######OpenITI# #META# Author: السمرقندي #META# Title: بحر العلوم #META# Date: ت 375 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # روي عن مجاهد أنه قال: سورة فاتحة الكتاب مدنية، وروى أبو صالح عن ابن ~~عباس أنه قال: هي مكية. ويقال: [نصفها نزل بمكة ونصفها نزل بالمدينة]. ~~[حدثنا] الحاكم أبو الفضل، محمد بن [الحسين] الحدادي قال: حدثنا أبو حامد ~~المروزي قال: حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: حدثنا عمر بن يونس قال: حدثنا ~~جهضم بن عبد الله عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في كتاب الله لسورة ما أنزل الله على نبي مثلها فسأله أبي بن كعب ~~عنها فقال: إني لأرجو أن لا تخرج من الباب حتى تعلمها، فجعلت أتبطأ، ثم ~~سأله أبي عنها فقال: كيف تقرأ في صلاتك؟ قال: بأم الكتاب. فقال: والذي ~~نفسي بيده ما أنزل فى التوراة والإنجيل والقرآن مثلها، وإنها السبع ~~المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته " # وقال بعضهم: السبع المثاني، هي السبع الطوال سورة: البقرة، وآل عمران ~~والخمس التي بعدها [وسماها مثاني لذكر القصص فيها مرتين]. وقال أكثر أهل ~~العلم: هي سورة [الفاتحة]، وإنما سميت السبع لأنها سبع آيات، وإنما سميت ~~المثاني لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة. وقال: حدثنا أبي قال: حدثنا أبو ~~عبد الله محمد بن حامد الخزعوني، قال: حدثنا علي بن إسحاق، قال: حدثنا ~~محمد بن مروان عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح - مولى أم هانىء عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { الحمد لله } قال: الشكر لله. ~~ومعنى قول ابن عباس: الشكر لله، يعني الشكر لله على نعمائه كلها، وقد ~~قيل: { الحمد لله } يعني الوحدانية لله. وقد قيل: الألوهية لله، ~~وروي عن قتادة أنه قال: معناه الحمد لله الذي لم يجعلنا من المغضوب عليهم ~~ولا الضالين. ثم معنى قوله { الحمد لله } قال بعضهم: (قل) فيه ~~مضمر يعني: قل: الحمد لله. وقال بعضهم: حمد الرب نفسه، ليعلم عباده ~~فيحمدوه. وقال أهل اللغة: الحمد هو الثناء الجميل، وحمد الله تعالى هو: ~~الثناء عليه ms0001 بصفاته الحسنى، وبما أنعم على عباده، ويكون في الحمد معنى ~~الشكر وفيه معنى المدح وهو أعم من الشكر، لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا ~~يوضع الشكر موضع الحمد. وقال بعضهم: الشكر أعم لأنه باللسان وبالجوارح ~~وبالقلب، والحمد يكون باللسان خاصة. [كما قال اعملوا آل داود شكرا]. ~~وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وذلك أن آدم عليه ~~السلام قال حين عطس: الحمد لله: فقال الله تعالى: (يرحمك الله) فسبقت ~~رحمته غضبه. وقال الله تعالى لنوح: # فقل الحمد لله الذى نجانا من القوم ~~الظلمين # [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم عليه السلام: # الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسمعيل ~~وإسحق # [إبراهيم: 39] وقال في قصة داود وسليمان: # وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين # [النمل: 15] وقال لمحمد عليه السلام # وقل الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا # [الإسراء: 111] وقال أهل الجنة: # الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] فهي كلمة كل شاكر. وقوله تعالى: { رب العلمين } قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: سيد العالمين. وهو رب كل ذي روح [تدب] على وجه ~~الأرض. ويقال: معنى قوله { رب العلمين } خالق الخلق ورازقهم ~~ومربيهم ومحولهم من حال إلى حال، من نطفة إلى علقة، [ومن علقة] إلى مضغة. ~~والرب في اللغة: هو السيد قال الله تعالى: # ارجع إلى ربك # [يوسف: 50] يعني إلى سيدك. والرب: هو المالك، يقال: رب الدار، ورب ~~الدابة والرب هو المربي من قولك: ربى يربي. وقوله { العلمين } كل ~~ذي روح، ويقال: كل من كان له عقل يخاطب مثل بني آدم والملائكة والجن ولا ~~يقع على البهائم ولا على غيرها. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم، وإن دنياكم منها عالم واحد " # ويقال: كل صنف [من الحيوان] عالم على حده. قوله عز وجل { الرحمن ~~الرحيم } قال في رواية الكلبي هما إسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. ~~وقال بعض أهل اللغة: هذا اللفظ شنيع فلو قال: هما إسمان لطيفان لكان ms0002 أحسن ~~ولكن معناه عندنا - والله أعلم - أنه أراد بالرقة الرحمة يقال: رق فلان ~~[لفلان] إذا رحمه. يقال: رق يرق إذا رحم. وقوله: أحدهما أرق من الآخر. ~~قال بعضهم: الرحمن أرق لأنه أبلغ في الرحمة لأنه يقع على المؤمنين ~~والكافرين. وقال بعضهم: الرحيم أرق لأنه في الدنيا وفي الآخرة. وقال ~~بعضهم: كل واحد منهما أرق من الآخر من وجه، فلهذا المعنى لم يبين، وقال ~~أحدهما أرق من الآخر، يعني كل واحد منهما أرق من الآخر. قوله تعالى: { ~~ملك يوم الدين } قرأ نافع وابن كثير وحمزة وأبو عمرو بن ~~العلاء وابن عامر: ملك بغير الألف وقرأ عاصم والكسائي بالألف فأما من قرأ ~~بالألف قال: لأن [المالك] أبلغ في الوصف، لأنه يقال: مالك الدار، ومالك ~~الدابة، ولا يقال ملك، إلا لملك من ملوك، وأما الذي قرأ: ملك [بغير ألف ~~قال] " لأن [الملك] أبلغ في الوصف، لأنك إذا قلت: فلان ملك هذه البلدة ~~يكون ذلك كناية عن الولاية دون الملك، وإذا قلت فلان مالك هذه البلدة كان ~~ذلك عبارة عن ملك الحقيقة، وروى مالك بن دينار [عن] [أنس بن مالك] قال: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتتحون ~~الصلاة ب { الحمد لله رب العلمين } وكلهم يقرأون { ~~ملك يوم الدين } بالألف. # قال الفقيه - رحمه الله -: سمعت أبي يحكي [بإسناده] عن أبي عبد الله ~~محمد بن شجاع البلخي يقول: كنت أقرأ [بقراءة] الكسائي مالك يوم الدين ~~بالألف فقال لي بعض أهل اللغة: الملك أبلغ في الوصف، فأخذت بقراءة حمزة ~~(وكنت أقرأ) { ملك يوم الدين } فرأيت في المنام كأنه أتاني آت فقال لي: ~~لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " اقرأوا القرآن فخما مفخما " # [فلم أترك القراءة ب: " ملك " حتى أتاني بعد ذلك آت في المنام فقال ~~لي:] لم حذفت الألف من مالك؟ أما بلغك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر ms0003 حسنات، فلم نقصت من حسناتك ~~عشرا في كل قراءة؟ فلما أصبحت أتيت قطربا وكان إماما في اللغة - فقلت ~~له: ما الفرق بين ملك ومالك؟ فقال: بينهما فرق كثير. فأما ملك فهو ملك من ~~الملوك، وأما مالك فهو مالك الملوك. فرجعت إلى قراءة الكسائي. ثم معنى ~~قوله " مالك " يعني: قاضي وحاكم (يوم الدين) يعني يوم الحساب كما قال ~~تعالى # ذلك الدين القيم # [التوبة، الآية: 36] [يعني الحساب القيم. وقيل أيضا: معنى يوم الدين ~~يعني يوم القضاء. كما قال الله تعالى # ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك # [يوسف: 76] يعني في قضائه] وقيل أيضا: يوم الدين أي يوم الجزاء، كما ~~يقال: كما تدين تدان. يعني كما تجازي تجازى به. فإن قيل: ما معنى تخصيص ~~يوم الدين؟ وهو مالك يوم الدين وغيره. قيل له: لأن في الدنيا، كانوا ~~منازعين له في الملك. مثل فرعون ونمرود وغيرهما. وفي ذلك اليوم لا ينازعه ~~أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له. كما قال تعالى: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] فأجاب جميع الخلق # لله الواحد القهار # [غافر: 16] فكذلك ها هنا. قال: { ملك يوم الدين } يعني في ذلك ~~اليوم لا يكون مالك، ولا قاض ولا مجاز غيره. قوله تعالى: { إياك ~~نعبد } هو تعليم، علم المؤمنين كيف يقولون إذا قاموا بين يديه في ~~الصلاة فأمرهم بأن يذكروا عبوديتهم وضعفهم حتى يوفقهم ويعينهم فقال { ~~إياك نعبد } أي نوحد ونطيع. وقال بعضهم { إياك نعبد } ~~يعني إياك نطيع طاعة، نخضع فيها لك. وقوله تعالى: { وإياك ~~نستعين } يقول: [بك نستوثق] على عبادتك وقضاء الحقوق. وفي هذا دليل ~~على أن الكلام قد يكون بعضه على وجه المغايبة وبعضه على وجه المخاطبة، ~~لأنه افتتح السورة بلفظ المغايبة وهو قوله { الحمد لله } ثم ذكر ~~بلفظ المخاطبة، فقال: { إياك نعبد وإياك نستعين } وهذا ~~كما قال في آية أخرى # هو الذى يسيركم فى البر والبحر حتى إذا ~~كنتم فى الفلك # [يونس: 22] فذكر بلفظ المخاطبة، ثم قال # وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها # [يونس: 22] [هذا ذكر] على المغايبة. ومثل هذا في القرآن ms0004 كثير. قوله ~~تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم } رويت القراءتان عن ابن ~~كثير أنه قرأ " السراط " بالسين وروي عن حمزة أنه قرأ بالزاي وقرأ ~~الباقون بالصاد وكل ذلك جائز، لأن مخرج السين والصاد واحد وكذلك الزاي ~~مخرجه منهما قريب، والقراءة المعروفة بالصاد { اهدنا الصراط ~~المستقيم }. قال ابن عباس رضي الله عنهما: { اهدنا } يعني ~~أرشدنا { الصراط المستقيم } وهو الإسلام [فإن قيل: أليس هو ~~الطريق المستقيم؟ وهو الإسلام فما] معنى السؤال؟ قيل له: الصراط ~~المستقيم، هو الذي ينتهي بصاحبه إلى المقصود. فإنما يسأل العبد ربه أن ~~يرشده إلى الثبات على الطريق الذي ينتهي به إلى المقصود، ويعصمه من السبل ~~المتفرقة. وقد روي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: خط لي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا مستقيما، وخط بجنبه خطوطا، ثم ~~قال: إن هذا الصراط المستقيم وهذه السبل، وعلى رأس كل طريق شيطان يدعو ~~إليه ويقول: هلم إلى الطريق وفي هذا نزلت هذه الآية # وأن هذا صرطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] فلهذا قال: اهدنا الصراط المستقيم واعصمنا من السبل ~~المتفرقة. قال الكلبي: أمتنا على دين الإسلام. وروي عن علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - أنه قال: { اهدنا الصراط المستقيم } يعني ~~ثبتنا عليه. ومعنى قول علي: ثبتنا عليه. يعني احفظ قلوبنا على ذلك، ولا ~~تقلبها بمعصيتنا. وهذا موافق لقول الله تعالى: # ويهديك صرطا مستقيما # [الفتح: 2] فكذلك ها هنا. قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت ~~عليهم } يعني طريق الذين مننت عليهم، فحفظت قلوبهم على الإسلام حتى ~~ماتوا عليه. وهم أنبياؤه وأصفياؤه وأولياؤه. فامنن علينا كما مننت عليهم. ~~أخبرنا الفقيه: أبو جعفر قال: حدثنا أبو بكر، أحمد بن محمد بن سهل القاضي ~~قال: حدثنا أحمد ابن جرير، قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال: ~~حدثنا هشام بن القاسم قال: حدثنا حمزة بن المغيرة عن عاصم عن أبي العالية ~~في قوله تعالى { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم } قال: هو النبي - عليه السلام - وصاحباه من ms0005 بعده ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن البصري فقال: ~~صدق والله أبو العالية ونصح. وقوله تعالى { غير المغضوب ~~عليهم } أي غير طريق اليهود. يقول: لا تخذلنا بمعصيتنا، كما خذلت ~~اليهود فلم تحفظ قلوبهم، حتى تركوا الإسلام { ولا الضالين } يعني ~~ولا النصارى، لم تحفظ قلوبهم وخذلتهم بمعصيتهم حتى تنصروا. وقد أجمع ~~المفسرون أن المغضوب عليهم أراد به اليهود، والضالين أراد به النصارى. # فإن قيل: أليس النصارى من المغضوب عليهم؟ واليهود أيضا من الضالين؟ ~~فكيف صرف المغضوب إلى اليهود، وصرف الضالين إلى النصارى؟ قيل له: إنما ~~عرف ذلك بالخبر واستدلالا بالآية. فأما الخبر، فما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن رجلا سأله وهو بوادي القرى من المغضوب عليهم؟ ~~قال: اليهود، قال: ومن الضالين؟ فقال: النصارى وأما الآية فلأن الله ~~تعالى قال في قصة اليهود: # فبآءو بغضب على غضب # [البقرة: 90] وقال تعالى في قصة النصارى: # قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء ~~السبيل # [المائدة: 77]. (آمين) ليس من السورة. ولكن روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يقوله، ويأمر به، ومعناه ما قال ابن عباس: يعني كذلك ~~يكون، وروي عن مجاهد أنه قال: هو اسم من أسماء الله تعالى ويكون معناه: ~~يا الله استجب دعاءنا. وقال بعضهم: هي لغة بالسريانية. وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما حسدتكم اليهود في شيء، كحسدهم في ~~(آمين) يعني: أنهم يعرفون ما فيه من الفضيلة. وروي عن كعب الأحبار أنه ~~قال: (آمين) خاتم رب العالمين، يختم به دعاء عباده المؤمنين. وقال مقاتل: ~~هو قوة للدعاء واستنزال للرحمة. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معنى آمين؟ قال: رب ~~افعل. ويقال: فيه لغتان (أمين) بغير مد، و(آمين) بالمد، ومعناهما واحد ~~وقد جاء في أشعارهم/ كلا الوجهين. قال القائل: # تباعد عني فطحل إذ دعوته # آمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وقال الآخر: # يا ms0006 رب لا تسلبني حبها أبدا # ويرحم الله عبدا قال: آمينا # وصلى الله على سيدنا محمد. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-2] # قال الفقيه: حدثني أبي رحمه الله، قال: حدثني محمد بن حامد، قال: حدثنا ~~علي بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن مروان عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى ~~عن ابن عباس في قوله تعالى: { الم } يعني: أنا الله أعلم. [ومعنى قول ~~ابن عباس (أنا الله أعلم) يعني] الألف: أنا، واللام: الله، والميم: أعلم، ~~لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب قد كانت تذكر حرفا وتريد به تمام ~~الكلمة. ألا ترى إلى قول القائل: # قلت لها قفي لنا قالت قاف # لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف # يعني بالقاف: قد وقفت. وقال الكلبي: هذا قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن، ~~أن هذا الكتاب الذي أنزل على (قلب) محمد صلى الله عليه وسلم هو الكتاب ~~الذي نزل من عند الله تعالى لا ريب فيه. وقال بعض أهل اللغة إن هذا الذي ~~قال الكلبي لا يصح، لأن جواب القسم معقود على حروف مثل: (ان، وقد، ولقد، ~~وما، واللام) وهنا لم نجد حرفا من هذه الحروف فلا يجوز أن يكون يمينا. ~~ولكن الجواب أن يقال: موضع القسم قوله { لا ريب فيه } فلو أن ~~إنسانا حلف فقال: والله هذا الكتاب لا ريب فيه لكان الكلام سديدا وتكون ~~لا جوابا للقسم، فثبت أن قول الكلبي صحيح سديد. فإن قيل: ايش الحكمة في ~~القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين، مصدق ومكذب، ~~فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم. قيل له القرآن نزل ~~بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه فالله ~~تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده. وقد قيل { ~~الم }: الألف الله تعالى، واللام: جبريل، والميم: محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ويكون معناه: الله الذي أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب ~~فيه. وقال بعضهم: كل حرف هو افتتاح اسم من أسماء الله تعالى. فالألف ms0007 ~~مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: اللطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد، ~~ويكون معناه: الله اللطيف المجيد أنزل الكتاب. وروي عن محمد بن كعب بن ~~علي الترمذي أنه قال: إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من ~~الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا ~~نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السور ليفقه الناس. وروي عن الشعبي أنه ~~قال: إن لله تعالى سرا جعله في كتبه، وإن سره في القرآن هو الحروف ~~المقطعة وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا: الحروف ~~المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر وعن علي رضي الله عنه: هو اسم من أسماء ~~الله تعالى، فرقت حروفه في السور. # يعني أن ها هنا قد ذكر { الم } وذكر: { الر } في موضع آخر وذكر: { ~~حم } في موضع آخر (نون) في موضع. فإذا جمعت يكون (الرحمن) وكذلك سائر ~~الحروف إذا جمع يصير اسما من أسماء الله. وذكر قطرب أن المشركين كانوا ~~لا يستمعون القرآن كما قال الله تعالى # والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26] فأراد أن يسمعهم شيئا لم يكونوا سمعوه ليحملهم ذلك إلى ~~الاستماع حتى تلزمهم الحجة وقال بعضهم: إن المشركين كانوا يقولون: لا ~~نفقه هذا القرآن، لأنهم قالوا: # قلوبنا فى أكنة # [فصلت: 5] فأراد الله أن يبين لهم أن القرآن مركب على الحروف التي ركبت ~~[عليها] ألسنتكم [يعني هو على لغتكم]، ما لكم لا تفقهون؟ وإنما أراد بذكر ~~الحروف تمام الحروف، كما أن الرجل يقول: علمت ولدي: أ، ب، ت، ث، وإنما ~~يريد جميع الحروف ولم يرد به الحروف الأربعة خاصة. وقال بعضهم: هو من ~~شعار السور وكان اليهود أعداء الله فسروه على حروف الجمل، لأنه ذكر # " أن جماعة من اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن ~~أخطب، وشعبة بن عمرو ومالك بن الصيف دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقالوا: بلغنا أنك قرأت: { الم ذلك الكتاب } فإن كنت ~~صادقا، فيكون بقاء ms0008 أمتك إحدى وسبعين سنة، لأن الألف: واحد، واللام: ~~ثلاثون، والميم: أربعون، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قالوا ~~له: وهل غير هذا؟ قال: نعم. { المص } فقالوا: هذا أكثر لأن (ص) تسعون. ~~فقالوا: هل غير هذا؟ قال: نعم. { الر } فقالوا: هذا أكثر، لأن (الراء): ~~مائتان. ثم ذكر { المر } فقالوا: خلطت علينا [يا محمد] لا ندري ~~أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟ " # وإنما أدركوا من القرآن مقدار عقولهم وكل إنسان يدرك العلم بمقدار عقله. ~~وكل ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة، فتفسيره نحو ما ذكرنا ها هنا ~~[والله أعلم بالصواب]. قوله عز وجل: { ذلك الكتاب } أي هذا الكتاب ~~{ لا ريب فيه } أي لا شك فيه أنه مني، لم يختلقه محمد من تلقاء ~~نفسه. وقد يوضع ذلك بمعنى هذا، كما قال القائل: # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا أنني أنا ذلكا # يعني هذا. وقال بعضهم: معناه ذلك الكتاب الذي [كنت وعدتك يوم الميثاق أن ~~أوحيه إليك، وقال بعضهم: معناه ذلك الكتاب الذي] وعدت في التوارة ~~والإنجيل أن أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - وروي عن زيد بن أسلم ~~أنه قال: أراد بالكتاب اللوح المحفوظ، يعني الكتاب ثبت في اللوح المحفوظ. ~~وقوله: { لا ريب فيه } أي لا شك فيه أنه من الله تعالى ولم يختلقه ~~محمد من تلقاء نفسه. فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: لا شك فيه؟ وقد شك فيه ~~كثير من الناس وهم الكفار والمنافقون؟ قيل له: معناه لا شك فيه عند ~~المؤمنين وعند العقلاء. # وقيل: معناه لا شك فيه أي لا ينبغي أن يشك فيه، لأن القرآن معجز فلا ~~ينبغي أن يشك فيه أنه من الله تعالى. قوله عز وجل: { هدى ~~للمتقين } أي بيانا لهم من الضلالة { للمتقين } الذين ~~يتقون الشرك والكبائر والفواحش. فهذا القرآن بيان لهم من الضلالة وبيان ~~لهم من الشبهات، وبيان الحلال من الحرام. فإن قيل: فيه بيان لجميع الناس. ~~فكيف أضاف إلى المتقين خاصة؟ قيل له: لأن المتقين هم الذين ينتفعون ~~بالبيان، ويعملون به، ms0009 فإذا كانوا هم الذين ينتفعون [بالبيان]، صار في ~~[الحقيقة حاصل] البيان لهم. روي عن أبي روق أنه قال: { هدى ~~للمتقين } أي كرامة لهم. يعني إنما أضاف إليهم إجلالا وكرامة ~~لهم، وبيانا لفضلهم. ### || [2.3] # قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب } أي يصدقون بالغيب. ~~والغيب: هو ما غاب عن العين، وهو محضر في القلب، وإنما أراد به أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن تابعهم إلى يوم القيامة أنهم ~~يصدقون بغيب القرآن أنه من الله تعالى فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه. ~~ويقال: يؤمنون بالغيب يعني بالله تعالى حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا ~~الديبلي قال: حدثنا أبو [عبيد] الله، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا ~~أصحابنا عن الحارث بن قيس أنه قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحتسب ~~[بكم يا] أصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وصحبته، فقال عبد الله بن مسعود: ونحن نحتسب (لكم) إيمانكم به ولم تروه، ~~وأن أفضل الإيمان الإيمان بالغيب، ثم قرأ عبد الله { الذين ~~يؤمنون بالغيب } وقد قيل: { يؤمنون بالغيب } يعني ~~يصدقون بالبعث بعد الموت. وقوله تعالى { ويقيمون الصلاة } [أي ~~يديمون الصلاة وقد قيل أيضا إن العبد يديم الصلاة وقد قيل] يحافظون على ~~الصلوات الخمس بمواقيتها وركوعها وسجودها والتضرع بعدها. وقد قيل إن ~~العبد إذا صلى صلاة تقبل منه خلق الله تعالى منها ملكا يقوم ويصلي لله ~~إلى يوم القيامة، وثوابه لصاحب الصلاة. فهذا معنى قوله: { ويقيمون ~~الصلاة } وقوله عز وجل { ومما رزقنهم ينفقون } أي ~~يتصدقون، قال الكلبي: وهو زكاة المال. وروى أسباط عن السدي عن أصحابه ~~قال: هي نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول آية الزكاة. ويقال [ينفقون ~~أي] يتصدقون صدقة التطوع. ويقال: هي عليهم جميعا التطوع والفريضة. ### || [2.4-5] # قوله تعالى: { والذين يؤمنون بما أنزل إليك } يعني ~~بالقرآن قوله: { وما أنزل من قبلك } يعني التوراة والإنجيل ~~وسائر الكتب، ويقال: لما نزلت هذه الآية: { الذين يؤمنون ~~بالغيب } قالت اليهود والنصارى: نحن آمنا بالغيب. فلما قال { ~~ويقيمون الصلاة } قالوا: نحن نقيم ms0010 الصلاة. فلما قال: { ومما ~~رزقنهم ينفقون } قالوا: نحن ننفق ونتصدق. فلما قال: { ~~والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك } نفروا من ذلك. وقوله: { وبالآخرة هم يوقنون } أي ~~يقرون [يوم] القيامة والجنة والنار، والبعث، والحساب، والميزان. ~~واليقين على ثلاثة أوجه: يقين عيان، ويقين خبر، ويقين دلالة. فأما يقين ~~العيان: إذا رأى شيئا زال عنه الشك في ذلك الشيء وأما يقين الدلالة: هو ~~أن يرى دخانا يرتفع من موضع يعلم باليقين أن هناك نارا وإن لم يرها. ~~وأما يقين الخبر: فإن الرجل يعلم باليقين أن في الدنيا مدينة يقال لها ~~بغداد، وإن لم يكن يعاينها. فها هنا يقين خبر، ويقين دلالة، أن الآخرة حق ~~ولكن تصير معاينة عند الرؤية. ثم قال عز وجل { أولئك على هدى ~~من ربهم } يعني أهل هذه الصفة الذين سبق ذكرهم على بيان من الله ~~تعالى أي أكرمهم الله تعالى في الدنيا حيث هداهم، وبين لهم طريقهم. { ~~وأولئك هم المفلحون } في الآخرة، أي الناجون. يعني أن ~~الله تعالى أكرمهم في الدنيا بالبيان، وفي الآخرة بالنجاة وقد قيل: ~~الفلاح هو البقاء في النعمة. وقد قيل: الفلاح إذا بلغ الإنسان نهاية ما ~~يأمل. ويقال: معناه قد وجدوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا. وكل ما ~~في القرآن المفلحون فتفسيره هكذا. ### || [2.6] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا } إن ها هنا للتأكيد وهو حرف ~~من حروف القسم. والكفر في اللغة: هو الستر، يقال: ليلة كافرة إذا كانت ~~شديدة الظلمة، وإنما سمي الكافر كافرا، لأنه يستر نعم الله تعالى. وقوله ~~عز وجل: { سواء عليهم ءأنذرتهم } قرأ أهل الكوفة وعاصم ~~وحمزة والكسائي أأنذرتهم بهمزتين وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في رواية ~~هشام بهمزة واحدة مع المد (آنذرتهم) وتفسير القراءتين لا يختلف. قال ~~مقاتل: نزلت هذه الآية في مشركي قريش، منهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ~~وأبو جهل وغيرهم. وقال الكلبي: نزلت في رؤساء اليهود منهم: كعب بن ~~الأشرف، وحيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب. قال الكلبي: وليس ms0011 هو بأخي حيي. ~~وقال بعضهم هو أخو حيي، دخلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~سألوه عن { الم } و { المص } ثم خرجوا من عنده فنزل قوله: { إن ~~الذين كفروا } أي جحدوا بالقرآن سواء عليهم أأنذرتهم { أم لم ~~تنذرهم } يعني خوفتهم أو لم تخوفهم { لا يؤمنون } أي لا ~~يصدقون. فإن قيل: إذا علم أنهم لا يؤمنون، فما معنى دعوتهم إلى الإسلام؟ ~~قيل له: لأن في الدعوة زيادة الحجة عليهم، كما أن الله تعالى بعث موسى ~~إلى فرعون ليدعوه إلى الإسلام وعلم أنه لا يؤمن. وجواب آخر: إن الآية ~~خاصة، وليست بعامة، وإنما أراد به بعض الكفار الذين ثبتوا على كفرهم، كما ~~روي عن صفية بنت حيي بن أخطب قالت: رجع أبي وعمي من عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى في هذا الرجل؟ فقال: إنه ~~نبي، فقال: ما رأيك في اتباعه؟ فقال: رأيي أن لا أتبعه، وأن أظهر له ~~العداوة إلى الموت. فلم نزلت الآية في شأن مثل هؤلاء الذين قد ظهر لهم ~~الحق وكانوا لا يؤمنون. فقال: { ءأنذرتهم }. وأصل الإنذار هو ~~الإعلام، يعني خوفتهم بالنار، وأعلمتهم بالعذاب أو لم تعلمهم، فهو سواء ~~ولا يصدقونه. ### || [2.7] # قوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم } قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: أي طبع الله، ومعنى الختم على قلوبهم أي، ليس أنه يذهب ~~بعقولهم ولكنهم لا يتفكرون فيعتبرون بعلامات نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فيؤمنون { وعلى سمعهم } فهم لا يسمعون الحق { وعلى ~~أبصرهم غشوة } أي غطاء فلا يبصرون الهدى. واتفقت الأئمة ~~السبعة رحمهم الله على القراءة برفع الهاء (غشاوة) وقرأ بعضهم بنصبها وهي ~~قراءة شاذة. فأما من قرأ برفع الهاء، فهو على معنى الابتداء أي: ختم الله ~~على قلوبهم وعلى سمعهم، ثم ابتدأ فقال { وعلى أبصرهم ~~غشوة } وأما من قرأ بالنصب فيكون الجعل فيه مضمرا، يعني: جعل على ~~أبصارهم غشاوة. فقد ذكر في شأن المؤمنين ثوابهم في الدنيا الهدى، وفي ~~الآخرة الفلاح، وذكر في شأن الكفار عقوبتهم في ms0012 الدنيا الختم، وفي الآخرة ~~{ ولهم عذاب عظيم } يعني عذابا وجيعا، يخلص الوجع إلى قلوبهم. ~~قال [الفقيه رحمه الله] وفي الآية إشكال في موضعين: أحدهما في اللفظ ~~والآخر في المعنى: فأما الذي في اللفظ { ختم الله على ~~قلوبهم } ذكر جماعة القلوب ثم قال: { وعلى سمعهم } ذكر ~~بلفظ الوحدان، ثم قال: { وعلى أبصرهم } ذكر بلفظ الجمع، ~~فجوابه: [عن هذا: أن يقال] أن السمع مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع فلهذا ~~المعنى والله أعلم ذكر بلفظ الوحدان. وقد قيل: معنى { وعلى ~~سمعهم } أي: موضع سمعهم لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع. ~~وقد قيل: إن الإضافة إلى الجماعة تغني عن لفظ الجماعة، لأنه قال: { ~~وعلى سمعهم } فقد أضاف إلى الجماعة، والشيء إذا أضيف إلى ~~الجماعة مرة يذكر بلفظ الجماعة، ومرة يذكر بلفظ الوحدان. فلو ذكر القلوب ~~والأبصار بلفظ الوحدان لكان سديدا في اللغة. فذكر البعض بلفظ الوحدان، ~~والبعض بلفظ الجماعة، وهذه علامة الفصاحة لأن كتاب الله تعالى أفصح ~~الكلام. وأما الإشكال الذي في المعنى أن يقال: إذا ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم، فمنعهم عن الهدى فكيف يستحقون العقوبة؟ والجواب ~~عن هذا: أن يقال: أنه ختم مجازاة لكفرهم. كما قال في آية أخرى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155] لأن الله تعالى قد يسر عليهم سبيل الهدى، فلو جاهدوا ~~لوفقهم، كما قال [تعالى] # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69] فلما لم يجاهدوا واختاروا الكفر عاقبهم الله تعالى في ~~الدنيا بالختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم وفي الآخرة بالعذاب ~~العظيم. وروي عن مجاهد أنه قال: من أول سورة البقرة أربع آيات في نعت ~~المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين. وروي ~~عن مقاتل أنه قال: آيتان من أول السورة في نعت المؤمنين المهاجرين ~~[وآيتان في نعت المؤمنين غير المهاجرين]، وآيتان في نعت مؤمني أهل ~~الكتاب، وآيتان في نعت الكفار، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين من قوله: # ومن الناس # [البقرة: 8] إلى قوله: # إن الله على كل ms0013 شىء قدير # [البقرة: 20]. ### || [2.8] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول ءامنا بالله }: (من) ~~للتبعيض فإنه أراد به بعض الناس ولم يرد به جميع الناس، فكأنه قال: بعض ~~الناس يقولون: آمنا بالله. وقد قيل: معناه، ومن الناس ناس يقولون: آمنا ~~بالله، يعني صدقنا بالله { وباليوم الآخر } وبالبعث [بعد الموت] ~~{ وما هم بمؤمنين } يعني ليسوا بمصدقين، بل هم منافقون، منهم: ~~عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس، ومن تابعهم ~~من المنافقين وفي هذه الآية دليل على أن القول بغير تصديق القلب لا يكون ~~إيمانا لأن المنافقين كانوا يقولون بألسنتهم، ولم يكن لهم تصديق القلب، ~~فنفى الله الإيمان عنهم فقال: { وما هم بمؤمنين }. ### || [2.9] # قوله تعالى: { يخدعون الله } وأصل الخداع في اللغة هو الستر. ~~يقال للبيت الذي يخزن فيه المال: مخدع، والعرب تقول: [انخدعت] الضب في ~~جحرها. فكان المنافقون يظهرون الإيمان ويسترون نفاقهم وكفرهم فقال: { ~~يخدعون الله والذين ءامنوا } أي يكذبون ويخالفون الله ~~والذين آمنوا [ويقال يظنون أنهم يخادعون الله والذين آمنوا] لأنه قد بين ~~في سياق الآية حيث قال تعالى { وما يخدعون إلا أنفسهم } ~~روي عن الأخفش أنه قال: اجترأوا على الله حتى ظنوا أنهم يخادعون الله. ~~[وقال بكر بن جريج يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم ~~وأموالهم وأنفسهم] ويقال: يظهرون غير ما في أنفسهم. وهذا موافق لما روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: علامة المنافق ثلاث: إذا ~~وعد أخلف وإذا أوتمن خان، وإذا حدث كذب. وقوله: { وما يخدعون ~~إلا أنفسهم } قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة الكسائي { وما ~~يخدعون } بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف " وما يخادعون " وتفسير ~~القراءتين واحد يعني: وبال الخداع يرجع إليهم ويضر بأنفسهم. قوله: { ~~وما يشعرون }. قال الكلبي: يعني وما يعلمون أن الله يطلع نبيه على ~~كذبهم. وقال بعضهم: معناه وما يشعرون أن وبال الخداع يرجع إليهم. ### || [2.10] # قوله تعالى: { في قلوبهم مرض } يعني شكا ونفاقا وظلمة ~~وضعفا، لأن المريض فيه فترة ووهن، والشاك أيضا ms0014 في أمره فترة وضعف. فعبر ~~بالمرض عن الشك لأن المنافقين فيهم ضعف ووهن، ألا ترى إلى قوله تعالى # يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو # [المنافقون: 4] ويقال: إن المريض تعرض للهلاك، فسمي النفاق مرضا، لأن ~~النفاق قد يهلك صاحبه [لأن الخلق على مراتب ثلاث، ميت في الأحوال كلها ~~كالكافر وحي في الأحوال كلها كالمؤمن لقوله تعالى # أومن كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]، ومريض كالمنافق] ثم قال تعالى { فزادهم الله ~~مرضا } وهذا اللفظ يحتمل معنيين: يحتمل الخبر عن الماضي، ويحتمل ~~الدعاء، فإن كان المراد به الخبر فمعناه: في قلوبهم مرض فزادهم الله ~~مرضا إلى مرضهم كما قال في آية أخرى # فزادتهم رجسا إلى رجسهم # [التوبة: 125] لأن كل سورة نزلت يشكون فيها، فكان ذلك المرض [لهم]، ~~وللمؤمنين زيادة اليقين. وإن كان المراد به الدعاء، فمعناه: فزادهم الله ~~مرضا على مرضهم، على وجه الذم والطرد لهم كما قال في آية أخرى # قتلهم الله # [التوبة: 30] أو لعنهم الله فإن قيل: كيف يجوز أن يحمل على وجه الدعاء، ~~وإنما يحتاج إلى الدعاء عند العجز قيل له: هذا تعليم من الله تعالى أنه ~~يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم لأنهم شر خلق الله تعالى، لأنه وعد ~~لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار. ثم قال { ولهم عذاب ~~أليم } يعني مؤلم، أي عذاب وجيع الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم. قوله { ~~بما كانوا يكذبون } أي مجازاة لهم بتكذيبهم. قرأ حمزة وابن ~~عامر { فزادهم الله } بكسر الزاي، وهي لغة بعض العرب، [وقرأ عاصم ~~وأبو عمرو] (بالفتح) وهي اللغة الظاهرة، وقرأ أهل الكوفة، عاصم وحمزة ~~والكسائي (يكذبون) بتخفيف الذال، وقرأ الباقون بالتشديد. فمن قرأ ~~بالتخفيف فمعناه: بما كانوا يكذبون بقولهم أنهم مؤمنون، وجحدوا في السر ~~لأنهم كفروا بالله، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - في السر. ومن قرأ ~~بالتشديد فمعناه بما كانوا يكذبون، يعني ينسبون محمدا إلى الكذب، ~~ويجحدون نبوته. ### || [2.11] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } قرأ الكسائي برفع القاف وكذلك كل ~~ما ذكر في القرآن مثل قيل، وحيل، وسيق. وقرأ حمزة وعاصم ms0015 وغيرهما بكسر ~~القاف، وأصله في اللغة قول مع الواو، فحذفت الواو للتخفيف. فجعل الكسائي ~~الرفع مكان الواو وغيره، وقرأ بالكسر للتخفيف. والآية نزلت في شأن ~~المنافقين { وإذا قيل لهم } يعني المنافقين { لا تفسدوا ~~في الأرض } أي: لا تعملوا فيها بالمعاصي [وهو الفساد] لأن الأرض كانت ~~قبل أن يبعث النبي - عليه السلام - فيها الفساد، وكان يعمل فيها بالمعاصي ~~فلما بعث الله النبي - عليه السلام - ارتفع الفساد وصلحت الأرض، فإذا ~~عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما قال في آية أخرى # ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلحها # [الأعراف: 85] { قالوا إنما نحن مصلحون } أي نعمل ~~بالطاعة، ولا نعمل بالمعاصي وقد قيل: معنى لا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها أي لا تداهنوا بين الناس ولا تعملوا بالمداهنة { قالوا ~~إنما نحن مصلحون } يعني لا نعادي الكفار ولا المؤمنين حتى لو ~~كانت الغلبة للمؤمنين أو للكفار، لا يصيبنا من دائرتهم شيء. ### || [2.12] # قال الله تعالى { ألا إنهم هم المفسدون } في الأرض وليسوا ~~بمصلحين لأن عداوتهم مع الفريقين لأن كل فريق منهم يعلم أنهم ليسوا معهم. ~~وقد قيل: معناه لا تفسدوا في الأرض [بتفريق] الناس عن - محمد صلى الله ~~عليه وسلم - أي لا تصرفوا الناس عن دينه، قالوا: إنما نحن مصلحون ~~[بتفريقنا] عن دينه. { ألا إنهم هم المفسدون } ألا: كلمة ~~تنبيه فنبه المؤمنين وأعلمهم نفاقهم، فكأنه قال: ألا أيها المؤمنون: ~~اعلموا أنهم هم المفسدون العاصون ويكون تكرار كلمة هم على وجه التأكيد، ~~والعرب إذا كررت الكلام تريد به التأكيد قال تعالى: { ولكن لا ~~يشعرون } أنهم مفسدون. ### || [2.13] # { وإذا قيل لهم آمنوا كما ءامن الناس } قال في رواية ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في ~~شأن اليهود { وإذا قيل لهم } يعني اليهود { آمنوا كما ءامن ~~الناس } يعني عبد الله بن سلام وأصحابه. { قالوا أنؤمن كما ~~آمن السفهاء } يعني الجهال الخرقى قال الله تعالى: { ألا ~~إنهم هم السفهاء } يعني الجهال الخرقى بتركهم الإيمان بمحمد - ~~عليه السلام - { ولكن لا يعلمون ms0016 } أنهم سفهاء. وقال مقاتل: ~~نزلت هذه الآية في شأن المنافقين، وهكذا قال مجاهد ومعناه { وإذا ~~قيل لهم ءامنوا } يعني صدقوا بقلوبكم كما صدق أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ورضي عنهم { قالوا: أنؤمن } يعني المنافقين ~~أنصدق كما صدق الجهال. قال الله تعالى: { ألا إنهم هم ~~السفهاء } يعني الجهال بتركهم التصديق في السر، ولكن لا يعلمون أنهم ~~جهال. ### || [2.14] # ثم قال تعالى { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا } ~~نزلت هذه الآية في ذكر المنافقين منهم عبد الله بن أبي بن سلول وجد بن ~~قيس، ومعتب بن قشير وغيرهم وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ~~- رضي الله عنهم - مروا بقوم من المنافقين. فقال عبد الله بن أبي ~~لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء الجهال عنكم فتعلموا مني كيف أكلمهم، فأخذ ~~بيد أبي بكر، وقال: مرحبا بسيد بني تميم، وثاني اثنين وصاحبه في الغار، ~~وصفيه من أمته، الباذل نفسه وماله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~أخذ بيد عمر قال: مرحبا بسيد بني عدي القوي في أمر الله تعالى، الباذل ~~نفسه وماله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أخذ بيد علي فقال: ~~مرحبا بسيد بني هاشم، ما خلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الباذل ~~نفسه ودمه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسابق إلى الهجرة. فقال ~~له علي: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق، فإن المنافقين شر خليقة الله. ~~قال: فلم تقول هكذا وإيماني كإيمانكم وتصديقي كتصديقكم، ثم افترقوا، فقال ~~عبد الله لأصحابه: كيف رأيتم ردي هؤلاء عنكم؟ فقالوا: لا نزال بخير ما ~~عشت لنا، فنزلت الآية: { وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ~~ءامنا } يعني إيماننا كإيمانكم، وتصديقنا كتصديقكم قوله تعالى { ~~وإذا خلوا إلى شيطينهم } قال الكلبي: يعني إلى كهنتهم ~~وهم خمسة رهط من اليهود، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان، منهم كعب بن ~~الأشرف بالمدينة وأبو بردة الأسلمي في بني [سليم]، [وأبو السوداء] ~~بالشام، وعبد الدار من جهينة، وعوف بن مالك من بني أسد. ويقال: { وإذا ms0017 ~~خلوا إلى شيطينهم } يعني إلى رؤسائهم في الضلالة. وقال ~~أبو عبيدة: كل عات متمرد فهو شيطان ثم قال تعالى { قالوا إنا ~~معكم } أي على دينكم { إنما نحن مستهزءون } بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم. ### || [2.15] # قال الله تعالى { الله يستهزىء بهم } أي يجازيهم جزاء ~~الاستهزاء. وذكر في رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~الاستهزاء أن يفتح لهم وهم في جهنم، باب من الجنة فيهللون ويصيحون في ~~النار (فيهلكون)، والمؤمنون على الأرائك ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى ~~الباب سد عليهم، وفتح لهم باب آخر في مكان آخر والمؤمنون ينظرون إليهم ~~ويضحكون كما قال في آية أخرى # فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون # [المطففين: 34] الآية وقال مقاتل: الاستهزاء ما ذكره الله تعالى في سورة ~~الحديد # يوم يقول المنفقون والمنفقت للذين ~~ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ~~ورآءكم فالتمسوا نورا # [الحديد: 13] فهذا استهزاء بهم، ثم قال تعالى { ويمدهم في ~~طغينهم يعمهون } يعني يتركهم في ضلالتهم يتحيرون ويترددون ~~عقوبة لهم لاستهزائهم. ### || [2.16] # قوله عز وجل: { أولئك الذين اشتروا الضللة ~~بالهدى } يعني اختاروا الكفر على الإيمان. وفي الآية دليل أن الشراء ~~قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة لأن الله تعالى سمى استبدالهم ~~الضلالة بالهدى شراء، ولم يكن هنالك لفظ شراء. قوله تعالى { فما ~~ربحت تجرتهم } فقد أضاف الربح إلى التجارة على وجه المجاز. ~~والعرب تقول: ربحت تجارة فلان، وخسرت تجارة فلان، وإنما يريدون به أنه ~~ربح في تجارته، والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب على ما يتعارفون فيما ~~بينهم فلذلك قال { فما ربحت تجرتهم } أي فما ربحوا في ~~تجارتهم. قوله تعالى { وما كانوا مهتدين } قال بعضهم: معناه ~~وما هم بمهتدين في الحال. كقوله تعالى: # كيف نكلم من كان فى المهد صبيا # [مريم: 29] أي من هو في المهد [صبي] في الحال. وقال بعضهم: معناه { ~~وما كانوا مهتدين } من قبل لأنهم لو كانوا مهتدين من قبل ~~لوفقهم الله تعالى في الحال ولكن لما لم يكونوا مهتدين من ms0018 قبل خذلهم الله ~~تعالى مجازاة لأفعالهم الخبيثة. ### || [2.17] # قوله تعالى { مثلهم كمثل الذى استوقد نارا } روى ~~معاوية بن طلح عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ~~قال: نزلت هذه الآية في شأن اليهود الذين هم حوالي المدينة فقال: { ~~مثلهم كمثل الذى استوقد نارا فلما أضاءت } ~~يعني كمثل من كان في المفازة في الليلة المظلمة، وهو يخاف السباع فأوقد ~~نارا فآمن بها من السباع { فلما أضاءت ما حوله } طفئت ناره ~~وبقي في الظلمة كذلك اليهود الذين كانوا حوالي المدينة كانوا يقرون ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يخرج وكانوا إذا حاربوا أعداءهم من ~~المشركين يستنصرون باسمه فيقولون بحق نبيك أن تنصرنا فلما أخرج - النبي ~~صلى الله عليه وسلم - وقدم المدينة حسدوه وكذبوه وكفروا به فطفئت نارهم ~~وبقوا في ظلمات الكفر، وقال مقاتل: نزلت في المنافقين يقول مثل المنافق ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كمثل رجل في مفازة فأوقد نارا (فأمن) ~~بها على نفسه وعياله وماله فكذلك المنافق يتكلم بلا إله إلا الله مرآة ~~الناس ليأمن بها على نفسه (وأهله) وعياله وماله ويناكح مع المسلمين وكان ~~له نور بمنزلة المستوقد النار يمشي في شوءها ما دامت ناره تتقد، فلما ~~أضاءت النار أبصر ما حوله بنورها وذهب نورها فبقي في ظلمة. قوله تعالى { ~~ذهب الله بنورهم } أي يذهب الله بنور الإيمان الذي يتكلم به { ~~وتركهم في ظلمت لا يبصرون } الهدى فكذلك المنافق إذا ~~بلغ آخر عمره بقي في ظلمة كفره. وهكذا فسره قتادة والقتبي وغيرهما. ### || [2.18] # ثم قال تعالى: { صم بكم عمي فهم لا يرجعون } وفي ~~قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (صما بكما عميا) [وإنما ~~جعلها نصبا لوقوع الفعل عليها يعني وتركهم صما بكما عميا]. وقرأ ~~غيره: صم بكم عمي [ومعناه هم صم بكم عمي]. وتفسير الآية أنهم يتصاممون ~~حيث لم يسمعوا الحق ولم يتكلموا به ولم يبصروا العبرة والهدى فكأنهم صم ~~بكم عمي ولأن الله تعالى خلق السمع والبصر واللسان لينتفعوا ms0019 بهذه الأشياء ~~فإذا لم ينتفعوا بالسمع والبصر صار كأن السمع والبصر لم يكن لهم. كما أن ~~الله تعالى سمى الكفرة موتى حيث قال تعالى # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122] يعني كافرا فهديناه. وإنما سماهم موتى - والله أعلم - ~~لأنه لا منفعة لهم في حياتهم، فكأن تلك الحياة لم تكن لهم، فكذلك السمع ~~والبصر واللسان، إذا لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن لهم، فكأنهم صم بكم ~~عمي فهم لا يرجعون، يعني لا يرجعون إلى الهدى. وقال القتبي: معنى قوله ~~تعالى: # وتركهم في ظلمت لا يبصرون # [البقرة: 19] قال: الظلمة الأولى كانت ظلمة الكفر واستيقادهم النار قول: ~~لا إله إلا الله، وإذا خلوا إلى شياطينهم فنافقوا. وقالوا # إنا معكم إنما نحن مستهزءون # [البقرة: 14] فسلبهم نور الإيمان # وتركهم في ظلمت لا يبصرون # [البقرة: 17]. ### || [2.19] # { أو كصيب من السماء فيه ظلمت } يعني كمطر نزل من ~~السماء فضرب لهم الله تعالى مثلا آخر لأن العرب كانوا يوضحون الكلام ~~بذكر الأمثال فالله ضرب لهم الأمثال ليوضح عليهم الحجة، فضرب لهم مثلا ~~بالمستوقد النار، ثم ضرب لهم مثلا آخر بالمطر. فإن قيل كلمة (أو) إنما ~~تستعمل للشك فما معنى { أو } ها هنا، فقيل له: (أو) قد تكون للتخيير ~~[فكأنه قال إن شئتم فاضربوا لهم مثلا بالمستوقد النار وإن شئتم فاضربوا ~~لهم المثل بالمطر فأنتم مصيبون في ضرب المثل في الوجهين جميعا. وهذا كما ~~قال في آية أخرى: # أو كظلمت فى بحر لجى # [النور: 40] فكذلك ها هنا أو للتخيير] لا للشك. وقد قيل: أو بمعنى الواو ~~يعني، وكصيب من السماء، معناه: مثلهم كرجل في مفازة في ليلة مظلمة فنزل ~~مطر من السماء، وفي المطر ظلمات { ورعد وبرق } والمطر هو القرآن ~~لأن في المطر حياة الخلق وإصلاح الأرض وكذلك القرآن [حياة القلوب]، فيه ~~هدى للناس، وبيان من الضلالة وإصلاح، فلهذا المعنى شبه القرآن بالمطر. ~~والظلمات هي الشدائد والمحن التي تصيب المسلمين، والشبهات التي في ~~القرآن، والرعد: هو الوعيد الذي ذكر للمنافقين والكفار في القرآن، ~~والبرق: ما ظهر من علامات نبوة ms0020 محمد - صلى الله عليه وسلم - ودلائله. ~~قوله تعالى { يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق } أي يتصاممون عن سماع الحق { حذر الموت } أي لحذر ~~الموت، [إنما] نصب لنزع الخافض. مثل قوله # واختار موسى قومه # [الأعراف: 155] أي من قومه. فكذلك ها هنا { حذر الموت } أي لحذر ~~الموت، ومعناه: مخافة أن ينزل في القرآن شيء يظهر حالهم كما قال في آية ~~أخرى # نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا # [التوبة: 127] قال بعضهم: في الآية مضمر، ومعناها يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الرعد، ويغمضون أعينهم من الصواعق. وقال أهل اللغة: الصاعقة ~~صوت ينزل من السماء فيه نار. فمن قال بهذا القول لا يحتاج إلى الإضمار في ~~الآية: يجعلون أصابعهم في آذانهم من خوف الصاعقة: { والله محيط ~~بالكفرين } أي عالم بأعمالهم والإحاطة: هي إدراك الشيء بكماله. ### || [2.20] # قوله تعالى { يكاد البرق يخطف أبصرهم } أي ضوء البرق ~~يذهب ويختلس بأبصارهم من شدة ضوء البرق فكذلك نور إيمان المنافق يكاد ~~يغطي على الناس كفره في سره حتى لا يعلموا كفره. وقد قيل: معناه يكاد أن ~~يظهر عليهم نور الإسلام، فيثبتون على ذلك. ثم قال: { كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه } أي كلما لمع البرق في الليلة المظلمة مضوا فيه { ~~وإذا أظلم عليهم } أي: إذا ذهب ضوء البرق { قاموا } ~~متحيرين فكذلك المنافق، إذا تكلم بلا إله إلا الله، يمضي مع المؤمنين، ~~[ويمنع بها] من السيف، فإذا مات بقي متحيرا نادما. ويقال: معناه كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه، أي كلما ظهر لهم دليل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- وظهر لهم علاماته مالوا إليه، وإذا أظلم عليهم، أي إذا أصاب المسلمين ~~محنة، كما أصابتهم يوم أحد، وكما أصابتهم يوم بئر معونة قاموا، أي ثبتوا ~~على كفرهم. وروى أسباط عن السدى أنه قال: كان رجلان من المنافقين هربا من ~~المدينة إلى المشركين، فأصابهما من المطر الذي ذكر الله فيه ظلمات ورعد ~~وبرق، كلما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما فإذا لمع البرق ~~مشيا في ضوئه، وإذا لم يلمع ms0021 لم يبصرا شيئا، فقاما مكانهما فجعلا يقولان ~~يا ليتنا لو أصبحنا فنأتي محمدا - صلى الله عليه وسلم - فنضع أيدينا في ~~يده، فأصبحا فأتياه فأسلما وحسن إسلامهما فضرب الله في شأن هذين ~~المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين كانوا بالمدينة. ثم قال تعالى: ~~{ ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم } قال ~~بعضهم بسمعهم الظاهر الذي في الرأس وأبصارهم التي في الأعين كما ذهب بسمع ~~قلوبهم، وأبصار قلوبهم عقوبة لهم. قيل: معناه ولو شاء لجعلهم صما وعميا ~~في الحقيقة كما جعلهم صما وعميا في الحكم. قد قيل: معناه، ولو شاء الله ~~لجعلهم صما وعميا في الآخرة كما جعلهم في الدنيا. وروي في إحدى ~~الروايتين عن ابن عباس أنه قال: هذا من المكتوم الذي لا يفسر. ثم قال ~~تعالى: { إن الله على كل شىء قدير } من العقوبة وغيرها. ### || [2.21] # { يأيها الناس اعبدوا ربكم } أي أطيعوا ربكم. ويقال: ~~وحدوا ربكم. وهذه الآية عامة، وقد تكون كلمة يا أيها الناس خاصة لأهل مكة ~~وقد تكون عامة لجميع الخلق فها هنا { يا أيها الناس } لجميع ~~الخلق. يقول للكفار: وحدوا ربكم، ويقول للعصاة: أطيعوا ربكم، ويقول ~~للمنافقين: أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم، ويقول للمطيعين: اثبتوا على طاعة ~~ربكم. واللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها، وهو من جوامع الكلم. واعلم أن ~~النداء في القرآن على ست مراتب: نداء مدح، ونداء ذم، ونداء تنبيه، ونداء ~~إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية. فأما نداء المدح فمثل قوله تعالى { ~~يأيها النبي } { يا أيها الرسل } { يا أيها ~~الذين آمنوا } ونداء الذم مثل قوله تعالى: { يا أيهاالذين ~~كفروا } { يأيها الذين هادوا } ونداء التنبيه مثل قوله ~~تعالى { يا أيهاالإنسن } { يا أيها الناس } ونداء الإضافة ~~مثل قوله تعالى { يا عبادى } ونداء النسبة مثل قوله { يا بني آدم } { ~~يا بنى إسرءيل } ونداء التسمية مثل قوله تعالى { يا داوود } { ~~يا إبراهيم } فها هنا ذكر نداء التنبيه فقال: { يا أيها ~~الناس } أخبر بالنداء أنه يريد أن يأمر أمرا أو ينهى عن شيء. ثم بين ~~الأمر فقال: { اعبدوا ربكم } يعني وحدوا وأطيعوا { الذي ~~خلقكم ms0022 } معناه: أطيعوا ربكم الذي هو خالقكم، فخلقكم ولم تكونوا ~~شيئا { والذين من قبلكم } يعني وخلق الذين من قبلكم { ~~لعلكم تتقون } المعصية وتنجون من العقوبة. ### || [2.22] # { الذى جعل لكم الأرض فراشا } معناه: اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم وجعل لكم الأرض فراشا، يعني مهادا وقرارا. وقال أهل اللغة: ~~الأرض بساط العالم. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إنما سميت ~~الأرض أرضا لأنها تأرض ما في بطنها أي تأكل ما فيها. وقال بعضهم: لأنها ~~تتأرض بالحوافر والأقدام { والسماء } في اللغة: ما علاك وأظلك. يعني ~~اذكروا رب هذه النعم واعبدوه واعرفوا شكر هذه النعم حيث جعل لكم الأرض ~~فراشا، والسماء { بناء } أي سقفا. قال ابن عباس رضي الله عنهما في ~~رواية الكلبي: كل سماء مطبقة على الأخرى مثل القبة وسماء الدنيا ملتزقة ~~على الأرض أطرافها ويقال: { والسماء بناء } أي مرتفعا. { ~~وأنزل من السماء ماء } يعني المطر { فأخرج به } يعني ~~أنبت بالمطر { من الثمرت رزقا لكم } يعني من ألوان الثمرات ~~طعاما لكم قوله { فلا تجعلوا لله أندادا } أي لا تقولوا ~~له شركاء { وأنتم تعلمون } أنه خالق هذه الأشياء وغيره لا ~~يستطيع أن يخلق شيئا من هذه الأشياء. ويقال: كل شيء في هذه الدنيا فيه ~~دلالة على كونه الخالق من أربعة أوجه: فوجود هذه الأشياء وكونها يدل على ~~وجود الصانع واستقامتها تدل على توحيده، وهو استقامة الليل والنهار، ~~والشتاء والصيف وخروج الثمرات وحدوث كل شيء في وقته، لأن المدبر لو كان ~~اثنين لم يكن على الاستقامة كما قال في آية أخرى # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وتجانسها يدل على أن الخالق واحد عالم حيث خلق الأشياء ~~أجناسا مختلفة وتمام الأشياء يدل على أن خالقها واحد قائم قادر. ### || [2.23] # قوله تعالى { وإن كنتم فى ريب } قال بعضهم: هذا الخطاب لليهود ~~وإن كنتم في ريب: أي في شك { مما نزلنا على عبدنا } محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - من القرآن أنه ليس من الله تعالى { فأتوا ~~بسورة من مثله } أي من مثل هذا ms0023 القرآن من التوراة، [يعني ~~فأتوا بسورة من التوراة] وقابلوها بالقرآن، [فتجدوها موافقة لما في ~~التوراة] فتعلموا به أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يختلقه من ~~تلقاء نفسه وأنه من الله تعالى. { وادعوا شهداءكم من دون ~~الله } أي استعينوا بأحباركم ورهبانكم يعني عبادكم { إن كنتم ~~صدقين } فيما تشكون فيه. وقال بعضهم: نزلت في شأن المشركين { وإن ~~كنتم في ريب } أي في شك { مما نزلنا على عبدنا } ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - من القرآن وتقولون: إنه اختلقه من تلقاء ~~نفسه { فأتوا بسورة } أي، فاختلقوا سورة من مثل هذا القرآن لأنكم ~~شعراء وفصحاء { وادعوا شهداءكم } أي استعينوا بآلهتكم. ويقال: ~~استعينوا بخطبائكم وشعرائكم { إن كنتم صدقين } أن محمدا يقوله ~~من تلقاء نفسه. وقال قتادة: معناه فأتوا بسورة فيها حق وصدق لا باطل فيها ~~وكان الفقيه أبو جعفر - رحمه الله - يقول: (الهاء) إشارة إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكأنه قال: فأتوا بسورة من مثل محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - لأنه لم يكن قرأ الكتب ولا درس فأتوا بسورة من رجل لم يقرأ الكتب، ~~كما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. [ويقال: هذه الآيات أصل لجميع ~~ما تكلم به المتكلمون لأن في أول الآية إثبات الصانع ثم في الآية الأخرى: ~~إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -] فالله تعالى أمرهم بأن يأتوا ~~بعشر سور فعجزوا عنها، ثم أمرهم بسورة من مثله، فعجزوا عنها، فنزلت هذه ~~الآية # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرءان # [الإسراء: 88] الآية. ### || [2.24] # ثم قال عز وجل: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } (لم) ~~تستعمل للماضي (ولن) تستعمل للمستقبل، فكأنه قال: فإن لم تفعلوا أي لم ~~تأتوا في الماضي ولن تفعلوا أي لن تأتوا في المستقبل، وتجحدون بغير حجة { ~~فاتقوا النار } قال قتادة: معناه، فإن لم تفعلوا، ولن تقدروا أن ~~تفعلوا ولن تطيقوا { فاتقوا النار } أي: احذروا النار { التي ~~وقودها الناس والحجارة } يعني حطبها الناس إذا صاروا إليها، ~~والحجارة قبل أن يصيروا إليها. ويقال معناه: أن مع ms0024 كل إنسان من أهل النار ~~حجرا معلقا في عنقه حتى إذا طفئت النار، [رسبه به] الحجر إلى أسفل. ~~ويقال: وقودها الناس والحجارة، أي حجارة الكبريت، وإنما جعل حطبها من ~~حجارة الكبريت لأن لها خمسة أشياء ليست لغيرها: أحدها: أنها أسرع وقودا، ~~والثاني: أنها أبطأ خمودا، والثالث: أنها أنتن رائحة، والرابع: أنها أشد ~~حرا، والخامس أنها ألصق بالبدن. قوله تعالى: { أعدت ~~للكفرين } أي خلقت وهيئت للكافرين وقدرت لهم. ### || [2.25] # ثم قال { وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } ~~فقد ذكر في أول الآية إثبات الصانع وذكر حجته، ثم ذكر إثبات الكتاب ~~والنبوة، ثم ذكر الوعيد للكفار، [لمن لم] يؤمن بالله، ثم ذكر الثواب ~~للمؤمنين، وهكذا في جميع القرآن في كل موضع ذكر عقوبة الكفار، ثم ذكر على ~~أثره ثواب المؤمنين لتسكن قلوبهم إلى ذلك، وتزول عنهم [الوحشة] لكي ~~يثبتوا على إيمانهم ولكي يرغبوا في ثوابه فقال { وبشر الذين ~~ءامنوا } أي فرح قلوب الذين آمنوا. يعني صدقوا بوحدانية الله تعالى، ~~وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به جبريل - عليه السلام - { ~~وعملوا الصلحات } أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { أن ~~لهم } أي بأن لهم { جنت } وهي البساتين { تجرى من تحتها ~~الأنهر } أي من تحت شجرها ومساكنها وغرفها الأنهار [يعني أنهار ~~الخمر واللبن والماء والعسل] { كلما رزقوا منها } أي أطعموا ~~من الجنة { من ثمرة رزقا } أي طعاما { قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل } أي أطعمنا من الجنة من قبل. قال بعضهم: ~~معناه إذا أتي بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم إذا أتي بها في ~~آخر النهار { قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } [يعني ~~الذي أطعمنا في أول النهار لأن لونه يشبه لون ذلك، فإذا أكلوا منه وجدوا ~~لها طعما غير طعم الأول. قال بعضهم: معناه { كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل } ~~أي في الدنيا، لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمها ~~غير ذلك. ثم قال تعالى: { وأتوا به متشبها } قال بعضهم: ~~معناه، متشابها في ms0025 المنظر مختلفا في الطعم. وقال بعضهم: متشابها، يعني ~~يشبه بعضها بعضا في الجودة، ولا يكون فيها رديء، حدثنا محمد بن الفضل ~~قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو ~~معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس في ~~الجنة شيء يشبه ما في الدنيا الا الأسماء يعني أسماء الثمار. ثم قال ~~تعالى { ولهم فيها أزوج مطهرة } أي مهذبة في الخلق ~~ويقال: مطهرة في الخلق والخلق، فأما الخلق فإنهن لا يحضن ولا يبلن ولا ~~يتمخطن ولا يأتين الخلاء. وأما الخلق، فهن لا يحسدن ولا يغرن ولا ينظرن ~~إلى غير أزواجهن. قوله تعالى { وهم فيها خلدون } أي دائمون لا ~~يموتون ولا يخرجون منها أبدا. ### || [2.26] # قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } ~~وذلك أنه لما نزل قول الله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا # [الحج: 73] وقال في آية أخرى: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت # [العنكبوت: 41] قالت اليهود والمشركون: إن رب محمد يضرب المثل بالذباب ~~والعنكبوت فنزلت هذه الآية. { إن الله لا يستحى أن يضرب ~~مثلا ما بعوضة فما فوقها } أي لا يمتنع من ضرب المثل ~~وبيان الحق بذكر البعوضة وبما فوقها. ويقال: لا يمنعه الحياء أن يضرب ~~المثل ويبين ويصف للحق شبها { ما بعوضة فما فوقها } ، يعني ~~بالذباب والعنكبوت. وقال بعضهم: فما فوقها أي بما دونها في الصغر، وهذا ~~من أسماء الأضداد يذكر الفوق، ويراد به دونه، كما يذكر الوراء ويراد به ~~الأمام مثل قوله: # ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا # [الإنسان: 27] أي أمامهم فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه أي يضرب ~~المثل بالبعوضة وبما دونها، بعد أن يكون فيه إظهار الحق، وإرشاد الى ~~الهدى فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه. ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة، لأن خلقة ~~البعوضة أعجب لأن خلقتها خلقة الفيل. ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة ~~عاشت ms0026 فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي إذا استغنى، فإنه يطغى. فضرب الله ~~المثل للآدمي. ثم قال تعالى: { فأما الذين ءامنوا } أي صدقوا ~~وأقروا بتوحيد الله تعالى { فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم } يعني المثل بالذباب والعنكبوت، فيؤمنون به. { وأما ~~الذين كفروا } يعني اليهود والمشركين { فيقولون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا } أي بذكر البعوضة والذباب. قال الله ~~تعالى { يضل به كثيرا } أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيرا من ~~الناس، يعني يخذلهم ولا يوفقهم { ويهدي به كثيرا } [يعني يوفق] ~~به على معرفة ذلك المثل كثيرا من الناس وهم المؤمنون. وقال بعضهم: معنى ~~قوله { يضل به كثيرا } ، أي يسميه ضالا، كما يقال: فسقت ~~فلانا، أي سميته فاسقا، لأن الله تعالى لا يضل به أحدا، وهذا طريق ~~المعتزلة، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين، وهو غير مستعمل في اللغة ~~أيضا، لأنه يقال: ضلله إذا سماه ضالا [ولا يقال: أضله إذا سماه ضالا]، ~~ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم. ~~ثم قال تعالى: { وما يضل به إلا الفسقين } أي وما يهلك ~~به وأصل الضلالة الهلاك يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكا، وما ~~يهلك، وما يخذل به، يعني بالمثل إلا الفاسقين، وأصل الفسق في اللغة هو: ~~الخروج عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها ويقال ~~للفأرة فويسقة لأنها تخرج من الحجر، وقال الله تعالى # ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50] أي خرج عن طاعة ربه. ### || [2.27] # ثم نعت الفاسقين فقال تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثقه } أي يتركون أمر الله ووصيته من بعد ميثاقه، أي من ~~بعد تغليظه وتأكيده، وذلك أن الله تعالى أمر موسى في التوراة: بأن يأمر ~~قومه ليقروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويصدقون إذا خرج. وكان موسى ~~عليه السلام عاهدهم على ذلك فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كذبوه ولم يصدقوه ونقضوا العهد. ويقال: انه أراد به العهد الذي أخذه من ~~بني آدم من ظهورهم حيث قال تعالى: # ألست بربكم؟ ms0027 قالوا: بلى # [الأعراف: 172] فنقضوا ذلك العهد والميثاق. فإن قيل: كيف يجوز هذا؟ ~~واليهود كانوا مقربين بالله تعالى فكيف يكون نقض العهد وهم مقرون؟ قيل ~~له: إنهم إذا لم يصدقوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقد أشركوا بالله، ~~لأنهم لم يصدقوا بأن القرآن من عند الله، ومن زعم أن القرآن قول البشر ~~فقد أشرك بالله تعالى، وصار ناقضا للعهد. ويقال: الميثاق الذي يعرف كل ~~واحد [ربه] إذا تفكر في نفسه، فكان ذلك بمنزلة أخذ الميثاق عليه، وجميع ~~ما في القرآن من ذكر الميثاق فهو على هذه الأوجه الثلاثة. وقوله تعالى: { ~~ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } ، روى الضحاك وعطاء ~~عن ابن عباس أنه قال: (إنهم أمروا أن يؤمنوا بجميع الأنبياء فآمنوا ~~ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم)، فهذا معنى قوله: { ويقطعون ما أمر ~~الله به أن يوصل } ويقال: أمروا بصلة القرابات فقطعوا الأرحام ~~فيما بينهم ويقال: كانت بين اليهود والعرب قرابة من وجه، لأن العرب كانت ~~من أولاد إسماعيل واليهود من أولاد إسحاق، فإذا لم يؤمنوا بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقد قطعوا ذلك الرحم الذي كان بينهم. وقوله تعالى { ~~ويفسدون فى الأرض } لأنهم يكفرون ويأمرون غيرهم بالكفر فذلك ~~فسادهم في الأرض { أولئك هم الخسرون } أي المغبونون في ~~العقوبة. وقال الكلبي: ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله منزل وأهل وخدم في ~~الجنة فإن أطاع الله أتى ومنزله وأهله وخدمه في الجنة، وإن عصى الله ورثه ~~الله تعالى المؤمنين، فقد غبن أي بعد عن أهله وخدمه. كما قال في آية ~~أخرى # قل إن الخسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيمة # [الزمر: 15]. وقال بعضهم: هذا التفسير لا يصح لأنه لا يجوز أن يقال: ~~للكافر منزل في الجنة وخدم، إلا أن الكلبي لم يقل ذلك من ذات نفسه، وإنما ~~رواه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. ### || [2.28] # قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله وكنتم } قال ابن عباس: ~~هو على وجه التعجب. وقال الفراء: هو على وجه التوبيخ والتعجب لا على وجه ~~الاستفهام، ms0028 فكأنه قال: ويحكم كيف تكفرون وتجحدون بوحدانية الله تعالى. ~~فإن قيل: كيف يجوز التعجب من الله تعالى؟ وإنما يجوز التعجب ممن رأى ~~شيئا لم يكن رآه أو سمع شيئا لم يكن سمعه فيتعجب لذلك والله تعالى قد ~~علم الأشياء قبل كونها. قيل له: التعجب من الله تعالى يكون على وجه ~~التعجيب، والتعجيب هو أن يدعو إلى التعجب فكأنه يقول: ألا تتعجبون أنهم ~~يكفرون بالله. وهذا كما قال في آية أخرى # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5] ثم قال { وكنتم أموتا فأحيكم } أي كنتم نطفة ~~في أصلاب آبائكم فأحياكم في أرحام أمهاتكم { ثم يميتكم } عند ~~انقطاع آجالكم { ثم يحييكم } للبعث يوم القيامة { ثم إليه ~~ترجعون } في الآخرة فتثابون بأعمالكم. قال الكلبي: فلما ذكر البعث ~~عرف اليهود فسكتوا وأنكر ذلك المشركون فقالوا: ومن يستطيع أن يحيينا بعد ~~الموت فنزل قوله تعالى # هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا # [البقرة: 29] فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لليهود وهم لم ~~يكفروا بالله تعالى. فالجواب ما سبق ذكره، أنهم لما أنكروا نبوة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - فقد أنكروا وحدانية الله تعالى لأنهم أخبروا أن ~~القرآن قول البشر. ### || [2.29] # قوله تعالى: { هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا } ~~أي قدر خلقها لأن الأشياء كلها لم تخلق في ذلك الوقت، لأن الدواب وغيرها ~~من الثمار التي في الأرض تخلق وقتا بعد وقت. ولكن معناه قدر خلق الأشياء ~~التي في الأرض. وقوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء } هذه ~~الآية من المشكلات والناس في هذه الآية وما شاكلها على ثلاثة أوجه: قال ~~بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وهذا كما روي عن مالك بن أنس رحمه ~~الله أن رجلا سأله عن قوله: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] فقال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والإيمان به ~~واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالا فأخرجوه فطردوه، فإذا هو جهم ~~بن صفوان. وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول ~~المشبهة. وللتأويل ms0029 في هذه الآية وجهان: أحدهما: { ثم استوى إلى ~~السماء } أي صعد أمره إلى السماء، وهو قوله: (كن فكان). وتأويل آخر ~~وهو قوله: { ثم استوى إلى السماء } أي أقبل إلى خلق السماء. ~~فإن قيل: قد قال في آية أخرى # أم السمآء بنها رفع سمكها فسواها # [النازعات:27، 28] إلى قوله # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] فذكر في تلك الآية أن الأرض خلقت بعد السماء، وذكر في ~~هذه الآية أن [الأرض خلقت قبل السماء]. الجواب عن هذا أن يقال: خلق الأرض ~~قبل السماء وهي ربوة حمراء في موضع الكعبة، فلما خلق السماء بسط الأرض ~~بعد خلق السماء فذلك قوله تعالى: # والأرض بعد ذلك دحها # [النازعات: 30] أي بسطها. ثم قال تعالى: { فسواهن } أي خلقهن { ~~سبع سموت } وهن أعظم من خلقكم { وهو بكل شيء عليم } ~~أي بخلق كل شيء عليم ومعناه: أن الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا وخلق ~~السماوات قادر على أن يحييكم بعد الممات. قرأ نافع والكسائي وأبو عمرو ~~(وهو) بجزم الهاء. وقرأ الباقون بضم الهاء (وهو) في جميع القرآن، وهما ~~لغتان ومعناهما واحد. ### || [2.30] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة } روي عن أبي ~~عبيدة أنه قال: معناه وقال ربك للملائكة وإذ زيادة. وروي عن الفراء أنه ~~قال: واذكر معناه إذ قال ربك وقال مقاتل: معناه، وقد قال ربك للملائكة. ~~والملائكة: جماعة الملك. وهذا اللفظ على غير القياس لأنه يقال: ملائكة ~~بالهمز ويقال للواحد: ملك بغير همز. وإنما قيل ذلك لأنه في الأصل كان ~~مألك بالهمز فأسقط الهمز للتخفيف. وأصله من: ألك يألك (ألوكا) وهو ~~الرسالة. كما قال القائل: # وغلام أرسلته أمه # بألوك، فبذلنا ما سأل # وإنما سميت الملائكة ملائكة لأنهم رسل الله تعالى وإنما أراد ها هنا بعض ~~الملائكة. وهم الملائكة الذين كانوا في الأرض. وذلك أن الله تعالى لما ~~خلق الأرض، خلق الجان من مارج من نار، أي من لهب من نار لا دخان لها، ~~فكثر نسله، وهم الجان بنو الجان، فعملوا في الأرض بالمعاصي وسفكوا ~~الدماء، فبعث الله تعالى ملائكة ms0030 سماء الدنيا، وأمر عليهم إبليس وكان اسمه ~~عزازيل، حتى هزموا الجن، وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحار، وسكنوا ~~الأرض فصار الأمر عليهم في العبادة أخف لأن كل صنف من الملائكة يكون أرفع ~~في السماوات فيكون خوفهم أشد وملائكة سماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من ~~الذين فوقهم، فلما سكنوا الأرض صار الأمر عليهم أخف مما كانوا، وسكنوا ~~الأرض واطمأنوا إليها، وكل من اطمأن إلى الدنيا أمر بالتحول عنها. ~~فأخبرهم الله تعالى أنه يريد أن يخلق في الأرض خليفة [فذلك قوله تعالى { ~~وإذ قال ربك للملئكة } يعني الذين هم في الأرض { ~~إني جاعل فى الأرض خليفة } يعني أريد أن أخلق في الأرض ~~خليفة] سواكم. فشق ذلك عليهم وكرهوا ذلك { فقالوا أتجعل فيها ~~} يعني أتخلق فيها { من يفسد فيها } كما أفسدت الجن { ويسفك ~~الدماء } كما سفكت الجن { ونحن نسبح بحمدك } أي نصلي لك ~~بأمرك. ويقال معناه: نحن نسبح بحمدك ونحمدك { ونقدس لك } قال ~~بعضهم: نقدس أنفسنا لك، يعني نطهر أنفسنا بالعبادة عن المعصية. وقال ~~بعضهم: نقدس لك، أي ننسك إلى الطهارة ونقدس أنفسنا لك: { قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون } قال مجاهد: علم من إبليس المعصية وعلم من ~~آدم الخدمة والطاعة ولم تعلم الملائكة بذلك. وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: قد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدس له ويطيعه. ~~ويقال: قد علم الله تعالى أنه سيكون في ولد آدم من الأنبياء والصالحين ~~والأبرار. وذكر في الخبر أنه لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم بعث جبريل ~~ليجمع التراب من وجه الأرض، فلما نزل جبريل وأراد أن يجمع التراب قالت له ~~الأرض: بحق الله عليك لا تفعل فإني أخشى أن يخلق من ذلك خلقا يعصي الله ~~تعالى فأستحي من ربي. # فصعد جبريل وقال: لو أمرني ربي بالرجوع إليها لفعلت. فلما صعد جبريل بعث ~~الله تعالى ميكائيل فتضرعت إليه الأرض بمثل ذلك، فرجع ميكائيل، فبعث الله ~~تعالى عزرائيل، فتضرعت إليه الأرض. فقال عزرائيل أمر الله أولى من قولك. ~~فجمع التراب ms0031 من وجه الأرض الطيب والسبخة، والأحمر والأصفر، وغير ذلك، ثم ~~صعد إلى السماء، فقال له تعالى: أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك؟ فقال: ~~رأيت أمرك أوجب من قولها فقال: أنت تصلح لقبض أرواح أولاده. فصار ذلك ~~التراب طينا، وكان طينا أربعين سنة، ثم صار صلصالا كما قال في آية ~~أخرى # خلق الإنسن من صلصل كالفخار # [الرحمن: 14] فكان إبليس إذا مر عليه مع الملائكة قال: أرأيتم هذا الذي ~~لم تروا شيئا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم ~~فاعلون؟ فقالوا: نطيع أمر ربنا. فأسر إبليس في نفسه، وقال لئن فضل علي ~~لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه. فلما سواه ونفخ فيه من روحه وعلمه ~~أسماء الأشياء التي في الأرض. يعني ألهمه. ### || [2.31] # فذلك قوله تعالى: { وعلم ءادم الأسمآء كلها } يعني ألهمه ~~أسماء الدواب وغيرها، { ثم عرضهم على الملئكة } هكذا ~~مكتوب في مصحف الإمام عثمان - رضي الله عنه - وأما في مصحف ابن مسعود، ~~وأبي بن كعب. ففي أحدهما (ثم عرضها) وفي الآخر (ثم عرضهن) فأما من قرأ ~~(ثم عرضهن) يعني به جماعة الدواب، ومن قرأ (ثم عرضها) يعني به جميع ~~الأسماء. وأما من قرأ { ثم عرضهم } يعني به جماعة الأشخاص. ~~والأشخاص يصلح أن يكون عبارة عن المذكر والمؤنث. وإن اجتمع المذكر ~~والمؤنث غلب [المذكر على المؤنث]. قوله تعالى: { فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء } أي أخبروني عن أسماء هذه الأشياء التي في الأرض ~~{ إن كنتم صدقين } في قولكم # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] قال مقاتل: معناه كيف تقولون فيما لم أخلق بعد أنهم يفسدون ~~وأنتم لا تعرفون ما ترونه وتنظرون إليه. ويقال: في هذه الآية دليل على أن ~~أولى الأشياء بعد علم التوحيد ينبغي أن يتعلم علم اللغة لأنه - عز وجل - ~~أراهم فضل آدم بعلم اللغة، وقال بعضهم: إنما علمه الأسماء وما فيها من ~~الحكمة فظهر فضله بعلم الأسماء وما فيها من الحكمة. ### || [2.32] # قوله تعالى: { قالوا سبحنك لا علم لنا } نزهوه وتابوا ~~إليه من مقالتهم، ومعناه سبحانك تبنا إليك ms0032 من مقالتنا فاغفر لنا { لا ~~علم لنا إلا ما علمتنا } أي ألهمتنا. وروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " سبحان الله، تنزيه الله عن كل ما لا يليق به " # وقال بعض أهل اللغة: اشتقاقه من السباحة لأن الذي يسبح يباعد ما بين ~~طرفيه، فيكون فيه معنى التبعيد. وقال بعضهم: هذه لفظة جمعت بين كلمتي ~~تعجب لأن العرب إذا تعجبت من شيء قالت: حان، والعجم إذا تعجبت من شيء ~~قالت: سب. فجمع بينهما فصار: سبحان. وقوله تعالى: { إنك أنت ~~العليم الحكيم } يعني أنت العليم بما يكون في السماوات والأرض، ~~الحكيم في أمرك إذا حكمت أن تجعل في الأرض خليفة غيرنا. ويقال: معناه { ~~العليم الحكيم } على وجه الحكمة التي تدرك الأشياء بحقائقها وكان ~~حكمه موافقا للعلم. ### || [2.33] # قوله تعالى: { قال ياءادم أنبئهم } يعني أخبرهم { ~~بأسمائهم } يعني أسماء الدواب وما فيها من الحكمة وما يحل أكله ~~وما لا يحل أكله { فلما أنبأهم } يعني أخبرهم { بأسمائهم ~~} قال الله تعالى لهم: { ألم أقل لكم إني أعلم غيب ~~السموات والأرض } يعني سر أهل السماوات وسر أهل الأرض، وما ~~يكون فيهما. { وأعلم ما تبدون } أي ما أظهرتهم من الطاعة يعني ~~الملائكة { وما كنتم تكتمون } يعني ما أسر إبليس في نفسه حين ~~قال: لئن فضل علي لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه. وقال بعضهم: إنهم ~~كانوا يقولون حين أراد الله أن يخلق آدم إنه لا يخلق أحدا أفضل منهم، ~~فهذا الذي كانوا يكتمون. وهذا التفسير ذكر عن قتادة. وقد قيل: أنه لما ~~خلق آدم أشكل عليهم أن آدم أعلم أم هم؟ فسألهم عن الأسماء، فلم يعرفوها ~~وسأل آدم عن الأسماء فأخبرهم بها فظهر لهم أن آدم أعلم منهم. ثم أشكل ~~عليهم أنه أفضل أم هم؟ فأمرهم سبحانه وتعالى بالسجود له، فظهر لهم ~~فضله. ### || [2.34] # وهو قوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لأدم ~~} فأصل السجود في اللغة: هو الميلان والخضوع، والعرب تقول: سجدت النخلة ~~إذا مالت، وسجدت الناقة إذا طأطأت رأسها ومالت. وإنما كانت تلك سجدة ms0033 ~~التحية لا سجدة العبادة، وكانت السجدة تحية لآدم عليه السلام وطاعة لله ~~عز وجل { فسجدوا } كلهم { إلا إبليس } يقال: إبليس: اسم ~~أعجمي ولذلك لا ينصرف وهو قول أبي عبيدة. وقال غيره: هو من أبلس يبلس إذا ~~يئس من رحمة الله، وكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنه أيئسه من ~~رجسته. وكان اسمه (عزازيل) ويقال (عزاييل) وإنما لن ينصرف لأنه لا سمي له ~~فلا يستثقل فاشتق. وقال ابن عباس - رضي الله عنه: إنما سمي آدم لأنه ~~خلقه من أديم الأرض. وروي عن قطرب أنه قال: هذا الخبر لا يصح لأن العربية ~~لا توافقه. وقال بعض أهل اللغة: مأخوذ من الأدمة، وهو الذي يكون من لونه ~~سمرة إلا إبليس { أبى واستكبر } أي امتنع عن السجود تكبرا: ~~معناه أن كبره منعه من السجود. وقوله: { وكان من الكفرين } ~~أي وصار من الكافرين كما قال في آية أخرى # فكان من المغرقين # [هود: 43] أي صار من المغرقين. وقال بعضهم: كان من الكافرين أي كان في ~~علم الله من الكافرين. يعني أنه يكفر. وبعضهم قال بظاهر الآية: كان ~~كافرا في الأصل. وهذا قول أهل الجبر. وقالوا: كل كافر أسلم ظهر أنه كان ~~مسلما في الأصل، وكل مسلم كفر ظهر أنه كان كافرا في الأصل - لأنه كان ~~كافرا يوم الميثاق. ألا ترى أن الله تعالى قال في قصة بلقيس # إنها كانت من قوم كفرين # [النمل: 43] ولم يقل إنها كانت كافرة، وقال في قصة إبليس { وكان من ~~الكفرين } وقال أهل السنة والجماعة: الكافر إذا أسلم كان كافرا ~~إلى وقت إسلامه وإنما صار مسلما بإسلامه إلا أنه غفر له ما قد سلف. ~~والمسلم إذا كفر كان مسلما إلى ذلك الوقت إلا أنه حبط عمله. ### || [2.35] # قوله تعالى: { وقلنا ياءادم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~} روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: أمر الله تعالى ~~ملائكته أن يحملوا آدم على سرير من ذهب إلى السماء فأدخلوه الجنة ثم خلق ~~منه زوجه حواء، يعني من ضلعه الأيسر، ms0034 وكان آدم بين النائم واليقظان. وقال ~~ابن عباس [سميت حواء لأنها خلقت من الحي. ويقال] إنما سميت حواء لأنه كان ~~في شفتها حوة، يعني حمرة فقال عز وجل: { وقلنا ياءادم اسكن ~~أنت وزوجك } أي حواء. يقال للمرأة زوجة وزوج، والزوج أفصح. وقوله ~~عز وجل { وكلا منها } أي من الجنة { رغدا } أي موسعا عليكما ~~بلا موت ولا هنداز - بالزاي المعجمة - هكذا قال في رواية الكلبي يعني ~~بغير تقتير. وقال أهل اللغة: الرغد هو السعة في الرزق من غير تقتير. قوله ~~تعالى: { حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة } أي ~~ولا تأكلا من هذه الشجرة. روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها كانت ~~شجرة القمح. وروى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنه قال: هي شجرة الكرم. ~~وروى الشعبي عن جعدة بن هبيرة مثله. وروي عن علي - رضي الله عنه - مثله. ~~وروي عن قتادة أنه قال: وذكر لنا أنها شجرة التين ويقال: إنما كان النهي ~~عن الأكل من الشجرة للمحنة، لأن الدنيا دار محنة، وقد خلقه من الأرض ~~ليسكن فيها، فامتحن بذلك، كما امتحن أولاده في الدنيا بالحلال والحرام. ~~فذلك قوله عز وجل { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا ~~من الظلمين } أي فتصيرا من الضالين بأنفسكما. ### || [2.36] # { فأزلهما الشيطن عنها } قرأ حمزة (فأزالهما) بالألف. ~~وقرأ غيره بغير ألف، وأصله في اللغة: من أزل يزل. ومعناه فأغراهما ~~الشيطان واستزلهما. وأما من قرأ (فأزالهما) بالألف فأصله من أزال يزيل ~~إذا أزال الشيء عن موضعه. قوله تعالى: { فأخرجهما مما كانا ~~فيه } أي مما كانا فيه من النعم. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: مكث ~~آدم في الجنة كما بين الظهر والعصر، من أيام الآخرة، لأن كل يوم من أيام ~~الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا. وروي عن ابن عباس أنه قال: لما رأى ~~إبليس آدم في النعمة حسده، واحتال لإخراجه منها، فعرض نفسه على كل دابة ~~من دواب الجنة أن يدخل في صورتها فأبت عليه حتى أتى الحية. وكانت أعظم ~~وأحسن دابة في الجنة خلقا ms0035 وكانت لها أربعة قوائم، فلم يزل يستدرجها حتى ~~أطاعته فدخل ما بين لحييها وأقام في رأسها، ثم أتى باب الجنة وناداهما ~~وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين، يعني أن هذه الشجرة شجرة الخلد، فمن أكل منها يبقى في الجنة ~~أبدا. ويقال: إن حواء قالت لآدم: تعال حتى نأكل من هذه الشجرة فقال آدم: ~~قد نهانا ربنا عن أكل هذه الشجرة فأخذت حواء بيده حتى جاءت به إلى ~~الشجرة، وكان يحب حواء فكره أن يخالفها لحبه إياها وكان آدم يقول لها: لا ~~تفعلي فأني أخاف العقوبة. وكانت حواء تقول: إن رحمة الله واسعة فأخذت من ~~ثمرها وأكلت. ثم قالت لآدم: هل أصابني شيء بأكلها؟ وإنما لم يصبها شيء ~~بأكلها لأنها كانت تابعة، وآدم متبوعا فما دام المتبوع على الصلاح ~~يتجاوز عن التابع، فإذا فسد المتبوع فسد التابع. ثم أخذت ثمرة أخرى ~~ودفعتها إلى آدم. فلما أكل آدم لم تصل إلى جوفه حتى أخذتهما الرعدة، وسقط ~~عنهما ما كان عليهما من [الحلي والحلل] وغيرهما وعريا عن الثياب حتى بدت ~~عوراتهما فاستحيا وهربا. قال الله تعالى: يا آدم أمني تهرب؟ قال: لا ولكن ~~حياء من ذنبي فأخذا من أوراق التين، وألصقا على عوراتهما. ثم أمرهما الله ~~تعالى بأن يهبطا منها إلى الأرض، فوقع آدم بأرض الهند، وحواء بجدة. وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: إنما سمي الإنسان إنسانا، لأن الله عهد إليه فنسي ~~أي ترك. وقوله تعالى: { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو } أي آدم وحواء وإبليس والحية فبقي بين إبليس وبين أولاد آدم ~~العداوة إلى يوم القيامة. وكذلك بين الحية وبين أولاد آدم عداوة إلى يوم ~~القيامة. ثم قال: { ولكم فى الأرض مستقر } أي موضع القرار ~~{ ومتع إلى حين } أي الحياة والعيش إلى الموت. ### || [2.37] # قوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمات } قرأ ابن كثير ~~(فتلقى آدم) بنصب آدم ورفع كلمات. وقرأ غيره برفع آدم وكسر كلمات. فأما ~~من قرأ { فتلقى آدم } بالرفع فمعناه ms0036 أخذ، وقيل من ربه ومن قرأ ينصب آدم ~~يعني استقبلته كلمات من ربه. يقال: تلقيت فلانا بمعنى استقبلته. ومعنى ~~ذلك كله: أن الله تعالى ألهمه كلمات، فاعتذر بتلك الكلمات وتضرع إليه، ~~فتاب الله عليه. وروي عن مجاهد أنه قال: تلك الكلمات هي قوله عز وجل # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] الآية. وقال بعضهم: قال: بحق محمد أن تقبل توبتي، قال ~~الله له: ومن أين عرفت محمدا؟ قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوب لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله. فعلمت أنه أكرم خلقك عليك. فتاب الله عليه. ~~وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الكلمات هي قوله سبحانك اللهم وبحمدك ~~أشهد أن لا إله إلا أنت رب عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي وارحمني، إنك ~~أنت التواب الرحيم. [سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت رب عملت ~~سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الغافرين سبحانك اللهم ~~وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير ~~الراحمين] قوله تعالى: { فتاب عليه } يعني قبل الله توبته. يقال: ~~تاب العبد إلى ربه وتاب الله على عبده، فهذا اللفظ مشترك إلا أنه إذا ذكر ~~من العبد يقال: تاب إلى الله، وإذا ذكر من الله تعالى يقال: تاب الله على ~~عبده، إذا رجع العبد عن ذنبه، وتاب الله على عبده، إذا قبل توبته قوله: { ~~إنه هو التواب الرحيم } يعني المتجاوز عن الذنوب الرحيم ~~بعباده. ### || [2.38] # قوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا } يعني آدم وحواء ~~وإبليس والحية. وفي الآية دليل على أن المعصية تزيل النعمة عن صاحبها، ~~لأن آدم قد أخرج من الجنة بمعصيته. وهذا كما قال القائل: # إذا كنت في نعمة فارعها # فإن المعاصي تزيل النعم # وداوم عليها بشكر الإله # فإن الإله شديد النقم # وقال تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11] الآية. وقوله تعالى: { فإما يأتينكم منى ~~هدى } وأصله (فإن ما) ألا أن النون أدغمت في الميم، وإن ms0037 لتأكيد الكلام، ~~وما للصلة، ومعناه فإما يأتينكم مني هدى يعني البيان، وهو الكتاب والرسل. ~~خاطب به آدم وعنى به ذريته. { فمن تبع هداي } يعني اتبع كتابي ~~وأطاع رسلي { فلا خوف عليهم } فيما يستقبلهم من العذاب، { ~~ولا هم يحزنون } على ما خلفوا من أمر الدنيا. ### || [2.39] # { والذين كفروا وكذبوا بآياتنا } أي جحدوا رسلي وكذبوا ~~كتابي { أولئك أصحب النار هم فيها خلدون } أي ~~دائمون. ### || [2.40-43] # { يا بني إسرائيل } يا أولاد يعقوب. وإنما سمي إسرائيل لأن ~~(الإسرا) بلغتهم عبد، و (الايل) هو الله فكأنه قال: يا بني عبد الله. ~~وقال بعضهم: إنما سمي إسرائيل لأنه أسره ملك يقال له (إيل) وذلك أنه كان ~~في سفر مع أولاده، وكان يسير خلف القافلة، وكان له قوة فدخل في نفسه شيء ~~من العجب، فابتلاه الله تعالى: أن جاءه ملك على هيئة اللص وأراد أن يضرب ~~على القافلة، فأراد يعقوب أن يضربه على الأرض فلم يقدر على ذلك، فكانا في ~~تلك المنازعة إلى طلوع الفجر، ثم إن الملك أخذ بعرق يعقوب أي عرق من ~~عروقه فمده فسقط في ذلك الموضع ثلاثة أيام. وقال بعضهم: لأنه أسره جني ~~يقال له (ايل) وروي عن السدي: أنه وقعت بينه وبين أخيه (عيصوا) عداوة ~~فحلف (عيصوا) أن يقتله، فكان يعقوب يختفي بالنهار، ويخرج بالليل فسمي ~~إسرائيل لسيره بالليل. وأصله من إسراء الليل بدليل قوله عز وجل # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1] والله أعلم بالصواب. ويقال: إنما سمي بيعقوب لأنه ولد مع ~~عيصوا في بطن واحد فخرج على عقب عيصوا فسمي لذلك بيعقوب. فقال الله تعالى ~~{ يا بنى إسرءيل } وإنما أراد بهم اليهود الذين كانوا حوالي ~~المدينة من بني قريظة والنضير وغيرهم، وكانوا من أولاد يعقوب وقال تعالى: ~~{ اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم } يعني احفظوا ~~منتي التي مننت عليكم في التيه من المن والسلوى، يعني اذكروا تلك النعم ~~[التي أنعمت عليكم] واشكروا لي { وأوفوا بعهدى أوف ~~بعهدكم } قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبي صالح: قد كان ~~الله تعالى ms0038 عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل ~~نبيا أميا فمن تبعه وصدق به غفرت له ذنوبه، وأدخلته الجنة، وجعلت له ~~أجرين أجرا باتباعه ما جاء به موسى، وأجرا باتباعه ما جاء به محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - [فلما جاءهم محمد - عليه الصلاة والسلام] وعرفوه ~~كذبوه فذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقال { وأوفوا بعهدى ~~أوف بعهدكم } قال الحسن البصري { أوفوا بعهدى } أدوا ما ~~افترضت عليكم أوف بعهدكم مما وعدت لكم. وقال الضحاك: أوفوا بطاعتي أوف ~~لكم بالجنة. وقال الصادق: أوفوا بعهدي في دار محنتي على بساط خدمتي في ~~حفظ حرمتي أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط قربتي بسني رؤيتي. وقال ~~قتادة: العهد ما ذكر في سورة المائدة في قوله: # ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرءيل # [المائدة: 12] إلى قوله تعالى: # وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله ~~قرضا حسنا # [المائدة: 12] [أوف بعهدكم] وهو قوله: # لأكفرن عنكم سيئتكم # [المائدة: 12] الآية. ويقال: { أوفوا بعهدى } الذي قبلتم يوم ~~الميثاق { أوف بعهدكم } الذي قلت لكم، يعني به الجنة. # قوله تعالى: { وإيى فارهبون } يعني: فاخشون. وأصله فارهبوني ~~بالياء لكن حذفت الياء وأقيم الكسر مقامها. ثم قال: { وءامنوا بما ~~أنزلت مصدقا لما معكم } أي صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلت ~~على محمد - صلى الله عليه وسلم - مصدقا [أي موافقا] لما معكم، [من ~~التوحيد] وفي بعض الشرائع [أنزلت] يعني التوراة والإنجيل { ولا ~~تكونوا أول كافر به } يعني أول من يكفر بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ويقال: (به) يعني بالقرآن. وإنما يريد بني قريظة والنضير. ~~فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: { ولا تكونوا أول كافر به } ~~وقد كفر به قبلهم مشركو العرب. قيل له: معناه { ولا تكونوا أول ~~كافر به } في وقت هذا الخطاب. ويقال: إن أحبار اليهود كان لهم ~~أتباع، فلو أسلموا أسلم أتباعهم [ولو كفروا كفر أتباعهم كلهم]، فهذا معنى ~~قوله { ولا تكونوا أول كافر به } من قومكم. { ولا ~~تشتروا بآيتي ثمنا قليلا } أي بكتمان صفة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - عرضا يسيرا لأنهم كانوا ms0039 عرفوا صفة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وكانت لهم مأكلة ووظائف من سفلة اليهود، وكانت لهم رئاسة، ~~فكانوا يخافون أن تذهب وظائفهم ورئاستهم. فقال: { ولا تشتروا ~~بآيتي ثمنا قليلا } أي عرض الدنيا وإنما سماه قليلا، لأن ~~الدنيا كلها قليل. ثم خوفهم فقال: { وإيى فاتقون } في صفة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن جحد به أدخلته النار. قوله تعالى: { ~~ولا تلبسوا الحق بالبطل } يقال في اللغة: لبس يلبس ~~لبسا إذا لبس الثياب. ومعناه لا تخلطوا الحق بالباطل، فتكتمون صفته، ~~وذلك أنهم كانوا يخبرون عن بعض صفته، ويكتمون البعض ليصدقوا بذلك فيلبسون ~~عليهم بذلك. وقال قتادة: { ولا تلبسوا } اليهودية والنصرانية ~~بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله، الذي لا يقبل غيره هو الإسلام. ويقال: ~~معناه ولا تؤمنوا ببعض أمره وتكفروا ببعض أمره. ثم قال تعالى: { ~~وتكتموا الحق } يقول: ولا تكتموا الحق { وأنتم تعلمون ~~} أنكم تكتمون الحق. { وأقيموا الصلاة } أي أقيموا الصلوات ~~الخمس بركوعها وسجودها في مواقيتها، { وآتوا الزكاة } المفروضة { ~~واركعوا مع الراكعين } أي صلوا مع المصلين، مع أصحاب محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - في الجماعات. ويقال: صلوا مع المصلين إلى الكعبة. ~~وقال قتادة: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهما فريضتان واجبتان ليس لأحد ~~فيهما رخصة، فأدوهما إلى الله عز وجل. ### || [2.44] # قوله: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ~~نزلت هذه الآية في شأن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة، وهم بنو قريظة ~~والنضير، وكانوا ينتظرون خروج - النبي صلى الله عليه وسلم - وكانوا يدعون ~~الأوس والخزرج إلى الإيمان به، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~آمن به الأوس والخزرج وكفر اليهود وجحدوا فنزلت هذه الآية { ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [وقال ابن ~~عباس في رواية أبي صالح: كانت اليهود إذا جاءهم حليف منهم - الذي قد أسلم ~~- وسأل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السر فتقول له: إنه نبي ~~صادق فاتبعه، وتكتم ذلك عن السفلة مخافة أن تذهب منافعه فنزلت هذه الآية ~~{ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ] وقال ~~قتادة: في هذه الآية دليل على أن ms0040 من أمر بخير فليكن أشد الناس تسارعا ~~إليه، ومن نهى عن شر فليكن أشد الناس انتهاء عنه. ويقال: تنزلت في شأن ~~القصاص. قال الفقيه: أخبرنا القاضي الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن أبي ~~حاتم الرازي قال: أخبرنا الحجاج بن يوسف عن سهل بن حماد عن ابن غياث عن ~~هشام الدستوائي عن المغيرة وهو ختن مالك بن دينار عن مالك بن دينار عن ~~ثمامة عن أنس قال: # " لما عرج بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مر على قوم تقرض شفاههم ~~بمقاريض من نار فقال يا جبريل من هؤلاء فقال: هؤلاء أمتك الذين يأمرون ~~الناس بالبر، وينسون أنفسهم " # ثم قال تعالى: { وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون } ~~يعني أفلا تعقلون أن صفته في التوراة. ويقال { وأنتم تتلون ~~الكتب أفلا تعقلون } أن ذلك حجة عليكم. ### || [2.45] # { واستعينوا بالصبر والصلوة } أي استعينوا بالصبر على ~~أداء الفرائض وبكثرة الصلاة على تمحيص الذنوب. ويقال: استعينوا بالصبر ~~على نصرة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال مجاهد: استعينوا بالصبر ~~والصلاة يعني بالصوم والصلاة، وإنما سمي الصوم صبرا لأن في الصوم حبس ~~النفس عن الطعام والشراب والرفث. وقد قيل الصبر على ثلاثة أوجه: صبر على ~~الشدة والمصيبة، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأكثر أجرا، وصبر عن ~~المعصية وهو أشد من الأول والثاني، وأجره أكثر من الأول. وفي هذا الموضع ~~أراد الصبر على الطاعة. قوله تعالى: { وإنها لكبيرة } أي ~~الاستعانة ويقال: الصلاة (لكبيرة) أي ثقيلة { إلا على ~~الخشعين } أي المتواضعين. ويقال: الذليلة قلوبهم. ### || [2.46] # { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يستيقنون ~~أنهم يبعثون يوم القيامة بعد الموت. [وإنما سمي اليقين ظنا، لأن في الظن ~~طرفا من اليقين، فيعبر بالظن عن اليقين. وقوله: { وأنهم إليه ~~رجعون } يعني في الآخرة بعد البعث] للحساب. ### || [2.47] # قوله تعالى: { يبنى إسرءيل اذكروا نعمتى التى ~~أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين } أي ~~على عالمي زمانهم. وقال بعضهم: من آمن من أهل الكتاب بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - كانت له فضيلة على غيره وكان له أجران أجر ms0041 إيمانه بنبيه عليه ~~السلام وأجر إيمانه بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " ثلاثة يعطيهم الله الأجر مرتين، من اشترى جارية فأحسن تأديبها فاعتقها ~~وتزوجها، وعبد أطاع سيده وأطاع الله تعالى، ورجل من أهل الكتاب أدرك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به " # وقال بعضهم: معنى قوله { وأنى فضلتكم على العلمين } ~~بإنزال المن والسلوى وغيره، ولم يكن ذلك لأحد من العالمين غيرهم. ### || [2.48] # وقوله تعالى: { واتقوا يوما } أي واخشوا عذاب يوم { لا ~~تجزى نفس عن نفس شيئا } يعني لا تغني في ذلك اليوم نفس ~~مؤمنة عن نفس كافرة وذلك أنهم كانوا يقولون نحن من أولاد إبراهيم خليل ~~الله، ومن أولاد إسحاق والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا، فنزلت هذه الآية ~~{ لا تجزى نفس عن نفس شيئا } أي لا تغني نفس مؤمنة عن ~~نفس مؤمنة [ولا نفس كافرة عن نفس كافرة] { ولا يقبل منها ~~شفعة } أي من نفس كافرة [يعني لا ينفع فيها شافع ولا ملك ولا رسول ~~لغير أهل القبلة] قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ولا تقبل) بالتاء لأن الشفاعة ~~مؤنثة وقرأ الباقون بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي وما لم يكن تأنيثه ~~حقيقيا جاز تذكيره. وكقوله عز وجل: # فمن جآءه موعظة من ربه # [البقرة: 275] ثم قال تعالى { ولا يؤخذ منها عدل } أي لا ~~يقبل الفداء من نفس كافرة كما قال في موضع آخر # فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا # [آل عمران: 91] ويقال: لو جاءت بعدل نفسها رجلا مكانها لا يقبل منها { ~~ولا هم ينصرون } يقول: ولا هم يمنعون من العذاب. ### || [2.49] # { وإذ نجينكم من ءال فرعون } إنما خاطبهم وأراد به ~~آباءهم لأنهم يتبعون آباءهم فأضاف إليهم. ومعناه واذكروا إذ نجيناكم من ~~قوم فرعون { يسومونكم سوء العذاب } أي يعذبونكم بأشد العذاب ~~وأقبح العذاب، ويقال في اللغة: سامه الخسف إذا أولاه الهوان يعني يولونكم ~~بأشد العذاب. ثم بين العذاب فقال تعالى: { يذبحون أبناءكم } ~~الصغار { ويستحيون نساءكم } أي ويستخدمون نساءكم. وأصله في ~~اللغة: من الحياة، ms0042 يقال: إستحيا، يستحيي إذا تركه حيا. وكانوا يذبحون ~~الأولاد، ويتركون النساء أحياء للخدمة وذلك لأن فرعون قالت له كهنته: ~~يولد في بني إسرائيل مولود ينازعك في ملكك. فأمر بأن يذبح كل مولود يولد ~~في بني إسرائيل وتترك البنات. قوله تعالى: { وفى ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم } أي نعمة من ربكم عظيمة والبلاء: يكون عبارة عن ~~النعمة، ويكون أيضا عبارة عن البلية والشدة وأصله من الابتلاء والاختيار ~~يكون بهما جميعا. فإن أراد به النعمة فمعناه { وفى ذلكم بلاء ~~من ربكم } ، أي أنجاه الله من ذبح الأولاد واستخدام النساء نعمة ~~لكم من ربكم (عظيم) وإن أراد به العذاب، فمعنى (وفي ذلكم بلاء) أن في ذبح ~~الأبناء واستخدام النساء بلاء لكم من ربكم عظيم. ### || [2.50] # { وإذ فرقنا بكم البحر } أي فرق الماء يمينا وشمالا حين ~~خرج موسى مع بني إسرائيل من مصر، فخرج فرعون وقومه في طلبهم، فلما انتهوا ~~إلى البحر ضرب موسى عصاه على البحر فانفلق فصار اثني عشر طريقا يبسا، ~~لكل سبط منهم طريق فلما جاوز موسى البحر ودخل فيه فرعون مع قومه غشيهم من ~~اليم ما غشيهم. أي غشيهم الماء فغرقوا في اليم فذلك قوله تعالى: { وإذ ~~فرقنا بكم البحر } يقول: واذكروا نعمة الله عليكم إذ فلقنا ~~بكم البحر { فأنجينكم } من الغرق { وأغرقنا آل ~~فرعون } يعني فرعون وآله قال بعض أهل اللغة الآل أتباع الرجل قريبه ~~كان أو غيره وأهله قريبه أتبعه أو لم يتبعه. ويقال: الآل والأهل بمعنى ~~واحد، إلا أن الآل يستعمل لاتباع رئيس من الرؤساء. يقال: آل فرعون وآل ~~موسى، وآل هارون ولا يقال: آل زيد، وآل عمرو. وروي # " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له: من آلك؟ قال: آلي كل ~~تقي إلى يوم القيامة " # قوله تعالى: { وأنتم تنظرون } أي تنظرون إليهم حين لفظهم البحر ~~بعدما غرقوا يعني آباءهم. وقال بعضهم: معناه أنكم تعلمون ذلك كأنكم ~~تنظرون إليهم. قال الفقيه: وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - لأنه لا ms0043 يعرف ذلك إلا بالوحي، فلما أخبرهم بذلك من ~~غير أن يقرأ كتابا، كان ذلك دليلا أنه قاله بالوحي وفيه أيضا تهديد ~~للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك. وفيه أيضا تنبيه ~~للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي. ### || [2.51-53] # قوله تعالى: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة } قرأ أبو ~~عمرو { وإذ وعدنا موسى } بغير ألف وقرأ غيره { وعدنا } بالألف، فمن ~~قرأ بغير ألف فمعناه ظاهر، يعني أن الله تعالى وعد موسى عليه السلام ومن ~~قرأ بالألف فالمواعدة تجري بين اثنين، وإنما كان الوعد من الله تعالى ومن ~~موسى الوفاء. ومن الله الأمر، ومن موسى الائتمار. فكأنما جرت المواعدة ~~بين الله تعالى وبين موسى. وقد يجوز أن تكون المفاعلة من واحد كما يقال ~~سافر ونافق. ويقال: أربعين ليلة كانت ثلاثين ليلة منها من ذي القعدة ~~وعشرا من ذي الحجة. وقال بعضهم: ثلاثين كانت من ذي الحجة وعشرا من ~~المحرم وكانت مناجاته يوم عاشوراء. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ~~أنه قال: لما وعدهم موسى أربعين ليلة عدت بنو إسرائيل عشرين يوما وعشرين ~~ليلة، وقالوا: قد تمت أربعون ولم يرجع موسى، فقد خالفنا. وذكر أن السامري ~~قال لهم: إنكم استعرتم من نساء آل فرعون حليهم ولم تردوه عليهم، فلعل ~~الله تعالى لم يرد علينا موسى لهذا المعنى فهاتوا ما عندكم من الحلي حتى ~~نحرقه، فلعل الله يرد إلينا موسى فجمعوا ذلك الحلي، وكان السامري صائغا ~~فاتخذ من ذلك عجلا، وقد كان قبل ذلك رأى جبريل - عليه السلام - على فرس ~~الحياة، فكلما وضع حافره أخضر ذلك الموضع فرفع من تحت سنبكه قبضة من ~~التراب، ونفخ ذلك التراب في العجل فصار ذلك عجلا جسدا له خوار. وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: صار عجلا له لحم ودم وفيه حياة له خوار. وروي عن علي ~~أنه قال: اتخذ عجلا جسدا مشبكا من ذهب له خوار، فدخل الريح في جوفه ~~وخرج من فيه كهيئة الخوار فقال للقوم (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) يعني ms0044 أن ~~موسى أخطأ الطريق. وقال بعضهم: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة، فتم ميقات ~~ربه أربعين ليلة لأنه قد أفطر من الصيام في تلك العشرة لأنه ظهر لهم ~~الخلاف في تلك العشرة وهذا الطريق أوضح. قوله تعالى: { ثم ~~اتخذتم العجل من بعده } أي عبدتم العجل من بعد انطلاق ~~موسى إلى الجبل { وأنتم ظلمون } أي كافرون بعبادتكم العجل. ~~ويقال: وأنتم ضارون أنفسكم بعبادتكم العجل: { ثم عفونا عنكم ~~من بعد ذلك لعلكم تشكرون } أي تركناكم من بعد ~~عبادتكم العجل، فلم نستأصلكم { لعلكم تشكرون } أي لكي تشكروا ~~الله تعالى على العفو والنعمة. قوله: { وإذ ءاتينا موسى ~~الكتب } أي أعطينا موسى التوراة { والفرقان } أي الفارق بين ~~الحلال والحرام ويقال: الفرقان هو النصرة بدليل قوله تعالى: # يوم الفرقان # [الأنفال: 41] أي يوم النصرة. ويقال: الفرقان هو المخرج من الشبهات ~~ويقال: هو انفلاق البحر بدليل قوله: # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50] وقال الفراء: في الآية مضمر، ومعناه: وآتينا موسى الكتاب ~~يعني التوراة وأعطينا محمدا الفرقان، فكأنه خاطبهم فقال: قد أعطيناكم ~~علم موسى وعلم محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلم سائر الأنبياء قوله { ~~لعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا من الضلالة. ### || [2.54] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه يقوم } وأصله يا ~~قومي بالياء. ولكن حذف الياء وترك الكسر بدلا عن الياء وتكون في الإضافة ~~إلى نفسه معنى الشفقة. يا قوم { إنكم ظلمتم أنفسكم } يعني ~~أضررتم بأنفسكم { باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم } [يعني إلى خالقكم] يقول: فارجعوا عن عبادة العجل إلى عبادة ~~خالقكم، وتوبوا إليه فقالوا له: وكيف التوبة؟ قال لهم موسى: { ~~فاقتلوا أنفسكم } يعني يقتل بعضكم بعضا، يقتل من لم يعبد ~~العجل الذين عبدوا العجل، وإنما ذكر قتل الأنفس وأراد به الإخوان. وهذا ~~كما قال في آية أخرى # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين يعني لا تغتابوا ~~إخوانكم. { ذلكم خير لكم عند بارئكم } يعني التوبة خير ~~لكم عند خالقكم ومعناه قتل إخوانكم مع رضا الله خير لكم عند الله تعالى ~~من ترككم إلى عذاب الله قوله ms0045 تعالى: { فتاب عليكم إنه هو ~~التواب الرحيم } أي المتجاوز عن الذنوب الرحيم حيث جعل القتل ~~كفارة لذنوبكم. وروي في الخبر أن الذين عبدوا العجل جلسوا على أبواب ~~دورهم وأتاهم هارون والذين لم يعبدوا العجل شاهرين سيوفهم، فكان موسى ~~عليه السلام يتقدم ويقول: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوا شاهرين سيوفهم، ~~فاتقوا الله واصبروا له فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو حل حبوته، أو مد ~~بطرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو برجل. فيقولون: آمين وذكر في رواية أبي ~~صالح: أن هارون كان يتقدم ويقول ذلك. فجعلوا يقتلونهم إلى المساء فكانت ~~القتلى سبعين ألفا فكان موسى عليه السلام يدعو ربه لما شق عليه من كثرة ~~الدماء حتى نزلت التوبة. فقيل لموسى: ارفع السيف عنهم، فإني قبلت توبتهم ~~جميعا من قتل ومن لم يقتل. ### || [2.55-56] # ثم قال تعالى: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك } أي ~~لن نصدقك { حتى نرى الله جهرة } أي عيانا، وذلك أن موسى ~~عليه السلام حين انطلق إلى طور سيناء للمناجاة اختار موسى من قومه سبعين ~~رجلا، فلما انتهوا إلى الجبل أمرهم موسى بأن يمكثوا في أسفل الجبل وصعد ~~موسى عليه السلام فناجى ربه فأعطاه الله الألواح، فلما رجع إليهم قالوا ~~له: إنك قد رأيت الله فأرناه حتى ننظر إليه، فقال لهم: إني لم أره، وقد ~~سألته أن أنظر إليه، فتجلى للجبل، فدك الجبل، فلم يصدقوه. وقالوا: لن ~~نصدقك حتى نرى الله جهرة. فأخذتهم الصاعقة فماتوا كلهم فدعا موسى ربه ~~فأحياهم الله تعالى، فذلك قوله عز وجل: { فأخذتكم الصعقة ~~وأنتم تنظرون } إلى الصاعقة. { ثم بعثنكم من بعد ~~موتكم } يقول أحييناكم من بعد هلاككم { لعلكم تشكرون } ~~للحياة بعد الموت. ### || [2.57] # { وظللنا عليكم الغمام } إنما خاطبهم وأراد به آباءهم ~~وهم قوم موسى عليه السلام، حيث أمروا بأن يدخلوا مدينة الجبارين فأبوا ~~ذلك وقالوا لموسى: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون # [المائدة: 24] فعاقبهم الله عز وجل فبقوا في التيه أربعين سنة، وكانت ~~المفازة اثني عشر فرسخا، وكان يؤذيهم حر الشمس فظلل عليهم ms0046 الغمام فذلك ~~قوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام } وهو السحاب الأبيض، ~~يقيكم حر الشمس في التيه، وكان لهم في التيه عمود من نور مد لهم من ~~السماء فيسير معهم من الليل مكان القمر فأصابهم الجوع فسألوا موسى فدعا ~~الله فأنزل عليهم المن وهو (الترنجيين) كان يتساقط عليهم كل غداة فيأخذ ~~كل إنسان منهم ما يكفيه يومه وليلته، فإن أخذ أكثر من ذلك دود ذلك الزائد ~~وفسد وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل إنسان منهم مقدار ما يكفيه يومين لأنه ~~لا يأتيهم يوم السبت، وكان ذلك مثل الشهد المعجون بالسمن فأجموا من المن، ~~أي ملوا من أكله. فقالوا لموسى عليه السلام: قتلنا هذا المن بحلاوته ~~وأحرق بطوننا فادع لنا ربك أن يطعمنا لحما. فدعا لهم موسى عليه السلام ~~فبعث الله لهم طيرا كثيرا فذلك قوله تعالى: { وأنزلنا عليكم ~~المن والسلوى } وهو السماني وهو طير يضرب إلى الحمرة. وقال ~~بعضهم: كان طيرا يأتيهم مشويا. قال عامة المفسرين إنهم كانوا يأخذونها ~~ويذبحونها. { كلوا من طيبت } أي قيل لهم كلوا من طيبات، وهذا ~~من المضمرات، وفي كلام العرب يضمر الشيء إذا كان يستغنى عن إظهاره، كما ~~قال في آية أخرى # فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمنكم # [آل عمران: 106] يعني يقال لهم أكفرتم. وكما قال في آية أخرى: # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله # [الزمر: 3] يعني قالوا: ما نعبدهم ومثل هذا في القرآن كثير. وكذلك قوله ~~ها هنا { كلوا من طيبت ما رزقنكم } أي من حلالات { ~~ما رزقنكم } أي أعطيناكم من المن والسلوى ولا ترفعوا منها شيئا ~~كما قال في آية أخرى # كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه # [طه: 81] أي ولا تعصوا فيه فلا ترفعوا إلى الغد فرفعوا وجعلوا اللحم ~~قديدا مخافة أن ينفد فرجع ذلك عنهم ولو لم يرفعوا لدام ذلك عليهم. قوله ~~تعالى: { وما ظلمونا } يقول وما أضرونا { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } أي أضروا بأنفسهم حيث رفعوا [إلى الغد حتى] ~~منع ذلك عنهم. وروى خلاس عن ms0047 أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم (ينتن) اللحم، ولولا حواء لم ~~تخن امرأة زوجها ". ### || [2.58-59] # ثم قال تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } قال ~~الكلبي: يعني أريحا. وقال مقاتل: إيليا. ويقال: هذا كان بعد موت موسى ~~عليه السلام، وبعد مضي أربعين سنة حيث أمر الله تعالى يوشع بن نون وكان ~~خليفة موسى - عليهما السلام - بأن يدخل مع قومه المدينة فقال لهم يوشع بن ~~نون: ادخلوا الباب سجدا يعني إذا دخلتم من باب المدينة فادخلوا ركعا ~~منحنين ناكسي رؤوسكم متواضعين فيقوم ذلك منكم مقام السجود وذلك قوله ~~تعالى: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } يعني أريحا ~~أو إيليا { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } موسعا عليكم { ~~وادخلوا الباب سجدا } أي ركعا منحنين { وقولوا حطة ~~} قرأ بعضهم بالرفع وبعضهم بالنصب وهي قراءة شاذة، وإنما جعله نصبا لأنه ~~مفعول. ومن قرأ بالرفع معناه وقولوا حطة. وروي عن قتادة أنه قال: تفسير ~~(حطة) يعني حط عنا خطايانا. وقال بعضهم: معناه لا إله إلا الله. وقال ~~بعضهم بسم الله. وقال بعضهم أمروا بأن يقولوا بهذا اللفظ ولا ندري ما ~~معناه. ثم قال: { نغفر لكم خطيكم } قرأ ابن عامر ومن ~~تابعه من أهل الشام (تغفر) بالتاء والضمة لأن لفظ الخطايا مؤنث. وقرأ ~~نافع ومن تابعه من أهل المدينة (يغفر) بالياء والضمة بلفظ التذكير لأن ~~تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفعل مقدم. وقرأ الباقون بالنون وكسر الفاء على ~~معنى الإضافة إلى نفسه وذلك كله يرجع إلى معنى واحد، ومعناه نغفر لكم ~~خطايا الذين عبدوا العجل { وسنزيد المحسنين } أي سنزيد في ~~إحسان من لم يعبد العجل. ويقال: نغفر خطايا من رفع المن والسلوى للغد، ~~وسنزيد في إحسان من لم يرفع إلى الغد. ويقال: نرفع خطايا من هو عاصي، ~~وسنزيد في إحسان من هو محسن. فلما دخلوا الباب خالفوا أمره. وروى أبو ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أنهم دخلوا الباب يزحفون " # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ms0048 قال: دخلوا على أستاههم. ويقال: ~~دخلوا منحرفين على شق وجوههم. وقالوا: (احنطا سمفانا) يعني حنطة حمراء. ~~بلغة القبط استهزاء وتبديلا. وإنما قال ذلك سفهاؤهم فذلك قوله تعالى: { ~~فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } أي ~~غيروا ذلك القول وقالوا: بخلاف ما قيل لهم قال الله تعالى: { ~~فأنزلنا على الذين ظلموا } أي غيروا { رجزا } أي ~~عذابا { من السماء } وهو موت الفجاءة. [وقال أبو روق (الرجز) ~~الطاعون ويقال مات منهم بالطاعون سبعون ألفا ويقال: نزلت بهم نار ~~فاحترقوا. ويقال: وقع بينهم قتال فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضا]. { بما ~~كانوا يفسقون } أي جزاء لفسقهم وعصيانهم. ثم رجع إلى قصة موسى ~~حين كانوا في التيه وأصابهم العطش فاستغاثوا بموسى، فدعا موسى ربه، فأوحى ~~الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحجر فأخذ موسى حجرا مربعا مثل رأس ~~الإنسان، ووضعه في المخلاة بين يدي قومه (ضرب عصاه عليه، فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا ماء عذبا وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطا لكل سبط ~~منهم عين على حدة). # قال الفقيه: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن مندوسة قال: حدثنا أبو ~~القاسم، أحمد بن حمزة الصفار قال: حدثنا عيسى بن أحمد قال: حدثنا يزيد بن ~~هارون عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي قال: تاه بنو إسرائيل في اثني عشر ~~فرسخا أربعين عاما على غير ماء، وجعل لهم حجرا مثل رأس الثور، فإذا ~~نزلوا منزلا وضعوه فضربه موسى بعصاه. ### || [2.60] # فذلك قوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا ~~اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا } فإذا ساروا حملوه فاستمسك. وقال بعضهم: كان يخرج عينا واحدة ثم ~~تتفرق على اثنتي عشرة فرقة، وتصير اثني عشر نهرا. وقال بعضهم: كان للحجر ~~اثنا عشر ثقبا (يخرج منها اثنتا عشرة عينا لا يختلط بعضها ببعض. قال ~~مقاتل: كان الحجر مربعا وكان جبريل عليه السلام أمر موسى بحمله معه يوم ~~جاوز البحر ببني إسرائيل، وإنما انفجرت اثنتا عشرة عينا لأنه أخذ من مكان ~~فيه اثنا عشر طريقا. ثم قال تعالى: { قد ms0049 علم كل أناس ~~مشربهم } أي قد عرف كل سبط مشربهم). أي موردهم وموضع شربهم من ~~العيون لا يخالطهم فيها غيرهم. والحكمة في ذلك أن الأسباط كانت بينهم ~~عصبية ومباهاة، وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر، وأراد كل سبط تكثير ~~نفسه، فجعل لكل سبط منهم نهرا على حدة ليستقوا منها، ويسقوا دوابهم ~~لكيلا يقع بينهم جدال ومخاصمة. وقال بعضهم: كان الحجر من الجنة. وقال ~~بعضهم: رفعه موسى من أسفل البحر حيث مر فيه مع قومه. وقال بعضهم: كان ~~حجرا من أحجار الأرض. قوله عز وجل: { كلوا واشربوا من رزق ~~الله } أي قيل لهم كلوا من المن والسلوى واشربوا من ماء العيون { ~~ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } أي لا تعملوا فيها بالمعاصي ~~يقال: عثا يعثو عثوا إذا أظهر الفساد [وعثي - وعاث - لغتان - الذئب في ~~الغنم أي أسرع بالفساد] ثم أنهم أجمعوا من المن والسلوى. ### || [2.61] # { وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد } ~~أي من جنس واحد { فادع لنا ربك } أي سل لنا ربك { يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض } أي مما تخرج الأرض { من بقلها ~~وقثائها }. وقوله (بقلها) أراد به البقول كلها وقوله (وقثائها) ~~أراد به جميع ما يخرج من الفاكهة مثل القثاء والبطيخ ونحو ذلك. وقوله { ~~وفومها } أي طعامها وهي الحبوب كلها. ويقال: هي الحنطة خاصة. وقال ~~مجاهد: الفوم الخبز. وقال الفراء: فومي لنا يا جارية يعني اخبزي لنا. ~~ويقال: الفوم هو الثوم والعرب تبدل الفاء بالثاء لقرب مخرجهما. وفي قراءة ~~عبد الله بن مسعود { وفومها وعدسها وبصلها } فغضب عليهم ~~موسى - عليه السلام - { قال أتستبدلون الذى هو أدنى ~~بالذى هو خير } يعني أتستبدلون الرديء من الطعام بالذي هو خير ~~أي بالشريف الأعلى. ويقال: معناه تسألون الدنيء من الطعام وقد أعطاكم ~~الله الشريف منه وهو المن والسلوى، ويقال: أتختارون الدنيء الخسيس وهو ~~الثوم والبصل على الذي هو أعلى وأشرف وهو المن والسلوى فقال الله تعالى ~~لهم: { اهبطوا مصرا } قرأ بعضهم بلا تنوين أي المصر الذي خرجتم ~~منه، وهو مصر فرعون، ms0050 ومن قرأ مصرا بالتنوين يعني: ادخلوا مصرا من ~~الأمصار { فإن لكم } فيه { ما سألتم } تزرعون وتحصدون { ~~وضربت عليهم الذلة } قال الحسن وقتادة: جعلت عليهم الجزية ~~يعني على ذريتهم. ويقال: جعل عليهم كد العمل، يعني أولئك القوم حتى كانوا ~~ينقلون السرقين. { والمسكنة } يعني زي الفقراء. وقال الكلبي: يعني ~~الرجل من اليهود وإن كان غنيا يكون عليه زي الفقراء. وقوله تعالى: { ~~وبآءو بغضب } يعني استوجبوا الغضب { من الله } قال بعضهم: ~~أصله من الرجوع، يعني رجعوا باللعنة في أثر اللعنة. ويقال: باءوا أي ~~احتملوا كما يقال: بوئت بهذا الذنب أي احتملته. ثم قال: { ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيت الله } أي ما أصابهم من ~~الذلة والمسكنة - وهم اليهود - بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، يعني ~~كذبوا عيسى وزكريا ويحيى ومحمدا - عليهم وعلى جميع الأنبياء أفضل ~~الصلاة والسلام - { ويقتلون النبيين بغير الحق } أي ~~بغير جرم منهم، وهم زكريا ويحيى. قرأ نافع (النبيين) بالهمزة وكذلك جميع ~~ما في القرآن إلا في سورة الأحزاب: (يا أيها النبي) وقرأ الباقون: بغير ~~همز. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أن رجلا قال له: يا نبي الله فقال: لست بنبي الله ولكن نبي الله " # (والنبيين) جماعة النبي. وأما من قرأ بالهمز قال أصله من النبأ وهو ~~الخبر لأنه أنبأ عن الله تعالى، وأما من قرأ بغير همز فأصله مهموز، ولكن ~~قريشا لا تهمز. وقال بعضهم: هو مأخوذ من النبأة وهو الارتفاع لأنه شرف ~~على جميع خلقه. وقال بعضهم: النبي هو الطريق الواضح، سمي بذلك لأنه طريق ~~الخلق إلى الله تعالى. قوله: { ذلك بما عصوا } أي ذلك الغضب على ~~اليهود بما عصوا أي بسبب عصيانهم أمر الله تعالى فخذلهم الله تعالى حين ~~كفروا فلو أنهم لم يعصوا الله تعالى كانوا معصومين من ذلك. { وكانوا ~~يعتدون } يعني بقتلهم الأنبياء وركوبهم المعاصي. ### || [2.62] # { إن الذين ءامنوا والذين هادوا والنصرى ~~والصبئين } قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن الذين آمنوا وهم ~~قوم كانوا مؤمنين بموسى والتوراة ولم يتهودوا ولم يتنصروا. والنصارى: ~~الذين تركوا ms0051 دين عيسى وتسموا بالنصرانية. واليهود الذين تركوا دين موسى ~~وتسموا باليهودية. والصابئين: هم قوم من النصارى ألين قولا منهم { من ~~ءامن } من هؤلاء { بالله واليوم الآخر وعمل صلحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم } أي ثوابهم. قال مقاتل: { إن ~~الذين ءامنوا } أي صدقوا بتوحيد الله ومن آمن من الذين هادوا، ومن ~~النصارى والصابئين فلهم أجرهم عند ربهم. وقال القتبي: قوله { إن ~~الذين ءامنوا } هم قوم آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم. فكأنه ~~قال: إن المنافقين والذين هادوا والنصارى والصابئين ويقال: اليهود سموا ~~يهودا بقول موسى - عليه السلام - # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] ويقال: اشتقاقه من الميل من هاد، يهود إذا مال عن ~~الطريق. وأما النصارى قال بعضهم: سموا أنفسهم نصارى بقول عيسى عليه ~~السلام: # من أنصارى إلى الله # [آل عمران: 52] ويقال: لأنهم نزلوا إلى قرية يقال لها ناصرة، فتواثقوا ~~على دينهم فسموا نصارى. وأما الصابي فهو من صبا يصبو إذا مال. ويقال: من ~~صبأ يصبأ إذا رفع رأسه إلى السماء لأنهم يعبدون الملائكة. قرأ نافع و ~~(الصابيين) بغير همز من صبا يصبو إذا خرج من دين إلى دين. وقرأ الباقون ~~بالهمز من صبأ يصبأ إذا رفع رأسه إلى السماء، واختلف العلماء في حكم ~~الصابئين. فقال بعضهم: حكمهم كحكم أهل الكتاب في أكل ذبائحهم ومناكحة ~~نسائهم، وهو قول أبي حنيفة لأنهم قوم بين النصرانية واليهودية يقرأون ~~الزبور. وقال بعضهم: هم بمنزلة المجوس لا يجوز أكل ذبائحهم ولا مناكحة ~~نسائهم وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لأنهم يعبدون الملائكة فصار ~~حكمهم حكم عبدة النيران. ولم يذكر في الآية الإيمان بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - لأنه لما ذكر الإيمان بالله تعالى فقد دخل فيه الإيمان ~~بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يكون مؤمنا بالله تعالى ما ~~لم يؤمن بجميع ما أنزل الله تعالى على محمد وعلى جميع الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - فكأنه قال: من آمن بالله وبما أنزل على جميع أنبيائه ~~وصدق باليوم الآخر [ { وعمل صلحا } أي أدى الفرائض] فلهم أجرهم ~~عند ربهم: يعني ms0052 لهم ثواب أعمالهم في الآخرة { ولا خوف عليهم } ~~فيما يستقبلهم من العذاب { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا من ~~الدنيا. ويقال: ليس عليهم خوف النار ولا حزن الفزع الأكبر. فإن قيل: فيه ~~ذكر من آمن بالله بلفظ الوحدان، ثم قال فلهم أجرهم ولم يقل: فله أجره، ~~قيل له: لأنه انصرف إلى ما سبق ذكره وهو الجماعة فمرة يذكر بلفظ الوحدان ~~لاعتبار اللفظ ومرة بلفظ الجمع لاعتبار المعنى. ### || [2.63-64] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثقكم } قال ابن عباس: هما ~~ميثاقان: الميثاق الأول: حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام والميثاق ~~الثاني: الذي أخذ في التوراة وسائر الكتب { ورفعنا فوقكم ~~الطور } وذلك أن موسى " عليه السلام " لما أتاهم بالتوارة فرأوا ما ~~فيها من التغليظ والأمر والنهي شق ذلك عليهم فأبوا أن يقبلوها وإن الله ~~تعالى قد من على هذه الأمة حيث فرض عليهم الفرائض واحدا بعد واحد، ولم ~~يفرض عليهم جملة، فإذا استقر الواحد في قلوبهم فرض الآخر. وأما بنو ~~إسرائيل فقد فرض عليهم دفعة واحدة فشق ذلك عليهم ولم يقبلوا، فأمر الله ~~تعالى الملائكة فرفعوا جبلا من جبال فلسطين فوق رؤوسهم، وكان عسكر موسى ~~فرسخا في فرسخ، والجبل مثل ذلك فلما رأوا أنه لا مهرب لهم منه، قبلوا ~~التوراة وسجدوا من المهابة والفزع، وهم يلاحظون في سجودهم الجبل، فمن ذلك ~~يسجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم فذلك قوله تعالى: { ورفعنا ~~فوقكم الطور } والطور: اسم جبل بالسريانية. ويقال: هو جبل ذو ~~أشجار. ثم قال تعالى: { خذوا ما ءاتينكم بقوة } أي قيل ~~لهم اعملوا بما آتيناكم بجد ومواظبة واعملوا في طاعة الله { واذكروا ~~ما فيه } قال بعضهم: اعملوا بما فيه وقال بعضهم: اذكروا ما فيه من ~~الثواب والعقاب لكي يسهل عليكم القبول { لعلكم تتقون } أي لكي ~~تتقوا عقوبته في المعصية فتمتنعوا عنها { ثم توليتم من بعد ~~ذلك } أي أعرضتم من بعد ذلك الإقرار. يعني: من بعد ما رفع عنكم الجبل ~~عنكم. { فلولا فضل الله عليكم } أي من الله عليكم { ~~ورحمته } بتأخير العذاب { لكنتم من ms0053 الخسرين } ~~بالعقوبة. ويقال: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال الرسل إليكم لكيلا ~~تقيموا على الكفر لكنتم من الخاسرين بالعقوبة. ### || [2.65-66] # ثم قال تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى ~~السبت } أي اصطادوا. ويقال: استحلوا أخذ الحيتان يوم السبت. والسبت ~~في اللغة هو الراحة. كما قال في آية أخرى # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9] أي راحة. فيوم السبت كان راحة لليهود عن أشغال الدنيا وهذه ~~الآية على معنى التحذير والتهديد، فكأنه يقول: إنكم تعلمون ما أصاب الذين ~~استحلوا أخذ السمك في يوم السبت من العقوبة، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما ~~أصابهم وذلك أن مدينة يقال لها (آيلة) على ساحل البحر كان يجتمع فيها ~~السمك يوم السبت حتى يأخذ وجه الماء وفي سائر الأيام لا يأتيهم إلا قليل. ~~وقال بعض أهل القصص: إنما كانت الحيتان تجتمع هناك لزيارة السمكة التي ~~كان في بطنها يونس عليه السلام ففي كل سبت يجتمعون لزيارتها. وقال ~~بعضهم: لم يكن لهذا المعنى، ولكن كانت محنة أولئك القوم فاحتالوا وحبسوا ~~ذلك السمك في يوم السبت وأخذوه يوم الأحد، فلما لم تصبهم العقوبة لفعلهم ~~ذلك أمنوا، واستحلوا أخذها فمسخهم الله قردة. وقد بين قصتهم في سورة ~~الأعراف في قوله تعالى: # وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر # [الأعراف: 163] ثم قال تعالى: { فقلنا لهم كونوا قردة ~~خسئين } يعني مبعدين من رحمة الله. وأصله في اللغة من البعد. يقال: ~~خسأ الكلب إذا بعد. ويقال: (خاسئين) أي صاغرين ذليلين. قوله تعالى: { ~~فجعلنها نكلا } [لما بين يديها وما خلفها] [يعني جعلنا تلك ~~العقوبة (نكالا) يعني عقوبة { لما بين يديها } يعني لما سبق ~~منهم من الذنب] { وما خلفها } أي عبرة لمن بعدهم. ويقال: فجعلناها ~~يعني القرية، نكالا لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى ليعتبروا ~~بها { وموعظة للمتقين } يعني نهيا لأمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وعبرة لهم، [لكي لا يستحلوا ما حرم الله عليهم] قال الفقيه ~~حدثنا أبو القاسم عمر بن محمد قال: حدثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا ~~إبراهيم بن يوسف ms0054 قال: حدثنا كثير بن هشام عن المسعودي عن علقمة بن مرثد ~~عن المستورد بن الأحنف قال: قيل لعبد الله بن مسعود أرأيت القردة ~~والخنازير أمن نسل القرود والخنازير التي قد مسخت؟ قال عبد الله بن ~~مسعود: إن الله تعالى لم يمسخ أمة فجعل لها نسلا ولكنها من نسل قرود ~~وخنازير كانت قبل ذلك. ### || [2.67-71] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة } قال ابن عباس: وذلك أن بني ~~إسرائيل قيل لهم في التوراة: أيما قتيل وجد بين قريتين لا يدرى قاتله ~~فليقس إلى أيتهما أقرب، فعمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما ~~واسمه عاميل فقتلاه لكي يرثاه وكانت ابنة عم لهما شابة جميلة حسناء فخشيا ~~أن ينكحها ابن عمها عاميل، ثم حملاه إلى جانب قرية، فأصبح أهل القرية ~~والقتيل بين أظهرهم، فأخذ أهل القرية بالقتيل وجاءوا به إلى موسى. وروى ~~ابن سيرين عن عبيدة السلماني أن رجلا كان له قرابة فقتله ليرثه ثم ألقاه ~~على باب رجل، ثم جاء يطلب بدمه، فهموا أن يقتتلوا ولبس الفريقان السلاح، ~~فقال رجل: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟ فجاءوا إلى موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - فأخبروه بذلك، فدعا الله تعالى في ذلك أن يبين لهم المخرج من ~~ذلك، فأوحى الله تعالى إليه، فأخبرهم بذلك وقال: إن الله يأمركم أن ~~تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها، يعني بعض أعضاء تلك البقرة فيحيا، فيخبركم ~~من قتله { قالوا } يا موسى { أتتخذنا هزوا } قرأ عاصم في ~~رواية حفص برفع الزاي بغير همز، وقرأ حمزة بسكون الزاي مع الهمزة، وقرأ ~~الباقون بالهمز ورفع الزاي. ومعناه. أتتخذنا سخرية يعني أتسخر بنا يا ~~موسى؟ فإن قيل: ألم يكن هذا القول منهم كفرا، حيث نسبوه إلى السخرية. ~~قلنا الجواب أن يقال قد ظهر عندهم علامات نبوته وعلموا أن قوله حق ولكنهم ~~أرادوا بهذا الكشف والبيان ولم يريدوا به الحقيقة. ف { قال } لهم موسى ~~{ أعوذ بالله أن أكون من الجهلين } يعني أمتنع ~~بالله. ويقال: معاذ الله أن أكون من المستهزئين. ms0055 قال ابن عباس في رواية ~~أبي صالح: فلو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم ~~شددوا على أنفسهم بالمسألة فشدد الله عليهم بالمنع لما { قالوا }. يا ~~موسى { ادع لنا ربك } أي سل لنا ربك أن { يبين لنا ما ~~هى } أي يبين لنا كيفية البقرة، إنها صغيرة أو كبيرة { قال } لهم ~~موسى { إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر } ~~يعني لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة { عوان بين ذلك } وسطا ونصفا بين ~~ذلك يعني بين الصغيرة والكبيرة. وقد قيل في المثل (العوان لا تعلم ~~الخمرة) يعني أن المرأة البالغة ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن ~~تختمر. وقوله تعالى: { فافعلوا ما تؤمرون } ولا تسألوا فسألوا ~~وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. { قالوا } يا موسى { ادع لنا ~~ربك } أي سل لنا ربك { يبين لنا ما لونها } قال لهم موسى ~~{ إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها } ~~يعني شديد الصفرة كما يقال: أصفر فاقع إذا كان شديد الصفرة كما يقال: ~~أسود حالك، وأبيض يقق، وأحمر قاني، وأخضر ناصع إذا وصف بالشدة. # وقال بعضهم: أراد به بقرة صفراء الظلف والقرن أي شعرها وظلفها وقرنها ~~وكل شيء منها أصفر ويقال: أراد به البقرة السوداء، لأن السواد الشديد ~~يضرب إلى الصفرة كما قال تعالى # كالقصر كأنه جملت صفر # [المرسلات: 33] وكما قال القائل: # تلك خيلي منه، وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # أراد بالصفر السود. ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أن ~~المراد به صفراء اللون إلا قولا روي عن الحسن البصري. قوله عز وجل: { ~~تسر النظرين } يعني تعجب من نظر إليها لحسن لونها فشددوا على ~~أنفسهم و { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } ~~يعني إنها من العوامل أو من غيرها { إن البقر تشبه علينا ~~} أي تشاكل علينا في أسنانها وألوانها { وإنا إن شاء الله ~~لمهتدون } يعني نهتدي للقاتل. ويقال: نهتدي إلى البقرة أي ندركها ~~بمشيئة الله تعالى. وروي عن ابن عباس أنه قال: لولا أنهم استثنوا لم ~~يدركوها. وروي عن سفيان ms0056 بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لو أن بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، ولولا أنهم قالوا ~~وإنا إن شاء الله لمهتدون ما وجدوها " # { قال إنه } لهم موسى أن ربكم { يقول إنها بقرة ~~ذلول } يقول لم يذللها العمل. وقال أهل اللغة: الذلول في الدواب مثل ~~الذليل في الناس، يقال: رجل ذليل، ودابة ذليلة بينة الذل. { تثير ~~الأرض } أي تقلبها للزراعة. ويقال للبقرة: المثيرة { ولا تسقى ~~الحرث } يعني لا يسقى عليها الحرث، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي ~~الزرع ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئا من هذه الأعمال. { ~~مسلمة } يقال: مهذبة سليمة من العيوب. ويقال: مسلمة من الألوان { ~~لا شية فيها } قال بعضهم لا عيب فيها - وقال بعضهم: لا وضح فيها ~~ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة وقال أهل اللغة: أصله من وشى ~~الثوب، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة ~~وزنة. فلما وصف لهم موسى ذلك { قالوا: الئن جئت بالحق } ~~يعني الآن أتممت الصفة. ويقال: الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب { ~~فذبحوها } يعني البقرة { وما كادوا يفعلون } أي كادوا أن ~~لا يذبحوها. وقد قيل: إنما أرادوا أن لا يذبحوها، لأن كل واحد منهم خشي ~~أن يظهر القاتل من قبيلته. وقال بعضهم: وما كادوا يفعلون لغلاء ثمن ~~البقرة لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة. وروي عن وهب بن منبه أنه ~~قال: لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل، كان بارا بوالديه ~~وكان يصلي ثلث الليل، وينام ثلث الليل، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ~~ويقول لها: إن لم تقدري على القيام فسبحي الله وهللي، وكان ورث عن أبيه ~~بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة، فاشتروها ~~بملىء مسكها دنانير. # وقال بعضهم: كان رجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس يوما بجراب من لؤلؤ فعرض ~~عليه. وأراد أن يبيع منه ms0057 بمائة ألف، وكان ذلك يساوي مائتي ألف، فلما أراد ~~أن يشتري فإذا مفتاح الصندوق كان تحت رأس أبيه وهو نائم فذهب ليوقظه ~~ويرفع المفتاح ويدفع الثمن، ثم قال في نفسه: كيف أوقظ أبي لأجل ربح مائة ~~ألف ولم يحتمل قلبه فرجع، فقال: إن أبي نائم فقال له إبليس: إذهب فأيقظه ~~فإني أبيع منك بخمسين ألفا، فذهب ليوقظه فلم يحتمل قلبه فرجع فلا زال ~~إبليس يحط من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم فلم يوقظ أباه وترك الشراء ذلك. ~~فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملىء مسكها ذهبا. ### || [2.72-73] # ثم قال تعالى: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها } أي ~~تدافعتم. يعني ألقى بعضكم على بعض، يقال: أدارأ القوم أي تدافعوا وقال ~~القتبي: أصله تدارأتم، فأدغمت التاء في الدال وأدخل الألف ليسلم السكون ~~للدال، ويقال: هذا ابتداء القصة، ومعناه وإذ قتلتم نفسا فأتيتم موسى ~~وسألتموه أن يدعو الله تعالى فقال موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ~~إلى آخره { والله مخرج ما كنتم تكتمون } أي مظهر ما ~~كنتم تكتمون من قتل عاميل. { فقلنا اضربوه ببعضها } أي ~~اضربوا الميت ببعض أعضاء البقرة. قال بعضهم: بفخذها الأيمن. وقال بعضهم: ~~بلسانها. وقال بعضهم: [بعجب ذنبها] وهو عظم في أصل ذنبها، ويقال عليه ~~[تركيب] الخلق، فأول شيء يخلق ذلك الموضع، ثم يركب عليه سائر البدن، وهو ~~آخر الأعضاء فسادا بعد الموت وقال بعضهم، فلما ضربوا الميت جلس وأوداجه ~~تشخب دما. وقال: قتلني ابنا عمي، فأخذا وقتلا، ولم يعط لهما من ميراثه ~~شيئا. وقال عبيدة السلماني: لم يورث قاتل بعد صاحب البقرة. ثم قال ~~تعالى: { كذلك يحى الله الموتى } كان في ذلك دليل لأولئك ~~القوم أن البعث كائن لا محالة لأنهم رأوا الإحياء بعد الموت معاينة، وكان ~~في ذلك دليل لهذه الأمة ولمشركي العرب وغيرهم. لأن الله لما أخبر محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - بذلك، فأخبرهم فصدقوه في ذلك أهل الكتاب ولم ~~يكونوا على دينه، فكان ذلك من أدل الدليل عليهم بالبعث. قوله تعالى: { ~~ويريكم ءايته } أي ms0058 عجائبه مثل إحياء الموتى وغيره. { ~~لعلكم تعقلون } أي تفهمون أن الذي يخبركم به محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - حق. ### || [2.74-75] # قوله: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } قال الزجاج: ~~تأويل قست في اللغة أي غلظت ويبست، فتأويل القسوة في القلب ذهاب اللين ~~والرحمة والخشوع. وقوله: { من بعد ذلك } قد قيل: من بعد إحياء ~~الميت، ويحتمل بعد الآيات التي ذكرت، نحو مسخ القردة والخنازير ورفع ~~الجبل وتفجير الأنهار من الحجر وغير ذلك. وقال بعض الحكماء: معنى قوله: { ~~ثم قست قلوبكم } أي يبست ويبس القلب أن ييبس عن ماءين؛ ~~أحدهما: ماء خشية الله. والثاني: ماء شفقة الخلق. [ثم قال تعالى: { ~~فهى كالحجارة } وكل قلب لا يكون فيه خشية الله تعالى فهو ~~كالحجارة. { أو أشد قسوة } قال بعضهم: بل أشد قسوة؛ مثل قوله ~~تعالى: # إلى مائة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] بمعنى بل يزيدون، وكقوله] # كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77] أي [بل هو أدنى] وقال بعضهم: معناه وأشد قسوة الألف زائدة. ~~وقال الزجاج: أو للتخيير يعني إن شئتم شبهتم قسوتها بالحجارة أو بما هو ~~أشد قسوة فأنتم مصيبون كقوله تعالى: # أو كصيب من السمآء # [البقرة: 19] ثم قال تعالى: { وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهر } فأعذر الحجارة وعاب قلوبهم حين لم تلن ~~بذكر الله ولا بالموعظة فقال: { وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهر } يعني الحجر الذي منه العيون في الجبل. ~~ويقال أراد به حجر موسى - عليه السلام - الذي كان يخرج منه العيون { ~~وإن منها لما يشقق } أي من الحجارة ما يتصدع { فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله } ~~ويقال: كل حجر يتردى من رأس الجبل إلى الأرض فهو من خشية الله ويقال: ~~أراد به الجبل الذي صار دكا حين كلم الله موسى - عليه السلام - ويقال: ~~هو جميع الجبال وما يزول الحجر من مكانه إلا من خشية الله تعالى. وقال ~~بعضهم: هو على وجه المثال يعني لو كان له عقل لهبط من خشية الله تعالى ~~وهو قول المعتزلة وهو خلاف ms0059 أقاويل أهل التفسير. قوله تعالى: { وما ~~الله بغفل عما تعملون } قرأ ابن كثير وابن عامر ~~(يعملون) بالياء والباقون بالتاء. واختلفوا في مواضع أخرى قرأ حمزة ~~والكسائي في كل موضع (وما الله بغافل عما تعملون) بالياء. وفي كل موضع ~~(وما ربك بغافل عما تعملون) بالتاء. واختلفت الروايات عن غيرهما. وهذا ~~كلام التهديد، يعني أن الله تعالى يجازيكم بما تعملون فيحذركم بذلك. ثم ~~ذكر التعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - لكيلا يحزن على تكذيبهم إياه، ~~وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا فقال تعالى: { أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم } قال ابن عباس: يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة. وقال بعضهم: أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ~~أفتطمعون أن يصدقوكم { وقد كان فريق منهم يسمعون ~~كلم الله } فإن أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ~~فمعناه أفتطمع أن يصدقوك، وقد يذكر لفظ الجماعة ويراد به الواحد، كما قال ~~في آية أخرى # من فرعون وملئهم # [يونس: 83] وقال تعالى: # إن قرون كان من قوم موسى فبغى عليهم # [القصص: 76] وقال تعالى: # فإلم يستجيبوا لكم # [هود: 14] أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة كذلك ها هنا. ثم ~~قال: { وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله } ~~قال في رواية الكلبي: يعني السبعين الذين ساروا مع موسى - عليه السلام - ~~إلى طور سيناء فسمعوا هناك كلام الله تعالى فلما رجعوا قال سفهاؤهم. إن ~~الله أمر بكذا بخلاف ما أمرهم فذلك قوله تعالى: { وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلم الله ثم يحرفونه من بعد ~~ما عقلوه وهم يعلمون } أي غيروه من بعد ما حفظوه وفهموه. ~~وقال بعضهم: إنما أراد به الذين يغيرون التوراة. وقال بعضهم: يغيرون ~~تأويله وهم يعلمون. ### || [2.76-78] # قوله عز وجل: { وإذا لقوا الذين ءامنوا } يعني المنافقين ~~منهم { قالوا } للمؤمنين { آمنا } أي أقررنا بالذي أقررتم به. وهم ~~منافقوا أهل الكتاب { وإذا خلا بعضهم إلى بعض } يعني إذا ~~رجعوا إلى رؤسائهم { قالوا } لبعضهم { أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم } أي أتخبرونهم بأن ذكر محمد - صلى الله عليه ms0060 وسلم - ~~في كتابكم فيكون ذلك حجة عليكم { أفلا تعقلون } أن ذلك حجة لهم ~~عليكم؟ { ليحاجوكم به } أي ليخاصموكم { عند ربكم } ~~باعترافكم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي لا تتبعوه { أفلا ~~تعقلون } أي أفليس لكم ذهن الإنسانية لا ينبغي لكم هذا فيما بينكم. ~~{ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون } قال بعضهم: ما يسرون فيما بينهم وما يعلنون مع أصحاب محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: { ومنهم أميون لا ~~يعلمون الكتب } أي من أهل الكتاب وهم السفلة أميون لا يقرأون ~~الكتاب: لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته، وقال الزجاج: الأمي المنسوب ~~إلى ما عليه جبلة الأمة يعني هو على الخلقة التي خلق عليها لأن الإنسان ~~في الأصل لا يعلم شيئا ما لم يتعلم { إلا أمانى } قال بعضهم: ~~إلا التلاوة، وهذا كما قال في آية أخرى # إلا إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته # [الحج:52]، أي في تلاوته، يقول: إن السفلة منهم كانوا لا يعرفون من ~~التوراة شيئا سوى تلاوته. وقال بعضهم: إلا أماني: إلا أباطيل. وروي عن ~~عثمان بن عفان أنه قال: منذ أسلمت ما تغنيت ولا تمنيت أي ما تكلمت ~~بالباطل. وروي في الخبر أن الإنسان إذا ركب دابته ولم يذكر الله تعالى ~~صكه الشيطان في قفاه ويقول له: تغن فإن لم يحسن الغناء يقول له: تمن أي ~~تكلم بالباطل. { وإن هم } أي وما هم. { إلا يظنون } لأنه قد ~~ظهر لهم الكذب من رؤسائهم فكانوا يشكون في أحاديثهم وكانوا يظنون من غير ~~يقين. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إياكم والظن فإنه من أكذب الحديث " ### || [2.79] # { فويل للذين يكتبون الكتب بأيديهم } الويل: ~~الشدة من العذاب. ويقال: الويل كلمة تستعمل عند الشدة ويقال: يا ويلاه. ~~ويقال: الويل واد في جهنم. قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن ~~جعفر أنه قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا وكيع بن سفيان عن زياد ~~عن أبي عياض قال: الويل واد في أصل جهنم يسيل ms0061 فيه صديدهم. وإنما صار ~~رفعا بالابتداء. وقال الزجاج: ولو كان هذا في غير القرآن لجاز (فويلا) ~~على معنى جعل الله ويلا للذين يكتبون الكتاب إلا أنه لم يقرأ. وذلك أن ~~رؤساء اليهود محوا نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم كتبوا غير نعته، { ~~ثم يقولون } للسفلة { هذا من عند الله ليشتروا ~~به ثمنا قليلا } أي عرضا يسيرا من مال الدنيا. وروي عن إبراهيم ~~النخعي أنه كره أن يكتب المصحف بالأجر وتأول هذه الآية { فويل ~~للذين يكتبون الكتب بأيديهم }. إلى قوله: { ~~ليشتروا به ثمنا قليلا } وغيره من العلماء أباحه ثم قال { ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم } أي مما يصيبهم من العذاب ~~{ وويل لهم مما يكسبون } أي مما يصيبون فجعل الويل لهم ~~ثلاث مرات. ### || [2.80] # { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ~~روي عن الضحاك أنه قال: لم يكن أحد من الكفار أجرأ على الله تعالى من ~~اليهود حين قالوا: # عزير ابن الله # [التوبة: 30] وقالوا: إن الله فقير وقالوا أيضا { لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة } أي مقدار الأيام التي عبد فيها ~~العجل آباؤنا. وهي أربعون يوما. وقال مجاهد: { إلا أياما ~~معدودة } أي عدد أيام الدنيا وهي سبعة أيام. وهكذا روي عن عكرمة عن ~~ابن عباس أنه قال: وقال بعضهم كان مذهبهم مذهب جهم في أنهم لا يرون ~~الخلود في النار. قال الله تعالى: { قل أتخذتم عند الله ~~عهدا } قال الزجاج: معناه أعهد إليكم ألا يعذبكم إلا هذا المقدار إن ~~كان لكم عهد؟ { فلن يخلف الله عهده } أي وعده. ويقال: ~~أعقدتم عند الله عقدا وهو عقد التوحيد فلن يخلف الله عهده أي وعده. وقد ~~قيل: هل أنزل عليكم بذلك آية { أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون } أي بل تقولون على الله ما لا تعلمون. وروي في الخبر أنهم ~~إذا مضت عليهم في النار تلك المدة قالت لهم الخزنة: يا أعداء الله ذهب ~~الأجل وبقي الأبد، فأيقنوا بالخلود. ### || [2.81-82] # قال الله تعالى { بلى } أي يخلد فيها { من كسب سيئة } يعني ~~الشرك { وأحطت ms0062 به خطيئته } أي مات على الشرك. وقال ~~بعضهم: السيئة الشرك والخطيئة الكبائر. وهو قول المعتزلة إن أصحاب ~~الكبائر يخلدون في النار. وقال الربيع بن خثيم: { وأحطت به ~~خطيئته } الذين يموتون على الشرك. قرأ نافع (خطاياه) وهو جمع ~~خطيئة. والباقون (خطيئته) وهي خطيئة واحدة والمراد به الشرك. { ~~فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون } أي دائمون ~~لا يخرجون منها أبدا. { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } معناه والذين صدقوا بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- وعملوا الصالحات أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، يعني أدوا الفرائض ~~وانتهوا عن المعاصي { أولئك أصحب الجنة هم فيها ~~خلدون } أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون. ### || [2.83] # { وإذ أخذنا ميثق بنى إسرائيل } أي وقد أخذنا ميثاق ~~بني إسرائيل في التوراة، يعني بمجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال: ~~الميثاق الأول حين أخرجهم من صلب آدم - عليه السلام - قوله: { لا ~~تعبدون إلا الله } قرأ حمزة والكسائي وابن كثير (لا تعبدون) ~~بالياء، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة، فمن قرأ بالياء معناه وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا يعبدوا إلا الله ومن قرأ بالتاء فمعناه: ~~وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل وقلنا لهم: لا تعبدوا إلا الله، يعني أخذنا ~~عليهم الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله، يعني لا توحدوا إلا الله. { ~~وبالولدين إحسنا } نصب إحسانا على معنى أحسنوا إحسانا ~~فيكون إحسانا بدلا من اللفظ، أي أحسنوا إلى الوالدين برا بهما وعطفا ~~عليهما وفي هذه الآية بيان حرمة الوالدين لأنه قرن حق الوالدين بعبادة ~~نفسه. ويقال: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث لا يقبل إحداها بغير قرينتها. ~~إحداها: قوله عز وجل # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [المائدة: 92]، والثانية: # أن اشكر لى ولولديك # [لقمان: 14]، والثالثة: # وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة # [البقرة: 43 وغيرها]. وقوله تعالى: { وذى القربى } يعني أحسنوا ~~إلى ذي القربى { واليتمى } [يعني أحسنوا إلى اليتامى] { و } إلى ~~{ المساكين }. والإحسان إلى اليتامى والمساكين أن يحسن إليهم ~~بالصدقة وحسن القول. { وقولوا للناس حسنا } قرأ حمزة والكسائي ~~بنصب الحاء والسين، وقرأ الباقون برفع الحاء وسكون السين. فمن قرأ ms0063 بالنصب ~~فمعناه: قولوا للناس حسنا يعني قولوا لهم قولا صدقا في نعت محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وصفته كما بين في كتابكم. ونظيرها في سورة طه # ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا # [طه: 86]، أي وعدا صدقا. ومن قرأ بالرفع فمعناه قولوا لجميع الناس ~~حسنا يعني: خالقوا الناس بالخلق الحسن فكأنه يأمر بحسن المعاشرة وحسن ~~الخلق مع الناس { وأقيموا الصلاة } يعني أقروا بها وأدوها في ~~مواقيتها. { وآتوا الزكاة } المفروضة { ثم توليتم } ~~يعني أعرضتم عن الإيمان والميثاق { إلا قليلا منكم } وهو عبد ~~الله بن سلام وأصحابه. { وأنتم معرضون } أي تاركون لما أخذ ~~عليكم من المواثيق. ### || [2.84-86] # ثم قال عز وجل { وإذ أخذنا ميثقكم } أي إقراركم { لا ~~تسفكون دمآءكم } أي بأن لا تسفكوا دماءكم يعني لا يهرق بعضكم ~~دماء بعض. { ولا تخرجون أنفسكم } أي لا يخرج بعضكم بعضا { ~~من ديركم } فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق ألا يعبدوا إلا الله ~~وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ويقولوا ~~للناس حسنا، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة [ولا يسفكوا دماءهم] ولا ~~[يخرج بعضهم بعضا] من ديارهم وأن يفادوا أسراهم. فذكر المفاداة بعد هذا ~~حيث قال تعالى: { وإن يأتوكم أسرى تفدوهم } على وجه ~~التقديم والتأخير { ثم أقررتم وأنتم تشهدون } يعني بني ~~قريظة والنضير يعني أقررتم بهذا كله، وأنتم تشهدون: أن هذا في التوارة ~~فنقضوا العهد فعيرهم الله تعالى بذلك حيث قال تعالى: { ثم أنتم ~~هؤلاء تقتلون أنفسكم } يعني يا هؤلاء ويقال معناه ثم ~~أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضا { ~~وتخرجون فريقا منكم من ديرهم } أي بعضكم بعضا، لأنه ~~كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة: إحدى القبيلتين ~~كانت معينة للأوس، والأخرى كانت معينة للخزرج، فإذا غلبت إحداهما على ~~الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم. وفي الآية دليل أن الإخراج من ~~الدار ينزل منزلة القتل لأن الله تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث ~~قال تعالى { تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ~~ديرهم } { تظهرون عليهم } قرأ أهل الكوفة وحمزة ~~والكسائي بالتخفيف، ms0064 وقرأ الباقون: بالتشديد لأن أصله تتظاهرون، فأدغم ~~إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه معناه: تتعاونون عليهم { ~~بالإثم والعدون } يعني بالمعصية والظلم. قال الزجاج: العدوان ~~هو الإفراط في الظلم. { وإن يأتوكم أسرى تفدوهم } ~~قرأ عاصم والكسائي ونافع (أسارى تفادوهم) كلاهما بالألف، [وقرأ حمزة ~~(أسرى تفدوهم) بغير ألف فيهما وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (أسارى ~~تفادوهم) الأول بالألف] والثاني بغير ألف. وهذا من الميثاق الذي أخذ ~~عليهم بأن يفادوا الأسارى { وهو محرم عليكم إخراجهم } ~~هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج، فكأنه يقول: وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم وهو محرم عليكم إخراجهم. [يعني ذلك الإخراج كان محرما، ثم بين ~~الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام فقال وهو محرم عليكم إخراجهم. ثم قال] { ~~أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض } لأنهم ~~كانوا إذا أسروا من غيرهم قتلوا الأسرى ولا يفادوهم، وإن أسر منهم أحد ~~يأخذوهم بالفداء فهذا معنى قوله - تعالى - { أفتؤمنون ببعض ~~الكتب وتكفرون ببعض } { فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم إلا خزى في الحيوة الدنيا } أي عقوبة من ~~يفعل ذلك منكم خزي في الحياة الدنيا وهو إخراج بني النضير إلى الشام وقتل ~~بني قريظة، وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم. ثم أخبر بأن الذي أصابهم في ~~الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم (و) لكنهم { ويوم ~~القيمة يردون } أي في الآخرة { إلى أشد العذاب } ~~ويقال: الخزي في الدنيا الجزية. { وما الله بغفل عما ~~تعملون } أي لا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء فيجازون ~~بأعمالهم { أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا ~~بالآخرة } [يعني اختاروا الدنيا على الآخرة] { فلا يخفف ~~عنهم العذاب ولا هم ينصرون } أي ليس لهم مانع يمنعهم من ~~[عذاب الله تعالى في الآخرة]. ### || [2.87] # { ولقد ءاتينا موسى الكتب } أي أعطينا موسى التوراة ~~جملة واحدة ويقال: الألواح { وقفينا من بعده بالرسل } أي ~~أتبعنا وأردفنا معناه: أرسلنا رسولا على أثر رسول. يقال: قفوت الرجل إذا ~~ذهبت في أثره. { وءاتينا } أي أعطينا { عيسى ابن مريم ~~البينت } أي الآيات والعلامات مثل: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه ms0065 ~~والأبرص { وأيدنه بروح القدس } قرأ ابن كثير (القدس) ~~بسكون الدال وقرأ الباقون (القدس) برفع الدال ومعناهما واحد. أي إغاثة ~~بجبريل حين أرادوا قتله فرفعه إلى السماء. وقال بعضهم: أيدناه أي قويناه ~~وأعناه باسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى. { أفكلما ~~جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم } يقول: بما لا يوافق ~~هواكم { استكبرتم } تعظمتم عن الإيمان. قال الزجاج: معناه أنفتم ~~أن تكونوا له أتباعا لأنهم كانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا ~~مخافة أن تذهب عنهم الرياسة. فقال تعالى: { ففريقا كذبتم } مثل ~~عيسى ابن مريم ومحمد صلى الله عليهم وعلى جميع الأنبياء وسلم { ~~وفريقا تقتلون } مثل يحيى وزكريا عليهما السلام. ### || [2.88-90] # { وقالوا قلوبنا غلف } قرأ ابن عباس (غلف) بضم اللام وهي ~~قراءة شاذة. والباقون بسكون اللام أي ذو (غلف) يعني ذو غلاف، والواحد ~~أغلف مثل: أحمر وحمر. ومعناه: أنهم يقولون قلوبنا في غطاء. من قولك ولا ~~نفقه حديثك وهذا كما قال في آية أخرى # وقالوا قلوبنا فى أكنة # [فصلت: 5]. وأما من قرأ (غلف) فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر. ~~يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك، فلو كنت نبيا لفهمنا ~~قولك. قال الله تعالى ردا لقولهم { بل لعنهم الله ~~بكفرهم } أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لكفرهم { فقليلا ما ~~يؤمنون } صار نصبا لأنه قدم المفعول. وقال بعضهم: معناه لا يؤمنون ~~إلا القليل منهم: مثل عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال بعضهم: إيمانهم ~~بالله قليلا لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وقال بعضهم: معناه أنهم لا ~~يؤمنون كما قال: فلان قليل الخير يعني لا خير فيه. ثم قوله تعالى { ~~ولما جآءهم كتب من عند الله } أي حين جاءهم القرآن { ~~مصدق لما معهم } أي موافقا للتوراة في التوحيد، وفي بعض ~~الشرائع. ويقال: مصدق لما معهم، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم، لأن من ~~كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة { وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا } أي من قبل مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~كانوا يستنصرون على المشركين لأن بني قريظة ms0066 والنضير، قد وجدوا نعته في ~~كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه. وكانوا ~~إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين مشركي العرب يستفتحون عليهم، أي ~~يستنصرون ويقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل ~~عليه الذي وعدتنا - وكانوا يرجون أن يكون منهم - فينصروا على عدوهم فذلك ~~قوله تعالى: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا } أي باسم النبي - صلى الله عليه وسلم - { فلما جاءهم ~~ما عرفوا } أي محمد - صلى الله عليه وسلم - وعرفوه { كفروا ~~به } وغيروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا. كما قال تعالى: { ~~فلعنة الله على الكفرين } أي سخط الله وعذابه على ~~الجاحدين محمدا - صلى الله عليه وسلم - { بئسما اشتروا به ~~أنفسهم } قال الكلبي: بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. ويقال: بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما ~~أنزل الله عليهم بعد ما كانوا خرجوا من الشام على أن ينصروا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم -. ويقال: بئس ما صنعوا بأنفسهم حسدا منهم فذلك قوله ~~تعالى { أن يكفروا بما أنزل الله بغيا } أي حسدا منهم. ~~ومعنى قوله: { أن ينزل الله } أي كفروا مما ينزل الله. # { من فضله على من يشآء } أي لم يؤمنوا لأجل أن الله تعالى ~~ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء { من عباده } من كان ~~أهلا لذلك وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - [قرأ ابن كثير وأبو عمرو (أن ~~ينزل الله) بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر بالتشديد أن ~~ينزل، ونزل ينزل بمعنى واحد] { فبآءو بغضب على غضب } أي ~~استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة. قال مقاتل: الغضب الأول حين كفروا بعيسى ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. ويقال: الغضب الأول حين عبدوا العجل والغضب الثاني حين ~~استحلوا السمك في يوم السبت. # قوله تعالى: { وللكفرين عذاب مهين } أي يهانون فيه. ### || [2.91] # { وإذا قيل لهم ءامنوا بما أنزل الله } أي صدقوا ~~بالقرآن الذي أنزل على محمد ms0067 - صلى الله عليه وسلم - وهم يهود أهل المدينة ~~ومن حولها. { قالوا: نؤمن بما أنزل علينا } في التوراة ~~وبموسى عليه السلام { ويكفرون بما ورآءه } يعني بما سواه وهو ~~القرآن { وهو الحق مصدقا لما معهم } ، أي القرآن هو ~~الصدق، وهو منزل من الله تعالى موافق لما معهم، يعني أنهم إذا جحدوا ~~بالقرآن صار جحودا لما معهم لأنهم جحدوا بما هو مصدق لما معهم فقالوا ~~له: إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به أنبياؤنا، ولم يكن لنا نبي إلا كان ~~يأتينا بقربان تأكله النار. قال الله تعالى { قل فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل } وقد جاؤوا بالقربان والبينات أي ~~بالعلامات { إن كنتم مؤمنين } أي إن كنتم مصدقين بالأنبياء. ~~فهذا اللفظ للمستأنف وهو قوله (فلم تقتلون) ولكن المراد منه الماضي وإنما ~~خاطبهم وأراد به آباءهم. وفي الآية دليل: أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل ~~لها، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء فسماهم الله تعالى قاتلين. ~~وفي الآية دليل: أن من ادعى أنه مؤمن ينبغي أن تكون أفعاله مصدقة لقوله، ~~لأنهم كانوا يدعون أنهم مؤمنون بما معهم. قال الله تعالى { فلم ~~تقتلون أنبياء الله } يعني أي كتاب (يجوز) قتل نبي من ~~الأنبياء عليهم السلام وأي دين وإيمان جوز فيه ذلك يعني قتل الأنبياء. ### || [2.92] # قوله تعالى: { ولقد جآءكم موسى بالبينت } أي ~~بالآيات والعلامات. ويقال: بالحلال والحرام والحدود والفرائض. { ثم ~~اتخذتم العجل من بعده } أي عبدتم العجل { من بعده } ~~يعني بعد انطلاق موسى إلى الجبل { وأنتم ظلمون } أي كافرون ~~بعبادتكم العجل. ### || [2.93] # قوله تعالى { وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا ما ءاتينكم بقوة } أي بجد ومواظبة [في طاعة ~~الله تعالى] { واسمعوا } أي قيل لهم اسمعوا { قالوا سمعنا ~~وعصينا } قال في رواية الكلبي: قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك ولولا ~~مخافة الجبل ما قبلنا. ويقال: إنهم يقولون في الظاهر سمعنا، ويضمرون في ~~أنفسهم وعصينا أمرك. { وأشربوا فى قلوبهم العجل ~~بكفرهم } أي جعل حلاوة عبادة العجل في قلوبهم مجازاة لكفرهم. ~~ويقال: حب عبادة العجل فحذف الحب، وأقيم العجل ms0068 مقامه، ومثل هذا يجري في ~~كلام العرب. كما قال في آية أخرى: # واسئل القرية # [يوسف: 82]، أي أهل القرية ثم قال تعالى: { قل بئسما يأمركم ~~به إيمنكم } أي بئس الإيمان الذي يأمركم بالكفر. وقال مقاتل: ~~معناه إن كان حب عبادة العجل في قلوبكم يعدل حب عبادة خالقكم فبئس ما ~~يأمركم به إيمانكم { إن كنتم مؤمنين } كما تزعمون. ### || [2.94-96] # { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس } أي الجنة. وذلك أن اليهود كانوا يقولون: إن الجنة ~~لنا خاصة من دون سائر الناس. قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قل ~~لهم إن كان الأمر كما يقولون إن الجنة لكم خالصة خاصة. { فتمنوا ~~الموت } أي سلوا الله الموت { إن كنتم صدقين } أن الجنة ~~لكم فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: # " قولوا إن كنتم صادقين: اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل ~~منكم إلا غص بريقه " # يعني يموت مكانه. فأبوا أن يقولوا ذلك، فنزل قوله تعالى: { ولن ~~يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } [يعني بما عملوا من ~~المعاصي. قال الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة رسالته ~~- صلى الله عليه وسلم - لأنه قال لهم: فتمنوا الموت وأعلمهم أنهم لن ~~يتمنوه أبدا فلم يتمنه واحد منهم]. [وفي هذه الآية دليل أن " لن " لا ~~تدل على التأبيد لأنهم يتمنون الموت في الآخرة خلافا لقوله المعتزلة في ~~قولهم لن تراني] ويقال: إن قوله (لن) إنما يقع على الحياة الدنيا خاصة، ~~ولم يقع على الآخرة لأنهم يتمنون الموت في النار إذا كانوا في جهنم ولو ~~أنهم سألوا الموت في الدنيا ولم يموتوا، وكان (في) ذلك تكذيبا لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان في ذلك أيضا ذهاب معجزته. فلما لم يتمنوا ~~الموت ثبت بذلك عندهم أنه رسول الله وظهر عندهم معجزته، وظهر أن الأمر ~~كما قال تعالى { والله عليم بالظلمين } فهو عليم بهم ~~وبغيرهم من الظالمين وإنما الفائدة ها هنا أنه عليم بمجازاتهم. # ثم قال عز وجل { ولتجدنهم أحرص ms0069 الناس على حيوة ~~} يعني أن اليهود أحرص الناس على البقاء { ومن الذين أشركوا ~~} يعني أحرص من الذين أشركوا. قال الكلبي: الذين أشركوا يعني المجوس. ~~وقال مقاتل: أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا يعني مشركي ~~العرب. فإن قيل: كيف يصح تفسير الكلبي والمجوس لا يسمون مشركين؟ قيل له: ~~المجوس مشركون في الحقيقة، لأنهم قالوا بإلهين اثنين: النور والظلمة: ~~قوله تعالى { يود أحدهم } (يعني المجوس) يقولون لملوكهم في ~~تحيتهم: عش عشرة آلاف سنة وكل ألف نيروز. وقال مقاتل: يود أحدهم يعني ~~اليهود { لو يعمر ألف سنة } ثم قال { وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر } يعني طول حياته لا يبعده ~~ولا يمنعه من العذاب وإن عاش ألف سنة كما تمنى { والله بصير بما ~~يعملون } أي عالم بمجازاتهم بأعمالهم. ### || [2.97-98] # { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله } وذلك أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لليهود: ما لكم لا تؤمنون بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - قالوا: لأن جبريل هو الذي ينزل عليه بالوحي، فلو ~~نزل عليه ميكائيل بالوحي لآمنا به، لأن ميكائيل ملك الرحمة وجبريل ملك ~~العذاب. وهو عدونا فأطلع محمدا على سرنا، فنزلت هذه الآية. ويقال: إنهم ~~يقولون: إن النبوة كانت فينا فجبريل صرف النبوة عنا إلى غيرنا لعداوته ~~معنا فنزلت هذه الآية { قل من كان عدوا لجبريل } قال ~~بعضهم: في الآية مضمر، ومعناه: قل من كان عدوا لجبريل ويبغضه جبريل هو ~~الذي { نزله على قلبك } ، ينزل بالقرآن فيقرأه عليك فتحفظه ~~[في قلبك] { بإذن الله مصدقا لما بين يديه } من ~~التوراة. ويقال: هذا على وجه الترغيم، فكأنه يقول: قل من كان عدوا ~~لجبريل فإن جبريل هو الذي ينزل عليك رغما لهم بهذا القرآن عليك ليثبت به ~~فؤادك { وهدى } وهذا القرآن هدى من الضلالة { وبشرى ~~للمؤمنين }. أي لمن آمن به من المؤمنين { من كان عدوا ~~لله } معناه من كان عدوا لجبريل فإنه عدو الله { وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو ~~للكفرين } يعني اليهود. ويقال: إن عبد الله بن صوريا ms0070 هو الذي ~~قال لعمر: إن جبريل عدونا لأنه ينزل بالشدة والخوف، وميكائيل ينزل ~~بالرخاء، فنزلت هذه الآية { من كان عدوا لله } إلى آخره قرأ ~~حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر (جبرئيل) بفتح الجيم والراء ~~والهمزة، (وميكائيل) بالياء مع الهمزة. وقرأ نافع (جبريل) بكسر الجيم ~~والراء بغير همزة (ومكال) بالهمزة بغير ياء. وقرأ أبو عمرو وعاصم في ~~رواية حفص بغير همزة بكسر الجيم والراء وميكال بغير همز وياء وقرأ ابن ~~كثير جبريل بنصب الجيم بغير همزة وميكايل بهمز مع الياء وقرأ ابن عامر ~~جبريل بكسر الجيم مثل قراءة نافع (وميكائيل) بالياء مع المد والهمز مثل ~~حمزة وإنما لا ينصرف لأنه اسم أعجمي، فوقع ذلك في لسان العرب واختلفوا ~~فيه لاختلاف ألفاظهم ولغاتهم. ويقال: إن (جبريل) و (ميكائيل) معناه عبد ~~الله وعبد الرحمن أي بلغتهم سوى العربية. ### || [2.99] # ثم قال عز وجل: { ولقد أنزلنا إليك ءايت بينت } ~~أي واضحات. ويقال: مبينات للحلال والحرام. { وما يكفر بها إلا ~~الفسقون } يعني وما يجحد بالآيات إلا الكافرون ~~والفاسقون واليهود ومشركو العرب. ### || [2.100-101] # { أو كلما عهدوا عهدا } وهو العهد الذي بين لهم في ~~التوراة ويوم الميثاق { نبذه فريق منهم } أي تركه ولم يعمل به ~~فريق منهم، أي طائفة منهم { بل أكثرهم لا يؤمنون } وقد ~~ذكرناه. { ولما جاءهم رسول من عند الله } ، أي محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - { مصدق لما معهم } ، أي يدعوهم إلى ~~تصديق ما معهم، { نبذ فريق } ، أي طرح فريق { من الذين ~~أوتوا الكتب كتب الله وراء ظهورهم } ولم يؤمنوا ~~به { كأنهم لا يعلمون } في كتابهم بأن محمدا رسول الله. ### || [2.102] # { واتبعوا ما تتلوا الشيطين } أي ما كتبت الشياطين. ~~ويقال: ما ألقت الشياطين. ويقال ما افتعلته الشياطين { على ملك ~~سليمن } أي على عهد ملك سليمان. ويقال: على بمعنى في، أي في ملك ~~سليمان. ويقال: في وقت ذهاب ملك سليمان. ويقال: هذا منسوق على الأول. ~~فكأنه قال: نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين. أي ~~تركوا سنة أنبياء الله واتبعوا السحر. ويقال: تركوا ms0071 شيئين واتبعوا شيئين: ~~تركوا اتباع الكتب واتباع الرسل والعمل بذلك، واتبعوا ما تتلو الشياطين ~~أي ترويه الشياطين { وما أنزل على الملكين) ببابل هاروت ~~وماروت واختلفوا في سبب ذلك. فقال بعضهم إن سليمان عليه السلام أمر بأن ~~لا يتزوج المرأة من غير بني إسرائيل فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل يقال ~~لها: ضبنة بنت صابورا، فعاقبه الله تعالى بأن أجلس مكانه شيطانا وكان ~~الناس يظنون أنه سليمان وأشكل عليهم أمره، فجاؤوا إلى آصف بن برخيا وكان ~~معلم سليمان بن داود في حال صغره وكان وزيره في حال كبره وملكه فقالوا ~~له: إن قضاياه لا تشبه قضايا سليمان فقام آصف ودخل على نساء سليمان ~~فسألهن عن ذلك فقلن: إن كان هذا سليمان فقد هلكتم والله ما يعتزل منا ~~حائضا، وما يغتسل من جنابة. هكذا ذكر في رواية الكلبي. وقال بعضهم: هذا ~~خطأ لأن نساء الأنبياء معافيات معصومات عن الفواحش، فلا يجوز أن يظن بهن ~~أن الشيطان يقربهن. وقال بعضهم: كان هذا على وجه الخيال لا على وجه ~~الحقيقة، لأن الشيطان روحاني وليس له جسم، فلا يجوز أن تقع بينه وبين ~~آدمي شهوة ولكن كان يريهن ذلك على وجه الخيال فلما عرف الشيطان أن الناس ~~علموا بحاله كتب سحرا كثيرا وجعله تحت كرسيه وألقى خاتم سليمان في ~~البحر وهرب، وكان سليمان عليه السلام خرج إلى ساحل البحر وأجر نفسه ~~للملاحين كل يوم بسمكتين، فلما أعطوه أجره، باع إحداهما واشترى به الخبز ~~وشق بطن الأخرى فوجد الخاتم في بطنها فرجع إلى ملكه - فلما توفي سليمان ~~جاء الشيطان على صورة آدمي وقال: إن أردتم أن تعلموا علم سليمان بن داود ~~عليهما السلام فانظروا تحت كرسيه [فنظروا وحفروا] ذلك الموضع [وأخرجوا] ~~كتبا كثيرة فوجدوا فيها السحر والكفر فقال العلماء منهم: لا يجوز أن ~~يكون هذا من علم سليمان. وقال السفهاء منهم: بل هذا من علم سليمان ~~واتبعوه فنزلت هذه الآية على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع ~~الأنبياء عذرا لسليمان عليه السلام ثم قال تعالى: ms0072 { واتبعوا ما ~~تتلوا الشيطين على ملك سليمن وما كفر ~~سليمن } أي ما كان ساحرا وفي الآية دليل أن الساحر كافر لأنه سمى ~~السحر كفرا. # وروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى جزء بن معاوية وهو عم الأحنف بن قيس ~~أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. ثم قال تعالى: { ولكن الشياطين ~~كفروا } أي هم الذين كتبوا السحر. قرأ حمزة والكسائي (ولكن الشياطين) ~~بكسر النون من غير تشديد ورفع (الشياطين) وقرأ الباقون بتشديد النون مع ~~النصب وبفتح النون في (الشياطين) وهذا هو الأصل في اللغة أن كلمتي إن ~~ولكن إذا كانا مشددين ينصب ما بعدهما وإن لم يكونا مشددين يرفع ما ~~بعدهما. وقال بعضهم لنزول هذه الآية سبب آخر وذلك أن الشياطين كانوا ~~يسترقون السمع ويعلمون الناس السحر والنيرنجات، فكان سليمان يأخذ ذلك ~~منهم ويدفنه تحت الأرض، فلما مات سليمان قالت الشياطين للناس إن علم ~~سليمان مدفون في موضع كذا وكذا، فحفروا ذلك الموضع وأخرجوا منه كتبا ~~كثيرة. وقال بعضهم: معناه أن سليمان كان إذا أصبح كل يوم رأى نباتا بين ~~يديه فيقول له: لأي دواء أنت؟ فيقول: إني دواء لكذا وكذا وإن اسمي كذا ~~كذا فكان سليمان يكتب ذلك ويدفنه فنبت يوما من الأيام نبات بين يديه ~~فقال له سليمان: ما اسمك؟ فقال: خرنوب. فقال له: لأي دواء أنت؟ فقال: إني ~~لخراب المسجد، فعلم سليمان أنه قد جاء أجله لأنه علم أن المسجد لا يخرب ~~في حياته، وكان له صحيفة فيها يكتب أسماء الأدوية ويضعها في الخزانة ~~فكتبت الشياطين سحرا ووضعوه في ذلك الموضع، فلما مات سليمان وجدوا ذلك ~~في كتبه فاتبعه بعض الناس فذلك قوله { وما كفر سليمن ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } ~~ثم قال { وما أنزل على الملكين } أي واتبعوا الذي أنزل على ~~الملكين { ببابل هروت ومروت } وقال القاضي الخليل بن أحمد ~~قال: حدثنا الماسرجي، فقال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا حكام بن سلم الرازي ~~قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ms0073 ابن عباس ~~رضي الله عنهما: في قوله تعالى { وما أنزل على الملكين } ~~قال: إن الناس بعد آدم وقعوا في الشرك واتخذوا هذه الأصنام وعبدوا غير ~~الله تعالى فجعلت الملائكة يدعون عليهم، ويقولون: ربنا خلقت عبادك فأحسنت ~~خلقهم ورزقتهم فأحسنت رزقهم فعصوك وعبدوا غيرك فقال لهم الرب عز وجل: ~~إنهم في عذر. وقيل: في عيب، فجعلوا لا يعذرونهم ولا يقبلون ويدعون عليهم. ~~فقال لهم الرب: اختاروا منكم اثنين فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما ~~فاختاروا هاروت وماروت فأهبطهما الله تعالى إلى الأرض فأمرهما ونهاهما عن ~~الزنا وقتل النفس وشرب الخمر، فمكثا زمانا في الأرض يحكمان بالحق، وكان ~~في ذلك الزمان امرأة فضلت بالحسن على سائر النساء فأتيا عليها فخضعا لها ~~بالقول وراوداها عن نفسها فقالت: لا حتى تصليا لهذا الصنم أو تقتلا هذه ~~النفس أو تشربا هذه الخمر فقالا: أهون الثلاثة شرب الخمر [فلما شربا] ~~الخمر سجدا للصنم وفعلا بالمرأة وقتلا النفس فكشف الغطاء فيما بينهما ~~وبين الملائكة، فنظروا إليهما وما يفعلان، فجعلت الملائكة يعذرون بني آدم ~~أهل الأرض ويستغفرون لمن فيها فقيل لهاروت وماروت: اختارا إما عذاب ~~الدنيا وإما عذاب الآخرة. # فقالا: عذاب الدنيا يذهب وينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له [ثم اختاروا] ~~عذاب الدنيا. فهما يعذبان إلى يوم القيامة. وروي في الخبر أن المرأة ~~تعلمت منهما اسم الله الأعظم فصعدت به إلى السماء فمسخها الله تعالى ~~كوكبا. ويقال: هو الكوكب الذي يقال له الزهرة. وروي عن ابن عمر - أنه ~~كان إذا نظر إلى الزهرة لعنها ويقول: هي التي فتنت هاروت وماروت. وروي عن ~~علي رضي الله عنه هذا. وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن هذا الكوكب قد كان ~~خلقه في الأصل حين خلق النجوم وجعل مقادير الأشياء على سبع من الكواكب ~~وجعل لكل كوكب سلطانا وجعل سلطان الزهرة الرطوبة. وقال بعضهم: إن كوكب ~~الزهرة قد كان، ولكن الله تعالى مسخ هذه المرأة على شبه الكوكب فهي تعذب ~~هناك. وقال بعضهم: قد صارت إلى النار، كما أن سائر الأشياء التي مسخت ms0074 لم ~~يبق منها أثر فذلك قوله تعالى: { وما أنزل على الملكين } ، ~~[يعني اليهود اتبعوا ما أنزل على الملكين] ببابل هاروت وماروت. { وما ~~يعلمان من أحد حتى } قال بعضهم: هذا الحرف أعني { ما } ~~للنفي فكأنه يقول: ولم ينزل على الملكين السحر. وقال بعضهم: إن إبليس ~~لعنه الله قد جاء بالسحر ووضعه عند أقدامهما، وهما معلقان بالسلة فتذهب ~~اليهود تتعلم السحر من تلك الكتب والملكين { يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر } أي فلا تتعلم السحر لأنه لا يجوز للملكين أن ~~يعلما الكفر. وقال بعضهم: ويبينان أن عمل السحر كفر وينهيان عن التعلم ~~ويبينان كيفية السحر وهو بمنزلة رجل قال لآخر: علمني ما الزنا أو علمني ~~ما السرقة فيقول: إن الزنا كذا وكذا، وهو حرام فلا تفعل وإن السرقة كذا ~~وكذا هي حرام فلا تفعل. كذلك ها هنا. الملكان يقولان: السحر كذا وكذا، ~~وهو كفر فلا تكفر. وقرأ بعضم { وما أنزل على الملكين } بكسر ~~اللام وهي قراءة شاذة، يعني كانا ملكين في بني إسرائيل فمسخهما الله ~~تعالى. وقوله: { إنما نحن فتنة } أي اختبار وابتلاء. وأصل ~~الفتنة الاختبار قوله { فيتعلمون منهما } أي من الملكين { ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه } أي فيتعلمون منهما من ~~السحر ما يفرقون به بين الرجل وزوجته، يؤخذ الرجل عن المرأة حتى لا يقدر ~~على الجماع. ثم قال تعالى: { وما هم بضارين به من أحد ~~إلا بإذن الله } أي بإرادة الله تعالى { ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم } [أي ما يضر في الدنيا ولا ينفعهم في ~~الآخرة، يعني السحر] { ولقد علموا لمن اشتراه ما له ~~في الآخرة من خلق } يعني اليهود علموا في التوراة أن من اختار ~~السحر ما له في الآخرة من خلاق يعني نصيب. # والخلاق في اللغة: هو النصيب الوافر. { ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون } أي باعوا به يعني بئسما باعوا ~~به أنفهسم. ويقال: بئس ما اختاروا لأنفسهم السحر على كتاب الله تعالى ~~وسنن أنبيائه لو كانوا يعلمون، ولكنهم لا يعلمون. فإن قيل: ذكر في الآية ms0075 ~~الأولى { ولقد علموا لمن اشتراه } وفي هذه الآية يقول: { ~~لو كانوا يعلمون } فمرة يقول: يعلمون، ومرة يقول: لا يعلمون. ~~فالجواب أن يقال: إنهم يعلمون ولكن لا منفعة لهم في علمهم، وكل عالم لا ~~يعمل بعلمه فليس بعالم لأنه يتعلم العلم لكي ينتفع به فإذا لم ينتفع به ~~فكأنه لم يتعلم، فكذلك ها هنا { لو كانوا يعلمون } [لو كانوا ~~يعرفون] للعلم حقه. ### || [2.103-104] # { ولو أنهم ءامنوا واتقوا } يعني اليهود لو صدقوا بثواب ~~الله واتقوا السحر { لمثوبة من عند الله خير } يعني كان ~~ثواب الله تعالى خيرا لهم من السحر والمثوبة والثواب بمعنى واحد وهو ~~الجزاء على العمل وكذلك الأجر { لو كانوا يعلمون } { ~~ياأيها الذين آمنوا } فهذا نداء المدح، يقول { ياأيها ~~الذين آمنوا } صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد { لا تقولوا ~~رعنا } وذلك أن المسلمين كانوا يأتون رسول الله - عليه السلام - ~~ويقولون: يا رسول الله راعنا، وهو بلغة العرب: أرعنى سمعك. وأصله في ~~اللغة: راعيت الرجل إذا تأملته وتعرفت أحواله. وكان هذا اللفظ بلغة ~~اليهود سبا لرعونة. فلما سمعت اليهود ذلك من المسلمين أعجبهم ذلك وقالوا ~~فيما بينهم: كنا نسب محمد سرا فالآن نسبه علانية، فكانوا يأتونه ويقولون ~~له: راعنا يا محمد، ويريدون به السب. وقال بعضهم: كان في لغتهم معناه ~~اسمع لا سمعت، فنزلت هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تقولوا رعنا } نهى المسلمين أن لا يقولوا: بهذا اللفظ، وأمرهم أن ~~يقولوا بلفظ أحسن منه. قال الله تعالى: { وقولوا انظرنا ~~واسمعوا } ما تؤمرون به. ثم ذكر الوعيد للكفار فقال تعالى { ~~وللكفرين عذاب أليم } يعني اليهود. وقرأ الحسن (راعنا) ~~بالتنوين. وقال القتبي: من قرأ (راعنا) بالتنوين جعله اسما منه. مثاله: ~~أن تقول: لا تقولوا حمقا. ### || [2.105] # قوله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتب } يعني يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران { ولا ~~المشركين } يعني مشركي العرب { أن ينزل عليكم من ~~خير من ربكم } يعني أن ينزل على رسولكم من الوحي وشرائع ~~الإسلام لأنهم كانوا كفارا، فيحبون أن يكون الناس كلهم كفارا مثلهم. ms0076 ~~وهذا كما قال في آية أخرى # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء # [النساء: 89]. فأخبر الله تعالى أن الأمر ليس على مرادهم حيث قال { ~~والله يختص برحمته من يشآء } أي يختار للنبوة من يشاء ~~من كان أهلا لذلك ويكرم بدينه الإسلام من يشاء { والله ذو ~~الفضل العظيم } أي ذو المن العظيم لمن اختصه بالنبوة والإسلام. ~~وقال مقاتل: كان قوم من الأنصار يدعون حلفاءهم ومواليهم من اليهود إلى ~~الإسلام. فقالوا للمسلمين: [إن الذين تدعوننا] إليه هو خير مما نحن فيه ~~وعليه وددنا لو أنكم على هذا فنزل قوله { والله يختص ~~برحمته من يشاء } أي بدينه الإسلام من يشاء. ونظيرهما في ~~سورة هل أتى # يدخل من يشآء فى رحمته # [الشورى: 8]، أي في دين الإسلام. ### || [2.106] # ثم قال تعالى { ما ننسخ من ءاية أو ننسها } قرأ ابن عامر ~~(ما ننسخ) برفع النون وكسر السين وقرأ الباقون (ما ننسخ) بالنصب ~~ومعناهما واحد. وقرأ أبو عمرو وابن كثير (أو ننسأها) بنصب النون والسين ~~والهمزة، وقرأ الباقون (ننسها) برفع النون وكسر السين بغير همز. فمن ~~قرأ (ننسأها) أي نؤخرها، ومنه النسيئة في البيع وهو التأخير. ومن قرأ ~~(ننسها) أي نتركها مثل قوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] أي تركهم في النار وقال ابن عباس - في رواية أبي صالح في ~~قوله تعالى { ما ننسخ من ءاية أو ننسها } يقول ما ننسخ من ~~آية فلا نعمل بها { أو ننسها } ندعها غير منسوخة [والنسخ رفع الشيء ~~وإقامة غيره مقامه وفي الشرع رفع كل حكم قبل فعله أو بعده إذا كان مؤقتا ~~ثم قال تعالى] { نأت بخير منها } يعني أهون وألين منها على ~~الناس { أو مثلها } في المنفعة. وقال الزجاج: النسخ في اللغة، هو ~~إبطال شيء وإقامة شيء آخر مقامه، والعرب تقول: نسخت الشمس الظل إذا ~~أزالته. { أو ننسها } أي نتركها، معناه أي نأمركم بتركها. وقال أبو ~~عبيد القاسم بن سلام: النسخ له ثلاثة مواضع ولكل منها شواهد ودلائل، ~~فأحدها: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ms0077 { ما ننسخ ~~من ءاية } أي نبدلها ونوضحها، وما روي عن مجاهد أنه قال: نثبت خطها، ~~ونبدل حكمها. فهذا هو المعروف عند الناس. الثاني: أن ترفع الآية المنسوخة ~~بعد نزولها ولهذا دلائل جاءت فيه، من ذلك ما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " أنه صلى ذات يوم صلاة الغداة، فترك آية، فلما فرغ من صلاته قال: هل ~~فيكم أبي قالوا: نعم قال: هل تركت من آية؟ قالوا: نعم تركت آية كذا، ~~أنسخت أم نسيت، قال: لا، ولكن نسيت " # وجاءت الآثار في نحو هذا لأن الآية قد تنسخ بعد نزولها وترفع. والنسخ ~~الثالث: تحويله من كتاب إلى كتاب، وهو ما نسخ من أم الكتاب فأنزل على ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - (أو ننساها) أي نتركها في اللوح المحفوظ. ~~وقال بعضهم: لا يجوز النسخ فيما يرفع كله بعد نزوله لأن الله تعالى قال # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون # [الحجر: 9] وقال # إن علينا جمعه وقرءانه # [القيامة: 17] ولكن أكثر أهل العلم قالوا: يجوز ذلك والنسخ يجوز في ~~الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا يجوز في القصص والأخبار لأنه لو جاز ذلك ~~يكون كذبا، والكذب في القرآن لا يجوز. ثم قال تعالى { ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } من الناسخ والمنسوخ. ### || [2.107] # { ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ~~} يحكم فيهما ما يشاء بأمره ثم يأمر بغيره. قال الزجاج: الملك في اللغة: ~~هو تمام القدرة، وأصل هذا من قولهم ملكت العجين إذا بالغت في عجنه، ومعنى ~~الآية: إن الله يملك السموات والأرض وما فيهما، فهو أعلم لما يصلحهم فيما ~~يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغير متروك. وكان اليهود أعداء الله ~~ينكرون النسخ، وكانوا يقولون حين تحولت القبلة إلى الكعبة: لو كنتم على ~~الحق فلم رجعتم؟ ولو كان هذا الثاني حقا، فقد كنتم على الباطل وكانوا لا ~~يرون النسخ في الشرائع، لأن ذلك حال البداء والندامة. ولا يجوز ذلك على ~~الله. ولكن الجواب أن يقال: إن الله تعالى يدبر في أمره ms0078 ما يشاء كما أنه ~~خلق الخلق ولم يكونوا، ثم يميتهم بعد ذلك، ثم يحييهم كذلك يجوز أن يأمر ~~بأمر ثم يأمر بغير ذلك الأمر، كما أن شريعة موسى عليه السلام لم تكن من ~~قبل، فأمره بذلك، والمعنى في ذلك: أنه حين أمرهم بالأمر الأول كان الصلاح ~~في ذلك [الوقت في هذا الأمر] ثم إذا أمر بأمر آخر كان الصلاح في ذلك ~~الوقت في الأمر الثاني، وهذا المعنى قوله { ألم تعلم أن ~~الله له ملك السموات والأرض } يعني هو أعلم بأمر ~~الخلق، وبما يصلحهم في كل وقت. ثم بين الوعيد لمن لم يؤمن بالناسخ ~~والمنسوخ فقال { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير }: أي من قريب ينفعكم ولا نصير: أي ولا مانع يمنعكم من عذاب الله ~~تعالى. ### || [2.108] # { أم تريدون أن تسألوا رسولكم } قال مقاتل: معناه ~~أتريدون أن تسألوا رسولكم { كما سئل موسى من قبل } أي كما ~~سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام حيث قالوا: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. ويقال: إن اليهود سألوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن يطلبوا القربان كما كان لموسى عليه السلام. وروي عن الضحاك ~~أنه قال: دخل جماعة من كفار قريش فيهم أبو جهل وغيره، فقالوا لرسول الله: ~~إن كنت نبيا فاكشف عنا الغطاء حتى نرى الله جهرة، فنزلت الآية { أم ~~تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل } حيث قالوا: { أرنا الله جهرة } ثم قال { ومن ~~يتبدل الكفر بالإيمن } أي يختار الكفر على الإيمان { ~~فقد ضل سواء السبيل } (أي أخطأ قصد السبيل وهو الطريق) ~~الهدى. ### || [2.109] # قوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتب } وذلك أن ~~المسلمين لما أصابتهم المحنة يوم أحد قالت اليهود لعمار بن ياسر وحذيفة ~~بن اليمان: قد أصابكم ما أصابكم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، فنزلت ~~هذه الآية] { ود كثير من أهل الكتب } أي يريد ويتمنى ~~كثير من أهل الكتاب { لو يردونكم } أي [يصدونكم ويردونكم] عن ~~التوحيد { من بعد إيمنكم كفارا } إلى الكفر. ثم أخبر أن ms0079 ~~هذا القول لم يكن منهم على وجه النصيحة، ولكن ذلك القول كان { حسدا ~~[من عند أنفسهم] من بعد ما تبين لهم } ما في ~~التوراة أنه { الحق } يعني أن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق { ~~فاعفوا واصفحوا } أي: اتركوهم وأعرضوا عنهم { حتى يأتى ~~الله بأمره } يعني الأمر بالقتال، وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتال ~~أهل الكتاب، ثم أمرهم بعد ذلك بالقتال، وهو قوله تعالى # قتلوا الذين لا يؤمنون بالله... # إلى قوله [التوبة: 29]. # من الذين أوتوا الكتب # [التوبة: 29]. { إن الله على كل شىء قدير } من النصرة ~~للمسلمين على الكفار. ويقال: هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. ### || [2.110] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة } أي أقروا بالصلاة وأدوها في ~~مواقيتها بركوعها وسجودها وخشوعها { وآتوا الزكاة } أي وأعطوا ~~الزكاة المفروضة { وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله } أي ما تصدقتم من [صدقة وعملتم] من العمل ~~الصالح تجدوه عند الله محفوظا يجزيكم به. ونظير هذا ما قال في آية أخرى # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30]، وقال في آية أخرى # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]. وروي أنه مكتوب في بعض الكتب: يا بني آدم، ضع كنزك عندي ~~لا سرق ولا حرق ولا فساد، تجده حين تكون أحوج إليه، ثم قال تعالى { إن ~~الله بما تعملون بصير } يعني عالم بأعمالكم يجازيكم بالخير ~~خيرا وبالشر شرا. ### || [2.111-112] # { وقالوا } يعني اليهود والنصارى وهم يهود أهل المدينة ونصارى أهل ~~نجران { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصرى } واليهود جماعة الهائد، وإنما أراد به اليهود. وهذا من جوامع ~~الكلم وهذا كلام على وجه الاختصار، فكأنه يقول: وقالت اليهود: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان يهوديا. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصرانيا. قال الله تعالى ردا لقولهم { تلك أمانيهم } أي ظنهم ~~وأباطيلهم. وهذا كما يقال للذي يدعي مالا يبرهن عليه، إنما أنت متمن ~~وإنما يراد به: إنك مبطل في قولك، ثم قال تعالى { قل هاتوا ~~برهنكم } أي ms0080 حجتكم من التوراة أو من الإنجيل { إن كنتم ~~صدقين } أي بأن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديا أو نصرانيا { ~~بلى من أسلم وجهه لله } معناه بل يدخل الجنة غيركم، من ~~أسلم وجهه لله، أي من أخلص دينه لله وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~وهو محسن } في عمله { فله أجره عند ربه } أي ثوابه في ~~الجنة { ولا خوف عليهم } من العذاب حين يخاف أهل النار، { ~~ولا هم يحزنون } حين يحزن أهل النار. ويقال: ولا هم يحزنون على ~~ما (فاتهم) من أمر الدنيا. ويقال: الخوف إنما يستعمل في المستأنف، والحزن ~~في الماضي، كما قال الله تعالى # لكيلا تأسوا على ما فاتكم # [الحديد: 23] ويقال: الخوف ثلاثة: خوف الأبد، وخوف العذاب على الانقطاع ~~وخوف الحشر والحساب. فأما خوف الأبد فيكون أمنا للمسلمين، وخوف العذاب ~~على الانقطاع يكون أمنا للتائبين، وخوف الحشر والحساب يكون أمنا ~~للمحسنين. (والمحسنون) يكونون آمنين من ذلك. ### || [2.113] # قوله تعالى { وقالت اليهود ليست النصرى على ~~شىء، وقالت النصرى ليست اليهود على شىء } من ~~أمر الدين وروي عن ابن عباس أنه قال: صدقوا ولو حلفوا على ذلك ما حنثوا ~~لأن كل فريق منهم ليس على شيء. { وهم يتلون الكتب } أي ~~عندهم ما يخرجهم من ذلك الاختلاف أن لو نظروا فيه وقال الزجاج: معناه، ~~كلا الفريقين يتلون الكتاب وبينهم هذا الاختلاف. فدل ذلك على ضلالتهم { ~~كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم } أي الذين ~~ليسوا من أهل الكتاب قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا { ~~فالله يحكم بينهم يوم القيمة } يعني أنه يريهم من ~~يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا ويبين لهم الصواب { فيما ~~كانوا فيه يختلفون } أي في الدنيا. ### || [2.114] # { ومن أظلم ممن منع مسجد الله } قال في رواية ~~الكلبي معناه ومن أكفر. وقال بعضهم: هذا التفسير غير سديد، لأن الكفر كله ~~سواء. ولكن معنى قول الكلبي ومن أكفر يعني من أشد في كفره، لأن الكفار ~~وإن كانوا كلهم في الكفر سواء فربما يكون بعضهم في كفره ms0081 أشد شرا من ~~غيره. قال الكلبي: نزلت هذه الآية في شأن ططوس بن أسفيانوس الرومي، حيث ~~خرب بيت المقدس وألقى فيه الجيفة، فكان خرابا إلى زمن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه وذلك قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع ~~مسجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ~~أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خآئفين } فلم ~~يدخلها بعد عمارتها رومي إلا خائفا ومستخفيا لو علم أنه رومي قتل. [قال ~~قتادة: هم النصارى. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى] ويقال: من أراد أن ~~يكون ملكا عليهم لا يمكنه ذلك ما لم يكن دخل مسجد بيت المقدس، فيجيء ~~ويدخله مستخفيا. ثم قال عز وجل: { لهم فى الدنيا خزى } أي ~~بفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينة وعمورية وأرمينية. وقال بعضهم: لنزول هذه ~~الآية سبب آخر، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج عام ~~الحديبية إلى مكة، ومنعه أهل مكة فرجع، ولم يدخلها في تلك السنة، فنزلت ~~هذه الآية: { ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها } أي سعى ومنع المسلمين ~~عن الصلاة، وذكر الله فيها لأن عمارة المسجد بالصلاة، وذكر الله فيها ~~وخرابها في ترك ذلك. { أولئك ما كان لهم أن يدخلوها ~~إلا خائفين } بعد فتح مكة فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ~~إلا [خائفين]، { لهم في الدنيا خزي } وهو فتح مكة، { ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم } لمن مات على كفره وقتل. وروى الزجاج عن ~~بعض أهل العلم قال: نزلت في شأن جميع الكفار لأن الكفار كانوا يقاتلون ~~المسلمين ويمنعونهم من الصلاة فقد منعوا المسلمين [من الصلاة في] جميع ~~المساجد لأن الأرض كلها جعلت مسجدا وطهورا. ومعناه ومن أظلم ممن خالف ~~ملة الإسلام. قال: ومعنى قوله { أولئك ما كان لهم أن ~~يدخلوها إلا خائفين } يعني دار الإسلام [ولهم في الدنيا خزي ~~وظهور] الإسلام على سائر الأديان لقوله تعالى: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33 وغيرها]. ### || [2.115] # قوله عز وجل: { ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله ms0082 } قد اختلفوا في سبب نزول هذه الآية. ~~روي عن ابن عباس أنه قال: خرج رهط في سفر من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأصابهم الضباب، فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى ~~المغرب، فلما طلعت الشمس وذهب الضباب، استبان لهم ذلك، فلما قدموا على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -سألوه عن ذلك؛ فنزلت هذه الآية { ~~ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم ~~وجه الله } يعني أينما تولوا وجوهكم في الصلاة فثم وجه الله [قال ~~بعضهم: فثم قبلة الله]. ويقال يعني: فثم رضا الله. ويقال: فثم ملك الله. ~~وروي عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن قوما خرجوا إلى السفر وذكر ~~القصة نحو هذا. وقال بعضهم: المراد به الصلاة على الدابة. [قال الفقيه]: ~~حدثنا محمد بن سعيد المروزي قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا علي ~~بن شيبة قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي على راحلته التطوع حيث ما توجهت به وهو جاء من ~~مكة، ثم قرأ ابن عمر { ولله المشرق والمغرب فأينما ~~تولوا فثم وجه الله } قال ابن عمر: في هذا نزلت هذه ~~الآية. وقال بعضهم: لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يصلي إلى بيت المقدس فلما أمر بالتحول إلى الكعبة، قالت ~~اليهود: مرة تصلون هكذا، ومرة تصلون هكذا، فنزلت هذه الآية: { ولله ~~المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله } ثم قال { إن الله وسع عليم } أي الواسع الجواد ~~المحسن الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل عليم بصلواتكم. ويقال: الواسع ~~الغني عن صلاة الخلق، وإنما يطلب منهم النية الخالصة عليم بنياتكم. ~~ويقال: واسع يعني يوسع عليكم أمر الشرائع، ولم يضيق عليكم الأمر. ويقال: ~~واسع، يعني واسع الفضل. وقال الزجاج: معنى قوله: { فثم وجه ~~الله } أي اقصدوا وجه الله بنيتكم القبلة كقوله # وحيث ما ms0083 كنتم فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144]. ### || [2.116-117] # قوله { وقالوا اتخذ الله ولدا } قرأ ابن عامر ومن تابعه ~~من أهل الشام (قالوا) بغير واو. وقرأ الباقون بالواو، ومعناهما واحد [إلا ~~أن] الواو للعطف وذلك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى: ~~المسيح ابن الله. وقال بعض المشركين: الملائكة بنات الله. [قال الله ~~تعالى] { سبحنه } نزه نفسه عن الولد { بل له ما في ~~السموات والأرض } كلهم عبيده { كل له قنتون } ~~يعني به المؤمنين خاصة أي مطيعين مقرين بالعبودية له موحدين مجيبين ~~للطاعة. وقد قيل: إن لفظ الآية عام والمراد به الخاص. قوله تعالى { كل ~~له قنتون } يعني به المؤمنين خاصة. ويقال معناه: أثر صنعه ~~وشواهد توحيده ودلائل ربوبيته في جميع ما في السموات والأرض موجود. ~~ويقال: { كل له قنتون } أي لا يستطيع كل خلق أن يغير نفسه عن ~~خلقته، فأخبر الله تعالى أن جميع ما في السموات والأرض له وهو خالق ~~الأشياء وهو المستغني عن الولد سبحانه وتعالى. # { بديع السموات والأرض } أي خالقهما. والإبداع في اللغة: ~~إنشاء شيء لم يسبق إليه على غير مثال ولا مشورة. وإنما قيل لمن خالف ~~السنة: مبتدع، لأنه أتى بشيء لم يسبقه إليه الصحابة ولا التابعون. ومعناه ~~هو خالق السموات والأرض { وإذا قضى أمرا } يعني إذا أراد أن ~~يخلق خلقا { فإنما يقول له كن فيكون } ويقال: هذه الآية ~~نزلت في شأن وفد نجران السيد والعاقب وغيرهما. وكانوا يقولون للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: هل رأيت خلقا من غير أب؟ فنزلت هذه الآية: { وإذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } كما كان آدم من ~~غير أب وأم، كذا عيسى ابن مريم خلقه بغير أب. فإن قيل: قوله { كن } ~~هذا الخطاب للموجود أو للمعدوم؟ فإن قال: للمعدوم. قيل له: كيف يصح ~~الخطاب لشيء معدوم؟ وكيف يصح الإشارة إليه بقوله { كن }؟ فإن قال: ~~الخطاب للموجود. قيل له: كيف يأمر الشيء الكائن بالكون: فالجواب عن هذا ~~من وجهين: أحدهما: إن الأشياء كلها كانت موجودة في علم الله تعالى قبل ~~كونها ms0084 فكان الخطاب للموجود في علمه -. وجواب آخر: إن معناه إذا قضى أمرا ~~فإنما يقول له: كن فيكون يعني إذا أراد أن يخلق خلقا يخلقه، والقول فيه ~~على وجه المجاز. قرأ ابن عامر (فيكون) بالنصب لأنه جواب الأمر بالفاء، ~~وقرأ الباقون بالرفع على معنى الاستئناف بمعنى فهو يكون. ### || [2.118] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون } أي لا يعلمون توحيد ~~الله تعالى، ومعناه: وقال الجهال من الناس - وهم الكفار - { لولا ~~يكلمنا الله } أي هلا يكلمنا الله فيخبرنا بأنك رسوله { أو ~~تأتينآ آية } أي علامة لنبوتك. قال الله تعالى { كذلك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم } أي قال اليهود لموسى عليه ~~السلام: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. { تشبهت قلوبهم } أي في القسوة والكفر. ~~ويقال: تشابهت كلمتهم كما تشابهت قلوبهم [في القسوة والكفر] { قد ~~بينا الآيت } يعني أمرك في التوراة أي العلامات لنبوتك إنك نبي ~~مرسل الصفة والنعت. ويقال: قد بينا العلامات لنبوتك. ويقال: لم يكن لنبي ~~من الأنبياء معجزة وعلامة إلا وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مثلها { لقوم يوقنون } يعني مؤمني أهل التوراة. ويقال: من كان له ~~عقل وتمييز. ### || [2.119-120] # قوله تعالى { إنا أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا } ~~أي بالقرآن ويقال بالحق يعني بالدعوة إلى الحق ويقال: بالحق أي لأجل ~~الحق. ويقال: أي بالدعوة إلى الحق. ويقال: ببيان الحق { بشيرا ~~ونذيرا ولا تسئل عن أصحب الجحيم } قرأ نافع (ولا ~~تسأل) بنصب التاء وجزم اللام، والباقون بضم التاء واللام. فمن قرأ بالرفع ~~فمعناه أنك إذا بلغت الرسالة فإنك قد فعلت ما عليك ولا تسأل عن أصحاب ~~الجحيم فيما فعلوا وهذا كما قال في آية أخرى: # فإنما عليك البلغ وعلينا الحساب # [الرعد: 4] وأما ومن قرأ بالنصب فهو على معنى النهي أي لا تسأل عن أصحاب ~~الجحيم أي عما فعلوا. قال القاضي الخليل بن أحمد: أخبرنا الديلمي قال ~~أخبرنا أبو عبيد الله قال: حدثنا سفيان عن موسى بن عبيدة الربذي عن محمد ~~بن كعب القرظي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " ليت شعري ما ms0085 فعل بأبوي " # فنزلت هذه الآية { إنا أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا ~~ولا تسئل عن أصحب الجحيم } الآية. قوله تعالى { ولن ~~ترضى عنك اليهود ولا النصرى } يعني أهل المدينة ~~ونصارى أهل نجران { حتى تتبع ملتهم } أي تصلي إلى قبلتهم ~~{ قل إن هدى الله هو الهدى } يعني إن قبلة الله هي ~~الكعبة { ولئن اتبعت أهواءهم } أي صليت إلى قبلتهم { بعد ~~الذي جاءك من العلم } [أي من بعد ما ظهر لك: أن القبلة هي ~~الكعبة] { ما لك من الله من ولي } ينفعك { ولا نصير } ~~أي مانعا يمنعك. ويقال: معناه { ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصرى حتى تتبع ملتهم }. أي حتى تدخل في دينهم، ~~وذلك أن الكفار كانوا يطلبون الصلح، [وكان يرى] أنهم يسلمون فأخبره الله ~~تعالى. أنهم لا يسلمون، ولن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فنهاه الله عن ~~الركون إلى شيء مما يدعونه إليه. فقال تعالى { قل إن هدى الله ~~هو الهدى } يعني دين الله هو دين الإسلام. { ولئن اتبعت ~~أهواءهم } وهذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد منه ~~أمته. أي لئن اتبعت دينهم بعد ما جاءك من العلم، أي بعد ما ظهر أن دين ~~الإسلام هو الحق { ما لك من الله } أي من عذاب الله { من ~~ولي } ينفعك { ولا نصير } أي مانع يمنعك منه. ### || [2.121] # قوله تعالى: { الذين آتينهم الكتب يتلونه حق ~~تلاوته } يعني مؤمني أهل الكتاب يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم. ~~قال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه. وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود قال: ~~والله إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأ حق قراءته كما أنزل ~~الله تعالى: ولا يحرف عن مواضعه. ويقال: يقرأونه حق قراءته. { ~~أولئك يؤمنون به } أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~ويصدقونه { ومن يكفر به } أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويقال: بالقرآن { فأولئك هم الخسرون } وهو كعب بن ~~الاشراف وأصحابه ويقال: نزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب وهم اثنان ~~وثلاثون رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة وكانوا ms0086 يتبعون ~~القرآن حق اتباعه. ### || [2.122-123] # قوله تعالى: { يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العلمين. ~~واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفعة ولا هم ~~ينصرون } قد ذكرناها من قبل. ### || [2.124] # قوله تعالى: { وإذ ابتلى إبرهيم ربه بكلمت } قرأ ~~ابن عامر (أبراهام) وروي عنه أنه قرأ (أبرهم) وهي لغة بعض العرب وقرأ ~~غيره (إبراهيم) في جميع القرآن وهي اللغة المعروفة وهو اسم أعجمي ولهذا ~~لا ينصرف. وروي عن ابن عباس أنه قال: أمر الله تعالى إبراهيم بعشر خصال ~~من السنن خمس في الرأس، وخمس في الجسد، وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحو هذا. حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن الفضل البلخي قال: حدثنا ~~أبو بشر محمود بن مهدي، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن الحجاج بن أرطأة عن ~~عطاء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " عشر مما علمهن وعمل بهن أبوكم إبراهيم عليه السلام: خمس في الرأس، ~~وخمس في الجسد، فأما التي في الرأس: فالسواك، والمضمضة والاستنشاق وقص ~~الشارب وإعفاء اللحية، وأما التي في الجسد فالختان والاستحداد والاستنجاء ~~ونتف الإبط، وقص الأظفار " # ويقال: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات أي اختبره والاختبار من الله تعالى ~~أن يظهر حاله ليستوجب الثواب لأن الله تعالى لا يعطي الثواب والعقاب بما ~~يعلم ما لم يظهر منه ما يستوجب الثواب والعقاب، كما علم من إبليس الكفر، ~~ولم يلعنه ما لم يختبره ويظهر منه ما يستوجب به اللعنة والعقوبة - وقوله ~~عز وجل { فأتمهن } يعني عمل بهن. ويقال: كان إبراهيم أفضل الناس ~~في زمانه وكرم على الله تعالى فابتلاه الله عز وجل بخصال لم يبتل بها ~~غيره، فكان من الابتلاء أن أمه ولدته في غار. ومن الابتلاء حيث نظر إلى ~~الكوكب فقال: هذا ربي. وروى الحسن أنه قال: كان الابتلاء بثلاثة أشياء: ~~أولها: الابتلاء بالكوكب والشمس والقمر، والثاني: بالنار، والثالث: بأمر ~~سارة. ويقال: كل من كان أكرم على الله كان [ابتلاؤه أشد]، لكي ms0087 يتبين فضله ~~ويستوجب الثواب. كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني الذهب ~~والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلايا { فأتمهن } أي ~~عمل بهن. ويقال: { فأتمهن } أي وفى بهن، فلما وفى الأمر جعله ~~الله تعالى إماما للناس [ليقتدوا] به. وفي هذا دليل: أن الإنسان لا يبلغ ~~درجة الأخيار إلا بالتعب وجهد النفس، فلما جعله الله تعالى إماما { ~~قال } له { إني جعلك للناس إماما } والإمام الذي يؤتم ~~به فأعجبه ذلك، وتمنى أن يكون ذلك لذريته بعده مثل ذلك، ف { قال }: { ~~ومن ذريتي } يعني اجعلهم أئمة يقتدى بهم { قال لا ينال ~~عهدي الظلمين } يعني الكافرين، يعني لا يصلح أن يكون الكافر ~~إماما للناس. ويقال: لا تصيب رحمتي الكافرين. فالله تعالى أخبره أنه ~~يكون في ذريته كفار وأخبره أنه لا ينال عهده من كان كافرا. قرأ حمزة ~~وعاصم في رواية حفص: { لا ينال عهدي الظلمين } أي الكافرين ~~يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماما للناس ويقال لا تصيب الرحمة الكافر ~~فالله تعالى أخبره أنه يكون في ذنبه وأخبره أنه لا ينال عهده من كفر وكان ~~كافرا قرأ حمزة وعاصم رواية حفص (لا ينال عهدي) بسكون الياء. وقرأ ~~الباقون بنصب الياء عهدي الظالمين وهما لغتان ومعناهما واحد. ### || [2.125] # قوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا } يقول: وضعنا البيت، يعني الكعبة معادا لهم يعودون إليه مرة ~~بعد مرة. وقال قتادة: مجمعا للناس يثوبون إليه من كل جهة وفي كل سنة فلا ~~يقضون منها وطرا. { وأمنا } أي جعلناه أمنا لمن التجأ إليه. يعني ~~من وجب عليه القصاص. ولهذا قالوا لو أن رجلا وجب عليه القصاص فدخل الحرم ~~لا يقتص منه في الحرم. وهكذا روي عن ابن عمر أنه قال: لو وجدت قاتل عمر ~~في الحرم، ما هيجته أي ما أزعجته ولكن يمنع منه المنافع حتى يضطر ويخرج ~~فيقتص منه. ويقال: آمنا لغير الممتحنين، وهي الصيود إذا دخلت الحرم ~~أمنت. ويقال: آمنا من الجذام، ثم قال تعالى { واتخذوا من ~~مقام إبرهيم مصلى } قرأ نافع وابن ms0088 عامر { واتخذوا } ~~بفتح الخاء على وجه الخبر معناه: جعلنا البيت مثابة للناس فاتخذوه مصلى. ~~وقرأ الباقون بكسر الخاء على معنى الأمر قال: حدثنا الخليل بن أحمد قال: ~~حدثنا الديلمي قال: حدثنا أبو عبيد الله قال: حدثنا سفيان عن زكريا بن ~~أبي زائدة عمن حدثه عن عمر بن الخطاب قال: # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بالبيت يوم الفتح، فلما ~~فرغ من طوافه أتى المقام فقال: هذا مقام أبينا إبراهيم، فقال ~~عمر: أفلا تتخذه مصلى يا رسول الله، فأنزل الله تعالى { واتخذوا ~~من مقام إبرهيم مصلى } " # ويقال: المسجد الحرام كله مقام إبراهيم - عليه السلام - هكذا روي عن ~~مجاهد وعطاء. وقوله تعالى { وعهدنا إلى إبرهيم ~~وإسمعيل } أي أمرنا إبراهيم وإسماعيل { أن طهرا بيتي } ~~أي مسجدي من الأوثان، ويقال: من جميع النجاسات ثم قال { للطائفين } ~~أي طهرا المسجد من الأوثان والنجاسات لأجل الطائفين الذين يطوفون بالبيت ~~وهم الغرباء { والعكفين } وهم أهل الحرم المقيمون بمكة من أهله ~~وغيرهم { والركع السجود } أي أهل الصلاة من كل جهة من الآفاق. ~~قرأ نافع وعاصم في رواية حفص (طهرا بيتي) بنصب الياء وقرأ الباقون بسكون ~~الياء. ### || [2.126] # قوله تعالى { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا بلدا ~~آمنا } يعني الحرم { وارزق أهله من الثمرت } فاستجاب ~~الله تعالى دعاءه فتحمل الثمار إلى مكة من كل جهة، فيوجد فيها في كل وقت ~~من كل نوع واشترط إبراهيم في دعائه فقال { من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر } وإنما اشترط هذا الشرط، لأنه قد سأل ربه الإمامة ~~لذريته، فلم يستجب له في الظالمين، فخشي إبراهيم أن يكون أمر الرزق هكذا، ~~فسأل الرزق للمؤمنين خاصة، فأخبره الله تعالى: أنه يرزق الكافر والمؤمن، ~~وأن أمر الرزق ليس كأمر الإمامة. قالوا: لأن الأمامة فضل، والرزق عدل، ~~فالله تعالى يعطي بفضله من يشاء من عباده من كان أهلا لذلك وعد له لجميع ~~الناس لأنهم عباده، وإن كانوا كفارا. فذلك قوله تعالى { قال ومن ~~كفر فأمتعه قليلا } قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام ~~(فأمتعه) ms0089 بالتخفيف من أمتعت وقرأ الباقون بالتشديد من متعت. يعني سأرزقه ~~في الدنيا يسيرا { ثم أضطره } أي مصيره، ويقال: ملجأه { إلى ~~عذاب النار وبئس المصير } صاروا إليه. ### || [2.127-129] # { وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت } يعني يبني ~~إبراهيم القواعد، يعني أساس البيت، أي الكعبة. والقواعد جماعة واحدها ~~قاعدة { وإسمعيل } يعني إسماعيل يعينه. قال مقاتل: وفي الآية ~~تقديم وتأخير، معناه وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت. ويقال: ~~إن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يعينه، والملائكة يناولون الحجر من ~~إسماعيل، وكانوا ينقلون الحجر من خمسة أجبل: طور سيناء وطور زيتاء، ~~والجودي، ولبنان، وحراء. فلما فرغا من البناء، قالا { ربنا تقبل ~~منا } يعني أعمالنا { إنك أنت السميع العليم } أي ~~السميع لدعائنا بنياتنا. وفي الآية دليل: أن الإنسان إذا عمل خيرا ينبغي ~~أن يدعو الله بالقبول ويقال: ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل ~~بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل لأن الله تعالى قال # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. وروي في الخبر أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لما ~~فرغا من البناء جثيا على الركب وتضرعا وسألا القبول فقال جبريل لإبراهيم: ~~قد أجيب لك، فاسأل شيئا آخر فقالا { ربنا واجعلنا مسلمين ~~لك } أي مخلصين لك. ويقال: واجعلنا مثبتين على الإسلام ويقال مطيعين لك ~~ويقال أمتنا على الإسلام { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ~~} أي اجعل بعض ذريتنا من يخلص لك، ويثبت على الإسلام ثم قال { وأرنا ~~مناسكنا } أي علمنا أمور مناسكنا. وقال القتبي: الرؤية المعاينة ~~كقوله عز وجل: # ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]، وقوله: # وإذا رأيت ثم رأيت # [الإنسان: 20]. ويقال تذكر الرؤية ويراد بها العلم. كقوله تعالى: # أولم ير الذين كفروا # [الأنبياء: 30] وكقوله { أرنا مناسكنا }: أي [عملنا]. وكقوله { ~~لتحكم بين الناس بما أراك الله }. قرأ ابن كثير ومن ~~تابعه من أهل مكة (وأرنا) بجزم الراء في جميع القرآن، والباقون بكسر ~~الراء، وهما لغتان والكسر أظهر وأفصح. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح { ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك } أي مطيعين وموحدين ms0090 { ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك } أي جماعة موحدة مطيعة لك. ~~ويقال: أشكل عليهما موضع البيت، فبعث الله تعالى سحابة فقالت له: ابن ~~بخيالي، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت بحيال السحابة. ثم قال تعالى { ~~وأرنا مناسكنا } { وتب علينا } أي تجاوز عنا الزلة { ~~إنك أنت التواب الرحيم } بعبادك. { ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم } { يتلوا عليهم آيتك } قال ~~مقاتل: لأن إبراهيم علم أن في ذريته من يكون كفارا، فسأل الله تعالى أن ~~يبعث فيهم رسولا فقال { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلوا عليهم آيتك } [يعني القرآن] { ويعلمهم ~~الكتب } أي القرآن { والحكمة } أي مواعظ القرآن من الحلال ~~والحرام. ويقال: علم التفسير. { ويزكيهم } أي يطهرهم من الكفر ~~والشرك. ويقال: يأمرهم بالزكاة ليطهر أموالهم. قال مقاتل: استجاب الله ~~دعاءه في سورة الجمعة. وهو قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم ءايته ويزكيهم ويعلمهم الكتب ~~والحكمة # [الجمعة: 2] وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى - عليهما السلام - " # وهي قوله: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] ثم قال تعالى: { إنك أنت العزيز الحكيم } أي ~~المنيع الذي لا يغلبه شيء ويقال: العزيز الذي لا يعجزه شيء عما أراد. ~~ويقال: العزيز بالنقمة، ينتقم ممن عصاه متى شاء، الحكيم في أمره الذي ~~يكون عمله موافقا للعلم. ### || [2.130] # قوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبرهيم } يقول: عن سنته ~~ودينه وهو الإسلام. ويقال لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التقريع والتوبيخ، ~~{ ومن } ها هنا بمعنى (ما) فكأنه يقول: وما يرغب عن دين إبراهيم { ~~إلا من سفه نفسه } قال أبو عبيدة: إلا من أهلك نفسه. وقال ~~الأخفش: معناه إلا من سفه من نفسه. هذا كما قال في آية أخرى # ولا تعزموا عقدة النكاح # [البقرة: 235] أي على عقدة النكاح. ويقال: إلا من جهل أمر نفسه، فلا ~~يتفكر فيه كما قال في آية أخرى # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]، قال الكلبي ومن يرغب عن دين إبراهيم الإسلام والحج ~~والطواف إلا من خسر نفسه. ثم: { ولقد ms0091 اصطفينه في الدنيا ~~} يقول: اخترناه في الدنيا للنبوة والرسالة والإسلام والخلة { وإنه ~~فى الآخرة لمن الصلحين } أي في الجنة. ويقال: مع الصالحين ~~في الجنة وهو أفضل الصالحين ما خلا محمدا - صلى الله عليه وسلم -. ### || [2.131-132] # { إذ قال له ربه أسلم } قال ابن عباس: يعني أخلص. ويقال: ~~معناه قل لا إله إلا الله. ويقال: معناه استقم على ما أنت عليه. ويقال: ~~حين خرج من السرب، نظر إلى الكوكب والقمر والشمس فابتلي بذلك فألهمه الله ~~تعالى الإخلاص فقال # إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض # [الأنعام: 79] الآية. فهذا معنى قوله { أسلم } أي أخلص دينك لله ف ~~{ قال } إبراهيم - عليه السلام - { أسلمت لرب العلمين ~~} أي أخلصت ديني لرب العالمين ويقال: فوض امرك إلى الله فقال فوضت أمري ~~إلى الله { ووصى بها إبرهيم بنيه ويعقوب } أي بشهادة ~~أن لا إله إلا الله. قرأ نافع وابن عامر (وأوصى) وقرأ الباقون ~~(ووصى) وهو أبلغ من أوصى لأنه لا يكون إلا لمرات كثيرة. وقوله ~~[بها يرجع] إلى الملة، والملة هي السنة والمذهب. ويقال: انه جمع بنيه ~~عند موته لأنه خشي عليهم كيد إبليس فجمعهم وأوصاهم بأن يثبتوا على ~~الإسلام. قال مقاتل: { ووصى بها إبرهيم بنيه } الأربعة: ~~إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين، ثم أوصى بها يعقوب بنيه، وهم اثني عشر ~~ابنا وذلك حين دخل مصر فرآهم يعبدون الأصنام، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على ~~الاسلام وكانوا اثنا عشر ابنا: روبيل، وشمعون، يهوذا، ولاوى، ونفتال، ~~وريالون، ويشجر، ودان، [واشترفياحان، وحان]، ويوسف، وبنيامين. قال الله ~~تعالى { يبنى إن الله اصطفى لكم الدين } أي اختار ~~لكم دين الاسلام { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } يعني ~~اثبتوا على الإسلام وكونوا بحال لو أدرككم الموت يدرككم على الإسلام، ~~وأنتم مخلصون بالتوحيد. فقالت اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم : ألست ~~تعلم أن يعقوب - عليه السلام - يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية؟ ### || [2.133] # فأنزل الله تعالى { أم كنتم شهداء } يقول: أكنتم حضورا { إذ ~~} حين { حضر يعقوب الموت } معناه إنكم تدعون ذلك كأنكم كنتم ~~حضورا في ذلك الوقت يعني ms0092 أنكم تقولون ما لا علم لكم بذلك، والله تعالى ~~يخبر ويبين أن وصيته كانت بخلاف ما قالت اليهود وإنما لم ينصرف { ~~شهداء } لمكان ألف التأنيث في آخره، وإذا دخلت ألف التأنيث أو هاء ~~التأنيث في آخر الكلام فانه لا ينصرف. ثم قال تعالى { إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدى } أي من تعبدون بعد موتي. { ~~قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبرهيم } روي عن ~~الحسن البصري أنه قرأ (قالوا نعبد إلهك وإله أبيك إبراهيم). وقرأ غيره { ~~قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبرهيم ~~وإسمعيل وإسحق } وإسماعيل كان عم يعقوب، ولكن العم بمنزلة ~~الأب بدليل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " عم الرجل صنو أبيه " # ثم قال: { إلها وحدا } أي نعبد الها واحدا { ونحن له ~~مسلمون } أي مخلصون له بالتوحيد. ### || [2.134] # { تلك أمة قد خلت } أي جماعة قد مضت { لها ما كسبت } ~~أي جزاء ما عملت من خير أو شر { ولا تسئلون عما كانوا ~~يعملون } وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: نحن على دينهم، ~~فقال لهم { تلك أمة قد خلت } لا تقدرون عليهم فيشهدوا (لكم)، ~~فلهم ما عملوا وانما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ~~ينفعكم من أعمالهم شيء. ### || [2.135] # قوله تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا } ~~وذلك # " أن يهود المدينة ونصارى أهل نجران اختصموا فقال كل فريق: ديننا أصوب، ~~ونبينا أفضل فسألوا عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا أينا ~~أفضل؟ فقال لهم: " كلكم على الباطل " # ، فأعرضوا عنه [فنزلت هذه الآية] { وقالوا كونوا هودا أو ~~نصرى } يعني اليهود قالوا: كونوا على دين اليهود والنصارى قالوا: ~~كونوا على دين النصرانية تهتدوا من الضلالة. قال الله تعالى لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { قل } لهم { بل ملة إبرهيم حنيفا ~~وما كان من المشركين } وإنما نصب الملة على معنى: بل نتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا ويقال: معناه واتبعوا ملة ابراهيم وقال مقاتل: بل ~~الدين ملة ابراهيم حنيفا أي مخلصا. وقال القتبي: حنيفا أي مستقيما. ~~ويقال للأعرج حنيف ms0093 نظرا إلى السلامة، كما يقال للديغ: سليم، وللجبانة ~~مفازة، وإن كانت مهلكة. وقال الزجاج: أصل الحنف إذا كان أصابع الرجل ~~مقبلا بعضها إلى بعض إقبالا لا تنصرف عن ذلك أبدا، فكذلك كان إبراهيم ~~عليه السلام مقبلا على دين الإسلام، مائلا عن الأديان كلها { وما ~~كان من المشركين } ولكن كان على دين الإسلام. فقال أصحاب محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - كيف نقول حتى لا نكذب أحدا من الأنبياء. ### || [2.136-137] # فعلمهم الله عز وجل بقوله: { قولوا ءامنا بالله } أي صدقنا ~~بأنه واحد لا شريك له { وما أنزل إلينا } يقول: صدقنا بما أنزل ~~إلينا، أي بما أنزل على نبينا من القرآن { وما أنزل إلى ~~إبرهيم } يقول صدقنا بما أنزل على إبراهيم من الصحف. { و } ما أنزل ~~إلى { إسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط } وهم أولاد ~~يعقوب، كان له إثنا عشر ابنا، فصار أولاد كل واحد منهم سبطا، والسبط ~~بلغتهم بمنزلة القبيلة للعرب، وانما أنزل على أنبيائهم وكانوا يعملون به، ~~فأضاف إليهم، كما أنه أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - فأضاف إلى ~~أمته فقال { وما أنزل إلينا } فكذلك الأسباط أنزل على أنبيائهم ~~فأضاف اليهم لأنهم كانوا يعملون به. ثم قال تعالى { وما أوتي ~~موسى وعيسى } يعني التوراة والإنجيل { وما أوتي ~~النبيون من ربهم } يعني وما أنزل على الأنبياء من الله تعالى ~~وقد آمنا بجميع الأنبياء وبجميع الكتب { لا نفرق بين أحد ~~منهم } أي من رسله كما فرقت اليهود والنصارى { ونحن له ~~مسلمون } أي مخلصون له بالتوحيد. ثم قال تعالى للمؤمنين { فإن ~~ءامنوا } يعني اليهود والنصارى { بمثل ما ءامنتم به } يعني ~~به يا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - { فقد اهتدوا } من ~~الضلالة { وإن تولوا } أي: أعرضوا عن الإيمان بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وبجميع الأنبياء عليهم السلام { فإنما هم في شقاق ~~} يقول إنهم في خلاف من الدين. ويقال: في ضلال. والشقاق في اللغة: له ~~ثلاثة معان: أحدها: العداوة مثل قوله تعالى و # لا يجرمنكم شقاقى # [هود: 89]، والثاني: الخلاف مثل قوله # وإن خفتم شقاق بينهما # [النساء: ms0094 35]، والثالث: الضلالة مثل قوله # وإن الظلمين لفي شقاق بعيد # [الحج: 53]، { فسيكفيكهم الله } أي يدفع الله عنكم مؤنتهم. ~~وقال الزجاج: هذا ضمان من الله تعالى: النصر لنبيه، أنه سيكفيه إياهم ~~بإظهاره على كل دين سواه، كقوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة: 21] يعني أن عاقبة الأمر كانت لهم. قال مقاتل: يعني قتل بني ~~قريظة وإجلاء بني النضير. { وهو السميع العليم } بقولهم ~~للمؤمنين حيث قالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، العليم بعقوبتهم. ثم ~~فضل دين محمد - صلى الله عليه وسلم - على كل دين. ### || [2.138] # قال تعالى: { صبغة الله } أي: اتبعوا دين الله والزموه لا دين ~~اليهود والنصارى { ومن أحسن من الله صبغة } يعني، أي دين ~~أحسن من دين الله تعالى، وهو دين الإسلام { ونحن له عبدون } ~~أي موحدون مقرون، وذلك أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد غمروه في اليوم ~~السابع في ماء لهم، ليطهروه بذلك ويقولون: هذا طهور مكان الختان، وهم صنف ~~من النصارى يقال لهم: المعمودية. قال الله تعالى: { ومن أحسن من ~~الله صبغة ونحن له عبدون } أي مطيعون، ولنا الختان ~~طهور طهر الله به ابراهيم عليه السلام وروى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: ختن إبراهيم [عليه السلام نفسه بالقدوم] وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة والقدوم موضع بالشام ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. وقال القتبي: ~~هذا من الاستعارة حيث سمى الختان صبغة لأنهم كانوا يصبغون أولادهم في ~~ماء. قال الله تعالى: صبغة الله لا صبغة النصارى يعني اتبعوا دين الله ~~والزموا دين الله. ### || [2.139] # ثم قال الله تعالى: { قل } يا محمد ليهود أهل المدينة والنصارى أهل ~~نجران { أتحاجوننا في الله } يعني أتخاصموننا في دين الله، ~~ونحن نوحد الله وقال الزجاج: نزلت هذه الآية في اليهود [والذين] [كانوا] ~~يظاهرون المشركين فقال: أنتم تقولون: أنكم توحدون الله ونحن نوحد الله ~~تعالى، فلم تظاهرون علينا من لا يوحد الله تعالى { وهو ربنا ~~وربكم ولنا أعملنا } أي ثواب أعمالنا { ولكم } ثواب ~~{ أعملكم ونحن له مخلصون } أي مقرون له ms0095 بالوحدانية ~~مخلصون له بالعبادة. ### || [2.140] # { أم تقولون } قرأ الكسائي وعاصم وحمزة في رواية حفص (أم تقولون) ~~بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون: بالياء (أم يقولون) [على معنى ~~المغايبة]. { إن إبرهيم وإسمعيل وإسحق ~~ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى } يعني إن ~~تعلقتم أيضا بدين الأنبياء فنحن على دينهم، وقد آمنا بجميع الأنبياء، فان ~~ادعيتم أن الأنبياء كانوا على دين اليهودية أو النصرانية وإسحق ويعقوب ~~والأسباط كانوا هودا أو نصارى { قل ءأنتم أعلم أم الله } ~~فالله تعالى أخبر أنهم كانوا على دين الاسلام، وقد بين ذلك في كتبهم حيث ~~قال: { ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من الله ~~} لأن الله تعالى قد أخذ عليهم الميثاق بأن يبينوه فكتموه قال الله ~~تعالى: { وما الله بغفل عما تعملون } أي لا يخفى على ~~الله من عملهم شيء فيجازيهم بذلك. ويقال: هذا القول وعيد للظالم وتعزية ~~للمظلوم. ### || [2.141] # ثم قال تعالى { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون } وقد ~~ذكرنا تفسيرها. ### || [2.142] # قوله { سيقول السفهاء من الناس } يعني الجهال وهم اليهود ~~والمنافقون. ويقال: هم أهل مكة { ما ولهم } أي يقولوا: ما الذي ~~صرفهم { عن قبلتهم التي كانوا عليها } يعني التي صلوا ~~إليها من قبل، وذلك أن الأنصار قبل قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بسنتين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- المدينة صلى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثم ~~أمر بالتحويل إلى مكة. فقال أهل مكة: رجع محمد إلى قبلتنا، فعن قريب يرجع ~~إلى ديننا فأنزل الله تعالى { قل لله المشرق والمغرب } ~~يقول: إن الصلاة إلى بيت المقدس والصلاة إلى الكعبة لله إذا كان بأمر ~~الله { يهدي من يشآء } أي يرشد من يشاء إلى قبلة الكعبة { إلى ~~صرط مستقيم } أي دينا يرضاه. روي عن أبي العالية الرياحي أنه ~~قال: رأيت مسجد صالح النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبلته إلى الكعبة. ~~قال: وكان موسى عليه السلام يصلي من ms0096 الصخرة إلى الكعبة، وهي قبلة ~~الأنبياء كلهم صلوات الله عليهم. ### || [2.143] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنكم أمة وسطا } والوسط هو ~~العدل كما قال تعالى في آية أخرى: # قال أوسطهم # [القلم: 28]، أي أخيرهم وأعدلهم والعرب تقول: فلان من أوسط قومه أي ~~خيارهم وأعدلهم ومنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هو أوسط قريش ~~حسبا. أي جعلناكم عدلا للخلائق. { لتكونوا شهداء على الناس ~~} يعني للنبيين { ويكون الرسول عليكم شهيدا } بالتصديق ~~لكم وذلك أن الله تعالى إذا جمع الخلق يوم القيامة فيسأل الأنبياء ~~عليهم السلام عن تبليغ الرسالة كقوله تعالى: # ليسأل الصدقين عن صدقهم # [الأحزاب: 8] فيقولون: قد بلغنا الرسالة، فتنكر أممهم تبليغ رسالته ~~فتشهد لهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ الرسالة فتطعن الأمم ~~في شهادتهم فيزكيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فذلك معنى قوله تعالى: ~~[ { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } ومعنى قوله { وكذلك } أي وكما [هديناكم] ~~للإسلام [والقبلة] الكعبة فكذلك جعلناكم أمة عدلا لتكونوا شهداء على ~~الناس. وللآية تأويل آخر: { وكذلك جعلنكم أمة وسطا } ~~أي عدلا، لتكونوا شهداء على الناس. يقول: إنكم حجة على جميع من خلقنا ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة عليكم. والشهادة في اللغة: هي ~~البيان فلهذا يسمى الشاهد بينة لأنه بين حق المدعي يعني أنكم تبينون لمن ~~بعدكم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبين لكم. قوله تعالى: { وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليها } أي ما أمرناك بالصلاة ~~إلى القبلة الأولى ويقال: ما حولنا القبلة التي كنت عليها { إلا ~~لنعلم } يقول: إلا لنختبر ونبين { من يتبع الرسول } يطيع ~~الرسول في تحويل القبلة { ممن ينقلب على عقبيه } أي يرجع ~~إلى دينه بعد تحويل الله القبلة { وإن كانت لكبيرة } أي وقد ~~كانت لثقيلة وهو صرف القبلة { إلا على الذين هدى الله } أي ~~حفظ الله قلوبهم على الإسلام وأكرمهم باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~في تحويل القبلة وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول ~~الله فإخواننا الذين ماتوا ما صنع الله بصلاتهم التي صلوا ms0097 إلى بيت ~~المقدس؟ فأنزل الله تعالى: { وما كان الله ليضيع ~~إيمنكم } يعني لم يبطل إيمانكم وإنما تحولت قبلتكم. ويقال: يعني ~~صلاتهم إلى بيت المقدس التي صلوا إليها وماتوا عليها لأن اليهود قالوا: ~~قد بطل إيمانكم حين تركتم القبلة، فنزل { وما كان الله ليضيع ~~إيمنكم } يعني يبطل إيمانكم. قال الضحاك: يعني لم يبطل تصديقكم ~~بالقبلتين. ثم قال تعالى: { إن الله بالناس لرؤوف رحيم ~~} يعني بالمؤمنين رحيم حين قبلها منهم ولم يضيع إيمانهم. قرأ حمزة ~~والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: (لرؤف) بالهمزة على وزن ~~(رعف) وقرأ الباقون: (رؤوف) على وزن فعول في جميع القرآن وهما لغتان ~~ومعناهما واحد. ### || [2.144-145] # قوله تعالى: { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أي رفع ~~بصرك إلى السماء وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: # " وددت لو أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها " # ، وإنما أراد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء - عليهم السلام ~~- وذلك لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام فقال له جبريل: إنما أنا عبد ~~مثلك لا أملك شيئا (فاسأل) ربك فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يديم ~~النظر إلى السماء فأنزل الله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء } أي رفع بصرك إلى السماء { فلنولينك } أي فلنحولنك ~~ولنوجهنك في الصلاة { قبلة ترضاها } يعني تهواها أي تميل نفسك ~~إليها. فأمره الله تعالى بالتوجه فقال: { فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام } يعني نحوه وتلقاءه [ { وحيث ما كنتم ~~فولوا وجوهكم شطره } أي إلى الكعبة] ثم قال: { وإن ~~الذين أوتوا الكتب ليعلمون أنه الحق من ~~ربهم } يعني أن القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم - عليه ~~السلام - { وما الله بغفل عما يعملون } يعني جحودهم ~~القبلة إلى الكعبة فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ائتنا بعلامة ~~على تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى، فنزل قوله تعالى: { ولئن ~~أتيت الذين أوتوا الكتب } وهم اليهود والنصارى { بكل ~~ءاية } أي بكل علامة { ما تبعوا قبلتك } أي ما صلوا إلى ~~قبلتك { وما أنت بتابع قبلتهم } أي بمصل إلى ms0098 قبلتهم { ~~وما بعضهم بتابع قبلة بعض } يقال: معناه كيف ترجوا أن ~~يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضا. ثم قال: { ولئن ~~اتبعت أهواءهم } هذا الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمراد [منه] أمته يعني لئن صليت إلى قبلتهم أو اتبعت مذهبهم { من ~~بعد ما جاءك من العلم } أي البيان أن دين الإسلام هو الحق ~~والكعبة هي القبلة { إنك إذا لمن الظلمين } أي الضارين ~~بنفسك. ### || [2.146-147] # { الذين ءاتينهم الكتب } وهم مؤمنو أهل الكتاب { ~~يعرفونه } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بنعته وصفته { كما ~~يعرفون أبناءهم } بين الغلمان. قال عبد الله بن سلام والله إني ~~لأنا كنت أشد معرفة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني بإبني فقال له ~~عمر - رضي الله عنه -: وكيف ذلك يا ابن سلام؟ فقال: لأني أشهد أنه رسول ~~الله حقا وصدقا ويقينا وأنا لا أشهد بذلك على ابني لأني لا أدري ما ~~أحدثت النساء بعدي [فقال له: والله يا ابن سلام لقد صدقت أو أصبت] ثم قال ~~تعالى: { وإن فريقا منهم } يعني طائفة من اليهود { ~~ليكتمون الحق } في كتابهم { وهم يعلمون } أنه نبي ~~مرسل. قال مقاتل: إن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لم ~~تطوفون بالبيت المبني بالحجارة فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن الطواف بالبيت حق وإنه هو القبلة مكتوب في التوراة " # ، فجحدوا ذلك فنزل قوله تعالى: { الذين ءاتينهم الكتب ~~} يعني التوراة يعرفون أن البيت قبلة كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون ذلك في أمر القبلة. ثم قال تعالى: { الحق ~~من ربك } يا محمد إن الكعبة قبلة إبراهيم { فلا تكونن من ~~الممترين } أي من الشاكين. إنهم يعرفون أنها قبلة إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام -. ### || [2.148] # { ولكل وجهة } أي قبلة والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد أي ~~لكل ذي ملة قبلة { هو موليها } (أي مستقبلها). [وقيل: لكل دين ~~وملة قبلة هو مولها]. قرأ ابن عامر: (هو مولاها) والباقون بالكسر أي هو ~~بنفسه موليها [يعني الله مولاها] وقال مقاتل: لكل أهل ms0099 ملة قبلة هم ~~مستقبلوها يريدون بها [وجه] الله تعالى. { فاستبقوا الخيرات } ~~أي قال لهذا الأمة استبقوا بالطاعات وهذا كما قال في آية أخرى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا # [المائدة: 48]، أي جعلنا لكل قوم شريعة وسبيلا فإذا أخذوا بالسنة ~~والمنهاج [رضي عنهم] فأمر الله تعالى أهل هذه الشرائع أن يستبقوا الخيرات ~~في الأعمال الصالحة فقال تعالى { أينما تكونوا } في الأرض { ~~يأت بكم الله جميعا } يعني يقبض أرواحكم ويجمعكم يوم ~~القيامة. وقال مجاهد { ولكل وجهة هو موليها } أمر كل قوم ~~بأن يحولوا وجوههم إلى الكعبة. ويقال: ولكل أمة قبلكم قبلة أمرتهم بأن ~~يستقبلوها فاستبقوا الخيرات، يقول: بادروا الأمم [بالطاعات]. ثم قال ~~تعالى [ { أينما تكونوا } { يأت بكم الله } يعني يقبض ~~أرواحكم ويجمعكم يوم القيامة] { إن الله على كل شيء ~~قدير } أي هو قادر على جمعكم يوم القيامة. ### || [2.149-150] # ثم قال عز وجل: { ومن حيث خرجت } [يقول: حيث صليت] { فول ~~وجهك } بالصلاة { شطر المسجد الحرام } أي نحوه وتلقاءه، ~~{ وإنه للحق من ربك } يعني التوجه إلى الكعبة بالصلاة هو ~~الحق من ربك { وما الله بغفل عما تعملون } أي يجازيكم ~~بأعمالكم { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ~~لئلا يكون للناس } أي لكي لا يكون لليهود { عليكم ~~حجة } لأنهم يعلمون أن الكعبة هي القبلة فلا حجة لهم عليكم { إلا ~~الذين ظلموا منهم } أي إلا من ظلم باحتجاجه فيما وضح له كما ~~يقول الرجل لصاحبه: مالك على الحجة إلا أن تظلمني. وقال بعضهم: { إلا ~~الذين ظلموا } يعني ولا الذين ظلموا لا حجة لهم عليكم وذكر عن ~~أبي عبيدة أنه قال: { إلا الذين ظلموا } أي ولا الذين ظلموا ~~فهذا موضع واو العطف فكأنه قال: ليس للناس عليكم حجة ولا الذين ظلموا ~~منهم أي لا حجة لهم عليكم { فلا تخشوهم } أي بانصرافكم إلى ~~الكعبة { واخشوني } في تركها قرأ نافع في رواية ورش: (ليلا) بغير ~~همز. والباقون: (لئلا) بالهمز لأن أصله (لأن لا) وإنما أسقط نافع الهمزة ~~للتخفيف ثم قال تعالى: { ولأتم نعمتي عليكم ms0100 } بتحويل ~~القبلة وبإرسال الرسول { ولعلكم تهتدون } أي لكي تهتدوا من ~~الضلالة. ### || [2.151] # قوله تعالى: { كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } يعني ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - { يتلوا عليكم ءايتنا } أي ~~القرآن وقوله { منكم } أي من العرب. ويقال: آدمي مثلكم لأنه لو كان من ~~الملائكة لا يستطيعون النظر إليه فأرسل آدميا مثلكم يتلو عليكم القرآن { ~~ويزكيكم } قال الكلبي: ويصلحكم بالزكاة. وقال مقاتل: يطهركم من ~~الشرك والكفر. وقال الزجاج: خاطب به العرب أنه بعث رسولا منكم وأنتم ~~كنتم أهل الجاهلية لا تعلمون [الكتاب] والحكمة فكما أنعمت عليكم بالرسالة ~~فاذكروني بالتوحيد. ويقال قوله: (كما) وصل بما قبله ومعناه ولأتم نعمتي ~~عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا منكم. ويقال: وصل بما بعده ومعناه كما ~~أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم. { ويعلمكم ~~الكتب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون } فاعرفوا هذه النعمة. ### || [2.152] # { فاذكروني } [بالتوحيد] { أذكركم } [يقول: اذكروني بالطاعة ~~أذكركم بالمغفرة] فحق على الله أن يذكر [من ذكره فمن ذكره في طاعته ذكره ~~الله تعالى بخير ومن ذكر الله من أهل المعصية في معصية] ذكره الله ~~باللعنة وسوء الدار. ويقال: اذكروني في الرخاء أذكركم عند البلاء. ويقال: ~~اذكروني في [الضيق] أذكركم بالمخرج. ويقال: اذكروني في الخلاء أذكركم في ~~الملأ. ويقال: اذكروني في ملأ من الناس أذكركم في ملأ من الملائكة قال ~~الفقيه: [حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا ~~إبراهيم بن يوسف قال]: حدثنا محمد بن الفضيل الضبي عن الحصين عن مجاهد عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما اجتمع قوم يذكرون الله تعالى إلا ~~ذكرهم الله في ملأ أعز منهم وأكرم وما تفرق قوم من مجلس لا يذكرون الله ~~في مجلسهم إلا كانت حسرة عليهم يوم القيامة ويقال: اذكروني بالشكر، ~~أذكركم بالزيادة. ويقال: اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة ويقال: اذكروني ~~في الدنيا بالإخلاص أذكركم في الآخرة بالخلاص. ثم قال تعالى: { ~~واشكروا لي ولا تكفرون } [يعني اشكروا] نعمتي التي أرسلنا ~~فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ولا تجحدوا هذه النعمة. ms0101 ويقال: ~~النعمة في الحقيقة هي العلم وما سوى ذلك فهو تحويل من راحة إلى راحة وليس ~~بنعمة لأن الطعام إذا أكله الإنسان فبعد ساعة يطلب منه الفرج والثوب ~~الحسن ربما يمل منه إذا كان يؤذيه الحر أو البرد والعلم لا يمل منه ~~صاحبه، بل ربما يطلب له الزيادة فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة التي ~~بعث رسولا ليعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. ### || [2.153-154] # ثم قال عز وجل: { يآأيها الذين آمنوا } يعني صدقوا بتوحيد ~~الله تعالى وهذا نداء المدح وقد ذكرنا قبل هذا أن النداء على ست مراتب. ~~وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا سمعت الله يقول: { يآأيها ~~الذين آمنوا } فارع له بسمعك فإنه أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه { ~~استعينوا بالصبر والصلوة } يقول استعينوا بالصبر على ~~أداء الفرائض وبالصلاة خاصة. قال الزجاج: استعينوا بالصبر على ما أنتم ~~عليه وإن أصابكم مكروه. وقال مجاهد: استعينوا بالصبر أي بالصوم والصلاة. ~~وقال الضحاك: استعينوا بالصبر على صوم شهر رمضان وعلى الصلوات الخمس. ~~ويقال: الصبر هو الصبر بعينه. ذكر في هذه الآية الطاعة الظاهرة والطاعة ~~الباطنة فأمر بالصبر والصلاة لأنه ليس شيء من الطاعة الظاهرة أشد من ~~الصلاة على البدن لأنه يجتمع فيها أنواع الطاعات: الخضوع والإقبال ~~والسكون والتسبيح والقراءة فإذا تيسر عليه الصلاة تيسر عليه ما سوى ذلك ~~وليس شيء من الطاعات الباطنة أشد من الصبر على البدن فأمر الله بالصبر ~~والصلاة لأنه حسن. ثم قال: { إن الله مع الصبرين } فالله ~~تعالى مع كل أحد ولكن خص الصابرين لكي يعلموا أن الله سبحانه وتعالى يفرج ~~عنهم. قوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله ~~أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون } قال الضحاك: هم ~~النفر الذين قتلوا عند بئر معونة. وقال الكلبي: هم الذين قتلوا ببدر قتل ~~من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا [ثمانية من الأنصار وستة من ~~المهاجرين] وكان الناس يقولون: مات فلان ومات فلان، فأنزل الله تعالى: { ~~ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله: ms0102 أموات بل ~~أحياء } [لأنهم] في الحكم: كالأحياء لأنه يجري ثوابهم إلى يوم القيامة ~~ولأنهم يسرحون في الجنة حيث شاءوا. كما قال في آية أخرى: (عند ربهم ~~يرزقون فرحين ولكن لا تشعرون). ### || [2.155-157] # { ولنبلونكم } يعني المؤمنين { بشيء من الخوف ~~والجوع } يقول: لنختبرنكم بخوف العدو، وهو الخوف الذي أصابهم يوم ~~الخندق حتى بلغت القلوب الحناجر (والجوع) وهو القحط الذي أصابهم فكان ~~يمضي على أخذهم أياما لا يجد طعاما { ونقص من الأموال } يعني ~~ذهاب أموالهم، ويقال موت الماشية { والأنفس } يعني الموت والقتل ~~والأمراض { والثمرت } نقصان الثمرات فلا تخرج الثمرات كما كانت ~~تخرج أو تصيبها الآفة. ويقال: الثمرات هو موت الولد وهو ثمرة القلب. ثم ~~قال: { وبشر الصبرين } يعني الذين يصبرون على هذه المصائب ~~والشدائد التي ذكرنا. ثم وصفهم فقال تعالى: { الذين إذا ~~أصبتهم مصيبة } صبروا ولم يجزعوا، و { قالوا إنا ~~لله وإنا إليه رجعون } يعني يقولون: نحن عبيد الله وفي ~~ملكه إن عشنا فعليه أرزاقنا وإن متنا فإليه مردنا وإليه راجعون بعد الموت ~~ونحن راضون بحكمه { أولئك } يعني أهل هذه الصفة { عليهم ~~صلوت من ربهم ورحمة } والصلاة من الله تعالى على ثلاثة ~~أشياء: توفيق الطاعة والعصمة عن المعصية، ومغفرة الذنوب جميعا، فبالصلاة ~~الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة فقد وعد لهم الصلوات الكثيرة، ~~ومقدار ذلك لا يعلمه إلا الله ثم قال: { وأولئك هم ~~المهتدون } أي الموفقون للاسترجاع. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال ~~لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة ألا ترى أن يعقوب - عليه السلام - قال: # يأسفى على يوسف # [يوسف: 84] فلو كان له الاسترجاع لقال ذلك وروي عن عثمان بن عطاء عن ~~أبيه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من ذكر مصيبة أو ذكرت عنده فاسترجع جدد الله [ثوابه] كيوم أصيب بها " # وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " من أصابته مصيبة [فليتذكر] مصيبته في، فإنها من أعظم المصائب " # وروى هذان الحديثان عن علي بن أبي طالب عن رسول الله - صلى الله عليه ms0103 ~~وسلم - أيضا وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: [نعم ~~العدلان] ونعم العلاوة فالعدلان قوله تعالى: { أولئك عليهم ~~صلوت من ربهم ورحمة } والعلاوة قوله تعالى: { ~~وأولئك هم المهتدون }. ### || [2.158] # قوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ~~قال أهل اللغة: الصفا: الحجارة الصلبة (التي لا تنبت [بها شيء] والواحدة: ~~صفاة يقال: حصى وحصاة) والمروة: الحجارة اللينة والشعائر: [علامة] ~~متعبداته [واحدها] شعيرة. يعني أن الطواف بالصفا والمروة من أمور المناسك ~~{ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما } روي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: فلا جناح عليه أن ~~لا يطوف بهما. وروي عن ابن عباس، وأنس بن مالك أنهما كانا يقرآن كذلك ~~ومعنى ذلك أن من حج البيت أو اعتمر فترك السعي لا يفسد حجه ولا عمرته ~~ولكن يجب عليه جبر النقصان وهو إراقة الدم وفي مصحف الإمام (فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما) بحذف كلمة (لا) وذلك أن أهل الجاهلية كان لهم صنمان ~~على الصفا والمروة: أحدهما يقال له (اساف) والآخر (نائلة) وكان المشركون ~~يطوفون بين الصفا والمروة ويستلمون الصنمين فلما قدم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعمرة القضاء كان الأنصار لا يسعون فيما بين الصفا والمروة ~~ويقولون: السعي فيما بينهما من أمر المشركين فنزلت هذه الآية. ويقال: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة، طاف بالبيت، والمسلمون معه ~~فلما سعى بين الصفا والمروة رفع المسلمون أزرهم وشمروا قمصهم كيلا يصيب ~~ثيابهم ذينك الصنمين فنزل قوله تعالى: { إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله } يعني من أمور المناسك { فمن حج البيت ~~أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يعني لو ~~أصاب ثيابه من ذلك لا يضره ولا إثم عليه فخرج عمر فتناول المعول وكسر ~~الصنمين. قال الفقيه: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا علي بن أحمد قال: ~~حدثنا محمد بن الفضل عن يعلى بن منبه عن صالح بن حيان عن أبي بريدة عن ~~أبيه قال: # " دخل جبريل عليه السلام المسجد ms0104 فبصر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نائما في ظل الكعبة فأيقظه فقام وهو ينفض رأسه ولحيته من التراب فانطلق ~~به نحو باب بني شيبة فلقيهما ميكائيل فقال جبريل لميكائيل: ما يمنعك أن ~~تصافح النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أجد من يده ريح نحاس فقال ~~جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أفعلت ذلك؟ وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نسي ذلك ثم ذكر فقال: " صدق أخي مررت أول أمس على (أساف ~~ونائلة) فوضعت يدي على أحدهما وقلت: إن قوما رضوا بكما آلهة مع الله هم ~~قوم سوء " # قال صالح: قلت [لأبي بريدة] وما أساف ونائلة؟ قال: كانا إنسانين من قريش ~~يطوفان بالكعبة [فوجدا فيها] خلوة فراود أحدهما صاحبه (فمسخهما) الله ~~تعالى نحاسا [فجاءت بهما] قريش وقالوا: لولا أن الله رضي بأن نعبد هذين ~~الإنسانين ما مسخهما نحاسا. # (وأساف) كان رجلا ونائلة كانت امرأة. قال الزجاج: الجناح في اللغة: أخذ ~~من جنح إذا مال وعدل عن المقصد وأصل ذلك من جناح الطير. قوله تعالى: { ~~ومن تطوع خيرا }. قرأ حمزة والكسائي (يطوع) بالياء وجزم العين ~~لأن الأصل يتطوع فأدغمت التاء في الطاء وشددت. وقرأ الباقون (تطوع) على ~~معنى الماضي والمراد به الاستقبال يعني إذا زاد في الطواف حول البيت على ~~ما هو واجب عليه { فإن الله شاكر } يقبل منهم { عليم } ~~[بنياتهم وبما نووا] وقال القتبي: يطوف أصله يتطوف فأدغمت التاء في الطاء ~~ويقال: الجناح: الإثم ويقال إن الله شاكر عليم يقبل اليسير ويعطي الجزيل ~~- ويقال: إن الله شاكر بقبول أعمالكم عليم بالثواب ويقال: الطواف للغرباء ~~أفضل من الصلاة لأنهم يقدرون على الصلاة إذا رجعوا إلى منازلهم ولا ~~يمكنهم الطواف إلا في ذلك الوقت فالله تعالى قد حث على الطواف. بقوله { ~~ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم }. ### || [2.159-160] # { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينت } ~~نزلت في شأن رؤساء اليهود منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وابن صوريا ~~يقول: يكتمون ما أنزلنا في التوراة من البينات: الحلال والحرام وآية ~~الرجم { والهدى ms0105 } يعني أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - { من ~~بعد ما بينه للناس في الكتاب } أي في التوراة ~~ويقال: في القرآن { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللعنون } [أي يخذلهم الله ويلعنهم اللاعنون] قال ابن عباس: وذلك ~~أن الكافر إذا وضع في قبره سئل من ربك وما دينك؟ فيقول: لا أدري فيقال ~~له: ما دريت فهكذا كنت في الدنيا ثم يضربه ضربة [يصيح منها صيحة يسمعه] ~~كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع صوته شيء إلا يلعنه فذلك قوله تعالى: { ~~ويلعنهم اللعنون } وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا تلاعن ~~اثنان فإن كان أحدهما مستحقا للعنة رجعت اللعنة إليه وإن لم يكن يستحق ~~أحدهما اللعنة ارتفعت اللعنة إلى السماء فلم تجد هناك موضعا فتنحدر ~~فترجع إلى الذي تكلم بها إن كان أهلا لذلك وإن لم يكن أهلا لذلك رجعت ~~إلى الكفار. وفي بعض الروايات إلى اليهود فذلك قوله تعالى: { ~~ويلعنهم اللعنون } ثم استثنى التائبين من اللعنة فقال ~~تعالى: { إلا الذين تابوا } من الكفر واليهودية { ~~وأصلحوا } أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم. ويقال: معناه وأصلحوا لمن ~~أفسد من السفلة (وبينوا) صفته في كتبهم قوله { فأولئك أتوب ~~عليهم } أي أتجاوز عنهم { وأنا التواب الرحيم } ~~المتجاوز لمن تاب ورجع فتقبل توبته. ### || [2.161-162] # { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار } أي ثبتوا على ~~كفرهم حتى ماتوا على ذلك { أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين } قال الكلبي: يعني لعنة ~~المؤمنين خاصة. وقال بعضهم: [يلعنهم] لعنة جميع الناس لأن من يخالف دينهم ~~يلعنهم في الدنيا وأهل دينهم [يلعنونهم] في الآخرة كما قال في آية أخرى: # ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25] ثم قال: { خلدين فيها } أي في اللعنة ولعنته: ~~عذاب النار أي ما توجبه اللعنة. { لا يخفف عنهم العذاب } ~~يعني لا يهون عليهم طرفة عين { ولا هم ينظرون } يعني لا يؤجلون. ### || [2.163] # { وإلهكم إله وحد } قال مقاتل: يعني ربكم رب واحد وقال ~~الضحاك: كان لمشركي العرب ثلاثمائة وستون صنما يعبدونها من دون الله ~~تعالى فدعاهم الله إلى ms0106 [التوحيد] والإخلاص لعبادته فقال: { ~~وإلهكم إله وحد } ويقال: نزلت هذه الآية في صنف من ~~المجوس يقال لهم: المانوية فكان رئيسهم يقال له: (ماني) فقال لهم أرى ~~الأشياء زوجين وضدين مثل الليل والنهار والنور والظلمة والحر والبرد ~~والخير والشر والسرور والحزن والذي يصلح للشيء لا يصلح لضده فمن كان خالق ~~النور والخيرات لا يكون خالق الشر والظلمات فهما اثنان: أحدهما يخلق الشر ~~والآخر يخلق الخير فنزلت هذه الآية { وإلهكم إله وحد } ~~أي خالقكم خالق واحد (هو خالق الأشياء كلها). وقوله تعالى: { لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم } قال بعض الناس: هذا ~~الكلام نصفه كفر [وهو قوله: { لا إله } ونصفه إيمان وهو قوله: { ~~إلا هو }. ولكن هذا الكلام] ليس بسديد: لأن الله تعالى أمر رسوله: ~~بأن يأمرهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله فلا يجوز أن يأمرهم بالكفر. وقال ~~بعضهم: النصف الأول منسوخ والنصف الثاني ناسخ. وهذا أيضا لا يصح، لأن ~~المنسوخ هو الذي كان مباحا [قبل النسخ والكفر لم يكن مباحا] أبدا ~~وأحسن ما قيل فيه: إن قوله: { لا إله } نفي معبود الكفار، وقوله: { ~~إلا هو } إثبات معبود المؤمنين. أو نقول: [لا إله]: نفي الألوهية ~~[عمن لا يستحق الألوهية]. وقوله { إلا الله } إثبات الألوهية لمن ~~يستحق الألوهية. ### || [2.164] # لما نزلت هذه الآية أنكر المشركون توحيد الله تعالى وطلبوا منه دليلا ~~على إثبات وحدانيته فنزلت هذه الآية { إن في خلق السموات ~~والأرض } يعني في خلق السماوات والأرض دليل على وحدانية الله في أنه ~~خلقها بغير عمد ترونها وزينها بمصابيح والأرض بسطها أيضا وجعل لها ~~أوتادا وهي الجبال وفجر فيها الأنهار وجعل فيها البحار { واختلف ~~الليل والنهار } يعني في مجيء الليل وذهاب النهار ومجيء النهار ~~وذهاب الليل. [ويقال اختلافهما في الكون] ويقال: نقصان الليل، وتمام ~~النهار ونقصان النهار وتمام الليل. { والفلك التي تجرى في ~~البحر } يعني السفن. ويقال للسفينة الواحدة: (الفلك) ولجماعة السفن ~~(الفلك) يعني السفن التي تسير في البحر فتقبل مرة وتدبر مرة بريح واحدة ~~فتسير في البحر { بما ينفع الناس } من ms0107 الكسب والتجارة وغير ذلك ~~وقوله: { وما أنزل الله من السماء من ماء } يعني المطر ~~الذي ينزل من السماء { فأحيا به الأرض بعد موتها } أي ~~اخضرت الأرض بعد يبسها { وبث فيها } يقول: خلق في الأرض { من كل ~~دابة وتصريف الريح } قرأ حمزة والكسائي: (الريح) بغير ألف ~~والباقون: (الرياح) بالألف واختار أبو عبيدة في قراءته: أن كل ما في ~~القرآن من ذكر العذاب (الريح) بغير ألف وكل ما في القرآن من ذكر الرحمة: ~~(الرياح) بالألف واحتج بما روى أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان إذا هاجت الريح قال: # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # ومعنى قوله تعالى وتصريف الرياح أي هبوب الريح مرة جنوبا ومرة شمالا ~~ومرة صبا ومرة دبورا. قوله تعالى: { والسحاب المسخر } أي ~~المذلل والمطوع. { بين السماء والأرض لآيت لقوم ~~يعقلون } أي في هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية آيات لوحدانيته ~~لمن كان له عقل وتمييز. ويقال: هذه الآية تجمع أصول التوحيد وقد بين فيها ~~دلائل وحدانيته لأن الأمر لو كان بتدبير اثنين مختلفين في التدبير لفسد ~~الأمر باختلافهما. كما قال تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. ### || [2.165-167] # { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } يعني ~~بعض الناس وصفوا لله شركاء وأعدالا وهي الأوثان { يحبونهم ~~كحب الله } قال بعضهم: معناه يحبون الأوثان كحبهم لله تعالى لأنهم ~~كانوا يقرون بالله تعالى. وقال بعضهم: معناه، يحبون الأوثان كحب المؤمنين ~~لله تعالى: { والذين ءامنوا أشد حبا لله } لأن الكفار ~~يعبدون أوثانهم في حال الرخاء فإذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها والمؤمنون ~~يعبدون الله تعالى في حال الرخاء والشدة فهذا معنى قوله تعالى: { ~~والذين ءامنوا أشد حبا لله } فإن قيل إذا كان ~~المؤمنون أشد حبا لله [فما معنى] قوله: يحبونهم كحب الله؟ قيل له: يحتمل ~~أن بعض المؤمنين حبهم مثل حبهم وبعضهم أشد حبا وفي أول الآية: ذكر بعض ~~المؤمنين وفي آخر الآية ذكر المؤمنين الذين هم أشد حبا لله. والحب لله ~~أن يطيعوه ms0108 في أمره وينتهوا عن نهيه فكل من كان أطوع [لله] فهو أشد حبا ~~له. كما قال القائل: # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # ثم قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ولو يرى الذين ~~ظلموا } يا محمد { إذ يرون العذاب } يعني حين يرون العذاب ~~{ أن القوة لله جميعا } وفي الآية مضمر ومعناه يا محمد لو ~~رأيت الذين ظلموا في العذاب لرأيت أمرا عظيما كما تقول: لو رأيت فلانا ~~تحت السياط فيستغني عن الجواب لأن معناه مفهوم فكذلك ها هنا لم يذكر ~~الجواب لأن المعنى معلوم. قرأ نافع وابن عامر: [(ولو ترى) بالتاء على ~~معنى المخاطب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأ الباقون: (بالياء) ~~ومعناه] ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون يوم القيامة أن الأوثان لا ~~تنفعهم شيئا وأن القوة لله جميعا تركوا عبادتها. وقرأ ابن عامر (إذ ~~يرون العذاب) بضم الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ الباقون بنصب ~~الياء على معنى الخبر عنهم. وقرأ الحسن وقتادة: (أن القوة لله جميعا) ~~على معنى الابتداء وقرأ العامة [(أن القوة لله)] بالنصب على معنى البناء، ~~يعني بأن القوة لله جميعا { وأن الله شديد العذاب } يعني ~~للرؤساء والاتباع من أهل الأوثان { إذ تبرأ الذين اتبعوا ~~} يعني القادة { من الذين اتبعوا } وهم السفلة { ورأوا ~~العذاب } يقال حين يروا العذاب { وتقطعت بهم الأسباب } ~~أي العهود والحلف التي كانت بينهم في الدنيا وقال القتبي: الأسباب يعني ~~الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا. وقال بعضهم وتقطعت بهم ~~الأسباب، أي الخلة والمواصلة كما قال في آية أخرى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]؛ ويقال: الأرحام والمودة التي كانوا يتواصلون بها فيما ~~بينهم قوله تعالى { وقال الذين اتبعوا } أي السفلة { لو ~~أن لنا كرة } أي رجعة إلى الدنيا وذلك أن الرؤساء لما تبرؤوا ~~منهم ولا ينفعونهم شيئا ندمت السفلة على اتباعهم في الدنيا ويقولون في ~~أنفسهم لو أن لنا كرة أي رجعة إلى الدنيا { فنتبرأ منهم } أي ~~من القادة { كما ms0109 تبرءوا منا } من القادة قال الله تعالى { ~~كذلك يريهم الله أعملهم حسرت عليهم } [لأنهم ~~يرون أعمالهم] غير مقبولة لأنها كانت لغير وجه الله تعالى فيكون ذلك حسرة ~~عليهم. وقوله تعالى: { وما هم بخرجين من النار } يعني ~~التابع والمتبوع والعابد والمعبود. ### || [2.168-169] # { يأيها الناس كلوا مما في الأرض حللا طيبا ~~} وذلك أن قوما من العرب مثل بني عامر وبني مدلج وخزاعة وغيرهم حرموا ~~على أنفسهم أشياء مما أحل الله من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة وغير ~~ذلك فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: { يأيها الناس كلوا ~~مما في الأرض حللا طيبا } من الحرث والأنعام [وحلالا ~~نصب على الحال] { ولا تتبعوا خطوت الشيطن } يعني ~~طاعات الشيطان. وقال مقاتل: يعني تزيين الشيطان. ويقال: وساوس الشيطان. ~~وقال القتبي: الخطوات جمع الخطوة. وقال الزجاج: خطواته أي طرقه ومعناه لا ~~تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان { إنه لكم عدو ~~مبين } أي ظاهر العداوة { إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشاء } يعني بالإثم والقبيح من العمل. ويقال: السوء الذي يجب به ~~الحبس والحساب والفحشاء: التي يستوجب بها العقوبة في النار. ويقال: السوء ~~الذي يجب به التعزير في الدنيا والفحشاء التي يجب بها الحد. { وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون }. يعني أن الشيطان يأمركم ~~بأن تكذبوا على الله، لأنهم كانوا يقولون هذه الأشياء حرم الله علينا. ### || [2.170] # { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله } أي اعملوا ~~بما أنزل الله في القرآن من تحليل ما أحل الله وتحريم ما حرم الله { ~~قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا }. يعني ~~ما وجدنا عليه آباءنا قال الله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا ~~يعقلون شيئا ولا يهتدون } معناه، أيتبعون آباءهم وإن ~~كانوا جهالا فيتابعوهم بغير حجة. فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك ~~بالحجة وهذه الواو مفتوحة وهي واو: (أولو) لأنها واو العطف أدخلت عليها ~~ألف التوبيخ وهي ألف الاستفهام. قرأ أبو عمرو ومن تابعه من أهل البصرة: # كذلك يريهم الله # [البقرة: 167] بكسر الهاء والميم وكذلك في كل موضع تكون الهاء والميم ~~بعدهما ألف ولام. مثل ms0110 قوله تعالى: # وضربت عليهم الذلة # [البقرة: 61] # ويلههم الأمل # [الحجر: 3]. وكان عاصم وابن عامر ونافع: يقرأون بكسر الهاء وضم الميم ~~وكان حمزة والكسائي يقرآن: بضم الهاء والميم وكان ابن كثير يقرأ: (إنه ~~لكم عدو مبين) يضم الميم وكذلك إنما يأمركم وكذلك كل ميم نحو هذا مثل: # أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7]، # على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم # [البقرة: 7]. وكان نافع في رواية ورش عنه يقرأ: سكون الميم. (إلا أن ~~يستقبله ألف أصلية فيضم الميم مثل قوله: # سوآء عليهم ءأنذرتهم # [البقرة: 6] # إذ يتنزعون بينهم أمرهم # [الكهف: 21]. # وقد خلقكم أطوارا # [نوح: 14]. وكان حمزة والكسائي يقرأون بسكون الميم. إلا أن يستقبله ألف ~~ولام مثل قوله: # وضربت عليهم الذلة # [البقرة: 61]. وأما قوله: # خطوت الشيطن # [البقرة: 168 وغيرها كان نافع وأبو عمرو وحمزة وعصام في رواية أبي بكر ~~يقرأون (خطوات) بجزم الطاء وقرأ الكسائي وابن كثير وعاصم في رواية حفص: ~~(خطوات) بضم الطاء وهما لغتان ومعناهما واحد. ### || [2.171] # ثم قال تعالى { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق ~~بما لا يسمع إلا دعاء ونداء }. فهذا مثل ضربه الله تعالى ~~لأهل الكفر، إنهم مثل البهائم لا يعقلون شيئا سوى ما يسمعون من النداء. ~~وفي الآية إضمار ومعناه مثلك يا محمد مع الكفار كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعاء ونداء. وهذا قول الزجاج. وقال القتبي: قال الفراء: ومثل ~~واعظ الذين كفروا فحذف ذكر الواعظ. كما قال تعالى # واسئل القرية # [يوسف: 82]. وقال القتبي أيضا: { ومثل الذين كفروا } يعني ~~ومثلنا في وعظهم، فحذف اختصارا إذ كان في الكلام ما يدل عليه { كمثل ~~الذي ينعق } يعني الراعي إذا صاح في الغنم لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء فحسب ولا تفهم قولا ولا تحسن جوابا فكذلك الكافر لا يعقل ~~المواعظ. { صم } عن الخبر فهم لا يسمعون { بكم } أي خرس لا يتكلمون ~~بالحق { عمي } لا يبصرون الهدى. ويقال: كأنهم صم، لأنهم يتصاممون عن ~~سماع الحق. { فهم لا يعقلون } الهدى. ### || [2.172-173] # { يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقنكم } يعني من الحلال من ms0111 الحرث والأنعام { واشكروا ~~لله إن كنتم إياه تعبدون } يعني إن كنتم إياه تعبدون أي ~~تريدون بترك أكله رضاء الله تعالى فكلوه فإن رضي الله تعالى أن تحلوا ~~حلاله وتحرموا حرامه. ويقال: إن محرم ما أحل الله مثل محل ما حرم الله. ~~ويقال: في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة لأنه تعالى خاطبهم بما خاطب به ~~أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام - لأنه قال لأنبيائه: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت # [المؤمنون: 51]. وقال لهذه الأمة { كلوا من طيبت ما ~~رزقنكم } وقال في أول الآية: # كلوا مما في الأرض حللا طيبا # [البقرة: 168]. فلما أمر الله تعالى بأكل هذه الأشياء التي كانوا ~~يحرمونها على أنفسهم. قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن لم يكن هذه ~~الأشياء محرمة فالمحرمات ما هي؟ فبين الله تعالى المحرمات. فقال: { ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~} والميتة سوى السمك والجراد (والدم) يعني الدم المسفوح أي الجاري. كما ~~قال في آية أخرى: # أو دما مسفوحا أو لحم خنزير # [الأنعام: 145]، يعني حرم عليكم (ولحم الخنزير) فذكر اللحم خاصة والمراد ~~به اللحم والشحم وجميع أجزائه وهذا شيء قد أجمع المسلمون [على تحريمه] ~~فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها وأحل البعض منها وهو السمك ~~والجراد وذكر الدم [وإنما المراد به] بعض الدم لأنه لم يدخل فيه الكبد ~~والطحال وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره { وما أهل ~~به لغير الله } يعني ما ذبح بغير اسم الله تعالى. والإهلال في ~~اللغة: هو رفع الصوت. وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوا رفعوا الصوت بذكر ~~آلهتهم فحرم الله تعالى على المؤمنين أكل ما ذبح لغير اسم الله تعالى. ~~وفي الآية دليل: أنه إذا ترك التسمية عمدا لا يؤكل لأنه قد ذبح بغير اسم ~~الله تعالى ثم إن الله تعالى علم أن بعض الناس يبتلون بأكل الميتة عند ~~الضرورة فرخص لهم في ذلك بقوله تعالى: { فمن اضطر }. قرأ حمزة ~~وعاصم وأبو عمرو: { فمن اضطر } بكسر النون وقرأ الباقون بالضم ~~وهما لغتان ومعناهما واحد. يقول: فمن أجهد ms0112 إلى شيء مما حرم الله إلى أكل ~~الميتة { غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } يعني غير ~~مفارق الجماعة ولا عاد على المسلمين بالسيف فمن خرج لقطع الطريق، أو خرج ~~على إمام المسلمين فلا رخصة له عند بعضهم. وقال بعضهم: من خرج في معصية ~~فلا رخصة له. وقال بعضهم: كل من اضطر إلى أكل الميتة رخص له أن يأكل سواء ~~أخرج للمعصية أو غيرها. وهذا قول أصحابنا. ومعنى قوله: { غير باغ } ~~أي غير طالب [للحرام] ولا راض بأكله. # { ولا عاد } يعني لا يعود إلى أكله بعد أكل مقدار ما يسد به الرمق. ~~وروي عن ابن عباس نحو هذا. قال: حدثنا محمد بن سعيد الترمذي قال: حدثنا ~~أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي قال: حدثنا عبد الله ~~بن صالح [عن معاوية بن صالح] عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: { ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد } قال: من أكل شيئا من هذه ~~الأشياء وهو مضطر فلا حرج عليه ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى. ~~وهو قوله: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد }. ثم اختلفوا في ~~حد الاضطرار الذي يحل له أكل الميتة. قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على ~~نفسه التلف [وهو قول الشافعي]. وروي عن ابن المبارك أنه قال: إذا كان ~~بحال لو دخل السوق لا ينظر إلى شيء سوى الخبز. وقال بعضهم: إذا كان بحال ~~يضعفه عن أداء الفرائض. وقد اختلفوا أيضا في أكله: قال بعضهم: أكله حرام ~~إلا أنه لا إثم عليه، ألا ترى أنه قال في سياق الآية: { إن الله ~~غفور رحيم }. وقال بعضهم: هو حلال ولا يسعه تركه لأنه قال في آية ~~أخرى: # وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم ~~إليه # [الأنعام: 119]، فلما استثني منه ثبت أنه حلال. وروي عن مسروق أنه قال: ~~من اضطر إلى ميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار. ### || [2.174-176] # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتب } نزلت في ms0113 رؤساء اليهود كانوا يرجون أن يكون النبي - عليه ~~السلام - منهم فلما كان من غيرهم خشوا بأن تذهب منافعهم من السفلة فعمدوا ~~إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - فغيروها. ويقال: غيروا تأويلها ~~فنزلت هذه الآية { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~الكتب } يعني في التوراة بكتمان صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~{ ويشترون به ثمنا قليلا } يعني يختارون به عرضا يسيرا ~~من [منافع] الدنيا { أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ~~النار } يعني يأكلون الحرام وإنما سمي الحرام نارا لأنه يستوجب به ~~النار. كما قال في آية أخرى: # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10]. { ولا يكلمهم الله يوم القيمة } أي ~~لا يكلمهم بكلام الخير لأنه يكلمهم بكلام العذاب حيث قال تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]، { ولا يزكيهم } أي ولا يطهرهم من الأعمال ~~الخبيثة السيئة. وقال الزجاج: ولا يزكيهم أي لا يثني عليهم خيرا ومن لا ~~يثنى عليه فهو معذب { ولهم عذاب أليم } أي وجيع يعني الذين ~~يكتمون ما أنزل الله من الكتاب وكذلك كل من كان عنده علم فاحتاج الناس ~~إلى ذلك فكتمه فهو من أهل هذه الآية. وهذا كما روى أبو هريرة عن النبي: - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " من كتم علما ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجام من نار " # ثم قال: { أولئك الذين } يعني رؤساء اليهود { الذين ~~اشتروا الضللة بالهدى } يعني اختاروا الكفر على الإيمان ~~{ والعذاب بالمغفرة } يعني اختاروا النار على الجنة { فما ~~أصبرهم على النار } يقول: فما الذي أجرأهم على فعل أهل النار. ~~ويقال: معناه فما أبقاهم في النار كما يقال: فما أصبر فلانا على الحبس: ~~أي أبقاه: { ذلك } أي ذلك العذاب { بأن الله نزل ~~الكتب بالحق } أي القرآن { بالحق } أي بالعدل { وإن ~~الذين اختلفوا في الكتب } أي في القرآن { لفي شقاق ~~بعيد } أي في ضلالة بينة ويقال: معناه أن الله تعالى أنزل القرآن على ~~محمد - عليه السلام - بالعدل فتركوا اتباعه وخالفوه فاستوجبوا بذلك ~~العذاب ويقال: لفي شقاق بعيد ms0114 أي في خلاف بعيد من الحق وذكر عن قتادة أنه ~~قال: { فما أصبرهم على النار } أي فما أجرأهم على العمل ~~الذي يقرب إلى النار وروي عن مجاهد أنه قال: ما أعلمهم بعمل أهل النار ~~ويريد ما أدومهم على عمل أهل النار وقال أبو عبيدة: ما الذي صيرهم ودعاهم ~~إلى النار. ### || [2.177] # ثم قال { ليس البر أن تولوا وجوهكم }. قرأ حمزة وعاصم ~~في رواية حفص: (ليس البر) بنصب الراء على معنى خبر ليس. وقرأ الباقون: ~~بالرفع على معنى اسم ليس. من قرأ بالرفع فهو الظاهر في العربية لأن ليس ~~يرفع الاسم الذي بعده بمنزلة كان وأما من قرأ بالنصب فإنه يجعل الاسم ما ~~بعده ويجعل (البر) خبره. وتفسير الآية: قال مقاتل: في قوله { ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم } أي ليس البر أن تحولوا وجوهكم في ~~الصلاة { قبل المشرق والمغرب } لا تعملوا غير ذلك { ~~ولكن البر من ءامن بالله } يعني صدق بالله بأنه واحد ~~لا شريك له. قرأ نافع وابن عامر (ولكن البر) بكسر النون وضم الراء... ~~وقرأ الباقون: (ولكن البر) بنصب النون مشددة وبنصب الراء. ويقال: معناه ~~ليس البر كله في الصلاة ولكن البر ما ذكر في هذه الآية من العبادات. ثم ~~اختلفوا في معنى قوله: { ولكن البر من ءامن بالله } ~~قال بعضهم معناه ولكن ذو البر من آمن بالله. وقال بعضهم: معناه ولكن البر ~~بر من آمن بالله وكلا المعنيين ذكرها الزجاج في كتابه. وقال بعضهم ليس ~~البار من يولي وجهه إلى المشرق والمغرب ولكن البار من آمن بالله { ~~واليوم الآخر }. ثم ذكر في هذه الآية خمسة أشياء من الإيمان فمن ~~لم يقر بواحدة منها فقد كفر. أحدها: الإيمان بالله تعالى أنه واحد لا ~~شريك له والتصديق باليوم الآخر وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وأنه كائن ~~وأن أهل الثواب يصلون إلى الثواب وأهل العقاب يصلون إلى العقاب ~~(والتصديق) بالكتاب أنه منزل من الله تعالى القرآن وسائر الكتب: التوراة ~~والإنجيل والزبور ويقر بالملائكة أنهم عبيده ويقر بالنبيين أنهم رسله ~~وأنبياؤه فهذه ms0115 الخمس من الإيمان فمن جحد واحدة منها فقد كفر. ثم ذكر ~~الفضائل فقال تعالى { وءاتى المال على حبه } يعني يعطي ~~المال على شهوته وجوعه وهو شحيح يخشى الفقر، ويأمل العيش. ويقال: على حبه ~~الإعطاء بطيبة من نفسه يعطي { ذوى القربى واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل } يعني الضيف النازل { ~~والسائلين } الذين يسألون الناس { وفي الرقاب } يعني ~~المكاتبين. وقد قيل: (ابن السبيل) هو المنقطع من ماله. ثم ذكر الفرائض ~~فقال تعالى { وأقام الصلاة } المكتوبة { وآتى الزكاة } ~~المفروضة { والموفون بعهدهم إذا عهدوا } فيما عاهدوا ~~فيما بينهم وبين الله تعالى وفيما بينهم وبين الناس { والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس } أي بالبأساء وهي شدة ~~الفقر [البأس] قال القتبي: يعني الفقر وهو من البؤس والضراء المرض ~~والزمانة { وحين البأس } يعني يصبرون عند الحرب. وقال القتبي: ~~البأس: الشدة ومنه يقال: لا بأس عليك يعني لا شدة عليك فلهذا سمي [الحرب ~~البأس] لأن فيه شدة. # ثم قال تعالى: { أولئك الذين صدقوا } [يعني صدقوا] في ~~إيمانهم { وأولئك هم المتقون } عن نقض العهد. فإن قيل: ~~أيش معنى قوله: { والصابرين في البأساء والضراء } وموضعه ~~موضع رفع ولم يقل: (والصابرون) قيل له: قد قال بعض من تعسف في كلامه: إن ~~هذا غلط الكاتب حين كتبوا مصحف الإمام والدليل على ذلك ما روي عن عثمان ~~بن عفان - رضي الله عنه - أنه نظر في المصحف وقال: أرى فيه لحنا وستقيمه ~~العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء: # والمقيمين الصلوة # [النساء: 162] وفي سورة المائدة # والصبئون # [المائدة: 69]. لكن الجواب عند أهل العلم أن يقال: إنما صار نصبا للمدح ~~والكلام يصير نصبا للمدح أو للذم ألا ترى إلى قول القائل: # نحن بني ضبة أصحاب الجمل. # وإنما جعله نصبا للمدح وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن رجلا سأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البر فنزلت هذه الآية: { ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم } الآية وقال الضحاك { أولئك ~~الذين صدقوا } يعني صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم بأعمالهم. { ~~وأولئك هم المتقون } يعني المطيعون لله تعالى. ### || [2.178-179] # ثم قال تعالى: ms0116 { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى } يعني فرض عليكم وأوجب عليكم القصاص. فإن قيل: ~~الفرض على من يكون؟ على الولي أو على غيره؟ قيل له: الفرض على القاضي إذا ~~اختصموا إليه بأن يقضي على القاتل بالقصاص إذا طلب الولي لأن الله تعالى ~~قد خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا ~~على القصاص فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص فخاطب الولي ~~بالقصاص وخاطب غيره بأن يعين الولي على ذلك وهو قوله { كتب عليكم ~~القصاص } أي فرض عليكم إذا كان في القتل عمدا. { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى }. قال بعضهم: كان في ~~أول الشريعة أن الحر يقتل بالحر والعبد بالعبد ولا يقتل الحر بالعبد ولا ~~العبد بالحر ولا الذكر بالأنثى ثم نسخ بقوله تعالى: # النفس بالنفس # [المائدة: 45]. وقال بعضهم هي غير منسوخة لأنه قد ذكر هذه الآية: { ~~الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } ~~ولم يذكر في هذه الآية: أن العبد لو قتل حرا ما حكمه، فبين في آية أخرى ~~وهو قوله: # النفس بالنفس # [المائدة: 45]. