وكذلك قوله في الغلام إذا لم يؤنس منه رشد إنه (قد) ثبت بقوله تعالى: # {حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا ~~تأكلوها إسرافا # PageV03P371 # وبدارا أن يكبروا} [النساء: 6] فذكر هاهنا حالا لا ينتظر في دفع المال ~~إليه بعد البلوغ. وقال تعالى في آية أخرى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} [الإسراء: 34] فمنع إمساك مال اليتيم بعد ~~بلوغ رشده، فكان هذان الطرفان اللذان هما: حال الصغير، وحال بلوغ الرشد ~~(منصوصا عليهما، ووكل حد بلوغ الرشد) إلى اجتهادنا. فكان عنده إذا بلغ خمسا ~~وعشرين سنة، فقد بلغ رشده، لأن مثله (يحتمل أن يكون) جدا. ويمتنع في العادة ~~أن لا يكون قد بلغ أشده من له ولد، ولولده ولد، فكذلك ساغ الاجتهاد فيه (و) ~~فارق ما وصفنا من المقادير. # وأما أبو يوسف، ومحمد: فإنهما قالا في مدة نفي الولد: أربعين يوما؛ لأنه ~~معلوم أن سكوته ساعة وساعتين لا يمنع جواز نفيه، وأنه لو سكت عن نفيه سنة ~~أو سنتين لم يكن له بعد ذلك بالاتفاق، واعتبر مدة النفاس الذي هو حال ~~الولادة، وهذا مما يسوغ فيه الاجتهاد من الوجه الذي ذكرناه، وهذا نظير ~~الاجتهاد في تقديم المستهلكات، وأروش الجنايات، فيثبت مقادير القيم: أن ذلك ~~كان على وجه التقريب لما يبتاع به الناس من الأثمان، أو ما يدخل به من ~~النقص بالجراحة، وليس ذلك مما ذكرنا من المقادير التي لا تعلم إلا من طريق ~~التوقيف في شيء. # وإن قال: أثبته بحجة. # قيل له: فما تلك الحجة؟ فإن ادعى نصا، أو اتفاقا، فلم يجده، وإن فزع إلى ~~التقليد، وقال: حجتي في إثباته هو التقليد نفسه، فقد أبطل، لأن المسألة لا ~~تكون حجة # PageV03P372 # لنفسها، وهو إنما (يسأل عن) التقليد لم قلت: إنه حجة. # فإن قال: هذا يرجع عليك في قولك بحجج القول، لأنا نقول لك: أثبت حجة ~~العقل بالعقل أو بغيره. # فإن ms576 قلت: أثبتها بغير العقل، قلنا لك: فأظهره. # وإن قلت: أثبتها بالعقل، ففي هذا نوزعت، وإنما جعلت المسألة دليلا ~~لنفسها. # قيل له: أول ما في هذا: أن اعتراضك به احتجاج من جهة العقل، ومناظرة منك ~~في إفساد المذهب، وفي ذلك إثبات منك لحجة العقل، فأنت من حيث أردت نفيها ~~أثبتها، وناقضت في قولك، على أنا نجيبك إلى سؤالك، وإن لم يلزمنا لك بحق ~~النظر. فنقول: إنا أثبتنا دلائل العقول بالعقل، لأن مما يدل عليه العقل: ~~ظاهر جلي لا يرتاب به أحد، ولا يشك فيه. ومنه غامض خفي، فوصلنا إلى علم ~~الخفي منه بالجلي، ويحتاج في إثبات الخفي من أحكام العقول إلى نظر وتأمل، ~~وعرضه على الجلي في إثبات حكمه. # فما صححه صح، وما نفاه انتفى، كما نقول في المحسوبات: إنا أثبتنا علومها ~~بالحس، وإن احتجنا في الوصول إلى استعمال آلة الحس. # ألا ترى: أن من بين يديه طعام، لا يدري حلو هو أم حامض: أنه لا يكتفي ~~بوجود آلة الحس فيه دون ذوقه، حتى يعرف طعمه. كذلك العلوم العقلية: منها ما ~~هو جلي، يعتبر به الخفي منه، ويتوصل إلى معرفته باستعماله. # ويقال له في النظر وموجب القول بالتقليد: خبرنا عن قولك بوجوب التقليد، ~~هو مذهب قد علمت صحته، أو لم تعلمها. # فإن قال: لا أعلم صحته، فقد قضى على اعتقاده بالفساد، لأن أحدا لا يجوز ~~له # PageV03P373 # اعتقاد صحة (شيء) ولا يدري هل صحيح أم فاسد. # وإن قال: علمت صحته. # قيل له: فعلمته بدليل أم بلا دليل؟ فإن قال: علمته بلا دليل. # قيل له: فكيف علمت صحته؟ وإن قال: علمته بدليل. # قيل له: فقد تركت التقليد ولجأت إلى النظر، فهلا نظرت في المذهب الذي ~~قلدت فيه غيرك فاستدللت على صحته أو فساده؟ وقد استغنيت عن التقليد بنظر ~~واستدلال، كما أثبت التقليد ضرورة، فكل من لم يضطر إلى صحة القول به لم ~~يلزمه إثباته، ولخصمه مع ذلك: أن يعارضه فيدعي علم الضرورة في إبطال ~~التقليد، ووجوب النظر، وعلى أن ما كان العلم به ms577 ضرورة، فالواجب أن يشترك ~~سائر العقلاء في وقوع العلم به إذا تساووا في السبب الموجب للعلم الضروري. # ويقال للقائل بالتقليد: قد وجدنا القائلين بالتقليد مختلفي المذاهب، ~~متضادي الاعتقادات على حسب تقليدهم لمن اتبعوه. فأي هذه المذاهب المتضادة ~~الصحيح؟ وأيها الفاسد؟ إذ يستحيل اجتماعها كلها في الصحة. # فإن قال: مذهبي هو الصحيح، لأن من قلدته أولى بأن يقلد من غيره، فلذلك ~~كان مذهبي صحيحا، ومذهب غيري فاسدا. # قيل له: ولم صار من قلدته مذهبك أولى بأن يقلد من غيره ممن قلده خصمك؟ . # فإن قال: لأن من قلدته أورع وأزهد، وأظهر صلاحا. # قيل له: فتأمن عليه الخطأ واعتقاد الباطل؟ فإن قال: نعم قد أمنت جواز ذلك ~~عليه، فقد حكم له بصحة غيبه، وأن باطنه كظاهره، وهذا غير جائز أن يحكم به ~~لأحد، إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وإن قال: يجوز عليه اعتقاد الضلال، واختيار الخطأ، والعدول عن الصواب. # قيل له: فإذا جاز ذلك عليه، فلست تأمن أن تكون مبطلا في تقليدك إياه، ~~واعتقادك مذهبه، فلست إذا على علم من صحة قولك وبطلان قول خصمك. وقد نهى ~~الله تعالى # PageV03P374 # عن ذلك بقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] وقال تعالى: ~~{وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] . وأيضا: فإنك إذا قلدت ~~من لا تعلم صحة قوله، فقد جعلت منزلته أعلى من منزلة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأولى بالسلامة من الخطأ، لأن الله تعالى لم يوجب اتباع الأنبياء ~~إلا بعد إظهار الأعلام المعجزة على أيديهم، وجعلها حجة على صحة دعواهم، ~~فكان عليك في هذا أمران: # أحدهما: أنك جعلت منزلة من قلدته بغير دلالة، أعلى من منزلة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يجب اتباعه إلا بعد ~~إقامة الدلالة على صحة قوله - فمن دونه أولى أن لا يقبل قوله بغير دلالة. # ومما يبين لك صحة حجج العقول: أن كل عاقل فهو يجد نفسه يفزع إلى النظر ~~واستعمال العقل فيما ms578 ليس طريق، معرفته الحس والخبر، كما يجدها تفزع إلى ~~الحواس فيما طريق معرفته الحس، وإلى الاستخبار فيما طريق معرفته الخبر. ~~فلولا أن النظر سبب يتوصل به إلى علوم عقلية - لما كانت تفزع إليه في ذلك، ~~كما لا تفزع فيما ليس طريق معرفته الذوق إلى الشم، ولا فيما طريق معرفته ~~السماع إلى الذوق، وإنما تفزع في طلب معرفة الطعوم إلى الذوق، وفي طلب ~~معرفة الألوان إلى البصر، وفيما طريق معرفته السمع إلى الاستماع، فثبت ~~بذلك: أن النظر في طبع الإنسان، كالحس، قد جعله الله تعالى عيارا وسببا إلى ~~الوصول إلى معرفة أمور به تدرك. # ألا ترى أن أحدا من العقلاء، لا يخلو من ذلك فيما ينوبه من أمر دينه ~~ودنياه، حتى العامي الغفل الذي لم يتقدم له طلب العلوم والآداب، يفزع إلى ~~النظر واستعمال العقل فيما ينوبه من أمر دنياه، كما يفزع إلى الحس فيما ~~طريق معرفته الحس، وإلى الخبر فيما (طريق معرفته) الخبر. # PageV03P375 # والنافي للنظر وحجج العقول، كالنافي لعلوم وصحة وقوع العلم بالأخبار. # لا فرق بين شيء من ذلك، لأن الله تعالى: (قد جعل ذلك في طباع العقلاء، ~~كما جعل في طباعهم الحواس وسماع الأخبار) . # فإن قال قائل من الحمق: إنما قلت بالتقليد اتباعا للسلف، لأنهم أمرونا ~~بالاتباع، ونهونا عن الابتداع واتباع الرأي. # قيل له: أول ما في هذا، أنه تخرص على السلف، لأنهم قد استعملوا النظر ~~والرأي في حوادث أمورهم، ولا يجهل ذلك إلا من كان في غاية الجهل والغباوة، ~~وأحسب: أنا قد سلمنا لك ما ادعيته على السلف. فخبرنا من أين ثبت عندك لزوم ~~تقليد السلف فيما ذكرت؟ # فإن قال: لأني قد علمت: أنهم لا يجمعون على خطأ. قيل: ومن أين ثبت عندك ~~صحة الكتاب (والسنة) ؟ فلا تجد بدا من الرجوع إلى إثبات النظر وحجج العقول، ~~لأن بها تثبت النبوات بالدليل، والأعلام المعجزة التي لا يقدر عليها أحد ~~غير الله تعالى، ومن كان هذا سبيله فهو لم يقل بالتقليد، لأنه إنما قال ~~بتقليد السلف إذا أجمعوا على شيء، ms579 لأن الدلائل قد قامت على صحة إجماعهم، ~~فهو مما اتبع الدلائل، وفي ذلك إثبات النظر وإبطال التقليد الذي لم تقم على ~~صحته دلالة. # وقد أكد الله عز وجل ما في العقول من نفي التقليد وإثبات (النظر) ، بما ~~نص عليه في كتابه من الأمر بالنظر والاستدلال فقال: {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} [الحشر: 2] ، والاعتبار هو: النظر والاستدلال. # وقال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] وقال ~~تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] وقال تعالى: ~~{أفلا يتدبرون # PageV03P376 # القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] ~~وقال تعالى: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ~~[الحج: 46] وقال تعالى: {قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي} ~~[الأنبياء: 24] إلى قوله تعالى: {فهم معرضون} [الأنبياء: 24] وأمر إبراهيم ~~- صلى الله عليه وسلم - بمحاجة الكافر حتى بهت الكافر وانقطع، وأخبر عن ~~استدلال إبراهيم على توحيد الله تعالى ومعرفته، فقال تعالى: {فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا} [الأنعام: 76] إلى قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا} [الأنعام: 79] ثم قال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] . # ثم قال تعالى على نسق الكلام: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} ~~[الأنعام: 90] وقال تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الروم: 8] وقال تعالى: {وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون} [الذاريات: 21] وقال تعالى: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} [آل ~~عمران: 191] . واحتج في إبطال قول الثنوية والمجوس بقوله تعالى: {لو كان ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] . وقال تعالى: {ولعلا بعضهم ~~على بعض} [المؤمنون: 91] . # PageV03P377 # واحتج على أصحاب الطبائع بقوله: {وفي الأرض قطع متجاورات} [الرعد: 4] إلى ~~قوله تعالى {يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4] ~~فأدحض مقالتهم، وأبان عن فسادها بأن هذا (لو كان) من طبع التربة والماء ~~والهواء - لجاءت الطعوم متساوية متفقة، ولم يترك لملحد تأمله شبهة، وقال ~~تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] وقال تعالى: {وكأين من ms580 آية في ~~السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} [يوسف: 105] وقال تعالى: ~~{قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم} [يس: 79] فدلهم بخلقها ابتداء، على القدرة على إعادتها ~~بعد إفنائها، وقال تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ~~ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} [سبأ: 46] فحثهم على النظر، وأمرهم بالتفكر ~~والتدبر. وقال تعالى: {لتبين للناس، ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: ~~44] فلو كان الدين بالتقليد لبطل الاعتبار ومواضع الفكر. # ونظائر ذلك: من الآي، التي فيها الحجاج، والنظر، والأمر بالاعتبار، ~~والفكر. كثيرة يطول الكتاب بذكرها، وإلى هذا دعا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من أول ما بعثه الله تبارك وتعالى إلى أن قبض. وأمرهم بالاستدلال ~~والنظر، قد نقلت الأمة ذلك، خلفا عن سلف، نقلا متواترا متصلا، كما نقلوا ~~دعاءه إياهم إلى التوحيد. وإلى تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلوا ~~معه دعاءه إياهم إلى الاعتبار والنظر. فمن أنكر حجج العقول ودلائلها، فإنما ~~يرد على الله # PageV03P378 # تعالى، أو على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا فرق بينه وبين من أنكر ~~أمر الله تعالى، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - (لنا) بالتوحيد ~~والتصديق بالنبوة، لأنه من حيث أمرنا بذلك، كان أمره به مقرونا بالأمر ~~(بالنظر والاستدلال) على التوحيد، وعلى تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ومعلوم: أن أمره إيانا بالاستدلال بهذه الأجسام وما خلق الله تعالى من شيء، ~~لم يحدث في هذه الأشياء دلائل لم تكن، وأن هذه الدلائل كانت موجودة فيها ~~قبل أمره إيانا بالنظر فيها والاستدلال بها، فعلمنا: أن الله تعالى حين ~~خلقها فقد أراد من العقلاء الاستدلال بها. # وقد ذم الله تعالى التقليد في غير موضع من كتابه، وجاءت الأنبياء تدعو ~~إلى ترك التقليد، وإلى النظر في الحجج والدلائل، قال الله تعالى: {وإن تطع ~~أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون} [الأنعام: 116] فحكم بضلال أكثر الناس إذا لم يرجعوا ms581 في مذاهبهم ~~إلى حجة تصححها. وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ~~وقال تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] وهذه منزلة ~~المقلد. # وذم من احتج بالتقليد فقال تعالى: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] وقال تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين} [البقرة: 111] وجعل الله تاركي النظر بمنزلة البهائم، وبمنزلة الصم ~~والبكم. فقال تعالى: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل} [الفرقان: 44] وقال ~~تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} [البقرة: 171] لما أعرضوا عن النظر في ~~الدلائل، وصيروا أنفسهم، بمنزلة من ليس في وسعه ذلك، مثل البهيمة، ومن لم ~~يسمع # PageV03P379 # ما خوطب به، وقد بلغني عن بعض أصحاب الشافعي من المتأخرين أنه قال: إن ~~أدلة العقول صحيحة، إلا أن الله تعالى لم يحوج إليها، لأنه قد أغنانا عنها ~~بالسمع، وهذا قول متناقض، لأن السمع لا يثبت أنه من عند الله تعالى إلا ~~بحجج العقول ودلائلها، ولا يمكن الوصول إلى معرفة صدق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وتكذيب مسيلمة إلا من جهة العقول والنظر في الدلائل والأعلام، ~~وأن ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس في مقدور البشر، ولا يتأتى ~~فعله لمخلوق، وإن ما أتى به مسيلمة مخاريق وحيل لا تعوز أحدا صرف همته إليه ~~إلا فعل مثله وأضعافه. # وقول هذا القائل يضاهي قول داود في قوله: إني عرفت الله بالخبر. وقائل ~~هذا القول مقر: أنه لا يعرف الله تعالى، لزعمه أن العقل لم يدله على ~~التوحيد، ولا على إثبات الصانع، ولا سبيل لأحد إلى علم ذلك، إلا من جهة ~~العقل، ولا وصول إلى علم صحة الخبر إلا بالعقل، والاستدلال على صدق النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وكذب المتنبي. وعلى أنه يستحيل أن يعرف الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - من لا يعرف المرسل، ويعلم النبي نبيا قبل أن يعرف الله ~~تبارك وتعالى، فقول القائل: إني عرفت الله عز وجل بالخبر، لا يكون إلا من ~~خذلان ليس وراءه غاية، ومن ms582 جهالة ليس وراءها نهاية. # فإن قال قائل: إنما أعرف دلائل العقول بانضمام الخبر إليها، ومتى لم ينضم ~~إليها الخبر لم تكن العقول مفضية إلى علم التوحيد، وإلى إثبات الصانع ~~الحكيم. # قيل له: هذا متناقض، لأن الخبر الذي ادعيت أنه شرط في صحة وقوع العلم ~~بدلائل العقل لا يخلو من أن يكون خبرا صحيحا، أو فاسدا، أو مشكوكا فيه، لا ~~يعلم صحته ولا فساده، فإن كان خبرا فاسدا أو كاذبا، فإنه يستحيل أن يوجب ~~العلم (بمخبره لأن مخبره كذب، والخبر المشكوك فيه أيضا لا يوجب العلم) ، ~~لأنه إذا أوجب العلم لم # PageV03P380 # يكن مشكوكا فيه، وعلى أن هذا يوجب أن (لا) يختلف في ذلك خبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وغير خبره، إذا لم تراع صحته في انضمامه إلى دلائل ~~العقول. وإن كان شرط ذلك الخبر أن يكون صحيحا وصدقا، فإن هذا الخبر لا يعلم ~~صحته من فساده إلا من جهة العقل، فيحتاج أولا أن يستدل على صحته أو فساده ~~من جهة العقل، فقد أوجب استعمال دلالة العقل قبل ثبوت الخبر، وقد استغنى ~~العقل في دلالته على مدلوله عن خبر يضاده، فتناقض قولك، وظهر تجاهلك. # وأيضا: فإن الله تعالى إنما أمرنا بالاستدلال من جهة العقول في الآي التي ~~ذكرناها، على ما كلفنا العلم به، من غير شرط انضمام خبر إليه. # وإبراهيم - عليه السلام - قد استدل على التوحيد قبل أن جاءه الوحي في ~~قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي} [الأنعام: 76] إلى ~~قوله تعالى: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا} [الأنعام: 79] ~~ثم أخبر أن ذلك سبيل كل مكلف، بقوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ~~على قومه} [الأنعام: 83] إلى قوله تعالى {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} [الأنعام: 90] فأمرنا بالاستدلال على التوحيد على النحو الذي استدل ~~عليه إبراهيم - عليه السلام -. # فإن قال قائل: لست أقول: إن الخبر والعقل معا يحدثان لي العلم بموجبات ~~أحكام العقول عند النظر والاستدلال. ولكني أقول: إن الخبر ينبه على النظر، ~~وعلى اعتبار دلائل ms583 العقل، ولولا الخبر لما كان لي سبيل إلى التنبيه عليها. # قيل له: فهذا الخبر الذي يقع به التنبه على النظر والاستدلال، شرطه عندك ~~أن يكون صدقه معلوما، أو جائزا، لا يعلم صحته وصدقه. وأي خبر كان وقع به ~~التنبه، # PageV03P381 # وإن كان شريطة هذا الخبر أن يكون (معلوما صحته) عندك، فإنه لا يمكنك أن ~~تعلم صدقه إلا بالنظر والاستدلال، وعاد عليك الكلام الأول الذي قدمنا على ~~من قال: إني لا أعلم التوحيد إلا من جهة الخبر، وإن جاز عندك أن يكون هذا ~~الخبر الذي وقع به التنبيه، خبر من يجوز عليه الكذب، وجائز أن يكون صدقا أو ~~كذبا، فينبغي أن لا يختلف في هذا أن يكون المخبر نبيا أو غير نبي، لوجود ~~التنبيه في الحالين، فليس يفيدك الخبر في هذه الحال، إلا ما يفيدك الخواطر ~~المنبهة على الفكر والنظر، فقد استغنى بالخواطر عن الخبر، إذ كان كل أحد من ~~المكلفين لا يخلو منه، لما يرى من اختلاف الليل والنهار، وما يشاهد من نفسه ~~من تغير الأحوال التي لا صنع له فيها، ومن لم تزعجه هذه الخواطر ولم تبعثه ~~على الفكر والنظر، فخبر المخبر له به أولى أن لا يؤثر فيه. فيصير حينئذ ~~وجود المخبر وعدمه سواء. # ومن الناس من يزعم: أن العلوم إلهام من الله تعالى، وأن النظر والاستدلال ~~لا يوصلان إلى علم يرد، لنص الآي التي ذكرناها في الأمر بالاستدلال والحث ~~على النظر والفكر، ولا يمكن القائل به الانفصال ممن يقول: قد ألهمت العلم ~~بإبطال الإلهام. # ويقال له أيضا: من أين حكم بأن ما سبقت إلى اعتقاده هو علم حتى قضيت بأنه ~~إلهام من الله تعالى، وما أنكرت أن يكون ظنا لا حقيقة له، وهلا يمكنك ~~الانفصال ممن يعتقد ضد مقالتك، ويدعي أنه إلهام؟ # فإن ادعى دلالة أوجبت له ذلك - فقد ترك القول بالإلهام، ورجع إلى ~~الاستدلال. وإن أقام على الدعوى من غير برهان - فهو وخصمه في الدعوى سواء. ~~وإلى ذلك يئول عاقبة مذاهب المبطلين والله أعلم بالصواب. # PageV03P382 ### | [باب القول ms584 في النافي وهل عليه دليل] # باب # القول في النافي وهل عليه دليل اختلف الناس في النافي وهل عليه دليل؟ ~~فقال قائلون: ليس عليه إقامة الدليل على صحة نفيه لما نفاه من العقليات، ~~ولا في السمعيات، وإنما الدليل على المثبت. # وقال آخرون: عليه إقامة الدليل على نفي ما نفاه في العقليات، وليس عليه ~~إقامة الدلالة على ما نفاه من السمعيات. # وقال آخرون: على كل من نفى شيئا وأثبته إقامة الدلالة على نفي ما نفاه، ~~وعلى إثبات ما أثبته، وذلك في العقليات والسمعيات سواء. # قال أبو بكر: وهذا هو الصحيح، وكذلك كان يقول الشيخ أبو الحسن - رحمه ~~الله -. # والدليل على صحة ذلك: أن كل من نفى شيئا، فهو لا محالة مثبت لوجود اعتقاد ~~(صحة ذلك) . فاقتضى أصله وجوب إقامة الدليل على صحة ما أثبته من صحة ~~اعتقاده في إسقاط الدليل على النافي - فهو من حيث يروم إسقاط الدليل على ~~النافي، فقد ألزم نفسه إقامة الدليل على صحة اعتقاده لذلك. # وأيضا: فإن قائل هذا القول، قد قضى لخصمه بإسقاط الدلائل عنه في نفي ~~قوله، لأن خصمه ناف لصحة مقالته، ولا دلالة عليه إذا في نفيه مقالته على ~~أصله، ولا دلالة أيضا على القائل: بأن النفي لا دليل عليه على مذهبه، فيوجب ~~هذا تناقض القولين، # PageV03P385 # لأنه حكم بأنه لا دليل عليه (في نفيه) لما نفاه، ولا دليل على خصمه أيضا ~~في نفي صحة قوله، وهذا غاية التناقض والفساد. # ويقال لقائل هذا القول: إذا نفيت حكما خولفت في نفيه، وزعمت أنه لا دليل ~~عليك فهل علمت صحة ما نفيته؟ فإن قال: قد علمت (أن) ما نفيته فهو منتف على ~~الحقيقة. # قيل له: بم علمته وخصمك بإزائك يخالفك فيه، ومن ادعى علم شيء فلا بد له ~~من برهان. # فإن قال: لا أعلمه حقا. # قيل له: فلم اعتقدته منفيا بغير دلالة، وأنت لا تدري أحق هو أم باطل، وقد ~~نهاك الله تعالى عن ذلك بقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) فإن جاز ~~لك أن تعتقد ms585 صحة ما لا تعلمه حقا وصوابا إذا كنت نافيا، ولا تلزم نفسك ~~إقامة الدليل عليه، فلم لا يجوز أن تثبت ما لا تعلمه ثابتا بغير دليل؟ ولو ~~كان ما قالته هذه الطائفة حقا، كان لا دليل على من نفى حدث العالم، ونفى ~~إثبات الصانع، ولجاز له القول في نفي ذلك، وترك النظر في إثبات ذلك أو ~~نفيه، وهذا لا يقوله مسلم. # وأما من قال: إن من نفى ما طريقه العقل فعليه إقامة دلالة، وليس كذلك ما ~~طريقه السمع. فإنه يحتج فيه: بأن في العقل دلالة على إثبات المثبت، ونفي ~~المنتفي بما طريق إثباته أو نفيه العقل. فلم يختلف فيه حكم النفي والإثبات. # وأما السمعيات فطريقها السمع، ولا مدخل للعقل في إثباته، فمن لم يثبت ~~عنده منها # PageV03P386 # شيء من جهة السمع، جاز له أن يقول: لم يبن لي أن ذلك ثابت، ومن ادعى ~~إثباته فعليه أن يبين، وإلا فالأصل أنه غير مثبت. # فيقال للقائل بهذا القول: إنك وإن كنت نافيا للحكم الذي نازعك فيه خصمك، ~~فإنك مثبت لصحة اعتقادك بأن لا دليل عليك، وإن نفي هذا الحكم واجب. # وهذا شيء طريقه السمع، فلم ثبت اعتقادك كذلك بغير دلالة وناقضت في قولك: ~~إن النافي لا دليل عليه، وإن الدليل على المثبت. # ثم يقال له: إن طريق أحكام الشرع، وإن كان أصولها السمع - فإن الله تعالى ~~قد نصب في أصولها دلائل على فروعها في النفي والإثبات، فقد جرت مجرى ~~العقليات في وجوب دلائلها على المنفي والمثبت منها، فهلا أوجبت إقامة ~~الدلالة على نفي ما نفيت كما أوجبتها على إثبات ما أثبت؟ . # وأيضا: فإنك قد استدللت على النفي بما ذكرته: من أن أصله النفي حتى يزول ~~عنه السمع، وذلك ضرب من الاستدلال على النفي، وهو من أحكام الشرع، فقد ~~ناقضت في قولك: إن النافي في هذا الباب لا دليل عليه. # ويقال: هل علمت: أن ما نفيت من ذلك لا دليل على إثباته؟ فإن قال: نعم. # قيل له من أين علمته؟ فإن قال علمته بدلالة. ms586 # قيل له: فأنت إنما نفيته بدلالة، فأظهر ذلك الدليل. وقد تركت مع ذلك أصلك ~~لإقرارك بأن على النفي دليلا. # فإن قال: لست أعلم أنه ليس عليه دليل. # قيل له: فنفيته بجهل من غير علم منك بنفي الدلالة، فهلا أثبته مع الجهل ~~بدلالته؟ وكيف صار النفي في هذا الوجه أولى من الإثبات وقد ذم الله تعالى ~~من هذه طريقته في نفي الشيء بغير دلالة. فقال تعالى: {بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه} [يونس: 39] فعنفهم # PageV03P387 # على نفي ما لم يعلموه منفيا. وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] ولم يخصص به الإثبات من النفي. # وأيضا: فإن الله تعالى قد نص: أنه قد بين أحكام الشرع في كتابه، وعلى ~~لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفي أحكام الشرع النفي والإثبات، فلم ~~يخصص بالبيان أحد القسمين دون الآخر، وذلك نحو قوله تعالى: {ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} [النحل: 89] وقال تعالى: {ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] ومعلوم أنه (لم) يرد به وقوع البيان في ~~الجميع نصا. # وإنما أراد نصا ودليلا، ولم يخصص الإثبات من النفي فهو عليهما جميعا. ~~فهلا طلبت دلالة النفي في الكتاب: كدلالة الإثبات. # وقال تعالى {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] فأمر ~~بالتفكر في استدراك أحكام الشرع، ولم يخصص الإثبات من النفي، فهو عليهما ~~جميعا. فإن قال قائل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على ~~المدعي، واليمين على من أنكر» ، والنافي منكر، فلا بينة عليه والمثبت مدع ~~فعليه البينة. # قيل: لو اكتفينا بهذا الخبر (في) دحض مقالتك، وفساد أصلك، كان كافيا، ~~لأنك مدع لنفي الحكم بإنكارك له، ومدع لبطلان قول خصمك المثبت لما نفيت، ~~ومدع بأن حكم الله تعالى في ذلك النفي دون الإثبات، ومدع لصحة اعتقادك بأنه ~~لا دليل عليك فيما نفيت من ذلك. فمن حيث كنت مدعيا في هذه الوجوه كان عليك ~~إقامة البينة على صحة دعاويك هذه بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«البينة على من ادعى» . # فإن ms587 ترك الاحتجاج بظاهر الخبر، وقال: لما اتفقنا على أن من ادعى شيئا في ~~يدي # PageV03P388 # رجل فجحده: إن البينة على المدعي دون الذي الشيء في يده، ولم يكن على ~~الذي في يده بينة، إذ كان منكرا وجب مثله في منكر الحكم والمدعي لإثباته. # قيل له: قد رضينا بهذه القضية أيضا، فأنت مثبت في مسألتنا من الوجوه التي ~~ذكرنا، فألزم نفسك إقامة الدلالة من حيث كنت مدعيا لإثبات المعاني التي ~~ذكرنا، ولم صرت بإسقاط الدلالة عنك أولى من حيث كان مثبتا؟ وأسقطت عن الذي ~~الشيء في يده من حيث كان منكرا؟ لأنه لو كان كذلك لكان على كل واحد منهما ~~البينة، وعلى كل واحد منهما اليمين، إذ كان كل واحد منهما منكرا لملك ~~صاحبه، ومدعيا لملك نفسه، وإنما أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - البينة ~~على الذي ليس الشيء في يده لأن الذي الشيء في يده ظاهرة يده توجب له الملك، ~~فلم يحتج إلى بينة أكثر من شهادة ظاهرة اليد، والخارج ليس له ظاهر يشهد له، ~~فاحتاج من أجل ذلك إلى بينة، وأما المتنازعان في نفي الحكم وإثباته، فليس ~~مع واحد منهما ظاهر يشهد له، فوجب على كل واحد منهما إقامة البينة على صحة ~~ما يدعيه من نفي وإثبات. # ونظير ذلك من مدعي الملك: أن يكون الشيء في يد غيرهما، وهما يدعيانه، ~~فيطالب كل واحد منهما بالبينة، وإن كان منكرا لدعوى صاحبه، إذ ليس لواحد ~~منها ظاهر يشهد (له) . # وأيضا: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخل المنكر من يمين أوجبها ~~عليه، لقطع المنازعة في الخصومة، فهل توجب أنت على منكر الحكم سببا يفصل ~~بينه وبين خصمه غير نفيه إياه. # قال أبو بكر: وقد يجيء مسائل تشاكل هذا الباب في إقامة الدلالة على ~~المثبت والنافي جميعا، بعد أن يكون القول الذي انتحله قد انطوى تحت جملة ~~تقتضي النفي إن كان باقيا، والإثبات إن كان مثبتا، فيبني القائل به مقالته ~~في الفرع الذي اختلفوا فيه على # PageV03P389 # الجملة التي تفردت. فيقول: لم يثبت ms588 تحريم ما سمي تحريمه، أو لم يثبت نفي ~~ما أردت نفيه، إذا نفته الجملة المقتضية لنفي أحكام هذا منها، أو يعلقه ~~بالجملة التي تقتضي الإثبات، إذا رام إثباته، وليس ذلك مما ذكرنا من قول ~~القائلين: بأن النافي لا دليل عليه في شيء، لأن المثبت والنافي سواء في هذا ~~الباب، من أن كل واحد منهما عليه إقامة الدليل على ما نفاه أو أثبته، إلا ~~أن دلالته في ذلك: هي الجملة التي أسند إليها مقالته، على الوصف الذي ~~قدمنا. # نظير ذلك: أن قائلا لو قال لنا: لم أبحتم أكل الأرنب؟ لجاز لنا أن نقول: ~~لأنه لم يثبت تحريمه؛ إذ كان الأصل الإباحة في مثله، فمن رام العدول عن هذا ~~الأصل، وإخراج شيء منه احتاج إلى دلالة في إثبات خطره، فإذا علقه بهذا ~~الأصل كان ذلك دليلا على نفي الحظر، ويحتاج مثبت الحظر إلى إقامة الدلالة ~~على ما ادعى، فلا يحتاج القائل بالإباحة إلى أكثر من ثباته على الأصل، وإن ~~لم يعلقه المسئول بأصل يقتضي إباحته - لم يصح له أن يقول، لأنه لم يثبت ~~تحريمه، لأنه يقال: أفتثبت إباحته؟ # فإن قال: نعم. # قيل له: فدل على ثبوت الإباحة. # وكذلك لو قال قائل: لم أجزتم بيع العقار قبل القبض؟ فقلنا: لأنه لم يثبت ~~حظره، وقد أطلق الله البيوع بلفظ عام، فقال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم ~~الربا} [البقرة: 275] فمن ادعى الحظر وإخراج شيء من هذه الجملة، كان عليه ~~إقامة الدليل، وإلا فالحكم الإباحة والجواز، كان هذا كلاما صحيحا، ولو ~~اقتصر المسئول على قوله لم يثبت حظره، ولم ينسبه إلى أصل من عموم أو جملة ~~تقتضي إباحته، لم يصح له القول (به) ، إلا بإقامة الدليل على نفيه، وكذلك ~~هذا في الإثبات. # لو قال قائل: لم أجزتم نكاح المحرم؟ جاز أن تقول: # PageV03P390 # لأنه لم يثبت حظره، إذ كان الله تعالى قد أباح النكاح على الإطلاق بقوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] فمن ادعى حظر شيء منه، ~~وإخراجه من العموم، احتاج إلى دلالة، وإلا ms589 فأنا معتصم بالظاهر، ولا يجوز أن ~~يقول: لأنه لم يثبت حظره ويقتصر عليه، لأن خصمه يقول (له) : فدل على ~~إباحته. فتساويا جميعا فيه، ويحتاج المسئول حينئذ إلى إقامة الدلالة عليه. # فهذا وما أشبهه مما يصح للقائل فيه بالنفي أو الإثبات أن يقول: إنه لم ~~يثبت فساده، أو لأنه ثبتت صحته؛ إذ علقه بأصل يقتضي ذلك، على ما بينا، ~~ويكون الأصل الذي بناه عليه، هو دلالته على نفي ما نفاه، وإثبات ما أثبته. # (و) من رام الخروج عن ذلك الأصل، احتاج إلى دلالة في خروجه عنه، ومن ~~اعتصم بالأصل لا يحتاج إلى دلالة أكثر من تعلقه به. # قال أبو بكر: ومما يضاهي هذا المعنى وإن لم يكن هو بعينه: إثبات المقادير ~~التي لا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس والاجتهاد، وإنما طريق إثباتها ~~التوقيف والاتفاق، فجائز عند وقوع الخلاف لمن أثبت مقدارا قد دخل في اتفاق ~~الجميع، أن يقول: أثبتنا هذا القدر بالاتفاق، ولم تقم الدلائل على إثبات ما ~~سواه مما اختلفوا فيه، إذا لم يجد فيه توقيفا، ولا اتفاقا، ولا سبيل إلى ~~إثباته من طريق القياس والرأي. # نظير ذلك: إنا إذا قلنا: إن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. (فقيل ~~لنا لم قلتم إنه لا يكون أقل من ثلاثة، ولا أكثر من عشرة؟) جاز لنا أن ~~نعتصم فيه بموضع الاتفاق، على أن هذين المقدارين يكونان حيضا. # PageV03P391 # ونقول: إن موضع الخلاف لم يثبت فيه اتفاق ولا توقيف، فلم نثبته، ولا سبيل ~~إلى إثباته من طريق المقاييس فتسومنا إقامة الدليل عليه من هذه الجهة. # فإن قال قائل: فيقول لك خصمك: قد اتفقنا على أنها مأمورة بترك الصلاة في ~~أول يوم ترى فيه الدم، فلا أزول عن هذا الاتفاق إلا بتوقيف أو اتفاق مثله. ~~فيوجب ذلك أن يكون أقل الحيض يوما وأحدا، حسبما ذكرته من الثلاثة والعشرة. # قيل له: لم تؤمر بترك الصلاة على جهة القطع منا بكون ذلك الدم حيضا، ~~وإنما أمرناها أمرا مراعا، والثلاثة والعشرة متفق على أنها حيض، لا على ms590 جهة ~~المراعاة والترقب بحال ثانية. # ألا ترى: إنها مأمورة بترك أول صلاة حضر وقتها بعد رؤية الدم (وإن لم يكن ~~رؤية الدم) هذا القدر من الوقت حيضا، وإنما كان أمرنا إياها بذلك مراعا ~~ومترقبا به حالا ثانية عند مخالفينا، كذلك حكمها في رؤية الدم يوما وليلة، ~~محمول على ذلك، وأما إذا صارت ثلاثة، فقد حصل اليقين بوجود الحيض عند ~~الجميع، فلذلك جاز لنا أن نقف عند الإجماع، وننفي ما سواه، ما لم يرد فيه ~~توقيف ولا ثبت فيه اتفاق. # ومن نظائر ما ذكرنا في الحيض: مدة أقل السفر أنها ثلاثة أيام، وأن أقل ~~الإقامة خمسة عشر يوما، من باب قصر الصلاة والإفطار، وما جرى مجرى ذلك من ~~الأحكام المعلقة بالسفر، وهاتان المدتان متفق عليهما، فجاز لنا الوقوف ~~عندهما، لاتفاق الجميع على اعتبارهما ونفي # PageV03P392 # ما عداهما، مما يوجب خلافا، لعدم التوقيف أو الاتفاق فيه، وامتناع جواز ~~القول فيه من طريق القياس، وكذلك مدة الحمل قد اتفقوا أنها تكون سنتين، وما ~~زاد فمختلف فيه، وإن لم يرد فيه توقف، ولا حصل عليه اتفاق، ولا مدخل للقياس ~~فيه، فلم نثبته. # ومثله: ما يقطع فيه السارق، أن العشرة متفق عليه، لأنه يقطع فيها، وما ~~دونها، فمختلف فيه، فلم نثبته مع وجود الخلاف (إلا بتوقيف) فلا سبيل إلى ~~إثباته من طريق المقاييس والاجتهاد. # ومثله: أن نصب الأموال المعتبرة لإيجاب الزكوات لا سبيل إلى إثباتها إلا ~~من طريق التوقيف، أو الاتفاق، ولا يجوز إثباتها من غير هذين الوجهين، فمتى ~~اختلفنا في ملك إذا انفرد عن اليد، هل يكون نصابا صحيحا، أو لا يكون النصاب ~~الصحيح إلا بانضمام اليد إلى الملك، جاز الوقوف عند الاتفاق، في كونهما ~~جميعا شرطا في ثبوت النصاب ونفي ما عداه بانفراد الملك عن اليد، نحو ما قال ~~أبو حنيفة: إنه من ورث دينا، أنه لا زكاة عليه، إذا قبضه فيما مضى، حتى ~~يحول عليه حول بعد القبض، إذ كان اجتماع اليد والملك (عند الجميع) نصابا ~~صحيحا. # واختلفوا عند انفراد الملك عن اليد ms591 فوجب الوقوف عند الاتفاق، ونفي ما ~~عداه، إذ لم تقم عليه دلالة. # ومثله ما قال في السخال: إنه لا صدقة فيها، لأن النصاب المتفق عليه، وجود ~~السن والمقدار، وانفراد المقدار عن السن مختلف في كونه نصابا، فلم يثبت # PageV03P393 # ما اختلفوا فيه من ذلك. وأثبت المتفق عليه، من إيجاب الصدقة عند اجتماع ~~الأمرين. # فإن قال قائل: قد اختلف الناس في السخال والمسان إذا اجتمعا، هل يكمل ~~بهما نصاب؟ وقد أثبت نصابا مع وجود الخلاف. # قيل له: لا نأبى (إثباته مع وجود الخلاف إذا كان هناك توقيف يقتضي ~~إثباته، وإنما أبينا) إثباته من غير أحد هذين الوجهين: توقيف أو اتفاق، ~~ومنعنا أن يكون للقياس والاجتهاد مدخل في ذلك. # والتوقيف الموجب لما وصفنا: ما روي عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: في صدقة المواشي ويعد صغيرها وكبيرها» ولأن أسماء المقدار الذي علق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الوجوب يتناولهما جميعا عند الاجتماع، وهو ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاة شاة» وأما إذا انفردت السخال ~~عن المسان فإنه لا يتناولها هذا الاسم، فلم يوجد فيها توقيف ولا اتفاق فلم ~~يثبت. # فإن قال قائل: يلزمك على هذا الأصل: أن تجعل الجمع الذي ينعقد به الجمعة ~~أربعين، لاتفاق الجميع على صحة انعقادها بأربعين، واختلافهم فيما دونها، ~~ولا توقيف فيه. # وهذا أيضا ما لا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الاتفاق أو التوقيف. # قيل له: قد اتفق الجميع على أن حصول الثلاثة من شرائط صحتها. فأثبتناها، ~~وما زاد لم يثبت به توقيف ولا اتفاق، فلم نثبته. # وأيضا فقد ثبت عندنا التوقيف في جوازها بأقل من أربعين، لما روى جابر «أن # PageV03P394 # النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير فنفر الناس ~~إليها، ولم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر» وقد علمنا ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك الجمع منذ قدم المدينة. ولو كانوا ~~قد عادوا إلى الصلاة لذكر. فدل أنه صلى باثني عشر رجلا، وإذا ms592 جازت باثني ~~عشر جازت بثلاثة، لأن أحدا لم يفرق بينهما. # ومن جهة أخرى إنه قد روي: أن أول جمعة كانت بالمدينة قبل مقدم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إليها، صلاها مصعب بن عمير باثني عشر رجلا، فثبت من ~~هذه الجهة جوازها بأقل من أربعين. # PageV03P395 ### | [باب الكلام في إثبات القياس والاجتهاد] # [فصل في معنى الدليل] ### | فصل: في معنى الدليل، # العلة، والقياس، والاجتهاد. # الدليل: هو الذي إذا تأمله الناظر المستدل أوصله إلى العلم بالمدلول، ~~وسمي دليلا لأنه كالمنبه على النظر المؤدي إلى المعرفة والمشير له إليه، ~~وهو مشبه بهادي القوم ودليلهم الذي يرشدهم إلى الطريق، فإذا تأملوه واتبعوه ~~أوصلهم إلى الغرض المقصود من الموضع الذي يؤمونه. ألا ترى أنا نقول: إن ~~(في) السموات والأرض دلائل على الله تعالى؛ لأنها توصل المتأمل بحالها إلى ~~العلم بالله عز وجل. ومن الناس من يقول: الدليل هو فاعل الدلالة في ~~الحقيقة، كما أن دليل القوم هو فاعل الدلالة، فيقولون على هذا: إن الله عز ~~وجل هو الدليل على الحقيقة إلى العلم به. قال أبو بكر: والأول أظهر في ~~اللغة، لأن أحدا لا يطلق أن الله تعالى دليل، ولا يدعوه بأن يقول: يا دليل، ~~إلا أن يقيدوه، فيريدوا به المنجي من الهلكة، على معنى الدليل الذي ينجيهم ~~بهدايته. # PageV04P007 # فيقولون: يا دليل المتحيرين، يا هادي المضلين. # وقال الله عز وجل {وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: ~~54] يعني يدلهم عليه، ويقول الناس: إن الله تعالى قد دلنا على نفسه بآثار ~~صنعته. فيقيدون اسم الدليل في هذه المواضع، إذا وصفوا الله تعالى. والمراد ~~(به) . المنجي والمبين، ونحو ذلك. والأول أظهر وأبين، لأن إطلاق لفظ الدليل ~~موجود فيه من غير تقييد، وقد يقول الناس للأعلام المنصوبة لمعرفة الطريق - ~~نحو الأميال المبنية في البادية -: إنها دلائل على الطريق. ولا يسمون الذي ~~بناها هناك دليلا، وإنما يسمون ما يستدل به المتأمل لها دليلا، دون الواضع ~~لها. ويدل على (صحة) ما ذكرنا: أن المستدل يقول: الدليل على صحة قولي: كيت ~~وكيت، ms593 وهو يريد به الدلالة، والأعلام المنصوبة للاستدلال بها، ويقول السائل ~~للمجيب: ما الدليل على صحة قولك؟ ولا يجوز أن تقول: من الدليل على صحة ~~قولك؟ فثبت بما وصفنا: أن الدليل هو الذي يوصل المتأمل له والناظر فيه إلى ~~العلم بالمدلول. ومن الناس من يزعم: أن الدليل هو علمك بالشيء ووجودك له، ~~قال: لأنه إذا قيل له: ما الدليل على كذا؟ جاز أن يقال علمي بكذا، ووجودي ~~لكذا. قال أبو بكر: وليس فيما ذكرنا من وصف الدليل شيء أبعد من هذا، ولا ~~أضعف، لأن قائلا لو قال: ما الدليل على حدث الأجسام؟ لم يصح (أن يقول) : ~~علمي بأنها لا تنفك من الحوادث. بل يقول: الدليل على حدثها أنها لا تنفك من ~~الحوادث. ويوجب هذا أيضا أن تكون المحسوسات معلومة من جهة الدليل، لعلمنا ~~بها ووجودنا إياها، والعلم عند (هذا) القائل هو الدليل. # PageV04P008 # قال أبو بكر: وليس الدليل موجبا للمدلول عليه، ولا سببا لوجوده، وكما أن ~~دليل القوم الذي يهديهم ويرشدهم إلى الطريق، ليس هو سببا لوجود الموضع ~~المقصود الذي يوصل إلى علمه بدلالته، وإنما هو سبب للوصول إلى العلم به. # وأما العلة، فهي المعنى الذي عند حدوثه يحدث الحكم. فيكون وجود الحكم ~~متعلقا بوجودها، ومتى لم تكن العلة لم يكن الحكم، هذه قضية صحيحة في ~~العقليات، وأصله في العلة التي هي المرض، لما كان بحدوثها يتغير حال ~~المريض، سميت المعاني التي تحدث بحدوثها الأحكام العقلية عللا، لأن حدوثها ~~يوجب حدوث أوصاف وأحكام، لولاها لم تكن. نحو قولنا: حدوث السواد في الجسم ~~علة لاستحقاق الوصف بأنه أسود، وحدوث الحركة فيه علة لكونه متحركا. ونقول ~~في الدليل: إن استحالة تعري الجسم من الحوادث دلالة على حدوثه، وليس هو علة ~~لحدوثه، فإن الحدث دلالة على محدثه، ولا نقول: إنها علة لمحدثه. فبان بما ~~وصفنا الفرق بين الدليل والعلة، وأن الدليل إنما حظه إيصال الناظر فيه ~~والمتأمل له إلى العلم بالمدلول، ولا تأثير له في نفس المدلول. وأن العلة ~~سبب لوجود ما هو عليه، ولولاها ms594 لم يوجد على الحد الذي بيناه. فقد تسمى ~~العلة دليلا على ما هي (علة) له، من حيث كان تأملها موصلا إلى العلم بما هو ~~علة له، فيحصل من هذا أن كل علة دليل، وليس كل دليل علة. والاستدلال: هو ~~طلب الدلالة والنظر فيها، للوصول إلى العلم بالمدلول. # (والقياس: أن يحكم للشيء على نظيره المشارك له في علته الموجبة لحكمه) . ~~والاستدلال على ضربين # PageV04P009 # أحدهما: يوصل إلى العلم بالمدلول. وهو النظر في دلائل العقليات، إذا نظر ~~فيها من وجه النظر. وكثير من دلائل أحكام الحوادث التي ليس عليها إلا دليل ~~واحد، قد كلفنا فيها إصابة المطلوب. # والضرب الثاني: يوجب غلبة الرأي وأكبر الظن، ولا يفضي إلى العلم بحقيقة ~~المطلوب. وذلك في أحكام الحوادث التي طريقها الاجتهاد، ولم يكلف فيها إصابة ~~المطلوب، إذ لم ينصب الله تعالى عليه دليلا قاطعا يفضي إلى العلم (به) ، ~~فيسمى ذلك دليلا على وجه المجاز، تشبيها له بدلائل العقليات ودلائل أحكام ~~الحوادث التي ليس لها إلا دليل واحد. وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله ~~تعالى. وكذلك القياس على وجهين: # أحدهما: القياس على علة حقيقية موجبة للحكم المقيس، وهي علل العقليات على ~~الحد الذي وصفنا. # والثاني: قياس أحكام الحوادث على أصولها من النصوص، ومواضع الاتفاق، ~~وغيرها. فما كان هذا وصفه، فليس بعلة على الحقيقة، لأنا قد بينا أن العلة ~~على الحقيقة، هي ما كان موجبا للحكم، يستحيل وجودها عارية من أحكامها. وعلل ~~الشرع التي يقع القياس عليها، لا يستحيل وجودها عارية من أحكامها. ألا ترى: ~~أن سائر العلل التي تقيس بها أحكام الحوادث، قد كانت موجودة غير موجبة لهذه ~~الأحكام، إذ كانت هذه العلل هي بعض أوصاف الأصل المعلل، وهذه الأوصاف قد ~~كانت موجودة قبل حدوث الحكم، غير موجبة له، وإنما هي سمات وأمارات الأحكام، ~~يستدل بها عليها، كدلالة الأسماء على مسمياتها في الأحكام المعلقة بها، فلا ~~تكون موجبة لها، لوجودنا هذه الأسماء غير موجبة لهذه الأحكام. وإنما هي سمة ~~وعلامة، جعلت # PageV04P010 # أمارة للحكم، فجائز أن تجعل أمارة ms595 له في حال، ولا تجعل أمارة له في أخرى. ~~كذلك علل الشرع التي يقع عليها القياس هذه سبيلها. # وأما الاجتهاد: فهو بذل المجهود فيما يقصده المجتهد (و) يتحراه، إلا أنه ~~قد اختص في العرف بأحكام الحوادث التي ليس لله تعالى عليها دليل قائم يوصل ~~إلى العلم بالمطلوب منها، لأن ما كان لله عز وجل (عليه) دليل قائم، لا يسمى ~~الاستدلال في طلبه اجتهادا ألا ترى أن أحدا لا يقول: إن علم التوحيد وتصديق ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من باب الاجتهاد، وكذلك ما كان لله تعالى ~~عليه دليل قائم من أحكام الشرع، لا يقال: إنه من باب الاجتهاد، لأن ~~الاجتهاد اسم قد اختص في العرف وفي عادة أهل العلم، بما كلف الإنسان فيه ~~غالب ظنه، ومبلغ اجتهاده، دون إصابة المطلوب بعينه، فإذا اجتهد المجتهد، ~~فقد أدى ما كلف، وهو ما أداه إليه غالب ظنه، وعلم التوحيد وما جرى مجراه، ~~مما لله عليه دلائل قائمة كلفنا بها: إصابة الحقيقة، لظهور دلائله، ووضوح ~~آياته. واسم الاجتهاد في الشرع ينتظم ثلاثة معان: أحدها: القياس الشرعي على ~~علة مستنبطة، أو منصوص عليها، فيرد بها الفرع إلى أصله، وتحكم له بحكمه ~~بالمعنى الجامع بينهما. وإنما صار هذا من باب الاجتهاد - وإن كان قياسا - ~~من قبل أن تلك العلة لما لم تكن موجبة للحكم لجواز وجودها عارية (منه) ~~وكانت كالأمارة، وكان طريق إثباتها علامة # PageV04P011 # للحكم: الاجتهاد،، وغالب الظن لم يوجب ذلك لنا العلم بالمطلوب، فلذلك كان ~~طريقه الاجتهاد. والضرب الآخر من الاجتهاد: هو ما يغلب في الظن من غير علة ~~يجب بها قياس الفرع على الأصل، كالاجتهاد في تحري جهة الكعبة لمن كان غائبا ~~عنها، وكتقويم المستهلكات، وجزاء الصيد، والحكم بمهر المثل، ونفقة المرأة، ~~والمتعة، ونحوها. فهذا الضرب من الاجتهاد، كلفنا فيه الحكم بما يؤدي إليه ~~غالب الظن، من غير علة يقاس بها فرع على أصله. # والضرب الثالث: الاستدلال بالأصول على ما سنذكره بعد فراغنا من ذكر وجوه ~~القياس. ويصح إطلاق (لفظ) الاستدلال على العقليات والشرعيات ms596 جميعا، لأنا قد ~~(نقول) : استدللنا على حكم الحادثة من طريق القياس، ومن جهة الاجتهاد، ~~وإنما سمي ذلك استدلالا فيما كان من باب الاجتهاد مجازا لا حقيقة. والدليل ~~على أنه ليس بحقيقة فيما كان طريقه الاجتهاد، أنه لا يوصل إلى العلم ~~بالمطلوب، ولذلك لم نكلف فيه إصابة المطلوب، ولو كان لله تعالى عليه دليل ~~قائم لكلفنا # PageV04P012 # فيه إصابة المطلوب، كسائر الأشياء التي تولى الله تعالى نصب الدلائل ~~عليها، ثم كلفنا فيها إصابة مدلولها. وإنما يسوغ الاجتهاد فيما يجوز فيه ~~النسخ والتبديل، وورود العبارة فيه بأحكام مختلفة، تارة بحظر، وأخرى ~~بالإباحة، وأخرى بالإيجاب، على حسب ما يعلم الله تعالى لنا فيها من ~~المصالح. فأما ما لا يجوز وقوعه في حكم العقل إلا على وجه واحد من حظر أو ~~إيجاب، فليس هو من باب الاجتهاد إذا كلفنا حكمه، فنكون حينئذ متعبدين فيه ~~بإصابة حقيقة الحكم، ويكون الحق في واحد من أقاويل المختلفين (والله ~~الموفق) . # PageV04P013 ### | [باب القول في الوجوه التي يوصل بها إلى أحكام الحوادث] # قال أبو بكر: تستدرك أحكام الحوادث التي ليس فيها توقيف ولا اتفاق من ~~وجهين: # أحدهما: استخراج دلالة من معنى التوقيف لا يحتمل إلا معنى واحدا. # والآخر: الاجتهاد، وهو فيما لم نكلف فيه إصابة المطلوب، وذلك ينقسم ثلاثة ~~أقسام: # أحدها: استخراج علة من أصل يرد بها علة الفرع، ويحكم له بحكمه، وهو الذي ~~نسميه قياسا. # والآخر: الاجتهاد وما يغلب في الظن، لا على وجه القياس، والاستشهاد عليه ~~بالأصول. # والثالث: الاستدلال على الحكم بالأصول من جهة القياس والاجتهاد اللذين ~~ذكرنا. # فأما الوجه الأول: فنحو احتجاج أبي بكر الصديق حين خالفه الصحابة في قتال ~~مانعي الزكاة، فقال: (لأقاتلن) من فرق بين الصلاة والزكاة. فقالوا: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا ~~الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها» فقال أبو بكر ~~هذا من حقها) . فتبينوا صحة استخراجه ورجعوا (إلى قوله) . # PageV04P017 # ومثله احتجاج عمر على الزبير وبلال، ونفر معهما، حين سألوه قسمة السواد ms597 ~~وراجعوه فيه، مرة بعد أخرى فقال: قال الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى} [الحشر: 7] إلى قوله تعالى {كي لا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم} [الحشر: 7] وقوله تعالى {والذين جاءوا من بعدهم} [الحشر: 10] فلو ~~قسمت السواد بينكم كانت دولة بين الأغنياء منكم وبقي آخر الناس لا شيء لهم ~~فعرفوا صحة استدلاله، ورجعوا إلى قوله لظهور دلالته. وكذلك وقوله تعالى: ~~{فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] ~~على أن الجنابة لا تمنع الصوم، لأن في الآية إباحة للجماع إلى آخر الليل، ~~ومعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه من الجماع طلوع الفجر، أنه ~~يصبح جنبا، وقد حكم الله تعالى بصحة صيامه، بقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام ~~إلى الليل} [البقرة: 187] ، فكانت هذه دلالة في أن الجنابة لا تنفي صحة ~~الصوم. ونحوه: استدلال ابن عباس على أن الحمل قد يكون ستة أشهر بقوله تعالى ~~{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ثم قال {وفصاله في عامين} ~~[لقمان: 14] فجعل الحمل ستة أشهر. ونحوه: قول معاذ لعمر - رضي الله عنه - ~~حين أراد أن يرجم حبلى: إن يكن لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في ~~بطنها، ولم يكن عمر - رضي الله عنه - ممن يشكل عليه وجه ذلك، وقد كان عمر ~~أعلم من معاذ، ولكنه لم يعلم من حملها ما علم معاذ # PageV04P018 # فإن قيل: إنما أراد أن يرجمها لأجل الحمل. قيل له: ليس كذلك عندنا، لأن ~~ظهور الحمل لا يوجب الحد عند سائر الفقهاء، فعلمنا أن ما كان ثابتا من غير ~~جهة الحمل. فإن قيل: فما معنى قوله: لولا معاذ هلك عمر. قيل له: عنى لولا ~~إخباره إياه أنها حبلى لرجمها، فيتلف ولدها، كما يقول من جرى على يده قتل ~~رجل خطأ: فقد هلكت، وهو لم يأثم، ولكنه يقوله استعظاما لمثل هذا. ونحوه ~~قوله تعالى {وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] ، فعلم أن الثلثين للأب ms598 ~~(ونحو) قوله تعالى {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: ~~228] . فدل حين وعظها في ترك الكتمان على أن القول قولها في انقضاء عدتها، ~~وفي طهرها وحيضها، ولولا أن قولها مقبول في ذلك لما وعظها بالكتمان. (ونحو) ~~قوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه، ولا يبخس منه شيئا} ~~[البقرة: 282] ، لما وعظه في البخس دل على أن قوله مقبول فيما قال. # ومنه قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] ~~إلى قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: ~~283] فدل على (أن) أمره بالإشهاد على المداينة: استيثاق لما يخشى من الجحود ~~في العاقبة، فلم يجب من أجله أن يختلف بيع الأعيان وعقود المداينات. # PageV04P019 # ونظائر ذلك كثيرة: ومنها ما هو أغمض وألطف مما ذكرنا، وهو يفضي مع ذلك ~~إلى العلم بالمطلوب لما كان من هذا القبيل من الدلائل، فإنا قد كلفنا فيه ~~إصابة المطلوب. وأما قسم الاجتهاد الذي ذكرنا أنه ينقسم إلى قياس، وإلى ~~غالب الظن، وإلى الاستدلال (بالأصول) ، فإنا لم نكلف فيه إصابة المطلوب، ~~والحكم الذي تعبدنا به هو ما يغلب في الظن عند الاجتهاد، فيكون عند المجتهد ~~(أنه) أشبه الأصول بالحادثة، فيحكم لها بحكمه. # ويدل على أن أحكام الحوادث على هذين القسمين اللذين ذكرنا: أنا وجدنا ~~الصحابة اختلفت في أحكام الحوادث على ضربين، فسوغوا الخلاف والتنازع في ~~أحدهما، وهي مسائل الفتيا، وأنكروه في الآخر، وخرجوا منه إلى التلاعن، ~~والبراءة، ونصب الحرب، والقتال، لأن دليل الحكم كان قائما قد كلفوا فيه ~~إصابة الحقيقة، فكان عندهم أن الذاهب عنه ضال آثم تارك لحكم الله تعالى. ~~وما كان طريقه الاجتهاد وغلبة الظن لم يخرجوا فيه إلى هذه الأمور فدل على ~~أنهم لم يكلفوا فيه إصابة المطلوب، إن لم يكن لله تعالى عليه دليل قائم. # PageV04P020 ### | [باب ذكر الدلالة على إثبات الاجتهاد والقياس في أحكام الحوادث] # . قال أبو بكر - رحمه الله -: نبدأ بعون الله تعالى وتوفيقه بالكلام على ~~مخالفينا في القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث. ms599 ثم نعقبه ببيان وجوه ~~القياس الشرعي. ثم نذكر أقاويل المختلفين في حكم المجتهدين، ومذاهب أصحابنا ~~فيه. قال أبو بكر: لا خلاف بين الصدر الأول والتابعين وأتباعهم في إجازة ~~الاجتهاد والقياس على النظائر في أحكام الحوادث، وما نعلم أحدا نفاه وحظره ~~من أهل هذه الأعصار المتقدمة. إلى أن نشأ قوم ذو جهل بالفقه وأصوله، لا ~~معرفة لهم بطريقة السلف، ولا توقي للإقدام على الجهالة واتباع الأهواء ~~البشعة، التي خالفوا فيها الصحابة، ومن بعدهم من أخلافهم. فكان أول من نفى ~~القياس والاجتهاد في أحكام الحوادث إبراهيم النظام وطعن على الصحابة من أجل ~~قولهم بالقياس إلى ما لا يليق بهم، وإلى ضد ما وصفهم الله تعالى به، وأثنى ~~به عليهم، بتهويره وقلة علمه بهذا الشأن، ثم تبعه على هذا القول نفر من ~~متكلمي البغداديين، إلا أنهم لم يطعنوا على السلف كطعنه، ولم يعيبوهم لكنهم ~~ارتكبوا من المكابرة، وجحد الضرورة أمرا شنيعا، فرارا من الطعن على السلف # PageV04P023 # في قولهم بالاجتهاد والقياس، وذلك أنهم زعموا: أن قول الصحابة في الحوادث ~~كان على وجه التوسط والصلح بين الخصوم، وعلى جهة بون المسائل، لا على وجه ~~قطع الحكم وإبرام القول، فكان عندهم: أنهم قد حسنوا مذهبهم بمثل هذه ~~الجهالة، وتخلصوا من الشناعة التي لحقت النظام بتخطيئه السلف. # ثم تبعهم رجل من الحشو متجاهل لم يدر ما قال هو، ولا ما قال هؤلاء، وأخذ ~~طرفا من كلام النظام، وطرفا من كلام بعض متكلمي (بغداد من) نفاة القياس، ~~فاحتج به في نفي القياس والاجتهاد، مع جهله بما تكلم به الفريقان، من مثبتي ~~القياس ومبطليه، وقد كان (مع ذلك) ينفي حجج العقول، ويزعم أن العقل لا حظ ~~له في إدراك شيء من علوم الدين، فأنزل نفسه منزلة البهيمة، بل هو أضل منها، ~~كما قال الله تعالى {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل} [الفرقان: 44] . ونحن ~~نذكر ما احتج به أهل الحق في إثبات القياس والاجتهاد من الكتاب والسنة ~~واتفاق الأمة، ثم نعقبه ببيان وجوه القياس وفروعها، وما يتعلق بها إن ms600 شاء ~~الله تعالى. فمما احتجوا به في إباحة الاجتهاد في الأحكام من كتاب الله ~~تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، ~~وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] إلى قوله تعالى: ~~{فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} [البقرة: 233] ~~فدلت هذه الآية على جواز الاجتهاد من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: {وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] والمعروف إنما يوصل إليه ~~بغالب (الظن) # PageV04P024 # والرأي، إذ ليس له مقدار معلوم من نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وإنما ~~هي على قدر الحال وما يحتاج إليه المرضع والمرضعة. والوجه الآخر: قوله ~~تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما} [البقرة: ~~233] وليس لما يقع التراضي عليه حد معلوم على حسب ما يغلب في الظن، لأنه ~~علقه بالمشاورة، والمشاورة لا تقع في شيء فيه توقيف أو اتفاق، أو دليل ~~قائم، وإنما هو استخراج رأي على غالب الظن. # ومن ذلك وقوله تعالى {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف} [البقرة: 236] وقال تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة: ~~241] وفي موضع آخر {فمتعوهن وسرحوهن} [الأحزاب: 49] ولا سبيل إلى الوقوف ~~على مقدار هذه المتعة إلا من طريق الاجتهاد وغالب الظن، (لاختلاف أحوال ~~الناس في اليسار والإعسار. من ذلك قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} [البقرة: 144] ومن غاب عن الكعبة لا يصل إلى التوجه إليها إلا من ~~طريق الاجتهاد، وغالب الظن) ومنه قوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] وهذا الخوف إنما هو على ~~غالب ما يستولي على قلوبنا منه، وقوله تعالى {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير، وإن تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] وإصلاح مال اليتيم إنما ~~يكون بتحري الاحتياط في تمييزه وحفظه وإحرازه، وذلك إنما يكون بغالب الظن # PageV04P025 # ومنه قوله تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت ~~فتوكل على الله} [آل عمران: 159] . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يشاور أصحابه، فيما لم يوح إليه ms601 (منه) بشيء، ثم يختار من آرائهم ما كان ~~عنده أنه أقرب إلى الصواب في أمر الحروب، ومكائد العدو. # فإن قال قائل: إنما أمره بمشاورتهم تطييبا لأنفسهم، ولينفي عنه الفظاظة ~~التي أمر الله تعالى باجتنابها، ولم يكن يرجع إلى آرائهم، وإنما كان يعمل ~~على ما ينزل به الوحي. # قيل له: غير جائز أن يكون أمره بمشاورتهم من غير رجوع إلى آرائهم - ~~باعتبار الصواب منها - باجتهاده ورأيه، لأنهم إذا علموا أنهم يشاورون ثم لا ~~يلتفت إلى رأيهم، زاد ذلك في وحشتهم وانخزالهم، وهو مع ذلك يجري مجرى ~~العبث، وما لا فائدة فيه، وهذه منزلة يرتفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عنها. إذ هو بالهزء والاستخفاف أشبه منه بما يوجب تطييب النفوس. # ألا ترى أنه لا يشاورهم أن الظهر أربع ركعات، والمغرب ثلاث، من حيث كان ~~طريق معرفته الوحي، فعلمنا أنه إنما أمر بمشاورتهم ليظهروا آراءهم، وما ~~يؤديهم إليه اجتهادهم، فيجتهد معهم، ويختار الصواب عنده منها. # ويدل على ذلك: «أن الحباب بن المنذر، قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما نزل منزلا يريد المشركين في وقعة بدر: أرأيت يا رسول الله، هذا المنزل ~~الذي نزلته؟ أبأمر الله هو فنسلم لأمر الله. أم بالرأي والمكيدة؟ قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: هو بالرأي فقال: أرى أن تبادر إلى الماء، فتنزل ~~عليه قبل أن يسبق المشركون إليه فقبل ذلك» . وكذلك «يوم الأحزاب، لما عزم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يعطي عيينة بن حصن وقوما معه نصف ثمار ~~المدينة، على أن لا يعاونوا قريشا عليه، قالت الأنصار: أرأي رأيته يا رسول ~~الله، أم وحي؟ فقال بل رأي. رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، فرأيت أن # PageV04P026 # أدفعهم عنكم إلى يوم ما» فقالت الأنصار: والله ما كانوا يطمعون فيها، ~~ونحن على الشرك، إلا قرى أو شرى، فكيف نعطيهم الآن وقد أعزنا الله بالإسلام ~~لا نعطيهم إلا بالسيف، فلم يعطهم شيئا هذا يدل على أنهم قد كانوا عهدوا إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يشاورهم في ms602 أمور لم ينزل عليه فيها وحي. ثم ~~يجتهد معهم، فيختار منها ما يراه صوابا. لولا ذلك لما قالوا له: أرأي هو أم ~~وحي؟ ثم قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - (بل هو رأي) ويبين وجه ~~اجتهاده وغالب ظنه فيه. # وروي عن «علي كرم الله وجهه أنه قد قال: قلت: يا رسول الله، إنك توجهني ~~في الأمر فأكون فيه كالسكة المحماة. أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: ~~الشاهد يرى ما لا يراه الغائب» فهذا أيضا يدل على ما ذكرناه، لأنه لو كان ~~كل ما يأمر به من جهة الوحي، لما اختلف فيه حكم الشاهد، إذ كان الله تعالى ~~شاهدا في كل حال، عالما بالعواقب. فدل على أن ما أمر به كان يكله إلى ~~الاجتهاد ورأيه. # ومنه قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] إلى قوله ~~تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] وهذا الخوف إنما هو في ~~غالب الظن، لأن الإنسان لا يحبط عمله بما يؤثره في مستقبل أوقاته. ومنه ~~قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] والابتلاء وإيناس الرشد إنما يكونان ~~بالاجتهاد، وغالب الظن على حسب ما يظهر من حزم اليتيم وحفظه لأمواله. وقال ~~عز وجل: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} ~~[النساء: 16] وكان # PageV04P027 # ذلك حد الزانيين، ولم يكن للأذى حد معلوم يصار إليه، وإنما كان على حسب ~~ما يغلب في الظن أنه أذى. وقال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن} [النساء: 34] وهذا الوعيد إنما هو بحسب ما ~~يؤدي إليه الاجتهاد وكذلك الهجران والضرب. وقال تعالى: {وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} [النساء: ~~128] وهذا الخوف على حسب ما يغلب على الظن، وكذلك الصلح على حسب ما يريانه ~~صلاحا في غالب رأيهما، وكذلك قوله تعالى: {أو إصلاح بين الناس} [النساء: ~~114] معناه ما يراه صلاحا لهم في اجتهاد رأيه، وما يغلب في ظنه ms603 أنه أدعى ~~إلى الألفة واجتماع الكلمة، وأنفى للتنافر وتفرق الكلمة. # وقال تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] . وحكم العدلين بالمثل، هو إنما من طريق الرأي. ~~وكذلك قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ~~[البقرة: 194] وقال تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} ~~[الإسراء: 26] وإنما يؤتون ما يغلب في الظن أنه مقدار الكفاية وسد الخلة، ~~وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} ~~[الفرقان: 67] . والعدل الذي بينهما لا يوصل إليه إلا من طريق # PageV04P028 # الاجتهاد، وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} [النور: 55] الآية. وأجمعت ~~الأمة - غير الرافضة - أن هذا الاستخلاف إنما يكون في كل وقت باجتهاد ~~المسلمين وآرائهم، فيمن يرونه موضعا للخلافة لفضله، وأنه أصلح للأمة من ~~غيره، وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] وظاهره يقتضي أن التنازع واقع في ~~غير المنصوص عليه، إذ كانت العادة أن التنازع والاختلاف بين المسلمين لا ~~يقعان في المذكور بعينه. فإنه أمر برد المتنازع فيه إلى كتاب الله تعالى ~~وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في حياته، وسنته بعد وفاته. والرد إلى ~~الكتاب والسنة إنما هو باستخراج حكمه منه بالاجتهاد والنظر. # فإن قيل: ما أنكرت أن يكون معنى قوله تعالى: {فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] الرد إلى نص الكتاب ونص السنة، لا من جهة القياس والرأي. # قيل له: هذا غلط من وجوه. أحدها: أن الأظهر أن التنازع إنما يقع بين ~~المسلمين في غير ما نص عليه، لا يجوز حمل الآية على خلاف الظاهر من أمرها. # والثاني: أنك تجعل تقدير الآية على الوضع: أن اتبعوا الكتاب والسنة، وهذا ~~واجب في حال التنازع وغيرها. فتخلوا الآية من فائدة ذكر التنازع. # والثالث: أنك خصصت الأمر بالرد فيما قد نص عليه، دون ما لم ينص عليه، ~~وعموم اللفظ ms604 يقتضي وجود الرد في الحالين، سواء كان الحكم المتنازع فيه ~~منصوصا عليه أو غير منصوص عليه، فلا جائز لأحد تخصيصه والاقتصار به على حال ~~وجود النص دون # PageV04P029 # غيره. فثبت أنها قد اقتضت وجوب الرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة، ~~واتباع موجبها نصا ودليلا. # ويدل عليه قوله أيضا: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] ، فأمر باستنباط ما أشكل عليه حكمه. ~~وقد قيل: إن " أولي الأمر " إنهم أمراء السرايا، وقيل: إنهم أولو العلم، ~~ولا محالة أن أولي العلم مرادون بذلك، لأن أمراء السرايا إن لم يكونوا ذوي ~~علم بالاستنباط كانوا بمنزلة غيرهم. # فإن قيل: إنما هذا في أمر الخوف والأمن، لأنه تعالى قال: {وإذا جاءهم أمر ~~من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول} [النساء: 83] قيل له: ~~إنه وإن كان كذلك، فدلالته قائمة على ما ذكرنا، لأن أمر الخوف والأمن ~~ومكائد العدو، وتدبير الحرب، وما جرى مجرى ذلك، من أمور الدين. فإذا جاز ~~الاستنباط فيه لعدم وجود النص، جاز في سائر أحكام الحوادث التي لا نص فيها. # فإن قيل: قال تعالى: {لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83] والقياس ~~الشرعي لا يفضي إلى العلم، فعلمنا أنه لم يرد به. قيل له: هذا غلط، لأن من ~~يقول: إن كل مجتهد مصيب، يقول: قد علمت أن ما أداني إليه قياسي فهو حكم لله ~~تعالى (علي) ، وأما من قال: إن الحق في واحد، فإنه يقول: هذا علم الظاهر، ~~كخبر الواحد، وكالشهادة، وكقوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} [الممتحنة: ~~10] # ويدل عليه أيضا: قوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل # PageV04P030 # شيء} [النحل: 89] قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] وقال ~~تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] . فإذ لم نجد فيه كل حكم ~~منصوصا، علمنا أن بعضه مدلول عليه، ومودع في النص، نصل إليه باجتهاد الرأي ~~في استخراجه. ويدل عليه قوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} [النحل: 44] قد حوت هذه الآية ثلاثة معان: أحدها: ما نزل الله ms605 ~~تعالى مسطورا. # والآخر: بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما يحتاج منه إلى البيان. # والثالث: التفكر فيما ليس بمنصوص عليه وحمله على المنصوص. قال أبو بكر: ~~واحتج إبراهيم بن علية، لإثبات القياس بقوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار} [الحشر: 2] قال أبو بكر: وقد حكي عن ثعلب أن رد حكم الحادثة إلى ~~نظيرها من الأصول يسمى اعتبارا. قال أبو بكر: ويدل على صحة هذا المعنى: ~~ابتداء الآية التي فيها ذكر الاعتبار، لأنه تعالى قال: {وظنوا أنهم مانعتهم ~~حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} [الحشر: 2] فأخبر عن ظنهم الكاذب، أن # PageV04P031 # حصونهم مانعتهم من الله تعالى، ثم أخبر عما استحقوه من الخزي والعذاب ~~والذل والخذلان، بقوله تعالى: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} [الحشر: 2] ~~ثم قال تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] والمعنى - والله أعلم ~~- أن احكموا لمن فعل مثل فعلهم باستحقاق العقوبة والنكال من الله تعالى، ~~لئلا يقدموا على مثل ما أقدموا عليه، فيستحقوا مثل ما استحقوا فدل على أن ~~الاعتبار هو أن تحكم للشيء بحكم نظيره المشارك له في معناه، الذي تعلق به ~~استحقاق حكمه. # فإن قيل: الاعتبار: هو التفكر والتدبر. قيل له: هو كذلك، إلا أنه تفكر في ~~رد الشيء إلى نظيره، على الوجه الذي قلنا. # ألا ترى أنك تقول: قد اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب، إذا قومته بمثل ~~قيمته. فكان المعنى: أنك رددته إليه، وحكمت له بمثل حكمه، إذ كان مثله ~~ونظيره. # وحكى لي بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله بن زيد الواسطي قال: رأيت القاشاني ~~وابن سريج قد صنفا في القياس نحو ألف ورقة، هذا في نفيه، وهذا في إثباته، ~~اعتمد القاشاني فيه على قوله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى # PageV04P032 # عليهم} [العنكبوت: 51] ، واعتمد ابن سريج في إثباته (على) قوله تعالى ~~{فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] . ومما يدل على ذلك من جهة السنة: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شاور الصحابة في أسرى بدر ms606 في قتلهم أو ~~فدائهم. فأشار عليه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، بالفداء، وأشار عمر - ~~رضي الله عنه -، بالقتل. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما أنت يا ~~أبا بكر، فأشبهت إبراهيم - عليه السلام -، فإنه قال: {فمن تبعني فإنه مني ~~ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] وأما أنت يا عمر، فإنك أشبهت نوحا ~~- عليه السلام -، قال {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] » ~~ووافق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اجتهاد أبي بكر - رضي الله عنه -، ~~فمن عليهم وأخذ الفداء، وكان ذلك شيئا من أمر الدين. ولو كان هناك نص من ~~الله تعالى في أحد الحكمين لما شاور فيه أحدا. # فإن قال قائل: فإن الله تعالى قد عاتبه في أخذه الفداء في قوله تعالى: ~~{ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] إلى قوله تعالى: {لولا كتاب ~~من الله سبق} [الأنفال: 68] فدل على أن الفداء لم يكن جائزا. # قيل له: قد اختلف في تأويل هذه الآية، فأبى بعضهم ما ذكرت، وأجازه آخرون، ~~والكلام في صحة أحد هذين القولين خروج عن مسألتنا، لأنه كلام بين من قال: ~~كل مجتهد مصيب، والحق في جميع أقاويل المختلفين، وبين من قال: الحق في ~~واحد، بعد تسليم جواز # PageV04P033 # الاجتهاد والاستدلال. فالخبر صحيح على ما ذكرنا في جواز الاجتهاد، لأنه ~~إن كان أبو بكر مخطئا في الفداء، فعمر مصيب في الإشارة بالقتل، ولم يختلفوا ~~أن الله تعالى لم يعاتبه في المشاورة في استعمال اجتهاد الرأي فيه. # ومنه: حديث قصة الأذان، «وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اهتم ~~للصلاة كيف يجمع لها الناس، فقيل له: يا رسول الله: انصب راية عند حضور ~~الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه، وذكروا له شبور اليهود، فلم ~~يعجبه وقال: هذا من أمر اليهود، وذكروا له الناقوس، فقال: هو من أمر ~~النصارى، ثم أري عبد الله بن زيد الأذان، فجاء فأخبره النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: لقنها بلالا» ، فشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أصحابه في ms607 جهة إعلام الناس بالصلاة. فاجتهد قوم في الراية، وقوم في الشبور، ~~وقوم في الناقوس، ولم يعنفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في اجتهادهم. # ومن ذلك «تحكيم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ في بني قريظة ~~ليحكم فيهم بما يراه صلاحا، فحكم فيهم بقتل الرجال، وسبي الذرية، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع سموات» . # فإن قيل: إنما أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه وافق حكم الله ~~تعالى. # قيل له: هذا غلط وسنبينه، ومع ذلك فدلالة الخبر صحيحة على ما ذكرنا، وهو ~~تحكيمه إياه بمبلغ رأيه واجتهاده، وأن يكون وافق حكم الله عز وجل أو لم ~~يوافقه، غير # PageV04P034 # قادح في صحة ما ذكرنا، وإنما هو كلام من القائلين بالاجتهاد بعد تسليم ~~الأصل وعلى أن ما ذكرت غلط، لأنه يوجب أن يكون لو كان حكم فيهم بالجزية أن ~~لا يجيزه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعلوم أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يشترط على اليهود أنه إن لم يوافق حكمه حكم الله تعالى لم ~~يجزه. وإذا كان ذلك كذلك، علمنا أنه لو حكم بغير ذلك لأجاز حكمه، لأنه قد ~~سلطه على الحكم بما يراه. # فإن قيل: يجوز أن يكون إنما حكم سعدا، لأنه علم أن حكمه سيوافق حكم الله ~~تعالى، ولذلك أباح له الاجتهاد قيل له: فكذلك يقول القائلون: بأن كل مجتهد ~~مصيب، في سائر الحوادث، أن الله عز وجل إنما أباح لهم الاجتهاد لأنه علم ~~أنهم سيوافقون حكم الله تعالى فيه. # ومن ذلك أيضا: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بكتب الكتاب يوم ~~الحديبية، بينه وبين سهيل بن عمرو، وكان الكاتب علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - كتب هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله، وسهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو ~~علمنا أنك رسول الله ما كذبناك ولكن اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد ~~الله، فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي امح رسول ms608 الله، واكتب محمد ~~بن عبد الله فقال علي: ما كنت لأمحوها، فمحاها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -» ولم ينكر على علي - رضي الله عنه - اجتهاده في ترك محوها، لأنه لم ~~يقصد به مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما قصد تعظيم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وتبجيل ذلك الاسم، ورأى أن لا يمحوه هو ليمحوه ~~غيره فكان ذلك طاعة منه لله تعالى، ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال له: (قد) فرض الله عليك محوها لمحاها بيده ومن ذلك «أن أبا بصير لما ~~هرب من المشركين بعد الصلح إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # PageV04P035 # بعثت قريش رجلين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسألوه رده عليهم ~~على ما أوجبه الشرط الذي شرطه لهم في كتاب الصلح، فرده النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما خرجوا من المدينة قتل أبو بصير أحدهما وهرب الآخر راجعا ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأخبره بما فعل أبو بصير. ولحق أبو بصير ~~بسيف البحر ولحق به من كان بمكة من المسلمين. فجعلوا يغيرون على أموال ~~المشركين» . وكان فعل أبي بصير ذلك، ومن صار معه، اجتهادا ولم ينكره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وكان الذي كتب إلى من كان بمكة من المسلمين أن ~~يلحقوا بأبي بصير: عمر بن الخطاب، بغير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على عمر ذلك، ولم ينكر على أبي بصير ~~قتله الرجل، ولا لحاقه بسيف البحر، ولا على أحد ممن (لحق به) . # ومن ذلك " أن جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة - رحمة ~~الله عليهم - لما قتلوا بمؤتة، وكانوا أمراء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبقي القوم بلا أمير اجتمعوا على خالد بن الوليد فولوه أمرهم، ~~فانحاز بهم، فصوب النبي - صلى الله عليه وسلم - (ذلك) من فعلهم " وكان ~~فعلهم ذلك باجتهاد من آرائهم لا بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ومنه ما أجمع ms609 المسلمون عليه من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ~~إليهم أن يقيموا بعد وفاته # PageV04P036 # لأنفسهم إماما في كل عصر - إذا خلوا من إمام - على أغلب رأيهم في الأفضل ~~والأصلح وكذلك الإمام يولي أمراء السرايا والقضاة وجباة الصدقات، كل ذلك ~~بالرأي والاجتهاد. ونظير ذلك من الأخبار الموجبة لجواز الاجتهاد في أمور ~~الدين لا توقيف فيها ولا إجماع أكثر من أن يحصى. وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق ~~لرشده، وجميع ما قدمنا ذكره من هذه الأخبار قد ورد من طريق التواتر، من حيث ~~لا يسع الشك فيها. وقد روي في ذلك من طريق الآحاد غير ما ذكرنا أخبار ~~كثيرة، وهي بمجموعها، توجب العلم بمضمونها من وجهين: أحدهما: أنها تصير في ~~حيز التواتر على الحد الذي بيناه في الكلام في الأخبار، لامتناع جواز الغلط ~~والكذب في جميعها. والجهة الأخرى: أنها مستفيضة في الأمة، قد تلقتها ~~بالقبول. فمن (ذلك) ما روي «أن عامر بن الأكوع رجع عليه سيفه يوم خيبر ~~فقتله، فشك في أمره، وهابوا الصلاة عليه، فسأل سلمة أخوه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أمره، فقال: مات جاهدا مجاهدا له أجره مرتين» وكان ذلك منه ~~على غالب ظنه، أنه يضرب العدو فأخطأهم. فلم يعنفه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يعب القوم الذين تهيبوا الصلاة عليه، باجتهادهم. # ومن ذلك (حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ~~«بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسيد بن حضير، وأناسا معه، في طلب ~~قلادة أضلتها عائشة # PageV04P037 # فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأنزلت آية التيمم» فلم يعنفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاتهم ~~بغير وضوء، إذ لم يكن أنزل عليهم التيمم فصلوا باجتهادهم كذلك، ولم يؤمروا ~~بالإعادة. # ومنه حديث عمرو بن نجدان عن «أبي ذر، قال: بدوت بالإبل فكنت أعزب عن ~~الماء. ومعي أهلي فتصيبني الجنابة، فأصلي بغير طهور، فأتيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فذكرت له، فأمرني أن أغتسل، وقال: التراب كافيك ms610 عشر حجج، ~~فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك» فكان يصلي بغير وضوء باجتهاده، ولم يأمره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة ولم ينكر عليه اجتهاده في فعل ~~الصلاة بغير طهور في تلك الحال. # فإن قيل: إنه اجتهد مع وجود النص، ولا خلاف في سقوط الاجتهاد مع النص. ~~ولم يأمره مع ذلك بالإعادة. ولم ينكره عليه. فإذا لم يدل ذلك على جواز ~~الاجتهاد مع وجود النص، كذلك لا يدل على جوازه مع عدمه. # قيل له: لم يجتهد مع وجود النص، لأن جواز التيمم للجنب غير منصوص عليه في ~~القرآن؛ لأن قوله تعالى: {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] ، ~~يحتمل الجماع ويحتمل اللمس باليد، وكان عمر (وعبد الله) بن مسعود، يريان أن ~~المراد بهذا: اللمس باليد، وكانا لا يريان التيمم للجنب. وكان علي وابن ~~عباس يقولان: المراد بها الجماع. ويريان للجنب أن يتيمم، وهو # PageV04P038 # موضع يسوغ الاجتهاد فيه، فلذلك لم يأمره بإعادة صلاة صلاها باجتهاد وقيل: ~~وجوب التيمم على الجنب في حال عدم الماء، # فإن قيل: قد كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على جواز التيمم ~~للجنب. # قيل له: يحتمل أن لا يكون قد تقدم منه القول فيه قبل الوقت الذي خاطب به ~~أبا ذر. ومنه حديث «عمرو بن العاص حين تيمم وهو جنب في يوم بارد في غزوة ~~ذات السلاسل، وصلى بهم، لأنه خاف ضرر استعمال الماء، فلما أتوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول الله، إنه صلى بنا وهو جنب، فقال: يا ~~عمرو، صليت بهم وأنت جنب؟ قال: خشيت إن اغتسلت أن أهلك، وقد سمعت الله ~~تعالى يقول {" ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] فضحك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يقل شيئا» فلم ينكر على عمرو الاجتهاد في تركه الماء والعدول ~~عنه إلى التراب، ولم ينكر على أصحابه أيضا الاجتهاد في وجوب استعماله، إذا ~~كانت الحال عندهم وفي اجتهادهم غير مخفية. # ومنه حديث جابر «أن عليا قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة في ~~حجة الوداع ms611 فقال له: بماذا أهللت. فقال: أهللت بإهلال كإهلال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وروي أن أبا موسى، فعل كذلك، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إني سقت الهدي، فلا أحل إلى يوم النحر» . فكانا مجتهدين في الإحرام ~~بشيء مجهول عندهما، على تحري موافقة إهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما ذلك. # PageV04P039 # ومنه حديث «أسماء بنت أبي بكر قالت: أفطرنا يوما من رمضان في غيم على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طلعت الشمس» فأفطروا على غالب ظنونهم ~~أن الشمس قد غابت، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحديث ابن عمر ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة فلبس عليه في القراءة، فلما ~~انصرف، قال: يا أبي، أصليت معنا؟ قال: نعم. قال: فما منعك» فأخبر، أنه قد ~~كان له أن يجتهد في الفتح عليه. ومنه حديث سهل بن سعد «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة. فجاء بلال ~~إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ . قال: نعم. فصلى أبو بكر، فجاء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في ~~الصلاة، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس ~~التصفيق التفت، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأشار إليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن امكث مكانك، ورفع أبو بكر يديه فحمد الله ~~عز وجل، على ما أمره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم استأخر أبو ~~بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~انصرف. قال: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر: ما كان ~~لابن أبي قحافة، أن يصلي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق، من رابه شيء في ~~صلاته فليسبح، # PageV04P040 # فإنما التصفيق للنساء» قال ms612 أبو بكر: قد حوى هذا الخبر ضروبا من الدلالة ~~على جواز الاجتهاد. أحدها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما غاب ~~أقاموا رجلا مكانه باجتهادهم، وصلوا خلفه، ثم حين صفق الناس باجتهادهم؛ أن ~~لهم ذلك، فلم يلتفت أبو بكر بدءا باجتهاده، ثم لما أكثروا التصفيق التفت ~~حين أداه اجتهاده إلى أن له ذلك، فأشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن امكث مكانك، فرفع يديه وحمد الله تعالى باجتهاده؛ أن له أن يحمد الله ~~تعالى في تلك الحال، ورفع يديه لغير عمل الصلاة، ثم استأخر باجتهاد رأيه، ~~بعد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (له) بالثبات، لأنه غلب في رأيه ~~أن ذلك ليس بأمر إيجاب، ورأى التأخير أولى تعظيما لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يتقدم أمامه كإعظام علي - عليه السلام - أن يمحو ذكر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من كتاب الصلح. # ومنه حديث جابر - رضي الله عنه - في قصة «جيش الخبط مع أبي عبيدة بن ~~الجراح - رضي الله عنه - حين وجدوا حوتا ميتا على الساحل، فامتنعوا من أكله ~~وقالوا: هو ميتة. ثم قالوا: نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا، فأكلوا، فلما قدموا سألوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأجازه لهم» ولم يعنفهم على اجتهادهم. # PageV04P041 # ومنه حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، عن أنس أنه «لما نزلت: {فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 144] ومر رجل من بني سلمة، فناداهم وهم ~~ركوع في صلاة الفجر، نحو بيت المقدس: ألا إن القبلة حولت. مرتين، فمالوا ~~كما هم ركوعا إلى الكعبة» وكانوا مجتهدين في استدارتهم إلى الكعبة في ~~صلاتهم. ومجتهدين في تركهم استئناف الصلاة. # ومنه حديث «أبي بكرة أنه حين دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~راكع، قال: فركعت دون الصف، ومشيت إلى الصف، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: زادك الله حرصا ولا تعد» فأجاز اجتهاد أبي بكرة في ركوعه دون الصف ~~ومشيه إليه. ثم أخبره أن ms613 السنة أن لا يركع دون الصف، وأجاز له الركعة التي ~~فعلها باجتهاده. ومنه حديث «معاذ - رضي الله عنه - أنهم كانوا إذا سبقوا ~~بشيء من الصلاة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - سألوا فأخبروا، فدخلوا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وبدءوا بالفائت، ثم تابعوا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما بقي. حتى جاء معاذ وقد فاته بعض الصلاة فتابع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV04P042 # وترك الفائت حتى قضاه بعد فراغ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا» فاجتهد معاذ في ~~ترك الفائت في اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجاز ذلك له، ولم ~~يعنفه، وجعله سنة لمن بعده. # فإن قيل: إن صح هذا، فإن معاذا اجتهد في ترك النص، لأن السنة كانت عندهم ~~قضاء الفائت، ثم متابعة الإمام، وأنتم لا تجيزون الاجتهاد في مخالفة النص. # قيل له: ليس معناه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (قد) كان سن لهم ذلك. ~~وجائز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان تركهم وما فعلوا، لأنه ~~كان جائزا. وكان جائزا أيضا ترك الفائت عنده فكانوا مخيرين، فاختار معاذ ~~اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك الفائت، وكان وجه اجتهاده: ما بين ~~أنه ما كان ليجده على حال لا يتابعه عليها، فسن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ذلك، واستحسن قصد معاذ فيه، وتحريه لمتابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في كل حال، فلم يصادف اجتهاد معاذ مخالفة (نص) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- # ومنه ما روي عن سعد القرظ، وسعيد بن المسيب: «أن بلالا أتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليؤذنه # PageV04P043 # بصلاة الفجر فقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائم، فنادى بلال ~~بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم.» فأقرت في تأذين الفجر، وكان قول بلال ~~ذلك باجتهاد منه. ومنه ما روي: أن أهل قباء كانوا يستنجون بالماء، فأنزل ~~الله تعالى، {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} [التوبة: 108] فقال رسول الله - ~~صلى الله ms614 عليه وسلم - «يا معشر الأنصار، ما الذي أحدثتم؟ فقد أحسن الله ~~تعالى الثناء عليكم فقالوا: إنا نستنجي بالماء» وكان القوم أحدثوا ~~الاستنجاء بآرائهم من غير علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل ~~الله تعالى هذه الآية، ولولا أنهم علموا جواز الاجتهاد في مثل ذلك، لما ~~أقدموا عليه. # ومنه ما روى الحارث بن عمرو، عن رجال من أصحاب «معاذ: أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن، قال: كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله عز ~~وجل. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ فقال: بسنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي. فقال: الحمد ~~لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه رسول الله» ، فأجاز له الاجتهاد فيما ~~لا نص فيه. # فإن قيل: إنما رواه عن قوم مجهولين من أصحاب معاذ. قيل له: لا يضره ذلك، ~~لأن إضافته ذلك إلى رجال من أصحاب معاذ توجب # PageV04P044 # تأكيده، لأنهم لا ينسبون إليه أنهم من أصحابه، إلا وهم ثقات مقبولو ~~الرواية عنه. # ومن جهة أخرى إن هذا الخبر قد تلقاه الناس بالقبول، واستفاض، واشتهر ~~عندهم من غير نكير من أحد منهم على رواته، ولا رد له. # وأيضا: فإن أكثر أحواله أن يصير مرسلا، والمرسل عندنا مقبول. ومنه حديث ~~عمرو بن العاص: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا اجتهد الحاكم ~~فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجره» . وروى أبو هريرة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك. # وروي عن «عمرو بن العاص، قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. فقال: اقض بينهما يا عمرو، قلت: يا رسول الله، أقضي وأنت ~~حاضر قال: نعم. قلت: فعلام أقضي؟ قال: إن أصبت فلك عشر حسنات وإن اجتهدت ~~فأخطأت فلك حسنة» وعن عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~بمثل ذلك. وقال فيه كذلك. # ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يؤم القوم أقرؤهم ms615 لكتاب الله ~~تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة» ولا يوصل إلى معرفة ~~أعلم المتقاربين بالسنة إلا من طريق الاجتهاد. ومنه حديث عبد الله بن مسعود ~~- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في «الشاك في الصلاة، ~~فإنه يبني على أكثر ظنه» # PageV04P045 # ومنه «قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح حين جاء به عثمان يشفع فيه، فأمسك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيعته، رجاء أن يقتله بعضهم، لأنه قد كان ~~تقدم بقتله» وكان فعل عثمان ذلك اجتهادا، فلم ينكره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. " وحديث «عثمان بن أبي العاص: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له: أنت إمام قومك، فاقتد بأضعفهم» ، وإنما يعلمه من طريق الاجتهاد. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . يدل على ~~ذلك أيضا، لأن المنقول إليه قد يعرف من استخراج المعاني ما لا يعرفه كثير ~~من الناقلين. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في إباحة المعالجة ~~واستعمال الطب والأدوية أخبار كثيرة، وطريق ذلك كله (الاجتهاد والرأي) فهذه ~~الأخبار على اختلاف متونها وطرقها توجب التوقيف من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في إباحة الاجتهاد في أحكام الحوادث وهي وإن كان كل واحد منها واردا ~~من طريق روايات الأفراد، وإنها في حيز التواتر من حيث يمتنع في العادة أن ~~يكون جميعها كذبا، أو غلطا، أو وهما، على النحو الذي بينا في أقسام ~~التواتر، وشبهناه بالمقبلين يوم الجمعة بعد الصلاة من طريق الجامع: أن ~~إخبارهم عن فعلهم صلاة الجمعة، تشتمل على صدق، وإن كل واحد منهم على ~~الانفراد جائز أن يكون كاذبا فيما أخبر به عن نفسه، فكذلك هذه الأخبار مع ~~كثرتها من حيث كانت متوافية على توقيف النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم # PageV04P046 # على إباحة الاجتهاد، فقد أوجبت العلم بصحة مخبرها من وجوه التوقيف بذلك، ~~ومن خالفها بعد سماعها، فإنما يرد على النبي - صلى الله عليه وسلم - إباحته ~~للاجتهاد. وقد روي عن النبي ms616 - صلى الله عليه وسلم - في تشبيه الشيء بمثله، ~~واعتباره بنظيره في الحكم أخبار كثيرة توجب العلم بصحة مخبرها على النحو ~~الذي بينا في إباحته للاجتهاد، حذفت أسانيدها كراهة الإطالة، ولأنها أخبار ~~مشهورة عند أهل العلم. # ومنه حديث «أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، ذهب الأغنياء بالأجر، يتصدقون ~~ويصومون، قال: وأنتم قد تفعلون ذلك. قلت: يا رسول الله يتصدقون، ونحن لا ~~نتصدق. قال: وأنت فلك صدقة: رفعك العظم عن الطريق صدقة، وثباتك عن الإثم ~~صدقة، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة. ومباضعتك امرأتك صدقة، قال: قلت: يا ~~رسول الله، أنأتي شهوتنا ونؤجر؟ قال: أرأيت لو جعلتموها في حرام أكنتم ~~تأثمون؟ قلت: نعم. قال: أفتحتسبون بالشر، ولا تحتسبون بالخير؟» فقايسه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ودله بذكر المحظور على ما قابله من المباح، ~~وأعلمه أن حكم الشيء حكم نظيره. وقد اعترض النظام على هذا الحديث، وزعم أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز أن يوجب استحقاق الأجر بالوطء ~~المباح، لأن المباح لا يستحق به الأجر، ولو كان المباح يستحق به الأجر، ~~لكان لا فعل إلا محظورا، أو نافلة، ولبطل القسم المباح. فيقال له: ما تنكر ~~أن يستحق به الأجر (إذا قصد) به العفة، والاستغناء عن الحرام، وشكر الله ~~تبارك وتعالى على تمكينه إياه من الحلال، ولما يتكلفه من الاغتسال ~~والمبالغة فيه، فيكون هذا الضرب من الوطء المقصود به هذه المعاني، ~~والمقارنة لهذه الأحوال، هو الذي يستحق به الأجر دون ما يقصد به التلذذ ~~الذي لا يجامعه هذه # PageV04P047 # الأسباب، فلا يكون في إيجابه استحقاق الأجر بهذا الوطء ما يوجب قدحا في ~~الخبر، ولا يمنع أن يكون ههنا وطء آخر مباح لا يستحق به الأجر، فلا يبطل ~~القسم المباح من الأفعال على ما بنيت من القاعدة. # ومنه حديث ابن عباس «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن ~~أبي شيخ كبير لم يحج، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت ~~تقضيه؟ قال: نعم. قال: فحج عنه وحديث ms617 الخثعمية حين سألت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت: إن أبي أدركته فريضة الله في الحج، وهو شيخ كبير، لا ~~يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ فقال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، ~~أكان يجزي؟ قالت: نعم قال: فدين الله أحق وروى ابن عباس: أن رجلا جاء إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إن أختي نذرت أن تحج فماتت، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: ~~نعم. قال: فاقضوا الله، فإنه أحق بالوفاء» . وفي هذه الأخبار إثبات ~~المقايسة، والتنبيه على الرد إلى النظائر. # وروي عن محمد بن المنكدر «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ~~قضاء رمضان أيفرق؟ فقال: أرأيتم لو كان لرجل على رجل دين، فقضاه أولا ~~فأولا؟ قال: لا بأس، قال: فالله أحق بالتجاوز» . فقايسه، وأراه موضع الشبه ~~والنظير. # ومنه حديث أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إن امرأتي ولدت # PageV04P048 # غلاما أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، ~~قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها أورقا. قال: فأنى تراه؟ قال: عسى أن ~~يكون نزعه عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» فقايسه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ورده إلى أمر كان قد تقرر عنده، من نظير ما سأل عنه، ~~ونبهه على أن يحكم له بحكمه. ومنه: حديث «عمر قال هششت فقبلت وأنا صائم، ~~فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو ~~تمضمضت بماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به. قال: ففيم إذا» فقايسه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ورده إلى نظيره، ثم نبهه على وجه الرد. وما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هذا أوان ذهاب العلم، فقال زياد بن ~~لبيد: كيف يا رسول الله، وكتاب الله بيننا؟ والله لنقرئنه أبناءنا وليقرئنه ~~أبناؤنا أبناءهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ثكلتك أمك ms618 يا زياد بن ~~لبيد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، أليس التوراة والإنجيل في يد ~~اليهود والنصارى فهل أغنى عنهما؟» فنبهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على اعتبارنا بهم، مع كون الكتاب في أيدينا (و) روى موسى بن عبيدة عن عبد ~~الله بن عتبة: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ وأبي موسى ~~حين بعثهما إلى اليمن: كيف تقضيان بين # PageV04P049 # الناس؟ قالا: بكتاب الله، قال: فإن أتاكما ما ليس في كتاب الله؟ قالا: ~~بالسنة. قال: فإن أتاكما ما ليس في السنة؟ قالا: نقيس الأمر بالأمر، فأيهما ~~كان أقرب إلى الحق حملناه عليه، قال: أصبتما» . # ومنه حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: كل قوم على بينة من أمرهم، في مصلحة من أنفسهم، ~~يزرون على من سواهم» ، ويتبين الحق بالمقايسة بالعدل عند ذوي الألباب. ومنه ~~حديث «عائشة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال لها: ناوليني الخمرة ~~فقلت: إني حائض. فقال: إن حيضتك ليست في يدك» فنبهها على اعتبار المعنى، ~~وأنها في سائر أعضائها بمنزلة الطاهر. ومنه حديث «أبي هريرة قال: لقيني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا جنب في طريق من طرق المدينة، فذهبت ~~فاغتسلت، ثم جئت. فقال: أين كنت؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك على غير ~~طهر، فقال: سبحان الله إن المسلم لا ينجس» فنبهه على أن # PageV04P050 # الجنابة لا توجب نجاسته، وإن كان ممنوعا من أجلها من الصلاة، وأظهر ~~التعجب منه، بقوله: سبحان الله، يعني كيف ذهب عليك هذا الاعتبار. # فإن قال قائل: هذا الذي ذكرت من الاعتبار من الكتاب والسنة، إنما يدل على ~~جواز الاجتهاد في المواضع الذي ورد فيها، فما الدليل على جوازه في غيرها، ~~وما أنكرت أن يكون جوازه مقصورا على هذه المواضع، إذ يمتنع في حجة العقل، ~~أن يبيح الله تعالى الاجتهاد فيما نص عليه في كتابه، وبينه على لسان نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - ويحظره فيما ms619 عدا المنصوص على موضعه، فيحتاج إلى إقامة ~~الدلالة على جوازه في الموضع المتنازع فيه بيننا من أحكام الحوادث. # قيل له: كثير من الآي التي قدمنا ذكرها قد تضمن الأمر بالاجتهاد مطلقا، ~~غير مقيد بحال ولا شرط. منها قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: ~~159] وذلك عموم في سائر الأمور، لأنه أدخل الألف واللام، فصار للجنس، وما ~~خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فنحن مخاطبون به، إلا أن تقوم ~~الدلالة على تخصيصه بشيء دوننا. # ومنه قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: ~~59] وقد بينا (أن) المراد به الرد إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم - (نصا) ودليلا، (وذلك) مطلق عام في سائر الأشياء. ومنه ~~قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم} [النساء: 83] وهو عموم في جميع ما كان بالوصف المذكور في ~~الآية. ومنه قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] وهو عام في ~~سائر الأشياء. # PageV04P051 # ومما يوجبه أيضا من السند: حديث معاذ، وتصويب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إياه في استعمال الاجتهاد في أحكام الحوادث التي ليس فيها نص ولا اتفاق، ~~وحديث عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر وقد تقدم ذكرهما. # وأيضا: فقد صح عن الصحابة القول بالقياس والاجتهاد في أحكام الحوادث، ~~بالأخبار المتواترة الموجبة للعلم، بحيث لا مساغ للشك فيه. كل واحد منهم ~~يقول: أجتهد رأيي، فأقول فيها برأيي، ويستعمل القياس، ويأمر به غيره، لا ~~يتناكرونه، ولا يمنعون إنفاذ القضايا والأحكام به. وكذلك حال التابعين ~~وأتباعهم مستفيضا ذلك بينهم (وقد) وقع العلم لنا بوجوده منهم، كعلمنا بوجود ~~الخلاف كان بينهم في كثير (من أحكام الحوادث فأوجب ذلك علينا القول ~~بالاجتهاد من وجهين) : أحدهما: أنهم لولا علمهم بتوقيف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (إياهم) عليه وأن ذلك كان (منهم) متقررا معلوما (عندهم) من ~~شريعته، قد تلقوه عنه وعرفوه من (دينه) لما أطبقوا على القول به هذا ~~الإطباق، حتى لا يوجد فيهم منكر له، ولا متوقف متهيب ms620 عن الإقدام عليه، فثبت ~~أنهم قد كانوا تلقوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - توقيفا، كما علمنا ~~بإجماعهم على تولية إمام ينصبونه بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنهم تلقوا وجوب اجتهاد الرأي في ذلك توقيفا، وأنهم عرفوه من منهاج شريعته ~~وأركان دينه، لولا ذلك لما توافقت هممهم على القول به. والوجه الآخر: أن ~~إجماعهم، حجة لا يسع خلافه ولا الخروج عنه، على ما سلف # PageV04P052 # منا القول فيه. وقد استقر أن إجماعهم (حجة) بما قدمنا على تسويغ الاجتهاد ~~في أحكام الحوادث والرجوع إلى النظر والمقاييس، في (استدراك حكمها) . # فإن قال قائل: فمن أين لك أنهم أجمعوا على جواز الاجتهاد في أحكام ~~الحوادث؟ قيل له: هو أشهر وأظهر من أن يخفى على من عرف شيئا من أقاويل ~~السلف، وطريقتهم. # ألا ترى أنهم اختلفوا في الجد، فقالوا فيه باجتهادهم، ولم يكن عند واحد ~~منهم نص من كتاب ولا سنة، واختلفوا في المشركة، فلم ير عمر التشريك أولى، ~~فقال له الإخوة من الأب والأم: هب (أن) أبانا كان حمارا أليس أمنا أم الذين ~~ورثتهم؟ فترك قوله الأول، ورأى التشريك حين قايسوه. فقيل له: لم تشرك بينهم ~~العام الأول، وشركت العام. فقال: (ذاك على ما قضينا، وهذا على ما قضينا) . ~~واختلفوا في الحرام على أقاويل مختلفة: جعلها بعضهم رجعيا، وبعضهم واحدة ~~بائنة، وبعضهم ثلاثا، وجعلها بعضهم يمينا. واختلفوا في الخلية، والبرية، ~~والبتة والبائن، ونحوها من الكنايات. وفي المدبر والمكاتب، وفي الكلالة، ~~قال أبو بكر الصديق: (أقول فيها برأيي، فإن يك صوابا فمن الله تعالى، وإن ~~يك خطأ فمني) . وقال ابن مسعود في المتوفى عنها زوجها ولم يسم لها صداقا: ~~(أقول فيها برأيي، فإن # PageV04P053 # يك صوابا فمن الله تعالى، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه ~~بريئان) . وقال علي: (أجمع رأيي ورأي عمر في جماعة من المسلمين: أن لا يبعن ~~أمهات الأولاد، ثم رأيت أن أرقهن) ، فأخبر عن رأيه، ورأي الجماعة من غير ~~توقيف، لأن التوقيف لا يكون رأيا. # ومنها أيضا اختلافهم: ms621 في المكاتب، والمدبر، وفي تفضيل أروش الأصابع، ~~والتسوية بينهما. وكان أبو بكر الصديق يرى التسوية في العطاء، وكان عمر يرى ~~التفضيل. وكان علي يرى التسوية. واختلافهم في المسائل التي طريقها اجتهاد ~~الرأي أكثر من أن يحتمله هذا الكتاب، وأظهر من أن يخفى على ذي معرفة. ~~وأجمعوا على عقد البيعة لأبي بكر بآرائهم، ولم يدع أحد منهم نصا على أبي ~~بكر ولا غيره، ولو كان هناك نص لما خفي عليهم، وهو معظم أمر دينهم، ~~ودنياهم. ولما قالت الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) ولو كان هناك نص على ~~رجل بعينه لما أجمعت الصحابة على جواز الشورى، لأن الشورى لا تجوز فيما ~~يكون فيه نص من الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # فثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينص على أبي بكر، ولا على غيره ~~في الإمامة، وأنه وكلهم إلى اجتهادهم في عقد الإمامة لمن يرونه أهلا لها، ~~وصلاحا للكافة، وعلمنا حين عقدوها # PageV04P054 # لأبي بكر باجتهادهم أنهم لم يفعلوه إلا وقد كان من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - توقيف لهم أن عليهم نصب إمام باجتهاد آرائهم، ثم إن عمر جعلها شورى ~~بين ستة، ورضيت الستة والجماعة بذلك، لم ينكره منهم منكر، وكان ذلك باجتهاد ~~رأي منه، والشورى إنما هي الإجماع على الرأي، وتولية من يرون ذلك له، ثم ~~اجتهد الستة فجعلوا الأمر إلى عبد الرحمن بن عوف، على أن يخرج نفسه منها ~~ويختار منهم من يرى (باجتهاده، ثم رأى) عبد الرحمن أن يوليه من يتبع سنة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فعرض ~~ذلك على علي، فقال علي: أعمل بكتاب الله وسنة نبيه، واجتهاد رأيي، وعرضه ~~على عثمان فقبله على ما شرطه عليه، فرأى عبد الرحمن أن يوليه (من عمل فيه) ~~بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أبي بكر وعمر، لأنه رأى الناس قد ~~صلحوا على سيرتهما، وفتحت الفتوح في أيامهما، ووجدت فيهم الصفة التي وصفهم ~~الله تعالى بها، ورأى موعود الله تعالى قد صح ms622 فيهم، في قوله تعالى: {وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم} [النور: 55] إلى آخر الآية. # واتفقت آراؤهم على جواز الشورى، واتفقت أيضا في جعل الأمر إلى عبد ~~الرحمن، واختلفت في أمور أخر. فلم ينكر بعضهم على بعض اجتهاد رأيه، (وإن ~~خالف به رأي غيره، بل سوغوا لكل ذي رأي منهم رأيه) وما أدى إليه اجتهاده. ~~وأجمعوا باجتهادهم على وضع الجزية على الطبقات المعلومة، وعلى وضع الخراج ~~على أرض السواد، وعلى مضاعفة الصدقات على بني تغلب. والقضايا التي اختلفوا ~~فيها باجتهاد آرائهم أكثر من أن يمكن الشك فيها، أو أن يعرض فيها ريب لذي ~~فهم ودراية. # PageV04P055 # وشبه علي - عليه السلام - الجد بنهر يأخذ منه جدول، ثم يتشعب منه شعبتان، ~~وشبهه زيد بن ثابت بغصن نبت من شجرة، ثم نبت من الغصن غصنان.) وقال عمر - ~~رضي الله عنه - في رسالته المشهورة إلى أبي موسى: وقس الأمر عند ذلك، وقال ~~ابن مسعود: (لقد أتى علينا زمان ولسنا نقضي، ولسنا هناك، فمن عرض له قضاء، ~~فليقض بما في كتاب الله تعالى وإن لم يكن في كتاب الله، فبسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإن لم يكن في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فليجتهد رأيه) ولو لم يكن الاجتهاد في إدراك أحكام الحوادث عندهم سائغا، ~~لأنكره بعضهم على بعض، ولما جاز منهم وقوع التواطؤ على ترك النكير على ~~القائل به، وكان لا أقل أن يكون بينهم فيه خلاف، فيقول به بعضهم، وينفيه ~~بعضهم، كسائر ما اختلفوا مما طريقه الاجتهاد، وإن لم يظهر منهم نكير على ~~القائل به فلما توافوا كلهم على تجويزه - إما رجل قد يستعمله وأخبر عن نفسه ~~به، وإما رجل لم ينكره، إذ لم يحفظ عنه قول في المسائل - ثبت بذلك إجماعهم ~~عليه. # ألا ترى أنهم لما اختلفوا فيما طريق الحق فيه واحد، ولا يسوغ الاجتهاد في ~~العدول عنه، خرجوا منه إلى اللحن والبراءة، ونصب الحرب والقتال، كنحو ~~اختلافهم (في إنشاء) حرب ms623 الجمل وصفين، وقتال الخوارج، لما كان الحق فيه ~~واحدا، وكان الدليل عليه قائما بارزا، لم يسوغوا الاجتهاد فيه، ولم يكن ~~منزلة هذا الخلاف عندهم كمنزلة الخلاف في الجد، والخلية، والبرية، والحرام، ~~وما أشبه ذلك. فدل ما وصفنا على انعقاد اتفاق السلف، على تسويغ الاجتهاد في ~~أحكام الحوادث # PageV04P056 # فإن قال قائل: روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «القضاة ~~ثلاثة: فقاض اجتهد فأصاب فهو في الجنة، وقاض حكم بغير الحق متعمدا فهو في ~~النار، وقاض اجتهد فأخطأ فهو في النار» . # قيل له: أول ما في (هذا) : إن هذا الخبر قد دل على إباحة الاجتهاد، لأنه ~~حكم لمن أصاب في اجتهاده بالجنة، ولولا أن الاجتهاد مأمور به لما استحق ~~الجنة عند الإصابة في اجتهاده، لأن الاجتهاد لو كان محظورا لما استحق ~~الثواب على ما أداه إليه، لأن السبب إذا كان محظورا، فغير جائز أن يستحق ~~الثواب على مسببه. # ألا ترى أن من رمى مسلما محظور الدم، فأصاب كافرا حربيا: أنه لا يستحق ~~الثواب بهذه الإصابة. لكون السبب الذي عنه كان محظورا. وأما قوله في الذي ~~أخطأ: إنه في النار، فإن الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا لا نسوغ ~~الاجتهاد في كل شيء، وإنما نجيزه في بعض الأشياء دون بعض، على ما بينا فيما ~~سلف. وعلى ما حكينا عن الصحابة، في تقسيمنا اختلافهم على قسمين: أحدهما: ما ~~كان من باب الاجتهاد، والآخر: خارج عن باب الاجتهاد وداخل في الأمور التي ~~كلفوا إصابة المطلوب. فجائز أن يكون وعيد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك إنما خرج على من اجتهد فيما قد قامت دلالته وظهرت حجته فأخطأه، كخطأ ~~الخوارج وأضرابهم، فهم في النار. # PageV04P057 # وقد روي أن عليا - عليه السلام - سئل عن معنى هذا الحديث، وقد رواه. ~~فقال: هذا الحروري مجتهد وهو في النار. وقال الحسن: (مر بي أنس وقد بعثه ~~زياد) إلى أبي بكرة يعاتبه، فانطلقت معه، فدخلنا على الشيخ وهو مريض، ~~فأبلغه عنه، وقال: إنه يقول: ألم أستعمل عبيد الله على ms624 فارس؟ ألم أستعمل ~~روادا على دار الرزق؟ ألم أستعمل عبد الرحمن على الديوان وبيت المال؟ فقال ~~(أبو بكرة) : هل زاد على أن أدخلهم النار قال أنس: لا أعلمه إلا مجتهدا، ~~فقال الشيخ: أقعدوني إني لا أعلمه إلا مجتهدا، فأهل حروراء قد اجتهدوا، ~~فأصابوا أم أخطئوا؟ قال الحسن فرجعنا مخصومين " فجاز أن يكون ما ورد من ~~وعيد المخطئ في اجتهاده، فيما كان من هذا القبيل. # والوجه الثاني: أن يجتهد - وليس من أهل الاجتهاد - جاهلا بالأصول، أو ~~حافظا لها جاهلا بطرق الاجتهاد، ووجوه المقاييس. فلا يجوز له حينئذ ~~الاجتهاد. # وروى أبو العالية هذا الحديث عن علي من قوله: قال: فقلت ما هذا الذي ~~اجتهد فأخطأ قال: كان قوله: إذا لم يحسن أن يقضي أن لا يقضي # فإن قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفصل بين المجتهدين، وعم ~~الجميع إذا أخطئوا. قيل له: خصصناه فيمن ذكرنا، للدلائل التي قدمنا في ~~إباحة الاجتهاد، وباتفاق الصحابة عليه، وعلى أن هذا إنما هو كلام بين من ~~يقول: الحق في واحد، وبين من # PageV04P058 # يقول: كل مجتهد مصيب. ولا يعترض على القول بالاجتهاد، لأن فيه إباحة ~~الاجتهاد، والحكم باستحقاق الثواب للمصيب على ما قدمنا. # فإن قيل: روي «أن رجلا أجنب في سفر وهو مريض، فاستفتى جماعة كانوا معه في ~~التيمم، فقالوا: ما نرى لك إلا الغسل، فاغتسل، فمات، فبلغ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خبره، فقال قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال؟» وروي ~~في خبر حمل بن مالك حين «قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بدية الجنين على ~~عاقلة المرأة، فقال المقضي عليه: كيف تدي من لا أكل، ولا شرب، ولا صاح، ~~فاستهل. فمثل ذلك يطل فقال النبي: أسجع كسجع الأعراب وقضى فيه بالغرة» ، ~~فكان هؤلاء مجتهدين، ولم يكونوا معذورين عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الاجتهاد. # قيل له: نحن لا نجيز الاجتهاد مع نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا مع ~~دليل قائم من واحد من هذه الأصول. فأما الأولون: فإنهم أشاروا على ms625 المريض ~~بالغسل مع خوف التلف، وليس هذا موضعا يسوغ فيه الاجتهاد. # ألا ترى: أن عمرو بن العاص قال في مثل ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] فرضي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فعله، فمن أجل ذلك أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم ~~ذلك. ولأن الله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، ~~وقال عز وجل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ، ونحو ذلك من ~~الآي. # PageV04P059 # وأباح للمريض التيمم، لخوف الضرر الذي يلحقه باستعمال الماء، ومثل ذلك لا ~~يسوغ الاجتهاد معه، فلذلك أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما حديث ~~حمل: فإن القائل فيه اعترض على النص بعد سماعه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يوجب الغرة على العاقلة، فكان قوله منكرا، مردودا. فإن اعترض معترض على ~~ما قدمنا من اتفاق الصحابة على جواز الاجتهاد، وتسويغهم له في أحكام ~~الحوادث، وتركهم النكير من بعض على بعض فيه. # فإن الصحابة قد ظهر منها النكير من بعضهم على بعض في الاجتهاد، وخرجوا ~~فيه إلى التلاعن، وإلى استعظام الاجتهاد في مسائل الفتيا، من ذلك قول أبي ~~بكر - رضي الله عنه -، (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب ~~الله برأيي) وقال عمر (أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار) ، وقال علي كرم ~~الله وجهه: (من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد) وقال عبد الله بن ~~مسعود (من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى، نزلت بعد الطولى) يعني قوله ~~تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن # PageV04P060 # حملهن} [الطلاق: 4] نزلت بعد قوله تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: ~~234] ، وقال ابن عباس (من شاء باهلته أن الجد أب) وقال: (ألا يتقي الله ~~زيد، يجعل ابن الابن بمنزلة الابن، ولا يجعل الجد بمنزلة الأب؟) . # وقالت عائشة للمرأة التي أخبرتها أنها باعت من زيد بن أرقم خادما بستمائة ~~درهم، ثم اشترته بثمان مائة درهم. فقالت: (بئسما اشتريت وبئسما اشتريت ~~أخبري) زيد بن أرقم أن الله قد أبطل ms626 جهاده مع رسوله (إن لم يتب) وهذا غايته ~~النكير والوعيد. وقال علي: (لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى ~~بالمسح من ظاهره، لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح ظاهر ~~الخف) . وروي عن عمر أنه قال: (إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعيتهم الأحاديث ~~أن يحفظوها فقالوا بالرأي) وروى مسروق عن عبد الله قال (قراؤكم وصلحاؤكم ~~يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الأمور برأيهم) وعن مسروق أنه قال: ~~(لا أقيس شيئا # PageV04P061 # بشيء فإني أخاف أن تزل قدمي) # وقال ابن سيرين: أول (من قاس) إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس ~~وقال أشعث: كان محمد بن سيرين لا يكاد أن يقول شيئا برأيه وسئل الشعبي عن ~~شيء فقال للسائل: (لعلك من القائسين) وتذاكروا القياس يوما بين يدي الشعبي ~~فقال: إن أخذتم به أحللتم الحرام وحرمتم الحلال وقال ابن أبي ليلى كان ~~الشعبي لا يقيس وروي أن أبا سلمة بن عبد الرحمن كان لا يفتي برأيه. # الجواب: قد ثبت عن السلف، القول باجتهاد الرأي، واستعمال المقاييس، في ~~أحكام الحوادث بالأخبار المتواترة، والآثار المشهورة، التي يعجز الكتاب عن ~~ذكرها، ولا يمكن أحدا سمعها الشك فيها. - فأما ما روي عن أبي بكر مما ذكرت، ~~فإنه مشهور عن أبي بكر، أنه قال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن يكن ~~صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وثبت عنه القول بالاجتهاد في كثير من ~~المسائل، فإن صح عنه ما رويت من قوله: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا ~~قلت في كتاب الله عز وجل برأيي، فإنه قد روي عنه في هذا الخبر بعينه، إذا ~~قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله، وإنما مراده منع الاجتهاد مع وجود ~~النص أو دليله، ولسنا نجيز الاجتهاد في مثله. وأما قول عمر: أجرؤكم على ~~الجد أجرؤكم على النار، وقول علي: من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في ~~الجد، فإنما مرادهما: أن القول في الجد لطيف المعنى، غامض المسلك، فلا يجوز ~~لأحد القول فيه، إلا لمن كان ms627 بارعا متقدما في النظر، عالما بوجوه المقاييس ~~والاستدلال. # ألا ترى أنهما قد قالا في الجد، فعلمنا أنهما لم يريدا بذلك منع أنفسهما ~~وأمثالهما من # PageV04P062 # القول في الجد بالاجتهاد. وإنما أرادا بذلك، من تقصر منزلته عن القول ~~فيه، كما قال عمر لأبي هريرة في شيء ذكره له، أنه أفتى به، فقال له: لو قلت ~~غير هذا لأوجعتك. وأما قول عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته أن سورة ~~النساء القصرى نزلت بعد الطولى، فإنما ذكر المباهلة بينه وبين من خالفه في ~~تاريخ السورتين، والصحابة لم تخالفه في ذلك، وإنما خالفه علي وابن عباس - ~~رضي الله عنهما - في حكمهما، فقالا باستعمال الآيتين، وجعلا عدة المتوفى ~~عنها زوجها - إذا كانت حاملا - أبعد الأجلين، ورأى عبد الله: أن قوله ~~تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] مخصص لقوله ~~تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] فلم تكن المباهلة المذكورة ههنا ~~في تأويل الآيتين، وإنما ذكرها في تاريخهما، ولم يخالفه أحد في تاريخهما، ~~إلا أنه دعا من خالفه إلى اعتبار آخرهما نزولا، فيما وردت فيه دون غيرها، ~~وهو قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] . # وأما قول ابن عباس: من شاء باهلته أن الجد أب. فإنه موضع يوجب المباهلة ~~لمن أنكر ما قال، لأن الله تعالى قد سمى الجد أبا بقوله عز وجل {ملة أبيكم ~~إبراهيم} [الحج: 78] وقوله تعالى: {يا آدم} [البقرة: 33] ولم يوجب المباهلة ~~لمن خالفه في الحكم، إن أوجبها لمن خالفه في التسمية. وأما قوله: ألا يتقي ~~الله زيد فإنما نبهه به على وضوح الدلالة في إلحاق الجد بحكم الأب، وهو ما ~~استدل به من ابن الابن، وليس فيه دليل لإنكار وإنما هو تنبيه على ~~الاستدلال. وأما حديث عائشة في قصة زيد بن أرقم، فإنما قالته عندنا توقيفا ~~لا اجتهادا، لأن ما # PageV04P063 # كان طريقه الاجتهاد لا يلحق فاعله فيه الوعيد. وليس في الخبر أن زيدا ~~أقام بعد قولها على ذلك البيع. وعلى أن إنكار عائشة على زيد لا يخلو من أن ~~تكون ms628 لما عرفت من طريق التوقيف أو الاجتهاد، فإن كانت قالته توقيفا فهو ما ~~قلنا، ولا معنى لذكره ههنا. وإن قالته اجتهادا، فقد استعملت الاجتهاد في ~~إبطال ذلك البيع، وإظهار النكير فيه على زيد، فأنت من حيث أردت أن تثبت ~~عنها نفي الاجتهاد. فقد أثبت قولها بالاجتهاد، ثم يصير حينئذ الكلام فيه ~~بين من يقول: إن الحق في واحد، أو في جميع أقاويل المختلفين، وهذا الباب لا ~~مدخل لمبطلي الاجتهاد فيه. وأما قول علي - رضي الله عنه - لو كان الدين ~~بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، فإنما أراد أن أصول الشريعة ~~لم تثبت من طريق القياس، وإنما طريقها التوقيف. وغير جائز استعمال القياس ~~في رد التوقيف، فكان القياس أن يكون باطن الخف أولى بالمسح، لأنه يلاقي ~~الأرض بما عليها (من) طين، وتراب، وقذر (ولا يلاقيها، ظاهره) إلا أنه لم ~~يستعمل القياس، لأنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ظاهر الخف ~~دون باطنه، فهذا يدل على أنه كان مراده نفي القياس مع النص. وأما ما روي عن ~~عمر أنه قال: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، ~~فقالوا بالرأي. فإنه لا يروى عنه من وجه يصح، ولو ثبت ذلك عنه، فإنه وما ~~أشبهه من الأخبار التي فيها ذم القياس والرأي ينصرف القول فيها إلى وجوه. # أحدها: أن قوما يقدمون القياس على أخبار الآحاد. وقوم آخرون يقولون: ~~للفقهاء أن يقولوا بآرائهم، وبما يسنح في أوهامهم، ويخطر ببالهم في الباب ~~الذي فيه الحادثة، من غير احتذاء منهم على أصل، ولا رد على نظير، # PageV04P064 # وقوم يجتهدون قبل حفظ الأصول وإتقانها. فانصرف ذم من ذم الرأي إلى أحد ~~هذه الطوائف، لأنه قد ثبت عندهم القول بالرأي عند عدم النصوص. # ويدل على أن عمر - رضي الله عنه - إنما أراد من قال بالرأي قبل حفظ ~~الأصول من الكتاب والسنة والإجماع، قوله: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعيتهم ~~الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي. فخص بالذم من ترك أحاديث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن ms629 يحفظها، وأقدم على القول بالرأي قبل العلم بها، ~~وفاعل ذلك مذموم عندنا، غير مسوغ له الاجتهاد. وكذلك قول عبد الله: ويتخذ ~~الناس رؤساء جهالا، يقيسون الأمور برأيهم، هو على هذا المعنى، لأنه ذمهم ~~على هذا القول بالرأي مع الجهل بالأصول المنصوصة. وأما ما روي عن مسروق: ~~أنه قال: لا أقيس (شيئا) بشيء، فإني أخاف أن تزل قدمي، فإن مسروقا قد كان ~~ممن يقول بالرأي والاجتهاد، مشهور ذلك عنه، وقد روي عن إبراهيم عن مسروق ~~أنه كان يقول: قال عبد الله في الأخوات من الأب والأم، والإخوة والأخوات من ~~الأب: يجعل ما فضل عن الثلثين للذكور دون الإناث، فخرج خرجة إلى المدينة، ~~فجاء وهو يرى أن يشرك بين الإخوة والأخوات من الأب فيما زاد على الثلثين. ~~فقال له علقمة: (ما ردك عن قول عبد الله؟ ألقيت أحدا هو أوثق في نفسك منه؟ ~~قال: لا. ولكن لقيت زيد بن ثابت، فوجدته من الراسخين في العلم) # PageV04P065 # ومعلوم أنه لم يرجح قول زيد في نفسه، ولم ينتقل عن قول عبد الله إليه إلا ~~باجتهاد ورأي، أوجبا ذلك عنده. وعلى أنه ليس في قوله: (لا) أقيس شيئا بشيء ~~دلالة على أنه كان لا يرى القول بالقياس جائزا، كما لو قال: لا أفتي، لأني ~~أخاف أن تزل قدمي، لما دل ذلك على أنه كان لا يرى الفتيا جائزة، وإنما يدل ~~ذلك على التوقي، لما قد كفاه غيره. كما قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: (أدركت ~~عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما منهم رجل ~~يستفتى، إلا ود أن صاحبه كفاه) . محتمل أن يريد أنه لا يقيس قبل حدوث ~~الحادثة، كما روي عن أبي أنه سئل عن شيء فقال: (أكان هذا؟ فقال السائل: لا. ~~فقال: أجمنا حتى يكون) . وأما قول ابن سيرين: أول من قاس إبليس، وأن الشمس ~~والقمر إنما عبدا بالمقاييس، فإنما أراد به المقاييس الفاسدة، التي لم يقع ~~بناؤها على أصول صحيحة، لأنه لا يجوز أن يظن به أنه كان لا ms630 يرى المقاييس ~~الصحيحة. والاستدلال على التوحيد، وعلى صدق الرسول جائزا، وكيف يجوز على ~~مثله أن يقوله وهو يسمع الله تعالى، وهو يحكي عن إبراهيم، الاستدلال على ~~حدث الشمس والقمر، وأنهما كانا كسائر المخلوقات لما فيهما من آثار الصنعة، ~~والتغيير بالحركة والزوال، في قوله تعالى: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~قال هذا ربي فلما أفل} [الأنعام: 76] إلى آخر # PageV04P066 # القصة. ثم قال تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} [الأنعام: ~~83] ثم قال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] ~~فعلمنا أن مراده كان المقاييس التي (لا) يقع بناؤها على أصول صحيحة. # وأما قول الشعبي: إن أخذتم بالمقاييس، أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال، وما ~~روي عنه، أنه كان لا يقيس، فإن هذا إنما يدل من قوله، على أنه كان لا يرى ~~القياس جائزا في كل شيء، ولسنا نجيز القياس في كل شيء، وإنما نجيزه، فيما ~~لا نص فيه، وإنما منع قياسا يحرم ما أباحه النص، أو يبيح ما حرمه النص، ~~(وذلك) لأن مذهب الشعبي في الاجتهاد والقياس أظهر من أن يخفى، وجل فقهاء ~~الكوفة إنما أخذوا طريقة القياس عنه، وعن أمثاله، وما علمنا أن الشعبي كان ~~يرى القياس إلا كعلمنا بأن حمادا، والحكم، وبعدهما ابن شبرمة وابن أبي ليلى ~~كانوا يرون القياس جائزا في الحوادث. وقد روي عن الشعبي أنه قال: (القضاء ~~على ثلاثة: آية محكمة، أو سنة متبعة أو رأي مجتهد.) وقال الفرات بن أحنف: ~~(قضى الشعبي على رجل، فقيل له: اقض بما أراك الله، فقال إنما أقضي برأيي) . # PageV04P067 # وذكر أبو حصين: أن الشعبي قضى بقضية ثم قال: ما أدري أصبت أم أخطأت؟ ولكن ~~لم آل. وأما ما روي عنه أنه كان لا يقيس، فإنه قد روي (عنه) أنه كان صاحب ~~آثار، ويشبه أن يكون هذا أصل الحديث. وإنما عبر عنه الراوي بالمعنى، كان ~~عنده على وجه التأويل. وقد كان حفظ الآثار أغلب عليه من القياس. فمعنى ~~قوله: إنه كان لا يقيس، أنه لم يكن نفاذه في القياس، كنفاذ غيره. كما ms631 روي ~~أن الشعبي، وإبراهيم، وأبا الضحى، كانوا يجتمعون في المسجد يتذاكرون، فإذا ~~جاءهم شيء ليس عندهم فيه رواية رموا إبراهيم بأبصارهم، فهذا يدل على أن ~~إبراهيم كان في القياس أنفذ منه، وكان الشعبي أحفظ للآثار، فلذلك كان لا ~~يقيس، وهو يعني أن حفظ الآثار، كان أغلب عليه من القياس، كما يقال: فلان ~~صاحب آثار، و (فلان) صاحب قياس، وإن كانا جميعا يقولان بالآثار والقياس. ~~فنسب كل واحد منهما إلى أغلب الأمرين عليه. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون اختلاف الصحابة في الحوادث، وأقاويلهم ~~فيها، إنما كانت من طريق التوسط بين الخصمين، والصلح، أو على جهة ندر ~~المسائل. لا (على) جهة قطع الحكم وإبرام القضاء. # PageV04P068 # قيل له: الذين نقلوا إلينا أقاويلهم، كانوا عالمين بفصل ما بين التوسط ~~والصلح، وبين فصل القضاء، وإبرام الحكم، لأنهم كانوا قوما فقهاء، عارفين ~~بمعاني الكلام، ووجوهه (وقد) نقلوا إلينا قضاياهم، وقطعهم للحكم، بالأقاويل ~~التي ذهبوا إليها. فإن جاز أن يقال: (إن ذلك كان) على وجه الصلح والتوسط ~~بين الخصوم، لجاز مثله في نقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما امتنع ~~أن يقال ذلك في أحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقضاياه، لأن الناقلين ~~لها قد بينوا أنها كانت على وجه القضاء، وإبرام الحكم، وهم قوم لا يجوز على ~~مثلهم، في مثل حالهم الغلط، واشتباه أمر القضاء، والصلح عليهم، حتى لا ~~يفصلوا بينهما، علمنا سقوط قول من تأول مثله من أقاويل السلف في الحوادث. ~~وما علم الناقلين بأن تلك الأحكام لم تكن إلا على وجه القضاء وإلزام الحكم ~~إلا كعلمنا بأقاويل فقهائنا، وجوابات مسائلهم، أنها ليست منهم على وجه ~~الصلح والتوسط بين الخصوم، وأنهم أجابوا فيها على أنها أجوبة تلك المسائل، ~~وأحكامها، دون غيرها. # وأيضا فإن فيما نقلوا إلينا من أقاويلهم وقياسهم، عبادات ليست من حقوق ~~الآدميين، ولا مدخل للصلح والتوسط فيها، نحو: مسائل الصلاة، والصيام، ~~والعتق والطلاق، مما لا يجوز الاصطلاح فيه على خلاف الحكم الواجب. أجاب ~~فيها كل منهم بجوابه فيها، على وجه ms632 إبرام الحكم، وإلزام القضية، فدل على ~~سقوط هذا السؤال. قال أبو بكر: قد ذكرنا صدرا مما احتج به لإثبات القياس ~~والاجتهاد من دلائل الكتاب والسنة، واتفاق الأمة. # ونذكر الآن ما يدل عليه من جملة حجج العقول والنظر الصحيح. فنقول وبالله ~~التوفيق: إن العبادات (قد) ترد من الله تعالى على أنحاء ثلاثة: # PageV04P069 # واجب في العقل: فيرد العقل بإيجابه، تأكيدا لما كان في العقل من حاله، ~~وذلك نحو التوحيد، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشكر المنعم، ~~والإنصاف، وما جرى مجراه. # والثاني: محظور في العقل: فيرد الشرع بحظره، تأكيدا لما كان في العقل من ~~حكمه، قبل وروده، نحو: الكفر، والظلم، والكذب، وسائر المقبحات في العقول، ~~وهذان البابان لا يجوز ورود الشرع فيهما خلاف ما في العقل. ولا يجوز فيهما ~~النسخ والتبديل. وقسم ثالث: وهو واسطة بينهما، ليس في العقل حظره ولا ~~إيجابه، إلا على حسب ما تقتضيه حاله: من حسن، أو قبح، وفي العقل تجويز كونه ~~من حيز الواجب، أو المحظور، أو المباح. فإذا حظره السمع علمنا قبحه، وإن ~~أوجبه أو أباحه، علمنا حسنه، فإذا ثبت ذلك ووجدنا الله تعالى قد أباح لنا ~~التصرف في المباحات بحسب رأينا واجتهادنا في اجتلاب المنافع لأنفسنا بها، ~~ودفع المضار عنها، نحو التصرف في التجارات، والرحلة للأسفار، طلبا للمنافع ~~في زراعة الأرضين، وأكل الأطعمة، والتعالج، والأدوية، على حسب اجتهادنا. # والغالب في ظنوننا: أنا نجتلب بها نفعا، ولو غلب في ظنوننا أنا لا نجتلب ~~بها نفعا، أو (ندفع) بها ضررا، لكان تصرفنا فيها قبيحا، وعبثا، وسفها، ثم ~~كانت إباحته ذلك لنا على (هذه الوجوه) مصلحة، ودلالة على حسنه، مع كون هذه ~~الضروب من التصرف موكولة إلى اجتهادنا، ومقصورة على مبلغ آرائنا، وغالب ~~ظنوننا. وقد كان قادرا على أن يتولى ذلك لنا، ويكفينا المؤنة فيه، كما ~~كفانا أكثر أمورنا التي حاجتنا إليها ضرورة. ولكنه وكل ذلك إلى آرائنا ~~واجتهادنا، لما علم لنا فيه من # المصلحة # PageV04P070 # والتشبه على أمر الآخرة، وليشعرنا أن ثوابه لا ينال إلا بالسعي والتزهيد ~~في ms633 الدنيا، والترغيب في الجنة، التي لا تعب فيها ولا نصب، وغير ذلك من وجوه ~~المصالح التي لا يحيط علمنا بها، وإذا ثبت ذلك في المباحات التي قد علمنا ~~تعلقها بالمصالح كتعلق المحظورات، والواجبات، مما يجوز فيه النسخ، ~~والتبديل، ثم كان ذلك موكولا إلى اجتهادنا، وغالب ظنوننا، وكان ذلك من أمور ~~الدين، إذ كان أكبر المصالح، ما كان في أمر الدين، فقد ثبت جواز الاجتهاد ~~في سائر حوادث أمر الدين، مما لم ينص لنا فيه على شيء بعينه، ولم تتفق ~~الأمة عليه. # وأيضا: فقد وافقنا خصومنا من نفاة القياس على وجوب استعمال الرأي، ~~والاجتهاد، والعمل بما يؤدي إليه غالب الظن، في تدبير الحروب ومكائد العدو، ~~وما يقاتلون به على وجه يكون في غالب ظنوننا، أنه إلى قوة أمر الإسلام وعلو ~~أمره، ووهن الكفر، وسقوطه، وذلك كله في أمور الدين. فإذا جاز ذلك في بعضه، ~~كان الجميع بمثابته. كما أنه لما جاز ما وصفنا في بعض أمور الحرب، ومكائد ~~العدو، كان جميعه بمنزلة بعضه. # ويدل على وجوب الاجتهاد فيما ذكرنا، اتفاق الجميع على أن رجلا لو قصد ~~رجلا بسيف مشهور. أن الواجب على المقصود بذلك، استعمال الاجتهاد في أمره. ~~فإن غلب # PageV04P071 # في) ظنه أنه مازح لاعب لم يجز له قتله. وإن غلب في ظنه أنه قاصد قتله، ~~كان له أن يقتله. فكان حكم جواز الإقدام على قتله منوطا بغلبة الظن، وإذا ~~جاز الحكم بغلبة الظن في مثله فما دونه أحرى بجواز ذلك فيه. ومما يدل على ~~ذلك أيضا: أن أحكام الشرع لا تخلو من أن تكون مستدركة من طريق النص ~~والاتفاق، أو من هاتين الجهتين. # ومن جهة معان مودعة فيها يجب اعتبار الأحكام بها، فلما وجدنا الأمة متفقة ~~على أن الحكم قد يرد من الله تعالى، ومن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في أشخاص بأعيانها، في أمور منصوص عليها، فيكون ذلك الحكم جاريا في أغيارها ~~(لمشاركتها) لها في معانيها. نحو قوله: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ~~علم به النهي عن السب ms634 والضرب. ونحو قوله تعالى: {ولا يظلمون فتيلا} ~~[النساء: 49] وقوله تعالى: {ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 124] ونحو قوله ~~تعالى {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك} [آل عمران: 75] فلم يكن الحكم المذكور (به) مقصورا به ~~على المنصوص # PageV04P072 # عليه، بل كان حكما فيه وفي غيره، مما يشاركه في معناه. علمنا بذلك أن ~~الحكم قد يجب بالنص والاتفاق، وقد يجب بالمعنى، وإن لم يكن مذكورا. ومثله ~~ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حكمه في أشخاص (بأعيانها) ، ~~وأمور معينة لم يعلق الحكم فيها باسم عموم. وكان الحكم جاريا على معان ~~مودعة في النص، نحو: حكمه بالغرة في الجنين. وكان ذلك حكما في شخص بعينه. ~~(وحكمه في الفأرة إذا ماتت في سمن: أنه إن كان جامدا ألقيت وما حولها، وإن ~~كان مائعا أريق) ، ونحو رجمه ماعزا حين زنى وتخييره بريرة حين أعتقت ولها ~~زوج، (وأمره ابن عمر أن يراجع امرأته حين طلقها في الحيض) ، ثم كان كحكم ~~الزيت: حكم السمن إذا ماتت فيه فأرة، وكان العصفور بمنزله الفأرة إذا مات ~~فيها، وكان حكم غير ماعز من الزناة المحصنين: حكم ماعز، وكان حكم غير ~~بريرة، وغير ابن عمر: حكم ما ورد فيه الأثر، ونص عليه، لوجود المعنى فيه، ~~وإن لم يكن منصوصا عليه باسمه، ثبت بذلك من الأحكام ما هو منصوص عليه، وإن ~~منها ما هو مودع في النص يجب اعتباره وإجراء الحكم عليه، من المعاني ما ~~يكون جليا ظاهرا، ومنها ما يكون خفيا غامضا. فالجلي منها: نحو ما ذكرنا، ~~مما لا يحتاج معه إلى نظر ولا استدلال. (والخفي منها يحتاج إلى نظر ~~واستدلال) فحيثما وجدنا المعنى وجب إجراء الحكم عليه، إذ قد ثبت أن الحكم ~~قد يتعلق بالمعنى، كما يتعلق بالاسم وبالعين، كما أنه إذا علق الحكم ~~بالاسم، وجب اعتباره به، حيث وجد. # فإن قال قائل: إنما وجب عند ورود الحكم في شخص بعينه: الحكم بمثله في ~~غيره # PageV04P073 # من الأشخاص، من قبل أن ms635 الجميع مخاطبون بالشريعة، متساوون فيها، إلا من ~~خصته الدلائل بشيء دون سائرهم. وقد عقلنا قبل ذلك: أن كل حكم حكم به في ~~شخص، فهو لازم في جميع الأشخاص. فمن هذه الجهة وجب ما ذكرت (لا) من جهة ~~اعتبار المعنى. # قيل له: لم يلزم الحكم الواقع في شخص في سائر الأشخاص من حيث ذكرت، (دون ~~اعتبار المعنى) وإجراء الحكم على من شاركه فيه. # ألا ترى أن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنين، ليس هو حكما ~~فيمن لم يكن في مثل معناه، وأن حكمه في السمن الذي ماتت فيه الفأرة، ليس هو ~~فيما لم يشاركه في المعنى، وأن حكمه برجم ماعز، ليس هو حكما في سائر الناس، ~~ممن لم يوجد منه الزنا. وكذلك حكمه في بريرة بالتخيير. ونظائر ذلك مما يكثر ~~تعداده، إنما هو حكم في غيرهم من جهة المعنى، واعتباره به. فثبت بذلك وجوب ~~اعتبار المعنى في إيجاب الأحكام على الوجه الذي ذكرنا. # فإن قيل: ولم وجب اعتبار المعنى في إيجاب الأحكام، من حيث وجب اعتبارها ~~فيما استشهدت به. وهو موضع الخلاف بيننا وبينكم؟ قيل له: لما ثبت تعلق ~~الأحكام بالمعاني على الوجوه التي وصفنا لزم اعتبارها في أغيارها مما فيه ~~المعنى، كما وافقنا خصومنا في العقليات: أن الحكم إذا تعلق بالمعنى، فحيثما ~~وجد المعنى وجب اعتباره، ولأنه لما ثبت تعلقه بالمعنى على الوجه الذي ~~ذكرنا، فمن حيث وجد ساواه غيره في المعنى، وجب أن يكون حكمه حكمه. # ألا ترى أن كل من أجاز اعتبار المعنى وإجراء الأحكام عليها في نوع من ~~الحوادث، أجازه في جميعها، مما طريقه الاجتهاد. # PageV04P074 # فلو قال قائل: إني أجيز اعتبار المعاني والقياس عليها في الطلاق دون ~~العتاق، وفي الصلاة دون الزكاة، لكان قوله ساقطا مرذولا. كذلك من أجاز ~~اعتبار المعاني، وأجرى الحكم عليها في بعض الأشياء، ومنع في بعضها، مما ~~شاركه في المعنى، فقوله ساقط. وجميع ما ذكرنا من جهة حجج العقول في إثبات ~~القياس، فإنما تكلم به قوم عقلاء (قد) أثبتوا حجج العقول، ms636 وأحكامها. فأما ~~من أنزل نفسه منزلة البهيمة وقال: بل على العقول. ونفى أن تكون السموات ~~والأرض دلائل على الله تعالى، فإنه جدير بالتهمة بالإسلام، وأن يكون من دسس ~~الملحدين والزنادقة، في الصرف عن الاستدلال على التوحيد، وعلى أحكام الله ~~تعالى، ومثله إنما يثبت عليه القول بحجج العقول، بحيث لا يمكنه دفعه، على ~~ما بيناه في بابه. # ثم يلزم اعتباره في أحكام الحوادث على الوجه الذي ذكرنا، وتكلم في هذا ~~الموضع بعموم الآيات التي قدمنا ذكرها في الأمر بالاعتبار والاستدلال. ~~فالرد إلى كتاب الله تعالى، وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإذا لم ~~نجد حكم الحادثة منصوصا في الكتاب، علمنا وجوب الرد إليهما من جهة المعنى، ~~إذ قد ثبت اعتبار المعاني بما ذكرنا من تعلق الحكم بها، وإن حكم بها في ~~أشخاص بأعيانهم، وما جرى مجرى ذلك مما يعترف هو بلزومه وثبوت حجته من ~~العموم وظواهر الأسماء وبالله التوفيق. وقد كان أبو الحسن يحتج لإثبات ~~القياس: بأنه ما من حادثة، إلا ولله تعالى فيها حكم. إما بحظر، أو إباحة، ~~أو إيجاب، فلا يخلو حينئذ الحكم فيها من أن يكون مستدركا من طريق النص، أو ~~من غير جهة النص، فيرد إلى النص، ويبنى عليه. فلما امتنع وجود النص في جميع ~~الحوادث - لأنها لو كانت منصوصا على حكمها - لما كانت حوادث، ولكانت أصولا، ~~ولأنا لم نجد في سائر الحوادث نصوصا، ولأنه يستحيل وجود النص فيها، إذ كانت ~~الحوادث لا غاية لها (يحيط علمنا) (بها) - ثبت أن أحكام الحوادث كلها ليست ~~منصوصا عليها. # PageV04P075 # ثم لا يخلو بعد ذلك القول فيها من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مستدركا ~~من جهة الظن والتخمين، (وما) يسبق إلى الوهم، من غير رد إلى أصل، أو الوقف ~~فيها، أو ردها إلى الأصول المنصوص عليها بالمعاني التي جعلت علما لأحكامها، ~~على ما قال القائسون. والقول بالوقف والتخمين: باطل عند الجميع. فثبت وجوب ~~ردها إلى الأصول بالمعاني التي تضمنتها، وجعلت علما للحكم فيها، فيحكم لها ~~بحكمها، وهذا هو القياس الشرعي ms637 الذي نقوله. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون النص على وجهين. نص جلي، ونص خفي. فأما ~~الجلي: فهو الذي يعقل معناه من لفظه. وأما الخفي: فهو الذي يدرك بالتأمل ~~والتدبر، والفكر، والنظر. فتكون أحكام الحوادث مأخوذة من هذه الجهة، وقد ~~استغنينا به عن القياس والاجتهاد. # قيل له: أدل ما في هذا: أن قولك بالنص الخفي متناقض فاسد. لأن النص في ~~اللغة: المبالغة في إظهار المعنى الذي هو عبارة عنه، ومنه قولهم: نصصت ~~الحديث إلى فلان، يعني أظهرت أصله ومخرجه، وقال الشاعر: # أنص الحديث إلى أهله ... فإن الأمانة في نصه # ويقولون: نصصت الدابة في السير، إذا بالغت في إظهار ما في وسعها، وطاقتها ~~من ذلك. و (منه) المنصة. سميت بذلك لأن الجالس عليها يكون ظاهرا للحاضرين. ~~فإذا كان النص هو الإظهار والإبانة، تناقض قول القائل: نص خفي، لأنه يكون ~~حينئذ بمنزلة من قال: ظاهر خفي. وواضح غامض. وهذا متناقض فاسد. فبان بذلك ~~بطلان قول من قال: نص خفي. ثم لو سلمنا (له) اللفظ، لم يضرنا ذلك، فيما ~~أردنا إثباته، ولم يقدح فيما ذكرنا، لأنه # PageV04P076 # لا يخلو من أن يكون ذلك النص الخفي، طريق إدراكه اجتهاد الرأي على ما ~~قلنا، أو يكون عليه دليل قائم يفضي (بالنظر) إلى العلم به. فإن كان مدركا ~~من طريق الاجتهاد فهو الذي قلنا. وإن كان عليه دليل قائم يفضي بالناظر إلى ~~(العلم) به. فأين كانت الصحابة عنه حين نظروا في أحكام الحوادث، واختلفوا ~~فلم يعنف بعضهم بعضا؟ فلما وجدناهم مختلفين فيها، ولم يدع بعضهم بعضا إلى ~~استدراك حكمها من الجهة التي ذكرت، بل إنما فزعوا إلى القياس واجتهاد ~~الرأي، علمنا به بطلان قولك. # وأيضا: فلو كان عليه دليل قائم لله تعالى - ولم يكن طريقه الاجتهاد - ~~لكان سبيل المخطئ فيه - عند الصحابة - سبيل المخطئ في الأمور التي خرجوا ~~فيها عند وقوع الخطأ إلى اللعن والبراءة، وإلى التحزب في القتال. فلما لم ~~نجدهم فيها كذلك، ثبت بطلان قولك: إن النص الخفي هو الذي عليه دليل قائم. # فإن ms638 قالوا: إن النص الخفي، هو كقوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: ~~23] عقل به النهي عما فوقه. وكقوله تعالى: {وورثه أبواه فلأمه الثلث} ~~[النساء: 11] علم أن الثلثين للأب، ونظائر ذلك. # قيل له: فهذا الضرب من المعاني مما لم يقع فيه (خلاف بين، ولو كان النص ~~الخفي الذي ادعيته لأحكام الحوادث بهذه المثابة، لما وقع فيها خلاف) بين ~~الصحابة، ولا بين أحد من الفقهاء، فقد آل الأمر بنا إلى الرجوع إلى اجتهاد ~~الرأي، وصار المدعي النص # PageV04P077 # الخفي إنما عبر به عن الاجتهاد، وكذلك من ادعى: أن أحكام الحوادث مستدركة ~~من جهة الدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا. فإنه يقال له: خبرنا ~~عن اعتبارك هذا الدليل دون غيره. أقلته بنص، أو إجماع، أو بدليل مثله؟ فإن ~~ادعى فيه نصا، أو إجماعا، طولب بإيجاده، ولا سبيل له إليه. و (إن) قال: ~~قلته بدليل مثله. قيل (له) : فعنه سئلت، فمن أين أثبته؟ وعلى أنه يطالب ~~بإظهاره، ولا سبيل له إلى إثباته، لأن ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، لا ~~يختلف فيه الصحابة. # فإن قال: قلته من جهة اللغة. قيل (له) : فخبرنا عما لا يحتمل في اللغة ~~إلا معنى واحدا، هل يجوز وقوع الخلاف فيه بين أهل المعرفة بمعاني اللغة؟ ~~فإن قال: نعم. # قيل له: فكأنهم لم يعرفوا موضوع لغاتهم، ولا دلالاتها وإن قال: لا. قيل ~~له: فإنما سألتكم عمن عرف موضوع اللغة ودلالاتها، وكان من أهلها، وممن نزل ~~القرآن بلسانه. # فإن قال: لا يجوز وقوع الخلاف فيما كان هذا وصفه بين من ذكرت من أهل ~~اللغة. قيل له: فلم اختلفت الصحابة في أحكام الحوادث، مع وجود الدلالة التي ~~لا تحتمل في اللغة إلا معنى واحدا؟ وخبرني عن النص الذي لا يحتمل في اللغة ~~إلا معنى واحدا، هل يجوز وقوع الخلاف في معناه، وموجب حكمه، بين الصحابة ~~الذين هم من أهل اللغة، # PageV04P078 # والعارفين بمعانيه، ودلالات لفظه؟ فلما وجدناهم مختلفين في أحكام الحوادث ~~علمنا بذلك بطلان قولك. ولو كان ما قلت صحيحا، لكانت ms639 الصحابة أولى باعتباره ~~والرجوع إليه، ولو خفي ذلك على بعضهم لنبهه الباقون عليه، فكان يصير ~~بمنزلتهم في معرفته واستدراك حكمه، إذ كان لذلك سببا مستدركا من طريق اللغة ~~ودلالة الخطاب. وعلى أنه ليس يمكن قائل هذا القول أن يرينا في كل مسألة من ~~الحوادث. كالمكاتب إذا أدى بعض كتابته، وكالخلية، والبرية، وغيرها، من ~~المسائل التي اختلفوا فيها، دليلا لا يحتمل إلا معنى واحدا، فعلمنا أن قائل ~~هذا القول، إنما عبر عن اجتهاد الرأي بالدليل الذي لا يحتمل إلا معنى ~~واحدا. فأخطأ في تسميته. # فإن قال: إن تلك الدلالة تحتمل الوجوه المختلفة، والمعاني المتغايرة. قيل ~~له: فقد وافقتنا على إثبات الاجتهاد في إدراك حكم الحادثة، لأنا كذلك نقول ~~فيما كان طريقه الاجتهاد. وحصل خلافك لنا في العبارة. فإن قال: ما أنكرت أن ~~يكون الواجب في حكم الحادثة: أن يترك الأمر فيها على ما كان عليه حكمه في ~~العقل، قبل ورود السمع. فإن كان مباحا في العقل أقر عليه، وإن كان العقل ~~يوجب حظره أو إيجابه، كان محمولا على ذلك، وما قد دل عليه السمع أيضا في ~~قوله تعالى: {عفا الله عنها} [المائدة: 101] وقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «وما سكت عنه فهو عفو» . # قيل له: فاسد بدلالة الكتاب والسنة، واتفاق الأمة، وذلك أن الله تعالى قد ~~أمرنا بالاستنباط، ورد الفروع إلى أصولها، بقوله تعالى: {لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم} [النساء: 83] وقوله تعالى # PageV04P079 # {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] ، وقوله ~~تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] وقوله تعالى {لتبين للناس ما ~~نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} [النحل: 44] وسائر ما ذكرنا من أخبار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في إباحة الاجتهاد، واستعمال السلف النظر والاستدلال ~~في حكم الحوادث: من نحو الخلية، والبرية، والحرام، والبتة، ولم يقل واحد ~~منهم: اتركوها زوجته على أصل ما كانت عليه، ولا تنظروا في حكم اللفظ. ثم ~~ههنا مسائل لا بد فيها (من) اجتهاد الرأي: كنحو تحري القبلة عند الغيبة ~~عنها، وكأروش الجنايات التي ليس فيها نص على ms640 مقاديرها، وقيم المستهلكات، ~~ونفقات الزوجات. وعلى أن القائل بهذه المقالة مناقض في قوله، لأنه قد أوجب ~~رد حكم الحادثة إلى الأصل الذي كان عليه حال المبتلى بالحادثة. وهذا القول ~~حكم منه في الحادثة بغير الأصل الذي ذكر أنه يجب الرد فيه. قال أبو بكر: ~~على أن القائلين بنفي القياس من سائر من ذكرنا اعتراضاتهم، ممن يقول منهم ~~بالنص الخفي، أو بالدليل الذي لا يحتمل في اللغة إلا معنى واحدا. ومن يقول ~~بترك الشيء على أصل ما كان عليه، لا ينفكون من استعمال القياس، واجتهاد ~~الرأي، في مسائل الحوادث، من حيث لا يعلمون أو يعلمون، فيكابرون ويسمونه ~~بغير اسمه، قصدا منهم إلى الخلاف، وليذكروا في المختلفين، وكذلك لا نجد ~~أحدا ممن ينفي حجج العقول إلا وهو يستعملها ضرورة، وهو لا يعلم أنه ~~يستعملها أو يعلمه ويكابر. وكذلك من ينفي خبر الواحد فإنما ينفيه بالقول، ~~فإذا فتشت مذاهبه وجدته يستعمل أخبار الآحاد ويقول بها من حيث لا يشعر. # PageV04P080 ### | [فصل فيما احتج به مبطلو القياس] # فصل. # فيما احتج به مبطلو القياس من (جهة) ظاهر الكتاب بقوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] فزعموا أن ~~استعمال القياس واجتهاد الرأي تقدم بين يدي الله ورسوله، وقوله تعالى: {ولا ~~تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116] قالوا: من ~~حرم أو حلل بغير نص فقد شمله حكم هذه الآية، وبقوله تعالى: {ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] وبقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم} [الأعراف: 3] وبقوله عز وجل: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: ~~36] وبقوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] . ~~والقياس الشرعي لا يفضي بقائسه إلى حقيقة العلم، فهذا باطل. الجواب وبالله ~~التوفيق: أن قوله {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] لا دلالة ~~فيه على نفي القياس،؛ لأن حكم الله تعالى مستدرك من وجهين: نص، أو دلالة، ~~والقائسون إنما تبعوا الدلائل عند عدم النص، فإذا كان الله تعالى هو ms641 ~~المتولي لنصب الدلائل على أحكامه، فليس متبع الدليل متقدما بين يدي الله ~~ورسوله، ويقلب هذا عليهم. فيقال لهم: ما أنكرتم أن يكون نفي القياس تقدما ~~بين يدي الله ورسوله،؛ لأن الله تعالى لم ينص على نفي القياس. # PageV04P081 # وكل قول رجع على قائله من حيث يريد به إلزام خصمه فهو ساقط. وقوله تعالى: ~~{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [النحل: 116] فإنما ~~خطر به القول بالتحليل والتحريم، فيما كان قائله كاذبا (به) ، وليس هذه صفة ~~القائسين؛ لأنهم صادقون في قولهم بإباحة القياس، وما يوجبه من الأحكام. ثم ~~يصير الكلام بيننا وبينكم: في أن القياس حكم الله تعالى، فيكون صادقا، أو ~~ليس بحكم، فيكون القائل بإباحته كاذبا، وسقط اعتراضه بهذه الآية، وعلى أن ~~هذا القول رجع عليه حسب ما ذكرنا في الآية الأولى،؛ لأنه لا يجد نصا في ~~قوله: إن القياس حرام. فهو قائل على الله تعالى الكذب بنفيه القياس على ~~قضيته. وأما قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [البقرة: 169] ~~فإن القائسين فريقان: أحدهما يقول: إن الحق في جميع أقاويل المختلفين، فمن ~~قال بهذا سقط عنه هذا السؤال،؛ لأنه يقول: قد علمت أن ما أدى إليه القياس ~~فهو حق، وأنه ليس على حكم غيره، وأما من قال: إن الحق في واحد فإنه يقول: ~~ما أداني إليه القياس فهو ضرب من العلم، مع تجويزي الخطأ فيه، كقوله تعالى: ~~{فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] ونحوه فيما ~~ذكرنا من قبول خبر الواحد، فلم ينفك القائس من أن يكون قائلا بعلم من حيث ~~أقام الله تعالى له الدليل على القول به. # (ويلزمه أيضا: إبطال أخبار الآحاد والشهادات،؛ لأنها لا تفضي إلى حقيقة ~~العلم) . . # PageV04P082 # ويلزمه أيضا: إبطال الاجتهاد في نفقة الزوجات، وفي سائر ما نص الله تعالى ~~عليه، ووكله إلى اجتهادنا من جزاء الصيد ونحوه. ونقلب هذا عليه أيضا في نفي ~~القياس. فيقال له: ما أنكرت أن تكون هذه الآية مبطلة لقولك بنفي القياس،؛ ~~لأنه ليس معك دليل ms642 يوجب العلم بصحته. فإن قال: قد علمت يقينا بطلان القياس. ~~قال لك القائسون مثله في بطلان قولك، فيساوونك في دعواك، ويصير سؤالك ~~ساقطا. وأما قوله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] فإن ~~القياس مما قد دل عليه الكتاب على ما تقدم من بيانه، وهو غير خارج عنه،؛ ~~لأنه معلوم أنه لم يرد الإخبار عن حكم كل حادثة نصا في الكتاب، وإنما ~~المراد نصا ودليلا. فلم يكن القول بالقياس خارجا عن حكم الكتاب. وكذلك قوله ~~تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف: 3] ؛ لأن القياس من موجب ~~ما أنزل إلينا. وينقلب هذا أيضا عليهم في قولهم بنفي القياس؛ لأنا نقول ~~لهم: خبرونا عن قولكم بنفي القياس، أهو في الكتاب؟ فإن قالوا: لا. قيل لهم: ~~فقد خالفتم حكم الله تعالى، واتبعتم غير ما أنزل إليكم من ربكم. # فإن قال: هو في الكتاب من حيث قامت دلالته فيه. قيل: مثله في (نفي) ~~إثباته. ويصير الكلام بيننا حينئذ في اعتبار الدلالة على نفيه، أو إثباته، ~~فلا يكون للآية حظ في الاعتراض بها على نفي القياس. # PageV04P083 # واحتج بعض مبطلي القياس: بأن أصول الشريعة، لم تثبت إلا من طريق السمع، ~~فوجب أن لا يثبت منها شيء، إلا من جهة السمع. قال: وليس ذلك حكم العقليات،؛ ~~لأن أصولها ثابتة من غير جهة السمع. والجواب: أن هذا فاسد،؛ لأنه يقتضي أن ~~لا يثبت المستدل عليه إلا من حيث يثبت دليله، وقد ثبت معرفة الباري تعالى ~~من جهة الاستدلال بالمحسوسات، وإن لم يكن هو تعالى محسوسا، فانتقضت هذه ~~القاعدة. ولما جاز أن تثبت لنا معرفة الباري تعالى من جهة دلالة المحسوسات ~~عليه، وكان العلم بالمحسوسات علم اضطرار، والعلم بالباري تعالى علم اكتساب، ~~جاز أيضا أن تكون أصول الشرع مأخوذة من طريق السمع، ويكون فروعها معلومة من ~~جهة الاستدلال بالسمع على الوجه الذي ذكرناه. على أن هذا القائل مناقض في ~~احتجاجه بهذا في نفي القياس،؛ لأن تحريمه القياس حكم من جهة الشرع، وقد ~~أثبته من جهة القياس من ms643 غير طريق السمع، فمن حيث رام بما ذكر نفي القياس ~~فقد أثبته، وناقض (في) احتجاجه. فإن قال: إنما احتججت في نفي القياس الشرعي ~~بقياس عقلي، ولست آبي القول بالقياس العقلي. قيل: وكذلك إثباتنا للقياس ~~الشرعي، إنما أثبتناه بالقياس العقلي، لما في الأصول من الدلالة عليه ولزوم ~~القول به. # واحتج آخرون منهم: بأن أحكام الشرع ليست مبنية على مقادير العقول،؛ لأنا ~~وجدنا الله تعالى قد حكم في أشياء مشتبهة بأحكام مختلفة. وفي أشياء مختلفة ~~بأحكام. # PageV04P084 # مشتبهة. (وكذلك حكم في أشياء مشتبهة بأحكام مشتبهة، وفي أشياء مختلفة ~~بأحكام مختلفة) منها: إباحة الوطء بملك اليمين بغير عدد. وحصر عقد النكاح ~~على عدد معلوم لا يجوز مجاوزته، وحرم النظر إلى شعر الحرة الشوهاء، وأباحه ~~إلى شعر الأمة الحسناء. وأوجب الصدقة في السوائم، وأسقطها عن العوامل، وحرم ~~التفاضل في الأصناف الستة عند وجود الجنس، وأباحه عند اختلاف الجنس، وسوى ~~بين الدراهم والدنانير في إيجابه ربع العشر فيهما، وفرق بين صدقة البقر ~~والغنم، وذكر أشياء من نحو هذا. قال: فإذا كان الله تعالى قد حكم بأحكام ~~مختلفة في أشياء مشتبهة، وبأحكام مشتبهة في أشياء مختلفة، وبأحكام مشتبهة ~~(في أشياء مشتبهة) ، وبأحكام مختلفة في أشياء مختلفة، لم يكن رد الفرع إلى ~~أصل من حيث الاشتباه والتسوية، بأولى من رده إلى أصل آخر من حيث الاختلاف. ~~فيوجب المخالفة بين حكميهما.؛ إذ ليس أحد الوجهين، بأولى من الآخر، وسقط ~~اعتبار الحكم بالمثل والنظير. وإذا بطل ذلك، ثم حدث التنازع في مسألة فرع، ~~حملناها على حكم الله تعالى فيها قبل التنازع، وبقيناها على ما كانت عليه ~~حاله قبله، ولم ننقلها عن ذلك (الحكم) باختلاف. # الجواب: إن ما قال هذا القائل: استعمال قياس في نفي القياس، وقائله مناقض ~~من وجهين. # PageV04P085 # أحدهما: أنه دعا إلى نفي القياس بالقياس. # والثاني: أنه زعم أن وقوع التنازع فيما طريقه السمع، يوجب رد المتنازع ~~فيه إلى الأصل الذي كان عليه (حاله) قبل وقوع التنازع، وقد علمنا: أن الأصل ~~في هذه الأشياء الإباحة، حتى يقوم دلالة الحظر، ms644 ولزم على أصله أن لا يحظر ~~القياس عنه وقوع التنازع، وأن يبيحه حتى يقوم دلالة الحظر فإن قال: إنما ~~اعتبرت في هذه الأصول قياسا عقليا، لأني حين تأملت موضوعها، فوجدتها على ~~الوصف الذي ذكرت، علمت أنه لا حظ للقياس في إثبات شيء منها. قيل له: فاقبل ~~منا (مثله) إذا قلنا لك: إن قياسنا هذا الذي ذكرناه قياس عقلي، لوجود ~~الأصول الدالة على وجوب استعماله في مواضعه. وأما ذكره لاختلاف أحكام ~~الأشياء المشتبهة، و (اتفاق) أحكام الأشياء المختلفة، فلا معنى له،؛ لأنا ~~لم نقبل بوجوب القياس من حيث اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها، ~~ولا أوجبنا المخالفة بينها، من حيث اختلفت في: الصور، والأعيان، والأسماء، ~~وإنما يجب القياس بالمعاني التي جعلت أمارات للحكم بالأسباب الموجبة له، ~~فنعتبرها في مواضعها. ثم لا نبالي باختلافها، ولا اتفاقها من وجوه أخر ~~غيرها. نظير ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حرم التفاضل في: ~~البر بالبر، من جهة الكيل، وفي الذهب بالذهب، من جهة الوزن، استدللنا به ~~على أن الزيادة المحظورة معتبرة من جهة الكيل، أو الوزن مع الجنس، فحيث ~~وجدا أوجبا تحريم التفاضل. # وإن اختلف المبيعان من وجوه أخر كالجص - وهو مكيل - فحكمه حكم البر، من. # PageV04P086 # حيث شاركه في كونه مكيلا، وإن خالفه من وجوه أخر، وكالرصاص - هو موزون - ~~فحكمه حكم الذهب، في تحريم التفاضل، وإن خالفه في أوصاف أخر، فمتى عقل ~~المعنى الذي به تعلق الحكم، وجعل علامة له، وجب اعتباره حيث وجد. ألا ترى: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجم ماعزا حين زنى وهو محصن، فكان ~~الحكم متعلقا بوجود الفعل، إذا كان الفاعل على وصف، كان ذلك الحكم جاريا في ~~الفاعلين بمثل فعله، إذا كانوا محصنين، فإنه لما حكم في الفأرة تموت في ~~السمن، وفرق (فيه) بين الجامد والمائع. علم بذلك أن المعنى في إيجاب التنجس ~~مجاورته للنجاسة، أجري هذا المعنى في الزيت، والشيرج، وسائر ما تجاوره ~~النجاسات. كذلك ترد الفروع إلى الأصول، بالمعاني التي بها تعلق الحكم، ~~فيكون ms645 تابعا للمعنى حيث وجد، إلا أن المعاني التي تتعلق بها الأحكام، منها ~~ما يكون جليا ظاهرا، ومنها ما يكون خفيا غامضا، فيستدل عليه بالدلائل التي ~~نصبها الله تعالى. ثم لو جاز اعتبار المعنى في أحد الموضعين: من الجلي ~~والخفي، دون الآخر، لجاز أن يقتصر بجواز القياس على نوع من الفقه دون غيره، ~~فيجوز في الطلاق، ولا يجوز في البيوع، أو يجوز في الصلاة، ولا يجوز في ~~الصوم، فلما بطل هذا؛ لأن المعنى إذا تعلق به الحكم وجب اعتباره فيما وجد ~~فيه، كذلك إذا قامت الدلالة على المعنى الذي جعل علما للحكم، لزم اعتباره ~~في جميع ما وجد فيه، وسقط بهذا سؤال السائل في الخلاف والوفاق،؛ إذ لم يجعل ~~الخلاف علة لوجوب المخالفة في الحكم، ولا الوفاق علة لوجوب الاتفاق في ~~الحكم. # وإنما الاعتبار بالسبب الذي قد جعل أمارة للحكم، وعلما له، وذلك يعلم ~~باستبار أمره والاستدلال على استخراجه. # PageV04P087 # فالمعترض بما وصفنا جاهل بطريقة القياس في أحكام (الشرع) ، وهذه التي ~~نسبها علة الحكم جارية عندنا مجرى الاسم إذا علق به الحكم، فيجري الحكم ~~عليه حيث وجد. ولا يمنع أن يكون ما تحت الاسم مختلفا، واختلافه لا يمنع من ~~اعتبار الحكم فيما شمله الاسم، نحو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فيما سقت السماء العشر» ، وما سقت السماء أجناس مختلفة. واختلافها لا يمنع ~~من اعتبار الحكم فيما شمله الاسم، نحو إجراء الحكم على الاسم، لشموله ~~جميعها في كونه علامة الحكم. كذلك العلة التي يجب بها القياس، جعلت علامة ~~للحكم بالدلائل الموجبة له، يجب اعتبارها في سائر ما وجدت فيه، من مختلف ~~ومتفق على الحد الذي بينا (في) الاسم، وسنذكر إن - شاء الله تعالى - (فيما ~~بعد) كيفية وجوه الاستدلال على المعاني التي هي ملك للأحكام وأمارات لها، ~~وإنما ذكرنا هنا مثالا لنبين به إغفال المعترض بما ذكرنا حقيقة قول ~~القائسين، وجهله بمذاهبهم. وهذه الأسئلة التي ذكرناها، إنما هي لقوم ~~متكلمين من نفاة القياس، وقد سرقها بعض أهل الحشو ممن ليس له حظ في ms646 هذا ~~الشأن، فتكلم عليها بما لا أحسبه عرف معناه على الحقيقة، وهو مع ذلك ينفي ~~حجج العقول، فناقض في استعماله لها في هذا الموضع. # إلا أن يقول: إني إنما قلدت في هذا الحجاج من تقدمني من المتكلمين. فنقول ~~له: فهلا قلدتنا في جوازه دون من اخترت تقليده في نفيه؟ وعلى أنه لا يعترف ~~بتقليدهم،؛ لأنه معهم في طرفي نقيض في اعتقاد أصول الدين؛ إذ كان لو قصد ~~قاصد إلى أن لا يعتقد إلا شر المذاهب وأقبحها وأشنعها، ثم استفرغ جهده فيه ~~لم يبلغ مبلغه في سوء الاختيار، وقبح الاعتقاد (إلا بخذلان الله إياه) . # PageV04P088 # فإن قال قائل: إن كانت علة الحكم هي العلامة التي تعلق بها الحكم، فكيف ~~اختلفت على المجتهدين؟ ، وإنما هي علة واحدة. قيل له: إذا كان طريق استخراج ~~علة الحكم الاجتهاد، فليس يمتنع أن يكون عند بعض المجتهدين أن علة الحكم: ~~الكيل في البر بالبر، وعند بعضهم الأكل، وعند آخرين القوت والادخار، على ~~حسب رجحان أحد (هذه) المعاني في نفسه، كما يجتهد المجتهدون (في جهة القبلة، ~~فيؤدي بعضهم اجتهاده إلى ناحية الشرق، وبعضهم إلى ناحية الغرب، على حسب ما ~~يغلب في ظنونهم، ولم يوجب اختلاف المجتهدين فيها بطلان الاجتهاد في طلبها، ~~كذلك اجتهاد المجتهدين) في العلة التي هي علم الحكم لا يقدح في صحة وجوب ~~الاجتهاد في طلب الحكم. وعلى أن الأمور العقلية عللها موجبة لأحكامها، ولم ~~يمتنع وقوع الخلاف بين المستدلين، عليها، ولم يدل وقوع الاختلاف فيها على ~~بطلان النظر والاستدلال. # وأما قولك: إن هناك علة واحدة للحكم، وإن هذا كلام بين المجتهدين، فمن ~~قال منهم: إن الحق في واحد، فلا يجعل كل مجتهد مصيبا، فإنه يقول: إن هناك ~~علة لحكم واحد، ومن جعل الحق في جميع أقاويل المختلفين قال: إن هناك عللا ~~لأحكام مختلفة. وسنبينه إذا انتهينا إلى القول في الاجتهاد. واحتج بعضهم في ~~إبطال القياس: بأن من قال من القائسين: إن الحق في واحد، وهو أشبه الأصول ~~بتلك الحادثة، فلا يصح له استعمال القياس إلا ms647 بعد إحاطة علمه بسائر الأصول، ~~ومعلوم أن أحدا لا يصح له دعوى إحاطة العلم بسائر الأصول، حتى لا يشذ عنه ~~منها شيء، لا سيما إن كان مع ذلك من القائلين لأخبار الآحاد، وموجبي العمل ~~بها، وإذا لم # PageV04P089 # يحط علما بالأصول لم يصح له القياس على الأشبه.؛ إذ لا يأمن أن يكون ~~الأشبه هو ما غاب علمه عنه، وإذا كان ذلك كذلك بطل القياس على أشبه الأصول ~~بالحادثة، لتعذر وجود علم الأصول عند واحد من القائسين، وإن كان الجميع ~~موجودا غير خارج عن علماء الأمة. الجواب: إن هذا القائل لا يخلو من أن يكون ~~من القائلين بالنص الخفي، أو بالدلائل التي لا تحتمل إلا معنى واحدا، (أو ~~بوجوب) رد حكم الحادثة إلى أصل (ما كان عليه حكم ما) ، قبل ورود الخبر؛ إذ ~~كان مبطلو القياس على أحد هذه المذاهب التي اختلفوا في العبارة عنها، وإن ~~آل قولهم عند التحصيل إلى استعمال القياس، وإنما يعبرون عنه بغير اسمه. # فنقول: إن هذا الحجاج - إن صح - أبطل مذهب كل قائل في الحوادث بشيء، ~~كائنا ما كان ذلك الشيء، وذلك لأنه لا يصح له دعوى الإحاطة لجميع الأصول ~~حسب ما حكم به على مثبتي القياس، فلا يأمن - إذا كان ذلك - أن يستعمل النص ~~الخفي، وهناك نص جلي. وقد غاب عنه علمه، أو يستعمل حكم الدليل مع النص الذي ~~قد خفي عليه، أو يرد حكم الحادثة إلى أصل ما كان عليه حكمها قبل ورود ~~الخبر، وهناك نص قد نقل حكمها عما كان عليه، فلا يصح له القول بشيء من هذه ~~المذاهب على حسب ما رام به إبطال القياس، فهو من حيث اعترض بما ذكر على ~~القياس، مفسد لأصله، هادم لمقالته، وكل سؤال رجع إلى سائله من حيث رام به ~~إلزام خصمه، فهو ساقط من أصله. # PageV04P090 # ومع هذا فإنا نجيبه - وإن لم يلزمنا ذلك (له) - لحق النظر. فنقول: إن ~~الذي يجوز له القياس من الفقهاء، من قد حفظ أكثر الأصول وعرفها، وعرف طرق ~~المقاييس، ورد الفروع إلى ms648 الأصول، فمن كان بهذه المنزلة جاز، له القياس - ~~وإن خفي عليه بعض الأصول - ولم يكلف حينئذ حكم ما خفي عليه، وإنما يرد ~~الحادثة إلى أشبه الأصول التي تحضره وتخطر بباله عند اجتماع رأيه، وحضور ~~ذهنه، كما يجوز الاجتهاد في تحري القبلة لمن احتاج إليه، وإن كان غير عالم ~~بجميع الأشياء التي يستدل بها عليها. # ألا ترى أن حال الأعمى والبصير متفاوت في المعرفة بجهة القبلة، ولم يمنع ~~ذلك الأعمى من جواز الاجتهاد في طلبها عند الحاجة إليه. وهو قد خفي عليه ~~كثير من العلامات، التي يعرفها البصير بجهة القبلة. وكذلك قد يجوز للإنسان ~~الاجتهاد في تدبير الحرب ومكايد العدو، على حسب ما يغلب في ظنه، وإن لم يحط ~~علما بجميع ما يحتاج إليه في ذلك. وكذلك القياس، قد يجوز لمن عرف أكثر ~~الأصول، وإن خفي عليه بعضها، فيقيس حينئذ على أشبه الأصول بالحادثة في علمه ~~وما يحضره. وإن احتج بعضهم في إبطال القياس، بأن القائسين فريقان: من يقول ~~الحق في واحد، ومن يقول الحق في جميع أقاويل المختلفين، وعظم من يقول الحق ~~في واحد؛ يعذر المخطئ للحكم، ويوجب له الأجر، فضلا (عن) أن يجعل فعله كسائر ~~الأفعال، المباحة التي لا يستحق عليها الأجر. فالذي يدل على فساد قول ~~الطائفتين، وعلى أن القياس لا يجوز أن يكون دينا لله تعالى: أنه لو جاز ذلك ~~لأوجب تنافي أحكامه وتضادها، لتحريم بعضهم ما يحله الآخر، وتحليل بعضهم ما ~~يحرمه غيره؛ لأن المستفتي إذا سأل هذا قال: إني قلت لامرأتي: أنت علي. # PageV04P091 # حرام، فقال له: حرمت عليك، فإذا سأل الآخر (قال) : هي مباحة لك، على ~~النكاح الأول، وغير جائز أن يبيح الله عز وجل، ما يوجب تضاد أحكامه ~~وتنافيها. فيقال له: إن أصل ما بني عليه هذا الباب ينبغي أن نضبطه، حتى ~~تزول عنك فيه الشبهة من هذه الجهة، وتكفينا ونفسك فيه المؤنة، وهو أن ~~القائسين إنما يجيزون اجتهاد الرأي على الوصف الذي ذكرت، فيما يجوز فيه ~~النسخ والتبديل، وفيما يجوز ورود التعبد فيه ms649 بالحظر تارة، وبالإباحة أخرى، ~~ويجوز فيه المخالفة بين أحكام المتعبدين، كما حظر على الحائض الصلاة، ~~والصوم، وأوجبهما على الطاهر، وجعل فرض المسافر ركعتين، وفرض المقيم أربعا، ~~وإذا كان ما يجوز فيه الاجتهاد من المسائل هو من هذا القبيل، لم يقع في ~~آراء المجتهدين تضاد ولا تناف،؛ لأن كل واحد فإنما تعبد بما يؤديه إليه ~~اجتهاده، فتعبد هذا بالحظر، وهذا بالإباحة، على وجه يجوز ورود النص بمثله، ~~فإن استوت عند المجتهد جهة الحظر، وجهة الإباحة عند من يجيز تساوي الجهتين ~~فيهما كان مخبرا، في أن يلزم نفسه أيهما، فينفذه، ويمضي عليه، وسنوضح القول ~~فيه إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إلى الكلام في الاجتهاد. وأما المستفتي: ~~فإنه إذا أفتاه مفت بالحظر، وآخر بالإباحة، فإن المفتي غير جائز له أن ~~يفتيه بمذهبه على جهة إطلاق القول فيه، غير مضمن بشريطة، وهو أن يقول له: ~~إن اخترت فتياي وألزمتها نفسك فهذه المرأة حرام عليك. # وإن اخترت فتيا من يفتيك بالإباحة، فهي مباحة لك، فيكون الذي يلزم ~~المستفتي، أحد شيئين: من حظر، أو إباحة، وهو ما يختاره من قول أحدهما، ~~ويكون الذي تعلق به الحظر والإباحة (معتبرا في حالين؛ لأن الحظر والإباحة) ~~في الحقيقة إنما يتناولان فعل المباح له ذلك: من الاستمتاع، والنظر، ~~والوطء، ونحوه. # PageV04P092 # والوطء الذي (أبيح) له عند اختياره (لفتيا هذا غير الوطء الذي حظر عليه ~~عند اختياره) لفتيا الآخر. ومن أهل العلم من يقول: إن الوطء الذي تعلق به ~~التحريم، عند قبوله فتيا هذا، هو الوطء الذي يتعلق به التحليل عند قبوله ~~فتيا الآخر، ولا يمتنعون من إجازة تعلق الحظر والإباحة بفعل واحد على وجهين ~~مختلفين. ونظيره: أن سجودا واحدا يكون طاعة لله تعالى، إذا أريد الله تعالى ~~به، ومعصية إن أريد به غير الله عز وجل، ومن يخالف في ذلك يقول: إن السجود ~~الذي تعلق به الحظر غير السجود الذي تعلقت به الإباحة. (وإذا كان هذا هكذا، ~~وكان عند القائلين بذلك، أن الفعل الذي تعلق به الحظر، غير الفعل الذي ms650 ~~تعلقت به الإباحة) ، وأي الوجهين صح ذلك فإنه غير مؤثر فيما ذكرنا، من تعلق ~~الحظر والإباحة بفعلين، أو تعلقهما بفعل واحد على وجهين مختلفين. # وليس يجوز للمفتي أن يقول للمستفتي: هذه المرأة حرام عليك، فيطلق له ~~القول فيه، من غير تضمين له بالشريطة التي ذكرنا؛ لأن هذا يوجب أن يكون ~~المختلفون من الصحابة في مسائل الفتيا قد كان في اعتقادهم: أن مخالفيهم في ~~مثل ذلك مقيمون على فروج محظورة، وغاصبون لأموال محرمة فيما أفتوا به من ~~ذلك، وهذا غير جائز عليهم عندنا،؛ لأنه لو كان الأمر كذلك عندهم، لأنكره ~~بعضهم على بعض، ولخرجوا فيه إلى اللعن والبراءة، كما خرجوا إليه فيما لم ~~يسغ الاجتهاد فيه. فلما لم ينكر بعضهم على بعض الخلاف في مسائل الفتيا، حسب ~~إنكارهم في غيرها، علمنا أن كل قول ذهب إليه قائل منهم، فيما خالفه فيه ~~غيره، فقد سوغ لغيره ذلك الخلاف، فإنه كان عنده (أنه) غير محظور عليه القول ~~بما أداه إليه اجتهاده، فثبت أن فتيا # PageV04P093 # المفتي للمستفتي في مسائل الاجتهاد، ينبغي أن تكون مقيدة بالشريطة التي ~~وصفنا، فلا يؤدي إلى التضاد والتنافي، إذا كان جائزا ورود النص بمثله، بأن ~~يقول: إن اخترت قول فلان فهذا محظور عليك، وإن اخترت قول فلان فهو مباح لك، ~~كما قال: إن سافرت ففرضك ركعتان، والإفطار مباح لك في رمضان، وإن أقمت ~~ففرضك أربع، ومحظور عليك الإفطار، وكما يقول للمكفر عن يمينه: إن كفرت ~~بالطعام فهو فرضك دون غيره، وإن كفرت بالعتق فهو فرضك دون غيره، والكسوة. # فإن احتج بعضهم في إبطال القياس بأنه معلوم فيما بينا: أن رجلا لو قال ~~لرجل: أعتق عبدي فلانا؛ لأنه أسود: أنه غير جائز، للمأمور عتق سائر عبيده ~~السود، لأجل هذا الاعتلال، وخطاب الله تعالى لنا محمول على المعقول من ~~خطابنا في تعارفنا، لقوله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم} [إبراهيم: 4] وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون الله تعالى، لو نص على العلة، ~~بأن يقول حرمت عليكم التفاضل في ms651 البر،؛ لأنه مكيل، أن لا يجوز لنا تحريم ~~التفاضل في الأرز، لأجل وجود الكيل فيه. الجواب: إن هذا غلط من قائله من ~~وجهين: # أحدهما: أن القائل لم يأمرنا باعتبار أوامره ورد ما لم ينص (لنا) عليه ~~إلى نظيره من النصوص، وإذا كان كذلك، لم يجز لنا أن نتعدى في أمره موضع ~~النص. # الثاني: أن القائل منا ذلك يجوز عليه العبث، ووضع الكلام في غير موضعه. ~~فإذا قال: أعتق عبدي (فلانا) ؛ لأنه أسود، لم يثبت عندنا صحة اعتلاله، وأنه ~~سبب موجب لعتقه. فلم يجب اعتباره،؛ لأن العلة التي يقاس بها سبيلها أن تكون ~~علة صحيحة، تكون علما للحكم، وأما ما نص الله تعالى عليه من العلل، أو أقام ~~عليه الدلائل، فإنها علل صحيحة، وقد أمرنا مع ذلك باعتبارها، ورد النظائر ~~إليها، بما أقمنا من الدلالة على وجوب القول بالقياس، فلزم إجراء اعتلاله ~~في معلولاته. ومن جهة أخرى: إنا نعلم أنه تعالى لا يجوز عليه فعل العبث، ~~ولا وضع الكلام # PageV04P094 # في غير موضعه، وأن أفعاله تجري إلى غرض محمود، فوجب أن يكون تعليله للنص ~~موجبا للحكم في نظائره، ما لم ينص عليه، وإلا بطلت فائدة التعليل، وصار ~~وجوده كعدمه. . # وسأل داود القائسين سؤالا دل على جهله بمعنى القياس، فقال: خبروني (عن ~~القياس) ، أصل أم فرع؟ فإن كان أصلا فلا ينبغي أن يقع فيه خلاف، وإن كان ~~فرعا ففرع على أي أصل؟ قال أبو بكر: والقياس إنما هو فعل القائسين، ولا ~~يجوز أن يقال لفعل القائس: إنه أصل، أو فرع، كما لا يقال لقيامه، وقعوده، ~~وسكوته، وحركته: إنه أصل، أو فرع. والدليل على أن القياس فعل القائس: أنك ~~تقول: قاس فلان قياسا، فتجعله فعلا له. كما تقول: قعد قعودا، وقام قياما. ~~وإنما وجه تصحيح السؤال، أن يقول: خبرني عن وجوب القول بالقياس، أو الحكم ~~بجواز القياس، هل هو أصل أم فرع؟ فيكون الجواب عنه: إن القياس أصل لما بني ~~عليه، وفرع على ما بني عليه، فأصله الذي بني عليه: الكتاب، والسنة، وإجماع ~~الأمة، ms652 على حسب ما تقدم من بيانه، وفرعه الذي بني عليه سائر مسائل الحوادث ~~القياسية، التي لا توقيف فيها ولا إجماع. ويقال له: خبرنا عن وجوب القول ~~بالدليل الذي زعمت أنه لا يحتمل إلا معنى واحدا، أصل هو أم فرع؟ ويسحب عليه ~~السؤال. الذي سأل في القياس. فيما أجاب به فهو جواب القائسين في القول ~~بالقياس. # PageV04P095 ### | [باب في ذكر وجوه القياس] # قال أبو بكر - رحمه الله -: لا يكون القياس إلا برد فرع إلى أصل، بمعنى ~~يجمعهما، ويوجب التسوية بين حكمهما وهو على ضربين: # أحدهما: القياس على علة منصوص عليها، كقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم} [الحشر: 7] ، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها دم عرق» ~~ونحو ذلك. # والآخر: القياس بعلة مستنبطة، مدلول عليها، كعلة الربا، ونحوها، وسنبين ~~فيما بعد كيفية الاستدلال عليه إن شاء الله تعالى. ومن الناس من يجعل كل ~~معنى - جمع حكم المنصوص عليه، وغير المنصوص عليه - قياسا، سواء كان الجميع ~~بنظر، أو استدلال، أو كان معقولا من فحوى النص. فيجعل منع ضرب الأبوين ~~وشتمهما قياسا على قوله: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ويجعل منع جواز ~~العمياء في الأضحية قياسا على العوراء المنصوص عليها. ويجعل حكم الزيت حكم ~~السمن في موت الفأرة فيه، قياسا على ما ورد من الأثر في السمن. ويجعل رجم ~~غير ماعز قياسا على ماعز، ونحو ذلك، مما عقل بورود اللفظ حكمه، وإن لم يكن ~~مذكورا في النص بعينه، بعد أن يكون الحكم فيه وجب فيه للمعنى # PageV04P099 # الموجود في النص (الموجب للحكم) فيه، ويسمى هذا القياس الجلي، ويسمى ما ~~يوصل (فيه) إلى المعنى الموجب للحكم بالنظر والاستدلال، القياس الخفي. # قال أبو بكر: وهذا الذي سموه القياس الجلي عندنا ليس بقياس. وذلك لأن ~~القياس يفتقر في إثبات الحكم به إلى ضرب من النظر، والاعتبار، والتأمل بحال ~~الفرع والأصل، والجمع بين حكميهما، بعد الاستدلال على المعنى الموجب للجمع. ~~وليست هذه القضية موجودة فيما سموه قياسا جليا،؛ لأن المعنى فيه معقول مع ~~ورود النص في أغياره، مما ms653 لم يتناوله النص قبل النظر والاستدلال، وقد يعقل ~~ذلك العامي الغفل الذي لا يدري ما القياس، وعسى لم يخطر بباله. ويبين ذلك ~~أن الناس مختلفون في جواز القياس، ومتفقون على هذا، وغير جائز أن يكون ~~المختلف فيه هو المتفق عليه، فثبت أن ما كان معقولا من فحوى النص، فليس ~~الحكم به من طريق القياس. ويصح عندنا الاستدلال بما ذكرت على إثبات القياس ~~من جهة تعلق الحكم فيهما بالمعنى، وإن كان أحدهما قياسا، والآخر ليس بقياس. ~~ومن نظائر ذلك: مما ليس بقياس عندنا، وكثير من نفاة القياس يقولون به مع ~~نفيهم القياس، أن يتساوى حكم الشيئين في الأصل، ثم يرد أثر بحكم في بعض ما ~~ثبت فيه المساواة في الأصل بينه وبين غيره، فيفيدنا ما (قد) عقلنا من ~~المساواة بينهما بدءا، أن ما لم يرد فيه الأثر مساو لما ورد فيه، فيما كانت ~~عليه حالهما من وجوب المساواة بين حكمهما. وذلك نحو الجمع بين الجماع ~~والأكل ناسيا في عدم وقوع الإفطار بهما، وذلك؛ لأنه قد ثبت في الأصل: أن ~~الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، ونحو هذا من. # PageV04P100 # الصوم الشرعي، فلما ورد الخبر في أن الأكل ناسيا لا يفسد الصوم، فقد أفاد ~~أن الجماع ناسيا لا يفسده، لا من جهة القياس، لكن من جهة تساويهما في ~~الأصل، في كونهما شرطا في صحة الصوم الشرعي، فمن حيث ثبت أن ترك الأكل في ~~حال النسيان ليس من شرطه، أفاد في الجماع مثله، وهو كما قلنا: في أن الزيت، ~~والسمن، والشيرج متساوية في الأصل، في باب جواز أكلها إذا كانت طاهرة، ~~ومتساوية في امتناع جواز أكلها في حال النجاسة، فكان الأثر الوارد في موت ~~الفأرة في السمن، قد أفاد في الزيت مثله، وكذلك الفأرة الميتة، والعصفور ~~الميت، لما تساويا في الأصل من جهة النجاسة، ثم ورد الأثر في الفأرة الميتة ~~في السمن، أفاد العصفور الميت مثله. وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة» ms654 قد أفاد النهي عن ~~التغوط في الماء الدائم. وأفاد نهي غير البائل عن الاغتسال فيه، من طريق ~~علمنا تساوي أحكام النجاسات عند حصولها في الماء، لتساوي أحكام المكلفين في ~~لزوم اجتنابها، وليس ذلك عندنا بقياس. لكن من جهة أنه قد ثبت تساويهما من ~~جهة النجاسة والطهارة، قبل ورود هذا الخبر، فلما ورد الخبر لم تنزل ~~المساواة القائمة في عقولنا قبل وروده، وعلى هذا وجوب كفارة جزاء الصيد على ~~قاتل الخطأ،؛ لأنه قد ثبت قبل ذلك وجوب مساواة جنايات الإحرام في الخطأ ~~والعمد. فلما ورد النص بوجوب الجزاء على العامد، أفاد علمنا قبل ذلك ~~بمساواة المخطئ له أن حكمه حكمه. # PageV04P101 # وكذلك القيء والرعاف وسائر الأحداث لما كانت متساوية في منع الصلاة، ثم ~~ورد الأثر في جواز الطهارة والبناء معهما على الصلاة، إذا وقعا فيها، عقلنا ~~بذلك حكم سائر الأحداث التي تسبق المصلي من غير فعله، وانفصل حكم ما يقع من ~~الآدمي من الشجة ونحوها عن هذا الحكم، لاختلاف أحكام فعل الآدمي، وفعل الله ~~تعالى، فيما يتعلق به من إسقاط فرض، أو غيره، وهذا باب لطيف ينبغي أن يراعى ~~في نظائر ما ذكرنا، لئلا يلتبس طريقة القياس بطريقته، وهذا نظير ما ذكرنا ~~من المعاني المعقولة من الأعيان المحكوم فيها، ومساواة أغيارها لها،، وإن ~~لم يكن منصوصا عليها، مما ظنه بعضهم قياسا على حسب ما تقدم القول فيه آنفا. # PageV04P102 ### | [باب ذكر ما يمتنع فيه القياس] # قال أبو بكر: لا يجوز استعمال (القياس) في دفع النص سواء كان النص ~~(ثابتا) بالكتاب والسنة المستفيضة، أو بأخبار الآحاد، لا يجوز القياس في ~~دفعه، ولا يجوز القياس في مخالفة الإجماع، ولا مدخل للقياس في إثبات ~~المقادير، التي هي حقوق الله تعالى، من نحو ما ذكرنا من مدة الحيض، ومدة ~~النفاس، (ومدة السفر) ، والإقامة، وقد بينا ذلك. ولا مدخل للقياس فيما ~~طريقه الاجتهاد على جهة رد (الفرع إلى الأصل) نحو تقديم المستهلكات، ومقدار ~~المتعة، وتحري الكعبة، ونحوها. ولا يسوغ القياس في إثبات الحدود، ولا ~~الكفارات، ولا يجوز قياس ms655 المنصوصات بعضها على بعض، ولا يجوز النسخ بالقياس، ~~ولا يجوز القياس في تخصيص العموم الذي لم يثبت خصوصه من الكتاب والسنة ~~الثابتة من جهة الاستفاضة، ولا مدخل للقياس في إثبات الأسماء، ولا يجوز ~~القياس على الأثر المخصوص من جملة موجب القياس، إلا على شرائط نذكرها، إن ~~شاء الله تعالى. فأما امتناع جواز القياس في دفع النص والإجماع: فلا خلاف ~~فيه، ولأن النص # PageV04P105 # والإجماع يوقعان العلم بموجبهما، والقياس لا يوقع العلم بالمطلوب، فلم ~~يجز الاعتراض به عليهما. وأما المقادير التي هي حقوق الله تعالى (فقد) ~~قدمنا القول فيها فيما سلف. وأما الحدود والكفارات: فإن من الكفارات ما هي ~~عقوبة، نحو كفارة الإفطار في رمضان، والدليل على أنها عقوبة أنها لا تستحق ~~إلا مع المأثم، وتسقطها الشبهة، فكانت كالحدود من هذا الوجه. ومنها ما ليس ~~بعقوبة، ككفارة قتل الخطأ، وفدية الأذى، وكفارة اليمين، ونحوها، ولا مدخل ~~للقياس (في شيء) منها. أما ما كان عقوبة، فلأنها بمنزلة الحدود، ولا يجوز ~~إثبات الحدود قياسا، لما نبينه. وأما ما ليست بعقوبة: فلأنها مقدرة، فهي من ~~قبيل المقادير التي ذكرنا أنها لا تثبت قياسا. وأما ما كان عقوبة من ~~الكفارات والحدود فإنما امتنع إثباتها قياسا من وجهين: # أحدهما: أنها مقدرة ولا سبيل إلى إثبات هذا بضرب من المقادير بالقياس على ~~ما تقدم من بيانه. # والوجه الآخر: أن مقادير عقاب الإجرام، لا يعلم إلا من طريق التوقيف، ~~وذلك أن العقوبات إنما تستحق على الإجرام بحسب ما يحصل بها من كفران ~~النعمة. ومعلوم أن مقادير نعم الله تعالى على عبده لا يحصيها أحد غيره، فلا ~~سبيل إذن إلى علم مقدار ما يستحق من العقاب بالإجرام إلا من طريق التوقيف، ~~فلذلك لم يجز إثباتها قياسا. # PageV04P106 # فإن قال قائل: قد أثبتم الحدود بالاستحسان فضلا عن القياس؛ لأنكم قلتم في ~~أربعة شهدوا على رجل بالزنا (في بيت، فشهد اثنان أنه زنى بها في هذه ~~الناحية منه، وشهد آخران منهم أنه زنى بها في هذه الناحية منه) أن القياس ~~أن لا يحد، ms656 ويحد استحسانا، وكتبكم مملوءة من المسائل القياسية في الحدود، ~~وهذا بخلاف ما أصلت من نفي القياس في إثبات الحدود. # قيل له: أما قولك: إنا أثبتنا الحدود بالاستحسان، فليس كما ظننت، والأصل ~~الذي عقدناه في نفي إثبات الحدود بالقياس صحيح، لا يعترض عليه ما ذكرت في ~~ذلك، لأنا إنما أردنا بقولنا: لا تثبت الحدود قياسا (أنا) لا نبتدئ إيجاب ~~حد بقياس في غير ما ورد فيه التوقيف، فلا نوجب حد الزنا في غير الزنا ~~قياسا، كما أثبتنا تحريم التفاضل في غير البر قياسا عليه، ولا نثبت حد ~~السرقة في غير السرقة، من نحو (المختلس والمنتهب والخائن والغاصب قياسا على ~~السارق، ولا نثبت حد القذف) من نحو التعريض قياسا، ولا نثبت كفارة رمضان في ~~غير الإفطار في رمضان قياسا على الإفطار في رمضان، وإن (كان) بعض الفقهاء ~~قد أوجبها في الإفطار في قضاء رمضان، قياسا على رمضان، وبعضهم أوجب حد ~~القذف في التعريض. # وأما الاستدلال من جهة القياس على مواضع الحدود، فهو جائز عندنا، بعد أن ~~لا يكون فيه إيجاب حد في غير ما ورد فيه التوقيف. # وكذلك يجوز الاستدلال على مواضع الكفارات بالقياس. # ألا ترى أن الله تعالى، وإن أوجب حد الزنا على الزاني، فإن من الزناة من ~~لا يجب عليه الحد، فنحن متى استعملنا القياس في إيجاب حد الزنا، فإنما ~~نستدل بالقياس على أنه ممن دخل في الآية وأريد بها، وأنه ليس من الزناة ~~المخصوصين من الآية. # PageV04P107 # وكذلك سائر الحدود متى استعملنا القياس في إثباتها، فإنما يقع القول فيها ~~على هذا الحد، فيكون الحد حينئذ موجبا بالآية، ونستدل بالقياس على أنه ليس ~~هو من القبيل الذي (لم) يرو بها. # فإن قال قائل: قد أوجبتم الكفارة على الآكل في رمضان قياسا على المجامع. ~~والأثر إنما ورد في المجامع. # قيل له: ليس (هذا) كما ظننت؛ لأنه قد ورد في إيجاب الكفارة لفظ يقتضي ~~ظاهره وجوبها على كل مفطر، وهو ما روي «أن رجلا قال: يا رسول الله، أفطرت ~~في رمضان، فأمره بالكفارة» ms657 ولم يسأله عن جهة الإفطار، وظاهره يقتضي وجوبها ~~على كل مفطر. # وأيضا: فلو لم يرد فيه غير ما روي في المجامع، لما كان إيجابنا الكفارة ~~على الأكل (من) جهة القياس، وذلك لأن الفقهاء متفقون على أن وجوب هذه ~~الكفارة غير مقصور على الجماع؛ لأن مالك بن أنس يوجبها على كل مفطر غير ~~معذور، والشافعي يوجبها بالإيلاج في أحد السبيلين، وفي البهيمة أيضا. ~~والخبر لم يرد إلا في جماع المرأة في الفرج، ونوجبها نحن على كل من كان ~~مأثمه بالإفطار فيه مثل مأثم المجامع. # فلما اتفق الجميع على أن هناك معنى غير ما ورد الأثر به، تعلق وجوب ~~الكفارة، واحتجنا إلى طلب المعنى عند وقوع الخلاف، ثم استدللنا على أن ذلك ~~المعنى هو إفساد صوم رمضان بضرب من المأثم، وهو أن يكون مأثمه مثل مأثم ~~المجامع، وكانت هذه الكفارة مستحقة عليه على جهة العقوبة، لما اجترمه من ~~المأثم، ثم وجدنا مأثم الآكل مثل مأثم المجامع، وأكثر الدلائل قد دلت عليه، ~~أوجبنا عليه فيه الكفارة، وهذا استدلال على # PageV04P108 # أن المعنى الذي به تعلق وجوب الكفارة، هو حصول الإفطار بضرب من المأثم. ~~فأثبتنا المعنى بالاتفاق، ثم استدللنا عليه بما وصفنا، وليس ذلك قياسا في ~~إثبات الكفارة ولا غيرها. # وأما امتناع جواز قياس المنصوص على المنصوص. فقد بيناه فيما سلف من هذا ~~الباب، وحكينا ما قال محمد في " السير " في هذا الباب. فكرهت إعادته. # وقد بينا أيضا فيما تقدم امتناع جواز النسخ بالقياس، وامتناع جواز تخصيص ~~عموم الكتاب والسنة الثابتة، الذي لم (يثبت خصوصه) . # وامتناع إثبات الأسماء قياسا: (فإن) الأصل أن الأسماء على ثلاثة أنحاء ~~مختلفة. # فمنها: أسماء الأجناس كقولك حيوان، وجن، وإنس، ورجل، وفرس، وخمر، وما جرى ~~مجرى ذلك. هذا الضرب من الأسماء مأخوذ من اللغة. # ومنها: أسماء الأشخاص وهو ما يسمى به الشخص الواحد، للتمييز بينه وبين ~~غيره، ولا يفيد فيه معنى، وإنما هو لقب لقب به، لتعريفه وتمييزه من غيره، ~~كقولك: زيد، وعمرو، وخالد. ولا يتعلق ذلك باللغة، ولا بموضوعات أهلها ms658 ~~واصطلاحهم. # لأن لكل أحد أن يسمي نفسه ما شاء، غير محظور بذلك عليه. # ومنها: أسماء هي أوصاف للمسمى بها، وهي مشتقة من أفعال الموصوفين (بها) ، ~~أو أحوال يكونون عليها، أو صفات يكونون بها. كقولك: قائم، وقاعد، ومؤمن، ~~وكافر، وأحمر، وأسود، وحي، وقادر، ونحو ذلك. # PageV04P109 # فهذا الضرب من الأسماء يفيد أوصافا في المسمى (بها) ،، أو أسماء أخر، وهي ~~أسماء الشرع، وهي مقصورة على ما يرد به التوقيف. نحو الكافر، والمؤمن، ~~والمنافق. ونحو: الصلاة، والزكاة، والصوم، والربا، ونحوها. هذه أسماء ~~شرعية، قد وضعت في الشرع لمعان لم تكن موضوعة لها في اللغة. # فما كان من أسماء اللغة، فإنه لا يكون اسما إلا بمواصفات أهلها، ~~واصطلاحهم عليها، حتى يكون كل من كان من أهل اللغة إذا سمعها عرف المراد ~~بها، وبموضوعها. # ومتى لم يكن كذلك، لم يكن اسما لأجل اللغة. # وكذلك الأسماء التي هي مشتقة من صفات المسمى بها في أصل اللغة. سبيلها ~~الاصطلاح، ومواضعة أهل اللغة على معانيها في الأصل. # ومن حكمها أن لا يشكل معانيها عند سماعها على من كان من أهل تلك اللغة. # وأما أسماء الأشخاص - وهي الألقاب التي لا يتعلق وصفها باللغة، ولكل أحد ~~أن يسمي نفسه بما شاء منها - فليس طريقها اللغة، ولا مدخل لها فيما قصدناه، ~~ولا يعتبر فيها الإتباع والسماع، أو غير محظور على كل أحد أن يتسمى بما شاء ~~منها. # وأما أسماء الشرع فسبيلها التوقيف. وهي تجري في بابها مجرى أسماء ~~الأجناس، في باب أن علماء أهل الشريعة سبيلهم أن يعرفوها كما عرف أهل اللغة ~~الأسماء اللغوية. # ، وإذا تقرر حكم الأسماء على الوجوه التي ذكرنا، وكان معلوما مع ذلك أن ~~رجلا لو سمى الماء خبزا، أو سمى الذهب نحاسا، أو سمى الفرس بعيرا، أن ذلك ~~لا يصير اسما له، (لا) في لغة، ولا في شرع. # PageV04P110 # قلنا: لا يخلو المثبت للأسماء قياسا: من أن يثبتها على أنها تصير اسما ~~لمسمياتها في اللغة، أو الشرع. # فإن كان ما أثبته من ذلك قياسا إنما يصير اسما لغويا، فهذا ms659 خلف من القول؛ ~~لأن أسماء اللغة إنما تثبت وتصير من اللغة باصطلاح أهلها، ومواصفاتهم ~~عليها، حتى يشترك في معرفتها سائر أهلها. # ومعلوم أن ما ثبت من جهة القياس لا يعرفه اسما للمسمى به إلا القائس الذي ~~أداه قياسه بزعمه إلى إثباته، فبطل من هذا الوجه أن يكون الاسم المثبت من ~~طريق القياس اسما لغويا، إن كان ما يثبته بالقياس يصير اسما شرعيا، وإن ~~سبيل أسماء الشرع أن يشترك في معرفته علماء الشرع، كما يشترك أهل اللغة في ~~المعرفة بأسماء اللغة. # ألا ترى أنهم قد علموا الصلاة والزكاة والإيمان والكفر ونحوه من أسماء ~~الشرع. # وغير جائز أن يختص به القائس دون غيره، فلما كان ما يثبته القائس من هذه ~~الأسماء خارجا عن هذا الحد علمنا أنه لا يصح إثباته اسما شرعيا من طريق ~~القياس؛ لأنه حينئذ إنما يصير اسما له عند هذا القائس دون من لم يقس، وما ~~اختص به بعض الناس في إثباته دون بعض، لا يكون اسما للشيء المسمى به، مع ~~كونهم جميعا من أهل المعرفة بأمور الشرع وأصوله، وإثبات الأسماء من أصوله، ~~فسبيله أن يكون ظاهرا مشهورا متعالما مدركا من طريق التوقيف، الذي يشترك ~~(الجميع فيه) ، دون القياس الذي يختص به بعضهم دون بعض، كما كانت أسماء ~~اللغة الموضوعة للأجناس، والمشتقة من أوصاف المسمين مشهورة معروفة عند ~~أهلها، قد عرفوها من جهة السماع والتلقي، دون ما يختص به بعضهم دون بعض. # فإن قال قائل: إذا جاز أن تكون الأحكام على ضربين: ضرب مدرك من طريق ~~النص، وضرب من طريق الدليل. فهلا جوزت مثله في الأسماء؟ . # PageV04P111 # قيل له: الفصل بينهما: أن الأحكام قد يجوز أن تختلف فيها أحكام المكلفين، ~~فيكون بعضهم متعبدا بحظر شيء، وآخر متعبدا في تلك الحال بإباحته. # وجائز أن يكون المكلف متعبدا في حال بالحظر، وفي حال أخرى بالإباحة، فلما ~~اختلفت أحكام المكلفين في العبادات جاز أن يكون بعضها منصوصا عليه، يشترك ~~الجميع في حكمه، وبعضها مدلولا عليه، مستدركا من طريق القياس. # فمن أداه قياسه إلى ms660 الحظر كان متعبدا به دون غيره ممن أداه قياسه إلى ~~الإباحة. # وليس في الأصول تكليف بعض الناس تسمية شيء باسم، وتكليف آخرين أن يسموا ~~ذلك الشيء بعينه بغير ذلك الاسم، وأن لا تسميه بالاسم الذي كلف الآخر ~~تسميته به، ولا وجوب تسميته في حال، وحظرها في أخرى، مع تساوي أحوال ~~المسميات. # ألا ترى أن اسم: الصلاة، والصوم، والإيمان، والكفر، قد تساوى الناس كلهم ~~في تسميتها على حسب ما ورد الشرع بها، ولم يكلف بعض الناس أن يسميها صلاة، ~~وبعضهم أن لا يسميها صلاة، مع استواء الحكم فيها في الحالين، وكذلك لم يكلف ~~أحد أن يسميها اليوم صلاة، ولا يسميها بها غدا. وكذلك سائر أسماء الشرع. # فلما كان ذلك كذلك علمنا أنها جارية مجرى أسماء اللغة. فلو أن إنسانا سمى ~~الماء خمرا، وسمى الفرس رجلا، لما صار ذلك اسما لها في اللغة، سواء (قاله ~~قياسا) ، أو وضعا، من غير قياس على أصل. # كذلك أسماء الشرع بهذه المثابة، لا يصير بما يثبته فيها قياسا اسما له؛ ~~إذ كان إنما يختص به القائس، ولا يصير به متعالما مشهورا عند أهل الشريعة، ~~لا فرق بين أن يسميه بذلك قياسا، أو وضعا من غير قياس، في باب أنه يصير ~~اسما له في الحالين. # PageV04P112 # فإن قيل: أسماء الألقاب ليست مستحقة لمسمياتها في اللغة، ولم يمنعها ذلك ~~من أن تكون اسما صحيحا، فما أنكرت من مثله في إثبات أسماء الشرع قياسا؟ قيل ~~له: إن أسماء الألقاب التي هي موضوعة لأشخاص بأعيانها ليس طريق إثباتها ~~القياس، بل لكل أحد أن يبتدئ وضعها، فيسمي نفسه وفرسه وغلامه بما شاء منها، ~~من غير قياس، فهل تجيز مثله في أسماء الشرع وأسماء اللغة، (فتثبتها وضعا) ~~من غير قياس، ثم تصير اسما للمسمى به؟ فإن قال: نعم. # قيل له: فما حاجتك إلى استعمال القياس في إثباتها، وقد استغنيت عنه، أو ~~جائز لك أن تبتدئها وضعا من غير قياس، وعلى أن هذا ضرب من الهذيان، لأن ما ~~يبتدئه الإنسان من الأسماء (لأجناس، أو ms661 شرع) لا يصير اسما للمسمى به لا لغة ~~ولا شرعا. # فإن قيل: قد أثبتم أسماء الأوصاف المشتقة من صفات المسمين بها قياسا. # قيل له: ليس كذلك؛ لأن في اللغة ذلك؛ لأنهم يقولون: قام فهو قائم. وقعد ~~فهو قاعد، فهذا سماع ليس بقياس. # فإن قيل: لما وجدنا العصير لا يسمى خمرا، قبل حدوث الشدة فيه، ثم وجدناه ~~يسمى خمرا، عند وجودها، ثم وجدناها يزول عنها اسم الخمر عند زوال الشدة، ~~وحدوث الحموضة وجب اعتبار الاسم بحدوث الشدة وزواله بزوالها. يسمى كل ما ~~حدث فيه هذا الضرب من الشدة خمرا، فيوجب هذا أن يسمى كل مسكر خمرا. ثم يعم ~~الجميع تحريم الخمر. # قيل له: قد بينا فساد هذا الاعتبار، وأنا لو اعتبرناه لما صار ذلك اسما ~~لغير الخمر، # PageV04P113 # إذ كان سبيل أسماء الأجناس في اللغة والشرع، أن يشترك أهلهما في ~~معرفتها،؛ إذ غير جائز أن يكون اسما لبعضهم دون بعض؛ لأن الاسم: هو السمة ~~والعلامة التي تتميز بها المسميات بعضها من بعض عند السامعين لها، من ~~اللغة، أو الشرع، فلما لم يحصل ما ذكرته سمة لما سميته به عند أهل اللغة ~~ولا الشرع، ولم يتميز عندهم المسمى به مما سواه. لم يثبت اسما. # وعلى أن هذا الاعتبار منتقض على قائله؛ لأنه يلزمه أن يقول: لما كان البر ~~محرما فيه التفاضل حين كان مأكولا، فيسمى كل مأكول برا، فيكون الأرز محرما ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم - «البر بالبر مثلا بمثل» وكذلك سائر ~~المأكولات، ومن بلغ هذا الحد صار في حيز المجانين وخرج من حدود العقلاء. # وأيضا: فإن القياس إنما هو لإثبات الأحكام و (ما) ليس بحكم لا يصح إثباته ~~بالقياس، وليست التسمية حكما قد تعبدنا به إذ ليس في الأصول تعبد من الله ~~تعالى بالتسمية (فحسب) ، دون حكم ما يتعلق بالمسمى به، فتكون التسمية لأجل ~~المعنى لا لنفسها، كنحو المؤمن، والكافر، والمنافق، وسائر الأسماء المفيدة ~~للمدح، أو الذم. لما كان ذلك كذلك، لم يجز إثبات الأسماء قياسا، لما فيه من ~~إثبات حكم في ms662 الأسماء لم يرد به الشرع. # وأيضا فإن قياس الأسماء لا يخلو من أن يكون لإثبات الأحكام، أو لغيره. # فإن كان للأحكام، فقد أقام الله عز وجل لنا الدلائل على أحكامه، وعلقها ~~بأسماء ثابتة في اللغة والشرع، بتوقيف منه، أو دلالة، ولا حاجة بنا إلى ~~إثبات الأسماء قياسا، لأجل إثبات الأحكام. # وإن كان قياس الأسماء لغير الأحكام فهذا ما لا فائدة فيه؛ لأنك إنما ~~تثبته اسما للقائس دون غيره، فهو كمن ابتدأ وضع اسم بنفسه فسمى به شيئا، ~~نحو أن يسمي الرجل # PageV04P114 # فرسا، فهذا ما لا معنى له؛ إذ لا فرق بينه وبين من ابتدأ وضع اسم لشيء لا ~~يعرفه غيره، وهذا لا فائدة فيه. # وقد كان قوم ههنا ببغداد في حدود المجانين عند العقلاء، وهم عند أنفسهم ~~عقلاء، ممن يتعاطى شيئا من النحو، يدعون جواز قياس الأسماء، فينظرون إلى ~~أصل الاسم في اللغة، وإلى اشتقاقه، فيقيسون عليه ما في معناه مما لا يعرفه ~~العرب. # ولقد بلغني: أنه قيل لبعضهم: ما اشتقاق الجرجير، وما أصله؟ قال: إنما سمي ~~جرجيرا؛ لأنه يتجرجر إذا خرج من الأرض، يعني يتحرك. # قيل له: فينبغي أن تكون لحيتك جرجيرا؛ لأنها تتحرك. # وقال بعضهم: إن القارورة إنما سميت بهذا الاسم؛ لأنها يستقر فيها ما يجعل ~~فيها، ثم قاس على هذا كل ما كان في معناه، فسمى جوف الإنسان قارورة، وسمى ~~البحر قارورة، وكان الناس ينسبون قائل هذا القول إلى الهوس والجنون، ويحكون ~~عنه وعن أمثاله هذه الحكايات على جهة الهزء والسخرية وتعجب الناس من بلههم. # PageV04P115 ### | [فصل ما خص بالأثر من جملة قياس الأصول لا يقاس عليه] # فصل. # قال أبو بكر: وكان أبو الحسن يحكي: أن من مذهب أصحابنا أن ما خص بالأثر ~~من جملة قياس الأصول لا يقاس عليه، وأن القياس الأصلي الذي ورد الأمر ~~بتخصيصه أولى، (إلا أن) يكون الأثر معللا، فيقاس عليه بتلك العلة، أو يتفق ~~الفقهاء على جواز القياس عليه، فيقاس عليه نظائره، وإن خالف قياس الأصول، ~~وذلك نحو قولهم في إيجاب الوضوء بالقهقهة ms663 في الصلاة: إنه مخصوص من جملة ~~قياس الأصل. وقد كان القياس عندهم أن لا تكون القهقهة حدثا في الصلاة؛ لأن ~~في الأصول: أن ما كان حدثا في الصلاة فهو حدث في غيرها، وقد اتفق الجميع ~~على أنها ليست حدثا في غيرها، فكان القياس ألا تكون حدثا فيها، إلا أنهم ~~تركوا القياس فيها، للأثر الوارد فيها، ثم لم يقيسوا عليها القهقهة في ~~الصلاة على الجنازة، وفي سجدة التلاوة؛ لأن الأصل الذي خصها من جملة القياس ~~إنما ورد في صلاة فيها ركوع وسجود. # ومثله: ما قال أبو حنيفة: في جواز الوضوء بنبيذ التمر للأثر الوارد فيه. ~~ولم يقس عليه سائر الأنبذة لأن قياس الأصول يمنع جواز الوضوء بنبيذ التمر. ~~فورد الأثر مخصصا له من جهة موجب القياس. فترك القياس فيما ورد فيها الأثر، ~~وحمل ما لم يرد فيها الأثر على الأصل. ومثله: ما ورد من الأثر في صحة الصوم ~~مع الأكل ناسيا، وكان القياس أن يفسد صومه، وسلم للأثر ما ورد فيه، ولم ~~يقيسوا عليه الأكل في الصلاة ناسيا، ولا الكلام # PageV04P116 # والجماع فيها ناسيا؛ لأن القياس عندهم يوجب أن لا يختلف حكم الناسي ~~والعامد والمعذور (وغيره) في باب إفساد هذه القرب بوجود هذه الأشياء فيها. ~~إلا أنهم تركوا القياس للأثر، وحملوا ما لم يرد فيه الأثر على القياس. # ونحوه قولهم فيمن سبقه الحدث في الصلاة: إن القياس أن يستقبل، إلا أنهم ~~تركوا القياس للأثر، وأجازوا له البناء بعد الطهارة. # ولم يقس عليه أبو حنيفة وجوب الحدث إذا كان من فعل آدمي، نحو أن يشجه ~~إنسان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قاء أو رعف وهو في ~~الصلاة فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته» فإنما خص من جملة ~~القياس بالأثر من سبقه الحدث من غير فعل آدمي، فأما ما كان من فعل آدمي فلم ~~يقسه عليه؛ لأن الأثر لم يرد فيه. # وقد قال أصحابنا فيمن احتلم في صلاته أو فكر فأمنى: إنه يغتسل ولا يبني، ~~وقالوا: إن القياس على ms664 ما ورد به الأثر أن يبني. واستحسن ألا يبني بما ~~وصفنا من أن القياس في الأصل يمنع البناء مع حدث، ثم سلموا جواز البناء مع ~~الحدث للأثر، وتركوا القياس فيه فكانت الجنابة محمولة على قياس الأصل إذ لم ~~يرد فيها أثر. # فإن قيل: قد قست على القيء والرعاف: البول، والغائط، وسائر ما يخرج من ~~النجاسات من بدن الإنسان، إذا لم يكن خروجها بفعل آدمي. وقست المجامع في ~~رمضان ناسيا على الآكل ناسيا. # قيل له: لم نوجب شيئا مما ذكرته قياسا، وإن سوينا بين الرعاف والبول ~~وغيره إذا سبقه، لاتفاق الجميع من الفقهاء: أنه لا فرق بينهما. لأن كل من ~~استعمل الخبر سوى بين (جميع) ذلك في باب جواز البناء بعد تجديد الطهارة، ~~ومن لم يستعمله سوى بين # PageV04P117 # الجميع في منع البناء، فلما صح عندنا الخبر سوينا بينهما في جواز البناء ~~بالإجماع؛ لأنه لا فرق بينهما. # وكذلك المجامع في رمضان ناسيا، إنما جعلناه في حكم الآكل ناسيا؛ لأن كل ~~من لم يفطره بالأكل، لم يفطره بالجماع. # فلما صح عندنا الأثر في ترك الإفطار به كان الجماع مثله بالاتفاق. # وأيضا: فإن هذا الضرب من الجمع بين حكم الآكل والمجامع، وبين سائر ~~الأحداث التي تسبق المصلي، وبين القيء والرعاف، ليس بقياس عندنا، لما بينا ~~فيما تقدم: من أنه (قد ثبت) أن الصوم الشرعي هو الإمساك عن الأكل والشرب ~~والجماع. # فإذا ورد الخبر في أن الأكل ناسيا لا يفطر، فقد أفاد أن الجماع في حكمه ~~لتساويهما في الأصل، في باب أن عدمهما شرط في صحة الصوم الشرعي، على ما ~~بيناه فيما سلف. # ومن نظائر ما ذكروا من ترك القياس على المخصوص ما قالوا في الاستصناع: إن ~~القياس عندهم لا يجوزه؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان في غير السلم. وأجازوه ~~لمشاهدتهم فقهاء السلف غير منكريه على فاعليه مع شهرته واستفاضته في العامة ~~حينئذ، فكان ذلك عندهم اتفاقا منهم على جوازه. ثم لم يقيسوا عليه جواز ~~الاستصناع في الثياب ونحوها، فيما لم تجر العادة من ms665 الناس باستصناعه في ذلك ~~الزمان؛ إذ كان القياس في الأصل مانعا (منه) فما خص من جملة موجب القياس ~~بأثر، أو اتفاق، فكان مسلما له، وما عداه فهو محمول على قياس الأصل. # والدليل على صحة هذا الأصل: أن القول بوجوب القياس قد ثبت عندنا بما ~~قدمنا، فهو واجب أبدا، حتى تقوم الدلالة على تخصيصه، فإذا خص منه شيء لم ~~يبطل حكم القياس الأصلي في لزوم إجراء علته في معلولاته، والحكم للفرع بحكم ~~أصله، إلا بأثر، أو اتفاق. # PageV04P118 # فإن قيل: فقد صار الأثر المخصص لموجب القياس أصلا، فهلا قست عليه نظائره ~~مما هو في علته؟ قيل له: إذا كانت الأصول الأخر تمنع منه فغير جائز إثباته ~~مع وجود المانع منه. # فإن قيل: فإن الأثر الوارد في التخصيص قد جوزه. فلم جعلت المانع أولى من ~~المجوز؟ قيل له: لأن لقياس الأصول مزية في استعماله على قياس ما ورد به ~~الأثر المخصص له، وهو اتفاق الجميع من الفقهاء على استعماله، والأثر الوارد ~~في تخصيص هذا القياس غير متفق على جواز استعمال القياس عليه، فلذلك كان ~~الأمر فيه على ما وصفنا. # وأيضا: فإنا لو قسنا على الأثر فيما وصفت لعارضه قياس الأصول، فلا يثبت ~~قياس الأثر مع معارضته قياس الأصل (له) الموجب بضد حكمه، وكأن يكون حينئذ ~~أقل أحوالهما أن يسقطا، ويبقى الشيء على ما كان عليه حكمه، فيما عدا الأثر ~~قبل وروده، فيبطل القياس عليه من هذا الوجه. # فإن قيل: إذا عارضه قياس الأصول، فهو أيضا يعارض قياس الأصول، فيتعارضان ~~على ما ذكرت، فيوجب ذلك بطلان كل واحد من القياسين بالآخر. وهذا يوجب بطلان ~~قياس الأصل أيضا. # (قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن قياس الأصل ثابت عند الجميع، لا يبطله معارضته ~~قياس المخصوص إياه. فيكون قياس الأصل مبطلا لقياس المخصوص، ولا يكون قياس ~~المخصوص مبطلا لقياس الأصل، وكان ثابتا باتفاق الجميع) . # فإن قيل: فقد تتركون أنتم القياس إلى قياس آخر وهو أحد ضروب الاستحسان ~~عندكم، فهلا أجزت ترك القياس الأصلي بالقياس على الأثر المخصص ms666 له؟ . # PageV04P119 # قيل له: ليس هذا مما ذكرنا في شيء، من قبل ترك القياس إلى قياس آخر، إنما ~~يكون في المواضع التي يكون كل واحد من القياسين (مبنيا على أصول توجبه، ~~فيتساويان من جهة دلالة الأصول عليهما. ثم يختص أحد القياسين) بضرب من ~~الرجحان يوجب إلحاق الفرع به دون الآخر. # وأما مسألتنا فإنما هي في قياس توجبه الأصول، متفق على صحته في الأصل. ثم ~~يرد أثر بخلاف موجب القياس، فيخص ما ورد فيه من جملته، فيجب حينئذ تسليم ما ~~خصه الأثر، وليس هناك قياس أصول أخر غير ما يريد (فيه) قياسه على الأثر، ~~فكان حكم القياس الأصلي ثابتا على الوصف الذي ذكرنا، غير جائز تركه لما ~~بينا. # فإن قيل: فقد قلتم في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن: إن القياس أن يكون ~~القول قول المشتري مع يمينه، وأن لا يتحالفا، وتركتم القياس للأثر في إيجاب ~~التحالف والتراد، ثم قستم عليه الاختلاف في الإجارة. # قال أبو بكر: كان (الشيخ) أبو الحسن يقول: القياس ما ورد به الأثر؛ لأن ~~كل واحد منهما مدع لاستحقاق ملك العين بوجه يدعيه، يخالفه الآخر فيه. # وقولهم: إن القياس أن يكون القول قول المشتري إنما هو قياس على أصل، ~~وهناك أصل آخر يوجب التحالف والتراد غير الأثر. فإنما ذكروا أحد وجهي ~~القياس. # والكلام في بيان هذه المسألة بعينها خروج عما نحن فيه. ولكنا أردنا أن ~~نبين لهم أنهم لم يريدوا بقولهم: القياس عندي كذا، أن الأصول موجبة لهذا ~~القياس، فالسؤال من هذا الوجه ساقط عنا فيما نحن فيه. # وكان أبو الحسن يجيب عن سؤال الإجارة مع تسليمه لصحة السؤال، وأن القياس ~~يمنع إيجاب التحالف. وإنما خص حال الإحلاف بالأثر؛ لأنا لم نوجب التحالف في ~~الإجارة قياسا على البيع، بل القياس نفسه يوجبه في الإجارة كسائر الدعاوى،؛ ~~لأن كل جزء من # PageV04P120 # المنافع كأنه معقود عليه بنفسه. إذ لم يملك بعقد الإجارة، وإنما يملك ~~حالا فحالا على حسب حدوثها. فلما لم يحصل ملك المنافع للمستأجر بالعقد، ~~وإنما يريد أن يتملكها في ms667 حال ثانية، صار كمن ادعى على رجل أنه باعه هذا ~~العبد، وهو يجحد البيع، فتجب اليمين عليه. كذلك الإجارة إذا لم تثبت بعد ~~ملك المستأجر في المنافع. # ألا ترى أن تسليم الدار لا يقع بها تسليم المنافع، فصار المستأجر بمنزلة ~~من ادعى في شراء عبد يجحده البائع، فيجب اليمين على البائع. وليس كذلك ~~البيع؛ لأن العين المبيعة موجودة يملكها المشتري باتفاقهما جميعا، والبائع ~~معترف بذلك. وإنما يدعي زيادة الثمن. فكان القياس أن يكون القول قول ~~المشتري. وتركوا القياس فيه للأثر. # فإن قال قائل: فاجعل الأثر الوارد في تخصيص القياس أصلا تقيس عليه ~~نظائره، كما اعتبرت القياس الأصلي في مقابلة هذا القياس، وتخصيصه على جهة ~~ترجيح أحد القياسين على الآخر، وكما تقول في الفرع الذي يتجاذبه أصلان ~~فتلحقه بأحدهما دون الآخر، لضرب من الترجيح يوجبه بذلك الأثر لما كان أصلا، ~~وكان القياس الذي خصه الأثر مبنيا على أصل، فقد تجاذب الفرع أصلان: # أحدهما: ما أوجب القياس الأصلي. # والآخر: ما يوجبه الأثر؛ إذ هو أصل. # قيل له: لو اعتبرنا ما ذكرت كان القياس الأصلي أولى من القياس على ~~الخصوص، وذلك لأن شهادة سائر الأصول لقياسها أولى من شهادة المخصوص لقياسه؛ ~~إذ كان ما دل عليه أصلين من القياس أرجح وأقوى في النفس مما دل عليه أصل ~~واحد. # ومن جهة أخرى: أن قياس الأصول ثابت بالاتفاق في بعض المواضع، مع ورود ~~الأثر المخصص له، وقياس المخصوص له غير ثابت بالاتفاق. وقياس ثابت بالاتفاق ~~أولى من قياس مختلف فيه. # فإن قال: يلزمك على هذا: أن (لا نقيس) على المخصوص، وإن كان معللا للعلة ~~التي ذكرت. # PageV04P121 # قيل له: لا يجب ذلك؛ لأن علة منصوصا عليها أولى من علة مستنبطة، كما أن ~~حكما منصوصا عليه أولى من حكم مستنبط. فصار لورود النص بالتعليل مزية ليست ~~للقياس الأصلي، فصار من أجل ذلك أولى منه. # وأما إذا ورد الأثر المخصص للقياس معللا، فإن أبا الحسن كان يذكر أنه يجب ~~القياس عليه بتلك العلة. نحو ما روي «عن النبي ms668 - صلى الله عليه وسلم - في ~~الهرة إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات، وإنها من ساكني ~~البيوت» . # واعتبر أصحابنا هذا المعنى في نظائره من الفأرة، والحية، ونحوهما، مما لا ~~يستطاع الامتناع من سؤره؛ لأن قوله: من الطوافين عليكم، وقوله: إنها من ~~ساكني البيوت، يفيد هذا المعنى. وإنما وجب إجراء هذا المعنى في نظائره، من ~~قبل أن التعليل يوجب اعتبار المعنى الذي جعل علة الحكم، وإجراءه عليه، لولا ~~ذلك ما كان فيه فائدة. ولكان يكون وجوده وعدمه بمنزلة. # ألا ترى أن علل العقليات يوجب ذلك ويفيده، فإذا ورد النص بتعليل معنى، ~~علمنا أنه قد أريد منا اعتباره في نظائره، وإجراء الحكم عليه فيما وجد فيه، ~~ما لم يمنع منه مانع. # وقد قال النظام وهو من نفاة القياس: إن ذلك بمنزلة لفظ العموم، يجب ~~اعتباره فيما وجد فيه، ولم يجعل وجوب إجراء الحكم عليه من طريق القياس، بل ~~جعله بمنزلة المنصوص على حكمه. وهذا عندنا، وإن لم يكن نصا في إيجاب الحكم ~~فيما وجد فيه، فإنه يفيد من جهة الدلالة أن يكون الحكم منصوصا عليه، معتبرا ~~به. # ومن لا يعتبره فإنه يسقط فائدة التعليل، ويجعل وجوده وعدمه بمنزلة، وذلك ~~لا يجوز عندنا في كلام الله تعالى، ولا في كلام الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -. # PageV04P122 # فإن قيل: يلزمك على هذا الأصل قياس سائر الأنبذة على نبيذ التمر، في جواز ~~الوضوء به، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثمرة طيبة وماء طهور» ؛ لأن ~~نبيذ الزبيب زبيب طيب، وماء طهور. # ويلزمك أن تقيس الأكل في الصلاة على الأكل في الصوم، وقياس المكره على ~~الآكل ناسيا، لتعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - الأكل ناسيا في الصوم ~~(بأن الله تعالى أطعمه، وسقاه) وذلك موجود في المكره، وفي الذي يظن أن ~~الشمس قد غابت، والذي يظن أن الفجر لم يطلع، فأكل؛ لأن الله تعالى قد ~~أطعمهم وسقاهم، حين أباح لهم الأكل في هذه الأحوال. # قيل له: لا يجب ذلك من وجهين: # أحدهما: أن ما علل به نبيذ التمر، ms669 غير موجود في سائر الأنبذة؛ لأنه قال: ~~«ثمرة طيبة وماء طهور» وهذا المعنى غير موجود في نبيذ الزبيب. # والوجه الآخر: أن من يوجب اعتبار القياس في ذلك يجعل مراد قوله «ثمرة ~~طيبة وماء طهور» أن أصل التمر (طيب) والماء طاهر، فلا يمنع ما عرض في الماء ~~والتمر من الاستحالة إلى النبيذ من جواز الوضوء به. وهذا الاعتلال غير ~~معتبر عند جميع الفقهاء؛ لأنه لو وجب اعتباره لجاز الوضوء بالخل لطيب ~~(الأصل) الذي كان فيه، وطهارة الماء الذي خالطه، ولجاز الوضوء بالمرق،، ~~لهذه العلة. # وهذا قياس مدفوع عند الجميع وعلى هذا المنهاج نقول في قوله «إن الله ~~أطعمك وسقاك» على الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: «ثمرة طيبة وماء طهور» من ~~قبل أن قوله: إن الله أطعمك وسقاك، لا يوجد في غير الآكل والشارب. # PageV04P123 # والوجه الآخر: اتفاق الجميع على أن الأكل في الصلاة يفسدها، فلم يجره أحد ~~مجرى التعليل لما ذكرناه. # وغير جائز أن يكون المراد إباحة الأكل؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون كل ~~من أبيح له الأكل من مريض، أو مسافر، أو حائض، أن لا يفطره ذلك، ولا يجب ~~عليه القضاء، فدل ذلك على أن هذا القول، لم يخرج مخرج الاعتلال الذي يجب ~~اعتباره في غيره (من) نظائره. # فإن قيل: المراد بقوله: إن الله أطعمك وسقاك أن النسيان الذي من أجله كان ~~الأكل من فعل الله تعالى، فكانت هذه علة للمنع في إيجاب القضاء. # قيل له: فينبغي أن لا يجب على الحائض والمريض القضاء؛ لأن الحيض والمرض ~~من فعل الله تعالى، وهذا لا يقوله أحد، فثبت أنه لم يرد بذلك تعليل ~~النسيان، فلم يجب القياس عليه. # PageV04P124 ### | [باب ذكر الأصول التي يقاس عليها] # قال أبو بكر: كل حكم ثبت وصح من الوجوه التي ثبتت بها الأحكام، فجائز ~~القياس عليه، إذا قامت الدلالة على وجود المعنى الذي هو علة للحكم فيه، ~~سواء كان ما فيه المعنى أصلا ثابتا بتوقيف واتفاق، أو بدلالة غيرهما، ~~فالقياس واجب على نص الكتاب والسنة، وعلى إجماع ms670 الأمة، وعلى ما ثبت من طريق ~~الآحاد، بعد أن لا مخصص للقياس موجبا للحكم بخلاف القياس على ما تقدم من ~~بيانه. # يجوز القياس أيضا على حكم قد ثبت من طريق القياس، وإن كان مختلفا فيه. ~~وذلك نحو أن يقول: لما ثبت عندنا جواز البيع الموقوف بالدلالة الموجبة له، ~~كان النكاح بمثابته في جواز وقوفه؛ لأن كل واحد من العقدين له مجيز. فمن ~~حيث وقف أحدهما إذا عقد بغير أمر مالكه كان كذلك حكم الآخر. للعلة التي ~~ذكرنا، كما نقول في إفساد صلاة الرجل محاذاة المرأة إذا اشتركا في صلاة ~~واحدة، قياسا على إفسادها إذا قام قدام الإمام. وقد ثبت عندنا أن قيامه ~~قدام الإمام يفسدها، وإن خالفنا بعض الفقهاء فيه، فجائز لنا أن نبني هذا ~~الفرع على ما قد ثبت عندنا مما ذكرناه، مع وجود الخلاف فيه. # وتكون العلة الجامعة بينهما أنه قام مقاما لا يجوز أن يقومه بحال، مع ~~اختصاصه بالنهي على ما بيناه في موضعه، وكما نبني تحريم النساء بوجود ~~الكيل، أو الجنس على أصلنا في اعتبارهما في تحريم التفاضل. # PageV04P127 # ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى، وإنما أردنا أن نبين وجه جواز القياس على ~~حكم ثبت من طريق القياس مع وجود الخلاف في الأصل. . # فإذ قد بينا الأصول (التي يصح القياس عليها، فالوجه أن نذكر متى تقاس ~~الحادثة على الأصل، وهل يعتبر الأصل) أولا في كونه معلولا، ثم يقاس. أو لا ~~اعتبار بذلك، ويقاس على كل أصل ما لم يمنع منه. # وكان أبو الحسن يقول: لما ثبت وجوب القول بالقياس، كان لي أن أقيس على كل ~~أصل، حتى تقوم الدلالة على أن أصلا ليس بمعلول، ولا يجوز حينئذ القياس ~~عليه. # قيل لأبي الحسن: فإذا ثبت أن ههنا أصلا يقاس عليه، وأصلا لا يقاس عليه. ~~فما أنكرت ممن قال: إن القياس غير سائغ على شيء من الأصول حتى يقوم الدليل ~~على أصل بعينه أنه معلول؟ فأجاب: بأنه ليس ههنا دليل يدلنا على أصل من ~~الأصول بعينه أنه معلول، إلا ms671 ما ذكرناه من صحة وجوب القياس في الجملة. فلو ~~أنا توقفنا عن القياس حتى تقوم الدلالة على أصل بعينه أنه معلول. لأدى ذلك ~~إلى إبطال القياس؛ لأنا لم نجد على ذلك دليلا، وما أدى إلى إبطال القياس، ~~فهو فاسد،؛ لأن وجوب القياس قد صح في الجملة بالدليل الذي ذكرناه. # قيل له: قد اختلفت الصحابة في مسائل، وبنى كل واحد منهم مذهبه على أصل. # وفي إجماعهم على ذلك دليل على أن هناك أصلا معلولا. وفي ذلك إثبات أصل ~~معلول على غير الجهة التي ذكرت. # PageV04P128 # فأجاب: بأن الصحابة لما اختلفت، فإن كل واحد منهم رد المسألة إلى أصل لم ~~يردها عليه الآخر، فلم يجمعوا على أصل واحد أنه معلول. # قال أبو بكر: هذا الذي سمعت أبا الحسن يقوله في هذا الفصل، معناه عندي: ~~أن الفقيه لا يحتاج عند حدوث الحادثة، أن يتوقف عن عرضها على الأصول، ~~واعتبارها بنظائرها منها، حين يجد أصلا معلولا لهذه الحادثة بعينها. بل ~~الواجب عليه عرضها على سائر الأصول، وإلحاقها بالأشبه منها، حتى تقوم ~~الدلالة. أن شيئا منها غير معلول، فلا يرد الحادثة إليه. وهذا هو الصحيح ~~عندنا، وذلك أن من الأصول ما قد قامت دلالته أنه معلول يجب القياس عليه، ~~(إما من جهة النص، وإما من جهة الاتفاق) ، أو بدلالة فحوى الخطاب، فمما ثبت ~~أنه معلول باتفاق القائسين: تحريم النبي - صلى الله عليه وسلم - التفاضل في ~~الأصناف الستة، واتفق القائلون بالقياس أن هذا الأصل معلول، بمعنى يجب ~~اعتباره في أغياره، وحمل ما سواه عليه، مما يشاركه في علته، ودلالة فحوى ~~الخطاب (به) ظاهرة في كونه معللا لقوله في سياق اللفظ. # «فإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» فلما منع التفاضل عند وجود ~~الجنس فيما ذكر وأباحه عند عدمه، دل على أن هناك معنى من أجله وقع التفاضل ~~بينهما، فدل على أن الخبر معلل بمعنى يجب الاستدلال عليه، واعتباره في ~~نظائره، فوجب حينئذ طلب المعنى الذي هو علم للحكم ويستدل عليه بدلالة. # ونحوه «قوله - صلى الله عليه ms672 وسلم - حين سئل عن فأرة وقعت في سمن إن كان ~~جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فأريقوه» ففرق بين المائع والجامد، ~~فدل على أن هناك معنى به تعلق حكم النجاسة، من أجله اختلف حكم الجامد ~~والمائع، فثبت أنه معلول، ووجب طلب المعنى حينئذ بالاستدلال عليه. # ومن الأصول ما يكون معلولا بعلة منصوص عليها، كقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- في الهرة «إنها من # PageV04P129 # الطوافين عليكم» «وقوله - صلى الله عليه وسلم - لبريرة ملكت بضعك ~~فاختاري» . # ، ثم اختلف أهل العلم في رد الحادثة إلى الأصول من وجه آخر. # فمنهم من قال: إن الواجب عرضها على الأصول، وإلحاقها بالأشبه منها، سواء ~~كان ذلك الأصل من جنسها، أو من غير جنسها، بعد اشتراكهما في المعنى الذي هو ~~علم للحكم. # وكان أبو الحسن يقول: إن الحادثة إذا تجاذبها أصلان فردها إلى ما قرب ~~منها، وإلى ما هو من بابها ومن جنسها، أولى من ردها إلى ما بعد منها، وإلى ~~خلاف جنسها. # ولذلك قولنا في الاعتكاف: (إنه) لما كان لبثا في مكان، وجب أن لا يصح إلا ~~بانضمام معنى آخر إليه هو قربة في نفسه: قياسا. # فعارضونا بالصوم: أن الإمساك ليس بقربة في نفسه، ثم يصير قربة بمضامة ~~النية إياه. فهلا كان المعنى المضموم إلى الاعتكاف في كونه قربة هو النية، ~~حسب ما قلنا في الصوم؟ وكان أبو الحسن إذا ألزم مثل هذا يقول: إن رد ~~الاعتكاف إلى الوقوف بعرفة أولى من رده إلى الصوم؛ لأنه من جنسه؛ إذ كان ~~الاعتكاف لبثا كالوقوف، وما وجدنا لهذا نظيرا من جنسه، فحمله عليه (وردها ~~إليه) (أولى من رد) إلى ما ليس من جنسه، # PageV04P130 # وكان الذي اعتبر في صحة الصوم الشرعي مع الإمساك: هو النية، والنية في ~~نفسها ليست بقربة، والذي اعتبر في كون الوقوف قربة: هو الإحرام، وهو قربة ~~في نفسه، فكان شرط الصوم في الاعتكاف أولى من شرط النية؛ إذ كان الصوم قربة ~~في نفسه، وإن انفرد عن الاعتكاف بعلة أنهما جميعا لبث في مكان. # قال أبو ms673 بكر: ومن نظائر ذلك أنا إذا اختلفنا في عدد مسح الرأس في الطهارة ~~كان قياسه على سائر الممسوحات من نحو المسح على الخفين، ومسح التيمم في ~~كونه مرة أولى من قياسه على المغسول من الأعضاء؛ لأن رد المسح إلى مسح هو ~~من بابه ومن جنسه، أولى من رده إلى غسل ليس هو من بابه. # ونحوه إذا اختلفنا في زكاة الحلي، فردوه إلى ثياب البذلة في سقوط الزكاة، ~~كان ردنا إياه إلى السبائك، والنقر، أولى في باب إيجابها؛ لأنه من جنسها، ~~وليس كذلك الثياب. # وكقولهم: في أن أكثر الطواف يقوم مقام الكل في باب الإجزاء، قياسا على ~~قيام أكثر أفعال الحج مقام الجميع في باب الإجزاء (إذا كانت أركان الحج: ~~الإحرام) ، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، ثم إذا وقف بعد الإحرام لم يلحقه ~~فساد، وقام مقام الجميع، ولم يقيسوا فعل أكثر الطواف في باب الإجزاء على ~~ركعات الصلاة في باب: (أن) أكثرها لا يقوم مقام الجميع في باب الإجزاء؛ إذ ~~كان رد الطواف إلى ما هو في بابه من أفعال الإحرام، أولى من رده إلى ما ليس ~~من بابه من أفعال الصلاة. # وكان أبو الحسن يقول في الحادثة: إذا كانت من أصل مخالف لأصل آخر في ~~موضوعهما فإنه لا يرد إلى الأصل الذي (يخالف) لأصل الحادثة في موضوعه. # PageV04P131 # قال أبو بكر: وظاهر هذا القول يقتضي أن لا يرد إلى الأصل الذي خالف أصل ~~الحادثة رأسا، كقولهم في مسألة المحرم إذا حلق ربع رأسه: إن عليه دما، ~~وقدروا الربع اجتهادا، مع كون الرأس عضوا بنفسه لا نظير له في البدن. ~~وفرقوا بين حلقه ربع الرأس، وبين حلق ربع أحد الإبطين؛ لأن له في البدن ~~عضوا نظيره، فصار أخف حكما من الرأس الذي لا مشارك له في البدن، ولم يكن ~~هذا عندهم ككشف العورة، في أنه لا يختلف حكم ما له منها نظير، وما لا نظير ~~له منها، في أن كشف الربع يفسد الصلاة، فكان يمنع قياس أحدهما على الآخر؛ ~~لأن موضوع الصلاة في ms674 الأصل مخالف لموضوع الإحرام في أحكامها. # ألا ترى أن يسير كشف العورة في الصلاة لا حكم له، وأن يسير الحلق في ~~الإحرام لا يخلو من إيجاب شيء. فلما اختلف موضوع أحكامهما في الأصل، امتنع ~~قياس أحدهما على الآخر. # قال: وذلك لأن الأحكام إنما تختلف بحسب اختلاف العلل والمعاني، فإذا ~~اختلف (أحكام) الأصلين في موضوعهما استدللنا بذلك على اختلاف عليتهما ~~الموجبة لاختلاف أحكامهما، ولا يصح اتفاق الحكمين مع اختلاف العلل الموجب ~~لاختلاف الأحكام. # قال: ومن أجل ذلك لم يلزم قياس الأضحية على الحلق، ولا كشف العورة في ~~اعتبار الربع فيما يذهب من الأذن، والعين، أو الذنب، بل اعتبروا فيها بقاء ~~الأكثر، ومنعوا قياسه على الحلق وكشف العورة لما وصفنا. # قال أبو بكر: ومن نظائر ذلك ما اختلف فيه أبو حنيفة، وأبو يوسف، (ومحمد) ~~، فيمن جامع مرارا في إحرامه في مجالس مختلفة، أنه يجب لكل جماع دم عندهما، ~~وعند محمد دم واحد، ما لم يكفر، قياسا على كفارة رمضان، ولم يرداها على ~~كفارة رمضان، لمخالفة كفارة الإحرام لكفارة رمضان في موضوعهما في الأصل. # PageV04P132 # ألا ترى أن كفارة الإحرام لا يسقطها العذر، وأن كفارة رمضان لا تجب مع ~~العذر، فلما اختلف موضوعهما في الأصل، لم ترد إحداهما على الأخرى. # وكان يقول: ليس هذا بمنزلة قياسنا الخلع على دم العمد مع اختلاف ~~أصليهما،؛ لأنهما غير مختلفين في موضوع أحكامهما،؛ لأن البضع ليس بمال، ~~وكذلك دم العمد. وكل واحد من الطلاق والعفو عن الدم لا يلحقه الفسخ بعد ~~وقوعه، ويجوز إسقاطه في المرض بغير عوض، ويجوز كل واحد منهما على ضروب من ~~الجهالة لا تجري مثلها في البياعات. فلما لم يختلفا في موضوع أحكامهما في ~~الأصل، ساغ قياس أحدهما على الآخر. # قال أبو بكر: وما قدمنا حكايته عن أبي الحسن في الفصل المتقدم: هو ضرب من ~~ترجيح العلل إذا عارضتها علل غيرها، فيكون إلحاقها بجنسها، و (ما) هو من ~~بابها، وفي حكمها أولى. # فأما أن يكون جواز القياس مقصورا على رد الحادثة إلى ما هو ms675 من جنسها، دون ~~غيره (فلا، بل) القياس جائز على ما هو الحادثة، وعلى ما يعد منها بعد ~~اشتراكهما في المعنى الذي هو علم الحكم. # ومسائل أصحابنا واعتلالاتهم تدل على ذلك، وما أعلم أحدا من القائسين يمنع ~~من تجويز ذلك في كثير من المواضع. # وقد كان أبو الحسن يرد الوطء الكثير الواقع في الإحرام على جهة الرفض، ~~والإحلال، في باب وجوب الاقتصار به على دم واحد على الوطء الكثير الواقع في ~~النكاح الفاسد، لما وقع على وجه واحد، لم يجب إلا مهر واحد، كان بمنزلة ~~الوطء الواحد. # وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - (جواز) قضاء الحج عن الغير إلى قضاء ~~الدين بقوله: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان يجزي عنه؟ قال: نعم. ~~قال: فدين الله تعالى أحق» ورد إباحة القبلة للصائم إلى المضمضة، وليست من ~~جنسها. # PageV04P133 # فإن اعتبر بعض القائسين ما حكيناه عن أبي الحسن في اعتبار الحادثة بما هو ~~من جنسها، على الوصف الذي ذكرنا، كان سائغا، وكان ما ذهب إليه من ذلك وجها ~~يقوي في النفس رجحان العلة على غيرها، وإن ترك اعتبار الجنس واعتبر المعنى ~~على حسب ما يدل عليه شواهد الأصول، فيكون ذلك مقويا لاعتباره في نفسه، و ~~(إن) لم يرده إلى جنسه كان جائزا، وجملة الأمر فيه أن طريق العلل الشرعية ~~وترجيح بعضها على بعض الاجتهاد، وغالب الظن. فمن اعتبرها ببعض الوجوه التي ~~ذكرنا ساغ له (ذلك) على حسب ما يغلب في ظنه أنه علم الحكم، وأمارته، وأنه ~~أشبه بالحادثة من طريق الحكم وغيره. # PageV04P134 ### | [باب وصف العلل الشرعية وكيف استخراجها] # قال أبو بكر: العلل الشرعية سبيلها أن تكون وصفا للأصل المعلول. ولا فرق ~~بين أن يكون ذلك الوصف لازما للأصل لا يزايله، وبين أن لا يكون لازما، بل ~~يكون موقوفا على عادات الناس فيه. # فمن الأوصاف اللازمة للأصل: ما هي علة فيه، نحو صفة دم الاستحاضة أنه دم ~~عرق، وكون دم عرق صفة لازمة لسائر الدماء الخارجة من بدن الإنسان، ما خلا ~~الحيض ms676 والنفاس، وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الوصف علة لنقض ~~الطهارة. # ومما لا يكون وصفا لازما للأصل، وإنما يلحقه الصفة على حسب عادة الناس في ~~التعامل به: الكيل والوزن في المكيلات والموزونات. وليس ذلك صفة لازمة ~~للأصل المعلول. إذ جائز أن يترك الناس التعامل بهما كيلا، أو وزنا. # ولا فرق عندنا بين ما هذا وصفه من المعلول، وبين الأوصاف اللازمة للأصل ~~مما لا يفارقه، وليس لكون هذا الوصف غير مفارق له من مزية على الآخر في باب ~~العلل. # ألا ترى أن مخالفنا قد جعل الشدة علة لتحريم الخمر؟ وقد يجوز أن يفارقها ~~فيصير خلا. # قال أبو بكر: وقد يكون علة الحكم وصفين من أوصاف الأصل وأكثر، وقد يكون ~~وصفا واحدا. # وغير جائز أن يكون جميع أوصافه علة للحكم. فإذا كانت العلة ذات أوصاف ~~فجميع تلك الأوصاف علة واحدة. # وغير جائز أن يقال: إن كل وصف منها علة؛ لأن العلة ما يوجب الحكم. ولو ~~كان كل وصف مما ذكرنا علة، لوجب أن يكون موجبا للحكم بانفراده. # PageV04P137 # فمن العلل التي تكون ذات أوصاف، نحو تحريم البيع في البر بالبر، إذا ~~أردنا قياس غيره عليه عند وجود التفاضل، فنقول: إن علة تحريم البيع وجود ~~زيادة كيل في جنس. # فكانت زيادة الكيل مع الجنس بمجموعها علة لفساد البيع. # ولا يجوز أن يقال: إن الجنس على الانفراد علة في ذلك، ولا الكيل على ~~الانفراد لما وصفنا. # ونظيره: قولنا في سؤر السباع التي يستطاع الامتناع من سؤرها إنه نجس، ~~قياسا على الكلب بعلة أنه محرم الأكل، لا لحرمته ويستطاع الامتناع من سؤره. ~~فالعلة ههنا ذات أوصاف ثلاثة: # أحدها: أنه محرم الأكل. # والثاني: أن تحريم أكله لا لحرمته. # والثالث: أنه يستطاع الامتناع من سؤره في العادة، ومتى أخللت شيئا من هذه ~~الأوصاف انتقضت العلة، فصارت هذه الأوصاف لمجموعها علة لتحريم السؤر. # ومما يكون العلة فيه وصفا (واحدا) من أوصاف الأصل. قولنا: إن الجنس ~~بانفراده يحرم النساء، والكيل والوزن، كل واحد منهما بانفراده يحرم النساء، ~~فكان هذا ms677 الوصف الواحد علة لتحريم النساء، وكان الكيل مع الجنس بمجموعهما ~~علة لتحريم التفاضل. # والعلل الشرعية أمارات للأحكام، وعلامات لها، لا على جهة إيجابها لها ~~كإيجاب العلل العقلية لأحكامها على حسب ما تقدم من بيانها في ذكر وصف ~~العلل، فإنما تعلق الأحكام بها حسب تعلقها بالأسماء، فيكون الاسم (علما ~~لوجوب) الحكم، لا على جهة إيجابه له. # كذلك العلل الشرعية هذه سبيلها، ومن أجل ما ذكرنا جاز وجود هذه الأوصاف - ~~التي هي علل الأحكام - عارية من أحكامها. وغير جائز أن يكون (حكم) علل ~~الشرع مقصورا على موضع النص، والاتفاق # PageV04P138 # غير متعد إلى فرع مختلف فيه،؛ لأنها إذا كانت بهذا الوصف لم تكن عللا. # وعند أصحاب الشافعي: أنه قد يكون من علل الشرع ما لا يتعدى إلى فرع ولا ~~يفارق المنصوص، أو الاتفاق. نحو قولهم: إن علة تحريم التفاضل في الذهب ~~والفضة أنهما أثمان الأشياء، وقولهم: إن أولاد الماشية ضمت إلى أمهاتها، ~~إذا حدثت في الحول؛ لأنها منها، وهذا عندنا لا يقوله من يعرف علل الأحكام ~~ومعانيها، ومع ذلك قول واضح الفساد، من قبل أن هذه العلل إنما تستخرج ~~لإيجاب الأحكام بها، والمنصوص عليه مستغن بدخوله تحت النص عن استخراج علة ~~لإيجابه، فلا معنى لاستخراجها له، ولا فائدة فيه. # ألا ترى أن سائر الأحكام لو كانت منصوصا عليها لأغنى ذلك عن القياس ~~واستخراج العلل، فكذلك ما علم بالنص، فلا معنى لاستخراج علته، وإنما تستخرج ~~العلة من النص للفرع، لا لنفسه. # وأيضا: فإن علل الأحكام إنما تستخرج للقياس بها على المنصوص، وكل علة لا ~~يقع بها قياس فليست بعلة، فلا معنى لها إذن. # وأيضا: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أجاز اجتهاد الرأي في ~~استخراج المعاني والعلل عند عدم النصوص في قصة معاذ وغيره، فإذن اجتهاد ~~الرأي ساقط مع وجود النص في استخراج علته، كما سقط في استخراج حكمه. # وكذلك الصحابة إنما كانوا يجتهدون آراءهم في استخراج العلل في الحوادث، ~~ولم # PageV04P139 # يكونوا يجتهدون في استخراج علل النصوص من غير رد لغيرها إليها. ولو ms678 كان ~~ذلك مما يجوز لما خفي عليهم، ولتكلموا فيه. # واختلفوا في علل النصوص، وإن لم يقيسوا بها، كما اختلفوا في علل القياس، ~~ولو فعلوا ذلك لنقل كما نقل اختلافهم وأقاويلهم في أعيان المسائل، ووجوه ~~استخراجاتهم. فدل تركهم لذلك على أنه إنما لم يفعلوه؛ لأنه لم يكن عندهم في ~~اعتباره فائدة ولا معنى. # وأيضا: فإن العلل إنما تستخرج (لأغيار الأصل) . فأما الأصل المستخرج منه ~~العلة، فغير جائز أن يكون علة لنفسه. # ألا ترى: أنه غير جائز أن تكون علة المسألة جميع أوصافها؛ لأنها (لا) ~~تتعدى إلى غيرها. فكذلك (غير) جائز أن تكون علتها بعض أوصافها الذي لا ~~تتعدى (به) . # فإن قال قائل: الفرق بين الحكيم والسفيه: أن الحكيم تتعلق أفعاله بأغراض ~~محمودة، فوجب أن تكون أحكام الله تعالى وأفعاله متعلقة بأغراض محمودة، من ~~حيث كان حكيما لا يجوز منه العبث، (وتلك) الأغراض هي العلل التي لا تتعدى ~~أصولها. # قيل له: من ههنا أتيت، وذلك لأنك حين جهلت علل المصالح، وعلل الأحكام، ~~ولم تنفصل عندك إحداهما من الأخرى، أجريتهما مجرى واحدا. # وعلل المصالح ليست هي العلل التي يقاس عليها. أحكام الحوادث، ولا يوقف ~~عليها إلا من طريق التوقيف. # ألا ترى: أن صاحب موسى - عليهما السلام - لما فعل تلك الأفاعيل التي ~~استنكر موسى ظاهرها مما لم يقف موسى - عليه السلام - على عللها من طريق ~~النظر والرأي، ولم يعلمها إلا # PageV04P140 # من طريق التوقيف حين بينها له بقوله: {أما السفينة فكانت} [الكهف: 79] ~~{وأما الغلام} [الكهف: 80] {وأما الجدار} [الكهف: 82] وعلل الأحكام إنما هي ~~أوصاف في الأصل المعلول ليس من علل المصالح في شيء، والمصالح نفسها هي ~~الأحكام التي تعبدنا الله تعالى بها، وقد علمنا عند ورود النص: أنه لم ~~يفعلها إلا حكمة وصوابا، وإن لم نقف على وجه المصلحة في كل شيء بعينه. # وعلل هذه المصالح إنما هي في المتعبدين لا في الحكم، وذلك؛ لأنه جائز أن ~~يكون في المعلوم أنه لو لم يتعبدنا بها لفسدنا، وإذا تعبدنا بها صلحنا، ~~وليس ذلك من علل الأحكام في ms679 شيء. # فإن قيل: ما أنكرت أن تكون العلل التي نستخرجها مما لا يتعدى هي من علل ~~المصالح. # قيل له: هذا غلط؛ لأن كون الذهب والفضة أثمانا، ليس من علل المصالح؛ لأن ~~كونهما أثمانا إنما كان باصطلاح الناس عليه، وكون الأولاد من الأمهات ليست ~~من علل المصالح في شيء، وأنت إذا استخرجت علة النصوص فإنما تستخرجها ~~لتجعلها علة للحكم المنصوص عليه، ولو كانت علة الأحكام علة المصلحة، لوجب ~~أن يكون الأكل في البر بالبر، لما كان عندك علة لتحريم التفاضل، أن يكون ~~التحريم أبديا موجودا، وأن لا يصح إباحة التفاضل فيهما مع وجودهما؛ لأن علل ~~المصالح غير جائز وجودها عارية من أحكامها. وقد علمنا وجود كونه مأكولا مع ~~إباحة التفاضل قبل التحريم، فدل على أن علل الأحكام ليس من علل المصالح في ~~شيء، وأن علل الأحكام سبيلها أن تكون أوصافا للأصول المقتضب منها العلل. # وعلل المصالح إنما هي معان في المتعبدين لا في الأصول المتعبد بها، وتلك ~~المعاني لا نعلمها إلا من طريق التوقيف، وإن كنا قد علمنا في الجملة: أن ~~المصلحة في الحكم الذي تعبدنا به. # PageV04P141 # فإن قال: قولكم: إنه لا فائدة في استخراج علة لا تعدو النص غلط؛ لأن ~~فائدته أنه نعلم (أن) الله تعالى حرمه لهذه العلة، فقد استفدنا معنى لو لم ~~تكن هذه العلة لم نستفده. ونستحق بالتوصل إلى هذا العلم ثوابا، فيكون ذلك ~~فائدتنا فيه. # قيل له: أتعني بقولك: إن الله تعالى حرمه لهذه العلة، وإن هذه العلة كانت ~~موجبة للتحريم لا محالة، أو عنيت أن المعنى (قد) كان يجوز وجوده غير موجب ~~للحكم، إلا أن الله تعالى جعله علة للحكم المذكور نصا. # فإن قال: لم يكن المعنى موجبا للتحريم من طريق الحكمة، وقد كان جائزا أن ~~لا يحرمه الله تعالى مع وجود المعنى. # قيل له: فقد أجزت على الله تعالى فعل العبث؛ لأن المعنى إذا لم يقتض ~~التحريم، ولم يوجبه من طريق الحكمة، فغير جائز أن يقول الله عز وجل: إني ~~حرمته لأجل المعنى، كما ms680 لا يجوز، أن يقول: حرمته لأجل أني خلقت السموات ~~والأرض، (إذ لا تعلق لذلك بالحكم) فإن قال: يلزمك مثله في العلة المتعدية ~~إلى فروعها من غير المنصوص؛ لأنها عندك غير موجبة لتلك الأحكام، وقد جعلتها ~~عللا لها. # قيل له: ليست تلك عللا على الحقيقة عندنا، ولا نعلق وجوب الحق بها، وإنما ~~هي علامات كالأسماء، على النحو الذي بينا، وأنت حين عللت النص، فإنما رمت ~~إثبات علله أنها موجبة للحكم المنصوص لا على معنى أنها علامة؛ لأن ما قد ~~علم ثبوته بالنص لا يحتاج إلى علة تكون علامة لحكمه. # فإن قال: لا بد أن يكون ما حرم الله تعالى الشيء من أجله يوجب التحريم من ~~طريق الحكم. # PageV04P142 # قلنا له: فهذه علل المصالح التي ذكرنا أنها إنما تكون معاني (في) ~~المتعبدين. من أجلها، وجب أن يتعبدوا بهذه الأحكام؛ إذ كانوا بها يصلحون، ~~ولو لم يفعلها لفسدوا عنده، ولا تكون تلك أمارات للأحكام. # فقولك: إن فائدة العلل التي لا تتعدى أني أعلم الله لم حرمها، كلام ساقط ~~لا معنى له. # قال أبو بكر: وإنما احتجنا إلى الكلام في هذا المعنى؛ لأن كثيرا من ~~المخالفين لا يعرفون معاني علل الشرعيات والعقليات، وإنما يقلدون فيها قوما ~~جهالا مثلهم. ثم يعارضون على علل جارية في فروع مختلف فيها بعلل يستخرجونها ~~من ذلك الأصل غير متعدية إلى فرع، وهي مع ذلك موجبة لمثل الحكم الذي ~~تنازعوه في الفروع، ويظنون أن مثله يكون معارضا لتلك العلل الصحيحة، ~~المتعدية إلى مواضع الخلاف، فينتظمون به الخطأ من وجهين: # أحدهما: اعتلالهم بعلة لا تعدو موضع النص، أو الاتفاق. # والثاني: أن ما ذكروه لو صح علة لما عارض اعتلال الخصم لأنهما (حينئذ) ~~يوجبان حكما واحدا، إلا أن إحداهما أعم من الأخرى فيما يوجبه منه، وذلك نحو ~~قولنا: في علة تحريم البيع في الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، إذا تفاضلا: ~~إنهما وجود زيادة في جنس، فيعارضون عليها بأن يقولوا: ما أنكرت أن تكون ~~العلة في الذهب والفضة، أنهما أثمان الأشياء، وكونهما أثمان الأشياء لا ms681 ~~تتعدى إلى فرع، وإذا عللنا وجوب ضم الأولاد إلى الأمهات؛ لأنها زيادة مال ~~في الحول على نصاب. قالوا: العلة في الأولاد أنها من الأمهات، فيجعلون ما ~~ذكروا من المعنى علة للحكم. ويرومون به معارضتنا في اعتلالنا. # PageV04P143 # بما وصفنا، وهذا خطأ وجهل مفرط. # ، وإذا قلنا: إن هذه العلة لا فائدة فيها؛ لأن العلل تقتضب لإيجاب ~~الأحكام وهذا حكم معلول بالنص. # قالوا: فائدته أن الله عز وجل أراد أن يعلمنا لم حرمه، فيعدلون عن بعض ~~الكلام في المسألة إلى غيرها؛ لأن علمنا بذلك ليس هو الحكم الذي تنازعناه، ~~وإنما نحتاج أن يعارضنا بعلة توجب الحكم فيما اختلفنا فيه بضد موجب علتنا، ~~وإلا كانت معارضة ساقطة. # ولا فرق بين من جعل علة المسألة وصفا من أوصافها (لا يعدوها، وبين من جعل ~~علتها جميع أوصافها فلما امتنع أن تكون علتها جميع أوصافها) ؛ لأنها (لا) ~~تعدوها، امتنع أن يكون بعض أوصافها علة (لها) ، مما لا يعدوها. # وأما وجه استخراج العلل الشرعية والقياس بها، فإن الفقهاء مختلفون فيه. # فمنهم من يعتبر تشابه الأصل والفرع في صورتهما وذواتيهما دون غيرهما، ما ~~دام يجد له شبها من هذا الوجه. # ومنهم من يعتبر اشتباههما من جهة الأحكام. # فالوجه الأول: كنحو قول الأصم: في أن ترك القعدة في آخر الصلاة لا يفسدها ~~(لاتفاق الجميع على أن ترك القعدة الأولى لا يفسدها) . # PageV04P144 # قال: ولا شيء أشبه بالقعدة من قعدة أخرى غيرها، هما مفعولتان في صلاة ~~واحدة، فوجب قياس إحداهما على الأخرى. # وكقوله: في نفيه فرض القراءة في الصلاة لاتفاق الجميع على نفي إيجاب سائر ~~الأذكار المفعولة من الصلاة، كتسبيح الركوع، والسجود، وقراءة التشهد في ~~القعدة الأولى، وذكر الاستفتاح، ونحوه فوجب أن يكون كذلك حكم القراءة؛ ~~لأنها ذكر مفعول في الصلاة، فأشبهت سائر الأذكار التي ذكرنا. # وكقوله: إن تكبيرة الافتتاح (ليس بفرض، لاتفاقهم على أن) سائر التكبيرات ~~المفعولة بعدها في الصلاة ليست فرضا، فلم يكن شيء أشبه بتكبيرة الافتتاح من ~~سائر التكبيرات المفعولة فيها. # قال أبو بكر: وهذا عندنا إنما نعتبره ما ms682 وجد في الأصول شبها للحادثة من ~~هذه الجهة. # فأما إذا لم تجد للحادثة شبها في الأصول من هذه الجهة، فلا بد من اعتبار ~~أوصاف أخر غير ما ذكرنا. # وقد اعتبر الشافعي نحو ذلك، فقال في الجناية على العبد فيما دون النفس: ~~إنه يعتبر بها الجناية على الحر، فما وجب في الحر من ديته وجب في العبد من ~~قيمته. # قال: وهو يشبه الحر من جهة أنه يلزمه العبادة، وفي قتله الكفارة، ويجب ~~القصاص فيما بين العبيد. # ويشبه البهيمة من جهة أنه سلعة يباع ويشترى، وأن على متلفه القيمة. ~~فاعتبر في هذا الموضع الشبه من هذه الوجوه، وهذا القول يضارع قول الأصم من ~~وجه، ويخالفه من وجه آخر. # PageV04P145 # فموافقته الأصم من جهة أنه اعتبر ظاهر الشبه، وعدد وجوهه على ما حكيناه، ~~كما ذكر الأصم ظاهر الشبه من الوجوه التي ذكرها. # ويخالف قول الأصم من جهة أن الأصم اعتبر الشبه من جهة أعيان المسائل، ~~وذواتها، وصورها، وجمع بين حكم الفرع والأصل من هذه الجهات. # والشافعي اعتبر الشبه من جهة الأحكام؛ لأنه عد أحكام الحر وأحكام ~~البهيمة، فجعل العبد مشبها للحر من تلك الوجوه، ومشبها للبهيمة من وجوه أخر ~~في الأحكام، لا في الأعيان والصور. # قال أبو بكر: ومن الفقهاء من يعتبر كثرة الشبه في الأحكام. فما أشبه ~~الحادثة من وجهين في أحكامها، أولى مما أشبهها من وجه واحد. وكذلك كلما ~~كثرت جهات الشبه كان الحكم للكثرة عندهم. نحو قول من يخص إيجاب كفارة ~~الإفطار في رمضان بالجماع دون الأكل؛ لأن الجماع - زعم - يفسد به الحج، ~~ويجب به الهدي، ويوجب الحد إذا صادف غير ملك ولا شبه، ويوجب الغسل. # فلما كانت الأحكام المعلقة بالجماع أكثر منها بالأكل في هذه الوجوه؛ إذ ~~كان الأكل إنما يؤثر في إفساد الصوم فحسب، وجب أن يكون اعتبار الجماع دون ~~غيره في إيجاب الكفارة به، أولى. # ويحكى عن بشر بن غياث أنه كان يقول: لا قياس لقائس إلا على أصل معلوم ~~أجمعت الأمة عليه. # PageV04P146 # قال أبو بكر: كأنه إنما ms683 اعتبر إجماع القائسين على كون الأصل معلولا، ومتى ~~لا يجمعوا على أنه معلول لم يقس عليه، ولم يعتد بنفات القياس في هذا ~~الإجماع. # وقال جل من يعتمد عليه من الفقهاء النظارين: إنما الاعتبار في لحاق ~~الحادثة بأصولها بتشابهها في المعنى الذي هو علم الحكم وأمارته، يجب على ~~الناظر طلبه وتتبعه بالاستدلال عليه، فإذا ثبت المعنى بالدلالة عليه، وجب ~~إجراؤه في فروعه، والحكم لها بحكمه، سواء كان ذلك المعنى شبها من جهة ~~الصورة، أو من جهة الحكم، أو من جهة الاسم؛ إذ جائز عندهم أن يرد الفرع إلى ~~الأصل بالاسم، إذا تعلق الحكم بالاسم، فيكون الاسم حينئذ علم الحكم، ~~والوصول إلى معرفة المعنى الذي هو علم الحكم وأمارته، (ونسميه علة) من ~~وجهين: # أحدهما: بالتوقف عليه. # والآخر: بالنظر والاستدلال. # وهذا القول هو الصحيح عندنا، وهو طريقة أبي الحسن التي كان يسلكها، ~~ويعتبرها في المسائل القياسية، وهي عندي مذهب أصحابنا، فيما يدل عليه ~~مسائلهم. # PageV04P147 ### | [باب في ذكر الوجوه التي يستدل به على كون الأصل في القياس معلولا] # باب في ذكر الوجوه التي يستدل به على كون الأصل معلولا # قال أبو بكر: قد يعلم الأصل معلولا باتفاق القائسين على أنه معلول؛ لأنه ~~حينئذ يكون القول فيه من أحد وجهين: إما قول نفاة القياس، في نفي العلة، أو ~~قول مثبتيه في إثباتها، فلما صح عندنا وجوب القول بالقياس وصحته، وبطلان ~~قول نفاته، ثم أجمع مثبتوه على كون الأصل معلولا، صار إجماعهم على ذلك ~~موجبا لصحته، وقد يثبت الأصل معلولا بالتوقف على العلة، وبفحوى النص ~~وبالاستدلال عليه. # فأما ما ثبت معلولا باتفاق القائسين، فهو خبر تحريم التفاضل في الأصناف ~~الستة، وما ثبت معلولا بالتوقيف كقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم} [الحشر: 7] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه دم ~~عرق» «وقوله - صلى الله عليه وسلم - لبريرة: ملكت بضعك فاختاري» وما جرى ~~مجرى ذلك. # وما يعلم بفحوى النص قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اختلف النوعان ~~فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» دل على أن ms684 هناك معنى به تعلق حكم التحريم، ~~وبزواله زال. # وكقوله في السمن الذي ماتت فيه الفأرة: «إن كان مائعا فأريقوه، وإن كان ~~جامدا فألقوها وما حولها» دلنا فحوى خطابه على أن هناك معنى به تعلق حكم ~~النجس. # PageV04P151 # ومنها ما يستدل على كونه معلولا، بدلائل الأصول، نحو انتقاض الطهارة ~~بخروج البول، وامتناعه بخروج العرق، والدمع (والبزاق) ، ونحوها. فيدلنا ذلك ~~على انتقاضها بخروج البول معلل، يجب اعتباره لتعلق الحكم به دون غيره من ~~الأشياء الطاهرة في نقض الطهارة، فيحتاج حينئذ إلى اعتبار تصحيح المعنى. # PageV04P152 ### | [باب فيما يستدل به على صحة العلة في القياس] # باب فيما يستدل به على صحة العلة # قال أبو بكر: بينا فيما سلف أن علة الحكم سبيلها أن تكون بعض أوصاف الأصل ~~المعلول وأنه غير جائز أن تكون جميع أوصافه؛ لأنها لو كانت جميع أوصافه ~~كانت هي المسألة بعينها، وكأن يكون حكمها معلولا من غير جهة القياس، ~~واقتضاب العلل، فإذا ثبت هذا احتجنا عند الحاجة إلى القياس إلى طلب الوصف ~~الذي هو علة الحكم، وتبين مما ليس بعلة له؛ إذ غير جائز أن يكون كل وصف من ~~أوصافه على حياله علة؛ لأن ذلك ينتقض. # ألا ترى أن من أوصاف البر أنه مكيل، وأنه مما تخرج الأرض وأنه مأكول، ~~وأنه مقتات مدخر، وأنه مما يجب فيه العشر، وأنه حب وأنه شيء وأنه موجود، ~~وأنه جسم. # وغير جائز أن يكون كل وصف من هذه الأوصاف علة للحكم على حياله، ولا يجوز ~~أيضا أن يجعل علة الحكم أي وصف شاء القائس جعله علة. هذا ممتنع غير جائز، ~~فواجب إذن أن تكون علة الحكم بعض أوصافه، إما وصف واحد، أو وصفان، أو ~~ثلاثة، أو نحوها، بعد أن لا يستغرق جميع أوصافه. # PageV04P155 # وإذا كان ذلك كذلك، فالوصف الذي هو علم الحكم وأمارته - ويعبر عنه بأنه ~~(علة له) - لا يعلم أنه كذلك إلا بالاستدلال عليه، ولا يسوغ لأحد اقتضاب ~~بعض أوصافه، وجعله علة للحكم من غير دلالة، وذلك؛ لأن الخلاف بين المختلفين ~~في علة المسألة (كهو ms685 في أصل المسألة) ، فإذا لم يجز أن يسلم لمدعي الحكم ~~دعواه بغير دلالة، كذلك مدعي العلة لا يجوز له الاقتصار بها على دعواه لها ~~دون إقامة البرهان عليها من وجوه (الدلائل، فالعلل) مختلفة: # فمنها: أن تكون العلة منصوصا عليها. فيجب اعتبارها في نظائرها، كما اعتبر ~~عمر - رضي الله عنه - قوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ~~[الحشر: 7] فيما خالفه فيه قوم من الصحابة في قسمة السواد فحين نبههم على ~~موضع الاعتلال عرفوا صحة استدلاله، ورجعوا إلى قوله. # وكقوله تعالى بعد ذكر صلاة الخوف {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} [النساء: 102] فجعل العلة في إباحة ~~صلاة الخوف عند لقاء المشركين ما ذكر من محبتهم لاستغفالنا عن التأهب ~~لقتالهم. فلو قاتلنا البغاة والخوارج جاز لنا صلاة الخوف لهذه العلة، وإن ~~كانت الآية نازلة في المشركين، لوجود العلة التي ذكرها في البغاة ~~والمحاربين. # PageV04P156 # نحوه «قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ملكت بضعك فاختاري» «وقوله ~~لفاطمة بنت أبي حبيش: إنه دم عرق، وليست الحيضة فتوضئي» . # فإن قيل: قوله: «إنها دم عرق» ، ولم يخرج مخرج الاعتلال؛ لأنها سألته عن ~~دم الحيض، فأعلمها: أن الذي بها دم الاستحاضة، وهو دم عرق. # قيل له: لو أراد ذلك لاكتفى بقوله: إنها ليست الحيضة، فلما لم يقتصر على ~~ذلك، وقال: «إنها دم عرق» ، علمنا أنه قد أفادها بذلك معنيين: # أحدهما: أنه ليس بالحيضة. # والثاني: تعليله دم الاستحاضة بأنها دم عرق، ليعتبر في نظائره. ولولا أنه ~~أراد ذلك ما كان لقوله " إنها دم عرق " معنى، ولا فائدة مع قوله: إنها ليست ~~الحيضة، فلما ذكر الأمرين، علمنا أنه أراد بقوله إنها دم عرق، التنبيه على ~~العلة. # وأيضا: فإن ما خرج مخرج الاعتلال فظاهره أنه علة يجب القياس عليها، ورد ~~نظائرها إليها، حتى يقوم الدلالة على غير ذلك، وقوله: إنها دم عرق، خارج ~~مخرج الاعتلال. # ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: «إنها من الطوافين عليكم ~~والطوافات» فعلل الهرة لمعنى يجب اعتباره في ms686 أشباههما. # قال أبو بكر: الناس في هذا الضرب من التعليل على قولين: منهم من يجعله ~~نصا على (كل) ما فيه العلة، ويجريه مجرى لفظ العموم. # والنظام ممن يقول بذلك، وهو من نفاة القياس. # وقال: إن الله تعالى لو قال: (حرمت عليكم الماعز؛ لأنه ذو أربع، عقلنا من ~~اللفظ تحريم كل ذي أربع) . # وقال آخرون: ليس ذلك في معنى العموم، ولا النص في جميع ما فيه العلة. # فمن قال بالقياس من هذه الطائفة أوجب اعتبار المعنى فيما يوجد فيه من ~~طريق القياس. # PageV04P157 # وأما من نفى القياس منها: فإنه يجعل وجود هذا التعليل وعدمه سواء، ويجعل ~~الحكم مقصورا على موضع النص، مما تناوله الاسم، دون ما يوجد فيه العلة مما ~~لم ينص عليه. # قال أبو بكر: والأظهر أن إلحاق ما يوجد فيه العلة بحكم الأصل، إنما هو من ~~طريق القياس، لا من طريق، النص والعموم،؛ لأن المنصوص عليه هو ما تناوله ~~الاسم. # وقوله: في دم الاستحاضة الوضوء؛ لأنها دم عرق، لم يتناول الاسم منه إلا ~~دم الاستحاضة. وقوله: إنها دم عرق، ليس بعموم في غير دم الاستحاضة، وإنما ~~هو صفة من صفات المذكور بعينه، دون غيره مما لم يذكر، وليس لأن غيره مشارك ~~له في هذه الصفة، ما يوجب أن يكون مذكورا معه؛ لأن رجلا لو قال: زيد قائم، ~~لم يوجب ذلك أن يكون كل قائم مذكورا معه لمشاركته إياه في القيام، وإذا لم ~~يكن جميع ما فيه تلك العلة مذكورا في اللفظ، فإنما يجب إجراء الحكم عليها ~~من طريق القياس، وإنما وجب القياس عليها؛ لأن العلل سبيلها أن تكون موجبة ~~لأحكامها التي هي علة، لها على حسب ما بينا في حكم العلل العقلية. فمتى ~~انفصل الحكم من الله تعالى، ومن رسوله - صلى الله عليه وسلم - معللا بوصف ~~من (الأوصاف المذكورة) ، علمنا: أنه قد أراد منا اعتباره فيما وجد فيه، ~~وإجراء الحكم عليه في نظائره. # ويعتبر خروج الوصف مخرج التعليل بمنزلة قوله لو قال لنا: هذا الوصف هو ~~علة الحكم، وذلك لأنه ms687 يمتنع في خطاب الله تعالى، وخطاب رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وضع الكلام في غير موضعه. فما أخرجه مخرج التعليل، فحقيقته أنه ~~قد أراد منه إجراء الحكم عليه، واعتباره به. # ومما يستدل به على صحة العلة: أن تنحصر علل القائسين على وجوه معلومة، ثم ~~تقوم الدلالة على فساد سائر الوجوه، إلا وجها واحدا منها، فيكون فساد ما ~~عداه من الوجوه، مع العلم بأنه لا بد من أن تكون العلة أحد الوجوه دلالة ~~على صحة كونه علة. # PageV04P158 # وذلك لأنهم لما أجمعوا على أن هناك علة قد تعلق بها الحكم، وأجمعوا (على) ~~أن لا علة في الأصل إلا إحدى ما عللوا به فلا بد من صحة واحدة منها؛ إذ غير ~~جائز أن يكون جميعها فاسدا مع اتفاقهم أن الأصل معلول بعلة يجب بها القياس ~~عليه، ومع اتفاقهم أنه لا علة هناك غير ما ذكروا على اختلافهم فيها. # وغير جائز أيضا أن يكون جميعها صحيحة على اختلافها، فإذا قامت الدلالة ~~على فساد سائرها ما عدا الواحدة منها، صحت الواحدة التي لم تقم الدلالة على ~~فسادها. # وهذا كما نقوله أيضا في المذاهب وأقاويل الفقهاء في المسألة: إنهم متى ~~اختلفوا فيها على وجوه معلومة، ثم قامت الدلالة على فساد سائر أقاويل ~~المختلفين إلا واحدا منها، كان قيام الدلالة على فساد سائر الأقاويل غير ~~الواحد منها، دلالة على صحة ذلك القول. # نحو قولنا في جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعا: إنهم لما اختلفوا ~~فيها على وجوه معلومة، ثم قامت الدلالة على، فساد القول بالقرعة، وعلى فساد ~~اعتبار قول القائف، وعلى فساد قول من قال: إنه يوقف الأمر، ولا يثبت نسبه ~~من واحد منهما، صح القول الرابع، وهو أنه ولدهما ثابت النسب بينهما. # وكذلك سبيل العلل إذا اختلفوا فيها، فلا فرق بينها وبين الاختلاف في ~~المذاهب. # ومما كان يعتبر أبو الحسن في صحيح العلل وهو أصح الوجوه عندنا فيما طريقه ~~النظر والاستدلال، أن ينظر إلى علل القائسين على اختلافهم فيها فما تعلق ~~بها الأحكام، وكان له ms688 تأثير في الأصول. فهو أولى بالصحة مما لا يتعلق به ~~الأحكام، ولا تأثير له في الأصول. # نظير ذلك: أنا إذا اختلفنا في علة تحريم البيع عند وجود التفاضل في البر ~~على الوجوه المعلولة، من اختلاف الفقهاء فيه، وجدنا اعتبار الكيل والوزن ~~أولى، لتعلق الأحكام بهما في جواز البيع، أو فساده، دون القوت والادخار، ~~ودون الأكل على حسب ما بيناه في مواضع في مسألة الربا. # وإنما وجب اعتبار تعلق الأحكام بالمعنى الذي هو علة للحكم، (لأن العلل ~~هي. # PageV04P159 # المعاني الموجبة للأحكام في الأمور العقلية. وعلل الشرع هي التي جعلت ~~علما للحكم) ، # فما تعلق به الحكم في الباب الذي اختلفوا فيه فهو أولى بكونه علة مما لا ~~يتعلق الحكم؛ إذ كانت العلة مقتضية لإيجاب الأحكام. # ومن جهة أخرى، أن البر بالبر لو تفاضلا في الجودة في كونهما مأكولين، أو ~~مقتاتين، لم يتعلق بهذه الأوصاف حكم في جواز البيع، ولا في فساده، إذا ~~تساويا في الكيل. ولو تساويا في سائر الصفات وتفاضلا في الكيل، لم يجز ~~البيع، فعلمت أن سائر الأوصاف التي اعتبرها مخالفونا لم يتعلق بها حكم، ~~وإنما تعلق الحكم بالزيادة الموجودة في الجنس من جهة الكيل، فكان اعتباره ~~أولى. # ونظيره أيضا قولنا: إن اعتبار الخارج النجس أولى بإيجاب نقض الطهارة، من ~~اعتبار السبيل، لوجودنا الحكم يختلف لأجل اختلاف الخارج، والسبيل واحد في ~~الحالين، فكان اعتبار الخارج النجس أولى لتعلق الحكم (به) ، دون السبيل. # ومن الناس من يجعل إحدى دلائل صحة العلل وجود الحكم بوجودها، فارتفاعه ~~بارتفاعها. # وكان أبو الحسن يأبى أن يكون هذا دليلا في علل الشرع. # ويقول: إن مثله يكون دليلا في علل العقليات. # قال: وذلك لأنا وجدنا المختلفين في علة تحريم التفاضل كل واحد منهم يمكنه ~~الاستدلال على صحة علته بوجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها، مع ~~اتفاقهم أن الصحيحة واحدة (منها) ، مع وجود هذا الضرب من الاستدلال في ~~جميعها. # قال أبو بكر: (و) هذا الذي منع من أجله أن يكون ما ذكرنا دليلا على صحة # PageV04P160 # العلل موجود في كثير ms689 من العلل الموجبة للأحكام المتضادة، وفي معان قد ~~اتفق الجميع أنها ليست بعلة للحكم، مع وجود هذا الضرب من الاستدلال. # ألا ترى أن قائلا لو قال: إن وجود الشدة في الخمر علة في تكفير مستحلها، ~~كان قائلا قولا فاسدا، قد اتفق الجميع على فساده؛ لأنها توجب تكفير مستحل ~~الأنبذة المسكرة لوجود الشدة فيها. وقد يمكن من نصب هذه العلة لتكفير مستحل ~~الخمر: أن يستدل عليها بوجود الحكم بوجودها، وارتفاعه بارتفاعها، وذلك لأن ~~العصير لما لم يكن فيه شدة، لم يكفر مستحله، ثم لما حدثت فيه الشدة كان ~~مستحله كافرا، ثم إذا صارت خلا وزالت الشدة زال الحكم بتكفير مستحله، فكان ~~حكم تكفير المستحل متعلقا بوجود الشدة، موجودا بوجودها، (و) معدوما بعدمها، ~~مع اتفاق الجميع على أن هذا المعنى ليس بعلة لتكفير المستحل. # ومن نظائر ذلك: إذا اختلفنا في البكر البالغة يزوجها أبوها بغير إذنها. ~~فأجازه مخالفونا قياسا على البكر الصغيرة، وجعلوا العلة الموجبة له ذلك ~~كونها بكرا، ومنعنا نحن ذلك إلا برضاها، ورددناه إلى الثيب الكبيرة بعلة ~~أنها (بالغة عاقلة) . # واستدللنا على صحة علتنا: بأنا وجدنا البلوغ معنى يستحق به الولاية، ~~بدلالة أن البكر والثيب لا يختلفان في استحقاق الولاية على أنفسهما في ~~الشراء والبيع، ولم نجد للبكارة تأثيرا في استحقاق الولاية عليها في موضع ~~متفق عليه، فكانت علتنا أولى بالصحة، لما لها من التأثير في الأصول وتعلق ~~الأحكام بها، وكان رد البكر البالغة إلى الثيب البالغة، أولى من ردها إلى ~~البكر الصغيرة. # PageV04P161 # فقلنا نحن: إنه يزوجها قياسا على البكر الصغيرة، بعلة أنها صغيرة، كانت ~~علتنا صحيحة، لقيام الدلالة عليها من الوجه الذي ذكرنا، من من أن الصغر ~~معنى يستحق به الولاية على الصغير في الشراء والبيع ونحوها، ولم يكن لكونها ~~ثيبا تأثير في منع التصرف عليها في مالها، وإنما تعلق استحقاق الولاية ~~عليها بالصغر، وزوال الولاية عليها بالبلوغ، فكان اعتبار الصغر أولى علة ~~فيما وصفنا؛ إذ كان جواز عقد الأب عليها النكاح ضربا من الولاية. # ونظائر ذلك أكثر من ms690 أن تحصى، فكان أبو الحسن يذهب هذا المذهب. # قال أبو بكر: وليس يمتنع عندي أن يكون مثله دليلا على صحة علل الشرع، وإن ~~كان قد يوجد مثله في حال غير موجب لكون المعنى علة؛ لأن دلائل أحكام الشرع، ~~يجوز عندنا فيها التخصيص، كتخصيص الاسم، وتخصيص العلة نفسها، واعتبار صحة ~~العلة - بوجود الحكم بوجودها، وارتفاعه بارتفاعها - هو عندي وجه قوي في هذا ~~الباب، وما ينفك أحد من القائسين من استعماله. # وقد كنت أرى أن أبا الحسن يستعمله في أكثر المواضع، وكثير مما في فحوى ~~النص من الدلالة على صحة العلة يجري هذا المجرى. # ألا ترى: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - في السمن الذي ماتت فيه الفأرة ~~«إن كان مائعا فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها» ، قد دل به على ~~أن مجاورة النجاسة، هي علة التنجيس؛ لأنه حين جاورت السمن الجامد أمر ~~بإلقائها وما حولها مما جاورها، دون ما لم يجاورها، ولما جاور المائع، أو ~~عامته أمرنا بإراقة الجميع. فعلق حكم التنجس بمجاورته للنجاسة، وأزاله ~~بزوالها، فكان ذلك دلالة من فحوى الخطاب على المعنى الذي علق الحكم به. # PageV04P162 # وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم ~~يدا بيد» بعد ذكره لتحريم التفاضل في الجنس الواحد من الأصناف الستة. دل ~~بوجود التحريم عند وجود الوصفين اللذين هما الكيل والجنس، أو الوزن والجنس، ~~على أنهما بمجموعهما علة تحريم البيع عند وجود زيادة الكيل، أو الوزن، ودل ~~لإباحة التفاضل عند وجود أحد الوصفين على أن عدم أحدهما علة الجواز. فعلق ~~الحكم بوجود المعنى وأزاله بزواله. # فإن قال قائل: قد حكيت عن أبي الحسن قبل هذا الفصل: أن أحد ما يجب ~~اعتباره في تصحيح العلل، أن يكون للمعنى تأثير في الأصول، ويعلق به ~~الأحكام، وهل هو إلا أن يكون الحكم موجودا بوجوده معدوما (بعدمه) . # قيل له: بينهما فصل، وهو لطيف ينبغي أن نتناوله، وذلك (أنه) يعتبر تأثيره ~~في الأصول من غير اقتصار به على الأصل الذي اقتضت العلة منه، حسب ms691 ما قلنا ~~من سقوط اعتبار الثيوبة والبكارة في استحقاق الولاية بها في النكاح، أو ~~زوالها ووجوب اعتبار الصغر، والبلوغ، في باب استحقاق الولاية، أو زوالها، ~~لما ذكرنا من تعلق حكم الولاية على الصغير لأجل الصغر، وزوالها عنه بالكبر، ~~على النحو الذي بينا. # وما ذكرته من وجود الحكم بوجود المعنى، وزواله بزواله، نحو أن يقول لنا ~~المخالف في هذه المسألة: لما وجدت البكر الصغيرة يزوجها أبوها والثيب ~~الكبيرة لا يزوجها، علمت أن العلة الموجبة للولاية في تزويج الأب، هي ~~البكارة لوجود الحكم بوجودها، وزواله بزوالها. # فيعارضه خصمه بأن يقول: لما وجدت الثيب الكبيرة لا يزوجها الأب، والبكر # PageV04P163 # الصغيرة يزوجها، دل أن العلة في منع تزويج الثيب الكبيرة أنها كبيرة، وهي ~~موجودة في البكر الكبيرة، فيكون دليله على صحة (علته) وجود الحكم بوجودها، ~~وزواله بزوالها، فقد تعارضت العلتان من هذا الوجه. # ولا يمكن خصمنا أن يعارضنا في استدلالنا على صحة العلة بما وصفنا من وجود ~~تأثيرها في الأصول، وتعلق الأحكام بها، بمثل استدلالنا، فتصير حينئذ علتنا ~~أولى، فبين هذا وبين ما حكينا عن أبي الحسن مما كان يأباه فرق (واضح) . # فإن قال قائل: من قال بهذا الضرب من الاستدلال على صحة العلة، أعني وجود ~~الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها لا يصح له القول بتخصيص العلة؛ لأنه إذا ~~كان يجيز وجود العلة مع عدم الحكم كيف يجوز له أن يستدل على كون المعنى علة ~~لوجود الحكم بوجوده وعدمه بعدمه؛ لأنه متى اعتبر هذا قال له خصمه: لما وجدت ~~الحكم معدوما مع وجوده وموجودا مع عدمه علمت أن ما ذكرته ليس بعلة قيل له: ~~لا يجب ذلك؛ لأنه ليس يمتنع أن يكون هذا المعنى دلالة صحيحة في الأصل على ~~صحة العلة، ويكون الحكم جاريا عليها متعلقا بها ما لم يمنع منه مانع (فإذا ~~منع منه مانع) امتنعنا من إيجاب الحكم، وإن كانت العلة موجودة، ولا يوجب ~~ذلك فساد الدلالة، كما يقول مخالفنا: إن علة تحريم الخمر وجود الشدة لوجود ~~التحريم عند وجودها، وعدمه عند عدمها، ms692 فيجري هذه العلة في النبيذ، ثم وجدنا ~~حكم التكفير متعلقا بالخمر عند وجود الشدة، وزائلا بزوالها، ولم يوجب ذلك ~~كون الشدة علة لتكفير المستحل، مع وجود هذه الدلالة التي استدللت بها على ~~صحة اعتلالك، كذلك ما وصفنا. # PageV04P164 # وأيضا: فإنه من حيث جاز عندنا تخصيص العلة، جاز تخصيص دلالتها على ما ~~بينا، ومن حيث جاز تخصيص الاسم الذي هي مقتضبة منه، جاز تخصيصها، ولا يمنع ~~ذلك من اعتبارها فيما لم يقم فيه دلالة التخصيص. # وأيضا: فإنا إنما نجيز تخصيص العلة بعد إقامة الدلالة على صحتها في ~~الأصل، ووجود دلائل تصحيح العلة مختلفة، ليس لها طريق واحد على حسب ما ~~ذكرنا، فإنما نجيز تخصيص العلة بعد قيام الدلالة على صحتها في الأصل. # وأما ما لم تقم الدلالة على صحة كونه علة، فإنا (لا) نعتبره علة. # وقد ذكرنا قبل ذلك: أن أبا الحسن قد كان يستعمل في الاستدلال على العلة، ~~وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها، وأن أحدا من القائسين ليس يخلو من ~~اعتباره في الحقيقة، ولكنه مع ذلك يجوز أن يقال: إنه متى تعارضت علتان ~~متضادتان فيما توجبانه من الأحكام، وإحداهما يتعلق بها الحكم على النحو ~~الذي حكيته عن أبي الحسن من وجود تأثيره في الأصول، والأخرى لا دلالة عليها ~~إلا من جهة وجود الحكم بوجودها وزواله بزوالها، أن ما شهد له المعنى الأول ~~منهما أولى بالاعتبار، وكان ذلك ضربا من الترجيح، موجبا لكونه أولى بأن ~~يكون علة، وبالله التوفيق. # ومن الناس من يجعل جري العلة في معلولاتها دلالة على صحتها، وإن لم ~~(يعضدها) دلالة غيره وهذا قول عندنا ظاهر السقوط، لا يرجع القائل به إلا ~~إلى دعوى عارية من البرهان، وذلك لأن مذهبه الذي يعلله بهذا الضرب من ~~التعلل يشتمل على ثلاث دعاوى # إحداها: دعوى للمذهب الذي يخالفه فيه خصمه. # PageV04P165 # والثانية: دعواه العلة التي خلاف خصمه إياه فيها (كهو) في نفس المقالة. # والثالثة: أنه قرن إلى دعواه الثانية دعوى تالية تجعلها حجة لمقالها، ~~لزعمه أنه حين قال: فهذه العلة في هذه المسألة. ms693 وقال بها أيضا في مسألة ~~أخرى، قد خالف خصمه فيها، وهي دعوى ثالثة، لا دلالة عليها ليصح المذهب. # فكان حقيقة قوله، وتحصيله: أن الدليل على صحة دعواي هذه أني ادعيت دعوى ~~أخرى مثلها في موضع آخر، والسؤال عليه في دعواه الثالثة كهو في الثانية ~~والأولى؛ لأن الدعاوى لا تصح بأنفسها، إنما تصح بدلائلها. # وكان بعض أصحابنا يضرب بهذا مثلا ويقول: هذا بمنزلة رجل قيل له: لم سرقت ~~اليوم؟ فيقول: لأني سرقت أمس. ولو جاز الاقتصار على مثله في تصحيح العلة، ~~لجاز الاقتصار على دعوى العلة نفسها. فيقول: الدليل على صحة علتي: أني قلته ~~بها. # ولو جاز هذا، لجاز أن يقول مثله في نفس المذهب الذي طولب بتصحيحه. # فيقول: الدليل على صحة مذهبي دعواي: أنه صحيح، وهذا كله جهل وخبط لا ~~يعتمد على مثله إلا غبي. # فإن قال: الدليل على صحة هذا الاعتبار أن استمرار العلة في فروعها وعدم ~~انتقاضها بدفع الأصول لها، وفقد مقاومة علة أخرى لها موجبة الحكم بخلاف ما ~~يوجبها، يدل على أنها من عند الله تعالى؛ لأنها لو كانت من عند غير الله عز ~~وجل، لانتقضت، ودفعتها الأصول، وقاومها من العلل ما يوجب فسادها بقوله ~~تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] ~~فكان اتساقها وعدم دفع الأصول لها ومقاومة علل أخرى # PageV04P166 # إياها، هي الدلالة الموجبة لصحتها، فلم نكن فيما ادعيناه من صحة العلة ~~مقتصرين على الدعوى حين عضدناها بدلالة غيرها وهي ما وصفنا. # قيل له: قولك: إنه لم يدفعها أصل غلط ثان، بل الأصول كلها تدفعها؛ لأن ~~الأصول التي هي الكتاب والسنة والاتفاق وحجة العقل، قد حكمت ببطلان قول لم ~~يعضده قائله بدلالة. # قال الله تعالى: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111] وقولك: ~~إنها من عند الله تعالى دعوى لا دلالة عليها، بل يقول خصمك: إنها من عند ~~غير الله تعالى: (إذ لا دلالة لك عليها أكثر من دعواك لها، ولو كانت من عند ~~الله تعالى، لما أخلى الله تعالى) من ms694 دلالة تدل عليها. # فصارت حقيقة قولك هذا: إن الدلالة لم تقم على فسادها، وقول القائل: إن ~~الدلالة لم تقم على فسادها دعوى ليس بدلالة على صحة الدعوى؛ لأن لخصمه أن ~~يقول له: أفأقمت الدلالة على صحتها؟ فإن قال: نعم. قيل له: فهلم تلك ~~الدلالة. # ، وإن قال: ليس ههنا دلالة على صحتها غير عدم الدلالة على فسادها. # (قيل له: فقل مثله في نفس المذهب، إنه لم تقم الدلالة على فساده، وقد ~~استغنيت عن ذكر العلة، فإذا لم يسغ لك هذا في نفس المذهب، فالعلة مثله؛ ~~لأنك مدع فيهما جميعا. ويقال له أيضا: ما أنكرت أن يكون الدليل على فسادها ~~أنه لا دلالة لك على صحتها. وقد حكمت الأصول: بأن كل مذهب لم تقم الدلالة ~~على صحته فهو فاسد، فلما عريت علتك هذه من دلالة تدل على صحتها، دل على ~~فسادها) . # PageV04P167 # وأما قوله: إن اتساقها وعدم مقاومة أخرى لها دلالة على صحتها. فإنا قد ~~قلنا: إن الأصول قد دفعتها من الوجه التي ذكرنا. # ولو كان مثله دليلا على صحة العلة لجاز أن يقال مثله في نفس المذهب. # فيقول: إن الدليل على صحة مذهبي أنه متسق لا يدفعه أصل، ولا يقاومه مذهب ~~غيره، ولم تقم الدلالة على فساده؛ لأنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا، فلما امتنع أن يكون مثله دليلا على صحة المذهب كان كذلك حكم ~~العلة. # فإن قال: إن دعوى المذهب يقاومها الخصم بضدها. # قيل: ودعوى العلة يقاومها دعوى الخصم أنها علة فاسدة، وأن مذهبي صحيح، ~~فدل على صحة اعتلالك. # ألا ترى: أن جري العلة في معلولها إنما هو دعواك، وقولك غير مقرون بدليل؛ ~~لأنك إذا سئلت عن علة تحريم التفاضل في البر بالبر فقلت: إنه مأكول جنس، ~~فاستدللت عليه بأنه جار في معلوله، كان حقيقة هذا القول: أن الدليل عليه، ~~أني قلت في البطيخ والرمان (والعدس) والأرز ونحوها من المأكولات، فلم تحصل ~~منها إلا على الدعوى. # وهذا الضرب من الدعاوى يكفي في معارضتها قول الخصم: ليس ms695 هذا كما ادعيت، ~~لا في هذا الأصل الذي ذكرت، ولا في غيره كالمذهب نفسه. إذا خالفك خصمك فيه، ~~كان خلافه إياك معارضا لقولك، ومقاوما لمذهبك، إذا لم تعضده بدلالة، فتحصل ~~أنت وهو على الدعوى. # ويقال له: أليس القائلون بعلة تحريم التفاضل على اختلافهم فيها قد أجرى ~~كل منهم علته في معلولها، فواجب على هذه القضية، أن تكون كلها صحيحة، وهذا ~~خلاف الإجماع؛ لأن الاتفاق قد حصل أن الصحيح من هذه العلل هي واحدة منها، ~~ثم قد قاومت كل واحدة صاحبتها في باب جريها في معلولها، ثم مع ذلك لا يعوز ~~خصمك في كل علة تعتل بها وتقتصر في الاستدلال على صحتها على ما ذكرت، أن ~~ينصب علة بإزاء علتك موجبة للحكم بضد موجب علتك، معارضة لها ويجريها في ~~معلولها. # PageV04P168 # ويقول: الدليل على صحة علتي جريها في معلولها. # ولا ينفك حينئذ من أحد أمرين: إما أن تسوغ له ذلك، فتصحح العلتان جميعا، ~~وهما توجبان حكمين متغايرين، ويلزمك القول بهما جميعا، واعتقاد وجوب حكمين ~~متضادين في شيء واحد في حال واحدة، وهذا هو الاختلاف الذي نفاه الله تعالى ~~عن أحكامه بقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} [النساء: 82] # فيقال له: ما أنكرت أن يكون ما يؤدي إلى هذا التضاد والاختلاف من عند غير ~~الله تعالى؛ لأنه لو كان من عند الله عز وجل، لما أدى إلى هذا الاختلاف؛ إذ ~~لا يسوغ له ذلك. # فيقول بالاستدلال على صحتها بجريها في معلولها، فهذا التضاد الذي ذكرنا ~~ضرب من الاختلاف الذي هو منتف عن أحكام الله تعالى. # واختلاف ثان هو منتف أيضا: أن يكون من عند الله تعالى، وهو ما ذكرنا من ~~اتفاق الجميع على أن العلة أحد المعاني التي اختلفوا فيها، دون جميعها، لم ~~(يجر) الجميع مجرى علته في معلولها، مع اتفاقهم أن الصحيح واحدة منها، ولو ~~كان مجرى العلة في معلولها علامة لصحتها، لما قاومتها علة فاسدة؛ لأن الحق ~~لا يقاومه الباطل، حتى لا ينفصل منه قال الله ms696 تعالى: {بل نقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 18] فمتى وجدنا في مذهب هذا ~~الاختلاف، علمنا أنه ليس من عند الله تعالى، فنحن لو استدللنا بالآية على ~~فساد هذه المقالة لكانت كافية في إفسادها، فقد بان فساد هذا القول من وجوه: # PageV04P169 # أحدها: أن قائله لم يرجع في إثباته إلا إلى دعوى. # والآخر: أن الأصول قد حكمت بفساد كل قول لا دلالة لقائله على صحته. # والآخر: أنه يؤدي إلى تضاد الأحكام والمقالات، وذلك منتف عن أحكام الله ~~تعالى بقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~[النساء: 82] . # ومن أشكال ذلك: ما يقوله بعض أصحاب الشافعي في العلتين إذا أوجبتا حكما ~~واحدا، وإحداهما أعم من الأخرى: إن أعمهما أولى بالصحة، فيقتصر في تصحيح ~~أعمهما على هذا القول، من غير أن يعضده بدلالة. # وذلك نحو قولهم في علة الأكل: إنها أعم من علة المقتات المدخر لأن كل ~~مقتات مأكول، وليس كل مأكول مقتاتا، ونحو ما نقوله في علة بعض الطهارة ~~بخروج النجاسة، وعلة من يعتبرها بخروج النجاسة من السبيل فعلتنا أعم، ولا ~~يصح لنا أن نقول: إن علتنا أولى لكونها أعم، من غير أن نقرنها بدلالة، وهو ~~نظير ما قدمناه في إنكار الاحتجاج لصحة العلة بجريها في معلولها، وذلك؛ لأن ~~القائل بأعم العلتين، إنما اقتصر على الدعوى في زيادة المعلولات التي ~~ادعاها من غير أن يعضدها بدلالة، فقوله ساقط. # بل لو قال قائل: إن أخصهما أولى، جاز له الاحتجاج به على خصمه لاتفاقهما ~~على وجود حكم الأخص، واختلافهما في الأعم، مع عدم الدلالة على ثبوتها، ~~والذي يلزم القائل بالأعم إقامة الدلالة على صحة علته على الشروط التي ~~ادعاها، فإذا صححتها الدلالة، صح حينئذ اعتبار عمومها، ما لم يعرض فيها ما ~~يوجب تخصيص حكمها. # فإن قال قائل: القول بأعم العلتين واجب، كوجوب القول بأعم اللفظين إذا ~~أوجبا حكما واحدا. # قيل له: لعمري إن (القول) بأعم العلتين واجب إذا قامت الدلالة على صحتها، ~~فأما اعتبار أعمها قبل إقامة الدلالة ms697 على كون المعنى الأعم علة للحكم، فقول # PageV04P170 # ساقط مرذول، وإنما وجب القول بأعم اللفظين لأنه قد ثبت: أن الأعم اسم ~~للخاص ولغيره، فوجب اعتباره إذا علق الحكم به. # ونظيره أن يثبت أن الأعم فيما ذكره علة بدلالة توجبه، فيكون حينئذ بمنزلة ~~اللفظين إذا كان أحدهما أعم من الآخر. # ومما يغالط به المخالفون في هذا الباب قولهم: إن علة الأكل أولى من علة ~~الكيل؛ لأنها تستوعب التمرة بالتمرتين، ونحو ذلك مما لا يدخل تحت الكيل، ~~ويوجب من الحكم أكثر مما يوجبه الآخر، وهذا لا معنى له؛ لأنه لا يرجع فيه ~~إلا إلى دعوى حسب ما بين في إفساد قول القائلين بجري العلة، والقائلين بأعم ~~العلتين، ثم هو مع ذلك مفارق لما ذكرنا في أعم العلتين؛ لأن الكيل والوزن ~~يعمان أكثر المأكولات وكثيرا من الأشياء التي ليست بمأكولة: كأنواع الطيب، ~~والأصباغ، والحديد والرصاص، وسائر جواهر الأرض، وما جرى مجرى ذلك، فيوجب ~~حكم تحريم التفاضل في سائر هذه الأشياء. وهذا الضرب من الاعتبار إن صح ~~احتجنا أن نعد المكيلات والموزونات، ونعد المأكولات، فننظر أيهما أكثر ~~أنواعا فيكون أولى، وهذا الاعتبار ساقط لا يقول به أحد. # وعلى أن قول القائل في مثل هذا بأعم العلتين لغو لا معنى له؛ إذ كانت كل ~~واحدة منهما عامة في نوعها جارية في معلولها، فليست إحداهما بأعم من الأخرى ~~في بابها. # PageV04P171 ### | [باب القول في اختلاف الأحكام مع اتفاق المعنى واتفاقها مع اختلاف المعاني] # قال أبو بكر: يجوز أن يتعلق بالمعنى الواحد أحكام مختلفة، كتعلق إيجاب ~~كفارة رمضان ودم الإحرام بالجماع، (وكتعلق) تحريم أم المرأة بعقد النكاح، ~~وكتعلق إباحة المنكوحة بذلك العقد بعينه، وكإباحة الإفطار بوجود الحيض وحظر ~~وطئها. # ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى. # إنما كان كذلك؛ لأن هذه العلل لما كانت أمارات للأحكام على حسب ما يجعلها ~~الله تعالى علامة فيها، لم يمنع أن يجعل المعنى الواحد علامة لأحكام ~~مختلفة، كالاسم لما كان علامة للحكم المضمن به لم يمتنع أن يكون الاسم ~~الواحد علما لتحريم شيء، وعلما ms698 لإباحة شيء آخر. # ألا ترى: أن اسم الكفر قد صار علما لإباحة قتل الحربي، وعلما لتحريم ~~التوارث بيننا وبينه، ويمنع قبول الشهادة، وما جرى مجرى ذلك، فكذلك علل ~~الشرع جارية هذا المجرى لا يمتنع فيه كون المعنى الواحد علة لحكمين ~~مختلفين. # PageV04P175 # وجائز أيضا اتفاق الأحكام لعلل مختلفة. # ألا ترى البيع قد يفسد؛ لأنه بيع ما ليس عنده، ويفسد أيضا؛ لأنه بيع ما ~~لم يقبض، ولأنه بيع غرر، أو مجهول، وقد يجب القتل للردة، والقصاص، والكفر، ~~ولمعان أخر، فليس يمتنع معلق الحكم الواحد لعلل مختلفة. # وكقولنا أيضا: إن النساء يحرم بوجود الجنس، على حياله، ويحرم أيضا بوجود ~~الكيل، أو الوزن، وهذا أظهر من أن يخفى على ذوي فهم. # PageV04P176 # باب في ذكر شروط الحكم مع العلة # قال أبو بكر: وقد تكون العلة موجبة للحكم على شرائط تتقدمهما، فلا يكون ~~للعلة تأثير في ذلك الحكم إلا بعد وجود شرائطها، وإن لم تكن تلك الشرائط ~~موجبة له، وذلك نحو قولنا: إن الزنا يوجب الرجم مع شرط الإحصان، وإن لم يكن ~~للإحصان تأثير في إيجابه مع الزنا، وذلك؛ لأن الرجم عقوبة، والإحصان اسم ~~يشتمل على معان لا يجوز أن يستحق العقاب عليها؛ لأنه: البلوغ، والإسلام، ~~والدخول، وليس هذه المعاني مما يستحق عليه العقوبة، فعلمنا أن الرجم يستحق ~~بالزنا لا بغيره، وإن لم يجب إلا بوجود الإحصان، ومما يبين الفصل بين السبب ~~الموجب للحكم، وبين ما لا يوجبه،، وإن كان شرطا في إيجابه: أن ما يجب الحكم ~~عند وجوده هو الموجب للحكم عند تقدم تلك الشرائط، وأن ما لا يجب الحكم ~~بوجوده ليس هو الموجب له. # ألا ترى: أن الإحصان قد كان موجودا غير موجب للحكم، حتى لما وجد الزنا ~~بعد الإحصان وجب الرجم، ولو وجد منه الزنا قبل الإحصان، ثم أحصن قبل إقامة ~~الحد لم يجب الرجم، فعلمت أن وجوب الرجم متعلق بوجود الزنا دون وجود ~~الإحصان. # ولذلك لم يوجب أصحابنا على شهود (الإحصان ضمانا عند الرجوع، وأوجبوه # PageV04P179 # على شهود الزنا؛ إذ كانوا هم الموجبين ms699 له، ولم يكن شهود) الإحصان موجبين ~~له، ومن أجل ذلك احتيج في إثبات الزنا أربعة شهداء، والنفي في إثبات ~~الإحصان بشهادة شاهدين. # ويدل أيضا من مذهبهم على ما ذكرنا على أصلهم من اعتبار المعنى الذي تعلق ~~الحكم بوجوده دون وجود غيره في كونه موجبا له: قولهم في شاهدين شهدا على ~~رجل أنه أعتق عبده أمس، فيقضي القاضي عليه بعتقه، ثم شهد شاهدان آخران: أن ~~عبده كان جنى أول من أمس، وأن المولى علم بالجناية، فألزمه القاضي الدية ~~وجعله مختارا، ثم رجع الشهود كلهم: أن ضمان الدية على شهود الجناية، وضمان ~~القيمة على شهود العتق؛ لأن القاضي ألزمه الدية بشهادة شهود الجناية، وإن ~~لم تكن الجناية مما لم يلزم به الدية إلا بعد العتق؛ لأن العتق قد كان ~~موجودا بشهادة الآخرين، غير موجب لها على المولى، فلما وجدت شهادة شهود ~~الجناية، ألزمه الدية. # وقالوا: لو كان شهود الجناية شهدوا أولا بالجناية فحكم الحاكم بها، ثم ~~شهد شاهدان: أنه أعتقه بعد الجناية، فألزمه القاضي الدية، ثم رجع الشهود ~~كلهم، أن شهود العتق يضمنون في هذه الحال الدية؛ لأن لزومها تعلق بشهادتهم. # ألا ترى أن شهادة شهود الجناية قد كانت موجودة غير موجبة للدية، ثم لما ~~وجدت شهادة شهود العتق ألزمه بها الدية، فعلقوا وجوب الحكم بالمعنى الذي ~~عند وجوده وجب دون ما هو شرط فيه مما تقدمه. # PageV04P180 ### | [باب في ذكر الأوصاف التي تكون علة للحكم] # قال أبو بكر: وقد تكون علة الحكم وصفا لازما للأصل المقيس عليه، كقولنا: ~~إن علة تحريم النساء وجود الجنس. # وقد يكون وصفا غير لازم للأصل، لكنه يتبع عادة الناس في التعامل به ~~كقولنا: إن كونه مكيلا علة لتحريم النساء أيضا، وكونه مكيلا ليس هو وصفا ~~لازما له، وإنما يصير كذلك بجريان العادة بالتعامل كيلا، وكاعتلالنا لإيجاب ~~العشر فيما تخرجه الأرض من الخضر ونحوها بعلة أنها يقصد الأرضون بزراعتها، ~~قياسا على الحنطة، وكونه مما يقصد بزراعته إنما هو عادة جارية من الناس ~~فيها وليس هو صفة لازمة لنفس ms700 المزروع. # وقد تكون العلة نفس الاسم، كقولنا: إن مسح الرأس مرة قياسا على سائر ~~الممسوحات من نحو المسح على الخفين، ومسح التيمم بعلة أنه مسح، وقد كان أبو ~~الحسن يحتج للمحرمين إذا قتلا صيدا: أن على كل واحد منهما جزاء كاملا، بأن ~~هذه كفارة فيها صوم، لقوله تعالى: {أو كفارة طعام مساكين} [المائدة: 95] ~~فسماه كفارة، فاشتبهت كفارة قتل الخطأ، لما كانت كفارة فيها صوم لزم كل ~~واحد من القاتلين كفارة كاملة، فالقياس (صحيح بالاسم) على هذا الوجه، وإنما ~~لا يصح الاعتلال بالاسم إذا لم يعد إلى فرع، كما لا # PageV04P183 # يصح الاعتلال بشيء من أوصاف الأصل إذا لم يعد إلى فرع، وكان موقوف الحكم ~~على الأصل، على ما بيناه فيما سلف من فساد قول القائلين بذلك. # وقد تكون العلة حكما من أحكام الأصل فتنصب علة للفرع يجب فيه الحكم ~~المتنازع بوجوده، كما قلنا في المحرمين إذا قتلا صيدا، وجمعنا بينهما وبين ~~قاتل الخطأ بأن هذه كفارة فيها صوم، وهذا جميعا حكمان. # وكقولنا: إن الرجل ممنوع من تزويج أخت امرأته في عدتها منه، بعلة أنها ~~معتدة، قياسا على منع تزويجها زوجا آخر إذا كانت معتدة، وتحريم الأختين ~~والزوجين من طريق الجمع، فيهما حكم واحد، علتهما كونها معتدة، وكونها معتدة ~~إنما هو حكم. # وكقولنا: إن المني نجس لأن خروجه يوجب نقض الطهارة (قياسا على انتقاض ~~الطهارة بخروج البول، وكان انتقاض الطهارة علة لكونه نجسا، وانتقاض ~~الطهارة) حكم. # وقد تشتمل العلة على أوصاف بعضها صفة لازمة للأصل، والآخر حكم، والآخر ~~وصف عارض فيه، كقولنا: إن سيلان الدم من الجرح إلى موضع الصحة علة لنقض ~~الطهارة؛ لأنه دم عرق خارج نجس، فكونه دم عرق صفة لازمة له، وكونه خارجا ~~وصف عارض فيه، وكونه نجسا إنما هو حكم، ليس هو وصفا له لازما ولا عارضا. # وقد يشتمل أيضا على أوصاف بعضها حكم وبعضها عادة، كقولنا: في علة نجاسة ~~سؤر السبع: إنه محرم الأكل، لا لحرمته، ويستطاع الامتناع من سؤره، قياسا ~~على الكلب، فقولنا: محرم الأكل حكم، ms701 وقولنا: يستطاع الامتناع عن سؤره متعلق ~~بالعادة. # وقد يشتمل على وصفين هما جميعا حكم، كقولنا: إن النساء محرم في الحديد ~~بالنحاس،؛ لأن الوزن فيه أحد وصفي علة تحريم التفاضل، وهو من جنس ما يتعين. # فقولنا: أحد وصفي علة تحريم التفاضل حكم. # وقولنا: مما يتعين حكم أيضا. # PageV04P184 ### | [باب القول في مخالفة علة الفرع لعلة الأصل] # قال أبو بكر: وقد يكون حكم الأصل الذي منه تقتضب العلة متعلقا بمعنى. # وتكون علة الفرع غير المعنى الموجب للحكم في الأصل، هذا جائز في علل ~~الشرعيات، وذلك نحو قولنا: إن علة تحريم التفاضل في الأرز أنه مكيل جنس، ~~قياسا على (البر) ، وليس هذا الحكم موجبا في البر بهذه العلة؛ لأن البر ~~إنما وجب فيه هذا الحكم بالنص لا بهذا المعنى؛ إذ كان دخوله تحت النص مغنيا ~~عن تعليله لإيجاب حكمه، وإنما اقتضينا هذا الاعتلال للفرع الذي ليس بمنصوص ~~عليه. # ألا ترى: أنه لولا الفرع لكان ذكر (هذا) الاعتلال للأصل لغوا لا معنى له، ~~على ما بينا فيما تقدم. # وكذلك كل أصل (ثبت) بنص أو اتفاق، فإنا متى قسنا عليه بعلة، أو ~~اقتضيناها، فحكم الأصل يتعلق بالنص، أو الاتفاق، وحكم الفرع متعلق بالعلة ~~المستنبطة منه. # وقد يعرض مثل هذا كثيرا مما ثبت حكمه من طريق الاستنباط، فيقاس عليه بعلة ~~غير علة الأصل، نحو قولنا: إن محاذاة الرجل المرأة في صلاة واحدة تفسد ~~صلاته، والعلة فيه: أنه قد قام مقاما لا يجوز أن يقومه بحال، مع (اختصاصه ~~بالنهي) قياسا على إفساد صلاة من قام قدام الإمام، وقد ثبت عندنا فساد ~~صلاته. # وما ذكرناه من العلة بوصف من أوصاف الأصل المقيس عليه، والعلة التي بها ~~أفسدنا # PageV04P187 # صلاة من صلى قدام الإمام، ليست بهذه،، وإنما هي أنه مأمور بالائتمام ~~بالإمام واتباعه، فمن صلى قدام الإمام غير مؤتم به ولا متبع له عندنا فقد ~~تبين أن العلة التي بها أثبتنا حكم الأصل المقيس عليه، غير العلة التي بها ~~ثبت حكم الفرع المقيس. # ونظير ذلك أيضا: قولهم في رجلين أقام أحدهما ms702 البينة على عبد في يدي رجل ~~أنه وهبه له وقبضه. وأقام الآخر البينة أنه باعه منه، ولم يوقت البينتان، ~~أو بينة الشراء أولى؛ لأن عدم تاريخ العقدين في شهادة الشهود، يوجب الحكم ~~بوقوع العقدين معا، ومتى حكمنا بوقوع البيع والهبة معا، سبق وقوع الملك ~~بالشراء الملك بالهبة،؛ لأنه يوجب الملك بنفس العقد، والهبة لا توجبه إلا ~~بعد القبض، فكانت العلة الموجبة للحكم بالبيع دون الهبة، ما ذكرنا. # ثم قالوا: لو أقام أحدهما البينة على الرهن، والأخرى على الهبة، وشهدت ~~البينات بالقبض، فإن الرهن أولى من الهبة؛ لأنهما قد تساويا في أن من شرط ~~كل واحد منهما القبض، والرهن يشبه البيع في باب ما يتعلق به من ضمان اليدين ~~كما يتعلق بالبيع ضمان الثمن، فقاسوا الرهن على البيع في هذا الوجه بغير ~~العلة الموجبة، لكون البيع أولى من الهبة. # ونحوه إذا أقام رجل البينة على شراء العبد من مالكه، وأقام العبد البينة ~~أن مولاه أعتقه، فيكون العتق أولى؛ لأن فيه قبضا، فصار كإقامة رجلين البينة ~~على الشراء، وشهدت بينة أحدهما بالقبض، فيكون صاحب القبض أولى، ثم جعلوا ~~التدبير مثل العتق في كونه أولى من الشراء، وإن لم يكن فيه قبض، بعلة أنه ~~لا يلحقه الفسخ، كما لا يلحق العتق، فالعلة التي قاسوا بها التدبير على ~~العتق في كونه أولى من الشراء غير العلة الموجبة لكون العتق في الأصل أولى ~~من الشراء. ونظائر ذلك كثير في مسائل الفقه. # وإنما جاز هذا في العلل الشرعية من قبل أنها لما كانت علما للحكم على ما ~~بينا فيما # PageV04P188 # سلف غير موجبة (له) ، ثم لم يمتنع إيجاب حكم الأصل بمعنى، ثم يجعل بعض ~~أوصافه علما لحكم آخر يقاس عليه إذا كانت هذه الأوصاف، إنما صارت عللا على ~~حسب ما جعله الله تعالى علامة الأحكام، والنكتة التي عليها مدار الأمر في ~~اعتبار هذه المعاني عللا على الأوصاف التي قدمنا، أنها (لما) لم تكن موجبة ~~لأحكامها المتعلقة بها، وإنما كانت أمارات لها، على حسب ما ينصبها الله ~~تعالى ms703 أمارة لم يمتنع أن يكون بعض الأوصاف علامة لحكم، ثم تكون بعض أوصاف ~~هذا الحكم علامة لحكم آخر غيره يجب اعتباره به. # ومن هذه الجهة أجزنا تخصيص أحكام العلل الشرعية مع وجودها، فلذلك امتنعنا ~~من اقتضاب علة لا تتعدى إلى فرع، ولا تتجاوز موضع النص، أو الاتفاق لخروجها ~~من أن تكون علامة لحكمه؛ إذ كان ما يثبت من هذه الوجوه لا يكون بعض أوصافه ~~علامة له مقيدا للحكم فيه. # ومن خالف فيما ذكرنا من هذه الوجوه، فإنما خالف فيها لجهله بمعاني العلل ~~الشرعية، وظنه أنها بمنزلة العلل العقلية، فامتنعوا من أجل ذلك من تجويز ~~هذه الأشياء التي ذكرنا فيها، فمنعوا تخصيصها وأجازوا كون علة لا تتعدى ~~الفرع ولا تتجاوز موضع النص، ومنعوا وجوب حكم الأصل بعلة، وحكم الفرع بعلة ~~أخرى غيرها؛ إذ كان هذا الفرع مبنيا على ذلك الأصل. # ولو قد كانوا عرفوا معاني ما نسميه عللا نوجب بها قياس الأحكام الشرعية، ~~لخفت المؤنة عليهم في فهم هذه المواضع. # PageV04P189 ### | [باب فيما يضم إلى غيره فيجعلان بمجموعهما علة الحكم] # وما (لا) يضم إليه وما جرى مجرى ذلك # قال أبو بكر: كل وصف قامت الدلالة على كونه علة (من) الوجوه التي يثبت ~~علل الشرع منها، فإنه يجب اعتباره في إيجاب الحكم به من غير ضم معنى آخر ~~إليه، فإن رام أحد ضم وصف آخر إليه حتى يكونا بمجموعهما علة للحكم، لم يكن ~~ذلك إلا بدلالة تدل على أن الوصفين بمجموعهما علة الحكم، فإن الحكم متعلق ~~بهما دون أحدهما. # وذلك نحو قولنا: إن العلة في وجوب نقض الطهارة بخروج البول كونه نجسا ~~خارجا بنفسه إلى موضع يلحقه حكم التطهير، للدلائل الموجبة لصحة ذلك. # فإن قال لنا قائل: ما أنكرتم أن تكون العلة في البول مع ما وصفت: أنه ~~خارج من السبيل لم يصح ذلك؛ لأن ما ذكرناه علة صحيحة، قد قامت الدلالة ~~عليها غير مفتقرة في كونها علة إلى ما ذكرت، ولم يثبت أن للسبيل تأثيرا في ~~نقض الطهارة، وأن الحكم يتعلق به ms704 في زوالها، فغير جائز كونه مشروطا مع ما ~~وصفنا. # وكذلك إذا دللنا على أن علة تحريم التفاضل كونه مكيل جنس، فقال لنا: ما ~~أنكرتم أن تكون العلة فيه كونه مكيلا مأكول جنس، لم يصح له ذلك؛ لأنا لم ~~نجد الأكل متعلقا به حكم في هذا الباب، فلا اعتبار به، وقد وجدنا الحكم ~~يتعلق بالكيل والجنس فغير جائز ضم الأكل إليهما مع استغنائهما عنه في ~~كونهما علة. # PageV04P193 # ولذلك نظائر كثيرة يجب مراعاتها فيما يعتبره المخالف، فإن كان الوصف الذي ~~يريد ضمه إلى العلة مما له تأثير في الحكم، فلم تستقم العلة إلا بضمه ~~إليها، ضممناه إليها، والذي يجب ضمه إلى غيره وجعلهما علة هو ما لا تستقيم ~~العلة إلا به، ولا يصح إلا بوجوده، ويكون مع ذلك له تأثير في الحكم على ~~الوجه الذي يعتبر فيه قول قائل لو قال: إن العلة في نجاسة سؤر السباع: أن ~~السبع محرم الأكل قياسا على الكلب، فهذا لا يصح؛ لأن الإنسان والهر أكلهما ~~محرم وسؤرهما طاهر، فاحتجنا من أجل ذلك إلى تقييد العلة بوصفين لكل واحد ~~منهما تأثير في الأحكام. # وهو أن يقول: محرم الأكل لا لحرمته، ولا يستطاع الامتناع من سؤره،؛ لأنا ~~لو اقتصرنا على قولنا محرم الأكل لا لحرمته لزم عليه سؤر الهر؛ لأنه محرم ~~الأكل لا لحرمته، فاحتجنا إلى تقييده أيضا بأنه (لا) يستطاع الامتناع من ~~سؤره، وإنما صح إلحاق هذين الوصفين بالمعنى الذي ذكرنا في صحة كون الجميع ~~علة للحكم، لتعلق الأحكام بهما. # ألا ترى أن سؤر الكلب نجس، وسؤر الهر طاهر، ولم يفترقا في الحكم إلا من ~~جهة أن الكلب يستطاع الامتناع من سؤره في العادة، ولا يستطاع الامتناع من ~~سؤر الهر. # وكذلك الكلب سؤره نجس وسؤر الإنسان طاهر، مع كونهما محرمي الأكل، وإنما ~~اختلفا من جهة أن تحريم أكل الكلب لنجاسته، وتحريم أكل الإنسان لحرمته، لا ~~لنجاسته، فاعتبر شروط العلل وما يصح ضمه إليها مما لا يصح بما وصفنا. # ونظائر هذا كثيرة في المسائل المختلف فيها، وفيما ذكرنا ms705 تنبيه على ما ~~تركنا. # ومما يشاكل ما قدمنا في هذا الباب مما يجب اعتباره في دعوى العلة في ~~الأصل على النحو الذي ذكرنا في دعوى مضموم دعوى الخصم، الدلالة على صحة ~~المعنى الذي يدعيه عليه لوجوب الحكم. # ويستدل عليه بوجود الحكم بوجودهما، وارتفاعه بارتفاعهما، فالواجب في مثل ~~هذا أن يراعى المعنى الذي ادعاه علة الحكم، هل كان الحكم متعلقا به لأجل ~~وجوده وزائلا بزواله؟ أو كان وجوب ذلك المعنى غيره؟ فإنه ربما كان هذا ~~الوصف موجودا لبعض المعاني، ويكون # PageV04P194 # الحكم موجودا بوجود معنى غيره، وزائلا بزوال غيره من المعاني (التي) ~~قارنت هذا المعنى في الأصل الذي اعتبر ذلك فيه، فيجعل الخصم وجود الحكم ~~وزواله بهذا الوصف، دلالة على صحة المعنى الذي ادعاه عليه من غير تعلق ~~الحكم به. # وذلك نحو قول المخالف في إسقاط الكفارة عن أكل الطعام في نهار رمضان ~~متعمدا من غير عذر واعتلال: بأنه مفطر بالأكل، فيجعل إفطاره بالأكل علة في ~~سقوط الكفارة، بدلالة أن المريض والمسافر يفطران بالأكل ولا كفارة عليهما، ~~وأن اختلافهما من جهة أن هذا معذور وذاك غير معذور، ولا يمنع الجمع بينهما ~~عند اشتراكهما في علة الأكل. # ويستدل على أن الإفطار بالأكل علة في ذلك باتفاق الجميع على وجوب الكفارة ~~على المجامع في نهار شهر رمضان من غير عذر، وسقوطها عن المريض والمسافر إذا ~~أفطرا بالأكل، فعلمت أن كونه مفطرا بالأكل علة لسقوط الكفارة، لوجود الحكم ~~بوجوده، وارتفاعه بارتفاعه. # ونحن متى اعتبرنا هذا الاستدلال لم يصح له ما ادعاه فيه، وذلك لأن ما ~~ادعاه في المريض والمسافر من أن الكفارة إنما سقطت عنهما من أنهما مفطران ~~بأكل، ليس كما ادعاه؛ لأن المريض والمسافر إنما لم يلزمهما الكفارة؛ لأنهما ~~معذوران فيه، والعذر له تأثير في إسقاط كفارة رمضان. # ألا ترى أنهما لو أفطرا بجماع لم يلزمهما كفارة، ولم يختلف حكم الجماع ~~والأكل من هذا الوجه، فعلمت أن سقوط الكفارة عنهما في هذا الحال لم يتعلق ~~بالإفطار بالأكل، وإنما عليك أن ترينا أن حصول الإفطار ms706 بالأكل له تأثير في ~~سقوط الكفارة، إن كانت المسألة التي جعلتها أصلا في ذلك إنما سقطت الكفارة ~~فيها لمعنى غير الأكل. # فبان بذلك سقوط ما ادعاه من (تعلق) وسقوط الكفارة بالأكل، لوجودنا الحكم ~~موجودا بوجوده ومعدوما بعدمه. # PageV04P195 # وكان كذلك إن قال: اتفقنا أن من بلع حصاة لم تلزمه كفارة، والمعنى فيه ~~أنه أفطر بالأكل بدلالة أن الجماع يوجبها، والأكل على هذا الوجه لا يوجبها ~~فصار الحكم متعلقا بوجود الأكل زائلا بزواله. # فيقال له: قد غلطت في دعواك أن الحكم تعلق بوجود الحكم وزال بزواله، ~~وإنما تعلق بمعنى آخر (قارن الأكل وزال بزواله لا بالمعنى) الذي ادعيت؛ لأن ~~الأصل الذي استشهدت به إذا اشتمل على أوصاف، ثم وجدنا الحكم قد يجب بوجود ~~وصفين، أو ثلاثة ويزول بزوالها، فليس لك أن تجعل الحكم متعلقا ببعض تلك ~~الأوصاف، إلا ولخصمك أن يعلقه بوصف آخر وبباقي الأوصاف، فإذا كان الذي بلع ~~الحصاة قد اشتمل فعله ذلك على وصفين. # أحدهما؛ أنه أكل، والثاني: أن مأثمه دون مأثم المجامع، ودون مأثم آكل ~~الطعام، فلست بأسعد بجعلك الأكل على الإطلاق علة للحكم من خصمك بجعله حصول ~~إفطاره بمأثم، دون مأثم المجامع علة في ذلك، ويكون ذلك علة صحيحة لتعديها ~~إلى فرع فيه، وهو قول مالك في إيجابه الكفارة على كل مفطر غير معذور، ثم ~~يعارضك في استدلالك بمثل دلالتك على صحة المعنى بوجود الحكم بوجوده، ~~وارتفاعه بارتفاعه، فلا تحصل حينئذ إلا على دعوى مجردة في قولك: إن الحكم ~~كان موجودا (بوجود الأكل) على الإطلاق، معدوما بعدمه، ثم ينفصل خصمك منك، ~~ويسقط معارضتك إياه، فإن للمعنى الذي اعتبره في مقدار المأثم تأثيرا في ~~إيجاب الحكم، ولزواله تأثير في زواله. # PageV04P196 # ألا ترى أن المجامع في الفرج تلزمه الكفارة لحصول إفطاره بمقدار من ~~المأثم، وأن المجامع فيما دون الفرج لا يلزمه الكفارة، لقصور مأثمه عن مأثم ~~المجامع، وأن وجوب الحد يتعلق بالمجامع في الفرج، ولا يتعلق بالجماع فيما ~~دون الفرج لاختلافهما (في) مقدار الإثم، وكان اعتبار المأثم الذي مقداره ~~مقدار ms707 مأثم المجامع فيما يحصل به الإفطار أولى من اعتبار الأكل على ~~الإطلاق، لتعلق الحكم به على الوجه الذي ذكرنا. # ومن نظائر ذلك: احتجاج المخالف في المختلعة لا يلحقها الطلاق، وإن كانت ~~في العدة بأنها بائنة منه، أو بأنها لا يصح الظهار منها. # ويستدل على صحة المعنى باتفاق الجميع على وقوعه قبل البينونة، واتفاقهم ~~جميعا على امتناع وقوعه بعد انقضاء العدة، فدل ذلك على أن العلة في منع ~~وقوع الطلاق بعد انقضاء العدة أنها بائن منه، أو أنها لا يلحقها ظهاره. # فأنت حينئذ بالخيار إذا كان خصمك مجيبا إن شئت عارضته على هذه العلة قبل ~~النظر في صحة استدلاله، فننصب إيقاع علة بإزائها ونستدل عليها بمثل دلالته ~~عليها، بأن يقول له: ما أنكرت أنها لما كانت معتدة (منه عن طلاق، وجب أن ~~يملك إيقاع بقية طلاقها بدلالة اتفاقنا جميعا على أنها إذا كانت معتدة) من ~~طلاق رجعي كان زوجها مالكا لإيقاع بقية طلاقها، بعلة أنها معتدة من طلاق. # والدليل على صحة هذه العلة: أنها متى انقضت علتها لم يلحقها طلاقه، لزوال ~~العلة التي وصفها ما ذكرنا، وما دامت معتدة لحقها طلاقه، فدل على صحة ~~المعنى لوجود الحكم بوجوده (وارتفاعه بارتفاعه) ، فإذا عارضته بذلك فقد سقط ~~اعتلاله واستدلاله عليه. # فإن رام حينئذ ترجيح علته بشيء آخر لم يصح له ذلك، ويكون حينئذ منتقلا عن ~~استدلاله الأول، ويكون هذا ضربا من الانقطاع؛ لأنه قد تضمن بدءا تصحيح علته ~~بما ذكر من استدلاله غير مضمن، بمعنى غيره. # PageV04P197 # وإذا رام ترجيح اعتلاله بعد معارضتك إياه بمعنى آخر، فقد ترك الاستدلال، ~~وأقل أحواله أن يكون استعماله بمعنى غيره، مما يوجب عنده ترجيح علته، ~~اعترافا منه بأن الأول غير مستقل بنفسه في جهة للدلالة وتصحيح المقالة. # ، وإن شئنا نظرنا في جهة استدلالها هل هو على ما ادعى أم لا؟ وهذا أولى ~~الأمرين وأصحهما في حق النظر. # فنقول له: ما الدلالة على أن الحكم فيما ذكرت تعلق بالبينونة فحسب؟ ولم ~~قلت: إن امتناع وقوع طلاقه متعلق بزوال النكاح، ms708 ووقوع البينونة موجود مع ~~وجوده، معدوم مع عدمه؟ وما أنكرت أن يكون امتناع وقوع (الطلاق) بعد انقضاء ~~العدة متعلقا بانقضاء العدة وبزوال جميع أحكام النكاح، ويكون هذا المعنى ~~أولى بالاعتبار؛ لأن بقاء العدة يوجب بقاء كثير من أحكام النكاح. # ووقوع البينونة (لم يمنع بقاء تلك الأحكام من نحو لزوم نسب ولد لو جاءت ~~به، ووجوب السكنى والنفقة. ولم يكن لوقوع البينونة) # تأثير في زوال هذه الأحكام، ويكون اعتلالها بكونها معتدة من طلاق أولى ~~(من الحكم) الذي ذكرنا أنه موجود بوجوده، ومعدوم بعدمه (لو) تعلق لما وجدنا ~~لبقاء العدة من التأثير في بقاء شيء من أحكام النكاح، ولم يكن لوقوع ~~البينونة تأثير في رفعها. # وكذلك نقول في احتجاجهم ببطلان الطهارة؛ لأن امتناع صحة الطهارة لم يؤثر ~~في رفع هذه الأحكام مع بقاء العدة، فلا يؤثر في بطلان الطلاق. # PageV04P198 # وكان استدلالنا بما وصفنا من تعلق الحكم ببقاء العدة عن الطلاق أولى، لما ~~وصفنا. ومثله: قول من خالفنا في المجاوزة بقيمة العبد دية الحر إذا قتل ~~خطأ، واعتلاله بأنه مال كالدابة، والثوب، واستدلاله عليه بأن العبد لما كان ~~مالا وجب قيمته بالغة ما بلغت، وأن الحر لما لم يكن مالا لم يجاوز به ~~الدية. # وقلنا نحن لا نجاوز به دية الحر، أنه أتلف نفس آدمي من جهة الجناية، ~~وضمان الجناية مخالف لضمان الأموال. # ألا ترى أن قاتله تلزمه الكفارة في الخطأ، والقصاص في العمد، وأن كونه ~~مالا لم يؤثر في سقوط الكفارة والقصاص؛ إذ كان إتلافه من طريق الجناية على ~~ما ذكرنا. # وكذلك لا يؤثر في جواز مجاوزة الدية بقيمته، فكان اعتبارنا أولى؛ إذ كان ~~كونه مالا يؤثر في سقوط الكفارة عن قاتله في الخطأ، والقصاص في العمد. # وما ذكر من وجود الحكم بوجود كونه مالا، وارتفاعه بارتفاعه في الدابة ~~المتلفة، فعلى غير ما ذكرنا، لأن الحكم لم يتعلق بكونه مالا (دون) ما ذكرنا ~~من أن ضمانه لم يكن على جهة ضمان الجنايات، (وضمان العبد في هذا الوجه ضمان ~~الجنايات) ، فكانت قيمته معتبرة ms709 بدية الحر في منع مجاوزتها ونقصانها عن ~~الدية، لم يخرجه عن باب الجناية، ولأن ديات الأحرار قد تنقص، ولا يزاد على ~~المقدار المؤقت. # ألا ترى أن دية المرأة على النصف، وأن دية الجنين خمسمائة، فعلى الوجوه ~~التي ذكرنا يجب اعتبار المعاني، والله عز وجل الموفق للصواب. # PageV04P199 ### | [باب القول في تعارض العلل والإلزام وذكر وجوه الترجيح] # قال أبو بكر: لا يكون تعارض العلتين إلا على وجه منافاة كل واحدة منهما ~~لحكم الأخرى، وهو كتعارض الأخبار، أن ذلك لا يكون فيها، إلا أن يكون كل ~~واحد منهما موجبا لضد حكم الآخر، ومتى، لم يكن الخبران على هذا الوجه، لم ~~يكونا متعارضين، وذلك لأن العلتين إذا أوجبتا حكما واحدا فليس يمتنع أن ~~يكونا جميعا صحيحتين، فتجري كل واحدة منهما على حسب مقتضاها وموجبها. # ، وإن كانت كل واحدة منهما جارية في فروع لا تجري الأخرى فيها. # وكذلك إن كانت إحداهما أعم من الأخرى، فليس يمتنع أن تكونا صحيحتين ~~جميعا، وتكون كل واحدة منهما موجبة لحكمها فيما يوجد فيه، وهي مثل الخبرين ~~إذا كان أحدهما أعم من الآخر، وما يتعلق بهما حكم واحد فيستعملان جميعا، ~~نحو ما روي عن # PageV04P203 # النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع الطعام قبل القبض» «ونهى ~~عن بيع ما لم يقبض» فهذا أعم من الأول في أعيان الحكم، وليسا متعارضين ~~لإيجابهما حكما واحدا. # وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدوا صدقة الفطر، عن ~~كل حر وعبد، صغير، أو كبير» فهو عام في الكافر والمسلم. # وروي في (خبر) آخر «فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر على ~~كل حر وعبد من المسلمين» فنستعملها جميعا؛ لأنهما ليسا متعارضين. # كذلك ما ذكرنا في حكم العلتين يجري على هذا السبيل. # ونظيره العكس إذا أوجبتا حكما واحدا، وتعلق بكل واحدة منهما معلومات لا ~~تتعلق بالأخرى، لاختلاف القائسين في علة تحريم التفاضل في البر. # فمنهم من قال: الكيل مع الجنس. # وقال آخرون: معناه مدخر في جنس. # وقال آخرون: الأكل ms710 مع الجنس. # فليست هذه العلة متعارضة، وإن كان لبعضها معلومات (ليست للأخرى) ، ولو ~~كنا خلينا، وإياها، لما امتنع أن تكون كل واحدة منها علة صحيحة موجبة ~~لحكمها في فروعها إذا قامت الدلالة عليها. # ألا ترى أنها لو وردت أخبار مثلها (كان جائزا، ولم تكن متعارضة) ؛ لأنه ~~جائز أن يقول: إذا وجدتم الكيل مع الجنس، فحرموا التفاضل، وحرموا أيضا ~~المقتات والمدخر مع الجنس، وحرموا أيضا كل مأكول جنس. # ولو كان ذلك تعارضا لما صح ورود الخبر، وإنما لم يكن ذلك تعارضا؛ لأن ~~جميعها # PageV04P204 # توجب حكما واحدا، إلا أنه قد ثبت عندنا باتفاق الفقهاء: أن الصحيحة واحدة ~~منهما، ولولا الاتفاق لجاز أن يقال: إن كلها صحيحة إذا قامت الدلالة عليه. # ومما تكون إحدى العلتين فيه أعم من الأخرى فلا يتعارضان إذا كانا يوجبان ~~حكما واحدا. # فنحو اعتلالنا لنقض الطهارة بخروج النجاسة بنفسها إلى موضع يلحقه حكم ~~التطهير، قياسا على البول والغائط، فلا يصح لمخالفنا أن يعارضنا عليها، بأن ~~يقول: ما أنكرت أن تكون العلة في البول أنه نجاسة خارجة من السبيل؛ لأنه ~~اقتضب من هذا الأصل علة للحكم الذي توجبه علتي، فهما يوجبان حكما واحدا، ~~فليسا إذا متعارضتين. # ألا ترى أنه لا يصح ورود النص بهذا، فنحن نقول بهما جميعا، ونصححهما، ~~فنوجب نقض الطهارة بخروج النجاسة من السبيل. # ونوجبه أيضا بخروجها من سائر البدن بالعلة التي ذكرنا، كما قلنا بالخبرين ~~في نهيه عن بيع الطعام قبل القبض، وعن بيع ما لم يقبض، وأكثر معارضات ~~المخالفين أنا على اعتلالنا بهذا الضرب من الاعتلال، ويظنون أن مثله يكون ~~معارضة، وهذا جهل ممن يظنه بوجوه المعارضات. # وكثيرا ما يعارضون أيضا بعلة لا تتعدى المنصوص عليه (غير) موجبة لحكم، ~~فيعارضون بها علة موجبة لذلك الحكم بعينه، متعدية إلى فروع مختلف فيها نحو ~~قولنا إذا قلنا: إن العلة في تحريم التفاضل في الذهب بالذهب: أنه موزون ~~جنس. # فيقولون: ما أنكرتم أن تكون العلة فيها أنه أثمان الأشياء؟ . # PageV04P205 # ونحو قولنا إذا نحن عللنا (في) الأولاد في وجوب ضمها ms711 إلى الأمهات، بأنها ~~زيادة مال في الحول على نصاب وهي موجودة في الفائدة. # فيقولون: ما أنكرت أن تكون العلة (في الأولاد) أنها من الأمهات. # ونحو قولنا: إن عتق بريرة إنما أوجب لها الخيار؛ لأنها ملكت بضعها ~~بالعتق. # فيقولون: ما أنكرت أن يكون العلة فيه أن زوجها كان عبدا، وهذا أبعد من ~~الأول من جهة المعارضة، لما بينا فيما سلف أن علة لا تتعدى الأصل المعلول ~~فليست بعلة، فهذا ساقط من هذا الوجه. # ولو سلمنا لهم: أن مثلهم يكون علة، لما كانت معارضة لما ذكرنا؛ لأنا نقول ~~(لهم) : نصحح العلتين جميعا، ونستعملها، فنوجب الحكم بهما؛ إذ ليس يمتنع ~~إيجاب حكم واحد بعلتين مختلفتين، وإنما المعارضة أن تنصب علة بإزاء علة ~~الحكم، توجب حكما بضد موجب علته، فتكون حينئذ معارضة صحيحة إذا وقعت على ~~شروطها التي سبيل المعارضة أن تكون عليها، نحو أن نقول في علة نقض الطهارة ~~بخروج النجاسة: لما اتفقنا على أن اليسير من القيء لا ينقض الطهارة، وكان ~~المعنى فيه: أنه نجاسة خارجة من غير السبيل، كان كذلك حكم سائر النجاسات ~~الخارجة من غير السبيل، فيكون هذا معارضة صحيحة على اعتلالنا بخروج النجاسة ~~بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فيجب حينئذ قبولها، والنظر فيها، ~~وحملها على شروطها التي تصح المعارضة عليها. # PageV04P206 # وأما الوجه الأول الذي ذكرنا: فإنه لا يجوز لناظر قبولها ولا الاشتغال ~~بها في التمسك بينها وبين علته التي اعتل بها. . # ولا تصح المعارضة إلا أن يكون ما عارض به في وزن اعتلال المعتل، وفي ~~عروضه. # فإن اعتل المجيب بعلة لم يعضدها بدلالة جاز للسائل معارضته بعلة موجبة ~~للحكم بضد موجب حكمها، ولا يقرنها بدلالة، ويكون مساويا له في اعتلاله، ~~فيحتاج المجيب حينئذ إلى الانفصال مما عارضه به السائل، إما أن يقرن علته ~~بدلالة تبين بها مما عارض به، أو يفسد اعتلال السائل بضرب من الضروب التي ~~تفسد بها العلل. # والأولى بالسائل مطالبة المجيب بإقامة الدليل على صحة العلة، ولا يشتغل ~~بالمعارضة قبل إظهار المجيب دلالته على صحة ms712 اعتلاله. # فإن عارضه على دعواه العلة بعلة ادعاها جاز، وكان بمنزلة من عارض على ~~المذهب قبل المطالبة بالدلالة على (صحته بمذهب) يضاده، فلا يجد بدا حينئذ ~~من أن ينظر إلى إقامة الدلالة على خصمه فيما ادعاه، دون ما ادعاه خصمه. وإن ~~قرن المجيب علته بدلالة لم تصح للسائل المعارضة عليه إلا بعلة مقرونة ~~بدلالة، وإلا لم تكن معارضة. # وللمجيب أن لا يقبلها ولا يشتغل بها، فإن قبلها كان انفصاله منها أن ~~يقول: إن علتي مقرونة بدلالة توجب صحتها، وعلتك غير مقرونة بدلالة، ولا ~~يقدح فيها، ومتى # PageV04P207 # صحت المعارضة على الشرط الذي قدمنا، لزم المجيب حينئذ الانفصال مما عورض ~~به بضرب من الترجيح يبين به " أن " اعتلاله أولى من اعتلال خصمه. . # ووجوه الترجيح مختلفة: # فمنها: أن المجيب إذا اعتل بعلة منصوص عليها، فعارضه السائل بعلة ~~مستنبطة، كان له أن يقول: علتي أولى،؛ لأنها منصوص عليها، وعلتك مستنبطة، ~~ولا حظ للاستنباط مع النص، وذلك نحو معارضة المخالف لنا على علة نقض ~~الطهارة بظهور النجاسة. فإن قليل القيء لا ينقضها، والمعنى فيه: أنه نجاسة ~~خارجة من غير السبيل، ويحتج على صحة اعتلاله بأن النجاسة إذا خرجت من ~~السبيل أوجبت نقض الطهارة، وهو البول، وإذا خرجت من غير السبيل لم توجبه، ~~وهو يسير القيء. فيقال: إن اعتلالنا أولى؛ لأنه مبني على علة منصوص عليها، ~~وهو قوله - عليه السلام - في دم الاستحاضة: «إنها دم عرق» ، فهو أولى مما ~~ذكرت فتسقط معارضته. ونحوه إذا اعتل في منع خيار المعتقة إذا كان زوجها ~~حرا، بأن الزوج كفء في هذه الحال، فصار كسائر عقود النكاح، إذا وجب فيها ~~الكفاءة، ولا يجب الخيار. فنقول: إن اعتلال من اعتل لإيجاب الخيار بأنها ~~ملكت بضعها بالعتق أولى؛ لأنه منصوص عليه، «وقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~لبريرة: ملكت بضعك فاختاري» ، فكانت العلة المنصوص عليها أولى من علة ~~مستنبطة، لأنه لا حظ للاستنباط مع النص. # PageV04P208 # ألا ترى أنه لا حظ لحكم مستنبط مع حكم منصوص عليه، فكذلك العلل. . # ومتى تعارضت علتان إحداهما: قد ms713 قامت دلالتها من جهة ما لها من التأثير في ~~الأصول وتعلق الأحكام بها. والأخرى: دلالتها وجود الحكم بوجودها وارتفاعه ~~بارتفاعها # ، فإن ما طريق إثباتها تعلق الأحكام (بها) وتأثيرها في الأصول أولى من ~~الأخرى، لأن الأولى تشهد لها الأصول، وشهادة الأصول أولى بالاعتبار مما ~~ذكر؛ إذ ليست في وزنها ومنزلتها. . # وترجيح إحدى العلتين بما ضده العموم لها يكون أولى مما ينافي العموم ~~ويخصه؛ لأن العموم أصل، وهو شاهد بصحة هذا الاعتلال، فهو أولى مما ينافي ~~العموم ويضاده. # وإذا كانت إحدى العلتين موجبة لرد الحكم إلى ما قرب منها وهو من جنسها، ~~والأخرى توجب ردها إلى ما بعد منها وما ليس من جنسها، فإن ما يوجب حمله على ~~ما هو من جنسها وما قرب منها أولى من الأخرى، على ما حكينا عن أبي الحسن، ~~ويكون هذا ضربا من الترجيح، نحو حملنا لمسح الرأس مرة واحدة على سائر ~~الممسوحات، بعلة أنه مسح، وموضوعه التخفيف، فهذا أولى من رده إلى الغسل؛ ~~لأن المسح من باب المسح، ومن جنسه وما قرب منه. # ومتى تعارض قياسان ومع أحدهما قول من صحابي لا يعلم عن غيره خلافه من ~~نظرائه، جاز أن يرجح الذي معه قول الصحابي، ويكون من أجل ذلك أولى من ~~الآخر. # وقد حكينا عن أبي يوسف قبل هذا: أنه يترك القياس لقول الصحابي، إذا لم ~~يعرف عن أحد من نظرائه خلافه، فإذا عاضد قول الصحابي أحد القياسين، كان لما ~~عاضده # PageV04P209 # قول الصحابي مزية ليست للآخر عند كثير ممن لا يرى أيضا تقليد الصحابي، ~~إذا كان قوله بخلاف ما يوجبه القياس عنده. # وكذلك القياس الذي يعضده قول الخلفاء الراشدين هو أولى من قياس يخالفه ~~قول هؤلاء الخلفاء، إذا عارض القياس الأول، ويكون لهذا القياس ضرب من ~~الرجحان لقوله - صلى الله عليه وسلم - «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي» . # وقد يقوى أحد القياسين بأن يعضده أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لو انفرد بنفسه لم يوجب حكما لضعف مخرجه، فإذا عاضد أحد القياسين صار ms714 ~~لهذا القياس مزية ورجحان على الآخر بهذا الخبر، فيكون أولى. # وإذا اعتل أحد الخصمين (بعلة) لحكم، واعتل الآخر (بعد ذلك لحكم) بعلل من ~~أصول مختلفة. فإن من الناس من يجعل الحكم الذي عضدته علتان أولى من الآخر ~~الذي لم يوجبه إلا علة واحدة، ويجعله بمنزلة علة شهدت لها أصول كثيرة، ~~والأخرى شهد لها أصل واحد. # ومنهم من يجعل العلة الواحدة معارضة للعلل الكثيرة، ولا يوجب الترجيح ~~بالكثرة، وهو عندنا موضع اجتهاد يحتمله كل واحد من القولين. # وإذا تعارضت علتان إحداهما مثبتة، والأخرى نافية، فلا مزية للمثبتة منهما ~~على الأخرى لأجل الإثبات، وإنما يحتاج أن يطلب وجه الترجيح من غير هذه ~~الجهة؛ لأن نفيه الحكم هو حكم من النافي، وإثبات اعتقاد منه بصحة نفيه، وهو ~~كما قلنا: إن النافي والمثبت متساويان في أن كل واحد منهما عليه إقامة ~~الدلالة على صحة دعواه. # ومتى اعتدل في نفس المجتهد القياسان جميعا، وكل واحد منهما يوجب ضد ~~الآخر، فإن من الناس من يأبى وجود ذلك، ويقول: إذا كان طريق استدراك الحكم ~~من أحد هذين الوجهين، استحال أن يخلي الله تعالى المجتهد من أن يغلب في ظنه ~~رجحان أحدهما، فيصير إليه. # PageV04P210 # ومنهم من لا يمتنع من إجازة ذلك، ويجعله بالخيار، يحكم بأيهما شاء فأما ~~القول الأول: فإنه تحكم من قائله بغير دلالة، وذلك لأنا قد وجدنا مثل ذلك ~~سائغا في المتحري لجهة القبلة، وفي الشاك في الصلاة، وفي الاجتهاد في تدبير ~~الحروب، والإقدام على الأمور، وهو موجود في كثير من مسائل الاجتهاد أيضا، ~~فيعتدل عند المجتهد الأقوال المختلفة، حتى لا يكون عنده لبعضها على بعض ~~مزية. وإذا وقع ذلك كان المجتهد بالخيار في الحكم بأي القولين شاء، كأن ~~النص ورد بمثله. # فقيل له: (احكم) في ذلك بأي هذين الوجهين أحببت. # ألا ترى أن المتحري جهة القبلة إذا استوت الجهات عنده كان له أن يصلي إلى ~~أي الجهات شاء. ومن يأبى هذا القول ويمنع منه يذهب إلى أنه إذا كان أحد ~~القياسين يوجب حظرا، والآخر إباحة، ms715 واستوى عند المجتهد القياسان، حتى لا ~~يكون لأحدهما مزية على الآخر، فغير جائز أن يكون مخيرا؛ لأن موجب أحد ~~القياسين: الحظر. وموجب القياس الآخر: الإباحة. فلو انفرد كل واحد منهما ~~على الآخر كان موجبا لحكمه. # فغير جائز أن يكون وجود القياس الآخر معه موجبا للتخيير؛ لأن التخيير ليس ~~هو من موجب أحد القياسين، (فاجتماعهما لا يوجب تخييرا، وإنما الواجب عليه ~~عند تعارض) القياسين وتساويهما عنده إطراحهما، وطلب دلالة الحكم (من) ~~غيرهما، كالخبرين المتضادين إذا نزلا بهذه المنزلة. # PageV04P211 # ومن يقول بالتخيير في القياس إذا تعارضا ممن حكينا قوله يقول في الخبرين ~~المتضادين إذا كان هذا سبيلها مثل ذلك. # ومن أوجب التخيير في مثل ذلك، فإنه يقول: إذا اختار المجتهد أحد القولين ~~من غير رجحان تبين له في القول الذي اختاره، ثم اختصم إليه في مثلها، ~~واستفتي فيها، وحاله في الاجتهاد على ما كان عليه من رجحان حصل لأحد ~~القولين، فإنه يقول: إنه يمضي على الحكم الأول، ولا يعدل عنه إلى غيره إلا ~~برجحان يبين له في القول الآخر. قال: لأنه لو جاز (له) ذلك لجاز له إذا ~~استفتاه رجلان يفتي أحدهما بأحد القولين، ويفتي الآخر بالقول الآخر في ~~الحال، وهذا مستنكر عند العقلاء. وأهل التمييز يعدونه ضربا من التنقل في ~~الرأي، وضعف العزيمة. ومضيه على رأي واحد وملازمته المنهاج الواحد حسن في ~~آراء العقلاء من التنقل في الأمور من غير سبب يوجب التنقل، فقد صار للقول ~~المحكوم به بدءا هذا الضرب من الرجحان، كان أولى بالثبات عنده. # ولا يصح الإلزام على علة منصوصة لحكم حكما آخر غير ما جعل ذلك المعنى علة ~~له. نظير ذلك: أن من جعل علة تحريم التفاضل كيلا في الجنس، لا يجوز أن يلزم ~~على هذه العلة إيجاب العشر في كل مكيل جنس. # ومن جعل علة نقض الطهارة (خروج النجاسة، فغير جائز أن يلزم عليها وجوب ~~الغسل؛ لأنه جعل الحكم المنصوص على العلة نقض الطهارة) ووجوب الطهارة حكم ~~(آخر) ، (غير) نقضها، بل لو جعل خروج النجاسة علة ms716 لإيجاب الطهارة (على # PageV04P212 # الإطلاق) لزمه إيجاب الغسل بخروج النجاسة؛ لأنه جعل هذا المعنى علة ~~لإيجاب الطهارة على الإطلاق، والغسل طهارة، ويلزمه إيجابه بتلك العلة. وإذا ~~كانت الواحدة الزيادة على العشرين والمائة من الإبل عفوا، وجعلنا كونها ~~عفوا علة لامتناع تغير الفرض بها، لم يصح أن يلزم عليها أن الإخوة من الأم، ~~قد يحجبون ولا يرثون،؛ لأنا إنما جعلنا كون الواحدة عفوا لا شيء فيها علة ~~لتغير فرض الزكاة في الجملة، وهذه العلة التي ذكرناها غير موجودة فيما ~~ألزم، ولا حكمها. فهذا إلزام ساقط لا يلجأ إليه إلا جاهل بالنظر. وكثير من ~~إلزامات المخالفين تجري هذا المجرى. وإنما الذي نحتاج إليه في إسقاطها ~~تحقيق المعنى، فإنها متى حققت المعنى فيها اضمحلت، وإذا اقتضت علة لحكم ~~مقيدة بوصف، أو شرط لم يلزم عليها إيجاب ذلك الحكم مطلقا، غير مقيد بذلك ~~الوصف، أو الشرط. نظير ذلك: أنا إذا جعلنا بيعه لما ليس عنده علة لفساد بيع ~~ما في الذمة حالا، لم يلزمنا عليه السلم المؤجل؛ لأنه تغير الوصف الذي جعل ~~العلة له، وإذا جعلنا خروج النجاسة علة لإيجاب نقض الوضوء، لم يلزمنا عليها ~~إيجاب الغسل، وكذلك هذا فيما أشبهه. # وكان أبو الحسن يقول: إذا جعلنا وقوع الأكل على وجه النسيان علة في سقوط ~~القضاء عن الصائم لم يلزمنا عليه قياس المتكلم ناسيا في الصلاة، ولا الأكل ~~ناسيا فيها، وذلك؛ لأن الحكم ههنا سقوط قضاء الصوم، والعلة وقوع الأكل على ~~وجه النسيان. قال: وكذلك كل علة نصبناها لحكم، فإنه (لا يلزمنا عليها حكم ~~من أصل آخر مخالف له في موضوعه. # PageV04P213 # ألا ترى: أنه إذا أفسدنا بيعا؛ لأن ثمنه مجهول) (لم يلزمنا عليه) إفساد ~~النكاح لجهالة المهر. وكذلك إذا أبطلنا بيع المعدوم؛ لأنه معدوم، لم يلزمنا ~~عليه إبطال الإجارة، وإن كانت المنافع معدومة، وإذا أسقطنا عن الحائض قضاء ~~الصلاة لأجل الحيض، لم يلزمنا عليها إسقاط قضاء الصوم. # PageV04P214 ### | [باب ذكر وجوه الاستدلال بالأصول على أحكام الحوادث] # قال أبو بكر: قد تقدم القول منا في تقسيم الوجوه ms717 التي منها تستدرك أحكام ~~الحوادث فقلنا: إنها تستدرك من وجهين: # أحدهما: ما كان لله عز وجل عليه دليل قائم، فالحق فيه واحد من أقاويل ~~المختلفين فيه. # والآخر: ما طريقه الاجتهاد وليس عليه دليل قائم يفضي بالمجتهد إلى العلم ~~بحقيقة المطلوب. وإن هذا الوجه ينقسم إلى أقسام: # أحدها: القياس. # والآخر: الاجتهاد على غالب الظن، من غير رد فرع إلى أصل، كما قلنا في ~~تحري القبلة وتدبير الحروب، ونفقات الزوجات، وتقدير المتعة، ومهر المثل، ~~ونحوها. # والثالث: الاستدلال على الحكم بالأصول، وقد بينا معاني الوجهين الأولين ~~وكيفيتهما. ونذكر الآن الوجه الثالث، وطرقه، ووجوهه مختلفة، إلا أنا نذكر ~~منها ما يستدل به على جملته على حسب ما كان أبو الحسن يعتبره. # فمنها: قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} [الطلاق: 4] فدل ~~على أن الأصل هو الحيض، لأنه نقلها إلى الشهور عند عدمه، كقوله تعالى: {فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة: 6] ، وكقوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] # PageV04P217 # فدل على أن أهل الحرب يملكون علينا ما يغلبون عليه من أموالنا، لأنه ~~وصفهم بالفقر بعد إخباره بكونهم ذوي أموال قبل إخراج المشركين إياهم من ~~ديارهم وأموالهم وغلبتهم عليها، لأنها لو كانت باقية في ملكهم بعد غلبتهم ~~عليها لما كانوا فقراء وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وهل ترك ~~لنا عقيل من دار؟» حين قيل له: ألا تنزل دارك؟ وكان أبو الحسن يحتج لنجاسة ~~«سؤر الكلب، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بغسل الإناء من سؤره» ~~، وليس في الأصول غسل الأواني تعبدا من غير نجاسة فوجب حمله على ما في ~~الأصول، إذ ليس هو في نفسه أصلا وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «طهور ~~إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبعا» قد دل على النجاسة، لأن اسم ~~التطهر في الأصول لا يطلق (في الأواني إلا من) النجاسة. ومن دلائل الأصول: ~~ما كان يقول في أن كفر الأمة الكتابية لو كان مانعا من نكاحها لمنع وطأها ~~بملك اليمين، كالوثنية، والمجوسية، والمرتدة، ms718 إذ لم يكن تحريم وطئها من جهة ~~العدد، وإنما هو لمعنى (في) نفس الموطوءة. ونحو: إذا ثبت حكم لفعل من ~~الأفعال ألحق به ما كان في بابه، واعتبر به دون غيره، كما نقول: لما ثبت أن ~~مدرك الإمام في أكثر أفعال الركعة مدرك للركعة، وجاز له الاعتداد بها، ~~والبناء عليها، ومدركه في أقل أفعالها غير مدرك لها، دل ذلك على أن الإمام ~~إذا نفر عنه الناس يوم الجمعة بعد التحريمة: أن صلاته تفسد عند أبي حنيفة. # PageV04P218 # وإن نفروا عنه بعدما أتى بسجدتين عليها: أنها ماضية، وإن أتى بأكثر ~~أفعالها. كما أن مدرك الإمام في أكثر أفعال الركعة يصح له الاعتداد بها. ~~كما قالوا فيمن صلى الظهر خمسا إذا عقدها بسجدة: إنه يعتد بها، ويبني عليها ~~السادسة، ولم يكن للأقل حكم في هذه الوجوه. فجعلوا الحكم لأكثر أفعال ~~الركعة، استدلالا بمدرك الإمام في أكثر أفعالها. وجعلوا الأقل كالكل في هذا ~~الحكم خاصة دون غيره، لأنه معلوم أن أكثر ركعات الصلاة لا تقوم مقام الكل ~~في باب الجواز # وإنما استدلوا بما ذكرنا على حكم الاعتداد بالركعة في جواز البناء عليها ~~على الوجه الذي ذكرنا، وجعلوا أكثر الطواف قائما مقام الكل في باب الإجزاء، ~~استدلالا بقيام أكثر أركان الحج مقام جميعها في باب الإجزاء، ولم يردوه إلى ~~أصل، ولا ردوا الصلاة إليه في هذا الوجه، لأن حكم كل شيء من ذلك أن يستدل ~~عليه بما هو من بابه دون غيره. # ونحو قولنا: إن العدة تمنع من الجمع ما يمنعه نفس النكاح، بدلالة أن ~~المرأة ممنوعة من الجمع بين الزوجين، كما أن الرجل ممنوع من الجمع بين ~~الأختين، ثم كان حال عدتها في باب المنع من جمع زوج آخر إليه، كحال بقاء ~~العقد فوجب أن يكون حال عدتها في باب منع الزوج تزويج أختها بمنزلة حال ~~بقاء عقدها. # فهذا ونظائره ضروب من الاستدلال بالأصول على الأحكام من غير ذكر علة، ولا ~~قياس يكتفي فيه بذكر وجه الدلالة من الأصل المتفق عليه على الحكم، وهو ms719 ضرب ~~من ضروب الاجتهاد في الاستدلال على حكم الحادثة بالأصول وقد يمكن في أكثرها ~~أن يحمل على وجه القياس بعلة يجمع بينها وبين الأصل، ويكون أقطع للشغب. ~~والاكتفاء بما ذكرناه من وجه الدلالة سائغ، وإن خالفك فيه مخالف طالبك ~~بحمله على محض القياس، كان لك أن (لا) تجيبه إليه، وتقول: إن هذا عندي جهة ~~من جهات # PageV04P219 # الاستدلال على الحكم (وضرب من) ضروب الاجتهاد، فإن خالفتني فيه فليكن ~~الكلام في الأصل، ويكون في الاشتغال بتصحيحه خروج عن المسألة التي نحن ~~فيها. # وهذا الذي قلناه، إنما هو فيما ذكرناه من دلائل الأصول، فأما ما قدمنا ~~ذكره في صدر هذا الباب من دلائل الخطاب، فإنه ظاهر واضح، لا يحتاج معه إلى ~~قياس ولا غيره. وبالله التوفيق # PageV04P220 ### | [باب القول في الاستحسان] # قال أبو بكر: تكلم قوم من مخالفينا في إبطال الاستحسان حين ظنوا أن ~~الاستحسان حكم مما يشتهيه الإنسان ويهواه، أو يلذه، ولم يعرفوا معنى قولنا ~~في إطلاق لفظ الاستحسان. # PageV04P223 # فاحتج بعضهم في إبطاله بقول الله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} ~~[القيامة: 36] وروي: أنه الذي لا يؤمر ولا ينهى، قال: فهذا يدل على أنه ليس ~~لأحد من خلق الله تعالى أن يقول بما يستحسن، فإن القول (بما يستحسنه شيء ~~يحدثه لا على مثال معنى # PageV04P224 # سبق) فهذا يدل على أنه لم يعرف معنى ما أطلقه أصحابنا من هذا اللفظ، ~~فتعسفوا القول فيه من غير دراية. # PageV04P225 # وقد حدثني بعض قضاة مدينة السلام، ممن كان يلي القضاء بها في أيام المتقي ~~لله، قال سمعت إبراهيم بن جابر، وكان إبراهيم هذا رجلا كثير العلم، قد صنف ~~كتبا مستفيضة في اختلاف الفقهاء، وكان يقول بنفي القياس، بعد أن كان يقول ~~بإثباته. (قال فقلت) له: ما الذي أوجب عندك القول بنفي القياس بعدما كنت ~~قائلا بإثباته؟ فقال: قرأت إبطال الاستحسان للشافعي فرأيته صحيحا في معناه، ~~إلا أن جميع ما احتج به في إبطال الاستحسان هو بعينه يبطل القياس، فصح به ~~عندي بطلانه. وجميع ما يقول فيه أصحابنا بالاستحسان فإنهم ms720 إنما قالوه ~~مقرونا (بدلائله وحججه) لا على جهة الشهوة واتباع الهوى، ووجوه دلائل ~~الاستحسان موجودة في الكتب التي عملناها في شرح كتب أصحابنا، ونحن نذكر ~~ههنا جملة، نفضي بالنظر فيها إلى معرفة حقيقة قولهم في هذا الباب بعد تقدمة ~~بالقول في جواز إطلاق لفظ الاستحسان. # PageV04P226 # فنقول: لما كان (ما حسنه الله تعالى) بإقامته الدلائل على حسنه مستحسنا، ~~جاز لنا إطلاق لفظ الاستحسان فيما قامت الدلالة بصحته. وقد ندب الله تعالى ~~إلى فعاله، وأوجب الهداية لفاعله، فقال عز من قائل: {فبشر عباد} [الزمر: ~~17] {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم ~~أولو الألباب} [الزمر: 18] . وروي عن ابن مسعود، وقد روي مرفوعا إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله ~~تعالى حسن وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله تعالى سيئ» فإذا كنا قد ~~وجدنا هذا اللفظ أصلا في الكتاب والسنة لم يمنع إطلاقه بعض ما قامت عليه ~~الدلالة # PageV04P227 # بصحته على جهة تعريف (المعنى) وإفهام هو المراد. فإن قال قائل: إن كان ~~الاستحسان اسما لما قامت الدلالة على صحته، وثبتت حجته فواجب على هذه ~~القضية أن يسمى كل ما قامت دلالة صحته استحسانا، حتى يسمى النص والإجماع ~~والقياس وجميع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - استحسانا. قيل له: ~~إن جميع ما حكم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - به فهو حسن، وكل ~~ما قامت دلالة صحته من الأحكام مستحسن لا محالة، لا يجوز غيره، إلا أنه لا ~~يمنع أن يكون إطلاق اللفظ مقصورا في بعض الأحوال على بعض ذلك، دون بعض ~~لاختصاص، كل معنى سواه بأسماء معروفة. فلما احتاجوا فيما عرفوه من هذه ~~المعاني من هذه الجهة إلى اسم يفيدون به السامع المعنى (الذي) اختاروا له ~~هذا اللفظ دون غيره، مع ما وجدوا له من الأصل في الكتاب والسنة. وقد سمى ~~أصحابنا عموم الكتاب والسنة في بعض الأحوال استحسانا وكذلك الإجماع ~~والقياس، وسنبينه في موضعه إن شاء الله تعالى. ms721 وليست الأسماء محظورة على ~~أحد عند الحاجة إلى الإفهام بل لا يستغني أهل كل علم وصناعة إذا اختصوا ~~بمعرفة دقيق ذلك العلم ولطيفه وغامضه دون غيرهم، وأرادوا الإبانة عنها ~~وإفهام السامعين لها (من) أن يشتقوا لها أسماء، ويطلقوها عليها على جهة ~~الإفادة والإفهام، كما وضع النحويون أسماء لمعان عرفوها وأرادوا إفهامها ~~غيرهم، فقالوا: # PageV04P228 # الحال، والظرف، التمييز، ونحو ذلك، وكما قالوا في العروض: البسيط، ~~والمديد، والكامل، والوافر. وكما أطلق المتكلمون اسم العرض، والجوهر، ونحو ~~ذلك على المعاني التي عرفوها وأرادوا العبارة عنها، فلم يكن ذلك محظورا ~~عليهم، إذ كان الغرض فيه الإبانة والإفهام للمعنى بأقرب الأسماء مشاكلة ~~وأوضحها دلالة عليه. ثم ليس يخلو لغائب الاستحسان من أن ينازعنا في اللفظ ~~أو في المعنى. فإن نازعنا في اللفظ، فاللفظ مسلم له، فليعبر هو بما شاء، ~~على أنه ليس للمنازعة في اللفظ وجه، لأن لكل (واحد أن يعبر عما عقله من ~~المعنى) بما شاء من الألفاظ، لا سيما بلفظ يطلق معناه في الشرع واللغة. وقد ~~يعبر الإنسان عن المعنى بالعربية تارة وبالفارسية أخرى فلا ننكره. وقد يطلق ~~الفقهاء لفظ الاستحسان في كثير من الأشياء. # وروي عن إياس بن معاوية أنه قال: (قيسوا القضاء ما صلح الناس، فإذا فسدوا ~~فاستحسنوا) وأنه قال: (ما وجدت القضاء إلا ما يستحسن الناس) ولفظ الاستحسان ~~موجود في كتب مالك بن أنس. وقال الشافعي: أستحسن أن تكون المتعة ثلاثين ~~درهما فأطلق أيضا لفظ الاستحسان. واستعمل جميع الفقهاء لفظ الاستحسان، فسقط ~~بما قلنا المنازعة في إطلاق الاسم، أو منعه. # PageV04P229 # وإن نازعنا في المعنى، فإنما لم يسلم خصمنا تسليم المعنى لنا بغير دلالة، ~~بل تضمن لجميع المعاني التي يذكرها مما يتضمنه لفظ الاستحسان عند أصحابنا: ~~إقامة الدلالة على صحته وإثباته بحجة (وبيان وجهة) # PageV04P230 ### | [باب القول في ماهية الاستحسان وبيان وجوهه] # قال أبو بكر: لفظ الاستحسان يكتنفه معنيان # أحدهما: استعمال الاجتهاد وغلبة الرأي في إثبات المقادير الموكولة إلى ~~اجتهادنا وآرائنا، نحو تقدير متعة المطلقات. قال الله تعالى: {ومتعوهن على ~~الموسع قدره وعلى ms722 المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} [البقرة: ~~236] ، فأوجبها على مقدار يسار الرجل وإعساره، ومقدارها غير معلوم إلا من ~~جهة أغلب الرأي وأكبر الظن. # ونظيرها أيضا: نفقات الزوجات قال الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] ولا سبيل إلى إثبات المعروف من ذلك إلا من ~~طريق الاجتهاد. # وقال تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ~~ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} ~~[المائدة: 95] . ثم لا يخلو المثل المراد بالآية من أن يكون القيمة أو ~~النظير من النعم على حسب اختلاف الفقهاء (فيه) ، وأيهما كان فهو موكول إلى ~~اجتهاد العدلين، وكذلك أروش الجنايات التي لم يرد في مقاديرها نص، ولا ~~اتفاق، ولا تعرف إلا من طريق الاجتهاد. # وقال الله تعالى: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ، وقال تعالى: ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وتعديلهما والحكم بتزكيتهما غير ممكن ~~إلا من طريق الاجتهاد. # PageV04P233 # ونظائرها) في الأصول أكثر من أن تحصى، وإنما ذكرنا منها (مثالا) يستدل به ~~على نظائره. فيسمي أصحابنا هذا الضرب من الاجتهاد استحسانا، وليس في هذا ~~المعنى خلاف بين الفقهاء، ولا يمكن أحدا منهم القول بخلافه # وأما المعنى الذي قسمنا عليه الكلام بدءا من ضربي الاستحسان: فهو ترك ~~القياس إلى ما هو أولى منه وذلك على وجهين: # أحدهما: أن يكون فرع يتجاذبه أصلان يأخذ الشبه من كل واحد منهما، فيجب ~~إلحاقه بأحدهما دون الآخر، لدلالة توجبه، فسموا ذلك استحسانا (إذ لو) لم ~~يعرض للوجه الثاني لكان له شبه من الآخر يجب إلحاقه به. # وأغمض ما يجيء من مسائل الفروع، وأدقها مسلكا: ما كان من هذا القبيل، ~~ووقف هذا الموقف، لأنه محتاج في ترجيح أحد الوجهين على الآخر إلى إنعام ~~النظر، واستعمال الفكر والروية في إلحاقه بأحد الأصلين دون الآخر. # وكان أبو الحسن يقول: إن لفظ الاستحسان عندهم ينبئ عن ترك حكم إلى حكم هو ~~أولى منه، لولاه لكان الحكم الأول ثابتا. # وأما الوجه الثاني منهما: فهو ms723 تخصيص الحكم مع وجود العلة. # وفيه خلاف بين الفقهاء سنذكره بعد فراغنا من بيان وجوه الضرب الأول مما ~~قسمنا عليه الكلام آنفا، فنقول: إن نظير الفرع الذي يتجاذبه أصلان ملحق ~~بأحدهما دون الآخر، ما قال أصحابنا في الرجل يقول لامرأته: إذا حضت فأنت ~~طالق، فتقول: قد حضت، أن القياس أن لا تصدق حتى يعلم وجود الحيض منها، أو ~~يصدقها الزوج، إلا أنا نستحسن فنوقع الطلاق. # قال محمد: وقد يدخل في هذا الاستحسان بعض القياس. # قال أبو بكر: أما قوله: إن القياس أن لا تصدق، فإن وجهه أنه قد ثبت بأصل ~~متفق # PageV04P234 # عليه، أن المرأة لا تصدق في مثله في إيقاع الطلاق عليها، وهو الرجل يقول ~~لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن كلمت زيدا فأنت طالق، فقالت بعد ~~ذلك: قد دخلتها بعد اليمين، أو كلمت زيدا، وكذبها الزوج، أنها لا تصدق، ولا ~~تطلق، حتى يعلم ذلك ببينة أو بإقرار الزوج، فكان قياس هذا الأصل يوجب أن لا ~~تصدق في وجود الحيض الذي جعله الزوج شرطا لإيقاع الطلاق. # وكما أنه لو قال لها: إذا حضت، فإن عبدي حر، أو قال: فامرأتي الأخرى ~~طالق، فقالت: قد حضت وكذبها الزوج لم يعتق العبد، ولم تطلق المرأة الأخرى، ~~فقد أخذت هذه الحادثة شبها من هذه الأصول التي ذكرنا، فلو لم يكن لهذه ~~الحادثة غير هذه الأصول لكان سبيلها أن تلحق بها، ويحكم لها بحكمها، إلا ~~أنه قد عرض لها أصل آخر منع إلحاقها بالأصل الذي ذكرنا، وأوجب إلحاقها ~~بالأصل الثاني دونه، وهو أن الله تعالى لما قال: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] وروي عن السلف: أنه أراد: من الحيض ~~والحبل وعن أبي بن كعب أنه قال: (من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها) ~~دل وعظه إياها # PageV04P235 # ونهيه لها عن الكتمان، على قبول قولها في براءة رحمها من الحبل، وشغلها ~~به، ووجود الحيض وعدمه، كما قال تعالى في الذي عليه الدين: {فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته وليتق الله ربه} [البقرة: ms724 283] {ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: ~~282] فوعظه ونهاه عن البخس والنقصان، علم أن المرجع إلى قوله في مقدار ~~الدين. # فصارت الآية التي قدمنا أصلا في قبول قول المرأة، إذا قالت: أنا حائض، ~~وتحريم وطئها في هذه الحال، فإنها إذا قالت: قد طهرت، حل لزوجها قربها. # وكذلك إذا قالت وهي معتدة قد انقضت عدتي، صدقت في ذلك، وانقطعت رجعة ~~الزوج عنها، وجعل قولها في ذلك كالبينة في باب إسقاط حق الزوج عنها وانقطاع ~~الزوجية بينهما. # وكان المعنى في ذلك: أن انقضاء العدة بالحيض معنى يخصها، ولا يعلم إلا من ~~جهتها. # فيوجب على ذلك إذا قال الزوج إذا حضت فأنت طالق، فقالت: قد حضت أن تصدق ~~في باب وقوع الطلاق عليها، كما صدقت في انقضاء العدة مع إنكار الزوج، لأن ~~ذلك معنى يخصها، أعني: (أن) الطلاق والحيض لا يعلم وجوده إلا من جهتها، ولا ~~يطلع عليها غيرها. # ففارق أمر الحيض إذا علق به الطلاق، الدخول، والكلام، وسائر الشروط، لأن ~~هذه معان قد يمكن الوصول إلى معرفتها من جهة غيرها، ولأجل ذلك (قالوا) : ~~إنها لا تصدق على وجود الحيض إذا علق (به طلاق غيرها، أو علق) به عتق ~~العبد، لأنه إنما جعل (قولها) كالبينة في الأحكام التي تخصها دون غيرها. # PageV04P236 # ألا ترى: أنهم قالوا: إن الزوج لو قال: قد أخبرتني أن عدتها قد انقضت، ~~وأنا أريد أن أتزوج (أختها) كان له ذلك، ولا تصدق هي على بقاء العدة في حق ~~غيرها، وتكون عدتها باقية في حقها، ولا تسقط نفقتها، فصار كقولها: قد حضت. ~~(وله) حكمان. # أحدهما: فيما يخصها ويتعلق بها، وهو طلاقها وانقضاء عدتها، وما جرى مجرى ~~ذلك، جعل قولها فيه كالبينة. # والآخر: في طلاق غيرها، أو (في) عتق العبد، فصارت في هذا الحال شاهدة ~~كإخبارها بدخول الدار، وكلام زيد، إذا علق به العتق أو الطلاق. # فإن قال قائل: يلزمك إذا جعلت قولها كالبينة من وجه، وصدقتها فيه في باب ~~وقوع الطلاق عليها، أن يكون ذلك حكمه في سائر الوجوه، حتى تصدق في وقوع ms725 ~~الطلاق والعتاق على غيرها. فكيف يجوز أن يكون قولها كالبينة في حال، ولا ~~يكون له هذا الحكم في وجه آخر. # قيل له: لا يمتنع أن يكون لقولها هذان الحكمان من الوجهين اللذين ذكرنا. # ولهذا نظائر كثيرة في الأصول: منها أن رجلا وامرأتين لو شهدوا على رجل ~~بالسرقة، حكمنا بشهادتهم في باب استحقاق المال، ولم نحكم بها في إيجاب ~~القطع، وامتناع جواز الحكم بها في القطع لم يمنع إيجاب الحكم بها في المال. # ولو أن رجلا ذكر أن امرأته هذه أخته من أبيه، أو أمه، وهي مجهولة النسب، ~~وثبت على ذلك فرقنا بينهما. ولم نحكم بالنسب، فأثبتنا حكم إقراره من وجه ~~وأبطلناه من وجه آخر، ونظائر ذلك كثيرة في الأصول # وأما معنى قول محمد الذي حكيناه في صدر المسألة: أن في هذا الاستحسان بعض # PageV04P237 # القياس فإنما عني به إلحاقه بأصل آخر وقياسه عليه، دون الحلف بدخول ~~الدار، فسمي الاستحسان قياسا في هذا الوجه، وهو لعمري كذلك فيما بيناه. # ومن نظيره أيضا: المشي في الصلاة أنه معلوم أن القليل منه معفو عنه غير ~~مفسد لها. ألا ترى: «أن أبا بكرة ركع دون الصف ثم مشى حتى صار في الصف فقال ~~له النبي - صلى الله عليه وسلم -: زادك الله حرصا ولا تعد» ، ولم يأمره ~~باستئناف الصلاة. # وروي عن «ابن عباس أنه قام عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~فأداره إلى يمينه» ، ولم يأمره باستئنافها. # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فمرت بهيمة فتقدم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حتى لصق بالحائط فمرت البهيمة خلفه» ، فكان المشي ~~اليسير معفوا عنه. # ومعلوم (مع ذلك) : أنه لو مشى في صلاته ميلا أو نحوه فسدت صلاته، ولو جعل ~~كل خطوة منها بحكم نظيرها مما تقدمها، لوجب أن لا تفسد صلاته، وإن مشى ميلا ~~قياسا على المشي اليسير، إلا أنه لما كان هنا أصل آخر قد اتفق المسلمون ~~عليه، وهو المشي الكثير الذي ليس من عمل الصلاة، أنه يفسدها، جعلوا المشي ~~ما دام ms726 في المسجد ولم يستدبر القبلة في حكم الخطوة والسير، وأفسدوا الصلاة ~~بالخروج من المسجد، لأن ذلك يشبه سائر الأفعال التي ليست من الصلاة. # ومن نظائر ذلك: مسألة يشنع بها المخالفون على أصحابنا، حين قالوا في قوم ~~نقبوا بيتا ودخلوه وسرقوا متاعا ولي بعضهم إخراجه دون الباقين: إن القياس ~~أن يقطع الذي ولي إخراجه دون من سواه. ولكنا نستحسن فنقطعهم جميعا. # فيشنعوا عليهم حين استحسنوا إيجاب القطع، وتركوا القياس فيه، ومن شأن ~~الحدود درؤها بالشبهات. # وذهب عليهم: أنه لا شبهة في الحد مع قيام الدلالة على إيجابه. # PageV04P238 # وأما وجه استحسانهم في هذه المسألة: إنما هو قياسا على أصل آخر، وهذا هو ~~الفرع الذي يتجاذبه أصلان. وأحدهما أولى به من الآخر. # فأما الأصل الذي سماه قياسا: فهو أنه لا خلاف أن قوما لو اجتمعوا فأكرهوا ~~امرأة حتى زنى بها رجل منهم، أن الحد على الذي ولي الزنا منهم، دون من أعان ~~عليه، فكان القياس على ذلك أن يكون القطع على من ولي إخراج المتاع، دون من ~~ظاهر فيه وأعان عليه، فهذا هو القياس الذي ذكر أنه تركه. # ثم وجدوا أصلا آخر يقتضي إلحاق السارق به دون غيرهم، وهم قطاع الطرق ~~الذين يتعاونون على قطع الطريق، وقتل النفوس، وأخذ الأموال على جهة ~~الامتناع، والتظاهر، ثم لم يختلف حكم من ولي القتل، وأخذ المال، وحكم من ~~ظاهر، وأعان عليه، واشتركوا جميعا في استحقاق الأحكام المذكورة في قوله ~~تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} ~~[المائدة: 33] الآية، لأجل اشتراكهم في السبب الذي به توصلوا إلى أخذ ~~المال، وقتل النفوس، وهو الخروج على جهة الامتناع والمحاربة. # كذلك السارق لما اشترك الجميع في السبب الذي به تعلق وجوب القطع وهو ~~انتهاك الحرز وأخذ المال على وجه الاستسرار، وجب ألا يختلف حكم من ولي ~~إخراج المتاع، وحكم من ظاهر فيه، وأعان عليه، فكان إلحاقه بهذا الأصل الذي ~~فيه أخذ المال على جهة الاشتراك في السبب والتظاهر عليه أولى منه بالزاني. # ومن نظائر ذلك أيضا: ms727 أن جيشا من المسلمين لو دخلوا دار الحرب وغنموا ~~غنائم، أنهم يستحقون السهمان: من قاتل منهم ومن أعان، فاستووا جميعا في ~~الحكم عند اشتراكهم في السبب الذي به حصلت الغنائم، وهو المنعة والمظاهرة ~~على القتال، فصارت مسألة السرقة بهذين الأصلين أشبه منها بمسألة الزنا التي ~~إنما يتعلق الحكم فيها بوجود الفعل دون سبب آخر غيره، ويحصل فيه الاشتراك # PageV04P239 # وليس الغرض في هذا الموضع الاحتجاج للمسألة، وإنما أردنا أن نذكر مثالا ~~لمسائل الاستحسان التي تجري هذا المجرى ليكون غيره فيما سواه، ولذلك نظائر ~~كثيرة تفوت الإحصاء. (و) فيما ذكرنا من هذا النوع كفاية. # وربما جاءت مسائل يذكرون فيها القياس (و) الاستحسان، ثم يقولون: وبالقياس ~~نأخذ فيتركون الاستحسان. # وذلك نحو قولهم - فيمن أسلم إلى رجل في ثوب موصوف، ثم اختلفا - فقال رب ~~السلم: شرطت طوله عشرة أذرع، وقال المسلم إليه، شرطت طوله خمسة أذرع أن ~~القياس أن يتحالفا ويترادا السلم، والاستحسان أن يكون القول قول المسلم ~~إليه: وبالقياس نأخذ. # فذكروا القياس والاستحسان جميعا، ثم تركوا الاستحسان وأخذوا بالقياس. # ووجه القياس فيه: أنهما لو اختلفا في جنس الثوب، فقال أحدهما: مروي وقال ~~الآخر: هروي أو اختلفا في صفته، فقال أحدهما: جيد، وقال الآخر: رديء، أنهما ~~يتحالفان، ويترادان، لأن السلم عقد على صفة، واختلافهما في الجنس اختلاف في ~~الصفة # وكذلك اختلافهما في الجودة والرداءة، وكأن ذلك اختلافا في نفس المعقود ~~عليه، إذ كان السلم عقدا على صفة، فوجب على هذا الأصل أن يكون اختلافهما في ~~مقدار الذرع # PageV04P240 # المشروط اختلافا في نفس المعقود عليه، إذ كان الذرع صفة. والسلم عقد على ~~صفة، فوجب بالتحالف والتراد من أجل ذلك، وهذا هو القياس الذي قال: به نأخذ. # وأما الاستحسان الذي ذكره: فإن وجهه أن رجلا لو اشترى من رجل ثوبا بعينه ~~ثم اختلفا فيما شرط من مقدار ذرعه. وقال البائع: شرط خمسة أذرع، وقال ~~المشتري: شرط عشرة أذرع، أن القول قول البائع ولا يتحالفان، ولا يترادان ~~فكان هذا وجه الاستحسان، وهو ضرب من القياس (إلا أن القياس ms728 الذي أخذ به كان ~~أولى من هذا القياس) الذي سماه استحسانا، وكان إلحاق مسألة السلم باختلافها ~~في الجودة والجنس، أولى منها بمسألة اختلافهما في ذرع الثوب المعين، وذلك ~~لأن الذرع لما كان صفة، وكانت صفة الأعيان مما لا يتعلق عليها العقد بدلالة ~~أن من اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع، فوجده أقل كان بالخيار، إن شاء أخذه ~~بجميع الثمن، وإن شاء ترك، ولم يكن له أن ينقص من الثمن بحساب (نقصان ~~الذرع، ولو وجده أكثر كان جميعه له، ولم يرد عليه من الثمن بحسبان) زيادة ~~الذرع. فعلمت أن الذرع في الأعيان لا يتعلق عليه العقد، فلم يكن اختلافهما ~~في الذرع اختلافا في نفس المعقود عليه، فلذلك لم يجب فيه التحالف والتراد. # وأما السلم: فلما كان عقدا على صفة، وكان الاختلاف في الذرع اختلافا في ~~الصفة صار اختلافهما على هذا الوجه اختلافا في نفس المعقود عليه، فكان ~~بمنزلة اختلافهما في الجنس، (و) في الجودة، والرداءة، وكان إلحاقهما بهذه ~~أولى منها بالاختلاف في ذرع العين. # ألا ترى: أن اختلافهما في شرط جنس العين، أو في شرط جودته ورداءته لا ~~توجب التحالف، وإنما تجعل القول قول البائع، وأن الاختلاف في السلم على هذا ~~الوجه # PageV04P241 # يوجب التحالف إذ كان عقدا على صفة، وأن المتبايعين متى اختلفا في نفس ~~المعقود عليه، وجب التحالف، والتراد، إذ كان الفسخ ممكنا فيه. # ومما تركوا فيه الاستحسان وأخذوا بالقياس: قولهم - فيمن قرأ سجدة من آخر ~~السورة، فركع بها -: إن ركعته تجزيه من سجدة التلاوة في القياس، وفي ~~الاستحسان لا تجزيه. # قالوا: وبالقياس نأخذ، فذكروا القياس والاستحسان، (وتركوا الاستحسان ~~للقياس، ولهم مسائل من نظائر ذلك، يتركون منها الاستحسان) للقياس، وإنما ~~الغرض في مثلها تنبيه المتعلم على أن للحادثة شبها بأصل آخر، قد كان يجوز ~~إلحاقها به إلا أن إلحاقها بالقياس الذي وصفناه أولى. # وربما ذكروا القياس على الاستحسان فيتركونه، ويرجعون إلى قياس الأصل، ~~ويسمون قياس الأصل استحسانا. # وذلك نحو قولهم - فيمن احتلم في الصلاة -: إن القياس أن يغتسل ويبني، إلا ms729 ~~أنه ترك القياس واستحسن أن يغتسل، ويستقبل. # والقياس الذي ذكره: هو قياس الحدث الذي ورد فيه الأمر بأن قاس على الأثر. ~~وجواز البناء مع الحدث استحسان تركوا فيه القياس للأثر، فلو قاس على الأثر ~~(لجاز) البناء مع الجناية إلا أنه ترك هذا القياس، لأن الأصل أن الحدث يمنع ~~البناء. # وإنما تركوا (فيه القياس) للأثر، والأثر إنما ورد في الحدث دون الجناية، ~~فسلموا للأثر ما ورد فيه، وحملوا الباقي على قياس الأصل، فسمي القياس ~~الأصلي استحسانا لما ترك به قياسا آخر قد كان له وجه لولا ما وصفنا # PageV04P242 # قال أبو بكر: قد بينا وجه الاستحسان الذي هو إلحاق الفرع بأحد النظيرين ~~اللذين يأخذ الشبه منهما، وهذا الضرب ليس فيه تخصيص الحكم مع وجود العلة، ~~ولا تركها لمعنى أوجب ذلك لها، وإنما هو قياس الحادثة على أحد الأصلين دون ~~الآخر. # وبقي علينا بيان وجوه الضرب الآخر من الاستحسان، الذي هو تخصيص الحكم مع ~~وجود العلة، ثم الدلالة على صحة القول به، فنقول - وبالله التوفيق -: إن ~~الاستحسان الذي هو تخصيص الحكم مع وجود العلة، أنا متى أوجبنا حكما لمعنى ~~من المعاني قد قامت الدلالة على كونه علما للحكم، وسميناه علة له، فإن ~~إجراء ذلك الحكم على المعنى واجب حيثما وجد، إلا موضعا تقوم الدلالة فيه ~~على أن الحكم غير مستعمل فيه مع وجود العلة التي من أجلها وجب الحكم في ~~غيره، فسموا ترك الحكم مع وجود العلة استحسانا. # وقد يترك (حكم) العلة تارة بالنص، وتارة بالإجماع، وتارة بقياس آخر يوجب ~~في الحادثة حكما سواه، وإلحاقها بأصل غيره. # PageV04P243 # ونظير تركه بالنص: ما قال أصحابنا في الصغير يموت عن امرأته وهي حامل: ~~ذكر محمد بن الحسن: أن القياس أن تكون عدتها أربعة أشهر وعشرا، لأن الحمل ~~من غير الزوج، إلا أنه ترك القياس، واستحسن أن يجعل عدتها وضع الحمل، لقوله ~~تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] # قال أبو بكر: فسمى ترك القياس للعموم استحسانا. # وإن قال قائل: ما يصح لك ما ادعيت في ms730 ذلك من ترك القياس للعموم، لأن هذا ~~العموم لم يرد في المتوفى عنها زوجها، إنما ورد في المطلقات، قال الله ~~تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] إلى ~~قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة ~~أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ولم ~~نجد للمتوفى عنها زوجها ذكرا في الآية، فيترك القياس من أجلها. # PageV04P245 # قيل له: ليس الأمر كما ظننت، لأن قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 4] كلام مكتف بنفسه ينتظم المطلقة والمتوفى عنها ~~زوجها (و) إن كان ابتداء الخطاب في المطلقات. # وإذا كان ذلك كذلك وجب استعمال (حكم) العموم في جميع ما انتظمه اللفظ. # ويدل على ذلك: أن الصحابة لما اختلفت في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت ~~حاملا، اعتبر جميعهم وضع الحمل في انقضاء العدة. # فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: عدتها أبعد الأجلين، وقال عبد الله ~~بن مسعود: عدتها أن تضع حملها، فصح بذلك اعتبار عموم آية الحمل في ترك ~~القياس فيما وصفنا. # ومما خصوه من جملة القياس بالأثر وتركوا فيه حكم العلة: قولهم في الأكل ~~ناسيا في رمضان: إن القياس يقضي، إلا أنهم تركوا القياس فيه للأثر. # ووجه القياس: أنهم وجدوا سائر العبادات لا يختلف حكمها إذا تركت على جهة ~~السهو، أو العمد. # ألا ترى: أن الأكل في الصلاة لا يختلف حكمه في حال السهو والعمد، وكذلك ~~الجماع، والحلق، واللبس في الإحرام. وكما لا تختلف نية الصوم في تركها سهوا ~~أو عمدا، فكان القياس على هذا أن لا يختلف حكم السهو والعمد في الأكل ~~والشرب في نهار شهر رمضان، من حيث كان تركه من فروضه، إلا أنهم تركوا ~~القياس فيه للأثر. # ونظيره أيضا: القهقهة في الصلاة، كان القياس أن لا وضوء فيها، (كما لا ~~وضوء فيها) في غير الصلاة، لأن كل ما كان حدثا لا يختلف حكمه فيما يتعلق به ~~من نقض الطهارة في حال وجوده في الصلاة أو ms731 غيرها، إلا أنهم تركوا القياس ~~فيه للأثر، إذ لا حظ للنظر مع الأثر. # PageV04P246 # ونظيره أيضا: مذهب أبي حنيفة في إجازته الوضوء بنبيذ التمر، وكان القياس ~~عنده أن لا يجوز الوضوء به، لزوال اسم الماء المطلق عنه، كما لا يجوز سائر ~~الأشربة، كنبيذ الزبيب، وشراب العسل، والخل، والمرق. # ألا ترى: أنه ترك القياس للأثر الوارد فيه. ولذلك نظائر كثيرة لو ~~تقصيناها لطال بها الكتاب بذكرها، وإنما نذكر منها أمثلة تكون دليلا على ما ~~لم نذكر. # وأما تخصيص العلة بالإجماع: فنظيره ما قال أصحابنا في علة تحريم النساء، ~~فلذلك لم يجيزوا الحنطة بالشعير نساء، ولا الحديد بالنحاس، ولا شيئا من ~~المكيل بالمكيل، ولا الموزون بالموزون، ولا الجنس بالجنس نساء. # وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا، نحو الثياب المروية بالثياب الهروية، فصار ~~وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل: علة لتحريم النساء. # وكان ذلك عندهم علة صحيحة في موضعها، لقيام الدلالة عليها. # وليس، هذا موضع بيان صحة هذا الاعتلال، فلو لزموا سبيل القياس وما يقتضيه ~~هذا الاعتلال، لوجب تحريم النساء في الدراهم والدنانير، بسائر الموزونات، ~~لوجود العلة الموجبة للتحريم في نظائرها. إلا أنهم تركوا القياس وأجازوه، ~~إذ كانت الدراهم والدنانير هما أثمان الأشياء التي تدور عليها بياعات ~~الناس، وأجمعت الأمة على جواز النساء فيها بسائر الموزونات. # ومن نظائره أيضا: ما قامت الدلالة عليه عندهم من أن ملاقاة النجاسة ~~(للماء توجب الحكم بنجاسته، فقالوا في الإناء إذا وقعت فيه نجاسة: إن الماء ~~محكوم له بحكم النجاسة) ، لملاقاته لها، وإن لم يتغير طعمه، ولا لونه، ولا ~~رائحته، فلو لزموا طريق # PageV04P247 # القياس وأجروا الحكم على العلة، لأوجب ذلك أن لا يطهر الثوب الذي تصيبه ~~النجاسة، أو البدن أو الأواني أبدا، وإن غسل خمسين مرة، من قبل أن الماء ~~الأول يلاقي نجسا، فيتنجس، ثم يزول بعد ملاقاته للنجاسة، وحصول حكمها فيه. # فكان يجب أن يصير حكم هذا الماء حكم النجاسة التي كانت في الثوب، فلا ~~يطهر، كذلك الماء الثاني يلاقي ماء نجسا، فلا تزول إلا بعد ملاقاته ~~للنجاسة، ms732 وانتقال حكمها إليه، وكذلك الماء الثالث والرابع وما بعده، (وإن ~~كثر) إلا أنهم تركوا القياس، وحكموا بطهارته إذا زال عين النجاسة، لإجماع ~~الأمة على طهارته إذا صار بهذا الحد، فهذا وجه مما ترك القياس فيه، وحكم ~~موجب العلة بالإجماع. # ومما تركوا القياس فيه، وخصوا الحكم مع وجود العلة لعمل الناس: ما ثبت ~~عندهم أن عقود الإجارات لا تجوز إلا بأجر معلوم، وكذلك قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» فصارت أبدال المعلوم من المنافع ~~كأبدال الوجود من الأعيان، في باب اعتبار كونها معلومة في العقد. # وكذلك قالوا - إذا استأجر عبدا أو دارا -: إن الحاجة إلى معرفة المدة كهي ~~إلى مقدار الأجرة، فلم يجيزوها بأجر مجهول، ولا على مدة مجهولة. # فلو لزموا هذا الاعتبار وأعطوا العلة حقها مما يقتضيه من الحكم ويوجبه، ~~لوجب أن لا يجوز للإنسان دخول الحمام حتى يبين مقدار ما يعطي من الأجرة، ~~ومقدار لبثه في الحمام، وما يصب على نفسه من الماء، إلا أنهم تركوا القياس ~~في ذلك، واتبعوا عمل الناس، وإجازتهم له. # والمراد بقولهم: عمل الناس: أن السلف من الصحابة وعلماء التابعين قد ~~كانوا يشاهدون الناس يفعلون ذلك، فلم يظهر من أحد منهم نكير على فاعله، ~~فصار ذلك إجازة منهم له، # PageV04P248 # وإقرارا لهم عليه، إذ كانوا هم الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، ~~كما وصفهم الله تعالى به، فصار ذلك أصلا بنفسه خارجا عن موجب القياس الذي ~~وصفنا. # ونحو ذلك أيضا: قعود الإنسان في سماية وإعطاء الملاح مقطعة من غير شرط ~~موضع العبور ولا بيان مقدار ما يعطيه. ومثله أيضا: شراء البقل، ونحو ذلك، ~~مما يعطي فيه مقطعة، فيأخذه من غير شرط لمقدار ما يأخذ أو يعطى. # وكذلك أجازوا أن يشتري أرطال لحم مما بين يدي القصاب، فيعطي الدراهم ~~ويأخذ اللحم # وكان القياس أن لا يجوز، حتى يسمى فيه شيئا بعينه، إلا أنهم تركوا القياس ~~لما وصفنا. # ومن نظائر ذلك: الاستصناع، وهو: أن يستصنع عند الرجل خفين، أو نعلين، أو ~~قلنسوة، أو نحوها، ويسمي ms733 الثمن، ويصف له العمل. # فكان القياس عندهم أن لا يجوز لأنه بيع ما ليس عنده. # كما لا يجوز أن يشتري منه خفا موصوفا، أو قلنسوة، أو نحوها، مما ليس ~~عنده، إلا أنهم تركوا القياس فيه، وأجازوه لما ذكرنا من عمل الناس على ~~الوجه الذي بينا. # وأما تخصيص العلة بالقياس، فنحو قول أبي حنيفة - في رجل اشترى عبدا على ~~أن يعتقه: إن الشراء فاسد إن أعتقه، فإن القياس أن يلزمه القيمة، لوقوع ~~البيع على فساد. # PageV04P249 # ومتى أعتق المشتري العبد المشترى شراء فاسدا بعد القبض، كان عليه قيمته، ~~فلو أجرى حكم العبد المشروط عتقه على هذا الأصل لوجبت القيمة. إلا أنه ترك ~~هذا القياس، وقاس المسألة على أصل آخر ثابت عندهم جميعا، وهو: العتق على ~~مال. # فلو أن رجلا قال لرجل: اعتق عبدك عني على ألف درهم، فأعتقه لزمه الألف، ~~وعتق العبد عن المعتق عنه. # وكذلك قد يجوز عتق العبد على ألف درهم ملزمة في نفسه، فأشبه شرط عتق ~~العبد في البيع المعتق على مال. # وفارق سائر الشروط سواه، مثل شرطه في الجارية على أن يتخذها أم ولد ~~فيستولدها المشتري، فيلزمه قيمتها دون الثمن المشروط. إذ لم يكن لإثبات ~~الاستيلاد على مال أصل يوجب تخصيص القياس الأول، فبقي على حكم الأصل في ~~البياعات الفاسدة، إذا تصرف فيها المشتري وكانت الشروط المفسدة، للبيوع ~~مقتصرا بها على ما عدا العتق # PageV04P250 ### | [باب القول في تخصيص أحكام العلل الشرعية] # قال أبو بكر: تخصيص أحكام العلل الشرعية جائز عند أصحابنا. وعند مالك بن ~~أنس، وأباه بشر بن غياث، والشافعي. والذي حكيناه من مذهب أصحابنا في ذلك، ~~أخذناه عمن شاهدناهم من الشيوخ الذين كانوا أئمة المذهب بمدينة السلام ~~يعزونه إليهم على الوجه الذي بينا، يحكونه عن شيوخهم الذين شاهدوهم، ومسائل ~~أصحابنا وما عرفناه من مقالتهم فيها توجب ذلك. # وما أعلم أحدا من أصحابنا وشيوخنا أنكر أن يكون ذلك من مذهبهم، إلا بعض ~~من # PageV04P255 # كان ههنا بمدينة السلام في عصرنا من الشيوخ، فإنه كان ينفي أن يكون القول ~~بتخصيص ms734 العلة من مذاهبهم. وله مناكير - في هذا الباب - في أجوبة مسائلهم، ~~لا تخيل على من له أدنى رياضة بفقههم، إن كان ما يحكيه ليس من مقالتهم. نحو ~~قوله في جواز الوضوء بنبيذ التمر على مذهب أبي حنيفة عند عدم الماء: إن أبا ~~حنيفة إنما أجاز ذلك في تمر ألقي في ماء فلم يستحل نبيذا، وكان حلوا، وإن ~~نبيذ التمر المطبوخ المستحيل إلى حال الشدة لا يجوز الوضوء به عنده. # ومذاهبهم في تخصيص أحكام العلل الشرعية أشهر من أن يدفعه إنكار منكر، ~~ولعمري إنه يمكن حصر العلل الشرعية في جميع مسائل الاستحسان التي خصصنا ~~عللها بمعان لا يلزم عليها التخصيص، إلا أنه لا يجوز دفع المذاهب بجواز ما ~~وصفنا. # وتقييد العلة مما لا يلزم عليه التخصيص. كقول أصحابنا في علة تحريم ~~النساء: إنها وجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل، فمتى أطلقنا (العلة) على ~~هذا الحد احتجنا إلى ترك الحكم، مع وجود العلة في الدراهم والدنانير، إذا ~~أسلمها في سائر الموزونات، فيكون فيه تخصيص من جملة موجب العلة. # ولو قيدناها بأن قلنا: إن علة تحريم النساء هي: وجود أحد وصفي علة تحريم ~~التفاضل في غير جنس الأثمان، كان حكمها حينئذ جاريا معها موجودا بوجودها، ~~ولا توجد في حال من الأحوال عارية من إيجاب حكمها. # وكذلك لو قلنا في الابتداء: إن العلة أحد وصفي علة تحريم التفاضل فيما ~~يتعين، لم يلزمنا عليها التخصيص، لأن الدراهم والدنانير لا تتعينان بالعقود ~~عندنا. # واستعمال التقييد وحصر العلل بما لا يلزم عليها التخصيص ممكن في سائر ~~العلل التي خصوا أحكامها، إلا أنه لا يجوز مع ذلك أن يعزى إليهم ما ليس من ~~مقالتهم، لأجل إمكان ذلك، (وبالله التوفيق) . # PageV04P256 ### | [باب الاحتجاج لما قدمنا ذكره] # قال أبو بكر: الأصل في ذلك أن العلل الشرعية ليست عللا موجبة لأحكامها ~~على الحقيقة، وإنما هي أمارات منصوبة لإيجاب أحكام الحوادث، وسميت عللا ~~مجازا، تشبيها لها بالعلل العقلية الموجبة لأحكامها. والدليل على أنها غير ~~موجبة لأحكامها: جواز وجودها عارية منها، ولو كانت موجبة ms735 لاستحال وجودها ~~عارية منها، كالعلل العقلية، لما كانت موجبة لأحكامها استحال وجودها عارية. ~~فلما وجدنا المعاني التي سميناها عللا لأحكام الحوادث قد كانت موجودة قبل ~~ورود الشرع، غير موجبة لهذه الأحكام، ثبت أنها غير موجبة لأحكامها، وإنما ~~وجب الأحكام بها من حيث جعلها الله تعالى أمارات لها. ألا ترى: أن ما جعله ~~القائسون عللا لتحريم التفاضل على اختلافهم، قد كان موجودا في تلك الأصناف ~~غير موجب للتحريم، فعلمنا بذلك: أنها لم توجب هذه الأحكام بأنفسها، وأن ~~الأحكام إنما تتعلق بها من حيث جعلت أمارة لها. فلا يمتنع إذا كان هذا على ~~ما وصفنا: أن يجعل علامة في حال دون حال، وفي موضع دون موضع، كما جاز أن ~~يجعله أمارة للحكم، بعد أن لم تكن كذلك، وهذا حكم جار في كل ما يجوز فيه ~~النسخ والتبديل. # PageV04P259 # ألا ترى: أن الميتة المحرمة مع قيام حكم التحريم فيها، لم يمتنع إباحتها ~~في حال الضرورة، لأجل أن هذا المعنى لم يتعلق به حكم التحريم لنفس الميتة. ~~ألا ترى: أن الميتة قد كانت موجودة قبل (مجيء) الشرع غير محرمة، وإنما ~~الحظر تناولها بمجيء الشرع، ثم جاز تخصيص حظرها بحال دون حال، كذلك العلل ~~الشرعية هي بهذه المثابة، لا فرق بينهما. فإن قال قائل: ما أنكرت أنها متى ~~صحت علة وأمارة للحكم، فواجب أن لا يختلف حكمها وحكم العلل العقلية في باب ~~امتناع جواز التخصيص فيها، لأن طريق استدراكها والوصول إليها دون السمع: ~~إنما هو العقل. قيل له: هذا غلط، لأن ورود السمع لم يخرجها عما كانت عليه ~~من كونها غير موجبة لأحكامها، لأن ما لم يكن موجبا للحكم بنفسه، فغير جائز ~~أن يرد السمع بأنه موجب له لنفسه. وإذا كان كذلك: فحكمها بعد ورود السمع، ~~كهو قبل وروده في هذا المعنى، فواجب إذا أن يعتبرها فيما يتعلق بها من ~~الحكم على الوجه الذي ذكرنا، في كونها علامة للحكم وأمارة له، على ما بينا. ~~وأما قوله: إنه لما كان طريق استدراكها بعد ورود السمع: العقل، فوجب ms736 أن ~~تكون بمنزلة العلل العقلية، فغير موجب لما ذكر. # وذلك لأن المعاني المعقولة من المسموعات طريق معرفتها العقل أيضا، لأن من ~~لا يعقل لا يعلمها، ولا يصل إلى حقيقة معناها، ثم لم يمتنع جواز التخصيص ~~عليها، فكذلك هذه العلل. وإن كان طريق استدراكها بعد ورود السمع: العقل، ~~فإن حظ العقل منه إنما هو # PageV04P260 # للإيصال إلى العلم بكونها أمارة للحكم، ثم العقل هو الذي يجيز تخصيصه، ~~كما يجيز تخصيص المسموع نفسه. أولا ترى: أن هذه المعاني قد كانت معقولة من ~~جهة الاستنباط في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجله أمر معاذا ~~بالاجتهاد فيما يرد عليه من الحوادث ثم لم يمتنع مع ذلك جواز ورود النسخ ~~والتخصيص عليها، وعلى أصولها المسموعة، ولم تصر من أجل ما ذكرت بمنزلة ~~العلل (العقلية) التي لا يجوز عليها التبديل. فبان بما وصفت سقوط هذا ~~السؤال، وصح أن كونها مستنبطة من جهة العقل لا يمنع من جواز التخصيص فيها. ~~دليل آخر: وهو أن علل الشرع لما كانت علامات وسمات للأحكام على حسب ما تقدم ~~من بيانها، صارت كالأسماء التي هي سمات وأمارات للمسميات. فمن حيث جاز أن ~~يعلق الحكم (بالاسم) فيكون دلالة عليه، وعلامة له، ثم جاز مع ذلك أن يجعل ~~ذلك الاسم بعينه علما لحكم آخر غيره، مثل تحريم الله تعالى العمل على ~~اليهود يوم السبت، وكان اسم السبت علما للتحريم، ثم أباحه لنا، فصار ذلك ~~الاسم بعينه علما للإباحة، وجاز من أجل ذلك تخصيصها، من حيث جاز عليها ~~النسخ والتبديل، وجب أن يكون كذلك العلل التي هي دلالات الأسماء، هي جارية ~~مجراها في باب جواز التخصيص عليها، حسب جوازه في الأسماء، من حيث لم يمتنع ~~أن ينصب الله تعالى الأوصاف التي هي علل أعلاما، للإباحة تارة، وللحظر ~~أخرى، على حسب إيجابه في الأسماء التي منها اقتضت هذه العلل. # فلما جرت هذه العلل مجرى الأسماء من الوجه الذي ذكرنا، وجب أن يكون ~~(حكمها حكمها) ، في باب جواز التخصيص عليها، كجوازها فيها، فيكون المعنى ~~الجامع ms737 بينهما: أن كل واحد من الأمرين قد يجوز أن ينصبه الله تعالى تارة ~~علما للحظر، وتارة علما للإباحة. # PageV04P261 # وجهة أخرى: وهي أن علل الشرع لما كانت مبنية على السمع، ثم جاز تخصيص ~~المسموع الذي هو الأصل، فالفرع الذي هو مبني (عليه أولى) بالجواز، إذ كان ~~الأصل آكد من الفرع. ألا ترى: أن راد المسموع نفسه يستحق التكفير، وراد ~~العلل المستنبطة لا يستحق ذلك، فعلمت أن المسموع آكد في باب ثبوته من العلل ~~المستنبطة منه. فمن حيث جاز تخصيص المسموع، كان تخصيص علله التي هي فرع له ~~أولى بذلك. فإن قيل: لا يجوز اعتبار العلل فيما وصفت بالأسماء، لأن الاسم ~~إنما جاز فيه التخصيص، لأن ما يبقى بعد التخصيص يصح أن يكون اللفظ (عبارة ~~عنه، نحو قوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ، وقوله: {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] جائز أن يكون هذا الاسم) عبارة عن الباقي بعد ~~التخصيص، وذلك غير موجود في العلل، لأن العلل إنما تعلق بها الحكم لوجودها، ~~ومتى لم تكن كذلك لم تكن علة. قيل (له) : قد رضينا بهذه القضية إن كنت ممن ~~تعقل معاني العلل الشرعية. # فنقول: إنه لما جاز تخصيص العموم من حيث صلح أن يكون اللفظ عبارة عن ~~الباقي بعد التخصيص (جاز أيضا تخصيص العلل الشرعية، من حيث صلح أن تكون ~~أمارة للباقي بعد التخصيص) ألا ترى: أنه لا يمتنع أن تجعل العلة أمارة في ~~موضع دون موضع، كما جاز في الاسم، فلو جعلنا ذلك ابتداء دليل على قولنا صح ~~الاستدلال به. # PageV04P262 # وأما قوله: (إن) العلة إنما تعلق بها الحكم بوجودها، فإنه يدل على أن ~~قائله لا يعرف معاني العلل الشرعية، وأنه إنما ظنها في معنى العلل العقلية. ~~أنها بوجودها تقتضي موجبات أحكامها، ولو كان ذلك كما ظن لما جاز وجودها ~~عارية من أحكامها، وقد بينا ذلك فيما تقدم. وأيضا: فإن تخصيص الاسم إنما ~~يجوز من حيث جاز فيه الاستثناء مقرونا باللفظ، فجرت دلالة التخصيص مجرى لفظ ~~الاستثناء. كذلك لا يمتنع إطلاق العلة من غير شرط الاستثناء، ونقيم الدلالة ms738 ~~على تخصيصها. وكذلك هذا في العلل المستنبطة، لا فرق بينها وبين العلل ~~المنصوص عليها. إذ كانت كلها أمارات غير موجبة لأحكامها التي تعلقت بها. ~~وأكثر مخالفينا يجيزون تخصيص العلل المنصوص عليها، وينتقض (به عليهم) جميع ~~ما يسألون عنه في هذا الباب، ويتعاطون الفصل بينهما من جهة أن العلة ~~المنصوص عليها معقول من جهة السمع، والمستنبطة لم يوجبها السمع (وإنما صحت ~~بالاستنباط) ، وهذا لا يعصمهم مما ألزمناهم، من قبل أن المستنبطة مبنية على ~~السمع. # فإذا كانت العلة المنصوص عليها يجوز تخصيصها فيما ليس بمنصوص عليها وهي ~~مستخرجة من النص أولى بجواز التخصيص. وعلى أن المنصوص عليه من ذلك، إنما ~~علمناه علة للحكم من طريق الاستنباط، لا من جهة النص. ألا ترى: أن كثيرا من ~~نفاة القياس لا يعرفونه علة، ولا يعتبرونه فيما يوجد فيه، فإنما يحتاج أن ~~يستدل على كونه علة، ولا فرق بينها وبين العلة المستنبطة مما ليس بمنصوص ~~عليه. # PageV04P263 # ومخالفونا يجيزون تخصيص دلالات القول عندهم في قولهم: إن المخصوص بالذكر ~~يدل على أن حكم ما عداه بخلافه، فالعلة أولى بذلك، لأنه لا بد من أن يبقى ~~للعلة حكم فيما لم يخص، ولا يبقى لدلالة القول حكم فيما خصوه، نحو قوله ~~تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] . ونظائره على ما ~~بيناه في بابه. . # فإن قال قائل: الفرق بين تخصيص الاسم وتخصيص العلة، أن ما يوجب كون ~~المعنى علة للحكم وجود الحكم بوجوده، وارتفاعه بارتفاعه، فمتى وجد غير موجب ~~للحكم خرج من أن يكون علة، وليس شرط تعلق الحكم بالاسم مساعدة الحكم له ~~حيثما وجد، فلذلك لم يجز اعتبار العلة بالاسم. قيل له: إن دلالة صحة العلة ~~أن يكون الحكم موجودا بوجوده، ومعدوما بعدمه، فليس كل خصمائك يسلمونه لك، ~~بل قد حكينا فيما سلف عن أبي الحسن، أنه كان لا يعتبر ذلك في علل الشرع، ~~ولا يلزم أيضا من يعتبر ذلك في الاستدلال على صحة العلل، لأنه يقول: إن هذا ~~أحد ما يستدل به عليه. ولتصحيح العلة دلائل أخرى من ms739 غير هذا الوجه. (فيقول: ~~إني) أعتبر ذلك دلالة على صحة العلة، ما لم يؤد إلى تنافي الأحكام وتضادها، ~~فمتى أدى إلى ذلك احتجت إلى طلب الدليل على صحة العلة من غير هذا الوجه، ~~كما يقول مخالفنا في هذا الضرب من الاستدلال: إنه يدل على صحة العلل، ما لم ~~يمنع منه، فإذا منع منه لم يدل. # PageV04P264 # ألا ترى: أنه يستدل على أن الشدة في الخمر علة للتحريم، ثم وجد الحكم، ~~بوجودها، وزواله بزوالها، ثم قد وجدنا الشدة في الخمر يوجب تكفير مستحلها ~~(ويزول كفر) المستحل بزوال الشدة، ولا نجعل الشدة علة لتكفير المستحل ~~للنبيذ، مع وجود الحكم بوجودها، وارتفاعه بارتفاعها. وكذلك نقول: إن وجود ~~الحكم بوجود المعنى وارتفاعه بارتفاعها، علم لكونه علة ما لم تقم دلالة ~~التخصيص، وكما نقول جميعا في العموم: إنه علم للحكم ما لم تقم عليه دلالة ~~الخصوص. وأيضا: فجائز أن يقال: إن اعتبار وجود الحكم بوجود المعنى وارتفاعه ~~بارتفاعه في كونه علة، إنما يسوغ في العلة العامة التي ليس فيها تخصيص، ~~وأما ما قامت فيه دلالة التخصيص فإن طريق الاستدلال على صحته في الابتداء ~~غير هذه العبرة على حسب ما قدمنا من وجوه دلائل العلل. فإن قال قائل: إن ~~القول بتخصيص العلة يوجب تكافؤ أدلة الأحكام المتضادة وتنافيها. من قبل أنك ~~إذا استنبطت علة فأوجبت بها حكما، ثم جوزت وجودها عارية من الحكم، جاز ~~لمخالفك أن يعتبر موضع التخصيص، فيجعله أصلا في نفي حكم علتك، ويستخرج منه ~~علة توجب من الحكم ضد ما أوجبه علتك، فيؤدي ذلك إلى تكافؤ العلتين ~~وبطلانهما، فلا يستقر على ذلك تخصيصا. # قيل له: الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: قول من لا يجيز وجود ذلك. # PageV04P265 # والآخر: (قول) من يجيز وجوده. (فأما) من (لا) يجيز قيام الدلالة على صحة ~~علته مع مقاومة علة أخرى بإزائها موجبة للحكم بضد ما يوجبها، فإنه يقول: ~~لست واجدا ذلك أبدا، وليس كل من قال: (إني) : أنصب علة بإزاء علتك أقيس بها ~~في نفي حكمك الذي أوجبته علتك ms740 ساغ له ذلك. وإنما ثبات العلل موقوف على ~~دلائلها، وغير جائز قيام الدلالة على تصحيح علتين متضادتي الأحكام. ولو ~~استدل خصمنا بمثل دليلنا على صحة اعتلاله، كان لا بد من قيام دلالة توجب ~~ترجيح أحدهما، هذا إذا لم يكن في المسألة قول (غير هذين) القولين، وذلك لأن ~~الحق لا يخرج منهما، ولا بد (من) أن يكون لله تعالى دليل على حكمه، وعلى ~~صواب أحد القولين، وغير جائز أن يكافئه ما ليس بدليل. وعلى أنه لو لزمنا ~~ذلك على الوجه الذي سأل عنه السائل للزم مثله جميع القائسين لنفات القياس، ~~لأن لهم أن يقولوا على هذا الوضع: نحن ننصب بإزاء عللكم عللا في منافاة ما ~~أوجبتها، بحيث لا يمكنكم الانفصال منها، ولا من أضدادها فيما عارضناكم به. ~~فيكون من جوابنا جميعا لهم: أنه ليس كل ما ننصبه من العلل بإزاء علتنا يجوز ~~أن # PageV04P266 # تقوم في الصحة مقامها، من قبل أن صحة العلة وثباتها موقوفة على الدلائل، ~~ولا يثبت بقول الخصم أنها علة، فهذا سؤال ساقط، لأنه يرجع على سائله من حيث ~~أراد إلزامه خصمه. # وأما من يجيز. وجود علتين متضادتي الأحكام من غير أن ينفصل إحداهما من ~~الأخرى بضرب من الرجحان، فإنه يجعل الذي اعتدل ذلك عنده مخيرا في إمضاء أي ~~الحكمين شاء دون الآخر، وصار هذا فرضه في هذه الحال. # (وقال) قائل من المخالفين: إن كنتم تعتبرون العلل بالأسماء في جواز ~~التخصيص، فإنا إنما نجيز تخصيص الأسماء على معنى أن المخصص له كالاستثناء ~~المقرون باللفظ، وأن ما خص منه لم يكن قط مرادنا باللفظ. فهل تقولون مثله ~~في العلل؟ وتجعلون الدلالة الموجبة لتخصيصها كأنها مقارنة لها؟ فإن قلتم ~~ذلك فإنا نوافقكم عليه، وإن أطلقتم العلة ثم خصصتموه من غير قرينة معها، ~~فهذا الذي نخالفكم فيه. قال أبو بكر: فوافقنا هذا القائل في القول بتخصيص ~~العلة من حيث لا يدري، والذي ألجأه إلى ذلك: دلائلنا التي ذكرنا في جواز ~~تخصيص أحكام العلل الشرعية، حيث لم يمكنهم الانفصال منها ولا دفعها. والذي ms741 ~~نقول في هذا: إنه لا فرق بين هذه العلل وبين الأسماء في جواز تخصيصها. وهو: ~~أن الدلالة الموجبة لتخصيص العلة، كأنها مقرونة إلى لفظ التعليل بمنزلة ~~قوله: هذا المعنى علامة للحكم إلا في موضع كذا، كما نقول في تخصيص الاسم: ~~إن دلالة التخصيص كأنها مقرونة إليه، وكان بمنزلة قوله: اقطعوا السراق، إلا ~~سارق كذا. لا فرق بينهما من هذا الوجه. ولا نقول: إن الحكم المخصوص كان ~~مرادا بالعلة. كما لا نقول: إن الحكم المخصوص من الاسم كان مرادا بالاسم. # PageV04P267 # ومع ذلك فإنا نطلق العلة فنقول: إن علة الحكم كيت وكيت، إن كان حكمها ~~مخصوصا في بعض المواضع، كما أطلق الله تعالى قطع السراق، وقتل المشركين، ~~والمراد البعض. ولا يحتاج أن يشرط موضع التخصيص من العلة من طريق اللفظ، ~~كما لم يذكر الله تعالى دلالة التخصيص في أسماء العموم مقرونة باللفظ. قال ~~أبو بكر: ولست واجدا أحدا من الفقهاء إلا وهو يقول بتخصيص العلة في المعنى، ~~وإن أباه في اللفظ. # ألا ترى: أن جميع من يخالفنا ذلك يقول في قليل الماء إذا وقعت فيه نجاسة: ~~إنه نجس، لملاقاته للنجاسة، ثم قالوا في الثوب والبدن إذا أصابتهما نجاسة: ~~إنهما يطهران بموالاة الغسل وصب الماء عليهما، ولو مروا على القياس لما ~~طهرا أبدا، لأن كل جزء من الماء لا يزايل الثوب إلا بعد ملاقاته لماء نجس، ~~وكذلك هذا في دخول الحمام بغير أجرة معلومة، يلزم في القياس أن لا يجزه إلا ~~بأجر معلوم، ومقدار معلوم، في مدة اللبث، وصب الماء. # وقد جعل الشافعي علة تحريم بيع الحنطة بالحنطة كيلا بكيل هي مأكول جنس، ~~ثم أجاز بيع التمرة بخرصها في العرايا من غير مساواة في الكيل، مع وجود علة ~~إيجاب المساواة فيها من جهة الكيل. فإن قيل: إنما هذا كلام في جهة ~~المساواة، والمساواة موجودة في بيع العرية بالخرص، والمساواة غير العرية ~~بالكيل. قيل له: هذا غلط، لأن المساواة لا يختلف حكمها فيما كان مكيلا، أنه ~~بالكيل، وفيما كان موزونا بالوزن. والخرص لا تحصل ms742 به مساواة، لأن الخرص ~~إنما هو من الظن والحسبان، وما لا يوصل إلى حقيقته. فقولك: إن المساواة ~~توجد في العرية بالخرص خطأ. وقال الشافعي: القياس إيجاب الوضوء من قليل ~~النوم، وتركه للأثر. وقال في الأجير المشترك: القياس أن لا يضمن، ثم ترك ~~القياس فيه، وقال بإيجاب ضمانه في بعض المواضع. . # PageV04P268 # فإن قال قائل: إن كان القياس حقا فغير جائز تركه في حال. قال الله تعالى: ~~{فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32] . قيل له: هو حق في المواضع التي ~~لم تقم الدلالة على منعه، غير حق في موضع قد قامت الدلالة فيه على منعه. ~~كما أن استعمال العموم حق في الموضع الذي لم تقم الدلالة على تخصيصه، غير ~~حق في موضع قد قامت فيه الدلالة على تخصيصه، والمنع من استعمال حكمه. والله ~~الموفق للصواب. # فإن قال قائل: لو لم يكن وجود العلة مع عدم الحكم قاضيا بفسادها، لما ~~استدرك على أحد مناقضة في علة يعتل بها، لأنه يقول: إنما خصصتها لقيام ~~الدلالة عليها. قيل له: ليس شرط المناقضة في علل الشرع وجود العلة مع عدم ~~الحكم، وهو الموضع الذي فيه الخلاف بيننا وبينكم، فليس لك الاعتراض به مع ~~خلافنا إياك في أنه مناقضة، وليس بمناقضة. وإنما يكون مناقضا عندنا إذا لم ~~تقم الدلالة في الأصل على صحة العلة، ويدعى أن العلة كيت وكيت، ثم توجده ~~(بعد ذلك) غير موجبة للحكم. فأما إذا قامت الدلالة في الأصل على صحتها لم ~~يمتنع أن توجد بعد ذلك، غير موجبة للحكم فيما قامت الدلالة على تخصيصه، ~~ويكون المعتل بها (مناقضا مخطئا) من وجه آخر، وهو أن تقوم الدلالة على صحة ~~العلة في الأصل، فيترك حكمها من غير دلالة صحيحة توجب تخصيصها، فيكون ذلك ~~مناقضة، وتكون العلة صحيحة، والمعتل مناقض # PageV04P269 # في (تركه حكمها بغير دلالة) ، ولو كان ما ذكرنا في تخصيص العلة يوجب ~~مناقضة المعتل بها، لوجب أن يكون وجود تخصيص دلالة اللفظ على ما يعتبر ~~مخالفونا، ووجود تخصيص العلة ووجود تخصيص العموم، موجبا لكون المحتج ms743 بذلك ~~مناقضا. فلما لم يوجب. تخصيص هذه الأمور مناقضة في الحجاج كان كذلك حكم ~~العلة. # PageV04P270 ### | [باب القول في صفة من يكون من أهل الاجتهاد] # قال أبو بكر: لا يكون الرجل من أهل الاجتهاد في طلب أحكام الحوادث حتى ~~يكون عالما بجمل الأصول: من الكتاب، والسنة الثابتة، وما ورد من طريق أخبار ~~الآحاد، وما هو ثابت الحكم منها، مما هو منسوخ، وعالما بالعام والخاص منها. ~~ويكون عالما بدلالات القول بالحقيقة والمجاز، ووضع كل منه موضعه، وحمله على ~~بابه. ويكون مع ذلك عالما بأحكام العقول ودلالاتها، وما يجوز فيها مما لا ~~يجوز. ويكون عالما بمواضع الإجماعات من أقاويل الصحابة والتابعين، ومن ~~بعدهم من أهل الأعصار قبله. ويكون عالما بوجوه الاستدلالات، وطرق المقاييس ~~الشرعية (ولا يكتفي في ذلك بعلمه بالمقاييس العقلية، لأن المقاييس الشرعية) ~~مخالفة للمقاييس العقلية، وهي طريقة متوارثة عن الصحابة والتابعين، ينقلها ~~خلف عن سلف، فسبيلها أن تؤخذ عن أهلها من الفقهاء الذين يعرفونها، ولهذا ~~خبط من تكلم في أحكام الحوادث، ممن لم يكن له علم بالمقاييس الشرعية، ثقة ~~منه بعلمه بالمقاييس العقلية، فتهوروا وركبوا الجهالات والأمور الفاحشة. ~~فمن كان بالمنزلة التي وصفنا جاز له الاجتهاد في أحكام الحوادث، ورد الفروع ~~إلى أصلها، وجاز له الفتيا بها إذا كان عدلا. فأما إن جمع ذلك ولم يكن ~~عدلا، فإن فتياه غير مقبولة، كما لا يقبل خبره إذا رواه، ولا شهادته إذا ~~شهد # PageV04P273 # وليس شرط من كان من أهل الاجتهاد أن يكون عالما بجميع النصوص من الكتاب ~~والسنة، ما ثبت منها من جهة التواتر، ومن جهة أخبار الآحاد، لأن أحدا من ~~القائسين لا يصح له أن يدعي الإحاطة بعلم جميع ذلك، حتى لا يشذ عنه منه ~~شيء. ولو كان ذلك شرط جواز الاجتهاد، لما جاز لأحد من القائسين بعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يجتهد، لفقد علمه بالإحاطة بهذه الأصول، لا سيما ~~إذا كان ممن يقول بأخبار الآحاد، ويرى تقديمها على القياس. وقد علمنا أن ~~الصحابة ومن بعدهم، قد اجتهدوا مع فقد ms744 علمهم بجميع ذلك. ألا ترى: أن عمر ~~لما سأل عن أمر الجنين فأخبر به فقال: قد كدنا أن نقضي في مثل # PageV04P274 # ذلك بآرائنا، وفيه سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال عبد ~~الله بن مسعود في المتوفى عنها زوجها: إذا لم يسم لها صداقا ولم يدخل بها، ~~أقول فيها برأيي، ثم أخبر بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ~~موافقة لرأيه، فسر به سرورا شديدا. وقد كان عثمان أراد أن يرجم مجنونة حتى ~~أخبره علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رفع القلم عن ثلاثة، ~~عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم» . فترك ~~رأيه إلى خبر النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأراد عمر أن يرجم امرأة جاءت ~~بولد لستة أشهر بعد التزويج. فقال ابن عباس: قال الله تعالى: {وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] . وقال تعالى: {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] . ~~فجعل الحمل ستة أشهر، فرجع عمر إلى دليل الكتاب، وترك رأيه. وكان ابن عباس ~~يبيح متعة النساء والصرف، حتى جاءته الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من كل ناحية بتحريمها، فنزل عن قوله بهما، وصار إلى قول الجماعة. # فثبت بذلك جواز الاجتهاد لمن علم جمل الأصول، وإن خفي عليه منها البعض، ~~بعد علمه بوجوه المقاييس والاستدلالات الفقهية. فإن قيل: لا يجوز لأحد ~~الاجتهاد حتى يعلم جميع ما ورد من النصوص في الباب الذي منه الحادثة، فإنه ~~إن كان من باب الربا، فحتى يعلم جميع ما روي في الربا، وإن كان من النكاح ~~والطلاق والبيوع فكذلك. وقد يمكن المجتهد حصر ما ورد في هذه الأبواب، ~~والإحاطة بها، ثم لا يضره إذا أحاط علمه بما روي في باب واحد في جواز ~~الاجتهاد فيه ما شذ عنه، مما روي في سائر # PageV04P275 # الأبواب التي ليست من الحادثة في شيء، ويكون حكمها في هذا الباب مخالفا ~~لحكم الصحابة فيه، لأنه لم يكن قد جمع في زمن الصحابة جميع ما روي من السنن ~~في الباب الذي ms745 منه الحادثة، فلم يمكنهم الإحاطة بها. ومن بعدهم قد حصلوا ~~ذلك، وجمعوه، فقرب على المجتهد متناوله، وسهل عليه حفظه والإحاطة به. قيل ~~له: هذا كلام ظاهر السقوط، وذلك لأن الصحابة قد جوزت الاجتهاد لمن كان حاله ~~ما وصفنا، من فقد العلم بجميع الأصول، ولم يفرق أحد بين الصحابة وبين غيرهم ~~في هذا الباب. وأما قوله: إن ما روي في الباب الذي فيه الحادثة، فقد حفظ ~~وجمع، فليس كما ذكرت، ولا دلالة فيه على ما وصفت، وذلك لأنه لو كان شرط ~~جواز الاجتهاد ما ذكرت، كانت الصحابة أولى بطلب ذلك منه وجمعه، لأنها كانت ~~أقدر على جمع ما روي فيه ممن بعدهم، إذ كانوا مجتمعين بالمدينة، لما كان ~~عمر يسأل عن حكم الحادثة هل فيها سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~فإذا لم يجدها عند من بحضرته، حكم فيها برأيه بعد المشاورة، وقد كان يمكنه ~~مع ذلك أن يكتب بها إلى من بسائر الأمصار من الصحابة، فيسألهم عنها، فإذا ~~كانت الصحابة لو أرادت ذلك كانت عليه أقدر، وكان ذلك لها أقرب متناولا، ~~وأسهل مأخذا، ثم (لم يفعلوه واجتهدوا) مع إمكان ذلك. # علمنا أن شرطه ليس مما ذكرت، وأنه على ما وصفنا، وعلى أن قوله: قد حفظ ~~جميع ما روي في كل باب من أبواب الفقه غلط من قائله، لأن أحدا من الناس وإن ~~أكثر سماعه، فإنه لا يصح (له أن يدعي) الإحاطة بجميع ما روي في الباب ~~الواحد من الفقه. ألا ترى: أنك متى نظرت في مصنفات الناس في أخبار الفقه، ~~وما جمعه كل واحد منهم وجدت في كتاب كل واحد منهم ما لا تجده في كتاب غيره، ~~وعلى أنه لو جمع الإنسان # PageV04P276 # جميع ما روي في الباب الواحد من ذلك، لما حضر ذهنه عند الاجتهاد جميع ما ~~روي فيه، ولامتنع في العادة أن يذكر جميعه حتى لا يشذ منه شيء. ومع تجويزه ~~ذلك على نفسه يسوغ له الاجتهاد، فدل على صحة ما وصفنا. وأيضا: فإن الإنسان ~~لو حفظ ms746 جميع ما روي في باب واحد من الأبواب، لما جاز له الاكتفاء بما حفظ ~~منه في ذلك الباب في جواز قياس الحادثة، إذا لم يعلم ما روي في الأبواب ~~الأخر، وذلك لأن قياس الحادثة غير مقصور على الباب الذي هي منه. ألا ترى: ~~أنا قد نقيس البيع على النكاح، وعلى الكتابة، ونقيس النكاح على دم العمد، ~~ونقيس الوطء على سكنى الدار، وخدمة العبد. وإذا كان ذلك كذلك، فالواجب على ~~قول هذا القائل: أن لا يجوز الاجتهاد في حكم الحادثة، حتى يحيط علما بجميع ~~ما ورد من النص من جهة أخبار الآحاد وغيرها، في سائر أبواب الفقه، وهذا شيء ~~مأيوس وجوده من أحد القائسين، فثبت بذلك ما وصفنا من جواز القياس لمن عرف ~~جمل الأصول التي يكون القياس عليها، وإن خفي عليه بعضها، لأن ما خفي عليه ~~منه لم يكلف حكمه، ولا القياس عليه، وإنما كلف القياس على ما يحضره منها. ~~وهذا كما نقول في المتحري لجهة الكعبة: إنه جائز له الاجتهاد والتحري ~~لمحاذاتها، وإن لم يحط علما بسائر العلامات التي يستدل بها على جهة الكعبة. # وكذلك يجوز للرجل استعمال رأيه واجتهاده في الحروب، ومكائد العدو، وإن لم ~~يحط علما بجميع الأسباب التي تستعمل فيه. وإنما شرطنا مع الحفظ للأصول ~~والمعرفة بها: أن يكون عالما بطريق المقاييس # PageV04P277 # والاجتهاد، لأن حفظ الأصول لا يغني في معرفة حكم الحادثة إذا لم يكن ~~صاحبها عالما بكيفية وجوب ردها إلى أصولها، وإلى الأشبه بها. ألا ترى: أن ~~قراء القرآن، وحفاظ الأخبار لا يغنيهم ما حفظوه في معرفة حكم الحادثة وردها ~~إلى أصولها. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نضر الله امرأ سمع ~~مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب ~~حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . # PageV04P278 ### | [باب القول في تقليد المجتهد] # قال أبو بكر: إذا ابتلي العامي الذي ليس من أهل الاجتهاد بنازلة، فعليه ~~مساءلة أهل العلم عنها. وذلك لقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم ms747 ~~لا تعلمون.} [الأنبياء: 7] وقال تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: ~~122] . فأمر من لا يعلم بقبول قول أهل العلم فيما كان من أمر دينهم من ~~النوازل، وعلى ذلك نصت الأمة من لدن الصدر الأول، ثم التابعين، إلى يومنا ~~هذا، إنما يفزع العامة إلى علمائها في حوادث أمر دينها. ويدل على ذلك أيضا: ~~أن العامي لا يخلو عند بلواه بالحادثة من أن يكون مأمورا بإهمال أمرها، ~~وترك المسألة عنها، وترك أمره على ما كان عليه قبل حدوثها، وأن يتعلم حتى ~~يصير من حدود من يجوز له الاجتهاد، ثم يمضي بما يؤديه إليه اجتهاده، أو ~~يسأل غيره من أهل العلم بذلك، ثم يعمل على فتياه، ويلزمه قبولها منه. وغير ~~جائز للعامي إهمال أمر الحادثة، ولا الإعراض عنها، وترك الأمر على ما كان ~~عليه # PageV04P281 # قبل حدوثها، لأنه مكلف لأحكام الله تعالى الثابت منها بالنص وبالدليل، ~~ولأنه لا يعلم بوجوب تركها على ما كان عليه قبل حدوثها، إذا كان ذلك سببا ~~مختلفا فيه بين أهل العلم، وإنما يصار إلى معرفة الحق فيه من جهة النظر ~~والاستدلال، وليس معرفة ذلك في طوق العامي. # وغير جائز أيضا أن يقال: إن عليه أن يتعلم الأصول، وطرق الاجتهاد، ~~والمقاييس، حتى يصير في حد من يجوز له الاستنباط، لأن ذلك ليس في وسعه، ~~وعسى أن ينفذ عمره قبل بلوغ هذه الحالة. وقد يكون المبتلى بالحادثة غلاما ~~في أول حال بلوغه، وامرأة رأت دما شكت في أنه حيض، أو ليس بحيض، وقد حضرهما ~~وقت إمضاء الحكم حيث لا يسع تأخيره، فثبت أن عليه مسألة أهل العلم بذلك ~~وقبول قولهم فيه. قال أبو بكر: فإذ قد ثبت أن على العامي مسألة أهل العلم ~~بذلك، فليس يخلو إذا كان عليه ذلك من أن يكون له أن يسأل من شاء منهم، أو ~~أن يجتهد، فيسأل أوثقهم في نفسه، وأعلمهم عنده. فقال بعض أهل العلم: له أن ~~يسأل من شاء منهم، من ms748 غير اجتهاد في أوثقهم في نفسه، وأعلمهم عنده. وقال ~~آخرون: لا يجوز له الإقدام على مسألة من شاء منهم إلا بعد الاجتهاد منه في ~~حالهم، ثم يقلد أوثقهم لديه، وأعلمهم عنده. فإن تساووا عنده، أخذ بقول من ~~شاء منهم. وهذا القول هو الصحيح عندنا، وذلك لأن عليه الاحتياط (لدينه) ، ~~وهو قد يمكنه الاجتهاد في تغليب الأفضل والأعلم في ظنه، وأوثقهم في نفسه، ~~فغير جائز إذا أمكنه الاحتياط بمثله أن يعدل عنه فيقلد بغير اجتهاد منه، إذ ~~كان له هذا الضرب من الاجتهاد. # PageV04P282 # ألا ترى: أنه إذا دفع إلى أحد الأمرين في سلوك أحد طريقين أنه يجتهد رأيه ~~في الإقدام على سلوك أقربهم إلى السلامة عنده، وأبعدهما من العطب، لأنه ~~يمكنه هذا الضرب من الاجتهاد. وكذلك في تدبير الحرب ومكائد العدو. # وقد يجوز له الاجتهاد فيه وإن لم يكن من أهل الفقه، بعد أن يكون من ذوي ~~الرأي في ذلك الأمر. كذلك العامي ينبغي له الاجتهاد فيمن يقلده، إذ كان في ~~وسعه (الاجتهاد في التمييز بين الرجال) . وقد اختلف أصحابنا فيمن كان من ~~أهل الاجتهاد، هل يجوز له تقليد من هو أعلم منه؟ فقال في كتاب الحدود - ~~وذكر أبو الحسن أنه قول أبي حنيفة -: إن له تقليده، وإن له أن يعمل برأيه. # وحكى أبو الحسن، عن أبي يوسف ومحمد: أنه ليس له إلا أن يعمل برأي نفسه، ~~ولا يجوز له تقليد غيره إذا كان من أهل الاجتهاد. # (وقد روى داود بن رشيد، عن محمد: أن للمجتهد أن يقلد من هو أعلم من نفسه) ~~. وقد روي عن جماعة من السلف في ذلك، نحو قول كل واحد من القولين فيما روي ~~عن السلف، وذلك (نحو) قول عبد الرحمن بن عوف لعثمان حين عرض عليه البيعة، ~~على أن يقضي بالكتاب والسنة، ورأي أبي بكر، وعمر، فأجابه (إلى ذلك) ، وعرض ~~مثل ذلك على علي. فقال علي: أقضي بالكتاب والسنة. وأجتهد رأيي. # PageV04P283 # فكان عبد الرحمن وعثمان يريان تقليد أبي بكر وعمر أولى من اجتهاده، وكان ~~عند ms749 علي أن اجتهاده أولى من تقليدهما. # وروي عن عمر أنه سأل ابن مسعود عن مسألة في الصرف، فأجاب فيها بأنه لا ~~بأس به، فقال عمر: لكني أكرهه. فقال ابن مسعود: قد كرهته إذ كرهته. فترك ~~رأيه تقليدا لعمر، لأنه غير جائز أن يكون انتقاله عن المذهب الأول إلى ~~الثاني بنظر واستدلال، إذ لم يكن بين القولين مدة يمكن النظر والاستدلال ~~فيها. # وكان أبو الحسن يقول: إن تقليد المجتهد لغيره ممن هو أعلم منه، وترك رأيه ~~لرأيه ضرب من الاجتهاد في تقوية رأي الآخر في نفسه على رأيه، لفضل علمه ~~وتقدمه، ومعرفته بوجوه النظر والاستدلال، فلم يخل في تقليده إياه من أن ~~يكون مستعملا لضرب من الاجتهاد، يوجب عنده رجحان قول من قلده على قوله. قال ~~أبو بكر: ولا فرق عندنا - على قول أبي حنيفة في جواز تقليده لغيره بين أن ~~يقلده ليأخذ به في شيء ابتلي به في أمر نفسه، وبين أن يفتي به غيره، يجوز ~~له أن يفعل ذلك في الأمرين جميعا. لأن المسألة التي ذكرها (في كتاب الحدود) ~~إنما ذكرها في القاضي إذا قلد غيره فيما كان ابتلي به من أمر الحكم، فأجاز ~~تقليد غيره في توجيه الحكم به على من خاصم إليه، وإنما كان هكذا من قبل أنا ~~قد بينا أن ذلك ضرب من الاجتهاد في ترجيح قول من قلده على قوله، وإذا ثبت ~~عنده رجحان هذا القول (ثم) جاز له أن يأخذ لنفسه، جاز له أن يفتي به غيره، ~~ويحكم به عليه. # PageV04P284 # فإن قيل: قال الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] «وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بم تقضي؟ فذكر الكتاب والسنة والاجتهاد» ولم ~~يذكر التقليد. قيل له: تقليده غيره على الوجه الذي ذكرنا ضرب من الاجتهاد ~~والاعتبار، إذ لا يجوز له تقليده إلا بعد أن يكون عنده أن رأيه أرجح من ~~رأيه، ونظره أصح من نظره. # PageV04P285 ### | [باب القول في الاجتهاد بحضرة النبي] # - صلى الله عليه وسلم - قال أبو بكر: قد كان الاجتهاد جائزا بحضرة ms750 النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في حالين، ولا يجوز في حال. فأما إحدى الحالين ~~اللذين يجوز فيهما الاجتهاد، فهي الحال التي كان يبتدئهم بالمشاورة. وقد ~~قال الله تعالى: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] وقد شاورهم في أمر ~~الأسرى، وغيرهم. فهذه الحال قد كان يجوز فيها الاجتهاد بحضرة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، لإباحته إياه لهم، وأمره إياهم به، وإعلامه إياهم أنه لا ~~نص فيما أمرهم بالاجتهاد فيه. وقد روي عن عمرو بن العاص: «أن رجلين اختصما ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: اقض بين # PageV04P289 # هذين. فقلت: يا رسول الله، أقضي بينهما وأنت حاضر؟ قال: نعم، فإن اجتهدت ~~فأصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة واحدة» وروي أنه قال لعقبة بن ~~عامر: مثل ذلك. # والحال الثانية: أن يجتهدوا بحضرته، فيعرضوا عليه رأيهم وما يؤديهم إليه ~~اجتهادهم مبتدئين. فإن رضيه صح، وإن رده بطل. وقد «اجتهد معاذ في تركه قضاء ~~الفائت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه إياه، فرضيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال: سن لكم معاذ، فكذلك فافعلوا» . وأشار عليه ~~الحباب بن المنذر بالانتقال عن المنزل الذي نزله ببدر، فقبل منه، ولم ينكر ~~عليه اجتهاده. (وكتب عمر إلى من بمكة من المسلمين: أن يلحقوا بأبي بصير، ~~ففعلوا ذلك) وكان ذلك باجتهاد منه من غير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيه، فلم ينكره عليه. ومنه «امتناع علي من محو اسم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الصحيفة، وكان ذلك منه على جهة الاجتهاد تعظيما للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ومحاه بيده» . ومنها: ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اهتم للصلاة كيف يجمع لها الناس أشار ~~بعضهم بنصب راية عند حضور الصلاة، وذكر بعضهم شبور اليهود، وذكر بعضهم ~~الناقوس، فلم يعجبه، ولم ينكر اجتهادهم، إلى أن أري عبد الله بن زيد ~~الأذان» . # PageV04P290 # وأما الوجه الثالث الذي لا يجوز فيه الاجتهاد بحضرة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لإمضاء الحكم ms751 مستبدا به من غير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. فهذا لا يجوز، لأنه لم يكن يأمن أن يكون هناك نص (قد نزل) وهو يمكنه ~~معرفته في الحال، فيكون في إمضائه الحكم بالاجتهاد تقدم بين يدي الله ~~ورسوله. # PageV04P291 ### | [باب القول في حكم المجتهدين واختلاف أهل العلم فيه] # ) قال أبو بكر: القائلون بالقياس في أحكام الحوادث فريقان: أحدهما: يقول ~~إن لله تعالى دليلا منصوبا على حكم الحادثة، والحادثة لها أصل واحد يقاس ~~عليه بعلة واحدة (و) قد كلف القائسون إصابة ذلك، ومخطئه مخطئ بحكم الله ~~تعالى، إلا أنه مأجور باجتهاده، ومعذور في خطئه، وهذا مذهب الأصم، وابن ~~علية، وبشر بن غياث. ويحكى (عن) ابن علية: أن المجتهد قد يعلم أنه قد أصاب ~~حكم الله تعالى بعينه باجتهاده. وأما الشافعي: فإن أصحابه يختلفون فيما ~~يحكون عنه. فبعضهم يقول: إن من مذهبه أن الحق في واحد، على حسب ما حكيناه ~~عمن سميناه. وآخرون من أصحابه يذكرون: أن من مذهبه أن الحق في جميع أقاويل ~~المختلفين. وأما الفريق الآخر ممن قدمنا ذكره في صدر الباب: فهم القائلون ~~بالاجتهاد في أحكام الحوادث، وهم مختلفون فيما بينهم، بعد اتفاقهم على أنه ~~ليس لله تعالى على حكم الحادثة دليل واحد فيما طريقه الاجتهاد، بل هناك ~~دلائل هي أشباه وأمثال من الأصول، يسوغ رد الحادثة إلى كل واحد منها، على ~~حسب ما يؤديه إليه اجتهاده. # PageV04P295 # ثم منهم من يقول: إن الحق في جميع أقاويل المختلفين، وهذه الفرقة مختلفة ~~أيضا فيما بينها. فقال منهم قائلون: هناك مطلوب هو أشبه الأصول بالحادثة، ~~يجب على المجتهد أن يتحرى موافقته في اجتهاده، إلا أنه مع ذلك لم يكلف ~~إصابته. وقال أبو عبد الله بن زيد الواسطي: لا بد من أن يكون هناك مطلوب، ~~هو أشبه الأصول بالحادثة، ونسميه تقويم ذات الاجتهاد. قال: ولا يجب أن يكون ~~ذلك حكم جميع الحوادث. وجائز أن يكون بعض الحوادث شبهها بالأصول التي يرد ~~إليها متساويا عند الله تعالى، وسنذكر ذلك بعد هذا على التفصيل إن شاء ms752 الله ~~تعالى. ومنهم من يقول: ليس هناك مطلوب هو أشبه الأصول بالحادثة، وإنما ~~الحكم عليه بما هو أشبه في اجتهاد المجتهد، فالأشبه إنما هو وصف راجع إلى ~~اجتهاده، لا إلى الأصل الذي يرد إليه الفرع. # وقال آخرون: إن الحق عند الله تعالى في واحد من أقاويل المختلفين، وهو ~~الحكم المطلوب إلا أن المجتهد لم يكلف إصابته. # PageV04P296 # قال أبو بكر: ومذهب أصحابنا في ذلك ما أبينه إن شاء الله تعالى. وقد حكيت ~~عنهم ألفاظا متلبسة، حقيقتها ترجع إلى معنى واحد عندنا، نذكره بعد الفراغ ~~من حكاية ما روي عنهم. فحكى هشام، عن محمد: أن الحق عند الله تعالى في واحد ~~من أقاويل المختلفين، ولكن من اجتهد فأخطأ فقد أدى ما كلفه الله عز وجل، ~~وما وجب عليه، وهو مأجور عند الله تعالى، بمنزلة المجتهد في القبلة. # وحكى الكسائي عن محمد: أن الفقيهين إذا اجتهدا في الحادثة واختلفا ~~فكلاهما قد أصاب ما كلف، وكلاهما مأجور فيما صنع، وأن أحدهما قد أصاب الذي ~~هو الصواب بعينه، وأخطأ الآخر، لأنهما لم يكلفا أن يصيبا الصواب بعينه، ولو ~~كلفا ذلك فأخطأ أحدهما # PageV04P297 # أثم، ولكنهما كلفا أن يجتهدا ويطلبا، حتى يصيبا الصواب بعينه في رأيهما، ~~فقد أدى كل واحد منهما ما كلف. # قال محمد: وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. وكان أبو الحسن يقول: قال ~~أصحابنا جميعا: إن كل مجتهد مصيب لما كلف، والحق عند الله في واحد. قال: ~~وشبهوا ذلك بالاجتهاد في القبلة، وكان يقول: إن معنى قولهم: إن الحق في ~~واحد إنما مرادهم عندي فيه أن الأشبه واحد، وهو المطلوب الذي لم يكلف ~~المجتهد إصابته. قال عيسى بن أبان: هناك مطلوب هو أشبه بالحادثة، إلا أن ~~المجتهد لم يكلف إصابته وإنما تعبد بأن يحكم لها بحكم الأصل، الذي هو أشبه ~~به عند المجتهد في غالب ظنه. # قال أبو بكر: والذي ثبت عندي من مذاهب أصحابنا ومعنى قولهم: أن كل مجتهد ~~مصيب لما كلف من حكم الله تعالى، وأن مرادهم بقوله: إن الحق عند الله ms753 تعالى ~~في واحد من أقاويل المختلفين: أن هناك حقيقة معلومة عند الله تعالى، وكلف ~~المجتهد أن يتحرى موافقتها، وهي أشبه الأصول بالحادثة، ولم يكلف المجتهد ~~إصابتها، وإنما كلف ما في اجتهاده أنه الأشبه. ألا ترى: أن محمدا قد قال ~~فيما حكاه الكسائي: إن المجتهد لم يكلف أن يصيب الصواب بعينه. قال: ولو كلف ~~ذلك فأخطأه أثم، ولكنه كلف أن يجتهد، ويطلب حتى يصيب الصواب بعينه في رأيه، ~~فأخبر محمد: أن الحكم الذي عليه هو ما يغلب في ظنه أنه الأشبه، لا الأشبه ~~الذي هو عند الله تعالى كذلك. وقول محمد: إن المجتهد قد يكون مخطئا للصواب ~~بعينه، إنما مراده فيه أنه يكون مخطئا للأشبه. قال أبو بكر: وليس هذا الخطأ ~~خطأ في الدين، ولا خطأ الحكم، لأنهم قد قالوا: إنه مصيب لما كلف، وإن حكم ~~الله تعالى عليه هو ما غلب في رأيه أنه الأشبه، والذي كلف هو # PageV04P298 # الحكم المتعبد به، والأشبه عند الله تعالى لم يكلف المجتهد إصابته، ولا ~~هو حكمه الذي تعبد به، إذا لم يؤده إليه اجتهاده. # وغير جائز أن يكون مصيبا لما كلف، مخطئا لحكم الله تعالى، إذ غير جائز أن ~~يكون ما كلف غير حكم الله تعالى. فقد بان أن معنى قولهم: إن الحق عند الله ~~تعالى واحد: أن الأشبه من الأصول بالحادثة عند الله تعالى واحد قد علمه ~~الله تعالى، ولم يكلف المجتهد. ومن هذا الوجه شبهوه بالكعبة، لأن الكعبة ~~التي أمر بالتوجه إليها هي واحدة، ولم يكلفوا إصابتها، والحكم الذي على ~~المجتهد إنما تحري مجرواتها، وما يستقر عليه رأيه بعد الاجتهاد من الجهة ~~التي في علم الله تعالى أنها الكعبة. وشبهه عيسى بن أبان بما كلفنا فيه ~~استيفاء المقادير، لم نكلف نحن إصابتها، والحكم الذي علينا فيها إنما هو من ~~اجتهادنا، وغالب ظننا أنه المقدار المأمور باستبقائه، وإبقائه دون ما عند ~~الله تعالى. فهذا يبين أن مذهب أصحابنا غير مخالف لمذهب من حكينا قوله من ~~القائلين: إن الحق في جميع أقاويل المختلفين فيما ms754 طريقه الاجتهاد من أحكام ~~الحوادث، وإن خلافهم في ذلك إنما هو خلاف على من نفى أن يكون في الأصول ~~أشبه المطلوب المظنون بالاجتهاد، وعلى ما بينا. قال أبو بكر: والذي ذكرنا ~~أنه مطلوب والحكم الذي تعبد به المجتهد، وهو الأشبه في رأيه طريق الأصول ~~إلى كيفية الاجتهاد أيضا، وغالب الظن على حسب ما بينا فيما سلف من أقاويل ~~المختلفين في كيفية القياس، واستخراج العلل. فجائز عند من يعتبر قياس الشبه ~~أن يكون الأشبه عنده ما كان من جهة الصورة، والهيئة، والحسن، ونحو ذلك. # وجائز عند من يعتبر الشبه من جهة الأحكام أن يكون الأشبه عنده من هذه ~~الجهة، # PageV04P299 # وعند من يعتبر تعلق الأحكام بها أن يكون الأشبه (عنده) ما وافقها من هذا ~~الوجه، فيكون أشبه بها من هذه الجهة، ولا يكون الأشبه عند الله تعالى ~~معلوما عند المجتهد من هذه الجهة، لأنه إنما يرد الحادثة إلى هذه الجملة. ~~ثم قد يكون بعض الجملة أشبه بالحادثة من بعض على حسب ما يقتضيه الاجتهاد، ~~فلذلك لم يحصل الأشبه عند الله تعالى معلوما عند المجتهد، وإنما يقضي فيه ~~بالأشبه في اجتهاده، وفي غالب ظنه، وهو الحكم الذي تعبد به وأمر بإنفاذه. ~~فكل من قال بالاجتهاد من أصحابنا وغيرهم، ممن قال: إن الحق في جميع أقاويل ~~المختلفين لا يرون أن لله تعالى دليلا واحدا منصوبا يوصل إلى العلم بالأشبه ~~بالحادثة في الحقيقة، وإنما يقول: إن لله عز وجل دلائل، هي أشباه وأمثال من ~~الأصول، يجب إلحاق الحادثة بأشبهها، على حسب ما يوجبه الاجتهاد. # وقد يؤدي اجتهاد كل واحد من المجتهدين إلى خلاف ما يؤديه اجتهاد الآخر، ~~فتختلف الأحكام عليهم على حسب ما يقتضيه اجتهاد كل واحد منهم، لأن الحادثة ~~لها شبه بكل واحد من هذه الأصول المختلفة الأحكام. ومن قال: إن الحق في ~~واحد والمصيب واحد من المجتهدين، والباقون مخطئون، فإنه يذهب إلى أن لله ~~تعالى دليلا واحدا منصوبا على حكم الحادثة، وليس للحادثة إلا علة واحدة، ~~توجب حكما واحدا، يجب القياس عليها دون ms755 غيرها. # ثم منهم من يقول: إن ذلك الدليل يوصل القائس والمستدل إلى العلم بالمطلوب ~~ويعذرون مع ذلك المخطئ له، وهو ابن علية وبشر. ومنهم من يقول: لا يوصل إلى ~~العلم بالحكم الذي كلف إصابته، لكنه يغلب في اجتهاده أنه الحكم. # PageV04P300 # قال أبو بكر: الأصل في ذلك ما قد تقدم ذكر بعضه فيما سلف، ونحن نعيده ~~ليكون البناء عليه، وهو أن الأحكام على ضربين: أحدهما: لا يجوز فيه النسخ ~~والتبديل، وهو ما يعلم وجوبه أو حظره من جهة العقل قبل ورود السمع. وذلك ~~نحو وجوب اعتقاد التوحيد، وتصديق الرسل - عليهم السلام -، وشكر المنعم، ~~والإنصاف. ونحو ذلك. وما دل العقل على حظره قبل مجيء السمع، كالكفر والظلم، ~~ونحوهما. والأول حسن لنفسه، يقتضي وجوبه على سائر العقلاء. # والثاني: قبيح لنفسه يقتضي العقل حظره، فهذان البابان لا يجوز فيهما ~~النسخ والتبديل، ولا يختلف فيهما أحكام المكلفين، لا يجوز أن يتعبد بعضهم ~~فيها بشيء، وبعضهم بخلافه، ولا يختلف حكمهما باختلاف الأحوال والأزمان. ~~وقسم ثالث: ليس بقبيح لنفسه، وجائز أن يكون قبيحا في حال، وحسنا في حال ~~أخرى، فمتى أدى إلى قبيح (كان قبيحا) ، لا يتعبد الله تعالى به. ومتى لم ~~يؤد إلى قبيح، صار حسنا، يجوز ورود العبادة به. وهذا القسم مما يجوز فيه ~~النسخ والتبديل، ويجوز اختلاف الحكم منه باختلاف الأحوال والأزمان. ويجوز ~~أن يتعبد بعض المكلفين فيه بشيء، ويتعبد آخر منهم بخلافه، على حسب ما يعلم ~~الله تعالى فيه من المصلحة. ويجوز ورود العبادة بحظره، لعلمه أنه يؤدي إلى ~~قبيح. ويجوز إيجابه في حال أخرى، لعلمه بالمصلحة فيه. ويجوز إباحته في أخرى ~~من غير إيجاب، إذا علم أن ذلك أصلح. وهذه (في) العبادات التي يعبد الله ~~تعالى بها من طريق الشرع. # PageV04P301 # وأما القسمان الأولان: فليسا من باب الاجتهاد، ولا يجوز أن يكون الأمر ~~فيهما موكولا إلى آراء المجتهدين، وذلك لأن الله تعالى قد نصب عليهما دلائل ~~عقلية، تفضي بالناظر فيها إلى وقوع العلم بهما. وإنما نصب الدلائل (عليها) ~~فيما كلفنا علمه منها، لأنه ms756 غير جائز أن يتعبدنا الله تعالى فيهما، بخلاف ~~ما عليه حالهما مما يقتضي حظرا (و) إيجابا. وأما القسم الثالث فهو على ~~وجهين: أحدهما: لله تعالى عليه دليل منصوب في أحكام الحوادث التي ينظر إلى ~~العلم (فيها) بمدلوله فليس هذا من باب الاجتهاد. وكذلك يجب فسخ قضاء القاضي ~~به إذا قضى فيه بغير الحق عندنا. # والوجه الآخر: ليس حكم الله تعالى فيه شيئا بعينه، وإنما حكمه على كل ~~مجتهد من الفقهاء ما يؤديه إليه اجتهاده، فيكون كل منهم متعبدا بما استقر ~~عليه رأيه، وغالب ظنه بعد الاجتهاد، على السبيل الذي كان يجوز ورود النص ~~به، وذلك لأنه لم ينصب له دليلا بعينه على الأشبه الذي يتحرى المجتهد ~~موافقته، ويطلبه باجتهاده، وإنما جعل للحادثة أشباها وأمثالا من الأصول، ~~وأخفى علم الأشبه الذي هو المطلوب عنهم، توسعة منه تعالى على عباده، ورحمة ~~منه لهم، ونظرا منه وتخفيفا، لئلا يضيق عليهم أحكام الحوادث بأن لا يكون ~~لها إلا طريق، كما قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم} [الحج: 78] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جئتكم بالحنيفية ~~السمحة» . ولو كلف الله تعالى العلماء القياس على أصل واحد وألا يزيغوا ~~عنه، وافترض عليهم # PageV04P302 # إصابة الأشبه بعينه، لم تكن السلامة إلا في وجه واحد يضل تاركه، ويأثم ~~العادل عنه. وقد علم كل عاقل متى كان للحادثة وجهان، أو ثلاثة من الحكم، ~~كان ذلك أسهل وأوسع. فلما كان ذلك كذلك لم يكلفهم إصابة الأشبه (ولا ~~الوصول) إليه بعينه، إذ لم ينصب لهم دليلا دون غيره، وجعل الحكم الذي ~~تعبدهم به هو (ما) كان في اجتهادهم أنه الأشبه، دون ما يعلم الله تعالى أنه ~~(هو) الأشبه. # ولنا على ما ذكرنا من ذلك دلائل من الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والنظر ~~الصحيح. فأما دليله من الكتاب: فقول الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] روي أنها نزلت في غزوة ~~بني النضير، حين غزاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فحرق ms757 بعض المسلمين ~~نخلهم إرادة منه لغيظهم، وتركها بعض، وقال: إن الله تعالى قد وعدنا أن ~~يغنمناها. فأنزل الله تعالى تصويب الفريقين في قوله تعالى: {ما قطعتم من ~~لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] فكانوا مجتهدين، ~~فأخبر الله أن الوجهين جميعا مما ذهبوا إليه حكم الله تعالى، على اختلافهم ~~فيهما، إذ كان ذلك مبلغ اجتهادهم. # PageV04P303 # ونظيره: ما فعله الصحابة في غزاة بني قريظة، واختلفت آراؤهم فيه. فصوب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الجميع، وذلك «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أمرهم بالمبادرة إلى بني قريظة، وتقدم إليهم أن لا يصلوا العصر إلا هناك» ~~. فأدركت قوما منهم صلاة العصر، وخافوا فوتها قبل المصير إلى هناك، ~~فاختلفوا. فقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وإن خرج وقتها، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تصلوا العصر إلا بها» ، وقال بعضهم: إنما ~~أمرنا بذلك لتعجيل المصير إليها، من غير ترخيص منه في تركها إلى خروج ~~وقتها. ففعل كل فريق منهم ما رأى، ثم ذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فأظهر تصويب الجميع، إذ كانوا فعلوه باجتهاد آرائهم. # ومن نحوه: «مشاورة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر في أسارى ~~بدر، فأشار أبو بكر بالمن والفداء، وأشار عمر بالقتل، فصوبهما رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -» . والدليل على أنه صوبهما جميعا: أنه شبه أبا بكر ~~بإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] . وشبه عمر بنوح - صلى الله عليه وسلم - حين ~~قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] . وغير جائز أن ~~يشبههما بنبيين في فعلهما، إلا وقولهما جميعا صواب. ولو كان الحق في أحد ~~القولين دون الآخر وكانا مختلفين بحقيقة النظر عند الله تعالى، لما جاز ~~تصويبهما، إذ كان المصيب واحدا منهما دون الآخر. فإن قال قائل: كان المصيب ~~منهما عمر دون أبي بكر، لأن الله تعالى عاتب نبيه - صلى الله عليه وسلم - # PageV04P304 # في استبقائهم، وأخذ الفداء ms758 منهم بقوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] . ثم قال الله تعالى: {لولا كتاب من ~~الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] . قيل له: ليس هذا كما ~~ظننت لأن الله تعالى قد (كان) أباح لهم الاجتهاد فيه لما شاورهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيه. وأما قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] فقد قيل: إن معناه ما كان لنبي قبل محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يكون له أسرى قبل الإثخان في الأرض، ولكن الله ~~تعالى أباح لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون له الأسرى وأخذ الغنائم. ~~فلم يكن الإخبار عن النهي متوجها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ~~توجه إلى من كان قبله من الأنبياء. # كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن ~~نبي قبلي، منها: أني أحلت لي الغنائم، ولم تحل لمن قبلي» ، وإنما كانت تكون ~~قربانا تأكلها النار، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحلت الغنائم ~~لقوم سود الرءوس غيركم» . وأما قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم ~~فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] ، فإنه قد روي في التفسير أن معناه: ~~لولا ما سبق به الكتاب من الله تعالى بأنه محل لهذه الأمة الغنائم # PageV04P305 # لكانوا مستحقين للعقاب، لبقائها على حال التحريم الذي كان على سائر الأمم ~~السالفة، ولكنه عز وجل أباحها لهم، فلم يستحقوا العقاب بأخذها. ويدل على ~~صحة هذا التأويل: قوله تبارك وتعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} ~~[الأنفال: 69] ولو كانوا آخذين لما لم يجز أخذه لأمرهم به، وبقتل من في ~~أيديهم من الأسرى، إذ كان المن وأخذ الفداء خطأ، خلاف حكم الله تعالى فيهم، ~~لأن الله تعالى لا يقر أحدا على خلاف حكمه. وفي قوله تعالى: {يا أيها النبي ~~قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما ~~أخذ منكم ويغفر لكم} [الأنفال: 70] . يدل ms759 على أنه أنفذ لهم ما أخذوه، وأنه ~~لو كان محرما عليهم كتحريمه على من كان قبلهم لمسهم في أخذه عذاب عظيم، ~~فأخبر عن موضع النعمة عليهم، بإباحته أخذها، لئلا يستحقوا العقاب إذا ~~أخذوها. وقد قيل: إن قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: ~~67] . يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلا فيه، إلا أنه لما ~~أثخنهم بقتله رؤساءهم وهزيمة الباقين منهم، جاز أن يكون له أسرى، فكان ~~سبيله في هذا الباب، سبيل سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، في أنه ~~لم يبح له الأسرى إلا بعد الإثخان، ثم خالف بين حكمه، وبين حكم سائر ~~المتقدمين، بأن لم يجعل لمن تقدم أخذ المال من الأسرى، وإنما كان لهم المن ~~بغير فداء، أو القتل. وأباح للنبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الفداء. فقال ~~تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} [الأنفال: 68] ~~(بأن يفضل دون سائر الأنبياء بإباحة أخذ الفداء لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم) . كما لو فعله من قبلكم مع الحظر. # ويدل على أن الله تعالى لم يعاتبه على تبقية الأسرى بالفداء: أن الله ~~تعالى قد كان عالما بأن في أولئك الأسرى من يسلم، ويحسن إسلامه إذا استبقي ~~وفودي به، وينجو من عذاب الكفر. # PageV04P306 # فلم يكن جائرا في حكمه ولا أمره، قتل من في معلومه أنه لم يأمر بقتله، ~~إذا كان فيه اقتطاع منه له عن النجاة، والوصول إلى الثواب بإماتته وقتله، ~~وهذا لا يجوز في حكم الله تعالى. فدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان مصيبا في استبقائهم، وأخذ الفداء منهم، وسقط بذلك تأويل من تأول الآية ~~على إثبات العتب من الله تعالى في أخذ الفداء، واستبقاء الأسرى. وقد احتجوا ~~أيضا - كما ذكرنا - بقوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} ~~[الأنبياء: 78] إلى قوله تعالى: {ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ~~[الأنبياء: 79] . فلما مدحهما جميعا بما وصفهما (به) من الحكم والعلم، دل ~~على تصويبه لهما في اجتهادهما. وقوله تعالى: {ففهمناها سليمان} ms760 [الأنبياء: ~~79] تأولوه على إصابة الأشبه عند الله تعالى الذي لم يكلفها المجتهد. ويدل ~~على ذلك (أيضا) : قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم» . فاقتضى هذا القول بأنهم إذا اختلفوا فاقتدى هذا ببعضهم ~~وهذا ببعضهم أن يكونا جميعا مجتهدين مصيبين لحكم الله تعالى عليهما. ويدل ~~عليه أيضا: «تحكيم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ في أمر بني ~~قريظة، على أن يحكم فيهم بما يراه صوابا» ، فسوغ لهم أيضا حكمه فيهم على أي ~~وجه وقع حكمه: من قتل، أو من استبقاء. # PageV04P307 # ومعلوم أن حكمه ذلك كان من طريق الاجتهاد لا على وجه الحدس والظن، ولا ~~على جهة التخيير من غير اجتهاد في تحري الأصوب والأولى. فدل ذلك على أن كل ~~من ساغ له الاجتهاد في استخراج حكم حادثة أنه مصيب لحكم الله تعالى فيما ~~أداه إليه اجتهاده. فإن قيل: لما قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~إبرام الحكم: «لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع سموات» دل (على) أن ~~حكمه وافق حكم الله تعالى، وأنه لم يكن لله تعالى (فيه) حكم غيره. قيل له: ~~إنما قال ذلك، لأنه كان مصيبا في حكمه، من حيث يسوغ له الاجتهاد فيه فأمضاه ~~باجتهاده. (ولو) كان حكم بغيره لكان ذلك حكم الله تعالى (أيضا) ، إذ سوغ ~~إمضاء ما رآه صوابا باجتهاده، وليس في قوله: لقد حكمت بحكم الله تعالى، ~~دلالة على أنه لو حكم بغير ذلك لم يكن ذلك حكم الله تعالى. ومما يدل على ~~ذلك من إجماع السلف: أن الصحابة قد اختلفت في شيئين، صاروا في أحدهما إلى ~~الإنكار على مخالفيهم، وإلى التحزب والقتال واللعن والبراءة. وهو ما قد ~~علمنا كونه فيما بينهم. وكانوا في الاختلاف الآخر متسالمين غير منكر بعضهم ~~على بعض خلافه إياه فيه، وهو أحكام حوادث الفتيا، فثبت بذلك افتراق حكم ~~الأمرين عندهم، دل على أن الذي خرجوا فيه إلى البراءة، واللعن، والقتال، ~~رأوا أن لله تعالى عليه دليلا منصوبا، يفضي إلى العمل ms761 بمدلوله، ويجب المصير ~~إليه وترك مخالفته. # PageV04P308 # وأن الباب الآخر الذي سوغ كل واحد منهم مخالفة صاحبه فيه من غير نكير ولا ~~منع. رأوا أنه ليس لله تعالى على حكمه فيه دليل واحد يفضي إلى العلم به ~~بعينه، وأن كل مذهب منه فله شبيه ونظير من الأصول يسوغ رده إليه، على حسب ~~ما يقتضيه اجتهاد المجتهد، ويغلب في ظنه أنه أشبه الأصول بالحادثة. ولما ~~وجدنا السلف يجيزون قضاء القضاة عليهم - وإن كان بخلاف رأيهم، ومذهبهم في ~~أحكام الحوادث - ويجيزون فتياهم فيها في الدماء والفروج والأموال، من غير ~~نكير ولا تخطئة. دلنا ذلك على أنهم رأوا جميع ذلك صوابا من القائلين به، ~~وأن فرض كل واحد منهم وما تعبد به ما أداه إليه اجتهاده. ألا ترى: أن أبا ~~بكر قد كان ولى زيد بن ثابت القضاء وهو يخالفه في الجد وغيره، وولى عمر بن ~~الخطاب أبي بن كعب، وشريحا القضاء، وهما يخالفانه في كثير من رأيه ومذاهبه. ~~وأن عليا ولى شريحا قضاء الكوفة، وابن عباس قضاء البصرة، وهما يخالفانه في ~~أشياء كثيرة. ابن عباس يخالفه في الجد، وشريح يخالفه في الجد، وكثير من ~~الأشياء يطول شرحها. واختصم علي إلى شريح مع يهودي في قصة الدرع، فقضى عليه ~~شريح لليهودي. فقبل قضاءه، وأجازه على نفسه، مع خلافه إياه فيه. فأسلم ~~اليهودي، وقال هذا دين حق تجيزون أحكام قضاتكم عليكم. وقال عكرمة: بعثني ~~ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين. فقال: للزوج النصف، وللأم ~~ثلث ما بقي، وما بقي فللأب، فأتيت ابن عباس فأخبرته. فقال (ابن عباس) : عد ~~إليه فقل له: أتجد في كتاب الله تعالى ثلث ما بقي، # PageV04P309 # ومن أعطى الثلث من جميع المال أخطأ. فأتيته، فقال: لم يخطئ، ولكنه شيء ~~رأيناه وشيء رآه. # وقيل لعمر بن الخطاب (في المشركة) : لم (لم) تشرك عام أول؟ وشركت العام؟ ~~فقال: ذاك على ما فرضنا وهذا على ما فرضنا. وقيل لعمر بن عبد العزيز: لو ~~جمعت الناس على شيء من الحكم. فقال: ما ms762 يسرني أنهم لم يختلفوا. وقال القاسم ~~بن محمد: لقد نفع الله تعالى بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك ~~أنك إذا أخذت بقول هذا أصبت، وبقول هذا أصبت. فثبت بما وصفنا اتفاق السلف ~~على تصويب المختلفين في هذا الضرب من أحكام الحوادث # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون المصيب واحدا منهم، والباقون مخطئون، ~~وإنما ترك بعضهم النكير على بعض لأنهم كانوا معذورين في خطئهم، وكان خطؤهم ~~موضوعا كالصغير من الذنوب. قيل له: أقل ما في هذا الباب أنه كلام متناقض، ~~لأن صاحب الصغيرة غير معذور في مواقعتها، ولا مأجور في فعلها، بل هو عاص، ~~تارك لأمر الله تعالى، وإن كان الله تعالى قد وعده غفرانها باجتنابه ~~الكبائر، ولم يقطع ولايته بها. # PageV04P310 # وأنت تزعم أن المجتهد مأجور في اجتهاده، ومعذور في خطئه، فكيف يجوز أن ~~يكون مأجورا في اجتهاده المؤدي إلى خلاف حكم الله تعالى، وكيف يكون معذورا ~~في مخالفة حكم الله عز وجل الذي نصب عليه الأدلة. وجعل له السبيل إلى ~~إصابته. فإن بما وصفنا تناقض هذا القول وفساده. ثم يقال لهم: إن كان لله ~~تعالى على أحكام الحوادث دلائل قائمة توصل الناظر فيها إلى حقيقة المطلوب. ~~فلم عذروا في ترك إصابة مدلولها؟ . # وما الفرق بين حوادث الفتيا والحوادث التي خرجوا فيها إلى القتال، ~~واللعن، والبراءة. ودلائل الجميع قائمة. وكيف اختلفت أحكام المختلفين فيها ~~(و) أحكامهم فيما (وصفنا، مما) (لا) خلاف فيه يوجب البراءة؟ فثبت بذلك أن ~~أحكام حوادث الفتيا كانت موقوفة عندهم على ما يؤدي إليه اجتهاد المجتهدين، ~~وأما ما صار إليه كل واحد منهم باجتهاده هو الحكم الذي تعبد به دون غيره. ~~فإن قال قائل: إنما ترك النكير بعضهم على بعض في حوادث مسائل الفتيا مع ~~الخلاف. لأنهم كانوا مما قالوه على غالب ظن، ولم يكونوا على يقين أنه الحق ~~عند الله تعالى دون غيره، وقد كان مخالفوهم يدعون مثل ذلك لأنفسهم فيما ~~صاروا إليه من خلافهم، فلذلك جاز لكل أحد منهم ترك النكير على مخالفه ms763 فيما ~~صار إليه لتساويهم في تجويزهم أن يكون مخالفوهم قد أصابوا الحق دونهم. # PageV04P311 # قيل له: قد ثبت بما ذكرت أنه ليس لله تعالى دليل منصوب على حكم بعينه من ~~تلك الأحكام، إذ لو كان كذلك لما كان المستدل به متظننا غير عالم بإصابة ~~الحق عند الله تعالى. فثبت أن دليل أحكام الحوادث مختلفة على حسب شبهها ~~بالأصول، وأن حكم الله تعالى على المجتهد ما أداه إليه اجتهاده، ليس عليه ~~حكم غيره، وأنه لم يكلف إصابة المطلوب بعينه، إذ لو كان المطلوب هو حكم ~~الله عليه بعينه، وهو مكلف لإصابته لما أخلاه الله تعالى من دلالة له ~~ينصبها عليه، ولو نصب عليه دليلا لأفضى بالناظر إلى العلم بمدلوله، ولكان ~~يكون مخطئه حينئذ بمنزلة المخطئ لسائر ما كلفه الله تعالى إصابته على النحو ~~الذي ذكرنا. وأيضا: فلو كان هناك دليل منصوب على أحكام الحوادث التي وصفنا ~~حالها، لما خلت الصحابة من الوقوف عليه والمصير إلى حكمه، وإن لم تصبه ~~الجماعة أصابه البعض منها ودعا الباقين إليه، فيتوافون على القول (به) ~~لوقوع العلم لهم بمدلوله. # فلما وجدنا الأمر فيه بخلاف ذلك، بل كانوا بعد النظر والاجتهاد ثابتين ~~على مذاهبهم غير منكر بعضهم على بعض في مخالفته إياه، دل ذلك على صحة ما ~~ذكرنا. فإن قال قائل: إنما عذر المجتهد في خطابه في مسائل الفتيا لغموض ~~دلالة الحكم وخفي نقلها، ولم يعذر في الخطأ في سائر الأشياء التي ذكرت، ~~لظهور دلالتها ووضوحها. قيل له: فهل جعل الله تعالى للمجتهد سبيلا إلى ~~إصابة تلك الدلالة والحكم بمدلولها؟ وهل كلفه الاستدلال بها بعينها، ونهاه ~~عن العدول عنها؟ فإن قال: نعم. قيل له: فكيف يكون معذورا من كلف إصابة ~~الحكم وجعل له السبيل إليه، فعدل عنه بتقصيره؟ # PageV04P312 # ولو جاز هذا فيما ذكرت لجاز في سائر ما أقام الله تعالى الدلائل عليه. ~~فلما كان المجتهد فيما وصفنا عندنا جميعا وعند السلف غير معنف في خلافه ~~فيما خالف فيه، علمنا أنه لم ينصب له دلالة على المطلوب بعينه، ولم ms764 يكلف ~~إصابته. ويقال لمن أبى ما قلنا: أخبرنا عن المجتهدين إذا اختلفوا، أتجيز ~~لكل واحد منهم إبرام الحكم بما أداه إليه اجتهاده؟ فإن قال: حتى يعلم حقيقة ~~حكم الله تعالى. قيل له: فالمختلفون من الصحابة كان المصيب واحدا منهم ~~عندك. أفتقول: إن الباقين أقدموا على ما لم يكن جائزا لهم الإقدام عليه، ~~وأمضوا أحكاما لم يكن جائزا لهم إمضاؤها؟ فإن قال: كذلك فعلوا. طعن في ~~السلف، ولحق بالنظام وطبقته، في طعنهم على الصحابة في الطعن بالاجتهاد، ~~وجوز إجماعهم على خطأ، لأنه لو لم يكن يجوز لهم إمضاء ما أداهم إليه ~~اجتهادهم، لما أجمعوا على ترك النكير على المختلفين في أحكام الحوادث بما ~~أمضوه من آرائهم. وأحد من الفقهاء لا يجيز ذلك على الصحابة ولا على أحد من ~~أهل سائر الأعصار من المجتهدين. # فإذا قد ثبت أن لكل واحد من المجتهدين إمضاء الحكم بما أداه إليه ~~اجتهاده. وإذا كان مأمورا بذلك فغير جائز أن يكون مأمورا (به) وهو غير مصيب ~~لحكم الله تعالى، لأن حكم الله تعالى هو ما أمر به، فواجب أن لكل واحد من ~~المجتهدين على اختلافهم مصيبا لحكم الله تعالى الذي كلفه من جهة اجتهاد، ~~لاستحالة أن يكون فاعلا لما أمر به مخطئا فيه بعينه. فيثبت بذلك أن الحق في ~~جميع أقاويل المختلفين، وأن كل مجتهد في ذلك مصيب. فإن قيل: ما أنكرت أن ~~يكون مصيبا في اجتهاده للحكم الذي هو مأمور بإصابته؟ قيل: وهذا متناقض أيضا ~~مستحيل، لأن الحكم إذا كان موجبا بالاجتهاد - والاجتهاد صواب مأمور به - ~~فغير جائز أن يكون موجبه خطأ غير مأمور به، لأنه يستحيل أن يكون مأمورا ~~بالسبب ومنهيا عن مسببه. # PageV04P313 # فإن قيل: يكون هذا كمن قصد برميته مشركا فأصاب مسلما، فيكون مصيبا في ~~اجتهاده مخطئا في إصابته المسلم، لأن الله تعالى لم يأمره بقتل المسلم. قيل ~~له: هذا والاجتهاد في أحكام الحوادث سواء، وهو أحد الأصول التي يرد إليها ~~حكم المجتهد، وذلك لأن الرامي مأمور بالاجتهاد في التسديد والرمي نحو ~~الكافر، والكافر ms765 هو المطلوب بالرمي، والرامي غير مكلف للإصابة، لأنه لا ~~سبيل إلى التمييز بين الرمي الذي يوجب الإصابة، وبين الرمي الذي لا يوجبها ~~وإنما الحكم الذي عليه الاجتهاد في طالب الإصابة، كما أن المجتهد في حكم ~~الحادثة إنما الحكم الذي كلفه الاجتهاد في تحري موافقة الأشبه عند الله ~~تعالى، ولم يكلف إصابته. فإذا أخطأ رمي الكافر، وأصاب مسلما، فهو غير مخطئ ~~لما كلفه من الحكم، وإن أخطأ المطلوب. # كذلك المجتهد، وإن أخطأ المطلوب فقد اجتهد وأصاب الحكم الذي كلفه، فلا ~~فرق بينهما من هذا الوجه، وليس هذا الخطأ خطأ في الدين، ولا خطأ في الحكم ~~كان عليه إصابته. كما أن خطأ الرامي ليس خطأ للحكم، وإنما هو خطأ للغرض ~~المطلوب، وهو مطيع لله تعالى برميه مصيب لحكمه، مأجور على فعله. وكذلك ~~المجتهد في حكم الحادثة، مطيع لله تعالى في اجتهاده، مصيب لحكمه مع خطئه ~~للمطلوب الذي يتحراه باجتهاده. كما أنه لو قصد رمي مؤمن فأصاب كافرا حربيا، ~~كان رميه معصية (مع إصابته الكافر، لأن السبب الذي عنه كانت الإصابة معصية) ~~إن كان قتل الكافر من غير هذا الوجه مأمورا به. فإن قيل: فيجيء على قياس ~~هذا الأصل أن يكون رامي الكافر إذا أصاب المسلم # PageV04P314 # فقتله، وكان فعله هو طاعة لله تعالى أن يكون مأمورا بقتل المؤمن كما كان ~~رميه للمسلم معصية، وكان قتله للكافر بهذا الرمي معصية، لأن الحكم عندك ~~متعلق بالسبب فإذا كان السبب طاعة فمسببه طاعة، وإن كان السبب معصية فمسببه ~~معصية. قيل له: أما إطلاق القول: بأن الله تعالى قد أمره بقتل المؤمن (من ~~غير) سبب يستحق به القتل فلا يجوز، لأنه توهم أنه قد أمره بأن يقصده بالرمي ~~والقتل، كما أمره بقصد الكافر بالرمي والقتل، وإن كان قد يكون مأمورا بقتل ~~المؤمن في وجوه يكون قتله طاعة لله تعالى، كما يقتل القاتل، ويرجم الزاني، ~~ويقطع السارق، بعد التوبة منهم، ويكون (إيقاع) ذلك بهم على غير وجه ~~العقوبة، بل يستحقون به الثواب الجزيل والأعواض الجسيمة، ولا يكون قتلهم ms766 ~~بمنزلة قتلنا الكافر، لأن الكافر يستحق ذلك على وجه العقوبة على كفره. # وإذا كان ذلك كذلك لم يمتنع أن يكون الرامي للكافر إذا أصاب مسلما مطيعا ~~في رميته وإصابته، وإن كان المقتول مسلما (و) ولا يصح مع ذلك إطلاق القول: ~~بأن الرامي مأمور بقتل المسلم، لما ذكرنا من إيهام الخطأ، وما لا يجوز ~~إطلاقه في المسلم. وأما إذا رمى المسلم وأصاب الكافر فإن هذا الرمي معصية. # وإن أصاب به الكافر. وليس يمتنع أن يكون قتل الكافر معصية في أحوال، لأنه ~~لو قتل ذميا أو حربيا مستأمنا كان عاصيا لله تعالى بقتله، فإذا كان قتل ~~المسلم قد يكون طاعة. وقتل الكافر قد يكون معصية، زال الاعتراض علينا في ~~مسألتنا، بما حاول به السائل التشنيع بتجويزنا كون قتل المسلم طاعة، وعلى ~~أن الكلام في إطلاق العبارة بأنه مأمور بقتل الكافر، أو الامتناع منه ليس ~~هو كلاما في المعنى، وإنما هو كلام في اللفظ، وفي الاشتغال به خروج عن ~~المسألة، فأما المعنى فهو صحيح، مستمر على الأصل الذي بنينا عليه القول في ~~المسلم. # PageV04P315 # فإن قال القائل: ما أنكرت أن يكون الحكم الذي طريقه الاجتهاد هو حكم ~~واحد، وهو الأشبه عند الله تعالى، وقد يمكن الوصول إليه عند استقصاء النظر ~~والمبالغة في الاجتهاد، ولكنه لما غمضت دلالته عفا الله تعالى عن المخطئ ~~له. ولذلك نظائر موجودة في الأصول: منها أن القائم في صلاته قد ينسى، فيترك ~~القراءة، وقد يسجد قبل الركوع، ويسلم في غير موضع التسليم، وقد كان يمكنه ~~التحفظ وجمع البال وترك الفكر في غير الصلاة، فيسلم من الوهم والخطأ. # وكذلك سبيل المجتهد في أحكام الحوادث التي يعذر المخطئ فيها، وليس كذلك ~~سبيل من لا يعذر فيه إذا أخطأ، لظهور دلالته، واستواء المحترز وغيره فيه. ~~قيل: أما الناسي فليس عليه في حال النسيان حكم غيره، وما نسيه فليس هو ~~حكمه، ولا مأمورا به سواء كان نسيانه بسبب يمكن التحفظ منه، أو لا يمكن، ~~وقد أدى فرضه الذي عليه ليس عليه في حال النسيان ms767 فرض غيره، والذي يلزمه عند ~~الذكر حكم آخر، لزم في هذه الحال، ولم يكن لازما في حال النسيان. ولا فرق ~~بين الناسي وبين ما ذكرت من حكم المجتهدين في أن كل واحد منهما مصيب لحكم ~~الله تعالى الذي عليه في هذه الحال، لم يكلف حكما غيره. ولو جعلنا الناسي ~~لما ذكرت أصلا في هذا الباب لساغ رد المجتهد إليه، لأن أحدا ممن يعقل من ~~أهل النظر لا يخفى عليه أن الناسي غير مكلف في حال النسيان لما هو ناس له ~~وأن الحكم الذي عليه يلزمه بعد الذكر حكم آخر لم يكن لازما له قبل الذكر، ~~وبذلك جاء السمع أيضا، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان» . ثم يقال له بعد ذلك أيضا: أخبرنا عن الناسي الذي وصفت ~~وذكرت أنه لو تحفظ لما نسي، أتقول: إن المجتهد وزانه، وفي مثل حاله، وأنه ~~لو تحفظ وبالغ في الاجتهاد أصاب الحق عند الله تعالى؟ # PageV04P316 # فإن قال: نعم. قيل: فقد جعل له بعد اجتهاده الأول مهلة في استئناف النظر ~~والاجتهاد مرة بعد أخرى، وثانية بعد أولى، فإذا جعل ذلك لم تجد نفسه في ~~الأحوال كلها إلا بمنزلة واحدة في باب عدم العلم بالحق عند الله تعالى، ~~ووجوب الامتناع من القطع بأن ما أداه إليه اجتهاده هو المطلوب الذي أمره ~~الله تعالى بإصابته عندك. فكيف لم يصل إليه بعد المبالغة والاجتهاد ~~واستقصاء النظر في طلب الحكم؟ كيف (لم) يعلم بعد هذه الحال أنه مصيب لحكم ~~الله تعالى عندك؟ كما ترى الإنسان إذا تحفظ وجمع باله وفكره في الإقبال على ~~صلاته، لا يخطئ ولا يسهو. # فلو كان ما وصفت من حكم الحادثة والوصول إلى إدراكه وإصابته عروض ما ذكرت ~~لوجب أن يكون لنا سبيل إلى العلم باستيفاء ركعات الصلاة. (و) في وجودنا ~~الفصل بينهما على الوجه الذي ذكرنا، دلالة على أن حكم الحادثة غير مقصور ~~على دليل واحد يوصل إلى العلم به، وأن كل من صار إلى قول من أقاويل ~~المختلفين ms768 باجتهاده فهو مصيب لحكم الله تعالى الذي كلفه. وأيضا: فإن الناسي ~~الركوع والسجود ونحو ذلك، أليس إذا كان خلفه ممن يأتم به من يراعي أفعال ~~صلاته إذا نبهه عليه، وأعلمه موضع إغفاله ونسيانه، فذكر ورجع إلى الصواب؟ ~~فخبرنا عن الصحابة حين اختلفوا كيف لم ينبه المصيب منهم المخطئ على موضع ~~خطئه وإغفاله، فإن نبهه عليه وتبين له وجه الدلالة على الصواب، كيف لم ~~يتنبه ولم يستدرك خطأه كما يستدركه الناسي إذا ذكر ونبه؟ وكيف أجمعوا على ~~ترك النكير على المخطئ؟ وهل يجوز عندك أن ينسى إنسان بعض # PageV04P317 # فروض صلاته، وخلفه قوم يأتمون به، ويراعونه، ثم لا يوقفونه على خطئه، ولا ~~ينبهونه على موضع إغفاله؟ فإذا كان ذلك ممتنعا وقوعه، فكيف جاز وقوع ~~التواطؤ من السلف على ترك توقيف المخطئ عندهم، وإظهار النكير عليه إن لم ~~يقبل، ولم يراجع؟ # ومعلوم أنه غير جائز منهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف ~~اتفقوا على إجازة أحكام من خالفهم في الحوادث على أنفسهم وعلى غيرهم، ~~وسوغوا لهم الفتيا بها، وإلزام الناس إياها، وأحسبهم جعلوهم معذورين في ~~اجتهادهم، فكيف أجازوا لهم إمضاء تلك الأحكام على المسلمين في دمائهم ~~وفروجهم وأموالهم وأنسابهم؟ ومن الذي أوجب على العالم إجازة خطأ الجاهل على ~~نفسه؟ وكان لا أقل من أن ينهوهم في أن يتعدوا أحكامهم، إذ كان عندهم أنها ~~خطأ، خلاف حكم الله تعالى، وأن لا يلزموها أنفسهم، وأن لا يلزموا الناس ~~قبولها وإنفاذها على أنفسهم. فإن نهوهم فلم ينتهوا، وأوقفوهم على موضع ~~إغفالهم فلم ينتبهوا، وعرفوهم موضع الدليل فلم يقبلوا، وأقاموا عليهم الحجة ~~فأصروا على الخطأ، كان لا أقل أن يكون سبيلهم سبيل الخوارج، ومن عدل عن ~~الحكم الذي قامت الدلالة عليه عندهم، أنه حكم الله تعالى، ويمنعون قبول ~~فتياه وأحكامه التي هي خطأ عندهم. # ألا ترى: أنهم حين رأوا عبد الله بن عباس يجيز الصرف ويبيح المتعة أنكروه ~~وأخبروه بحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما بالتحريم؟ فلما تواتر ~~عنده الخبر من ناحيتهم بذلك انتهى عن ms769 قوله فيهما، ورجع عنه. ألا ترى: أن ~~قوله لما لم يكن عندهم صوابا أنكروه، ولم يعذروه؟ ولو كان سبيل المجتهد ~~عندهم إذا خالفهم كسبيل الناسي لركوعه وسجوده، لما تركوا موافقته، كما لا ~~يترك المأموم موافقة الإمام إذا نسي ركوعا أو سجودا. فإن قال قائل: إذا ~~أعطيتمونا أن الأشبه له حقيقة معلومة عند الله تعالى، وهو المطلوب # PageV04P318 # الذي يتحرى المجتهد موافقته باجتهاده، فواجب أن يكون مخطئه مخطئا لحكم ~~الله تعالى عليه. قيل له: نحن وإن قلنا: إن هناك أشبه هو المطلوب، فليس ~~إصابة الأشبه هي الحكم الذي تعبدنا به، إذا لم يؤدنا الاجتهاد إليه، وإنما ~~الحكم الذي تعبدنا به هو ما أدانا (الاجتهاد إليه) ، وغلب في ظننا أنه هو ~~الأشبه، ولم نكلف إصابة المطلوب. وهذا كما نقول في المتحري للكعبة: إنه لم ~~يكلف محاذاتها باجتهاده، ولم يؤمر بها، لأنه يجعل له السبيل إليها، وإنما ~~الحكم المأمور به هو ما أداه إليه تحريه واجتهاده. وكما يسدد الرجلان ~~سهامهما نحو كافر فيصيب أحدهما ويخطئه الآخر، وكلاهما مصيب لما كلف، والحكم ~~الذي تعبد به، لأنهما لم يكلفا الإصابة، إذ لم يجعل لهما سبيل إليها وكما ~~أن رجلا لو أبق له عبد فأرسل عبيدا له في طلبه كان معلوما إذا كان المرسل ~~حكيما، أنه لم يكلفهم إصابته، وإنما ألزم كل واحد منهم الاجتهاد في الطلب. ~~ومعلوم أن المطلوب عين واحدة، كذلك الأشبه له حقيقة معلومة عند الله تعالى، ~~ولم يكلف المجتهد إصابتها، وإنما كلف الاجتهاد في طلبها بما استقر عليه ~~رأيه، فهو الحكم الذي كلفه لا غيره. # ولذلك نظائر كثيرة من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصول الشرع. ~~منها: أن من أظهر لنا الإسلام والإقرار بشرائعه، والتزام أحكامه كان علينا ~~موالاته في الدين، وإجراؤه على أحكام المسلم. وإن كان جائزا عند الله تعالى ~~في المغيب أن يكون ملحدا معطلا، ولم نكلف علم # PageV04P319 # المغيب. وقد أخبر الله تعالى مثل ذلك عن قوم من المنافقين لم يعرفهم ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {ومن ms770 أهل المدينة مردوا على ~~النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101] فكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يجريهم مجرى المسلمين في سائر أحكامهم، مع (علم) الله تعالى بأنهم ~~كفار منافقون، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك محيطا بحكم الله ~~تعالى، لأن حكم الله تعالى عليه كان الظاهر دون الباطن، والحقيقة (التي) هي ~~معلومة عند الله تعالى، وكذلك هذا فيما أمر الله تعالى به من استشهاد ~~العدول (في الظاهر، ولا يكون من حكم بشهادة قوم ظاهرهم العدالة مخطئا لحكم ~~الله تعالى) ، وإن كانوا في المغيب غير عدول عند الله تعالى. وقد كان أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قوم من المشركين يقال لهم: بنو لحيان، ~~والعضل، والقادة، وأظهروا له الإسلام وسألوه أن يوجه لهم من يفقههم في ~~الدين ويعلمهم القرآن. فوجه معهم ثلاثة من الصحابة: خبيب بن عدي، وعاصم بن ~~أبي الأفلح، وزيد بن الدثنة. فغدروا بهم، وقتلوا عاصما، وزيد بن الدثنة ~~رحمهما الله، وأخذوا خبيبا، وباعوه # PageV04P320 # من أهل مكة، وكان هؤلاء القوم دسيسا من قبيل قريش، ضمنوا لهم على ذلك ~~مالا، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - في قنوته حين بلغه خبرهم. # ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما فعل ذلك على ما اقتضاه ظاهر ~~حالهم، ولم يعلم الغيب في ضميرهم، وما عزموا عليه من العذر، فلم يكن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - مخطئا لحكم الله تعالى إذ لم يكن مكلفا بغير الظاهر ~~من أمرهم، ولم يجعل له سبيل إلى العلم بحقيقة حالهم. وكذلك قصة أهل بئر ~~معونة، وقصة العرنيين حين استاقوا الإبل وارتدوا. ونحو ذلك مما كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مكلفا فيه للحكم الظاهر، دون الحقيقة، ثم لم يكن ~~مخطئا عند وقوع الأمر على خلاف تقديره. فإن قيل: إنما كلف فيه الظاهر ولم ~~يكلف المغيب، لأنه لم يجعل له سبيل إلى علم الغيب، والمجتهد قد جعل له سبيل ~~إلى علم حقيقة المطلوب في حكم الحادثة. قيل له: لو كان قد جعل له سبيل إلى ~~إدراك ms771 حقيقة المطلوب بإقامة الدلالة عليه، لعلمه من اجتهد وبالغ في طلبه. ~~ولو كان كذلك لكان مخطئه عاصيا، ولأنكرت الصحابة بعضها على بعض الخلاف ~~الواقع بينهم في حوادث الفتيا، ولما أجازوا خطأ المخطئ على سبيل ما بيناه، ~~ثم احتسبوا المخطئ معذورا باجتهاده في خطئه. فكف عذر من عرف خطأه، ثم أجاز ~~حكمه على الناس، وعلى نفسه وليس هو موضع العذر مع وقوع (العلم) بالخطأ. ~~ومما يزيد ما قدمنا في ذلك وضوحا وقد ذكرنا بعضه، وإنما لما نذكر معه من ~~الزيادة، أن المجتهد لا يخلو من أن يكون مأمورا بإمضاء ما أداه إليه ~~اجتهاده فيما طريقه الاجتهاد، وإن لم # PageV04P321 # يعلم أنه قد أصاب حقيقة النظير، أم لا يكون مأمورا بإمضاء ما أداه إليه ~~اجتهاده. إلا بعد العلم بحقيقة النظير (والرأي) والذي هو الأشبه عند الله ~~تعالى، فإن كان المجتهد لا يجوز له الحكم بما يؤديه إليه اجتهاده حتى يعلم ~~حقيقة النظير، فواجب أن يكون السلف عالمين بخطأ المخطئ منهم، فإنه حاكم ~~بخلاف حكم الله تعالى. وقد بينا (فساد) ذلك. # وكان ينبغي أن لا ينفذ حكم الحاكم باجتهاده إذا رفع إلى حاكم يرى خلافه، ~~وهذا فاسد عند الجميع، فلما بطل هذا ثبت أنه مأمور بإمضاء الحكم بما أداه ~~إليه اجتهاده، مع فقد علمه بإصابة المطلوب. وما كان مأمورا به فهو حكم الله ~~تعالى، سواء أصاب حقيقة النظير أو أخطأها، لأنه غير جائز أن يأمره الله ~~تعالى بالخطأ. فثبت من حيث كان مأمورا بإمضاء الحكم باجتهاده أنه مصيب لما ~~كلفه من الحكم. وكما أنه لما كان مأمورا بإمضاء ما أداه إليه اجتهاده إذا ~~تحرى محاذاة الكعبة كان مصيبا لما كلف. وكما أن الرامي للكافر لما كان ~~مأمورا بإرسال سهمه بعد اجتهاده كان مأمورا لما كلف وإن لم يصبه. فإن قال ~~قائل: الفصل بين التحري للكعبة، والرمي، وبين مسائل الحوادث من وجهين. # أحدهما: أنه جائز ترك محاذاة الكعبة مع العلم بها في حال العذر، ولا يجوز ~~مثله في العتق، والطلاق، ونحوها ترك الحكم مع العلم ms772 به. # PageV04P322 # والثاني: أن المأمور به ليس هو عين الكعبة، ولا عين الكافر المرمي، ~~والمأمور به في الحادثة هو الحكم المطلوب نفسه. قيل له: أما ما ذكرت من ~~جواز ترك محاذاة الكعبة مع العلم بها وما فصلت به بينها وبين حكم الحادثة، ~~فإنه فرق من وجه آخر غير ما ذكرنا، لأن جواز ترك التوجه إلى الكعبة لم يوجب ~~جواز ترك الاجتهاد في طلب محاذاتها، فهما متساويان من هذا الوجه، لا فرق ~~بينهما فيه، واختلافهما من وجه آخر لا يمنع الجمع بينهما من الوجه الذي ~~ذكرنا. وأيضا: فإنه كما جاز ترك محاذاة الكعبة للعذر، وكذلك جائز ورود ~~العبارة في أحكام الحوادث بما يودي إليه اجتهاده من حيث جاز ورود العبارة ~~به على هذا الوجه، كما جاز ترك محاذاة الكعبة للعذر، ثم لما أمر بإمضاء ما ~~أداه إليه اجتهاده، علمنا أن ذلك حكمه الذي تعبد به، وأما ما ذكره من الفصل ~~بينهما، بأن نفس الكعبة والمرمي ليس مأمورا، فسؤال يدل على جهل سائله ~~بحقيقة ما يتحراه المجتهد. وذلك لأن الذي يتحراه المجتهد موافقة الأشبه عند ~~الله تعالى من هذه الأصول، والأشبه إنما هو صفة للأصل الذي يتحرى المجتهد ~~(موافقته، وتلك الصفة التي وصفها الله تعالى وجعلها لذلك الأصل المجتهد) ~~غير مأمور بها، كما أنه ليس مأمورا بالكعبة، ولا بالكافر المرمي، وإنما هو ~~مأمور بتحري محاذاة الكعبة (ومحاذاة الكعبة) هي فعله إذا فعلها، ومأمور ~~بالتسديد نحو الكافر، ومحاذاته برميته، وذلك فعله، وإن لم يكن المرمي من ~~فعله. # PageV04P323 # ولا فرق بينهما وبين حكم الحادثة من هذا الوجه. ويدل على صحة ما ذكرنا: ~~اتفاق الجميع على أن المجتهدين في تدبير الحروب ومكائد العدو، وإن اختلفوا ~~فهم مصيبون لما كلفوا، وإن كانت الحقيقة التي عند الله تعالى فيها واحدة من ~~تلك الآراء، ولم يكن من قصر رأيه عن إصابة الحقيقة عند الله تعالى في ذلك ~~الأمر مخطئا لحكم الله تعالى. وسبيل الاجتهاد في أحكام الحوادث، سبيل ~~الاجتهاد في تدبير الحروب ومكائد العدو. # PageV04P324 ### | [فصل في سؤالات من قال ms773 إن الحق في واحد واحتجاجهم لذلك] # قال أبو بكر: قد استدل من قال ذلك بأشياء من جهة الظاهر، وقول السلف، ~~والنظر. فمما استدلوا به من جهة الظاهر على بطلان قول القائلين بتصويب ~~المجتهدين في أحكام حوادث الفقه: إن الله تعالى قد عاب الاختلاف والتفرق، ~~وذم المختلفين في الدين، وعنفهم بقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا} [آل عمران: 105] وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا} [آل عمران: 103] وقال عز وجل: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~[الشورى: 13] ، وقوله تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا} [النساء: 82] وقال تعالى: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} [يونس: ~~36] وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} [النجم: 23] . وقال ~~تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون: ~~71] . فتضمنت هذه الآيات النهي عن الاختلاف والتفرق نهيا عاما في الأصول ~~والفروع. # فدل أن ما أدى إلى ذلك فليس هو حكما لله تعالى، لأنه انتفى من الاختلاف، ~~ونفاه عن # PageV04P325 # أحكامه، وأن يكون من عنده بقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا ~~فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] . وقول القائلين بتصويب المجتهدين يوجب ~~جواز الاختلاف، وحكم مع ذلك القول ببطلان الظن والحكم بالهوى. وليس الحكم ~~بالظن واتباع الهوى إلا أن يحكم الحاكم بما يغلب في ظنه ويستولي على رأيه ~~من غير اتباع دليل يوجب له القول به. # الجواب: يقال لهم: أخبرونا عن الاختلاف الذي ذمه الله تعالى، وعاب أهله ~~في هذه الآيات، ونهى عنه، هو الاختلاف في أحكام حوادث الفتيا؟ فإن قالوا: ~~نعم. قيل لهم: فينبغي أن يكون للصحابة والأئمة الهادية من الصدر الأول الحظ ~~الأوفر من هذا الذم، ومن مواقعة هذا النهي، لكثرته فيما بينهم من مسائل ~~الفتيا. فإن كانوا كذلك عندكم. فقد صرتم إلى مذهب الطاعنين في السلف من ~~سائر فرق الضلالة. وليس هذا قول أحد من الفقهاء. والكلام على هؤلاء من غير ~~هذا الوجه، لأنه كلام في الأصل، وإنما تكلم ههنا في تعذر المجتهدين من ms774 ~~القائلين بالاجتهاد. فإذا كان المختلفون في مسائل الفقه معذورين ومأجورين، ~~فكيف (يجوز) أن يكونوا - رضي الله عنهم - من أهل هذه الآيات، فقد وجب ~~باتفاقنا جميعا أن الاختلاف في مسائل الفتيا غير مراد بها، ولا داخل فيها ~~ولو كانت هذه الآيات موجبة لذم الاختلاف عاما، لوجب أن يكون المختلفون عند ~~الفتاوى في تدبير الحروب مستحقين لحكم هذه الآيات مذمومين باختلافهم. # وقد اختلف أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في شأن أسارى بدر، فلم يجعلهم الله تعالى ولا نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - من المختلفين الذين شملهم حكم هذه الآيات. # PageV04P326 # فثبت لما وصفنا أن اختلاف المجتهدين ليس ما ذمه الله تعالى بهذه الآيات. ~~ولو كان ذلك اختلافا مذموما، لوجب أن يكون اختلاف العبادات الواردة من طريق ~~النص مذموما، نحو اختلاف فرض المقيم والمسافر في الصلاة والصوم، واختلاف ~~حكم الطاهر والحائض فيهما. فلما كان ذلك اختلافا في أحكام المتعبدين، ولم ~~يكن معيبا ولا مذموما، بل كان حكمة وصوابا من عند الله تعالى، ولم ينفه ~~قوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: ~~82] ، لأن الاختلاف الذي نفاه الله تعالى عن كتابه، وأحكامه، هو اختلاف ~~التضاد والتنافي، وذلك غير موجود في أحكام الله تعالى. # وسبيل المجتهدين إذا اختلفوا سبيل المتعبدين بالأحكام المختلفة من جهة ~~النصوص، والاتفاق، لأن كلا منهم متعبد بما أداه إليه اجتهاده، وغير جائز له ~~تخطئة غيره في مخالفته إياه. وإن كان ما تعبد به خلاف ما تعبد به غيره. كما ~~لا يجوز للمسافر تخطئة المقيم في مخالفة حكمه لحكمه، ولا يجوز للحائض تخطئة ~~الطاهرة فيما تعبد به كل منهما من الحكم، كان كذلك حكم المجتهدين إذا ~~اختلفوا على هذا الوجه وهم جميعا مصيبون. # وأما الحكم بالظن والهوى، فإن المجتهد لا يجوز له الحكم بالظن والهوى، ~~وإنما عليه اتباع الأمارات والشواهد، والأشباه التي نصبها الله تعالى في ~~الأموال، وجعلها أمارات لأحكام الحوادث، ولو كان المجتهد حاكما بالظن ~~والهوى لكان المتحري للكعبة حاكما ms775 بالهوى، ولكانت الصحابة حين تكلموا في ~~مسائل الفتيا متبعين للهوى حاكمين بالظن، # PageV04P327 # ولكان المجتهدون في تدبير الحرب ومكائد العدو متبعين للهوى حاكمين بالظن، ~~فلما انتفى ذلك عمن وصفنا ولم يجز إطلاقه فيهم، كان كذلك حكم المجتهدين في ~~مسائل الفتيا. واحتجوا أيضا: بما ذكر الله تعالى في قصة داود وسليمان - ~~عليهما السلام - في الحرث، في قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث} [الأنبياء: 78] إلى وقوله تعالى: {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] ~~. قالوا: فهذا دليل (على) أن سليمان - عليه السلام - كان هو المصيب لحقيقة ~~الحكم عند الله تعالى، لولا ذلك لما خص بالتفهيم دون داود - عليهما السلام ~~-. # قال أبو بكر: قد أجيبوا عن هذا بأجوبة: أن ليس في قوله تعالى: {ففهمناها ~~سليمان} [الأنبياء: 79] دليل (على) أن داود لم يفهمها، كما أن ليس في قوله ~~تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علما} [النمل: 15] دلالة على نفي العلم عن ~~غيرهما من الأنبياء - عليهم السلام -. وكما أن قوله تعالى: {لقد رضي الله ~~عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: 18] لا دلالة فيه أنه لم يرض ~~عن غيرهم ممن لم يبايع تحت الشجرة، إذ ليس في تخصيص الشيء بالذكر دلالة على ~~أن ما عداه بخلافه. # PageV04P328 # وقد بينا ذلك فيما سلف من هذا الكتاب، فسقط سؤالهم من هذا الوجه. ثم قد ~~تنازع أهل العلم في تأويل هذه الآية: فمنهم من قال: إن حكمها كان من طريق ~~النص لا من جهة الاجتهاد، وإنما حكم داود في تلك القصة (بحكم) استمده من ~~طريق النص، ثم نسخ حكمه في مثلها على لسان سليمان - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله تعالى: {ففهمناها سليمان} [الأنبياء: 79] معناه: أنا علمناه حكمها في ~~المستقبل. # ومنهم من يقول: إن حكمهما كان من طريق الاجتهاد، إلا أن سليمان - عليه ~~السلام - أصاب حقيقة المطلوب الذي هو الأشبه، ولم يصبها داود - عليه السلام ~~- (فخص سليمان) بالفهم لهذه العلة، وإن كانا جميعا مصيبين لما كلفاه من ~~الحكم. قال: والدليل على أنهما مصيبان جميعا: قوله تعالى: {وكلا آتينا حكما ~~وعلما} [الأنبياء: 79] . فأثنى عليهما جميعا، ms776 ووصفهما بالعلم والحكم. وفي ~~ذلك دليل على أنهما جميعا كانا مصيبين لحكم الله تعالى الذي تعبدا به. # فإن قال قائل: لو كان داود مصيبا للحكم لم نقضه سليمان حين خوصم إليه ~~فيه؟ وقد روي في الحديث: أن سليمان - عليه السلام - حكم في تلك القصة ~~بعينها بخلاف حكم داود فيها؟ قيل له: الاحتمال الذي ذكرناه قائم، وذلك أنه ~~لا يمتنع أن يكون داود لم يلزم الحكم بما أداه إليه اجتهاده، وإنما أظهر ~~للقوم الحكم عنده فيه ولم يمضه، حتى لما بلغ ذلك سليمان قال: الحكم عندي ~~كيت وكيت. ويحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إلى سليمان - عليه السلام - في ~~تلك الحكومة، ونص له # PageV04P329 # عليها، فكان قول داود فيها من طريق الاجتهاد، وما نص لسليمان عليه خلاف ~~حكم داود قبل أن يمضي داود ما رآه فيها. فأخبر الله تعالى: أنه فهمها ~~سليمان، يعني بنص من عنده، ولا يدل ذلك على تخطئته لداود في الحكومة. # واحتجوا أيضا: بما عاتب الله تعالى عليه نبيه في مواضع كان حكمه فيها من ~~طريق الاجتهاد. منها: إذنه لمن تخلف عن جيش العسرة بقوله تعالى: {عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم} [التوبة: 43] والعفو لا يكون إلا عن ذنب، وقال تعالى: ~~{ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] {واستغفر الله} [النساء: 106] ~~ومنها: ما كان منه في شأن الأسرى، وقد كان فعل جميع ذلك باجتهاد رأيه، فلم ~~يعر من الخطأ فيه. (قيل له: جائز أن يكون الله تعالى إنما أوقفه على حقيقة ~~النظير الذي هو الأشبه، ولم يكن هذا الخطأ) خطأ في الدين، ولكنه خطأ ~~للأشبه، وعدول عن حقيقة النظير على ما قلنا. # وأما قوله تعالى: {عفا الله عنك} [التوبة: 43] فلا دلالة فيه على أنه كان ~~ذنبا. وليس يقول أحد من الفقهاء: إن خطأ المجتهد ذنب. والعفو في اللغة: هو ~~التسهيل والتوسعة، كقوله تعالى: {فتاب عليكم وعفا عنكم} [البقرة: 187] يعني ~~سهل عليكم. # PageV04P330 # واحتجوا من جهة السنة بحديث علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه. قال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه ms777 وسلم - إذا بعث جيشا قال لهم: وإذا حاصرتم ~~أهل الحصن أو المدينة فأرادوا أن تنزلوهم على حكم الله تعالى، فلا تنزلوهم ~~على حكم الله تعالى، فإنكم لا تدرون ما حكم الله تعالى فيهم» قالوا: فقد ~~أخبر أنهم لا يدرون ما حكم الله تعالى فيهم، وهذا خلاف قولكم: إن حكم الله ~~تعالى هو ما يستقر عليه رأي المجتهد. وبقول «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين اختصم إليه رجلان، فقال لعمرو بن العاص: اقض بينهما فقال: أقضي وأنت ~~حاضر؟ قال: نعم، فإن اجتهدت فأصبت فلك عشر حسنات، فإن اجتهدت فأخطأت فلك ~~حسنة واحدة» ، ويروى أنه قال مثله لعقبة بن عامر # PageV04P331 # وعن عمرو بن العاص، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» ، # (قالوا) : فهذه الأخبار تنبئ عن خطأ المجتهدين في الفتيا، وهي نافية لقول ~~من قال: كل مجتهد مصيب. الجواب: أما حديث، بريدة في قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «فإنكم لا تدرون ما حكم الله تعالى فيهم» يحتمل معنيين: # أحدهما: أنه قد كان جائزا ورود النسخ على الحكم الذي كانوا عرفوه حين ~~فارقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تنزلوهم على ذلك الحكم، ~~لأنكم لا تأمنون أن يكون قد نسخ بعد غيبتكم وأنتم لا تدرون به. والمعنى ~~الآخر: حكم الله تعالى فيهم إذا نزلوا عليه موكول إلى اجتهادنا عند نزولهم، ~~فيلزمنا إمضاؤه على الوجه الذي يكون أرد عن الإسلام وأصلح: من قتل، أو سبي، ~~أو من، واستبقاء، ووضع الجزية، وما جرى مجرى ذلك، وهذا لا يختلف مواضع ~~الاجتهاد فيه بحسب أحوال القوم. فاحتمل أن يكون مراده: فلا تنزلوهم على حكم ~~الله تعالى، وأنتم الآن قبل نزولهم لا تدرون ما حكم الله تعالى فيهم، وإنما ~~تعلمونه إذا اجتهدتم في أمورهم بعد نزولهم، ولا تنزلوهم على ذلك إذا لم يكن ~~عند القوم أنكم تحكمون فيهم بحكم الله تعالى من طريق الرأي والاجتهاد، لا ~~من طريق النص والتوقيف. فيكون فيه ضرب من ms778 التعزير لهم مما (لم) يكونوا ~~يعلمونه، وعسى أن يكونوا إنما يدخلون معهم في ذلك على أن عندهم أن # PageV04P332 # حكم الله تعالى عندنا فيهم يكون من طريق النص، دون الرأي والاجتهاد. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ~~وإذا أخطأ فله أجر واحد» فإنه يحتمل أن يريد إذا أصاب الأشبه المطلوب الذي ~~يتحرى المجتهد موافقته - وإصابته باجتهاده - (فله أجران) وإن أخطأه فله أجر ~~واحد، فيكون مصيبا للحكم في الحالين، مخطئا في أحدهما للأشبه، لا للحكم، إذ ~~لم يكن الأشبه هو الحكم على ما بيناه، وليس هذا الخطأ خطأ في الحكم، وإنما ~~هو خطأ للأشبه الذي لم يكلف إصابته، كخطأ الرامي للكافر. # فإن قال قائل: فإذا كان مصيبا للحكم في الحالين، فكيف يجوز أن يستحق في ~~أحدهما أجرين، وفي الآخر أجرا واحدا؟ قيل له: إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يخبر عن المستحق من الأجر عن الاجتهاد، وإنما أخبر عما يعطيه ~~الله تعالى ويجعله على جهة الوعد له بالتفضيل، وليس يمتنع ذلك عندنا، لأنه ~~جائز أن يكون في معلوم الله تعالى أنه إذا وعد أحدهما زيادة أجر، وإن لم ~~يكن مستحقه أن لا يقع منهما تقصير في المبالغة في الاجتهاد، وطلب الأشبه. ~~وأنه إن لم يعد ذلك أحدهما وقع منهما فتور في المبالغة في الاجتهاد، كما هو ~~جائز (متعالم بيننا أن يقول حكيم) من الحكماء لرجلين: ارميا هذا الكافر. ~~فمن أصابه منكما فله ديناران، ومن أخطأه فله دينار واحد فلا يكون (ممتنعا ~~ويكون) الفضل المشروط للمصيب منهما، تحريضا لهما، وتطييبا في وقوع المبالغة ~~في التسديد، وتحري إصابة المرمى، وإن لم يكن مستحقا. وأنه لو لم يقل ذلك ~~لوقع منهما فتور في المبالغة، والاستقصاء في ذلك. كذلك جائز أن يكون ما ~~جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من زيادة الأجر للمصيب الأشبه، غير ~~مستحق بنفس الاجتهاد، وإنما وعد بها تحريضا وحثا على التقصي في الاجتهاد، ~~والمبالغة في تحري المطلوب. # PageV04P333 # فإن قيل: لما سماه أجرا دل على أنه ms779 مستحق. قيل له: يجوز أن يكون سماه ~~أجرا، وإن لم يكن مستحقا على جهة المجاز، حين كان الوعد به متعلقا بقول ~~يكون منه، كما قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] . فسمى ~~الجزاء سيئة على وجه المقابلة. # ووجه آخر في إيجابه الأجرين لمن أصاب الأشبه منهما: وهو أنه جائز أن يكون ~~إصابة المطلوب الذي هو الأشبه متعلقة بضرب من المبالغة في الاجتهاد، يصادف ~~بها موافقة الأشبه، وإن كان لو اقتصر على ما دونها من التقصي والمبالغة فيه ~~كان ذلك جائزا، ولم يكن مطلقا لأكثر منه، ولا يصيب الأشبه مع ذلك، فيكون ~~الضربان جميعا من الاجتهاد جائزين، وإن كان أحدهما أفضل من الآخر، لما فيه ~~من زيادة المشقة في النظر والاجتهاد. إذا كان هذا هكذا: جاز أن يكون المصيب ~~للأشبه المطلوب مستحقا لزيادة الثواب على حسب وقوع زيادة اجتهاده على ~~اجتهاد الذي قصر عن موافقة الأشبه. وهذا جائز سائغ، نحو ورود العبادة من ~~الله تعالى، كما قال جل وعز: {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة} [النور: 60] ثم قال ~~تعالى: {وأن يستعففن خير لهن} [النور: 60] فبين حكم المباح الذي يجوز ~~الاقتصار عليه، وأبان عن موضع الفضل، وقال تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير ~~له} [البقرة: 184] . ثم قال تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة: 184] ، ~~فأباح لنا الإفطار، وأخبر بالفصل. # PageV04P334 # «وتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: من توضأ مرتين، ضاعف ~~الله عز وجل أجره مرتين» . وأبيح للمسافر أن يصلي الظهر في منزله يوم ~~الجمعة، وإن أتى الجمعة فصلاها كان أفضل. (وكذلك المريض ليس عليه إتيان ~~الجمعة، فإن تحمل المشقة وحضرها كان أفضل) وكان مستحقا للثواب في إتيانها، ~~فليس يمتنع على هذا أن يكون اجتهاد المجتهد على ضربين: # أحدهما: التقصي (فيه) ، والمبالغة في تحري موافقة الأشبه، فيتفق بمثله ~~مصادفة المطلوب، الذي لو انكشف أمره للمجتهد بالنص عليه كان ms780 هو حكم الله ~~تعالى لا غير. واجتهاد دونه: قد أبيح للمجتهد الاقتصار عليه، ولا يتفق ~~بمثله موافقة الأشبه، وإن ظن المجتهد أنه (قد) وافقه. فلا يستحق هذا من ~~الأجر ما يستحقه الأول، وإن كان مصيبا، كما قلنا في نظائره - التي وصفنا - ~~في النصوص والاتفاق. ثم يقال للمعترض بهذا الخبر: خبرنا عن الاجتهاد المؤدي ~~إلى الخطأ، هو مأمور به؟ فإن قال: نعم. قيل له: فكيف يكون ما أمر به ~~المجتهد إذا فعله يكون مخطئا به، وكيف يجوز أن يؤدي المأمور به إلى الخطأ؟ ~~وإن قال: هو خطأ وليس بمأمور به. قيل له: كيف يجوز أن يستحق الأجر على خطأ ~~ليس هو مأمورا به؟ هذا خلف في القول. # PageV04P335 # واحتجوا أيضا: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (قال) : ~~«وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضكم زيد» . قالوا: ولو كان كل ~~مجتهد مصيبا، ما هناك أحد أعلم من أحد. فيقال له: إن وجوه الدلائل في ~~المقاييس مختلفة. فمنها: ما يسوغ فيه الاجتهاد، والحق فيه في جميع أقاويل ~~المختلفين. ومنها: ما يكون الحق فيه واحدا، لوجود الدلائل (المنصوصة عليه) ~~وقد يكون بعض الناس أعلم بهذه الوجوه من بعض، وقد يكون بعضهم أعلم بدلالات ~~القول، وما يجوز منه مما لا يجوز، وأعلم بمواضع النصوص من بعض، فليس إذا في ~~كون بعض الناس أعلم من بعض ما ينفي صحة قولنا. # ومما احتجوا به من قول السلف في أن الحق في واحد: ما روي عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه -: أنه قال في الكلالة: (أقول فيها برأيي، فإن يك ~~صوابا فمن الله تعالى، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان. والله ورسوله منه ~~بريئان) . وبما روي عن عمر - رضي الله عنه - لما استشار الصحابة (في أمر ~~المرأة التي كانت يتحدث إليها، فأرسل إليها فأفزعها ذلك، وألقت جنينا ميتا، ~~فقالوا: لا شيء عليك، إنما أنت مؤدب، وعلي ساكت في القوم، فقال له: ما تقول ~~يا أبا الحسن؟ فقال: إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا، وإن ms781 كانوا قاربوك ~~فقد غشوك، أراك قد ضمنت، فقبل قوله دونهم، وضمنه) . فقد أطلق علي - رضي ~~الله عنه - اسم الخطأ عليهم في اجتهادهم. وبما روي (أن عمر قضى بقضية، فقال ~~له رجل: أصبت أصاب الله بك، فقال له عمر: ما أدري أصبت أم أخطأت؟ ولكني لم ~~آل عن الحق) . # PageV04P336 # وبما روي أن كاتبا كتب بين يديه شيئا من أبواب القضاء، سئل عنه، فكتب هذا ~~ما أرى الله تعالى عمر، فأمره أن يمحوه ويكتب: هذا ما رأى عمر، ولو كان ~~رأيه وما يؤديه إليه اجتهاده حكما لله تعالى، لما امتنع كأن يكتب هذا ما ~~أرى الله عمر. وبقول ابن مسعود: (فمن مات عن امرأته قبل الدخول ولم يفرض ~~لها صداقا، أقول فيها برأيي، فإن يك صوابا فمن الله تعالى، وإن يك خطأ ~~فمني) . وبقول ابن عباس: (ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن بمنزلة الابن، ~~ولا يجعل الجد بمنزلة الأب؟ من شاء باهلته عند الحجر الأسود: أن الجد أب) . ~~وبقول ابن مسعود: (من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى) نزلت بعد قوله ~~تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] . وبقول عمر لعبد الرحمن بن عوف: ~~(أرأيت لو رأيت رجلا على فاحشة. أكنت تقيم عليه الحد؟ قال: لا، حتى يكون ~~معي غيري، قال: فقلت: لو قلت غير هذا لرأيت أنك لم تصب) . # وبما روي (أن أبا هريرة سئل عن صيد أصابه حلال (يأكل) منه المحرم؟ فأفتى ~~بأكله، ثم لقي عمر، فأخبر بما كان من فتياه، فقال له عمر: لو أفتيتهم بغير ~~هذا لأوجعتك) . (وقيل لسعيد بن المسيب: إن شريحا يقضي في مكاتب عليه دين: ~~أن الدين والكتابة بالحصص، قال: أخطأ شريح) ، قالوا: فقد أجاز هؤلاء الخطأ ~~على أنفسهم في اجتهادهم، وأنتم لا تجيزونه عليهم. # PageV04P337 # الجواب: إن قول أبي بكر وابن مسعود: وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان: إنما ~~هو إشفاق (منهما) أن تكون هناك سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بخلاف آرائهما، وقد كانوا يعرضون آراءهم على الصحابة لينظروا، هل فيما ~~اجتهدوا فيه ms782 سنة قائمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الحاضرين؟ ~~(فأخبرا: أنه لو كان) هناك قول من النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ~~رأيهما، فاستعمالهما للرأي في هذه الحال خطأ، منهما ومن الشيطان، لأنه لا ~~حظ للرأي مع السنة، كما أنه لما جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق - رضي الله ~~عنه -، تسأله عن ميراثها، قال: (ما أجد لك في كتاب الله تعالى شيئا، وسأل ~~الناس، فلما سأل أخبر بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمة في ~~ميراثها) فأشفق حين رأى في الكلالة ما رأى، أن تكون هناك سنة بخلاف رأيه. ~~ويبين لك هذا: قوله في موضع آخر: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت ~~في كتاب الله تعالى بما لا أعلم) فاستعظم أن يقول في كتاب الله تعالى بما ~~لا يعلم، فدل على أن قوله في الكلالة: أقول فيها برأيي، لم يكن قولا في ~~كتاب الله تعالى بما لا يعلم، وأنه قد كان عنده: أن حكم الله تعالى عليه هو ~~ما حصل عليه رأيه واجتهاده، ما لم يكن هناك نص من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (بخلافه) . وأما قول علي - رضي الله عنه -: لعمر - رضي الله عنه -، ~~فإنه لم يقل: إنهم أخطئوا حكم الله تعالى. # وجائز أن يكون مراده: أنهم أخطئوا حقيقة النظير عندي، وهو المطلوب الذي ~~لم يكلفوا إصابته، وعلى أن هذا الحديث إنما يرويه الحسن، والحسن لم يشاهد ~~(هذه) القصة. وكذلك قول عمر - رضي الله عنه -: ما أدري أصبت أم أخطأت؟ هو ~~على هذا المعنى، لأنه لم يقل: لا أدرى أصبت حكم الله تعالى أم لا؟ ومعناه ~~عندنا: أنه لا يدري أصاب الأشبه الذي هو المطلوب، أم لا. # PageV04P338 # وأما امتناع عمر من أن يكتب: هذا ما أرى الله عمر، فإنما كان من جهة أنه ~~لفظ ظاهر، يوهم أنه (قال) من طريق النص، إذ كان ظاهره يقتضيه. كما قال الله ~~تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا ~~تكن للخائنين خصيما} ms783 [النساء: 105] {واستغفر الله} [النساء: 106] ومراده - ~~والله أعلم -: ما نص عليه، وأوحي به إليه. وأما قول ابن عباس: ألا يتق الله ~~زيد؟ وقوله: من شاء باهلته: أن الجد أب، فلا دلالة فيه على ما ذكروا. وذلك: ~~أنه كان يقتضي أن مخالفه في الجد، تارك (لتقوى الله تعالى) ، فإن أحدا من ~~الفقهاء لا يطلق ذلك فيمن يخالف في الجد مذهب ابن عباس. وكذلك قوله: من شاء ~~باهلته، لأن أحدا لا يقول: إن من خالف ابن عباس في الجد استحق اللعن، ولا ~~في شيء من مسائل الفتيا، إلا قوما خارجين عن نطاق الإجماع. وظاهر ذلك ~~عندنا: من قوله: إن أخبر عن استبصاره في اعتقاده أن الجد أب، فإن عنده أنه ~~مصيب - في الحقيقة - النظير، فأخبر بذلك - إعلاما منه للسامعين - بأنه لا ~~شبهة عليه فيه، وأنه غير متوقف فيه، ولا ناظر. # ولو باهل لكانت مباهلته منصرفة إلى أن هذا عندي كذا، وهذا جائز فيه ~~المباهلة على هذا الوجه. (فلا دلالة فيه على أنه كان يرى مخالفيه في ذلك ~~مخطئين للحكم الذي تعبدوا به) . وكذلك: ما روي عن ابن مسعود: من شاء ~~باهلته، أن قوله تعالى: {وأولات الأحمال # PageV04P339 # أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] نزل بعد قوله تعالى: {أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] ، إنما (هو) إخبار عن علمه بتاريخ نزول السورتين، ~~ومعنى المباهلة فيه متعلق بما كان عنده، وراجع إلى علمه دون غيره. وأما قول ~~عمر لعبد الرحمن: لو قلت غير هذا لرأيت أنك لم تصب، فإن معناه: أنك لم تصب ~~عندي حقيقة النظير، الذي هو الأشبه عندي، على النحو الذي قلنا. وأما قوله ~~لأبي هريرة في فتياه: لو قلت غير هذا لأوجعتك، فإنما أراد به نهيه عن ~~الإقدام على الفتيا والتسرع في الجواب، إذ لم يكن عنده من الفقهاء الذين ~~يجوز لهم الإقدام على ما يسأل عنه، من غير رجوع منه إلى إمامه، أو إلى ~~مشاورة قوم من ذوي الفقه. # سؤال: - ومما يسأل أيضا: من أين هذا المذهب؟ أن القول بأن كل مجتهد مصيب ~~يؤدي إلى ms784 تضاد الأحكام وتنافيها، وإلى ما يستحيل ورود العبارة به من الله ~~تعالى. وذلك لأن المستفتي إذا سأل أحد المجتهدين عمن قال لامرأته: أنت علي ~~حرام فأجابه بوقوع البينونة. وسئل آخر: فأجابه فيها ببقاء الزوجية، ومعلوم: ~~أن عليه المصير إلى قول المفتين، فيوجب هذا عليه اعتقاد التحريم والإباحة ~~جميعا في حال واحد، في شيء واحد، وأن يكونا جميعا حكما لله تعالى، ويلزمون ~~على ذلك تجويز أن يبعث الله تعالى نبيين، فيأمر أحدهما بإيجاب حظر المرأة ~~وتحريمها على هذا الرجل، ويأمر الآخر بإباحتها له بعينه في وقت واحد، فيكون ~~فرج واحد محظورا مباحا، على رجل واحد، في وقت واحد ولو جاز ذلك في نبيين ~~يأمرانه بذلك، لجاز أن يأمر نبي واحد، بأن يقول له: هذا محظور عليك، ومباح ~~لك في حال واحدة، وهذا عين المحال، يمتنع وجود مثله في أحكام الله تعالى. ~~قالوا: ويوجب تجويز ما ذكرنا في النبيين: أن يكون إن أخذ بقول أحدهما ~~مخالفا للآخر فقد أبيح له إذا مخالفة أمر أحد النبيين. قالوا: وينبغي على ~~هذا أيضا: أن يكون المجتهد لو وقع له دليل الحظر ودليل الإباحة # PageV04P340 # جميعا، ولم يبن أحد الوجهين عنده من الآخر بضرب من الرجحان: أن يعتقد ~~الحظر والإباحة في حال واحدة في شيء واحد. فلما استحال ذلك، علمنا أن حكم ~~الله تعالى واحد (منهما) ، وأن أحد المجتهدين مخطئ لا محالة، إذا لم يكن في ~~المسألة إلا قولين، وإن كان فيها جماعة أقاويل جاز أن يكون القولان جميعا ~~خطأ، والصواب في قول ثالث غيرها. # الجواب: أن شيئا مما ذكره هذا السائل غير لازم للقائلين بالاجتهاد على ~~النحو الذي ذكرنا، وإنما غلط السائل على مذهب القوم، فظن فيه شيئا صادف ظنه ~~غير حقيقة المذهب، فأخطأ عليهم في الإلزام، وذلك لأن من أصلهم أن كل مفت ~~أفتى بشيء طريقه الاجتهاد، فإنه لا يلزم المستفتي اتباع فتياه ومذهبه، ~~فإنما يقول له: إذا تساوى عندك حال الفقيهين، فأنت مخير في قبول فتياي أو ~~تركها، وقبول فتيا غيري، فإن أخذت بقولي، ms785 واخترته فعليك فيه كيت وكيت. وإن ~~اخترت قبول قول غيري - ممن يقول بضد مذهبي - لم يلزمك اتباع قولي، وكان حكم ~~الله تعالى عليك ما أفتاك به دون فتياي. فإذا أفتاه المفتيان وهما مختلفان، ~~فإن يصدر فتيا (كل) واحد منهما عن قائلها على هذه الشريطة، فيكون المستفتي ~~مخيرا بين أحد القولين، فأيهما اختاره كان ذلك حكمه الذي عليه، دون غيره، ~~ويكون الوطء الذي يجامع قبوله من الحاظر منهما، غير الوطء الذي يجامع قبوله ~~من المبيح، إذا أفتاه أحدهما بحظر وطء المرأة، وأفتاه الآخر بإباحته، فصار ~~كل واحد من الحظر والإباحة متعلقا بمعنى غير ما تعلق به الآخر، وهذا يجوز ~~ورود النص به. وكذلك نقول في النبيين: جائز أن يبعثهما الله تعالى: أحدهما ~~بحظر شيء، والآخر بإباحته، على شريطة أن المأمور مخير بين التزام أحد ~~الحكمين، ولا يقول له واحد من النبيين: إن هذا الشيء محظور عليك حظرا باتا، ~~بل يقول له: إن اخترت المصير إلى هذا # PageV04P341 # القول لزمك حكمه، ولك أن لا تختاره، وتصير إلى قول النبي الآخر، فحينئذ ~~يلزمك ما يختاره، ويجوز ورود العبارة بمثله على لسان نبي واحد أيضا. بأن ~~يقول: أنت مخير بأن تلزم نفسك أحد الحكمين من حظر أو إباحة. ألا ترى: أنه ~~قد يجوز ورود النص فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام، بأن يقال (له) : أنت ~~مخير بين أن تجعله طلاقا، أو لا تجعله كذلك. # فإن جعلته طلاقا كانت محرمة، وإن لم تجعله طلاقا لم تحرم عليك. كما أن ~~الرجل مخير قبل أن يقول شيئا بين أن يحرم امرأته بالطلاق، وبين أن لا ~~يحرمها، فيكون على حالها، وهو مخير بين أن يحرم أمته بالعتق، وبين تركها ~~على الإباحة والرق. وإذا كان جائز ورود النص بمثله على وجه التخيير، جاز أن ~~يفرضه من طريق الاجتهاد، ويكون ورود الإباحة والحظر جميعا على هذه الشريطة ~~حكما لله تعالى، كما خير النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر نسائه بقوله ~~تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: ms786 51] . وأما قوله: ~~إن ذلك يوجب مخالفة أحد النبيين إذا صدر الأمر من كل واحد منهما على الوجه ~~الذي ذكرنا. فإنه إن كان مراد السائل بذكر المخالفة مخالفة أمره فلا، وإن ~~أراد مخالفة الفعل فجائز، وإنما لم يكن مخالفا، لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد عقد أمره بشريطة اختيارك له، دون اختيار (أمر) النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الآخر. فإذا اختار أمر النبي الآخر، لم يكن مخالفا لأمر الله ~~تعالى. # PageV04P342 # وأما مخالفة الفعل: فجائز إذا صادف موافقة الأمر. ألا ترى أن المسافر إذا ~~صلى ركعتين، وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مقيم أربعا، كان مخالفا ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله، وكان ذلك جائزا له، لأنه لم يخالفه ~~في أمره. وقد سألوا في نحو هذا، بأن قالوا: ألا يخلو كل واحد منهما بأن ~~يكون ناهيا للمأمور عن قبول قول الآخر أو لا؟ فإن لم يكن ناهيا عن ذلك فهو ~~له مبيح، أو أن يكون ناهيا عن ذلك، فيكون اتباع كل واحد منهما معصية للآخر. ~~فنقول له: إن ههنا قسما ثالثا، قد ذهب عليك أمره، وهو أن كل واحد منهما ~~إياه معقول بشريطة اختيار المأمور إياه، فإن اختاره كان منهيا عن حكم آخر ~~غيره، وإن اختار ما قاله النبي الآخر كان الذي عليه من الحكم ما اختاره، ~~وكان منهيا عن إمضاء حكم آخر غيره على نفسه. # وإذا كان مصدر الأمرين من النبيين على هذه الجهة، سقط اعتراض السائل لما ~~ذكر، وكانت المسألة مستمرة على أصل القوم. فإن قال قائل: إذا كان دليل ~~الإباحة يوجب إباحتها، ودليل الحظر يوجب حظرها، صار كل واحد من الدليلين ~~بمنزلة نص، لو ورد على هذا النص من غير تخيير، لأن الدلالة في واحد منهما ~~لم يقتض التخيير. وإيجاب التخيير ضد موجب الدليل جميعا. وغير جائز ورود ~~النص على هذا الوجه، وهما ثابتا الحكم، وإنما يجوز ورود النص بذلك على جهة ~~نسخ أحدهما بالآخر. فأما ورودهما معا على هذا الوجه فمحال. فكذلك غير جائز ~~ورود ms787 الدليل، لأنهما إذا وردا كذلك لا يوجبا تخييرا. قيل له: قد بينا فيما ~~سلف: أن دلائل أحكام الحوادث ليست موجبة لمدلولاتها، وأنه # PageV04P343 # يجوز وجودها عارية عن مدلولها، وإنما تتعلق الأحكام بها، على معنى أنها ~~جعلت علامة (لها) وسمة، كدلالات الأسماء على ما علق بها من الأحكام. وإذا ~~كان هذا هكذا، لم يمتنع دليل الحظر والإباحة على الوجه الذي ذكرنا، ~~ويتساويا جميعا في نفيه، فيكون مخيرا في إمضاء الحكم بأيهما شاء، منفرا على ~~جهة الجمع بينهما. والكلام في حكم الدليلين إذا تساويا عند المجتهد على هذا ~~الوجه، لما صارا موجبين للتخيير من مقتضى كل واحد منهما عند الانفراد، خارج ~~عن مسألتنا. ومتى قلنا للمسائل: إن الدلالة قد قامت عندنا على أن التخيير ~~في هذه الحال من حجم موجب الدليلين إذا تساويا عنده، سقط سؤاله، وصار ~~الكلام في مسألة أخرى غير ما نحن فيها. ونحن نبين وجه إيجاب التخيير عند ~~تساوي جهة الحظر وجهة الإباحة في نفس المجتهد، وإن لم يلزمنا ذلك للسائل ~~بحق النظر. فنقول: قد علمنا عند رجحان أحد القولين عند المجتهد: أن الموجب ~~كان للترجيح هو الاجتهاد، فمتى زال ترجيح الاجتهاد له، وصار الاجتهاد موجبا ~~للتسوية بينهما، استحال إثبات الترجيح مع نفي الاجتهاد له، وهو إنما يصير ~~إلى الحكم من طريق الاجتهاد، لأنه يكون نفي موجب للاجتهاد، إذا كان ~~الاجتهاد قد أوجب التسوية، فانتفى بذلك إثبات الترجيح، إذا كان من حيث يثبت ~~يبطل. # ولو جاز نفي التسوية مع إيجاب الاجتهاد لها لجاز نفي الرجحان مع إيجاب ~~الاجتهاد له، وفي إجازة ذلك إبطال الاجتهاد رأسا، فلما بطل هذا، علمنا أن ~~تساوي جهتي الحظر # PageV04P344 # والإباحة يقتضي تخييرا لمن وقع ذلك له، في أن يمضي أي الاجتهادين شاء، ~~فيحكم به دون الآخر، لاستحالة جمعهما (جميعا) في حال واحدة. قال أبو بكر: ~~ومن الناس من يسقط هذا السؤال، ويحيل تساوي جهتي الحظر والإباحة عند ~~المجتهدين. ومن قبله أجاز ذلك (ويقول: ليس بممتنع) في العادة أن يستوي في ~~تدبير الحروب، ومكائد العدو جهتا الإقدام ms788 والإحجام. وقد يتساوى عند المتحري ~~للكعبة الجهات في ليلة مظلمة في بيت مظلم، أو في فلاة في غيم وظلمة. فإذا ~~كان ذلك غير ممتنع فيما وصفناه، وقد يعرفه الإنسان من نفسه، لم يكن لإنكاره ~~وإحالته في مسائل الفتيا وتساوي جهات الإحكام عند المجتهد وجه. فإن قال: ~~فإذا جوزتم للمجتهد تساوي الحكمين عنده، واعتدالهما في نفسه، وأوجبتم به ~~التخيير في هذه الحال، فجوزوا له أن يختار أحد القولين في حال، ثم يعقبه ~~باختيار القول الآخر، والعدول عن الأول إليه، حتى يختار في قوله: أنت حرام، ~~طلاق امرأته، ويختار عتق عبده في لفظ قد اعتدل فيه الرق والحرية، ثم يختار ~~بعد ذلك إمساكها بعد البينونة، ويختار رد العبد إلى الرق بعد الحرية، من ~~غير نظر، ولا فكر، ولا اجتهاد، كما كان له بدءا أن يختار أيهما شاء، إذا ~~كانا عنده متساويين. فكذلك يختار الثاني عقيب الأول، ثم يعود بعده فيختار ~~الأول، لوجود العلة الموجبة لاعتدال القولين عنده. ويلزم أيضا على هذا: أنه ~~إذا آلى من امرأتين، فمضت أربعة أشهر أن له أن يختار في أحدهما وقوع ~~البينونة، بمضي المدة، ولا يختار في الأخرى ونوعها بمعنى المدة، وأن يقيم ~~على نكاحها إلى أن يوقف، ويحرم إحدى امرأتيه بالرضعة الواحدة، ولا يحرم ~~الأخرى إلا بخمس رضعات في حال واحدة. # PageV04P345 # كما يطلق امرأتين فيراجع إحداهما، ولا يراجع الأخرى حتى تبين. وكما أن له ~~إذا حنث في يمينين أن يختار في إحداهما العتق، وفي الأخرى الكسوة، أو ~~الإطعام. وينبغي أن يجيزوا له إذا استفتاه رجلان في الحرام: أن يفتي أحدهما ~~بالطلاق، ويفتي أحدهما بأنه يمين، ليس بطلاق في مجلس واحد، وهما حاضران. ~~قال أبو بكر: الجواب: أنه متى اختار أحد الأمرين لم يجز له العدول عنه، إلا ~~برجحان يبين له في القول الآخر. والكلام في امتناع جواز ذلك خارج عن ~~مسألتنا. ومتى قلنا: إن ذلك ممتنع غير جائز، لدليل قام عليه. فقيل لنا: ما ~~الدليل عليه؟ وما أنكرت أن يكون كسائر ما ألزمناكم التسوية بينه وبينه؟ ms789 ~~فشرعنا في ذكر المعنى الموجب للفرق بينهما، كان ذلك اشتغالا بمسألة أخرى. ~~وعلى أنا مع ذلك لا نخلي السائل عن ذلك، من إسقاط سؤاله من وجه آخر، وهو ~~أنا قد وجدنا في الأصول من أن يكون مخيرا بين شيئين، ثم إذا فعل أحدهما سقط ~~خياره في فعل الآخر. # ألا ترى: أن الإنسان مخير بين طلاق امرأته، وبين تبقيتها على النكاح، ~~ومخير بين أن يراجع المطلقة، وبين أن يتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين. ومخير ~~بين عتق عبده، وبيعه، أو تركه. ومخير بين أخذ ما بيع في شركته، أو جواره ~~بالشفعة، وبين ألا يأخذ، ولا يطلب، فتبطل شفعته. ومخير بين الإقالة، ~~والخلع، ونحوه من العقود، وبين أن لا يفعله، ثم إذا وقع كان مخيرا في ترك ~~إيقاعه من ذلك، سقط خياره في هذه الوجوه، ولم يكن له بعد ذلك العدول إلى ~~الأمر الأول، ولا فسخ ما كان أوقعه، مما كان مخيرا فيه قبل إيقاعه. وكذلك ~~المسافر: مخير أن يصلي ركعتين، أو يدخل في صلاة مقيم، فيصلي أربعا. # PageV04P346 # فإن دخل في صلاة مقيم سقط خياره، (فإذ قد كنا) وجدنا في الأصول من كان ~~مخيرا بين شيئين، ثم اختار أحدهما وألزمه نفسه (إياه) (وأمضاه) ، لم يكن له ~~الرجوع عما أمضاه، ولا العدول إلى آخر، فقد بطل أن يستدل بوجوه خياره قبل ~~الاختيار والإيقاع على بقاء خياره في فسخ ما أوقع (و) العدول عنه إلى غيره. ~~وسقط بذلك سؤال السائل لنا: بأنه لما كان مخيرا في الابتداء وجب بقاء ~~خياره، ما لم يحدث هناك عنده ترجيح لأحد القولين. ولم يصح أن يجعل الخيار ~~الذي يصدر له عن الاجتهاد عند تساوي الجهتين من القبيل الذي ذكره من كفارات ~~الأيمان، مما لا يمنع اختياره (لأحد أشياء) ، من بقاء خياره دون أن يجعله ~~من القبيل الذي ذكرنا من الأمور التي يكون له فيها الخيار، ثم إذا أوقع ~~أحدهما سقط خياره، ولم يكن له العدول إلى الآخر. # ومع ذلك فإنا نذكر المعنى المسقط للخيار إذا اختار أحد الأمرين. وإن ms790 لم ~~يلزمنا للسائل. نحق النظر إذ كان الفرض حصول الفائدة. فنقول: إن ما ذكرنا ~~من امتناع جواز ذلك معنى قد انعقد به إجماع أهل العلم، وذلك لأن الناس في ~~هذا على أقاويل ثلاثة: منهم: من أبى وجود تساوي القولين عنده، (ويقول: لا ~~بد من رجحان أحدهما عنده، فيلزمه المصير إليه دون الآخر) ومنهم: من يقول ~~يصح وجود تساوي القولين عنده، إلا أنه مع ذلك يجب عليه التوقف على إمضاء ~~الحكم بأحدهما، حتى يبين له رجحانه. # PageV04P347 # ومنهم من يقول: يختار أيهما شاء، فأيهما اختاره لم يجز له العدول عن ~~الآخر، إلا بضرب من الرجحان، يوجب له العدول عنه. فقد انعقد إجماع الجميع، ~~بامتناع جواز انتقال ما اختاره عند تساوي جهات الاجتهاد عنده إلى غيره، من ~~غير رجحان في ذلك القول، يوجب له العدول إليه عن الأول. فمتى أجزنا له ~~التقلب في الاختيار من غير طريق نظر ولا رجحان، كان ذلك خروجا عن نطاق ~~الإجماع. وجهة أخرى: وهي (أن) التنقل في الرأي والاختيار مع تقارب الحال ~~وسرعة المدة، فعل مذموم عند العقلاء، إذا لم يكن هناك سبب يدعو إليه، ~~والمعنى على شاكلة واحدة، ولزوم طريقة واحدة، أحسن عندهم في الأخلاق، ~~والسير، والسياسات، من التنقل في الآراء ويسمون من يفعل ذلك ذا بدوات، ~~يذمونه به، وتقل الثقة برأيه والاستنامة إلى اختياراته. فلما كان ذلك كذلك، ~~صار حصول هذا المعنى موجبا للقول الذي اختاره ضربا من الرجحان، ووجها من ~~الاختصاص في كونه أولى بالإثبات. # ومعلوم أن وجود الرجحان فيه لأحد الوجهين في الابتداء يوجب كونه أولى، ~~وكذلك إذا حصل له بعد اختياره إياه ما ذكرنا من وجوه الرجحان، أوجب ذلك ~~كونه أولى من الآخر، ولم يجز له بعد اختياره الآخر العدول إليه. من جهة ~~أخرى: إن التنقل في الرأي والتقلب في الاختيار مع قرب المدة وسرعة الوقت من ~~غير سبب أوجبه، يوجب الظنة بصاحبه، والتهمة له في إيقاع الهوى، واختيار ~~الميل إلى أحد الخصمين دون الآخر، بما تسلق به على إيثاره الهوينا في أمر ms791 ~~الدين، وعلى فساد العقيدة. والإنسان منهي عن فعل ما يطرق على نفسه هذه ~~الوجوه. وربما تسلق أيضا بتجويز ذلك بعض من لا دين له، ممن يتعاطى ذلك من ~~الحكام # PageV04P348 # والفقهاء، إلى اتباع الهوى، والجهل به إلى أحد الخصمين، ويجعله ذريعة إلى ~~أخذ الرشوة، واستيكال الناس به، كما قد رأينا كثيرا من أهل هذا العصر ~~يفعلونه، ثم يوهم مع ذلك أنه إنما فعل ذلك، لأنه مسوغ له في الدين، وأن ~~اجتهاده قد أجاز له ذلك. فلما كان جواز ذلك مؤديا إلى هذه المستنكرة علمنا ~~فساد قول القائل به، وليس كذلك كفارة اليمين وما ورد به النص في التخيير، ~~من قبل أنه لا يلحقه ظنة ولا تهمة باختياره بعض ذلك دون بعض. وسائر الوجوه ~~المانعة ذلك في باب الاجتهاد معدومة فيه، فلذلك جاز له النقل في الاختيار ~~من غير رؤية ولا نظر. ومن الناس من يقول: إن المخير في إيقاع أحد الأشياء ~~لا يصح منه اختيار بعض ذلك دون بعض، إلا (بجاذب - يجذبه) إليه، وداع يدعوه ~~إليه، وبمعنى يتفرد به مما سواه، كنحو من يدعوه داع من نفسه إلى اختيار ~~الطعام، لأنه يراه أسهل مطلبا (وأولى) بسد الجوعة. أو اختيار العتق، لأنه ~~أعظم أجرا، أو الكسوة، لأنها تنفع في وجوه لا يسد فيها مسدها غيرها، من ستر ~~العورة، والزينة، وما جرى مجرى ذلك. # وإذا كان ذلك كذلك، لم يصح أن يختار أحد أشياء مما يساوي جهات الاجتهاد ~~فيه، إلا بضرب من الرجحان، فيلزم حينئذ ملازمته والثبوت عليه، إلى أن يثبت ~~من رجحان الآخر عنده ما يوجب النقل عنه. وينفصل من كفارة اليمين من هذا ~~الوجه بأن تنقل الآراء وتبدل الاختيار في كفارة الأيمان في أحوال متقاربة، ~~غير مستنكر عند العقلاء. والتنقل في اختيار منه يخرجه الاجتهاد، لا يتقارب ~~أوقاتها إذا كان عن نظر وفحص، وإذا # PageV04P349 # ظهر منه التنقل في وقت قريب المدة أوجب ذلك سوء الظنة به، والتهمة بإيثار ~~الهوى، والانتقال عن مذهب كان عليه من غير سبب أوجب انتقاله، فلذلك امتنع ms792 ~~الانتقال فيه من قول إلى قول، من غير حادث من نظر يدعو إليه. وأيضا: فإن ~~هذا السؤال يرجع على سائله من حيث سأل، لأنه لا يخلو من أن يكون من نفاة ~~القياس والقائلين بما يسميه دليلا، أو من القائلين بالقياس، ممن يجعل الحق ~~في واحد، فمن أي الفريقين كان، فهذا السؤال عليه (قائم) في مذهبه، حسب ما ~~أراد إلزامنا إياه. وذلك لأنه يقال له: خبرنا عن المستفتي إذا استفتى رجلين ~~من أهل الفتيا عن مسألة نازلة فاختلفا عليه، فكيف يصنع؟ فإن قال: ينظر في ~~صحة أحد القولين، وفي وجوه دلائله، فيمضيه ويحكم به. قيل له: فإنه عامي ~~جاهل، ولا يصير كذلك إلا بعد العلم بالأصول، والمعرفة بطرق الاستدلال، وهو ~~غلام قد بلي بالحادثة في أول حال بلوغه، أو امرأة (قد) بليت بحادثة في أمر ~~الحيض والاستحاضة بأمرها بما يتعلم الأصول والتفقه فيها، حتى يصيرا من أهل ~~الاجتهاد والنظر، ويهملا أمر الحادثة، وعسى أن لا يبلغا هذا الحال أبدا. ~~وهذا قول ساقط، مرذول، خارج عن نطاق الإجماع، وقد بيناه فيما سلف، فثبت أن ~~على المستفتي قبول قول أحد المفتيين إذا تساويا عنده في اجتهاده في العلم ~~والدين والثقة. # فيقال لهذا السائل: فما تصنع إذا اختلفا عليه فأفتاه أحدهما بالحظر ~~والآخر بالإباحة؟ . # PageV04P350 # فإن قال: هو مخير (في أن يأخذ) بقول أيهما شاء. (قيل له) : فإن أخذ بقول ~~أحدهما وألزمه نفسه، هل يسوغ له الرجوع عنه إلى قول الآخر ونسخ القول ~~الأول؟ فإن قال: نعم. أجاز ما أنكره في سؤاله إيانا، وهذا يوجب سقوط سؤاله. ~~فإن قال: لا. قلنا: مثله فيما سأل، وسقوط سؤاله أيضا. ومما سألوا عنه في ~~ذلك: الرجل يقول لامرأته أو لعبده، كلمة ليست عنده بطلاق، ولا عتاق، وعند ~~المرأة والعبد أنها طلاق وعتاق. وطريقه الاجتهاد، فيوجب قولكم على المرأة ~~الامتناع عليه، ويوجب على الزوج إباحة وطئها، ويوجب على العبد الامتناع من ~~استرقاقه، ويجيز للمولى استرقاقه، وهذا يؤدي إلى التمانع والفساد، وغير ~~جائز ورود العبارة من الله تعالى بمثله. والجواب ms793 عن هذا: أن هذا إذا كان ~~على هذا، فعلى العبد والمرأة الامتناع عليه، حتى يختصما إلى حاكم يحكم ~~بينهما بأحد شيئين، فحينئذ يلزمهما اتباع حكمه، وترك رأيهما لرأيه (فلا ~~يكون في ذلك) تمانع، ولا فساد، ولا تنافي في الأحكام، ولا تضاد. ثم نقلب ~~عليهم هذا السؤال في رجل له أمة مقرة بالرق، معروفة أنها له (إذا) أعتقها ~~بحضرتها ولم يعلم بذلك غيرها، ثم مات الرجل، وله ابن لم يعلم بعتقها. أليس ~~من قولك وقول الناس جميعا: إنه جائز للابن استرقاقها، ووطؤها، وواجب عليها ~~الامتناع، فيه فهل أوجب ذلك تضادا في الحكم؟ فإذ كان وقوع مثله جائزا فيما ~~انعقد به الإجماع، فما أنكرت من مثله فيما طريقه الاجتهاد؟ # فإن قال قائل: فإذا كان حكم الحاكم عليه بخلاف رأيه يوجب عليه ترك رأيه ~~إلى رأي الحاكم. فهلا دل ذلك على أنه غير مصيب في اجتهاده؟ لأنه لو كان ~~كذلك لما جاز ترك الصواب إلى غيره. # PageV04P351 # قيل له: لما انعقد إجماع السلف والخلف بذلك فيما طريقه الاجتهاد، وصار ~~حكمه حينئذ ما حكم به الحاكم دون ما أداه إليه اجتهاده، كما لو بان له ضرب ~~من الرجحان في خلاف قوله الذي اعتقده، وجب عليه الانتقال إليه، وكان ذلك ~~حكمه الذي تعبد به دون الأول. # ومن سؤالاتهم في ذلك: أنه لو كان كل مجتهد مصيبا، لما جاز لكل واحد من ~~المجتهدين أن يقول: قولي أصوب، وأولى من قول مخالفي، ولما كان دعاؤه للناس ~~إلى قوله بأولى من دعائه إلى قول مخالفيه. فلما وجدنا كل واحد من المجتهدين ~~إنما يدعو إلى قول نفسه دون قول مخالفيه، ويزعم أن قوله أولى من قولهم ~~وأصوب، دل ذلك على أنه إنما ساغ له ذلك، لأن عنده أنه هو المصيب وأنهم ~~مخطئون. وأيضا فلو كان كل مجتهد مصيبا، لارتفعت المناظرات من المجتهدين، ~~لأنه غير جائز له أن يناظر ليرده عن صوابه، إذ غير جائز لأحد أن يرد غيره ~~عن صواب هو عليه. وأيضا: فإن هذا يوجب بطلان مراتب العلماء، ويمنع ms794 أن يكون ~~بعضها أعلى من بعض، إذ كان كل واحد منهم مصيبا لحكم الله تعالى لأن اختلاف ~~مراتب العلماء متعلق بكثرة إصابة أحكام الله تعالى فيما طريقه الاجتهاد. ~~الجواب: أما الفصل الأول في جواز تخطئة كل واحد منهم لمخالفيه وتصويبه فإنه ~~غير جائز لواحد من المجتهدين تخطئة مخالفه فيما كان طريقه الاجتهاد، كما لا ~~يجوز للمسافر تخطئة المقيم في مخالفة فرضه لفرضه. وكما لا يجوز للطاهر ~~تخطئة الحائض، لأن فرض كل واحد منهم غير فرض صاحبه، كذلك كل واحد من ~~المجتهدين، فإن فرضه ما أداه إليه اجتهاده، فغير جائز له تخطئة صاحبه في ~~اعتقاده. # PageV04P352 # وجائز أن يقول: قولي أولى وأصوب، بعد أن يعتد بشريطة ما عنده فيقول: هو ~~عندي أصوب وأولى، لأنه يرجع فيه إلى المطلوب الذي هو الأشبه عنده، فيقول: ~~هو عندي أصوب، لأن في اجتهادي أن حكم هذا هو الأشبه، ولا يجوز أن يقول: إن ~~الأصوب والأولى لمخالفي اتباع قولي، ولا الرجوع إلى اجتهادي، فلا يقول ~~أيضا: إن الأصوب عند من خالفني خلاف ما أداه إليه اجتهاده. وأما دعاؤه ~~مخالفيه إلى قوله ومذهبه، فإنه غير جائز له أن يدعوهم إلى ذلك: إذا كانت ~~مقالاتهم قد صدرت عن اجتهاد، ويجوز له أن يدعوهم إلى النظر والمقاييس، وفيه ~~ضروب من الفوائد - مع كون الجميع مصيبين -. منها: أنا قد بينا فيما سلف: أن ~~الاجتهاد من المجتهدين في أحكام الحوادث على ضربين: # أحدهما: الاستقصاء في النظر والمبالغة في الفحص. # والثاني: اجتهاد دون ذلك، قد يجوز له الاقتصار عليه، وأن المبالغة في ~~النظر أقرب إلى إصابة الأشبه، وأولى بمصادفة المطلوب، وهو الذي يستحق به ~~الأجرين - على ما جاء في الخبر - وأن ما دونه أبعد من موافقة النظير وإصابة ~~المطلوب، وأنه قد يغلب في ظن المجتهد (إصابة المطلوب) وهو الذي يستحق به ~~(الأجر) الواحد. وإذا كان هذا على ما وصفنا، جاز لأحد المجتهدين دعاء ~~مخالفه إلى المبالغة في النظر واستقصاء وجوه المقاييس، لأن عنده أنه قد حل ~~بهذا المحل، وأنه قد أصاب حقيقة النظير ms795 عنده، فيدعو إلى ذلك، ليستحق ~~الأجرين، وهذا وجه سائغ (جائز) # PageV04P353 # ووجه آخر: وهو أن عليه أن يبين للعلماء وجه ما ذهب إليه، ليزول عنه الظنة ~~في اتباع الهوى، وإيثار الهوينا من غير مقايسة ولا نظير، وأن ما انتحله وجه ~~يسوغه الاجتهاد، ويجوز اعتقاده من الوجه الذي ذهب إليه. وأما قوله: إن هذا ~~القول يوجب تساوي العلماء في رتبة العلم، وأن لا يفضل بعضهم بعضا، إذ كلهم ~~مصيب لحكم الله تعالى: فإنه غير موجب لما ذكر، لأن الاجتهاد إذا كان على ~~مراتب: منه: ما يصادف (به) حقيقة المطلوب (ومنه ما يقصر دونه، جاز أن ~~يتفاضل العلماء فيه، وكل من كان أكثر موافقة للمطلوب) كان أعلى رتبة فيه، ~~وإن لم يعلم كل واحد منهم أنه مصيب للمطلوب الذي هو الأشبه. وأيضا: فليس ~~العلم كله مقصورا على الاجتهاد، حتى إذا تساوى المجتهدون في أن كلا منهم ~~مصيب، وجب الحكم بتساويهم في مرتبة العلم، وذلك لأن المجتهدين قد يكون ~~أحدهما أعلم بالأصول أنفسها، ومواضع النصوص والاتفاق، وقد يكون أعرف بوجوه ~~الاستدلال، ورد الحوادث إلى النظائر والأشباه، ووجوه التأويلات، واحتمال ~~اللفظ للمعاني، وبحكم الألفاظ ومقتضاها من المعاني. فإذا كانت منازل ~~العلماء قد تتفاوت في هذه الوجوه، فلم يلزمنا إسقاط مراتب العلماء بتصويبنا ~~المجتهدين، إذا كانت منازلهم قد تتفاوت في الوجوه التي ذكرنا؟ . فإن قال ~~قائل: فما تقول في المطلوب الذي هو الأشبه عند الله تعالى؟ تقول: إنه حكم ~~الله تعالى في الحادثة؟ فإن كان ذلك كذلك فواجب أن تقيم الدليل عليه، وتجعل ~~للمجتهد سبيلا إلى العلم به، وإن لم يكن هو حكم الله تعالى فلا معنى ~~لتكليفهم طلبه، لأنه غير جائز أن يكلفهم # PageV04P354 # طلب ما ليس بحكم الله تعالى في الحادثة. # قيل له: (نقول) : إن الأشبة هو حكم الله تعالى على من صادفه باجتهاده. ~~ومن لم يصادفه باجتهاده فحكم الله تعالى عليه ما استقر عليه رأيه، وليس ~~واحد من المجتهدين مكلفا لإصابة الأشبه، وإنما هو مكلف للاجتهاد في (تحري) ~~موافقة الأشبه عنده، فلا يجوز إطلاق ms796 القول: بأن الأشبه عند الله تعالى هو ~~الحكم الذي تعبدنا به. ولا يطلق أيضا أنه ليس هو الحكم، لأنه إنما يكون ~~حكما بالإضافة والتقييد على الشريطة التي ذكرنا. وهذا كما نقول للمتحري ~~للكعبة، ولرامي الكافر: إنه لا يجوز إطلاق القول: بأن إصابة محاذاة الكعبة، ~~وإصابة الكافر حكم الله تعالى عليه، ولكنا نقيده فنقول: هو مكلف للاجتهاد ~~والارتئاء في محاذاة الكعبة، وإصابة الكافر، فإن أصابهما كان حكم الله ~~عليه، وإن أخطأهما كان حكم الله عليه ما فعله، لا غيره. فإن قال قائل: إذا ~~كان المجتهدون مصيبين لما كلفوا، فما أنكرتم أن يجتهد مجتهد فيعتقد أنكم ~~مخطئون في إجازة الاجتهاد والقياس، فيكون مصيبا، وأن يكون الخوارج ومن ~~استحل دماءكم مصيبا، إذا قاله عن اجتهاد رأيه. قيل له: قد بينا فيما سلف: ~~أنه ليس كل الحوادث طريقها الاجتهاد، وغالب الظن، وأن منها ما لله تعالى ~~عليه دليل قائم، يأثم مخطئوه والعادل عنه (ومنها: ما لا يجوز) الاجتهاد ~~فيه، ويخطئ القائل به، قول من أبي جواز الاجتهاد في الأحكام. وكذلك مذهب من ~~استحل دماءنا من طريق التأويل: قد قامت الدلالة ببطلان قوله إذا لم يكن ~~طريقه الاجتهاد، على النحو الذي ذكرنا. # PageV04P355 # وقد يجوز عندنا إباحة الدم بالاجتهاد، ويجوز حظره أيضا من هذه الجهة، ~~فيما لم ينصب لنا عليه دليل قاطع. # ألا ترى: أنا نجوز الاجتهاد في قتل المسلم بالذمي، ونسوغ الاجتهاد في ~~حظره، فيكون الفريقان جميعا مصيبين. وإنما (لا) يسوغ ذلك فيما قامت الدلالة ~~فيه بأحد الوجهين، فيذهب ذاهب عن وجه الدلالة لشبهة تدخل عليه، فيكون ~~مخطئا، ثم يختلف مراتب المخالفين لنا فيه في باب المأثم، وعظم الخطأ، على ~~حسب ما يقتضيه الواقع فيه. فإن قال قائل: فما تقولون فيمن وافقكم على إباحة ~~الاجتهاد في الأصل، وخالفكم في تصويب المجتهدين، وزعم أن الحق في واحد، ~~والمصيب واحد من المختلفين؟ هل تجعلون مذهبه هذا (من) باب الاجتهاد، ~~وتصوبونه فيه؟ فإن كان كذلك فهو يشهد عليهم بالخطأ في تصويبكم المجتهدين، ~~وقوله صواب، وهذه القضية تقتضي منكم ms797 القول بخطأ قولكم، من حيث صوبتم من قال ~~فيه بتخطئتكم. وإن لم تسوغوا لهم القول: بأن الحق في واحد، لزمكم (الحكم ~~بتأثيمهم) على حسب ما التزمتموه من نفي القول بالاجتهاد رأسا. قيل له: لا ~~فرق عندنا بين القائلين بنفي الاجتهاد رأسا، وبين من نفى تصويب المجتهدين ~~فيما وصفنا، ولا يسوغ عندنا الاجتهاد في هذه المقالة، كما لا يسوغ في نفي ~~الاجتهاد والقياس. والحكم بتأثيم الجميع واجب عندنا، وهما بمنزلة سواء في ~~هذا الوجه، لأن الدلالة التي دلت من جهة الآثار وفعل الصحابة على جواز ~~القول بالقياس والاجتهاد: هي بعينها دالة على تصويب المجتهدين، على النحو ~~الذي ذكرنا، فالحكم بتخطئة الفريقين وتأثيمهما واجب. # PageV04P356 # سؤال: إن قال قائل: هل يخلو القائل لامرأته: أنت علي حرام، من أن يكون ~~طلاقا، أو ليس بطلاق؟ فإن كان في نفسه طلاقا، فالواجب أن يقع الاجتهاد فيه ~~ساقطا. وإن لم يكن في نفسه طلاقا فكيف يصير طلاقا بالاجتهاد؟ . الجواب: إن ~~قوله: أنت علي حرام ليس طلاقا في نفسه، وإنما يصير طلاقا بحكم الله تعالى ~~بإيقاع الطلاق به. # فإن قيل: فما حكم الله تعالى في هذا القول؟ قيل له: لا يجوز إطلاق القول ~~فيه بحكم بعينه، لأن كل مجتهد فحكم الله تعالى عليه فيه ما أداه إليه ~~اجتهاده. فمن غلب في ظنه أنه طلاق حكم بأنه طلاق، ومن غلب في رأيه غير ذلك ~~كان حكم الله تعالى فيه ما غلب في رأيه. وإذا كان هذا هكذا، لم يجز إطلاق ~~القول فيه: بأنه طلاق إلا على التقييد والشرط الذي ذكرنا. فإن قال: قد ~~أعطيتم القول فيه بأنه ليس بطلاق في نفسه، فكيف يجوز أن يلزمه الله تعالى ~~حكم الطلاق بلفظ ليس بطلاق؟ قيل له: جائز ورود العبارة بإلزام الطلاق بما ~~ليس بطلاق في نفسه. ألا ترى: أنه كان جائزا أن يحكم الله تعالى، بأن من قذف ~~امرأته طلقت منه، أو بأن من كذب كذبة طلقت منه امرأته. وقد حكم الله تعالى ~~عندنا بأن فرقة اللعان طلاق، فليس اللعان طلاقا ms798 في نفسه، وفرقة المجبوب ~~طلاق في الحكم، وإن لم يكن هناك لفظ من الزوج في إيقاع الطلاق. فإن قال: ~~حكم هذه المرأة عندكم أمباحة هي أم محظورة؟ قيل: إن جميع ذلك متعلق باجتهاد ~~المجتهدين على الشرط الذي قدمنا، (فلا نطلق القول: بأنها مباحة أو محظورة، ~~إلا على الشريطة التي قدمنا) . # PageV04P357 # فإن قال: فما الفرق بينكم وبين أصحاب الظنون، ومن أنكر حقائق الأشياء، ~~وزعم أنه لا حقيقة لشيء إلا على حسب تعلقه باعتقادات المعتقدين فيه على ~~اختلافها، وأن كل شيء من ذلك حق عند القائل به ومعتقده، ولا حقيقة لشيء منه ~~في نفسه. قيل له: الأصل في ذلك أن الظنون قد يجوز تعلقها بأمر واحد في حال ~~واحدة، على وجوه مختلفة. وجائز أن يلزم كل ظان منهم حكما مخالفا لحكم ~~الآخر، إذ ذلك مصلحة كما قلنا في المتحري للكعبة، ولرمي الكافر، وتقويم ~~المستهلكات والنفقات، ونحوها. ونحو رجلين التقيا ليلا فغلب في ظن كل (واحد) ~~منهما أن صاحبه قاصد لقتله، قد أبيح لكل واحد منهما العمل على (ما غلب) في ~~ظنه، وقتل صاحبه على وجه الدفع، وجميعا مطيعان فيما يأتيانه، مصيبان لحكم ~~الله تعالى عليهما. إذ كان حكم كل واحد منهما متعلقا بالظن دون اليقين. ~~وحقيقة العلم قد تعبد الله تعالى الحكام بقبول شهادة من غلب في ظنونهم عند ~~التهم، وإلغاء شهادة من غلب في ظنهم فسقه، فكان جميع ذلك أحكاما متعلقة ~~بالظنون، قد ورد (به نص) الكتاب والسنة وإجماع الأمة. واختلاف الظنون فيها ~~لم تؤثر في حقائقها. # وأما العلوم فليست هذه سبيلها، لاستحالة أن يتعلق بالشيء الواحد علمان ~~متضادان في حال واحدة. # ألا ترى: أنه لا يصح أن يعلم شيئا واحدا، هذا موجودا وهذا معدوما كما لا ~~يجوز أن يكون شيء واحد موجودا أو معدوما في حال واحدة، وجائز أن يظنه هذا ~~موجودا، ويظنه آخر معدوما، فيصح وقوع الظن من كل واحد منهما على وجهين ~~متضادين. # PageV04P358 # ولا يصح به علمان مختلفان في إنزاله على حقيقتين مختلفتين، كما يصح ظنان ~~موجبان له ms799 حكم مختلفين، لاستحالة أن يكون للشيء (الواحد) حقيقتان مختلفتان، ~~فعلمان بعلمين مختلفين. ثم يقلب هذا السؤال عليه، فيقال له: خبرنا عن الظهر ~~أهي أربع؟ وعن الإفطار في رمضان هل هو مباح؟ وعن النساء هل عليهن صلاة؟ . # فإن قال: لا. خرج عن المسألة. وإن قال: نعم. أخطأ في إطلاق اللفظ عند ~~الجميع. # فإن قال: (لا) يصح إطلاق القول بشيء من ذلك، وإنما يقال فيه بالإضافة ~~والتقييد، فيقال: إن الظهر أربع ركعات على المقيم، وركعتان على المسافر، ~~والإفطار مباح في رمضان للمسافر والمريض، محظور على الصحيح المقيم، والطاهر ~~من النساء عليها فرض الصلاة، وليس على الحائض فرضها. # وإذا كانت (هذه) الفروض وأمثالها مما خالف الله تعالى فيها من جهة النص ~~بين (أن) أحكام المكلفين لا يطلق القول فيها على أحد الوجهين دون الآخر، ~~إلا بتقييد وإضافة وشرط على الوصف الذي قدمنا. # ولم يلزمك على هذا قول أصحاب الظنون والجاحدين لحقائق الأشياء بالإضافة ~~إلى معتقديها. فما أنكرت من مثله فيما طريقه الاجتهاد على الوصف الذي بينا. ~~فإن قال: فهل تخلو هذه المرأة من أن تكون حراما، أو حلالا في علم الله ~~تعالى؟ قيل له: الذي يعلم الله من ذلك هو ما علمناه بعينه، لأن التحليل ~~والتحريم حكم يتعلق بالمكلفين، وما يعلمه الله تعالى منه هو حكمه علينا به. # PageV04P359 # فإن قال: فإذا اعتقد بعضهم فيه الحظر، وبعضهم الإباحة، فقد صار محظورا ~~مباحا في حال واحدة. قيل له: لا يجوز إطلاق القول بأنه محظور، ولا بأنه ~~مباح، لأنه يوهم أن الحظر والإباحة تعلقا به على رجل واحد في حال واحدة، ~~وهذا محال، ولكن يقال بتقييد وشرط: إنه محظور على هذا، ومباح لهذا، على حسب ~~ما يقتضيه اجتهاد كل واحد منهم، كما نقول: فرض الظهر على المقيم أربع، وعلى ~~المسافر ركعتان. فإن قال: إن قال الأول لامرأته: أنت علي حرام، وكان مجتهدا ~~ناظرا، أو مستفتيا مسترشدا، فاستقر اجتهاد المجتهد على أنه طلاق، فاختار ~~المستفتي قبول فتيا من رآه طلاقا، متى تكون المرأة مطلقة، حين قال القول، ms800 ~~أو حين استقر (عنده) حكم الطلاق؟ قيل: إنما نحكم به أنه كان طلاقا وقت فصل ~~من قائله، في سائر أحكامه، من اعتبار العلة من يومئذ، ومن وقوع البينونة، ~~وقطع التوارث، وما جرى مجراه. # فإن قيل: فكيف يصح أن يلزمه في الماضي ما لم يكن لازما له يوم القول؟ قيل ~~له: لأن أمره كان موقوفا على ما ثبت عنده من حكمه، فيكون لازما له يوم ~~القول. ولسنا نقول: إنه لم يلزمه يومئذ بهذا القول شيء، بل نقول: " إنه قد ~~لزمه حكم القول على (الشرط) الذي يتعلق به، ولذلك نظائر كثيرة في الأصول. ~~منها: الرجل يجرح الرجل فيكون حكم جراحه موقوفا على ما يئول إليه، فإن آلت ~~إلى النفس حصل له (القتل الآن بالجراحة المتقدمة. ألا ترى: أن الجارح لو ~~مات ثم مات المجروح كان) حكم القتل ثابتا على الجارح، وإن كان ميتا يوم ~~صارت الجراحة نفسا. # PageV04P360 # فإن قال قائل: خبرني عن المجتهد إذا استقر رأيه على شيء، أيلزمه الحكم ~~بما يغلب في ظنه، من غير أن يلزمه نفسه؟ أو لا يلزمه نفسه بمعنى يحدده؟ قيل ~~له فيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه الحكم بما غلب في ظنه، ولا يحتاج إلى أن ~~يلزمه هو نفسه. والآخر: أن لا يلزمه حتى يلزمه هو نفسه. فمن قال بالقول ~~الأول: ذهب فيه إلى أنه متى غلب (ذلك) في ظنه لم يجز له العدول عنه إلى ~~غيره، فصار بمنزلة من قيل له من جهة النص: أنفذ هذا الحكم، والتزمه، فيلزمه ~~ذلك، ولا يحتاج في صحة لزومه إلى أن يلزمه نفسه. ومن ذهب إلى القول الثاني: ~~ذهب إلى أن ذلك إنما يثبت عنده من طريق الاجتهاد، وقد يعرض له في الحال ما ~~يلزمه الانصراف عنه إلى غيره، فقد يلزمه حاكم خلاف رأيه، فيلزمه المصير ~~إليه، وترك رأيه له، وما كان هذا وصفه لم يلزمه شيء يختار إلزامه نفسه، ~~فحينئذ يلزمه، ولا يجوز له العدول عنه. # PageV04P361 ### | [باب القول في إثبات الأشبه المطلوب في الاجتهاد] # باب: القول في إثبات الأشبه ms801 المطلوب قال أبو (بكر) :، اختلف القائلون ~~بتصويب المجتهدين، وإثبات الحق في جميع (أقاويل) المختلفين، فيما سبيله ما ~~وصفنا من أحكام حوادث الفتيا. (فقال) قائلون: ليس للأشبه حقيقة عند الله ~~تعالى، وإنما الأشبه (ما يغلب) في ظن المجتهد أنه الأشبه، (وكلف إمضاء) ~~الحكم به. # وأما (الأصول) فليس شيء منها أشبه بالحادثة من الوجه الذي يجب ردها إليه ~~من شيء. # وقال آخرون: لا بد (من) أن يكون للأشبه حقيقة معلومة عند الله تعالى من ~~الأصول، يتحراها المجتهد، هو أشبه الأصول بالحادثة، من الوجه الذي يقتضي ~~الرد إليه. # وقالوا بذلك في جميع الحوادث، وأنه لا بد أن يكون في الأصول ما هو أشبه ~~بها. # PageV04P365 # وقال آخرون: لا يجب ذلك في جميع الحوادث (دائما) ، وإنما يجب ذلك في ~~بعضها لتصحيح الاجتهاد، وقد ذكرنا فيما سلف: أنه مذهب أبي عبد الله بن زيد ~~الواسطي، ويسميه تقويم ذات الاجتهاد، يعني أنه يصح الاجتهاد، فإذا علمنا في ~~الأصول ما هو أشبه ببعض الحوادث بغير أعيانها، فنحن نجوز في كل حادثة أن ~~تكون هي التي لها أصل هو أشبه الأصول بها، فيصح حينئذ الاجتهاد في الطلب. # قال أبو بكر: قد ذكرنا في أول الاجتهاد، وحكينا أيضا عن أبي الحسن في ~~معنى قول أصحابنا: أن الحق عند الله تعالى في واحد: أن هناك حقيقة مطلوبة، ~~يتحرى المجتهد موافقتها باجتهاده، وإن لم يكن مكلفا لإصابتها، وأن ما عند ~~الله من ذلك هو الأشبه المطلوب. لا يحفظ عندهم القول بتجويز أن لا يكون ~~لبعض الحوادث من الأصول ما هو أشبه بها، وهو قولهم: الحق عند الله تعالى في ~~واحد، يدل على أنهم لم يفصلوا بين شيء منها في أن لها من الأصول ما هو أشبه ~~بها. # PageV04P366 # والدليل على أن لما يتحراه المجتهد حقيقة معلومة عند الله عز وجل، هو ~~أشبه الأصول بالحادثة، وأن الله تعالى لو كشف للمجتهد عن الأشبه بالنص ~~(والتوقيف) لكان ذلك المطلوب بالاجتهاد. وإن لم يكلف إصابته: (ما حكى الله ~~تعالى) في قصة داود وسليمان - عليهما السلام - وتخصيصه ms802 سليمان - عليه ~~السلام - بالفهم، (مع إخباره) بإيتائهما الحكم والعلم، فدل على أن سليمان - ~~عليه السلام - (قد) أصاب شيئا لم يصبه (داود) - عليه السلام -. # فثبت أن ما أصابه سليمان كان الأشبه المطلوب (الذي تحرياه) جميعا ~~باجتهادهما، فلولا أن ذلك كذلك كانا متساويين في فهم الحادثة، (وإصابة) ~~الأشبه. # وكذلك ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» ، فلو لم يكن هناك ~~مطلوب له حقيقة يتحراه المجتهدان فربما أصابه أحدهما، وأخطأه الآخر، لما صح ~~معنى الكلام، إذ قد علمنا أنه لم يرد به خطأ الحكم، فثبت أن المراد خطأ ~~المطلوب الذي هو الأشبه، (أو أن يكون المطلوب به وجود الشبه) . # وأيضا: فإنه لا يخلو المطلوب بالاجتهاد من أن يكون هو الأشبه، أو أن يكون ~~المطلوب به وجود الشبه بين الحادثة وبين الأصول، وإن لم يكن عند المجتهد ~~أنه أشبه. # وغير جائز أن يكون المطلوب به وجود الشبه، لأنه لو كان كذلك لسقط ~~الاجتهاد، وكان # PageV04P367 # يكون الحكم حينئذ تابعا لوجود الشبه، وكان لكل واحد أن يرد الحادثة إلى ~~(ما شاء) من الأصول، لوجود الشبه بينها وبينه، إذ ليست تخلو الحادثة من أن ~~يكون لها شبه من كل أصل من وجه من الوجوه. # فلما بطل هذا، علمنا أن المجتهد إنما يطلب أشبه الأصول بالحادثة. فلو كنا ~~قد علمنا أنه ليس هناك أشبه لاستحال طلب الأشبه، مع العلم أنه ليس هناك ~~أشبه. # ألا ترى: أنه لا يصح أن يكلف تحري الكعبة. وليس هناك كعبة، ولا يصح أن ~~يكلف رمي الكافر، وليس هناك مرمى مقصودا بالرمي. # وكذلك متى استعملنا الاجتهاد في طلب عدالة الشهود، فلا بد من أن يتعلق ~~ذلك بمطلوب هي العدالة، وإلا فلو علمنا ليس هناك عدالة لما صح تكليف ~~الاجتهاد في طلبها، كذلك لو علمنا في ظن المجتهد أنه ليس هناك أشبه ~~(لاستحال تكليف) في طلبه. # ألا ترى: أنه متى غلب في ظن المجتهد أشبه الأصول (بالحادثة عنده) فظنه ~~هذا ms803 ينبغي أن يكون متعلقا بمظنون، وإلا لم يصح، لأن (المجتهد ليس يتكلف) ~~الاجتهاد ليؤديه اجتهاده إلى أنه ظان، لأنه قد (حصل له الظن) من جهة ~~اليقين، فوجب أن يكون ظنه متعلقا بمظنون، هو (الحقيقة) المطلوبة بالاجتهاد. # ألا ترى أنه لا يصح أن يقول: في غالب ظني (أني مصيب) للظن، وإنما يقول: ~~في # PageV04P368 # غالب ظني أني مصيب للحقيقة، فإذا لم يكن للشيء (عنده) حقيقة مطلوبة، ~~فالاجتهاد ساقط في طلب ما قد علم أنه غير موجود. # فإن قال قائل: الدليل على الأشبه غير متعلق بالأصول المقيس عليها، وإنما ~~هو متعلق بظن المجتهد: أن القائسين قد اختلفوا في تحريم (علة) التفاضل في ~~الأصناف الستة على الوجوه المعلومة: من اعتبار الكيل، أو الوزن، أو الأكل، ~~أو الاقتيات، مع الجنس، ومعلوم أن أحد هذه الوجوه ليس بأشبه بما يقاس عليه ~~به من بعض، بل هي في الشبه بالحادثة متساوية، لا مزية لبعضها على بعض من ~~هذا الوجه، صح أن المعتبر في ذلك وجود ما يحصل في ظن المجتهد أنه أشبه. # الجواب: أن هذا غلط من قائله على مذهب القوم، وذلك لأنه ظن أنهم يعتبرون ~~الأشبه من جهة الصورة والهيئة ونحوها، وليس ذلك (كذلك) ، عند أصحابنا دائما ~~يعتبر الأشبه من طريق ما يتعلق به من الحكم، والكيل والوزن أشبه عندهم فيما ~~يتعلق بهما. من الأكل والاقتيات. # وإذا كان كذلك لم يقدم ما ذكروه فيما وصفنا، وسلم لنا الأصل الذي قدمنا. # فإن قال: إن ما ذكرت من تعلق الحكم إنما هو كلام في دليل العلة، لا في ~~العلة نفسها، والقياس إنما يقع على العلة لا على دليلها. # قيل له: وهذا غلط ثان، لأن الكيل والوزن إنما صارا علة لأنهما بهذا الوصف ~~الذي ذكرنا من تعلق الحكم بهما، فإذا كان تعلق الحكم بالكيل والوزن وصفا من ~~أوصافهما كانا أشبه بالحادثة من الأكل والاقتيات من باب تعلق الحكم بهما. # PageV04P369 # فتبين بما وصفنا أن الأشبه إنما هو صفة راجعة إلى الأصل المقيس (عليه لا ~~إلى) ظن المجتهد، ثم نقلب عليه، ms804 هذا السؤال فيما (يعتبره هذا القائل من) ~~الأشبه في ظن المجتهد. # فيقال له: خبرنا عن الكيل أو الأكل أو الاقتيات، أيقول: إن بعض هذه ~~الأوصاف أشبه في ظن المجتهد بالبر والتمر (من بعضه) ؟ فإن قال: نعم. # قيل له: وكيف يجوز أن يظن ذلك؟ ومعلوم أن (شبه الأرز بالبر) في كونهما ~~مكيلين لشبهه به في كونهما مأكولين ومقتاتين (ومدخرين) فغلبة الظن في هذا ~~الوجه ساقط. # فإذا (لا) اعتبار في ذلك بحصول (الأشبه) (غير هذا الوجه) ، اللهم إلا أن ~~يسقط اعتبار الأشبه، ويعتبر وجود (الشبه) فحسب. فيؤديك هذا إلى إسقاط ~~الاجتهاد رأسا، رد الحادثة إلى أي الأصول شاء القائس، لوجود الشبه بينها ~~وبينه من وجه من الوجوه، وهذا قول خارج عن أقاويل الفقهاء. # فإن قال قائل: أليس قد جاز أن يتعبدنا الله تعالى بالاجتهاد في طلب عدالة ~~الشاهد، وإن علم الله تعالى أنه ليس هناك عدالة، فما أنكرتم أن يكون كذلك ~~(حكم) الحوادث؟ # قيل له: لو لم نظن أن هناك عدالة لما صح تكلفنا الاجتهاد في طلبها. # PageV04P370 # ألا ترى: أنه لا يصح أن يكلفنا (طلب) عدالة الفاسق الذي قد علم بفسقه، ~~وإنما صح الاجتهاد لأننا ظننا أن هناك عدالة فاجتهدنا في طلبها. # فهل تقول أنت في حكم الحادثة: إني أظن في الأصول ما هو أشبه بها في ~~الحقيقة؟ . # فإن قلت هذا: فقد تركت قولك: في أن الأشبه إنما يتبع ظن المجتهد، لا ~~الأصل المطلوب في رد الحادثة إليه، وإن أقمت على قولك: إنه ليس هناك أشبه ~~في الحقيقة، ولم يصح لك الاستشهاد بمسألة المتحري في طلب عدالة الشهود، بل ~~كانت شاهدة عليك، من حيث لو علمنا أن لا عدالة لما صح الاجتهاد في طلبها. # PageV04P371 ### | [فصل فيما يوجبه الاجتهاد من الأحكام] # فصل # اختلف أهل العلم فيما يوجبه الاجتهاد من الأحكام، هل يسمى دينا لله ~~تعالى؟ فقال قائلون: (لا يقال: إنه دين) لله تعالى، لأنه يوجب أن يكون الله ~~تعالى قد شرع لنا أديانا مختلفة، على حسب اختلاف المجتهدين. # ويلزم قائله أيضا: أن يقول: ms805 إن دين الله تعالى يحل تركه والعدول عنه، ولو ~~جاز ترك دين الله تعالى لجازت مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # ومن الناس من يطلق أنه دين الله تعالى، لأنه لو لم يكن دينا لله تعالى ~~لكان فيه إحلال الفروج والدماء والأموال بغير دين الله تعالى. # قال أبو بكر: والصحيح أنه دين لله تعالى (ومن أبى إطلاق ذلك فإنما خالف ~~في الاسم لا في المعنى، لأن أصحاب الاجتهاد كلهم مجمعون أن الله تعالى) قد ~~فرض القول به على من أداه إليه اجتهاده، وأن العامل به عامل من الله تعالى، ~~وما ألزمونا من إيجاب أن لله تعالى أديانا مختلفة، فإنه لا يلزم، لأن ~~اختلاف الفروض من جهة النص لم يلزمهم (ذلك) . # كذلك إذا قلنا من جهة الاجتهاد: لم يلزمنا، وإنما يمتنع إطلاق ذلك على ~~مذهب من يجعل الحق في واحد، وما عداه خطأ، فلا يطلق: أنه دين لله تعالى، ~~لأنه لا يأمن أن يكون ما أداه إليه اجتهاده خطأ، ليس هو الحكم المطلوب. # فأما من أعطى أنه مصيب للحق عند الله تعالى، وأن حكم الله تعالى على كل ~~واحد في أحكام الحوادث ما أداه إليه اجتهاده، فلا وجه لامتناعه من إطلاق ~~القول: بأن ما فرضه الله تعالى عليه من هذا الوجه هو دين الله تعالى. # PageV04P372 ### | [باب الكلام على عبيد الله بن الحسن العنبري] # قال أبو بكر: زعم عبيد الله العنبري: أن اختلاف أهل الملة في العدل ~~والجبر، وفي التوحيد والتشبيه، والإرجاء والوعيد، وفي الأسماء، والأحكام، ~~وسائر ما اختلفوا فيه. كله حق وصواب. إذ كل قائل منهم فإنما اعتقد ما صار ~~إليه من جهة تأويل الكتاب والسنة، فجميعهم مصيبون، لأن كل واحد منهم كلف أن ~~يقول فيه بما غلب في ظنه، واستولى عليه رأيه، ولم يكلف فيه علم المغيب عند ~~الله تعالى، على حسب ما قلنا في حكم المجتهدين في أحكام حوادث الفتيا. # PageV04P375 # قال أبو بكر: وهذا مذهب فاسد ظاهر الانحلال. والأصل فيه: أن التكليف من ~~طريق الاجتهاد إنما يصح على الوجه ms806 الذي يصح ورود النص به، (وكل ما) أجزنا ~~فيه الاجتهاد، وصوبنا فيه المجتهدين على اختلافهم فيه، فإنما أجزناه على ~~وجه يجوز ورود النص بمثله من الأحكام المختلفة. # فأما العدل والجبر، والتوحيد والتشبيه ونحو ذلك، فإنه غير جائز ورود النص ~~فيه بجميع أقاويل المختلفين. والذي كلف المختلفون فيه اعتقاد كل شيء منه ~~على ما هو عليه، ويستحيل ورود النص بتكليف بعض الناس القول بالعدل، وآخرين ~~القول بالجبر، وبتكليف بعضهم القول بالتوحيد، وآخر القول بالتشبيه. # PageV04P376 # وكذلك سائر ما اختلف فيه أهل الملة من صفات الله تعالى وأسمائه، لتناقض ~~القول به، واستحالته. # فلما كان ذلك كذلك لم يجز أن يكلفوا القول بالمذاهب المختلفة، من طريق ~~النظر والاجتهاد وعليه الرأي، وجاز تكليفهم القول بأحكام الحوادث على ما ~~يؤديهم إليه الاجتهاد، لجواز ورود النص (به) ، على الوجوه المختلفة. ومن ~~جهة أخرى: إن القائلين بهذه المذاهب من أهل الملة على اختلافهم فيها، ~~متفقون قبل عبيد الله بن حسن على إيجاب التأثيم والتضليل بالخلاف فيها، فمن ~~صوب الجميع من المختلفين فهو خارج عما انعقد به إجماع الجميع. # ومن جهة أخرى: إنا قد علمنا حقيقة صحة ما اعتقدناه في هذه الأمور، بدلائل ~~ظاهرة معقولة كدلائل التوحيد، إثبات الصانع القديم، وأنه عدل لا يجور، ~~وتثبيت الرسل - عليهم السلام -، ونحوها. # فلما كان الله تعالى قد أقام على حقائق هذه الأمور أدلة توجب العلم ~~بمدلولاتها على الوجه الذي ذكرنا، لم يجز أن يكون الذاهب عن الدليل مصيبا، ~~إذ قد جعل له السبيل إلى إصابة الحقيقة من جهة إقامة الدلالة. # وأيضا: فلما كان التكليف في هذه الأمور متعلقا بالاعتقاد. فلو كان الله ~~تعالى قد أراد من الجبري والمشبه اعتقاد ما اعتقده، لكان مبيحا للجهل به ~~وبصفاته. # ولو جاز ذلك لجاز منه إباحة الجهل به، وبكونه صانعا قديما، ولو جاز منه ~~إباحة الجهل للمكلفين بذلك لجاز منه أن يأمر بالجهل (به) ، فلما بطل ذلك ~~علمنا أن الحق (في) واحد من أقاويل المختلفين فيه، وهو ما قامت دلالته ~~وثبتت حجته، وأن من خالف فيه. ms807 وعدل عنه، فهو ضال غير مهتد. # PageV04P377 # وأيضا: فلا يخلو القائل بذلك من أن يجوز على الله تعالى تكليف المجتهدين ~~فيه العلم بحقيقة القولين، حتى يكون مكلفا لكل واحد منهم صحة وقوع العلم ~~بحقيقة ما أداه إليه اجتهاده ونظره، على اختلاف المقالتين، وتضاد المذهبين، ~~أو يكلف كل واحد منهم الظن بما أداه إليه اجتهاده، دون حقيقة العلم. # فإن كان تكليفه إياهما متعلقا بحقيقة العلم، فإنا قد علمنا أن حقيقة ~~العلم واحدة، لا يجوز أن يتعلق بها علمان متضادان، فتكون معلومة من تلك ~~الجهة بالعلمين. كما لا يجوز أن يكون للشيء الواحد حقيقتان متضادتان. # فلما استحال ذلك علمنا استحالة تكليف أهل العلم بها على وجهين متضادين، ~~(وإن قلنا: إنه كلفهما الظن فحسب، دون حقيقة العلم، من حيث لا يستحيل وجود ~~الظن منهما على وجهين متضادين) . # وإن كانت الحقيقة واحدة، فإن ذلك ممتنع من الوجوه التي ذكرنا، إذا لم يكن ~~مقارنا للنظر المؤدي إلى المعرفة، وكان مع الإعراض عن النظر وسكون النفس ~~إلى ما يغلب في الظن. # فأما إذا كان مقارنا للنظر وطلب الحقيقة، فإنه قد يكون الظن مباحا على ~~هذا الوجه بسبب ما يستفرغ مدة النظر، فيؤديه إلى المعرفة والعلم بحقيقة ~~المطلوب. # ويمتنع أيضا: تكليف الظن على الوجه الذي ذكرنا، من جهة ورود النص بمثله ~~ومن جهة ما فيه من إباحة الجهل بالله تعالى وبصفاته، وبما وصفنا من ظهور ~~دليل الحقيقة منها، وبما وصفنا من اتفاق الجميع من المختلفين، على أن الحق ~~في واحد منهما، وعلى تأثيم من خالف فيه، وهو متفارق لما وصفنا من الاجتهاد ~~في أحكام حوادث القياس من سائر الوجوه التي ذكرنا. # أحدها: أنه ليس في الحكم مما طريقه حقيقة واحدة، بل حكمه على كل أحد ~~إمضاء ما أداه إليه اجتهاده، وسائر الأمور التي ذكرنا من العدل والجبر ~~والتوحيد والتشبيه قد حصلت على حقيقة معلومة، فغير جائز أن يكون الحكم عند ~~الله تعالى بخلاف حقائقها. # PageV04P378 # ومنها: أن أحكام الحوادث إنما يصح تكليفها على الوجه الذي يجوز ورود النص ~~به، ms808 كاختلاف فرض المسافر والمقيم، والحائض والطاهر. # ولما امتنع ورود النص في سائر الأشياء التي ذكرنا على الوجوه المختلفة لم ~~يصح تكليف اعتقادها على تلك الوجوه. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون على واحد من المختلفين في صفات الله ~~تعالى وأفعاله إنما كلف ما غلب في ظنه، واستولى على رأيه، دون إصابة ~~الحقيقة، إذ لا يستحيل وجود الظن من كل واحد منهم على الوجوه المختلفة. ~~فيصح تكليفهم ذلك، دون المغيب عند الله تعالى من حقيقته. # كما كلف المتحري للكعبة الاعتقاد بما يغلب في ظنه من جهتها، مع اختلاف ~~الجهات وتضادها، فكلف واحد الاعتقاد بأنها في جهة الشمال، إذا غلب ذلك في ~~ظنه، وكلف الآخر الاعتقاد بأنها في جهة الجنوب، عند غلبة ذلك في ظنه، مع ~~تضاد الجهتين، واستحالة ورود النص بهما، والكعبة لها حقيقة واحدة عند الله ~~تعالى، وجهة واحدة لا يؤثر فيها اجتهاد المجتهدين، ولا يغيرها عن جهتها ~~التي هي فيها اختلاف المختلفين. # وكذلك فرض على واحد غلب في ظنه عدالة الشهود: اعتقاد عدالتهم وإمضاء ~~الحكم بشهادتهم، وفرض على آخر غلب في ظنه (فسقهم) : اعتقاد فسقهم، وإلغاء ~~شهادتهم، ومعلوم أنهم لا يخلون من أن يكونوا عند الله تعالى عدولا أو ~~فساقا، قد حصلت حالهم عند الله تعالى على إحدى جهتين. # وكذلك النفقات، وتقويم المستهلكات، ومقادير المكيلات، والموزونات، قد ~~تختلف آراء المجتهدين فيها على حسب ما يغلب في ظنونهم، ومعلوم أن لهذه ~~الأمور حقائق عند الله تعالى، قد حصلت على وجه واحد، إما موافقة لظن بعضهم، ~~أو مخالفة لظن جميعهم، إذ جائز أن يكون الحق في غير ما قالوا، ومع ذلك فغير ~~جائز ورود النص بها على الوجوه التي حصل اختلاف المختلفين فيها، فقد صح ~~تكليفهم الظنون على اختلافها وتضادها، # PageV04P379 # بحقيقة واحدة، فما أنكرتم من مثله فيما اختلفت الأمة فيه من صفات الله ~~تعالى وأفعاله، ونحوها، وأن يكونوا متعبدين باعتقاد ما يغلب في ظنونهم، ~~وليس عليهم شيء من المغيب عند الله تعالى من حقيقة المظنون، إذ لم يكلفوا ~~المغيب. # وجائز ms809 للإنسان إذا غلب في ظنه الشيء أن يقول: هو كذا، ومراده أنه كذلك ~~عندي، وفي ظني، فيكون صادقا. # ألا ترى: أنه يجوز إن غلب في ظنه أن الكعبة في هذه الجهة، أن يقول: هذه ~~جهة الكعبة، ويقول آخر غلب في ظنه جهة أخرى: إن هذه جهتها، وإنما يرجع فيه ~~إلى ما عنده لا إلى المغيب عند الله تعالى من حقيقتها. # وقد حكى الله تعالى عن بعض أنبيائه - عليهم السلام -: أنه أماته مائة عام ~~ثم بعثه {قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم} [البقرة: 259] وكان صادقا، ~~لأن إطلاقه ذلك كان متعلقا بما كان غلب في ظنه. # وحكى الله تعالى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا: {لبثنا يوما أو بعض يوم} ~~[الكهف: 19] وكانوا صادقين في قولهم، إذ كان قولهم ذلك إنما صدر عن ظنونهم، ~~وما كان عندهم في اعتقادهم، «وقال ذو اليدين للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كل ذلك لم يكن» ~~ومعناه: لم يكن عندي، فإذا قد جاز إطلاق ذلك من الأنبياء والأتقياء ~~الممدوحين، وكان ذلك منهم متعلقا بغالب ظنونهم، دون ما يجوز ورود النص به، ~~ودون حقيقة مظنونهم، فما أنكرتم أن يكون كذلك حكم ما اختلفت الأمة فيه وأن ~~كل من غلب في ظنه شيء واستقر غلبة رأيه متعبد باعتقاد ما غلب في ظنه، وأن ~~يجوز له الإخبار به على الإطلاق، أنه كذلك، على حسب ما حكيناه عمن أطلق ~~ذلك، وكان إطلاقه (سائغا حائزا) بما عنده في غالب ظنه. # الجواب: أن ما قدمنا كاف لمن يتدبره في إسقاط هذا السؤال من الوجوه التي ~~ذكرنا، وفي إجازة ما شاء منه هذا السائل إجازة إباحة الجهل بالله تعالى ~~وبصفاته. # PageV04P380 # ولو جاز أن يبيح ذلك لجاز أن يأمر به، ولو جاز هذا لجاز أن يأمر بالكذب ~~عليه ويشتمه، ويشتم أنبياءه - عليهم السلام -، وهذا قبيح لا يجوز فعله (على ~~الله تعالى) ، فلا يمكن القائل بهذا القول الانفصال ممن أجاز مثله في جميع ~~ما اختلف ms810 الناس فيه، من أهل الملة وغيرهم من سائر أصناف أهل الإلحاد ~~والشرك، حتى يكون كل معتقد منهم بشيء غلب في ظنه مأمورا باعتقاد ما اعتقده، ~~وأن لا يكون لما اختلفت الأمة فيه اختصاص بتجويز ذلك فيه، دون ما خالف فيه ~~الخارجون عن الملة، من سائر أصناف أهل الإلحاد والشرك. # فلما كان تجويز ذلك تصويب المجتهدين فيه مؤديا إلى انسلاخ من الإسلام ~~والخروج عن الملة كان كذلك حكم المختلفين من الأمة في صفات الله تعالى ~~ذكره، وما يجوز عليه مما لا يجوز، ومن حيث كان ظهور دلائل التوحيد، (وتثبيت ~~الرسل) مانعا من تصويب المختلفين فيه - على اختلافهم - وجب مثله في اختلاف ~~أهل الملة وصفات الله تعالى ذكره وأفعاله. # وما ذكره من أمر المختلفين في تحري الكعبة، وتعديل الشهود والنفقات، ~~وإثبات مقادير المكاييل والموازين لغالب الظن، وتكليف كل أحد ما أداه إليه ~~اجتهاده مع كون الحقيقة فيها عند الله تعالى واحدة، وامتناع ورود النص بها ~~على حسب وجود لا اختلاف، فليس هو مما ذكرنا في شيء، وذلك (أنه) ليس الفرض ~~على المتحري للكعبة هو ظنه بأن الكعبة في هذه الجهة دون غيرها. # وكذلك (الفرض على المتحري) الحاكم ليس الفرض الذي كلف وجود الظن منه بأن ~~هذا عدل، أو فاسق وكذلك النفقات ونحوها. # PageV04P381 # وإنما تعلق التكليف في هذه الأشياء بأمور أخر قد أمروا بإمضائها عند وجود ~~غلبة الظن منهم على وصف، وإن لم يكن الظن نفسه هو المأمور به. # فأما من أداه اجتهاده إلى أن هذه جهة للكعبة أن يصلي إليها، ومن غلب في ~~ظنه عدالة الشهود، أمضى الحكم بشهادتهم، ومن استولى على رأيه أن قيمة الثوب ~~المستهلك كذا، أن يلزمها مستهلكة. # ألا ترى: أنه لولا الصلاة المفروضة عليه إلى جهة الكعبة، لما كان مأمورا ~~بطلبها ولا التحري لجهتها. ومن ليس عليه استماع البينة أو الإخبار ~~بالاجتهاد في تعديل الشهود (فالتحري) عنه ساقط. # وكذلك من ليس عليه إلزام حكم لغيره في ضمان ما احتاج إلى التقويم، فليس ~~عليه الاجتهاد. # فعلمت أن التكليف في ms811 هذه المواضع متعلق بإمضاء الحكم بما غلب في ظنه، لا ~~الاعتقاد للظن، وكل ما كلف من ذلك وأمر بإمضائه وغلب في ظنه فإنه جائز ورود ~~النص بمثله. ألا ترى: أنه جائز أن يأمر بعض الناس بالتوجه إلى الكعبة، ~~وبعضهم بالتوجه إلى غيرها مع العلم بها، كالخائف ونحوه. # وجائز أن يكلف الإنسان الحكم بشهادة هذين، ويكلف آخر أن لا يمضي حكما ~~بشهادتهما. # وجائز أن يكلف بعض الناس أن يلزم مستهلك هذا الثوب عشر دراهم، ويكلف آخر ~~إذا اختصموا إليه أن يلزمه أحد عشر درهما، فالأمور التي تعلقت بها صحة ~~التكليف على اختلافها يجوز ورود العبارة بها من طريق النص، فلذلك كان ~~الجميع مصيبين، وسقط اعتبار الظنون المختلفة، إذ ليست هي الفروض التي ~~كلفوها، وإن كانوا إنما كلفوا الفروض # PageV04P382 # عند وجودها، كما يكلف الفرض عند البلوغ فحضور أوقات، وأمور ليست هي في ~~أنفسها فروضا. # وليس كذلك (حكم) ما اختلفت فيه الأمة من صفات الله تعالى، وأفعاله عز ~~وجل، لأن الحكم الذي كلفوه في ذلك هو الاعتقاد للشيء على ما هو، لا حكم ~~عليه فيها غيره، فلم يكن جائزا أن يبيح الله تقدست أسماؤه لهم اعتقاد ما ~~كلفهم اعتقاده على ما هو به أن يعتقدوه على خلاف ما هو عليه، فلذلك كان ~~الحق في واحد من تلك الأقاويل، وهو الذي صادف حقيقة المطلوب على ما هو ~~عليه، وما عداه فضلال وباطل. والله أعلم بالصواب. # PageV04P383 # كتب في آخر النسخة " ح ": فرغ من نسخ هذا الكتاب الفصول للرازي بعون الله ~~المجازي، الفقير إلى رحمته، محمد بن ماضي، عفا الله عنه، ومتع به مستنسخه ~~وناظره. العصر في يوم الاثنين المبارك من شهر ربيع الآخر، عام ثمان وأربعين ~~وسبع مائة. أحسن الله عافيته، وذلك بالمسجد الأقصى ". # وكتب في آخر النسخة " ه ": " هذا آخر أصول الفقه للإمام أبي بكر الجصاص ~~أحمد بن علي الرازي، - رحمه الله -، فرغ عن كتابته العبد الضعيف أبو حنيفة، ~~أمير كاتب بن أمير عمر العميد المدعو بقوام الفارابي الأتقاني بدمشق، حماها ~~الله عن الآفات، ms812 سرار المحرم من سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وكان تاريخ ~~النسخة التي كتبت هذه النسخة منها في رجب من سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، ~~وكان وفاة أبي بكر الرازي سنة سبعين وثلثمائة. والحمد لله كما هو أهله، ~~وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين. قوبل بقدر الوسع والإمكان بالأصل ~~المنسوخ منه، في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة ". تم دراسة وتحقيق كتاب ~~" الفصول في الأصول " للإمام الجصاص ولله الفضل والمنة. PageV04P384 ms813