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب ~~اقتتلوا في الجاهلية فكان بينهم قتلى وجراحات وكان لأحدهما طول على ~~الأخرى فقالوا: لنقتلن بالعبد منا الحر منكم وبالمرأة الرجل منكم وبالرجل ~~منا الرجلين منكم فلما جاء الإسلام طلب بعضهم من بعض ذلك فنزلت هذه ~~الآية: { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى }. ثم قال تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء ~~} أي ترك ولي المقتول من أخيه: أي القاتل ولم يقتله وأخذ الدية. { ~~فاتباع بالمعروف } يعني يطلب الدية بالرفق ولا يعسر عليه وأمر ~~بالمطلوب بأن يؤدي الدية إلى الطالب لقوله: { وأداء إليه ~~بإحسن }. وقال القتبي { فمن عفي له من أخيه شيء } ~~قال: قبول الدية في العمد والعفو عن الدم { فاتباع بالمعروف } ~~أي مطالبة جميلة { وأداء إليه بإحسن } لا يبخسه ولا يمطله ~~معناه (ولا يدفعه) إذا عفا أحد ولي القصاص صار نصيب الآخر ملأ فيتبعه ~~بالمعروف والقاتل يؤدي إليه ms0117 نصيبه بإحسان. { ذلك تخفيف من ~~ربكم ورحمة } لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ~~ذلك وأهل الإنجيل كان لهم العفو وليس لهم قود ولا دية فجعل الله تعالى ~~القصاص والدية والعفو تخفيفا لهذه الأمة فمن شاء قتل ومن شاء أخذ الدية ~~ومن شاء عفا. وقال بعض الناس: إن الولي إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وإن ~~لم يرض القاتل وهو قول الشافعي. وقال أصحابنا: ليس له أن يأخذ الدية إلا ~~برضا القاتل. وليس في هذه الآية دليل: أن له أن يأخذ الدية بكره منه ~~وفيها دليل أن له أن يقبل الدية وإذا رضي القاتل واصطلحنا على ذلك. # ثم قال تعالى { فمن اعتدى من بعد ذلك } يعني أن يقتل بعد ~~ما يأخذ الدية { فله عذاب أليم } أي وجع. وقال قتادة: يقتل ولا ~~يتقبل منه الدية إذا اعتدى واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: # " لا أعفي عن أحد قتل بعد أخذ الدية " # ولكن معناه عندنا: أنه إذا طلب الولي القتل فأما إذا عفا عنه الثاني ~~وتركه جاز عفوه لأنه قتل بغير حق فصار حكمه حكم القاتل الأول لأنه لو عفي ~~عنه لجاز ذلك فكذلك الثاني ثم قال تعالى: { ولكم في القصاص ~~حيوة } بقاء لأن الناس يعتبرون بالقصاص فيمتنعون عن القتل وهذا كما ~~قال القائل: # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة # وفي العقاب حياة بين أقوام # وهذا معنى قوله: ولكم في القصاص حياة { يأولي الألبب } يعني ~~يا ذوي العقول { لعلكم تتقون } القتل مخافة القصاص. ### || [2.180-182] # { كتب عليكم } أي فرض عليكم { إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا } [أي] مالا والخير في القرآن على وجوه: ~~أحدها: المال كقوله تعالى: { إن ترك خيرا } وقوله: # مآ أنفقتم من خير # [البقرة: 215]، # وما تنفقوا من خير # [البقرة: 272] أي المال. والثاني: الإيمان كقوله تعالى # ولو علم الله فيهم خيرا # [الأنفال: 23] أي إيمانا وكقوله تعالى: # ولا أقول للذين تزدرى أعينكم لن يؤتيهم ~~الله خيرا # [هود: 31]. والثالث الخير: الفضل كقوله تعالى: # وأنت خير ms0118 الرحمين # [المؤمنون: 109 و118]. والرابع: الخير: العافية كقوله: # وإن يمسسك بخير # [الأنعام: 17] # وإن يردك بخير # [يونس: 107]. والخامس: الأجر كقوله: # لكم فيها خير # [الحج: 36] أي أجر. وقال بعضهم: الوصية واجبة على كل مسلم لأن الله ~~تعالى قال: { كتب عليكم } أي فرض عليكم الوصية. وروي عن ابن عمر ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما حق امرىء مسلم يبيت ليلة وعنده مال يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده ~~" # وقال بعضهم: هي مباحة وليست بواجبة. وقد روي عن الشعبي أنه قال: الوصية ~~ليست بواجبة فمن شاء أوصى ومن شاء لم يوص. وقال إبراهيم النخعي: مات رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يوص وقد أوصى أبو بكر - رضي الله عنه - ~~فإن أوصى فحسن وإن لم يوص فليس عليه شيء وقال بعضهم: إن كان عليه حج أو ~~كفارة أي شيء من الكفارات فالوصية واجبة وإن لم يكن عليه شيء من الواجبات ~~فهو بالخيار إن شاء أوصى وإن شاء لم يوص وبهذا القول نأخذ. ثم بين مواضع ~~الوصية فقال تعالى: { الوصية للولدين والأقربين ~~بالمعروف } قال مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين ~~والأقربين فصارت الوصية للوالدين منسوخة وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: ~~نسخت الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث وثبتت الوصية لمن لا يرث من ~~القرابة. ويقال: في الآية تقديم وتأخير معناه كتب عليكم الوصية للوالدين ~~والأقربين (إذا حضر أحدكم الموت وكانوا يوصون للأجنبيين ولم يوصوا ~~للقرابة شيئا فأمرهم الله تعالى بالوصية للوالدين والأقربين). ثم نسخت ~~الوصية للوالدين بآية الميراث قوله { بالمعروف حقا على ~~المتقين } أي واجبا عليهم. وقوله تعالى: { فمن بدله بعد ~~ما سمعه } أي غيره بعدما سمع الوصية { فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه } أي وزره على الذين يبدلونه ويغيرونه لا على ~~الموصي لأن الموصي قد فعل ما عليه. { إن الله سميع } بالوصية { ~~عليم } بثوابها وبجزاء من غير الوصية: { فمن خاف من موص ~~جنفا } أي علم من الموصي الجنف وهو الميل عن الحق { فلا إثم ~~عليه } إذا غير وصيته فردها إلى الحق ms0119 لأن تبديله كان للإصلاح ولم يكن ~~للجور. وقال الكلبي: { فمن خاف من موص جنفا } أي علم من ~~الميت الخطأ في الوصية { أو إثما } يعني تعمدا للجور في وصيته فزاد ~~على الثلث { فأصلح بينهم } أي رد ما زاد على الثلث { فلا ~~إثم عليه إن الله غفور رحيم }. # هكذا قال مقاتل. وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية ~~من الكبائر. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: فمن خاف من موص ~~بنصب الواو وتشديد الصاد وقرأ الباقون: بسكون الواو وتخفيف الصاد فمن قرأ ~~بالنصب والتشديد فهو من وصى يوصي ومن قرأ بالتخفيف فهو من أوصى يوصي وهما ~~لغتان ومعناهما واحد [ { فإن الله غفور رحيم } معناه غفور ~~لمن جنف رحيم لمن أصلح]. ### || [2.183-187] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم ~~الصيام } يعني فرض عليكم صيام رمضان { كما كتب على الذين ~~من قبلكم } أي فرض على الذين من قبلكم من أهل الملل كلها. { ~~لعلكم تتقون } الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة ~~وبعد النوم. ويقال: كما كتب في الذين من قبلكم في الفرض. ويقال: كما كتب ~~على الذين من قبلكم في العدد { أياما معدودت } أي معلومات ~~وإنما صارت الأيام نصبا لنزع الخافض ومعناه في أيام معدودات. وقال ~~مقاتل: كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين وما زاد على ~~ذلك لا يقال معدودة. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا } فلم ~~يقدر على الصوم { أو على سفر } فلم يصم { فعدة من ~~أيام أخر } أي فعليه أن يقضيها بعد مضي الشهر مثل عدد الأيام التي ~~فاتته { وعلى الذين يطيقونه } أي يطيقون الصوم { فدية ~~طعام مسكين } أي يدفع لكل مسكين مقدار نصف صاع من حنطة ويفطر ذلك ~~اليوم { فمن تطوع خيرا } أي تصدق على مسكينين مكان كل يوم ~~أفطره { فهو خير له } من أن يطعم مسكينا واحدا والصيام خير له ~~من الإفطار وهو قوله: { وأن تصوموا خير لكم إن كنتم ~~تعلمون } من أن تفطروا وتطعموا قال الكلبي: كان هذا ms0120 في أول الإسلام ~~ثم نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها. وهكذا قال القتبي، وهكذا روي عن ~~سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية: { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } كان من أراد أن يفطر ويفدي ~~فعل حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وهو قوله { فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية: { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } كان الأغنياء ~~يطعمون ويفطرون ويفتدون ولا يصومون فصار الصوم على الفقراء فنسختها هذه ~~الآية { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } فوجب الصوم على ~~الغني والفقير وقال بعضهم: ليست بمنسوخة وإنما [نزلت في الشيخ الكبير. ~~وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ: (وعلى الذين يطوقونه) يعني يكلفونه فلا ~~يطيقونه. وروي عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة وإنما هي للشيخ ~~الكبير والمرأة الكبيرة اللذين] لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان كل يوم ~~مسكينا. قرأ نافع وابن عامر (فدية طعام مسكين) بضم الهاء وكسر الميم ~~بالألف على الإضافة وقرأ الباقون بتنوين الهاء (فدية طعام) بضم الميم ~~(مسكين) بغير ألف. قوله تعالى: { شهر رمضان } قرأ عاصم في رواية ~~حفص: (شهر) بفتح الراء والباقون: بالضم. وإنما صار رفعا لمعنيين: أحدهما ~~أنه مفعول ما لم يسم فاعله يقول: كتب عليكم شهر رمضان ومعنى آخر: أنه خبر ~~مبتدأ يعني هذا شهر رمضان. # ومن قرأ بالنصب احتمل أنه صار نصبا لوقوع الفعل عليه أي صوموا شهر ~~رمضان ويقال: صار نصبا لنزع الخافض أي: في شهر رمضان. ويحتمل: عليكم شهر ~~رمضان. كقوله: # صبغة الله # [البقرة: 138] يعني الزموا. قوله: { الذي أنزل فيه القرآن } ~~قرأ ابن كثير (القرآن) بالتخفيف وقرأ الباقون: بالهمز. وقال ابن عباس في ~~معنى قوله: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } يعني ~~أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في السماء ~~الدنيا ثم أنزل به جبريل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجوما ~~نجوما أي الآية والآيتين في أوقات مختلفة أنزل عليه في إحدى وعشرين سنة. ~~وقال مقاتل: أنزل فيه القرآن ms0121 من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى ~~سماء الدنيا نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا ونزل به ~~جبريل في عشرين سنة. حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا فارس بن مردويه حدثنا ~~محمد بن الفضيل العابد حدثنا الفضل بن دكين عن سفيان الثوري عن خالد ~~الحذاء عن أبي قلابة قال: أنزلت التوراة في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان ~~والإنجيل في ثمانية عشرة ليلة والقرآن في أربعة وعشرين ليلة. قال الفقيه: ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن صالح الترمذي قال: ~~حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن جريح قال: قال ~~ابن عباس في قوله { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } ~~قال: أنزل القرآن: جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر. قال ابن جريج: ~~كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل في تلك السنة فينزل ذلك من ~~السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا ولا ينزل جبريل من ذلك على ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا كلما أمر به تعالى. قوله عز وجل { هدى ~~للناس } أي القرآن هدى للناس من الضلالة وبيانا لهم { ~~وبينت من الهدى } يعني بيان الحلال والحرام { ~~والفرقان } أي المخرج من الشبهات { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } أي من كان منكم شاهدا ولم يكن مريضا ولا مسافرا فليصم ~~الشهر. { ومن كان مريضا أو على سفر } فأفطر { فعدة ~~من أيام أخر } يقضيه بعد ذلك. روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان ~~يكره قضاء رمضان متفرقا. وعن علي بن أبي طالب مثله. وقال معاذ بن جبل ~~وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة: أحص العدد وصم كيف شئت. ~~واختلفوا في حد المريض الذي يجوز له الإفطار: قال بعضهم: إذا كان بحال ~~يخاف على نفسه التلف. وقال بعضهم: إذا استحق اسم المريض جاز له [أن يفطر] ~~وقال بعضهم: إذا كان بحال يخاف أن يزيد الصوم في مرضه جاز له أن يفطر. # وهو قول أصحابنا. ثم ms0122 قال تعالى: { يريد الله بكم اليسر } ~~في الإفطار في حال المرض والسفر { ولا يريد بكم العسر } ~~بالصوم في المرض والسفر { ولتكملوا العدة }. قال الكلبي: ~~يعني لتتموا [عدة ما] أفطرتم من الصوم في السفر أو في المرض. وقال ~~الضحاك: (ولتكملوا العدة) يعني إذا غم عليكم هلال شوال فأكملوا الشهر ~~ثلاثين يوما. قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية هارون: ~~(ولتكملوا) بنصب الكاف وتشديد الميم وقرأ الباقون بالتخفيف وسكون الكاف ~~وهما لغتان يقال: كملت الشيء وأكملته مثل وصيت وأوصيت ثم قال: { ~~ولتكبروا الله على ما هداكم } أي لتعظموا الله على ما ~~هداكم لشرائعه وسننه وأمر دينه { ولعلكم تشكرون }. أي ~~لتشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر. ~~وقال مقاتل: لعلكم تشكرون في هذه النعم أن هداكم لأمر دينه { وإذا ~~سألك عبادي عني }. وذلك أنه لما نزلت هذه الآية: # ادعونى أستجب لكم # [غافر: 60]، قال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله ~~في أي وقت ندعو الله حتى يستجاب دعاؤنا؟ فنزلت هذه الآية { وإذا ~~سألك عبادي عني } { فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان } يعني أجيبكم في أي وقت تدعونني وقال بعضهم: سأله بعض ~~أصحابه فقالوا: يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت ~~هذه الآية: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب }. وقال ~~مقاتل: إن عمر واقع امرأته بعدما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك ورجع من عنده مغتما وكان ذلك ~~قبل الرخصة فنزلت هذه الآية { وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب } قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في إحدى الروايتين: (دعوة الداعي إذا ~~دعاني) بالياء والباقون كلهم بحذف الياء. وأصله بالياء إلا أن الكسر يقوم ~~مقام الياء. ويقال فإني قريب في الإجابة أجيب دعوة الداعي إذا دعاني: { ~~فليستجيبوا لي } بالطاعة { وليؤمنوا بي } وليصدقوا ~~بوعدي. قال ابن عباس في رواية الكلبي: فليستجيبوا لي الاستجابة أن تقولوا ~~بعد صلاتكم لبيك اللهم لبيك لا شريك ms0123 لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ~~لا شريك لك. { وليؤمنوا بي } والإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت ~~بالطاغوت وأن وعدك حق وأن لقاءك حق وأشهد أنك أحد فرد صمد لم تلد ولم ~~تولد ولم يكن لك كفوا أحد وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها وأنك باعث ~~من في القبور. وروي عن ابن عباس أنه قال: ما تركت هذه الكلمات دبر كل ~~صلاة منذ نزلت هذه الآية وروي عن الكلبي أنه قال: ما تركتها منذ أربعين ~~سنة ويقال: معناه أجيبوا لي بالطاعة إذا دعاكم رسول الله - { ~~وليؤمنوا بي } أي ليصدقوا بتوحيدي. # { لعلهم يرشدون } أي يهتدون من الضلالة. قوله تعالى: { ~~أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم } يعني ~~الجماع. وروى بكر عن عبد الله المزني عن ابن عباس أنه قال: الغشيان ~~واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الجماع ولكن الله حيي كريم يكني بما ~~شاء: وسبب نزول هذه الآية # " أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - واقع امرأته بعد صلاة العشاء في ~~شهر رمضان بعد النوم فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما كنت جديرا بذلك " # فرجع مغتما فنزلت هذه الآية { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسائكم } أي رخص لكم الجماع مع نسائكم. { هن ~~لباس لكم وأنتم لباس لهن } أي هن سكن لكم وأنتم سكن ~~لهن. ويقال: هن ستر لكم من النار وأنتم ستر لهن من النار { علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } أي تظلمون أنفسكم ~~قال القتبي: أصل الخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه ~~وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة لأن الإنسان قد أؤتمن على دينه فإذا ~~فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه فقد خانه بمعصيته. { ~~فتاب عليكم } أي فتجاوز عنكم { وعفا عنكم } ولم يعاقبكم ~~بما فعلتم { فالآن باشروهن } أي جامعوهن { وابتغوا ما ~~كتب الله لكم } يعني اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد الصالح. ~~وقال الزجاج: { وابتغوا ما كتب ms0124 الله لكم } أي اتبعوا ~~القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به. # " { وكلوا واشربوا } نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل ~~بالنهار فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئا فأصبح صائما ~~فأجهده الصوم فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر النهار فقال ~~له: " مالك يا ابن قيس أمسيت طليحا " # فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين حتى أمسيت فأتيت أهلي ~~فأرادت أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت علي [فنمت] فأيقظوني وقد حرم علي ~~الطعام والشراب فلم آكل فأصبحت صائما فأمسيت وقد أجهدني الصوم. فنزلت ~~هذه الآية { وكلوا واشربوا } { حتى يتبين لكم } ~~وهذا أمر أباحه الله وليس بأمر حتم. كقوله: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2]. وكقوله: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله # [الجمعة: 10] [فلفظه] لفظ الأمر والمراد به الإباحة وقد أباح الله الأكل ~~والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله: { وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود } أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل. ويقال: في ~~الابتداء (لما) نزل قوله تعالى: { حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } كان بعضهم يأخذ ~~خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب حتى يتبين ~~له الأسود من الأبيض. # " وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين فجعلت أنظر إليهما ~~فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبرته فتبسم وقال: " إنك لعريض القفا إنما هو سواد الليل ~~وبياض النهار " # فنزل قوله: { من الفجر } فارتفع الاشتباه. ثم قال تعالى: { ثم ~~أتموا الصيام إلى اليل } أي إلى أول الليل وهو غروب ~~الشمس. { ولا تبشروهن } يقول: ولا تجامعوهن { وأنتم ~~عكفون في المسجد } يقول: ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها ~~وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام فكان الرجل إذا كان ~~[معتكفا] فإذا بدا له خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى ~~المسجد فنزلت هذه الآية: { ولا تبشروهن } أي ms0125 لا تجامعوهن ~~ليلا ولا نهارا { وأنتم عكفون في المسجد } { تلك ~~حدود الله } قال الكلبي: يعني المباشرة في الاعتكاف معصية الله { ~~فلا تقربوها } في الاعتكاف. وقال الزجاج: الحد في اللغة هو المنع ~~فكل من منع فهو حداد ولهذا سمي حد الدار حدا لأنه يمنع [الغير عن] ~~دخولها. { كذلك يبين الله آياته للناس } يعني النهي عن ~~الجماع { لعلهم يتقون }. الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف. ~~ويقال { تلك حدود الله } أي جميع ما ذكر الله تعالى من أول ~~الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره ونبين لهم الآيات لعلهم يتقون ~~فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم. ### || [2.188] # قوله: { ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالباطل } أي ~~بالظلم وشهادة الزور { وتدلوا بها إلى الحكام } يقول ~~تلجأوا بالخصومة إلى الحكام. وقال الزجاج: تعملون بما يوجبه ظاهر الحكم، ~~وتتركون ما علمتم أنه الحق. { لتأكلوا فريقا } يعني طائفة { ~~من أموال الناس بالإثم } أي باليمين الكاذبة وشهادة الزور. ~~ويقال: بالإثم أي بالجور. { وأنتم تعلمون } أنه جور ويقال: إنكم ~~تعلمون أنكم تأخذون بالباطل. وهذه الآية # " نزلت في شأن امرىء القيس بن عباس الكندي وعيدان بن أشوع الحضرمي ~~اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فادعى أحدهما على صاحبه ~~شيئا، فأراد الآخر أن يحلف بالكذب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: " إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق ~~أخيه وأرى أنه من حقه وأنه لا يرى أنه من حقه فإنما أقضي له بقطعة من ~~النار " # فنزلت هذه الآية فيهما، وصارت عامة لجميع الناس وروى سعيد بن المسيب عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " شاهد الزور إذا شهد لا يرفع قدميه من مكانهما حتى يلعنه الله من فوق ~~عرشه ". ### || [2.189] # قوله تعالى: { يسألونك عن الأهلة } الأهلة: [جمع هلال] ~~واشتقاقه من قولهم: استهل الصبي إذا صاح وأهل بالحج: أي رفع صوته ~~بالتلبية وكذلك الهلال يسمى هلالا لأنه يهل الناس بذكره أي يرفعون الصوت ~~عند رؤيته وإنما سمي الشهر شهرا لشهرته. وقال الضحاك في معنى ms0126 الآية: إن ~~المسلمين سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن خرص النخيل والتصرف ~~في زيادة الشهر ونقصانه، فنزلت هذه الآية: { يسألونك عن ~~الأهلة } { قل هي مواقيت للناس والحج } أي التصرف ~~في حال زيادته ونقصانه سواء. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت هذه ~~الآية في شأن معاذ بن جبل وثعلبة بن غمة الأنصاري، لأنهما قالا يا رسول ~~الله ما بال الهلال يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ~~ويستدير ثم ينقص [فنزلت هذه الآية] { يسألونك عن الأهلة: ~~قل هي مواقيت للناس والحج } أي هي: علامات للناس في حل ~~ديونهم وصومهم وفطرهم وعدة نسائهم ووقت الحج. ثم قال تعالى: { وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن ~~البر من اتقى } قال الضحاك: وذلك أن الكفار كانوا لا يدخلون ~~البيت في أشهر الحج من بابه وكانوا يدخلونه من أعلاه فنزلت هذه الآية: ~~وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وذلك أن الناس كانوا في الجاهلية وفي ~~أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم قبل الحج فإن كان من أهل المدن يعني من ~~أهل البيوت ثقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج أو يضع سلما فيصعد منه ~~وينحدر عليه وإن كان من أهل الوبر يعني من أهل الخيام يدخل من خلف الخيمة ~~إلا من الحمس وإنما سموا الحمس لأنهم يحمسون في دينهم أي شددوا على ~~أنفسهم فحرموا أشياء أحلها الله لهم وحللوا أشياء كانت حراما على غيرهم ~~وهو الدخول من الباب. فنزلت هذه الآية: { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها } يعني ليس التقوى بأن تأتوا البيوت ~~من خلفها إذا أحرمتم. { ولكن البر } يعني التقوى { من ~~اتقى } أي أطاع الله واتبع أمره ويقال: ولكن ذو البر من اتقى الشرك ~~والمعاصي. ثم قال تعالى: { وأتوا البيوت من أبوبها } يعني ~~أدخلوها محلين ومحرمين { واتقوا الله } ولا تقتلوا الصيد في ~~إحرامكم وهذا قول الكلبي وقال مقاتل: واتقوا الله ولا تعصوه. { ~~لعلكم تفلحون } أي تنجون من العقوبة. ### || [2.190-194] # قوله تعالى { وقتلوا في ms0127 سبيل الله الذين ~~يقتلونكم ولا تعتدوا } وذلك أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة فنزل بالحديبية بقرب مكة ~~والحديبية: اسم بئر فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر فصده المشركون عن ~~البيت فأقام بالحديبية شهرا فصالحه المشركون على أن يرجع من عامه كما ~~جاء على أن تخلى له مكة في العام المقبل ثلاثة أيام وصالحوه على أن لا ~~يكون بينهم قتال إلى عشر سنين فرجع إلى المدينة وخرج في العام الثاني ~~للقضاء فخاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتلهم المشركون ~~وكرهوا القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية { وقتلوا في ~~سبيل الله } أي في طاعة الله { الذين يقتلونكم } يعني ~~في الحرم أو في الشهر الحرام { ولا تعتدوا } بأن تنقضوا العهد ~~وتبدءوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم { إن الله لا ~~يحب المعتدين } يعني من يبدأ بالظلم. { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم } أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم، والشهر الحرام. ~~فأمرهم الله تعالى: بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله { ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } من مكة { والفتنة } ~~أي الشرك بالله { أشد } أي أعظم عند الله { من القتل } في ~~الشهر الحرام. { ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام } ~~أي في الحرم { حتى يقتلوكم فيه } أي يبدؤكم بالقتال { ~~فإن قتلوكم } أي بدأوكم بالقتال { فاقتلوهم كذلك ~~جزاء الكفرين } أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره. قرأ حمزة ~~والكسائي: (ولا تقتلوهم) بغير ألف (حتى يقتلوكم) (فإن قاتلوكم) وقرأ ~~الباقون في هذه المواضع الثلاثة: بالألف. فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ~~ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم. { فإن ~~انتهوا } عن قتالكم { فإن الله غفور رحيم } أي إذا ~~أسلموا وهذا كقوله: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف # [الأنفال: 38]. { وقتلوهم } يعني أهل مكة { حتى لا تكون ~~فتنة } يعني الشرك بالله { ويكون الدين } كله { لله } يعني ~~الإسلام { فإن انتهوا } عن قتالكم وتركوا الشرك { فلا عدون ~~} يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل { إلا على الظلمين } ~~الذين ms0128 بدأوكم بالقتال. وقال القتبي: أصل العدوان الظلم يعني لا جزاء ~~للظلم إلا على الظالمين فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~حتى دخلوا مكة وطافوا بالبيت ونحروا الهدي وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم ~~انصرفوا فنزلت هذه الآية { الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~} يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه ~~العام الأول وهو ذو القعدة { والحرمت قصاص } (أي ما اقتصصت ~~لكم في ذي القعدة كما صدوكم. ويقال: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام ~~فقاتلوهم في الشهر الحرام والحرمات قصاص) يعني قتالكم يكون لقتالهم ~~قصاصا فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون [أيضا] ذلك. # ويقال: إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا: في أي ~~شهر يحرم عليكم القتال؟ وأرادوا أن يقفوا على ذلك حتى يقاتلوهم في الشهر ~~الذي حرم القتال على المؤمنين فنزل قوله: { ولا تقتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه } أي في وقت ~~قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم. ثم قال تعالى { فمن اعتدى ~~عليكم } أي قاتلكم في الشهر الحرام { فاعتدوا عليه } أي ~~قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل ~~اسمه وهذا كقوله عز وجل: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126]؛ ثم صارت هذه الآية حكما في جميع الجنايات إن من جنى على ~~إنسان أو في ماله فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية: { فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم } ثم قال { واتقوا الله } عن الاعتداء قبل أن يعتدوا ~~عليكم { واعلموا أن الله مع المتقين } يعني يعين من ~~اتقى الاعتداء ### || [2.195] # { وأنققوا في سبيل الله } أي في طاعة الله. قال ابن عباس: ~~وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أمر الناس بالخروج إلى ~~الجهاد قام إليه ناس من الأعراب حاضري المدينة فقالوا: بماذا نجهز؟ ~~فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد فنزل قوله تعالى { وأنفقوا في ~~سبيل الله } يعني تصدقوا يا أهل الميسرة (في سبيل الله) أي في طاعة ~~الله { ولا تلقوا بأيديكم إلى ms0129 التهلكة } يعني ولا ~~تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال مقاتل. ومعنى قول ابن عباس ~~ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا أي لا تمسكوا عن النفقة والعون للضعفاء ~~فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلب عليكم العدو فتهلكوا ومعنى آخر: ولا تمسكوا ~~فيرث منكم غيركم فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم. معنى آخر: ولا تمسكوا ~~فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة. ويقال: { ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة } يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم ~~فتهلكوا. وقال الزجاج: التهلكة: معناه الهلاك يقال: هلك يهلك هلاكا ~~وتهلكة: معناه إن لم تنفقوا عصيتم الله فهلكتم وروي عن البراء بن عازب أن ~~رجلا سأله عن التهلكة فقال: أهو الرجل إذا التقى الجمعان فحمل فيقاتل ~~حتى يقتل؟ قال: لا ولكن الرجل يذنب ثم لا يتوب. وقال قتادة قيل لأبي ~~هريرة: ألم تر سعد بن هشام لما التقى الصفان حمل فقاتل حتى قتل ألقى بيده ~~إلى التهلكة؟ فقال أبو هريرة: كلا والله ولكنه تأويل آية من كتاب الله: # ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله # [البقرة: 207]. وقال أبو عبيدة السلماني: التهلكة أن يذنب (الرجل) فيقنط ~~من رحمة الله فيهلك. وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: نزلت هذه الآية ~~فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله دينه وكثرنا قلنا فيما بيننا: إن ~~أموالنا قد ضاعت فلو أقمنا فيها وأصلحنا منها ما ضاع فأنزل الله تعالى: { ~~ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } فكانت التهلكة: في ~~الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها فأمرنا بالغزو ثم قال ~~تعالى: { وأحسنوا } أي أحسنوا النفقة من الصدقة { إن الله ~~يحب المحسنين } في النفقة ويقال: وأحسنوا في النفقة أي أخلصوا ~~النية في النفقة ويقال: أحسنوا الظن بالله تعالى فيما أنفقتم أنه يخلف ~~عليكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة ### || [2.196-202] # قوله تعالى: { وأتموا الحج والعمرة لله } قرأ ~~الشعبي: (والعمرة لله) بالضم على معنى الابتداء وقرأ العامة (والعمرة) ~~بالنصب على معنى البناء قال ابن عباس: تمام العمرة إلى البيت وتمام الحج ~~إلى آخر الحج. وقال مقاتل: ms0130 { وأتموا الحج والعمرة ~~لله } من المواقيت ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم ~~كانوا يشركون في إحرامهم ومعنى قول مقاتل: أنهم كانوا يشركون فيقولون: ~~لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فقال: ~~وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئا آخر. ثم خوفهم فقال: { واعلموا ~~أن الله شديد العقاب } فيما تعديتم ثم قال عز وجل { فإن ~~أحصرتم } أي حبستم عن البيت بعدما أحرمتم. وقال القتبي: الإحصار هو ~~أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو. وقال ~~الفراء: الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره. ~~وقال بعضهم: لا يكون الإحصار إلا من العدو وقال بعضهم: يكون من العدو ~~[وغيره] وبه قال علماؤنا - رحمهم الله -. ثم قال: { فما استيسر ~~من الهدي } أي ابعثوا [إلى البيت ما استيسر] من الهدي والله تعالى ~~رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي فينزع عنه بمكة ~~ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه ويرجع إلى أهله ثم يقضي حجه وعمرته ~~بعد ذلك. ثم قال تعالى: { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله } يعني المحصر إذا بعث بالهدي لا يجوز له أن يحل من ~~إحرامه ما لم يذبح هدية يقول: لا يحلق رأسه حتى يكون اليوم الذي واعده ~~فيه ويعلم أن هديه قد ذبح ثم صار هذا أصلا لجميع الحجاج من كان قارنا ~~أو متمتعا لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن ~~محصرا. ثم قال تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو به أذى ~~من رأسه ففدية من صيام } يعني إذا حلق رأسه على وجه ~~الإضمار مثل قوله تعالى: # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # [البقرة: 184] يعني إذا كان أفطر. وروي # " عن كعب بن عجرة أنه قال: في نزلت [هذه الآية]. وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مر بي والقمل يتناثر على وجهي فقال: أيؤذيك ms0131 هوام رأسك ~~فقلت نعم فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال: احلق رأسك وأطعم ستة مساكين لكل ~~مسكين نصف صاع من حنطة أو صم ثلاثة أيام أو انسك نسيكة " # يعني اذبح شاة فنزلت هذه الآية: { فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه ففدية من صيام } { أو صدقة ~~أو نسك } أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله. # ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها: بتشديد الياء. وواحدها هدية. ~~وقرأ الباقون: بالتخفيف يقال للواحدة: هدي وهدية. ثم قال { فإذا ~~أمنتم } وهذا على سبيل الاختصار والإضمار. ومعناه فإذا أمنتم من ~~العدو فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة. ويقال: إذا أمنتم من العدو ~~وبرأتم من المرض فحجوا واعتمروا. { فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي } يعني فعليه ما تيسر من الهدي ~~وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج. والمحرمون أربعة: ~~مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمع والقارن فأما المفرد بالحج أن يحج ~~ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر ~~الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعدما فرغ من عمرته وأما القارن فهو الذي يحرم ~~بالحج والعمرة جميعا: فمن كان مفردا بالحج أو بالعمرة فلا يجب عليه ~~الهدي ومن كان متمتعا أو قارنا فعليه الهدي. وقال عبد الله بن عمر أنه ~~قال: الهدي: الجزور وقال ابن عباس: أقله شاة وبه قال علماؤنا ثم قال { ~~فمن لم يجد } الهدي { فصيام ثلثة أيام في الحج ~~}. قال ابن عباس: آخرها يوم عرفة. { وسبعة إذا رجعتم }. قال ~~بعضهم: إذا رجعتم إلى أهليكم. وقال بعضهم: إذا رجعتم من منى: وقال بعضهم: ~~إذا رجعتم إلى الأمر الأول يعني إذا فرغتم من أمر الحج وبهذا القول نقول ~~ثم قال: { تلك عشرة كاملة } في البدل يعني العشرة (الكاملة) ~~كلها بدل عن الهدي يعني { ذلك } الفداء { لمن لم يكن أهله ~~حاضري المسجد الحرام } أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في ~~الحرم. وقال قتادة ومقاتل: ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضري ms0132 المسجد ~~الحرام يعني الحرم. { واتقوا الله } فيما أمركم به ونهاكم عنه. { ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } إن خالفتم. { الحج ~~أشهر معلومت } أي وقت الحج أشهر معلومات وهو: شوال وذو ~~القعدة وعشرة من ذي الحجة { فمن فرض فيهن الحج }. قال ~~القتبي: الفرض وجوب الشيء يقال: فرضت عليك كذا أي أوجبته قال الله تعالى ~~{ فنصف ما فرضتم } أي ما ألزمتم أنفسكم. وقال: # قد علمنا ما فرضنا عليهم فى أزوجهم # [الأحزاب: 50] وقال تعالى: { فمن فرض فيهن الحج } أي فمن ~~أحرم في هذه الأشهر بالحج { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال }. ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فلا رفث ولا فسوق) بالرفع مع التنوين والباقون ~~بالنصب بغير تنوين. واتفقوا في قوله: (ولا جدال) بالنصب غير أبي جعفر ~~المدني فإنه قرأ بالرفع وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا ~~التبرية فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين وإن شاء ضمه بالتنوين مثل ~~قوله # ولا خلة # [البقرة: 254] # ولا شفعة # [البقرة: 254] وتفسير الرفث هو الجماع كقوله: # أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم # [البقرة: 187]؛ وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء والفسوق: هو ~~السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه. أي من كان محرما لا يجامع ~~في إحرامه ولا يسب ولا يماري ويقال: الفسوق الذبح للأصنام. كقوله تعالى: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام: 145] والجدال هو أن قريشا كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون ~~كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلا. وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج ~~في ذي الحجة فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي ~~القعدة وعامين في ذي الحجة فلما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مكة بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع وافق ذلك (أول) عام في ذي الحجة ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # يعني رجع أمر الحج ms0133 [إلى ذي الحجة] كما كان فنزل: { ولا جدال } { ~~في الحج } ثم قال: { وما تفعلوا من خير } يعني من ترك ~~الفسوق والمرأة والجدال { يعلمه الله } أي يقبله الله فيجازيكم ~~به. { وتزودوا } في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن ~~المسألة. { فإن خير الزاد التقوى } قال مقاتل وذلك أن ~~أناسا من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد ويصيبون من أهل الطريق ظلما ~~فنزلت في شأنهم { وتزودوا [فإن خير الزاد التقوى } ~~]. وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى ~~فإن خير الزاد التقوى. ويقال خير الزاد التقوى هو التوكل على الله وأن لا ~~يؤذي أحدا لأجل الزاد والطعام. ثم قال: { واتقون يا أولي ~~الألبب } يعني اطيعوني يا ذوي [الألباب] أي العقول فيما أمرتكم به. ~~{ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } ~~وذلك أنهم كانوا إذا حجوا كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج فلم ~~يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك ~~فقال تعالى { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } (أي لا مأثم عليكم) أن تطلبوا رزقا من ربكم من التجارة في ~~أيام الحج. وقال مقاتل: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عن سوق ~~عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في [التجارة] قبل الحج ~~وبعد الحج فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟ فنزلت هذه الآية. ~~ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلا سأله فقال: إني رجل أكري ~~الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي: فقال أولست تلبي؟ وتقف بعرفات وترمي ~~الجمار؟ فقال: [بلى] فقال: [سأل رجل] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن مثل ما سألتني فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: { ليس عليكم ~~جناح [أن تبتغوا فضلا من ربكم } ] وروي عن ابن عباس ~~نحوه. # ثم قال تعالى: { فإذا أفضتم من عرفت } يقول إذا رجعتم ~~من عرفات بعد غروب الشمس { فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام } يعني بالمزدلفة. وقال عطاء: إنما سميت عرفات ms0134 لأن جبريل كان ~~يعلم إبراهيم - عليه السلام - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت فيقول ~~عرفت فسميت عرفات. وقال ابن عباس: إنما سميت منى لأن جبريل قال لآدم ~~عليهما السلام: تمن قال: أتمنى الجنة فسميت منى قال: وإنما سمي الجمع ~~جمعا لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضا: هو المزدلفة وهو المشعر ~~الحرام. ثم قال: { واذكروه كما هداكم } يقول: (اشكروا الله) ~~كما هداكم لدين الإسلام { وإن كنتم } أي وقد كنتم { من قبله ~~لمن الضالين } عن الهدى وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات ~~وكان الناس يقفون خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات ويفيضون ~~منها فأمر الله تعالى قريشا أن يقفوا من حيث وقف الناس ويفيضوا من حيث ~~أفاض الناس فقال تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله } تعالى لذنوبكم في الموقف { إن الله ~~غفور رحيم } متجاوز عن ذنوبكم. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يخرج بالناس جميعا إلى عرفات فيقف بها. وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " إن الله تعالى يباهي ملائكته بأهل عرفات ويقول: انظروا إلى عبادي ~~جاءوا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا: أني قد غفرت لهم " # ثم قال تعالى: { فإذا قضيتم منسككم } أي فرغتم من أمر ~~حجكم. { فاذكروا الله } باللسان { كذكركم ءاباءكم } في ~~ذلك الموقف { أو أشد ذكرا } يقول: أو أكثر ذكرا وذلك أن العرب ~~كانوا إذا فرغوا من حجهم وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل ثم ذكر ~~كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون قال الله تعالى: ~~(فاذكروني) بالخير { كذكركم ءاباءكم } بالخير فإن ذلك الخير مني ~~وقال عطاء بن أبي رباح: قوله { كذكركم ءاباءكم } هو كقول الصبي: ~~أبه أبه يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله: أب أب ويقال ~~فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم لأنه لا أب له بل أشد ذكرا لأني ~~خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات ثم قال تعالى: ms0135 { ~~فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا فى الدنيا } وهم ~~المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما ~~وعبيدا وإماء وأموالا ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة ~~فأنزل الله تعالى: { فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا في ~~الدنيا } { وما له في الآخرة من خلق } أي من نصيب. # { ومنهم من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة } ~~قال ابن عباس: يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة { وفي الآخرة ~~حسنة } أي الجنة وقال القتبي: الحسنة النعمة كقوله: # إن تصبك حسنة تسؤهم # [التوبة: 50] أي نعمة وقال الحسن البصري: (آتنا في الدنيا حسنة) أي ~~العلم والعبادة (وفي الآخرة حسنة) أي الجنة [قال الإمام: حسنة الدنيا ~~ثوابك وقوت من الحلال يكفيك وزوجة صالحة ترضيك وعلم إلى الحق يهديك وعمل ~~صالح ينجيك. وأما حسنة الآخرة فارضاء الخصومات وعفو السيئات وقبول ~~الطاعات والنجاة من الدركات والفوز بالدرجات] { وقنا عذاب النار ~~} أي ادفع عنا عذاب النار. { أولئك } يعني المؤمنين الذين يدعون ~~بهذا الدعاء { لهم نصيب } أي حظ { مما كسبوا } من حجهم ~~ويقال: لهم ثواب مما عملوا. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا كان على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم ما كنت (معاقبني) به في ~~الآخرة فعجله لي في الدنيا فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه فأخبر بذلك ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " يا ابن آدم إنك لا تستطيع أن تقوم بعقوبة الله تعالى ولكن قل: ربنا ~~آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " # فدعا بها الرجل فبرأ. ثم قال: { والله سريع الحساب } قال ~~الكلبي: إذا حاسب فحسابه سريع ويقال: والله سريع الحفظ. وقال الضحاك: ~~يعني لا يخالطه العباد في الحساب يوم القيامة ولا يشغله ذلك. ويقال: ~~يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة. ### || [2.203] # { واذكروا الله في أيام معدودات } أي معروفات وهي أيام ~~التشريق. وقال القتبي: أيام التشريق (والمعلومات أيام العشر). [وقال ~~يحيى بن ms0136 سعيد: سألت عطاء عن الأيام المعدودات وعن المعلومات قال: ~~الأيام المعدودة: أيام النحر والمعلومات: أيام العشر. وقال بعضهم الأيام ~~المعدودات أيام التشريق بدليل ما سبق في سياق الآية: { فمن تعجل ~~في يومين فلا إثم عليه } والمعلومات أيام النحر بدليل ~~قوله: (في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) فذكر النحر في ~~تلك الأيام. وقال الضحاك: معنى قوله: { واذكروا الله في ~~أيام معدودت } [أي معروفات وهي أيام التشريق] أي كبروا دبر كل ~~صلاة من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ويقال: { واذكروا الله ~~في أيام معدودت } يعني التكبير عند رمي الجمار. قوله: { فمن ~~تعجل في يومين } أي رجع إلى أهله بعدما رمى في يومين وترك ~~الرمي في اليوم الثالث { فلا إثم عليه } [في تعجيله { ومن ~~تأخر } إلى آخر النفر { فلا إثم عليه } في تأخيره] { لمن ~~اتقى } يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحرم. وقال قتادة: ذكر لنا أن ~~ابن مسعود قال: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى في حجه. ويقال: لمن اتقى بعد ~~انصرافه من حجه عن جميع المعاصي وإنما حذرهم الله تعالى لأنهم إذا رجعوا ~~من حجهم يجترؤون على الله تعالى بالمعاصي فحذرهم عن ذلك فقال: { ~~واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون } ~~فيجازيكم بأعمالكم. ### || [2.204-206] # { ومن الناس من يعجبك قوله } يعني كلامه وحديثه وهو أخنس ~~بن شريق كان حلو الكلام حلو المنظر فاجر السريرة. وروى أسباط عن السدي ~~قال: أقبل أخنس بن شريق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ~~فقال: إنما جئت أريد الإسلام وقال: الله يعلم أني صادق فأعجب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقوله ثم خرج من عنده فمر بزرع للمسلمين فأحرقه ومر ~~[بحمار للمسلمين فعقره] فنزلت هذه الآية { ومن الناس من ~~يعجبك قوله في الحيوة الدنيا } أي يعجبك كلامه ~~وحديثه { ويشهد الله على ما في قلبه } من الضمير أنه ~~يحبه وهو يريد الإسلام { وهو ألد الخصام } أي شديد الخصومة. ~~قال القتبي: أي أشدهم خصومة. يقال: رجل ألد بين اللد واللدد، وقوم لد كما ~~قال في ms0137 آية أخرى: # وتنذر به قوما لدا # [مريم: 97] ثم قال: { وإذا تولى سعى في الأرض } يقول: ~~إذا فارقك رجع عنك سعى في الأرض [أي مضى في الأرض بالمعاصي] { ليفسد ~~فيها } أي يعصي الله في الأرض { ويهلك الحرث والنسل } أي ~~يحرق الكدس ويعقر الدواب { والله لا يحب الفساد } أي لا ~~يرضى بعمل المعاصي. { وإذا قيل له اتق الله } في صنعك { ~~أخذته العزة } أي الحمية { بالإثم } يعني الحمية في الإثم ~~يعني تكبرا يقول الله تعالى: { فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد } أي ولبئس الفراش ولبئس القرار. [فهذه الآية نزلت في شأن] ~~أخنس بن شريق ولكنها صارت عامة لجميع الناس فمن عمل مثل عمله استوجب تلك ~~العقوبة. وقال بعض الحكماء إن من يقتل حمارا ويحرق كدسا استوجب الملامة ~~ولحقه الشين إلى يوم القيامة فالذي يسعى بقتل مسلم كيف يكون حاله وذكر أن ~~يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد فاختلف إلى بابه سنة فلم تنقض ~~حاجته فوقف يوما على الباب فلما خرج هارون الرشيد سعى ووقف بين يديه ~~وقال: اتق الله يا أمير المؤمنين فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا لله ~~تعالى فلما رفع رأسه أمر [به] فقضيت حاجته فلما رجع قيل: يا أمير ~~المؤمنين نزلت عن دابتك بقول يهودي؟ قال: لا ولكن تذكرت قول الله تعالى { ~~وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } ~~إلى آخره وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إذا دعيتم إلى الله فأجيبوا وإذا سئلتم بالله فأعطوا فإن المؤمنين ~~كانوا كذلك ". ### || [2.207] # ثم قال تعالى: { ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء ~~مرضات الله } قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في شأن صهيب بن سنان ~~الرومي مولى عبد الله بن جدعان وفي نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - منهم [ياسر أبو] عمار بن ياسر وسمية أم عمار وخباب بن الأرت ~~وغيرهم أخذهم المشركون فعذبوهم فأما صهيب فإنه كان شيخا كبيرا وله مال ~~ومتاع فقال لأهل مكة: إني شيخ كبير وإني لا أضركم إن كنت ms0138 معكم أو مع ~~عدوكم فأنا أعطيكم مالي ومتاعي وذروني وديني أشتريه منكم بمالي ففعلوا ~~ذلك فأعطاهم ماله إلا مقدار راحلته وتوجه إلى المدينة فلما دخل المدينة ~~لقيه أبو بكر فقال له: ربح البيع يا صهيب فقال له: وبيعك فلا يخسر فقال: ~~وما ذلك يا أبا بكر فيخبره بما نزل فيه ففرح بذلك صهيب. وقتل ياسر أبو ~~عمار وأم عمار سمية فنزلت هذه الآية في شأن صهيب { ومن الناس من ~~يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله } أي يشري نفسه ودينه وهذا ~~من أسماء الأضداد يقال: شرى واشترى وباع وابتاع. { ابتغاء مرضات ~~الله } أي طلب [يشتري نفسه ودينه] رضاء الله { والله رءوف ~~بالعباد } أي رحيم بهم ثم صارت هذه الآية عامة لجميع الناس من بذل ~~ماله ليصون به نفسه ودينه فهو من أهل هذه الآية. ### || [2.208-209] # { يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة } ~~قرأ نافع وابن كثير والكسائي: (السلم) بنصب السين وقرأ الباقون: بالكسر ~~(والسلم) بالكسر هو الإسلام والسلم بالنصب هو المسالمة والصلح ويقال: ~~السلم والسلم في اللغة: هو الصلح قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فيمن أسلم ~~من أهل الكتاب كانوا يتقون السبت ويحرمون أكل لحوم الجمال فنزلت: { ~~يأيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كافة }. ~~أي في شرائع دين محمد - صلى الله عليه وسلم - { ولا تتبعوا ~~خطوت الشيطن } يعني طاعات الشيطان. قال مقاتل: استأذن عبد ~~الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة وأن يعملوا ببعض ما ~~في التوراة [فنزل قوله]: { ادخلوا في السلم كافة ولا ~~تتبعوا خطوت الشيطن } فإن اتباع السنة الأولى - بعدما ~~بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - من خطوات الشيطان. وقال بعضهم { ~~ادخلوا في السلم كافة } أي اثبتوا على شرائع محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ولا تخرجوا منها وقوله: { كافة } أي عبارة عن الجميع ~~فيجوز أن يكون معناه ادخلوا جميعا ويجوز أن يكون معناه: ادخلوا في جميع ~~شرائعه ولا تتبعوا خطوات الشيطان أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها ~~الشيطان { إنه لكم عدو مبين } أي ظاهر العداوة { فإن ms0139 ~~زللتم } أي ملتم عن شرائع محمد - صلى الله عليه وسلم - { من بعد ~~ما جاءتكم البينت } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~وشرائعه { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } عزيز بالنعمة ~~حكيم في أمره وقال مقاتل أي حكيم حكم عليهم بالعذاب الشديد ### || [2.210] # { هل ينظرون } هل في القرآن على سبعة أوجه. في موضع يراد بها (قد) ~~كقوله: # هل أتاك # [الغاشية: 1] أي قد أتاك. ومرة يراد بها (الاستفهام) كقوله # هل إلى مرد من سبيل # [الشورى: 44] ومرة يراد بها (السؤال) كقوله # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا # [الأعراف: 44] ومرة يراد بها (التفهيم) كقوله: # هل أدلكم على تجرة # [الصف: 10] ومرة يراد بها (التوبيخ) كقوله: # هل أنبؤكم على من تنزل الشياطين # [الشعراء: 221] [ومرة] يراد بها (الأمر) كقوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي انتهوا ومرة يراد بها (الجحد) كقوله في هذا الموضع: { ~~هل ينظرون } { إلا أن يأتيهم الله } أي ما ينظرون. ~~وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هذا من المكتوم الذي لا يفسر... وروى ~~عبد الرزاق عن سفيان الثوري قال: قال ابن عباس تفسير القرآن على أربعة ~~أوجه: تفسير يعلمه العلماء وتفسير تعرفه العرب وتفسير لا [يقدر] أحد عليه ~~لجهالته وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل ومن ادعى علمه فهو كاذب وهذا ~~موافق لقوله تعالى # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7] [(وكذلك هذه الآية سكت بعضهم عن تأويلها وقالوا: لا يعلم ~~تأويلها إلا الله) وبعضهم تأولها فقال: هذا وعيد للكفار فقال: { هل ~~ينظرون } أي ما ينتظرون ولا يؤمنون { إلا أن يأتيهم ~~الله } يعني أمر الله تعالى كما قال في موضع آخر: # فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2] يعني أمر الله وقال بعضهم: { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله } يعني بما وعد لهم من العذاب { في ظلل من ~~الغمام } يعني في غمام فيه ظلمة [وقيل في ظلل يعني بظلل] وقال: على ~~غمام فيه ظلمة. { والملئكة } قرأ أبو جعفر بكسر الهاء يعني في ~~ظلل من الغمام وفي الملائكة قال قتادة وهي قراءة شاذة والقراءة المعروفة ms0140 ~~بالضم يعني تأتيهم الملائكة. وقال قتادة (والملائكة) يعني تأتيهم ~~الملائكة لقبض أرواحهم ويقال: يوم القيامة { وقضى الأمر } أي فرغ ~~مما يوعدون يعني دخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار { وإلى ~~الله ترجع الأمور } يعني عواقب الأمور. قرأ حمزة والكسائي وابن ~~عامر (ترجع) بنصب التاء ويكون الفعل للأمور وقرأ الباقون: بضم التاء على ~~فعل ما لم يسم فاعله. ### || [2.211] # قوله تعالى: { سل بني إسرءيل كم آتينهم } قال مقاتل: ~~معناه سل علماء بني إسرائيل كما أعطيناهم { من آية بينة } حين ~~فرق لهم البحر وأغرق عدوهم وأنزل عليهم المن والسلوى. ويقال: (كم آتيناهم ~~من آية بينة) يعني نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: { ومن ~~يبدل نعمة الله } أي يغير نعمة الله تعالى { من بعد ما ~~جاءته فإن الله شديد العقاب } يعني يقول إذا لم يشكر ~~نعمة الله تزول عنهم النعم ويستوجبوا العقوبة. ### || [2.212] # قوله تعالى: { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا } ~~قال الكلبي: نزلت في شأن رؤساء قريش زين لهم ما بسط لهم [في الدنيا] من ~~الخير { ويسخرون من الذين ءامنوا } في أمر المعيشة لأنهم ~~كانوا فقراء { والذين اتقوا } أي أطاعوا الله وهم فقراء ~~المؤمنين { فوقهم يوم القيمة } أي فوق المشركين في الجنة ~~والحجة في الدنيا. وقد اختلفوا في قوله: { زين للذين كفروا } ~~قال بعضهم: يعني زينها لهم إبليس لأن الله تعالى قد زهد فيها وأعلم أنها ~~متاع الغرور ولكن الشيطان زين لهم الأشياء كما قال في آية أخرى: # وزين لهم الشيطن أعملهم # [النمل: 24] [وقال في آية أخرى # زينا لهم أعملهم # [النمل: 4] فكان ذلك مجازاة لكفرهم] [وقال بعضهم: معناه أن الله تعالى ~~زين لهم لأنه خلق فيهم الأشياء العجيبة] فنظر إليها الذين كفروا فاغتروا ~~بها وروي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " يقول الله تعالى لملائكته: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لعصبت الكافر ~~بعصابة من ذهب ولصببت عليه الدنيا صبا " # ومصداق ذلك في القرآن # ولولا أن يكون الناس أمة وحدة # [الزخرف: 33] الآية وقال عليه الصلاة والسلام: ms0141 # " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ~~" # ثم قال تعالى: { والله يرزق من يشاء بغير حساب } أي ~~يرزق (من يشاء رزقا كثيرا لا يعرف حسابه). ويقال: (بغير حساب) أي يرزقه ~~ولا يطلب منه حسابه بما يرزقه ويقال: بغير حساب أي ليس له أحد يحاسبه منه ~~بما يرزقه ويقال: بغير حساب أي بغير احتساب. كما قال في آية أخرى # ويرزقه من حيث لا يحتسب # [الطلاق: 3] وكل ما في القرآن: { يرزق من يشاء بغير حساب ~~} فهو على هذه الوجوه الأربعة. ### || [2.213] # قوله: { كان الناس أمة وحدة } قال الزجاج: الأمة على وجوه ~~منها القرن من الناس كما يقال: مضت أحم أي قرون والأمة: الرجل الذي لا ~~نظير له ومنه قوله تعالى: # إن إبرهيم كان أمة # [النحل: 120] والأمة: الدين وهو الذي قال ها هنا: { كان الناس ~~أمة وحدة } أي على دين واحد وعلى ملة واحدة. وقال بعضهم: كان ~~الناس كلهم على دين الإسلام جميع من كان مع نوح في السفينة ثم تفرقوا. { ~~فبعث الله النبيين } وقال بعضهم: كان الناس كلهم كفارا في ~~عهد نوح وعهد إبراهيم عليهما السلام فبعث الله للناس النبيين إبراهيم ~~وإسماعيل، ولوطا وموسى ومن بعدهم { مبشرين } بالجنة لمن أطاع الله، ~~{ ومنذرين } بالنار لمن عصى الله { وأنزل معهم الكتب ~~بالحق } يقول: بالعدل { ليحكم بين الناس } أي يقضي بينهم ~~{ فيما اختلفوا فيه } من [أمور] الدين { وما اختلف فيه ~~} أي في الدين { إلا الذين أوتوه } يعين أعطوا الكتاب { من ~~بعد ما جاءتهم البينت } أي البيان من الله { بغيا ~~بينهم } يعني اختلفوا فيه حسدا بينهم { فهدى الله الذين ~~ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } أي هداهم ~~ووفقهم حتى أبصروا الحق من الباطل { بإذنه } بتوفيقه ويقال: برحمته ~~{ والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } يعني ~~الإسلام [وقال بعضهم فهدى] الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~[بإذنه] أي بعصمته والله [يعصم] من يشاء إلى دين الإسلام ويقال: يوفق ~~الله بتوفيقه إذا جهدوا في طلب الحق { والله يهدي ms0142 } أي يوفق من ~~يشاء إلى صراط مستقيم. ### || [2.214] # { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } يقول: ظننتم - أن ~~تدخلوا الجنة { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم } من أتباع الرسل من قبلكم أي لم يأتكم صفة الذين مضوا من ~~قبلكم يعني لم يصبكم مثل الذي أصاب من قبلكم. ويقال لم تبتلوا بمثل الذي ~~ابتلي من قبلكم. { مستهم البأساء والضراء } البأساء: ~~الشدة والبؤس والضراء: الأمراض والبلاء { وزلزلوا } أي حركوا ~~وأجهدوا { حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه }. ~~قال مقاتل: يعني شعيب النبي صلى الله عليه وسلم وهو اليسع. وقال الكلبي: ~~هذا في كل رسول بعث إلى أمته واجتهد في ذلك حتى قال: { متى نصر ~~الله }؟ قال الله تعالى: { ألا إن نصر الله قريب } روي ~~عن الضحاك أنه قال: يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ومعنى ذلك أظننتم ~~أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا كما ابتلي الذين من قبلكم مستهم البأساء ~~والضراء وزلزلوا فيصيبكم مثل ذلك حتى يقول: محمد - صلى الله عليه وسلم -: ~~{ متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } يعني فتح ~~الله تعالى قريب أي فتح الله تعالى إلى مكة عاجلا. وإنما ظهر لهم ذلك في ~~يوم الأحزاب فأصابهم خوف شديد وكانوا كما قال الله تعالى # وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله ~~الظنونا # [الأحزاب: 10] فصدق الله وعده وأرسل عليهم ريحا وجنودا وهزم الكفار ~~فذلك قوله تعالى: { ألا إن نصر الله قريب } قرأ نافع: (حتى ~~يقول الرسول) بالرفع على معنى المستأنف. وقرأ الباقون: بالنصب على معنى ~~الماضي. ### || [2.215] # قوله تعالى: { يسألونك ماذا ينفقون } وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما حثهم على الصدقة قال عمرو بن الجموح: يا رسول الله: ~~كم ننفق وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية: { يسألونك ماذا ~~ينفقون } أي ماذا يتصدقون من أموالهم. { قل ما أنفقتم من ~~خير } أي من مال { فللولدين والأقربين واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل } يعني أنفقوا على الوالدين ~~والقرابة وعلى جميع المساكين فهذا جواب لقولهم: على من ننفق؟ ونزل في ~~جواب قولهم: ماذا ننفق؟ قوله تعالى: # قل العفو # [البقرة: ms0143 219] أي الفضل من المال ثم نسخ ذلك بآية الزكاة. وقال بعضهم: ~~آية الزكاة نسخت كل صدقة كانت قبلها. وقال بعضهم: هذه الآية ليست بمنسوخة ~~وإنما فيها بر الوالدين وصلة الأرحام. ثم قال تعالى: { وما تفعلوا ~~من خير فإن الله به عليم }. أي يجازيكم به. ### || [2.216-217] # { كتب عليكم القتال } أي فرض عليكم القتال { وهو كره ~~لكم } أي شاق عليكم وذلك أن الله تعالى لما أمرهم بالجهاد كرهوا ~~الخروج وإنما كانت كراهيتهم له لأنه كان في الخروج عليهم مشقة لا أنهم ~~كرهوا فرض الله تعالى. ثم قال { وعسى أن تكرهوا شيئا } يعني ~~الجهاد { وهو خير لكم } لأن فيه فتحا وغنيمة وشهادة وفيه ~~إظهار الإسلام { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ~~وهو الجلوس عن الجهاد لأنه يسلط عليكم عدوكم { والله يعلم } أن ~~الجهاد خير لكم { وأنتم لا تعلمون } [أن ذلك خير] حين أحببتم ~~القعود عن الجهاد [ويقال: والله يعلم ما كان فيه صلاحكم وأنتم لا تعلمون ~~ذلك قوله تعالى]: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد الله بن جحش مع ~~تسعة رهط في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين إلى عير لقريش فلقوا العير وكان ~~ذلك في آخر الشهر فأمر عبد الله بن جحش بعض أصحابه فحلق رأسه فلما رآهم ~~المشركون آمنوا وظنوا أنه دخل رجب فقاتلهم المسلمون وأخذوا أموالهم ~~فعيرهم المشركون بذلك فنزلت هذه الآية: { يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه } قال الزجاج: معناه يسألونك عن القتال في ~~الشهر الحرام. وقال القتبي يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز؟ ~~فأبدل قتالا من الشهر الحرام { قل قتال فيه كبير } أي عظيم ~~عند الله وتم الكلام ثم قال: { وصد عن سبيل الله } يقول منع ~~الناس عن الكعبة أن يطاف بها { وكفر به } أي بالله تعالى ويقال: { ~~وكفر به } أي بالحج قوله { والمسجد الحرام } وإنما صار ~~خفضا لأنه عطف على سبيل الله كأنه قال: وصد عن سبيل الله وعن المسجد ~~الحرام وكفر بالله تعالى { وإخراج أهله ms0144 منه } أي من المسجد { ~~أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } أي أعظم ~~عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام { والفتنة } يعني الشرك ~~{ أكبر من القتل } أعظم عقوبة من القتل في الشهر الحرام ثم قال ~~{ ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن ~~دينكم } الإسلام إلى دينهم الكفر { إن استطاعوا } يعني إن ~~قدروا على ذلك ولكنهم لا يقدرون عليه ثم هدد المسلمين ليثبتوا على دينهم ~~الإسلام فقال تعالى: { ومن يرتدد منكم عن دينه } الإسلام { ~~فيمت وهو كافر } بالله تعالى { فأولئك حبطت ~~أعملهم } أي بطلت حسناتهم { في الدنيا والآخرة } يعني ~~لا يكون لأعمالهم التي عملوا ثواب كما قال في آية أخرى: # فجعلناه هبآء منثورا # [الفرقان: 23] وقال تعالى # فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا # [الكهف: 105] { وأولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } أي دائمون. قال الفقيه: حدثنا أبو إبراهيم محمد بن سعيد ~~قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا إبراهيم بن داود قال: حدثنا ~~المقدمي عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: حدثنا الحضرمي عن أبي السوار ~~عن جندب بن عبد الله: # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رهطا وبعث عبد الله بن جحش وكتب ~~له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال: " لا ~~تكره أحدا من أصحابك على المسير " # فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع ثم قال: [السمع والطاعة] لله ~~ولرسوله فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ~~ذلك اليوم من رجب فقال المشركون: قتلهم محمد في الشهر الحرام فأنزل الله ~~تعالى الآية: { يسألونك عن الشهر الحرام... } إلى آخر ~~الآية فقال المشركون: إن لم يكن عليهم وزر فليس لهم أجر. ### || [2.218] # فنزل: { إن الذين ءامنوا والذين هاجروا } من مكة { ~~وجهدوا في سبيل الله } أي في طاعة الله بقتل ابن الحضرمي { ~~أولئك يرجون رحمة الله } أي ينالون جنة الله { والله ~~غفور رحيم } بقتالهم في الشهر الحرام ثم نسخ تحريم القتال في ~~الشهر الحرام وصار مباحا بقوله تعالى: # فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين ~~كآفة ms0145 # [التوبة: 36]؛ فنهاهم الله عن ظلم أنفسهم بالسيئات والخطايا وأمرهم ~~بالقتال عاما وروى أبو يوسف عن الكلبي أن القتال في الشهر الحرام لا ~~يجوز. وقال أبو جعفر الطحاوي: لا نعلم أن أهل العلم اختلفوا أن قتال ~~المشركين في الشهر الحرام غير جائز. وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن ~~قتال الكفار في الشهر الحرام فقال: لا بأس به وكذلك قال سليمان بن يسار ~~وغيره. ### || [2.219-220] # ثم قال تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر } قال بعض ~~المفسرين: إن الله لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا وقد أعطى هذه الأمة ~~ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب لهم الشرائع دفعة واحدة ولكن أوجب عليهم ~~مرة بعد مرة فكذلك في تحريم الخمر كانوا مولعين على شربها فنزلت هذه ~~الآية { يسألونك عن الخمر والميسر } أي عن شرب الخمر ~~والميسر هو القمار { قل: فيهما إثم كبير } { ومنفع ~~للناس } في تجارتهم { وإثمهما أكبر من نفعهما } ~~فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم ~~كبير ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها ثم نزلت هذه ~~الآية: # يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى # [النساء: 43] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يمنعنا عن ~~الصلاة وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا: إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطن ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90] الآية فصارت حراما عليهم حتى كان بعضهم يقول: ما حرم ~~علينا شيء أشد من الخمر. وقيل: إثم كبير في أخذها ومنافع في تركها. وروي ~~أن الأعشى توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا ~~له: أين تذهب؟ فأخبرهم أنه يريد محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ~~لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة فقال: إن خدمة الرب واجبة فقالوا له: إنه ~~يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء فقال إن اصطناع المعروف واجب فقيل له إنه ~~ينهى عن الزنا فقال: إن الزنا فحش قبيح في العقل وقد صرت ms0146 شيخا فلا أحتاج ~~إليه فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر قال: أما هذا فإني لا أصبر عنه ~~فرجع. وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه فلم (يبلغ) إلى منزله حتى سقط ~~عن البعير فانكسر عنقه فمات. وقال بعضهم في هذه الآية ما يدل على تحريمه ~~لأنه سماها إثما وقد حرم الإثم في آية أخرى وهي قوله تعالى: # قل: إنما حرم ربي الفوحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي # [الأعراف: 33] وقال بعضهم أراد بالإثم الخمر بدليل قول الشاعر: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم يذهب بالعقول # وروي عن جعفر الطيار أنه كان لا يشرب الخمر في الجاهلية وكان يقول: ~~الناس [يطلبون] زيادة العقل فأنا لا أنقص عقلي. وأما الميسر فكانوا ~~يشترون جزورا ويضربون سهامهم فمن خرج سهمه أولا يأخذ نصيبه من اللحم ~~ولا يكون عليه من الثمن شيء ومن بقي سهمه آخرا فكان عليه ثمن الجزور كله ~~[وليس] له من اللحم شيئا. وقال عطاء ومجاهد: الميسر القمار (كله) حتى ~~لعب الصبيان بالجوز والكعاب. # قرأ حمزة [والكسائي]: { قل فيهما إثم كبير } بالثاء من ~~الكثرة والباقون (بالياء) كبير أي ذنب عظيم. قوله: { ويسألونك ~~ماذا ينفقون } أي ماذا يتصدقون. { قل العفو } أي الفضل من ~~المال يريد أن يعطي ما فضل من قوته وقوت عياله ثم نسخ بآية الزكاة. وقرأ ~~أبو عمرو: (قل العفو) بالرفع يعني الإنفاق وهو الزكاة هو العفو وقرأ ~~الباقون: بالنصب يعني أنفقوا الفضل. { كذلك يبين الله لكم ~~الآيت } يعني أمره ونهيه كما يبين لكم أمر الصدقة { لعلكم ~~تتفكرون }. { فى الدنيا والآخرة } يعني في الدنيا أنها ~~لا تبقى ولا تدوم ولا يدوم إلا العمل الصالح وفي الآخرة أنها تدوم وتبقى ~~ولا تزول. وقال بعضهم: معناه كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا لعلكم ~~تتفكرون في الآخرة قوله تعالى: { ويسألونك عن اليتمى } ~~يقول: عن مخالطة اليتامى وذلك أنه لما نزلت هذه الآية # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا # [النساء: 10]. تركوا مخالطتهم فشق عليهم ذلك وكان ms0147 عند الرجل منهم يتيم ~~فجعل له بيتا على حدة وطعاما على حدة ولا يخالطه بشيء من ماله فقال عبد ~~الله بن رواحة: يا رسول الله، قد أنزل الله آية في أموال اليتامى ما قد ~~أنزل من الشدة فعزلناهم على حدة أفيصلح لنا أن نخالطهم؟ فنزلت هذه الآية ~~{ ويسألونك عن اليتمى } أي عن مخالطة اليتامى { قل: ~~إصلاح لهم خير } يقول: (أي لما لهم) خير من ترك مخالطتهم { ~~وإن تخالطوهم } أي تشاركوهم في النفقة والخدمة والدابة { ~~فإخوانكم } في الدين. ويقال: الامتناع منه خير وإن تخالطوهم فهم ~~إخوانكم. { والله يعلم المفسد } لمال اليتيم { من ~~المصلح } [بماله] يعني لا بأس بالخلطة، وإذا قصدت به الإصلاح ولم ~~تقصد به الإضرار به [ثم قال] { ولو شاء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم }. قال القتبي: ولو شاء الله لضيق عليكم ولشدد ~~عليكم ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم وقال الزجاج: (لأعنتكم) [معناه] ~~لأهلككم: وأصل العنت في اللغة من [قول العرب] عنت البعير إذا انكسرت رجله ~~وحقيقته ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم. وقال الكلبي { ولو شاء ~~الله لأعنتكم } في مخالطتهم فجعلها حراما { إن الله ~~عزيز حكيم } وقد ذكرناها. ### || [2.221] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركت حتى يؤمن }. ~~نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان يأتي مكة ويخرج منها أناسا من ~~المسلمين [كانوا بها] سرا من أهل مكة فلما قدم مكة جاءته امرأة يقال لها ~~عناق كانت بينهما خلة في الجاهلية فقالت له هل لك أن تخلو بي فقال لها: ~~يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك وقد حرمت علينا ولكني أسأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتزوجك إن شئت فلما رجع إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سأله عن ذلك فنزلت هذه الآية: { ولا ~~تنكحوا المشركت حتى يؤمن } { ولأمة ~~مؤمنة } يقول: نكاح أمة مؤمنة { خير من } نكاح حرة { ~~مشركة ولو أعجبتكم } أي أعجبكم نكاحها { ولا ~~تنكحوا المشركين } يقول: لا تنكحوا نساءكم المشركين { حتى ~~يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من } تزويج { مشرك } حر ms0148 { ~~ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار } يعني إلى ~~عمل أهل النار { والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه } يعني إلى التوحيد والتوبة { بإذنه } أي بأمره ويقال: ~~يدعوكم إلى مخالطة المؤمنين لأن ذلك أوصل إلى الجنة والمغفرة بإذنه أي ~~بعلمه الذي يعلم أنه أوصل لكم إليها { ويبين آيته للناس } ~~أي أمره ونهيه في أمر التزويج { لعلهم يتذكرون } ينتهون عن ~~المعاصي والنكاح الحرام. ويقال: إن رجلا من الأنصار أعتق جارية له فأراد ~~رجل من قريش أن يتزوجها فعيروه بذلك فنزلت هذه الآية { ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة }. ### || [2.222-223] # ثم قال: { ويسألونك عن المحيض } قال ابن عباس: نزلت الآية ~~في رجل من الأنصار يقال له: عمرو بن الدحداح سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ أنقربهن أم ~~لا؟ فنزل (قوله تعالى) { ويسألونك عن المحيض } يقول عن ~~النساء إذا حضن ويقال: ويسألونك عن مجامعة النساء في المحيض. { قل: ~~هو أذى } يعني الدم هو قذر نجس { فاعتزلوا النساء في ~~المحيض } أي لا تجامعوهن [في حال] الحيض { ولا تقربوهن } ~~[يعني لا تجامعوهن وهن حيض] { حتى يطهرن }. قرأ حمزة وعاصم ~~والكسائي في رواية أبي بكر: (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء والنصب ~~والباقون: بالتخفيف أي يغتسلن وأصله (يتطهرون) فأدغمت التاء في الطاء ~~فصار (يطهرن) فمن قرأ (يطهرن) أي يغتسلن ومن قرأ (يطهرن) أي حتى يطهرن من ~~الحيض قال الفقيه الزاهد نعمل بالقراءتين جميعا فإن كانت المرأة أيام ~~حيضها أقل من عشرة أيام فلا يجوز أن يقربها ما لم تغتسل أو يمضي عليها ~~وقت صلاة وإن كانت أيام حيضها عشرة فإذا انقطع عنها الدم وتمت العشرة جاز ~~له أن يقربها بغير غسل. ثم قال تعالى: { فإذا تطهرن } يعني أي ~~اغتسلن من الحيض { فأتوهن من حيث أمركم الله } أي ~~جامعوهن من حيث رخص لكم الله في موضع الجماع. ويقال: لما نزلت هذه الآية ~~{ فاعتزلوا النساء في المحيض } اعتزلوا النساء في أيام ~~الحيض وأخرجوهن من البيوت فقدم أناس من الأعراب وقالوا: يا رسول ms0149 الله ~~البرد (شديد) وقد اعتزلنا النساء وليس كلنا يجد سعة لذلك فقال لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " إنما أمركم أن تعتزلوا (النساء عن) مجامعتهن ولم يأمركم أن تخرجوهن من ~~البيوت كما تفعل الأعاجم " # ثم قال تعالى: { إن الله يحب التوابين } (يعني التوابين ~~من الشرك) والذنوب { ويحب المتطهرين } أي من الجنابة ~~والأحداث. ويقال: ويحب المتطهرين من إتيانهن في المحيض في أدبارهن ~~يتنزهون عن ذلك ويقال: (ويحب التوابين من الذنوب والمتطهرين) الذين لم ~~يذنبوا. فإن قيل: كيف قدم بالذكر الذي تاب من الذنوب على الذي لم يذنب؟ ~~قيل له: إنما قدمهم لكيلا يقنط التائب من الرحمة ولا يعجب المتطهر بنفسه ~~كما ذكر في آية أخرى: # فمنهم ظلم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرت # [فاطر: 32] ثم قال عز وجل: { نساؤكم حرث لكم } يقول: مزرعة ~~لكم للولد { فأتوا حرثكم } والحرث في اللغة هو الزرع فسمى ~~النساء حرثا على وجه الكناية أي هن للولد كالأرض للزراعة قوله { أنى ~~شئتم } أي كيف شئتم إن شئتم مستقبلين وإن شئتم مستدبرين [إذا كان في ~~صمام واحد وذلك أن اليهود كانوا] يقولون: لا يجوز إتيان النساء إلا ~~مستلقيا وكانوا يقولون إذا أتاها من خلفها يكون الولد أحول [فنزل قوله ~~تعالى] { فأتوا حرثكم أنى شئتم } [قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " لا ينظر الله عز وجل إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها " # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ملعون من أتى امرأة في دبرها " # ثم قال تعالى: { وقدموا لأنفسكم } من الولد الصالح. ويقال ~~قدموا لأنفسكم من العمل الصالح. ويقال: سموا الله أي قولوا بسم الله ~~الرحمن الرحيم عند ذلك. ثم قال: { واتقوا الله } أي اخشوا الله ~~ولا تقربوهن في حال الحيض ولا في أدبارهن { واعلموا أنكم ~~ملقوه } أي تصيرون إليه يوم القيامة. فيجزيكم بأعمالكم { ~~وبشر المؤمنين } الذين يحافظون على حدود الله ويصدقون بوعده. ### || [2.224-226] # ثم قال عز وجل: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } ~~أي علة وأصل العرضة في اللغة: هو الإعتراض فكأنه يعترض باليمين ms0150 في كل وقت ~~فيكون كناية عن العلة. وقيل: العرضة أن يحلف (الرجل) في كل شيء فمنعوا من ~~ذلك { أن تبروا وتتقوا } يعني لكي تبروا وتتقوا لأنهم إذا ~~أكثروا اليمين لم يبروا وبهذا أمر أهل الإيمان وقال الفراء: { ولا ~~تجعلوا الله عرضة } الحلف بالله متعرضا أي مانعا لكم دون ~~البر والمتعرض بين الشيئين المانع وقال القتبي: لا تجعلوا الله بالحلف ~~مانعا لكم أن تبروا وتتقوا ولكن إذا حلفتم على أن لا تصلوا رحما ولا ~~تتصدقوا ولا تصلحوا أو على (شبه) ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين وقال ~~الكلبي: هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة الأنصاري حين حلف أن لا ~~يدخل على ختنه بشير بن النعمان ولا يكلمه فجعل يقول: قد حلفت بالله أن لا ~~أفعل ولا يحل لي (أن لا أبر) في يميني فنزل قوله تعالى: { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمنكم } يقول: علة لأيمانكم { ~~أن تبروا } يعني تصلوا قرابتكم وتتقوا اليمين في المعصية وترجعوا ~~إلى ما هو خير لكم منها { وتصلحوا بين الناس } أي بين ~~إخوانكم وروي عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: لا تحلفوا أن ~~لا تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس { والله سميع عليم } فمن ~~حلف على شيء منه فعلى الذي حلف عليه أن يفعل ويكفر عن يمينه. وقال ~~الزجاج: معنى الآية بأنهم كانوا يقبلون في البر بأنهم قد حلفوا فأعلم ~~الله تعالى أن الإثم إنما هو في الإقامة في ترك البر واليمين إذا كفرت ~~فالذنب فيها مغفور. ثم قال: { لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمنكم } أي بالإثم في الحلف إذا كفرتم { ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } بعزمكم على أن لا تبروا ولا ~~تتقوا قال ابن عباس: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمنكم } وهو أن يحلف الرجل بالله في شيء يرى أنه فيه صادق ويرى ~~أنه كذلك وليس كذلك فيكذب فيها ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم يعني هو أن ~~يحلف على شيء ويعلم أنه فيها كاذب. ويقال: لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~اليمين إذا ms0151 حلفتم وكفرتم إذا كان الحنث خيرا ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم أي أثمتم بغير كفارة { والله غفور } لمن حنث وكفر بيمينه { ~~حليم } حيث رخص لكم في ذلك ولم يعاقبكم. { للذين يؤلون من ~~نسائهم } يعني الذين يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم { تربص ~~أربعة أشهر } يعني لهم أجل أربعة أشهر بعد اليمين { فإن ~~فآءوا } يعني إن رجعوا عن اليمين وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي أربعة ~~أشهر بعد اليمين وكفروا عن أيمانهم ولا تبين المرأة عن الزوج { فإن ~~الله غفور رحيم } ### || [2.227-232] # قوله تعالى: { وإن عزموا الطلق } يعني أوجبوا الطلاق بترك ~~الجماع حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر. وقال ~~بعضهم: لا يقع الطلاق ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو ~~يطلقها. وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة أشهر وهو قول علمائنا. وروي عن ~~عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهما قالا عزيمة الطلاق انقضاء ~~أربعة أشهر وذلك قوله تعالى: { وإن عزموا الطلق } أي أوجبوا ~~الطلاق بترك الجماع { فإن الله سميع } لمقالتهم بكلمة الإيلاء ~~{ عليم } بهم. { والمطلقت يتربصن بأنفسهن } ~~يعني وجب عليهن العدة { ثلثة قروء } أي ثلاث حيض وقال بعضهم: ~~ثلاثة أطهار وقال أكثر أهل العلم: المراد به الحيض وأصل القرء: الوقت ~~وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات ولكن المراد به الخصوص ~~لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات الأمة والصغيرة والآيسة والحامل ~~وغير المدخولة ثم قال: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن } يعني الحمل والحيض لا يحل لها أن ~~تقول إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض { إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر } يقول إن كن يصدقن بالله ~~واليوم الآخر { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ~~أرادوا إصلحا } يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما ~~للرجال على النساء يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعيا { ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف } يقول بما عرف شرعا { ~~وللرجال عليهن درجة } أي فضيلة في النفقة ms0152 والمهر { ~~والله عزيز حكيم } فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه ~~الرجعة. ثم بين الطلاق الذي يملك فيه الرجعة فقال تعالى { الطلق ~~مرتان } يعني يقول الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان. { ~~فإمساك بمعروف } يعني إذا راجعها يمسكها بمعروف ينفق عليها ~~ويكسوها ولا يؤذيها ويحسن معاشرتها { أو تسريح بإحسن } يعني ~~يؤدي حقها ويخلي سبيلها. ويقال: { أو تسريح بإحسن } يعني ~~يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها ويقال: يتركها حتى تنقضي عدتها ~~(ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال أو تسرح بإحسان) قال ابن عباس: كان ~~أهل الجاهلية إذا طلق (امرأته) تطليقة أو تطليقتين كان الزوج أحق بها ~~وإذا طلقها الثالثة كانت المرأة أحق بنفسها واحتج بقول الأعشمي وكانت ~~امرأته من بني مروان فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته فلما طلقها واحدة ~~قالوا له: عد فطلقها الثانية قالوا له: عد فطلقها الثالثة فعرف أنها بانت ~~منه ولا تحل له فقال عند ذلك: # أيا جارتي بيني فإنك طالقه # كذاك أمور الناس غاد وطارقه # [وبيني فإن البين خير من العصا # وأن لا تزال فوق رأسك بارقه # وذوقي قنى الحي إني ذائق # قناة أناس مثل ما أنت ذائقه # لقد كان في شأن قومك منكح # وفتيان هزان الطوال العرايضه] # ثم قال تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~ءاتيتموهن شيئا } # " نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول وزوجها ثابت بن قيس وكانت ~~تبغضه فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: لا أنا ولا ثابت ~~فقال لها: " أتردين عليه حديقته فقالت: نعم وزيادة فقال: أما الزيادة فلا ~~" # فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوجها وخلعها من زوجها فذلك قوله ~~تعالى: { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن ~~شيئا } من المهر؛ { إلا أن يخافا } يعني: يعلما { ألا ~~يقيما حدود الله } أي أمر الله فيما أمر ونهى. قرأ حمزة (يخافا) ~~بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله والباقون: بالنصب وقرأ ابن مسعود: ~~(إلا أن يخافوا) ثم قال { فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله } يقول: ms0153 إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام { فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به } أي لا حرج على الزوج أن ~~يأخذ مما افتدت به المرأة إن كان النشوز من قبل المرأة فأما إذا كان ~~النشوز من قبل الزوج فلا يحل له أن يأخذ بدليل ما قاله في آية أخرى: # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20] ثم قال تعالى { تلك حدود الله } أي أحكامه ~~وفرائضه { فلا تعتدوها } أي لا تجاوزوها { ومن يتعد ~~حدود الله } أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى ~~أو بعمل ما نهاه { فأولئك هم الظلمون } يقول: الضارون ~~[الشاقون] بأنفسهم. ويقال: { تلك حدود الله } يعني الطلاق مرتان ~~فلا تجاوزوهما إلى الثالثة ومن يتعد حدود الله بالتطليقة الثالثة فأولئك ~~هم الظالمون { فإن طلقها } الثالثة { فلا تحل له من ~~بعد } الثالثة { حتى تنكح زوجا غيره } أي تتزوج بزوج ~~آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة وهو ما روي # " عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا (وكانت تدعى تميمة بنت ~~وهب) فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير [(فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن] ولم يكن عنده إلا ~~كهدبة الثوب فقال لها: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة فقالت نعم قال: ليس ~~ذلك ما لم تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك " # فذلك قوله تعالى: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره } يعني إذا طلقها الثالثة. قوله ~~تعالى: { فإن طلقها } يعني واحدة أو اثنتين { فلا جناح ~~عليهما } يعني المرأة والزوج { أن يتراجعا } ويقال: فإن طلقها ~~الزوج الثاني بعدما دخل عليها فلا جناح عليهما يعني المرأة والزوج الأول ~~(أن يتراجعا) يعني أن يتزوجها مرة أخرى { إن ظنا } يعني إن علما { ~~أن يقيما حدود الله } أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون ~~بينهما الصلاح بالنكاح الثاني. # قوله: { وتلك حدود الله } أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه ~~{ يبينها لقوم يعلمون } ويقال: إنما قال: { لقوم ~~يعلمون } لأن الجاهل ms0154 إذا بين له فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم ~~يحفظ ويتعاهد فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال. ثم وقوله: { ~~وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } أي مضى عليهن ~~ثلاث حيض قبل أن (يغتسلن) وقبل أن (يخرجن) من العدة { فأمسكوهن ~~بمعروف } يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان قوله { أو سرحوهن ~~بمعروف } (أولا) يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة { ولا ~~تمسكوهن ضرارا } والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث ~~حيض وأرادت أن تغتسل راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها [عدتها] ~~فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: { ولا تمسكوهن ضرارا } { ~~لتعتدوا } أي لتظلموهن { ومن يفعل ذلك } الإضرار { فقد ~~ظلم نفسه } يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار. وقال الزجاج: { ~~فقد ظلم نفسه } يعني عرض نفسه للعذاب لأن إتيان ما نهى الله ~~عنه تعرض لعذاب الله لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير [موضعه]. ثم قال: { ~~ولا تتخذوا آيت الله هزوا } يعني القرآن لعبا ويقال ~~إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقا ويجعلونه لعبا فنزل { ولا ~~تتخذوا آيت الله هزوا }. قرأ عاصم في رواية حفص: (هزوا) ~~بغير همز وكذلك قوله: # كفوا أحد # [الصمد: 4] والباقون: بالهمز. وهما لغتان ومعناهما واحد. ثم قال تعالى: ~~{ واذكروا نعمة الله عليكم } يقول احفظوا نعمة الله ~~عليكم بالإسلام { وما أنزل عليكم من الكتب ~~والحكمة } يقول احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ { ~~والحكمة } يعني الفقه في القرآن { يعظكم به } يقول: ~~ينهاكم عن الضرار { واتقوا الله } في الضرار { واعلموا ~~أن الله بكل شيء عليم } من أعمالكم فيجازيكم به. { وإذا ~~طلقتم النساء فبلغن أجلهن } يقول: انقضت عدتهن { ~~فلا تعضلوهن } يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن { أن ينكحن ~~أزوجهن إذا ترضوا بينهم بالمعروف } بمهر ونكاح ~~جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح فطلقها وتركها حتى ~~انقضت عدتها ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي ~~من وجهك حرام إن تزوجتيه فنزلت هذه الآية { فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزوجهن إذا ترضوا بينهم بالمعروف } { ~~ذلك ms0155 يوعظ به } أي يؤمر به { من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر } أي يصدق بالله واليوم الآخر { ذلكم ~~أزكى لكم } يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم { وأطهر } من ~~الريبة (أي الزنا) { والله يعلم } من حب كل واحد منهما لصاحبه { ~~وأنتم لا تعلمون } ذلك. ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة ~~لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء. وقال ~~الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل وأنتم لا تعلمون ما عليكم ~~بالتفريق من العقوبة ومن العذاب وقال مقاتل: فدعا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - معقلا وقال: # " إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي الدحداح " # فقال: آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل: أن الولي إذا منع ~~المرأة عن النكاح كان للحاكم أن يزوجها. ### || [2.233] # قوله تعالى: { والولدت يرضعن أولدهن حولين ~~كاملين } يعني سنتين كاملتين { لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة } يعني أن يكمل الرضاعة فإن قيل: لما ذكر الحولين [فما ~~الحاجة إلى] الكاملين؟ قيل له هذا للتأكيد لأن بعض الحولين يسمى حولين ~~كما قال في آية أخرى: # الحج أشهر معلومت # [البقرة: 197] وإنما هي شهران وعشرة أيام فها هنا لما ذكر الحولين ~~الكاملين علم أنه أراد الحولين بغير نقصان. ثم قال تعالى: { وعلى ~~المولود له رزقهن } أي على الأب أجر الرضاع ونفقة الأم { ~~وكسوتهن بالمعروف } أي على قدر طاقته { لا تكلف ~~نفس إلا وسعها } يعني لا يجب على الأب من النفقة والكسوة إلا ~~مقدار طاقته. { لا تضار ولدة بولدها } يقول: لا ينزع الولد ~~من الأم لكونها أحق بولدها من غيرها قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ولا تضار) ~~بضم الراء على معنى الخبر تبعا لقوله { لا تكلف نفس إلا ~~وسعها } ولفظه لفظ الخبر والمراد به النهي وقرأ الباقون: بالنصب على ~~صريح النهي. ويقال [أصله لا تضار ثم أدغمت الراء في الراء] { ولا ~~مولود له بولده } يعني الأب لا يضار بالولد فتطرح الأم الولد ~~[إليه] بعدما عرفت أنه لا يقبل ثدي غيرها فلا يجوز لها أن تفعل ذلك. ~~ويقال: ms0156 { ولا مولود له بولده } يعني إذا كان الأب يجد ~~ظئرا أرخص من الأم والأم أبت أن ترضع إلا بأجر كثير فإن الأب لا يجبر ~~على ذلك وله أن يدفع إلى ظئر أخرى. قال تعالى: { وعلى الوارث ~~مثل ذلك } يعني إذا (مات الأب) وله وارث سوى الأب فعلى وارث الصبي ~~مثل ما على الأب. ويقال على وارث الأب لا يضارها ولا تضاره ويقال مثل ذلك ~~يعني الكسوة الرزق في رضاع الصبي ونفقته { فإن أرادا فصالا } أي ~~فطاما { عن تراض منهما وتشاور } يعني الأب والأم دون ~~الحولين. ويقال: بعد الحولين { فلا جناح عليهما } (إن لم ~~يرضعاه سنتين) أي لا حرج عليهما { وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولدكم } يعني أن تأخذوا ظئرا لأولادكم إذا أرادت الأم النكاح { ~~فلا جناح عليكم إذا سلمتم } ما أتيتم بالمعروف يعني لا ~~إثم عليكم إذا أعطيتم الظئر { ما ءاتيتم بالمعروف } (ما ~~أعطيتم) بما تعرفونه. ويقال: أعطيتم ما شرطتم لهن. ثم خوفهما في الإضرار ~~فقال تعالى: { واتقوا الله } يعني الأبوين فلا يضار واحد منهما ~~لصاحبه { واعلموا أن الله بما تعملون بصير } من ~~الإضرار فيجازيكم به. قرأ ابن كثير: (ما أتيتم) بغير مد يعني ما جئتم ~~وفعلتم وقرأ الباقون بالمد يعني ما أعطيتم. ### || [2.234] # وقوله تعالى: { والذين يتوفون منكم } أي يموتون { ~~ويذرون أزوجا } أي يتركون نساء من بعدهم { يتربصن ~~بأنفسهن } يعني ينتظرن بأنفسهن { أربعة أشهر وعشرا } ~~لا يتزوجن ولا يتزين ولا يخرجن [من بيوتهن ولا يتزين] { فإذا بلغن ~~أجلهن } يعني انقضت عدتهن { فلا جناح عليكم } أي فلا إثم ~~عليكم { فيما فعلن في أنفسهن } من الزينة والكحل والخضاب. ~~وذلك أن المرأة إذا انقضت عدتها فكان أولياؤها يمنعونها من الزينة فأباح ~~الله تعالى لهن الزينة بعد العدة. ويقال: فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن { بالمعروف } يعني إذا تزوجن بزوج آخر إذا كان الزوج كفوا ~~لها فلا يمنع من نكاحها { والله بما تعملون خبير } من ~~الزينة والمنع من نكاحها وغير ذلك وهذه الآية عامة يستوي فيها المدخولة ~~وغير المدخولة (ويستوي فيها) الصغيرة والكبيرة ms0157 في وجوب العدة من الزينة ~~والمنع وغير ذلك. ### || [2.235] # { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء } فقد أباح للخاطب أن يتعرض للنكاح ونهاه عن الخطبة والعقد ~~فقال: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به } يقول: لا بأس ~~بأن يأتي الرجل المرأة المتوفى عنها زوجها فيعرض لها ويقول: إنك لتعجبيني ~~وإنك لموافقة لي فأرجو أن يكون بيننا اجتماع ونحو ذلك من الكلام فهذا هو ~~التعريض من خطبة النساء { أو أكننتم في أنفسكم } يعني ~~أضمرتم في أنفسكم. قال الزجاج: كل شيء سترته فقد أكننته [وكننته] فهو ~~مكنون فلذلك أباح الله تعالى التعريض. ثم قال: { علم الله ~~أنكم ستذكرونهن } يعني خافوا الله في العدة من تزويجهن { ~~ولكن لا تواعدوهن سرا } يعني نكاحا ويقال: جماعا. ~~وقال القتبي: سمي الجماع سرا لأنه يكون في السر فيكنى عنه { إلا أن ~~تقولوا قولا معروفا } يعني عدة حسنة نحو أنك لجميلة وإني فيك ~~لراغب وقوله تعالى { ولا تعزموا عقدة النكاح } يقول: ولا ~~تحققوا عقدة النكاح يعني لا تتزوجوهن في العدة { حتى يبلغ ~~الكتب أجله } يعني حتى تنقضي عدتها { واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم } يعني ما في قلوبكم من الوفاء ~~وغيره { فاحذروه } يعني أن تخالفوه فيما (أوجب عليكم) { ~~واعلموا أن الله غفور حليم } أي غفور ذو تجاوز حليم حيث ~~لم يعجل عليكم بالعقوبة. ### || [2.236-237] # { لا جناح عليكم } أي (لا) حرج عليكم { إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن } قرأ حمزة والكسائي (تماسوهن) بالألف ~~من المفاعلة وهو فعل بين اثنين وقرأ الباقون بغير ألف لأن الفعل للرجال ~~خاصة وقال بعضهم: المس هو الجماع خاصة فما لم يجامعها لا يجب عليه تمام ~~(المهر) وقال بعضهم: إذا جامعها أو خلا بها وجب عليه جميع الصداق إذا كان ~~سمى لها مهرا [وإن لم يكن سمى لها مهرا] فلها مهر مثلها إن دخل بها وإن ~~لم يدخل بها فلها المتعة فذلك قوله تعالى: { لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن } يعني إذا تزوج الرجل ~~امرأة ثم لم يعجبه المقام معها ms0158 فلا بأس بأن يطلقها قبل أن يمسها قوله { ~~أو تفرضوا لهن فريضة } يعني لا حرج عليكم أن تتزوجوا ~~النساء ولم تسموا لهن مهرا { ومتعوهن } يعني إذا طلقها قبل أن ~~يدخل بها فعلى الزوج أن يمتعها { على الموسع قدره }. قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص: (قدره) بنصب الدال وقرأ الباقون بالجزم ~~ومعناهما واحد قوله: { وعلى المقتر قدره متعا ~~بالمعروف } قال ابن عباس في رواية الكلبي: أدنى ما يكون من المتعة ~~ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة وهكذا قال في رواية الضحاك: { حقا } [أي ~~واجبا] { على المحسنين } أن يمتعوا النساء على قدر طاقتهم { ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } يعني من قبل أن ~~تجامعوهن وقبل أن تخلوا بهن هكذا قال في رواية الضحاك { وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } يعني على الزوج ~~نصف ما فرض لها من المهر { إلا أن يعفون } يعني إلا أن تترك ~~المرأة فلا تأخذ شيئا { أو يعفوا الذي بيده عقدة ~~النكاح } يعني الزوج يكمل لها جميع الصداق { وأن تعفوا أقرب ~~للتقوى } يقول: أن تعفو بعضكم بعضا كان أقرب إلى البر فأيهما ترك ~~لصاحبه فقد أخذ بالفضل ويقال: إن الله تعالى ندب إلى الإنسانية فأمر كل ~~واحد منهما بالعفو ثم قال تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم ~~} يعني لا تتركوا الفضل والإنسانية فيما بينكم في إتمام المهر أو في ~~الترك { إن الله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك. ### || [2.238-239] # { حفظوا على الصلوت والصلوة الوسطى } قال ابن ~~عباس: أي (حافظوا على الصلوات المكتوبات الخمس في مواقيتها بوضوئها ~~وركوعها وسجودها { والصلوة الوسطى } يعني الصلاة الوسطى خاصة ~~حافظوا عليها. ويقال: هي صلاة العصر. ويقال هي صلاة الصبح ويقال: هي صلاة ~~الظهر. حدثنا القاسم بن محمد بن روزية قال: حدثنا عيسى بن خشنام قال ~~حدثنا سويد بن سعيد عن مالك بن أنس عن داود بن الحصين أنه بلغه عن رجل عن ~~زيد بن ثابت أنه بلغه عن علي وابن عباس أنهما كان يقولان: صلاة الوسطى ~~صلاة الصبح قال مالك وذلك رأي. أخبرني القاسم بن ms0159 محمد قال: حدثنا عيسى بن ~~خنشام قال: حدثنا سويد بن سعيد بن مالك بن أنس عن داود بن الحصين عن رجل ~~عن زيد بن ثابت أنه قال: صلاة الوسطى: صلاة الظهر وبهذا الإسناد عن مالك ~~عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن الحكم عن أبي يونس مولى عائشة - رضي الله ~~عنها - أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه ~~الآية فآذني فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى: صلاة العصر. قال الفقيه: حدثنا أبو إبراهيم الترمذي [عن أبي ~~إسحاق عن أبي جعفر الطحاوي قال: حدثنا علي بن معبد قال: حدثنا يعقوب بن ~~إبراهيم عن أبي إسحاق] عن أبي جعفر محمد بن علي عن (عمرو بن رافع) مولى ~~عمر وكان يكتب المصاحف أنه قال: اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفا وقالت: ~~إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغتها أتيتها بالورقة فقالت: ~~اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. ويقال: هي قراءة عبد ~~الله بن مسعود [وروي عن أبي هريرة وابن عمر أنهما قالا: صلاة الوسطى ~~العصر] وروي عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش # " عن علي أنه قال: كنت [ظننت] أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر قال: " ملأ ~~الله بطونهم وقبورهم نارا أشغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " # [وإنما كان فائدة التخصيص بصلاة العصر لأن ذلك وقت الشغل] ويخاف فوتها ~~ما لا يخاف لسائر الصلوات وقد أكد بالذكر قال: [(والصلاة الوسطى)] خاصة ~~[ومن طريق] المعقول [يدل أيضا على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر] لأن ~~قبلها صلاتي النهار وبعدها صلاتي الليل. ثم قال تعالى: { وقوموا ~~لله قنتين } أي قوموا [لله طائعين] في الصلاة مطيعين. ويقال: ~~صلوا لله قائمين فكأنه أمر بطول القيام في الصلاة. # كما قال في آية أخرى: # يمريم اقنتى لربك # [آل عمران: 43] وروي ms0160 # " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أفضل الصلاة فقال: " ~~التي يطيل القنوت فيها " # يعني القيام. ويقال: قانتين يعني ساكتين كما روي عن زيد بن أرقم أنه ~~قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: { وقوموا لله ~~قنتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. وقال الزجاج: المشهور في ~~اللغة الدعاء في القيام وحقيقة القانت القائم بأمر الله تعالى. ثم قال: { ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } يعني إذا خفتم العدو فصلوا ~~قياما فإن لم تستطيعوا فصلوا ركبانا على الدواب حيث ما توجهت بكم ~~بالإيماء وهذا موافق لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر ~~صلاة الخوف ثم قال في آخره # " فإن كان الخوف أشد من ذلك صلوا على أقدامكم أو ركبانا مستقبلي القبلة ~~أو غير مستقبليها " # { فإذا أمنتم } يعني العدو والخوف { فاذكروا الله كما ~~علمكم } يعني صلوا كما علمكم أربعا أو اثنتين وعلمكم { ما لم ~~تكونوا تعلمون } يعني علمكم الصلاة ولم تكونوا تعلمون من قبل. ### || [2.240-242] # ثم قال عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزوجا } أي يموتون ويتركون نساءهم من بعدهم { وصية ~~لأزواجهم } أي يوصون لنسائهم. قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر ~~عن عاصم (وصية) بالضم يعني عليهم وصية وقرأ الباقون: بالنصب يعني يوصون ~~وصية لأزواجهم { متعا } أي نفقة وكسوة { إلى الحول غير ~~إخراج } يقول: لا يخرجن من بيوت أزواجهن وهذا في أول الشريعة كانت ~~العدة حولا وهكذا كان في الجاهلية. ألا ترى إلى قول لبيد: # وهم ربيع للمجاور فيهم # والمرملات إذا تطاول عامها # ثم نسخ ما زاد على الأربعة أشهر وعشرا ونسخت الوصية للأزواج بقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # " لا وصية لوارث " # ويقال: نسخ بآية الميراث. ثم قال تعالى: { فإن خرجن فلا ~~جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف } ~~يعني من الزينة يحتمل أنه أراد به الخروج بعد مضي السنة ويحتمل الخروج في ~~السنة إذا خرجت بعذر في أمر لا بد لها منه { والله عزيز حكيم } ~~وقد ذكرناها { وللمطلقت متع بالمعروف } والمطلقات ms0161 ~~أربع: مطلقة يسمي لها مهرا [ومطلقة لم يسم لها مهرا] ومطلقة دخل بها ~~ومطلقة لم يدخل بها فالمتعة لا تكون واجبة إلا لمطلقة واحدة وهي التي لم ~~يسم لها مهرا وطلقها قبل الدخول كما ذكر في الآية التي سبق ذكرها وفي ~~سائر المطلقات المتعة مستحبة وليست بواجبة { حقا على المتقين } ~~أي واجبا على المتقين وذلك فيما بينه وبين الله تعالى فلا يجبر عليه إلا ~~في المطلقة التي ذكرنا. { كذلك يبين الله لكم آيته } ~~يعني أمره ونهيه { لعلكم تعقلون } ما أمرتم به. ويقال: آياته ~~يعني دلائله. ويقال: آيات القرآن. ### || [2.243] # { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } يقول: ألم ~~تخبر: وهذا على سبيل التعجب كما يقال: ألا ترى إلى ما صنع فلان؟ ويقال: ~~ألم تر يعني ألم تعلم؟ ويقال: ألم ينته إليك خبرهم؟ يعني الآن نخبرك عنهم ~~- قال ابن عباس: وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر الناس بالخروج ~~إلى الغزو فخرجوا فبلغهم أن في ذلك الموضع طاعونا فامتنعوا عن الخروج ~~إلى هناك ونزلوا في موضعهم فهلكوا كلهم فبلغ خبرهم إلى بني إسرائيل ~~فخرجوا ليدفنوهم فعجزوا عن ذلك لكثرتهم فحظروا عليهم الحظائر ثم أحياهم ~~الله بعد ثمانية أيام وبقيت منهم بقايا من البحر ومعهم النتن إلى اليوم ~~وقال بعضهم: بلغهم أن هناك للعدو شوكة وقسوة فامتنعوا عن الخروج إليهم ~~فأهلكهم الله تعالى. وقال بعضهم: إن أرضا وقع بها الوباء فخرج الناس ~~منها هاربين فنزلوا منزلا فماتوا كلهم فمر بهم نبي يقال له حزقيل - عليه ~~السلام - فقال: الحمد لله القادر الذي يحيي هذه النفوس البالية ليعبدوه ~~فدعا لهم فأحياهم الله تعالى فذلك قوله تعالى: { ألم تر إلى ~~الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف } قال ابن عباس في ~~رواية الكلبي [وفي رواية الضحاك]: ثمانية آلاف ويقال: سبعون ألفا ويقال: ~~ثمانية عشر ألفا. وقال بعضهم: هم ألوف كما قال الله تعالى ولا يعرف كم ~~عددهم [إلا الله] { حذر الموت } أي خرجوا من ديارهم مخافة الموت { ~~فقال لهم الله: موتوا } أي أماتهم الله { ثم ms0162 أحيهم ~~إن الله لذو فضل على الناس } يعني على أولئك الكفار حين ~~أحياهم. يقال: هو ذو من على جميع الناس { ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون } رب هذه النعمة يعني الكفار ويقال: على الذي أحياهم.. ~~وفي هذه الآية: دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر عمن ~~قبله [ولم يكن قرأ] الكتب فظهر ذلك عند اليهود والنصارى وعرفوا أنه حق. ~~وفي هذه الآية: إبطال قول من يقول: إن الإحياء بعد الموت لا يجوز وينكر ~~عذاب القبر لأن الله تعالى يخبر أنه قد أماتهم ثم أحياهم. ### || [2.244] # قوله: { وقتلوا في سبيل الله }. قال ابن عباس في رواية ~~أبي صالح: لما أحياهم الله قال لهم { وقاتلوا في سبيل الله ~~}. ويقال: هذا أمر بالجهاد لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: ~~قاتلوا في سبيل الله. { واعلموا أن الله سميع عليم } أي ~~سميع لمقالتهم عليم بالأرض التي وقع فيها الوباء. ### || [2.245] # قوله عز وجل: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ~~نزلت في شأن أبي الدحداح قال: يا رسول الله إن لي حديقتين لو تصدقت ~~بواحدة منهما أيكون لي مثلها في الجنة؟ قال نعم قال وأم الدحداح معي؟ ~~يعني امرأته قال نعم قال: والدحداح معي يعني ابنه فقال: نعم. قال: أشهدك ~~أني قد جعلت حديقتي لله تعالى: ثم جاء إلى الحديقة فقام على الباب وتحرج ~~الدخول فيها بعدما جعلها لله تعالى ونادى: يا أم الدحداح اخرجي فإني جعلت ~~حديقتي لله تعالى فخرجت وتحولت إلى حديقة أخرى، وقالت له: هنيئا لك بما ~~فعلت أو كما فعلت فنزل قوله تعالى: { فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة } يعني ألفي ألف ضعف. قال الفقيه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد ~~قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل قال: حدثنا المعلى ~~بن منصور قال: حدثنا جعفر قال حدثنا علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي قال: ~~بلغني عن أبي هريرة حديث أنه قال إن الله تعالى يكتب [للعبد] المؤمن ~~بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة فحججت ذلك العام لألقى ms0163 أبا هريرة (فأكلمه) ~~في هذا الحديث فلقيته فأخبرته فقال: ليس كذا قلت ولم يحفظ الذي حدثك عني ~~وإنما قلت: ألفي ألف حسنة ثم قال أبو هريرة: أولستم تجدون في كتاب الله ~~تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ~~فيضاعفه له أضعافا كثيرة } فقوله { كثيرة } أكثر من ~~ألف ألف ومن ألفي ألف. ثم قال تعالى: { والله يقبض } أي يقتر ~~الرزق على من يشاء { ويبصط } أي يوسع على من يشاء من عباده. ويقال: ~~يقبض الصدقات ويخلفها الثواب في الدنيا والآخرة وقال بعضهم يسلب قوما ما ~~أنعم عليهم ويوسع على آخرين. { وإليه ترجعون } في الآخرة قرأ ~~حمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو: (فيضاعفه) بالألف وبضم الفاء وقرأ عاصم ~~(فيضاعفه) بالألف وبنصب الفاء وقرأ ابن كثير (فيضعفه) بغير ألف وبضم ~~الفاء وقرأ ابن عامر: (فيضعفه) بغير ألف وبنصب الفاء فأما من قرأ: ~~(فيضاعفه) [بالألف والضم]، (يضعفه) فهما لغتان بمعنى واحد يقال: ضاعفت ~~الشيء وضعفته ومن قرأ بضم الفاء عطفه على قوله (يقرض الله) ومن نصبه فعلى ~~جواب الاستفهام وقرأ نافع (يبصط) بالصاد وقرأ الباقون: بالسين وهو أظهر ~~عند أهل اللغة وفي كل موضع يكون الصاد قريبا من الطاء جاز أن يقرأ ~~بالسين وبالصاد مثل المصيطرون ومثل: الصراط لأنه يشتد فرق الصاد عند ذلك ~~فيجوز القراءة بالسين. ### || [2.246-252] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الملإ من بني إسراءيل من ~~بعد موسى } يعني الرؤساء والقادة. وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في ~~اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم. وقال بعضهم: الناظر إذا ~~نظر إليهم امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم ~~فقتلوهم. وسبوهم وأخرجوهم من ديارهم وكان رئيسهم جالوت فلما اضطر ~~المسلمون في ذلك جاؤوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا - عليه ~~السلام - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان { إذ قالوا ~~لنبي لهم } يعني أشمويل { ابعث لنا ملكا } يعني ادع لنا ~~الله تعالى أن يجعل لنا ملكا يعني رجلا ينتظم به أمرنا { نقتل ~~في سبيل الله } ف { قال } لهم أشمويل { هل ms0164 عسيتم } قرأ ~~نافع: (هل عسيتم) بكسر السين وقرأ الباقون: بالنصب وهي اللغة المعروفة ~~والأول لغة لبعض العرب: { هل عسيتم إن كتب عليكم ~~القتال ألا تقتلوا } يعني إذا بعث الله لكم ملكا وفرض ~~عليكم القتال لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال { قالوا: وما ~~لنا ألا نقتل في سبيل الله } يقول كيف لا نقاتل في ~~سبيل الله { وقد أخرجنا من ديرنا وأبنائنا } يعني ~~أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا { فلما كتب عليهم القتال } ~~أي فرض عليهم القتال { تولوا } وتركوا القتال ولم يثبتوا { إلا ~~قليلا منهم } وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا { والله عليم ~~بالظلمين } [يعني أن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال] ثم ~~بين لهم القصة بقوله: { وقال لهم نبيهم إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا } يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من ~~بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه وقد جعل لكم طالوت ملكا وكان طالوت ~~فيهم حقير الشأن وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهوذا ~~ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك. ويقال: كان رجلا ~~يبيع الخمر ويقال: كان بقارا. ويقال: كان دباغا ولكنه كان عالما فرفعه ~~الله بعلمه { قالوا: أنى يكون له الملك علينا } يعني ~~المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك { علينا ونحن ~~أحق بالملك منه } لأن منا الملوك { ولم يؤت } طالوت { ~~سعة من المال } [ينفق علينا] والملك يحتاج إلى (مال) ينفق على ~~جنوده وأعوانه { قال } لهم نبيهم - عليه السلام -: { إن الله ~~اصطفه عليكم } يعني اختاره عليكم { وزاده بسطة } أي ~~فضيلة { في العلم والجسم } وكان رجلا جسيما وكان عالما. ~~[ويقال: كان عالما] بأمر الحرب. { والله يؤتى ملكه من ~~يشاء والله وسع عليم } والواسع في اللغة: هو الغني. ويقال: ~~واسع بعطية الملك عالم لمن يعطيه. ويقال: واسع يعني باسط الرزق عليم بمن ~~يصلح له الملك. # فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه وقالوا له إن كان الله تعالى أمرك بذلك ~~فأتنا بآية قال الله تعالى: { وقال لهم نبيهم: ms0165 إن ءاية ~~ملكه أن يأتيكم التابوت } وذلك أن الكفار كانوا أخذوا ~~التابوت وكان التابوت للمسلمين فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا ~~يرجون الظفر فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في [مزبلة أي في] مخرأة لهم ~~فابتلاهم الله تعالى بالباسور. ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت وأصل ~~الجذام من وقت أيوب - عليه السلام - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل. ~~فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم فذلك قوله تعالى: { ~~إن ءاية ملكه } [يعني علامة ملكه] { أن يأتيكم ~~التابوت } { فيه سكينة من ربكم }. قال الكلبي: سكينة ~~أي: طمأنينة إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم [بالظفر]. وقال ~~مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان فإذا صوتت عرفوا ~~أن النصر لهم. ويقال: كانت جوهرا أحمر يسمع منه الصوت. ويقال: كانت ~~ريحا تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت قوله تعالى: { ~~وبقية مما ترك ءال موسى وءال هرون } يعني الرضاض ~~من الألواح وقفيز من من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون قال ~~الكلبي: وكان التابوت من [عود الشمشار] الذي يتخذ منه الأمشاط فلما ~~ابتلاهم الله تعالى بالباسور عرفوا أن ذلك من التابوت فقالوا: لعل اله ~~بني إسرائيل الذي فينا يعنون التابوت هو الذي يفعل بنا هذا الفعل فأخرجوا ~~بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة وربطوا التابوت على عجلة ثم ~~ربطوا العجلة بالبقرتين ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة ~~جنوبهما وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل فأصبحوا والتابوت ~~بين أظهرهم. وذلك قوله تعالى: { تحمله الملئكة } يعني ~~الملائكة ساقوا العجلة. { إن في ذلك لآية لكم } يعني إن في ~~رد التابوت علامة لملك طالوت { إن كنتم مؤمنين } أي مصدقين بأن ~~ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه. قوله تعالى: { فلما فصل ~~طالوت بالجنود } يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفا ~~فصاروا في حر شديد فأصابهم عطش شديد فسألوا طالوت الماء. ف { قال } ~~لهم طالوت { إن الله مبتليكم بنهر } وهو بين الأردن، ~~وفلسطين وإنما كان الابتلاء ms0166 ليظهر عند طالوت من كان مخلصا في نيته من ~~غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال لأن من لا يريد القتال إذا ~~خالط العسكر يدخل الضعف والوهن في العسكر لأنه إذا انهزم وهرب ضعف ~~الباقون. ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي حتى أخبر طالوت ~~قومه حيث قال: { إن الله مبتليكم بنهر } { فمن شرب ~~منه فليس مني } يعني ليس معي على عدوي إذا شرب بغير غرفة { ~~ومن لم يطعمه فإنه مني } يعني لم يشرب منه [يعني] غرفة ~~{ فإنه مني } أي معي على عدوي { إلا من اغترف غرفة ~~بيده } قرأ نافع [وابن كثير] وأبو عمرو: (غرفة) بنصب الغين وقرأ ~~الباقون برفع الغين فمن قرأ بالنصب يكون مصدر غرفة أي مرة واحدة باليد. # ومن قرأ بالضم هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل: الخطوة والخطوة قال بعض ~~المفسرين الغرفة بكف واحدة والغرفة بالكفين وقال بعضهم كلاهما لغتان ~~ومعناهما واحد. فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش [وقفوا] في النهر ~~{ فشربوا منه } بغير غرفة { إلا قليلا منهم } وهم ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال لأصحابه يوم بدر: # " أنتم على عدد المرسلين وعدد قوم طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر " # فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا. ويقال: قد ظهر على شفاههم علامة عرف ~~بها من شرب من الذي لم يشرب فردهم وأمسك المخلصين منهم. { فلما ~~جاوزه } يعني جاوز النهر { هو } يعني طالوت { والذين ~~ءامنوا معه } ودنوا إلى عسكر جالوت وكان معه مائة ألف فارس كلهم ~~شاكون في السلاح. { قالوا } أي المؤمنون { لا طاقة لنا ~~اليوم بجالوت وجنوده } لما رأوا من كثرتهم { قال الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا الله } يعني أيقنوا بالموت لما رأوا ~~من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم. ويقال: أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو ~~قوله: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } وهم ~~أهل العلم منهم { كم من فئة قليلة } يعني كم من جند قليل { ~~غلبت فئة كثيرة } عدتهم { بإذن الله } أي بنصر الله ~~وأمره ms0167 إذا خلصت نيتهم وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله { والله مع ~~الصبرين } بالنصرة على عدوهم أي معينهم { ولما برزوا ~~لجالوت وجنوده } يقول: خرجوا واصطفوا لجالوت دعوا الله تعالى: { ~~قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا } أي اصبب علينا صبرا ~~معناه ارزقنا الصبر على القتال { وثبت أقدامنا } عند القتال { ~~وانصرنا على القوم الكفرين } قال وكان داود - عليه ~~السلام - راعيا وكان له سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على ~~أبيهم وكان اسمه إيشا أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه ~~بخبرهم فلما خرج مر على حجر فقال له الحجر: خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي ~~عدوه فأخذه وجعله في مخلاته ثم مر بآخر فقال له: خذني فإني حجر موسى الذي ~~قتل بي كذا كذا، ثم مر بثالث فقال له: خذني فأنا الذي أقتل جالوت فأخذه ~~وجعله في مخلاته فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال: من يبارزني؟ فلم ~~يخرج إليه أحد ثم قال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لخرج إلي بعضكم ~~فقال داود [لإخوته]: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟ فقالوا له: اسكت ~~فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها [أحد من إخوته] فمر طالوت به وهو ~~يحرض الناس فقال له داود: وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟ قال [طالوت] ~~أنكحه ابنتي [واجعل له] نصف ملكي. # قال داود: فأنا أخرج إليه فأعطاه طالوت درعه وسيفه فلما خرج في الدرع ~~جرها لأن طالوت كان أطول الناس فرجع (داود) إلى طالوت وقال: إني لم أتعود ~~القتال في الدرع فرد الدرع إليه فقال له طالوت: فهل جربت نفسك؟ قال: نعم ~~وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين فقال له طالوت: إن الذئب ~~ضعيف فهل جربت نفسك في غير هذا؟ قال: نعم دخل أسد في غنمي فضربته ثم أخذت ~~بلحييه فشققتها فقال له: هذا أشد [ثم قال له] ما اسمك؟ قال داود بن إيشا ~~فعرفه فرأى أنه أجلد إخوته فأخذ قذافته وخرج فلما رآه جالوت قال: خرجت ~~إلي لتقتلني ms0168 بالقذافة كما تقتل الكلاب؟ فقال له داود: وهل أنت إلا مثل ~~الكلاب قال الكلبي: وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل فقال له جالوت: ~~إما أن ترميني وإما أن أرميك. فقال له داود: بل أنا أرميك ثم أخذ واحدا ~~من الأحجار الثلاثة فرماه فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقا ~~كثيرا. وقال بعضهم: صارت الأحجار كلها واحدا فلما رماها تفرقت في عسكره ~~فقتلت خلقا كثيرا. وقال بعضهم: رمى واحدا بعد واحد فقتل جالوت وخلقا ~~كثيرا وهزمهم الله بإذنه فذلك قوله عز وجل: { فهزموهم بإذن ~~الله وقتل داوود جالوت } ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد ~~أن يدفع إليه نصف ملكه فقال له وزراؤه: إن دفعت إليه نصف ملكك فيصير ~~منازعا لك في ملكك ويفسد عليك الملك فامتنع من ذلك وأراد قتل داود - ~~عليه السلام - وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف ثم خرج طالوت ~~إلى بعض المغازي فقتل هناك فتحول الملك كله إلى داود ولم يجتمع بنو ~~إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود. فذلك قوله عز وجل: { وآته ~~الله الملك } يعني ملك اثني عشر سبطا { والحكمة } يعني ~~النبوة وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة { وعلمه مما ~~يشاء } أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه ~~وكلام الدواب { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } ~~أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين - عليهم السلام - ويدفع بالمؤمنين ~~عن الكفار { لفسدت الأرض } أي هلك أهلها. ويقال: ولولا دفع الله ~~جالوت بطالوت لهلكت بنو إسرائيل كلهم. ويقال: ولولا دفع الله البلايا ~~بسبب المطيعين لهلك الناس كما جاء في الأثر: (لولا رجال خشع وصبيان رضع ~~وبهائم رتع لصببت عليكم العذاب صبا) وروي عن الحسن أنه قال: لولا ~~الصالحون لهلك الطالحون. # ويقال: لولا ما أمر الله [المؤمنين] بحرب الكفار لفسدت الأرض بغلبة ~~الكفار. ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض لأن في كل أرض بلدة يتولد ~~[فيها] شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان فينتفع بها أهل سائر ms0169 البلدان ~~وينتفع بعضهم ببعض فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض. قرأ نافع ها هنا (ولولا ~~دفاع الله) وفي الحج: (إن الله يدافع) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف ~~في كلا الموضعين وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: (ولولا دفع الله) ~~بغير ألف (إن الله يدافع) بالألف وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان ~~معروفتان. ثم قال تعالى: { ولكن الله ذو فضل على ~~العلمين } أي ذو من عليهم بالدفع عنهم { تلك آيت الله } ~~وهو ما قص عليه من أخبار الأمم { نتلوها عليك } أي ننزلها بقراءة ~~جبريل عليك { بالحق } أي بالصدق { وإنك لمن المرسلين ~~} يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم. وقال الزجاج تلك آيات الله ~~أي هذه الآيات التي أنبئت أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته ~~إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون وإنك من هؤلاء المرسلين لأنك قد ~~أتيتهم بالعلامات. ### || [2.253] # { تلك الرسل } الذين أنزلنا عليك خبرهم في القرآن { فضلنا ~~بعضهم على بعض } في الدنيا. ويقال: التفضيل يكون على ثلاثة ~~أوجه: أحدها أن يكون دلالة نبوته أكثر. والثاني: أن تكون أمته أكثر. ~~والثالث: أن يكون بنفسه أفضل ثم بين تفضيلهم فقال: { منهم من ~~كلم الله } [مثل] موسى - عليه السلام - { ورفع بعضهم ~~درجت } يعني إدريس - عليه السلام - كما قال تعالى: # ورفعناه مكانا عليا # [مريم: 57] وقال الزجاج: جاء في التفسير أنه أراد محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - لأنه أرسله إلى الناس كافة وليس شيء من الآيات التي أعطاها ~~الله الأنبياء - عليهم السلام - إلا والذي أعطى محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - أكثر لأنه قد كلمته الشجرة وأطعم من كف من التمر خلقا كثيرا ~~وأمر يده على شاة أم معبد فدرت لبنا كثيرا بعد الجفاف ومنها انشقاق ~~القمر فذلك قوله: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات # [الأنعام: 165] يعني - محمدا صلى الله عليه وسلم -. { وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات } يعني العجائب والدلائل وهو: أن ~~يحيي الموتى بإذنه ويبرىء الأكمه والأبرص { وأيدنه بروح ~~القدس } يعني أعناه بجبريل حين أرادوا قتله: { ولو شاء الله ~~ما اقتتل الذين ms0170 } أي ما اختلف الذين { من بعدهم من بعد ~~ما جاءتهم البينت } التي أتاهم بها موسى وعيسى - عليهما ~~السلام - وقال الزجاج: يحتمل وجهين: ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد ~~وضوح الحجة ويحتمل ولو شاء الله اضطرهم إلى أن يكونوا مؤمنين كما قال ~~تعالى # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35] (ولكن اختلفوا) في الدين فصاروا فريقين: { فمنهم ~~من ءامن ومنهم من كفر } بالكتاب والرسل { ولو شاء ~~الله ما اقتتلوا } وجعلهم على أمر واحد { ولكن الله ~~يفعل ما يريد } أي يعصم من يشاء من الاختلاف ويخذل من يشاء فلا ~~مرد لأمره ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ### || [2.254] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما ~~رزقنكم } أي تصدقوا قال بعضهم: أراد به الزكاة المفروضة. وقال ~~بعضهم: صدقة التطوع. ثم بين لهم أن الدنيا فانية [وأنه في الآخرة] لا ~~ينفعهم شيء إلا ما قدموه قال تعالى: { من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه } يقول: لا فداء فيه { ولا خلة } يعني [الصدقة] ~~وهذا كما قال في آية أخرى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] { ولا شفعة } للكافرين كما يكون في الدنيا. قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو: { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة ~~} بالنصب وكذلك في سورة إبراهيم: (لا بيع فيه ولا خلال) وقرأ الباقون: ~~بالضم مع التنوين. ثم قال تعالى عز وجل: { والكفرون هم ~~الظلمون } أنفسهم. والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه وكان ~~المشركون يقولون الأصنام شركاؤه وهم شفعاؤنا عند الله فوحد الله نفسه ### || [2.255] # فقال عز وجل: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~} يقول: لا خالق ولا رازق ولا معبود إلا هو. ويقال: الإثبات إذا كان بعد ~~النفي فإنه يكون أبلغ في الإثبات فلهذا قال: { الله لا إله ~~إلا هو } فبدأ بالنفي ثم استثنى الإثبات فيكون ذلك أبلغ في الإثبات ~~{ الحي القيوم } يقول: الحي الذي لا يموت ويقال: الحي الذي لا ~~بدىء له يعني لا ابتداء له { القيوم } يعني القائم على كل نفس بما ~~كسبت ms0171 ويقال: القائم بتدبير أمر الخلق في إنشائهم ورزقهم ومعنى القائم: هو ~~الدائم. { لا تأخذه سنة ولا نوم } روي عن علي بن أبي طالب ~~- كرم الله وجهه - أنه قال: السنة والنوم كلاهما واحد ولكنه أول ما يدخل ~~في الرأس يقال له سنة ويكون بين النائم واليقظان فإذا وصل إلى القلب صار ~~نوما ويقال: معناه: أنه ليس بغافل عن أمور الخلق فيكون النوم على وجه ~~الكناية. وقال بعضهم هو على ظاهره أنه مستغن عن النوم. وروي في بعض ~~الأخبار أن موسى بن عمران - عليه السلام - حين رفع إلى السماء سأل بعض ~~الملائكة أينام ربنا؟ وقال بعضهم: خطر ذلك بقلبه، ولم يتكلم به فأمره ~~الله تعالى أن يأخذ زجاجتين [وأمره بأن يحفظهما ثم ألقى عليه النوم فلم ~~يملك نفسه حتى نام فانكسرت الزجاجتان] في يده فقال له: يا موسى لو كان لي ~~نوم لهلكت السموات والأرض أسرع من كسر الزجاجتين في يدك فذلك قوله تعالى: ~~{ لا تأخذه سنة ولا نوم } { له ما في السموات ~~وما في الأرض } كلهم عبيده وإماؤه وهو مستغن عن الشريك ويقال: ~~معناه أن كل ما في السموات والأرض يدل على وحدانيته { من ذا الذي ~~يشفع عنده } يقول: من ذا الذي يجترىء أن يشفع عنده { إلا ~~بإذنه } دون أمره ردا لقولهم حيث قالوا: هم شفعاؤنا عند الله. وفي ~~الآية دليل على إثبات الشفاعة لأنه قال: { إلا بإذنه } ففيه دليل ~~على أن الشفاعة قد تكون بإذنه للأنبياء والصالحين { يعلم ما بين ~~أيديهم } يعني الله لا إله إلا هو الحي القيوم هو الذي يعلم ما بين ~~أيديهم من أمر الدنيا يعني يعلم أن الأصنام لا يدعون الألوهية { وما ~~خلفهم } يعني يعلم أنه لا شفاعة لهم. وقال مقاتل: { يعلم ما ~~بين أيديهم } يعني ما كان قبل خلق الملائكة { وما خلفهم } ~~[أي ما يكون بعد خلقهم] وقال الزجاج: يعني يعلم الغيب الذي [تقدمهم ~~والغيب الذي يأتي من بعدهم. وقال الكلبي: يعلم ما بين أيديهم من أمر ~~الآخرة وما] خلفهم من أمر الدنيا. ثم قال: ms0172 { ولا يحيطون بشيء ~~من علمه } يعني الملائكة لا يعلمون الغيب لأن بعض الناس يعبدون ~~الملائكة ويرجون شفاعتهم فأخبر أنهم لا يملكون شيئا ولا يعلمون مما ~~تقدمهم ولا مما بعدهم إلا بما أنبأهم الله تعالى. ### || [2.256] # قوله تعالى: { لا إكراه في الدين } يعني لا تكرهوا في الدين ~~أحدا بعد فتح مكة وبعد إسلام العرب { قد تبين الرشد من ~~الغي } أي قد تبين الهدى من الضلالة. ويقال: قد تبين الإسلام من ~~الكفر فمن أسلم وإلا وضعت عليه الجزية ولا يكره على الإسلام { فمن ~~يكفر بالطغوت } يعني بالشيطان [ويقال: الصنم] ويقال: هو كعب ~~بن الأشرف { ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى } [يقول: بالثقة يعني بالإسلام ويقال: فقد تمسك بلا إله إلا ~~الله] { لا انفصام لها } يعني لا انقطاع لها ولا زوال لها ولا هلاك ~~لها. ويقال: قد استمسك بالدين الذي لا انقطاع له من الجنة { والله ~~سميع } [بقولهم] { عليم } بهم. ### || [2.257] # { الله ولي الذين ءامنوا } أي حافظهم ومعينهم وناصرهم { ~~يخرجهم من الظلمت إلى النور } يعني من الكفر إلى ~~الإيمان واللفظ لفظ المستقبل والمراد به الماضي يعني أخرجهم ويقال: ثبتهم ~~على الاستقامة كما أخرجهم من الظلمات. ويقال: يخرجهم من الظلمات أي من ~~ظلمة الدنيا ومن ظلمة القبر ومن ظلمة الصراط إلى الجنة { والذين ~~كفروا أولياؤهم الطغوت } يعني اليهود أولياؤهم كعب بن ~~الأشرف وأصحابه. ويقال: المشركون أولياؤهم الشياطين { يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمت } يعني يدعونهم إلى الكفر كما قال في ~~آية أخرى: # أن أخرج قومك # [إبراهيم: 5] يعني ادع قومك { أولئك أصحب النار هم ~~فيها خلدون } يعني أهل النار هم فيها خالدون أي دائمون. ### || [2.258] # { ألم تر إلى الذي حاج إبرهيم في ربه } يقول: ألم ~~تخبر بقصة الذي خاصم إبراهيم في توحيد ربه { أن آته الله ~~الملك } وهو النمرود بن كنعان وهو أول من ملك الدنيا كلها وكانوا ~~خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم - عليه السلام - على أصنامهم فكسرها فلما ~~رجعوا قال لهم: أتعبدون ما تنحتون؟ فقالوا له من تعبد أنت؟ قال: أعبد ربي ~~الذي يحيي ms0173 ويميت. وقال بعضهم: كان النمرود يحتكر الطعام وكانوا إذا ~~احتاجوا إلى الطعام يشترون منه وإذا دخلوا عليه سجدوا له فدخل عليه ~~إبراهيم ولم يسجد له فقال له النمرود: ما لك لم تسجد؟ فقال: أنا لا أسجد ~~إلا لربي فقال النمرود من ربك؟ (فقال [له إبراهيم]: { ربي الذي ~~يحيي ويميت قال } له [النمرود]: { أنا أحيي وأميت } ~~قال إبراهيم كيف تحيي وتميت؟ فجاءه برجلين فقتل أحدهما وخلى سبيل الآخر ~~ثم قال: قد أمت أحدهما وأحييت الآخر. { قال } له { إبراهيم } إنك ~~أحييت الحي ولم تحيي الميت وإن ربي يحيي الميت فخشي إبراهيم أن يلبس ~~النمرود على قومه فيظنون أنه أحيا الميت كما وصف لهم النمرود فجاءه بحجة ~~أظهر من ذلك حيث قال { فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب } فإن قيل: لم لم يثبت ~~إبراهيم على الحجة الأولى؟ وانتقل إلى حجة أخرى والانتقال في المناظرة من ~~حجة إلى حجة غير محمود. قيل له: الانتقال على ضربين: انتقال محمود إذا ~~كان بعد الإلزام وانتقال مذموم إذا كان قبل الإلزام وإبراهيم - عليه ~~السلام - انتقل [بعد] الإلزام لأنه قد تبين له فساد قوله حيث قال له: إنك ~~قد أحييت الحي ولم تحيي الميت. وجواب آخر: إن قصد إبراهيم - عليه السلام ~~- لم يكن للمناظرة وإنما كان قصده إظهار الحجة فترك [مناظرته] في الإحياء ~~والإماتة على ترك الإطالة وأخذ [بالاحتجاج] بالحجة المسكتة ولأن الكافر ~~هو الذي ترك حد النظر حيث لم يسأل [- عما قال له] إبراهيم - (دللا) ولكنه ~~اشتغل بالجواب عن ذات نفسه حيث قال: أنا أحيي وأميت. وقوله تعالى: { ~~فبهت الذي كفر } أي انقطع وسكت متحيرا. يقال: بهت الرجل إذا ~~تحير. { والله لا يهدي القوم الظلمين } أي لا يرشدهم ~~إلى الحجة والبيان. وروي في الخبر أن الله عز وجل قال: وعزتي وجلالي لا ~~تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك ثم ~~أمر النمرود بإبراهيم فألقي في النار وهكذا عادة الجبابرة أنهم إذا ~~عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا ms0174 بالعقوبة فأنجاه الله من النار ~~وسنذكر قصة ذلك في موضعها إن شاء الله تعالى. ### || [2.259] # ثم قال عز وجل: { أو كالذي مر على قرية } قال بعضهم: ~~معناه إحيائي ليس كإحياء النمرود ولكن إحيائي كإحياء عزير - عليه السلام ~~- أحييته بعد مائة عام. وقال بعضهم هو معطوف على ما سبق من قوله: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم # [البقرة: 243] و # إلى الذي حآج إبرهيم فى ربه # [البقرة: 258] { أو كالذي مر على قرية }. قال مقاتل: ~~والذي مر على قرية هو عزير بن شرخيا وكان من علماء بني إسرائيل فمر ~~بدير هرقل بين واسط والمدائن على حمار فمر بها { وهى خاوية على ~~عروشها }. وقال الضحاك بن مزاحم: هو عزير النبي - عليه السلام - مر ~~ببيت المقدس وقد خربها بخت نصر وقتل منهم سبعين ألفا وأسر منهم سبعين ~~ألفا أي من بني إسرائيل فمر عزير فقال: { أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها }. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن بخت ~~نصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم ناسا كثيرة فجاء بهم وفيهم عزير بن ~~شرخيا وكان من علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل فخرج ذات يوم لحاجة ~~له إلى دير هرقل على شاطىء دجلة فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له فربط ~~حماره تحت ظل شجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا. { وهى خاوية ~~على عروشها } يقول ساقطة على سقوفها وذلك أن السقف يقع قبل ~~الحيطان ثم الحيطان على السقف فهي خاوية على عروشها. قال بعض أهل اللغة: ~~الخاوية الخالية. وقال بعضهم: بقيت حيطانها لا سقوف عليها. [وقال الزجاج: ~~عروشها هي الخيام وهي بيوت الأعراب]. فتناول من الفاكهة والتين والعنب ثم ~~رجع إلى حماره فجلس يأكل من تلك الفاكهة ثم عصر من العنب فشربه ثم جعل ~~فضل التين [والعنب] في سلة وفضل العصير في الزق ثم نظر إلى القرى فتعجب ~~من كثرة ثمرها وفناء أهلها ف { قال: أنى يحيي هذه الله ~~بعد موتها } فلم يشك في البعث ولكن أحب أن يريه الله ms0175 كيف يحيي ~~الموتى فلما تكلم عزير بذلك نام في ذلك الموضع { فأماته الله } ~~في منامه { مائة عام } وأمات حماره { ثم بعثه } الله تعالى ~~في آخر النهار ومنعه الله تعالى في حال موته عن أبصار الناس والسباع ~~والطير فلما بعثه الله تعالى سمع صوتا { قال } له: { كم لبثت } ~~(أي) كم مكثت في نومك يا عزير { قال لبثت يوما } ثم نظر إلى ~~الشمس وقد بقي منها شيء لم تغرب فقال: { أو بعض يوم } { قال ~~}: له { بل لبثت مائة عام } يعني كنت ميتا مائة عام ثم ~~أخبره ليعتبر فقال: { فانظر إلى طعامك } يعني الفاكهة { ~~وشرابك } يعني العصير { لم يتسنه } يعني لم يتغير كقوله: # من مآء غير آسن # [محمد: 15] أي غير متغير ويقال: لم يتسنه كأنه لم تأت عليه السنون. قرأ ~~حمزة وابن عامر وأبو عمرو: (كم لبثت) بإدغام (الثاء) والتاء. وقرأ ~~الباقون: بإظهارها وقرأ الكسائي: (لم يتسن) بغير هاء عند الوصل [وأثبتت] ~~عند القطع. وقرأ حمزة: بحذف الهاء عند الوصل والقطع جميعا وقرأ الباقون ~~بإثبات الهاء عند الوصل والقطع وقرأ نافع: (أنا أحيي) بمد الألف وكذلك في ~~جميع القرآن نحو هذا إلا في قوله: # إن أنا إلا نذير # [الأعراف: 188] وقرأ الباقون بغير مد ومعنى القراءتين في هذا كله واحد ~~ثم نظر عزير - عليه السلام - إلى حماره وقد بلي فنودي: انظر إلى حمارك ~~فإذا هو عظم [أبيض يلوح] وقد تفرقت أوصاله ثم سمع صوتا قال: أيتها ~~العظام البالية إني جاعل فيكن روحا فاجتمعن فسعى بعضها إلى بعض حتى ~~استقر كل شيء في موضعه ثم بسط عليه الجلد ونفخ فيه الروح فإذا هو قائم ~~ينهق فخر عزير ساجدا [لله تعالى] وقال عند ذلك: أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير فذلك قوله تعالى: { وانظر إلى حمارك ولنجعلك ~~ءاية للناس } أي عبرة للناس لأن أولاده قد صاروا شيوخا وقد كان ~~شابا. { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها ~~لحما }. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو [بالزاي] وقرأ الباقون [بالراء] ~~فمن قرأ بالراء فمعناه كيف نحييها ونظيرها ms0176 # أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون # [الأنبياء: 21] أي يبعثون الموتى ومن قرأ بالزاي: أي كيف يضم بعضها إلى ~~بعض النشز: ما ارتفع من الأرض وهذا كما جاء في الأثر: الرضاع ما أنبت ~~اللحم، وأنشز العظم. وقال أهل اللغة: أصل النشز الحركة يقال: نشز الشيء ~~إذا تحرك ونشزت المرأة عن زوجها والمراد ها هنا [تضمنها] { فلما ~~تبين له قال: أعلم } قرأ حمزة والكسائي: (اعلم): بالجزم على ~~[مضي] الأمر، وقرأ الباقون: (قال: أعلم) على معنى الخبر عن نفسه [ومعناه] ~~علمت بالمعاينة ما كنت أعلمه قبل ذلك غيبا. { إن الله على ~~كل شيء قدير } من الإحياء وغيره وقال بعضهم: أن عزيرا لما ~~أحياه الله تعالى قال في نفسه كم لبثت قال: لبثت يوما أو بعض يوم فلما ~~رجع إلى منزله ولقيه أقرباؤه وحسبوا غيبته فقالوا له: بل لبثت مائة عام ~~وهذا قول من قال: إن هذا لم يكن عزيرا النبي - عليه السلام - بل رجل آخر ~~سوى عزير النبي - عليه السلام -]. ### || [2.260] # قوله تعالى: { وإذ قال إبرهيم رب أرني كيف تحيي ~~الموتى } وذلك أن النمرود لما قال له: أنا أحيي وأميت ووصف لهم ذلك ~~فسألوا إبراهيم فقالوا له: كيف يحيي ربك الموتى فأراد إبراهيم أن يرى ذلك ~~بالمعاينة حتى يخبرهم بما يرى من المعاينة فسأل ربه فقال: { رب أرني ~~كيف تحيي الموتى }. وقال مقاتل: مر إبراهيم فرأى جيفة على ~~ساحل البحر يأكل منها دواب البحر والطيور وبعضها يصير مستهلكا في الأرض ~~فوقع في قلبه أن الذي تفرق في البحر وفي بطون الطير كيف يجمعها الله ~~تعالى فأراد أن يعاين ذلك فقال: { رب أرني كيف تحيي ~~الموتى } ف { قال } له ربه { أولم تؤمن } يعني أو لم تصدق ~~بأني أحيي الموتى { قال: بلى } قد صدقت { ولكن ليطمئن ~~قلبي } أي ليسكن قلبي. ويقال: إنما قال له: أو لم تؤمن؟ لكي يظهر ~~إقراره لكي لا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقرا بذلك في ذلك الوقت فظهر ~~إقراره بقوله: بلى وقال سعيد بن جبير: ليسكن قلبي أنك ms0177 اتخذتني خليلا. { ~~قال: فخذ أربعة من الطير } فأخذ ديكا وحمامة وطاووسا ~~وغرابا وفي بعض الروايات أخذ طاووسا وثلاثة [من الطيور] مختلفة ألوانها ~~وأسماؤها وريشها { فصرهن إليك } أي فقطعهن وقال السدي: يعني ~~فدقهن وقال الأخفش: يعني اضممهن إليك. وذكر مقاتل بإسناده عن الأعمش قال: ~~فيه تقديم وتأخير فخذ إليك أربعة من الطيور فقطعهن واخلط بعضهن ببعض. { ~~ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } ثم فرقهن في ~~أربعة أجبل { ثم ادعهن يأتينك سعيا } ففعل ذلك ودعاهن ~~فسعين على أرجلهن. ويقال: إنه لما وضعهن على الجبال هبت الرياح الأربعة ~~التي تقوم يوم القيامة فواحدة من قبل المشرق والأخرى من قبل المغرب ~~وواحدة من قبل اليمين والأخرى من قبل الشمال فرفعت الأعضاء المتفرقة عن ~~مواضعها وحملتها إلى المواضع الأخرى حتى اجتمع أعضاء كل طير في موضعها ~~فجعل إبراهيم ينظر ويتعجب حيث ينضم بعضها إلى بعض فقال عند ذلك قوله: { ~~واعلم أن الله عزيز } في ملكه { حكيم } حكم بالبعث ولم ~~أسأله [لريب] كان في قلبي ولكن سألته ليسكن قلبي في الخلة. قرأ ابن كثير ~~[أرني] بجزم الراء وقرأ الباقون بالكسر وقرأ حمزة (فصرهن) بكسر الصاد ~~والباقون بالضم فمن قرأ بالكسر يعني قطعهن ومن قرأ بالضم يعني فضمهن إليك ~~ويقال: هما لغتان ومعناهما وتفسيرهما واحد. ### || [2.261-262] # { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله } # " نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وذلك أن رسول الله - ~~صلىالله عليه وسلم - لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة ~~تبوك فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم [فضة] وقال: يا رسول الله: ~~كانت لي ثمانية آلاف درهم [فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم] ~~وأربعة آلاف أقرضتها لربي فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ~~بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " # وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له فنزلت هذه ~~الآية: { مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله ~~} وفي الآية مضمر ومعناه مثل النفقة التي تنفق ms0178 في سبيل الله { كمثل ~~حبة } وطريق آخر مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض ~~حبة ف { أنبتت } الحبة { سبع سنابل } أي أخرجت سبع سنابل { ~~في كل سنبلة مائة حبة } فيكون جملتها سبعمائة فشبه ~~المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة. ~~ثم قال تعالى: { والله يضعف لمن يشاء } أي يزيد على سبع ~~مائة لمن يشاء فيكون مثل المتصدق كمثل الزارع إذا كان الزارع حاذقا في ~~عمله ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع مخصبا طيبا فكذلك ~~المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويوضع في موضعه فيصير الثواب أكثر. ~~{ والله وسع } أي واسع الفضل لتلك الأضعاف { عليم } بما ~~[ينفقون وبما] نووا فيها. قرأ ابن كثير وابن عامر: (والله يضعف) بتشديد ~~العين وحذف الألف وقرأ الباقون (يضاعف) بالألف ومعناهما واحد فالذي قرأ ~~يضعف من التضعيف والذي قرأ يضاعف من المضاعفة. ثم قال تعالى: { الذين ~~ينفقون أمولهم في سبيل الله } أي يتصدقون بأموالهم { ~~ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى } أي لا يمنون ~~عليهم بما تصدقوا عليهم ولا يؤذونهم ولا يعيرونهم بذلك ومعنى الأذى ~~والتعيير هو أن يقع بينه وبين الفقير خصومة فيقول له: إني أعطيتك كذا ~~وكذا وقال بعضهم: المن يشبه بالنفاق والأذى يشبه بالرياء. ثم تكلم الناس ~~في ذلك فقال بعضهم إذا فعل ذلك لا أجر له في صدقته وعليه وزر فيما من على ~~الفقير به. وقال بعضهم: ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه وقال بعضهم: له ~~أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن. ثم قال تعالى: { لهم ~~أجرهم عند ربهم } أي ثوابه في الآخرة { ولا خوف ~~عليهم } فيما يستقبلهم من العذاب { ولا هم يحزنون } على ما ~~خلفوا من أمر الدنيا. ويقال: الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان حين اشترى ~~بئر رومة ثم جعلها سبيلا على المسلمين. ### || [2.263] # { قول معروف } أي دعاء الرجل لأخيه بظهر الغيب { ومغفرة } ~~أي يعفو ويتجاوز [عمن ظلمه] خير من صدقة يعطيها ثم يمن على من ms0179 تصدق عليه ~~ويقال: قول معروف للفقير يعني إذا أتاه سائل سأله ولم يكن عنده شيء يعطيه ~~فيدعو له بالجنة والمغفرة { خير من صدقة } يعطيها له و { ~~يتبعها أذى } ويقال: وعد المعطي خير من صدقة يتبعها أذى. ويقال: ~~وعد الكريم خير من نقد اللئيم. ويقال: دعاء الفقير إذا دعا لصاحب الصدقة ~~ومغفرة الله خير من [الصدقة التي يتبعها أذى]. ويقال: قول معروف أن ~~يتجاوز عمن أساء إليه ويحسن له القول خير له من صدقة يتبعها أذى. ويقال: ~~الأمر بالمعروف والصبر على ما أصابه والتجاوز عن الذي [أضر به] خير من ~~صدقة يتبعها أذى ثم قال { والله غني حليم } أي غني عما عندكم ~~من الصدقة حليم حيث [لم] يعجل [العقوبة] على من يمن [بالصدقة]. ### || [2.264] # { يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم ~~بالمن والأذى } فالله تعالى أمر عباده برأفته أن لا يمنوا ~~بصدقاتهم لكي [لا يذهب] أجرهم ثم ضرب لذلك مثلا فقال تعالى: { كالذي ~~ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم ~~الآخر } يعني المشرك إذا تصدق فأبطل الشرك صدقته كما أبطل المن والأذى ~~صدقة المؤمن ثم ضرب لهما مثلا جميعا لصدقة المؤمن الذي يمن وبصدقة ~~المشرك فقال تعالى: { فمثله كمثل صفوان عليه تراب } ~~قال القتبي الصفوان الحجر الذي لا ينبت عليه شيء يعني كمثل حجر صلب عليه ~~تراب { فأصابه وابل } [يعني المطر الشديد { فتركه صلدا } ~~] يعني المطر ترك الصفا نقيا أجرد أملس ليس عليه شيء من تراب فكذلك نفقة ~~صاحب الرياء ونفقة المشرك لم يبق [لهما] ثواب. ثم قال تعالى: { لا ~~يقدرون على شيء مما كسبوا } { والله لا يهدي ~~القوم الكفرين } أي لا يجدون للصدقة ثوابا في الآخرة وهذا ~~كما قال في آية أخرى و # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح # [إبراهيم: 18] [ { والله لا يهدي القوم الكفرين } ~~يعني لا يرشدهم إلى الإسلام والإخلاص ولا يوفقهم الله بل يخذلهم مجازاة ~~لكفرهم] ثم ضرب مثلا لنفقة المؤمن الذي يريد بنفقته وجه الله تعالى ولا ~~يمن بها. ### || [2.265] # فقال عز وجل: { ومثل ms0180 الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغآء مرضات الله } يعني يتصدقون طلب رضاء الله تعالى ~~بصدقاتهم { وتثبيتا من أنفسهم } يعني وتصديقا من قلوبهم ~~يعني يصدقون الله تعالى بالثواب في الآخرة والخلف في الدنيا. ويقال: ~~وتثبيتا من أنفسهم يعني وتحقيقا من قلوبهم يقصدون بها وجه الله { ~~كمثل جنة بربوة } يعني بستانا في مكان [مستو مرتفع] { ~~أصابها وابل } يعني البستان أصابه المطر الشديد { فأتت ~~أكلها ضعفين } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (أكلها): بجزم ~~الكاف ونصب اللام وقرأ الباقون بالضم [أكلها] وتفسير القراءتين واحد. ~~وقرأ عاصم وأبو عمرو: (بربوة) بنصب الراء وقرأ الباقون: [بالضم]. وقرأ ~~ابن سيرين: بكسر الراء وفيه ثلاث لغات: ربوة وربوة وربوة ~~وتفسير القراءات واحد وفي الآية تقديم وتأخير ومعناه: كمثل [جنة بربوة] ~~أصابها وابل { فإن لم يصبها وابل فطل } فأتت أكلها ضعفين ~~يعني البستان إذا أصابه المطر أو الطل والطل البطيء من المطر وهو مثل ~~الندى (فأتت أكلها ضعفين) يعني أخضرت أوراق البستان وأخرجت ثمرها ضعفين ~~فكذلك الذي يتصدق به لوجه الله تعالى يكون له الثواب ضعفين يعني للواحد ~~عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا نهاية له { والله بما تعملون ~~بصير } ثم ضرب مثلا آخر لعمل الكافر والمنافق. ### || [2.266] # فقال تعالى: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من ~~نخيل وأعناب } يقول: مثل الكافر كمثل شيخ كبير له بستان وله ~~أولاد صغار ضعفاء عجزة لا حيلة لهم ومعيشته ومعيشة ذريته من بستانه { ~~تجرى من تحتها الأنهر له فيها من كل الثمرت ~~وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ~~فيه نار فاحترقت } يعني ريحا بها نار أي فأتته السموم الحارة ~~فأحرقت بستانه ولم يكن له قوة أن يغرس مثل بستانه ولم يكن عند ذريته خير ~~يعينونه فيبقى متحيرا فكذلك الكافر إذا لقي ربه أحوج ما كان فلا يجد ~~خيرا ولا يدفع عن نفسه ولا يكون له معين ولا يعود إلى الدنيا كما لا ~~يعود الشيخ الكبير شابا وكان أحوج إليه قوله تعالى { كذلك يبين ~~الله لكم الآيت لعلكم تتفكرون } في أمثاله ~~فتعتبرون. ### || [2.267] ms0181 # { يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت } يقول: من ~~حلالات { ما كسبتم } في الآية أمر بالصدقة من الحلال وفيها دليل: ~~أن من تصدق من الحرام لا يقبل لأن الواجب عليه أن يردها إلى موضعها. ~~ويقال: أنفقوا من طيبات يعني من مال اللذيذ والشهي عندكم مما كسبتم. ~~يقول: مما جمعتم من الذهب والفضة قوله تعالى: { ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض } أي من الثمار والحبوب { ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون } أي لا تعمدوا إلى رديء المال [فتصدقوا] ~~منه وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حث الناس على الصدقة فجعل ~~الناس يأتون بالصدقة ويجمعون في المسجد فجاء رجل بعذق من تمر عامته حشف ~~فنزلت هذه الآية: { ولا تيمموا الخبيث } يعني لا تعمدوا إلى ~~الخشف [فتتصدقوا] منه { ولستم بأخذيه } [بل] الطيب { إلا أن ~~تغمضوا فيه } يعني إلا أن يهضم أحدكم فيأخذ دون حقه مخافة أن يذهب ~~جميع حقه فيأخذ ذلك للضرورة مخافة موت حقه والله تعالى غني عن ذلك فلا ~~يقبل إلا الطيب. ويقال: (إلا أن تغمضوا) يعني إلا أن يضطر أحدكم فمسته ~~الحاجة فرضي بذلك. قوله تعالى: { واعلموا أن الله غني ~~حميد } أي غني عما عندكم من الصدقات حميد في أفعاله. ويقال حميد بمعنى ~~محمود ويقال: حميد من أهل أن يحمد ويقال: حميد يقبل القليل ويعطي الجزيل. ### || [2.268] # { الشيطن يعدكم الفقر } يقول الشيطان يأمركم بشيئين ~~والله تعالى يأمركم بشيئين: أما الشيطان فإنه [يأمركم] بالفقر ويقول: (لا ~~تنفقوا ولا تتصدقوا فإنكم تحتاجون إلى ذلك) { ويأمركم ~~بالفحشاء } قال الكلبي يعني يمنع الزكاة. ويقال: جميع الفواحش مثل ~~الزنا وقول الزور وغير ذلك. { والله يعدكم مغفرة منه } ~~لذنوبكم يعني المغفرة من الله { وفضلا } يعني خلفا في الدنيا { ~~والله وسع } الفضل { عليم } بما تنفقون ويقال: عليم بمواضع ~~الصدقات. ### || [2.269] # { يؤتي الحكمة من يشاء } قال ابن عباس - يعني النبوة. وقال ~~الكلبي يعني الفقه. وقال مقاتل: يعني علم القرآن. ويقال: الإصابة في ~~القول. ويقال: المعرفة بمكائد الشيطان ووساوسه. وقال مجاهد: الإصابة في ~~القوم والفهم والفقه. { ومن يؤت الحكمة فقد ms0182 أوتي خيرا ~~كثيرا } يقول: من يعط علم القرآن فقد أعطي خيرا كثيرا { وما ~~يذكر } أي ما يتفكر. ويقال: ما يتعظ بما في القرآن { إلا ~~أولوا الألبب } يعني ذوو العقول ويقال: إن من أعطي الحكمة ~~والقرآن فقد أعطي أفضل [مما] أعطي من جميع كتب الأولين من الصحف [وغيرها] ~~لأنه تعالى قال لأولئك: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] وسمي لهذا خيرا كثيرا لأن هذا جوامع الكلم. وقال بعض ~~الحكماء: من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه ولا يتواضع لأصحاب ~~الدنيا لأجل دنياهم لأن ما أعطي أفضل مما [أعطوا] أصحاب الدنيا، لأن الله ~~تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا وقال: (قل: متاع الدنيا قليل) وسمى العلم ~~خيرا كثيرا. ### || [2.270-271] # لقوله: { وما أنفقتم من نفقة } يقول: ما تصدقتم من صدقة { ~~أو نذرتم من نذر } فوفيتم بنذوركم { فإن الله ~~يعلمه } أي يحصيه ويقبله منكم وهذا وعد من الله تعالى فكأنه يقول: ~~(إنه لا ينسى بل يعطي ثوابكم). { وما للظلمين من أنصار } ~~يعني ليس للمشركين من مانع في الآخرة يمنعهم من العذاب { إن تبدوا ~~الصدقت } وذلك أن الله تعالى لما حثهم على الصدقة سألوا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فنزل قوله: { ~~إن تبدوا الصدقت } يعني إن تعلنوا الصدقات المفروضة. { ~~فنعما هي }. قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: (فنعما هي) بنصب النون ~~وكسر العين وقرأ [عاصم في رواية حفص ونافع في رواية ورش وابن كثير: بكسر ~~النون وكسر العين] وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (فنعما) بكسر ~~النون وجزم العين وكل ذلك جائز وفيه ثلاث لغات: نعم نعم ونعم وما ~~زيدت فيها للصلة وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص (ويكفر) بالياء وضم ~~الراء وقرأ حمزة ونافع والكسائي: (ونكفر) بالنون وجزم الراء وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: (ونكفر) بالنون وضم الراء فمن ~~قرأ بالجزم فهو جزاء الصدقة ومن قرأ بالضم فهي على المستقبل يعني إن ~~تعلنوا الصدقات فحسن { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ms0183 ~~فهو خير لكم } من صدقة العلانية. فأما صدقة التطوع فقد اتفقوا ~~أن الصدقة في السر أفضل وأما الزكاة المفروضة: قال بعضهم: السر أفضل لأنه ~~أبعد من الرياء وقال بعضهم العلانية أفضل لأن الزكاة من شعائر الدين فكل ~~ما كان أظهر كان أفضل كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين ولأن في ذلك زيادة ~~رغبة لغيره في أداء الزكاة. ثم قال تعالى { ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم والله بما تعملون خبير } يعني فيما تصدقتم ~~في السر والعلانية يتقبل منكم ويكون في ذلك كفارة سيئاتكم ويعطي ثوابكم ~~في الآخرة. ### || [2.272-274] # { ليس عليك هداهم } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما قدم مكة لعمرة القضاء وخرجت معه أسماء بنت أبي بكر فجاءتها أمها ~~قتيلة وجدها أبو قحافة فسألا منها حاجة فقالت: لا أعطيكما شيئا حتى ~~أستأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنكما لستما على ديني فاستأمرت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية { ليس عليك ~~هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } أي يوفق من يشاء ~~لدينه. فإن قيل قد قال في آية أخرى # وإنك لتهدى إلى صرط مستقيم # [الشورى: 52] وقال ها هنا: { ليس عليك هداهم ولكن ~~الله يهدي من يشاء } أي يوفق قيل ما يشاء إنما أراد به هناك ~~الدعوة وها هنا أراد به الهدى خاصة وهو التوفيق إلى الهدى. ثم قال تعالى: ~~{ وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } يعني ما تنفقوا من مال ~~فثوابه لأنفسكم إذا تصدقتم على الكفار أو على المسلمين وروي عن عمر بن ~~الخطاب أنه رأى رجلا من أهل الذمة يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما ~~أنصفناك أخذنا منك الجزية ما دمت شابا ثم ضيعناك بعدما كبرت وضعفت فأمر ~~بأن يجرى عليه قوته من بيت المال. ثم قال تعالى { وما تنفقون ~~إلا ابتغاء وجه الله } يعني لا تنفقوا إلا ابتغاء ثواب الله ~~{ وما تنفقوا من خير يوف إليكم } [أي يوف ثوابه] ~~إليكم. { وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم ~~وصدقاتكم فيكون ما الأولى بمعنى الشرط وما الثانية [للجحود] ms0184 وما الثالثة ~~للخبر ثم بين موضع الصدقة فقال تعالى: { للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله } يعني النفقة والصدقة للفقراء الذين ~~حبسوا أنفسهم في طاعة الله وهم أصحاب الصفة كانوا نحوا من أربعمائة رجل ~~جعلوا أنفسهم للطاعة وتركوا الكسب والتجارة قوله { لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض } أي لا يستطيعون الخروج إلى السفر في التجارة { ~~يحسبهم الجاهل } قرأ حمزة وعاصم وابن عامر: (يحسبهم) بنصب ~~السين في جميع القرآن وقرأ الباقون: بالكسر وتفسير القراءتين واحد يعني ~~يظن الجاهل بأمرهم وشأنهم [أنهم] { أغنياء من التعفف } ~~لأنهم يظهرون أنفسهم للناس باللباس وغيره كأنهم أغنياء ويتعففون عن ~~المسألة قوله { تعرفهم بسيمهم } أي بصفرة الوجوه من قيام ~~الليل وصوم النهار { لا يسألون الناس إلحافا } يعني إلحاحا ~~قال ابن عباس - رضي الله عنه - لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح ~~ويقال: أصله من اللحاف لأن السائل إذا كان ملحا فكأنه يلصق بالمسؤول ~~فيصير كاللحاف [يلتصق] وجعل ذلك كناية عنه. ثم قال تعالى: { وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم } يعني عليم بما ~~أنفقتم ويقال: هذا على معنى التحريض فكأنه يقول: عليكم بالفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله [وقال بعضهم: هذا على معنى التعجب فكأنه يقول: عجبا ~~للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله] ويقال: أنه رد إلى أول الآية وما ~~أنفقتم من نفقة للفقراء الذين أحصروا ثم قال تعالى { الذين ~~ينفقون أمولهم باليل والنهار }. # قال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في شأن علي بن أبي طالب كانت له ~~أربعة دراهم لم يملك غيرها فلما نزل التحريض على الصدقة تصدق بدرهم ~~بالليل وبدرهم بالنهار وبدرهم في السر وبدرهم في العلانية فنزلت هذه ~~الآية { الذين ينفقون أمولهم باليل والنهار } { ~~سرا وعلانية } يعني خفية وظاهرا. ويقال: هذا حث لجميع الناس على ~~الصدقة يتصدقون في الأحوال كلها وفي الأوقات كلها { فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ### || [2.275-281] # { الذين يأكلون الربا } يعني يأكلون الربا استحلالا { لا ~~يقومون } يوم القيامة من قبورهم { إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطن } أي يتخبطه ms0185 الشيطان { من المس } أي ~~من الجنون. ويقال: أنهم يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم كالحباب ~~وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم فيكون ذلك علامة آكل الربا. ويقال: ~~يكون بمنزلة المجنون { ذلك بأنهم } يعني الذي نزل بهم لأنهم { ~~قالوا إنما البيع مثل الربوا } معناه استحلوا الربا ~~وكان الرجل إذا حل [أجل] ماله [طالبه] فيقول له المطلوب: زدني في الأجل ~~وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك. فإذا قيل لهما: أن هذا ربا قالا: الزيادة في ~~أول البيع وعند حلول الأجل سواء. ويقال: أنهم استحلوا الربا وقالوا: ~~الربا والبيع في الحل سواء فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى { ~~وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جآءه ~~موعظة } ولم يقل جاءته لأن التأنيث ليس بحقيقي ويجوز أن يذكر ويؤنث ~~لأنه انصرف إلى المعنى يعني فمن جاءه نهي { من ربه } في القرآن في ~~بيان تحريم الربا { فانتهى } عن أكل الربا { فله ما سلف } ~~يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي لأن الحجة لم تقم عليهم ولم يعلموا ~~بحرمته وأما اليوم فمن تاب عن الربا فلا بد له من أن يرد الفضل ولا يكون ~~له ما سلف لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين لأن كتاب الله تعالى فيهم ~~ثم قال عز وجل: { وأمره إلى الله } في المستأنف إن شاء عصمه ~~وإن شاء لم يعصمه { ومن عاد } إلى استحلال الربا { فأولئك ~~أصحب النار هم فيها خلدون } قال ابن مسعود آكل الربا ~~وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال عليه الصلاة والسلام: # " سيأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا ~~أصابه من غباره " # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الربا بضع وسبعون بابا أدناها كإتيان الرجل أمه " # يعني كالزاني بأمه. ثم قال تعالى: { يمحق الله الربوا } أي ~~يبطله ويذهب ببركته { ويربي الصدقت } يقول: يقبلها ويضاعفها ~~ويقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة: إما أن يذهب عنه أم ~~عن ولده أو ينفقه ms0186 فيما لا يصلح. { والله لا يحب كل كفار ~~} يعني جاحد بتحريم الربا { أثيم } يعني عاص بأكله. { إن ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } يعني الطاعات فيما ~~بينهم وبين ربهم { وأقاموا الصلاة } يعني الصلوات الخمس { ~~وءاتوا الزكوة } [يعني أعطوا الزكاة] المفروضة { لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } وقد ذكرناه { يأيها الذين ءامنوا اتقوا ~~الله } (أي أطيعوا الله) ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الربا { ~~وذروا ما بقي من الربوا } { إن كنتم مؤمنين } ~~أي مصدقين بتحريمه وقال أهل اللغة إن الحقيقة على ثلاثة أوجه: إن بمعنى ~~ما كقوله (إن الكافرون) # إن كانت إلا صيحة وحدة # [يس: 29] وإن بمعنى لقد كقوله # إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 108] # وتالله إن كنا # [الشعراء: 97] # وتالله إن كدت لتردين # [الصافات: 56] # إن كنا عن عبادتكم لغفلين # [يونس: 29] وإن بمعنى إذ كقوله: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139] { وذروا ما بقى من الربوا } نزلت هذه ~~الآية في نفر من بني ثقيف وفي بني المغيرة من قريش وكانت ثقيف يربون لبني ~~المغيرة في الجاهلية وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما ~~يربون لبني المغيرة فلما ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة ~~وضع الربا كله وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس ~~يأخذونه وما كان عليهم من ربا للناس فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم وقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب لهم كتابا وكتب في أسفله إن لكم ~~ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فلما حل الأجل طلب ثقيف رباهم فاختصموا إلى ~~أمير مكة وهو عتاب بن أسيد فكتب بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فنزلت هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } ~~ولا تستحلوا الربا { وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم ~~مؤمنين } يعني مصدقين بتحريم الربا. ثم خوفهم فقال تعالى: { فإن ~~لم تفعلوا } أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه { فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله }. قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر: ~~فآذنوا بمد ms0187 الألف وكسر الذال [وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع (فأذنوا) ~~بترك الهمزة ونصب الذال وقرأ الباقون: بجزم الألف ونصب الذال فمن قرأ ~~(فاذنوا) بالجزم معناه فاعلموا (بحرب من الله) يعني بإهلاك من ~~الله. ويقال معناه: فاعلموا بأنكم كفار بالله (ورسوله) ومن قرأ ~~(فآذنوا) بالمد يقول: اعلموا بعضكم بعضا بحرب أي بإهلاك من الله تعالى ~~ورسوله فقالوا: ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟ فقال تعالى ~~{ فإن تبتم فلكم رءوس أمولكم } التي أسلفتم. وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا وضع ربا العباس بن عبد ~~المطلب وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع وأول دم وضع دم ربيعة بن الحارث ~~بن عبد المطلب " # ثم قال: { لا تظلمون ولا تظلمون } يعني الطالب لا يظلم ~~بطلب الزيادة ويرضى برأس المال ولا يظلم المطلوب فينتقص عن رأس المال ~~وذلك أنهم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة فشكوا العسرة يعني بني ~~المغيرة وقالوا: ليس لنا شيء وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ثمارهم فنزل ~~قوله تعالى: { وإن كان ذو عسرة } يعني إن كان المطلوب ذو شدة { ~~فنظرة إلى ميسرة } يقول: أجله أن يتيسر عليه بإدراك ثماره { ~~وأن تصدقوا } يقول لو تصدقتم ولا تأخذونه فهو { خير لكم } ~~ويقال: لئن تصدقتم بالتأخير فهو خير لكم { إن كنتم تعلمون } أن ~~الصدقة خير لكم. # قرأ نافع: (إلى ميسرة) بضم السين وقرأ الباقون والنصب وهما لغتان ~~ومعناهما واحد وقرأ عطاء: (فناظرة) بالألف وقرأ العامة: بغير ألف ومعناها ~~واحد [وقرأ عاصم: (وأن تصدقوا) بتخفيف الصاد وقرأ الباقون بالتشديد لأن ~~التاء أدغم في الصاد وأصله تتصدقوا]. ثم قال تعالى: { واتقوا ~~يوما ترجعون } [يقول اجتنبوا] عذاب يوم ترجعون { فيه إلى ~~الله } يعني في يوم القيامة { ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت } من خير أو شر { وهم لا يظلمون } يقول: وهم لا ينقصون ~~من ثواب أعمالهم شيئا وروى الضاحك عن ابن عباس أنه قال: آخر آية نزلت من ~~القرآن { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ms0188 } قرأ أبو ~~عمرو (ترجعون) بنصب التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون: [بالضم] ونصب الجيم. ### || [2.282-283] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم ~~بدين } روي عن ابن عباس أنه قال: الآية نزلت في السلم. ويقال: كل دين ~~إلى أجل سلما كان أو غيره، { إلى أجل مسمى } يعني إلى أجل ~~معلوم وفي الآية دليل: أن المداينة لا تجوز إلا بأجل معلوم: { ~~فاكتبوه } يعني الدين والأجل. ويقال: أمر بالكتابة ولكن المراد به ~~الكتابة والإشهاد لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة ويقال: أمر بالكتابة ~~لكي لا ينسى ويقال: من أدان دينا ولم يكتب فإذا نسي ودعى الله تعالى بأن ~~يظهره يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري وإذا دعى بالنجاة من ~~الزوجة يقول الله تعالى: جعلت الطلاق بيدك إن شئت طلقها وإن شئت فأمسكها. ~~ثم قال تعالى: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل } يعني يكتب ~~الكاتب عن البائع والمشتري يعدل بينهما في كتابته ولا يزاد على المطلوب ~~على حقه ولا ينقص من حق الطالب. ويقال: إن هذا أمر للكاتب بالكتابة وكانت ~~المكاتبة واجبة في ذلك الوقت على الكاتب لأن الكتبة كانوا قليلا ثم نسخ ~~بقوله: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } وقال بعضهم: الكتابة لم ~~تكن واجبة ولكن الأمر على معنى الاستحباب ثم قال: { ولا يأب كاتب ~~أن يكتب } يقول: ولا يمتنع الكاتب عن الكتابة أن يكتب { كما ~~علمه الله } يعني يكتب شكرا لما أنعم الله عليه حيث علمه ~~الكتابة واحتاج غيره إليه فكما أكرمه الله تعالى بالكتابة وفضله بذلك ~~فيعرف شكره ولا يمتنع عن الكتابة لمن طلب منه ثم قال: { وليملل ~~الذي عليه الحق } يعني المطلوب هو الذي يملي على الكاتب حتى ~~يكتب الكتابة لأن قول المطلوب حجة على نفسه فإذا أملى على الكاتب يكون ~~ذلك إقرارا منه بوجوب الحق عليه. ثم خوف المطلوب لكيلا ينقص شيئا من حق ~~الطالب فقال تعالى: { وليتق الله ربه } يعني المطلوب { ~~ولا يبخس منه شيئا } يقول لا ينقص من الحق شيئا يعني ~~المطلوب. ويقال: يعني الكاتب ولا يبخس في الكتابة ms0189 شيئا { فإن كان ~~الذي عليه الحق } يعني إذا كان المطلوب { سفيها } أي ~~جاهلا بالإملاء. ويقال أحمق { أو ضعيفا } يعني صبيا عاجزا عن ~~الإملاء ويقال: أخرس أو مجنون { أو لا يستطيع } يعني لا يحسن { ~~أن يمل هو } على الكاتب فيرجع الإملاء على الطالب { فليملل ~~وليه } يعني ولي الحق أي الطالب هكذا قال في رواية الكلبي. وقال في ~~رواية الضحاك: يعني ولي المدين يعني إذا كان للصبي وصي أو ولي يرجع ~~الإملاء عليه فليملل وليه { بالعدل } أي بالحق ثم أمر بالإشهاد فقال ~~تعالى: { واستشهدوا } على حقكم { شهيدين من رجالكم } ~~يعني من أهل دينكم من الأحرار البالغين { فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل } [فليكن رجلا] { وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء } يعني من العدول { أن تضل إحداهما } يعني ~~إذا نسيت إحدى المرأتين { فتذكر إحداهما الأخرى } يعني إذا ~~حفظت إحداهما الشهادة فتذكر صاحبتها ويقال: [إذا] امتنعت إحداهما عن أداء ~~الشهادة فتعظها الأخرى حتى تشهد. # قرأ حمزة: (إن تضل) بكسر الألف ونصب التاء [وجزم] اللام وإنما كسر الألف ~~على معنى الابتداء [والشرط] [وجزم اللام لحرف الشرط (فتذكر) بضم ~~(الراء) وقرأ الباقون: بنصب الألف ومعناه لأن تضل. وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو: (فتذكر) بالتخفيف وقرأ الباقون: بنصب الذال وتشديد الكاف وهما ~~لغتان: أذكرته وذكرته ثم قال: { ولا يأب الشهداء إذا ما ~~دعوا } يعني الشاهد إذا دعي إلى الحاكم ليشهد فلا يمتنع عن أداء ~~الشهادة والإباء عن الشهادة حرام لأن الله تعالى نهى عن الإباء عن ~~الشهادة. ويقال: إباء الشهادة على ثلاثة أوجه [أحدهما]: أن يمتنع عن ~~أدائه. والثاني أن يشهد ويقصر في أدائه لكيلا تقبل شهادته. والثالث: بأن ~~لا يصون نفسه عن المعاصي فيصير منهما لا تقبل شهادته فكأنه وهو الذي أبطل ~~حق المدعي وخانه حيث عصى الله تعالى حتى ردت شهادته بمعصيته. ثم قال ~~تعالى { ولا تسأموا } يقول: ولا تملوا { أن تكتبوه صغيرا ~~أو كبيرا } يعني قليل الحق أو كثيره { إلى أجله } لأن الكتابة ~~أحصى للأجل وأحفظ للمال { ذلكم أقسط عند الله وأقوم } ~~أي أعدل { وأقوم } وأصوب ms0190 { للشهدة وأدنى } يقول: أحرى ~~وأجدر { ألا ترتابوا } يعني لا تشكوا في شيء من حقوقكم ثم استثنى ~~الله تعالى: { إلا أن تكون تجرة حاضرة } قرأ عاصم: (تجارة ~~حاضرة) بالنصب وقرأ الباقون بالرفع فمن قرأ بالنصب جعله خبر تكون والاسم ~~مضمر معناه إلا أن تكون المداينة تجارة [حاضرة] ومن قرأ بالرفع جعله اسمه ~~يعني إذا كان البيع بالنقد. { تديرونها بينكم } يعني تداولونها ~~أيديكم ولم يكن المال مؤجلا { فليس عليكم جناح } [أي حرج] { ~~ألا تكتبوها } يعني التجارة ثم قال { وأشهدوا } على حقكم { ~~إذا تبايعتم } على كل حال نقدا كان أو مؤجلا وهذا أمر استحباب ~~ولو ترك [الإشهاد] جاز البيع. ثم قال تعالى { ولا يضار كاتب ~~ولا شهيد } يقال: لا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد فيدعوهما إلى ~~الكتابة والشهادة ولهما حاجة مهمة فيمنعهما عن حاجتهما [وليتركهما] حتى ~~يفرغا من حاجتهما أو يطلب غيرهما. { وإن تفعلوا } يقول إن تضاروا ~~الكاتب والشاهد { فإنه فسوق بكم } يقول معصية منكم وترك الأدب ~~قوله { واتقوا الله } في الضرر ويقال: واتقوا الله ولا تعصوه ~~فيما أمركم من أمر الكتابة والإشهاد { ويعلمكم الله } في أمر ~~الكتابة. ويقال: ويؤدبكم الله { والله بكل شيء } [من أعمالكم] { ~~عليم }. { وإن كنتم على سفر } أي كنتم مسافرين { ولم ~~تجدوا كاتبا } يعني لم تجدوا من يكتب الكتاب. وروي عن ابن عباس ~~أنه كان يقرأ: ولم تجدوا كاتبا يعني الكاتب والصحيفة { فرهن ~~مقبوضة }. # (قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فرهن)) والباقون: (فرهان) فمن قرأ فرهان فهو ~~جمع الرهن ومن قرأ: فرهن فهو جمع الرهان وهو جمع الجمع ويقال: كلاهما ~~واحد وهو جمع الرهن. يعني إذا كنتم في السفر ولم تجدوا من يكتب ولم تجدوا ~~الصحيفة والدواة فاقبضوا الرهن. وفي الآية دليل: أن الرهن لا يصح إلا ~~بالقبض لأنه جعل الرهن بالقبض. ثم قال تعالى: { فإن أمن بعضكم ~~بعضا } يعني إذا كان الذي عليه الحق أمينا عند الطلب ولم يطلب منه ~~الرهن ورضي بدينه بغير رهن قوله { فليؤد الذي اؤتمن ~~أمنته } يعني أن المطلوب يقضي دينه حيث ائتمنه الطالب ولم ms0191 يرتهن ~~منه { وليتق الله ربه } ولا يمنع حقه. ثم رجع إلى الشهود ~~فقال: { ولا تكتموا الشهدة } عند الحاكم. يقول: من كانت ~~عنده شهادة فليؤدها على وجهها ولا يكتمها { ومن يكتمها } يعني ~~الشهادة { آثم قلبه } يعني فاجر قلبه قوله { والله بما ~~تعملون عليم } من كتمان الشهادة وإقامتها فهذا وعيد للشاهد على ~~كتمان شهادته لكيلا يكتمها. قرأ حمزة وعاصم: (فليؤد الذي أوتمن) بضم ~~الألف والباقون يقرأون بسكون الألف وكلاهما واحد. ### || [2.284] # { لله ما في السموات وما في الأرض } من الخلق كلهم ~~عبيده وإماؤه وهو خالقهم ورازقهم وحكمه نافذ فيهم معناه لا تعبدوا أحدا ~~سواه لأنه هو الذي خلق المسيح والملائكة والأصنام. ويقال: لله ما في ~~السموات وما في الأرض يعني في كل شيء دلالة ربوبيته ووحدانيته. ثم قال: { ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } يعني، إن تظهروا ~~ما في قلوبكم أو تضمروه { يحاسبكم به الله } أي يجازيكم به ~~الله [وقال بعضهم يعني في كتمان الشهادة أن تعلنوا الشهادة أو تخفوها ~~يحاسبكم به الله أي يجازيكم به الله] وقال الكلبي: وإن تعلنوا ما في ~~أنفسكم من المعصية أو تسروها ولا تظهروها يجازيكم قال: لما نزلت هذه ~~الآية شق على المسلمين وقالوا: يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بالأمر ~~المعصية ثم [لا نعملها أو نعملها] فهو سواء فشق ذلك على [المؤمنين] مشقة ~~شديدة فلما [علم] الله مشقة ذلك على [المؤمنين] أنزل على نبيه ما هو أهون ~~عليه منه فقال: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الدبيلي ~~قال: حدثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " سبقت رحمتي غضبي " # قال سفيان: بلغني أن الأنبياء كانوا يأتون قومهم بهذه الآية { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~} فيقولون: لا نطيق هذا ولا نحتمله فأعقبهم الله المؤاخذة فلما عرض على ~~هذه الأمة قبلوا فأعقبهم الله تعالى أن وضعها عنهم فأنزل ms0192 الله تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] الآية. ثم قال عز وجل: { فيغفر لمن يشاء } أي ~~لمن تاب عن الذنوب { ويعذب من يشاء } أي من أقام على ذلك وأصر ~~عليه ويقال: فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم لمن انتزع عنه ويعذب من يشاء ~~بالذنب الصغير إذا أصر عليه ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع ~~الإصرار. قرأ عاصم وابن عامر: (فيغفر) بضم الراء على معنى الابتداء. وقرأ ~~الباقون بالجزم على جواب الشرط وكذلك في قوله: ويعذب من يشاء ثم قال: { ~~والله على كل شيء قدير }. ### || [2.285-286] # { آمن الرسول بمآ أنزل إليه } روي عن الحسن وعن مجاهد: ~~أن هذه الآية نزلت في قصة المعراج وهكذا روي في بعض الروايات عن عبد الله ~~بن عباس. وقال بعضهم: جميع القرآن نزل به جبريل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا هذه الآية فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمعها ليلة ~~المعراج. وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج لأن ليلة المعراج كانت ~~بمكة وهذه السورة كلها مدنية فأما من قال: إنها كانت في ليلة المعراج ~~قال: لما صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلغ فوق السموات في مكان ~~مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل: إني لم أجاوز هذا ~~الموضع ولم يؤمر أحد بالمجاوزة عن هذا الموضع غيرك فجاوز النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى بلغ الموضع الذي شاء الله فأشار إليه جبريل بأن ~~يسلم على ربه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " التحيات لله والصلوات الطيبات " # فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فأراد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون لأمته حظ في السلام فقال: السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين فقال جبريل وأهل السموات كلهم: أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال الله تعالى على معنى الشكر ~~(آمن الرسول) أي: صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - بما أنزل إليه (من ~~ربه) فأراد النبي - صلى الله عليه ms0193 وسلم - أن يشارك أمته في الفضيلة فقال: ~~{ والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } يعني يقولون ~~آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بواحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود ~~والنصارى فقال له ربه عز وجل كيف قبولهم للآي التي أنزلتها؟ وهي قوله: # وإن تبدوا ما في أنفسكم # [البقرة: 284] فقال: رسول الله: { وقالوا: سمعنا وأطعنا ~~غفرانك ربنا } أي أطعنا مغفرتك يا ربنا { وإليك المصير ~~} أي: المرجع. قال الله تعالى عند ذلك: { لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها } أي طاقتها ويقال: إلا دون طاقتها ويقال: لا يكلف ~~الصلاة قائما لمن لا يقدر عليها { لها ما كسبت } من الخير { ~~وعليها ما اكتسبت } من الشر # " فقال له جبريل عند ذلك: سل تعط فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: { ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } " # يعني: إن جهلنا { أو أخطأنا } يعني إن تعمدنا، ويقال: إن عملنا ~~بالنسيان أو أخطأنا، يعني عملنا بالخطأ. فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد ~~رفع عن أمتك الخطأ والنسيان شيئا آخر فقال عند ذلك: { ربنا ولا ~~تحمل علينا إصرا } يعني ثقلا { كما حملته على ~~الذين من قبلنا } وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم وكانوا إذا ~~أذنبوا بالليل [وجدوه] مكتوبا على بابهم وكانت الصلوات عليهم خمسين ~~فخففت عن هذه الأمة وحط عنهم بعدما فرض [عليهم] إلى خمس صلوات ثم قال: { ~~ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } يقول: لا ~~تكلفنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا ويقال: ما يشق ذلك علينا [لأنه لو ~~أمر بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة ~~على ذلك] { واعف عنا } من ذلك كله { واغفر لنا وارحمنا ~~} أي تجاوز عنا ويقال: واعف عنا من المسخ واغفر لنا من الخسف وارحمنا من ~~القذف لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم [أصابهم الخسف ~~وبعضهم] القذف ثم قال: { أنت مولنا } أي أنت ولينا وحافظنا { ~~فانصرنا على القوم الكفرين } فاستجيب دعاؤه وروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " نصرت ms0194 بالرعب مسيرة شهر " # ويقال: إن الغزاة إذا خرجوا من بلادهم بالنية الخالصة وضربوا الطبل وقع ~~الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر علموا بخروجهم أو لم يعلموا ثم ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع أوحى الله تعالى إليه هذه ~~الآيات ليعلم أمته بذلك ولهذه الآية تفسير آخر. قال الزجاج: لما ذكر الله ~~تعالى فرض الصلاة والزكاة في هذه السورة وبين أحكام الحج وحكم الحيض ~~والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا والدين ثم ذكر تعظيمه ~~بقوله تعالى: # لله ما فى السموت والأرض # [لقمان: 26] الآية ثم ذكر تصديق جميع ذلك حيث قال: { آمن الرسول ~~بما أنزل إليه من ربه } أي صدق [الرسل] بجميع هذه الأشياء ~~التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله. ~~قرأ حمزة والكسائي: (وكتابه) على معنى الوحدان [وقرأ الباقون: (وكتبه) ~~على معنى الجمع] ثم قال: { لا نفرق بين أحد من رسله } ~~فأخبر عن المؤمنين بأنهم يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله. [قرأ الحضرمي: ~~(لا يفرق) بالياء ومعنا كل آمن بالله وكل لا يفرق وقرأ ابن مسعود (لا ~~يفرقون بين أحد من رسله)] وقالوا سمعنا وأطعنا أي قبلنا ما سمعنا لأن من ~~سمع ولم يقبل قيل له أصم لأنه لم ينتفع بسماعه وقرأ أبو عمرو من رسله ~~[برفع] السين وكذلك [في] جميع القرآن [غير] هذه [الحروف] الأربعة: مثل ~~رسلنا ورسلهم يقرأ بالسكون وقرأ الباقون: برفع السين في جميع القرآن. ~~ومعنى قوله: { غفرانك ربنا } أي اغفر غفرانك وهو من أسماء ~~المصادر كالكفران والشكران { وإليك المصير } يعني نحن مقرون ~~بالبعث. ثم قال: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } يعني ~~طاقتها قال الفقيه حدثنا أبو الحسين قال: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا ~~محمد بن عبد الله قال: حدثنا مروان عن عطاء بن عجلان عن زرارة بن أبي ~~أوفى عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن الله تجاوز عن هذه الأمة ما حدثت به أنفسها أوهمت به ما لم تعمل به ms0195 ~~أو تتكلم به " # ثم قال { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا ~~تؤاخذنا إن نسينا } أي لا تؤاخذ أحدا بذنوب غيره كما قال في ~~آية أخرى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164] وقوله: (إن نسينا) أي إن تركنا (أو أخطأنا) يعني إن ~~كسبنا خطيئة فأخبر الله تعالى بهذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ~~المؤمنين وجعله في كتابه ليكون دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ~~دعوة يدعون بها من بعده لأن هذا الدعاء قد استجيب له فينبغي أن يحفظ ~~ويدعى به كثيرا قال الفقيه: حدثنا القاضي الخليل قال: حدثنا السراج قال: ~~حدثنا أحمد بن سعيد [الرازي] قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا أبو ~~عوانة عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: # " فضلنا على الناس بثلاث خصال: جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها ~~لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وأوتيت هذه الآيات من آخر سورة ~~البقرة من كنز تحت العرش لم يعط أحد قبلي ولا تعطى أحدا بعدي " # وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " تعلموا البقرة وآل عمران فإنهما تجيئان يوم القيامة كالغمامتين أو ~~كالغيايتين أو كفرقتين من طير صواف ويحاجان عن صاحبهما " # ثم قال: # " تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة. ولا يستطيعها البطلة ~~يعني السحرة " # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نزل عليه ملك فقال له إن الله ~~يبشرك بنورين لم يعطهما نبيا قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لا ~~يقرأ بحرف [منهما] إلا أعطيته نورا وروي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " لو بلغت سورة البقرة ثلاثمائة آية لتكلمت " # يعني لصارت بحال تتكلم لأنه لا يبقى شيء إلا اجتمع فيها من كثرة ما فيها ~~من العجائب. والله [سبحانه وتعالى] أعلم [وصلى الله على سيدنا محمد]. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # { الم } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا الله أعلم ms0196 { الله } يعني ~~هو الله الذي { لا إله إلا هو الحي القيوم } الذي لا ~~يموت ولا يزول أبدا. ويقال: الحي الذي لا بادىء له { القيوم } يعني ~~القائم على كل نفس بما كسبت ويقال: القائم بتدبير الخلق. # وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: الحي قبل كل حي والحي بعد كل حي ~~الدائم الذي لا يموت، ولا تنقضي عجائبه، والقائم على العباد بأرزاقهم ~~وآجالهم. ويقال " الحي القيوم " هو اسم الله الأعظم، ويقال: إن عيسى ابن ~~مريم - عليهما السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الاسم: يا ~~حي يا قيوم. ويقال: إن آصف بن برخيا، لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس ~~إلى سليمان - عليه السلام - دعا بقوله يا حي يا قيوم. ويقال: إن بني ~~إسرائيل سألوا موسى - عليه السلام - عن اسم الله الأعظم فقال لهم: قولوا ~~[اهيا] يعني يا حي - " شراهيا " يعني يا قيوم. ويقال: هو دعاء أهل البحر، ~~إذا خافوا الغرق يدعون به [ثم قال تعالى:] ### || [3.3-5] # { نزل عليك الكتب } يعني أنزل عليك جبريل بالقرآن { ~~بالحق } أي بالعدل، ويقال لبيان الحق. { مصدقا لما بين ~~يديه } يعني موافقا للكتب المتقدمة في التوحيد وفي بعض الشرائع { ~~وأنزل التوراة والإنجيل } { من قبل } يعني [أنزل] ~~التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل هذا الكتاب. وروي عن الفراء ~~أنه قال: اشتقاق التوراة من وري الزند، وهو ما يظهر من النور والضياء ~~فسمي التوراة بها لأنه ظهر بها النور والضياء لبني إسرائيل ومن تابعهم، ~~وإنما سمي الإنجيل لأنه أظهر الدين بعدما درس، وقد سمي القرآن إنجيلا ~~أيضا لما روي في قصة مناجاة موسى - عليه السلام - أنه قال: يا رب أرى في ~~الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم، فاجعلهم أمتي، قال الله تعالى هم ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما أراد بالأناجيل القرآن. قرأ حمزة ~~والكسائي وابن عامر " التوراة " بكسر الراء والباقون بالفتح. ثم قال ~~تعالى: { هدى للناس } معناه: وأنزل التوراة على موسى ~~والإنجيل على عيسى - عليهما السلام - بيانا لبني إسرائيل من الضلالة { ~~وأنزل الفرقان } على ms0197 محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد التوراة ~~والإنجيل. وقال الكلبي " الفرقان " هو الحلال والحرام، يعني بيان الحلال ~~والحرام، ويقال: المخرج من الشبهات. { إن الذين كفروا ~~بأيت الله } أي جحدوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - [وبالقرآن] ~~وما أوتي من آيات نبوته { لهم عذاب شديد } في الآخرة. قال ~~الكلبي: نزلت هذه الآية في وفد نجران، قدموا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وجادلوه بالباطل، ويقال: [في] شأن اليهود. ويقال: في شأن ~~مشركي العرب. { والله عزيز ذو انتقام } أي منيع بالنقمة ينتقم ~~ممن عصاه. { إن الله لا يخفى عليه شيء } لا يذهب ولا ~~يغيب [عليه] شيء { في الأرض ولا في السماء } معناه أنه لا يخفى ~~عليه قول الكفار وعملهم، فيجازيهم يوم القيامة. وهم وفد نجران وسائر ~~المشركين. ### || [3.6] # ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا بذلك فقال تعالى: { هو الذي يصوركم ~~في الأرحام كيف يشاء } أي يخلقكم كيف يشاء قصيرا أو طويلا، ~~حسنا أو ذميما، ذكرا أو أنثى، ويقال: شقيا أو سعيدا، وهذا كما روي ~~عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد ~~في بطن أمه. ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [يقول]: # " الولد [يكونه] في بطن أمه يكون نطفة أربعين يوما، ثم يصير علقة ~~أربعين يوما، ثم يصير مضغة أربعين يوما ثم ينفخ فيه الروح، ثم يكتب شقي ~~أم سعيد ". # وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسألوا ما عنده من ~~الحديث، فقال لهم إني مشغول بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث، فقيل ~~له: وما ذاك الشغل؟ فقال أحدها: إني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال هؤلاء ~~في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي فلا أدري من أي الفريقين ~~كنت في ذلك الوقت. والثاني: حيث صورني في رحم أمي فقال الملك [الموكل] ~~على الأرحام يا رب شقي [أم] سعيد؟ فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت. ~~والثالث: حيث يقبض روحي ملك الموت فيقول: يا رب أمع الكفار ms0198 أم مع ~~المؤمنين فلا أدري كيف يخرج الجواب. والرابع حيث يقول: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [ يس: 59] فلا أدري من أي الفريقين أكون. ثم قال تعالى { لا إله ~~إلا هو } يعني لا خالق ولا مصور إلا هو { العزيز } يعني المنيع ~~بالنقمة لمن جحده { الحكيم } يحكم [تصوير] الخلق على ما يشاء. ### || [3.7-9] # { هو الذي أنزل عليك الكتب } يعني [أنزل عليك] جبريل ~~بالقرآن { منه آيت محكمت } يعني من القرآن آيات واضحات ~~ويقال: مبينات بالحلال والحرام ويقال: ناسخات لم تنسخ قط { هن أم ~~الكتب } يعني أصل كل كتاب وهي ثلاث آيات من سورة الأنعام وهو قوله ~~تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] [وروي عن ابن عباس: أنه سمع رجلا يقول: فاتحة الكتاب؛ ~~أم الكتاب فقال له ابن عباس: بل أم الكتاب قوله تعالى # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم... # [الأنعام: 151] إلى آخر ثلاث آيات الآية. ثم قال تعالى: { وأخر ~~متشبهت } قال الضحاك أي منسوخات. وقال الكلبي: يعني ما اشتبه ~~على اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه " ألم، والمص " ويقال: المحكم ما كان ~~واضحا لا يحتمل التأويل والمتشابه: الذي يكون اللفظ يشبه اللفظ والمعنى ~~مختلف ويقال: المحكم: الذي هو حقيقة اللغة والمتشابه: ما كان مجاوزا. ~~ويقال: المحكمات: التي فيها دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والمتشابه: الذي اشتبهت الدلالة فيه. فإن قيل: إذا أنزل القرآن للبيان ~~فكيف لم يجعل كله واضحا؟ قيل: الحكمة في ذلك والله أعلم أن يظهر فضل ~~العلماء لأنه لو كان الكل واضحا لم يظهر فضل العلماء بعضهم على بعض ~~وهكذا يفعل كل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ويترك ~~للحيرة موضعا لأن ما هان وجوده قل بهاؤه. ثم قال تعالى: { فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ } يعني ميل عن الحق وهم اليهود { ~~فيتبعون ما تشبه منه } قال الضحاك: يعني ما نسخ منه { ~~ابتغاء الفتنة } أي طلب الشرك واستبقاؤه ما هم عليه { ~~وابتغاء تأويله } أي طلب [ثناء] هذه الأمة ويقال: طلب وقت قيام ~~الساعة { وما يعلم تأويله ms0199 إلا الله } يعني منتهى ملك ~~هذه الأمة وذلك أن جماعة من اليهود دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وفيهم حيي بن أخطب وغيره فقالوا: بلغنا أنه نزل عليك " ألم " فإن ~~كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة لأن الألف في ~~حساب الجمل واحد واللام ثلاثون والميم أربعون فنزل: { وما يعلم ~~تأويله إلا الله } يعني منتهى ملك هذه الأمة ثم قال تعالى: { ~~والرسخون في العلم } قال الكلبي ومقاتل: استأنف الكلام يعني لما ~~قال { وما يعلم تأويله إلا الله } فقد تم الكلام ثم ~~استأنف فقال: { والرسخون في العلم } [أي البالغون العلم في ~~كتبهم] التوراة والإنجيل { يقولون ءامنا به } يعني القرآن { ~~كل من عند ربنا } ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وهو عبد الله ~~بن سلام وأصحابه. وقال بعضهم: هو معطوف عليه يقول: " وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم " يعني يعلمون تأويله ويقولون: { آمنا به ~~كل من عند ربنا } وروى ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه كان ~~يقرأ وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم: آمنا به، وهذا ~~يوافق قول الكلبي ومقاتل. # وقال عامر الشعبي لو كان ابن عباس بين أظهرنا ما سألته عن آية من ~~التفسير لأني أحل حلاله وأحرم حرامه وأومن بمتشابهه وأكل ما لم أعلم ~~منه إلى عالمه. ثم قال تعالى: { وما يذكر إلا أولوا ~~الألبب } يعني ما يتعظ بما أنزل من القرآن إلا ذوو العقول من الناس ~~ثم قال عبد الله بن سلام وأصحابه حين سمعوا قول اليهود وتكذيبهم { ~~ربنا لا تزغ قلوبنا } يعني لا تحول قلوبنا عن الهدى { ~~بعد إذ هديتنا } يعني بعد ما أكرمتنا بالإسلام [وهديتنا لدينك] ~~{ وهب لنا من لدنك رحمة } يعني ثبتنا على الهدى { ~~إنك أنت الوهاب } أي المعطي [المثبت] للمؤمنين. { ربنا ~~إنك جامع الناس } بعد الموت { ليوم لا ريب فيه } أي ~~في يوم لا شك فيه عند المؤمنين أنه كائن لا محالة. { إن الله لا ~~يخلف الميعاد } في البعث ويقال: معناه { إن الله لا ms0200 ~~يخلف الميعاد } في إجابة الدعاء يعني يوم يجمع الناس في الآخرة. ### || [3.10-11] # ثم قال تعالى: { إن الذين كفروا } يعني اليهود، ويقال جميع ~~الكفار { لن تغني عنهم } كثرة { أمولهم ولا ~~أولدهم من الله } [شيئا] يعني من عذاب الله { شيئا } في ~~الدنيا إذا نزل بهم شدة أو مرض، ولا في الآخرة عند نزول العذاب. ويقال: ~~كل ما لم ينفق في طاعة الله، فهو حسرة له يوم القيامة، ويقال: إنما ذكر ~~الأموال والأولاد [لأن أكثر الناس يدخلون النار لأجل الأموال والأولاد]. ~~فأخبر الله تعالى: [أنه لا ينفعهم] في الآخرة لكيلا يفني الناس أعمارهم ~~لأجل المال والولد وإنما ذكر الله تعالى الكفار، لكي يعتبر بذلك ~~المؤمنون. ثم قال تعالى: { وأولئك هم وقود النار } أي حطب ~~النار. قرأ بعضهم " وقود النار " بضم الواو يعني: [إيقاد] النار كما ~~قال في آية أخر # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها # [النساء: 56] قالوا: معناه إذا أرادت النار أن تنطفيء بدلهم الله جلودا ~~[غيرها] لتتقد النار. { كدأب ءال فرعون } يعني [أن] صنيع ~~الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى. وقال مقاتل: كأشباه آل فرعون ~~بالتكذيب بالعذاب في الدنيا، ويقال: إهلاك الله إياهم بالقتل، كإهلاك آل ~~فرعون بالغرق، ويقال: تعاونهم وتظاهرهم فيما بينهم عليك، كتظاهر آل ~~فرعون على موسى { والذين من قبلهم } أي قبل آل فرعون مثل قوم ~~نوح وعاد وثمود وقوم لوط { كذبوا بآيتنا } أي بدلائلنا ~~وعجائبنا. ويقال: بكتبي ورسلي كما كذبك قومك يا محمد { فأخذهم ~~الله بذنوبهم } أي أهلكهم وعاقبهم بشركهم { والله شديد ~~العقاب } [للكافرين]. ### || [3.12] # [قوله تعالى]: { قل للذين كفروا } قال الضحاك: يعني كفار مكة ~~لما ظهروا يوم أحد فرحوا بذلك فنزل قوله تعالى: { قل للذين ~~كفروا } من أهل مكة { ستغلبون } بعد هذا { وتحشرون ~~إلى نار جهنم } وقال الكلبي: نزلت في شأن بني قريظة، وذلك أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما هزم المشركين يوم بدر قالت اليهود: ~~هذا النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، الذي نجده في التوراة، فأرادوا ~~تصديقه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا ms0201 حتى ننظر إلى وقعة أخرى له، فلما ~~كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: والله ~~ما هو إياه، فقد تغيرت صفته وحاله، فشكوا فيه ولم يسلموا. وقد كان بينهم ~~وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد، ~~فأنزل الله تعالى: { قل للذين كفروا ستغلبون } وقال ~~عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال: لما أصاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قريشا يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، ~~فقال: # " يا معشر اليهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب قريشا " # قالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك، إنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ~~لا يعرفون القتال، فإنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس وأنك لم تلق ~~مثلنا، فأنزل الله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون ~~[وتحشرون] } يعني تهزمون وتقهرون وتحشرون بعد القتل، إلى ~~جهنم { وبئس المهاد } يعني لبئس موضع القرار جهنم. قرأ حمزة ~~والكسائي " سيغلبون ويحشرون " [بالياء] على معنى الخبر والباقون ~~بالتاء على معنى المخاطبة. ### || [3.13] # ثم قال: { قد كان لكم ءاية [يعني عبرة] في فئتين } أي ~~جمعين [يعني] جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وجمع ~~[كفار] أهل مكة { التقتا فئة تقتل في سبيل الله، ~~وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم } قرأ نافع " ترونهم " ~~على معنى المخاطبة، والباقون بالياء على معنى الخبر. وذكر عن الفراء أنه ~~قال: كان الكفار ثلاثة أمثال المسلمين لأن المسلمين كانوا ثلاثمائة ~~ونيفا، وكان الكفار تسعمائة ونيفا وقوله " مثليهم " أي ثلاثة أمثالهم، ~~والمعنى في ذلك عن طريق اللغة: أن الإنسان إذا كان عنده ألف درهم يقول: ~~احتاج إلى مثليها، فإنه يحتاج إلى ثلاثة آلاف، وقال الزجاج: هذا القول لا ~~يصح في اللغة ولا في المعنى ولكن المسلمين يرونهم مثليهم [في العدد] لكي ~~لا يجبنوا، لأنه أعلمهم أن المائة تغلب المائتين، فأراهم في { رأي ~~العين } أن المشركين مثليهم في العدد لكي لا يجبنوا، وهذا كما قال في ~~آية أخرى # وإذ يريكموهم إذ التقيتم ms0202 فى أعينكم قليلا ~~ويقللكم فى أعينهم # [الأنفال: 44]. وذلك أن المشركين كانوا تسع مائة [فأرى الله المسلمين] ~~أنهم ستمائة لكي لا يجبنوا وأرى الكفار أن المسلمين أقل من ثلاثمائة ثم ~~ألقى مع ذلك في قلوبهم الرعب حتى انهزموا [فكان] في ذلك دلالة من ~~[الدلالات]. فمن قرأ [بالتاء على معنى المخاطبة] لليهود: إن لكم آية ~~وعلامة حيث رأيتم غلبة المسلمين على الكفار مع قلة المسلمين وكثرة الكفار ~~فإن قيل: إن اليهود لم يكونوا حضورا في ذلك الوقت، فكيف يرون ذلك؟ قيل ~~له: إذا انتشر الخبر فهموا وعلموا ذلك صار كالمعاينة ولأن لهم جواسيس عند ~~المسلمين يخبرون اليهود بذلك فصار كأن كلهم رأى ذلك، ومن قرأ بالياء ~~معناه: أن المسلمين يرون الكفار مثليهم ويقال: إن المشركين حين خرجوا من ~~مكة كانوا ألفا وثلاثمائة رجل، فلما وجدوا العير سالمة رجع مع العير ~~ثلاثمائة وخمسون وتخلف تسعمائة وخمسون للحرب، وكان أبو سفيان بن حرب في ~~تلك العير، فرجع إلى مكة وحثهم على [المسير]، ولم يكن حاضرا وقت الحرب، ~~وإنما قال الكلبي في كتابه: نزلت في جمع أبي سفيان وأصحابه، لأن أبا ~~سفيان هو الذي حثهم على الخروج ولم يخرج معهم، ثم قال تعالى: { والله ~~يؤيد بنصره من يشاء } أي يقوي بنصرته، وهم أهل بدر، فأرسل ~~إليهم الملائكة وهزم المشركين، { إن في ذلك لعبرة لأولي ~~الأبصر } يعني من ينصر الحق. ### || [3.14-17] # { زين للناس حب الشهوت } حسن وحبب إليهم، وقد ~~يكون التزيين من الله تعالى كما قال في آية أخرى # زينا لهم أعملهم # [النمل: 4] وقد [كان] من الشيطان كما قال في آية أخرى # وزين لهم الشيطن أعملهم # [النمل: 24] فأما التزيين من الله تعالى فهو على وجهين: يكون على [جهة] ~~الامتحان للمؤمنين مع العصمة، وقد يكون للكفار على [جهة] العقوبة مع ~~الخذلان، وأما التزيين من الشيطان [فهو على جهة] الوسوسة، فقال: زين ~~للناس حب الشهوات { من النساء والبنين } بدأ بالنساء، لأن فتنة ~~النساء أشد من فتنة جميع الأشياء كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: ms0203 # " ما تركت لأمتي فتنة أشد من فتنة النساء " # ولأن النساء فتنتهن ظاهرة من وقت آدم عليه السلام إلى يومنا هذا. ويقال: ~~في النساء فتنتان وفي الأولاد فتنة واحدة إحداهما: أنها تؤدي إلى قطيعة ~~الرحم، لأن المرأة تأمر زوجها بقطيعة الرحم عن الأمهات والأخوات ~~والثانية: يبتلي بجمع المال من الحلال والحرام. وأما البنون: فإن الفتنة ~~فيهم واحدة وهي ما ابتلي به من جمع المال لأجلهم فذكر البنين، وأراد به ~~الذكور والإناث. وقال بعض الحكماء: أولادنا فتنة، إن عاشوا فتنونا وإن ~~ماتوا أحزنونا. ثم قال تعالى: { والقنطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة } روي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع قنطار، ~~والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير، وروي عن [أبي عبيدة] أنه قال: ~~المقنطرة [مفعلة من الورق] كما يقال: ألف مؤلفة، وبذر مبذرة، ويقال: ~~المقنطرة: هي [المكيلة] ثم اختلفوا في مقدار القنطار: فروي عن مجاهد أنه ~~قال: القنطار سبعون ألف دينا.ر وقال أبو هريرة: القنطار اثني عشر ألف ~~أوقية. وقال معاذ بن جبل: ألف ومائتا أوقية. وقال بعضهم: ملء مسك ~~ثور من ذهب، حكاه الكلبي وقال هو لغة رومية. وروي عن الحسن البصري أنه ~~سئل عن القنطار ما هو؟ فقال: هو مثل دية أحدكم. ثم قال تعالى: { ~~والخيل المسومة } يعني الراعية، كما قال في آية أخرى: { ~~فيه تسيمون }. أي ترعون وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل. وقال يحيى بن ~~كثير: هي السمينة المصورة. وقال أبو عبيدة: المعلمة { والأنعم ~~} يعني الإبل والبقر والغنم { والحرث } يعني الزرع، ذكر أربعة ~~أصناف، كل نوع من [المال] يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة، ~~فيتمول به التجار، وأما الخيل المسومة فيتمول [بها] الملوك، وأما ~~الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول به أهل الرساتيق، ~~فيكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به، وأما النساء والبنين فهي فتنة ~~للجميع. ثم زهد في [ذلك كله] ورغب في الآخرة فقال تعالى: { ذلك ~~متع الحيوة الدنيا } أي منفعة الحياة الدنيا تذهب ولا تبقى ~~{ والله عنده حسن المأب } أي المرجع في ms0204 الآخرة الجنة، لا ~~تزول ولا تفنى. # ثم بين أن الذي وعد المؤمنين في الآخرة خير مما زين للكفار فقال ~~تعالى: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } أي من الذي زين ~~للناس في الدنيا { للذين اتقوا } الشرك والفواحش والكبائر. ~~ويقال: للذين اتقوا الزينة فلا تشغلهم عن طاعة الله. { عند ربهم ~~جنت تجري من تحتها الأنهار } يعني البساتين تجري من ~~تحت شجرها ومساكنها الأنهار، فهو خير من الزينة الدنيوية وما فيها وروى ~~أبو سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لشبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها " # قال: { خلدين فيها } يعني مقيمين فيها أبدا. { وأزوج ~~مطهرة } معناه في الخلق والخلق، فأما الخلق، فإنهن لا ~~يحضن ولا يتمخطن ولا يأتين الخلاء، وأما الخلق، فإنهن لا يغرن ~~ولا يحسدن ولا ينظرن إلى غير أزواجهن، { ورضون من الله } أي ~~مع هذه النعم لهم رضوان من الله وهو من أعظم النعم، كما قال في آية أخرى # ورضون من الله أكبر # [التوبة: 72] قرأ عاصم في رواية أبي بكر " ورضوان " بضم الراء، ~~والباقون بالكسر وهما لغتان وتفسيرهما واحد: { والله بصير ~~بالعباد }. أي عالم بأعمالهم وثوابهم. ثم وصفهم فقال تعالى: { ~~الذين يقولون ربنا إننا ءامنا } أي صدقنا { ~~فاغفر لنا ذنوبنا } أي خطايانا التي كانت في الشرك وفي الإسلام ~~{ وقنا عذاب النار } يعني ادفع عنا عذاب النار { الصبرين ~~} يعني الجنة التي ذكر للذين اتقوا الشرك، [وللصابرين] الذين يصبرون على ~~طاعة الله، ويصبرون [على] المعاصي ويصبرون على ما أصابهم من الشدة ~~والمصيبة { والصدقين } [يعني الصادقين] في إيمانهم وفي قلوبهم، ~~وفي وعدهم بينهم وبين الناس، وبينهم وبين الله تعالى ثم قال: { ~~والقنتين } يعني المطيعين لله تعالى { والمنفقين } ~~الذين يتصدقون من أموالهم في سبيل الله { والمستغفرين ~~بالأسحار } يعني يصلون لله عند الأسحار. ويقال: يصلون لله بالليل ~~ويستغفرون عند السحر. ### || [3.18] # { شهد الله أنه لا إله إلا هو } يعني أن الله تعالى ~~قبل أن يخلق الخلق شهد أن لا إله إلا هو { والملائكة } ولما خلق ~~الملائكة شهدوا بذلك، ثم لما ms0205 خلق الله المؤمنين شهدوا بمثل ذلك وهم { ~~أولوا العلم } يعني المؤمنين شهدوا بذلك { قائما بالقسط ~~} يعني الله قائما بالعدل على كل نفس. ويقال: من أقر بهذه الشهادة على ~~عقد قلبه، فقد قام بالعدل وقال مقاتل: سبب نزول هذه الآية أن عبد الله بن ~~سلام وأصحابه قالوا لرؤساء اليهود: اتبعوا دين محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالت اليهود: ديننا أفضل من دينكم، فقال الله عز وجل: { شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملئكة وأولوا ~~العلم } يشهدون بذلك، وأولو العلم بالتوراة يشهدون بذلك، ويشهدون أن ~~الله قائم بالقسط أي بالعدل، وأن الدين عند الله الإسلام. قال الكلبي: ~~وفيه وجه آخر وذلك أنه # " لما ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، قدم عليه حبران ~~من أحبار الشام، فلما نظرا إلى المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه ~~المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا عليه قالا ~~له: أنت محمد؟ قال: " نعم " قالا: وأنت أحمد؟ قال: " أنا محمد وأحمد " # قالا: أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله تعالى فنزلت هذه الآية { ~~شهد الله... } الخ. فأسلم الرجلان وصدقا أن الدين عند الله ~~الإسلام. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: " شهد الله " يعني علم الله ~~وبين الله، فالله عز وجل: دل على توحيده بجميع ما خلق فبين أنه لا ~~يقدر أحد أن ينشيء شيئا واحدا مما أنشأ الله تعالى، وشهدت الملائكة ~~بما علمت من عظيم قدرته، وشهد أولو العلم بما ثبت عندهم وتبين من خلقه ~~الذي لا يقدر غيره عليه. وفي هذه الآية بيان فضل أهل العلم، لأنه ذكر ~~شهادة نفسه ثم ذكر شهادة الملائكة ثم ذكر شهادة أهل العلم، ثم قال تعالى: ~~{ لا إله إلا هو العزيز الحكيم } فشهد بمثل ما شهد من ~~قبل لتأكيد الكلام. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ~~ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت هذه الآية ~~أصبحت تلك الأصنام كلها قد خرت ساجدة. ### || [3.19] # ثم ms0206 قال عز وجل: { إن الدين عند الله الإسلم } قرأ ~~الكسائي: " أن الدين " بالنصب على معنى البناء، يعني شهدوا أنه لا إله ~~إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، [و] الباقون بالكسر على معنى ~~الابتداء، ومعناه: إن الدين المرضي عند الله الإسلام { وما اختلف ~~الذين أوتوا الكتب } في هذا الدين { إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم } يعني بيان أمر محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم اليهود والنصارى فلما بعث الله تعالى محمدا كفروا حسدا ~~منهم، هكذا قال مقاتل. ويقال: إنهم كانوا مسلمين وكانا يسمون بذلك، وكان ~~عيسى عليه السلام سمى أصحابه مسلمين، فحسدتهم اليهود لمشاركتهم في الاسم ~~فغيروا ذلك الإسم، وسموا يهودا، وأما النصارى فغيرهم عن ذلك الإسم ~~" بولس " ، وسماهم نصارى فذلك قوله: { وما اختلف الذين ~~أوتوا الكتب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم } يعني غيروا الاسم حسدا منهم ثم قال: { ومن يكفر ~~بآيت الله فإن الله سريع الحساب } لأنه قد جاء في ~~آية أخرى # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر # [النحل: 77] وقوله: { سريع الحساب } يعني سريع المجازاة، ويقال: ~~سريع التعريف للعامل عمله لأنه عالم بجميع ما عملوا لا يحتاج إلى إثبات ~~شيء [وتذكر] شيء. ويقال إذا حاسب فحسابه سريع، يحاسب جميع الخلق في وقت ~~واحد، كل واحد منهم يظن أنه يحاسبه خاصة. ### || [3.20] # ثم قال تعالى: { فإن حاجوك } أي خاصموك وجادلوك في الدين { فقل ~~أسلمت وجهي لله } أي أخلصت ديني لله. وقال الزجاج: إن الله ~~تعالى أمر نبيه أن يحتج على أهل الكتاب والمشركين بأنه اتبع أمر الله ~~الذي هم أجمعون مقرون أنه خالقهم ورازقهم، فأراهم الآيات والدلالات بأنه ~~رسوله، وقوله: { أسلمت وجهي لله } أي قصدت بعبادتي الله ~~وأقررت بأنه لا إله غيره { و } كذلك { من اتبعن } وقال القتبي: ~~معنى أسلمت وجهي لله: يعني أسلمت لله، والوجه زيادة، كما قال: " كل شيء ~~هالك إلا وجهه " يعني إلا هو { وقل للذين أوتوا الكتب } ~~يعني أعطوا التوراة والإنجيل { والأميين } يعني مشركي ~~العرب { ءأسلمتم } يعني أخلصتم بالتوحيد، ويقال: اللفظ ms0207 لفظ ~~الاستفهام والمراد به الأمر فكأنه يقول: أسلموا كما قال في آية أخرى: ~~" فهل أنتم منتهون " يعني انتهوا، وقال [في آية أخرى] # أفلا يتوبون إلى الله # [المائدة: 74] أي توبوا [إلى الله] { فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا } يعني أخلصوا بالتوحيد [وأسلموا] وصدقوا بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وبالكتاب فقد اهتدوا من الضلالة { وإن تولوا } يقول: ~~إن أبوا أن يسلموا { فإنما عليك البلغ } بالرسالة { ~~والله بصير بالعباد } يعني بأعمالهم، ومعناه: ليس عليك من ~~عملهم شيء، وإنما عليك التبليغ، وقد فعلت ما أمرت به. ### || [3.21-22] # { إن الذين يكفرون بآيت الله } يعني يجحدون بالقرآن ~~وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ويقتلون النبيين بغير ~~حق } يعني يتولون آباءهم بالقتل ويرضون بذلك. قرأ حمزة " يقاتلون " ~~بألف من المقاتلة، والباقون بغير ألف وقرأ نافع " النبيئين " بالهمزة، ~~وقرأ الباقون بغير همز { ويقتلون الذين يأمرون ~~بالقسط من الناس } يعني بالعدل وهم مؤمنو بني إسرائيل، ~~يأمرونهم بالمعروف، فكانوا يقتلونهم، فعيرهم الله بذلك، [وأوعدهم] ~~النار، فقال: { فبشرهم بعذاب أليم } أي وجيع، ويقال: أليم ~~يعني مؤلم. { أولئك الذين حبطت أعملهم } يعني بطل ~~ثواب حسناتهم فلا ثواب لهم { في الدنيا والآخرة وما لهم من ~~نصرين } يعني مانعين يمنعونهم من النار. ### || [3.23-24] # { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب } ~~يعني أعطوا حظا من علم التوراة. قال مقاتل: نزلت في كعب بن الأشرف ~~وجماعة منهم حين قالوا نحن أهدى سبيلا، وما بعث الله رسولا بعد موسى ~~- عليه السلام - فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " أنتم تعلمون أن الذي أقول لكم حق فأخرجوا التوراة " # ، فأبوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتب } { يدعون إلى كتب ~~الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم ~~وهم معرضون }. وقال الكلبي: نزلت في يهوديين من أهل خيبر ~~زنيا، وكان الحكم في كتابهم الرجم فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقضى عليهما بالرجم، فقالوا: ليس هذا [بحكم] الله، فدعا ~~بالتوراة ودعا بابن صوريا، وكان يسكن فدك، وكان أعور، فحلفه بالله ~~فأقر بالقصة، [فأنزل الله ms0208 تعالى] { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتب [يدعون إلى كتب ~~الله] } الآية. ثم قال: { ذلك } أي ذلك الجزاء، قال مقاتل فيها ~~تقديم وتأخير، ومعناه: فبشرهم بعذاب أليم { ذلك " بأنهم " ~~[قالوا لن تمسنا النار } ويقال: إنما جزاؤهم خلاف الكتاب، ~~لأنهم] قالوا لن تمسنا النار { إلا أياما معدودت } يعني ~~أربعين يوما على عدد أيام عبادة العجل ويقال على عدد أيام الدنيا، ~~ويقال: إن مذهبهم كان مذهب جهم، لأنهم لا يرون الخلود في النار. { ~~وغرهم في دينهم } عفو الله عنهم بتأخير العذاب { ما ~~كانوا يفترون } أي يكذبون على الله، وهو قولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]، فذلك قولهم الذي غرهم. ### || [3.25] # ثم خوفهم فقال تعالى { فكيف إذا جمعنهم } فقال: فكيف ~~يصنعون وكيف يحتالون إذا جمعناهم { ليوم لا ريب فيه } يعني ~~يوم القيامة لا شك فيه عند المؤمنين بأنه كائن: { ووفيت كل ~~نفس ما كسبت } أي وفيت وأعطيت كل نفس ثواب ما عملت { ~~وهم لا يظلمون } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم [شيء]. ### || [3.26-27] # { قل اللهم ملك الملك }. قال ابن عباس في رواية أبي ~~صالح نزلت في شأن المنافقين، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما فتح مكة، قال عبد الله بن أبي [رأس] المنافقين: [إن محمدا] يتمنى أن ~~ينال ملك فارس والروم وأنى له ذلك؟ فنزلت هذه الآية. وقال بعضهم: سأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته، ~~فعلمه الله بأن يدعو بهذا الدعاء، وهو قول مقاتل. وقال بعضهم: # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بحفر الخندق فظهر في الخندق ~~صخرة عجزوا عن حفرها، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - المعول، وضرب ~~ضربة فظهر من تلك الصخرة نور فقال له سلمان، رأيت شيئا عجيبا. فقال له ~~النبي: هل رأيت ذلك؟ قال: نعم. فقال: رأيت في ذلك النور قصور أهل الشام. ~~ثم ضرب ضربة أخرى فظهر أيضا كذلك. فقال: رأيت قصور أهل فارس، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: سيظهر ms0209 لأمتي ملك الشام، وملك فارس " # ، فقال المنافقون: إن محمدا لا يأمن على نفسه واضطر إلى حفر الخندق، ~~فكيف يتمنى ملك الشام وفارس فنزلت هذه الآية. وقال بعضهم: إن مشركي مكة ~~قالوا: إن فارس والروم يبيتان في الحرير والديباج، فلو كان هو نبيا، كيف ~~ينام على الحصير؟ فنزلت هذه الآية. { قل اللهم ملك الملك ~~تؤتي الملك من تشاء } وأصل اللهم في اللغة يا الله أمنا بخير ~~أي اقصدنا بالرحمة، ولكن لما كثر استعمال هذا اللفظ في الناس، صارت ~~الكلمتان [ككلمة] واحدة [فقال]: { اللهم } ، يعني: اللهم يا مالك ~~الملك تؤتي الملك من تشاء يعني تؤتي محمدا - صلى الله عليه وسلم - ومن ~~تبعه: { وتنزع الملك ممن تشاء } من فارس والروم { وتعز ~~من تشاء } يعني أهل الإسلام { وتذل من تشاء } يعني أهل الشرك ~~والطغيان، { بيدك الخير } يعني النصرة والغنيمة والعز، { إنك ~~على كل شيء قدير } من الذل والعز. وقال الضحاك: " تؤتي الملك ~~من تشاء " يعني الإسلام، " وتعز من تشاء " بالإسلام، " وتذل من تشاء " ~~بالشرك، " بيدك الخير " ، يعني الهداية والسعادة، " إنك على كل شيء قدير ~~" وقال الزجاج: " تؤتي الملك من تشاء " معناه، تولي الملك من تشاء أن ~~تؤتيه وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه، إلا أنه حذف " الهاء " لأن في ~~الكلام دليلا عليه قال مقاتل: وقد قيل في الملك قولان: أحدهما هو المال ~~والعبيد، والآخر من جهة الغلبة بالدين. ثم قال تعالى: { تولج اليل ~~في النهار } يعني ما نقص من الليل دخل في النهار حتى يبلغ خمسة ~~عشرة ساعة، هو أطول ما يكون، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون { ~~وتولج النهار في اليل } يعني أن ما نقص من النهار دخل في ~~الليل حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات، وهو قول الكلبي، ~~ويقال: { تولج اليل في النهار } أي تذهب بالليل وتجيء ~~بالنهار وتذهب بالنهار وتجيء بالليل، هكذا إلى أن تقوم الساعة، ثم قال: { ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ~~}. # فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " الميت " بالتشديد [و] ms0210 ~~الباقون الميت بالتخفيف، وهما لغتان ومعناهما واحد. قال الكلبي: يعني ~~تخرج البيضة، وهي ميتة من الطير وهو حي وتخرج الطير الحي من البيضة ~~الميتة، وتخرج النطفة وهي ميتة من الإنسان الحي وتخرج الإنسان الحي من ~~النطفة الميتة وتخرج الحبة من السنبلة [إلى آخره] وقال الحسن البصري: ~~يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن. ويقال: يخرج الجاهل من ~~العالم، ويخرج العالم من الجاهل وروى معمر عن الزهري # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على بعض نسائه فإذا بامرأة ~~حسنة الهيئة، فقال من هذه؟ قالوا: إحدى خالاتك قال: ومن هي؟ قالوا: هي ~~خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: سبحان الذي يخرج الحي من الميت " # وكانت امرأة صالحة، وكان أبوها كافرا. ثم قال تعالى: { وترزق من ~~تشاء بغير حساب } يعني من غير أن تحاسب في الإعطاء فكأنه يقول: ~~ليس فوقه من يحاسبه في الإعطاء، كما قال تعالى: # لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون # [الأنبياء: 23] ويقال: من غير أن يحاسبه في الإعطاء. ويقال: بغير تقتير، ~~ويقال: بغير حساب. كما قال: # ويرزقه من حيث لا يحتسب # [الطلاق: 3]. ### || [3.28] # ثم قال تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكفرين ~~أولياء } قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في شأن المنافقين عبد ~~الله بن أبي ابن سلول وأصحابه من أهل النفاق، [وكانوا قد] أظهروا ~~الإيمان وكانوا [يتولون] اليهود في العون والنصرة، ويأتونهم بالأخبار، ~~ويرجون أن يكون لهم ظفر على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وقال ~~مقاتل: نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة وغيره ممن كانوا يظهرون المودة ~~لكفار مكة، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: { لا يتخذ ~~المؤمنون الكفرين أولياء } فهذا نهي بلفظ المغايبة، ~~يعني لا يتخذونهم أولياء في العون والنصرة { من دون المؤمنين، ~~ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } يعني ليس في ~~ولاية الله من شيء، ويقال: ليس في دين الله من شيء، لأن ولي الكافر يكون ~~راضيا بكفره، ومن كان راضيا بكفره فهو ms0211 كافر مثله كقوله تعالى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51]. ثم استثنى لما علم أن بعض المسلمين ربما [يبتلون] في ~~أيدي الكفار فقال تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقة }. # قرأ يعقوب الحضرمي " تقية " [وقراءة] العامة " تقاة " ومعناهما واحد، ~~يعني يرضيهم بلسانه وقلبه مطمئن الإيمان [فلا إثم عليه كما قال الله ~~تعالى في آية أخرى " # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمن # [النحل: 106] قرأ حمزة والكسائي " تقاة " بالإمالة، وقرأ الباقون ~~بتفخيم الألف، ثم قال: { ويحذركم الله نفسه } يعني يخوفكم ~~الله بعقوبته، أي الذي يتخذ الكافر وليا بغير ضرورة، وهذا وعيد لهم ~~ويقال: إذا كان الوعيد مبهما فهو أشد، ثم قال تعالى: { وإلى الله ~~المصير } أي مرجعكم في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. ### || [3.29-30] # { قل إن تخفوا ما في صدوركم } يقول: إن تسروا ما في ~~قلوبكم من النكوث وولاية الكفار { أو تبدوه } يعني تعلنوه ~~للمؤمنين: { يعلمه الله } لأن الله عليم { ويعلم ما في ~~السموات وما في الأرض } من عمل، فليس يخفى عليه شيء { ~~والله على كل شيء قدير } من السر والعلانية والعذاب ~~والمغفرة " قدير ". { يوم تجد كل نفس ما عملت } في ~~الدنيا { من خير محضرا } يعني تجد ثوابه حاضرا، ولا ينقص من ~~ثواب عمله شيء { وما عملت من سوء } يعني من شر في الدنيا { ~~تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا } يعني تتمنى ~~النفس أن تكون بينها وبين ذلك العمل أجلا بعيدا، كما بين المشرق ~~والمغرب، ولم تعمل ذلك العمل قط، ثم قال { ويحذركم الله ~~نفسه } أي عقوبته في عمل السوء { والله رؤوف بالعباد } ~~قال ابن عباس: يعني بالمؤمنين خاصة وهو رحيم بهم ويقال: رؤوف بالذين ~~يعملون السوء حيث لم يعجل بعقوبتهم. ويقال: ذكر في أول هذه الآية عدله ~~عز وجل في قوله: { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا }. وفي وسطها تخويف وتهديد، وهو قوله { ويحذركم ~~الله نفسه } وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته. وهو قوله { والله ~~رؤوف بالعباد }. ### || [3.31-32] # ثم قال: { قل إن كنتم تحبون الله } وذلك أن رسول الله - ~~صلى الله ms0212 عليه وسلم - دعا كعب بن الأشرف وأصحابه إلى الإسلام، قالوا: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه، يعني نحن في المنزلة بمنزلة الأبناء، ولنحن أشد ~~حبا لله، فقال الله لنبيه: قل: إن كنتم تحبون الله تعالى { ~~فاتبعوني } على ديني، فإني رسول الله أؤدي رسالته { يحببكم ~~الله } قال الزجاج: تحبون الله، أي تقصدون طاعته، فافعلوا ما أمركم ~~الله عز وجل، لأن محبة الإنسان لله وللرسول، طاعته له ورضاه بما أمر، ~~والمحبة من الله عفوه عنهم وإنعامه عليهم برحمته { ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم } ويقال: الحب من الله عصمته ~~وتوفيقه والحب من العباد طاعة، كما قال القائل: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه # هذا لعمري في [القياس] بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # فلما نزلت هذه الآية قالوا: إن محمدا يريد أن نتخذه حنانا، كما اتخذت ~~النصارى عيسى حنانا فنزلت هذه الآية: { قل أطيعوا الله ~~والرسول } فقرن طاعته بطاعة رسوله رغما لهم ويقال: أطيعوا الله ~~فيما أنزل، والرسول فيما بين، { فإن تولوا } يعني إن أعرضوا عن ~~طاعتهما، { فإن الله لا يحب الكفرين } أي لا يغفر ~~لهم. ### || [3.33] # { إن الله اصطفى آدم ونوحا وءال إبرهيم } يعني ~~اختاره، ويقال: اختار دينه، وهو دين الإسلام، ويقال: قد اختاره لخمسة ~~أشياء: أولها: أنه خلقه بأحسن صورة بقدرته، والثاني أنه علمه الأسماء ~~كلها، والثالث: أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له والرابع: أسكنه الجنة، ~~والخامس جعله [أبا للبشر]. واختار نوحا عليه السلام بخمسة أشياء: ~~أولها: أنه جعله [أبا للبشر] لأن الناس كلهم غرقوا. فصارت ذريته هم ~~الباقين، والثاني: أنه أطال عمره، ويقال: طوبى لمن طال عمره ~~وحسن عمله، والثالث أنه استجاب دعاءه على الكفار والمؤمنين ~~والرابع: أنه حمله على السفينة، والخامس: أنه كان أول من نسخ الشرائع، ~~وكان قبل ذلك لم يحرم [تزوج] الخالات والأخوات والعمات. واختار (آل) ~~إبراهيم - عليه السلام - بخمسة أشياء: أولها: أنه جعله أبا الأنبياء، ~~لأنه روي أنه خرج من [صلبه] ألف نبي من زمانه إلى [زمان] النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، والثاني: ms0213 أنه اتخذه خليلا، والثالث: أنه أنجاه من ~~النار، والرابع: أنه جعله للناس إماما، والخامس: أنه ابتلاه [الله بخمس ~~كلمات] بكلمات فوفقه حتى أتمهن. ثم قال: { وآل عمران } قال ~~مقاتل: يعني به [أبا] موسى وهارون وقال الكلبي: هو عمران أبو مريم، وهو ~~من ولد سليمان النبي - عليه السلام - " فإنه أراد به آل موسى وهارون " ، ~~إنما كان اختارهما " على العالمين " حيث بعث على قومه المن والسلوى، ولم ~~يكن ذلك لأحد من الأنبياء في العالم، وإن أراد به أبا مريم، فإنه اصطفى ~~آله يعني مريم بولادة عيسى - عليه السلام - بغير أب، ولم يكن ذلك لأحد في ~~العالم. وقال الكلبي: يعني اختار هؤلاء الذين ذكروا في هذه الآية { على ~~العلمين } ، يعني عالمي زمانهم. ### || [3.34-37] # ثم قال تعالى: { ذرية بعضها من بعض } أي بعضهم على إثر ~~بعض، ويقال: بعضهم على دين بعض. { والله سميع } لقولهم " عليم " ، ~~بهم وبدينهم، ويقال قوله: { والله سميع عليم } انصرف إلى ما ~~بعده، أي سميع بقول امرأة عمران. { إذ قالت امرأت عمرن } ~~وهي حنة أم مريم امرأة عمران بن ماثان وذلك أنها لما حبلت، قالت: لئن ~~نجاحي الله، ووضعت ما في بطني لأجعلنه محررا، والمحرر من لا يعمل ~~للدنيا، ولا يتزوج، ويتفرغ لعمل الآخرة ويلزم المحراب، فيعبد الله تعالى ~~فيه، وهذا قول مقاتل. وقال الكلبي: محررا أي خادما لبيت المقدس، ولم ~~يكن محررا إلا الغلمان، فقال لها زوجها: إن كان الذي في بطنك أنثى، ~~والأنثى عورة، فكيف تصنعين؟ فاهتمت بذلك وقالت: يا { رب إني ~~نذرت لك } وأنت تعلم { ما في بطني محررا فتقبل ~~مني إنك أنت السميع العليم } [السميع لدعائي العليم] ~~بنيتي وما في بطني. { فلما وضعتها } أي ولدت فإذا هي أنثى { ~~قالت: رب إني وضعتها أنثى } [يعني ولدتها] جارية { ~~والله أعلم بما وضعت }. قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي ~~بكر " والله أعلم بما وضعت " بجزم العين وضم التاء، يعني أن المرأة ~~قالت: والله أعلم بما وضعت، والباقون بنصب العين وسكون التاء، فيكون ~~هذا قول الله: إنه [يعلم] بما وضعت ms0214 تلك المرأة. ثم قال تعالى: { وليس ~~الذكر كالأنثى } [في الخدمة] قال بعضهم هذا قول الله لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وليس الذكر كالأنثى يا محمد. وقال بعضهم: هي كلمة ~~المرأة: أنها قالت: وليس الذكر كالأنثى [في الخدمة، وقال مقاتل: فيها ~~تقديم، فكأنه يقول: قالت رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى] ~~والله أعلم بما وضعت. ثم قالت: { وإني سميتها مريم } يعني ~~خادم الرب بلغتهم { وإنى أعيذها بك } يعني أعصمها وأمنعها بك: { ~~وذريتها } إن كان لها ذرية { من الشيطن الرجيم } ~~يعني الملعون. ويقال: المطرود من رحمة الله، ويقال: الرجيم بمعنى المرجوم ~~كما قال: # وجعلنها رجوما للشيطين # [الملك: 5]. حدثنا أبو الليث قال: حدثنا الخليل بن أحمد القاضي، قال: ~~حدثنا أبو العباس، قال حدثنا إسحق بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الرزاق عن ~~معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما من مولود يولد إلا والشيطان ينخسه حين يولد فيستهل صارخا من ~~الشيطان، إلا مريم وابنها عيسى - عليهما السلام - " # ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطن الرجيم }. وقال الزجاج: معنى ~~قوله: " إذ " يعني، إن الله اختار آل عمران، إذ قالت امرأة عمران: ~~واصطفاهم إذ قالت الملائكة وقال أبو عبيدة: معناه قالت امرأة عمران، ~~وقالت الملائكة و " إذ " زيادة وقال الأخفش: معناه، واذكر إذ قالت [امرأة ~~عمران واذكر إذ قالت] الملائكة. # [وقال أهل اللغة: المحرر والعتيق في اللغة بمعنى واحد]. ثم إن حنة لفتها ~~في خرق، [ثم] وضعتها في بيت المقدس عند المحراب فاجتمعت القراء أي الزهاد ~~فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي فقال القراء: إن هذه محررة، ~~فلو تركت لخالتها، فكانت أمها أحق بها، ولكن نتساهم، فخرجوا إلى عين ~~سلوان، فألقوا أقلامهم في النهر قال بعضهم: كانت أقلامهم من ~~الشبة فغابت أقلامهم في الماء، وبقي قلم زكريا على وجه الماء. وقال ~~بعضهم: كانت أقلامهم من قصب، فبقيت أقلامهم على وجه الماء وغاب قلم ~~زكريا في ms0215 الماء. وقال بعضهم: ألقوا أقلامهم في النهر، فسال الماء ~~بأقلامهم إلا قلم زكريا، فإنه جرى من الجانب الأعلى، فعلموا أن الحق له، ~~فضمها إلى نفسه، فذلك قوله تعالى: { فتقبلها ربها بقبول ~~حسن } أي تقبل منها نذرها { وأنبتها نباتا حسنا } وقال ~~مجاهد: غذاها غذاء حسنا، ورباها تربية حسنة. { وكفلها زكريا ~~} قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالتشديد أي كفلها الله إلى زكريا، وقرأ ~~الباقون بالتخفيف أي ضمها زكريا إلى نفسه، وقرأ حمزة وعاصم والكسائي في ~~رواية حفص: " زكريا " بغير إعراب وجزم الألف. وقرأ الباقون بالإعراب ~~والمد، وهما لغتان معروفتان عند العرب فمن قرأ " كفلها " بالتشديد قرأ ~~زكريا بنصب الألف لأنه يصير مفعولا ومن قرأ " كفلها " بالتخفيف، قرأ ~~زكريا برفع الألف على معنى الفاعل. وذكر في الخبر أن زكريا بنى لها ~~محرابا في غرفة، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بسلم ~~واستأجر ظئرا، فكان يغلق عليها الباب، وكان لا يدخل عليها أحد إلا زكريا ~~حتى كبرت، فإذا حاضت أخرجها إلى منزله فتكون عند خالتها وكانت خالتها ~~امرأة زكريا، وهذا قول الكلبي. وقال مقاتل: كانت أختها امرأة زكريا، ~~وكانت إذا طهرت من حيضها واغتسلت ردها إلى المحراب. وقال بعضهم: كانت لا ~~تحيض، وكانت مطهرة من الحيض. وكان زكريا إذا دخل عليها في أيام الشتاء، ~~رأى عندها فاكهة الصيف، وإذا دخل عليها في أيام الصيف وجد عندها فاكهة ~~الشتاء. وكانت الحكمة في ذلك أن لا يدخل في قلب زكريا شيء من الريبة إذا ~~رأى الفاكهة في غير أوانها وعلم أنه لم يدخل عليها أحد من الآدميين فذلك ~~قوله تعالى: { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا } ويقال: المحراب في اللغة أشرف المجالس، وهو المكان ~~العالي. وقد قيل: إن مساجدهم كانت تسمى المحاريب، [ف { قال } لها] ~~زكريا { يمريم أنى لك هذا } يعني من أين لك هذا؟ فإنه لا ~~يدخل عليك أحد غيري، { فقالت } مريم { هو } أي هذا الرزق { من ~~عند الله } أي من فضل الله { إن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب ms0216 } في غير حينه ويقال: من حيث لا يحتسب. ### || [3.38] # { هنالك دعا زكريا ربه } يقول: عند ذلك طمع في الولد، ~~وكان آيسا من ذلك، وكان مفاتيح بيت القربان عند آبائه وقد صار ذلك بيده، ~~وكان يخشى أن يخرج من أهل بيته إذا مات فقال عند ذلك: إن [الله] قادر على ~~أن يأتيها برزق الشتاء في الصيف وبرزق الصيف في الشتاء، فهو قادر أن يرزق ~~لي الولد بعد الكبر فذلك قوله تعالى: { هنالك دعا زكريا ~~ربه } { قال: رب هب لي من لدنك } أي من عندك { ~~ذرية طيبة } أي من عندك تقية مهذبة، ويقال: مستوى الخلق، ويقال: ~~مسلمة مطيعة، ويقال: تقية { إنك سميع الدعاء } أي مجيب له. ### || [3.39-40] # { فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي في ~~المحراب } قرأ حمزة والكسائي بالياء، [أي جبريل] عليه السلام ~~وإنما صار مذكرا على معنى الجنس كما يقال: فلان ركب السفن، وإنما ركب ~~سفينة واحدة، وقرأ الباقون " فنادته " على معنى التأنيث، لأن اللفظ لفظ ~~الجماعة، والمراد به أيضا جبريل { أن الله يبشرك بيحيى ~~}. قرأ حمزة وابن عامر " إن الله يبشرك " بكسر الألف، ومعناه فنادته ~~الملائكة وقالوا له إن الله يبشرك وقرأ الباقون بالنصب ومعناه: فنادته ~~الملائكة بأن الله يبشرك بيحيى. قال مقاتل: اشتق اسمه من اسم الله تعالى ~~والله تعالى حي فسماه الله تعالى يحيى، ويقال: لأنه أحيا [به] رحم أمه. ~~ويقال: لأنه حي به المجالس. [ويقال غير ذلك بيحيى بأن الله يحييه فيكون ~~حيا عند الله أبدا لأنه شهيد، قال الله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أموتا ~~بل أحياء # [آل عمران: 169]]. ثم قال تعالى: { مصدقا بكلمة من الله ~~} يعني بعيسى عليه السلام وكان يحيى أول من صدق بعيسى - عليهما ~~السلام - وهو ابن ثلاث سنين فشهد له: أنه كلمة الله وروحه، فلما شهد بذلك ~~يحيى عجب بنو إسرائيل لصغره فلما [شهد] سمع زكريا شهادته، فقام إلى عيسى ~~فضمه إليه وهو في خرقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين. وقال بعضهم: ~~صدقه وهو في بطن أمه، كانت ms0217 أم يحيى عند مريم إذ سجد يحيى بالتحية ~~لعيسى، وكل واحد منهما كان في بطن أمه وذلك قوله: مصدقا بكلمة من الله { ~~وسيدا } يعني حكيما { وحصورا } يعني لا يأتي النساء وهو قول ~~الكلبي. وقال سعيد بن جبير: السيد الذي يملك غضبه، والحصور الذي لا يأتي ~~النساء، وقال مقاتل: يعني لا ماء له، يعني أن: يحيى لم يكن له ماء في ~~الصلب، وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن العنة عيب بالرجال والنبي. لا يكن ~~معيبا، ولكن معناه، أنه كان مانعا نفسه من الشهوات، لأن الذي يمنع ~~[نفسه] من الشهوات مع قدرته، كانت فضيلته أكثر من الذي لا قدرة له. ثم ~~قال تعالى: { ونبيا من الصلحين } يعني أن يحيى كان نبيا ~~من الصالحين فلما بشره جبريل بذلك: { قال رب أنى يكون لي ~~غلم } ، قال ذلك على وجه التعجب لا على وجه الشك، قال لجبريل: رب أي ~~يا سيدي: من أين يكون لي غلام يعني ولد، وهذا قول الكلبي. وقال بعضهم ~~قوله: رب، يعني قال: يا الله على وجه الدعاء يا رب من أين يكون لي ولد، { ~~وقد بلغني الكبر } قال القتبي: هذا من المقلوب يعني بلغت ~~الكبر. وقال الكلبي كان يوم بشر ابن تسعين سنة وامرأته قريبة في السن ~~منه، وقال الضحاك: كان ابن مائة وعشرين سنة، فذلك قوله: { وقد ~~بلغني الكبر } أي الهرم، { وامرأتي عاقر } لا تلد، { ~~قال كذلك } قال بعضهم: تم الكلام عند قوله كذلك، يعني، هكذا كما ~~قلت: إنه قد بلغك الكبر، وامرأتك عاقر، ثم قال تعالى: { الله يفعل ~~ما يشآء } وقال بعضهم: معناه، قال كذلك، يعني: الله تعالى، هكذا قال: ~~أنه يكون لك ولد، والله يفعل ما يشاء إن شاء أعطاك الولد في حال الصغر ~~وإن شاء في حال الكبر. ### || [3.41] # ثم قال تعالى: { قال: رب اجعل لي ءاية } يعني اجعل لي علامة ~~حين حملت امرأتي [أعرف] { قال: ءايتك } يعني علامة الحبل { ألا ~~تكلم الناس ثلثة أيام } يعني أنك تصبح فلا تطيق الكلام ~~ثلاثة أيام { إلا رمزا } أي ms0218 كلاما [خفيا]. ويقال: الرمز ~~بالشفتين والحاجبين، والإيماء باليد والرأس. قال بعضهم: كان منع الكلام ~~عقوبة له، لأنه بشر بالولد فسأل آية، فحبس الله لسانه [عن الناس] ~~ثلاثة أيام. ولم يحبسه عن ذكر الله وعن الصلاة. وقال بعضهم: لم يكن ~~عقوبة، ولكن [كانت] كرامة له حين جعلت له علامة لظهور الحبل، ومعجزة له. ~~وروى أسباط عن السدي، أنه قال: لما بشر بيحيى، قال له الشيطان: إن ~~النداء الذي سمعت بالبشارة من الشيطان، ولو كان من الله لأوحى إليك، [كما ~~أوحى إليك وإلى سائر الأنبياء]، فقال عند ذلك: " اجعل لي آية " حتى أعلم ~~أن هذه البشارة [منك] { قال: { ءايتك ألا تكلم الناس ~~ثلثة أيام } وقال في آخرة أخرى: # ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا # [مريم: 10] يعني، أنك مستوي الخلق ولا علة بك. ثم أمره بذكر ربه، لأن ~~لسانه لم يمنع عن ذكر الله تعالى، فقال { واذكر ربك كثيرا ~~وسبح بالعشي والإبكر } يعني بالغداة والعشي، ~~ويقال: بالليل والنهار. ### || [3.42-43] # { وإذ قالت الملائكة } يعني جبريل، { يمريم إن ~~الله اصطفك } يعني اختارك بالإسلام { وطهرك } من الذنوب ~~والفواحش ويقال: من دم الحيض والنفاس، { واصطفك على نساء ~~العلمين } يعني بولادة عيسى بغير أب. وقال بعضهم: اصطفاك، أي: ~~فضلك على نساء العالمين يعني عالمي زمانها { يمريم اقنتي ~~لربك } يعني أطيعي ويقال: أطيلي القيام في الصلاة وقال مجاهد: قامت ~~في الصلاة حتى تورمت قدماها، ونحل جسمها ثم قال تعالى: { واسجدي ~~واركعي مع الراكعين } أي مع المسلمين يعني [مع] قراء بيت ~~المقدس. ### || [3.44-51] # قوله: { ذلك من أنباء الغيب } يعني الذي ذكر في هذه الآية ~~من قصة زكريا ومريم، من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره ولم تكن حاضرا، ~~وفي الآية [دليل] نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر عن قصة ~~زكريا ومريم [ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك] وصدقه أهل الكتاب بذلك ~~فذلك قوله تعالى { ذلك من أنباء الغيب } { نوحيه ~~إليك وما كنت لديهم } يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن ~~الوحي، فقال: { وما كنت لديهم } { إذ يلقون ms0219 ~~أقلمهم أيهم يكفل مريم } يعني يطرحون أقلامهم في ~~النهر بالقرعة { وما كنت لديهم إذ يختصمون } في أمر ~~مريم. { إذ قالت الملائكة يمريم } يعني جبريل [عليه ~~السلام] وحده { إن الله يبشرك بكلمة منه }. قرأ نافع ~~وعاصم وابن عامر " يبشرك " بالتشديد في جميع القرآن، وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في: " حم، عسق ": ذلك الذي يبشر ~~الله عباده بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله # فبم تبشرون # [الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد فهو من ~~(المباشرة)، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك. وكانت قصة البشارة أن مريم ~~لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مريم: # إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا # [مريم: 16]، يعني أرادت أن تغتسل في جانب المشرفة، فلما دخلت المغتسل ~~رأت بشرا كهيئة الإنسان كما قال # فتمثل لها بشرا سويا # [مريم: 17]، فخافت مريم، ثم قالت: # إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # [مريم: 18]، لأن التقي يخاف الرحمن، فقال لها جبريل # إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا # [مريم: 19]، وذكرها هنا بلفظ آخر ومعناه واحد قال: # إن الله يبشرك بكلمة منه # [آل عمران: 45]، أي بولد بغير أب يصير مخلوقا بكلمة من الله وهو قوله ~~كن فكان { اسمه المسيح عيسى ابن مريم } ويقال: إنما سمي ~~المسيح لأنه يسيح في الأرض ويقال: [المسيح بمعنى] الماسح، كان يمسح وجه ~~الأعمى فيبصر. وقال الكلبي: المسيح الملك. ثم قال: { وجيها } أي ذا ~~جاه { في الدنيا } له [منزلة] { والآخرة }. وقال مقاتل: فيها ~~تقديم، يعني وجيها في الدنيا [ { ومن المقربين } في] الآخرة ~~عند ربه. وقال الكلبي وجيها في الدنيا، يعني في أهل الدنيا بالمنزلة وفي ~~الآخرة من المقربين في جنة عدن. { ويكلم الناس في المهد ~~وكهلا } أي في حال صغره وهو [طفل] في حجر أمه طفلا، وكهلا، يعني ~~إذا اجتمع عقله وكبر. فإن قيل: ما معنى قوله كهلا؟ والكلام من الكهل لا ~~يكون عجبا، قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة. ويقال: كهلا بعد ~~نزوله من السماء وهو قول ms0220 الكلبي. { ومن الصلحين } مع آبائه في ~~الجنة { قالت } مريم { رب أنى يكون لي ولد } يعني من أين ~~يكون لي ولد { ولم يمسسني بشر } وهو كناية عن الجماع ف { ~~قال } جبريل { كذلك } يعني هكذا كما قلت أنه لم يمسسك بشر، ولكن { ~~الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا } يعني إذا أراد أن ~~يخلق خلقا { فإنما يقول له كن فيكون } فنفخ جبريل في ~~جيبها، يعني في نفسها. # قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك. وقال بعضهم: لا يجوز أن ~~يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من ~~الإنس ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم - عليه السلام - وأخذ ~~الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، ~~فإذا اجتمع الماءان صار ولدا وإن الله تعالى جعل الماءين جميعا في ~~مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن ~~المرأة ما لم تهج شهوتها لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع ~~الماء الذي كان في صلبها في رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: ~~{ إذا قضى أمرا } ، يعني إذا أراد أن يخلق خلقا سبحانه، { ~~فإنما يقول له: كن فيكون } بغير أب. ثم قال تعالى: { ~~ويعلمه الكتب }. قرأ نافع وعاصم { ويعلمه } بالياء يعني ~~أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه، أن الله يقول ونعلمه { ~~الكتب } ، يعني كتب الأنبياء، [وهذا] قول الكلبي. وقال مقاتل: يعني ~~الخط، والكتابة، فعلمه الله بالوحي والإلهام { والحكمة } يعني ~~الفقه { والتوراة والإنجيل } يعني يحفظ التوراة [عن] ظهر قلبه ~~وقال بعضهم وهو عالم بالتوراة. وقال بعضهم: ألهمه الله بعدما كبر حتى ~~تعلم في مدة يسيرة. ثم قال: { ورسولا إلى بني إسرءيل } نصب ~~رسولا لمعنيين: أحدهما: يجعله رسولا إلى بني إسرائيل. والثاني ويكلم ~~الناس ورسولا. أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: { أني ~~قد جئتكم بآية من ربكم }. [وذكر الزجاج: فالمعنى - ~~والله أعلم - ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم بآية من ربكم]. ثم أخبر ms0221 عن ~~أداء رسالته بعدما أوحى إليه في حال الكبر حيث قال لقومه: [أني] قد جئتكم ~~بآية [من ربكم]. يعني علامة لنبوتي. ثم بين العلامة فقال: { أني ~~أخلق [أي أقدر] لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله }. ويقال: إن الناس سألوه عنه ~~على وجه التعنت، فقالوا له: اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت ~~صادقا في مقالتك فأخذ طينا وجعل منه خفاشا، ونفخ فيه فإذا هو يطير بين ~~السماء والأرض فكأن تسوية الطين والنفخ من عيسى - عليه السلام - والخلق ~~من الله عز وجل كما أن النفخ من جبريل عليه السلام والخلق من الله عز ~~وجل. # ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه ~~أنه لحم ودم يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما تبيض سائر ~~الطيور، ويكون له ضرع يخرج منه ابن ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة ~~الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة، ~~قبل أن يسفر جدا، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة، فلما ~~أن رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا: هذا سحر. ثم قال تعالى: { وأبرىء ~~الأكمه والأبرص } الأكمه: الذي ولد أعمى، فقالوا: إن لنا أطباء ~~يفعلون مثل هذا، فذهبوا إلى جالينوس وأخبروه بذلك، فقال جالينوس: إذا ولد ~~أعمى لا يبصر بالعلاج، والأبرص: إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا ~~يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج. فرجعوا إلى عيسى عليه السلام وجاءوا ~~بالأكمه والأبرص، فمسح يده عليهما فأبصر الأعمى وبرأ الأبرص، فآمن به ~~بعضهم وجحد بعضهم، وقالوا: هذا سحر، ثم قال تعالى: { وأحي ~~الموتى بإذن الله } فأخبروا بذلك " جالينوس " ، فقال: ~~الميت لا يعيش ولا يحيى بالعلاج، فإن كان هو يحيي الموتى فهو نبي، وليس ~~بطبيب، فطلبوا منه أن يحيي الموتى فأحيا أربعة نفر، أحدهم: عازر، وكان ~~صديقا له فبلغه أنه مات فذهب مع أصحابه، وقد دفن، وأتى عليه أيام، فدعا ~~الله فقام بإذن الله تعالى ms0222 وودكه يقطر، فعاش وولد له. والثاني: ابن ~~العجوز، مر به وهو يحمل على سرير فدعا الله فقام بإذن الله تعالى ولبس ~~ثيابه، وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله. والثالث: [ابنة] من بنات ~~العاشر، ماتت، وأتى عليها ليلة فدعا الله تعالى، فعاشت بعد ذلك وولد لها. ~~والرابع سام بن نوح، لأن القوم قالوا له: إنك تحيي من كان موته قريبا ~~فلعلهم لم يموتوا وأصابتهم سكتة، فأحيي لنا سام بن نوح فقال: دلوني على ~~قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره فدعا الله [تعالى فأحياه ~~وخرج] من قبره، قد [شابت] رأسه، فقال له عيسى كيف شابت رأسك ولم يكن في ~~زمانكم شيب، فقال: يا روح الله، إنك لما دعوتني، سمعت صوتا يقول: أجب ~~روح الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ذلك الهول شابت رأسي، فسأله عن ~~النزع، فقال له: يا [روح] الله إن [مرارة] النزع لم تذهب عن حنجرتي، ~~وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، [ثم قال] للقوم: صدقوه فإنه ~~نبي [الله]، فآمن به بعضهم [وكذب به] بعضهم، وقالوا: هذا ساحر، فأرنا آية ~~نعلم أنك صادق فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وما ندخر للغد، فأخبرهم، ~~فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا، وادخرت كذا وكذا، ~~فذلك قوله عز وجل { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ~~في بيوتكم } ، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر ويقال: إن الله بعث كل ~~نبي إلى قومه وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه، فكان في زمن موسى - عليه ~~السلام - الغالب عليهم السحر، فبين لهم من جنس ذلك، ليعرفوا أن ذلك ليس ~~بسحر، وأنه من الله تعالى. # وكان الغالب في زمن عيسى - عليه السلام - علم الطب فجاءهم عيسى بما عجز ~~الأطباء عنه، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب. وكان في زمن نبينا - عليه ~~السلام - الفصاحة والشعر، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء، والشعراء عن إتيان ~~مثله ثم قال تعالى: { إن في ذلك لأية لكم } يعني فيما صنع ~~عيسى ms0223 - عليه السلام - علامة لنبوته { إن كنتم مؤمنين } أي ~~مصدقين أنه نبي. قرأ نافع: فيكون طائرا، وكذلك في سورة المائدة وقرأ ~~الباقون بغير ألف: ومعناهما واحد، ويقال: الطائر واحد، والطير جماعة. ثم ~~قال: { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } ومعناه، ~~جئتكم مصدقا، يعني [الكتاب] الذي أنزل على وهو الإنجيل " مصدقا " ~~أي موافقا لما بين يدي من التوراة. { ولأحل لكم } يعني أرخص لكم ~~{ بعض الذي حرم عليكم } مثل الشحوم، ولحوم الإبل، ولحم كل ~~ذي ظفر، وأما الميت ولحم الخنزير فهو حرام [أبدا] قوله: { وجئتكم ~~بأية من ربكم } يعني أني لم أحل لكم شيئا بغير برهان، فحقيق ~~عليكم اتباعي لأني أتيتكم ببرهان، [وأتيتكم] بتحليل الطيبات { ~~فاتقوا الله } [فيما أمركم ونهاكم] { وأطيعون } فيما آمركم، ~~وأنهاكم وأنصح لكم { إن الله ربي وربكم } هذا تكذيب لقول ~~النصارى حيث قالوا: إن الله هو المسيح، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، ~~فاعترف عيسى أنه عبد الله، وهو قوله تعالى: { إن الله ربي ~~وربكم } أي خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، { فاعبدوه } أي ~~وحدوه ولا تشركوا به شيئا { هذا صرط مستقيم } يعني هذا ~~التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم لا عوج فيه وهو طريق الجنة. ### || [3.52-53] # { فلما أحس عيسى منهم الكفر } قال الكلبي: فلما عرف ~~منهم الكفر بالله. ويقال: فلما سمع منهم كلمة الكفر، وقال الزجاج: أحس في ~~اللغة علم ووجد. ويقال: هل أحسست الخبر، أي هل عرفته وعلمته، وقال مقاتل: ~~فلما رأى من بني إسرائيل الكفر، كقوله عز وجل: # هل تحس منهم من أحد # [مريم: 98] يعني هل ترى. ويقال: [إنه لما علم] عيسى أنهم أرادوا قتله: { ~~قال: من أنصاري إلى الله } يقول: من أعواني مع الله؟ قال ~~القتبي: إلى [ها هنا]: بمعنى " مع " مثل قوله: # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # [النساء: 2]، أي مع أموالكم، كما يقال: الذود إلى الذود إبل، أي مع ~~الذود، فقال: { من أنصاري إلى الله } أي مع الله { قال ~~الحواريون: نحن أنصار الله } قال الكلبي: الحواريون هم ~~أصفياء عيسى - عليه السلام - وكانوا اثني عشر رجلا، وقال مقاتل: كانوا ms0224 ~~قصارين فمر بهم عيسى - عليه السلام - وقال { من أنصاري إلى ~~الله } ، قالوا: نحن أنصار الله، ويقال: إنه مر بهم وهم يغسلون ~~الثياب، فقال لهم: إيش تصنعون؟ قالوا: نطهر الثياب فقال: ألا أدلكم ~~[بطهارة] أنفع من هذا، قالوا نعم، فقال: تعالوا حتى نطهر أنفسنا من ~~الذنوب فبايعوه، ويقال: إنهم كانوا صيادين، فمر بهم وقال: ألا أدلكم ~~على اصطياد أنفع لكم من هذا، قالوا: نعم، فقال: تعالوا حتى نصطاد ~~أنفسنا من شر إبليس فبايعوه. وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ~~إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين. وروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الزبير: ابن عمتي وحواري من أمتي " # ، يعني به الخالص، فهذا يكون دليلا لقول الكلبي إنهم خواصه وأصفياؤه. ~~ومعنى آخر: نحن أنصار الله، يعني أنصار دين الله { آمنا بالله } ~~أي صدقنا بتوحيد الله { واشهد بأنا مسلمون } يعني أشهدنا ~~لأنه على ذلك، فاشهد يا عيسى بأنا مسلمون. ثم قالوا: { ربنا ~~ءامنا بما أنزلت } من الإنجيل على عيسى { واتبعنا ~~الرسول } أي عيسى عليه السلام على دينه { فاكتبنا مع ~~الشهدين } يعني اجعلنا مع من أسلم قبلنا، وشهدوا بوحدانيتك. ### || [3.54] # ثم قال تعالى: حكاية عن كفار قومه { ومكروا } يعني أرادوا قتل عيسى ~~- عليه السلام - { ومكر الله } تعالى، أي جازاهم جزاء المكر، { ~~والله خير المكرين } لأن مكرهم جور، ومكر الله عدل. ~~قال الكلبي: وذلك أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى فدخل عيسى عليه السلام ~~البيت هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء، كما قال في آية ~~أخرى: { وأيدنه بروح القدس } فقال ملكهم لرجل خبيث يقال ~~له يهوذا: ادخل عليه فاقتله، فدخل الرجل الخوخة فلم يجد هناك عيسى، وألقى ~~الله عليه شبه عيسى عليه السلام [فلما خرج رأوه على شبه عيسى]، فأخذوه ~~وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، ~~فإن كان هذا [عيسى فأين صاحبنا] وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فوقع ~~بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضا [فلما خرجوا رأوه على بيت]، ms0225 فذلك قوله: { ~~ومكروا ومكر الله والله خير المكرين }. قال ~~الضحاك: وكانت القصة أن اليهود [خذلهم الله تعالى] لما أرادوا قتل عيسى - ~~عليه السلام - اجتمع الحواريون في غرفة، وهم اثنا عشر رجلا، فدخل عليهم ~~المسيح من مشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جميع اليهود فركب منهم أربعة آلاف ~~رجل [فأحدقوا] بالغرفة، فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج فيقتل وهو ~~معي في الجنة؟ فقال رجل منهم: أنا يا نبي الله فألقى إليه مدرعة من صوف ~~وعمامة من صوف، وناوله عكازه، فألقي عليه شبه عيسى - عليه السلام - فخرج ~~على اليهود فقتلوه وصلبوه، وأما المسيح فكساه الله الريش، وألبسه النور، ~~وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة. ### || [3.55-57] # قوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ~~ورافعك إلي } ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه إني رافعك من ~~الدنيا إلى السماء، ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال، ~~ويقال: إنه ينزل ويتزوج امرأة من العرب بعدما يقتل الدجال، وتلد له ابنة ~~فتموت ابنته، ثم يموت هو بعدما يعيش سنين، لأنه قد سأل ربه أن يجعله من ~~هذه الأمة، فاستجاب الله دعاه. وروي عن أبي هريرة: أنه جاء إلى الكتاب ~~وقال للمعلم: قل للصبيان حتى يسكتوا، فلما سكتوا قال لهم: أيها الصبيان ~~من عاش منكم إلى وقت نزول عيسى عليه السلام فليقرئه مني السلام، وإني كنت ~~أرجو أن لا أخرج من الدنيا حتى أراه [هذا كناية عن قرب الساعة] ثم قال: { ~~ومطهرك } أي منجيك { من الذين كفروا وجاعل الذين ~~اتبعوك } على دينك { فوق الذين كفروا } بالحجة والغلبة { ~~إلى يوم القيمة } [وروي عن عبد الله] بن عباس أنه قال: ~~الذين اتبعوه هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم هم الذين صدقوه. ~~ثم قال { ثم إلي مرجعكم } يعني الذين اتبعوك والذين كفروا، ~~كلهم مرجعهم إلي { فأحكم بينكم } يعني بين المؤمنين والكفار { ~~فيما كنتم فيه تختلفون } ، من الدين. ثم أخبر عن حال ~~الفريقين في الآخرة فقال: { فأما الذين كفروا فأعذبهم ~~عذابا شديدا في الدنيا والآخرة } في الدنيا بالقتل ~~والجزية، ms0226 وفي الآخرة بالنار { وما لهم من نصرين } يعني مانع ~~يمنعهم من عذاب الله { وأما الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } ، قال مقاتل: [هم] أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~فيوفيهم أجورهم } قرأ عاصم في رواية حفص [فيوفيهم] بالياء ~~يعني يوفيهم أجورهم وأما الباقون بالنون. يعني أن الله قال: فنوفيهم ~~أجورهم، وهذا لفظ الملوك، إنهم [يتكلمون] بلفظ الجماعة، ويقولون: نحن ~~نفعل كذا وكذا ونكتب إلى فلان، ونأمر بكذا، فالله تعالى خاطب العرب بما ~~يفهمون فيما بينهم، كما قال في سائر المواضع: # إنآ أرسلنا # [القمر: 19]، # إنآ أنزلنا # [النساء: 105] وكذلك ها هنا قال: «فنوفيهم أجورهم» أي نعطيهم ثواب عملهم ~~{ والله لا يحب الظلمين } أي لا يرضى دين الكافرين. ### || [3.58] # { ذلك نتلوه عليك من الآيت } يقول هذه الآيات، وهذه ~~القصص [بينات] في القرآن " وأنزلنا عليك " جبريل ليقرأ عليك من الآيات ~~يعني من البيان { والذكر الحكيم } يعني القرآن كله. وقال الكلبي ~~الذكر الحكيم الذي عند رب العالمين، في درة بيضاء وهو اللوح المحفوظ، ~~ويقال هو القرآن، لأنه محكم ليس فيه تناقض ولا يقدر [أحد أن يأتي بمثله]. ~~ويقال: هو الشرف كقوله: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44]. ### || [3.59] # ثم قال: { إن مثل عيسى عند الله } [نزلت] في وفد نجران ~~السيد والعاقب والأسقف وجماعة من علمائهم وأحبارهم، # " قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وناظروه في أمر عيسى - عليه ~~السلام - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو عبد الله ورسوله، ~~فقالوا: أرنا خلقا من خلق الله تعالى بغير أب، وكان يحيي الموتى وكان ~~فيه دليل على ما قلنا وكانوا يقولون: إنه اتخذه ابنا، فقال لهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك، فقال لهم: ~~كذبتم، إنما يمنعكم من الإسلام ثلاث، أكل لحم الخنزير، وعبادة الصليب ~~وقولكم لله ولد " # ، فقالوا له: من أبو عيسى؟ فنزل قوله تعالى: { إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل ءادم } يعني شبه خلق عيسى عند الله كشبه خلق ~~آدم { خلقه من تراب } يعني صوره من غير أب ولا أم { ثم قال ms0227 ~~له كن فيكون } فكان بشرا بغير أب [كذلك عيسى كان بشرا بغير أب] ~~وفي هذه الآية دليل [علمي] أن الشيء يشبه بالشيء وإن كان بينهما فرق كبير ~~بعد أن [يجتمعا] في وصف واحد، كما أن ها هنا خلق آدم من تراب، ولم يخلق ~~عيسى من تراب، وكان بينهما فرق من هذا الوجه ولكن الشبه بينهما أنه ~~خلقهما من غير أب، ولأن أصل خلقهما جميعا كان من تراب، لأن آدم لم يخلق ~~من نفس التراب، ولكنه جعل التراب طينا، ثم جعله صلصالا، ثم خلقه منه، ~~فكذلك عيسى عليه السلام حوله من حال إلى حال ثم خلقه بشرا من غير أب. ### || [3.60-61] # ثم قال تعالى: { الحق من ربك } يعني [خبر عيسى]، كما أخبرتك ~~وأنبأتك في القرآن { فلا تكن من الممترين } أي من الشاكين. ~~[ويقال: المثل الذي ذكر في عيسى هو الحق من ربك، وهذا الخطاب للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، والمراد منه جميع من اتبعه ومعناه فلا تكونوا من ~~الممترين، أي من الشاكين]، يعني إن مثله كمثل آدم - عليهما السلام - { ~~فمن حاجك فيه } وذلك أن النصارى لما أخبرهم بالمثل في حق عيسى ~~عليه السلام قالوا ليس كما تقول، وهذا ليس بمثل، فنزلت هذه الآية { ~~فمن حاجك فيه } يعني خاصمك في أمر عيسى عليه السلام { من ~~بعد ما جاءك من العلم } أي من البيان في أمره { فقل: ~~تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } أي نخرج أبناءنا ~~وأبناءكم، { و } نخرج { نساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم } [يعني نحن بأنفسنا، ويقال: إخواننا] ونجتمع في موضع { ~~ثم نبتهل } أي نلتعن. وقال مقاتل يعني نخلص في الدعاء، ويقال هي ~~المبالغة في الدعاء والتضرع { فنجعل لعنت الله على ~~الكذبين } فواعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخرجوا ~~للملاعنة فجعلوا وقتا للخروج وتفرقوا على ذلك، ثم ندموا، فلما كان ذلك ~~اليوم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخذ بيد الحسن والحسين، ~~وخرج معه علي بن أبي طالب، وفاطمة، فلما اجتمعوا في [الموضع] الذي ~~واعدهم، طلب منهم الملاعنة، فقالوا نعوذ بالله، فقال ms0228 لهم: # " إما أن [تلعنوا] وإما أن تسلموا، وإما أن [تؤدوا] الجزية " # ، فقبلوا الجزية، وصالحوه بأن يؤدوا كل سنة ألفي حلة [ألف] حلة في ~~المحرم [وألف] حلة في رجب، وأمر عليهم " أبا عبيدة بن الجراح " ، ~~ورجعوا - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " لو أنهم التعنوا لهلكوا كلهم حتى العصافير في سقوف الحيطان ". ### || [3.62-66] # ثم قال الله تعالى: { إن هذا لهو القصص الحق } يعني ~~ما [أخبروا] من أمر عيسى عليه السلام هو الخبر الحق يعني أنه كان ~~عبد الله ورسوله. ويقال: هذا القرآن هو الحق: { وما من إله ~~إلا الله } لا شريك له { وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم } العزيز في ملكه، الحكيم في أمره حكم بخلق عيسى في بطن أمه ~~من غير أب. { فإن تولوا } يقول: أبوا، ولم [يسلموا] { ~~فإن الله عليم بالمفسدين } يجازيهم بذلك، وهذه كلمة ~~تهديد { قل ي أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم } يعني كلمة عدل بيننا وبينكم. ويقال في قراءة ~~عبد الله بن مسعود: " إلى كلمة عدل بيننا وبينكم " يعني، لا إله إلا ~~الله وهي كلمة الإخلاص ويقال: إلى كلمة تسوي بيننا وبينكم، فتصير دماؤكم ~~كدمائنا، وأموالكم كأموالنا، { ألا نعبد إلا الله } يعني ~~ألا نوحد إلا الله { ولا نشرك به شيئا } من خلقه { ولا ~~يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } لأنهم ~~اتخذوا عيسى ربا من دون الله ويقال: لا يطيع بعضنا بعضا في المعصية كما ~~قال: # اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا من دون ~~الله # [سورة التوبة: 31] أي أطاعوهم في المعصية، ويقال: لا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا كما قالت النصارى إن الله ثالث ثلاثة { فإن تولوا } ~~يعني أبوا عن التوحيد { فقولوا } لهم يا معشر المسلمين { اشهدوا ~~بأنا مسلمون } أي مخلصون لله بالعبادة والتوحيد ييأهل ~~الكتب لم تحاجون فى إبرهيم } وذلك أن اليهود والنصارى ~~كانوا اجتمعوا في [بيت] مدرسة اليهود، وكل فريق يقول: كان إبراهيم منا، ~~وكان على ديننا فنزل { يأهل الكتب لم تحاجون في ~~إبرهيم } أي لم تخاصمون في دين إبراهيم { وما أنزلت ~~التوراة والإنجيل إلا من ms0229 بعده } يعني من بعد إبراهيم - ~~عليه السلام - ولكن اليهودية والنصرانية إنما سميت بهذا الإسم بعد نزول ~~التوراة والإنجيل. وقال الكلبي: نزلت في شأن النفر الذين كانوا بالحبشة ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم جعفر الطيار وغيره [كما قال ~~الله تعالى: { اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا } ~~أي أطاعوهم في المعصية] [وكانت] بينهم وبين أحبار الحبشة مناظرة في ذلك ~~[الوقت] فنزلت هذه الآية. وقال الزجاج: هذه الآية أبين [الحجج] على ~~اليهود والنصارى [بأن] التوراة والإنجيل أنزلا من عبده، وليس [فيهما] اسم ~~لواحد من الأديان واسم الإسلام في كل كتاب وهو قوله: { لم تحاجون ~~في إبرهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده } { أفلا تعقلون } يقول: أليس لكم ذهن الإنسانية أن ~~تنظروا فيما تقولون. { هأنتم هؤلآء حججتم } يقول أنتم ~~يا هؤلاء خاصمتم { فيما لكم به علم } في صفة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فتجدونه في كتبكم - { فلم تحاجون فيما ليس ~~لكم به علم } يقول: ما ليس في كتابكم، وهو أمر إبراهيم - عليه ~~السلام - { الله يعلم } أن إبراهيم كان على دين الإسلام { ~~وأنتم لا تعلمون } ذلك. ### || [3.67] # { ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا } يقول: لم يكن ~~إبراهيم عليه السلام على دين اليهودية ولا النصرانية { ولكن كان ~~حنيفا مسلما } أي مخلصا { وما كان من المشركين } ~~يعني ما كان أي لم يكن على دينهم. وقال الزجاج: الحنف في اللغة: إقبال ~~[صدر] القدمين إقبالا لا رجوع فيها أبدا فمعنى الحنيفية في الإسلام: ~~الإقبال والميل إليه والإقامة على ذلك. ### || [3.68] # ثم قال: { إن أولى الناس بإبرهيم } يقول: أحق الناس بدين ~~إبراهيم { للذين اتبعوه } واقتدوا به وآمنوا به { وهذا ~~النبي } يعني هو على دينه ومنهاجه { والذين ءامنوا } هم ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - على دينه، { والله ولي ~~المؤمنين } في العون والنصرة. ### || [3.69] # { ودت طائفة من أهل الكتب } يعني أرادت وتمنت جماعة ~~من أهل الكتاب { لو يضلونكم } أي يصرفونكم عن دين الإسلام { ~~وما يضلون إلا أنفسهم } أي وبال ذلك يرجع إلى أنفسهم. ~~ويقال: { وما يضلون إلا أنفسهم } أمثالهم، ms0230 كقوله - عز وجل - # فاقتلوا أنفسكم # [سورة البقرة: 54] أي بعضكم بعضا { وما يشعرون } قال مقاتل: أي ~~وما يشعرون أنهم يضلون أنفسهم. وقال الكلبي: وما يشعرون أن الله يدل ~~نبيه - عليه السلام - على ضلالتهم، أي يطلعه. ### || [3.70-71] # ثم قال: { يا أهل الكتب لم تكفرون بأيت الله ~~} يقول لم تجحدون بالقرآن { وأنتم تشهدون } أنه نبي الله لأنهم ~~كانوا يخبرون بأمره قبل مبعثه، ويقال: بآيات الله، يعني بعجائبه ودلائله، ~~ويقال: بآية الرجم. ثم قال: { يأهل الكتب لم تلبسون ~~الحق بالبطل } يقول لم تخلطون الكفر بالإيمان؟ لأنهم آمنوا ~~ببعضه، وكفروا ببعضه، { وتكتمون الحق } يعني [بعث] محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { وأنتم تعلمون } أنه حق وأنه في التوراة. ### || [3.72-74] # { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل ~~على الذين آمنوا وجه النهار } قال الكلبي: وذلك أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة، [صلى] نحو بيت المقدس ~~سبعة عشر شهرا، أو ثمانية عشر شهرا، فلما صرف الله نبيه إلى الكعبة، ~~عند صلاة الظهر، وقد كان صلى صلاة الصبح إلى بيت المقدس، وصلى صلاة الظهر ~~والعصر إلى الكعبة فقال رؤوساء اليهود منهم: كعب بن الأشرف ومالك بن ~~الضيف وغيرهما [للسفلة] منهم: { آمنوا بالذي أنزل على ~~الذين آمنوا وجه النهار } ، صدقوه بالقبلة التي صلى صلاة ~~الصبح في أول النهار وآمنوا به، وإنه الحق، { واكفروا ءاخره } ~~يعني اكفروا بالقبلة التي صلى إليها آخر النهار { لعلهم ~~يرجعون } إلى قبلتكم [ودينكم]. وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا إلى ~~[محمد] - صلى الله عليه وسلم - أول النهار، ورجعوا من عنده، وقالوا ~~للسفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة، ثم رجعوا في آخر ~~النهار فقالوا قد نظرنا في التوراة، فليس هو إياه، يعنون أنه ليس بحق، ~~وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة وأن يشككوا فيه، فذلك قوله: { آمنوا ~~بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار } يعني ~~قالوا لهم في أول النهار آمنوا به { واكفروا ءاخره } يعني قالوا ~~في آخر النهار، واكفروا به { لعلهم يرجعون } أي يشكون فيه ~~فيرجعون. ثم قال ms0231 للسفلة: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم } قال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه ولا تؤمنوا، أي لا ~~تصدقوا إلا لمن تبع دينكم، فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من ~~التوراة، والمن والسلوى، ولا تخبروهم بأمر محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، فيحاجوكم عند ربكم، أي يخاصموكم ويجعلوه حجة عليكم، فقالوا ذلك حسدا، ~~حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - من غيرهم، قال الله تعالى { قل ~~إن الهدى هدى الله } وإن الفضل بيد الله، وهو قول مقاتل. ~~وقال الكلبي: [بغير] تقديم وتأخير، يقول: { ولا تؤمنوا } أي ولا ~~تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية، وصلى إلى قبلتكم، { قل إن ~~الهدى هدى الله } ، يقول دين الله هو الإسلام. [ { أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم } يقول لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين ~~الإسلام والقرآن الذي فيه الحلال والحرام] { أو يحاجوكم عند ~~ربكم } [أي: لن] يخاصمكم اليهود " عند ربكم " يوم القيامة، ثم قال { ~~قل } يا محمد { إن الفضل بيد الله } يعني النبوة والكتاب ~~والهدى، بيد الله، أي: بتوفيق الله، { يؤتيه من يشاء } [يعني يوفق ~~من يشاء]، { والله وسع عليم }. يقول: واسع الفضل { عليم } ~~[بمن] يؤتيه الفضل { يختص برحمته من يشاء } يعني بدينه ~~يعطيه من يشاء من عباده { والله ذو الفضل العظيم } [أي ذو ~~المن العظيم]، لمن اختصه بالإسلام. ### || [3.75-76] # { ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك }. قرأ أبو عمرو وحمزة: " يؤده " بجزم الهاء، وهي لغة ~~[لبعض] العرب، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة. قال مقاتل: يعني عبد ~~الله بن سلام وأصحابه، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن الله تعالى ~~ذكر أن أهل الكتاب فيهم أمانة وفيهم خيانة، وقال الضحاك: { ومن أهل ~~الكتب من إن تأمنه بقنطار } يعني [به] عبد الله بن ~~سلام، أودعه رجل ألفا [ومائتي] أوقية من الذهب [فأداها] إليه. فمدحه ~~الله تعالى [ويقال: إن نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - أمانة فمن كتمه ~~دخل تحت قوله { لا يؤده إليك } ومن لم يكتمه دخل تحت قوله ~~يؤده، ثم ms0232 قال تعالى:] { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا ~~يؤده إليك } وهو فنحاص بن عازورا اليهودي أودعه رجل دينارا ~~فخانه. ويقال: { يؤده إليك } ، يعني النصارى كانوا ألين ~~قلوبا يؤدون الأمانة، واليهود لا يؤدون [الأمانة]، فكانوا [إذا أخذوا] ~~أمانات الناس، أو مال اليتامى، فكانوا يغتنمون ذلك، كما يفعل بعض أهل ~~الإسلام إذا [وقع في يده شيء من أموال المسلمين] جعله كالغنيمة. ثم قال ~~تعالى { إلا ما دمت عليه قائما } أي ملحا متقاضيا و { ~~ذلك } [يعني] الاستحلال { بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل } [يعني يقولون]: ليس علينا في مال العرب مأثم. ~~ويقال: من لم يكن على ديننا، فماله لنا حلال، بمنزلة مذهب الخوارج ~~أنهم يستحلون مال من كان على خلاف مذهبهم. { ويقولون على الله ~~الكذب } [وهم يعلمون] لأنهم كانوا يقولون: إن ذلك حلال في التوراة ~~فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون على الله { وهم يعلمون } أن الله ~~أمرهم بأداء الأمانة، وأخذ على ذلك ميثاقهم. فهذا قوله تعالى: { بلى ~~من أوفى بعهده } أي بعهد الله الذي أخذ عليهم بأداء الأمانة ~~[وهي نعت محمد - صلى الله عليه وسلم -] { واتقى } محارمه، هذا قول ~~مقاتل. وقال الكلبي: واتقى ظلم الناس. { فإن الله يحب ~~المتقين } عن نقض العهد. ### || [3.77-78] # { إن الذين يشترون بعهد الله } قال ابن عباس في ~~رواية أبي صالح: نزلت في شأن [عبدان] بن الأشوع، وامرىء القيس [بن عابس]، ~~ادعى أحدهما على صاحبه حقا، فأراد المدعى عليه أن يحلف بالكذب، فنزلت ~~هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في شأن رؤساء اليهود كتموا نعت محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - لأجل منافع الدنيا، ويقال: أن جماعة من علماء اليهود ~~قدموا المدينة من الشام ليسلموا، فلقيهم " كعب بن الأشرف " ، فقال ~~لهم: تعلمون أنه نبي؟ قالوا: نعم فقال لهم كعب: حرمتم على أنفسكم ~~خيرا كثيرا، لأني كنت أردت أن أبعث لكم الهدايا، فقالوا: حتى ننظر في ~~ذلك، فنظروا ثم رجعوا، فقالوا: ليس هو الذي وجدنا صفته، فأخذ منهم ~~إقرارهم وخطوطهم، وأيمانهم على ذلك، ثم بعث إلى كل واحد منهم ثمانية ~~أذرع ms0233 من الكرباس، وخمسة أصوع من الشعير، فنزل في شأنهم { إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمنهم ثمنا قليلا } أي ~~عرضا يسيرا { أولئك لا خلق لهم في الآخرة } أي لا ~~نصيب لهم في الآخرة { ولا يكلمهم الله } وقال الزجاج: قوله { ~~ولا يكلمهم الله } يحتمل معنيين: أحدهما: (إسماع) كلام الله ~~تعالى أولياءه خصوصا لهم كما كلم موسى (خصوصية) له دون البشر، ويجوز أن ~~يكون تأويله للغضب عليهم، كما يقال: فلان لا يكلم فلانا، ولا ينظر إليه، ~~أي هو غضبان عليه، وإن كان هو يكلمه بكلام السوء، فذلك معنى قوله " لا ~~يكلمهم " أي: بكلام الرحمة، { ولا ينظر إليهم يوم ~~القيمة } [بالرحمة] { ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ~~}. ثم قال: { وإن منهم لفريقا } يعني طائفة من اليهود، وهذه ~~اللام لزيادة تأكيد على تأكيد { يلوون ألسنتهم بالكتب } ~~أي يحرفون ألسنتهم بالكتاب، يعني بنعت محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~ويغيرونه. ويقال: يغيرونه في التلاوة، فيقرأونه على خلاف ما في التوراة ~~ويقال: يحرفون تأويله على خلاف ما فيه { لتحسبوه من الكتب ~~} أي من التوراة { وما هو من الكتب } أي من التوراة بل هم ~~كتبوا وهم تأولوا { ويقولون هو من عند الله وما هو ~~من عند الله } أي ليس هو من عند الله { ويقولون على ~~الله الكذب وهم يعلمون } أنه كذب. ### || [3.79-80] # { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } أي التوراة ~~والإنجيل، { والحكم } يعني الفهم { والنبوة } وهو عيسى ابن ~~مريم - عليهما السلام - { ثم يقول للناس } ما جاز له أن يقول ~~للناس: { كونوا عبادا لي من دون الله }. ويقال: # " إن اليهود والنصارى اختلفوا فيما بينهم، فجاء الفريقان جميعا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال كل فريق: نحن أولى بإبراهيم عليه ~~السلام، فقال لهم: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كلكم على الخطأ " # ، فغضبوا وقالوا: والله ما تريد إلا أن نتخذك حنانا (أي معبودا)، ~~فأنزل الله تعالى: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~[الكتب } يعني القرآن] { والحكم } يعني الحلال والحرام { ~~والنبوة } ، { ثم يقول للناس كونوا عبادا لي ~~من دون الله ms0234 }. { ولكن } يقول لهم { كونوا ربنيين ~~} أي متعبدين، ويقال: كونوا علماء فقهاء. قال الزجاج: الربانيون: أرباب ~~العلم والبيان أي (كانوا) علماء { بما كنتم تعلمون الكتب ~~} أي كونوا عاملين بما كنتم تعلمون، لأن العالم إنما يقال له عالم، إذا ~~عمل (بما علم)، وإن لم يعمل بعلمه فليس بعالم، لأن من ليس له من علمه ~~منفعة فهو والجاهل سواء. ثم قال: { وبما كنتم تدرسون } يقول ~~بما كنتم تقرأون، يعني كونوا علماء بذلك عاملين به. قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو: «بما كنتم تعلمون» بنصب التاء والتخفيف، يعني يعلمكم ~~الكتاب ودراستكم، والباقون بضم التاء والتشديد يعني تعلمون غيركم، ~~فإنما يأمركم بذلك. { ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملئكة والنبيين أربابا } يعني عيسى وعزيرا ~~والملائكة - صلوات الله عليهم - ولو أمركم بذلك لكفر، وتنزع النبوة منه ~~{ أيأمركم بالكفر } يعني بعبادة الملائكة { بعد إذ ~~أنتم مسلمون } أي مخلصون بالتوحيد لله. قرأ عاصم وحمزة وابن ~~عامر: " ولا يأمر " بنصب الراء، ينصرف إلى قوله { ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله } فيصير نصبا بأن، والباقون " ولا يأمركم " بضم ~~الراء على معنى الإبتداء. ### || [3.81] # ثم قال تعالى: { وإذ أخذ الله ميثق النبيين } يعني ~~الميثاق حيث أخرجهم من صلب آدم - عليه السلام - وأخذ عليهم ~~الميثاق العهد أن يبلغ الأول الآخر وأن يصدق الآخر الأول فذلك قوله ~~تعالى: { وإذ أخذ الله ميثق النبيين } يعني إقرار ~~النبيين { لما ءاتيتكم }. قرأ حمزة " لما " [آتيتكم] بكسر ~~اللام والتخفيف، [يعني بما آتيتكم] والباقون [بنصب اللام]، ومعناه: فما ~~آتيتكم يعني، أي كتاب آتيتكم لتؤمنوا به. وقرأ بعضهم: بنصب اللام ~~والتشديد، أي حين آتيتكم { من كتب وحكمة } يعني بيان الحلال ~~والحرام. وقرأ نافع " آتيناكم " بلفظ الجماعة وهو لفظ الملوك، والباقون " ~~آتيتكم " بلفظ الوحدان. ويقال: أخذ الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبيا إلا ~~ذكر له محمدا - صلى الله عليه وسلم - ونعته، وأخذ عليه ميثاقه أن يبينه ~~لقومه وأن يأخذ منهم ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم ولا يكتمونه. { ثم ~~جاءكم رسول } يعني به أهل الكتاب الذين كانوا في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم ms0235 - { مصدق لما معكم } في التوحيد وبعض الشرائع، ~~وذلك أن الله تعالى لما أخذ ميثاق الأنبياء وأخذ الأنبياء الميثاق من ~~قومهم بأن يبينوه، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة فكذبوه ~~فذكرهم الله تعالى ما أتاهم به أنبياؤهم فقال تعالى: { وإذ أخذ ~~الله ميثق النبيين لما ءاتيتكم من كتب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول } يعني محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~مصدق لما معكم من التوراة، { لتؤمنن به } يعني قال لهم في ~~الميثاق لتؤمنن به، أي لتصدقنه إذا بعث { ولتنصرنه } إذا خرج { ~~قال } لهم: { ءأقررتم } بتصديقه، يعني هل أقررتم بما أخذ عليكم ~~من الميثاق بتصديقه ونصره، { وأخذتم على ذلكم إصري } ~~يعني هل قبلتم على ذلك عهدي الذي أخذت عليكم على إيمانكم بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { قالوا أقررنا } { قال } الله تعالى: { ~~فأشهدوا } بعضكم على بعض بأني قد أخذت عليكم العهد { وأنا ~~معكم من الشهدين } على إقراركم. قال الزجاج: قوله " ~~فاشهدوا " أي فاثبتوا لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي وأنا معكم من ~~الشاهدين، وشهادة الله للنبيين تبينه أمر نبوتهم بالآيات (المعجزات). ~~وقال القتبي: أصل الإصر، الثقل، فسمي العهد إصرا، لأنه يمنع [صاحبه عن ~~مخالفة] الأمر الذي أخذ [عليه فثقل] ### || [3.82-83] # قوله تعالى: { فمن تولى بعد ذلك } أي أعرض عن الإيمان، ~~وعن البيان بعد ذلك الإقرار والعهد قوله: { فأولئك هم ~~الفسقون } أي الناقضون [للعهد]، ويقال: [هم العاصون]، وأصل الفسق ~~الخروج من الطاعة كقوله تعالى: # ففسق عن أمر ربه # [سورة الكهف: 50] أي خرج عن طاعة ربه. وقوله تعالى: { أفغير دين ~~الله يبغون }. قال الكلبي: وذلك أن كعب بن الأشرف [وأصحابه] ~~[اختصموا] مع النصارى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا # " أينا أحق بدين إبراهيم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " كلا ~~الفريقين بريء من دينه " # فقالوا ما نرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فنزل قوله تعالى: { أفغير ~~دين الله يبغون } أي يطلبون. قرأ عاصم في رواية حفص " يبغون " " ~~وإليه يرجعون " كلاهما بالياء وقرأ أبو عمرو " يبغون " بالياء " وإليه ~~ترجعون " بالتاء، وقرأ الباقون: كلاهما بالتاء على ms0236 معنى المخاطبة، فمن ~~قرأ بالياء يعني أفغير دين الله يطلبون من عندك، ومن قرأ بالتاء يعني: ~~أفغير دين الله تطلبون، { وله أسلم } أي أخلص وخضع { من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها }. قال الكلبي: أما أهل ~~السموات، فأسلموا لله طائعين، وأما أهل الأرض فمن ولد في الإسلام أسلم ~~طوعا، ومن أبى قوتل حتى دخل في الإسلام كرها وما أفاء الله عليهم مما ~~يسبون فيجاء بهم في السلاسل فيكرهون على الإسلام، وقال مجاهد: يسجد ظل ~~المسلم ووجهه طائع، ويسجد ظل الكافر وهو كاره، وقال مقاتل: " وله أسلم من ~~في السموات " يعني الملائكة، " والأرض " يعني المؤمنين " طوعا وكرها " ~~يعني أهل الأديان يقولون: الله ربكم، وخالقكم فذلك إسلامهم وهم مشركون. ~~معنى قوله: { وله أسلم من في السموات والأرض } يعني ~~خضعوا من جهة ما فطرهم عليه، ودبرهم لا يمتنع ممتنع من جبلة ما جبل ~~عليها، ولا يقدر على تغيير ما خلق عليها طوعا وكرها، ثم قال: { ~~وإليه ترجعون } [كما خلقكم أي] كما بدأكم، (فلا) تقدرون على ~~الإمتناع، كذلك يبعثكم كما بدأكم، قرأ عاصم في رواية حفص: " يرجعون " ، ~~وقرأ الباقون بالتاء. ### || [3.84] # ثم قال: { قل ءامنا بالله } خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وأراد به أمته، فقال: قل للمؤمنين إن لم يؤمن أهل الكتاب (فقولوا أنتم) ~~{ آمنا بالله } { ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } وقد ~~ذكرناه في سورة البقرة. ### || [3.85] # قوله { ومن يبتغ غير الإسلم دينا } ، قال الكلبي: نزلت ~~في شأن مرثد بن أبي مرثد وطعمة بن أبيرق ومقيس بن صبابة، والحارث ~~بن سويد وكانوا عشرة، وقال [مقاتل]: كانوا اثني عشر، وقال الضحاك، يعني ~~لا يقبل من جميع الخلق من أهل الأديان دينا غير دين الإسلام، ومن يتدين ~~غير الإسلام دينا { فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخسرين } " أي من المغبونين " لأنه ترك منزله في الجنة، واختار ~~منزله في النار. ### || [3.86-91] # { كيف يهدي الله قوما ms0237 كفروا بعد إيمنهم ~~وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينت } أي ~~بعدما ظهر لهم العلامات { والله لا يهدي القوم ~~الظلمين } فإن قيل: في ظاهر الآية: أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه ~~الله ومن كان ظالما لا يهديه الله، وقد رأينا كثيرا من المرتدين، ~~أسلموا وهداهم الله وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم. قيل له: لا ~~يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم وظلمهم ولا يقبلون إلى ~~الإسلام، فأما إذا جاهدوا وقصدوا الرجوع وفقهم الله لذلك لقوله: # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [سورة العنكبوت: 69] وتأويل آخر: { كيف يهدي الله } ، يقول كيف ~~يرشدهم إلى الجنة كما قال في آية: # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا. إلا طريق جهنم # [النساء: 168] ويقال: كيف يرحمهم الله وينجيهم من العقوبة. ويقال: كيف ~~يغفر الله لهم. وقالت المعتزلة: " كيف يهدي الله " معناه، كيف ~~يكونون مهتدين لأنهم لا يرون الهداية والإهتداء في الإبتداء، إلا على ~~سبيل الجزاء ويرون ذلك من كسب العبد. ثم قال: { أولئك جزآؤهم ~~} يعني أهل هذه الصفة التي ذكر { أن عليهم لعنة الله } أي ~~سخط الله، ويقال: الطرد والتبعيد من رحمة الله والخذلان، ويقال: يلعنهم ~~بالقول { والملائكة } يعني عليهم لعنة الله والملائكة { ~~والناس أجمعين } إذا لعن رجل رجلا، فإن لم يكن أهلا لذلك ~~رجعت اللعنة إلى الكفار. ويقال: من لم يكن على دينهم، يلعنهم في الدنيا، ~~ومن كان على دينهم يلعنهم في الآخرة لقوله تعالى: # يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن ~~بعضكم بعضا # [سورة العنكبوت: 25] فذلك قوله تعالى: { والناس أجمعين }. ثم ~~قال تعالى: { خلدين فيها } يعني في اللعنة. فيما توجبه اللعنة، ~~وهو عذاب النار خالدين فيها { لا يخفف عنهم العذاب } أي لا ~~يهون عليهم العذاب { ولا هم ينظرون } أي لا يؤجلون، ثم استثنى ~~التوبة فقال تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا } يقول: من بعد الكفر، وأصلحوا أعمالهم بالتوبة. ويقال: ~~أصلحوا لمن أفسدوا من الناس { فإن الله غفور رحيم } لما ~~كان منهم في الكفر رحيم بهم بعد التوبة. ms0238 قال الكلبي ومقاتل: لما نزلت هذه ~~الآية أي الرخصة بالتوبة، كتب أخو الحارث بن سويد إلى الحارث: إن الله ~~قد عرض عليكم التوبة، فرجع وتاب، وبلغ ذلك إلى أصحابه الذين بمكة، ~~فقالوا: إن محمدا تتربص به ريب المنون، فقالوا: نقيم بمكة على الكفر متى ~~بدا لنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في " الحارث " فتقبل توبتنا ~~فأنزل الله تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمنهم ~~ثم ازدادوا كفرا } أي ثبتوا على كفرهم بقولهم: نقيم بمكة ما ~~بدا لنا { لن تقبل توبتهم } ما أقاموا على الكفر. # قال الزجاج: كانوا كلما نزلت آية كفروا بها، فكان ذلك زيادة كفرهم، ~~وقوله: { [لن] تقبل توبتهم } [أي توبتهم] الأولى، وحبط أجر ~~عملهم. ويقال: { لن تقبل توبتهم } معناه: إنهم [لن] يتوبوا ~~كما [قال الساعة] # ولا يقبل منها شفعة # [سورة البقرة: 48]، أي لا يشفع (لها) أحد، ثم قال تعالى: { ~~وأولئك هم الضالون } عن الإسلام، وهم الذين لم يتوبوا. { ~~إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به } قال ~~الكلبي: يعني وزن الأرض ذهبا. وقال مقاتل: إن الكافر إذا عاين النار [في ~~الآخرة] يتمنى أن يكون له الأرض ذهبا فيقدر على أن (يفتدي) به نفسه من ~~العذاب [لافتدى به، ولو افتدى به] " ما تقبل منه " { أولئك لهم ~~عذاب أليم } ونظيرها في سورة المائدة # إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض # [المائدة: 36]. قوله تعالى: { أولئك لهم عذاب أليم وما ~~لهم من نصرين } الآية. ### || [3.92] # { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قال ~~ابن عباس في رواية أبي صالح أنه قال: لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في ~~الجنة حتى تنفقوا مما تحبون [أي حتى تخرجوا أموالكم طيبة بها أنفسكم]، ~~وقال مقاتل: يعني لن تنالوا التقوى حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة، أي ~~بعض ما تحبون من الأموال. { وما تنفقوا من شيء } يعني الصدقة ~~وصلة الرحم { فإن الله به عليم } أي لا يخفى عليه فيثيبكم ~~عليه. ويقال: لن تنالوا البر حتى ms0239 تستكملوا التقوى. ويقال: لا تكونوا ~~بارين حتى تنفقوا مما تحبون (أي من الصدقة، أي بعض ما تحبون من الأموال) ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يشتري أعدالا من السكر ويتصدق ~~بها فقيل له: هلا تصدقت بثمنه، فقال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن ~~أتصدق مما أحب. وروي عن عبد الله بن عمر أنه اشترى جارية جميلة وكان ~~يحبها فمكثت عنده أياما ثم أعتقها وزوجها من رجل، فولد لها ولد، فكان ~~يأخذ ولدها ويضمه إلى نفسه ويقول: أشم منك ريح أمك، فقيل له: قد رزقك ~~الله من حلال، وأنت تحبها فلم تركتها؟ فقال: ألم تسمع هذه الآية: { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [وروي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تقرأ في مصحف مذهب فلما انتهت إلى هذه ~~الآية باعته وتصدقت بثمنه]. ### || [3.93] # قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرءيل }. ~~قال في رواية الكلبي: خرج يعقوب إلى بيت المقدس، فلقيه ملك في الطريق فظن ~~يعقوب أنه لص، فعالجه فغمز الملك رجل يعقوب فهاج به عرق النساء، فنذر أن ~~يحرم أحب الطعام إليه إن برأ من ذلك لما رأى فيه من الجهد، فلما برأ كان ~~أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها فحرمها على نفسه، فقالت اليهود: هذا ~~التحريم من الله تعالى في التوراة، فنزل قوله تعالى: { كل الطعام ~~كان حلا لبني إسرءيل } أي كان حلالا إلا الميتة والدم ~~ولحم الخنزير ثم قال: { إلا ما حرم إسرءيل على نفسه، ~~من قبل أن تنزل التوراة } وليس تحريمها في التوراة، ثم ~~قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { قل } لليهود { فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها } يعني اقرأوها { إن كنتم صدقين } ~~بأن تحريمها في التوراة، لأنهم كانوا يقولون: إن ذلك حرام من وقت نوح ~~وأنت وأصحابك تستحلونها. وقال الضحاك إن يعقوب لما أصابه عرق النساء، ~~(أمره) الأطباء أن يتجنب لحوم الإبل فحرم على نفسه لحوم الإبل، فقالت ~~اليهود: حرمناها على أنفسنا لأن يعقوب حرمها على نفسه فنزل تحريمها ~~في التوراة فنزلت الآية. ويقال: معناه ms0240 كل طعام هو حلال لأمتك، مثل ما كان ~~حلالا لبني إسرائيل، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، وبعضها حرم عليهم ~~بذنوبهم. وقال الزجاج: هذه الآية أعظم (دليل) لنبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - لأنه أخبرهم بأنه ليس في كتابهم، وأمرهم بأن يأتوا بالتوراة ~~فأبوا، وعرفوا أنه قال ذلك بالوحي. ### || [3.94-95] # ثم قال تعالى: { فمن افترى على الله الكذب } يعني اختلق ~~على الله الكذب { من بعد ذلك } البيان في كتابهم: { ~~فأولئك هم الظلمون } يعني يظلمون أنفسهم { قل صدق ~~الله } أن تحريمه ليس في التوراة، ويقال: " قل صدق الله " حين ~~قال: # ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا # [آل عمران: 67] { فاتبعوا ملة إبرهيم حنيفا } أي ~~مخلصا مستقيما وكلوا لحوم الإبل وألبانها كما (أكلها) إبراهيم، ولا ~~تحرموا على أنفسكم شيئا بأهوائكم { وما كان } إبراهيم { من ~~المشركين } يعني على دينهم. ### || [3.96-97] # { إن أول بيت وضع للناس } قال مقاتل: يعني أول مسجد ~~وضع للناس، أي للمؤمنين. ويقال: أول موضع خلق هو موضع [الكعبة للناس] أي ~~قبلة للناس { للذي ببكة } قال الكلبي: إنما سمي بكة لأن الناس ~~يبك بعضهم بعضا أي يزدحم. وقال الزجاج: بكة موضع البيت، وسائر ما ~~(حواليه) مكة. وقال القتبي: بكة ومكة شيء واحد، والباء تبدل من الميم، ~~كما يقال: سمد رأسه وسبده إذا استأصله (أي قلع بأصله)، ويقال: بكة موضع ~~المسجد ومكة البلد حوله، ثم قال تعالى: { مباركا } أي فيها بركة ~~ومغفرة للذنوب { وهدى للعلمين } يعني قبلة لمن صلى إليها، ~~وذلك أن اليهود قالوا للمؤمنين: لم عمدتم إلى الحجارة تطوفون بها، وتصلون ~~إليها؟ وجعلوا يعظمون بيت المقدس فنزلت هذه الآية. وروى الكلبي: أن آدم - ~~عليه السلام - بني البيت [فلما كان زمان الطوفان رفع إلى السماء السادسة ~~بحبال الكعبة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لم يدخلوه قط قبله. ويقال: أنزل ~~من السماء، وهو من ياقوتة حمراء]. فلما كان زمان الطوفان، رفع إلى السماء ~~الرابعة. ثم قال تعالى: { فيه ءايت بينت } يعني علامات ~~واضحات كالحجر الأسود والحطيم، { مقام إبرهيم } وروي عن عبد ~~الله بن ms0241 عباس: أنه كان يقرأ " فيه آية بينة مقام إبراهيم " وقرأ غيره، ~~آيات بينات مقام إبراهيم ومعناه من تلك الآيات مقام إبراهيم { ومن ~~دخله } يعني الحرم { كان ءامنا } يعني أن من دخل فيه، فإنه لا ~~يهاج منه إذا وجب عليه القتل خارج الحرم: { ولله على الناس ~~حج البيت }. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص حج بكسر ~~الحاء والباقون بالنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد. { من استطع ~~إليه سبيلا } أي بلاغا، والاستطاعة هي الزاد والراحلة وتخلية ~~الطريق، ويقال: ولله على الناس فريضة حج البيت. ثم قال: { ومن كفر } ~~يعني ومن لم ير الحج واجبا فقد كفر فذلك قوله: ومن كفر { فإن الله ~~غني عن العلمين } يعني غني عمن حج وعمن لم يحج، قال الفقيه: ~~حدثني أبي قال: حدثني أبو بكر المعلم، قال: حدثنا أبو عمران (الفارابي)، ~~قال: حدثنا عبد الرحمن بن حبيب، قال: حدثنا داود بن (المحبر)، قال: ~~حدثنا عباد بن كثير عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال في خطبته: # " أيها الناس، إن الله تعالى فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا، ~~ومن لم يفعل فليمت على أي حال يهوديا أو نصرانيا، أو مجوسيا، ~~إلا أن يكون به مرض أو منع من سلطان جائر، ألا لا نصيب له من شفاعتي ولا ~~يرد حوضي " # وروي عن أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " السبيل: الزاد والراحلة " # ، وكذلك روي عن ابن عباس - وقال مجاهد: مقام إبراهيم أثر قدميه. ### || [3.98-99] # ثم قال: { قل يأهل الكتب } يعني اليهود والنصارى { لم ~~تكفرون بآيت الله } يعني لم (تكفرون) بالحج والقرآن ومحمد ~~- صلى الله عليه وسلم - { والله شهيد على ما تعملون } من ~~الجحود والكفر { قل يأهل الكتب لم تصدون } يقول لم ~~تصرفون الناس { عن سبيل الله } أي عن دين الله الإسلام، والحج { ~~تبغونها عوجا } أي تطلبونها تغيرا وزينا { وأنتم شهداء ~~} أن ذلك في التوراة { وما الله بغفل عما تعملون } من ~~كتمان صفة محمد - صلى ms0242 الله عليه وسلم - ونعته. ويقال في اللغة: ما كان ~~ينتصب انتصاب العود والحائط، يقال، عوج بالنصب، وما لم ينتصب مثل الأرض ~~والكلام، ويقال: عوج، كما قال تعالى: # لا ترى فيها عوجا ولا أمتا # [طه: 107] وقال تعالى: # ولم يجعل له عوجا. قيما # [الكهف: 1-2]. ### || [3.100-101] # ثم قال تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا ~~فريقا } يقول طائفة { من الذين أوتوا الكتب } وهم ~~رؤساء اليهود { يردوكم بعد إيمنكم كفرين } بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن لأنهم كانوا يدعون إلى الكفر، واتباع ~~مذهبهم وكان يتبعهم بعض المنافقين فنهى الله تعالى المؤمنين عن متابعتهم. ~~ثم قال تعالى على وجه التعجب: { وكيف تكفرون } يقول: كيف تجحدون ~~بوحدانية الله تعالى وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن { وأنتم ~~تتلى عليكم آيات الله } يقول: يقرأ عليكم القرآن وفيه ~~دلائله وعجائبه، { وفيكم رسوله } يعني معكم محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - خاصة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيهم وهم ~~يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة، لأن آثاره وعلاماته ~~والقرآن الذي أتى به فينا، فكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا، ~~وإن لم (نشاهده). ثم قال عز وجل: { ومن يعتصم بالله } يقول: ~~يتمسك بدين الله { فقد هدى إلى صرط مستقيم } يقول: وفق ~~وأرشد من الضلالة { إلى صرط مستقيم } يعني: الطريق الذي يسلك ~~به إلى الجنة، وهو دين الإسلام. ### || [3.102-107] # { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته } ~~يقول أطيعوا الله حق طاعته، وحق طاعته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن ~~يشكر فلا يكفر طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى طرفة عين فشق ذلك على ~~المسلمين، فأنزل الله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية هكذا، قال الكلبي والضحاك [ومقاتل ~~وغيرهم] من المفسرين: إن هذه الآية منسوخة وقال بعضهم: لا يجوز أن يقال ~~هذه الآية منسوخة لأنه لا يجوز أن يأمرهم بشيء لا [يطيقونه] (ولكن الجواب ~~أن يقال عن هذا: إنهم يطيقونه) ms0243 ولكن تلحقهم مشقة شديدة، (ولأن) ذلك مجهود ~~الطاقة، ولا يستطيعون الدوام عليه، والله تعالى لا يكلف عباده إلا دون ما ~~يطيقون، فخفف عنهم بقوله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] ولم ينسخ آخر الآية (أولها)] وهو قوله تعالى: { ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون } يعني اثبتوا على الإسلام، ~~وكونوا بحال يلحقكم الموت وأنتم على الإسلام { واعتصموا بحبل ~~الله جميعا } يقول: تمسكوا بدين الله وبالقرآن، ويقال: تمسكوا ~~بسبيل السنة والهدى، { ولا تفرقوا } يقول: ولا تختلفوا في الدين ~~كاختلاف اليهود والنصارى ويقال: لا تختلفوا فيما بينكم بالعداوة ~~والبغضاء، ويقال { واعتصموا بحبل الله جميعا } يعني ~~اطلبوا النصرة من الله لا من القبائل والعشيرة. ويقال: { واعتصموا ~~بحبل الله جميعا } يعني ما اشتبه عليكم فردوه إلى كتاب الله ~~كقوله تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59] وقال بعض الحكماء: إن مثل من في الدنيا كمثل من وقع في بئر ~~فيها من كل نوع من الآفات فلا يمكنه (أن يخرج منها)، والنجاة من آفاتها ~~إلا بحبل وثيق، فكذلك الدنيا دار محنة، وفيها كل نوع من الآفات، فلا سبيل ~~إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق، وهو كتاب الله تعالى. ثم ~~(ذكرهم) نعمته فقال تعالى: { اذكروا } نعمتي واحفظوا { نعمة ~~الله عليكم } الإسلام { إذ كنتم أعداء } في الجاهلية { ~~فألف } الله { بين قلوبكم } يعني جمع بين قلوبكم بالإسلام ~~توددا { فأصبحتم بنعمته إخوانا } يقول فصرتم بنعمة ~~الإسلام { إخوانا } في الدين. وكل ما ذكر في القرآن أصبحتم، معناه ~~صرتم، كقوله: # إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك: 30] أي صار ماؤكم غورا. وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، ~~كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاما حتى كادوا أن يتفانوا، فلما ~~بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة آمن به الأوس والخزرج وهم ~~بالمدينة، ثم خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل أن ~~يهاجر منهم سبعون رجلا، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه عمه ~~العباس حتى أتى إلى العقبة (إلى سبعين) رجلا من الأنصار فعاهدوه ثم ~~رجعوا ms0244 إلى المدينة، وهاجر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إليهم بعد ~~الحولين، فوقعت بين الأوس والخزرج ألفة، وزالت عنهم العداوة التي ~~كانت (بينهم) في الجاهلية بالإسلام، وهذا كما ذكر في آية أخرى: # لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم ولكن الله ألف بينهم # [الأنفال: 63]. وروي عن جابر بن عبد الله، أن رجلين من الأنصار أحدهما ~~من الأوس والآخر من الخزرج تفاخرا فيما بينهما واقتتلا، فاستعان كل واحد ~~منهما بقومه فاجتمعت الأوس والخزرج، وأخذوا السلاح وخرجوا للحرب، فبلغ ~~الخبر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج إليهم في ثلاثين من ~~المهاجرين وهو راكب على حمار له، قال جابر: فما كان من طالع يومئذ أكرم ~~إلينا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ طلع علينا، فأومأ إلينا ~~بيده، فكففنا، ووقف بيننا على حمار له فقال: { يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله حق تقاته }. [إلى قوله: { ~~واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم } ]... إلى قوله: { عذاب عظيم }. ~~فألقوا السلاح، واطفأوا الحرب التي كانت بينهم، وعانق بعضهم بعضا ~~يبكون، فما رأيت الناس أكثر باكيا من يومئذ، فلم يكن في الأرض شخص أحب ~~إليهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية. ثم قال ~~تعالى: { وكنتم على شفا حفرة من النار } قال القتبي: ~~أشفى على كذا: إذا أشرف عليه شفا حفرة: أي حرف حفرة، ومعناه: وكنتم ~~في الجاهلية على هلاك بالشرك، من مات في الجاهلية كان في النار، { ~~فأنقذكم منها } بعدما كنتم على حرف من النار، { كذلك ~~يبين الله لكم آيته } يعني علاماته حيث كنتم أعداء في ~~الجاهلية إخوانا في الإسلام { لعلكم تهتدون } [أي لكي ~~تهتدوا] من الضلالة وتعرفوا علامته بهذه النعمة { ولتكن منكم ~~أمة } فهذه لام الأمر كقوله: # فليعمل عملا صلحا # [الكهف: 110] يعني لتكن منكم أمة، قال الكلبي: يعني جماعة، وقال مقاتل: ~~يعني عصبة. وقال الزجاج: ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير " ومن ~~" ها هنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس وهي مؤكدة ms0245 كقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # [الحج: 30] وقوله: { يدعون إلى الخير } يعني إلى الإسلام ~~ويقال: إلى جميع الخيرات { ويأمرون بالمعروف } قال الكلبي: ~~يعني باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - { وينهون عن ~~المنكر } يعني الجبت والطاغوت. ويقال: المنكر: يعني العمل الذي ~~بخلاف الكتاب والسنة، ويقال: ما لا يصلح في العقل. وروي عن سفيان الثوري ~~أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلا يخرج عن الاختلاف (أي ~~اختلاف العلماء) ويقال: إنما أمر بعض الناس بقوله: { ولتكن منكم ~~أمة } ، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر ~~بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم. # ويقال: إن الأمراء يجب عليهم الأمر والنهي باليد والعلماء باللسان ~~والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام: # " إذا رأى أحد منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " # وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " بحسب امرىء إذا رأى منكرا لا ~~يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره ". وروي عن بعض الصحابة أنه ~~قال: إن الرجل إذا رأى منكرا لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: " ~~اللهم إن هذا منكر " فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه. ثم قال تعالى: { ~~وأولئك هم المفلحون } يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر هم الناجون، ويقال: فازوا بالنعيم [ثم قال]: { ولا ~~تكونوا } في الاختلاف { كالذين تفرقوا } وهم اليهود ~~والنصارى { واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت } ~~فافترقت اليهود فرقا [والنصارى فرقا]، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. ثم ~~خوفهم فقال: { وأولئك لهم عذاب عظيم } يعني دائم لا يرفع ~~عنهم أبدا، يعني الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، أي العلامات ~~في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وبيان الطريق. ثم بين منازل الذين ~~تفرقوا والذين لم يتفرقوا فقال تعالى { يوم تبيض وجوه، ~~وتسود وجوه } يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم ويقال إن ~~ذلك عند قوله تعالى: # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] تكون وجوه المؤمنين مبيضة ووجوه (الكفار) مسودة، ms0246 ~~ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه، فرأى في كتابه ~~(حسناته) استبشر، وابيض وجهه، وإذا قرأ المنافق والكافر كتابه فرأى (فيه ~~سيئاته) اسود وجهه. ويقال: إن ذلك عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابيض ~~وجهه وإذا رجحت سيئاته اسود وجهه ويقال إذا كان يوم القيامة، يؤمر كل قوم ~~بأن يجتمعوا إلى معبودهم، فإذا انتهوا إليه حزنوا واسودت وجوههم، فيبقى ~~المؤمنون وأهل الكتاب والمنافقون فيقول الله تعالى للمؤمنين: " من ربكم ~~"؟ فيقولون: ربنا الله - عز وجل - فيقول لهم أتعرفونه إذا رأيتموه؟ ~~فيقولون سبحانه إذا عرفنا عرفناه، فيرونه كما شاء الله، فيخر المؤمنون ~~سجدا لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضا، وبقي المنافقون وأهل ~~الكتاب، لا يقدرون على السجود، فحزنوا واسودت وجوههم، فذلك قوله: { ~~يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }. { فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم } يعني، يقال ~~لهم: أكفرتم؟ ولكن حذف القول، لأن في الكلام دليلا عليه " بعد ~~إيمانكم " يعني يوم الميثاق قالوا: بلى، يعني المرتدين والمنافقين. ~~ويقال: هذا لليهود، وكانوا مؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن ~~يبعث، فلما بعث كفروا به، وقال أبو العالية: هذا للمنافقين خاصة، ~~يقول: أكفرتم في السر بعد (إيمانكم أي) مع إقراركم في العلانية { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وبالقرآن. # [حدثنا الخليل بن أحمد قال]: (حدثنا عباد بن الوليد قال حدثنا محمد بن ~~عباد البنائي) قال: حدثنا حميد بن الخياط، قال: سألت أبا العالية عن هذه ~~الآية: { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ~~إيمنكم } فقال: حدثنا (أبو أمامة) عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " إنهم الخوارج " # وسألته عن قوله: # لا تتخذوا بطانة من دونكم # [آل عمران: 118] قال: إنهم الخوارج. قوله: { وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله } أي في جنة الله. قال ~~الزجاج: يعني في الجنة التي صاروا إليها برحمة الله تعالى، لأن الجنة ~~تنال برحمته، ولا تنال بالجهد، وإن اجتهد المجتهد، لأن نعمة الله ~~تعالى لا يكافئها عمل " ففي رحمة الله " أي في ثواب ms0247 الله { وهم فيها ~~خلدون } أي دائمون. ### || [3.108-109] # { تلك آيات الله } يعني القرآن { نتلوها عليك } يعني ~~ننزل جبريل، فيقرأ عليك { بالحق } أي بالصدق. وقال الزجاج: " تلك ~~آيات الله " أي تلك التي جرى ذكرها، حجج الله وعلاماته نتلوها عليك، أي ~~نعرفك إياها. { وما الله يريد ظلما للعلمين } يعني ~~لا يعذبهم بغير ذنب، { ولله ما في السموات والأرض } قال ~~بعضهم: هذا معطوف على الأول كأنه يقول: { وما الله يريد ظلما ~~للعلمين } لأنهم كلهم عبيده ومخلوقه ومرزوقه فلا يريد ظلمهم. ~~وقال بعضهم: هذا ابتداء كلام، بين لعباده أن جميع ما في السموات وما في ~~الأرض له، حتى يسألوه ويعبدوه، ولا يعبدوا غيره. ثم قال تعالى: { وإلى ~~الله ترجع الأمور } يقول: تصير أمور العباد إلى الله في ~~الآخرة. ### || [3.110-111] # { كنتم خير أمة أخرجت للناس } قال الكلبي: أخبر الله ~~تعالى أن خير الدين عند الله دين أهل الإسلام، ووصفهم بالوفاء، فقال ~~تعالى { كنتم خير أمة } { أخرجت للناس }... يقول: ~~(كنتم) خير أهل دين كان الناس لا يظلمون من خالطهم، منهم أو من غيرهم، ~~فجعلهم الله خير الناس للناس، { تأمرون بالمعروف } ويقال: خير ~~أمة أخرجت للناس (تأمرون) بالمعروف (فتقاتلون) الكفار ليسلموا، فترجع ~~منفعتهم إلى غيرهم، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: # " خير الناس من ينفع الناس " # ويقال: { كنتم خير أمة } يعني " كنتم " عند الله في اللوح ~~المحفوظ، ويقال: كنتم مذ أنتم خير أمة، ويقال: هذا الخطاب لأصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني أنتم خير الأمة. كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " خير القرون أصحابي ثم الذين يلونهم " # ثم وصفهم فقال: { تأمرون بالمعروف } ، أي بالتوحيد والإسلام ~~{ وتنهون عن المنكر } أي عن الشرك { وتؤمنون ~~بالله } أي تصدقون بتوحيد الله، وتثبتون على ذلك. وقال الزجاج: " ~~تؤمنون بالله " معناه تقرون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي الله، ~~لأن من كفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يوحد الله، لأنه يزعم أن ~~الآيات المعجزات التي أتى بها من ذات نفسه. ثم قال تعالى: { ولو ~~ءامن أهل الكتب } وهم اليهود والنصارى ms0248 { لكان خيرا ~~لهم } من الإقامة على دينهم، { منهم المؤمنون } وهم مؤمنو ~~أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه، ومن آمن من اليهود والنصارى { ~~وأكثرهم الفسقون } وهم كعب بن الأشرف وأصحابه، والذين لم ~~يؤمنوا منهم { لن يضروكم إلا أذى } يعني باللسان، بالسب ~~وغيره، وليس لهم قوة القتال { وإن يقتلوكم } يعني إن أعانوكم ~~في القتال فلا منفعة لكم منهم لأنهم { يولوكم الأدبار } ~~وينهزمون { ثم لا ينصرون } يقول: لا يمنعون من الهزيمة فكأنه ~~يحكي ضعفهم عن القتال، يقول: لو كانوا عليكم لا يضرونكم، ولو كانوا معكم ~~لا ينفعونكم، وهذا حالهم إلى (يوم القيامة) وهم اليهود، ليس لهم شوكة ولا ~~قوة القتال في موضع من المواضع، ويقال: { وإن يقتلوكم ~~يولوكم الأدبار } يعني: إن خرجوا إلى قتالكم وأرادوا قتالكم ~~يولون الأدبار، أي ينهزمون منكم. ويقال: يولوكم الأدبار، يعني ~~منهزمين، { ثم لا ينصرون } يقول: لا يمنعون منكم وهو قول ~~الكلبي. ### || [3.112-115] # ثم قال: { ضربت عليهم الذلة } يقول: جعلت عليهم الجزية ~~ويقال: ألزم عليهم القتال { أينما ثقفوا } أي وجدوا { إلا ~~بحبل من الله } أي بعهد من الله { وحبل من الناس } ~~يعني تحت قوم يؤدون إليهم الجزية، فإن لم يكن لهم عهد قتلوا { وباءوا ~~بغضب من الله } يقول: استوجبوا الغضب من الله تعالى. ويقال: ~~رجعوا بغضب من الله { وضربت عليهم المسكنة } يعني جعل ~~عليهم زي الفقر قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنيا وعليه من البؤس ~~(والفقر) والمسكنة. ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف ~~عليهم الجزية { ذلك } الذي يصيبهم { بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيت الله } ومحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن { ~~ويقتلون الأنبياء بغير حق } يعني رضوا بما فعل آباؤهم، ~~فكأنهم قتلوهم { ذلك } الغضب { بما عصوا } الله { وكانوا ~~يعتدون }. بأفعالهم (كلما) ذكر الله عقوبة قوم في كتابه (بين) ~~المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذبهم بغير جرم. ثم ~~بين فضيلة من آمن من أهل الكتاب، على من لم يؤمن فقال تعالى: { ~~ليسوا سواء } قال بعضهم: هذا معطوف على الأول " منهم المؤمنون، ~~وأكثرهم الفاسقون " ليسوا سواء في ms0249 الثواب، فيكون ها هنا وقف. وقال بعضهم: ~~هذا ابتداء ويكون فيه مضمر فكأنه يقول: ليس من آمن منهم، ويتلون آيات ~~الله كمن هو كافر. كقوله تعالى: # أمن هو قانت ءانآء اليل سجدا وقآئما # [الزمر: 9] معناه ليس كالذي هو من أهل النار، فكذلك ها هنا قال: ليس من ~~آمن { من أهل الكتب } كمن لم يؤمن، فبين الذين آمنوا فقال: من ~~أهل الكتاب { أمة قائمة } يعني مهذبة عاملة بكتاب الله ~~تعالى. ويقال: مستقيمة. وروى الزجاج عن الأخفش قال: ذو أمة قائمة، يعني ~~ذو طريقة قائمة { يتلون ءايت الله } يعني القرآن في الصلاة { ~~آنآء الليل } يعني في ساعات الليل { وهم يسجدون } أي يصلون ~~لله. قوله { يؤمنون بالله واليوم الآخر } يعني يقرون ~~بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ويأمرون بالمعروف } ~~أي باتباعه { وينهون عن المنكر } أي عن الشرك { ~~ويسرعون في الخيرت } أي يبادرون إلى الطاعات، والأعمال ~~الصالحة { وأولئك من الصلحين } أي مع الصالحين، وهم ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في الجنة. # { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } يعني لن تجحدوه ~~ولن تنسوه، يقول: تجزون به، وتثابون عليه في الآخرة. وهذا كما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " البر لا يبلى والإثم لا ينسى " # ثم قال تعالى: { والله عليم بالمتقين } أي عليم بثوابهم ~~وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص. { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه } كلاهما ~~بالياء، والباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة. ### || [3.116-117] # ثم قال: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم }. قال ~~مقاتل: ذكر قبل هذا مؤمني أهل الكتاب، ثم ذكر كفار أهل الكتاب. وهو قوله: ~~{ إن الذين كفروا... }. وأما الكلبي، فقال: هذا ابتداء. { ~~إن الذين كفروا } لن تغني عنهم كثرة { أمولهم ولا } ~~كثرة { أولدهم من } عذاب { الله شيئا }. وقال الضحاك: ~~يعني اليهود والنصارى، وجميع الكفار، وكل من خالف دين الإسلام، وذلك أنهم ~~تفاخروا بالأموال والأولاد، وقالوا: نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين. فأخبر الله تعالى: أن أموالهم وأولادهم لا ms0250 تغني عنهم من عذاب ~~الله شيئا. { وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ~~} { مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا }. قال ~~الكلبي: يعني ما ينفقون في غير طاعة الله { كمثل ريح فيها صر ~~} أي برد شديد { أصابت } الريح الباردة { حرث قوم ظلموا ~~أنفسهم } بمنع حق الله تعالى منه. { فأهلكته } يقول: أحرقته ~~فلم ينتفعوا منه بشيء، فكذلك نفقة من أنفق في غير طاعة الله، لا (تنفعه) ~~في الآخرة، كما لا ينفع هذا الزرع في الدنيا. وقال مقاتل: يعني نفقة ~~السفلة على رؤساء اليهود. وقال الضحاك: مثل نفقة الكفار من أموالهم في ~~أعيادهم، وعلى أضيافهم وما يعطي بعضهم بعضا على الضلالة { كمثل ~~ريح } الآية. ثم قال { وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون } يعني أصحاب الزرع هم ظلموا أنفسهم بمنع حق ~~الله تعالى، فكذلك الكفار، أبطلوا ثواب أعمالهم بالشرك بالله تعالى. ### || [3.118-119] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم } يعني خلة وصداقة من غير أهل دينكم. وإنما ~~سميت بطانة لقربها من البدن " من دونكم " أي من دون المؤمنين. نزلت ~~الآية في شأن جماعة من الأنصار كانت بينهم وبين اليهود مواصلة وخاصية ~~وكانوا على ذلك بعد الإسلام، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك. ويقال: كل من ~~كان على خلاف مذهبه ودينه لا ينبغي له أن يحادثه لأنه يقال في المثل: # عن المرء لا تسأل [وأبصر] قرينه # [فإن القرين] بالمقارن يقتدي # وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من [يخالل] " # وروي عن [ابن مسعود] أنه قال: اعتبروا الناس بأخدانهم. ثم بين الله ~~المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال تعالى: { لا يألونكم ~~خبالا } أي: فسادا، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم لا ~~يتركون وإن لم يقاتلوكم في الظاهر، فإنهم لا يتركون جهدهم في المكر ~~والخديعة { ودوا ما عنتم } ما أثمتم بربكم. وقال الزجاج: ~~الخبال في اللغة، ذهاب الشيء، والعنت في الأصل: المشقة. وقال ~~القتبي: الخبال: الفساد، وقال أيضا: { ودوا ما عنتم ms0251 } ، أي ~~ما (أعنتكم)، وهو ما نزل بكم [من مكروه]. ثم قال: { قد بدت ~~البغضاء } أي ظهرت العداوة والتكذيب لكم { من أفوههم وما ~~تخفي صدورهم أكبر } أي والذي في صدورهم من العداوة " أكثر " ~~مما أظهروا بأفواههم. ويقال: { وما تخفي صدورهم أكبر } أي ~~قصدهم قتل محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم كانوا يضمرون ذلك { قد ~~بينا لكم الآيت } يعني: أخبرناكم بما أخفوا، وبما أبدوا ~~بالدلالات والعلامات { إن كنتم تعقلون } وتصدقون. { ها ~~أنتم أولآء } يعني ها أنتم يا هؤلاء { تحبونهم } لمظاهرتكم ~~إياهم، { ولا يحبونكم } لأنهم ليسوا على دينكم، وقال الضحاك: ~~معناه كيف تحبون الكفار، وهم لا يحبونكم { وتؤمنون بالكتب ~~كله } يعني بالتوراة والإنجيل وسائر الكتب، ولا يؤمنون بذلك كله وقد ~~فضلكم الله عليهم بذلك، لأنهم لا يؤمنون إلا بكتابهم، { وإذا ~~لقوكم } يعني المنافقين منهم { قالوا ءامنا } بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - إنه رسول الله { وإذا خلوا } فيما بينهم { ~~عضوا عليكم الأنامل } يعني أطراف الأصابع { من الغيظ ~~} والحنق عليكم، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء قد ظهروا وكثروا. ~~قال الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: { قل } لهم يا محمد { ~~موتوا بغيظكم } يقول: موتوا بحنقكم، على وجه الدعاء والطرد ~~واللعن، لا على وجه الأمر والإيجاب، لأنه لو كان على وجه الإيجاب لماتوا ~~من ساعتهم. كما قال في موضع آخر: # فقال لهم الله موتوا # [البقرة: 243]، فماتوا من ساعتهم [فها هنا لم يرد به الإيجاب]. وقال ~~الضحاك: { قل موتوا بغيظكم } يعني أنكم تخرجون من الدنيا بهذه ~~الحسرة والغيظ، يعني اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر يعني أنكم تموتون ~~بغيظكم ثم قال تعالى: { إن الله عليم بذات الصدور } يعني ~~بما في قلوبكم من العداوة للمؤمنين، إن الله يجازيكم بذلك. ### || [3.120] # [ثم قال للمؤمنين] { إن تمسسكم حسنة } يعني الظفر والغنيمة ~~كما أصابكم يوم بدر { تسؤهم } أي يسوؤهم { وإن تصبكم ~~سيئة } يعني الهزيمة، كما أصابكم يوم أحد، ويقال: الشدة في العيش ~~والقحط. { يفرحوا بها وإن تصبروا } على أذى المنافقين ~~واليهود { وتتقوا } المعصية [والشرك] وهذا قول الكلبي. وقال مقاتل: ms0252 ~~وإن تصبروا على أمر الله وتتقوا معاصيه. { لا يضركم كيدهم ~~شيئا } يقول: لا تضركم عداوتهم شيئا. قرأ ابن كثير ونافع. وأبو عمرو: ~~" لا يضركم " بكسر الضاد وجزم الراء وقرأ الباقون: بضم الضاد ~~وتشديد الراء: ومعناهما قريب في التفسير. يعني لا ضير عليكم من كيدهم. { ~~إن الله بما يعملون محيط } يعني أحاط علمه بأعمالهم، ~~والإحاطة هي إدراك الشيء بكماله. ### || [3.121-122] # { وإذ غدوت من أهلك } يعني خرجت من منزلك بالصباح، ويقال: ~~من عند أهلك، وهي عائشة - رضي الله عنها - { تبوىء المؤمنين } ~~يعني تهيىء للمؤمنين { مقاعد للقتال } يعني مواضع للحرب، قال ~~الكلبي: هو يوم أحد. وقال مقاتل: هو يوم الخندق. { والله سميع } ~~لدعائك { عليم } بأمر الكفار. { إذ همت طائفتان منكم } ~~يعني أرادت وأضمرت طائفتان من المسلمين، وهما حيا بني حارثة وبني سلمة من ~~الأنصار { أن تفشلا } يعني أن تجبنا عن القتال مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وترجعا. { والله وليهما } أي ناصرهما ~~(وحافظهما)، حيث لم يرجعا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من ~~المدينة يوم أحد، ومعه ألف رجل فرجع، عبد الله بن أبي ابن سلول مع ~~ثلاثمائة من المنافقين ومن تابعهم فدخل الفشل في قبيلتين من الأنصار وهم ~~المؤمنون، فأرادوا أن يرجعوا، فحفظ الله تعالى قلوبهم فلم يرجعوا، فذلك ~~قوله تعالى: { والله وليهما } أي حافظ قلوبهما. { وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون }. يعني على المؤمنين أن يتوكلوا ~~على الله، وهذه كلها منن ذكرها الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~ليعرف ويشكر الله تعالى، ويصبر على ما يصيبه من الأذى. ### || [3.123-125] # ثم ذكرهم أمر بدر فقال تعالى: { ولقد نصركم الله ~~ببدر } أي أعانكم الله ببدر { وأنتم أذلة } يعني قليلة. { ~~فاتقوا الله } يعني اعرفوا هذه النعمة، واتقوا الله ولا تعصوه { ~~لعلكم تشكرون } أي لكي تشكروا الله. { إذ تقول ~~للمؤمنين } يعني يوم أحد. { ألن يكفيكم أن يمدكم ~~بثلاثة ءالاف من الملائكة منزلين } من السماء. يقول ~~الله تعالى: { بلى إن تصبروا } مع نبيكم { وتتقوا } معصيته ~~بالهزيمة { ويأتوكم من فورهم هذا } يعني العدو يأتوكم ~~من وجوههم { يمددكم ربكم ms0253 بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين } يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي ~~الخيل، وفي أذنابها، عليهم البياض، قد أرخوا أطراف العمائم بين ~~أكتافهم، فأنزل الله تعالى عليهم يوم بدر ثلاثة آلاف ووعد لهم يوم أحد ~~خمسة آلاف، ولكنهم لما عصوا وتركوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجعوا عنهم، ولو أنهم صبروا لنزلت عليهم. قرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو: ~~" مسومين " بكسر الواو، والباقون بالنصب ومعناهم قريب، وهو إرخاء أطراف ~~العمائم بين الأكتاف وهذا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال يوم بدر # " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت ". ### || [3.126] # ثم قال تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى لكم } يعني: ~~المدد من الملائكة. قال بعضهم: إن الملائكة لم تقاتل، وإنما بعثهم ~~للبشارة، وتسكين قلوب المؤمنين، لأن في قتال الملائكة، لم يكن للمؤمنين ~~فضيلة، وإنما كانت الفضيلة للمؤمنين إذ كانوا هم الذين يقاتلون، ويهزمون ~~الكفار، ولو كان ذلك لأجل الإعانة، لكان ملك واحد يكفيهم، كما فعل بقوم ~~لوط - ألا ترى أنه قال تعالى: # ويقللكم فى أعينهم # [الأنفال: 44] فجعل الفضيلة في قلتهم في أعين الكفار، ونصرتهم بالغلبة، ~~وهذا معنى قوله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~} { ولتطمئن قلوبكم به } يعني (تطمئن) إليه قلوبكم. وقال ~~بعضهم: إن الملائكة كانوا يقاتلون [وكانت] علامة ضربهم في الكفار ظاهرة، ~~لأن كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع حتى إن أبا جهل قال ~~لابن مسعود: أنت ما قتلتني إنما قتلني الذي لم [يصل] سناني إلى سنبك ~~فرسه، وإن اجتهدت. وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة، لتسكن قلوب ~~المؤمنين، ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة، ~~وكل عسكر من المسلمين صبروا واحتسبوا تأتيهم تلك الملائكة ويقاتلون معهم. ~~ويقال: الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون، وثواب ذلك ~~للذين يقاتلون يومئذ، وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى. ~~ثم قال: { وما النصر إلا من عند الله العزيز ~~الحكيم } يعني ليس بكثرة العدد ولا بقلته، ولكن النصر من ms0254 الله تعالى ~~كما قال في آية أخرى: # إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا # [التوبة: 25]. ### || [3.127-128] # ثم قال: { ليقطع طرفا من الذين كفروا } يعني أرسل ~~الملائكة، ونصر المؤمنين لكي يقطع طرفا، أي يستأصل جماعة من الذين كفروا ~~{ أو يكبتهم } قال الكلبي: أي يهزمهم. وقال مقاتل: يعني: يخزيهم ~~كقوله # كبتوا كما كبت الذين من قبلهم # [المجادلة: 5]، ويقال: يقنطهم. { فينقلبوا } إلى مكة { خائبين ~~} لم يصيبوا ظفرا ولا خيرا، وقد قتل منهم [سبعون]، وأسر منهم [سبعون] ~~ويقال: معناه، وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وليقطع ~~طرفا من الذين كفروا ثم قال عز وجل: { ليس لك من الأمر شيء ~~}. روى جويبر عن الضحاك قال: لما كان يوم أحد، كسرت رباعية النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وادمي ساقه، (وقتل) سبعون رجلا من الصحابة فهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو على المشركين، فأنزل الله تعالى: { ~~ليس لك من الأمر شيء } أي: ليس لك من الحكم شيء { أو ~~يتوب عليهم } يعني كفار قريش يهديهم إلى الإسلام. وقال الكلبي: ~~فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلعن الذين انهزموا من الصحابة ~~يوم أحد، فنزل { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم } ، يعني الذين انهزموا { أو يعذبهم فإنهم ~~ظلمون } قال: فلما نزلت هذه الآية كف ولم يلعن المشركين، ولا الذين ~~انهزموا من الصحابة، لعلم الله فيهم: أنهم سيتوبون، وأن المشركين سيؤمن ~~كثير منهم وقد آمن كثير منهم فمنهم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ~~وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم. قال مقاتل: وكان سبعون رجلا من أصحاب ~~الصفة خرجوا إلى الغزو محتسبين، فقتل السبعون جميعا فشق ذلك على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا الله عليهم أربعين يوما في صلاة ~~الغداة فنزل قوله تعالى: { ليس لك من الأمر شيء } ويقال: ~~معنى قوله: أو يتوب عليهم. أو يعذبهم إن لم يكونوا من أهل التوبة. ### || [3.129] # ثم عظم نفسه فقال تعالى: { ولله ما في السموات وما في ~~الأرض } يعني أن جميع الخلق في ملكه، وعبيده. ms0255 { يغفر لمن يشاء ~~} وقال الضحاك: يغفر لمن يشاء الذنب (العظيم) { ويعذب من يشاء } ~~على الذنب الصغير، إذا أصر على ذلك { والله غفور رحيم }. في ~~تأخير العذاب [عنهم حيث] لم يعاقبهم (قبل) توبتهم. ### || [3.130-131] # { يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربا ~~أضعفا مضعفة } قال الزجاج: يعني لا تضاعفوا أموالكم ~~بالربا. وقال القتبي: هو ما يضاعف منها شيء بعد شيء. ويقال: أضعافا ~~مضاعفة عند البيع، (ببيعه) بأكثر من قيمته مضاعفة بعد العقد، أن يزيده في ~~الأجل ويزيد في المال. ويقال: المضاعفة: هي نعت الأضعاف، كما قال تعالى: # حللا طيبا # [البقرة: 168 وغيرها] والطيب: هو نعت الحلال. ثم قال تعالى: { ~~واتقوا الله } في الربا فلا تستحلوه { لعلكم تفلحون } ~~أي لكي تنجوا من العذاب. ثم خوفهم فقال: { واتقوا النار ~~التي أعدت للكفرين } يعني خلقت وهيئت للكافرين. وقالت ~~المعتزلة: من أتى بالكبيرة ومات عليها، فإنه يخلد في النار (كالكافر، ~~فإنه) وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار وقال أكثر أهل العلم ~~والتفسير: هذا الوعيد لمن استحل الربا ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير ~~إلى النار، ويقال: معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا ~~النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان، ويخاف عليه، فمن ذلك ~~عقوق الوالدين. وقد جاء في ذلك أثر: أن رجلا كان عاقا لوالدته يقال له ~~علقمة فقيل له عند الموت قل: لا إله إلا الله، فلم يقدر على ذلك حتى جاءت ~~أمه فرضيت [منه] ومن ذلك قطيعة الرحم، وأكل الربا، والخيانة في الأمانة. ~~وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال: (أكبر) ما في الذنوب (الذي ~~ينزع) الإيمان من العبد عند الموت، ثم قال أبو بكر: (فنظرنا) في الذنوب ~~التي تنزع الإيمان من العبد، فلم نجد شيئا أسرع نزعا للإيمان من ظلم ~~العباد. ### || [3.132-133] # ثم قال تعالى: { وأطيعوا الله والرسول } يعني أطيعوا الله ~~في الفرائض والرسول في السنن، ويقال وأطيعوا الله في تحريم الربا والرسول ~~فيما بلغكم من التحريم { لعلكم ترحمون } ولا تعذبون { ~~وسارعوا إلى مغفرة من ربكم }. قرأ ms0256 نافع ومن تابعه من ~~أهل المدينة، وابن عامر ومن تابعه من أهل الشام " سارعوا " بغير الواو ~~على معنى الابتداء، وقرأ الباقون بالواو على معنى العطف، قال الكلبي: ~~معناه وسارعوا إلى التوبة من الربا. وقال مقاتل: وسارعوا بالأعمال ~~الصالحة التي هي مغفرة لذنوبكم وإلى الجنة. وقال الضحاك: يعني سارعوا إلى ~~(النجاء) الأكبر إلى الصف المقدم [في الصلاة]، وإلى [الصف المقدم في] ~~القتال، ويقال: وسارعوا حتى لا تفوتكم تكبيرة الافتتاح ثم قال تعالى { ~~وجنة عرضها السموات والأرض } ، قال القتبي: أي ~~سعتها، ولم يرد به العرض الذي هو خلاف الطول، والعرب تقول: بلاد عريضة ~~أي واسعة. ويقال: عرض الجنة كعرض سبع سماوات، وكعرض سبع أرضين، لو ~~ألزق بعضها إلى بعض، وإنما ذكر العرض ولم يذكر الطول، لأن طولها لا يعرف ~~ولا يدرك. وقال الكلبي: الجنان (أربع): جنة عدن وهي الدرجة العليا، وجنة ~~المأوى، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، كل جنة منها كعرض السماوات والأرض لو ~~وصل بعضها إلى بعض. ويقال: لم يرد بهذا التقدير، ولكنه أراد بذلك أنها ~~أوسع شيء رأيتموه، وقال السدي: لو كسرت السماوات وصرن خردلا فبكل خردلة ~~لله جنة عرضها كعرض السماوات والأرض. حدثنا محمد بن داود، قال: حدثنا ~~(محمد) بن يحيى قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يعقوب عن أبي حازم ~~قال: أخبرني سهل بن سعد، قال: إن أدنى أهل الجنة، يقال له تمن، ~~فيقول: أعطني كذا، [أعطني كذا] حتى إذا لم يجد شيئا يتمنى لقن، فيقال ~~له تمن، قل كذا (قل كذا)، فيقول: فيقال له (هو) لك (ولك) مثله معه ~~وفي رواية أبي سعيد الخدري: لك هذا وعشرة أمثاله معه. ثم قال تعالى: { ~~أعدت للمتقين } يعني الجنة. ### || [3.134] # ثم نعت المتقين فقال { الذين ينفقون في السراء ~~والضراء } إلخ الآية، [نعت للمتقين، ويقال: إن كل نعت من ذلك هو ~~نعت على حدة، فكأنه يقول: أعدت للمتقين الذين ينفقون من السراء... إلخ]. ~~قوله: { في السراء والضراء } أي ينفقون أموالهم في حال اليسر ~~وفي حال العسر وهذا قول الكلبي وقال مقاتل ms0257 والضحاك: في حال السعة والشدة. ~~ويقال في حال الصحة والمرض، ويقال: " في السراء " يعني في حال الحياة، " ~~وفي الضراء " يعني بعد الموت ويقال: في سراء المسلمين في عرسهم وولائمهم، ~~" والضراء " في نوائبهم ومآتمهم، ويقال: { في السراء } يعني النفقة ~~التي تسركم، مثل النفقة التي على الأولاد والأقربين، { والضراء } ~~النفقة على الأعداء والكاشحين ويقال: { في السراء } يعني: على ~~الأنبياء يضيفهم، ويهدي إليهم { والضراء } يعني على أهل الضر، يتصدق ~~عليهم. { والكظمين الغيظ } يعني (المرددين) الغيظ في أجوافهم ~~وأصله في اللغة: كظم البعير إذا ردد جرته، ومعناه الذين إذا ~~أصابهم الغيظ تجاوزوا ولم يعاقبوا. { والعفين عن الناس } قال ~~الكلبي: يعني عن المملوكين ويقال: " والعافين عن الناس " بعد قدرتهم ~~عليهم، فيعفوا عنهم. { والله يحب المحسنين } من الأحرار ~~والمملوكين، ويقال: الذين يحسنون بعد العفو ويزيدون عليه إحسانا. وروي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه، ثم لم ينفذه، زوجه الله من الحور ~~العين حيث يشاء " # ، وفي خبر آخر: عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: # " ما عفى رجل عن مظلمة قط إلا زاده الله بها عزا ". ### || [3.135-137] # قوله تعالى: { والذين إذا فعلوا فحشة } نزلت في شأن ~~رجل تمار، جاءت امرأة تشتري منه تمرا، فأدخلها في [حانوته] وقبلها ثم ~~ندم على ذلك، فنزلت هذه الآية ويقال نزلت هذه الآية في رجل مس امرأة ~~أخيه في الله وكان أخوه خرج غازيا ثم ندم وتاب. ويقال: إنها نزلت في شأن ~~بهلول النباش تاب عن صنيعه فنزلت هذه الآية، فقال تعالى: { والذين ~~إذا فعلوا فحشة } يعني الزنا { أو ظلموا أنفسهم ~~} يعني القبلة (واللمس). ويقال: الفاحشة كل فعل يستوجب به الحد في ~~الدنيا { أو ظلموا أنفسهم } ما دون ذلك. ويقال: الفاحشة: ما ~~استوجب به النار { أو ظلموا أنفسهم } ما استوجب به الحساب ~~والحبس. وقال إبراهيم النخعي: الظلم ها هنا تفسير الفاحشة، فكأنه يقول: " ~~والذين إذا فعلوا فاحشة وظلموا أنفسهم ". { ذكروا الله } أي خافوا ~~الله، ويقال: ذكروا مقامهم بين يدي الله، ويقال: ذكروا ms0258 عذاب الله { ~~فاستغفروا لذنوبهم } يعني الاستغفار باللسان، والندامة ~~بالقلب. ويقال: الاستغفار باللسان بغير ندامة (القلب) توبة الكذابين. ~~وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار الكثير. ثم ~~قال تعالى: { ومن يغفر الذنوب إلا الله } يعني لا يغفر ~~الذنوب إلا الله. { ولم يصروا على ما فعلوا } يعني لم ~~يقيموا على ما فعلوا من المعصية. { وهم يعلمون } أنها معصية فلا ~~يرجعون. ويقال: في الآية تقديم وتأخير فكأنه يقول: والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله. { أولئك } يعني أهل ~~هذه الصفة { جزآؤهم } يعني ثوابهم { مغفرة من ربهم ~~وجنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها ~~ونعم أجر العملين } يعني نعم ثواب العاملين الجنة، وهو قول ~~الكلبي. وقال مقاتل: نعم ثواب التائبين من الذنوب الجنة { وقد خلت ~~من قبلكم سنن } أي قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج فإذا اتبعوها رضي ~~الله عنهم. قال الكلبي: قد مضت سنة بالهلاك فيمن كان قبلكم، فانظروا: أي ~~فاعتبروا كيف كان جزاء المكذبين. وقال مقاتل: نحو هذا، وقال: يخوف الله ~~هذه الأمة بمثل عذاب الأمم (السابقة). وقال السدي: { فسيروا في ~~الأرض } أي اقرءوا القرآن { فانظروا كيف كان عقبة ~~المكذبين } ، لأن من لم يسافر، فإنه لا يعرف ذلك. وأما من قرأ ~~القرآن فإنه يعرف ذلك. وقال الحسن: اقرأوا القرآن وتدبروا فيه، فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين. ### || [3.138-140] # [ثم قال]: { هذا بيان للناس } يعني القرآن بيان للناس من ~~الضلالة { وهدى } من العمى { وموعظة } من الجهل، ويقال: هدى ~~وموعظة أي كرامة ورحمة { للمتقين } { ولا تهنوا } أي لا ~~تضعفوا، ولا تجبنوا، ويقال: ولا تعجزوا عن عدوكم، { ولا تحزنوا ~~} على ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد { وأنتم الأعلون } ~~يعني الغالبون، يقول: آخر الأمر لكم، ويقال: وأنتم الأعلون في الجنة. ~~ويقال: هذا وعد لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في المستأنف { ~~وأنتم الأعلون } أي الغالبون على الأعداء بعد أحد فلم يخرجوا ~~بعد ذلك في عسكر إلا ظفروا ms0259 في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~كل عسكر كان بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان فيه واحد من ~~الصحابة، كان الظفر لهم، فهذه البلدان كلها إنما فتحت في عهد أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بعد انقراضهم ما فتحت بلدة على الوجه كما ~~كانوا يفتحون في ذلك الوقت. ويقال: في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، ~~لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه لأنه قال لموسى - عليه الصلاة والسلام - # إنك أنت الأعلى # [طه: 68]. وقال لهذه الأمة: { وأنتم الأعلون }. ويقال: ~~اشتقت هذه اللفظة من اسم الله تعالى، لأن اسمه العلي الأعلى، وقال ~~للمؤمنين: { وأنتم الأعلون } { إن كنتم مؤمنين } يعني ~~إن كنتم مصدقين بوعد الله، ويقال: معناه: إذ كنتم مؤمنين. ويقال: في ~~الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم مؤمنين ~~وأنتم الأعلون، ويقال: إن هذا وعد لهم بأنهم غالبون إن ثبتوا وصدقوا، فلو ~~أنهم ثبتوا وصدقوا لغلبوا كما غلبوا يوم بدر، ولكنهم تركوا أمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع الأمر عليهم، وكانت القصة في ذلك أنهم ~~لما غلبوا المشركين يوم بدر وأصابوا منهم ما أصابوا، وسنذكر قصة بدر في ~~سورة الأنفال - إن شاء الله تعالى - فرجع أبو سفيان بن حرب إلى مكة ~~بالعير. وانهزم المشركون وذهب عكرمة بن أبي جهل، ورجال (أصيب) أبناؤهم ~~وآباؤهم وإخوانهم ببدر إلى أبي سفيان بن حرب، وهو رئيس مكة، فكلموه، ~~وأتاه كل من كان له في ذلك العير مال. فقالوا: إن محمدا قد قتل خياركم ~~[فاستعينوا بهذه الأموال] على حربه ففعلوا. قال الضحاك: (فأعانهم) أبو ~~سفيان بمائة راحلة، وما يصلحها من الزاد والسلاح، (فسارت) قريش، وهم ~~ثلاثة آلاف رجل، وعليهم " أبو سفيان بن حرب " ، وكان في القوم " خالد بن ~~الوليد " و " عمرو بن العاص " ، و " عكرمة بن أبي جهل " ، وذلك قبل ~~دخولهم في الإسلام فلم يبق أحد من قريش إلا وخرج أهله معه وولده، يجعلهم ~~خلف ظهره ليقاتل عنهم، فلما سمع (معهم) رسول الله ms0260 - صلى الله عليه وسلم - ~~خطب الناس وقال في خطبته: # " إني رأيت فيما يرى النائم كأن في سيفي ثلمة فأولتها مصيبة في نفسي، ~~ورأيت بقورا قد ذبحت فأولتها قتلى في أصحابي، ورأيت كأني أدخلت يدي في ~~درع حصينة فأولتها المدينة، فأشيروا علي " # ، وكره الخروج إليهم، فكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بأن لا يخرج إليهم، ولكنه كان منافقا، فقال يا ~~رسول الله، لا تخرج إليهم فإنا ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا ~~دخل علينا إلا أصبنا منه فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة ~~[وغيرهم ممن فاتته بدر]: أخرج لهم يا رسول الله، لكي لا يرى أعداء الله ~~أنا قد جبنا (عنهم) (وضعفنا عن قتالهم)، فلم يزالوا به حتى دخل ولبس ~~لأمته، ثم خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وقد خرج الناس، ~~[فقالوا: استكرهنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم] فقالوا: يا رسول الله ~~قد استكرهناك، وما كان لنا ذلك فإن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: # " ما ينبغي للنبي أن يضع سلاحه إذا لبسه حتى يقاتل " # فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار إلى أحد فانخذل عبد الله ~~بن أبي بن سلول، قال في رواية الكلبي: فرجع معه ثلاثمائة من الناس، وبقي ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو سبعمائة رجل وقال في رواية ~~الضحاك: فانخذل في ستمائة رجل من اليهود، وبقي مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ألف رجل من المؤمنين الطيبين، ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى نزل بالشعب من أحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرماة ~~وقال لهم: # " لا تبرحوا من هذا الموضع واثبتوا [ها هنا] إن كان الأمر علينا أو ~~لنا " # وقال في رواية الكلبي: كان الرماة خمسين رجلا، وقال في رواية الضحاك ~~كانوا سبعين رجلا، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظهره إلى أحد، ~~ودنا المشركون وأخذوا في الحرب ms0261 فقامت هند امرأة أبي سفيان وصواحبتها حين ~~حميت الحرب يضربن بالدفوف خلف قريش ويقلن: # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # إن تقبلوا نعانق # أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # فقاتل أبو دجانة في نفر من المسلمين قتالا شديدا، وقاتل علي بن أبي ~~طالب حتى (انكسر) سيفه، وقاتل سعد بن أبي وقاص، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول لسعد: # " إرم فداك أبي وأمي " # فقتلوا جماعة من المشركين، وصدقهم الله وعده، وأنزل نصره، حتى كانت ~~هزيمة القوم لا شك، فكشفوهم عن عسكرهم قال الزبير: رأيت هندا وصواحبتها ~~هوارب، فلما نظر الرماة إلى القوم وانهزموا أقبلوا على النهب، فقال لهم ~~عبد الله بن جبير، لا تبرحوا عن هذا الموضع، فإن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قد عهد إليكم، فلم يلتفتوا إلى قوله وظنوا أن ~~المشركين قد انهزموا، فبقي عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر، فخرج خالد بن ~~الوليد مع خمسين ومائتي فارس من قبل الشعب، فقتلوا من بقي من الرماة ~~ودخلوا خلف أقفية المسلمين، وتفرق المسلمون، ورجع المشركون وحملوا حملة ~~واحدة فصار المسلمون ثلاثة أنواع: بعضهم جريح، وبعضهم قتيل، وبعضهم ~~منهزم، وكان مصعب بن عمير يذب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى قتل دونه، ثم قاد زياد بن (السكن) فقاتل بين يدي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى قتل، وخلص الحرب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقذف بالحجارة حتى وقع بشفتيه وأصيبت رباعيته، وكلمت شفته، ~~وأدمي ساقه فقال سفيان بن عيينة: لقد أصيب مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - [نحو] ثلاثين رجلا كلهم جثوا بين يديه، أو قال كلهم يتقدم بين ~~يديه ثم يقول: وجهي لوجهك الوفاء ونفسي لنفسك الفداء وعليك سلام الله غير ~~مودع. فرجع الذي قتل مصعب بن عمير، فظن أنه (قتل) رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال للمشركين: قتلت محمدا، فصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد ~~قتل. ويقال: كان ذلك إبليس - لعنه الله - فولى المسلمون هاربين ~~متحيرين، وجاء إبليس لعنه ms0262 الله ونادى بأعلى صوته في المدينة ألا إن ~~محمدا قد قتل وأخذت النسوة في البكاء في البيوت، فأقبل أنس بن ~~النضر، عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال ~~من المهاجرين والأنصار، فقال: ما يجلسكم، قالوا: قتل محمد فقال: ما ~~تصنعون بالحياة بعده، موتوا كراما على ما مات عليه نبيكم، ثم أقبل نحو ~~العدو فقاتل حتى قتل، قال كعب بن مالك، فأول من كنت عرفت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من المسلمين عرفت عينيه من تحت المغفر تزهران، فناديت ~~بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأشار إلي (أن) اسكت، وقال أنس بن مالك: قد شج وجه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول: # " كيف يفلح قوم خضبوا وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالدم " # ، وهو يدعوهم إلى ربهم. ويقال: إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا: يا رسول ~~الله لو دعوت الله على هؤلاء الذين صنعوا بك، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " " لم أبعث طعانا ولا لعانا، ولكن بعثت داعيا ورحمة، ~~اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " ، فجاءه أبي بن خلف الجمحي، فقال: ~~يا محمد لا نجوت إن نجوت مني فهم المسلمون بقتله، فقال لهم: دعوه حتى ~~دنا منه، فتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحربة من الحارث بن ~~الصمة ورماه بها، فخدشه في عنقه خدشا غير (كبير) وقد كان ذلك لقي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، وقال: عندي فرس أعلفه كل يوم فرق ذرة ~~أقتلك عليه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بل أنا أقتلك - ~~إن شاء الله " # فلما خدشه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عنقه رجع إلى قريش وهو ~~يقول: قتلني محمد فقالوا له: ما بك من طعن، فقال: بلى لقد قال لي: أنا ~~أقتلك، والله لو (بصق) علي بعد تلك المقالة لقتلني، فمات قبل أن يصل إلى ~~مكة ms0263 في (طريقها) # " وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا عند أحد وقد اجتمع عليه ~~بعض أصحابه، فعلت عليه فرقة من قريش في الجبل فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - " لا ينبغي لهم أن يعلونا " # فأقبل عمر ورهط من المهاجرين فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل. وقد كان " ~~جبير بن مطعم " قال لمملوك له يقال له " وحشي ": إن أنت قتلت محمدا جعلت ~~لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلت لك مائة ناقة، كلها ~~سود الحدقة، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر. فقال وحشي: أما محمد فعليه ~~حافظ من الله تعالى لا يخلص إليه أحد، وأما علي فما برز إليه رجل إلا ~~قتله، وأما حمزة فرجل شجاع فعسى أن أصادفه في غرته فاقتله مكانه، ~~وكانت هند كلما مر بها وحشي أو مرت به هند قالت له: إيها أبا دسمة ~~إشف واستشف، فكمن وحشي خلف صخرة وكان حمزة حمل على قوم من المشركين، فلما ~~رجع من حملته مر بوحشي وهو خلف الصخرة فزرقه (بمزراق) فأصابه فسقط فذهبت ~~هند ابنة عتبة والنسوة [اللاتي] معها، يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان ~~والأنوف (وشقت) هند بطن حمزة وأخذت كبده ومضغته، ثم صعدت هند على صخرة ~~وهي تنادي بأعلى صوتها نحن جزيناكم بيوم بدر، وأقبل أبو سفيان ~~وهو (يصرخ) بأعلى صوته: أعل هبل يوما بيوم بدر فقال النبي - عليه ~~السلام - لعمر: # " أجبه يا عمر " # ، فأجابه عمر: الله أعلى وأجل لا (سواه) قتلانا في الجنة وقتلاكم في ~~النار. ثم ركب النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلته وظاهر بين (درعيه) ~~وأخرج يده من جيب الدرع، وسل سيفه " ذا الفقار " وباشر (القتال) بنفسه ~~وحمل على المشركين والتأم إليه المسلمون فأعانوه، وهزم الله جمع ~~المشركين. " وقتل يومئذ من المسلمين سبعون رجلا، أربعة نفر من ~~المهاجرين وستة وستون من الأنصار، وقتل يومئذ من المشركين تسعة عشر رجلا ~~أو أكثر وكثرت القروح في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فعزاهم الله تعالى في ذلك بقوله تعالى: { إن يمسسكم قرح ms0264 } ~~قرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي وحمزة: " قرح " بضم القاف ~~والباقون بالنصب. قال الفراء: القرح والقرح واحد، ويقال: القرح ~~بالنصب مصدر، والقرح بالضم اسم ويقال القرح بالنصب: الجراحة، وبالضم: ~~ألم الجراحة، يعني إن أصابكم الجراحات يوم أحد، { فقد مس القوم ~~قرح مثله } يقول: قد أصاب المشركين جراحات مثلها يوم بدر { ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } يقول: يوم لكم ويوم ~~عليكم، وهذا كما يقال في الأمثال: الأيام دول، والحرب سجال، ثم بين ~~المعنى الذي تداول مرة لهم ومرة عليهم فقال تعالى: { وليعلم ~~الله الذين ءامنوا } يعني يتبين المؤمن من المنافق أنهم يشكون ~~في دينهم أم لا، لأن المؤمن المخلص يتبين حاله عند الشدة والبلايا. وهذا ~~كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: إن الذهب والفضة [يختبران] ~~بالنار، والمؤمن يختبر بالبلايا والاختبار من الله تعالى إظهار ما علم ~~منه من قبل فذلك قوله تعالى: { وليعلم الله الذين ءامنوا ~~} يعني ليبين لهم الله الذي يعلم إيمانه لأنه يعطي الثواب بما يظهر منه ~~لا بما يعلم منه، وكذلك العقوبة. ألا ترى أنه علم من إبليس المعصية ~~في [المستقبل] ثم لم يلعنه ما لم يظهر منه. ثم قال تعالى: { ويتخذ ~~منكم شهداء } يعني لكي يتخذ منكم شهداء وإنما كان لأجل ذلك، لا ~~لأجل حب الكفار { والله لا يحب الظلمين } أي الجاحدين. ### || [3.141] # { وليمحص الله الذين ءامنوا } أي: لكي يظهر المؤمنين ~~ويكفر ذنوبهم. والتمحيص في اللغة: الاختبار (والتطهير)، والله بين أنه ~~يداول الأيام بين الناس، لكي يظهر المؤمن من المنافق، ويكرم بعض ~~المؤمنين بالشهادة لينالوا ثواب الشهداء، وقد ذكر ثوابهم بعد هذا في هذه ~~الصورة، وليكفر ذنوبهم { ويمحق الكفرين } أي يهلكهم ~~ويستأصلهم لأنهم يجترؤون فيخرجون مرة أخرى فيستأصلهم. { أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة } قال مقاتل: بين للمؤمنين أنه نازل بهم ~~الشدة والبلاء في ذات الله، لكي يصبروا ويحتسبوا. فقال: { أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة } يقول: أظننتم أن تدخلوا الجنة ~~بغير شيء، قبل أن يصيبكم من الشدة في ذات الله، فذلك قوله تعالى: { ~~ولما يعلم ms0265 الله الذين جهدوا منكم }. قال مقاتل: ~~أي ولما يرى الله الذين جاهدوا منكم. ويقال ولما يظهر جهاد الذين جاهدوا ~~منكم. { ويعلم الصبرين } الذين يصبرون عند البلاء. ويقال: ~~ويعلم الكارين أي غير الفارين عن القتال. ### || [3.142-143] # { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } ~~وذلك أنه لما وصف الله لهم ما نزل بشهداء بدر من الكرامة فقالوا: ليتنا ~~نجد قتالا فنقتل فيه لكي نصيب مثل ما أصابوا فلما لقوا القتال يوم أحد ~~هربوا، فعاقبهم الله تعالى بقوله: ولقد كنتم تمنون الموت أي القتال ~~والشهادة من قبل أن تلقوه لأن القتال سبب الموت { فقد رأيتموه } ~~يوم أحد { وأنتم تنظرون } إلى السيوف فيها الموت. وقال الزجاج: ~~معناه ولقد كنتم تمنون (القتال) [لأن القتال سبب الموت فقد رأيتموه يعني] ~~وأنتم بصراء، كقولك: رأيت كذا وكذا، ولم يكن في عينيك علة ويقال: وأنت ~~تنظرون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال القتبي: فقد رأيتموه، يعني ~~أسبابه، وهو السيف -. ### || [3.144] # ثم قال تعالى: { وما محمد إلا رسول [قد خلت من ~~قبله الرسل] }. لأنهم هربوا حيث سمعوا بقتله فقال تعالى: { وما ~~محمد إلا رسول } كسائر الرسل، { أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم } ، أي رجعتم إلى دينكم الشرك، { ~~ومن ينقلب على عقبيه } أي يرجع إلى الشرك بعد الإسلام { ~~فلن يضر الله شيئا } يقول: لن ينتقص من ملكه وسلطانه شيئا، ~~وإنما يضر نفسه { وسيجزي الله الشكرين } يعني الموحدين ~~الله تعالى في الآخرة الجنة، ويقال: وسيجزي الله المؤمنين المجاهدين ~~الجنة. ### || [3.145-147] # { وما كان لنفس أن تموت } قبل أجلها { إلا بإذن ~~الله } { كتبا مؤجلا } يقول: في موتها كتابا مؤجلا في ~~اللوح، فلا يسبق أجله. وقال الزجاج: قوله كتابا مؤجلا، أي كتب كتابا ~~ذا أجل، وهو الوقت المعلوم، وذكر الكتاب على معنى التأكيد [كقوله: # كتب الله عليكم # [النساء: 24] أي أن المحرمات مفروضة عليكم على معنى التأكيد]. وفي هذه ~~الآية إبطال قول المعتزلة: لأنهم يقولون: إن من قتل فإنما يهلك قبل أجله ~~وكل ما ذبح من الحيوان كان هالكا قبل أجله لأنه ms0266 يجب على القاتل الضمان ~~والدية، وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها. { ~~ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها }. قال الكلبي: يعني ~~يرد ثواب الدنيا بالعمل الذي افترض الله عليه " نؤته منها " يعني ~~أعطاه الله ما يحب، وما له في الآخرة من نصيب { ومن يرد ثواب ~~الآخرة نؤته منها وسنجزي الشكرين } في الآخرة. ومن ~~الناس من قال: إن الرياء يدخل في النوافل، ولا يدخل في الفرائض لأن ~~الفرائض واجبة على جميع الناس. وقال بعضهم: يدخل في الفرائض ولا يدخل في ~~النوافل، لأنه لو لم يأت بها لا يؤاخذ بها، فإذا أتى بهذا القدر ليس عليه ~~غير ذلك. وقال بعضهم: كلاهما سواء، فالرياء [يدخل] في الفرائض والنوافل ~~جميعا، وهذا القول أصح، لقوله تعالى: # وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس # [النساء: 142]. ثم إن الله تعالى أخبرهم بما لقيت الأنبياء ~~والمؤمنون قبلهم (فعزاهم) ليصبروا فقال تعالى سبحانه: { وكأين من ~~نبي } قرأ ابن كثير { وكأين } بعد الألف والهمزة، وقرأ الباقون بغير ~~مد ومعناهما واحد، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " وكأين من نبي " " ~~قتل " بضم القاف وكسر التاء، وقرأ الباقون: { قاتل } فمن قرأ " قاتل " ~~فمعناه كم من نبي قاتل معه جموع كثيرة، ومن قرأ " قتل " معناه وكم من نبي ~~قتل { معه } جماعة كثيرة، وقوله: { ربيون }. قال الكلبي: الربية ~~الواحدة من عشرة آلاف. وقال الزجاج: ها هنا قراءتان " ربيون " بضم ~~الراء، [وربيون] بكسرها، فأما بالضم فهي الجماعة الكثيرة، عشرة آلاف، ~~وأما الربيون بالكسر: العلماء الأتقياء الصبراء على ما يصيبهم في ~~الله تعالى. ويقال: " وكأين من نبي قتل ". يعني: كم من نبي قتل وكان معه ~~ربيون كثير { فما وهنوا } بعد قتله عن القتال، وما عجزوا بما ~~نزل بهم من قتل أنبيائهم وأنفسهم { لما أصابهم في سبيل ~~الله وما ضعفوا } لعدوهم ويقال: وما جبنوا [ثم قال]: { ~~وما استكانوا } يقول: وما خضعوا لعدوهم، ولكنهم صبروا { والله ~~يحب الصبرين } فكأنه يقول للمؤمنين فهلا قاتلتم مع نبيكم - ~~صلى الله عليه وسلم - وبعد قتله ms0267 وإن قتل كما قاتلت القرون الماضية من ~~قبلكم إذا أصيبت أنبياؤهم. # ثم أخبر عن قول الذين قاتلوا مع النبيين، فقال تعالى: { وما كان ~~قولهم } عند قتل أنبيائهم { إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا } أي هي دون الكبائر { وإسرافنا في أمرنا } ~~أي العظائم من الذنوب { وثبت أقدامنا } عند القتال { ~~وانصرنا على القوم الكفرين } معناه، هلا قلتم كما ~~قالوا، وقاتلتم كما قاتلوا. وقرأ بعضهم: " قولهم " بالضم والمعنى في ذلك ~~أنه جعل القول اسم كان، فيكون معناه: وما كان قولهم إلا قولهم ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا. ومن قرأ بالنصب جعل القول خبر كان، وجعل الإسم ما بعده. ### || [3.148] # قوله تعالى: { فآتهم الله ثواب الدنيا } أي أعطاهم ~~الله ثواب الدنيا بالغنيمة والنصرة { وحسن ثواب الآخرة } أي ~~الجنة { والله يحب المحسنين } [المؤمنين المجاهدين]. ### || [3.149-150] # { يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا ~~} يعني المنافقين { يردوكم على أعقبكم } كفارا بعد ~~إيمانكم { فتنقلبوا خسرين } إلى دينكم الأول. { بل الله ~~مولكم } أي: أطيعوا الله فيما يأمركم هو مولاكم يعني وليكم ~~وناصركم { وهو خير النصرين } أي المانعين من كفار مكة. ### || [3.151] # { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } قرأ أبو عمرو ~~وابن كثير، ونافع وعاصم وحمزة: " الرعب " بتسكين العين، وقرأ ابن عامر ~~والكسائي " الرعب " بالضم، وأصله الضم إلا أنه إذا اجتمع ضمتان حذفت ~~إحداهما عند من قرأ بالجزم. ومعنى الآية: سنلقي الهيبة في قلوب المشركين، ~~وذلك بعد هزيمة المؤمنين قذف الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فانهزموا إلى مكة. ويقال حين صعد " خالد بن الوليد " الجبل، قصد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع ~~" خالد " منهزما. ويقال: عني به يوم الأحزاب ألقي [في قلوبهم] الرعب ~~فانهزموا: { بما أشركوا بالله } يعني بأنهم أشركوا بالله { ~~ما لم ينزل به سلطنا } يعني كتابا فيه عذر وحجة لهم ~~بالشرك { ومأواهم النار } أي مصيرهم إلى النار في الآخرة، { ~~وبئس مثوى الظلمين } يعني أن مثوى المشركين النار. ### || [3.152-154] # { ولقد صدقكم الله وعده } وذلك أنهم لما أخذوا في الحرب ms0268 ~~انهزم المشركون فلما أخذ بعض المسلمين في النهب والغارة رجع الأمر ~~عليهم، وانهزم المسلمون، فذلك قوله: { ولقد صدقكم الله ~~وعده }. { إذ تحسونهم بإذنه } يقول: تقتلونهم بأمره. ~~وقال القتبي: تحسونهم: يعني تستأصلونهم بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا ~~قتله البرد { حتى إذا فشلتم وتنزعتم في الأمر } ~~يعني، جبنتم من عدوكم واختلفتم في الأمر { وعصيتم } أمر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - { من بعد ما أراكم } يعني أراكم ~~الله [ { ما تحبون } يعني] من النصر على عدوكم وهزيمة الكفار ~~والغنيمة. [ثم قال]: { منكم من يريد الدنيا } أي يطلب الغنيمة ~~{ ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين ثبتوا عند المشركين [حتى ~~قتلوا]. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا لا نعرف أن أحدا منا ~~يريد الدنيا حتى نزلت " هذه الآية، فعلمنا أن فينا من يريد الدنيا ". ~~{ ثم صرفكم عنهم } بالهزيمة من بعد أن أظفركم عليهم { ~~ليبتليكم } بمعصية [الرسول] بالقتل والهزيمة. { ولقد عفا } ~~الله { عنكم } ولم يعاقبكم عند ذلك فلم تقتلوا جميعا { والله ~~ذو فضل } في [عفوه] وإنعامه { على المؤمنين } [بالعفو ~~والإنعام]: { إذ تصعدون } يعني إلى الجبل هاربين حيث صعدوا الجبل ~~منهزمين من العدو، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم # " يا معشر المسلمين، أنا رسول الله " # ، فلم يلتفت إليه أحد، حتى أتوا على الجبل [فذلك قوله تعالى: { إذ ~~تصعدون } يعني الجبل] وهذا قول الكلبي. وقال الضحاك: إذ تصعدون في ~~الوادي منهزمين. وقال القتبي: يعني تبعدون في الهزيمة، يقال: أصعد في ~~الأرض إذا (أمعن) في الهزيمة. وقرأ الحسن: " تصعدون " بنصب التاء، أي ~~تصعدون الجبل وقرأ العامة بالضم. { ولا تلوون على أحد } ~~يقول ولا تقيمون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقال: لا يقيم ~~بعضكم على بعض { والرسول يدعوكم في أخراكم } يقول: من ~~خلفكم: { فأثبكم غما بغم } يقول: جعل ثوابكم غما على ~~أثر الغم ويقال: جزاكم غما على أثر الغم، ويقال: غما متصلا بالغم فأما ~~الغم الأول: فإشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين، وهم في ذلك الجبل، ~~قاله الكلبي: وقال مقاتل: الغم الأول ما فاتهم ms0269 من الفتح والغنيمة ~~فاجتمعوا، وكانوا يذكرون فيما بينهم ما أصابهم في ذلك اليوم، والغم ~~الثاني: إذ صعد " خالد بن الوليد " فلما عاينوه، أذعرهم ذلك أي خوفهم ~~فأنساهم ما كانوا فيه من الحزن فذلك قوله تعالى: { لكيلا تحزنوا ~~على ما فاتكم } من الفتح والغنيمة { ولا ما أصبكم } من ~~القتل والهزيمة. ويقال: الغم الأول: الجرح والقتل، والغم الثاني: أنهم ~~سمعوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتل، فأنساهم الغم الأول. # قال: { والله خبير بما تعملون } يعني لا يخفى عليه شيء من ~~أعمالكم فيجازيكم بها. { ثم أنزل عليكم من بعد الغم ~~أمنة نعاسا } الأمنة في اللغة الأمن، قال الكلبي: إذا أمن ~~القوم نعسوا. وقال الضحاك: النعاس عند القتال أمنة من الله تعالى، ~~ويقال: الذي يصيبه الغم والهزيمة: لا يكون له شيء أحسن من النعاس فيذهب ~~عنه همه، فأصاب القوم النعاس فذهب عنهم الغم وأمنوا. قوله تعالى: { ~~يغشى طائفة منكم } يعني النعاس يغشى ويعلو طائفة منكم من ~~كان من أهل الصدق واليقين قرأ حمزة والكسائي " تغشى " بالتاء، وقرأ ~~الباقون بالياء، فمن قرأ بالتاء انصرف إلى قوله " أمنة " ومن قرأ بالياء ~~يكون نعتا للنعاس. ثم قال: { وطائفة قد أهمتهم ~~أنفسهم } يعني أهل النفاق، وقال الكلبي: هو " معتب بن قشير " ~~وأصحابه، { يظنون بالله غير الحق } يعني أنهم يظنون أن ~~لن ينصر الله محمدا وأصحابه { ظن الجهلية } ، قال الكلبي: ~~يعني كظنهم في الجاهلية. وقال مقاتل: " ظن الجاهلية " كظن الجهال ~~المشركين مثل أبي سفيان وأصحابه. { يقولون: هل لنا من الأمر ~~من شيء } يعني: النصرة والفتح { قل إن الأمر كله لله ~~} يعني النصرة والغنيمة كله من الله { يخفون في أنفسهم } أي ~~يسرون في أنفسهم { ما لا يبدون لك } أي يقولون ما لا يظهرون ~~لك { يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~} أي يقولون: لو كان ديننا حقا ما قتلنا { ها هنا } قال الكلبي: وفي ~~الآية تقديم وتأخير ومعناه يقولون: هل لنا من الأمر من شيء يخفون في ~~أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا ms0270 من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا ~~قل: إن الأمر كله لله. [وقال الضحاك: { قل: إن الأمر كله } ] ~~يعني القدر خيره وشره من الله. قرأ أبو عمرو: " قل: إن الأمر كله ~~لله " بضم اللام، والباقون بالنصب فمن (قرأ بالرفع) جعله اسما مستأنفا ~~ومن نصب جعله نعتا للأمر. ثم قال تعالى: { قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز } يقول: لظهر ويقال: لخرج الذين { كتب ~~عليهم القتل } أي قضي عليهم القتل { إلى مضاجعهم ~~} أي إلى مواضع مصارعهم، معناه أنهم وإن لم يخرجوا إلى (العدو)، وقد قضى ~~الله عليهم بالقتل لخرجوا إلى مواضع قتلهم لا محالة، حتى ينفذ فيهم ~~القضاء. قال تعالى: { وليبتلى الله ما في صدوركم } يعني ~~ليختبر ويظهر ما في قلوبكم { وليمحص } يعني ليظهر ويكفر { ما في ~~قلوبكم } من الذنوب { والله عليم بذات الصدور } يعني: ~~بما في القلوب من الخير والشر. ### || [3.155-159] # ثم نزل في المنهزمين قوله تعالى: { إن الذين تولوا منكم ~~} أي الذين انهزموا منكم { يوم التقى الجمعان } يعني جمع ~~المسلمين وجمع المشركين { إنما استزلهم الشيطن } قال ~~القتبي: " استزلهم " أي طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت فلانا، أي طلبت ~~عجلته، واستعملته، أي طلبت عمله. ويقال: زين لهم الشيطان { ببعض ~~ما كسبوا } يعني: الذي أصابهم كان بأعمالهم، كما قال في آية أخرى: # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. { ولقد عفا الله عنهم } حيث لم يستأصلهم { ~~إن الله غفور } لذنوبهم { حليم } إذ لم (يعجل عليهم ~~بالعقوبة). قال: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا ~~قتيبة، قال: حدثنا أبو بكر # " عن غيلان بن جرير، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، ~~فقال له عبد الرحمن: أتسبني وقد شهدت بدرا، ولم تشهدها، وبايعت تحت ~~الشجرة ولم تبايع، وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع، أي يوم أحد فرد ~~عليه عثمان وقال: أما قولك: إنك شهدت بدرا ولم أشهدها، فإني لم أغب عن ~~شيء شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن ابنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم ms0271 - كانت [مريضة] فكنت معها أمرضها وضرب لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بسهم في سهام المسلمين، وأما بيعة الشجرة، فبعثني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردا على المشركين بمكة، فضرب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يمينه على شماله قال: " هذه لعثمان " # فيمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خير من يميني وشمالي. وأما ~~يوم الجمع فقال الله تعالى: { إن الذين تولوا منكم ~~يوم التقى الجمعان، إنما استزلهم الشيطن ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم } فكنت فيمن عفى ~~الله عنهم، فخصم " عثمان " " عبد الرحمن بن عوف " ، ثم قال تعالى: { يا ~~أيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا } ~~يعني: منافقي أهل الكتاب، { وقالوا لإخونهم } من المنافقين { ~~إذا ضربوا في الأرض } يعني: إذا ساروا في الأرض تجارا مسافرين ~~فماتوا في سفرهم { أو كانوا غزى } يعني خرجوا في الغزو فقتلوا. ~~قال القتبي: غزا جمع غاز، مثل صائم وصوم، ونائم ونوم { لو ~~كانوا عندنا } بالمدينة { ما ماتوا } في سفرهم { وما ~~قتلوا } في الغزو { ليجعل الله ذلك } الظن { حسرة في ~~قلوبهم } ، ويقال: جعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر ~~نفاقهم، وقال الضحاك: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب المنافقين، لأن أرواح ~~الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في أشجار الجنان حيث شاءت، وأرواح قتلى ~~المنافقين في حواصل طير سود تسرح في الجحيم ثم قال تعالى: { والله ~~يحيي ويميت } أي يحيي في السفر ويميت في الحضر، ويحيي في الحضر ~~ويميت في السفر، ويقال: والله يحيي قلوب المؤمنين، ويميت قلوب الكافرين، ~~يحيي قلوب المؤمنين بالنصرة والخروج إلى الغزو، ويميت قلوب المنافقين ~~بالتخلف (وظن السوء) وقال الضحاك: يعني يحيى من أحيى من نطفة بقدرته، ~~ويميت من أمات بعزته، وسلطانه. # { والله بما تعملون بصير } قرأ عبد الله بن كثير وحمزة ~~والكسائي " يعملون " بالياء على معنى المغايبة، وقرأ الباقون بالتاء، ~~ومعناه: قل لهم: والله بما تعملون بصير. { ولئن قتلتم في ~~سبيل الله أو متم } يعني إن متم في إقامتكم، أو قتلتم في ~~سبيل الله ms0272 وأنتم مؤمنون، { لمغفرة من الله } لذنوبكم { ~~ورحمة } يعني [ونعمة] وجنة { خير مما تجمعون } [في ~~الدنيا من الأموال] يا معشر المنافقين [قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ~~وعاصم " متم " بضم الميم في جميع القرآن، والباقون بكسرها وهما لغتان ~~ومعناهما واحد ثم قال] { ولئن متم أو قتلتم } في الغزو { ~~لإلى الله تحشرون } بعد الموت. قرأ عاصم في رواية حفص " خير مما ~~يجمعون " بالياء، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة. { فبما ~~رحمة من الله لنت لهم } يقول: فبرحمة من الله و " ما " ~~صلة، فالله: ذكر منه أن جعل رسوله رحيما رؤوفا بالمؤمنين حيث قال ~~فبرحمة من الله { لنت لهم } يا محمد أني لينت لهم جانبك، وكنت ~~رؤوفا رحيما بالمؤمنين { ولو كنت فظا غليظ القلب } أي ~~خشنا في القول غليظ القول { لانفضوا من حولك } أي لتفرقوا من ~~عندك، ولكن الله جعلك سهلا سمحا طلقا لينا لطيفا بارا رحيما ~~وهكذا، قال [الضحاك: ثم قال]: { فاعف عنهم } أي فتجاوز عنهم ولا ~~تعاقبهم بما يكون منهم من الزلة والذنب، { واستغفر لهم } من ذلك ~~الذنب { وشاورهم في الأمر } ، يقول: إذا أردت أن تعمل عملا ~~فاعمل بتدبيرهم ومشاورتهم ويقال: ناظرهم في الأمر، ويقال: ناظرهم عند ~~القتال، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: وشاورهم في بعض ~~الأمر، لأنه كان يشاورهم فيما لم ينزل عليه الوحي فيه، وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عاقلا ذا رأي، ولكنه أمر بالمشورة ليقتدي به غيره، ~~ولأن في المشاورة توددا لأصحابه لأنه إذا شاورهم تودد قلوبهم، ~~وفي المشورة أيضا ترك الملامة لأنه يقال: فعلت كذا بمشاورتكم، وروى سهل ~~بن سعيد الساعدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما شقي عبد قط بمشورة، وما سعد عبد باستغناء رأي " # ثم قال تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله } أي لا ~~تتوكل على المشورة، ولكن توكل على الله بعد المشورة، لا على الأصحاب { ~~إن الله يحب المتوكلين } " الذين يتوكلون على الله ". ### || [3.160] # ثم أخبر عز وجل: أن النصرة من عند الله كلها ms0273 فقال تعالى: { إن ~~ينصركم الله } [يقول: إن يمنعكم الله]. { فلا غالب لكم } ~~من العدو [يعني يوم] بدر، { وإن يخذلكم } يعني يوم أحد { فمن ~~ذا الذى ينصركم من بعده } أي: يمنعكم من عدوكم { وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون } أي: فليتق الواثقون في النصرة، ~~ويقال: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله، لأنهم عرفوا أنه لا ناصر لهم ~~غيره. ### || [3.161-163] # قوله تعالى: { وما كان لنبي أن يغل } قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وعاصم " يغل " بنصب الياء، وقرأ الباقون [ " يغل " بضم الياء] ~~ونصب الغين. فمن قرأ بالنصب معناه: وما كان لنبي أن يخون في الغنيمة، ومن ~~قرأ بالضم، فمعناه: لا ينسب إلى الغلول وذلك أنه لما كان يوم أحد أخذوا ~~في النهب والغارة، وتركوا القتال وخافوا أن تفوتهم الغنيمة وظنوا أن من ~~أخذ شيئا يكون له، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقسم لهم، فنزلت ~~هذه الآية: { وما كان لنبي أن يغل } ، يقول: ما جاز لنبي ~~أن يخون في الغنيمة، وما جاز لأصحابه أن ينسبوه إلى الخيانة، { ومن ~~يغلل } (أي يخن) في الغنيمة { يأت بما غل يوم ~~القيمة } يعني يحمله على ظهره. وهذا كما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: لأعرفن أحدكم يوم القيامة يأتي على عنقه شاة ~~لها ثغاء [فيقول]: يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، يريد أن من ~~غل شاة أو بقرة أتى بها يوم القيامة يحملها. ويقال: من غل شيئا في ~~الدنيا، يمثل له يوم القيامة في النار، ثم يقال له: انزل إليه فخذه، ~~فيهبط إليه، فإذا انتهى إليه حمله، فكلما انتهى به إلى الباب سقط منه إلى ~~أسفل جهنم، فيرجع فيأخذه، فلا يزال (كذلك) ما شاء الله. ويقال: يأت بما ~~غل: يعني تشهد عليه يوم القيامة تلك الخيانة والغلول. ويقال: هذا على ~~سبيل (التمثيل) يأت بما غل { يوم القيمة } أي بوباله فيكون ~~وباله على عنقه، كما قال في آية أخرى: # وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم # [الأنعام: 31]. ثم قال تعالى: { ثم توفى كل نفس ms0274 } أي توفى ~~وتجازي كل نفس { ما عملت } من خير أو شر { وهم لا يظلمون ~~} يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا. { أفمن اتبع رضون ~~الله } قال الكلبي: يعني أفمن أخذ الحلال من الغنيمة { كمن باء ~~بسخط من الله } يعني: كمن استوجب سخطا من الله بأخذ الغلول من ~~الغنائم. ثم بين مستقر كل من غل (يوم القيامة)، ومن أخذ من الحلال فقال ~~لمن غل: { ومأواه جهنم وبئس المصير } الذي صاروا إليه ~~يعني النار. وقال (في حق من) أخذ الحلال: { هم درجت عند ~~الله } يعني لهم درجات في الجنة عند الله [ويقال: هم ذوو درجات عند ~~الله]. { والله بصير بما يعملون } أي بمن غل وبمن لم يغل. ~~وقال القتبي: هي طبقات - عند الله - في الفضل، فبعضهم أرفع من بعض. وقال ~~أبو عبيدة والكسائي: لهم درجات عند الله. ويقال: لمن لم يغل درجات في ~~الجنة، ولمن غل درجات في النار. ### || [3.164-168] # { لقد من الله على المؤمنين } أي أنعم الله (عليهم) { ~~إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } يعني من أصلهم ونسبهم ~~من العرب يعرفون نسبه. ويقال: " من أنفسهم " يعني من جنسهم، من بني آدم، ~~ولم يجعله من الملائكة، وإنما خاطب بذلك المؤمنين خاصة، لأن المؤمنين هم ~~الذين صدقوه فكأنه منهم. وقرىء في الشاذ: من (أنفسكم) بنصب الفاء، أي من ~~(أشرفهم)، وقد كانت له فضيلة في ثلاثة أشياء: أحدها: أنه كان من نسب ~~شريف، لأنهم اتفقوا: أن العرب أفضل، ثم من العرب قريش[ثم من قريش بنو ~~هاشم] فجعله من بني هاشم. والثاني: أنه كان أمينا فيهم قبل الوحي، ~~[والثالث: أنه كان أميا] لكي لا يرتاب فيه الافتعال. ثم قال: { ~~يتلوا عليهم ءايته } أي يعرض عليهم القرآن { ويزكيهم ~~} [يعني: يأخذ منهم الزكاة ليطهر أموالهم ويقال: ويزكيهم يعني، يطهرهم من ~~الذنوب والشرك، ويقال:] ويزكيهم أي (يأمرهم) بكلمة الإخلاص، وهي قول لا ~~إله إلا الله { ويعلمهم الكتب } يعني القرآن، و " الحكمة " ~~أي الفقه، وبيان الحلال والحرام { وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلل مبين } أي وقد كانوا من قبل ms0275 مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- لفي خطأ بين. ثم رجع إلى قصة أحد، وذكر التعزية للمؤمنين بما أصابهم ~~من الجراحات، فقال: { أو لما أصبتكم مصيبة } يعني يوم ~~أحد { قد أصبتم مثليها } يوم بدر لأن المسلمين يوم بدر ~~قتلوا سبعين نفسا من صناديد قريش، وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم ~~أحد سبعين، ولم يؤسر منهم أحد، فذلك قوله تعالى: { قد أصبتم ~~مثليها } وقوله: { أولما } فالألف للاستفهام، والواو للعطف، " ~~وما " صلة فكأنه قال: ولئن متم، أو قتلتم، أو أصابتكم مصيبة يوم أحد، قد ~~أصبتم مثليها يوم بدر، { قلتم: أنى هذا } يعني قلتم فمن أين ~~لنا هذا، وكيف أصابنا هذا ونحن مسلمون. { قل هو من عند ~~أنفسكم } أي من عند قومكم، بمعصية الرماة بتركهم ما أمرهم به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الضحاك: هو من عند أنفسكم، يعني ~~بذنوبكم التي سلفت منكم قبل القتال، يعني أن في ذلك تطهيرا لما سلف من ~~ذنوبكم، وهو قوله تعالى: # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. { إن الله على كل شيء قدير } من النصرة ~~والهزيمة { وما أصبكم يوم التقى الجمعان } فبإذن ~~الله أي جمع المسلمين [وجمع] المشركين { فبإذن الله } أي فبإرادة ~~الله أصابكم { وليعلم المؤمنين } { وليعلم الذين ~~نافقوا } يعني أصابتكم المصيبة، لكي يظهر المؤمن من المنافق، ثم بين ~~أمر المنافقين وصنيعهم وقلة حسبتهم في أمر الجهاد فقال: { وقيل ~~لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } ~~يعني، إن لم تقاتلوا لوجه الله، فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وحريمكم، قال ~~الكلبي: ويقال: ادفعوا يعني كثروا [وقال القتبي: " ادفعوا " أي كثروا]، ~~لأنكم إذا كثرتم [ثم] دفعتم القوم [بكثرتكم] { قالوا: لو نعلم ~~قتالا لاتبعنكم } { هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمن } يعني أن ميلهم إلى الكفر أقرب من ميلهم إلى ~~الإيمان وقوله { لاتبعنكم } أي لجئنا معكم. # " قال الضحاك: وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج يوم أحد ~~أبصر كتيبة خثناء، وفيها كبكبة من الناس، فقال: " من هؤلاء "؟ فقيل: يا ~~نبي الله هؤلاء حلفاء عبد الله ms0276 بن أبي، فقال: " إنا لا نستعين بالكفار " # فرجع عبد الله مع حلفائه من اليهود، فقال له عمر: أقم مع المؤمنين، ~~فقال: لو نعلم قتالا لاتبعناكم ويقال: إن عونهم للكفار أكثر من عونهم ~~للمؤمنين { يقولون بأفوههم ما ليس في قلوبهم } ذكر ~~الأفواه على معنى التأكيد، لأن الرجل يقول بالمجاز بالإشارة، وهذا كما ~~قال: # يكتبون الكتب بأيديهم # [البقرة: 79] ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم { والله أعلم ~~بما يكتمون } من النفاق والكفر، ونزل فيهم أيضا: { الذين ~~قالوا لإخونهم } من المنافقين { وقعدوا } عن الجهاد { لو ~~أطاعونا } في القعود عن الجهاد { ما قتلوا } في الغزو { قل } ~~(لهم) يا محمد { فادرءوا عن أنفسكم } في حال حضور { ~~الموت إن كنتم صدقين } في مقالتكم. قال الفقيه: سمعت بعض ~~المفسرين بسمرقند يقول: لما نزلت هذه الآية: { فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت } مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين. ### || [3.169-170] # ثم نزل [في شأن] الشهداء { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله } يعني في طاعة الله { أموتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون } من التحف وذلك أن المسلمين كانوا يقولون مات ~~فلان، ومات فلان، فنزلت هذه الآية { بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون }. وهذا قول الكلبي، ويقال: ولا تظنن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا كسائر الأموات بل أحياء، يعني هم كالأحياء عند ربهم، لأنه ~~يكتب لهم أجرهم إلى يوم القيامة فكأنهم أحياء في الآخرة، ويقال: لا ~~(تظن) كما يظن الكفار بهم أنهم لا يبعثون، بل يبعثهم الله، ويقال: ~~أرواحهم في المنزلة والكرامة بمنزلة الشهداء الأحياء، وروي عن عطاء عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير ~~خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب ~~تحت العرش، فلما وجدوا طيب منقلبهم ومطعمهم ومشربهم، ورأوا ما [عند] الله ~~لهم من الكرامة [وما هم فيه من النعيم] قالوا: يا ليت إخواننا علموا ما ~~أعد الله لنا من الكرامة، وما نحن فيه من النعيم، فلم [ينكلوا] عند ~~اللقاء، ولم ms0277 يجبنوا عند القتال، فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، ~~فأنزل: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ~~أموتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } " # { فرحين } أي معجبين { بما ءاتهم الله من فضله } أي ~~من رزقه في الجنة { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم } من إخوانهم من بعدهم أن يأتوهم ثم رجع إلى ~~الشهداء فقال تعالى: { ألا خوف عليهم } فيما يستقبلهم { ولا ~~هم يحزنون } على ما خلفوا من الدنيا. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " ~~ولا تحسبن " بنصب السين في جميع القرآن وقرأ الباقون بالكسر، وقرأ ~~ابن عامر " قتلوا " بتشديد التاء على [معنى التكثير] يعني أنهم ~~يقتلون واحدا فواحدا [وقرأ] الباقون بالتخفيف. ### || [3.171] # قوله تعالى: { ويستبشرون بنعمة من الله وفضل } ~~يقول: بجنة من الله ويقال: بمغفرة من الله. { وفضل } يعني الكرامات ~~في الجنة. وروي عن مجاهد أنه كان يقول: السيوف مفاتيح الجنة. وروت عائشة ~~رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الشهيد يشفع في سبعين من أهله " # ، قال الفقيه: أروي هذا الحديث بمعناه لا بلفظه: إن الله تعالى أكرم ~~الشهداء بخمس كرامات لم يكرم بها أحد من الأنبياء ولا أنا، إحداها: أن ~~جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت، وهو الذي سيقبض روحي، وأما ~~الشهداء، فالله تعالى [هو الذي يقبض] أرواحهم بقدرته كيف يشاء، ولا يسلط ~~على أرواحهم ملك الموت، والثانية: أن [جميع] الأنبياء قد غسلوا بعد ~~الموت، وأنا أغسل بعد الموت، وأما الشهداء، [فلا] يغسلون ولا حاجة لهم ~~إلى [ماء] الدنيا، والثالثة: أن جميع الأنبياء قد كفنوا، وأنا أكفن ~~أيضا، والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم، والرابعة: أن جميع ~~الأنبياء لما ماتوا فقد سموا أمواتا، وإذا مت أنا يقال: قد مات، ~~والشهداء لا يسمون موتى، والخامسة: أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم ~~القيامة، وشفاعتي أيضا يوم القيامة، وأما الشهداء فيشفع لهم في كل يوم ~~فيمن يستشفعون. ثم قال تعالى: { وأن الله لا يضيع أجر ~~المؤمنين } قرأ الكسائي: " وإن " بكسر الألف، والباقون بالنصب، ~~فمن قرأ بالنصب، فمعناه يستبشرون ms0278 بنعمة من الله، ويستبشرون بأن الله لا ~~يضيع ثواب المؤمنين [الموحدين]، ومن قرأ بالكسر على معنى الابتداء: إن ~~الله لا يبطل ثواب عمل الموحدين وهذا الخبر للترغيب في الجهاد، وأما ~~الشهداء والأولياء فيشفع لهم لا يبلغون إلى درجة الأنبياء، ومن قال إنهم ~~يبلغون إلى درجة الإباحة، ومن أنكر كرامات الأولياء فهو معتزلي. ### || [3.172-175] # قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول } قال في ~~رواية الكلبي: وذلك # " أن أبا سفيان حين رجع من أحد نادى فقال: يا محمد إن الموعد بيننا ~~وبينك موسم بدر الصغرى، فقال - صلى الله عليه وسلم - لعمر: " قل له: ذلك ~~بيننا وبينك إن شاء الله تعالى " # ، ثم ندم أبو سفيان فقال لنعيم بن مسعود، وكان يخرج إلى المدينة ~~للتجارة: إذا أتيت المدينة، فخوفهم لكيلا يخرجوا، فلما قدم نعيم المدينة ~~قال: إن أبا سفيان قد جمع خلقا كثيرة، فكره أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الخروج إليهم، وتثاقلوا، فلما رأى ذلك رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - منهم قال: # " والذي نفسي بيده، لأخرجن إليهم، وإن لم يخرج معي منكم أحد " # ، قال: فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [للميعاد] ومعه نحوا من ~~سبعين رجلا حتى انتهوا إلى ذلك الموضع وكان هنالك سوق فلم يخرج أحد من ~~أهل مكة، فتسوقوا من السوق حاجتهم، وانصرفوا فنزل قوله تعالى: { ~~الذين استجابوا لله والرسول }. { من بعد ما ~~أصبهم القرح } [يعني] أصابتهم الجراحات يوم أحد { ~~[للذين أحسنوا منهم } أي الذين] أوفوا الميعاد { ~~واتقوا } السخط في معصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم { ~~أجر عظيم } أي ثواب كثير. { الذين قال لهم الناس } ~~يعني " نعيم بن مسعود " وإنما أراد به جنس الناس وكان رجلا واحدا { ~~إن الناس قد جمعوا لكم } يعني أبا سفيان وأصحابه { ~~فاخشوهم } ولا تخرجوا إليهم { فزادهم إيمنا } أي تصديقا ~~ويقينا وجرأة على القتال { وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } أي ثقتنا بالله، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - { ونعم الوكيل } أي نعم الثقة لنا، { فانقلبوا ~~} انصرفوا { بنعمة من الله ms0279 } أي بأجر من الله { وفضل } ~~يعني ما تسوقوا به من السوق، واشتروا الأشياء بسعر رخيص { لم ~~يمسسهم سوء } يعني قتال { واتبعوا رضون الله ~~والله ذو فضل عظيم } أي ذو من عظيم، وقال في رواية الضحاك: ~~كان ذلك يوم أحد، لما انهزمت قريش، ونزلت في مواضع وكثرت الجراحات في ~~أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالخروج إليهم فأجابه سبعون رجلا فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: { ~~إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه } يعني نعيم بن ~~مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان يخوف أولياءه يعني بأوليائه الكفار. ~~ويقال: يخوف أشكاله. وقال الزجاج: { إنما ذلكم الشيطن } ~~أي ذلك التخويف عمل الشيطان يخوفكم من أوليائه. وقال القتبي: يخوف ~~أولياءه أي بأوليائه، أي كما. قال تعالى: # لينذر بأسا شديدا # [الكهف: 2] يعني لينذركم: ببأس شديد. ثم قال تعالى: { فلا ~~تخافوهم } في الخروج { وخافون } في القعود { إن كنتم ~~مؤمنين } أي مصدقين. قال الزجاج: معناه إن كنتم مصدقين، فقد ~~أعلمتكم أني أنصركم عليهم. ### || [3.176] # { ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر } ، قال ~~الكلبي: يعني به المنافقين ورؤساء اليهود كتموا صفة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - في الكتاب، فنزل: { ولا يحزنك الذين يسرعون في ~~الكفر }. ويقال: إن أهل الكتاب لما لم يؤمنوا شق ذلك على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لأن الناس ينظرون إليهم، ويقولون: إنهم أهل الكتاب، ~~فلو كان قوله حقا لاتبعوه، فنزلت هذه الآية. ويقال: نزلت في مشركي قريش: ~~لأنهم كانوا أقرباءه، والناس يقولون لو كان قوله حقا لاتبعه أقرباؤه، ~~فشق ذلك عليه، فنزلت { ولا يحزنك الذين يسرعون في ~~الكفر } أي يبادرون في الكفر ولا يصدقونك { إنهم لن يضروا ~~الله شيئا } أي لا ينقصوا من ملك الله شيئا وسلطانه شيئا بكفرهم، ~~وهذا كما روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " قال الله " لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~منكم ما زاد ذلك في ملك الله شيئا، ولو كان أولكم وآخركم وجنكم ms0280 وإنسكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص من ملك الله جناح بعوضة " # ثم قال تعالى: { يريد الله أن ألا يجعل لهم حظا في ~~الآخرة } أي نصيبا في الجنة { ولهم عذاب عظيم } في الآخرة. ~~قرأ نافع: " ولا يحزنك " بضم الياء وكسر الزاى، وكذلك ما كان نحو هذا ~~في جميع القرآن إلا في قوله تعالى: # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] وقرأ الباقون: بنصب الياء وضم الزاى وهما لغتان ~~وتفسيرهما واحد. ### || [3.177] # ثم قال تعالى: { إن الذين اشتروا } يعني اختاروا { ~~الكفر بالإيمن لن يضروا الله شيئا } يقول لن ~~ينقصوا من ملك الله شيئا وإنما أضروا بأنفسهم حيث استوجبوا لأنفسهم ~~العذاب { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. ### || [3.178] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي ~~لهم خير لأنفسهم } يعني لا يظن الكفار أن الذي نملي لهم ~~ونمهلهم خير لهم ويقال: ما نعطيهم من المال والولد لا يظنن أن ذلك خير ~~لهم في الآخرة، بل هو شر لهم في الآخرة { إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } أي نعطي لهم المال ~~والولد يهانون به من العذاب، ويقال: إنما نملي لهم أي بما أصابوا من ~~الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم وإنما كان ليزدادوا عقوبة. ~~ويقال: إنما نملي لهم ونؤخر العذاب عنهم ليزدادوا إثما، أي جرأة على ~~المعاصي، وإنما كان ذلك مجازاة لكفرهم وخبث نياتهم. وروي عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: ما من بر (وفاجر) إلا والموت خير له، لأنه إن كان برا، ~~فقد قال الله تعالى: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198] وإن كان فاجرا، فقد قال الله تعالى: { إنما ~~نملي لهم ليزدادوا إثما }. قرأ ابن عامر وعاصم " لا ~~يحسبن " بالياء ونصب السين، قرأ الباقون بالتاء وكسر السين، وكذلك الذي ~~بعد هذا. ### || [3.179] # ثم قال تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما ~~أنتم عليه }. قال الكلبي: وذلك أن قريشا من أهل مكة قالوا: يا ~~رسول الله: (إنك تزعم أن) الرجل منا في النار، وإذا ترك ديننا ms0281 واتبع دينك ~~قلت: هو من أهل الجنة، فأخبرنا عن هذا من أين هو؟ وأخبرنا من يأتيك منا؟ ~~ومن لا يأتيك، فأنزل الله تعالى: { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه } من الكفر والنفاق { ~~حتى يميز الخبيث من الطيب } يقول: حتى يخلص الكافر من ~~المؤمن. { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } أي ~~ليبين لكم المؤمن من الكافر قبل أن يؤمن، وقال الفراء: لم يكن الله ~~ليعلمكم ذلك فيطلعكم على غيبه، { ولكن الله يجتبي } يقول: ~~يصطفي { من رسله من يشاء } للنبوة والرسالة من خلقه فيوحي إليه ~~بإذنه، قال في رواية الضحاك: إن المنافقين أعلنوا الإسلام وأسروا الكفر، ~~وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين، فأحب الله أن يميز بين الفريقين، وأن يدل ~~رسوله على سرائر المنافقين فقال تعالى: { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب } يعني المنافق من المؤمن وما كان الله ليطلعكم على الغيب ~~ولكن الله يطلع أنبياءه ورسله " يعني أن المؤمنين " لا يعلمون سر ~~المنافقين، ولكن الله يبين ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. ويقال: { ~~ما كان الله ليذر المؤمنين } أي ليترك من علم أنه من ~~أهل الإيمان على ما أنتم عليه من الكفر حتى يوفقه للإيمان. { وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب } ولكن الله يطلع أنبياءه ورسله ~~بالوحي حتى يكون ذلك علامة لنبوتهم ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ~~ورسله، وإن تؤمنوا } بالله ورسله { وتتقوا } الشرك ~~والمعصية { فلكم أجر عظيم }. أي ثواب عظيم في الجنة، ويقال إن ~~الكفار لما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم من يؤمن ~~منهم، فنزل قوله { فآمنوا بالله ورسله } يعني ولا تشتغلوا ~~بما لا يعنيكم، واشتغلوا بما يعنيكم، فآمنوا " بالله ورسله " فإنكم إن ~~فعلتم ذلك فلكم أجر عظيم. قرأ حمزة والكسائي: " حتى يميز " مع التشديد ~~بضم الياء ونصب الميم وقرأ الباقون، بنصب الياء وكسر الميم بغير تشديد ~~وتفسيرهما واحد إلا أنك إذا قرأت بالتشديد قد يكون عبارة عن الكثرة ~~والمبالغة. ### || [3.180-181] # ثم قال تعالى: { ولا يحسبن ms0282 الذين يبخلون بما ~~ءاتهم الله من فضله } أي بما أعطاهم الله من المال، يبخلون ~~ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام، فلا يظنوا أن ذلك { هو خير ~~لهم بل هو شر لهم } يعني أن البخل، شر لهم. ويقال: الفضل ~~شر لهم. { سيطوقون } يقول: سيوثقون { ما بخلوا به } من ~~الزكاة كهيئة الطوق. وروي عن ابن عباس أنه قال: " يأتي كنز أحدهم شجاع ~~أقرع له زبيبتان، طوقا في عنقه يلدغ خديه ويقول أنا الزكاة التي بخلت بي ~~في الدنيا ". وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا، فذلك ~~قوله تعالى { سيطوقون ما بخلوا به } { يوم ~~القيمة } ويقال هو طوق من نار في عنقه، ويقال: هو على وجه المثل، ~~يعني وبال ذلك في عنقهم، كما قال في آية أخرى: # وكل إنسن ألزمنه طئره في عنقه # [الإسراء: 13]. قوله تعالى: { ولله ميراث السموات ~~والأرض } يعني: إذا هلك الخلق كلهم أهل السموات من الملائكة، وأهل ~~الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق، ويبقى رب العالمين ثم يقول: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16]. فلا يجيب أحد، فيرد على نفسه فيقول: لله الواحد القهار. ~~فذلك قوله تعالى { ولله ميراث السموات والأرض } يعني ~~يهلك أهل السماوات والأرض ولم يبق لأحد ملك وإنما سمي ميراثا على وجه ~~المجاز، لأن القرآن بلغة العرب وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ~~ميراثا على وجه المجاز، وأما في الحقيقة فليس بميراث، لأن الوارث في ~~الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل، والله - عز وجل -مالكهما ~~وكانت السماوات وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارية ~~عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ~~ومعنى الآية: إن الله تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا قبل أن ~~يموتوا ويتركوا المال [ميراث الله] لله تعالى، ولا ينفعهم إلا ما ~~أنفقوا،ثم قال تعالى: { والله بما تعملون خبير } أي عالم ~~بمن يؤدي الزكاة، وبمن يمنعها فيجازي كل نفس بما عملت. قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو: بما " يعملون " بالياء، ms0283 والباقون بالتاء على وجه المخاطبة: { ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله ~~فقير ونحن أغنياء } ، وقال في رواية الضحاك: لما نزل على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245 وغيرها] قالت الفجرة من كفرة اليهود: أفقير ربنا ~~فيستقرضنا، قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، فنزلت هذه الآية، ويقال إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر إلى اليهود ليأمرهم بالإسلام، ~~وأن يعطوا الصدقة ويؤمنوا، فلما انتهى إليهم أبو بكر، قال " فنحاص بن ~~عازورا " (أيسأل) الله منا الصدقة؟ فهو فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه ~~الآية: { لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن ~~الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا } أي حفظ ~~قولهم ونجازيهم. # ويقال: سنكتب ما قالوا، يعني يكتب عليهم الكرام الكاتبون ويؤاخذون به في ~~الآخرة. { وقتلهم } أي ونكتب قتلهم { الأنبياء بغير حق } ~~يعني بلا جرم { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } أي تقول لهم ~~خزنة جهنم في الآخرة ذلك. قرأ حمزة: " سيكتب " بضم الياء ونصب التاء. " ~~وقتلهم الأنبياء " بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله، يعني يكتب ~~قتلهم الأنبياء ويقول بالياء والباقون " سنكتب " بالنون " وقتلهم " بنصب ~~اللام ونقول بالنون. وقوله: { ذوقوا عذاب الحريق } روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لو أن شرارة وقعت بالمشرق لغلت منها جماجم قوم بالمغرب ولو أن حلقة من ~~سلاسل النار وضعت على رأس جبل لاحترق إلى سبع أرضين " # ، فهذا معنى قوله: { عذاب الحريق }. ### || [3.182] # ثم قال: { ذلك بما قدمت } يعني يقال لهم: ذلك العذاب بما قدمت ~~{ أيديكم } من الكفر والتكذيب، أي بما قدمتم، وذكر الأيدي على معنى ~~الكتابة. { وأن الله ليس بظلم للعبيد } أي لا يعذب ~~أحدا بغير ذنب. ### || [3.183] # قوله تعالى: { الذين قالوا } يعني كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف ~~وغيرهما من رؤساء اليهود، قالوا: { إن الله عهد إلينا } ~~يعني أمرنا في التوراة { أن لا نؤمن } يعني أن لا نصدق { لرسول ~~حتى يأتينا بقربان تأكله النار } يعني تجيء نار من ~~السماء فتأكل ms0284 القربان بالبينات، فإن جئتنا بها صدقناك قال الله تعالى { ~~قل } يا محمد { قد جاءكم رسل من قبلي بالبينت ~~وبالذي قلتم } يعني: بالآيات والعلامات، وبالذي قلتم يعني قد ~~جاءكم الرسل بالذي قلتم من أمر القربان { فلم قتلتموهم } يعني ~~زكريا ويحيى وغيرهما { إن كنتم صدقين } فيما تقولون. ### || [3.184] # قوله تعالى: { فإن كذبوك } بما تقول لهم { فقد كذب رسل ~~من قبلك } فالله تعالى يعزي نبيه ليصبر على تكذيبهم فقد { جآءو ~~بالبينت } (يعني الرسل جاءوا بالبينات أي من قبلك، وقد جاءوا) ~~بالآيات والعلامات { والزبر } قال الكلبي: يعني بأحاديث الأنبياء من ~~قبلهم، بالنبوة على ما يكون { والكتب المنير } يعني: الحلال ~~والحرام، وقال الزجاج: " الزبر " جماعة الزبور، وهو الكتاب، يقال: ~~زبرت أي كتبت، ويقال: زبرت أي قرأت، " والكتاب المنير " يعني ~~المعني بالحلال والحرام. قرأ (أبو عمرو) " بالزبر " مع الباء، وقرأ ~~الباقون: " والزبر " بالواو. ### || [3.185] # ثم قال تعالى: { كل نفس ذائقة الموت } قال الكلبي لما نزل ~~قوله تعالى: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] قالت الملائكة هلك أهل الأرض، فلما نزل: { كل نفس ~~ذائقة الموت } أيقنت الملائكة أنها هلكت معهم. ثم قال: { ~~وإنما توفون أجوركم } أي توفون ثواب أعمالكم { يوم ~~القيمة فمن زحزح عن النار } يقول بعد ونحى عنها ~~{ وأدخل الجنة فقد فاز } يعني نجا وسعد في الجنة. حدثنا ~~محمد بن الفضل، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال ~~حدثنا المسيب، عن الأعمش، عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، ~~عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فليأت إلى الناس ما يحب أن ~~يؤتى إليه " # وقوله: { وما الحيوة الدنيا إلا متع الغرور }. ~~قال ابن عباس: " متاع الغرور " مثل القدر والقارورة، والسكرجة ونحو ذلك، ~~لأن ذلك لا يدوم، وكذلك الدنيا تزول وتفنى ولا تبقى. ويقال: هو مثل ~~الزجاج الذي يسرع إليه الكسر، ولا يصلحه الجبر. ويقال كزاد المسافر يسرع ~~إليه الفناء، فكذلك الدنيا. ### || [3.186] # قوله تعالى: { لتبلون في ms0285 أمولكم وأنفسكم } يقول: ~~لتختبرن في أموالكم بالنقصان والذهاب. ويقال: بوجوب الحقوق فيها، وفي ~~أنفسكم، بالأمراض والأوجاع والقتل { ولتسمعن من الذين ~~أوتوا الكتب من قبلكم } حين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنياء. { ومن الذين أشركوا } يعني مشركي العرب { أذى ~~كثيرا } باللسان والفعل. ويقال: نزلت الآية في شأن أبي بكر - رضي الله ~~عنه -، كانوا - أهل الجاهلية - يهددونه ويشتمونه، ويقولون: إن ما يفعله ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - بمشاورته، فأمره الله تعالى بأن يصبر على ~~أذاهم. فقال تعالى: { وإن تصبروا } على أذاهم { وتتقوا } ~~المكافأة، ويقال: وتتقوا معاصيه. { فإن ذلك من عزم الأمور ~~} يعني من حقائق الأمور، ويقال: إن ذلك الصبر من خير الأمور. ### || [3.187-195] # قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا ~~الكتب } يعني أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم. ~~ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء { لتبيننه ~~للناس } يعني نعت محمد صلى الله عليه وسلم - وصفته { ولا ~~تكتمونه } عنهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر " ~~ليبيننه للناس ولا يكتمونه " كلاهما بالياء وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ ~~بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ ~~بالتاء، فمعناه أخذ عليهم الميثاق وقال لهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه. ~~ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: { فنبذوه ~~وراء ظهورهم } أي: طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم ~~يعملوا به { واشتروا به } أي بكتمان نعت محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وصفته { ثمنا قليلا } أي عرضا يسيرا من متاع الدنيا { ~~فبئس ما يشترون } يعني بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على ~~الآخرة: { لا تحسبن } يقول: لا تظنن يا محمد { الذين ~~يفرحون بما أوتوا } يقول يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيروا من ~~نعته وصفته، وهذا قول الكلبي، وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون ~~للملوك إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبيا في آخر الزمان يختم به ~~النبوة، فلما بعثه الله، سألهم الملوك، أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ ~~فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: هو ms0286 غير هذا، فأعطاهم الملوك مالا ~~فقال الله تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بما ~~أوتوا } أي بما أعطاهم الملوك: { ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا } لأنهم كانوا يقولون نحن على دين إبراهيم، ولم يكونوا ~~على دينه ويقال كانوا يقولون نحن أهل الصلاة، والصوم والكتاب، ويريدون أن ~~يحمدوا بذلك. قال الله تعالى: { فلا تحسبنهم } يقول فلا تظنهم ~~{ بمفازة من العذاب } معناه، لا تظنن أنهم ينجون من العذاب ~~بذلك { ولهم عذاب أليم } أي دائم لا يخرجون منه أبدا: { ~~ولله ملك السموات والأرض } أي خزائن السماوات المطر، ~~وخزائن الأرض النبات. ويقال: جميع من في السماوات والأرض عبيده وفي ملكه. ~~{ والله على كل شيء قدير } " من النبات وغيره. ويقال: هذا ~~معطوف على أول الكلام: إنهم لا ينجون من عذابه يأخذهم متى شاء لأنه على ~~كل شيء قدير " { إن في خلق السموات والأرض } وذلك أن ~~أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بآية لصحة ~~دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل { إن في خلق ~~السموات والأرض } أي خلقين عظيمين. ويقال: فيما خلق في ~~السماوات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار ~~والأشجار. # { واختلف اليل والنهار } يقول: وذهاب الليل ومجيء ~~النهار ويقال: اختلاف لونيهما { لايات } أي لعبرات { لأولي ~~الألبب } أي لذوي العقول. { الذين يذكرون الله ~~قيما وقعودا } أي يصلون لله " قياما " إن استطاعوا على القيام، ~~" وقعودا " إن لم يستطيعوا القيام { وعلى جنوبهم } إن لم ~~يستطيعوا القعود لزمانة، ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها ~~في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: # اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41] ثم قال: { ويتفكرون في خلق السموات ~~والأرض } أي يعتبرون في خلقهما. قال: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: ~~حدثنا السراج قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي عن أبي حباب، # " عن عطاء بن أبي رباح، قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، ~~(فسلمنا) عليها، فقالت: من هؤلاء؟ فقلت عبد الله بن عمر وعبيد بن ms0287 عمير، ~~فقالت: مرحبا بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟ فقال عبيد: زر غبا ~~تزدد حبا، فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - فبكت بكاء شديدا ثم قالت: كل أمره عجب، ~~أتاني في ليلتي، فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: " يا عائشة ~~أتأذنين لي أن أعبد ربي " فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب ~~هواك، فقام إلى قربة ماء فتوضأ ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع ~~حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن فبكى حتى ~~روت الدموع الأرض، ثم أتاه بلال بعدما أذن للفجر فلما رآه يبكي قال: ~~أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: " ~~يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا وما لي لا أبكي وقد أنزلت علي الليلة: { ~~إن في خلق السموات والأرض }... إلى قوله { فقنا ~~عذاب النار } ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق " # ، وقال صلى الله عليه وسلم # " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " # ، ثم قال تعالى عز وجل: { ربنا ما خلقت هذا بطلا } أي ~~يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلا، عبثا بغير شيء، ولكن خلقتهما ~~لأمر هو كائن { سبحنك فقنا عذاب النار } يعني ادفع عذاب ~~النار. وقال الزجاج: معنى سبحانك، أي تنزيها لك من أن تكون خلقتهما ~~باطلا، { فقنا عذاب النار } أي صدقنا رسلك، وسلمنا أن لك ~~جنة ونارا، فقنا عذاب النار. { ربنا إنك من تدخل النار ~~} { فقد أخزيته } أي أهنته وفضحته { وما للظلمين ~~من أنصار } يعني ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم. # ويقولون أيضا: { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمن } يعني محمدا يدعو إلى التصديق { أن ءامنوا ~~بربكم } أي صدقوا بتوحيد ربكم " فآمنا " أي صدقنا بتوحيد ربنا. ~~وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس ms0288 لقي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئتنا }. وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون ~~الكبائر، والسيئات الشرك، وقال الضحاك: ذنوبنا: يعني ما عملوا في حال ~~الجاهلية، " وكفر عنا سيئاتنا ". يعني: ما عملوا في حال الإسلام، ويقال: ~~الذنوب والسيئات بمعنى واحد. ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون ~~الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة. { وتوفنا مع ~~الأبرار } أي مع المطيعين " ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين " ~~والصالحين. ويقولون أيضا: { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على ~~رسلك } يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك، ويقال ~~هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: # والملئكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون ~~لمن في الأرض # [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم - عليهم السلام - للمؤمنين، ~~ثم قال تعالى: { ولا تخزنا يوم القيمة } يعني لا تعذبنا ~~ويقال لا تخذلنا { إنك لا تخلف الميعاد } يعني ما وعدت من ~~الخير والثواب للمؤمنين { فاستجاب لهم ربهم } فأخبر الله عن ~~فعلهم وذكر ما أجابهم به، وأنجز لهم موعده، وبين لهم ثوابه وهو قوله: { ~~فاستجاب لهم ربهم }. روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: ~~من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى فاستجاب لهم ربهم { ~~أني لا أضيع عمل عامل منكم } يعني ثواب عمل عامل في ~~طاعتي { من ذكر أو أنثى } يعني رجلا أو امرأة، قال: حدثنا ~~الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدثنا أبو عبيد الله، قال: ~~حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة، يقال له سلمة بن ~~الأكوع عن أم سلمة، أنها قالت: يا رسول الله، إني أسمع الله ذكر الهجرة، ~~فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النساء. فأنزل الله تعالى: { أني لا ~~أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } { بعضكم ~~من بعض } ، قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين، وقال ms0289 الضحاك: ~~يعني يشبه بعضكم بعضا في الطاعة، ويقال: بعضكم على أثر بعض، ويقال: ~~بعضكم على دين بعض. { فالذين هجروا } من مكة إلى المدينة { ~~وأخرجوا من ديرهم } يعني أن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة ~~{ وأوذوا في سبيلي } أي عذبوا في طاعتي { وقاتلوا } مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين { وقتلوا } أي قتلهم ~~المشركون. # قرأ حمزة والكسائي " وقتلوا وقاتلوا " على معنى التقديم والتأخير، كقوله ~~تعالى: # إني متوفيك ورافعك # [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: " وقاتلوا وقتلوا " إلا ابن كثير وابن ~~عامر: قرءا " وقتلوا " بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله ~~فعلهم ثم ذكر ثوابهم، فقال: { لأكفرن عنهم سيئتهم } أي ~~لأمحون عنهم ذنوبهم { ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار { ثوابا ~~من عند الله } يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله وقال ~~الزجاج: إنما صار نصبا، لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار ولأثيبنهم ثوابا. وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصبا ~~على التفسير، { والله عنده حسن الثواب } أي حسن الجزاء وهو ~~الجنة، ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا. ### || [3.196-197] # { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } ~~يقول: لا يحزنك يا محمد ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض، ~~ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين ومعناه: لا يغرنكم تجارات الكفار وتصرفهم في ~~أموالهم في البلاد لأن ذلك { متع قليل } لأن الكفار كانوا في ~~رخاء وعيش، وكانت لهم رحلة الشتاء والصيف، وكان المؤمنون في ضيق وشدة، ~~فأخبر الله تعالى بمرجع الكفار في الآخرة، وبمرجع المؤمنين فقال تعالى: ~~لا يغرنك تقلب الذين كفروا أي ما هم فيه من العيش والسعة، فإنما هو متاع ~~أي يفنى بعد وقت قريب قوله { ثم مأواهم جهنم } أي مصيرهم ~~إلى جهنم { وبئس المهاد } بئس موضع القراء في النار، وبئس المصير ~~إليها فما ينفعهم تجاراتهم وأموالهم. ### || [3.198-200] # ثم ذكر مرجع المؤمنين ومصيرهم فقال: { لكن الذين اتقوا ~~ربهم } أي اتقوا الشرك والفواحش ووحدوا، { ربهم لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار ms0290 خالدين فيها نزلا } ~~لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبدا { نزلا من عند الله } ~~يقول ثوابا من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة. { وما عند الله ~~} الجنة { خير للأبرار } من الدنيا للمؤمنين المطيعين. { وإن ~~من أهل الكتب لمن يؤمن بالله } يعني مؤمني أهل ~~الكتاب، معناه، من أهل الكتاب من آمن بالله فصدق بقوله: { وما أنزل ~~إليكم } من القرآن وصدق { وما أنزل إليهم } من التوراة ~~والإنجيل يعني على أنبيائهم، فذكر حالهم وبين ثوابهم لكي يرغب غيرهم من ~~أهل الكتاب ليؤمنوا إذا علموا بثوابهم، ثم نعتهم فقال تعالى: { ~~خشعين لله } أي متواضعين لله، والخشوع: أصله التذلل وكذلك ~~الخضوع، وقد فرق بعض أهل اللغة بين الخشوع والخضوع، فقال: الخضوع في ~~البدن خاصة، والخشوع يكون في البدن والبصر والصوت والقلب كما قال الله ~~تعالى: # وخشعت الأصوات للرحمن # [طه: 108] وقال: # خشعة أبصرهم # [القلم: 43]. ثم قال تعالى: { لا يشترون بآيت الله ~~ثمنا قليلا } يعني عرضا يسيرا كفعل اليهود، { أولئك لهم ~~أجرهم } أي ثوابهم { عند ربهم } الجنة { إن الله ~~سريع الحساب } أي شديد العقوبة ويقال: سريع الحفظ والتعريف. { يا ~~أيها الذين ءامنوا اصبروا } أي اصبروا على البلاء والجهاد ~~وأداء الفرائض، وعن المعاصي. { وصابروا } مع نبيكم - صلى الله عليه ~~وسلم - على عدوكم حتى يدعوا دينهم إلى دينكم، يعني يتركوا الشرك، ويدخلوا ~~في الإيمان { ورابطوا } مع عدوكم ما أقاموا وهذا قول الكلبي. وقال ~~عكرمة: اصبروا على البلاء وعلى طاعة الله " وصابروا " أهل الضلالة " ~~ورابطوا " الخيول. وقال الزجاج: اصبروا على دينكم وصابروا على عدوكم، ~~ورابطوا أي أقيموا على جهادكم بالحرب { واتقوا الله } في جميع ما ~~أمركم ونهاكم. وقال القتبي: أصل المرابطة: أن يربطوا خيولهم في الثغر. { ~~لعلكم تفلحون } يقول: تفوزون وتأمنون النار وتنجون منها، ~~ويقال: أصل الفلاح البقاء بالنعمة، ويقال: الفلاح أن يبلغ الإنسان نهاية ~~ما (يؤمل). والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي ~~الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين آمين. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # { يا أيها الناس } قال ابن عباس - رضي الله عنه ms0291 - في قوله تعالى ~~{ يا أيها الناس } قال الناس عامة، وقد يكون: { يا أيها ~~الناس } خاصة وعامة، يعني خاصة لأهل مكة، وفي هذا الموضع عام لجميع ~~الناس { اتقوا ربكم } يعني اخشوا ربكم، ويقال: أطيعوا ربكم. ~~ويقال: احذروا المعاصي لكي تنجوا من عقوبة ربكم. وقال: وحدوا ربكم ولا ~~تشركوا به شيئا. ثم دل على وحدانية نفسه بصنيعه. فقال: { الذي ~~خلقكم من نفس وحدة } يعني آدم، { وخلق منها ~~زوجها } يعني خلق من نفس آدم زوجها حواء، وذلك أن الله تعالى لما خلق ~~آدم وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم، فكان آدم بين النائم واليقظان، فخلق ~~من ضلع من أضلاعه اليسرى حواء، فلما استيقظ، قيل له: من هذه يا آدم؟ قال: ~~امرأة، لأنها خلقت من المرء، فقيل: ما اسمها؟ قال: حواء، لأنها خلقت من ~~حي، وقد قيل: إنما سميت حواء لأنه كان على شفتيها حوة، وقيل لأن لونها ~~كان يضرب إلى السمرة، فسميت حواء من قولك أحوا، كقوله تعالى: # فجعله غثآء أحوى # [الأعلى: 5] ثم قال تعالى: { وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونساء } يعني خلق منهما، يعني من آدم وحواء، ونشر منهما رجالا كثيرا ~~ونساء، يعني خلق منهما رجالا كثيرا ونساء. قال مقاتل: أي خلق منهما ~~ألف ذرية من الناس. ثم قال تعالى: { واتقوا الله } أي أطيعوا ~~الله { الذي تساءلون به } قرأ حمزة، والكسائي وعاصم وأبو عمرو، ~~في رواية هارون: «تسألون» بغير تشديد، وقرأ الباقون: بالتشديد، [فأما من ~~قرأ بالتشديد]، لأن أصله تتساءلون، فأدغم إحدى التاءين في السين وأقيم ~~التشديد مقامه، ومن قرأ بالتخفيف فالأصل أيضا: تتساءلون فحذف إحدى ~~التاءين لاجتماع الحرفين من جنس واحد للتخفيف. ثم قال: { والأرحام } ~~قرأ حمزة: " والأرحام " بكسر الميم، والباقون بنصب الميم، ومعناه: واتقوا ~~الله الذي تسألون به الحاجات، يعني الذي يسأل الناس بعضهم بعضا، فيقول ~~الرجل للرجل: أسألك بالله وأنشدك بالله والأرحام، يقول: واتقوا [الله] في ~~ذوي الأرحام فصلوها ولا تقطعوها، وأما من قرأ بالكسر:معناه، أسألك بالله ~~وبالرحم أن تعطيني شيئا. وقال الزجاج من قرأ بالخفض فخطأ في العربية ~~[وفي أمر ms0292 الدين، أما الخطأ في العربية] لأن الإسم يعطف على الاسم المفصح ~~به ولا يعطف على المكنى به إلا في اضطرار الشعر كقول الشاعر: # فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا # فما لنا بك والأيام من عجب # وأما في غير الشعر فلا يستعمل، وأما الخطأ الذي في الدين، لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: # " لا تحلفوا بآبائكم " # فالسؤال بالأرحام أمر عظيم ولكن روي عن إبراهيم النخعي: أنه كان يقرأ ~~بالخفض أيضا. # ثم قال تعالى: { إن الله كان عليكم رقيبا } أي حفيظا ~~لأعمالكم يسألكم عنها فيما أمركم به، وروى أبو هريرة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما من عمل حسنة أسرع ثوابا من صلة الرحم وما من عمل سيئة أسرع عقوبة ~~من البغي، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " [إن الله] لما خلق الرحم قال له: أصل من وصلك واقطع من قطعك " # ويقال الرحم مشتق من الرحمة، فمن قطعها فليس له من رحمة الله تعالى ~~نصيب. وقال - صلى الله عليه وسلم -: # " الرحم معلق بالعرش فمن قطعها قطعني ومن وصلها وصلني " ### || [4.2-3] # ثم قال { وءاتوا اليتمى أمولهم } يقول للأولياء: (آتوا) ~~اليتامى أموالهم التي عندكم إذا بلغوا النكاح، يعني الحلم. { ولا ~~تتبدلوا الخبيث } يعني الحرام { بالطيب } يعني بالحلال ~~من أموالكم، يقول: لا تذروا أموالكم الحلال، وتأكلوا الحرام من أموال ~~اليتامى ويقال: لا تخلطوا الخبيث بالطيب، ويقال: لا تخلطوا من مالكم ~~الرديء، وتأخذوا الجيد من مال اليتيم، يعني أن يرسل شاة عجفاء في غنمه، ~~ويأخذ مكانها شاة سمينة، وفي الحبوب كذلك. ويقال: لا تجعلوا أموالهم ~~وقاية لأموالكم. ثم قال تعالى { ولا تأكلوا أمولهم إلى ~~أمولكم } يعني مع أموالكم { إنه كان حوبا كبيرا } يعني ~~إثما عظيما. قرأ الحسن «حوبا» بنصب الحاء، قال مقاتل: هو بلغة الحبش، ~~قال القتبي: الحوب والحوب واحد، وهو الإثم. وقال مقاتل: نزلت في رجل ~~من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخيه فلما بلغ اليتيم، طلب ماله، فمنعه ~~العم، فنزلت الآية. ms0293 فقرأها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~الرجل: أطعنا الله ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، ~~فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " لقد أصاب الأجر، وبقي الوزر " # ، فقالوا كيف بقي الوزر، وقد أنفقه في سبيل الله، فقال: # " أصاب الغلام الأجر وبقي الوزر على والده " # قوله تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى } ~~يعني ألا تعدلوا في أموال اليتامى، يقال في اللغة: أقسط الرجل: إذا عدل، ~~وقسط: إذا جار. وقال - صلى الله عليه وسلم -: # " المقسطون في الدنيا على منابر من نور يوم القيامة " # يعني العادلون قال الله تعالى: # وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] يعني الجائرون [ثم قال تعالى] { فانكحوا ما طاب ~~لكم... } وذلك أنهم كانوا يسألون عن أمر اليتامى ويخافون ألا يعدلوا، ~~وكانوا يتزوجون من النساء ما شاءوا فنزلت هذه الآية { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم } { ~~من النساء مثنى وثلث ورباع } يعني فكما خفتم ألا ~~تعدلوا في اليتامى، فخافوا في النساء إذا اجتمعن عندكم ألا تعدلوا بينهن. ~~وروى عروة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كان الناس يتزوجون ~~اليتامى ولا يعدلون بينهن، ولم يكن لهم أحد يخاصم عنهن، فنهى الله ~~المؤمنين عن ذلك، فقال: { وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتمى } الآية. ويقال: إنهم كانوا يتزوجون امرأة لها أولاد ~~أيتام، وكانوا لا يحسنون النظر إليهم، فنزل { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم } يعني بغير ~~ولد، مثنى وثلاث ورباع، ثم قال تعالى: { فإن خفتم ألا ~~تعدلوا } في القسم والنفقة { فوحدة } يقول: تزوجوا امرأة ~~واحدة، وإن خفتم ألا تعدلوا في الواحدة { أو ما ملكت ~~أيمنكم } يعني الإماء. # ويقال: إن خفتم ألا تعدلوا في القسم بين النساء فواحدة أي واشتروا ~~الإماء، لأن الواحدة لا تحتاج إلى القسمة، والإماء لا يحتاج فيهن إلى ~~القسمة، وقال بعض الروافض بظاهر هذه الآية: أنه يجوز نكاح تسع نسوة لأنه ~~قال: مثنى وثلاث ورباع، فيكون ذلك تسعا. ms0294 ولكن أجمع المفسرون: أن المراد ~~به التفصيل لا الإجتماع، ومعناه مثنى، أو ثلاث، أو رباع. وبذلك جاءت ~~الآثار، وهو حديث: غيلان بن سلمة: أنه أسلم ومعه عشر نسوة، فخيره النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فاختار أربعا (وفارق البواقي) وروي عن الكلبي ~~ومقاتل: أن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر فلما نزلت هذه الآية، ~~أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطلق أربعا ويمسك أربعا، ~~وروى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير أن ذلك كان الحارث بن قيس ~~الأسدي، وهذا هو المعروف عند الفقهاء، ثم قال تعالى: { ذلك أدنى ~~ألا تعولوا } أي أحرى ألا تميلوا، ولا تجوروا ولا تظلموا. ### || [4.4-6] # ثم قال تعالى: { وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } يعني ~~أعطوا النساء مهورهن فريضة. ويقال: ديانة، كما يقال: فلان ينتحل [إلى] ~~مذهب كذا، أي يدين بكذا، ويقال: نحلة، أي صدقة وهبة، لأن المهر نحلة من ~~الله تعالى للنساء، حيث لم يوجب عليهن وأوجب لهن. وقال في رواية الكلبي: ~~إن أهل الجاهلية، كان الولي إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها ~~من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كانت غريبة حملوها على بعير إلى زوجها، ~~ولا يعطوها مهرها - غير ذلك البعير - شيئا، فنزل: قوله تعالى: { ~~وءاتوا النساء صدقتهن نحلة } ، يعني به الأولياء يعني ~~أعطوهن مهورهن نحلة، يقول: عطية لهن وقال في رواية مقاتل: كان الرجل ~~يتزوج بغير مهر، ويقول: أرثك وترثيني، فنزلت الآية: وآتوا النساء، يعني ~~الأزواج، صدقاتهن نحلة، أي مهور النساء نحلة، يعني فريضة { فإن طبن ~~لكم } يا معشر الأزواج، أي أحللن لكم ووهبن لكم. قال في رواية الكلبي، ~~يعني الأولياء، إذا وهبت المرأة المهر للولي فذلك قوله: فإن طبن لكم { ~~عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا } أي طيبا لا إثم فيه { ~~مريئا } أي لا داء فيه. ويقال: هنيئا مريئا، يعني حلالا طيبا. ~~وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: إذا كان أحدكم مريضا، فليسأل من ~~امرأته، درهمين من مهرها حتى تهب له بطيبة نفسها، فيشتري بذلك ms0295 عسلا ~~فيشربه مع ماء المطر فحينئذ قد اجتمع الهنيء، والمريء، والشفاء والماء ~~المبارك، يعني أن الله سبحانه تعالى سمى المهر هنيئا مريئا، إذا وهبت ~~وسمى العسل شفاء، وسمى ماء المطر مباركا، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى ~~له الشفاء ثم قال تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم } ~~يعني النساء، والأولاد الصغار يعني لا يجعل الرجل ماله في يدي امرأته ~~وأولاده، ثم يجعل نفسه محتاجا إليهم، فلا يدفع إليه عند حاجته. ويقال: ~~لا تدفعوا أموالكم مضاربة، ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة. وروي عن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه قال: من لم يتفقه، فلا يتجر في سوقنا، فذلك قوله ~~تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أمولكم } يعني الجهال ~~بالأحكام. ويقال: لا تدفعوا إلى الكفار، ولهذا كره علماؤنا أن يوكل ~~المسلم ذميا [بالبيع والشراء] أو يدفع إليه مضاربة. ثم قال تعالى: { ~~التي جعل الله لكم قيما } يعني الأموال التي جعل الله ~~قواما لمعاشكم. ثم قال: { وارزقوهم فيها } يعني الأولاد الصغار ~~أطعموهم { واكسوهم } من أموالكم، وكونوا أنتم القوام على أموالكم، { ~~وقولوا لهم قولا معروفا } يعني إذا طلبوا منكم النفقة، ~~ولم يكن عندكم في ذلك الوقت شيء، فعدوا لهم عدة حسنة، أي سأفعل ذلك. ثم ~~قال: { وابتلوا اليتمى } يعني: اختبروا اليتامى، وجربوا ~~عقولهم، { حتى إذا بلغوا النكاح } يعني الحلم. # ويقال: مبلغ الرجال { فإن آنستم منهم رشدا } يقول: إذا ~~رأيتم منهم رشدا وصلاحا في دينهم، وحفظا لأموالهم { فادفعوا ~~إليهم أمولهم } التي معكم { ولا تأكلوها إسرافا } ~~في غير حق { وبدارا } يعني مبادرة في أكله { أن يكبروا } يعني ~~مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم. ثم قال: { ومن كان غنيا ~~فليستعفف } أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم { ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } وقد اختلف الناس في تأويل هذه الآية، ~~وقالوا فيها ثلاثة أقوال: قال بعضهم: يجوز للمعسر أن يأكل على قدر قيامه ~~عليه، وقال بعضهم: لا يجوز أن يأكل إلا على وجه القرض ويرد عليه إذا كبر ~~وقال بعضهم: لا يجوز في الأحوال كلها. فأما من قال: إنه يجوز أكله على ~~قدر ms0296 قيامه، فإنه احتج بما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه ~~قال: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم المراد منه بيت المال فمن ~~كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. وروي عن ابن عباس - ~~رضي الله عنه - أن رجلا سأله فقال: يا ابن عباس أتي إلي بمواشي أيتام، ~~فهل علي جناح إن أصبت من رسل مواشيهم؟ قال ابن عباس: إن كنت تبغي ~~ضالتها، وتهنأ جرباها وتلوط حياضها، ولا تفرط لها يوم وردها فلا جناح ~~عليك إن أصبت من رسلها. وقال مجاهد: كان يقول من أدركت من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: إن للوصي أن يأكل بالمعروف مع اليتيم، فإنه ~~يحلب غنمه، ويقوم على ماله ويحفظه وأما من قال: أنه يجوز أكله على وجه ~~القرض، احتج بما روي عن محمد بن سيرين أنه قال: سألت عبيدة السلماني عن ~~قوله تعالى: { ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ، ~~قال: هو قرض ثم يرد عليه إذا كبر، فقال: ألا ترى أنه قال في سياق الآية: ~~{ فإذا دفعتم إليهم أمولهم فأشهدوا عليهم ~~}. وقال أبو العالية: ما أكل فهو دين عليه، وقال الشعبي مثله، وأما من ~~قال أنه لا يجوز أكله، فلأن الله تعالى قال: # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون فى بطونهم نارا # [النساء: 10] وتلك الآية محكمة، وهذه من المتشابهة لأنه يحتمل التأويل: ~~إنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة، فيرد حكم المتشابه إلى ~~المحكم. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بتلك الآية. قال الفقيه - رحمه ~~الله -: إذا كان الوصي فقيرا فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه، أرجو ~~أن لا بأس به، لأن كثيرا من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل. قرأ ~~نافع وابن عامر (التي جعل الله لكم قيما) بكسر القاف ونصب الياء بغير ~~ألف، والباقون بالألف ومعناهما قريب. وقال أهل اللغة: قياما، وقواما، ~~وقيما، بمعنى واحد. وقوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم ~~أمولهم } يعني إذا أدرك اليتامى، ودفعتم إليهم أموالهم. { ~~فأشهدوا عليهم } على ms0297 ذلك وإنما الإشهاد على معنى الاستحباب ~~لنفي التهمة عن نفسه، ولو لم يشهد على ذلك لجاز كقوله تعالى { ~~وأشهدوا إذا تبايعتم } ثم قال: { وكفى بالله ~~حسيبا } أي شهيدا في أمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا ينبغي أن يشهد ~~العدول على ذلك لدفع القال عن نفسه، لأن الله تعالى لا يشهد له في ~~الدنيا. ### || [4.7-10] # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما ترك الولدن ~~والأقربون } وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء، وإنما ~~يورثون الرجال من كان يقاتل ويحوز الغنيمة، حتى مات أوس بن ثابت ~~الأنصاري، وترك ثلاث بنات، وترك امرأة يقال لها أم كجة، فقام ابن عمه ~~وأخذ ماله فجاءت المرأة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذكرت له القصة. ~~ويقال: مات رفاعة وترك ابنه وابنته، فأخذ الابن ميراثه كله فجاءت امرأته ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بذلك فنزل قوله: { للرجال ~~نصيب } أي: حظ { مما ترك الولدن والأقربون } { ~~وللنساء نصيب } أي حظ { مما ترك الولدن ~~والأقربون مما قل منه } يعني ان قل المال { أو كثر ~~نصيبا مفروضا } أي حظا معلوما لكل واحد من الميراث، فبين في ~~هذه الآية: أن للرجال نصيبا، وللنساء نصيبا، ولكن لم يبين مقدار نصيب ~~كل واحد منهم، ثم بين في الآية التي بعدها فقال: { وإذا حضر ~~القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين } ~~قال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، ومعناه: إذا حضر أولوا القربى، قسمة ~~الميراث، { فارزقوهم منه } يعني فأعطوهم من الميراث قال مقاتل ~~وهذا كان قبل قسمة الميراث ثم قال تعالى: { وقولوا لهم قولا ~~معروفا } يعني إذا كان الورثة كبارا يعطون من الميراث لذوي القربى، ~~وإن كانت الورثة صغارا، ليقل لهم الأولياء قولا معروفا أي عدوا لهم ~~عدة حسنة، يقول لهم، إذا أدرك الصغار أمرناهم يعطوكم شيئا ويعرفون حقكم. ~~وقال القتبي: { إذا حضر القسمة } فيه قولان: أحدهما: أن تكون ~~قسمة الوصية إذا حضرها أقرباؤكم فاجعلوا لهم حظا من الثلث، ووجه آخر أن ~~يكون قسمة الميراث فارضخوا لهم منها ثم قال: { وليخش الذين لو ~~تركوا من خلفهم } يقول: وليخش ms0298 على أولاد الميت الضياع، كما ~~أنكم لو تركتم أولادا { ذرية ضعفا } يقول: عجزة صغار، يعني ~~الذي يحضره الموت لا يقال له: قدم لنفسك وأوص بكذا وكذا، حتى يوصي بعامة ~~ماله، فليخش على ذرية الميت كما يخشى على ذرية نفسه. وروى سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس قال: إذا حضر الرجل الوصية، فلا ينبغي أن يقول له أوص بمالك، ~~فإن الله تعالى رازق أولادك، ولكن يقول له: قدم لنفسك، واترك لولدك، فذلك ~~قوله تعالى: { خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا } يعني يقول للميت قولا عدلا: وهو أن ~~يلقنه: لا إله إلا الله، ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى ~~يسمعه منه ويتلقن، وهكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " # ولم يقل مروهم بذلك [لأنه لو أمر بذلك] فلعله يغضب ويجحد. # قوله تعالى: { إن الذين يأكلون أمول اليتمى ~~ظلما } يعني بغير حق { إنما يأكلون في بطونهم نارا } ~~أي حراما، لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله باسمها. ويقال: إنه يلقم ~~من النار إذا صار إلى جهنم فذلك قوله تعالى: { إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا }. وروي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال في بعض قصة المعراج أنه قال: # " رأيت أقواما بطونهم كالحبالى فيها الحيات والعقارب فقلت: من هؤلاء يا ~~جبريل قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم ~~نارا " # ، { وسيصلون سعيرا } أي سيدخلونها في الآخرة. قرأ ابن عامر ~~وعاصم في رواية أبي بكر (وسيصلون) بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، ~~وقرأ الباقون النصب، وهذا كقوله: سيدخلون وسيدخلون. وقال القتبي: في ~~قوله، { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم }. معناه، ~~وليخش الذين يكفلون اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده. ### || [4.11-14] # { يوصيكم الله في أولدكم } أي يبين الله لكم ميراث ~~أولادكم كما بين قسمة المواريث، يعني إذا مات الرجل أو المرأة، وترك ~~أولادا ذكورا وإناثا [يكون] { للذكر مثل حظ الأنثيين ~~} يعني لكل ابن سهمان، ms0299 ولكل بنت سهم. وروى ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: ~~كان ابن عباس يقول: كان الميراث للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، ~~فنسخ الله من ذلك ما أحب: فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل ~~واحد منهما السدس، وللمرأة الثمن أو الربع، وللزوج النصف أو الربع. ثم ~~قال تعالى: { فإن كن نساء فوق اثنتين } يعني إذا ترك ~~الميت بناتا ولم يترك أبناء، فللبنات إن كن اثنتين فصاعدا، { فلهن ~~ثلثا ما ترك } من الميراث ولم يذكر في الآية حكم البنتين ولكن ~~أجمع المسلمون، ما خلا رواية عن ابن عباس أنه قال: للاثنتين النصف كما ~~كان للواحدة، وللثلاث بنات الثلثان. وأما سائر الصحابة فقد قالوا: إن ~~للاثنتين الثلثين، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~روى جابر بن عبد الله قال: # " جاءت امرأة [سعد] بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاتان ابنتا سعد، وقد ~~قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، ولم يدع لهما ~~مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~سيقضي الله ذلك، فأنزل الله تعالى آية الميراث فبعث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى عمهما وقال: أعط لابنتي سعد الثلثان، واعط أمهما الثمن، ~~والباقي لك " # ، ثم قال تعالى: { وإن كانت وحدة فلها النصف } يعني إن ~~ترك الميت بنتا واحدة فلها النصف من الميراث والباقي للعصبة بالخبر. ~~قرأ نافع: (وإن كانت واحدة) بالرفع على اسم كانت، وقرأ الباقون: بالنصب ~~على معنى الخبر، ويكون الاسم فيه مضمرا. ثم قال تعالى: { ولأبويه ~~لكل وحد منهما السدس مما ترك } الميت من المال، { ~~إن كان له ولد } ذكر أو أنثى، أو ولد الإبن، { فإن لم ~~يكن له } للميت { ولد } ولا ولد ابن { وورثه أبواه } ~~يعني إن لم يكن للميت وارث سوى الأبوين { فلأمه الثلث } يعني ~~للأم ثلث المال والباقي للأب. قرأ حمزة والكسائي: (فلإمه) بكسر الألف، ~~لكسر ما قبله، وقرأ الباقون ms0300 بالضم ثم قال تعالى: { وإن كان له ~~إخوة فلأمه السدس } يعني، إذا كان للميت إخوة، وقد اتفق ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن اسم الإخوة يقع على الاثنين ~~فصاعدا، إلا في قول ابن عباس: ثلاثة فصاعدا، واتفقوا أن الذكور والإناث ~~فيه سواء فيكون للأم السدس، والباقي للأب: { من بعد وصية } يعني ~~أن قسمة المواريث من بعد وصية { يوصي بها } الميت { أو دين } ~~يعني بعد قضاء الدين، وإنفاذ الوصية. # وروى الحارث عن علي - رضي الله عنه - قال: قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالدين قبل الوصية وأنتم تقرؤون { من بعد وصية ~~يوصي بها أو دين } يعني، إن في الآية تقديما وتأخيرا وروي عن ~~ابن عباس: هكذا. قرأ ابن كثير، وابن عامر وعاصم (يوصى بها) على فعل ما لم ~~يسم فاعله، وقرأ الباقون: (يوصي بها) يعني الميت إن كان يوصي بها أو ~~عليه دين. ثم قال تعالى: { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون ~~أيهم أقرب لكم نفعا } يعني في الآخرة إذا كان أحدهما أرفع ~~درجة من الآخر، يسأل الله تعالى، حتى يرفع إليه الآخر لتقر عينه به فقال: ~~{ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } يعني أيهم أرفع ~~درجة فيلتحق به صاحبه. ويقال: معناه إن الله علمكم قسمة المواريث، وأنكم ~~لا تدرون أيهم أقرب (لكم نفعا حتى تعطوه حصته ويقال: لا تدرون أيهم ~~أقرب) موتا فيرث منه الآخر. ثم قال تعالى: { فريضة من الله } ~~يعني بيان قسمة المواريث من الله تعالى، ويقال: القسمة فريضة من الله ~~تعالى، لا يجوز تغييرها عما أمر الله به، ثم قال تعالى: { إن الله ~~كان عليما } بالمواريث { حكيما } حكم قسمتها وبينها لأهلها. وقال ~~الزجاج: معناه، وكان الله عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقرر ~~بتدبيره منها. وقال بعضهم: لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال، فالخبر منه ~~بالماضي، كالخبر منه بالاستقبال. وقال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما ~~وحكما فقيل لهم: إن الله كان عليما كذلك لم يزل على ما شاهدتم. ثم قال ~~تعالى: { ولكم نصف ما ترك ms0301 أزوجكم } إذا ماتت المرأة ~~فتركت زوجا، فللزوج النصف { إن لم يكن لهن ولد } ذكرا ~~أو أنثى، أو ولد ابن، { فإن كان لهن ولد } أو ولد ابن فللزوج ~~الربع { فلكم الربع مما تركن } مما تركت المرأة { من ~~بعد وصية يوصين بها أو دين } ثم قال: { ولهن ~~الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن ~~كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد ~~وصية توصون بهآ أو دين } يعني إذا مات الزوج وترك امرأة ~~فللمرأة الربع { إن لم يكن لكم ولد } ولا ولد ابن { فإن ~~كان لكم ولد } فإن كان للميت ولد وولد ابن { فلهن الثمن ~~} سواء كان له امرأة واحدة، أو أربع نسوة، فلهن الربع بغير ولد، والثمن ~~مع الولد [أو مع ولد الابن] لأنه قال: ولهن الربع فجعل حصتهن الربع أو ~~الثمن، ثم قال: { مما تركتم من بعد وصية توصون بها ~~أو دين } ثم قال: { وإن كان رجل يورث كللة } ~~والكلالة ما خلا الوالد والولد. # ويقال: هو اسم الميت الذي ليس له ولد ولا والد. قال أبو عبيدة: هو مصدر ~~من تكله النسب، أي أحاط به، والأب والابن طرفا الرجل، فيسمى لذهاب طرفيه ~~كلالة. وقرأ بعضهم: (يورث) بكسر الراء. قال أبو عبيدة: من قرأ (يورث) ~~بكسر الراء، جعل الكلالة الورثة ومن قرأ بنصب الراء جعل الكلالة الميت. ~~وروى الشعبي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: الكلالة من ~~لا ولد ولا والد. # وروي عنهما أيضا أنهما قالا: الكلالة ما سوى الولد والوالد. قوله ~~تعالى: { أو امرأة } يعني إن كانت الكلالة هي امرأة ثم قال تعالى: { ~~وله أخ أو أخت فلكل وحد منهما السدس } من ~~الميراث { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث } يعني الإخوة من الأم وقد أجمع المسلمون أن المراد ها هنا ~~الإخوة من الأم، لأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين، ففهموا أن ~~المراد ها هنا الإخوة من الأم ثم قال: { من بعد وصية يوصى ~~بها أو دين } وقد ذكرناه { غير ms0302 مضار وصية من ~~الله } يعني غير مضار للورثة فيوصي بأكثر من الثلث، { وصية من ~~الله } يعني أن تلك القسمة فريضة من الله { والله عليم } يعني ~~علم بأمر الميراث { حليم } على أهل الجهل منكم. # " وقال عليه الصلاة والسلام من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه ~~من الجنة " # وقرأ بعض المتقدمين (والله عليم حكيم). يعني، حكم بقسمة الميراث ~~والوصية، ثم قال: { تلك حدود الله } يعني هذه فرائض الله، مما ~~أمركم به من قسمة المواريث، ويقال: تلك أحكام الله، وتلك بمعنى هذه، يعني ~~هذه أحكام الله قد بينها لكم لتعرفوا وتعملوا { ومن يطع الله ~~ورسوله } في قسمة المواريث، فيقربها، ويعمل بها كما أمره الله { ~~يدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين ~~فيها وذلك الفوز العظيم } أي ذلك الثواب هو الفوز العظيم ~~إلى النجاة الوافرة. قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله } ~~في قسمة المواريث، فلم يقسمها، ولم يعمل بها { ويتعد حدوده } ~~أي خالف أمره { يدخله نارا خلدا فيها } لأنه إذا جحد صار ~~كافرا { وله عذاب مهين } يهان فيه. قرأ نافع وابن عامر ~~(ندخله) كلاهما بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه، وقرأ الباقون: كلاهما ~~بالياء لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى. ### || [4.15-18] # { واللتي يأتين الفحشة من نسائكم } يعني الزنا، ~~وهي المرأة الثيب إذا زنت { فاستشهدوا عليهن } أي اطلبوا ~~عليهن { أربعة } من الشهود { منكم } أي من أحراركم المسلمين، ~~عدولا { فإن شهدوا } عليهن بالزنا { فأمسكوهن في ~~البيوت } يعني احبسوهن في السجن { حتى يتوفاهن الموت ~~} أي حتى يمتن في السجن { أو يجعل الله لهن سبيلا } يعني ~~مخرجا من الحبس، ثم نسخ فصار حدهن الرجم، لما روي عن عبادة بن الصامت - ~~رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة، ~~وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم بالحجارة " # ثم ذكر في الآية حد البكر فقال: { واللذان } لم يحصنا { ~~يأتينها } يعني الفاحشة { منكم } يعني من الأحرار المسلمين { ~~فآذوهما } باللسان يعني بالتعيير، بما فعلا، ليندما على ms0303 ما فعلا، { ~~فإن تابا } من بعد الزنا { وأصلحا } العمل { فأعرضوا ~~عنهما } أي فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة { إن الله كان ~~توابا } أي متجاوزا { رحيما } بهما. ثم نسخ الحبس والأذى بالرجم ~~والجلد، وإنما كان التعيير في ذلك الزمان لأن التعيير حل محل الجلد، وأما ~~اليوم فلا ينفعهم التعيير، وروي عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: ~~واللاتي يأتين الفاحشة (من نسائكم) واللذان يأتيانهما منكم، كان ذلك في ~~أول الأمر، ثم نسخ بالآية التي في سورة النور. قرأ ابن كثير: (واللذان) ~~بتشديد النون، لأن الأصل (اللذيان) فحذف الياء وأقيم التشديد مقامه، وقرأ ~~الباقون: بالتخفيف ثم قال تعالى: { إنما التوبة على الله } ~~يعني قبول التوبة على الله، ويقال: توفيقه على الله. ويقال: إنما التجاوز ~~من الله { للذين يعملون السوء بجهلة } قال ابن عباس - ~~رضي الله عنه - كل مؤمن يذنب فهو جاهل في فعله. ويقال إنما الجهالة إنهم ~~يختارون اللذة الفانية على اللذة الباقية، وذلك الجهل لا يسقط عنهم ~~العذاب، إلا أن يتوبوا، قوله: { ثم يتوبون من قريب } قال ابن ~~عباس: كل من تاب قبل موته فهو قريب. { فأولئك يتوب الله ~~عليهم } أي يقبل توبتهم { وكان الله عليما حكيما } يعني ~~عليما] بأهل التوبة، حكيما حكم بالتوبة، وقال مقاتل: نزلت الآية في رجل ~~من قريش سكر، وذكر شعرا ذكر فيه اللات والعزى، وأنكر البعث، فلما أصبح ~~أخبر بذلك، فندم على ذلك واسترجع، فنزلت الآية { ثم يتوبون من ~~قريب } ، يعني قبل الموت. قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد ~~بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا أبو حفص، عن صالح ~~المري، عن الحسن قال: من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله [منه] ابتلاه ~~الله به. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر " # وقال الحسن: إن إبليس لما أهبط من الجنة قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما ~~دام الروح في جسده، قال الله تعالى: فبعزتي فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن ~~آدم ما ms0304 لم يغرغر بنفسه. قال أبو العالية الرياحي: نزلت أول الآية في ~~المؤمنين والوسطى في المنافقين، والأخرى في الكافرين، فأما توبة المؤمنين ~~فذكرها قد مضى، وأما ذكر توبة المنافقين فقوله تعالى: { وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئت } الآية، يعني ليس ~~قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم { حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت } أي الشرق والنزع وعاينه ملك الموت، { قال: إني تبت ~~الآن } فليس لهذا توبة، ثم ذكر توبة الكفار { ولا الذين ~~يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما } أي وجيعا دائما. ### || [4.19-21] # { يا أيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النساء كرها } قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية، وفي أول الإسلام، ~~إذا مات الرجل وله امرأة، وله ولد من غيرها، أو له وارث غير الابن، فألقى ~~ثوبه عليها وورث نكاحها بالصداق الأول، ويقول: أنا ولي زوجك فورثتك فإن ~~كانت جميلة أمسكها، وإن لم تكن جميلة طول عليها، لتفتدي منه فنزلت هذه ~~الآية. وقال في رواية الضحاك: كان الرجل عنده عجوز، ونفسه تتوق إلى ~~الشابة، فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه ~~بمالها أو تموت فيرث مالها، فنزلت هذه الآية، وأمر الزوج بأن يطلقها إن ~~كره صحبتها، فلا يمسكها كرها، فذلك قوله تعالى: { لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها }. قرأ عاصم وابن كثير، وابن عامر، وأبو ~~عمرو، ونافع: (كرها) بنصب الكاف، وقرأ حمزة والكسائي: (كرها) [بالضم]. ~~قال القتبي: (الكره) بالنصب بمعنى الإكراه، (والكره) بالرفع المشقة، ~~ويقال: ليفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. ثم قال تعالى: ~~{ ولا تعضلوهن } أي لا تمنعوهن من الأزواج { لتذهبوا ~~ببعض ما ءاتيتموهن } من المهر وغيره { إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة } وهي المعصية في النشوز على زوجها، فيحل له ما ~~أخذ منها. ويقال: إلا أن تزني فيحل له أن يفتدي منها، يعني إذا كانت ~~بطيبة نفسها. قرأ ابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر (بفاحشة مبينة) بنصب ~~الياء، وقرأ الباقون (مبينة) بكسر الياء، فمن قرأ بالكسر يعني، الفعل ~~الفاحشة، يعني فاحشة ظاهرة ms0305 تبين منها نفسها، ومن قرأ بالنصب، يكون بمعنى ~~المفعول. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في محصن بن أبي قيس وامرأته هند بنت ~~المغيرة وفي جماعة. وقال الكلبي: نزلت في حصن بن أبي قيس وامرأته كبشة ~~بنت معن. ثم قال تعالى: { وعاشروهن بالمعروف } أي: صاحبوهن ~~بالجميل { فإن كرهتموهن } أي كرهتم صحبتهن { فعسى } يقول: ~~فلعل { أن تكرهوا شيئا } من صحبتكم إياهن { ويجعل الله ~~فيه خيرا كثيرا } يعني في صحبتهن، يرزق لكم ولدا صالحا وهذا ~~كقوله عز وجل { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ~~ويقال { ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } لعله إن أمسكها، ~~فيعطفه الله عليها من بعد ذلك، وأما أن يخلي سبيلها فيزوجها الله زوجا ~~غيره فيرزقها الله منه الولد. ثم قال: { وإن أردتم استبدال ~~زوج } يعني تغيير زوج { مكان زوج } يعني إذا أراد الرجل أن ~~يطلق زوجته، ولم يكن منها نشوز، وأراد أن يتزوج غيرها { وآتيتم ~~إحداهن قنطارا } من الذهب في المهر. قال مجاهد: القنطار سبعون ~~ألف دينار. وقال عطاء: سبعة آلاف دينار. وقال الحسن: ألف دينار أو إثني ~~عشرة ألف درهم. # وقال قتادة: كان يقال: القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفا من ~~ورق. وروي عن عبد الوهاب بن عطاء عن الكلبي قال: كل ما لم أسنده لكم فهو ~~كله عن أبي صالح عن ابن عباس قال: القنطار ألف مثقال مما كان من ذهب أو ~~فضة ثم قال تعالى: { فلا تأخذوا منه شيئا } أي: فلا تستحلوا ~~أن تأخذوا مما أعطيتم شيئا، إذا لم يكن النشوز من قبلها. ثم قال: { ~~أتأخذونه بهتنا } يقول: أتستحلون أخذه ظلما { وإثما ~~مبينا } أي ذنبا ظاهرا. ثم قال تعالى: { وكيف تأخذونه } ~~يقول: كيف تستحلون أخذه يعني أخذ مهورهن { وقد أفضى بعضكم ~~إلى بعض } يقول: قد اجتمعا في لحاف واحد. قال الفراء: الإفضاء، أن ~~يخلو الرجل والمرأة، إن لم يجامعها أو جامعها، وقد وجب المهر. وقال ~~الكلبي: الإفضاء: إذا كان معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها، فقد ~~وجب المهر. وروى [عوف] الأعرابي عن ms0306 زرارة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء ~~الراشدون المهديون أن من أغلق بابا وأرخى سترا فقد وجب المهر والعدة. ~~وقال مقاتل: الإفضاء: الجماع، وبهذا القول قال بعض الناس، وأما علماؤنا ~~رحمهم الله - قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة، دخل ~~بها أو لم يدخل بها. ثم قال: { وأخذن منكم ميثقا غليظا } ~~يقول: أوجبن عليكم عقدا وثيقا بالنكاح، وهو قوله تعالى # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # [البقرة: 229] فصار ذلك على الرجال ميثاقا غليظا من النساء. ثم بين ما ~~يحل للرجال من النساء وما لا يحل. ### || [4.22-23] # فقال تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء ~~} ، يعني لا تتزوجوا من قد تزوج آباؤكم من النساء. ويقال اسم النكاح يقع ~~على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت ~~على ابنه وقوله { إلا ما قد سلف } يقول: لا تفعلوا ما قد فعلتم ~~في الجاهلية، وكان الناس يتزوج الرجل منهم امرأة الأب برضاها، بعد نزول ~~قوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } حتى نزلت ~~هذه الآية: { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم... } الآية، فصار ~~حراما في الأحوال كلها. ويقال: إلا ما قد سلف، يعني: ولا ما قد سلف، ~~كقوله تعالى # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ # [النساء: 92] ولا خطأ وقد قيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا، ومعناه، ~~ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [فإنكم إن فعلتم تواخذون وتعاقبون ~~إلا ما قد سلف] إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا، إلا ما قد سلف. وقد ~~قيل: إن في الآية إضمارا تقول { ولا تنكحوا ما نكح ~~ءاباؤكم } من النساء فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف. ~~ثم قال: { إنه كان فاحشة } أي معصية { ومقتا } أي بغضا { ~~وساء سبيلا } أي بئس المسلك. { حرمت عليكم أمهتكم ~~} أي نكاح أمهاتكم، فذكر الأمهات والمراد منه الأمهات والجدات. { ~~وبنتكم } ذكر البنات والمراد به البنات والحفيدات [أي بنات ~~الأولاد] ثم قال تعالى: { وأخوتكم } يعني من النسب { ~~وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات ms0307 الأخت ~~وأمهتكم اللاتي أرضعنكم وأخوتكم من ~~الرضاعة }. ثم قال تعالى: { وأمهت نسائكم } يعني أن ~~نكاح أمهات نسائكم حرام عليكم سواء دخل بالإبنة أو لم يدخل بها. هكذا روي ~~عن ابن عباس وعن جماعة من الصحابة إنهم قالوا ذلك، ثم قال: { ~~وربائبكم } يعني حرام عليكم نكاح بنات نسائكم { اللتي في ~~حجوركم } يعني التي يربيها في حجره حرام عليه إذا دخل بأمها { من ~~نسائكم اللتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم } يعني إن لم يكن دخل بأمها ~~فهي حلال، له أن يتزوجها [وقد اتفقوا على أن] كونها في الحجر ليس بشرط ~~غير قول روي عن بعض المتقدمين وإنما ذكر الحجر لتعارفهم فيما بينهم ~~وتسميتهم بذلك الإسم. ثم قال تعالى: { وحلئل أبنائكم } يعني ~~حرام عليكم نساء أبنائكم { الذين من أصلبكم } يقال: إنما ~~اشترط الذين من الأصلاب، لزوال الاشتباه لأن القوم كانوا يتبنون في ذلك ~~الوقت ويجعلون الابن المتبنى بمنزلة ابن الصلب في الميراث والحرمة، وتبنى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة، فتزوج زيد بن حارثة ~~امرأة ثم طلقها، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعيره ~~المشركون بذلك، وقالوا تزوج امرأة ابنه فنزل قوله تعالى: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم # [الأحزاب: 40] وذكر في هذه الآية فقال: { وحلئل أبنائكم ~~الذين من أصلبكم } لكي لا يظن أحد أن امرأة الابن المتبنى ~~تحرم عليه. ثم قال تعالى: { وأن تجمعوا بين الأختين } أي ~~حرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين في النكاح في حالة واحدة، ثم قال تعالى: ~~{ إلا ما قد سلف } يقول: إلا ما قد مضى في الجاهلية. وروى هشام ~~بن عبيد الله، عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه ~~المحرمات كلها، التي ذكر في هذه الآية إلا اثنتين: أحدهما: نكاح امرأة ~~الأب، والثانية الجمع بين الأختين ألا ترى أنه قال تعالى: { ولا ~~تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف } [ { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف } ولم يذكر في ms0308 سائر المحرمات إلا ما قد سلف]. ويقال: إلا ما قد ~~سلف يعني، دع ما قد مضى { إن الله كان غفورا } لما كان في ~~الجاهلية { رحيما } بما كان في الإسلام إن تاب من ذلك. ### || [4.24-25] # ثم قال تعالى: { والمحصنت من النساء } قال في رواية الكلبي ~~وفي رواية الضحاك، يعني ذوات الأزواج حرام عليكم { إلا ما ملكت ~~أيمنكم } من سبايا، فإذا ملك الرجل امرأة لها زوج في دار الحرب، ~~واستبرأ رحمها بحيضة، فهي حلال له وهذا موافق لما روي عن أبي سعيد ~~الخدري: إن المسلمين أصابوا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج من المشركين، ~~فتأثم المسلمون منهن وقالوا: لهن أزواج، فأنزل الله تعالى { ~~والمحصنت من النساء إلا ما ملكت أيمنكم } ~~يقول: ما أفاء الله عليكم من ذلك وإن كان لهن أزواج من المشركين، فلا بأس ~~بأن يأتيها الرجل، إذا استبرأ رحمها. وقال في رواية مقاتل: { ~~والمحصنت من النساء } يعني، كل امرأة ليست تحتكم فهي حرام ~~عليكم، ثم استثنى من المحصنات فقال: إلا ما ملكت إيمانكم، يعني إلا ما قد ~~تزوجتم من النساء مثنى وثلاث ورباع قوله: { كتب الله عليكم ~~} أي: هذا ما حرم عليكم في الكتاب، ويقال: { كتب الله عليكم ~~} معناه: هذا الذي يقرأ عليكم هو كتاب الله تعالى فاتبعوه، ولا تخالفوه. ~~وقال الزجاج: { كتب الله عليكم } منصوب على التأكيد، محمول ~~على المعنى، لأن معناه: حرمت عليكم أمهاتكم، كتب الله عليكم هذا كتابا، ~~ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، كأنه قال: الزموا كتاب الله، فيكون ~~عليكم مفسرا له. ثم قال تعالى: { وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~} يقول: رخص لكم ما سوى ذلكم فالله تعالى قد ذكر ما حرم في هذه الآية من ~~قوله: { ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم } أربع عشرة من ~~المحرمات، سبع بالنسب وسبع بالسبب ثم بين المحللات فقال: { وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم } يعني ما سوى هذه الأربع عشرة التي ذكر في ~~هذه الآية، فلو كان الأمر على ظاهر هذه الآية، لكان يجوز ما سوى ذلك إلا ~~أنه قد جاء ms0309 الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # ، وقال: # " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا خالتها " # ، فوجب اتباعه، لأن الله تعالى قال: # ومآ ءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، (وأحل لكم) بضم ~~الألف، وقرأ الباقون: بالنصب فمن قرأ بالضم، لأنه عطف على قوله: { ~~حرمت عليكم } ، ومن قرأ بالنصب لأنه نسق على قوله: { كتب ~~الله عليكم } ثم قال تعالى: { أن تبتغوا بأمولكم } ~~يعني أن تتزوجوا بأموالكم، ويقال: تشتروا بأموالكم الجواري { ~~محصنين غير مسفحين } يقول: كونوا متعففين من الزنا غير ~~زانين { فما استمتعتم به منهن } قال مقاتل: يعني به ~~المتعة أي فما استمتعتم منهن إلى أجل مسمى، { فآتوهن أجورهن } ~~أي أعطوهن ما شرطتم لهن من المال. # وإنما كانت إباحة المتعة في بعض المغازي ثم نهي عن ذلك. وروي عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. وروى عطاء عن ابن ~~عباس أنه قال ما كانت المتعة إلا رحمة، رحم الله بها هذه الأمة ولولا نهي ~~عمر عنها، ما زنى إلا شقي. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنما رخص ~~في المتعة في بعض المغازي ثم نسختها آية الطلاق والميراث والعدة. وروى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: { فما استمتعتم به منهن } ~~قال: النكاح فآتوهن أجورهن، يعني مهورهن. وقال في رواية الكلبي: فما ~~استمتعتم به منهن بعد النكاح فآتوهن أجورهن، أي مهورهن { فريضة } لهن ~~عليكم. وقال الضحاك: (فما استمتعتم به منهن) أي، فما تزوجتم بهن فأعطوهن ~~مهورهن. { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة } قال بعضهم: يعني المتعة، قبل أن تنسخ أجاز لهما أن ~~يتراضيا على زيادة الأجل والمال، وقال بعضهم: يعني المهر، لا جناح على ~~الزوجين أن يتراضيا بعد النكاح على زيادة المهر. { إن الله كان ~~عليما } فيما رخص لكم من نكاح الأجانب { حكيما } فيما حرم عليكم من ~~ذوات المحارم. ثم قال تعالى: { ومن لم ms0310 يستطع منكم طولا } ~~أي غنى، يقول: من لم يجد منكم سعة في المال { أن ينكح ~~المحصنت المؤمنت } يعني الحرائر، فليتزوج الإماء فذلك ~~قوله { فمن ما ملكت أيمنكم } من الإماء. ويقال: من لم ~~يستطع منكم طولا، يعني من لم يكن له منكم مقدرة على الحرة، فليتزوج ~~الأمة، يعني إذا لم يكن له امرأة حرة. وقد قال بعض الناس: إذا كان للرجل ~~من المال مقدار ما يمكنه أن يتزوج بالحرة، لا يجوز أن يتزوج الأمة. وفي ~~قول علمائنا: يجوز إذا لم يكن عنده امرأة حرة لأنه لو صرف إلى ذلك الوجه ~~لا يضر، لأن كل مال يمكن أن يتزوج به الأمة. يمكن أن يتزوج به الحرة، ~~ولكن معناه كون الحرة عنده أفضل ثم قال تعالى: { من فتيتكم ~~المؤمنت } يعني يتزوج الأمة المسلمة. وقال بعض الناس: لا يجوز أن ~~يتزوج أمة يهودية أو نصرانية لأن الله تعالى قال { من فتيتكم ~~المؤمنت }. وفي قول علمائنا: يجوز نكاح الأمة اليهودية ~~والنصرانية، وذكر المؤمنات ليس بشرط، أنه لا يجوز غيرها، وهذا بمنزلة ~~قوله # فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة # [النساء: 3] فإن خاف ألا يعدل، فيتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ~~أن لا يتزوج، فكذلك ها هنا الأفضل أن يتزوج الأمة إلا المؤمنة، ولو تزوج ~~غير المؤمنة جاز. ثم قال تعالى: { والله أعلم بإيمنكم ~~بعضكم من بعض } يقول: والله أعلم بإيمانكم في الحقيقة وأنتم ~~تعرفون الظاهر، وليس عليكم أن تبحثوا عن الباطن. # وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه، فما ملكت أيمانكم بعضكم من ~~بعض، [(يعني يتزوج هذا وليدة هذا وهذا وليدة هذا) ثم قال: { والله ~~أعلم بإيمنكم } من غيره. ويقال: معناه، والله أعلم بإيمانكم ~~بعضكم من بعض، يعني: بعضكم من بعض] في النسب، يعني محلكم ولد آدم ولا فخر ~~فيما بينكم. ويقال: دينكم واحد أي بعضكم على دين بعض. ثم قال تعالى: { ~~فانكحوهن بإذن أهلهن } يعني الولاية بإذن أربابهن { ~~وآتوهن أجورهن بالمعروف } يقول: أعطوهن مهورهن بالمعروف ~~(يعني بإذن أهلهن، لأنه إذا أعطى الأمة مهرها بغير إذن ms0311 مولاها واستهلكت ~~ضمن الزوج للمولى). ويقال: مهرا غير مهر البغي، يعني بعدما أطلق ذلك، ثم ~~قال: { محصنت } أي عفائف { غير مسفحت } أي: غير زواني. ~~ويقال: غير معلنات بالزنا. { ولا متخذات أخدان } يعني، أخلاء ~~في السر، لأن أهل الجاهلية كان فيهن زواني في العلانية، ولهن رايات ~~منصوبة، وبعضهن اتخذن أخدانا، يعني أخلاء في السر ولا يفعلن بالعلانية، ~~فنهى الله عن نكاح الفريقين جميعا فقال: تزوجوا محصنات غير معلنات ~~بالزنا، ولا في السر. قرأ الكسائي (محصنات) بكسر الصاد في جميع القرآن ~~إلا في قوله { والمحصنت من النساء } وقرأ الباقون في جميع ~~القرآن بالنصب. ثم قال تعالى: { فإذا أحصن } يعني أسلمن، ويقال: ~~إذا أعففن. قرأ عاصم وحمزة والكسائي: (فإذا أحصن) بالنصب، وقرأ الباقون: ~~بالضم وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بالنصب، ومعناه إذا أسلمن. وقرأ ~~ابن عباس: بالضم، يعني أحصن بالأزواج. { فإن أتين بفحشة } ~~يعني الزنا، { فعليهن } أي وجب عليهن { نصف ما على ~~المحصنت من العذاب } يعني إذا زنت الأمة فحدها نصف حد ~~الحرة، خمسون جلدة، والفائدة في نقصان حدهن - والله أعلم - أنهن أضعف من ~~الحرائر، فجعل عقوبتهن أقل. ويقال: لأنهن لا يصلن إلى مرادهن، كما تصل ~~الحرائر إلى مرادهن. ويقال: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى: أن ~~الله تعالى قال لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - # ينسآء النبي من يأت منكن بفحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [سورة الأحزاب: 30] فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، فكذلك ~~الأمة، لما كانت نعمتها أقل كانت عقوبتها أدنى. وذكر في الآية حد الإماء ~~خاصة، ولم يذكر حد العبيد، ولكن حد العبيد والإماء سواء خمسون جلدة في ~~الزنا، وفي حد القذف وشرب الخمر أربعون جلدة، لأن حد الأمة إنما نقص ~~لنقصان الرق، وذلك في العبد موجود. وروي عن علي بن أبي طالب، وعمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنهما - أنهما قالا: حد العبد نصف حد الحر. ثم قال ~~تعالى: { ذلك } يعني هذا الذي ذكر في الآية. وهو رخصة نكاح الأمة { ~~لمن خشي العنت منكم ms0312 } يعني الإثم في دينه، ويقال: الزنا ~~والفجور [قال القتبي أصله المضرور الإفساد] قال تعالى: { وأن ~~تصبروا } عن نكاح الإماء { خير لكم } من تزوجهن لأنه، لو ~~تزوج الأمة، يصير ولده عبدا. وروي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج بأمة، ~~فقد أرق نصفه أي يصير ولده رقيقا، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق ولده. ~~وقال مجاهد: { وأن تصبروا خير لكم } يقول: وإن تصبروا على ~~نكاح الأمة خير لكم من أن تقعوا في الفجور. { والله غفور } لما ~~أصبتم منهن قبل تحليله { رحيم } حين رخص في نكاح [الإماء] ويقال: ~~رحيم إذ لم يعجل العقوبة. ### || [4.26-31] # { يريد الله ليبين لكم } أي يبين لكم أن الصبر خير لكم ~~من نكاح الإماء. ويقال: يبين لكم إباحة نكاح الأمة عند العذر. ثم قال ~~تعالى: { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } أي شرائع ~~الذين من قبلكم بأنه لم يحل لهم تزوج الإماء وقد أحل لكم ذلك. وقال ~~مقاتل: يريد الله ليبين لكم حكم حلاله وحرامه من النساء، ويهديكم أي يبين ~~لكم شرائع من كان قبلكم { ويتوب عليكم } أي يتجاوز عنكم ما كان ~~منكم قبل التحريم { والله عليم } بمن فعله منكم بعد التحريم { ~~حكيم } فيما نهاكم عن نكاح الاماء إن لم يجد طولا، والنهي نهي ~~استحباب لا نهي وجوب. ويقال: إن هذا ابتداء القصة، يريد الله أن يبين لكم ~~كيفية طاعته، { ويهديكم } يعني يعرفكم سنن الذين من قبلكم، يعني ~~أنهم لما تركوا أمري فكيف عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم، ~~ولكني أتوب عليكم (والله عليم بمن تاب) (حكيم) حكم بقبول التوبة. ثم قال ~~تعالى: { والله يريد أن يتوب عليكم } أي يتجاوز عنكم ما ~~كان منكم من قبل التحريم. ويقال: يتجاوز عنكم الزلل والخطايا. { ~~ويريد الذين يتبعون الشهوت أن تميلوا ميلا ~~عظيما } يعني اليهود والنصارى، ويقال المجوس. { أن تميلوا ~~ميلا عظيما } يعني أن تخطئوا خطأ عظيما، لأن بعض الكفار كانوا ~~يجيزون نكاح الأخت من الأب، وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرم الله تعالى ~~ذلك قالوا للمسلمين: إنكم تنكحون ابنة الخالة ms0313 والعمة فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. ويقال: ويريدون الذين يتبعون الشهوات. ويقال: إن اليهود ~~يريدون أن يقفوا منكم على الزلل والخطايا، يعني أن الله تعالى قد بين لكم ~~لكي لا يقفوا منكم على الزلل والخطايا. ثم قال تعالى: { يريد الله ~~أن يخفف عنكم } يقول: يهون عليكم الأمر إذ رخص لكم في نكاح ~~[الإماء] { وخلق الإنسن ضعيفا } أي لا يصبر على النكاح وقال ~~الضحاك: يخفف عنكم أي يريد أن يضع عنكم أوزاركم ويضع عنكم آثامكم. قوله ~~تعالى: { ضعيفا يا أيها الذين ءامنوا لا تأكلوا ~~أمولكم بينكم بالبطل } يعني بالظلم، باليمين الكاذبة، ~~ليقطع بها [مال أخيه ثم استثنى ما استفضل الرجل من] مال أخيه في تجارته ~~أنه لا بأس به فقال: { إلا أن تكون تجرة عن تراض ~~منكم }. ويقال: إلا ما كان بينهما تجارة، وهو أن يكون مضاربا له، ~~فله أن يأكل من مال المضاربة إذا خرج إلى السفر. ويقال: إلا ما يأكل ~~الرجل شيئا عند اشترائه ليذوقه. قرأ حمزة والكسائي وعاصم: (تجارة) بنصب ~~الهاء على معنى خبر تكون. وقرأ الباقون بالضم على معنى الإسم. ثم قال ~~تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم } أي لا يقتل بعضكم بعضا، فإنكم ~~أهل دين واحد. # ويقال { ولا تقتلوا أنفسكم } ، يعني أن يوجب الرجل على نفسه ~~[قتل نفسه فإيجابه] باطل. وقال القتبي: { ولا تأكلوا أمولكم ~~} يعني لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، ولا يقتل بعضكم بعضا، كقوله: # ولا تلمزوا أنفسكم # [سورة الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم. ويقال: { ولا تقتلوا ~~أنفسكم } أي لا تقتلوها بالكسل والبخل. { إن الله كان ~~بكم رحيما } إذ نهى عن القتل، وعن أخذ الأموال. قوله تعالى { ومن ~~يفعل ذلك عدونا } يعني اعتداء. ويقال: مستحلا { وظلما } ~~أي وجورا { فسوف نصليه نارا } هذا وعيد لهم من الله تعالى، ~~يعني يدخله في الآخرة النار { وكان ذلك على الله يسيرا } ~~أي عذابه هين عليه. قوله تعالى: { إن تجتنبوا كبائر ما ~~تنهون عنه }. قال مقاتل: يعني ما نهي عنه من أول هذه السورة إلى ~~هذه الآية. وقال في رواية الكلبي ms0314 عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه ~~- { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه }. الكبائر: كل ~~شيء سمى الله تعالى فيه النار لمن عمل بها، أو شيء نزل فيه حد في الدنيا، ~~فمن اجتنب من هذا وهو مؤمن، كفر الله عنه ما سواه من الصلاة إلى الصلاة، ~~والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان إن شاء الله تعالى. قال: ~~حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن ~~يوسف، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحاك، عن مسروق عن ابن ~~مسعود، قال: الكبائر من أول السورة إلى قوله: { إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه }. وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر ~~أربعة: الإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن مكر الله، ~~والشرك بالله. وروى عامر الشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس " # وقال ابن عمر: الكبائر تسعة: الشرك بالله، وقتل المؤمن متعمدا، والفرار ~~من الزحف وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والسحر، وعقوق ~~الوالدين]، واستحلال حرمة البيت الحرام. ويقال: الكبيرة ما أصر عليها ~~صاحبها. ويقال لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ثم قال ~~تعالى: { نكفر عنكم سيئتكم } يقول: نمحو عنكم ذنوبكم ما ~~دون الكبائر { وندخلكم مدخلا كريما } في الآخرة، وهي ~~الجنة. قرأ نافع مدخلا بنصب الميم، والباقون: بالضم، فمن قرأ بالنصب فهو ~~إسم الموضع، وهو الجنة، ومن قرأ بالضم فهو المصدر والموضع جميعا. ### || [4.32-35] # { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض }. قال ابن عباس: يعني لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته ولا ~~دابته ولكن، ليقل اللهم ارزقني مثله، وقال الكلبي: مثله. وفيها وجه آخر: ~~وهو أن الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء، فلنا سهمان ولهن سهم، ~~ونرجوا أن يكون لنا أجران في الأعمال. وقالت أم سلمة: ليت الجهاد كتب على ~~النساء، فنزلت هذه الآية { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على ms0315 بعض } { للرجال نصيب مما اكتسبوا ~~وللنساء نصيب مما اكتسبن } ويقال: إن النساء قلن كما نقص ~~سهمنا في الميراث، كذلك ينقص من أوزارنا، ويكون الإثم علينا أقل من ~~الرجال، فنزلت الآية: { للرجال نصيب مما اكتسبوا } ولا ~~يتمنى أحدكم أكثر مما عمل، { وللنساء نصيب مما اكتسبن } ~~من الشر ولا ينقص منهن شيء مما عملن من الإثم. { وسئلوا الله من ~~فضله } جميعا الرجال والنساء { من فضله } أي من رزقه { إن ~~الله كان بكل شيء عليما } فيما يصلح لكل واحد منهم من ~~السهام وبمن يصلح للجهاد. قرأ ابن كثير والكسائي: (وسلوا الله) بغير همز ~~في جميع القرآن، وقرأ الباقون، (واسألوا الله) بالهمز، وأصله الهمز، إلا ~~أنه حذف الهمز للتخفيف. قوله تعالى: { ولكل جعلنا موالي } أي ~~بينا موالي: يعني الورثة من الولد والإخوة وابن العم. ويقال: الموالي ~~العصبة، العم وابن العم وذوي القربى، كقوله: # وإني خفت الموالى من ورآئي # [مريم: 5] معناه ولكل واحد منكم جعلنا الورثة لكي يرث { مما ترك } ~~وهم { الولدن والأقربون }. ثم قال: { والذين عقدت ~~أيمنكم فآتوهم نصيبهم }. قال الكلبي ومقاتل: كان الرجل ~~يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون في ميراثه كبعض ولده ثم قال: ~~{ فآتوهم نصيبهم } أي أعطوهم حظهم الذي سميتم لهم من الميراث، ~~هكذا قال مجاهد. ثم نسخ بقوله تعالى: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75] ويقال: إنهم كانوا يوصون لهم بشيء من المال فأمرهم بأن ~~يؤتوا نصيبهم من الثلث. ويقال: أراد به مولى الموالاة، كانوا يرثون ~~السدس. ثم قال تعالى: { إن الله كان على كل شيء شهيدا ~~} أي شاهد إن أعطيتموهم أو لم تعطوهم. قرأ أهل الكوفة: حمزة والكسائي ~~وعاصم، والذين (عقدت أيمانكم) بغير ألف، والباقون: بالألف، قال أبو عبيدة ~~والإختيار، (عاقدت) بالألف لأنه من معاقدة الحلف فلا يكون إلا بين اثنين ~~ومن قرأ (عقدت) معناه عقدت لهم أيمانكم، فأضمر فيها لهم. ثم قال: { ~~الرجال قوامون على النساء }. نزل في سعد بن الربيع لطم ~~امرأته بنت محمد بن مسلمة، فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأمرها ms0316 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص، فنزل جبريل من ساعته ~~بهذه الآية { الرجال قوامون على النساء } يعني مسلطون في ~~أمور النساء وتأديبهم { بما فضل الله بعضهم على بعض ~~} وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في إنفاقه عليها [ودفع الحق إليها] ~~ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام ~~عليهن بما لهم من زيادة عقل ليس ذلك للنساء. # ويقال: للرجال، زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع ~~الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب ~~عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام ~~عليهن بذلك. ثم قال: { وبما أنفقوا من أمولهم } أي فضلوا ~~على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة. ثم قال: { ~~فالصلحت قنتت } يعني المحصنات من النساء في الدين ~~قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن. ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى ~~أزواجهن من النساء في الدين { قنتت } أي [مطيعات لله ولأزواجهن] ~~ويقال: الصالحات، يعني الموحدات { قنتت } يعني قائمات بأمور ~~أزواجهن { حفظت للغيب } أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي ~~أموال الأزواج { بما حفظ الله } يقول أي: يحفظ الله إياهن. قال ~~مقاتل: (وما) صلة يعني يحفظ الله لهن، ثم قال عز وجل: { واللتي ~~تخافون نشوزهن } أي تعلمون عصيانهن { فعظوهن } بالله، أي ~~يقول لها: اتق الله فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك قوله تعالى: ~~{ واهجروهن في المضاجع } قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر. ~~ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها، فإن كانت محبة ~~للزوج يشق عليها، فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، ~~فيتبين أن النشوز من قبلها. وقال الضحاك: واهجروهن في المضاجع، أي يعرض ~~عنها، فإن ذلك يغيظها فإن لم ينفعها ذلك. { واضربوهن } يعني ضربا ~~غير مبرح، { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } ~~يقول: لا تطلبوا عليهن عللا، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب، ~~وليس لها ذلك بيدها { إن الله كان عليا كبيرا ms0317 } أي رفيعا ~~علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ~~ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضا لا تكلفوهن. ويقال: إن الله مع علوه ~~يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضا تجاوزوا ولا تطلبوا العلل. ثم قال تعالى ~~للأولياء: { وإن خفتم شقاق بينهما } يقول: إن علمتم ~~خلافا بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما، ولا تدرون من أيهما ~~يقع النشوز فقوله: { فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها } يعني رجلا عدلا من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى ~~الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني [ما] في نفسك، أتهواها أم لا؟ حتى أعلم ~~بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها، خذ مني لها ما استطعت، وفرق بيني ~~وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز، وإن قال: فإني أهواها [فارضيها] من ~~مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز. # ويخلو ولي المرأة بها، ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟ فإن قالت: فرق بيني ~~وبينه، واعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها. وإن قالت: لا ~~تفرق بيننا ولكن حثه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من ~~قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة، ~~والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى { فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها } { إن يريدا إصلحا } يعني عدلا، ~~فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة { يوفق الله بينهما } ~~بالصلاح، ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة يقع ~~الصلح بينهما لقوله تعالى: { إن يريدا إصلحا يوفق الله ~~بينهما }. ثم قال: { إن الله كان عليما خبيرا } أي ~~عليما بهما خبيرا بنصيحتهما. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، ~~وليس كما يقول الخوارج، إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة ~~حق، ولكن يريدون بها الباطل. ### || [4.36-38] # قوله تعالى: { واعبدوا الله } قال بعضهم: هذا الخطاب للكفار. ~~واعبدوا الله، يعني وحدوا الله { ولا تشركوا به شيئا } أي لا ~~تثبتوا على الشرك. ويقال: الخطاب للمؤمنين: اعبدوا الله، يعني ms0318 اثبتوا على ~~التوحيد ولا تشركوا به. ويقال: (اعبدوا الله) يعني أطيعوا الله فيما ~~أمركم به، وأخلصوا له بالأعمال، ولا تشركوا به شيئا، ويقال: هذا الخطاب ~~للمؤمنين وللمنافقين وللكفار، فأمر المؤمنين بالطاعة والمنافقين ~~بالإخلاص، والكفار بالتوحيد. وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - ~~أنه قال: كل عبادة في القرآن إنما يعني بها التوحيد ويقال هذه الآيات ~~محكمات في جميع الكتب، وذكر فيها أحكاما [كانت تعرف تلك] من طريق العقل، ~~وإن لم ينزل به [القرآن]، وهو قوله تعالى: { واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا }. { وبالولدين إحسنا } يعني ~~أحسنوا إلى الوالدين. { وبذي القربى } يعني صلوا القرابات قوله { ~~واليتمى } يعني، أحسنوا إلى اليتامى. ويقال: هذا أمر للأوصياء ~~بالقيام على أموالهم. ثم قال تعالى: { والمسكين } أي عليكم ~~بإطعام المساكين، ثم قال: { والجار ذي القربى } أي عليكم ~~بالإحسان إلى الجار الذي بينك وبينه قرابة، فله ثلاث حقوق، هكذا روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد، ~~فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار القريب المسلم فله حق الجوار، وحق ~~القرابة، وحق الإسلام، والجار الذي له حقان، وهو الجار المسلم، فله حق ~~الإسلام وحق الجوار. والجار الذي له حق واحد هو الجار الكافر له حق ~~الجوار " # ثم قال تعالى: { والجار الجنب } يعني الجار الذي لا قرابة ~~بينهما، وهو من قوم آخرين. { والصحب بالجنب } [أي الرفيق في ~~السفر. وروي عن معاذ بن جبل أنه قال " الصاحب بالجنب " يعني المرأة، ثم ~~قال { وابن السبيل } يعني الضيف ينزل عليكم فأحسنوا إليه، وحقه ~~ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك فهو صدقة. ثم قال: { وما ملكت ~~أيمنكم } من الخدم أحسنوا إليهم. وقد روي في الخبر # " أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، ~~فإنهم لحم ودم، وخلق أمثالكم " # رواه علي عن أبي طالب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الله الله فيما ملكت أيمانكم " # وذكر الحديث. وروي عن أنس بن مالك ms0319 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، وما زال يوصيني ~~بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت ~~أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها أعتقوا، وما زال يوصيني بالسواك حتى ~~ظننت أن يحفي فمي، وما زال يوصيني بقيام الليل، حتى ظننت أن خيار أمتي لم ~~يناموا ليلا " # ثم قال تعالى: { إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا } يعني من كان مختالا في مشيه، فخورا على الناس، وهذا قول ~~الكلبي. وقال القتبي: المختال: ذو الخيلاء والكبر، وهذا قريب من الأول، ~~ويقال: فخورا في نعم الله لا يشكرها، ويتكبر على الناس. ثم قال تعالى: { ~~الذين يبخلون } قال مجاهد، ومقاتل: نزلت في اليهود يبخلون ~~بكتمان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم { ويأمرون ~~الناس بالبخل } يعني: أمروا قومهم أن يكتموا صفته - صلى الله ~~عليه وسلم - { ويكتمون ما ءاتهم الله من فضله } في ~~التوراة. ويقال: أبخل الناس الذي يبخل بعلمه، ويقال: { الذين ~~يبخلون } يعني في المال، لأن رؤساءهم كانوا لا يعطون أحدا من ~~أموالهم شيئا، لأن عادتهم كان الأخذ والمنع، وكانوا أيضا يأمرون ~~بالبخل، لأن من كان في معصية، فإنه يأمر غيره بذلك لكي لا يظهر عيبه، ~~ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، يعني لا يشكرون على ما أعطاهم الله من ~~نعمته، ولا يخرجون الزكاة. ثم قال تعالى: { وأعتدنا ~~للكفرين عذابا مهينا } أي عذابا شديدا. قرأ حمزة ~~والكسائي: (بالبخل) بنصب الباء والخاء، وقرأ الباقون (بالبخل) بضم الباء ~~وجزم الخاء. وقال بعض أهل اللغة: ها هنا أربع لغات وهي لغة الأنصار: بخل، ~~وبخل، وبخل، وبخل، إلا أنه قرأ بحرفين ولا يقرأ بالحرفين الآخرين ثم قال ~~تعالى: { والذين ينفقون أمولهم رئاء الناس } قال ~~مقاتل يعني اليهود، وقال الضحاك: يعني المنافقين ينفقون أموالهم مراءاة ~~للناس. { ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } يعني ~~ولا يصدقون في السر، ويقال: نزلت في مطعمي يوم بدر، وهم رؤساء مكة أنفقوا ~~على الناس ليخرجوا إلى ms0320 بدر. ثم قال تعالى: { ومن يكن الشيطن ~~له قرينا } ففي الآية مضمر فكأنه قال: ولا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر، فقرينهم الشيطان، ومن يكن الشيطان له قرينا { فساء قرينا } ~~أي قرينهم الشيطان في الدنيا يأمرهم بالبخل، ويقال: قرينه في النار في ~~السلسلة. ### || [4.39-42] # { وماذا عليهم } أي وما كان عليهم { لو ءامنوا بالله } ~~مكان الكفر { واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم ~~الله } مكان البخل في غير رياء، ويقال: وماذا عليهم، أي لم يكن عليهم ~~شيء من العذاب لو آمنوا بالله [واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله من ~~الأموال وهي الصدقة] { وكان الله بهم عليما } أنهم لم يؤمنوا. ~~ويقال: إن الله عليم بثواب أعمالهم، ولا يظلمهم شيئا من ثواب أعمالهم ~~قوله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } يعني، لا ~~ينقص من ثواب أعمالهم وزن الذرة قال الكلبي: وهي النملة الحميراء ~~الصغيرة. ويقال: هو الذي يظهر في شعاع الشمس، ويقال: لا يظلم مثقال ذرة، ~~يعني لا يزيد عقوبة الكافر مثقال ذرة ولا ينقص من ثواب المؤمنين مثقال ~~ذرة. ثم قال تعالى: { وإن تك حسنة يضعفها } ، قرأ نافع ~~وابن كثير: (وإن تك حسنة) بضم الهاء، لأنه اسم تك، بمنزلة اسم كان، وقرأ ~~الباقون (حسنة) بالنصب، وجعلوه خبر تك، والاسم فيه مضمر، معناه، وإن تكن ~~الفعل حسنة، يضاعفها، يعني إذا زاد على حسناته مثقال ذرة من حسنة يضاعفها ~~الله تعالى حتى يجعلها مثل أحد، ويوجب له الجنة، فذلك قوله تعالى: { ~~ويؤت من لدنه أجرا عظيما } يعني الجنة. وروى عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: خمس آيات في سورة النساء أحب إلي من ~~الدنيا وما فيها، قوله تعالى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه... # [سورة النساء: 31] الآية وقوله # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم... # [سورة النساء: 64] الآية وقوله: { إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة... } الآية، وقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء... # [سورة النساء:48] الآية، وقوله و # من يعمل سوءا يجز به... # [سورة النساء: 123] الآية. وقوله تعالى: ms0321 { فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد } أي فكيف يصنعون؟ وكيف يكون حالهم؟ إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد، يعني بنبيها هو شاهد بتبليغ الرسالة من ربهم { وجئنا ~~بك } يا محمد { على هؤلاء شهيدا } يعني على أمتك شهيدا ~~بالتصديق لهم، لأن أمته يشهدون على الأمم المكذبة للرسالة، وذلك أنه إذا ~~كان يوم القيامة يقول الله تعالى للأمم الخالية: هل بلغتكم الرسل ~~رسالاتي؟ فيقولون: لا، فقالت الرسل: قد بلغنا، ولنا شهود. فيقول - عز وجل ~~- ومن شهودكم؟ فيقولون: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيؤتى بأمة محمد ~~- عليه السلام - فيشهدون بتبليغ الرسالة بما أوحي إليهم من ربهم في ~~كتابهم في قصة الأمم الخالية، فتقول الأمم [الماضية] إن فيهم زواني، ~~وشارب الخمر، فلا يقبل شهادتهم، فيزكيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيقول المشركون: # والله ربنا ما كنا مشركين # [سورة الأنعام: 23] فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يكسبون، فذلك قوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } أي تخسف بهم ~~الأرض. ويقال: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، الرسل يشهدون على قومهم ~~بتبليغ الرسالة، ويشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته بتبليغ ~~الرسالة من قبل، ومن لم يقبل. حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو ~~منيع، قال: حدثنا أبو كامل قال: حدثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن ~~أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاهم من بني ظفر، فجلس على ~~الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ وناس من الصحابة، فأمر ~~قارئا فقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية: { فكيف إذا جئنا من ~~كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } بكى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى اخضلت وجنتاه، فقال: # " يا رب هذا علمي بمن أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم أرهم " # ؟ ثم قال تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا } يعني يتمنى ~~الذين كفروا، يعني الكفار، { وعصوا الرسول، لو تسوى ~~بهم الأرض } أي يكونوا ترابا يمشي عليهم أهل الجمع ms0322 { ولا ~~يكتمون الله حديثا }. وهو قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. قال الزجاج: قال بعضهم { ولا يكتمون الله ~~حديثا } مستأنف، لأن ما عملوا ظاهر عند الله تعالى، لا يقدرون على ~~كتمانه. وقال بعضهم: هو كلام بناء، يعني يودون أن الأرض سويت بهم وأنهم ~~لم يكتموا الله حديثا، لأنه مظهر كذبهم. قرأ حمزة والكسائي: (تسوى) بنصب ~~التاء وتخفيف السين، وتشديد الواو، يعني يخسف بهم، وقرأ عاصم وابن كثير ~~وأبو عمرو (تسوى) بضم التاء [فأدغم إحدى التائين في الأخرى] على فعل لم ~~يسم فاعله، أي يصيروا ترابا، وتسوى بهم الأرض وقرأ نافع وابن عامر: ~~(تسوى) بنصب التاء وتشديد السين والواو لأن أصله تتسوى، فادغم إحدى ~~التائين في السين. ### || [4.43] # ثم قال تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا ~~الصلوة وأنتم سكرى } قال مقاتل: وذلك أن عبد الرحمن بن ~~عوف صنع طعاما، فدعا أبا بكر، وعمر وعثمان، وعليا، وسعدا - رضي الله ~~عنهم - فأكلوا، وسقاهم خمرا، فحضرت صلاة المغرب فأمهم علي، فقرأ # قل يأيها الكفرون # [سورة الكافرون: 1] على غير الوجه، فنزل { يا أيها الذين ~~ءامنوا، لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } { ~~حتى تعلموا ما تقولون } وكان ذلك قبل تحريم الخمر. وقال { ~~لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } ، يعني موضع الصلاة ~~وهو المسجد، حتى تعلموا ما تقولون، ويقال: حتى تصيروا بحال تعلمون ما ~~تقولون، فحينئذ تقربوا المسجد، لأنهم إذا لم يعلموا ما يقولون فلا يعرفون ~~الحرمة. ثم قال تعالى: { ولا جنبا إلا عابري سبيل } يقول: ~~ولا تقربوا الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، يعني إلا أن يكون مسافرا، فلا ~~يجد الماء، فيتيمم ويصلي إذا كان جنبا، وقال الزجاج: وحقيقته ألا تصلوا ~~إذا كنتم جنبا { حتى تغتسلوا } إلا أن لا تقدروا على الماء. ~~وقال القتبي: لا تقربوا الصلاة، يعني لا تقربوا المساجد، وأنتم جنب إلا ~~مجتازين وقال بعضهم: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى من النوم. وروى ~~[السدي] عمن حدثه عن ابن عباس في قوله: { ولا جنبا إلا عابري ~~سبيل } قال: في السفر يتيمم ويصلي. ويقال: إلا أن تكون ms0323 في المسجد عين ~~فيدخل ليغترف الماء. ثم قال تعالى: { وإن كنتم مرضى } ، نزلت ~~في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة، وهو جريح، فرخص له بأن يتيمم، ثم ~~صارت الآية عامة في جميع الناس. وروي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن سمرة ~~وغيرهما من الصحابة، # " أن رجلا كان به جدري على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأصابته جنابة فغسلوه فمات من ذلك، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: " قتلوه قتلهم الله فهلا يمموه " # وروي عن ابن عباس أنه قال: وإن كنتم مرضى، قال: فإنما هو المجذوم ~~والمجدور والمقروح. ثم قال تعالى: { أو على سفر } أي إذا كنتم ~~مسافرين { أو جاء أحد منكم من الغائط } والغائط في اللغة: ~~إسم المكان المطمئن من الأرض، وإنما هو كناية عن قضاء الحاجة. ثم قال ~~تعالى: { أو لمستم النساء } ، قرأ حمزة والكسائي: (أو لمستم)، ~~وقرأ الباقون: (لامستم) من الملامسة، قال ابن عباس: يعني الجماع، وقال ~~بعضهم: هو المس باليد. { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا } يعني إذا أصابكم الحدث أو الجنابة، ولم تجدوا ماء، فتيمموا ~~صعيدا طيبا أي ترابا نظيفا. ويقال الصعيد: هو ما علا وجه الأرض. { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم }. قال بعضهم: الوجه والكفين، ~~وهو قول الأعمش والأوزاعي. وقال بعضهم: إلى المنكبين، وهو قول الزهري. ~~وقال عامة أهل العلم: الوجه واليدين إلى المرفقين وبذلك جاءت الآثار عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن عامة الصحابة اعتبارا بالوضوء ثم ~~قال تعالى: { إن الله كان عفوا غفورا } أي ذو الفضل ~~والعفو حين أجاز لكم التراب مكان الماء، غفورا لتقصيركم. ### || [4.44-48] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتب } يعني أعطوا حظا من علم التوراة { يشترون ~~الضللة } يعني يختارون الكفر على الإسلام. قال القتبي: وهذا من ~~الاختصار، ومعناه: يشترون الضلالة بالهدى، أي يستبدلون هذا بهذا، كقوله: # إن العهد كان مسؤولا # [سورة الإسراء: 34] أي مسئولا عنه، ثم قال تعالى: { ويريدون أن ~~تضلوا السبيل } أي تتركوا طريق الهدى، وهو طريق الإسلام { ~~والله ms0324 أعلم بأعدائكم } أي يعلم بعداوتهم إياكم، يعني، هو ~~يعلم بالحقيقة وأنتم تعلمون الظاهر. ويقال هذا وعيد لهم، فكأنه يقول: هو ~~أعلم بعذابهم كما قال في آية أخرى # والله أعلم بالظلمين # [ سورة الأنعام: 58] يعني عليم بعقوبتهم ومجازاتهم ثم قال تعالى: { ~~وكفى بالله وليا } أي ناصرا لكم ومعينا لكم { وكفى ~~بالله نصيرا } يعني مانعا لكم. قوله تعالى: { من الذين ~~هادوا } أي مالوا عن الهدى. قال الزجاج: { من الذين هادوا ~~}: فيه قولان: فجائز أن يكون من صلة، والمعنى: ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب من الذين هادوا ويجوز أن يكون معناه من الذين هادوا قوم ~~{ يحرفون الكلم عن موضعه } أي، يحرفون نعته عن مواضعه، ~~وهو نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - { ويقولون سمعنا } قولك { ~~وعصينا } أمرك { واسمع غير مسمع } منك { ورعنا ~~ليا بألسنتهم } أي يلوون لسانهم بالسب، { وطعنا في ~~الدين } أي في دين الإسلام. قال القتبي: كانوا يقولون للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا حدثهم وأمرهم سمعنا، ويقولون في أنفسهم: وعصينا، وإذا ~~أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا: اسمع يا أبا القاسم، ويقولون في أنفسهم: لا ~~سمعت ويقولون: راعنا، يوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون انظرنا حتى ~~نكلمك بما تريد، ويريدون به السب بالرعونة، { ليا بألسنتهم } ~~أي قلبا للكلام بها. { ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~} مكان سمعنا وعصينا { واسمع } مكان اسمع لا سمعت. { وانظرنا } ~~مكان قولهم: راعنا { لكان خيرا لهم وأقوم } أي وأصوب من ~~التحريف والطعن. ثم قال تعالى: { ولكن لعنهم الله ~~بكفرهم } أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لهم بكفرهم، { فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } يعني لا يؤمنون إلا بالقليل لأنهم لا ~~يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون بجميع ما عندهم، ولا بسائر الكتب وإنما يصدقون ~~ببعض ما عندهم. ويقال: لا يؤمنون، إلا القليل منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب ~~ويقال: إنهم لا يؤمنون، وهم بمنزلة رجل يقول: فلان قليل الخير، يعني لا ~~خير فيه. ثم خوفهم فقال: { قليلا يا أيها الذين أوتوا ~~الكتب ءامنوا بما نزلنا } أي صدقوا بالقرآن { مصدقا ~~لما معكم } أي موافقا للتوراة ms0325 في التوحيد وبعض الشرائع، { من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبرها } ~~وطمسها أن يردها على بصائر الهدى، ويقال طمسها أن يحول الوجوه إلى ~~الأقفية، ويقال: يخسف الأنف والعين فيجعلها طمسا، ويقال: من قبل أن يطمس ~~أي تسود الوجوه، قال بعضهم: يعني به في الآخرة، ويقال: هذا تهديد لهم في ~~الدنيا. # وذكر أن عبد الله بن سلام قدم من الشام، فلم يأت أهله حتى أتى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وقال: ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في ~~قفاي، ويقال: من قبل أن نطمس وجوها، يعني وجه القلب وهو كناية عن ~~القسوة، وقال مقاتل: يعني من قبل أن تحول القبلة، كقوله: # ولكل وجهة هو موليها # [سورة البقرة: 148]. ثم قال تعالى: { أو نلعنهم كما لعنا ~~أصحب السبت } أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت القردة، ثم قال ~~{ وكان أمر الله مفعولا } أي كائنا، وهذا وعيد من الله ~~تعالى لهم ليعتبروا ويرجعوا. قوله تعالى: { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك } أي دون الشرك { لمن ~~يشاء } يعني لمن مات موحدا. نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة، وذلك ~~أن الناس لما التقوا يوم أحد، وقد جعل لوحشي جزاء إن قتل حمزة فقتله لم ~~يوف له، فلما قدم مكة ندم على صنعه الذي صنع هو وأصحابه معه، فكتبوا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا إنا قد ندمنا على ما صنعنا، ~~وإنه ليس يمنعنا من الدخول معك، إلا أنا سمعناك تقول: إذ كنت عندنا بمكة: # والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر... # [سورة الفرقان: 68] إلى قوله: # يضعف له العذاب يوم القيمة # [سورة الفرقان: 69] وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس، وزنينا، ~~فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزل # إلا من تاب وءامن وعمل صلحا # [سورة مريم: 60] فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآيات إلى ~~وحشي وأصحابه، فلما قرأوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد، فنخاف ألا نعمل ~~عملا صالحا، فلا نكون من أهل هذه ms0326 الآية، فنزل { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ~~فبعث إليهم فقرأوها. فبعثوا إليه: فقالوا: إن في هذه الآية شرطا أيضا ~~نخاف ألا نكون من أهل مشيئته فنزل قوله: # قل يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # [سورة الزمر: 53] فبعثها إليهم، فلما قرأوها، وجدوها أوسع مما كان ~~قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام. وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا إذا ~~مات الرجل منا على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية: { ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء } فأمسكنا عن الشهادة. وهذه الآية رد على من يقول: ~~إن من مات على كبيرة يخلد في النار لأن الله تعالى قد ذكر في آية أخرى: # إن الحسنت يذهبن السيئت # [سورة هود: 114] يعني ما دون الكبائر [فلم يبق لهذه المشيئة موضع سوى ~~الكبائر] ثم قال تعالى: { ومن يشرك بالله فقد افترى ~~إثما عظيما } يعني اختلق على الله كذبا عظيما، ويقال: فقد أذنب ~~ذنبا عظيما. ### || [4.49-55] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } ~~يقول: يبرئون أنفسهم من الذنوب { بل الله يزكى من يشاء } ~~وذلك، لأن رؤساء اليهود كانوا يقولون: هل على أولادنا من ذنب، فما نحن ~~إلا كهيئتهم فهذا الذي زكوا به أنفسهم، قال الله تعالى: { بل الله ~~يزكى من يشاء } أي يصلح ويبريء من يشاء من الذنوب. ويقال: يكرم من ~~يشاء بالإسلام { ولا يظلمون فتيلا }. قال الكلبي ومقاتل: ~~الفتيل الذي يكون في شق النواة، وهو الأبيض ويقال: هو ما فتلته بين ~~أصبعيك من الوسخ، فإذا مسحت إحداهما بالأخرى، يعني لا ينقصون من ثواب ~~أعمالهم بذلك المقدار، ثم قال تعالى: { انظر كيف يفترون على ~~الله الكذب } أي يختلقون على الله الكذب { وكفى به إثما ~~مبينا } أي ذنبا مبينا. روى مقاتل عن الضحاك قال: الفتيل، والنقير، ~~والقطمير، كلها في النواة. ثم قال تعالى: { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من ms0327 الكتب } يعني أعطوا حظا من علم التوراة، ~~{ يؤمنون بالجبت والطغوت } الجبت: حيي بن أخطب، ~~والطاغوت: كعب بن الأشرف. وقال القتبي: كل معبود من حجر، أو صورة، أو ~~شيطان، فهو جبت وطاغوت، قال: ويقال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، ~~ويقال: في هذه السورة رجلان من اليهود، وإيمانهم بهما تصديقا لهما، ~~وطاعتهم إياهما. ثم قال تعالى: { ويقولون للذين كفروا } ~~يعني لمشركي مكة { هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا ~~} وذلك أن رؤساء اليهود قدموا مكة بعد قتال أحد، ونقضوا العهد، وبايعوا ~~المشركين، وقالوا: أنتم أهدى سبيلا من المسلمين. حدثنا الخليل بن أحمد ~~قال: حدثنا الديبلي، قال: حدثنا أبو عبيد الله قال: حدثنا سفيان عن عمرو ~~بن دينار عن عكرمة، قال: جاء كعب بن الأشرف، وفي رواية أخرى عن عكرمة عن ~~ابن عباس، قال: جاء كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب إلى مكة، فأتيا قريشا، ~~فقالت لهما قريش: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، ~~ديننا القديم، ودين محمد الحديث، ونحن نصل الرحم ونسقي الحجيج، ونفك ~~العناة، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق ~~الحجيج، بنو غفار، فنحن أهدى أم هو؟ قالا: بل أنتم أهدى سبيلا منهم، ~~فأنزل الله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتب.... } الآية إلى قوله: { ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا }. يعني ~~أهدى دينا من المهاجرين والأنصار. قوله تعالى: { أولئك الذين ~~لعنهم الله } أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله ~~بالجزية. { ومن يلعن الله، فلن تجد له نصيرا } أي ~~مانعا. قوله تعالى: { أم لهم نصيب من الملك } يقول: لو ~~كان لهم، يعني لليهود حظ من الملك { فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا } أي لا يعطون أحدا من بخلهم وحسدهم نقيرا، والنقير: النقطة ~~التي على ظهر النواة { أم يحسدون الناس } أي أيحسدون الناس. # ويقال: بل يحسدون الناس، يعني به محمدا - صلى الله عليه وسلم - { ~~على ما ءاتهم الله من فضله } من النبوة، وكثرة تزوجه ~~النساء، ويقولون لو كان نبيا لشغلته النبوة ms0328 عن كثرة النساء فيحسدونه ~~بذلك. قال الله تعالى: { فقد ءاتينا ءال إبرهيم الكتب ~~والحكمة } يعني النبوة والعلم والفهم، { وآتيناهم ملكا ~~عظيما } فكان يوسف - عليه السلام - ملكا على مصر، وكان سليمان بن ~~داود - عليهما السلام - ملكا، وكانت له ثلاثمائة امرأة حرة سوى السرية، ~~قال مقاتل هكذا، وقال الكلبي: كانت له سبع مائة امرأة، وثلاثمائة سرية، ~~وكان لداود - عليه السلام - مائة امرأة، فلم يكن يمنعهم النبوة عن ذلك، ~~ويقال: إن الفائدة في كثرة تزوجه أنه كانت له قوة أربعين نبيا، وكل من ~~كان أقوى فهو أكثر نكاحا. ويقال: إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة، لأن ~~لكل امرأة قبيلتين قبيلة من قبل الأب، وقبيلة من قبل الأم، فكلما تزوج ~~امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه، فيكونون عونا له على أعدائه. ويقال: ~~إن كل من كان أتقى كانت شهوته أشد، لأن الذي لا يكون تقيا، إنما ينفرج ~~بالنظر واللمس، ألا ترى إلى ما روي في الخبر: العينان تزنيان، واليدان ~~تزنيان، فإذا كان في النظر، وفي المس نوع من قضاء الشهوة، فلا ينظر ~~التقي، ولا يمس، فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه، فيكون أكثر جماعا. وقال ~~أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب، ولهذا ~~كان الأنبياء - عليهم السلام - يفعلون ذلك. قوله تعالى: { فمنهم ~~من ءامن به } يعني من اليهود من آمن به، بالكتاب الذي أنزل على ~~إبراهيم، وآمن بالكتاب الذي [أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -] { ~~ومنهم من صد عنه } يعني أعرض عنه مكذبا، وهذا قول الكلبي. ~~وقال مقاتل: { فمنهم من ءامن به } يعني من آل إبراهيم { من ~~ءامن به } يعني بالكتاب الذي جاء به { ومنهم من صد عنه ~~} لم يؤمن به. وقال الضحاك: أم يحسدون الناس، يعني اليهود كانوا يحسدون ~~قريشا لأن النبوة فيهم، { فقد ءاتينا ءال إبرهيم ~~الكتب } يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، الكتاب يعني ~~التنزيل، والحكمة: يعني السنة، وآتيناهم ملكا عظيما: يعني قريشا وبني ~~هاشم ملكا عظيما، يعني الخلافة لا تصلح إلا لقريش، { فمنهم من ~~ءامن به } يعني ms0329 بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ومنهم من ~~صد عنه } أي كفر به. ثم قال تعالى: { وكفى بجهنم ~~سعيرا } أي وقودا لمن كفر به. ثم بين مصير من كذب به، وموضع من آمن ~~به. ### || [4.56-57] # فقال تعالى: { إن الذين كفروا بآيتنا } يعني بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن { سوف نصليهم نارا } أي ندخلهم ~~نارا في الآخرة. ويقال: صلى: إذا دخل النار لأجل شيء، وأصلاه: إذا أدخله ~~للإحتراق والاصطلاء بالنار: الاستدفاء. ثم قال تعالى: { كلما ~~نضجت جلودهم } يقول: كلما احترقت جلودهم { بدلنهم } ~~يعني جددنا لهم { جلودا غيرها } لأنهم إذا احترقوا خبت عنهم النار ~~ساعة فبدلوا خلقا جديدا، ثم عادت تحرقهم، فهذا دأبهم فيها، وقال مقاتل: ~~تجدد في كل يوم سبع مرات، وقال الحسن: بلغني أنه ينضج كل يوم سبعين ألف ~~مرة، وقال الضحاك: سبعين جلدا في كل يوم. وقد طعنت الزنادقة في هذا ~~وقالوا: إن الجلد الذي تبدل لم يذنب فكيف يستحق العقوبة والعذاب. وقيل ~~لهم: إن ذلك الجلد هو الجلد الأول، ولكنه إذا أحرق أعيد إلى الحال الأول، ~~كالنفس إذا صارت ترابا، وصارت لا شيء، ثم أحياها الله تعالى، فكذلك ها ~~هنا. وقوله تعالى: { جلودا غيرها } على وجه المجاز، كما قال في ~~آية أخرى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [سورة إبراهيم: 48] قال ابن عباس - رضي الله عنه - يعني يزاد في سعتها، ~~وتسوى جبالها وأوديتها. وقوله: ثم قال تعالى { ليذوقوا العذاب } ~~أي لكي يجدوا مس العذاب { إن الله كان عزيزا } في نقمته { ~~حكيما } في أمره، حكم لهم بالنار. ثم بين مصير الذين صدقوا به فقال عز ~~وجل: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } يعني آمنوا ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن { وعملوا الصلحات } ~~يعني الطاعات التي أمرهم الله بها { سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ } أي مقيمين فيها { أبدا ~~لهم فيهآ أزواج مطهرة } في الخلق والخلق { ~~وندخلهم ظلا ظليلا }. قال الضحاك: يعني، ظلال أشجار الجنة، ~~وظلال قصورها وقال الكلبي: يعني ظلا ظليلا أي دائما. وقال مقاتل: يعني ~~أكنان القصور، (ظليلا) يعني لا ms0330 خلل فيها. ### || [4.58-59] # قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمنت ~~إلى أهلها } وذلك أن مفتاح الكعبة كان في يد بني شيبة، وكانت ~~السقاية في يد بني هاشم، فلما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، ~~دعا عثمان بن طلحة، وقال له: هات المفتاح فخشي عثمان أن يعطيه إلى عمه ~~العباس، فجاء بالمفتاح وقال لرسول الله [- صلى الله عليه وسلم - حين دفع ~~إليه]، خذه بأمانة الله، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيت، ~~فإذا فيه تمثال إبراهيم - عليه السلام - مصور على الحائط وبيده قداح، ~~وعنده إسماعيل والكبش مصوران فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " قاتل الله الكفار ما لإبراهيم والقداح " # ، فأمر بالصور فمحيت، فقضى حاجته من البيت ثم خرج، فطلب منه العباس بأن ~~يدفع إليه المفتاح فنزلت هذه الآية: { إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمنت إلى أهلها } ثم صارت الآية عامة لجميع ~~الناس، برد الأمانات إلى أهلها، ويقال: نزلت في شأن اليهود حيث كتموا نعت ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وكانت أمانة عندهم فمنعوها. ويقال: هذا أمر ~~لجميع المسلمين: بأداء الفرائض، وجميع الطاعات لأنها أمانة عندهم، كقوله ~~تعالى: { إنا عرضنا الأمانة... } إلى قوله: { ~~وحملها الإنسن } ثم قال تعالى: { وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل } يقول: بالحق. وقال الضحاك: { ~~وإذا حكمتم بين الناس } أي بين القوم { أن تحكموا ~~بالعدل } أي بالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. { إن ~~الله نعما يعظكم به } يعني يأمركم بالعدل والنصيحة، ~~والاستقامة، وأداء الأمانة { إن الله كان سميعا } بمقالة ~~العباس، { بصيرا } برد المفتاح إلى أهله. قرأ ابن عامر والكسائي ~~وحمزة: (نعما) بنصب النون، وكسر العين، والاختلاف فيه كالاختلاف الذي في ~~سورة البقرة، وذلك قوله تعالى: { إن تبدوا الصدقت فنعما ~~هي } وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا ~~الله } أي في الفرائض { وأطيعوا الرسول } أي في السنن، ~~ويقال: أطيعوا الله فيما فرض، وأطيعوا الرسول فيما بين، ويقال: { ~~أطيعوا الله } يقول: لا إله إلا الله، وأطيعوا الرسول، يقول: محمد ~~رسول الله. { وأولي الأمر منكم }. يعني ms0331 أطيعوا أولي الأمر ~~منكم. قال الكلبي ومقاتل: يعني أمراء السرايا. وقال الضحاك: يعني الفقهاء ~~والعلماء في الدين. ويقال: الخلفاء والأمراء، ويجب طاعتهم ما لم يأمروا ~~بالمعصية قوله: { فإن تنازعتم في شيء } من الحلال والحرام ~~والشرائع، { فردوه إلى الله والرسول } يعني إلى أمر الله ~~فيما يأمر بالوحي، وإلى أمر الرسول فيما يخبر عن الوحي، ثم بعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما انقطع الوحي يرد إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة ~~رسوله - عليه الصلاة والسلام - ويقال [معناه] إذا أشكل عليكم شيء فقولوا ~~الله ورسوله أعلم وهذا كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الرجوع ~~إلى الحق خير من التمادي في الباطل. # وقال الخليل بن أحمد البصري: الناس أربعة: رجل لا يدري، ولا يدري أنه لا ~~يدري، فهذا أحمق فاجتنبوه، ورجل لا يدري، ويدري أنه لا يدري، فهذا جاهل ~~فعلموه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهذا نائم فأيقظوه، ورجل يدري، وهو ~~يدري أنه يدري، فهذا عالم فاتبعوه. ثم قال تعالى: { إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر } يعني إن كنتم تصدقون بالله ~~واليوم الآخر، ثم قال: { ذلك خير } أي الرد إلى كتاب الله وإلى سنة ~~رسوله، خير من الإختلاف { وأحسن تأويلا } أي وأحسن عاقبة. وروي ~~عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: حق على الإمام أن يحكم ~~بالعدل، ويؤدي الأمانة [إلى أهلها] فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن ~~يطيعوه فإن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمرنا بطاعتهم. ~~وقال مجاهد: { وأولي الأمر منكم } العلماء والفقهاء، وهكذا ~~روي عن جابر. ### || [4.60-63] # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~ءامنوا بما أنزل إليك } وذلك منافقا يقال له: [بشر] كان ~~بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: إنطلق بنا إلى محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وكانت تلك الخصومة في حكم الإسلام على المنافق، وفي حكم ~~اليهود على اليهودي فقال اليهودي: نأتي محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~يحكم بيننا وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف حتى يحكم بيننا، فكانا ms0332 ~~في ذلك إذ سمع عمر بن الخطاب قولهما، فقال: ما شأنكما؟ فأخبراه بالقصة، ~~فقال عمر: أنا أحكم بينكما، فأجلسهما ثم دخل البيت، وخرج بالسيف، وقتل ~~المنافق: فنزلت هذه الآية { ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم ءامنوا بما أنزل إليك } يعني بالقرآن، { وما ~~أنزل من قبلك } يعني سائر الكتب [المنزلة] { يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطغوت } وهو كعب بن الأشرف { وقد ~~أمروا أن يكفروا به } يعني أمروا بتكذيبه. وقال الضحاك: نزلت ~~الآية في شأن المنافقين، لأنهم آمنوا بلسانهم، ولم يؤمنوا بقلوبهم، ~~وركنوا إلى قول اليهود، ومالوا إلى خلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فذلك قوله: { يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد ~~أمروا أن يكفروا } يعني إلى كهنة اليهود، وسحرتهم، ثم قال: { ~~ويريد الشيطن أن يضلهم } عن الهدى وعن الحق { ~~ضللا بعيدا } ثم قال: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول } يعني إلى ما أمر الله في ~~كتابه، وإلى ما أمر الرسول، وإلى ما أنزل إلى الرسول. { رأيت ~~المنفقين يصدون عنك صدودا } أي يعرضون عنك إعراضا، ~~ويقال: صد، يصد، يكون لازما، ويكون متعديا، وإنما يتبين ذلك بالمصدر، ~~ويقال: صد، يصد صدا، إذا صرف غيره، كقوله تعالى: { فصدهم عن ~~السبيل } وصد، يصد، صدودا إذا أعرض بنفسه كقوله تعالى: { فمنهم ~~من ءامن به ومنهم من صد عنه } وكقوله: { رأيت ~~المنفقين يصدون عنك صدودا }. قوله تعالى: { فكيف ~~إذا أصبتهم مصيبة } يقول: فكيف يصنعون إذا أصابتهم عقوبة ~~{ بما قدمت أيديهم } أي بما عملت أيديهم { ثم جاءوك ~~يحلفون بالله } قال في رواية الكلبي: نزلت في شأن ثعلبة بن ~~حاطب، كانت بينه وبين الزبير بن العوام خصومة، فقضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - للزبير، فخرجا من عنده، فمرا على المقدام بن الأسود، فقال ~~المقدام: لمن كان القضاء يا ثعلبة؟ فقال ثعلبة: قضى لابن عمته الزبير، ~~ولوى شدقه، على وجه الاستهزاء، فنزلت هذه الآية: { فكيف إذا ~~أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم } أي بليه شدقه، ~~فلما نزلت هذه الآية: أقبل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0333 - يعتذر ~~إليه ويحلف وذلك قوله { ثم جاءوك يحلفون بالله إن ~~أردنا إلا إحسانا } أي ما أردنا إلا الإحسان في المقالة { ~~وتوفيقا } يقول: صوابا. # وقال الضحاك ومقاتل: نزلت في شأن الذين بنوا مسجد ضرار، فلما أظهر الله ~~نفاقهم، وأمر بهدم المسجد، حلفوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~دفعا عن أنفسهم، ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله، وموافقة الكتاب. ~~قوله تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم } من الضمير، وقال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون، ~~والفائدة لنا، أن اعلموا: أنهم منافقون، قال: ومعنى قوله: { وتوفيقا ~~} أي طلبا لما وافق الحق. ثم قال تعالى: { فأعرض عنهم } ولا ~~تعاقبهم { وعظهم } بلسانك { وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا } يقول: خوفهم، وهددهم، إن فعلتم الثاني عاقبتكم قال مقاتل: ~~تقدم إليه تقدما وثيقا، ثم نسخ بقوله: # يأيها النبي جهد الكفر والمنفقين ~~واغلظ عليهم # [سورة التوبة: 73]. ### || [4.64-68] # وقوله تعالى: { وما أرسلنا من رسول } ومن، صله، فكأنه يقول: ~~وما أرسلنا رسولا { إلا ليطاع بإذن الله } أي لكي يطاع ~~بأمر الله. ثم قال تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~} بصنعهم { جاءوك } بالتوبة { فاستغفروا الله } لذنوبهم { ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما } أي متجاوزا. قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون ~~} كقول القائل: لا والله لا يؤمنون { حتى يحكموك } حتى يقروا ~~ويرضوا بحكمك يا محمد { فيما شجر بينهم } أي فيما اختلفوا فيه، ~~ويقال: تشاجرا: أي اختلفا، ويقال: فيما التبس عليهم، قال الفقيه: حدثنا ~~الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدثنا أبو عبيد الله، عن ~~سفيان، عن عمر، وعن رجل من ولد أم سلمة عن أم سلمة أنها قالت: كان بين ~~الزبير بن العوام وبين رجل خصومة فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فأنزل الله تعالى: { ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم } { ثم لا يجدوا في أنفسهم } أي في قلوبهم { ~~حرجا } أي شكا { مما قضيت } أنه الحق { ويسلموا ~~تسليما } أي ويخضعوا لأمرك في القضاء ms0334 خضوعا. وقال الزجاج: تسليما، ~~مصدر مؤكد، فإذا قلت: ضربه ضربا، فكأنك قلت: لا شك فيه كذلك: { ~~ويسلموا تسليما } أي ويسلمون لحكمك تسليما لا يدخلون على ~~أنفسهم شكا. قوله تعالى: { ولو أنا كتبنا عليهم: أن ~~اقتلوا أنفسكم } يعني لو فرضنا عليهم القتل، { أو اخرجوا ~~من ديركم ما فعلوه إلا قليل منهم } والقليل ~~منهم، عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله تعالى ~~أمرنا بأن نقتل أنفسنا، أو نخرج من ديارنا لفعلنا. فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي " # قرأ ابن عامر: (إلا قليلا منهم) بالألف، وهكذا في مصاحف أهل الشام، ~~وقرأ الباقون: [بغير الألف]، بالضم، فمن قرأ بالضم، فمعناه، ما فعلوه ~~ويفعله قليل منهم، على معنى الاستئناف، ومن قرأ بالنصب على معنى أنه على ~~خلاف الأول، للاستثناء، كقوله تعالى: # إلا المستضعفين # [النساء: 98]. ثم قال تعالى: { ولو أنهم فعلوا ما ~~يوعظون به } أي ما يؤمرون به، { لكان خيرا لهم } [أي ~~الثواب في الآخرة] { وأشد تثبيتا } أي تحقيقا في الدنيا. قوله ~~تعالى: { وإذا لأتينهم } يقول: حينئذ لأعطيناهم { من ~~لدنا } أي من عندنا { أجرا عظيما } في الآخرة، يعني الجنة. { ~~ولهدينهم صرطا مستقيما } أي دينا قيما يرضاه لهم. ### || [4.69-73] # قوله تعالى: { ومن يطع الله والرسول } قال في رواية ~~الكلبي: # " نزلت الآية في شأن ثوبان، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~شديد الحب له، وكان قليل الصبر عنه، حتى تغير لونه، ونحل جسمه فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما غير لونك؟ فقال: ما بي من مرض، ~~ولكني إذا لم أرك استوحشت وحشة عظيمة، حتى ألقاك، وأذكر الآخرة وأخاف أن ~~لا أراك هناك " # ، فنزل قوله تعالى: { ومن يطع الله والرسول } { ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين } في الجنة. وقال في رواية الضحاك: وذلك أن نفرا من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا نبي الله، وإن صرنا إلى ~~الجنة، فإنك تفضلنا في الدرجات، كما أنك تفضلنا بدرجات ms0335 النبوة، فلا نراك. ~~فنزل: { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم.... } ~~الآية. حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا قتيبة، ~~قال: حدثنا جهضم، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي: أن رجلا من الأنصار، ~~أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: لأنت أحب ~~إلي من نفسي وولدي وأهلي، فلولا أني آتيك فأراك لا ريب أي لا شك أني ~~سوف أموت، قال: وبكى الأنصاري، فقال: ما أبكاك: قال: ذكرت أنك تموت، ~~ونموت، وترفع مع النبيين، ونكون نحن وإن دخلنا الجنة دونك، فلم يجبه بشيء ~~فأنزل الله تعالى: { ومن يطع الله والرسول فأولئك ~~مع الذين أنعم الله عليهم } { من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصلحين } أي من المسلمين، ثم ~~قال: { وحسن أولئك رفيقا } في الجنة، أي رفقاء، كقوله ~~تعالى: # ثم يخرجكم طفلا # [غافر: 67]. أي أطفالا، وكقوله: # كل صيحة عليهم هم العدو # [المنافقون: 4] أي الأعداء. { ذلك الفضل من الله } أي المن ~~والعطية من فضل الله { وكفى بالله عليما } بالثواب في الآخرة. ~~قوله تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا خذوا حذركم } ~~أي عدتكم من السلاح { فانفروا ثبات } يعني عصبا سرايا { أو ~~انفروا جميعا } مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأجمعكم. وقال ~~الزجاج: الثبات: الجماعة المتفرقة، فتأويله أنفروا جماعات متفرقة، ~~وانفروا مجتمعا بعضكم إلى بعض. وقوله عز وجل: { وإن منكم لمن ~~ليبطئن } فاللام الأولى زيادة للتأكيد، واللام الثانية للقسم، أي ~~وإن منكم من يتثاقل ويتخلف عن الجهاد، يعني المنافقين، فهذا الخطاب ~~للمؤمنين، فكأنه يقول: إن فيكم منافقين يتثاقلون، ويتخلفون عن الجهاد، { ~~فإن أصبتكم } معشر المسلمين { مصيبة } يعني نكبة وشدة ~~وهزيمة من العدو. { قال } ذلك المنافق الذي فيكم وتخلف عن الجهاد { ~~قد أنعم الله علي } بالجلوس { إذ لم أكن معهم ~~شهيدا } أي حاضرا في تلك الغزوة. قوله تعالى: { ولئن ~~أصبكم فضل من الله } يعني الفتح والغنيمة، { ليقولن ~~كأن لم تكن بينكم وبينه مودة } أي معرفة وودا في ~~الدين، { يليتني كنت معهم } في تلك الغزوة { فأفوز فوزا ~~عظيما } فأصيب غنائم كثيرة. وقال مقاتل: في الآية ms0336 تقديم وتأخير، ~~ومعناه: فإن أصابتكم مصيبة، قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم ~~شهيدا، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة في الدين ولا ولاية. قرأ ابن كثير ~~وعاصم في رواية حفص (كأن لم يكن) بالتاء لأن المودة مؤنثة، وقرأ الباقون ~~بالياء لأن تأنيثه ليس بحقيقي. ثم أمر المنافقين بأن يقاتلوا لوجه الله ~~تعالى. ### || [4.74-76] # فقال عز وجل: { فليقاتل في سبيل الله } يعني فليقاتل الذين ~~معكم في طاعة الله { الذين يشرون الحيوة الدنيا } أي ~~يختارون الدنيا على الآخرة. ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين فكأنه يقول: ~~فليقاتل في سبيل الله الكفار الذين يشرون الحياة الدنيا { بالآخرة }. ~~ثم قال تعالى: { ومن يقتل في سبيل الله } أي في طاعة الله ~~{ فيقتل } يقول فيستشهد { أو يغلب } أي يقتل العدو ويهزمهم { ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما } أي ثوابا عظيما في الجنة، فجعل ~~ثوابهما واحدا، يعني إذ غلب أو غلب، يستوجب الثواب في الوجهين جميعا، ~~وقال الضحاك: في قوله: { ومن يقتل في سبيل الله } قال: ~~ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة غفرت له ذنوبه، ووجبت له الجنة. ~~(والفواق بالرفع ما بين الحلبتين، والفواق: بالنصب، الراحة). وذلك قوله: ~~{ فسوف نؤتيه أجرا عظيما } ، أي ثوابا عظيما في الجنة، ~~ثم حث المؤمنين على القتال فقال تعالى: { وما لكم لا تقتلون ~~في سبيل الله والمستضعفين } أي وعن المستضعفين { من ~~الرجال والنساء والولدن } ويقال: وما لكم لا تقاتلون في ~~سبيل الله، وسبيل المستضعفين. ويقال: { وما لكم لا تقتلون ~~في سبيل الله } وفي خلاص المستضعفين، وقال الضحاك: وذلك أن كفار ~~قريش أسروا سبعة نفر من المسلمين وكانوا يعذبونهم، فأمر الله تعالى بقتال ~~الكفار ليستنقذوا الأسرى من أيديهم { الذين يقولون } يعني ~~المستضعفين بمكة يدعون الله تعالى ويقولون { ربنا أخرجنا من ~~هذه القرية الظلم أهلها } بالشرك { واجعل لنا ~~من لدنك وليا } أي، من عندك حافظا يحفظنا { واجعل لنا ~~من لدنك نصيرا } أي مانعا يمنعنا منهم، قال الكلبي: لما فتح ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، جعل الله لهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم ms0337 - وليا، وعتاب بن أسيد، نصيرا، وكان عتاب بن أسيد، ينصف ~~الضعيف من الشديد، فنصرهم الله به، وأعانهم، وكانوا أعز من بمكة من ~~الظلمة قبل ذلك. (فصار المسلمون الضعفاء أعزاء، كما كان الكفار قبل ذلك). ~~ثم مدح الله المؤمنين بقتالهم لوجه الله تعالى، فقال تعالى: { الذين ~~آمنوا يقتلوا في سبيل الله } أي في طاعة الله، وإعزاز ~~الدين وذم المنافقين، وبين أن قتالهم للشيطان، فقال تعالى: { والذين ~~كفروا يقتلون في سبيل الطغوت } أي في طاعة الشيطان، ~~ثم حرض المؤمنين على القتال، فقال { فقتلوا أولياء ~~الشيطن } أي جند الشيطان، وهم المشركون { إن كيد ~~الشيطن } أي مكر الشيطان { كان ضعيفا } أي واهيا. ويقال: ~~أراد به يوم بدر، حيث قال لهم الشيطان، أي الكفار لا غالب لكم اليوم من ~~الناس، وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه. ويقال: { إن ~~كيد الشيطن كان ضعيفا } أي مكره ضعيف لا يدوم وهذا كما ~~يقال: للحق دولة وللباطل جولة [أي ما له ري]. ### || [4.77-78] # ثم قال عز وجل: { ألم تر إلى الذين قيل لهم: كفوا ~~أيديكم } يعني ألم تخبر عنهم، ويقال: إن معناه، ألا ترى إلى هؤلاء، ~~وذلك أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كانوا بمكة، ~~استأذنوا في قتل كفار مكة سرا، لما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال لهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: مهلا كفوا أيديكم عن قتالهم { ~~وأقيموا الصلاة } فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة أمره الله تعالى بالقتال، فكره بعضهم، ~~فنزلت هذه الآية { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم } عن القتل، { وأقيموا الصلاة } ، أي أتموها { ~~وآتوا الزكاة } يعني أقروا بها وأعطوها إذا وجبت عليكم، { ~~فلما كتب عليهم القتال } أي فرض عليهم القتال بالمدينة { ~~إذا فريق منهم يخشون الناس } أي يخشون عذاب الكفار { ~~كخشية الله } أي كخشيتهم من عذاب الله { أو أشد خشية } ~~أي بل أشد خشية، ويقال: معناه، أو أشد خشية يعني أكثر خوفا { ~~وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال ms0338 } أي لم فرضت ~~علينا القتال، { لولا أخرتنا } أي يقولوا هلا أجلتنا { إلى ~~أجل قريب } ، وهو الموت. فبين الله تعالى لهم: أن الدنيا فانية ~~فقال { قل متع الدنيا قليل } أي: منفعة الدنيا قليلة، ~~لأنها لا تدوم، وقال - عليه الصلاة والسلام - # " مثلي ومثل الدنيا، كراكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها " # ثم قال تعالى: { والآخرة خير لمن اتقى } يقول: ثواب ~~الآخرة أفضل لمن اتقى الشرك والمعاصي { ولا تظلمون فتيلا } وقد ~~ذكرناه. قرأ نافع وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: (ولا تظلمون) بالتاء على ~~معنى المخاطبة، وقرأ الباقون: بالياء على معنى الخبر، يعني المتقين. قوله ~~تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت } أي في الأرض ~~يأتيكم الموت { ولو كنتم في بروج مشيدة } ، أي في ~~القصور الطوال المشيدة، المبنية إلى السماء، حتى لا يخلص إليه [أحد من ~~بني آدم]. وقال القتبي (البروج) الحصون، و (المشيدة): المطولة. وذلك أنهم ~~لما تثاقلوا عن الخروج إلى الجهاد مخافة الموت، فأخبرهم الله تعالى: إنهم ~~لا يموتون قبل الأجل، إذا جاء أجلهم لا ينجون من الموت وإن كانوا في موضع ~~حصين، وهذا قوله تعالى: # فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صدقين # [آل عمران: 168]. ثم أخبر عن المنافقين فقال: { وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا } أي الفتح والغنيمة، والخصب، يقولوا: { هذه ~~من عند الله، وإن تصبهم سيئة } أي نكبة وهزيمة، { ~~يقولوا: هذه من عندك } أي من شؤمك، يعني أصابتنا بسببك، ~~أنت الذي حملتنا على هذا { قل: كل من عند الله } يقال: ~~الرخاء والشدة، ويقال: القدر خيره وشره من الله تعالى. ثم قال تعالى: { ~~فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون } يعني المنافقين ~~لا يكادون يفقهون { حديثا } أي لا يفهمون قولا أن الشدة والرخاء من ~~الله تعالى أي لا يسمعون، ولا يفهمون، ما يحدثهم ربهم في القرآن. ### || [4.79-81] # قوله تعالى: { ما أصبك من حسنة } يعني النعمة، وهو الفتح ~~والغنيمة { فمن الله } أي وبفضله { وما أصبك من سيئة ~~} يعني البلاء والشدة، من العدو [أو الشدة في العيش] { فمن نفسك } ~~أي فبذنبك وأنا قضيته عليك. ويقال: ما أصابك ms0339 من حسنة يوم بدر، فمن الله، ~~وما أصابك من سيئة يوم أحد، فمن نفسك، أي، بذنب أصحابك، يعني بتركهم ~~المركز. ويقال: ما أصابك من حسنة، يعني، الدلائل والعلامات لنبوتك، فمن ~~الله وما أصابك من سيئة (يعني انقطاع الوحي فمن نفسك، يعني بترك ~~الاستثناء، حيث انقطع عنك جبريل أياما، بترك استثنائك به. ويقال: ما ~~أصابك من حسنة، يعني، تكثير الأمة، فمن الله وما أصابك من سيئة) من أذى ~~الكفار، فبتعجيلك، فقوله تعالى: # لعلك بخع نفسك ألا يكونوا # [الشعراء: 3] ويقال: فيه تقديم وتأخير، ومعناه { فما لهؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا } بقولهم { ما ~~أصبك من حسنة فمن الله وما أصبك من سيئة ~~فمن نفسك } قل كل من عند الله. ثم قال تعالى: { وأرسلنك ~~للناس رسولا } أي، ليس عليك سوى تبليغ الرسالة. { وكفى ~~بالله شهيدا } على مقالتهم وفعلهم. ثم قال تعالى: { ومن يطع ~~الرسول فقد أطاع الله } يعني من يطع الرسول فيما أمره، فقد ~~أطاع الله، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يدعوهم بأمر الله ~~تعالى، وفي طاعة الله تعالى، ويقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم -) ~~قال: # " من يحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله " # ، فقال المنافقون: إن هذا الرجل يريد أن نتخذه حنانا، فأنزل الله تعالى ~~تصديقا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله # [آل عمران: 31] وقال: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~}. ثم قال تعالى: { ومن تولى } أي أعرض عن طاعة الله، وطاعة رسوله ~~{ فما أرسلنك عليهم حفيظا } أي رقيبا وكان ذلك قبل ~~الأمر بالقتال. ثم أخبر عن أمر المنافقين فقال: { ويقولون طاعة } ~~أي يقولون بحضرتك: قولك طاعة، وأمرك معروف، فمرنا بما شئت، فنحن، لأمرك ~~نتبه، { فإذا برزوا } أي خرجوا { من عندك بيت } أي: ألغت ~~ويقال: غيرت { طائفة منهم غير الذي تقول } وقال ~~الزجاج: لكل أمر قضي بليل قد بيت. قرأ أبو عمرو، وحمزة: (بيت طائفة) ~~بالإدغام لقرب مخرج التاء من الطاء، وقرأ الباقون: بالإظهار، لأنهما ~~كلمتان. ثم قال تعالى: ms0340 { والله يكتب ما يبيتون } يعني يحفظ ~~عليهم ما يغيرون وقال الزجاج: { والله يكتب } له وجهان: يجوز أن ~~يكون ينزله إليك في كتابه، وجائز أن يكون يحفظ ما جاءوا به. ثم قال ~~تعالى: { فأعرض عنهم } أي اتركهم { وتوكل على الله ~~وكفى بالله وكيلا } أي شهيدا. ويقال: { وتوكل على ~~الله } أي ثق بالله، وكفى بالله وكيلا أي شهيدا أو يقال وتوكل على ~~الله ثقة لك، ثم نسخ بقوله تعالى: # يأيها النبي جهد الكفر والمنفقين # [التوبة: 73]. ### || [4.82-84] # قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرءان } يعني أفلا يتفكرون ~~في مواعظ القرآن، ليعتبروا بها، ويقال: أفلا يتفكرون في معاني القرآن، ~~فيعلمون أنه من عند الله تعالى لأنه { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا } أي تناقضا كثيرا، ~~ويقال: أباطيل وكذبا كثيرا، لأن الاختلاف في قول الناس وقول الله تعالى ~~لا اختلاف فيه، فلهذا قال أهل النظر: إن الإجماع حجة، لأن الإجماع من ~~الله تعالى، ولو لم يكن من الله تعالى لوقع فيه الاختلاف، ولهذا قالوا: ~~إن القياس إذا انتقض سقط الاحتجاج به، لأنه لو كان حكم الله تعالى لم يرد ~~عليه النقض. قوله تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف } يعني المنافقين، إذا جاءهم خبر من أمر السرية، بالفتح ~~والغلبة على العدو سكتوا وقصروا عما جاءهم من الخبر أو الخوف، أي وإن ~~جاءهم خبر من السرية ببلاء وشدة، نزلت بالمؤمنين { أذاعوا به } أي ~~أفشوه { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر ~~منهم } ، قال الكلبي: يقول لو سكتوا عن إفشائه، حتى يكون رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - هو الذي يفشيه، وأولو الأمر منهم: مثل: أبي بكر ~~الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم - { لعلمه الذين ~~يستنبطونه } يقول: يبتغونه { منهم } فيكون هؤلاء الذين ~~يستمعونه ويفشونه، ويعلمونه إلا قليلا منهم، يقول الله تعالى: { ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته } أي لولا من الله ~~عليكم ورحمته ونعمته { لاتبعتم الشيطن } ، فيه تقديم ~~وتأخير، وقال مقاتل: أذاعوا به أي أفشوه { إلا قليلا } منهم لا ~~يفشون الخبر. وقال الزجاج: { أذاعوا ms0341 به } أي أظهروه، ومعنى { ~~يستنبطونه منهم } أي يستخرجونه، وأصله من النبط، وهو أول ~~الماء الذي يخرج من البئر، إذا حفرت، ولو ردوا ذلك إلى أن يأخذوا من قبل ~~الرسول، ومن قبل أولي الأمر منهم لعلمه هؤلاء الذين أذاعوا به من ضعف ~~المسلمين، وعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - وذوي العلم، وكانوا ~~يعلمون مع ذلك. وقال عكرمة: لعلمه الذين يخوضون فيه ويسألون عنه. وقال ~~أبو العالية: يعني الذين يستحسنونه منهم. وقال الضحاك: ولو ردوا أمرهم في ~~الحلال والحرام، إلى الرسول في التصديق به والقبول منه، وإلى أولي الأمر ~~منهم، يعني حملة الفقه والحكمة، لعلمه الذين يستنبطونه منهم، يعني ~~يتفحصون عن العلم، { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ~~بالقرآن { لاتبعتم الشيطن إلا قليلا } وهم الذين ~~امتحن الله قلوبهم للتقوى، وفي هذه الآية دليل على جواز الاستنباط من ~~الخبر والكتاب، لأن الله تعالى قد أجاز الاستنباط من قبل الرسول وأهل ~~العلم ثم قال: { فقاتل في سبيل الله } أي في طاعة الله { لا ~~تكلف إلا نفسك } ، قال مقاتل: يعني ليس عليك ذنب غيرك، وقال ~~الزجاج، أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالجهاد، وإن قاتل ~~وحده، لأنه قد ضمن له النصر، وقال أبو بكر في أهل الردة: لو خالفتني ~~يميني لجاهدت بشمالي. # ويقال: واعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بأن يخرج إلى ~~بدر الصغرى فكره المسلمون الخروج (فأمره الله تعالى بأن يخرج، وإن كان ~~وحده) فقال: { وحرض المؤمنين } أي على القتال يعني على الجهاد، ~~بقتال أعداء الله { عسى الله أن يكف بأس الذين ~~كفروا } أي يمنع قتال الذين كفروا، واليأس: هو القتال. كما قال في ~~آية أخرى # وحين البأس # [البقرة: 177] ثم قال تعالى: { والله أشد بأسا } أي عذابا، ~~ويقال: { وأشد تنكيلا } أي أشد عقوبة في الآخرة عن عقوبة الكفار ~~في الدنيا. ### || [4.85-87] # قوله تعالى: { من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب ~~منها }. قال الضحاك: يعني من سن سنة حسنة في الإسلام فله أجرها، وأجر ~~من عمل بها من غير أن ms0342 ينقص من أجورهم شيء. { ومن يشفع شفعة ~~سيئة يكن له كفل منها } أي من سن في الإسلام سنة قبيحة ~~محدثة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من ~~أوزارهم شيء. وقال الكلبي: { من يشفع شفعة حسنة } يعني ~~يصلح بين اثنين يكن له أجر منها { ومن يشفع شفعة سيئة } ~~يمشي بالنميمة والغيبة، { يكن له كفل منها } يعني إثم منها. ~~وقال مجاهد: إنما هي شفاعة في الناس بعضهم لبعض، يعني يشفع لأخيه ~~[المسلم] في دفع المظلمة عنه. وروى سفيان، عن عمرو بن دينار أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: # " اشفعوا إلي تؤجروا، فإن الرجل منكم يسألني الأمر فأمنعه كي ما تشفعوا ~~فتؤجروا " # وقال الحسن: الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها، والكفل في ~~اللغة النصيب، كقوله تعالى: # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28]. ثم قال تعالى: { وكان الله على كل شيء ~~مقيتا } والمقيت: المقتدر، يقال: أقات على الشيء، يعني اقتدر، ويقال: ~~المقيت: الشاهد على الشيء الحافظ له، ويقال: مقيتا، يعني: بيده الرزق ~~وعليه قوت كل دابة، كقوله تعالى: # وقدر فيهآ أقوتها # [فصلت: 10]. قوله تعالى: { وإذا حييتم بتحية } يعني إذا سلم ~~عليكم { فحيوا بأحسن منها } أي ردوا جوابها، بأحسن منها { ~~أو ردوها } أي مثلها، فأمر الله تعالى المسلمين برد السلام، بأن ~~يردوا بأحسن منها، وهو أن يقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أو ~~يرد مثله، فيقول: وعليكم السلام. وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها للمسلمين، ~~أو ردوها لأهل الذمة. فيقول لهم: وعليكم. وروي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " أن رجلا دخل عليه، وقال: السلام عليكم، فقال له وعليكم السلام فلك ~~عشر حسنات، ودخل آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فقال: لك ~~عشرون حسنة. ودخل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ~~فقال: لك ثلاثون حسنة " # وروي عنه أنه نهى أن ينقص الرجل من سلامه، أو من رده، وهو أن يقول: ~~السلام عليك، ولكن ليقل: السلام عليكم. ويقال: إنما ذلك للمؤمنين، لأن ~~المؤمن، ms0343 لا يكون وحده ولكن يكون معه الملائكة. وفي هذه الآية دليل: أن ~~السلام سنة، والرد واجب، لأن الله تعالى أمر بالرد، والأمر من الله تعالى ~~واجب. ويقال { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منها أو ردوها } يعني إذا أهدي إليكم بهدية، فكافئوا بأفضل منها ~~أو مثلها، وهذا التأويل ذكر عن أبي حنيفة. # ثم قال تعالى: { إن الله كان على كل شيء حسيبا } أي ~~مجازيا. قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو } نزلت في شأن ~~الذين شكوا في البعث، فأقسم الله تعالى بنفسه { ليجمعنكم } وهذه ~~لام القسم، وكل لام بعدها نون مشددة، فهي لام القسم. وقوله: { إلى ~~يوم القيمة } قال بعضهم: إلى صلة في الكلام، معناه ليجمعنكم ~~يوم القيامة. ويقال: ليجمعنكم في الموت، وفي قبوركم إلى يوم القيامة، ثم ~~يبعثكم { لا ريب فيه } أي لا شك فيه، وهو البعث، يعني لا شك فيه ~~عند المؤمنين، ويقال: يعني لا ينبغي أن يشك فيه، ثم قال تعالى: { ومن ~~أصدق من الله حديثا } أي من أوفى من الله قولا وعهدا. قرأ ~~حمزة والكسائي: (ومن أزدق) بالزاي. وقرأ الباقون: (أصدق) وأصله الصاد، ~~إلا أنه لقرب مخرجيهما يجعل مكانه زاي. ### || [4.88-91] # { فما لكم في المنفقين فئتين } نزلت في تسعة نفر ~~ارتدوا عن الإسلام، فخرجوا من المدينة، وانطلقوا إلى مكة، ثم إنهم خرجوا ~~تجارا إلى الشام، فقال بعض المسلمين: نخرج إلى هؤلاء ونقتلهم ونأخذ ~~أموالهم، وقال بعضهم: هم مسلمون فلا يجوز أخذ أموالهم، ويقال: كان قوم من ~~المنافقين بمكة، خرجوا إلى الشام، فاختلف المسلمون في أمرهم، فبين الله ~~تعالى للمسلمين نفاقهم فقال تعالى: { فما لكم في المنفقين ~~} يعني، صرتم في المنافقين فئتين، أي فريقين تختصمون في أمرهم { ~~والله أركسهم بما كسبوا } أي أذلهم ويقال: أهلكهم، ~~ويقال: أركسهم أي ردهم إلى كفرهم، ويقال: ركست الشيء وأركسته إذا أرددته ~~إلى الحال الأول. ثم قال تعالى: { أتريدون أن تهدوا من ~~أضل الله } [يعني أترشدون إلى الهدى من أضله الله] { ومن ~~يضلل الله } عن الهدى { فلن تجد له سبيلا } يعني، ~~دينا، ويقال: ms0344 مخرجا. ثم قال تعالى: { ودوا لو تكفرون } أي ~~ترجعون عن هجرتكم { كما كفروا } أي كما رجعوا { فتكونون } ~~أنتم وهم على الكفر { سوآء } ومن هذا يقال في المثل: إن من أحرق يوما ~~كدسه، يتمنى حرق أكداس الأمم، فكذلك الكفار، كانوا يتمنون أن يكون الناس ~~كلهم كفارا، حتى يحترقوا معهم. قال الله تعالى: { فلا تتخذوا ~~منهم أولياء } في الدين والنصرة { حتى يهاجروا في ~~سبيل الله } حتى يتوبوا، ويرجعوا إلى دار الهجرة بالمدينة { فإن ~~تولوا } يعني أبوا الهجرة { فخذوهم } يعني فأسروهم { ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم } يعني أين وجدتموهم من الأرض. { ~~ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } في العون. ثم ~~استثنى الذين كان بينهم وبين المسلمين عهد فقال: { إلا الذين ~~يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق } وهم خزاعة، ~~وبنو مدلج، وبنو خزيمة، وهلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه، صالحهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أن كل من أتاهم من المسلمين، فهو آمن ~~ومن جاء منهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو آمن، وفي هذه الآية ~~إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كانت في الموادعة مصلحة ~~للمسلمين. ثم قال تعالى: { أو جاءوكم حصرت صدورهم } أي ~~ضاقت قلوبهم { أن يقتلوكم } من قبل العهد { أو يقتلوا ~~قومهم } معكم من قبل القرابة. ثم قال تعالى: { ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم فلقتلوكم } ذكر منته على المؤمنين أنه ~~يدفع عنهم البلاء، ومنعهم عن قتالهم، ثم قال تعالى: { فإن ~~اعتزلوكم } في القتال { فلم يقتلوكم، وألقوا ~~إليكم السلم } أي الصلح، معناه أنهم لو ثبتوا على صلحهم، فلا ~~تقاتلوهم، فذلك قوله: { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~} أي حجة وسلطانا في قتالهم، ثم قال عز وجل: { ستجدون ءاخرين ~~يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم } وهم أسد ~~وغطفان، كانوا إذا أتوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون: آمنا ~~بك، وإذا رجعوا إلى قومهم قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء، يقول: إنهم لم ~~يريدوا بذلك تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما أرادوا به ~~الاستهزاء. # وقال مجاهد: هم ناس من أهل مكة كانوا يأتون ms0345 النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ويسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون بالأوثان، ويريدون أن ~~يأمنوا ها هنا، وها هنا، فذلك قوله تعالى: { كلما ردوا إلى ~~الفتنة } ، يقول: كلما دعوا إلى الشرك { أركسوا فيها } ~~يقول: عادوا إليه، ودخلوا فيه { فإن لم يعتزلوكم } في القتال ~~{ ويلقوا إليكم السلم } أي لم يلقوا إليكم الصلح { ~~ويكفوا أيديهم } عن قتالكم، يعني إن لم يكفوا أيديهم { ~~فخذوهم } يعني أسروهم { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ~~يعني حيث أدركتموهم، ووجدتموهم { وأولئكم } يعني أهل هذه الصفة ~~{ جعلنا لكم عليهم سلطنا } يعني حجة { مبينا } أي ~~حجة مبينة في القتال. ### || [4.92] # وقوله تعالى: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطأ } يقول: وما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمدا، إلا خطأ بغير قصد ~~منه، ويقال: معناه، ولا خطأ أي ما جاز له يقتل عمدا ولا خطأ. ثم قال ~~تعالى: { ومن قتل مؤمنا خطأ } نزلت الآية في شأن عياش بن أبي ~~ربيعة، حين قتل الحارث بن زيد، وذلك أن عياشا هاجر إلى المدينة مؤمنا، ~~فجاءه أبو جهل بن هشام، والحارس بن هشام وهما أخواه لأمه، ومعهما الحارث ~~بن زيد، فقالوا له: إن أمك تناشدك بحقها، ورحمها أن ترجع إليها، وإنك أحب ~~الأولاد إليها، وقد حلفت ألا يظلها بيت، ولا تأكل طعاما، ولا تشرب ~~شرابا حتى ترجع إليها، فارجع إليها وكن على دينك، فخرج معهم، فلما خرج ~~من المدينة أوثقوه بحبل وضربوه، وحملوه إلى مكة، وألقوه في الشمس وحلفت ~~أمه بأن لا يحله أحد ما لم يكفر بالله، فتركوه على حاله حتى أعطاهم الذي ~~أرادوه، فحلوه من الوثاق فقال له الحارث بن زيد: إن كان الذي كنت عليه ~~هدى، فقد تركته، وإن كان ضلالة فقد كنت في ضلالة، فحلف عياش بأن يقتل ~~الحارث بن زيد إذا لقيه خاليا. ثم إن عياشا خرج إلى المدينة إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أسلم الحارث بن زيد بعد ذلك فلقيه عياش ~~في بعض سكك المدينة ولم يعلم بإسلامه فقتله، ثم علم بإسلامه فأتى رسول ~~الله ms0346 - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بالأمر الذي كان منه، فنزلت هذه ~~الآية فيه وصارت الآية عامة لجميع الناس، وهو قوله: { ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة } أي فعليه عتق رقبة ~~مؤمنة، ولو أعتق رقبة كافرة لم يجز بالإجماع. { ودية مسلمة ~~إلى أهله } أي وعليه دية مسلمة إلى أهل القتيل، والدية مائة من ~~الإبل، { إلا أن يصدقوا } وأصله: يتصدقوا، فأدغم التاء في ~~الصاد، وأقيم التشديد مقامه، ومعناه، إلا أن يعفو عنه أولياء القتيل، ولا ~~يأخذوا منه شيئا، ثم قال: { فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن } يعني إن كان القتيل من أهل الحرب، وقد أسلم في دار ~~الحرب، فقتله رجل في دار الحرب، فعلى القاتل الكفارة، عتق رقبة مؤمنة ولا ~~دية عليه، وهذا بالإجماع. وقد نزلت في شأن أسامة بن زيد، قتل رجلا يقال ~~له: مرداس، وكان مسلما، فنزلت هذه الآية. وروي عن عطاء بن السائب عن ابن ~~عباس أنه قال: كان الرجل [يأتي فيسلم، ثم] يأتي قومه، وهم مشركون، فيقيم ~~فيهم فيغزوهم جيوشا من جيوش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقتل ~~الرجل، فنزلت هذه الآية: { فإن كان من قوم عدو لكم ~~وهو مؤمن } { فتحرير رقبة مؤمنة } وليس عليه دية، ~~ثم قال: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق } ~~يعني إن كان المقتول من أهل الذمة، { فدية مسلمة } أي فعليه ~~دية مسلمة { إلى أهله } { و } عليه أيضا { تحرير رقبة ~~مؤمنة }. # وروي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن مستأمنين دخلا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فكساهما وحملهما، فلما خرجا من عنده لقيهما ~~عمرو بن أمية الضمري، فقتلهما، ولم يعلم أنهما مستأمنان ففداهما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بدية حرين مسلمين، فنزلت هذه الآية: { وإن ~~كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة } ولهذا ~~قال علماؤنا - رحمهم الله - إن دية الذمي والمسلم سواء، وهكذا روي عن أبي ~~بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - أن دية الذمي والمسلم سواء، مائة ms0347 من ~~الإبل، ثم قال: { فمن لم يجد } أي قاتل الخطأ إذا لم يجد رقبة ~~مؤمنة { فصيام شهرين } أي فعليه صيام شهرين { متتابعين ~~توبة من الله } أي تلك الكفارة، توبة للقاتل من الله تعالى. ~~ويقال: سبب التجاوز من الله. ثم قال: { وكان الله عليما } يعني ~~عليما بالقاتل { حكيما } حكم بالكفارة على من قتل خطأ. ### || [4.93] # قوله تعالى: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم } روي عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند عبد الله بن عباس ~~بعدما كف بصره فجاءه رجل فناداه: ما تقول فيمن قتل مؤمنا متعمدا، فقال: ~~جزاؤه جهنم خالدا فيها. { وغضب الله عليه ولعنه، ~~وأعد له عذابا عظيما }. فقال: أرأيت: إن تاب وآمن، وعمل ~~صالحا، ثم اهتدى. قال: وأنى له الهدى سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: # " يأتي قاتل المؤمن متعمدا، ويتعلق به المقتول عند عرش الرحمن، فيقول: ~~يا رب، سل هذا فيم قتلني " # ؟ فوالذي نفسي بيده في هذا أنزلت هذه الآية، فما نسختها آية بعد نبيكم، ~~وما نزل بعده من برهان. وروي عن ابن عمر، وأبي هريرة أنهما قالا: لا توبة ~~له وقال غيرهم له التوبة، لأن الله تعالى ذكر الشرك، والقتل، والزنا، ثم ~~قال: # إلا من تاب وءامن... # [الفرقان: 70] # ...فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت # [الفرقان: 70] ويقال: معناه، فجزاؤه جهنم خالدا فيها، أي داخلا فيها ~~لأنه لم يذكر فيها الأبد، كما أن الرجل يقول: خلدت فلانا في السجن، أي ~~أدخلته ويقال: فجزاؤه جهنم أي إن جازاه وروى أنس بن مالك عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إذا وعد الله لعبده ثوابا، فهو منجزه، وإن أوعد له العقوبة، فله ~~المشيئة، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفى عنه " # ويقال: معناه، من يقتل مؤمنا متعمدا، يعني مستحلا لقتله فجزاؤه جهنم ~~خالدا فيها، لأنه كفر باستحلاله. ويقال: { ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا } يعني يقتله متعمدا، لأجل إيمانه، كما روي في الأثر: أن ~~بغض الأنصار كفر، إن كان بغضهم لأجل نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فكذلك ها ms0348 هنا إذا قتله لأجل إيمانه، صار كافرا. ويقال: هو منسوخ بقوله ~~تعالى: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] ويقال: معناه فجزاؤهم جهنم بقتله، خالدا فيها بارتداده، ~~لأن الآية نزلت في شأن رجل قتل مؤمنا متعمدا، ثم ارتد عن الإسلام، وهو ~~مقيس بن ضبابة، وجد أخاه هشام بن ضبابة قتيلا في بني النجار، فذكر ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث معه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رجلا من بني فهر إلى بني النجار، وأمره: بأن يقرئهم السلام، ~~ويأمرهم بأن يطلبوا قاتله، فإن وجدوه قتلوه، وإن لم يجدوه، حلفوا خمسين ~~يمينا وغرموا الدية، فلما أتاهم مقيس بن ضبابة، رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وبلغهم الرسالة، فقالوا: سمعا وطاعة لأمر الله ورسوله، ~~وقالوا: ما نعرف قاتله، فحلفوا وغرموا الدية، فلما رجع مقيس بن ضبابة قال ~~في نفسه: إني بعت دم أخي بمائة من الإبل، ودخلت فيه حمية الجاهلية، وقال: ~~أقتل هذا الفهري مكان أخي، وتكون الدية فضلا لي، فقتله، وتوجه إلى مكة ~~وقال في ذلك شعرا: # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار أرباب فارع # فادركت ثأري واضطجعت موسدا # وكنت إلى الأوثان أول راجع ### || [4.94] # فنزلت هذه الآية في شأنه، إن جزاءه جهنم خالدا فيها وكل من يعمل مثل ~~عمله ثم قال عز وجل { يا أيها الذين ءامنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله } أي يقول: إذا خرجتم، وصرتم في الجهاد { ~~فتبينوا } نزلت الآية # " في شأن أسامة بن زيد، لقي رجلا يقال له: مرداس، فقال له مرداس: لا ~~إله إلا الله، وسلم عليهم، وقال: السلام عليكم، إني مؤمن فقتله أسامة ولم ~~يصدقه بأنه مسلم، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله، ~~فقال أسامة إنه قال بلسانه دون قلبه. فقال - صلى الله عليه وسلم -: هلا ~~شققت عن قلبه، فقال أسامة: استغفر لي، فقال له: فكيف لك بلا إله إلا ~~الله. ثلاث مرات، ثم ms0349 استغفر له الرابعة، وأمره بأن يعتق رقبة " # وروى شهر بن حوشب، عن جندب بن سفيان، عن رجل من بجيلة قال: # " كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه بشير من السرية، ~~فأخبره بالفتح، وقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينما نحن ~~نطلب القوم، وقد هزمهم الله تعالى، فقصدت رجلا بالسيف، فلما أحس أن ~~السيف واقع به، فقال: إني مسلم، فقتلته، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أقتلت مسلما! فقال: يا رسول الله؛ إنه قال متعوذا، فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - أفلا شققت عن قلبه! فقال يا رسول الله: استغفر لي، ~~فقال: لا استغفر لك " # ، فمات الرجل فدفنوه ثم أصبح على وجه الأرض، ثم دفنوه، ثم أصبح على وجه ~~الأرض ثلاث مرات فلما رأى ذلك قومه، استحيوا وحزنوا، فحملوه وألقوه في ~~شعب من تلك الشعاب، فنزلت هذه الآية: { يا أيها الذين ~~ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } أي ~~قفوا وانظروا من تقتلون. قرأ حمزة والكسائي (فتثبتوا) بالثاء، وقرأ ~~الباقون (فتبينوا) بالباء، فمن قرأ بالثاء فهو من التثبت، يقول: قفوا، ~~ولا تعجلوا في الأمر حتى يتبين لكم الكافر من المسلم، ومن قرأ بالباء، ~~فهو من التبين، ومعناهما قريب. ثم قال تعالى: { ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلم لست مؤمنا } قرأ أبو عمرو، وعاصم، ~~وابن كثير، والكسائي: (السلام) بالألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة: ~~(السلم) بغير ألف، وأما من قرأ: (السلام)، فلأن مرداسا قال لهم: السلام ~~عليكم، وأما من قرأ (السلم)، فهو الدخول والانقياد، والمتابعة، يعني إن ~~انقاد لكم، وتابعكم فلا تقولوا له: لست مؤمنا، وأسلم، واستسلم بمعنى ~~واحد، أي دخل في الانقياد، كما تقول: أشتى الرجل، إذا دخل في الشتاء، ~~وأربع إذا دخل في الربيع. # ثم قال: { تبتغون عرض الحيوة الدنيا } وذلك أن الرجل ~~كانت معه غنيمة حين قتلوه، وأخذوا ما كان معه من الغنيمة، فعيرهم الله ~~تعالى بطمعهم في المال، ثم قال: { فعند الله مغانم كثيرة ~~} أي عند الله ثواب كثير في الآخرة لمن ms0350 اتقى، ويقال: غنائم كثيرة في ~~الدنيا، فاطلبوا من حيث أذن لكم، وأبيح لكم، ثم قال تعالى: { كذلك ~~كنتم من قبل } أي هكذا كنتم من قبل الهجرة بمنزلة مرداس تأمنون في ~~قومكم بالتوحيد، من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تخيفوا ~~أحدا، وكنتم تأمنون بمثله قبل هجرتكم { فمن الله عليكم } ~~بالهجرة، ويقال: هكذا كنتم، يعني كنتم تكتمون إيمانكم من قبل، ويقال: أي ~~كنتم كفارا، فمن الله عليكم بالإسلام، ثم قال تعالى: { فتبينوا } ~~أي قفوا، وانظروا في أمركم لكي لا تقتلوا مؤمنا، فصارت الآية عامة لجميع ~~السرايا، إذا دخلوا دار الحرب، ينبغي أن يتبينوا لكي لا يقتلوا مؤمنا. ~~ثم قال: { إن الله كان بما تعملون خبيرا } أي عالما ~~بكم وبأعمالكم # . ### || [4.95-96] # ثم قال تعالى: { لا يستوي القعدون من المؤمنين } ~~يعني القاعدين عن الجهاد لا يكون حالهم مثل حال الذين يجاهدون في الثواب ~~والأجر { غير أولي الضرر } أي القاعدين الذين لا عذر لهم، ومن ~~كان له عذر، فهو خارج من هذا، قال ابن عباس: يعني، ابن أم مكتوم، ومحمد ~~بن جحش، ويقال: عبد الله بن جحش فقال: إنا عميان فهل لنا من رخصة فنزلت { ~~غير أولي الضرر } حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص، قال: حدثنا أبو ~~جعفر الطحاوي، قال: حدثنا إبراهيم بن داود، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد ~~الله الأوسي قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، ~~عن سهل بن سعد الساعدي قال: رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد، ~~فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أملى عليه { لا يستوي القعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر } ، { والمجهدون في ~~سبيل الله } فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول ~~الله: لو استطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله تعالى على ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن يرض ~~فخذي ثم سري عنه [أي زال عنه ms0351 التغير] فأنزل الله تعالى: { غير أولي ~~الضرر } يعني، إلا أن يكون أولي الضرر. قرأ نافع والكسائي، وابن ~~عامر: (غير أولي الضرر) بنصب الراء. وقرأ حمزة وعاصم، وابن كثير، وأبو ~~عمرو: (غير أولي الضرر) بالضم. وقرأ بعضهم: { غير أولي الضرر } ~~بالكسر، فمن قرأ بالضم جعله نعتا للقاعدين، أي يعني لا يستوي القاعدون ~~غير أولي الضرر، ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الاستثناء، ويقال: هو نصب ~~على الحال، ومن قرأ بالكسر، فلحرف الكسر وهو من قوله تعالى: { ~~والمجهدون في سبيل الله بأمولهم وأنفسهم، ~~فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على ~~القعدين } أي بغير عذر { درجة } أي فضيلة في الآخرة { ~~وكلا } يعني المجاهدين والقاعدين، والمعذورين { وعد الله ~~الحسنى } أي وعد الله لهم الثواب وهو الجنة، ثم قال تعالى: { ~~وفضل الله المجهدين على القعدين أجرا ~~عظيما } أي بغير عذر ثم بين الأجر فقال: { درجت منه ~~ومغفرة } أي فضائل من الله في الجنة أي سبعين درجة. روى هشام بن ~~حسان عن جبلة بن عطية، عن ابن محيريز قال: ما بين الدرجتين، حضر الفرس أو ~~الجواد سبعين عاما. ثم قال تعالى: { ومغفرة } يعني مغفرة لذنوبهم، ~~{ ورحمة } نعمة في الجنة { وكان الله غفورا } لمن جاهد { ~~رحيما } إذ سوى بين من له عذر بالفضل مع غيره. ### || [4.97-99] # قوله تعالى: { إن الذين توفهم الملائكة } يعني ملك ~~الموت يقبض أرواحهم { ظالمي أنفسهم } يعني الذين أسلموا بمكة ~~وتخلفوا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المؤمنين ~~شكوا وكفروا، فقتل بعضهم، فأخبر الله تعالى عن حالهم فقال تعالى { ~~قالوا فيم كنتم } يعني الملائكة تقول لهم: في أي شيء كنتم؟ ~~ويقال: أين كنتم عن الهجرة؟ { قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض } أي يقولون: كنا مقهورين في أرض مكة، لا نقدر أن نظهر الإيمان ~~{ قالوا } أي قالت الملائكة: { ألم تكن أرض الله وسعة ~~} يعني المدينة مطمئنة آمنة. { فتهجروا } يعني تهاجروا إليها، ~~فقال الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { فأولئك ~~مأواهم جهنم } أي منزلهم ومصيرهم إلى النار { وساءت ~~مصيرا } أي بئس المصير، صاروا ms0352 إليها. حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص، ~~قال: [حدثنا الطحاوي قال:] حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدثنا أبو عبد ~~الرحمن المقري، عن حيوة بن شريح عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن ناسا من المسلمين مع المشركين، يكثرون سواد ~~المشركين، يأتي السهم يرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، فأنزل الله تعالى { ~~إن الذين توفهم الملائكة ظلمي أنفسهم } - ~~الآية. ثم استثنى أهل العذر فقال: { إلا المستضعفين } أي ~~المقهورين { من الرجال والنساء والولدن } فليس مأواهم ~~جهنم وهم الذين { لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ~~} أي لا يجدون سعة الخروج عنهم إلى المدينة ولا يعرفون طريقا إلى ~~المدينة. { فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم } أي ~~يتجاوز عنهم وعسى: من الله واجب { وكان الله عفوا } عنهم { ~~غفورا } لهم فلا يعاقبهم. فقال عبد الله ابن عباس: أنا ممن استثنى ~~الله يومئذ، وكنت غلاما صغيرا وكان ذلك، قبل [نسخ] الهجرة، ثم نسخت ~~الهجرة بعد فتح مكة. حدثنا أبو الفضل، ابن أبي حفص، قال: حدثنا الطحاوي، ~~قال: حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، ~~قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه، عن جده، قال: لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مكة خطب الناس فقال في خطبته: # " ولا هجرة بعد الفتح " # ، وروى طاوس عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم ~~الفتح: # " إنه لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ". ### || [4.100-101] # ثم قال تعالى: { ومن يهاجر في سبيل الله } يقول في طاعة ~~الله إلى المدينة { يجد في الأرض مراغما كثيرا } يقول ملجأ ~~ومحولا من الكفر إلى الإيمان { وسعة } من الرزق. وقال القتبي: ~~المراغم، والمهاجر واحد، ويقال: راغمت وهاجرت لأنه إذا أسلم خرج مراغما ~~لأهله، أي مغايظا لهم، والمهاجر، المنقطع. وقيل للذاهب إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - هجرة مراغم، لأنه إذا خرج هجر قومه. وروي عن معمر عن ~~قتادة، قال: لما نزلت ms0353 { إن الذين توفهم الملائكة ~~ظلمي أنفسهم... } الآية فقال رجل من المسلمين وهو مريض: والله ~~ما لي عذر إني أجد الدليل في الطريق، وإني لموسر، فاحملوني، فحملوه، ~~فأدركه الموت في الطريق، فقال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لو بلغ ~~إلينا لتم أجره، وقد مات بالتنعيم وجاء بنوه إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية: { ومن يخرج من ~~بيته مهجرا إلى الله ورسوله، ثم يدركه ~~الموت } يعني في الطريق { فقد وقع أجره على الله } أي ~~ثوابه على الله الجنة { وكان الله غفورا } لما كان منه في الشرك ~~{ رحيما } حين قبل توبته، وكان اسمه جندع بن ضمرة. قوله تعالى: { ~~وإذا ضربتم في الأرض } يعني إذا خرجتم إلى السفر { فليس ~~عليكم جناح } ويقول: لا مأثم، ولا حرج عليكم { أن تقصروا ~~من الصلاة، إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } ~~يعني يقتلكم، والفتنة في أصل اللغة الاختبار، ثم سمى القتل فتنة لأن معنى ~~الاختبار كما قال: # على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم # [يونس: 83] أي يقتلهم فالله تعالى، قد أباح قصر الصلاة عند الخوف، ثم ~~صار ذلك عاما لجميع المسافرين أن يقصروا من الصلاة، خافوا أو لم يخافوا. ~~وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عليه - أنه سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته " # ثم قال تعالى: { إن الكفرين كانوا لكم عدوا ~~مبينا } ظاهر العداوة، ومعناه، كونوا بالحذر منهم. ### || [4.102] # { وإذا كنت فيهم، فأقمت لهم الصلوة } يعني ~~بالمؤمنين ومعناه، إذا كنت بحضرة العدو، وحضرت الصلاة، { فلتقم ~~طائفة منهم } أي جماعة منهم { معك } في الصلاة { ~~وليأخذوا أسلحتهم } يعني الذين يصلون معك، ويقال وليأخذوا ~~أسلحتهم الذين هم بإزاء العدو، { فإذا سجدوا } يعني إذ صلوا الذين ~~خلف الإمام ركعة واحدة { فليكونوا من ورائكم } أي ينصرفون ~~إلى موضع العدو ويقفون هناك، { ولتأت طائفة أخرى لم ~~يصلوا } كانوا بإزاء العدو { فليصلوا معك } ركعة أخرى، ~~ولم يذكر في الآية ms0354 لكل طائفة إلا ركعة واحدة، ولكن [ذكر] في الخبر عن عبد ~~الله ابن عمر، وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صلى صلاة ~~الخوف، صلى بالطائفة الاولى ركعة، وبالطائفة الأخرى ركعة كما ذكر في ~~الآية، ثم جاءت الطائفة الاولى، وذهبت هذه الطائفة إلى موضع العدو، حتى ~~قضت الطائفة الاولى الركعة الأخرى، وسلموا، ثم جاءت الطائفة الأخرى ~~وقضوا الركعة الاولى، وسلموا، حتى صارت لكل طائفة ركعتان، وهذا اختيار ~~أصحابنا في صلاة الخوف، ثم قال تعالى: { وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ود الذين كفروا } يقول: تمنى الذين كفروا { ~~لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } يعني أمتعة ~~الحرب { فيميلون عليكم ميلة وحدة } يعني يحملون عليكم ~~حملة واحدة، وإنما حذرهم لكي يكونوا بالحذر منهم. ثم قال تعالى: { ولا ~~جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم } وذلك # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة أنمار، فهزمهم، وسبى ~~ذريتهم، فلما رجعوا أصابهم المطر، فنزلوا واديا تحت الأشجار، فوضع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سلاحه، وذهب إلى الجانب الآخر من الوادي وحده ~~فجاء السيل، فحال بينه وبين أصحابه، وكان بعض المشركين على ذلك الجبل، ~~فرآه حين حال السيل بينه وبين أصحابه فجاءه واحد منهم يقال: له حويرث بن ~~الحارث وقال: أنا أقتله، فأتاه، وقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال: الله ~~عز وجل، فسل سيفه وأراد أن يضربه، فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الكافر في صدره دفعة، فسقط السيف من يده، فوثب عليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأخذ سيفه، وقال: من يخلصك مني؟ فقال: لا أحد. فقال له: إن ~~أسلمت حتى أرد عليك سيفك، فقال: لا أسلم، ولكن أعاهد الله تعالى ألا أكون ~~لك ولا عليك أبدا، فرد عليه سيفه " # ، فقال الرجل: يا محمد أنت خير مني لأنك قدرت على قتلي، فلم تقتلني، ~~فرجع الكافر إلى أصحابه فأخبرهم بالقصة، فآمن بعضهم، ثم انقطع السيل وجاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه وأخبرهم بالقصة، وقرأ ms0355 عليهم هذه ~~الآية { ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر، ~~أو كنتم مرضى } أي أصابتكم الجراحات، { أن تضعوا ~~أسلحتكم وخذوا حذركم } من العدو يعني كونوا بالحذر منهم. ~~وقال الضحاك: { وخذوا حذركم } أي تقلدوا سيوفكم، فإنما ذلك هيبة ~~الغزاة. ثم قال تعالى: { إن الله أعد للكفرين } في ~~الآخرة { عذابا مهينا } يهانون فيه. ### || [4.103-104] # ثم قال عز وجل { فإذا قضيتم الصلوة } قال بعضهم: فإذا ~~فرغتم من الصلاة، { فاذكروا الله } بالقلب واللسان على أي حال ~~كنتم { قيما وقعودا وعلى جنوبكم } إن لم تستطيعوا ~~القيام، ويقال: فإذا قضيتم الصلاة، أي إذا صليتم في دار الحرب، فصلوا على ~~الدواب، أو قياما، أو قعودا، أو على جنوبكم، إن لم تستطيعوا القيام، ~~إذا كان خوفا، أو مرضا، وهذا كما قال في آية أخرى: # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # [البقرة: 239]. يقال: # فإذا قضيتم الصلوة # [النساء: 103] أي فرغتم من صلاة الخوف. { فاذكروا الله } أي ~~فصلوا لله، وصلاة الصحيح قياما، والمريض قاعدا، أو على جنوبكم إن كان ~~المرض أشد من ذلك. ثم قال تعالى: { فإذا اطمأننتم } يقول: ~~أمنتم، ورجعتم إلى منازلكم، { فإذا قضيتم } يعني: فأتموا الصلاة ~~أربعا، وهذا كقوله: # يمشون مطمئنين # [الإسراء: 95] أي مطمئنين. ثم قال: { إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا } يعني فرضا مفروضا، معلوما ~~للمسافر ركعتان، وللمقيم أربع، وقال مقاتل: { كتبا موقوتا } ~~يعني فريضة معلومة كقوله # كتب عليكم # [البقرة: 178 وغيرها] أي فرض عليكم. وقال الزجاج: { كتبا ~~موقوتا } أي مفروضا موقتا فرضه. قوله تعالى { ولا تهنوا في ~~ابتغاء القوم } يقول: لا تضعفوا في ابتغاء القوم، أي في طلب ~~المشركين أبي سفيان وأصحابه بعد يوم أحد، وذلك أن المسلمين، لما أصابتهم ~~الجراحات يوم أحد، وكانوا يضعفون عن الخروج إلى الجهاد، فأمرهم الله ~~تعالى بأن يظهروا من أنفسهم الجد والقوة، وهذا الخطاب لهم، ولجميع ~~المسلمين الغزاة إلى يوم القيامة، قوله: { إن تكونوا تألمون }. ~~قال عكرمة: الألم: الوجع، وكذلك قال الضحاك والسدي: إن أصابكم الوجع ~~والجراحات في الحرب { فإنهم يألمون كما تألمون } أي، ~~يصيبهم الوجع مثل ما يصيبكم، ms0356 ولكم زيادة ليست للمشركين وذلك قوله تعالى: ~~{ وترجون من الله ما لا يرجون } يعني الثواب في الآخرة { ~~وكان الله عليما } بما كان { حكيما } بما يكون. ### || [4.105-109] # ثم قال: { إنا أنزلنا إليك الكتب بالحق } يعني ~~أنزلنا عليك جبريل عليه السلام ليقرأ عليك القرآن بالعدل، والأمر والنهي ~~{ لتحكم بين الناس بما أراك الله } أي بما أعلمك ~~الله، وألهمك، وبما أوحي إليك، { ولا تكن للخائنين خصيما } ~~ولا تكن للسارقين معينا. وروى محمد بن إسحق، عن عاصم بن عمر، عن جده ~~قتادة بن النعمان قال: كان بنو أبيرق، وكانوا ثلاثة بشر، وبشير، ومبشر، ~~فكان بشر يكنى، أبا طعمة، وكان شاعرا، وكان منافقا، وكان يقول الشعر ~~يهجو به أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يقول: قال فلان، وكان ~~لعمي رفاعة بن زيد علية فيها طعام، وسلاح، فطرقه بشر من الليل، فأخذ ما ~~فيها من الطعام والسلاح، فلما أصبح عمي دعاني وقال لي: إنه أغير علينا ~~الليلة، فقلت: من فعله؟ فقال: بشير وأخوه فجئت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخبرته أن بشيرا قد سرق من عمي الطعام والسلاح، فأما ~~الطعام فلا حاجة لنا فيه، وأما السلاح فليردوه علينا، فجاء قومه، وكانوا ~~أهل لسان وبيان فقالوا: إن رفاعة وابن أخيه عمدوا إلى أهل بيت منا ~~يتهمونهم بالسرقة، فوقع قولهم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - موقعا، ~~فبين الله خيانتهم فنزل: { ولا تكن للخائنين خصيما } وهو ~~ابن طعمة، وقال الضحاك # " سرق طعمة بن أبيرق اليهودي درعا للزبير بن العوام، فاختصما إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال للزبير: لا بد لك من أن تأتي على ذلك بحجة ~~قيمة، وشهادة صحيحة " # فأنزل الله تعالى تصديقا لقوله { ولا تكن للخائنين خصيما ~~}. وقال مقاتل: سرق طعمة بن أبيرق المنافق درعا من يهودي فلما جاءوا إلى ~~بيته بالأثر رمى الدرع في دار رجل من الأنصار، وأنكر فجاء قومه ليبرؤه من ~~السرقة، فنزلت هذه الآية، وقال الكلبي: سرق طعمة بن أبيرق درعا من جار ~~له يقال له: قتادة بن النعمان، ms0357 فوضعه عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن ~~السمين، وأنكر السرقة، فجاء قومه يخاصمون عنه، فنزلت هذه الآية: { ولا ~~تكن للخائنين خصيما }. قوله تعالى: { واستغفر الله ~~} عن جدالك، عن طعمة حين جادلت عنه، { إن الله كان غفورا ~~رحيما }. ثم قال تعالى: { ولا تجدل عن الذين ~~يختانون أنفسهم } يقول: ولا تخاصم عن الذين يضرون أنفسهم ~~بالسرقة { إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } أي ~~خائنا بالسرقة، فاجرا برميه على غيره. ثم قال تعالى: { يستخفون ~~من الناس }. قال الضحاك: لما سرق الدرع اتخذ حفرة في بيته، وجعل ~~الدرع تحت التراب فنزل: يستخفون من الناس بالتراب { ولا يستخفون ~~من الله } يقول: لا يخفى مكان الدرع على الله { وهو معهم } ~~أي رقيب حفيظ عليهم. # ويقال: يستخفون: يعني يستترون من الناس، وهم قوم طعمة، ولا يستخفون من ~~الله، يقال: ولا يقدرون أن يستتروا من الله { وهو معهم } يعني ~~عالما بهم وبخيانتهم. { إذ يبيتون } يقول إذ يؤلفون، ويغيرون { ~~ما لا يرضى من القول } يقول: ما لا يرضوا لأنفسهم من القول، ~~وهم سرقوا، ويقال: ما لا يرضي الله ولا يحبه، ثم قال: { وكان الله ~~بما يعملون محيطا } أي عالما بهم وبخيانتهم. ثم أقبل على قوم ~~طعمة فقال: { ها أنتم هؤلاء } يقول: ها أنتم هؤلاء { ~~جدلتم } أي خاصمتم { عنهم في الحيوة الدنيا، فمن ~~يجدل الله عنهم يوم القيمة } يقول: فمن يخاصم ~~الله عنهم يوم القيامة. { أم من يكون عليهم وكيلا } أي، ~~كفيلا، ويقال: خصيما. # وقال الضحاك: أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقيم الحد على طعمة ~~بن أبيرق وكان طعمة مطاعا في اليهود، فجاءت اليهود شاكين في السلاح، ~~وهربوا بطعمة وجادلوا عنه فنزل ثم ها أنتم هؤلاء، يعني اليهود... الآية. ### || [4.110-113] # ثم قال: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه } قال الضحاك: ~~نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة - رضي الله عنه - أشرك بالله وقتل ثم ~~جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لنادم، فهل لي من ~~توبة؟ فنزل { ومن يعمل سوءا أو ms0358 يظلم نفسه } { ثم ~~يستغفر الله } الآية، وقال الكلبي: نزلت في شأن طعمة { ومن ~~يعمل سوءا } بسرقة الدرع، أو يظلم نفسه برميه غيره، وجحوده، ثم ~~يستغفر الله أي يتوب إلى الله { يجد الله غفورا } متجاوزا { ~~رحيما } لمن اتقى الشرك. وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ~~قال: كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفعني ~~الله به ما شاء، وإذا سمعته من غيره حلفته. وحدثني أبو بكر الصديق، وصدق ~~أبو بكر - رضي الله عنه - قال ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ، ويصلي ~~ركعتين، ويستغفر الله تعالى إلا غفر الله له، وتلا هذه الآية: { ومن ~~يعمل سوءا أو يظلم نفسه... } الآية ثم قال تعالى: { ~~ومن يكسب إثما } يعني الشرك بالله تعالى { فإنما ~~يكسبه على نفسه } أي يضر بنفسه، { وكان الله عليما ~~حكيما } ثم قال: { ومن يكسب خطيئة، أو إثما } يعني عمل ~~بالمعصية { ثم يرم به بريئا } قال مقاتل: وهو طعمة حين رمى ~~بالدرع في دار الأنصاري، واتهمه به، وهو قوله: ثم يرم به بريئا، وقال ~~الضحاك: يعني به المنافقين، حيث قالوا في عائشة - رضي الله عنها - قولا ~~عظيما فقال: ومن يكسب خطيئة، أو إثما بالمعاصي، ثم يرم به بريئا يعني ~~عائشة وصفوان ثم قال تعالى: { فقد احتمل بهتنا } يقول: فقد ~~قال: كذبا، { وإثما مبينا } ذنبا طاهرا. قوله تعالى: { ~~ولولا فضل الله عليك ورحمته } يعني فضل الله عليك ~~بالنبوة، ورحمته بالوحي { لهمت طائفة منهم } أي جماعة { ~~أن يضلوك } أي يخطئون في الحكم { وما يضلون إلا ~~أنفسهم } أي وما يرجع وبال ذلك إلا على أنفسهم { وما يضرونك ~~من شيء } وإنما يضرون بأنفسهم. قال الضحاك: نزلت الآية في وفد ثقيف، ~~قدموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا: جئناك، لنبايعك على ~~أن لا تكسر أصنامنا، ولا تعشرنا، فلم يجبهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فنزلت لهمت طائفة منهم أن يضلوك، وقال الكلبي: يعني قوم طعمة. ثم ~~قال: { وأنزل عليك الكتب } يعني القرآن { والحكمة ~~} يعني القرآن والحكمة ms0359 - يعين القضاء والمواعظ { وعلمك } بالوحي { ~~ما لم تكن تعلم } قبل الوحي { وكان فضل الله عليك ~~عظيما } بالنبوة. ### || [4.114-115] # ثم قال: { لا خير في كثير من نجواهم } وهو ما يتناجون ~~فيما بينهم ويقال: في كثير من أحاديثهم، وهم وفد ثقيف، أو قوم طعمة. { ~~إلا من أمر بصدقة } يقول: إلا نجوى من أمر بصدقة { أو ~~معروف } يعني لقرض، كقوله # فليأكل بالمعروف # [النساء: 6] ويقال: المعروف، يعني القول بالمعروف والنهي عن المنكر، { ~~أو إصلح بين الناس } يعني يذهب فيما بين اثنين ليصلح ~~بينهما { ومن يفعل ذلك } الذي ذكرنا { ابتغاء } يعني طلبا { ~~مرضات الله فسوف نؤتيه } يعني في الآخرة { أجرا ~~عظيما } قرأ حمزة وأبو عمرو: (نؤتيه) بالياء، أي يؤتيه الله تعالى ~~وقرأ الباقون (نؤتيه) بالنون، أي نحن نعطيه في الآخرة أجرا عظيما، أي ~~ثوابا عظيما، قوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول } يعني يخالفه ~~في التوحيد { من بعد ما تبين له الهدى } أي من بعد ما ~~تبين لهم التوحيد { ويتبع غير سبيل المؤمنين } أي يتبع ~~دينا غير دين المؤمنين، ويقال: يتبع طريقا أو مذهبا غير طريق ~~المؤمنين، وفي الآية دليل: أن الإجماع حجة، لأن من خالف الإجماع، فقد ~~خالف سبيل المؤمنين، وقال الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا، ثم ~~انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية: { ومن يشاقق الرسول ~~من بعد ما تبين له الهدى } أي دين الإسلام، { ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين } المسلمين { نوله ما ~~تولى } نكله إلى الأصنام يوم القيامة، وهم لا يملكون لهم ضرا، ولا ~~نفعا، ولا ينجونهم من عذاب الله تعالى، وقال مقاتل: { نوله ما ~~تولى } أي نتركه وما اختار لنفسه، وقال الكلبي: { نوله ما ~~تولى } يعني نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا، وهذا كما قال بعض ~~الحكماء: من أراد أن يعلم كيف يعامل معه في الآخرة فلينظر، كيف يعامل هو ~~في الدنيا، وقال الكلبي: نزلت الآية في شأن طعمة، لما ظهر حاله وسرقته، ~~هرب إلى مكة، وارتد، فنقب بمكة حائطا لرجل، فسقط حجر، فبقي في النقب حتى ~~وجدوه على حاله، فأخرجوه ms0360 من مكة، فخرج إلى الشام، فسرق بعض أموال ~~القافلة، فرجموه، وقتلوه، فنزل قوله: { نوله ما تولى }. { ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا }. قرأ حمزة وعاصم، وأبو عمرو: ~~(نوله، ونصله) بجزم الهاء وقرأ الباقون: بالكسر، وهما لغتان. ### || [4.116-121] # ثم قال تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به } قال ~~الضحاك: وذلك أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني ~~لم أشرك بالله شيئا مذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم ~~أواقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وإني لنادم، وتائب مستغفر، ~~فما حالي عند الله، فأنزل الله تعالى { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به } ، { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ويقال: ~~نزل في شأن وحشي وقد ذكرناه من قبل. { ومن يشرك بالله } أي من ~~يعبد غير الله { فقد ضل ضللا بعيدا } يعني فقد ضل عن الهدى ~~ضلالا بعيدا عن الحق. ثم قال تعالى، في ذم الكفار وبين جهلهم فقال: { ~~إن يدعون من دونه إلا إنثا } يقول: ما يعبدون من دون ~~الله إلا أصناما أمواتا، وهذا قول ابن العباس، وعن الحسن أنه قال: ~~الإناث الشيء الميت الذي ليس فيه روح، وقال السدي: سموها إناثا: اللات، ~~والعزى، ومناة. ثم قال تعالى: { وإن يدعون إلا شيطنا ~~مريدا } وذلك أن الشيطان كان يدخل في الصنم، ويكلمهم، وهم يعبدون ~~الصنم، وفيه الشيطان، ويقال: إبليس زين لهم عبادة الأصنام، وإذا عبدوا ~~بإذنه فكأنهم عبدوا الشيطان، ثم قال: مريدا: أي ماردا، مثل قدير، ~~وقادر، والمارد: العاتي ويقال: كل فاسد مفسد يكون مريدا أي يكون فاسدا ~~لنفسه ويفسد غيره، ثم قال تعالى: { لعنه الله } يعني طرده الله ~~من رحمته، وهو إبليس حيث لم يسجد لآدم، فلما لعنه { وقال ~~لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي حظا معلوما، ~~قال مقاتل: يعني من كل ألف واحد في الجنة، وسائرهم في النار، فهذا نصيب ~~مفروض، ثم قال: { ولأضلنهم } يعني عن الهدى والحق { ~~ولأمنينهم } يعني ms0361 لأخبرنهم بالباطل، أنه لا جنة ولا نار، ولا ~~بعث { ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعم } وهي ~~البحيرة، وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يشقون آذان الأنعام ويسمونها ~~بحيرة، وذكر قصتهم في سورة المائدة. ثم قال: { ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله } قال عكرمة: هو الخصاء، وهكذا روي عن ~~ابن عباس، وأنس بن مالك وروي عن سعيد بن جبير قال: هو دين الله، وهكذا ~~قال الضحاك ومجاهد، وقيل لمجاهد: أن عكرمة يقول: هو الخصاء، فقاله: ماله، ~~لعنه الله وهو يعلم أنه غير الخصاء، فبلغ ذلك عكرمة فقال: هو فطرة الله. ~~وقال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها، فحرموها على أنفسهم ~~وخلق الشمس والقمر والحجارة، مسخرة للناس، فجعلوها آلهة يعبدونها فقد ~~غيروا خلق الله عز وجل، { ومن يتخذ الشيطن وليا } أي ~~يعبد الشيطان ويطيعه { من دون الله } ، يعني ترك أمر الله تعالى ~~وطاعته { فقد خسر خسرانا مبينا } أي ضل ضلالا مبينا ~~بينا عن الحق. ثم قال تعالى: { يعدهم } يعني الشيطان يخوفهم ~~بالفقر، حتى لا يصلوا رحما، ولا ينفقوا في خير { ويمنيهم } أي ~~يخبرهم بالباطل، أنه لا ثواب لهم في ذلك العمل { وما يعدهم ~~الشيطن إلا غرورا } أي باطلا. قوله تعالى: { أولئك ~~مأواهم جهنم } يعني الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم { ~~ولا يجدون عنها محيصا } أي مفرا ومهربا. ### || [4.122-124] # قوله تعالى: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } أي ~~صدقوا بالله تعالى والرسول، والقرآن وأدوا الفرائض وانتهوا عن المحارم { ~~سندخلهم جنت } وهي البساتين { تجري من تحتها ~~الأنهر } وهي أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن، ونهر ~~من خمر، ونهر من عسل مصفى، { خلدين فيها أبدا } يعني مطمئنين ~~فيها لا يتغير بهم الحال، فهذا وعد من الله تعالى، ثم قال: { وعد ~~الله حقا } أي صدقا، وكائنا، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة { ~~ومن أصدق من الله قيلا } أي قولا ووعدا. قوله تعالى: { ~~ليس بأمنيكم ولا أماني أهل الكتب } وذلك أن ~~أهل الكتاب قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وقال ~~المؤمنون: إنا أسلمنا لا ms0362 تضرنا الذنوب، فنزل: { ليس بأمنيكم ~~ولا أماني أهل الكتب } يقول: ليس لكم يا معشر المسلمين ما ~~تمنيتم، ولا أهل الكتاب ما تمنوا { من يعمل سوءا يجز به } أي ~~من يعمل معصية دون الشرك يعاقب به. وقال الزجاج: معناه، ليس ثواب الله ~~بأمانيكم، ولا أماني أهل الكتاب، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب، وهو ~~قوله: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحات } أي إنما ~~يدخل الجنة من آمن وعمل صالحا ليس كما تمنيتم و { من يعمل سوءا ~~يجز به } أي لا ينفعه تمنيه. ويقال: لما نزلت هذه الآية: # " { من يعمل سوءا يجز به } شق ذلك على المسلمين، وقال أبو ~~بكر - رضي الله عنه - كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله فقال - صلى ~~الله عليه وسلم - " ألست تمرض؟ ألست تصيبك اللأواء؟ أي الشدة، فذلك كله ~~جزاؤه " # حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا العباسي، قال: حدثنا الحسن بن صباح ~~قال: حدثنا عبد الوهاب الخفاف عن زياد عن علي بن زيد، عن مجاهد قال: مر ~~ابن عمر على ابن الزبير، وهو مصلوب، فنظر إليه فقال: يغفر الله لك ثلاثة، ~~والله ما علمتك إلا كنت صواما قواما، وصالا للرحم، أما والله، إني ~~لأرجو مع مساوىء ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبدا، ثم التفت فقال - ~~سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من يعمل سوءا يجز به في الدنيا " # وروى محمد بن قيس، عن أبي هريرة قال: لما نزلت { من يعمل سوءا ~~يجز به } شق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: # " قاربوا وسددوا فكل ما يصيب المؤمن كفارة، حتى الشوكة تشاكه، والنكبة ~~تنكبه " # وقال الضحاك: السوء الكفر، وقال مجاهد: قالت قريش: لن نبعث، ولن نعذب، ~~فنزلت { ليس بأمنيكم } أي أماني كفار قريش، ولا أماني أهل ~~الكتاب، { من يعمل سوءا يجز به } أي يعاقب عليه. # ثم قال تعالى: { ولا يجد له من دون الله وليا } يعني ~~الكافر، لا يجد لنفسه { من دون الله } أي ms0363 من عذاب الله وليا يمنعه ~~{ ولا نصيرا } ينفعه ويمنعه من العذاب. ثم قال تعالى: { ومن ~~يعمل من الصلحت } يعني يؤدي الفرائض، وينتهي عن المحارم { ~~من ذكر أو أنثى } أي من رجل أو امرأة { وهو مؤمن } أي ~~مصدق بالثواب والعقاب { فأولئك يدخلون الجنة } لا شك ~~فيها { ولا يظلمون } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم { نقيرا } ~~وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة. قرأ أبو عمرو، وابن كثير: { ~~فأولئك يدخلون الجنة } بضم الياء، ونصب الخاء على معنى ~~فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون ~~الجنة بأعمالهم ثم فضل دين الإسلام على سائر الأديان. ### || [4.125-127] # فقال تعالى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه } أي ~~أخلص دينه { لله وهو محسن } في عمله. ويقال: وهو موحد { ~~واتبع ملة إبرهيم حنيفا } أي مستقيما، ويقال: مائلا ~~إلى دين الإسلام، ثم قال تعالى: { واتخذ الله إبرهيم ~~خليلا } وذلك أن إبراهيم - عليه السلام - كان يوسع على الضعفاء ~~الطعام، واحتاج في بعض الأوقات إلى الطعام، فبعث غلمانه مع الجمال إلى ~~خليل له بمصر، ليقرضه شيئا من الطعام فيرد عليه إذا أدرك إنزاله، فلما ~~انتهوا إليه قال: إني أخاف أن أحتاج قبل إدراك الإنزال، فلم يدفع إليهم، ~~ورجعوا، فاستحيا الغلامان أن يدخلوا في قرية إبراهيم والناس ينظرون ~~إليهم، وليس معهم شيء، فجعلوا الرحل في الجواليق، وحملوا على الجمال، ~~وجاءوا إلى منزل إبراهيم - عليه السلام - وألقوا الأحمال، وتفرقوا وجاء ~~واحد منهم ،وأخبر إبراهيم بالقصة، فاغتم لذلك، ودخل البيت ونام، فخرجت ~~جواريه، ونظرن إلى الأحمال، فإذا الجواليق دقيق، فرفعن منها، وجعلن يخبزن ~~خبزا، حتى إذا استيقظ إبراهيم - عليه السلام - وخرج وقال: من أين هذا ~~الدقيق؟ فقلن من عند خليلك المصري، فقال إبراهيم: ليس هذا من عند خليلي ~~المصري، ولكن من عند خليل السماء، فاتخذه الله تعالى خليلا بذلك. ويقال: ~~لما دخلت عليه الملائكة في شبه الآدميين، وجاءهم بعجل سمين، فلم يأكلوا ~~منه، وقالوا إنا لا نأكل شيئا بغير ثمن، فقال لهم: أعطوني ثمنه وكلوه، ~~قالوا: وما ثمنه، ms0364 قال: أن تقولوا في أوله بسم الله وفي آخره الحمد لله، ~~فقالوا فيما بينهم: حقا على الله أن يتخذه خليلا فاتخذه الله خليلا. ~~ويقال: إنه أضاف رؤساء الكفار، وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم، فقالوا له: ~~ما حاجتك؟ فقال: حاجتي أن تسجدوا لله سجدة، فسجدوا، فدعا الله تعالى، ~~وقال: أللهم إني قد فعلت ما أمكنني، فافعل أنت، ما أنت أهل لذلك، فوفقهم ~~الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلا لذلك. وروى جابر بن عبد الله عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إتخذ الله إبراهيم خليلا، لإطعامه الطعام، وإفشائه السلام، وصلاته ~~بالليل والناس نيام " # ثم قال عز وجل: { ولله ما في السموات وما في الأرض } ~~كلهم عبيده، وفي ملكه وحكمه نافذ فيهم { وكان الله بكل شيء ~~محيطا } أحاط علمه بكل شيء قوله تعالى: { ويستفتونك في ~~النساء } أي يسألونك عن ميراث النساء، نزلت في أم كجة التي ذكرنا في ~~أول السورة { قل الله يفتيكم فيهن } أي يبين لكم ما لهن من ~~الميراث { وما يتلى عليكم في الكتب } أي وكتاب الله ~~يفتيكم بذلك { في يتمى النساء } يعني في ميراث يتامى النساء { ~~اللتي لا تؤتونهن } لا تعطونهن { ما كتب لهن } أي ~~ما فرض لهن من الميراث { وترغبون } أي وتزهدون { أن تنكحوهن ~~} لدمامتهن. # وروى معمر عن إبراهيم قال: كان الرجل يكون عنده اليتيمة الدميمة ولها ~~مال، ويكره أن يزوجها من غيره، من أجل مالها، قال إبراهيم: وكان عمر يأمر ~~الرجل إذا كانت عنده اليتيمة الدميمة، ولها مال أن يتزوجها. وروى عروة عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كانت يتيمة في حجر رجل، فأراد أن ~~يتزوجها، ولم يكمل صداق نصابها، فأمروا بإكمال الصداق، وقال مجاهد: كان ~~أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئا ويقولون: لا يغزون، ~~ففرض الله لهم الميراث، وأمر لليتيم بالقسط، ثم قال تعالى: { ~~والمستضعفين } يقول: يسألونك عن ميراث المستضعفين { من ~~الولدن } ويقال: يفتيكم في المستضعفين من الولدان { وأن ~~تقوموا لليتمى بالقسط } أي بالعدل { وما تفعلوا ~~من خير، فإن الله كان ms0365 به عليما } يجازيكم وفي هذه ~~الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز، وفيه أنه إذا ~~زوج من نفسه جاز، إذا كانت غير ذي رحم محرم. ### || [4.128-130] # قوله تعالى: { وإن امرأة خفت } أي علمت { من بعلها } ~~يعني زوجها { نشوزا } يعني عصيانا في الأثرة { أو إعراضا } ~~عنها، وترك محادثتها (نزلت في رافع بن خديج، تزوج امرأة أشب من امرأته ~~خولة بنت محمد بن مسلمة، وقال في رواية الكلبي: نزلت في ابنة محمد بن ~~مسلمة وفي زوجها أسعد بن الزبير، تزوجها وهي شابة، فلما أدبرت وعلاها ~~الكبر، تزوج عليها امرأة شابة، وآثرها عليها، وجفا بنت محمد بن مسلمة، ~~فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشكت إليه، فنزل: { وإن ~~امرأة خفت من بعلها نشوزا } يعني ترك مجامعتها { أو ~~إعراضا } يعني يعرض بوجهه ويقل مجالستها ومحادثتها { فلا جناح ~~عليهما } أي لا إثم على الزوج والمرأة { أن يصلحا بينهما ~~صلحا } قرأ أهل الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي { أن يصلحا ~~بينهما } بضم الياء والتخفيف، وهو من الصلح، وقرأ الباقون: أن ~~يصالحا بالألف وتشديد الصاد، لأن أصله وتصالحا [فأدغمت] التاء في الصاد، ~~وأقيم التشديد مكانه. ثم قال: { والصلح خير } يعني الصلح خير من ~~الفرقة، ويقال: الصلح خير من النشوز، ويقال: الصلح خير من الخصومة ~~والخلاف. وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: { وإن ~~امرأة خفت من بعلها نشوزا } قال: قول الرجل لامرأته أنت ~~كبيرة وإني أريد أن أستبدل بك شابة، فقري على ولدك، ولا أقسم لك من نفسي ~~شيئا ورضيت بذلك، فذلك الصلح بينهما، قال: وهذا قول أبي السنابل بن بعكك ~~حين جرى بينهما هذا الصلح، ثم صارت الآية عامة، في جواز الصلح الذي يجري ~~فيما بين الناس، لقوله تعالى: { والصلح خير }. ثم قال تعالى: { ~~وأحضرت الأنفس الشح } يعني، الشح حملها على أن تدع نصيبها، ~~ويقال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها، أن تدعه للأخرى، وشح الرجل بنصيبه ~~من الأخرى، وقال مقاتل: طمعها وحرصها يجرها إلى أن ترضى. ثم قال تعالى: ms0366 { ~~وإن تحسنوا } يقول تحسنوا إليهن { وتتقوا } الميل والجور { ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا } في الإحسان والجور. ~~قوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } ~~يقول: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب، بين الشابة والكبيرة { ~~ولو حرصتم } أي ولو جهدتم، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة { ~~فلا تميلوا كل الميل } بالنفقة والقسمة إلى الشابة { ~~فتذروها كالمعلقة } بغير قسمة، كالمسجونة لا أيم، ولا ذات ~~بعل، وروي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " " من كان له امرأتان فمال إلى أحدهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل " ، ~~وفي رواية أخرى " وأحد شقيه ساقط " # وروى أبو أيوب عن أبي قلابة قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم ~~بين نسائه، فيعدل في القسمة، ويقول: # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # ، يعني الحب والجماع. ثم قال تعالى: { وإن تصلحوا } يعني تصلحوا ~~بينهما بالسوية { وتتقوا } الجور والميل { فإن الله كان ~~غفورا رحيما } حيث رخص لكم في الصلح. ثم قال عز وجل: { وإن ~~يتفرقا } يعني الزوج والمرأة { يغني الله كلا من ~~سعته } يعني من رزقه، وقال مجاهد، يعني الطلاق. وروي عن جعفر بن ~~محمد، أن رجلا شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوج، ثم جاء ~~إليه فشكا إليه الفقر، فأمره بالطلاق فسئل عن ذلك، فقال: أمرته بالنكاح ~~وقلت: لعله من أهل هذه الآية # إن يكونوا فقرآء، يغنهم الله من فضله # [النور: 32] فلما لم يكن من أهل هذه الآية، قلت: فلعله من أهل هذه ~~الآية: { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته }. ~~وروي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: فتذروها كأنها مسجونة. ثم قال: { ~~وكان الله وسعا } يعني واسع الفضل { حكيما } حكم بفرقتهما ~~وتسويتهما. ### || [4.131-134] # { ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد ~~وصينا } أي أمرنا { الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~} يعني، أهل التوراة والإنجيل { وإيكم } يعني أمرناكم - يا أمة ~~محمد - عليه السلام - في كتابكم { أن اتقوا الله } فيما أوصاكم ~~به في كتابكم من التوحيد ثم ms0367 بعد التوحيد بالشرائع { وإن تكفروا } ~~يقول: تجحدوا بما أوصاكم، وبوحدانية الله تعالى { فإن لله ما ~~في، السموات وما في الأرض } يعني هو غني عن عبادتكم { ~~وكان الله غنيا } عن إيمان الخلق، وطاعتهم { حميدا } ~~محمودا في أفعاله. وقوله تعالى: { ولله ما في السموات ~~وما في الأرض } يعني كلهم عبيده وإماؤه، ويقال هذا موصولا بالأول، ~~وكان الله غنيا حميدا في أفعاله، لأن له ما في السموات، وما في الأرض، ~~وهو رازقهم والمدبر في أمورهم، ثم قال: { وكفى بالله وكيلا } ~~أي حفيظا وربا. ثم ذكر التهديد لمن رجع عن عبادته فقال: { إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس } أي يهلككم إذا عصيتموه { ويأت ~~بآخرين } أي يخلق خلقا جديدا غيركم، من هو أطوع لله منكم، وهذا ~~كما قال في آية أخرى: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثلكم # [محمد: 38]. ثم قال تعالى: { وكان الله على ذلك قديرا } ~~أي يذهبكم ويأت بغيركم، ويقال: في الآية تخويف، وتنبيه لجميع من كانت له ~~ولاية أو إمارة أو رئاسة، فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل ~~بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه، ويأتي بغيره. قوله تعالى: { من كان ~~يريد ثواب الدنيا } يعني من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل، ~~ولا يريد به وجه الله، فليعمل لآخرته كما قال: { فعند الله ثواب ~~الدنيا والآخرة } يعني الرزق في الدنيا، والثواب في الآخرة، وهو ~~الجنة، ويقال: في الآية مضمر فكأنه يقول: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته ~~منها، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، ~~وقال الزجاج: كان المشركون مقرين بأن الله خالقهم، وأنه يعطيهم خير ~~الدنيا، فأخبر الله تعالى، إن خير الدنيا والآخرة إليه. وروي عن عيسى بن ~~مريم أنه قال للحواريين: أنتم لا تريدون الدنيا ولا الآخرة، لأن الدنيا ~~والآخرة لله تعالى، فاعبدوه، إما لأجل الدنيا وإما لأجل الآخرة، وروي في ~~بعض الأخبار: أن في جهنم واديا تتعوذ منه جهنم، أعد للقراء المرائين، ثم ~~قال: { وكان الله سميعا بصيرا } يعني عالما بنية كل ms0368 واحد ~~منهم. وروى سهل بن سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " نية المؤمن خير من عمله وعمل المنافق خيرا من نيته " # ، وكان يعمل على نيته. ### || [4.135-137] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله } أي كونوا قوامين بالعدل، وأقيموا الشهادة ~~لله بالعدل، ومعناه قولوا الحق { ولو على أنفسكم } أي وإذا ~~كانت عندكم شهادة فأدوا الشهادة ولو كانت الشهادة على أنفسكم { أو ~~الولدين والأقربين } ثم قال: { إن يكن غنيا، أو ~~فقيرا } أي أدوا الشهادة لا تكتموها سواء كان لغني أو لفقير، ولا ~~تميلوا إلى الغني لأجل غناه، ولا تكتموا الشهادة على الفقير لأجل فقره، ~~ويقال: اشهدوا على الوالدين، كانا غنيين أو فقيرين، { فالله أولى ~~بهما } أي بالغني وبالفقير. ويقال: أولى بالوالدين وأرحم بهما، إن ~~كانا غنيين، أو فقيرين ثم قال: { فلا تتبعوا الهوى } أي لا ~~تشهدوا بهواكم، ولكن اشهدوا على ما شهدتم عليه، ثم قال تعالى: { أن ~~تعدلوا } يعني أولى بهما أن تعدلوا على وجه التقديم والتأخير، ويقال ~~فلا تتبعوا الهوى، أن لا تعدلوا. وقال مقاتل: يعني فلا تتبعوا الهوى ~~للقرابة، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى، وقال تعالى: { وإن ~~تلووا } أي تحرفوا الشهادة وتلجلجوا بها ألسنتكم، فلا تقيموها على ~~الوجه، لتبطل به الشهادة، { أو تعرضوا } عنها فلا تشهدوا بها عند ~~الحاكم. قرأ حمزة وابن عامر: (وأن تلوا) بواو واحدة، يعني من الولاية، ~~يعني أقيموا الشهادة إذا وليتم، وقرأ الباقون: (تولووا) بواوين من ~~التحريف. { فإن الله كان بما تعملون } من كتمان الشهادة ~~وإقامتها { خبيرا } يعني عالما، فهذا تهديد للشاهد، لكيلا لا يقصروا، ~~في أداء الشهادة ولا يكتموها. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقم شهادته على من كانت ومن كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجحد لحق هو عليه بل يؤده، ولا يلجئه إلى ~~السلطان والخصومة " # قوله تعالى: { خبيرا يا أيها الذين ءامنوا، ءامنوا ~~بالله ورسوله } قال الضحاك: يعني أخبار أهل الكتابين، الذين ~~آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بالله ms0369 ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~في رواية الكلبي: نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد وأسد ابني كعب، وثعلبة ~~ابن قيس وغيرهم، قالوا: يا رسول الله، نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة ~~وبعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال لهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " بل آمنوا بالله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه القرآن ~~وبكل كتاب كان من قبل " # ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين ءامنوا: ءامنوا ~~بالله ورسوله، والكتب الذي نزل على رسوله، ~~والكتب الذي أنزل من قبل }. ويقال: { يا أيها ~~الذين ءامنوا } خاطب به جميع المؤمنين، آمنوا بالله يعني اثبتوا ~~على الإيمان، وقال: { يا أيها الذين ءامنوا } يعني يوم ~~الميثاق { ءامنوا بالله ورسوله } ويقال: نزلت في شأن أهل ~~الكتاب، لأنه علم أن فيهم من يؤمن، فلقربهم من الإيمان، سماهم مؤمنين كما ~~قال: # إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24] وكانوا لم يغرقوا بعد. ويقال: إنهم كانوا يقولون نحن ~~مؤمنون، فقال لهم: { يا أيها الذين ءامنوا } أي بزعمهم، كما ~~قال: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] أي بزعمه. قرأ نافع، وعاصم عن حمزة، والكسائي: { ~~والكتب الذي نزل } بنصب النون والزاي، { والكتب ~~الذي نزل } بنصب الألف، وقرأ الباقون: (نزل) بضم النون وكسر ~~الزاي، ونزل وأنزل، بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله. ثم قال: { ~~ومن يكفر بالله وملائكته، وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر } أي من يجحد بوحدانية الله تعالى، وملائكته أنهم ~~عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه، وعبيده، وبالبعث بعد الموت { فقد ضل } ~~عن الهدى { ضللا بعيدا } عن الحق. وقوله تعالى: { إن ~~الذين ءامنوا، ثم كفروا، ثم ءامنوا ثم كفروا ~~} قال مقاتل: يعني آمنوا بالتوراة وبموسى - عليه السلام - ثم كفروا من ~~بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى - عليه السلام - والإنجيل، ثم كفروا من بعده { ~~ثم ازدادوا كفرا } بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن. ~~ويقال: إن الذين آمنوا بموسى، ثم كفروا بعيسى، ثم آمنوا بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - من قبل أن يبعث، ثم كفروا به بعدما بعث ثم ازدادوا كفرا، ~~يعني ms0370 ثبتوا على كفرهم. وقال في رواية الكلبي: آمنوا بموسى - عليه السلام ~~- ثم كفروا به بعده، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا، ~~يعني بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال في رواية الضحاك: نزلت في شأن ~~أبي عامر الراهب، وهو الذي بنى مسجد الضرار، آمن بالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم كفر، ثم آمن، ثم [كفر] ومات على كفره. وقال الزجاج: يجوز أن ~~يكون محاربا آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر، ويجوز أن يكون منافقا أظهر ~~الإيمان وأبطن الكفر، ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرا بإقامته على النفاق، ~~فإن قيل: إن الله تعالى لا يغفر كفرا مرة واحدة، فأيش الفائدة في قوله: ~~{ ءامنوا، ثم كفروا، ثم ءامنوا، ثم كفروا }؟ قيل ~~له: لأن الكافر إذا أسلم فقد غفر له ما قد سلف من ذنبه، فإذا كفر بعد ~~إيمانه، لم يغفر الله له الكفر الأول، فهو مطالب بجميع ما فعل في كفره ~~الأول، فذلك قوله عز وجل: { لم يكن الله ليغفر لهم } ~~يعني إذا ماتوا على كفرهم { ولا ليهديهم سبيلا } أي لا ~~يوفقهم طريقا. ### || [4.138-140] # ثم قال تعالى: { بشر المنفقين } وذلك أنه لما نزل قوله ~~تعالى: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]. فقال المؤمنون: هذا لك، فما لنا؟ فنزل قوله تعالى: # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا ~~كبيرا # [الأحزاب: 47]، فقال المنافقون: فما لنا؟ فنزل قوله تعالى: { بشر ~~المنفقين } { بأن لهم عذابا أليما } في الآخرة. ثم ~~نعت المنافقين فقال: { الذين يتخذون الكفرين } يعني ~~اليهود { أولياء } في العون والنصرة { من دون المؤمنين } ثم ~~عيرهم بذلك فقال { أيبتغون عندهم العزة } يعني يطلبون ~~عندهم المنعة، والظفر على محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. العزة في ~~اللغة: المنفعة والغلبة كما يقال: من عز بزا، أي من غلب سلب، ويقال: عز ~~الشيء، إذا اشتد وجوده. ثم ذكر أنه لا نصرة لهم من الكفار، والنصرة من ~~الله تعالى، فقال: { فإن العزة لله جميعا } يعني الظفر ~~والنصر كله من الله تعالى، وهذا ms0371 كما قال في آية أخرى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. ثم قال: { وقد نزل عليكم في الكتب } ~~وذلك أن المشركين بمكة كانوا يستهزئون بالقرآن، فنهى الله تعالى المسلمين ~~عن القعود معهم، وهو قوله: # وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءايتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68] إلى قوله: # فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين # [الأنعام: 68] فامتنع المسلمون عن القعود معهم، فلما قدموا المدينة ~~كانوا يجلسون مع اليهود والمنافقين وكان اليهود يستهزئون بالقرآن فنزلت ~~هذه الآية: { فقد نزل عليكم في الكتب } يعني في سورة ~~الأنعام: { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها } أي ~~يجحد بها، { ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا فى حديث غيره } أي حتى يأخذوا في كلام أحسن، ثم قال ~~تعالى: { إنكم إذا مثلهم } يعني لو جلستم معهم كنتم معهم في ~~الوزر وفي هذه الآية دليل: أن من جلس في مجلس المعصية، ولم ينكر عليهم ~~يكون معهم في الوزر سواء وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية أو ~~عملوا بها، فإن لم يقدر بأن ينكر عليهم، ينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون ~~من أهل هذه الآية. وروى جويبر عن الضحاك، أنه قال: دخل في هذه الآية كل ~~محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة. قرأ عاصم { وقد نزل ~~عليكم } بنصب النون والزاي، وقرأ الباقون: بضم النون، وكسر الزاي ~~على فعل ما لم يسم فاعله. ثم قال تعالى { إن الله جامع ~~المنفقين والكفرين في جهنم جميعا } يعني إذا ~~ماتوا على كفرهم، ونفاقهم فبدأ بالمنافقين، لأنهم شر من الكفار، وجعل ~~مأواهم جميعا النار. وقال في رواية الكلبي: قوله تعالى: { فلا ~~تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره } نسخ ~~بقوله عز وجل: # وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء # [الأنعام: 69] وقال عامة المفسرين: إنها محكمة، وليست بمنسوخة. ثم أخبر ~~عن المنافقين. ### || [4.141-144] # فقال تعالى: { الذين يتربصون بكم } يعني ينتظرون بكم ~~الدوائر، وهو تغيير الحال عليكم { فإن كان لكم فتح من ~~الله } يعني النصرة والغلبة على العدو، { قالوا: ألم نكن ~~معكم } فأعطونا ms0372 من الغنيمة { وإن كان للكفرين نصيب } ~~يعني الظفر والغلبة على المؤمنين { قالوا } للكفار { ألم ~~نستحوذ عليكم } يعني، ألم نخبركم بصورة المسلمين، ونطلعكم على ~~سرهم، ونخبركم عن حالهم، ويقال: ألم نستحوذ عليكم: يعني ألم نغلب عليكم ~~بالمودة لكم. والاستحواذ هو الاستيلاء على الشيء، كقوله تعالى # استحوذ عليهم الشيطن # [المجادلة: 19] ثم قال: { ونمنعكم من المؤمنين } يعني ~~نجادل المؤمنين عنكم ونجنبهم عنكم، قال الله تعالى: { فالله يحكم ~~بينكم يوم القيمة } أي بين المؤمنين والمنافقين ~~والكافرين، { ولن يجعل الله للكفرين على ~~المؤمنين سبيلا } أي الحجة ويقال: دولة دائمة، أي لا تدوم ~~دولتهم، وروي عن علي - كرم الله وجهه - أنه سئل عن قوله عز وجل أن الله ~~تعالى يقول: { ولن يجعل الله للكفرين على ~~المؤمنين سبيلا } وهم يسلطون علينا، ويغلبوننا فقال: لا يسلط ~~الكافر على المؤمن في الآخرة، يوم القيامة ثم بين حال المنافقين في ~~الدنيا وخداعهم فقال تعالى: { إن المنفقين يخدعون ~~الله } أي يظنون أنهم يخادعون الله { وهو خادعهم } أي يجازيهم ~~جزاء خداعهم، وهو أنهم يمشون مع المؤمنين على الصراط يوم القيامة، ثم ~~يسلبهم النور فيبكون في ظلمة، ثم قال تعالى: { وإذا قاموا إلى ~~الصلاة } يعني المنافقين { قاموا كسالى } أي متثاقلين { ~~يرآءون الناس } أي لا يرونها حقا، ويصلون مرآة للناس وسمعة { ~~ولا يذكرون الله إلا قليلا } قال ابن عباس: لو كان ذلك ~~القليل لله تعالى لكان كثيرا وتقبل منهم، ولكن لن يريدوا به وجه الله ~~تعالى. ثم قال: { مذبذبين بين ذلك } أي مترددين، ويقال: ~~منفضحين بين ذلك { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يعني ~~ليسوا مع المؤمنين في التصديق ولا مع اليهود في الظاهر { ومن يضلل ~~الله } أي من يخذله الله عن الهدى { فلن تجد له سبيلا } أي ~~مخرجا. ثم قال: { يا أيها الذين آمنوا } أي صدقوا، قال ~~مقاتل: الذين آمنوا بزعمهم، وهم المنافقون { لا تتخذوا ~~الكفرين أولياء من دون المؤمنين } ويقال: { يا ~~أيها الذين آمنوا } في الظاهر، وأسروا النفاق، ويقال: يعني ~~المؤمنين المخلصين، كانت بينهم وبين اليهود صداقة وكانوا يأتونهم، ~~فنهاههم الله تعالى ms0373 عن ذلك فقال: { لا تتخذوا الكفرين ~~أولياء من دون المؤمنين } ثم قال تعالى: { أتريدون أن ~~تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } يعني حجة مبينة في ~~الآخرة. ثم بين مأوى المنافقين في الآخرة. ### || [4.145-147] # فقال تعالى: { إن المنفقين في الدرك الأسفل من ~~النار } المنافق في اللغة اشتقاقه من نافقاء اليربوع، ويقال: لليربوع ~~جحران، أحدهما نافقاء، والآخر قاصعاء، فيظهر نفسه في أحدهما ويخرج من ~~الآخر، ولهذا يسمى المنافق منافقا، لأنه يظهر من نفسه أنه مسلم، ويخرج ~~عن الإسلام إلى الكفر. قرأ [أهل الكوفة] حمزة والكسائي وعاصم: (الدرك) ~~بجزم الراء وقرأ الباقون: بالنصب، وهما لغتان: الدرك، والدرك، وجماعتهما، ~~أدراك: وهي المنازل بعضها أسفل من بعض، فأعد للمنافقين الدرك الأسفل من ~~النار، وهي الهاوية، ثم قال تعالى: { ولن تجد لهم نصيرا } أي ~~مانعا يمنعهم من العذاب. ثم قال تعالى: { إلا الذين تابوا } من ~~النفاق { وأصلحوا } أعمالهم { واعتصموا بالله } أي ~~تمسكوا بدين الله وبتوحيده { وأخلصوا دينهم لله } أي ~~بتوحيدهم لله بالإخلاص، فإن فعلوا ذلك { فأولئك مع ~~المؤمنين } أي المصدقين على دينهم، لهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~عليهم، ثم قال: { وسوف يؤت الله المؤمنين } أي يعطي الله ~~المؤمنين { أجرا عظيما } يعني ثوابا عظيما في الآخرة، وفي هذه ~~الآية دليل: أن المنافقين هم شر خلق الله، لأنه أوعدهم الدرك الأسفل من ~~النار، ثم استثنى لهم أربعة أشياء: التوبة، والإخلاص، والإصلاح، ~~والإعتصام، ثم قال بعد هذا كله: { فأولئك مع المؤمنين } ~~ولم يقل: هم المؤمنون، ثم قال: { وسوف يؤت الله المؤمنين ~~} ولم يقل: سوف يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، والمنافقون هم ~~الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين، يظهرون من أنفسهم الإسلام، ~~وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله، فهم من أهل هذه الآية. ~~ومأواهم الهاوية. قوله تعالى: { ما يفعل الله بعذابكم } ~~أي ما يصنع الله بعذابكم { إن شكرتم } يعني إن آمنتم بالله تعالى ~~ووحدتموه، ويقال: معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين ~~له { وءامنتم } به وصدقتم رسله، ثم قال تعالى: { وكان الله ~~شكرا عليما } أي شاكرا ms0374 للقليل من أعمالكم، عليما بأعمالكم ~~وثوابكم، ويقال: شاكرا يقبل اليسير، ويعطي الجزيل، عليما بما في ~~صدوركم، ويقال: بمن شكر وآمن، فلا يعذب شاكرا، ولا مؤمنا. ### || [4.148-152] # قوله تعالى: { لا يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول } أي لا يحب أن يذكر بالقول القبيح لأحد من الناس { إلا من ~~ظلم } فيقتص من القول بمثل ما ظلم، فلا جناح عليه. نزلت الآية في شأن ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - شتمه رجل فسكت أبو بكر مرارا ثم رد ~~عليه - ويقال: { إلا من ظلم } فيدعوا الله تعالى على ظالمه، وقال ~~الفراء: { إلا من ظلم } يعني ولا من ظلم، وقال السدي: يقول: من ~~ظلم فانتصر بمثل ما ظلم، فليس عليه جناح وقال الضحاك: { لا يحب ~~الله الجهر بالسوء } أي لا يحب لكم أن تنزلوا برجل فإذا ~~ارتحلتم عنه، تذمون طعامه، إلا رجلا أردتم النزول عليه عند حاجتكم ~~فمنعكم، وقال مجاهد: هو في الضيافة، إذا دخل الرجل المسافر إلى القوم ~~يريد أن ينزل عليهم، فلم يضيفوه، فقد رخص له أن يذكر كلاما عنهم، ويقول ~~فيهم، ويقال: يعني يسبه مثل ما سبه، ما لم يكن كلاما فيه حد، أو كلمة لا ~~تصلح، ولو لم يقل كان أفضل. وقرأ بعضهم: { إلا من ظلم } متصل بما يفعل ~~الله بعذابكم إلا من ظلم يعني من إشراك بالله، وهو شاذ من القراءة. ثم ~~قال تعالى: { وكان الله سميعا عليما } أي سميعا بدعاء ~~المظلوم عليما بعقوبة الظالم. ثم أخبر عن التجاوز أنه خير من الانتصار ~~فقال تعالى: { إن تبدوا خيرا } يعني أن تظهروا حسنة { أو ~~تخفوه } يعني الحسنة { أو تعفوا عن سوء } يعني يتجاوز عن ~~ظالمه، ولا يجهر بالسوء عنه، فهو أفضل لأن الله تعالى قادر على عباده، ~~فيعفو عنهم [وذلك] قوله: { فإن الله كان عفوا قديرا } ~~يعني إن الله أقدر على العقوبة لكم فيعفو عنكم. قوله تعالى: { إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله } قال ابن عباس نزلت الآية ~~في أهل الكتاب يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بغيرهما، وهو قوله: { ~~ويريدون أن يفرقوا بين ms0375 الله ورسله } يعني يريدون ~~أن يتخذوا دينا، لم يأمر به الله ورسوله { ويقولون: نؤمن ~~ببعض } بموسى وعزير والتوراة { ونكفر ببعض } بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وبعيسى والإنجيل، والقرآن { ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا } يعني بين اليهودية والإسلام قوله ~~تعالى: { أولئك هم الكفرون حقا } حين كفروا ببعض الرسل ~~{ وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا } يهانون فيه. وقوله ~~تعالى: { والذين ءامنوا بالله ورسله } يعني، أقروا ~~بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بجميع الرسل { ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم } في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا، ولم يجحدوا بأحد ~~من الأنبياء والرسل - عليهم السلام - ويصدقون بجميع الكتب { أولئك ~~} يعني أهل هذه الصفة { سوف نؤتيهم أجورهم } أي سنعطيهم ثوابهم ~~في الجنة { وكان الله غفورا } لذنوبهم { رحيما } بهم لما ~~كان منهم في الشرك. قرأ عاصم في رواية حفص: (يؤتيهم) بالياء، وقرأ ~~الباقون (نؤتيهم) بالنون. ### || [4.153-158] # قوله تعالى: { يسألك أهل الكتب أن تنزل عليهم ~~كتبا من السماء } يعني جملة واحدة كما جاء به موسى - عليه ~~السلام - ويقال: إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وأصحابهما قالوا: لن ~~نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا تحمله الملائكة إلينا فتقرؤه، قال الله ~~تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { فقد سألوا موسى أكبر ~~من ذلك } ، يعني إن هؤلاء، من أصل أولئك القوم الذين { فقالوا } ~~لموسى عليه السلام { أرنا الله جهرة } يعني عيانا، وهم القوم ~~الذين ساروا مع موسى عليه السلام إلى طور سيناء { فأخذتهم ~~الصعقة } أي أحرقتهم النار { بظلمهم } أي بقولهم وسؤالهمن { ~~ثم اتخذوا العجل } أي ومع ذلك قد عبدوا العجل، وهم قوم موسى ~~في حال غيبته { من بعد ما جاءتهم البينت } أي جاءهم ~~موسى بالآيات والعلامات { فعفونا عن ذلك } كله ولم نستأصلهم { ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا } أي حجة بينة، وهي اليد والعصا ~~{ ورفعنا فوقهم } يقول: قلعنا فوقهم { الطور ~~بميثقهم } يعني بإقرارهم بما في التوراة حين أبوا أن يتقبلوا ~~الشرائع. { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا } يعني باب ~~أريحة منحنية أصلابهم، { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } ~~يقول: لا تستحلوا أخذ السمك في يوم السبت ms0376 قرأ نافع في رواية ورش: (لا ~~تعدوا) بالتشديد، لأن أصله لا تعتدوا، فأدغم التاء في الدال وأقيم ~~التشديد مقامه، وقرأ الباقون { لا تعدوا }: بالتخفيف من عدا، يعدو، ~~عدوانا. ثم قال تعالى: { وأخذنا منهم ميثقا غليظا } ~~يعني إقرارا وثيقا شديدا في التوراة، يعني تركوا هذه الأشياء كلها، ~~ونقضوا الميثاق، ثم قال عز وجل: { فبما نقضهم ميثقهم } ~~ولم يذكر في هذه الآية جوابهم، والجواب فيه مضمر، فكأنه قال: وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى، وخذلهم، كقوله: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم # [المائدة: 13] ثم قال: { وكفرهم بآيت الله } يعني بكفرهم ~~بآيات الله لعنهم الله وخذلهم. ثم قال تعالى: { وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق } يعني وبقتلهم الأنبياء بغير جرم { ~~وقولهم قلوبنا غلف } يعني ذا غلاف ولا نفقه حديثك، وقرأ ~~بعضهم [غلف] بضم اللام، وجماعة الغلاف، يعني أن قلوبنا أوغية لكل علم، ~~ولا نفقه حديثك، قال الله تعالى: { بل طبع الله عليها } يعني ~~ختم الله على قلوبهم { بكفرهم، فلا يؤمنون إلا قليلا ~~} أي لا يؤمنون إلا قليل منهم، ويقال: لا يؤمنون إلا بالقليل، لأنهم ~~آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وقال مقاتل: يعني، ما أقل ما يؤمنون، يقول: ~~بأنهم: لا يؤمنون البتة. ثم قال تعالى: { وبكفرهم وقولهم ~~على مريم بهتنا عظيما } وذلك أن مريم كانت متعبدة لله ~~تعالى، ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب فعيرها اليهود، واتهموها، ~~وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس، ويقال: كان ابن ~~عمها، فأنزل الله تعالى إكذابا لقولهم وبين بهتانهم، فقال: { ~~وبكفرهم وقولهم على مريم بهتنا عظيما } ~~يعني لعنهم الله وخذلهم بذلك { وقولهم } أي وبقولهم: { إنا ~~قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } هذا قول ~~الله، لا قول اليهود، وقول اليهود: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، ثم ~~قال الله تعالى: { رسول الله } يعني الذي هو رسول الله وذلك أن ~~اليهود، لما اجتمعوا على قتله، هرب منهم ودخل في بيت فأمر ملك اليهود ~~رجلا يدخل البيت يقال له: يهوذا ويقال: ططيانوس فجاء جبريل - عليه ~~السلام - ورفع عيسى - عليه ms0377 السلام - إلى السماء، فلما دخل الرجل إلى ~~البيت لم يجده، فألقى الله شبه عيسى عليه، فلما خرج ظنوا أنه عيسى ~~فقتلوه، وصلبوه، ثم قالوا إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا ~~صاحبنا، فأين عيسى؟ فاختلفوا فيما بينهم فأنزل الله تعالى إكذابا لقولهم ~~فقال: { وما قتلوه، وما صلبوه ولكن شبه لهم } ~~يعني ألقي شبه عيسى على غيره فقتلوه، ثم قال { وإن الذين ~~اختلفوا فيه لفي شك منه } أي من قتله { ما لهم به ~~من علم } يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل { إلا ~~اتباع الظن } أي قالوا قولا بالظن { وما قتلوه يقينا } ~~أي لم يستيقنوا بقتله ويقال يقينا ما قتلوه { بل رفعه الله ~~إليه } وقال مقاتل: بل رفعه الله إلى السماء في شهر رمضان ليلة ~~القدر، وقال الضحاك: رفعه في يوم عاشوراء، بين صلاتي المغرب والعشاء، ثم ~~قال تعالى: { وكان الله عزيزا } أي منيعا حين منع عيسى من ~~القتل { حكيما } حين حكم رفعه إلى السماء. ### || [4.159-161] # وقوله عز وجل: { وإن من أهل الكتب } يقول: وما من أهل ~~الكتاب { إلا ليؤمنن به } يعني بعيسى -عليه السلام - { ~~قبل موته } وذلك أن اليهودي إذا حضرته الوفاة، وعاين أمر الآخرة، ~~ضربته الملائكة وقالت له: يا عدو الله، أتاك عزير فكذبته، ويقال ~~للنصراني: يا عدو الله أتاك عبد الله ورسوله، وهو عيسى، فزعمت أنه ابن ~~الله، فيؤمن عند ذلك، ويقر أنه عبد الله ورسوله، ولا ينفعه إيمانه في ذلك ~~الوقت، ويكون إيمانهم عليهم شهيدا، يوم القيامة. وروي عن مجاهد أنه قال: ~~ما من أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى - عليه السلام - قبل موته، فقيل ~~له: وإن غرق، أو احترق، أو أكله السبع يؤمن بعيسى - عليه السلام -؟ فقال ~~نعم. وروي أن الحجاج بن يوسف سأل شهر بن حوشب عن هذه الآية فقال: إني ~~لأوتي بالأسير من اليهود والنصارى، فآمر بضرب عنقه وأنظر إليه في ذلك ~~الوقت، فلا أرى منه الإيمان، فقال له شهر بن حوشب: إنه حين يعاين أمر ~~الآخرة، ms0378 يقر بأن عيسى عبد الله ورسوله فيؤمن به، ولا ينفعه، فقال له ~~الحجاج: من أين أخذت هذا؟ قال: أخذته من محمد ابن الحنفية، فقال له ~~الحجاج لقد أخذت من عين صافية وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: { قبل ~~موته } يعني قبل موت عيسى - عليه السلام - هكذا قال الحسن قال ~~الفقيه: حدثنا عمر بن محمد، قال: حدثنا أبو بكر الواسطي، قال: حدثنا ~~إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا يزيد بن زريع عن رجل، عن الحسن في قوله: وإن ~~من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته، قال: قبل موت عيسى، والله إنه لحي ~~عند الله الآن، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~يمكث عيسى - عليه السلام - في الأرض أربعين سنة نبيا إماما مهديا، ثم ~~يموت وتصلي عليه هذه الأمة. وقال الضحاك: يهبط عيسى - عليه السلام - من ~~السماء إلى الأرض بعد خروج الدجال، فيكون هبوطه على صخرة بيت المقدس، ثم ~~يقتل الدجال، ويكسر الصليب ويهدم البيع والكنائس، ولا يبقى على وجه الأرض ~~يهودي، ولا نصراني إلا آمن بالمسيح ودخل في الإسلام. ثم قال تعالى: { ~~ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا } يعني يكون عليهم ~~عيسى - عليه السلام - شهيدا، بأنه قد بلغهم الرسالة. قوله تعالى: { ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت ~~أحلت لهم } يعني بشركهم حرمنا عليهم أشياء كانت حلالا لهم، وهو ~~كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم أحلت لهم. { وبصدهم عن سبيل ~~الله كثيرا } أي بصرفهم كثيرا من الناس، عن دين الله على وجه ~~التقديم { وأخذهم الربا } أي حرم عليهم الحلال بكفرهم، وبصرف ~~الناس عن دين الله، وبأخذهم الربا { وقد نهوا عنه } أي يعني عن ~~أخذ الربا في التوراة { وأكلهم أمول الناس بالبطل } ~~وهو أخذ الرشوة في الحكم، { وأعتدنا للكفرين منهم ~~عذابا أليما } أي هيأنا لهم عذابا وجيعا دائما. ### || [4.162] # وقوله: { لكن الراسخون في العلم منهم } يعني ~~المبالغون في العلم الذين أدركوا علم الحقيقة، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ~~وذلك أن اليهود أنكروا، وقالوا: هذه الأشياء كانت حراما ms0379 في الأصل، وأنت ~~تحلها، ولم تكن حرمت بظلمنا، فنزل: { لكن الراسخون في ~~العلم منهم } يصدقون بما أنزل إليك أنه الحق. ويقال: إن مؤمني ~~أهل الكتاب يعلمون أن الذي أنزل إليك من القرآن هو الحق، وأنك نبي مبعوث، ~~وهو مكتوب عندهم. ثم قال: { والمؤمنون } يعني أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - { يؤمنون بما أنزل إليك }. ثم قال: { ~~والمؤمنون بما أنزل إليك } يعني يصدقون بالقرآن { وما ~~أنزل من قبلك } ويصدقون بما أنزل من قبلك من كتب الله ثم وصفهم ~~فقال: { والمقيمين الصلوة } قال بعض الجهال: هذا غلط الكاتب ~~حيث كتب مصحف الإمام، كان ينبغي أن يكتب: (والمقيمون) فأوهم وكتب ~~والمقيمين، واحتج بما روي عن عائشة أنها قالت: ثلاثة أحرف في المصحف غلط ~~من الكاتب، قوله تعالى: (والمقيمين الصلاة) وقوله (والصائبون والنصارى) ~~وقوله: (.. إن هذان لساحران..) وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: ~~أرى فيه لحنا، وستقيمه العرب بألسنتها، ولكن هذا بعيد عند أهل العلم، ~~والخبر لم يثبت عن عثمان، ولا عن عائشة - رضي الله عنهما - لأن أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا حماة الدين والقدوة في الشرائع ~~والأحكام فلا يظن بهم أنهم تركوا في كتاب الله تصحيفا يصلحه غيرهم، وهم ~~أخذوه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمعنى في قوله: { ~~والمقيمين الصلوة } قال بعضهم: يؤمنون بما أنزل إليك ~~وبالمقيمين الصلاة، يعني بالنبيين المقيمين الصلاة، وقال بعضهم: لكن ~~الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة، يؤمنون بما أنزل إليك. ثم ~~قال تعالى: { والمؤتون الزكوة } يعني الذين يعطون الزكاة ~~المفروضة { والمؤمنون بالله، واليوم الآخر } يعني ~~المقرون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت، ثم قال: { أولئك ~~} يعني أهل هذه الصفة { سنؤتيهم أجرا عظيما } أي يعطيهم الله ~~في الآخرة ثوابا عظيما وهو الجنة. قرأ حمزة (سيؤتيهم) بالياء، وقرأ ~~الباقون: بالنون. ### || [4.163-164] # قوله تعالى: { إنآ أوحينآ إليك } يعني أرسلنا إليك جبريل { ~~كما أوحينا إلى نوح } يعني كما أرسلنا إلى نوح. ويقال: ~~أوحينا إليك بأن تثبت على التوحيد، وتأمر الناس بالتوحيد كما أوحينا إلى ms0380 ~~نوح بأن يثبت على التوحيد، ويدعو الناس إلى التوحيد { والنبيين ~~من بعده } أي أوحينا إليهم بذلك: { وأوحينا إلى ~~إبرهيم وإسمعيل وإسحق } وهما إبنا إبراهيم عليهم ~~السلام { ويعقوب } وهو إبن إسحق { والأسباط } وهم أولاد يعقوب ~~عليه السلام، كانوا اثني عشر سبطا، أوحينا إلى أنبيائهم بأن يثبتوا على ~~التوحيد، ويدعوا الناس إلى ذلك، { و } أوحينا إلى { عيسى وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان، وآتينا داوود زبورا } قرأ ~~حمزة: (زبورا) بضم الزاي، وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن ومعناهما ~~واحد وهو عبارة عن الكتاب. ثم قال: { ورسلا قد قصصنهم ~~عليك من قبل } يعني قد سميناهم لك من قبل، يعني بمكة { ورسلا ~~لم نقصصهم عليك } يعني: لم نسميهم لك وقد أرسلناك كما ~~أرسلنا هؤلاء، وروي عن كعب الأحبار أنه قال: كان الأنبياء ألفي ألف ~~ومائتي ألف، وقال مقاتل: كان الأنبياء ألف ألف، وأربعمائة ألف، وأربعة ~~وعشرين ألفا. وروي عن أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " بعث على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل ~~" # قال الفقيه أبو الليث حدثنا الفقيه أبو جعفر، قال: حدثنا أحمد بن محمد ~~القاضي، قال: حدثنا إبراهيم بن حشيش البصري عن شعبة، عن أبي إسحق عن ~~الحارث الأعور، عن أبي ذر الغفاري قال: قلت يا نبي الله كم كانت ~~الأنبياء؟ وكم كان المرسلون فقال - صلى الله عليه وسلم -: # " كانت الأنبياء مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، وكان المرسلون ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر " # ثم قال: { وكلم الله موسى تكليما }. قال بعضهم: معناه ~~أنه قد أوحى إليه وإنما سماه كلاما على وجه المجاز كما قال في آية ~~أخرى: # أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم # [الروم: 35] أي يستدلون بذلك، والعرب تقول: قال الحائط كذا، وقال عامة ~~المفسرين، وأهل العلم أن هذا كلام حقيقة، لا كلام مجاز لأنه قد أكده ~~بالمصدر حيث قال: { وكلم الله موسى تكليما } ، والمجاز لا ~~يؤكد لأنه لا يقال: قال الحائط قولا، فلما أكده بالمصدر نفى عنه المجاز ~~وقال في موضع آخر: ms0381 # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له: ~~كن، فيكون # [النحل: 40] وقد أكده بالتكرار، ونفى عنه المجاز. وقال في موضع آخر: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا # [الشورى: 51] يعني الأنبياء الذين لم يكونوا مرسلين، فأراهم في المنام، ~~أو من وراء حجاب بكلام مثل ما كلم الله موسى، أو يرسل رسولا، وهو رسالة ~~جبريل إلى المسلمين. ### || [4.165-169] # ثم قال تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين } أي أرسلنا رسلا ~~مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار { لئلا يكون } يقول لكيلا يكون { ~~للناس على الله حجة بعد الرسل } يعني بعد إرسال ~~الرسل، كي لا يقولوا يوم القيامة إنك لم ترسل إلينا رسولا، ولو أن الله ~~تعالى لم يرسل رسولا، كان ذلك عدلا منه، إذ أعطى كل واحد من خلقه من ~~العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلا منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم، ~~ثم قال تعالى: { وكان الله عزيزا حكيما } { عزيزا } ~~بالنقمة لمن يجحده { حكيما } حكم إرسال الرسل والأنبياء - عليهم ~~السلام -. قوله تعالى: { لكن الله يشهد بما أنزل ~~إليك }. قال ابن عباس، وذلك أن رؤساء مكة أتوا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: سألنا اليهود عن صفتك ونعتك، فزعموا أنهم لا ~~يعرفونك في كتابهم، فأتنا بمن يشهد لك بأنك نبي مبعوث، فنزل: { ~~لكن الله يشهد } يعني إن لم يشهد لك أحد منهم فالله تعالى ~~أعظم شهادة من خلقه، هو يشهد لك بأنك نبي ويظهر نبوتك. قال القتبي: هذا ~~من الاختصار، لأنه لما نزل: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح # [النساء: 163] قال المشركون: لا نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك؟ فنزلت هذه ~~الآية، حكاية قولهم، فقال تعالى: لكن الله يشهد { بما أنزل إليك ~~} لأن كلمة: لكن، إنما تجيء بعد نفي شيء، فوجب ذلك الشيء بها. ثم قال ~~تعالى: { أنزله بعلمه } أي بأمره، ويقال: أنزل القرآن الذي فيه ~~علمه، ثم قال تعالى: { والملائكة يشهدون } أيضا على شهادتك ~~بالذي شهدت أنه الحق { وكفى بالله شهيدا } فلا أحد أفضل من ~~الله تعالى شهادة بأنه أنزل [عليك القرآن]. ms0382 قوله تعالى: { إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } يعني صرفوا الناس ~~عن دين الله { قد ضلوا ضللا بعيدا } عن الحق. ثم قال ~~تعالى: { إن الذين كفروا وظلموا } أي جحدوا وأشركوا { ~~لم يكن الله ليغفر لهم } أي ما داموا على كفرهم { ولا ~~ليهديهم طريقا } يعني لا يوفقهم لطريق الإسلام. { إلا ~~طريق جهنم } يعني يتركهم، ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم، ~~ولجحودهم، وهو طريق جهنم، ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم، وقال ~~الضحاك: لا يهديهم طريقا يوم القيامة، أي لا يرفع لهم إلا طريق جهنم، ~~وذلك أن أهل الإيمان يرفع لهم في الموقف طريق تأخذ بهم إلى الجنة، ويرفع ~~لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار. ثم قال تعالى: { خلدين ~~فيها أبدا } أي دائمين فيها { وكان ذلك على الله ~~يسيرا } أي خلودهم، وعذابهم في النار هين على الله تعالى. ### || [4.170-171] # قوله تعالى: { يا أيها الناس } ، قال ابن عباس: يعني أهل مكة. { ~~قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم } أي بشهادة أن لا إله ~~إلا الله، ويقال: ببيان الحق، ويقال: للحق، يعني للعرض والحجة وقوله ~~تعالى: { قد جاءكم } على وجه المجاز، لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قد كان فيهم، ولكن معناه، أنه قد ظهر فيكم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كما قال في آية أخرى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] أي ظهر فيكم ثم قال { فآمنوا خيرا لكم } أي ~~صدقوا بوحدانية الله تعالى والقرآن الذي جاءكم به محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - خيرا لكم من عبادة الأوثان، لأن عبادة الأوثان لا تغنيكم شيئا، ~~ثم قال تعالى: { وإن تكفروا } أي إن تجحدوا بالله وبمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - فإن الله غنيا عنكم { فإن لله ما في ~~السموات والأرض } كلهم عبيده وإماؤه. { وكان الله ~~عليما } بخلقه { حكيما } في أمره. ثم قال تعالى: { يا أهل ~~الكتب لا تغلوا في دينكم }. قال الضحاك: أي لا تكذبوا في ~~دينكم، وقال بعض أهل اللغة الغلو، مجاوزة القدر في الظلم، ويقال: الغلو ~~أن تجاوز ما ms0383 حد لك، وقال القتبي: يعني لا تفرطوا في دينكم، فإن دين الله ~~بين المقصر والغالي، وغلا في القول إذا تجاوز المقدار، وقال ابن عباس: ~~وذلك أن اليعقوبية، وهم صنف من النصارى قالوا: عيسى هو الله، وقالت ~~النسطورية: هو ابن الله، وقالت المرقوسية ويقال لهم الملكانية: هو ثالث ~~ثلاثة، فنزل { يا أهل الكتب لا تغلوا في دينكم } ، ~~قال مقاتل: الغلو في الدين أن يقول على الله غير الحق، ويقال: لا تتعمقوا ~~في دينكم. ثم قال تعالى: { ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق } يعني لا تصنعوا بالله بما لا يليق بصفاته، فإن الله تعالى ~~واحد لا شريك له، ولا ولد له. ثم قال تعالى: { إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقها إلى ~~مريم } وهو قوله: # كن فيكون # [النحل: 40] ثم قال: { وروح منه } قال ابن عباس في رواية الكلبي: ~~يعني أمر منه، فأتاها جبريل فنفخ في جيب درعها، فدخلت تلك النفخة بطنها، ~~ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها، وأمه أمة الله تعالى { ~~فآمنوا بالله ورسله } يعني صدقوا بوحدانية الله تعالى، وبما ~~جاءكم به الرسل من الله تعالى، { ولا تقولوا ثلثة } يعني لا ~~تقولوا أن الله ثالث ثلاثة { انتهوا خيرا لكم } يقول: توبوا ~~إلى الله تعالى من مقالتكم، فالتوبة خير لكم من الإصرار على الكفر { ~~إنما الله إله وحد } ثم نزه نفسه عما قال الكفار فقال: { ~~سبحنه أن يكون له ولد } ثم قال تعالى: { له ما في ~~السموات وما في الأرض } من الخلق { وكفى بالله ~~وكيلا } يعني كفيلا، ويقال: شاهدا، ولا شاهد أفضل منه. ### || [4.172-173] # قوله تعالى: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~} يعني لن يتعظم، ولن يأنف، ولن يتكبر، ويقال: لن يحتشم أن يكون عبدا ~~لله. ويقال: إن وفد نجران أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناظروه ~~في أمر عيسى - عليه السلام - فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان ~~عبد الله ورسوله، فقالوا: لا تقل هكذا فإن عيسى يأنف عن هذا القول، فنزل ~~تكذيبا لقولهم: ms0384 { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله } ، يعني كان عيسى مقرا بالعبودية. ثم قال تعالى: { ولا ~~الملائكة المقربون } يعني حملة العرش، لن يأنفوا عن الإقرار ~~بالعبودية، وقال مقاتل: الملائكة المقربون، أقرب إليه، فلم يأنفوا عن ~~عبادته فكيف يأنف عيسى - عليه السلام - وهو عبد من عباده. ثم قال تعالى: ~~{ ومن يستنكف } أي يتعظم { عن عبادته ويستكبر } ~~والاستكبار: هو الاستنكاف، يقال: استنكف واستكبر، يعني استكبر عن طاعته { ~~فسيحشرهم إليه جميعا } يأمر بهم إلى النار. ثم قال عز وجل: ~~{ فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } أي ~~الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { فيوفيهم أجورهم } أي يوفر لهم ~~ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } أي من رزقه في الجنة { ~~وأما الذين استنكفوا واستكبروا } عن عبادة الله ~~تعالى { فيعذبهم عذابا أليما } أي وجيعا دائما { ولا ~~يجدون لهم من دون الله } يعني من عذاب الله { وليا } ~~يعينهم { ولا نصيرا } مانعا يمنعهم. ### || [4.174-176] # ثم قال عز وجل: { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ~~ربكم } أي بيانا من ربكم وحجة من ربكم، وهو محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - والقرآن { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } أي بيانا ~~من العمى، وبيان الحلال من الحرام وهو القرآن. قوله تعالى: { فأما ~~الذين ءامنوا بالله } أي صدقوا بوحدانية الله تعالى { ~~واعتصموا به } أي تمسكوا بدينه { فسيدخلهم في رحمة ~~منه } يعني الجنة { وفضل } أي الثواب { ويهديهم إليه } ~~أي يرشدهم إلى دينه ويوفقهم لذلك، وفي الآية تقديم وتأخير، فكأنه يقول: ~~يهديهم في الدنيا { صرطا مستقيما } أي دينا لا عوج فيه ويثيبهم ~~على ذلك، ويدخلهم في الآخرة في رحمة منه وفضل، وهو الجنة والكرامة. قوله ~~تعالى: { يستفتونك } يعني يسألونك في حكم الميراث { قل الله ~~يفتيكم في الكللة } روي عن قتادة أنه قال: الكلالة من لا ~~ولد له ولا والد، وكذلك قال ابن عباس وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - أنه قال: إني قد رأيت رأيا فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ ~~فمن نفسي ومن الشيطان: الكلالة: ما عدا الوالد والولد. وعن عمر بن الخطاب ~~- رضي ms0385 الله عنه - أنه قال: ثلاث لا يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بينهن لنا، كان أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة وأبواب ~~الربا. # " وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الكلالة فقال: " ألم ~~تر الآية التي أنزلت في النساء: { قل الله يفتيكم في ~~الكللة إن امرؤا هلك ليس له ولد } " # يعني هذا تفسير الكلالة وهذه الآية نزلت في شأن جابر بن عبد الله، سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إن لي أختا فما لي من ميراثها؟ ~~فنزلت هذه الآية فبين ميراث جابر أولا ثم ميراث أخته، فصارت الآية عامة ~~لجميع الناس. قال: { إن امرؤا هلك } يعني إن مات رجل { ليس ~~له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } من المال { ~~وهو يرثها } يعني إذا ماتت الأخت والأخ حي ورثها { إن لم ~~يكن لها ولد }. وقد ذكرت الآية حكم الأخ والأخت، إذا لم يكن ~~لهما ولد، ولم يبين أنه لو كان لأحدهما ولد فمات أحدهما فما حكمه؟ ولكن ~~بين على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن للابنة النصف وما بقي ~~فللأخت، وإن كانت الأخت هي التي ماتت وتركت ابنة وأخا فللابنة النصف وما ~~بقي فللأخ وفي هذا إجماع، وفي الأول اختلاف، قال ابن عباس: لا ترث الأخت ~~مع الابنة شيئا، وخالفه جميع الصحابة، وقالوا كلهم الأخوات مع البنات ~~عصبة. # ثم قال تعالى: { فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ~~مما ترك } ، (يعني إذا كان للميت أختان أو أكثر فلهما الثلثان إذا ~~كانتا اثنتين، وإن كن أكثر من ذلك فلهن الثلثان أيضا بالإجماع. ثم ~~قال:). { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء } يعني إخوة ~~وأخوات { فللذكر مثل حظ الأنثيين } يعني لكل سهمان ولكل ~~أخت سهم، هذا إذا كانت الأخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب خاصة ~~فأما إذا كانوا من قبل الأم فهم شركاء في الثلث، ليس لهم أكثر من ذلك كما ~~ذكرنا في أول السورة وهذا بالإجماع، ثم قال عز وجل: { يبين الله ~~لكم أن ms0386 تضلوا } أي يبين الله لكم قسمة المواريث، لكي لا تضلوا ~~ولا تخطئوا في قسمتها، وقد يحذف (لا) فيراد به إثباته، كقوله # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [لقمان: 10] يعني أن لا تميد بكم، وقد يذكر (لا) ويراد حذفه كقوله: # قال ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] يعني أن تسجد، وكقوله # لا أقسم # [القيامة: 1] أقسم ثم قال تعالى { والله بكل شيء عليم } من ~~قسمة المواريث وغيره، أي اتبعوا ما أنزل الله تعالى وبين لكم في كتابه. ~~(والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما). ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1-3] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا } فهذا نداء المدح، ~~والنداء في القرآن على سبع مراتب: نداء المدح: مثل قوله: # يأيها النبي # [ الأنفال: 64 وغيرها] { يا أيها الذين آمنوا } # يأيها الرسل # [المؤمنون: 51]. ونداء الذم مثل قوله تعالى: # يأيها الذين كفروا # [التحريم: 7] # يأيها الذين هادوا # [الجمعة: 6]. ونداء التنبيه، مثل قوله: # يأيها الإنسان # [الانفطار: 6 وغيرها]. ونداء الإضافة، مثل قوله # يا عبادي # [الزمر: 53]. ونداء النسبة: مثل قوله: # يابني ءادم # [الأعراف: 26] # يابني إسرائيل # [البقرة: 40 وغيرها]. ونداء الاسم: مثل قوله: # يإبرهيم # [هود: 76 وغيرها] # يداوود # [ص: 26]. ونداء التعبير، مثل قوله: # يا أهل الكتاب # [المائدة: 19]. فها هنا نداء المدح: { يأيها الذين ~~ءامنوا } وهو من جوامع الكلم لأنه قال: { يأيها الذين ~~ءامنوا } يعني صدقوا، ولم يقل بأي شيء صدقوا، معناه الذين صدقوا ~~بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن ~~وصدقوا بجميع الرسل، وبالبعث والحساب والجنة والنار. وقال عبد الله بن ~~مسعود كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله ~~يقول: { يأيها الذين ءامنوا } فارعها سمعك، فإنه خير ~~مأمور به، أو شر منهي عنه. ويقال: جميع ما في القرآن: { يأيها ~~الذين ءامنوا } نزل بالمدينة وكل ما يقال في القرآن: { يا ~~أيها الناس } نزل أكثره بمكة، وقد قيل نزل بالمدينة أيضا ويقال: ~~كل ما في القرآن { يأيها الذين ءامنوا } ذكر في مقابله في ~~الإنجيل: (يا أيها المساكين). ثم قال: { أوفوا بالعقود } يعني ms0387 ~~أتموا الفرائض التي ذكر الله تعالى في القرآن، وعقد على عباده ما أحل لهم ~~وحرم عليهم، أن يوفوا بها. وقال مقاتل: { أوفوا بالعقود } يعني ~~بالعهود التي بينكم وبين المشركين، ويقال: جميع العقود التي بينه وبين ~~الناس، والتي بينه وبين الله تعالى، وهذا من جوامع الكلم، لأنه اجتمع فيه ~~ثلاثة أنواع من العقود: أحدها: العقود التي عقد الله تعالى على عباده، من ~~الأوامر والنواهي. والنوع الثاني: العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين ~~الله تعالى من النذور والأيمان وغير ذلك. والنوع الثالث: العقود التي ~~بينه وبين الناس: مثل البيوع والإجارات وغير ذلك، فوجب الوفاء بهذه ~~العقود كلها. ثم قال: { أحلت لكم } يعني رخصت لكم { بهيمة ~~الأنعام } والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش، دليله على ~~قوله تعالى # ومن الأنعم حمولة وفرشا # [الأنعام: 142] ثم قال: # ثمنية أزوج # [الأنعام: 143 وغيرها]، وأما البهيمة فهي كل حي لا يتميز، وإنما قيل لها ~~بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز، ثم قال: { إلا ما يتلى عليكم ~~} يعني رخصت لكم الأنعام كلها، إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، وهي ~~الميتة، والدم، ولحم الخنزير وغير ذلك، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة، ~~والبحيرة، فأخبر الله تعالى: أنهما حلالان { إلا ما يتلى ~~عليكم } يعني إلا ما بين في هذه السورة. # ثم قال: { غير محلي الصيد وأنتم حرم } يعني أحلت لكم ~~هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون. ثم قال: { إن ~~الله يحكم ما يريد } يعني يحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، لأنه ~~أعرف بصلاح خلقه، وما يصلحهم، وما لا يصلحهم وليس لأحد أن يدخل في حكمه، ~~وهذا كقوله # ولا يشرك في حكمه أحدا # [الكهف: 26] وقال # لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # [ سورة الأنبياء: 23]. قوله تعالى: { يا أيها الذين ~~ءامنوا لا تحلوا شعائر الله } الشعائر ما جعل الله ~~علامات الطاعات، وأحدها شعيرة، ومعناه لا تستحلوا شيئا من ترك المناسك ~~كلها، مما أمر الله تعالى من أمر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، ~~والخروج إلى عرفات ورمي الجمار والطواف واستلام ms0388 الحجر وغير ذلك. وذلك أن ~~الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى ~~عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمر الله تعالى في هذه السورة ~~بأن لا يتركوا شيئا من أمور المناسك، ثم قال: { ولا الشهر ~~الحرام } يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام { ولا الهدي، ~~ولا القلئد } يقول: لا تتعرضوا له ولا تستحلوا، وذلك أن أهل ~~الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك، ~~ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة، ومن لم يكن معه راحلة جعل في ~~عنقه قلادة من شعر أو وبر، فيأمن بذلك فإذا رجع من مكة جعل شيئا من ~~لحاء شجر مكة في عنق راحلته فيأمن بذلك، ليعرف أنه كان حاجا، فأمرهم ~~الله تعالى بأن لا يستحلوا ذلك، يعني: من فعل ذلك لا يتعرض له. ثم قال ~~تعالى: { ولا آمين } يقول: ولا تستحلوا قاصدين { البيت ~~الحرام } نزلت في " شريح بن ضبيعة بن شرحبيل اليماني " دخل ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمه، فلما خرج من عنده مر بسرح ~~لأهل المدينة، فساقها وانتهى إلى اليمامة، ثم خرج من هناك نحو مكة، ومعه ~~تجارة عظيمة فهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخرجوا ~~إليه، ويغيروا على أمواله، فنزل { ولا آمين البيت الحرام } ~~، { يبتغون فضلا من ربهم } يعني الربح في المال، { ~~ورضوانا } يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا، ~~ثم نسخ بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] ولم ينسخ قوله { لا تحلوا شعائر الله } ، ~~ولكنه محكم فوجب إتمام أمور المناسك. ولهذا قال أصحابنا: (إن الرجل إذا ~~دخل في الحج ثم أفسده فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك ~~ثم عليه القضاء في السنة الثانية، ونسخ قوله: { ولا الشهر ~~الحرام } فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] وقوله تعالى { ولا الهدي، ولا القلئد } فهو ~~محكم أيضا، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي (وتوجه إلى مكة) ونوى ms0389 الإحرام صار ~~محرما، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية، فهذه الأحكام معطوفة بعضها ~~على بعض، بعضها منسوخة وبعضها محكمة. فإن قيل: قد قال: يبغون فضلا من ~~ربهم، ورضوانا، فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم، ولم يذكر أن طلبهم كان ~~باطلا، قيل له: لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار، وإنما بين النهي ~~عن التعرض للذين يقصدون البيت، فإن كان الذي قصد كافرا فقد بين في آية ~~أخرى أنه لم يقبل منه، وإن لم يذكر ها هنا وهو قوله: # ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله # [المائدة: 5] وقال: { وإذا حللتم فاصطدوا } يعني: إذا ~~حللتم من إحرامكم فاصطادوا إن شئتم، فهذه رخصة بلفظ الأمر كقوله # فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10] وكقوله # وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود... # [سورة البقرة: 187] الآية وقال الضحاك: { وإذا حللتم } يعني إذا ~~خرجتم من إحرامكم، وخرجتم من حرم الله تعالى وأمنه فاصطادوا. ثم قال: { ~~ولا يجرمنكم شنان قوم } يقول: ولا يحملنكم عداوة كفار ~~مكة { أن صدوكم عن المسجد الحرام } يعني عام الحديبية { ~~أن تعتدوا } على حجاج اليمامة (من المشركين)، فتستحلوا منهم. وفي ~~الآية دليل: أن المكافأة لا تجوز من غير جنس الذي فعل به وتكون تلك ~~المكافأة اعتداء، لأن الله تعالى قال: { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم } يعني بغض قوم وعداوتهم { أن تعتدوا } يعني تجاوزوا الحد ~~في المكافأة قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: (شنآن) بجزم النون ~~وقرأ الباقون (شنآن) بالنصب. وقال القتبي، لا يقال في المصادر فعلان، ~~وإنما يقال ذلك في الصفات مثل عطشان، وسكران، وفي المصادر يقال: فعلان، ~~مثل طيران ولهفان وشنآن. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (إن صدوكم) بكسر الألف ~~على معنى الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء. ثم قال تعالى: ~~{ وتعاونوا على البر والتقوى } يعني تعانوا على أمر الله ~~واعملوا به. وروى ابن عباس: البر: ما أمر الله تعالى به، يعني تحاثوا ~~على أمر الله، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله تعالى عنه، وامتنعوا ~~عنه، ms0390 وهذا موافق لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الدال على الخير كفاعله " # وقد قيل: الدال على الشر كصانعه. ثم قال: { ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان } قال القتبي: العدوان على وجهين: عدوان في ~~السبيل كقوله: # فلا عدون إلا على الظلمين # [البقرة: 193] وكقوله # فلا عدوان علي # [القصص: 28] والثاني عدوان في الظلم، كقوله # فلا تتنجوا بالإثم والعدوان # [المجادلة: 9] وكقوله # ولا تعاونوا على الإثم والعدوان # [سورة المائدة: 2] يعني به حجاج أهل اليمامة وصارت الآية عامة في جميع ~~الناس. # ثم قال: { واتقوا الله } يقول واخشوا الله وأطيعوه فيما يأمركم ~~به، { إن الله شديد العقاب } إذا عاقب. قوله تعالى: { ~~حرمت عليكم الميتة } يعني حرم عليكم أكل الميتة، والميتة ~~كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة، فهو حرام، إلا الجراد والسمك فقد أباحهما ~~على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: # " أحلت لنا [دمان وميتتان] السمك والجراد، والكبد والطحال " # ثم قال: { والدم } يعني حرم عليكم أكل الدم وشربه، وهو الدم ~~المسفوح، كما قال في آية أخرى: # إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا # [الأنعام: 145] وأما الدم الذي بقي بعد الإنهار فهو مباح، مثل الطحال ~~والكبد والصفرة التي بقيت في اللحم، ثم قال: { ولحم الخنزير } ~~يعني أكل لحم الخنزير فذكر اللحم والمراد به اللحم والشحم وغير ذلك، وهذا ~~حرام بإجماع المسلمين، ثم قال: { وما أهل لغير الله به } ~~يعني حرم عليكم أكل ما ذبح لغير الله، وأصل الإهلال، رفع الصوت، ومنه ~~استهلال الصبي، وإهلال الحج وإنما سمي الذبح إهلالا لأنهم كانوا يرفعون ~~الصوت عند الذبح بذكر آلهتهم، فحرم الله تعالى ذلك، ثم قال: { ~~والمنخنقة } وهي الشاة التي تختنق فتموت، وكان بعض أهل الجاهلية، ~~يستحلون ذلك ويأكلونها ثم قال { والموقوذة } يعني حرم عليكم أكل ~~الموقوذة، وهي التي تضرب بالخشب فتموت. وأصله في اللغة: هي الإشراف على ~~الهلاك، (فإذا ضرب بالخشب حتى أشرف على الموت، ثم يتركه، يقال: وقذه، ~~ويقال فلان وقيذ وقذته العبادة، أي ضعف وأشرف على الهلاك). ثم قال: { ~~والمتردية } وهي ms0391 الشاة التي تخر من الجبل أو تتردى في بئر فتموت، ~~{ والنطيحة } وهي الشاة التي تنطح صاحبها فيقتلها ثم قال: { وما ~~أكل السبع } وهي فريسة السبع، فحرم الله تعالى أكل هذه الأشياء ~~كلها على المؤمنين، ثم استثنى فقال: { إلا ما ذكيتم } يعني إلا ~~ما أدركتم ذكاته، فذكيتموه قبل أن يموت، فلا بأس بأكله. # قال القتبي: أصل الذكاة من التوقد، يقال: ذكيت النار إذا ألقيت عليها ~~شيئا من الحطب، وإنما سميت الذكية ذكية، لأنها صارت بحال ينتفع بها. ~~وقال الزجاج: أصل الذكاة تمام الشيء، وقوله: إلا ما ذكيتم يعني ما أدركتم ~~ذبحه على التمام. ثم قال: { وما ذبح على النصب } قال القتبي: ~~النصب هو حجر أو صنم منصوب، كانوا يذبحون عنده، وجمعه أنصاب، ويقال: ~~كانوا يذبحون لأعيادهم باسم آلهتهم ثم قال: { وأن تستقسموا ~~بالأزلام } والأزلام: القداح واحدها زلم، على ميزان قلم وأقلام، ~~وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يجتمعون عشرة أنفس ويشترون جزورا، وجعلوا ~~لحمه على تسعة أجزاء، وأعطى كل واحد منهم سهما من سهامه فجمعوا السهام ~~عند واحد منهم، أو شيء من الأحجار، ثم يخرج هذا الرجل واحدا واحدا من ~~السهام، فكل من خرج سهمه يأخذ جزءا من ذلك اللحم فإذا خرج تسعة من ~~السهام لا يبقى شيء من اللحم، ولا يكون للذي بقي اسمه آخرا شيء من ~~اللحم، وكان ثمن الجزور كله عليه، وكان نوع آخر: أنهم كانوا يجعلون عشرة ~~من القداح، وكان لكل واحد منها سهم، ولم يكن لثلاثة منها نصيب من اللحم، ~~وهو السفيح والمنيح والوغد، وكان للسبعة لكل سهم نصيب، وهو القذ والتوأم، ~~والرقيب والمعلى، والحلس والناقس، والمسبل. # ويقال: كان إذا أراد واحد منهم السفر أخرج سهمين من القداح في واحد منها ~~مكتوب أمرني ربي، وفي الآخر نهاني ربي، فيخرج أحدهما، فإن خرج باسمه: ~~أمرني ربي، وجب عليه الخروج ولم يجز له التخلف، وإن خرج الآخر، لا يسعه ~~الخروج، فنهى الله تعالى عن ذلك كله، بقوله: { ذلكم فسق } يعني ~~هذه الأفعال معصية وضلالة، واستحلالها كفر ثم قال: { اليوم ms0392 يئس ~~الذين كفروا من دينكم } يعني كفار العرب، أن تعودوا كفارا ~~حين حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع وليس معهم مشرك. وقال ~~الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة [وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -] فتح مكة لثمان بقين من رمضان، سنة سبع، ويقال: سنة ثمان ودخلها ~~ونادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا من قال لا إله إلا ~~الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، فانقادت ~~قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا. قال الله تعالى: { فلا ~~تخشوهم } يقول: فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم، وناصركم، { ~~واخشون } في ترك أمري ثم قال: { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } يعني أتممت لكم شرائع دينكم، وذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حيث كان بمكة لم يكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة ~~أنزل الله الحلال والحرام، فنزلت هذه الآية { اليوم أكملت ~~لكم دينكم } يعني دينكم، حلالكم وحرامكم. وروى حماد بن سلمة عن ~~عمار بن أبي عمار عن ابن عباس أنه قرأ: { اليوم أكملت لكم ~~دينكم } فقال له يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم ~~عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة، ويوم عرفة. ~~قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا ~~يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن قيس بن ~~مسلم عن طارق، أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب إنكم لتقرأون آية، لو نزلت ~~فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، { اليوم أكملت لكم دينكم ~~} فقال عمر: إني لأعلم حيث نزلت، وفي أي يوم نزلت، أنزلت بيوم عرفة ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واقف بعرفة، فإن قيل في ظاهر هذه الآية ~~دليل، أن الدين يزيد حيث قال: { اليوم أكملت لكم دينكم ~~} ، قيل له: ليس فيها دليل، لأنه أخبر أنه أكمل في ذلك اليوم وليس فيها ~~دليل: أنه لم يكمل قبل ذلك، ألا ترى أنه قال في ms0393 سياق الآية: { ورضيت ~~لكم الإسلام دينا } ليس فيه دليل أنه لم يرض قبل ذلك، ولكن ~~معناه أنه قد أظهر وقرر، كما جاء في الخبر أن رجلا أعتق ستة أعبد له في ~~مرضه، فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إثنين منهم، يعني أظهر ~~عتقهما وقرر، ولم يرد به الابتداء. # وقال مجاهد: معناه اليوم أتممت لكم ظهور دينكم، وغلبة دينكم ونصرته وقال ~~قتادة: معناه، أخلص لكم دينكم. ثم قال: { وأتممت عليكم ~~نعمتي } يعني منتي، فلم يحج معكم مشرك، { ورضيت } يعني اخترت { ~~لكم الإسلام دينا } وروي في الخبر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، ثم مضى لسبيله - صلوات ~~الله عليه - وقال الزجاج: { اليوم } صار نصبا للظرف، ومعناه: اليوم ~~أكملت لكم دينكم. وقال معاذ بن جبل: النعمة لا تكون إلا بعد دخول الجنة، ~~فصار كأنه قال: رضيت لكم الجنة، لأنه لا تكون النعمة تماما حتى يضع ~~قدميه فيها. ثم رجع إلى أول الآية فقال: { فمن اضطر في ~~مخمصة } وذلك أنه لما بين المحرمات علم أن بعض الناس اضطروا إلى ~~أكله فأباح لهم أكله عند الضرورة. فقال: فمن اضطر، يعني اجهد إلى شيء مما ~~حرم الله تعالى عليه، في مخمصة، يعني مجاعة، وأصل الخمص ضمور البطن ~~ودقته، فإذا جاع فقد خمص بطنه، ثم قال: { غير متجانف لإثم } ~~يعني غير متعمد المعصية لأكله فوق الشبع وأصل الجنف: الميل. وقال الزجاج: ~~يعني غير متجاوز للحد، وغير آكل لها على وجه التلذذ فلا إثم عليه في ~~أكله. وقال أهل المدينة: المضطر يأكل حتى يشبع. وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~رحمهم الله: يأكل مقدار ما يأمن به الموت، وكذلك قال الشافعي. ثم قال: { ~~فإن الله غفور رحيم } يعني: غفور فيما أكل، رحيم حين ~~رخص له في أكله عند الاضطرار. قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو: (فمن اضطر) ~~بكسر النون لاجتماع الساكنين، وقرأ الباقون: بالضم. ### || [5.4-5] # قوله تعالى: { يسألونك ماذا أحل لهم } نزلت الآية في شأن ~~«عدي بن حاتم الطائي»، قال: قلت: يا ms0394 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " ما علمت من كلب أو بازي، ثم أرسلته، وذكرت اسم الله تعالى عليه ~~فكل ما أمسك عليك، فقلت: وإن قتله، قال: إن قتله ولم يأكل منه شيئا، ~~فكل فإنما أمسك عليك، وإن أكل منه شيئا فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه ~~قال: قلت: فإذا خالط كلابنا كلاب أخرى حين ترسلها؟ قال: لا تأكل حتى ~~تعلم أن كلبك هو الذي أمسك عليك " # ، ونزلت هذه الآية: { يسألونك ماذا أحل لهم } يعني ماذا ~~رخص لهم من الصيد [ويقال لما أنزل قوله تعالى { حرمت عليكم } ~~قالوا: إن الله تعالى حرم هذه الأشياء فأي شيء لنا حلال يا رسول الله] { ~~قل أحل لكم الطيبت } يعني رخص لكم الحلالات من الذبائح [ ~~{ وما علمتم من الجوارح } يعني وأحل لكم صيد ما علمتم من ~~الجوارح من الطير والكلاب الكواسب، ويقال: الجوارح الجارحات. ثم قال: { ~~مكلبين } بكسر اللام، وقرأ بعضهم بالنصب، فمن قرأ بالكسر يعني به ~~أصحاب الكلاب، المعلمين للكلاب ومن قرأ بالنصب، أراد به الكلاب، يعني ~~الكلاب المعلمة، (مكلبين) يعني معلمين ثم قال: { تعلمونهن } ~~يعني تؤدبونهن في طلب الصيد { مما علمكم الله } يقول: كما ~~أدبكم الله تعالى، وروي عن مجاهد أنه سئل عن الصقر والبازي والفهد، قال: ~~هذه كلها جوارح، ولا بأس بصيده إذا كان معلما. ثم قال: { فكلوا ~~مما أمسكن عليكم } يعني: حبسن عليكم { واذكروا اسم ~~الله عليه } إذا أرسلتم الكلاب على الصيد. وفي هذه الآية دليل: أن ~~الكلب إذا كان أكل لا يؤكل، لأنه أمسك لنفسه، وفيها دليل: أنه لا يجوز ~~إلا بالتسمية، لأنه قد أباح على شرط التسمية، وعلى شرط أن يمسك لصاحبه، ~~وفيها دليل أيضا أن الكلب إذا كان غير معلم لا يجوز أكل صيده، وفيها ~~دليل أيضا أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل، لأن الكلب إذا ~~علم يكون له فضيلة على سائر الكلاب، وأن الإنسان إذا كان له علم أولى ms0395 ~~أن يكون له فضل على سائر الناس، وهذا كما روي عن علي - كرم الله وجهه - ~~أنه قال: لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسن. ثم خوفهم فقال: { ~~واتقوا الله } أي اخشوا الله ولا تأكلوا الميتة، ولا تأكلوا ما ~~لم يذكر اسم الله عليه، { إن الله سريع الحساب } يعني سريع ~~المجازاة، وقوله تعالى: { اليوم أحل لكم الطيبت } ~~يعني المذبوحات من الحلال يعني اليوم أظهر وبين حله، ثم قال: { وطعام ~~الذين أوتوا الكتب } يعني ذباح أهل الكتاب { حل لكم } ~~يعني حلال لكم أكله { وطعامكم حل لهم } يعني ذبائحكم ~~وطعامكم رخص لهم أكله. # وقال الزجاج: تأويله أحل لكم أن تطعموهم، لأن الحلال والفرائض إنما ~~تعتمد على أهل الشريعة. ثم قال: { والمحصنت من ~~المؤمنت } يعني أحل لكم تزوج العفائف من المؤمنات { ~~والمحصنت من الذين أوتوا الكتب } يعني العفائف ~~من أهل الكتاب { من قبلكم } يعني أعطوا الكتاب من قبل كتابكم وهو ~~التوراة والإنجيل، واختلفوا في نكاح الصابية، وقد ذكرناه في سورة البقرة ~~ثم قال: { إذآ آتيتموهن أجورهن } يعني أعطيتموهن مهورهن { ~~محصنين غير مسفحين } يقول: كونوا متعففين عن الزنا { ~~ولا متخذي أخدان } يقول: لا تتخذوا خدنا فتزنوا بها سرا، ~~وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يعيرون من يزني [في العلانية ولا يعيرون من ~~يزني] سرا فحرم الله زنا السر والعلانية، فلما نزلت هذه الآية قلن - ~~نساء أهل الكتاب - لولا أن الله تعالى قد رضي بديننا، لم يبح للمسلمين ~~نكاحنا، فنزل { ومن يكفر بالإيمن فقد حبط عمله } ~~[وقيل لنا نزل قوله حرمت عليكم الميتة ثم رخص من حالة الاضطرار فقال ~~بعضهم لا نأخذ الرخصة من الاضطرار فنزل { ومن يكفر بالإيمن } ~~]. ويقال: هذا ابتداء خطاب وهو لجميع المسلمين فقال: { ومن يكفر ~~بالإيمن } قال ابن عباس: يعني من يكفر بالتوحيد بشهادة أن لا إله ~~إلا الله فقد حبط عمله. وقال مجاهد: معناه: ومن يكفر بالإيمان، فقد حبط ~~عمله، يعني بطل ثواب عمله { وهو في الآخرة من الخسرين } ~~يعني من المغبونين في العقوبة. ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله: إن الرجل ~~إذا ms0396 صلى، ثم ارتد، ثم أسلم في وقت تلك الصلاة، وجب عليه إعادة تلك ~~الصلاة، ولو كان حج حجة الإسلام، فعليه أن يعيد الحج، لأنه قد بطل ما فعل ~~قبل ارتداده. ### || [5.6-11] # قوله تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى ~~الصلوة } يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم محدثون، ويقال: ~~إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق } يعني مع المرافق { وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين } يعني مع الكعبين. قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو، وحمزة، وعاصم، وفي رواية أبي بكر (وأرجلكم) بكسر اللام، وقرأ ~~الباقون: بالنصب، فمن قرأ بالنصب فإنه جعله نصبا لوقوع الفعل عليه، وهو ~~الغسل، يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، ومن قرأ بالكسر، جعله كسرا ~~لدخول [حرف الخفض] وهو الباء، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، يعني، ~~إذا كان عليه خفان وقد ثبت ذلك بالسنة، ويقال: صار كسرا بالمجاورة، كما ~~قال في آية أخرى # وحور عين # [ الواقعة: 22] قرأ بعضهم بالكسر بالمجاورة. فهذه الأربعة التي ذكرت في ~~الآية من فرائض الوضوء، وما سوى ذلك آداب وسنن فإن قيل: الآية إذا قرئت ~~بقرائتين، فالله تعالى قال بهما جميعا، أو بإحداهما؟. قيل له: هذا على ~~وجهين: إن كان لكل قراءة معنى غير المعنى الآخر، فالله تعالى قال بهما ~~جميعا، وصارت القراءتان بمنزلة الآيتين، وإن كانت القراءتان معناهما ~~واحد فالله تعالى قال لأحدهما، ولكنه رخص بأن يقرأ بهما جميعا. ثم قال ~~تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } قد يوصف الجمع بصفة ~~الواحد، كقوله: { وإن كنتم جنبا } وكقوله: { والملائكة ~~بعد ذلك ظهير } قوله: { فاطهروا } معناه، فتطهروا إلا أن ~~التاء أدغمت في الطاء لأنهما من مكان واحد، فإذا أدغمت فيها، سكن أول ~~الكلمة، وزيدت ألف الوصل للابتداء. ثم قال: { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء فلم ~~تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه } يعني من الصعيد، ثم قال: { ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج } يقول: لا ms0397 يكلفكم في ~~دينكم من ضيق { ولكن يريد ليطهركم } يعني: يطهركم من ~~الأحداث والجنابة { وليتم نعمته عليكم } بما أنعم من ~~الرخص { لعلكم تشكرون } لكي تشكروا الله لما رخص لكم، ولم ~~يضيق عليكم. قوله تعالى: { واذكروا نعمة الله عليكم } ~~يقول: احفظوا منن الله عليكم بإقراركم بوحدانية الله تعالى، { ~~وميثقه الذي واثقكم به } يعني يوم الميثاق، حين أخرجهم ~~من صلب آدم عليه السلام، وقال: # .. ألست بربكم؟ قالوا: بلى # [الأعراف: 172] هكذا قال في رواية الكلبي، ومقاتل، والضحاك. وقال بعضهم: ~~هو الميثاق الجبلة والإدراك، فكل من أدرك فقد أخذ عليه الميثاق، وشهدت له ~~خلقته وجبلته، فصار ذلك كالإقرار منه ثم قال: { إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا } يوم الميثاق، قلتم سمعنا قولك يا ربنا وأطعنا أمرك، ثم ~~قال: { واتقوا الله } في نقض العهد والميثاق { إن الله ~~عليم بذات الصدور } يعني: عالم بسرائركم. # ثم قال: { يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين ~~لله شهداء بالقسط } يعني قوالين بالحق، ثم قال: { ولا ~~يجرمنكم شنان قوم على أن لا تعدلوا } وذلك أن ~~الله تعالى لما فتح على المسلمين مكة، أمر الله المسلمين أن لا يكافئوهم ~~بما سلف، وأن يعدلوا في القول والحكم والنصفة، وذلك قوله: { اعدلوا } ~~يعني قولوا الحق والعدل { هو أقرب للتقوى } يعني فإنه أقرب ~~للطاعة، ثم قال: { واتقوا الله } يقول واخشوا الله بما أمركم به، ~~{ إن الله خبير بما تعملون } من الطاعة وغيره. ثم بين ~~ثواب من عمل بطاعته فقال: { وعد الله الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } يعني الطاعات { لهم مغفرة } ~~لذنوبهم { وأجر عظيم } يعني ثواب عظيم في الجنة، ويقال: إن أهل ~~مكة قالوا، بعدما أسلموا ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك، فقالوا: ~~وعد الله الذين آمنوا بالله وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - وعملوا ~~الصالحات بعد الإسلام، لهم مغفرة لما فعلوا في حال الشرك، وأجر عظيم في ~~الآخرة. ثم قال: { والذين كفروا وكذبوا بآيتنا } ~~يعني جحدوا وكذبوا، بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن، وماتوا على ~~ذلك، { أولئك أصحب الجحيم } يعني مقيمين فيها أبدا. ~~وقوله تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا ms0398 اذكروا نعمة ~~الله عليكم } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم ~~المدينة - وصالح بني قريظة، وبني النضير وهما قبيلتان بقرب المدينة، وأخذ ~~منهم الميثاق بأن لا يكون بينهم القتال، وأن يتعاونوا فيما بينهم على ~~الديات، فدخل مستأمنان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجا من ~~عنده فقتلهما «عمرو بن أمية الضمري»، ولم يعلم بأنهما مستأمنان، فوداهما ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدية حرين مسلمين فخرج رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير ليستعين بهم ~~في ديتهما، فقالوا: مرحبا حتى نستأذن إخواننا من بني قريظة. وقال في ~~رواية الكلبي خرج إلى بني قريظة، فقالوا: حتى نستأذن إخواننا من بني ~~النضير، وأدخلوهم دارا وأجلسوهم في صفة، وجعلوا يجمعون السلاح، وهموا ~~بقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وكانوا ينتظرون كعب بن ~~الأشرف، وكان غائبا، فنزل جبريل وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقصة وخرج، فلما أبطأ الرجوع قام أبو بكر فخرج، ثم خرج عمر ثم خرج علي ~~رضي الله عنهم، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين ءامنوا ~~اذكروا نعمة الله عليكم } ، { إذ هم قوم أن ~~يبسطوا إليكم أيديهم } يقول: أرادوا وتمنوا أن يمدوا ~~أيديهم إليكم بالقتل، { فكف أيديهم عنكم } بالمنع. قال ~~الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا ~~نصير بن يحيى، قال: حدثنا أبو سليمان، عن محمد بن الحسن عن محمد بن عبد ~~الله عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - خرج إلى بني النضير ليستعين بهم في دية الكافرين اللذين ~~قتلهما «عمرو بن أمية الضمري»، فهم بنو النضير بقتل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فسار إليهم فحاصرهم وأمر ~~بقطع النخيل وحاصرهم حتى قالوا: أتؤمننا على دمائنا وذرارينا، وعلى ما ~~حملت الإبل إلا الحلقة، يعني السلاح، قال: نعم، ففتحوا الحصون وأجلاهم ~~إلى الشام، فهذا الخبر موافق رواية مقاتل، أنه ms0399 خرج إلى بني النضير. # وقال الضحاك: كان سبب نزول هذه الآية: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خرج ذات ليلة إلى البقيع، إلى قبور الشهداء وحده فأتاه رجل من اليهود ~~شديد محارب، فقال: إن كنت نبيا كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء ~~لا يبخلون، فأعطاه سيفه، فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به، فلم يجترىء ~~للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه ثم رد عليه السيف، فنزل: { يا ~~أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم } ~~ثم قال: { واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون }. ففي الآية مضمر، فكأنه قال: فاتقوا الله، وتوكلوا على ~~الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على ~~الله ويثقوا بالنصر لهم. ### || [5.12-14] # قوله تعالى: { ولقد أخذ الله ميثق بني إسرءيل } ~~يعني في التوراة من الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه، وأن يعملوا بما في ~~التوراة، ثم قال: { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } قال ~~مقاتل: يعني شهداء على قومهم بعث الله تعالى من كل سبط منهم رجلا، ~~ليأخذ كل رجل منهم على سبطه الميثاق، يكونوا شهداء على قومهم. وروى ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد { وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } قال: ~~من كل سبط من بني إسرائيل رجلا، أرسلهم موسى - عليه السلام - إلى ~~الجبارين، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم ~~إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبة منه خمسة أنفس ~~أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهون سبطهم عن القتال إلا يوشع بن نون، ~~وكالب بن يافت ويقال: كالوب بن يوقنا، أمرا قومهما بالقتال. وقال القتبي: ~~النقيب، الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبه العرافة، ويقال: ~~نقيبا، يعني أمينا، وقال ابن عباس: نقيبا يعني ملكا، حين بعثهم موسى ~~إلى بيت المقدس، جعل موسى - عليه السلام - عليهم اثني عشر ملكا، على كل ~~سبط منهم ملك. { وقال الله } تعالى للنقباء { إني معكم } ، ~~ويقال: قال الله لبني إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق في التوراة { إني ~~معكم } أي معينكم وحافظكم، وناصركم { لئن أقمتم الصلوة ms0400 ~~} يعني: ما دمتم أقمتم الصلاة { وآتيتم الزكاة وآمنتم ~~برسلي } يعني صدقتم برسلي { وعزرتموهم } يعني أعنتموهم. ~~وقال القتبي: أي عظمتموهم، والتعزيز التعظيم. وقال السدي: يعني نصرتموهم ~~بالسيف. وقال الأخفش: يعني وقرتموهم وقويتموهم. وقال الضحاك: ~~شرفتموهم بالنبوة كما شرفهم الله تعالى. ويقال: آمنتم برسلي: أي أمرتم ~~قومكم حتى يؤمنوا برسلي، ونصرتموهم { وأقرضتم الله قرضا ~~حسنا }. أي تأمرون قومكم بذلك ثم بين جزاءهم وثوابهم إن فعلوا ذلك ~~فقال: { لأكفرن } أي لأمحون { عنكم سيئتكم } يعني ~~ذنوبكم { ولأدخلنكم جنت تجري من تحتها ~~الأنهر } ثم قال { فمن كفر بعد ذلك } العهد والميثاق { ~~منكم فقد ضل سواء السبيل } يعني أخطأ قصد الطريق. ثم ~~قال عز وجل: { فبما نقضهم ميثقهم } يعني لما أخذ عليهم ~~الميثاق، نقضوا الميثاق فبنقضهم ميثاقهم { لعنهم } أي لعنهم الله، ~~يعني طردهم من رحمته ويقال: { لعنهم } يعني عذبناهم بالمسخ، ~~ويقال: بالجزية، ثم قال: { وجعلنا قلوبهم قاسية } يعني ~~يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان. قرأ حمزة والكسائي (قسية) بغير ~~ألف، وقرأ الباقون (قاسية) ومعناهما واحد. ويقال: قست فهي قاسية وقسية ثم ~~قال: { يحرفون الكلم } والكلم جمع كلمة، يعني يغيرون صفة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - { عن موضعه } ، يعني في كتابهم مما وافق ~~القرآن، يعني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم، ويقال: ~~استحلوا ما حرم الله تعالى عليهم، ولم يعملوا به فكان ذلك تغيير الكلم عن ~~مواضعه. # ثم قال: { ونسوا حظا } يعني: تركوا نصيبا { مما ذكروا ~~به } يعني: مما أمروا به في كتابهم { ولا تزال تطلع على ~~خائنة منهم } يعني لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد. # وقال القتبي: عن أبي عبيدة: إن العرب تضع لفظ الفاعل في موضع المصدر ~~كقولهم للخوان: مائدة، وإنما يميد بهم ما في الخوان فيجوز أن يكون الهاء ~~صفة للخائن كما يقال: رجل طاغية، ورواية للحديث، ثم قال: { إلا ~~قليلا منهم } يعني: مؤمنيهم لم ينقضوا العهد { فاعف عنهم ~~} يعني اتركهم ولا تعاقبهم { واصفح } عنهم يعني أعرض عنهم { إن ~~الله يحب المحسنين } الذين يعفون عن الناس وهذا قبل ms0401 الأمر ~~بقتال أهل الكتابين قوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا ~~نصرى } وذلك أن الله تعالى لما ذكر حال اليهود، ونقضهم الميثاق ~~فقال على أثر ذلك، إن النصارى لم يكونوا أحسن معاملة من اليهود ثم بين ~~معاملتهم فقال: { ومن الذين قالوا: إنا نصرى } { ~~أخذنا ميثقهم } في الإنجيل بأن يتبعوا قول محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - { فنسوا حظا مما ذكروا به } يعني تركوا ~~نصيبا مما أمروا به في الإنجيل من اتباع قول محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ويقال: نقضوا العهد كما نقض اليهود، ويقال: إنما سموا أنفسهم النصارى ~~لأنهم نزلوا قرية يقال لها «ناصرة» نزل فيها عيسى - عليه السلام - فنزلوا ~~هناك، وتواثقوا بينهم، ويقال: إنما سموا النصارى لقول عيسى: # من أنصارى إلى الله # [آل عمران: 52]. قال الحواريون نحن أنصار الله ثم قال: { فأغرينا ~~بينهم العداوة } يعني ألقينا بينهم العداوة { والبغضاء } ~~ويقال: الإغراء في أصل اللغة: الإلصاق، يقال: أغريت الرجل إغراءا إذا ~~ألصقت به. ويقال: إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له ~~«بولس» كان بينه وبين النصارى قتال وكان يهوديا فقتل منهم خلقا كثيرا، ~~فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال، ليقتل بعضهم بعضا، فجاء إلى ~~النصارى وجعل نفسه أعور، وقال لهم: أتعرفوني؟ فقالوا أنت الذي قتلت منا، ~~وفعلت ما فعلت، فقال: قد فعلت ذلك كله وأنا تائب لأني رأيت عيسى بن مريم ~~في المنام، نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني، فقال: أي شيء تريد ~~من قومي؟، فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم وأعلمكم شرائع ~~دينكم كما علمني عيسى في المنام، فاتخذوا له غرفة فصعد تلك الغرفة وفتح ~~كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون ~~إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا، ويناديهم ~~من تلك الكوة، ويقول لهم بقول، كان في الظاهر منكرا، وينكرون عليه، فكان ~~يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك فانقادوا كلهم له، وكانوا يقبلون قوله ~~بما يأمرهم به، فقال لهم يوما من الأيام: اجتمعوا قد ms0402 حضرني علم، ~~فاجتمعوا، فقال لهم: أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها ~~لمنفعة بني آدم؟ قالوا: نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء؟ ~~يعني الخمر والخنزير، وقد خلق لكم ما في الأرض جميعا، فأخذوا بقوله ~~واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام، دعاهم، وقال: حضرني علم ~~فاجتمعوا، وقال لهم: من أي ناحية تطلع الشمس؟ فقالوا: من قبل المشرق، ~~فقال: ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم؟ فقالوا: من قبل المشرق. # فقال: ومن يرسلهم من قبل المشرق؟ قالوا: الله تعالى، فقال: فاعلموا أنه ~~من قبل المشرق، فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما ~~مضى على ذلك أيام، دعا طائفة منهم، وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة، ~~وقال لهم: إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قربانا لأجل عيسى، وقد حضرني ~~علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك، ويقال ~~أيضا: إنه أصبح يوما وفتح عينه الأخرى، ثم دعاهم وقال لهم جاءني عيسى ~~الليلة، وقال: قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل ~~نفسي قربانا، ثم قال لهم هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرىء الأكمه ~~والأبرص إلا الله تعالى؟ فقالوا: لا، فقال إن عيسى قد فعل هذه الأشياء ~~فاعلموا بأنه هو الله، فخرجوا من عنده، ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك ~~أيضا وقال: إنه كان ابنه، ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، ~~وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قربانا فلما كان في بعض الليل ~~خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول: قد علمني كذا ~~وكذا، وقال الفريق الآخر: انت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال ~~فاقتتلوا، وقتلوا خلقا كثيرا وبقيت العداوة بينهم { إلى يوم ~~القيمة } وهم ثلاث فرق: فرقة بينهم النسطورية قالوا: المسيح ابن ~~الله، وصنف منهم يقال لهم: الماريعقوبية، قالوا: إن الله هو المسيح، وصنف ~~يقال لهم: الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، المسيح وأمه والله، ~~فأغرى بينهم ms0403 العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ويقال: ألقى بينهم العداوة ~~بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال وقال معاوية بن قرة: ~~إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال. ثم قال: { وسوف ~~ينبئهم الله بما كانوا يصنعون } يعني ينبئهم في ~~الآخرة الذي هو على الحق. ### || [5.15-17] # ثم قال عز وجل: { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } يعني ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - { يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتب } يعني يكتمون ما بين في التوراة، ~~وذلك أنهم كتموا آية الرجم، وتحريم الخمر، وأكل الربا، ونعت محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { ويعفوا عن كثير } يعني يتجاوز عن كثير، ولا ~~يخبركم به وذكر أن رجلا من أحبارهم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فسأله فقال: ما هذا الذي عفوت عنا؟ فأعرض عنه رسول الله - صلى الله ~~عليه - صلى ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه، أنه لم ~~يترك شيئا، وقد بينه كله فلما لم يبين له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -قام من عنده وذهب وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول، لأنه كان ~~وجد في كتابه، أنه لا يبين له ما سأله. ثم قال تعالى: { قد جاءكم ~~من الله نور } يعني ضياء من الضلالة وهو محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - والقرآن والنور هو الذي يبين الأشياء، ويرى الأبصار حقيقتها، ~~فيسمى القرآن نورا، لأنه يقع في القلوب مثل النور، لأنه إذا وقع في قلبه ~~يبصر به، ثم قال: { وكتب مبين } يعني القرآن يبين لكم الحق من ~~الباطل. قوله تعالى: { يهدي به الله } يعني بالقرآن { من ~~اتبع رضوانه } يعني من طلب الحق ورغب فيه، { سبل ~~السلم } يعني دين الله الإسلام، والسبل، جماعة السبيل، وهو الطريق، ~~يعني به طريق الهدى، والسلام اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، يعني هو ~~دين الله وتعالى. ثم قال: { ويخرجهم من الظلمت إلى ~~النور بإذنه } يعني يخرج من قلوبهم حلاوة الكفر، ويدخل فيها ~~حلاوة الإيمان ويوفقهم لذلك { ويهديهم إلى صرط مستقيم ~~} يعني يوفقهم إلى دين ms0404 الإسلام قوله تعالى: { لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم } ثم قال الله ~~تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: { قل فمن يملك من الله ~~شيئا } يقول: من يقدر أن يمنع من عذاب الله شيئا { إن أراد أن ~~يهلك المسيح ابن مريم وأمه، ومن في الأرض ~~جميعا } يعني لو أراد الله أن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق، ولا يقدر ~~عيسى على رد ذلك. فكيف يكون إلها وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه، ~~ثم قال: { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما ~~} يعني خزائن السموات والأرض، وجميع الخلق عبيده وإماؤه، وحكمه نافذ ~~فيهم، ثم قال: { يخلق ما يشاء } لأن نصارى أهل نجران كانوا ~~يقولون: لو كان عيسى بشرا كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على ~~أن يخلق خلقا بغير أب. { والله على كل شيء قدير } من خلق ~~عيسى وغيره. ### || [5.18-19] # قوله تعالى: { وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء ~~الله وأحباؤه } يعني نحن من الله تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء، ~~في المنزلة والكرامة، والوالد إذا سخط على ولده في وقت، يرضى عنه في وقت ~~آخر. ويقال: معناه نحن أبناء الله وأحباؤه. قال الله تعالى لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { قل فلم يعذبكم بذنوبكم } يعني يحرقكم، ~~لأنهم كانوا مقرين بأنه يحرقهم أربعين يوما، أياما معدودة، قل لهم فهل ~~رأيتم والدا يحرق ولده، أو يحرق محبه، ففي الآية دليل: أن الله ~~تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه ولا يعذبه بذنوبه، لأنه احتج عليهم فقال: ~~{ فلم يعذبكم } إن كنتم أحباء الله تعالى وقال في آية أخرى # إن الله يحب التوبين ويحب المتطهرين # [البقرة: 222]، ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا ~~المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى # إن الله يحب الذين يقتلون في سبيله صفا # [الصف: 4] ثم قال { بل أنتم بشر ممن خلق } يعني أنتم ~~لستم بأبناء الله، ولا أحبائه، ولكن أنتم خلق كسائر خلق الله تعالى، ثم ~~قال: { يغفر لمن يشاء } أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه { ~~ويعذب من ms0405 يشاء } فيهينه ويتركه على الكفر { ولله ملك ~~السموات والأرض وما بينهما } من الخلق { وإليه ~~المصير } يعني إليه المرجع، فيجزيهم بأعمالهم. قوله تعالى: { يا ~~أهل الكتب } يعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما أضافهم إلى ~~الكتاب - والله أعلم - على وجه التعبير، يعني أنتم أهل الكتاب فلم لا ~~تعملون بكتابكم؟ كقوله: يا عاقل، لم لا تفعل كذا وكذا، وإنما تذكر العقل ~~على معنى التعيير، أي إنك لا تعمل عمل العقلاء ثم قال: { قد جاءكم ~~رسولنا } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - { يبين لكم } ~~الدين والأحكام والشرائع { على فترة من الرسل } يعني بعد ~~انقطاع من الرسل والوحي، وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، معناه قد ~~جاءكم رسولنا على فترة من الرسل، يبين لكم، وإنما سمي فترة لأن الدين ~~يفتر ويندرس عند انقطاع الرسل، يعني بين عيسى ومحمد - عليهما السلام - ~~وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد - عليهما السلام - خمسمائة وستون سنة. ~~وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة وقال الضحاك ومقاتل: كان بينهما ستمائة ~~سنة. وقال وهب: كان بينهما ستمائة وعشرون سنة. ثم قال: { أن تقولوا ~~ما جاءنا من بشير ولا نذير } يعني لكي لا تقولوا ما جاءنا ~~من رسول بعد ما درس الدين ليبشرنا وينذرنا { فقد جاءكم } محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - { بشير } بالجنة { ونذير } من النار { ~~والله على كل شيء قدير } من المغفرة والعذاب وبعث الرسل. ### || [5.20-26] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه: يقوم اذكروا ~~نعمة الله عليكم } يعني احفظوا منة الله عليكم، ونعمته، { ~~إذ جعل فيكم أنبياء } قال في رواية الكلبي: يعني السبعين، ~~سوى موسى وهارون عليهما السلام وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى ~~الجبل. ويقال: { إذ جعل فيكم أنبياء } يعني في بني إسرائيل، ~~فكان فيهم أربعة آلاف نبي - عليهم السلام - ثم قال: { وجعلكم ~~ملوكا } يعني بعد العبودية لفرعون. قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم ~~يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~أنه قال: { وجعلكم ملوكا } أي جعل لكم أزواجا وخدما وبيوتا ~~وبنين ويقال: ms0406 من استغنى عن غيره فهو ملك. # وهذا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له ~~الدنيا " # ثم قال: { وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين } ~~يعني أعطاكم ما لم يعط أحدا من الخلق، وهو المن والسلوى، والغمام، وغير ~~ذلك ثم قال عز وجل: { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة } ~~[يعني المطهرة، والمقدسة] في اللغة: هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله ~~البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب، ثم قال: { التي كتب ~~الله لكم } يعني التي أمركم الله أن تدخلوها ويقال: التي وعد ~~لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له ~~مقدار ما يمد بصره (فصار ذلك ميراثا منه حين خرج إبراهيم - عليه السلام ~~- فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم، فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ~~ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك) وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما. فقال ~~موسى لقومه: { ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم } يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم - عليه السلام - ولكم ميراث منه. # وقال القتبي: أصل الكتاب، ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع ~~منه المعاني، ويقال كتب، يعني، قضى كما قال: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض، كما قال: { كتب عليكم ~~الصيام } أي فرض ويقال: { كتب عليكم } أي جعل كما قال: # فاكتبنا مع الشهدين # [المائدة: 83 وغيرها] ويقال: كتب أي أمر كما قال { ادخلوا الأرض ~~المقدسة التي كتب الله لكم } يعني أمر الله لكم ~~بدخولها. قال: ويقال كتب ها هنا بمعنى جعل. ثم قال تعالى: { ولا ~~ترتدوا على أدبركم } يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من ~~الدخول { فتنقلبوا } أي فتصيروا { خسرين } بفوات الدرجات ~~ووجوب الدركات أي مغبونين في العقوبة. فبعث موسى - عليه السلام - اثني ~~عشر رجلا، من كل سبط رجلا يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض ~~أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل، رجلين من ms0407 أصحاب ~~موسى - عليه السلام - في كمه حتى جاءوا بهم إلى الملك، ويقال: لقيهم رجل ~~واحد اسمه «عوج»، فاحتملهم في ثوبه، وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك؛ ~~فنظر إليهم، وقال هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا، فأراد قتلهم، فقالت ~~امرأته (ايش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء)؟ ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم ~~وأمر هذه البلدة، فأنعم عليهم، ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى ~~وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك، وأعطاهم عنقودا من العنب فحملوه على ~~عمودين فرجعوا إلى موسى - عليه السلام - وقالوا: فيما بينهم لا تخبروا ~~قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى، ~~بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحدا سوى موسى. # فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن ~~يوقنا، فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة. { قالوا يا موسى إن ~~فيها قوما جبارين } قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ~~ونصف. وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعا. وقال الزجاج: الجبار ~~من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد. ثم قال تعالى: { ~~وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها } يعني من تلك ~~البلدة، وهي الأرض المقدسة، واسمها إيلياء، ويقال: مدينة أخرى يقال لها ~~أريحا. { فإن يخرجوا منها فإنا دخلون } { قال ~~رجلان } يعني يوشع بن نون، وكالب { من الذين يخافون } الله ~~تعالى: { أنعم الله عليهما } بالإسلام، ويقال: من الذين ~~يخافون الجبارين، { أنعم الله عليهما } فلم يخافا وصدقا في ~~مقالتهما { ادخلوا عليهم الباب } وهي أريحا أو إيلياء { ~~فإذا دخلتموه فإنكم غلبون } يعني أن القوم إذا ~~أرادوا كثرتكم، انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين، { وعلى ~~الله فتوكلوا } يعني فثقوا بأنه ناصركم { إن كنتم ~~مؤمنين } يعني مصدقين بوعد الله تعالى فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم ~~{ قالوا يا موسى } أتصدق اثنين، وتكذب العشرة { إنا لن ~~ندخلها أبدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا } يعني قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون. وقال أبو ~~عبيدة: يعني اذهب فقاتل، وليقاتل معك ms0408 ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك، ~~فهو يعينك فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة. ويقال: اذهب أنت وربك، يعني أنت ~~وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين { فقاتلا، ~~إنا ههنا قعدون } فغضب موسى - عليه السلام - من قولهم: { ~~قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي } هارون وقال ~~الزجاج: لا أملك إلا نفسي وأخي، يحتمل [معنيين، أحدهما: لا أملك إلا ~~نفسي]، وأخي لا يملك إلا نفسه. # ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي لأن أخاه كان مطيعا له، فهو يملك طاعته. ~~ثم قال: { فافرق بيننا وبين القوم الفسقين } ~~يعني: أقض بيننا وبين القوم العاصين. ثم { قال } الله تعالى: { ~~فإنها محرمة عليهم } يعني الأرض المقدسة دخولها محرم ~~عليهم { أربعين سنة } ثم قال: { يتيهون في الأرض } ~~ضلالا، يعني يتحيرون فيها، ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالا في التيه. ~~ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام، ثم قال: أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيرهم بالليل يسهرون ليلتهم، ~~ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وايلة ست فراسخ في اثني عشر ~~فرسخا، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها. قال بعضهم: ~~لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون، ~~وقال بعضهم: كانا فيه، وسهل الله تعالى عليهما، كما سهل على إبراهيم - ~~عليه السلام - النار وجعلها بردا وسلاما. ويقال: إن موسى وهارون قد ~~ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبق منهم إلا يوشع وكالب، فخرج ~~يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة وفتحوها عند غروب الشمس. وذكر في الخبر أن ~~يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت ~~النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم. فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ~~ندم موسى على دعائه. فأوحى الله تعالى إليه: { فلا تأس على ~~القوم الفسقين } يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين. وقال ~~بعضهم: هذا الخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا تحزن على قومك إن لم ~~يؤمنوا. ويقال: { أربعين سنة ms0409 } صار نصبا بمعنى يتيهون، لأن في ~~التفسير إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبدا (كذا قاله ابن عباس - رضي ~~الله عنه - وإنما دخلها أولادهم. وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا ~~يتيهون أربعين سنة، وفتحوا. ### || [5.27-31] # قوله تعالى: { واتل عليهم } يعني اقرأ على قومك { نبأ } يعني ~~خبر { ابني ءادم بالحق } يعني بالصدق { إذ قربا ~~قربنا } وذلك أن حواء - عليها السلام - ولدت غلاما وجارية في بطن ~~واحد، قابيل وأخته إقليما، ثم ولدت في بطن آخر هابيل وأخته ليوذا، فلما ~~كبروا أمر الله تعالى بأن يزوج كل واحد منهما أخت صاحبه، وكانت أخت قابيل ~~أحسن فأبى قابيل وقال: بل زوج كل واحد منا أخته، فقال آدم: إن الله تعالى ~~أمرني بذلك، فقال له قابيل: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا، ولكنك تميل إلى ~~هابيل، فأمرهما بأن قربا قربانا، فأيكما تقبل قربانه، كان أحق بها فعمد ~~قابيل، وكان صاحب زرع إلى شر زرعه، ووضعه عند الجبل وعمد قابيل، وكان ~~صاحب مواشي إلى خير غنمه، فوضعها عند الجبل، وكان قابيل يضمر في قلبه أنه ~~إن تقبل منه أو لم يتقبل لا يسلم إليه أخته، فنزلت نار من السماء فأكلت ~~قربان هابيل، وكان ذلك علامة القبول، وتركت قربان قابيل، فذلك قوله: إذ ~~قربا قربانا يعني وضعا قربانا { فتقبل من أحدهما } يعني ~~هابيل { ولم يتقبل من الآخر } يعني قابيل، ف { قال } ~~قابيل لهابيل { لأقتلنك قال } ولم؟ قال: لأن الله قد قبل ~~قربانك، ورد علي قرباني، فقال له هابيل: { إنما يتقبل الله ~~من المتقين } ولم يكن الذنب مني، وإنما لم يتقبل منك لخيانتك ~~وسوء نيتك. وقال بعض الحكماء: العاقل من يخاف على حسناته، لأن الله تعالى ~~قال: { إنما يتقبل الله من المتقين } والخاسر من ~~يأمن من عذاب الله لأن الله تعالى قال: # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخسرون # [الأعراف: 99]. قوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك } يعني ~~هابيل قال لقابيل، لئن مددت إلي يدك { لتقتلني ما أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العلمين } ثم قال: ms0410 { إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك } يعني، إني أريد أن ترجع بإثمي، يعني بقتلك إياي، وبإثمك ~~الذي عملت قبل قتلي وهي الخيانة في القربان وغيره. ويقال: إني أريد أن ~~ترجع بإثمي يعني أن لا أبسط يدي إليك، لترجع أنت بإثمي وإثمك، ولا يكون ~~علي من الإثم شيء. ويقال: معناه إني أريد أن تؤخذ بإثمي وإثمك { ~~فتكون من أصحب النار } يعني لكي لا يكون من أصحاب النار { ~~وذلك جزاء الظلمين } قال الله تعالى: { فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه } يعني تابعت له نفسه على قتل أخيه، (ويقال: ~~انقادت له طاعة نفسه. وقال قتادة: زينت له نفسه بقتل أخيه) { فقتله ~~}. قال بعضهم: إنه كان لا يدري كيف يقتله، حتى جاء إبليس فتمثل عنده ~~برجلين فأخذ أحدهما حجرا ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله فتعلم ذلك منه. # وقال بعضهم: بل كان يعرف ذلك بطبعه، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه ~~يعلم بطبعه أن النفس فانية ويمكن إتلافها، فأخذ حجرا وقتله بأرض الهند، ~~فلما رجع إلى آدم قال له: ما فعلت بهابيل، فقال له قابيل: أجعلتني رقيبا ~~على هابيل؟ فذهب حيث يشاء، فبات آدم تلك الليلة محزونا، فلما أصبح قابيل ~~رجع إلى الموضع الذي قتله، فرأى غرابا وقال بعضهم: كان يحمله على عاتقه ~~أياما لا يدري ما يصنع به؟ حتى رأى غرابا ميتا، فجاء غراب آخر، وبحث ~~التراب برجليه، ودفن الغراب الميت في التراب فذلك قوله تعالى: فقتله { ~~فأصبح من الخسرين } يعني فصار من المغبونين في العقوبة. ~~قوله تعالى: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض } وقابيل ~~ينظر إليه وقال القتبي: هذا من الاختصار، ومعناه، بعث غرابا يبحث التراب ~~على غراب الميت { ليريه كيف يواري سوأة أخيه } يعني ~~كيف يغطي عورة أخيه { قال } قابيل عند ذلك: { يويلتا أعجزت ~~} يعني أضعفت في الحيلة { أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوأة أخي } يعني فأغطي عورة أخي، { فأصبح من ~~الندمين } على حمله حيث لم يدفنه حين قتله. قال ابن عباس: ولو ~~كانت ندامته على قتله، لكانت الندامة توبة ms0411 منه، ويقال: إن آدم وحواء أتيا ~~قبره، وبكيا أياما عليه، ثم إن قابيل كان على ذروة جبل فنطحه ثور فوقع ~~على السفح، فتفرقت عروقه. ويقال: دعا عليه آدم فانخسفت به الأرض. وقال ~~مقاتل: كان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم فلما قتل قابيل أخاه ~~هربوا، فحلقت الطيور بالهواء، والوحوش بالبرية، والسباع بالغياض، فتزوج ~~شيث - عليه السلام - بإقليما. وروي عن عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " لا تقتل نفس ظلما، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه ~~أول من سن القتل " # وقال بعضهم: هذه القصة كان في بني إسرائيل وهما أخوان قتل أحدهما الآخر، ~~ولكن هذا خلاف قول المفسرين. ### || [5.32-34] # قال الله تعالى: { من أجل ذلك } يعني من أجل خيانة ابن آدم حين ~~قتل أخاه، { كتبنا } يعني فرضنا { على بني إسرءيل } ~~وغلظنا وشددنا في التوراة { أنه من قتل نفسا بغير ~~نفس } يعني قتل نفسا بغير أن يقتل نفسا { أو فساد في الأرض ~~} يعني بغير فساد في الأرض، وهو الشرك بالله. { فكأنما قتل ~~الناس جميعا }. يعني إذا قتل نفسا بغير جرم، واستحل قتله، فكأنه ~~قتل الناس جميعا يعني إذا قتل نفسا فجزاؤه جهنم خالدا فيها. ثم قال: { ~~ومن أحيها } يعني نجاها من غرق، أو حرق، أو يعفو عن القتل { ~~فكأنما أحيا الناس جميعا } يعني له من الأجر كأنما أحيا ~~الناس جميعا، لأن في حياة نفس واحدة يكون منفعة لجميع الناس، لأنه يدعو ~~لجميع الخلق، ثم قال: { ولقد جاءتهم رسلنا بالبينت ~~} يعني بالبيان في الأمر والنهي { ثم إن كثيرا منهم بعد ~~ذلك } البيان { في الأرض لمسرفون } يعني لمشركون تاركون ~~لأمر الله تعالى. قوله تعالى: { إنما جزاء الذين يحاربون ~~الله ورسوله } إن للتأكيد، وما: صلة يحاربون الله ورسوله، يعني ~~يخالفون الله ورسوله، ويتركون أمر الله وأمر رسوله مجاهرة وعيانا { ~~ويسعون في الأرض فسادا } بالقتل وأخذ المال. { أن ~~يقتلوا أو يصلبوا }. قال مقاتل: # " نزلت هذه الآية في سبعة نفر من بني عرينة، قدموا المدينة فاجتووها. ~~فقال ms0412 النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو خرجتم إلى إبلنا وأصبتم من ~~ألبانها وأبوالها " # ، ففعلوا فصحوا، ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وساروا بالإبل وارتدوا عن ~~الإسلام، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في آثارهم عليا، فأتى بهم، ~~فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا، وهذا قبل ~~أن تنزل آية الحدود. وروى أسباط عن السدي قال: نزلت في سودان عرينة، ~~فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمثل بهم فنهاه الله تعالى عن ذلك ~~وأمره أن يقيم فيهم الحد الذي أنزل عليه. وقال سعيد بن جبير أنه مثل بهم ~~ثم نزل بعد ذلك: { إنما جزاء الذين يحاربون الله } ~~الآية. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وادع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، ~~ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ومن أتى المسلمين منهم فهو آمن فمر أناس ~~من بني كنانة يريدون الإسلام، فمروا بأصحاب أبي بردة ولم يكن أبو بردة ~~حاضرا يومئذ فخرج أصحابه إليهم، فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزلت هذه ~~الآية: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله.. ~~} الآية. ثم صارت الآية عامة في جميع الناس. واختلف العلماء في حكمهم: ~~وهم قطاع الطريق وهم ثلاثة أصناف: صنف يأخذ المال ولا يقتل، وصنف يأخذ ~~المال ويقتل، وصنف يقتل ولا يأخذ المال، قال بعضهم: إذا وجد من إنسان صنف ~~من هذه الأصناف فللإمام أن يقيم عليه أي عقوبات شاء، لأن الله تعالى قال: ~~{ أن يقتلوا، أو يصلبوا. # .. } فقد خير في عقوبتهم وهو قول الحسن وعطاء. وقال بعضهم: لكل صنف ~~عقوبة على حدة. والاختيار عند أصحابنا رحمهم الله أنه إن أخذ المال ولم ~~يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن قتل ولم يأخذ المال: قتل، وإن قتل وأخذ ~~المال: قطع وقتل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يقتل ~~ولا يقطع. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إن قتل قتل، وإن قتل وأخذ ~~المال قطع ثم صلب. وروي ms0413 عن ابن عباس نحو هذا ويكون أو بمعنى الواو فكأنه ~~قال: أن يقتلوا ويصلبوا { أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلف }. وقال بعضهم: يقتل ثم يصلب على وجه النكال والعبرة. ~~وقال بعضهم: يصلب حيا ثم يطعن في ليته، يخضخض حتى يموت. قوله تعالى: { ~~أو ينفوا من الأرض } يعني يطلب حتى لا يجد قرارا في موضع ~~ويقال: { ينفوا من الأرض } يعني يحبس فينفى من سعة الدنيا إلى ~~ضيقها، فصار كأنه نفي عن الأرض. واحتج هذا القائل بقول بعض أهل السجن في ~~ذلك: # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها # فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا # إذا جاءنا السجان يوما لحاجة # عجبنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا # ويقال: ينفى إلى دار الحرب. ثم قال تعالى: { ذلك لهم خزي في ~~الدنيا } يعني ذلك القتل والقطع لهم عذاب وعقوبة في الدنيا ولا يكون ~~ذلك كفارة لذنوبهم إن لم يتوبوا { ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم } أي أشد مما كان في الدنيا وهو عذاب النار. ثم استثنى فقال ~~تعالى: { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم } يعني رجعوا عن صنيعهم قبل أن يؤخذوا ويردوا المال فلا ~~يعاقبون في الدنيا ولا في الآخرة ويغفر الله تعالى لهم ذنوبهم وذلك قوله: ~~{ فاعلموا أن الله غفور رحيم } غفور لذنوبهم رحيم حين ~~قبل توبتهم. ### || [5.35-37] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } يعني ~~احذروا المعاصي لكي تنجوا من عذاب الله { وابتغوا إليه ~~الوسيلة } يعني اطلبوا القرابة والفضيلة بالأعمال الصالحة. { ~~وجهدوا في سبيله } يعني في طاعته. ويقال: جاهدوا العدو { ~~لعلكم تفلحون } أي لكي تنجوا من العقوبة وتنالوا الثواب. قوله ~~تعالى: { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم ~~القيمة } يقول: إن الكافر إذا عاين العذاب ثم تكون له الدنيا ~~جميعا ومثلها معها، فيقدر على أن يفتدي بها من العذاب لافتدى بها، يقول ~~الله تعالى لو كان ذلك لهم ففعلوه { ما تقبل منهم } ذلك النداء ~~{ ولهم عذاب أليم } أي وجيع ثم قال تعالى: ms0414 { يريدون أن ~~يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها } وذلك أنهم ~~يريدون أن يخرجوا من الأبواب فتستقبلهم الملائكة فيضربونهم بمقامع من ~~حديد، ويردونهم إليها { ولهم عذاب مقيم } دائم أبدا. وروي عن ~~جابر بن عبد الله أنه قال: إن قوما يخرجون من النار بعدما يدخلونها، قيل ~~له: سبحان الله أليس الله يقول: { يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخرجين منها }؟ فقال جابر: (اقرأوا - إن ~~شئتم - أول الآية { إن الذين كفروا } يعني هذا للكفار خاصة ~~دون العاصين من المؤمنين). ### || [5.38-39] # قوله تعالى: { والسارق والسارقة } بدأ بالرجل لأن السرقة في ~~الرجال أكثر، وقال في الزنا: { الزانية والزاني } بدأ بالنساء ~~لأن الزنا في النساء أكثر، وهن الفاتنات للرجال { فاقطعوا ~~أيديهما } روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ: ~~(فاقطعوا أيمانيهما) وغيره قرأ: أيديهما، واتفقوا أن المراد به اليمين من ~~الكرسوع: نزلت الآية في «طعمة بن أبيرق»، ثم صارت الآية عامة في ~~جميع السراق. وقال بعضهم: إذا سرق قليلا أو كثيرا يجب القطع واحتج ~~لظاهر الآية. روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " # وروي عن ابن الزبير أنه قطع في نعل ثمنه درهم، وقال: لو سرق خيطا ~~لقطعته. وقال بعضهم: لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم أو ربع دينار فصاعدا ~~والاختيار عند علمائنا رحمهم الله: أن اليد لا تقطع في أقل من عشرة دراهم ~~وبه جاءت الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة رضي الله ~~عنهم. قرأ بعضهم (السارق والسارقة) بالنصب وكذلك قوله: (الزانية والزاني) ~~بالنصب، وإنما جعله نصبا لوقوع الفعل عليه - وهو شاذ من القراءة ~~والقراءة المعروفة بالرفع. # وروي عن محمد بن يزيد المبرد أنه قال: رفعه بالابتداء لأن القصد ليس إلى ~~واحد من السراق بعينه [والزناة بعينه] إنما هو كقولك: من سرق فاقطعوا ~~يده، ومن زنا فاجلدوه. ثم قال: { جزاء بما كسبا } يعني عقوبة ~~لهما ms0415 بما سرقا { نكلا } يعني عقوبة { من الله } جزاء: صار ~~نصبا لأنه مفعول له يعني جزاء بجزاء فعلهما ثم قال: { والله عزيز ~~} حكم على السارق بقطع اليد. ثم قال عز وجل: { فمن تاب من بعد ~~ظلمه } يعني من بعد سرقته { وأصلح } العمل بعد السرقة { فإن ~~الله يتوب عليه } يعني: يتجاوز عنه { إن الله غفور } ~~لما سلف من ذنبه { رحيم } به بعد التوبة يعني إذا تاب ورد المال لا ~~تقطع يده. ### || [5.40-41] # ثم قال عز وجل: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السماوات والأرض } يعني خزائن السموات والأرض. يعني: خزائن ~~السموات: المطر وخزائن الأرض: النبات. ويقال: له ملك السموات والأرض ~~يحكم فيها ما يشاء { يعذب من يشاء } إذا أصر على ذنوبه { ~~ويغفر لمن يشاء } إذا تاب ورجع، ومعناه أن السارق إذا تاب ورد ~~المال لا يقطع ويتجاوز عنه وإن لم يتب قطعت يده. ألا ترى أن الله تعالى ~~قال: { له ملك السموات والأرض، يعذب } إذا لم يتب ~~ويتجاوز إذا تاب، فافعلوا أنتم مثل ذلك لأن الله تعالى مع قدرته يتجاوز ~~عن عباده وهو قوله: { والله على كل شيء قدير } من المغفرة ~~والعذاب. قوله تعالى: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } نزلت في شأن «أبي لبابة بن عبد المنذر»، ~~وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حاصر بني قريظة فأشار إليهم ~~أبو لبابة وكان حليفا لهم، إنكم إن نزلتم من حصونكم قتلكم فلا تنزلوا، ~~فنزلت هذه الآية: { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر } أي يبادرون ويقعون في الكفر { من ~~الذين قالوا: ءامنا بأفوههم } يعني ذلك بألسنتهم { ~~ولم تؤمن قلوبهم } في السر. وقال الضحاك نزلت الآية في شأن ~~المنافقين كانت علانيتهم تصديقا، وسرائرهم تكذيبا. قوله تعالى: { ~~ومن الذين هادوا سمعون للكذب } يعني: قوالون للكذب ~~وقال القتبي: تفسير { سمعون للكذب } أي: قابلون للكذب لأن ~~الرجل يسمع الحق والباطل، ولكن يقال: لا تسمع من فلان قولا أي لا ~~تقبله، ومعنى آخر: إنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك لأنهم إنما جالسوه ms0416 لكي ~~يقولوا: سمعنا منه كذا وكذا، وإنما صار { سمعون } رفعا لأن معناه ~~هم { سمعون للكذب } من { سمعون لقوم آخرين } ~~يعني أهل خيبر لم يأتوك وذلك أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا فكرهوا ~~رجمهما فكتبوا إلى يهود بني قريظة: أن يذهبوا بهما إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فإن حكم بالجلد رضوا عنه بحكمه، وإن حكم بالرجم لم ~~يقبلوا، # " وروى نافع عن ابن عمر أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وذكروا له: أن رجلا وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟». فقالوا: يحممان ~~ويجلدان يعني تسود وجوههما فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية ~~الرجم فأتوا بالتوراة، فأتوا بها فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم ~~فقرأ ما قبلها وما بعدها وقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده ~~فإذا فيها آية الرجم فقالوا صدق عبد الله بن سلام يا محمد، فيها آية ~~الرجم فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما " # قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحنو على المرأة يقيها الحجارة. وروى الشعبي ~~عن جابر بن عبد الله أنه قال: # " زنا رجل من أهل فدك فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة، أن ~~يسألوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فإن أمركم بالحد فحدوه وإن ~~أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه فدعا ابن صوريا، وكان عالمهم وكان أعور ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنشدك الله كيف تجدون حد ~~الزاني في كتابكم؟. فقال ابن صوريا: فأما إذ ناشدتني بالله فإنا نجد في ~~التوراة أن النظر زنية والاعتناق زنية، والقبلة زنية فإن شهد أربعة بأنهم ~~رأوه كالميل في المكحلة فقد وجب الرجم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: هو ذلك " # وروي عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذ جاء رجال من اليهود، وقد تشاوروا في صاحب لهم، زنا بعدما أحصن ms0417 ~~قالوا: فانطلقوا فلنسأل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أفتانا ~~بفتوى فيها تخفيف فاحتججنا عند الله تعالى بها، وإن أفتانا بما فرض الله ~~علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك فقد تركنا ذلك في التوراة وهي أحق ~~أن تطاع، فقالوا: يا أبا القاسم: إنه زنى صاحب لنا قد أحصن فما ترى عليه ~~من العقوبة؟ فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقمنا معه، حتى أتى ~~بيت مدراس اليهود فوجدهم يتدارسون التوراة، فقال لهم # " يا معشر اليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام ~~ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنى وقد أحصن»؟ فقالوا: إنا نجد ~~أن يجلد ويحمم، وسكت حبرهم وهو في جانب البيت، فأقبل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - [ينشده فقال له حبرهم إذا ناشدتنا فإنا نجد عليه الرجم فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] كان أول ما ترخصتم به أمر الله تعالى؟ ~~قال: إنه قد زنى رجل قد أحصن وهو ذو قرابة لملك من ملوكنا فسجنه وأخر عنه ~~الحد وزنى رجل آخر فأراد الملك رجمه فجاء قومه وقالوا: لا ترجمه حتى ~~ترجم فلانا فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم وتركوا الرجم. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «فإني أقضي بينكم بما في التوراة " # فنزل قوله تعالى: { ومن الذين هادوا سمعون للكذب، ~~سمعون لقوم ءاخرين } { لم يأتوك يحرفون ~~الكلم من بعد موضعه }. قال الزجاج: يعني: من بعد أن وضعه ~~الله تعالى مواضعه، وأحل حلالة وحرم حرامه { يقولون: إن أوتيتم ~~هذا فخذوه }. # يعني: إن أمركم بالجلد فاقبلوه واعملوا به { وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا } يقولون: إن لم يوافقكم على ما تطلبون ويأمركم بالرجم فلا ~~تقبلوا منه، قال الله تعالى: { ومن يرد الله فتنته } يعني ~~كفره وشركه -. ويقال: فضيحته ويقال: اختباره { فلن تملك له من ~~الله شيئا } يقول لن تقدر أن تمنعه من عذاب الله شيئا. ثم قال: { ~~أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم } ~~من الكفر ولم يرد أن يدخل حلاوة الإيمان في قلوبهم ms0418 وخذلهم مجازاة لكفرهم. ~~{ لهم في الدنيا خزي } يعني القتل والسبي والجزية، وهو قتل ~~بني قريظة، وإجلاء بني النضير، { ولهم في الآخرة عذاب عظيم ~~}. أعظم مما كان في الدنيا. ### || [5.42] # ثم قال تعالى: { سمعون للكذب أكلون للسحت }. ~~قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي (السحت) بضم الحاء، وقرأ الباقون بضمة ~~واحدة، وهما لغتان السحت، والسحت وهو الاستئصال، يقال: أسحته ~~وسحته إذا استأصله، وكانوا يأكلون الرشا وكان عاقبته الاستئصال، ~~فسماه به كما قال: # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] «أي: يأكلون ما عاقبته نار». وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # " كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به، قالوا يا رسول الله وما السحت؟ ~~قال: الرشوة في الحكم. وقال عليه السلام: لعن الله الراشي والمرتشي " # وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: الرشوة حرام في كل شيء؟ فقال: لا إنما ~~يكره من الرشوة، أن ترشو لتعطي ما ليس لك، أو تدفع حقا قد لزمك، فأما ~~إذا أردت أن ترشو لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام. قال الفقيه أبو ~~الليث: وبهذا القول نأخذ، لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة. ~~وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا بدينارين وقال: ~~إنما الإثم على القابض دون الدافع. ثم قال: { فإن جاءوك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } يعني أهل الكتاب إذا خاصموا إليك ~~فأنت بالخيار، إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فأعرض عنهم ولا تحكم بينهم، ثم ~~قال: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن ~~حكمت فاحكم بينهم بالقسط }. يعني بالعدل، وهو الرجم. ~~ولها وجه آخر: أن الصلح كان بينهم أن تكون جراحات بني قريظة نصف من ~~جراحات بني النضير، وفي القتل كذلك، فأمر الله تعالى بأن يحكم بالعدل ~~بينهم، وهو قوله عز وجل: { وإن حكمت فاحكم بينهم ~~بالقسط } { إن الله يحب المقسطين } يعني العادلين ~~في الحكم. وروي عن عكرمة أنه قال: { فإن جاءوك فاحكم بينهم، ~~أو أعرض عنهم }. نسختها آية أخرى: # وأن ms0419 احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدا: 49] وقال مجاهد: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله: { ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } نسختها، # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدا: 49]. وقوله: # لا تحلوا شعائر الله # [المائدة: 2] نسختها، قوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. وقال الزهري: مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ~~ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين حكم الله، فيحكم بينهم ~~بكتاب الله تعالى. وهذا القول، يوافق قول أبي حنيفة، أن لا يحكم بينهم ما ~~لم يتراضوا بحكمنا. ### || [5.43-44] # ثم قال: { وكيف يحكمونك } وكيف يقرون بحكمك { وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله } يعني آية الرجم، وحكم الجراحات، ~~فلم يقروا بها ولا يعملوا بها، { ثم يتولون من بعد ذلك ~~} يعني يعرضون عن العمل به من بعد ما بين الله في كتابهم. ثم قال: { ~~وما أولئك بالمؤمنين } يعني ليسوا بمصدقين بما عندهم، وهم ~~يقولون: نحن نؤمن بالتوراة وهم كاذبون. ثم قال: { إنا أنزلنا ~~التوراة فيها هدى } من الضلالة { ونور } يعني بيان الشرائع ~~والأحكام، يعني حكم الرجم والجراحات { يحكم بها النبيون ~~الذين أسلموا } يعني يقضي بها النبيون الذين أسلموا يعني صدقوا ~~بالتوراة من لدن موسى إلى عيسى، وبينهما ألف نبي، ويقال: أربعة آلاف نبي، ~~ويقال أكثر من ذلك، كانوا يحكمون بما في التوراة { للذين هادوا } ~~يعني كانوا يحكمون لهم وعليهم. ويقال: يحكم بها الأنبياء من لدن موسى إلى ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ولهذا قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالرجم بحكم التوراة. ثم قال تعالى: { والربانيون والأحبار ~~} قال بعضهم: الربانيون: العلماء والأحبار: القراء. ويقال: الربانيون: ~~الذين في العمل أكثر وفي العلم أقل والأحبار الذين في العلم أكثر، وفي ~~العمل أقل، مثل الفقهاء والعباد. ويقال: كالفقهاء والعلماء. # وقال القتبي: كلاهما واحد وهما العلماء. { بما استحفظوا من ~~كتب الله } يعني: علموا واستودعوا من كتاب الله التوراة، { ~~وكانوا عليه شهداء } بما في كتاب الله: الرجم وسائر الأحكام ~~ثم قال: { فلا تخشوا الناس } يعني يهود أهل المدينة لا تخشوا ~~يهود أهل خيبر وأخبروهم بآية ms0420 الرجم { واخشون } في كتمانه { ولا ~~تشتروا بآيتي ثمنا قليلا } يعني عرضا يسيرا ثم قال: { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله } يعني إذا لم يقر، ولم يبين ~~{ فأولئك هم الكفرون } قال ابن عباس من يجحد شيئا من ~~حدود الله فقد كفر ومن أقر ولم يحكم بها فهو فاسق روى وكيع عن سفيان قال: ~~قيل لحذيفة: { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكفرون } نزلت في بني إسرائيل فقال حذيفة ~~نعم الأخوة لكم وبنو إسرائيل كانت لكم كل حلوة، ولهم مرة لتسلكن طريقهم ~~قدر الشراك. يعني هذه الآية عامة فمن جحد حكم الله فهو من الكافرين. ثم ~~بين الحكم الذي في التوراة. ### || [5.45-47] # فقال: { وكتبنا عليهم فيها } يعني فرضنا على بني إسرائيل في ~~التوراة { أن النفس بالنفس } إذا كان القتل عمدا { ~~والعين بالعين } إذا كان عمدا { والأنف بالأنف } إذا ~~كان عمدا { والأذن بالأذن } إذا كان عمدا { والسن ~~بالسن } إذا كان عمدا { والجروح قصاص } إذا كان عمدا. ~~وروى عكرمة عن ابن عباس: أن بني النضير كان لهم شرف على بني قريظة وكانت ~~جراحاتهم على النصف فحملهم على الحق، وجعل دم القرظي والنضيري سواء فقال ~~كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف: لا نرضى بحكمك لأنك تريد أن تصغرنا ~~بعداوتك فنزل: { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكفرون } ثم صارت الآية عامة في جميع الناس ~~في وجوب القصاص في النفس وفي الجراحات. قرأ عاصم وحمزة ونافع: { أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين } والحروف الست كلها ~~بالنصب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر كلها بالنصب غير الجروح فإنهم ~~يقرأونها بالضم على معنى الابتداء وقرأ الكسائي قرأ كلها بالضم إلا ~~النفس. ثم قال: { فمن تصدق به } يعني عفى عن مظلمته في الدنيا ~~وترك القصاص، { فهو كفارة له } قال القتبي: فهو كفارة للجارح ~~وأجر للمجروح. وقال مجاهد: كفارة للجارح، وأجر للعافي. وقال بعضهم: هو ~~كفارة للعافي أي يكفر الله تعالى عنه بعفوه بعض ما سلف من ذنوبه. ويقال: ~~{ كفارة له } أي للجارح يعني إذا ترك ms0421 الولي حقه سقط القصاص عن ~~الجارح. وروى محرر عن أبي هريرة عن رجل من الأنصار قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # " من أصيب بشيء في جسده فتركه لله تعالى كانت كفارة له " # وقال الحسن: ينادي مناد يوم القيامة من كان له على الله أجر فليقم فلا ~~يقوم إلا من قد عفى ثم قال: { ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الظلمون } يعني يظلمون أنفسهم، والظلم هو وضع ~~الشيء في غير موضعه فالذي عرض نفسه للعقوبة فقد وضع الشيء في غير موضعه. ~~قوله تعالى: { وقفينا على ءاثرهم بعيسى ابن مريم ~~} يعني اتبعنا على أثر الرسل عيسى ابن مريم - عليه السلام - { مصدقا ~~لما بين يديه } يعني موافقا لما قبله { من التوراة }. ~~يقال: إن عيسى يصدق التوراة ثم قال: { وآتيناه الإنجيل فيه ~~هدى } من الضلالة { ونور } يعني بيان الأحكام { ومصدقا لما ~~بين يديه من التوراة } يعني الإنجيل موافقا للتوراة في ~~التوحيد وفي بعض الشرائع { وهدى وموعظة للمتقين } الذين ~~يتقون الشرك والفواحش. ثم قال: { وليحكم أهل الإنجيل }. قرأ ~~حمزة: (وليحكم) بكسر اللام ونصب الميم وقرأ الباقون: بالجزم فمن قرأ ~~بالكسر فمعناه، وآتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل { بما أنزل ~~الله فيه } ومن قرأ بالجزم فهو على الأمر والمراد به الخبر عن أمر ~~سبق لهم، يعني أمرهم الله تعالى: أن يحكموا بما في الإنجيل. ثم قال: { ~~ومن لم يحكم بما أنزل الله } يعني في الإنجيل وكان - ~~حكمهم العفو { فأولئك هم الفسقون } يعني: العاصين. ### || [5.48-50] # وقوله تعالى: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق } يعني أنزلنا ~~إليك يا محمد الكتاب بالحق، يعني: بيان الحق، ويقال: بالعرض والحجة ولم ~~ينزله بغير شيء، { مصدقا لما بين يديه من الكتب } ~~يعني موافقا للتوراة والإنجيل والزبور في التوحيد، وفي بعض الشرائع، ثم ~~قال تعالى: { ومهيمنا عليه } يقول: شاهدا على سائر الكتب، بأن ~~الكتاب الأول من الله تعالى، ويقال: (مهيمنا عليه) يعني قاضيا عليه. ~~ويقال: ناسخا لسائر الكتب. وروي عن ابن عباس أنه قال: مؤتمنا على ما ~~قبله. وقال القتبي: أمينا ms0422 عليه. ويقال: ومهيمنا عليه في معنى مؤتمن. ~~إلا أن الهاء أبدلت من الهمزة، كما يقال: هرقت الماء، وأرقته، ~~وإياك، وهياك. ثم قال: { فاحكم بينهم بما أنزل الله } ~~يعني فاحكم بين الناس بما أنزل الله تعالى في القرآن، { ولا تتبع ~~أهواءهم } يعني لا تعمل بأهوائهم ومرادهم { عما جاءك من ~~الحق } يعني لا تترك الحكم بما بين الله تعالى في القرآن من بيان ~~الحق، وبيان الأحكام، ثم قال: { لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهجا } يقول: جعلنا لكل نبي شريعة، والإيمان واحد، ولم يختلف ~~الرسل في الإيمان، وإنما اختلفوا في الشرائع، قال القتبي: الشرعة ~~والشريعة واحد، يعني السنة، والمنهاج: الطريق الواضح، وقال الزجاج: ~~الشرعة والدين والمنهاج: الطريق. وقد قيل: هما شيء واحد، وهو الطريق. ~~ويقال: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجا } معناه فرضت ~~على كل أمة ما علمت أن صلاحهم فيه. ثم قال: { ولو شاء الله ~~لجعلكم أمة وحدة } يعني جعلكم على شريعة واحدة، { ~~ولكن ليبلوكم } ليخبركم { فيما ءاتكم } يعني أمركم من ~~السنن والشرائع المختلفة، ليتبين من يطيع الله فيما أمره ونهاه ومن ~~يعصيه. ثم قال: { فاستبقوا الخيرات } يعني: بادروا بالطاعات ~~وبالأعمال الصالحة، وإلى الصف المقدم، والتكبيرة الأولى، ثم قال: { ~~إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه ~~تختلفون } من الدين والسنن يوم القيامة. فهذا وعيد وتهديد لتستبقوا ~~الخيرات ولا تتبعوا البدعة ولا تخالفوا الكتاب. ثم قال: { وأن احكم ~~بينهم بما أنزل الله } وذلك أن يهود بني النضير قالوا فيما ~~بينهم: اذهبوا بنا إلى محمد - عليه السلام - لعلنا نفتنه عن دينه وإنما ~~هو بشر، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، ~~وسادتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعك اليهود، ولن يخالفونا، وإن بيننا وبين ~~قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، فنؤمن بك فأبى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذلك فنزلت هذه الآية. { وأن احكم بينهم بما ~~أنزل الله } يعني اقض بينهم بما في القرآن. { ولا تتبع ~~أهواءهم } في الحكم { واحذرهم أن يفتنوك } يعني يصرفوك ~~{ عن بعض ما أنزل الله إليك } وقال في ms0423 رواية الضحاك تزوج ~~مجوسي ابنته، فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبت نفقتها، فأمر ~~الله تعالى رسوله أن يفرق بينهما بقوله: { وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله }. # وقال في رواية الكلبي: طلبوا منه بأن يحكم بينهم في الدماء على ما كانوا ~~عليه في الجاهلية فنزل: { وأن احكم بينهم بما أنزل ~~الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك }. ~~قال القتبي: أصل الفتنة الاختبار، ثم يستعمل في أشياء يستعمل في التعذيب ~~كقوله: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت # [البروج: 10]، وكقوله: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] وتكون الفتنة: الشرك كقوله: # وقتلوهم حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193]، وتكون الفتنة: العبرة، كقوله: # لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين # [يونس: 85] وتكون الفتنة الصد عن السبيل، كقوله: { واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }. ثم قال: { فإن ~~تولوا } يعني أبوا أن يرضوا بحكمك { فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم } يعني يعذبهم في الدنيا، ~~قال الكلبي: يعني بالجلاء إلى الشام، والإخراج من دورهم، وقال الضحاك: ~~يعني يريد الله أن يأمر بهم إلى النار بذنوبهم. ثم قال: { وإن ~~كثيرا من الناس } يعني رؤساء اليهود { لفسقون } يعني ~~لكافرون، والفاسق: هو الذي يخرج عن الطاعة. ثم قال: { أفحكم ~~الجهلية يبغون } يعني يطلبون منك شيئا لم ينزله الله إليك ~~في حكم الزنا والقصاص، كما يفعل أهل الجاهلية. قرأ ابن عامر ومن تابعه من ~~أهل الشام: (تبغون) على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون: بالياء على معنى ~~المغايبة. ثم قال: { ومن أحسن من الله حكما } يقول: ومن ~~أعدل من الله قضاء { لقوم يوقنون } يعني يصدقون بالقرآن. ### || [5.51-53] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~اليهود والنصارى أوليآء } في العون والنصرة، وذلك أنه لما ~~كانت وقعة أحد خاف أناس من المسلمين أن يظهروا عليهم الكفار، فأراد من ~~كانت بينه وبين النصارى واليهود صحبة أن يتولوهم ويعاقدوهم، فنهاهم الله ~~تعالى عن ذلك فقال: { لا تتخذوا اليهود والنصرى ~~أولياء } يعني معينا وناصرا { بعضهم أولياء بعض } يعني ~~بعضهم على دين بعض { ومن يتولهم منكم } يعني ms0424 من اتخذ منهم ~~أولياء { فإنه منهم } يعني على دينهم ومعهم في النار، ثم قال { ~~إن الله لا يهدي القوم الظلمين } يعني لا يرشدهم ~~إلى الحجة، ويقال: لا يرشدهم ما لم يجتهدوا ويقصدوا الإسلام. ثم بين حال ~~المنافقين فقال: { فترى الذين في قلوبهم مرض } يعني ~~(شرك) ونفاق { يسرعون فيهم } يقول: يبادرون في معاونتهم ~~[ومعاقدتهم] وولايتهم { يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة } ~~يعني ظهور المشركين. ويقال شدة وجذوبة فاحتجنا إليهم. ويقال: نخشى ~~الدائرة على المسلمين فلا ننقطع عنهم. قال الله تعالى: { فعسى الله ~~أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } يعني نصر محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - الذي أيسوا منه، أو أمر من عنده، يعني من قتل بني ~~قريظة وإجلاء بني النضير، ويقال: الفتح: أي فتح مكة أو أمر من عنده: يعني ~~الخصب. وقال القتبي: الفتح أن يفتح المغلق، ثم قال: النصرة: فتح لأن ~~النصرة يفتح الله بها أمرا مغلقا، كقوله: # فإن كان لكم فتح من الله # [النساء: 141] وكقوله: { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو ~~أمر من عنده } يعني إظهار نفاقهم، { فيصبحوا على ما ~~أسروا في أنفسهم } من النفاق { ندمين } لأن المنافقين ~~لما رأوا من أمر بني قريظة والنضير، ندموا على ما قالوا. ثم قال تعالى: { ~~ويقول الذين ءامنوا } يعني في ذلك الوقت الذي يظهر نفاقهم { ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~يقول: إذا حلفوا بالله فهو جهد اليمين { إنهم لمعكم } على ~~دينكم. قرأ نافع وابن كثير وابن عامر: (يقول الذين آمنوا) بغير واو ~~ومعناه: إن الله تعالى لما بين حال المنافقين بين على أثره حال المؤمنين ~~فقال تعالى: { ويقول الذين آمنوا } يعني قال الذين آمنوا ~~بعضهم لبعض. وقرأ أهل الكوفة حمزة وعاصم والكسائي (ويقول الذين آمنوا) ~~بالواو وضم اللام ومعناه: (عسى الله أن يأتي بالفتح ويندم المنافقون ~~ويقول الذين آمنوا عند ذلك): (هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم) ~~وقرأ أبو عمرو (ويقول) بالواو ونصب اللام عطفا على قوله: { عسى ~~الله أن يأتي بالفتح } وعسى أن يقول الذين آمنوا ثم قال ~~تعالى: { حبطت ms0425 } يعني بطلت { أعملهم } يعني المنافقين الذين ~~كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين، وعلى دينهم ولم يكونوا معهم، حبطت ~~أعمالهم فلا ثواب لهم في الآخرة { فأصبحوا خسرين } يعني ~~صاروا خاسرين في الدنيا وفي الآخرة. ### || [5.54] # قوله تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم ~~عن دينه } قرأ نافع وابن عامر: (ومن يرتدد منكم) بالدالين وقرأ ~~الباقون: بالدال الواحدة مع التشديد، فأما من قرأ: يرتدد فهو الأصل في ~~اللغة، وروي عن أبي عبيدة أنه قال رأيت في مصحف عثمان بن عفان - رضي الله ~~عنه - بالدالين، وأما من قرأ: (يرتد) لأنه أدغم الدال الأولى في الثانية ~~فأسكن الأولى ثم حرك الثانية إلى النصب لالتقاء الساكنين، قال ابن عباس: ~~نزلت هذه الآية في شأن أهل الردة الذين ارتدوا على عهد أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - وذلك أن العرب ارتدوا، وقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله فأما من نعطي من أموالنا بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلا، وخرج مسيلمة الكذاب فغلب على اليمامة وامتنعوا فشاور ~~أبو بكر - رضي الله عنه - أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتالهم ~~فقال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكيف نقاتل قوما وهم يشهدون أن ~~لا إله إلا الله، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى " # ، فقال أبو بكر الصديق: الزكاة من حقها ثم قال: والله لو منعوني عقالا ~~مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه. ~~فاتفقت الصحابة على قول أبي بكر وجمعوا العسكر وجاءهم من قبل اليمن سبعة ~~آلاف رجل، واجتمع ثلاثة آلاف من أفناء الناس فخرجوا وأميرهم «خالد بن ~~الوليد» وقاتلهم، وخرج مسيلمة الكذاب مع أهل اليمامة واجتمع الأعراب معه ~~وكان بينهم قتال شديد فقتل يومئذ من المسلمين مائة وأربعون رجلا ومنهم ~~«ثابت بن قيس بن شماس»، «وسالم مولى أبي حذيفة» وغيرهما فكاد ms0426 المسلمون أن ~~ينهزموا كلهم حتى نصرهم الله وأظهرهم على أعدائه، وقتل مسيلمة الكذاب ~~وأصحابه، وتاب أهل الردة، فذلك قوله تعالى: { فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه } يعني: يحبون الله { أذلة ~~على المؤمنين } يعني: رحيمة لينة على المؤمنين { أعزة على ~~الكفرين } يقول: شديدة غليظة { على الكفرين } يعني أهل ~~اليمن. وروى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا وأرق أفئدة، والإيمان يمان ~~والحكمة يمانة " # وروي عن علي - كرم الله وجهه - أنه قال: { فسوف يأتي الله ~~بقوم } يعني الجند من جنود الله مردا وعونا للخليفة أبي بكر يحبهم ~~الله كحب الوالد لولده أذلة على المؤمنين كالعبد لسيده { أعزة على ~~الكفرين } كالسبع على فريسته. # ويقال: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه هو أبو بكر وأصحابه. وقال ~~الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه وقال الضحاك: هو أبو بكر وأصحابه لما ~~ارتدت العرب جاهدهم حتى ردهم إلى الإسلام وهذا من شمائل أبي بكر حيث ~~اتفقت الصحابة على رأيه وذكر أنه لما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~هم المنافقون أن يظهروا كفرهم وتحير أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عند ذلك حتى جاء عمر، وصعد المنبر فقال: من قال إن محمدا قد مات فأنا ~~أفعل به كذا وكذا بل هو حي حتى يخرج إليكم وقد وعدنا الله تعالى أن يظهره ~~على الدين كله. فجاء أبو بكر فقال له: انزل يا عمر فصعد أبو بكر فقال: من ~~كان يعبد محمدا - عليه السلام - فقد مات محمد - عليه السلام - ومن كان ~~يعبد الله تعالى فهو حي لا يموت ومن أراد أن يرجع عن دينه فليس بيننا ~~وبينه إلا السيف فخاف المنافقون فكتموا نفاقهم وقرأ: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر:30] وقرأ: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل # [آل عمران:144] فقال عمر: كأني لم أكن سمعت هذه الآية. ثم اختلاف آخر ~~كان في دفنه فقال أبو بكر: يدفن حيث مات، فاتفقوا على قوله ثم اختلاف آخر ~~كان في ms0427 سقيفة بني ساعدة في الخلافة فاتفقوا على قوله ثم اختلاف أهل الردة ~~وكلهم اتفقوا على قوله فذلك قوله تعالى: { يجهدون في سبيل ~~الله } يعني في طاعة الله { ولا يخفون لومة لآئم } يعني ~~لا يخافون ملامة الناس بما يعملون من الطاعات { ذلك فضل الله } ~~يعني ذلك توفيق الله { يؤتيه من يشاء } يعني يوفق من يشاء، ويقال ~~ذلك دين الله الإسلام يهدي به من يشاء { والله وسع عليم } يعني ~~واسع الفضل عليم بمن يصلح للهدى. ### || [5.55-56] # قوله تعالى: { إنما وليكم الله ورسوله } وذلك أن عبد ~~الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن اليهود ~~أظهروا لنا العداوة وحلفوا أن لا يخالطونا في شيء ومنازلنا فيهم بعيدة من ~~المسجد ولا نجد محدثا دون هذا المسجد فنزلت هذه الآية { إنما ~~وليكم الله ورسوله } يقول: حافظكم وناصركم الله ورسوله { ~~والذين ءامنوا } فقال: يا رسول الله رضينا بالله ورسوله ~~وبالمؤمنين. وقال الضحاك: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر إلى ~~المدينة أتاه بنو أسد بن خزيمة وهم سبعمائة رجالهم ونساؤهم فلما قدموا ~~المدينة، فقالوا: يا رسول الله اغتربنا وانقطعنا عن قبائلنا، وعشيرتنا ~~فمن ينصرنا؟ فنزل { إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين ءامنوا }. ثم قال: { الذين يقيمون الصلوة ~~ويؤتون الزكوة } قال ابن عباس: وذلك # " أن بلالا لما أذن وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس في ~~المسجد يصلون بين قائم وراكع وساجد فإذا هو بمسكين يسأل الناس فدعاه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم قال: ~~ماذا؟ قال: خاتم فضة، قال: ومن أعطاك؟ قال: ذلك المصلي، قال في أي حال ~~أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع فنظر فإذا هو علي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - فقرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على «عبد الله بن سلام» { ~~الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة } { وهم ~~راكعون } " # يعني يتصدقون في حال ركوعهم حيث أشار بخاتمه إلى المسكين حتى نزع من ~~أصبعه وهو في ركوعه. ويقال يراد به جميع المسلمين أنهم ms0428 يصلون ويؤدون ~~الزكاة ثم قال: { ومن يتول الله ورسوله والذين ~~ءامنوا } يعني يجعل الله ناصره ويجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه { فإن حزب الله } يعني جند الله { هم الغلبون ~~} قال محمد بن إسحق نزلت هذه الآية في «عبادة بن الصامت» حين تبرأ من ~~ولاية اليهود يعني يهود بني فينقاع وتولى الله ورسوله فأخبر الله تعالى: ~~أن العاقبة لمن يتولى الله ورسوله فإن الله ينصر أولياءه ويبطل كيد ~~الكافرين فذلك قوله تعالى: { فإن حزب الله هم الغلبون ~~} يعني هم الظاهرون على أعدائه والعاقبة لهم. ### || [5.57-58] # وقوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } يعني الذين آمنوا ~~بلسانهم ولم يؤمنوا بقلوبهم. ويقال: أراد به المخلصين نهاهم الله تعالى ~~عن ولاية الكفار. وروى محمد بن إسحق بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: ~~كان «رفاعة بن زيد بن تابوت وسويد بن الحارث» قد أظهرا الإسلام ونافقا ~~وكان رجال من المسلمين يوادونهما فأنزل الله تعالى: { لا تتخذوا ~~الذين اتخذوا دينكم } الإسلام { هزوا ولعبا } يعني ~~سخرية وباطلا { من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ~~والكفار أولياء } يعني مشركي العرب. قرأ أبو عمرو والكسائي: ~~(والكفار) بالخفض وقرأ الباقون: بالنصب، فمن قرأ بالخفض فمعناه من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الكفار أولياء، ومن قرأ بالنصب فهو معطوف على ~~قوله: { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ولا ~~تتخذوا الكفار أولياء } ثم قال: { واتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين } يعني إن كنتم مؤمنين فلا تتخذوا الكفار أولياء. ~~قوله تعالى: { وإذا نديتم إلى الصلوة } يعني إذا أذن ~~المؤذن للصلاة وإنما أضاف النداء إلى جميع المسلمين لأن المؤذن يؤذن لهم ~~ويناديهم فأضاف إليهم، فقال: وإذا ناديتم إلى الصلاة { اتخذوها ~~هزوا ولعبا } يعني الكفار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا به وإذا ~~رأوهم ركعا وسجدا ضحكوا واستهزؤوا بذلك { ذلك } الاستهزاء { ~~بأنهم قوم لا يعقلون } يعني لا يعلمون ثوابه. وقال ~~الضحاك: سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل وقال: من أتخذه ~~مؤذنا؟ قال: يا محمد عليك بالعبد الأسود فإنه مشهود في الملائكة ms0429 وجهير ~~الصوت، وأحب المؤذنين إلى الله تعالى. فدعا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بلالا وعلمه الأذان وأمره أن يصعد سطح المسجد ويؤذن فلما أذن سخر ~~منه أهل النفاق وأهل الشرك وكذلك يوم فتح مكة أمره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يؤذن على ظهر الكعبة فسخر منه كفار الأعراب وجهالهم فنزل ~~قوله تعالى: { وإذا نديتم إلى الصلوة اتخذوها ~~هزوا ولعبا } يعني المنافقين واليهود ومشركي العرب. وروى أسباط عن ~~السدي قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن ~~محمدا رسول الله قال: حرق الله الكاذب فدخلت خادمته ليلة من الليالي ~~بنار وهم نيام فسقطت شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله، ~~واستجيب دعاه في نفسه. وروي عن ابن عباس هذه الحكاية نحو هذا، إلا أنه ~~ذكر اليهودي. ### || [5.59-61] # وقوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا } ~~يقول: ما تطعنون فينا وتعيبوننا { إلا أن آمنا بالله } أي ~~سوى أنا قد آمنا بالله وآمنا ب { وما أنزل إلينا } يعني من ~~القرآن { وما أنزل من قبل } القرآن يعني التوراة والإنجيل { ~~وأن أكثركم فسقون } يعني لم تؤمنوا لفسقكم، وعصيانكم. ~~وقال الزجاج: معنى { هل تنقمون منا } هل تكرهون منا إلا إيماننا ~~وبفسقكم: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على الحق لأنكم فسقتم ولم ~~تثبتوا على دينكم لمحبتكم الرئاسة ومحبتكم المال. وقوله تعالى { قل ~~هل أنبئكم بشر من ذلك } قال مقاتل: وذلك أن اليهود ~~قالوا للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أهل هذه الأديان أقل حظا في الدنيا ~~ولا في الآخرة منكم فنزل: { قل هل أنبئكم } يعني أخبركم بشر ~~من ذلك { مثوبة عند الله } يعني ثوابا عند الله فقالت اليهود: ~~من هم؟ قال: { من لعنه الله وغضب عليه وجعل ~~منهم القردة والخنازير } فقال المسلمون لليهود: يا إخوة ~~القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم وخجلوا. ومثوبة: صار نصبا للتمييز يعني ~~التفسير. ثم قال: { وعبد الطغوت } قرأ حمزة: (وعبد ~~الطاغوت) بنصب العين والدال وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت، لم يصح في ~~اللغة أن ms0430 يقال: لجماعة الأعبد وإنما يقال: أعبد ولا يقال عبد، وقرأ ~~الباقون (وعبد الطاغوت) يعني جعل منهم من عبد الطاغوت ومعناه خذلهم حتى ~~عبدوا الشيطان. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: (وعبد الطاغوت) بضم العين ~~ونصب الباء بالتشديد يعني جمع عابد، يقال: عابد وعبد مثل راكع وركع ~~وساجد وسجد، وقرأ ابن مسعود (وعبدوا الطاغوت) يعني يعبدون الطاغوت ~~وقرأ بعضهم: (وعبد الطاغوت) بضم العين والباء ونصب الدال وهو جماعة ~~العبيد. ويقال: عبيد وعبد على ميزان: رغيف ورغف وسرير وسرر. ثم ~~قال: { أولئك شر مكانا } يعني شر منزلة عند الله { ~~وأضل عن سواء السبيل } يعني أخطأ عن قصد الطريق وهو الهدى. ~~ثم قال: { وإذا جآءوكم قالوا ءامنا } وهم المنافقون من أهل ~~الكتاب قالوا صدقنا ووجدنا نعتك وأرادوا بذلك أن يمدحهم المسلمون وهذا ~~كقوله: # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا # [آل عمران:188] فأخبر الله تعالى عن حالهم فقال: { وقد دخلوا ~~بالكفر وهم قد خرجوا به } يعني هم كافرون في الأحوال ~~كلها ولا ينفعهم ذلك القول: { والله أعلم بما كانوا ~~يكتمون } يعني عليم بمجازاتهم وهذا تهديد لهم. ### || [5.62-64] # ثم قال: { وترى كثيرا منهم يسرعون في الإثم } ~~يعني المعصية { والعدوان } يعني الظلم وهو الشرك { وأكلهم ~~السحت } يعني الرشوة في الأحكام { لبئس ما كانوا يعملون ~~} يعني لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم. ثم قال: { لولا ~~ينههم الربنيون } يعني هلا ينهاهم الربانيون يعني ~~علماؤهم وعبادهم وإنما شكا من علماء السوء الذين لا يأمرون بالمعروف ~~ويجالسونهم ويؤاكلونهم وكل عالم لم يأمر بالمعروف ويجالس أهل الظلم ~~والمعصية فإنه يدخل في هذه الآية فقال: { والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } حين ~~لم ينهوهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ورضوا بفعلهم. # قوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ~~أيديهم } وذلك أن الله تعالى قد بسط عليهم الرزق فلما عصوه وجحدوا ~~نعمته قتر عليهم الرزق فقالوا عند ذلك: يد الله محبوسة عن البسط فأمسك ~~عنا الرزق، قال الله تعالى: { غلت أيديهم } يعني أمسكت أيديهم ~~عن الخير ويقال: ms0431 هذا وعيد لهم غلت أيديهم في نار جهنم. ويقال: جعلوا ~~بخلاء فلا يعطون الناس شيئا مما أعطاهم الله تعالى. ثم قال: { ~~ولعنوا بما قالوا } يعني عذبوا وطردوا من رحمة الله ~~لقولهم ذلك، ثم قال: { بل يداه مبسوطتان } يعني رزقه واسع ~~باسط على خلقه { ينفق كيف يشاء } يقول: يرزق لمن يشاء مقدار ما ~~يشاء فله خزائن السموات والأرض وهذا كما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم سأل كل رجل ما بلغت أمنيته فأعطيته ~~لم ينقص ذلك من خزائن ملكي مقدار ما يغترف من البحر برأس إبرة واحدة " # ثم قال تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم } يعني من اليهود { ~~ما أنزل إليك } من القرآن { من ربك طغينا } يعني ~~تماديا بالمعصية { وكفرا } وجحودا بالقرآن، يعني كل ما نزل عليك ~~شيء من القرآن كفروا به، فيزيد جحودهم في طغيانهم، وإنما نسب ذلك إلى ما ~~أنزله، لأن ذلك سبب لطغيانهم وجحودهم وهذا كما قال في آية أخرى: # ولا يزيد الظلمين إلا خسارا # [الإسراء:82] يعني أن ذلك سبب لخسرانهم. ثم قال تعالى: { وألقينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة } ~~يعني جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين كما قال في آية أخرى: # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # [الحشر:14]. ثم قال: { كلما أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله } يقول: كلما أجمعوا أمرهم على المكر بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه فرقه الله تعالى وأطفأ نار مكرهم أي يسكته الله ~~تعالى ووهن أمرهم وهذا على وجه الكناية كما قال: # ويضع عنهم إصرهم والأغلل التي كانت ~~عليهم # [الأعراف: 157] ثم قال: { ويسعون في الأرض فسادا } يعني ~~يعملون فيها بالمعاصي ويدعون الناس إلى عبادة غير الله تعالى { والله ~~لا يحب المفسدين } يعني لا يرضى بعمل الذين يعملون بالمعاصي ~~والله لا يحب أهل الفساد ولا عملهم. ### || [5.65-66] # وقوله تعالى: { ولو أن أهل الكتب } يعني اليهود والنصارى ~~{ ءامنوا } يعني صدقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - والقرآن { واتقوا } الشرك والمعاصي { لكفرنا عنهم ~~سيئتهم } يعني غفرنا ذنوبهم ms0432 { ولأدخلنهم جنت ~~النعيم } في الآخرة. ثم قال: { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل } يعني أقروا بما فيها وبينوا ما كتموا { ~~وما أنزل إليهم من ربهم } يعني عملوا بما أنزل إليهم من ~~ربهم، يعني عملوا بما أنزل إليهم من ربهم في كتابهم ويقال: القرآن { ~~لأكلوا من فوقهم } يعني يرزقهم الله تعالى المطر من فوقهم في ~~الوقت الذي ينفعهم { ومن تحت أرجلهم } يعني النبات من الأرض. ~~وقال الزجاج: هذا على وجه التوسعة يقال: فلان خيره من فوقه إلى قدمه، ~~يعني: لو أنهم فعلوا ما أمروا لأعطاهم الله الخير من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم يعني صاروا في الخير في الدنيا والآخرة وروى أبو موسى الأشعري عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أيما رجل من أهل الكتاب آمن ~~بنبيه وآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فله أجران، ثم قال: { منهم ~~أمة مقتصدة } يعني عصبة وجماعة عادلة وهم مؤمنو أهل الكتاب من ~~أهل التوراة والإنجيل { وكثير منهم ساء ما يعملون } ~~الذين لم يصدقوا ولم يؤمنوا. ### || [5.67-68] # قوله تعالى: { يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك } وذلك أن اليهود قالوا للنبي - عليه السلام - حين دعاهم إلى ~~الإسلام فجعلوا يستهزئون به ويقولون إنك تريد أن نتخذك حنانا كما ~~اتخذت النصارى عيسى - عليه السلام فلما رأى ذلك سكت عنهم فأمره الله أن ~~يدعوهم ولا يمنعه عن ذلك تكذيبهم إياه. فقال: { يأيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك } من القرآن يعني { وإن ~~لم تفعل } إن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك { فما بلغت ~~رسالته } يعني كأنك لم تبلغ شيئا من رسالته لأنه أمر بتبليغ جميع ~~الرسالة فإذا ترك البعض صار بمنزلة التارك للكل، كما أن من جحد آية من ~~كتاب الله تعالى صار جاحدا للجميع ويقال: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~يعني فما بلغت المبلغ الذي تكون رسولا وروى «سمرة بن جندب» عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم فإن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء ms0433 ~~من تبليغ رسالات ربي فأخبروني حتى أبلغ رسالات ربي كما ينبغي لها أن تبلغ ~~" # فقام الناس فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك، وقضيت ~~الذي عليك. وروى مسروق عن عائشة قالت: من حدثك أن محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - كتم شيئا من الوحي فقد كذب، ثم قرأت { يأيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك... } الآية. ثم ~~قال: { والله يعصمك من الناس } يعني اليهود ويقال: كيد ~~الكفار. وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يحرسه أصحابه بالليل حتى نزلت هذه الآية فخرج إليهم ~~وقال: # " لا تحرسوني فإن الله قد عصمني من الناس " # ثم قال: { إن الله لا يهدي القوم الكفرين } يعني ~~لا يرشدهم إلى دينه ويقال لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " لا أبالي من خذلني من اليهود ومن نصرني " # قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر (فما بلغت رسالاته) بلفظ ~~الجماعة وقرأ الباقون: (رسالته) بلفظ الواحد يغني عن الجماعة. ثم علمه ~~كيف يبلغ الرسالة فقال: { قل يأهل الكتاب لستم على ~~شيء } من الدين ولا ثواب لأعمالكم { حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل } يعني تعملوا بما في التوراة والإنجيل { وما أنزل ~~إليكم من ربكم } يعني حتى تقروا بما أنزل على نبيكم - صلى ~~الله عليه وسلم - من القرآن وتعملوا به. ثم قال: { وليزيدن ~~كثيرا منهم ما أنزل إليك } من القرآن { من ربك ~~طغينا وكفرا } يعني تماديا بالمعصية وكفرا بالقرآن يعني إنما ~~عليك تبليغ الرسالة والموعظة، فإن لم ينفعهم ذلك فليس عليك شيء { فلا ~~تأس على القوم الكفرين } يعني لا تحزن عليهم إن كذبوك. # وروى محمد بن إسحق بإسناده # " عن ابن عباس أنه قال: جاء رافع بن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن ~~الضيف وقالوا: يا محمد: ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ وتؤمن بما ~~عندنا من التوراة؟ وتشهد أنها من الله حق؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما ms0434 أخذ عليكم من ~~الميثاق وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من أحداثكم " # فقالوا: فإنا قد آمنا بما في أيدينا وإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ~~فنزل { يأهل الكتب لستم على شيء حتى ~~تقيموا التوراة والإنجيل }. ### || [5.69-71] # قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا والذين هادوا ~~والصبئون والنصرى من ءامن بالله واليوم ~~الآخر }. قال في رواية الكلبي: هم قوم آمنوا بعيسى ولم يؤمنوا بغيره ~~ولم يرجعوا، ويقال إن الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون ويقال: في ~~الآية تقديم، يعني { إن الذين ءامنوا } من آمن من اليهود ~~والنصارى والصابئين { وعمل صلحا } فلهم أجرهم عند ربهم. وقال: ~~في هذه السورة (والصابئون) وقال في موضع آخر: (والصابئين) لأنه معطوف على ~~خبر إن وكل اسم معطوف على خبر إن كان فيه طريقان إن شاء رفع، وإن شاء نصب ~~كقوله: (إن زيدا قادم وعمرو)، إن شاء نصب الثاني وإن شاء رفعه كقوله ~~تعالى: # أن الله برىء من المشركين ورسوله # [التوبة: 3] وقد قرأ: ورسوله ولكنه شاذ وكذلك ها هنا جاز أن يقول: ~~(والصابئين) (والصابئون) إلا أن في هذه السورة كتب بالرفع. ثم قال: { لا ~~خوف عليهم } يعني لمن آمن والذين سبق ذكرهم، فلهم ثوابهم عند ~~ربهم الجنة فلا خوف عليهم { ولا هم يحزنون }. قوله تعالى: { ~~لقد أخذنا ميثاق بني إسرءيل } يعني عهدهم في التوراة { ~~وأرسلنا إليهم رسلا، كلما جاءهم رسول بما لا ~~تهوى أنفسهم } يعني بما لا يوافق هواهم { فريقا كذبوا } ~~مثال عيسى ومن قبله { وفريقا يقتلون } مثل يحيى وزكريا وغيرهما ~~من الأنبياء عليهم السلام. فالله تعالى أمر النبي بتبليغ الرسالة وأمره ~~بأن لا يحزن عليهم إن لم يؤمنوا لأنهم من أهل السوء الذين فعلوا هذه ~~الأفعال، ثم قال: { وحسبوا أن لا تكون فتنة } يعني ظنوا أن ~~لا يبتلوا بتكذيبهم الرسل، وقتلهم الأنبياء. ويقال: ظنوا أن لا يعاقبوا ~~ولا يصيبهم البلاء والشدة والقحط ويقال: ظنوا أن قتل الأنبياء لا يكون ~~كفرا. ويقال: ظنوا أن لا تفسد قلوبهم بالتكذيب وقتل الأنبياء. قرأ حمزة ~~والكسائي وأبو عمرو: (أن لا ms0435 تكون فتنة) بضم النون، وقرأ الباقون ~~بالنصب، فمن قرأ بالنصب بمعنى أن ومن قرأ بالضم يعني حسبوا أنه لا تكون ~~فتنة معناه: حسبوا أن فعلهم غير فاتن لهم. ثم قال تعالى: { فعموا ~~وصموا } يعني عموا عن الحق وصموا عن الهدى فلم يسمعوه { ثم تاب ~~الله عليهم } يقول: تجاوز عنهم، ورفع عنهم البلاء فلم يتوبوا { ~~ثم عموا وصموا كثير منهم } ويقال: معناه تاب الله على ~~كثير منهم وعموا وصموا كثير منهم. ويقال: من تاب الله عليهم، يعني بعث ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - ليدعوهم إلى التوراة ثم عموا وصموا بتكذيب ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - (ويقال عموا وصموا حين عبدوا العجل، ثم تاب ~~الله عليهم بعدما قتلوا سبعين ألفا) وهذا على جهة المثل، يعني لم يعملوا ~~بما سمعوا ولم يعتبروا بما أبصروا فصاروا كالعمي والصمي. ثم قال: { ~~والله بصير بما يعملون } بقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل، ~~يعني عليم بمجازاتهم. ### || [5.72-74] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو ~~المسيح ابن مريم } وذلك أن نصارى أهل نجران يزعمون أنهم مؤمنون ~~بعيسى فأخبر الله تعالى أنهم كافرون بعيسى، وأنهم كاذبون في مقالتهم ~~وأخبر أن المسيح دعاهم إلى توحيد الله، وأنهم كاذبون على المسيح وهو قوله ~~{ وقال المسيح يا بني إسرءيل اعبدوا الله } يعني ~~وحدوا الله وأطيعوه { ربي وربكم } يعني خالقي وخالقكم ورازقي ~~ورازقكم. ثم قال: { إنه من يشرك بالله } يعني ويموت على ~~شركه { فقد حرم الله عليه الجنة } أن يدخلها { ~~ومأواه النار } يعني مصيره إلى النار { وما للظلمين ~~من أنصار } يعني ليس للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب. ثم أخبر أن ~~الفريق الآخر من النصارى هم كفار أيضا فقال: { لقد كفر الذين ~~قالوا: إن الله ثلث ثلثة } فيه مضمر معناه: ثالث ~~ثلاثة آلهة. ويقال: ثلث من ثلاثة آلهة يعني أبا وأما وروحا قدسا. ~~يعني الله ومريم وعيسى. قال الله تعالى ردا عليهم: { وما من ~~إله إلا إله وحد } يعني هم كاذبون في مقالتهم، ثم أوعدهم ~~الوعيد إن لم يتوبوا فقال: { وإن لم ينتهوا ms0436 عما يقولون } ~~يعني إن لم يتوبوا ولم يرجعوا عن مقالتهم { ليمسن الذين ~~كفروا منهم } فهذا لام القسم فكأنه أقسم بأنه ليصيبهم { عذاب ~~أليم } يعني إن أقاموا على كفرهم. ثم دعاهم إلى التوبة فقال: { ~~أفلا يتوبون إلى الله } من النصرانية { ويستغفرونه ~~} عن مقالتهم الشرك فإن فعلوا فإن { والله غفور } للذنوب { ~~رحيم } بقبول التوبة. ويقال: قوله: { أفلا يتوبون إلى ~~الله ويستغفرونه } لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر ~~فكأنه قال: توبوا إلى الله وكذلك كل ما يشبه هذا في القرآن، مثل قوله: ~~(أتصبرون) يعني اصبروا. ثم بين الله تعالى أن المسيح عبده ورسوله، وبين ~~الحجة في ذلك. ### || [5.75-77] # فقال: { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } يعني هو رسول ~~كسائر الرسل { قد خلت من قبله الرسل } ، وهو من جماعة ~~الرسل { وأمه صديقة } شبه النبيين، وذلك حين صدقت جبريل حين قال ~~لها: # إنمآ أنا رسول ربك # [مريم: 19]. والصديق في اللغة هو المبالغ في التصديق. وقال في آية أخرى: # وصدقت بكلمات ربها # [التحريم: 12]. ثم قال: { كانا يأكلان الطعام } يعني المسيح ~~وأمه كانا يأكلان ويشربان ومن أكل وشرب تكون حياته بالحيلة والرب: لا ~~يأكل ولا يشرب. ويقال: { كانا يأكلان الطعام } ، كناية عن ~~قضاء الحاجة لأن الذي يأكل الطعام فله قضاء الحاجة، ومن كان هكذا لا يصلح ~~أن يكون ربا ثم قال: { انظر كيف نبين لهم الآيت } ~~يعني العلامات في عيسى ومريم، إنهما لو كانا إلهين ما أكلا الطعام { ~~ثم انظر أنى يؤفكون }. يقول: من أين يكذبون بإنكارهم بأني ~~واحد. وقال القتبي: { أنى يؤفكون } يعني أنى يصرفون عن الحق ~~ويعدلون عنه يقال: أفك الرجل عن كذا إذا عدل عنه. ثم أخبر الله تعالى عن ~~جهلهم وقلة عقلهم فقال: { قل } يا محمد { أتعبدون من دون ~~الله } يعني عيسى { ما لا يملك لكم } يقول ما لا يقدر لكم { ~~ضرا } في الدنيا { ولا نفعا } في الآخرة، وتركتم عبادة الله { ~~والله هو السميع } لقولكم { العليم }. بعقوبتكم. وقوله ~~تعالى: { قل يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق } يقول: لا تجاوزوا الحد، والغلو: ms0437 هو الإفراط والاعتداء ويقال: ~~لا تتعمقوا، ثم قال: { ولا تتبعوا أهواء قوم } وهم ~~الرؤساء من أهل الكتاب يعني لا تتبعوا شهواتهم، لأنهم آثروا الشهوات على ~~البيان والبرهان { قد ضلوا من قبل } وهم رؤساء النصارى ضلوا عن ~~الهدى { وأضلوا كثيرا } من الناس { وضلوا عن سواء ~~السبيل }. يعني أخطأوا عن قصد الطريق. وقال مقاتل: نزلت في برصيصا ~~العابد فجاءه الشيطان فقال له: قد فضلك الله على أهل زمانك، لكي تحل لهم ~~الحرام، وتحرم عليهم الحلال وتسن لهم سنة ففعل فاتبعه الناس بذلك ثم ندم ~~على فعله فعمد إلى سلسلة فجعلها في ترقوته فعلق نفسه، فجاءه ملك فقال له: ~~أنت تتوب، فكيف لك من تابعك؟ فذلك قوله: { قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل }. ### || [5.78-81] # وقوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بني إسرءيل } ~~يعني اليهود { على لسان داوود } وذلك أن الله تعالى مسخهم قردة، ~~حيث اصطادوا السمك يوم السبت، { وعيسى ابن مريم } يعني وعلى ~~لسان عيسى ابن مريم حيث دعا عليهم فمسخهم الله تعالى خنازير، ويقال: لعن ~~الذين كفروا، أي: أبعدوا من رحمة الله على لسان داود وعيسى ابن مريم. ~~وقال الزجاج: يحتمل معنيين: أحدهما أنهم مسخوا بلعنتهما فجعلوا قردة ~~وخنازير. وجائز أن يكون داود وعيسى لعنا من كفر بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - يعني، لعن الكفار الذين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم قال: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }. يعني الذين ~~أصابهم من اللعنة بما عصوا يعني بعصيانهم، وكانوا يعتدون في دينهم. { ~~كانوا لا يتنهون عن منكر فعلوه } يعني لم يمتنعوا ~~عن قبيح من الأفعال، ورضوا به، { لبئس ما كانوا يفعلون }. ~~حين لم ينهوا عن المنكر. ثم قال { ترى كثيرا منهم } قال ~~مقاتل: يعني اليهود { يتولون الذين كفروا } من مشركي ~~العرب. وقال الكلبي: { ترى كثيرا } من المنافقين، { يتولون ~~الذين كفروا } يعني اليهود. { لبئس ما قدمت لهم ~~أنفسهم أن سخط الله عليهم }. معناه لبئس الفعل الذي ~~كانوا يستوجبون به السخط من الله تعالى ويوجب لهم العقوبة (والعذاب) ms0438 { ~~وفي العذاب هم خلدون } يعني دائمون. ثم قال تعالى: { ~~ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل ~~إليه } (يعني المنافقين لو كانوا يصدقون بتوحيد الله ونبوة محمد ~~حقيقة) وما أنزل إليه من القرآن { ما اتخذوهم أولياء } (يعني ~~لو كان إيمان المنافقين حقيقة ما اتخذوا اليهود أولياء) في العون والنصرة ~~{ ولكن كثيرا منهم فسقون } يعني ناقضين للعهد. ### || [5.82-86] # ثم قال: { لتجدن أشد الناس عداوة للذين ءامنوا ~~اليهود } وهم يهود بني قريظة وبني النضير، { والذين أشركوا ~~} يعني مشركي أهل مكة، { ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين ءامنوا الذين قالوا: إنا نصارى } قال ~~بعضهم: إنما أراد الذين هم النصارى في ذلك الوقت لأنهم كانوا أقل مظاهرة ~~على المؤمنين، وأسرع إجابة للإسلام. وقال أكثر المفسرين: إن المراد به ~~النصارى الذين أسلموا، وفي سياق الآية دليل عليه، وهو قوله: # فأثابهم الله بما قالوا # [المائدة: 85] وروى أسباط عن السدي قال: بعث النجاشي إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - اثني عشر رجلا من الحبشة، وسبعة قسيسين، وخمسة ~~رهبان، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه، وقرأ عليهم ما أنزل الله عليه، ~~بكوا وآمنوا به ورجعوا إلى النجاشي فهاجر النجاشي معهم. فمات في الطريق. ~~فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، واستغفروا له. ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه سئل عن هذه الآية فقال: هم الوفد الذين ~~قدموا مع جعفر الطيار من أرض الحبشة. وعن الزهري، أنه سئل عن هذه الآية ~~فقال: ما زلنا نسمع أنها نزلت في النجاشي وأصحابه ثم قال: { ذلك ~~بأن منهم قسيسين ورهبانا } يعني المتعبدين وأصحاب ~~الصوامع، [ويقال: قسيسين علماؤهم، ورهبانا يعني خائفين من الله تعالى]، ~~وقال بعض أهل اللغة: القس، والقسيس: رؤساء النصارى، والقس، بفتح القاف ~~النميمة ثم قال: { وأنهم لا يستكبرون } يعني لا يتعظمون ~~على الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن. { وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~} يعني تسيل من الدمع، { مما عرفوا من الحق } يقول: مما ~~عرفوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - نعته وصفته { يقولون ربنا ms0439 ~~ءامنا } بالقرآن بأنه من الله { فاكتبنا مع الشهدين } ~~يعني المهاجرين والأنصار. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: { مع ~~الشهدين } هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يشهدون له بالبلاغ، ~~ويشهدون للرسل أنهم قد بلغوا الرسالة. ثم قال: { وما لنا لا ~~نؤمن بالله } وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم قال لهم كفار قومهم: ~~تركتم ملة عيسى، ويقال: إن كفار مكة عاتبوهم على إيمانهم، وقالوا: لم ~~تركتم دينكم القديم وأخذتم الدين الحديث؟ فقالوا: { وما لنا لا ~~نؤمن بالله } ومعناه: وما لنا لا نصدق بالله، أن محمدا رسوله، ~~والقرآن من عنده { وما جاءنا من الحق } يعني وبما جاءنا من ~~الحق، { ونطمع } يقول: نرجو { أن يدخلنا مع القوم ~~الصلحين } يعني مع المؤمنين الموحدين في الجنة. فمدحهم الله ~~تعالى، وحكى عن مقالتهم، وأخبر عن ثوابهم في الآخرة. فقال: { ~~فأثابهم الله بما قالوا } من التوحيد { جنت تجري ~~من تحتها الأنهر خلدين فيها، وذلك جزاء ~~المحسنين } يعني ثواب الموحدين المطيعين، وقد احتج بعض الناس بهذه ~~الآية أن الإيمان هو مجرد القول، لأنه قال: فأثابهم الله بما قالوا، ولكن ~~لا حجة لهم فيها لأن قولهم كان مع التصديق، والقول بغير التصديق لا يكون ~~إيمانا. ثم بين عقوبة من ثبت على كفره ولم يؤمن فقال: { والذين ~~كفروا وكذبوا بآيتنا } يعني مات على ذلك { أولئك ~~أصحب الجحيم } والجحيم هو النار الشديدة الوقود، يقال جحم فلان ~~النار إذا شدد وقودها. ويقال: لعين الأسد جحمة، لشدة توقدها. ### || [5.87-89] # { يأيها الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما ~~أحل الله لكم } نزلت في جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنهم سمعوا من النبي - عليه السلام - وصف القيامة يوما، ~~وخوف النار والحساب فاجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون، فتواثقوا بأن يخصوا ~~أنفسهم ويترهبوا، فنهاهم الله عن ذلك، فنزلت هذه الآية { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تحرموا طيبت ما أحل الله ~~لكم }. قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر، قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن ~~محمد قال: حدثنا محمد بن فضيل، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن ms0440 أبي فديك ~~عن مدرك بن قزعة عن سعيد بن المسيب قال: # " جاء عثمان بن مظعون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا ~~رسول الله، غلبني حديث النفس، ولا أحب أن أحدث شيئا حتى أذكر لك قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: وما تحدثك نفسك يا عثمان؟ قال: تحدثني أن أخصي ~~نفسي، قال: قال مهلا يا عثمان، فإن إخصاء أمتي الصيام، قال: يا رسول ~~الله، إن نفسي تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال، فقال: مهلا يا عثمان، ~~فإن ترهيب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلوات، قال: يا رسول الله ~~فإن نفسي تحدثني أن أسيح في الأرض؟. قال: مهلا يا عثمان: فإن سياحة أمتي ~~الغزو في سبيل الله، والحج والعمرة، قال: فإن نفسي تحدثني أن أخرج من ~~مالي كله؟ قال مهلا يا عثمان، فإن صدقتك يوما بيوم، وتكف نفسك وعيالك، ~~وترحم المساكين واليتيم أفضل من ذلك، فقال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني ~~أن أطلق خولة. فقال مهلا يا عثمان، فإن الهجرة في أمتي من هجر ما ~~حرم الله، أو هاجر إلي في حياتي، أو زار قبري بعد وفاتي، أو مات وله ~~امرأة، أو امرأتان أو ثلاث أو أربع، قال، يا رسول الله: فإن نهيتني أن ~~أطلقها، فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشاها قال، مهلا يا عثمان، فإن الرجل ~~المسلم إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه فلم يكن من وقعته تلك ولد، كان له ~~وصيفا في الجنة، وإن كان من وقعته تلك ولد فمات قبله كان فرطا وشفيعا ~~يوم القيامة، فإن مات بعده كان له نورا يوم القيامة، فقال: يا رسول ~~الله، فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم، قال: مهلا يا عثمان، فإني أحب ~~اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت ربي أن يطعمنيه في كل يوم لأطعمنيه، ~~قال: يا رسول الله فإن نفسي تحدثني بأن لا أمس الطيب، قال: مهلا يا عثمان ~~فإن جبريل أمرني بالطيب غباغبا، وقال: لا تتركه يا عثمان، لا ترغب عن ~~سنتي فمن رغب عن ms0441 سنتي، ثم مات قبل أن يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضي ~~يوم القيامة " # ، ونزلت هذه الآية { لا تحرموا طيبت ما أحل الله ~~لكم } ، { ولا تعتدوا } يقول: يعني لا تحرموا حلاله { إن ~~الله لا يحب المعتدين } ويقال: إن محرم ما أحل الله، ~~كمحل ما حرم الله. ثم قال: { وكلوا مما رزقكم الله ~~حللا طيبا } من الطعام والشراب { واتقوا الله } ولا ~~تحرموا ما أحل الله لكم { الذي أنتم به مؤمنون } يعني إن ~~كنتم مصدقين به، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه. ثم أمرهم الله تعالى بأن ~~يكفروا أيمانهم، لأنه لما حرموا الحلال على أنفسهم كان ذلك يمينا ~~منهم، ولهذا قال أصحابنا: إذا قال الرجل لشيء حلال، هذا الشيء علي حرام ~~يكون ذلك يمينا، فأمرهم الله تعالى بأن يأكلوا ويحنثوا في أيمانهم وفي ~~الآية دليل: أن الرجل إذا حلف على شيء، والحنث خير له، ينبغي أن يحنث ~~ويكفر بيمينه. وفيها دليل: أن الكفارة بعد الحنث، لأنه أمرهم بالحنث ~~بقوله: (فكلوا) ثم أمرهم بالكفارة. وهو قوله تعالى: # { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمنكم } قال ابن ~~عباس: اللغو أن يحلف الرجل على شيء بالله، وهو يرى أنه صادق، وهو فيه ~~كاذب، وهكذا روي عن أبي هريرة أنه كان يقول: لغو اليمين: أن يحلف الرجل ~~على شيء يظن أنه الذي حلف عليه - هو صادق - فإذا هو غير ذلك. وقال الحسن: ~~هو الرجل يحلف على الشيء، يرى أنه كذلك وليس هو كذلك. وقال سعيد بن جبير: ~~الرجل يحلف باليمين الذي لا ينبغي أن يحلف بها، يحرم شيئا هو حلال، فلا ~~يؤاخذه الله بتركه لكن يؤاخذه الله إن فعل. وقال زيد بن أسلم: هو قول ~~الرجل، أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، وأخرجني الله من مالي وولدي، ~~وقالت عائشة: اللغو: هو قول الرجل، لا والله، وبلى والله، على شيء لم ~~يعقده قلبه. ثم قال: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمن }. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص ~~(عقدتم) بالتشديد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ms0442 ~~(عقدتم) بالتخفيف وقرأ ابن عامر: (بما عقدتم) فمن قرأ: (عاقدتم) فهو من ~~المعاقدة والمعاقدة تجري بين الاثنين، وهو أن يحلف الرجل لصاحبه بشيء، ~~ومن قرأ بالتشديد، فهو للتأكيد، ومن قرأ بالتخفيف، لأن اليمين تكون مرة ~~واحدة، والتشديد تجري في التكرار والإعادة. وروى عبد الرزاق، عن بكار بن ~~عبد الله قال: سئل وهب بن منبه عن قوله: { عليم لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمنكم } قال: الأيمان ثلاثة لغو، ~~وعقد، وصبر فأما اللغو: فلا والله، وبلى والله، لا يعقد عليه القلب، وأما ~~العقد: أن يحلف الرجل، لا يفعله فيفعله فعليه الكفارة، وأما الصبر: بأن ~~يحلف على مال ليقتطعه بيمينه، فلا كفارة له. # وروى حسين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري قال: الأيمان ثلاثة، يمين ~~تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ الله بها، وذكر إلى آخره. ثم بين ~~كفارة اليمين فقال تعالى: { فكفارته إطعام عشرة ~~مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم }. روي عن علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: الغداء والعشاء، وسئل شريح عن ~~الكفارة فقال: الخبز والزيت، والخل والطيب، فقال السائل: أرأيت إن أطعمت ~~الخبز واللحم؟ قال ذلك أرفع طعام أهلك، وطعام الناس. وروي عن ابن الخطاب، ~~وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - أنهما قالا، لكل مسكين، نصف صاع من ~~حنطة، يعني، إذا أراد أن يدفع إليهم، وإن أراد أن يطعمهم فالغذاء ~~والعشاء. ثم قال: { أو كسوتهم } قال مجاهد: أدناه ثوب، وأعلاه ما ~~شئت. وقال إبراهيم النخعي: لكل مسكين ثوب. وقال الحسن: ثوبان أبيضان ثم ~~قال: { أو تحرير رقبة } يعني يعتق رقبة، ولم يشترط ها هنا ~~المؤمنة فيجوز الكفارة بالكافرة والمؤمنة، فالرجل بالخيار بين هذه ~~الأشياء الثلاثة، { فمن لم يجد } الطعام ولا الكسوة ولا الرقبة ~~فعليه { فصيام } يعني صيام { ثلثة أيام } وروى سفيان بن ~~عيينة عن ابن أبي نجيح قال: سئل طاووس عن صيام الكفارة قال: يفرق: قال له ~~مجاهد كان عبد الله يقرأ: متتابعات. قال: طاوس فهو أيضا متتابعات. وروى ~~مالك عن حميد، عن مجاهد، ms0443 قال: كان أبي يقرأ، فصيام ثلاثة أيام متتابعات ~~في الكفارة اليمين. ثم قال: { ذلك } يعني الذي ذكر { كفارة ~~أيمنكم } عن الطعام والكسوة والعتق والصوم ثم قال { إذا ~~حلفتم، واحفظوا أيمنكم } يعني ليعلم الرجل ما حلف ~~عليه، فليكفر يمينه، إذا حنث { كذلك يبين الله لكم ~~آيته } يعني أمره ونهيه { لعلكم تشكرون } أي لكي تشكروا ~~رب هذه النعمة، إذ جعل لكم مخرجا من أيمانكم بالكفارة، والكفارة في ~~اللغة: هو التغطية، يعني يغطي إثمه. ### || [5.90-93] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر } نزلت هذه الآية في شأن سعد بن أبي وقاص لأنهم كانوا ~~يشربونها وكانت لهم حلالا، فجرى بين سعد وبين رجل من الأنصار افتخار في ~~الأنساب، فاقتتلا فشج رأس سعد، فدعا عمر بن الخطاب فقال: اللهم أرنا رأيك ~~في الخمر، فإنها متلفة للمال، مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية التي في سورة ~~البقرة # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، ~~فنزلت هذه الآية. { إنما الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجس من عمل الشيطن } يعني حرام، وهو من ~~تزيين الشيطان، { فاجتنبوه لعلكم تفلحون } يعني فاتركوا ~~شربها، ولم يقل: فاجتنبوها لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه: اجتنبوا ما ~~ذكرنا ونهيناكم عن ذلك قوله # كلوا من ثمره إذآ أثمر # [الأنعام: 141] ولم يقل: من ثمرها. ثم قال: { إنما يريد ~~الشيطن أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله } يعني عن ~~طاعة الله { وعن الصلوة } لأنهم منعوا عن الصلاة إذا كانوا ~~سكارى، ولأنه إذا سكر لا يعقل الطاعة وأداء الصلاة، ثم قال: { فهل ~~أنتم منتهون } يعني انتهوا عن شربها، فقال عمر: قد انتهينا يا ~~رب. وعن عطاء بن يسار أن رجلا قال لكعب الأحبار: أحرمت الخمرة في ~~التوراة؟ قال: نعم، هذه الآية { إنما الخمر والميسر } ~~مكتوب في التوراة إنا أنزلنا الحق لنذهب به الباطل، وتبطل به اللعب ~~والدفف والمزامير، والخمر مرة لشاربها، أقسم الله تعالى بعزه وجلاله أن ~~من انتهكها في الدنيا، أعطشته في الآخرة يوم القيامة، ومن ms0444 تركها بعدما ~~حرمتها لأسقيتها إياه في حظيرة القدس، قيل: وما حظيرة القدس؟ قال: الله ~~هو القدس، وحظيرته الجنة. ثم قال تعالى: { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } يعني في تحريم الخمر { واحذروا } عن ~~شربها { فإن توليتم } يقول: أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول { ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين } فهذا ~~تهديد لمن شرب الخمر بعد التحريم. فلما نزلت هذه الآية قال حيي بن ~~أخطب، فما حال من مات منهم، وهم يشربونها، فعير بذلك أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عن ~~ذلك، فنزلت هذه الآية: { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا } يعني شربوا قبل تحريمها، ولم ~~يعرفوا تحريمها، ويقال: إن بعض الصحابة كانوا في سفرة، فشربوا منها ~~بعد التحريم ولم يعرفوا تحريمها فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فنزل: { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا } يعني شربوا قبل تحريمها { ~~إذا ما اتقوا } الشرك { وءامنوا } يعني صدقوا بوحدانية الله ~~تعالى والقرآن { وعملوا الصلحت، ثم اتقوا } المعاصي ~~{ وءامنوا } يعني صدقوا بعد تحريمها { ثم اتقوا ~~وأحسنوا والله يحب المحسنين } في أفعالهم ويقال: ~~معناه، ليس عليهم جناح فيما طعموا قبل تحريمها، إذا اجتنبوا شربها بعد ~~تحريمها. # وروى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: شرب نفر من أهل ~~الشام الخمر، وعليهم يومئذ معاوية بن أبي سفيان، وقالوا هي لنا حلال، ~~وتأولوا قوله { ليس على الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت جناح فيما طعموا } فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب ~~إليه عمر: أن ابعثهم إلي قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا على عمر، ~~جمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم ما ترون؟ فقالوا: ~~إنهم قد افتروا على الله كذبا وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب ~~أعناقهم، وعلي ساكت، فقال: يا علي ما ترى؟ قال: أرى أن تستتبيهم فإن ~~تابوا فاضربهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا فاضرب أعناقهم فاستتابهم ~~فتابوا فضربهم ثمانين جلدة ms0445 وأرسلهم. ### || [5.94-95] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم ~~الله بشيء من الصيد } يعني: ليختبرنكم الله، والاختبار من ~~الله هو إظهار ما علم منهم، بشيء من الصيد يعني ببعض الصيد، فتبعيضه ~~يحتمل أن يكون معناه، ما داموا في الإحرام، فيكون ذلك بعض الصيد، ويحتمل ~~أن يكون على معنى التخصيص يحمل ذلك على وجه تبيين جنس من الأجناس كما ~~قال: # فاجتنبوا الرجس من الأوثن # [الحج: 30] ويحتمل بعض الصيد، يعني صيد البر دون صيد البحر. { تناله ~~أيديكم } يعني تأخذونه بأيديكم بغير سلاح مثل البيض والفراخ { ~~ورمحكم } يعني تأخذونه بسلاحكم، وهو الكبار من الصيد { ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب } يعني يميز الله من يخاف ~~من الذين لا يخافون، وبين فضل الخائفين: { فمن اعتدى بعد ~~ذلك } يعني من أخذ الصيد بعد النهي { فله عذاب أليم } يعني ~~وجيع يعني الكفارة والتعذيب في الدنيا والآخرة، والعذاب إن مات بغير ~~توبة، ثم قال: { يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم } يعني وأنتم محرمون، ويقال: وأنتم محرمون ~~أو في الحرم. ثم بين الكفارة فقال: { ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم } يعني عليه ~~الفداء مثل ما قتل. قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي فجزاء مثل بتنوين ~~الهمزة وبضم اللام وقرأ الباقون: بالضم بغير تنوين، وبكسر اللام، فأما من ~~قرأ: بالتنوين فمعناه فعليه جزاء، ثم صار المثل نعتا للجزاء، وأما من قرأ ~~بغير تنوين فعلى معنى الإضافة إلى الجزاء، يعني عليه جزاء ما قتل من ~~النعم، يشتري بقيمته من النعم ويذبحه، يعني إذا كان المقتول يوجد بقيمة ~~النعم. ثم قال: { يحكم به ذوا عدل منكم } يعني رجلان ~~مسلمان عدلان ينظران إلى قيمة المقتول، ثم يشتري بقيمته { هديا ~~بلغ الكعبة } يعني يبلغ بالهدي مكة ويذبحه هناك، ويتصدق بلحمه ~~على الفقراء { أو كفارة طعام مسكين } يعني إن شاء يشتري ~~بقيمته طعاما ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع من حنطة { أو عدل ~~ذلك صياما } يعني يصوم مكان كل نصف صاع من حنطة يوما، قال ابن ~~عباس إنما يقوم ms0446 لكي يعرف مقدار الصيام من الطعام فهو بالخيار بين هذه ~~الأشياء الثلاثة إن شاء أطعم وإن شاء أهدى، وإن شاء صام. قرأ نافع وابن ~~عامر: (أو كفارة طعام مساكين) بغير تنوين على معنى الإضافة، وقرأ الباقون ~~(كفارة) بالتنوين، والطعام نعتا لها، ثم قال: { ليذوق وبال ~~أمره } يعني عقوبة ذنبه لكي يمتنع عن قتل الصيد، { عفا الله ~~عما سلف } يعني عما مضى قبل التحريم، { ومن عاد } بعد التحريم ~~{ فينتقم الله منه } يعني يعاقبه الله تعالى، ومع ذلك يجب ~~عليه الكفارة، وقال بعضهم: لا يجب عليه الكفارة إذا قتل مرة أخرى، وروى ~~عكرمة عن ابن عباس: أنه سئل عن المحرم يصيب الصيد فيحكم عليه، ثم يصيبه ~~أيضا، قال: لا يحكم عليه، وتلا هذه الآية { ومن عاد فينتقم ~~الله منه } فذلك إلى الله، إن شاء عفا، وإن شاء عاقبه. # وعن شريح: أن رجلا أتاه فسأله أن يحكم عليه، فقال له شريح: هل أصبت ~~صيدا قبله؟ قال: لا، قال: لو كنت أصبته قبل ذلك لم أحكم عليك. وقال ~~بعضهم: سواء قتل قبل ذلك أو لم يقتل فهو سواء، لأنه قاتل في المرة ~~الثانية كما هو قاتل في المرة الأولى. وروي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله ~~بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم أنهم حكموا ولم يسألوه، أنك أصبت ~~قبل ذلك أم لا، وروى ابن جريج عن عطاء أنه سئل عن قوله: { عفا الله ~~عما سلف } قال: يعني ما كان في الجاهلية، ومن عاد في الإسلام فينتقم ~~الله منه ومع ذلك عليه الكفارة. وروى سعيد بن جبير مثله. وقد قال بعض ~~الناس: إنه إذا قتل خطأ فلا تجب عليه الكفارة وهذا القول ذكر عن طاووس ~~اليماني، وقال غيره: تجب عليه الكفارة [وروى] ابن جريج عن عطاء، قال سألت ~~عن قوله: { ومن قتله منكم متعمدا } فلو قتله خطأ، أيغرم ~~قال: نعم، يعظم بذلك حرمات الله، ومضت به السنن. وعن الحسن قال: يحكم ~~عليه في الخطأ والعمد. وعن إبراهيم النخعي، وعن مجاهد مثله. وبهذا القول ~~نأخذ، ms0447 ونقول: بأن العمد والخطأ سواء، والمرة الأولى والثانية سواء. ثم ~~قال تعالى: { والله عزيز ذو انتقام } من أهل المعصية أخذ ~~الصيد بعد التحريم. ويقال: ومن عاد مستحلا أو مستخفا بأمر الله تعالى ~~فينتقم الله منه يعني يعذبه الله تعالى، والله عزيز ذو انتقام يعذب من ~~عصاه. ### || [5.96] # قوله تعالى: { أحل لكم صيد البحر } يعني في الإحرام وغير ~~الإحرام { وطعامه متاعا لكم وللسيارة } يعني ~~للمقيمين والمسافرين، وهي السمكة المالحة، ويقال: { وطعامه } ما نضب ~~الماء عنه فأخذ بغير صيد ميتا. ويقال: كل ما سقاه الماء، فأنبت من الأرض ~~فهو طعام البحر. قال الفقيه: حدثنا الفضل بن أبي حفص قال حدثنا أبو جعفر ~~الطحاوي قال: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج بن المنهال قال: ~~حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كنت في ~~البحرين، فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك، فقلت كلوه، فلما ~~رجعت إلى المدينة سألت عن ذلك عمر بن الخطاب، فقال: ما أمرتهم به، فقلت: ~~أمرتهم بأكله، فقال: لو أمرتهم بغير ذلك لضربتك بالدرة، ثم قرأ عمر: { ~~أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم } فصيده ~~ما صيد وطعامه: ما رمي به. ثم قال: { وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما } يعني ما دمتم محرمين فلا تأخذوا الصيود { ~~واتقوا الله } فلا تأخذوه في إحرامكم { الذي إليه ~~تحشرون } فيجزيكم بأعمالكم. ### || [5.97] # قوله تعالى: { جعل الله الكعبة البيت الحرام ~~قياما للناس } يعني لجأ إلى الحرم آمنا للناس كان الرجل إذا أصاب ~~ذنبا أو قتل قتيلا ثم لجأ إلى الحرم آمنا بذلك، ويقال: قياما للناس ~~يعني قواما لمعايشهم قرأ ابن عامر: (قيما) على جهة المصدر، وقرأ ~~الباقون: (قياما) على جهة الاسم والمصدر. وإنما سميت الكعبة كعبة ~~لارتفاعها ولهذا سمي الكعبان، ويقال للجارية: إذا نهدت ثدياها، قد كعبت ~~ثدياها وهي كاعب كما قال: # وكواعب أترابا # [النبأ: 33]. ثم قال: { والشهر الحرام والهدي ~~والقلئد } يعني جعل الشهر الحرام والهدي والقلائد آمنا للناس ~~وقواما لمعايشهم لأنهم كانوا إذا توجهوا ms0448 إلى مكة وقلدوا الهدي أمنوا ~~ويقال: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس، يعني معالم للناس. ~~وقال مقاتل ابن حيان: يعني علما لقبلتهم يصلون إليها. وقال سعيد بن ~~جبير: صلاحا لدينهم وحرم عليهم الغارة في الشهر الحرام وأخذ الهدي ~~والقلائد في الشهر الحرام { ذلك } الذي جعل الله من الأمن { ~~لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في ~~الأرض } يعني لتعلموا أن الله يعلم صلاح ما في السموات وما في الأرض، ~~{ وأن الله بكل شيء عليم }. يقول: عليم بكل شيء من صلاح ~~الخلق. ويقال: هو مردود إلى ما أنبأ الله تعالى على لسان نبيه في هذه ~~السورة من أخبار المنافقين، وإظهار أسرارهم فقال: (ذلك الذي ذكر الله ~~تعالى: لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) وأن الله بكل ~~شيء عليم من السر والعلانية. ### || [5.98-100] # { اعلموا أن الله شديد العقاب } يعني إذا عاقب فعقوبته ~~شديدة لمن عصاه، { وأن الله غفور رحيم } لمن أطاعه. قوله ~~تعالى: { ما على الرسول إلا البلغ، والله يعلم ~~ما تبدون وما تكتمون }. يعني أن الرسول ليس عليه طلب ~~سرائرهم، وإنما عليه بتبليغ الرسالة والله تعالى هو الذي يعلم سرائرهم. ~~قوله تعالى: { قل لا يستوي الخبيث والطيب } يعني لا ~~يستوي الحلال والحرام. قال في رواية الكلبي: نزلت في شأن حجاج اليمامة ~~شريح بن ضبيعة حين أراد المسلمون أخذ ماله فنهاهم الله تعالى عن ذلك ~~وأخبرهم أن أخذ ماله حرام، { ولو أعجبك كثرة الخبيث } ~~يعني كثره مال شريح بن ضبيعة، { واتقوا الله } لا تستحلوا ما حرم ~~الله عليكم { واتقون يا أولي الألبب } يا ذوي العقول { ~~لعلكم تفلحون }. يعني تأمنون من عذابه. وروى أسباط عن السدي ~~أنه قال: الخبيث هم المشركون، والطيب هم المؤمنون. وقال الضحاك: { لا ~~يستوي الخبيث والطيب } يعني صدقة من حرام لا تصعد إلى الله ~~تعالى لا توضع في خزائنه، وصدقة من حلال تقع في يد الرحمن يعني يقبلها { ~~ولو أعجبك كثرة } يعني مثقال حبة من صدقة الحلال أرجح عند ~~الله من جبال الدنيا ms0449 من الحرام. وقوله تعالى: { يا أيها الذين ~~ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~}. روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس وغيرهما # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ: { ولله على الناس ~~حج البيت } وقال: (يا أيها الناس كتب عليكم الحج) فقام رجل فقال: ~~في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه ثم عاد، فقال: والذي نفسي بيده لو قلت ~~نعم لوجب، ولو وجب ما استطعتموه ولو تركتموه لكفرتم، ثم قال: إنما هي حجة ~~واحدة أو قال: مرة واحدة " # ونزل: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا.. }. ### || [5.101-102] # { يا أيها الذين ءامنوا لا تسألوا عن أشياء إن ~~تبد لكم تسؤكم }. وعن أبي عوانة أنه قال: سألت عكرمة عن قوله ~~تعالى: { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم }. ~~قال: ذلك يوم قام فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوه فأكثروا ~~عليه فغضب، وقال # " لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم " # فقام رجل فكره المسلمون يومئذ مقامه فقال: يا رسول الله، من أبي؟ فقال: ~~حذافة، يعني رجلا غير أبيه فقال: عمر بن الخطاب يا رسول الله، رضينا ~~بالله ربا وبك نبيا فنزلت هذه الآية. { لا تسألوا عن أشياء ~~إن تبد لكم تسؤكم }. وروي في خبر آخر أن رجلا سأله فقال: ~~أين أبي؟ فقال في النار. وروي عن نافع أنه سئل عن هذه الآية فقال: لم ~~تنزل منذ قط كثرة السؤال تكره. ثم قال تعالى: { وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن } يعني وقت الذي ينزل جبريل { تبد ~~لكم } يعني تظهر لكم. ويقال: فيها تقديم يعني، وإن تسألوا عنها تبد ~~لكم حين نزول القرآن ثم قال: { عفا الله عنها } يعني عن تلك ~~الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم { والله غفور } ~~ذو التجاوز { حليم } حيث لم يعجل عليكم بالعقوبة. ثم قال: { قد ~~سألها قوم } يعني عن هذه الأشياء { من قبلكم } ، حيث سألوا ~~المائدة من عيسى، وغيرهم سألوا أنبيائهم أشياء { ثم أصبحوا بها ~~كفرين }. يعني صاروا كافرين. ### || [5.103] # قوله تعالى: ms0450 { ما جعل الله من بحيرة } يعني ما جعل الله ~~حراما من بحيرة، لقولهم: إن الله أمرهم بتحريمها ونزلت في مشركي العرب ~~فكانت الناقة إذا ولدت البطن الخامس فإن كان الخامس ذكرا ذبحوه للآلهة ~~وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن مات أكله الرجال والنساء وإن كان الولد ~~الخامس أنثى شقوا أذنها وهي البحيرة ثم لا يجز لها وبر ولا يذكر ~~عليه اسم الله، وألبانها للرجال دون النساء فإذا ماتت اشترك فيها الرجال ~~والنساء. { ولا سآئبة } وأما السائبة: فهي الأنثى من الأنعام كلها ~~إذا قدم الرجل من سفره، أو برأ من مرضه أو بنى بناء سيب شيئا من الأنعام ~~للآلهة وخرجها من ملكه ويسلمها إلى سدنة البيت لآلهتهم ولا يركبونها وكان ~~صوفها وأولادها للرجال دون النساء. { ولا وصيلة } وأما الوصيلة: ~~فهي من الغنم إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان الولد السابع جديا ذبحوه ~~لآلهتهم وكان لحمه للرجال دون النساء وإن كانت عناقا كانوا يستعملونها ~~بمنزلة سائر الغنم، وإن كان جديا وعناقا قالوا: إن الأخت قد وصلت ~~بأخيها، فحرمتا جميعا. وكانت المنفعة للرجال دون النساء وإن ماتا تشارك ~~الرجال والنساء. { ولا حام } وأما الحام: فهو الفحل من الإبل إذا ركب ~~ولده قالوا: قد حمى ظهره، فيهمل ولا يحمل ولا يركب ولا يمنع من المياه ~~ولا عن المراعي، فإذا مات أكله الرجال والنساء، وكانوا يقولون هذه ~~الأشياء كلها من أحكام الله تعالى، قال الله تعالى: ما حرم الله هذه ~~الأشياء، { ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب }. وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: # " إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد إبراهيم - عليه ~~السلام - قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد ~~رأيته يجر قصبه في النار، يؤذي ريحه أهل النار، وإني لأعرف من بحر ~~البحائر، قالوا: من هو، يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج كانت له ~~ناقتان، فجدع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم ms0451 شرب ألبانها بعد ذلك، فلقد ~~رأيته في النار، وهو وهما يعضانه بأفواههما، ويخبطانه بأخفافهما " # ثم قال تعالى: { وأكثرهم لا يعقلون } يعني ليس لهم عقل ~~يعقلون أن الله هو المحلل والمحرم، وليس لغيره أن يحل ويحرم. ثم أخبر عن ~~جهلهم. ### || [5.104-105] # { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول } من تحليل ما حرمتم على أنفسكم، وما بين رسوله. ويقال: ~~تعالوا إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، { قالوا: حسبنا ما ~~وجدنا عليه ءابآءنا } من الدين والسنة. قال الله تعالى: { ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون }. ~~يعني أيتبعون آباءهم، وإن كان آباؤهم جهالا، فنهاهم الله عن التقليد، ~~وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة. وقوله تعالى: { يا أيها الذين ~~ءامنوا عليكم أنفسكم } معناه الزموا أنفسكم كما تقول: عليك ~~زيدا، معناه: إلزم زيدا، معناه: إلزموا أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب ~~غيركم، { لا يضركم } وأصل اللغة: لا يضرركم فأدغم أحد الراءين في ~~الثاني وضمت الثانية لالتقاء الساكنين وهذا جواب الشرط وموضعه الجزم. ~~وروي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه سئل عن هذه الآية فقال: إذا ~~رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ~~فعليكم بخويصة أنفسكم. وروى عمر بن جارية اللخمي عن أبي أمية قال: سألت ~~أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: # " يا أبا ثعلبة ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيت دنيا ~~مؤثرة وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك فإن من بعدكم ~~أيام الصبر المتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه له كأجر خمسين عاملا. ~~قالوا: يا رسول الله كأجر خمسين عاملا منهم، قال: لا، بل كأجر خمسين ~~عاملا منكم " # وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: (يا أيها الناس إنكم تتلون هذه الآية ~~على غير تأويلها إنه كان رجال طعموا بالإسلام وذاقوا حلاوته، وكانت لهم ~~قرابة من المشركين فأرادوا أن يذيقوهم حلاوة الإسلام وأن يدخلوهم في ~~الإسلام فنزل { عليكم أنفسكم ms0452 لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } والذي نفس أبي بكر بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون ~~عن المنكر أو ليعمنكم الله بعقاب من عنده. وروي عن أبي العالية أنه قال: ~~كانوا عند عبد الله بن مسعود فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس حتى قام ~~كل واحد منهما إلى صاحبه فقال بعضهم: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف فقال ~~بعضهم: عليك نفسك إن الله تعالى يقول: { عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل } يقول: لا يضركم ضلالة من ضل { إذا ~~اهتديتم } فقال ابن مسعود: مه لم يجىء تأويل هذه الآية بعد فما ~~دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا فمروا بالمعروف ~~وانهوا عن المنكر فإذا اختلفت القلوب والأهواء فعند ذلك جاء تأويلها. ~~وقوله تعالى: { لا يضركم من ضل } يقول: لا يضركم ضلالة من ضل ~~{ إذا اهتديتم } ، إذا ثبتم على الحق { إلى الله } تعالى { ~~مرجعكم جميعا } يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } في الدنيا. وقال في رواية الكلبي نزلت في «منذر بن عمرو» ~~بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل هجر ليدعوهم إلى الإسلام ~~فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: { لا يضركم من ضل }. ~~من أهل هجر وأقر بالجزية { إذا اهتديتم } إلى الله يعني آمنتم ~~بالله. ### || [5.106-108] # قوله تعالى: { يا أيها الذين ءامنوا شهدة بينكم ~~} (شهادة): رفع بالابتداء وخبره (اثنان) ومعناه شهادتكم فيما بينكم اثنان ~~مسلمان عدلان { إذا حضر أحدكم الموت } فأراد أن يشهد على ~~وصيته وكان مقيما، ولم يكن مسافرا فليشهد على وصيته اثنين مسلمين ~~{ حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ءاخران ~~من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } يعني إذا كنتم ~~في السفر ولم تقدروا على مسلمين فأشهدوا رجلين من غيركم، يعني من غير أهل ~~دينكم. وروى مغيرة عن إبراهيم قال إذا كان الرجل في سفر فلم يجد ~~المسلمين يشهدهما على وصيته فيشهد غير أهل دينه فإن اتهما حبسا من بعد ~~الصلاة فيغلظ عليهما في اليمين وإن شهد رجلان من الورثة أنهما خانا وكذبا ~~صدقا بما قالا، وأخذ من الآخرين ms0453 يعني من الشاهدين ما ادعى عليهما. وروي ~~عن مجاهد أنه قال: إذا مات المؤمن في السفر لا يحضره إلا كافران أشهدهما ~~على ذلك فإن رضي ورثته مما حلفا عليه من تركته فذلك، ويحلف الشاهدان ~~أنهما لصادقان، فإن ظهر أنهما خانا حلف اثنان من الورثة وأبطلا أيمان ~~الشاهدين. وروي عن شريح أنه قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في ~~السفر ولا تجوز في السفر إلا على الوصية. وهكذا قال إبراهيم النخعي وبه ~~قال ابن أبي ليلى واحتجوا بظاهر هذه الآية. وقال علماؤنا: لا يجوز شهادة ~~الذمي على المسلم في الوصية ولا في غيره. # وروي عن عكرمة أنه قال: { أو ءاخران من غيركم } قال: من غير ~~عشيرتكم، وكذلك قال الحسن: { أو ءاخران من غيركم } يعني من ~~غير قبيلتكم كلهم من أهل العدالة، قال: ألا ترى إلى قوله { ~~تحبسونهما من بعد الصلوة } وقال زيد بن أسلم: كان ذلك في ~~رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام وذلك كان في أول الإسلام، والأرض ~~أرض الحرب والناس كفار إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~بالمدينة. وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم، قال: أو آخران من غيركم ~~قال: هي منسوخة. وقال الضحاك: نسخت هذه الآية بقوله تعالى: # وأشهدوا ذوي عدل منكم # [الطلاق: 2] ورفع اليمين عن الشهود وأبطل شهادة أهل الذمة إلا بعضهم على ~~بعض. ويقال: لنزول هذه الآية قصة وذلك أن ثلاثة نفر خرجوا إلى السفر تميم ~~الداري وعدي بن زيد، وبديل بن ورقاء مولى العاص بن وائل السهمي أبي عمرو ~~بن العاص فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلما وأوصى إلى تميم الداري ~~وإلى عدي بن زيد وكانا نصرانيين وأمرهما أن يسلما أمتعته إلى أهله، وكتب ~~أسماء الأمتعة وأدرجه في ثيابه فلما قدما المدينة وسلما المتاع إلى أهله ~~فوجد أهله الكتاب وفيه أسماء الأمتعة، وفيه جام فضة لم يسلماه إليهم ~~فخاصمهما المطلب بن أبي وداعة وعمرو بن العاص إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فنزلت الآية: { إن أنتم ضربتم ms0454 في الأرض } ، { ~~فأصابتكم مصيبة الموت } بموت بديل بن ورقاء، { ~~تحبسونهما من بعد الصلوة } يعني صلاة العصر. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي بين الناس بعد صلاة العصر ~~فحلف الشاهدين فحلفا أنهما لم يكتما شيئا فذلك قوله تعالى: { إن ~~أنتم ضربتم في الأرض } يعني سافرتم في الأرض فأصابتكم في ~~السفر مصيبة الموت يعني موت بديل بن ورقاء تحبسونهما، يعني تقيمونهما من ~~بعد الصلاة، يعني صلاة العصر، عند منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - { ~~فيقسمان بالله إن ارتبتم } يعني ظننتم بالشاهدين ريبة، ~~أو شككتم في أمرهما { لا نشتري به ثمنا } يعني باليمين يعني أن ~~الشاهدين يحلفان بالله أنهما لم يشتريا بأيمانهما ثمنا قليلا من عرض ~~الدنيا { ولو كان ذا قربى } يعني ذا قرابة معنا في الرحم لأن ~~الميت كان بينه وبينهما قرابة { ولا نكتم شهدة الله } إن ~~سألنا عن ذلك، فإن كتمناها يعني الشهادة: { إنا إذا لمن ~~الآثمين } يعني الفاجرين ثم وجد الجام، أي الكأس بعد ذلك في أيديهما ~~يبيعانه في السوق وقالا: إنا كنا اشتريناه منه، فاختصموا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فنزل { فإن عثر على أنهما ~~استحقا إثما } يعني خانا وكتما شيئا من المال { فآخران } من ~~أولياء الميت { يقومان مقامهما } يعني مقام النصرانيين { من ~~الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~} يعني يحلف أولياء الميت أن المتاع متاع صاحبنا { لشهدتنا ~~أحق من شهدتهما } يعني يمين المسلمين وشهادتهما أحق، يعني ~~أولى من شهادة الكافرين { وما اعتدينا } في الشهادة والدعوى { ~~إنا إذا } اعتدينا فحينئذ { لمن الظلمين }. قرأ عاصم في ~~رواية حفص: (استحق) بنصب التاء، وقرأ الباقون: بضم التاء فمن قرأ بالنصب ~~جعل الذين نعتا للمدعين (ومعناه فآخران من المستحقين يقومان مقامهما، ~~ومن قرأ بالضم: جعل الذين نعتا للمدعى عليهم) وقرأ حمزة وعاصم في رواية ~~أبي بكر (الأولين) وقرأ الباقون: (الأوليان) فمن قرأ الأولين يجعله خفضا ~~لأنه بدل من الذين فكأنه يقول: من الأولين اللذين استحق عليهم. ومن قرأ: ~~(الأوليان) صار رفعا على البدل مما في يقومان المعنى فليقم الأوليان ~~بالميت. ms0455 قال القتبي: (الذين استحق عليهم الأوليان) وهما الوليان يقال: ~~هذا الأولى بفلان ثم يحذف من الكلام بفلان فيقال: هذا الأولى وهذان ~~الأوليان، كما يقال: هذا الأكبر، وهذان الأكبران، و (عليهم) ها هنا يعني ~~منهم يعني استحق منهم كما قال الله تعالى: # إذا اكتالوا على الناس يستوفون # [المطففين: 2] يعني من الناس يستوفون. قوله تعالى: { ذلك أدنى ~~أن يأتوا بالشهدة } يعني ذلك أحرى وأجدر. # أن يأتوا بالشهادة يعني يقيموا الشهادة { على وجهها } كما كانت، ~~يعني يقيموا شهادة المدعي مقام شهادة المدعى عليه إذا ظهرت الخيانة، لكي ~~لا يخونا في الشهادة ويأتيا بالشهادة على وجهها. ثم قال: { أو ~~يخفوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم } يعني إذا ~~خافا أن ترد اليمين إلى غيرهما امتنعا عن الكذب، وقد احتج بعض الناس بهذه ~~الآية بأن اليمين ترد إلى المدعي ولا حجة له فيه لأن رد اليمين حادثة ~~أخرى وهو ظهور الخيانة منهما. لأن دعوى الثاني دعوى الشرى ودعوى الأول ~~دعوى الكتمان ثم قال: { واتقوا الله } ولا تخونوا { واسمعوا ~~} ما تؤمرون به { والله لا يهدي القوم الفسقين }. ~~يعني الخائنين. ### || [5.109] # قوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل } (يوم) صار نصبا لأن ~~معناه اتقوا يوم يجمع الله الرسل { فيقول ماذا أجبتم } يقول ~~ماذا أجابكم قومكم في التوحيد. { قالوا: لا علم لنا } من هول ~~ذلك اليوم ومن شدة المسألة وهي في بعض مواطن يوم القيامة، قالوا: { ~~إنك أنت علم الغيوب } ما كان وما لم يكن. # وروى أسباط عن السدي قال: نزلوا منزلا ذهبت فيه العقول فلما سئلوا؟ ~~قالوا: لا علم لنا ثم نزلوا منزلا آخر فشهدوا على قومهم. ويقال: هذا عند ~~زفرة جهنم فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل عند ذلك إلا قال: نفسي نفسي ~~فعند ذلك قالوا: لا علم لنا. ويقال: كان ذلك عند أول البعث ثم يشهدون بعد ~~ذلك بتبليغ الرسالة. ### || [5.110] # { إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي ~~عليك } بالنبوة، وهذا في الآخرة { وعلى ولدتك }. ثم بين ~~النعمة التي أنعم الله عليه في الدنيا قال: ms0456 { إذ أيدتك بروح ~~القدس } يعني أعنتك بجبريل - عليه السلام - و { تكلم الناس ~~في المهد وكهلا } يعني بعد ثلاثين سنة حين أوحى الله إليه. قال ~~الكلبي: فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله ويقال: أوحي إليه وهو ~~ابن ثلاثين سنة ومكث في الرسالة ثلاث سنين ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين ~~سنة. قال: { وإذ علمتك الكتب والحكمة } يعني الخط ~~بالقلم، والحكمة يعني الفقه والفهم { والتوراة والإنجيل وإذ ~~تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها ~~} وقال في موضع آخر: # فأنفخ فيه # [عمران: 49] بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى الطير وقال ها هنا (فتنفخ ~~فيها) بلفظ التأنيث لأنه انصرف إلى الهيئة المتخذة. ويقال: فيها يعني في ~~الطين { فتكون طيرا بإذني }. قرأ نافع: (طائرا) بالألف وقرأ ~~الباقون: طيرا { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني. وإذ ~~تخرج الموتى بإذني } يعني تحيي الموتي بإذني يعني أحييته ~~بدعائك. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: التقى عيسى ابن مريم عليه السلام ~~وإبليس على عقبة من عقبات بيت المقدس فقال له إبليس أنت الذي بلغ من عظم ~~ربوبيتك أنك تكلم الناس في المهد صبيا وأنك أحييت الموتى وتبرىء الأكمه ~~والأبرص فقال عيسى عليه السلام: بل العظيم الذي بإذنه أحييت الموتى وهو ~~الذي أنطقني فقال إبليس: أنت إله الأرض فقال عيسى - عليه السلام -: بل ~~إله الأرض والسماء واحد فكان في ذلك حتى جاءه جبريل وضربه بجناحه وألقاه ~~في لجج البحار. ثم قال: { وإذ كففت بني إسرءيل عنك } إذ ~~هموا بقتلك { إذ جئتهم بالبينت } يعني بالعلامات والعجائب ~~{ فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر ~~مبين }. يعني سحر ظاهر. قرأ حمزة والكسائي: (ساحر) بالألف. وقرأ ~~الباقون: (سحر) بغير ألف فمن قرأ بالألف يعني هذا رجل ساحر، ومن قرأ بغير ~~ألف يعني هذا الفعل سحر، والاختلاف في أربع مواضع: ها هنا، وفي سورة ~~يونس، وفي سورة هود، وفي سورة الصف، قرأ حمزة والكسائي في هذا كله: ~~بالألف وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر في هذا كله بغير ألف وقرأ عاصم ~~وابن كثير: بغير ms0457 ألف إلا في سورة يونس. ### || [5.111-113] # وقوله تعالى: { وإذ أوحيت إلى الحواريين } يعني ~~ألهمتهم وألقيت في قلوبهم ويقال: أوحيت إلى عيسى ليبلغ الحواريين: { أن ~~آمنوا بي } يعني صدقوا بتوحيدي { وبرسولي } فلما أبلغهم الرسالة ~~{ قالوا: ءامنا } يقول: صدقنا بهما { واشهد } يا عيسى { ~~بأننا مسلمون }. أي مقرون ويقال: هذا معطوف على أول الكلام إذ ~~قال الله يا عيسى وقال له أيضا: وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني ألهمتهم. ~~وقال مقاتل: يقوم عيسى خطيبا يوم القيامة بهذه الآيات ويقوم إبليس ~~خطيبا لأهل النار بقوله: # إن الله وعدكم وعد الحق... # [إبراهيم: 22] الآية. قوله تعالى: { إذ قال الحواريون: ~~يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك }. قرأ الكسائي: ~~بالتاء (هل تستطيع ربك) وبنصب الباء وقرأ الباقون بالياء وبضم الباء ~~فمن قرأ: بالتاء (هل تستطيع ربك) معناه هل تستطيع أن تدعو ربك، ومن قرأ: ~~بالياء، معناه: هل يجيبك ربك؟. { أن ينزل علينا مائدة من ~~السماء } وذلك أن عيسى لما خرج اتبعه خمسة آلاف أو أقل أو أكثر، ~~بعضهم كانوا أصحابه، وبعضه كانوا يطلبون منه أن يدعو لهم لمرض كان بهم أو ~~علة أو كانوا زمنى أو عميانا وبعضهم كانوا ينظرون ويستهزئون، وبعضهم ~~نظارة فخرج إلى موضع فوقعوا في مفازة ولم يكن معهم نفقة فجاعوا فقالوا ~~للحواريين: قولوا لعيسى حتى يدعو الله تعالى بأن ينزل علينا مائدة من ~~السماء فجاءه شمعون فأخبره أن الناس يطلبون بأن تدعو الله أن ينزل عليهم ~~مائدة من السماء ف { قال } عيسى: قل لهم { اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين }. ويقال: هذا القول للحواريين: قل لهم اتقوا الله ~~إن كنتم مؤمنين، فلا تسألوا لأنفسكم البلاء فأخبر شمعون بذلك القوم ف { ~~قالوا } لشمعون قل له: { نريد أن نأكل منها } يعن المائدة ~~{ وتطمئن قلوبنا } يعني تسكن قلوبنا إلى ما دعوتنا إليه { ~~ونعلم أن قد صدقتنا } بأنك نبي { ونكون عليها من ~~الشهدين }. لمن غاب عنا ولمن بعدنا فقام عيسى وصلى ركعتين. ### || [5.114-115] # { قال عيسى ابن مريم: اللهم ربنا أنزل علينا ~~مائدة من السماء، تكون لنا عيدا لأولنا ~~وءاخرنا } وكان ms0458 يوم الأحد فصار ذلك اليوم عيدا لهم ويقال: { عيدا ~~لنا } يعني حجة لنا { وءاخرنا } يعني حجة لمن بعدنا { وآية ~~منك } يعني نزولها علامة منك لنبوتك { وارزقنا } يعني وأعطنا ~~المائدة { وأنت خير الرازقين } من غيرك. فأوحى الله تعالى إلى ~~عيسى بقوله: { قال الله: إني منزلها عليكم } ما سألتم ~~من المائدة { فمن يكفر بعد } يعني بعد نزول المائدة { منكم ~~} ويكفر بعيسى بعد أكله من المائدة { فإني أعذبه عذابا لا ~~أعذبه أحدا من العلمين }. يعني أحدا من الخلق. وقال ~~بعضهم: هذه كلمة تهديد ولم ينزل عليهم المائدة. وروي في بعض التفاسير ~~أنهم قالوا لعيسى: رضينا بما في هذه الآية فقال عيسى لشمعون وكان أكبر ~~الحواريين: هل معك شيء من الزاد؟ قال: نعم فجاءه بخمسة أرغفة وسمكتين ~~صغيرتين فقطعهما قطعا صغارا ثم قال: اجلسوا رفقاء فقعدوا عشرة عشرة ~~فألقى عيسى - عليه السلام - بين كل رفقة قدر ما يحمله بإصبعيه فجعل ~~الطعام يزيد حتى جاوز ركبتهم فشبعوا وفضل خمسة ثم عاد من الغد ففعل مثل ~~ما فعل بالأمس. وروي أن الرغيف والسمكتين نزلت من السماء وهم ينظرون ~~إليها وقيل: كانت مائدة [من در وقيل من بلور وقفت في الهواء فاجتمعوا ~~يأكلون منها وروي أن المائدة كان عليها الفواكه وكل شيء إلا الخبز ~~واللحم، وروي أن الجميع كانوا خمسة آلاف ونيفا]، وروي اثني عشر ألفا ~~والله أعلم بالصواب. # وقال عامة المفسرين: إن المائدة قد أنزلت عليهم. وروي عن سلمان الفارسي ~~أن عيسى - عليه السلام - قام ولبس جبة من شعر وقام ووضع يمينه على يساره ~~وطأطأ رأسه خاشعا لله تعالى وبكى حتى سالت الدموع على لحيته وصدره وهو ~~يدعو ويتضرع فنزلت مائدة من السماء فوقها منديل والناس ينظرون إليه وعيسى ~~- عليه السلام - ينظر ويبكي ويقول: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ~~حتى استقرت المائدة بين يدي عيسى والناس حوله. قال عيسى: بسم الله وكشف ~~المنديل للناس فإذا فيه سمكة مشوية لا شوك فيها والودك يسيل منها، ~~والخل عند رأسها، والملح عند ذنبها، وعليها أربعة أرغفة وعليها ألوان ms0459 ~~البقول إلا الكراث فقال: كلوا من رزق ربكم، فأكل منها ألف رجل ويقال: ~~خمسة آلاف رجل، ورجعت المائدة كما كانت. وقال بعضهم: نزلت يوما واحدا ~~ولم تنزل أكثر من ذلك وقال بعضهم ثلاثة أيام، وقال بعضهم سبعة أيام، وقال ~~بعضهم أكثر من ذلك فلما رجعوا عن ذلك الموضع شكوا فيه وكفروا فمسخهم الله ~~خنازير، وروي عن ابن عمر أنه قال: أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: ~~المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون. وروي عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي قال: نزلت المائدة خبزا وسمكة وعن عطية العوفي قال: كانت سمكة ~~فيها طعم كل شيء. ### || [5.116-118] # { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم } يعني يوم القيامة { ~~أأنت قلت للناس اتخذوني } روى أسباط عن السدي قال: لما رفع ~~عيسى، وقالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك سأله عن قولهم. ~~وقال الضحاك: يدعى بعيسى يوم القيامة ويدعى بالنصارى فيقفهم ويسأله ~~ليفضحهم على رؤوس الناس، وقال الزجاج: هو سؤال التوبيخ للذين اعتدوا ~~عليهم لأنهم مجمعون أنه صادق وأنه لا يكذبهم الصادق عنده وذلك أوكد في ~~الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ، والتوبيخ ضرب من العقوبة. ويقال: إن الله ~~تعالى لما قال لعيسى: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله } أخذته الرعدة من هيبة ذلك القول حتى ~~سمع صوت عظامه في نفسه { قال: سبحنك } فنزه الرب عن ذلك أن يكون ~~أمرهم بذلك فقال: { ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ~~} يقول ما ينبغي وما يجوز لي أن أقول ما ليس لي بحق يعني ليس بعدل أن ~~يعبدوا غيرك { إن كنت قلته } يعني إن قلت لهم ذلك القول { فقد ~~علمته } فإنك { تعلم ما في نفسي } يعني ما كان مني في ~~الدنيا { ولا أعلم ما في نفسك } يعني ولا أطلع على غيبك وما ~~كان منك وقال أهل اللغة: نفس الشيء: جملة الشيء وحقيقته وذاته، فمعناه ~~تعلم ما في ضميري ولا أعلم ما في حقيقتك وغيبك { إنك أنت علم ~~الغيوب } ما كان ms0460 وما يكون وقيل: تعلم ما في نفسي التي نسبت إلي ~~وأمرتني بالتسليم إليك ولا أعلم ما في نفسك التي سلمت إليك فأنت مالكها ~~بجميع ما كان وما يكون منها وأنت علام الغيوب قبل كونها وكون فعلها. قرأ ~~حمزة: (الغيوب) بكسر الغين ومعناهما واحد وقرأ نافع وعاصم وابن عامر (إني ~~منزلها) بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل، وأنزل ~~بمعنى واحد. ثم قال: { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به } ~~يعني في الدنيا بالتوحيد { أن اعبدوا الله } يعني وحدوا الله ~~وأطيعوه { ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا } يعني على ~~بني إسرائيل أي بلغتهم الرسالة. ويقال شهيدا يعني حفيظا بما أمرتهم { ~~ما دمت فيهم } يعني ما دمت مقيما في الدنيا بين أظهرهم { ~~فلما توفيتني } يعني رفعتني إلى السماء { كنت أنت ~~الرقيب عليهم } يعني الحفيظ والشاهد عليهم. { وأنت على ~~كل شيء شهيد } من مقالتي ومقالتهم وما أدري ما أحدثوا بعدي. { ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } قرأ ابن مسعود: (فإنك أنت ~~الغفور الرحيم) وقرأ غيره: (العزيز الحكيم) فإن قيل وكيف سأل المغفرة ~~للكفار قيل له: لأن عيسى علم أن بعضهم قد تاب ورجع عن ذلك فقال: (إن ~~تعذبهم) يعني الذين ماتوا على الكفر فإنهم عبادك وأنت القادر عليهم (وإن ~~تغفر لهم) يعني الذين أسلموا ورجعوا عن ذلك. # وقال بعضهم: احتمل أنه لم يكن في كتابه، أن الله لا يغفر أن يشرك به ~~فلهذا المعنى دعا لهم ولكن التأويل الأول أحسن، ويقال: إن تغفر لهم يعني ~~لكذبهم الذي قالوا علي خاصة لا لشركهم وهذا التأويل ليس بسديد. والأول ~~أحسن. وروي عن أبي ذر الغفاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ ~~هذه الآية ذات ليلة فرددها حتى أصبح: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~الآية. وقال بعضهم: [في الآية تقديم وتأخير ومعناه: إن تعذبهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم وأن تغفر لهم] فإنهم عبادك. ### || [5.119-120] # { قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم } ~~قرأ نافع: (هذا يوم) بالنصب، وقرأ الباقون: ms0461 بالرفع فمن قرأ بالنصب فعلى ~~الظرف أي قال الله تعالى هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، ومن قرأ ~~بالرفع فعلى معنى خبر هذا يعني هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم. ويقال: ~~ينفع النبيين صدقهم بتبليغ الرسالة. ويقال: ينفع المؤمنين إيمانهم { ~~لهم جنت تجري من تحتها الأنهر } يعني ثوابهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار { خلدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم } بالطاعة { ورضوا عنه } بالثواب { ذلك الفوز ~~العظيم } يعني المؤمنين فازوا بالجنة. قوله تعالى: { لله ملك ~~السموات والأرض } يعني خزائن السموات والأرض. { وما ~~فيهن } من الخلق كلهم عبيده وإماؤه. { وهو على كل شيء ~~قدير } يعني من خلق عيسى من غير بشر. والله أعلم بالصواب. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-3] # { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض } ~~وخاتمها خاتمة سورة هود: # ولله غيب السموت والأرض # [هود: 123] وقوله تعالى: { الحمد لله } حمد الرب نفسه ودل بصنعه ~~على توحيده { الذي خلق السموات والأرض } يعني خلق ~~السموات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم وخلق الأرض وما فيها. { ~~وجعل الظلمت والنور } يعني خلق الليل والنهار ويقال: ~~الكفر والإسلام. وقال الضحاك: هذه الآية نزلت في شأن المجوس قالوا: الله ~~خالق النور، والشيطان خالق الظلمة، فأنزل الله تعالى إكذابا لقولهم ~~وردا عليهم فقال: { وجعل الظلمت والنور } يعني أن الله ~~واحد لا شريك له وهو الذي خلق السماوات والأرض وهو الذي خلق الظلمات ~~والنور { ثم الذين كفروا } يعني المجوس { بربهم ~~يعدلون } يعني يشركون. ويقال (ثم الذين كفروا بربهم يعدلوا) يعني ~~مشركي مكة بربهم يعدلون يعني يعبدون الأصنام. ثم قال: { هو الذي ~~خلقكم من طين } يعني آدم وأنتم من ذريته ومن نسله { ثم قضى ~~أجلا } يعني أجل ابن آدم منذ يوم ولد إلى يوم يموت { وأجل ~~مسمى عنده } يعني البرزخ منذ يموت إلى يوم البعث فهو مكتوب في ~~اللوح المحفوظ. فهذا قول مقاتل والحسن وقال عكرمة: (أجلا) يعني أجل ~~الدنيا (وأجل مسمى) يعني أجل الآخرة وهكذا قال سعيد بن جبير: ويقال ~~(أجلا) يعني أجل واحد (وأجل مسمى) يعني يوم القيامة { ثم أنتم ~~تمترون ms0462 } يعني تشكون في البعث بعد الموت وفي الأجل المسمى. ثم قال: ~~{ وهو الله في السموات وفي الأرض } يعني هو المتفرد ~~بالتدبير في السماوات وفي الأرض. وهذا كقوله: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84] يعني وهو خالق السماوات والأرض. ويقال: هو الذي يوحد ويقر ~~بوحدانيته أهل السماوات والأرض ويقال: عالم بما في السماوات وبما في ~~الأرض. { يعلم سركم } يعني يعلم سر أعمالكم { وجهركم } ~~يعني علانيتكم { ويعلم ما تكسبون } من الخير والشر فيجازيكم ~~بذلك. ثم أخبر عن أمر المشركين فقال: { وما تأتيهم من آية ~~من آيات ربهم... }. ### || [6.4-6] # { وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا ~~كانوا عنها معرضين } ولم يتفكروا فيها ليعتبروا في توحيد الله ~~تعالى. وذلك أن مشركي مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يريهم علامة وقالوا: إنا نريد أن تدعو لينشق القمر نصفين، لنؤمن بك وبربك ~~ونصدقك فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانشق القمر شقتين. وذهب ~~أحد النصفين إلى جانب حراء والآخر إلى جانب آخر وهم ينظرون إليه. وقال ~~ابن مسعود: أنا رأيت حراء بين فلقتي القمر. فأعرضوا عنه فلم يؤمنوا ~~وقالوا هذا سحر مبين فنزلت # اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا ءاية ~~يعرضوا # [القمر: 1،2] ونزلت هذه الآية: { وما تأتيهم من ءاية من ~~ءايت ربهم } يعني انشقاق القمر { إلا كانوا عنها ~~معرضين } ، يقول الله تعالى: { فقد كذبوا بالحق لما ~~جاءهم } يعني بالقرآن حين جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~واستهزؤوا بالقرآن. بأنه ليس من الله تعالى { فسوف يأتيهم ~~أنباء } يعني سيعلمون جزاء تكذيبهم واستهزائهم بالقرآن بأنه ليس من ~~الله تعالى. ويقال: يأتيهم أخبار { ما كانوا به يستهزئون } ~~من العذاب حين رأوها معاينة. فهذا وعيد لهم أنه يصل إليهم العذاب إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة. ثم وعظهم ليخافوا ويرجعوا فقال: { ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } يعني من قبل كفار ~~مكة { مكنهم في الأرض } يعني مكناهم وأعطيناهم من المال ~~والولد { ما لم نمكن لكم } يا أهل مكة ms0463 { وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا } يعني المطر متتابعا كلما احتاجوا ~~إليه { وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم ~~فأهلكنهم } يعني عذبناهم { بذنوبهم } وبتكذيبهم رسلهم { ~~وأنشأنا من بعدهم } يعني وجعلنا من بعد هلاكهم { قرنا ~~آخرين } قال الزجاج: القرن أهل كل [مدة] فيها نبي، أو فيها طبقة من ~~أهل العلم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " خير القرون أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ". ### || [6.7-10] # ثم قال: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } ذلك أن ~~النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية وغيرهما، قالوا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء، قال الله ~~تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } يقول: ~~مكتوبا في صحيفة { فلمسوه بأيديهم } يقول: عاينوه وأخذوه ~~بأيديهم ما يصدقونه { لقال الذين كفروا } يعني يقول الذين ~~كفروا: { إن هذا إلا سحر مبين } ولا يؤمنون به. { ~~وقالوا: لولا أنزل عليه ملك } من السماء فيكون معه ~~نذيرا فقال الله تعالى: { ولو أنزلنا ملكا } من السماء { ~~لقضي الأمر } يعني لهلكوا إذا عاينوا الملك ولم يؤمنوا ولم يصدقوا ~~لنزل العذاب بهم { ثم لا ينظرون } يعني لا ينتظر بهم حتى يعذبوا. ~~ويقال: لو نزل الملك لنزل بإهلاكهم. ويقال: لو أنزلنا ملكا لا يستطيعون ~~النظر إليه فيموتوا. ثم قال: { ولو جعلنه ملكا } يعني لو ~~أنزلنا ملكا بالنبوة { لجعلنه رجلا } يعني لأنزلناه على شبه ~~رجل على صورة آدمي ألا ترى أنهم حين جاءوا إلى إبراهيم - عليه السلام - ~~جاءوا على صورة الضيفان، وعلى داود - عليه السلام - مثل خصمين وكان جبريل ~~- عليه السلام - ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صورة ~~دحية الكلبي. ثم قال: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } يعني ~~لو نزل الملك على أشباه الآدميين لا يزول عنهم الاشتباه والتلبس. وروى ~~بعضهم عن ابن عامر أنه قرأ: (ما يلبسون) بنصب الباء يعني جعلنا عليه من ~~الثياب ما يلبسونه على أنفسهم ظنوا أنه آدمي والقراءة المعروفة: بالكسر ~~يقال: لبس يلبس إذا لبس الثوب ولبس يلبس: إذا خلط الأمر. وقال القتبي: ms0464 ~~(وللبسنا) يعني أضللناهم بما ضلوا به من قبل أن يبعث الملك. ثم قال: { ~~ولقد استهزىء برسل من قبلك } يا محمد كما استهزأ بك ~~قومك في أمر العذاب { فحاق بالذين } يقول: وجب ونزل بالذين { ~~سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } بالرسل ويقال: ~~فحاق أي رجع. وقال أهل اللغة: الحيق، ما يشتمل على الإنسان من مكروه ~~فعلته نفسه كقوله: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. وقال الضحاك: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا في ~~المسجد الحرام مع المستضعفين من المؤمنين بلال بن رباح، وصهيب بن سنان، ~~وعمار بن ياسر وغيرهم. فمر بهم أبو جهل بن هشام في ملأ من قريش وقال: ~~يزعم محمد أن هؤلاء ملوك أهل الجنة فأنزل الله تعالى على رسوله هذه الآية ~~ليثبت بها فؤاده ويصبره على أذاهم فقال: { ولقد استهزىء برسل ~~من قبلك } يعني إن سخر أهل مكة من أصحابك فقد فعل ذلك الجهلة ~~برسلهم فجعل الله تعالى دائرة السوء على أهل ذلك الاستهزاء. ثم أمر ~~المشركين بأن يعتبروا بمن قبلهم وينظروا إلى آثارهم في الأرض. ### || [6.11-12] # فقال: { قل سيروا في الأرض } يعني قل لأهل مكة سافروا في الأرض ~~{ ثم انظروا } يعني اعتبروا { كيف كان عقبة } يعني آخر ~~أمر { المكذبين } بالرسل والكتب. وقال الحسن: { سيروا في ~~الأرض } يعني اقرأوا القرآن فانظروا كيف كان عاقبة المتقدمين في ~~العذاب. فقال أهل مكة للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن فعلت هذا الفعل ~~لطلب المال فاترك هذا الفعل إنا نجمع لك مالا تصير به أغنى أهل مكة فنزل ~~قوله تعالى: { قل لمن ما في السماوات والأرض } فإن ~~أجابوك وإلا ف { قل لله } يعني ما في السماوات وما في الأرض يعطي ~~منها من يشاء. ثم قال: { كتب على نفسه الرحمة } فلا ~~يعذبكم في الدنيا. وروى عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " إن لله مائة رحمة أنزل منها واحدة فقسمها بين الخلائق فبها يتراحمون ~~وبها تعطف الوحوش على أولادها وادخر لنفسه تسعة وتسعين رحمة يرحم بها ~~عباده ms0465 يوم القيامة " # ويقال: كتب الرحمة حيث أمهلهم ولم يهلكهم ليرجعوا ويتوبوا. ثم قال: { ~~ليجمعنكم إلى يوم القيمة } يعني ليجمعنكم يوم ~~القيامة وهذا كما يقال: جمعت هؤلاء إلى هؤلاء أي ضممت بينهم في الجمع { ~~لا ريب فيه } يعني في البعث أنه كائن. ثم نعتهم فقال: { الذين ~~خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } قال بعضهم: هذا ابتداء ~~وخبره لا يؤمنون وقال بعضهم: هذا بدل من قوله: ليجمعنكم. ثم عظم نفسه ~~فقال: { وله ما سكن في الليل والنهار.. }. ### || [6.13-16] # { وله ما سكن } يعني ما استقر { في الليل والنهار } ~~من الدواب والطير في البر والبحر فمنها ما يستقر في الليل وينتشر بالنهار ~~ومنها ما يستقر بالنهار وينتشر الليل. ثم قال: { وهو السميع ~~العليم } يعني السميع لمقالتهم، العليم بعقوبتهم. ثم قال: { قل ~~أغير الله أتخذ وليا } وذلك أن المشركين قالوا للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: إن آباءك كانوا على مذهبنا وإنما تركت مذهبهم ~~للحاجة فارجع إلى مذهب آبائك حتى نغنيك بالمال فنزلت { قل أغير ~~الله أتخذ وليا } يعني أعبد ربا. { فاطر السموات ~~والأرض } يعني خالق السموات والأرض ويقال: مبتدئهما. ومنه قول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: # " كل مولود يولد على الفطرة " # أي على ابتداء الخلقة وهو الإقرار بالله حين أخذ عليهم العهد في أصلاب ~~آباءهم، وإنما صار (فاطر) كسرا لأنه من صفة الله تعالى يعني أغير الله ~~فاطر السماوات والأرض. وقال الزجاج: يجوز الضم على معنى هو فاطر ~~السماوات والأرض، ويجوز النصب على معنى: اذكروا فاطر السماوات، إلا أن ~~الاختيار الكسر. ثم قال: { وهو يطعم ولا يطعم } يعني يرزق ~~ويقال: وهو يرزق ولا يعان على رزق الخلق. وقرأ بعضهم: (وهو يطعم ولا ~~يطعم) بنصب الياء يعني يرزق ولا يأكل. ثم قال: { قل إني أمرت ~~أن أكون أول من أسلم } من أهل مكة يعني أول من أسلم من ~~أهل مكة واستقام على التوحيد { ولا تكونن من المشركين } ~~يعني وقال لي ربي: لا تكونن من المشركين بقولهم: ارجع إلى دين آبائك. ~~وقوله تعالى: { قل إني أخاف إن عصيت ms0466 ربي } يعني إني ~~أعلم إن عصيت ربي فرجعت إلى آبائي وعبدت غيره { عذاب يوم عظيم } ~~يعني عذابا شديدا في يوم القيامة. { من يصرف عنه } سوء العذاب ~~{ يومئذ فقد رحمه } يعني غفر له وعصمه. [قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عامر وعاصم في رواية حفص (من يصرف عنه)] بضم الياء ونصب الراء على ~~معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: ~~(من يصرف) بنصب الياء ومعناه، من يصرف الله عنه ولأنه سبق ذكر قوله: ~~(ربي) فانصرف إليه. ثم قال: { وذلك الفوز المبين } يعني صرف ~~العذاب: هو النجاة الوافرة. وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لا ينجو أحد بعمله قالوا: يا ~~رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " # يعني أن الخلق كلهم ينجون برحمة الله تعالى. ثم خوفه ليتمسك بدينه. ### || [6.17-19] # { وإن يمسسك الله بضر } يعني إن يصبك الله بشدة أو بلاء { ~~فلا كشف له إلا هو } يعني لا يقدر أحد من الآلهة التي ~~يدعونها ولا غيرها كشف الضر إلا الله تعالى. { وإن يمسسك بخير ~~} يقول: وإن يصبك بسعة أو صحة الجسم فإنه لا يقدر أحد على دفع ذلك { ~~فهو على كل شيء قدير } من الغنى والفقر والعافية. ثم قال: ~~{ وهو القاهر فوق عباده } الغالب والعالي عليهم. ويقال: ~~القادر والمالك عليهم { وهو الحكيم } في أمره { الخبير } ~~بأفعال الخلق. ثم قال: { قل: أي شيء أكبر شهدة } وذلك ~~أن كفار مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد ألا وجد الله ~~رسولا غيرك وما نرى أحدا من أهل الكتاب يصدقك بما تقول، فأرنا من يشهد ~~لك أنك رسوله. فقال الله تعالى: { قل }: لأهل مكة { أي شيء ~~أكبر شهدة } يعني حجة وبرهانا. ويقال: من أكبر شهادة؟ فإن ~~أجابوك وإلا ف { قل: الله شهيد بيني وبينكم } بأني ~~رسول الله. والشهيد في اللغة: هو المبين وإنما سمى الشاهد شاهدا لأنه ms0467 ~~يبين دعوى المدعي بأمر الله نبيه - عليه السلام - بأن يحتج عليهم بالله ~~الواحد القهار، الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور وخلقهم ~~أطوارا. ثم قال: { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ~~به } يعني لأخوفكم بالقرآن يا أهل مكة { ومن بلغ } يعني ومن بلغه ~~القرآن سواكم فأنا نذير وبشير من بلغه القرآن من الجن والإنس. قال قتادة: ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " بلغوا عني ولو آية من كتاب الله تعالى، فمن بلغه فكأنما عاين رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وكلمه " # وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم قرأ: { لأنذركم به ومن بلغ } وقال ~~مجاهد: { لأنذركم به } يعني أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -: ~~{ ومن بلغ } يعني من العجم وغيرهم. ثم قال: { أءنكم ~~لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } من الأصنام فإن ~~قالوا: نعم { قل: لا أشهد } بما شهدتم ولكن { قل } أشهد { ~~إنما هو إله وحد وإنني بريء مما تشركون } ~~من الأصنام والأوثان. ### || [6.20-23] # { الذين آتيناهم الكتاب } يعني التوراة والإنجيل { ~~يعرفونه } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - بنعته وصفته { كما ~~يعرفون أبناءهم }. وقال عبد الله بن سلام: أنا أعرف بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من إبني لأني أشهد أنه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا أشهد لابني لأني لا أدري ما أحدثت النساء بعدي. ثم قال: { ~~الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } يعني كعب بن ~~الأشرف ومن تابعه ممن طلبوا الرئاسة آثروا الدنيا على الآخرة. قوله ~~تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~يعني ممن اختلق على الله كذبا باتخاذ الآلهة، وقوله الشرك { أو ~~كذب بآياته } يعني بالقرآن أنه ليس من عند الله { إنه لا ~~يفلح الظلمون } يعني أنه لا يأمن الكافرون من عذابه. قال في ~~اللغة: (إنه): مرة تكون الإشارة مثل قوله: # إنه هو الغفور الرحيم # [يوسف: 98] ومرة تكون للعماد مثل قوله تعالى: # إنه لا يفلح الكفرون # [المؤمنون: 117] و { أنه لا يفلح الظلمون } وقوله ~~تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا ms0468 } يوم القيامة { ثم نقول ~~للذين أشركوا: أين شركاؤكم الذين كنتم ~~تزعمون } يعني أين آلهتكم التي تزعمون يعني تعبدون من دون الله { ~~ثم لم تكن فتنتهم } وأصل الفتنة في اللغة: هو الإختبار ~~ويقال: فتنت الذهب في النار إذا أدخلته لتعلم جودته، وإنما سمي جوابهم ~~فتنة. لأنهم حين سئلوا اختبروا بما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب من ذلك ~~الإختبار فتنة إلا هذا القول. ويقال: ثم لم تكن معذرتهم وجوابهم { إلا ~~أن قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين }. [قال مجاهد] ~~إن المشركين لما رأوا يوم القيامة: أن الله لا يغفر ذنوبهم يقول بعضهم ~~لبعض: يا ويلكم جئتم بما لا يغفر الله لكم هلموا الآن فلنكذب على ~~أنفسنا ونحلف على ذلك فحلفوا فحينئذ ختم على أفواههم فتشهد أيديهم ~~وأرجلهم عليهم. قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص: (ثم لم تكن ~~فتنتهم) بالتاء لأن الفتنة مؤنث (فتنتهم) بضم التاء لأنه اسم تكن. وقرأ ~~حمزة والكسائي: (ثم لم يكن) بالياء لأن الفتنة وإن كانت مؤنثة إلا أن ~~تأنيثه ليس بحقيقي ولأن الفتنة بمعنى الافتان فانصرف إلى المعنى (فتنتهم) ~~بالنصب فجعلاه خبر تكن والاسم ما بعده وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في ~~رواية أبي بكر: (ثم لم تكن) بالتاء والنصب وقرأ حمزة والكسائي: (والله ~~ربنا) بنصب الباء ومعناه يا ربنا وقرأ الباقون: (والله ربنا) بكسر ~~الباء على معنى النعت. قال الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم أي كيف صار وبال تكذيبهم على أنفسهم. ويقال: يقول ~~الله تعالى للملائكة: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم.. }. ### || [6.24-26] # { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ، يعني انظر إليهم كيف ~~يكذبون على أنفسهم { وضل عنهم } يعني ذهب عنهم. ويقال: اشتغل عنهم ~~الآلهة بأنفسها { ما كانوا يفترون } على الله من الكذب في ~~الدنيا. قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك } يعني إلى ~~حديثك وقراءتك يعني يستمعون ولا ينفعهم ذلك { وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة أن يفقهوه } يعني غطاء مجازا لكفرهم { ~~وفي آذانهم وقرا } يعني صمما وثقلا لا يفقهون حديثك. ms0469 وقال ~~قتادة: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا، كمثل البهيمة التي تسمع ~~القول ولا تدري ما هو. ثم قال: { وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها } يعني انشقاق القمر، وغيره { حتى إذا جآءوك ~~يجادلونك } يعني يخاصمونك بالباطل، وينكرون أن القرآن من الله ~~تعالى { يقول الذين كفروا إن هذا إلا أسطير ~~الأولين } وذلك أن النضر بن الحارث كان يخبر أهل مكة بسير المتقدمين ~~وبأخباهم، فقالوا له: ما ترى فيما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~لا أفهم مما يقول شيئا، ولا أدري أنه من أساطير الأولين الذي أخبركم به ~~مثل حديث رستم واسفنديار، وقال القتبي: واحدها أسطورة واسطارة ومعناها: ~~الترهات والأباطيل البسابس، وهي شيء لا نظام له وليس بشيء وفي هذا ~~دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم ~~بالسر فيظهر الله أسرارهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -. قوله تعالى: { ~~وهم ينهون عنه وينأون عنه } يعني أهل مكة ينهون ~~الناس عن محمد أن يتبعوه ويتباعدون عنه، أي يتنافرون. ويقال: نزل في شأن ~~أبي طالب كان يقول للنبي - عليه السلام -: أن قريشا لن يصلوا إليك حتى ~~أوسد في التراب فامض يا ابن أخي فما عليك غضاضة يعني ذلا وكان لا يسلم ~~لأجل المقالة. فنزل { وهم ينهون عنه } يعني أبا طالب ينهى ~~قريشا عن إيذائه وينأى عنه ويتباعد عن دينه. وهذا قول الكلبي، والضحاك ~~ومقاتل. والقول الأول أيضا قول الكلبي. ثم قال: { وإن يهلكون ~~إلا أنفسهم } يعني وما يهلكون إلا أنفسهم { وما يشعرون } ~~بذلك. ### || [6.27-28] # { ولو ترى إذ وقفوا على النار }. قال الكلبي: يعني ~~حبسوا على النار وقال مقاتل يعني عرضوا على النار. وقال الضحاك: يعني ~~جمعوا على أبوابها ويقال: وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم. وروي في ~~الخبر: أن الناس كلهم وقفوا على متن جهنم، كأنها متن الأهالة ثم نادى ~~مناد، خذي أصحابك ودعي أصحابي. ثم قال: { فقالوا يليتنا نرد ~~} إلى الدنيا ولم يذكر في الآية الجواب لأن في الكلام ما دل عليه فكأنه ~~يقول: ولو ترى ms0470 يا محمد كفار قريش حين وقفوا على النار لعجبت من ذلك ~~فقالوا: يا ليتنا نرد إلى الدنيا { ولا نكذب بآيت ربنا ~~ونكون من المؤمنين } قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ~~(ولا نكذب [بالنصب (ونكون) بالنصب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم ~~في رواية أبي بكر: (ولا نكذب)] ونكون) كلاهما بالضم على معنى الخبر. ومن ~~قرأ بالنصب فلأنه جواب التمني وجواب التمني إذا كان بالواو والفاء يكون ~~بالنصب كقولك: ليتك تصير إلينا ونكرمك. وقرأ بعضهم: (ولا نكذب) بالضم ~~و(ونكون) بالنصب في رواية هشام بن عمار عن ابن عامر. وقرأ عبد الله بن ~~مسعود: (فلا نكذب) بالفاء. قوله تعالى: { بل بدا لهم } يعني ظهر ~~لهم { ما كانوا يخفون من قبل } بألسنتهم لأن الجوارح تشهد ~~عليهم بالشرك، فحينئذ يتمنون الرجعة { ولو ردوا } إلى الدنيا { ~~لعدوا لما نهوا عنه } يعني رجعوا إلى كفرهم { وإنهم ~~لكذبون } في قولهم: { ولا نكذب بآيت ربنا } لأنهم ~~قد علموا في الدنيا وعاينوه وقد عاين إبليس وشاهد، ومع ذلك كفر وكذلك ها ~~هنا لو رجعوا لكفروا كما كفروا من قبل: لأنك ترى في الدنيا إنسانا أصابه ~~مرض أو حبس في السجن أخلص بالتوبة لله تعالى أن لا يرجع إلى الفسق فإذا ~~برأ من مرضه أو أطلق من الحبس رجع إلى الحال الأول. ### || [6.29-31] # قوله تعالى: { وقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا } ~~يعني ما هي إلا آجالنا تنقضي في الدنيا، فيموت الآباء، ويجيء الأبناء { ~~وما نحن بمبعوثين } بعد الموت فيبين الله تعالى حالهم يومئذ ~~فقال: { ولو ترى إذ وقفوا } يعني عرضوا وسيقوا وحبسوا { ~~على ربهم } يعني عند ربهم وعند عذاب ربهم { قال: أليس ~~هذا } يعني العذاب والبعث { بالحق قالوا: بلى وربنا } ~~أقروا في وقت لا ينفعهم الإقرار { قال: فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون } به وتجحدونه. قوله تعالى: { قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله } يعني غبن الذين جحدوا بالله وبالبعث حين ~~اختاروا العقوبة على الثواب { حتى إذا جاءتهم الساعة ~~بغتة } يعني فجأة ومعناه أنهم جحدوا وثبتوا على جحودهم حتى ms0471 إذا ~~جاءتهم القيامة { قالوا يا حسرتنا } يعني يا ندامتنا وخزينا ~~والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم تقع فيه جعلته ~~نداء كقوله: { يا حسرتنا } و # يويلتنا # [الكهف: 49] و (يا ندامتنا) { على ما فرطنا } يعني ضيعنا ~~وتركنا العمل { فيها } يعني في الدنيا من عمل الآخرة { وهم ~~يحملون أوزارهم } يعني آثامهم { على ظهورهم } يعني ~~إنهم يحملون آثامهم. وروى أسباط عن السدي قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره ~~إلا آتاه ملك قبيح الوجه، أسود اللون. منتن الريح عليه ثياب دنسة فإذا ~~رآه قال: ما أقبح وجهك فيقول: كذلك كان عملك قبيحا فيقول: ما أنتن ريحك ~~فيقول: كذلك كان عملك منتنا فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك. فيكون معه ~~في قبره فإذا بعث يوم القيامة قال له إني كنت أحملك في الدنيا باللذات ~~والشهوات فأنت اليوم تحملني. فيركب على ظهره حتى يدخله النار قال: وذلك ~~قوله: { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } وذلك على ~~سبيل المجاز يعني يحملون وبال ذلك [على ظهورهم] وعقوبته ويقال: وقرت ~~ظهورهم من الآثام ثقلت وحملت وأصل الوزر في اللغة: هو الثقل. ثم قال: { ~~ألا ساء ما يزرون } يعني يحملون. ### || [6.32] # قوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو } ~~يعني لعب كلعب الصبيان يبنون بنيانا ثم يهدمونه ويلعبون ويلهون ويبنون ~~ما لا يسكنون [كذلك أهل الدنيا يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون] ~~ويأملون ما لا يدركون. ثم قال: { وللدار الآخرة } يعني الجنة { ~~خير للذين يتقون } الشرك والفواحش { أفلا تعقلون } ~~أي أن الآخرة أفضل من الدنيا. قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بلام ~~واحدة بالتخفيف وبكسر الآخرة على معنى الإضافة [وقرأ الباقون: (وللدار ~~الآخرة) بلامين والآخرة بالضم على معنى النعت] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ~~في رواية حفص: (أفلا تعقلون) بالتاء على معنى المخاطبة. والباقون بالياء ~~على معنى المغايبة. ### || [6.33-35] # قوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } ~~روى سفيان عن أبي إسحق عن ناجية بن كعب قال: قال أبو جهل للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما ms0472 نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية. وروى ~~أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: # " جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حزين، فقال: ما ~~يحزنك؟ قال: كذبني هؤلاء. فقال: إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق " # فنزلت هذه الآية: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون } من تكذيبهم إياك في العلانية { فإنهم لا ~~يكذبونك } في السر ويعلمون أنك صادق وكانوا يسمونه أمينا قبل أن ~~يوحي إليه فلما أوحي إليه كذبوه، فقال { ولكن الظلمين ~~بآيت الله يجحدون } وهم يعلمون أنك صادق. والجحد يكون ممن ~~علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14] قرأ نافع والكسائي: (فإنهم لا يكذبونك) بالتخفيف وقرأ ~~الباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذبا، ومن ~~قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم لا ينسبونك إلى الكذب ولا يكذبونك في السر، ~~وقرأ نافع: (يحزنك) برفع الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون (ليحزنك) بنصب ~~الياء وضم الزاي ومعناهما واحد. ثم عزاه ليصبر على أذاهم فقال: { ~~ولقد كذبت رسل من قبلك } يعني أن قومهم كذبوهم كما ~~كذبك قريش { فصبروا على ما كذبوا وأوذوا } يعني صبروا ~~على تكذيبهم وأذاهم { حتى أتهم نصرنا } يعني عذابنا ~~لهلاكهم { ولا مبدل لكلمت الله } يعني لا مغير لوعد ~~الله فهذا وعد من الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالنصرة، كما ~~نصر النبيين من قبله. ثم قال: { ولقد جاءك من نبإ ~~المرسلين } يعني من خبر المرسلين كيف أنجيت المرسلين وكيف أهلكت ~~قومهم. فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - تعجل ~~أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار، فنزل: { وإن كان كبر ~~عليك إعراضهم } خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد به ~~قومه، فقال: إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك ~~{ فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض } يعني إن قدرت ~~أن تطلب سربا في الأرض والنافقاء، إحدى جحري اليربوع { أو سلما ~~في السماء } يعني مصعدا إلى السماء { فتأتيهم بآية } ~~فافعل ذلك ms0473 على وجه الإضمار وهذا كما قال في آية أخرى: # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء # [الحج: 15] الآية. وروى محمد بن المنكدر: # " أن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله أمر السماء أن ~~تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل ~~عذابا عليهم. قال: " يا جبريل أؤخر عن أمتي، لعل الله أن يتوب عليهم " # ثم قال: { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } يعني ~~لهداهم إلى الإيمان. ويقال: ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى، كما قال في آية ~~أخرى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء ءاية فظلت ~~أعنقهم لها خضعين # [الشعراء: 4] (ومعناه ولو شاء الله لجمعهم على الهدى قهرا وجبرا، ولكن ~~ما فعل، وكلفهم وتركهم فاختيارهم). ثم قال: { فلا تكونن من ~~الجهلين } يعني بأنه لو شاء لهداهم. وقال الضحاك: يعني القدر خيره ~~وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان. ### || [6.36-38] # ثم قال: { إنما يستجيب الذين يسمعون } يعني يطيعك ~~ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ. قال الزجاج: يعني يسمع ~~سماع قابل، فالذي لا يقبل كأنه أصم كما قال القائل: أصم عما ساءه سميع. ~~ويقال: فلا تكونن من الجاهلين، بأنه يؤمن بك بعضهم، ولن يؤمن بك البعض، ~~وإنما يؤمن بك الذي وفقه الله للهدى، وهو أهل لذلك وقال: { إنما ~~يستجيب الذين يسمعون } يعني يعقلون الموعظة. ثم قال: { ~~والموتى يبعثهم الله } أي كفار مكة سماهم الله موتى لأنه ~~لا منفعة لهم في حياتهم { يبعثهم الله } يعني يحييهم بعد الموت ~~{ ثم إليه يرجعون } يعني الكفار في الآخرة فينبئهم، فهذا ~~تهديد لهم. وقوله تعالى: { وقالوا لولا نزل عليه ءاية ~~من ربه } يعني الكفار قالوا: هلا نزل عليه آية من ربه يعني علامة ~~لنبوته. { قل: إن الله قادر على أن ينزل ءاية } ~~كما سألوك { ولكن أكثرهم لا يعلمون } بأن الله قادر ~~على أن ينزلها. ويقال: لا يعلمون بما في نزول الآية، لأنه لو نزلت الآية ~~عليهم فلم يؤمنون به، استوجبوا ms0474 العذاب. قوله تعالى: { وما من دابة ~~في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } فذكر الجناحين ~~للتأكيد، لأنه يقال: طار في الأمر، إذا أسرع فيه، فإذا ذكر الجناحين صار ~~تأكيدا له. وقرأ بعضهم (ولا طائر) بالضم، لأن معناه، وما دابة في ~~الأرض ولا طائر لأن (من) زيادة فيكون الطائر عطفا ورفعا، وهي قراءة ~~شاذة، ثم قال: { إلا أمم أمثلكم } في الخلق والموت والبعث، ~~تعرف بأسمائهم { ما فرطنا } يقول: ما تركنا { في الكتب من ~~شيء } يعني في اللوح المحفوظ مما يحتاج إليه الخلق، إلا قد بيناه، ~~ويقال: في القرآن. قد بين كل شيء يحتاج إليه { ثم إلى ربهم ~~يحشرون } يعني الدواب والطير يحشرون ثم يصيرون ترابا. وروى جعفر بن ~~برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: يحشر الله تعالى الخلق ~~كلهم يوم القيامة، والبهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عدله أن ~~يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا. وعن أبي ذر قال: # " انتطحت شاتان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أبا ذر، هل ~~تدري فيما انتطحتا؟ قلت: لا، قال: لكن الله تعالى يدري فسيقضي بينهما " # وقال بعضهم: هذا على وجه المثل لأنه لا يجري عليهم القلم فلا يجوز أن ~~يؤاخذوا به. ### || [6.39-43] # ثم قال: { والذين كذبوا بآياتنا } يعني محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - والقرآن { صم } عن الخبر، فلا يسمعون الهدى { وبكم } ~~يعني خرسا فلا يتكلمون بخير { في الظلمت } يعني في الضلالات { ~~من يشآء الله يضلله } يعني يخذله فيموت على الكفر { ومن ~~يشأ يجعله على صرط مستقيم } يعني يستنقذه من الكفر ~~فيوفقه للإسلام. ثم قال: { قل أرأيتكم } الكاف زيادة في بيان ~~الخطاب { إن أتكم عذاب الله } في الدنيا { أو أتتكم ~~الساعة } يعني القيامة. ثم رجع إلى عذاب الدنيا فقال: { أغير ~~الله تدعون } ليدفع عنكم العذاب { إن كنتم صدقين } بأن ~~مع الله آلهة أخرى قوله تعالى: { بل إيه تدعون } قال أهل ~~اللغة: بل للاستدراك والإيجاب بعد النفي، وإنما تستعمل في موضعين: أحدهما ~~لتدارك الغلط، والثاني: لترك شيء وأخذ شيء ms0475 آخر فها هنا بين أنهم لا يدعون ~~غير الله تعالى، وإنما يدعون الله عنهم ليكشف عنهم العذاب { فيكشف ~~ما تدعون إليه إن شاء } وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة، ~~لأن كشف العذاب فضل الله تعالى، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، ثم قال: ~~{ وتنسون ما تشركون } يعني تتركون دعاء الآلهة عند نزول ~~الشدة. ثم ذكر حال الأمم الماضية لكي يعتبروا فقال عز وجل: { ولقد ~~أرسلنا إلى أمم من قبلك } فكذبوهم على وجه الإضمار { ~~فأخذنهم بالبأساء } يعني بالخوف والشدة { والضراء } ~~يعني الزمانة والفقر وسوء الحال والجوع. وقال الزجاج: البأساء: الجوع، ~~والضراء: النقص في الأموال والأنفس. { لعلهم يتضرعون } يعني ~~لكي يرجعوا إليه، ويؤمنوا به قوله تعالى: { فلولا إذ جاءهم ~~بأسنا } يقول: فهلا إذا جاءهم عذابا { تضرعوا } إلى الله ~~ويؤمنون به، حتى يرفع عنهم العذاب يعني أنهم لو آمنوا لدفع عنهم العذاب، ~~ولكن أصروا على ذلك فذاك قوله تعالى: { ولكن قست قلوبهم } ~~يعني جفت ويبست قلوبهم { وزين لهم الشيطن ما كانوا ~~يعملون } من عبادتهم الأصنام. ### || [6.44-45] # ثم قال: { فلما نسوا ما ذكروا به } يعني: الأمم الخالية ~~حين لم يعتبروا بالشدة، ولم يرجعوا: { فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء } من النعم والخصب. ويقال: إن الله تعالى يبتلي العوام ~~بالشدة فإذا أنعم عليهم يكون استدراجا، وأما الخواص فيبتليهم بالنعمة ~~والرخاء، فيعرفون ويعدون ذلك بلاء، كما روي في الخبر: إن الله تعالى أوحى ~~إلى موسى بن عمران (إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل: مرحبا بشعار ~~الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك، فقل: ذنب عجلت عقوبته). فهؤلاء ~~الذين أرسل إليهم، ابتلاهم الله تعالى بالشدة فلم يعتبروا، ولم يرجعوا، ~~فتح عليهم أبواب كل خير، عقوبة لهم لكي يعتبروا فيها. قال الفقيه: حدثنا ~~الخليل بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد # قال: حدثنا أبو عتبة، قال: حدثنا محمد بن حمير، عن شهاب بن خراش عن ~~حرملة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " إذا رأيت الله تعالى يعطي عبدا من الدنيا على ms0476 معصية مما يحب، فإنما ~~ذلك منه استدراج " # ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { فلما نسوا ما ~~ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } الآية. ~~وقال الحسن: والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا، فلم يخف أن ~~يكون قد مكر له فيها، إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه وما أمسكها الله ~~تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها، إلا كان قد نقص عمله، وعجز ~~رأيه { فلما نسوا ما ذكروا به } يعني تركوا ما وعظوا به { ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء } يعني أرسلنا عليهم كل خير ~~ويقال: فتحنا عليهم أبواب كل شيء من الرزق. قرأ ابن عامر: (فتحنا) ~~بالتشديد على معنى المبالغة، والباقون: بالتخفيف { حتى إذا ~~فرحوا بما أوتوا } من أنواع الخير، فأعجبهم ما هم فيه { ~~أخذنهم بغتة } يعني أصبناهم بالعذاب فجأة { فإذا هم ~~مبلسون } يعني آيسين من كل خير. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال ~~الفراء: المبلس: المنقطع بالحجة. وقال الزجاج: المبلس: الشديد الحسرة ~~والآيس الحزين. وقال بعضهم في الآية تقديم وتأخير، ومعناه، فلما فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. ثم ~~قال عز وجل: { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } يعني ~~قطع أصلهم فلم يبق منهم أحد { والحمد لله رب العلمين ~~} على هلاك أعدائه واستئصالهم. ويقال: الحمد لله الذي ينتقم من أعدائه ~~ولا ينتقم منه أحد، ويقال: هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين. ### || [6.46-49] # قوله تعالى: { قل أرأيتم } أي قل لأهل مكة أرأيتم { إن ~~أخذ الله سمعكم } فلم تسمعوا شيئا { وأبصركم } فلم ~~تبصروا شيئا { وختم على قلوبكم } فلم تعقدوا شيئا { من ~~إله غير الله } يعني هل أحد يرده عليكم { يأتيكم به } ~~يعني يخلقها لكم. ثم قال: { انظر كيف نصرف الآيت } أي ~~كيف تبين لهم العلامات فيما ذكر من تخويفهم { ثم هم يصدفون } ~~يعني يعرضون ولا يعتبرون. قرأ نافع: (أرأيتم: بعد الألف بغير همز، وقرأ ~~الكسائي بغير مد ولا همز. وقرأ الباقون: بالهمز. فهي كلها لغات ms0477 العرب. ثم ~~قال: { قل أرأيتكم: إن أتكم عذاب الله بغتة ~~أو جهرة } يعني فجأة أو علانية { هل يهلك إلا القوم ~~الظلمون }. يعني لا يهلك إلا القوم الكافرون. ثم قال: { وما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } يعني ليس ~~لهم أن يقترحوا من أنفسهم وإنما أرسلهم بتبليغ الرسالة مبشرين بالجنة لمن ~~أطاعه، ومنذرين بالنار لمن عصاه { فمن ءامن } يعني صدق بالرسل { ~~وأصلح } يعني سلك طريقهم، وأصلح العمل، ويقال: أخلص العمل بعد ~~الإيمان { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } يعني لا خوف ~~عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون عند الصراط. ثم قال: { ~~والذين كذبوا بآيتنا يمسهم العذاب بما ~~كانوا يفسقون } يعني يصيبهم العذاب بكفرهم، ولا يعذب أحدا بغير ~~ذنب. ### || [6.50-52] # ثم قال: { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله } يعني ~~مفاتيح الرزق { ولا أعلم الغيب } يعني متى ينزل العذاب بكم، هذا ~~جواب لقولهم: # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام: 8]، # لولا نزل عليه ءاية من ربه # [الأنعام: 37] { ولا أقول لكم: إني ملك } من السماء، إنما ~~أنا بشر مثلكم { إن أتبع } يعني ما أتبع { إلا ما يوحى ~~إلي } من القرآن { قل هل يستوي الأعمى والبصير } ~~يعني الكافر والمؤمن { أفلا تتفكرون } في أمثال القرآن ~~ومواعظه. قوله تعالى: { وأنذر به } يعني خوف بالقرآن { الذين ~~يخافون } يعني يعلمون { أن يحشروا إلى ربهم } في ~~الآخرة. وإنما خص بالإنذار الذين يعلمون، وإن كان منذرا لجميع الخلق لأن ~~الحجة عليهم وجبت لاعترافهم بالمعاندة، وهم أهل الكتاب، كانوا يقرون ~~بالبعث ويقال: هم المسلمون، يعلمون أنهم يبعثون يوم القيامة، ويؤمنون به. ~~{ ليس لهم من دونه } يعني يعلمون أنه ليس لهم من دون الله ~~يعني من عذاب الله { ولي } في الدنيا { ولا شفيع } في الآخرة { ~~لعلهم يتقون } يعني أنذرهم لعلهم يتقون المعاصي. ويقال: { ~~لعلهم يتقون } لكي يتقوا ويثبتوا على الإسلام. فإنهم إن لم ~~يثبتوا ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع: قوله تعالى: { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } روي عن سعد ~~بن أبي وقاص أنه قال: نزلت هذه الآية في ستة من ms0478 أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - منهم عبد الله بن مسعود، قالت قريش: تدني هؤلاء السفلة، هم ~~الذين يلونك، أي: يصرونك، فوقع في قلبه أن يطردهم فنزل: { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي }. وروى أبو ~~جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيهم بلال، وصهيب فيجيء أشراف من قومه وسادتهم ~~فيجلسون ناحية، فقالوا له: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا؟ فهم أن ~~يفعل فنزل { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي } الآية. ويقال: إن أبا جهل وأصحابه اختالوا ليطرد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أصحابه عن نفسه فقالوا أن محمدا يتبعه الموالي ~~والأراذل فلو طردهم لاتبعناه فاستعانوا بعمر رضي الله عنه فأخبر عمر ~~بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يفعل ذلك، فنزل: { ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم } يعني يعبدون ربهم، { ~~بالغداة والعشي } يعني يصلون لله تعالى في أول النهار وآخره { ~~يريدون وجهه } يعني يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى { ما ~~عليك من حسابهم من شيء } يعني ما عليك من عملهم من شيء. { ~~وما من حسابك عليهم من شيء } يعني الإثم. ويقال: معناه ~~فما عليك إن لم يسلموا فليس عليك من أوزارهم شيء. ويقال: يعني به الضعفة ~~من المسلمين فلا تطردهم، لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء (أي فليس عليك ~~من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله) ثم قال: { فتطردهم ~~فتكون من الظلمين } يعني لو طردتهم من مجلسك فتكون من ~~الضارين بنفسك. قرأ ابن عامر: (بالغدوة) وقرأ الباقون: (بالغداة) وهما ~~لغتان. ### || [6.53-54] # ثم قال: { وكذلك فتنا } يقول: هكذا ابتلينا { بعضهم ببعض ~~} يعني الشريف بالوضيع والعربي بالمولى والغني بالفقير { ليقولوا ~~أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } فلم يكن الاختبار ~~لأجل أن يقولوا ذلك ولكن كان الاختبار سببا لقولهم. وهكذا قوله تعالى: # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] فلم يأخذوه لأجل ذلك ولكن كان أخذهم سببا لذلك فكأنهم أخذوه ~~لأجل ذلك ها هنا. ما كان الاختبار لأجل أن ms0479 يقولوا هؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا لأنهم كانوا يقولون: لو كان خيرا ما سبقونا إليه ومعناه: ليظهر ~~الذين يقولون: هؤلاء من الله عليهم من بيننا. قال الله تعالى: { أليس ~~الله بأعلم بالشكرين }. يعني بالموحدين منكم من غيرهم. ~~قال الكلبي: فلما نزلت هذه الآية جاء عمر - رضي الله عنه - فاعتذر فنزلت ~~هذه الآية: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآيتنا } يعني ~~عمر { فقل: سلم عليكم } يعني قبلت توبتكم. ويقال: قبل الله ~~عذركم ويقال: المعنى { وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بآيتنا } يعني الضعفة من المسلمين فابتدىء بالسلام وقل: سلام ~~عليكم { كتب ربكم على نفسه الرحمة } يعني أوجب ~~الرحمة وقبول التوبة { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة } ~~يعني من ركب معصية وهو جاهل بركوبها وإن كان يعلم أنها معصية { ثم ~~تاب من بعده } بعد السوء { وأصلح } العمل { فأنه ~~غفور رحيم } (غفور) يعني متجاوز للذنوب (رحيم) حين قبل التوبة. ~~ويقال: معناه من عمل منكم سوءا ثم تاب يغفر له، فكيف من كان قصده الخير ~~فهو أولى بالرحمة. وروى سفيان عن مجمع عن ماهان الحنفي قال: جاء قوم إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أصابوا ذنوبا عظاما فأعرض عنهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل: { وإذا جاءك الذين ~~يؤمنون بآيتنا فقل: سلم عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة }. قرأ عاصم وابن عامر (أنه من عمل): بنصب ~~الألف فإنه غفور بالنصب على معنى البناء، ومعناه: كتب أنه. وقرأ نافع: ~~(أنه) بالنصب على معنى البناء (فإنه) بالكسر على معنى الابتداء. وقرأ ~~الباقون: كلاهما بالكسر على معنى الابتداء. ### || [6.55-56] # ثم قال: { وكذلك نفصل الآيت }. قال القتبي: يعني نأتي بها ~~متفرقة شيئا بعد شيء ولا ننزلها جملة متصلة. ويقال: { نفصل ~~الآيت } يعني نبين الآيات بالقرآن. { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } يعني طريق المشركين لماذا لا يؤمنون لأنهم إذا رأوا ~~الضعفاء يسلمون قبلهم امتنعوا. ويقال: { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } يعني تفرقهم. قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية ~~حفص: (ولتستبين سبيل) بالتاء و (سبيل) بالضم لأن السبيل مؤنث كقوله: # قل هذه سبيلى ms0480 أدعو إلى الله # [يوسف: 108]. ومعناه: ليظهر لكم طريق المشركين. وقرأ حمزة والكسائي ~~وعاصم في رواية أبي بكر: (وليستبين) بالياء (سبيل المجرمين) بالضم لأن ~~السبيل هو الطريق، والطريق يذكر ويؤنث. وقرأ نافع: (ولتستبين) بالتاء ~~(سبيل) بالنصب يعني لتعرف يا محمد طريق المشركين. قوله تعالى: { قل ~~إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } ~~يعني الأصنام. ويقال: معناه قل إني نهيت عن طرد الضعفاء عن مجلسي كما ~~نهيت عن عبادة الأصنام. ثم قال: { قل لا أتبع أهواءكم } ~~يعني لا أذهب مذهبكم. ويقال: لا أتبع هواكم يعني لا أرجع إلى دينكم في ~~بغض الفقراء ومجانبتهم { قد ضللت إذا } يعني إن فعلت ذلك فقد ~~ضللت إذا. قرأ بعضهم: (ضللت) بالكسر وهو شاذ يعني ضللت سبيل الهدى { ~~وما أنا من المهتدين } يعني لم أكن على الحق. ### || [6.57-58] # ثم قال: { قل إني على بينة من ربي } يعني على أمر ~~بين. ويقال: على دين من ربي { وكذبتم به } يعني بالقرآن ويقال: ~~بالعذاب. وذلك أن النضر بن الحارث قال: إن كان ما تقوله حقا فأتنا بعذاب ~~الله فنزل: { ما عندي ما تستعجلون به } يعني العذاب { إن ~~الحكم إلا لله } يعني ما القضاء في ذلك إلا لله في نزول ~~العذاب { يقص الحق } بنزول العذاب. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم: ~~(يقص الحق) بالصاد يعني يبين الحق ويقال: يأمر بالحق وقرأ الباقون: (يقض ~~الحق) بالضاد ولكن لا يكتب بالياء لأن الياء سقطت في اللفظ لالتقاء ~~الساكنين ويقوم الكسر مقام الياء كقوله تعالى: # سندع الزبانية # [العلق: 18] فحذفت الواو. وتفسيره يقضي قضاء الحق. وقرأ ابن عباس رضي ~~الله عنه: (يقضي بالحق) ثم قال: { وهو خير الفصلين } يعني ~~الحاكمين القاضين. ثم قال: { قل: لو أن عندي ما ~~تستعجلون به } يعني العذاب { لقضي الأمر بيني ~~وبينكم } بالعذاب { والله أعلم بالظلمين } يعني ~~بعقوبة الظالمين هو أعلم متى ينزل بهم العذاب. ### || [6.59] # قوله تعالى: { وعنده مفاتح الغيب } يعني خزائن الأرض والرزق ~~ونزول العذاب. ويقال: عنده الوصلة إلى علم الغيب { لا يعلمهآ ~~إلا هو، ويعلم ما في ms0481 البر والبحر } يعلم ما يهلك في ~~البر والبحر ويقال: يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى، وما في ~~البحر من الدواب وقوت ما فيها { وما تسقط من ورقة } من الشجر ~~{ إلا يعلمها } يعلم من وقت سقوطه وموضع مسقطه. وروى مجاهد عن ~~ابن عباس رضي الله عنه قال: ليس أحد من خلق الله تعالى أكثر من الملائكة ~~وليس من شجرة تخرج إلا وملك موكل بها ويقال: إن الإنسان كالشجرة وأعضاءه ~~كالأغصان، والحركات منه كالأوراق فهو يعلم حركة بني آدم. ثم قال تعالى: { ~~ولا حبة في ظلمت الأرض } يعني تحت الصخرة التي هي أسفل ~~الأرضين السابعة. ويقال: الحبة التي تحت الأرض التي يخرج منها النبات ثم ~~قال: { ولا رطب } يعني الماء { ولا يابس } يعني الحجر. ويقال: ~~ولا رطب: يعني العمران والأمصار والقرى { ولا يابس } يعني الخراب ~~والبادية. { إلا في كتب مبين } يعني في اللوح المحفوظ. ~~ويقال: ولا رطب ولا يابس يعني لا قليل ولا كثير { إلا في كتب ~~مبين } يعني في اللوح المحفوظ. ويقال: القرآن قد بين فيه كل شيء بعضه ~~مفسر، وبعضه يعرف بالاستدلال والاستنباط. وقرأ بعضهم: (ولا حبة) (ولا رطب ~~ولا يابس) كل ذلك بالضم على معنى الابتداء. وهي قراءة شاذة. والقراءة ~~المعروفة بالكسر لأجل: (من). ### || [6.60] # قوله تعالى: { وهو الذي يتوفكم باليل } يعني يقبض ~~أرواحكم في منامكم { ويعلم ما جرحتم } يعني ما كسبتم من خير أو ~~شر { بالنهار ثم يبعثكم فيه } يعني من النوم في النهار، ~~ويرد إليكم أرواحكم { ليقضى أجل مسمى } يعني ليتم أجلكم ~~وتأكلون رزقكم إلى آخر العمر. قال بعضهم: إذا نام الإنسان تخرج منه روحه ~~كما روي في الخبر # " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " # يعني الأرواح إذا تعارفت وقعت الألفة بين الأبدان وإذا لم تتعارف ~~الأرواح تناكرت الأبدان. وقال: إن الروح إذا خرجت في المنام من البدن ~~يبقى فيه الحياة فلهذا تكون فيه الحركة والنفس، وإذا انقضى عمره خرجت ~~روحه وتنقطع حياته وصار ميتا لا يتحرك ولا يتنفس. فإن ms0482 قيل: لو خرجت روحه ~~فكيف لا يتوجع لخروجه إذا نام. قيل: لأنه يخرج بطيبة نفسه ويعلم أنه ~~يعود، وأما إذا انقطع عمره خرج بالكره، فتوجع له، وقال بعضهم: لا تخرج ~~منه الروح ولكن يخرج منه الذهن وهو الذي يسمى بالفارسية: (روان). وقال ~~بعضهم: إنما هو ثقل يدخل في نفسه وهو سبب لراحة البدن وغذائه، كقوله: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9] أي: راحة ويقال: هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى. ~~وهذا أصح الأقاويل. وقوله تعالى { ثم إليه مرجعكم } يعني ~~مصيركم في الآخرة { ثم ينبئكم بما كنتم تعملون }. من ~~خير أو شر فيجازيكم بذلك. ### || [6.61-62] # وقوله تعالى: { وهو القاهر فوق عباده } يعني القادر ~~الغالب عليهم { ويرسل عليكم حفظة } والحفظة جمع الحافظ مثل ~~الكتبة والكاتب يعني به الملائكة موكلين ببني آدم ملكين بالليل وملكين ~~بالنهار ويكتب أحدهما الخير والآخر الشر فإذا مشى يكون أحدهما بين يديه ~~والآخر خلفه، فإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. كقوله: # عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد # [ ق: 17،18] ويقال: لكل إنسان خمسة من الملائكة: اثنان بالليل واثنان ~~بالنهار والخامس لا يفارقه لا ليلا ولا نهارا وقوله تعالى: { حتى ~~إذا جاء أحدكم الموت } يعني حضر أحدكم الوفاة عند انقضاء ~~أجله { توفته رسلنا } يعني ملك الموت وأعوانه { وهم لا ~~يفرطون } يعني لا يؤخرون طرفة عين. قرأ حمزة (توفيه) بلفظ التذكير ~~بالإمالة. وقرأ الباقون: (توفته) بلفظ التأنيث لأن فعل الجماعة إذا تقدم ~~على الإسم جاز أن يذكر ويؤنث. ويقال: معه سبعون من ملائكة الرحمة وسبعون ~~من ملائكة العذاب فإذا قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة ~~فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء، وإذا قبض نفسا كافرة دفعها ~~إلى ملائكة العذاب فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها ثم يصعدون بها إلى السماء ~~ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عليين { ثم ردوا إلى ~~الله مولهم الحق } يعني يرد أمورهم إلى الله تعالى { ألا ~~له الحكم } ألا: كلمة التنبيه، ومعناه: اعلموا أن الحكم لله تعالى ms0483 ~~في خلقه ما يشاء ويقضي بينهم يوم القيامة { وهو أسرع ~~الحسبين } يعني إذا حاسب فحسابه سريع. ويقال: وهو أحكم الحاكمين ~~وأعدل القاضين. ### || [6.63-65] # وقوله تعالى: { قل من ينجيكم من ظلمت البر ~~والبحر } يعني من أهواله وشدائده، والظلمات كناية عن الأهوال ~~والشدائد { تدعونه تضرعا وخفية } وقال الكلبي: سرا ~~وعلانية. وقال مقاتل: يعني في خفض وسكون. قرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~(خفية) بكسر الخاء. والباقون: بالضم: وهما لغتان وكلاهما واحد. { ~~لئن أنجنا من هذه } يعني من غم هذه الأهوال والشدائد { ~~لنكونن من الشكرين } يعني من الموحدين. { قل الله ~~ينجيكم منها } يعني من أهوال البر والبحر { ومن كل كرب ~~} يعني ينجيكم من كل كرب يعني من كل غم وشدة. { ثم أنتم ~~تشركون } يعني ترجعون إلى الشرك. [وقرأ بعضهم: (ينجيكم) بالتخفيف، ~~والقراءة المعروفة بالتشديد]. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: (لئن أنجانا) ~~بالألف يعني أنجانا الله تعالى. وقرأ الباقون (لأن أنجيتنا) على معنى ~~المخاطبة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: (قل الله ينجيكم منها) بالتشديد وقرأ ~~الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد. ويقال: أنجى، ينجي ونجى ~~ينجي. وقوله تعالى: { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم } يعني الحصب بالحجارة، كما فعل ~~بقوم لوط، والغرق كما أرسل على قوم نوح، يعني إن استكبرتم وأصررتم وكذبتم ~~رسلي مثل ما فعل قوم نوح أو فعلتم الفعلة التي فعل قوم لوط. ثم قال: { ~~أو من تحت أرجلكم } يعني يخسف بكم كما خسف بقارون ومن معه، ~~إن استكبرتم واغتررتم بالدنيا كما فعل قارون. ثم قال: { أو ~~يلبسكم شيعا } يعني الأهوال المختلفة كما ألبس بني إسرائيل إن ~~تركتم أمر رسولي واتبعتم هواكم كما فعل بنو إسرئيل { ويذيق ~~بعضكم بأس بعض } يعني يقتل بعضكم بعضا بالسيف كما فعل ~~بالأمم الخالية إن فعلتم مثل ما فعلوا. فلما نزلت هذه الآية قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # " يا جبريل: ما بقاء أمتي على ذلك؟ قال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ~~فادع ربك وسله لأمتك. فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ وأسبغ ~~الوضوء، فأحسن ms0484 الصلاة ثم دعا فنزل جبريل فقال: إن الله تعالى سمع مقالتك ~~وأجارهم من خصلتين وهو العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم. فقال: يا جبريل ~~ما بقاء أمتي إذا كان فيهم أهواء مختلفة ويذيق بعضهم بأس بعض " # فنزل جبريل بهذه الآية # الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~ءامنا... # [العنكبوت: 1، 2] الآية. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة وتفترق أمتي اثنان وسبعون ~~فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ما هذه الواحدة؟ قال ~~أهل السنة والجماعة الذي أنا عليه وأصحابي " # وفي خبر آخر. # " السواد الأعظم " # وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما نزلت هذه الآية: { ~~قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم } قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " أعوذ بوجه الله " # فلما نزلت: { أو يلبسكم شيعا، ويذيق بعضكم بأس ~~بعض } قال: # " هاتان أهون " # ويقال: عذابا من فوقكم يعني سلطانا جائرا، أو من تحت أرجلكم: من ~~سفهائكم يقلبون عليكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض يعني الفتنة ~~بين المحلتين أو القريتين. ثم قال: { انظر كيف نصرف الآيت ~~} يعني نبين الآيات من البلاء والعذاب في القرآن { لعلهم ~~يفقهون } يعني يعقلون ما هم عليه. ### || [6.66-70] # ثم قال: { وكذب به قومك } يعني بالقرآن { وهو الحق } ~~يعني القرآن { قل: لست عليكم بوكيل } يعني بحفيظ ومسلط ~~وهذا قبل الأمر بالقتال. { لكل نبإ مستقر } المستقر: هو ~~غاية ينتهى إليها. يقال: لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا ~~فستعرفونه وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم وستعلمون ذلك في الدنيا ~~وفي الآخرة. ويقال: معناه سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته { وسوف ~~تعلمون } في ذلك الوقت. قوله تعالى: { وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في ءايتنا } يعني يستهزئون بالقرآن { فأعرض ~~عنهم } يعني قم من عندهم، واترك مجالستهم { حتى يخوضوا في ~~حديث غيره } أي حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن { ~~وإما ينسينك الشيطن } يقول: إن أنساك ms0485 الشيطان وصية الله ~~تعالى فتجلس معهم { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظلمين } يقول: قم إذا ذكرت ودع القوم الظالمين. يعني المشركين. ~~قرأ ابن عامر: (وإما ينسينك الشيطان } بنصب النون وتشديد السين. وقرأ ~~الباقون: بالتخفيف والجزم وهما لغتان: نسيته وأنسيته. ثم قال: { وما ~~على الذين يتقون } يعني الشرك والاستهزاء { من حسابهم } ~~يعني من آثامهم { من شيء ولكن ذكرى } يعني ذكروهم بالقرآن ~~إذا فعلوا ذلك { لعلهم يتقون } يعني لكي يتقوا الاستهزاء. قال ~~الكلبي: وذلك أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول ~~الله: لئن قلنا كلما استهزؤا بالقرآن، قمنا من عندهم، لا نستطيع أن نجلس ~~في المسجد الحرام فنزل { وما على الذين يتقون من ~~حسابهم من شيء... } الآية. قوله تعالى: { وذر الذين ~~اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } قال الضحاك: يعني كفار قريش، ~~نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم وقرطوها بالمقراط، ~~وعلقوا بيض النعامة في أعناقها فنزل: { وذر الذين اتخذوا ~~دينهم لعبا ولهوا }. وقال الكلبي: إن الله تعالى جعل لكل قوم ~~عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى وكل قوم اتخذوا دينهم يعني عيدهم ~~لعبا ولهوا إلا هذه الأمة فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله وحصنا للصدقة ~~وهي الجمعة والفطر والأضحى. قال مقاتل: اتخذوا دينهم الإسلام لعبا يعني ~~باطلا ولهوا عنه ثم قال: { وغرتهم الحيوة الدنيا ~~وذكر به } يعني عظ وخوف بالقرآن { أن تبسل نفس } ~~يعني لكي لا تهلك نفس { بما كسبت } يعني بما عملت. ويقال: تبسل نفس ~~يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك. وقال الأخفش: أن ترهن ~~نفس بما عملت. ويقال: تحبس وقال القتبي: أي تسلم للهلكة. ويقال: تخذل ولا ~~تنصر ثم قال: { ليس لها من دون الله ولي } يعني إذا وقع ~~في العذاب لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب. { ولا شفيع } يشفع لها ~~{ وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } [يقول: لو جاءت ~~بعدل نفسها رجلا مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعا لا يؤخذ] يعني لا ~~يقبل منها { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ms0486 } يعني ~~أهلكوا. ويقال: أسلموا بذنوبهم إلى النار { لهم شراب من حميم ~~} يعني ماء حار قد انتهى حره { وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون } في الدنيا. ### || [6.71] # قوله تعالى: { قل: أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ~~ولا يضرنا }. قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة عذبوا نفرا من ~~المسلمين وراودوهم على الكفر قال الله تعالى للمسلمين: قولوا لهم: { ~~أندعوا من دون الله } يعني الأوثان { ما لا ينفعنا } في ~~الآخرة { ولا يضرنا } في الدنيا { ونرد على أعقبنا ~~} نعود ونرجع إلى الشرك { بعد إذ هدانا الله } إلى الإسلام { ~~كالذي استهوته الشيطين في الأرض حيران } يعني ~~كمثل رجل كان مع قوم فضل الطريق فحيره الشياطين و { له أصحب ~~يدعونه إلى الهدى } يعني إلى الطريق أن { ائتنا } فإنا على ~~الطريق فأبى أن يأتيهم فذلك مثلنا، إن تركنا دين محمد - عليه السلام -. ~~وقال مجاهد: هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار، يقول: الكافر حيران يدعوه ~~المسلم إلى الهدى فلا يجيب الكافر وقال ابن عباس في رواية أبي صالح نزلت ~~الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام فأبى ~~أن يأتيهما وهو يدعوهما إلى الشرك فضرب الله تعالى له المثل بالذي ~~استهوته الشياطين يعني أضلته { قل: إن هدى الله هو الهدى ~~} يعني دين الله هو الإسلام { وأمرنا لنسلم لرب ~~العلمين } يعني لنخلص بالعبادة والتوحيد بالله تعالى. قرأ حمزة ~~(استهواه) [بلفظ التذكير بالإمالة]. وقرأ الباقون (استهوته) بلفظ التأنيث ~~لأن فعل الجماعة مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث كقوله: # توفته رسلنا # [الأنعام: 61]. ### || [6.72-73] # { وأن أقيموا الصلوة } يعني وأمرنا بالهدى وبالعمل: يعني ~~أقيموا الصلاة { واتقوه } يعني وحدوه ويقال: أطيعوه، ويقال: هذا عطف ~~على قوله: و # له أصحب يدعونه إلى الهدى # [الأنعام: 71] وإلى إقامة الصلاة ويقال: معناه أمرنا بالإسلام وبإقامة ~~الصلاة واتقوه يعني وحدوه وقيل: أطيعوه. ثم خوفهم فقال: { وهو الذي ~~خلق السموات والأرض بالحق } يعني للحق والعبرة { ~~ويوم يقول }: اليوم صار نصبا لأن معناه واتقوا يوما لا تجزي نفس ~~عن نفس شيئا. ويقال: معناه واذكروا يوم يقول: { كن ms0487 فيكون } يعني ~~يوم البعث يقول: إنتشروا فانتشروا كلهم كقوله تعالى: [ # يخرجون من الأجداث # [القمر: 7] يعني القبور] # كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7]. ثم قال: { قوله الحق } قوله رفع بالابتداء وخبره ~~الحق يعني قوله الصدق أنه كائن [قرأ ابن عامر (فيكون) بالنصب على معنى ~~الخير وكذا في كل القرآن إلا في موضعين ها هنا وفي آل عمران وقرأ الباقون ~~بالرفع على معنى الخبر] { وله الملك يوم ينفخ في الصور ~~} يوم صار نصبا لنزع الخافض ومعناه: وله الملك في يوم ينفخ في الصور ~~وهذا كقوله عز وجل: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] وكقوله: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] ويقال: هذا مبين لقوله الأول ومعناه: يوم يقول له: كن ~~فيكون يوم ينفخ في الصور. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: معناه يوم ينفخ ~~الأرواح في الصور يعني في الأجسام وهذا خلاف أقاويل جميع المفسرين لأنهم ~~كلهم قالوا: هو نفخ إسرافيل في الصور. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه " # وفي خبر آخر: # " وصاحب الصور قد التقمه ينتظر متى يؤمر فينفخ فيه " # ثم قال: { علم الغيب والشهدة } الغيب: ما غاب عن ~~العباد، والشهادة: ما علم العباد به. ويقال: السر والعلانية. ويقال: عالم ~~بما يكون وبما قد كان. ويقال: عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا. { وهو ~~الحكيم الخبير } يعني الحكيم في أمره الخبير بأفعال الخلق وبأمر ~~البعث. ### || [6.74-75] # قوله تعالى: { وإذ قال إبرهيم لأبيه ءازر } وكان إسم ~~أبيه تارح بن ناخور بلغة قومه وبلغة غيرهم كان آزر. وقال السدي: كان اسم ~~أبيه آزر. وهكذا قال الكلبي. وقال بعضهم: لم يكن آزر إسم أبيه ولكن كان ~~إسم كبير أصنامهم فقال أبوه لإبراهيم: ربي آزر فقال إبراهيم على وجه ~~التعجب آزر { أتتخذ أصناما آلهة }. وقال مجاهد: آزر ليس اسم ~~أبيه وإنما هو اسم صنم وقال الضحاك: عن ابن عباس: إن في هذه الآية ~~تقديما فكأنه قال: أتتخذ آزر أصناما آلهة يعني أتتخذ الصنم إلها. ~~ويقال: آزر بلغتهم: المخطىء الضال، ومعناه وإذ قال إبراهيم ms0488 لأبيه يا آزر ~~(المخطىء، أتتخذ أصناما آلهة.). وقرأ الحسن ويعقوب الحضرمي: (آزر) بالضم ~~ويكون معناه: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا آزر والقراءة المعروفة بالنصب ~~لأنه على ميزان أفعل ينصرف فصار نصبا وهو بموضع الخفض، ولأنه اسم أعجمي، ~~فلا ينصرف. ثم قال: { إني أراك وقومك في ضلل مبين } ~~يعني في خطأ وجهل بين بعبادتكم الأصنام. ثم قال { وكذلك نري ~~إبرهيم ملكوت } والملكوت والملك بمعنى واحد إلا أن الملكوت أبلغ ~~مثل: رهبوت، ورحموت كما يقال في المثل: (رهبوت خير من ~~رحموت) يعني لأن ترهب خير من أن ترحم، يعني لما أن إبراهيم برىء من ~~دين أبيه أراه الله ملكوت { السموات والأرض } يعني عجائب ~~السموات والأرض { وليكون من الموقنين } يعني لكي يكون من ~~الموقنين والواو زيادة كقوله: # ولنحمل خطيكم # [العنكبوت: 12] يعني لكي نحمل وكذلك ها هنا ليكون من الموقنين يعني حتى ~~يثبت على اليقين. قال بعضهم: صارت فرجة في السماء حتى رأى إلى سبع سماوات ~~وصارت فرجة في الأرض حتى رأى إلى تحت الصخرة. ويقال: حين عرج به إلى ~~السماء فنظر إلى عجائب السموات. وروي عن عطاء أنه قال: لما رفع إبراهيم ~~في ملكوت السماوات أشرف على عبد يزني فدعا عليه فهلك، ثم أشرف على آخر ~~يزني فدعا عليه فهلك، ثم رأى آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له ربه: - عز ~~وجل -: على رسلك يا إبراهيم فإنك مستجاب لك، وإني من عبدي على إحدى ~~ثلاث خلال: إما أن يتوب فأتوب عليه وإما أن أخرج منه ذرية طيبة، وإما ~~أن يتمادى فيما هو فيه فأنا من ورائه. أي أنا قادر عليه. وروي عن سلمان ~~الفارسي أنه قال: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات رأى عبدا على فاحشة ~~فدعا عليه فهلك ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم رأى آخر على ~~فاحشة فدعا عليه قال الله تعالى أنزلوا عبدي كي لا يهلك عبادي. ويقال: ~~إنه كان يقول: أنا أرحم الخلق فلما رأى المعصية فدعا عليهم قال الله ~~تعالى: أنا أرحم بعبادي منك اهبط لعلهم ms0489 يرجعون. # ويقال: إن نمرود بن كنعان قالت له كهنته: يولد في هذه السنة غلام ~~ينازعك في ملكك، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة. ويقال: رأى في ~~المنام أن كبشا دخل عليه فنطح سريره بقرنه فسأل المعبرين، فأخبروه أنه ~~يولد غلام ينازعك في ملكك فأمر بذبح كل غلام يولد، فحملت أم إبراهيم ~~بإبراهيم ولم يتبين حملها ولم يعرف أحد أنها حامل حتى أخذها الطلق ~~فخرت إلى جبل من الجبال ودخلت في غار فولدت إبراهيم وخرجت ووضعت صخرة ~~على باب الغار فجاءه جبريل عليه السلام ووضع إبهامه في فمه وكان يمصه ~~ويخرج منه اللبن وكان يجعل سبابته في فمه فيمصها ويخرج منها العسل حتى ~~كبر وأدرك في أيام قليلة. ويقال: إن أمه كانت تختلف إليه وترضعه حتى ~~أرضعته سنتين وتحمل إليه الطعام حتى أدرك في المدة التي يدرك فيها ~~الصبيان، فخرج من الغار فنظر إلى السماء وإلى الأرض وإلى الجبال فتفكر في ~~نفسه ثم قال: إن لهذه الأشياء خالقا خلقها، والذي خلق هذه الأشياء هو ~~الذي خلقني فذلك قوله: { وكذلك نرى إبرهيم ملكوت ~~السموت والأرض وليكون من الموقنين }. وكان في ذلك ~~التفكير إذا نظر إلى نجم يضيء وهو المشتري فرآه أضوء الكواكب وقد علم ~~أن الله تعالى أعلا الأشياء ولا يشبهه شيء من خلقه ورأى الكواكب أعلا ~~الأشياء وكان أحسنها: ### || [6.76-79] # { فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي } وقال: هذا بغير فكرة، فكان ذلك منه زلة، ويقال إنما قال ذلك على ~~سبيل الاستفهام أهذا ربي؟ { فلما أفل } يعني غاب الكوكب { قال: ~~لا أحب الأفلين } يعني لا أحب ربنا يتغير عن حاله ويزول. { ~~فلما رأى القمر بازغا } يعني طالعا، ويقال: إن ذلك كان في ~~وقت السحر وكان ذلك في آخر الشهر فرأى كوكبا يعني الزهرة حين طلعت وكان ~~من أضوء الكواكب فلما ارتفع وطلع الفجر نقص ضوؤه قال لا أحب الآفلين، ~~يعني لا أحب ربنا يتغير، فلما رأى القمر فرأى ضوءه أكثر { قال هذا ~~ربي } على سبيل الاستفهام { فلما ms0490 أفل } يعني نقص ضوؤه حين أسفر ~~الصبح { قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين } يعني لئن لم يحفظ ربي قلبي لقد كنت اتخذت إلها ما لم يكن ~~إلها. { فلما رأى الشمس بازغة } يعني طالعة قد ملأت كل ~~شيء ضوءا ف { قال: هذا ربي هذا أكبر } يعني أعظم، ~~وأكثر نورا { فلما أفلت } يعني غربت علم أنه ليس بإله فجاءته ~~أمه فقال لها: من ربي؟ قالت: أنا قال: ومن ربك؟ قالت: أبوك قال: ومن رب ~~أبي؟ قالت: نمرود بن كنعان قال: ومن ربه؟ قالت له: اسكت فقال لها كيف هو؟ ~~هل يأكل ويشرب وينام؟ قالت: نعم قال: هذا لا يصلح أن يكون ربا وإلها، ~~فرجعت الأم إلى أب إبراهيم فأخبرته بالقصة فخرج إليه فسأله مثل ذلك ثم ~~قال له في آخره: تعال حتى تعبد الذي خلقني وخلقك وخلق نمرود فغضب أبوه ~~فرجع عنه ثم دخلت عليه رأفة الوالد لولده فرجع إليه وقال له: ادخل ~~المصر لتكون معنا فدخل فرأى القوم يعبدون الأصنام فدعوه إلى عبادة ~~الأصنام ف { قال } لهم حينئذ: { يقوم إني بريء مما ~~تشركون } فقيل له: من تعبد أنت يا إبراهيم؟ فقال: أعبد الله الذي ~~خلقني وخلق السماوات والأرض فذلك قوله: { إني وجهت وجهي } ~~يعني أخلصت ديني وعملي { للذي فطر السموات } يعني خلق ~~السماوات { والأرض حنيفا } يقول: إني وجهت وجهي مخلصا مستقيما { ~~وما أنا من المشركين } على دينكم. ويقال: أن قوله: { ~~هذا ربي } قال ذلك لقومه على جهة الاستهزاء بهم. كما قال: # بل فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء: 63]. ويقال: أراد بهذا أن يستدرجهم فيظهر قبيح فعلهم وخطأ ~~مذهبهم وجهلهم لأنهم كانوا يعبدون النجوم والشمس والقمر فلما رأى الكوكب ~~قال لهم: هذا ربي، وأظهر لهم أنه يعبد ما يعبدون فلما غاب الكوكب قال ~~لهم: لا أحب الآفلين. فأخبرهم بأن الآفل لا يصلح أن يكون إلها. ثم قال ~~في الشمس والقمر هكذا. كما روي عن عيسى - عليه السلام - أنه بعث رسولا ~~إلى ملك أرض فلما انتهى إليهم جعل يسجد ويصلي عند الصنم ms0491 ويريهم أنه يعبد ~~الصنم وهو يريد عبادة الله تعالى. # ثم إن الملك ظهر له عدو، فقالوا لهذا الرسول: أشر علينا بشيء في هذا ~~الأمر، فقال: نتشفع إلى هذا الذي نعبده، فجعلوا يسجدون له ويتشفعون إليه ~~فلا يسمعون منه جوابا، فقالوا: إنه لا ينفعنا شيئا. قال لهم: لم تعبدون ~~من لا يدفع عنا ضرا؟ ارجعوا حتى نعبد من ينفعنا فقالوا: لمن نعبد؟ قال: ~~لرب السماء فجعل يدعو ويدعون حتى فرج الله عنهم فآمن به بعضهم. وكذلك ها ~~هنا أراد إبراهيم - عليه السلام - أن يريهم قبح ما يعبدون من دون الله ~~لعلهم يرجعون فلما لم يرجعوا قال { يقوم إني بريء مما ~~تشركون }. قرأ حمزة والكسائي: (رأى كوكبا) بكسر الراء والألف وهي ~~لغة لبعض العرب والنصب أفصح. ### || [6.80-83] # { وحاجه قومه } معناه وحاجه قومه في دين الله، يعني خاصموه، ف ~~{ قال } لهم إبراهيم { أتحاجوني في الله } يعني أتخاصموني ~~في دين الله { وقد هدان } الله لدينه. قرأ نافع وابن عامر في رواية ~~ابن ذكوان: (أتحاجوني) بتشديد الجيم وتخفيف النون. وقرأ الباقون: بتشديد ~~النون لأن أصله (أتحاجونني) بنونين فأدغم أحدهما في الآخر، فقال ~~(أتحاجوني) يعني أتجادلوني في دين الله (وقد هداني) يعني بين لي الطريق، ~~وكانت خصومتهم أنهم حين سمعوه عاب آلهتهم فقالوا له: أما تخاف تخبلك ~~فتهلك؟ فقال: إني لا أخاف ما لا يسمع ولا يبصر. وقال الكلبي ومقاتل: لما ~~خوفوه بذلك قال لهم: إنما تخافون أنتم إذ سويتم بين الذكر والأنثى ~~والصغير والكبير، أما تخافون من الكبير إذ سويتموه بالصغير؟ وهذا قوله { ~~ولا أخاف ما تشركون به }. قوله تعالى: { إلا أن يشاء ~~ربي شيئا } فيضلني فأخاف منهم. ويقال: (إلا أن يشاء ربي شيئا) ~~يعني ملأ علم ربي كل شيء علما يعني يعلم السر والعلانية ثم قال: { ~~أفلا تتذكرون } يعني أفلا تتعظون فتؤمنون به؟ قوله تعالى: { ~~وكيف أخاف ما أشركتم } يعني من الأصنام { ولا تخافون ~~أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطنا } يقول: كتابا وعذرا وحجة لكم فيه { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن } من ms0492 العذاب؟ الموحد أم المشرك { إن ~~كنتم تعلمون } ذلك. ثم قال: { الذين ءامنوا ولم ~~يلبسوا إيمنهم بظلم }. قال بعضهم: هذا قول الله تعالى ~~لما حكى قول إبراهيم للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: على أثر ذلك { ~~الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم } يعني ~~لم يخالطوا تصديقهم بالشرك ولم يعبدوا غيره { أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون } من الضلالة وقال بعضهم: هذا كله قول ~~إبراهيم لقومه. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " من ابتلي فصبر وأعطي فشكر وظلم فاستغفر وظلم فغفر. قيل له: ~~ما لهم يا رسول الله قال: { أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون } " # قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرجي قال: حدثنا أبو ~~كريب قال: حدثنا ابن إدريس عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود ~~قال: لما نزلت هذه الآية { الذين ءامنوا ولم يلبسوا ~~إيمنهم بظلم } # " شق ذلك على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول ~~الله: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله الله عليه وسلم -: " ألا ترون ~~إلى قول لقمان لابنه { إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13] " # يعني إن الظلم أراد به الشرك. ثم قال { وتلك حجتنا ~~ءاتينها إبرهيم على قومه } يعني أعطيناها إبراهيم على ~~قومه يعني وفقناه للحجة يخاصم بها قومه { نرفع درجت من ~~نشاء } يعني فضائل من نشاء في الدنيا بالحجة وفي الآخرة بالدرجات { ~~إن ربك حكيم } في أمره { عليم } بخلقه من يصلح للنبوة. قرأ ~~أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي (درجات) بالتنوين. وقرأ الباقون (درجات) ~~على معنى الإضافة. ### || [6.84-90] # ثم قال: { ووهبنا له } يعني لإبراهيم { إسحق ويعقوب } ~~قال الضحاك: ولدت سارة إسحق ولها تسعة وتسعون سنة ولإبراهيم مائة وعشرون ~~سنة ثم ولد لإسحق يعقوب { كلا هدينا } يعني إسحق ويعقوب هديناهما ~~بالنبوة والإسلام { ونوحا هدينا من قبل } يعني هديناه للنبوة ~~والإسلام من قبل إبراهيم { ومن ذريته }. قال الكلبي: يعني من ~~ذرية نوح. وقال الضحاك: يعني من ذرية إبراهيم { داوود } النبي - عليه ~~السلام - { وسليمن } وهو ابن داود { وأيوب } وهو من ولد ms0493 ~~عيصو بن إسحق { ويوسف } وهو ابن يعقوب { وموسى وهرون ~~وكذلك نجزي المحسنين } يعني نعطيهم أفضل الثواب. { ~~وزكريا } يعني من ذرية إبراهيم زكريا { ويحيى وعيسى ~~وإلياس } قال الضحاك: كان إلياس من ولد إسماعيل وذكر عن القتبي أنه ~~كان من سبط يوشع بن نون. { كل من الصلحين } يعني من المرسلين ~~{ وإسمعيل } وهو من صلب إبراهيم - عليه السلام - { واليسع } ~~قرأ حمزة والكسائي: (والليسع) مشددا وقرأ الباقون: واليسع بالتخفيف فمن ~~قرأ بالتشديد فالاسم منه: (ليسع) ثم أدخلت الألف واللام للتعريف فصار ~~الليسع ومن قرأ بالتخفيف فالإسم منه (يسع) ثم أدخلت الألف واللام للتعريف ~~فصار اليسع وكذا هذا الاختلاف في سورة (ص). وكان اليسع تلميذ إلياس وكان ~~خليفته من بعده { ويونس } ابن متى { ولوطا وكلا فضلنا ~~على العلمين } بالرسالة والنبوة في ذلك الزمان ثم ذكر آباءهم ~~فقال: { ومن ءابائهم وذريتهم وإخونهم ~~واجتبينهم } يعني وقد (اصطفيناهم بالنبوة يعني آدم ونوحا ~~وإدريس وهودا وصالحا - عليهم السلام - { وهدينهم إلى ~~صرط مستقيم } وهو دين الإسلام. { ذلك هدى الله } يعني ~~دين الله { يهدى به من يشاء من عباده } يعني يكرم بدينه من ~~يشاء من عباده { ولو أشركوا } يعني هؤلاء النبيين { لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون }. في الدنيا يعني إنما فضلهم الله ~~بالطاعة ثم قال: { أولئك الذين ءاتينهم الكتب ~~والحكم } يعني العلم والفهم والفقه { والنبوة فإن يكفر ~~بها } أي الأنبياء { هؤلاء } يعني أهل مكة { فقد وكلنا ~~بها } يعني ألزمنا بها { قوما ليسوا بها بكفرين }. ~~قال سعيد بن جبير: هم الأنصار. ويقال { فإن يكفر بها } يعني ~~بآياتنا { فقد وكلنا بها } يعني بالإيمان بها { قوما ~~ليسوا بها بكفرين } يعني الأنبياء الذين سبق ذكرهم ويقال: ~~الملائكة. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: { فإن يكفر بها ~~هؤلاء } يعني أمة محمد - عليه السلام - فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~كافرين يعني النبيين الذين قص الله عنهم. ثم قال { أولئك الذين ~~هدى الله } يعني الأنبياء { فبهداهم } يعني بسنتهم وتوحيدهم { ~~اقتده } على دينهم استقم واعمل به. وفي هذه الآية دليل: أن شرائع ~~المتقدمين واجبة علينا ما لم ms0494 يظهر نسخها إذا ثبت ذلك في الكتاب أو على ~~لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأن الله تعالى أمرنا بأن نقتدي ~~بهداهم، واسم الهدى يقع على التوحيد والشرائع مثل قوله: # الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 1، 2] والكتاب يشتمل على الشرائع وغيرها. قرأ حمزة والكسائي: { ~~فبهداهم اقتده } بالهاء في الوقف والوصل جميعا وقرأ الباقون: ~~بالهاء في الوصل والوقف جميعا لأنها هاء الوقف مثل قوله: { كتبيه ~~} و { حسابيه } ثم قال: { قل لا أسألكم عليه أجرا } ~~يعني قل للمشركين لا أسألكم على الإيمان والقرآن جعلا { إن هو } ~~يعني ما هو وهو القرآن { إلا ذكرى للعلمين } يعني موعظة ~~للعالمين الإنس والجن. ### || [6.91-92] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره } يعني ما عظموا ~~الله حق عظمته وما عرفوه حق معرفته، نزلت في مالك بن الضيف خاصمه عمر في ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مكتوب في التوراة فغضب وقال: { ما ~~أنزل الله على بشر من شيء } وكان رئيس اليهود فعزلته ~~اليهود عن الرئاسة بهذه الكلمة. قال مقاتل: نزلت هذه الآية بالمدينة ~~وسائر السور بمكة ويقال: إن هذه السورة كلها مكية # " وكان مالك بن الضيف خرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أشياء وقد كان اشتغل بالنعم وترك العبادة وسمن، فأتى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بمكة فقال له رسول الله: " ~~أنشدك الله أتجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ قال: نعم قال: ~~فأنت الحبر السمين فقد سمنت من مأكلتك " # فضحك به القوم فخجل مالك بن الضيف وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء ~~فبلغ ذلك اليهود فأنكروا عليه. فقال: إنه قد أغضبني فقالوا: كلما غضبت ~~قلت بغير حق وتركت دينك؟ فأخذوا الرياسة منه وجعلوها إلى كعب بن الأشرف ~~فنزلت هذه الآية: { وما قدروا الله حق قدره } حيث جحدوا ~~تنزيله { إذ قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء } ~~يعني على رسول من كتاب { قل } يا محمد { من أنزل الكتب ~~الذي جاء ms0495 به موسى } وهو التوراة { نورا } يعني ضياء { ~~وهدى } يعني بيانا { للناس } من الضلالة { تجعلونه ~~قرطيس } يقول: تكتبونه في الصحف { تبدونها } يقول: تظهرونها في ~~الصحف { وتخفون كثيرا } يعني تكتمون ما فيه صفة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ونعته وآية الرجم وتحريم الخمر. { وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم } يعني علمتم أنتم وآباؤكم في ~~التوراة ما لم تعلموا. ويقال: علمتم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم فإن أجابوك وإلا ف { قل: الله } ~~أنزله على موسى { ثم ذرهم } إن لم يصدقوك { في خوضهم } يعني ~~في باطلهم { يلعبون } يعني يلهون ويفترون. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ~~(يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا) كل ذلك بالياء على لفظ المغايبة. ~~وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة لأن ابتداء الكلام على المخاطبة. ~~ثم قال: { وهذا كتب أنزلنه } يعني القرآن أنزلناه على ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - { مبارك } لمن عمل به لأن فيه مغفرة ~~للذنوب. وقال الضحاك (مبارك) يعني القرآن لا يتلى على ذي عاهة إلا برىء ~~ولا يتلى في بيت إلا وخرج منه الشيطان. { مصدق الذي بين ~~يديه } يعني هو مصدق الذي بين يديه من الكتب { ولينذر } قرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر (ولينذر) بالياء يعني الكتاب يعني أنزلناه للإنذار ~~والبركة. وقرأ الباقون: بالتاء يعني لتنذر به يا محمد { أم القرى ~~} يعني أهل مكة [وهي أصل القرى] وإنما سميت أم القرى لأن الأرض كلها ~~دحيت من تحت الكعبة. ويقال: لأنها مثلث قبلة للناس جميعا أي: ~~يؤمونها. ويقال: سميت أم القرى لأنها أعظم القرى شأنا ومنزلة { ومن ~~حولها } يعني قرى الأرض كلها. ثم قال: { والذين يؤمنون ~~بالآخرة } يعني بالبعث { يؤمنون به } أي بالقرآن ومن هم في ~~علم الله أنه سيؤمن { وهم على صلاتهم يحافظون } بوضوئها ~~وركوعها وسجودها ومواقيتها. ### || [6.93-94] # { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو ~~قال: أوحي إلي، ولم يوح إليه شيء }. نزلت في مسيلمة ~~الكذاب زعم أن الله تعالى أوحى إليه وهو قوله { ومن قال: سأنزل ~~مثل ما ms0496 أنزل الله } يعني عبد الله بن أبي سرح كان كاتب الوحي ~~فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أملى عليه { سميعا عليما } ~~يكتب: عليما حكيما، وإذا أملى عليه: عليما حكيما كتب هو سميعا ~~بصيرا وشك وقال: إن كان محمد - صلى الله عليه وسلم - يوحى إليه فقد أوحي ~~إلي وإن كان ينزل إليه فقد أنزل إلي مثل ما أنزل إليه فلحق ~~بالمشركين وكفر. وقال الضحاك: هو مسيلمة الكذاب كان يقول: بعث محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى جسيم الأمور وبعثت إلى محقرات الأمور. ويقال: هذا ~~جواب لقولهم: # لو نشآء لقلنا مثل هذآ # [الأنفال: 31]. ثم قال: { ولو ترى إذ الظلمون } يعني ولو ~~تعلم إذ الكافرون { في غمرات الموت } أي في نزعات الموت وسكراته ~~فحذف الجواب لأن في الكلام دليلا عليه ومعناه لو رأيتهم في عذاب شديد. ~~ثم قال: { والملائكة باسطوا أيديهم } بالضرب ويقولون: { ~~أخرجوا أنفسكم } يعني أرواحكم الخبيثة قال الفقيه أبو جعفر ~~قال: حدثنا أبو القاسم أحمد بن حسين قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثنا ~~أبو أيوب عن القاسم بن الفضل الحداني عن قتادة عن أسامة بن زهير عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " إن المؤمن إذا حضره الموت أتته الملائكة بحريرة فيها مسك ومن ضباير ~~الريحان وتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين، ويقال لها: يا أيتها ~~النفس الطيبة اخرجي راضية مرضية ومرضيا عنك إلى روح الله وكرامته، فإذا ~~خرجت روحه وضعت على ذلك المسك والريحان وطويت عليه الحريرة وبعث بها ~~إلى عليين وإن الكافر إذا حضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه ~~انتزاعا شديدا ويقال لها: أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة ومسخوطة إلى ~~هوان الله وعذابه فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وإن لها نشيجا ~~ويطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين " # ثم قال الله تعالى: { اليوم تجزون } يعني إذا بعثوا يوم ~~القيامة. يقال لهم: اليوم تجزون { عذاب الهون } يعني الهوان أي: ~~الشديد { بما كنتم تقولون على الله } في ms0497 الدنيا { غير ~~الحق } بأن معه شريكا { وكنتم عن ءايته تستكبرون ~~} يعني عن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن ولم تقروا به. ~~قوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى } يعني في الآخرة فرادى ~~لا ولد لكم ولا مال. # الفرادى جمع فرد، يعني ليس معكم من دنياكم شيء { كما خلقنكم } ~~يعني أعطيناكم من المال والولد { وتركتم ما خولنكم ~~وراء ظهوركم } في الدنيا { وما نرى معكم شفعاءكم } ~~يعني آلهتكم { الذين زعمتم } في الدنيا { أنهم فيكم ~~شركاء } يعني قلتم: لي شريك ولكم شفعاء عند الله { لقد تقطع ~~بينكم }. قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص: (بينكم) بالنصب ~~وقرأ الباقون: (بينكم) بالضم فمن قرأ بالضم جعل البين اسما يعني ~~تقطع وصلكم ومودتكم، ومن قرأ بالنصب فمعناه لقد تقطع ما كنتم فيه من ~~الشركة بينكم، فيصير نصبا بالظرف. كما تقول: (أصبحت بينكم) أي فيما ~~بينكم { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } يعني اشتغل عنكم ما ~~كنتم تعبدون وتزعمون أنها شفعاؤكم. ### || [6.95-96] # وقوله تعالى: { إن الله فالق الحب والنوى } يعني يشق ~~الحبة اليابسة فيخرج منها ورقا خضرا، ويقال: فالق الحب مثل البر ~~والشعير والذرة والحبوب كلها، والنوى كل ثمرة فيها نوى، مثل الخوخ ~~والمشمش والغيبر والاجاص { يخرج الحي من الميت ومخرج ~~الميت من الحي } ، وقد ذكرنا تأويله { ذلكم الله } ~~يعني هذا الذي يفعل بكم هو الله تعالى { فأنى تؤفكون } يعني ~~كيف تكفرون ومن أين تكذبون فذكر عيب آلهتهم. ثم دل على وحدانيته بصنعته ~~ثم قال: { فالق الإصباح } يعني خالق الإصباح، والإصباح والصبح ~~واحد، ويقال: الإصباح مصدر أصبح يصبح إصباحا، والصبح: إسم، وقال: فالق ~~الإصباح: يعني خالق النهار { وجعل اليل سكنا } قرأ أهل الكوفة ~~حمزة والكسائي وعاصم (وجعل الليل) على معنى الخبر، وقرأ الباقون: (جاعل ~~الليل سكنا) على معنى الإضافة يعني يسكن فيه الخلق. ثم قال: { ~~والشمس والقمر حسبانا } يعني وجعل الشمس والقمر حسبا، ~~يعني: منازلها بالحساب لا يجاوزانه، إذا انتهيا إلى أقصى منازلهما رجعا، ~~وهذا قول الكلبي. وقال مقاتل: { حسبانا } يعني يعرف بها عدد السنين ~~والحساب. وقال القتبي: { حسبانا ms0498 } أي حسابا يقال: خذ كل شيء ~~بحسبانه أي بحسابه. وقال الكلبي: ويقال: للشيء المعلق حسبانا. { ~~ذلك تقدير العزيز العليم } يقول هذا فعل العزيز في ملكه، ~~العليم بخلقه، لا فعل لأصنامكم فيه. ### || [6.97-98] # ثم قال: { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها } ~~يعني: لتعرفوا الطريق { في ظلمت البر والبحر } يعني ~~لتهتدوا بالكواكب في الليالي وتعرفوا بها قبلتكم { قد فصلنا ~~الآيت } يعني: بينا العلامات لوحدانية الله تعالى { لقوم ~~يعلمون } وإنما أضاف إلى أهل العلم لأنهم هم الذين ينتفعون به فكأنه ~~بين لهم. ويقال: لقوم يعلمون يعني يصدقون أنه من الله تعالى. ثم قال: { ~~وهو الذي أنشأكم } يعني خلقكم { من نفس وحدة } وهو ~~آدم { فمستقر ومستودع } يعني في الرحم ومستودع في الصلب ~~ويقال: مستقر في الصلب ومستودع في الرحم، ويقال: مستقر في الدنيا ومستودع ~~في القبر. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فمستقر) بكسر القاف. وقرأ ~~الباقون: بالنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه فلكم مستقر ولكم مستودع يعني موضع ~~قرار وموضع إيداع. ومن قرأ بالكسر فعلى معنى الفاعل. يقال: قر الشيء ~~واستقر بمعنى واحد يعني كنتم مستقرين. { قد فصلنا الآيت ~~لقوم يفقهون } يعني بينا الآيات لمن له عقل وذهن. ### || [6.99] # قوله تعالى: { وهو الذي أنزل من السماء ماء } يعني ماء ~~المطر { فأخرجنا به } يعني بالمطر { نبات كل شيء } يعني ~~معاشا للخلق من الثمار والحبوب وغير ذلك. { فأخرجنا منه ~~خضرا } خضر واخضر بمعنى واحد، الأخضر: يعني النبات الأخضر وهو ~~أول ما يخرج، ثم قال: { نخرج منه حبا متراكبا } يعني ~~السنبلة قد ركب بعضها بعضا { ومن النخل من طلعها } يعني ~~أخرجنا بالماء من النخل من طلعها يعني من عذوقها وثمرها { قنون ~~دانية } يعني عذوقا متدانية قريبة ينالها القائم والقاعد { ~~وجنت من أعنب } يعني يخرج بالماء، قرأ الأعمش: (وجنات) ~~بالضم عطفها على قوله: { قنون دانية } ، وقرأ العامة: بالكسر ~~ومعناه وأخرجنا من أعناب { والزيتون } يعني أخرجنا منه شجر ~~الزيتون. { والرمان متشبها } في المنظر { وغير ~~متشبه } في الطعم. يعني بعضها حلو وبعضها حامض { انظروا ~~إلى ثمره } قرأ حمزة والكسائي: { انظروا ms0499 إلى ثمره } ~~بضم الثاء والميم، وقرأ الباقون بالنصب وكذلك ما بعده. فمن قرأ بالنصب ~~فهو اسم الثمرة وإنما أراد به الجنس. ومن قرأ بالضم فهو جمع الثمار. { ~~إذا أثمر وينعه } يعني ونضجه يعني انظروا إلى نضجه واعتبروا ~~به. واعلموا أن له خالقا فهو قادر على أن يحييكم بعد الموت كما أخرج من ~~الأرض اليابسة النبات الأخضر ومن الشجرة الثمار { إن في ذلكم ~~لايت } يعني في اختلاف ألوانه لعلامات { لقوم يؤمنون } ~~يعني يصدقون ويرغبون في الحق. ### || [6.100-103] # قوله تعالى: { وجعلوا لله شركاء الجن } يعني وضعوا لله ~~شركاء وقال مقاتل: وذلك أن بني جهينة قالوا: إن صنفا من الملائكة يقال ~~لهم الجن بنات الرحمن، وذلك قوله: { وجعلوا لله شركاء ~~الجن }. وقال الكلبي: وجعلوا الجن شركاء لله نزلت هذه الآية في ~~الزنادقة قالوا: إن الله تعالى وإبليس - لعنه الله ولعنهم - أخوان، ~~قالوا: إن الله تعالى خالق الناس والدواب، وإبليس خالق السباع والحيات ~~والعقارب. كقوله: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [سورة الصافات: 158] قال الزجاج: معناه: أطاعوا الجن فيما سولت لهم من ~~شركهم فجعلوهم شركاء الله، وهذا قريب مما قاله الكلبي. ثم قال: { ~~وخلقهم } يعني جعلوا لله الذي خلقهم شركاء. ويقال: وخلقهم يعني خلق ~~الجن. ويقال: وخلقهم يعني الذين تكلموا به { وخرقوا له بنين ~~وبنات } يعني وصفوا له بنين وبنات { بغير علم } يعني بلا علم ~~يعلمونه. ويقال بلا حجة وبيان. وروى عبد الله بن موسى عن جويرية، قال: ~~سمعت رجلا سأل الحسن عن قوله: { وخرقوا له }: قال: كلمة عربية ~~كانت العرب تقولها كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول بعض القوم ~~خرقها. ثم نزه نفسه فقال: { سبحنه } يعني تنزيها له: { ~~وتعلى عما يصفون } يعني هو أعلا وأجل مما يصف الكفار بأن ~~له ولدا. قرأ نافع (وخرقوا) بالتشديد على معنى المبالغة. قوله تعالى: ~~{ بديع السموات والأرض } يعني خالق السماوات والأرض يعني ~~مبدعهما وهو أن يبتدىء شيئا لم يكن، يعني ابتدعهما ولم يكونا شيئا { ~~أنى يكون له ولد } قال القتبي: (أنى) على وجهين: يكون ~~بمعنى ms0500 كيف كقوله: # فأتوا حرثكم أنى شئتم # [سورة البقرة: 223] وكقوله: # أنى يحى هذه الله بعد موتها # [سورة البقرة: 259]، ويكون بمعنى من أين كقوله: # قاتلهم الله أنى يؤفكون # [سورة التوبة: 38] وكقوله: { أنى يكون له ولد } { ولم ~~تكن له صحبة } يعني زوجة { وخلق كل شيء } يعني ~~الملائكة وعيسى وغيرهم. وهم خلقه وعبيده { وهو بكل شيء عليم ~~} مما خلق ثم قال: { ذلكم الله ربكم } يعني الذي فعل هذا ~~فهو ربكم { لا إله إلا هو } يعني لا خالق غيره { خلق ~~كل شيء فاعبدوه } يعني وحدوه وأطيعوه { وهو على كل ~~شيء وكيل } يعني كفيل بأرزاقهم. ويقال: وكيل يعني حفيظ. ثم عظم ~~نفسه فقال: { لا تدركه الأبصر }. قال مقاتل: يعني لا يراه ~~الخلق في الدنيا. وروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة، هل رأى محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ربه؟ فقالت: لقد اقشعر قلبي مما قلت أين أنت ~~من ثلاثة من حدثك بهن فقد كذب، من حدثك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى ربه فقد كذب. ثم قرأت: لا تدركه الأبصار: { وهو يدرك ~~الأبصر } ومن حدثك أنه قد علم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: # وما تدري نفس ماذا تكسب غدا # [سورة لقمان: 34] ومن حدثك أنه كتم شيئا من الوحي فقد كذب ثم قرأت # يا أيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67]. ثم قال: { وهو يدرك الأبصر } يعني لا يخفى ~~عليه شيء ولا يفوته قال الزجاج: في هذه الآية دليل: أن الخلق لا يدركون ~~الأبصار أي لا يعرفون كيف حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان ~~يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه فاعلم أنهم لا ~~يحيطون بعلمه فكيف به. ثم قال: { وهو اللطيف الخبير } بخلقه ~~وبأعمالهم. وقال أبو العالية: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وتدركه أبصار ~~المؤمنين في الآخرة. ### || [6.104-105] # قوله تعالى: { قد جاءكم بصائر من ربكم } يعني بيانا من ~~ربكم وهو القرآن الذي فيه البيان { فمن أبصر فلنفسه } يقول: ~~من صدق بالقرآن وآمن به فثوابه لنفسه ms0501 { ومن عمي فعليها } يعني ~~من لم يصدق بالقرآن ولم يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فعليها جزاء ~~العذاب { وما أنا عليكم بحفيظ } يعني بمسلط وهذا قبل أن ~~يؤمر بالقتال ثم قال: { وكذلك نصرف الآيت } يعني نبين لهم ~~الآيات في القرآن في كل وجه { وليقولوا درست }. قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو: (دارست) يعني ذاكرت أهل الكتاب، وقرأ نافع وعاصم وحمزة ~~والكسائي: (وليقولوا: درست) يعني قرأت الكتب ويقال: تعلمت من جبر ويسار، ~~وكانا غلامين بمكة عبرانيين. فقال أهل مكة: إنما يتعلم منهما. وقرأ ابن ~~عامر: (درست) بنصب الراء والسين يعني هذا شيء قديم قد خلفت. وقرأ ~~بعضهم: (درست) أي قرئت، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: (ليقولوا) ~~بغير واو (درس) بغير تاء يعني لكي يقولوا درس النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وكان نزول هذه الآيات سببا لقولهم هذا فأضاف قولهم إلى الآيات. ~~ثم قال { ولنبينه لقوم يعلمون } يعني أصحاب محمد عليه ~~السلام. ### || [6.106-108] # ثم قال: { اتبع ما أوحي إليك من ربك } يعني إعمل بما ~~أنزل إليك من ربك من أمره ونهيه حين دعي إلى ملة آبائه. ثم قال { لا ~~إله إلا هو وأعرض عن المشركين } يعني اتركهم على ~~ضلالتهم. ثم قال { ولو شاء الله ما أشركوا } يقول: ولو شاء ~~الله لجعلهم مؤمنين. ويقال: لو شاء لأنزل عليهم آية يؤمنوا بها. لو شاء ~~لاستأصلهم فقطع سبب شركهم. { وما جعلنك عليهم حفيظا } ~~يعني أن لم يوحدوا { وما أنت عليهم بوكيل } يعني بمسلط. ~~وقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~} وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كان يذكرون الأصنام بسوء ~~ويذكرون عيبهم فقال المشركون: لتنتهين عن شتم آلهتنا أو لنسبن ربك فنهى ~~الله تعالى المؤمنين عن شتم آلهتهم عندهم لأنهم جهلة { فيسبوا ~~الله عدوا } يعني اعتداء { بغير علم } [يعني بلا علم منهم] ~~ويقال: (عدوا) يعني ظلما، صار نصبا بالمصدر. وفي الآية دليل: أن ~~الإنسان إذا أراد أن يأمر بالمعروف فيقع المأمور به في أمر هو شر مما هو ~~فيه ms0502 من الضرب أو الشتم أو القتل ينبغي أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه. ~~ثم قال: { كذلك زينا } يقول: هكذا زينا { لكل أمة } يعني ~~لكل أهل دين عملهم يعني ضلالتهم في الدنيا عقوبة ومجازاة لهم. { ثم ~~إلى ربهم مرجعهم } في الآخرة { فينبئهم بما ~~كانوا يعملون } يعني فيجازيهم بذلك. ### || [6.109] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } وكان ~~أهل الجاهلية يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك وكانوا يحلفون بالله ~~تعالى وكان يسمونه جهد اليمين إذا كانت اليمين بالله، ولما نزل قوله ~~تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء.. # [الشعراء:4] الآية. قالوا: أنزلها فوالله لنؤمنن بك وقال المسلمون: ~~أنزلها لكي يؤمنوا: فنزل: { وأقسموا بالله جهد ~~أيمنهم } يقول حلفوا بالله { لئن جاءتهم ءاية ~~ليؤمنن بها } قال الله تعالى: { قل إنما الآيت عند ~~الله } إن شاء أنزلها وإن شاء لم ينزلها. ثم قال: { وما ~~يشعركم أنها } يقول: وما يدريكم أنها { إذا جاءت } يعني ~~الآية { لا يؤمنون } وقال مقاتل: { وما يشعركم } يا أهل ~~مكة أنها إذا جاءتكم لا تؤمنون، وقال الكلبي: { وما يشعركم } ~~أيها المؤمنون أنها إذا جاءت لا يؤمنون. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في ~~رواية أبي [بكر]: (أنها) بالكسر على معنى الابتداء وإنما يتم الكلام عند ~~قوله: { وما يشعركم } ثم ابتدأ فقال: (إنها إذا جاءت لا يؤمنون) ~~ويشهد لهذا قراءة عبد الله بن مسعود: (وما يشعركم إنها إذا جاءت لا ~~يؤمنون). وقرأ الباقون: (أنها) بالنصب على معنى البناء ويشهد لها قراءة ~~أبي: وما يشعركم لعلها إذا جاءت. وقرأ ابن عامر وحمزة: (لا تؤمنون) ~~بالتاء على معنى المخاطبة، وهذه القراءة توافق لقول مقاتل. ### || [6.110-111] # ثم قال: { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } يعني نترك ~~قلوبهم وأبصارهم مغلقة كما هي، ولا أوفقهم { كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة } قبل نزول الآيات. ويقال: عند انشقاق القمر لما لم ~~يعتبروا به ولم يؤمنوا فعاقبهم الله تعالى وختم على قلوبهم فثبتوا على ~~كفرهم { ونذرهم } يقول: وندعهم { في طغينهم } يعني في ~~ضلالتهم { يعمهون } يعني يترددون ويتحيرون فيه. ويقال: { كما لم ~~يؤمنوا به ms0503 أول مرة } يعني كما لم يؤمن به أوائلهم من ~~الأمم الخالية لما سألوا الآية من أنبيائهم. قوله تعالى: { ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة } [هذا جواب لقولهم: لولا ~~أنزل إليه ملك، فيكون معه نذير قال الله تعالى: ولو أننا أنزلنا إليهم ~~الملائكة] كما سألوا حتى يشهدوا بأنك رسول الله { وكلمهم ~~الموتى } بأنك رسول الله { وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا } قرأ نافع وابن عامر (قبلا) بكسر القاف ونصب الباء. وقرأ ~~الباقون: بالضم فمن قرأ بالضم فمعناه جماعة القبيل والقبيل: الكفيل، ~~ويقال قبلا أي أصنافا من الآدميين ومن الملائكة ومن الوحش. ومن قرأ: ~~(قبلا) بالكسر معناه وحشرنا عليهم كل شيء معاينة فعاينوه. { ما ~~كانوا ليؤمنوا } وهذا إعلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم ~~لا يؤمنون كما أعلم نوحا - عليه السلام - # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن # [هود: 36]. ثم قال: { إلا أن يشاء الله } يعني إلا من هو أهل ~~لذلك فيوفقه الله تعالى ويقال: إلا أن يشاء الله يقول: قد شاء الله أن لا ~~يؤمنوا حيث خذلهم ولم يوفقهم { ولكن أكثرهم يجهلون } ~~عن ذلك. ويقال: أكثرهم يجهلون الحق أنه من الله تعالى. ويقال: يجهلون ما ~~في العلامة من وجوب هلاكهم بعد العلامة أن لم يؤمنوا. ### || [6.112-113] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } يعني ~~أعداء ومعنى ذلك كما جعلنا لك ولأمتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه كذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا { شيطين الإنس والجن } قال مقاتل: ~~وذلك أن إبليس وكل شياطين الإنس وشياطين الجن يضلونهم فإذا التقى شيطان ~~الجن مع شيطان الإنس قال أحدهما للآخر: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا ~~فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا فذلك قوله: { يوحي بعضهم إلى ~~بعض } يعني يكلم بعضهم بعضا بالإضلال. وقال عكرمة: للجن شياطين مثل ~~شياطين الإنس. وروي عن الزبير بن العوام أن جنيا شكا إليه ما لقي من ~~الشيطان فعلمه دعاء ليخلص منه فدعا به. ووجه آخر شياطين الإنس والجن يعني ~~الشياطين من الإنس والشياطين من الجن لأن كل عات متمرد فهو شيطان. وروي ms0504 ~~عن أبي ذر الغفاري أنه قال: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو في المسجد فأمرني أن أصلي ركعتين فصليت ثم جلست عنده قال: # " يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس وشياطين الجن، فقلت: يا ~~رسول الله أو من الإنس شياطين؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ~~ما تقرأ قوله { شيطين الإنس والجن } " # وكذلك هذان القولان من قوله تعالى # في صدور الناس من الجنة والناس # [الناس: 5، 6]. ثم قال { يوحي بعضهم إلى بعض } يعني يوسوس ~~بعضهم بعضا { زخرف القول غرورا } يعني ما زين منه، وحسن ~~وموه، يعني يزين القول باطلا يغرهم بذلك، وأصل الزخرف: الذهب. وسمى ~~الزينة زخرفا لأن أصل الزينة من الذهب يعني يزين لبعض الأعمال. ثم قال: ~~{ ولو شاء ربك ما فعلوه } يعني لو شاء ربك لمنعهم من ~~الوسوسة ولكن الله يمتحن بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب { ~~فذرهم وما يفترون } يعني خل عنهم وما يكذبون من القول ~~والغرور. ثم قال: { ولتصغي إليه } يقول: ولتميل إلى ذلك الزخرف ~~والغرور { أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة } إلى هذه ~~الزينة والغرور { وليرضوه } يقول: لكي يقبلوا من الشياطين الزينة ~~والغرور { وليقترفوا ما هم مقترفون } يعني ليكسبوا ما ~~هم مكتسبون من المعاصي وليعملوا ما هم عاملون. وقرأ بعضهم: (وليرضوه ~~وليقترفوا) بجزم اللام على معنى الأمر والمراد به التهديد كقوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] والقراءة المعروفة: بكسر اللام والمراد به التهديد، ومعناه ~~اتركهم ليعلموا ما هم عاملون. ### || [6.114-117] # وقوله تعالى: { أفغير الله أبتغي حكما } يعني أعبد ~~غير الله؟ ويقال: أأطلب القضاء من غير الله؟ { وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتب مفصلا } يعني مبينا فيه أمره ونهيه بلغة ~~يعرفونها. ويقال: مفرقا سورة سورة وآية آية. { والذين ~~ءاتينهم الكتب } يعني مؤمني أهل الكتاب { يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق } يعني القرآن منزل من الله ~~بالعدل. قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص: (منزل) بتشديد الزاي. وقرأ ~~الباقون بالتخفيف ثم قال: { فلا تكونن من الممترين } يعني ~~الشاكين في أنه الحق. وأنه من ms0505 الله تعالى خاطبه بذلك وأراد به غيره من ~~المؤمنين لكي لا يشكوا فيه. قوله تعالى: { وتمت كلمت ربك } ~~يقول: وجب قول ربك بأنه ناصر محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن عاقبة ~~الأمر به { صدقا وعدلا } يعني صدقا فيما وعد الله له من النصرة ~~(وعدلا) فيما حكم به { لا مبدل لكلمته } يقول: لا مغير ~~لوعده كقوله: # لننصر رسلنا # [غافر: 51] ويقال: { لا مبدل لكلمته } يعني لا ينقض بعضها ~~بعضا ولا يشبه كلام البشر. # " وروى أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: { ~~وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } قال: " هو قول لا إله إلا ~~الله " # { وهو السميع العليم } " السميع " بما سألوا " العليم " بهم. ~~ثم قال: { وإن تطع أكثر من في الأرض } يعني أهل أرض مكة ~~فيما يدعونه إلى ملة آبائه. ويقال: وإن تطع أكثر من في الأرض يعني الكفار ~~لأن أكثر من في الأرض كانوا الكفار { يضلوك عن سبيل الله } ~~يعني يصرفوك عن دين [الإسلام] { إن يتبعون إلا الظن } يعني ~~أن أكثرهم يتبعون أكابرهم بالظن ويتبعونهم فيما لا يعلمون أنهم على الحق. ~~فإن قيل: كيف يعذبون وهم ظانون على غير يقين؟ قيل لهم: لأنهم اقتصروا على ~~الظن والجهل لأنهم اتبعوا أهواءهم ولم يتفكروا في طلب الحق. ويقال: { إن ~~يتبعون إلا الظن } يعني في أكل الميتة واستحلالها { وإن ~~هم إلا يخرصون } يعني ما هم إلا كاذبون باستحلالهم الميتة ~~لأنهم كانوا يقولون: ما قتل الله فهو أولى بالحل وبأكله مما نذبحه ~~بأيدينا. { إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله } ~~يعني: عن دينه وعن شرائع الإسلام { وهو أعلم بالمهتدين } ~~لدينه. قرأ أهل الكوفة: عاصم وحمزة والكسائي: (وتمت كلمة ربك) وقرأ ~~الباقون: (كلمات) بلفظ الجماعة. ### || [6.118-119] # قوله تعالى: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } من ~~الذبائح { إن كنتم بآيته مؤمنين } يعني مصدقين. فقد بين ~~الله تعالى أنه لا يجوز أكل الميتة وإنما يحل أكله إذا ذبح وذكر اسم ~~الله عليه. ثم قال: { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه } مما ms0506 ذبح وذكر اسم الله عليه { وقد فصل ~~لكم } يعني بين لكم تحريمه في سورة المائدة وغيره من { ما حرم ~~عليكم } [يعني الميتة وغيرها] { إلا ما اضطررتم إليه ~~} يقول: ما اجتهدتم إلى أكل الميتة عند الجوع. قرأ ابن كثير وابن عامر ~~وأبو عمرو (فصل لكم) بضم الفاء (ما حرم عليكم) بضم الحاء على معنى فعل ما ~~لم يسم فاعله. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: (وقد فصل) ~~بالنصب (وما حرم) بالضم. وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص كلاهما بالنصب ~~يعني بين الله لكم ما حرم عليكم. ثم قال: { وإن كثيرا ~~ليضلون بأهوائهم بغير علم } يقول: يدعون إلى أكل ~~الميتة بغير علم { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } من ~~الحلال إلى الحرام. ### || [6.120-121] # قوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه } يعني زنا السر ~~والعلانية لأن أهل الجاهلية كانوا يحرمون الزنا في العلانية ولا يرون به ~~بأسا في السر فأخبر الله تعالى: أن الزنا حرام في السر والعلانية ويقال: ~~ظاهر الإثم: وهو الزنا، وباطنه القبلة واللمس والنظر. وقال الضحاك: { ~~ظهر الإثم } الزنا { وباطنه }: نكاح الأمهات والأخوات وقال ~~قتادة: { ظهر الإثم وباطنه } يعني قليله وكثيره. ويقال: ~~ظاهره: إرتكاب المعاصي، وباطنه: ترك الفرائض. ويقال: باطنه: الرياء في ~~الأعمال ويقال الكفر. ويقال جميع المعاصي. { إن الذين يكسبون ~~الإثم } يقول: يعملون الفواحش ويتكلمون بها { سيجزون بما ~~يقترفون } سيعاقبون بما كانوا يكسبون من الإثم. قرأ أهل الكوفة ~~عاصم وحمزة والكسائي: وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بضم الياء، يعني يضلون ~~الناس. وقرأ الباقون: (ليضلون) بنصب الياء، يعني يضلون بأنفسهم. ~~قوله تعالى: { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~عليه } يعني ما لم يذك ولم يذبح، أو ذبح بغير اسم الله { وإنه ~~لفسق } يعني أكله معصية واستحلاله كفر { وإن الشيطين ~~ليوحون إلى أوليائهم } يعني يوسوسون إلى أوليائهم من ~~المشركين { ليجدلوكم } يقول: ليخاصموكم في أكل الميتة وهو ~~قولهم: ما قتله الله فهو أولى أن يؤكل. وروي عن عبد الله بن الزبير أنه ~~قيل له: إن المختار يقول: يوحى إلي فقال: صدق، وإن ms0507 الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم. قال الفقيه، قال: حدثنا أبو الفضل بن أبي [حفص]، قال: حدثنا ~~أبو جعفر الطحاوي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال المشركون ~~للمسلمين: ما قتل ربكم ومات فلا تأكلوه وما قتلتم أنتم وذبحتم فتأكلوه ~~فأوحى الله تعالى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - { ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه... } إلى قوله { وإن ~~أطعتموهم } يعني في أكل الميتة واستحلاله { إنكم ~~لمشركون } مثلهم ففي الآية دليل: أن من استحل شيئا مما حرم الله ~~تعالى صار مشركا. ### || [6.122-123] # ثم قال: { أو من كان ميتا فأحيينه } يعني من كان ضالا ~~كافرا فهديناه إلى الإسلام والتوحيد { وجعلنا له نورا يمشي ~~به في الناس } يعني أكرمناه بالمعرفة. ويقال: جعلنا له إيمانا ~~يهتدي به سبيل الخيرات والنجاة يمشي به في الناس، يعني مع المؤمنين ~~ويقال: أعطيناه نورا يوم القيامة يمشي به على الصراط مع المؤمنين، لا ~~يكن حاله { كمن مثله في الظلمت } يعني كمن قدر عليه الكفر ~~ونزل في الكفر مخذولا { ليس بخارج منها } يعني ليس براجع ~~منها يعني ليسا بسواء. قال الكلبي: نزلت في عمار بن ياسر يعني ليس حاله ~~بحال الكفار. وقال مقاتل: يعني به النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس مثل ~~أبي جهل بن هشام الذي بقي في الكفر. ويقال: يعني جميع المؤمنين ليس حالهم ~~كحال الكفار. قرأ نافع (أومن كان ميتا بالتشديد، وقرأ الباقون: ~~بالتخفيف ومعناهما واحد. ثم قال: { كذلك زين للكفرين ما ~~كانوا يعملون } يعني هكذا نعاقب من اختار الكفر على الإيمان ~~فنختم على قلبه مجازاة لكفره. ثم قال: { وكذلك جعلنا في كل ~~قرية أكبر مجرميها } يعني جعلنا مجرميها أكابرها ~~وجبابرتها كما جعلنا في أهل مكة وهذا معطوف على ما قبله، أي مثل ذلك ~~جعلنا في كل قرية، كما زين للكافرين { ليمكروا فيها } يعني ~~ليتكبروا فيها ويكذبوا رسلهم { وما يمكرون } يعني وما يصنعون ذلك ~~{ إلا بأنفسهم } يعني إلا على أنفسهم { وما يشعرون } أن ~~ذلك على أنفسهم. ### || [6.124-125] # قوله تعالى: { وإذا جاءتهم ءاية } يعني الأكابر الذين ms0508 سبق ~~ذكرهم. ويقال: كفار مكة إذا جاءتهم علامة مثل انشقاق القمر وغيره { ~~قالوا لن نؤمن } يعني لن نصدقك ولن نؤمن بالآية { حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي } أي مثل ما أعطى { رسل الله } يعني ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - من الآيات والعلامات. ويقال: لم نصدقك حتى ~~يوحى إلينا كما أوحي إلى الرسل وذلك أن الوليد بن المغيرة وأبا مسعود ~~الثقفي قالا: لو أراد الله تعالى أن ينزل الوحي لأنزل علينا قال بعضهم: ~~أرادوا به محمدا - صلى الله عليه وسلم -. وقال بعضهم: أرادوا به جميع ~~الرسل. فقال الله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته ~~} ومن يصلح للنبوة ومن لا يصلح فخص بها محمدا - صلى الله عليه وسلم - { ~~سيصيب الذين أجرموا } يعني أشركوا { صغار عند الله ~~} يعني مذلة وهوان عند الله أي من عند الله العذاب بالمستهزئين { ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون } يعني يكذبون بالرسل. قرأ ~~ابن كثير وعاصم في رواية حفص: " حيث يجعل رسالته) بلفظ الوحدان، وقرأ ~~الباقون: (رسالاته) بلفظ الجماعة. قوله تعالى: { يمكرون فمن ~~يرد الله أن يهديه } يعني من يرد الله أن يوفقه للإسلام ~~ويهديه لدينه { يشرح صدره للإسلم } يقول: يوسع قلبه ~~ويلينه لقبول الإسلام ويدخل فيه نور الإسلام وحلاوته. وقال القتبي: يشرح ~~صدره يعني يفتحه. قال الفقيه قال: حدثنا الخليل بن أحمد، حدثنا الديبلي، ~~قال: حدثنا أبو عبيد الله، عن سفيان، عن خالد بن أبي كريمة عن عبد الله ~~بن المسور: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لما نزلت هذه الآية ~~{ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم ~~} قالوا: يا رسول الله فكيف ذلك؟ قال: إذا دخل النور في القلب انشرح ~~وانفسح قالوا: وهل لذلك من علامة يعرف به؟ قال: # " نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت ~~قبل نزول الموت " # ثم قال تعالى: { ومن يرد أن يضله } عن الإسلام فلا يقبله ~~ويتركه بغير نور { يجعل صدره ضيقا } عن الإسلام يعني غير موسع ~~{ حرجا } يعني شاكا. وقال ابن عباس: كالشجرة الملتفة بعضها في ms0509 بعض لا ~~يجد النور منفذا ومجازا، قرأ ابن كثير (ضيقا) بتخفيف الياء وجزمها ~~وقرأ الباقون بالتشديد. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: (حرجا) ~~بكسر الراء، وقرأ الباقون: بالنصب. فمن قرأ بالنصب فهو المصدر، ومن قرأ ~~بالكسر فهو النعت. ثم قال: { كأنما يصعد في السماء } ~~يعني مثله كمثل الذي يتكلف الصعود إلى السماء وهو لا يستطيع فكذلك قلب ~~الكافر لا يستطيع قبول الإسلام. قرأ ابن كثير (يصعد) بجزم الصاد ونصب ~~العين بغير تشديد، من صعد يصعد، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ~~(يصاعد) بالألف مع تشديد الصاد وتخفيف العين لأن أصله يتصاعد فأدغم ~~التاء في الصاد. وقرأ الباقون: (يصعد) بتشديد الصاد والعين بغير ألف ~~لأن أصله يتصعد فأدغم التاء في الصاد. ثم قال: { كذلك يجعل ~~الله الرجس } يعني العذاب { على الذين لا يؤمنون } ~~بترك حلاوة الإيمان على الذين لا يرغبون في الإيمان. ويقال: الرجس في ~~اللغة: هو اللعنة والعذاب. ### || [6.126-129] # قوله تعالى: { وهذا صرط ربك مستقيما } يعني هذا ~~التوحيد دين ربك مستقيما يعني قائما برضاه { قد فصلنا الآيت ~~} يعني قد بينا العلامات وبينا الآيات في أمر القلوب والهدى والضلالة { ~~لقوم يذكرون } يعني يتعظون ويتفكرون في توحيد الله تعالى. ~~ويقال: معناه لا عذر لأحد في التخلف عن الإيمان لأن الله تعالى قد بين ~~طريق الهدى، وقد بين العلامات في ذلك لمن كان له عقل وتمييز. ثم ذكر ما ~~أعد الله للمؤمنين في الآخرة فقال: { لهم دار السلم عند ~~ربهم } وهي الجنة وهي دار السلام من الأمراض والآفات. والخوف والهرم ~~وغير ذلك. ويقال: (لهم دار السلام): فالله السلام والجنة داره يعني دار ~~رب العزة التي أعد لأوليائه بالثواب { وهو وليهم } أي الله تعالى ~~حافظهم وناصرهم في الدنيا. ويقال: هو وليهم في الآخرة بالثواب، { بما ~~كانوا يعملون } في الدنيا. قوله تعالى: { ويوم يحشرهم ~~} يقول: واذكر يوم يجمعهم الله { جميعا } يعني الجن والإنس. قرأ عاصم ~~في رواية حفص (يحشرهم) بالياء يعني أن الله يحشرهم. وقرأ الباقون: ~~(نحشرهم) بالنون { يامعشر الجن } يقول لهم: يا معشر ms0510 الجن { قد ~~استكثرتم من الإنس } يعني قد أضللتم كثيرا من الإنس. { ~~وقال أولياؤهم من الإنس } الذين أضلوهم { ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض } يعني انتفع بعضنا ببعض وكان استمتاع ~~الإنس بالجن في الدنيا أن أهل الجاهلية كانوا إذا سافر واحد منهم فأدركه ~~المساء بأرض قفر وخاف بالليل فقال: أعوذ بسيد أهل هذا الوادي من سفهاء ~~قومه، فأمن ولبث في جوارهم حتى يصبح، وكان استمتاع الجن بالإنس أن قالوا: ~~لقد سودنا الإنس والجن فيزيدون شرفا في قومهم يعني فيما بين الجن ~~والإنس { وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا } يعني الموت ~~الذي جعلته أجلنا في هذه الدنيا. وهذا قول الكلبي. وقال الضحاك: { ~~ربنا استمتع بعضنا ببعض } يعني خدع بعضنا بعضا عن دينك ~~يعني أن الجن قد خدعنا وأضلنا { وبلغنا أجلنا الذي ~~أجلت لنا } يعني ما كتبت علينا من الشقاوة. { قال: النار ~~مثواكم } يعني منزلكم وهم الجن والإنس { خلدين فيها } ~~مقيمين في النار { إلا ما شاء الله } قال الكلبي: مشيئة الله من ~~كل شيء. ويقال: إلا ما شاء الله البرزخ والقيامة. قد شاء الله لهم الخلود ~~فيها. ويقال: { إلا ما شاء الله } يخرج منها من أهل التوحيد. { ~~إن ربك حكيم عليم }. ثم قال: { وكذلك نولي } يعني ~~نسلط { بعض الظلمين بعضا } يعني كفار الجن على كفار الإنس. ~~ويقال: نسلط بعض الظالمين بعضا فيهلكه ويذله. وهذا كلام لتهديد الظالم ~~لكي يمتنع عن ظلمه، لأنه لو لم يمتنع يسلط الله عليه ظالما آخر ويدخل في ~~الآية جميع من يظلم، ومن ظلم في رعيته أو التاجر يظلم الناس في تجارته، ~~أو السارق وغيرهم. # وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم، فقف وانظر فيه ~~متعجبا. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط ~~الله على قوم، ولى أمرهم شرارهم بما كانوا يكسبون ثم تلا قوله { ~~وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا } وعن مالك بن دينار ~~قال: قرأت في بعض الكتب المنزلة أن الله تعالى يقول: إني أنا الله مالك ~~الملوك، قلوب الملوك بيدي، ونواصيها ms0511 بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ~~ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا ~~إلي أجعلهم عليكم رحمة. ثم قال: { بما كانوا يكسبون } يعني ~~يسلط بعضهم على بعض بأعمالهم الخبيثة. ### || [6.130-131] # ثم يقول لهم: { يامعشر الجن والإنس } يعني يقول لهم { ~~ألم يأتكم رسل منكم }. قال مقاتل: بعث الله تعالى رسولا ~~من الجن إلى الجن ومن الإنس إلى الإنس ويقال: رسل الجن [السبعة]، الذين ~~سمعوا القرآن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجعوا إلى قومهم ~~منذرين وقالوا: يا قومنا أجيبوا داعي الله. ويقال: ألم يأتكم رسل منكم، ~~يعني من الإنس خاصة. وقال ابن عباس: كانت الرسل تبعث إلى الإنس وأن ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى الجن والإنس. ثم قال { يقصون ~~عليكم } يقول: يقرأون ويعرضون عليكم { ءايتي } يعني القرآن { ~~وينذرونكم } يعني يخوفونكم { لقاء يومكم هذا، ~~قالوا: شهدنا على أنفسنا } يعني يقولون: بلى أقررنا أنهم ~~قد بلغوا وكفرنا بهم. ثم قالت الرسل، وذلك بعدما شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم، يقول الله تعالى: { وغرتهم الحيوة الدنيا } ~~يعني ما في الحياة الدنيا من زهرتها، وزينتها { وشهدوا على ~~أنفسهم أنهم كانوا كفرين } في الدنيا، ويقول الله ~~تعالى: # النار مثواكم خلدين فيهآ # [الأنعام: 128] على وجه التقديم والتأخير. قوله تعالى: { ذلك أن ~~لم يكن ربك مهلك القرى بظلم } يعني ذلك السؤال ~~والشهادة. ويقال: (ذلك) يعني إرسال الرسل إلى الجن والإنس، ليعلم أن لم ~~يكن الله مهلك القرى، يعني معذب أهل القرى بغير ذنب في الدنيا { ~~وأهلها غفلون } عن الرسل. ويقال: غافلون عن العذاب لأنه قد ~~بين لهم وأخذ عليهم الحجة. ### || [6.132-135] # ثم قال: { ولكل درجت مما عملوا } يعني ولكل واحد من ~~المؤمنين فضائل في الجنة بعضهم أرفع درجة من بعض، وللكافرين درجات بعضهم ~~أشد عذابا من بعض { وما ربك بغفل عما يعملون } يعني ~~لمن ينسى الطاعة من المطيعين ولا المعصية من العاصين ويجازي كل نفس بما ~~عملت. قرأ ابن عامر: (عما تعملون) على معنى المخاطبة وقرأ الباقون: ~~(يعملون) بالياء على معنى المغايبة. ms0512 قوله تعالى: { وربك الغني ~~ذو الرحمة } يعني غني عن عبادة خلقه ذو الرحمة بتأخير العذاب عنهم. ~~ويقال: { ذو الرحمة } يعني ذو التجاوز عمن تاب ورجع إليه بالتوبة { ~~إن يشأ يذهبكم } يعني يهلككم { ويستخلف من بعدكم ~~ما يشاء } خلقا بعدكم من بعد إهلاككم (ما يشاء): إن يشأ مثلكم وإن ~~يشأ أطوع منكم { كما أنشأكم } يقول: كما خلقكم { من ذرية ~~قوم آخرين } قرنا من بعد قرن ولكنه لم يهلككم رحمة منه لترجعوا ~~وتتوبوا ثم قال: { إن ما توعدون لأت } يعني الوعيد الذي أوعد ~~في الآخرة من العذاب لآت، يقول: لكائن لا خلف فيه { وما أنتم ~~بمعجزين } يعني بسابقين الله بأعمالكم الخبيثة [التي] يجازيكم بها، ~~هذا قول مقاتل: وقال الكلبي: بمعجزين أي، بفائتين أن يدرككم، ويقال في ~~اللغة: أعجزني الشيء أي فاتني وسبقني. ثم قال: { قل ي ~~قوماعملوا على مكانتكم } أي على موضعكم، يقال: مكان، ~~ومكانة، مثل منزل ومنزلة، ومعناه اعملوا على ما أنتم عليه. ويقال: معناه: ~~اجتهدوا في إهلاكي ما استطعتم ويقال: اعملوا في منازلكم من الخير والشر ~~فإنكم تجزون بهما لا محالة. { إني عمل } بما أوحى الله إلي. ~~ويقال: اعملوا بمكاني، وأنا عامل بمكانكم { فسوف تعلمون من ~~تكون له عقبة الدار } فهذا وعيد من الله تعالى يقول: نبين ~~لكم من تكون له عاقبة الأمر في الدنيا ومن تكون له الجنة في الآخرة. ثم ~~قال: { إنه لا يفلح الظلمون } مخاطبا لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أي: في الآخرة، ولا يأمن المشركون قرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر: { اعملوا على مكانتكم } في جميع القرآن بلفظ ~~الجماعة وقرأ الباقون: مكانتكم. وقرأ حمزة والكسائي: (من يكون) بالياء ~~لأنه انصرف إلى المعنى وهو الثواب. والباقون: قرأوا بالتاء لأن لفظ ~~العاقبة لفظ مؤنث. ### || [6.136-140] # قوله تعالى: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام } وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءا ~~من الحرث ولأوثانهم جزءا فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله ~~أخذوه وما ذهبت به الريح من الجزء الذي ms0513 سموه لله إلى جزء الأصنام تركوه، ~~وقالوا: إن الله غني عن هذا. وقال السدي: ما خرج من نصيب الأصنام: أنفقوه ~~عليها، وما خرج من نصيب الله تصدقوا به فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي ~~لله قالوا: ليس لآلهتنا بد من النفقة فأخذوا الذي لله وأنفقوه على ~~الأصنام، وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى ~~ماله فلا يزيدون عليه شيئا، فذلك قوله تعالى: { وجعلوا لله ~~مما ذرأ } يعني مما خلق من الحرث والأنعام { نصيبا } يعني جعلوا ~~لله نصيبا ولشركائهم نصيبا فاقتصر على المذكور لأن في الكلام دليلا ~~على المسكوت عنه { فقالوا هذا لله بزعمهم } يقول: ~~بقولهم ولم يأمرهم الله بذلك { وهذا لشركائنا } يعني للأصنام ~~{ فما كان لشركائهم } يعني لأصنامهم { فلا يصل إلى ~~الله } يقول: فلا يضعون شيئا في نصيب الله { وما كان لله ~~فهو يصل إلى شركائهم } يقول: يوضع في نصيبهم { ساء ما ~~يحكمون } يعني لو كان معه شريك كما يقولون ما عدلوا في القسمة، ~~ويقال ساء ما يحكمون حيث وصفوا لله شريكا. قرأ الكسائي: (بزعمهم) بضم ~~الزاي وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد. ثم قال تعالى: { ~~وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم ~~شركاؤهم } يعني زين لهم شركاؤهم وهم الشياطين قتل أولادهم لأنهم ~~يقتلون أولادهم مخافة الفقر والحمية، ويدفنون بناتهم أحياء فزين لهم ~~الشيطان ذلك، كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام. ويقال: كان واحد منهم ~~ينذر: أنه إذا ولد كذا وكذا ولد يذبح واحدا منهم كما فعل عبد المطلب، ~~فزين لهم الشيطان قتل أولادهم فذلك قوله: { وكذلك زين لكثير ~~من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم }. قرأ ابن ~~عامر ومن تابعه من أهل الشام: (وكذلك زين) بضم الزاي (قتل) بضم اللام ~~(أولادهم) بفتح الدال (شركائهم) بالخفض وإنما قرىء (زين) بالضم على ~~فعل ما لم يسم فاعله، ومعناه قتل شركائهم على معنى التقديم، وهم أولادهم ~~لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم فصار شركاؤهم نعتا للأولاد، وصار ~~الأولاد نصبا على وجه التفسير. وقرأ الباقون (زين) بالنصب لأنه فعل ~~ماض ms0514 (شركاؤهم) بالضم لأنه جعل الشركاء على وجه الفاعل. ثم قال: { ~~ليردوهم } يعني ليهلكوهم بذلك { وليلبسوا } يعني ليخلطوا ~~وليشبهوا { عليهم دينهم } يعني دين إبراهيم وإسماعيل. ثم قال: { ~~ولو شاء الله ما فعلوه } يعني لو شاء الله لمنعهم من ذلك منع ~~اضطرار وقهر وأهلكهم { فذرهم وما يفترون } يعني دعهم وما ~~يكذبون بأن الله أمرهم بذلك، ومعناه أن الله مع قدرته عليهم قد تركهم إلى ~~وقت قدرهم فاتركهم أنت أيضا إلى الوقت الذي تؤمر بقتالهم. # ويقال: معناه دعهم فإن لهم موعدا بين يدي الله فيحاسبهم ويجازيهم بها ~~قوله تعالى: { وقالوا هذه أنعم وحرث } وهي البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحرث وهو نوع من الزرع حرموها على النساء { حجر } ~~يعني حرام والحجر يكون عبارة عن العقل كقوله تعالى: # هل في ذلك قسم لذي حجر # « [الفجر: 5] أي لذي لب وعقل ويكون عبارة عن الحرام كقوله: # حجرا محجورا # [الفرقان: 22] يعني حراما محرما، وكقوله: # هذه أنعم وحرث حجر # [الأنعام: 138] يعني حراما { لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم } من الرجال دون النساء، وهو مالك بن عوف كان يفتيهم بالحل ~~والحرمة وكان يقول هذا يجوز وهذا لا يجوز لأشياء كانوا حرموها برأيهم ثم ~~قال: { وأنعم حرمت ظهورها } وهي الحام من الإبل كانوا ~~يتركونها ولا يركبونها { وأنعم لا يذكرون اسم الله ~~عليها } يعني عند [الذبيحة]، ويقال: عند الركوب وهي البحيرة { ~~افتراء عليه } يعني اختلاقا وكذبا على الله بأنه أمرهم بذلك { ~~سيجزيهم } يعني سيعاقبهم { بما كانوا يفترون } يعني ~~يكذبون على الله بأنه أمرهم. { وقالوا: ما في بطون هذه ~~الأنعم خالصة لذكورنا } قال الكلبي: يعني البحيرة ~~والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء وليس للنساء فيه شركة ولا ~~نصيب، فذلك قوله: { ومحرم على أزوجنا وإن يكن ~~ميتة } يعني من هذه الأنعام { فهم فيه شركاء } يعني الرجال ~~والنساء في أكلها. وقال الضحاك: كانت الناقة إذا ولدت فصيلا ذكرا حرموا ~~لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال وإن وضعت فصيلا ميتا ~~اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل، ولبن الناقة، ذكر في أول الكلام ~~(خالصة) لفظ ms0515 التأنيث لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه حمله ما في بطون هذه ~~الأنعام ثم قال: { ومحرم على أزوجنا } ذكر بلفظ التذكير ~~لأنه انصرف إلى قوله: { ما في بطون }. قرأ عاصم في رواية أبي بكر: ~~(وإن تكن) بالتاء على معنى التأنيث (ميتة) بالنصب يعني وإن تكن الجماعة ~~ميتة صارت الميتة خبر كان. وقرأ ابن عامر: (وإن يكن ميتة) بالضم يعني وإن ~~كانت ميتة جعلها اسم كان رفعا. وقرأ ابن كثير: (وإن يكن) بالياء (ميتة) ~~بالضم يعني وإن كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان. وقرأ ~~الباقون: (وإن يكن ميتة) جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير ثم قال: { ~~سيجزيهم وصفهم } صار نصبا لنزع الخافض يعني سيعاقبهم بكذبهم. ~~{ إنه حكيم عليم } { حكيم } عليهم بالعذاب { عليم } ~~بهم. وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه، وإن لم يأخذ ~~به حتى يعلم فساد قوله ويعلم كيف يرد عليه لأن الله تعالى أعلم النبي - ~~عليه السلام - وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم ليعرفوا فساد قولهم. # قوله تعالى: { قد خسر الذين قتلوا أولدهم } يعنوا ~~دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن { سفها } صار نصبا لنزع الخافض يعني ~~جهلا منهم { بغير علم } يعني [بغير] حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ~~ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية. # " وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من أصحابه كان لا ~~يزال مغتما بين يديه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما لك ~~تكن محزونا "؟ فقال: يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنبا فأخاف ~~أن لا يغفر لي وإني أسلمت، فقال له " أخبرني عن ذنبك " فقال: يا رسول ~~الله: إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت، فتشفعت إلي امرأتي ~~بأن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت فصارت من أجمل النساء، فخطبوها فدخلت ~~علي الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج فقلت ~~للمرأة إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي ~~فابعثيها معي فسرت ms0516 بذلك وزينتها بالثياب والحلي وأخذت علي المواثيق بأن ~~لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد ~~أن ألقيها في البئر فالتزمت بي وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن ~~تفعل بي فرحمتها ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ثم التزمتني وجعلت ~~تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها ~~وأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة وهي تنادي ~~في البئر: يا أبت قتلتني، فمكثت هناك حتى انقطع صوتها. فرجعت. فبكى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وقال " لو أمرت أن أعاقب أحدا ~~بما فعل في الجاهلية لعاقبتك بما فعلت " # ثم قال: { وحرموا ما رزقهم الله } يعني ما أعطاهم { ~~افتراء } يعني كذبا { على الله } بأنه قد حرم ذلك عليهم { قد ~~ضلوا } عن الهدى { وما كانوا مهتدين }. يعني وما هم ~~بمهتدين. ويقال: وما كانوا مهتدين من قبل، فخذلهم الله بذلك. قرأ ابن ~~كثير وابن عامر: (قتلوا) بالتشديد لتكثير الفعل، والباقون بالتخفيف. ### || [6.141-144] # { وهو الذي أنشأ جنت معروشت } يعني خلق البساتين ~~يعني الكروم وما يعرش، وهو الذي يبسط مثل القرع ونحو ذلك { وغير ~~معروشت } يعني كل شجرة قائمة على أصولها { والنخل ~~والزرع } يعني خلق النخل والزرع { مختلفا أكله } يعني طعمه ~~مثل الحامض والحلو والمر { والزيتون والرمان متشبها } ~~يعني المنظر { وغير متشبه } يعني في الطعم { كلوا من ~~ثمره إذا أثمر } وإنما ذكر ثمره بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى ~~المعنى يعني ثمره الذي ذكرها، { وآتوا حقه يوم حصاده } ~~يعني أعطوا زكاته يوم كيله ورفعه. قرأ أبو عمرو، وعاصم وابن عامر: ~~(حصاده) بنصب الحاء وروى الحكم عن مقسم عن ابن عباس: قال: { وآتوا ~~حقه يوم حصاده } قال: العشر ونصف العشر. وروى سفيان عن ابن ~~أبي نجيح عن مجاهد قال: { وآتوا حقه يوم حصاده } قال: عند ~~الزرع أي يعطي القبض وهو بأطراف الأصابع ويعطي عند الصرام القبض ويدعهم ~~يتتبعون آثار الصرام. وعن الربيع بن انس: { وآتوا حقه يوم ms0517 ~~حصاده } قال: لقاط السنبل. وقال الحسن: نسختها آية الزكاة. وقال ~~إبراهيم: نسختها العشر ونصف العشر. وقال الضحاك: نسخت آية الزكاة كل صدقة ~~في القرآن. وهكذا قال عكرمة، وقال سفيان سألت السدي عن قوله تعالى: وآتوا ~~حقه يوم حصاده، قال هذه السورة مكية نسختها العشر ونصف العشر قلت عمن؟ ~~قال عن العلماء. # قال الفقيه: الذي قال أنه صار منسوخا (يعني أداؤه يوم الحصاد بغير ~~تقدير صار منسوخا، ولكن أصل الوجوب لم يصر منسوخا) وبين النبي - عليه ~~السلام - التقدير وهو العشر أو نصف العشر ثم قال: { ولا تسرفوا ~~إنه لا يحب المسرفين }. قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~عمد ثابت بن قيس إلى خمسمائة نخلة فصرمها وقسمها في يوم واحد فأمسى ولم ~~يكن لأهله شيء فنزل: { ولا تسرفوا } يعني ولا تتصدقوا بكله، ودعوا ~~لعيالكم شيئا وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: جد لمعاذ بن جبل نخله، ~~فلم يزل يتصدق حتى لم يبق منه شيء فنزل { ولا تسرفوا } ويقال: { ~~ولا تسرفوا } يعني ولا تنفقوا في المعصية قال مجاهد: لو أنفقت مثل ~~أبي قبيس ذهبا في طاعة الله تعالى ما يكون إسرافا، ولو أنفقت درهما في ~~طاعة الشيطان، كان إسرافا. وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه سئل عن قوله ~~تعالى: { ولا تسرفوا } قال: الإسراف ما قصرت عن حق الله تعالى. ~~ويقال: { ولا تسرفوا } يقول: لا تشركوا الآلهة في الحرث والأنعام ~~وقد ذكر قوله: { كلوا من ثمره } بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى ~~المعنى يعني من ثمر ما ذكرنا. ثم قال: { إنه لا يحب ~~المسرفين } يعني المشركين الذين يشركون الآلهة في الحرث والأنعام. # ثم قال: { ومن الأنعم حمولة وفرشا } يعني أنشأ لكم، ~~وخلق لكم من الأنعام حمولة وفرشا أي مما يحمله عليه من الإبل والبقر، ~~وفرشا مثل الغنم وصغار الإبل، وقال القتبي: الفرش ما لا يطيق الحمل عليه ~~وهي ما دون الحفاف التي لا تصلح للركوب، { كلوا مما رزقكم ~~الله } أي: من الحرث والأنعام حلالا طيبا، { ولا تتبعوا ~~خطوت الشيطن } يعني لا تسلكوا الطريق ms0518 الذي يدعوكم إليه ~~الشيطان { إنه لكم عدو مبين } ظاهر العداوة غير ناصح لكم. ~~ثم قال: # { ثمنية أزوج } يعني ثمانية أفراد لكم، يقال لكل فرد معه آخر ~~زوج، يقول: خلقت لكم ثمانية أصناف. ويقال: كلوا مما رزقكم الله ثمانية ~~أزواج نزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه، حيث قالوا: ما في بطون هذه ~~الأنعام، خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. ففي هذه الآية دليل إثبات ~~المناظرة في العلم لأن الله تعالى أمر النبي - عليه السلام - بأن ~~يناظرهم، ويبين فساد قولهم، وفيها إثبات القول بالنظر والقياس، وفيها ~~دليل أن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به ويروى إذا ورد عليه النقض ~~لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة وأمرهم بطرد علتهم، وأمرهم بأن ~~يثبتوا وجه الحرمة إن كان سبب الحرمة الأنوثة والذكورة أو اشتمال الرحم. ~~فإن كان سبب الحرمة الأنوثة ينبغي أن يكون كل أنثى حراما لوجود العلة ~~وإن كان سبب الحرمة الذكورة ينبغي أن يكون كل ذكر حراما لوجود العلة، ~~وإن كان محرما لاشتمال الرحم، وقد حرم الأولاد كلها ووجهت حرمتها لوجود ~~العلة فيها، فبين انتقاض علتهم، وفساد قولهم وذلك قوله: { ثمنية ~~أزوج } يعني ثمانية أصناف. { من الضأن اثنين } يعني قولهم ~~وذلك قوله: { ومن المعز اثنين } يعني الذكر والأنثى { قل: ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } يعني قل لهم من أين جاء ~~هذا التحريم من قبل الذكرين حرم أم من قبل الأنثيين { أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين } يعني، أم من قبل اشتمال ~~الرحم فإنها لا تشتمل إلا على الذكر والأنثى { نبئوني بعلم } ~~يعني أخبروني بسبب التحريم { إن كنتم صدقين } أن الله حرم ما ~~تقولون { ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين } يعني من أين جاء هذا التحريم، ثم قال: { أم ~~كنتم شهداء } يعني إذا لم تقدروا على إثبات تحريم ذلك بالعقل، فهل ~~لكم كتاب يشهد على تحريم هذا، فذلك قوله: أم كنتم شهداء، { إذ ~~وصكم الله بهذا } يعني أمركم الله بهذا التحريم فسكت " ~~مالك بن ms0519 عوف " وتحير فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ما لك لا تتكلم " # فقال: بل تكلم أنت فأسمع، قال الله عز وجل: { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } بغير حجة وبيان { ليضل الناس ~~بغير علم } يعني ليصرف الناس عن حكم الله تعالى بالجهل { إن ~~الله لا يهدي القوم الظلمين } يعني لا يرشدهم إلى ~~الحجة، ويقال لا يوفقهم إلى الهدى مجازاة لكفرهم. قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر: (ومن المعز) بنصب العين وقرأ الباقون: بالجزم، ومعناهما ~~واحد ثم بين لهم ما حرم عليهم. ### || [6.145-147] # فقال: { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما } يعني، لا ~~أجد فيما أنزل علي من القرآن شيئا محرما { على طاعم يطعمه } ~~يعني على آكل { إلا أن يكون ميتة } ، قرأ ابن عامر: (إلا أن ~~تكون ميتة) بالتاء على لفظ التأنيث (لأن الميتة مؤنث)، وقرأ (ميتة) ~~بالضم لأنه إسم كان وقرأ حمزة وابن كثير: (إلا أن تكون) بالتاء بلفظ ~~التأنيث (ميتة) بالنصب فجعل الميتة خبرا لكان والاسم فيه مضمر وقرأ ~~الباقون (إلا أن يكون) بلفظ التذكير (الميتة) بالنصب وإن جعلوه مذكرا ~~لأنه انصرف إلى المعنى ومعناه إلا أن يكون المأكول ميتة { أو دما ~~مسفوحا } يعني سائلا جاريا { أو لحم خنزير فإنه ~~رجس } أي حرام { أو فسقا } يعني معصية { أهل } يعني ذبح { ~~لغير الله به } يعني لغير اسم الله. وقال بعضهم: في الآية تقديم ~~ومعناه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير أو فسقا أهل لغير ~~الله به فإنه رجس، أي حرام يعني جميع ما ذكر في الآية هو رجس. ويقال: ~~الرجس هو نعت للحم الخنزير خاصة. وروى عمر بن دينار عن أبي الشعثاء عن ~~ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء فبعث الله ~~نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو ~~حرام، وما سكت عنه فهو عفو وتلا هذه الآية { قل لا أجد فيما ~~أوحى إلي... } الآية يعني ما لم يبين تحريمه فهو مباح ms0520 بظاهر هذه ~~الآية. وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن أنه قال: والله لولا حديث سلمة بن ~~المحبق ما لبسنا خفافكم ولا نعالكم ولا فراكم، حتى نعلم ما هي قال أبو ~~بكر: فذكرت ذلك للزهري فقال: صدق الحسن ذلك عندي أوسع من هذا. حدثني عبيد ~~الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس أنه قرأ: { قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما }. الآية. قال: إنما حرم من الميتة أكلها ~~وما يؤكل منها وهو اللحم أما الجلد والعظم والشعر والصوف فحلال. قال: ~~وقد احتج بعض الناس بهذه الآية على أن ما سوى هذه الأشياء التي ذكر في ~~الآية مباح ولكن نحن نقول قد حرم أشياء سوى ما ذكر في الآية. وقد بين على ~~لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك: كل ذي ناب من السباع وكل ~~ذي مخلب من الطير. وقد قال تعالى: # ومآ ءاتكم الرسول فخذوه، وما نهكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر:7]. ثم قال: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ~~ربك غفور رحيم } وقد ذكرنا تأويل هذه الآية. ثم قال: { ~~وعلى الذين هادوا حرمنا } يعني أن هذه الأشياء التي ~~ذكرنا في الآية كانت حراما في الأصل وقد حرم الله أشياء كانت حلالا في ~~الأصل على اليهود بمعصيتهم { كل ذي ظفر } يعني الإبل والنعامة ~~والبط، والأوز، وكل شيء له خف. # وقال القتبي: كل ذي ظفر، يعني كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي حافر من ~~الدواب وسم ظفرا على الاستعارة. وقال الكلبي: كل ذي ظفر يعني ليس بمنشق ~~ولا مجتر فهو حرام عليهم { ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما } يعني شحوم البطون، ثم استثنى فقال: { إلا ~~ما حملت ظهورهما } وقال الضحاك: إلا ما كان على اللحوم من ~~الشحوم. وقال الكلبي: يعني ما تعلق بالظهر من الشحم من الكليتين. ويقال: ~~حرم عليهم الثروب وأحل ما سواها وواحد الثروب ثرب، وهو الشحم الرقيق الذي ~~يكون على الكرش، { أو الحوايا } وهو المباعر واحدتها حاوية { أو ~~ما اختلط بعظم } مثل الإلية. وروى ms0521 جويبر عن الضحاك قال: ما ~~التزق بالعظم. ويقال: هو المخ { ذلك جزينهم ببغيهم } ~~يعني ذلك التحريم عاقبناهم بشركهم، وظلمهم { وإنا لصدقون } أن ~~هذه الأشياء كانت حلالا في الأصل وحرمناها على اليهود بمعصيتهم، لأن ~~اليهود كانوا يقولون إن هذه الأشياء كانت حراما في الأصل. ثم قال: { ~~فإن كذبوك } يعني فيما تقول من التحريم والتحليل { فقل ~~ربكم ذو رحمة وسعة } يعني رحمته وسعت كل شيء لا يعجل ~~عليهم بالعقوبة { ولا يرد بأسه } يعني عذابه { عن القوم ~~المجرمين }. ### || [6.148-150] # قوله تعالى: { سيقول الذين أشركوا } مع الله { لو شاء ~~الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا } يعني ولا أشرك آباؤنا [ولكن ~~شاء لنا ذلك وأمرنا به] { ولا حرمنا من شيء } أي: من هذه ~~الأشياء ويقال: مذهبهم مذهب الجبرية. قال الله تعالى: { كذلك كذب ~~الذين من قبلهم } يعني الأمم الخالية كذبوا رسلهم كما كذبك ~~قومك، وإنما كذبهم الله لأنهم قالوا ذلك على وجه السخرية لا على وجه ~~التحقيق. كما قال المنافقون: (نشهد أنك لرسول الله). فكذبهم الله في ~~مقالتهم لأنهم قالوا على وجه السخرية. ثم قال: { حتى ذاقوا ~~بأسنا } يعني الأمم الخالية أتاهم عذابنا فهذا تهديد لهم ليعتبروا، ~~ثم قال: { قل } يا محمد لهم قل { هل عندكم من علم } يعني ~~بيان من الله { فتخرجوه لنا } فبينوه لنا بتحريم هذه الأشياء ~~التي كانوا يحرمونها، ثم بين الله أنهم قالوا ذلك بغير حجة وبيان فقال: { ~~إن تتبعون إلا الظن } يعني ما تقولون إلا بالظن من غير ~~يقين وعلم { وإن أنتم إلا تخرصون } يعني قل لهم ما أنتم ~~إلا تكذبون على الله. قوله تعالى: { قل: فلله الحجة ~~البلغة } يعني الحجة الوثيقة وهو محمد - عليه السلام - والقرآن ~~فبين لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم { فلو شاء لهداكم ~~أجمعين } يعني لو شاء لوفقكم لدينه وأكرمكم بالهدى لو كنتم أهلا ~~للإسلام، ولكن لم يوفقهم لأنهم لم يجاهدوا في الله حق جهاده. { قل: ~~هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم ~~هذا } عليكم { فإن شهدوا } على تحريمه { فلا تشهد ~~معهم } فأخبر الله أنهم لو ms0522 شهدوا كانت شهادتهم باطلة، ولا يجوز قبول ~~شهادتهم لأنهم يقولون بأهوائهم. ثم قال: { ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآيتنا } يعني بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وبالقرآن { والذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني البعث { ~~وهم بربهم يعدلون } يعني يشركون بالله. ### || [6.151-153] # ثم قال تعالى: { قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم ~~عليكم } يعني قل لمالك بن عوف وأصحابه الذين يحرمون الأشياء على ~~أنفسهم وقالوا ما قالوا أبين لكم ما حرم الله عليكم وما أمركم به { ~~ألا تشركوا به شيئا } يقال: معناه أتل ما حرم ربكم عليكم ~~فقد تم الكلام ثم قال: وأمركم ألا تشركوا به شيئا { وبالولدين ~~إحسنا } يقول نهاكم عن عقوق الوالدين وأمركم ببرهم. ويقال: معناه ~~حرم عليكم ألا تشركوا به شيئا، ويقال: عناه حرم عليكم الشرك { ~~وبالولدين إحسنا } يعني أمركم بالإحسان إلى الوالدين { ~~ولا تقتلوا أولدكم من إملق } يعني من خشية الفقر { ~~نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفوحش ما ~~ظهر منها وما بطن } زنى السر والعلانية { ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق } يعني إلا بالقصاص ~~أو بالرجم أو بترك الإسلام فإن القتل بهذه الأشياء من الحقوق { ذلكم ~~وصكم به } يقول: أمركم به في القرآن { لعلكم تعقلون ~~} أمر الله بما حرمه في هذه الآيات. وروي عن عبد الله بن قيس عن ابن عباس ~~قال: هذه الآيات المحكمات: { قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم... } إلى ثلاث آيات. وقال الربيع بن خثيم لرجل: هل ~~لك في صحيفة عليها خاتم محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ ثم قرأ هذه الآيات: ~~{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم... } ويقال: هذه الآيات ~~هن أم الكتاب وهن إمام في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ولا يجوز أن ~~يرد عليها النسخ. ثم قال: { ولا تقربوا مال اليتيم } يقول: ~~لا تأكلوا مال اليتيم، ولا تباشروه { إلا بالتي هي أحسن } ~~يعني إلا بالقيام عليه لإصلاح ماله { حتى يبلغ أشده } يعني ~~احفظوا ماله حتى يبلغ رشده. قال مقاتل: يعني ثماني عشرة سنة. وقال ~~الكلبي: الأشد: ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. ms0523 ويقال: حتى يبلغ ~~مبلغ الرجل. ويقال: بلوغ الأشد ما بين ثماني عشرة إلى أربعين سنة. ثم ~~قال: { وأوفوا الكيل والميزان } يعني أتموا الكيل والميزان ~~عند البيع والشراء { بالقسط } يعني بالعدل { لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها } يعني إلا جهدها في العدل يعني إذا اجتهد الإنسان في ~~الكيل والوزن فلو وقعت فيه زيادة قليلة أو نقصان فإنه لا يؤاخذ به إذا ~~اجتهد جهده { وإذا قلتم فاعدلوا } يعني اصدقوا وقولوا الحق { ~~ولو كان ذا قربى } يعني وإن كان الحق على ذي قرابة فقولوا ~~الحق، ولا تمنعوا الحق { وبعهد الله أوفوا } يقول: أتموا ~~العهود التي بينكم وبين الله، والعهد الذي بينكم وبين الناس { ذلكم ~~وصكم به } يقول: أمركم به في الكتاب { لعلكم تذكرون ~~} يعني تتعظون فتمتنعون عما حرم الله عليكم. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص: (تذكرون) بتخفيف الذال وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله ~~تتذكرون، فأدغم احدى التاءين في الذال. # قوله تعالى: { وأن هذا صرطي مستقيما }. قرأ حمزة ~~والكسائي: (وإن هذا) بكسر الألف على معنى الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب ~~على معنى البناء. وقرأ ابن عامر: (وأن هذا) بجزم النون لأن أن إذا خففت ~~منعت عملها ومعنى الآية: إن هذا الإسلام ديني الذي ارتضيته طريقا ~~مستقيما { فاتبعوه ولا تتبعوا السبل } يعني لا تتبعوا ~~اليهودية والنصرانية. ويقال: هذا صراطي مستقيما: يعني طريق السنة ~~والجماعة: (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل). يعني الأهواء المختلفة. وروي عن ~~عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - عليه السلام - خط ~~بالأرض خطا مستقيما، ثم خط بجنبيه خطوطا ثم قال: هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل. يعني الطريق الذي بجنبي الخط يعني به الأهواء ~~المختلفة، ثم قال: { فتفرق بكم عن سبيله } يعني فيضلكم عن ~~دينه { ذلكم وصكم به لعلكم تتقون } يعني يجتنبون ~~الأهواء المختلفة. ### || [6.154-157] # قوله تعالى: { ثم ءاتينا موسى الكتب } يعني التوراة، ~~ويقال، الألواح التي كتبت عليها حين انطلق إلى الجبل. ويقال: معناه ثم ~~أتل عليكم كما قال الله تعالى: { ثم ءاتينا موسى الكتب } ~~ويقال: ثم بمعنى الواو، يعني ms0524 وآتينا موسى الكتاب. { تماما على ~~الذي أحسن } قال القتبي: أي تماما على المحسنين كما يقول: ثلث ~~مالي لمن غزا، أي للغزاة، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون، وعلى بمعنى ~~اللام كما نقول في الكلام أتم الله عليه النعمة، بمعنى أتم له، قال: ~~ومعنى الآية والله أعلم وآتينا موسى الكتاب تماما على أحسن من العلم ~~والحكمة أي مع ما كان له من العلم وكتب المتقدمين أعطيناه زيادة على ذلك، ~~ويكون " الذي " بمعنى " ما " قال: ومعنى آخر: آتينا موسى الكتاب تتميما ~~منا للمحسنين يعني الأنبياء والمؤمنين { وتفصيلا } منا { لكل ~~شيء } يعني بيانا لكل شيء. قال: ويجوز معنى آخر، وآتينا موسى الكتاب ~~إتماما منا للإحسان على من أحسن تفصيلا لكل شيء يعني بيانا لكل شيء { ~~وهدى } من الضلالة { ورحمة } يعني ونعمة ورحمة من العذاب { ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون } يعني لكي يصدقوا بالبعث. ثم ~~قال: { وهذا كتب أنزلنه مبارك } يعني القرآن فيه ~~بركة لمن آمن به وفيه مغفرة للذنوب { فاتبعوه } يعني اقتدوا به ~~ويقال إعملوا بما فيه من الأمر والنهي { واتقوا } يعني واجتنبوا ~~ولا تتخذوا إماما غير القرآن { لعلكم ترحمون } يعني لكي ~~ترحموا ولا تعذبوا. قوله تعالى: { أن تقولوا إنما ~~أنزل الكتب على طائفتين من قبلنا } يعني أنزلنا ~~هذا القرآن لكي لا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا يعني ~~اليهود والنصارى، ويقال أن تقولوا يعني لكراهة (أن تقولوا إنما أنزل ~~الكتاب على طائفتين من قبلنا) وذلك أن كفار مكة قالوا: قاتل الله اليهود، ~~كيف كذبوا أنبياءهم، والله لو جاءنا نذير وكتاب لكنا أهدى منهم فأنزل ~~الله القرآن حجة عليهم ثم قال: { وإن كنا عن دراستهم ~~لغفلين } يعني عن قراءتهم الكتاب لغافلين عما فيه. { أو ~~تقولوا } يعني لكي لا تقولوا: { لو أنا أنزل علينا ~~الكتب لكنا أهدى منهم } يعني أصوب دينا منهم { فقد ~~جاءكم بينة من ربكم } يعني حجة من ربكم وهو محمد -عليه ~~السلام - والقرآن وإنما قال (جاءكم) ولم يقل (جاءتكم) لأنه انصرف إلى ~~المعنى يعني البيان ولأن الفعل مقدم { وهدى ورحمة } بمعنى هدى ms0525 من ~~الضلالة ورحمة من العذاب. ويقال: قد جاءكم ما فيه من البيان وقطع الشبهات ~~عنكم. ثم قال: { فمن أظلم ممن كذب بآيت الله } ~~يعني لا أحد أظلم وأشد في كفره ممن كذب بآيات الله تعالى { وصدف ~~عنها } يعني أعرض عن الإيمان بها { سنجزي الذين يصدفون } ~~يعني يعرضون { عن آيتنا سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون } أي شدة العذاب بما كانوا يعرضون عن الآيات. ### || [6.158] # قوله تعالى: { هل ينظرون } معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم ~~الكتاب فلم يؤمنوا فماذا ينتظرون فهل ينتظرون { إلا أن تأتيهم ~~الملئكة } لقبض أرواحهم { أو يأتي ربك } يعني يأتي أمر ~~ربك بما وعد لهم كقوله: # فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا # [الحشر: 2] ويقال: أن تأتي عقوبة ربك وعذابه، وقد ذكر المضاف إليه، ~~ويراد به المضاف كقوله تعالى: # واسئل القرية # [يوسف: 82] يعني أهل القرية وكقوله: # وأشربوا في قلوبهم العجل # [البقرة: 93] يعني حب العجل كذلك ها هنا يأتي أمر ربك يعني عقوبة ربك ~~وعذاب ربك، ويقال: هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله. { أو ~~يأتي بعض آيات ربك } يعني طلوع الشمس من مغربها { يوم ~~يأتي بعض ءايت ربك، لا ينفع نفسا إيمانها } حين ~~طلعت الشمس من مغربها { لم تكن ءامنت من قبل } يعني أن ~~الكافر إذا آمن في ذلك الوقت لا يقبل إيمانه لأنها قد ارتفعت المحنة حين ~~عاينوها وإنما الإيمان بالغيب، ثم قال: { أو كسبت في إيمنها ~~خيرا } يعني المسلم الذي يعمل في إيمانه خيرا كأن لم يقبل عمله قبل ~~ذلك فإنه لا يقبل منه بعد ذلك ومن كان قبل من قبل ذلك فإنه يقبل منه بعد ~~ذلك أيضا أو كانت النفس مؤمنة ولم تكن كسبت خيرا قبل ذلك الوقت لا ~~ينفعها الخير بعد. قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد بإسناده عن زر بن ~~حبيش عن صفوان بن عسال المرادي قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفر إذ جاء أعرابي فسأله عن أشياء حتى ذكر التوبة فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - # " للتوبة باب ms0526 في المغرب مسيرة سبعين عاما أو أربعين عاما فلا يزال حتى ~~يأتي بعض آيات ربك " # قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا زياد بن ~~أيوب عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن الحسين عن الحكم عن إبراهيم التيمي ~~عن أبيه، # " عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ~~حمار وعليه بردعة أو قطيفة، فنظر إلى الشمس حين غابت فقال: " يا أبا ذر، ~~هل تدري أين تغيب هذه؟ قلت الله ورسوله أعلم قال: فإنها تغرب في عين حمئة ~~فتنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش فإذا دنا خروجها أذن لها فخرجت فإن ~~أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول: يا رب إن مسيري بعيد فيقول ~~الله تعالى: اطلعي من حيث جئت فذلك قوله: { يوم يأتي بعض ~~ءايت ربك لا ينفع نفسا إيمانها } " # وروي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: لا يقبل الله من ~~كافر عملا ولا توبة إذا أسلم حين يراها إلا من كان صغيرا يومئذ فإنه لو ~~أسلم بعد ذلك قبل ذلك منه ومتى كان مؤمنا مذنبا فتاب من الذنب قبلت ~~منه. # وروي عن عمران بن حصين أنه قال: إنما لم يقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة ~~فيهلك كثير من الناس.فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم يقبل منه، ومن ~~تاب بعد ذلك قبلت منه. ثم قال: { قل انتظروا إنا } يعني انتظروا ~~العذاب فإنا منتظرون بكم حتى ننظر أينا أسعد حالا. قرأ حمزة والكسائي: ~~(إلا أن يأتيهم الملائكة) بالياء بلفظ التذكير. والباقون: (إلا أن ~~تأتيهم) بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم فيجوز أن يذكر ويؤنث. ### || [6.159] # قوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم } قرأ حمزة ~~والكسائي: (فارقوا دينهم) بالألف يعني تركوا دينهم الإسلام ودخلوا في ~~اليهودية والنصرانية. وقرأ الباقون: (فرقوا دينهم) يعني آمنوا ببعض الرسل ~~ولم يؤمنوا ببعض { وكانوا شيعا } يعني صاروا فرقا مختلفة. وروي ~~عن أسباط عن السدي أنه قال: هؤلاء اليهود والنصارى تركوا ms0527 دينهم وصاروا ~~فرقا { لست منهم في شيء } أي لم تؤمر بقتالهم. ثم نسخ وأمر ~~بقتالهم في سورة براءة. وروى أبو أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا } إنهم ~~الخوارج " # وفي هذه الآية حث للمؤمنين على أن كلمة المؤمنين ينبغي أن تكون واحدة ~~وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع ما استطاعوا ثم قال: { ~~لست منهم في شيء } يقول: إنما عليك الرسالة وليس عليك القتال ~~ثم قال تعالى: { إنما أمرهم إلى الله } يعني الحكم إلى ~~الله { ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } أي في الدنيا. ~~ويقال: ليس بيدك توبتهم ولا عذابهم، إنما أمرهم إلى الله تعالى { ثم ~~ينبئهم بما كانوا يفعلون }. ### || [6.160] # { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } يعني ما جاء ~~بالإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير ~~عشرة أمثاله من الثواب { ومن جاء بالسيئة } يعني بالشرك { فلا ~~يجزى إلا مثلها } وهو الخلود في النار لأن الشرك أعظم الذنوب ~~والنار أعظم العقوبة فذلك قوله: # جزآء وفقا # [النبإ: 26] يعني جزاء وافق العمل. ويقرأ (فله عشر) بالتنوين ~~(أمثالها) بضم اللام فتكون الأمثال صفة للعشر وهي قراءة شاذة قرأها ~~الحسن البصري ويعقوب الحضرمي والقراءة المعروفة: (عشر أمثالها) على معنى ~~الإضافة. وتكلموا في المثل: قال بعضهم: إذا عمل عملا يعطى في الآخرة ~~ثواب عشرة ويقال: وإنه يكتب للواحدة عشرة. وروى أبو أمامة الباهلي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال وإذا عمل العبد حسنة كتب له عشرة ~~أمثالها وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال له صاحب اليمين ~~أمسكها فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات فإن استغفر لم يكتب عليه شيء وإن لم ~~يستغفر كتب عليه سيئة واحدة " # ويقال: إن الله تعالى قد وعد للواحدة عشرا فهو أعرف بكيفيته فإن قيل ~~ذكر ها هنا للواحدة عشر وذكر في آية أخرى سبعمائة وفي آية أخرى أضعافا ~~مضاعفة. ms0528 قيل له: قد تكلم أهل العلم في ذلك: قال بعضهم يكون للعوام عشرة ~~والخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى. وقال بعضهم: العشرة اشترط لسائر ~~الحسنات والسبعمائة للتفقه في سبيل الله فالخاص والعام فيه سواء وقد جاء ~~في الأثر ما يؤكد القولين. فقد روى عطية عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية ~~في الأعراب: { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } قال ~~رجل: ما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هو أفضل من ذلك # إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة ~~يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [سورة النساء: 40] وإذا قال الله لشيء عظيما فهو عظيم. وروى همام عن ~~أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها يكتب له عشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها يكتب له بمثلها، حتى يلقى الله بلا ذنب " # وروى ابن فاتك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " الأعمال ستة فموجبتان، ومثل بمثل، وحسنة بحسنة، وحسنة بعشر، وحسنة ~~بسبعمائة. فأما الموجبتان: فمن مات ولم يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن ~~مات يشرك بالله دخل النار، وأما مثل بمثل فمن عمل سيئة فجزاء سيئة مثلها ~~ومن هم بحسنة حتى تشتهي بها نفسه ويعلمها الله من قلبه كتب له حسنة وأما ~~حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في ~~سبيل الله ثم قال: { وهم لا يظلمون } " # يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا ولا يزادون على سيئاتهم شيئا. ### || [6.161-163] # { قل إنني هداني ربي } وذلك أن أهل مكة قالوا له: من أين لك ~~هذه الفضيلة، وأنت بشر مثلنا، فإن فعلت لطلب المال فاترك هذا القول حتى ~~نعطيك من المال ما شئت فنزل { قل إنني هداني ربي } { إلى ~~صرط مستقيم } يعني وفقني الله وهداني إلى دين الإسلام، وهو دين ~~لا عوج فيه { دينا قيما } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (دينا ~~قيما) بنصب القاف وكسر الياء مشدودة وقرأ الباقون (قيما) بكسر ms0529 القاف ~~ونصب الياء على معنى المصدر ومن قرأ بالنصب على معنى النعت (دينا قيما) ~~يعني دينا عدلا مستقيما { ملة إبرهيم حنيفا } يعني ~~مستقيما مخلصا { وما كان من المشركين } على دينهم { قل ~~إن صلاتي ونسكي } وأصل النسك ما يتقرب به، يعني قل: إن صلاتي ~~المفروضة وقرباني وديني { ومحياي } في الدنيا { ومماتي } بعد ~~الحياة. ويقال: ونسكي يعني أضحيتي وحجتي { لله رب العلمين ~~}. { لا شريك له وبذلك أمرت } في الكتاب { وأنا ~~أول المسلمين } من أهل مكة. ويقال: أول المسلمين يوم الميثاق ~~ويقال: صلاتي يعني صلاة العيد، ونسكي يعني الأضحية. وروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - # " قومي إلى أضحيتك واذبحي وقولي: { إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين } " # ويقال: إن أول المخلصين بالثبات على الأسلام. ### || [6.164-165] # { قل أغير الله أبغي ربا } يعني يقول: أعبد وأطلب ربا ~~غيره { وهو رب كل شيء } من خلقه في السموات والأرض، لأنهم ~~كانوا يقولون له: نحن كفلاء لك بما يصيبك ومن تابعك فنزلت { ولا ~~تكسب كل نفس إلا عليها } يعني [إلا] لها أو عليها، إن ~~كان خيرا فلها وإن كان شرا فعليها { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } يعني لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى { ثم إلى ربكم ~~مرجعكم } أي مصيركم في الآخرة { فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون } من الدين ويبين لكم الحق من الباطل بالمعاينة، ثم ~~قال: { وهو الذي جعلكم خلئف الأرض } يعني سكان الأرض ~~من بعد إهلاك الأمم الخالية لأن النبي - عليه السلام - خاتم النبيين، ~~وأمته قد خلفوا جميع الأمم. ويقال: خلائف يعني يخلف بعضكم بعضا { ~~ورفع بعضكم فوق بعض درجت } أي فضل بعضكم على بعض في ~~المال والرزق { ليبلوكم فيما ءاتكم } يعني ليبتلي الموسر ~~بالغنى ويطلب منه الشكر ويبتلي المعسر بالفاقة ويطلب منه الصبر. ~~ويقال: { ليبلوكم } يعني بعضكم ببعض كما قال الله تعالى: # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة # [الفرقان: 20]. ثم خوفه فقال: { إن ربك سريع العقاب } ~~كأنه جاء لأن " ما هو آت فهو قريب " ، كما قال: # ومآ أمر الساعة ms0530 إلا كلمح البصر # [النحل: 77] { وإنه لغفور رحيم } يعني لمن أطاعه في فاقة ~~أو غنى. ويقال: { سريع العقاب } لمن لم يشكر نعمته وكان مصرا ~~على ذلك { وأنه لغفور رحيم } لمن رجع وتاب، رحيم بعد ~~التوبة. ويقال: { سريع العقاب } لمن لم يحفظ نفسه فيما أعطاه من ~~فضل الله وترك حق الله في ذلك وإنه { لغفور } لمن تاب، { رحيم } ~~بعد التوبة. قال الفقيه: قال: حدثنا أبو الحسن بن حمدان، بإسناده عن أبي ~~بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل ~~بالتسبيح والتهليل والتحميد " # قال وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة الأنعام، صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد ~~كل آية في سورة الأنعام يوما وليلة ". ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-7] # قوله تعالى: { المص } قال ابن عباس يعني أنا الله أعلم وأفصل، معناه ~~أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير، وليس لي شريك في ~~تدبير الخلق: # ويقال: معناه أنا الله المصور # ويقال: أنا الله الناصر، ويقال: أنا الله الصادق. # وروى معمر بن قتادة قال: إنه إسم من أسماء القرآن. ويقال هو قسم. { ~~كتب أنزل إليك } يعني أن هذا الكتاب أنزل إليك يا محمد { ~~فلا يكن فى صدرك حرج منه } أي فلا يقعن في قلبك شك منه، ~~من القرآن. أنه من الله عز وجل فالخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمراد به غيره. كقوله: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب من قبلك # [يونس: 94]. ويقال { فلا يكن فى صدرك حرج منه } أي فلا ~~يضيقن صدرك بتكذيبهم إياك كقوله عز وجل: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] والحرج في اللغة هو الضيق. ثم قال: { لتنذر به } على ~~معنى التقديم يعني كتاب أنزلناه إليك لتنذر به، أي لتخوف بالقرآن أهل مكة ~~{ وذكرى للمؤمنين } أي. وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك ثم قال: ~~{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } أي صدقوا واعملوا ~~بما أنزل على نبيكم ms0531 محمد - صلى الله عليه وسلم - من القرآن ويقرؤه عليكم. ~~{ ولا تتبعوا من دونه أولياء } أي ولا تتخذوا من دون ~~الله أربابا ولا تعبدوا غيره. ثم أخبر عنهم فقال { قليلا ما ~~تذكرون } " ما " صلة في الكلام، ومعناه قليلا تتعظون يعني إنهم لا ~~يتعظون به شيئا. قرأ ابن عامر يتذكرون على لفظ المغايبة بالياء ~~وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تذكرون ~~بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون، فأدغم ~~إحدى التاءين في الذال. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ~~تذكرون بتخفيف الذال فأسقط التشديد للتخفيف. ثم خوفهم فقال { وكم ~~من قرية أهلكنها } معناه وكم من أهل قرية وعظناهم فلم ~~يتعظوا فأهلكناهم { فجاءها بأسنا } أي جاءها عذابنا بعد التكذيب { ~~بياتا } أي ليلا، سمي الليل بياتا لأنه يبات فيه { أو هم ~~قائلون } عند القيلولة فإن لم تتعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلا أو ~~نهارا كما أتاهم. ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال { فما كان ~~دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا } أي لم يكن ~~قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعو قالوا { إنا ~~كنا ظالمين } أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد. يعني إن ~~قولهم بعدما جاءهم العذاب. يعني الهلاك لم ينفعهم. فاعتبروا بهم فإنكم ~~إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع. ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال { ~~فلنسئلن الذين أرسل إليهم } يعني الأمم لنسألنهم ~~هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل { ولنسألن ~~المرسلين } عن تبليغ الرسالة وهذا كقوله عز وجل # ليسأل الصدقين عن صدقهم # [الأحزاب:8] ثم قال تعالى { فلنقصن عليهم بعلم } أي ~~فلنخبرنهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا { وما كنا غائبين ~~} عما بلغت الرسل وعما رد عليهم قومهم، ومعناه وما كنا نسألهم لنعلم ~~ذلك ولكن نسألهم حجة عليهم. ### || [7.8-10] # قوله: { والوزن يومئذ الحق } أي وزن الأعمال يومئذ ~~بالعدل { فمن ثقلت موزينه } أي: رجحت حسناته على سيئاته { ~~فأولئك هم المفلحون } أي الناجون. وتكلموا في ms0532 وزن ~~الأعمال. قال بعضهم: توزن الصحائف التي كتبها الحفظة في الدنيا. وقال ~~بعضهم يجعل للأعمال صورة وتوضع في الميزان. وقال بعضهم: هذا على وجه ~~المثل وهو كناية عن التعديل. وهو قول المعتزلة. وقال بعضهم قد ذكر الله ~~تعالى الوزن فنؤمن به ولا نعرف كيفيته. وروى بلال الحبشي عن حذيفة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن جبريل صاحب الميزان يوم القيامة، يقول له ربه زن بينهم فرد بعضهم ~~على بعض ولا درهم يومئذ ولا فضة ولا دينار فيرد الظالم على المظلوم ما ~~وجد له من حسنة فإن لم توجد له حسنة أخذ من سيئات المظلوم فترد على ~~الظالم، فيرجع الظالم وعليه سيئات مثل الجبل " # وروي عن ابن عباس أنه قال توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان ~~وكفتان، فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة وتثقل حسناته على سيئاته، ~~وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة وتثقل سيئاته على حسناته. وقال ~~بعضهم: لا يوزن عمل الكافر وإنما توزن الأعمال التي بإزائها الحسنات. ثم ~~قال تعالى { ومن خفت موزينه } أي: رجحت سيئاته على حسناته { ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم } أي: غبنوا حظ أنفسهم { ~~بما كانوا بآيتنا يظلمون } بما كانوا بآياتنا يجحدون ~~بأنه ليس من الله تعالى، وقد ذكر الموازين بلفظ الجمع. قال بعضهم: لأن ~~المراد بها جميع الموزون. وقال بعضهم: أراد به الميزان، لأن الميزان ~~يشتمل على الكفتين والشاهين والخيوط وقد ذكر باسم الجماعة. قال تعالى: { ~~ولقد مكنكم فى الأرض } أي: مكناكم في الأرض وعمرناكم، ~~فذكر لهم التهديد ثم ذكر لهم النعم ليستحيوا من ربهم ولا يعصوه { ~~وجعلنا لكم فيها معيش } يعني الرزق، وهو ما يخرج من ~~الأرض من الكروم والثمار والحبوب. وروى خارجة عن نافع أنه قرأ معائش ~~بالهمز، لأنه على ميزان فعائل مثل الكبائر والصغائر. وقرأ الباقون بغير ~~همز لأن الياء أصلية، وكان على ميزان مفاعل. ثم قال: { قليلا ما ~~تشكرون } يعني إنكم لا تشكرون هذه النعمة. ### || [7.11-18] # قوله تعالى: { ولقد خلقنكم ثم صورنكم } أي: ~~خلقنا آدم وأنتم ms0533 من ذريته، ثم صورناكم (يعني ذريته ويقال خلقناكم يعني ~~آدم خلقه من تراب ثم صورناكم) يعني آدم صوره بعد ما خلقه من طين. ويقال ~~خلقناكم نطفا في أصلاب الآباء ثم صورناكم في أرحام الأمهات. { ثم ~~قلنا للملئكة } على وجه التقديم، أي وقلنا للملائكة { ~~اسجدوا لآدم } " ثم " بمعنى الواو، ويقال معناه خلقناكم ~~وصورناكم وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم. وهي سجدة التحية لا سجدة الطاعة. ~~فالعبادة لله تعالى والتحية لآدم عليه السلام. { فسجدوا إلا ~~إبليس لم يكن من السجدين } أي لم يسجد مع الملائكة. ~~لآدم عليه السلام { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك ~~} يعني أن تسجد، ولا زيادة، ومعناه ما منعك عن السجود إذ أمرتك بالسجود ~~لآدم. { قال } إبليس عليه اللعنة إنما لم أسجد لأني { أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين } أي: هذا الذي ~~منعني عن السجود. فاشتغل اللعين بالقياس، والقياس (في موضع النص) باطل، ~~لأنه لما أقر بأنه هو الذي خلقه فقد أقر بأن عليه واجب، وعليه أن يأتمر ~~بأمره. ومع ذلك لو كان القياس جائزا (في موضع النص) فإن قياسه فاسدا، ~~لأن الطين أفضل من النار لأن عامة الثمار والفواكه والحبوب تخرج من ~~الطين، ولأن العمارة من الطين والنار للخراب. ثم قال له عز وجل { ~~فاهبط منها } قال مقاتل أي اهبط من الجنة { فما يكون لك ~~أن تتكبر فيها } أي في الجنة. وقال الكلبي: فاهبط منها، أي اخرج ~~من الأرض والحق بجزائر البحور ولا تدخل الأرض إلا كهيئة السارق، وعليه ذل ~~الخوف وهو يروغ فيها فما يكون لك أن تتكبر فيها (لا) ينبغي لك أن تتكبر ~~في هذه الأرض على بني آدم { فاخرج إنك من الصغرين } ~~يعني من المهانين المذلين { قال أنظرنى إلى يوم يبعثون ~~} يعني أجلني إلى يوم البعث، اليوم الذي يخرج الناس من قبورهم. قال ابن ~~عباس: أراد الخبيث ألا يذوق الموت فأبى الله تعالى أن يعطيه ذلك ف { ~~قال إنك من المنظرين } إلى النفخة الأولى، فحينئذ يذوق الموت ~~وتصيبه المرارة بعدد الأولين والآخرين. قوله ms0534 تعالى: { قال فبما ~~أغويتنى }. قال الكلبي: أي فكما أضللتني. وقال مقاتل: يعني أما إذا ~~أضللتني وقال بعضهم: فبما أغويتني يعني فبما دعوتني إلى شيء غويت به. { ~~لأقعدن لهم صرطك المستقيم } يعني لأقعدن لهم على ~~طريقك المستقيم، وهو دين الإسلام فأصد الناس عن ذلك. { ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم } روى أسباط عن السدي قال: من بين ~~أيديهم الدنيا أدعوهم إليها { ومن خلفهم } الآخرة أشككهم فيها { ~~وعن أيمنهم } قال الحق: أشككهم فيه { وعن شمائلهم } ~~قال الباطل أخففه عليهم وأرغبهم فيه. # وقال في رواية الكلبي: ثم لآتينهم من بين أيديهم من أمر الآخرة، فأزين ~~لهم التكذيب بالبعث بأنه لا جنة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا ~~فأزينها في أعينهم وأرغبهم فيها، فلا يعطون حقا، عن أيمانهم أي: من قبل ~~دينهم فإن كانوا على الضلالة زينتها لهم وإن كانوا على الهدى شبهته عليهم ~~حتى يشكوا فيه، وعن شمائلهم من قبل اللذات والشهوات. ويقال: معناه ~~لآتينهم بالإضلال من جميع جهاتهم، ويقال: عن أيمانهم فيما أمروا به. وعن ~~شمائلهم فيما نهوا عنه. ويقال وعن أيمانهم وعن شمائلهم أي فيما يعملون ~~لأنه يقال عملت بذلك { ولا تجد أكثرهم شكرين } يعني ~~ذرية آدم لا يكونون شاكرين لنعمتك، ويقال شاكرين مؤمنين. وقال في آية ~~أخرى: # وقليل من عبادى الشكور # [سبأ: 13] # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ:20] قوله: { قال اخرج منها مذؤوما مدحورا } قال ~~الكلبي ومقاتل: يعني اخرج من الجنة مذؤوما أي معيبا مدحورا أي ~~مطرودا. وقال الزجاج: مذؤوما أي مذموما. يقال: دأمت الرجل وذممته إذا ~~عبته. مدحورا أي مبعدا من رحمة الله تعالى { لمن تبعك منهم ~~} أي: " من " أطاعك فيما دعوته إليه، و " اللام " زيادة للتأكيد { ~~لأملأن جهنم منكم أجمعين } أي ممن أطاعك منهم، من الجن ~~والإنس. ويكون هذا اللفظ بمعنى القسم والتأكيد وأنه يفعل ذلك لا محالة. ### || [7.19-25] # قوله تعالى: { ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة } يعني ~~وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة { فكلا من حيث شئتما } أي ~~من حيث أحببتما موسعا عليكما { ولا تقربا هذه ms0535 الشجرة } ~~يعني لا تأكلا من هذه الشجرة { فتكونا من الظلمين } فتصيرا ~~من الضارين بأنفسكما }. قوله تعالى: { فوسوس لهما الشيطن ~~} أي زين لهما الشيطان { ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوءاتهما } يعني أراد إبليس لعنه الله بالوسوسة ليظهر ما سترا من ~~عوراتهما. والسوأة كناية عن العورة. وذلك أن إبليس لما رأى محسوده في ~~الجنة ورأى نفسه طريدا لم يصبر، واحتال لإخراجهما فأتاهما { وقال ما ~~نهكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين } يعني أنكما لو أكلتما تصيران كالملكين تموتان أبدا. أو ~~تكونا كالملائكة وتعلمان الخير والشر { أو تكونا من ~~الخلدين } يعني إن لم تكونا ملكين فتكونا من الخالدين لا ~~تموتان. وقرأ بعضهم ملكين بالكسر كما قال في آية أخرى # وملك لا يبلى # [طه: 120] وهي قراءة يحيى بن كثير وهي قراءة شاذة. قوله: { ~~وقاسمهما } أي: حلف لهما { إني لكما لمن النصحين } ~~بأنها شجرة الخلد، من أكل منها لم يمت، وكان آدم لم يعلم أن أحدا يحلف ~~بالله كاذبا. { فدلهما بغرور } أي غرهما بباطل، ويقال ~~زين لهما. وأصله في اللغة من التقريب يعني قربهما إلى الشجرة { ~~فلما ذاقا الشجرة } يقول: فلما أكلا من الشجرة ووصل إلى ~~بطونهما تهافت لباسهما عنهما { بدت لهما سوءاتهما } أي ظهرت ~~عوراتهما، وإنما سميت العورة سوأة لأن كشف العورة قبيح. قال الفقيه: ~~حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو القاسم أحمد بن حم. قد ذكر بإسناده عن ~~أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن آدم كان رجلا طويلا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع في ~~الخطيئة بدت له سوأته وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هاربا في الجنة ~~فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فناداه ربه يا آدم. أتفر مني؟ قال يا رب إني ~~أستحي " # وفيه دليل أن ستر العورة كان واجبا من وقت آدم. لأنه لما كشف عنهما ~~سترا عوراتهما بالأوراق فذلك قوله { وطفقا يخصفان عليهما ~~من ورق الجنة } أي أقبلا وعمدا يلصقان عليهما من ورق الجنة يعني ~~من ورق التين يطبقان على ms0536 أبدانهما ورقة ورقة منه. يقال خصف نعله، وهو ~~إطباق طاق على طاق وأصل الخصف الضم والجمع والخصف إنما هو إلصاق الشيء ~~بالشيء ولهذا قيل خصاف. وقرأ بعضهم وطفقا بالنصب وهما لغتان طفق ~~يطفق وطفق يطفق. { وناداهما ربهما } أي قال لهما ~~ربهما { ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } أي عن أكل تلك ~~الشجرة { وأقل لكما } يعني ألم أقل لكما { إن الشيطن ~~لكما عدو مبين } ظاهر العداوة. # قوله عز وجل { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } بأكلنا الشجرة ~~فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا { وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~} يعني إن لم تتجاوز عن ذنوبنا { لنكونن من الخسرين } ~~بالعقوبة. فهذه لام القسم، كأنهما قالا والله لنكونن من الخاسرين إن لم ~~تغفر لنا وترحمنا. وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة وهو ~~قوله تعالى: # فتاب عليه # [البقرة: 37] أي قبل توبته. وفي الآية دليل أن الله تعالى يعذب عباده ~~إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا، لأن إبليس لم يتب وسأل ~~النظرة فجعل مأواه جهنم، وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته قوله { قال ~~اهبطوا } يعني آدم وحواء عليهما السلام وإبليس لعنه الله { ~~بعضكم لبعض عدو } يعني إبليس عدو لآدم وحواء { ولكم فى ~~الأرض مستقر } أي: منزل وموضع القرار { ومتع إلى حين ~~} أي: معاش إلى وقت الموت قوله تعالى: { قال فيها تحيون } أي في ~~الأرض تعيشون { وفيها تموتون ومنها تخرجون } من الأرض، ~~من قبوركم يوم القيامة. قرأ الكسائي وابن عامر يخرجون بنصب الياء وضم ~~الراء. وقرأ الباقون بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله. ### || [7.26-30] # قوله تعالى: { يبنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا } ~~يقول خلقنا لكم الثياب { يورى سوءاتكم } يعني يستر عوراتكم، ~~ويقال معناه أنزلنا عليكم المطر ينبت لكم القطن والكتان لباسا لكم { ~~وريشا } قرأ الحسن البصري ورياشا بالألف. وقرأ غيره وريشا بغير ألف. ~~وقال القتبي: الريش والرياش ما ظهر من اللباس، وريش الطائر ما ستره الله ~~به، ويقال الرياش المال والمعاش. # قال الفقيه حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا محمد ms0537 بن جعفر. حدثنا إبراهيم ~~بن يوسف عن أبي أمامة عن عوف بن أبي جميلة عن معبد الجهني في قوله { قد ~~أنزلنا عليكم لباسا } قال هو ما تلبسون. ورياشا قال المعاش ~~{ ولباس التقوى } هو الحياء { ذلك خير } أي: لباس التقوى، ~~وهو الحياء خير من الثياب، لأن الفاجر إن كان حسن الثياب فإنه بادي ~~العورة ألا ترى إلى قول الشاعر حيث يقول: # إني كأني أرى من لا حياء له # ولا أمانة وسط القوم عريانا # وقال القتبي: لباس التقوى أي ما ظهر عليه من السكينة والوقار. والعمل ~~الصالح # كما قال: # لباس الجوع والخوف # [النحل: 112] أي ما ظهر عليهم من سوء آثارهم وتغير حالهم. ويقال لباس ~~التقوى الإيمان ويقال العفة. قرأ نافع والكسائي وابن عامر لباس التقوى ~~بالنصب يعني أنزل لباس التقوى ومعناه ستر العورة وقرأ الباقون بالضم ~~(لباس) على معنى الابتداء، ويقال فيه مضموم يعني هو لباس التقوى. ~~ومعناه ستر العورة، أي: لباس المتقين. وقرأ عبد الله بن مسعود ولباس ~~التقوى خير. وقال مجاهد كان أناس من العرب يطوفون حول البيت عراة فنزل ~~قوله تعالى: { قد أنزلنا عليكم لباسا يورى سوءاتكم ~~وريشا } يعني من المال ويقال معنى قوله { ذلك خير } يعني اللباس ~~خير من تركه، لأنهم كانوا يطوفون عراة قوله { ذلك من آيت ~~الله } أي: من نعم الله على الناس، ويقال من عجائب الله ودلائله { ~~لعلهم يذكرون } أي: يتعظون. قوله عز وجل: { يبنى آدم ~~لا يفتننكم الشيطن } يقول لا يضلنكم الشيطان عن طاعتي ~~فيمنعكم من الجنة { كما أخرج أبويكم من الجنة } حين ~~تركا طاعتي وعصيا أمري { ينزع عنهما لباسهما ليريهما ~~سوءاتهما } يعني لا يفتننكم الشيطان عن دينكم في أمر الثياب فينزعها ~~عنكم فتبدو عوراتكم كما فعل بأبويكم، نزع عنهما لباسهما وأظهر عورتهما. ~~وقال بعض الحكماء: إن المعصية شؤم تضر بصاحبها فتجعله عريانا كما فعلت ~~بآدم. { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم } يعني كونوا بالحذار منه، فإنه يراكم، هو أي: إبليس وجنوده ~~من الشياطين من حيث لا ترونهم، يعني كونوا على حذر ms0538 لأنه يجري من بني آدم ~~مجرى الدم، وذكر أن إبليس لما لعن قال رب إنك باعث إلى بني آدم رسلا ~~وكتبا. # فما رسلي؟ قال الكهنة. قال فما كتابي؟ قال الوشم قال فما قراءتي؟ قال ~~الشعر. قال فما مسجدي؟ قال السوق قال فما مؤذني؟ قال المزامير. قال فما ~~بيتي؟ قال الحمام. قال فما مصائدي؟ قال النساء. قال فما طعامي؟ قال كل ما ~~لم يذكر اسم الله عليه - قال فما شرابي؟ قال كل سكر. قوله عز وجل: { ~~إنا جعلنا الشيطين أولياء } (يعني قرناء) { ~~للذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بالآخرة { ~~وإذا فعلوا فحشة } يعني المشركين حرموا على أنفسهم أشياء قد ~~أحل الله لهم، وكانوا يطوفون بالبيت عراة قالوا لا نطوف في ثياب قد ~~أذنبنا فيها، وكان رجالهم يطوفون بالنهار ونساؤهم بالليل. وإذا طافت ~~المرأة بالنهار اتخذت إزارا من سير، وكانت تبدو عورتها إذا مشت. وكانت ~~تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # فما بدا منه فلا أحله # وإذا قيل لهم لم فعلتم هكذا { قالوا وجدنا عليها ءاباءنا ~~والله أمرنا بها } يعني بتحريم هذه الأشياء وبالطواف عراة. قال ~~الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشاء } أي: المعاصي { أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون } أي: أتكذبون على الله وتقولون بغير علم. ثم بين لهم ما ~~أمرهم الله تعالى به فقال عز وجل: { قل أمر ربي بالقسط } أي ~~بالعدل والصواب وكلمة التوحيد. وهي شهادة ألا إله إلا الله { ~~وأقيموا وجوهكم } أي: قل أمر ربي بالقسط وقل أقيموا وجوهكم { ~~عند كل مسجد } أي: حولوا وجوهكم إلى الكعبة عند كل صلاة. وقال ~~الكلبي: يعني إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد فصلوا فيه، فلا يقولن أحدكم ~~أصلي في مسجدي، وإذا لم يكن في مسجد فليأت أي مسجد شاء، قال مقاتل: يعني ~~حولوا ولوا وجوهكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم { وادعوه مخلصين ~~له الدين } يقول وحدوه واعبدوه بالإخلاص. ويقال إن أهل الجاهلية ~~كانوا يشركون في تلبيتهم ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا ms0539 شريك لك إلا ~~شريكا هو لك تملكه وما ملك. فأمرهم الله أن يوحدوه في التلبية مخلصين له ~~الدين ثم قال { كما بدأكم تعودون } أي ليس كما تشركون فاحتج ~~عليهم بالبعث متصلا بقوله { فيها تحيون وفيها تموتون ~~ومنها تخرجون } كما بدأكم تعودون أي: ليس بعثكم بأشد من ~~ابتدائكم. وقال الحسن: كما خلقكم ولم تكونوا شيئا، فأحياكم كذلك يميتكم ~~ثم يحييكم يوم القيامة ويقال: كما بدأكم يوم الميثاق من التصديق والتكذيب ~~تعودون إلى ذلك، حيث قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا ~~أبالي. ويقال. كما بدأكم فخلقكم من التراب تعودون ترابا بعد الموت. # وقال ابن عباس كما بدأكم مؤمنا وكافرا وشقيا وسعيدا. كذلك تموتون ~~عليه وتبعثون عليه. ثم قال { فريقا هدى } وهم المؤمنون فعلم الله ~~تعالى منهم الطاعة ويكرمهم بالمعرفة { وفريقا حق عليهم ~~الضللة } أي: وجب عليهم الضلالة فخذلهم ولم يكرمهم بالتوحيد حيث ~~علم منهم المعصية والكفر { إنهم اتخذوا الشيطين } يعني ~~لأنهم اتخذوا الشياطين { أولياء من دون الله } يعني اتخذوهم ~~أولياء وأطاعوهم بالمعصية { ويحسبون أنهم مهتدون } أي: ~~يظنون أنهم على الهدى. قال الزجاج: فيه دليل أن من لا يعلم أنه كافر وهو ~~كافر يكون كافرا. لأن بعضهم قال لا يكون كافرا وهو لا يعلم. وذلك القول ~~باطل لأن الله تعالى قال: # ذلك ظن الذين كفروا # [ص: 27] وقال ويحسبون أنهم مهتدون. ### || [7.31-34] # قوله تعالى: { يبنى ءادم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } أي: البسوا ثيابكم واستروا عوراتكم عند كل صلاة. قال السدي: ~~كان هؤلاء والذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون الودك فقال الله تعالى: { ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا } في التحريم. ويقال الإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله، أو ~~يأكل مما يحل له أكله فوق القصد ومقدار الحاجة. وقيل لبعض الأطباء: هل ~~وجدت الطب في كتاب الله تعالى؟ قال نعم قد جمع الله الطب كله في هذه ~~الآية { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا } ثم قال: { إنه ~~لا يحب المسرفين } أي لا تحرموا ما أحل الله لكم فإن المحرم ms0540 ~~ما أحل الله كالمحل ما حرم الله تعالى، قوله تعالى { قل من حرم ~~زينة الله التى أخرج لعباده } وهو أنه لما نزل قوله ~~خذوا زينتكم لبسوا الثياب وطافوا بالبيت مع الثياب فعيرهم المشركون فنزل ~~{ قل من حرم زينة الله } يعني لبس الثياب التي أخرج لعباده ~~أي: خلقها لهم لعباده أي أوجد وقيل أظهر وقيل على حقيقته، كان في السماء ~~أو في الأرض فأخرجه { والطيبت من الرزق } يعني الحلال وهو ~~اللحم والشحم والدسم. { قل من حرم زينة } قال مقاتل: في الآية ~~تقديم، ومعناه قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ~~في الحياة الدنيا { قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة } قرأ نافع خالصة " بضم التاء ~~" وقرأ الباقون بالنصب (خالصة) فمن قرأ بالضم فهو خبر بعد خبر يعني ~~هي ثابتة لهم خالصة. أي ثابتة معناه قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~يشترك فيها المؤمن والكافر، وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة. وقال ~~القتبي: هذا من الاختصار ومعناه قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~مشتركة وفي الآخرة خالصة. ثم قال { كذلك نفصل الآيت } يعني ~~العلامات ويقال نبين الآيات من أمره ونهيه وما يكون في الدنيا والآخرة { ~~لقوم يعلمون } أي: يفهمون أمر الله تعالى، ثم أخبرهم بما حرم ~~عليهم فقال: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن والإثم } يعني المعاصي ويقال الإثم يعني الخمر ~~كما قال القائل: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم يذهب بالعقول # { والبغى } يعني حرم الاستطالة وظلم الناس { بغير الحق ~~وأن تشركوا بالله } يقول وحرم أن تشركوا بالله { ما لم ~~ينزل به سلطنا } يقول ما لم ينزل به كتابا فيه عذركم وحجة ~~لكم { وأن تقولوا على الله } أي وحرم عليكم أن تقولوا على ~~الله { ما لا تعلمون } إنه حرم عليكم. ثم خوفهم فقال: { ولكل ~~أمة أجل } يعني لكل أهل دين مهلة للعذاب. { فإذا جاء ~~أجلهم } بالعذاب { لا يستأخرون ساعة } بعد الأجل { ولا ~~يستقدمون } ساعة قبل الأجل. ### || [7.35-39] # ثم قال: ms0541 { يبني آدم إما يأتينكم } وأصله إن ما، ~~ومعناه متى ما يأتيكم { رسل منكم } أي: من جنسكم { يقصون ~~عليكم ءايتى } أي: يقرءون عليكم ويعرضون عليكم كتابي { فمن ~~اتقى وأصلح } أي اتقى الشرك وأطاع الرسول وأصلح العمل يعني: فمن ~~اتقى عما نهى الله عنه وأصلح. أي: عمل بما أمر الله تعالى به { فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } يعني لا خوف عليهم من ~~العذاب، ولا هم يحزنون من فوات الثواب، ويقال فلا خوف عليهم فيما ~~يستقبلهم ولا هم يحزنون على ما خلفوا من الدنيا، ويقال معناه إما ~~يأتينكم رسل منكم وأيقنتم، فلا خوف عليكم فيما يستقبلكم، فذكر الله ~~ثواب من اتقى وأصلح ثم بين عقوبة من لم يتق فقال عز وجل: { والذين ~~كذبوا بآيتنا واستكبروا عنها } أي: تعظموا عن ~~الإيمان فلم يؤمنوا بالرسل وتكبروا عن الإيمان { أولئك أصحب ~~النار هم فيها خلدون } أي: دائمون. قوله تعالى { فمن ~~أظلم } قال الكلبي: فمن أكفر. وقال بعضهم هذا التفسير خطأ، لأنه لا ~~يصح أن يقال: هذا أكفر من هذا، ولكن معناه، ومن أشد في كفره، ويقال فلا ~~أحد أظلم، ويقال أي ظلم أشنع وأقبح { ممن افترى على الله ~~كذبا } ، يعني من اختلق على الله كذبا. أي شركا { أو كذب ~~بآياته } جحد بالقرآن { أولئك ينالهم نصيبهم من ~~الكتب } أي: حظهم من العذاب. ويقال نصيبهم حظهم مما أوعدهم الله ~~في الكتاب، الإهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة. وقال ابن عباس: هو ما ~~ذكر في موضع آخر { ويوم القيمة ترى الذين كذبوا ~~على الله وجوههم مسودة } ويقال نصيبهم أي ما قضي وقدر ~~عليهم في اللوح المحفوظ من السعادة والشقاوة، ويقال نصيبهم رزقهم وأجلهم ~~في الدنيا { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } ~~يعني أمهلهم حتى يأتيهم ملك الموت وأعوانه عند قبض أرواحهم. ويقال يقول ~~لهم خزنة جهنم قبل دخولها { قالوا أينما كنتم تدعون } يعني ~~أن الملائكة يقولون ذلك عند قبض أرواحهم { من دون الله } يمنعونكم ~~من النار { قالوا ضلوا عنا } أي اشتغلوا عنا بأنفسهم { ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين ms0542 } في ~~الدنيا. وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم، ثم قال { قال ادخلوا فى ~~أمم قد خلت من قبلكم } أي: قالت لهم خزنة النار ادخلوا ~~النار مع أمم قد مضت على مذهبكم { من الجن والإنس في النار ~~كلما دخلت } يعني النار { أمة } جماعة { لعنت أختها ~~} أي: على الأمة التي دخلت قبلها في النار. قال مقاتل: يعني لعنوا أهل ~~ملتهم، يلعن المشركون المشركين والنصارى النصارى وقال الكلبي: تدعو على ~~الأمم التي قبلهم في النار يبدأ بالأمم الأولى فالأولى، ويبدأ أولا ~~بقابيل وولده، ويقال يبدأ بالأكابر فالأكابر مثل فرعون، كما قال في آية ~~آخرى # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا # [مريم: 69]. { حتى إذا اداركوا فيها جميعا } يعني ~~اجتمعوا في النار، وأصله تداركوا فيها، يعني اجتمع القادة والأتباع في ~~النار، وقرأ بعضهم: حتى إذا أدركوا فيه أي: دخلوا في إدراكها، ~~كما يقال أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء وهي قراءة شاذة. { قالت ~~أخراهم لأولهم } أي: قال أواخر الأمم لأولهم، ويقال قالت ~~الأتباع للقادة والرؤساء { ربنا هؤلاء أضلونا } عن الهدى { ~~فآتهم عذابا ضعفا من النار } أي: أعظم زيادة من العذاب. ~~{ قال } الله تعالى { لكل ضعف ولكن لا تعلمون } أي: ~~على القادة زيادة من العذاب ولكن لا تعلمون ما عليهم. قرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر { ولكن لا يعلمون } بالياء، أي لا يعلم فريق منهم ~~عذاب فريق آخر. { وقالت أولهم لأخراهم } أي: أولهم ~~دخولا لآخرهم دخولا، ويقال القادة للأتباع { فما كان لكم ~~علينا من فضل } في شيء كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم سواء في ~~الكفر، ضللتم كما ضللنا. قال الله تعالى { فذوقوا العذاب } ~~ويقال، الخزنة فذوقوا العذاب، ويقال هذا قول بعضهم لبعض فذوقوا العذاب { ~~بما كنتم تكسبون } أي: تكفرون في الدنيا وبترككم الإيمان. ### || [7.40-43] # قوله عز وجل: { إن الذين كذبوا بآيتنا } أي بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - والقرآن { واستكبروا عنها } يعني ~~استكبروا عن قبولها، ويقال عن النظر فيها { لا تفتح لهم ~~أبوب السماء } لأعمال الكفار أي ليس لهم عمل صالح يفتح لهم أبواب ms0543 ~~السماء، ويقال: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا. وقال بعضهم: ~~أبواب السماء أي: أبواب الجنة. { ولا يدخلون الجنة حتى ~~يلج الجمل فى سم الخياط } أي: لا يدخلون الجنة أبدا كما ~~لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن ~~الجمل فقال زوج الناقة، وقال الضحاك الجمل الذي له أربع قوائم. وقال بعض ~~الناس: الجمل هو أشتر بالفارسية. وقال الحسن هو ولد الناقة. وروي عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قرأ حتى يلج الجمل بضم الجيم وتشديد ~~الميم وهو حبل السفينة الغليظ، وسئل عكرمة عن قوله: حتى يلج الجمل. قيل ~~وما الجمل؟ قال الحبل الذي يصعد به النخل. قال سعيد بن جبير: هو حبل ~~السفينة الغليظ. قرأ أبو عمرو لا تفتح بالياء بلفظ التذكير بالتخفيف ~~وقرأ الباقون بالتاء المشددة. فمن قرأ بالتأنيث فلأنها من جماعة الأبواب، ~~ومن قرأ بالتذكير فلأن الفعل مقدم، ومن قرأ بالتشديد أراد به تكثير الفتح ~~ومن قرأ بالتخفيف فتفتح مرة واحدة. وقرأ بعضهم في سم بضم السين وهي ~~قراءة شاذة وهما لغتان. قال أبو عبيدة: كل ثقب فهو سم. ثم قال عز وجل { ~~وكذلك نجزى المجرمين } أي: هكذا نعاقب المشركين. ثم ذكر ما ~~أوعدهم في النار فقال عز وجل { لهم من جهنم مهاد } أي: فراش ~~من النار { ومن فوقهم غواش } أي: مغشاهم النار من فوق رؤسهم، ~~ومعناه أن من تحتهم نارا ومن فوقهم نارا. كقوله: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16] ويقال لهم من جهنم مهاد أي: حظهم من جهنم كالمهاد، فأخبر عن ~~ضيق مكانهم في النار { وكذلك نجزى الظلمين } نعاقب ~~الكافرين. قوله عز وجل: { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } وذلك أن الله تعالى لما أخبر عن حال الذين كذبوا بآياته ~~واستكبروا عن قبولها أخبر عن حال الذين آمنوا بآياته فقال { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحات } أي: صدقوا وعملوا الصالحات أي ~~الطاعات والأعمال الصالحة { لا نكلف نفسا إلا وسعها } أي: ~~لا نكلف نفسا بعد الإيمان من ms0544 العمل إلا بقدر طاقتها { أولئك ~~أصحب الجنة هم فيها خلدون } يعني دائمون، ثم قال عز ~~وجل { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } قال بعضهم أي: في ~~الدنيا أخرج الله تعالى الغل والحسد من قلوبهم وألف بين قلوبهم كما قال ~~الله تعالى # ولكن الله ألف بينهم # [الأنفال: 63] ويقال هذا في الجنة يخرج الغل والحسد من قلوبهم. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعمر وعثمان ~~وعلي ونحوهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن تابعهم على ~~سنتهم ومنهاجهم إلى يوم القيامة. وقال علي بن أبي طالب لعمران بن طلحة ~~بن عبيد الله: أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله تعالى فيهم: { ~~ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقبلين }. فأنكر عليه بعضهم. فقال علي إن لم نكن نحن فمن هم؟ ~~يعني إن الذين كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في ~~قلوبهم من الغل حتى ينزع عنهم. { تجرى من تحتهم الأنهر } ~~أي: من تحت غرفهم وقصورهم وأشجارهم الأنهار { وقالوا الحمد ~~لله الذى هدانا لهذا } أي: أكرمنا بهذه الكرامة، ويقال إن ~~الذي وفقنا للأمر الذي أوجب لنا هذا الثواب وهو الإسلام، ويقال هدانا ~~لهاتين العينين، وذلك أن أهل الجنة لما انتهوا إلى باب الجنة فإذا هم ~~بشجرة تنبع من ساقها عينان فيعمدون إلى إحداهما فيشربون منها فيخرج الله ~~تعالى ما كان في أجوافهم من غل وقذر، فذلك قوله تعالى # وسقهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21] ثم يعمدون إلى الأخرى فيغتسلون فيها فيطيب الله تعالى ~~أجسادهم من كل درن وحسد. وجرت عليهم نضرة ولا تشعث رؤوسهم ولا تغبر ~~وجوههم ولا تشحب أجسادهم أبدا، تتلقاهم خزنة الجنة فينادون في التقديم ~~أي قبل أن يدخلوها أن تلكم الجنة أورثتموها بما ~~كنتم تعملون، فقالوا بعد ما اغتسلوا من العينين الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا أي: وفقنا حتى اغتسلنا من هاتين ~~العينين. ويقال لما دخلوا الجنة ونظروا إلى كراماتها { وقالوا ~~الحمد لله ms0545 الذي هدانا } يعني لهذا الثواب. { وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله } أي: ما كنا لولا أن وفقنا ~~الله، ذلك أنهم علموا أن الله تعالى له عليهم المن والفضل فيما أعطاهم. ~~قرأ إبن عامر ما كنا لنهتدى بغير واو على الاستئناف وقرأ ~~الباقون والواو وعلى معنى العطف. { لقد جاءت رسل ربنا ~~بالحق } يعني جاءت رسل ربنا بالحق فصدقناهم { ونودوا أن ~~تلكم الجنة } قال بعضهم: قبل أن يدخلوها قال لهم خزنة الجنة ~~تلكم الجنة (التي وعدتم ويقال بعد ما دخلوا بها يقال لهم تلك الجنة أي ~~هذه الجنة التي) { أورثتموها } يعني أنزلتموها بإيمانكم ~~واقتبستموها { بما كنتم تعملون } في دار الدنيا، وهذا كما روي ~~في الخبر: إنه يقال لهم يوم القيامة # " جوزوا الصراط بعفوي وادخلوا الجنة برحمتي واقتسموها بأعمالكم ". ### || [7.44-46] # قوله تعالى: { ونادى أصحب الجنة أصحب النار أن ~~قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا } أي ما وعدنا يعني في ~~الدنيا من الثواب وجدناه صدقا { فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~} من العذاب { حقا } أي صدقا { قالوا نعم } فاعترفوا على ~~أنفسهم في وقت لا ينفعهم الإعتراف، قرأ الكسائي قالوا نعم بكسر العين ~~في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالنصب. وروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول ~~نعم بالنصب فقال له عمر النعم المال، وقل نعم يعني بكسر العين. ~~وروى الكسائي عن شيخ من ولد الزبير قال: ما كانت أشياخ قريش إلا يقولون ~~نعم فماتت. يعني اللغة { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظلمين } وذلك أنه ينادي مناد بين الجنة والنار ~~تسمعه الخلائق كلهم إن رحمة الله قريب من المحسنين ولعنة ~~الله على الظالمين أي كرامة الله وفضله وإحسانه على المؤمنين وعذاب الله ~~مع عقابه على الكافرين ثم قال { الذين يصدون عن سبيل ~~الله } أي الناس عن دين الله وهو الإسلام، وهم الرؤساء منهم، منعوا ~~أتباعهم عن الإيمان { ويبغونها عوجا } يقول: يريدون بملة ~~الإسلام غيرا وزيفا { وهم بالآخرة كفرون } يعني أنهم كانوا ~~جاحدون بالبعث. قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي أن لعنة الله بالتشديد ~~ونصب الهاء. ms0546 وقرأ الباقون أن لعنة بتخفيف أن وضم الهاء. قوله: { ~~وبينهما حجاب } إي: بين أهل الجنة وأهل النار سور { وعلى ~~الأعراف رجال } وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور كعرف ~~الديك. وقال القتبي: الأعراف سور بين الجنة والنار. وسمي بذلك لارتفاعه، ~~وكل مرتفع عند العرب أعراف. وقال السدي إنما سمي الأعراف لأن أصحابه ~~يعرفون الناس، روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أصحاب ~~الأعراف فقال: # " هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم، فمنعهم من النار قتلهم في ~~سبيل الله ومنعهم من الجنة معصيتهم آبائهم " # وعن حذيفة بن اليمان أنه قال: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يكن لهم ~~حسنات فاضلة يدخلون بها الجنة، ولا سيئات فاضلة يدخلون بها النار. وهذا ~~القول أيضا روي عن ابن عباس مثل هذا وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: هم ~~أولاد الزنا. وروي عن أبي مجلز أنه قال هم الملائكة. فبلغ ذلك مجاهدا ~~فقال كذب أبو مجلز. يقول الله تعالى وعلى الأعراف رجال. فقال أبو مجلز ~~لأن الملائكة ليسوا بإناث، ولكنهم عباد الرحمن. قال الله # وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا # [الزخرف: 19]. { يعرفون كلا بسيمهم } يعني أن أصحاب ~~الأعراف يعرفون أهل الجنة إذا مروا بهم ببياض وجوههم، ويعرفون أهل النار ~~بسواد وجوههم. والسيما هي العلامة { ونادوا أصحب الجنة ~~أن سلم عليكم } يعني فإذا مر بهم زمرة من أهل الجنة قالوا: ~~أن سلام عليكم يعني إن أهل الأعراف يسلمون على أهل الجنة { ~~لم يدخلوها وهم يطمعون } يعني إن أصحاب الأعراف لم ~~يدخلوا الجنة وهم يطمعون أن يدخلوها. وقال الحسن: والله ما جعل الله ~~ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدهم بها. ويقال: لم يدخلوها يعني أهل ~~الجنة لم يدخلوها حتى يسلم عليهم أهل الأعراف. وهم يطمعون في دخولها. ~~ويقال: أهل النار لم يدخلوها أبدا. وهم يطمعون. وطمعهم أن أفيضوا علينا ~~من الماء. ### || [7.47-53] # قوله تعالى: { وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب ~~النار } قال من سرعة ما انصرفوا كأنهم صرفوا، تلقاء ms0547 أصحاب النار يعني ~~أنهم إذا نظروا قبل أصحاب النار أي تلقاء أصحاب النار { قالوا ~~ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين } أي مع ~~الكافرين في النار { ونادى أصحب الأعراف رجالا } يعني ~~في النار { يعرفونهم بسيمهم قالوا ما أغنى عنكم ~~جمعكم } في الدنيا { وما كنتم تستكبرون } أي ما أغنى ~~عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان. وقرأ بعضهم وما كنتم تستكثرون. يعني ~~تجمعون المال الكثير. وهي قراءة شاذة. { أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم الله برحمة } يعني إن أهل الأعراف ~~يقولون يا وليد ويا أبا جهل: أهؤلاء؟ يعني صهيبا وبلالا والضعفة من ~~المسلمين الذين كنتم تحلفون لا ينالهم الله برحمة. يعني إنهم لا يدخلون ~~الجنة ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون } وعن أبي مجلز أنه قال: ~~وعلى الأعراف رجال من الملائكة، نادوا أصحاب الجنة قبل أن يدخلوها سلام ~~عليكم لم يدخلوها. وهم يطمعون دخولها يعني في الجنة. وإذا نظروا إلى ~~أصحاب النار حين مروا بهم { قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظلمين ونادى أصحب الأعراف رجالا } ~~من المشركين { يعرفونهم بسيمهم قالوا ما أغنى ~~عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء ~~الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا ~~الجنة } يعني لأهل الجنة. قال مقاتل: فأقسم أهل النار أن أصحاب ~~الأعراف داخلون النار معهم. فقالت الملائكة لأهل النار أهؤلاء الذين ~~أقسمتم لا ينالهم الله برحمة. ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف ادخلوا ~~الجنة. ويقال إن أهل النار يقولون لأهل الأعراف ما أغنى عنكم جمعكم ~~وعملكم وأنتم والله تكونون معنا في النار ولا تدخلون الجنة. فيقول ~~الملائكة لأهل النار أهؤلاء الذين أقسمتم يعني أصحاب الأعراف لا ينالهم ~~الله برحمته. ثم يقال لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة لا خوف ~~عليكم ولا أنتم تحزنون. قوله عز وجل { ونادى ~~أصحب النار أصحب الجنة أن أفيضوا علينا ~~من الماء أو مما رزقكم الله } أي اسقونا من الماء أو ~~شيئا من الفواكه وثمار الجنة فإن فينا من معارفكم. فعلم الله تعالى أن ~~ابن آدم غير مستغن عن ms0548 الطعام والشراب وإن كان في العذاب. فأجابهم أهل ~~الجنة { قالوا إن الله حرمهما على الكفرين } ~~يعني الماء والثمار. # " وروي في الخبر أن أبا جهل بن هشام بعث إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يستهزىء به. أطعمني من عنب جنتك أو شيئا من الفواكه. فقال لأبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه " قل له إن الله حرمهما على الكافرين " # ، ثم وصفهم عز وجل فقال { الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا } أي اتخذوا الإسلام باطلا ودخلوا في غير دين الإسلام. # ويقال اتخذوا عبدا لهوا وفرحا { وغرتهم الحيوة ~~الدنيا } أي غرهم ما أصابهم من زينة الدنيا { فاليوم ~~ننسهم } أي نتركهم في النار { كما نسوا لقاء يومهم ~~هذا } أي كما تركوا العمل ليومهم هذا. ويقال كما تركوا الإيمان ~~ليومهم هذا يعني أنكروا البعث { وما كانوا بآيتنا ~~يجحدون } يعني بجحدهم بآياتنا بأنها ليست من عند الله تعالى - قوله ~~تعالى { ولقد جئنهم بكتب } أي أكرمناهم بالقرآن { ~~فصلنه على علم } يعني بينا فيه الآيات، الحلال والحرام " ~~على علم " أي بعلم منا { هدى } يعني بيانا من الضلالة ويقال جعلناه ~~هاديا { ورحمة } أي نعمة ونجاة من العذاب { لقوم يؤمنون ~~} يعني لمن آمن وصدق به. يعني: أكرمناهم بهذا الكتاب فلم يؤمنوا ولم ~~يصدقوا. وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين يهتدون به ويستوجبون به ~~الرحمة. ثم قال { هل ينظرون إلا تأويله } أي ما ينتظرون ~~إلا عاقبة ما وعدهم الله تعالى في القرآن من العذاب { يوم يأتي ~~تأويله } عاقبة ما وعدهم الله. وهو يوم القيامة { يقول الذين ~~نسوه } يقول الذين تركوا العمل والإيمان { من قبل } يعني في ~~الدنيا { قد جاءت رسل ربنا بالحق } وذلك أنهم حين عاينوا ~~العذاب وذكروا قول الرسل وندموا على تكذيبهم إياهم. يقولون: قد جاءت رسل ~~ربنا بالحق. أي بأمر البعث فكذبناهم { فهل لنا من شفعاء ~~فيشفعوا لنا } لأنهم يرون الشفعاء يشفعون للمؤمنين، فيقال لهم ~~ليس لكم شفيع. فيقولون { أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل } أي هل نرد إلى الدنيا فنصدق الرسل ونعمل غير الشرك " ~~فنعمل " صار نصبا لأنه ms0549 جواب الاستفهام، وجواب الاستفهام إذا كان ~~بالفاء فهو نصب. وكذلك جواب الأمر والنهي. يقول الله تعالى { قد ~~خسروا أنفسهم } أي قد غبنوا حظ أنفسهم { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } أي يكذبون بأن الآلهة شفعاؤهم عند الله. ### || [7.54] # قوله: { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عير المشركين ~~بعبادة آلهتهم ونزل قوله # لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له # [الحج: 73] وقوله: # كمثل العنكبوت اتخذت بيتا # [العنكبوت: 41] سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا من ربك ~~الذي تدعونا إليه؟ وأرادوا أن يجحدوا في اسمه طعنا أو في شيء من أفعاله ~~فنزلت هذه الآية. فتحيروا وعجزوا عن الجواب. فقالإن ربكم الله (أي خالقكم ~~ورزاقكم) الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. قال ابن عباس أي من أيام ~~الآخرة. طول كل يوم ألف سنة. وقال الحسن البصري من أيام الدنيا. ويقال ~~يعني في ست ساعات من ستة أيام من أطول أيام الدنيا ولو شاء أن يخلقها في ~~ساعة واحدة لخلقها ولكن علم عباده التأني والرفق والتدبير في الأمور { ~~ثم استوى على العرش } قال بعضهم هذا من المتشابه الذي لا ~~يعلم تأويله إلا الله. وذكر عن يزيد بن هارون أنه سئل عن تأويله فقال ~~تأويله الإيمان به وذكر أن رجلا دخل على مالك بن أنس فسأله عن قوله # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] فقال: الاستواء غير مجهول والكيفية غير معقولة والإيمان به واجب ~~والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا. فأخرجوه. وذكر عن محمد بن جعفر نحو ~~هذا. وقد تأوله بعضهم وقال " ثم " بمعنى الواو فيكون على معنى الجمع ~~والعطف لا على معنى التراخي والترتيب. ومعنى قوله: استوى أي استولى، كما ~~يقال فلان استوى على بلد كذا يعني استولى عليه فكذلك هذا. معناه خالق ~~السماوات والأرض، ومالك العرش. ويقال ثم صعد أمره إلى العرش. وهذا معنى ~~قول ابن عباس. قال صعد على العرش. يعني أمره، ويقال قال له كن فكان، ~~ويقال { ثم استوى على العرش } أي كان ms0550 فوق العرش قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض ويكون على بمعنى العلو والارتفاع، ويقال استوى يعني ~~استولى. وذكر أن أول شيء خلقه الله تعالى القلم ثم اللوح. فأمر القلم بأن ~~يكتب في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة. ثم خلق ما شاء. ثم خلق العرش ~~ثم حملة العرش ثم خلق السماوات والأرض. وإنما خلق العرش لا لحاجة نفسه ~~ولكن لأجل عباده ليعلموا أين يتوجهون في دعائهم لكي لا يتحيروا في ~~دعائهم، كما خلق الكعبة علما لعبادتهم ليعلموا إلى أين يتوجهون في ~~العبادة. فكذلك خلق العرش علما لدعائهم ليعلموا إلى أين يتوجهوا بدعائهم ~~ثم قال تعالى: { يغشي الليل النهار } يعني إن الليل يأتي على ~~النهار فيغطيه ولم يقل يغشي النهار الليل لأن في الكلام دليلا عليه. # وقد بين في آية أخرى # يكور اليل على النهار ويكور النهار على ~~اليل # [الزمر:5] فكذلك ها هنا، معناه يغشي النهار الليل ويغشي الليل النهار. ~~يعني إذا جاء النهار يذهب بظلمة الليل وإذا جاء الليل يذهب بنور النهار. # قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر يغشي بتشديد الشين ونصب ~~الغين. وقرأ الباقون بجزم الغين مع التخفيف، وهما لغتان غشى ويغشي ~~وأغشى يغشي بقوله { يطلبه حثيثا } أي: سريعا في طلبه ~~أبدا ما دامت الدنيا باقية ثم قال { والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرت بأمره } أي: جاريات مذللات لبني آدم ~~بأمره. # قرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم كلها بالضم على معنى الابتداء ~~وقرأ الباقون بالنصب. ومعناه خلق الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. ثم ~~قال: { ألا له الخلق والأمر } ألا كلمة التنبيه، يعني اعلموا ~~أن الخلق لله تعالى وهو الذي خلق الأشياء كلها وأمره نافذ في خلقه. قال ~~سفيان بن عيينة: الخلق هو الخلق والأمر هو القرآن وهو كلام الله وليس ~~بمخلوق ولا هو بائن منه وتصديقه قوله # ذلك أمر الله أنزله إليكم # [الطلاق:5] ويقال الأمر هو القضاء، ثم قال { تبارك الله رب ~~العلمين } قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني تعالى الله عما يقول ~~الظالمون، ويقال تبارك الله تفاعل ms0551 من البركة أي: ذو البركة يعني أن ~~البركة كلها من الله تعالى والبركة فيما يذكر عليه اسم الله رب العالمين. ~~أي: سيد الخلق أجمعين فلما وصف وبالغ في ذلك وأعجزهم فأمرهم بأن يدعوه. ### || [7.55-57] # فقال { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } قال الكلبي: يعني في ~~الأحوال كلها. يعني ادعوا الذي خلق هذه الأشياء في الأحوال كلها. ويقال ~~خفية يعني اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة. ثم قال { ~~إنه لا يحب المعتدين } يعني أن يدعوا بما لا يحل أو يدعوا ~~على أحد باللعن والخزي أو تدعوا عليه بالشر. ثم قال { ولا تفسدوا ~~في الأرض بعد إصلاحها } وذلك أن الله تعالى إذا بعث نبيا ~~فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها وفي المعصية فساد الأرض وفساد أهلها، ~~ويقال لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها أي لا تجوروا في الأرض فتخرب الأرض ~~لأن الأرض قامت بالعدل، ويقال لا تخربوا المساجد فتتركوا الجماعات { ~~وادعوه خوفا وطمعا } يعني اعبدوه خوفا وطمعا أي: خوفا من ~~عذابه وطمعا في رحمته: ويقال ادعوه في حال الخوف والضيق، ويقال خوفا عن ~~قطيعته ورجاء إلى الغاية. ثم قال { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين } ولم يقل قريبة قال بعضهم لأن القريب والبعيد يصلحان ~~للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. كما قال # لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63] وقال # وما هى من الظلمين ببعيد # [هود: 83] وقال بعضهم تفسير الرحمة ها هنا المطر. فذكر بلفظ المذكر، ~~وقال بعضهم إن رحمة الله قريب. يعني الغفران والعفو فانصرف إلى المعنى. ~~ومعناه المحسنون قريب من الجنة وهم المؤمنون ثم قال { وهو الذي ~~يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } أي قدام المطر. # قرأ حمزة والكسائي الريح بلفظ الوحدان. وقرأ الباقون الرياح بلفظ ~~الجماعة. واختار أبو عبيد أن كل ما ذكر في القرآن من ذكر الرحمة فهو رياح ~~وكل ما كان فيه ذكر العذاب فهو ريح واحتج بما روي عن النبي عليه السلام ~~أنه كان يقول: إذا هبت الريح يقول # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وقرأ ابن عامر نشرا بضم النون ms0552 وجزم الشين. # وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع نشرا بضمتين. # وقرأ حمزة والكسائي نشرا بنصب النون وجزم الشين. # وقرأ عاصم بشرا بالباء ويكون من البشارة كما قال في آية أخرى # يرسل الريح مبشرت # [الروم: 46]. # ومن قرأ نشرا بالنون والنصب فيكون معناه يرسل الرياح تنشر السحاب ~~نشرا، ومن قرأ بالضمتين يكون جمع نشور، يقال ريح نشور، أي تنشر السحاب ~~ورياح نشر، ومن قرأ بضمة واحدة لأنه لما اجتمعت الضمتان حذفت إحداهما ~~للتخفيف. ثم قال { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا } من الماء، ~~والسحاب جمع السحابة يعني الريح حملت سحابا ثقالا { سقناه لبلد ~~ميت } يعني السحاب تمر بأمر الله تعالى إلى أرض ليس فيها نبات { ~~فأنزلنا به الماء } يعني بالمكان. ويقال بالسحاب { ~~فأخرجنا به من كل الثمرات } أي نخرج بالماء من الأرض ~~الثمرات { كذلك نخرج الموتى } أي يقول: هكذا نحيي الموتى ~~بالمطر كما أحييت الأرض الميتة بالمطر. وذكر في الخبر أنه إذا كان قبل ~~النفخة الأخيرة أمطرت السماء أربعين يوما مثل مني الرجال فتشرب الأرض ~~فتنبت الأجساد بذلك الماء ثم ينفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون. وفي هذه ~~الآية إثبات القياس وهو رد المختلف إلى المتفق، لأنهم كانوا متفقين أن ~~الله تعالى هو الذي ينزل المطر ويخرج النبات من الأرض. فاحتج عليهم ~~لإحيائهم بعد الموت بإحياء الأرض بعد موتها. ثم قال { لعلكم ~~تذكرون } أي: لكي تتعظوا وتعتبروا في البعث أنه كائن. ثم ضرب مثلا ~~للمؤمنين والكافرين. ### || [7.58-64] # { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } يعني ~~المكان العذب الزكي اللين من الأرض اللينة يخرج نباته إذا أمطرت فينتفع ~~به، كذلك المؤمن يسمع الموعظة فتدخل في قلبه فينتفع بها وينفعه القرآن ~~كما ينفع المطر الأرض الطيبة. { والذي خبث لا يخرج إلا ~~نكدا } يعني الأرض السبخة لا يخرج نباتها إلا من كد وعناء، فكذلك ~~الكافر لا يسمع الموعظة ولا ينتفع بها ولا يتكلم بالإيمان ولا يعمل ~~بالطاعة إلا كرها لغير وجه الله، ثم قال { كذلك نصرف الآيات ~~لقوم يشكرون } أي هكذا نبين الآيات والعلامات والأمثال لمن ms0553 آمن ~~وشكر رب هذه النعم ووحده. قوله عز وجل { لقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه } يعني بعثنا نوحا إلى قومه بالرسالة فأتاهم، ويقال معناه ~~جعلنا نوحا رسولا إلى قومه. { فقال ياقوم اعبدوا الله } ~~أي وحدوا الله، { ما لكم من إله غيره } أي ليس لكم رب سواه. # قرأ الكسائي إله غيره بكسر الراء. # وقرأ الباقون غيره بالضم. فمن قرأ بكسر الراء فلأجل من وجعله كله ~~كلمة واحدة والغير تابعا له. ومن قرأ بالضم فمعناه ما لكم إله غيره ~~ودخلت من مؤكدة. # ثم قال { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وهو الغرق ~~ف { قال الملأ من قومه } وهم الرؤساء والأجلة والأشراف، سموا ~~بذلك لأنهم ملئوا بما يحتاج إليه منهم، ويقال لأنهم ملأوا الناظر هيبة ~~إذا اجتمعوا في موضع قالوا { إنا لنراك في ضلال مبين } يعني ~~في خطأ بين { قال ياقوم ليس بي ضلالة ولكني ~~رسول من رب العالمين } وفي الآية بيان أدب الخلق في حسن ~~الجواب والمخاطبة. لأنه رد جهلهم بأحسن الجواب وهذا كما قال الله تعالى # وإذا خاطبهم الجهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63] يعني السداد من القول. ثم قال { أبلغكم رسالات ~~ربي وأنصح لكم } أي أمنعكم من الفساد وأدعوكم إلى التوحيد ~~وأحذركم من العذاب. وقال أهل اللغة: أنصح لكم وأنصحكم لغتان بمعنى واحد ~~كما يقال شكرت لك وشكرتك ثم قال { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } يعني أعلم أنكم إن لم تتوبوا يأتيكم العذاب وأنتم لا ~~تعلمون ذلك، وذلك أن سائر الأنبياء عليهم السلام خوفوا أمتهم بعذاب الأمم ~~السابقة كما قال شعيب لقومه: # أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم هود ~~أو قوم صلح وما قوم لوط منكم ببعيد # [هود: 89] وأما قوم نوح فلم يكن بلغهم هلاك أمة قبلهم. فقال لهم نوح ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون من العذاب الذي ينزل بكم. فقالت الكبراء ~~للضعفاء لا تتبعوه. فإن هذا بشر مثلكم فأجابهم نوح فقال { أو ~~عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم ~~لينذركم } يعني ينزل الكتاب والرسالة على ms0554 رجل منكم تعرفون حسبه ~~ونسبه " لينذركم " بالنار ولتتقوا الشرك. # قال بعضهم: هذه الواو صلة وهو زيادة في الكلام. ومعناه لينذركم لكي ~~تتقوا. وقال بعضهم هذه واو العطف أي: جاءكم رسول لكي ينذركم { ~~ولتتقوا ولعلكم ترحمون } يعني لكي تنجوا من العذاب. ~~قرأ أبو عمرو أبلغكم بجزم الباء والتخفيف. وقرأ الباقون أبلغكم ~~بالتشديد فيكون فيه معنى المبالغة قوله { فكذبوه } أي نوحا { ~~فأنجيناه والذين معه في الفلك } يعني الذين اتبعوه من ~~المؤمنين في السفينة، والفلك اسم لواحد والجماعة يعني أنجينا المؤمنين ~~من الغرق { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم ~~كانوا قوما عمين } عن نزول العذاب ويقال عمين عن الحق يعني ~~جعلوا أمره باطلا. وقد بين الله قصته في سورة هود. ### || [7.65-72] # قوله عز وجل: { وإلى عاد أخاهم هودا } (يعني أرسلنا إلى عاد ~~نبيهم هودا عطفا على قوله لقد أرسلنا نوحا إلى قومه أي وأرسلنا إلى ~~عاد أخاهم) لم يكن هود أخاهم في الدين ولكن كان من نسبهم. قال السدي: ~~كانت عاد قوما من أهل اليمن فأتاهم هود فدعاهم إلى الإيمان وذكرهم ~~ووعظهم فكذبوه. ويقال عاد اسم ملك ينسب القوم كلهم إليه. ويقال اسم ~~القرية { قال يا قوم اعبدوا الله } أي وحدوه { ما لكم ~~من إله غيره } وقد ذكرناه { أفلا تتقون } عن الشرك و { ~~قال الملأ الذين كفروا من قومه } وقد ذكرناه { إنا ~~لنراك في سفاهة } أي جهالة { وإنا لنظنك من ~~الكاذبين } بأنك رسول الله { قال يا قوم ليس بي سفاهة ~~} جهالة { ولكني رسول من رب العالمين } إليكم { ~~أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } يعني ~~كنت فيكم قبل اليوم أمينا فكيف تتهموني اليوم { أو عجبتم أن ~~جاءكم ذكر من ربكم } يعني الرسالة والبيان { على رجل ~~منكم } تعرفون نسبه { لينذركم } بالعذاب { واذكروا إذ ~~جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } أي جعلكم خلفاء في ~~الأرض بعد هلاك قوم نوح { وزادكم في الخلق بسطة } أي: ~~فضيلة في الطول على غيركم. والخلفاء والخلائف جمع الخليفة. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسطة بالسين. # وقرأ حمزة بإشمام الزاي. # وقرأ الباقون ms0555 بالصاد قال ابن عباس رضي الله عنهما كان أطولهم مائة ذراع ~~وأقصرهم ستين ذراعا. وروى إبراهيم بن يوسف عن المسيب عن الكلبي قال كان ~~طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعا وأقصرهم ثمانون ذراعا - وقال ~~مقاتل عن قتادة كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعا فذلك قوله # لم يخلق مثلها في البلد # [الفجر:8] ويقال كان بين نوح وبين آدم عشرة آباء كلهم على الإسلام. وكان ~~إدريس جد أبي نوح ولم يكن بين آدم ونوح نبي مرسل، وكان إدريس نبيا ولم ~~يؤمر بدعوة الخلق، ويقال أنزل عليه عشرون صحيفة، وقد آمن به كثير من ~~الناس، وكان بين نوح وإبراهيم ألف سنة ويقال ألفان وأربعون سنة وكان بين ~~إبراهيم وموسى ألف سنة وكان بين موسى وعيسى ألف سنة وبين عيسى ومحمد عليه ~~السلام خمسمائة سنة. وكان هود بين نوح وإبراهيم فلما دعا قومه فكذبوه ~~أنذرهم بالعذاب وقال إن الله تعالى يرسل عليكم الريح فيهلككم بها ~~فاستهزؤوا به وقالوا أي ريح يقدر علينا، فأمر الله تعالى خازن الريح أن ~~يخرج من الريح العقيم التي هي تحت الأرض مقدار ما يخرج من حلقة الخاتم ~~كما قال في آية أخرى # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41] فجاءتهم وحملت الرجال والدواب كالأوراق في الهواء ~~فأهلكتهم كلهم فلم يبق منهم أحد. # كما قال # فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم كذلك نجزى ~~القوم المجرمين # [الأحقاف: 25] وذلك بعد ما أنذرهم وأخذ عليهم الحجة وذكرهم نعم الله ~~تعالى، قال لهم { فاذكروا آلاء الله } أي: اشكروا نعمة الله ~~قال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء دفع البلية. وقال بعضهم على ضد ~~هذا، وقال أكثر المفسرين الآلاء والنعماء بمعنى واحد { لعلكم ~~تفلحون } يعني لكي تنجوا من البلايا ومن عذابه. # قوله تعالى: { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده } قالوا ~~يا هود أتأمرنا أن نعبد ربا واحدا { ونذر ما كان يعبد ~~آباونا } أي نترك عبادة آلهتنا التي كان يعبدها آباؤنا قال لهم هود ~~عليه السلام إن لم تفعلوا ما آمركم يأتيكم العذاب قالوا { فأتنا ms0556 ~~بما تعدنا } من العذاب أي: بما تخوفنا { إن كنت من ~~الصادقين } أنك لرسول الله { قال قد وقع عليكم من ~~ربكم رجس وغضب } أي: وجب عليكم عذاب وغضب من ربكم { ~~أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباوكم } ~~أي: تجعلون قول أنفسكم وقول آبائكم حجة من غير أن يثبت لكم من الله حجة ~~وقد اتخذتم الأصنام بأيديكم وسميتموها آلهة { ما نزل الله بها ~~من سلطان } يقول ليس لكم علة وعذر وحجة بعبادة الأصنام { ~~فانتظروا } الهلاك { إني معكم من المنتظرين } يعني ~~لنزول العذاب بكم لأنهم أرادوا إهلاكه قبل أن يهلكوه قال الله تعالى { ~~فأنجيناه والذين معه برحمة منا } يعني بنعمة منا ~~عليهم { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي: قطع ~~أصلهم واستأصلهم { وما كانوا مؤمنين } يعني أن الذين أهلكهم ~~الله تعالى كلهم كانوا كافرين. ### || [7.73-79] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا } يعني أرسلنا إلى ~~ثمود نبيهم صالحا. قال بعضهم ثمود اسم القرية وقال بعضهم ثمود اسم ~~القبيلة وأصله في اللغة الماء القليل. ويقال كانت بئرا بين الشام ~~والحجاز ويقال هي عين يخرج منها ماء قليل في تلك الأرض ويقال لها أرض ~~الحجر كما قال في آية أخرى # ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين # [الحجر: 80] وقال بعضهم كان في تلك القرية أهل تسعمائة بيت وقال بعضهم ~~ألف وخمسمائة فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله سنين كثيرة فكذبوه وأرادوا ~~قتله فخرجوا إلى عبد لهم فأتاهم صالح ودعاهم إلى الله تعالى، فقالوا له ~~إن كنت نبيا فأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء حتى نؤمن بك ونصدقك ~~فقام صالح وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فتحركت الصخرة وانصدعت عن ناقة ~~عشراء ذات زغب فلم يؤمنوا به فولدت الناقة ولدا، وقال بعضهم خرج ولدها ~~خلفها من الصخرة. فصارت الناقة بلية ومحنة عليهم، وكانت من أعظم الأشياء ~~فتأتي مراعيهم فتنفر منها دوابهم وتأتي العين وتشرب جميع ما فيها من ~~الماء فجعل صالح الماء قسمة بينهم يوما للناقة ويوما لأهل القرية. فإذا ~~كان اليوم الذي تشرب الناقة لا يحضر أحد العين وكانوا يحلبونها في ms0557 ذلك ~~اليوم مقدار ما يكفيهم وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون فاجتمعوا لقتل الناقة فقال لهم صالح لا تفعلوا فإنكم إذا قتلتموها ~~يأتيكم العذاب فجاءوا ووقفوا على طريق الناقة فلما مرت بهم الناقة متوجهة ~~إلى العين رماها واحد منهم يقال له مصدع بن وهر فأصابت السهم رجل الناقة. ~~فلما رجعت الناقة من العين خرج قدار بن سالف وهو أشقى القوم كما قال الله ~~تعالى # إذ انبعث أشقها # [الشمس: 12] فضربها بالسيف ضربة فقتلها وقسموا لحمها على أهل القرية. ~~وروي عن الحسن البصري رحمة الله عليه أنه قال لما عقرت ثمود الناقة ذهب ~~فصيلها حتى صعد جبلا وقال ثلاث مرات أين أمي أين أمي أين أمي؟ فأخبر ~~بذلك صالح فقال يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فقالوا وما العلامة في ذلك؟ ~~فقال أن تصبحوا في اليوم الأول وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني وجوهكم ~~محمرة، وفي اليوم الثالث وجوهكم مسودة، ثم خرج صالح من بين أظهرهم مع من ~~آمن منهم فأصبحوا في اليوم الأول وجعل يقول بعضهم لبعض قد إصفر وجهك وفي ~~اليوم الثاني يقول بعضهم لبعض قد احمر وجهك وفي اليوم الثالث يقول بعضهم ~~لبعض قد اسود وجهك. فأيقنوا جميعا الهلاك. فجاء جبريل عليه السلام وصاح ~~بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم. ويقال قد أتتهم النار فأحرقتهم فذلك قوله ~~تعالى { قال يا قوم اعبدوا الله } أي: وحدوا الله { ما ~~لكم من إله غيره } قد ذكرناه { قد جاءتكم بينة ~~من ربكم } يقول: قد أتيتكم بعلامة نبوتي وهي الناقة كما قال الله ~~تعالى { هذه ناقة الله لكم آية } أي: علامة لنبوتي لكي ~~تعتبروا وتوحدوا الله ربكم { فذروها تأكل في أرض الله } ~~يقول دعوها ترتع في أرض الحجر { ولا تمسوها بسوء } يقول: لا ~~تعقروها { فيأخذكم عذاب أليم } وهو ما عذبوا به. # قوله عز وجل { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ~~} أي: بعد هلاك عاد { وبوأكم في الأرض } يعني: أنزلكم في أرض ~~الحجر { تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا } وذلك أنه كانت ms0558 لهم قصور يسكنون فيها أيام الصيف وقد اتخذوا ~~بيوتا في الجبل لأيام الشتاء فذكرهم نعمة الله تعالى، فقال اذكروا هذه ~~النعم حيث وفقكم الله حتى اتخذتم القصور في سهل الأرض واتخذتم البيوت في ~~الجبال { فاذكروا آلاء الله } أي: نعم الله عليكم { ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين } أي: لا تعملوا في الأرض بالمعاصي. ~~قوله عز وجل { قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~للذين استضعفوا }. قرأ ابن عامر وقال الملأ بالواو. وقرأ ~~الباقون بغير واو. أي: قال الملأ الذين تكبروا عن الإيمان من قومه وهم ~~القادة للذين استضعفوا { لمن آمن منهم } بصالح { أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه } يعني أتصدقون صالحا بأنه مرسل ~~من ربه إليكم { قالوا } يعني المؤمنين { إنا بما أرسل به ~~مؤمنون } أي: مصدقون به { قال الذين استكبروا إنا ~~بالذي آمنتم به كافرون } أي: من رسالة صالح { فعقروا ~~الناقة وعتوا عن أمر ربهم } أي: عصوا وتركوا أمر ربهم ~~وأبوا عن طاعته، ثم التوحيد. ويقال فيه تقديم ومعناه عتوا عن أمر ربهم ~~وعقروا الناقة. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنهم عقروا ~~الناقة ليلة الأربعاء في عشية الثلاثاء فأهلكهم الله في يوم السبت، { ~~وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا } أي: بما تخوفنا به من ~~العذاب { إن كنت من المرسلين } يعني إن كنت رسول رب العالمين ~~{ فأخذتهم الرجفة } أي: الزلزلة ويقال صيحة جبريل كما قال في ~~آية أخرى # فأخذتهم الصيحة مصبحين # [الحجر: 83] ويقال أخذتهم الزلزلة ثم أخذتهم الصيحة، ويقال النار { ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي: صاروا في مدينتهم ومنازلهم ~~ميتين لا يتحركون وأصله من الجثوم ويقال أصابهم العذاب بكرة يوم الأحد { ~~فتولى عنهم } فيه تقديم وتأخير أي: حين كذبوه خرج من بين أظهرهم ~~{ وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت ~~لكم } أي: دعوتكم إلى التوبة وحذرتكم العذاب { ولكن لا تحبون ~~الناصحين } أي: لا تطيعون الداعين ويقال إنما قال ذلك بعد إهلاكهم ~~قال على وجه الحزن إني قد أبلغتكم الرسالة. وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه قال ms0559 إن الله تعالى لم يهلك قوما ما دام الرسول فيهم. فإذا خرج ~~من بين ظهرانيهم أتاهم ما أوعد لهم. وقال في رواية الكلبي لما هلك قوم ~~صالح رجع صالح ومن معه من المؤمنين فسكنوا ديارهم وقال في رواية الضحاك ~~خرج صالح إلى مكة فكان هناك حتى قبضه الله تعالى. ### || [7.80-84] # { ولوطا إذ قال لقومه } يعني وأرسلنا لوطا إلى قومه، ويقال ~~معناه واذكروا لوطا إذ قال لقومه { أتأتون الفحشة } يعني ~~اللواطة { ما سبقكم بها } يعني لم يعمل بمثل عملكم { من أحد ~~من العلمين } قبلكم { إنكم لتأتون الرجال شهوة ~~من دون النساء } أي تجامعون الرجال من دون النساء. يعني إن إتيان ~~الرجال أشهى إليكم من إتيان النساء. وقرأ أبو عمرو آينكم بالمد بغير ~~همز وقرأ ابن كثير ونافع إنكم بهمزة واحدة بغير مد. وقرأ الباقون ~~بهمزتين بغير مد. ومعنى ذلك كله واحد. وهو الاستفهام. ثم قال { بل ~~أنتم قوم مسرفون } أي: متعدون من الحلال إلى الحرام. { وما ~~كان جواب قومه إلا أن قالوا } وإنما صار " جواب " نصبا ~~لأنه خبر كان. والاسم هو ما بعده إلا أن قالوا { أخرجوهم من ~~قريتكم إنهم أناس يتطهرون } يعني يتقذرون منا ~~ويتنزهون عن فعلنا { فأنجينه وأهله } يعني: ابنتيه زعوراء ~~وريثا { إلا امرأته } وهي واعلة { كانت من الغبرين } ~~يعني من الباقين في الهلاك فيمن أهلكوا { وأمطرنا عليهم ~~مطرا } يعني الحجارة ويقال أمطر بالعذاب ومطر بالرحمة، ويقال أمطر ~~ومطر بمعنى واحد { فانظر كيف كان عقبة المجرمين } ~~أي: كيف كان آخر أمرهم. وقد بين قصته في سورة هود. وقال مجاهد لو أن الذي ~~يعمل عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وبكل قطرة في الأرض ما زال ~~نجسا إلى يوم القيامة وقد اختلف الناس في حده. قال بعضهم هو كالزاني، ~~فإن كان محصنا يرجم وإن كان غير محصن يجلد. وروي عن الشعبي أنه قال يرجم ~~في الأحوال كلها محصنا كان أو غير محصن. وروي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه أتي برجل قد عمل بذلك العمل ms0560 فأمر بأن يلقى من أشرف البناء ~~منكوسا ثم يتبع بالحجارة لأن الله تعالى ذكر قتلهم بالحجارة وهو قوله ~~تعالى { وأمطرنا عليهم مطرا } أي حجارة، وقال بعضهم يعزر ~~ويحبس حتى تظهر توبته ولا يحد. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله. ### || [7.85-93] # ثم قال تعالى: { وإلى مدين أخهم شعيبا } يعني أرسلنا ~~إلى مدين نبيهم شعيبا، ومدين هو آل مدين. وكان مدين إبن إبراهيم خليل ~~الرحمن تزوج ريثاء ابنة لوط فولدت آل مدين فتوالدوا وكثروا ثم صار هو ~~اسما للمدينة فسميت المدينة مدين وسمي أولئك القوم مدين فكفروا بالله ~~تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى ~~إليهم شعيبا. وقال الضحاك: كان شعيب أفضلهم نسبا وأصدقهم حديثا ~~وأحسنهم وجها، ويقال إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى ~~فدعا قومه إلى الله تعالى و { قال يا قوم اعبدوا الله } ~~أي: وحدوه وأطيعوه { ما لكم من إله غيره قد جاءتكم ~~موعظة من ربكم } قال بعضهم مجيء شعيب النبي - عليه السلام ~~إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد ~~وقال بعضهم كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا وقد جعل له ~~علامة ليظهر تصديق مقالته إلا أن الله تعالى لم يبين لنا علامته، وقد بين ~~علامة بعض الأنبياء ولم يبين علامة الجميع ثم قال { فأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط } أي: أتموا الكيل والميزان بالعدل ~~{ ولا تبخسوا الناس أشياءهم } يقول ولا تنقصوا الناس ~~حقوقهم في البيع والشراء { ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلحها } يعني لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بين الله تعالى ~~طريق الحق وأمركم بالطاعة { ذلكم خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين } يعني وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان ~~والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم قوله تعالى { ~~ولا تقعدوا بكل صرط توعدون } أي: لا ترصدوا بكل طريق، ~~توعدون أهل الإيمان بالقتل { وتصدون عن سبيل الله } يقول: ~~تمنعون الناس عن دين الإسلام { من ms0561 ءامن به وتبغونها عوجا ~~} يقول تريدون بملة الإسلام زيغا وغيرا. وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~في قوله { بكل صرط توعدون } قال بكل سبيل، حتى تصدوا أهلها ~~عنها وتبغونها عوجا. قال وتلتمسون بها الزيغ. ويقال معناه لا تقعدوا على ~~كل طريق تخوفون الناس، وتخوفون أهل الإيمان بشعيب عليه السلام. ثم قال { ~~واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } أي: كنتم قليلا في ~~العدد فكثر عددكم. ويقال كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم. { ~~وانظروا كيف كان عقبة المفسدين } أي: كيف صار آخر ~~أمر المكذبين بالرسل. يعني الذين قبلهم، قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم ~~صالح. ثم قال { وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذي ~~أرسلت به } يعني إن كان جماعة منكم صدقوا بي { وطائفة لم ~~يؤمنوا } بي أي: لم يصدقوا { فاصبروا حتى يحكم الله ~~بيننا } يعني حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين فذلك ~~قوله حتى يحكم الله بيننا. # يعني حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين { وهو خير ~~الحكمين } أي: أعدل العادلين { قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه } يعني الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان ~~من قومه { لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك من ~~قريتنا أو لتعودن في ملتنا } أي: لتدخلن في ديننا ~~الذي نحن عليه. ويقال هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا. لترجعن إلى ديننا ~~كما كنتم. { قال } لهم شعيب { أولو كنا كرهين } يعني ~~أتجبروننا على ذلك؟ قالوا نعم قال لهم شعيب { قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم } يقول قد اختلقنا على ~~الله كذبا إن دخلنا في دينكم { بعد إذ نجانا الله منها } ~~(يقول إن الله تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملتكم) يقال معناه كنا ~~كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله منها. ويقال أكرمنا ~~الله تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم { ~~وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله } ~~يعني: ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشاء الله { ~~ربنا } دخولنا فيها وأن ينزع ms0562 المعرفة من قلوبنا ويقال (معناه وما ~~يكون لنا أن نعود فيها) إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها ~~ويقال معناه: إلا أن يشاء الله. يعني لا يشاء الله الكفر مثل قولك لا ~~أكلمك حتى يبيض القار وحتى يشيب الغراب وهذا طريق المعتزلة ثم قال { ~~وسع ربنا كل شيء علما } يعني: علم ما يكون منا ومن الخلق ~~{ على الله توكلنا } أي: فوضنا أمرنا إلى الله. لقولهم ~~لنخرجنك يا شعيب { ربنا افتح بيننا وبين قومنا ~~بالحق } أي: اقض بيننا وبين قومنا بالعدل. وروى قتادة عن ابن عباس ~~قال: ما كنت أدري ما معنى قوله { ربنا افتح بيننا } حتى سمعت ~~ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني: أخاصمك وقال القتبي ~~الفتح أن تفتح شيئا مغلقا كقوله: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوبها # [الزمر: 73] وسمي القضاء فتحا لأن القضاء فصل للأمور وفتح لما أشكل ~~منها { وأنت خير الفتحين } يعني: خير الفاصلين قوله تعالى: ~~{ وقال الملأ الذين كفروا من قومه لأن ~~اتبعتم شعيبا } أي: لأن أطعتم شعيبا في دينه { إنكم ~~إذا لخسرون } يعني: جاهلون فلما وعظهم شعيب ولم يتعظوا أخبرهم ~~أن العذاب نازل بهم فلم يصدقوه فخرج شعيب ومن آمن معه من بين أظهرهم ~~فأصابهم يعني أهل القرية حر شديد فخرجوا من القرية ودخلوا غيضة كانت عند ~~قريتهم وهي الأيكة كما قال الله تعالى في آية أخرى # كذب أصحب الأيكة المرسلين # [الشعراء: 176] فارسل الله تعالى نارا فأحرقت الأشجار ومن فيها من ~~الناس ويقال أصابتهم زلزلة فخرجوا فأتتهم نار فأحرقتهم وذلك قوله تعالى { ~~فأخذتهم الرجفة } يعني الزلزلة والحر الشديد فهلكوا واحترقوا ~~{ فأصبحوا في دارهم جثمين } يعني صاروا ميتين قوله ~~تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ~~} يعني كأن لم يكونوا فيها قط وقال قتادة كأن لم يكونوا فيها يعني كأن لم ~~يتنعموا فيها ويقال معناه من كان رآهم بعد إهلاكنا إياهم ظن أنه لم يكن ~~هناك أحد يعني لم يعيشوا ويقال: كأن لم يعمروا ثم قال { الذين ~~كذبوا شعيبا ms0563 كانوا هم الخسرين } يعني المغبونين في ~~العقوبة يعني إنهم كانوا يقولون لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ~~فصار الذين كذبوا هم الخاسرون لا الذين آمنوا منهم قوله تعالى { ~~فتولى عنهم } يعني أعرض عنهم حين خرج من بين أظهرهم { وقال ~~يا قوم لقد أبلغتكم رسلت ربي } في نزول العذاب ~~{ ونصحت لكم } وقد ذكرناه { فكيف ءاسى على قوم ~~كفرين } أي: كيف أحزن بعد النصيحة على قوم إن عذبوا. ### || [7.94-99] # قوله تعالى: { وما أرسلنا في قرية من نبي إلا ~~أخذنا أهلها } ففي الآية مضمر ومعناه وما أرسلنا في قرية من نبي ~~فكذبوه إلا أخذنا أهلها { بالبأساء والضراء } يعني عاقبنا ~~أهلها بالخوف والبلاء والقحط والفقر. ويقال البأساء ما يصيبهم من الشدة ~~في أموالهم، والضراء ما يصيبهم في أنفسهم { لعلهم يضرعون } ~~يعني لكي يتضرعوا، فأدغمت التاء في الضاد وأقيم التشديد مقامه، ومعناه ~~لكي يدعوا ربهم ويؤمنوا بالرسل ويعرفوا ضعف معبودهم قوله تعالى: { ثم ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة } يعني حولنا مكان الشدة ~~الرخاء ومكان الجدوبة الخصب { حتى عفوا } أي: كثروا واستغنوا ~~وكثرت أموالهم فلم يشكروا الله تعالى، ويقال حتى عفوا أي: حتى سروا به { ~~وقالوا قد مس ءاباءنا الضراء والسراء } أي: مثل ~~ما أصابنا، مرة يكون الرخاء ومرة يكون الشدة { فأخذتهم بغتة } ~~أي: فجأة { وهم لا يشعرون } يعني أتاهم العذاب من حيث لم يعلموا ~~به، ويقال إن الشدة للعامة تكون تنبيها وزجرا، والنعمة تكون استدراجا، ~~وأما النعمة للخاصة فهي تنبيه لأنه بعد ذلك عقوبة كما روي أن الله تعالى ~~قال لموسى عليه السلام إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل مرحبا بشعار ~~الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل ذنب عجلت عقوبته قوله تعالى: ~~{ ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا } يعني وحدوا ~~الله تعالى واتقوا الشرك { لفتحنا عليهم بركت من ~~السماء والأرض } يعني أنزلنا عليهم من السماء المطر والرزق ~~والنبات من الأرض { ولكن كذبوا } الرسل { فأخذنهم } ~~أي: عاقبناهم { بما كانوا يكسبون } من الشرك. ففي الآية دليل ~~على أن الكفاية والسعة في الرزق من السعادة إذا كان المرء ms0564 شاكرا وتكون ~~عقوبة له إذا لم يكن شاكرا، لأنه قال في آية أخرى # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة # [الزخرف: 33] يعني الغنى يكون وبالا لمن لا يشكر الله تعالى وعقوبة له ~~ثم قال تعالى: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ~~بيتا } أي: ينزل عليهم عذابنا ليلا { وهم نائمون أو ~~أمن أهل القرى } فتحت الواو لأنها واو العطف أدخلت عليها ألف ~~الاستفهام، وكذلك أفأمن لأنها فاء العطف دخلت عليها ألف الاستفهام. قرأ ~~نافع وابن كثير أو أمن بجزم الواو لأن أصله أو وأمن، وأو حرف من حروف ~~الشك، فأدغم في حرف النسق { أن يأتيهم بأسنا ضحى } يعني ~~يأتيهم عذابنا نهارا { وهم يلعبون } يعني لاهون عنه ثم قال ~~تعالى: { أفأمنوا مكر الله } يعني عذاب الله { فلا ~~يأمن مكر الله } يعني عذاب الله { إلا القوم ~~الخسرون } أي: المغبونون بالعقوبة. ### || [7.100-116] # قوله تعالى: { أو لم يهد للذين يرثون الأرض } يعني ~~أو لم يبين. قال القتبي: أصل الهدى الإرشاد كقوله { عسى ربي أن ~~يهديني } يعني يرشدني. ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل ~~قوله: { أو لم يهد للذين } يعني أو لم يبين لهم ومنها إرشاد ~~بمعنى بالدعاء كقوله # ولكل قوم هاد # [الرعد: 7] يعني: نبيا يدعوهم وقوله: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73] أي: يدعون الخلق. وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني أو ~~لم نبين لهم الطريق ومن قرأ بالياء معناه أو لم يبين الله للذين يرثون ~~الأرض من بعد أهلها يعني: ينزلون الأرض { من بعد } هلاك { أهلها ~~} ويقول: أو نبين لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر ~~مبعودهم على نصرتهم { أن لو نشاء أصبنهم بذنوبهم } ~~يعني أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب ثم قال { ~~ونطبع على قلوبهم } يعني: نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة ~~عقوبة لهم { فهم لا يسمعون } الحق ولا يقبلون المواعظ ثم قال عز ~~وجل { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } أي: تلك ~~القرى التي أهلكنا أهلها نخبرك في القرآن من حديثها { ولقد ~~جاءتهم رسلهم بالبينت ms0565 } يعني بالعلامات الواضحة ~~والبراهين القاطعة التي لو اعتبروا بها لاهتدوا { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } يعني: إن أهل مكة لم يصدقوا ~~بما كذب به الأمم الخالية. وقال مجاهد فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما ~~كذبوا من قبل، وهذا مثل قوله تعالى: # ولو ردوا لعدوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28] وقال السدي فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل أي: يوم ~~الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق ~~وأقروا به وهو قوله: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار ويقال: فما ~~كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيء الرسل معناه: أن ~~مجيء الرسل لم ينفعهم { كذلك يطبع الله } يعني: هكذا يختم ~~الله تعالى { على قلوب الكفرين } مجازاة لكفرهم قوله تعالى: ~~{ وما وجدنا لأكثرهم من عهد } " من " زيادة للصلة ~~يعني: ما وجدنا لأكثرهم وفاء فيما أمروا به. يعني الذين كذبوا من الأمم ~~الخالية ويقال ما وجدنا لأكثرهم من عهد لأنهم أقروا يوم الميثاق ثم نقضوا ~~العهد حيث كفروا. ويقال: ما وجدنا لأكثرهم من عهد أي: قبول العهد الذي ~~عاهدوا على لسان الرسل ثم قال { وإن وجدنا أكثرهم ~~لفسقين } يعني وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد تاركين لما أمروا ~~به. قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم موسى } يعني أرسلنا ~~من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة ويقال ثم بعثنا من بعد هلاكهم ~~موسى وهو موسى بن عمران { بآيتنا } يعني: اليد البيضاء والعصا { ~~إلى فرعون } وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب وروي عن وهب بن ~~منبه أنه قال كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام ~~فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة وأنكر عليه ذلك عامة ~~المفسرين وقالوا هو كان غيره وكان جبارا ظهر بمصر واستولى عليها وأرسل ~~الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم ~~موسى بآيتنا إلى فرعون وملإيه } يعني جنوده ~~وأتباعه { فظلموا بها } يعني فجحدوا بالآيات ms0566 { فانظر كيف ~~كان عقبة المفسدين } يعني كيف صار آخر أمر المشركين وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون ففزع ~~منها فرعون فشاب رأسه فاستحيا فخضب بالسواد، فأول من خضب بالسواد فرعون، ~~قال ابن عباس كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى وكانت من آس الجنة ~~يضرب بها الأرض فتخرج النبات فلما دخل عليه مع هارون { وقال } له { ~~موسى يفرعون إني رسول من رب العلمين } إليك قال ~~له فرعون كذبت قال موسى { حقيق على أن لا أقول على الله ~~إلا الحق } قرأ نافع حقيق علي بالتشديد. # وقرأ الباقون بتخفيف على. فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول ~~أي: واجب أن أترك القول على الله إلا الحق. ومن قرأ بالتشديد معناه واجب ~~علي ترك القول على الله إلا الحق أي: لا أقول على الله إلا الحق فلما ~~كذبوه قال إني لا أقول بغير حجة وبرهان { قد جئتكم ببينة من ~~ربكم } يعني قد جئتكم بعلامة لنبوتي { فأرسل معى بني ~~إسرءيل } ولا تستعبدهم لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم ~~في الأعمال سخرة ف { قال } له فرعون { إن كنت جئت بآية } أي: ~~بعلامة لنبوتك { فأت بها إن كنت من الصدقين } بأنك رسول ~~الله { فألقى } موسى { عصه } يعني ألقى موسى عصاه من يده { ~~فإذا هى ثعبان مبين } وهي أعظم الحيات، ويقال الثعبان الحية ~~الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر ~~فرعون ففتحت فاها نحو فرعون وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره ~~وهرب منها وهرب الناس وصاحوا إلى موسى ونادى فرعون يا موسى خذها عني ~~فأخذها فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى ~~ومعنى قوله ثعبان مبين يعني: أنها حية تسعى لا لبس فيها فقال له فرعون هل ~~معك غير هذا؟ فقال: نعم { ونزع يده } يعني: أخرج يده، أخرجها من ~~جيبه كما قال في آية أخرى: # وأدخل يدك فى جيبك تخرج ms0567 بيضآء من غير سوء # [النمل: 12] يعني: من غير برص { فإذا هى بيضاء للنظرين ~~} يعني لها شعاع غلب على نور الشمس، ومعنى قوله للناظرين يعني يتعجب ~~ويتحير منها الناظرون. # ويقال إن البياض من غير برص لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص فأخبر أن ~~ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما ~~كانت { قال الملأ من قوم فرعون } يعني: الأشراف والرؤساء ~~قال مقاتل إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء # قال للملإ حوله إن هذا لسحر عليم # [الشعراء: 34] يعني حاذق بالسحر ثم قال لقومه { إن هذا ~~لسحر عليم } تصديقا لقوله { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم } بسحره يعني من أرض مصر فقال لهم فرعون { فماذا ~~تأمرون } يعني: أي فماذا تشيرون في أمره؟ ويقال إن بعضهم قال لبعض ~~فماذا تأمرون؟ أي: ماذا ترون في أمره { قالوا أرجه وأخاه } ~~يعني احبسهما ولا تقتلهما، وأصله في اللغة التأخير أي: أخر أمرهما حتى ~~تجتمع السحرة فيغلبوهما فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس ~~أنهما صادقان فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذ. فذلك قوله { ~~أرجه وأخاه وأرسل } أي ابعث { فى المدائن حشرين ~~} يعني الشرط يحشرون الناس إليك أي { يأتوك بكل سحر عليم ~~} أي حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهو بالهمزة والواو بعد الهاء. وقرأ ~~الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء. وقرأ أبو عمر وعاصم في ~~رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة ~~وهذه اللغات كلها مروية عن العرب وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر ~~والكسائي بكل سحار عليم على وجه المبالغة في السحر وقرأ الباقون بكل ~~ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء. قوله تعالى: { وجاء ~~السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا } يعني قالوا ~~لفرعون أتعطينا جعلا ومالا { إن كنا نحن الغلبين } لموسى ~~{ قال } لهم فرعون { نعم } لكم الجعل { وإنكم لمن ~~المقربين } يعني لكم المنزلة به سوى العطية، يعني إنكم تكونون أول ~~من ms0568 يدخل علي بالسلام. قرأ أبو عمرو آين لنا لأجرا بمد الألف. وقرأ ~~عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ~~ابن كثير ونافع إن لنا بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي أئن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوما، وأعلن ~~الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى: # قال موعدكم يوم الزينة # [طه: 59] أي: يوم عيد كان لهم ويقال يوم النيروز فلما اجتمعت السحرة { ~~قالوا يأ موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن ~~الملقين } يعني إما أن تطرح عصاك على الأرض وإما أن نكون نحن ~~الملقين قبلك { قال } لهم موسى { ألقوا فلما ألقوا } ~~يعني السحرة ألقوا الحبال والعصي { سحروا أعين الناس } أي ~~أخذوا أعينهم بالسحر { واسترهبوهم } يعني طلبوا رهبتهم حتى رهبهم ~~الناس. # قال الكلبي: كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلا - وقال ~~بعضهم كانوا اثنين وسبعين حبلا. وروى أسباط عن السدي قال قال ابن عباس ~~كانوا بضعا وثلاثين ألفا. وقال محمد بن إسحاق كانوا ألف رجل وخمسمائة ~~رجل ومع كل واحد منهم عصا. وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص ~~وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات لأن الزئبق لا يستقر في ~~مكان واحد. فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيها بالحيات فنظر موسى، فإذا ~~الوادي قد امتلأ بالحيات. فدخل فيه الخوف ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من ~~كثرة الحيات فذلك قوله " واسترهبوهم " يعني أفزعوهم وأخافوهم { وجآءو ~~بسحر عظيم } يعني بسحر تام ويقال وجاءوا بسحر عظيم يعني بقول عظيم ~~حيث قالوا # بعزة فرعون إنا لنحن الغلبون # [الشعراء: 44] ويقال وجاءوا بكذب عظيم حيث قالوا بعزة فرعون إنا لنحن ~~الغالبون. ### || [7.117-127] # قال الله تعالى: { وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك } ~~يعني اطرح عصاك إلى الأرض. فألقى عصاه من يده فصارت حية أعظم من جميع ~~حياتهم { فإذا هى تلقف ما يأفكون } يعني تلتقم وتأكل جميع ~~ما جاءوا به من الكذب والسحر. قرأ عاصم في رواية حفص " تلقف " بجزم ~~اللام والتخفيف وقرأ ms0569 الباقون بنصب اللام وتشديد القاف، ومعناهما واحد. ثم ~~إن الحية قصدت إلى فرعون فنادى موسى. فأخذها فإذا هي عصا على حالها، ~~فنظرت السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت { فوقع الحق } أي: ~~استبان الحق وظهر أنه ليس بسحر { وبطل ما كانوا يعملون } من ~~السحر، أي: ذهب وهلك واضمحل { فغلبوا هنالك } أي: وغلب موسى ~~السحرة عند ذلك { وانقلبوا صغرين } يعني: رجعوا ذليلين. قالوا ~~لو كان هذا سحرا فأين صارت حبالنا وعصينا؟ ولو كانت سحرا لبقيت حبالنا ~~وعصينا، وهذا من الله تعالى وليس بسحر فآمنوا بموسى، قوله تعالى: { ~~وألقي السحرة سجدين } يعني خروا ساجدين لله تعالى قال ~~الأخفش من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا ويقال وفقهم الله تعالى للسجود { ~~قالوا ءامنا برب العلمين } فقال لهم فرعون إياي تعنون؟ ~~فأراد أن يلبس على قومه فقالوا: { رب موسى وهرون } فقدم ~~فرعون لما سألهم لأن بعض الناس كانوا يظنون عند مقالتهم رب العالمين أنهم ~~أرادوا به فرعون، فلما سألهم فرعون وقالوا برب موسى وهارون ظهر عند جميع ~~الناس أنهم لم يريدوا به فرعون، وإنما أرادوا به الإيمان بموسى وبرب ~~العالمين { قال فرعون ءامنتم به } يعني: صدقتم بموسى { ~~قبل أن ءاذن لكم } يعني قبل أن آمركم بالإيمان بموسى. قرأ نافع ~~وأبو عمرو وابن عامر آمنتم وقرأ الباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ~~ويكون استفهاما. إلا عاصم في رواية حفص قرأ آمنتم بهمزة واحدة بغير مد ~~على وجه الخبر { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ~~} يعني صنعا صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في المدينة { لتخرجوا ~~منها أهلها } يعني إنكم أردتم أن تخرجوا الناس من مصر بسحركم، ثم ~~قال لهم { فسوف تعلمون } يعني تعلمون ماذا أفعل بكم { ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } يعني اليد ~~اليمنى والرجل اليسرى { ثم لأصلبنكم أجمعين } على شاطىء ~~نهر مصر { قالوا إنا إلى ربنا منقلبون } أي لا نبالي من ~~عقوبتك وفعلك فإن مرجعنا إلى الله تعالى يوم القيامة. # قال تعالى: { وما تنقم منا } يعني وما تعيب علينا وما تنكر منا ~~إلا إيماننا بالله تعالى. ويقال ms0570 وما نقمتك علينا ولم يكن منا ذنب { ~~إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا } يعني لما ظهر ~~عندنا أنه حق. ثم سألوا الله تعالى الصبر على ما يصيبهم لكي لا يرجعوا عن ~~دينهم فقالوا { ربنا أفرغ علينا صبرا } يعني أنزل علينا ~~صبرا عند القطع والصلب ومعناه ارزقنا الصبر وثبت قلوبنا حتى لا نرجع ~~كفارا { وتوفنا مسلمين } على دين موسى. # وروي عن عبيد الله بن عمير أنه قال كانت السحرة أول النهار كفارا فجرة ~~وآخر النهار شهداء بررة. وقال بعض الحكماء إن سحرة فرعون كانوا كفروا ~~خمسين سنة فغفر لهم بإقرار واحد وبسجدة فكيف بالذي أقر وسجد خمسين سنة ~~كيف لا يرجو رحمته ومغفرته. قوله تعالى { وقال الملأ من قوم ~~فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض } ~~يعني إن السحرة قد آمنوا به فلو تركتهما يؤمن بهما جميع أهل مصر فيفسدوا ~~في الأرض يعني موسى وقومه ويغيروا عليك دينك في أرض مصر { ويذرك ~~وءالهتك } وذلك أن فرعون كان قد جعل لقومه أصناما يعبدونها، وكان ~~يقول لهم هؤلاء أربابكم الصغار وأنا ربكم الأعلى. فذلك قوله تعالى: { ~~ويذرك وءالهتك } يعني يدعك ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها. # وروي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ " ويذرك وإلا هتك " ~~يعني عبادتك وتعبدك. قال ابن عباس كان فرعون يعبد ولا يعبد ويقال ~~معنى قوله { أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض } ~~يعني يغلبوا عليكم ويقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم كما فعلتم بهم كما ~~قال في آية أخرى # إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر فى ~~الأرض الفساد # [غافر: 26] فقال لهم فرعون { سنقتل أبناءهم ونستحيي ~~نساءهم } لأنهم قد كانوا تركوا قتل الأبناء فأمرهم أن يرجعوا إلى ~~ذلك الفعل. قرأ ابن كثير ونافع سنقتل أبناءهم بجزم القاف والتخفيف. ~~وقرأ الباقون بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة في القتل. ثم قال { ~~وإنا فوقهم قهرون } أي مسلطون: فشكت بنو إسرائيل إلى ~~موسى: ### || [7.128-131] # { قال موسى لقومه استعينوا بالله } يقال سلوا الله ~~التوفيق { واصبروا } يقال اصبروا على أذاهم حتى يأتيكم ms0571 الفرج { ~~إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } يقال أرض ~~مصر ينزلها من يشاء من عباده ويقال الجنة. # قرأ عاصم في رواية حفص يورثها بالتشديد. # وقرأ الباقون بالتخفيف وهما لغتان ورث وأورث بمعنى واحد. ثم قال { ~~والعقبة للمتقين } أي: الذين يعملون في طاعة الله تعالى ~~على نور من الله مخافة عقاب الله ورجاء ثواب الله تعالى، أي آخر الأمر ~~لهم. وروي في الخبر # " أن مسيلمة الكذاب كتب إلى النبي عليه السلام كتابا: من مسيلمة رسول ~~الله إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما بعد فإن الأرض بيني ~~وبينكم نصفان إلا أن العرب قوم يظلمون الناس فكتب إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: أما بعد فإن ~~الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " # قوله تعالى: { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا } يعني إن ~~قوم موسى قالوا لموسى إنهم قد عذبوا قبل أن تأتينا بالرسالة { ومن ~~بعد ما جئتنا } لأن قوم فرعون كانوا يكلفون بني إسرائيل من العمل ~~ما لا يطيقون وكان آل فرعون لا يعرفون شيئا من الأعمال. وكان بنو ~~إسرائيل حذاقا في الأشياء والأعمال. فكانوا يأمرونهم بالعمل ولا يعطونهم ~~الأجر، { فقال } لهم موسى { عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم } يعني فرعون وقومه { ويستخلفكم في الأرض } أي: ~~يجعلكم سكانا في أرض مصر. من بعد هلاكهم. يقال من بعد هلاك فرعون وقومه ~~{ فينظر كيف تعملون } يعني يبتليكم بالنعمة كما ابتلاكم ~~بالشدة فيظهر عملكم في حال اليسر والشدة لأنه قد وعد لهم بقوله تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص:5]. ويقال فينظر كيف تعملون من بعده. يعني من بعد انطلاق موسى ~~إلى الجبل، فعبدوا العجل. قوله تعالى: { ولقد أخذنا ءال ~~فرعون بالسنين } أي: بالجوع والقحط { ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون } أي: يتعظون ويؤمنون فلم ~~يتعظوا. قال الله تعالى { فإذا جاءتهم الحسنة } يقال الخير ~~والخصب والرخاء { قالوا لنا هذه } يعني: نحن أهل لهذه الحسنة ~~وأحق ms0572 بها { وإن تصبهم سيئة } يعني القحط والبلاء والشدة { ~~يطيروا بموسى ومن معه } وأصله يتطيروا فأدغمت التاء في ~~الطاء، كقوله يذكرون أي: يتشاءمون بموسى ومن معه على دينه قال الله ~~تعالى { ألا إنما طائرهم عند الله } يعني إن الذي أصابهم ~~من عند الله وبفعلهم، ويقال: إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في ~~الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } أنه من الله تعالى ولا يعلمون ما عليهم في الآخرة. ### || [7.132-137] # قوله تعالى: { وقالوا مهما تأتنا به من ءاية } يقول ~~متى ما تأتنا، ويقال كلما تأتينا، وروي عن الخليل أنه قال مهما تأتنا ~~أصلها الشرطية أدخلت معها ما الزائدة كقوله متى ما تأتني آتك، وما زائدة، ~~فكأنه قال ما تأتنا به. فأبدلوا الهاء من الألف وهكذا قال الزجاج { به ~~من ءاية } يعني بشيء من آية { لتسحرنا بها } يعني لتأخذ ~~أعيننا بها { فما نحن لك بمؤمنين } يعني بمصدقين بأنك مبعوث ~~رسول الله، فغضب موسى عند ذلك فدعا عليهم قال الله تعالى: { ~~فأرسلنا عليهم الطوفان } وهو المطر الدائم من السبت إلى ~~السبت حتى خربت بنيانهم وانقطعت السبل، وكادت أن تصير مصر بحرا واحدا. ~~فخافوا الغرق فاستغاثوا بموسى فأرسلوا إليه. اكشف عنا العذاب نؤمن بك ~~ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فكشف عنهم المطر، وأرسل الله عليهم ~~الريح فجففت الأرض فخرج من النبات شيء لم يروا مثله بمصر قط، قالوا هذا ~~الذي جزعنا منه خير لنا ولكنا لم نشعر به فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل ~~معك بني إسرائيل فنقضوا العهد وعصوا ربهم. فمكثوا شهرا فدعا عليهم موسى ~~فأرسل الله تعالى عليهم الجراد مثل الليل فكانوا لا يرون الأرض ولا ~~السماء من كثرتها فأكل كل شيء أنبتته الأرض فاستغاثوا بموسى # وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك # [الزخرف: 49] يعني يا أيها العالم سل لنا ربك ليكشف عنا العذاب ونؤمن بك ~~ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحا فاحتملت ~~الجراد وألقته في البحر. فلم يبق في ms0573 أرض مصر جرادة واحدة، فقال لهم فرعون ~~انظروا هل بقي شيء فنظروا فإذا هو قد بقي لهم بقية من كلئهم وزرعهم ما ~~يكفيهم عامهم ذلك، قالوا قد بقي لنا ما فيه بلغتنا هذه السنة. فقالوا يا ~~موسى لا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فمكثوا شهرا ثم دعا ~~عليهم فأرسل الله تعالى عليهم القمل، قال قتادة: القمل أولاد الجرادة ~~التي لا تطير، وهكذا قال السدي، وذكر عن أبي عبيدة أنه قال: القمل عند ~~العرب " الحمنان " وهو ضرب من القردان، فلم يبق من الأرض عود أخضر إلا ~~أكلته. فأتاهم منه مثل السيل على وجه الأرض فأكل كل شيء في أرض مصر من ~~نبات الأرض أو ثمر. فصاحوا إلى موسى واستغاثوا به وقالوا ادع لنا ربك هذه ~~المرة يكشف عنا العذاب ونحن نطيعك ونعطيك عهدا وموثقا لنؤمنن بك ~~ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فأرسل الله تعالى ريحا حارة ~~فأحرقته فلم يبق منه شيء وحملته الريح فألقته في البحر. فقال لهم موسى ~~أرسلوا معي بني إسرائيل. # فقالوا له قد ذهبت الأنزال كلها فأيش تفعل بعد هذا؟ فعلى أي شيء نؤمن بك ~~ونرسل معك بني إسرائيل. اذهب فما استطعت أن تضر بنا فافعل. فمكثوا شهرا ~~فدعا الله تعالى عليهم موسى فأرسل الله تعالى عليهم آية وهي الضفادع ~~فخرجوا من البحر مثل الليل الدامس فغشوا أهل مصر ودخلوا البيوت ووقفوا ~~على ثيابهم وسررهم وفرشهم، وكان الرجل منهم يستيقظ بالليل فيجد فراشه وقد ~~امتلأ من الضفادع (فكان الرجل يكلم صاحبه في الطريق يجعل فمه في أذنه ~~ليسمع كلامه من كثرة نعيق الضفادع) فضاق الأمر عليهم فصاحوا إلى موسى ~~فقالوا يا موسى لئن رفعت عنا هذه الضفادع لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل فدعا لهم موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الضفادع. فقال لهم موسى ~~أرسلوا معي بني إسرائيل فقالوا نعم أخرج بهم ولا تخرج معهم بشيء من ~~مواشيهم وأموالهم. فقال لهم موسى: إن الله أمرني أن أخرج بهم ولا أخلف من ms0574 ~~أموالهم ومواشيهم شيئا. فقالوا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني ~~إسرائيل. فمكثوا شهرا فدعا عليهم. فأرسل الله تعالى عليهم الدم فجرت ~~أنهارهم دماء فلم يكونوا يقدرون على الماء العذب ولا غيره، وبنو إسرائيل ~~في الماء العذب وكلما دخل رجل من آل فرعون ليستقي من أنهار بني إسرائيل ~~قلما دخل فيه صار الماء دما من بين يديه ومن خلفه. فركب فرعون وأشراف ~~أصحابه حتى أتوا أنهار بني إسرائيل فإذا هي عذبة صافية فجعل فرعون يدخل ~~الرجل منهم فإذا دخل واغترف صار الماء في يده دما فمكثوا كذلك سبعة أيام ~~لا يشربون إلا الدم فمات كثير منهم في ذلك فاستغاثوا بموسى فقال فرعون ~~قسم بإلهك يا موسى لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن بك ولنرسلن معك بني إسرائيل ~~فدعا موسى ربه فأذهب الله تعالى عنهم الدم وعذب ماؤهم وصفي. فعادوا إلى ~~كفرهم فذلك قوله تعالى { فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم ءايت ~~مفصلات } يعني متتابعات. قال الحسن وسعيد بن جبير وغيرهما قالوا ~~مما كانوا يعافون بين كل آيتين شهرا، فإذا جاءت الآية قامت عليهم سبعا ~~من السبت إلى السبت. وروي عن مجاهد أنه قال: الطوفان المطر الكثير. وقوله ~~آيات صارت نصبا للحال. وقوله تعالى: { فاستكبروا } يعني تعظموا ~~عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } يعني أقاموا على كفرهم. ~~قوله تعالى: { ولما وقع عليهم الرجز } يعني وجب عليهم ~~العذاب وحل بهم { قالوا يا موسى ادع لنا ربك } يعني سل لنا ~~ربك { بما عهد عندك } أي بما أمرك ربك أن تدعو الله ويقال بالعهد ~~الذي سأل ربك { لئن كشفت عنا الرجز } أي: رفعت عنا العذاب { ~~لنؤمنن لك } يعني لنصدقنك { ولنرسلن معك بني ~~إسرءيل } قال الله تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز } ~~يعني العذاب { إلى أجل هم بلغوه } يعني إلى وقت الغرق، ~~ويقال إلى بقية آجالهم { إذا هم ينكثون } يعني ينقضون العهد الذي ~~عاهدوا عليه مع موسى. # قال الله تعالى { فانتقمنا منهم فأغرقنهم في ~~اليم } يعني في البحر. بلسان العبرانية وذلك أن الله تعالى أمر موسى ms0575 ~~بأن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر ليلا. فاستعارت نسوة بني إسرائيل من ~~نساء آل فرعون حليهن وثيابهن وقلن إن لنا خروجا، فخرج موسى ببني إسرائيل ~~في أول الليل وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة وصبي، فذكر ذلك لفرعون فتهيأ ~~للخروج إليهم. فلما كان وقت الصبح ركب فرعون ومعه ألف ألف رجل ومئتا ألف ~~رجل فأدركهم حين طلعت الشمس، وانتهى موسى إلى البحر، فضرب البحر فانفلق ~~له اثنا عشر طريقا، وكانت بنو إسرائيل اثني عشر سبطا فعبر كل سبط في ~~طريق، وأقبل فرعون ومن معه حتى انتهوا إلى حيث عبر موسى. فدخلوا تلك ~~الطريق في طلبهم، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج أمر الله تعالى أن ~~ينطبق عليهم فغرقهم فذلك قوله تعالى: { فانتقمنا منهم ~~فأغرقنهم في اليم بأنهم كذبوا بآيتنا } ~~يعني الآيات التسع وهي اليد والعصا والسنون ونقص من الثمرات والطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات { وكانوا عنها ~~غفلين } يعني معرضين فلم يتفكروا ولم يعتبروا بها. حتى رجع موسى ~~ببني إسرائيل فسكنوا أرض مصر فذلك قوله { وأورثنا القوم } يعني ~~بني إسرائيل { الذين كانوا يستضعفون مشرق الأرض } ~~أي الأرض المقدسة { ومغربها } يعني الأردن وفلسطين. ويقال مشارق ~~الأرض يعني الشام. ومغاربها { التي باركنا فيها } يعني بالبركة، ~~الماء والثمار الكثيرة { وتمت كلمت ربك الحسنى } يقول ~~وجبت نصرة ربك بالإحسان { على بني إسرءيل } قال مجاهد هو ظهور ~~قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض. وقال مقاتل: يعني بالكلمة ~~التي ذكرها في سورة القصص # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص:5] وقال الكلبي: وتمت كلمة ربك يعني نعمة ربك الحسنى يعني أنهم ~~يجزون الحسنى الجنة { بما صبروا } ولم يدخلوا في دين فرعون. ويقال ~~وتمت كلمة ربك. أي: ما وعدهم الله من إهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض ثم ~~قال { ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه } يعني ~~أهلكنا ما كان يعمل فرعون وأبطلنا كيده ومكره { وما كانوا ~~يعرشون } يعني أهلكنا ما كانوا يبنون من البيوت والكروم. # وقرأ ms0576 ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يعرشون بضم الراء. # وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد. ### || [7.138-141] # قوله تعالى: { وجوزنا ببني إسرءيل البحر فأتوا ~~على قوم يعكفون على أصنام لهم } يقول مروا على قوم ~~يعني يعبدون الأصنام ويقومون على عبادتها، وكل من يلازم شيئا ويواظب ~~عليه يقال عكفه، ولهذا سمي الملازم للمسجد معتكفا. { قالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها } قال الجهال من بني إسرائيل لموسى ~~اجعل لنا إلها نعبده { كما لهم ءالهة } يعبدونها. { ~~قال } لهم موسى { إنكم قوم تجهلون } يعني تكلمتم بغير علم ~~وعقل وجهلتم الأمر قوله تعالى { إن هؤلاء متبر ما هم ~~فيه } يعني مهلك مفسد ما هم فيه من عبادة الأصنام { وبطل } يعني ~~ضلال { ما كانوا يعملون } والتبار الهلاك. كقوله تعالى # ولا تزد الظلمين إلا تبارا # [نوح: 28] أي هلاكا. ثم { قال } لهم { أغير الله أبغيكم ~~إلها } يعني أسوى الله آمركم أن تعبدوا وتتخذوا إلها { وهو ~~فضلكم على العلمين } يعني: على عالمي زمانكم يعني أنه قد ~~أحسن إليكم فلا تعرفون إحسانه وتطلبون عبادة غيره، وهم الذين كانوا ~~أجابوا السامري حين دعاهم إلى عبادة العجل بعد انطلاق موسى إلى الجبل. ثم ~~ذكر النعم فقال تعالى: { وإذ أنجينكم } (من آل فرعون يعني ~~اذكروا حين أنجاكم الله من آل فرعون وقرأ الباقون وإذا أنجيناكم). وقرأ ~~ابن عامر وإذ أنجاكم يعني اذكروا حين أنجاكم الله { من ءال ~~فرعون } وقرأ الباقون وإذ أنجيناكم. ومعناه مثل ذلك { ~~يسومونكم سوء العذاب } يعني: يعذبونكم بأشد العذاب { ~~يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم } يعني: يستخدمون ~~نساءكم { وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم } أي: الإنجاء ~~نعمة من ربكم عظيمة ويقال في قتل الأبناء واستخدام النساء بلية من ربكم ~~عظيمة. # قرأ نافع يقتلون أبناءكم بنصب الياء مع التخفيف. # وقرأ الباقون بضم الياء وكسر التاء مع التشديد (يقتلون) على معنى ~~التكثير. # وقرأ حمزة والكسائي " يعكفون " بكسر الكاف. وقرأ الباقون بالضم ~~(يعكفون). ### || [7.142-144] # قوله تعالى: { ووعدنا موسى ثلثين ليلة } قرأ أبو عمرو ~~ووعدنا بغير ألف. والباقون بالألف. ومعناهما واحد { ~~وأتممناها بعشر } يعني: ثلاثين من ذي ms0577 القعدة وعشر من ذي ~~الحجة. ويقال ثلاثين من ذي الحجة وعشر من المحرم، والمناجاة في يوم ~~عاشوراء، وكانت المواعدة ثلاثين يوما وأمر بأن يصوم ثلاثين يوما، فلما ~~صام ثلاثين يوما أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خرنوب وقيل بورقة موز. فقالت ~~له الملائكة كنا نجد من فيك ريح المسك فأفسدته بالسواك، فأمر بأن يصوم ~~عشرا أخر فصارت الجملة أربعين يوما كما قال في آية أخرى # وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة # [البقرة:51] يعني صارت في الجملة أربعين ولكن مرة ثلاثين يوما ومرة ~~عشرة { فتم ميقت ربه أربعين ليلة } يعني ميعاد ربه ~~أربعين ليلة يعني ميعاد ربه { وقال موسى لأخيه هرون ~~اخلفني } يعني: قال له قبل انطلاقه إلى الجبل اخلفني { في قومي } ~~أي: كن خليفتي على قومي { وأصلح } يعني: مرهم بالصلاح. ويقال وأصلح ~~بينهم ويقال ارفق لهم { ولا تتبع سبيل المفسدين } أي؛ ~~ولا تتبع سبيل أي: طريق العاصين ولا ترضى به واتبع سبيل المطيعين. وقال ~~بعض الحكماء من ها هنا ترك قومه عبادة الله وعبدوا العجل لأنه سلمهم إلى ~~هارون ولم يسلمهم إلى ربهم، ولهذا لم يستخلف النبي بعده وسلم أمر أمته ~~إلى الله تعالى فاختار الله لأمته أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فأصلح بينهم. قوله ~~تعالى { ولما جاء موسى لميقتنا } يعني: لميعادنا لتمام ~~أربعين يوما، ويقال لميقاتنا أي: للوقت الذي وقتنا له { وكلمه ~~ربه } فسمع موسى كلام الله تعالى بغير وحي فاشتاق إلى رؤيته { قال ~~رب أرني أنظر إليك } انظر صار جزما لأنه جواب الأمر { قال ~~} له ربه { لن تراني } يعني إنك لن تراني في الدنيا { ولكن ~~انظر إلى الجبل } يعني انظر إلى أعظم جبل بمدين { فإن ~~استقر مكانه فسوف تراني } يعني سوف تقدر أن تراني إن ~~استقر الجبل مكانه معناه: كما أن الجبل لا يستقر لرؤيتي فإنك لن تطيق ~~رؤيتي { فلما تجلى ربه للجبل } قال الضحاك. ألقى عليه ~~من نوره فاضطرب الجبل من هيبته. يعني من رهبة الله تعالى. ms0578 وقال القتبي ~~تجلى ربه للجبل. أي ظهر وأظهر من أمره ما شاء. يقال جلوت المرأة والسيف ~~إذا أبرزته من الصدأ وكشف عنه، وجلوت العروس إذا أبرزتها. فلما تجلى ربه ~~للجبل أي: جبل زبير { جعله دكا }. قرأ حمزة والكسائي جعله دكاء ~~بالهمز يعني جعله أرضا دكاء. وقرأ الباقون دكا بالتنوين يعني دكه ~~دكا قال بعضهم صار الجبل قطعا فصار على ثمان قطع فوقع ثلاث بمكة ~~وثلاث بالمدينة واثنان بالشام. # ويقال صار ستة فرق، ويقال صار أربع فرق، ويقال صار كله رملا عالجا، أي ~~لينا. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال جعله دكا أي ترابا وقال القتبي ~~جعله دكا أي ألصقه بالأرض ويقال ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام أي ~~ترابا. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لما سأل موسى النظر إلى ربه أمر ~~الله الضباب والصواعق والظلمات والرعد والبرق فهبطن حتى أحطن بالجبل، ~~وأمر الله تعالى ملائكة السموات فهبطوا وارتعدت فرائص موسى وتغير لونه. ~~فقال له جبريل: اصبر لما سألت ربك فإنما رأيت قليلا من كثير، فلما غشي ~~الجبل النور خمد كل شيء وانقطعت أصوات الملائكة وانهار الجبل من خشية ~~الله تعالى حتى صار دكا قوله تعالى { وخر موسى صعقا } قال ~~مقاتل يعني ميتا. كقوله عز وجل: { فصعق من في السموات } ~~يعني مات، ويقال وخر موسى صعقا أي: مغشيا عليه { فلما أفاق } من ~~غشيانه، قال مقاتل رد الله حياته إليه { قال سبحنك } أي تنزيها ~~لك { تبت إليك } من قولي { وأنا أول المؤمنين } روى ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: قد كان قبله من المؤمنين. ولكن يقول ~~أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة. وقال مقاتل أول ~~المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا. وقال القتبي أراد به في زمانه كقوله # وأني فضلتكم على العلمين # [البقرة: 47] ويقال معناه تبت إليك بأن لا أسألك بعد هذا سؤالا محالا ~~فاعترف أنه طلب شيئا في غير حينه وأوانه ووقته. # وقال الزجاج: قد قال موسى أرني أنظر إليك ms0579 يعني أرني أمرا عظيما لا يرى ~~مثله في الدنيا مما لا تحتمل عليه نفسي. { فلما تجلى ربه ~~للجبل } أي أمر ربه، قال وهذا خطأ ولكن لما سمع كلامه قال يا رب ~~إني سمعت كلامك وأحب أن أراك. قوله تعالى: { قال يا موسى إني ~~اصطفيتك على الناس برسلتي } يعني بنبوتي. قرأ ابن ~~كثير ونافع برسالتي. # وقرأ الباقون برسالاتي بلفظ الجماعة ومعناهما واحد. أي: اختصصتك ~~بالنبوة { وبكلمي } أي: بتكلمي معك من غير وحي { فخذ ما ~~ءاتيتك } أي: اعمل بما أعطيتك { وكن من الشكرين } لما ~~أعطيتك. وقال القتبي قوله وأنا أول المؤمنين أراد به في زمانه كقوله # وأني فضلتكم على العلمين # [البقرة: 47]. ### || [7.145-147] # قوله تعالى: { وكتبنا له في الألواح } روي عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أعطى الله تعالى موسى التوراة في ~~سبعة ألواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة. قال التوراة مكتوبة، ~~ويقال طول الألواح عشرة أذرع { من كل شيء موعظة } من الجهل ~~{ وتفصيلا لكل شيء } يعني تبيانا لكل شيء من الحلال ~~والحرام. # قال الفقيه - رحمه الله تعالى - حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا إسحاق ~~بن عبد الرحمن القاري قال حدثنا أبو بكر بن أبي العوام قال حدثنا أبي قال ~~حدثنا يحيى بن سابق عن خيثمة بن خليفة عن ربيعة عن أبي جعفر عن جابر بن ~~عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # " " كان فيما أعطى الله موسى في الألواح عشرة أبواب: يا موسى لا تشرك بي ~~شيئا فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار. واشكر لي ولوالديك ~~أقك المتالف وانسىء لك في عمرك وأحييك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها. ~~ولا تقتل النفس التي حرمتها إلا بالحق فتضيق عليك الأرض برحبها والسماء ~~بأقطارها وتبوء بسخطي ونار. ولا تحلف باسمي كاذبا فإني لا أطهر ولا أزكي ~~من لم ينزهني ولم يعظم أسمائي. ولا تحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ~~فإن الحاسد عدو لنعمتي راد لقضائي ساخط لقسمتي التي ms0580 أقسم بين عبادي. ولا ~~تشهد بما لم يقع بسمعك ويحفظ قلبك فإني لواقف أهل الشهادات على شهاداتهم ~~يوم القيامة ثم أسألهم عنها سؤالا حثيثا. ولا تزن ولا تسرق فأحجب عنك ~~وجهي وأغلق عنك أبواب السماء. وأحبب للناس ما تحب لنفسك. ولا تذك لغيري ~~فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان خالصا لوجهي وتفرغ ~~لي يوم السبت وجميع أهل بيتك ". فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله ~~تعالى جعل يوم السبت لموسى عيدا واختار لنا يوم الجمعة فجعلها لنا عيدا ~~" # قوله تعالى: { فخذها بقوة } يعني اعمل بما أمرك الله بجد ~~ومواظبة عليها { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } أي ~~يعملون بما فيها من الحلال والحرام. ويقال أمرهم بالخير وانههم عن الشر. ~~يعني اعملوا بالخير وامتنعوا عن الشر ويقال اعملوا بأحسن الوجوه. وهو أنه ~~لو يكافىء ظالمه وينتقم منه جاز، ولو تجاوز كان أحسن. وقال الكلبي: كان ~~موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به يعني أمر بأن ~~يعمل بالمواظبة وأمر قومه بأن يأخذوا بأحسن الفعل ثم قال: { ~~سأوريكم دار الفسقين } قال مقاتل: يعني: سنة أهل مصر. ~~يعني هلاكهم حين قذفهم البحر فأراهم سنة الفاسقين في التقديم ويقال جهنم ~~هي دار الكافرين، ويقال إذا سافروا أراهم منازل عاد وثمود، وقال مجاهد ~~مصيرهم في الآخر إلى النار قوله تعالى { سأصرف عن ءايتي ~~الذين يتكبرون } يعني أصرف قلوب الذين يتكبرون عن الإيمان حتى ~~لا يؤمنوا فأخذلهم بكفرهم ولا أوفقهم. # بتكذيبهم الأنبياء مجازاة لهم. ويقال أمنع قلوبهم من التفكر في أمر ~~الدين وفي خلق السموات والأرض الذين يتكبرون { فى الأرض بغير ~~الحق } يعني يتعظمون عن الإيمان لكي لا يتفكروا في السماء ولا يعقلون ~~فيها ولا يذكرونها. ويقال سأصرف عن النعماء التي أعطيتها المؤمنين يوم ~~القيامة، أصرف عنهم تلك النعمة، { ومنهم من يستمع إليك } ~~امتنعوا منها كي { لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد } يعني طريق الحق، الإسلام { لا يتخذوه سبيلا } يعني ~~لا يتخذوه دينا { وإن يروا سبيل الغى ms0581 } يعني طريق الضلالة ~~والكفر { يتخذوه سبيلا } أي: دينا ويتبعونه { ذلك ~~بأنهم كذبوا بآيتنا } قال مقاتل أي: بآياتنا التسع. ~~وقال الكلبي يعني بمحمد والقرآن { وكانوا عنها غفلين } ~~يعني: تاركين لها. # قرأ حمزة والكسائي سبيل الرشد } بنصب الراء والشين. # وقرأ الباقون الرشد بضم الراء وإسكان الشين. وهما لغتان ومعناهما ~~واحد. # ثم قال عز وجل: { والذين كذبوا بآيتنا } أي: بمحمد ~~والقرآن { ولقاء الآخرة } يعني: كذبوا بالبعث بعد الموت { حبطت ~~أعملهم } يعني: بطلت حسناتهم { هل يجزون } أي: هل يثابون ~~{ إلا ما كانوا يعملون } يعني: في الدنيا. ### || [7.148-151] # قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده } يعني من بعد ~~انطلاقه إلى الجبل. وذلك أن موسى عليه السلام لما وعد لقومه ثلاثين يوما ~~فتأخر عن ذلك، قال السامري لقوم موسى إنكم أخذتم الحلي من آل فرعون ~~فعاقبكم الله تعالى بتلك الخيانة ومنع الله عنا موسى. فاجمعوا الحلي الذي ~~أخذتم من آل فرعون حتى نحرقها فلعل الله تعالى يرد علينا موسى، فجمعوا ~~الحلي، وكان السامري صائغا فجعل الحلي في النار واتخذ { من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار } وقد كان رأى جبريل على فرس ~~الحياة. فكلما وضع الفرس حافره (ظهر النبات في موضع حافره) فأخذ كفا من ~~أثر حافره من التراب وألقى ذلك التراب في العجل فصار العجل من حليهم ~~عجلا جسدا. قال الزجاج: الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز. إنما معنى ~~الجسد معنى الجثة فقط وروي عن ابن عباس قال: صار عجلا له لحم ودم وله ~~خوار يعني صوت مثل صوت العجل ولم يسمع منه إلا صوت واحد. وقال بعضهم سمع ~~منه صوت ولم يسمع منه إلا مثل صوت العجل. وقال بعضهم جعله مشتبكا فدخل ~~فيه الريح فسمع منه صوت مثل صوت العجل، فقال لقومه هذا إلهكم وإله موسى ~~فاغتر به الجهال من بني إسرائيل وعبدوه قال الله تعالى { ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم } يعني لا يقدر على أن يكلمهم { ولا ~~يهديهم سبيلا } يعني لا يرشدهم طريقا { اتخذوه وكانوا ~~ظلمين } يعني: كافرين بعبادتهم إياه. # وقرأ حمزة والكسائي ms0582 من حليهم بكسر الحاء. وقرأ الباقون من حليهم ~~بضم الحاء. فمن قرأ بالكسر فهو اسم لما يحسن به من الذهب والفضة. # ومن قرأ بالضم فهو جمع الحلي، ويقال كلاهما جمع الحلي وأصله الضم ~~إلا أن من كسر فلاتباع الكسرة بالكسرة. قوله تعالى: { ولما سقط ~~في أيديهم } يعني: ندموا على ما صنعوا، يقال: سقط في يده إذا ندم ~~وأصله أن الإنسان إذا ندم جعل يده على رأسه { ورأوا أنهم قد ~~ضلوا } أي: علموا أنهم قد ضلوا عن الهدى { قالوا لئن لم ~~يرحمنا ربنا }. # قرأ حمزة والكسائي لئن لم ترحمنا بالتاء على معنى المخاطبة ~~ربنا بالنصب يعني يا ربنا. # وقرأ الباقون لئن لم يرحمنا ربنا بالياء وضم الباء على معنى الخبر { ~~ويغفر لنا } بعد التوبة. عطف على قوله لئن لم يرحمنا ربنا { ~~لنكونن من الخسرين } يعني من المغبونين. قوله تعالى: { ~~ولما رجع موسى إلى قومه } يعني: من الجبل { غضبن ~~أسفا } يعني حزينا. ويقال الأسف في اللغة شدة الغضب ومنه قوله تعالى: # فلمآ ءاسفونا انتقمنا منهم # [الزخرف: 55] ويقال أشد الحزن كقوله # يأسفا على يوسف # [يوسف: 84] { قال بئسما خلفتموني من بعدي } يعني بعبادة ~~العجل. # يعني بئسما فعلتم في غيبتي { أعجلتم أمر ربكم } يعني ~~استعجلتم ميعاد ربكم، ويقال أعصيتم أمر ربكم، ويقال: معناه أعجلتم بالفعل ~~الذي استوجبتم به عقوبة ربكم { وألقى الألواح } من يده. قال ~~الكلبي: انكسرت الألواح وصعد عامة الكلام الذي كان فيها من كلام الله ~~تعالى إلى السماء. وقال بعضهم هذا الكلام في ظاهره غير سديد. لأن الكلام ~~صفة والصفة لا تفارق الموصوف، فلا يجوز أن يقال الكلام يصعد ويذهب. ولكن ~~تأويله أن الألواح لما انكسرت ذهب أثر المكتوب منها. وهذا إذا كان غير ~~الأحكام، وأما الأحكام أيضا فلا يجوز أن تذهب عنه، وإنما أراد بذلك حجة ~~عليهم. وروي في الخبر أن الله تعالى أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل. قال ~~موسى يا رب من اتخذ لهم العجل؟ قال السامري. قال ومن جعل فيه الروح؟ قال ~~أنا. قال فأنت فتنت قومي. قال له ms0583 ربه تركتهم لمرادهم. وروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال # " ليس الخبر كالمعاينة " # لما أخبر الله تعالى بأن قومه قد عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما عاين ~~ألقى الألواح ثم قال { وأخذ برأس أخيه } يعني أخذ بشعر رأسه ~~ولحيته { يجره إليه قال ابن أم } (يعني قال له هارون: يا ~~ابن أمي لا تأخذ بلحيتي) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية ~~حفص: يا ابن أم بنصب الميم. وقرأ الباقون بالكسر. وهكذا في سورة طه. ~~فمن قرأ بالنصب جعله كاسم واحد، كأنه يقول يا ابن أماه. كما يقال يا ~~ويلتاه ويا حسرتاه ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الإضافة إلى نفسه وكان ~~موسى أخاه لأبيه وأمه ولكن ذكر الأم ليرفعه عليه { إن القوم ~~استضعفوني } يعني قهروني واستذلوني { وكادوا يقتلونني } ~~يعني: هموا بقتلي { فلا تشمت بى الأعداء } يعني: لا تفرح علي ~~أعدائي. يعني الشياطين ويقال أصحاب العجل { ولا تجعلني مع ~~القوم الظلمين } يعني لا تظنن أني رضيت بما فعلوا قال موسى { ~~رب اغفر لي } بما فعلت بأخي هارون، ويقال: لإلقاء الألواح { و } ~~اغفر { لأخي } ما كان منه من التقصير في تركهم على عبادة العجل { ~~وأدخلنا في رحمتك } يعني جنتك { وأنت أرحم ~~الرحمين } يعني: أنت أرحم بنا منا بأنفسنا. وقال الحسن: يعني أنت ~~أرحم بنا من الأبوين. ### || [7.152-155] # { إن الذين اتخذوا العجل } يعني: اتخذوا العجل إلها { ~~سينالهم غضب من ربهم } يعني: يصيبهم عذاب من ربهم { ~~وذلة في الحيوة الدنيا } وهو ما أمروا بقتل أنفسهم، ~~ويقال: هذا قول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم يعني يصيب أولادهم ~~ذلة في الحياة الدنيا وهي الجزية { وكذلك نجزي المفترين } ~~يعني: هكذا نعاقب المكذبين. ثم قال تعالى: { والذين عملوا ~~السيئات ثم تابوا من بعدها } يعني: رجعوا عن الشرك بالله ~~وعن السيئة { وءامنوا } يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى { إن ~~ربك من بعدها } من بعد التوبة ويقال: من بعد السيئات { ~~لغفور رحيم } يعني " لغفور " لذنوبهم " رحيم " بهم بعد التوبة. ~~ثم رجع إلى قصة موسى ms0584 عليه السلام وهو قوله تعالى: { ولما سكت عن ~~موسى الغضب } أخذ الألواح يعني: لما سكت عن موسى الغضب ويقال: ~~ولما سكت موسى عن الغضب { أخذ الألواح وفي نسختها } يعني ~~في بقيتها، فنسخت له الألواح وأعيدت له في اللوحتين مكان التي انكسرت { ~~هدى ورحمة } يعني: فيما بقي منها بيانا من الضلالة ورحمة من ~~العذاب { للذين هم لربهم يرهبون } يعني: يخافون الله ~~ويعملون له بالغيب. ويقال وفي نسختها يعني في كتابها هدى من الضلالة ~~ورحمة من العذاب للذين يخشون ربهم. # قوله تعالى: { واختار موسى قومه } أي: من قومه { سبعين ~~رجلا لميقتنا } يعني للميقات الذي وقتنا له { فلما ~~أخذتهم الرجفة } يعني الزلزلة تزلزل الجبل بهم فماتوا { قال ~~} موسى { رب لو شئت أهلكتهم من قبل } يعني من قبل أن ~~يصحبوني { وإيى } بقتل القبطي { أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا } قال الكلبي ظن موسى أنه إنما أهلكهم باتخاذ بني ~~إسرائيل العجل. # وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: انطلق موسى وهارون ومعهما شير ~~وشبير وهما ابنا هارون حتى انتهوا إلى جبل وفيه سرير فنام عليه هارون ~~فقبض. فرجع موسى إلى قومه فقالوا له أنت قتلته حسدا على خلقه ولينه. قال ~~كيف أقتله ومعي ابناه؟ فاختاروا من شئتم فاختاروا سبعين فانتهوا إليه ~~فقالوا له من قتلك يا هارون قال ما قتلني أحد ولكن توفاني الله تعالى: ~~فأخذتهم الرجفة فماتوا كلهم فقال موسى رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما انطلق موسى إلى الجبل أمر ~~بأن يختار سبعين رجلا من قومه، فاختار من كل سبط ستة رجال فبغلوا اثنين ~~وسبعين، فقال موسى إني أمرت بسبعين فليرجع اثنان ولهما أجر من حضر. فرجع ~~يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا. فذهب موسى مع السبعين إلى الجبل. فلما رجع ~~إليهم موسى من المناجاة قالوا له إنك قد لقيت ربك فأرنا الله جهرة حتى ~~نراه كما رأيته، فجاءتهم نار فأحرقتهم فماتوا. # فقال موسى: حين أماتهم الله تعالى " رب لو شئت أهلكتهم ms0585 من قبل " هذا ~~اليوم وإياي معهم أتهلكنا بما فعل السفهاء منا يعني أتوقعني في ملامة بني ~~إسرائيل وتعييرهم بفعل هؤلاء السفهاء، ثم أحياهم الله تعالى. # وروى أسباط عن السدي قال إن موسى انطلق بسبعين من بني إسرائيل يعتذرون ~~إلى ربهم عن عبادة العجل. وذكر نحو حديث عبد الله بن عباس. ثم قال { إن ~~هى إلا فتنتك } يعني بليتك وعذابك. ويقال يعني عبادة العجل ~~بليتك حيث جعلت الروح فيه { تضل بها } أي: بالفتنة { من تشاء ~~وتهدي من تشاء } من الفتنة { أنت ولينا } أي حافظنا ~~وناصرنا { فاغفر لنا } يعني ذنوبنا { وارحمنا } يعني ولا ~~تعذبنا. { وأنت خير الغفرين } يعني: المتجاوزين عن الذنوب. ### || [7.156-157] # قوله تعالى: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } ~~يعني: اقض لنا وأعطنا في الدنيا العلم والعبادة والنصرة والرزق الحسن ~~الحلال { وفي الآخرة } يعني وأعطنا في الآخرة حسنة. وهي الجنة { ~~إنا هدنا إليك } يعني: تبنا إليك وأقبلنا إليك. هكذا قال ~~عكرمة ومجاهد وعطاء وقتادة. وأصله في اللغة الرجوع من الشيء إلى الشيء { ~~قال عذابي أصيب به من أشاء } يعني هذا عذابي أخص به من ~~أشاء من العباد من كان أهلا لذلك { ورحمتي وسعت كل شيء } ~~إن رحمتهم ويقال: إن الزلزلة والرجفة كانتا عذابي وأنا أنزلتها وأنا ~~أصيب بالعذاب من أشاء، وما سألت من الغفران فمن رحمتي، ورحمتي وسعت كل ~~شيء من كان أهلا لها ويقال لكل شيء حظ من رحمتي. وروى عبد الرزاق عن ~~معمر عن الزهري عن قتادة والحسن قالا: ورحمتي التي وسعت كل شيء يعني: ~~وسعت في الدنيا البر والفاجر، وفي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة. ويقال ~~لما نزلت هذه الآية ورحمتي وسعت كل شيء تطاول إبليس وقال أنا من تلك ~~الأشياء، فأكذبه الله تعالى وآيسه فأنزل قوله { فسأكتبها ~~للذين يتقون } يعني فسأقضيها وسأوجهها للذين يتقون الشرك { ~~ويؤتون الزكوة والذين هم بآيتنا يؤمنون } ~~فقالت اليهود والنصارى نحن آمنا بالآيات وهي التوراة والإنجيل ونعطي ~~الزكاة فهذه الرحمة لنا. فأكذبهم الله تعالى وأنزل { الذين ~~يتبعون الرسول النبي الأمى } الآية. ويقال ورحمتي ms0586 ~~وسعت كل شيء يعني: طمع كل قوم برحمتي وأنا أوجبتها للمؤمنين. وهم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذين يتقون الشرك ويؤتون الزكاة، والذين هم ~~بآياتنا يؤمنون. يعني: يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن قوله ~~تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم الذي لا يكتب ولا يقرأ الكتب. قال ~~الزجاج: الأمي الذي هو على خلقة أمه لم يتعلم الكتابة وهو على ~~جبلته، ويقال إنما سمي محمد صلى الله عليه وسلم أميا لأنه كان من أم ~~القرى وهي مكة ثم قال { الذي يجدونه مكتوبا عندهم } يعني ~~يجدون نعته وصفته { فى التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف } يعني شرائع الإسلام بالتوحيد يرخص لهم الحلالات من ~~الشحوم واللحوم وأشباهها { ويحرم عليهم الخبئث } يعني: ~~ويبين لهم الحرام، الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر { ويضع عنهم ~~إصرهم } يعني: ثقلهم من العهود. # قرأ ابن عامر آصارهم على معنى الجماعة. وأصل الإصر الثقل فسمي العهد ~~إصرا لأن حفظ العهد يكون ثقيلا، ويقال: يعني: الأمور التي كانت عليهم ~~في الشرائع، ويقال هو ما عهد عليهم من تحريم الطيبات، ثم قال { ~~والأغلل التي كانت عليهم } وهي كناية عن أمور شديدة. ~~لأن في الشريعة الأولى كان الواحد منهم إذا أصابه البول في ثوبه وجب ~~قطعه. وكان عليهم ألا يعملوا في السبت وغير ذلك من الأعمال الشديدة فوضع ~~عنهم ذلك ثم قال { فالذين ءامنوا به } يعني صدقوه وأقروا ~~بنبوته { وعزروه } يعني عظموه وشرفوه. ويقال أعانوه { ونصروه ~~} بالسيف { واتبعوا النور } يعني القرآن { الذي أنزل ~~معه أولئك } يعني أهل هذه الصفة { هم المفلحون } أي: ~~والناجون في الآخرة وهم في الرحمة التي قال الله تعالى: # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156]. ### || [7.158-162] # قوله: { قل يا أيها الناس } يعني يا أهل مكة ويقال: هو لجميع ~~الناس { إني رسول الله إليكم جميعا } ويقال: إنه أول ~~نداء نادى به في مكة بهذه الآية، وكان من قبل يدعو واحدا واحدا. فلما ~~نزلت هذه الآية أظهر ونادى في الناس يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا ms0587 من ذلك الرب { الذي له ملكالسموات والأرض لا ~~إله إلا هو } يعني: لا خالق ولا رازق في السماء ولا في الأرض ~~إلا هو { يحيي ويميت } يعني: يحيي الأموات للبعث ويميت الأحياء ~~في الدنيا ويحيي للبعث ثانيا. ويقال يحيي يعني: يخلق الخلق من النطفة ~~ويميتهم عند انقضاء آجالهم. { فآمنوا بالله ورسوله ~~النبي الأمي الذي يؤمن بالله } يعني يصدق بالله { ~~وكلمته } يعني: القرآن. قال السدي: وكلمته يعني صدق بأن ~~عيسى صار مخلوقا بكلمة الله { واتبعوه } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { لعلكم تهتدون } من الضلالة. قوله { ومن قوم ~~موسى أمة يهدون بالحق } يعني جماعة يدعون إلى الحق { ~~وبه يعدلون } يعني وبالحق يعملون. وقال بعضهم يعني به مؤمني أهل ~~الكتاب. وهم عبد الله بن سلام وأصحابه. وهذا كما قال في آية أخرى: # من أهل الكتب أمة قآئمة يتلون ءايت ~~الله # [آل عمران: 113] الآية وقال بعضهم هم قوم من وراء الصين " من أمة موسى " ~~ما وراء رمل عالج. # وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به إلى البيت المقدس ومعه ~~جبريل. فرفعه إليهم وكلمهم وكلموه فقال لهم جبريل هل تعرفون من تكلمون؟ ~~قالوا لا. قال فإن هذا محمد النبي الأمي. قالوا يا جبريل وقد بعثه الله ~~تعالى؟ قال: نعم. فآمنوا به وصدقوه وقالوا يا رسول الله إن موسى بن عمران ~~أوصى إلينا أن من أدرك ذلك النبي منكم فليقرأ عليه السلام مني ومنكم ورد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على موسى ورد عليهم السلام. ثم قال لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لي أرى بيوتكم مستوية؟ قالوا: لأنا ~~قوم لا يبغي بعضنا على بعض، قال فمالي لا أرى عليها أبوابا؟ قالوا: إنا ~~لا يضر بعضنا بعضا. قال فمالي لا أراكم تضحكون؟ قالوا ما ضحكنا قط لأن ~~الله تعالى أخبرنا في كتابه أن جهنم عرضها ما بين الخافقين. وقعرها الأرض ~~السفلى. وقد أقسم الله تعالى ليملأنها من الجنة والناس أجمعين. قال: فهل ~~تبكون على ms0588 الميت؟ قالوا يا رسول الله كيف نبكي على الميت وكلنا ميتون. ~~وهو سبيل لا بد منه. والله أعطانا والله أخذ منا. قال فهل تمرضون؟ قالوا: ~~يا رسول الله إنما يمرض أهل الذنوب والخطايا فأما نحن فمعصومون بدعاء نبي ~~الله موسى عليه السلام. قال فكيف تموتون إذا لم تمرضوا؟ قالوا: إذا ~~استوفى أحدنا رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه فندفنه حيث يموت قال فهل ~~تحزنون إذا ولد لأحدكم جارية قالوا يا رسول الله لا ولكنا نصوم لله تعالى ~~شهرا شكرا فإذا ولد لأحدنا غلام نصوم لله شهرين شكرا لله تعالى. قال ~~فهل فيكم حيات وعقارب؟ قالوا نعم قال كيف تصنعون بهن قالوا: يا رسول الله ~~نمشي عليهن ويمشين علينا ولا نؤذيهن ولا تؤذينا آمنات منا ونحن آمنون ~~منهن. قال فهل لكم ماشية؟ قالوا نعم نجز أصوافها فنتخذ منه الأفنية ~~والأكسية ونأكل من لحومهن الكفاف وكل أهل القرية فيها شرع أي سواء ليس ~~أحد أحق به منا. قال فهل تزنون أو يوزن عليكم؟ قالوا: لا نزن ولا يوزن ~~علينا ولا نكيل ولا يكال علينا ولا نشتري ولا نبيع. قال فمن أين تأكلون؟ ~~قالوا: يا رسول الله نخرج فنزرع ويرسل الله تعالى السماء علينا فينبته ثم ~~نخرج إليه فنحصده ونضعه في أماكن من القرية، فيأخذ أهل القرية منها ~~الكفاف ويدعون ما سواه. قال فهل تجامعون النساء؟ قالوا نعم يا رسول الله ~~لنا بيوت مظلمة وثياب معلومة فإذا أردنا المجامعة لبسنا ثيابنا تلك ~~ودخلنا تلك البيوت لا يرى الرجل عورة امرأته ولا المرأة عورة زوجها. قال: ~~فهل فيكم زنا؟ قالوا يا رسول الله لا فإن فعل ذلك أحد منا لظننا أن الله ~~تعالى يبعث عليه نارا فيحرقه أو يخسف به الأرض. ولكن إذا كان للرجل منا ~~ابنة طلبها منه رجل فيزوجه إياها إرادة الأجر والعفة. قال فهل تكنزون ~~الذهب والفضة؟ قالوا لا يا رسول الله إنما يكنز الذهب والفضة من لا يثق ~~بالله ومن يرى أن الله تعالى لم يتكفل له برزقه، فأما نحن ms0589 فلا نكنز الذهب ~~والفضة " # فأقرأهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سور من القرآن أنزلت ~~بمكة، ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فعلمهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأمرهم بالصلاة والزكاة ورجع من ليلته وقال قتادة: # " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله { ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } قال قد أعطيتم مثلها " # { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~}. يعني في هذه الأمة ثم قال { وقطعنهم } يعني: بني إسرائيل ~~فرقناهم { اثنتي عشرة أسباطا أمما } يعني جماعة، والأسباط ~~جمع. والسبط في بني إسرائيل مثل القبيلة عند العرب. { وأوحينا ~~إلى موسى } يعني في التيه { إذ استسقه قومه } إلى قوله ~~{ رجزا من السماء بما كانوا يظلمون } كل ذلك مذكور في ~~سورة البقرة. قرأ أبو عمرو نغفر لكم بالنون خطاياكم وقرأ ابن ~~عامر تغفر لكم بالتاء والضم خطيئتكم بالرفع وبلفظ الواحد. ~~وقرأ نافع نغفر لكم بالتاء والضم. خطيئاتكم بلفظ الجماعة. وقرأ ~~الباقون نغفر لكم بالنون خطيئاتكم بلفظ الجماعة. ### || [7.163-170] # قوله تعالى: { وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر } واسمها أيلة. وذلك أن اليهود قالوا نحن من أبناء إبراهيم - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل. فقال ~~الله تعالى واسألهم عن القرية يعني أهل القرية التي كانت حاضرة البحر كيف ~~عذبهم الله تعالى بذنوبهم. ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: { إذ ~~يعدون في السبت } يعني أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت، ويقال: ~~يعتدون في يوم السبت، وأصل الاعتداء هو الظلم، يقال عدوت على فلان إذا ~~ظلمته واعتديت عليه. ثم قال: { إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا } يعني يوم استراحتهم شوارع في الماء. وهو جمع ~~الشارع { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } يعني إذا لم يكن ~~يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم وإنما تم الكلام عند قوله تأتيهم ثم ~~ابتدأ فقال { كذلك نبلوهم } يعني: هكذا نختبرهم. وقال بعضهم ~~إنما يتم الكلام عند قوله: ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك يعني لا ~~تأتيهم كما تأتيهم ms0590 يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من ~~أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل ولا يأتيهم كما ~~يأتيهم في يوم السبت ثم ابتداء الكلام فقال { كذلك نبلوهم بما ~~كانوا يفسقون } يعني نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى ثم قال ~~عز وجل: { وإذ قالت أمة منهم } أي: عصبة وجماعة منهم. وهي ~~الظلمة، للأمة الواعظة { لم تعظون قوما الله مهلكهم } ~~لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان وخوفوهم. فرد عليهم الظلمة لم ~~تعظون قوما الله مهلكهم { أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم }. قرأ عاصم في إحدى ~~الروايتين معذرة بالنصب. يعني: نعتذر إلى ربكم معذرة. وقرأ الباقون ~~معذرة بالضم يعني هي معذرة، يعني لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون ~~معذورين عند الله تعالى { ولعلهم يتقون } يعني لعلهم ينتهون ~~{ فلما نسوا ما ذكروا به } يعني تركوا ما وعظوا به { ~~أنجينا } من العذاب { الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا الذين ظلموا } يعني عذبنا الذين تركوا أمر الله { ~~بعذاب بئيس } يعني شديد { بما كانوا يفسقون } يعني ~~يعصون ويتركون أمر الله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان القوم ~~ثلاثة فرق. فرقة كانوا يصطادون وفرقة كانوا ينهون وفرقة لم ينهوا ولم ~~يستحلوا وقالوا للواعظة: لم تعظون قوما الله مهلكهم. وروى أبو بكر ~~الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه ~~حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت ما يبكيك؟ قال تبكيني هذه السورة وهو يقرأ ~~سورة الأعراف. وقال هل تعرف أيلة؟ قلت نعم. قال إن الله تعالى أسكنها ~~حيا من اليهود وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في ~~سائر الأيام، فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان، فإذا ذهب السبت ~~غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها، ~~فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها، فصيدوها يوم ~~السبت وكلوها في سائر الأيام. # وقال الآخرون بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها، وكانوا ~~ثلاث فرق، فرقة على ms0591 أيمانهم وفرقة على شمائلهم وفرقة على وسطهم، فقالت ~~الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت وجعلت تقول الله يحذركم بأس ~~الله، وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها وكفت ألسنتها، وأما الوسطى فوثبت ~~على السمك تأخذه، وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها وألسنتها ولم ~~تتكلم تقول: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا. فقال ~~الذين ينهون معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون فدخل الذين أصابوا السمك إلى ~~المدينة وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم، فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا ~~المدينة فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد فقالوا لعل الله خسف بهم أو ~~رموا من السماء بحجارة. فارفعوا رجلا ينظر، فجعلوا رجلا على سلم فأشرف ~~عليهم فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غير الله تعالى صورهم بصنيعهم ~~فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب ودخلوا منازلهم ~~فجعلوا لا يعرفون أنسابهم ويقولون لهم ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ~~ونوصيكم؟ فيشيرون برؤوسهم بلى. ودموعهم تسيل على خدودهم فأخبر الله تعالى ~~(أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأخذ الذين ظلموا) قوله { أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس }. ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا. وقال ~~عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأهلك الفريقين ~~الآخرين فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام. وروي في رواية أخرى أنهم ~~كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر ويسيلون الماء فيها يوم السبت ~~من البحر حتى يدخل فيها السمك (ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه ~~في يوم الأحد فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت) من البحر، ~~وقالوا إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا، فنهاهم الصلحاء فلم ~~يمتنعوا فضربوا حائطا بينهم وصارت الواعظة في ناحية والذين استحلوا في ~~ناحية والحائط بين الفريقين، فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب ~~الذي بينهما فارتقى واحد منهم الحائط فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة، وقال ~~بعضهم كان القوم أربعة أصناف، صنف يأخذون وصنف ms0592 يرضون وصنف ينهون وصنف ~~يسكتون. فنجا صنفان وهلك صنفان، قال بعضهم كانوا صنفين: صنف يأخذون وصنف ~~ينهون. وروى قتادة عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كانوا ثلاث فرق فهلك ~~الثاني ونجا الثالث والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة. # قرأ نافع بعذاب بيس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر بعذاب بيأس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة. وقرأ ~~الباقون بعذاب بئيس بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة ~~المعروفة. والأولى لغة لبعض العرب. ثم قال: { فلما عتوا عما ~~نهوا عنه } يعني تركوا ما وعظوا به { قلنا لهم كونوا ~~قردة خسئين } يعني صاغرين مبعدين عن رحمة الله. قوله تعالى: { ~~وإذ تأذن ربك } يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم، وكل شيء في ~~القرآن تأذن فهو إعلام، ومعناه قال { ليبعثن } أي ليسلطن { ~~عليهم إلى يوم القيمة } أي: على بني إسرائيل والذين لا ~~يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { من يسومهم سوء العذاب ~~} يعني يعذبهم بالجزية والقتل { إن ربك لسريع العقاب } ~~إذا عاقب من أصر على كفره { وإنه لغفور } لمن تاب من الشرك { ~~رحيم } بعد ذلك، ثم قال { وقطعنهم } أي: فرقناهم { في ~~الأرض أمما } أي: فرقا { منهم الصلحون } أي المؤمنون ~~وهم مؤمنو أهل الكتاب. ويقال هم الذين وراء رمل عالج { ومنهم دون ~~ذلك } وهم الكفار منهم { وبلونهم بالحسنت ~~والسيئات } يعني اختبرناهم بالخصب والجدوبة { لعلهم ~~يرجعون } من الكفر إلى الإيمان ثم قال { فخلف من بعدهم ~~خلف } يعني بعد بني إسرائيل خلف السوء { ورثوا الكتب } يعني ~~التوراة { يأخذون عرض هذا الأدنى } يقول: يستحلون أخذ ~~الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم { ويقولون سيغفر ~~لنا } قال مجاهد يعني: يأخذون ما يجدون حلالا أو حراما ويتمنون ~~المغفرة { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } أي: وإن ~~يجدوا مثله من العرض يأخذوه ويقال: معناه: إنهم يصرون على الذنوب وأكل ~~الحرام فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه ~~ويقال يطلبون بعلمها الدنيا ويقال يأخذون عرض هذا الأدنى ms0593 ويقولون سيغفر ~~لنا هذه المرة وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. ويقولن مثل ذلك: أي سيغفر لنا ~~لأنا لا نشرك بالله شيئا. وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى. ~~يقول يعملون بالذنوب ويقولون سيغفر لنا. ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار ~~وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه يعني ~~الذنوب. قال الله تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتب } يعني ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة { أن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق } أي إلا الصدق { ودرسوا ~~ما فيه } أي قرءوا ما فيه: { والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون } أي: يتقون الشرك ويحلون حلاله ويحرمون حرامه { أفلا ~~تعقلون } أن الآخرة خير من الدنيا ويقال أفلا يعقلون ما يدرسون من ~~الكتاب ويقال: أفلا يعقلون أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة ~~المغفورين. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أفلا تعقلون ~~بالتاء على وجه المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة. قوله ~~تعالى: { والذين يمسكون بالكتب } يعني يعملون بالتوراة ~~ولا يغيرونها عن مواضعها { وأقاموا الصلاة } يعني أتموا الصلاة ~~المفروضة { إنا لا نضيع أجر المصلحين } يعني عمل ~~الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. قرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر يمسكون بالتخفيف. وقرأ الباقون يمسكون بالتشديد على معنى ~~المبالغة. ### || [7.171-174] # ثم قال تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم } يقول قلعنا ~~ورفعنا الجبل فوقهم { كأنه ظلة } أي: كهيئة الغمام { وظنوا ~~أنه واقع بهم } أي: أنه يعني أيقنوا الجبل واقع بهم { خذوا ~~ما ءاتينكم بقوة } أي: قيل لهم اعملوا بما أعطيناكم من ~~التوراة بقوة أي: بجد ومواظبة { واذكروا ما فيه } أي: اعملوا ما ~~فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي { لعلكم تتقون } المعاصي ~~وذلك حين أبوا أن يقبلوا التوراة. فرفع الجبل فوقهم فقبلوا وقوله تعالى: ~~{ وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم } أي: اذكر يا ~~محمد إذا أخذ ربك ويقال معناه وقد أخذ ربك من بني آدم، من ظهور بني آدم { ~~ذريتهم } يعني: أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم وقال بعضهم ms0594 يعني ~~الذرية التي تخرج وقتا بعد وقت إلى يوم القيامة { وأشهدهم على ~~أنفسهم } فقال لهم { ألست بربكم قالوا بلى } يعني ~~إن كل بالغ تشهد له خلقته بأن الله تعالى واحد { شهدنا } يعني قال ~~الله تعالى شهدنا { أن تقولوا } أي لكيلا تقولوا، ويقال هذا كراهة ~~أن يقولوا: { يوم القيمة إنا كنا عن هذا ~~غفلين }. وروي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن ~~الله مسح على ظهر آدم فأخرج ذريته من صلبه كهيئة الذر، من هو مولود إلى ~~يوم القيامة فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى، شهدنا بأنك ربنا، قال بعضهم ~~هذا التفسير لا يصح. وطعنوا فيه من وجوه. أحدها أن الرواية لم تصح لأنها ~~رواية أبي صالح. وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته لأنه روي عن الشعبي ~~أنه كان يمر بأبي صالح ويفرك أذنه ويقول له إنك لم تحسن أن تقرأ القرآن ~~فكيف تفسره بالرأي، قالوا ولأن هذا غير محتمل في اللغة لأنه قال من ~~ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم، قالوا ولأنه لا يجوز من الحكيم أن يخاطب الذر ~~وإنما يجوز خطاب من هو عاقل، ومن كان مثل الذر كيف يجوز خطابه، قالوا ~~ولأنه لا يجوز أن تكون حجة الله بشيء لم يذكر وإنما تكون الحجة بشيء يكون ~~الإنسان ذاكرا له، قالوا ولأن الله تعالى قال # ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين # [غافر: 11] ولم يقل أحييتنا ثلاث مرات. ولكن الجواب أن يقال إن الرواية ~~صحيحة لأن الآثار قد جاءت عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ~~لا يجوز دفعه، فمن ذلك ما حدثنا الخليل بن أحمد. قال حدثنا الماسرخسي قال ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم وهو ابن علية عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما... في قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم. # قال مسح الله تعالى ظهر آدم فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ~~فأخذ ميثاقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ms0595 قالوا بلى. قال حدثنا الشيخ ~~الرئيس أبو طاهر محمد بن داود قال حدثنا محمد بن أحمد باستراباذ قال ~~حدثنا أحمد بن زكريا قال حدثنا عبد السلام بن صالح عن جعفر بن سليمان عن ~~أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال حججنا مع عمر في أول خلافته ~~فوقف على الحجر ثم قال: أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا ~~أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلك ما قبلتك. فقال له ~~علي رضي الله عنه لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنه يضر وينفع بإذن ~~الله. ولو أنك قرأت القرآن وعلمت ما فيه ما أنكرت علي ما قلت. قال الله ~~تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ ~~قالوا بلى } فلما أقروا بالعبودية على أنفسهم كتب إقرارهم في رق ثم ~~دعا هذا الحجر، فقال له افتح قال فألقمه. ذلك الرق، فهو أمين الله في هذا ~~المكان يشهد لمن استلمه ووافاه يوم القيامة. فقال له عمر رضي الله عنه ~~لقد جعل الله بين ظهرانيكم من العلم غير قليل. وروى ربيع بن أنس. عن أبن ~~العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ~~ءادم } الآية قال جمعهم جميعا فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم ثم ~~قال ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا بأنك ربنا. قال فإني أرسل إليكم رسلي ~~وأنزل عليكم كتبي فلا تكذبوا رسلي وصدقوا وعدي وأخذ عهدهم وميثاقهم فنظر ~~إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال آدم رب لو ~~شئت سويت بين عبادك فقال إني أحببت أن أشكر قال والأنبياء يومئذ مثل ~~السرج. فأخذ عليهم ميثاق الرسالة أن يبلغوها فهو قوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم.. # [الأحزاب: 7] الآية. قال الفقيه أخبرني الثقة بإسناده عن مالك بن أنس عن ~~زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن ~~مسلم بن يسار أن عمر بن ms0596 الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال عمر ~~رضي الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن هذه ~~الآية فقال # " إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء ~~للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح على ظهره فاستخرج منه ذرية فقال ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله ففيم ~~العمل؟ فقال إن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة ~~حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار ~~استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله ~~النار " # وبهذا احتج الجبرية أن ما عمل عبد عملا من خير أو شر إلا ما قدره الله ~~تعالى يوم الميثاق. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال: لما خلق الله تعالى آدم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر، فقال لأصحاب ~~اليمين هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال للآخرين هؤلاء في النار ولا أبالي. ~~وروى أسباط عن السدي في قول الله تعالى { وإذ أخذ ربك من ~~بني ءادم من ظهورهم } الآية. قال لما أخرج الله تعالى آدم من ~~الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية ~~بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر. فقال ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره ~~اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي ~~فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. ثم أخذ منهم الميثاق فقال ~~ألست بربكم قالوا بلى. فأجابه طائفة طائعين وطائفة كارهين فقال هو ~~والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. فلما رويت ~~فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ورضي الله تعالى عنهم ويجب للطاعن أن يطعن في فهم ~~نفسه لا في الصحابة. وهذا كقوله: # وإذ لم ms0597 يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم # [الأحقاف: 11] أما الجواب عن قولهم إنه قال من ظهورهم ولم يقل من ظهر ~~آدم فالمعنى في ذلك والله أعلم أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من ~~صلبه ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو ~~كائن إلى يوم القيامة فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر. فذكر الأخذ ~~من ظهور ذريته ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلا عليه كما قال الله ~~تعالى # ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون # [غافر: 46] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلا عليه. وأما الجواب عن ~~قولهم إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان. أحدهما: أنه يجوز أن ~~يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى: من العقل ما يكونوا به من أهل ~~الخطاب، ألا ترى أن نملة سليمان بن داود عليهما السلام قد تكلمت بكلام ~~العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان، وسبح الطير والجبال مع داود. فكذلك هذا. ~~والجواب الثاني: أنهم كانوا كالذر في الإزدحام والكثرة. لا في الخلقة ~~والجثة. ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم (لأن الذر إذا كثرت وازدحمت ~~لا يعرف عددها. # فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر ولكنهم في الخلقة ~~مثل خلقتهم اليوم). والجواب عن قولهم أنه لا تكون الحجة بشيء لم يذكر: ~~أن يقال أن الله تعالى قد أرسل الرسل وأخبرهم بذلك الميثاق. وإذا أخبرهم ~~الرسل بذلك صار حجة عليهم، فإن قيل إن الرسل وإن أخبروهم فإذا لم يذكروا ~~ذلك فكيف يصير حجة عليهم؟ قيل لهم وإن لم يذكروا صار قول الثقات حجة ~~عليهم. ألا ترى أن رجلا لو طلق امرأته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان ~~بأنه قد طلقها قبل غيبته عنها. يجب عليه أن يقبل قولهما، وكذلك لو صلى ~~فشهد عليه عدلان أنه ترك ركعة من صلاته وجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان ~~لا يذكر فكذلك ها هنا. والجواب عن قولهم إنه لم يقل أحييتنا ثلاث مرات ~~لأن ms0598 الإحياء المعروف مرتان فذكر الإحياء الذي كان معروفا عنده وقوله ~~تعالى: { شهدنا } قال بعضهم هذا حكاية عن قول الذرية قالوا بلى ~~شهدنا. وتم الكلام. ثم في الآية مضمر ومعناه أخذنا عليهم الميثاق لكي لا ~~يقولوا هذا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (وقال بعضهم إنما تم ~~الكلام عند قوله بلى ثم إنه قال تعالى شهدنا يعني شهدنا عليكم وأخذنا ~~عليكم الميثاق لكيلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين) ~~{ أو تقولوا } أي: لكيلا تقولوا { إنما أشرك ءاباؤنا ~~من } ونقضوا العهد { وكنا ذرية من بعدهم } لم نعلم به { ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون } يعني آباؤنا المشركون. ~~فإن قيل هل كان إقرارهم إيمانا منهم؟ قيل له أما المؤمنون كان إقرارهم ~~إيمانا وأما الكافرون فلم يكن إقرارهم إيمانا لأن إقرارهم كان تقية ولم ~~يكن حقيقة قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ذرياتهم بلفظ الجماعة. وقرأ ~~الباقون ذريتهم بلفظ واحد - لأن الذرية قد أضافها إلى الجماعة فاستغنى عن ~~لفظ الجمع. وقرأ أبو عمرو أن يقولوا بالياء، وكذلك في قوله أو يقولوا. ~~وقرأ الباقون كليهما بالتاء على معنى الخطاب. قوله عز وجل: { وكذلك ~~نفصل الآيت } يعني: هكذا نبين الآيات في أمر الميثاق { ~~ولعلهم يرجعون } إلى اقرارهم وإلى التوبة. فالواو الأولى ~~للعطف وهو قوله وكذلك والواو الثانية زيادة للوصل وهي قوله ولعلهم يرجعون ~~ومعناه: وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون. أي لكي يرجعوا. ### || [7.175-178] # قوله تعالى: { واتل عليهم } أي: إن لم يرجعوا بذكر الميثاق ولم ~~يتوبوا ولم يتعظوا فاتل عليهم { نبأ الذي ءاتينه } أي: خبر ~~الذي أعطيناه { ءايتنا } يعني أكرمناه باسم الله الأعظم، ويقال: ~~آتيناه آياتنا يعني الكتاب وهي علم التوراة وغيره { فانسلخ منها ~~} يعني: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها، ويقال تهاون بها ولم يعرف ~~حقها ولا حرمتها وخرج منها { فأتبعه الشيطن } يقول غره ~~الشيطان { فكان من الغاوين } أي: فصار من الظالمين وفي الضالين. ~~قال بعضهم هو بلعم بن باعوراء، كان عابدا من عباد بني إسرائيل وكان ~~مستجاب الدعوة فنزع الله تعالى الإيمان ms0599 عنه بدعاء موسى عليه السلام. وذلك ~~أن موسى عليه السلام قاتل فرعونا من الفراعنة، فجمع ذلك الفرعون الكهنة ~~والسحرة فقال لهم أعينوني على هؤلاء. يعني قوم موسى، فقالوا لن تستطيعهم ~~ولكن بجوارك رجل منهم فلو بعثت إليه واستعنت به، فبعث الملك إلى بلعم فلم ~~يجبه فبعث الملك إلى امرأة بلعم الهدايا وطلب منها بأن تأمره بأن يجيب ~~الملك، فجاءته " امرأته " وقالت نحن في جوار هذا الملك فلا بد لك من ~~إجابته، فأجابهم إلى ذلك وركب أتانا له وخرج إليهم فسار حتى إذا كان في ~~بعض الطريق وقفت أتانه فضربها، فلما ألح عليها كلمته الأتان وقالت أنظر ~~إلى ما بين يديك فنظر فإذا هو جبريل. قال له خرجت مخرجا ما كان ينبغي لك ~~أن تخرج، فإذا خرجت فقل حقا. قال فلما قدم عليه أمر له بالذهب والفضة ~~والخدم والفرش فقبل. فقال له قد دعوتك لتدعو لي على هذا العسكر دعوة قال ~~غدا، فلما تلاقى القوم، قال بلعم: إن بني إسرائيل أمة موسى ملعون من ~~لعنهم ومبارك من بارك عليهم. فقالوا له ما زدتنا إلا خبالا. قال بلعم ما ~~استطعت غير ما رأيت. ولكني أدلك على أمر إن فعلته فوقعوا به خذلوا ~~ونصرت عليهم، تعمد إلى نساء حسان فتجعل عليهم الحلي والثياب والعطر ثم ~~ترسلهن في عسكرهم، فإن وقعوا بهن خذلوا، ففعل ذلك فما تعرض لهن منهم إلا ~~سفهاؤهم فخذلوا. فأخبر بذلك موسى فدعا عليه فنزع الله منه الإيمان. # " وقال بعضهم إنما هو أمية بن أبي الصلت. قرأ الكتب ورغب عن عبادة ~~الأوثان وكان يخبر أن نبينا يبعث وكان قد أظل زمانه، وكان يرى أن الوحي ~~ينزل عليه لكثرة علمه، فلما سمع بخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقصته كفر حسدا له. " وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع شعره ~~قال: آمن لسانه وكفر قلبه " # فذلك قوله آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. # ثم قال { ولو شئنا لرفعنه بها } يعني بالآيات، ويقال: ~~رفعناه في الآخرة بما علمناه من ms0600 آياتنا { ولكنه أخلد إلى ~~الأرض } يعني أمية بن أبي الصلت أو بلعم بن باعوراء، مال إلى الدنيا ~~ورضي بها { واتبع هواه } أي: هوى نفسه ويقال عمل بهوى المرأة ~~وترك رضى الله، ويقال: أخذ مسافل الأمور وترك معاليها { فمثله ~~كمثل الكلب } يقول مثل بلعم كمثل الكلب { إن تحمل عليه ~~يلهث } يقول إن طردته فهو يلهث { أو تتركه يلهث } يعني: ~~وإن تركته فهو يلهث. قال القتبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش ما خلا ~~الكلب فإنه يلهث في حال الراحة والصحة والمرض، فضرب الله تعالى به مثلا، ~~يعني كما إن الكلب إن طردته أو تركته يلهث فكذلك بلعم أو أمية بن أبي ~~الصلت إن وعظته لم يتعظ وإن تركته لم يفعل. وقال مجاهد: يعني الكفار إن ~~قرىء عليهم الكتاب لم يقبلوا وإن لم يقرأ عليهم لم يعملوا هم أهل مكة { ~~ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآيتنا } يعني ذلك ~~صفة الذين جحدوا نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن { فاقصص ~~القصص } أي: اقرأ عليهم القرآن { لعلهم يتفكرون } أي: ~~لكي يتعظوا بأمثال القرآن ويؤمنوا به قوله تعالى: { ساء مثلا } ~~يعني: بئس مثل { القوم الذين كذبوا بآيتنا } يعني بئس ~~مثل من كان مثل الكلب. وإنما ضرب المثل بالكلب تقبيحا لمذهبهم. ويقال: ~~بئس مثل القوم الذين كذبوا وكانت صفتهم مثل صفة بلعم وهم أهل مكة كذبوا ~~بآياتنا فلم يؤمنوا بها مثل بلعم { وأنفسهم كانوا يظلمون } ~~يعني: يضرون بأنفسهم. ثم قال تعالى: { من يهد الله فهو ~~المهتدي } يعني: من يهده الله لدينه فهو المهتدي من الضلالة { ومن ~~يضلل } يعني ومن يضله عن دينه ويخذله { فأولئك هم ~~الخسرون } بالعقوبة. ### || [7.179-180] # قوله تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا } يعني خلقنا ~~لجهنم كثيرا { من الجن والإنس } فإن قيل قد قال في آية أخرى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فأخبر أنه خلق الجن والإنس لعبادته، وها هنا يقول خلقهم ~~لجهنم. قيل له قد خلقهم للأمرين جميعا، منهم من يصلح لجهنم فخلقه لها، ~~ومنهم من يصلح للعبادة فخلقه لها. ولأن ms0601 من لا يصلح لشيء لا يخلقه لذلك ~~الشيء. ويقال معنى قوله إلا ليعبدون يعني إلا للأمر والنهي، ويقال: إلا ~~ليعبدون يعني إلا لكي يمكنهم أن يعبدوا وقد بينت لهم الطريق، ويقال في ~~هذه الآية تقديم وتأخير ومعناه ولقد ذرأنا جهنم لكثير من الجن والإنس ثم ~~وصفهم فقال تعالى: { لهم قلوب لا يفقهون بها } يعني لا ~~يعقلون بها الحق كما قال في آية أخرى # ختم الله على قلوبهم # [البقرة:7] ثم قال: { ولهم أعين لا يبصرون بها } يعني ~~الهدى { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } يعني: الهدى ثم ضرب ~~لهم مثلا آخر فقال: { أولئك كالأنعم } فشبههم بالأنعام ~~لقلة رغبتهم وتغافلهم عن الحق، يعني إنهم كالأنعام في ذهنهم لا في صورهم ~~لأنه ليس للأنعام إلا الأكل والشرب، فهي تسمع ولا تعقل كذلك الكافر هو ~~غافل عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ثم قال: { بل هم أضل } ~~سبيلا يعني الكفار أخطأ طريقا من الأنعام، لأن الأنعام إذا عرفت أنها ~~تركت الطريق رجعت إلى الطريق، والكفار لا يرجعون إلى الطريق، ولأن ~~الأنعام تعرف ربها والكفار لا يعرفون ربهم. ويقال لما نزلت هذه الآية ~~أولئك كالأنعام. تضرعت الأنعام إلى ربها فقالت: يا ربنا شبهت الكفار بنا ~~ونحن لا ننكر وحدانيتك. فأعذر الله تعالى الأنعام فقال: { بل هم ~~أضل } من الأنعام لأن الأنعام مطيعة لله تعالى والكفار غير مطيعين ~~لله تعالى ثم قال: { أولئك هم الغفلون } يعني عن أمر ~~الله تعالى وعما ينفعهم. قال الفقيه أبو الليث حدثنا أبو جعفر. قال حدثنا ~~أبو يعقوب إسحاق بن عبد الله القاري. قال حدثنا حازم بن يحيى الحلواني ~~قال حدثنا الحسين بن الأسود. قال حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن سنان عن أبي ~~منيب الحمصي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنفا حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنفا ~~كالريح في الهواء، وصنفا عليهم الثواب والعقاب، وخلق الله الإنس ثلاثة ~~أصناف. صنفا كالبهائم وهم الكفار قال: ms0602 قال الله تعالى: { لهم قلوب ~~لا يفقهون بها } إلى قوله: { أولئك كالأنعم بل ~~هم أضل } وصنفا آخر أجسادهم كأجساد بني آدم وأرواحهم كأرواح ~~الشياطين، وصنفا في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله " # . قوله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ~~وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن. فقال أبو جهل أليس يزعم ~~محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين. ~~فأنزل الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ~~} الرحمن الرحيم الملك القدوس ونحوه. فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الرجل فقال # " ادع الله أو ادع الرحمن رغما لأنف المشركين " # ويقال: ولله الأسماء الحسنى يعني الصفات العلى { فادعوه بها }. ~~وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة. ومن ~~أسمائه عز وجل الرحمن الرحيم " # وقد ذكرنا تفسيرها. ومن أسمائه الأحد وأصله الوحد بمعنى الواحد وهو الذي ~~ليس كمثله شيء، ومنها الصمد وهو السيد الذي صمد إليه كل شيء أي قصده، ~~ومنها القيوم وهو البالغ في القيام بكل ما خلق، ومنها الولي يعني المتولي ~~أمور المؤمنين، ومنها اللطيف وهو الذي يلطف بالخلق من حيث لا يعلمون ولا ~~يقدرون، ومنها الودود المحب الشديد المحبة ومنها الظاهر والباطن الذي ~~يعلم ما ظهر وما بطن، ومنها البديع الذي ابتدع الخلق على غير مثال، ومنها ~~القدوس أي ذو البركة ويقال الطاهر، ومنها الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، ~~ومنها الحنان أي ذو الرحمة والعطف، ومنها المنان الكثير المن على عباده، ~~ومنها الفتاح يعني الحاكم، ومنها الديان يعني المجازي، ومنها الرقيب يعني ~~الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، ومنها ذو القوة المتين يعني الشديد القوة ~~على أمره، ومنها الوكيل الذي يتوكل بالقيام بجميع ما خلق، ومنها السبوح ~~الذي تنزه عن كل سوء، ومنها السلام يعني: الذي سلم الخلق من ظلمه، ~~ومنها المؤمن الذي أمن الخلق من ظلمه. ومنها العزيز أي: المنيع الذي لا ~~يغلبه ms0603 شيء. ومنها المهيمن يعني: الشهيد، ومنها الجبار الذي جبر الخلق على ~~ما أراد ومنها المتكبر الذي تكبر عن ظلم العباد ومنها الباري يعني ~~الخالق، وساير الأسماء التي ثبتت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعن الصحابة رضي الله عنهم. وقال الزجاج: لا ينبغي لأحد أن يدعوه بما لم ~~يصف به نفسه ولم يسم به نفسه فيقول يا جواد. ولا ينبغي له أن يقول يا ~~سخي. لأنه لم يسم به نفسه، وكذلك يقول يا قوي. ولا يقول: يا جلد. ثم قال: ~~{ وذروا الذين يلحدون فى أسمائه } قرأ حمزة يلحدون ~~بنصب الياء والحاء وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الحاء (يلحدون) فمن ~~قرأ بالنصب فمعناه وذروا الذين يميلون في أسمائه يعني يحورون ويمارون ~~في أسمائه ويعدلون. # فسموا اللات والعزى. ومن قرأ بالضم فمعناه وذروا الذين يجادلون ويمارون ~~في أسمائه، ويقال إن الله تعالى قد احتج على الكفار بأربعة أشياء، بالخلق ~~وهو قوله تعالى: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه # [لقمان: 11] وقال: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له # [الحج: 73] والثاني في الملك وهو قوله # له ما في السماوات وما في الأرض # [الحج: 64]. وقال في الأوثان # لا يملكون شيئا # [الزمر: 43] والثالث في القوة وهو قوله: # إن الله على كل شىء قدير # [البقرة: 20] # وهو السميع البصير # [الشورى: 11] إن ربي قريب مجيب ذو القوة المتين وقال في ~~الأوثان # ألهم أرجل يمشون بهآ # [الأعراف: 195] فوصفهم بالعجز. والرابع بالأسماء فقال { ولله ~~الأسماء الحسنى } وقال في الأوثان { وذروا الذين ~~يلحدون فى أسمائه } ويقال إن الكفار أرادوا أن يسموا آلهتهم ~~الله فجرى على لسانهم اللات وقال أهل اللغة إنما سمى اللات لأنه كان عنده ~~رجل كان يلت السويق، وأرادوا أن يسموا العزيز فجرى على لسانهم العزى ~~وأرادوا أن يسموا منان فجرى على لسانهم مناة، وبقيت تلك الأسماء للأصنام ~~وأصل الإلحاد هو الميل ولهذا سمي اللحد لحدا لأنه في ناحية ثم قال { ~~سيجزون ما كانوا يعملون } يعني وسيهانون ويعاقبون بما ~~كانوا يعملون ms0604 من الشرك والإلحاد في الأسماء. ### || [7.181-186] # قوله تعالى: { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } يعني ~~جماعة وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يهدون بالحق يعني يدعون إلى ~~الحق ويأمرون بالحق { وبه يعدلون } يعني بالحق يعملون وذلك أنه ~~لما نزل قوله تعالى # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق # [الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا ~~رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل ~~إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين ولنا أجرا واحدا وقد صدقناك والرسل والكتب ~~فنزل { وممن خلقنا أمة } يعني من أمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - يهدون بالحق وبه يعدلون. قوله تعالى: { والذين كذبوا ~~بآيتنا } يعني بمحمد والقرآن { سنستدرجهم } يعني سنأخذهم ~~بالعذاب { من حيث لا يعلمون } يعني من حيث لا يشعرون وقال ~~الكلبي: يعني نزين لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون. يقول سنأتيهم وهم ~~المستهزءون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه. وقال القتبي الاستدراج أن ~~يذيقهم من بأسه قليلا قليلا، ويقال استدرج فلان فلانا يعني يعرف ما ~~عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة فاستعير من هذا كقوله ~~تعالى # والمرسلت عرفا # [المرسلات: 1] يعني الملائكة يتابعون بعضهم بعضا كعرف الفرس وكقوله ~~تعالى # ويقبضون أيديهم # [التوبة: 67] أي: يمسكون عن العطية وقال السدي سنستدرجهم يعني كلما ~~جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون. ~~فذلك الاستدراج ثم قال { وأملي لهم } يعني: وأمهلهم { إن ~~كيدي متين } يعني: أن عقوبتي شديدة ويقال إن صنيعي محكم، ويقال إن ~~أخذي شديد ثم قال تعالى { أو لم يتفكروا } يعني: أهل مكة فيما ~~يأمرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعبدوا خالقهم ورازقهم وكاشف الضر ~~عنهم ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه، أمثل هذا يكون مجنونا ويقال ~~معناه أولم يتفكروا في دلائل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته ~~ليستدلوا بأنه نبي. وقد تم الكلام. ثم استأنف فقال { ما بصاحبهم ~~من جنة } ويقال هذا على وجه البناء ومعناه ms0605 أولم يتفكروا ليعلموا ما ~~بصحابهم من جنة يعني: جنونا. ويقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد ~~ذات ليلة الصفا فدعا قريشا إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فردا فردا ~~فقال بعضهم إن صاحبكم لمجنون فوعظهم الله تعالى فقال أولم يتفكروا. يقول: ~~أولم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون { إن هو إلا نذير مبين ~~} أي رسولا بينا وهذا كقوله تعالى # قل إنمآ أعظكم بوحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصحبكم من جنة # [سبإ: 46]. ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال { أولم ينظروا ~~في ملكوت السموات والأرض } أي: في خلق السماوات والأرض { ~~وما خلق الله من شيء } في السماء من الشمس والقمر والنجوم ~~وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا ويؤمنوا بأن ~~الذي خلق الذي ترون، هو رب واحد لا شريك له { وأن عسى } يعني ~~وينظروا في أن عسى { أن يكون قد اقترب أجلهم } يعني قد ~~دنا هلاكهم { فبأي حديث بعده يؤمنون } يعني إن لم ~~يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن لأن هذا آخر الكتب نزولا ~~وليس بعده كتاب ينزل ثم قال تعالى: { من يضلل الله فلا هادي ~~له } أي: من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى { ~~ويذرهم في طغينهم يعمهون } أي: يتركهم في ضلالتهم ~~يترددون. # قرأ أبو عمرو ويذرهم بالياء وضم الراء على معنى الخبر وقرأ ابن ~~كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ونذرهم بالنون وضم ~~الراء وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ويذرهم بالياء وجزم ~~الراء وجعلوه جواب الشرط. ومعناه من يضلل الله يذره. ### || [7.187-188] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة } أي: قيام الساعة { ~~أيان مرسها } أي: متى حينها وقيامها. ويقال هذا الكلام على ~~الاختصار، ومعناه أي أوان قيامها ثم قال { قل إنما علمها ~~عند ربي } أي: علم قيام الساعة عند ربي وما لي بها من علم { لا ~~يجليها لوقتها إلا هو } أي: لا يكشفها لحينها إلا الله، ~~ويقال لا يقدر أحد على إظهارها إلا هو. ms0606 يعني: إلا الله، ويقال لا يعلم ~~أحد قيامها إلا هو { ثقلت في السموات والأرض } أي: ثقل ~~علم قيام الساعة على أهل السموات وأهل الأرض، ويقال ثقلت أي: خفي علمها، ~~وإذا خفي الشيء ثقل علمه، ويقال معناه ثقل حمل ذكرها لفظاعة شأنها ~~وأمرها. ثم قال { لا تأتيكم إلا بغتة } يعني فجأة ثم قال { ~~يسألونك كأنك حفي عنها } قال مقاتل كأنك استحفيت عنها ~~السؤال حتى علمتها. وقال القتبي: أي كأنك حفي تطلب علمها، ومنه يقال تحفى ~~فلان بالقوم إذا بالغ في البر، ويقال كأنك حفي عنها أي كأنك جاهل بها، ~~ويقال في الآية تقديم: ومعناه يسألونك كأنك حفي عنها يعني كأنك عالم بها ~~{ قل إنما علمها عند الله } # " وروى إبراهيم بن يوسف بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله ~~رجل. فقال: متى الساعة؟ فقال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن ~~أشراط الساعة عشرة. يقرب فيها الماحل ويطرف فيها الفاجر ويعجز فيها ~~المنصف وتكون الصلاة منا والزكاة مغرما والأمانة مغنما واستطالة ~~القراء، فعند ذلك تكون إمارة الصبيان وسلطان النساء ومشورة الإماء " # ثم قال: { قل إنما علمها عند الله } يعني علم قيامها عند ~~الله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنها كائنة ولا ~~يصدقون بها. قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا } قال مقاتل: يعني لا أقدر لنفسي أن أسوق إليها خيرا أو أدفع ~~عنها ضرا حين ينزل بي فكيف أملك علم الساعة { إلا ما شاء الله ~~} فيصيبني { ولو كنت أعلم الغيب } أي: غيب النفع والضر إذ ~~جاء { لاستكثرت من الخير وما مسني السوء } يعني ~~لاستكثرت من النفع وما أصابني الضر. وقال الكلبي: إن أهل مكة قالوا له ~~ألا يخبرك ربك بالبيع الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه فتربح فيه فنزل قل لهم ~~ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير للجدوبة والقحط، ويقال لو كنت أعلم ~~متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح. وقال الضحاك: قال لا أملك لنفسي ~~نفعا ولا ضرا يعني الغني والفقر إلا ما شاء الله إن شاء أغنى عبده ms0607 وإن ~~شاء أفقره، ولو كنت أعلم الغيب أي: مواضع الكنوز لاستخرجتها. وما مسني ~~السوء يعني الفقر { إن أنا إلا نذير } أي: مخوف بالنار { ~~وبشير } يعني مبشرا بالجنة { لقوم يؤمنون } يعني يصدقون ~~بالبعث. ### || [7.189-195] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من نفس وحدة } يعني من ~~نفس آدم { وجعل منها زوجها } يعني خلق من نفس آدم، من ضلع من ~~أضلاعه اليسرى زوجته حواء { ليسكن إليها } يعني ليطمئن إليها ~~ويجامعها، { فلما تغشاها } أي: سكن إليها وجامعها { حملت ~~حملا خفيفا } يعني: خفيف الماء { فمرت به } أي: استمرت ~~بالحمل، يقول قامت بالحمل وقعدت ولا تدري أهي حبلى أم لا { فلما ~~أثقلت } يعني ثقل الولد في بطنها { دعوا الله ربهما } ~~وذلك أن إبليس أتاها فقال يا حواء ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. ~~قال أخاف إنها بهيمة وإني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنسانا ~~صالحا أتسميه باسمي؟ قالت نعم. وما اسمك. قال: عبد الحارث فكذب فدعت ~~حواء وآدم فذلك قوله دعوا الله ربهما { لئن ءاتيتنا صلحا } ~~يعني أعطيتنا ولدا سويا صحيح الجوارح { لنكونن من ~~الشكرين } وهذا قول سعيد بن جبير رواه عن ابن عباس. وروى معمر عن ~~قتادة أنه قال: كان آدم لا يولد له ولد إلا مات فجاء الشيطان وقال إن سرك ~~أن يعيش ولدك فسمه عبد الحارث ففعل، فأشركا في الاسم ولم يشركا في ~~العبادة. وروي عن السدي أنه قال: اسم إبليس هو الحارث يوم لعن، فأراد أن ~~ينسب إليه فأمرها فسمته عبد الحارث فعاش بعد ذلك أياما ثم مات. فذلك ~~قوله { فلما ءاتهما } يعني أعطاهما { صلحا } خلقا آدميا ~~سويا { جعلا له شركاء فيما ءاتهما } قرأ نافع وعاصم في ~~رواية أبي بكر جعلا له شركا بكسر الشين وجزم الراء. وقرأ الباقون ~~شركاء بالضم ونصب الراء. فمن قرأ بالكسر فهو على معنى التسمية وهو اسم ~~يقوم مقام المصدر. ومن قرأ بالضم فمعناه جعلا له شركاء يعني الشريك في ~~الاسم. وإنما ذكر الشركاء وأراد به الشريك يعني الشيطان. فإن قيل من قرأ ~~بالكسر ms0608 كان من حق الكلام أن يقول جعلا لغيره شركا لأنهما لا ينكران أن ~~الأصل لله تعالى وإنما جعلا لغيره شركا أي: نصيبا، قيل له معناه جعلا ~~له شركاء يعني ذا شرك. فذكر الشرك والمراد به شركه كقوله تعالى: # واسأل القرية # [يوسف: 82] أي: أهل القرية. فضرب الله تعالى بهذا مثلا للكفار يعني كما ~~أن آدم وحواء. أعطاهما ورزقهما فاشركوا في عبادته. ثم نزه نفسه عن الشرك ~~فقال تعالى: { فتعلى الله عما يشركون } أي: هو أعلا ~~وأجل من أن يوصف بالشرك ثم رجع إلى قصة الكفار فقال الله تعالى: { ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا } يعني أيشركون الآلهة مع الله ~~تعالى: وهم كفار مكة ما لا يخلق شيئا وهي الآلهة { وهم يخلقون } ~~أي: ينحتون ويصنعونها بأيديهم { ولا يستطيعون لهم نصرا } ~~يعني: لا يستطيعون نصرا لمن يعبدهم { ولا أنفسهم ينصرون } ~~يعني: لا يستطيعون أن يمتنعوا مما نزل بهم من العذاب { وإن تدعوهم ~~إلى الهدى } قال الكلبي يعني الآلهة. # وإن يدع المشركون آلهتهم إلى أمر { لا يتبعوكم } يعني لا يتبعهم ~~آلهتهم { سواء عليكم } يا أهل مكة { أدعوتموهم أم ~~أنتم صمتون } لا تعقل شيئا لأنه ليس فيها روح. وقال مقاتل وإن ~~تدعوهم إلى الهدى يعني كفار مكة { لا يتبعوكم } لا يتبعوكم يعني ~~النبي عليه السلام { سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون } فلا يؤمنون. قرأ نافع لا يتبعوكم بجزم التاء وقرأ ~~الباقون بالنصب والتشديد لا يتبعوكم، وهما لغتان تبعه وأتبعه ~~معناهما واحد. ثم قال تعالى: { إن الذين تدعون } يعني تعبدون ~~{ من دون الله } يعني الأصنام { عباد أمثالكم } يعني ~~مخلوقين مملوكين أشباهكم وليسوا بآلهة { فادعوهم فليستجيبوا ~~لكم إن كنتم صدقين } أنها آلهة. ثم قال عز وجل: { ألهم ~~أرجل يمشون بها } يعني في حوائجكم { أم لهم أيد ~~يبطشون بها } يعني يعطون بها ويمنعون عنكم الضر { أم لهم ~~أعين يبصرون بها } يعني عبادتكم { أم لهم آذان ~~يسمعون بها } يعني دعاءكم. وقد احتجت المشبهة بهذه الآية أن من لا ~~يكون له يد ولا رجل ولا بصر لا يصلح أن يكون إلها. ms0609 ولكن لا حجة لهم في ~~ذلك. لأن الله تعالى بين ضعف معبودهم وعجزهم وبين أنهم اشتغلوا بشيء لا ~~فائدة فيه ولا منفعة لهم في ذلك. ثم قال { قل } يا محمد يعني لكفار مكة ~~{ ادعوا شركاءكم } يعني آلهتكم { ثم كيدون } يعني اعملوا ~~بي ما شئتم { فلا تنظرون } يعني: لا تمهلون ولا تؤجلون، لأنهم ~~خوفوه بآلهتهم. قرأ أبو عمرو ثم كيدوني بالياء في حال الوصل. وقرأ ~~الباقون بغير الياء. ### || [7.196-200] # { إن وليي الله الذي نزل الكتب } يعني حافظي ~~وناصري الله الذي نزل الكتاب. يعني: القرآن، ويقال إن الذي يمنعني منكم ~~الله الذي أنزل جبريل بالكتاب { وهو يتولى الصلحين } ~~يعني: المؤمنين فيحفظهم ولا يكلهم إلى غيره ثم قال { والذين ~~تدعون من دونه } يعني تعبدون من دون الله { لا يستطيعون ~~نصركم } أي: لا يقدرون منعكم { ولا أنفسهم ينصرون } أي ~~يمنعون ممن أذاها، لأن الكفار كانوا يلطخون العسل في فم الأصنام، وكان ~~الذباب يجتمع عليه فلا تقدر دفع الذباب عن نفسها. ثم قال تعالى: { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } قال الكلبي يعني إن دعا ~~المشركون آلهتهم لا يسمعون أي يجيبونهم: { وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون } يعني الأصنام تراهم مفتحة أعينهم وهم ~~لا يبصرون شيئا. قال مقاتل: وإن تدعوهم إلى الهدى يعني كفار مكة لا ~~يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون الهدى. قوله تعالى: { خذ ~~العفو وأمر بالعرف } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني خذ ~~ما أعطوك من الصدقة يعني ما فضل من الأكل والعيال. ثم نسخ بآية الزكاة، ~~وهذا كقوله تعالى: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] يعني الفضل وأمر بالمعروف يعني: ادعهم إلى التوحيد { ~~وأعرض عن الجهلين } أي من جهل عليك مثل أبي جهل وأصحابه، ~~وكان ذلك قبل أن يؤمر بالقتال، ويقال خذ العفو وأمر بالعرف ~~يعني: اعف عمن ظلمك وأعط من حرمك وصل من قطعك. قال الفقيه أبو الليث ~~حدثنا عن الشعبي الخليل بن أحمد قال حدثنا الديبلي قال حدثنا أبو عبيد ~~الله وحدثنا سفيان عن أبي هريرة عن ms0610 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لما نزلت هذه الآية خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين سأل عنها جبريل. فقال جبريل حتى أسأل العالم. فذهب ثم أتاه فقال ~~يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عن من ~~ظلمك. وقال القتبي في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أوتيت جوامع الكلم " # فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر في هذه الآية كيف جمع له في هذا كل خلق عظيم، ~~لأن في أخذ العفو صلة القاطعين والصفح عن الظالمين وإعطاء المانعين، وفي ~~الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الأرحام وغض البصر، وفي الإعراض عن ~~الجاهلين الحلم وتنزيه النفس عن ممارات السفيه وعن منازعة اللجوج وإنما ~~سمي المعروف معروفا لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه قوله تعالى: { ~~وإما ينزغنك من الشيطن نزغ } قال مقاتل يعني: ولا ~~يفتننكم فتنة في أمر أبي جهل { فاستعذ بالله } قال الكلبي: أي ~~وإما يصيبنك من الشيطان وسوسة فاستعذ بالله. وقال الزجاج النزع أدنى ~~حركة، ومعناه إن أتاك من الشيطان أدنى وسوسة فاستعذ بالله { إنه ~~سميع عليم } يعني سميع لدعائك بوسوسة الشيطان. ### || [7.201-203] # قوله تعالى: { إن الذين اتقوا } يعني اتقوا الشرك والفواحش ~~{ إذا مسهم طائف من الشيطن } يعني ذنب { ~~تذكروا } يعني عرف المتقون أنها معصية { فإذا هم مبصرون ~~} يعني إذا هم على بصيرة منتهون عن المعصية وقال الزجاج: تذكروا ما أوضح ~~الله لهم من الحجة فإذا هم مبصرون. قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي طيف ~~بغير ألف. وقرأ الباقون بالألف (طائف) وروي عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ~~إذا مسهم طيف والطيف الغضب. وعن مجاهد في قوله طائف قال الغضب. ثم ذكر ~~حال الكفار فقال عز وجل { وإخونهم يمدونهم في الغي } ~~يعني إخوان الشياطين يمدونهم أي: يدعونهم إلى المعصية ويقال يلجونهم في ~~الشرك والضلالة { ثم لا يقصرون } عنها كما أقصر المسلمون عنها ~~حين أبصروها. قرأ نافع يمدونهم بضم الياء وكسر الميم من أمد يمد. ~~وقرأ الباقون يمدونهم بالنصب من ms0611 مد يمد قال بعضهم هذا عطف على ~~قوله وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وإخوانهم يمدونهم في الغي. وقال ~~الزجاج معناه التقديم والمعنى لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ~~وإخوانهم يمدونهم في الغي. يعني الشياطين. والغي الجهل والوقوع في الهلكة ~~قوله تعالى: { وإذا لم تأتهم بآية } وذلك حين أبطأ عليه ~~جبريل حين سألوه شيئا { قالوا لولا اجتبيتها } أي: هلا ~~أتاهم من تلقاء نفسه، وهذا كقوله: # ائت بقرءان غير هذآ # [يونس: 15] { قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } ~~أي قل إذا أمرت بأمر فعلت ولا أبتدع ما لم أومر { هذا بصائر من ~~ربكم } يعني القرآن بيان من ربكم. وقال بعض أهل اللغة البصائر في ~~اللغة طرائق الأمر واحدتها بصيرة، ويقال طريقة الدين. معناه ظهور الشيء ~~وبيانه، { وهدى ورحمة } أي القرآن هدى من الضلالة ويقال كرامة ~~ورحمة من العذاب ونعمة لمن آمن به { لقوم يؤمنون } يعني: ~~يصدقون. ### || [7.204-206] # قوله تعالى: { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له ~~وأنصتوا } وذلك أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة قبل نزول هذه ~~الآية فنهوا عن ذلك وأمروا بالسكوت. وروى عبد الوهاب عن مجاهد عن أبي ~~العالية الرياحي قال كان النبي - عليه السلام - إذا صلى فقرأ وقرأ أصحابه ~~خلفه حتى نزل وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا فسكت القوم وقرأ ~~النبي - عليه السلام - وروى قتادة عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: وإذا ~~قرىء القرآن فاستمعوا وأنصتوا قال في الصلاة وروى مغيرة عن إبراهيم مثله. ~~وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له، هذا ~~لكل قارىء؟ قال لا ولكن هذا في الصلاة المفروضة. وقال أبو هريرة رضي الله ~~عنه مثله. وقال مجاهد: وجب الإنصات في موضعين في الصلاة والإمام يقرأ وفي ~~الجمعة والإمام يخطب. وعن مجاهد أنه قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير ~~الصلاة أن يتكلم. وقال عطاء والحسن إن هذا في الصلاة والخطبة. ويقال ~~فاستمعوا له وأنصتوا أي: اعملوا بما في كتاب الله تعالى ولا تجاوزوا عنه ~~إلى غيره. ثم ms0612 قال { لعلكم ترحمون } لكي ترحموا فلا تعذبوا. ~~قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا } يقول إقرأ يا ~~محمد إذا كنت إماما بنفسك تضرعا. يعني: مستكينا { وخيفة } يعني ~~وخوفا من عذابه وهذا قول مقاتل. وقال الكلبي واذكر ربك في نفسك يعني ~~سرا { ودون الجهر من القول بالغدو والآصال } يعني ~~العلانية حتى يسمع من خلفك. وقال الضحاك معناه اجهر بالقراءة في الغداة ~~والمغرب والعشاء { ولا تكن من الغفلين } يعني لا تغفل عن ~~القراءة في الظهر والعصر، فإنك تخفي القراءة فيهما. وروي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " اذكروا الله ذكرا كثيرا خاملا، قيل وما الذكر الخامل؟ قال الذكر ~~الخفي " # قوله تعالى: { بالغدو والآصال } يعني غدوة وعشية. وروى يحيى بن ~~أيوب عن خالد بن بن زيد عن سعيد بن أبي هلال عن من سمع عقبة بن عامر قال: ~~المسر بالقراءة كالمسر بالصدقة والمعلن بالقراءة كالمعلن بالصدقة ثم قال ~~ولا تكن من الغافلين يعني عن القراءة في الصلاة. قوله تعالى: { إن ~~الذين عند ربك } يعني الملائكة { لا يستكبرون عن ~~عبادته } وذلك أن كفار مكة # قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا # [الفرقان: 60] واستكبروا عن السجود. فنزل إن الذين عند ربك يعني ~~الملائكة لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يتعظمون ولا يستنكفون عن طاعته { ~~ويسبحونه } يقول ويذكرونه { وله يسجدون } يعني يصلون. ~~وقال أهل اللغة. الآصال جمع الأصل والأصل جمع الأصيل والآصال جمع ~~الجمع يعني العشيات والله أعلم بالصواب. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1-4] # قوله تعالى: { يسألونك عن الأنفال } يعني الغنائم واحدها ~~غنيمة نفل، وكذلك قال لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل # وبإذن الله ريثي والعجل # قال ابن عباس: عن صلة في الكلام وإنما هو يسألونك الأنفال أي: الغنائم ~~ويقال فيه تقديم ومعناه يسألون عنك الأنفال، ويقال: يسألونك لمن الأنفال؟ ~~يقال: إنما سألوا عنها لأنها كانت محرمة من قبل فسألوا عنها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فنزل { يسألونك عن الأنفال } يعني ~~الغنائم. قال الفقيه: حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر ms0613 ~~الطحاوي قال حدثنا إبراهيم بن أبي داود قال حدثنا سعيد بن أبي مريم عن ~~عبد الرحمن بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى عن ~~مكحول عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بدر فلقي العدو فلما هزمهم الله تعالى أتبعهم طائفة من المسلمين ~~يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم واستولت طائفة ~~بالعسكر والنهب، فقال الذين طلبوهم نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله ~~تعالى وهزمهم فلنا النفل. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة ~~فهو لنا، وقال الذين استولوا على العسكر والنهبة والله ما أنتم بأحق منا ~~بل هو لنا نحن حويناه واستوليناه. فأنزل الله تعالى يسألونك عن الأنفال { ~~قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم } فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بينهم عن فواق أي: ~~عن سواء وروى أسباط عن السدي قال: كانت الأنفال لله ورسوله فنسخ بقوله # فأن لله خمسه وللرسول # [الأنفال: 41] وعن عكرمة ومجاهد مثل قوله تعالى { فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم } يعني: اخشوا الله وأطيعوه في أمر ~~الغنيمة وأصلحوا ذات بينكم أي: ما بينكم من الاختلاف في الغنيمة { ~~وأطيعوا الله ورسوله } يعني: في أمر الصلح والغنيمة { إن ~~كنتم مؤمنين } يعني: إن كنتم صادقين ويقال معناه اتركوا المراء ~~في أمر الغنيمة بأن كنتم مصدقين ثم نعت المؤمنين المصدقين فقال عز وجل: { ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم } ويقال إنما المصدقون الذين إذا أمروا بأمر في الغنيمة ~~وغيرها من قبل الله عز وجل خافت قلوبهم، ويقال إنما المصدقون الذين إذا ~~ذكر الله أي ذكر عندهم أمر الله، ويقال إذا أمروا بأمر من الله تعالى ~~وجلت قلوبهم يعني قبلت قلوبهم فسمي قبول القلوب وجلا لأن بالوجل يثبت ~~القبول. لأنهم وجلوا عقوبة الله تعالى فقبلوه. ثم قال: { وإذا ~~تليت عليهم آياته } يعني: قرئت عليهم آياته ms0614 بالأمر والنهي في ~~أمر الصلح أو غيره { زادتهم إيمنا } أي تصديقا ويقينا. # وقال الضحاك: يعني زادتهم يقينا بحكم الناسخ مع تصديقهم بحكم المنسوخ. ~~وقال الزجاج: تأويل " الإيمان " التصديق، فكل ما يتلى عليهم من عند الله ~~صدقوا به فزادهم تصديقا، فذلك زيادة إيمانهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~زادتهم تصديقا بالفرائض مع تصديقهم بالله { وعلى ربهم ~~يتوكلون } ، يعني يفوضون أمرهم إلى الله تعالى ويثقون به ولا ~~يثقون بما في أيديهم من الغنائم ويعلمون أن الله هو رازقهم قال الله ~~تعالى: { الذين يقيمون الصلوة } يعني: يتمونها في مواقيتها ~~بركوعها وسجودها { ومما رزقنهم ينفقون } يعني: يتصدقون ~~مما أعطيناهم من الأموال وينفقونها في طاعة الله قوله تعالى { أولئك ~~هم المؤمنون حقا } يعني: أهل هذه الصفة هم المؤمنون الموحدون ~~صدقا، وهم المصدقون { لهم درجت عند ربهم } يعني: فضائل ~~عند ربهم في الآخرة، ويقال لهم منازل في الرفعة على قدر أعمالهم { ~~ومغفرة ورزق كريم } مغفرة لذنوبهم وثواب حسن في الجنة، ~~ويقال الفتوح والغنيمة. قال ابن عباس: المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر ~~حقا (في قوله هم المؤمنون حقا قال:) قوله تعالى: { كمآ أخرجك... ~~} ### || [8.5-8] # { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا ~~من المؤمنين لكارهون } قال القتبي: معناه: كراهتهم فيما ~~فعلته في الغنائم ككراهتهم الخروج معك. ويقال معناه أولئك هم المؤمنون ~~حقا كما أخرجك ربك [من بيتك بالحق.... قيل الحق هنا القرآن وقيل الحرب، ~~ويقال لهم مغفرة ورزق كريم كما أخرجك ربك] من بيتك بالحق وإن كان فريقا ~~من المؤمنين لكارهون. فكذلك ننفل الغنيمة لمن نشاء وإن كرهوا ذلك. ويقال ~~هذا ابتداء القصة ومعناه امض على وجهك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون. قوله تعالى: { يجدلونك في الحق ~~} وكان هذا بعد خروجه إلى بدر. وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من مقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وفي تلك السنة حولت القبلة من بيت ~~المقدس إلى المسجد الحرام وكانت غزوة بدر في شهر رمضان وكانت قصته أن ~~النبي صلى الله ms0615 عليه وسلم بلغه أن عير قريش خرجت من الشام فيهم أبو سفيان ~~بن حرب ومخرمة بن نوفل في أربعين رجلا من تجار قريش ويقال أكثر من ذلك. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " هذه عير قريش قد أقبلت فاخرجوا إليها. فلعل الله أن ينفلكموها وتتقووا ~~بها على جهاد عدوكم " # ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من جهينة، حليفين من الأنصار ~~بأن ينظرا ويأتيا بخبر العير، فخرجا وأتيا وادي الصفراء وهي منزل على ~~طريق الشام، فقالا لأهل الصفراء هل أحسستم من أحد؟ قالوا لا، فخرجا فمرا ~~بجاريتين متلازمتين، فقالت إحداهما للأخرى اقضيني درهما لي عليك. فقالت ~~لا والله ما عندي اليوم، ولكن عير قريش نزلت بموضع كذا، يقدمون غدا ~~فأعمل لهم وأقضيك درهمك فسمع الرجلان ما قالت الجاريتان فرجعا، فجاء أبو ~~سفيان بن حرب حين أمس الصفراء فقال لأهل الصفراء هل أحسستم من أحد؟ قالوا ~~لا. إلا رجلين نزلا عند هذا الكثيب ثم ركبا. فرجع أبو سفيان إلى ذلك ~~الموضع فرأى هناك بعر الإبل فأخذ بعرة ففتها فوجد فيها النوى فقال علائق ~~أهل يثرب واللات والعزى، فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ~~يخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اعترض لعيركم فأدركوه. وكانت ~~عاتكة بنت عبد المطلب رأت قبل أن يقدم ضمضم بن عمرو بثلاثة أيام في ~~منامها كأن راكبا أقبل على بعير أورق ومعه راية سوداء فدخل المسجد ~~الحرام ثم نادى بأعلى صوته يا آل فلان ويا آل فلان انفروا إلى مصارعكم ~~إلى ثلاث، ثم ارتقى على أبي قبيس ونادى ثلاث مرات ثم قلع صخرة من أبي ~~قبيس فرماها على أهل مكة فتكسرت فلم يبق أحد من قريش إلا أصابته فلقة ~~منها، فلما أصبحت قصت رؤياها على أخيها العباس وقالت إني أخاف أن يصيب ~~قومك سوء، فاغتم العباس لما سمع منها وذكر العباس ذلك للوليد بن عتبة ~~وكان صديقا له فذكر الوليد ذلك لأبيه عتبة بن ربيعة فذكر ذلك عتبة لأبي ~~جهل بن ms0616 هشام وفشى ذلك الحديث في قريش فخرج العباس إلى المسجد وقد اجتمع ~~فيه صناديد قريش يتحدثون عن رؤيا عاتكة. # فقال أبو جهل يا أبا الفضل: متى حدثت فيكم هذه النبية؟ أما رضيتم أن ~~قلتم منا نبي حتى قلتم منا نبية: فوالله لننتظرن بكم ثلاثا، فإن جاء ~~تأويل رؤياها وإلا كتبنا عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. فقال ~~له العباس: يا كذاب، يا مصفر الاست بالله أنت أولى بالكذب واللؤم منا. ~~فلما كان اليوم الثالث جاء ضمضم وقد شق قميصه وجزع أذن ناقته وجعل التراب ~~على رأسه وهو ينادي: يا معشر قريش الغوث الغوث أدركوا عيركم فقد عرض لها ~~أهل محمد، فاجتمعوا وخرجوا وهم كارهون مشفقون من رؤيا عاتكة ومعهم ~~القينات والدفوف بطرا ورياء كما قال الله تعالى: # خرجوا من ديرهم بطرا ورئآء الناس # [الأنفال: 47] وكل يوم يطعمهم واحد من أغنيائهم، وخرج النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المدينة وأمر أصحابه بالخروج فخرج معه ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~رجلا من المهاجرين والأنصار. وخرجوا على نواضحهم ليس لهم ظهر غيرها ~~ومعهم ثلاثة أفراس ويقال فرسان فخرجوا بغير قوت ولا سلاح لا يرون أنه ~~يكون ثمة قتالا، فلما نزلوا بالروحاء نزل جبريل عليه السلام على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأخبره بخروج المشركين من مكة إلى عيرهم وقال: يا ~~محمد إن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين إما العير وإما العسكر، فأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بخروج المشركين من مكة إلى عيرهم فشق ~~ذلك على بعضهم وقالوا: يا رسول الله هلا كنت أخبرتنا أنه يكون ثم ~~قتالا فنخرج معنا سلاحنا وقوسنا. إنما خرجنا نريد العير والعير كانت ~~أهون شوكة وأعظم غنيمة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه # " أشيروا علي " # فكان أبو بكر وعمر يشيران عليه بالمسير وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول # " أشيروا علي " # وكان يحب أن يتكلم الأنصار فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله امض حيث شئت ~~وأقم حيث شئت فوالله لئن أمرتنا أن نخوض البحر لنخوضنه، ms0617 ولا نقول كما ~~قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قعدون # [المائدة: 24] ولكن نقول: (اذهب أنت وربك فقاتلا فنحن معكما متبعون) ~~فنزل { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون } يعني القتال. { ~~يجدلونك في الحق } يخاصمونك في الحرب { بعدما تبين ~~} يعني: بعد ما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به { كأنما ~~يساقون إلى الموت وهم ينظرون } يعني ينظرون إلى القتل ~~ثم قال تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ~~أنها لكم } يعني إما العير وإما العسكر { وتودون أن ~~غير ذات الشوكة } أي: تمنون غير ذات السلاح. # وقال القتبي: ومنه قيل فلان شاك السلاح، ويقال غير ذات الشوكة يعني: شدة ~~القتال { تكون لكم } الغنيمة { ويريد الله أن يحق ~~الحق بكلمته } يعني أن يظهر الإسلام بتحقيقه بما أنزل عليك من ~~القرآن { ويقطع دابر الكفرين } يعني يهلك الشرك ويستأصله ~~{ ليحق الحق } أي يظهر الإسلام { ويبطل البطل } يعني ~~الشرك { ولو كره المجرمون } أي: المشركون. فقال لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " سيروا على بركة الله فإني رأيت مصارع القوم " # وجاءت قريش وأدركوا العير وأفلتوهم. فقال بعضهم لبعض: إنما خرجتم لأجل ~~العير فلما وجدتم العير فارجعوا سالمين. فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نقتل ~~محمدا ومن معه. فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بدرا بجانب ~~الوادي الأدنى. ونزل المشركون على جانبه الأقصى على الماء والوادي فيما ~~بينهما. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة حتى أوتر. وكانت ~~ليلة النصف من شهر رمضان وقال في قنوته: # " اللهم لا تفلتن أبا جهل بن هشام وفلانا " # ، فباتوا تلك الليلة وقد أجنبوا وليس معهم ماء فأتاهم الشيطان عند ذلك ~~ووسوس إليهم فقال لهم تزعمون أنكم على دين الله وأنكم تصلون محدثين ~~مجنبين والمشركون على الماء. وكان الوادي ذا رمل تغيب فيه الأقدام. فمطرت ~~السماء حتى سال الوادي فاشتد ذلك الرمل واغتسل المسلمون من جنابتهم ~~وشربوا وسقوا دوابهم. فذلك قوله # وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم ms0618 به # [الأنفال: 11] إلى قوله # ويثبت به الأقدام # [الأنفال: 11] وكان علي والزبير يحرسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجاء سقاة قريش يسقون الماء فأخذهم علي والزبير فسألاهم عن أبي سفيان ~~فقالوا ما لنا بأبي سفيان من علم فقالا " فمع " من أنتم؟ فقالوا مع قريش ~~من أهل مكة فقالا كم هم؟ قالوا لا ندري هم كثير. فضرباهم، فقالوا هم قليل ~~فتركاهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " تضربونهم إن صدقوكم وتتركونهم إن كذبوكم. فدعاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال كم القوم؟فقالوا هم كثير. فلا ندري كم هم. فقال كم ينحر ~~لهم في كل يوم؟ فقالوا في يوم ينحر لهم عشرة جزر وفي يوم تسعة. فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم القوم ما بين تسعمائة إلى ألف وكانت عدتهم ~~تسعمائة وخمسين. وكانوا قد خرجوا من مكة ألفا ومائتين وخمسين فرجع ~~الأخنس بن شريق مع ثلاثمائة من بني زهرة مع العير وبقي تسعمائة وخمسون ~~رجلا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ورفع يديه وقال: ~~اللهم لا تهلك هذه العصابة فإنك إن أهلكتهم لا تعبد على وجه الأرض أبدا. ~~فقال أبو بكر يا رسول الله قد دنا القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أبشر يا أبا بكر فإني رأيت جبريل معتجرا بعمامة يقود فرسا بين السماء ~~والأرض " # فأمده الله بجبريل في ألف من الملائكة وميكائيل في ألف من الملائكة ~~وإسرافيل في ألف من الملائكة فذلك قوله # يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة # [آل عمران: 124] فقال أبو جهل: اللهم انصر أحب الدينين إليك ديننا ~~العتيق ودين محمد الحديث وقال عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، إن محمدا ~~رجل منكم فإن يكن نبيا فأنتم أسعد الناس به وإن يكن ملكا تعيشوا في ملك ~~أخيكم وإن يكن كاذبا يقتله سواكم. لا يكون هذا منكم وإني مع ذلك لأرى ~~قوما زرق العيون لا يموتون حتى يقتلوا عددا منكم. فقال أبو جهل يا أبا ~~الوليد جبنت وانتفخ سحرك. فقال له عتبه: يا ms0619 كذاب ستعلم اليوم أينا ~~الجبان فلبس لأمته وخرج معه أخوه شيبة بن ربيعة وخرج معه ابنه الوليد بن ~~عتبة فتقدموا إلى القوم وقالوا يا محمد ابعث لنا أكفاءنا. فخرج إليهم قوم ~~من الأنصار فقالوا لهم من أنتم؟ فقالوا نحن أنصار الله ورسوله فقالوا لا ~~نريدكم ولكن نريد إخواننا من قريش. فانصرفوا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # " يا بني هاشم تقدموا إليهم " # فقام علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن عبد ~~المطلب وعليهم البيض فقال لهم عتبة تكلموا حتى نعرفكم. فقال حمزة أنا أسد ~~الله وأسد رسوله. فقال عتبة كفوء كريم. قال فمن هذان معك؟ فقال علي بن ~~أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فذهب الشيخ إلى الشيخ والشاب ~~إلى الشاب والكهل إلى الكهل، فذهب إلى شيبة بن ربيعة وكلاهما شيخان. وذهب ~~علي إلى الوليد بن عتبة وكلاهما شابان، وذهب حمزة إلى عتبة بن ربيعة ~~وكلاهما كهلان. فقتل حمزة بن عبد المطب عتبة بن ربيعة، وقتل علي بن أبي ~~طالب الوليد بن عتبة واختلف عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة في ضربتين، ~~ضرب عبيدة بالسيف على رأس شيبة بن ربيعة، وضرب شيبة ضربة في رجل عبيدة، ~~فمال حمزة وعلي على شيبة بن ربيعة فقتلاه وحملا عبيدة إلى العسكر فمات ~~عبيدة في حال انصرافهم قبل أن يصل إلى المدينة فدفن بمضيق الصفراء. ففي ~~هذا الخبر دليل من الفقه أن المشركين إذا طلبوا البراز فلا بأس للمؤمنين ~~بأن يخرجوا بغير إذن الإمام ما لم ينههم عن ذلك، لأن الأنصار قد خرجوا ~~قبل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل أنه لا بأس بأن ~~ينصر أحد المبارزين صاحبه لأن حمزة وعليا قد أعانا عبيدة على قتل شيبة، ~~وفيه دليل أنه لا بأس بالافتخار عند الحرب لأن حمزة قال أنا أسد الله ~~وأسد رسوله، ولا بأس بأن يتبختر في مشيته في حال القتال. # ثم خرج مهجع مولى عمر بن الخطاب فأصابته رمية بين ms0620 الصفين فكان أول قتيل ~~يوم بدر، وحرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس على القتال فقال ~~عمير بن الحمام السلمي وهو قائم وفي يده تمرات يأكلها. يا رسول الله إن ~~قتلت في سبيل الله فلي الجنة؟ قال نعم فألقى التمرات وأخذ سيفه وشد على ~~القوم فقاتل حتى قتل، فخرج أبو جهل بن هشام على جمل له لعنه الله، فخرج ~~إليه شاب من الأنصار يقال له معاذ بن عمرو بن الجموح فضربه ضربة على فخذه ~~فخر أبو جهل عن بعيرة فخرج إليه عبد الله بن مسعود، فلما رآه أبو جهل ~~قال: يا ابن أم عبد لمن الدولة؟ وعلى من الدائرة؟ فقال له ابن مسعود لله ~~ولرسوله يا عدو الله لأنت أعتى من فرعون. لأن فرعون جزع عند الغرق وأنت ~~لم يزدك هذا الصرع إلا تماديا في الضلالة، ثم وضع رجله على عاتق أبي ~~جهل. فقال له أبو جهل لأنت رويعنا بالأمس لقد ارتقيت مرتقا عظيما، ~~فقتله ابن مسعود " وحز رأسه " ، وجاء برأسه إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدا، ثم قال لأبي ~~بكر ويقال لعلي # " ناولني كفا من تراب " # ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب ورماها في ~~وجوه القوم وقال: # " شاهت الوجوه " # ، فدخلت في أعين القوم كلهم، فأقبل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقتلونهم ويأسرون منهم وحملوا على المشركين والملائكة معهم، ~~وقذف في قلوب المشركين الرعب، فقتلوا في تلك المعركة منهم سبعين ~~وأسروا سبعين واستشهد يومئذ من المهاجرين ثلاثة عشر رجلا، ورجع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالأسارى والغنائم إلى المدينة، واستشار ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر الأسارى، فأقبل على أبي بكر فقال # " ما تقول يا أبا بكر؟ " # فقال قومك وبنو عمك فإن قتلتهم صاروا إلى النار وإن تفدهم فلعل الله ~~يهديهم إلى الإسلام ويكون ما نأخذه منهم قوة للمسلمين وقوة على جهاد ~~أعدائهم. ثم أقبل على عمر فقال: # " ما تقول يا أبا ms0621 حفص؟ " # فقال عمر: إن في يديك رؤوس المشركين وصناديدهم فاضرب أعناقهم وسيغني ~~الله المؤمنين من فضله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن مثلك يا أبا بكر من الملائكة مثل ميكائيل فإنه لا ينزل إلا ~~الرحمة، ومثلك من الأنبياء مثل إبراهيم حيث قال { فمن تبعني ~~فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ~~[إبراهيم: 36] ومثل عيسى حيث قال { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~} [المائدة: 118]. ومثلك يا عمر مثل جبريل فإنه ينزل بالعذاب والشدة، ~~ومثلك من الأنبياء مثل نوح " حيث " قال { رب لا تذر على ~~الأرض من الكفرين ديارا } [نوح: 26] ومثل موسى حيث قال { ~~ربنا اطمس على أمولهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } [يونس: 88] " # وروى سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قيل ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ من بدر عليك بالعير فإنه ليس دونها ~~شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه إنه لا يصلح. فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " لم؟ " # قال لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك قوله تعالى: ~~{ إذ تستغيثون... } ### || [8.9-11] # { إذ تستغيثون ربكم } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لما رأى كثرة المشركين علم أنه لا قوة لهم إلا بالله. فدعا ربه فقال: # " اللهم إنك وعدتني النصر وإنك لا تخلف الميعاد " # فاستجاب له ربه ونزل { إذ تستغيثون ربكم } يقول واذكروا إذ ~~تسألون ربكم وتدعونه يوم بدر بالنصرة على عدوكم، { فاستجاب لكم } ~~يعني فأجابكم ربكم { أني ممدكم } يعني: أزيدكم { بألف من ~~الملئكة مردفين } يعني متتابعين " بعضهم " على أثر بعض. قرأ ~~نافع وعاصم في رواية أبي بكر مردفين بالنصب وقرأ الباقون بالكسر. ~~وكلاهما يرجع إلى معنى واحد، وهو التتابع. وقال عكرمة: أمدهم يوم بدر ~~بألف من الملائكة وعددهم ثلاثة آلاف من الملائكة لغزوة بعده بدعائه وزاده ~~ألفين فذلك خمسة آلاف من الملائكة، ويقال هذا كله كان يوم بدر. ثم قال عز ~~وجل { وما جعله الله ms0622 إلا بشرى } يقول ما أنزل الله من ~~الملائكة إلا للبشارة. وقال بعضهم: إن الملائكة لم يقاتلوا وإنما كانوا ~~مبشرين. وروي عن ابن عباس أنه قال: قاتلت الملائكة يوم بدر ولم يقاتلوا ~~يوم الأحزاب ولا يوم حنين، { وما جعله الله } يعني مدد الملائكة ~~إلا بشرى { ولتطمئن به قلوبكم } يعني لتسكن إليه ~~قلوبكم { وما النصر إلا من عند الله } يعني ليس النصر ~~بقلة العدد ولا بكثرة العدد ولكن النصرة من عند الله { إن الله ~~عزيز حكيم } عزيز بالنقمة، حكيم حكم بالنصرة للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وللمؤمنين وللهزيمة للمشركين. قوله تعالى: { إذ يغشيكم ~~النعاس } يقول ألقى عليكم النوم { أمنة منه } يعني: أمنا من ~~عند الله. وروى عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: النعاس عند ~~القتال أمنة من الله وهو في الصلاة من الشيطان. قرأ نافع يغشيكم ~~(النعاس) بضم الياء وجزم الغين ونصب النعاس ومعناه يغشيكم الله ~~النعاس وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يغشاكم النعاس بالألف ونصب ~~الياء وضم النعاس. يعني أخذكم النعاس. وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد ~~الشين ونصب النعاس { يغشيكم النعاس } ومعناه يغشيكم الله ~~النعاس أمنة منه، والتشديد للمبالغة ثم قال { وينزل عليكم من ~~السماء ماء ليطهركم به } يعني بالماء من الأحداث والجنابة ~~{ ويذهب عنكم رجز الشيطن } يعني وسوسة الشيطان وكيده. ~~وقال القتبي: أصل الرجز العذاب كقوله: # رجزا من السمآء # [البقرة: 59] ثم سمى كيد الشيطان رجزا. لأنه سبب العذاب. ثم قال: { ~~وليربط على قلوبكم } يعني يشدد قلوبكم بالنصرة منه عند ~~القتال { ويثبت به الأقدام } يعني لتستقر الرجل على الرمل حتى ~~أمكنكم الوقوف عليه، ويقال ويثبت به الأقدام في الحرب. ثم قال تعالى: { ~~إذ يوحي ربك... } ### || [8.12-16] # { إذ يوحي ربك إلى الملائكة } يعني ألهم ربك الملائكة { ~~أني معكم } أي معينكم وناصركم { فثبتوا الذين ءامنوا } ~~يعني بشروا المؤمنين بالنصر. فكان الملك يمشي أمام الصف فيقول أبشروا ~~فإنكم كثير وعدوكم قليل. والله ناصركم { سألقي } يعني سأقذف { في ~~قلوب الذين كفروا الرعب } يعني الخوف من رسول الله - صلى ~~الله عليه ms0623 وسلم - " والمؤمنين ". ثم علم المؤمنين كيف يضربون ويقتلون ~~فقال تعالى: { فاضربوا فوق الأعنق } يعني على الأعناق { ~~واضربوا منهم كل بنان } يعني أطراف الأصابع وغيرها. ويقال ~~كل مفصل. قال الفقيه: سمعت من حكى عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: أراد ~~الله إلا يلطخ سيوفهم بفرث المشركين فأمرهم أن يضربوا على الأعناق ولا ~~يضربوا على الوسط، ويقال معناه اضربوا كل شيء استقبلكم من أعضائهم ولا ~~ترحموهم. { ذلك بأنهم } يعني ذلك الضرب والقتل سبب أنهم { ~~شاقوا الله ورسوله } يعني عادوا الله ورسوله وخالفوا الله ~~ورسوله { ومن يشاقق الله } ورسوله يعني من يخالف الله { ~~ورسوله فإن الله شديد العقاب } إذا عاقب. ثم قال ~~تعالى: { ذلكم } يعني ذلكم القتل يوم بدر { فذوقوه } في الدنيا { ~~وأن للكفرين عذاب النار } يوم القيامة مع القتل في ~~الدنيا، يعني إن القتل والضرب لم يصر كفارة لهم. قوله تعالى: { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا } ~~يعني إذا لقيتم الذين كفروا بتوحيد الله تعالى يوم بدر { زحفا } يعني ~~مزاحفة، ويقال زحف القوم إذا دنوا للقتال، ومعناه إذا وافقتموهم للقتال { ~~فلا تولوهم الأدبار } يعني منهزمين. { ومن يولهم ~~يومئذ دبره } يعني ظهره منهزما يومئذ يعني يوم حربهم. وقال ~~الكلبي: يعني يوم بدر خاصة. { إلا متحرفا لقتال } يعني ~~مستطردا للكرة يريد الكرة للقتال { أو متحيزا إلى فئة } ~~يعني ينحاز من فئة إلى فئة من أصحابه يمنعونه عن العدو. قال أهل اللغة ~~تحوزت وتحيزت أي: انضممت إليه ومعناه إذا كان منفردا فينحاز ليكون مع ~~المقاتلة. { فقد باء بغضب من الله } وفي الآية تقديم، يعني ~~ومن يولهم يومئذ دبره فقد باء بغضب من الله، أي استوجب الغضب من الله { ~~ومأواه جهنم وبئس المصير } إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة. وروي عن الحسن أنه قال: كان هذا يوم بدر وغيره، وعن ~~الضحاك قال: هذا يوم بدر خاصة لأنه لم يكن لهم فئة ينحازون إليها، وعن ~~داود بن أبي هند عن أبي نضرة قال: نزلت يوم بدر لأنهم لم ينحازوا إلا إلى ~~المشركين، لم يكن في ms0624 الأرض مسلمون غيرهم. وقد قال بعضهم بأن الآية غير ~~منسوخه، لأنه لا يجوز للواحد أن يهرب من الاثنين وأن يهرب من الجماعة، ~~وإذا لم يكن معه سلاح جاز له أن يهرب ممن معه سلاح، وإذا لم يكن راميا ~~جاز له أن يهرب من الرامي. # فإذا كان عدد المسلمين نصف عدد الكفار ومعهم سلاح لا يجوز لهم أن يهربوا ~~منهم، وإذا كان المسلمون اثني عشر ألفا ومعهم سلاح لا يجوز لهم أن ~~يهربوا من الكفار وإن كانوا مائة ألف، لأنه روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن ~~يغلب اثنا عشر ألفا من قلة إذا كانت كلمتهم واحدة. فينبغي لهم أن يجعلوا ~~كلمتهم واحدة ويقاتلوهم حتى ينصرهم الله تعالى " # والآية نزلت في الذي لا يجوز له الهرب. وروى سليمان بن بلال عن ثور بن ~~زيد عن أبي المغيث عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات». قيل وما هي يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله ~~وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات " # قوله تعالى { فلم تقتلوهم... } ### || [8.17-21] # { فلم تقتلوهم } وذلك أن المسلمين كانوا يقولون قتلنا فلانا ~~وقتلنا فلانا. فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا بأنفسهم فقال: { فلم ~~تقتلوهم } يقول فما قتلتموهم { ولكن الله قتلهم } ~~يعني الله تعالى نصركم عليهم وأمدكم بالملائكة { وما رميت إذ ~~رميت } يعني الله تعالى تولى ذلك وذلك حين رمى النبي عليه السلام ~~قبضة من التراب فملأ الله تعالى أعينهم بها فانهزموا. قال الله تعالى { ~~وما رميت } يعني: لم تصب رميتك ولم تبلغ ذلك المبلغ { ولكن ~~الله رمى } تعالى: تولى ذلك ويقال: رمى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم أحد بالحربة فأصاب أبي بن خلف الجمحي فقتله. قرأ حمزة والكسائي ~~ولكن الله رمى بكسر النون والتخفيف والله بالضم وكذلك في قوله ~~ولكن الله قتلهم. وقرأ الباقون بنصب النون مع التشديد ونصب ما بعده { ~~ولكن الله رمى }. ثم قال: ms0625 { وليبلي المؤمنين ~~منه بلاء حسنا } يعني لينصرهم نصرا جميلا ويختبرهم بالتي هي ~~أحسن، ويقال ولينعم المؤمنين نعمة بينة { إن الله سميع عليم ~~} يعني سميع لدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليم بإجابته. { ~~ذلكم } أي: الهلاك والهزيمة للكفار، ويقال معناه الأمر من ربكم. ثم ~~إبتدأ فقال: { وأن الله موهن كيد الكفرين } يعني ~~مضعف كيد الكافرين يعني: صنيع الكافرين ببدر. قرأ إبن كثير ونافع وأبو ~~عمرو موهن كيد الكافرين بنصب الواو والتشديد منونة. كيد بنصب ~~الدال وقرأ عاصم في رواية حفص موهن كيد بضم النون بغير تنوين، ~~كيد بكسر الدال على معنى الإضافة. وقرأ الباقون موهن كيد: ~~بالتنوين والتخفيف كيد بالنصب فالموهن والموهن واحد، ويقال وهنت ~~الشيء وأوهنته إذا جعلته واهنا ضعيفا. ثم قال تعالى: { إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } يقول إن تستنصروا فقد نصركم ~~الله حين قلتم، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال: اللهم انصر أحب الدينين ~~وأحب الجندين وأحب الفئتين إليك، فاستجيب دعاؤه على نفسه وعلى أصحابه. ثم ~~قال: { وإن تنتهوا } عن قتاله { فهو خير لكم } من قتاله ~~ويقال إن أهل مكة حين أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: ~~اللهم أي الفئتين أحب إليك فانصرهم فنزل إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن ~~تنتهوا عن قتال محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن الكفر { فهو خير ~~لكم } من الإقامة عليه { وإن تعودوا } لقتال محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - { نعد } على القتل والأسر والهزيمة { ولن تغني ~~عنكم فئتكم } يعني جماعتكم { شيئا ولو كثرت } في العدد ~~{ وأن الله مع المؤمنين } يعني معين لهم وناصرهم قرأ نافع ~~وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين وأن الله بالنصب. والباقون ~~بالكسر (وإن الله) على معنى الاستئناف ويشهد لها قراء عبد الله بن ~~مسعود والله مع المؤمنين ثم قال تعالى { يأيها الذين ءامنوا ~~أطيعوا الله ورسوله } في أمر الغنيمة والصلح { ولا ~~تولوا عنه } يعني لا تعرضوا عن أمره، ويقال عن طاعته، ويقال عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { وأنتم تسمعون } المواعظ في ~~القرآن وفي أمر ms0626 الصلح، قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } يعني لم يفهموا ولم يتفكروا ~~فيما سمعوا، ويقال قوله: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا يعني: وهم لا ~~يسمعون يعني: لا يطيعون. # قال الكلبي وهم بنو عبد الدار لم يسلم منهم إلا رجلان، مصعب بن عمير ~~وسويد بن حرملة، وقال الضحاك ومقاتل: أي سمعنا الإيمان وهم لا يسمعون ~~يعني: المنافقين ثم قال تعالى: { إن شر الدواب... } ### || [8.22-26] # { إن شر الدواب عند الله } يعني شر الناس. عند الله { ~~الصم } عن الهدى { البكم } يعني الخرس الذين لا يتكلمون بخير { ~~الذين لا يعقلون } الإيمان يعني بني عبد الدار وغيرهم من ~~الكفار، لم يسلموا. قوله تعالى { ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم } يقول لو علم الله تعالى فيهم صدقا لأعطاهم الإيمان ~~وأكرمهم به { ولو أسمعهم } يعني لو أكرمهم بالإسلام { ~~لتولوا وهم معرضون } يعني أعرضوا عن الإيمان بما سبق في ~~علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون. وقال الزجاج معناه ولو علم الله ~~فيهم خيرا لأسمعهم الجواب عن كل ما يسألون عنه ولو أسمعهم يعني لو بين ~~لهم كل ما يختلج في نفوسهم لأعرضوا عنه لمعاندتهم. قوله تعالى: { ~~يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله } يعني أجيبوا الله ~~بالطاعة، في أمر القتال { وللرسول إذا دعاكم } إلى القتال أو ~~غيره. وإنما قال إذا دعاكم ولم يقل إذا دعواكم لأن الدعوة واحدة. ومن ~~يجب الرسول فقد أجاب الله تعالى. قوله تعالى: { لما يحييكم } يعني ~~القرآن الذي به حياة القلوب، ويقال لما يحييكم يعني يهديكم في أمر الحرب ~~الذي يعزكم ويصلحكم ويقويكم بعد الضعف، ويقال لما يحييكم أي: يهديكم، ~~ويقال لما يحييكم يعني لما يكون سببا للحياة الدائمة في نعيم الآخرة { ~~واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قال ~~الفقيه: حدثنا محمد ابن الفضل قال حدثنا فارس بن مردويه عن محمد بن الفضل ~~عن أبي صالح مطيع عن حماد بن سلمة عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: يحول بين المؤمن ومعاصيه التي تسوقه وتجره إلى النار، ويحول ms0627 بين ~~الكافر وطاعته التي تجره إلى الجنة. ويقال تحول بين المرء وإرادته لأن ~~الأمر لا يكون بإرادة العبد وإنما يكون بإرادة الله تعالى. كما قال أبو ~~الدرداء: # يريد المرء أن يعطى مناه # ويأبى الله إلا ما أرادا # ويقال: يحال بين المرء وأجله لأن الأجل حال دون الأمل. وقال سعيد بن ~~جبير: يحول بين الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر. وقال مجاهد: يحول ~~بين المرء وقلبه يعني: حتى يتركه ولا يفعله ثم قال: { وأنه إليه ~~تحشرون } يعني في الآخرة فتثابون بأعمالكم. قوله تعالى { ~~واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خاصة } قال مقاتل نزلت الآية في شأن علي وطلحة والزبير. # قال الفقيه: حدثنا عمر بن محمد قال حدثنا أبو بكر الواسطي قال حدثنا ~~إبراهيم بن يوسف قال حدثنا قبيصة عن سفيان عن جويبر عن الضحاك في قوله ~~تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة } قال نزلت في شأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال ~~حدثنا عمر بن محمد قال حدثنا أبو بكر الواسطي قال حدثنا إبراهيم بن يوسف ~~قال حدثنا أبو معاوية عن السدي عن المعلى عن أبي ذر أن عمر رضي الله عنه ~~أخذ بيده يوما فغمزها فقال خل عني يا قفل الفتنة. # فقال عمر ما قولك قفل الفتنة؟ قال إنك جئت ذات يوم فجلست في آخر القوم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " لا تصيبنكم فتنة ما دام هذا فيكم " # وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جعلت أنا وعثمان فتنة لهذه الأمة. ~~وقال بعضهم قوله لا تصيبن. هذا على وجه النهي. ومعناه اتقوا فتنة ثم نهى ~~فقال لا تصيبن يعني الذين ظلموا منكم خاصة أي: لا يتعرض الذين ظلموا منكم ~~خاصة لما نزل بهم. وقال بعضهم هذا جواب الأمر بلفظ النهي مثل قوله ~~تعالى: # لا يحطمنكم سليمن وجنوده # [النمل: 18] ثم قال تعالى { واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } أي لمن وقع في الفتنة. ثم ذكرهم النعم فقال تعالى { ~~واذكروا إذ أنتم قليل } يعني واحفظوا نعمة الله ms0628 عليكم إذ ~~كنتم قليلا في العدد، وهم المهاجرون { مستضعفون فى الأرض } ~~يعني مقهورون في أرض مكة { تخافون أن يتخطفكم الناس } ~~يعني يختلسكم ويذهب بكم الكفار { فآواكم } بالمدينة { وأيدكم ~~بنصره } بنصره يوم بدر. # وقال قتادة كانوا بين أسدين بين قيصر وكسرى يخافون أن يتخطفهم الناس وهم ~~أهل فارس والروم والعرب ممن حول مكة ثم قال: { ورزقكم من ~~الطيبات } يعني: الحلال وهو الغنيمة { لعلكم تشكرون } ~~يعني لكي تشكروا الله وتطيعوه وتعرفوا ذلك منه. قوله تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا... } ### || [8.27-30] # { يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول } ~~روى أسباط عن السدي قال: كانوا يسمعون من النبي عليه السلام الحديث ~~فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول } ، ويقال كل ~~رجل مؤتمن على ما فرض الله عليه إن شاء أداها وإن شاء خانها. وقال ~~القتبي: الخيانة أن يؤتمن على شيء فلا يؤدي إليه. ثم سمى العاصي من ~~المسلمين خائنا لأنه قد ائتمن على دينه فخان. كما قال في آية أخرى # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم # [البقرة: 187] ويقال نزلت الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار ~~إلى بني قريظة أن لا ينزلوا على حكم سعد وأشار إلى حلقه إنه الذبح. # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر بني قريظة من بعد انصرافهم ~~من الخندق ووقف بباب الحصن وفيه ستمائة رجل من اليهود وقد كانوا ظاهروا ~~قريشا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم: «يا إخوة القردة ~~والخنازير انزلوا على حكم الله ورسوله " # فقالت اليهود: يا محمد ما كنت فحاشا قبل هذا، فبعث إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر فدخل على اليهود فركنوا إليه ~~وقالوا: يا أبا لبابة أتأمرنا بالنزول إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأشار ~~بيده إلى حلقه يعني: إنه الذبح إن نزلتم إليه. فقال أبو لبابة: والذي ~~نفسي بيده ما زالت قدماي من مكاني حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، ms0629 ~~وأوثق نفسه إلى سارية المسجد حتى أنزل الله تعالى توبته ونزل { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول } { ~~وتخونوا أمنتكم } يعني لا تخونوا أماناتكم { وأنتم ~~تعلمون } أنها خيانة. قال محمد بن إسحاق لا تخونوا الله والرسول ~~يعني لا تظهروا له من الحق ما يرضى عنكم ثم تخالفوه في السر. قال فإن ذلك ~~هلاكا لأنفسكم وخيانة لأماناتكم. ثم قال عز وجل: { واعلموا ~~أنما أمولكم وأولدكم فتنة } يعني بلاء عليكم، لأن ~~أبا لبابة إنما ناصحهم من أجل ماله وولده الذي كان عند بني قريظة { ~~وأن الله عنده أجر عظيم } يعني الجنة لمن صبر ولم يخن. ~~قوله تعالى { يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله } ~~يعني إن تطيعوا الله ولا تعصوه { يجعل لكم فرقانا } يعني يجعل ~~لكم مخرجا في الدنيا ونجاة ونصرا في الدين، ويقال: المخرج من الشبهات. # وقال مجاهد: مخرجا في الدنيا والآخرة. { ويكفر عنكم ~~سيئاتكم } يقول يمحو عنكم ذنوبكم { ويغفر لكم } يعني يستر ~~ذنوبكم وعيوبكم { والله ذو الفضل العظيم } يعني ذو الكرم ~~والتجاوز عن عباده. قوله تعالى { وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا } وذلك أن نفرا من قريش اجتمعوا في دار الندوة، وكانت قريش ~~إذا اجتمعوا للمشورة والتدبير كانوا يجتمعون في تلك الدار، فاجتمعوا فيها ~~وأغلقوا الباب لكيلا يدخل رجل من بني هاشم، ليمكروا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم ويحتالوا في أمره، فدخل إبليس في صورة شيخ وعليه ثياب أطمار وجلس ~~معهم فقالوا: من أدخلك أيها الشيخ في خلوتنا بغير إذننا؟ فقال: أنا رجل ~~من أهل نجد، ورأيت حسن وجوهكم وطيب ريحكم فأردت أن أسمع حديثكم وأقتبس ~~منكم خيرا وقد عرفت مرادكم فإن كرهتم مجلسي خرجت عنكم. # فقالوا هذا رجل من أهل نجد وليس من أرض تهامة لا بأس عليكم منه، فتكلموا ~~فيما بينهم. # فقال عمرو بن هشام: أرى أن تأخذوه وتجعلوه في بيت وتسدوا بابه وتجعلوا ~~له كوة لطعامة وشرابه حتى يموت. فقال إبليس بئس الرأي " الذي " رأيت ~~تعمدون إلى رجل له فيكم أهل بيت وقد سمع به من حولكم فتحبسونه وتطعمونه، ms0630 ~~يوشك أهل بيته الذين فيكم أن يقاتلوكم أو يفسدوا جماعتكم. فقالوا صدق ~~والله الشيخ. ثم تكلم أبو البحتري بن هشام. قال: أرى أن تحملوه على بعير ~~ثم تخرجوه من أرضكم حتى يموت أو يذهب به حيث شاء. فقال إبليس عدو الله ~~بئس الرأي الذي رأيت. تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم ومعه منكم طائفة ~~فتخرجوه إلى غيركم فيأتيهم سوء فيفسد منهم أيضا جماعة ويقبل إليكم ويكون ~~فيه هلاككم. فقالوا صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: أرى أن يجتمع من كل ~~بطن منكم رجل، ثم تعطونهم السيوف فيضربونه جميعا. فلا يدري قومه من ~~يأخذون وتؤدي قريش ديته. فقال إبليس. صدق والله هذا الشاب. فتفرقوا على ~~ذلك. فأمر الله تعالى بالهجرة وأخبره بمكر المشركين. فنزلت هذه الآية { ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا } { ليثبتوك } يعني ~~ليحبسوك في البيت أو يقتلوك بالبيت { أو يخرجوك } من مكة،فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم عليا بن أبي طالب بأن يبيت في مكانه، ثم خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه، ونام علي مكانه ~~وأهل مكة يحرسونه ويظنون أنه في البيت. ثم دخلوا البيت فإذا هو علي رضي ~~الله عنه فقالوا: يا علي: أين محمد؟ فقال: لا أدري فطلبوه فلم يجدوه { ~~ويمكرون } يعني ويمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويريدون به الشر ~~{ ويمكر الله } يعني يريد بهم الهلاك حين أخرجهم إلى بدر فقتلوا ~~{ والله خير المكرين } يعني أصدق الماكرين فعلا وأفضل ~~الصانعين صنعا وأعدل العادلين عدلا. قوله تعالى: { وإذا تتلى ~~عليهم... } ### || [8.31-35] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا } يعني القرآن { قالوا ~~قد سمعنا } يعني قد سمعنا قولك { لو نشاء لقلنا مثل ~~هذا } أي مثل هذا القرآن { إن هذا إلا أسطير ~~الاولين } نزلت في شأن نضر بن الحارث كان يحدث عن الأمم الخالية من ~~حديث رستم وإسفنديار، فقال إن الذي يخبركم محمد مثل ما أحدثكم من أحاديث ~~الأولين وكذبهم. فقال له عثمان بن مظعون اتق الله يا نضر فإنه ما يقول ~~إلا حقا. فقال النضر بن الحارث ms0631 قوله تعالى { وإذ قالوا ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } يعني إن كان ~~ما يقول محمد من القرآن حقا { فأمطر علينا حجارة من ~~السماء } قال أبو عبيدة: كل شيء في القرآن أمطر فهو من العذاب، وما ~~كان من الرحمة فهو مطر. وروى أسباط عن السدي قال: قال النضر بن الحارث ~~اللهم إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء { أو ~~ائتنا بعذاب أليم } فنزل # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج:1] فأستجيب دعاؤه وقتل في يوم بدر قال سعيد بن جبير قتل النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة صبرا النضر بن الحارث وطعمة بن عدي ~~وعقبة بن أبي معيط، وكان النضر أسره المقداد، فقال المقداد يا رسول الله ~~أسيري فقال النبي صلى الله عليه وسلم # " إنه كان يقول في الله ورسوله ما يقول " # ، فقال يا رسول الله أسيري فقال # " اللهم اغن المقداد من فضلك " # فقال المقداد هذا الذي أردت فنزل { وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم }. وكان ذلك القول من النضر حين كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مكة. فأخبر الله تعالى أنه لا يعذبهم وأنت بين ظهرانيهم حتى ~~يخرجك عنهم كما أخرج الأنبياء قبلك عن قومهم ثم عذبهم. ثم قال عز وجل { ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } يعني يصلون ~~لله الخمس وهم أهل الإيمان وقال مجاهد: وهم يستغفرون يعني وهم مسلمون. ~~ويقال وفيهم من يؤول مرة إلى الإسلام، ويقال وهم يستغفرون يعني: وفي ~~أصلابهم من يسلم. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: كان أمانان في الأرض ~~رفع الله أحدهما وبقي الآخر. { وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } وقال عطية: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم يعني ~~المشركين حتى يخرجك منهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعني ~~المؤمنين. # ثم عاد إلى ذكر المشركين فقال { وما لهم أن لا يعذبهم ~~الله } يعني بعد ما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم { وهم ~~يصدون عن المسجد ms0632 الحرام } يعني يمنعون المؤمنين عن ~~المسجد الحرام { وما كانوا أولياءه } يعني المشركين. # قال الكلبي يعني ما كانوا أولياء المسجد الحرام، ويقال وما كانوا أولياء ~~الله { إن أولياؤه إلا المتقون } يعني: ما كان أولياء ~~الله إلا المتقون من الشرك { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~توحيد الله تعالى. ثم قال { وما كان صلاتهم } معناه وما لهم ألا ~~يعذبهم الله وما كان صلاتهم { عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية } يعني لم تكن صلاتهم حول البيت إلا مكاء يعني إلا ~~الصفير، وتصدية يعني التصفيق باليدين إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~في المسجد الحرام. # قرأ الأعمش { ما كان صلاتهم } بالنصب إلا مكاء وتصدية بالضم. ~~وهكذا قرأ عاصم في إحدى الروايتين. فجعل الصلاة خبر كان. وجعل المكاء ~~والتصدية اسم كان وقرأ الباقون صلاتهم بالضم فجعلوه اسم كان. ومكاء ~~وتصدية بالنصب على معنى خبر كان. ثم قال { فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون } بتوحيد الله تعالى فأهلكهم الله تعالى في الدنيا ~~ولهم عذاب الخلود في الآخرة قوله تعالى: { إن الذين كفروا... ~~} ### || [8.36-40] # { إن الذين كفروا ينفقون أمولهم } على عداوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم [ { ليصدوا عن سبيل الله } يعني ليصرفوا الناس ~~عن دين الله وطاعته] قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في ~~المطعمين يوم بدر، وهم الذين كانوا يطعمون أهل بدر حين خرجوا في طريقهم. ~~قال الله تعالى { فسينفقونها } وكانوا ثلاثة عشر رجلا أطعموا ~~الناس الطعام فكان على كل رجل منهم يوما، منهم أبو جهل وأخوه الحارث ~~ابنا هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبو البختري ~~بن هشام وحكيم بن حزام وأبي بن خلف وغيرهم. يقول الله تبارك وتعالى " ~~فسينفقونها " { ثم تكون عليهم حسرة } ، يعني تكون ~~نفقاتهم عليهم حسرة وندامة. لأنه تكون لهم زيادة العذاب فتكوى بها جنوبهم ~~وظهورهم. وقال مجاهد: هو نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد. وقال الحكم: ~~أنفق أبو سفيان على المشركين يوم أحد أربعين أوقية ذهبا { ثم ~~يغلبون } يعني يهزمون ولا تنفعهم نفقتهم شيئا. { والذين ~~كفروا إلى ms0633 جهنم يحشرون } يعني إن القتل والهزيمة لم تكن ~~كفارة لذنوبهم فيحشرون في الآخرة إلى جهنم. ثم قال تعالى { ليميز ~~الله الخبيث من الطيب } يعني الخبيث من العمل والطيب من ~~العمل { ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه ~~جميعا فيجعله في جهنم } قول الكلبي. وقال مقاتل: ليميز ~~الله الكافرين من المؤمنين ويجعل في الآخرة الخبيثة أنفسهم ونفقاتهم ~~وأقوالهم فيركم، بعضه على بعض جميعا فيجعله في جهنم. ويقال ليميز الله ~~الخبيث من الطيب بين نفقة المؤمنين ونفقة المشركين فيقبل نفقة المؤمنين ~~ويثيبهم على ذلك ويجعل نفقة الكفار وبالا عليهم ويجعل ذلك سببا ~~لعقوبتهم فتكوى بها جباههم. وقال القتبي فيركمه أي يجعله ركاما بعضه على ~~بعض ثم قال { أولئك هم الخسرون } أي: المغبونين في ~~العقوبة. # قرأ حمزة والكسائي ليميز الله بضم الياء مع التشديد والباقون ~~ليميز بالنصب مع التخفيف. ومعناهما واحد. ماز يميز وميز ~~يميز. قوله تعالى { قل للذين كفروا } يعني أبا سفيان ~~وأصحابه ومن كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة { إن ينتهوا } عن ~~الشرك وعن قتال محمد وعن المؤمنين { يغفر لهم ما قد سلف } ~~يعني يتجاوز عنهم ما سلف من ذنوبهم وشركهم { وإن يعودوا } إلى قتال ~~محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه { فقد مضت سنة الأولين } ~~بنصرة أوليائه وقهر أعدائه، ويقال يعني القتل. بحذرهم بالعقوبة لكيلا ~~يعودوا فيصيبهم مثل ما أصابهم. وقال الكلبي: فقد مضت سنة الأولين أن ينصر ~~الله أنبياءه ومن آمن معهم كقوله # إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا # [غافر: 51]. ثم حث المؤمنين على قتال الكفار فقال تعالى { ~~وقتلوهم حتى لا تكون فتنة } يعني لا يكون الشرك ~~بمكة، ويقال حتى لا يتخذوا شركاء ويوحدوا ربهم { ويكون الدين ~~كله لله } يعني يظهر دين الإسلام ولا يكون دين غير دين الإسلام { ~~فإن انتهوا } عن الشرك وعن عبادة الأوثان وقتال المسلمين { ~~فإن الله بما يعملون بصير } فينبئهم بأعمالهم { وإن ~~تولوا } يعني أبوا وأعرضوا عن الإيمان يا معشر المسلمين { ~~فاعلموا أن الله مولاكم } يعني حافظكم وناصركم. ثم قال { ~~نعم المولى ونعم النصير } يعني الحفيظ والمانع. ms0634 قوله ~~تعالى: { واعلموا أنما... } ### || [8.41-42] # { واعلموا أنما غنمتم من شيء } فعلمهم قسمة الغنيمة ~~وجعل أربعة أخماسها للذين أصابوها وأمر بأن يقسم الخمس على خمسة أسهم. ~~وقال بعضهم. على ستة أسهم. وقال أبو العالية الرياحي: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة أسهم، أربعة لمن ~~شهدها، ويأخذ الخمس فيجعله على ستة أسهم، سهم لله تعالى للكعبة [سهم ~~الرسول وسهم لذوي القربى أي: قرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسهم ~~لليتامى وسهم للمساكين]، وسهم لابن السبيل، وقال بعضهم: سهم الله ورسوله ~~واحد. وروى سفيان عن قيس بن مسلم قال: سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية عن ~~قوله: { فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتمى والمسكين وابن السبيل } فأن لله خمسه ~~قال: هذا مفتاح الكلام لله الدنيا والآخرة. ثم قال وقد اختلف بعد وفاة ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سهم الرسول وسهم ذوي القربى. فقال ~~بعضهم: للخليفة، وقال بعضهم لقرابة الخليفة، فاجتمعوا على أن جعلوا هذين ~~السهمين في الكراع والعدة في سبيل الله تعالى. فكانا كذلك في خلافة أبي ~~بكر وعمر. وروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان ~~الخمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم على خمسة أسهم، سهم ~~الله ورسوله واحد، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وقسم بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ثلاثة ~~أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل. وبهذا أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه ~~وأصحابه أن الخمس يقسم على ثلاثة أسهم ولا يكون لأغنياء ذوي القربى شيء، ~~ويكون لفقرائهم فيه نصيب كما يكون لسائر الفقراء، وكذلك يتاماهم وابن ~~السبيل منهم. وذلك قوله { فأن لله خمسه وللرسول ولذى ~~القربى } ثم قال: { إن كنتم آمنتم بالله } يجوز أن تكون ~~متعلقة بقوله { فاعلموا أن الله مولاكم } إن كنتم آمنتم ~~بالله عز وجل، ويجوز أن يكون معناه فاقبلوا ما أمرتم به من الغنيمة في ~~الخمس إن كنتم آمنتم بالله يعني إذ ms0635 كنتم صدقتم بتوحيد الله { وما ~~أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } يعني وصدقتم بما ~~أنزلنا على عبدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من القرآن يوم الفرقان، ~~يعني يوم بدر. قال الكلبي أي: يوم النصرة ويوم بدر في أمر الغنيمة، ~~فرق بين الحق والباطل. وقال مقاتل: معناه وما أنزلنا من الفرقان يوم ~~بدر فأقروا بحكم الله تعالى في أمر الغنيمة. { يوم التقى ~~الجمعان } يعني يوم جمع المسلمين وجمع المشركين { والله على ~~كل شيء قدير } يعني على نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين. # ثم قال الله تعالى { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } يعني ~~اذكروا هذه النعمة إذ كنتم بالعدوة الدنيا. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بالعدوة بالكسر. وقرأ الباقون بالضم ومعناهما واحد، وهو شفير ~~الوادي، ويقال عدوة الوادي وعدوته، يعني كنتم على شاطىء الوادي مما ~~يلي المدينة، { وهم بالعدوة القصوى } يعني من الجانب الآخر ~~مما يلي مكة، { والركب أسفل منكم } يعني العير أسفل منكم ~~بثلاثة أميال على شاطىء البحر حين أقبلوا من الشام. { ولو ~~تواعدتم } يعني ولو تواعدتم أنتم والمشركون بالإجماع للقتال { ~~لاختلفتم في الميعد } أنتم والمشركون { ولكن } جمع ~~الله بينكم على غير ميعاد { ليقضي الله أمرا كان مفعولا ~~} يعني كائنا، وكان من قضائه هزيمة الكفار ونصرة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه. قوله تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة } ~~أي: ليكفر من أراد الكفر بعد البيان له من الله تعالى { ويحيى من ~~حي عن بينة } يقول ويؤمن من أراد أن يؤمن بعد البيان له من الله ~~تعالى. وقال الكلبي: ليهلك من هلك على الكفر بعد البيان، ويحيى من حي ~~بالإيمان عن بينة. ويقال هذا وعيد من الله تعالى لأهل مكة. يقول ليقم على ~~كفره من أراد أن يقيم بعد ما بينت له الحق ببدر حين فرقت الحق من الباطل، ~~ويحي يعني يقم على الإيمان من أراد أن يقيم بعد ما أرسلت إليه الرسول ~~وأقمت عليه الحجة. قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر، وابن كثير في رواية ~~شبل البزي من حيي بإظهار اليائين. والباقون بياء ms0636 واحدة. وأصله ~~بيائين إلا أن أحد الحرفين أدغم في الآخر لأنهما من جنس واحد ثم قال: { ~~وإن الله لسميع عليم } قوله تعالى: { إذ يريكهم ~~الله... } ### || [8.43-47] # { إذ يريكهم الله فى منامك قليلا } وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا فأخبر ~~أصحابه بما رأى في المنام أن العدو قليل. فقالوا رؤيا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حق، والقوم القليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في ~~أعين المؤمنين لتصديق رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال { ~~ولو أراكهم كثيرا لفشلتم } يعني لجبنتم وتركتم الصف { ~~ولتنزعتم فى الأمر } يعني اختلفتم في أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - { ولكن الله سلم } يعني ولكن الله أتم ~~للمسلمين أمرهم على عدوهم. ويقال: سلم يعني قضى بالهزيمة على الكفار ~~والنصرة للمؤمنين. ويقال: إذ يريكهم الله في منامك قليلا يعني في عينك. ~~لأن العين موضع النوم، أي في: موضع منامك. وروي عن الحسن قال: معناه في ~~عينيك التي تنام بها ثم قال { إنه عليم بذات الصدور } يعني ~~إني عالم بسرائركم. { وإذ يريكموهم إذ التقيتم } يعني ~~يوم بدر { في أعينكم قليلا } في العدد. وروى أبو عبيدة عن عبد ~~الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي ~~أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة. حتى أخذنا رجلا منهم فسألناه فقال كما ~~ألفا. ثم قال { ويقللكم في أعينهم } معشر المؤمنين في ~~أعين المشركين وذلك حين لقوا العدو، قلل الله المشركين في أعين المؤمنين ~~لكيلا يجبنوا وقلل المؤمنين في أعين المشركين ليزدادوا جرأة على القتال ~~حتى قتلوا ولكي يظهر الله عندهم فضل المؤمنين { ليقضي الله ~~أمرا كان مفعولا } يعني إذا قضى الله تعالى أمرا فهو كائن، وهو ~~النصرة للمؤمنين والذل لأهل الشرك بالقتل والهزيمة { وإلى الله ~~ترجع الأمور } يعني عواقب الأمور في الآخرة. ثم حرض المؤمنين على ~~القتال فقال: تبارك وتعالى { يأيها الذين ءامنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا } يعني جماعة من الكفار فاثبتوا لهم ~~وقاتلوهم مع ms0637 نبيكم { واذكروا الله كثيرا } يعني في الحرب { ~~لعلكم تفلحون } يعني تفوزون به ثم قال الله تعالى { ~~وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم من القتال { ولا ~~تنزعوا } يعني: لا تختلفوا فيما بينكم { فتفشلوا } يعني ~~فتجبنوا من عدوكم { وتذهب ريحكم }. قال مجاهد: يعني نصرتكم، ~~وذهب ريحهم يوم أحد حين نازعتموه. وقال الأخفش: يعني دولتكم. وقال قتادة ~~ريح الحرب. وأصله في اللغة تستعمل في الدولة، ويقال الريح له اليوم يراد ~~به الدولة. ثم قال { واصبروا } يعني لقتال عدوكم { إن الله ~~مع الصبرين } يعني معين لهم وناصرهم. ثم قال: { ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا } معناه قاتلوا لوجه الله تعالى. ولا ~~تقاتلوا رياء وسمعة ولا تكونوا يا أصحاب النبي - عليه السلام - كالذين ~~خرجوا { من ديرهم } وهم أهل مكة { بطرا } يعني أشرا وأصله ~~الطغيان في النعمة { ورئاء الناس } يعني لكي يذكروا بمسيرهم ~~ويقولوا تسامع الناس بمسيرنا. وقال محمد بن إسحاق: خرجت قريش وهم تسعمائة ~~وخمسون مقاتلا ومعهم مائتا فرس يقودونها وخرجوا ومعهم القبيات يضربون ~~بالدفوف ويغنون بهجاء المسلمين. ثم قال { ويصدون عن سبيل ~~الله } يعني يصرفون الناس عن دين الإسلام { والله بما ~~يعملون محيط } يعني: عالم بهم وبأعمالهم. قوله تعالى: { وإذ ~~زين لهم... } ### || [8.48-51] # { وإذ زين لهم الشيطن أعملهم } يعني: مسيرهم ~~ومعناه أن خروجهم لما كان للشيطان زين لهم الشيطان أعمالهم وذلك أن أهل ~~مكة لما وجدوا العير أرادوا الرجوع ألى مكة فأتاهم إبليس على صورة سراقة ~~بن مالك بن جعشم الكناني فقال لهم لا ترجعوا حتى تستأصلوهم فإنكم كثير ~~وعدوكم قليل ثم قال { وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس } يعني لا يطيقكم أحد لكثرتكم وقوتكم { فلما تراءت ~~الفئتان } يعني اجتمع الجمعان جمع المؤمنين وجمع المشركين { نكص ~~على عقبيه } أي: راجعا وراءه فقال له الحارث ابن هشام أين ما ~~ضمنت لنا؟ { وقال إني برىء منكم إني أرى ما لا ~~ترون } فقال له الحارث وهل ترى إلا جعاشيش أهل يثرب، والجعاشيش جمع ~~جعشوش وهو الرجل الحقير الدميم القصير فقال { إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب }. قال ابن عباس: ms0638 خاف إبليس أن يأخذه جبريل ~~أسيرا فيعرفه الناس فيراه الكفار فيعرفونه بعد ذلك فلا يطيعونه، ولم يخف ~~على نفسه الموت والقتل لأنه كان يعلم أن له بقاء إلى يوم ينفخ في الصور، ~~قال إبليس إني أرى ما لا ترون أي أرى جبريل معتجرا بردائه يقود الفرس، ~~فلما تولى قالوا هزم الناس سراقة، فسار سراقة بعد رجوعهم إلى مكة وقال ~~والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم. فقالوا له ألم تأتنا يوم كذا ~~وكذا؟ فخلف أنه لم يحضر. فلما أسلموا علموا أنه كان إبليس. وقال مقاتل: ~~لم يجتمع جمع قط منذ كانت الدنيا أكثر من يوم بدر وذلك أن إبليس جاء ~~بنفسه وحضرت الشياطين وحضر كفار الجن كلهم وتسعمائة وخمسون من المشركين ~~وثلاثمائة وثلاثة عشر من المؤمنين، وتسعون من مؤمني الجن وألف من ~~الملائكة وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه السورة كان يقول: ~~طوبى لجيش كان قائدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبارزهم أسد ~~الله، وجهادهم في طاعة الله ومددهم ملائكة الله وجارهم أمين الله وثوابهم ~~رضوان الله. قوله تعالى: { إذ يقول المنفقون والذين ~~في قلوبهم مرض } يعني شكا ونفاقا. قال الحسن: هم قوم من ~~المنافقين لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين. وقال الضحاك: نزلت في ~~عبد الله بن أبي وأصحابه. ويقال معناه. إذ يقول المنافقون وهم الذين في ~~قلوبهم مرض. قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن ~~الهجرة فأخرجهم أهل مكة إلى بدر كرها. فلما رأوا قلة المؤمنين ارتابوا ~~ونافقوا وقالوا لأهل مكة { غر هؤلاء دينهم } وقاتلوا مع ~~المشركين فقتل عامتهم. يقول الله تعالى: { ومن يتوكل على ~~الله } يعني يثق بالله ولا يثق بغيره { فإن الله عزيز } ~~بالنقمة { حكيم } حكم بهزيمة المشركين. # فلما قتلوا ضربت الملائكة وجوههم وآدبارهم فنزل { ولو ترى إذ ~~يتوفى الذين كفروا } يعني ولو ترى يا محمد إذ يتوفى الذين ~~كفروا، يعني حين يقبض أرواح الذين كفروا { الملئكة يضربون ~~وجوههم } عند قبض أرواحهم { وأدبرهم } { و } يقول لهم ~~الملائكة ms0639 يوم القيامة { ذوقوا عذاب الحريق } ولم يذكر الجواب ~~لأن في الكلام دليلا عليه ومعناه لو رأيت ذلك لرأيت أمرا عظيما. قرأ ~~ابن عامر إذ تتوفى الذين بلفظ التأنيث وقرأ الباقون يتوفى بلفظ ~~التذكير. وروي عن ابن مسعود أنه كان يذكر الملائكة في جميع القرآن ~~خلافا للمشركين بقولهم الملائكة بنات الله. ثم قال تعالى: { ذلك ~~بما قدمت أيديكم } يعني ذلك العذاب بما قدمت أيديكم من الكفر ~~والتكذيب وبترككم الإيمان { وأن الله ليس بظلم ~~للعبيد } يقول لم يعذبهم بغير ذنب ثم قال عز وجل: { كدأب آل ~~فرعون... } ### || [8.52-54] # { كدأب ءال فرعون } يعني صنيعهم كصنيع آل فرعون، ويقال ~~كأشباه آل فرعون في التكذيب والجحود { والذين من قبلهم } من ~~الأمم الخالية { كفروا بئايت الله } يعني جحدوا بعذاب الله ~~في الدنيا أنه غير نازل بهم { فأخذهم الله } يعني عاقبهم ~~وأهلكهم { بذنوبهم } وشركهم ثم قال { إن الله قوي ~~شديد العقاب } يعني: قوي في أخذه، شديد العقاب لمن عصاه. قوله ~~تعالى: { ذلك } العذاب الذي نزل بهم { بأن الله لم يك ~~مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم } في الدين والنعم، فإذا غيروا غير الله عليهم ما بهم من ~~النعم، وهذا قول الكلبي. وروى أسباط عن السدي في قوله لم يك مغيرا نعمة ~~أنعمها على قوم. قال أنعم الله تعالى بمحمد - عليه السلام - على أهل مكة ~~وكفروا به فنقله إلى الأنصار. ويقال أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف فلم ~~يشكروا فجعل لهم مكان الأمن الخوف ومكان الرخاء الجوع. وهذا كقوله # ضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة # إلى قوله # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف # [النحل: 112] وقال الضحاك: ما عذب الله قوما قط وسلبهم النعم ولا فرق ~~بينهم وبين العافية حتى كذبوا رسلهم فلما فعلوا ذلك ألزمهم الذل وسلبهم ~~العز فذلك قوله تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم. ثم قال { وأن الله سميع عليم } سميع ~~لمقالتهم، عليم بأفعالهم ثم قال { كدأب ءال فرعون } في الهلاك ~~{ والذين من قبلهم ms0640 كذبوا بآيت ربهم ~~فأهلكنهم بذنوبهم } يعني بكفرهم { وأغرقنآ آل ~~فرعون } يعني: فرعون لإدعائه الربوبية وآله لأنهم عبدوا غيري { ~~وكل كانوا ظلمين } يعني مشركين، ومعناه كصنيع آل فرعون قد ~~أعطاه الله تعالى الملك والعز في الدنيا ولم يغير عليه تلك النعمة حتى ~~كذب بآيات الله فغير الله عليه النعمة وأهلكه مع قومه. ### || [8.55-59] # { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا ~~يؤمنون } يعني شر الناس. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في بني ~~قريظة، كعب بن الأشرف وأصحابه لأنهم عاهدوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم نقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال النبي - عليه ~~السلام -. ثم قالوا نسينا وأخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى فنقضوا العهد فذلك ~~قوله تعالى: { وهم لا يتقون } نقض العهد قوله تعالى: { فإما ~~تثقفنهم في الحرب } يقول إن تظفر بهم في الحرب يعني في ~~القتال، ويقال إن أدركتهم في القتال { فشرد بهم } يقول نكل بهم في ~~العقوبة { من خلفهم } يعني ليتعظ بهم من بعدهم الذين بينك ~~وبينهم عهد، ويقال افعل بهم فعلا من العقوبة والتنكيل يفرق به من وراءهم ~~من أعدائك. وقال أبو عبيدة: { فشرد بهم } إنها لغة لقريش سمع بهم أي خوف ~~والتشريد في كلامهم التشريد والتفريق { لعلهم يذكرون } ~~يعني: النكال فلا ينقضون العهد. قوله تعالى: { وإما تخافن من ~~قوم خيانة } يعني وإن علمت من قوم نقض العهد، والخيانة أن يؤتمن ~~الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة، وسمي ناقض العهد خائنا لأنه اؤتمن ~~بالعهد فغدر ونكث { فانبذ إليهم على سواء } أي: فأعلمهم ~~بأنك قد نقضت العهد وأعلمهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على ~~سواء. وقال القتبي إذا أردت أن تعرف فضل العربية على غيرها فانظر في ~~الآية وقد ترجموا سائر الكتب، ومن أراد أن يترجم القرآن إلى لغة أخرى ~~فلا يمكنه ذلك، لأنك لو أردت أن تنقل قوله وإما تخافن من قوم خيانة لم ~~تستطع بهذا اللفظ ما لم تبسط مجموعها وتظهر مستورها فتقول إن كان بينك ~~وبين قوم هدنة وعهد ms0641 فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت ~~لهم وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء ثم قال { ~~إن الله لا يحب الخئنين } يعني الناقضين للعهد. قوله ~~تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا } يعين لا يظنن الذين ~~كفروا من العرب وغيرهم من الذين جحدوا بوحدانية الله تعالى { سبقوا } ~~يعني فاتوا بأعمالهم الخبيثة { إنهم لا يعجزون } يقول لن ~~يفوتوا الله تعالى حتى يعاقبهم. ويقال لا يجحدون الله تعالى عاجزا عن ~~عقوبتهم. قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم في رواية حفص (ولا يحسبن) ~~بالياء على وجه المغايبة ونصب السين، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (ولا ~~تحسبن) بالتاء على وجه المخاطبة ونصب السين، وقرأ الباقون على وجه ~~المخاطبة وكسر السين. وقرأ ابن عامر (أنهم) بالنصب على معنى البناء. ~~وقرأ الباقون بالكسر على معنى الابتداء. فمن قرأ بالنصب معناه لأنهم لا ~~يعجزون يعني لا يفوتون. وقرأ بعضهم بكسر النون (لا يعجزون) يعني لا ~~يعجزونني وهي قراءة شاذة. قوله تعالى: { وأعدوا لهم... } ### || [8.60-63] # { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } يعني السلاح. ~~وروى عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على المنبر ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # " قال ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ثلاثا " # وفي خبر آخر: وزيادة # " لهو المؤمن في الخلاء وقوته عند القتال " # وروي عن عكرمة قال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة. قال الحصون. { ومن ~~رباط الخيل } قال الإناث من الخيل ثم قال { ترهبون به } ~~أي: تخوفون بالسلاح { عدو الله وعدوكم } يعني تخوفون ~~بالسلاح كفار العرب { وآخرين من دونهم } يعني بني قريظة ثم قال ~~{ لا تعلمونهم } يعني لا تعرفونهم { الله يعلمهم } ~~يعرفهم ويعرفكم فأعدوا لهم أيضا. وقال مقاتل: وآخرين من دونهم أي من دون ~~كفار العرب يعني اليهود. وقال السدي: وآخرين من دونهم أهل فارس. ثم قال { ~~وما تنفقوا من شيء في سبيل الله } يعني السلاح والخيل { ~~يوف إليكم } ثوابه { وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون ~~من ثواب أعمالكم شيئا. ويقال إن ms0642 الجن لا تدخل بيتا فيه قوس وسهام قوله ~~تعالى: { وإن جنحوا للسلم } يقول إن أرادوا الصلح ومالوا إليه ~~{ فاجنح لها } يعني مل إليها، يعني صالحهم. قرأ عاصم في رواية أبي ~~بكر وإن جنحوا للسلم بالكسر، وقرأ الباقون بالنصب (للسلم) { ~~وتوكل على الله } يقول ثق بالله وإن نقضوا العهد والصلح فإني ~~أنصرك ولا أخذلك { إنه هو السميع العليم } يعني سميع ~~بمقالتهم، عليم بنقض العهد. قال الفقيه: إنما يجوز الصلح إذا لم يكن ~~للمسلمين قوة القتال. فأما إذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغي أن يصالحوهم ~~وينبغي أن يقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية إن لم يكونوا من العرب، ~~وإنما لم توضع الجزية على العرب وتوضع على غيرهم حتى لا تبقى بقية كفر ~~في أنساب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن العرب كلهم من نسبه ولا توضع ~~حتى يسلموا أو يقتلوا، إنما أمر الله تعالى نبيه بالصلح حين كانت الغلبة ~~للمشركين وكانت بالمسلمين قلة. ثم قال { وإن يريدوا أن ~~يخدعوك } بالصلح يعني يهود بني قريظة أرادوا أن يصالحوك لتكف عنهم ~~حتى إذا جاء مشركو العرب أعانوهم عليك. قال الله تعالى { فإن ~~حسبك الله } يعني إن أرادوا إن يخدعوك فإن حسبك الله بالنصرة لك { ~~هو الذي أيدك } أي: أعانك وقواك { بنصره ~~وبالمؤمنين } يعني الأنصار وهم قبيلتان، الأوس والخزرج. قوله ~~تعالى: { وألف بين قلوبهم } يعني لين قلوبهم من العداوة ~~التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية { لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم } يعني ما قدرت أن ~~تؤلف بينهم { ولكن الله ألف بينهم } بالإسلام { ~~إنه عزيز حكيم } حكم بالألفة بين الأنصار بعد العداوة، وحكم ~~بالنصرة على أعدائه. وروى أبو أسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ~~قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ~~ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) وقال عبد الله: المؤمن متآلف ~~يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. قوله تعالى: { يأيها ~~النبي... } ### || [8.64-66] # { يأيها النبى حسبك ms0643 الله } يعني: حسبك الله بالنصرة ~~والعون لك { ومن اتبعك من المؤمنين }. قال بعضهم من في ~~موضع رفع ومعناه وحسبك من اتبعك من المؤمنين وهم الأنصار ويقال يعني عمر ~~بن الخطاب. ويقال هذه الآية خاصة من هذه السورة نزلت بمكة حين أسلم عمر، ~~وكان المسلمون تسعة وثلاثين. فلما أسلم عمر، تم عددهم أربعون وظهر ~~الإسلام بمكة بإسلام عمر. وقال بعضهم: من في موضع النصب، يعني حسبك ومن ~~اتبعك من المؤمنين وقال الضحاك: ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله وهو ~~ناصرهم في الدنيا والآخرة. ثم قال عز وجل: { يأيها النبى ~~حرض المؤمنين على القتال } يعني حثهم على قتال الكفار. { ~~إن يكن منكم عشرون صبرون } يعني محتسبين في الجهاد، { ~~يغلبوا ماتيين } يعني يقاتلوا مائتين ويثبتوا على القتال ~~لينصرهم الله { وإن يكن منكم ماتة } يعني محتسبة { ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون } أمر الله تعالى. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد. فإن يكن منكم ~~مائة. صابرة يغلبوا ألفا يوم بدر. جعل على كل رجل منهم قتال عشرة فرفعوا ~~أصواتهم بالدعاء فضجوا فجعل على كل رجل قتال رجلين تخفيفا من الله وهو ~~قوله { الئن خفف الله عنكم } يعني هون الله عليكم القتال ~~الذي افترضه عليكم يوم بدر. { وعلم أن فيكم ضعفا } يعني ~~عجزا عن القتال { فإن يكن منكم مائة صابرة } يعني محتسبة ~~صادقة { يغلبوا مائتين } من المشركين { وإن يكن منكم ~~ألف يغلبوا ألفين } من المشركين { بإذن الله } يعني: ~~بأمر الله تعالى وبنصرته { والله مع الصبرين } بالنصر لهم ~~على عدوهم. وقال مقاتل: لم يكن فريضة ولكن كان تحريضا فلم يطق المؤمنون ~~فخفف الله عنهم بعد قتال بدر فنزل { الئن خفف الله عنكم } ~~وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال فرض على المسلمين أن لا ~~يفر رجل من عشرة، ولا عشرة من مائة فجهد الناس وشق عليهم فنزلت هذه الآية ~~الأخرى { الئن خفف الله عنكم } ففرض عليهم أن لا يفر رجل ~~من رجلين ولا قوم من مثلهم فنقص من النصرة بقدر ms0644 ما نقص من العدد. وروى ~~عطاء عن ابن عباس قال: من فر من رجلين فقد فر ومن فر من ثلاثة لم يفر. ~~قال الفقيه: إذا لم يكن معه سلاح ومع الآخر سلاح جاز له أن يفر. لأنه ليس ~~بمقاتل. قوله تعالى: { ما كان لنبي... } ### || [8.67-69] # { ما كان لنبى أن يكون له أسرى } يقول ما ينبغي وما ~~يجوز لنبي أن يبيع الأسارى. يقول لا يقبل الفدية عن الأسارى ولكن السيف { ~~حتى يثخن في الأرض } يعني: حتى يغلب في الأرض على عدوه. قرأ ~~ابن كثير ونافع وابن عامر فإن تكن كلاهما بالتاء بلفظ التأنيث لأن لفظ ~~المائة جماعة العدد مؤنت. وقرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو الأولى خاصة بالياء ~~والأخرى بالتاء. وقرأ الباقون كليهما بالياء بلفظ التذكير لأن الفعل ~~مقدم. وقرأ حمزة وعاصم وعلم أن فيكم ضعفا بنصب الضاد وجزم ~~العين. وقرأ الباقون بضم الضاد ومعناهما واحد. ضعف وضعف وهما لغتان. ~~وقرأ بعضهم ضعفا بضم الضاد ونصب العين وهي قراءة أبي جعفر المدني يعني ~~عجزة. قوله تعالى: { تريدون عرض الدنيا } يعني أتريدون عرض ~~الدنيا وهي الفداء؟ وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسروا ~~الأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما. # " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " # قال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة أرى لهم أن تأخذ منهم الفدية فتكون ~~لنا عدة على الكفار ولعل الله يهديهم الإسلام. وقال عمر أرى أن تمكننا ~~منهم فنضرب أعناقهم. فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ما ~~قال أبو بكر. قال عمر: فلما كان من الغد جئت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان. فقلت يا رسول الله من أي ~~شيء تبكي؟ فقال: # " أبكي للذي عرض علي لأصحابك من أخذهم الفداء " # فنزل { ما كان لنبى أن يكون له أسرى }. وروي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه أحد غير ms0645 عمر " # قرأ أبو عمرو أن تكون له أسرى بلفظ التأنيث. والباقون بلفظ ~~التذكير لأن الفعل مقدم. ثم قال { والله يريد الأخرة } يعني عز ~~الدين { والله عزيز حكيم } عزيز في ملكه حكيم في أمره. قوله ~~تعالى: { لولا كتب من الله سبق } يقول لولا أن الله أحل ~~الغنائم لأمة محمد - عليه السلام - { لمسكم فيما أخذتم } ~~يعني لأصابكم فيما أخذتم من الفداء { عذاب عظيم } ثم طيبها لهم ~~وأحلها لهم فقال عز وجل { فكلوا مما غنمتم حللا طيبا ~~} وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لم تحل ~~الغنيمة لقوم سود الرؤوس قبلكم. كان تنزل نار من السماء فتأكلها حتى كان ~~يوم بدر فوقعوا في الغنائم فأحلت لهم فأنزل الله تعالى لولا كتاب ~~من الله سبق. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي. بعثت إلى الناس كافة، ونصرت بالرعب ~~مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وجعلت لي ~~شفاعة لأمتي يوم القيامة " # وروى الضحاك في قوله تعالى { ما كان لنبى أن يكون له ~~أسرى } قال إنه لما كان يوم بدر ووقعت الهزيمة على المشركين، أسرع ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أخذ أسلاب المشركين، ممن قتل ~~منهم وأخذ الغنائم وفداء الأسرى وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال. فقال عمر ~~رضي الله عنه يا رسول الله: ألا ترى إلى ما يصنع أصحابك؟ تركوا قتال ~~العدو وأقبلوا على أسلابهم وإني أخاف أن تعطف عليهم خيل من خيل المشركين. ~~فنزل { تريدون عرض الدنيا } يعني أتطلبون الغنائم وتتركون ~~القتال { والله يريد الأخرة } يعني قهر المشركين وإظهار ~~الإسلام { والله عزيز حكيم } { لولا كتب من ~~الله سبق } لولا ما سبق في الكتاب يعني أن الغنائم تحل لهذه الأمة ~~لأصابكم عذاب عظيم. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " لو نزل من السماء عذاب ما نجا أحد غير عمر لأنه لم يترك القتال " # وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لولا كتب ~~من الله سبق ms0646 } قال سبقت من الله الرحمة لهذه الأمة قبل أن يعملوا ~~بالمعصية. وقال الحسن: سبقت المغفرة لأهل بدر. وعن الحسن أنه قال: لولا ~~كتاب من الله سبق. قال: في الكتاب السابق من الله تعالى أن لا يعذب ~~قوما إلا بعد قيام الحجة عليهم. وقال سعيد بن جبير لولا ما سبق لأهل بدر ~~من السعادة لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم ~~ويقال لولا كتاب من الله سبق أن لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون. ثم ~~قال { واتقوا الله } فيما أمركم به ولا تعصوه { إن الله ~~غفور رحيم } أي متجاوز يعني: ذو تجاوز فيما أخذتم من الغنيمة قبل ~~حلها وحين إذ أحلها لكم. ### || [8.70] # { يأيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى ~~}.. قرأ أبو عمرو من الأسارى بالضم وزيادة الألف وقرأ الباقون الأسرى ~~بالنصب بغير الألف... فمن قرأ الأسرى فهو جمع الأسير يقال أسير وأسرى مثل ~~جريح وجرحى ومريض ومرضى وقتيل وقتلى من قرأ الأسارى فهو جمع الجمع ويقال ~~هما لغتان بمعنى واحد وذلك # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وضع الفداء على كل إنسان من ~~الأسارى أربعين أوقية من الذهب فكان مع العباس عشرون أوقية من ذهب فأخذها ~~منه ولم يحسبها من فدائه وكان قد خرج بها معه ليطعم بها أهل بدر من ~~المشركين لأنه أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا أطعام أهل بدر وقد جاءت نوبته ~~فأراد أن يطعمهم فاقتتلوا يومئذ فلم يطعمهم حتى أخذ وأخذ ما معه فكلم ~~العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل العشرين أوقية من فدائه ~~فأبى عليه وقال «هذا شيء خرجت لتستعين به علينا فلا نتركه لك» فوضع عليه ~~فدائه وفدى ابن أخيه عقيل فقال العباس تترك عمك يسأل الناس بكفه فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أين الذهب الذي أعطيت لأم الفضل وقلت ~~لها كيت وكيت» فقال له من أعلمك بهذا يا ابن أخي قال «الله أخبرني ". # فأسلم العباس وأمر ابن أخيه أن يسلم فنزل قل لمن في ms0647 أيديكم من الأسارى ~~يعني: العباس وابن أخيه. { إن يعلم الله في قلوبكم خيرا ~~} يعني معرفة وصدقا وإيمانا كقوله # لن يؤتيهم الله خيرا # [هود: 31] أي إيمانا { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } ~~يعني يعطيكم في الدنيا أفضل مما أخذ منكم من الفداء { ويغفر لكم ~~} ذنوبكم. { والله غفور } لما كان منكم في الشرك { رحيم } بكم ~~في الإسلام روى سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال # " بعث العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~البحرين بثمانين ألفا ما آتاه من مال أكثر منه لا قبل ولا بعد قال فنثرت ~~على حصير ونودي بالصلاة فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمثل على ~~المال قائما، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا ~~فيضا. قال فجاء العباس فقال يا رسول الله أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم ~~بدر، ولم يكن لعقيل مال فأعطني من هذا المال. قال «خذ من هذا المال». قال ~~فجثا في خميصته وهب فأراد أن يقوم فلم يستطع فرفع رأسه إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ارفع علي. فتبسم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال «أعد من المال طائفة وقم بما تطيق " # قال ففعل. فجعل العباس يقول وهو منطلق أما إحدى اللتين وعدنا الله تعالى ~~فقد أنجزها فلا ندري ما يصنع في الأخرى وهو قوله { يؤتكم خيرا ~~مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم }. ~~وعن أبي صالح أنه قال: رأيت للعباس بن عبد المطلب عشرين عبدا كل واحد ~~منهم يتجر بعشرة آلاف. قال العباس أنجزني الله أحد الوعدين فأرجو أن ينجز ~~الوعد الثاني. ويقال يؤتكم خيرا مما أخذ منكم يعني الجنة. قوله تعالى: { ~~وإن يريدوا... } ### || [8.71-72] # { وإن يريدوا خيانتك } يعني خلافك ويميلوا إلى الكفر بعد ~~الإسلام { فقد خانوا الله من قبل } يعني عصوا الله وكفروا ~~من قبل { فأمكن منهم } يعني فأمكنك منهم وأظهرك عليهم يوم بدر ~~حتى قهرتهم وأسرتهم { والله عليم } بخلقه { حكيم } حيث أمكنك ~~منهم. يعني ms0648 أن خانوك أمكنتك منهم لتفعل بهم مثل ما فعلت من قبل. قوله ~~تعالى: { إن الذين ءامنوا } يعني صدقوا بتوحيد الله تعالى ~~وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن { وهاجروا } من مكة إلى ~~المدينة أي: { وجهدوا } العدو { بأمولهم وأنفسهم ~~فى سبيل الله } يعني في طاعته وفيما فيه رضاه. ثم ذكر الأنصار ~~فقال { والذين ءاووا ونصروا } يعني أووا ونصروا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين، يعني أنزلوهم وأسكنوهم ديارهم ونصروا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسبق { أولئك بعضهم ~~أولياء بعض } يعني في الميراث وفي الولاية ليرغبهم في الهجرة. ~~وكانت الهجرة فريضة في ذلك الوقت ثم قال { والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا } إلى المدينة { ما لكم من ولايتهم من شيء ~~} في الميراث. قرأ حمزة ولايتهم بكسر الواو. وقرأ الباقون ~~ولايتهم بالنصب يعني النصرة. ومن قرأ بالكسر فهو من الإمارة ~~والسلطان. ثم قال: { حتى يهاجروا } يعني إلى المدينة. يا رسول: ~~هل نعينهم إذا استعانوا بنا؟ يعني الذين آمنوا ولم يهاجروا. فنزل { ~~وإن استنصروكم فى الدين } يعني استعانوا بكم على المشركين ~~فانصروهم { فعليكم النصر } على من قاتلهم { إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق } يعني إلا أن يقاتلوا قوما ~~بينكم وبينهم عهد فلا تنصروهم عليهم وأصلحوا بينهم { والله بما ~~تعملون بصير } في العون والنصرة قوله تعالى: { والذين ~~كفروا... } ### || [8.73-75] # { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } يعني في ~~الميراث يرث بعضهم من بعض { إلا تفعلوه } يعني إن لم تفعلوا، ~~يعني ولاية المؤمنين للمؤمنين والكافرين للكافرين { تكن فتنة فى ~~الارض } يعني بلية { وفساد كبير } يعني سفك الدماء. فافعلوا ما ~~أمرتم واعرفوا أن الولاية في الدين. وقال الضحاك: والذين كفروا: يعين ~~كفار مكة وكفار ثقيف بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه يعني إن لم تطيعوا الله ~~في قتل الفريقين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. وقال مقاتل: وفي الآية ~~تقديم وتأخير ومعناه وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا تفعلوه ~~يعني إن لم تنصروهم على غير أهل عهدكم من المشركين تكن فتنة في الأرض. ~~يعني كفر وفساد كبير في الأرض ثم ms0649 قال: { والذين ءامنوا ~~وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين ءاووا } ~~يعني أنزلوا وأوطنوا ديارهم المهاجرين { ونصروا } النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وإنما سمي المهاجرون مهاجرين لأنهم هجروا قومهم وديارهم { ~~أولئك هم المؤمنون حقا } يعني صدقا { لهم ~~مغفرة ورزق كريم } يعني ثواب حسن في الجنة. ثم قال تعالى { ~~والذين ءامنوا من بعد } يعني من بعد المهاجرين { ~~وهاجروا } يعني من بعد المهاجرين { وجهدوا معكم ~~فأولئك منكم } يعني على دينكم. { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض } يعني في الميراث من المهاجرين والأنصار. ~~وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة ~~وبالمؤاخاة التي آخى بينهم النبي - عليه السلام - وكانوا يتوارثون ~~بالإسلام وبالهجرة وكان الرجل يسلم ولا يهاجر فلا يرثه أخاه. فنسخ ذلك ~~بقوله { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } وروى ~~الحسن بن صالح عن ابن عباس أنه قال: هيهات " هيهات " أين ذهب عبد الله بن ~~مسعود: إنما كان المهاجرين يتوارثون دون الأعراب فنزل { وأولو ~~الارحام بعضهم أولى ببعض } ثم قال { فى كتب ~~الله } يعني في حكم الله. كقوله تعالى # كتب الله لأغلبن # [المجادلة: 21] يعني حكم الله تعالى، ويقال في كتاب الله أي: مبين في ~~القرآن، ويقال في كتاب الله يعني في اللوح المحفوظ { إن الله ~~بكل شىء عليم } من قسمة المواريث وبما فرض عليكم من المواريث " ~~والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد " ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1-2] # { براءة من الله ورسوله } أي تبرؤ من الله ورسوله إلى من ~~كان له عهد من المشركين، من ذلك العهد، ويقال براءة أي قطيع من الله ~~ورسوله إلى من كان له عهد من المشركين من ذلك العهد. ويقال معناه هذه ~~الآية براءة من الله ورسوله، ويقال هذه السورة براءة من الله ورسوله { ~~إلى الذين عاهدتم من المشركين } وقال ابن عباس، ~~البراءء نقض العهد إلى الذين عاهدتم من المشركين يقول من كان بينه وبين ~~رسول الله عهد فقد نقضه، وذلك أن المشركين نقضوا عهودهم قبل الأجل وأمر ~~الله تعالى نبيه فيمن كان له عهد أربعة أشهر أن ms0650 يقره إلى أن يمضي أربعة ~~أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك أن يحطه إلى أربعة أشهر. وروى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد قال: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حين ~~فرغ منها فأراد الحج. ثم قال إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا أحب ~~أن أحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر وعليا فطافا في الناس بذي المجاز ~~وبأمكنتهم التي كانوا يجتمعون بها فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة ~~أشهر وهي الأشهر الحرام ثم لا عهد لهم فذلك قوله تعالى { فسيحوا فى ~~الأرض أربعة أشهر } يعني فسيروا في الأرض أربعة أشهر آمنين ~~غير خائفين { واعلموا أنكم غير معجزي الله } يعني ~~غير سابقي الله بأعمالكم وغير فائتين بعد الأربعة الأشهر ومعناه إنكم وإن ~~أجلتم هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا الله { وأن الله } يعني ~~واعلموا أن الله { مخزي الكافرين } يعني مذل الكافرين ويقال معذب ~~الكافرين في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار. ثم قال عز وجل: { ~~وأذان من الله... } ### || [9.3-4] # { وأذان من الله ورسوله } يعني إعلام من الله ورسوله. عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ببراءة فقيل له ما كنتم تنادون قال ~~كنا ننادي إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان ~~بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فإن أجله إلى أربعة ~~أشهر، فإذا مضت الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد ~~العام مشرك. ويقال بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ومعه ~~عشر آيات وأمره أن يقرأها على أهل مكة، ثم بعث عليا وأمره أن يقرأ هذه ~~الآيات. ويقال إنما أمر عليا بالقراءة لأن أبا بكر كان خفيض الصوت وكان ~~علي جهوري الصوت فأراد أن يقرأ علي حتى يسمعوا جميعا فذلك قوله تعالى: ~~{ وأذان من الله ورسوله } { إلى الناس يوم ~~الحج الأكبر } وروى الأعمش عن عبد الله ms0651 بن أبي سنان قال خطبنا ~~المغيرة بن شعبة يوم النحر فقال هذا يوم النحر وهذا يوم الحج الأكبر. ~~وقال الحسن إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو بكر فاجتمع فيها المسلمون ~~والمشركون ووافق أيضا عيد اليهود والنصارى فلذلك سمي الحج الأكبر ~~لاجتماع المسلمين والمشركين في ذلك اليوم. وروي عن علي رضي الله عنه ~~قال: الحج الأكبر يوم النحر وروي عن محمد بن قيس بن مخرمة أن النبي - ~~عليه السلام - قال # " الحج الأكبر يوم عرفة " # وإنما سمي يوم عرفة يوم الحج الأكبر لأنه يوقف بعرفة. ويقال الحج الأكبر ~~هو الحج والحج الأصغر هو العمرة. كما قال ابن عباس رضي الله عنهما العمرة ~~هي الحجة الصغرى. وقال ابن أبي أوفى الحج الأكبر يوم إهراق الدماء وحلق ~~الشعر وهو يوم النحر. { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } يعني ورسوله أيضا بريء من المشركين. وقرأ بعضهم ~~ورسوله بنصب اللام ومعناه أن رسوله بريء من المشركين وهي قراءة شاذة ~~ثم قال { فإن تبتم } يعني: رجعتم من الكفر { فهو خير لكم ~~} من الإقامة عليه { وإن توليتم } يعني: أبيتم الإسلام وأقمتم ~~على الكفر وعبادة الأوثان { فاعلموا أنكم غير معجزى ~~الله } يعني: لن تفوتوا من عذابه. ثم قال { وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم } وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة ~~إلى الأبد في النار. ثم استثنى الذين لم ينقضوا العهد فقال { إلا ~~الذين عهدتم من المشركين } وهم بنو كنانة وبنو ضمرة { ~~ثم لم ينقصوكم شيئا } من عهودكم { ولم يظهروا ~~عليكم أحدا } يقول ولم يعاونوا عليكم أحدا { فأتموا ~~إليهم عهدهم إلى مدتهم } يعني: إلى إتمام أجلهم { ~~إن الله يحب المتقين } الذين يتقون نقض العهد. قوله ~~تعالى: { فإذا انسلخ... } ### || [9.5-7] # { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } يقول إذا مضى الأشهر التي ~~جعلتها أجلهم { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } في ~~الحل والحرم، يعني المشركين الذين لا عهد لهم بعد ذلك الأجل. ويقال إن ~~هذه الآية { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } نسخت ~~سبعين آية في القرآن من الصلح والعهد والكف مثل قوله # قل لست عليكم بوكيل ms0652 # [الأنعام: 66] وقوله # لست عليهم بمسيطر # [الغاشية: 22] وقوله # فأعرض عنهم # [النساء: 63] وقوله # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6] وما سوى ذلك من الآيات التي نحو هذا صارت كلها منسوخة ~~بهذه الآية ثم قال { وخذوهم } يعني أيسروهم وشدوهم بالوثاق { ~~واحصروهم } يعني إن لم تظفروا بهم فاحصروهم في الحصن والحصار. قال ~~الكلبي: يعني واحبسوهم عن البيت الحرام أن يدخلوه وقال مقاتل: واحصروهم ~~يعني التمسوهم. { واقعدوا لهم كل مرصد } يعني: ارصدوا لهم ~~بكل طريق، وقال الأخفش: يعني اقعدوا لهم على كل مرصد. وكلمة على محذوفة ~~من الكلام ومعناه واقعدوا لهم على كل طريق يأخذون. { فإن تابوا } من ~~الشرك { وأقاموا الصلاة } يعني: وأقروا بالصلاة { وآتوا ~~الزكاة } يعني: وأقروا بالزكاة المفروضة { فخلوا سبيلهم } ~~يعني: اتركوهم ولا تقتلوهم { إن الله غفور رحيم } يعني غفور ~~لما كان من الذنوب في الشرك، رحيم بهم بعد الإسلام. فقال رجل من المشركين ~~يا علي. إن أراد رجل منا بعد انقضاء الأجل أن يأتي لمحمد ويسمع كلامه أو ~~يأتيه لحاجة أيقتل؟ فقال علي لا. يقول الله تعالى { وإن أحد من ~~المشركين استجارك } يعني: استأمنك. ويقال فيه تقديم، ومعناه ~~وإن استجارك أحد من المشركين، يقول إن طلب أحد من المشركين منك الأمان { ~~فأجره } أي: فأمنه { حتى يسمع كلام الله } يعني: أعرض ~~عليه القرآن حتى يسمع قراءتك كلام الله تعالى. فإن أبى أن يسلم. { ثم ~~أبلغه مأمنه } يقول فرده إلى مأمنه من حيث أتاك { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون } يعني أمرتك بذلك لأنهم قوم لا ~~يعلمون حكم الله تعالى، وفي الآية دليل أن حربيا لو دخل دار الإسلام على ~~وجه الأمان يكون آمنا ما لم يرجع إلى مأمنه. ثم قال على وجه التعجب { ~~كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~} ويقال على وجه التوبيخ، يعني: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله. ~~ثم استثنى فقال { إلا الذين عهدتم عند المسجد ~~الحرام } يعني بني كنانة. وبني ضمرة وهم لم ينقضوا العهد فأمر الله ~~بإتمام عهدهم، ويقال هم بنو خزاعة وبنو مدلج وبنو خزيمة. ms0653 { فما ~~استقموا لكم } على وفاء العهد { فاستقيموا لهم } ~~بالوفاء على التمام { إن الله يحب المتقين } الذين يتقون ~~ربهم ويمتنعون عن نقض العهد. # قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا... } ### || [9.8-14] # { كيف وإن يظهروا عليكم } يقول كيف تقاتلوهم، ويقال كيف ~~يكون لهم عهد وقد سبق في الكلام ما يدل على هذا الإضمار، وإن يظهروا ~~عليكم. يقول: يغلبوا عليكم ويظفروا بكم. { لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة } يعني: لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهدا. وقال سعيد ~~بن جبير الإل هو الله. وقال ابن عباس الإل القرابة والذمة العهد. وقال ~~مجاهد لا يرقبون الله ولا عهدا. وعن الضحاك أنه قال الإل القرابة ~~والذمة العهد. { يرضونكم بأفوههم } يعني: بألسنتهم مثل قول ~~المنافقين { وتأبى قلوبهم } يعني وتنكر قلوبهم، يقولون قولا ~~بغير حقيقة { وأكثرهم فسقون } يعني: عاصون بنقض العهد. قوله ~~تعالى: { اشتروا بئايت الله ثمنا قليلا فصدوا ~~عن سبيله } قال مقاتل. باعوا الإيمان بعرض من الدنيا قليل، وذلك أن ~~أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء ليصد بذلك الناس عن متابعة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال الكلبي: اشتروا بآيات الله ثمنا. ~~يقول: كتموا صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كتابهم بشيء من ~~المآكلة، يأخذونه من السفلة { إنهم ساء ما كانوا يعملون } ~~يعني: بئسما كانوا يعملون بصدهم الناس عن دين الله. قوله تعالى: { لا ~~يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } يعني: لا يحفظون في ~~المؤمنين قرابة ولا عهدا { وأولئك هم المعتدون } بنقض ~~العهد وترك أمر الله تعالى. قوله تعالى: { فإن تابوا } من الشرك { ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } يعني: أقروا بهما { ~~فإخوانكم فى الدين } يعني: هم مؤمنون مثلكم { ونفصل ~~الأيت } يعني بين العلامات { لقوم يعلمون } أنه من الله ~~تعالى. قوله تعالى: { وإن نكثوا أيمنهم } يقول: وإن نقضوا ~~عهودهم { من بعد عهدهم } يقول من بعد أجله { وطعنوا } يقول ~~وعابوا { في دينكم } الإسلام { فقتلوا أئمة الكفر } ~~يعني: قادة أهل الكفر ورؤساؤهم { إنهم لا أيمن لهم } قرأ ~~ابن عامر لا إيمان بالكسر وهي قراءة الحسن البصري أي: لا إسلام لهم ms0654 ~~والباقون بالنصب يعني لا قرار لهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر. أية ~~بهمزة واحدة والباقون بهمزتين. ثم قال { لعلهم ينتهون } يعني ~~لعلهم ينتهون عن نقض العهد - ثم حث المؤمنين على قتال كفار قريش وذلك قبل ~~فتح مكة. فقال عز وجل { ألا تقتلون قوما نكثوا ~~أيمنهم } يقول: نقضوا عهودهم من قبل أجلها { وهموا ~~بإخراج الرسول } يقول: هموا بقتال الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- { وهم بدءوكم أول مرة } بنقض العهد حين أعانوا بني بكر ~~على خزاعة { أتخشونهم } لا تقاتلوهم { فالله أحق أن ~~تخشوه } في ترك أمره { إن كنتم مؤمنين } يعني: إن كنتم ~~مصدقين بوعد الله تعالى. ثم وعد لهم النصرة فقال تعالى { قتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم } يعني: بالقتل والهزيمة { ~~ويخزهم } يعني: ويذلهم بالهزيمة { وينصركم عليهم } ~~يعني: على قريش { ويشف صدور قوم مؤمنين } يعني: ويفرح ~~قلوب بني خزاعة. # وفي الآية دلالة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن الله تعالى قد ~~وعد المؤمنين على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعذب الكفار ~~بأيديهم ويخزهم وينصركم فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم. قال ~~الفقيه: حدثنا أبي قال حدثنا أحمد بن يحيى السمرقندي قال حدثنا محمد بن ~~الحسن الجورباري قال حدثنا حماد بن زيد عن عكرمة قال: لما وادع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أهل مكة، وقد كانت بنو خزاعة حلفاء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الجاهلية، وكانت بنو بكر حلفاء قريش، فدخلت بنو ~~خزاعة في صلح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ودخلت بنو بكر في صلح ~~قريش، ثم كان بين بني بكر وبين بني خزاعة فقال، فأمدت قريش بني بكر بسلاح ~~وطعام وظلوا عليهم، ثم إن قريشا خافوا أن يكونوا قد نقضوا العهد وغدروا، ~~فقالوا لأبي سفيان اذهب إلى محمد وجدد العهد، فليس في قوم أطعموا قوما ~~ما يكون فيه نقض العهد، يعني الذي أطعم الطعام لا ينقض عليه العهد. ~~فانطلق أبو سفيان في ذلك. فلما قصد أبو سفيان المدينة. قال رسول الله - ~~صلى الله عليه ms0655 وسلم -: # " قد جاءكم أبو سفيان وسيرجع راضيا بغير قضاء حاجته " # ، فلما قدم أبو سفيان المدينة أتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر جدد الحلف ~~وأصلح بين الناس، فقال له أبو بكر: الأمر إلى الله وإلى رسوله، ثم أتى ~~عمر فقال له نحو ما قال لأبي بكر فقال له عمر: نقضتم؟ فما كان منه جديدا ~~فأبلاه الله وما كان منه متينا أو شديدا فقطعه الله تعالى. فقال له أبو ~~سفيان: ما رأيت كاليوم شاهد عشيرة مثلك. يعني شاهدا على هلاك قومه. ثم ~~أتى فاطمة رضي الله عنها فقال لها يا فاطمة: هل لك في أمر تسودين فيه ~~نساء قريش؟ ثم قال لها نحو ما قال لأبي بكر وعمر فقالت الأمر إلى الله ~~وإلى رسوله. ثم أتى عليا فذكر له نحوا من ذلك. فقال له علي ما رأيت ~~كاليوم رجلا أضل منك. أنت سيد الناس فجدد وأصلح بين الناس، فضرب أبو ~~سفيان يمينه على يساره وقال أجرت الناس بعضهم من بعض ثم رجع إلى قومه ~~فأخبرهم بما صنع فقالوا. ما رأينا كاليوم وافد قوم. والله يا أبا سفيان ~~ما جئنا بصلح فنأمن ولا بحرب فنحذر فقدم وافد بني خزاعة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبره بما صنع القوم ودعاه إلى النصرة فقال في ذلك ~~شعرا: # اللهم إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وزعموا أن لست تدعو أحدا # وهم أذل وأقل عددا # وهم أتونا بالوتين هجدا # نتلوا الكتاب ركعا وسجدا # ثمة أسلمنا ولم ننزع بدا # فانصر رسول الله نصرا أعتدا # وابعث جنود الله تأتي مددا # فيهم رسول الله قد تجردا # فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرحيل. وروي في خبر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: # " والله لأغزون قريشا. والله لأغزون قريشا " # وقال: # " والله لا نصرت إن لم أنصركم " # فخرج إلى مكة ومعه عشرة آلاف رجل. ثم رجعنا إلى حديث عكرمة. قال فتجهزوا ~~وأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس حتى نزلوا ms0656 برمال الظهران. ~~فخرج أبو سفيان من مكة فرأى النيران والعسكر فقال ما هذه؟ فقيل هؤلاء بنو ~~تميم. فقال والله هؤلاء أكثر من أهل منى. فلما علم أنه رسول الله - ~~عليه الصلاة والسلام - تنكر وأقبل يقول دلوني على العباس. فأتاه فانطلق ~~به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدخله عليه فقال له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " يا أبا سفيان أسلم تسلم " # فقال كيف أصنع باللات والعزى. قال حماد بن زيد حدثني أبو الخليل عن سعيد ~~بن جبير أن عمر رضي الله عنه قال وهو خارج من القبة وفي عنقه السيف أخر ~~عليهما. أما والله لو كنت خارجا عن القبة ما سألت عنهما أبدا. قال من ~~هذا؟ فقالوا عمر بن الخطاب فأسلم أبو سفيان. فانطلق به العباس إلى منزله ~~فلما أصبح رأى الناس قد تحركوا للوضوء والصلاة فقال أبو سفيان للعباس يا ~~أبا الفضل أو أمروا في بشيء؟ قال لا ولكنهم قاموا إلى الصلاة. فتوضأ ~~ثم انطلق به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فلما قام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة قاموا فلما كبر كبروا فلما ركع ركعوا ~~فلما سجد سجدوا. فقال أبو سفيان يا أبا الفضل ما رأيت كاليوم طاعة قوم، ~~لا فارس الأكارم ولا الروم ذات القرون. قال حماد بن زيد فزعم يزيد بن ~~حازم عن عكرمة أنه قال يا أبا الفضل أصبح ابن أخيك عظيم الملك. فقال له ~~العباس إنه ليس بملك ولكنها نبوة قال هو ذاك. وقال حماد. قال أيوب ثم قال ~~واصباح قريش. وقال العباس يا رسول الله لو أذنت لي فأتيتهم ودعوتهم ~~وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئا يذكر به. قال # " فافعل " # فركب العباس بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل مكة فنادى يا ~~أهل مكة أسلموا تسلموا فقد استبطأتم بأشهب باذل. قد جاءكم الزبير من أعلا ~~مكة. وجاء خالد من أسفل مكة، وخالد وما خالد، والزبير وما الزبير. ثم قال ~~من أسلم فهو آمن ومن ألقى سلاحه ms0657 فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ~~ومن أغلق بابه فهو آمن. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظهر ~~عليهم فآمن الناس جميعا إلا بني بكر من خزاعة. فقاتلتهم خزاعة إلى نصف ~~النهار فأنزل الله تعالى { قتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور ~~قوم مؤمنين } وهم خزاعة ### || [9.15-16] # { ويذهب غيظ قلوبهم } يعني: حقد قلوب خزاعة. وروى مصعب بن ~~سعد عن أبيه قال لما كان يوم فتح مكة آمن الناس إلا ستة ونفر عكرمة بن ~~أبي جهل وعبد الله بن أخطل ومقيس بن ضبابة وعبد الله بن سعد بن أبي السرح ~~وامرأتين. فقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. وروى عبد ~~الله بن رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه # " أن رسول الله - عليه السلام - حين سار إلى مكة ذكر إلى أن قال دخل ~~صناديد قريش من المشركين إلى الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم. ~~فطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبيت فصلى ركعتين ثم أتى الكعبة ~~فأخذ بعضادتي الباب فقال: «ما تقولون وما تظنون؟» قالوا نقول أخ كريم ~~وابن عم حليم رحيم. قال أقول كما قال يوسف «لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم " # قال فخرجوا كأنما نشروا من القبور ودخلوا في الإسلام، # " وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الباب الذي يلي الصفا فخطب ~~والأنصار أسفل منه، فقالت الأنصار بعضهم لبعض أما إن الرجل أخذته الرأفة ~~بقومه وأدركته الرغبة في قرابته، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أقلتم كذا وكذا؟ والله إني رسول الله حقا، إن المحيا لمحياكم ~~وإن الممات لمماتكم» فقالوا يا رسول الله قلنا مخافة أن تفارقنا ضنا بك. ~~قال «أنتم الصادقون عند الله وعند رسوله " # قال الله تعالى { ويتوب الله على من يشاء } يعني من أهل ~~مكة يهديهم الله لدينه { والله عليم } بمن يؤمن من خلقه { حكيم ~~} في أمره. قوله تعالى: { أم حسبتم أن تتركوا } وذلك أنه ~~لما أمرهم الله تعالى بالقتال شق ذلك ms0658 على بعض المؤمنين. فنزل قوله { أم ~~حسبتم أن تتركوا } يعني أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها ~~المؤمنون ولا تبتلوا بالقتال ولا تؤمروا به { ولما يعلم الله ~~الذين جهدوا منكم } يعني لم يميز الذين جاهدوا منكم من ~~الذين لم يجاهدوا، وقد كان يعلم الله تعالى ذلك منهم قبل أن يجاهدوا وقبل ~~أن يخلقهم، ولكن كان علمه علم الغيب ولا يستوجبون الجنة والثواب بذلك ~~العلم وإنما يستوجبون الثواب والعقاب بما يظهر منهم من الجهاد. ويقال ~~معناه أظننتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد وبغير تعب النفس. وهكذا قال في ~~آية أخرى # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] وكما قال في رواية أخرى # الم أحسب الناس أن يتركوا # [العنكبوت: 2] الآية. ثم قال { ولم يتخذوا من دون الله ~~ولا رسوله } يعني: لم يتخذوا من دون الله تعالى ولا رسوله يعني ولا ~~من دون رسوله { ولا المؤمنين } يعني: ويميز الذين لا يتخذون ~~وليا من دون الله ورسوله والمؤمنين، يميزهم من غيرهم { وليجة } ~~يعني: بطانة من غير أهل دينه يفشي إليه سره. # وقال الزجاج: الوليجة البطانة وهي مأخوذة من ولج الشيء إذا دخل، يعني: ~~ولم يتخذوا بينهم وبين أهل الكفر خلة ومودة، ويقال نزلت في حاطب بن ~~أبي بلتعة حين كتب ألى أهل مكة يخبرهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يريد الخروج إليهم، وأراد بذلك مودة أهل مكة، وفيه نزلت يا ايها الذين ~~آمنوا # لا تتخذوا عدوي وعدوكم # [الممتحنة: 1] الآية ثم قال تعالى { والله خبير بما ~~تعملون } يعني من الخير والشر والجهاد والتخلف ومودة أهل الكفر. ~~قوله تعالى: { ما كان للمشركين... } ### || [9.17-18] # { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين ~~}. قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مساجد بلفظ الجماعة ~~وكذلك الثاني يعني جميع المساجد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأول مسجد ~~بغير ألف والثاني بألف. وروي عن ابن كثير كلاهما بغير ألف، يعني المسجد ~~الحرام. ومن قرأ مساجد أيضا يجوز أن يحمل على المسجد الحرام لأنه يذكر ~~المساجد ms0659 ويراد به مسجد واحد كما قال: # يأيها الرسل # [المؤمنون: 51] يعني به النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال تعالى: { ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر } يعني ما كانت لهم عمارة ~~المسجد في حال إقرارهم بالكفر، يعني لا ثواب لهم بغير إيمان { ~~أولئك حبطت أعملهم } يعني بطل ثواب أعمالهم، ويقال ~~شاهدين على أنفسهم يعني كلامهم يشهد عليهم بالكفر { وفى النار هم ~~خلدون } يعني يكونون في النار هم خالدين، ويقال شاهدين عليهم يوم ~~القيامة، فلا ينفعهم عمارة المسجد بغير إيمان. وروى أسباط عن السدي في ~~قوله شاهدين على أنفسهم بالكفر أنه قال: يسأل النصراني ما أنت؟ فيقول ~~نصراني. ويسأل اليهودي ما أنت؟ فيقول يهودي، ويسأل المشرك ما أنت؟ فيقول ~~مشرك. فذلك قوله تعالى: { شاهدين على أنفسهم بالكفر }. ~~ويقال هذه الآية نزلت في شأن العباس حين أسر يوم بدر فأقبل عليه نفر من ~~المهاجرين وعيروه بقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - وبقطيعة الرحم. ~~فقال العباس مالكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟ فقال له علي فهل ~~لكم من المحاسن شيء؟ فقال نعم إنا نعمر المسجد الحرام ونحج الكعبة ونسقي ~~الحاج ونفك العاني ونفادي الأسير ونؤمن الخائف ونقري الضيف. فنزل { ما ~~كان للمشركين } إلى قوله { أولئك حبطت أعملهم ~~وفى النار هم خلدون } قوله تعالى: { إنما يعمر ~~مسجد الله من ءامن بالله } يعني صدق بوحدانية الله ~~تعالى { واليوم الأخر } يعني آمن بالبعث بعد الموت، لأن عمارة ~~المسجد بإقامة الجماعات وهم كانوا لا يقيمون الصلاة. فلم يكن ذلك عمارة ~~المسجد فذلك قوله { وأقام الصلاة } يعني يداوم على الصلوات الخمس ~~ويقيمها بركوعها وسجودها في مواقيتها { وآتى الزكاة } المفروضة { ~~ولم يخش إلا الله } يعني ولم يوحد إلا الله ولم يعبد غيره { ~~فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } يعني: ~~أولئك هم المهتدون لدينه ولهم ثواب أعمالهم. قوله تعالى: { أجعلتم ~~سقاية... } ### || [9.19-23] # { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن ءامن بالله واليوم الأخر وجهد فى سبيل ~~الله } يعني كإيمان من آمن بالله وجاهد. وقال القتبي: أجعلتم سقاية ~~الحاج يعني: صاحب سقاية الحاج كمن آمن ms0660 بالله. ويقال أجعلتم سقاية الحاج ~~كإيمان من آمن بالله. كما قال في آية أخرى # لهدمت صومع وبيع وصلوت ومسجد يذكر ~~فيها اسم الله كثيرا # [الحج: 40] والصلوات لا تهدم وإنما أراد به بيوت الصلوات كما قال # من قريتك التى أخرجتك # [محمد: 13] يعني أهل قريتك، كذلك ها هنا سقاية الحاج. أراد به صاحب ~~السقاية. قرأ بعضهم سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام يعني جمع ~~الساقي والعامر وهي قراءة شاذة. ثم قال { لا يستوون عند الله ~~} يعني لا يستوون عند الله في الثواب والعمل عند الله { والله لا ~~يهدى القوم الظلمين } يعني: لا يرشد المشركين إلى الحجة، ~~ويقال لا يكرمهم بالمعرفة ما لم يتركوا كفرهم. كما قال في آية أخرى # والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69] قوله تعالى: { الذين ءامنوا وهاجروا } يعني ~~صدقوا بوحدانية الله يعني: وهاجروا إلى المدينة { وجهدوا فى ~~سبيل الله بأمولهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله } يعني هؤلاء أفضل عند الله وأفضل درجة في الجنة من الذين لم ~~يهاجروا ولم يؤمنوا ولم يعمروا المسجد الحرام ولم يسقوا الحاج { ~~وأولئك هم الفائزون } يعني: الناجون من النار. قوله ~~تعالى: { يبشرهم } يعني يفرحهم { ربهم برحمة منه } ~~يعني بالجنة منه { ورضوان } يعني: رضي الله تعالى عنهم. كما قال في ~~آية أخرى # رضى الله عنهم ورضوا عنه # [المجادلة: 22] بالثواب الذي أعطاهم وقال { وجنت لهم فيها ~~نعيم مقيم } يعني: دائما لا ينقطع عنهم { خلدين فيها } ~~يعني: مقيمين دائمين في الجنات { أبدا } هو تأكيد للخلود { إن ~~الله عنده أجر عظيم } وهي الجنة قوله تعالى: { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخونكم ~~أولياء } يعني لا تتخذوا الذين بمكة أولياء. قال مقاتل: نزلت الآية ~~في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهاهم الله تعالى عن ~~ولايتهم. وقال في رواية الكلبي: لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بالهجرة إلى المدينة، فجعل الرجل يقول لامرأته ولأخيه إنا قد أمرنا ~~بالهجرة فتخرج معه، ومنهم من تعلقت به زوجته وعياله فيقولون له تدعنا لمن ~~حتى نضيع؟ فيرق لهم ويجلس معهم، فنزل ms0661 { يأيها الذين ءامنوا ~~لا تتخذوا ءاباءكم وإخونكم أولياء } في الدين ~~والعون { إن استحبوا الكفر } يعني إن اختاروا الكفر { على ~~الإيمن } ويقال اختاروا الجلوس مع الكفار على الجلوس مع المؤمنين { ~~ومن يتولهم منكم } بعد نزول هذه الآية { فأولئك هم ~~الظلمون } الضارون بأنفسهم. قوله تعالى: { قل إن كان... } ### || [9.24-25] # { قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخونكم ~~وأزوجكم وعشيرتكم } يعني قومكم. قرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~وعشيراتكم بالألف بلفظ الجماعة وقرأ الباقون بغير ألف { ~~وأمول اقترفتموها } يعني اكتسبتموها بمكة { وتجرة ~~تخشون كسادها } يعني تخشون أن تبقى عليكم فلا تنفق { ~~ومسكن ترضونها } يعني منازلكم التي بمكة تعجبكم الإقامة ~~فيها { أحب إليكم من الله ورسوله } يعني أن كان هذه ~~الأشياء أحب إليكم من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة - { وجهاد ~~في سبيله } يعني في طاعة الله تعالى { فتربصوا } يعني: ~~فانتظروا { حتى يأتى الله بأمره } يعني فتح مكة، ويقال ~~الموت والقيامة. وقال الضحاك. حتى يأتي الله بأمره يعني: حتى يأمر الله ~~بقتال آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم. ثم قال { والله لا ~~يهدى القوم الفسقين } وهذا وعيد من الله تعالى للذين لم ~~يهاجروا. ويقال من أول سورة براءة إلى قوله # ونفصل الأيت لقوم يعلمون # [التوبة: 11] نزلت بعد فتح مكة، ثم من قوله # وإن نكثوا أيمنهم # [التوبة: 12] إلى ههنا كان نزل قبل فتح مكة، فوضع ههنا، ثم ما بعد هذا ~~نزل بعد فتح مكة وهو قوله تعالى { لقد نصركم الله فى ~~مواطن كثيرة ويوم حنين } وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد # [التوبة:5] فأمرهم الله تعالى بأن يقاتلوا ويتوكلوا على الله ويطلبوا ~~النصرة منه ولا يعتمدوا على الكثرة والقلة لأن النصرة من الله تعالى. ~~فذلك قوله تعالى: { لقد نصركم الله فى مواطن كثيرة } ~~يعني: نصركم الله في مواطن كثيرة (وهو يوم بدر ويوم بني قريظة ويوم خيبر ~~ويوم فتح مكة) وخاصة يوم حنين. { إذ أعجبتكم ~~كثرتكم } يعني: جماعتكم { فلم تغن عنكم شيئا } يعني: ~~عن قضاء الله تعالى كثرتكم شيئا، وذلك ms0662 أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خرج إلى حنين في اثني عشر ألفا وعشرة آلاف التي خرجت معه من ~~المدينة إلى فتح مكة، وخرج معه ألفان من أهل مكة، فقال رجل من المسلمين ~~يقال له سلمة بن سلام لن نغلب اليوم من قلة، وقد كان فتح مكة في شهر ~~رمضان وبقيت عليه أيام من رمضان، فمكث حتى دخل شوال، فبعث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رجلا من بني سليم عينا له يقال له عبد الله بن ~~أبي حدرد، فأتى حنينا، وكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع من مالك بن عوف ~~أمير القوم يقول لأصحابه أنتم اليوم أربعة آلاف رجل فإذا لقيتم العدو ~~فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا جفون سيوفكم، فوالله لا تضربون ~~بأربعة آلاف سيف شيئا إلا أفرج لكم، وكان مالك بن عوف على هوازن. # فأقبل ابن أبي حدرد حتى أتى النبي - عليه السلام - فأخبره بمقالتهم. ~~فقال رجل من المسلمين فوالله يا رسول الله لا نغلب اليوم من كثرة، فساء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمته، وابتلى الله المؤمنين بكلمته ~~تلك. قال الفقيه حدثنا أبو جعفر قال حدثنا الفقيه علي بن أحمد الفارسي ~~قال حدثنا نصير بن يحيى قال حدثنا أبو سليمان. قال حدثنا الفقيه محمد بن ~~الحسن عن مجمع بن يعقوب عن إسحاق بن عبد الله عن أبي طلحة قال سمعت أنس ~~بن مالك يقول: لما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى وادي حنين ~~وهو وادي من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن جيش لا ~~والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة، وقد ساقوا ~~أموالهم ونساءهم وأبناءهم وراءهم ثم صفوا فحملوا النساء فوق الإبل وراء ~~صفوف الرجال ثم جاؤوا بالإبل والغنم وراء ذلك لكيلا يفروا بزعمهم، فلما ~~رأينا ذلك السواد حسبناهم رجالا كلهم فلما انحدرنا والوادي وهو وادي ~~حدور، فبينا نحن فيه إن شعرنا. أي: ما شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا ~~من مضايق الوادي وشعبه فحملوا علينا ms0663 حملة رجل واحد، وقد كانت قريش بمكة ~~طلبوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا معه إلى حنين فلم يقل ~~لهم لا، ولا نعم، فخرجوا وكانوا هم أول من انهزم من الناس. قال أنس: ~~فولوا دبرهم وأتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء، فسمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يومئذ يقول: والتفت عن يمينه وعن يساره يا أنصار ~~الله وأنصار رسوله: أنا عبد الله ورسوله، صابر اليوم، ثم تقدم بحربته ~~أمام الناس. فوالذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنا برمح حتى هزم الله ~~تعالى. ثم رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المعسكر وأمر بطلبهم وأن ~~يقتل كل من قدر عليه منهم وجعلت هوازن تولي، وثاب من انهزم من المسلمين. # قال الراوي: فقالت: أم سليم وكانت يومئذ تقاتل شادة على بطنها بثوب ~~تقول: أرأيت يا رسول هؤلاء الذين أسلموا وفروا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم، ~~إن أمكنك الله تعالى منهم فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يا أم سليم عفو الله أوسع. وروي في خبر آخر ~~أن دريد بن الصمة كان شيخا كبيرا في عسكر مالك بن عوف، وكان صاحب ~~تدبير، وكان لا يبصر شيئا ما لم ترفع حاجباه، فقال مالي أسمع رغاء الإبل ~~وثغاء الغنم وصوت الصبيان. فقالوا له إن مالك بن عوف أمر بإخراج الأموال ~~لكي يقاتل كل واحد منهم عن ماله. # فقال لهم هلا أخبرتموني بذلك قبل الخروج، فالرجل إذا جاءته الهزيمة متى ~~يبالي بماله وولده؟ ولكن إذا فعلتم ذلك فاكسروا جفون سيوفكم واحملوا حملة ~~رجل واحد. ففعلوا ذلك فانهزم المسلمون، ولم يبق مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد ~~المطلب وعدة من الأنصار. فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بغلته ~~وأخذ السيف ومضى نحو العدو وجعل ينادي يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة ~~البقرة إلي إلي، فأمده الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة. ورجع ms0664 إليه ~~المسلمون وانهزم المشركون وأخذ المسلمون أموالهم، وهو الذي يسمى يوم ~~أوطاس فنزلت هذه الآية: { لقد نصركم الله فى مواطن ~~كثيرة ويوم حنين } فأخبر الله تعالى أن الغلبة ليست بكثرتكم ~~ولكن بنصرة الله تعالى وكان ذلك من آيات الله ثم قال { وضاقت ~~عليكم الارض بما رحبت } يعني برحبتها وسعتها من خوف العدو { ~~ثم وليتم مدبرين } يعني منهزمين لا يلوون على أحد. قوله ~~تعالى: { ثم أنزل الله... } ### || [9.26-28] # { ثم أنزل الله سكينته على رسوله } يعني: رحمته { ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها } يعني خمسة ~~آلاف من الملائكة، وفي الآية دليل أن المؤمن لا يخرج من الإيمان وإن عمل ~~الكبيرة لأنهم ارتكبوا الكبيرة حيث هربوا، وكان عددهم أكثر من عدد ~~المشركين فسماهم الله تعالى مؤمنين { وعذب الذين كفروا } ~~يعني بالقتل والهزيمة { وذلك } يعني: ذلك العذاب { جزاء ~~الكفرين } أي عقاب. قوله تعالى: { ثم يتوب الله من ~~بعد ذلك على من يشاء } من أصحاب مالك بن عوف من كان أهلا ~~للإسلام. وروي عن محمد بن كعب القرظي قال # " لما انهزم مالك بن عوف سار مع ثلاثة آلاف، فقال لأصحابه هل لكم أن ~~تصيبوا من محمد مالا؟ قالوا نعم فأرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إني أريد أن أسلم فما تعطيني؟ فأرسل إليه النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~«إني أعطيك مائة من الإبل ورعاتها»، فجاء فأسلم، فأقام يومين أو ثلاثة ~~فلما رأى المسلمين ورقتهم وزهدهم واجتهادهم رق لذلك، فقال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «يا ابن عوف ألا نفي لك بما أعطيناك من الشرط؟ " # فقال يا رسول الله أمثلي من يأخذ على الإسلام شيئا؟. قال فكان مالك بن ~~عوف بعد ذلك ممن افتتح عامة الشام. ثم قال الله عز وجل { والله ~~غفور } لما كان من الشرك { رحيم } بهم في الإسلام. قوله تعالى: { ~~يأيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس } يعني: ~~قذر ورجس ولم يقل أنجاس لأن النجس مصدر والمصدر لا يثنى ولا يجمع { ~~فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } ~~فهذه الآية من الآيات ms0665 التي قرأها عليهم علي بن أبي طالب بمكة. يعني لا ~~يدخلوا أرض مكة. وقال مقاتل يعني الحرم كله. وقال مالك بن أنس لا يجوز ~~للكفار أن يدخلوا المساجد، لأن الله تعالى قال إنما المشركون نجس، كما أن ~~الجنب لا يجوز له أن يدخل المسجد. وقال الزهري: له أن يدخل جميع المساجد ~~إلا المسجد الحرام. وهو قول الشافعي رحمه الله وقال أبو حنيفة رضي الله ~~عنه وأصحابه يجوز للذمي أن يدخل جميع المساجد لأن الكفار كانوا يدخلون ~~مسجد المدينة إذا قدموا وافدين من قومهم. وهذه الآية نزلت في شأن أهل ~~الحرب. إنهم لا يدخلون المسجد الحرام بغير أمان، ولا يكون لهم ولاية ~~البيت. وروي عن جابر ابن عبد الله أنه قال: لا يدخلون المسجد الحرام إلا ~~برق أو عهد. ثم قال تعالى: { وإن خفتم عيلة } يعني حاجة ~~وفقرا. وقال الزجاج: العيلة الفقر. كما قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # ولا يدري الغني متى يعيل # ثم قال { فسوف يغنيكم الله من فضله } وذلك أنه لما منع ~~المشركون من مكة قال أناس من التجار لأهل مكة من أين تأكلون إذا فعلتم ~~هذا؟ فنزل { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله } يعني من رزقه ففرحوا بذلك، فأسلم أهل جده وصنعاء من أهل اليمن ~~فحملوا الطعام إلى مكة من البر والبحر وأغناهم الله تعالى بذلك يعني ~~أغناهم عن تجار الكفار بالمؤمنين ثم قال { إن شاء } يعني: يدوم لكم ~~بمشيئة الله تعالى { إن الله عليم } بخلقه { حكيم } في أمره. ~~قوله تعالى: { قاتلوا الذين... } ### || [9.29] # { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } يعني: لا يصدقون ~~بتوحيد الله { ولا باليوم الأخر } بالبعث بعد الموت { ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله } في التوراة والإنجيل ~~والقرآن { ولا يدينون دين الحق } يقول لا يخضعون لدين الحق ~~ولا يقرون بشهادة لا إله إلا الله ومعناه: لا يؤمنون بالله إيمان ~~الموحدين لأن أهل الكتاب كانوا يقرون بالله ولكنهم قالوا لله ولد، وأقروا ~~بالبعث ولكنهم لا يقرون لأهل الجنة بالنعمة لأنهم لا يقرون بالأكل ms0666 والشرب ~~والجماع، فليس يدينون دين الحق يعني دين الإسلام، ويقال دين الله تعالى ~~لأن الله تعالى هو الحق، فأمر الله تعالى بقتلهم إلا أن يعطوا الجزية وهو ~~قوله تعالى: { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم ~~صغرون } قال بعضهم: عن قهر وذل كما يقال اليد في هذا لفلان. يعني ~~الأمر النافذ لفلان، ويقال عن يده يعني: عن إنعام عليهم بذلك. لأن قبول ~~الجزية وترك أنفسهم يد ونعمة عليهم، ويقال عن اعتراف للمسلمين بأن أيديهم ~~فوق أيديهم، ويقال عن يد يعني: عن قيام يمشون بها صاغرين تؤخذ من ~~أيديهم. وقال الأخفش: يعني: كرها وهم صاغرون يعني ذليلين. قال الفقيه ~~قتال الكفار على ثلاثة أنواع. في وجه يقاتلون حتى يسلموا. ولا يقبل منهم ~~إلا الإسلام. وهم مشركو العرب والمرتدون من الأعراب أو من غيرهم، وفي وجه ~~آخر يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وهم اليهود والنصارى والمجوس، ~~فأما اليهود والنصارى بهذه الآية وأما المجوس بالخبر. وهو قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - # " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " # وفي الوجه الثالث واختلفوا فيه، وهم المشركون من غير العرب وغير أهل ~~الكتاب مثل الترك والهند ونحو ذلك. في قول الشافعي لا يجوز أخذ الجزية ~~منهم. وفي قول أبي حنيفة وأصحابه يجوز أخذ الجزية منهم كما يجوز من ~~المجوس لأنهم من غير العرب. قوله تعالى: { وقالت اليهود... } ### || [9.30-31] # { وقالت اليهود عزير ابن الله } قرأ عاصم والكسائي ~~عزير بالتنوين وقرأ الباقون بغير تنوين. فمن قرأ بالتنوين لأن الابن خبر ~~وليس بنسبة، ومن قرأ بغير التنوين فلالتقاء الساكنين. كما قرأ بعضهم # قل هو الله أحد الله الصمد # [الإخلاص: 1- 2] بغير تنوين فلا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين ~~أجود من طريق أهل اللغة. وإنما قالت اليهود لأنه لما خرب بختنصر ~~بيت المقدس وأحرق التوراة حزنوا على ذهاب التوراة فأملاها عليهم عزير ~~صلوات الله عليه عن ظهر قلبه فتعلموها وفي أنفسهم منها شيء مخافة أن يكون ~~قد زاد فيها أو نقص منها شيئا، فبينما هم كذلك إذ وقعوا على جراب مدفونة ms0667 ~~في قرية فيها التوراة، فعارضوا بها على ما كتبوا من عزير عليه السلام. ~~فلم يزد شيئا ولم ينقص حرفا. فقالوا عند ذلك ما علم عزير هذا إلا وهو ~~ابن الله. { وقالت النصرى المسيح ابن الله } وإنما ~~قالوا ذلك لأن المسيح كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ~~تعالى. فقالوا لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله، ويقال إن الإفراط في ~~كل شيء مذموم، لأن النصارى أفرطوا في حب عيسى - عليه السلام - تغالوا ~~وقالوا فيه ما قالوا. حتى كفروا بسبب ذلك، واليهود أفرطوا بحب عزير ~~وقالوا فيه ما قالوا حتى كفروا، كما أفرطت الروافض في حب علي حتى أبغضوا ~~غيره. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أحبب حبيبك هونا ~~ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك ~~يوما ما. ثم قال تعالى { ذلك قولهم بأفوههم } يعني: ذلك ~~كذبهم بألسنتهم، ويقال معناه يقولون بأفواههم قولا بلا فائدة ولا برهان ~~ولا معنى صحيح تحته ثم قال { يضهئون قول الذين كفروا } ~~يعني: يوافقون قول الذين كفروا { من قبل } حين قالوا الملائكة بنات ~~الله. # وقال قتادة: يشبهون قول الذين كفروا، يعني إن قول اليهود يوافق قول ~~النصارى، وقول النصارى يوافق قول اليهود، ويقال: يتشابهون في قولهم هذا ~~من تقدم من كفر منهم، يعني إنما قالوا اتباعا لهم بدليل قوله تعالى { ~~اتخذوا أحبرهم ورهبنهم } قرأ عاصم يضاهئون بكسر ~~الهاء مع الهمزة وهي لغة لبعض العرب. وقرأ الباقون بالسكون بغير همزة وهي ~~اللغة المعروفة. وقال القتبي: يضاهون يعني: يشبهون يعني: قول من كان في ~~عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليهود والنصارى قول أوليهم الذين ~~كانوا قبلهم. ثم قال { قتلهم الله } يعني لعنهم الله { أنى ~~يؤفكون } يعني: من أين يكذبون بتوحيد الله تعالى. ثم قال عز وجل { ~~اتخذوا أحبرهم } يعني علماءهم { ورهبنهم } يعني: ~~أصحاب الصوامع والمتعبدين منهم { أربابا من دون الله } يعني: ~~اتخذوهم كالأرباب. # يطيعونهم في معاصي الله تعالى. قال الفقيه الزاهد ms0668 حدثنا الفقيه أبو ~~جعفر، قال حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن القاري قال حدثنا محمد بن عيسى قال ~~حدثنا الحسن بن يزيد الكوفي عن عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن ~~مصعب بن سعيد # " عن عدي بن حاتم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ من ~~سورة براءة { اتخذوا أحبرهم ورهبنهم أربابا ~~من دون الله } قال «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكن كانوا إذا ~~أحلوا لهم شيئا استحلوا وإذا حرموا عليهم شيئا حرموا " # ثم قال { والمسيح ابن مريم } يعني اتخذوا المسيح ابن مريم ~~ربا من دون الله تعالى { وما أمروا } يقول: وما أمرهم عيسى - عليه ~~السلام - { إلا ليعبدوا إلها وحدا لا إله إلا ~~هو } يعني إلا قوله اعبدوا الله ربي وربكم. ويقال وما أمروا في جميع ~~الكتب إلا ليعبدوا إلها يعني ليوحدوا الله تعالى { إلها واحدا } ثم ~~نزه نفسه فقال تعالى { لا إله إلا هو سبحنه عما ~~يشركون } يعني عما يعبدون من دونه. ثم قال عز وجل: { يريدون أن ~~يطفئوا... } ### || [9.32-33] # { يريدون } يعني اليهود والنصارى { أن يطفئوا نور الله ~~بأفوههم } يعني يريدون (أن) (يردوا القرآن تكذيبا بألسنتهم ~~ويقال: يريدون أن يغيروا دين الإسلام بألسنتهم ويقال: يريدون أن) يبطلوا ~~كلمة التوحيد بكلمة الشرك { ويأبى الله } يعني لا يرضى الله ~~تعالى ولا يترك { إلا أن يتم نوره } يعني يظهر دين الإسلام { ~~ولو كره الكفرون } فيظهره ثم قال تعالى { هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى } يعني بالقرآن والتوحيد { ودين ~~الحق } يعني دين الإسلام ويقال دين الله تعالى { ليظهره على ~~الدين كله } يعني: يظهره بالحجة على الدين كله. ويقال بالقهر ~~والغلبة والرعب في قلوب الكفار. وقال ابن عباس: ليظهره على الدين كله. ~~يعني بعد نزول عيسى عليه السلام لا يبقى أحد إلا دخل في دين الإسلام { ~~ولو كره المشركون }. قوله تعالى: { يأيها الذين... ~~} ### || [9.34-35] # { يأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان } قال السدي: الأحبار اليهود والرهبان النصارى. وقال ابن ~~عباس: الأحبار العلماء والرهبان أصحاب الصوامع { ليأكلون أموال ~~الناس بالبطل } يعني: بالظلم ms0669 بغير الحق { ويصدون عن ~~سبيل الله } يعني: يصرفون الناس عن دين الله، ثم بين الله تعالى ~~حالهم للمؤمنين لكي يحذروا منهم ولا يطيعوهم. قوله تعالى: { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله } أي: يجمعونها ويمنعون زكاتها. قال بعضهم هذا نعت للأحبار ~~والرهبان. وقال بعضهم هذا ابتداء في كل من جمع المال ومنع منه حق الله ~~تعالى. وقال ابن عباس: الكنز الذي لا يؤدى عنه زكاته وروى نافع عن ابن ~~عمر أنه قال: أي مال كان على وجه الأرض لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب صاحبه ~~يوم القيامة. وما كان في بطن الأرض يؤدى زكاته فليس بكنز. وروي عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما كان ~~أكثر منها فهو كنز. ثم قال { فبشرهم بعذاب أليم } يعني أهل ~~هذه الصفة الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. يعني لا ~~يؤدون حقها في طاعة الله تعالى. وقال " ولا ينفقونها " ولم يقل ينفقونهما ~~لأنه انصرف إلى المعنى، يعني لا ينفقون الكنوز. ويقال لا ينفقون الأموال. ~~ويقال يعني الفضة. وقال بعضهم نزلت في شأن الكفار. وقال بعضهم: كان هذا ~~في أول الإسلام، ووجب عليهم أن يؤدوا الفضل ثم نسخ بآية الزكاة. وقال ~~بعضهم: كل مؤمن لا يؤدي الزكاة فهو من أهل هذه الآية. وهو قوله تعالى { ~~يوم يحمى عليها فى نار جهنم } يعني يوقد على الكنوز { ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } ويقال لهم { ~~هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ~~} يعني: فذوقوا العذاب بما كنتم تكنزون. قال الفقيه حدثنا محمد بن الفضل ~~قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا إبراهيم بن يوسف قال حدثنا أبو معاوية ~~عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضوان الله ~~عليهم أنه قال: والذي لا إله غيره لا يعذب رجل بكنز فيمس دينار دينارا ~~ولا درهم درهما. ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل درهم على حدة وكل دينار على ms0670 ~~حده. وروى أبو أمامة الباهلي قال: # " مات رجل من أهل الصفة فوجد في مؤتزره دينار. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «كية»، ومات رجل آخر فوجد في مؤتزره ديناران فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «كيتان " # والمعنى في ذلك أنه قد أصاب ذلك من الغلول. ولو لم يكن أصابه من الغلول ~~لكان لا يستحق العقوبة لأن الزكاة لا تجب في أقل من عشرين دينارا. وقال ~~بعضهم كان هذا في الوقت الذي وجب عليه أن ينفق الفضل. قوله تعالى: { ~~إن عدة الشهور... } ### || [9.36] # { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتب الله } فأعلم الله تعالى المسلمين أن عدة الشهور التي يعدون، ~~اثنا عشر شهرا على منازل العمر. فجعل حجهم وأعيادهم وصيامهم على هذا ~~العدد. فالحج والصوم يكون مرة في الشتاء ومرة في الصيف. وكانت أعياد أهل ~~الكتاب في متعبداتهم في سنتهم على حساب دوران الشمس، على كل سنة ثلاثمائة ~~وخمسة وستين يوما، فجعل شهور المسلمين بالأهلة كما قال الله تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189] ويقال إن عدة الشهور يعني عدد الشهور التي وجبت عليكم ~~الزكاة فيها، اثنا عشر شهرا في كتاب الله يعني في اللوح المحفوظ { ~~يوم خلق السموات والأرض } كتبها عليكم { منها ~~أربعة حرم } يعني رجب وذا القعدة وذا الحجة والمحرم { ذلك ~~الدين القيم } يعني: ذلك الحساب المستقيم لا يزاد ولا ينقص. وقال ~~مقاتل بن حيان ذلك الدين القيم. يعين: ذلك القضاء البين. وهكذا قال ~~الضحاك. ثم قال { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قال بعضهم في ~~الأربعة أشهر. وقال قتادة: الظلم في الشهر الحرام أعظم وزرا مما سوى ~~ذلك. وإن كان الظلم على كل حال غير جائز ولكن الله تعالى يعظم من أمره ~~ما يشاء. ويقال فلا تظلموا فيهن أنفسكم يعني: في هذه الاثني عشر شهرا، ~~ويقال هو على وجه التقديم، إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فلا ~~تظلموا فيهن أنفسكم منها أربعة حرم. يعني وخاصة في الأربعة أشهر. ثم قال ms0671 ~~{ وقاتلوا المشركين كافة } يعني جميعا في الشهر الحرام ~~وغيره. وكان القتال في الشهر الحرام محرما. فنسخ بهذه الآية. وصار ~~مباحا في جميع الشهور. وقال بعضهم: هو غير مباح. ومعنى هذه الآية ~~وقاتلوا المشركين كافة إن قاتلوكم في الشهر الحرام. وإن لم يقاتلوكم لا ~~يجوز. والقول الأول أصح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حاصر الطائف ~~في الشهر الحرام ثم افتتحها بعد ما مضى الشهر الحرام. فلو كان القتال ~~حراما لم يحاصرهم في الشهر الحرام. { كما يقتلوكم كافة } ~~ثم قال { واعلموا أن الله مع المتقين } يعني معينهم ~~وناصرهم. قوله تعالى: { إنما النسيء... } ### || [9.37] # { إنما النسىء زيادة فى الكفر } يعني تأخير المحرم إلى ~~صفر زيادة الإثم في كفرهم. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: كانوا ~~يحجون في ذي الحجة عامين ثم يحجون في المحرم عامين ثم يحجون في صفر عامين ~~وكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافقت حجة أبي بكر رضي الله ~~عنه الآخر من العامين في ذي القعدة قبل حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - من قابل في ذي الحجة وقال في خطبته: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض " # وروى أسباط عن السدي أنه قال: كان رجل من بني مالك بن كنانة يقال له ~~جنادة بن عوف يكني أبا أمامة ينسىء عدد الشهور. وقال في رواية الكلبي: ~~كان اسمه نعيم بن ثعلبة من بني كنانة، وقال في رواية مقاتل كان اسمه ~~ثمامة الكناني، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير ~~بعضهم على بعض فإذا أرادوا أن يغيروا قام الكناني يوم منى، وخطب الناس ~~وقال إني قد أحللت لكم المحرم وحرمت لكم صفر مكانه. فقاتل الناس في ~~المحرم. فإذا كان صفر غمدوا السيوف ووضعوا الأسنة، ثم يقوم من قابل ويقول ~~إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم فذلك قوله تعالى: { يضل به ~~الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما }. قرأ ~~ورش عن ms0672 نافع، وقرأ ابن كثير إنما النسي بتشديد الياء بغير همز. وقرأ ~~الباقون بالهمز ومعناها واحد. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ~~يضل به بضم الياء ونصب الضاد على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ ~~الباقون يضل به بكسر الضاد ويكون معناه أن أخيرهم عمل يضل به الذين ~~كفروا يحلونه عاما ويقاتلون فيه ويحرمونه عاما ولا يقاتلون فيه { ~~ليواطئوا } يعني: ليوافقوا { عدة ما حرم الله ~~فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعملهم } ~~يعني: حسن لهم قبح أعمالهم { والله لا يهدي القوم ~~الكفرين } يعني لا يرشدهم إلى دينه مجازاة لكفرهم قوله تعالى: { ~~يأيها الذين... } ### || [9.38-39] # { يأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم ~~انفروا فى سبيل الله } يعني في الجهاد { اثاقلتم إلى ~~الأرض } يعني: تثاقلتم. فأدغم التاء في الثاء وأجلب الألف لتسكين ما ~~بعد هذه يعني: قعدتم ولم يخرجوا. وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر الناس بالخروج إلى غزوة تبوك وكان في أيام الصيف حين اشتد الحر وطابت ~~الثمار والظلال فكانوا يتثاقلون عن الخروج فعاتبهم الله فقال: { ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة }. يقول آثرتم ~~واخترتم عمل الدنيا على عمل الآخرة. { فما متاع الحياة ~~الدنيا } يعني: منفعة الدنيا { فى الأخرة إلا قليل } ~~يعني: بجنب منفعة الآخرة إلا ساعة. ويقال معناها ما يتمتع به في الدنيا ~~قليل عندما يتمتع به أولياء الله تعالى في الجنة. ثم خوفهم فقال { إلا ~~تنفروا يعذبكم } الله وأصله إن لا تنفروا. فأدغم النون في ~~اللام ومعناه إن لم تنفروا. يعني إن لم تخرجوا إلى الغزو مع نبيكم - صلى ~~الله عليه وسلم - يعذبكم { عذابا أليما } يعني: يسلط عليكم ~~عدوكم ويهلككم { ويستبدل قوما غيركم } خيرا منكم وأطوع ~~لله تعالى { ولا تضروه شيئا } يقول ولا تنقصوا عن ملكه شيئا ~~بجلوسكم عن الجهاد { والله على كل شيء قدير } أن يستبدل ~~بكم قوما غيركم. قوله تعالى: { إلا تنصروه... } ### || [9.40] # { إلا تنصروه فقد نصره الله } يعني إن لم تنصروه ~~وتخرجوا معه إلى غزوة تبوك فالله ينصره كما نصره { إذ أخرجه ms0673 ~~الذين كفروا } يعني: كفار مكة من مكة { ثاني اثنين } يعني ~~كان واحدا من اثنين يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر رضي ~~الله عنه ولم يكن معهما غيرهما. فنصرهما الله تعالى { إذ هما فى ~~الغار } وذلك حين أراد أهل مكة قتله فهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من مكة إلى المدينة فجاء النبي - عليه السلام - إلى بيت أبي بكر فلم ~~يجده فجلس إلى أن جاء أبو بكر فقبل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال مالك بأبي أنت وأمي؟ قال # " ما أرى قريشا إلا قاتلي " # فقال أبي بكر دمي دون دمك ونفسي دون نفسك لا يصنع بك شيء حتى يبدأ بي. ~~فقال # " اخل بي " # قال أبو بكر ليس بك عين إنما هما ابنتاي أسماء وعائشة قال # " قد أذن لي بالخروج من مكة " # فقال أبو بكر يا رسول الله إن عندي بعيرين حبستهما للخروج فخذ أحدهما ~~واركبه. قال # " لا آخذه إلا بالثمن " # فأخذه بالثمن وهي ناقته القصوى فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا ~~بن أبي طالب بأن يبيت مكانه، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو ~~بكر حتى أتيا جبل ثور جبل بأسفل مكة. # قال الفقيه حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل ~~القاضي. قال حدثنا يحيى بن أبي طالب عن عبد الرحمن ابن إبراهيم الرازي ~~قال حدثنا الفرات عن ميمون بن مهران عن عتبة بن محصن عن أمير المؤمنين ~~عمر رضي الله عنه أنه قال: والله لليلة من أبي بكر خير من عمر وآل عمر. ~~فقيل وأي ليلة هي؟ قال لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاربا ~~من أهل مكة ليلا فتبعه أبو بكر فجعل أبو بكر يمشي أمامه مرة ومرة خلفه ~~ومرة عن يمينه ومرة عن يساره. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " ما هذا يا أبا بكر؟ " # قال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك. وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة ~~عن يمينك وعن يسارك لا ms0674 آمن عليك. قال فمشى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت. فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت ~~حمله على عاتقه وجعل يشتد به حتى أتى فم الغار. # فأنزله وقال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله أنا. فإن كان من شيء ~~نزل بي قبلك. فدخل، فلم ير شيئا فحمله وأدخله وقال في رواية محمد بن ~~إسحاق كان الغار معروفا بالهوام فجعل أبو بكر يسد الجحور حتى بقي جحران ~~فوضع عقبيه عليهما حتى أصبح. وقال في رواية عمر وكان في الغار خرق فيه ~~حيات، فخشي أبو بكر أن يخرج منه شيء يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فألقمه قدمه فجعلن يضربنه ويلسعنه وجعلت الدموع تنحدر على خده من شدة ~~الألم ما يجده ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول # " يا أبا بكر لا تحزن " # فذلك قوله تعالى إذ يقول لصاحبه { لا تحزن إن الله معنا ~~فأنزل الله سكينته } يعني الطمأنينة لأبي بكر، فهذه ليلته. # قال الفقيه حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو بكر القاضي قال حدثنا أحمد بن ~~جرير قال حدثنا عمرو بن علي قال حدثنا عون بن عمرو القيس عن مصعب المكي ~~قال: أدركت زيد بن أرقم والمغيرة ابن شعبة وأنس بن مالك يذكرون النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ليلة الغار. أمر الله تعالى شجرة فخرجت في وجه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فسترت وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وإن الله تعالى بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا تزقان حتى وقفتا بين ~~العنكبوت وبين الشجرة، فأقبلت فتيان قريش من كل بطن، معهم عصيهم وقسيهم ~~وهراوتهم حتى إذا كانوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - على قدر مائتي ~~ذراع. الدليل وهو سراقة بن مالك انظروا إلى هذا الحجر. ثم قال لا أدري ~~أين وضع رجله. قال الفتيان أنت لم تخطىء منذ الليلة أثره حتى إذا أصبحنا. ~~قال انظروا في الغار. فاستقدم ms0675 القوم حتى إذا كانوا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على قدر خمسين ذراعا نظروا فإذا حمامتان وحشيتان بفم الغار. ~~فرجعوا وقالوا رأينا حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفنا أنه ليس فيه أحد ~~فسمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرف أن الله درأ بهما عنه فشمت ~~عليهما. يعني أنه بارك عليهما فأحرزهما الله تعالى في الحرم فأفرختا فيه ~~كما هما إلى الآن. وفي خبر آخر زيادة وقد كان أبو بكر أمر عامر بن فهيرة ~~أن يرعى له غنمه بثور. فكان يريح إليهما غنمه وكان عبد الله بن أبي بكر ~~يأتيهما بأخبار أهل مكة فكانا فيه ثلاث ليال، وكانا يريحان الغنم. ~~ويحلبان كل ليلة ما أرادا فلما هدأوا من الالتماس وجاءهم عبد الله بن أبي ~~بكر فأخبرهم بذلك، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعامر ~~بن فهيرة واستأجرا رجلا من بني الدثل يهديهم الطريق يقال له عبد الله بن ~~أريقط. # أخذ بهم أسفل مكة حتى خرجوا قريبا من جدة ثم عارضوا الطريق قريبا من ~~عسفان، ففطن سراقة بن مالك آثارهم فلبس لأمته وركب فرسه حتى أدرك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فرسخت قوائم فرسه فقال يا محمد ادع الله أن يطلق فرسي فإني أرى الحي قد ~~التمسوني. فإن أكن وراءك خير لك فأرد عنك من ورائي من الناس فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " اللهم إن كان صادقا فأطلق فرسه " # فانطلق فرسه. فقال يا محمد خذ سهما من كنانتي فمر به على إبلي، فإن ~~أردت لبونا فخذ، وإن أردت حمولة فخذ، فرجع سراقة فوجد الناس يلتمسون أثر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهم ارجعوا فقد استبرأت لكم ما ها ~~هنا وقد عرفتم من بصيرتي بالآثار. قال فرجعوا عنه. فقدم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع أبي بكر المدينة فذلك قوله تعالى { ثاني ~~اثنين إذ هما فى الغار } قوله تعالى: { إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله ms0676 معنا } وإنما كان يخاف أبو ~~بكر على نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى ذهاب التوحيد ~~والإسلام لا على نفسه. { إن الله معنا } في الدفع عنا { ~~فأنزل الله سكينته عليه } يعني: طمأنينته عليه وروى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يعني: على أبي بكر، لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تزل السكينة معه. وقال حبيب بن أبي ثابت ~~{ فأنزل الله سكينته عليه } يعني: على أبي بكر، وقال في ~~رواية الكلبي: فأنزل الله سكينته على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى سكن واطمأن. قال حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا أحمد بن محمد ~~الحاكم القاضي قال حدثنا أحمد بن جرير قال حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا ~~أبو سوار عن أبي العطوف عن الزهري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لحسان بن ثابت # " هل قلت في أبي بكر شيئا؟ " # قال نعم. قال # " فقل حتى أسمع " # فقال: # وثاني اثنين في الغار المنيف وقد # طاف العدو به إذ يصعد الجبلا # وكان حب رسول الله قد علموا # من البرية لم يعدل به رجلا # قال فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه. وقال # " صدقت يا حسان هو كما قلت " # ثم قال تعالى { وأيده بجنود لم تروها } يعني: قوم بدر ~~والأحزاب وحنين { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } ~~يعني: الشرك بالله تعالى { وكلمة الله هى العليا } يعني: ~~شهادة أن لا إله إلا الله. قرأ الأعمش ويعقوب الخضرمي وكلمة الله ~~بالنصب يعني وجعل كلمة الله. وقراءة العامة وكلمة الله بالضم على ~~معنى الاستئناف { والله عزيز حكيم } حكم بإظهار التوحيد ~~وإطفاء دعوة المشركين. قوله تعالى: { انفروا خفافا... } ### || [9.41-45] # { انفروا خفافا وثقالا } قال الكلبي. خفافا. يعني أهل ~~العسرة من المال وقلة العيال، وثقالا يعني أهل الميسرة في المال والصبية ~~العيال. وقال الكلبي: ويقال فيها وجه آخر. انفروا خفافا يقول نشاطا في ~~الجهاد. وثقالا غير نشاط في الجهاد. وكذا قال مقاتل. ويقال انفروا ~~خفافا وثقالا يعني شبانا وشيوخا ms0677 وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ~~أبا طلحة الأنصاري قرأ هذه الآية انفروا خفافا وثقالا فقال ما أرى الله ~~تعالى إلا سينفرنا شبانا وشيوخا. قال جهزوني. فقلنا قد غزوت مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر. وأنت اليوم شيخ كبير. قال ~~جهزوني فجهزناه، فركب البحر فمات في غزاته. وروى سفيان عن منصور عن الحكم ~~قال: مشاغيل وغير مشاغيل. وروى مسروق عن أبي الضحى قال: أول ما نزلت من ~~سورة براءة هذه الآية { انفروا خفافا وثقالا } ثم نزل أولها ~~وآخرها. وروي عن ابن عباس أنه قال نسختها هذه الآية: # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122] وقال بعضهم ليست بمنسوخة ولكنها في الحالة التي وقع فيها ~~النفير وجب على جميع الناس الخروج إلى الجهاد وإذا لم يكن النفير عاما ~~يكون فرضا عاما. فإذا خرج بعض الناس سقط عن الباقين وبه نأخذ. ثم قال ~~تعالى { وجهدوا بأمولكم وأنفسكم فى سبيل الله ~~ذلكم خير لكم } يعني الجهاد خير لكم من الجلوس { إن كنتم ~~تعلمون } يعني تصدقون بثواب الله ويقال معناه إن كنتم تعلمون أن ~~الخروج إلى الجهاد خير لكم من القعود فانفروا خفافا وثقالا. ~~ثم نزل في شأن المنافقين الذين تخلفوا قوله تعالى: { لو كان عرضا ~~قريبا } يعني: غنيمة قريبة ويقال سهلا قريبا { وسفرا قاصدا } ~~يعني هينا يقينا { لاتبعوك } يعني: لو علموا أنهم يصيبون مغنما ~~{ لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة } والشقة: ~~السفر يعني: ثقل عليهم السفر { وسيحلفون بالله } أي الذين ~~تخلفوا { لو استطعنا } يعني: لو قدرنا. ولو كانت لنا سعة في المال ~~والزاد { لخرجنا معكم } إلى الغزو. وقال الله تعالى { ~~يهلكون أنفسهم } يعني بحلفهم كذبا { والله يعلم ~~إنهم لكذبون } بحلفهم وأن لهم سعة للخروج ولكنهم لم يريدوا ~~الخروج. قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } وذلك ~~أن بعض المنافقين استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتخلف عن ~~الخروج إلى غزوة تبوك ولم يكن لهم عذر. فأذن لهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال الله تعالى ms0678 للنبي - صلى الله عليه وسلم - { عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم } وقال عون بن عبد الله أخبره بالعفو ~~قبل أن يخبره بالذنب ويقال إن النبي - عليه السلام - فعل فعلين قبل أن ~~يؤذن له فعاتبه الله على ذلك وعفا عنه. # أحدهما في فداء أسارى بدر، والثاني في إذنه للمنافقين بالتخلف فقال له ~~عفا الله عنك ولم يقل يعافيك لم أذنت لهم في التخلف والقعود عن ~~الجهاد. # قال الفقيه سمعت من يذكر عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال معناه: عافاك ~~الله يا سليم القلب لم أذنت لهم. فيقال إن الله تعالى إذا قال لعبده لم ~~فعلت كذا وكذا؟ يكون ذلك أشد عليه من الموت كذا وكذا مرة لهيبة قوله لم ~~فعلت كذا؟ ولو أنه بدأ للنبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله لم أذنت لكان ~~يخاف على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام ~~إلا أن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه ثم قال { لم ~~أذنت لهم } بالقعود عن الجهاد { حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا } يعني معرفة الذين صدقوا بعذرهم وإيمانهم { ~~وتعلم الكذبين } في عذرهم وإيمانهم ويقال معناه حتى يتبين لك ~~المؤمن المخلص من المنافق. ثم بين له علامة المؤمنين وعلامة المنافقين ~~فقال الله تعالى { لا يستأذنك } يعني: بغير عذر { الذين ~~يؤمنون بالله واليوم الأخر } في السر والعلانية { أن ~~يجهدوا بأمولهم وأنفسهم والله عليم ~~بالمتقين } يعني بالمؤمنين المخلصين. ثم ذكر علامة المنافقين فقال ~~{ إنما يستأذنك } يعني: في القعود عن الجهاد { الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الأخر } يعني لا يصدقون في السر { ~~وارتابت قلوبهم } يعني: شكت قلوبهم ونافقت قلوبهم (ولا يتوبون ~~ولا يرجعون عن ذلك) { فهم فى ريبهم يترددون } يعني في ~~شكهم ونفاقهم يتحيرون. قوله تعالى: { ولو أرادوا... } ### || [9.46-49] # { ولو أرادوا الخروج } معك إلى الغزوة { لأعدوا له ~~عدة } يعني: اتخذوا لأنفسهم قوة من السلاح. معناه إن تركهم العدة ~~دليل على إرادتهم التخلف ثم قال: { ولكن كره الله ~~انبعاثهم } يعني: لم يرد الله خروجهم معك لخبثهم وسوء نياتهم ms0679 { ~~فثبطهم } يعني: حبسهم وأقعدهم عن الخروج. ويقال ثقلهم عن الخروج. ~~ويقال جعل حلاوة الجلوس في قلوبهم حتى أقعدهم عن الخروج { وقيل ~~اقعدوا مع القعدين } يعني ألهموا وخيل لهم القعود مع ~~المتخلفين. ثم أخبر الله تعالى أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم معهم بل ~~عليهم مضرة منهم فقال تعالى: { لو خرجوا فيكم } يعني: المنافقين ~~لو خرجوا معكم { ما زادوكم إلا خبالا } يعني فسادا. ويقال ~~شرا وجبنا { ولأوضعوا خللكم } يقول: ساروا بينكم، والإيضاع ~~في اللغة هو إسراع الإبل. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أفاض ~~من عرفات: # " أيها الناس عليكم بالسكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاع الإبل ولا ~~في إيجاف الخيل " # يعني إن المنافقين لو خرجوا معكم يسرعون الإبل فيما بينكم ويؤتونكم. ثم ~~قال { يبغونكم الفتنة } يعني يطلبون منكم الشرك ويطلبون ~~هزيمتكم وعيوبكم ويفشون سركم { وفيكم سمعون لهم } يعني: ~~وفي عسكركم عيون وجواسيس للمنافقين. ويقال: وفيكم من يسمع ما يقول ~~المنافقون ويقبلون منه { والله عليم بالظلمين } يعني ~~بالمنافقين، وهذا وعيد لهم. يعني: عليم بعقوبتهم ثم قال عز وجل { لقد ~~ابتغوا الفتنة من قبل } يعني: من قبل غزوة تبوك. لأنهم ~~قصدوا قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل كثرة المؤمنين. ويقال طلبوا ~~إظهار الشرك قبل غزوة تبوك { وقلبوا لك الأمور } يعني: ~~احتالوا في هلاكك من كل وجه. ويقال: قلبوا لك الأمور ظهرا لبطن، فانظر ~~كيف يصنعون { حتى جاء الحق } يعني: كثر المسلمون، ويقال حتى جاء ~~الحق يعني: الإسلام { وظهر أمر الله } يعني: ظهر دين الله ~~الإسلام { وهم كرهون } يعني: كارهون الإسلام. قوله تعالى: { ~~ومنهم من يقول ائذن لي } يعني جد بن قيس كان من المنافقين، ~~حرضه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخروج إلى الغزو فقال يا رسول ~~الله: إن قومي يعلمون حرصي على النساء فأخشى إني لو خرجت وقعت في الإثم ~~ولا تفتني ببنات الأصفر. وكان الأصفر رجلا من الحبش ملك ناحية من الروم ~~فتزوج رومية فولدت له بنات اجتمع فيهم سواد الحبش وبياض الروم، فكن فتنة ~~فقال جد ms0680 بن قيس لا تفتني ببنات الأصفر فإني أخاف أن لا أصبر وأضع يدي على ~~الحرام فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقعود. فنزل { ومنهم ~~من يقول ائذن لي } يعني من المنافقين من يقول ائذن لي في التخلف ~~{ ولا تفتني } يعني: ولا توقعني في الفتنة ثم قال الله تعالى: { ~~ألا فى الفتنة سقطوا } يعني: في الكفر والنفاق وقعوا { ~~وإن جهنم لمحيطة بالكفرين } يعني: جعلت جهنم ~~للكافرين، وهو جد بن قيس ومن تابعه قوله تعالى: { إن تصبك ~~حسنة... } ### || [9.50-55] # { إن تصبك حسنة تسؤهم } يعني إن أصابك الغنيمة والنصر ~~ساءهم ذلك { وإن تصبك مصيبة } يعني الشدة والنكبة الهزيمة { ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } يعني: حذرنا بالقعود ~~والتخلف من قبل المصيبة { ويتولوا وهم فرحون } بما أصابك ~~وبتخلفهم. قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } يعني: إلا ما قضى لنا ~~وقدر علينا من شدة أو رخاء. ويقال إلا ما كتب الله لنا يعني في اللوح ~~المحفوظ، ويقال إلا ما كتب الله لنا في القرآن وهو قوله تعالى: # فيقتلون ويقتلون # [التوبة: 111] ثم قال { هو مولنا } أي: ولينا وناصرنا وحافظنا { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني وعلى المؤمنين ~~واجب أن يتوكلوا على الله. ويقال: وعلى الله فليثق الواثقون، ثم قال ~~تعالى: { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } ~~إما الشهادة وإما الغنيمة { ونحن نتربص بكم } يعني ننتظر ~~بكم { أن يصيبكم الله بعذاب من عنده } وهو الموت { ~~أو بأيدينا } يعني: فيأمرنا أن نقتلكم، ويقال معناه قل هل تربصون ~~بنا إلا إحدى الحسنيين يعني: إلا إحدى الخيرين. ونحن نتربص بكم إحدى ~~الشرين. فبين ما ننتظر وتنتظرونه فرق عظيم. { فتربصوا } يعني: ~~انتظروا بنا الهلاك { إنا معكم متربصون } يعني: المنتظرين ~~لإهلاككم، ثم قال عز وجل: { قل أنفقوا طوعا أو كرها } ~~يعني: قل للمنافقين أنفقوا طوعا من قبل أنفسكم أو كرها مخافة القتل { ~~لن يتقبل منكم } النفقة { إنكم كنتم قوما ~~فسقين } يعني: منافقين. فقوله أنفقوا اللفظ لفظ الأمر والمعنى معنى ~~الخبر يعني ms0681 إن أنفقتم. كما إنه يذكر لفظ الخبر والمراد به الأمر كقولك ~~غفر الله لك وقولك رحم الله فلانا. يعني اللهم اغفر له. وها هنا اللفظ ~~لفظ الأمر ومعناه الخبر والشرط يعني إن أنفقتم طوعا أو كرها لن يتقبل ~~منكم. قرأ حمزة والكسائي كرها بضم الكاف. وقرأ الباقون كرها ~~بالنصب. ثم بين المعنى الذي لم تقبل نفقاتهم من أجله فقال تبارك وتعالى { ~~وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله } يعني في السر. قرأ حمزة والكسائي ~~لن يقبل بالياء على لفظ التذكير. وقرأ الباقون بلفظ التأنيث لأن ~~الفعل مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث قوله: { ولا يأتون الصلوة ~~إلا وهم كسالى } يعني: متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم { ~~ولا ينفقون } في الجهاد { إلا وهم كرهون } غير ~~محتسبين. ثم قال عز وجل { فلا تعجبك أمولهم } يعني: كثرة ~~أموالهم { ولا أولدهم إنما يريد الله ليعذبهم ~~بها في الحيوة الدنيا } في الآية تقديم وتأخير. قال ابن ~~عباس: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ~~ليعذبهم في الآخرة ثم قال { وتزهق أنفسهم } يعني تذهب أنفسهم ~~وتقبض أرواحهم. وأصله الذهاب كقوله تعالى: # وقل جآء الحق وزهق البطل # [الإسراء: 81] { وهم كفرون } يعني يقبض أرواحهم على الكفر. ~~قوله تعالى: { ويحلفون بالله... } ### || [9.56-59] # { ويحلفون بالله إنهم لمنكم } يعني إنهم مؤمنون على ~~دينكم في السر وهم كاذبون في ذلك القول { وما هم منكم } يعني ~~ليسوا على دينكم في السر { ولكنهم قوم يفرقون } يعني: ~~يخبثون. فأظهروا الإيمان وأسروا النفاق قوله تعالى: { لو يجدون ~~ملجأ } يعني حرزا يلجأون إليه { أو مغرات } يعني الغيران في ~~الجبل. وقال القتبي: كل شيء غرت فيه فغبت فيه غار { أو مدخلا } ~~يعني: سربا في الأرض { لولوا إليه } يعني ذهبوا إليه وتركوك ~~{ وهم يجمحون } أي: يسرعون في المشي ومنه قيل: فرس جموع إذا ذهب ~~في عدوه فلم يفته شيء ويقال الجمح مشي بين مشيتين وهو من لغات اليمن. ~~قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقت } روي عن ~~ابن كثير أنه قرأ يلمزك بضم ms0682 الميم والباقون بالكسر وهما لغتان ~~ومعناهما واحد. يقول من المنافقين من يطعنك ويعيبك، ويقال لمزته إذا ~~عبته. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ~~قال: # " بينما رسول الله - عليه السلام - يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة، ~~التميمي فقال اعدل يا رسول الله، فقال «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل» فقال ~~عمر رضي الله عنه يا رسول الله أتأذن لي فأضرب عنقه. فقال «دعه فإن له ~~أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية آيتهم رجل أسود إحدي ثدييه مثل ثدي المرأة البضعة ~~يخرجون على حين فرقة من الناس " # ويروى # " على حين الفتن من الناس " # فنزلت فيهم { ومنهم من يلمزك في الصدقت } الآية. ~~قال أبو سعيد أشهد أني سمعت هذا من رسول الله - عليه السلام - وأشهد أن ~~عليا حين قتلهم وأنا معه أتى بالرجل بالنعت الذي نعته رسول الله - عليه ~~السلام - وروي عن ابن عباس # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة قلوبهم من الصدقات فقال ~~أبو الخواص والنبي - عليه السلام - يعطي وروى بعضهم أبو الجواظ ألا ترون ~~إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم؟ فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «لا أبالك أما كان موسى راعيا؟ أما كان داود راعيا؟» فذهب ~~أبو الخواص فقال النبي - عليه السلام -« احذروا هذا وأصحابه " # فنزل { ومنهم من يلمزك في الصدقت } { فإن ~~أعطوا منها } يعني الصدقات { رضوا } بالقسمة { وإن لم ~~يعطوا منها إذا هم يسخطون } لا يرضون بالقسمة قوله ~~تعالى: { ولو أنهم رضوا ما ءاتهم الله ورسوله ~~} يعني إنهم لو رضوا بما رزقهم الله تعالى وبما يعطيهم رسول الله من ~~العطية { وقالوا حسبنا الله } يعني يقيننا بالله { ~~سيؤتينا الله من فضله } يعني سيعطينا الله من رزقه { ~~ورسوله } يعني سيعطينا رسول الله من الغنيمة إذا كان عنده سعة وفضل ~~{ إنا إلى الله رغبون } يعني طامعون وراجون. ولم يذكر جوابه ~~لأن في الكلام دليلا عليه، ومعناه ولو ms0683 أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم. ~~ثم بين لهم موضع الصدقات فقال { إنما الصدقات... } ### || [9.60] # { إنما الصدقت } يعني ليست الصدقات للذين يلمزونك في ~~الصدقات وإنما الصدقات { للفقراء والمسكين } قال بعضهم ~~الفقراء الضعفاء الأحوال الذين لهم بلغة من العيش بدليل قول الشاعر # أما الفقير الذي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سهد # والمسكين الذي لا شيء له بدليل قول الله تعالى # أو مسكينا ذا متربة # [البلد: 16] يعني الذي لم يكن بينه وبين التراب شيء يقيه منه. وقال ~~بعضهم الفقير الذي لا شيء له والمسكين الذي له أدنى شيء. كما قال الله ~~تعالى # أما السفينة فكانت لمسكين # [الكهف: 79] سماهم مساكين وإن لهم سفينة. وقال بعضهم: الفقير الذي لا ~~يسأل الناس إلحافا. كما قال الله تعالى # للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله # إلى قوله # لا يسألون الناس إلحافا # [البقرة: 273] والمسكين الذي يسأل الناس. وقال بعضهم الفقير الذي يسأل ~~الناس والمسكين الذي لا يسأل الناس كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: # " ليس المسكين الذي يطوف على أبوابكم فتردونه باللقمة واللقمتين وإنما ~~المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه " # وقال قتادة، الفقير الذي به زمانة والمسكين الصحيح المحتاج. وقال بعضهم ~~الفقير الذي يكون عليه زي الفقر ولا تعرف حاجته والمسكين الذي يكون عليه ~~زي الفقر وتكون حاجته ظاهرة ثم قال: { والعملين عليها } وهم ~~السعاة الذين يجبون الصدقات فيعطون على قدر حاجتهم { والمؤلفة ~~قلوبهم } وهم قوم كان يعطيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ويتألفهم بالصدقات على الإسلام وكانوا رؤساء في كل قبيلة، منهم أبو سفيان ~~بن حرب والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري وعباس بن مرداس السلمي ~~وصفوان بن أمية وغيرهم. فلما توفي رسول الله - عليه السلام - جاؤوا إلى ~~أبي بكر وطلبوا منه، فكتب لهم كتابا فجاؤوا بالكتاب إلى عمر بن الخطاب ~~ليشهدوه. فقال أي شيء هذا؟ فقالوا سهمنا. فأخذ عمر الكتاب ومزقه وقال ~~إنما كان يعطيكم النبي - عليه السلام - يتألفكم على الإسلام. فأما اليوم ~~فقد أعز الله ms0684 الإسلام فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف، ~~فرجعوا إلى أبي بكر. فقالوا أنت الخليفة أم هو؟ قال: هو إن شاء. فبطل ~~سهمهم ثم قال { وفي الرقاب } أي: وفي فك الرقاب وهم المكاتبون ثم ~~قال { والغرمين } يعني: أصحاب الديون الذين استدانوا في غير فساد ~~ولا تبذير. وقال مجاهد ثلاثة من الغارمين رجل ذهب السيل بماله ورجل أصابه ~~حريق فهلك ماله ورجل ليس له مال وله عيال فهو يستدين وينفق على عياله. { ~~وفى سبيل الله } وهم الذين يخرجون إلى الجهاد { وابن ~~السبيل } يعني المسافر المنقطع من ماله. قال بعضهم وجب أن يقسم ~~الصدقات على ثمانية أصناف وهو قول الشافعي كما بين في هذه الآية. # وقال أصحابنا إذا صرف الصدقات إلى صنف من هذه الأصناف جاز وروي عن حذيفة ~~بن اليمان أنه قال إذا اعطى الرجل الصدقة صنفا واحدا من الأصناف ~~الثمانية جاز. وعن عبد الله بن عباس أنه قال إذا وضعتها في صنف واحد ~~فحسبك. إنما قال: { إنما الصدقات للفقرآء } لأن لا ~~تجعلها في غير هذه الأصناف. وعن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه أتي ~~بصدقة فبعث بها إلى أهل بيت واحد. ثم قال تعالى: { فريضة من ~~الله } يعني وضع الصدقات في هذه المواضع فريضة من الله وهو مما أمر ~~الله تعالى { والله عليم } بأهلها { حكيم } حكم قسمتها وبينها ~~لأهلها. قوله تعالى: { ومنهم الذين... } ### || [9.61-62] # { ومنهم الذين يؤذون النبى } قال ابن عباس نزلت في ~~جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد ومحشر بن خويلد وأبو ياسر بن قيس ~~وذلك أنهم كانوا يتنالون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رجل ~~منهم لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه الخبر. فقال الجلاس نقول ما نشاء ~~فإنما { هو أذن } سامعه ثم نأتيه فيصدقنا. والأذن الذي يقبل كل ما ~~قيل له. قال تعالى: { قل أذن خير لكم } يعني: إن كان الأمر ~~كما تذكرون فهو خير لكم ولكنه { يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين } يعني يصدق الله ويصدق المؤمنين لا أنتم. والباء واللام ~~زائدتان يعني ms0685 ويصدق محمد المؤمنين فذلك قوله تعالى { ومنهم ~~الذين يؤذون النبى } يعني من المنافقين من يؤذي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - { ويقولون هو أذن } يعني سامع لمن حدثه { ~~قل أذن خير لكم } قرأ العامة قل أذن بغير تنوين خير ~~لكم بالكسر. وقرأ بعضهم قل اذن بالتنوين وخير بالتنوين والضم. ~~فمن قرأ أذن بالتنوين فمعناه إن كان محمد كما قلتم أذن فهو خير لكم. ~~أي صلاح لكم ومن قرأ بالكسر أذن خير فهو على معنى الإضافة أي أذن ~~خير وأذن نعمة. وقرأ نافع قل أذن بجزم الذال والباقون بالضم وهما لغتان ~~{ يؤمن بالله } يعني: يصدق بالله تعالى في مقالته { ويؤمن ~~للمؤمنين } يعني يصدق قول المؤمنين { ورحمة } يعني هو نعمة { ~~للذين ءامنوا منكم } أي: هو نعمة الذين آمنوا في السر ~~والعلانية. قرأ حمزة ورحمة على معنى الإضافة يعني: أذن رحمة. وقرأ ~~الباقون ورحمة بالضم على معنى الاستئناف. ثم قال { والذين ~~يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم } يعني: وجيع. ثم ~~جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحلفوا فأخبر الله تعالى ~~أنهم كاذبون في حلفهم فقال { يحلفون بالله لكم ليرضوكم ~~} بحلفهم الكاذب { والله ورسوله أحق أن يرضوه } قال ~~الزجاج: لم يقل أحق أن يرضوهما لأن في الكلام دليلا عليه لأن في رضى ~~الله تعالى رضى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحذف تخفيفا ومعناه والله ~~أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه كما قال الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # أي نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض. ويقال يكره أن يجمع بين ذكر ~~الله تعالى وذكر رسوله في كتابة واحدة ويستحب أن يكون ذكر الله تعالى ~~مقدما وذكر النبي - عليه السلام - مؤخرا. وذكر في بعض الأخبار أن ~~خطيبا قام عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال في خطبته من يطع الله ~~ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى. فقال النبي - عليه السلام - # " بئس الخطيب أنت " # لأنه كان يجب أن يقول ومن يعص الله ورسوله فقد غوى. ثم قال ms0686 { إن ~~كانوا مؤمنين } يعني: مصدقين بقلوبهم في السر قوله تعالى: { ~~ألم يعلموا... } ### || [9.63-66] # { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله } ~~يعني: يخالف الله ورسوله، ويقال يخالف أمر الله وأمر رسوله. يعني أمر ~~الله تعالى في الفرائض وأمر رسوله في السنن وفيما بين. وقال الأخفش ~~يحادد الله يعني يعادي الله ورسوله { فأن له نار جهنم } قرأ ~~بعضهم فإن له بالكسر على معنى الاستئناف. وقرأ العامة بالنصب على معنى ~~البناء { خالدا فيها ذلك الخزى العظيم } يعني: العذاب ~~الشديد قوله تعالى: { يحذر المنفقون } قال الزجاج. قوله يحذر ~~لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. أي ليحذر المنافقون. ويقال هو على وجه ~~الخبر يحذر. يعني: يخشى المنافقون. وذلك أن بعضهم قال لو أني جلدت مائة ~~جلدة أحب إلي من أن ينزل فينا شيء يفضحنا. فنزل { يحذر ~~المنفقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم } يعني ~~سورة براءة { تنبئهم بما في قلوبهم } من النفاق. وكانت سورة ~~براءة تسمى الفاضحة. { قل استهزءوا إن الله مخرج ما ~~تحذرون } يعني مظهر ما تخافون من إظهار النفاق. ثم قال عز وجل: { ~~ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } ~~وذلك أن رسول الله - عليه السلام - حين رجع من تبوك وبين يديه هؤلاء ~~الثلاثة يسيرون ويقولون إن محمدا يقول إنه نزل في إخواننا الذين تخلفوا ~~بالمدينة كذا وكذا وهم يضحكون ويستهزؤون. فأتاه جبريل فأخبره بذلك فبعث ~~إليهم النبي - عليه السلام - عمار بن ياسر وقال له # " اذهب إلى أولئك واسألهم عماذا يتحدثون ويضحكون " # وأخبره أنهم يستهزؤون بالقرآن وأنه إذا أتاهم وسألهم يقولون إنما كنا ~~نخوض ونلعب. فلما جاء إليهم عمار بن ياسر قال لهم ما كنتم تقولون؟ قالوا ~~إنما كنا نخوض ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا ونضحك بيننا. فقال ~~عمار صدق الله وبلغ رسوله هكذا أخبرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنكم تقولون ذلك. غضب الله عليكم هلكتم فعرفوا عند ذلك أنه نزل فيهم شيء ~~فجاؤوا واعتذروا فنزل: { قل } يعني: قل لهم يا محمد { أبالله ~~وآياته } القرآن { ورسوله كنتم تستهزءون } وقال قتادة ~~إذا ms0687 رأيا العبد يقول الله انظروا إلى عبدي يستهزىء قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزؤون فجاؤوا إلى النبي واعتذروا فنزل قوله تعالى: { لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم } يعني: كفرتم في ~~السر بعد إيمانكم في العلانية. (ويقال قد أقمتم على كفركم الأول في السر ~~بعد إيمانكم مع إقراركم في العلانية) بالإيمان { إن نعف عن ~~طائفة منكم } وكان فيهم مخلص واحد، ولم يقل معهم شيئا ولكن ضحك ~~معهم فقال { إن نعف عن طائفة منكم } وهو المؤمن المخلص { ~~نعذب طائفة } يعني المنافقين. وقال القتبي: قد يذكر الجماعة ~~ويراد به الواحد كقوله { إن نعف عن طائفة منكم } وهم ~~المخلصون { نعذب طائفة } وهم الطيبات وأراد به النبي - عليه ~~السلام -. ويقال { إن نعف عن طائفة منكم } وهم المخلصون { ~~نعذب طائفة } وهم المنافقون { بأنهم كانوا مجرمين ~~} يعني: مذنبين كافرين في السر. قرأ عاصم إن نعف بالنون نعذب ~~بالنون وكسر الذال طائفة بالنصب. وقرأ الباقون إن يعف بالياء والضم ~~تعذب التاء ونصب الذال طائفة بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله. ~~قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات... } ### || [9.67-69] # { المنفقون والمنفقات } يعني: من الرجال والنساء { ~~بعضهم من بعض } يعني: بعضهم على دين بعض في السر { يأمرون ~~بالمنكر } يعني: بالتكذيب بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالشرك ~~وبما لا يرضي الله تعالى. ويقال: المنكر ما يخالف الكتاب والسنة { ~~وينهون عن المعروف } يعني: عن التوحيد واتباع محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { ويقبضون أيديهم } يعني: يمسكون أيديهم عن ~~النفقة في سبيل الله ويقال كفوا عن الحق { نسوا الله } يقول: تركوا ~~طاعة الله { فنسيهم } يعني تركهم في النار ويقال تركهم في الحرمان ~~والخذلان كقوله تعالى # ويذرهم فى طغينهم يعمهون # [الأعراف: 186] { إن المنفقين هم الفسقون } يعني: ~~الخارجين عن طاعة الله تعالى. وكل منافق فاسق وقد يكون فاسقا ولا يكون ~~منافقا. ولا يكون منافقا إلا وهو فاسق. ثم قال عز وجل: { وعد الله ~~المنفقين } الوعد يكون بالخير ويكون بالشر إذا قيد به والوعيد لا ~~يكون إلا بالشر فقال { وعد الله المنفقين والمنفقات ~~} يعني المنافقين الذين كانوا بالمدينة ms0688 ومن كان على مذهبهم ويكون إلى يوم ~~القيامة { والكفار } وهم أهل مكة ومن كان بمثل حالهم { نار ~~جهنم خلدين فيها هى حسبهم } يعني: تكفيهم النار ~~جزاء لكفرهم { ولعنهم الله } يعني: طردهم الله من رحمته { ~~ولهم عذاب مقيم } يعني: دائم. قوله { كالذين من ~~قبلكم } يعني صنيعكم مع نبيكم كما صنع الأمم الخالية مع أنبيائهم - ~~عليهم السلام -. وقال الضحاك: يعني: لعن المنافقين كما لعن الذين من ~~قبلكم من الأمم الخالية. ويقال ولهم عذاب دائم كالذين من ~~قبلكم { كانوا أشد منكم قوة وأكثر أمولا ~~وأولدا } يعني: لم ينفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا ~~ولا ينفعكم أموالكم ولا أولادكم أيضا { فاستمتعوا بخلقهم ~~} يعني: فانتفعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا { فاستمتعتم ~~بخلقكم } كما يقول انتفعتم أنتم بنصيبكم من الآخرة في الدنيا { ~~كما استمتع الذين من قبلكم } من الأمم الخالية { ~~بخلقهم } أي بنصيبهم { وخضتم } في الباطل { كالذي ~~خاضوا } ويقال كذبتم الرسول كما كذبوا رسلهم { أولئك } يعني ~~أهل هذه الصفة حبطت أعمالهم { حبطت أعملهم في الدنيا ~~والاخرة } يعني: بطل ثواب أعمالهم. فلا ثواب لهم لأنها كانت في غير ~~إيمان { وأولئك هم الخسرون } يعني: في الآخرة. قوله ~~تعالى: { ألم يأتهم نبأ... } ### || [9.70] # { ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم } يعني: ألم يأتهم ~~خبر الذين من قبلهم في القرآن عند التكذيب، كيف فعلنا بهم { قوم نوح ~~} كيف أغرقناهم { و } قوم { عاد } كيف أهلكناهم بالريح العقيم { و } ~~قوم { ثمود } وهم قوم صالح كيف أهلكناهم بالصيحة { وقوم ~~إبرهيم } وهو النمرود بن كنعان كيف أهلكناه بأضعف الخلق وهو البعوض ~~{ وأصحب مدين } وهم قوم شعيب كيف أهلكناهم بعذاب يوم الظلة { ~~والمؤتفكت } يعني: مدائن قوم لوط. والمؤتفكات جمع المؤتفكة ~~لأنها ائتفكت بهم. يعني انقلبت. كقوله تعالى # والمؤتفكة أهوى * فغشها ما غشى # [النجم: 53- 54] يعني أمطرت عليهم الحجارة، وقال مقاتل: المؤتفكات يعني ~~المكذبات { أتتهم رسلهم بالبينت } يعني: بالأمر والنهي ~~فتركوا طاعتي فأهلكتهم { فما كان الله ليظلمهم } يعني: لم ~~يهلكهم بغير ذنب { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بتركهم ~~طاعتي وتكذيبهم الرسل قوله تعالى: { والمؤمنون ~~والمؤمنات... } ### || [9.71-72] # { والمؤمنون ms0689 والمؤمنت بعضهم أولياء بعض } ~~يعني: بعضهم على دين بعض وبعضهم معين لبعض في الطاعة { يأمرون ~~بالمعروف } يعني: بالإيمان واتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~وينهون عن المنكر } يعني: عن الشرك { ويقيمون ~~الصلوة } يعين: يقرون بها ويقيمونها { ويؤتون الزكوة } أي ~~ويقرون بها ويؤدونها قوله: { ويطيعون الله ورسوله } يعني: ~~يطيعون الله في فرائضه ويطيعون الرسول في السنن وفيما بين { ~~أولئك سيرحمهم الله } يعني ينجيهم الله من العذاب الأليم ~~{ إن الله عزيز حكيم } في أمره، حكم للمؤمنين بالجنة ~~وللكافرين بالنار قال الفقيه: ذكر عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: ~~سيرحمهم الله في خمسة مواضع: عند الموت وسكراته، وفي القبر وظلماته، وعند ~~الكتاب وحسراته، وعند الميزان ونداماته، وعند الوقوف بين يدي الله تعالى ~~وسؤالاته. قوله تعالى: { وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنت } أي: المصدقين من الرجال والمصدقات من النساء { ~~جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها ~~ومسكن طيبة } يعني: منازل طاهرة تطيب فيها النفس { فى ~~جنت عدن } في قصور من الدر والياقوت. # وقال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل وعبد الله بن محمد قالا حدثنا فارس بن ~~مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل العابد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال ~~حدثنا سفيان بن حصين عن يعلى ابن مسلم عن مجاهد قال: قرأ أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر { جنت عدن } فقال هل ~~تدرون ما جنات عدن؟ قال: قصر في الجنة من ذهب له خمسمائة ألف باب وعلى كل ~~باب خمسة وعشرون ألفا من الحور العين لا يدخلها إلا نبي. وهنيئا لصاحب ~~القبر وأشار الى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صديق وهنيئا لأبي ~~بكر أو شهيد. وأنى لعمر بالشهادة. ثم قال: { ورضون من الله ~~أكبر } يقول رضاء الرب عنهم أعظم مما هم فيه من الثواب والنعيم في ~~الجنة { ذلك هو الفوز العظيم } يعني: النجاة الوافرة. قوله ~~تعالى: { يأيها النبي... } ### || [9.73-74] # { يأيها النبى جهد الكفر والمنفقين } ~~يعني جاهد الكفار بالسيف والمنافقين بالقول الشديد. قال ابن مسعود في ~~قوله جاهد الكفار والمنافقين. قال: ms0690 جاهد بيدك فإن لم تستطع فبلسانك فإن ~~لم تستطع فبقلبك والقه بوجه مكفهر. وعن الحسن قال جاهد الكفار بالسيف ~~والمنافقين بالحدود. يعني أقم عليهم حدود الله { واغلظ عليهم } ~~يعني: أشدد عليهم. يعني: على الفريقين جميعا في المنطق. ثم بين مرجعهم ~~جميعا في الآخرة وقال: { ومأواهم جهنم } يعني مصيرهم ومآلهم ~~إلى جهنم { وبئس المصير } الذي صاروا إليه. ثم بين خبثهم وسؤ ~~معاملتهم وفعالهم فقال الله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا ~~} وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب ذات يوم بتبوك فذكر ~~المنافقين وسماهم رجسا. فقال الجلاس بن سويد لئن كان محمد صادقا فيما ~~يقول لنحن شر من الحمير. فسمع عامر بن قيس ذلك فقال والله ان محمدا ~~لصادق ولأنتم شر من الحمير فلما رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أتاه عامر بن قيس فأخبره فقال الجلاس بل كذب علي وأمرهما أن ~~يحلفا عند المنبر. فقام الجلاس وحلف ثم قام عامر بن قيس وحلف إنه قد قاله ~~وما كذبت عليه. ثم رفع يديه فقال اللهم أنزل على نبيك - صلى الله عليه ~~وسلم - وبين الصادق منا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والمسلمون آمين. فنزل جبريل قبل أن يتفرقوا بهذه الآية { يحلفون ~~بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلمهم } يقول كفروا في السر بعد أن أقروا في ~~العلانية { وهموا بما لم ينالوا } يعني: أرادوا قتل عامر بن ~~قيس. ويقال قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنهم اجتمعوا ذات ليلة ~~في مضيق جبل ليقتلوه إذا مر بهم. فدفعهم الله عنه. ويقال { وهموا ~~بما لم ينالوا } وهو قول عبد الله بن أبي بن سلول لأصحابه # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~اللأذل # [المنافقون: 8] وقال: سمن كلبك يأكلك. يعني نحن سلطناهم على أنفسنا ~~فنزل: { وهموا بما لم ينالوا } وقال مقاتل كان المنافقون ~~أصحاب العقبة هموا ليلا بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة في ~~غزوة تبوك. فنزل وهموا بما لم ينالوا. وهكذا قال الضحاك. ثم قال تعالى ms0691 { ~~وما نقموا } يعني: وما عابوا وما طعنوا على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } وذلك ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وكان أهل المدينة في شدة من ~~عيشهم لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة. فلما قدم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة استغنوا (فذلك قوله { إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله } ) قال الله تعالى { فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم } يعني إن تابوا من الشرك والنفاق، يكون خيرا لهم من ~~الإقامة عليه { وإن يتولوا } أبوا عن التوبة { يعذبهم ~~الله عذابا أليما فى الدنيا والأخرة } يعني: في ~~الدنيا بإظهار حالهم وفي الآخرة في نار جهنم { وما لهم فى الأرض ~~من ولي ولا نصير } يعني مانع يمنعهم من العذاب وذكر أنه لما ~~نزلت هذه الآية تاب الجلاس بن سويد وحسنت توبته. قوله تعالى: { ~~ومنهم من عاهد... } ### || [9.75-77] # { ومنهم من عهد الله } قال في رواية الكلبي: نزلت الآية ~~في شأن حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فجهد بذلك جهدا شديدا فحلف ~~بالله { لئن ءاتنا من فضله } يعني المال الذي بالشام { ~~لنصدقن } منه ولأؤدين حق الله تعالى منه. فلم يفعل لما أعطاه ~~الله المال. قال مقاتل نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري. كان محتاجا فقال ~~{ لئن ءاتنا } الله { من فضله لنصدقن }. فابتلاه ~~الله فرزقه ذلك. وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلا من المنافقين ~~خطأ فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ديته إلى عصبته وهو ثعلبة فبخل ~~ومنع حق الله تعالى # قال الفقيه حدثنا أبو الفضل بن أبي حفص قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال ~~حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدثنا ~~الوليد بن مسلم قال: حدثنا معاذ بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم عن ~~أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري # " جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله ادع الله ~~لي أن يرزقني مالا. فقال «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي ms0692 شكره خير من كثير لا ~~تطيقه». قال ثم رجع إليه فقيل يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا. ~~فقال «ويحك يا ثعلبة أما ترضى أن تكون مثلي. والله لو سألت الله تعالى أن ~~يسيل علي الجبال ذهبا وفضة لسالت». ثم رجع إليه فقال يا رسول الله ادع ~~الله أن يرزقني مالا. فوالله لئن آتاني الله مالا لأؤدين لكل ذي حق ~~حقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «اللهم ارزق ثعلبة مالا " # فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، حتى ضاقت بها أزقة المدينة فتنحى بها. ~~وكان يشهد الصلوات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يخرج إليها. ~~ثم نمت حتى تعذرت عليها مراعي المدينة فتنحى بها وكان يشهد الجمعة مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يخرج إليها. ثم نمت فترك الجمعة ~~والجماعات وجعل يتلقى الركبان ويقول ماذا عندكم من الخير وما كان من أمر ~~الناس فأنزل الله تعالى على رسوله # خذ من أمولهم صدقة تطهرهم # [التوبة: 103] فاستعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين على الصدقات ~~رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم وكتب لهما كتاب الصدقة وأمرهما أن ~~يصدقا الناس وأن يمرا بثعلبة فيأخذا منه صدقة ماله، فأتيا ثعلبة وطلبا ~~منه فقال صدقا الناس فإذا فرغتما فمرا بي. ففعلا فلما رجعا إليه وطلبا ~~منه فأبى وقال ما هذه إلا أخية الجزية فانطلقا. # حتى أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه فأنزل الله تعالى { ~~ومنهم من عهد الله لئن ءاتنا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصلحين فلما ءاتاهم ~~من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ~~فأعقبهم نفاقا فى قلوبهم إلى يوم يلقونه } ~~فركب رجل من الأنصار هو ابن عم لثعلبة راحلته حتى أتى ثعلبة فقال ويحك يا ~~ثعلبة هلكت. قد أنزل الله فيك من القرآن كذا وكذا. فأقبل ثعلبة بن حاطب ~~وجعل على رأسه التراب وهو يبكي ويقول يا رسول الله اقبض مني صدقة مالي. ~~فلم يقبض منه صدقة حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه ms0693 وسلم - ثم أتى إلى ~~أبي بكر فلم يقبل منه صدقته ثم أتى إلى عمر فلم يقبل صدقته ثم أتى إلى ~~عثمان فلم يقبل صدقته ومات في خلافة عثمان فذلك قوله: { فلما ~~ءاتاهم } يعني: لما أعطاهم { من فضله } يعني: من المال { ~~بخلوا به } بمنع حق الله تعالى { وتولوا } عن الصدقة { وهم ~~معرضون } فلم يفوا بما قالوا { فأعقبهم نفاقا فى ~~قلوبهم } يقول جعل عاقبتهم على النفاق { إلى يوم يلقونه ~~} وهو يوم القيامة { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون } بقوله لئن آتانا الله من فضله لنصدقن. وقال عبد ~~الله بن مسعود: اعتبروا المنافق بثلاث. إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ~~عاهد غدر. ثم قرأ { ومنهم من عهد الله } إلى قوله { ~~وبما كانوا يكذبون } فقد ذكر الثلاثة في هذه الآية. قوله ~~تعالى: { ألم يعلموا أن... } ### || [9.78-80] # { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } ~~وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في أصحاب العقبة حين هموا بما لم ينالوا. ~~وهذا عطف على قوله { لئن ءاتنا من فضله لنصدقن } { ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم }. { ~~وأن الله علم الغيوب } أي علم غيب كل شيء مما هموا به. ~~قوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين } يعني يطعنون ~~ويعيبون { من المؤمنين في الصدقت } وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حين أراد أن يخرج إلى غزوة تبوك حث الناس على الصدقة. # " فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وزن كل درهم مثقالا. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أكثرت هل تركت لأهلك شيئا» فقال يا رسول ~~الله كان مالي ثمانية آلاف درهم فأما أربعة آلاف درهم فأقرضتها ربي عز ~~وجل، وأما أربعة آلاف فأمسكتها لنفسي. فقال له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت " # فبارك الله فيه حتى إنه بلغ ماله حين مات أنه طلق إحدى نسائه الثلاث في ~~مرضه فصالحوها عن ثلث الثمن لها بثمانين ألف درهم ونيف وفي رواية أخرى ~~ثمانين ألف دينار ونيف. وجاء عاصم بن عدي بسبعين ms0694 وسقا من تمر وكل واحد ~~منهم جاء بمقدار طاقته حتى جاء أبو عقيل بن قيس بصاع من تمر وقال آجرت ~~نفسي الليلة بصاعين فصاع أقرضته لربي وصاع تركته لأهلي. فأمره بأن ينثره ~~في الصدقة. وروي أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمرة ~~واحدة. فلم ينظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها. فنزل { الذين ~~يلمزون المطوعين من المؤمنين } إلى آخره وكان نفر من ~~المنافقين جلوسا يستهزؤون فقالوا لقد تصدق عبد الرحمن وعاصم بن عدي على ~~الرب، فلقد كان الله غنيا عن صاع أبي عقيل. فنزل الذين يلمزون ~~المطوعين من المؤمنين يعني المطوعين المتصدقين الذين يتصدقون بأموالهم ~~وهم عبد الرحمن وعاصم وغيرهما. { والذين لا يجدون إلا ~~جهدهم } قال أهل اللغة الجهد بالضم الطاقة والجهد بالفتح ~~المشقة. وقال الشعبي الجهد هو العسرة يعني القلة والجهد بالنصب هو ~~الجهد في العمل. { فيسخرون منهم } يقول يستهزئون بهم { ~~سخر الله منهم } يعني يجازيهم جزاء سخريتهم. وهذا كقوله: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] ثم قال { ولهم عذاب أليم } يعني وجيع دائم. فلما ~~نزلت هذه الآية جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول ~~الله استغفر لنا فنزل { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ~~} اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر. أي إن شئت استغفر لهم وإن شئت فلا ~~تستغفر لهم. # يعني للمنافقين { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم } ثم بين المعنى الذي لم يغفر لهم بسببه ~~فقال تعالى { ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله } يعني ~~في السر. وقال قتادة ومجاهد لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " لأزيدن على سبعين " # فاستغفر لهم أكثر من سبعين مرة لعل الله يغفر لهم. فأنزل الله تعالى # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم # [المنافقون: 6] ثم قال تعالى { والله لا يهدى القوم ~~الفسقين } يعني المنافقين الذين كفروا بالله ورسوله في السر والله ~~تعالى لا يهديهم ما داموا ثابتين على النفاق. قوله تعالى: { فرح ~~المخلفون... } ### || [9.81-82] # { فرح المخلفون } يقول ms0695 عجب ورضي المتخلفون عن الغزو وهم ~~المنافقون { بمقعدهم خلف رسول الله } يعني: بتخلفهم عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { وكرهوا أن يجهدوا ~~بأمولهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا ~~تنفروا فى الحر } يعني: قال بعضهم لبعض لا تخرجوا إلى الغزو فإن ~~الحر شديد. قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { قل } لهم يا ~~محمد { نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون } يعني ~~لو كانوا يفهمون ويعقلون. وفي قراءة ابن مسعود لو كانوا يعلمون. ثم قال ~~عز وجل { فليضحكوا قليلا } اللفظ لفظ الأمر والمراد به ~~التوبيخ. قال الحسن يعني { فليضحكوا قليلا } في الدنيا { ~~وليبكوا كثيرا } في الآخرة في النار { جزاء بما كانوا ~~يكسبون } يعني عقوبة لهم بما كانوا يكفرون. وعن أبي رزين أنه قال في ~~قوله تعالى: فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا قال يقول الله تعالى: ~~الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا فإذا صاروا إلى النار بكوا بكاء لا ~~ينقطع فذلك الكثير. وروى الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عامر عن عمرو بن ~~شرحبيل قال: # " مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ملأ من قريش وفيهم أبو جهل بن ~~هشام وعتبة بن ربيعة فقال أبو جهل هذا نبيكم يا بني عبد مناف. فقال عتبة ~~وما تنكر أن يكون منا نبي أو ملك. فسمعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأقبل عليهم وقال: «أما أنت يا عتبة فلم تغضب لله ولا لرسوله وإنما غضبت ~~للأصل. وأما أنت يا أبا جهل فوالله لا يأتي عليك إلا غير كثير من الدهر ~~حتى تبكي كثيرا وتضحك قليلا. وأما أنتم يا ملأ قريش فوالله لا يأتي ~~عليكم إلا غير كثير من الدهر حتى تدخلوا في هذا الأمر الذي تنكرون طائعين ~~أو كارهين " # قال فسكتوا كأنما ذر على رؤوسهم التراب فلم يردوا عليه شيئا. وروى أنس ~~بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " يرسل الله تعالى البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع. ثم ~~يبكون الدم حتى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود ms0696 " # قوله تعالى: { فإن رجعك الله... } ### || [9.83-85] # { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } يعني: إن رجعك ~~الله من تبوك إلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا { فاستأذنوك ~~للخروج } معك إلى غزوة أخرى { فقل لن تخرجوا معى ~~أبدا } إلى الغزو { ولن تقتلوا معى عدوا } ويقال ~~معناه لن تخرجوا إلا مطوعين من غير أن تكون لكم شركة في الغنيمة { ~~إنكم رضيتم بالقعود أول مرة } بالتخلف عن غزوة ~~تبوك { فاقعدوا مع الخلفين } يعني: مع المتخلفين الذين ~~تخلفوا بغير عذر. ويقال الخالف الذي يخلف الرجل في أهله وماله. ويقال ~~الخالف الذي خالف قومه. ويقال الخالف الفاسد ويقال الخالف المرأة ~~والخوالف النساء. قوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم ~~مات أبدا } يعني لا تصل أبدا على من مات من المنافقين { ولا ~~تقم على قبره } يعني: لا تدفنه { إنهم كفروا ~~بالله ورسوله } في السر { وماتوا وهم فسقون } يعني ~~ماتوا على الكفر. قال مقاتل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء ~~إليه عبد الله بن أبي بن سلول وهو رأس المنافقين حين مات أبوه فقال: ~~أنشدك الله أن لا تشمت بي الأعداء. فطلب منه أن يصلي على أبيه. فأراد ~~النبي أن يفعل. فنزلت هذه الآية. فانصرف النبي - عليه السلام - ولم يصل ~~عليه وقال في رواية الكلبي: لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلب منه عبد الله أن يصلي عليه إذا ~~مات وأن يقوم على قبره وأن يكفنه في القميص الذي يلي جلده، فقبل ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال عمر. فجئت إلى رسول الله - عليه السلام ~~- حين أراد أن يصلي عليه، فقلت يا رسول الله أتصلي عليه وهو صاحب كذا ~~وكذا؟ فقال # " دعني يا عمر " # ثم عدت ثانيا ثم عدت ثالثا، فنزلت هذه الآية. وروى عكرمة عن ابن عباس ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صلى عليه وقام على قبره وكفنه في ~~قميصه فنزل { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } ~~الآية. فنهي أن يصلي على ms0697 أحد من المنافقين بعده. قال ابن عباس والله لا ~~أعلم أي صلاة كانت؟ وما خادع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنسانا ~~قط. وفي خبر آخر: # " إن عمر قال: يا رسول الله أتصلي عليه وتعطيه قميصك وهو كافر منافق؟ ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «وما علمت يا عمر عسى أن يسلم بسبب ~~هذا القميص خلق كثير ولا يغنيه قميص من عذاب الله شيئا " # فأسلم من أهاليه ومن بني الخزرج خلق كثير. وقالوا لولا أن عبد الله عرفه ~~حقا ما تبرك بقميصه وما طلب منه أن يصلي عليه. ثم قال تعالى { ولا ~~تعجبك أمولهم وأولدهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها فى الدنيا } يعني بالأموال في الآخرة على وجه ~~التقديم { وتزهق أنفسهم وهم كفرون } قوله تعالى: { ~~وإذآ أنزلت سورة... } ### || [9.86-88] # { وإذا أنزلت سورة } يعني سورة براءة { أن آمنوا ~~بالله } صدقوا بقلوبكم كما أقررتم بلسانكم { وجهدوا مع ~~رسوله استأذنك أولوا الطول منهم } يعني: استأذنك ~~في القعود، أهل السعة والغنى من المنافقين { وقالوا ذرنا نكن ~~مع القعدين } يعني: دعنا وائذن لنا نتخلف ونقعد مع القاعدين ~~الذين تخلفوا في المدينة عن الجهاد { رضوا بأن يكونوا مع ~~الخولف } يعني: بأن يجالسوا النساء بالمدينة. يقال الخوالف هم خساس ~~الناس ودناتهم يقال: خالفه أهل إذا كان دونهم { وطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون } التوحيد. ويقال لا يعلمون ثواب ~~الخروج إلى الجهاد. ثم قال عز وجل { لكن الرسول } يعني إن لم ~~يجاهد المنافقون فالله تعالى غني عنهم ويجاهد الرسول { والذين ~~ءامنوا معه جهدوا بأمولهم وأنفسهم } يعني إن لم ~~تخرجوا أنتم. { وأولئك لهم الخيرات } يعني الحسنات. ويقال ~~زوجات حسان في الجنة، والخيرة الزوجة، والخيرة الثواب. وقال القتبي ~~والأخفش الخيرات واحدها خيرة وهن الفواضل، وروى مسروق عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال في قوله { وأولئك لهم الخيرات } قال: لكل ~~مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها في كل يوم ~~من الله تعالى تحفة وكرامة وهدية لم يكن قبل ذلك، لا طمحات ولا مرحات ولا ms0698 ~~بخرات ولا دفرات # حور عين # [الواقعة: 22] كأنهن الآية. قال أهل اللغة طمحات يعني ناكسات رؤوسهن. ~~مرحات خفيفة الروح. بخرات منتن ريح الفم. ودفرات منتن ريح الإبط. ثم قال ~~تعالى: { وأولئك هم المفلحون } يعني: الناجون في الآخرة. ~~قوله تعالى: { أعد الله... } ### || [9.89-92] # { أعد الله لهم جنت تجري من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها ذلك الفوز العظيم } يعني النجاة الوافرة ~~والثواب الجزيل قوله تعالى { وجاء المعذرون من الأعراب } ~~قرأ ابن عباس المعذرون بالتخفيف وهكذا قرأ الحضرمي. وقراءة العامة ~~المعذرون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف يعني الذين أعذروا وجاؤوا ~~بالعذر. ومن قرأ بالتشديد يعني المعتذرين إلا أن التاء أدغمت في الذال ~~لقرب المخرجين يعني: الذين يعتذرون، كان لهم عذر أو لم يكن لهم، وهذا قول ~~الزجاج. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: وجاء المعذرون ~~بالتخفيف وهم المخلصون أصحاب العذر. وقال لعن الله المعذرين ~~بالتشديد لأن المعذرين هم الذين يعتلون بلا علة ويعتذرون بلا عذر { ~~ليؤذن لهم } في التخلف { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } فمن قرأ بالتشديد يكون هذا نعتا لهم. ومن قرأ بالتخفيف ~~يكون صنفين ويكون معناه وجاء الذين لهم العذر وسألوا العذر وقعد الذين لا ~~عذر لهم. وهم الذين كفروا بالله ورسوله في السر. ثم بين أمر الفريقين ~~فقال { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } وهم ~~الذين تخلفوا بغير عذر. ثم بين حال الذين تخلفوا بعذر فقال تعالى { ~~ليس على الضعفاء } يعني على الزمني، والشيخ الكبير { ولا ~~على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون ~~} في الجهاد { حرج } أي: لا إثم عليهم { إذا نصحوا لله ~~ورسوله } يعني إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية { ما ~~على المحسنين من سبيل } يعني ليس على الموحدين المطيعين من ~~حرج إذا تخلفوا بالعذر { والله غفور } لهم بتخلفهم { رحيم } ~~بهم. قوله تعالى: { ولا على الذين } يعني ولا حرج على الذين { ~~إذا ما أتوك لتحملهم } على الجهاد. روى أسباط عن السدي أنه ~~قال: أقبل رجلان من الأنصار أحدهما عبد الله بن الأزرق والآخر أبو ليلى. ~~فسألاه ms0699 أن يحملهما. { قلت لا أجد ما أحملكم عليه } ~~وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: أتاه سبعة نفر من أصحابه. سالم بن ~~عمير وحزم بن عمرو وعبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى وسليمان بن صخر ~~وعتبة بن زيد وعمرو بن عتبة وعبد الله بن عمرو المزني يستحملونه. فقال ~~لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " { لا أجد ما أحملكم عليه } " # { تولوا وأعينهم تفيض } يعني: تسيل { من الدمع ~~حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } في الخروج إلى الجهاد. قوله ~~تعالى: { إنما السبيل... } ### || [9.93-98] # { إنما السبيل } الحرج { على الذين يستأذنونك } ~~في التخلف { وهم أغنياء } يعني: لهم سعة للخروج { رضوا بأن ~~يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم } ~~يعني: ختم { فهم لا يعلمون } التوحيد قوله تعالى: { ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } من الغزو { قل ~~لا تعتذروا لن نؤمن لكم } يعني: لا نصدقكم إن لكم عذرا ~~{ قد نبأنا الله من أخباركم } يعني: أخبرنا الله تعالى ~~بأنه ليس لكم عذر. ويقال أخبرنا الله عن نفاقكم. ويقال أخبرنا الله عن ~~أعمالكم وسرائركم { وسيرى الله عملكم ورسوله } فيما ~~تستأنفون وسيرى المؤمنون { ثم تردون } يعني: ترجعون بعد الموت { ~~إلى علم الغيب والشهدة } الذي يعلم ما غاب عن العباد ~~وما شاهدوا { فينبئكم بما كنتم تعملون } في الدنيا. ~~قوله { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم } ~~يعني: إذا رجعتم إليهم من الغزو { لتعرضوا عنهم } يعني: ~~لتتجاوزوا وتصفحوا عنهم { فأعرضوا عنهم } يعني اصفحوا وتجاوزوا ~~عنهم في الدنيا. { إنهم رجس } يعني قذر ونجس { ومأواهم ~~جهنم } يعني مصيرهم في الآخرة إلى جهنم { جزاء بما كانوا ~~يكسبون } من النفاق. قوله تعالى: { يحلفون لكم لترضوا ~~عنهم فإن ترضوا عنهم } يعني إن أنت رضيت عنهم يا محمد ~~والمؤمنون { فإن الله لا يرضى عن القوم الفسقين ~~} يعني المنافقين. قوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~} يعني أسد وغطفان وأعراب حاضري المدينة، هم أشد في كفرهم ونفاقهم من ~~غيرهم { وأجدر ألا يعلموا } يعني: أحرى وأولى وأحق { ألا ~~يعلموا } { حدود ما أنزل الله على رسوله } لأنهم ~~كانوا أجهل وأقل علما ms0700 من غيرهم. وقال الكلبي: يعني لا يعلمون الفرائض ~~التي أنزل الله على رسوله. وقال مقاتل: هم أقل علما بالسنن من غيرهم. ~~وروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان زيد بن صوحان جالسا يحدث وقد أصيبت يده ~~يوم نهاوند، فجاء أعرابي وقال والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني. ~~فقال له زيد أو ليس الشمال؟ قال الأعرابي والله لا أدري الشمال يقطعون أو ~~اليمين. فقال زيد: صدق الله { الأعراب أشد كفرا ونفاقا ~~وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله } ويقال أن لا يعلموا أحكام الله في كتابه { والله عليم ~~} بهم { حكيم } في أمرهم. ونزل فيهم { ومن الأعراب من ~~يتخذ ما ينفق مغرما } يعني: ما ينفق في الجهاد، يحسبه ~~غرما { ويتربص بكم الدوائر } يعني ينتظر بكم الموت. ~~يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - خاصة وقال القتبي: الدوائر دوائر ~~الزمان وهي صروفه التي تأتيه مرة بالخير ومرة بالشر. يقول الله تعالى { ~~عليهم دائرة السوء } يعني: عاقبة السوء والهلاك. قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو { دائرة السوء } بضم السين يعني عاقبة المضرة ~~والشر. وقرأ الباقون بالنصب. يقال رجل سوء إذا كان خبيثا. وعن الفراء ~~أنه قال الفتح مصدر والضم اسم. { والله سميع } لمقالتهم { عليم ~~} بهلاكهم ثم ذكر من أسلم من الأعراب جهينة وغفار وأسلم فقال تعالى: { ~~ومن الأعراب... } ### || [9.99] # { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الأخر ~~ويتخذ ما ينفق } في الجهاد { قربت عند الله } يعني: ~~قربة إلى الله تعالى { وصلوت الرسول } يعني طلب دعاء الرسول - ~~عليه السلام - واستغفاره. يقول الله تعالى { ألا إنها قربة ~~لهم } أي: نفقاتهم قربة لهم إلى الله تعالى وفضيلة ونجاة لهم { ~~سيدخلهم الله فى رحمته } يعني: في جنته { إن الله ~~غفور } لذنوبهم { رحيم } بهم قرأ نافع في رواية ورش قربة بضم ~~الراء. وقرأ الباقون بجزم الراء ومعناهما واحد. قوله تعالى: { ~~والسابقون... } ### || [9.100] # { والسبقون الأولون } وهم الذين صلوا إلى القبيلتين { من ~~المهجرين والأنصر } وشهدوا بدرا عن قتادة قال: قلت لسعيد ~~بن المسيب من المهاجرون الأولون؟ قال من صلى إلى القبلتين ms0701 مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فهو من المهاجرين الأولين. وقال السدي: كانت ~~الهجرة قبل أن تفتح مكة فلما فتحت مكة كان من أسلم بعده ولحق بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فهو تابع. وروي # " عن مجاشع بن مسعود النهدي أنه جاء بابن أخيه ليبايعه على الهجرة فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا بل بايع على الإسلام. فإنه لا هجرة ~~بعد الفتح. ويكون من التابعين بإحسان " # قرأ العامة والأنصار بالكسر. وقرأ الحضرمي والأنصار بالضم. فمن ~~قرأ بالضم فهو عطف على السابقين التابعين ومعناه والسابقون والأنصار ومن ~~قرأ بالكسر فهو عطف على المهاجرين. ومعناه ومن المهاجرين ومن الأنصار. ~~وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ (الذين اتبعوهم ~~بإحسان) بغير واو. وقراءة العامة بالواو. فمن قرأ بغير واو يكون ~~نعتا للأنصار. ومن قرأ بالواو يكون نعتا لجميع المؤمنين إلى يوم ~~القيامة. وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: سمع عمر رضي الله عنه ~~رجلا يقرأ هذه الآية { والذين اتبعوهم بإحسان }. فقال له ~~عمر. من أقراك هذه الآية؟ فقال أقرأنيها أبي ابن كعب. فقال لا تفارقني ~~حتى أذهب بك إليه. فلما جاءه قال يا أبي أنت أقرأته هذه الآية هكذا؟ ~~قال نعم. قال أنت سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال نعم ~~قال: كنت أظن أنا قد ارتفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. قال أبي. تصديق ~~هذه الآية أول سورة الجمعة وأوسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال، أما أول ~~سورة الجمعة # وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الجمعة: 3] وأوسط سورة الحشر # والذين جآءوا من بعدهم # [الحشر: 10] وآخر سورة الأنفال # والذين ءامنوا من بعد وهاجروا # [الأنفال: 75]. وقال الشعبي: السابقون الأولون من أدرك بيعة الرضوان ~~وبايع تحت الشجرة { والذين اتبعوهم بإحسان } يعني: على ~~دينهم بإحسانهم { رضى الله عنهم } بأعمالهم { ورضوا ~~عنه } يعني عن الله تعالى بثوابه لهم في الجنة { وأعد لهم ~~جنت تجري تحتها الأنهر } قرأ ابن كثير " من تحتها ~~الانهر " بزيادة " من " وقرأ الباقون جنات تجري من تحتها الأنهار ~~بغير ms0702 " من ". صار " تحتها " نصبا لنزع الخافض. { خلدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم } يعني الثواب الوافر. قوله تعالى: ~~{ وممن حولكم... } ### || [9.101-102] # { وممن حولكم من الأعراب منفقون } يعني الأعراب ~~الذين حوالي المدينة { ومن أهل المدينة } وهو عبد الله بن ~~أبي وأصحابه { مردوا على النفاق } يعني: مرنوا وثبتوا على ~~النفاق، فلا يرجعون عنه ولا يتوبون { لا تعلمهم } يقول: لا تعرفهم ~~أنت لسبب إيمانهم بالعلانية { نحن نعلمهم } لأني عالم السر ~~والعلانية. ونعلم نفاقهم ونعرفك حالهم { سنعذبهم مرتين } ~~قال مقاتل: أحد العذابين عند الموت، ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، ~~والعذاب الثاني عذاب القبر، وهو ضرب منكر ونكير. وقال الكلبي: أول ~~العذابين أنه أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر. وروى أسباط ~~بن النضر الهمداني عن إسماعيل بن عبد الملك السدي قال عن أبي مالك عن ابن ~~عباس أنه قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبا يوم الجمعة ~~فقال # " يا فلان اخرج فإنك منافق " # ثم قال # " يا فلان اخرج إنك منافق " # ثم قال # " يا فلان اخرج إنك منافق " # فأخرجهم بأسمائهم. وكان عمر لم يشهد الجمعة لحاجة كانت له فلقيهم وهم ~~يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس ~~قد انصرفوا واختبؤوا من عمر وظنوا أنه قد علم بأمرهم. فدخل عمر المسجد ~~فإذا الناس لم يصلوا. فقال له رجل من المسلمين أبشر يا عمر، قد فضح الله ~~المنافقين وهذا هو العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر. وروى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد في قوله: سنعذبهم مرتين قال الجوع والقتل. ويقال القتل ~~والسبي. وقال الحسن: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة { ثم يردون إلى ~~عذاب عظيم } يعني عذاب جهنم. أعظم مما كان في الدنيا. قوله تعالى: ~~{ وءاخرون اعترفوا بذنوبهم } يعني بتخلفهم عن الغزو. وهم ~~أبو لبابة بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن خزام. { خلطوا ~~عملا صلحا } وهو التوبة { وآخر سيئا } بتخلفهم عن غزوة ~~تبوك. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: تخلف أبو لبابة عن غزوة ~~تبوك فربط نفسه بسارية المسجد ms0703 ثم قال: والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق ~~طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي. فمكث سبعة أيام لا يذوق ~~فيها طعاما ولا شرابا حتى كاد يخر مغشيا عليه. حتى تاب الله عليه. ~~فقيل له قد تيب عليك فقال والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هو الذي يحلني. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فحله ~~بيده. ثم قال أبو لبابة يا رسول الله: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي ~~أصبت فيها الذنب. وأن انخلع من مالي كله واجعله صدقة لله تعالى ولرسوله. # فقال: # " يجزيك الثلث يا أبا لبابة " # وروي عن الزهري عن كعب بن مالك قال: أول أمر عتب على أبي لبابة أنه كان ~~بينه وبين يتيم عذق. فاختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقضى ~~به لأبي لبابة. فبكى اليتيم. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - # " دعه " # فأبى قال: # " فأعطه إياه ولك مثله في الجنة " # قال لا. فانطلق أبو الدحداحة فقال لأبي لبابة بعني هذا العذق بحديقتي؟ ~~قال نعم. ثم انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول ~~الله: أرأيت إن أعطيت هذا اليتيم هذا العذق إلي مثله في الجنة؟ قال # " نعم " # فأعطاه إياه. قال: وأشار أبو لبابة إلى بني قريظة حين نزلوا على حكم ~~سعد بن معاذ، وأشار إلى حلقه يعني الذبح. والثالث أنه نخلف عن غزوة تبوك ~~ثم تيب عليه فذلك قوله { عسى الله أن يتوب عليهم } وعسى من ~~الله واجب أن يتجاوز عنهم { إن الله غفور رحيم } قوله ~~تعالى: { خذ من أموالهم... } ### || [9.103-104] # { خذ من أمولهم صدقة } يعني من الذين قبلت توبتهم. جاؤوا ~~بأموالهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هذه أموالنا ~~فخذها وتصدق بها عنا فكره أن يأخذها فنزل: { خذ من أمولهم ~~صدقة } (تطهرهم بها من ذنوبهم) ويقال هذا ابتداء، يعني خذ من أموال ~~المسلمين صدقة. يعني الصدقة المفروضة { تطهرهم } يعني تطهر أموالهم ~~{ وتزكيهم بها } يعني تصلح ms0704 بها أعمالهم { وصل عليهم } ~~يعني استغفر لهم وادع لهم { إن * صلوتك سكن لهم } يعني ~~دعاءك واستغفارك سكن لهم يعني: طمأنينة لهم إن الله تعالى قد قبل منهم ~~الصدقة. ويقال إن الله قبل منهم التوبة { والله سميع } لقولهم { ~~عليم } بثوابهم. قرأ نافع وابن كثير (وأبو عمرو وابن عامر) وعاصم في ~~رواية أبي بكر إن صلواتك بلفظ الجماعة. وقرأ الباقون صلاتك. ~~وقال أبو عبيدة وهذا أحب إلي لأن الصلاة أكثر من الصلوات. ألا ترى إلى ~~قول الله تعالى # وأن أقيموا الصلوة # [الأنعام: 72] وإنما هي صلاة الأبد. قوله تعالى: { ألم يعلموا ~~أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ ~~الصدقت } يعني ويقبل الصدقات ومعناه وما منعهم عن التوبة والصدقة ~~فكيف لم يتوبوا ولم يتصدقوا. ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده والصدقة. وروى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " إن الله يقبل الصدقة إذا كانت من طيب فيربيها كما يربي أحدكم فصيله أو ~~مهره حتى تكون اللقمة مثل أحد " # { وأن الله هو التواب الرحيم } يعني المتجاوز لمن تاب ~~الرحيم بالمؤمنين قوله تعالى: { وقل اعملوا... } ### || [9.105-106] # { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون } يعني ويراه رسوله ويراه المؤمنون. وقال ابن مسعود رضي ~~الله عنه: إن الناس قد أحسنوا القول كلهم. فمن وافق قوله فعله فذلك الذي ~~أصاب حظه ومن خالف قوله فعله فإنما يذبح نفسه. { وستردون إلى ~~علم الغيب والشهدة } يعني يوم القيامة { فينبئكم ~~بما كنتم تعملون } في الدنيا. قوله { وءاخرون مرجون ~~لأمر الله } يعني موقوفون لأمر الله. وقال القتبي: مؤخرون على أمر ~~الله. ويقال: متروكون لأمر الله ماذا يأمر الله تعالى لهم. ويقال مؤخر ~~أمرهم ولم يتبين شيء. فنزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا وهم: كعب ~~بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ابن الربيع. ثم بين توبتهم في الآية التي ~~بعدها: { وعلى الثلثة الذين خلفوا }. قرأ حمزة ~~والكسائي ونافع مرجون بغير همز. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالهمز. ~~واختلف عن عاصم وابن عامر. وأصله من ms0705 التأخير. { إما يعذبهم } ~~بتخلفهم { وإما يتوب عليهم } يعني يتجاوز عنهم { والله ~~عليم } بهم { حكيم } يحكم في أمرهم ما يشاء. قوله تعالى: { ~~والذين اتخذوا... } ### || [9.107-108] # { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } يعني بنوا مسجدا مضرة ~~للمسلمين. وقال القتبي يعني مضارة ليضاروا به مخالفيهم ليدخلوا عليهم ~~المضرة { وكفرا } يعني وإظهارا للكفر { وتفريقا بين ~~المؤمنين } قرأ نافع وابن عامر { الذين } بغير واو. وقرأ ~~الباقون بالواو ومعناهما واحد. إلا أن الواو للعطف. نزلت الآية في سبعة ~~عشر من المنافقين من بني غنم بن عوف قالوا تعالوا نبني مسجدا يكون فيه ~~متحدثنا ومجمع رأينا. فانطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسألوه أن يأذن لهم في بناء المسجد وقالوا قد بعد علينا المسير إلى ~~الصلاة معك فتفوتنا الصلاة فأذن لنا أن نبني مسجدا لذوي العلة والليلة ~~المطيرة. فأذن لهم. وكانوا ينظرون رجوع أبي عامر الراهب من الشام. وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه فاسقا. وقال: # " لا تقولوا راهبا ولكن قولوا فاسق " # وقد كان آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين ثم رجع عن الإسلام ~~فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمات كافرا. فلما ظهر أمرهم ~~ونفاقهم جاؤوا يحلفون { إن أردنا إلا الحسنى } أي أردنا ~~ببناء المسجد فنزل { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا }. يعني ~~بنوا المسجد للضرار والكفر وللتفريق بين المؤمنين لكي يصلي بعضهم في مسجد ~~قباء وبعضهم في مسجدهم وليجتمع الناس إلى مسجدهم ويتفرق أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - { وإرصادا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل } يعني انتظارا لمن هو كافر بالله ورسوله من قبل ~~بناء المسجد أن يقدم عليهم من قبل الشام، وهو أبو عامر الراهب { ~~وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } أي: ما أردنا ببناء ~~المسجد إلا صوابا لكيلا تفوتنا الصلاة بالجماعة ولكي يرجع أبو عامر ~~فيسلم { والله يشهد إنهم لكذبون } فيما حلفوا، ~~وإنما اجتمعوا فيه لإظهار النفاق والكفر ثم قال { لا تقم فيه ~~أبدا } يعني لا تصل فيه أبدا. لأنهم طلبوا من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يأتي ms0706 ويصلي فيه لكي يتبرك بصلاته فيه فنهاه الله عن ذلك ~~ونزل { لا تقم فيه أبدا } ثم قال { لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم } يعني المسجد الذي بني على التوحيد من ~~أول يوم. قال الأخفش: بني لوجه الله تعالى منذ أول يوم. ويقال بني للذكر ~~والتكبير والتهليل وإظهار الإسلام وقهر الشرك من أول يوم بني. ثم قال { ~~أحق أن تقوم فيه } يعني أولى وأجدر أن تصلي فيه ثم قال { فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا } يعني الاستنجاء بالماء. ويقال ~~يحبون أن يتطهروا يعني يطهروا أنفسهم من الذنوب وذلك أن ناسا من أهل ~~قباء كانوا إذا أتوا الخلاء استنجوا بالماء وهم أول من فعل ذلك واقتدى ~~بهم من بعدهم. # وروي في الخبر # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بباب المسجد، بعد نزول الآية ~~وقال لمن فيه: «إن الله قد أحسن عليكم الثناء في طهوركم. فبم تطهرون؟ ~~قالوا: نستنجي بالماء فقرأ عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآية ~~وذلك قوله { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله ~~يحب المطهرين } " # وقال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد المدينة الأعظم. ~~وعن سهل بن سعد الساعدي قال: # " اختلف رجلان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الذي ~~أسس على التقوى فقال أحدهما هو مسجد رسول الله وقال الآخر هو مسجد قباء ~~فذكر ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هو مسجدي هذا " # وروي عن ابن عباس أنه قال # " هو مسجد قباء " # ثم قال: { أفمن أسس بنيانه... } ### || [9.109-110] # { أفمن أسس بنيانه } يعني أصل بنيانه { على تقوى ~~من الله } يعني على توحيد الله تعالى { ورضوان } من الله عز ~~وجل. قرأ نافع وابن عامر أفمن أسس بضم الألف وكسر السين ~~بنيانه بضم الألف والنون (على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقرأ ~~الباقون أسس بنصب الألف وبنيانه بنصب النون) ومعنى الآية إن البناء الذي ~~يراد به الخير ورضاء الرب تبارك وتعالى { خير أم من أسس ~~بنيانه } يعني مسجد الضرار أصل ms0707 بنائه { على شفا جرف هار ~~فانهار به فى نار جهنم } يعني على طرف هار، ليس له أصل. ~~قرأ حمزة وابن عامر وأبي بكر عن عاصم جرف بجزم الراء والباقون بالضم ~~ومعناهما واحد. وقال القتبي: يعني على شفا جرف هائر والجرف ما ينجرف ~~بالسيول من الأودية والهائر الساقط. يقال تهور البناء وانهار وهار إذا ~~سقط. وهذا على سبيل المثل. يعني إن الذي بنى المسجد إنما بنى على جرف ~~جهنم فانهار بأهله في نار جهنم. وقال الكلبي: بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رجلين بعد رجوعه من غزوة تبوك فأحرقاه وهدماه ثم قال { ~~والله لا يهدى القوم الظلمين } يعني لا يرشدهم إلى ~~دينه. يعني الذين كفروا في السر. قوله تعالى: { لا يزال ~~بنيانهم الذى بنوا ريبة } يعني مسجد الضرار ريبة { فى ~~قلوبهم } يعني حسرة وندامة بما أنفقوا فيه وبما ظهر من أمرهم ~~ونفاقهم { إلا أن تقطع قلوبهم } يعني لا يزال حسرة في ~~قلوبهم إلى أن يموتوا. لأنهم إذا ماتوا انقطعت قلوبهم. ويقال إلا أن تقطع ~~قلوبهم. أي في القبر. قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص إلا أن ~~تقطع بالنصب فيكون الفعل للقلوب يعني إلا أن تتقطع قلوبهم ~~وتتفرق. والباقون بالرفع على فعل ما لم يسم فاعله { والله عليم ~~حكيم } بهدم مسجدهم قوله تعالى: { إن الله... } ### || [9.111-112] # { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة } معناه إنه طلب من المؤمنين ~~أن يعدوا أنفسهم وأموالهم ويخرجوا إلى الجهاد [والقتال] في سبيل الله ~~ليثيبهم (الجنة). وذكر الشراء على وجه المثل، لأن الأموال والأنفس كلها ~~لله تعالى، وهي عند أهلها عارية، ولكنه أراد به التحريض والترغيب في ~~الجهاد. وهذا كقوله # من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] ثم قال { يقتلون فى سبيل الله } يعني في ~~طاعة الله تعالى مع العدو { فيقتلون ويقتلون } يعني العدو ~~ويقتلهم العدو. قرأ حمزة والكسائي فيقتلون بالرفع ويقتلون ~~بالنصب على معنى التقديم والتأخير. وقرأ الباقون يقتلون بالنصب ~~ويقتلون بالرفع { وعدا عليه حقا } يعني واجبا لهم ذلك ms0708 ~~بأن يفي لهم ما وعد (وبين ذلك) { في التوراة والإنجيل ~~والقرءان ومن أوفى بعهده من الله } يعني ليس أحد ~~أوفى من الله تعالى في عهده وشرطه. لأنه عهد أن من قتل في سبيل فله ~~الجنة فيفي عهده وينجز وعده ثم قال { فاستبشروا ببيعكم ~~الذى بايعتم به } وهذا (إعلان) لهم أنهم يربحون في مبايعتهم { ~~ذلك هو الفوز العظيم } يعني الثواب الوافر والنجاة ~~والوافرة. قوله تعالى: { التئبون العبدون } إلى آخره. لهم ~~الجنة أيضا. ويقال هم التائبون. ويقال صار رفعا بالابتداء وجوابه مضمر ~~قرأ عاصم التائبين العابدين. يعني اشترى من المؤمنين التائبين العابدين ~~إلى آخره ويقال: اشترى من عشرة نفر أولهم الغزاة، ومن التائبين الذين ~~يتوبون عن الذنوب والذين هم { العبدون } يعني الموحدون. ويقال ~~المطيعون لله تعالى، { الحمدون } الذين يحمدون الله تعالى على كل ~~حال { السئحون } قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والحسن يعني ~~الصائمين. وأصله السائح في الأرض. لأن السائح في الأرض ممنوعا عن ~~الشهوات. فشبه الصائم به. وذكر عن بعضهم أنه قال: هم الذين يصومون شهر ~~الصبر وهو [شهر] رمضان وأيام البيض. { الراكعون } يعني الذين يحافظون ~~على الصلوات { السجدون } الذين يسجدون لله تعالى في الصلوات { ~~الأمرون بالمعروف } يعني يأمرون الناس بالتوحيد وأعمال (الخير) ~~{ والناهون عن المنكر } الذين ينهون الناس عن الشرك والأعمال ~~الخبيثة { والحفظون لحدود الله } يعني العاملين بفرائض ~~الله عليهم. وذكر عن خلف بن أيوب أنه أمر امرأته في بعض الليل أن تمسك ~~الرضاع عن الولد فقالت لم؟ فقال لأنه قد تمت سنتان. فقيل له لو تركتها ~~حتى ترضع تلك الليلة أيش يكون فقال: أين قول الله تعالى { ~~والحفظون لحدود الله } ثم قال { وبشر المؤمنين ~~} يعني المصدقين بهذا الشرط والعاملين به ### || [9.113-114] # قوله تعالى: { ما كان للنبى والذين ءامنوا } يعني ما ~~ينبغي وما جاز للنبي والذين آمنوا { أن يستغفروا للمشركين ~~}. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال سمعت رجلا يستغفر ~~لأبويه وهما مشركان (فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال ألم ~~يستغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان؟ ms0709 فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فنزل { ما كان للنبى والذين ءامنوا أن ~~يستغفروا للمشركين } { ولو كانوا أولى قربى ~~} يعني ذا قرابة في الرحم { من بعد ما تبين لهم أنهم ~~أصحب الجحيم } يعني أهل النار وماتوا على الكفر وهم في النار. ~~ويقال أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لأبويه وهما مشركان ~~واستأذن منه المسلمون أن يستغفروا لآبائهم فنهاهم الله عن ذلك وقال { ما ~~كان للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين }. وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: # " خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرجنا معه حتى انتهينا إلى قبر ~~فجلس إليه فناجاه طويلا ثم رفع رأسه باكيا فبكينا لبكاء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل إلينا ~~فتلقاه عمر رضي الله عنه وقال ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فأخذ بيد عمر ~~وأقبل إلينا فأتيناه فقال «أفزعكم بكائي؟» فقلنا نعم يا رسول الله فقال: ~~«إن القبر الذي رأيتموني أناجيه قبر آمنة بنت وهب بن عبد مناف وإني ~~استأذنت ربي بالاستغفار لها فلم يأذن لي. فأنزل الله { ما كان ~~للنبى والذين ءامنوا أن يستغفروا.. } فأخذني ما ~~يأخذ الولد للوالدين من الرقة. فذلك الذي أبكاني " # وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " استأذنت ربي أن استغفر لوالدي فلم يأذن لي. واستأذنته أن أزور قبرهما ~~فأذن لي " # فنزلت هذه الآية. ثم قال عز وجل { وما كان استغفار إبرهيم ~~لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } وذلك أن أباه وعده ~~أن يسلم وكان يستغفر له رجاء أن يسلم. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ~~قال ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، { فلما } مات { تبين ~~له أنه عدو لله، تبرأ منه } ، يعني ترك الدعاء له ~~ولم يستغفر له بعد ما مات على الكفر. وللآية [هذه] وجه آخر. روي عن ~~الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حرب قال: # " لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه ms0710 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد ~~عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~طالب «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة النجاة أشهد لك بها عند الله ~~تعالى»، فقال أبو جهل أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يعرضها عليه ويعانده أبو جهل بتلك المقالة حتى قال أبو طالب ~~آخر ما كلمهم على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنه " # فأنزل الله تعالى # إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من ~~يشآء # [القصص: 56] ونزل { ما كان للنبى والذين ءامنوا } ~~الآية. وفي قوله تعالى { إن إبرهيم لأواه حليم } وروى سماك ~~عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن أعلمه إلا أربعة، غسلين وحنانا ~~والأواه والرقيم. وروي عن عبد الله بن عباس في رواية أخرى أنه قال: ~~الأواه الذي يذكر الله في الأرض الوحشية. وروي عن ابن مسعود أنه قال ~~الأواه الرحيم. وقال مجاهد: الموقن وقال الضحاك الداعي الذي يلح إلى الله ~~تعالى المقبل إليه بطاعته. ويقال المؤمن بلغة (الحبش) ويقال الأواه معلم ~~الخير. وقال كعب الأواه الذي إذا ذكر والله قال أواه من النار. وقال ~~القتبي: المتأوه حزنا وخوفا. (حليم) يعني عن الجهل. ### || [9.115-117] # قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل الله تعالى عليه ~~الفرائض ففعل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون. ثم إن ~~الله تعالى أنزل ما ينسخ الأمر الأول، وقد غاب الناس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يبلغهم ذلك (فعملوا) بالمنسوخ وكانوا يصلون إلى القبلة ~~الأولى ولا يعلمون ويشربون الخمر ولا يعلمون تحريمها فذكروا ذلك للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى { وما كان الله ليضل ~~قوما بعد إذ هداهم } وإن عملوا بالمنسوخ { حتى يبين ~~لهم ما يتقون } يعني ما ms0711 نسخ من القرآن. يعني إنه قبل منهم ما ~~عملوا بعد النسخ ولا يؤاخذهم بذلك. ويقال وما كان الله ليهلك قوما حتى ~~يقيم عليهم الحجة، ويقال ليعذبهم في الآخرة، يعني يبين لهم ما ~~يتقون. ويقال لا يتركهم بلا بيان بعد أن أكرمهم بالإيمان حتى يبين لهم ما ~~يحتاجون، ويقال لا ينزع الإيمان عنهم بعد أن هداهم إلى الإيمان حتى يبين ~~لهم الحدود والفرائض فإذا تركوا ذلك ولم يروه حقا عذبهم الله تعالى ونزع ~~عنهم المعرفة ويقال { وما كان الله ليضل قوما } على ~~الإبتداء { حتى يبين لهم ما يتقون } فيصيروا فيه ~~ضلالا. وهذا طريق المعتزلة والطريق الأول أصح وبه نأخذ ثم قال { إن ~~الله بكل شىء عليم } يعني عليم بكل ما يصلح للخلق ثم قال { ~~إن الله له ملك السموات والأرض } يعني يحكم فيهما ~~بما يشاء من الأمر بعد الأمر. يأمر بأمر ثم بغيره ما يشاء { يحيي ~~ويميت } يعني يحيي الموتى ويميت الأحياء { وما لكم من دون ~~الله } يعني من عذاب الله تعالى { من ولى } يعني من قريب ينفعكم { ~~ولا نصير } يعني مانعا يمنعكم. وقال الكلبي: يحيي ويميت يعني في ~~السفر ويميت في الحضر يعني إن هذا ترغيب في الجهاد لكي لا يمتنعوا مخافة ~~القتل. قوله تعالى: { لقد تاب الله على النبى } أي تجاوز عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إذنه للمنافقين بالتخلف. كقوله # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] ويقال: لقد تاب الله على النبي يعني غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر. كما ذكر في أول سورة الفتح. ثم قال { والمهجرين ~~والأنصر } يعني تجاوز عنهم (ذنوبهم) لما أصابهم من الشدة في ذلك ~~الطريق ثم نعتهم فقال { الذين اتبعوه فى ساعة العسرة } ~~يعني وقت الشدة في غزوة تبوك. كانت لهم العسرة في أربعة أشياء، عسرة ~~النفقة والركوب والحر والخوف { من بعد ما كاد يزيغ قلوب ~~فريق منهم } يعني تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج إلى الغزو. ~~ويقال من بعد ما كادوا أن يرجعوا من غزوتهم من الشدة. ويقال هم ms0712 قوم ~~تخلفوا عنه ثم خرجوا فأدركوه في الطريق { ثم تاب عليهم } يعني ~~تجاوز عنهم { إنه بهم رءوف رحيم } حين تاب عليهم. قرأ حمزة ~~وعاصم في رواية حفص " يزيغ قلوب " بالياء بلفظ المذكر والباقون ~~بالتاء بلفظ التأنيث. والتأنيث إذا لم يكن حقيقيا جاز التذكير والتأنيث ~~لأن الفعل مقدم فيجوز التذكير والتأنيث. ### || [9.118] # قوله { وعلى الثلثة الذين خلفوا } يعني وتاب على ~~الثلاثة وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال ابن أمية. قال الفقيه: ~~سمعت أبي رحمه الله يذكر بإسناده عن معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب ~~بن مالك عن أبيه قال: لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بدرا، فلم يعاتب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أحدا تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العير فخرجت قريش معينين ~~لعيرهم فالتقوا على غير موعد. ثم لم أتخلف عن غزوة غزاها حتى كانت غزوة ~~تبوك وهي آخر غزوة غزاها. فأذن للناس بالرحيل وأراد أن يتأهبوا أهبة ~~غزوتهم وذلك حين طابت الظلال وطابت الثمار. وكان كل ما أراد غزوة إلا ورى ~~بغيرها. وكان يقول الحرب خدعة. فأراد في غزوة تبوك أن يتأهب الناس ~~أهبتهم. وأنا أيسر ما كنت، قد جمعت راحلتين. وأنا أقدر شيء في نفسي على ~~الجهاد وخفة الحال وأنا في ذلك أصبو إلى الظلال وطيب الثمار فلم أزل كذلك ~~حتى قام النبي - صلى الله عليه وسلم - غازيا، بالغداة وذلك يوم الخميس ~~وكان يحب أن يخرج الناس يوم الخميس فأصبح غاديا، فقلت انطلق غاديا إلى ~~السوق غدا (فأشتري) ثم ألحق بهم. فانطلقت إلى السوق من الغد فعسر على ~~بعض شأني فرجعت فقلت أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم، فعسر علي بعض شأني ~~فلم أزل كذلك حتى التبس بي الريب وتخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف في المدينة فيحزنني أن لا أرى أحدا ~~تخلف إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، وكان الجميع من تخلف عن ms0713 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بضعا وثمانين رجلا ولم يذكرني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فلما بلغ تبوك قال: # " فما فعل كعب بن مالك " # فقال رجل من قومي خلفه يا رسول الله حسن برديه والنظر إلى عطفيه. ~~فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت (يا هذا) والله يا نبي الله ما نعلم منه ~~إلا خيرا. فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك وقفل ودنا ~~من المدينة جعلت أتذكر بماذا أخرج من سخطة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بكل ذي رأي من أهلي حتى إذا أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~راح عني الباطل وعرفت ألا أنجو (إلا بالصدق ودخل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ضحى فصلى في المسجد ركعتين وكان إذا جاء من السفر فعل ذلك فدخل ~~المسجد وصلى ركعتين ثم جلس فجعل يأتيه من تخلف فيحلفون له ويعتذرون إليه ~~ويستغفر لهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى. # فدخلت المسجد فإذا هو جالس فلما رآني تبسم (تبسم المغضب) فجئت فجلست ~~بين يديه فقال: # " ألم تكن ابتعت ظهرك؟ " # فقلت بلى يا نبي الله: فقال # " ما خلفك؟ " # فقلت (والله) لو أني بين أحد من الناس غيرك جلست فخرجت من سخطه علي ~~بعذر، ولقد أوتيت جدلا. ولكني قد علمت يا رسول الله أني لو أخبرتك ~~اليوم بما تجد علي فيه وهو حق فإني أرجو فيه عفو الله. وإن حدثتك حديثا ~~ترضى علي فيه وهو كذب أوشك الله أن يطلعك علي. والله يا نبي الله ما كنت ~~قط أيسر ولا أخف حالا حين تخلفت عنك. قال # " أما هذا فقد صدقكم الحديث. قم حتى يقضي الله فيك " # فقمت فسار على أثري ناس (من قومي) يؤنبونني، وقالوا والله ما نعلمك ~~أذنبت ذنبا قط قبل هذا فهلا اعتذرت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بما يرضى عنك فكان استغفاره سيأتي من وراء ذلك ولم تقف نفسك موقفا لا ~~تدري ما يقضى لك فيه، فلم يزالوا يؤنبونني حتى هممت أن ms0714 أرجع فأكذب نفسي. ~~فقلت هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا نعم. فقلت من هو؟ فقالوا هلال بن ~~أمية ومرارة بن الربيع فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. ~~فقلت والله لا أرجع إليه في هذا أبدا ولا أكذب نفسي. قال فنهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا الثلاثة. قال فجعلت أخرج إلى السوق فلا ~~يكلمني أحد وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذين نعرفهم وتنكرت لنا الأرض ~~حتى ما هي باللتي نعرف وكنت أقوى أصحابي فكنت أخرج وأطوف بالأسواق وآتي ~~المسجد وآتي النبي - صلى الله عليه وسلم -فأسلم عليه وأقول هل حرك شفتيه ~~بالسلام فإذا قمت أصلي إلى سارية فأقبلت على صلاتي نظر [إلي] بمؤخر عينيه ~~فإذا نظرت إليه أعرض عني. واستكان صاحباي فجعلا يبكيان الليل والنهار ولا ~~يطلعان رؤوسهما. فبينما أنا أطوف بالسوق، إذا برجل نصراني جاء بطعام له ~~يبيعه يقول من يدلني على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون إلي فأتاني، ~~وأتاني بصحيفة من ملك غسان، وإذا فيها: أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد ~~جفاك ولست بدار مضيقة ولا هوان. فالحق بنا نواسيك. فقلت هذا أيضا من ~~البلاء يعني الدعوة إلى الكفر. فسجرت لها التنور فأحرقتها فيه. فلما ~~مضت أربعون ليلة إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أتاني فقال: # " اعتزل امرأتك " # فقلت أطلقها؟ فقال # " لا. ولكن لا تقربها " # فجاءت امرأة هلال بن أمية فقالت يا نبي الله إن هلالا شيخ ضعيف فهل ~~تأذن لي أن أخدمه؟ قال # " نعم ولكن لا يقربنك " # فقالت يا نبي لله والله ما به حركة من شيء ما زال مكبا يبكي الليل ~~والنهار منذ كان من أمره ما كان. قال كعب فلما طال علي البلاء اقتحمت على ~~أبي قتادة حائطه وهو ابن عمي. فسلمت عليه فلم يرد علي جوابا. فقلت ~~أنشدك الله يا أبا قتادة أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت. ثم قلت ~~أنشدك بالله يا أبا قتادة أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ حتى عاودته ثلاث ~~مرات. ms0715 قال الله ورسوله أعلم. فلم أملك نفسي أن بكيت. ثم اقتحمت الحائط ~~خارجا. حتى إذا مضت خمسون ليلة من حين نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الناس عن كلامنا صليت على ظهر بيت لنا صلاة الفجر (ثم جلست) وأنا في ~~المنزلة التي قال الله تعالى { ضاقت عليهم الارض بما ~~رحبت وضاقت عليهم أنفسهم } إذ سمعت نداء من ذروة سلع، ~~اسم جبل، أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدا وعرفت أن الله تعالى قد ~~جاء بالفرج. ثم جاء رجل يركب على فرس يركض، يبشرني فكان الصوت أسرع من ~~فرسه. فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين وانطلقت إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وجعل الأنصار يستقبلونني فوجا فوجا ويهنئونني ~~ويبشرونني، ولم يقم أحد من المهاجرين غير طلحة بن عبيد الله. قام وتلقاني ~~بالتهنئة. فما نسيت ذلك منه. وانطلقت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون وهو يستنير كاستنارة القمر. وكان ~~إذا سر بالأمر استنار وجهه كالقمر. فجئت فجلست بين يديه. فقال # " أبشر يا كعب بخير يوم أتى عليك منذ ولدتك أمك " # فقلت يا نبي الله أمن عندك أم من عند الله؟ قال # " بل من عند الله " # قوله تعالى: { لقد تاب الله على النبى والمهجرين ~~والانصر } إلى قوله { وعلى الثلثة الذين خلفوا } ~~الآية فقلت يا نبي الله إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا. وأن أنخلع من ~~مالي كله صدقة لله ورسوله. قال # " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " # قال فما أنعم الله علي نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين صدقته أنا وصاحباي ألا نكون كذبنا ~~فهلكنا كما هلكوا وإني لأرجو ألا يكون الله أبلى أحدا في الصدق كما ~~أبلاني. ما تعمدت لكذبة قط وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. # وروى الزهري عن كعب بن مالك قال: كانت توبتنا نزلت على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلثا الليل. فقالت أم سلمة يا نبي الله ألا ms0716 نبشر كعبا بن ~~مالك؟ قال # " إذا يحطمنكم الناس ويمنعونكم النوم سائر الليلة " # وكانت أم سلمة محسنة في شأني تحزن بأمري. وذلك قوله تعالى: { وعلى ~~الثلثة الذين خلفوا } يعني وتاب الله على الثلاثة الذين ~~تخلفوا عن غزوة تبوك، ويقال وعلى الثلاثة الذين تخلفوا عن التوبة يعني ~~أبا لبابة { حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت } ~~يعني بسعتها { وضاقت عليهم أنفسهم } يعني ضاقت قلوبهم { ~~وظنوا أن لا ملجأ من الله } يعني علموا وأيقنوا أن لا ~~مفر من عذاب الله { إلا إليه } يعني إلا بالتوبة إليه { ثم ~~تاب عليهم ليتوبوا } يعني يتجاوز عنهم حتى تابوا. ويقال ~~أكرمهم فوفقهم للتوبة كي يتوبوا. ويقال تاب عليهم ليتوب من بعدهم ويقتدي ~~بهم { إن الله هو التواب الرحيم } يعني المتجاوز لمن ~~تاب الرحيم بهم بعد التوبة ### || [9.119-121] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } يعني ~~اخشوا الله ولا تعصوه، يعني من أسلم من أهل الكتاب { وكونوا مع ~~الصدقين } قال الضحاك يعني مع الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم ~~وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو بإخلاص ~~ونية. ويقال هذا الخطاب (للمنافقين) الذين كانوا يعتذرون بالكذب، ومعناه ~~يا أيها الذين آمنوا في العلانية اتقوا الله وكونوا مع الثلاثة الذين ~~صدقوا. وروي عن كعب بن مالك أنه قال فينا نزلت { وكونوا مع ~~الصدقين } وقال الكلبي يعني الأنصار والمهاجرين الذين صلوا ~~القبلتين. وقال مقاتل الذين وصفهم الله تعالى في آية أخرى # إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله # [النور: 62] الآية. ويقال مع الصادقين في إيمانهم يعني أبا بكر وعمر ~~وعثمان وعليا رضوان الله عليهم. حدثنا الفقيه (أبو جعفر) قال: حدثنا أبو ~~بكر القاضي. حدثنا أحمد بن جرير. حدثنا قتيبة حدثنا عبد الرحمن (البخاري) ~~عن جويبر عن الضحاك في قوله { وكونوا مع الصدقين } قال ~~أمروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما، رضي الله عنهم قوله تعالى: { ~~ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الأعراب } يعني ~~المنافقين الذين بالمدينة وحوالي المدينة { أن يتخلفوا عن ~~رسول الله } في الغزو { ولا ms0717 يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه } يعني لا ينبغي أن يكونوا بأنفسهم أبر وأشفق من نفس محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - وأن يتركوا محبته، ويقال ولا يرغبوا بأنفسهم يعني ~~بإبقاء أنفسهم على إبقاء نفسه. يعني ينبغي لهم أن يتبعوه حينما يريد { ~~ذلك } يعني النهي عن التخلف. ويقال ذلك التحضيض الذي حضهم عليه { ~~بأنهم لا يصيبهم } في غزوهم { ظمأ ولا نصب } يعني ~~ولا تعب ولا مشقة في أجسادهم، ثم قال { ولا مخمصة } يعني مجاعة { ~~فى سبيل الله ولا يطئون موطئا } يعني أرضا وموضعا من ~~سهل أو جبل { يغيظ الكفار } يعني يحزن الكفار { ولا ينالون ~~من عدو نيلا } يعني لا يصيبون من عدو قتلا أو غارة أو هزيمة { ~~إلا كتب لهم به عمل صالح } يعني ثواب عمل صالح. يعني ~~يضاعف حسناتهم على حسنات القاعدين { إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } يقول لا يبطل ثواب المجاهدين. وفي هذه الآية دليل أن ما ~~أصاب الإنسان من الشدة يكتب له بذلك ثواب. وقال بعضهم لا يكتب له بالشدة ~~ثواب ولكن يحط عنه الخطيئة. وقال بعضهم لا يكون بالمشقة أجر ولكن بالصبر ~~على ذلك. ثم قال عز وجل { ولا ينفقون نفقة } في الجهاد { ~~صغيرة ولا كبيرة } يعني قليلا ولا كثيرا { ولا يقطعون ~~واديا } من الأودية مقبلين إلى العدو أو مدبرين { إلا كتب ~~لهم } يعني كتب لهم ثواب { ليجزيهم الله أحسن ما ~~كانوا يعملون } يقول ليجزيهم بأعمالهم. ويقال يجزيهم أحسن من ~~أعمالهم، لأنه يعطي بحسنة واحدة عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يدرك حسابه. ~~ويقال ليجزيهم بأحسن أعمالهم ويصير سائر أعمالهم فضلا. ### || [9.122] # قوله { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } روي عن ~~معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كافة }. يعني ما كان للمؤمنين لينفروا ~~جميعا ويتركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده (بالمدينة) { ~~فلولا نفر } يقول فهلا خرج { من كل فرقة منهم ~~طائفة } يعني عصبة من جماعة ويقم طائفة مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - { ليتفقهوا فى الدين } يعني ms0718 ليتعلموا العلم وشرائع ~~الدين. فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيعلمونهم. ويقولون إن الله تعالى قد أنزل على ~~نبيكم بعدكم كذا وكذا، وهذا قوله { ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } يعني يتعظون بما أمروا ~~ونهوا عنه. ولها وجه آخر وهو ما روي أيضا عن معاوية بن صالح عن علي بن ~~طلحة عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دعا على مضر ~~بالسنين أجدبت بلادهم. وكانت القبيلة تقبل بأسرهم حتى يلحقوا بالمدينة ~~ويعلنوا بالإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأجهدوهم فأنزل الله تعالى يخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أنهم ليسوا بمؤمنين فردهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عشائرهم ~~وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم بعد ذلك، وهو قوله { ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } وروى ~~أسباط بن السدي قال: أقبلت أعراب هذيل وأصابتهم مجاعة واستعانوا بتمر ~~المدينة وأظهروا الإسلام. وكانوا (يفخرون) على المؤمنين فيقولوا نحن ~~أسلمنا طائعين بغير قتال. وأنتم قوتلتم فنحن خير منكم، فآذوا المؤمنين ~~فأنزل الله تعالى فيهم يخبرهم بأمرهم. قال { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة } أي جميعا. { فلولا نفر من كل ~~فرقة } يعني من كل بطن طائفة فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسمعوا كلامه ثم رجعوا إلى قومهم فأخبروهم { لعلهم يحذرون } ~~يعني يتعظون فيعملون به ولا يعملون بخلافه. وفي هذه الآية دليل أن أخبار ~~الآحاد مقبولة ويجب العمل بها لأن الله تعالى أخبر أن الطائفة من الفرقة ~~إذا تفقهت في الدين وأنذرت قومهم صح ذلك. ولفظ الطائفة يتناول الواحد ~~والأكثر لأن أقل الفرقة اثنان والطائفة من الاثنين واحد. ### || [9.123-125] # قوله: { يأيها الذين ءامنوا قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } يعني ما حولكم وبقربكم وهم بنو قريظة ~~والنضير وفدك وخيبر. فأمر الله تعالى كل قوم بأن يقاتلوا الذين يلونهم من ~~الكفار. قال أبو جعفر الطحاوي. منع الله تعالى نبيه عن قتال الكفار بقوله ~~{ ولا تجدلوا أهل ms0719 الكتب إلا بالتى هى ~~أحسن } ثم أباح قتال من يليه بقوله { قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } ثم أباح قتال جميعهم بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] { وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن ~~الله مع المتقين } يعني معين لهم، ينصرهم على عدوهم. قوله ~~تعالى: { وإذا ما أنزلت سورة } من القرآن على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - { فمنهم } أي من المنافقين { من يقول } بعضهم ~~لبعض { أيكم زادته هذه } السورة { إيمنا } يعني ~~تصديقا (بهذه السورة مع تصديقكم) استهزاء بها قال الله تعالى { فأما ~~الذين ءامنوا } يعني أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~فزادتهم إيمنا } يعني تصديقا بهذه السورة مع تصديقهم بالله ~~تعالى وثباتا على الإيمان { وهم يستبشرون } يفرحون بما أنزل ~~من القرآن. قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل وأبو القاسم الشنابازي قالا: ~~حدثنا فارس بن مردويه قال حدثنا محمد بن الفضل العابد قال حدثنا يحيى بن ~~عيسى قال حدثنا أبو مطيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أنه قال: # " جاء وفد ثقيف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول ~~الله الإيمان يزيد وينقص؟ قال «لا. الإيمان مكمل في القلب زيادته ونقصانه ~~كفر " # قال الفقيه حدثنا أبو أسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال حدثنا أبو ~~عمران المؤدب الدستجردي قال حدثنا صخر بن نوح قال حدثنا مسلم بن سالم عن ~~ابن الحويرث عن عون بن عبد الله قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في ~~خطبته لو كان الأمر على ما يقول الشكاك الضلال إن الذنوب تنقص الإيمان ~~لأمسى أحدنا حين ينقلب إلى أهله وهو لا يدري ما ذهب من إيمانه أكثر او ~~أبقى. { وأما الذين فى قلوبهم مرض } يعني شك ونفاق { ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم } قال الكلبي: شكا إلى شكهم. ~~وقال مقاتل: إثما على إثمهم. وقال القتبي: أصل الرجس النتن ثم قد سمي ~~الكفر والنفاق رجسا لأنهما نتن { وماتوا وهم كفرون } يعني ~~ماتوا على الكفر لأنهم كانوا كفارا في السر ولم يكونوا مؤمنين في ms0720 ~~الحقيقة. ### || [9.126-127] # { أولا يرون أنهم يفتنون } قرأ حمزة " أولا ترون " ~~بالتاء ويكون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. وقرأ الباقون ~~بالياء يعني المنافقون، ولا يعتبرون { أنهم يفتنون فى كل ~~عام } يقول: يبتلون بإظهار ما في صدورهم من النفاق في كل عام { ~~مرة أو مرتين ثم لا يتوبون } من نفاقهم [وكفرهم في ~~السر] { ولا هم يذكرون } يعني لا يتعظون ولا يتفكرون. قال ~~الكلبي: كانوا ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين فيعاقبون ثم يتوبون عن ~~نقض العهد. وقال مقاتل وذلك أنهم إذا خلوا تكلموا بما لا يحل لهم. فإذا ~~أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بما تكلموا به فيعرفون أنه نبي ~~ثم يأتيهم الشيطان فيحدثهم أنه يخبرهم بما بلغه عنهم فيشكون فيه، فذلك ~~قوله { يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين } يعني ~~يعرفون مرة أنه نبي وينكرون مرة أخرى { ثم لا يتوبون } عن ذلك ~~{ ولا هم يذكرون } فيما أخبرهم. ويقال يفتنون يعني يبتلون ~~بالأمراض والأسقام ويعاهدون الله لو زال عنا لفعلنا كذا وكذا. ثم لا يفون ~~به ولا يتوبون من النفاق ولا هم يذكرون. أي لا يتعظون بما أنزل عليهم. ~~قوله { وإذا ما أنزلت سورة } من القرآن على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مثل سورة براءة فيها عيب المنافقين { نظر ~~بعضهم إلى بعض } ويتغامزون ويقولون فيما بينهم { هل ~~يراكم من أحد } من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~رآهم أحد قاموا وصلوا وإن لم يرهم أحد لم يصلوا، قال تعالى { ثم ~~انصرفوا } يعني خرجوا من المسجد. ويقال انصرفوا من الإيمان { صرف ~~الله قلوبهم } عن الإيمان وعزل قلوبهم عن الفهم بخروجهم من المسجد ~~وانصرافهم عن الإيمان، ويقال هذا على وجه الدعاء واللعن كقوله # قتلهم الله # [التوبة: 30]؛ ويقال هذا على معنى التقديم. ومعناه صرف الله قلوبهم ~~لأنهم انصرفوا عن الإيمان. { بأنهم قوم لا يفقهون } أمر ~~الله تعالى ### || [9.128-129] # قوله { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قال مقاتل: يعني أهل ~~مكة قد جاءكم رسول من أنفسكم تعرفونه ولا تنكرونه. ويقال هذا ms0721 الخطاب ~~لجميع العرب. { لقد جاءكم رسول } يعني محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - من أنفسكم يعني من جميع العرب. لأنه لم يكن في العرب قبيلة ~~إلا ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها قرابة وهذا من المجاز ~~والاستعارة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فيهم ولم يجىء من موضع ~~آخر. معناه ظهر فيكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويقال هذا الخطاب ~~لجميع الناس { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } يعني آدميا ~~مثلكم. قرأ بعضهم من أنفسكم بنصب الفاء يعني من أشرفكم وأعزكم وهي ~~قراءة شاذة. ثم قال تعالى { عزيز عليه ما عنتم } يعني شديد ~~عليه ما أثمتم وعصيتم { حريص عليكم } قال الكلبي: يعني على ~~إيمانكم. وقال مقاتل: حريص عليكم بالرشد والهدى. وقال قتادة حريص على من ~~لم يسلم أن يسلم. ثم قال { بالمؤمنين رءوف رحيم } أي رفيق ~~بجميع المؤمنين رحيم بهم ثم قال الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~{ فإن تولوا } يعني إن أعرضوا عنك ولم يؤمنوا بك { فقل ~~حسبى الله } يعني قل كفاني الله وفوضت أمري إلى الله ووثقت به { ~~لا إله إلا هو } يعني لا ناصر ولا رازق ولا معين إلا هو { ~~عليه توكلت } يعني به أثق { وهو رب العرش العظيم ~~} يعني خالق السرير العظيم. أعظم من السموات والأرض. وقرأ بعضهم ~~العظيم بالرفع فجعل العظيم من نعت الله تعالى وقراءة العامة ~~العظيم بالخفض ويكون العظيم نعتا للعرش، وذكر عن عثمان بن عفان أنه ~~لما جمع القرآن في المصحف. [كان لا يثبت آية في المصحف] حتى يشهد بها ~~رجلان، فجاء خزيمة بن ثابت بهاتين الآيتين { لقد جاءكم رسول } ~~إلى آخر السورة فلم يطلب منه البينة وأثبته في المصحف. وروي عن حذيفة أنه ~~قال: يسمون سورة براءة سورة التوبة وهي سورة العذاب. عن ابن عباس أنه قال ~~كنا نسميها الفاضحة. فما زالت تنزل [في المنافقين] " ومنهم " حتى أشفق كل ~~واحد على نفسه " والله أعلم بالصواب " ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1-2] # قوله تعالى: { الر } ، قال ابن عباس يعني: أنا الله أرى ms0722 (من العرش إلى ~~الثرى فهل يرى أحد مثل ما أرى) وهكذا عن الضحاك، وقد ذكرنا تفسير الحروف ~~في أول سورة البقرة، قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في ~~رواية أبي بكر (الر) بإمالة الرا. وقرأ ابن كثير وحفص بنصب الراء. وقرأ ~~نافع بين ذلك. { تلك ءايت الكتب } يعني هذه آيات الكتاب ~~الذي أنزل عليك يا محمد تلك الآيات التي وعدتك يوم الميثاق أن أوحينا ~~إليك الكتاب. { الحكيم } قال مقاتل يعني المحكم من الباطل لا كذب ~~فيها ولا اختلاف. وقال الكلبي: يعني بما حكم أحكم بحلاله وحرمته ويقال ~~الحكيم يعني الحاكم على الكتب كلها. ويقال تلك آيات يعني حجج وبراهين. ~~وهي التي احتج بها النبي - صلى الله عليه وسلم - على دعواه ثم قال { ~~أكان للناس عجبا } لأن أهل مكة كانوا يتعجبون ويقولون { ~~أبعث الله بشرا رسولا } فنزل { أكان للناس عجبا ~~أن أوحينا إلى رجل منهم } يقول: أعجب أهل مكة أن أختار ~~عبدا من عبيدي وأرسله إلى عبادي، من جنسهم وحسبهم حتى يقدروا أن ينظروا ~~إليه، يعرفونه ولا ينكرونه، ثم بين ما أوحى الله تعالى إليه فقال { أن ~~أنذر الناس } يعني: خوف أهل مكة بما في القرآن من الوعيد. ويقال في ~~الآية تقديم ومعناه تلك آيات الكتاب الحكيم للناس أكان عجبا أن أوحينا ~~إلى رجل منهم أن أنذر الناس وقال غلبة المفسرين على ظاهر التنزيل ثم قال ~~{ وبشر الذين ءامنوا } أي: بما في القرآن من الثواب في الجنة ~~{ أن لهم قدم صدق عند ربهم } قال مقاتل يعني بأن ~~أعمالهم التي قدموها بين أيديهم سلف خير عند ربهم وهي الجنة. وقال ابن ~~عباس يعني: الصحابة عند ربهم وهي الجنة وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: ~~يعني شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - لهم شفيع صدق عند ربهم. وقال ~~الحسن: هي رضوان الله في الجنة. وقال القتبي يعني عملا صالحا قدموه. { ~~قال الكفرون إن هذا لسحر مبين } قرأ نافع وأبو ~~عمرو وابن عامر لسحر بغير ألف يعني إن هذا القرآن لسحر ms0723 مبين. كذب ~~ظاهر. قرأ الباقون لساحر مبين فإن قيل. إنما قال الكفار هذا ~~القول فما الحكمة في حكاية كلامهم في القرآن؟ قيل: الحكمة فيه من وجوه ~~أحدها: أنهم كانوا يقولون قولا فيما بينهم فيظهر قولهم عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكان في ذلك علامة لنبوته لمن أيقن به. والثاني: أن في ~~ذلك تعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على ذلك كما قال { ~~فاصبر على ما يقولون } والثالث: أن في ذلك تنبيها لمن بعده ~~أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يمتنع بما يسمع من المكروه ### || [10.3-5] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذى خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } وقد ~~ذكرناه ثم قال { يدبر الأمر } يعني يقضي القضاء وينظر في تدبير ~~الخلق. وروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن ابن سابق قال: يدبر أمر الدنيا ~~أربعة: جبريل وميكاييل وملك الموت وإسرافيل. أما جبريل فعلى الرياح ~~والوحي والجنود، وأما ميكاييل فعلى النبات والمطر، وأما ملك الموت فعلى ~~الأنفس، وأما إسرافيل فينزل إليهم بما يؤمرون { ما من شفيع إلا ~~من بعد إذنه } لأن الكفار كانوا يعبدون الأصنام ويقولون هم ~~شفعاؤنا عند الله. وبعضهم كانوا يعبدون الملائكة. فأخبر الله تعالى أنه ~~لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله تعالى. ويقال: ما من شفيع إلا من بعد ~~إذنه يعني لا يشفع أحد لأحد يوم القيامة من الملائكة ولا من المرسلين إلا ~~من بعد إذنه في الشفاعة لهم { ذلكم الله ربكم } يعني الذي ~~يفعل هذا من خلق السموات والأرض وتدبير الخلق هو ربكم وخالقكم { ~~فاعبدوه } فدل أولا على وحدانيته [وتدبيره] ثم أمرهم بالتوحيد ~~والطاعة فقال { فاعبدوه } يعني وحدوه وأطيعوه { أفلا ~~تذكرون } يعني أفلا تتعظون بالقرآن. ويقال أفلا تتعظون بأن لا ~~تعبدوا من لا يملك شيئا وتعبدون من يملك الدنيا وما فيها. قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص تذكرون بالتخفيف. وقرأ الباقون ~~بالتشديد، لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال وأقيم التشديد ~~مقامه. ثم خوفهم فقال { إليه مرجعكم جميعا } يعني ms0724 مرجع ~~الخلائق كلهم يوم القيامة { وعد الله حقا } يعني البعث كائنا ~~وصدقا. وقال الزجاج: { وعد الله } صار نصبا على معنى وعدكم الله ~~وعدا، لأن قوله إليه مرجعكم معناه الوعد بالرجوع { إنه يبدؤ ~~الخلق ثم يعيده } قال أهل اللغة الياء صلة ومعناه إنه بدأ ~~الخلق ثم يعيده يعني خلق الخلق في الدنيا ثم يحييهم بعد الموت يوم ~~القيامة { ليجزي الذين آمنوا } يعني لكي يثبت الذين آمنوا ~~بالبعث [بعد الموت] { وعملوا الصلحات بالقسط } يعني ~~عملوا الطاعات بالعدل. وقال الضحاك: يعني الذين قاموا بالعدل وأقاموا على ~~توحيده، يعطيهم من رياض الجنة حتى يرضوا { والذين كفروا } يعني ~~ويجزي الذين كفروا. ثم بين جزاءهم فقال { لهم شراب من حميم } ~~يعني ماء حارا قد انتهى حره { وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون } يعني يجحدون الرسالة والكتاب. ثم ذكرهم النعم لكي ~~يستحيوا منه ولا يعبدوا غيره فقال تعالى { هو الذى جعل الشمس ~~ضياء } بالنهار { والقمر نورا } بالليل. ويقال جعل الشمس ضياء ~~مع الحر والقمر نورا بلا حر { وقدره منازل } يعني جعل الليل ~~والنهار منازل، يزيد أحدهما وينقص الآخر ولا يجاوزان المقدار الذي قدره ~~ويقال قدره يعني القمر منازل كل ليلة بمنزلة من النجوم وهي ثمانية وعشرون ~~منزلا في كل شهر. وهذا كقوله # والقمر قدرنه منازل # [يس: 39] { لتعلموا عدد السنين والحساب } يعني لتعلموا ~~بالقمر حساب السنين والشهور، كقوله تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس # [البقرة: 189]. ثم قال { ما خلق الله ذلك إلا بالحق } ~~يعني لتعلموا عدد السنين والحساب وتعتبروا وتعلموا أن له خالقا ومدبرا ~~وهو قادر على أن يحيي الموتى. ثم قال { يفصل الآيت } يعني يبين ~~العلامات يعني علامة وحدانيته { لقوم يعلمون } يعني: لمن كان له ~~عقل وذهن وتمييز. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص يفصل ~~الآيات بالياء. وقرأ الباقون بالنون ومعناهما قريب. ### || [10.6-10] # قوله تعالى: { إن فى اختلف اليل والنهار } وذلك أن ~~أهل مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ائتنا بعلامة كما أتت بها ~~الأنبياء قومهم فنزل { إن فى اختلف اليل والنهار ms0725 } ~~يعني في مجيء الليل وذهاب النهار ومجيء النهار وذهاب الليل ما يأخذ ~~النهار من الليل وما يأخذ الليل من النهار { وما خلق الله فى ~~السموات والأرض } من العجائب يعني: فيما خلق الله { ءايت } ~~يعني: لعلامات { لقوم يتقون } الله تعالى ويخشون عقوبته. ويقال ~~لقوم يتقون الشرك، ثم قال تعالى: { إن الذين لا يرجون ~~لقاءنا } يعني لا يخافون البعث بعد الموت. ويقال لا يرجون ثوابنا بعد ~~الموت { ورضوا بالحيوة الدنيا } يعني اختاروا ما في الحياة ~~الدنيا يعني: على ثواب الآخرة { واطمأنوا بها } يقول: ورضوا بها ~~وسكنوا إليها وآثروها وفرحوا بها { والذين هم عن ءايتنا ~~غفلون } يعني عن محمد والقرآن معرضون فلا يؤمنون. ويقال تاركين لها ~~ومكذبين بها، ويقال لم يتفكروا فيها. قوله تعالى: { أولئك ~~مأواهم النار } يعني أهل هذه الصفة مصيرهم إلى النار { بما ~~كانوا يكسبون } يعني: جزاء لكفرهم وتكذيبهم، ثم أنزل فيما أعد ~~للمؤمنين فقال { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم } وقال مقاتل: يهديهم على الصراط ~~إلى الجنة بالنور بإيمانهم، يعني بتوحيدهم الله تعالى [في الدنيا] وقال ~~الضحاك: يدعوهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة. وقال الكلبي: نحو هذا. ويقال ~~هذا على معنى التقديم ومعناه إن الذين يهديهم ربهم بإيمانهم حتى آمنوا ~~وعملوا الصالحات. ويقال يهديهم ربهم في الدنيا يعني يثبتهم على الإيمان ~~ويدخلهم في الآخرة الجنة بإيمانهم. ويقال ينجيهم ربهم بإيمانهم، وقال ~~الحسن: يرحمهم ربهم بإيمانهم ثم قال { تجرى من تحتهم ~~الأنهر في جنت النعيم } يتنعمون فيها. ثم قال { ~~دعوهم فيها } يعني قولهم في الجنة { سبحنك اللهم ~~وتحيتهم فيها سلام } يعني: فهذه علامة بينهم وبين خدمهم في ~~الجنة فإذا قالوا هذه المقالة جاءهم الخدام بالموائد بين أيديهم ~~(وأوتوا) بما يشتهون، فإذا فرغوا من الطعام قالوا الحمد لله رب العالمين ~~فذلك قوله تعالى: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } يعني وآخر قولهم بعد ما فرغوا من الطعام أن يقولوا الحمد ~~لله رب العالمين. { وتحيتهم فيها سلام } على معنى التقديم. ~~وقال الضحاك في قوله عز وجل { دعوهم فيها } وذلك أن أهل ms0726 الجنة إذا ~~دخلوا القيامة وصاروا إلى الجنة يكون فاتحة كلامهم:سبحانك اللهم على ما ~~مننت به علينا وتحيتهم فيها سلام. يقول يسلم عليهم الملائكة من الله ~~تعالى. ويقال يسلم بعضهم على بعض ويقال يسلمون على الله تعالى. ويقال ~~تحيتهم لله تعالى بالسلام كقوله # تحيتهم يوم يلقونه سلم # [الأحزاب: 44] { وآخر دعواهم } ، يعني بعدما رأوا من الكرامات ~~وبعد ما أكلوا من الطعام حمدوا الله تعالى على ما أعطاهم من الخير. ### || [10.11-13] # قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير } قال مقاتل: وذلك حين تمنى النضر بن الحارث ~~العذاب فنزل قوله { ولو يعجل الله للناس الشر } يقول ~~لو استجيب لهم في الشر استعجالهم بالخير كما يحبون أن يستجاب لهم في ~~الخير { لقضى إليهم أجلهم } في الدنيا بالهلاك. وقال مجاهد ~~والضحاك والكلبي ولو يعجل الله للناس الشر. يعني العقوبة إذا دعا على ~~نفسه وولده وعلى صاحبته مثل أخزاك الله ولعنك الله. كما يعجل لهم الخير ~~إذا دعوه بالرحمة والرزق والعافية لماتوا وهلكوا. وقال القتبي: هذا من ~~(الإضمار) ومعناه ولو يعجل الله للناس الشر. يعني إجابتهم بالشر. ~~استعجالهم بالخير. يعني كإجابتهم بالخير. وإنما صار { ~~استعجالهم } نصبا على معنى مثل استعجالهم. قرأ ابن عامر " ~~لقضى إليهم أجلهم " بالنصب يعني لقضى الله أجلهم لأنه اتصل ~~بقوله ولو يعجل الله. وقرأ الباقون " لقضى إليهم أجلهم " ~~بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله ثم قال { فنذر الذين لا ~~يرجون لقاءنا } يعني نترك الذين لا يخافون البعث بعد الموت { في ~~طغينهم يعمهون } يعني: في ضلالهم يعمهون يعني: يتحيرون ~~ويترددون. قوله: { وإذا مس الإنسن الضر } يقول إذا مس ~~الكافر ما يكره من المرض والفقر والبلاء { دعانا } يقول: أخلص في ~~الدعاء إلينا { لجنبه } يعني وهو مطروح على جنبه إذا اشتد به المرض { ~~أو قاعدا } إذا كانت العلة أهون { أو قائما } إذا بقي فيه أثر ~~العلة. ويقال دعانا في الأحوال كلها مضطجعا كان أو قائما أو ~~قاعدا. { فلما كشفنا عنه ضره } رفعنا عنه بلاءه { ~~مر } يقول: استمر على ترك الدعاء ونسي الدعاء، ms0727 ويقال مر في العافية ~~على ما كان عليه قبل أن يبتلى ولم يتعظ بما ناله { كأن لم يدعنا ~~إلى ضر مسه } يعني: إلى بلاء أصابه قبل ذلك فلم يشكره. ويقال ~~معناه أمن من أن يصيبه مثل الضر الذي دعا فيه حين مسه { كذلك زين ~~للمسرفين ما كانوا يعملون } يعني المشركين { ما ~~كانوا يعملون } يعني: بالدعاء عند الشدة وترك الدعاء عند الرخاء. ~~قوله { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ~~} يعني أهلكناهم بالعذاب لما كذبوا الرسل وأقاموا على كفرهم، خوف أهل ~~مكة بمثل عذاب الأمم الخالية لكيلا يكذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~{ وجاءتهم رسلهم بالبينات } يعني بالآيات بالأمر والنهي { ~~وما كانوا ليؤمنوا } لم يصدقوا الرسل ولم يرغبوا في الإيمان. ~~ويقال وما كانوا ليصدقوا بنزول العذاب بما كذبوا من قبل يوم الميثاق { ~~كذلك نجزى } يعني نعاقب { القوم المجرمين } أي الكافرين ### || [10.14-16] # قوله تعالى: { ثم جعلنكم خلئف } يعني جعلناكم يا أمة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - { خلئف فى الأرض من بعدهم } ~~يعني من بعد هلاكهم { لننظر كيف تعملون } وهذا على معنى ~~التهديد. يعني إن كانت معاملتكم مثل معاملتهم في تكذيب الرسل أهلكتكم ~~كما أهلكت تلك القرون. قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم ~~ءايتنا بينات } يعني القرآن { قال الذين لا يرجون ~~لقاءنا } يعني كفار قريش لما سمعوا القرآن، قالوا { ائت بقرءان ~~غير هذا أو بدله } يعني امحه وانسخه فإنا نجد فيه تحريم ~~عبادة الأوثان وما نحن عليه، وهذا قول الضحاك. وقال الكلبي { وإذا ~~تتلى عليهم } يعني المستهزئين وكانوا خمسة رهط { قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا } يعني لا يخافون البعث بعد الموت { ~~ائت بقرءان غير هذا أو بدله } ائت يا محمد، أو اجعل ~~مكان آية الرحمة آية العذاب ومكان آية العذاب آية الرحمة. وقال الزجاج: ~~معناه بقرآن ليس فيه ذكر البعث والنشور وليس فيه عيب آلهتنا، أو بدل منه ~~ذكر البعث والنشور. { قل ما يكون لى } يعني قل: ما يجوز لي { أن ~~أبدله من تلقاء نفسى } يقول: من قبل نفسي { إن أتبع ~~إلا ما يوحى ms0728 إلى } يعني: لا أعمل إلا ما أومر به وأنزل علي ~~من القرآن { إنى أخاف إن عصيت ربى } يعني أعلم أني لو فعلت ~~ما لم أؤمر به أصابني { عذاب يوم عظيم } يعني يوم القيامة. قال ~~مقاتل والكلبي: نسختها # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] يعني: ما قرأته ولا عرضته عليكم. { ولا أدراكم به } ~~أي: ولا أعلمكم به، ومعناه أن الله تعالى لو لم يجعلني رسولا (إليكم) ما ~~تلوته عليكم كما لم أتل عليكم قبل الوحي. ويقال معناه لو رضي الله لكم ما ~~أنتم عليه من الكفر والجهل ما بعثني إليكم رسولا. قرأ أبو عمرو وحمزة ~~ونافع في رواية ورش والكسائي ولا أدريكم بكسر الراء. وقرأ الباقون ~~بالنصب وهما لغتان، ومعناهما واحد. وعن الحسن أنه قرأ ولا أدرأتكم بالتاء ~~قال أبو عبيدة ما أرى ذلك إلا غلطا منه في الرواية لأنه لا مخرج لها في ~~العربية ثم قال { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } يعني ~~إلى أربعين سنة من قبل هذا القرن. فهل سمعتموني أقرأ شيئا من هذا عليكم ~~{ أفلا تعقلون } أني لم أتقوله من تلقاء نفسي. ولكنه وحي الله ~~من عنده لأنه لو كان من تلقاء نفسي لسمعتم مني قبل هذا شيئا منه. ### || [10.17-19] # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ~~} يعني من أشد في كفره ممن اختلق على الله كذبا أن معه شريكا { أو ~~كذب بآياته } بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن { إنه ~~لا يفلح المجرمون } يعني: المشركون. وقال الضحاك { فمن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا } يعني مسيلمة الكذاب ~~{ إنه لا يفلح المجرمون } يعني أتباعه وأشياعه ونظراؤه. ~~قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله } يعني الأصنام { ما لا ~~يضرهم } إن لم يعبدوها { ولا ينفعهم } إن عبدوها { ~~ويقولون هؤلاء } يعني الأصنام { شفعؤنا عند الله } ~~يشفعون لنا في الآخرة { قل أتنبئون الله } أتخبرون الله { ~~بما لا يعلم } من الآلهة { في السموات ولا فى الأرض ~~} يعني الأصنام بأنها تشفع لأحد يوم القيامة. ويقال معناه أتخبرون الله ~~بشفاعة ms0729 آلهتكم. أما علموا أنها لا تكون أبدا. ويقال معناه أتشركون مع ~~الله بجاهل لا يعلم ما في السموات ولا ما في الأرض. ثم نزه نفسه عن الولد ~~والشريك فقال تعالى: { سبحنه } يعني تنزيها له { وتعالى } ~~يعني ارتفع { عما يشركون } من الآلهة ويقال معناه هو أعلا وأجل ~~من أن يوصف له شريك. قرأ عاصم وأبو عمرو (وابن عامر) يشركون بالياء ~~على معنى المغايبة. وقرأ الباقون بالتاء على وجه المخاطبة ثم قال: { ~~وما كان الناس إلا أمة واحدة } قال مقاتل: وما كان ~~الناس إلا على ملة واحدة. يعني على عهد آدم وعلى عهد نوح من بعد الغرق. ~~كانوا كلهم مسلمين { فاختلفوا } في الدين بعد ذلك. وروى ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد أنه قال: وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~(على عهد آدم فاختلفوا حين قتل أحد بني آدم أخاه فتفرقوا مؤمنا وكافرا. ~~[وقال الكلبي: وما كان الناس إلا أمة واحدة) كافرة على ~~عهد إبراهيم فتقرقوا مؤمنا وكافرا]. وقال الزجاج { وما كان ~~الناس } يعني العرب. كانوا على الشرك قبل مجيء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فاختلفوا بعده فآمن بعضهم وكفر بعضهم. قال الزجاج: وقيل ~~أيضا: { وما كان الناس إلا أمة واحدة } يعني: ولدوا ~~على الفطرة واختلفوا بعد الفطرة { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك } [لولا أن الله جعل لهم أجلا للقضاء بينهم { لقضي ~~بينهم } في وقت اختلافهم. ويقال] { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك } في اللوح المحفوظ بأن لا يعجل بعقوبة العاصين ويتركهم لكي ~~يتوبوا { لقضي بينهم } وقال مقاتل { ولولا كلمة ~~سبقت من ربك } بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة { لقضي ~~بينهم } في الدنيا. وقال الكلبي: لولا أن الله تعالى أخبر هذه الأمة ~~أن لا يهلكهم كما أهلك الذين من قبلهم لقضى بينهم في الدنيا { فيما ~~فيه يختلفون } من الدين ### || [10.20-24] # قوله تعالى: { ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ~~ربه } وذلك حين قال عبد الله بن أمية: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] وسألته قريش أن يأتيهم بآية فقال الله تعالى ms0730 لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { فقل إنما الغيب لله } نزول الآية من ~~عند الله تعالى { فانتظروا } نزولها { إنى معكم من ~~المنتظرين } لنزولها. ويقال فانتظروا بي الموت إني معكم من ~~المنتظرين لهلاككم. قوله تعالى: { وإذا أذقنا الناس } يعني: ~~أصبنا الناس { رحمة } يعني المطر. ويقال العافية { من بعد ~~ضراء مستهم } من بعد القحط ومن بعد الشدة والبلاء { إذا ~~لهم مكر في آياتنا } يعني تكذيبا بالقرآن. ويقال تكذيبا ~~بنعمة الله تعالى ويقولون سقينا بنوء كذا ولا يقولون هذا من رزق الله ~~تعالى. وقال القتبي إذا لهم مكر في آياتنا يعني قولهم بالطعن والحيلة ~~ليجعلوا لتلك الرحمة سببا آخر { قل الله أسرع مكرا } يعني: ~~أشد عذابا وأشد أخذا { إن رسلنا } الحفظة { يكتبون ما ~~تمكرون } يعني [الحفظة يكتبون] ما تقولون من التكذيب قوله تعالى: { ~~هو الذى يسيركم فى البر والبحر } يعني يحملكم في ~~البر على الدواب وفي البحر في السفن. ويقال هو الذي يحفظكم إذا سافرتم في ~~بر أو بحر. قرأ ابن عامر ينشركم بالنون والشين من النشر يعني ~~يبثكم. والقراءة المعروفة يسيركم من التسيير. يعني يسهل لكم السير ~~{ حتى إذا كنتم فى الفلك } يعني: في السفن { وجرين ~~بهم بريح } يقال للسفينة الواحدة جرت وللجماعة جرين. واسم ~~الفلك يقع على الواحد وعلى الجماعة، ويكون مذكرا إذا أريد به الواحد ~~ومؤنثا إذا أريد به الجماعة كقوله # فى الفلك المشحون # [يس: 41] وقال # والفلك التى تجرى فى البحر # [البقرة: 164] ذكرا بلفظ التأنيث مرة، وبلفظ التذكير مرة، وفيه الدليل ~~أن الكلام يكون بعضه على وجه المخاطبة وبعضه على وجه المغايبة، كما قال ~~ها هنا { حتى إذا كنتم فى الفلك } بلفظ المخاطبة ثم قال { ~~وجرين بهم } بلفظ المغايبة " بريح " { طيبة } يعني لينة ~~(ساكنة { [وفرحوا بها] ) بالريح الطيبة { جاءتها } يعني: ~~السفينة { ريح عاصف } يعني: شديدة { وجاءهم الموج من كل ~~مكان } يعني: من كل النواحي { وظنوا أنهم أحيط بهم } ~~يعني: علموا وأيقنوا أنه قد دنا هلاكهم، وقال القتبي وأصل هذا أن العدو ~~إذا أحاط بالقرية يقال دنا القوم من الهلكة قال الله ms0731 تعالى { وظنوا ~~أنهم أحيط بهم } وأحيط بثمره، فصار ذلك كناية عن الهلاك { ~~دعوا الله مخلصين له الدين } يعني أخلصوا لله تعالى ~~يعني: الدعاء وقالوا { لئن أنجيتنا من هذه } يعني من هذه ~~الريح العاصف، ويقال من هذه الأهوال { لنكونن من الشكرين ~~} يعني: الموحدين المطيعين { فلما أنجاهم إذا هم يبغون } ~~يعني: يعصون { فى الأرض بغير الحق } يعني الدعاء إلى غير ~~عبادة الله تعالى والعمل بالمعاصي والفساد قوله تعالى: { يأيها ~~الناس إنما بغيكم على أنفسكم } يعني إثم معصيتكم ~~عليكم وهذا كقوله # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها # [فصلت: 46] ويقال مظالمكم فيما بينكم يعني: على أنفسكم أي جنايتكم ~~عليكم.وهذا كما يقال في المثل (لمحسن سيجزى بإحسانه والمسيء يكفيه ~~مساويه) يعني وباله يرجع إليه ثم قال { متاع الحيوة الدنيا ~~} يعني: تمتعون فيها أيام حياتكم { ثم إلينا مرجعكم } ويقال ~~عبثكم في الدنيا قليل، ويقال عمر الدنيا في حياة الآخرة قليل ثم إلينا ~~مرجعكم أي بعد الموت في الآخرة { فننبئكم } يعني: نخبركم { بما ~~كنتم تعملون } قرأ عاصم في رواية حفص " متاع " بالنصب ويكون ~~نصبا على المصدر. ومعناه تمتعون متاع الحياة الدنيا. وقرأ الباقون " ~~متاع بالضم ومعناه هو متاع الحياة، ثم ضرب للحياة الدنيا مثلا فقال { ~~إنما مثل الحيوة الدنيا } يعني: في فنائها وبقائها { ~~كماء أنزلناه من السماء } يعني المطر { فاختلط به ~~نبات الأرض } يعني يدخل الماء في الأرض فينبت به النبات فاتصل كل ~~واحد بالآخر فاختلط { مما يأكل الناس والأنعم } يعني مما ~~يأكل الناس من الحبوب والثمار ومما تأكل الأنعام والدواب من العشب والكلأ ~~{ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } يعني زينتها { ~~وازينت } يعني حسنت بألوان النبات. وأصله تزينت فحذفت التاء وأقيم ~~التشديد مقامها. وهذا كقوله # أدارك # [النمل: 66] وأصله تدارك { وظن أهلها } يعني: وحسب أهل الزرع { ~~أنهم قادرون عليها } يعني على غلاتها وأنها ستتم لهم الآن { ~~أتاها أمرنا } يعني: عذابنا { ليلا أو نهارا ~~فجعلناها حصيدا } قال أبو عبيدة. الحصيد المستأصل. ويقال الحصيد ~~كحصيد السيف { كأن لم تغن بالأمس } يعني صار كأن لم يكن ~~بالأمس فكذلك الدنيا والإنسان ms0732 يجمع المال ويشتري الضياع ويبني البنيان ~~فيظن أنه قد نال مقصده فيأتيه الموت فيصير كأنه لم يكن، أو رجل ولد له ~~مولود فإذا بلغ فظن أنه قد نال مقصوده فيموت ويصير كأنه لم يكن { ~~كذلك نفصل الآيت } يعني نبين [علامات] غرور الدنيا وزوالها ~~لكيلا يغتروا، ونبين بقاء الآخرة ليطلبوها { لقوم يتفكرون } ~~بأمثال القرآن ويعتبرون بها ### || [10.25] # قوله تعالى: { والله يدعو إلى دار السلام } يعني: يدعو ~~إلى عمل الجنة { ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } ~~وهو الدين القيم. ويقال إن عطاءه على قسمين خاص وعام. فأما العطاء الخاص ~~فالتوفيق والعصمة واليقين. وأما العطاء العام فالصحة والنعمة والأمن. ~~والدعوة هنا عامة والهداية خاصة. فقد دعا جميع الناس بقوله { والله ~~يدعو إلى دار السلام } ثم قال { ويهدى من يشاء إلى ~~صراط مستقيم } فجعل الهداية خاصة لأنها فضله، وفضل الله يؤتيه ~~من يشاء. وقال قتادة: { والله يدعو إلى دار السلام } ~~والله هو السلام وداره الجنة. ويقال السلام هو السلامة وإنما سميت الجنة ~~دار السلام لأنها سالمة من الآفات والأمراض وغير ذلك. روى أبو أيوب عن ~~أبي قلابة عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " نامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني. ثم قيل لي إن سيدا بنى دارا وصنع ~~مائدة وأرسل داعيا. فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه ~~السيد " # فالله تعالى هو السيد والدار الإسلام والمائدة الجنة والداعي محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { ويهدى من يشاء } يكرم من يشاء بالمعرفة من كان ~~أهلا لذلك { إلى صرط مستقيم } إلى دين الإسلام. ### || [10.26-27] # قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى } للذين وحدوا الله ~~وأطاعوه في الدنيا لهم الجنة في الآخرة { وزيادة } أي فضلا. قال ~~عامة المفسرين [الزيادة] هي النظر إلى وجه الله تعالى. وهكذا روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وأبي ~~موسى الأشعري وغيرهم. قال الفقيه حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو ~~العباس السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا عفان بن ms0733 ~~مسلم عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: # " تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية { للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة } ثم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة ~~ودخل أهل النار النار نادى مناد: " يا أهل الجنة إن لكم عند ربكم موعدا ~~يحب أن ينجزكموه " ، فيقولون وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ولم يبيض وجوهنا ~~وأدخلنا الجنة ونجانا من النار. قال ثم يكشف الحجاب فينظرون إلى الله ~~تعالى. فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجه الله تعالى " # قال الفقيه رضي الله عنه: وأخبرنا الثقة بإسناده عن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه وحذيفة قالا: الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى. وعن أبي موسى ~~الأشعري قال: الحسنى هي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى. وعن ~~عامر بن سعد وقتادة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعكرمة مثله # قال الفقيه سمعت محمد بن الفضيل العابد قال: سمعت علي بن عاصم قال: أجمع ~~أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لم يره أحد من خلقه (في الدنيا) وأن ~~أهل الجنة يرونه يوم القيامة. وقال الزجاج: القول في النظر إلى وجه الله ~~تعالى كثير في القرآن. والتفسير مروي بالأسانيد الصحاح أنه لا شك في ذلك. ~~وقال مجاهد: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } قال ~~الحسنى مثلها والزيادة المغفرة والرضوان. وروي عن علقمة قال: الحسنى ~~مثلها وزيادة عشر أمثالها. ويقال الحسنى الجنة وما فيها من الكرامة، ~~والزيادة ما يأتيهم كل يوم من التحف والكرامات من الله تعالى: فيأتيهم ~~رسول رب العالمين فيقول لهم أنا رضيت عنكم فهل رضيتم عني ثم قال تعالى { ~~ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } يعني لا يعلو ولا ~~يغشى وجوههم سواد، وهو كسوف الوجوه عند معاينة النار. ويقال حزن ولا ذلة ~~يعني ولا مذلة { أولئك أصحب الجنة هم فيها ~~خلدون }. يعني دائمين. ثم بين حال أهل النار فقال { والذين ~~كسبوا السيئات } يعني أشركوا بالله وعبدوا الأصنام والشمس ~~والقمر والملائكة والمسيح، فهذه كلها من السيئات { جزاء ms0734 سيئة ~~بمثلها } بلا زيادة يعني لا يزاد على ذلك. # وهذا موصول بما قبله. فكأنه قال { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها بلا زيادة. وهذا ~~كقوله تعالى # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها # [الأنعام: 160]، ويقال جزاء سيئة بمثلها. يعني جزاء الشرك النار فلا ذنب ~~أعظم من الشرك ولا عذاب أشد من النار فيكون العذاب موافقا لسيئاتهم ~~كقوله تعالى # جزآء وفقا # [النبأ: 26]، أي موافقا لشركهم ثم قال { وترهقهم ذلة } ~~يعني: يغشى وجوههم الذلة وهي سواد الوجوه من العذاب { ما لهم من ~~الله من عاصم } يعني: مانع يمنع من عذاب الله تعالى، ثم وصف سواد ~~وجوههم فقال: { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من ~~الليل مظلما } يعني سواد الليل مظلما ويقال قطعا من الليل. ~~يعني: بعضا من الليل وساعة منه. # قال الفقيه: حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا محمد بن عقيل الكندي قال ~~حدثنا العباس الدوري قال حدثنا يحيى بن أبي بكر عن شريك عن عاصم عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- # " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم ~~أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء كالليل المظلم " # قرأ ابن كثير والكسائي قطعا بجزم الطاء وهو اسم ما قطع منه يعني ~~طائفة من الليل قرأ الباقون قطعا بنصب الطاء يعني: جمع قطعة وإنما أراد ~~به سواد الليل { مظلما } وصار نصبا للحال أي في حالة الظلام { ~~أولئك أصحب النار هم فيها خلدون } أي: مقيمون. ### || [10.28-30] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا } وهذا كله في يوم نجمعهم ~~جميعا. يعني الكفار وآلهتهم { ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم أنتم وشركاؤكم } يعني قفوا أنتم وآلهتكم. ويقال ~~الرؤساء والأتباع { فزيلنا بينهم } يعني ميزنا وفرقنا بين ~~المشركين وبين آلهتهم. وأصله في اللغة من زال يزول. وأزلته وزيلته بمعنى ~~واحد. ويقال فرقنا بينهم من التواصل والألفة، يعني بين الرؤساء والأتباع. ~~ويقال يأمر الله ms0735 تعالى أن تلحق كل أمة بما كانوا يعبدون من دون الله ~~فيتفرق أهل الملل، وذلك قوله { فزيلنا بينهم } يعني بين أهل ~~الشرك وأهل الإسلام " ثم قال للمشركين ماذا كنتم تعبدون فينكرون ويحلفون ~~ثم يقرون بعدما يختم على أفواههم وتشد أعضاؤهم أنهم كانوا يعبدون الأصنام ~~" { وقال شركاؤهم } يعني: آلهتهم لمن عبدها { ما كنتم ~~إيانا تعبدون } في الدنيا بأمرنا، ولا نعلم بعبادتكم إيانا ولم ~~تكن فينا روح فنعقل عبادتكم إيانا. فيقول من عبدها قد عبدناكم وأمرتمونا ~~فأطعناكم فقالت الآلهة { فكفى بالله شهيدا } يعني عالما { ~~بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغفلين } ~~يعني: ولم نعلم أنكم تعبدوننا والفائدة في إحضار الأصنام أن يظهر عند ~~المشركين ضعف معبودهم فيزيدهم حسرة على ذاك ثم قال تعالى: { هنالك ~~تبلوا كل نفس } قرأ حمزة والكسائي " تتلوا " بالتاءين، ~~يعني عند ذلك نقرأ كل نفس، برة أو فاجرة { ما أسلفت } يعني: ما ~~عملت من خير أو شر وهذا قوله # يوم ندعوا كل أناس بإممهم # [الإسراء: 71] ويقال تتلو يعني تتبع كقوله # والقمر إذا تلها # [الشمس: 2] يعني تبعها، والباقون تبلو بالتاء والباء يعني عند ذلك ~~تجد. ويقال تظهر. كقوله # يوم تبلى السرآئر # [الطارق: 9] وقال القتبي أي يختبر. ثم قال { وردوا إلى الله ~~مولهم الحق } يعني رجعوا في الآخرة إلى الله مولاهم الحق { ~~وضل عنهم } يعني: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسها { ما كانوا ~~يفترون } يعني: يختلقون من الأوثان فلا يكون لهم شفاعة. ويقال بطل ~~افتراؤهم واضمحل. ### || [10.31-35] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السماء } يعني قل يا محمد ~~للمشركين من يرزقكم من السماء بالمطر { والأرض } ومن الأرض بالنبات { ~~أمن يملك السمع والأبصر } أي من يخلق لكم السمع والأبصار ~~{ ومن يخرج الحى من الميت } ومن يقدر أن يخرج الحي من ~~الميت، يعني الفرخ من البيضة { ويخرج الميت من الحى } يعني ~~البيضة من الطير والنطفة من الإنسان والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ~~{ ومن يدبر الأمر } يعني من يقدر أن يدبر الأمر بين الخلق وينظر ~~في تدبير الخلائق. ويقال من يرسل الملائكة بالأمر { فسيقولون ~~الله ms0736 } يفعل ذلك كله (لا الأصنام) لأن الأصنام لم يكن لهم قدرة على ~~هذه الأشياء { فقل أفلا تتقون } الشرك فتوحدونه إذ تعلمون أن ~~لا يقدر أحد أن يفعل هذه الأشياء إلا الله تبارك وتعالى. ويقال أفلا ~~تتقون. أي تطيعون الله الذي يملك ذلك ثم قال تعالى { فذلكم الله ~~ربكم الحق } وغيره من الآلهة باطل ليس بشيء { فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال } يعني فما عبادتكم. بعد ترك عبادة الله ~~تعالى إلا عبادة الشيطان. ويقال فماذا بعد التوحيد إلا الشرك { فأنى ~~تصرفون } يعني فمن أين تمتنعون عن الإيمان بالله. ويقال فأنى تصرفون ~~عن هذا الأمر بعد المعرفة. وقال مقاتل: فمن أين تعدلون به غيره. ويقال ~~كيف ترجعون عن هذا الإقرار. ثم قال: { كذلك حقت كلمة ربك ~~} يعني: هكذا وجبت كلمة العذاب من ربك كقوله # ولكن حقت كلمة العذاب على الكفرين # [الزمر: 71] ويقال وجبت كلمة ربك وهو قوله: # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18 ] قوله { على الذين فسقوا } يعني: كفروا بربهم { ~~أنهم لا يؤمنون } يعني: لا يصدقون بعلم الله تعالى السابق ~~فيهم. ويقال أنهم لا يؤمنون. يعني لأنهم لا يؤمنون، فوجب عليهم العذاب ~~بترك إيمانهم. قرأ نافع وابن عامر { كلمت ربك } بلفظ الجماعة، ~~وقرأ الباقون " كلمة ربك ". وكذلك الاختلاف في قوله # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك # [يونس: 96]. قوله تعالى: { قل هل من شركائكم من يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } يعني أصنامكم التي تعبدونها هل يقدرون أن ~~يخلقوا خلقا من غير شيء ثم يبعثونهم في الآخرة كما يفعل الله تعالى. ~~فإن أجابوك وإلا ف { قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده ~~} يعني إن معبودكم لا يستطيع ذلك { فأنى تؤفكون } يعني من أين ~~تكذبون. { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق } ~~يقول هل يقدر [أحد] من آلهتكم أن يهدي إلى الحق. أي يدعو الخلق إلى ~~الإسلام، فقالوا لا { قل الله يهدى للحق } يعني: يدعو الخلق ~~إلى الإسلام ويوفق من كان أهلا لذلك { أفمن يهدى إلى الحق ~~أحق أن يتبع } أي يدعو إلى الحق أحق أن يعمل بأمره ويعبد ms0737 { ~~أمن لا يهدى } طريقا ولا يهتدي { إلا أن يهدى } يعني ~~[لا] يمشي بنفسه إلا أن يحمل من مكان، قرأ نافع وأبو عمرو " أمن لا ~~يهدى " بجزم الهاء وتشديد الدال. # لأن أصله في اللغة يهتدي فادغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه، ~~وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع في رواية ورش " يهدي " بنصب الياء ~~والهاء وتشديد الدال. لأن حركة التاء وقعت على الهاء، وقرأ عاصم في رواية ~~حفص " يهدي " بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال لأنه لما اجتمع ~~الساكنان حرك أحدهما بالكسر. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر " يهدي " ~~بكسر الياء والهاء (وتشديد الدال) فأتبع الكسرة الكسرة. وقرأ حمزة ~~والكسائي " يهدي " بجزم الهاء وتخفيف الدال. ويكون معناه لا يهتدي. ~~قال الكسائي قوم من العرب يقول هديت الطريق. بمعنى اهتديت. فهذه خمس من ~~القراءات في هذه الآية، ثم قال { فمالكم كيف تحكمون } كيف ~~تقضون لأنفسكم يعني تقولون قولا ثم ترجعون ويقال { مالكم } كلام تام ~~فكأنه قيل لهم أي شيء لكم في عبادة الأوثان. ثم قيل لهم { كيف ~~تحكمون } أي على أي حال تحكمون، ويقال معناه كيف تعبدون آلهتكم بلا ~~حجة ولا تعبدون الله بعد هذا البيان لكم. ### || [10.36-43] # ثم قال { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } يعني لا ~~يستيقنون أن اللات والعزى آلهة بالظن. ومعناه أنهم يتركون عبادة الله ~~تعالى وهو الحق لأنهم يقرون بأن الله خالقهم فيتركون الحق ويتبعون الظن { ~~إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } يعني علمهم لا يغني ~~من عذاب الله شيئا. ويقال وما يتبع أكثرهم يعني [ما قذف الشيطان في ~~أوهامهم] { إن الظن } ] يعني ما قذف الشيطان في أوهامهم، لا ~~يستطيعون أن يدفعوا (الحق بالباطل)، ويقال وما يتبع. يعني وما يعمل ~~أكثرهم إلا ظنا، يظنون في غير يقين وهم الرؤساء، وأما السفلة فيطيعون ~~رؤساءهم { إن الظن لا يغنى من الحق شيئا } { إن ~~الله عليم بما يفعلون } من عبادتهم الأصنام وما يقولون من ~~القول المختلق والكذب { وما كان هذا القرءان أن يفترى ~~} يعني لهذا القرآن مختلف { من دون الله ms0738 } تعالى. وقال القتبي: ما ~~كان هذا القرآن أن يضاف إلى غير الله تعالى أو يختلق { ولكن ~~تصديق الذى بين يديه } ولكن نزل بتصديق الذي بين يديه من ~~التوراة والإنجيل. ويقال معناه ولكن بتصديق النبي الذي أنزل القرآن بين ~~يديه، يعين الذي هو قبل سماعكم، لأن القرآن تصديق لما جاء من أنباء الأمم ~~السابقة وأقاصيص أنبيائهم يعني بيان كل شيء ويقال بيان الحلال والحرام { ~~وتفصيل الكتاب لا ريب فيه } يعني: لا شك فيه عند المؤمنين ~~إنه نزل. { من رب العلمين }. قوله تعالى: { أم يقولون } ~~يعني: أيقولون؟ وهم كفار مكة { افتراه } تقوله من ذات نفسه { قل ~~فأتوا بسورة مثله } يعني مثل القرآن { وادعوا } استعينوا ~~على ذلك { من استطعتم } ممن تعبدون { من دون الله إن ~~كنتم صدقين } بأنه تقوله من تلقاء نفسه. فلما قال لهم ذلك سكتوا ~~ولم يجيبوا فنزل قوله: { بل كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه } يعني القرآن لم يعلموا ما فيه. ويقال: لم يعلموا ما عليهم ~~بتكذيبهم { ولما يأتهم تأويله } يعني ولما يأتهم عاقبة ما ~~وعدوا في هذا القرآن. يعني: سيئاتهم، ما وعد لهم وهو كائن في الدنيا ~~بالعذاب وفي الآخرة بالنار ثم قال { كذلك كذب الذين من ~~قبلهم } هكذا كذب الأمم الخالية رسلهم { فانظر كيف كان ~~عقبة الظلمين } يعني: كيف صار جزاء المكذبين لرسلهم، فيه ~~تعزية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحث له على الصبر وتخويف لهم ~~بالعقوبة، قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به } يعني: بالقرآن { ~~ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ~~} يعني: بعقوبة من لم يؤمن به، قال مقاتل: ومنهم من يؤمن به ~~(من أهل الكتاب)، ومنهم من لا يؤمن به من أهل مكة، وقال ~~الكلبي ومنهم من يؤمن به من اليهود، يعني: يؤمن به من قبل موته، ومنهم من ~~لا يؤمن به يعني: بعلم الله تعالى السابق فيه. # وقال الزجاج معناه ومنهم من يعلم أنه حق فيصدق بقلبه ويعاند ويظهر ~~الكفر. ومنهم من لا يؤمن به أي يشك ولا يصدق. قوله تعالى: { وإن ~~كذبوك } يعني ms0739 المشركين بما أتيتهم به { فقل لى عملى } يعني: ~~ديني { ولكم عملكم } يعني: دينكم { أنتم بريئون مما ~~أعمل } وأدين { وأنا برىء مما تعملون } وتدينون به ~~غير الله تعالى. وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ولما نزلت آية القتال نسخت هذه ~~الآية ثم قال تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك } قال ~~الكلبي: نزلت في شأن اليهود قدموا مكة وكانوا يسمعون قراءة القرآن ~~فيعجبون به ويشتهونه وتغلب عليهم الشقاوة فلا يسلمون قال الله تعالى { ~~أفأنت تسمع الصم } يعني تفقه الكافر الذي لا يعقل الموعظة، ~~وقال الضحاك: { ومنهم من يستمعون إليك } وذلك أن كفار ~~قريش دخلوا المسجد الحرام والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم عند المقام ~~يصلي وهو يقرأ سورة طه، قال الوليد بن المغيرة يا معشر قريش إنما يتلو ~~محمد ليأخذ بقلوبكم. فقال أبو جهل اللعين وأصحابه لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه. فنزل { أفأنت تسمع الصم } وذلك أنهم صموا عن ~~الحق. ويقال أفأنت تسمع الصم أي من يتصامم ولا يستمع إليك { ولو ~~كانوا لا يعقلون } يقول: أي وإن كانوا مع ذلك لا يرغبون في ~~الحق. { ومنهم من ينظر إليك } يعني بغير رغبة { أفأنت ~~تهدى العمى } يعني: ترشد من يتعامى { ولو كانوا لا ~~يبصرون } الحق ولا يرغبون فيه. قال (مقاتل): والقتبي: هذا من جوامع ~~الكلم حيث بين فضل السمع على البصر حيث جعل مع الصم فقدان العقل، ولم ~~يجعل مع العمى إلا فقدان البصر. ### || [10.44-49] # ثم قال تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئا } يقول: ~~لا ينقص من (أجور) الناس شيئا ولا يحمل عليهم من أوزار غيرهم { ~~ولكن الناس أنفسهم يظلمون } يعني يضرون أنفسهم ~~بتركهم الحق. قرأ حمزة والكسائي ولكن الناس بكسر النون مع التخفيف ~~وضم السين. وقرأ الباقون ولكن الناس بالنصب والتشديد ونصب السين ~~قوله تعالى: { ويوم يحشرهم } يقول: يجمعهم في الآخرة { كأن ~~لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } قال الكلبي: كأن لم ~~يلبثوا في قبورهم إلا ساعة من النهار، وقال الضحاك كأن لم يلبثوا في ~~القبور إلا ما بين العصر إلى غروب الشمس ms0740 أو ما بين صلاة الغداة إلى طلوع ~~الشمس. ويقال يعني بين النفختين، لأنه يرفع عنهم العذاب فيما بين ذلك. ~~وقال مقاتل: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار { ~~يتعارفون بينهم } قال الكلبي يعني: يتعارفون بينهم حين خرجوا ~~من قبورهم ثم تنقطع عنهم المعرفة فلا يعرف أحد أحدا. وقال الضحاك: ~~يتعارفون بينهم حين خرجوا. وذلك أن أهل الإيمان يبعثون يوم القيامة على ~~ما كانوا عليه في [دار] الدنيا من التواصل والتراحم، يعرف بعضهم بعضا ~~محسنهم لمسيئهم. وأما أهل الشرك فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. قال ~~الله تعالى { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } يعني ~~بالبعث بعد الموت { وما كانوا مهتدين } يقول لم يكونوا مؤمنين ~~في الدنيا قال تعالى { وإما نرينك بعض الذى نعدهم } ~~من العذاب { أو نتوفينك } قبل أن نرينك { فإلينا ~~مرجعهم } مصيرهم في الآخرة، وروي عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما. أنهما قالا: أخبر الله تعالى نبيه أن يستخلف أمته ~~من بعده { ثم الله شهيد } في الآخرة { على ما يفعلون } ~~في الدنيا من الكفر والتكذيب. قوله تعالى: { ولكل أمة رسول } ~~يعني لأهل كل دين رسول أتاهم { فإذا جاء رسولهم } يعني فأبلغهم ~~فكذبوه { قضى بينهم } وبين رسولهم { بالقسط } يعني بالعدل { ~~وهم لا يظلمون } يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا. وقال ~~مجاهد: فإذا جاء رسولهم يعني يوم القيامة قضي بينهم بالعدل وهم لا ~~يظلمون. قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد } وهو قوله ~~تعالى { فإما نرينك بعض الذى نعدهم } { إن ~~كنتم صدقين } أن العذاب ينزل بنا { قل } يا محمد { لا ~~أملك لنفسى ضرا ولا نفعا } يعني ليس في يدي دفع مضرة ولا ~~جر منفعة { إلا ما شاء الله } أن يقويني عليه، قال مقاتل: معناه ~~قل لا أملك لنفسي أن أدفع عنها (سوءا) حين ينزل، ولا أن أسوق إليها ~~خيرا إلا ما شاء الله فيصيبني، فكيف أملك (نزول) العذاب بكم وقال ~~القتبي: " الضر " بضم الضاد الشدة والبلاء. كقوله # وإن يمسسك الله بضر # [الأنعام: 17] وكقوله ms0741 # ثم إذا كشف الضر عنكم # [النحل: 54] " والضر " بفتح الضاد ضد النفع ومنه قوله تعالى # قل لا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا # [يونس: 49] يعني: قل لا أملك جر نفع ولا دفع ضر. ثم قال { لكل ~~أمة أجل } وقته في العذاب. ويقال لكل أمة أجل. يعني: مهلة، ويقال ~~أجل الموت. { إذا جاء أجلهم } وقتهم بالعذاب { فلا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } يعني لا يتأخرون (عنه ~~ساعة) ولا يتقدمون عنه ساعة فكذلك هذه الأمة إذا نزل بهم العذاب لا يتأخر ~~عنهم ساعة. ### || [10.50-52] # قوله تعالى: { قل أرءيتم } يا أهل مكة { إن أتاكم ~~عذابه } يعني عذاب الله تعالى { بياتا } ليلا كما جاء إلى قوم ~~لوط { أو نهارا } يعني مجاهرة كما جاء إلى قوم شعيب { ماذا ~~يستعجل منه المجرمون } يقول بأي شيء يستعجل منه المجرمون ~~يعني المشركين. ويقال ماذا ينفعهم استعجالهم منه، أي من عذاب الله تعالى. ~~قوله { أثم إذا ما وقع ءامنتم به } يعني إذا وقع العذاب ~~صدقتم به. يعني بالعذاب، ويقال بالله { الئن } يعني يقال لهم آمنتم ~~بالعذاب حين لا ينفعكم { وقد كنتم به تستعجلون } وهذا ~~اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التهديد. قوله تعالى: { ثم قيل ~~للذين ظلموا } يعني قالت لهم خزنة جهنم { ذوقوا عذاب ~~الخلد } الذي لا ينقطع { هل تجزون } يقول: هل تثابون { إلا ~~بما كنتم تكسبون } من الكفر والتكذيب. ### || [10.53-58] # قوله تعالى: { ويستنبئونك أحق هو } قال قتادة ومقاتل، ~~وذلك أن حيي بن أخطب حين قدم مكة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أحق ~~هذا العذاب؟ قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { قل إى ~~وربى } يعني إي والله إنه لكائن، ويقال معناه ويسألونك عن البعث ~~أحق هو؟ ويسألونك عن دينك أحق هو؟ { قل إى وربى } يعني قل يا محمد ~~نعم { إنه لحق } يعني العذاب " نازل بكم إن لم تؤمنوا " { وما ~~أنتم بمعجزين } بفائتين من العذاب حتى يخزيكم به. ثم أخبر عن ~~حالهم حين نزل بهم العذاب فقال تعالى { ولو أن لكل نفس ~~ظلمت } يعني كفرت وأشركت بالله تعالى لو كان لها ms0742 { ما فى الأرض ~~لافتدت به } يعني النفس لافتدت من سوء العذاب ولا يقبل منها { ~~وأسروا الندامة } يعني أخفوا الندامة. يعني القادة من السفلة ~~{ لما رأوا العذاب } حين نزل بهم العذاب { وقضى ~~بينهم بالقسط } بين القادة والسفلة بالعدل. ويقال قضي بينهم. ~~يعني بين الخلق بالعدل فيعطى ثوابهم على قدر أعمالهم. ويقال يقضى بين ~~الكفار بالعدل وبين المؤمنين بالفضل. ثم قال { وهم لا يظلمون } ~~يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئا. ثم بين استغناءه عن عبادة ~~(الخلق) وقدرته عليهم فقال { ألا إن لله ما فى السموات ~~والأرض } يعني كلهم عبيده وإماؤه وهو قادر عليهم، ويقال كل شيء يدل ~~على توحيده وأن له صانعا { ألا إن وعد الله حق } يعني ~~البعث بعد الموت هو كائن { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~يعني: لا يصدقون به ثم قال تعالى { هو يحى ويميت وإليه ~~ترجعون } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. قوله تعالى: { يا أيها ~~الناس } يعني يا أهل مكة. ويقال جميع الناس { قد جاءتكم ~~موعظة من ربكم } يعني نهيا من ربكم عن الشرك على لسان ~~نبيكم { وشفاء لما فى الصدور } يعني القرآن شفاء للقلوب من ~~الشرك ويقال شفاء من العمى لأن فيه بيان الحلال والحرام { وهدى } من ~~الضلالة. ويقال صوابا وبيانا { ورحمة للمؤمنين } يعني ~~القرآن نعمة الله على المؤمنين، نعمة من العذاب لمن آمن وعمل بما فيه. ~~قوله تعالى: { قل بفضل الله } يعني قل يا محمد للمؤمنين بفضل ~~الله والإسلام. { وبرحمته } (القرآن) وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~بفضل الله يعني القرآن. وبرحمته الإسلام، يعني بنعمته عليكم إذ أكرمكم ~~بالإسلام، والقرآن. وهكذا قال أبو سعيد الخدري. وقال الضحاك ومجاهد: بفضل ~~الله القرآن وبرحمته الإسلام. وقال مقاتل: بفضل الله الإسلام وبرحمته ~~القرآن، وعن الحسن مثله. وقال القتبي مثله قوله: { فبذلك ~~فليفرحوا } يعني بالقرآن والإيمان { هو خير مما ~~يجمعون } من الأموال. قرأ ابن عامر { فبذلك فلتفرحوا ~~هو خير مما يجمعون } بالتاء. كلاهما على معنى المخاطبة ~~وقرأ الباقون (يجمعون) بالياء على معنى المغايبة ### || [10.59-61] # قوله تعالى: { قل أرأيتم ما أنزل الله ms0743 لكم من ~~رزق } في الكتاب ويقال من السماء، ويقال ما أعطاكم الله من الرزق ~~والحرث والأنعام والبحيرة والسائبة وبين في كتابه تحليلها { ~~فجعلتم منه حراما وحلالا } حراما على النساء وحلالا ~~على الرجال { قل الله أذن لكم } يعني الله عز وجل أمركم ~~بتحريمه وتحليله { أم على الله تفترون } يعني بل على الله ~~تفترون يعني تختلقون على الله كذبا ما لم يقله ولم يأمر به. فقال قل ~~الله أذن لكم؟ فقالوا بلى أمرنا بها. قال الله تعالى { أم على ~~الله تفترون } بل على الله تختلقون. ثم قال تعالى { وما ظن ~~الذين يفترون على الله الكذب } يعني وما ظنهم حين ينزل ~~بهم العذاب { يوم القيمة } وكيف ينجون منه { إن الله ~~لذو فضل على الناس } لذو من على الناس بتأخير العذاب عنهم { ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون } (نعمة الله تعالى) عليهم ~~بتأخير العذاب عنهم. قوله تعالى: { وما تكون فى شأن } أي: وما ~~تكون يا محمد في أمر من الأمور { وما تتلوا منه من قرآن } ~~وما تقرأ من الله من قرآن مما أوحي إليك. فخاطب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وخاطب أمته أيضا فقال { ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا } يعني عالما بكم وبأعمالكم فلا تنسوه. ~~ويقال إلا جعل عليكم شاهدا من الملائكة وهم الحفظة { إذ تفيضون ~~فيه } يعني حين تأخذون في قراءة القرآن. ويقال حين تخوضون فيه { وما ~~يعزب عن ربك } قرأ الكسائي { وما يعزب } بكسر الزاي. ~~وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان جيدتان. وهكذا (ذكر عن) الفراء يعني وما ~~يغيب { عن ربك من مثقال ذرة } قال الكلبي: وهي النملة ~~الحميراء. وقال مقاتل: أصغر نملة في الأرض. ويقال الذر ما يرى في شعاع ~~الشمس. والمثقال عبارة عن الوزن. يعني لا يغيب عنه وزن الذرة { في ~~الأرض ولا فى السماء ولا أصغر من ذلك } يعني ولا أخف ~~من وزن الذرة { ولا أكبر } يعني ولا أثقل من وزن الذرة. ويقال لا ~~أقل منه ولا أعظم { إلا فى كتب مبين } يعني مكتوبا في ~~اللوح المحفوظ. قرأ حمزة ms0744 { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } ~~بضم الراءين. ومعناه ولا يغيب عنه أصغر من ذلك ولا أكبر منه. فيصير رفعا ~~لأنه فاعل. وقرأ الباقون بالنصب، لأن معناه ولا يغيب عنه بمثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء ولا بمثقال ذرة أصغر من ذلك. فموضعه خفض إلا أنه لا ~~ينصرف. فصار نصبا. ### || [10.62-68] # قوله تعالى: { ألا إن أولياء الله } يعني المؤمنين. ويقال: ~~أحباء الله. وهم حملة القرآن والعلم. ويقال الذين يجتنبون الذنوب في ~~الخلوات ويعلمون أن الله تعالى مطلع عليهم، وروي # " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن أولياء الله تعالى فقال: ~~«هم الذين (إذا رؤوا) ذكر الله تعالى " # ، وقال وهب بن منبه: [قال] الحواريون لعيسى بن مريم يا روح الله من ~~أولياء الله؟ قال الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها. ~~ونظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها فأحيوا ذكر الموت ~~وأماتوا ذكر الحياة ويحبون الله تعالى ويحبون ذكره. وقال الضحاك: { ألا ~~إن أولياء الله } يعني المخلصين لله { لا خوف عليهم } ~~يعني: لا يخافون من أهوال يوم القيامة { ولا هم يحزنون } حين ~~زفرت جهنم، ثم نعتهم فقال تعالى { الذين ءامنوا وكانوا ~~يتقون } يعني أقروا وصدقوا بوحدانية الله تعالى ويتقون الشرك ~~والفواحش { لهم البشرى في الحيوة الدنيا } يعني البشارة ~~وهي الرؤيا الصالحة يراها العبد المسلم لنفسه أو يرى له غيره. وروي عن ~~عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة " # ، وفي خبر آخر # " من أربعين جزءا " # وفي خبر آخر # " من ستة وأربعين جزءا " # وروى عطاء بن يسار # " عن رجل كان يفتي بالبصرة، قال سألت أبا الدرداء عن هذه الآية { لهم ~~البشرى في الحيوة الدنيا } قال أبو الدرداء ما سألني عنها ~~أحد منذ (سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فقال «ما سألني ~~عنها أحد قبلك. هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أوترى له " # { وفي الاخرة } الجنة. وعن عبادة بن الصامت أنه سأل ms0745 النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأجابه بمثل ذلك. ويقال لهم البشرى في الحياة الدنيا ~~يعني عند الموت يبشره الملائكة كما قال في آية أخرى # تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون # [فصلت:30] وفي الآخرة يبشره الملائكة حين يخرج من القبر { لا تبديل ~~لكلمات الله } لا تغيير ولا تحويل لقول الله تعالى. لأن قوله حق ~~بأن لهم البشرى في الحياة الدنيا. ويقال لا تبديل لكلمات الله يعني لا ~~خلف لمواعيده التي وعد في القرآن { ذلك هو الفوز العظيم } ~~يعني: الثواب الوافر. ويقال النجاة الوافرة. قوله تعالى: { ولا ~~يحزنك قولهم } يقول يا محمد لا يحزنك تكذيبهم { إن ~~العزة لله جميعا } بأن النعمة والقدرة لله تعالى. وجميع من ~~يتعزز إنما هو بإذن الله تعالى { هو السميع العليم } السميع ~~لمقالتهم العليم بهم وبعقوبتهم على ترك توحيدهم ثم قال { ألا إن ~~لله من فى السموات ومن فى الأرض } يعني من الخلق كلهم ~~عبيده وإماؤه { وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركاء } يعني: وما يعبد الذين يعبدون من دون الله، الأوثان والأصنام. # ولم يأت بجوابه. وجوابه مضمر ومعناه ما هي لي شركاء ولا نفع لهم في ~~عبادتها { إن يتبعون إلا الظن } يعني ما يعبدون الأصنام ~~إلا بالظن { وإن هم إلا يخرصون } يقول وما هم إلا يكذبون. ~~يقول ما أمرهم الله تعالى بعبادتها ولا تكون لهم شفاعة. ثم دل بصنعه على ~~توحيده فقال عز وجل { هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه } يعني خلق لكم الليل لتقروا فيه من النصب والتعب { ~~والنهار مبصرا } يعني: خلق النهار مطلبا للمعيشة { إن فى ~~ذلك } يعني: في تقليب الليل والنهار { لآيات } يعني لعبرات وعلامات ~~لوحدانية الله { لقوم يسمعون } يعني: المواعظ، ثم رجع إلى ذكر ~~كفار مكة فقال تعالى { قالوا اتخذ الله ولدا } حين قالوا: ~~الملائكة بنات الله تعالى { سبحنه } نزه نفسه عن الولد { هو ~~الغنى } عن الولد { له ما في السموات وما في الأرض ~~} من الخلق سماهم عبيده وإمائه { إن عندكم من سلطان بهذا ~~} يعني ms0746 ما عندكم من حجة بهذا القول { أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } بغير حجة. ### || [10.69-73] # قوله تعالى: { قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب } بأن له ولدا { لا يفلحون } " يعني: لا يأمنون من ~~عذابه ولا ينجون منه { متع }.. " يعني منفعتهم { فى الدنيا } ~~قليل { ثم إلينا مرجعهم } يعني مصيرهم في الآخرة { ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون } بكفرهم ~~قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح } فإن لم تعتبروا بذلك. ~~فاتل عليهم، يعني إقرأ عليهم خبر نوح في القرآن { إذ قال لقومه ~~يقوم إن كان كبر عليكم } يعني: عظم وثقل { مقامى } ~~طول مقامي (فيكم) { وتذكيرى بآيات الله } يعني: وعظي لكم ~~بالله تعالى. وعظته بالله تعالى ما ذكر في سورة نوح وهو قوله # استغفروا ربكم إنه كان غفارا # [نوح: 10] إلى قوله # كيف خلق الله سبع سموت طباقا # [لملك: 3] الآية فلما وعظهم بذلك أرادوا قتله حين قالوا { لئن لم ~~تنته ينوح لتكونن من المرجومين } أي من المقتولين ~~بالحجارة فقال لهم نوح { إن كان كبر عليكم مقامى } فيكم ~~وعظتي لكم { فعلى الله توكلت } أي: وثقت وفوضت أمري إلى الله ~~تعالى { فأجمعوا أمركم } يعني كيدكم. ويقال قولكم (وعملكم)، { ~~وشركاءكم } يعني وادعوا شركاءكم { ثم لا يكن أمركم ~~عليكم غمة ثم اقضوا إلى } أي: امضوا إلى { ولا ~~تنظرون } أي: ولا تمهلون ويقال: اقضوا ما أنتم قاضون واستعينوا ~~بآلهتكم ويقال: اعملوا بما في أنفسكم من الشر وروي عن نافع أنه قرأ ~~فاجمعوا بالوصل والجزم من جمعت وقرأ الباقون فأجمعوا بالقطع من الإجماع ~~وقرأ الحسن البصري ويعقوب الحضرمي شركاءكم أي: أين شركاؤكم ليجمعوا أمرهم ~~معكم ويعينوكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة يقول: أظهروا أمركم فلا تكتموه ~~يعني: القتل وقال القتبي: الغمة والغم واحد كما يقال: كربة وكرب أي: لا ~~يكن أمركم غما عليكم ثم اقضوا إلي أي: اعملوا بما تريدون كقوله: اقض ~~ما أنت قاض { فإن توليتم } يعني أعرضتم وأبيتم عن الإيمان ~~وأبيتم أن تقبلوا (ما أتيتكم به) وأمرتكم به ونهيتكم عنه { فما ~~سألتكم من أجر } يعني ما سألتكم ms0747 بذلك أجرا في الدنيا ومعناه ~~إن أعرضتم عن الإيمان لا يضرني لأني لا أطلب منكم بذلك أجرا في الدين { ~~إن أجرى إلا على الله } ما ثوابي إلا على الله { ~~وأمرت أن أكون من المسلمين } يعني وأمرت أن أستقيم على ~~التوحيد مع المسلمين قوله تعالى: { فكذبوه } بالعذاب بأنه غير نازل ~~بهم { فنجيناه ومن معه فى الفلك } من الغرق { ~~وجعلناهم خلائف } يعني خلفاء من بعد هلاك كفارهم { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا } يعني كذبوا نوحا بما ~~أتاهم به { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } كيف كان ~~آخر أمر من أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا. ### || [10.74-78] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده } أي من بعد هلاك قوم نوح { ~~رسلا إلى قومهم } مثل هود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب عليهم السلام { فجاؤهم بالبينت } يعني بالأمر ~~والنهي. ويقال بالآيات والعلامات { فما كانوا ليؤمنوا بما ~~كذبوا به من قبل } قال مقاتل: يعني ما كان كفار مكة ليصدقوا ~~بالعذاب أنه نازل بهم كما لم يصدق به أوائلهم من قبل كفار مكة. وقال ~~الكلبي: فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به عند الميثاق حين أخرجهم من صلب ~~آدم. وقال وما كانوا ليؤمنوا. يعني أولئك القوم بعد ما كان دعاهم الرسل ~~بما كذبوا به من قبل أن يأتيهم الرسل { كذلك نطبع على قلوب ~~المعتدين } يعني: نختم على قلوب المعتدين من الحلال والحرام، ويقال ~~صار تكذيبهم طبعا على قلوبهم فمنعهم عن الإيمان. قوله تعالى: { ثم ~~بعثنا من بعدهم } من بعد الرسل { موسى وهرون إلى ~~فرعون وملئه بآيتنا } التسع { فاستكبروا } يعني: ~~تكبروا عن الإيمان { وكانوا قوما مجرمين } يعني مشركين. ~~قوله تعالى: { فلما جاءهم الحق } يعني ظهر لهم الحق { من ~~عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } يعني: الذي أتيتنا ~~به كذب بين ف { قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم ~~أسحر هذا } وفي الآية مضمر ومعناه أتقولون للحق لما جاءكم إنه ~~سحر؟ ثم قال أسحر هذا؟ يعني أيكون مثل هذا سحرا. فليس ذلك بسحر. ولكن ~~ذلك علامة للنبوة { ولا يفلح السحرون } في الدنيا ~~والآخرة. ويقال لا ظفر ms0748 لهم. قوله تعالى: { قالوا أجئتنا } يعني: ~~قال فرعون وقومه لموسى عليه السلام { أجئتنا لتلفتنا } يعني ~~لتصرفنا وتصدنا { عما وجدنا عليه ءاباءنا } يقول: عما كان ~~يعبد آباؤنا { وتكون لكما الكبرياء } يعني السلطان والشرف ~~والملك { فى الأرض } يعني في أرض مصر { وما نحن لكما ~~بمؤمنين } يعني: بمصدقين بأنكما رسولا رب العالمين. ### || [10.79-86] # { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم } يعني: حاذق ~~(بالسحر) قرأ حمزة والكسائي " سحار " على معنى المبالغة وقرأ الباقون ~~" ساحر " { فلما جاء السحرة قال لهم موسى ~~ألقوا ما أنتم ملقون } يعني: اطرحوا ما في أيديكم من العصي ~~والحبال { فلما ألقوا } ما معهم من الحبال والعصي إلى الأرض { ~~قال موسى ما جئتم به السحر } يعني العمل الذي عملتم به ~~هو السحر { إن الله سيبطله } يعني سيهلكه { إن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين } يعني: لا يرضى عمل المفسدين. قرأ ~~أبو عمرو آلسحر. بالمد على وجه الاستفهام. ويكون معناه " قال موسى ~~ما جئتم به يعني ما الذي جئتم به؟ وتم الكلام. ثم قال " السحر ~~إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين " يعني عمل السحرة. قوله تعالى: { ويحق الله ~~الحق بكلمته } يعني يظهر دينه الإسلام بتحقيقه ونصرته { ~~ولو كره المجرمون } يعني فرعون وقومه. قال الله تعالى { ~~فما ءامن لموسى } يعني ما صدق بموسى { إلا ذرية من ~~قومه } يعني: قبيلته من قومه الذين كانت أمهاتهم من بني إسرائيل ~~وآباؤهم من القبط. وروى مقاتل عن ابن عباس أنه قال: { إلا ذرية ~~من قومه }. يعني: من قوم موسى عليه السلام وهم بنو إسرائيل، وهم ~~ستمائة ألف، قال وكان يعقوب حين ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين ~~إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف، ويقال { إلا ذرية ~~من قومه } يعني خربيل، وهو الذي قال في آية أخرى # وقال رجل مؤمن من ءال فرعون # [غافر: 28]. ثم قال { على خوف من فرعون } [يعني: فما آمن ~~لموسى عليه السلام خوفا من فرعون] { وملئهم } إشارة إلى فرعون ~~بلفظ الجماعة كقوله # فإلم يستجيبوا لكم # [هود: 14] يعني محمدا - صلى الله عليه ms0749 وسلم - خاصة. { أن يفتنهم ~~} يعني (يقتلهم) { وإن فرعون لعال في الأرض } يعني لعات ~~ويقال الغالب. ويقال المخالف والمتكبر في أرض مصر { وإنه لمن ~~المسرفين } يعني لمن المشركين روى موسى بن عبيدة عن محمد بن ~~المنكدر قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة. منها مائتين وعشرين سنة لم ير ~~مكروها، ودعاه موسى عليه السلام ثمانين سنة { وقال موسى ي قوم ~~إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم ~~مسلمين } يعني ثقوا بالله تعالى وذلك حين قالوا له # أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا # [الأعراف: 129] فلما قال لهم هذا موسى عليه السلام { قالوا على ~~الله توكلنا } يعين فوضنا أمرنا إليه { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة } بلية وعبرة { للقوم الظلمين } يعني ~~لا تنصرهم علينا. قال مجاهد: يعني لا تعذبنا بأيدي فرعون ولا بعذاب من ~~عندك. فيقولوا لو كانوا على الحق ما عذبوا وما سلطنا عليهم فيفتتنوا ~~بنا { ونجنا برحمتك } يعني: بنعمتك { من القوم ~~الكفرين } يعني فرعون وقومه. ### || [10.87-89] # قال الله تعالى: { وأوحينا إلى موسى وأخيه } هارون وذلك ~~لما منعهم فرعون وقومه الصلاة علانية وخربوا مساجدهم { أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا } يعني اتخذوا لقومكما بمصر مساجد في ~~جوف البيوت. { واجعلوا بيوتكم قبلة } يعني مساجد، فتصلون ~~(فيها) ويقال حولوا بيوتكم نحو القبلة. وقال مجاهد كانوا يصلون في البيع ~~فأمرهم بأن يصلوا في البيوت، وقال إبراهيم النخعي: كانوا خائفين فأمرهم ~~بالصلاة في بيوتهم. وكان إبراهيم النخعي خائفا من الحجاج وكان يصلي في ~~بيته. ثم قال { وأقيموا الصلاة } يعني: أتموها بركوعها وسجودها. ~~ولم يأمرهم بالزكاة لأن فرعون (عليه اللعنة) قد استعبدهم وأخذ أموالهم ~~فلم يكن لهم مال يجب عليهم الزكاة فيه، ثم قال للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - { وبشر المؤمنين } يعني المصدقين بتوحيد الله تعالى ~~بالجنة. قرأ عاصم في رواية حفص " أن تبويا " بالياء بلا همز. لأنه ~~كره الهمزة بين حرفين فجعلها ياء. وقرأ الباقون بغير ياء بالهمزة. إلا ~~أنه روي عن حمزة أنه كان لا يهمز. قوله تعالى { وقال موسى ربنا ~~إنك ءاتيت فرعون وملأه } وذلك ms0750 أن أهل مصر لما عذبوا ~~بالطوفان والجراد والسنين قالوا # لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك # [الأعراف: 134]، ثم نكثوا العهد ولم يؤمنوا فغضب موسى عليهم ودعا الله ~~تعالى عليهم وقال { ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه } ~~يعني الأشراف من قومه { زينة وأموالا فى الحيوة الدنيا ~~ربنا ليضلوا } يعني أعطيتهم ليضلوا { عن سبيلك } عن دينك ~~الإسلام. قرأ أهل الكوفة وعاصم وحمزة الكسائي " ليضلوا " بضم الياء ~~يعني ليضلوا الناس ويصرفونهم عن دينك. وقرأ الباقون " ليضلوا " بنصب ~~الياء يعني يرجعون عن دينك ويمتنعون جملة (واحدة) عنه { ربنا اطمس ~~على أمولهم } يعني: غير دراهمهم ودنانيرهم. وذلك حين وعد فرعون ~~بأن يؤمن ويرسل معه بني إسرائيل. ثم نقض العهد فدعا عليهم موسى عليه ~~السلام. وروى معمر عن قتادة: في قوله { ربنا اطمس على ~~أمولهم } قال بلغنا أن حروثا لهم صارت حجارة. وعن السدي أنه قال: ~~صارت دراهمهم ودنانيرهم حجارة وعن أبي العالية (الرياحي) أنه قال: صارت ~~أموالهم حجارة. وقال مجاهد في قوله تعالى: { ربنا اطمس على ~~أمولهم } يعني أهلكها وقال القتبي في قوله { ربنا اطمس ~~على أمولهم } أي اقسها. ويقال اطبع قلوبهم وأمتهم على الكفر فلا ~~توفقهم للإيمان لكي لا يؤمنوا { فلا يؤمنوا حتى يروا ~~العذاب الأليم } وهو الغرق. ودعا موسى عليه السلام (وأمن هارون) ~~عليه السلام { قال قد أجيبت دعوتكما } قال محمد بن كعب ~~(القرظي) دعا موسى وأمن هارون. وعن أبي العالية وعكرمة وأبي صالح مثله. ~~وعن أبي هريرة مثله وعن أنس بن مالك أنه قال: كنا عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: # " إن الله تعالى أعطاني خصالا ثلاثا: أعطاني صلاة بالصفوف وأعطاني ~~تحية (هي) تحية أهل الجنة. وأعطاني التأمين ولم يعط أحدا من النبيين ~~قبلي إلا أن يكون الله تعالى أعطاه لهارون، يدعو موسى ويؤمن هارون " # قال مقاتل: فمكث موسى بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وهكذا روى الضحاك أن ~~الاجابة ظهرت بعد اربعين سنة وقال بعضهم بعد أربعين يوما وقال بعضهم، ~~هذا الدعاء حين خرج موسى ببني إسرائيل وأيس من إيمانهم. ثم قال ms0751 تعالى { ~~فاستقيما } أي: على الرسالة والدعوة { ولا تتبعان سبيل ~~الذين لا يعلمون } يعني طريق فرعون وآله من أهل مصر. وروى ابن ~~ذكوان عن ابن عامر أنه قرأ: " تتبعان " بجزم التاء ونصب الباء. ~~وقرأ الباقون تتبعان (بنصب التاء) والتشديد وكسر الباء ومعناهما ~~واحد. وهذه النون (أدخلت) مؤكدة. ### || [10.90-93] # ثم قال تعالى { وجاوزنا ببنى إسرءيل البحر } يعني: بحر ~~قلزم. ويقال هو نهر مصر وهو النيل { فأتبعهم فرعون ~~وجنوده } يعني: لحقهم. وقال القتبي أتبعت القوم أي لحقتهم. وتبعتهم ~~كنت في أثرهم ثم قال { بغيا وعدوا } يعني تكبرا، " وعدوا " ~~يعني ظلما. ويقال: بغيا في المقالة حيث قال { إن هؤلاء ~~لشرذمة قليلون } وعدوا يعني اعتدوا عليهم وأرادوا قتلهم { ~~حتى إذا أدركه الغرق } يعني كربة الموت. ويقال ألجمه ~~الماء. ويقال بلغه الموت [والأجل] وذلك أن بني إسرائيل لما رأوا فرعون ~~ومن معه قالوا هذا فرعون وقد كنا نلقى منه ما نلقى فكيف بنا وأين المخرج ~~في البحر. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر. فضرب فصار اثني عشر ~~طريقا يابسا. فلما انتهى فرعون إلى البحر فرآه قد يبس فقال لقومه إن ~~البحر قد يبس خوفا مني. فصدقوه وهو قوله # وأضل فرعون قومه وما هدى # [طه: 79] ولما جاوز قوم موسى، ودخل قوم فرعون فلما هم أولهم أن يخرج ~~من البحر ودخل آخرهم طم عليهم البحر فغرقهم و { قال } فرعون عند ذلك { ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل } قرأ حمزة والكسائي إنه بالكسر على معنى الابتداء ~~والباقون بالنصب على معنى البناء. يعين صدقت بأنه { لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } ~~على دينهم. ويقال أنا من المخلصين على التوحيد. قال الله تعالى { ءالئن ~~وقد عصيت قبل } يعني: أتؤمن في هذا الوقت حين عاينت العذاب ~~وقد عصيت قبل نزول العذاب. وهذا موافق لقوله تعالى: # وليست التوبة للذين يعملون السيئت حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الأن # [النساء: 18] الآية. ويقال إن جبريل: هو الذي قال له { ءالئن وقد ~~عصيت ms0752 قبل } { وكنت من المفسدين } يعني من الكافرين. ~~قال الفقيه أبو الليث حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا علي بن أحمد قال ~~حدثنا نصر ابن يحيى قال حدثنا أبو مطيع عن الحسن بن دينار عن حميد بن ~~هلال قال: كان جبريل عليه السلام يناجي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له ذات يوم يا محمد ما غاظني عبد من عباد الله تعالى مثلما غاظني ~~فرعون لما أدركه الغرق { قال آمنت أنه لا إله إلا ~~الذي آمنت به بنوا إسرائيل } فخشيت أن تدركه الرحمة، ~~فضربت بيدي إلى البحر. فأخذت كفا من حمئه وربما قال من طينه فكبسته في ~~فيه فما نبس بكلمة. قوله تعالى: { فاليوم ننجيك ببدنك } ~~أي: نخرجك من البحر بجسدك. وقال أبو عبيدة نلقيك على نجوة من الأرض، ~~والنجوة من الأرض ما ارتفع منها { لتكون لمن خلفك ءاية } ~~يعني عبرة لمن بعدك من الكفار لكيلا يدعوا الربوبية. # وقال قتادة لما أغرق الله فرعون لم يصدق طائفة من الناس بذلك فأخرجه ~~الله تعالى ليكون لهم عظة وآية { وإن كثيرا من الناس عن آياتنا } يعني ~~عن هلاك فرعون { لغفلون } فلا يخافون ولا يعتبرون ثم قال تعالى { ~~ولقد بوأنا بنى إسرءيل } يعني أنزلنا بني إسرائيل { ~~مبوأ صدق } يعني منزل صدق وهو أرض مصر وذلك أن الله تعالى قد وعد ~~لهم بأن يورثهم أرض مصر. فلما غرق فرعون رجع موسى عليه السلام ببني ~~إسرائيل إلى أرض مصر فنزلوا بها وسكنوا الديار. ويقال مبوأ صدق يعني ~~أرضا كريمة يعني أرض أردن وفلسطين. ويقال منزل حسن. وقال قتادة: أرض ~~الشام ويقال الأرض المقدسة { ورزقناهم من الطيبات } يعني ~~من ميراث أهل مصر وأهل الشام { فما اختلفوا حتى جاءهم ~~العلم } فما اختلفوا في الدين حتى جاءهم البيان. يعني جاءهم موسى ~~عليه السلام بعلم التوراة فاختلفوا من بعد يوشع بن نون. ويقال: فما ~~اختلفوا في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءهم العلم. يعني: خرج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءهم بالقرآن. لأنهم لم يزالوا مؤمنين ~~به. وذلك ms0753 أنهم يجدونه مكتوبا عندهم. فلما جاءهم محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - جحدوا به بعد العلم { إن ربك يقضى بينهم يوم ~~القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } من الذين آمن بعضهم ~~وكفر بعضهم. ### || [10.94-98] # قوله تعالى: { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } من ~~القرآن { فاسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك } ~~يعني مؤمني أهل التوراة. وذلك أن كفار قريش قالوا إن هذا الوحي يلقيه ~~إليه الشيطان. فأنزل الله تعالى { فإن كنت في شك مما ~~أنزلنا إليك } فسيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # " لا أسأل أحدا ولا أشك فيه. بل أشهد أنه الحق " # ، وقال القتبي فيه تأويلان. أحدهما أن تكون المخاطبة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والمراد فيه غيره من الشكاك لأن القرآن أنزل عليه بمذاهب ~~العرب وهم يخاطبون الرجل بشيء ويريدون به غيره كما قالوا " إياك أعني ~~واسمعي يا جارة " وكقوله # يأيها النبى اتق الله ولا تطع الكفرين ~~والمنفقين # [الأحزاب: 1] أراد به الأمة يدل عليه قوله تعالى في آخره # إن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 94]. وكقوله # واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن ءالهة يعبدون # [الزخرف: 45]. ووجه آخر، إن الناس كانوا على ثلاث مراتب. منهم من كان ~~مؤمنا ومنهم من كان كافرا ومنهم من كان شاكا. وإنما خاطب بهذا الشاك. ~~ثم قال { لقد جاءك الحق من ربك } يعني القرآن { فلا ~~تكونن من الممترين } يعني من الشاكين { ولا تكونن ~~من الذين كذبوا بآيت الله } يعني بالكتاب ~~(وبالرسالات) { فتكون من الخسرين } يعني من المغبونين. قوله ~~تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك } يعني ~~وجبت عليهم كلمة ربك بالسخط وقدر عليهم الكفر { لا يؤمنون } يعني ~~لا يصدقون بالقرآن انه من الله تعالى { ولو جاءتهم كل ءاية } ~~يعني: علامة { حتى يروا العذاب الأليم } يعني الهلاك في ~~الدنيا والعذاب في الآخرة، قرأ نافع وابن عامر " كلمات ربك " ~~وقرأ الباقون " كلمة ربك " قوله تعالى: { فلولا كانت ~~قرية ءامنت } يقول لم يكن أهل قرية كافرة آمنت عند ms0754 نزول العذاب { ~~فنفعها إيمانها } وقبل منها الإيمان ودفع عنهم العذاب { إلا ~~قوم يونس } قال مقاتل: فلولا على ثلاثة أوجه الأول يعني فلم. مثل ~~قوله { فلولا كانت قرية ءامنت } { فلولا كان من ~~القرون }. الثاني: فلولا يعني فهلا، كقوله # فلولا إذ جآءهم بأسنا # [الأنعام: 43] # فلولا إن كنتم غير مدينين # [الواقعة: 86] والثالث: فلولا يعني فلوما. كقوله # ولولا فضل الله عليكم ورحمته # [النساء: 83] # فلولا إنه كان من المسبحين # [الصافات: 143]. ويقال فلولا ها هنا بمعنى فهلا كانت قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها. ومعناه فهلا آمنت في وقت ينفعها إيمانها. فأعلم الله تعالى أن ~~الإيمان لا ينفع عند نزول العذاب، ثم قال { إلا قوم يونس } ~~معناه لكن قوم يونس { لما ءامنوا كشفنا عنهم } يعني إنهم ~~آمنوا قبل المعاينة فكشفنا عنهم وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: { ~~فلولا كانت قرية ءامنت فنفعها إيمانها } كما نفع ~~قوم يونس، وعن قتادة إن قوم يونس عليه السلام خرجوا ونزلوا على تل ~~فدعوا الله تعالى أربعين ليلة حتى تاب الله عليهم. # وروي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم: أن يونس بعثه الله تعالى إلى ~~قومه فدعاهم إلى عبادة الله تعالى وترك ما هم فيه من الكفر، فأبوا فدعا ~~ربه فقال يا رب قد دعوتهم فأبوا فأوحى لله تعالى إليه أن ادعهم فإن ~~أجابوك وإلا فأعلمهم أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام، فدعاهم فلم يجيبوه ~~فأخبرهم بالعذاب. فقالوا ما جربنا عليه كذبا مذ كان معنا فإن لم يلبث ~~معكم وخرج من عندكم فاحتالوا لأنفسكم، فلما كان بعض الليل خرج يونس من ~~بينهم. فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادا في السماء كهيئة النار ~~والدخان فظنوا أن العذاب نازل بهم فجعلوا يطلبون يونس عليه السلام فلم ~~يجدوه. فلما كان آخر النهار أيسوا من يونس وجعل يهبط السواد والحمرة. ~~فقال قائل منهم إن لم تجدوا يونس عليه السلام فإنكم تجدون رب يونس. ~~فادعوه وتضرعوا إليه، فخرجوا من القرية إلى الصحراء وأخرجوا النساء ~~والصبيان والبهائم وفرقوا بين كل إنسان وولده وبين كل بهيمة وولدها ثم ms0755 ~~(عجوا) إلى الله تعالى مؤمنين مصدقين وارتفعت أصوات الرجال والنساء ~~والصبيان (وخوار) البهائم وأولادها واختلطت الأصوات وقربت منهم الحمرة ~~والدخان حتى غشي السواد سطوحهم وبلغهم حر النار، فلما عرف الله تعالى ~~منهم صدق التوبة رفع عنهم العذاب بعدما كان غشيهم. فذلك قوله تعالى { ~~فلولا كانت قرية ءامنت } يعني لم يكن أهل قرية { آمنت ~~فنفعها إيمانها } عند نزول العذاب { إلا قوم يونس لما آمنوا } ~~يعني صدقوا بالألسن والقلوب عرف الله تعالى منهم الصدق { كشفنا ~~عنهم } يعني رفعنا وصرفنا { عذاب الخزى فى الحيوة ~~الدنيا } يعني عذاب الهون { ومتعناهم إلى حين } يعني ~~إلى منتهى آجالهم. وفي هذه الآية تخويف وتهديد لكفار مكة ولجميع الكفار ~~إلى يوم القيامة أنهم (إن) لم يؤمنوا ينزل بهم العذاب فلا ينفعهم إيمانهم ~~عند نزول العذاب. ### || [10.99-103] # قوله تعالى: { ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم ~~جميعا } يعني وفقهم لذلك وهداهم. ويقال في الآية مضمر ومعناه ولو شاء ~~ربك أن يؤمنوا لآمنوا كلهم جميعا { أفأنت تكره الناس } يعني ~~الكفار { حتى يكونوا مؤمنين } ويقال هو عمه أبو طالب. ولها ~~وجه آخر. ولو شاء ربك لأراهم علامة لضطروا إلى الإيمان كما فعل بقوم ~~يونس، ولكن لم يفعل ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء ومحنة. ثم قال تعالى { ~~وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } يعني ~~بإرادة الله تعالى وتوفيقه { ويجعل الرجس } يعني: الكفر { على ~~الذين لا يعقلون } يعني: يترك حلاوة الكفر في قلوب الذين لا ~~يرغبون في الإيمان. ويقال ويجعل الرجس يعني الاثم ويقال الرجس يعني: ~~العذاب. قرأ عاصم في رواية أبي بكر " ونجعل الرجس " بالنون وقرأ ~~الباقون: ويجعل بالياء. ثم أخبر أنه لا عذر لمن تخلف عن الإيمان لأنه قد ~~بين العلامات وهو قوله { قل انظروا ماذا فى السموات } من ~~الدلائل من الشمس والقمر والنجوم { و } ما في { الأرض } من الجبال ~~والبحار والأشجار والثمار فاعتبروا (به) ثم قال حين لم يعتبروا به { ~~وما تغنى الآيت } ما تنفع العلامات التي في السموات والأرض { ~~والنذر } يعني: الرسل { عن قوم لا يؤمنون ms0756 } يعني: لا ~~يرغبون في الإيمان ولا يطلبون الحق. وقال أبو العالية لا تنفع الآيات ~~والرسل عن قوم قد قدر عليهم أنهم لا يؤمنون. ويقال " عن " ها هنا صلة ~~ومعناه وما تغني الآيات والنذر قوما لا يؤمنون يعني علم الله (في الأزل) ~~أنهم لا يؤمنون. ثم خوفهم فقال تعالى { فهل ينتظرون إلا ~~مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } يعني أن يصيبهم ~~العذاب مثل ما أصاب الأمم الخالية { قل فانتظروا } يعين انتظروا ~~العذاب { إنى معكم من المنتظرين } ويقال انتظروا لهلاكي ~~فإني معكم من المنتظرين بهلاككم. قوله تعالى: { ثم ننجى رسلنا ~~} يعني أنجيناهم من العذاب والهلاك { والذين ءامنوا } معهم. ~~انصرف هذا إلى قوله { مثل أيام الذين خلوا من قبلهم ~~ثم ننجى رسلنا } ، يعني أنجيناهم من العذاب والذين آمنوا يعني ~~أنجيناهم معهم، ومعناه إذا جاءهم العذاب ينجي الله تعالى محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - ومن آمن معه كما أنجى سائر الرسل والذين آمنوا معهم { ~~كذلك حقا علينا } يعني: هكذا واجب علينا { ننج ~~المؤمنين } من العذاب، قرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص " ثم ~~ننجي " بجزم النون وتخفيف الجيم. وقرأ الباقون " ننجي " بالنصب ~~والتشديد. وكذلك في قوله " ننج المؤمنين " ومعناها واحد نجيته ~~وأنجيته. ### || [10.104-107] # ثم قال عز وجل { قل ي أيها الناس } يعني: يا أهل مكة وذلك حين ~~دعوه إلى دين (آبائهم) فقال { إن كنتم فى شك من دينى } ~~(الإسلام)، وترجون أن أرجع إلى دينكم وأترك هذا الدين فلا أفعل ذلك وهو ~~قوله { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } من ~~الآلهة. ويقال معناه إن كنتم في شك من ديني فأنا مستيقن في دينكم ~~ومعبودكم أنهما باطلان { فلا أعبد الذين تعبدون من دون ~~الله } { ولكن أعبد الله } يعني أوحده وأطيعه { الذى ~~يتوفكم } يعني: يميتكم عند انقضاء آجالكم { وأمرت أن ~~أكون من المؤمنين } يعني من (الموقنين) على دينهم ولا أرجع عن ~~ذلك. قوله تعالى: { وأن أقم وجهك } يعني إن الله تعالى قال ~~لي في القرآن أن أخلص عملك ودينك { للدين حنيفا } يعني استقم على ~~التوحيد مخلصا { ولا ms0757 تكونن من المشركين } أو يقال " ~~وأمرت أن أكون من المسلمين " إلى ها هنا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يقول ذلك للكفار وقد تم الكلام إلى هذا الموضع ثم قال للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بهذا أمرتك { وأن أقم وجهك للدين حنيفا ~~} يعني وأمرتك أن تخلص عملك ودينك للدين حنيفا. يعني استقم على ذلك. ~~والحنف في اللغة هو الميل والإقبال إلى شيء لا يرجع عنه أبدا. لهذا سمي ~~الرجل أحنف إذا كان أصابع رجليه مائلا بعضها إلى بعض. ثم قال تعالى: { ~~ولا تدع من دون الله } يعني: لا تعبد غير الله { ما لا ~~ينفعك ولا يضرك } يعني ما لا ينفعك إن عبدته ولا يضرك إن ~~عصيته وتركت عبادته { فإن فعلت } ذلك يعني فإن عبدت غير الله { ~~فإنك إذا من الظلمين } يعني من الضارين بنفسك. قوله ~~تعالى: { وإن يمسسك الله بضر } يعني: إن يصيبك الله بشدة أو ~~بلاء { فلا كشف له إلا هو } يعني لا دافع لذلك الضر إلا هو ~~يعني لا تقدر الأصنام على دفع الضر عنك { وإن يردك بخير } يعني ~~وإن يصيبك بسعة في الرزق وصحة في الجسم { فلا راد لفضله } ~~يعني: لا مانع لعطائه { يصيب به } يعني: بالفضل { من يشاء من ~~عباده } من كان أهلا لذلك { وهو الغفور } لذنوب المؤمنين { ~~الرحيم } بهم. فأعلم الله تعالى أنه كاشف الضر ومعطي الفضل في الدنيا ~~وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بقبول حسناتهم. [ (قال الفقيه أبو الليث) ] ~~حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا إبراهيم بن يوسف ~~قال حدثنا شيخ بصري عن الحسن أنه قال: قال عامر بن عبد قيس ما أبالي ما ~~أصابني من الدنيا وما فاتني منها بعد ثلاث آيات ذكرهن الله تعالى في ~~كتابه. قوله { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك فلا راد لفضله } وقوله # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده # [فاطر: 2] وقوله # وما من دآبة في الأرض إلا على ms0758 الله رزقها # [هود: 6]. ### || [10.108-109] # قوله تعالى: { قل ي أيها الناس } يعني: يا أهل مكة { قد ~~جاءكم الحق من ربكم } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~والقرآن { فمن اهتدى } يعني من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والقرآن { فإنما يهتدى لنفسه } يعني ثوابه لنفسه { ومن ~~ضل } يعني ومن كفر ولم يؤمن { فإنما يضل عليها } يعني ~~جنايته على نفسه وإثم الضلالة على نفسه { وما أنا عليكم ~~بوكيل } يعني لست عليكم بمسلط. وهذا قبل الأمر بالقتال ثم قال تعالى ~~{ واتبع ما يوحى إليك } يعني إن لم يصدقوك فاعمل بما أنزل ~~إليك من القرآن { واصبر } على تكذيبهم { حتى يحكم الله } ~~يعني يقضي لله تعالى بعذابهم في الدنيا وفي الآخرة { وهو خير ~~الحكمين } يعني: أعدل العادلين، ويقال واصبر حتى يحكم الله يعني ~~حتى يأمر الله المؤمنين بقتالهم، ويقال فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه يعني ~~من اجتهد حتى اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. ومن ضل فإنما يضل عليها. يعني ~~ومن تغافل عن الحق حتى ضل فعقوبته عليها " والله أعلم ". ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1-3] # { الر } قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني أنا الله أرى. ويقال الألف ~~آلاؤه واللام لطفه والراء ربوبيته { كتاب } يعني: هذا الكتاب وهو ~~القرآن. { أحكمت آياته } من الباطل فلم يوجد فيه عوج ولا تناقض { ~~ثم فصلت } يعني: بين أمره ونهيه. وقال الحسن أحكمت آياته بالأمر ~~والنهي، وفصلت بالوعد والوعيد والثواب والعقاب. وقال مجاهد: فصلت أي ~~فسرت. وقال القتبي أحكمت فلم تنسخ. ثم فصلت بالحلال والحرام. ويقال فصلت ~~أي أنزلت شيئا بعد شيء فلم تنزل جملة واحدة { من لدن حكيم ~~خبير } يعني أنزل جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله ~~تعالى. حكيم في أمره خبير بالعباد وبأعمالهم { ألا تعبدوا إلا ~~الله } يعني: نزل جبريل بالقرآن. وقد بين فيه ألا توحدوا ولا تطيعوا ~~غير الله { إننى لكم منه } يعني: قل لهم يا محمد إنني لكم من ~~الله تعالى { نذير } يعني: مخوف من عذابه للكافرين { وبشير } ~~بالجنة للمؤمنين { وأن استغفروا ربكم } يعني وآمركم أن ms0759 ~~تستغفروا ربكم من الذنوب { ثم توبوا إليه } يعني: وتوبوا إليه ~~من الشرك والذنوب { يمتعكم متاعا حسنا } يعني: يعيشكم في ~~الدنيا عيشا حسنا في خير وعافية { إلى أجل مسمى } إلى منتهى ~~آجالكم. وقال القتبي أصل الإمتاع الإطالة. يقال حبل ماتع وقد متع النهار ~~إذا طال، يمتعكم يعني يعمركم ويقال: يمتعكم متاعا حسنا يعني: يجعلكم ~~راضين بما يعطيكم ويقال ويجعل حياتكم (في الطاعة) ثم قال { ويؤت ~~كل ذي فضل فضله } يعني: (يعطي في الآخرة كل ذي فضل في العمل ~~في الدنيا فضله " في الآخرة " في الدرجات. وروى جويبر عن الضحاك قال يؤت ~~كل ذي عمل ثواب عمله. وقال سعيد بن جبير في قوله: ويؤت كل ذي فضل فضله ~~قال:) من عمل حسنة كتبت عشر حسنات ومن عمل سيئة كتبت عليه سيئة واحدة، ~~فإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من العشرة واحدة وبقيت له تسع حسنات. ثم ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه هلك من غلب آحاده أعشاره { وإن تولوا ~~} يعني: أعرضوا عن الإيمان { فإني أخاف عليكم } يعني: قل لهم ~~يا محمد إني أخاف عليكم { عذاب يوم كبير } يعني القحط. قال ~~مقاتل: فحبس الله تعالى عنهم المطر سبع سنين حتى أكلوا الموتى. ويقال: ~~(عذاب يوم كبير) يعني: عذاب النار يوم القيامة. ويقال إني أخاف. يعني ~~أعلم فيوضع الخوف موضع العلم لأن فيه طرفا من العلم. ### || [11.4-7] # ثم قال { إلى الله مرجعكم } يعني مصيركم في الآخرة { وهو ~~على كل شىء قدير } يعني هو قادر على بعثكم بعد الموت. قوله ~~تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم } قال الكلبي يقول يكتمون ~~ما في صدورهم من العداوة { ليستخفوا منه } يعني ليستروا ذلك ~~منه { ألا حين يستغشون ثيابهم } يعني يلبسون ثيابهم. يعني ~~حين يغشي الرجل نفسه بثيابه يعني { يعلم } ما تحت ثيابه ويعلم { ما ~~يسرون } من العداوات { وما يعلنون } بألسنتهم. قال الكلبي ~~نزلت في شأن أخنس بن شريق. وقال مقاتل ألا إنهم يثنون صدورهم يعني يلوون. ~~وذلك أن كفار مكة كانوا إذا سمعوا القرآن نكسوا رؤوسهم على صدورهم ms0760 كراهية ~~استماع القرآن { ليستخفوا منه } يعني من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا ~~أسر في نفسه شيئا وتغطى بثوبه فبذلك أخفى ما يكون. والله تعالى يطلع على ~~ما في نفوسهم { إنه عليم بذات الصدور } يعني: ما في قلوب ~~العباد من الخير والشر. قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ~~إلا على الله رزقها } يعني: إلا الله القائم على رزقها، ~~ويقال الله ضامن لرزقها. ويقال يرزقها الله حيث ما توجهت { ويعلم ~~مستقرها ومستودعها } يعني يعلم مستقرها حيث تأوي بالليل ~~ومستودعها حيث تموت وتدفن. وروي عن عبد الله بن مسعود قال: مستقرها ~~الأرحام ومستودعها الأرض التي تموت فيها. وقال عبد الله: إذا كان موت ~~الرجل بأرض أتيت له حاجة، حتى إذا كان عند انقضاء أمده قبض فتقول الأرض ~~يوم القيامة هذا ما استودعتني. وقال سعيد بن جبير ومجاهد المستقر الرحم. ~~والمستودع الصلب. { كل فى كتاب مبين } يعني: المستقر ~~والمستودع وبيان كل شيء ورزق كل دابة مكتوب في اللوح المحفوظ خلق من درة ~~بيضاء. قوله تعالى: { وهو الذى خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام } قال ابن عباس يعني: من أيام الآخرة وقال الحسن من ~~أيام الدنيا { وكان عرشه على الماء } قبل خلق السموات والأرض ~~لأنه لم يكن تحته شيء سوى الماء. قال حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن ~~(محمد) قال حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا ~~أبو مطيع عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: بين ~~كل سماءين مسيرة خمسمائة عام. وبين السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة ~~خمسمائة عام. [وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام] والعرش فوق الماء ~~والله فوق العرش بعلوه وقدرته يعلم ما أنتم فيه. وروى أبو جعفر الرازي عن ~~الربيع عن أنس قال: كان عرشه على الماء. فلما خلق الله تعالى السموات ~~والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل نصفه تحت العرش وهو البحر المسجور وجعل ~~النصف ms0761 الآخر تحت الأرض السفلى وهو مكتوب في الكتاب الأول ويسمى اليم وعن ~~سعيد بن جبير قال سئل ابن عباس عن قول الله تعالى { وكان عرشه ~~على الماء } على أي شيء كان الماء؟ قال على متن الريح ويقال: كان ~~عرشه على الماء يعني فوق الماء كقولك السماء فوق الأرض لا أنه ملتزق ~~بالماء { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } يعني: ليختبركم ~~أيكم أحسن أي: أخلص عملا وأزهد في الدنيا، والاختبار من الله تعالى هو ~~إظهار ما يعلم من خلقه ثم قال { ولئن قلت إنكم مبعوثون ~~من بعد الموت } يعني يوم القيامة { ليقولن الذين ~~كفروا } يعني: أهل مكة { إن هذا إلا سحر مبين } ما ~~هذا إلا كذب بين حيث يخبرنا أنه يكون البعث. # قرأ حمزة والكسائي ساحر مبين بالألف. وقرأ الباقون " سحر مبين ~~" بغير ألف ### || [11.8-14] # قوله تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة ~~معدودة } يعني سنينا معلومة. يعني إلى الوقت الذي جعل أجلهم. وقال ~~القتبي يعني: إلى حين بغير توقيت وقوله # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45] إنما هو سبع سنين { ليقولن ما يحبسه } يعني ~~العذاب على وجه الاستهزاء { ألا يوم يأتيهم } يعني العذاب { ~~ليس مصروفا عنهم } يعني: ليس أحد يصرف العذاب عنهم إذا نزل ~~بهم في الدنيا وفي الآخرة { وحاق بهم } يعني: نزل بهم { ما ~~كانوا به يستهزءون } قوله تعالى: { ولئن أذقنا ~~الإنسن منا رحمة } يعني: أصبنا الإنسان منا (رحمة) يعني ~~نعمة وخيرا وعافية { ثم نزعناها منه إنه ليئوس ~~كفور } يعني آيس من رحمة الله كفور بنعم الله تعالى. ثم قال { ~~ولئن أذقناه نعماء } يعني: أعطيناه خيرا وعافية وسعة في ~~الرزق { بعد ضراء مسته } يعني: أصابته { ليقولن ذهب ~~السيئات عني } يعني لا يشكر الله تعالى. ذكر في الابتداء ~~ليقولن بنصب اللام بلفظ الواحد (لتقديم الفعل) على الاسم. وفي ~~الثاني بضم اللام لأنه فعل الجماعة ولم يذكر الاسم، وفي الثالث بنصب ~~اللام لأنه فعل الواحد ويقول ذهب السيئات عني { إنه لفرح فخور ~~} يعني بطرا فرحا بما أعطاه الله تعالى وهو الطغيان في النعمة، فخور في ms0762 ~~نعم الله تعالى ومتكبر على الناس. ثم استثنى فقال تعالى: { إلا ~~الذين صبروا } وهم المؤمنون الذين صبروا على الطاعات والشدائد، ~~ليسوا كذلك وليسوا من أهل هذه الصفة إذا ابتلوا صبروا وإذا أعطوا شكروا { ~~وعملوا الصلحات } بينهم وبين ربهم { أولئك لهم ~~مغفرة } لذنوبهم في الدنيا { وأجر كبير } يعني ثوابا ~~عظيما في الجنة. قوله تعالى: { فلعلك تارك } يعني لا تترك { ~~بعض ما يوحى إليك } وذلك أن كفار مكة قالوا كيف لا ينزل إليه ~~ملك أو يكون له كنز وطلبوا منه بأن لا يعيب آلهتهم فهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بأن يترك عيبها رجاء أن يتبعوه فنزل فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك من أمر الآلهة { وضائق به صدرك } في البلاغ { أن ~~يقولوا لولا أنزل عليه كنز } يعني المال { أو جاء ~~معه ملك } يعينه ويصدقه، فأمره بأن لا يترك تبليغ الرسالة فقال: يا ~~محمد { إنما أنت نذير } يعني إنما عليك تبليغ الرسالة والتخويف ~~{ والله على كل شىء وكيل } يعني: شهيد بأنك رسول الله ~~تعالى. قوله تعالى: { أم يقولون افتراه } يعني: أيقولون؟ ~~والميم صلة. افتراه. يعني اختلقه من تلقاء نفسه { قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات } يعني مختلقات، قال الكلبي يعني ~~بعشر سور مثل سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ~~والأنفال والتوبة ويونس وهود. لأن العاشرة هي سورة هود. وقال بعضهم: هذا ~~التفسير لا يصح، لأن سورة هود مكية والبقرة وآل عمران والنساء والمائدة ~~مدنيات أنزلت بعد سورة هود بمدة طويلة. # ولكن معناه فأتوا بعشر سور مثل سور القرآن. أي سورة كانت مفتريات. يعني ~~مختلفات إن كنتم تزعمون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يختلقه من ذات ~~نفسه { وادعوا من استطعتم من دون الله } يعني استعينوا ~~بآلهتكم { إن كنتم صدقين } في مقالتكم، فسكتوا فلم يجيبوا فنزل ~~قوله تعالى: { فإن لم يستجيبوا لكم } فإن لم يجيبوك، خاطب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ الجماعة كما قال # يأيها الرسل # [المؤمنون: 51] ويقال أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه { ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ms0763 } يقال فاعلموا يا أهل ~~مكة انما أنزل بعلم الله. يعني أنزل جبريل هذا القرآن بإذن الله تعالى ~~وبأمره. وقال القتبي بعلم الله يعني من علم الله والباء مكان من. ثم قال ~~تعالى: { وأن لا إله إلا هو } يعني فاعلموا أن لا إله إلا ~~هو. يعني إن الله تعالى هو منزل الوحي وليس أحد ينزل الوحي غيره { فهل ~~أنتم مسلمون } يعني: مقرين بأن الله أنزله على محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. ويقال مخلصون بالتوحيد. ويقال { فهل أنتم ~~مسلمون } هذا على وجه الأمر يعني أسلموا. ### || [11.15-16] # قوله تعالى: { من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها } ~~يعني من كان يريد بعمله الدنيا ولا يريد به وجه الله { نوف ~~إليهم أعمالهم فيها } يعني: ثواب أعمالهم في الدنيا { ~~وهم فيها لا يبخسون } يعني: لا ينقص من ثواب أعمالهم شيء في ~~الدنيا { أولئك الذين ليس لهم فى الأخرة إلا ~~النار } قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل القبلة. وقال الحسن نزلت ~~في المنافقين والكافرين { وحبط ما صنعوا فيها } يعني ثواب ~~أعمالهم (في الدنيا) لأنه لم يكن لوجه الله تعالى { وبطل ما ~~كانوا يعملون } وروى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: # " إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق، فرقة يعبدون الله تعالى ~~خالصا، وفرقة يعبدون الله تعالى رياء، وفرقة يعبدون الله تعالى ليصيبوا ~~بها الدنيا. فيقول الله تعالى للذي كان يعبد الله للدنيا: وماذا أردت ~~بعبادتك؟ فيقول: الدنيا. فيقول الله عز وجل لا جرم، لا ينفعك ما جمعت ولا ~~ترجع إليه، ويقول انطلقوا به إلى النار. ويقول للذي كان يعبد الله رياء ~~ماذا أردت بعبادتك؟ فيقول: الرياء. فيقول الله تعالى انطلقوا به إلى ~~النار. ويقول للذي كان يعبد الله تعالى خالصا ماذا أردت بعبادتك؟ فيقول ~~أنت أعلم به مني. كنت أعبدك لوجهك وذاتك. قال صدق عبدي انطلقوا به إلى ~~الجنة ". ### || [11.17] # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه } يعني على ~~بيان من ربه، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - { ويتلوه ms0764 شاهد ~~منه } يقول: يقرأ جبريل هذا القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو شاهد منه. يعني: من الله تعالى. وهذا قول ابن عباس وأبي العالية ~~ومجاهد وقتادة وإبراهيم النخعي ويقال: أفمن كان على بينة من ربه. يعني أن ~~الله بين أمره ونبوته بدلائل أعطاها محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~(ويتلوه) أي: يقرأ القرآن جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~شاهد منه } أي ملك أمين من الله تعالى وهو جبريل. وقال شهر بن ~~حوشب: القرآن شاهد من الله تعالى. ومعناه: يتلو القرآن وهو شاهد من الله ~~تعالى. وقال الحسن: ويتلوه شاهد منه. يعني لسان محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال قتادة: لسانه شاهد منه وكذلك قال عكرمة. قال حدثنا الخليل بن ~~أحمد قال: حدثنا السراج قال: حدثنا أبو إسماعيل قال: حدثنا صفوان بن صالح ~~قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الخليل عن قتادة عن عروة عن محمد بن ~~علي قال: قلت لعلي إن الناس يزعمون في قوله تعالى: { ويتلوه ~~شاهد منه } أنك أنت التالي. قال وددت أني أنا هو، ولكنه لسان محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -. ويقال: الشاهد القرآن ويتلوه يعني بعده، ويقال ~~يتلوه يعني يتبعه كقوله # والقمر إذا تلها # [الشمس: 2]. قال القتبي: هذا كلام على الاختصار ومعناه: أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه شاهد منه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها فاكتفى من ~~الجواب بما تقدم كقوله # أمن هو قانت ءانآء اليل سجدا وقآئما # [الزمر: 9] يعني: كمن هو بخلاف ذلك ثم قال { ومن قبله كتاب ~~موسى } يعني جبريل قرأ التوراة على موسى عليه السلام من قبل أن يتلو ~~القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا قول الكلبي ومقاتل. ويقال ~~عبد الله بن سلام يتلو القرآن وكان من قبله يتلو التوراة. والتأويل الأول ~~أصح. لأن هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام أسلم في المدينة. ويقال هم ~~الذين آمنوا بمكة من أهل الكتاب حين قدموا من الحبشة ثم قال { إماما ~~ورحمة } يعني: إماما يهتدى به ويعمل به. ms0765 ورحمة. يعني ونعمة من ~~العذاب لمن آمن به. يعني كتاب موسى عليه السلام { أولئك ~~يؤمنون به } يعني بالقرآن وهذا كقوله # فالذين ءاتينهم الكتب يؤمنون به # [العنكبوت: 47] يعني بالقرآن ثم قال { ومن يكفر به من ~~الأحزاب } يعني: من يجحد بالقرآن { فالنار موعده } يعني: ~~مصيره. قال سعيد بن جبير ما بلغني حديث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا وجدت مصداقه في كتاب الله تعالى حتى بلغني عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا ~~دخل النار " # فجعلت أقول وأتفكر أين هذا في كتاب الله؟ حتى أتيت على هذه الآية: ومن ~~يكفر به من الأحزاب فالنار موعده. قال هي في أهل الملل كلها ثم قال { ~~فلا تك فى مرية منه } يعني: فلا تك في شك (أن موعده النار) ~~{ إنه الحق من ربك } وهذا قول الكلبي. وقال مقاتل: فلا تك ~~في شك أن القرآن من الله تعالى وأنه الحق من ربك. أي الصدق من ربك. ردا ~~لقولهم إنه يقول ذلك من شيطان يلقيه إليه يقال له الري. وروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما من أحد إلا ومعه شيطان فاغر بين يديه. إلا أن الله تعالى أعانني ~~عليه وأسلم " # ثم قال { ولكن أكثر الناس } أهل مكة { لا يؤمنون } ~~يعني لا يصدقون بالقرآن بأنه من عند الله تعالى. ### || [11.18-23] # ثم قال عز وجل: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } يعني ومن أشد في كفره ممن افترى. يقول ممن اختلق على الله ~~كذبا بأن معه شريكا { أولئك يعرضون على ربهم } يعني ~~يساقون إلى ربهم يوم القيامة { ويقول الأشهاد } يعني الرسل قد ~~بلغناهم الرسالة. وقال الضحاك ويقول الأشهاد يعني الأنبياء. وقال قتادة ~~ومجاهد: ويقول الأشهاد يعني الملائكة. وقال الأخفش الأشهاد. واحدها شاهد. ~~مثل أصحاب وصاحب. ويقال شهيد وأشهاد مثل شريف وأشراف. قال الله تعالى { ~~هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } يعني افتروا على الله عز ~~وجل ms0766 بأن معه شريكا وقال الله { ألا لعنة الله على ~~الظلمين } يعني: عذابه وغضبه على المشركين ثم وصفهم فقال تعالى { ~~الذين يصدون عن سبيل الله } يعني يصرفون [الناس] عن دين ~~الإسلام { ويبغونها عوجا } يطلبون بملة الإسلام زيفا وغيرا { ~~وهم بالآخرة هم كافرون } ينكرون البعث قوله تعالى: { ~~أولئك لم يكونوا معجزين فى الأرض } يعني: لم يفوتوا ~~ولم يهربوا من عذاب الله تعالى حتى يجزيهم بأعمالهم الخبيثة { وما ~~كان لهم من دون الله من أولياء } يعني ما كان لهم من ~~عذاب الله تعالى مانع يمنعهم من العذاب { يضاعف لهم العذاب }. ~~يعني الرؤساء. يكون لهم العذاب بكفرهم وبما أضلوا غيرهم { ما كانوا ~~يستطيعون السمع } في العذاب. لا يقدرون أن يسمعوا { وما ~~كانوا يبصرون } في النار شيئا. ويقال ذلك التضعيف لهم لأنهم ~~كانوا لا يستطيعون الاستماع إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا ~~من بغضه وما كانوا يبصرون أي [عميا] لا ينظرون إليه من بغضه. وقال ~~الكلبي: يضاعف لهم العذاب بما كانوا لا يستطيعون سماع الهدى وبما كانوا ~~لا يبصرون الهدى. ويقال كانوا لا يستطيعون أن يسمعوا فلم يسمعوا وكانوا ~~يستطيعون أن يبصروا فلم يبصروا. ويقال يعني لم يكن لهم سمع القلب وما ~~كانوا يبصرون أي لم يكن لهم بصر القلب. قرأ ابن كثير وابن عامر " ~~يضعف لهم " بتشديد العين بغير ألف. وقرأ الباقون " يضاعف " ~~بالألف ومعناهما واحد. ثم بين أن ضرر ذلك يرجع إلى أنفسهم فقال تعالى { ~~أولئك الذين خسروا أنفسهم } يعني غبنوا حظ أنفسهم { ~~وضل عنهم ما كانوا يفترون } يعني: ويبطل عنهم ما كانوا ~~يعبدون من دون الله تعالى، فات عنهم ولا ينفعهم شيئا. ثم قال تعالى { ~~لا جرم } قال القتبي يعني حقا. ويقال يعني: نعم ويقال: لا جرم يعني: ~~لا شك. ويقال: لا كذب. ويقال: لا جرم أي لا بلى. وذكر عن الفراء أنه قال: ~~لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة فكثر استعمالهم إياها ~~حتى صارت بمنزلة حقا { أنهم فى الأخرة هم الأخسرون } ~~يعني الخاسرين. ويقال: ms0767 " الأخسر " إذا قلت بالألف واللام يكون بمعنى ~~الخاسر. وإذا قلت أخسر. بغير اللام يكون أخسر من غيره. ثم أخبر عن ~~المؤمنين وما أعد لهم في الآخرة فقال { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى وعملوا ~~الصالحات يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { وأخبتوا إلى ~~ربهم } قال القتبي يعني: تواضعوا. والإخبات التواضع. وقال: مقاتل: ~~أخلصوا. ويقال يخشعوا فرقا من عذاب ربهم { أولئك أصحب ~~الجنة } يعني: أهل الجنة { هم فيها خلدون } يعني دائمون ~~لا يموتون ولا يخرجون منها ثم ضرب مثل المؤمنين والكافرين ### || [11.24-29] # فقال تعالى { مثل الفريقين } يعني مثل المؤمن والكافر ومثل ~~الذي يبصر الحق ومثل الذي لا يبصر الحق { كالأعمى } يعني عن الإيمان ~~ولا يبصره { والأصم } عن الإيمان ولا يسمعه، وهو الكافر { ~~والبصير والسميع } وهو المؤمن { هل يستويان مثلا } ~~في الشبه ويقال معناه: مثل الفريقين - يعني الذي لا يسمع ولا يبصر. هل ~~يستوي بالذي يسمع ويبصر. ويقال معناه كالأعمى والبصير والأصم والسميع. ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكفار مكة: # " هل يستوي الأعمى والبصير والسميع؟ " # قالوا لا قال: { أفلا تذكرون } أنهما لا يستويان. قرأ حمزة ~~والكسائي وحفص (عن عاصم) أفلا تذكرون بالتخفيف. وقرأ الباقون ~~تذكرون بالتشديد. ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه إنى لكم نذير مبين } قرأ نافع وعاصم وحمزة ~~وابن عامر إني بكسر الألف. ومعناه قال لهم إني لكم نذير وقرأ ~~الباقون أني لكم بالنصب ومعناه ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بالإنذار. ~~وفي الآية تهديد لأهل مكة معناه: واتل عليهم نبأ نوح يعني إن لم يتعظوا ~~بما ذكرت فاتل عليهم خبر نوح. وروى أبو صالح عن ابن عباس: أن نوحا أوحي ~~إليه وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة فدعا قومه مائة وعشرين سنة وركب ~~السفينة وهو ابن ستمائة سنة ومكث بعد هلاك قومه ثلاثمائة وخمسين سنة. ~~فذلك ألف سنة إلا خمسين عاما. وذكر عن وهب بن منبه قال: أوحى الله ~~تعالى: إلى نوح وهو (ابن تسعمائة ودعا قومه) خمسين سنة فلما هلك قومه عاش ~~بعدهم ms0768 خمسين سنة فتمام عمره ألف وخمسون وقال عكرمة: إنما سمي نوحا لأنه ~~كان ينوح على نفسه. ويقال كان اسمه شاكر، فمن كثرة نوحه على نفسه سمي ~~نوحا. فدعا قومه إلى الله وقال لهم إني لكم نذير مبين من العذاب. ~~ويقال: مبين يعني مبين بلغة تعرفونها { أن لا تعبدوا إلا ~~الله } يعني ألا تطيعوا ولا توحدوا إلا الله { إنى أخاف ~~عليكم عذاب يوم أليم } يعني: الغرق قال الله تعالى: { ~~فقال الملأ الذين كفروا من قومه } يعني الأشراف من ~~قومه { ما نراك إلا بشرا مثلنا } يعني آدميا مثلنا { ~~وما نراك اتبعك } يعني آمن بك { إلا الذين هم ~~أراذلنا } يعني: سفلتنا وضعفاؤنا { بادى الرأى } قال الكلبي: ~~ظاهر الرأي. يعني إنهم يعرفون الظاهر فلا تمييز لهم. وقال مقاتل يعني: ~~بدا لنا أنهم سفلتنا وضعفاؤنا بادي الرأي وقال القتبي أراذلنا يعني ~~شرارنا وهو جمع أرذل. وقوله: بادي الرأي: بغير همز أي ظاهر الرأي من بدأ ~~يبدو. وأما باديء بالهمزة يعني أول الرأي من قولك بدأ يبدأ. قرأ أبو عمرو ~~بادىء الرأي بالهمز وقرأ الباقون على ضد ذلك. ثم قال: { وما نرى ~~لكم علينا من فضل } قوم نوح قالوا لنوح ما نرى لكم علينا من ~~فضل في ملك ولا مال { بل نظنكم كذبين } يعني نحسبك من ~~الكاذبين. # وقد يخاطب الواحد بلفظ الجماعة. ويقال إنما أراد به نوحا ومن آمن معه { ~~قال } نوح { يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ~~ربى } يعني إن كنت على دين ويقين وبيان من ربي { وآتاني رحمة ~~من عنده } يقول أكرمني بالرسالة والنبوة { فعميت عليكم ~~} يعني عميت عليكم هذه البينة. ويقال عميتم عن ذلك. يقال عمي عليه هذا ~~إذا لم يفهم. ويقال التبست عليكم هذه النعمة وهذه البينة التي هي من الله ~~تعالى فلم تبصروها ولم تعرفوها. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، " ~~فعميت " بضم العين وتشديد الميم على معنى فعل ما لم يسم فاعله. ~~وقرأ الباقون بنصب العين والتخفيف. ومعناه واحد يعني: خفيت عليكم هذه ~~النعمة والرحمة واتفقوا في سورة ms0769 القصص # فعميت عليهم الأنبآء # [القصص: 66] بالنصب. ثم قال { أنلزمكموها وأنتم لها ~~كرهون } يعني: كيف نعرفكموها وأنتم للنبوة كارهون؟ قال قتادة أما ~~والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكن لم يملك ذلك. ويقال ~~أفنفهمكموها وأنتم لها كارهون، يعني منكرون. ويقال أنحملكموها. يعني ~~معرفتها. ويقال أنعلمكموها وأنتم تكذبونني ولا تناظروني في ذلك. ثم ~~أخبرهم عن شفقته وقلة طمعه في أموالهم فقال { ويقوم لا أسألكم ~~عليه مالا } يعني لا أطلب منكم على الإيمان أجرا يعني رزقا ولا ~~جعلا { إن أجرى إلا على الله } يعني ما ثوابي إلا على ~~الله { وما أنا بطارد الذين ءامنوا } لأنهم طلبوا منه أن ~~يطرد من عنده من الفقراء والضعفاء فقال { إنهم ملاقو ربهم } ~~فيجزيهم بأعمالهم. ويقال إنهم ملاقو ربهم فيشكونني إلى الله تعالى إن لم ~~أقبل منهم الإيمان وأطردهم { ولكنى أراكم قوما تجهلون ~~} ما أمرتكم به وما جئتكم به ### || [11.30-37] # ثم قال تعالى { ويقوم من ينصرنى من الله إن ~~طردتهم } يعني لو طردتهم فيعذبني الله بذلك فمن يمنعني من عذاب ~~الله إن طردتهم عن مجلسي { أفلا تذكرون } أي أفلا تتعظون ولا ~~تفهمون أن من (آمن) بالله لا يطرد ثم قال { ولا أقول لكم عندى ~~خزائن الله } يعني مفاتيح الله في الرزق { ولا أعلم ~~الغيب } أن الله يهديكم أم لا. ويقال { ولا أعلم الغيب } ~~يعني علم ما غاب عني { ولا أقول إنى ملك } من (الملائكة) { ~~ولا أقول للذين تزدرى أعينكم } يعني: تحتقر أعينكم ~~من السفلة { لن يؤتيهم الله خيرا } يعني لا أقول إن الله ~~تعالى لا يكرم بالإيمان ولا يهدي من هو حقير في أعينكم ولكن الله يهدي من ~~يشاء. ثم قال { الله أعلم بما فى أنفسهم } يعني بما في ~~قلوبهم من التصديق والمعرفة { إنى إذا لمن الظلمين } يعني ~~إن طردتهم فلم أقبل منهم الإيمان بسبب ما لم أعلم ما في قلوبهم كنت ~~ظالما على نفسي. فعجز قومه عن جوابه. { قالوا يا نوح قد ~~جادلتنا } قال مقاتل: ماريتنا { فأكثرت جدالنا } يعني ~~مرانا. وقال الكلبي: دعوتنا فأكثرت دعاءنا. ويقال ms0770 وعظتنا فأكثرت موعظتنا ~~{ فأتنا بما تعدنا } يعني لا نقبل موعظتك فأتنا بما تعدنا من ~~العذاب { إن كنت من الصدقين } بأن العذاب نازل بنا { قال } ~~لهم نوح { إنما يأتيكم به الله إن شاء } إن شاء يعذبكم ~~وإن شاء يصرفه عنكم { وما أنتم بمعجزين } يعني: إن أراد أن ~~يعذبكم لا تفوتون من عذابه. ثم قال { ولا ينفعكم نصحى } يعني ~~دعائي وتحذيري ونصيحتي { إن أردت أن أنصح لكم } يعني: إن ~~أردت أن أدعوكم من الشرك إلى التوحيد والتوبة والإيمان { إن كان ~~الله يريد أن يغويكم } يعني لا تنفعكم دعوتي إن أراد الله ~~أن يضلكم عن الهدى ويترككم على الضلالة ويهلككم { هو ربكم } يعني ~~هو أولى بكم. ويقال هو ربكم رب واحد ليس له شريك { وإليه ~~ترجعون } يعني بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم. ثم قال تعالى { أم ~~يقولون افتراه } قال مقاتل: الخطاب لأهل مكة. معناه أتقولون إن ~~محمدا تقوله من ذات نفسه { قل إن افتريته } من ذات نفسي { ~~فعلى إجرامى } يعني خطيئتي { وأنا برىء مما ~~تجرمون } يعني: من خطاياكم. وقال الكلبي: الخطاب أيضا لقوم نوح أم ~~يقولون: افتراه يعني: قوم نوح يقولون افتراه أي: اختلقه من تلقاء نفسه ~~فقال لهم نوح: افتريته فعلي إجرامي أي: آثامي وأنا بريء مما تجرمون أي: ~~مما تأثمون قوله تعالى: { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد ءامن } (قال الحسن: إن نوحا عليه السلام ~~لم يدع على قومه حتى نزلت هذه الآية) إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ~~آمن. # فدعا عليهم عند ذلك فقال # رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا # [نوح: 26] ثم قال { فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } وذلك ~~أن نوحا ندم على دعائه وجعل يحزن عليهم. فقال الله تعالى { فلا ~~تبتئس بما كانوا يفعلون } يعني: لا يحزنك إذا نزل بهم ~~الغرق بما كانوا يفعلون من الكفر. قوله تعالى: { واصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا } يقول اعمل السفينة. ويقال للواحد وللجماعة ~~الفلك بأعيننا. قال الكلبي يعني: بمنظر منا، ووحينا. يعني بوحينا إليك. ~~وقال مقاتل ms0771 يعني: بتعليمنا وأمرنا { ولا تخطبنى فى الذين ~~ظلموا } يعني (فلا تراجعني في قومك ولا تدعني بصرف العذاب عنهم { ~~إنهم مغرقون } بالطوفان. ويقال ولا تخاطبني في الذين ظلموا ~~يعني ابنه كنعان). وقال عكرمة: كان طول سفينة نوح ثلاثمائة ذراع وعرضها ~~ورفعها أحدهما ثلاثون والآخر أربعون. وقال الحسن طولها ألف ومائتا ذراع ~~وعرضها ستمائة ذراع. وقال ابن عباس طولها ثلاثمائة ذراع وطولها في الماء ~~ثلاثون ذراعا وعرضها خمسون ذراعا. وقال القتبي قرأت في التوراة: إن ~~الله تعالى أوحى إليه أن اصنع الفلك وليكن طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها ~~خمسون ذراعا وارتفاعها ثلاثون ذراعا وليكن بابها في عرضها وادخل أنت في ~~الفلك وامرأتك وبنوك ونساء بنيك ومن كل زوجين من الحيوان ذكرانا ~~وإناثا. فإني منزل المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة فأتلف كل ~~شيء خلقته على الأرض. فأرسل الله تعالى ماء الطوفان على الأرض في سنة ~~ستمائة من عمر نوح ولبث في الماء مائة وخمسين يوما وعاش بعد الطوفان ~~ثلاثمائة وخمسين سنة. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: مكث نوح ينجر السفينة ~~مائة سنة، فلما فرغ من عملها أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين ~~اثنين. فحمل فيها امرأته وبنيه ونساءهم فركب فيها لسبع عشرة ليلة خلت من ~~صفر، فمكث في الماء سبعة أشهر لم يقر لها قرار فأرسيت على الجودي خمسة ~~أشهر فأرسل الغراب لينظر كم بقي من الماء فمكث على جيفة. فغضب عليه نوح ~~ولعنه. ثم أرسل الحمامة فوقعت في الماء فبلغ الماء قدر حمرة رجليها فجاءت ~~فأرته فبارك عليها نوح. ### || [11.38-40] # قوله تعالى: { ويصنع الفلك } يعني: ينجر السفينة. ويقال إن ~~الله تعالى أمره بأن يغرس الأشجار فغرسها حتى أدركت وقطعها حتى يبست ثم ~~اتخذ منها السفينة. فاستأجر أجراء ينحتون معه { وكلما مر ~~عليه ملأ من قومه } يعني الأشراف من قومه { سخروا منه ~~} يعني استهزؤوا به وكانوا يقولون إن الذي يزعم أنه نبي صار نجارا، ومرة ~~كانوا يقولون أتجعل للماء إكافا فأين الماء { قال إن تسخروا ~~منا فإنا ms0772 نسخر منكم } يعني إن تسخروا منا اليوم فإنا نسخر ~~منكم بعد الهلاك. يعني يصيبكم جزاء السخرية { كما تسخرون } منا. ~~يعني بما تسخرون ويقال إن تستجهلوا بنا بهذا الفعل فإنا نستجهلكم بترك ~~الإيمان كما تستجهلوننا { فسوف تعلمون } يعني (تعرفون بعد هذا) ~~من أحق بالسخرية. وهذا وعيد لهم { من يأتيه عذاب يخزيه } ~~يعني يهلكه ويذله { ويحل عليه عذاب مقيم } يعني ينزل ~~عليه عذاب دائم لا ينقطع عنه قوله تعالى: { حتى إذا جاء أمرنا ~~} يعني قولنا بالعذاب. ويقال عذابنا وهو الفرق { وفار التنور } ~~يعني نبع الماء من أسفل التنور وقال مقاتل التنور الذي يخبز فيه في أقصى ~~داره بالشام وقال (ابن عباس) وفار التنور يعني: نبع الماء من وجه الأرض. ~~وقال علي بن أبي طالب يعني طلوع الفجر. أي تنوير الصبح (يعني إذا طلع ~~الفجر كان وقت الهلاك) وروي عن علي رضي الله عنه أيضا أنه قال فار منه ~~التنور وجرت منه السفينة أي مسجد الكوفة { قلنا احمل فيها } يعني ~~في السفينة { من كل زوجين اثنين } يعني من كل صنفين { ~~وأهلك } يعني واحمل أهلك فيها معك { إلا من سبق عليه ~~القول } بالغرق. يعني سوى من قدرت عليه الشقاوة والكفر فلا تحمله. ~~يعني امرأته الكافرة وابنه كنعان. { ومن ءامن } معه - يعني احمل في ~~السفينة من آمن معك # قال الفقيه: أخبرني الثقة بإسناده عن وهب بن منبه قال أمر نوح بأن يحمل ~~من كل زوجين اثنين فقال رب كيف أصنع بالأسد والبقرة؟ وكيف أصنع بالعناق ~~والذئب وكيف أصنع بالحمام والهرة؟ قال يا نوح من ألقى بينهم العداوة؟ قال ~~أنت يا رب. قال فإني أؤلف بينهم حتى يتراضوا. قال الفقيه حدثنا الخليل بن ~~أحمد قال حدثنا الماسرخسي قال حدثنا إسحاق قال حدثنا قبيصة ابن عقبة قال ~~حدثنا سفيان عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كثر الفأر ~~في السفينة حتى خافوا على حبال السفينة. فأوحى الله تعالى إلى نوح أن ~~امسح جبهة الأسد فمسحها فعطس فخرج منها سنوران فأكلا الفأر. وكثرت ms0773 العذرة ~~في السفينة فشكوا إلى نوح فأوحى الله تعالى إلى نوح أن امسح ذنب الفيل ~~فمسحه فخرج خنزير فأكل العذرة. # [وفي خبر آخر فخرج منه خنزيران فأكلا العذرة] قال الفقيه أبو الليث رحمه ~~الله في خبر وهب بن منبه دليل أن الهرة كانت من قبل وفي هذا الخبر أن ~~الهرة لم تكن من قبل والله أعلم بالصواب منهما. وروي عن ابن عباس أنه قال ~~لما فار (الماء من) التنور فأرسل الله تعالى من السماء بمطر شديد، فأقبلت ~~الوحوش حتى أصابتها السماء إلى نوح وسخرت له فحمل في السفينة من كل طير ~~زوجين ومن كل دابة زوجين ومن كل بهيمة زوجين ومن كل سبع زوجين يعني الذكر ~~والأنثى. فقال نوح رب هذه الحية والعقرب كيف أصنع بهما فبعث الله تعالى ~~جبريل فقطع فقار العقرب وضرب فم الحية. وكان نوح جعل للسفينة ثلاثة أبواب ~~بعضها (أسفل من بعض) فجعل في الباب الأسفل السباع والهوام، وجعل في الباب ~~الأوسط البهائم والوحوش، وجعل في الباب الأعلى بني آدم من ذكر منهم فذلك ~~قوله تعالى: { وما ءامن معه إلا قليل } قال ابن عباس: هم ~~ثمانون إنسانا. وقال الأعمش في قوله: وما آمن معه إلا قليل: كان نوح ~~وثلاث بنين ونساؤهم، وقال مقاتل كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة. قرأ ~~عاصم في رواية حفص من كل بالتنوين يعني من كل شيء ثم قال زوجين على ~~وجه التفسير للكل. وقرأ الباقون من كل زوجين بغير تنوين على معنى ~~الإضافة ### || [11.41-44] # قوله تعالى: { وقال اركبوا فيها } يعني ادخلوا في السفينة ~~ويقال: الجأوا فيها من الغرق { بسم الله مجراها } يعني: إذا ~~ركبتموها فقولوا { بسم الله مجراها ومرساها } قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص " مجريها " بنصب الميم وهكذا قرأ ابن ~~مسعود والأعمش. وقرأ الباقون بضم الميم (واتفقوا في مرساها أنها بضم ~~الميم) إلا أن حمزة والكسائي قرآ بالإمالة. فأما من قرأ بضم الميم فيكون ~~بمعنى المصدر ومعناه: يعني إجراؤها وإرساؤها بأمر الله تعالى وهذا قول ~~الفراء ويقال معناه بسم الله ms0774 من حيث تجري وتحبس، ومن قرأ بالنصب فمعناه ~~بسم الله جريها وحبسها، يعني بأمر الله تعالى. { إن ربى لغفور ~~رحيم } بالمؤمنين قوله تعالى: { وهى تجرى بهم فى موج } ~~يعني أمواجا { كالجبال ونادى نوح ابنه } كنعان. وقرأ ~~بعضهم ابنها. يعني ابن امرأته. وقرأ بعضهم نوح ابنه بضم الألف. وهي بلغة ~~طيىء، ويقال إنه لم يكن ابنه ولكن كان ابن امرأته، وقراءة العامة ونادى ~~نوح ابنه. قالوا { وكان } ابن نوح { فى معزل } يعني في ناحية من ~~السفينة ويقال من الجبل. { يبنى اركب معنا } أسلم واركب في ~~السفينة معنا { ولا تكن مع الكفرين } يعني لا تثبت على ~~الكفر ولا تتخلف مع الكافرين. قرأ عاصم " يا بني اركب " بنصب الياء ~~قرأ الباقون " يا بني اركب " بالكسر. وقال أبو عبيدة: القراءة عندنا ~~بالكسر للإضافة إلى نفسه. كما اتفقوا في قوله # يبنى لا تقصص رءياك # [يوسف: 5] وفي لقمان # يبنى إنهآ # [لقمان: 16]. وإنما فرق عاصم فيما يرى الألف الخفيفة الحقيقية التي في ~~قوله اركب. { قال سآوي } يعني قال ابنه سأصعد { إلى جبل ~~يعصمنى من الماء } يعني يمنعني من الماء أم من الغرق ولا أؤمن ~~ولا أركب السفينة { قال } نوح { لا عاصم اليوم من أمر ~~الله } يقول: لا مانع اليوم من عذاب الله أي: الغرق لا جبل ولا غيره { ~~إلا من رحم } يعني إلا من قد آمن فعصمه الله ثم قال { وحال ~~بينهما الموج } يعني فرق بين كنعان وبين الجبل الموج وهذا قول ~~الكلبي. وقال مقاتل وحال بينهما يعني بين نوح وابنه الموج { فكان من ~~المغرقين } يعني: فصار من المغرقين. وروي عن ابن عباس أنه قال ~~أمطرت السماء أربعين يوما وخرج ماء الأرض أربعين يوما الليل والنهار. ~~فذلك قوله # ففتحنآ أبوب السمآء بماء منهمر وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11، 12] وارتفع الماء على كل جبل في الأرض خمسة عشر ذراعا. ~~وروي عن الحسن أنه قال: ارتفع الماء فوق كل جبل وكل شيء ثلاثين ذراعا ~~وسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في خمسة أشهر ms0775 ما استقرت على شيء ~~حتى أتت الحرم [(فلم تدخله] ودارت بالحرم أسبوعا ورفع البيت الذي بناه ~~آدم إلى السماء السادسة وهو البيت المعمور) وجعل الحجر الأسود على أبي ~~قبيس. # ويقال أودع فيه ثم ذهبت السفينة في الأرض حتى انتهت بهم إلى الجودي، وهو ~~جبل بأرض الموصل فاستقرت عليه بعد خمسة أشهر. قال ابن عباس: ركب نوح ~~السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج منها يوم عاشوراء، فذلك ستة أشهر. فلما ~~استقرت على الجودي كشف نوح الطبق الذي فيه الطير فبعث الغراب ليأتيه ~~بالخبر فأبصر جيفة فوقع عليها، فأبطأ على نوح فلم يأته. ثم أرسل الحدأة ~~على أثره فأبطأت عليه ثم أرسل بالحمامة فلم تجد موقفا في الأرض فجاءت ~~بورق الزيتون فعرف نوح أن الماء قد نقص فظهرت الأشجار ثم أرسلها فوقفت ~~على الأرض فغابت رجلاها في الطين فجاءت إلى نوح فعرف أن الأرض قد ظهرت ~~وذلك قوله { وقيل يأرض ابلعى ماءك } معناه انشفي ماءك الذي ~~خرج منك { ويسماء أقلعى } يعني احبسي وامسكي { وغيض الماء ~~} يعني نقص الماء وظهرت الجبال والأرض { وقضى الأمر } يعني فرغ من ~~الأمر. ومعناه نجا من نجا وهلك من هلك { واستوت على الجودى } ~~يعني استقرت السفينة على الجودي وروي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى ~~الجبال أني أنزل السفينة على جبل. فتشامخت الجبال وتواضع الجودي لله ~~تعالى فأرسيت عليه السفينة. وقال الحكيم خرج قوس قزح بعد الطوفان أمانا ~~لأهل الأرض أن يغرقوا جميعا { وقيل بعدا للقوم ~~الظلمين } يعني سحقا ونكسا للقوم الكافرين. وهو التبعيد من رحمة ~~الله تعالى. ### || [11.45-48] # قوله تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابنى من ~~أهلى } فإنك قد وعدتني أن تنجيهم من العذاب { وإن وعدك ~~الحق } يعني أنت الصادق في وعدك { وأنت أحكم الحكمين } ~~يعني أعدل العادلين { قال ينوح إنه ليس من أهلك } الذي ~~وعدتك أن أنجيهم. وروي عن الحسن أنه قال: إنه تخلف لأنه لم يكن ابن نوح. ~~وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: كنت عند الحسن. قال: ونادى نوح ms0776 ~~ابنه، فقال لعمر الله ما هو ابنه. قلت يا أبا سعيد يقول الله تعالى { ~~ونادى نوح ابنه } وأنت تقول هو ليس بابنه، قال أفرأيت قوله: { ~~إنه ليس من أهلك }. قلت إنه ليس من أهلك الذي وعدتك أن ~~أنجيهم. (ولا يختلف) أهل الكتاب أنه ابنه. قال إن أهل الكتاب يكذبون. ~~وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أنه ابنه غير أنه خالفه في العمل. وقال ~~بعض الحكماء إن الابن إذا لم يفعل ما يفعل الأب انقطع عنه، والأمة إذا لم ~~يفعلوا ما فعل نبيهم أخاف أن ينقطعوا عنه. ثم قال { إنه عمل ~~غير صلح } قرأ الكسائي. إنه عمل غير صالح بكسر الميم ونصب ~~الراء. وروت أم سلمة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ ~~هكذا ومعناه إن ابنك عمل عمل المشركين ولم يعمل عمل المؤمنين. وقرأ ~~الباقون " عمل غير " بالتنوين والضم وضم الراء. ومعناه إن سؤالك ~~ودعاءك لابنك الكافر عمل غير صالح { فلا تسئلن ما ليس لك ~~به علم } يعني بيانا. وقرأ أهل الكوفة فلا تسألن بتخفيف النون بغير ~~ياء لأن الكسر يقوم مقام الياء. وروي عن أبي عبيدة أنه قال: رأيت في مصحف ~~عثمان هكذا. وقرأ أبو عمرو " فلا تسألني " بإثبات الياء بغير ~~تشديد وهو الأصل في اللغة. وقرأ ابن كثير " فلا تسألن " بنصب ~~النون والتشديد بغير ياء ويكون معناه التأكيد في النهي. وقرأ ابن عامر ~~ونافع في رواية قالون " فلا تسألن " بالكسر بغير ياء مع التشديد. وقرأ ~~نافع في رواية ورش " فلا تسألني " بالياء مع التشديد ثم قال { إنى ~~أعظك أن تكون من الجهلين } أي: أنهاك أن تكون من ~~الجاهلين يعني من يترك أمري. ويقال من المكذبين يقدر الله تعالى { قال ~~} نوح عليه السلام { رب إنى أعوذ بك } يعني اعتصم وامتنع بك { ~~أن أسألك ما ليس لى به علم } يعني احفظني بعد اليوم ~~لكيلا أسألك ما ليس به علم { وإلا تغفر لى وترحمنى } يعني ~~إن لم تغفر لي ولم ترحمني { أكن من الخسرين } قوله تعالى: # قيل ينوح ms0777 اهبط بسلم منا # يعني: انزل من السفينة مسلما من عذابنا وغرقنا. # ويقال بسلام عليك كما قال # سلم على نوح فى العلمين # [الصافات: 79]، { وبركت } يعني وسعادات { عليك وعلى ~~أمم ممن معك } يعني: الذين كانوا في السفينة معه { وأمم ~~سنمتعهم } يعني من كان من أهل الشقاء سنمتعهم في الدنيا { ثم ~~يمسهم منا عذاب أليم } يصيبهم في الآخرة. وقال مقاتل: ~~اهبط من السفينة بسلام منا. فسلمه الله ومن معه من الغرق وبركات عليك ~~وعلى أمم ممن معك. يعنى بالبركة إنهم توالدوا وكثروا وأمم سنمتعهم، وهم ~~قوم هود وشعيب ولوط. وقال محمد بن كعب القرظي في قوله: { اهبط ~~بسلم منا وبركت عليك وعلى أمم ممن معك ~~وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } ~~قال: دخل في السلام والبركة كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. ودخل في ~~المتاع والعذاب كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. ويقال إنهم لما خرجوا من ~~السفينة بنوا مدينة وسموها مدينة ثمانين. ويقال ماتوا كلهم ولم يكن منهم ~~نسل إلا من أولاد نوح وكان له ثلاثة بنين سام وحام ويافث سوى الذي غرق. ~~كما قال في موضع آخر # وجعلنا ذريته هم البقين # [الصافات: 77]. ### || [11.49-56] # قوله تعالى: { تلك من أنباء الغيب } يعني ما سبق من ذكر نوح ~~وقومه في أخبار الغيب يعني: من (أحاديث ما غاب عنك) فكان في إخبار النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن قصته دلالة نبوته لأنه لا يعرف ذلك إلا بالوحي ~~{ نوحيها إليك } يعني إخبار الغيب ينزل بها عليك جبريل { ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } القرآن { ~~فاصبر } يعني إن لم يصدقوك فاصبر على تكذيبهم { إن العقبة ~~للمتقين } يعني: آخر الأمر للموحدين الذين يتقون الشرك والفواحش ~~قوله تعالى: { وإلى عاد } يعني أرسلنا إلى عاد { أخهم } ~~نبيهم { هودا قال ياقوم اعبدوا الله } يعني وحدوا الله: { ~~ما لكم من إله غيره } يعني ليس لكم من رب سواه { إن ~~أنتم إلا مفترون } يعني: ما أنتم إلا تكذبون في مقالتكم بأن ~~لله شريكا. قوله تعالى: { يقوم لا أسألكم عليه ms0778 } أي: على ~~الإيمان { أجرا } يعني جعلا ورشوة، ومعناه لست بطامع في أموالكم. { ~~إن أجرى } يعني ما ثوابي { إلا على الذى فطرنى } يعني ~~خلقني { أفلا تعقلون } أن الذي خلقكم هو ربكم هو أحق بعبادتكم من ~~غيره ثم قال: { ويقوم استغفروا ربكم } قال الضحاك يعني ~~وحدوا ربكم. وقال الكلبي: يعني صلوا لربكم. ويقال معناه قولوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا { ثم توبوا إليه } يعني توبوا إليه من شرككم { ~~يرسل السماء عليكم مدرارا } يعني إن تبتم يغفر لكم ~~ذنوبكم ويرسل عليكم المطر متتابعا دائما وينبت لكم كل ما تحتاجون إليه ~~{ ويزدكم قوة إلى قوتكم } يعني شدة مع شدتكم بالمال ~~والولد. ويقال صحة الجسم وطول العمر { ولا تتولوا مجرمين } ~~يقول (لا تعرضوا كافرين). ويقال: لا تعرضوا عما أدعوكم إليه من الإيمان ~~والتوحيد. { قالوا يهود ما جئتنا ببينة } يعني بحجة ~~وبيان { وما نحن بتاركى ءالهتنا عن قولك } يقول: لا ~~نترك عبادة آلهتنا بقولك { وما نحن لك بمؤمنين } يعني لا ~~نصدقك بأنك رسول الله. { إن نقول إلا اعتراك } يعني ما نقول ~~إلا أصابك { بعض ءالهتنا بسوء } يعني بشر من بعض الأوثان ~~الجنون والخبل فاجتنبها سالما. ويقال: ما نقول لك إلا نصيحة كيلا يصيبك ~~من بعض آلهتنا شدة فرد عليهم هود ف { قال إنى أشهد الله ~~واشهدوا } أنتم { أنى بريء مما تشركون من دونه } ~~من الأوثان { فكيدونى جميعا } يعني اعملوا بي أنتم وآلهتكم ما ~~استطعتم واحتالوا في هلاكي { ثم لا تنظرون } أي لا تمهلون، ثم ~~قال تعالى { إنى توكلت على الله } يعني فوضت أمري إلى الله ~~{ ربى وربكم } يعني خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم { ما من ~~دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها } يعني قادرا عليها يحييها ~~ويميتها وهو يرزقها وهي في ملكه وسلطانه ثم قال { إن ربى على ~~صرط مستقيم } [يعني على الحق] وإن كان هو قادرا على كل شيء ~~فإنه لا يشاء إلا العدل. وقال مجاهد: إن ربي على صراط مستقيم. يعني على ~~الحق. ويقال على صراط مستقيم. يعني بيده الهدى وهو يهدي إلى صراط مستقيم ~~وهو دين الإسلام. ms0779 ويقال يعني: يدعوكم إلى طريق الإسلام ويقال معناه أمرني ~~ربي أن أدعوكم إلى صراط مستقيم ### || [11.57-60] # { فإن تولوا } يعني تتولوا. ومعناه إن أعرضتم عن الإيمان فلم ~~تؤمنوا وهذا كقوله # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم # [محمد: 38]. ثم قال { فقد أبلغتكم ما أرسلت به ~~إليكم } يعني إن تتولوا فأنا معذور. لأني قد أبلغتكم الرسالة { ~~ويستخلف ربى قوما غيركم } إن شاء ويقال: قد أبلغتكم ما ~~أرسلت به إليكم من التوحيد ونزول العذاب في الدنيا ويستخلف ربي بعد ~~هلاككم قوما غيركم. يعني خيرا منكم وأطوع لله تعالى { ولا ~~تضرونه شيئا } يعني إن لم تؤمنوا به فلا تنقصون من ملكه شيئا ~~ويقال إهلاككم لا ينقصه شيئا. { إن ربى على كل شىء حفيظ ~~} يعني حافظا ولا يغيب عنه شيء. ويقال: معناه: حفظ كل شيء عليه. ثم قال ~~{ ولما جاء أمرنا } يعني عذابنا وهو الريح العقيم { نجينا ~~هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا } يعني بنعمة منا ~~{ ونجيناهم من عذاب غليظ } يعني من العذاب الذي عذب به ~~عاد في الدنيا ومما يعذبون به في الآخرة. ثم قال عز وجل: { وتلك ~~عاد جحدوا بآيت ربهم } يعني كذبوا بعذاب ربهم أنه غير ~~نازل بهم. ومعناه يا أهل مكة: انظروا إلى حالهم كيف عذبوا في الدنيا وفي ~~الآخرة. وهذا كقوله تعالى # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا # [النمل: 52] فكذلك ها هنا. وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم. بين جرمهم ثم بين ~~عقوبتهم. فقال { وعصوا رسله } يعني هودا خاصة. ويقال معناه ~~كذبوا هودا بما أخبرهم عن الرشد { واتبعوا أمر كل جبار ~~عنيد } يعني عملوا بقول كل جبار. ويقال أخذوا بدين كل جبار. والجبار ~~الذي يضرب ويقتل عند الغضب، عنيد يعني معرضا ومجانبا عن الحق. ثم بين ~~عقوبتهم فقال { واتبعوا } يعني ألحقوا { فى هذه الدنيا ~~لعنة } يعني العذاب والهلاك وهي الريح العقيم { ويوم ~~القيمة } لعنة أخرى وهو عذاب النار إلى الأبد { ألا إن ~~عادا كفروا ربهم } [وهذا تنبيه للكفار أن عادا كفروا ربهم] ~~فأهلكهم الله تعالى. فاحذروا كيلا يصيبكم بكفركم ما أصابهم بكفرهم. ~~ويقال: { ألا ms0780 إن عادا كفروا ربهم } يعني ينادي مناد يوم ~~القيامة لإظهار حالهم ألا إن عادا كفروا ربهم وقال الضحاك: ترفع لهم ~~راية الغدر يوم القيامة فينادي مناد [يوم القيامة] هذه غدرة قوم عاد. ~~فيلعنهم الملائكة وجميع الخلق فذلك قوله تعالى: { ألا بعدا } يعني ~~خزيا وسحقا { لعاد قوم هود } ### || [11.61-63] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صلحا } يعني وأرسلنا إلى ~~ثمود. وإنما لم ينصرف لأنه اسم لقبيلة. وفي الموضع الذي ينصرف جعله اسما ~~للقوم { قال يا قوم اعبدوا الله } أي وحدوا الله وأطيعوه { ~~ما لكم من إله غيره } يعني ليس لكم رب غيره { هو ~~أنشأكم } يعني هو الذي خلقكم { من الأرض } يعني خلق آدم من أديم ~~الأرض وأنتم ولده { واستعمركم فيها } يعني أسكنكم وأنزلكم ~~فيها. وأصله أعمركم، يقال أعمرته الدار إذا جعلتها له أبدا وهي ~~العمرى. وقال مجاهد: واستعمركم يعني أطال عمركم فيها { ~~فاستغفروه ثم توبوا إليه } يعني توبوا من شرككم { إن ~~ربى قريب مجيب } يعني قريبا ممن دعاه. مجيبا بالإجابة لمن ~~دعاه من أهل طاعته. قوله تعالى: { قالوا يصالح قد كنت فينا ~~مرجوا قبل هذا } يعني كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل أن ~~تدعونا إلى دين غير دين آبائنا { أتنهانآ أن نعبد ما ~~يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه ~~مريب } يعني يريبنا أمرك ودعاؤك إيانا إلى هذا الدين ومعناه إنا ~~مريبون في أمرك. { قال } لهم صالح { قال يقوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربى } يقول أخبروني إن كنت على بيان وحجة ~~ودين أتاني من ربي { وآتاني منه رحمة } يقول أكرمني الله تعالى ~~بالإسلام والنبوة أيجوز لي أن أترك أمره ولا أدعوكم إلى الله وإلى دينه { ~~فمن ينصرنى من الله إن عصيته } يقول: فمن يمنعني من ~~عذاب الله إن رجعت إلى دينكم وتركت دين الله تعالى { فما تزيدوننى ~~غير تخسير } يقول: ما تزيدونني في مقالتكم إلا بصيرة في خسارتكم. ~~ويقال: معناه فما تزيدونني غير تكذيب لأن التكذيب سبب لخسارتهم. ويقال ~~معناه: فما تزيدونني إن تركت ما أوجب الله علي ms0781 من الدعوة غير تخسير. ~~لأن العذاب إذا نزل بي لا تقدرون على دفعه عني ### || [11.64-68] # ثم قال تعالى: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية } ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن صالحا لما دعا قومه إلى الإسلام كذبوه. فضاق صدره فسأل ربه أن ~~يأذن له بالخروج من عندهم. فأذن له فخرج وانتهى إلى ساحل البحر. فإذا رجل ~~يمشي على الماء. فقال له صالح ويحك من أنت؟ فقال أنا من عباد الله. قال ~~كنت في سفينة كان قومها كفرة غيري. فأهلكهم الله تعالى ونجاني منهم فخرجت ~~إلى جزيرة أتعبد هناك. فأخرج أحيانا وأطلب شيئا من رزق الله تعالى ثم ~~أرجع إلى مكاني. فمضى صالح وانتهى إلى تل عظيم فرأى رجلا (يتعبد) فانتهى ~~إليه وسلم عليه فرد عليه السلام. فقال له صالح: من أنت؟ قال كنت ها هنا ~~قرية كان أهلها كفارا غيري. فأهلكهم الله تعالى ونجاني منهم فجعلت على ~~نفسي أن أعبد الله تعالى ههنا إلى الموت وقد أنبت الله تعالى لي شجرة ~~رمان وأظهر لي عين ماء فآكل من الرمان وأشرب من ماء العين وأتوضأ منه. ~~فذهب صالح وانتهى إلى قرية كان أهلها كفارا كلهم غير أخوين مسلمين ~~يعملان عمل الخوص. فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلا. قال لو أن ~~مؤمنا دخل قرية فيها ألف رجل، كلهم كفار وفيها مؤمن واحد فلا يسكن قلبه ~~مع أحد حتى يجد المؤمن. ولو أن منافقا دخل قرية فيها ألف رجل مؤمن ~~ومنافق واحد فلا يسكن قلب المنافق مع أحد ما لم يجد المنافق. فدخل صالح ~~فانتهى إلى الأخوين ومكث عندهما أياما وسألهما عن حالهما فأخبراه أنهما ~~يصبران على إيذاء المشركين وأنهما يعملان عمل الخوص ويمسكان قوتهما ~~ويتصدقان بالفضل. فقال صالح: الحمد لله الذي أراني في الأرض من عباده ~~الصالحين الذين صبروا على أذى الكفار. فأنا أرجع إلى قومي وأصبر على ~~أذاهم، فرجع إليهم وقد كانوا خرجوا إلى عيد لهم فدعاهم إلى الإيمان ~~فسألوا منه أن يخرج لهم ناقة من ms0782 الصخرة، فدعا الله تعالى فأخرج لهم ناقة ~~عشراء ". # فذلك قوله: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية } أي ~~علامة وعبرة { فذروها تأكل فى أرض الله } يعني في أرض ~~الحجر { ولا تمسوها بسوء } يعني لا تعقروها { فيأخذكم } ~~يعني يصيبكم { عذاب قريب } فولدت الناقة ولدا، وكانت لهم بئر ~~(واحدة) عذبة. قال ابن عباس: كان للناقة شرب يوم لا يقربونها. ولهم شرب ~~يوم وهي لا تحضرها وكانوا يستقون الماء في يومهم ما يكفيهم للغد فيقسمونه ~~فيما بينهم فإذا كان يوم شربها كانت ترتع في الوادي. ثم تجيء إلى البئر ~~فتبرك فتدلي رأسها في البئر فتشرب منها ثم تعود فترعى ثم تعود إلى البئر ~~فتشرب منها فتفعل ذلك نهارها كله. # وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، منهم قدار بن ~~سالف ومصدع بن دهر - وكانت في تلك القرية امرأة جميلة غنية وكانت تتأذى ~~بالناقة لأجل سايمتها فقالت: من عقر الناقة أزوج نفسي منه، فخرج قدار بن ~~سالف ومصدع بن دهر وكمن لها مصدع في مضيق من ممرها ورماها بسهم فأصاب ~~رجلها، فمرت بقدار وهي تجر رجلها فضربها بالسيف فعقرها وقسموا لحمها على ~~جميع أهل القرية وكان في القرية تسعمائة أهل بيت ويقال ألف وخمسمائة. ~~فذلك قوله { فعقروها فقال } لهم صالح { تمتعوا فى ~~داركم } يعني عيشوا وانتفعوا في داركم { ثلثة أيام } ثم ~~يأتيكم العذاب { ذلك وعد غير مكذوب } فقالوا له ما العلامة ~~في ذلك؟ قال: أن تصبحوا في اليوم الأول ووجوهكم مصفرة وفي اليوم الثاني ~~محمرة وفي اليوم الثالث مسودة. ثم خرج صالح من بينهم. قوله تعالى: { ~~فلما جاء أمرنا } يعني عذابنا { نجينا صلحا ~~والذين ءامنوا معه برحمة منا } يعني بنعمة منا { ~~ومن خزى يومئذ } يعني من عذاب يومئذ قرأ نافع والكسائي ومن ~~خزي يومئذ بنصب الميم لأنه إضافة إلى اسم غير متمكن فيجوز النصب ~~وقرأ الباقون " يومئذ " بكسر الميم على معنى الإضافة. { إن ~~ربك هو القوى العزيز } أخبر الله تعالى محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قادر في أخذه المنيع ممن عصاه ms0783 ثم قال تعالى: { وأخذ ~~الذين ظلموا الصيحة } يعني: صيحة جبريل، صاح صيحة فماتوا ~~كلهم { فأصبحوا فى ديارهم جثمين } يعني: صاروا خامدين ~~ميتين { كأن لم يغنوا فيها } يعني صاروا كأن لم يكونوا في ~~الدنيا ويقال كأن لم ينزلوا في ديارهم ولم يكونوا { ألا إن ثمود ~~كفروا ربهم } يعني جحدوا وحدانية الله. فهذا تنبيه وتخويف لمن ~~بعدهم { ألا بعدا لثمود } يعني خزيا وسحقا لثمود في الهلاك. ~~قرأ الكسائي " ألا بعدا لثمود " بكسر الدال مع التنوين، وجعله ~~اسما للقوم، فلذلك جعله منصرفا. وقرأ الباقون بنصب الدال لأنه اسم ~~القبيلة. وإنما يجري في قوله " ألا إن ثمودا " إتباعا للكتابة في ~~مصحف الإمام. وأما الكسائي فأجراه لقربه من قوله ألا إن ثمودا كفروا ربهم ### || [11.69-73] # قوله تعالى: { ولقد جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى } ~~يعني ببشارة الولد، وذلك أن مدينة يقال لها " سدوما " (ويقال " سدوم " ) ~~وكانت بلدة فيها من السعة والخير ما لم يكن في سائر البلدان. وكان ~~الغرباء يحضرون من سائر البلدان في أيام الصيف ويجمعون من فضل ثمارهم مما ~~كان خارجا من الكروم والحدائق. فجاء إبليس لعنه الله فشبه نفسه بغلام ~~أمرد وجعل يدخل كرومهم وحدائقهم ويراودهم إلى نفسه حتى أظهر فيهم ~~الفاحشة. وجاء إلى نسائهم وقال إن الرجال قد استغنوا عنكن فعلمهن أن ~~يستغنين عن الرجال حتى استغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء. فأوحى ~~الله تعالى: إلى لوط ليدعوهم إلى الإيمان ويمتنعوا عن الفواحش فلم ~~يمتنعوا فبعث الله جبريل ومعه أحد عشر من الملائكة بإهلاكهم فجاؤوا إلى ~~إبراهيم كهيئة الغلمان فدخلوا على إبراهيم فنظر فرأى اثني عشر غلاما ~~أمرد. ويقال كانوا ثلاثة جبريل وميكاييل وإسرافيل ويقال كانو أربعة ~~فسلموا عليه. { قالوا سلما قال سلم } يعني رد عليهم ~~السلام. قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر قالوا سلاما قال ~~سلام كلاهما سلام إلا أن الأول صار نصبا لوقوع الفعل عليه والآخر ~~رفعا بالحكاية. ومعناه قال قولا فيه سلام وقرأ حمزة والكسائي " قالوا ~~سلاما قال سلم " بكسر السين وسكون اللام يعني أمري سلم ما أريد ms0784 إلا ~~السلامة { فما لبث } يعني فما مكث { أن جاء بعجل حنيذ } ~~قال السدي: الحنيذ السمين. كما قال في آية أخرى # بعجل سمين # [الذاريات: 26] ويقال: حنيذ يعني نضيح. ويقال المشوي الذي يقطر منه ~~الدسم. وقال أهل اللغة بأجمعهم الحنيذ المشوي بغير تنور. وهو أن يتخذ له ~~في الأرض حنذا فيلقى فيه. قال مقاتل: إنما جاءهم بعجل لأنه كان أكثر ~~ماله البقر. فلما قربه إليهم ووضع بين أيديهم كفوا ولم يأكلوا ولم ~~يتناولوا منه { فلما رأى } إبراهيم { أيديهم لا تصل ~~إليه } يعني (لا تصل إلى الطعام) { نكرهم } يقول أنكرهم { ~~وأوجس منهم خيفة } يعني وأضمر منهم خوفا حيث لم يأكلوا من ~~طعامه وظن أنهم لصوص. وذلك أنه في ذلك الزمان إذا لم يأكل أحد من طعام ~~إنسان يخاف عليه عائلته { قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى ~~قوم لوط } بهلاكهم. وقال السدي لما لم يأكلوا من الطعام قال لهم ~~إبراهيم ما لكم لا تأكلون طعامي؟ قالوا إنا قوم لا نأكل طعاما إلا بثمن. ~~فقال إبراهيم إن لطعامي ثمنا فأصيبوا منه. قالوا: وما ثمنه؟ قال تذكرون ~~اسم الله عليه في أوله وتحمدونه في آخره. فقال جبريل لميكاييل حق له أن ~~يتخذه الله خليلا. قوله تعالى: { وامرأته قائمة فضحكت } ~~وفي الآية تقديم يعني بشرناها بإسحاق فضحكت سرورا. # ويقال ضحكت تعجبا من خوف إبراهيم ورعدته في حشمه وخدمه ولم يخف ولم ~~يرتعد من نمرود الجبار حين قذفه في النار. وهذا قول القتبي. وقال عكرمة: ~~ضحكت يعني حاضت: يقال ضحكت الأرنب إذا حاضت. وغيره من المفسرين يجعلها ~~الضحك بعينه، وكذلك هو في التوراة، قرأت فيها إنها حين بشرت بالغلام ضحكت ~~في نفسها وقالت من بعد ما بليت أعود شابة. وقال قتادة. ضحكت من أمر القوم ~~وغفلتهم وجبريل جاءهم بالعذاب يعني قوم لوط { فبشرنها ~~بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب } قال الشعبي الوراء ولد ~~الولد. وروى حبيب بن أبي ثابت أن رجلا دخل على ابن عباس ومعه ابن ابنه ~~فقال له من هذا؟ فقال ابن ابني. فقال ابنك من وراء. ms0785 فوجد الرجل في نفسه. ~~فقرأ ابن عباس " ومن وراء إسحاق يعقوب " وقال مقاتل يعني ~~ومن بعد إسحاق يعقوب. وقال أبو عبيدة الوراء ولد الولد. وقرأ ابن عامر ~~وحمزة وعاصم في رواية حفص بنصب الباء. وقرأ الباقون بالضم. فمن قرأ بالضم ~~فهو على معنى الابتداء يعني ويكون من وراء إسحاق يعقوب. ومن قرأ ~~بالنصب فهو عطف على الباء في قوله بإسحاق. فيكون في موضع الخفض إلا أنه ~~لا ينصرف { قالت يويلتى أألد وأنا عجوز } يعني ~~عقيما لم ألد قط وقد كبرت في السن { وهذا بعلى شيخا } قال ~~الكلبي: كانت ساره بنت ثمان وتسعين سنة وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة، ~~أكبر منها بسنة وقال الضحاك: كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وسارة بنت ~~تسع وتسعين سنة { إن هذا لشىء عجيب } أي لأمر عجيب { ~~قالوا أتعجبين من أمر الله } يعني من قدرة الله { ~~رحمة الله وبركاته عليكم } يعني نعمته وسعادته عليكم { ~~أهل البيت } يعني يا أهل البيت ويقال: أتعجبين أي ألا تعلمين أن ~~رحمة الله وبركاته عليكم أن يستخرج الأنبياء كلهم من هذا البيت. وقال ~~السدي: أخذ جبريل عودا من الأرض يابسا فدلكه بين أصبعيه فإذا هو شجرة ~~تهتز فعرفت أنه من الله تعالى ثم قال { إنه حميد } في فعاله، ~~ويقال حميد لأعمالكم { مجيد } يعني شريف. ### || [11.74-76] # قوله تعالى: { فلما ذهب عن إبرهيم الروع } يعني الفزع ~~من الرسل { وجاءته البشرى } بالولد { يجدلنا فى قوم ~~لوط } يعني يخاصم ويتشفع في قوم لوط، وكان لوط ابن أخيه وهو لوط بن ~~هازر بن آزر، وإبراهيم بن آزر. ويقال ابن عمه. وسارة كانت أخت لوط. (فلما ~~سمعا بهلاك قوم لوط اغتما لأجل لوط) وروى معمر عن قتادة قال لهم: أرأيتم ~~لو كان فيها خمسون من المسلمين أتعذبونهم؟ قالوا لا نعذبهم. قال أربعون؟ ~~قالوا ولا أربعون قال ثلاثون؟ قالوا ولا ثلاثون. حتى بلغوا عشرة. قال ~~مقاتل: فما زال ينقص خمسة خمسة حتى انتهى إلى خمسة أبيات. يعني لو كان ~~فيها خمسة أبيات من المسلمين لم يعذبهم. ثم ms0786 قال { إن إبرهيم ~~لحليم أواه منيب } الأواه الذي إذا ذكر الله تعالى تأوه. ~~منيب أي راجع إليه بالتوبة وقد ذكرناه في سورة التوبة. ثم قال جبريل { ~~يإبرهيم أعرض عن هذا } يعني اترك جدالك { إنه قد ~~جاء أمر ربك } يعني عذاب ربك { وإنهم آتيهم عذاب ~~غير مردود } يعني غير مصروف عنهم. ثم خرجوا من عند إبراهيم ~~متوجهين إلى قوم لوط (فانتهوا) إليهم نصف النهار، فإذا هم بجواري يسقين ~~من الماء فأبصرتهم ابنة لوط وهي تستقي من الماء فقالت لهم ما شأنكم ومن ~~أين أقبلتم وأين تريدون؟ قالوا أقبلنا من مكان كذا ونريد مكان كذا. ~~فأخبرتهم عن حال أهل المدينة وخبثهم فأظهروا الغم من أنفسهم فقالوا هل ~~أحد يضيفنا؟ قالت ليس فيها أحد يضيفكم إلا ذلك الشيخ وأشارت إلى أبيها ~~لوط وهو على بابه. فأتوا لوطا. فلما رآهم وهيئتهم ساءه ذلك فذلك قوله ~~تعالى: { ولما جآءت رسلنا... } ### || [11.77-83] # قوله تعالى: { ولما جاءت رسلنا لوطا سىء بهم } يقول ~~ساءه مجيئهم { وضاق بهم ذرعا } يعني صدره اغتماما ومخافة ~~عليهم. لا يدري أيأمرهم بالرجوع أم بالنزول { وقال هذا يوم ~~عصيب } يعني شديد. ثم قال لامرأته ويحك قومي واخبزي ولا تعلمي أحدا. ~~وكانت امرأته كافرة منافقة فانطلقت تطلب بعض حاجتها وجعلت لا تدخل على ~~أحد إلا أعلمته وتقول إن عندنا قوما من هيئتهم كذا وكذا فلما علموا بذلك ~~جاؤوا إلى باب لوط فذلك قوله تعالى: { وجاءه قومه يهرعون ~~إليه } يعني يسرعون إليه وهو مشي بين المشيتين. ويقال يدفعون إليه ~~دفعا. ويقال يشتدون إليه شدا { ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات } يعني من قبل أن يبعث إليهم لوط. ويقال من قبل إتيان الرسل ~~كانوا يعملون الفواحش وهي اللواطة والكفر. فلما أرادوا الدخول { قال } ~~لهم لوط { يقوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم } يعني أحل ~~لكم من ذلك (وكان لوط يناظرهم. ويقول هن أطهر لكم. وكان جبريل مع أحد عشر ~~من الملائكة وكسروا الباب فضرب أعينهم) قال الضحاك " هؤلاء بناتي " عرض ~~عليهم بنات قومه. وقال قتادة: أمرهم لوط أن يتزوجوا ms0787 النساء وقال هن أطهر ~~لكم ولم يعرض عليهم بناته. وروى سفيان عن ليث عن مجاهد قال: لم يكن بناته ~~ولكن كن من أمته وكل نبي هو أب أمته. وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ # النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب: 6] وهو أب لهم. وهي قراءة أبي بن كعب. وهكذا قال سعيد بن جبير ~~إنه أراد بنات أمته. ويقال إن رؤساءهم كانوا خطبوا بناته وكان يأبى. فقال ~~لهم إني أزوجكم بناتي. هن أطهر لكم من الحرام. وكان النكاح بين الكافر ~~والمسلم جائزا { فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى } ~~يقول لا تفضحوني في أضيافي { أليس منكم رجل رشيد } يعني ~~مرشدا صالحا يزجركم عن هذا الأمر. ويقال رجل عاقل. ويقال رجل على الحق ~~يستحي مني { قالوا لقد علمت ما لنا فى بناتك من ~~حق } يعني من حاجة. ويقولون ما لنا في النساء من حاجة { وإنك ~~لتعلم ما نريد } إنما نريد الأضياف ف { قال } لوط { لو ~~أن لى بكم قوة } يعني منعة بالولد { أو آوى إلى ركن ~~شديد } (أي أرجع إلى عشيرة كثيرة) يعني لو كانت عشيرة ومنعة لمنعكم ~~مما تريدون. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " رحم الله لوطا لقد أوى إلى ركن شديد " # يعني إن الله ناصره. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا بعد ~~لوط إلا في عز من قومه. ويقال لما أرادوا الدخول وضع جبريل يده على الباب ~~فلم يقدروا على فتحه فكسروا الباب ودخلوا فامتلأت داره، فمسح جبريل جناحه ~~على وجوههم فذهبت أعينهم. # كما قال في آية أخرى # فطمسنآ أعينهم # [القمر: 37] فرجعوا وقالوا يا لوط جئت بالسحرة حتى طمسوا أعيننا والله ~~لنهلكنك غدا. فلما سمع لوط تهديدهم إياه ساءه صنيع القوم وخاف. فلما رأى ~~جبريل ما دخله { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك } يعني لن يقدروا أن يصنعوا بك شيئا { فأسر بأهلك } ~~يعني: سر وادلج بأهلك { بقطع من اليل } قال الكلبي: القطع من ~~الليل آخر السحر وقد بقيت منه ms0788 قطعة. وقال السدي: سألت أعرابيا عن قوله { ~~بقطع من اليل } قال ربع الليل { ولا يلتفت منكم ~~أحد } يعني لا يتخلف منكم أحد { إلا امرأتك إنه ~~مصيبها } من العذاب. { ما أصبهم } قرأ ابن كثير ونافع فأسر ~~بجزم الألف وقرأ الباقون فأسر. ومعناهما واحد. يقال سريت وأسريت إذا ~~سرت بالليل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " إلا امرأتك " بضم التاء ~~وقرأ الباقون بالنصب. فمن قرأ بالنصب انصرف إلى الإسراء يعني أسر بأهلك ~~إلا امرأتك على معنى الاستثناء. وفي قراءة ابن مسعود فاسر بأهلك بقطع ~~من الليل إلا امرأتك. ومن قرأ بالضم فهو ظاهر يعني أنها تتخلف مع ~~الهالكين وقال لوط لجبريل عليه السلام إن أبواب المدينة قد أغلقت فجمع ~~لوط أهله وابنتيه ريثا وزغورا فحمل جبريل لوطا وابنتيه وماله على جناحه ~~إلى مدينة ذعر وهي إحدى مدائن لوط وهي (خمس مدائن) وهي على أربعة فراسخ ~~من سدوما ولم يكونوا على مثل عملهم فقال له جبريل { إن موعدهم ~~الصبح } يعني هلاكهم وقت الصبح. فقال لوط يا جبريل الآن عجل هلاكهم. ~~فقال له جبريل { أليس الصبح بقريب } فلما كان وقت الصبح أدخل ~~جبريل جناحه تحت أرض المدائن الأربعة فاقتلعها من الماء الأسود ثم صعد ~~بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح وصياح الديك ثم قلبها فجعل ~~عاليها سافلها فأقبلت تهوي من السماء إلى الأرض. فذلك قوله { فلما ~~جاء أمرنا جعلنا عليها سافلها وأمطرنا ~~عليها حجارة } قال وهب بن منبه: لما رفعت إلى السماء أمطر الله ~~عليهم الكبريت والنار ثم قلبت. وقال مقاتل أمطر على أهلها من كان خارجا ~~من المدائن الأربعة حجارة { من سجيل } يعني من طين مطبوخ كما يطبخ ~~الآجر { منضود } يعني متتابع بعضه على أثر بعض. وقال مجاهد سجيل ~~بالفارسية سنج وجك كقوله # حجارة من طين # [الذاريات: 33] وروي عن ابن عباس في بعض الروايات قال سنك وكل وقال أبو ~~عبيدة السجيل الشديد. منضود أي ملتزق بالحجارة { مسومة عند ~~ربك } قال الفراء مخططة بالحمرة والسواد في البياض. وقال أبو عبيدة: ~~مسومة أي معلمة. ms0789 ويقال مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يصيبه. ويقال ~~مختمة، وقال وكيع رفع إلى حجر منها بطرسوس ثم قال { وما هى من ~~الظلمين ببعيد } يعني من قوم لوط عليه السلام. ويقال هذا ~~تهديد لأهل مكة وغيرهم من المشركين فقال وما هي من الظالمين ببعيد لكيلا ~~يعملوا مثل عملهم. ويقال وما هن من الظالمين ببعيد قريات لوط ليست ببعيدة ~~من أهل مكة فأمرهم بأن يعتبروا بها وقال الزجاج: سجيل يعني ما كتب لهم أن ~~يعذبوا به. ويقال سجيل من سجلته يعني أرسلته. ومعناه حجارة مرسلة عليهم. ~~ويقال كثيرة شديدة ### || [11.84-89] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخهم } يعني وأرسلنا إلى مدين { ~~أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله } يعني وحدوا ~~الله (وأطيعوه) { ما لكم من إله غيره } يعني ليس لكم رب ~~سواه { ولا تنقصوا المكيال والميزان } في البيع والشراء ~~{ إنى أراكم بخير } يعني بسعة في المال والنعمة { وإنى ~~أخاف عليكم عذاب يوم محيط } يعني: إن لم ترجعوا عن ~~نقصان المكيال والميزان تزول عنكم النعمة والسعة ويصيبكم القحط والشدة ~~وعذاب الآخرة. وقال مجاهد إني أراكم بخير. يعني برخص السعر. { ويقوم ~~أوفوا المكيال والميزان } يعني أتموا الكيل والوزن { ~~بالقسط } يقول بالعدل { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ~~يعني لا تنقصوا الناس حقوقهم { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين ~~} يعني لا تسعوا في الأرض بالفساد والمعاصي ونقصان الكيل والوزن. وقال ~~سعيد بن المسيب إذا أتيت أرضا يوفون المكيال والميزان فأطل المقام بها ~~وإذا أتيت أرضا ينقصون المكيال والميزان فأقل المقام بها. وقال عكرمة: ~~أشهد أن كل كيال ووزان في النار. قيل له فمن وفى الكيل والوزن قال ليس ~~رجل في المدينة يكيل كما يكتال ولا يزن كما يتزن والله تعالى يقول # ويل للمطففين # [المطففين: 1]. ثم قال تعالى { بقيت الله خير لكم } قال ~~ابن عباس: ما أبقى الله لكم من الحلال خير لكم من الحرام { إن كنتم ~~مؤمنين } يعني مصدقين فصدقوني فيما أقول لكم. وقال مجاهد بقية الله ~~خير لكم. يعني طاعة الله خير لكم ويقال (ثواب الله خير لكم ms0790 في الآخرة) { ~~وما أنا عليكم بحفيظ } يعني رقيبا ووكيلا، وإنما علي ~~البلاغ. { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك } يعني: قال له ~~قومه. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " أصلاتك " بلفظ الوحدان ~~يعني أقراءتك. ويقال أدعاؤك. وقرأ الباقون " أصلواتك " بلفظ ~~الجماعة. يعني أكثرة صلواتك يأمرك { أن نترك ما يعبد ~~ءاباؤنآ } وكان شعيب كثير الصلاة { أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء } من نقصان الكيل والوزن { إنك لأنت ~~الحليم الرشيد } يعني السفيه الضال استهزاء منهم به { قال يا ~~قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى } يعني على ~~دين وطاعة وبيان وأتاني رحمة من ربي { ورزقنى منه رزقا ~~حسنا } يعني بعثني بالرسالة فهداني لدينه ووسع علي من رزقه. وقال ~~الزجاج جواب الشرط ها هنا متروك. المعنى إن كنت على بينة من ربي أتبع ~~الضلال. فترك الجواب لعلم المخاطبين بالمعنى. ثم قال { وما أريد ~~أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه } يعني: لا أنهاكم عن ~~شيء وأعمل ذلك العمل من نقصان الكيل والوزن. ومعناه أختار لكم ما أختار ~~لنفسي نصيحة لكم وشفقة عليكم { إن أريد إلا الإصلح } يقول ~~ما أريد إلا العدل { ما استطعت } يعني ما قدرت يعني لا أترك جهدي ~~في بيان ما فيه مصلحة لكم. # ثم قال { وما توفيقى إلا بالله } (يعني وما تركي هذه ~~الأشياء ودعوتي إلا بالله) يعني إلا بتوفيق الله وبأمره { عليه ~~توكلت } يعني وثقت به { وإليه أنيب } يعين أقبل وأدعو إليه ~~بالطاعة ثم قال تعالى { ويقوم لا يجرمنكم شقاقى } يعني ~~لا يحملنكم بغضي وعداوتي أن لا تتوبوا إلى ربكم { أن يصيبكم } ~~يعني: يقع بكم العذاب { مثل ما أصاب قوم نوح } يعني مثل عذاب ~~قوم نوح بالغرق { أو قوم هود } بالريح { أو قوم صلح } ~~الصيحة. فإن طال عهدكم بهم فاعتبروا بمن هو أقرب منكم وهم قوم لوط فقال { ~~وما قوم لوط منكم ببعيد } يعني كان هلاكهم قريبا منكم ولا ~~يخفى عليكم أمرهم. ### || [11.90-93] # قوله تعالى: { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه } ~~يعني وتوبوا إلى الله. { إن ربى رحيم } بعباده { ودود } يعني: ms0791 ~~متودد إلى أوليائه بالمغفرة. ويقال محب لأهل طاعته. ويقال الودود بمعنى ~~الواد. قوله تعالى: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما ~~تقول } يعني لا نعقل ما تدعونا إليه من التوحيد ومن وفاء الكيل ~~والوزن. يعنون إنك تدعونا إلى شيء خلاف ما كنا عليه وآباؤنا { وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا } يعني ومع ذلك أنت ضعيف فينا. وقال مقاتل ~~يعني ذليلا لا قوة لك ولا حيلة. وقال الكلبي يعني ضرير البصر. ويقال إنه ~~ذهب بصره من كثرة بكائه من خشية الله تعالى. ويقال وحيدا لم يوافقك من ~~عظمائنا أحد { ولولا رهطك لرجمنك } يعني لولا عشيرتك ~~لقتلناك، لأنهم كانوا يقتلون رجما. وقال القتبي: أصل الرجم الرمي. كقوله # وجعلنها رجوما للشيطين # [الملك: 5] ثم قد يستعار ويوضع موضع الشتم. إذ الشتم رمي. كقوله # لئن لم تنته لأرجمنك # [مريم: 46] يعني لأشتمنك ويوضع موضع الظن كقوله # رجما بالغيب # [الكهف: 22] أي ظنا. والرجم أيضا الطرد واللعن. وقيل للشيطان رجيم ~~لأنه طريد يرجم بالكواكب. وقد يوضع الرجم موضع القتل لأنهم كانوا يقتلون ~~بالرجم ولأن ابن آدم قتل أخاه بالحجارة. فلما كان أول القتل رجما سمي ~~القتل رجما وإن لم يكن بالحجارة ثم قالوا { وما أنت علينا ~~بعزيز } يعني بكريم ويقال بعظيم يعني: لا خطر لك عندنا لولا حرمة ~~عشيرتك. ويقال ما قتلك علينا بشديد ثم { قال } لهم شعيب عليه السلام { ~~يقوم أرهطى أعز عليكم من الله } يعني حرمة قرابتي ~~أعظم عندكم من حرمة الله تعالى. ويقال خوفكم من عقوبة قرابتي أكبر من خوف ~~الله. ويقال عشيرتي أعظم عليكم من كتاب الله تعالى. (ومن أمره) { ~~واتخذتموه وراءكم ظهريا } يقول تركتم أمر الله تعالى ~~وراءكم خلف ظهوركم وتعظمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى ولا ~~تخافونه وهذا قول الفراء. وقال الزجاج: معناه: اتخذتم أمر الله وراءكم ~~ظهريا. أي نبذتموه وراء ظهوركم. (والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر قد ~~جعل فلان هذا الأمر بظهره. وقال الأخفش وراءكم ظهريا) يقول لم تلتفتوا ~~إليه { إن ربى بما تعملون محيط } يعني عالما بأعمالكم من ~~نقصان الكيل ms0792 والوزن وغيره والإحاطة هي إدراك الشيء بكماله ثم قال تعالى { ~~ويقوم اعملوا على مكانتكم } يعني اعملوا في هلاكي وفي ~~أمري { إنى عمل } في أمركم، والمكانة والمكان بمعنى واحد. ثم قال ~~{ سوف تعلمون } وهذا وعيد لهم { من يأتيه عذاب يخزيه ~~} يعني يهلكه ويهينه { ومن هو كاذب } يعني ستعلمون من هو كاذب. ~~ويقال معناه: من يأتيه عذاب يخزيه ويخزي أمره من هو كاذب على الله، بأن ~~معه شريكا { وارتقبوا } يعني انتظروا بي العذاب { إنى معكم ~~رقيب } يعني منتظر بكم العذاب في الدنيا. ### || [11.94-101] # قوله تعالى: { ولما جاء أمرنا } يعني عذابنا. وذلك أنه أصابهم ~~حر شديد فخرجوا إلى غيضة لهم فدخلوا فيها فظهرت لهم سحابة كهيئة الظلة ~~فأحرقت الأشجار وصاح جبريل صيحة فماتوا كلهم. كما قال في آية أخرى # فأخذهم عذاب يوم الظلة # [الشعراء: 189] وذلك قوله تعالى { ولما جاء أمرنا } يعني ~~عذابنا { نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة ~~منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة } يعني صيحة جبريل { ~~فأصبحوا فى ديارهم جثمين } يعني صاروا في مواضعهم ~~ميتين لا يتحركون. قوله تعالى: { كأن لم يغنوا فيها } يعني ~~كأن لم يعمروا فيها { ألا بعدا لمدين } يعني بعدا من رحمة ~~الله تعالى { كما بعدت ثمود } من رحمته. وروى أبو صالح عن إبن ~~عباس قال: لم تعذب أمتان بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح. صاح بهم جبريل ~~فأهلكهم. قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } ~~التسع { وسلطن مبين } يعني حجة بينة { إلى فرعون ~~وملئه } يعني قومه { فاتبعوا أمر فرعون } يعني أطاعوا ~~قول فرعون حين قال: # مآ أريكم إلا مآ أرى # [غافر: 29] فأطاعوه في ذلك. وحين قال لهم # ما علمت لكم من إله غيرى # [القصص: 38]، فأطاعوه وتركوا موسى. قال الله تعالى { وما أمر ~~فرعون برشيد } يقول ما قول فرعون بصواب. قوله تعالى: { يقدم ~~قومه يوم القيمة } يقول يتقدم أمام قومه يوم القيامة وهم ~~خلفه كما كانوا يتبعونه في الدنيا ويقودهم إلي النار { فأوردهم ~~النار } يقول أدخلهم النار { وبئس الورد المورود } يقول ~~بئس المدخل المدخول. يعني بئس المصير الذي صاروا إليه قوله ms0793 تعالى: { ~~وأتبعوا فى هذه لعنة } يعني جعل عليهم اللعنة في الدنيا ~~وهو الغرق { ويوم القيمة } لعنة أخرى وهي النار { بئس ~~الرفد المرفود } يعني اللعنة على أثر اللعنة. ومعناه بئس الغرق ~~وزفرة النار ترادفت عليهم اللعنتان. لعنة الدنيا الغرق، ولعنة الآخرة ~~النار. وقال القتبي: بئس الرفد المرفود يعني: بئس العطاء المعطى. يقال ~~رفدته أي أعطيته وقال الزجاج: كل شيء جعلته عونا لشيء وأسندت به شيئا ~~فقد رفدته. وقال قتادة في قوله " يقدم قومه " يعني يمضي بين ~~أيديهم حتى يهجم بهم على النار وفي قوله " بئس الرفد المرفود ~~" قال لعنة في الدنيا وزيدوا بها اللعنة في الآخرة. قوله تعالى: { ذلك ~~من أنباء القرى } يعني هذا الذي وصفت لك وقصصت عليك من أخبار ~~الأمم والقرون الماضية { نقصه عليك } يعني ينزل جبريل ليقرأ ~~عليك، ليكون فيها دلالة نبوتك { منها قائم وحصيد } يعني من تلك ~~القرى قائم ومنها ما هو حصيد والقائم يعني الظاهر ينظر إليه الناظر. ~~(والحصيد الذي قد أبيد) وحصد يعني خرب وهلك أصحابه. ويقال القائم على ~~بنيانه والحصيد ما خرب. وقال قتادة: منها قائم يعني خاوية على عروشها ~~وحصيد يعني مستأصلة. # وقال الضحاك منها قائم يعني مدينة عاد هلكوا وبقيت مساكنهم. وحصيد يعني ~~مدائن قوم لوط حصدت أي قلعت من الأرض السفلى ثم قال تعالى { وما ~~ظلمنهم } يعني لم نعذبهم بغير ذنب { ولكن ظلموا ~~أنفسهم } يعني أضروا بأنفسهم حيث أكلوا رزق الله، وعبدوا غيره ~~وكذبوا رسله { فما أغنت عنهم آلهتهم } يعني ما نفعتهم ~~عبادة آلهتهم { التى يدعون من دون الله من شىء } إنما ~~سماهم آلهة على وجه المجاز يعني آلهتهم بزعمهم ولم يكونوا آلهة في ~~الحقيقة. ومعناه لم تقدر أصنامهم أن تمنعهم من عذاب الله من شيء { ~~لما جاء أمر ربك } يعني حين جاء عذاب ربك. وقال القتبي: إذا ~~رأيت للما جوابا فهو بمعنى حين كقوله تعالى # فلمآ ءاسفونا انتقمنا منهم # [الزخرف: 55] يعني حين أغضبونا وكقوله { لما جاء أمر ربك } ~~يعني حين جاء أمر ربك. يعني عذاب ربك { وما زادوهم غير ~~تتبيب ms0794 } يعني: غير تخسير كقوله # تبت يدآ أبى لهب # [المسد: 1] أي خسرت. ### || [11.102-107] # قوله تعالى: { وكذلك أخذ ربك } يعني هكذا عقوبة ربك { إذا ~~أخذ القرى } يعني إذا عاقب القرى { وهى ظلمة } يعني ~~أهلها كفار جاحدون بوحدانية الله تعالى. قرأ عاصم الجحدري " إذ أخذ ~~" بألف واحدة لأن إذ تستعمل للماضي وإذا تستعمل للمستقبل وهذه حكاية من ~~الماضي. يعني حين أخذ ربك القرى وهي قراءة شاذة. وقراءة العامة " إذا ~~أخذ " بألفين ومعناه أخذ ربك متى أخذ القرى ثم قال { إن أخذه ~~أليم شديد } يعني: عقوبته مؤلمة شديدة. وروى أبو موسى الأشعري عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " # ثم قرأ " وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة " الآية ثم قال تعالى { ~~إن فى ذلك لآية } يعني: في الذي أخبرتك عن الأمم الخالية لعبرة ~~{ لمن خاف عذاب الأخرة } ويقال في عذابهم موعظة وعبرة بالغة ~~لمن آمن بالله واليوم الآخر. ويقال فيه عبرة لمن أيقن بالنار وأقر بالبعث ~~{ ذلك يوم مجموع له الناس } يعني مجموع فيه الأولون ~~والآخرون { وذلك يوم مشهود } يشهده أهل السموات وأهل الأرض ~~قوله تعالى: { وما نؤخره إلا لأجل معدود } يعني: إلى ~~حين معلوم. ويقال: لانقضاء أيام الدنيا ومعناه أنا قادر على إقامتها الآن ~~ولكن أؤخرها إلى وقت معدود { يوم يأت } يعني إذا جاء يوم القيامة. ~~ويقال يوم يأت ذلك اليوم { لا تكلم نفس إلا بإذنه } ~~يعني: لا تتكلم نفس بالشفاعة إلا بأمره. ويقال معناه لا يجتريء أحد أن ~~يتكلم من هيبته وسلطانه بالإحتجاج وإقامة العذر إلا بإذنه. قرأ عاصم وإبن ~~عامر وحمزة " يوم يأت " بغير ياء في الوصل والقطع. وقرأ الباقون ~~بالياء عند الوصل. قال أبو عبيدة القراءة عندنا على حذف الياء في الوصل ~~والوقف. قال ورأيت في مصحف (الإمام) عثمان " يوم يأت " بغير ياء. ~~وهي لغة هذيل. قال وروي عن عثمان أنه عرض عليه المصحف فوجد حروفا من ~~اللحن فقال: لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من ms0795 هذيل لم توجد فيه هذه ~~الحروف. فكانت قدم هذيلا في الفصاحة. ثم قال { فمنهم شقى ~~وسعيد } يعني: يوم القيامة من الناس، شقي معذب في النار، وسعيد. ~~يعني: مكرم في الجنة. قوله تعالى: { فأما الذين شقوا } يعني ~~كتب عليهم الشقاوة { ففى النار لهم فيها زفير وشهيق } ~~قال الربيع بن أنس: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر. وروي عن إبن عباس ~~أنه قال زفير كزفير الحمار وهو أول ما ينهق الحمار، والشهيق وهو أول ما ~~يفرغ من نهيقه في آخره. ويقال زفير وشهيق معناه أنينا وصراخا { ~~خلدين فيها } يعني مقيمين دائمين في النار { ما دامت ~~السموات والأرض } يعني سماء الجنة وأرضها { إلا ما شاء ~~ربك } يعني إلا من أخرجهم منها وهم الموحدون. # وقال الكلبي ومقاتل خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض. يعني كما تدوم ~~السموات والأرض لأهل الدنيا فكذلك يدوم الأشقياء في النار إلا ما شاء ربك ~~أي الموحدون يخرجون من النار وقال الضحاك يعني سماء القيامة وأرضها وهما ~~باقيتان. ويقال العرب كانت من عادتهم أنهم إذا ذكروا الأبد يقولون ما ~~دامت السموات والأرض فذكر على عادتهم. ومعناه إنهم خالدون فيها أبدا. ثم ~~قال { إن ربك فعال لما يريد } إن شاء أدخل النار خالدا ~~وإن شاء أخرجه إن كان موحدا وأدخله الجنة. ### || [11.108-112] # قوله تعالى: { وأما الذين سعدوا } قرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية حفص سعدوا بضم السين. وقرأ الباقون بنصب السين. فمن قرأ ~~بالنصب فمعناه الذين استوجبوا السعادة في الجنة. ومن قرأ بالضم فمعناه ~~وأما الذين سعدوا أي قدر لهم السعادة وخلقوا للسعادة { ففى ~~الجنة خلدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك } أن يحبس في المحشر وعلى الصراط. ويقال الذين ~~شقوا يعني الكفار والذين سعدوا المؤمنين ومعناه الكفار في النار إلا ما ~~شاء الله أن يسلموا، والمؤمنون في الجنة إلا ما شاء الله أن يرجعوا عن ~~الإسلام. ويقال إلا ما شاء ربك يعني قد شاء ربك ثم قال { عطاء غير ~~مجذوذ } يعني رزقا غير منقطع عنهم ولا ينقص ms0796 من ثمارهم ولا من ~~نعمتهم. ثم قال تعالى { فلا تك فى مرية } يعني في شك { مما ~~يعبد هؤلاء } إن الله تعالى يعاقبهم بذلك { ما يعبدون ~~إلا كما يعبد ءاباؤهم من قبل } يعني: لا يرغبون في ~~التوحيد كما لم يرغب آباؤهم من قبل الذين هلكوا { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم غير منقوص } يعني نوف لهم ولآبائهم ~~حظهم من (العذاب غير منقوص عنهم، وهو قول مقاتل، وقال سعيد بن جبير: ~~نصيبهم من الكتاب) الذي كتب في اللوح المحفوظ من السعادة والشقاوة. وقال ~~مجاهد وإنا لموفوهم نصيبهم يعني ما قدر لهم من خير أو شر. قوله تعالى: { ~~ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني أعطينا موسى التوراة { ~~فاختلف فيه } يعني آمن به بعضهم وكفر به بعضهم وهذا تعزية للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى يصبر كما صبر موسى على تكذيبهم ثم قال { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك } يعني وجب قول ربك بتأخير ~~العذاب عن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - { لقضي بينهم } يعني ~~لجاءهم العذاب ولفرغ من هلاكهم { وإنهم لفى شك منه } يعين ~~من القرآن { مريب } يعني ظاهر الشك قوله تعالى: { وإن كلا } ~~قرأ إبن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وإن كل بجزم النون. وقرأ ~~الباقون بالنصب والتشديد. فمن قرأ بالجزم معناه وما كل إلا ليوفينهم ~~كقوله # وإن كل لما جميع # [يس: 32] يعني ما كل. ومن قرأ بالتشديد يكون إن لتأكيد الكلام. وقرأ ~~حمزة وإبن عامر وعاصم في رواية حفص { لما } بتشديد الميم. وقرأ ~~الباقون بالتخفيف. فمن قرأ بالتخفيف يكون لصلة الكلام، ومعناه: وإن ~~كلا ليوفينهم. فتكون ما صلة كقولهم عما قليل يعني عن قليل. ومن قرأ ~~بالتشديد يكون بمعنى إلا يعني: وإن كلا إلا ليوفينهم كقوله # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4] (فمن قرأ بالتشديد كتلك الآية يكون معناه إلا عليها حافظ) ~~ومعنى الآية إن كلا الفريقين { ليوفينهم ربك } ثواب { ~~أعملهم } بالخير خيرا وبالشر شرا { إنه بما يعملون ~~خبير } من الخير والشر. # قوله تعالى: { فاستقم كما أمرت } يعني استقم على التوحيد ~~والطاعة كما ms0797 أمرت { ومن تاب معك } أيضا يستقيموا على التوحيد { ~~ولا تطغوا } أي لا تعصوا الله في التوحيد وطاعته { إنه بما ~~تعملون بصير } قال: حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جعفر ~~قال حدثنا إبراهيم بن يوسف قال حدثنا أبو حفص عن سعيد عن قتادة في قوله ~~تعالى فاستقم كما أمرت قال إن الله تعالى أمر بالاستقامة على التوحيد ~~وأن لا يطغى في نعمته. وقال القتبي فاستقم كما أمرت: يعني امضي على ما ~~أمرت به ### || [11.113-115] # قوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار } قال قتادة ولا ترجعوا إلى الشرك فتمسكم النار ~~يعني تصيبكم النار. وقال أبو العالية: ولا ترضوا بأعمال أهل البدع. ~~والركون هو الرضا. ويقال: ولا تميلوا إلى دين الذين كفروا. ويقال ولا ~~ترضوا قول الذين ظلموا. وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " المرء على دين خليله لينظر أحدكم من يخالل " # وعن عبد الله بن مسعود أنه قال اعتبروا الناس باخدانهم. ثم قال { وما ~~لكم من دون الله من أولياء } يعني حين تمسكم النار لم يكن ~~لكم من عذاب الله من أولياء. يعني من أقرباء ينفعكم { ثم لا ~~تنصرون } يعني: لا تمنعون من العذاب. قوله تعالى: { وأقم ~~الصلاة } يعني واستقم كما أمرت وأقم الصلاة أي أتممها { طرفى ~~النهار } صلاة الفجر والظهر والعصر { وزلفا من اليل } ~~يعني دخولا من الليل ساعة بعد ساعة. واحدها زلفة. وهي صلاة المغرب ~~والعشاء { إن الحسنت يذهبن السيئت } يعني الصلوات ~~الخمس يكفرن السيئات فيما دون الكبائر { ذلك ذكرى للذاكرين } ~~يعني الصلوات الخمس توبة للتائبين. قال الكلبي: نزلت الآية في عمرو بن ~~غزية الأنصاري ويقال نزلت في شأن أبي اليسر. كان يبيع التمر فجاءته امرأة ~~تشتري تمرا فأدخلها في الحانوت وفعل بها كل شيء إلا الجماع. ثم ندم ~~فأخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية. ويقال: نزلت ~~في شأن أبي مقبل الثمار. وروي عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال: # " جاء رجل ms0798 إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إني لقيت امرأة في ~~البستان فضممتها إلي وقبلتها وفعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها. ~~فسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية. فدعا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الرجل وقرأها عليه. فقال عمر رضي الله عنه أله ~~خاصة أم للناس كافة؟ قال «بل للناس كافة " # وروى حماد بن سلمه عن علي بن زيد عن أبي عثمان قال كنت مع سلمان فأخذ ~~غصنا من شجرة يابسة فحته ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: # " من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى تحاتت خطاياه كما تحأت هذا الورق " # ثم قرأ هذه الآية " وأقم الصلاة طرفي النهار " إلى آخرها. ثم قال تعالى ~~{ واصبر } يا محمد على التوحيد ولا تركن إلى الظلمة واصبر على ما ~~أصابك. ويقال واصبر أي أقم على هذه الصلوات الخمس حتى لا تترك منها شيئا ~~{ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } يعني ثواب ~~الموحدين المخلصين ويقال المقيمين على الصلوات. ### || [11.116-117] # قوله تعالى: { فلولا كان } يعني فهلا كان { من القرون من ~~قبلكم أولوا بقية } يعني ذووا بقية من آمن وقال مقاتل: ~~يعني فلم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية يعني ذو بقية من دين { ~~ينهون عن الفساد فى الأرض إلا قليلا ممن ~~أنجينا منهم } وهم الذين ينهون عن الفساد في الأرض. وقال القتبي: ~~فهلا أولو بقية من دين. يقال: قوم لهم بقية إذا كان فيهم خير. قال ~~القتبي: إذا رأيت فلولا بغير جواب يريد به هلا كقوله # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا # [الأنعام: 43] # فلولا كانت قرية ءامنت # [يونس: 98] وقال بعض المفسرين جعل " لولا " ها هنا وفي سورة يونس بمعنى ~~لم. وقال الزجاج: معناه أولوا تمييز، ويجوز أولوا طاعة وفضل، ومعنى بقية. ~~إذا قلت في فلان بقية معناه فيه فضل فيما يمدح به. إلا قليلا ممن أنجينا ~~منهم. استثناء منقطع. والمعنى لكن قليلا ممن أنجينا ممن ينهي عن الفساد. ~~وروى سيف بن سليمان المكي بإسناده عن النبي ms0799 - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم ~~قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة ~~والعامة " # ثم قال { واتبع الذين ظلموا } يقول اشتغل الذين كفروا { ~~ما أترفوا فيه } يعني ما أنعموا وأعطوا من المال. ويقال: ارتكبوا ~~على ما خولوا في الدنيا واشتغلوا عما سواها من أمر الآخرة. ويقال واتبع ~~الذين ظلموا. يعني السفلة. ما أترفوا يعني: من أترفوا وهم القادة ~~والرؤساء. وقال الفراء: اتبعوا في دنياهم ما عودوا من النعيم وإيثار ~~الدنيا على الآخرة { وكانوا مجرمين } يعني مشركين قوله { وما ~~كان ربك ليهلك القرى بظلم } يعني: لم يكن ربك يعذب ~~أهل قرية بظلم بغير جرم { وأهلها مصلحون } يعني موحدين مطيعين. ~~وروي عن إبن عباس أنه قال: ما أهلك الله قوما إلا بعملهم ولم يهلكهم ~~بالشرك، يعني لم يهلكهم بشركهم وهم مصلحون لا يظلم بعضهم بعضا. لأن ~~مكافأة الشرك النار لا دونها. وإنما أهلكهم الله بمعاصيهم زيادة على ~~شركهم. مثل قوم صالح بعقر الناقة، وقوم لوط بالأفعال الخبيثة، وقوم شعيب ~~بنقصان الكيل والوزن وقوم فرعون بإيذائهم موسى عليه السلام وبني إسرائيل. ~~ويقال وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. أي فيهم من يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر. وقال الفراء: لم يكن ليهلكهم وهم يتعاطون الحق ~~فيما بينهم وإن كانوا مجرمين ### || [11.118-120] # قوله تعالى: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~} يقول لجمع الناس على أمة الإسلام وأكرمهم بدين الإسلام كلهم. ولكن علم ~~أنهم ليسوا بأهل لذلك { إلا من رحم ربك } يعني عصم ربك من ~~الإختلاف. وقال عطاء ولا يزالون مختلفين يعني اليهود والنصارى والمجوس ~~إلا من رحم ربك الحنيفية { ولذلك خلقهم } يعني الحنيفية خلقهم ~~للرحمة. وقال الحسن: لذلك خلقهم يقول للإختلاف هؤلاء لجنته وهؤلاء لناره. ~~وقال ابن عباس ولذلك خلقهم يعني: فريقين فريقا يرحم ولا يختلف وفريقا ~~لا يرحم ويختلف. ويقال ولذلك خلقهم يعني: للأمر والنهي بدليل قوله تعالى # وما خلقت الجن والإنس إلا ms0800 ليعبدون # [الذاريات: 56] يعني للأمر والنهي. وقال الضحاك وللرحمة خلقهم. وقال ~~مقاتل: وللرحمة خلقهم وهو الإسلام. وروى حماد بن سلمة عن الكلبي قال ~~خلقهم أهل الرحمة أن لا يختلفوا. وقال قتادة ولذلك خلقهم للرحمة والعبادة ~~ولا يزالون مختلفين يقول: لا يزال أهل الأديان مختلفين في دين الإسلام. ~~ثم استثنى بعضا وقال { إلا من رحم ربك } وهم المؤمنون أهل ~~الحق { وتمت كلمة ربك } يقول: سبق ووجب قول ربك للمختلفين { ~~لأملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } فهذا ~~لام القسم فكأنه أقسم أن يملأ جهنم من كفار الجنة والناس أجمعين. قوله ~~تعالى: { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل } يعني ~~ننزل عليك من أخبار الرسل { ما نثبت به فؤادك } يقول ما نشدد ~~به قلبك ونحفظه ونعلم أن الذي فعل بك قد فعل بالأنبياء قبلك { وجاءك ~~فى هذه الحق } قال قتادة: أي في الدنيا. وقال ابن عباس يعني في ~~هذه السورة. وروى سعيد بن عامر عن عوف عن أبي رجاء قال خطبنا ابن عباس ~~على منبر البصرة فقرأ سورة هود وفسرها فلما أتى على هذه الآية { وجاءك ~~فى هذه الحق } قال في هذه السورة. وقال سعيد بن جبير وأبو ~~العالية ومجاهد مثله. وهكذا قال مقاتل عن الفراء. ثم قال { وموعظة ~~} يعني تأدبة لهذه الأمة { وذكرى } يعني عظة وعبرة { ~~للمؤمنين } يعني المصدقين بتوحيد الله تعالى. ### || [11.121-123] # قال الله تعالى { وقل للذين لا يؤمنون } يعني لا يصدقون ~~بتوحيد الله تعالى { واعملوا على مكانتكم } يعني في ~~منازلكم على إهلاكي { إنا عاملون } في أمركم { وانتظروا } ~~بهلاكي { إنا منتظرون } بكم العذاب والهلاك فهذا تهديد لهم. ثم ~~قال تعالى { ولله غيب السموات والأرض } يعني غيب نزول ~~العذاب متى ينزل بكم. ويقال سر أهل السموات وسر أهل الأرض { وإليه ~~يرجع الأمر كله } يعني عواقب الأمور كلها (ترجع إليه) يوم ~~القيامة { فاعبده } يقول أطعه واستقم على التوحيد { وتوكل ~~عليه } يقول فوض إليه جميع أمورك { وما ربك بغفل عما ~~تعملون } يعني الذي يفعل الكفار. قرأ نافع وعاصم في رواية حفص " ~~وإليه يرجع الأمر كله " بضم ms0801 الياء ونصب الجيم على معنى ~~فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون بنصب الياء وكسر الجيم فيكون الفعل ~~للأمر. وقرأ نافع وإبن عامر وعاصم في رواية حفص " عما تعملون " ~~بالتاء على وجه المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة. وروي عن ~~كعب الأحبار أنه قال: خاتمة التوراة هذه الآية { ولله غيب ~~السموات والأرض } إلى آخر السورة. " والله سبحانه أعلم ". ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-4] # قوله تعالى: { الر تلك } وذلك أن اليهود والنصارى قالوا لأصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سلوا صاحبكم عن انتقال يعقوب وأولاده من ~~كنعان إلى مصر ومبدأ أمرهم. فنزل { الر } يقول أنا الله أرى وأسمع ~~سؤالهم إياك يا محمد عن هذه القصة ويقال معناه أنا الله أرى صنيع إخوة ~~يوسف ومعاملتهم معه. ويقال أنا لله أرى (ما يرى الخلق وما لا يرى) { ~~تلك ءايت الكتب } يعني حججه وبراهينه. ويقال هذه الآيات ~~التي وعدتكم في التوراة أن أنزلها على محمد - صلى الله عليه وسلم -. ~~وعدهم بأن ينزل عليه كتابا في كثير من أوائل سوره حروف الهجاء { ~~المبين } يعني مبين حلاله وحرامه. ويقال بين فيه خبر يوسف وإخوته. ~~وروى معمر عن قتادة قال: بين الله رشده وهداه. قوله تعالى: { إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا } يقول إنا أنزلنا جبريل ليقرأ على ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن بلسان العرب { لعلكم ~~تعقلون } يعني لعلكم تفهمون ما فيه. ثم قال تعالى { نحن نقص ~~عليك أحسن القصص } وذلك أن المسلمين قالوا لسلمان أخبرنا عن ~~التوراة فإن فيها العجائب. فأنزل الله تعالى { نحن نقص عليك ~~أحسن القصص } في هذا القرآن. ويقال: لا يصح هذا لأن سلمان أسلم ~~بالمدينة وهذه السورة مكية ولكن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تمنوا نزول سورة لا يكون فيها أمر ونهي وأحكام فنزلت هذه السورة. ويقال ~~كانت اليهود تفاخروا بأن لهم قصة يوسف مذكورة في التوراة. فنزلت هذه ~~السورة أفصح من لغة اليهود لذهاب افتخارهم على المسلمين فقال { نحن ~~نقص عليك أحسن القصص } سماه الله في ابتدائه أحسن القصص ~~وفي ms0802 آخره عبرة فقال # لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألبب # [يوسف: 111]. ويقال ينزل عليك جبريل بأحكم الخبر { بما أوحينا ~~إليك } يقول بالذي أوحينا إليك. ويقال بوحينا إليك { هذا ~~القرءان وإن كنت من قبله } يعني وقد كنت من قبل أن ينزل ~~عليك القرآن { لمن الغفلين } عن خبر يوسف لم تعلمه قوله تعالى: ~~{ إذ قال يوسف لأبيه يأبت } قرأ إبن عامر " يا ابت " بنصب ~~التاء في جميع القرآن لأن أصله يا أبتاه. وقرأ الباقون بالكسر لأجل ~~الإضافة { إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لى ساجدين } يعني رأيت في المنام كأن أحد ~~عشر كوكبا نزل من السماء، والشمس والقمر (نزلا من السماء)، يسجدون لي. ~~وروي عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الكواكب إخوته. والشمس والقمر ~~أبواه. وقال معمر. قال بعض أهل العلم: أبوه وخالته وفي رواية الكلبي: ~~رؤياه كانت ليلة القدر في ليلة الجمعة. ### || [12.5-6] # قال تعالى { قال يا بني لا تقصص رءياك على ~~إخوتك } فلما قصها على أبيه انتهره وزجره. وقال ليوسف في السر: إذا ~~رأيت رؤيا بعد هذا فلا تقصها على إخوتك { فيكيدوا لك كيدا } ~~يعني يعملوا بك عملا ويحتالوا بك حيلة في هلاكك. فإن قيل: قوله " رأيتهم ~~" هذا اللفظ يستعمل في العقلاء. وفي غير العقلاء يقال رأيتها ورأيتهن ~~فكيف قال ها هنا رأيتهم؟ قيل له لأنه حكى عنها الفعل الذي يكون من ~~العقلاء وهي السجدة. فذكر باللفظ الذي يوصف به العقلاء { إن ~~الشيطن للإنسن عدو مبين } ظاهر العداوة. قرأ أبو ~~جعفر القاريء المدني أحد عشر بجزم العين. وقراءة العامة أحد ~~عشر بالنصب. قال أبو عبيدة هكذا تقرؤها لأنها أعرف اللغتين. والناس ~~عليه. ثم قال { وكذلك يجتبيك ربك } يقول يصطفيك ويختارك ~~بالنبوة. قال بالحسن والجمال والمحبة في القلوب { ويعلمك من ~~تأويل الأحاديث } يعني من تعبير الرؤيا. ويقال: يعني: هي الكتب ~~المنزلة. ويقال عواقب الأمور. يعني يفهمك حتى تكون عالما بعواقبها. { ~~ويتم نعمته عليك } يعني يثبتك على الإسلام. ويقال: بالنبوة ~~والإسلام { وعلى ءال يعقوب } يعني: إخوة يوسف { كما ms0803 ~~أتمها على أبويك من قبل إبرهيم وإسحق } ~~وأكرمهما بالنبوة وثبتهما على الإسلام. قال الزجاج: وقد فسر له يعقوب ~~الرؤيا. فالتأويل أنه لما قال يوسف: { إنى رأيت أحد عشر ~~كوكبا } تأول لأحد عشر نفسا لهم فضل وأنهم يستضاء بهم. لأن الكواكب ~~لا شيء أضوء منها. وتأول الشمس والقمر أبويه. فالقمر الأب والشمس الأم ~~والكواكب إخوته. فتأول ليوسف أنه يكون نبيا وأن إخوته يكونون أنبياء. ~~لأنه أعلمه أن الله تعالى يتم نعمته عليه وعلى إخوته كما أتمها على أبويه ~~إبراهيم وإسحاق ويقال كما أتمها على أبويك حين رأى إبراهيم في المنام ذبح ~~إبنه فأمره الله تعالى أن يفديه. وروي عن سعيد بن جبير عن إبن عباس أنه ~~كان يجعل الجد أبا ثم يقرأ هذه الآية { كما أتمها على ~~أبويك } ثم قال { إن ربك عليم حكيم } يعني عليم بما ~~صنع به إخوته. حكيم بما حكم من إتمام النعمة عليه ### || [12.7-9] # قوله تعالى: { لقد كان فى يوسف وإخوته ءايت ~~للسائلين } قرأ إبن كثير " آية " بلفظ الوحدان. وهكذا قرأ مجاهد. ~~يعني فيه علامة لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -وقرأ الباقون " آيات " ~~بلفظ الجماعة. وهذا موافق لمصحف الإمام عثمان. حكى أبو عبيدة أنه رأى في ~~مصحف الإمام هكذا. ومعنى الآية أن في خبر يوسف وإخوته عبرة وموعظة لمن ~~سأل عن أمرهم. قال ابن عباس وذلك أن حبرا من أحبار اليهود دخل على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وكان قارئا للتوراة. فوافق رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقرأ سورة يوسف كما أنزلت في التوراة. فقال له ~~الحبر يا محمد من علمكها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ~~علمنيها. فرجع الحبر إلى اليهود فقال لهم أتعلمون والله إن محمدا يقرأ ~~سورة يوسف كما أنزلت في التوراة؟ فانطلق بنفر منهم حتى جاءوا ودخلوا ~~عليه فجعلوا يستمعون إلى قراءته ويتعجبون. فقالوا يا محمد من علمكها؟ قال ~~الله علمنيها فنزلت: { لقد كان فى يوسف وإخوته ءايت ~~للسائلين }. وكان بدء أمرهم أن يعقوب عليه السلام كان ms0804 مع خاله، ~~وكان لخاله ابنتان إحداهما " لايا " ويقال " لاواه " وهي أكبرهما، ~~والأخرى " راحيل " وهي أصغرهما، فخطب يعقوب إلى خاله بأن يزوجه إحداهما، ~~فقال له خاله هل لك مال؟ قال لا، ولكن أعمل لك، قال صداقها أن ترعى لي ~~سبع سنين، وفي بعض الروايات قال أن تخدمني سبع سنين، فقال يعقوب أخدمك ~~سبع سنين على أن تزوجني راحيل، وهي شرطي، قال ذلك بيني وبينك، فرعى له ~~يعقوب سبع سنين، فلما قضى الأجل زفت إليه الكبرى وهي لايا، قال يعقوب إنك ~~خدعتني وإنما أردت راحيل، فقال له خاله إنا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة ~~فهلم فاعمل لي سبع سنين أخرى، أزوجك أختها، وكان الناس يجمعون بين ~~الأختين إلى أن بعث الله موسى عليه السلام، فرعى له سبع سنين فزوجه راحيل ~~فجمع بينهما، وكان خاله حين جهزها دفع إلى كل واحدة منهما أمة تخدمها. ~~فوهبتا الأمتين ليعقوب فولدت لايا أربعة بنين وولدت راحيل اثنين. وولدت ~~كل واحدة من الأمتين ثلاثة بنين. فجملة بنيه اثنا عشر سوى البنات # قال الفقيه أبو الليث سمعت أهل التوراة يقولون إن أسماء أولاد يعقوب ~~مبينة في التوراة. زوبيل وشمعون ويهوذا ولارى فهؤلاء من امرأته لايا، ~~ويوسف وبنيامين من امرأته الأخرى راحيل، والستة الباقون من الأمتين ~~خورية وبالعربية يساخر، وزبلون وبالعربية زبالون ودون ونفتال وحوذ ~~وبالعربية حاذ وروى بعضهم خاذ بالخاء وأوشر. # فأراد يعقوب أن يخرج إلى بيت المقدس ولم يكن له نفقة، وكان ليوسف خال له ~~أصنام من ذهب فقالت لايا ليوسف إذهب واسرق من أصنامه فلعلنا نستنفق به ~~فذهب يوسف (فأخذها) وكان يوسف أعطف على أبيه وكان أحب أولاده إليه فحسده ~~إخوته مما رأوا من حب أبيه له ورأى يوسف في المنام أن أحد عشر كوكبا ~~والشمس والقمر ساجدين له { إذ قالوا } عند ذلك { ليوسف ~~وأخوه } بنيامين { أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ~~} يعني جماعة عشرة، فهو يؤثرهما علينا في المنزلة والحب { إن أبانا ~~لفى ضلل مبين } يعني في خطأ بين في حب يوسف وأخيه حيث قدم ms0805 ~~الصغيرين في المحبة علينا ونحن جماعة ونفعنا أكثر من نفعهما. وقال مقاتل ~~كان فضل حسن يوسف على الناس في زمانه كفضل القمر ليلة البدر على سائر ~~الكواكب. وقال القتبي: العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين. ثم قال بعضهم ~~لبعض { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا } بعيدا من أبيكم { ~~يخل لكم وجه أبيكم } يقول ليقبل لكم أبوكم بوجهه ويصف لكم ~~وجهه. ويقال: يصلح حالكم عند أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين. ~~يعني تصلح أحوالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف. ويقال وتكونوا من بعد هلاكه ~~قوما تائبين إلى الله تعالى. وقال بعض العلماء هكذا يكون المؤمن يهيىء ~~التوبة قبل المعصية. ### || [12.10-13] # قوله تعالى: { قال قائل منهم } يعني من إخوة يوسف { لا ~~تقتلوا يوسف } فإن قتله عظيم. وقال الكلبي: كان صاحب هذا القول ~~يهوذا، لم يكن أكبرهم ولكن كان أعقلهم. وقال قتادة والضحاك: صاحب هذا ~~القول روبيل وكان أكبر القوم سنا. { وألقوه فى غيابة الجب ~~} يعني اطرحوه في أسفل الجب. وقال الزجاج: الغيابة كل ما غاب عنك (أو غيب ~~شيئا عنك) قرأ نافع غيابات بلفظ الجماعة وقرأ الباقون غيابة لأن ~~المعنى على موضع واحد. وروي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ غيبة ~~الجب. وقال الزجاج الجب البئر التي ليست بمطوية. سميت جبا ~~لأنها قطعت قطعا ولم يحدث فيها غير القطع. ثم قال { يلتقطه بعض ~~السيارة } يعني يأخذه بعض من يمر عليه من المسافرين { إن كنتم ~~فعلين } يعني إن كنتم لا بد فاعلين من الشر الذي تريدون. وروي عن ~~الحسن ومجاهد أنهما قرآ " تلتقطه " بالتاء ومعناه تلتقطه السيارة وينصرف ~~إلى المعنى. فلما قال لهم ذلك يهوذا أو روبيل أطاعوه بذلك وجاءوا إلى ~~أبيهم و { قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف } ~~أن ترسله معنا { وإنا له لنصحون } يعني لحافظون ويقال محبون ~~مشفقون. قرأ أبو جعفر القاريء المدني " لا تأمنا " بجزم النون. ~~وقرأ الباقون بإشمام النون إلى الرفع لأن أصلها تأمننا فأدغمت إحداهما ~~في الأخرى وأقيم التشديد مقامه وبقي رفعه ثم قال: { أرسله معنا ms0806 ~~غدا } يعني أخوة يوسف قالوا لأبيهم: أرسل يوسف معنا إلى الغنم { ~~يرتع ويلعب } قال مجاهد: يحفظ بعضنا بعضا ونتحارس وقال قتادة: ~~نشط ونسعى ونلهو وقال القتبي من قرأ بتسكين العين أي نأكل. يقال رتعت ~~الإبل إذا رعت. ومن قرأ بكسر العين أراد به نتحارس ويرعى بعضنا بعضا أي ~~يحفظ. قرأ إبن كثير نرتع بالنون وكسر العين ونلعب بالنون. وقرأ نافع ~~يرتع بالياء وكسر العين. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم يرتع ~~ويلعب بالياء وجزم العين. وقرأ أبو عمرو وإبن عامر " نرتع ~~ونلعب " بالنون وجزم العين. واتفقوا في جزم الباء. قال أبو عبيدة ~~قلت لأبي عمرو كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟ قال لم يكونوا يومئذ أنبياء. ~~قال أبو الليث رحمه الله: لم يريدوا به اللعب الذي هو منهى عنه وإنما ~~أرادوا به المطايبة في خروجهم. وفيه دليل أن القوم إذا خرجوا من المصر ~~فلا بأس بالمطايبة والمزاح في غير مأثم ويقال: يرتع ويلعب يعني: يجيء ~~ويذهب حتى يتشجع ويترجل. ويقال: حتى نجمع النفع والسرور { وإنا له ~~لحفظون } لا يصيبه أذى ولا مكروه، وإنا مشفقون عليه { قال } ~~لهم يعقوب: { إنى ليحزننى أن تذهبوا به } يعني إن ذهابكم ~~به ليحزنني قرأ نافع " ليحزنني " بضم الياء وكسر الزاي. وقرأ ~~الباقون بنصب الياء وضم الزاي ومعناهما واحد. ثم قال { وأخاف أن ~~يأكله الذئب } يعني أخاف أن تضيعوه فيأكله الذئب { وأنتم ~~عنه غفلون } يعني مشغولين في أمركم. قرأ أبو عمرو والكسائي ~~ونافع في رواية ورش الذيب؟ بغير همز. وقرأ الباقون بالهمز. وهما ~~لغتان. وروي عن بعض الصحابة أنه قال: لا ينبغي أن يلقن الخصم بحجة. لأن ~~إخوة يوسف كانوا لا يعلمون أن الذئب يأكل الناس إلى أن قال ذلك يعقوب. ~~وإنما قال ذلك يعقوب لأنه رأى في المنام أن ذئبا كان يعدو على يوسف ~~فأنجاه بنفسه. ### || [12.14-18] # { قالوا } يعني: إخوة يوسف { لئن أكله الذئب ونحن ~~عصبة } يعني جماعة عشرة { إنا إذا لخسرون } يعني ~~لعاجزين. فلما قالوا ذلك رضي بخروجه فبعثه معهم وأوصاهم عند خروجه أن ~~يحسنوا إليه ويتعاهدوا ms0807 أمره ويردوه إذا طلب الرجوع فقبلوا ذلك منه. ويقال ~~إنه أبى أن يرسله معهم حتى أتوا يوسف فقالوا له أطلب من أبيك ليبعثك معنا ~~وطلب يوسف ذلك من أبيه فبعثه معهم { فلما ذهبوا به } يعني فلما ~~برزوا به إلى البرية { وأجمعوا أن يجعلوه فى غيابة ~~الجب } يقول: واتفقوا أن يلقوه في أسفل الجب. ثم أظهروا له العداوة ~~فجعل أحدهم يضربه فيستغيث فيضربه الآخر فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه ~~حتى كادوا يقتلونه فقال يهوذا أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه ~~فانطلقوا به إلى الجب. وهي بئر على رأس فرسخين من كنعان. ويقال أربع ~~فراسخ فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفة البئر فربطوا يديه ونزعوا ~~قميصه فقال يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في الجب. فقالوا ادع ~~الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر يؤنسوك. فدلوه في البئر حتى إذا بلغ ~~نصفها ألقوه ورادوا أن يموت. وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة ~~في البئر وقام عليها وجعل يبكي فجاءه جبريل يؤنسه ويطعمه. قال الله تعالى ~~{ وأوحينا إليه لتنبئنهم } يعني لتخبرنهم { ~~بأمرهم هذا } يعني: بصنيعهم هذا بمصر { وهم لا يشعرون ~~} يعني لا يعرفونك بمصر. ويقال: معناه: وأوحينا إليه.. لتنبئنهم بأمرهم ~~هذا وهم لا يشعرون أن الله تعالى أوحى إليه وهم لا يعرفون. ويقال لما ~~أرادوا أن يلقوه في البئر تعلق بإخوته. فقال له جبريل لا تتعلق بهم ~~فإنك تنجو من البئر فألقوه حتى وقع في قعرها فارتفع حجر حتى قام عليه. ~~ثم إنهم أخذوا جديا من الغنم فذبحوه ثم لطخوا القميص بدمه { وجاءوا ~~أباهم عشاء يبكون } يعني أقبلوا إلى أبيهم عشاء يبكون. فلما ~~سمع أصواتهم يعقوب. فزع وقال يا بني ما لكم { قالوا يأبانا إنا ~~ذهبنا نستبق } يعني نتصيد. ويقال ننتضل أي يسابق بعضنا ~~البعض في الرمى { وتركنا يوسف عند متعنا فأكله ~~الذئب } فلما قالوا هذا القول بكى يعقوب وصاح بأعلى صوته ثم قال أين ~~قميصه؟ فأخذ القميص وبكى، ثم قال إن هذا الذئب كان بابني رحيما كيف ms0808 أكل ~~لحمه ولم يخرق قميصه. وروى سماك عن عامر أنه قال: في قميص يوسف ثلاث ~~آيات. حين قد قميصه من دبر، وحين ألقي على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين ~~جاءوا على قميصه بدم كذب. على أن الذئب لو أكله لخرق قميصه. فقال لهم ~~كذبتم فقالوا له { وما أنت بمؤمن لنا } يعني بمصدق لنا في ~~مقالتنا { ولو كنا صدقين } في مقالتنا { وجاءوا على ~~قميصه بدم كذب } (يعني بدم السخلة ولم يكن دم يوسف). # ويقال بدم كذب أي مكذوب به. وقرأ بعضهم بدم بالدال يعني بدم طري فأروه ~~القميص بالدم ليعرف به. وهي قراءة شاذة وقراءة العامة بالذال) { قال ~~بل سولت لكم أنفسكم أمرا } يقول: زينت واشتهت لكم ~~أنفسكم أمرا فضيعتموه { فصبر جميل } يعني على صبر جميل بلا جزع. ~~ويقال معناه لا حيلة لي إلا الصبر. ويقال فصبري صبر جميل وروي عن بعض ~~الصحابة أنه كان يقرأ " فصبرا جميلا " يعني أصبر صبرا جميلا. ~~وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن قوله " فصبر ~~جميل " قال # " صبر لا شكوى فيه ومن بث فلم يصبر " # ثم قال { والله المستعان على ما تصفون } يقول: أستعين ~~بالله وأطلب العون من الله على ما تقولون وتكذبون من أمر يوسف. قوله ~~تعالى: { وجاءت سيارة... } ### || [12.19-20] # { وجاءت سيارة } أي قافلة يمرون من قبل مدين إلى مصر، فنزلوا ~~بقرب البئر { فأرسلوا واردهم } أي: طالب مائهم. ويقال أرسل كل ~~قوم ساقيهم ليستقي لهم الماء. فجاء مالك بن ذعر إلى الجب الذي فيه يوسف { ~~فأدلى دلوه } يقول: أرخى وأرسل دلوه في البئر فتعلق يوسف بالدلو ~~فنظر مالك بن ذعر فإذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان { قال يا ~~بشرى هذا غلام } قرأ إبن كثير ونافع وأبو عمرو وإبن عامر " يا ~~بشراي " بالألف والياء ونصب الياء. وقرأ عاصم " يا بشرى " بنصب ~~الراء وسكون الياء. وقرأ نافع في رواية ورش والألف والياء مع السكون " ~~يا بشراي " وكذلك يقرأ في " مثواي " و " محياي " و " ~~عصاي " بسكون بالياء. وقرأ حمزة والكسائي " يا ms0809 بشري " بغير ألف ~~وسكون الياء وكسر الراء. فمن قرأ يا بشراي. يكون بمعنى الإضافة إلى ~~نفسه. ومن قرأ يا بشرى يكون على معنى تنبيه المخاطبين. كقوله يا عجبا. ~~وإنما أراد به اعجبوا. ومن قرأ يا بشرى كأنه اسم رجل دعاه باسمه بشرى. ~~وقال أبو عبيدة هذه القراءة تقرأ لأنها تجمع المعنيين إن أراد به الإسم ~~أو أراد به البشرى بعينها. وقال السدي تعلق يوسف بالحبل فخرج، فلما رآه ~~صاحب الدلو نادى رجلا من أصحابه يقال له: البشرى، وقال: يا بشراي هذا ~~غلام. وقال قتادة: وغيره إنه بشر واردهم حين وجد يوسف. ثم قال { ~~وأسروه بضعة } يعني التجار بعضهم من بعض. وقال بعضهم لبعض ~~اكتموه من أصحابكم لكيلا يسئلوكم فيه شركة فإن قالوا لكم ما هذا الغلام؟ ~~قولوا استبضعنا بعض أهل الماء لنبيعه لهم بمصر فذلك قوله: " وأسروه ~~بضعة " يعني أسروه وأعلنوه بضاعة. فرجع إخوته بعد ثلاثة أيام فرأوا ~~يوسف في أيديهم فقالوا هذا غلام أبق منا منذ ثلاثة أيام. فقيل لهم ما بال ~~هذا الغلام لا يشبه العبيد وإنما هو يشبهكم؟ فقالوا إنما ولد في حجرنا ~~(وإنه إبن وليدة أمنا أمرتنا ببيعه. وقالوا ليوسف بلسانهم لئن أنكرت أنك ~~عبد لنا أخذناك ونقتلك. أترى أنا نرجع بك إلى يعقوب أبدا وقد أخبرناه أن ~~الذئب قد أكلك. فقال يا إخوتاه ارجعوا بي إلى أبي ضامن لكم رضاه وأنا لا ~~أذكر لكم هذا أبدا فأبوا عليه فذلك قوله تعالى: { والله عليم ~~بما يعملون } يعني بما يصنع به إخوته. قوله تعالى: { وشروه } ~~بثمن يعني باعوه { بثمن بخس } يعني ظلما وحراما لم يحل بيعه. ~~ويقال بدراهم رديئة. ويقال البخس الخسيس { درهم معدودة } أي ~~يسير عددها. وقال مجاهد: البخس القليل. والمعدودة عشرين درهما. # وقال كان في ذلك الزمان ما كان فوق الأوقية وزنوه وزنا، وما كان دون ~~الأوقية عدوه عدا. وقال بعضهم باعوه بعشرة دراهم. لأن إسم الدرهم يقع ~~على ما بين الثلاثة إلى العشرة فأصاب كل واحد منهم درهما. وروي عن ~~الضحاك أنه قال: باعوه ms0810 باثني عشر درهما. وقال إبن مسعود: بيع بعشرين ~~درهما. وقال عكرمة: البخس أربعون درهما وقال بعضهم: لم يبعه إخوته ولكن ~~الذين وردوا الماء وجدوه في البئر وأخرجوه من البئر فباعوه بثمن بخس ~~دراهم معدودة وهو قول المعتزلة (لأن مذهبهم أن الأنبياء معصومون عن ~~الكبيرة قبل النبوة لأن الكبيرة عندهم تخرج المؤمن عن الإيمان وعند أهل ~~السنة الكبيرة لا تخرج المؤمن عن الإيمان وجاز جريان المعصية قبل النبوة) ~~وقال عامة المفسرين إن إخوته باعوه (وروي عن ابن عباس أن إخوته باعوه) ~~بعشرين درهما وكتب يهوذا شراءه على رجل منهم. ثم قال { وكانوا فيه ~~من الزهدين } يعني الذين اشتروه لم يعلموا بحاله وقصته ويقال: ~~يعني: إخوة يوسف. في ثمنه لم يكونوا محتاجين إليه. ثم إن مالك بن ذعر لما ~~أدخله مصر باعه. قال مقاتل: باعه بعشرين دينارا ونعلين وحلة. وقال ~~الكلبي: بعشرين درهما ونعلين، وحلة. وقال بعضهم باعه بوزنه فضة. وقال ~~بعضهم باعه بوزنه ذهبا. وقال وهب بن منبه باعه مالك بن ذعر بعد ما عرضه ~~في بيع " من يزيد " ثلاثة أيام فزاد الناس بعضهم على بعض حتى بلغ ثمنه ~~بحيث لا يقدر أحد عليه فاشتراه عزيز مصر. وكان خازن الملك وصاحب جنوده، ~~لإمرأته زليخا بوزنه مرة مسكا ومرة لؤلؤا ومرة ذهبا ومرة فضة ومرة ~~حللا وسلم إليه كلها. ### || [12.21-24] # قوله تعالى: { وقال الذى اشتراه من مصر لامرأته } ~~(قال ابن عباس كان اسمه قطيفر وهو العزيز) قال لامرأته واسمها زليخا { ~~أكرمى مثواه } يعني منزله وولايته { عسى أن ينفعنا } في ~~ضياعنا وغلاتنا على وجه التبرك به { أو نتخذه ولدا } يقول ~~نتبناه فيكون ابنا لنا. وروى ابن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله ~~بن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته { أكرمى ~~مثواه عسى أن ينفعنا }. وبنت شعيب التي قالت # يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوى ~~الأمين # [القصص: 26]. وأبو بكر حين تفرس في عمر وولاه من بعده. قال الله تعالى { ~~وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض } يعني في أرض مصر ms0811 وهي ~~(أربعين فرسخا في أربعين فرسخا) { ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث } يعني كي يلهمه تعبير الرؤيا وغير ذلك من العلوم { ~~والله غالب على أمره } إذا أمر بشيء لا يقدر أحد أن يرد ~~أمر الله تعالى إذا أراد بأحد من خلقه. ويقال والله تعالى غالب على أمره ~~يعني وليته فيتم أمر يوسف الذي هو كائن { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } يعني أهل مصر. ويقال يعني أهل مكة لا يعلمون أن الله ~~تعالى غالب على أمره. قوله تعالى: { ولما بلغ أشده } يعني ~~تمت قوة نفسه وعقله. ويقال بلغ مبلغ الرجال. ويقال الأشد بلوغ ثلاثين ~~سنة. وقال الضحاك: يعني بلغ ثلاثا وثلاثين سنة ويقال الأشد ما بين ثماني ~~عشرة سنة إلى ثمان وثلاثين سنة { آتيناه حكما وعلما } أي: ~~أكرمناه بالنبوة والعلم والفهم والفقه فجعلناه حكيما وعليما { ~~وكذلك نجزى المحسنين } يعني هكذا نكافىء من أحسن. ويقال ~~هكذا نجزي المخلصين في العمل بالفهم والعلم. قوله تعالى: { وراودته ~~التى هو فى بيتها عن نفسه } يعني: راودته عما أرادت عليه ~~مما تريد النساء من الرجال فعلم بذكره ذكر الفاحشة. ومعناه طلبت إليه أن ~~يمكنها من نفسه. يعني امرأة العزيز واسمها زليخا. { وغلقت ~~الأبواب } عليها وعلى يوسف وجعلت تغره وتمازحه ويوسف يعظها بالله ~~ويزجرها. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان يوسف إذا تبسم رأيت النور في ~~ضواحكه وإذا تكلم رأيت شعاع النور في كلامه يذهب من بين يديه. ولا يستطيع ~~آدمي أن ينعت نعته. فقالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك؟ قال هما أول شيء ~~يسيلان إلى الأرض من جسدي. ثم قالت يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك قال هو ~~للتراب يأكله. ثم قالت يا يوسف ما أحسن شعرك قال هو أول ما ينتشر من جسدي ~~{ وقالت } يا يوسف { هيت لك } قرأ حمزة والكسائي وعاصم " هيت ~~" بنصب الهاء والتاء يعني أقبل. ويقال هلم إلي والعرب تقول هيت فلان ~~لفلان إذا دعاه وصاح به وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن وقرأ ابن ~~عامر في رواية هشام " هئيت " بكسر ms0812 الهاء والهمز وضم التاء بمعنى تهيأت ~~لك. # وقرأ ابن كثير " هيت " لك بنصب الهاء وضم التاء ومعناه: أنا لك وأنا ~~فداؤك. وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين " هيت " بكسر الهاء ~~ونصب التاء بغير همز. { قال معاذ الله } يعني: قال يوسف أعوذ ~~بالله أن أعصيه وأخونه { إنه ربى أحسن مثواى } يعني إن ~~سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك { إنه لا ~~يفلح الظلمون } يعني لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى. وفي ~~هذه الآية دليل أن معرفة الإحسان واجب. لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين ~~لأجل المعصية والظلم ولأجل إحسان الزوج إليه. قوله تعالى: { ولقد ~~همت به وهم بها } روى حماد بن سلمة عن الكلبي أنه قال: كان ~~من همها أنها دعته إلى نفسها واضجعت. وهم بها بالموعظة والتخويف من ~~الله تعالى وقيل: إنه حل سراويله وجلس بين رجليها { لولا أن رأى ~~برهان ربه } يقول مثل له يعقوب في الحائط عاضا على شفتيه فاستحيى ~~فتنحى بنفسه، وقال وهب بن منبه لم تزل تخدعه حتى هم بها ودخل معها في ~~فراشها، فنودي من السماء مهلا يا يوسف فإنك لو وقعت في الخطيئة محي اسمك ~~عن ديوان النبوة. وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { ~~لقد همت به وهم بها } ما بلغ من همه قال أطلق هيمانه. ~~فنودي يا يوسف لا تكن كالطائر له ريش فزنا فسقط ريشه، ويقال كان همها هم ~~إرادة وشهوة وهمه هم اضطرار وغلبة. وقال بعضهم كان همه حديث النفس ~~والفكر، وحديث النفس والفكر مرفوعان. وقال بعضهم هم بها يعني يضربها وقال ~~بعضهم يعني هم بالفرار عنها وقال بعضهم: { ولقد همت به } تم ~~الكلام. ثم { وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } يعني ~~لما رأى البرهان لم يهم بها. فقد قيل هذه الأقاويل والله أعلم. وقد روي ~~في الخبر أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة غير يحيى بن زكريا ~~ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش قوله تعالى: { لولا ms0813 أن رأى ~~برهان ربه } روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: مثل له يعقوب ~~فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله. وقال محمد بن كعب لولا أن ~~رأى برهان ربه قال لولا أن قرأ القرآن من تحريم الزنا وذلك أنه ~~استقبل بكتاب الله تعالى # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. قال الله تعالى { كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشاء } يقول: هكذا صرفت السوء والفحشاء عن يوسف بالبرهان حين ~~استعاذ إلي بقوله معاذ الله ثم قال { إنه من عبادنا ~~المخلصين } بالتوحيد والطاعة. قرأ إبن كثير وأبو عمرو وإبن عامر " ~~المخلصين " بكسر اللام ومعناه ما ذكرناه. وقرأ الباقون " ~~المخلصين " بالنصب يعني المعصومين من الذنوب والفواحش. ويقال أخلصه ~~الله تعالى بالنبوة والرسالة والإسلام ### || [12.25-29] # قوله تعالى: { واستبقا الباب } يعني تبادرا إلى الباب يعني يوسف ~~وزليخا. أما يوسف فاستبق ليخرج من الباب، وأما زليخا فاستبقت لتغلق الباب ~~على يوسف فأدركته قبل أن يخرج فتعلقت به قبل أن يخرج من الباب { ~~وقدت قميصه من دبر } يعني مزقت قميصه من خلفه { وألفيا ~~سيدها } يعني صادفا ووجدا سيدها { لدى الباب } يعني زوجها عند ~~الباب. { قالت } زليخا لزوجها { ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا } يعني قالت لزوجها ما جزاء يعني ما عقاب من أراد بأهلك سوءا. ~~يعني قصد بها الزنا { إلا أن يسجن } يعني: يحبس في السجن { أو ~~عذاب أليم } يعني يضرب ضربا وجيعا. وذلك أن الزوج قال لهما ما ~~شأنكما؟ قالت له زليخا كنت نائمة في الفراش عريانة فجاء هذا الغلام ~~العبراني وكشف ثيابي وراودني عن نفسي فدفعته عن نفسي فانشق قميصه { قال ~~} يوسف بل { هى راودتنى عن نفسى } يعني دعتني إلى نفسها { ~~وشهد شاهد من أهلها } قال مجاهد: قميصه شاهد أنه قد قد ~~من دبر، فظهر أن الذنب لها بتلك العلامة وروي عن ابن عباس أنه قال: كان ~~صبي في المهد لم يتكلم بعد فتكلم وقال { إن كان قميصه قد من ~~قبل } الآية وقال قتادة: كان رجلا حكيما من أهلها. ويقال ms0814 كان رجلا ~~من خواص الملك. وروي عن عكرمة أنه قيل له إنه صبي، قال لا، ولكنه رجل ~~حكيم. وقال الحسن: كان رجلا له رأي فقال برأيه. وروى أبو صالح عن إبن ~~عباس أنه قال: كان زوجها على الباب مع ابن عم لها يقال له ممليخا وكان ~~رجلا حكيما فقال قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب ولا ندري ~~أيكما قدام صاحبه؟ إن كان قد شق القميص من قدامه فأنت صادقة فيما قلت. ~~وإن كان مشقوقا من خلفه فهو صادق. فنظروا إلى قميصه فإذا هو مشقوق من ~~خلفه فذلك قوله تعالى: { وشهد شاهد من أهلها إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت } يعني زليخا { وهو } يعني ~~يوسف { من الكذبين } { وإن كان قميصه قد من ~~دبر فكذبت } يعني زليخا { وهو } يعني يوسف { من ~~الصدقين } وذلك أن الرجل لا يأتيها إلا مقبلا. { فلما رأى ~~قميصه قد من دبر } يعني مقدودا من دبر { قال } ابن العم { ~~إنه من كيدكن } يعني صنيعكن. ويقال قال الزوج { إن ~~كيدكن عظيم } يعني صنيعكن عظيم يخلص إلى البريء والسقيم والصالح ~~والطالح. وفي هذه الآية دليل أن القضاء بشهادة الحال جائز. وقال بعض ~~الحكماء سمى الله كيد الشيطان ضعيفا وسمى كيد النساء عظيما، لأن كيد ~~الشيطان بالوسوسة والخيال. وكيد النساء بالمواجهة والعيان. ثم أقبل على ~~يوسف فقال { يوسف أعرض عن هذا } يعني يا يوسف أعرض عن هذا ~~القول ولا تذكره واكتم هذا الحديث. ثم أقبل عليها فقال { واستغفرى ~~لذنبك } يعني توبي وارجعي عن ذنبك. ويقال ابن عمها هو الذي قال لها ~~واستغفري لذنبك يعني: اعتذري إلى زوجك من ذنبك { إنك كنت من ~~الخطئين } يعني من المذنبين. وفشا ذلك الخبر في مصر وتحدثت النساء ~~فيما بينهن. ### || [12.30-33] # قوله تعالى: { وقال نسوة فى المدينة } قال الكلبي: (هو) ~~أربع نسوة، امرأة ساقيه، يعني ساقي الملك وامرأة الخباز وامرأة صاحب ~~السجن وامرأة صاحب الدواب ويقال هن خمس خامستهن امرأة صاحب الملك. ويقال ~~أربعون امرأة ويقال جماعة كثيرة من النساء اجتمعت في موضع وقلن فيما ms0815 ~~بينهن { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } يعني ~~تطلب عبدها وتدعوه إلى نفسها { قد شغفها حبا إنا لنراها ~~فى ضلل مبين } قال الحسن أي شق شغاف قلبها حبه. وقال عامر ~~الشعبي الشغوف المحب والمشغوف المحبوب. وقال القتبي: قد شغفها حبا أي ~~بلغ الحب شغافها وهو غلاف القلب. قال ومن قرأ شغفها أي فتنها من قولك ~~فلان شغوف بفلانة. ويقال شغف الشيء إذا علاه. قد شغفها أي علاها. ويقال ~~أهلكها فلا تعقل غيره { إنا لنراها فى ضلل مبين } يعني ~~في خطأ بين ويقال في عشق بين أي لا تعقل غيره قوله تعالى: { فلما ~~سمعت بمكرهن } يعني سمعت زليخا بمقالتهن. وإنما سمي قولهن ~~مكرا. والله أعلم لأن قولهن لم يكن على وجه النصيحة والنهي عن المنكر، ~~ولكن كان على وجه الشماتة والتعيير { أرسلت إليهن } فدعتهن { ~~وأعدت لهن متكأ } أي اتخذت لهن وسائد يتكين عليها. وذلك أنها ~~اتخذت ضيافة ودعت النساء ووضعت الوسائد لجلوسهن. وقال الفراء من قرأ ~~متكا غير مهموز فإنه الأترج وكذلك قال ابن عباس. روى منصور عن مجاهد ~~أنه قال من قرأ مثقلة قال يعني الطعام ومن قرأ مخففة قال الأترج ويقال ~~الزماورد (وهو نوع من التمر) وقال عكرمة: كل شيء يقطع بالسكين { ~~وآتت كل واحدة منهن سكينا } يعني أعطت زليخا كل ~~واحدة من النسوة سكينا وأمرت يوسف بأن يلبس أحسن ثيابه وزينته أحسن ~~الزينة { وقالت } له { اخرج عليهن } يعني اخرج على النساء ~~فخرج عليهن روى أبو الأحوص عن ابن مسعود قال: أوتي يوسف وأمه ثلث حسن ~~الناس في الوجه والبياض وغير ذلك. وكانت المرأة إذا رأت يوسف غطى وجهه ~~مخافة أن تفتن به. فلما خرج يوسف إلى النسوة غطى (نفسه) فنظرن إليه. { ~~فلما رأينه أكبرنه } يقول أعظمنه أي أعظمن شأنه وتحيرن ~~وبقين مدهوشات طائرة عقولهن { وقطعن أيديهن } يقول حززن ~~وخدشن أيديهن بالسكين ولم يشعرن بذلك { وقلن حاش لله } يعني ~~معاذ الله { ما هذا بشرا } قرأ بعضهم بالرفع وقرأ بعضهم ما هذا ~~ببشر يعني: مثل هذا لا يكون بشرا وقراءة ms0816 العامة ما هذا بشرا بنصب الراء ~~والتنوين لأنه خبر " ما " ولأنه صار نصبا لنزع الخافض. ومعناه ما هذا ~~بشرا يعني: مثل هذا لا يكون آدميا { إن هذا إلا ملك ~~كريم } يعني على ربه. فإن قيل إنهن لم يرين الملك فكيف شبهنه بشيء ~~لم يرينه؟ قيل له لأن المعروف عند الناس أنهم إذا وصفوا أحدا بالقبح ~~يقولون هذا يشبه الملك وهذا يشبه الجن كما إنهم إذا وصفوا أحدا بالقبح ~~يقولون هو كالشيطان وإن لم يروا الشيطان قرأ أبو عمرو " حاشا لله " ~~بالألف. # وقرأ الباقون بغير ألف. وكذلك الذي بعده { قالت } زليخا للنسوة { ~~فذلكن الذى لمتننى فيه } يقول عذلتنني فيه وعبتنني فيه ~~فهل عذرتنني؟ فقلن لها: أنت معذورة. قالت: { ولقد راودته عن ~~نفسه } يعني طلبت إليه أن يمكنني من نفسه { فاستعصم } أي: ~~فامتنع بنفسه مني { ولئن لم يفعل ما ءامره ليسجنن } ~~يعني احبسنه في السجن { وليكونا من الصغرين } يعني من ~~المهانين بالسجن ويقال مذللين. وقرأ بعضهم " ليكونن " بتشديد النون ~~وهذا خلاف مصحف الإمام. وقراءة العامة وليكونا لأن النون الخفيفة تبدل ~~منها في الوقف بالألف. { قال رب } يقول: يا سيدي { السجن أحب ~~إلى مما يدعوننى } النسوة { إليه } من العمل القبيح. قرأ ~~بعضهم " قال رب السجن " بنصب السين على معنى المصدر. يقال سجنته ~~سجنا وهي قراءة شاذة وقراءة العامة بالكسر. يعني نزول بيت السجن أحب ~~إلي مما يدعونني إليه، يعني به امرأة العزيز خاصة. ويقال أراد به النسوة ~~اللاتي حضرن هناك. لأنهن قلن له أطع مولاتك ولا تخالفها فإن لها عليك ~~حقا وقد اشترتك بمالها وهي تحسن إليك وتحبك وتطلب هواك. فقال رب السجن ~~أحب إلي. وقال بعض الحكماء لو أنه قال رب العافية أحب إلي لعافاه ~~الله تعالى. ولكن لما نجا بدينه لم يبال بما أصابه في الله. ثم قال: { ~~وإلا تصرف عنى كيدهن } يعني إذا لم تصرف عني عملهن وشرهن ~~{ أصب إليهن } أي أمل إليهن { وأكن من الجهلين } ~~يعني من المذنبين ### || [12.34-37] # قوله تعالى: { فاستجاب له ربه } فيما دعاه { فصرف عنه ~~كيدهن ms0817 } يعني فعلهن، وشرهن { إنه هو السميع العليم } ~~يسمع لمن دعاه يعني: السميع للدعاء فيما دعاه يوسف. العليم به. ثم إن ~~المرأة قالت لزوجها إن هذا الغلام العبراني لا ينقطع عني وقد فضحني في ~~الناس يعتذر إليهم ويخبرهم أنني راودته عن نفسه ولست أطيق أن أعتذر ~~بعذري. فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأخبرهم بحالي وإما أن ~~تحبسه حتى ينقطع حديثه فذلك قوله تعالى: { ثم بدا لهم من بعد ~~ما رأوا الآيت } يعني ثم بدا للزوج من بعد ما رأى شق القميص ~~وقضاء إبن عمها بينهما { ليسجننه حتى حين } قال الكلبي: ~~سجنه خمس سنين. ويقال حتى حين. يعني إلى يوم من الأيام وإلى وقت من ~~الأوقات. قوله تعالى: { ودخل معه السجن فتيان } يعني حبس ~~معه في السجن الخباز والساقي، عبدان للملك غضب عليهما. يعني صاحب شرابه ~~وصاحب مطعمه { قال أحدهما } ليوسف { إنى أرانى } في المنام { ~~أعصر خمرا } يعني عنبا بلغة عمان. قال الضحاك إن ناسا من العرب ~~يسمون العنب خمرا. ويقال معناه أعصر العنب الذي يكون عصيره خمرا. وذلك ~~أنه قال رأيت في المنام كأني دخلت كرما فيه حبلة حسنة فيها ثلاث من ~~القضبان وفي القضبان ثلاثة عناقيد عنب قد أينع وبلغ. فأخذته وعصرته في ~~الكأس ثم أتيت به الملك فسقيته. { وقال الآخر إنى أرانى ~~أحمل فوق رأسى خبزا } يقول رأيت في المنام كأني أحمل فوق ~~رأسي ثلاث سلال خبزا { تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله } يقول: أخبرنا بتفسير هذه الرؤيا { إنا نراك من ~~المحسنين } أي من الموحدين وذلك أنه ينصر المظلوم ويعين الضعيف ~~وكان يداوي مرضاهم ويعزي مكروبهم. فإذا احتاج واحد منهم قام وجمع له ~~شيئا. ويقال إنا نراك من المحسنين. يعني من الصادقين في القول. ويقال ~~كان متعبدا لربه. ويقال كان أهل السجن يجتمعون عنده ويسألونه أشياء ~~فيخبرهم. فقالا إنا نراك من المحسنين. يعني نراك عالما وقد أحسنت العلم ~~{ قال } لهما يوسف عليه السلام { لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه } يعني تطعمانه { إلا نبأتكما بتأويله } ~~يقول أخبرتكما بتفسيره وألوانه { قبل ms0818 أن يأتيكما } الطعام. ~~وإنما أراد بذلك أن يبين لهما علامة نبوته. وهذا مثل قول عيسى عليه ~~السلام لقومه # وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم # [آل عمران: 49] فلما أخبر يوسف بذلك. قالا وكيف تعلم ولست بساحر ولا ~~عراف ولا كاهن قال يوسف { ذلكما مما علمنى ربى } أراد أن ~~يبين لهما علامة نبوته لكي يسلما. ثم قال { إنى تركت } يعني تبرأت ~~من { ملة قوم } يعني دين قوم { لا يؤمنون بالله } أي لا ~~يصدقون بوحدانيته { وهم بالاخرة هم كفرون } يعني بالبعث ~~جاحدون. ثم ### || [12.38-41] # قال تعالى { واتبعت ملة ءاباءي إبرهيم وإسحق ~~ويعقوب } يعني: دينهم { ما كان لنا } أي ما جاز لنا { أن ~~نشرك بالله من شىء } من الآلهة { ذلك من فضل الله ~~} (يعني ويقال ذلك الإرسال الذي أرسل إليه بالنبوة من فضل الله) { ~~علينا وعلى الناس } يعني المؤمنين. { ولكن أكثر ~~الناس } يعني أهل مصر { لا يشكرون } النعمة. ثم دعاهما إلى ~~الإسلام فقال: { يصاحبى السجن } يعني الخباز والساقي { ~~أأرباب متفرقون } أي الآلهة وعبادتها { خير أم } ~~عبادة { الله الواحد القهار } ثم قال: { ما تعبدون من ~~دونه } أي: من الآلهة { إلا أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان } يعني: لا عذر ~~ولا حجة لعبادتكم إياها { إن الحكم إلا لله } ما القضاء في ~~الدنيا والآخرة إلا لله { أمر ألا تعبدوا إلا إياه } ~~يعني أمر (في الكتاب) أن لا تطيعوا في التوحيد إلا إياه { ذلك الدين ~~القيم } يعني التوحيد، الدين المستقيم وهو دين الإسلام الذي لا عوج ~~فيه { ولكن أكثر الناس } يعني: أهل مصر { لا يعلمون ~~} أن دين الله هو الإسلام. ثم أخبرهما بتأويل الرؤيا بعد ما نصحهما ~~ودعاهما إلى الإسلام وأخذ عليهما الحجة فقال { يصاحبى السجن ~~أما أحدكما فيسقى ربه خمرا } وهو الساقي. قال له يوسف ~~تكون في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج، فتكون على عملك وتسقي سيدك خمرا. ~~قراءة العامة " فيسقي " بنصب الياء. يقال سقيته إذا ناولته. ~~وقرأ بعضهم " فيسقي " من أسقيته إذا جعلت له ساقيا. يعني تتخذ ~~الشراب الذي يسقى الملك ms0819 ثم بين تأويل رؤيا الآخر فقال { وأما الآخر ~~} وهو الخباز { فيصلب } يعني يخرج من السجن بعد ثلاثة أيام ويصلب { ~~فتأكل الطير من رأسه } فلما أخبرهما يوسف بتأويل الرؤيا ~~قالا ما رأينا شيئا فقال لهما يوسف - عليه السلام - { قضى الأمر ~~الذى فيه تستفتيان } يعني تسألان. رأيتماها أو لم ترياها. ~~قلتما لي وقلت لكما. فكذلك يكون. وروى إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد ~~الله بن مسعود أنه قال إنهما كانا تحالما ليجرباه. فلما أول رؤياهما قالا ~~إنما كنا نلعب. قال يوسف قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ### || [12.42-44] # قوله تعالى: { وقال للذى ظن أنه ناج منهما } يعني: ~~قال يوسف - عليه السلام - للذي علم أنه ينجو من السجن والقتل وهو الساقي ~~{ اذكرنى عند ربك } قال يوسف للساقي إذا دعاك الملك وسقيته ~~فاذكرني عنده إني مظلوم قد عدا علي إخوتي فباعوني { فأنساه ~~الشيطن ذكر ربه } يعني: أنسى (الشيطان يوسف أن يستغيث بالله ~~فاستغاث بالملك. وقال الفراء: أنسى) الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند ~~الملك. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى { فأنساه ~~الشيطن }: قال هو يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره بذكر الملك ~~وابتغى الفرج من عنده { فلبث فى السجن بضع سنين } بقوله ~~اذكرني عند ربك. وروى معمر عن قتادة أنه قال بلغني أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: # " لو لم يستعن يوسف على ربه لما لبث في السجن طول ما لبث " # وروي عن أبي عبيدة أنه قال: البضع ما دون نصف العقد. يعني من واحد إلى ~~أربعة. وقال الأصمعي ما بين الثلاث إلى التسع. (هكذا قال قطرب والسدي. ~~وروى منصور عن مجاهد قال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع). وذكر عبد ~~العزيز بن عمير الكندي أن يوسف رأى جبريل في السجن فقال له: يا أخا ~~المنذرين مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا طاهر الطاهرين رب ~~العزة يقرئك السلام ويقول أما استحيت مني إذ استغثت بالآدميين ~~فبعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين. قال بعضهم يعني سبع سنين سوى الخمس ~~الذي ms0820 مكث فيه وذلك اثنتا عشرة سنة. وقال بعضهم جميع ما أقام فيه سبع سنين ~~وقال بعضهم ثماني عشرة سنة. وقال بعضهم إن الملك رأى في المنام. واسم ~~الملك ريان بن الوليد فذلك قوله تعالى: { وقال الملك إنى أرى ~~} يعني رأيت في المنام { سبع بقرت سمان } خرجن من نهر مصر { ~~يأكلهن سبع } بقرات { عجاف } هزلى فابتلع العجاف السمان ~~فدخلن في بطونهن فلم ير منهن شيء ورأيت { وسبع سنبلت خضر ~~وأخر يابست يأيها الملأ } يعني العرافين والسحرة ~~والكهنة { أفتونى فى رؤيى } يعني عبروا رؤياي وبينوا تفسيرها ~~{ إن كنتم للرؤيا تعبرون } أي تفسرون { قالوا ~~أضغث أحلام } يعني أباطيل الأحلام مختلطة { وما نحن ~~بتأويل الأحلام بعلمين } يعني: ليس للرؤيا المختلطة ~~عندنا تأويل. وقال أهل اللغة: كل رؤيا لا تأويل لها فهي أضغاث أحلام. أي ~~أباطيل الأحلام. واحدها ضغث ### || [12.45-50] # قوله تعالى: { وقال الذى نجا منهما } وهو الساقي { ~~وادكر بعد أمة } يعني تذكر بعد حين. يعني بعد سبع سنين. وقال ~~الزجاج أصل ادكر اذكر. ولكن التاء أبدلت بالدال وأدغم الذال في الدال. ~~وقال القتبي: الأمة الصنف من الناس والجماعة كقوله تعالى # إلا أمم أمثلكم # [الأنعام: 38] ثم تستعمل الأمة في الأشياء المختلفة. يقال للإمام أمة ~~كقوله # إن إبرهيم كان أمة # [النحل: 120] لأنه سبب للاجتماع ويسمى الدين أمة كقوله # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة # [الزخرف: 22] أي على دين. لأن القوم يجتمعون على دين واحد فيقام ذلك ~~اللفظ مقامه. ويسمى الحين أمة كقوله { وادكر بعد أمة }. ~~وكقوله # إلى أمة معدودة # [هود: 8] وإنما سمى الحين أمة أيضا لأن الأمة من الناس ينقرضون في حين. ~~فيقام الأمة مقام الحين. وقرأ بعضهم: (وادكر بعد أمة) يعني بعد ~~بعد نسيان يقال (أمهت أي نسيت) وقال الفراء: يقال رجل مأموه كأنه ~~ليس معه عقل. فلما تذكر الساقي حال يوسف جاء وجثا بين يدي الملك وقال { ~~أنا أنبئكم بتأويله } يعني بتأويل ما رأيت من الرؤيا. ~~وروى عن الحسن أنه كان يقرأ أنا آتيكم بتأويله. وقراءة العامة ~~أنبؤكم بتأويله فقال وما يدريك يا غلام ولست ms0821 بمعبر ولا كاهن؟ ~~فقص عليه أمره الذي كان وقت كونه في السجن برؤيته الرؤيا وتعبير يوسف ~~لها وصدق تعبيره على نحو ما وصفه له وأخبره بحال " يوسف " وحكمته وعلمه ~~وفهمه { فأرسلون } يعني أرسلوني أيها الملك إلى يوسف. خاطبه بلفظ ~~الجماعة كما يخاطب الملوك. فأرسله الملك. فلما جاء إلى يوسف في السجن ~~ودخل عليه واعتذر إليه بما أنساه الشيطان ذكر ربه وقال: { يوسف ~~أيها الصديق } والصديق كثير الصدق. يعني أيها الصادق فيما عبرت ~~لنا { أفتنا فى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع ~~عجاف } هزلى { وسبع سنبلت خضر وأخر يبست ~~لعلى أرجع إلى الناس } يعني إلى أهل مصر { لعلهم ~~يعلمون } قدرك ومنزلتك، ويقال إلى الناس. يعني إلى الملك لكي يعلم ~~مكانك فيكون ذلك سببا لخلاصك إذا علم تعبير رؤياه. فعبر يوسف رؤياه وهو ~~في السجن فقال: أما السبع البقرات السمان فهي سبع سنين خصب. أما السبع ~~العجاف فهي سبع سنين شدة وقحط ولا يكون في أرض مصر البر وأما السبع ~~السنبلات الخضر فهي الخصب واليابسات هي القحط. { قال تزرعون ~~سبع سنين دأبا } يعني ازرعوا لسبع سنين دأبا يعني دائما { ~~فما حصدتم } من الزرع { فذروه فى سنبله } يعني في كعبره ~~فهو أبقى لكم لكي لا يأكله السوس إذا كانت في الكعبرة { إلا قليلا ~~مما تأكلون } يعني: تدرسون بقدر ما تحتاجون إليه فتأكلون { ثم ~~يأتى من بعد ذلك } الخصب { سبع شداد } يعني مجدبات { ~~يأكلن ما قدمتم لهن } يعني للسنين. # ويقال: ما قدمتم: يعني ما جمعتم { إلا قليلا مما تحصنون } ~~يعني تدخرون وتحرزون { ثم يأتى من بعد ذلك } القحط { عام ~~فيه يغاث الناس } يعني يمطر الناس. والغيث المطر. ويقال هو من ~~الإغاثة يعني يغاثون بسعة الرزق { وفيه يعصرون } يعني ينجون من ~~الشدة. ويقال يعصرون العنب والزيتون. قرأ حمزة والكسائي " تعصرون " ~~بالتاء على معنى المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة يعني ~~الناس وقرأ بعضهم " يعصرون " بضم الياء ونصب الصاد يعني يمطرون من ~~قوله تعالى # وأنزلنا من المعصرات # [النبأ: 14] فرجع الساقي إلى الملك وأخبره بذلك { وقال الملك ms0822 ~~ائتونى به } قال بعضهم كان الملك رأى الرؤيا ونسيها فأتاه يوسف ~~فأخبره بما رأى وأخبره بتفسيره. ولكن في ظاهر الآية أن الملك كان ذاكرا ~~لرؤياه وأن يوسف عبر رؤياه وهو في السجن قبل أن ينتهي إلى الملك. وقال ~~الملك ائتوني به يعني: بيوسف { فلما جاءه الرسول } برسالة ~~الملك: إن الملك يدعوك { قال } يوسف للرسول { ارجع إلى ربك ~~} يعني إلى سيدك وهو الملك { فاسأله ما بال النسوة التى ~~قطعن أيديهن } يعني سله حتى يتبين أني مظلوم في حبسي أو ظالم ~~{ إن ربى بكيدهن عليم } يعني إن سيدي وخالقي عالم بما كان ~~منهن. قال حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا إبراهيم الدبيلي (قال حدثنا ~~أبو عبيد الله عن سفيان عن عمر بن دينار عن عكرمة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -) # " لولا الكلمة التي قال يوسف { للذى ظن أنه ناج منهما ~~اذكرنى عند ربك } ما لبث في السجن طول ما لبث، ولقد عجبت من ~~يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له. لو كنت أنا لم أخبرهم حتى يخرجوني. ~~ولقد عجبت من يوسف كرمه وصبره والله لو كنت أنا الذي دعيت إلى الخروج ~~لبادرتهم إلى الباب ولكن احب أن يكون له العذر بقوله فلما جاء ~~الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة ~~التي قطعن أيديهن " # قال ابن عباس: لو خرج يوسف حين دعي لم يزل في قلب الملك منه شيء فلذلك ~~قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة. ### || [12.51-53] # قوله تعالى: { قال ما خطبكن }؛ وذلك أن الملك أرسل إلى النسوة ~~وجمعهن (ثم سألهن فقال ما خطبكن) يعني ما حالكن وشأنكن وأمركن { إذ ~~راودتن يوسف عن نفسه } يعني طلبت امرأة العزيز إلى يوسف ~~المراودة عن نفسه هل ليوسف في ذلك ذنب. فأخبرن الملك ببراءة يوسف { ~~قلن حاش لله } يعني معاذ الله { ما علمنا عليه من ~~سوء } يعني ما رأينا منه شيئا من الفاحشة، ولم يكن له ذنب. فلما رأت ~~امرأة العزيز أن النسوة شهدن عليها، اعترفت على نفسها وأقرت بذلك. ms0823 فذلك ~~قوله تعالى { قالت امرأة العزيز الئن حصحص الحق } ~~يعني ظهر الحق ووضح ويقال استبان. قال زجاج هو في اللغة من الحصة. أي ~~بانت حصة الحق وجهته من حصة الباطل ومن جهته { أنا رودته عن ~~نفسه } يعني طلبت إليه أن يمكنني من نفسه { وإنه لمن ~~الصدقين } أي: إنه لم يراودني، وهو صادق فيما قال ذلك اليوم. قال ~~يوسف عند ذلك إنما فعلت { ذلك ليعلم } العزيز { إنى لم ~~أخنه بالغيب } لم أخن في امرأته إذا غاب عني فذلك قوله: { ~~وأن الله لا يهدى كيد الخئنين } يعني لا يرضى عمل ~~الزانين. وروى إسماعيل بن سالم عن أبي صالح قال ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب قال هو يوسف لم يخن العزيز في امرأته. وروى عكرمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال: لما قال يوسف { ذلك ليعلم أنى لم ~~أخنه بالغيب } قال له جبريل عند ذلك ولا يوم هممت بما هممت به ~~قال يوسف - عليه السلام - { وما أبرىء نفسى } يعني من الهم الذي ~~هممت به { إن النفس لأمارة بالسوء } يعني بالمعصية. ويقال ~~القلب آمر للجسد بالسوء والإثم. يقال في اللغة إذا أمرت النفس بشيء هي ~~آمرة وإذا أكثرت الأمر يقال هي أمارة فقال إن النفس لأمارة بالسوء يعني ~~مائلة إلى الشهوات { إلا ما رحم ربي } إلا من عصم الله تعالى ~~من المعصية { إن ربى غفور } للهم الذي هممت به { رحيم } حين ~~تاب علي وعصمني وغفر لي ### || [12.54-60] # قوله تعالى: { وقال الملك ائتونى به أستخلصه ~~لنفسى } يعني أجعله في خاصة نفسي. فلما خرج يوسف من السجن ودع أهل ~~السجن ودعا لهم. وقال اللهم اعطف قلوب الصالحين عليهم ولا تستر الأخبار ~~عنهم، فمن ثمة تقع الأخبار عند أهل السجن قبل أن تقع عند عامة الناس. ~~ولما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم سبعين لسانا فأجابه يوسف بذلك ~~كله. ثم تكلم يوسف بالعبرانية فلم يحسنها الملك. فقال ما هذا اللسان يا ~~يوسف؟ قال هذا لسان آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - ثم ~~كلمه ms0824 بالعربية فلم يحسنها الملك. فقال ما هذا اللسان؟ فقال لسان عمي ~~إسماعيل { فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين } أي قال له الملك، مكين في المنزلة أمين على ما وكلتك. { قال ~~} له يوسف - عليه السلام - { اجعلنى على خزائن الأرض } يعني ~~على خراج مصر { إنى حفيظ } للتدبير. ويقال حفيظ بما وكلت به { ~~عليم } بجميع الألسن ويقال عليم بأخذها ووضعها مواضعها. وإنما سأل ذلك ~~صلاحا للخلق لأنه علم أنه ليس أحد يقوم بإصلاح ذلك الأمر مثله. ويقال ~~حفيظ. يعني عليما بساعة الجوع. وكان الملك يأكل في كل يوم نصف النهار، ~~فلما كانت الليلة التى قضى الله بالقحط أمر يوسف بأن يتخذ طعام الملك ~~بالليل. فلما أصبح الملك قال الجوع الجوع فأتى بطعام مهييء. قال وما ~~يدريكم بذلك؟ قالوا أمرنا بذلك يوسف. ففوض الملك أموره كلها إلى يوسف وهو ~~قوله تعالى { وكذلك مكنا ليوسف } يعني صنعنا ليوسف { فى ~~الأرض } يعني أرض مصر { يتبوأ منها } يعني ينزل منها { ~~حيث يشاء } قرأ إبن كثير (حيث نشاء) بالنون يعني حيث يشاء ~~الله. وقرأ الباقون بالياء حيث يشاء يوسف. { نصيب برحمتنا من ~~نشاء } نختص بنعمتنا، النبوة والإسلام والنجاة من نشاء { ولا ~~نضيع أجر المحسنين } يعني: لا نبطل ثواب الموحدين حتى نوفيه ~~جزاءه في الدنيا ومع ذلك له ثواب في الآخرة فذلك قوله تعالى { ولأجر ~~الآخرة خير } يعني ثواب الآخرة أفضل مما أعطي في الدنيا { ~~للذين ءامنوا } أي صدقوا بوحدانية الله تعالى { وكانوا ~~يتقون } الشرك. وروي في الخبر أن زوج زليخا مات وبقيت امرأته زليخا ~~فجلست يوما على الطريق فمر عليها يوسف في حشمه. فقالت زليخا الحمد لله ~~الذي جعل العبد ملكا بطاعته وجعل الملك مملوكا بشهوته وتزوجها يوسف ~~فوجدها عذراء وأخبرت أن زوجها كان عنينا لم يصل إليها. ثم وقع القحط ~~بالناس. حتى أكلوا جميع ما في أيديهم واحتاجوا إلى ما عند يوسف وقد كان ~~يوسف جمع في وقت الخصب مقدار ما يكفي السنين المجدبة للأكل والبيع فجعل ~~الناس يعطونه أموالهم، العروض والرقيق والعقار وغير ذلك ms0825 ويأخذون منه ~~الطعام. # ووقع القحط بأرض كنعان، حتى أصاب آل يعقوب الحاجة إلى الطعام. فقال ~~يعقوب لبنيه إنهم يزعمون أن بمصر ملكا يبيع الطعام فخرج بنو يعقوب وهم ~~عشرة نحو مصر حتى أتوا يوسف فدخلوا عليه وعليه زي الملك فلم يعرفوه ~~وعرفهم يوسف وكلموه بالعبرانية فأرسل يوسف إلى الترجمان وهو يعلم لسانهم ~~ولكنه أراد أن يشتبه عليهم فذلك قوله تعالى { وجاء إخوة يوسف ~~فدخلوا عليه فعرفهم } يعني عرف يوسف أنهم إخوته { وهم ~~له منكرون } يعني: لم يعرفوا أنه يوسف، لأنهم رأوه في حال الصغر، ~~وكان يوسف على زي الملوك بخلاف ما كانوا رأوه في الصغر. روى أسباط عن ~~السدي وغيره قال: استعمله الملك على مصر وكان صاحب أمره الذي يلي البيع ~~والتجارة. فبعث يعقوب بنيه إلى مصر فلما دخلوا على يوسف عرفهم. فلما نظر ~~إليهم قال: أخبروني ما أمركم فإني أنكر شأنكم. قالوا نحن قوم من أرض ~~الشام قال فما جاءكم قالوا جئنا نمتار طعاما قال كأنكم عيون. كم أنتم؟ ~~قالوا عشرة قال أنتم عشرة آلاف كل رجل منكم أمير ألف. فأخبروني خبركم ~~قالوا إنا إخوة بنو رجل صديق وإنا كنا اثني عشر فكان أبونا يحب أخا لنا ~~وهو هلك في الغنم ووجدنا قميصه ملطخا بالدم فأتينا به أبانا فكان أحبنا ~~إلى أبينا منا قال فإلى من سكن منكم أبوكم بعده؟ قالوا إلى أخ له أصغر ~~منه. قال فكيف تخبروني أنه صديق، وهو يختار الصغير منكم دون الكبير وكيف ~~تخبروني أنه هلك وبقي قميصه، فلو كان اللصوص قتلوه لأخذوا قميصه. ولو كان ~~الذئب أكله لمزق قميصه. فأرى كلامكم متناقضا. احبسوهم. ثم قال إن كنتم ~~صادقين في مقالتكم فخلفوا عندي بعضكم واتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه { ~~فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا ~~تقربون } قالوا اختر أينا شئت فارتهن شمعون ثم أمر بوفاء كيلهم. ~~فذلك قوله تعالى { ولما جهزهم بجهازهم } يعني كال لهم ~~كيلهم وأعطى كل واحد منهم حمل بعير ثم { قال ائتونى بأخ لكم ~~من أبيكم ألا ms0826 ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير ~~المنزلين } يعني: أفضل من يضيف ويكرم الذي نزل به { فإن لم ~~تأتونى به } أي بالأخ { فلا كيل لكم عندى } فيما ~~تستقبلون { ولا تقربون } يعني ولا تستقبلوا إلى مرة أخرى فإني ~~لا أعطي لكم الطعام. قال الزجاج القراءة بالكسر. يعين بكسر النون وهو ~~الوجه ويجوز ولا تقربون بفتح النون. لأنها نون الجماعة كما قال: # فبم تبشرون # [الحجر: 54] بفتح النون. قال: ويكون ولا تقربون لفظه لفظ الخبر ومعناه ~~النهي. ### || [12.61-64] # قوله تعالى: { قالوا سنرود عنه أباه } يعني: سنطلب من ~~أبيه أن يبعثه معنا { وإنا لفعلون } يعني: لصانعون (ذلك ~~فنطلبه من أبيه ليبعثه) ويقال وإنا لضامنون ذلك { وقال لفتيانه ~~} قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " لفتيانه " بالألف والنون وقرأ ~~الباقون " لفتيته ". فقال أهل اللغة: الفتيان والفتية بمعنى واحد. ~~وهم الغلمان والخدم يعني: قال: يوسف لغلمانه وقومه الذين يكيلون يعني: ~~الطعام { واجعلوا بضعتهم فى رحالهم } يعني: دسوا ~~دراهمهم في رحالهم يعني: في جواليقهم { لعلهم يعرفونها } ~~يعني: يعرفون كرامتي عليهم { إذا انقلبوا } يعني: إذا رجعوا { ~~إلى أهلهم لعلهم يرجعون } الثانية. قال الفراء؛ فيها ~~قولان: أحدهما: أن يوسف خاف ألا يكون عند أبيهم دراهم فجعل البضاعة في ~~رحالهم لعلهم يرجعون ولا يتأخرون عن الرجوع بسبب الدراهم والقول الآخر ~~أنهم إذا عرفوا بضاعتهم وقد اكتالوا الطعام ردوها عليه ولا يستحلون ~~إمساكها لأنهم أنبياء الله تعالى لا يستحلون إمساك مال الغير { فلما ~~رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل } ~~فيما نستقبل يعني الحنطة وأخبروه بالقصة قالوا { فأرسل معنا ~~أخانا } بنيامين { نكتل } يعني يشتري هو ويكيلون لنا { وإنا ~~له لحفظون } من الضيعة حتى نرده إليك قرأ حمزة والكسائي " ~~يكتل " بالياء وقرأ الباقون بالنون فمن قرأ بالياء يعني هو يكتال ~~لنفسه لأنهم كانوا لا يبيعون من كل رجل إلا وقرا واحدا. ومن قرأ بالنون ~~فمعناه أن الملك قد أخبر أنه لا كيل لنا في المستقبل فلو أرسلته معنا ~~فإنا نكتال منه. فلما أخبروه بذلك { قال } يعقوب - عليه السلام - { ~~هل آمنكم عليه } يعني: ms0827 هل أئتمنكم عليه { إلا كما ~~أمنتكم على أخيه } يوسف { من قبل } ومعناه: هكذا قلتم لي ~~في أمر يوسف ولا أقدر أن آخذ عليكم من العهد أكثر ما أخذت عليكم في يوسف ~~من قبل. قرأ إبن مسعود هل تحفظونه إلا كما حفظتم أخاه يوسف من قبل. { ~~فالله خير حفظا } منكم إن أرسله معكم { وهو أرحم ~~الرحمين } حين أطعته. ولا بد أن أرسله. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص " حافظا " بالألف. وقرأ الباقون " حفظا " بغير ألف. ~~والحافظ الإسم والحفظ المصدر. ### || [12.65-68] # قوله تعالى: { ولما فتحوا متعهم } يعني أوعيتهم ~~وجواليقهم { وجدوا بضعتهم } يعني دراهمهم { ردت ~~إليهم قالوا } لأبيهم { يأبانا ما نبغى } يعني ما نكذب. ~~إنه ألطف علينا وأكرمنا { هذه بضعتنا } أي دراهمنا { ردت ~~إلينا ونمير أهلنا } يعني نمتار لأهلنا يقال: مار أهله وأمار ~~لأهله إذا حمل إليهم قوتهم من غير بلده. يعني ابعثه معنا لكي نحمل الطعام ~~لأهلنا { ونحفظ أخانا } من الضيعة { ونزداد كيل بعير ~~} أي حمل بعير من أجله. روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقرأ ~~ردت إلينا بكسر الراء. لأن أصله رددت فأدغمت إحدى الدالين بالأخرى ~~ونقل الكسر إلى الراء. وهي قراءة شاذة. ثم قال { ذلك كيل يسير } ~~يعني سريع لا حبس فيه إن أرسلته معنا - ويقال ذلك أمر هين الذي نسأل منك. ~~{ قال } لهم يعقوب { لن أرسله معكم حتى تؤتون ~~موثقا من الله } يعني: تعطوني عهدا وثيقا من الله { ~~لتأتننى به إلا أن يحاط بكم } قال الكلبي: إلا أن ~~ينزل بكم أمر من السماء أو من الأرض. وروى معمر عن قتادة أنه قال: إلا أن ~~تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك. وقال مجاهد: (إلا أن يحاط بكم) يعني: تهلكوا ~~جميعا. وقال الفراء إلا أن يأتيكم من أمر الله تعالى ما يعذركم { ~~فلما ءاتوه موثقهم } يعني أعطوه عهودهم { قال } يعقوب { ~~الله على ما نقول وكيل } يعني كفيلا. ويقال: شهيدا. ثم { ~~قال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد } قال يعقوب لبنيه ~~حين أرادوا الخروج يا بني لا تدخلوا من ms0828 باب واحد يعني: إذا دخلتم مصر فلا ~~تدخلوا من سكة واحدة ومن طريق واحد ويقال من درب واحد { وادخلوا ~~من أبواب متفرقة } يعني من سكك متفرقة ومن طرق شتى لكي لا ~~يظن بكم أحد أنكم جواسيس. ويقال خاف يعقوب عليهم العين لجمالهم وقوتهم ~~وهم كلهم بنو رجل واحد. فإن قيل أليس هذا بمنزلة الطيرة (وقد نهى عن ~~الطيرة). قيل له لا. ولكن أمر العين حق وروي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يرقي من العين ويتعوذ منها للحسن والحسين ثم قال { ~~وما أغنى عنكم من الله } يعني من قضاء الله { من شىء ~~إن الحكم } يعني ما القضاء { إلا لله } إن شاء أصابكم العين ~~وإن شاء لم يصبكم { عليه توكلت } يعني فوضت أمري وأمركم إليه { ~~وعليه فليتوكل المتوكلون } يعني فليثق الواثقون. ~~قوله تعالى: { ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم } من ~~السكك المتفرقة { ما كان يغنى عنهم من الله من شىء } ~~يعني حذرهم لا يغني من قضاء الله من شيء. يعني إن العين لو قدرت أن ~~تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون { إلا حاجة ~~فى نفس يعقوب } يعني: حزازة في قلبه وهي الحزن { قضاها } يعني ~~أبداها وتكلم بها. ويقال: معناه: لكن لحاجة في نفس يعقوب قضاها { ~~وإنه لذو علم لما علمناه } يعني: علم يعقوب أنه لا ~~يصيبهم إلا ما أراد الله تعالى وقدر عليهم وعلم أن دخولهم في سكك متفرقة ~~لا ينفعهم من فضاء الله تعالى من شيء. ويقال: معناه: إنه عالم بما ~~علمناه. ويقال لذو علم لما علمناه. أي لتعليمنا إياه. ويقال لذو حظ لما ~~علمناه. ثم قال: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أنه ~~لا يصيبهم إلا ما قدر الله تعالى عليهم. ### || [12.69-76] # قوله تعالى: { ولما دخلوا على يوسف } يعني: إخوته { آوى ~~إليه أخاه } يعني ضم إليه أخاه بنيامين { قال إنى أنا ~~أخوك } قال بعضهم: أخبره في السر أنه أخوه. وقال بعضهم لم يخبره ولكن ~~معناها إني لك كأخيك الهالك. فأنزلهم يوسف منزلا وأجرى عليهم الطعام ms0829 ~~والشراب. فلما كان الليل أتاهم بالفرش. وقال لينام كل أخوين منكم على ~~فراش واحد ففعلوا، وبقي الغلام وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي ~~فبات معه يوسف يشم ريحه. ويقال لما كان عند الطعام أمر كل اثنين ليأكلا ~~في قصعة واحدة وبقي بنيامين وحده فبكى، وقال لو كان أخي في الأحياء لأكلت ~~معه فقال له يوسف إني أنا أخوك. يعني بمنزلة أخيك { فلا تبتئس ~~بما كانوا يعملون } يقول لا تحزن بما يعيرون يوسف وأخاه بشيء. ~~قوله تعالى: { فلما جهزهم بجهازهم } يعني: كال لهم كيلهم ~~{ جعل السقاية } يعني: وضع ودس الإناء { فى رحل أخيه } ~~بنيامين. فخرجوا وحملوا الطعام وذهبوا فخرج يوسف على أثرهم حتى أدركهم { ~~ثم أذن مؤذن } يعني: نادى مناد بينهم. واسم المنادي أفرايم ~~من فتيان يوسف قال: { أيتها العير إنكم لسارقون } إناء ~~الملك. فانقطعت ظهورهم وساء ظنهم. قوله تعالى: { قالوا وأقبلوا ~~عليهم } يعني: وأقبلوا إليهم { ماذا تفقدون } يعني ماذا ~~تطلبون { قالوا } يعني: قال المنادي والغلمان: { نفقد صواع ~~الملك } قال قتادة: إناء الملك الذي يشرب فيه. وقال عكرمة: هو إناء ~~من فضة. وقال سعيد بن جبير: هو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه. وكانت ~~الأعاجم تشرب فيه. وروى سعيد بن حبير عن ابن عباس أنه قال: كان إناء من ~~فضة مثل المكوك وكان للعباس واحد منها في الجاهلية. وروي عن أبي هريرة ~~أنه قرأ صاع الملك. يعني الصاع الذي يكال به الحنطة. وقرأ بعضهم صوع ~~الملك وقرأ يحيى بن عمرو صوغ الملك بالغين. يعني إناء مصوغا. وقراءة ~~العامة صواع الملك. يعني الإناء وهي المشربة من فضة وكان الشرب في ~~إناء الفضة مباحا في الشريعة الأولى. وأما في شريعتنا فالشراب في إناء ~~الفضة حرام. ثم قال { ولمن جاء به حمل بعير } يعني: قال ~~المنادي من جاء بالصوع فله حمل بعير من بر { وأنا به زعيم } ~~يعني: أنا كفيل بتسليمها إليه. لأن الملك يتهمني في ذلك. { قالوا ~~تالله } يعني: قال إخوة يوسف والله { لقد علمتم ما جئنا ~~لنفسد فى الأرض } يعني: ما ms0830 جئنا لنعمل بالمعاصي في أرض مصر ~~ونخون أحدا { وما كنا سرقين }. وكان الحكم في أرض مصر للسارق ~~الضرب والتضمين. وكان الحكم بأرض كنعان أنهم يأخذون السارق ويسترقونه ~~ففوضوا الحكم إلى بني يعقوب ليحكموا بحكم بلادهم { قالوا } يعني: ~~المؤذن وأصحابه لأولاد يعقوب { فما جزاؤه } يعني فما جزاء السارق { ~~إن كنتم كذبين } { قالوا } يعني إخوة يوسف { جزاؤه } ~~يعني: عقابه { من وجد فى رحله } يعني في وعائه { فهو ~~جزاؤه } يعني الاستعباد جزاء سرقته { كذلك نجزى ~~الظلمين } يعني: هكذا نعاقب السارق في سنة آل يعقوب. # { فبدأ } يعني المنادي، ويقال: يوسف { بأوعيتهم } يعني: ~~أوعية إخوته وطلب في أوعيتهم { قبل وعاء أخيه } فلم يجد فيها. ~~وروى معمر عن قتادة أنه قال: كلما فتح متاع رجل استغفر الله تائبا ما ~~صنع حتى بقي متاع الغلام. فقال ما أظن هذا أخذ شيئا. قالوا بلى ~~فاستبرأه، فطلب فوجد فيه فاستخرجها من وعاء أخيه. فلما استخرجت من رحله ~~انقطعت ظهور القوم وتحيروا. وقالوا يا بنيامين لا يزال لنا منكم بلاء. ما ~~لقينا من ابني راحيل. فقال بنيامين بل ما لقي ابنا راحيل منكم. فأما يوسف ~~فقد فعلتم به ما فعلتم. وأما أنا فسرقتموني. قالوا فمن جعل الإناء في ~~متاعك قال الذي جعل الدراهم في متاعكم فسكتوا فذلك قوله { ثم ~~استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف } يعني: ~~كذلك صنعنا ليوسف. والكيد الحيلة. يعني كذلك احتلنا له وألهمناه الحيلة. ~~ثم قال { ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك } يعني: في ~~قضاء ملك مصر. لأنه لم يكن في قضائه أن يستعبد الرجل في سرقته ثم قال { ~~إلا أن يشاء الله } يعني: وقد شاء الله أن يأخذه بقضاء أبيه. ~~ويقال ما كان يقدر أن يأخذ في ولاية الملك بغير حكم إلا بمشيئة الله ~~تعالى. ويقال: إلا أن يشاء الله ذلك ليوسف ثم قال { نرفع درجت ~~من نشاء } يعني: من نشاء بالفضائل. وقرأ أهل الكوفة " نرفع ~~درجات " بتنوين التاء. وقرأ الباقون درجات من نشاء بغير ~~تنوين. على معنى الإضافة { وفوق كل ذى علم عليم ms0831 } يعني ليس ~~من عالم إلا وفوقه أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى. وروى وكيع ~~عن أبي معشر عن محمد بن كعب أن رجلا سأل عليا عن مسألة فقال فيها ~~قولا. فقال الرجل ليس هو كذا ولكنه كذا. فقال علي أصبت وأخطأت " ~~وفوق كل ذي علم عليم ". وروي عن سعيد بن جبير أن ابن عباس ~~حدث بحديث. فقال رجل عنده الحمد لله. { وفوق كل ذي علم ~~عليم } فقال ابن عباس: إن الله هو العالم وهو فوق كل عالم. ### || [12.77-81] # { قالوا إن يسرق } يعني: قال إخوة يوسف إن يسرق بنيامين { ~~فقد سرق أخ له من قبل } يعنون يوسف { فأسرها ~~يوسف } يعني فأضمر الكلمة يوسف { فى نفسه } أي: في قلبه { ولم ~~يبدها لهم } يعني: لم يعلن لهم جوابا { قال أنتم شر ~~مكانا } يعني: صنيعا من يوسف. لأن يوسف سرق الوثن وأنتم تسرقون ~~الصواع وذلك أن يوسف كان سرق صنما من ذهب من خاله لاوى. وقال قتادة ذكر ~~لنا أنه سرق صنما كان لجده أب أمه فعيروه بذلك. فقال أنتم شر مكانا. ~~لأن سرقتكم قد ظهرت وسرقة أخيه لم تظهر إلا بقولكم ولا ندري أنتم صادقون ~~في مقالتكم أم لا. { والله أعلم بما تصفون } يعني بما ~~تقولون. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: عوقب يوسف ثلاث مرات حين هم ~~فسجن. وحين قال { اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع ~~سنين } وحين قال { إنكم لسارقون } فردوا عليه وقالوا فقد ~~سرق أخ له من قبل قوله تعالى: { قالوا يا أيها العزيز إن ~~له أبا شيخا كبيرا } يعني: ضعيفا حزينا على ابن له مفقود { ~~فخذ أحدنا مكانه } رهنا { إنا نراك من ~~المحسنين } إن فعلت ذلك إلينا فقد أحسنت إلينا الإحسان كله. ويقال ~~إنا نراك من المحسنين. يعني: من أتاك من الآفاق. فأحسن إلينا ف { قال ~~معاذ الله } يعني أعوذ بالله { أن نأخذ } رهنا { إلا من ~~وجدنا متعنا عنده إنا إذا لظلمون } لو أخذنا ~~غيره. قوله تعالى: { فلما استيأسوا منه } يعني: من بنيامين ~~أن يرد عليهم ms0832 (ويقال: أيسوا من الملك أن يقضي حاجتهم) { خلصوا ~~نجيا } يعني اعتزلوا يتناجون بينهم ليس معهم غيرهم { قال ~~كبيرهم } يعني كبيرهم في العقل وهو يهوذا ولم يكن أكبرهم في السن ~~وهذا في رواية الكلبي ومقاتل. وقال مجاهد: كبيرهم أي أعلمهم وهو شمعون ~~وكان رئيسهم. وقال قتادة: كبيرهم في السن روبيل وهو الذي أشار إليهم ألا ~~يقتلوه { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ~~موثقا من الله } يعني: عهدا من الله في هذا الغلام ~~(لتأتنني به) أي لتردنه إلي { ومن قبل ما فرطتم ~~فى يوسف } يعني: ما تركتم وضيعتم العهد في أمر يوسف من قبل هذا ~~الغلام { فلن أبرح الأرض } يعني فلن أزال في أرض مصر { حتى ~~يأذن لى ربى } أي حتى يبعث إلي أحدا أن آتيه { أو يحكم ~~الله لى } فيرد علي أخي بنيامين { وهو خير الحكمين } ~~يعني: أعدل العادلين وأقضى القاضين. وروى أسباط عن السدي أنه قال: كان ~~بنو يعقوب إذا غضبوا لن يطاقوا. فغضب روبيل فقال أيها الملك والله ~~لتتركنا أو لأصيحن " صيحة " لا تبقى امرأة حامل إلا ألقت ما في " بطنها " ~~وقامت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه. # وقال ابن عباس كان يهوذا إذا غضب وصاح لم تسمع صوته امرأة حامل إلا وضعت ~~حملها. وتقوم كل شعرة في جسده فلا يسكن حتى يضع بعض آل يعقوب يده عليه ~~فيسكن. فقال يوسف لابن له صغير اذهب وضع يدك عليه، فذهب ووضع يده عليه ~~فسكن غضبه. فقال: إن في هذا الدار أحدا من آل يعقوب ثم قال لإخوته { ~~ارجعوا إلى أبيكم } يعني: قال يهوذا: { فقولوا يأبانا ~~إن ابنك سرق } أي سرق الصواع يعني: إناء الملك. وروي عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ " سرق " بضم السين وكسر الراء مع التشديد. يعني ~~اتهم بالسرقة { وما شهدنا إلا بما علمنا } أي وما قلنا ~~إلا ما رأينا حين أخرج من رحله { وما كنا للغيب حفظين } ~~يعني وما كنا نرى أنه سرق. ولو علمنا ما ذهبنا به. ويقال إنا لم نطلع على ~~أنه سرق ms0833 ولكنهم سرقوه. ### || [12.82-84] # قوله تعالى: { واسئل القرية التى كنا فيها } يعني: أهل ~~القرية. قال الكلبي: وهي قرية من قرى مصر. ويقال هي مصر بعينها. ويقال هو ~~المنزل المؤذن فيه إنكم لسارقون. { والعير التى أقبلنا ~~فيها } يعني: سل أهل العير الذين كانوا معنا من أرض كنعان { وإنا ~~لصدقون } في قولنا. فرجعوا إلى يعقوب بذلك القول فاتهمهم. فقال ~~كلما خرجتم من عندي نقصتم واحدا. ذهبتم مرة فنقصتم يوسف وذهبتم مرة ~~فنقصتم شمعون وذهبتم الآن ونقصتم بنيامين فقد صرتم كالذئاب يأكل بعضهم ~~بعضا. ثم قال تعالى { قال بل سولت لكم أنفسكم } قال ~~يعقوب: اشتهت وزينت لكم قلوبكم { أمرا } فصنعتموه { فصبر جميل } ~~يعني: علي صبر جميل حسن من غير جزع لا أشكو فيه إلى أحد { عسى الله ~~أن يأتينى بهم جميعا } يعني لعل الله أن يرد علي يوسف ويهوذا ~~وبنيامين { إنه هو العليم } بمكانتهم { الحكيم } أن يردهم ~~علي قوله تعالى: { وتولى عنهم } يعني: أعرض عن بينه وخرج عنهم ~~{ وقال يأسفى على يوسف } يعني يا حزنا والأسف أشد الحسرة { ~~وابيضت عيناه من الحزن } يعني من البكاء { فهو ~~كظيم } يعني مغموما مكروبا، يتردد الحزن في جوفه. والكظيم والكاظم ~~بمعنى واحد. مثل القدير والقادر. وهو المتمسك على حزنه لا يظهره ولا ~~يشكوه. وروي عن الحسن أنه قال مكث يعقوب ثمانين سنة ما تجف دموعه ولا ~~يفارق قلبه الحزن يوما وما كان على الأرض يومئذ أحد أكرم على الله منه. ~~قال وألقي يوسف في الجب وهو يومئذ إبن سبع سنين وغاب عن أبيه ثمانين سنة ~~وعاش بعدما جمع الله شمله ثلاثا وعشرين سنة. وروي عن ابن عباس أنه قال ~~غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة. وقال سعيد بن جبير ما أعطيت أمة من الأمم # إنا لله وإنآ إليه رجعون # [البقرة: 156] غير هذه الأمة. ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب ~~حين قال يا أسفي على يوسف. وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال: لو أن الله ~~أدخلني الجنة لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه حيث لم يكتب إليه ولم ms0834 يعلمه حاله ~~ليسكن ما به من الغم. ### || [12.85-89] # قوله تعالى: { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف } يعني: لا ~~تزال تذكر يوسف { حتى تكون حرضا } أي دنفا من الوجع. ويقال ~~حتى تبلى وتهرم. وقال القتبي " لا " تحذف من الكلام ويراد إثباتها لقوله: ~~تفتؤ أي: لا تزال كقوله تفتأ وكقوله # أن تحبط أعملكم # [الحجرات: 2] أي أن لا تحبط. (وقال الربيع بن أنس) حتى تكون باليا يابس ~~الجلد. وقال محمد بن إسحاق حتى تكون حرضا يعني لا عقل لك. { أو ~~تكون من الهلكين } يعني: من الميتين. وقال مجاهد الحرض ما ~~دون الموت. والهالك الميت { قال إنما أشكو بثى وحزنى } ~~يعني همي وغمي { إلى الله } لما رأى من فظاظتهم وسوء لفظهم، ولا ~~أشكو ذلك إليكم. وقال القتبي: البث أشد الحزن. إنما سمي الحزن البث لأن ~~صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه. أي يفشوه ثم قال { وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون } أن يوسف حي وليس بميت. وإنما كان يعلم ذلك من ~~تحقيق رؤيا يوسف حين رأى في المنام أحد عشر كوكبا. أن ذلك سيكون. ويقال ~~إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام وسأله: هل قبضت روح قرة عيني يوسف؟ قال ~~لا، ولكن هو في الدنيا حي فلذلك قال { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } ثم قال تعالى { يبني اذهبوا فتحسسوا من ~~يوسف } يعني: انطلقوا إلى مصر فاطلبوا خبر يوسف { وأخيه } قالوا ~~له أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره. وأما يوسف فإنه ميت وإنا لا نطلب ~~الأموات. فقال لهم يعقوب { ولا تيأسوا من روح الله } يعني ~~لا تقنطوا من رحمة الله { إنه لا ييأس من روح الله ~~إلا القوم الكافرون } يعني الجاحدون للنعمة. قوله تعالى: { ~~فلما دخلوا عليه } يعني: رجعوا إلى يوسف ودخلوا عليه { ~~قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } يعني: ~~أصابنا وأهلنا الجوع { وجئنا ببضاعة مزجاة } قال الحسن: ~~يعني قليلة. ويقال نفاية. وكان لا يؤخذ في الطعام. ويؤخذ في غيره. لأن ~~الطعام كان عزيزا فلا يؤخذ فيه إلا الجيد. وعن عبد الله بن الحارث ms0835 في ~~قوله وجئنا ببضاعة مزجاة قال: متاع الأعراب الصوف والسمن ونحو ذلك. وعن ~~ابن عباس قال: يعني: جئنا بدراهم رديئة وقال سعيد بن جبير: بدراهم زيوف { ~~فأوف لنا الكيل } يعني: أتمم لنا الكيل { وتصدق ~~علينا } (يعني: تفضل علينا باستيفائه منا مكان الجيد وتصدق علينا) ما ~~بين الثمنين يعني: ما بين الجيد والرديء { إن الله يجزى ~~المتصدقين } يعني: يثيبهم في الآخرة بما صنعوا. وقال ابن عباس: لو ~~علموا أنه مسلم لقالوا إن الله يجزيك بالصدقة. يعني: إنه كان يلبس عليهم ~~فلا يعرفون حاله ومذهبه. فأخرج يوسف الكتاب الذي كان كتبه يهوذا حين ~~باعوا يوسف ودفعه إليهم فعرف يهوذا خطه. وقالوا: نحن بعنا هذا الغلام إذا ~~كنا نرعى الغنم. فقال لهم ظلمتم وبعتم الحر. فدعا يوسف السيافين وأمر ~~بإخوته بأن يقتلوا جميعا فاستغاثوا كلهم وصرخوا وقالوا إن لم ترحمنا ~~فارحم الشيخ الضعيف فإنه قد جزع على ولد واحد فكيف وقد أهلكت أولاده ~~كلهم. { قال } لهم يوسف { هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه إذ أنتم جهلون } يعني: شابون مذنبون ووصف لهم ما ~~فعلوا به. ### || [12.90-93] # { قالوا أإنك لأنت يوسف } قرأ ابن كثير إنك لأنت ~~بهمزة واحدة وكسر الألف. يعني حققوا إنه يوسف. وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~وابن عامر أإنك بهمزتين على معنى الاستفهام يعني إنك يوسف أم لا؟ ~~وقرأ نافع وأبو عمرو آينك بهمزة واحدة مع المد ومعناه مثل الأول على معنى ~~الاستفهام { قال أنا يوسف وهذا أخى قد من الله ~~علينا } يعني أنعم علينا بالصبر { إنه من يتق } أي يتق الله ~~{ ويصبر } على البلاء { فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } أي ثواب الصابرين. قوله تعالى: { قالوا تالله ~~لقد اثرك الله علينا } يعني: إخوة يوسف اعتذروا إليه وقالوا ~~لقد فضلك الله علينا واختارك { وإن كنا لخطئين } يقول وقد ~~كنا لعاصين لله فيما صنعنا بك. { قال } يوسف - عليه السلام - { لا ~~تثريب عليكم اليوم }. يعني: لا تعيير عليكم اليوم ولا عيب ~~ولا عار عليكم. وأصل التثريب الإفساد. ويقال أثربت الأمر علينا إذا أفسدت ~~ثم قال ms0836 { يغفر الله لكم } فيما فعلتم { وهو أرحم ~~الرحمين } من غيره ثم قال تعالى { اذهبوا بقميصى هذا } ~~وروي عن وهب بن منبه قال: كان القميص من الجنة وهو القميص الذي ألبس ~~جبريل إبراهيم حين ألقي في النار فبردت عليه النار فصار عند إسحاق ثم صار ~~عند يعقوب فجعله يعقوب في عوذة وعلقه في عنق يوسف فكان معه حين ألقي في ~~الجب ونزع عنه القميص فبشره جبريل وألبسه في الجب. وكان القميص معه وقال ~~لإخوته اذهبوا بقميصي هذا { فألقوه على وجه أبى ~~يأت بصيرا } وذلك أنه سألهم فقال: ما فعل أبي بعدي. قالوا لما ~~فارقه بنيامين عمي من الحزن. قال اذهبوا بقميصي هذا (فألقوه على وجه أبي ~~يأت بصيرا كما كان أول مرة). ثم قال { وائتوني بأهلكم ~~أجمعين } فاختلفوا فيما بينهم فقال كل واحد منهم أنا أذهب به. فقال ~~يوسف يذهب به الذي ذهب بقميصي الأول. فقال يهوذا أنا ذهبت بالقميص الأول ~~وهو ملطخ بالدم وأخبرته بأنه قد أكله الذئب وأنا اليوم أذهب " بالقميص " ~~فأخبره أنه حي وأفرحه كما أحزنته. وأمر لهم بالهدايا والدواب والرواحل ~~فتوجهوا نحو كنعان. ### || [12.94-98] # قوله تعالى: { ولما فصلت العير } يعني خرجت العير من مصر { ~~قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف } قال ابن عباس: لما خرجت ~~العير هاجت ريح فجاءت بريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال. فقال يعقوب إني ~~لأشم ريح يوسف { لولا أن تفندون } يقول لولا أن تعيروني ~~وتجهلوني. يقال فنده الهرم إذا خلط في كلامه { قالوا تالله إنك ~~لفي ضلالك القديم } يعني ولد ولده قالوا ليعقوب إنك مختلط في ~~الكلام كما كنت في القديم من ذكر يوسف. قوله تعالى: { فلما أن ~~جاء البشير } يعني جاه يهوذا بالبشارة { ألقاه على وجهه ~~} يعني دفع القميص إليه ووضعه على وجهه { فارتد بصيرا } يعني رجع ~~بصيرا كما كان { قال } يعقوب لولد ولده { ألم أقل لكم إني ~~أعلم من الله ما لا تعلمون }. ويقال قال لولده ألم أقل لكم ~~حين قلت لكم { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم ~~من ms0837 الله ما لا تعلمون } أن يوسف في الأحياء { قالوا يا ~~أبانا استغفر لنا ذنوبنا } فاعتذروا إليه فيما فعلوا به ~~وطلبوا منه أن يستغفر لهم واعترفوا بذنبهم وقالوا { إنا كنا ~~خاطئين } { قال } لهم يعقوب - عليه السلام - { سوف استغفر ~~لكم ربي } يعني: عند السحر استغفر لكم. ويقال: معناه سوف أستغفر ~~لكم إن شاء الله على وجه التقديم في قوله { وقال ادخلوا مصر إن ~~شاء الله آمنين }. فأخر الاستغفار إلى أن قدموا مصر فاستغفر لهم ~~ليلة الجمعة عند السحر { إنه هو الغفور الرحيم } لمن تاب ~~ورجع وندم على ما فعل فخرجوا كلهم بأثقالهم وأهاليهم ومواشيهم وكانوا ~~اثنين وسبعين رأسا. وروى أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كان ~~أهل بيت يعقوب حين دخلوا مصر ثلاثة وسبعين إنسانا رجالهم ونساؤهم. ~~فخرجوا مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا (فلما دنوا) من ~~مصر خرج يوسف بجماعته وحاشيته حتى أدخلهم مصر. ### || [12.99-100] # قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه } أي ضم ~~إليه { أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } ~~قال أبو عبيدة هذا من كلام يعقوب، حيث قال سوف استغفر لكم إن شاء الله، ~~وكذلك قال ابن جريج. ويقال: هذا من كلام يوسف. قال لهم حين دخلوا مصر ~~انزلوا بأرض مصر، ويقال: إنما قال لهم قبل أن يدخلوها: ادخلوا مصر إن شاء ~~الله آمنين من الجوع. ويقال " آمنين " من الخوف لأنها أرض الجبابرة قوله ~~تعالى: { ورفع أبويه على العرش } يعني على السرير أحدهما ~~عن يمينه والآخر عن شماله. قال مقاتل: يعني أباه وخالته. وكانت أمه راحيل ~~قد ماتت وخالته تحت يعقوب. وعن وهب بن منبه قال أبوه وخالته وعن سفيان ~~الثوري مثله. وهو قول ابن عباس وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " الخالة أم " # ويقال إن أمه راحيل قد ماتت في ولادة بنيامين ولذلك سمي بنيامين ~~واليامين وجع الولادة بلسانهم ثم قال { وخروا له سجدا } على ~~وجه التقديم يعني وخروا له سجدا ورفع أبويه على العرش وكانت ms0838 تحيتهم أن ~~يسجد الوضيع للشريف فسجد له إخوته وأبوه وخالته { وقال } يعني يوسف ~~عند ذلك { يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل } يعني هذا ~~السجود تحقيق رؤياي من قبله { قد جعلها ربي حقا } يعني جعل ~~رؤياي صدقا ويقال: كائنا. وروي عن ابن عباس أنه قال: كان بين رؤياه ~~وبين ذلك اثنان وعشرون سنة. وروى أبو عثمان النهدي عن سلمان أنه قال كان ~~بين رؤياه وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة. وعن عبد الله بن شداد أنه ~~قال: وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة وإليه تنتهي الرؤيا. وقال السدي: كان ~~بينهما تسع وثلاثون سنة. وقال حين رأى رؤياه كان يوسف ابن تسع سنين فظهر ~~تأويلها وهو ابن أربعين سنة. ثم قال { وقد أحسن بي إذ أخرجني ~~من السجن وجاء بكم من البدو } يعني: جاء بكم معافين ~~سالمين من البادية. يعني: أرض كنعان و { من بعد أن نزغ ~~الشيطان } يعني من بعد أن أفسد وألقى الشيطان { بيني وبين ~~إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء } من الفرقة والجماعة. ~~ويقال: لطيف في فعاله إن شاء فرق وإن شاء جمع { إنه هو العليم ~~} بما صنعوا { الحكيم } إذ رد علي أبي وجمع بيني وبين إخوتي. ### || [12.101] # قوله تعالى: { رب قد آتيتني من الملك } قال الفقيه أبو ~~الليث رحمه الله إن الله تعالى مدح يوسف في هذه السورة في ثمانية مواضع ~~أولها إن أخوته لما فعلوا به ما فعلوا صرف العداوة من إخوته إلى الشيطان ~~فقال { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } ~~والثاني حين راودته المرأة قال { إنه ربي أحسن مثواي } ~~فعرف حرمة سيده ولم يهتك حرمته الثالث { قال رب السجن أحب ~~إلي مما يدعونني إليه } فاختار السجن على الشهوة الحرام. ~~والرابع قال { وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة ~~بالسوء } بعد ما ظهر أن الذنب كان من غيره. والخامس لما اعتذر إليه ~~إخوته قال لهم { لا تثريب عليكم اليوم } والسادس أنه بعث ~~القميص على يد إخوته. كما أدخلوا على أبيهم الحزن في الابتداء أراد أن ms0839 ~~يدخلوا عليه السرور فقال { اذهبوا بقميصي هذا } والسابع لما لقي ~~أباه لم يذكر عنده ما لقي من الشدة وإنما ذكر المحاسن حيث قال { يا ~~أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي ~~حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء ~~بكم من البدو } والثامن لما تم أمره تمنى الموت وترك الدنيا. ~~قال { رب قد آتيتني من الملك } أي أعطيتني من الملك يعني: ~~بعض الملك وهو ملك مصر { وعلمتني من تأويل الأحاديث } ~~يعني: بعض التأويل. ويقال من ها هنا لإبانة الجنس لا للتبعيض ومعناه رب ~~قد آتيتني من الملك وعلمتني تأويل الأحاديث يعني: تعبير الرؤيا { فاطر ~~السموات والأرض } يعني خالق السموات والأرض { أنت وليي ~~في الدنيا والآخرة توفني مسلما } يعني أمتني مخلصا ~~بتوحيدك { وألحقني بالصالحين } يعني بآبائي المرسلين. ويقال ~~عاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة ~~وعاش يوسف بعده ثلاثا وعشرين سنة ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة ~~ويقال ابن مائة وعشر سنين وأوصى يعقوب بأن يدفن عند آبائه. فحمل إلى ~~الأرض المقدسة فدفن مع أخيه يحصوص بن إسحاق فلما مات يوسف أرادوا أن ~~يحملوه إلى الأرض المقدسة فلم يتركهم أهل مصر واختلفوا في دفنه وأراد أهل ~~كل محلة أن يدفن في مقابرهم وكاد أن يقع بينهم قتال حتى اصطلحوا واتفقوا ~~على أن يدفن عند قسمة مياههم في أعلا مصر لكي يصيب بركته أهل مصر. وكان ~~هناك إلى زمن موسى - عليه السلام - فرفعه موسى وحمله إلى الأرض المقدسة ~~ووضعه عند آبائه. وقد كان يوسف أوصى إلى بني إسرائيل أن يحملوا عظامه من ~~أرض مصر إذا خرجوا من مصر. ### || [12.102-108] # قوله تعالى: { ذلك من أنباء الغيب } يقول من أخبار ما غاب ~~عنك علمه يا محمد { نوحيه إليك } يعني: ننزل عليك جبريل بالقرآن ~~ليقرأه عليك { وما كنت لديهم } يعني: عند إخوة يوسف { إذ ~~أجمعوا أمرهم } يعني: قولهم أن يطرحوا يوسف في البئر { وهم ~~يمكرون } أي يحتالون ليوسف ثم قال: { وما أكثر الناس ولو ms0840 ~~حرصت بمؤمنين } في الآية تقديم. ومعناه وما أكثر الناس بمؤمنين ~~ولو حرصت لعلم الله السابق فيهم. ويقال: ولو حرصت بمؤمنين. يعني: من قدرت ~~عليه الكفر وعلمت أنه أهل لذلك لا يؤمن بك ثم قال تعالى { وما ~~تسألهم عليه } يعني: على الإيمان { من أجر } يعني: إن لم ~~يجيبوك فلا تبال لأنهم لا ينقصون من رزق ربك شيئا { إن هو } يعني ما ~~هذا القرآن { إلا ذكر للعالمين } من الجن والإنس. وقوله ~~تعالى: { وكأين من آية } يعني وكم من علامة { في السموات ~~والأرض } يعني: الشمس والقمر والنجوم وفي الأرض، الأمم الخالية ~~والأشياء التي خلقت في الأرض { يمرون عليها وهم عنها ~~معرضون } يعني: مكذبين لا يتفكرون ثم قال تعالى { وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قال ابن عباس: ولئن ~~سألتهم من خلقهم ليقولن الله. فهذا إيمان منهم. ثم هم يشركون به غيره. ~~وقال القتبي: الإيمان قد يكون في معان. فمن الإيمان تصديق وتكذيب ببعض. ~~قال الله تعالى # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106] يعني مقرون أن الله خالقهم. وهم مع ذلك يجعلون لله شريكا. ~~وقال الضحاك: كانوا مشركين في تلبيتهم. وقال عكرمة: يعلمون أنه ربهم وهم ~~مشركون به من دونه ثم قال تعالى: { أفأمنوا } يعني: أهل مكة { أن ~~تأتيهم غاشية } يعني: مغشاهم العذاب ويقال: غاشية قطعة { من ~~عذاب الله } في الدنيا { أو تأتيهم الساعة بغتة } ~~يعني: فجأة { وهم لا يشعرون } بقيامها { قل } يا محمد { ~~هذه سبيلي } يعني هذه الملة ديني الإسلام. ويقال هذه دعوتي { ~~أدعوا } الخلق { إلى الله } تعالى ويقال أدعوكم إلى توحيد الله ~~وعبادته { على بصيرة } أي على يقين وحقيقة. ويقال على بيان { أنا ~~ومن اتبعني } يعني من اتبعني على ديني فهو أيضا على بصيرة { ~~وسبحان الله } تنزيها لله عن الشرك { وما أنا من ~~المشركين } على دينهم ### || [12.109-110] # قوله تعالى: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم } يعني: الأنبياء كانوا من الآدميين ولم يكونوا من الملائكة. ~~قرأ عاصم في رواية حفص " نوحي إليهم " بالنون. وقرأ الباقون بالياء ~~" يوحى إليهم ms0841 " ومعناهما واحد { من أهل القرى } يعني: ~~منسوبين إليها. ثم أمرهم بأن يعتبروا فقال تعالى { أفلم يسيروا } ~~يعني: يسافروا { في الأرض } ويقال يقرءوا القرآن { فينظروا } ~~يعني يعتبروا { كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } ~~يعني: كيف كان آخر المنذرين من قبلهم من الأمم الخالية { ولدار ~~الآخرة } وهي الجنة { خير للذين اتقوا } الشرك { أفلا ~~تعقلون } أن الآخرة أفضل من الدنيا. ثم رجع إلى حديث الرسل الذين ~~كذبهم قومهم فقال تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل } يعني: ~~أيسوا من إيمان قومهم أن يؤمنوا { وظنوا أنهم قد كذبوا } ~~قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي { كذبوا } بتخفيف الذال. وقرأ ~~الباقون بالتشديد. وروى الأعمش عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه قرأ: " ~~كذبوا " بالتخفيف. ويقال لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن ~~قومهم أن الرسل قد كذبوا عليهم جاءهم بالنصرة. وروى ابن جريج عن ابن أبي ~~مليكة عن ابن عباس أنه قال حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا. ~~قال كانوا بشرا فضعفوا وسئموا وظنوا أنهم قد كذبوا وأشار بيده إلى ~~السماء. قال ابن أبي مليكة فذكرت ذلك لعروة فقال قالت عائشة رضي الله ~~عنها معاذ الله ما حدث الله ورسوله شيئا إلا وعلم أنه سيكون قبل أن ~~يموت. قالت ولكن نزل الأنبياء البلاء حتى خافوا أن يكون من معهم كذبوهم ~~من المؤمنين. وكانت تقرأ " قد كذبوا " بالتشديد. وعن عائشة قالت ~~استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم وظنوا أن من قد آمن بهم من ~~قومهم قد كذبوهم. وقال القتبي الذي قالت عائشة أحسنها في الظاهر، وأولاها ~~بأنبياء الله تعالى { جاءهم نصرنا } أي للأنبياء بالنصرة ثم قال ~~{ فنجي من نشاء } يعني من آمن بالأنبياء. قرأ عاصم وابن عامر " ~~فنجي " بنون واحدة مع التشديد. وقرأ الباقون بالنونين (وأصله ~~فننجي بالنونين) إلا أن من قرأ بنون واحدة أدغم إحداهما في الأخرى ~~ثم قال { ولا يرد بأسنا } يعني: عذابنا { عن القوم ~~المجرمين } يعني: الكافرين ### || [12.111] # قوله تعالى: { لقد كان في قصصهم } يعني: في قصة يوسف وإخوته ~~{ عبرة لأولي ms0842 الألباب } يعني: لذوي العقول. يعني عجيبة لمن له ~~عقل لكيلا يحسد أحد أحدا. ويقال: لمن أراد أن يعتبر بيوسف ويقتدي به ولا ~~يكافىء أحدا بسيئة. ويقال عبرة يعني دلالة لنبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - لمن أراد أن يؤمن به { ما كان حديثا يفترى } يعني: مثل ~~هذا الكلام لا يكون اختلاقا وكذبا { ولكن تصديق الذي بين ~~يديه } من الكتب التوراة والإنجيل { وتفصيل كل شيء } ~~يعني: بيان الحلال والحرام { وهدى } من الضلالة { ورحمة } يعني ~~رحمة من العذاب { لقوم يؤمنون } يعني يصدقون بتوحيد الله تعالى ~~وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # قوله تعالى: { المر } قال ابن عباس أنا الله أعلم وأرى. ويقال معناه ~~أنا الله أرى ما تحت العرش إلى الثرى وما بينهما. ويقال أنا الله أعلم ~~وأرى مالا يعلم الخلق وما لا يرى ويقال: أنا الله أعلم وأرى ما يعملون ~~ويقولون. ويقال هذا قسم أقسم الله به { تلك آيات الكتاب } قال ~~قتادة: يعني التي قبل القرآن. يعني التوراة والإنجيل { والذي } يعني: ~~القرآن { أنزل إليك من ربك الحق } يعني: الكتب التي ~~قبل القرآن، والقرآن الذي أنزل إليك كله من الله تعالى وهو الحق ~~والإيمان به واجب. وقال ابن عباس تلك آيات الكتاب يعني تلك آيات القرآن. ~~ومعناه هذه آيات الكتاب والذي أنزل من ربك هو الحق يعني: القرآن ويقال { ~~تلك آيات الكتاب } يعني: الأحكام والحجج والدلائل { والذي أنزل إليك } ~~يعني جبريل ليقرأ عليك (من ربك) الحق. يعني اتبعوه واعملوا به { ~~ولكن أكثر الناس } يعني: أهل مكة { لا يؤمنون } يعني: ~~لا يصدقون أنه من الله تعالى. فلما ذكر أنهم لا يؤمنون بين الدلائل التي ~~توجب التصديق بالخالق ثم قال تعالى { الله الذي رفع السموات ~~بغير عمد ترونها } يعني: ليس لها عمد ترونها. وهذا قول الحسن. ~~وقتادة: (رفعها الله تعالى بغير عمد). وقال ابن عباس وسعيد بن جبير معناه ~~لها عمد ولكن لا ترونها. يعني أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة ولكن لها ~~عمد. وكلا التفسيرين معناهما واحد. لأن من ms0843 قال إن لها عمدا ولكن لا ~~ترونها يقول العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض. { ثم ~~استوى على العرش } قال ابن عباس: كان فوق العرش حين خلق السموات ~~والأرض. وقد ذكرناه من قبل { وسخر الشمس والقمر } يعني ضوء ~~الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل ذلك لبني آدم { كل يجري لأجل ~~مسمى } يقول: يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه، وللشمس والقمر منازل كل ~~واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل حتى ينتهي إلى أقصى ~~منازله. { يدبر الأمر } يعني: يقضي القضاء ويبعث الملائكة بالوحي ~~والتنزيل { يفصل الآيات } يقول: يبين العلامات في القرآن { ~~لعلكم بلقاء ربكم توقنون } يعني تصدقون بالبعث ### || [13.3-4] # قوله تعالى: { وهو الذي مد الأرض } يعني: بسط الأرض من تحت ~~الكعبة على الماء وكانت تكفي بأهلها كما تكفي السفينة فأرساها الله ~~بالجبال وهو قوله تعالى { وجعل فيها رواسي } يعني: الجبال ~~الثوابت من فوقها { وأنهارا } يعني: خلق في الأرض أنهارا { ومن ~~كل الثمرات } يعني: خلق فيها من ألوان الثمرات. { جعل فيها ~~زوجين اثنين } يعني: خلق من كل شيء لونين من الثمار حلوا ~~وحامضا، ومن الحيوان ذكرا وأنثى { يغشي الليل النهار } ~~يعني: يعلو الليل على النهار ويعلو النهار على الليل واقتصر بذكر أحدهما ~~إذا كان في الكلام دليل عليه. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ~~" يغشي " بنصب الغين وتشديد الشين. وقرأ الباقون بالجزم والتخفيف. ثم ~~بين أن ما ذكر من هذه الأشياء فيه برهان وعلامات لمن تفكر فيها فقال { ~~إن في ذلك } يعني: فيما ذكر من صنعه { لآيات } يعني لعبرات { ~~لقوم يتفكرون } في اختلاف الليل والنهار فيوحدونه. ثم بين أن ~~في الأرض علامات كثيرة ودلائل كثيرة لوحدانيته لمن له عقل سليم فقال ~~تعالى: { وفى الأرض قطع متجورت } يعني: بالقطع الأرض ~~السبخة والأرض العذبة. متجاورات يعني ملتزقات متدانيات قريبة بعضها من ~~بعض فتكون أرض سبخة وتكون إلى جنبها أرض طيبة جيدة. وقال قتادة: قطع ~~متجاورات أي قرى متجاورات، ويقال العمران والخراب والقرى والمغاور { ~~وجنت من أعنب } يعني: ms0844 الكروم { وزرع ونخيل ~~صنون وغير صنون } قرأ بعضهم: بضم الصاد. وقراءة العامة ~~بالكسر وهما لغتان ومعناهما واحد. قال مجاهد وقتادة: الصنوان النخلة التي ~~في أصلها نخلتان وثلاث أصلهن واحدة. وقال الضحاك: يعني النخل المتفرق ~~والمجتمع. ويقال صنوان النخلة التي بجنبها نخلات وغير صنوان يعني: ~~المنفردة. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لا تؤذونني في العباس فإنه بقية آبائي وإن عم الرجل صنو أبيه " # قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص " وزرع ونخيل صنوان " ~~كلها بالضم على معنى الابتداء. وقرأ الباقون كلها بالكسر على معنى النعت ~~للجنات. ويقال على وجه المجاورة. لأن الزرع لا يكون في الجنات. ثم قال { ~~يسقى بماء وحد ونفضل بعضها على بعض فى ~~الأكل } يعني: الماء والتراب واحد وتكون الثمار مختلفة في ألوانها ~~وطعومها. لأنه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب لوجب في القياس أن لا ~~تختلف الألوان والطعوم ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا ثبت في مغرس ~~واحد وسقي بماء واحد. ولكنه صنع اللطيف الخبير. وقال مجاهد: هذا مثل لبني ~~آدم أصلهم من أب واحد، ومنهم صالح ومنهم خبيث. ثم قال تعالى { إن فى ~~ذلك } يعني فيما ذكر { لآيت لقوم يعقلون } إنه من الله ~~تعالى. قرأ حمزة والكسائي: " يسقى ويفضل " بالياء. وقرأ عاصم ~~وابن عامر في أحد الروايتين يسقى بالياء بلفظ التذكير. ونفضل ~~بالنون. وقرأ الباقون " تسقى " بالتاء " ونفضل " بالنون. ثم قال ~~تعالى { وإن تعجب فعجب... } ### || [13.5-8] # { وإن تعجب فعجب قولهم } قال الكلبي: يعني إن تعجب من ~~تكذيب أهل مكة لك وكفرهم بالله فعجب قولهم. يقول: أعجب من ذلك قولهم { ~~أإذا كنا ترابا }. وقال مقاتل: وإن تعجب مما أوحينا إليك من ~~القرآن تعجب قولهم أئذا كنا ترابا { أإنا لفي خلق جديد } ~~إكذابا منهم بالبعث قرأ الكسائي " أإذا " بهمزتين (على وجه الاستفهام ~~" إنا لفى خلق " بهمزة واحدة. وقرأ عاصم وحمزة كليهما بهمزتين). ~~وقرأ أبو عمرو " آيذا " بهمزة واحدة مع المد وكذلك في قوله " آينا " ~~بالمد. وقرأ ابن كثير " أيذا " بالياء، وكذلك ms0845 " أينا " وقرأ ابن ~~عامر " إيذا كنا " بهمزة واحدة بغير استفهام " آينا " بالهمزة ~~والمد. قال لأنهم لم يشكوا في الموت وإنما شكوا في البعث فينبغي أن يكون ~~الاستفهام في الثاني دون الأول. ثم قال تعالى { أولئك الذين ~~كفروا بربهم } يعني جحدوا بوحدانية الله تعالى { وأولئك ~~الأغلال فى أعنقهم } يعني تغل أيمانهم على أعناقهم بالحديد ~~في النار { وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ~~} أي دائمون فيها ولا يخرجون منها. قوله تعالى: { ويستعجلونك ~~بالسيئة قبل الحسنة } قال ابن عباس: سألوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يأتيهم العذاب استهزاء منهم بذلك فنزل { ~~ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } يعني: بالعذاب ~~قبل العافية { وقد خلت من قبلهم المثلت } يعني: ~~العقوبات والنقمات قبل قريش فيمن هلك. وأصل المثلة الشبه وما يعتبر به ~~وجمعه المثلات { وإن ربك لذو مغفرة } يقول: تجاوز { ~~للناس على ظلمهم } يعني: على شركهم إن تابوا. ويقال: بتأخير ~~العذاب عنهم { وإن ربك لشديد العقاب } لمن مات منهم على ~~شركه. قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } يعني هلا أنزل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - علامة من ربه لنبوته. قال الله تعالى { إنما أنت منذر } ~~يعني: مخوف ومبلغ لهذه الأمة الرسالة { ولكل قوم هاد } قال ~~الكلبي: داع يدعوهم إلى الضلالة أو إلى الحق. وقال الضحاك يعني: إنما أنت ~~منذر وأنا الهادي. وقال سعيد بن جبير: الهادي هو الله. وقال عكرمة: محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - هو نذير وهو الهادي يعني يدعوهم إلى الهدى ولكل ~~قوم هاد. وقال مجاهد يعني: لكل قوم نبي. قرأ ابن كثير " هادي " بالياء ~~عند الوقف وكذلك قوله # ما لك من الله من ولى ولا واق # [الرعد: 37]. وقرأ الباقون بغير ياء. قوله تعالى: { الله يعلم ~~ما تحمل كل أنثى } ذكرا أو أنثى ويعلم ما في الأرحام سويا ~~أو غير سوي ثم قال { وما تغيض الأرحام } (يعني ما تنقص) الأرحام ~~من تسعة أشهر في الحمل { وما تزداد } يعني: على التسعة أشهر في ذلك ~~الحمل { وكل شىء عنده بمقدار ms0846 } قال قتادة: رزقهم وأجلهم. # وقال ابن عباس من الزيادة والنقصان والمكث في البطن والخروج. كل ذلك ~~بمقدار قدره الله تعالى فلا يزيد على ذلك. وقال سعيد بن جبير في قوله ~~تعالى: { وما تغيض الأرحام }. يعني الحامل. إن ترى الدم نقص من ~~الولد وإن لم تر الدم يزيد في الولد. وروى أسباط عن السدي قال: إن المرأة ~~إذا حملت واحتبس حيضها كان ذلك الدم رزقا للولد، فإذا حاضت على ولدها ~~خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه. { وما تغيض الارحام } وهي ~~الحيضة التي على الولد وما تزداد فحين يستمسك الدم فلا تحيض وهي حبلى. ~~قال الفقيه: هذا الذي قال السدي إن الحامل تحيض إنما هو على سبيل المجاز. ~~لأن دم الحامل لا يكون حيضا ولكن معناه إذا سال منها الدم فيكون ذلك ~~استحاضة. قال حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا ابن خزيمة قال حدثنا علي ~~قال حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه ~~يقول: قال رسول الله - صلوات الله وسلامه عليه -: # " مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله. لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا ~~الله. ولا يعلم ما في غد أحد إلا الله. ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا ~~الله. ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله. ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة ~~إلا الله ". ### || [13.9-12] # ثم قال تعالى: { علم الغيب والشهدة } يعني: ما غاب عن ~~العباد وما شاهدوه. ويقال: عالم بما كان وبما لم يكن. ويقال: عالم السر ~~والعلانية { الكبير المتعال } يعني: هو أكبر وأعلى من أن تكون ~~له صاحبة وولد. قوله تعالى: { سواء منكم من أسر القول ~~} يعني: سواء عند الله من أسر القول { ومن جهر به } يعني: من ~~أخفى العمل وأعلن العمل { ومن هو مستخف بالليل } يعني: ~~في ظلمة الليل { وسارب بالنهار } أي منصرف في حوائجه. يقال: ~~سرب يسرب إذا انصرف ومعناه: المختفي والظاهر عنده سواء. وقال ~~مجاهد: المستخفي المختفي بالمعصية والسارب يعني: الظاهر بالمعاصي { له ~~معقبت ms0847 } قال ابن عباس له حافظات { من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله } يعني بأمر الله حتى ينتهوا ~~به إلى المقادير فإذا جاءت المقادير خلوا بينه وبين المقادير. المعقبات ~~يعني الملائكة يعقب بعضهم بعضا في الليل والنهار. إذا مضى فريق خلفه ~~بعده فريق. وروي عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: له معقبات. قال ~~الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار يحفظونه من أمر الله يعني: بأمر الله. ~~ويقال للمؤمن طاعات وصدقات يحفظونه من أمر الله أي من عذاب الله عند ~~الموت وفي القبر وفي يوم القيامة ثم قال { إن الله لا يغير ~~ما بقوم } يعني: لا يبدل ما بقوم من النعمة التي أنعمها عليهم { ~~حتى يغيروا } يقول: يبدلوا { ما بأنفسهم } بترك الشكر. ~~قال مقاتل: يعني كفار مكة. نظيرها في الأنفال # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم # [الأنفال: 53]، إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وأطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف فلم يعرفوها. فغير ما بهم فجعل ذلك لأهل المدينة. قال أبو الليث رحمه ~~الله: في الآية تنبيه لجميع الخلق ليعرفوا نعمة الله عليهم ويشكروه لكيلا ~~تزول عنهم النعم. ثم قال تعالى: { وإذا أراد الله بقوم ~~سوءا فلا مرد له } يعني: إذا أراد بهم عذابا أو هلاكا فلا ~~مرد لقضائه { وما لهم من دونه من وال } يعني: ليس لهم من ~~عذابه ولي ولا قريب يمنعهم ولا ملجأ يلجأون إليه. قوله تعالى: { هو ~~الذى يريكم البرق خوفا وطمعا } يعني: خوفا للمسافر ~~وطمعا للمقيم الحاضر. ويقال: خوفا لمن يخاف ضرر المطر وطمعا لمن يحتاج ~~إلى المطر. لأن المطر يكون لبعض الأشياء ضررا ولبعضها رحمة ثم قال { ~~وينشيء السحاب الثقال } يعني: يخلق السحاب الثقال من الماء. ### || [13.13-14] # قوله تعالى: { ويسبح الرعد بحمده } يعني: بأمره. قال: ~~حدثنا عمر بن محمد قال: حدثنا أبو بكر الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن ~~يوسف قال حدثنا وكيع عن عمرو بن أبي زائدة أنه قال سمعت عكرمة يقول: ~~الرعد ملك يزجر السحاب بصوته كالحادي بالإبل. وروى وكيع عن ms0848 المسعودي عن ~~سلمة بن كهيل أنه سئل عن الرعد. فقال هو ملك (يزجر السحاب) وسئل عن البرق ~~فقال هو في مخاريق بأيدي الملائكة. وسئل وهب بن منبه عن الرعد فقال: ثلاث ~~ما أظن أحدا يعلمهن إلا الله عز وجل. الرعد والبرق والغيث وما أدري من ~~أين هن وما هن فقيل له { أنزل من السماء مآء } قال: نعم ولا ~~ندري أنزل من السماء أو من السحاب ولقحت فيه أو يخلق في السحاب فيمطر. ~~وسمى السحاب سماء. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~الرعد فقال: # " هو ملك في السماء واسمه الرعد والصوت الذي يسمع هو زجر السحاب. ويؤلف ~~بعضه إلى بعض فيسوقه " # ثم قال { والملئكة من خيفته } يقول: يسبح الملائكة كلهم ~~خائفين لله تعالى { ويرسل الصوعق } وهي نار من السماء لا دخان ~~لها { فيصيب بها من يشاء } من خلقه { وهم يجدلون فى ~~الله وهو شديد المحال } قال ابن عباس: هو الله تعالى شديد ~~المحال يعني (شديد العقاب). ويقال أصله في اللغة الحيلة. وقال قتادة: ~~يعني الحيلة والقوة ويقال هو شديد القدرة والعذاب ويقال المحال في اللغة ~~هو الشدة ويقال بعضهم: هو كناية عن الذي يجادل. ويكون معناه فيصيب بها من ~~يشاء وهم يجادلون في الله. يعني يصيبهم في حال جدالهم. وقال مجاهد جاء ~~يهودي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا محمد أخبرني من أي شيء ~~ربك أمن لؤلؤ هو؟ فأرسل الله عليه صاعقة فقتلته فنزل { وهم ~~يجدلون فى الله وهو شديد المحال }. يعني: شديد ~~العداوة وقال قتادة: دخل عامر بن الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال: أسلم على أن لك المدر ولي الوبر. يعني لك ولاية القرى ولي ~~ولاية البوادي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أنت من المسلمين لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم " # قال عامر لك الوبر ولي المدر. فأجابه بمثل ذلك. قال عامر ولى الأمر من ~~بعدك. فأجابه بمثل ذلك فغضب عامر وقال لأملأنها عليك رجالا. ألفا رجل ~~أشعر وألفا ms0849 أمرد. فخرج ولقي أربد بن قيس فقال له ادخل على محمد وآلهه ~~وأنا أقتله، فدخلا عليه فجعل عامر يسأله ويقول أخبرنا يا محمد عن إلهك ~~أمن ذهب هو أم من فضة؟ فلما طال حديثه قاما وخرجا. # فقال مالك لم تقتله؟ قال كلما أردت أن أقتله وجدتك بيني وبينه فجاء ~~جبريل فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فدعا عليه فأصابته صاعقة ~~فقتلته فنزل { ويرسل الصوعق فيصيب بها من يشاء وهم ~~يجدلون فى الله وهو شديد المحال } قوله تعالى: { ~~له دعوة الحق } يعني: كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. يدعو ~~الخلق إليها. ويقال معناه: له على العباد دعوة الحق أن يدعوه فيجيبهم { ~~والذين يدعون من دونه } يعني: الأصنام والأوثان { لا ~~يستجيبون لهم بشيء } يقول: لا ينفعهم بشيء { إلا ~~كبسط كفيه } يعني: كماد يديه { إلى الماء ليبلغ ~~فاه } والعرب تقول لمن طلب شيئا لا يجده هو كقابض الماء يعني كمن هو ~~مشرف يدعو الماء بلسانه ويشير إليه { وما هو ببالغه } يعني: فلا ~~يناله أبدا. وقال مجاهد: كالذي يشير بيده إلى الماء فيدعوه بلسانه فلا ~~يجيبه أبدا. هذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك الذي عبد مع الله إلها ~~آخر. أنه لا (يجيبه الصنم) ولا ينفعه كمثل العطشان الذي ينظر إلى الماء ~~من بعيد ولا يقدر عليه { وما دعاء الكفرين } يقول ما عبادة ~~أهل مكة { إلا فى ضلل } يضل عنهم إذا احتاجوا إليه في الآخرة. ### || [13.15-18] # قوله تعالى: { ولله يسجد من فى السموات والأرض } ~~من الخلق { طوعا وكرها } قال قتادة: أما المؤمن فيسجد لله طائعا. ~~وأما الكافر فيسجد كرها. ويقال أهل الإخلاص يسجدون لله طائعين وأهل ~~النفاق يسجدون له كرها (ويقال من ولد في الإسلام يسجد طوعا ومن سبي من ~~دار الحرب يسجد كرها) ويقال يسجد لله يعني يخضع له من في السموات والأرض ~~ولا يقدر أحد أن يغير نفسه عن خلقته { وظللهم } يعني: تسجد ~~ظلالهم. وسجود الظل دورانه. ويقال ظل المؤمن يسجد معه وظل الكافر يسجد ~~لله تعالى إذا سجد الكافر للصنم { بالغدو ms0850 والآصال } يعني أول ~~النهار وآخره وقال أهل اللغة الأصيل ما بين العصر إلى المغرب وجمعه أصل ~~والآصال جمع الجمع قوله تعالى: { قل من رب السموات ~~والأرض } يعني قل: يا محمد لأهل مكة من خالق السموات والأرض؟ فإن ~~أجابوك وإلا ف { قل الله } ثم قال { قل أفاتخذتم من ~~دونه أولياء } يعني: أفعبدتم غيره { لا يملكون ~~لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير } أي كما لا يستوي الأعمى والبصير. كذلك لا يستوي الكافر ~~والمؤمن. ويقال الأعمى الجاهل الذي لا يتفكر ولا يرغب في الحق والبصير ~~العالم الذي يتفكر ويرغب في الحق. { أم هل تستوى الظلمت ~~والنور } أي كما لا تستوي الظلمات والنور فكذلك لا يستوي الإيمان ~~والكفر. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر " يستوي " بلفظ ~~التذكير بالياء. وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث،لأن تأنيثه ليس ~~بحقيقي. فيجوز أن يذكر ويؤنث ولأن الفعل مقدم على الاسم ثم قال { أم ~~جعلوا لله شركاء } يعني بل جعلوا لله شركاء من الأصنام ويقال ~~معناه: أجعلوا لله شركاء. والميم صلة. ثم قال { خلقوا كخلقه ~~فتشابه الخلق عليهم } يعني: هل خلق الأوثان خلقا كما خلق ~~الله فاشتبه عليهم خلق الله تعالى من خلق غيره. فلما ضرب الله مثلا ~~لآلهتهم سكتوا. قال الله تعالى { قل الله خلق كل شيء } قل ~~يا محمد الله عز وجل خالق جميع الموجودين { وهو الواحد ~~القهر } يعني (الذي لا شريك له) القاهر لخلقه القادر عليهم ثم ضرب ~~الله تعالى مثلا للحق والباطل. لأن العرب كانت عادتهم أنهم يوضحون ~~الكلام بالمثل وقد أنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب فأوضح لهم الحق من ~~الباطل بالمثل فقال { أنزل من السماء مآء } يعني المطر { ~~فسالت أودية بقدرها } يعني: سال في الوادي الكبير بقدره ~~وفي الوادي الصغير بقدره. فشبه القرآن بالمطر وشبه القلوب بالأودية وشبه ~~الهدى بالسيل { فاحتمل السيل زبدا رابيا } يعني: عاليا ~~على الماء. فشبه الزبد بالباطل يعني احتملته القلوب على قدر أهوائها ~~باطلا كبيرا. فكما أن السيل يجمع كل قدر كذلك الأهواء تحتمل الباطل. ms0851 # وكما أن الزبد لا وزن له فكذلك الباطل لا ثواب له فذلك قوله { فأما ~~الزبد فيذهب جفاء } يعني يذهب كما جاء ويقال جفاء أي: ~~سريعا. وقال مقاتل: جفاء أي يابسا فلا ينتفع به ويقذفه السيل وقال ~~القتبي: الجفاء ما رمى به الوادي في جنباته ويقال جفأت القدر بزبدها إذا ~~ألقيته عنها. { وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض } ~~يعني يبقى الماء الصافي. فكذلك الإيمان واليقين ينتفع به أهله في الآخرة ~~كما ينتفع بالماء الصافي في الدنيا. والباطل لا ينتفع به لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة. ثم ضرب مثلا آخر بالذهب والفضة فقال تعالى { ومما ~~يوقدون عليه فى النار } من الذهب والفضة { ابتغاء ~~حلية } يعني النحاس حلية تلبسونها يخرج منها الخبث ويبقى الذهب ~~والفضة خالصا. ثم ضرب مثلا آخر فقال { أو متع زبد مثله } ~~يعني: النحاس والحديد والصفر يزول عنها الخبث ويبقى الصفر والحديد ~~(خالصا) فيتخذ منها المتاع. فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل ~~واحد. كما يضمحل هذا الزبد ويبقى خالص الماء وخالص الذهب والفضة والحديد ~~والصفر فكذلك يضمحل الباطل عن أهله. وكما يمكث الماء في الأرض (ويخرج) ~~نباتها. وكما يبقى خالص الذهب والفضة حين يدخلان النار فكذلك يبقى الحق ~~وثوابه لصاحبه. وقال القتبي في قوله فاحتمل السيل زبدا رابيا قال: هذا ~~مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل يقول الباطل وإن ظهر على الحق في بعض ~~الأحوال وعلا. فإن الله سيمحقه (ويبطله) ويجعل العاقبة للحق وأهله مثل ~~مطر سال في الأودية بقدرها. فاحتمل السيل زبدا رابيا أي: عاليا على ~~الماء كما يعلو الباطل تارة على الحق. ومن جواهر الأرض التي تدخل الكير ~~توقدون عليها بمعنى: الذهب والفضة للحلية { أو متع } يعني: الشبه ~~والحديد والآنك يكون للآنية له خبث (يعلوها) مثل زبد الماء فأما الزبد ~~فيذهب جفاء يتعلق بأصول الشجر (وكنبات الوادي) وكذلك خبث الفلز يعني: ~~الجوهر يقذفه فهذا مثل الباطل وأما ما ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في ~~الأرض فكذلك الصفر من الفلز يبقى صالحا فهو مثل الحق ms0852 ثم قال: { كذلك ~~يضرب الله الحق والبطل } على وجه التقديم والتأخير ~~يعني: هكذا يضرب الله المثل للحق والباطل. ويقال معناه هكذا يبين الحق من ~~الباطل { فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث فى الأرض } على معنى التقديم والتأخير وقد ~~ذكرناه من قبل { كذلك يضرب الله الأمثال } يعني: يبين ~~الله الأشباه ويوضح الطريق ويقيم الحجة. ثم قال { للذين ~~استجابوا لربهم الحسنى } يعني: للذين أجابوا ربهم ~~بالطاعات في الدنيا لهم الجنة في الآخرة ثم قال { والذين لم ~~يستجيبوا له } يعني: لم يجيبوه ولم يطيعوه في الدنيا { لو ~~أن لهم ما فى الأرض جميعا } يوم القيامة { ومثله ~~معه } يعني وضعفه معه { لافتدوا به } يقول لفادوا به أنفسهم ~~من العذاب ولو فادوا به لا يقبل منهم { أولئك لهم سوء ~~الحسب } يعني شديد العقاب ويقال المناقشة في الحساب وروي عن ~~إبراهيم النخعي أنه قال: أتدرون ما سوء الحساب؟ قالوا لا. قال هو الذنب ~~يحاسب عليه العبد ثم لا يغفر له. وعن الحسن أنه سئل عن سوء الحساب قال ~~يؤخذ العبد بذنوبه كلها فلا يغفر له منها ذنب ثم قال { ومأواهم ~~جهنم } أي: مصيرهم ومرجعهم إلى جهنم { وبئس المهاد } يعني: ~~الفراش من النار. ويقال بئس موضع القرار في النار. ### || [13.19-25] # قوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك ~~الحق } يعني يعلم أن القرآن الذي أنزل من الله تعالى هو الحق { ~~كمن هو أعمى } يعني كمن هو لا يعلم. ويقال أفمن يعلم أن ما ذكر ~~من المثل حق كمن لا يعلم وهذا كقوله # فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم # [البقرة: 26] يعني المثل، ويقال أفمن يرغب في الحق حتى يعلم أن ما أنزل ~~إليك من ربك هو الحق كمن هو أعمى. يعني كمن لا يرغب فيه { إنما ~~يتذكر أولو الألبب } يعني يتعظ بما أنزل إليك من القرآن ~~ذوو العقول من الناس وهم المؤمنون. ثم وصفهم فقال { الذين يوفون ~~بعهد الله } يعني العهد الذي بينهم وبين الله تعالى والعهد الذي ~~بينهم وبين الناس { ولا ms0853 ينقضون الميثق } يعني الميثاق الذي ~~أخذ عليهم يوم الميثاق. ويقال يعني: أهل الكتاب، الميثاق الذي أخذ عليهم ~~في كتابهم. قوله { والذين يصلون ما أمر الله به أن ~~يوصل } يعني: يصلون الأرحام ولا يقطعونها. وقال يعني: الإيمان بجميع ~~الأنبياء { ويخشون ربهم } يعني يمتنعون عما نهاهم الله تعالى ~~عنه. والخشية من الله الامتناع عن المحرمات والمعاصي { ويخافون سوء ~~الحساب } يعني شدته { والذين صبروا } يعني صبروا عن المعاصي ~~وصبروا عن أداء الفرائض وصبروا على المصائب والشدائد وصبروا على أذى ~~الكفار والمنافقين { ابتغاء وجه ربهم } يعني: صبروا على طلب ~~مرضاة الله تعالى { وأقاموا الصلاة } يعني: أتموها بركوعها ~~وسجودها في مواقيتها { وأنفقوا مما رزقناهم } يعني: من ~~الأموال { سرا وعلانية } يعني يتصدقون في الأحوال كلها ظاهرا ~~وباطنا. ويقال مرة يتصدقون سرا مخافة الرياء ومرة يتصدقون علانية لكي ~~يقتدى بهم. ويقال يتصدقون صدقة التطوع في السر وزكاة الفريضة علانية { ~~ويدرءون بالحسنة السيئة } يقول: يدفعون بالكلام الحسن ~~السيئة. يعني: الكلام القبيح فهذا كله صفة ذوي الألباب وهم الذين ~~استجابوا لربهم، ثم بين ثوابهم ومرجعهم في الآخرة فقال: { أولئك ~~لهم عقبى الدار } يعني: لهم الجنة وهم المهاجرون والأنصار ومن ~~كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة. فقال تعالى: { جنت عدن ~~يدخلونها ومن صلح } يعني: ومن آمن وأطاع الله تعالى: { من ~~ءابائهم وأزوجهم وذريتهم } يدخلون أيضا جنات عدن ~~وهذا كقوله: # ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] { والملئكة يدخلون عليهم من كل باب ~~} ويسلمون عليهم ويقولون { سلم عليكم بما صبرتم } على ~~أمر الله تعالى وطاعته { فنعم عقبى الدار } يعني نعم العاقبة ~~الجنة. فقد بين حال الذين استجابوا لربهم والذين يعلمون أن الذي أنزل ~~إليك هو الحق. ثم بين حال الذين لم يستجيبوا له وهم الذين ينقضون الميثاق ~~فقال تعالى: { والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثقه } يعني: من بعد تأكيده وتغليظه، يعني: بعد إقرارهم بالتوحيد ~~يوم الميثاق { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل } ~~يعني: الأرحام. ويقال الإيمان بالنبيين { ويفسدون فى الأرض } ~~بالدعاء إلى عبادة غير الله تعالى: { أولئك لهم اللعنة } ~~يعني يلعنهم ms0854 في الدنيا والآخرة { ولهم سوء الدار } يعني: سوء ~~المرجع. ويقال: لهم اللعنة. يعني هم مطرودون من رحمة الله تعالى في ~~الدنيا والآخرة { ولهم سوء الدار } يعني عذاب النار في الآخرة. ### || [13.26] # قوله تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشاء } يعني: يوسع ~~الرزق لمن يشاء من عباده { ويقدر } يعني: يقتر في الرزق. يعني: ~~يختار للغني الغنى وللفقير الفقر. لأنه يعلم أن صلاحه فيه. وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: إن الله تعالى خلق الخلق وهو بهم عليم. فجعل الغنى لبعضهم ~~صلاحا وجعل الفقر لبعضهم صلاحا فذلك الخيار للفريقين. وقال الحسن ~~البصري: ما أحد من الناس يبسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر ~~به فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه. (وما أمسكها الله تعالى عن عبد ~~فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه). ثم قال ~~تعالى: { وفرحوا بالحيوة الدنيا } يقول: استأثروا الدنيا ~~على الآخرة { وما الحيوة الدنيا فى الآخرة إلا ~~متع } يعني: الدنيا بمنزلة الأواني التي لا تبقى. مثل السكرجة ~~والزجاجة وأشباه كل ذلك التي يتمتع بها ثم تذهب فكذلك هذه الدنيا تذهب ~~وتفنى. وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر ~~بم يرجع " # وقال مجاهد: إلا متاع. أي قليل ذاهب وهكذا قال مقاتل. ### || [13.27-30] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا } يعني هلا { ~~لولا أنزل عليه آية من ربه } يعني علامة لنبوته. { ~~قل إن الله يضل من يشاء } من عباده من الهدى يعني إذا لم ~~يرغب فيه { ويهدي إليه } يرشد إلى دينه { من أناب } يعني: ~~من رجع إلى الحق. ويقال رجع عن الشرك. ثم قال تعالى: { الذين ~~آمنوا } هذا مقرون بالأولى يعني ويهدي الذين آمنوا { ~~وتطمئن قلوبهم } يعني: تسكن وترضى قلوبهم { بذكر الله ~~} يعني: إذا ذكروا الله تعالى بوحدانيته آمنوا به غير شاكين. وقال الكلبي ~~يعني: وتسكن وترضى قلوبهم لمن يحلف لهم بالله { ألا ms0855 بذكر الله ~~تطمئن القلوب } يعني: ترضى وتسكن قلوب المؤمنين { الذين ~~آمنوا } يعني: صدقوا بالله وبمحمد وبالقرآن { وعملوا ~~الصلحات } يعني: الطاعات { طوبى لهم } يعني: غبطة لهم. قال ~~مجاهد: طوبى لهم يعني الجنة. ويقال: شجرة في الجنة. قال الفقيه: حدثنا ~~محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا إبراهيم بن يوسف قال ~~حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي اليسر عن مغيث بن سمي في قوله تعالى: ~~{ طوبى لهم }. قال: طوبى شجرة في الجنة ساقها من ذهب الورقة منها ~~تغطي الدنيا ليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن من أغصانها. وقال أبو هريرة: ~~طوبى شجرة في الجنة. وقال قتادة هي كلمة عربية. يقول الرجل طوبى لك إذا ~~أصبت خيرا. وقال عكرمة طوبى لهم (أي نعما لهم) ويقال طوبى لهم أي خير ~~لهم. ثم قال تعالى: { وحسن مئاب } يعني: حسن المرجع في الآخرة. ~~قوله تعالى: { كذلك أرسلناك فى أمة } يقول: هكذا بعثناك ~~في أمة كما بعثنا إلى من كان قبلك من الرجال في الأمم الخالية { قد ~~خلت من قبلها } يعني: قد مضت من قبل قومك { أمم لتتلو ~~عليهم } يعني: أرسلناك لتقرأ عليهم { الذى أوحينا إليك ~~} من القرآن { وهم يكفرون بالرحمن } يعني: يجحدون ~~ويكذبون. وذلك أن عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه قالوا: ما نعرف ~~الرحمن إلا مسيلمة الكذاب. قال الله تعالى { قل هو ربي } يعني: قل ~~يا محمد الرحمن الذي تكفرون به هو الله ربي الذي { لا إله إلا ~~هو عليه توكلت } يعني: فوضت أمري إليه { وإليه متاب ~~} يعني: وإليه أتوب وأرجع. ### || [13.31] # قوله تعالى: { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } وذلك ~~أن عبد الله بن أمية وغيره من كفار مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- سيرت لنا جبال مكة ذهبا وفضة حتى نعلم أنك صادق في مقالتك. أو قرب ~~أسفارنا كما فعل سليمان بن داود بريحه أو كلم موتانا كما فعل عيسى بن ~~مريم بدعائه. فنزل { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } ~~عن أماكنها { أو قطعت به الأرض } غدوها ms0856 شهر ورواحها شهر { ~~أو كلم به الموتى } فلم يذكر جوابه لأن في الكلام دليلا ~~عليه. يعني: لو فعلنا بقرآن قبل قرآن محمد - صلى الله عليه وسلم - لفعلنا ~~ذلك بقرآن محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال لو فعل أحد من الأنبياء ما ~~تسألوني لفعلت لكم ولكن الأمر إلى الله تعالى إن شاء فعل وإن شاء لم ~~يفعل. فذلك قوله تعالى: { بل لله الأمر جميعا } ويقال: معناه: ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال عن أماكنها أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى لم يؤمنوا به. وهذا كقوله: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملئكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا # [الأنعام: 111] الآية إلى قوله: # ما كانوا ليؤمنوا # [الأنعام: 111]. بل لله الأمر جميعا إن شاء هدى من كان أهلا ~~لذلك وإن شاء لم يهد من لم يكن أهلا لذلك. قوله تعالى: { أفلم ~~ييأس الذين آمنوا } قال الحسن وقتادة: أفلم يعلم. وقال ~~الفراء لم أجد في العربية مثل هذا. ويقال معناه أفلم يتبين للذين آمنوا ~~وهو بلسان النخع. ويقال هو من الأياس ومعناه أفلم ييأس الذين آمنوا من ~~إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون { أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا } يعني: إنهم لم يكونوا أهلا لذلك ~~فلم يهدهم. وروى ابن أبان بأسناده عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ " ~~أفلم يتبين " فقيل له أفلم ييأس الذين آمنوا. فقال إني لأرى الكاتب ~~كتبها وهو ناعس. وروي في خبر آخر أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن قوله ~~{ أفلم ييأس الذين آمنوا } قال أفلم يعلم. قال وهل تعرف ~~العرب ذلك. قال ابن عباس نعم أما سمعت قول مالك بن عوف وهو يقول: # قد يئس الأقوام أني أنا ابنه # وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا # ثم قال: { ولا يزال الذين كفروا } يعني: أهل مكة { ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة } يعني: نكبة وشدة. ويقال القارعة: ~~داهية تقرع. ويقال لكل مهلكة قارعة. ويقال نازلة تنزل لأمر شديد. فالمراد ~~هنا سرية من سرايا رسول الله ms0857 - صلى الله عليه وسلم - تأتيهم وتصيبهم من ~~ذلك شدة. { أو تحل قريبا من دارهم } يعني: تنزل أنت يا ~~محمد بجماعة أصحابك قريبا من دارهم يعني من مكة. وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سار بجنوده حتى أتى عسفان ثم بعث مائتي راكب حتى انتهوا ~~قريبا من مكة ثم قال { حتى يأتى وعد الله } يعني: فتح ~~مكة. قالوا هذه الآية مدنية. ثم قال: { إن الله لا يخلف ~~الميعاد } أي بفتح مكة على النبي - صلى الله عليه وسلم. ### || [13.32-34] # قوله تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } كما استهزأ ~~بك قومك. { فأمليت للذين كفروا } يعني: أمهلتهم بعد ~~الاستهزاء ولم أعاقبهم { ثم أخذتهم } بالعذاب عند المعصية ~~بالتكذيب فأهلكتهم { فكيف كان عقاب } يعني: فكيف رأيت إنكاري ~~وتعبيري عليهم بالعذاب. لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - عقوبتهم إلا ~~أنه علم بحقيقته فكان رأي عيان. قوله تعالى: { أفمن هو قائم ~~على كل نفس بما كسبت } يقول هو الله القائم على كل نفس برة ~~وفاجرة بالرزق لهم والدفع عنهم. وجوابه مضمر يعني كمن هو ليس بقائم على ~~ذرة. وهذا كقوله # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17] ثم قال: { وجعلوا لله شركاء } يعني: قالوا ~~ووصفوا لله شريكا. وقال مقاتل؛ وجعلوا لله شركاء. يقول أنا القائم على ~~كل نفس بأرزاقهم وأطعمتهم كالذين يصفون أن لي شريكا. معناه لا تكون ~~عبادة الله بعبادة غيره. { قل سموهم } يعني قل يا محمد سموا هؤلاء ~~الشركاء. يعني سموا دلائلهم وبراهينهم وحججهم. ويقال سموا منفعتهم ~~وقدرتهم. ثم قال: { أم تنبئونه بما لا يعلم فى الأرض ~~} يعني: تخبرونه بما علم أنه لا يكون. ويقال: معناه: أتشركون معه جاهلا ~~لا يعلم ما في الأرض ويقال معناه: أتخبرون الله بشيء لا يعلم من آلهتكم. ~~يعني يعلم الله أنه ليس لها في الأرض قدرة { أم بظهر من ~~القول } يعني: أتقولون قولا بلا برهان ولا حجة. ويقال: بباطل من ~~القول. يعني إن قلتم إن لها قدرة لقلتم باطلا. وقال قتادة: الظاهر من ~~القول الباطل. وكذلك قال مجاهد. ثم ms0858 قال { بل زين للذين ~~كفروا مكرهم } يقول: ولكن زين للذين كفروا من أهل مكة كفرهم ~~وقولهم الشرك { وصدوا عن السبيل } قرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمر " وصدوا عن السبيل " بنصب الصاد. يعني إن الكافرين صدوا ~~الناس عن السبيل. يعني: عن دين الله الإسلام. وقرأ الباقون " وصدوا " ~~بضم الصاد على فعل ما لم يسم فاعله مثل قوله # زين له # [فاطر: 8]. ثم قال { ومن يضلل الله } يعني: من يخذل عن دينه ~~الإسلام ولا يوفقه { فما له من هاد } يعني: ما له من مرشد إلى ~~دينه غير الله تعالى قوله تعالى: { لهم عذاب فى الحيوة ~~الدنيا } يعني: لهم في الدنيا الشدائد والأمراض. ويقال: وعند الموت. ~~ويقال: القتل على أيدي المسلمين والغلبة عليهم. { ولعذاب الآخرة ~~أشق } يعني: أشد { وما لهم من الله من واق } يعني: ملجأ ~~يلجأون إليه فيمنعهم من عذاب الله تعالى. ### || [13.35-37] # قوله تعالى: { مثل الجنة التى وعد المتقون } قال ~~بعضهم: المثل هنا أراد به الصفة ولم يرد به التشبيه لأنه قد ذكر من قبل ~~حديث الجنة وهو قوله تعالى: # للذين استجابوا لربهم الحسنى # [الرعد: 18] وقال بعد ذلك: # جنت عدن يدخلونها # [الرعد: 23]. ثم بين ها هنا صفة الجنة فقال (مثل الجنة) يعني: صفة الجنة ~~التي وعد المتقون الذين يتقون الشرك والفواحش روي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه كان يقرأ " أمثال الجنة التي وعد المتقون " يعني صفاتها ~~وأحاديثها { تجرى من تحتها الأنهر أكلها دائم } ~~يعني: نعيمها لا ينقطع عنهم أبدا { وظلها } يقول: وهكذا ظلها دائم ~~أبدا ليس فيها شمس. وقال بعضهم: أراد به التشبيه لأن الله عرفنا أمور ~~نعيم الجنة التي لم نرها ولم نشاهدها بما شاهدنا من أمور الدنيا. ومعناه ~~مثل الجنة التي وعد المتقون جنة تجري من تحتها الأنهار ثم قال: { تلك ~~عقبى الذين اتقوا } يعني تلك الجنة جزاء الذين اتقوا الشرك ~~والفواحش { وعقبى الكفرين النار } يعني: مصيرهم وجزاؤهم ~~النار. ثم قال تعالى: { والذين ءاتينهم الكتب } أي ~~التوراة { يفرحون بما أنزل إليك } وهم مؤمنو أهل الكتاب ~~يعجبون ms0859 بذكر الرحمن { ومن الأحزاب من ينكر بعضه } يعني ~~أهل مكة ينكرون ذكر الرحمن ويقولون ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة. ~~يعنون مسيلمة الكذاب. ويقال: ومن الأحزاب من ينكر بعضه يعني: من أهل ~~الكتاب من ينكر ما كان فيه نسخ شرائعهم { قل } يا محمد { إنما ~~أمرت أن أعبد الله } يعني: أمرت أن أقيم على التوحيد { ~~ولا أشرك به } شيئا ثم قال: { إليه أدعوا } يقول أدعو ~~الخلق إلى توحيده { وإليه مآب } يعني المرجع في الآخرة ثم قال { ~~وكذلك أنزلنه } يعني: القرآن { حكما } يعني: القرآن حكما ~~على الكتب كلها ويقال محكما { عربيا } يعني القرآن بلغة العرب { ~~ولئن اتبعت أهواءهم } قال الكلبي يعني: لئن صليت إلى قبلتهم ~~يعني: نحو بيت المقدس { بعد ما جاءك من العلم } يعني من بعد ~~ما أتاك العلم بأن قبلتك نحو الكعبة. ويقال ولئن اتبعت أهواءهم. يعني ~~أهل مكة. فيما يدعونك إلى دين آبائك بعد ما ظهر لك أن الإسلام هو الحق { ~~ما لك من الله } يعني من عذابه { من ولى } ينفعك { ولا ~~واق } يقيك من عذاب الله. الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمراد به أصحابه. ### || [13.38-39] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك } وذلك أن ~~اليهود عيروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا لو كان هذا ~~نبيا كما يزعم لشغلته النبوة عن تزوج النساء فنزل { ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك } يا محمد { وجعلنا لهم ~~أزواجا وذرية } قال الكلبي. كان لسليمان بن داود عليه السلام ~~ثلاثمائة امرأة مهرية وتسعمائة سرية. وكان لداود مائة امرأة. ثم قال: { ~~وما كان لرسول } يعني: ليس ينبغي لرسول { أن يأتي بآية } ~~إلى قومه { إلا بإذن الله } يعني: بأمر الله تعالى ويقال: ~~معناه ما كان يقدر أحد أن يأتي بآية من الآيات إلا بإذن الله { لكل ~~أجل كتاب } أي لكل أجل من آجال العباد كتاب مكتوب لا يزاد عليه ولا ~~ينقص منه. ويقال لكل أجل وقت قد كتب. وقال الفراء هذا مقدم ومؤخر أي لكل ~~كتاب أجل مثل قوله # وجاءت سكرة الموت بالحق # [ق: ms0860 19] أي سكرة الحق بالموت وكذلك قال ابن عباس قوله تعالى: { يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت } روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن قريشا ~~لما نزلت هذه الآية # وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله # [الرعد: 38]. قالوا ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر. ~~فنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا لهم. فإنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ~~ما نشاء فيمحو الله ما يشاء ويثبت ما يشاء من أرزاق العباد ومصايبهم وما ~~يعطيهم وما يقسم لهم. وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل أنه كان يقول في ~~دعائه. اللهم إن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا وإن كنت كتبتنا أشقياء ~~فامحنا واكتبنا سعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت ما تشاء وعندك أم الكتاب. ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والموت والحياة. وروى منصور عن مجاهد ~~أنه قال إلا الشقاوة والسعادة لا يتغيران. ويقال يمحو الله ما يشاء من ~~أعمال بني آدم ما كتب الحفظة ما ليس فيه جزاء خير ولا شر ويثبت ما فيه ~~جزاء خير أو شر. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إن الحفظة إذا ~~رفعت ديوان العبد. فإن كان في أوله وآخره خير يمحو الله ما بينهما من ~~السيئات وإن لم يكن في أوله وآخره حسنات يثبت ما فيه من السيئات. وقال ~~مقاتل: يمحو الله يعني: ينسخ الله ما يشاء من القرآن ويثبت ويقر المحكم ~~الناسخ ما يشاء فلا ينسخه. ويقال يمحو الله يعني: المعرفة عن ما يشاء ~~ويثبت في قلب من يشاء. وهو مثل قوله # يضل من يشآء ويهدى إليه من أناب # [الرعد: 27] ويقال: يقضي على العبد البلاء فيدعو العبد فيزول عنه كما ~~روي في الخبر الدعاء يرد البلاء. ثم قال { وعنده أم الكتب } ~~يعني أصل الكتاب وجملته وهو اللوح المحفوظ كتب فيه كل شيء قبل أن يخلقهم. ### || [13.40-42] # قوله تعالى: { وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم } من ~~العذاب والزلازل والمصايب ms0861 في الدنيا إذ كذبوك وأنت حي. { أو ~~نتوفينك } يقول: أو نميتك قبل أن نرينك { فإنما عليك ~~البلغ } بالرسالة { وعلينا الحساب } يعني الجزاء. ثم قال ~~{ أو لم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من ~~أطرافها } يعني: نفتحها من نواحيها. وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " هو ذهاب العلماء " # وقال ابن عباس: ذهاب فقهائها وخيار أهلها. وعن ابن مسعود نحوه. وقال ~~الضحاك أو لم ير المشركون أنا ننقصها من أطرافها. يعني يأخذ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما حولهم من أراضيهم وقراهم وأموالهم أفهم الغالبون. ~~يعني أولا يرون أنهم المغلوبون والمنتقصون. وعن عكرمة أنه قال الأرض لا ~~تنقص ولكن تنقص الثمار وينقص الناس. وعن عطاء أنه قال: هو موت فقهائها ~~وخيارها. وقال السدي: يعني: ينقص أهلها من أطرافها ولم تهلك قرية إلا من ~~أطرافها. يعني: تخرب قبل. ثم يتبعها الخراب. { والله يحكم لا ~~معقب لحكمه } يقول: لا راد لحكمه ولا مغير له ولا مرد لما حكم ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - النصرة والغنيمة { وهو سريع ~~الحساب } إذا حاسب فحسابه سريع. قوله تعالى: { وقد مكر ~~الذين من قبلهم } يعني: صنع الذين من قبلهم كصنيع أهل مكة ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { فلله المكر جميعا } يعني: ~~يجازيهم جزاء مكرهم وينصر أنبياءه ويبطل مكر الكافرين. ثم قال: { ~~يعلم ما تكسب كل نفس } برة وفاجرة { وسيعلم ~~الكفر لمن عقبى الدار } يعني: الجنة. ### || [13.43] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } يعني: ~~كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر اليهود. ويقال: يعني: أهل مكة { قل ~~كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } يقول: كفى الله شاهدا ~~بيني وبينكم. على مقالتكم { ومن عنده علم الكتب } يعني: ~~ومن آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه شهيدا بيني وبينكم ~~لأنهم وجدوا نعته وصفته في كتبهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: { ~~يمحو الله ما يشاء ويثبت } بجزم الثاء والتخفيف. وقرأ ~~الباقون بنصب الثاء وتشديد الباء (ويثبت) ومعناهما واحد. وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو " وسيعلم الكافر " (بلفظ ms0862 الوحدان وهو اسم ~~جنس فيقع على الواحد وعلى الجماعة. وقرأ الباقون " الكفار " بلفظ ~~الجماعة. وقال أبو عبيدة: رأيت في مصحف الإمام " وسيعلم ~~الكفار " بلفظ الجماعة وروي عن) عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ " ~~ومن عنده " بالكسر يعني القرآن من عند الله تعالى. وروي عنه أيضا ~~وسيعلم الكافرون. وقرأ أبي بن كعب " وسيعلم الذين كفروا " وقال عبد الله ~~بن مسعود: هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام أسلم بعد ذلك بمدة فكيف ~~يجوز أن يكون المراد به عبد الله بن سلام. وروي عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس أنه قرأ بالكسر. وقرأ بعضهم " ومن عنده علم الكتاب " بضم ~~العين وكسر اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وروي عن ابن عباس أنه ~~كان يقول هذه السورة مدنية وكان يقرأ " ومن عنده " بالنصب. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1-5] # قوله تعالى: { الر كتاب أنزلناه إليك } يعني: هذا كتاب ~~أنزلنا جبريل ليقرأه عليك وهو القرآن { لتخرج الناس } أي لتدعو ~~الناس { من الظلمت إلى النور } يعني: من الكفر إلى ~~الإيمان. وسمى الكفر ظلمات لأن الكفر طريق الضلالة فمن وقع فيه ضل الطريق ~~وسمى الإيمان نورا لأنه طريق واضح مبين { بإذن ربهم } يقول: ~~بأمر ربهم { إلى صراط العزيز الحميد } يعني: دين الإسلام، ~~العزيز المنيع بالنقمة لمن عصاه ولم يجب الرسل. الحميد لمن وحده. ويقال ~~الحميد في فعاله. ويقال الحميد لأفعال الخلق يشكر لهم اليسير من أعمالهم ~~ويعطي الجزيل. ثم قال تعالى: { الله الذى له ما فى ~~السموت وما فى الأرض } من الخلق. قرأ ابن عامر ونافع " ~~الله " بالضم على معنى الابتداء. وقرأ الباقون " الله " بالكسر على ~~معنى البناء ثم قال { وويل للكفرين } يعني الكافرين بوحدانية ~~الله تعالى { من عذاب شديد } أي: غليظ دائم. والويل الشدة من ~~العذاب. ويقال: الويل واد في جهنم. ثم نعتهم فقال: { الذين ~~يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة } يعني يستأثرون ~~ويختارون الدنيا الفانية على الآخرة الباقية { ويصدون عن سبيل ~~الله } يعني: يصرفون الناس عن ملة الإسلام { ويبغونها عوجا } ~~يعني: يريدون بملة ms0863 الإسلام غيرا وزيغا { أولئك فى ضلل ~~بعيد } عن الحق. يعني: في خطإ طويل بعيد عن الحق. قوله تعالى: { وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } يعني: بلغة قومه ~~ليفهموه وليكون أبين لهم يعني: { ليبين لهم } طريق الهدى { ~~فيضل الله من يشاء } عن دين الإسلام من لم يكن أهلا لذلك. { ~~ويهدي من يشاء } إلى دينه الإسلام من كان أهلا لذلك { وهو ~~العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره وقضائه ويقال الحكيم حكم ~~بالضلالة والهدى لمن يشاء. قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنآ } يعني: باليد والعصا { أن أخرج قومك } يعني: ادع ~~قومك { من الظلمت إلى النور } يعني: من الكفر إلى الإيمان ~~{ وذكرهم بأيام الله } يعني: خوفهم بمثل عذاب الأمم ~~الخالية ليؤمنوا. وقال مجاهد: أيام نعمه. وكذلك قال قتادة والسدي يعني ~~ذكرهم نعمائي ليؤمنوا بي وروي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن ~~حببني إلى عبادي. قال يا رب كيف أحببك إلى عبادك والقلوب بيدك. فأوحى ~~الله إليه أن ذكرهم نعمائي ثم قال: { إن فى ذلك لايات } يعني: ~~في الذي فعلت بالأمم الخالية وما أعطيتهم من النعم لعلامات { لكل ~~صبار } على طاعة الله والصبار هو البالغ في الصبر { شكور } يعني ~~شكور لنعم الله تعالى. وهو على ميزان فعول وهو المبالغة في الشكر. ### || [14.6-9] # ثم قال تعالى: { وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ أنجاكم من ءال فرعون } يعني: من ~~فرعون وآله. كما قال في آية أخرى # وأغرقنآ ءال فرعون # [الأنفال: 54] يعني: فرعون وآله { يسومونكم سوء العذاب } ~~يقول: يعذبونكم بأشد العذاب { ويذبحون أبناءكم } الصغار { ~~ويستحيون نساءكم } يعني: يستخدمون نساءكم { وفى ذلكم } ~~يعني: ذبح الأبناء واستخدام النساء { بلاء من ربكم عظيم } ~~يعني: بلية عظيمة لكم من خالقكم. ويقال في إنجاء الله نعمة عظيمة لكم. ~~قوله تعالى: { وإذ تأذن ربكم } يعني: قال. ويقال أعلم ربكم ~~{ لئن شكرتم } نعمتي عليكم { لأزيدنكم } من النعمة { ~~ولئن كفرتم } بتوحيد الله وجحدتم نعمتي عليكم { إن عذابي ~~لشديد } في الآخرة. قال الفقيه: حدثنا أبي رحمه الله بإسناده عن أبي ms0864 ~~هريرة أنه قال: من رزق ستا لم يحرم ستا. من رزق الشكر لم يحرم الزيادة ~~لقوله تعالى: { لئن شكرتم لأزيدنكم }. ومن رزق الصبر لم ~~يحرم الثواب لقوله تعالى: # إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى: # وهو الذى يقبل التوبة عن عباده # [الشورى: 25] ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى: # استغفروا ربكم إنه كان غفارا # [نوح: 10] ومن رزق الدعاء لم يحرم الإجابة لقوله تعالى: # ادعونى أستجب لكم # [غافر: 60] ومن رزق النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: # ومآ أنفقتم من شىء فهو يخلفه # [سبأ: 39]. قوله تعالى: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن ~~فى الأرض جميعا } يعني إن جحدتم نعم الله ولم تؤمنوا به { فإن ~~الله لغنى } يعني: عن إيمانكم وطاعتكم { حميد } لمن عبده منكم ~~بالمغفرة. قوله تعالى: { ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم } يقول: ألم يأتكم في القرآن خبر الذين من قبلكم من الأمم ~~الماضية، كيف عذبهم الله تعالى عند تكذيب رسلهم { قوم نوح } كيف ~~أهلكهم بالغرق { وعاد } كيف أهلكهم الله بالريح { وثمود } كيف ~~أهلكهم بالصيحة. فهذا تهديد لأهل مكة ليعتبروا بهم قوله تعالى: { ~~والذين من بعدهم } كيف عذبوا { لا يعلمهم إلا ~~الله } يعني: لا يعلم عددهم إلا الله قال ابن مسعود: كذب النسابون. ~~وقرأ { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله }. { ~~جاءتهم رسلهم بالبينت } يعني: جاء الرسل بالأمر والنهي { ~~فردوا أيديهم فى أفواههم } قال مقاتل: وضع الكفار ~~أيديهم على أفواههم فقالوا للرسل اسكتوا فإنكم كذبة. وإن العذاب غير نازل ~~بنا وروى هبيرة بن يزيد عن عبد الله بن مسعود في قوله " فردوا ~~أيديهم فى أفواههم ". قال جعلوا أصابعهم في فيهم. وقال ~~القتبي أي عضوا عليها حنقا وغيظا. # قال مجاهد وقتادة: يعني: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم. ويقال: فردوا ~~أيديهم. يعني: نعم رسلهم. لأن مجيئهم بالبينات نعم. ومعنى قوله في ~~أفواههم أي بأفواههم. أي: ردوا تلك النعمة بالنطق بالتكذيب { وقالوا ~~إنا كفرنا } فهذا هو ردهم { بما أرسلتم به } يعني: بما ~~تدعونا إليه { وإنا لفى ms0865 شك مما تدعوننا إليه مريب ~~} وهو المبالغة في الشك يعني ظاهر الشك. ### || [14.10-14] # قوله تعالى: { قالت رسلهم أفى الله شك } يقول: أفي ~~وحدانية الله شك وعلامات وحدانيته ظاهرة { فاطر السموات ~~والأرض } يعني: تشكون في الله خالق السموات والأرض { يدعوكم ~~ليغفر لكم } يعني: يدعوكم إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى ~~ليتجاوز عنكم { من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ~~} يعني: منتهى آجالكم فلا يصيبكم فيه العذاب. فأجابهم قومهم { قالوا ~~إن أنتم إلا بشر مثلنا } يقول: ما أنتم إلا آدميون مثلنا ~~لا فضل لكم علينا بشيء { تريدون أن تصدونا } أي تصرفونا { ~~عما كان يعبد ءاباؤنا } من الآلهة { فأتونا بسلطن ~~مبين } يعني: بحجة بينة. { قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشر مثلكم } يقول: ما نحن إلا آدميون مثلكم كما تقولون { ~~ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } ~~ويختاره للنبوة { وما كان لنا أن نأتيكم بسلطن } ~~جوابا لقولهم فأتونا بسلطان مبين يعني لا ينبغي أن نأتيكم بسلطان { ~~إلا بإذن الله } لأن الأمر بيد الله تعالى { وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون } يعني: على المؤمنين أن يتوكلوا على ~~الله قوله: { وما لنا ألا نتوكل على الله وقد ~~هدانا سبلنا } يعني: وفقنا لطريق الإسلام. ويقال أكرمنا بالنبوة { ~~ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون } أي فليثق الواثقون. قوله تعالى: { ~~وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من ~~أرضنا أو لتعودن فى ملتنا } يعني: لتدخلن في ديننا. ~~فهذا كله تعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذى المشركين كما ~~صبر من قبله من الرسل. { فأوحى إليهم ربهم } يقول أوحى ~~الله تعالى إلى الرسل { لنهلكن الظلمين } فهذا لام القسم. ~~ويراد به التأكيد للكلام أن يهلك الكافرين من قومهم { ~~ولنسكننكم الأرض من بعدهم } يقول: لننزلنكم في الأرض ~~من بعد هلاكهم. فأهلك الله تعالى قومهم فسكن الرسل ومن آمن معهم من ~~المؤمنين ديارهم { ذلك لمن خاف مقامى } يعني: ذلك الثواب لمن ~~خاف مقامه يوم القيامة بين يدي رب العالمين. وروي عن أبي بن كعب أنه قال: ~~يقومون ثلاثمائة عام لا يؤذن لهم فيقعدون. ms0866 أما المؤمنون فيهون عليهم كما ~~يهون عليهم الصلاة المكتوبة، وروي عن منصور عن خيثمة أنه قال: كنا عند ~~عبد الله بن عمر. فقلنا إن عبد الله بن مسعود كان يقول إن الرجل ليعرق ~~حتى يسبح في عرقه ثم يرفعه العرق حتى يلجمه فقال ابن عمر. هذا للكفار فما ~~للمؤمنين؟ فقلنا الله أعلم. فقال يرحم الله أبا عبد الرحمن حدثكم أول ~~الحديث ولم يحدثكم آخره إن للمؤمنين كراسي يجلسون عليها ويظلل عليهم ~~بالغمام ويكون يوم القيامة عليهم كساعة من نهاره ثم قال تعالى: { وخاف ~~وعيد } أي وخشي عذابي عليه. قرأ نافع في رواية ورش " وعيدي " ~~بالياء يعني عذاب الله وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسرة تقوم مقامه. ~~وأصله الياء. ### || [14.15-20] # ثم قال { واستفتحوا } يقول واستنصروا. قال قتادة: استنصرت الرسل ~~على قومها. وقال مقاتل: يعني قومهم دعوا الله فقالوا: اللهم إن كانت ~~رسلنا صادقين فعذبنا. ويقال استنصر كلا الفريقين { وخاب كل ~~جبار عنيد } يقول خسر عند الدعاء كل متكبر عن الإيمان معرض عن ~~التوحيد. وقال الزجاج الجبار الذي يضرب عند الغضب ويقتل عند الغضب. وقال ~~مجاهد: كل جبار عنيد أي معاند للحق مجانب. ويقال نزلت في أبي جهل. قوله ~~تعالى: { من ورائه جهنم } يقول: من قدامهم يعني: بعد الموت ~~ويقال من بعدهم جهنم. ويقال يعني أمامه. كقوله تعالى: # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79] يعني: أمامهم. ثم قال: { ويسقى من ماء صديد } ~~يعني: بما يسيل من جلودهم من القيح والدم. ويقال ماء كهيئة الصديد. قوله ~~تعالى: { يتجرعه } يعني: يردده في حلقه { ولا يكاد يسيغه ~~} يقول: ولا يقدر على ابتلاعه لكراهيته ويقال يجتره { ويأتيه ~~الموت من كل مكان } (يعني: غم الموت وألمه وطعمه من كل مكان من ~~جسده). ويقال: من كل ناحية ومن كل عرق ومن كل موضع شعرة يجد مرارة الموت ~~{ وما هو بميت } يعني: لا يموت أبدا { ومن ورائه } يعني: ~~من بعد الصديد { عذاب غليظ } يعني: شديد لا يفتر عنه قوله تعالى: { ~~مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم } يعني: صفة الذين ~~كفروا. ويقال: مثل ms0867 أعمال الذين كفروا بربهم يوم القيامة { كرماد ~~اشتدت به الريح } يقول: ذرت به الريح { في يوم عاصف } ~~يعني: قاصف شديد الريح. فكذلك أعمال الكفار. أحبط الله ثواب أعمالهم وهذا ~~كقوله # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23] لأن أعمالهم كانت بغير إيمان ولا تقبل الأعمال إلا ~~بالإيمان. ولا ثواب لهم بها. قرأ نافع " اشتدت به الرياح } ~~بالألف وقرأ الباقون بغير ألف { لا يقدرون مما كسبوا على ~~شىء } يعني لا يقدرون على ثواب أعمالهم { ذلك هو الضلال ~~البعيد } يعني: الخطأ البعيد عن الحق. قوله تعالى: { ألم تر ~~أن الله } يعني: ألم تعلم أن الله { خلق السموات ~~والأرض } قرأ حمزة والكسائي " خالق السموات والأرض " بكسر الضاد ~~على معنى الإضافة. وقرأ الباقون " خلق السموات والأرض " ~~بنصب الضاد على معنى فعل الماضي. وقوله { بالحق } يعني بالعدل ويقال ~~ببيان الحق { إن يشأ يذهبكم } يقول يميتكم ويهلكهم إن عصيتموه ~~{ ويأت بخلق جديد } يعني: قوما غيركم خيرا منكم وأطوع لله ~~تعالى فهذا تهديد من الله ليخافوه. ثم قال { وما ذلك على الله ~~بعزيز } يعني: إهلاككم ليس على الله بشديد. ### || [14.21-22] # قوله تعالى: { وبرزوا لله جميعا } يقول وخرجوا من قبورهم ~~لأمر الله تعالى. يعني القادة والأتباع اجتمعوا للحشر والحساب. وهذا ~~كقوله # وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]. { فقال الضعفاء } يعني: الأتباع والسفلة { ~~للذين استكبروا } وهم القادة { إنا كنا لكم تبعا ~~} في الدنيا نطيعكم فيما أمرتمونا به { فهل أنتم مغنون عنا ~~} يقول: حاملون عنا { من عذاب الله من شىء قالوا } يعني ~~القادة للسفلة { لو هدانا الله لهديناكم } يعني: لو ~~أكرمنا الله بالهدي والتوحيد لهديناكم لدينه. ويقال: معناه لو أدخلنا ~~الله الجنة لشفعنا لكم. ثم قالت القادة للسفلة { سواء علينا } ~~العذاب { أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } يعني: من ~~مفر ولا ملجأ من العذاب. وروى أسباط عن السدي أنه قال: يقول أهل النار ~~تعالوا فلنصبر لعل الله يرحمنا بصبرنا فيصبرون فلا يرحمون. فيقولون ~~تعالوا فلنجزع لعل الله يرحمنا بجزعنا فيجزعون فلا يغني عنهم شيئا ~~فيقولون { سواء ms0868 علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من ~~محيص }. قوله تعالى: { وقال الشيطن لما قضى الأمر ~~} روى سفيان عن رجل عن الحسن أنه قال: إذا كان يوم القيامة ودخل أهل ~~النار النار وأهل الجنة الجنة قام إبليس خطيبا على منبر من نار فقال { ~~إن الله وعدكم وعد الحق } الآية. ويقال إنهم لما دخلوا ~~النار أقبلوا على إبليس وجعلوا يلومونه ويقولون أنت الذي أضللتنا فيرد ~~عليهم. فبين الله تعالى رده عليهم لكيلا يغتروا به في الدنيا فذلك قوله { ~~وقال الشيطن لما قضى الأمر } يعني لما فرغ من الأمر ~~حين دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فقال إبليس لأهل النار. { ~~إن الله وعدكم وعد الحق } يعني: البعث بعد الموت أو ~~الجنة والنار { ووعدتكم } بأنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب { ~~فأخلفتكم } فكذبتكم الوعد { وما كان لى عليكم من ~~سلطن } يعني لم يكن لي قدرة الإكراه والقهر. ويقال لم أكن ملكا ~~فقهرتكم على عبادتي ويقال: لم يكن لي حجة على ما قلت لكم { إلا أن ~~دعوتكم } يعني: سوى أن دعوتكم إلى طاعتي { فاستجبتم لى } ~~يعني أجبتم لي طوعا ختيارا { فلا تلومونى } بدعوتي إياكم { ~~ولوموا أنفسكم } بالإجابة { ما أنا بمصرخكم } أي: ~~بمغيثكم فأخرجكم من النار { وما أنتم بمصرخى } يقول: ولا ~~أنتم مغيثي فتخرجونني من النار { إني كفرت بمآ أشركتمون ~~من قبل } قال الكلبي: فيه تقديم وتأخير. يقول إني كفرت من قبل (ما ~~عذلتموني) وكنت كافرا قبل ذلك فليس لكم عندي صراخ ولا إجابة. وقال مقاتل ~~معناه: إني تبرأت اليوم مما أشركتموني مع الله في طاعتي من قبل في ~~الدنيا. وقال القتبي في قوله: إني كفرت وتبرأت كقوله في سورة الممتحنة # كفرنا بكم # [الممتحنة: 4] أي تبرأنا منكم وكقوله في العنكبوت # ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض # [العنكبوت: 25] يعني: يتبرأ وهذا موافق لقوله تعالى: # ويوم القيمة يكفرون بشرككم # [فاطر: 14]. ثم قال: { إن الظلمين لهم عذاب أليم } ~~يعني الكافرين لهم عذاب دائم. قرأ حمزة (بمصرخي) بكسر الياء وهي ~~قراءة الأعمش. وقرأ الباقون بنصب الياء. قال ms0869 أبو عبيدة: النصب أحسن ~~والأول ما نراه إلا غلطا. وهكذا قال الزجاج. ويقال: هي لغة لبعض العرب ~~والنصب هي اللغة الظاهرة. قرأ أبو عمرو " أشركتموني " بالياء عند ~~الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء. ### || [14.23-25] # قوله تعالى: { وأدخل الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحات } يعني: وحدوا الله وأدوا الفرائض وانتهوا عن المحارم { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } وهي الأنهار التي ذكرت في ~~آية أخرى # أنهار من مآء غير آسن # الآية { خلدين فيها } مقيمين في الجنة لا يموتون فيها ولا ~~يخرجون منها { بإذن ربهم } بأمر سيدهم { تحيتهم فيها ~~سلم } يعني: يسلم بعضهم على بعض. ويقال لهم التحية من الله تعالى. ~~قوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا } يقول كيف بين ~~الله شبها { كلمة طيبة } وهي كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. لا ~~تكون في كلمة التوحيد زيادة ولا نقصان ولكن يكون لها مدد. وهو التوفيق ~~بالطاعات في الأوقات { كشجرة طيبة } وهي النخلة. كما أنه ليس في ~~الثمار شيء أحلى وأطيب من الرطب فكذلك ليس في الكلام شيء أطيب من كلمة ~~الإخلاص. ثم وصف النخلة فقال { أصلها ثابت } يعني: في الأرض { ~~وفرعها فى السماء } يعني رأسها في الهواء فكذلك الإخلاص يثبت في ~~قلب المؤمن كما تثبت النخلة في الأرض فإذا تكلم المؤمن بالإخلاص فإنها ~~تصعد في السماء كما أن النخلة رأسها في السماء وكما أن النخلة لها فضل ~~على سائر الشجر في الطول واللون والطيب والحسن فكذلك كلمة الإخلاص لها ~~فضل على سائر الكلام. فهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن. يقول المعرفة في ~~قلب المؤمن العارف ثابتة كالشجرة الثابتة في الأرض بل هي أثبت لأن الشجرة ~~تقطع ومعرفة العارف لا يقدر أحد أن يخرجها من قلبه إلا المعرف الذي عرفه. ~~ويقال وفرعها في السماء يعني: ترفع أعمال المؤمن المصدق إلى السماء. لأن ~~الأعمال لا تقبل بغير إيمان. لأن الإيمان أصل. والأعمال فروعه فترفع ~~الأعمال ويقبل منه. ثم قال { تؤتى أكلها كل حين } يعني: تخرج ~~ثمارها في كل وقت وتخرج منها في كل وقت من ألوان ms0870 المنفعة كل حين يعني في ~~كل وقت. روى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس أنه قال تؤتي أكلها كل حين ~~يعني غدوة وعشية. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال النخلة يكون حملها ~~شهرين، فنرى أن الحين شهران. وروى هشام بن حسان عن عكرمة أنه قال حلف رجل ~~فقال إن فعلت كذا إلى حين فعلي كذا فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى ناس من ~~الفقهاء فسألهم فلم يقولوا شيئا. قال عكرمة فقلت: إن من الحين حينا لا ~~يدرك كقوله تعالى: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88] وقوله: # ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98] ومنها ما يدرك كقوله: { تؤتى أكلها كل حين } ~~فأراد ما بين خروج الثمرة إلى صرامها فأراد به ستة أشهر. قال فأعجب أي ~~فرح بذلك عمر ابن عبد العزيز. # وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن امرأة حلفت ألا تدخل على أهلها ~~حينا. قال الحين ما بين طلوع الطلع إلى أن يجد وبين أن يجد إلى أن يطلع ~~الطلع، يعني ستة أشهر. وعن عكرمة عن ابن عباس أنه قال الحين ما بين ~~الثمرتين. يعني سنة. وعن وهب بن منبه أنه قال الحين السنة وعن مقاتل: ~~سنة. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الحين ستة أشهر. وقال عكرمة: ~~النخلة لا يزال فيها شيء ينتفع به إما ثمرة وإما حطبة. فكذلك الكلمة ~~الطيبة ينتفع بها صاحبها في الدنيا والآخرة ثم قال تعالى: { بإذن ~~ربها } أي: بأمر ربها { ويضرب الله الأمثال } يعني يبين ~~الأشباه { للناس لعلهم يتذكرون } يعني: يتعظون ويتفكرون ~~في الأمثال فيوحدونه. ### || [14.26-27] # قوله تعالى: { ومثل كلمة خبيثة } يعني: كلمة الشرك { ~~كشجرة خبيثة } وهي الحنظلة ليس لها حلاوة ولا طهارة ولا رائحة ~~طيبة. فكذلك الشرك بالله خبيث. ثم وصف الشجرة فقال: { اجتثت من ~~فوق الأرض } يقول اقتلعت من فوق الأرض { ما لها من قرار } ~~يعني: ليس لها أصل يجيء بها الريح ويذهب فكذلك الكفر ليس له أصل ولا حجة ~~في الأرض ولا في السماء. ثم قال تعالى: { يثبت ms0871 الله الذين ~~ءامنوا بالقول الثابت } بلا إله إلا الله { في الحياة ~~الدنيا } يعني: يثبتهم على ذلك القول عند النزع { وفي الآخرة } ~~يعني: في القبر. وقال البراء بن عازب نزلت الآية في عذاب القبر. يسأل من ~~ربك ومن نبيك وما دينك؟ يعني إذا أجاب فقد ثبته الله تعالى وقال الضحاك ~~إذا وضع المؤمن في قبره وانصرف عنه الناس دخل عليه ملكان فيجلسانه ~~ويسألانه من ربك ومن نبيك وما دينك وما كتابك وما قبلتك؟ فيثبته الله في ~~القبر كما يثبته في الحياة الدنيا بالإقرار بالله تعالى وكتبه ورسله. ~~وروى ابن طاووس عن أبيه أنه قال في الحياة الدنيا يعني قول لا إله إلا ~~الله يثبتهم عليها في الدنيا وفي الآخرة عند المسألة في القبر وهكذا قال ~~قتادة. وقال الربيع بن أنس في الحياة الدنيا يعني: في القبر. وفي الآخرة ~~يعني: يوم الحساب. ويقال في الحياة الدنيا وفي الآخرة يعني: يموت على ~~الإيمان ويبعث يوم القيامة مع الإيمان. ثم قال { ويضل الله ~~الظلمين } يعني: عن الحجة فلا يقولونها في القبر. وروي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إذا دخل الكافر والمنافق قبره قالا له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ ~~فيقول لا أدري فيقولان له لا دريت ويضربانه بمرزبة فيصيح صيحة يسمعها ما ~~بين الخافقين إلا الجن والإنس " # وهو قوله تعالى: { ويضل الله الظلمين } { ويفعل ~~الله ما يشاء } يعني: ما شاء للمؤمنين أن يثبتهم وللكافرين أن ~~يضلهم عن الجواب. ### || [14.28-34] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا } قال مقاتل: كانت النعمة أن الله أطعمهم من جوع يعني قريشا ~~وآمنهم من خوف. يعني من القتل ثم بعث فيهم رسولا منهم فكفروا بهذه ~~النعمة وبدلوها. وهم بنو أمية وبنو المغيرة { وأحلوا قومهم ~~دار البوار } يعني وأنزلوا سائر قريش دار البوار يعني: دار الهلاك ~~بلغة عمان. أهلكوا قومهم ثم يصيرون بعد القتل إلى جهنم يوم القيامة فذلك ~~قوله تعالى { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله ~~كفرا } (أي غيروا نعمة ms0872 الله عليهم بالكفر) { وأحلوا قومهم ~~دار البوار } يعني: دار الهلاك { جهنم يصلونها } هي ~~دارهم في الآخرة. قال الكلبي أحلوا قومهم دار البوار يعني مصرعهم ببدر. { ~~جهنم يصلونها } يعني: يدخلونها يوم القيامة { وبئس ~~القرار } يعني: بئس المستقر جهنم. ثم قال تعالى: { وجعلوا ~~لله أندادا } يعني: أي شركاء { ليضلوا عن سبيله } يعني: ~~ليصرفوا الناس من دين الإسلام قرأ أبو عمرو وابن كثير " ليضلوا " ~~بنصب الياء يعني إنهم أخطأوا الطريق وضلوا. وقرأ الباقون بالضم. يعني ~~ليصرفوا الناس عن الهدى. قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { ~~قل تمتعوا } يعني: عيشوا في الدنيا وتمتعوا بها { فإن ~~مصيركم إلى النار } يعني: مرجعكم يوم القيامة إلى النار. قوله ~~تعالى: { قل لعبادى الذين ءامنوا } قرأ حمزة والكسائي وابن ~~عامر (قل لعباد) بغير ياء. وقرأ الباقون " لعبادي " بالياء مع ~~النصب. وأصله الياء إلا أن الكسرة تغني عن الياء. وقال بعض الحكماء شرف ~~الله تعالى عباده بهذه الياء وهي خير لهم من الدنيا وما فيها. لأن فيه ~~إضافة إلى نفسه والإضافة تدل على العتق. لأن رجلا لو قال لعبده يا ابن ~~أو يا ولد لا يعتق. ولو قال يا ولدي أو يا ابني يعتق بالإضافة إلى نفسه. ~~فكذلك إذا أضاف الله العباد إلى نفسه فيه دليل على أن يعتقهم من النار { ~~يقيموا الصلاة } يعني: يتمونها بركوعها وسجودها ومواقيتها { ~~وينفقوا مما رزقناهم } من الأموال { سرا وعلانية ~~} يعني: سرا على المتعففين وعلانية على السائلين { من قبل أن ~~يأتى يوم لا بيع فيه } يعني: لا فداء فيه { ولا خلل ~~} يعني لا مخالة تنفعه وهي الصداقة " لأنه " إذا نزل بهم شدة في الدنيا ~~يعادون ويشفع خليلهم وليس في الآخرة شيء من ذلك وإنما هي أعمالهم. قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو " لا بيع ولا خلال " بنصب العين واللام. وقرأ ~~الباقون بالرفع والتنوين فيهما. وهذا الاختلاف مثل قوله: # ولا خلة ولا شفعة # [البقرة: 254]. ثم بين دلائل وحدانيته فقال تعالى: { الله الذى ~~خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء } وهو ~~المطر { فأخرج به } يعني: فأنبت ms0873 بالمطر { لتجرى فى ~~البحر بأمره } يقول: بإذنه { وسخر لكم الأنهر ~~وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } يعني: دائمين ~~مطيعين. # يعني: ذلل لكم ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل { وسخر لكم ~~الليل والنهار } يعني: لبني آدم يلتمسون فيها المعيشة وينتشرون ~~في النهار إلى حوائجهم وفي الليل مستقرهم ومنامهم. { وآتاكم من كل ~~ما سألتموه } يعني: أعطاكم من كل شيء لم تحسنوا أن تسألوا ~~فأعطيتكم برحمتي. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال: لم تسألوه ~~بكل الذي أعطاكم. وقال معمر والحسن: آتاكم من كل الذي سألتموه. قال ~~مجاهد: كل ما رغبتم إليه قرأ بعضهم " من كل " بالتنوين يعني أعطاكم ~~من كل شيء ثم قال: ما سألتموه يعني لم تسألوه ولا طلبتموه ولكن أعطيتكم ~~برحمتي يعني ما ذكر مما سخر للناس في هذه الآيات. وقراءة العامة " ~~من كل ما سألتموه " من غير تنوين على معنى الإضافة يعني: من ~~جميع ما سألتموه. ثم قال: { وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها } يعني: لا تقدروا على أداء شكرها. ويقال تحصوها يعني: لا ~~تحفظوها { إن الإنسن } يعني: الكافر { لظلوم كفار } يعني: ~~يظلم نفسه بالكفر بنعم الله تعالى. ### || [14.35-37] # قوله تعالى: { وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا البلد ~~آمنا } يعني: مكة، آمنا من القتل والغارة. ويقال من الجذام والبرص { ~~واجنبنى وبنى } وذلك أن إبراهيم لما فرغ من بناء البيت سأل ربه ~~أن يجعل البلد آمنا، وخاف على بنيه. لأنه رأى القوم يعبدون الأصنام ~~والأوثان. فسأل ربه أن يجنبهم عن عبادة الأوثان فقال { واجنبنى ~~وبنى } يقول احفظني وبني { أن نعبد الأصنام } يعني: لكي ~~لا نعبد. وفيه دليل أن المؤمن لا ينبغي له أن يأمن على إيمانه وينبغي أن ~~يكون متضرعا إلى الله ليثبته على الايمان كما سأله إبراهيم لنفسه ولبنيه ~~بهذا الإسلام وأخاف أن تنزعه مني. فما دام هذا الخوف معي رجوت ألا تنزعه ~~مني ثم قال: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس } ~~يقول: بهن ضل كثير من الناس. فكأن الأصنام سبب لضلالتهم فنسب الإضلال ~~إليهن وإن لم يكن ms0874 منهن عمل في الحقيقة. وقال بعضهم: كان الاضلال منهن لأن ~~الشياطين كانت تدخل أجواف الأصنام وتتكلم فذلك الاضلال منهن ثم قال: { ~~فمن تبعنى فإنه منى } يعني: من آمن بي فهو معي على ديني. ~~ويقال فهو من أمتي { ومن عصانى } يعني لم يطعني ولم يوحدك { ~~فإنك غفور رحيم } لمن تاب ثم قال تعالى: { ربنا إنى ~~أسكنت من ذريتى } يعني: أنزلت بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه ~~السلام { بواد غير ذى زرع } يعني: بأرض مكة. وذلك أن لسارة ~~كانت جارية يقال لها هاجر فوهبتها من إبراهيم فولدت منه إسماعيل فغارت ~~سارة وناشدته أن يخرجها من أرض الشام فأخرجهما إبراهيم عليه السلام إلى ~~أرض مكة ثم رجع إلى سارة فلما كبر إسماعيل رجع إبراهيم إليه وبنى معه ~~البيت فذلك قوله { ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد ~~غير ذى زرع } يعني: بأرض ليس فيها زرع { عند بيتك ~~المحرم } يعني: حرم فيه القتال والاصطياد وأن يدخل فيه أحد بغير ~~إحرام وغير ذلك { ربنا ليقيموا الصلاة } يعني: وفقهم ليتموا ~~الصلاة. وإنما ذكر الصلاة خاصة لأنها أولى العبادات وأفضلها { فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوى إليهم } يعني: تشتاق إليهم قال ~~مجاهد: لو قال إبراهيم أفئدة الناس لزاحمتكم الروم وفارس ولكنه قال أفئدة ~~من الناس. وقال سعيد بن جبير: لو قال إبراهيم أفئدة الناس لحجت اليهود ~~والنصارى: ولكن قال أفئدة من الناس. { وارزقهم } يعني أطعمهم { ~~من الثمرت لعلهم يشكرون } يعني: لكي يشكروا. ### || [14.38-44] # ثم قال تعالى: { ربنا إنك تعلم ما نخفى } من الوجد ~~بإسماعيل وهاجر والحب لهما { وما نعلن } عند سارة من الصبر عنهما { ~~وما يخفى على الله من شىء } يعني لا يذهب على الله شيء { ~~في الأرض ولا فى السماء } يعني: من عمل أهل السماء وأهل الأرض. ~~قال بعضهم: هذا كلام إبراهيم. وقال بعضهم هذا كلام الله تعالى " والله ~~أعلم بالصواب ". ثم رجع إلى كلام إبراهيم فقال: { الحمد لله ~~الذى وهب لى على الكبر } يعني: بعد الكبر وهو ابن تسع ~~وتسعين سنة في رواية الكلبي. وفي رواية الضحاك ابن ms0875 مائة وعشرين سنة { ~~إسمعيل وإسحق } وكان إسماعيل أكبرهما بثلاث عشرة سنة { ~~إن ربى لسميع الدعاء } يعني لمجيب الدعاء قوله تعالى: { رب ~~اجعلنى مقيم الصلوة } يعني: أكرمني بإتمام الصلاة { ومن ~~ذريتى } يعني فأكرمهم أيضا لإتمام الصلاة { ربنا وتقبل ~~دعاء } أي استجب دعائي. ويقال معناه تقبل عملي واستجب دعائي { ~~ربنا اغفر لى ولوالدى } قرأ بعضهم ولوالدتي لأن أمه كانت ~~مسلمة وقرأ بعضهم ولولدي. يعني: إسماعيل وإسحاق. وقراءة العامة " ~~ولوالدي " لأنه كان يستغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه { ~~وللمؤمنين } يعني اغفر لجميع المؤمنين { يوم يقوم ~~الحساب } يعني: يوم القيامة. # قوله تعالى: { ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل ~~الظلمون } قرأ عاصم وحمزة وابن عامر ولا تحسبن بنصب السين ~~وقرأ الباقون بالكسر ومعناهما واحد. يعني لا تظن يا محمد أن الله غافل ~~عما يعمل الظالمون يعني: المشركون. يعني إن أعمالهم لا تخفى على الله ولو ~~شئت لعجلت عقوبتهم في الدنيا. قال ميمون بن مهران إن هذه الآية تعزية ~~للمظلوم ووعيد الظالم. { إنما يؤخرهم } يعني يمهلهم ويؤجلهم ~~قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين " نؤخرهم " بالنون وقرأ الباقون ~~بالياء { ليوم تشخص فيه الابصر } يعني: تذهب فيه أبصار ~~الكافرين. وذلك حين عاينوا النار تشخص أبصارهم. قوله { مهطعين } أي ~~مسرعين. يقال أهطع البعير في السير إذا أسرع. ويقال مهطعين أي ناظرين ~~قاصدين نحو الداعي. وقال قتادة: يعني مسرعين { مقنعى رؤوسهم } ~~المقنع الذي يرفع رأسه شاخصا بصره لا يطرق. وقال مجاهد: مهطعين مديمي ~~النظر. مقنعي رؤوسهم رافعيها. وقال الخليل ابن أحمد المهطع الذي قد أقبل ~~إلى الشيء ينظره ولا يرفع عينه عنه. مقنعي يعني: رافعي رؤوسهم مادي ~~أعناقهم { لا يرتد إليهم طرفهم } يعني: لا يرجع إلى ~~الكفار بصرهم { وأفئدتهم هواء } يعني: خالية من كل خير ~~كالهواء ما بين السماء والأرض وقال السدي: هوت أفئدتهم بين موضعها وبين ~~الحنجرة فلم ترجع إلى موضعها ولم تخرج كقوله # إذ القلوب لدى الحناجر # [غافر: 18] وهكذا قال مقاتل. وقال أبو عبيدة هواء أي مجوفة لا عقول فيها ~~ثم قال: { وأنذر الناس } يعني: خوف أهل مكة ms0876 { يوم يأتيهم ~~العذاب } في الآخرة قوله تعالى: { فيقول الذين ظلموا } ~~يعني: أشركوا { ربنا أخرنا } أي أجلنا { إلى أجل قريب ~~} لنرجع إلى الدنيا { نجب دعوتك } يعني: الإسلام { ونتبع ~~الرسل } على دينهم. يقول الله تعالى: { أو لم تكونوا ~~أقسمتم من قبل } يقول حلفتم وأنتم في الدنيا من قبل هذا ~~اليوم { ما لكم من زوال } أي لا تزولون عن الدنيا ولا تبعثون. ### || [14.45-47] # قوله تعالى: { وسكنتم } يعني: نزلتم { فى مسكن الذين ~~ظلموا أنفسهم } يعني منازل قوم عاد وثمود { وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم } يقول: كيف عاقبناهم عند التكذيب { وضربنا ~~لكم الأمثال } يقول: بينا ووصفنا لكم عصيانهم وجحودهم والعذاب ~~الذي نزل بهم - يعني إنكم سمعتم هذا كله في الدنيا فلم تعتبروا فلو رجعتم ~~بعد هذا اليوم لا تنفعكم الموعظة أيضا. ثم قال تعالى: { وقد ~~مكروا مكرهم } يعني: صنعوا صنيعهم يعني: الأمم الخالية { ~~وعند الله مكرهم } يعني: علم الله مكرهم ولا يخفي عليه. قال ~~علي بن أبي طالب: وعند الله مكرهم التابوت والنسور وهو نمرود بن كنعان ~~وقومه. وروى وكيع بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: إن جبارا من ~~الجبابرة قال لا أنتهي حتى أعلم ما في السماء فاتخذ أفراخ نسور. ثم أمر ~~بها فأطعمت اللحم حتى اشتدت وغلظت واستفحلت فاتخذ تابوتا يسع فيه رجلان. ~~ثم أمر بالنسور فجوعت ثم ربط أرجلها بالأوتاد وشدت بقوائم التابوت وجعل ~~في وسط التابوت اللحم. ثم جلس في التابوت هو ورجل معه ثم أرسل النسور ~~وجعل اللحم على رأس خشبة على التابوت فطارت النسور إلى السماء ما شاء ~~الله. ثم قال لصاحبه انظر ماذا ترى؟ فنظر فقال أرى الجبال كأنها الدخان ~~ثم سار ما شاء الله ثم قال انظر فنظر فقال: ما أرى إلا السماء وما نزداد ~~منها إلا بعدا. قال: نكس الخشبة فانقضت النسور حتى سقطت إلى الأرض فسمع ~~هزة الجبال فكادت الجبال أن تزول من أماكنها ثم قرأ علي رضي الله عنه { ~~وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } أي وقد كان مكرهم ~~ليزيل الجبال عن أماكنها ms0877 ويقال إن نمرود بن كنعان هو أول من تجبر وقهر ~~وسن سنن السوء. وأول من لبس التاج فأهلكه الله تعالى ببعوضة في خياشمه ~~فعذب بها أربعين يوما ثم مات. وقال قتادة وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال يعني الكفار ادعوا لله تعالى ولدا فكاد أن يزول الجبال. ويقال ~~يعني أهل مكة مكروا في دار الندوة وقد كاد مكرهم أن يزول منهم أمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأمر دين الإسلام. إذ ثبوته كثبوت الجبال. لأن ~~الله تعالى وعد لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إظهار دين الإسلام. بدليل ~~ما قال بعد هذا { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ~~} قرأ الكسائي " لتزول " بنصب اللام الأولى ورفع الثاني وقرأ ~~الباقون بكسر الأولى ونصب الثانية " لتزول " ومعناه ما كان مكرهم ~~ليزول به أمر دين الإسلام إذ ثبوته كثبوت الجبال ومن قرأ " ليزول " ~~فمعناه وإن كان مكر الكفار ليبلغ إلى إزالة الجبال. فإن الله ينصر دينه. ~~وروي عن ابن مسعود أن قرأ " وإن كاد مكرهم ". قوله تعالى: { فلا ~~تحسبن الله مخلف وعده رسله } يعني: في نزول العذاب ~~بكفار مكة إن شاء عجل لهم العقوبة في الدنيا. { إن الله عزيز ~~ذو انتقام } ذو النقم من الكفار. ### || [14.48-52] # قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض } قال علي بن ~~أبي طالب يعني: غير هذه الأرض التي عليها بنو آدم، أرض بيضاء نقية لم ~~يعمل فيها بالمعاصي ولا سفك عليها الدماء. وهكذا قال ابن مسعود. قال: ~~حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو يعقوب قال: حدثنا محمد بن يونس ~~العامري قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا القاسم بن الفضل عن الحسن # " عن عائشة أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل تذكرون ~~أهاليكم يوم القيامة؟ قال «أما عند مواطن ثلاثة فلا، عند الصراط والكتاب ~~والميزان». قالت قلت ألم يقل الله تعالى { يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض } أين الناس يومئذ؟ قال «سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد ~~قبلك». فقال «الناس يومئذ على الصراط " # وروي عن ابن عباس ms0878 أنه قال: تمد الأرض مد الأديم ويزاد في سعتها. ثم قال: ~~{ والسموت وبرزوا لله } يعني: خرجوا من قبورهم وظهروا { ~~لله الواحد القهار } لخلقه. قوله تعالى: { وترى ~~المجرمين } يعني: المشركين { يومئذ مقرنين } مسلسلين { ~~فى الأصفاد } يعني في الأغلال يقرن كل كافر مع شيطان { ~~سرابيلهم } يعني: قمصهم { من قطران } قال قتادة: هو النحاس ~~المذاب. وقال الحسن البصري قطران الإبل الآنك. وقال عكرمة هو القطران ~~الذي يطلى به الأشياء حتى يشتعل نارا وقال الضحاك من صفر حار قد انتهى ~~حره. وقال القتبي. مقرنين أي قرن بعضهم إلى بعض في الأغلال. وروي عن أبي ~~هريرة أنه كان يقرأ من قطران. يقول القطر النحاس والآن الذي انتهى ~~حره. ثم قال تعالى: { وتغشى وجوههم النار } يعني: تعلو ~~لوجوههم النار لا يمتنعون منها. قوله تعالى: { ليجزى الله كل ~~نفس ما كسبت } من خير أو شر { إن الله سريع الحساب ~~} إذا حاسب فحسابه سريع. قوله { هذا بلغ للناس } يعني: هذا ~~القرآن إرسال وبيان من الله تعالى. ويقال: أبلغكم عن الله تعالى: { ~~ولينذروا به } يعني: ليخوفوا بالقرآن عن معصية الله تعالى: { ~~وليعلموا } يعني: لكي يعلموا { أنما هو إله واحد } ~~صادق { وليذكر } أي ليتعظ بما أنزل من التخويف في القرآن { ~~أولو الألبب } يعني: ذوو العقول من الناس. # والله أعلم بالصواب. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-3] # بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: { الر ~~تلك آيات الكتاب } أي: هذه آيات الكتاب { وقرآن مبين } ~~أي: بين حلاله وحرامه. والكتاب والقرآن واحد. وقال قتادة: في قوله: وقرآن ~~مبين بين الله رشده وهداه وخيره. { ربما يود الذين كفروا ~~لو كانوا مسلمين } قرأ نافع وعاصم ربما بالتخفيف وقرأ ~~الباقون بالتشديد. قال عاصم قرأت عند زر بن حبيش ربما بالتشديد. فقال ~~إنك لتحب الرب وقال هي ربما مخففة ولكن معناها واحد. فالتخفيف لغة ~~بعض العرب واللغة الظاهرة بالتشديد أي: ربما يأتي على الكافر يوم يتمنى ~~أنه كان أسلم. ويقال أقسم الله تعالى بالألف واللام والراء إن هذا القرآن ~~حق وهو بين لكم الحق من الباطل. وأقسم ms0879 أنه رب يوم يأتي على الكافر يتمنى ~~فيه أن لو كان مؤمنا في الدنيا يقول الكافر يا ليتني كنت مؤمنا في ~~الدنيا أي: يعني: يقول يوم القيامة يا ليت كنت. وذلك أن الكافر كلما رأى ~~حالا من أحوال العذاب ورأى حالا من أحوال المسلمين ود أن لو كان ~~مسلما. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يخرج من النار حين يقال ~~أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. فيتمنى الكافر أن لو ~~كان مؤمنا فذلك قوله { ربما يود الذين كفروا } وروي عن ~~حماد بن أبي سلمة أنه قال: سألت إبراهيم النخعي عن هذه الآية. قال نزلت ~~في الكفار يعيرون أهل التوحيد ويقولون ما أغنى عنكم إيمانكم وأنتم معنا. ~~فيغضب الله لهم فيأمر الله النبيين والملائكة فيشفعون. فيخرج أهل التوحيد ~~من النار حتى إن إبليس يتطاول رجاء أن يخرج، ويتمنى الكافر أن لو كان ~~مسلما في الدنيا. حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا صالح بن أحمد قال. ~~حدثنا محمد بن شوكر قال: حدثنا القاسم قال: حدثنا أبو حنيفة عن يزيد بن ~~صهيب عن جابر بن عبد الله قال: سألته عن الشفاعة فقال: يعذب الله قوما ~~من أهل الإيمان ثم يخرجهم منها بشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - قلت ~~له فأين قوله # يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين ~~منها # [المائدة: 37] قال اقرأ ما قبلها # إن الذين كفروا # [عافر: 10] الآية. يعني إن تلك الآية نزلت في الكفار. وقال مجاهد: إذا ~~أخرج من النار من قال لا إله إلا الله فعند ذلك يقولون يا ليتنا كنا ~~مسلمين. وعن أبي العالية مثله ثم قال { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا } يقول اتركهم وحل عنهم يا محمد في الدنيا يأكلوا ~~ويتمتعوا يأكلوا كالأنعام ويتمتعوا بعيشهم في الدنيا لا تهمهم الآخرة ولا ~~يعرفون ما في غد { ويلههم الأمل } يعني يشغلهم الأمل الطويل عن ~~الطاعة وعن ذكر الله تعالى. ويقال يشغلهم طول الأمل عن الطاعة وعن ذكر ~~الأجل { فسوف يعلمون } وهذا وعيد لهم. ms0880 أي: يعرفون ما نزل بهم من ~~العذاب والشدة يوم القيامة. قوله: { ومآ أهلكنا... } ### || [15.4-15] # { ومآ أهلكنا من قرية } يعني: أهل قرية { إلا ولها ~~كتب معلوم } يعني أجلا مؤقتا ووقتا معروفا { ما تسبق ~~من أمة أجلها } يعني: لا يموت أحد قبل أجله { وما ~~يستأخرون } بعد أجلهم طرفة عين { وقالوا } يعني: أهل مكة { ~~يأيها الذى نزل عليه الذكر } أي الذي يزعم أنه ينزل ~~عليه القرآن { إنك لمجنون } نزلت في عبد الله بن أمية { لو ~~ما تأتينا بالملئكة } يعني: هلا تأتينا الملائكة فتخبرنا ~~بأنك رسول الله { إن كنت من الصدقين } بأنك نبي مرسل وأن ~~العذاب نازل بنا. قال الله تعالى { ما ننزل الملئكة إلا ~~بالحق } أي: بالوحي والعذاب وقبض أرواحهم { وما كانوا إذا ~~منظرين } يعني: إذا نزلت عليهم الملائكة لا يؤجلون بعد نزول ~~الملائكة. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ما ننزل بالنون ~~وتشديد الزاي ونصب الملائكة من قولك نزل ينزل. وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر " ما تنزل " بالتاء والضم ونصب الزاي مع التشديد. على ~~معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون " ما تنزل " بنصب التاء ~~وتشديد الزاي. فجعل الفعل للملائكة ثم قال { إنا نحن نزلنا ~~الذكر } أي: القرآن { وإنا له لحفظون } يعني القرآن: ~~ويقال يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - من القتل. وقال قتادة: يعني ~~القرآن يحفظه الله تعالى من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو يبطل منه ~~حقا. وذلك قال مقاتل. ثم قال تعالى: { ولقد أرسلنا من ~~قبلك } يعني: قد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا { فى شيع ~~الأولين } أي: في أمم وقرون الأولين قبل أمتك { وما يأتيهم ~~من رسول إلا كانوا به يستهزئون } أي: كانوا يسخرون ~~منهم كما سخر منك قومك. { كذلك نسلكه فى قلوب ~~المجرمين } قرأ بعضهم نسلكه بضم النون وكسر اللام. وقراءة ~~العامة بنصب النون وضم اللام وهما لغتان يقال سلكت الخيط في الإبرة إذا ~~أدخلته فيها. ومعناه هكذا ندخل الإضلال في قلوب المجرمين أي: المشركين ~~عقوبة ومجازاة لكفرهم. ويقال معناه هكذا نطبع على قلوب ms0881 المجرمين، ويقال: ~~نجعل حلاوة التكذيب بالعذاب. ويقال: الشرك في قلوب المشركين الذين { لا ~~يؤمنون به } يعني: لا يصدقون بالله ويقال بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ويقال: بالعذاب إنه غير نازل { وقد خلت سنة ~~الأولين } أي: مضت سنة الأولين. نأتيهم بالعذاب عند التكذيب، ويقال ~~تقدمت سيرة الأولين بالهلاك. قوله { ولو فتحنا عليهم بابا ~~من السماء فظلوا فيه يعرجون } أي: فصاروا يصعدون فيه، ~~وينزلون. يعني الملائكة ويراهم المشركون وهم أهل مكة { لقالوا ~~إنما سكرت أبصرنا } يقول: أخذت وغشيت أبصارنا { بل ~~نحن قوم مسحورون } أي: ولقالوا سحرنا فلا نبصر. وروى قتادة ~~عن أبي صالح أنه قال: لو فتح الله عليهم بابا من السماء فظلت الملائكة ~~يعرجون فيه لقالوا أخذت أبصارنا. قرأ ابن كثير سكرت بالتخفيف وهكذا ~~قرأ الحسن. وقرأ الباقون بالتشديد وقال القتبي: سكرت بالتشديد أي: ~~غشيت، ومنه يقال سكر النهر إذا سد ومنه يقال: سكر الشراب وهو ~~الغطاء على العقل. ومن قرأ سكرت بالتخفيف يعني: سحرت. يعني إنهم لا ~~يعتبرون به كما لم يعتبروا بانشقاق القمر حين رأوه معاينة. ### || [15.16-21] # { ولقد جعلنا فى السماء بروجا } أي خلقنا نجوما. ويقال: ~~هي القصور في السماء. وقال الضحاك وسعيد بن المسيب ومجاهد: هي النجوم { ~~وزينها للنظرين } أي: زينا السماء بالكواكب لمن نظر ~~إليها { وحفظنها } السماء { من كل شيطن رجيم } أي ~~مرجوم ويقال ملعون مبعد من الرحمة { إلا من استرق السمع } ~~أي: لكن من اختلس السمع خلسة { فأتبعه شهاب مبين } يعني: ~~لحقه نجم حار متوهج متوقد لا يخطئه الشهاب أن يصيبه، فإما أن يأتي على ~~نفسه أو أن يخبله حتى لا يعود إلى الاستماع إلى السماء. وقال ابن عباس: ~~إن أهل الجاهلية من الكهنة قالوا: لا يكون كاهن إلا ومعه تابع من الجن، ~~فينطلق الشياطين الذين كانوا مع الكهنة فيقعدون من السماء مقاعد السمع ~~ويستمعون إلى ما هو كائن في الأرض من الملائكة فينزلون به على كهنتهم ~~فيقولون إنه قد كان كذا وكذا من الأمر فتفشيه كهنتهم إلى الناس فيتكلمون ~~به قبل أن ينزل على النبي ms0882 - صلى الله عليه وسلم - (من الأنبياء السابقين) ~~فإذا تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا قد علمنا قبلك. وكانت ~~الشياطين تحجب عن الاستماع في السموات حتى بعث عيسى بن مريم عليه السلام، ~~فلما بعث منعوا من ثلاث سموات وكانوا يصعدون في أربع سماوات فلما بعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - منعوا من السموات السبع. وكان الشيطان ~~المارد منهم يصعد ويكون آخر أسفل منه، فإذا استمع قال للذي أسفل منه قد ~~كان من الأمر كذا وكذا، فيهرب الأسفل ويرمي الذي استمع بالشهاب ويأتي ~~الأسفل بالأمر الذي سمع إلى كهنتهم فذلك قوله { إلا من استرق ~~السمع فأتبعه شهاب مبين } ثم قال { والارض ~~مددنها } يقول: بسطناها على الماء { وألقينا فيها ~~روسي } أي: الجبال الثوابت لكي لا تتحرك من أمكنتها { وأنبتنا ~~فيها } أي: في الجبال { من كل شىء موزون } أي مقسوم معلوم ~~ويقال من كل شيء موزون مما يخرج من الجبال من الحديد والرصاص والفضة ~~والذهب. ويقال: وأنبتنا فيها يعني: الأرض من كل شيء ~~موزون يعني: مقدارا معلوما من الحبوب { وجعلنا لكم فيها ~~معيش } أي: عيشا من الزرع والنبات ويقال وأنبتنا فيها أي في الأرض ~~من كل شيء موزون أي معدود من الحبوب وغيره { ومن لستم له ~~برزقين } يعني خلقنا فيها معايشهم ومعايش البهائم والوحوش والطيور. ~~يعني: أنتم لستم ترزقونها وأنا أرزقها. قوله { وإن من شىء إلا ~~عندنا خزائنه } أي: مفاتيح رزقه ويقال: علمه كقوله: # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] ويقال: يعني خزائن الغيب وهو المطر، { وما ننزله } ~~أي: المطر { إلا بقدر معلوم } أي: بكيل ووزن معروف. قال ابن ~~عباس أي: يعلمه الخزان إلا يوم الطوفان الذي اغرق الله به قوم نوح فإنه ~~طغى على خزانه وكثر فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ، خرج أربعين يوما. ### || [15.22-24] # قوله: { وأرسلنا الرياح لواقح } يعني: بعث الله الريح ~~فتلقح السحاب ثم تمر به فتدر كما تدر اللقحة ثم تمطر. هذا قول ابن مسعود، ~~وقال ابن عباس أي: في قوله { وأرسلنا الرياح لواقح } ملقحات ~~نلقح الأشجار، وقال قتادة ms0883 لواقح أي تلقح السحاب وهكذا قال الكلبي. # قرأ حمزة " وأرسلنا الريح " بلفظ الوحدان وقرأ الباقون بلفظة ~~الجماعة. ثم قال { فأنزلنا من السمآء ماء } يعني: المطر { ~~فأسقيناكموه } يعني: فأرويناكموه به أي حبستم الماء في الغدران ~~والحياض لتسقوا الضياع والمواشي { ومآ أنتم له بخزنين } ~~أي بمالكين وحافظين، ويقال ليس مفاتيحه بأيديكم ثم قال: { وإنا ~~لنحن نحيي ونميت } أي: نحيي للبعث ونميت في الدنيا، ويقال: ~~نحيي الأرض بالمطر أيام الربيع ونميتها أيام الخريف { ونحن ~~الورثون } أي المالكون ويقال: معناه يهلك الخلق ويبقي الرب تبارك ~~وتعالى. قوله تعالى: { ولقد علمنا المستقدمين منكم } ~~أي: الأموات { ولقد علمنا المستأخرين } يعني: الأحياء، ~~ويقال: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصف الأول ولقد علمنا المستأخرين ~~في الصف الآخر. وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: كانت امرأة حسناء ~~تصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان بعض القوم يتقدم الصف الأول ~~لكيلا يراها ويتأخر بعضهم. فإذا ركع نظر من تحت إبطيه. فنزل { ولقد ~~علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستأخرين } ويقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرض الناس ~~على الصف الأول وكان قوم بيوتهم قاصية من المسجد فقالوا لنبيعن دورنا ~~ونشتري دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف الأول فصارت الديار البعيدة ~~خالية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " من أتى المسجد فإنه يكتب آثاره ويكتب له بكل خطوة كذا وكذا حسنة وترفع ~~له كذا وكذا درجة " # فجعل الناس يشترون الدور البعيدة من المسجد لكي يكتب لهم آثارهم فنزل { ~~ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا ~~المستخرين } وإنما يؤجرون بالنية فاطمأنوا وسكنوا. وقال مجاهد ~~ولقد علمنا المستقدمين أي: ما مضى ولقد علمنا المستأخرين ما بقي من أمة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال قتادة المستقدمين آدم ومن مات قبل نزول ~~هذه الآية والمستأخرين من لم يخلق بعد، كلهم قد علمهم، وقال الحسن: ~~المستقدمين في الخير والمستأخرين عنه يقول: المبطئين. ### || [15.25-41] # وقوله { وإن ربك هو يحشرهم } يعني: يجمعهم يوم القيامة ~~{ إنه حكيم } حكم بحشر الأولين والآخرين { عليم } بهم قوله: { ~~ولقد ms0884 خلقنا الإنسن } أي: آدم { من صلصل } أي: من ~~طين يتصلصل إذا مشيت عليه يتقلقل وإذا تركته ينغلق { من حمإ ~~مسنون } أي: من طين أسود منتن. وقال الأخفش أي: من طين مصبوب، ~~ويقال مسنون أي: متغير الرائحة كقوله: # لم يتسنه # [البقرة: 259] ويقال: الذي أتت عليه السنون. وقال القتبي: الصلصال الطين ~~اليابس الذي لم تصبه نار، إذا ضربته صوت وإذا مسته النار فهو فخار، ~~والمسنون المتغير الرائحة. والحمأ جمع حمئة وهو الطين المتغير { ~~والجآن خلقنه من قبل } يعني: إبليس ويقال: الجان أبو ~~الجن خلقناه من قبل آدم { من نار السموم } قال ابن عباس: هي نار ~~لا دخان لها تكون بين السماء وبين الحجاب. وقال آخرون من نار السموم أي ~~من نار حارة. # قال الكسائي الجن والجنة من أصل واحد { وإذ قال ربك ~~للملئكة } يعني وقد قال ربك للملائكة الذين هم في الأرض مع ~~إبليس سكان الأرض { إنى خلق بشرا } أي: سأخلق خلقا { من ~~صلصل من حمإ مسنون فإذا سويته } أي جمعت خلقه { ~~ونفخت فيه من روحى } أي: جعلت الروح فيه { فقعوا له ~~سجدين } أي فخروا له. أي فاسجدوا بأجمعكم { فسجد ~~الملئكة } يعني: سجدة التحية لا سجدة العبادة، وكانت التحية لآدم ~~عليه السلام والعبادة لله تعالى { كلهم أجمعون } روي عن الخليل ~~بن أحمد أنه قال " أجمعون " على معنى توكيد بعد توكيد، وذكر عن محمد بن ~~يزيد عن المبرد أنه قال: معناه سجدوا كلهم في حالة واحدة وقال الزجاج ~~الأول أجود لأن أجمعين معرفة فلا يكون حالا ثم قال { إلا إبليس } ~~قال بعضهم معناه لكن إبليس لم يكن من الساجدين. لأن إبليس لم يكن من ~~الملائكة. فيكون الاستثناء من غير جنس ما تقدم بدليل قوله: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: 50]. وقال بعضهم استثنى إبليس من الملائكة وكان من جنسهم إلا ~~أنه لما لم يسجد لعن وغير عن صورة الملائكة (ولا يكون الاستثناء من غير ~~جنس) فذلك قوله { إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~السجدين } أي: تعظم عن السجود لآدم مع الملائكة { قال يا ms0885 ~~إبليس مالك ألا تكون مع السجدين } أي: مع الملائكة ~~{ قال } أي إبليس { لم أكن لأسجد لبشر خلقته من ~~صلصل من حمإ مسنون قال فاخرج منها } أي: من ~~الأرض ويقال من الجنة { فإنك رجيم } أي: ملعون مطرود فألحقه ~~بجزائر البحور { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } ~~أي: طرد من رحمته يوم الحساب. قوله: { قال رب فأنظرنى } أي: ~~أجلني { إلى يوم يبعثون } من قبورهم { قال فإنك من ~~المنظرين } أي: من المؤجلين { إلى يوم الوقت المعلوم ~~} أي: إلى النفخة الأولى { قال رب بمآ أغويتنى } يعني كما ~~أضللتني عن الهدى لأجل آدم. # وقال القتبي: بإغوائك إياي أي: لأضلنهم عن الهدى { أجمعين إلا ~~عبادك منهم المخلصين } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. ~~" المخلصين " بكسر اللام. أي: المخلصين في العبادة ويقال الموحدين ~~وقرأ الكسائي ونافع وحمزة وعاصم " المخلصين " بنصب اللام أي: ~~المعصومين من الشرك. قال: حدثنا الفقيه أبو جعفر. قال: حدثنا أبو القاسم. ~~قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثنا أحمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو بكر ~~بن عياش عن هشام عن الحسن قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لما لعن إبليس قال فبعزتك لا أفارق قلب ابن آدم حتى يموت " # قال: قيل له: وعزتي لا أحجب عنه التوبة حتى يغرغر بالموت، { قال هذا ~~صرط على } أي: هذا التوحيد صراط { مستقيم } على دلالته، ~~وهذا قول الحسن ويقال: معناه: على ممر من أطاعك ومن عصاك كقوله: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14] ويقال: معناه: هذا بيدي لا بيدك. وقال الضحاك: هذا سبيل ~~الله علي مستقيم أي علي هدايته ودلالته كقوله: # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9] وروي عن ابن سيرين أنه كان يقرأ " هذا صراط علي مستقيم " ~~بكسر اللام ورفع الياء مع التنوين ومعناه هذا صراط رفيع مستقيم وهو قول ~~قتادة أي: طريق شريف لا عوج فيه. ### || [15.42-48] # { إن عبادى } أي: عبادي الذين لا يطيعونك { ليس لك ~~عليهم سلطن } أي: حجة ولا ملك ولا أسلطك عليهم. كقوله: # إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا # [النحل: 99] ثم ms0886 قال: { إلا من اتبعك من الغاوين } أي: ~~من أطاعك من الكافرين، ويقال: معناه: إنما نفاذ دعوتك ووسوستك لمن اتبعك ~~من المشركين، ثم بين مصير من اتبعه ومصير من لم يتبعه فقال: { وإن ~~جهنم لموعدهم أجمعين } أي: لمصير من اتبعه { لها ~~سبعة أبواب } أي: سبعة منازل { لكل باب منهم جزء ~~مقسوم } أي: لكل منزل صنف ممن يعذب من الكفار على قدر منزلته من ~~الذنب نصيب معروف، أسفلها: هاوية. وهي لآل فرعون ولأصحاب المائدة الذين ~~كفروا بعيسى وللمنافقين والزنادقة، والثانية: لظى وهي منزلة المجوس ~~والثنوية الذين (قالوا بإلهين) والثالثة: سقر وهي منزلة المشركين وعبدة ~~الأوثان والرابعة: الجحيم وهي منزلة اليهود الذين كذبوا الرسل وقتلوا ~~أنبياء الله بغير حق والخامسة: الحطمة وهي منزلة النصارى الذين كذبوا ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - وقالوا قولا عظيما والسادسة: السعير وهي ~~منزلة الصابئين ومن أعرض عن دين الإسلام وخرج منه والسابعة: جهنم وهي ~~أعلى المنازل وعليها ممر الخلق كلهم وهي منزل أهل الكبائر من المسلمين. ~~وقال ابن عباس في رواية أبي صالح الباب الأول: جهنم والثاني: السعير ~~والثالث: سقر والرابع الجحيم والخامس لظى والسادس الحطمة والسابع ~~الهاوية. وقال بعضهم: جهنم اسم عام يقع على الإدراك كلها. والأول أصح إن ~~جهنم اسم لا يقع على الإدراك. وهكذا روي عن جماعة من الصحابة ثم قال ~~تعالى: { إن المتقين فى جنت وعيون } أي: الذين يتقون ~~الشرك والفواحش ويتقون إجابة الشيطان في بساتين وعيون طاهرة { ~~ادخلوها } أي: الجنة { بسلام } يعني: مسلمين آمنين ويقال سالمين ~~ناجين من العذاب { ءامنين } أي: من الموت والخوف وإبليس والعزل ~~والحوادث والآفات والعاقبة والقطيعة والفراق. قوله: { ونزعنا ما ~~فى صدورهم من غل } أي: من حسد وعداوة كانت بينهم في الدنيا، ~~ويكونون في الآخرة { إخوانا } صار نصبا على الحال { على سرر ~~متقبلين } أي: متزاورين متحدثين. وروى سفيان عن منصور عن ~~إبراهيم أن عليا قال أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله ~~فيهم { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على ~~سرر متقبلين } وروى ربعي بن ms0887 خراش قال: قال رجل من همدان ~~فقال: يا أمير المؤمنين الله أعدل من ذلك، فصاح به علي فقال إذا لم نكن ~~نحن فمن هم؟ ثم قال { لا يمسهم فيها نصب } يقول: لا يصيبهم ~~في الجنة تعب ولا مشقة { وما هم منها بمخرجين } أي: من ~~الجنة. ### || [15.49-56] # ثم قال: { نبىء عبادى } أي: أخبر عبادي يا محمد { أنى أنا ~~الغفور الرحيم } لمن تاب منهم { وأن عذابى هو ~~العذاب الأليم } (لمن مات على الكفر ولم يتب) قال: حدثنا أبو ~~جعفر. قال: حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن قال: حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، ~~قال: حدثنا محمد بن مقاتل قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: حدثنا ~~مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد عن عطاء # " عن رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: اطلع علينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن ~~نضحك فقال: «أتضحكون؟» ثم قال: «لا أراكم تضحكون» ثم أدبر فكأن على ~~رؤوسنا الرخم. حتى إذا كان عند الحجر. ثم رجع القهقرى فقال «جاء جبريل ~~فقال يا محمد إن الله تعالى يقول لم تقنط عبادي؟ { نبىء عبادى أنى ~~أنا الغفور الرحيم وأن عذابى هو العذاب الأليم ~~} " # وقال قتادة: ذكر لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لو علم العبد قدر رحمة الله ما تورع عن حرام ولو علم العبد قدر عقوبة ~~الله لبخع نفسه " # أي: في عبادة الله تعالى ثم قال: { ونبئهم عن ضيف ~~إبراهيم } أي: عن أضياف إلا أن هذا اللفظ مصدر والمصدر لا يثنى ولا ~~يجمع، وذلك حين بعث الله تعالى جبريل في اثني عشر من الملائكة قوله { ~~إذ دخلوا عليه } أي: على إبراهيم { فقالوا سلاما } أي: ~~فسلموا عليه فرد عليهم السلام كما قال في موضع آخر # فقالوا سلاما قال سلام # [الذاريات: 25] وقال الكلبي فأنكرهم إبراهيم في تلك الأرض لأنهم لم ~~يطعموا من طعامه { قال إنا منكم وجلون } أي: خائفين. { ~~قالوا لا توجل } أي: لا تخف منا وبشروه فقالوا { إنا ms0888 ~~نبشرك } قرأ حمزة " نبشرك " بجزم الباء مع التخفيف ونصب النون ~~وضم الشين. وقرأ الباقون بالتشديد. { بغلم عليم } أي: بإسحاق ~~عليم في صغره حليم في كبره. { قال أبشرتمونى على أن ~~مسنى الكبر } أي: بعدما أصابني الكبر والهرم. { فبم ~~تبشرون } قرأ نافع " فبم تبشرون " بكسر النون مع التخفيف ~~لأن أصله تبشروني بالياء فأقيم الكسر مقامه وقرأ ابن كثير " فبم تبشرون ~~" بكسر النون مع التشديد لأنه في الأصل بنونين فأدغم إحداهما في الأخرى ~~مثل قوله: { تأمرني } { أتحاجونى } وقرأ الباقون " ~~تبشرون " بنصب النون مع التخفيف لأنها نون الجماعة. وقال أبو عبيدة ~~هذا أعجب إلي لصحتها في العربية { قالوا بشرنك بالحق } ~~أي: بالولد ويقال بالصدق { فلا تكن من القنطين } أي: من ~~الآيسين من الولد، ويقال: من نعم الله تعالى { قال إبرهيم ومن ~~يقنط من رحمة ربه } أي: من نعمة ربه { إلا الضآلون ~~} أي الجاهلون. قرأ الكسائي وأبو عمرو (يقنط " بكسر النون وقرأ ~~الباقون " يقنط " ) بالنصب ومعناهما واحد. ### || [15.57-71] # { قال فما خطبكم أيها المرسلون } أي: قال لهم ~~إبراهيم ما حالكم وشأنكم وبماذا جئتم؟ { قالوا إنآ أرسلنآ ~~إلى قوم مجرمين } أي: مشركين. قال إبراهيم: من هم؟ قالوا قوم ~~لوط. قال إبراهيم أتهلكونهم وفيهم لوط. فقالوا { إلا ءال لوط } يعني ~~ابنتيه زعورا وريثا ويقال: امرأة له أخرى غير التي أهلكت { إنا ~~لمنجوهم أجمعين } قرأ حمزة والكسائي " إنا لمنجوهم " ~~بالتخفيف وقرأ الباقون بنصب النون وتشديد الجيم من أنجى ينجي ~~ونجى ينجي بمعنى واحد { إلا امرأته قدرنآ } عليها ~~الهلاك { إنها لمن الغبرين } أي: لمن المتخلفين للهلاك. ~~قرأ عاصم في رواية أبو بكر " قدرنا " بالتخفيف وهو من القدر وقرأ ~~الباقون بالتشديد وهو من التقدير قوله: { فلما جآء ءال لوط ~~المرسلون قال إنكم قوم منكرون } أي: لما دخلوا عليه ~~أنكرهم ولم يعرفهم. { قالوا بل جئنك بما كانوا فيه ~~يمترون } أي: بما كانوا يشكون من نزول العذاب بهم { واتينك ~~بالحق } أي: بالعذاب وهو العدل والصدق { وإنا لصدقون } ~~بأن العذاب نازل بهم. { فأسر بأهلك بقطع من الليل } ~~أي: في بعض الليل. قرأ ابن كثير ms0889 ونافع " فاسر " بجزم الألف والباقون ~~بالنصب، سريت وأسريت إذا سرت ليلا { واتبع أدبرهم } يقول: ~~امش وراءهم { ولا يلتفت منكم أحد } يعني: لا يتخلف منكم أحد ~~{ وامضوا } أي: انطلقوا { حيث تؤمرون } أي: إلى المدينة. وهي ~~مدينة زعر قوله: { وقضينآ إليه ذلك الأمر } يعني: أخبرناه ~~وأوحينا إليه ذلك الأمر. ثم فسر ذلك الأمر فقال { أن دابر ~~هؤلآء مقطوع مصبحين } يعني: إنهم مستأصلون عند الصباح، ~~ويقال قضينا إليه ذلك الأمر يعني أمرناه بالخروج إلى الشام إلى المدينة ~~زعر. لأن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين. قوله { وجآء أهل المدينة ~~يستبشرون } بدخول الرجال منزل لوط { قال لوط إنا هؤلآء ~~ضيفى } يقول: أضيافي { فلا تفضحون } فيهم { واتقوا ~~الله ولا تخزون } أي: لا تذلوني في أضيافي { قالوا أو لم ~~ننهك عن العلمين } ألم ننهك أن تضيف أحدا من الغرباء { ~~قال هؤلآء بناتى } أي: بنات قومي أزوجكم { إن كنتم ~~فعلين } أي: فتزوجوا النساء فإن الله تعالى خلق النساء للرجال وأمر ~~بتزويجهن. ### || [15.72-79] # { لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون } أي: بحياتك يا ~~محمد إنهم لفي جهالتهم وضلالتهم يعمهون أي: يترددون ويتجبرون، يعني: إن ~~أهل مكة يسمعون هذه العجائب ولا تنفعهم وهم على جهلهم مصرون. قال: حدثنا ~~الخليل بن أحمد قال: حدثنا ابن معاذ قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان عن ~~سعيد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: ما خلق ~~الله نفسا أكرم على الله من محمد - صلى الله عليه وسلم - وما سمعت الله ~~أقسم بحياة أحد غيره فقال { لعمرك إنهم لفى سكرتهم ~~يعمهون }. ثم رجع إلى قصة قوم لوط فقال تعالى: { فأخذتهم ~~الصيحة } أي: أخذتهم صيحة جبريل { مشرقين } يعني: عند طلوع ~~الشمس وذلك أن جبريل قلع الأرض وقت الصبح (فرفعها مع الملائكة إلى قريب ~~من السماء ثم قلبها وأهواها إلى الأرض وصاح بهم وقت طلوع الشمس) فذلك ~~قوله { فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل } وقد ذكرناها { إن فى ذلك } أي: في هلاك ~~قوم لوط { لآيات } أي: علامات { للمتوسمين } يقول: للمتفكرين. ~~وقال ms0890 قتادة: للمعتبرين. وقال الضحاك: للناظرين وقال مجاهد: للمفترسين. ~~قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو يعقوب قال: حدثنا عمار ~~بن الربيع الباهلي عن أبي صالح بن محمد عن محمد وهو ابن مروان عن عمرو بن ~~قيس عن عطية عن أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " # ثم قرأ { إن فى ذلك لآيت للمتوسمين }. وقال الزجاج: ~~حقيقته في اللغة النظار المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء، ~~يقال: توسمت في فلان كذا وكذا. أي عرفت ذلك فيه. ثم قال { وإنها } ~~أي قريات لوط { لبسبيل مقيم } أي: بطريق واضح بين يرونها حين ~~مروا بها. { إن فى ذلك } أي: في هلاك قوم لوط { لآية } أي: ~~لعلامة وعبرة { للمؤمنين وإن كان } يقول: وقد كان { أصحاب ~~الأيكة } أي: أصحاب الغيضة، والغيضة والأيكة الشجرة. وهم قوم شعيب. # قال قتادة: مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقال بعضهم: آل مدين والأيكة واحد. ~~لأن الأيكة كانت عند مدين وهذا أصح. { لظلمين } أي: لكافرين قوله: ~~{ فانتقمنا منهم } بالعذاب { وإنهما } أي: قريات لوط ~~وشعيب { لبإمام مبين } أي: لبطريق واضح. وقال القتبي: أصل ~~الإمام ما يؤتم به. قال الله تعالى: { إنى جعلك للناس ~~إماما } أي يؤتم ويقتدى بك، ثم تستعمل لمعاني منها الكتاب إماما لأنه ~~يؤتم بما أحصاه الكتاب قال الله تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإممهم # [الإسراء: 71] أي بكتابهم وقال تعالى # وكل شىء أحصينه فى إمام مبين # [يس: 12] أي: في اللوح المحفوظ وهو الكتاب، وسمي الطريق إماما لأن ~~المسافر يأتم به ويستدل به قال الله تعالى: { وإنهما لبإمام ~~مبين } أي بطريق واضح أي: قريات قوم لوط وقرية شعيب عليهما السلام. ### || [15.80-86] # { ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين } وهم قوم صالح ~~كذبوا صالحا. والحجر أرض ثمود { وءاتينهم ءايتنا } أي: ~~الناقة { فكانوا عنها معرضين } يقول: مكذبين بها { ~~وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين } من أن تقع ~~عليهم الجبال. ويقال: آمنين من نزول العذاب فلم يعرفوا نعمة الله تعالى، ~~ويقال: آمنين من العذاب بعقر ms0891 الناقة. فعقروا الناقة وقسموا لحمها فأهلكهم ~~الله تعالى بصيحة جبريل فذلك قوله { فأخذتهم الصيحة ~~مصبحين } أي: حين أصبحوا { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } (يعني: فما نفعهم ما كانوا يكسبون من الكفر والشرك) قوله: ~~{ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق } أي: للحق والباء توضع موضع اللام أي: لينظر عبادي إليها ~~فيعتبروا، ويقال: وما خلقناهما إلا عذرا وحجة على خلقي { وإن ~~الساعة لآتية } أي: لكائنة لا محالة { فاصفح الصفح ~~الجميل } أي: اعرض عنهم إعراضا جميلا بلا جزع منك { إن ربك ~~هو الخلق العليم } أي: عليما بمن يؤمن وبمن لا يؤمن، ويقال ~~العليم يعلم متى تقوم الساعة. ### || [15.87-91] # قوله: { ولقد ءاتينك سبعا من المثاني } أي: فاتحة ~~الكتاب { والقرآن العظيم } أي: سائر القرآن. وهذا قول ابن عباس ~~وعلي بن أبي طالب وابن مسعود. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: السبع ~~المثاني السبع الطوال. وعن سعيد بن جبير قال: البقرة وآل عمران والنساء ~~والمائدة والأنعام والأعراف ويونس. قال لأنه يثني فيها حدود الفرائض ~~والقرآن. ويقال: السبع المثاني والقرآن كله وهو سبعة أسباع سمي مثاني لأن ~~ذكر الأقاصيص فيه مثنى كقوله: # الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها ~~مثاني # [الزمر: 23] وقال طاووس: القرآن كله مثاني، وقال أبو العالية المثاني ~~فاتحة الكتاب سبع آيات، وإنما سمي مثاني لأنه يثنى مع القرآن كلما قريء ~~القرآن، قيل: إنهم يزعمون أنها السبع الطوال، قال: لقد أنزلت هذه الآية ~~وما أنزل شيء من الطوال، وسئل الحسن عن قوله سبعا من المثاني. قال { ~~الحمد لله رب العلمين } حتى أتى على آخرها. وروى أبو ~~هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " الحمد لله رب العالمين أم الكتاب وأم القرآن والسبع المثاني " # وقال قتادة سبعا من المثاني هي فاتحة الكتاب تثنى في كل ركعة مكتوبة ~~وتطوع يعني: في كل صلاة، ويقال من المثاني أي: مما أثني به على الله ~~تعالى لأن فيها حمد الله تعالى وتوحيده. " ومن " ها هنا على ضربين يكون ~~للتبعيض، من القرآن أي: أعطيناك سبع ms0892 آيات من جملة الآيات التي يثنى بها ~~على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز أن يكون السبع هي المثاني ~~كقوله: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] أي: اجتنبوا الأوثان. قوله: { لا تمدن عينيك } ~~أي: لا تنظرن بعين الرغبة { إلى ما متعنا به } أي: إلى ما ~~أعطيناهم في الدنيا. يعني: ما أعطيناك من القرآن أفضل مما أعطيناهم من ~~الأموال فاستغن بما أعطيناك من القرآن والدين والعلم ولا تنظر إلى ~~أموالهم. قوله: { أزوجا منهم } أي: أصنافا منهم وألوانا من ~~الأموال. يعني: أعطينا رجالا منهم. أي: المشركين منهم { ولا تحزن ~~عليهم } أي: على كفار مكة إن لم يؤمنوا. لأن مقدوري عليهم الكفر ~~ويقال ولا تحزن عليهم إن نزل بهم العذاب { واخفض جناحك ~~للمؤمنين } يقول: لين جناحك عليهم أي: تواضع للمؤمنين { وقل ~~إنى أنا النذير المبين } أخوفكم بعذاب مبين بلغة تعرفونها { ~~كمآ أنزلنا على المقتسمين } أي: كما أنزلنا العذاب على ~~المقتسمين وهم الذين أقسموا على عقبات مكة ليردوا الناس عن دين الإسلام ~~وعن الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال: { إنى أنا ~~النذير المبين } بالقرآن كما أنزلنا التوراة والإنجيل على ~~المقتسمين وهم اليهود والنصارى اقتسموا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وقال ~~مجاهد: هم اليهود والنصارى فرقوا القرآن آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. ~~ويقال: إن أهل مكة قالوا أقاويل مختلفة. قوله: { الذين جعلوا ~~القرءان عضين } أي: فرقوا القول فيه. قال بعضهم: سحر وقال بعضهم ~~شعر وهذا قول قتادة. ويقال: أصله في اللغة: الفرقة يقال: فرقوه أي: عضوه ~~أعضاء. يقال: ليس دين الله بالتعضية أي بالتفريق. وروى الضحاك عن ابن ~~عباس أنه قال: جزؤوه وجعلوه أعضاء كأعضاء الجزور. ### || [15.92-99] # ثم قال: { فوربك لنسئلنهم أجمعين } يعني: أقسم ~~بنفسه ليسألنهم يوم القيامة { عما كانوا يعملون } من الشرك وعن ~~ترك قول لا إله إلا الله وعن الإيمان بالله والرسول { فاصدع بما ~~تؤمر } أي: أظهر أمرك وامض واقض ما أمرتك { وأعرض عن ~~المشركين } أي: اتركهم حتى يجيء أمر الله تعالى. وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل نزول هذه الآية مستخفيا لا ms0893 يظهر شيئا مما ~~أنزل الله عليه حتى نزلت هذه الآية ثم قال: { إنا كفينك ~~المستهزءين } أي: أظهر أمرك فقد أهلك الله المستهزئين وهم خمسة ~~رهط فأهلكوا كلهم في يوم وليلة. # " وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد الخروج إلى الموسم أيام ~~الحج ليدعو الناس فمنعه المستهزءون وبعثوا على كل طريق رجلا. فإذا سألهم ~~أحد من الغرباء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا هو ساحر كاهن ثم ~~قالوا هذا دأبنا كل سنة فشق على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأهلكهم ~~الله تعالى. منهم الوليد بن المغيرة نزل جبريل عليه السلام على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال كيف تجد هذا فقال «بئس الرجل» فقال كفيناكه. ~~فمضى وهو يتبختر في ردائه ويقال: ببردته فمر برجل يصنع السهام فتعلق سهم ~~بردائه وأخذ طرف ردائه ليجعله على كتفه فأصاب السهم أكحله فنزف فمات. ~~ومنهم العاص بن وائل السهمي مر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فسئل ~~عنه فقال: «بئس الرجل هو " # فقال كفيناكه فوطيء على شوكة فتساقط لحمه عن عظامه حتى هلك. ومنهم ~~الحارث بن حنظلة أصاب ساقه شيء فانتفخ. فمات ومنهم أسود بن عبد يغوث ~~أصابه العطش فجعل يشرب الماء حتى انتفخ بطنه فمات. ومنهم أسود بن عبد ~~المطلب بن أسد بن عبد عزى ضربه جبريل بجناحه فمات ويقال: خرج مع غلام له ~~فأتاه جبريل عليه السلام وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ~~ويضرب وجهه بالشوك فاستغاث بغلامه فقال غلامه: لا أرى أحدا يصنع بك ~~شيئا غير نفسك حتى مات وهو يقول قتلني رب محمد، وفي رواية الكلبي أن ~~أسود بن عبد يغوث خرج من أهله فأصابه السواد حتى عاد حبيشا فأتى أهله ~~فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب حتى مات وروي في خبر آخر أن العاص بن وائل ~~السهمي خرج في يوم مطير على راحلته مع ابنين له فنزل شعبا من الشعاب ~~فلما وضع قدمه على الأرض لدغت رجله. فطلبوا فلم يجدوا شيئا فانتفخت رجله ~~حتى صارت مثل ms0894 عنق بعير فمات مكانه، وعن أبي بكر الهذلي أنه قال قلت ~~للزهري إن سعيد بن جبير وعكرمة قد اختلفا في رجل من المستهزئين فقال ~~سعيد: هو الحارث بن عيطلة وقال عكرمة: هو الحارث بن قيس فقال صدقا. # كانت أمه اسمها عيطلة وأبوه قيسا. ويقال إنه أكل حوتا مالحا فأصابه ~~عطش فلم يزل يشرب عليه الماء حتى أنفذ فمات وهو يقول قتلني رب محمد. فنزل ~~{ إنا كفينك المستهزءين } قوله: { الذين ~~يجعلون } أي: يقولون { مع الله إلها ءاخر فسوف ~~يعلمون } ماذا يفعل بهم. هذا وعيد لسائر الكفار. قوله { ولقد ~~نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } من تكذيبهم إياك { ~~فسبح بحمد ربك } يقول: صل بأمر ربك ويقال اشتغل بعبادة ربك ~~ولا تشغل قلبك بهم. { وكن من السجدين } يعني من المصلين. ~~قوله { واعبد ربك } يعني على التوحيد { حتى يأتيك ~~اليقين } أي: واستقم على التوحيد حتى يأتيك اليقين أي: الموت. قال ~~الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم ~~بن يوسف قال: حدثنا المحارمي عن إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن ~~جبير بن نصير عن أبي مسلم الخولاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " ما أوحى الله تعالى إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي ~~إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ". # والله أعلم. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-3] # قوله تعالى: { أتى أمر الله } أي يوم القيامة ويقال يعني ~~العذاب كقوله: # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور # [هود: 40] وقوله: # أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا # [يونس: 24] أي؛ أتى أمر الله يعني: يأتي أي هو قريب لأن ما هو آت آت ~~وهذا وعيد لهم إنها كائنة. وقال ابن عباس لما نزلت هذه الآية # اقترب للناس حسبهم # [الأنبياء: 1] ثم نزلت بعدها # اقتربت الساعة # [القمر: 1] قالوا يا محمد تزعم أن الساعة قد اقتربت ولا نرى من ذلك ~~شيئا، فنزل { أتى أمر الله } أي عذاب الله فوثب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قائما لا ms0895 يشك أن العذاب قد أتاهم فقال لهم جبريل { ~~فلا تستعجلوه } قال فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~قيامه ثم قال: { سبحنه } نزه نفسه عن الولد والشريك، ويقال: إرتفع ~~وتعاظم عن صفة أهل الكفر فقال عز وجل: { وتعالى عما يشركون ~~} به من الأوثان. قرأ حمزة والكسائي " تشركون " بالتاء على معنى ~~المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء بلفظ المغايبة. وكذلك ما بعده. ثم قال { ~~ينزل الملئكة } أي: جبريل { بالروح } أي: بالوحي ~~والنبوة والقرآن { من أمره } أي: بأمره. قال القتبي: من توضع ~~موضع الباء كقوله # يحفظونه من أمر الله # [الرعد: 11] أي بأمر الله وقال ها هنا " يلقي الروح من أمره " أي بأمره ~~{ على من يشاء من عباده } أي: يختار للنبوة والرسالة. وقال ~~قتادة: ينزل الملائكة بالرحمة والوحي على من يشاء من عباده، يعني: من كان ~~أهلا لذلك. قرأ ابن كثير وأبو عمرو " ينزل " بجزم النون من قولك ~~أنزل ينزل. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر " تنزل " بالتاء ونصب ~~النون والزاي مع التشديد على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وقرأ الباقون " ~~ينزل " بالياء وكسر الزاي مع التشديد من قولك نزل ينزل. ثم ~~قال تعالى: { أن أنذروا أنه } أي: خوفوا بالقرآن الكفار ~~وأعلموهم أن الله واحد لا شريك له فذلك قوله: { لا إله إلا أنا ~~فاتقون } أي: أطيعون ووحدون ثم قال: { خلق السموات ~~والأرض بالحق } أي: للحق ويقال: للزوال والفناء { تعالى } ~~تنزه { عما يشركون } به من الأوثان. ### || [16.4-9] # ثم قال: { خلق الإنسن من نطفة } يقول: من ماء الرجل { ~~فإذا هو خصيم مبين } يقول: جدل بالباطل ظاهر الخصومة. وهو ~~أبي بن خلف حيث أخذ عظما باليا ففته بيده وقال: عجبا لمحمد يزعم أنه ~~يعيدنا بعد ما كنا عظاما ورفاتا وإنا نعاد خلقا جديدا. فنزل # أولم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة # [يس: 77] الآية ثم بين النعمة فقال تعالى: { والأنعام خلقها ~~لكم فيها دفء ومنافع } الدفء ما يستدفأ به من الأكسية ~~وغيرها والذي يتخذ منه البيوت من الشعر والوبر والصوف، وأما المنافع ~~فظهورها التي تحمل عليها وألبانها. ms0896 ويقال: الدفء الصغار من الإبل. وروى ~~عكرمة عن ابن عباس أنه قال: { لكم فيها دفء }. أي في نسل كل ~~دابة. ثم قال: { ومنها تأكلون } أي: من لحومها. قوله: { ~~ولكم فيها جمال } أي: ولكم يا بني آدم في الأنعام جمال حسن ~~المنظر { حين تريحون } أي: حتى تروح الإبل راجعة إلى أهلها { ~~وحين تسرحون } أي: تسرح إلى الرعي أول النهار { وتحمل ~~أثقالكم } أي: أمتعتكم وزادكم { إلى بلد لم تكونوا ~~بلغيه إلا بشق الأنفس } إلا بجهد الأبدان. وروى سماك عن ~~عكرمة قال بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) قال: هي مكة. ويقال: هذا ~~الخطاب لأهل مكة كانوا يخرجون إلى الشام وإلى اليمن ويحملون أثقالهم على ~~الإبل ثم قال: { إن ربكم لرؤوف رحيم } إذ لم يعجلكم ~~بالعقوبة ثم قال: { والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة } أي: جمالا ومنظرا وحسنا. وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنه سئل عن لحوم الخيل. فكرهه وتلا هذه الآية. { ~~والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة }. يعني ~~إنما خلق هذه الأصناف الثلاثة للركوب والزينة لا للأكل. وسائر الأنعام ~~خلقت للركوب والأكل كما قال { ومنها تأكلون } وبه كان يقول أبو ~~حنيفة إن لحم الخيل مكروه. ثم قال: { ويخلق ما لا تعلمون } ~~أي: خلق أشياء تعلمون وخلق أشياء مما لا تعلمون. وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن الله خلق أرضا بيضاء مثل الدنيا ثلاثين مرة محشوة خلقا من خلق ~~الله تعالى لا يعلمون أن الله تعالى يعصى طرفة عين». قالوا يا رسول الله ~~أمن ولد آدم هم؟ قال «ما يعلمون أن الله خلق آدم». قالوا فأين إبليس ~~منهم؟ قال «ما يعلمون أن الله خلق إبليس» ثم قرأ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «ويخلق ما لا تعلمون " # قوله: { وعلى الله قصد السبيل } أي: بيان الهدى، ويقال ~~هداية الطريق { ومنها جائر } أي: من الطرق ما هو مائل عن طريق ~~الهدى إلى طريق اليهودية والنصرانية. وروى جويبر عن الضحاك أنه قال: { ~~وعلى الله قصد السبيل } يعني: بيان الهدى { ومنها ~~جائر ms0897 } أي سبيل الضلالة وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود ومنها ~~جائر أي مائل عن طريق الهدى { ولو شآء لهداكم أجمعين } أي: ~~لو علم الله تعالى أن الخلق كلهم أهلا للتوحيد (لهداهم). ويقال: لو شاء ~~الله لأنزل آية يضطر الخلق إلى الإيمان (بها). ### || [16.10-17] # ثم قال: { هو الذى أنزل من السماء مآء } أي: المطر { ~~لكم منه شراب } وهو ما يستقر في الأرض من الغدران وتشربون منه ~~وتسقون أنعامكم { ومنه شجر } أي: ومن الماء ما ينتشر في الأرض ~~فينبت منه الشجر والنبات { فيه تسيمون } أي: ترعون أنعامكم. قوله { ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون } أي: يخرج لكم بالمطر ~~الزرع والزيتون { والنخيل والأعنب } أي: الكروم { ومن كل ~~الثمرت } أي: من ألوان الثمرات. قرأ عاصم في رواية أبي بكر " ~~تنبت لكم " بالنون وقرأ الباقون بالياء ومعناهما واحد. ثم قال { ~~إن فى ذلك لآية } يعني فيما ذكر من نزول المطر وخروج النبات ~~لعبرة { لقوم يتفكرون } في إنشائه. ثم قال: { وسخر ~~لكم الليل والنهار } أي: ذلل لكم الليل والنهار لمعايشكم { ~~والشمس والقمر } أي: خلق الشمس والقمر { والنجوم ~~مسخرت } بأمره أي: مذللات { بأمره } أي بإذنه { إن فى ~~ذلك لآيات } أي: لعبرات { لقوم يعقلون } أي: لمن له ذهن ~~الإنسانية. ثم قال عز وجل: { وما ذرأ لكم فى الأرض } أي: وما ~~خلق لكم في الأرض من الدواب والأشجار والثمار { مختلفا ألوانه ~~إن فى ذلك لآية } أي: في اختلاف ألوانها لعبرة { لقوم ~~يتذكرون } أي: يتعظون قرأ ابن عامر " والشمس والقمر ~~والنجوم " كلها بالرفع على معنى الابتداء. وقرأ عاصم في رواية حفص " ~~والشمس والقمر " بالنصب على معنى البناء أي: سخر لكم الشمس ~~والقمر ثم ابتدأ فقال " والنجوم " بالضم على معنى الابتداء وقرأ ~~الباقون الثلاثة كلها بالنصب ويكون بمعنى المفعول ثم قال: { وهو ~~الذى سخر البحر } أي: ذلل لكم البحر ويقال: ذلل لكم ما في ~~البحر { لتأكلوا منه } أي: من البحر { لحما طريا } أي: ~~السمك الطري { وتستخرجوا منه } يعني: من البحر { حلية ~~تلبسونها } يعني: لؤلؤا تتزينون بها، يعني: زينة للنساء { وترى ms0898 ~~الفلك مواخر فيه } أي: مقبلة ومدبرة فيه ويقال: تذهب وتجيء ~~بريح واحدة. وقال عكرمة يعني: السفينة حين تشق الماء. يقال مخرت السفينة ~~إذا جرت لأنها إذا جرت تشق الماء. { ولتبتغوا من فضله } أي: ~~لكي تطلبوا من رزقه حين تركبون السفينة للتجارة { ولعلكم ~~تشكرون } أي: لكي تشكروا الله فيما صنع لكم من النعمة. ثم قال: { ~~وألقى فى الأرض رواسى } يعني: الجبال الثوابت { أن تميد ~~بكم } يعني: لكيلا تميد بكم وقد يحذف " لا " ويراد إثباته كما قال ها ~~هنا { أن تميد بكم } أي لا تميل بأهلها. وروى معمر عن قتادة أنه ~~قال: لما خلقت الأرض كادت تميد فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على ظهرها ~~أحدا فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال. وقال ~~القتبي: الميد الحركة والميل. # ويقال أن تميد أي: كراهة أن تميد بكم { وأنهرا } أي وجعل لكم ~~أنهارا { وسبلا } أي: طرقا { لعلكم تهتدون } أي: تعرفون ~~بها الطرق { وعلامت } أي: جعل في الأرض علامات من الجبال وغيرها ~~تهتدون به الطرق في حال السفر { وبالنجم هم يهتدون } أي: ~~بالجدي والفرقدين تعرفون بها الطرق في البر والبحر. وروى عبد الرزاق عن ~~معمر في قوله: { وعلامت } قال: قال الكلبي الجبال، وقال قتادة: ~~النجوم. وروى سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله: { وعلامت ~~وبالنجم هم يهتدون } قال: منها ما يكون علامة ومنها ما ~~يهتدى به. وقال عمر بن الخطاب: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في طرقكم ~~وقبلتكم ثم كفوا وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم. وقال السدي ~~وعلامات أي: الجبال بالنهار يهتدون بها الطرق والنجوم بالليل. ثم قال: { ~~أفمن يخلق } يعني هذه الأشياء التي وصفت لكم { كمن لا ~~يخلق } أي لا يقدر أن يخلق شيئا وهم الأصنام { أفلا تذكرون ~~} أي: أفلا تتعظون في صنعه فتوحدوه وتعبدوه ولا تعبدوا غيره. ### || [16.18-23] # ثم قال تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ~~أي: لا تطيقوا إحصاءها فكيف تقدرون على أداء شكرها { إن الله ~~لغفور رحيم } لمن تاب ورجع ثم قال: { والله يعلم ما ms0899 ~~تسرون } في قلوبكم { وما تعلنون } بالقول ويقال: ما تخفون من ~~أعمالكم وما تعلنون. أي تظهرون منها، فالسر والعلانية عنده سواء. ثم قال: ~~{ والذين يدعون من دون الله } أي يعبدون من دون الله من ~~الأوثان { لا يخلقون شيئا } أي: لا يقدرون أن يخلقوا شيئا { ~~وهم يخلقون } أي: ينحتون من الأحجار والخشب وغيره. ثم قال تعالى: ~~{ أموت غير أحياء } قال في رواية الكلبي يعني: أن الأصنام ~~أموات ليس فيها روح { وما يشعرون } يعني الأصنام { أيان ~~يبعثون } أي: متى يحيون فيحاسبون. ويقال أموات يعني: أن الكفار غير ~~أحياء. يعني: كأنهم أموات لا يعقلون شيئا وما يشعرون أيان يبعثون غيره ~~{ فالذين لا يؤمنون بالأخرة } يعني: الذين لا يصدقون ~~بالبعث { قلوبهم منكرة } أي جاحدة للتوحيد. ويقال: قلوبهم خبيثة ~~لا تدخل المعرفة فيها { وهم مستكبرون } أي متعظمون عن الإيمان. ~~ثم قال عز وجل: { لا جرم } أي: حقا ويقال: نعم وذكر عن الفراء أنه ~~قال: لا جرم بمنزلة لا بد ولا محالة ثم كثرت في الكلام حتى صارت بمنزلة ~~حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } أي: ~~ما يكتمون وما يظهرون من الكفر والمكر في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- { إنه لا يحب المستكبرين } أي: المتعظمين عن الإيمان ~~ويقال: لا يحب المتكبرين الذين يتكبرون على الناس قال الفقيه حدثنا محمد ~~بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم ابن يوسف قال: ~~حدثنا الفضل بن دكين عن مسعر بن كدام عن أبي مصعب عن أبيه عن أبي بن كعب ~~قال: سيأتي المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذر في صور الرجال يغشاهم ~~ويأتيهم الذل من كل مكان. ### || [16.24-25] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم } يعني: الخراصين من أهل مكة. وروى ~~أسباط عن السعدي قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدا رجل حلو اللسان إذا ~~كلمه رجل ذهب بعقله، وفي رواية أخرى بقلبه فانظروا أناسا من أشرافكم ~~فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين فمن جاء يريده ~~ردوه عنه. فخرج ناس منهم في كل ms0900 طريق فكان إذا جاء الرجل من وفد القوم ~~ينظر ما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - فنزل بهم فقالوا له: أنا فلان ~~بن فلان. فيعرفه بنسبه ثم قال أنا أخبرك عن محمد. فلا تنفر إليه هو رجل ~~كذاب لم يتبعه إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه. أما أشياخ قومه ~~وأخيارهم فهم مفارقوه فيرجعون أي: الوافدون وإذا كان الوافد ممن عزم الله ~~له على الرشد يقول: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة ~~يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل وأنظر ماذا يقول، فيدخل مكة فيلقى ~~المؤمنين فيسألهم ما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقولون: # خيرا للذين أحسنوا فى هذه الدنيا حسنة # [النحل: 30] فذلك قوله: { وإذا قيل لهم } للمقتسمين من أهل مكة ~~{ ماذا أنزل ربكم } يعني: ما الذي أنزل ربكم على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { قالوا أسطير الأولين } يعني: الذين ~~يذكرون أنه منزل هو كذب الأولين وأحاديثهم قال الله تعالى { ~~ليحملوا أوزارهم } أي: آثامهم { كاملة } أي وافرة { ~~يوم القيمة } أي: لا يغفر لهم شيء، وذنوب المؤمنين تكفر عنهم ~~من الصلاة إلى الصلاة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج وتكفر ~~بالشدائد والمصائب وذنوب الكفار لا تغفر لهم ويحملونها كاملة يوم القيامة ~~أي: يحملون وبال الذنوب التي عملوا بأنفسهم { ومن أوزار الذين ~~يضلونهم } أي: يصدونهم عن الإيمان { بغير علم } أي: بغير ~~عذر وحجة وبرهان ويقال من أوزار الذين يضلونهم أي: أوزار إضلالهم وهذا ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر ~~من عمل بها إلى يوم القيامة. ثم قال: { ألا ساء ما يزرون } أي: ~~بئس ما يحملون من الذنوب، ويقال: بئس الزاد زادهم الذنوب. ### || [16.26-28] # ثم قال تعالى: { قد مكر الذين من قبلهم } أي: قد صنع ~~الذين من قبلهم مثل المقتسمين، فأبطل الله كيدهم { فأتى الله ~~بنينهم من القواعد } أي: قلع بنيانهم من أساس البيت { ~~فخر عليهم السقف من فوقهم } أي سقف البيت قال الكلبي: ~~وهو نمروذ بن ms0901 كنعان بنى صرحا طوله في السماء خمسة آلاف ذراع (وخمسون ~~ذراعا) وكان عرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسون ذراعا فهدم الله بنيانه وخر ~~عليهم السقف من فوقهم فأهلكهم الله. وقال القتبي: هذا مثل أي: أهلك من ~~قبلهم من الكفار كما أهلك من هدم مسكنه من أسفله فخر عليه، ويقال هدم ~~بنيان مكرهم من الأصل فخر عليهم السقف أي: رجع وبال مكرهم إليهم كقوله ~~تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43] { وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون } ~~أي: لا يعلمون. قوله: { ثم يوم القيمة يخزيهم } أي: ~~يعذبهم، وما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم { ويقول أين ~~شركآئى الذين كنتم تشقون فيهم } أي: تعادونني ~~وتخالفونني فيهم، يعني: بسببهم وعبادتهم. قرأ نافع " تشاقون " بكسر ~~النون على معنى الإضافة. والباقون بنصب النون لأنها نون الجماعة { قال ~~الذين أوتوا العلم } أي: الملائكة ويقال: يعني المؤمنين { ~~إن الخزى اليوم } أي العقاب { والسوء } أي: الشدة من ~~العذاب { على الكفرين } قوله تعالى: { الذين ~~تتوفهم الملئكة } أي: يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه { ~~ظالمى أنفسهم } أي: الذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله تعالى { ~~فألقوا السلم } أي: انقادوا واستسلموا حين رأوا العذاب قالوا: ~~{ ما كنا نعمل من سوء } أي: ما كنا نشرك بالله. وقال الكلبي: ~~هم قوم خرجوا مع المشركين يوم بدر قد تكلموا بالإيمان فلما رأوا قلة " ~~المؤمنين " رجعوا إلى الشرك فقتلوا، ويقال: جميع المشركين. قال الله ~~تعالى: { بلى } أشركتم بالله { إن الله عليم بما كنتم ~~تعملون } من الشرك. ### || [16.29-33] # قوله: { فادخلوا أبواب جهنم } أي: يقول لهم خزنة جهنم ~~ادخلوا أبواب جهنم { خلدين فيها } أي مقيمين فيها أبدا { ~~فلبئس مثوى المتكبرين } يعني لبئس مأوى المتكبرين عن ~~الإيمان. ثم نزل في المؤمنين الذين يدعون الناس إلى الإيمان وذلك أن أهل ~~مكة لما بعثوا إلى أعقاب مكة رجالا ليصدوا الناس عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالا من أصحابه ~~إلى أعقاب مكة فكان الوافد إذا قدم إليهم قالوا له إن هؤلاء المشركين ~~كذبوا، بل ms0902 محمد - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الحق ويأمر بصلة الرحم ~~ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعوا إلى الخير وذلك قوله تعالى: { ~~وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا } أي يدعو إلى الخير { للذين أحسنوا فى هذه ~~الدنيا حسنة } أي للذين وحدوا في هذه الدنيا لهم الحسنة في ~~الآخرة أي: الجنة { ولدار الأخرة } يعني: الجنة { خير } أي ~~أفضل من الدنيا { ولنعم دار المتقين } يعني المطيعين. قال ~~مقاتل في قوله { قالوا خيرا } أي قالوا للوافد إنه يأمر بالخير، ~~وينهى عن الشر. قالوا خيرا. ثم قطع الكلام يقول الله تعالى للذين ~~أحسنوا، أي أحسنوا العمل في هذه الدنيا لهم حسنة في الآخرة أي: في الجنة، ~~ولدار الآخرة خير يعني الجنة أفضل من ثواب المشركين الذين يحملون ~~أوزارهم. ويقال: هذه كلها حكاية كلام المؤمنين إلى قوله المتقين قرأ عاصم ~~في رواية أبي بكر تسرون وتعلنون بالتاء على معنى المخاطبة ويدعون بالياء ~~على معنى المغايبة وروي عن حفص الثلاث كلها بالياء على معنى المغايبة ~~وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم وصف دار المتقين فقال { ~~جنت عدن } يعني الدار التي هي للمتقين جنات عدن { ~~يدخلونها تجرى من تحتها الأنهر لهم فيها ما ~~يشآءون } أي: يحبون ويتمنون { كذلك يجزى الله المتقين ~~} أي: هكذا يثبت الله المتقين الشرك قوله { الذين تتوفهم ~~الملئكة } أي ملك الموت { طيبين } يقول زاكين طاهرين من ~~الشرك والذنوب { يقولون } أي: يقول لهم خزنة الجنة في الآخرة { ~~سلم عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } ~~في الدنيا. ويقال هذا مقدم ومؤخر أي: جنات عدن يدخلونها. ثم قال الذين ~~تتوفاهم الملائكة قرأ حمزة الذين يتوفاهم بالياء بلفظ التذكير والباقون ~~بالتاء بلفظ التأنيث لأن الفعل إذا كان قبل الاسم جاز التذكير والتأنيث. ~~قوله { هل ينظرون } يقول: ما ينظرون وهم أهل مكة { إلا أن ~~تأتيهم الملئكة } أي: ملك الموت يقبض أرواحهم { أو ~~يأتى أمر ربك } أي: عذاب ربك يوم بدر ويقال: يوم القيامة { ~~كذلك فعل } أي كذلك كذب { الذين من قبلهم } رسلهم كما ~~كذبك قومك فأهلكهم ms0903 الله تعالى { وما ظلمهم الله } يعني: ~~بإهلاكه إياهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بتكذيبهم ~~رسلهم. قرأ حمزة والكسائي إلا أن يأتيهم بالياء بلفظ التذكير والباقون ~~بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم. ### || [16.34-39] # { فأصابهم سيئات ما عملوا } أي: جزاء ما عملوا { وحاق ~~بهم } أي: نزل بهم { ما كانوا به يستهزءون } من العذاب ~~أنه غير نازل بهم. قوله: { وقال الذين أشركوا } أي: أهل مكة ~~{ لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شىء } قالوا ذلك ~~على وجه الاستهزاء يعني إن الله قد شاء لنا ذلك الذي { نحن } فيه. { ~~ولا آباؤنا } ولكن شاء لنا ولآبائنا. { ولا حرمنا من ~~دونه من شىء } ولا آباؤنا. ولكن شاء لنا من تحريم البحيرة والسائبة ~~وأمرنا به ولو لم يشأ ما حرمنا من دونه من شيء قال الله تعالى { كذلك ~~فعل الذين من قبلهم } يقول هكذا كذب الذين من قبلهم من ~~الأمم { فهل على الرسل إلا البلغ } أي: ليس عليهم إلا ~~تبليغ الرسالة { المبين } أي: بينوا لهم ما أمروا به. قوله { ~~ولقد بعثنا فى كل أمة } أي: في كل جماعة { رسولا } كما ~~بعثناك إلى أهل مكة { أن اعبدوا الله } أي: وحدوا الله وأطيعوه ~~{ واجتنبوا الطغوت } أي: اتركوا عبادة الطاغوت وهو الشيطان ~~والكاهن والصنم { فمنهم من هدى الله } لدينه وهم الذين ~~أجابوا الرسل للإيمان { ومنهم من حقت } يعني وجبت { ~~عليه الضللة } فلم يجب الرسل إلى الإيمان { فسيروا فى ~~الأرض } يقول سافروا في الأرض { فانظروا كيف كان عقبة ~~المكذبين } يقول اعتبروا كيف كان آخر أمر المكذبين. فلما نزلت هذه ~~الآية قرأها - صلى الله عليه وسلم - عليهم فلم يؤمنوا فنزل قوله: { إن ~~تحرص على هداهم } يعني: على إيمانهم { فإن الله لا ~~يهدى من يضل } يقول: من يضلل الله، وعلم أنه أهل لذلك وقدر عليه ~~ذلك. قال مقاتل: من يضلل الله فلا هادي له. قرأ أهل الكوفة حمزة وعاصم ~~والكسائي " لا يهدي " بنصب الياء وكسر الدال أي: لا يهدي من يضلله ~~الله. وقرأ الباقون " لا يهدى " بضم الياء ونصب الدال على معنى فعل ~~ما ms0904 لم يسم فاعله، ولم يختلفوا في " يضل " إنه بضم الياء وكسر الضاد. ~~وقال إبراهيم بن الحكم سألت أبي عن قوله تعالى فإن الله لا يهدي من يضل ~~فقال: قال عكرمة: قال ابن عباس: من يضلله الله لا يهدى. { وما لهم ~~من نصرين } أي: من ما نعني من نزول العذاب قوله: { وأقسموا ~~بالله جهد أيمنهم } وكل ما حلف بالله فهو جهد اليمين، ~~لأنهم كانوا يحلفون بالأصنام بآبائهم ويسمون اليمين بالله جهد اليمين ~~وكانوا ينكرون البعث بعد الموت وحلفوا بالله حين قالوا: { لا يبعث ~~الله من يموت } فكذبهم الله تعالى في مقالتهم فقال: { بلى ~~وعدا عليه حقا } أوجبه على نفسه ليبعثهم بعد الموت { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أي لا يصدقون بالبعث ~~بعد الموت قوله { ليبين لهم الذى يختلفون فيه } من ~~الدين يوم القيامة، يعني: يبعثهم ليبين لهم أن ما وعدهم حق { ~~وليعلم الذين كفروا } يعني: ليستبين لهم عندما خرجوا من ~~قبورهم { أنهم كانوا كذبين } في الدنيا. ### || [16.40-47] # قوله: { إنما قولنا لشىء } يعني: إن بعثهم على الله يسير { ~~إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } قرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة " فيكون " بضم النون وقرأ الباقون ~~بالنصب. قوله: { والذين هجروا فى الله } أي: هاجروا من ~~مكة إلى المدينة في طاعة الله { من بعد ما ظلموا } أي عذبوا { ~~لنبوئنهم فى الدنيا حسنة } أي: لننزلنهم بالمدينة ~~ولنعطينهم الغنيمة، فهذا الثواب في الدنيا { ولأجر الأخرة } أي: ~~الجنة { أكبر } أي أفضل { لو كانوا يعلمون } أي: يصدقون ~~بالثواب. ثم نعتهم فقال { الذين صبروا } على العذاب { وعلى ~~ربهم يتوكلون } أي: يثقون به ولا يثقون بغيره، منهم بلال بن ~~حمامة وعمار بن ياسر وصهيب ابن سنان وخباب بن الأرت. قال مقاتل: نزلت ~~الآية في هؤلاء الأربعة عذبوا على الإيمان بمكة. وقال في رواية الكلبي: ~~نزلت في ستة نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسرهم أهل ~~مكة وذكر هؤلاء الأربعة واثنين آخرين عابس وجبير مولى لقريش. فجعلوا ~~يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام. فأما صهيب فابتاع نفسه ms0905 بما له ورجع إلى ~~المدينة. وأما سائر أصحابه فقالوا بعض ما أرادوا ثم هاجروا إلى المدينة ~~بعد ذلك ثم قال: قوله: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحى إليهم } كما أوحى إليك وذلك أن مشركي قريش لما بلغهم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الرسالة ودعاهم إلى عبادة الله تعالى أنكروا ذلك ~~وقالوا لن يبعث الله رجلا إلينا ولو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا ~~لبعث إلينا من الملائكة الذين عنده. فنزل { وما أرسلنا من ~~قبلك } إلى الأمم الماضية { إلا رجالا } مثلك { نوحى ~~إليهم } كما نوحي إليك. قرأ عاصم في رواية حفص " نوحي " بالنون ~~وقرأ الباقون بالياء. ثم قال { فاسألوا أهل الذكر } أي: أهل ~~التوراة والإنجيل { إن كنتم لا تعلمون بالبينت ~~والزبر } وفي الآية تقديم وتأخير، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا ~~رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر. وروى أسباط عن السدي قال: البينات ~~الحلال والحرام، والزبر كتب الأنبياء. وقال الكلبي: البينات أي: بالآيات ~~الحلال والحرام والأمر والنهي ما كانوا يأتون به قومهم منها وهو كتاب ~~النبوة ويقال: البينات التي كانت تأتي بها الأنبياء مثل عصا موسى وناقة ~~صالح. وقال مقاتل: والزبر يعني: حديث الكتب ثم قال: { وأنزلنا ~~إليك الذكر } يعني: القرآن { لتبين للناس } لتقرأ للناس ~~{ ما نزل إليهم } أي: ما أمروا به في الكتاب { ولعلهم ~~يتفكرون } يتفكروا فيه ليؤمنوا به. ثم خوفهم فقال: { أفأمن ~~الذين مكروا السيئات } أي: أشركوا بالله { أن يخسف ~~الله بهم الأرض } يعني: أن تغور الأرض بهم حتى يدخلوا فيها إلى ~~الأرض السفلى { أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون } أي: من حيث لا يعلمون بهلاكهم. # قوله: { أو يأخذهم فى تقلبهم } أي في سفرهم في ذهابهم ~~ومجيئهم في تجارتهم { فما هم بمعجزين } أي: بفائتين { أو ~~يأخذهم على تخوف } أي: على تنقص ويقال يأخذ قرية بالعذاب ~~ويترك أخرى قريبة منها. فيخوفها بمثل ذلك. وهذا قول مقاتل. وروي عن بعض ~~التابعين: أن عمر سأل جلساءه عن قوله: { أو يأخذهم على ~~تخوف } فقالوا: ما نرى إلا عند بعض ما يرون من ms0906 الآيات يخوفهم. فقال ~~عمر: ما أراه إلا عندما يتنقصون من معاصي الله. فخرج رجل فلقي أعرابيا ~~فقال: يا فلان ما فعل دينك؟ قال تخيلته أي: تنقصته فرجع إلى عمر فأخبره ~~بذلك. ثم قال تعالى: { فإن ربكم لرءوف رحيم } أي: لا ~~يعجل عليهم بالعقوبة. ### || [16.48-56] # قوله: { أولم يروا } قرأ حمزة والكسائي " أولم تروا " ~~بالتاء على معنى المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على معنى المغايبة يعني: ~~أولم يعتبروا. { إلى ما خلق الله من شىء } عند طلوع الشمس ~~وعند غروبها { يتفيأ ظلله } يعني: يدور ظله { عن ~~اليمين والشمآئل }. قال القتبي: أصل الفيء الرجوع، وتفيؤ ~~الظلال رجوعها من جانب إلى جانب { سجدا لله وهم دخرون } ~~أي: صاغرون وهم مطيعون وأصل السجود التطأطؤ والميل، يقال سجد البعير إذا ~~تطأطأ وسجدت النخلة إذا مالت، ثم قد يستعار السجود ويوضع موضع الاستسلام ~~والطاعة، ودوران الظل من جانب إلى جانب هو سجوده لأنه مستسلم منقاد مطيع ~~فذلك قوله: { سجدا لله وهم دخرون } قرأ أبو عمرو " ~~تتفيأ " بالتاء بلفظ التأنيث والباقون بالياء لأن تأنيثه ليس ~~بحقيقي ولأن الفعل مقدم فيجوز التذكير والتأنيث. ثم قال تعالى: { ~~ولله يسجد } أي: يستسلم { ما في السموات } من الملائكة ~~والشمس والقمر والنجوم { وما فى الأرض من دآبة } يعني: يسجد ~~لله جميع ما في الأرض من دابة { والملئكة } يعني: وما على الأرض ~~من الملائكة. ويقال فيه تقديم وتأخير، ومعناه ما في السموات من الملائكة ~~وما في الأرض من دابة. ويقال: معناه: يسجد له جميع ما في السموات وما في ~~الأرض من دابة والملائكة، يعني: الدواب والملائكة والذين هم في السموات ~~والأرض. ثم قال: { وهم لا يستكبرون } أي: لا يتعظمون عن ~~السجود لله تعالى { يخفون ربهم من فوقهم } أي: يخافون ~~الله تعالى. روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن لله تعالى ملائكة في السماء السابعة سجدا مذ خلقهم الله تعالى إلى ~~يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافة الله تعالى. فإذا كان يوم القيامة ~~رفعوا رؤوسهم فقالوا ما عبدناك حق عبادتك. فذلك قوله { يخفون ~~ربهم ms0907 من فوقهم } " # أي: يخافون خوفا معظمين مبجلين. ويقال: خوفم بالقهر والغلبة والسلطان. ~~ويقال: معناه: يخافون ربهم الذي على العرش كما وصف نفسه بعلوه وقدرته. ~~والطريق الأول أوضح كقوله # يد الله فوق أيديهم # [الفتح: 10] أي: لا يعصون الله تعالى طرفة عين. قرأ أبو عمرو يتفيؤ ~~بالتاء بلفظ التأنيث وقرأ الباقون بالياء لأن تأنيثه مقدم فيجوز أن يذكر ~~ويؤنث. # قوله: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين } أي: ~~لا تقولوا ولا تصفوا إلهين اثنين. أي نفسه والأصنام. ويقال: نزلت الآية ~~في صنف من المجوس. إنهم وصفوا إلهين اثنين. قال الله تعالى: { إنما ~~هو إله واحد فإيي فارهبون } أي: فاخشوني ووحدوني ~~وأطيعوني ولا تعبدوا غيري { وله ما فى السموات } من الملائكة ~~{ والأرض } من الخلق، الجن والإنس كلهم عبيده وإماؤه { وله الدين ~~واصبا }. أي دائما خالصا، ويقال: الألوهية والربوبية له خالصا، ~~ويقال: دينه واجب أبدا لا يجوز لأحد أن يميل عنه. # ويقال: معناه: وله الدين والطاعة رضي العبد بما يؤمر به أو لم يرض. ~~والوصب في اللغة: الشدة والتعب ثم قال: { أفغير الله تتقون ~~} أي: تعبدون غيره { وما بكم من نعمة فمن الله } يعني: إن ~~الذي بكم من الغنى وصحة الجسم من قبل الله تعالى { ثم إذا مسكم ~~الضر } يعني: الفقر والبلاء في جسدكم { فإليه تجأرون } ~~يعني إليه تتضرعون ليكشف الضر عنكم. كما قال في سورة الدخان # ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون # [الدخان: 12]. { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق ~~منكم } يعني الكفار { بربهم يشركون } أي: يعبدون غيره. ~~قوله: { ليكفروا بمآ ءاتينهم } أي: يجحدوا بما أعطيناهم ~~من النعمة { فتمتعوا } (اللفظ لفظ الأمر والمراد به التهديد). ~~كقوله: # اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير # [فصلت: 40] يعني: تمتعوا بقية آجالكم { فسوف تعلمون } أي: ~~تعرفون في الآخرة ماذا نفعل بكم. قوله: { ويجعلون لما لا ~~يعلمون نصيبا } أي: يجعلون لآلهتهم نصيبا من الحرث والأنعام ~~كقوله: # فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا # [الأنعام: 136] وقوله: # لما لا يعلمون نصيبا # [النحل: 56] قال بعضهم: يعني: الكفار جعلوا لأصنامهم نصيبا ولا يعلمون ~~منهم ms0908 ضرا ولا نفعا، وبعضهم قال: معناه: يجعلون للأصنام الذين لا يعلمون ~~شيئا نصيبا أي: حظا { مما رزقنهم } من الحرث والأنعام قال ~~تعالى: { تالله لتسئلن عما كنتم تفترون } أي: ~~تكذبون على الله لأنهم كانوا يقولون إن الله أمرنا بهذا. ### || [16.57-62] # قوله: { ويجعلون لله البنت } يعني: يصفون لله ويقولون ~~الملائكة بنات الله { سبحنه } أي: تنزيها له عن الولد { ولهم ~~ما يشتهون } يعني الأولاد الذكور أي: يصفون لغيرهم البنات ~~ولأنفسهم الذكور. ثم وصف كراهتهم البنات لأنفسهم فقال { وإذا بشر ~~أحدهم بالأنثى } يقول: إذا بشر أحد الكفار بالأنثى { ظل ~~وجهه مسودا } أي: صار وجهه متغيرا من الحزن والخجل { وهو ~~كظيم } يعني: مكروبا مغموما من الحزن يتردد حزنه في جوفه. قوله: { ~~يتوارى من القوم من سوء } يعني: يكتم ما به من القوم، ~~ويقال: يستر وجهه من القوم ويختفي من سوء { ما بشر به } أي: ما ظهر ~~على وجهه من الكراهية ويدبر في نفسه كيف أصنع بها { أيمسكه على ~~هون } أي: الأنثى التي ولدت له على هوان، يعني: أيحفظه على هوان { أم ~~يدسه فى } أي: يدقه { التراب ألا سآء ما يحكمون } أي: ~~بئسما يفضون به. لأنفسهم الذكور وله الإناث ثم قال: { للذين لا ~~يؤمنون بالأخرة } أي: المشركين { مثل السوء } أي: جزاء ~~السوء النار في الآخرة. ويقال: يعني: عاقبة السوء، ويقال: لآلهتهم صفة ~~السوء صم بكم عمي { ولله المثل الأعلى } أي: الصفة العليا ~~وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له # ليس كمثله شىء وهو السميع البصير # [الشورى: 11] # لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 3 - 4] فهذه الصفة العليا { وهو العزيز } في ملكه { ~~الحكيم } في أمره. أمر الخلق أن لا يعبدوا غيره. قوله: { ولو ~~يؤاخذ الله الناس بظلمهم } أي: بشركهم ومعصيتهم { ما ~~ترك عليها من دآبة } أي لم يترك على ظهر الأرض من دابة. ودل ~~الإضمار على الأرض لأن الدواب إنما هي على الأرض. يقول: أنا قادر على ذلك ~~{ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } أي إلى وقت معلوم. ~~ويقال: ما ترك ms0909 عليها من دابة لأنه لو أخذهم بذنوبهم لمنع المطر وإذا منع ~~المطر لم يبق في الأرض دابة إلا أهلكت ولكن يؤخر العذاب إلى أجل مسمى. ~~وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم ~~لأصاب العذاب جميع الخلائق حتى الجعلان في جحرها ولأمسكت السماء عن ~~الأمطار ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو. ثم قال: { فإذا جاء أجلهم } ~~أي: أجل العذاب { لا يستأخرون } أي: لا يتأخرون عن الوقت { ~~ساعة ولا يستقدمون } أي: لا يتقدمون قبل الوقت. ثم قال: { ~~ويجعلون } أي: يصفون ويقولون { لله ما يكرهون }: لأنفسهم ~~وهو البنات { وتصف ألسنتهم الكذب } أي: يقولون الكذب { ~~أن لهم الحسنى } أي: الذكور من الولد ويقال الجنة. أي: يصفون ~~لأنفهسم مع أعمالهم القبيحة أن لهم في الآخرة الجنة ثم قال: { لا جرم ~~} يعني: حقا. ويقال لا بد ولا محالة { أن لهم النار } وهو ~~كقوله: # أم حسب الذين اجترحوا السيئت أن نجعلهم ~~كالذين # [الجاثية: 21] إلى قوله: # سآء ما يحكمون # [الجاثية: 21] { وأنهم مفرطون } قرأ نافع بكسر الراء يعني: ~~أفرطوا في القول وأفرطوا في المعصية. وقرأ الباقون " مفرطون " بفتح ~~الراء أي: متركون في النار ويقال: منسيون في النار، وهو قول سعيد ~~ابن جبير. وقال قتادة: أي معلجون في النار. ويقال: الفارط في اللغة: الذي ~~يتقدم إلى الماء وهذا قول يوافق قول قتادة. ### || [16.63-67] # ثم قال: { تالله } يقول: والله { لقد أرسلنآ } أي: بعثنا { ~~إلى أمم من قبلك } أي: بعثنا إلى أمم من قبلك الرسل كما ~~أرسلناك إلى قومك { فزين لهم الشيطان أعمالهم } ~~أي: ضلالهم حتى أطاعوا الشيطان وكذبوا الرسل { فهو وليهم ~~اليوم } أي: قرينهم في النار { ولهم عذاب أليم } فهذا ~~تهديد لكفار مكة أنه يصيبهم مثل ما أصابهم، وتعزية للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليصبر على أذاهم. ثم قال تعالى: { ومآ أنزلنا عليك ~~الكتب } أي: القرآن { إلا لتبين لهم الذى ~~اختلفوا فيه } من الدين لأنهم كانوا في طرق مختلفة اليهودية ~~والنصرانية والمجوسية وغيرهم. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~يبين لهم طريق الهدى. ثم ms0910 قال: { وهدى ورحمة } أي: أنزلنا القرآن ~~بيانا من الضلالة ونعمة من العذاب لمن آمن به { لقوم يؤمنون } ~~بالقرآن. قوله: { والله أنزل من السماء مآء } أي: المطر { ~~فأحيا به الأرض بعد موتها } أي: بعد يبسها { إن فى ~~ذلك لآية } أي: في إحيائها لعلامة لوحدانيته، إذ علموا أن معبودهم ~~لا يستطيع شيئا. { لقوم يسمعون } أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ~~ويبصرون. قوله: { وإن لكم فى الأنعم لعبرة ~~نسقيكم مما فى بطونه }. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية ~~أبي بكر " نسقيكم " بنصب النون وقرأ الباقون بضم النون ومعناهما ~~قريب، يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد. { مما فى بطونه }: ولم ~~يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى ~~واحد من الأنعام وواحدها نعم والنعم تذكر وتؤنث كقوله: # وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر # [البقرة: 74] أي: من الحجر. وإن شئت قلت على تأويل آخر نسقيكم وهو مما ~~في بطونه أي: بطون ما ذكرنا. وهذا مثل قوله: # جنت معروشت وغير معروشت والنخل ~~والزرع مختلفا أكله # [الأنعام: 141] وقال # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطن فاجتنبوه # [المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها أي فاجتنبوا ما ذكرنا. ثم قال تعالى: { ~~من بين فرث ودم } يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم. قال ~~ابن عباس في رواية أبي صالح إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها ~~طحنته الكبد فكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد مسلط على هذه ~~الأصناف الثلاثة فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع ويبقى ~~الفرث كما هو في الكرش. وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش صار دما ~~بحرارة الكبد ثم ينصرف الدم في العروق. فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار ~~لبنا لبرودة الضرع بدليل أن الضرع إذا كانت فيه آفة يخرج منه الدم ~~مكان اللبن. ثم قال: { لبنا خالصا }. صار اللبن نصبا على معنى ~~التفسير { سآئغا للشاربين } أي: سهلا في الشرب لا يغص به ~~شاربه، ويقال: يشتهي شاربه (إليه) ثم قال تعالى: { ومن ثمرت ~~النخيل ms0911 والأعنب تتخذون منه } أي: من التمر، ويقال: " ~~منه " كناية عن الأول وهو قوله { ومن ثمرت النخيل ~~والأعنب تتخذون } من ذلك { سكرا } والسكر هو نقيع التمر ~~إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ، ويقال: سكرا أي: خمرا قال ابن عباس: نزلت ~~هذه الآية وهي يومئذ كانت لهم حلال وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه ~~الآية نزلت في الخمر { ورزقا حسنا } يعني: الخل والزبيب ~~والرب. # وروي عن ابن عباس أنه قال: تتخذون منه سكرا يعني: ما حرم منه. ورزقا ~~حسنا ما أحل منه. وقال الشعبي: السكر النبيذ والخل، والرزق الحسن التمر ~~والزبيب. وقال الضحاك: السكر الحرام والرزق الحسن الحلال وهؤلاء كلهم ~~قالوا قبل تحريم الخمر. وقال الأخفش: سكرا طعاما. يقال هذا سكر لك أي ~~طعام لك. وقال القتبي: لست أدري هذا. ثم قال: { إن فى ذلك لآية ~~} أي: لعبرة { لقوم يعقلون } توحيد الله تعالى. ### || [16.68-71] # وقوله: { وأوحى ربك إلى النحل } أي: ألهمها إلهاما. ~~مثل قوله: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. { أن اتخذى من الجبال بيوتا } أي: مسكنا ~~{ ومن الشجر } يعني: أن اتخذي من الجبال ومن الشجر مسكنا { ~~ومما يعرشون } يعني: ومما يبنون من سقوف البيت. قرأ ابن عامر ~~وعاصم في رواية أبي بكر " يعرشون " بضم الراء. والباقون بالكسر ~~ومعناهما واحد أي: ومما يبنون من سقوف البيت { ثم كلى من كل ~~الثمرت } أي: من ألوان الثمرات. أي ألهمها بأكل الثمرات { ~~فاسلكى سبل ربك ذللا } أي: ادخلي الطريق الذي يسهل عليك، ~~ويقال: خذي طرق ربك مذللا أي: مسخرا لك. وقال مقاتل: فاسلكي سبل ربك ~~يعني: ادخلي طرق ربك في الجبال وفي خلال الشجر ذللا. لأن الله تعالى. ~~ذلل لها طرقها حيث ما توجهت { يخرج من بطونها } أي: من بطون ~~النحل من قبل أفواهها مثل اللعاب { شراب } يعني: العسل { مختلف ~~ألوانه } أي: العسل أبيض وأصفر وأحمر، ويقال: يخرج من أفواه الشباب ~~من النحل الأبيض. ومن الكهول الأصفر ومن الشيوخ الأحمر { فيه } أي: في ~~العسل { شفآء للناس } روى أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري ~~قال: # " جاء ms0912 رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخي استطلق بطنه. ~~فقال له: «اسقه عسلا». فسقاه ثم جاء فقال: سقيته فلم يزده إلا ~~استطلاقا. فقال له: «اسقه عسلا». فسقاه ثم جاءه فقال: سقيته فلم يزده ~~إلا استطلاقا فقال له: «اسقه عسلا صدق الله وكذب بطن أخيك» فسقاه ~~فبريء " # قال الفقيه أبو الليث: إنما يكون العسل شفاء إذا عرف الإنسان مقداره ~~ويعرف لأي داء هو. فإذا لم يعرف مقداره ولم يعرف موضعه فربما يكون فيه ~~ضرر، كما أن الله تعالى جعل الماء حياة كل شيء وربما يكون الماء سببا ~~للهلاك. وقال السدي: العسل شفاء الأوجاع التي يكون شفاؤها فيه. وقال ~~مجاهد: " فيه شفاء للناس " أي: في القرآن بيان للناس من الضلالة. وروى ~~أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود أنه قال: العسل شفاء من كل داء والقرآن ~~شفاء لما في الصدور. وروى الأسود عن ابن مسعود أنه قال: عليكم بالشفاء من ~~القرآن والعسل ثم قال: { إن فى ذلك لآية } أي: فيما ذكر من أمر ~~النحل لعلامة لوحدانيتي { لقوم يتفكرون } يعني: علموا أن ~~معبودهم لم يغنهم من شيء ثم قال: { والله خلقكم ثم ~~يتوفكم } أي: يقبض أرواحكم { ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر } أي: إلى أسفل العمر وهو الهرم { لكى لا ~~يعلم بعد علم شيئا } أي: صار بحال لا يعلم ما علم من قبل. ~~ويقال: لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئا. # ويقال: إن الهرم اسوأ العمر وشره، وقوله: { لكى لا يعلم } أي ~~حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا لشدة هرمه بعد ما كان يعلم الأمور ~~قبل الهرم { إن الله عليم قدير } على تحويلكم. ويقال: معناه: ~~ومنكم من يرد إلى أرذل العمر أي: إني محولكم من حال إلى حال تكرهونه ولا ~~يقدر معبودكم أن يمنعني عن ذلك. والله عليم قدير على ذلك. قوله: { ~~والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق } أي: فضل ~~الموالي على العبيد في المال { فما الذين فضلوا برآدى ~~رزقهم على ما ملكت أيمنهم } أي: الموالي لا يرضون ms0913 ~~بدفع المال إلى المماليك { فهم فيه سوآء } أي: لا ترضون لأنفسكم ~~أن كون عبيدكم معكم شركاء في أموالكم. فكيف ترضون لله تعالى أن تصفوا له ~~شريكا في ملكه وصفاته وتصفوا له ولدا من عباده. وقال قتادة: هو الذي ~~فضل في المال والولد لا يشرك عبيده في ماله. فقد رضيتم بذلك لله تعالى ~~ولم ترضوا به لأنفسكم. وقال مجاهد: ضرب الله مثلا للآلهة الباطلة مع ~~الله تعالى. ويقال: نزلت الآية في وفد نجران حين قالوا في عيسى عليه ~~السلام ما قالوا. ثم قال تعالى: { أفبنعمة الله يجحدون } ~~يقول بوحدانية الله تعالى تكفرون وترضون له ما لا ترضون لأنفسكم. ### || [16.72-74] # قوله: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يعني: ~~خلق لكم من جنسكم إناثا { وجعل لكم من أزوجكم بنين } ~~أي: خلق لكم من نسائكم بنين { وحفدة } أي: ولد الولد. ويقال: هم ~~الأعوان والخدم والأصهار. وروي عن زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه قال: ~~الحفدة الأختان. وقال مجاهد: الخدم وأنصاره وأعوانه. وعن ابن مسعود أنه ~~قال: هم أصهاره. وقال الربيع بن أنس: البنون بنو الرجل من امرأته والحفدة ~~بنو المرأة من غيره وقال زر بن حبيش: الحفدة حشم الرجل وروى عكرمة عن ابن ~~عباس أنه قال: الولد الصالح. وقال أهل اللغة: أصله في اللغة السرعة في ~~المشي ويقال في دعاء الوتر وتحفد أي: ونجتهد في الخدمة والطاعة. ثم قال: ~~{ ورزقكم من الطيبات } قال الكلبي: يعني الحلال إن أخذتم به. ~~وقال مقاتل: الطيبات الخبز والعسل وغيرهما من الأشياء الطيبة بخلاف رزق ~~البهائم والطيور. ثم قال: { أفبالبطل يؤمنون } قال الكلبي: ~~يعني الآلهة. وقال مقاتل: (أفبالباطل) يقول: بالشيطان يصدقون بأن مع الله ~~إلها آخر. ويقال أفبالباطل يؤمنون يعني: أفيعبدون الأصنام التي لا تقدر ~~على مضرتهم ولا على منفعتهم. { وبنعمت الله هم يكفرون } ~~أي: يجحدون بوحدانية الله تعالى. ويقال وبنعمة الله هم يكفرون فلا يؤمنون ~~برب هذه النعمة. قوله: { ويعبدون من دون الله } يعني: ~~الأصنام { ما لا يملك لهم } أي: لا يقدر لهم { رزقا من ~~السموات } أي: ms0914 إنزال المطر { والأرض } أي: والنبات { شيئا } ~~يعني: لا يملكون شيئا من ذلك وقال القتبي: إنما نصب " شيئا " بإيقاع ~~الرزق عليه. ومعناه: يعبدون ما لا يملك أن يرزقهم شيئا. كما تقول ويخدم ~~من لا يستطيع إعطاءه درهما ثم قال: { ولا يستطيعون } يعني: ~~ذلك { فلا تضربوا لله الأمثال } يعني: لا تصفوا لله ~~شريكا. فإنه لا إله غيره { إن الله يعلم } أنه لا شريك له، ~~ويقال: إن الله يعلم ضرب الأمثال { وأنتم لا تعلمون } ضرب ~~المثل. ### || [16.75-76] # ثم قال تعالى: { ضرب الله مثلا } أي: وصف الله شبها { عبدا ~~مملوكا } وهو الكافر { لا يقدر على شىء } يقول: لا يقدر ~~على مال ينفقه في طاعة الله { ومن رزقناه منا رزقا حسنا ~~} أي مالا حلالا { فهو ينفق منه } أي: يتصدق منه { سرا ~~وجهرا } يقول: يتصدق خفية وعلانية وهو المؤمن { هل يستوون } ~~في الطاعة مثلا { الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ~~} ضرب المثل. وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ~~والآخر أبو الفيض بن أمية وهو كافر لا يقدر أن ينفق خيرا لمعاده وعثمان ~~أنفق لآخرته. فهل يستويان؟ أي: هل يستوي الكافر والمؤمن. ويقال: ضرب ~~المثل للآلهة ومعناه: أن الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما ~~قادرا على الإنفاق والآخر عاجزا لا يستويان فكيف يسوون بين الحجارة ~~التي لا تتحرك ولا تعقل وبين الذي هو على كل شيء قدير. فبين الله تعالى ~~علامة ضلالتهم ثم حمد نفسه ودل خلقه على حمده فقال { الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون } ثم زاد في البيان وضرب مثلا آخر ~~فقال: { وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم } ~~يعني: أخرس وهو الصنم { لا يقدر على شىء } من مال ولا منفعة { ~~وهو كل على مولاه } يعني: ثقل على وليه وقرابته، يعني: الصنم ~~عيال ووبال على عابده { أينما يوجهه لا يأت بخير } ~~يعني: حيث يبعثه لا يجيء بخير { هل يستوى هو ومن يأمر ~~بالعدل } يعني: بالتوحيد { وهو على صرط مستقيم } يدل ~~الخلق على التوحيد. ويقال: هذا المثل للكافر مع ms0915 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. يعني الكافر الذي لا يتكلم بالخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ~~أي التوحيد ويدعو الناس إليه وهو على صراط مستقيم يدعو الناس إليه وهو ~~دين الإسلام. وقال السدي: المثلين ضربهما الله لنفسه وللآلهة. ### || [16.77-80] # ثم قال تعالى: { ولله غيب السموات والأرض } يعني: ما ~~غاب عن العباد { وما أمر الساعة } يعني: قيام الساعة { إلا ~~كلمح البصر } كرجع البصر { أو هو أقرب } يقول: بل هو ~~أقرب أي أسرع. قال الزجاج: أخبر الله تعالى أن البعث والإحياء في قدرة ~~الله تعالى ومشيئته كلمح البصر. ولم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر ~~ولكنه وصف سرعة القدرة على الإتيان بها. ويقال أو هو أقرب الألف زيادة ~~ومعناه وهو أقرب. ثم قال: { إن الله على كل شىء قدير } ~~يعني: من البعث وغيره. قوله: { والله أخرجكم من بطون ~~أمهتكم } قرأ حمزة والكسائي " إمهاتكم " بكسر الألف والباقون ~~بالضم ومعناهما واحد وقال الزجاج: الأصل في الأمهات أمات ولكن الهاء زيدت ~~مؤكدة كما زادوها في قولهم أهرقت الماء وأصله أرقت الماء { لا ~~تعلمون شيئا } يعني: لا تعقلون شيئا ويقال: لا تعلمون الأشياء ~~كلها { وجعل لكم السمع والأبصر والافئدة } ~~تعقلون بها الخير والشر { لعلكم تشكرون } أي: لكي تشكروا ~~النعمة. ثم بين لهم العبرة ليعتبروا بها ويعرفوا بها وحدانيته فقال: { ~~ألم تروا إلى الطير مسخرت } يقول: مذللات { فى جو ~~السمآء } قال ابن عباس: أي: في الهواء { ما يمسكهن } عند قبض ~~الأجنحة وعند بسطها { إلا الله إن فى ذلك } أي: فيما ذكرت ~~{ لآيات } أي: علامات لوحدانية الله لمن علم أن معبودهم لم يعنه في ذلك ~~يعني الكفار لا يعلمون متى يبعثون. وأيان كلمة الاختصار وأصله أي أوان؟ ~~ثم قال تعالى { إلهكم إله وحد } يعني ربكم رب واحد ~~فاعبدوه ولا تعبدوا غيره { لقوم يؤمنون } أي: لمن آمن به، قرأ ~~ابن عامر وحمزة " ألم تروا " بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون ~~بالياء. ثم قال: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } ~~أي: خلق لكم البيوت قرارا ومأوى لكم ويقال: ms0916 معناه: سخر لكم الأرض ~~لتبنوا فيها البيوت ويقال: معناه وفقكم لبناء البيوت لسكناكم وقراركم، ~~فذكر النعم والمنن والدلائل لوحدانيته. ثم قال: { وجعل لكم من ~~جلود الأنعم } أي: من الشعر والصوف والوبر { بيوتا } أي: ~~الفساطيط والخيام { تستخفونها } أي تستخفون حملها { يوم ~~ظعنكم ويوم إقمتكم } أي: يوم انتقالكم وسفركم ويوم ~~نزولكم { ومن أصوافها } أي: من أصواف الغنم { وأوبارها } ~~يعني: الإبل { وأشعارها } يعني أشعار المعز (أثاثا) أي: متاع ~~البيت من الفرش والأكسية. وقال قتادة والكلبي: يعني: المال { ومتعا ~~إلى حين } يعني: المنفعة حتى تعيشون فيه إلى الموت، ويقال: تنتفعون ~~بها إلى حين تبلى، وتهلك وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " ظعنكم " بنصب ~~العين وقرأ الباقون بالجزم ومعناهما واحد. ### || [16.81-86] # قوله { والله جعل لكم مما خلق ظللا } أي: أشجارا ~~تستظلون بها. ويقال بيوتا تسكنون فيها { وجعل لكم من ~~الجبال أكننا } أي: جعل لكم من الجبال بيوتا تسكنون فيها ~~ويقال: أكنانا: يعني: الغيران والأسراب واحدها كن { وجعل لكم ~~سرابيل } أي: القمص { تقيكم الحر } يعني: والبرد. اكتفاء ~~أحدهما إذا كان يدل على الآخر. وقال قتادة في قوله " مما خلق ظلالا ". ~~أي: من الشجر وغيره " وجعل لكم من الجبال أكنانا " يعني: غيرانا في ~~الجبال يسكن فيها تقيكم من الحر أي: من القطن والكتان والصوف قال: وكانت ~~تسمى هذه السورة سورة النعم { وسربيل تقيكم بأسكم } وهي: ~~الدروع من الحديد تدفع عنكم قتال عدوكم ثم قال: { كذلك يتم ~~نعمته عليكم } أي: ما ذكر من النعم في هذه السورة { ~~لعلكم تسلمون } أي: تعرفون رب هذه النعم فتوحدوه وتخلصوا له ~~بالعبادة. وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ " لعلكم تسلمون " بنصب التاء ~~واللام ومعناه تسلمون من الجراحات إذا لبستم الدروع وتسلمون من الحر ~~والبرد إذا لبستم القمص. ثم قال بعد ما بين العلامات { فإن تولوا ~~} أي: أعرضوا عن الإيمان { فإنما عليك البلغ المبين } ~~تبلغهم رسالتي وتبين لهم الهدى من الضلالة. ثم قال تعالى: { يعرفون ~~نعمة الله ثم ينكرونها } أي: يعرفون أن خالق هذه الأشياء ~~هو الله تعالى ثم ينكرونها ويقولون هي ms0917 بشفاعة آلهتنا، وهذا قول الكلبي. ~~وقال السدي: يعني يعرفون محمدا - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي وأنه ~~صادق ولا يؤمنون به. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: { يعرفون ~~نعمة الله ثم ينكرونها }. قال: هي المساكن والأنعام وما ~~يرزقون منها وسرابيل الحديد والثياب، يعرف هذا الكافرون ثم ينكرونها ~~ويقولون هذا كان لآبائنا وورثناها. ويقال: إنكارهم قولهم لولا كذا لكان ~~كذا، ويقال: " يعرفون نعمة الله " وذلك أنهم إذا سئلوا من خلقهم؟ يقولون ~~الله. ثم ينكرونها يعني البعث { وأكثرهم الكفرون } يعني: ~~كلهم كافرون بالتوحيد. ويقال: جاحدون بالنعم. قوله: { ويوم نبعث ~~} أذكر يوم نبعث { فى كل أمة شهيدا } أي: نبيا شاهدا على ~~أمته بالرسالة أنه بلغها { ثم لا يؤذن للذين كفروا } ~~أي: في الكلام { ولا هم يستعتبون } يقول: لا يرجعون من الآخرة ~~إلى الدنيا. وقال أهل اللغة: عتب يعتب إذا وجد عليه وأعتب ~~يعتب إذا رجع عن ذنبه واستعتب يستعتب إذا طلب منهم الرجوع. أي: لا ~~يطلب منهم الرجوع إلى الدنيا. قوله: { وإذا رأى الذين ظلموا ~~العذاب } أي: الكفار { فلا يخفف عنهم } أي: لا يهون عليهم ~~العذاب حين رأوها { ولا هم ينظرون } أي: لا يمهلون ولا يؤجلون ~~ولا يتركون ساعة ليستريحوا. قوله: { وإذا رءا الذين أشركوا ~~شركآءهم } أي: آلهتهم { قالوا ربنا هؤلآء شركآؤنا ~~الذين كنا ندعوا } يعني: نعبد { من دونك } يقولون نعبد ~~دونك وهم أمرونا بذلك، ويقال: يعني السفلة إذا رأوا شركاءهم يعني: ~~أمراءهم ورؤساءهم قالوا ربنا هؤلاء قادتنا الذين كنا ندعو من دونك. أي هم ~~أمرونا بالمعصية فأطعناهم { فألقوا إليهم القول } يعني: ~~الآلهة والقادة وأجابوهم { إنكم لكذبون } ما أمرناكم بذلك. ### || [16.87-89] # قوله: { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } أي: ~~استسلموا وخضعوا وانقادوا، العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، يومئذ ~~خضعوا كلهم لله تعالى { وضل عنهم } أي: اشتغل عنهم آلهتهم بأنفسهم ~~{ ما كانوا يفترون } يعني: يختلفون ويقال: بطل عنهم ما كانوا ~~يقولون من الكذب في الدنيا. ثم بين عذابهم فقال تعالى: { الذين ~~كفروا وصدوا عن سبيل الله } أي: صرفوا الناس عن دين ~~الإسلام { زدنهم عذابا ms0918 فوق العذاب } يعني: القادة { ~~بما كانوا يفسدون } من الشرك والتكذيب زدناهم عذابا فوق عذاب ~~السفلة، ويقال: التابع والمتبوع زدناهم في كل وقت عذابا مع العذاب. وقال ~~مقاتل: يجري الله عليهم خمسة أنهار من نحاس ذائب، ثلاثة أنهار في مقدار ~~وقت الليل واثنان في مقدار وقت النهار بما كانوا يفسدون في الدنيا - وقال ~~الكلبي: نحو هذا. # قال الفقيه أبو الليث: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر ~~قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف عن عبيد الله عن إسرائيل عن السدي عن مرة عن ~~عبد الله بن مسعود في قوله { زدنهم عذابا فوق العذاب } ~~قال: أفاعي في النار. وعن ابن مسعود أيضا قال: زيدوا عقارب في النار ~~أنيابها كالنخيل الطوال، وعن مجاهد أنه قال: في النار عقارب كالبغال، ~~أنيابهن كالرماح تضرب إحداهن على رأسه فيسقط لحمه على قدميه، وقال: ~~يسألون الله تعالى المطر في النار ألف سنة ليسكن ما بهم من شدة الحر ~~والغم فيظهر لهم سحابة فيظنون أنها تمطر عليهم فجعلت السحابة تمطر عليهم ~~الغيث فإذا هي تمطر عليهم بالحيات والعقارب ويقال: يسلط عليهم الجوع ~~ويقال الجرب ويقال: الخوف. قوله: { ويوم نبعث فى كل أمة ~~شهيدا عليهم من أنفسهم } أي: رسولا من الآدميين { ~~وجئنا بك } يا محمد { شهيدا على هؤلآء } أي: على أمتك { ~~ونزلنا عليك الكتب } أي: القرآن { تبيانا لكل ~~شىء } من الأمر والنهي، إلا أن بعضه مفسر وبعضه مجمل يحتاج إلى ~~الاستخراج والاستنباط. وقال مجاهد: ما يسأل الناس عن شيء إلا في كتاب ~~الله تبيانه ثم قر أ { تبيانا لكل شىء } وقال علي بن أبي طالب: ~~كل شيء علمه في الكتاب إلا أن آراء الرجال تعجز عنه. ثم قال: { وهدى ~~ورحمة } أي: هدى من الضلالة " ورحمة " أي: نعمة لمن آمن به وعمل بما ~~فيه { وبشرى للمسلمين } بالجنة. ### || [16.90] # قوله: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } أي: بتوحيد ~~الله وشهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان إلى الناس والعفو عن الناس، ~~ويقال: الإحسان القيام بالفرائض { وإيتآء ذى القربى } أي: صلة ~~الرحم ms0919 { وينهى عن الفحشاء } أي: عن الزنا ويقال: جميع ~~المعاصي { والمنكر } يعني: ما لا يعرف في شريعة ولا في سنة، ويقال: ~~المنكر ما وعد الله عليه النار { والبغى } يعني: الاستطالة والكبرة ~~فقد أمر بثلاثة أشياء ونهى عن ثلاثة أشياء وجمع في هذه الأشياء الستة علم ~~الأولين والآخرين وجميع الخصال المحمودة، # " وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: ما أسلمت يوم أسلمت إلا حياء من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه كان يدعوني فيعرض علي ~~الإسلام فاستحييت منه فأسلمت ولم يقر الإسلام في قلبي، فمررت به ذات ~~يوم وهو بفناء بابه جالسا محتبيا فدعاني فجلست إليه فبينما هو يحدثني ~~إذ رأيت بصره شخص إلى السماء حتى رأيت طرفه قد انقطع. ثم رأيته خفضه عن ~~يمينه ثم ولاني وركه ينفض رأسه كأنه يستفهم شيئا يقال له. ثم دعا فرفع ~~رأسه إلى السماء ثم خفضه حتى وضعه عن يساره ثم أقبل علي محمرا وجهه ~~يفيض عرقا. فقلت يا رسول الله ما رأيتك صنعت هذا في طول ما كنت أجالسك. ~~فقال: «ولقد رأيت ذلك؟» قلت: نعم قال: «بينما أحدثك إذ رفعت بصري إلى ~~السماء فرأيت جبريل ينزل علي فلم تكن لي همة غيره حتى نزل عن يميني فقال ~~يا محمد { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ~~ذى القربى } إلى آخر الآية " # قال عثمان: فوقر الإيمان في قلبي فآمنت وصدقته. قال: فأتيت أبا طالب ~~فأخبرته بما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا معشر قريش ~~اتبعوا ابن أخي ترشدوا وتفلحوا، ولئن كان محمد صادقا أو كاذبا ما ~~يأمركم إلا بمكارم الأخلاق. فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~عمه اللين قال: # " يا عماه أتأمر الناس أن يتبعوني وتدع نفسك؟ " # وجهد عليه فأبى أن يسلم فنزل # إنك لا تهدى من أحببت # [القصص: 56] إلى آخر الآية. # قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو منصور عبد الله الفرائضي بسمرقند ~~بإسناده عن عكرمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على الوليد بن ~~المغيرة { إن ms0920 الله يأمر بالعدل والإحسان } إلى آخر ~~الآية فقال له: يا ابن أخي أعد علي فأعاد عليه فقال: والله يا ابن أخي ~~إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هذا ~~بقول البشر. وقال قتادة: في قول الله تعالى: { إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان } الآية قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية ~~يستحسنونه بينهم إلا أمر الله به وليس من خلق سيىء يتعايرونه ~~بينهم إلا نهى الله عنه. ثم قال تعالى: { يعظكم } أي: يأمركم ~~وينهاكم عن هذه الأشياء التي ذكرها الله في الآية { لعلكم ~~تذكرون } أي: تتعظون. ### || [16.91-93] # قوله: { وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم } يقول: إذا ~~حلفتم بالله فأتموا له بالفعل. ويقال أوفوا بعهد الله يعني: العهود التي ~~بينكم وبين الله تعالى والعهود التي بينكم وبين الناس. ثم قال: { ولا ~~تنقضوا الأيمن } يعني: لا تنكثوا العهود { بعد توكيدها ~~} يعني: بعد تغليظها وتشديدها { وقد جعلتم الله عليكم ~~كفيلا } أي: شهيدا على إتمام العهود والوفاء بها، ويقال: حفيظا على ~~ما قال الفريقان { إن الله يعلم ما تفعلون } في وفاء ~~العهد والنقض. ثم ضرب الله تعالى مثلا فقال عز وجل: { ولا تكونوا ~~} في نقض العهد { كالتى نقضت غزلها } وهي ربطة الحمقاء بنت ~~عمرو بن كعب بن سعد وهي أم أخنس بن شريق الزهري { من بعد قوة ~~أنكثا } أي: من بعد ما أبرمته وأحكمته، كانت إذا غزلت الشعر والكتان ~~نقضته ثم غزلته فقال: ولا تنقضوا العهد بعد توكيده كما نقضت المرأة ~~غزلها. وقال القتبي: أي: لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ~~ذلك فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثا. ~~والأنكاث ما نقض من غزل الشعر وغيره. وأحدها نكث ثم قال { تتخذون ~~أيمنكم دخلا بينكم } أي: دغلا وخيانة { أن تكون ~~أمة } أي: فريق منكم { هى أربى من أمة } أي: هي أكثر ~~وأغنى من أمة من فريق. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كندة ومراد، وذلك ~~أنه كان بينهم قتال حتى كل الظهر ثم توادعوا ms0921 لستة أشهر حتى يصلح الظهر ~~أي: الدواب ويجم الخيل، فلما مضت خمسة أشهر أمر قيس بن معدي كرب بالجهاد ~~إليهم فقالوا قد بقي من الأجل شهر فمكث حتى علم أنه يأتيهم بعد انقضاء ~~الأجل بيوم ثم سار إليهم فإذا هو يوم انقضاء الأجل فقتلوه وهزموا قومه ~~فذلك قوله: # ولا تتخذوا أيمنكم # [النحل: 94] يعني: عهودكم بالله دخلا أي: مكرا وخديعة بينكم { أن ~~تكون أمة هى أربى من أمة } يعني أن تكون أمة أكثر من ~~أمة فينقضون العهد لأجل كثرتهم، فلا تحملنكم الكثرة على نقض العهد { ~~إنما يبلوكم الله به } يعني: إنما يبتليكم الله بالكثرة ~~لنقض العهد والوفاء. وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا أكثر ~~منهم وأعز نقضوا وحالفوا الأعز فنزل { إنما يبلوكم الله به ~~} أي: يختبركم بنقض العهود وبالكثرة { وليبينن لكم يوم ~~القيمة ما كنتم فيه تختلفون } من الدين ويبين لكم ما ~~نقضتم من العهود ويجازيكم به قوله: { ولو شاء الله لجعلكم ~~أمة وحدة } أي: على ملة واحدة وهي الإسلام { ولكن يضل ~~من يشآء } يعني: يخذل من علم أنه ليس من أهل الإسلام. { ويهدى من ~~يشاء } أي: يكرم بالإسلام من هو أهل لذلك { ولتسئلن } فهذه ~~اللام لام القسم والتأكيد يوم القيامة { عما كنتم ~~تعملون } أي: يسألكم عما كنتم تعملون من الوفاء والنقض بالعهد. ### || [16.94-97] # ثم قال تعالى: { ولا تتخذوا أيمنكم دخلا بينكم ~~فتزل قدم بعد ثبوتها } أي: إن ناقض العهد يزل عن الطاعة ~~كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة { وتذوقوا السوء } أي: تتجرعوا ~~العقوبة { بما صددتم عن سبيل الله } أي: صرفتم الناس عن ~~دين الإسلام { ولكم عذاب عظيم } يعني: شديد في الآخرة { ولا ~~تشتروا بعهد الله } أي لا تختاروا على عهد الله والحلف به { ~~ثمنا قليلا } أي: عرضا يسيرا من الدنيا { إنما عند ~~الله } في الآخرة من الثواب الدائم { هو خير لكم } أي: ثواب ~~الجنة { إن كنتم تعلمون } أن الآخرة خير من الدنيا، ويقال: إن ~~كنتم تصدقون بثوابه. قال الكلبي: # " نزلت الآية في رجل من حضرموت يقال له عبدان بن ms0922 الأشوع قال: يا رسول ~~الله إن امرأ القيس الكندي جاورني في أرض فاقتطع أرضي فذهب بها وغلبني ~~عليها. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيشهد لك أحد على ما ~~تقول؟» قال: يا رسول الله إن القوم كلهم يعلمون أني صادق فيما أقول ~~ولكنه أكرم عليهم مني عليهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لامرىء القيس.« ما يقول صاحبك؟» قال الباطل والكذب فأمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بأن يحلف. فقال عبدان: إنه لفاجر وما يبالي أن يحلف ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن لم يكن لك شهود فخذ يمينه». ~~فقال عبدان. وما لي يا رسول الله إلا يمينه؟ فقال لا. فأمره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يحلف. فلما قام ليحلف أخره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال له: «إنصرف " # فانصرف من عنده فنزلت هذه الآية { ولا تشتروا بعهد الله ~~ثمنا قليلا } إلى قوله: { ما عندكم ينفد } أي: ما عندكم من ~~أمور الدنيا يفنى { وما عند الله باق } أي: ثواب الله في الجنة ~~دائم لأهلها { ولنجزين الذين صبروا } عن اليمين وأقروا ~~بالحق. ويقال الذين صبروا على الإيمان وأقروا بالحق { أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون } يعني: بالإحسان الذي كانوا يعملون ~~في الدنيا. ويقال: يجزيهم بأحسن أعمالهم ويبقى سائر أعمالهم فضلا. قال ~~الكلبي: فلما نزلت هاتان الآيتان قال امرؤ القيس: أما ما عندي فينفد ~~وأما صاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل. اللهم إنه صادق فيما قال، لقد ~~اقتطعت أرضه. والله ما أدري كم هي. ولكنه يأخذ ما يشاء من أرض ومثلها ~~معها بما أكلت من ثمارها. فنزل { من عمل صلحا من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن } يعني: لا يقبل العمل منه ما لم يكن مؤمنا، ~~فإذا كان مؤمنا وعمل صالحا يقبل منه، ثم قال: { فلنحيينه ~~حيوة طيبة } في الجنة، ويقال: يجعل حياته في طاعة الله ويقال: ~~فلنقنعه باليسير من الدنيا. وروي عن ابن عباس أنه قال: الكسب الطيب ~~والعمل الصالح، وعن علي إنه قال: القناعة، ms0923 وقال الحسن: لا تطيب الحياة ~~لأحد إلا في الجنة، وقال الضحاك: الرزق الحلال وعبادة الله تعالى ثم قال: ~~{ ولنجزينهم أجرهم } أي: ثوابهم { بأحسن ما كانوا ~~يعملون } أي: يثيبهم بإحسانهم ويعفو عن سيئاتهم. قرأ ابن كثير وعاصم ~~وابن عامر في إحدى الروايتين " ولنجزين الذين صبروا " بالنون ~~وقرأ الباقون بالياء، واتفقوا في قوله " ولنجزينهم " بالنون. ### || [16.98-101] # قوله: { وإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله } يعني: ~~إذا أردت أن تقرأ القرآن في الصلاة وفي غير الصلاة فتعوذ بالله. وهذا ~~كقولك إذا أكلت فقل بسم الله، يعني: إذا أردت أن تأكل وهذا مثل قوله: # إذا قمتم إلى الصلوة # [المائدة: 6] يعني: إذا أردتم القيام للصلاة. وقوله: { من ~~الشيطن الرجيم } يعني: اللعين ويقال: الخبيث ويقال: المرجوم، ~~ويقال: فيه تقديم ومعناه: فاستعذ بالله إذا قرأت القرآن ثم قال: { ~~إنه ليس له سلطان } ليس له غلبة ولا حجة، ويقال: ليس له ~~نفاذ الأمر { على الذين ءامنوا } أي: صدقوا بتوحيد الله تعالى { ~~وعلى ربهم يتوكلون } أي: يثقون به ولا يثقون بغيره. قوله: ~~{ إنما سلطنه } أي: غلبته وحجته { على الذين ~~يتولونه } أي: يطيعونه من دون الله تعالى، فمن أطاعه فقد تولاه { ~~والذين هم به مشركون } أي: أشركوا بعبادة ربهم إياه. وقال ~~مقاتل: أي بالله تعالى. وقال القتبي: { والذين هم به مشركون ~~} لم يرد أنهم بإبليس كافرون ولو كان هكذا لكانوا مؤمنين. وإنما أراد ~~به الذين هم من أجله مشركون بالله تعالى كما يقال: صار فلان بك عالما أي ~~من أجلك. قوله: { وإذا بدلنآ ءاية } يعني: ناسخة { مكان ~~ءاية } يعني: منسوخة أي نسخنا آية بآية. قال ابن عباس: إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان إذا نزلت عليه آية فيها شدة أخذ الناس بها ~~وعملوا ما شاء الله أن يعملوا. فيشق ذلك عليهم فينسخ الله تعالى هذه ~~الشدة ويأتيهم بما هي ألين منها وأهون عليهم رحمة من الله لهم، فيقول لهم ~~كفار قريش والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه. يأمرهم اليوم بأمر، وغدا ~~يأتيهم بما هو أهون عليهم منه. وما يعلمه إلا ms0924 عابس غلام حويطب بن عبد ~~العزى ويسار بن فكيهة مولى ابن الحضرمي، وكانا قد أسلما وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يأتيهما فيحدثهما ويعلمهما. وكانا يقرآن كتابهما ~~بالعبرانية فنزل { وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية } { ~~والله أعلم بما ينزل } يعني: بما يصلح للخلق { قالوا ~~إنما أنت مفتر } أي: مختلق من تلقاء نفسك { بل أكثرهم ~~لا يعلمون } أن الله أمرك بما يشاء نظرا لصلاح العباد. وقال ~~مقاتل: في الآية تقديم ومعناه: { وإذا بدلنآ ءاية مكان ~~ءاية } { قالوا إنما أنت مفتر } فنقول على الله تعالى ~~الكذب. قلت كذا ثم نقضته فجئت بغيره ثم قال في التقديم: { والله ~~أعلم بما ينزل }. ### || [16.102-103] # ثم قال تعالى: { قل نزله روح القدس } يعني: قل يا محمد: ~~نزل جبريل بالقرآن، والتشديد لكثرة نزوله ويقال: نزل بمعنى تنزل ~~كما يقال قدم بمعنى تقدم وبين بمعنى تبين، ويقال: ~~نزله بمعنى تلاه وبلغه، ويقال: قل: نزله روح القدس يعني: جبريل الذي ~~يأتيك بالناسخ والمنسوخ { من ربك } أي: من عند ربك ويقال: من كلام ~~ربك { بالحق } أي بالوحي ويقال: بالصدق، ويقال: للحق ويقال: لصلاح ~~الخلق { ليثبت الذين ءامنوا } أي: ليحفظ قلوب الذين آمنوا ~~على الإسلام، ويقال: لتطمئن إليه قلوب الذين آمنوا { وهدى } من ~~الضلالة { وبشرى للمسلمين } بالجنة. ثم قال: { ولقد ~~نعلم أنهم يقولون } يعني: أن كفار قريش يقولون { إنما ~~يعلمه بشر } يعنون: جبرا ويسار. وروى حصين عن عبد الله بن مسلم ~~قال: كان لنا غلامان من أهل اليمن نصرانيان. إسم أحدهما يسار والآخر جبر ~~صيقليان وكانا يقرآن بلسانهما فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمر ~~عليهما يسمع منهما فقال المشركون إنما يتعلم منهما. فأكذبهم الله تعالى ~~حيث قال { لسان الذى يلحدون إليه أعجمى } أي: رومي ~~اللسان وقال مقاتل: كان غلام لعامر بن الحضرمي اسمه يسار يهودي أعجمي ~~اللسان. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أذاه كفار قريش يدخل عليه ~~ويحدثه فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فقال الله تعالى ردا عليهم: { ~~لسان الذى يلحدون إليه أعجمى } أي يميلون إليه ~~ويزعمون ms0925 أنه يعلمه أعجمي أي عبراني وأصل الإلحاد الميل { وهذا } ~~يعني القرآن { لسان عربى مبين } يعني: مفقه بلغتهم، وروي عن ~~طلحة بن عمير أنه قال: بلغني أن خديجة كانت تختلف إلى غلام ابن الحضرمي. ~~وكان نصرانيا وكان صاحب كتب يقال له جبر وكانت قريش تقول إن عبد ابن ~~الحضرمي يعلم خديجة وخديجة تعلم محمدا - صلى الله عليه وسلم - فنزل { ~~ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } ثم ~~أسلم جبر بعد ذلك وحسن إسلامه وهاجر مع سيده. قرأ ابن كثير " روح ~~القدس " بجزم الدال وقرأ الباقون " القدس " بضم الدال. وقرأ حمزة ~~والكسائي " يلحدون " بنصب الياء والحاء وقرأ الباقون " يلحدون ~~" بضم الياء وكسر الحاء ومعناهما واحد. ### || [16.104-107] # ثم قال: { إن الذين لا يؤمنون بآيت الله } أي: ~~القرآن { لا يهديهم الله } أي: لا يوفقهم الله ولا يكرمهم لقلة ~~رغبتهم في الإيمان، ويقال: لا ينجيهم في الآخرة من النار { ولهم ~~عذاب أليم } في الآخرة. ثم قال: { إنما يفترى الكذب ~~الذين لا يؤمنون بآيت الله وأولئك هم ~~الكذبون } قال الزجاج: معناه إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ~~إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها وهؤلاء أكذب ~~الكذبة. قوله: { من كفر بالله من بعد إيمنه } فعليهم ~~غضب من الله، على معنى التقديم. ثم استثنى فقال: { إلا من أكره ~~} أي: أكره على الكفر وتكلم بالكفر مكرها { وقلبه مطمئن ~~بالإيمن } أي: قلبه معتقد عليه، وهو عمار بن ياسر وأصحابه. وذلك أن ~~ناسا من أهل مكة آمنوا فخرجوا مهاجرين فأدركتهم قريش بالطريق فعذبوهم ~~فكفروا مكروهين فنزلت هذه الآية فيهم وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله، ~~وروي عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن عمار بن ياسر أخذه بنو المغيرة فطرحوه ~~في بئر ميمونة حتى أمسى، فقالوا له اكفر بمحمد، وأشرك بالله فبايعهم على ~~ذلك وقلبه كاره فنزلت الآية، وذكر # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى عمار بن ياسر وهو يبكي فجعل يمسح ~~الدموع من عينيه ويقول: أخذني الكفار ولم يتركوني حتى نلت منك وذكرت ms0926 ~~آلهتهم بخير. فقال «كيف وجدت قلبك؟» قال مطمئن بالإيمان فقال إن عادوا ~~فعد " # وقال مقاتل: أسلم جبر مولى ابن الحضرمي فأخذه مولاه وعذبه حتى رجع إلى ~~اليهودية ثم رجع إلى هؤلاء النفر فنزلت الآية { إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمن } ثم بين حال الذين ثبتوا على ~~الكفر فقال: { ولكن من شرح بالكفر صدرا } أي فتح صدره ~~بالقبول، يعني: قبل الكفر طائعا وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد ~~ولحق بمكة { فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ~~} أي: شديد في الآخرة { ذلك } العذاب { بأنهم استحبوا ~~الحياة الدنيا } أي: اختاروا الدنيا { على الأخرة ~~وأن الله لا يهدى } أي: لا يرشد إلى دينه { القوم ~~الكفرين } أي: لا يرشدهم إلى دينه. ### || [16.108-110] # قوله: { أولئك الذين طبع الله على قلوبهم } ~~مجازاة لهم { وسمعهم وأبصرهم } أي: ختم على قلوبهم وسمعهم ~~وأبصارهم { وأولئك هم الغفلون } أي: التاركون لأمر الله ~~تعالى { لا جرم } أي: حقا { إنهم فى الأخرة هم ~~الخسرون } { ثم إن ربك للذين هجروا } قال ~~ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر وأبويه وبلال وصهيب وخباب بن الأرت، ~~عذبهم المشركون ثم هاجروا إلى المدينة فأخبروا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فنزل { ثم إن ربك للذين هجروا } { من ~~بعد ما فتنوا } يقول: عذبهم أهل مكة { ثم جهدوا } مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - { وصبروا } على البلاء وصبروا على ~~دينهم وصبروا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على طاعة الله تعالى { ~~إن ربك من بعدها } أي: من بعد الفتن ويقال: من بعد الهجرة { ~~لغفور } لذنوبهم { رحيم } ويقال: نزلت الآية في عياش بن أبي ~~ربيعة وقد ذكرناه في سورة النساء. قرأ ابن عامر " من بعد ما ~~فتنوا " بفتح الفاء والتاء أي: أصابتهم الفتنة وقرأ الباقون " ~~فتنوا " على معنى فعل ما لم يسم فاعله. ### || [16.111] # قوله: { يوم تأتى } كل نفس صار نصبا لنزع الخافض ومعناه: إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم في يوم تأتي أي: تحضر ويقال: معناه: واذكروا { ~~يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها } يعني: ms0927 كل إنسان ~~يخاصم عن نفسه ويذب عنها ويقول: نفسي نفسي. وذلك حين زفرت جهنم زفرة فلا ~~يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه ويقول: رب نفسي نفسي أي ~~أريد نجاة نفسي. { وتوفى كل نفس ما عملت } أي: كل نفس ~~برة أو فاجرة جزاء ما عملت في دار الدنيا من خير أو شر { وهم لا ~~يظلمون } أي: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزادون على سيئاتهم. ### || [16.112-117] # قوله: { وضرب الله مثلا } يقول: وصف الله شبها { قرية ~~كانت ءامنة } يعني: مكة من العدو { مطمئنة } من العدو أي: ~~ساكنة مقيمة أهلها بمكة { يأتيها رزقها } أي: يحمل إليها طعامها ~~ورزق أهلها { رغدا من كل مكان } يعني موسعا من كل أرض يحمل ~~إليها الثمار وغيرها { فكفرت بأنعم الله } أي: طغت وبطرت ~~ويقال: كفرت بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { فأذاقها الله ~~لباس الجوع } أي: عاقبهم الله تعالى سبع سنين، ومعنى اللباس هنا: ~~سوء الحال واصفرار الوجوه { والخوف } يعني: خوف العدو وخوف سرايا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - { بما كانوا يصنعون } أي: عقوبة ~~لهم وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا عليهم فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر. اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فاستجاب الله دعاءه فوقع القحط والجدوبة حتى اضطروا إلى أكل الميتة ~~والكلاب. قال القتبي: أصل الذوق بالفم، ثم يستعار فيوضع موضع الابتلاء ~~والاختيار فأذاقها الله لباس الجوع والخوف يعني ابتلاهم الله بالجوع ~~والخوف وظهر عليهم من سوء آثارهم وتغير الحال عليهم. قوله: { ولقد ~~جاءهم رسول منهم } أي: محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~فكذبوه فأخذهم العذاب } أي: الجوع { وهم ظلمون ~~} أي: كافرين. ثم إن أهل مكة بعثوا أبا سفيان بن حرب إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله: ما هذا البلاء هبك عاديت الرجال ~~فما بال الصبيان والنساء. فأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~يحمل إليهم الطعام فحمل إليهم الطعام ولم يقطع عنهم وهم مشركون. فقال ~~الله تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } ~~أي: من ms0928 الحرث والأنعام حلالا طيبا يعني: وهم خزاعة وثقيف { ~~واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون } ~~يعني: إن كنتم تريدون بذلك رضاء الله وعبادته فإن رضاه أن تستحلوا ما أحل ~~الله وتحرموا ما حرم الله. ثم بين المحرمات فقال تعالى: { إنما ~~حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ ~~أهل لغير الله به } أي: ذبح بغير اسم الله { فمن ~~اضطر } أي أجهد إلي بشيء مما حرم الله عليه { غير باغ ولا ~~عاد } في أكله أي: لا يأكل فوق حاجته، ويقال: غير مفارق الجماعة ولا ~~عاد عليهم { فإن الله غفور } فيما أكل { رحيم } حين رخص له ~~في أكل الميتة عند الاضطرار. ثم قال: { ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب } أي: لا تقولوا يا أهل مكة فيما أحللت لكم { ~~هذا حلل } على الرجال { وهذا حرام } على النساء، ويقال: ~~في الآية تنبيه للقضاة والمفتين كيلا لا يقولوا قولا بغير حجة وبيان. ثم ~~قال: { لتفتروا على الله الكذب } أي: بتحريم البحيرة ~~والسائبة { إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون } أي: لا يفوزون ولا ينجون من العذاب { متع قليل } ~~أي: عيشهم في الدنيا قليل { ولهم عذاب أليم } في الآخرة. ### || [16.118-123] # ثم قال تعالى: { وعلى الذين هادوا } يقول: مالوا عن الإسلام ~~وهم اليهود { حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } أي: في ~~القرآن من قبل هذه السورة في سورة الأنعام { وما ظلمنهم } ~~بتحريم ما حرمنا عليهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~بكفرهم فحرمنا عليهم الأشياء عقوبة لهم { ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء بجهلة } أي: عملوا المعصية بجهالة. وروي عن ~~ابن عباس أنه قال كل سوء يعمله العبد فهو فيه جاهل وإن كان يعلم أن ركوبه ~~سيئة { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } أي: العمل { ~~إن ربك من بعدها } أي: من بعد السيئة، ويقال: من بعد التوبة ~~{ لغفور } لذنوبهم { رحيم } بهم. قوله: { إن إبرهيم ~~كان أمة قنتا لله } أي: إماما يقتدى به، " قانتا " ~~أي: مطيعا لربه. وروى عامر عن مسروق أنه قال ذكر عند عبد الله بن مسعود ~~معاذ ms0929 بن جبل. فقال عبد الله بن مسعود كان معاذ بن جبل أمة قانتا. فقال ~~رجل: وما الأمة؟ قال: الذي يعلم الناس الخير. والقانت الذي يطيع الله ~~ورسوله. وقال القتبي: إنما سماه أمة لأنه كان سبب الاجتماع. قال: وقد ~~يجوز أنه سماه أمة لأنه اجتمع عنده خصال الخير، ويقال: إنما سماه أمة ~~لأنه آمن وحده حين لم يكن مؤمن غيره. وهذا كما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " يجيء زيد بن عمرو بن نفيل يوم القيامة أمة وحده " # ، وقد كان أسلم قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - حين لم يكن بمكة ~~مؤمن غيره. وتابعه ورقة بن نوفل، وعاش ورقة بن نوفل إلى وقت خروج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل عليه الوحي. ثم قال: { حنيفا ~~مسلما } أي مستقيما قائلا عن الأديان كلها { ولم يك من ~~المشركين } أي مع المشركين على دينهم، وأصله ولم يكن فحذفت النون ~~لكثرة استعمال هذا الحرف. قوله { شاكرا لأنعمه } أي: ما أنعم ~~الله عليه { اجتبه } أي: اصطفاه واختاره للنبوة { وهداه إلى ~~صرط مستقيم } أي: إلى دين قائم وهو الإسلام { وءاتينه ~~فى الدنيا حسنة } يقول: أكرمناه بالثناء الحسن، ويقال: بالنبوة ~~ويقال: بالولد الطيب { وإنه فى الأخرة لمن الصلحين } ~~يعني مع الأنبياء في الجنة. قوله: { ثم أوحينا إليك } أي: ~~بعده هذه الكرامة التي أعطيناها إياك. أمرناك { أن اتبع ملة ~~إبرهيم } أي: دين إبراهيم يعني: استقم عليه { حنيفا وما كان ~~من المشركين } على دينهم. ### || [16.124-128] # قوله: { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ~~} يقول: إنما أمروا في السبت بالقعود عن العمل { على الذين ~~اختلفوا فيه } يعني: في يوم الجمعة. وذلك أن موسى عليه السلام ~~أمرهم أن يتفرغوا لله تعالى في كل سبعة أيام يوما واحدا. فيعبدوه ولا ~~يعملوا فيه شيئا من أمر الدنيا. وستة أيام لصناعتهم ومعايشهم ويتفرغوا ~~في يوم الجمعة فأبوا أن يقبلوا ذلك اليوم وقالوا إنما نختار السبت ~~اليوم الذي فرغ الله فيه من أمر الخلق فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم. ثم ms0930 ~~جاءهم عيسى بالجمعة فاختاروا يوم الأحد. وقال مجاهد: " إنما جعل ~~السبت على الذين اختلفوا فيه " أي: في السبت اتبعوه ~~وتركوا الجمعة. وروى همام عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة وأوتيناه من بعدهم " # ، يعني: يوم الجمعة فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله ~~له فهم لنا فيه تبع، واليهود غدا والنصارى بعد غد. ثم قال: { وإن ~~ربك ليحكم بينهم } أي: يقضي بينهم { يوم القيمة ~~فيما كانوا فيه يختلفون } من الدين فبين لهم الحق معاينة ثم ~~قال: { ادع إلى سبيل ربك } أي: إلى دين ربك وإلى طاعة ربك { ~~بالحكمة } يعني: بالنبوة والقرآن { والموعظة الحسنة } ~~يعني: عظهم بالقرآن { وجدلهم بالتى هى أحسن } أي: حاجهم ~~وناظرهم بالحجة والبيان، ويقال: باللين، وفي الآية دليل أن المناظرة ~~والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحق، وهذا مثل قوله: # ولا تجدلوا أهل الكتب إلا بالتى هى ~~أحسن # [العنكبوت: 46] وقوله: # فلا تمار فيهم إلا مرآء ظهرا # [الكهف: 22] ثم قال: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله } أي: عن دينه { وهو أعلم بالمهتدين } لدينه. ~~قوله: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~} قال ابن عباس: وذلك # " حين قتل المشركون حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم أحد ومثلوا به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لئن ~~أمكننا الله لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات " # فنزل { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ~~} الآية. وقال محمد بن كعب القرظي # " لما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمزة بالحال التي هو بها، ~~حين مثل به فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لئن ظفرت بقريش لأمثلن ~~بثلاثين منهم " # فلما رأى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما به من الوجع قالوا: ~~لئن ظفرنا بهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب أحد فنزل { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا. # .. } { ولئن صبرتم } فلم تعاقبوا ولم تمثلوا { لهو خير ~~للصبرين } من المثلة أي: ثواب العبر خير ms0931 من المكافأة ثم صارت ~~الآية عامة في وجوب القصاص أنه لا يجوز إلا مثلا بمثل والعفو أفضل. قال: ~~{ واصبر } يعني: أثبت على الصبر { وما صبرك إلا بالله } ~~يعني: ألهمك ووفقك للصبر { ولا تحزن عليهم } أي: على كفار ~~قريش إن لم يسلموا { ولا تك فى ضيق مما يمكرون } قرأ ابن ~~كثير " في ضيق " بكسر الضاد. وقرأ الباقون بالنصب ومعناهما واحد أي: لا ~~يضيق صدرك مما يقولون لك ويصنعون بك. وقال مقاتل: نزلت الآية في ~~المستهزئين. ثم قال تعالى: { إن الله مع الذين اتقوا } ~~أي: معين للذين اتقوا الشرك { والذين هم محسنون } في العمل ~~ويقال: معين الذين اتقوا مكافأة المسيء والذين هم محسنون إلى من أساء ~~إليهم. والله أعلم بالصواب. # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قال ابن عباس في قوله تعالى: { سبحان } يقول: عجب من أمر الله الذي ~~أسرى. ويقال: تنزيه لله تعالى. وروى موسى بن طلحة قال: سئل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن سبحان فقال: نزه الله نفسه عن السوء. وروي عن ~~علي بن أبي طالب أن ابن أبي الكواء سأله عن سبحان فقال علي كلمة ~~الله لنفسه. ويقال معناه: سبحوا الله، { سبحان الذى أسرى ~~بعبده } أي: أدلج برسوله - صلى الله عليه وسلم - { ليلا } أي: في ~~ليلة، ويقال أسرى يعني: سار بعبده ليلا { من المسجد الحرام } ~~أي: مكة. وقال ابن عباس: من بيت أم هانيء { إلى المسجد الأقصى ~~} يعني: إلى بيت المقدس. # قال الفقيه: أخبرني الثقة بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: حدثنا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن الليلة التي أسرى به فيها فقال: # " أوتيت بدابة هي أشبه الدواب بالبغل وهو البراق وهو الذي كان يركبه ~~الأنبياء» قال: «فانطلق بي يضع يده عند منتهى بصره. فسمعت نداء عن يميني ~~يا محمد على رسلك فمضيت ولما أعرج عليه، ثم سمعت نداء عن شمالي فمضيت ~~ثم استقبلتني امرأة عليها من كل زينة. فمدت يدها وقالت على رسلك ~~فمضيت ولم ألتفت إليها. ثم أتيت ms0932 البيت المقدس. أو قال المسجد فنزلت ~~وأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء يوثقون بها. ثم دخلت المسجد فصليت. ~~فقلت يا جبريل: سمعت نداء عن يميني فقال: ذاك داعي اليهودية، أما إنك لو ~~وقفت عليه لتهودت أمتك، فقلت سمعت نداء عن شمالي. قال كان ذلك داعي ~~النصارى. أما إنك لو وقفت عليه لتنصرت أمتك، وأما المرأة، كانت الدنيا ~~تزينت لك، أما إنك لو وقفت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة قال: ثم ~~أوتيت بإنائين أحدهما فيه لبن والآخر فيه خمر فقال: اشرب أيهما شئت. ~~فأخذت اللبن وشربت. فقال: أصبت الفطرة أي أعطيت أمتك الإسلام. أما إنك لو ~~أخذت الخمرة لغوت أمتك ثم جيء بالمعراج الذي تعرج فيه أرواح بني آدم. ~~فإذا هو أحسن ما رأيت. فعرج بنا فيه " # وذكر قصة طويلة فنزل { سبحان الذى أسرى بعبده } يعني: ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - من أول الليل، من المسجد الحرام. يقول من ~~الحرم من بيت أم هانيء بنت أبي طالب { إلى المسجد الأقصى } ~~أي: الأبعد يعني: إلى مسجد إيلياء وهو بيت المقدس { الذى باركنا ~~حوله } بالماء والأشجار، وهو المدائن التي حوله، مثل دمشق والأردن ~~وفلسطين { لنريه من ءايتنا } أي: لكي نريه من آياتنا، أراه ~~الله تعالى في تلك الليلة من عجائب السموات والأرض { إنه هو ~~السميع } لمقالة أهل مكة وإنكارهم { البصير } أي: العليم بهم. # وذلك أنه لما أخبرهم عن قصة تلك الليلة أنكروا، وروى الزهري عن عروة ~~قال: إنه لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الأقصى ~~أصبح فأخبر الناس بذلك فارتد ناس كثير ممن كان صدقه وفتنوا بذلك وكذبوا ~~به وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا له: هذا صاحبك يزعم أنه قد ~~أسري به الليلة إلى بيت المقدس ثم رجع من ليلته. فقال أبو بكر: أو قال ~~ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فإني أشهد إن كان قال ذلك أنه قد صدق. فقالوا: ~~أتصدقه بأنه جاء إلى الشام في ليلة واحدة ورجع قبل أن يصبح؟ فقال أبو ~~بكر: نعم إني ms0933 أصدقه في أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء غدوة وعشية. فلذلك ~~سمي أبا بكر " الصديق ".. قال الزهري: أخبرني أنس بن مالك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فرضت عليه الصلاة ليلة أسري به خمسين. ثم نقصت إلى خمس. ~~ثم نودي يا محمد ما يبدل القول لدي. وإن لك بالخمس خمسين. ### || [17.2-5] # { وءاتينآ موسى الكتب } أي: التوراة جملة واحدة { ~~وجعلنه } أي: الكتاب { هدى لبنى إسرءيل } أي: بيانا ~~لهم من الضلالة أي: دللناهم به على الهدى { ألا تتخذوا من ~~دونى وكيلا } يعني: ألا تعبدوا من دوني ربا. قوله: { ذرية ~~} يعني بالذرية { من حملنا مع نوح } في السفينة في أصلاب ~~الرجال وأرحام النساء. ويقال: معناه: ألا تعبدوا ذرية من حملنا مع ~~نوح. مثل عيسى وعزير. قرأ أبو عمرو " يتخذوا " بالياء على معنى ~~المغايبة والخبر عنهم. أي: أعطيناك الكتاب لكيلا يتخذوا إلها غيري. ~~وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة. أي: قل لهم لا تتخذوا إلها غيري ~~ثم أثنى على نوح فقال تعالى { إنه كان عبدا شكورا } أي: كان ~~يحمد الله إذا شرب وأكل واكتسى. ويقال: الشكور هو المبالغ في الشكر أي: ~~كان شاكرا في الأحوال كلها. قوله: { وقضينا إلى بنى ~~إسرءيل } يقول: أعلمنا وبينا كقوله: { وقضينآ إليه ذلك ~~الأمر } أي: أعلمناه وبيناه { فى الكتب } يعني: أخبرناهم في ~~التوراة { لتفسدن } أي: لتعصن { فى الأرض مرتين ~~ولتعلن علوا كبيرا } والعلو العتو على الله تعالى والجرأة. ~~وهذا قول ابن عباس، وقال مقاتل: يعني: لتهلكن في الأرض مرتين ولتعلن ~~علوا كبيرا. يعني: لتقهرن قهرا شديدا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة أنه قال: أما المرة الأولى فسلط الله عليهم جالوت. حتى بعث الله ~~طالوت ومعه داود فقتله داود. ثم ردت الكرة لبني إسرائيل. ثم جاء وعد ~~الآخرة من المرتين، # ليسوءوا وجوهكم # [الإسراء: 7] أي: يقبحوا وجوهكم وليدمروا تدميرا وهو بختنصر وإن ~~عدتم عدنا فعادوا فبعث الله عليهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - فهم ~~يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: " ~~وعد أولاهما ms0934 " جاءتهم فارس معهم بختنصر ثم رجعت فارس. يعني: أهل ~~فارس ولم يكن قتال ونصرت بنو إسرائيل عليهم فذلك وعد الأولى، فإذا جاء ~~وعد الآخرة جاءهم بختنصر ودمر عليهم. وروى أسباط عن السدي أن وعد ~~الأولى كان ملك النبط فجاسوا خلال الديار، ثم إن بني إسرائيل تجهزوا ~~وغزوا النبط فأصابوا منهم واستنقذوا ما في أيديهم فردت الكرة عليهم. وكان ~~بختنصر في ذلك الوقت يتيما في ذلك العسكر وخرج ليسأل شيئا فلما رأى كبر ~~جمع الجيوش وجاء بهم وخوفهم وخرب البلدة. قال القتبي: إن بختنصر غزاهم ~~فرغبوا إلى الله تعالى وتابوا فرد الله عنهم. بعد أن فتحوا المدينة ~~وجالوا في أسواقها ثم أحدثوا فبعث الله إليهم أرميا النبي عليه السلام ~~فقام فيهم بوحي الله فضربوه وقيدوه وحبسوه. فبعث الله تعالى إليهم عند ~~ذلك بختنصر ففعل ما فعل. وقال الكلبي: لما عصوا الله وهو أول الفسادين ~~سلط الله عليهم بختنصر، خرج من بابل فأتاهم بالشام وظهر على بيت المقدس ~~فقتل منهم أربعين ألفا ممن كان يقرأ التوراة وأدخل بقيتهم أرضه فمكثوا ~~كذلك سبعين سنة، حتى مات. # ثم إن رجلا من أهل همدان يقال له: كورش غزا أهل بابل فظهر عليهم وسكن ~~الدار وتزوج امرأة من بني إسرائيل وطلبت إلى زوجها أن يرد قومها إلى ~~أرضهم. ففعل فردهم إلى أرض بيت المقدس فمكثوا فيها، فرجعوا إلى أحسن ما ~~كانوا عليه ثم عادوا فعصوا المرة الثانية. فسلط الله عليهم ملكا من ملوك ~~الروم يقال له إسبسيانوس فحاصرهم سنين ثم مات فبعث الله عليهم ابنه ططيوس ~~بن إسبسيانوس فحاصرهم سنين. ثم فتحها بعد ذلك فقتل منهم مائة ألف وثمانين ~~ألفا حتى قتل يحيى بن زكريا وحبس منهم مثل ذلك وخرب بيت المقدس فلم يزل ~~خرابا حتى بناه المؤمنون في زمن عمر رضي الله عنه فذلك قوله: { فإذا ~~جآء وعد أولهما } يقول: أول الفسادين { بعثنا عليكم } ~~أي: سلطنا عليكم { عبادا لنا أولى بأس شديد } يعني: ذوي ~~قتال شديد { فجاسوا خلل الديار } يقول: قتلوكم وسط الأزقة ~~وقال القتبي: ms0935 فجاسوا أي: عاثوا وأفسدوا ويكون جاسوا بمعنى: دخلوا بالفساد ~~{ وكان وعدا مفعولا } يعني: كائنا لئن فعلتم لأفعلن بكم. ### || [17.6-8] # { ثم رددنا لكم الكرة عليهم } يقول: أعطيناكم ~~الدولة. ويقال: الرجعة عليهم قوله: { وأمددنكم بأمول ~~وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا } يعني: أكثر رجالا ~~وعددا. وقال القتبي: أصله من نفر ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته، ~~والنفير والنافر مثل القدير والقادر. قوله: { إن أحسنتم } يقول: ~~إن وحدتم الله وأطعتموه { أحسنتم لأنفسكم } أي: يثاب لكم الجنة ~~{ وإن أسأتم } أي: أشركتم بالله { فلها } ، ويقال: في الآية ~~مضمر ومعناه. وإن أسأتم فلها رب يغفر لها { فإذا جاء وعد ~~الأخرة } أي: آخر الفسادين { ليسوءوا وجوهكم } أخذ من السوء ~~أي: بعثناهم إليكم ليقبحوا وجوهكم بالقتل والسبي. قرأ حمزة وابن عامر ~~وعاصم في رواية أبي بكر: " ليسوء " بالياء وفتح الهمزة يعني: الوعد، ~~ويقال: يعني: الملك سلط عليهم. وقرأ الكسائي " لنسوء " بالنون ونصب ~~الواو فيكون الفعل لله تعالى. وقرأ الباقون " ليسؤوا " بالياء وضم ~~الهمزة بلفظ الجماعة يعني: إن القوم يفعلون ذلك { وليدخلوا ~~المسجد كما دخلوه أول مرة } يعني: بيت المقدس { ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا } يقول: وليخربوا ما ظهروا عليه ~~تخريبا. وقال الكلبي: أي ليدمروا وليخربوا ما علوا. أي: ما ظهروا عليه ~~تتبيرا أي: إهلاكا. وقال الزجاج: يقال لكل شيء متكسر من الحديد والذهب ~~والفضة والزجاج تبر، ومعنى ما علوا أي: وليدمروا في حال علوهم. قوله: { ~~عسى ربكم أن يرحمكم } بعد هذين الموتين. فرحمهم وعادوا ~~إلى ما كانوا عليه وبعث فيهم الأنبياء وكانوا رحمة لهم { وإن عدتم ~~عدنا } أي: إن عدتم إلى المعصية عدنا إليكم بالعذاب، ويقال: إن عدتم ~~إلى تكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - كما كذبتم سائر الأنبياء عدنا. ~~يعني: سلطناه عليكم فيعاقبكم بالقتل والجزية في الدنيا { وجعلنا ~~جهنم للكفرين حصيرا } أي: سجنا ومحبسا، قال الحسن: أي ~~سجنا وقال قتادة أي: وحبسا يحبسون فيها وقال مقاتل: أي محبسا يحبسون ~~فيها ولا يخرجون أبدا كقوله: { للفقراء الذين أحصروا } ~~ويقال: هذا فعيل بمعنى فاعل. وقال الزجاج: حصيرا أي: حبيسا، أخذ من ms0936 ~~قوله: حصرت الرجل إذا حبسته وهو محصور. والحصير المنسوج. وإنما سمي ~~حصيرا لأنه حصرت طاقاته بعضها فوق بعض. ### || [17.9-12] # ثم قال: { إن هذا القرءان يهدى للتى هى أقوم } ~~أي: يدعو ويدل ويرشد إلى التي هي أقوم وهو توحيد الله تعالى وهو " شهادة ~~أن لا إله إلا الله والإيمان برسله والعمل بطاعته، هذه صفة الحال التي ~~هي أقوم { ويبشر المؤمنين } يعني: القرآن بشارة للمؤمنين { ~~الذين يعملون الصلحات أن لهم أجرا كبيرا } ~~في الجنة { وأن الذين لا يؤمنون بالأخرة } أي: لا ~~يصدقون بالبعث { أعتدنا لهم } أي: هيئنا لهم { عذابا أليما ~~} أي: وجيعا. قرأ حمزة والكسائي " ويبشر " بنصب الياء وجزم الباء ~~والتخفيف وقرأ الباقون " ويبشر " بضم الياء والتشديد قوله: { ~~ويدع الإنسن بالشر } وأصله في اللغة: ويدعو بالواو. إلا ~~أنه حذف الواو في الكتابة لأن الضمة تقوم مقامه. مثل قوله: # سندع الزبانية # [العلق: 18] وأصله: سندعو، أي: يدعو الإنسان باللعن على نفسه وأهله ~~وولده وماله وخدمه { دعاءه بالخير } أي: دعاءه بالرزق والعافية ~~والرحمة وما يستجاب له، فلو استجيب له إذا دعا باللعن كما يستجاب له ~~بالخير هلك. ويقال: نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: { فأمطر ~~علينا من السماء } { وكان الإنسن عجولا } يستعجل. ~~يعني: إن آدم عجل بالقيام قبل أن يتم فيه الروح. وكذلك النضر بن الحارث ~~يستعجل بالدعاء على نفسه ويستعجل بالعذاب، ويروي الحكم عن إبراهيم عن ~~سلمان أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم بدأ بأعلاه قبل أسفله فجعل آدم ~~ينظر وهو يخلق فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل فذلك قوله: ~~وكان الإنسان عجولا. قال ابن عباس: لما جعل فيه الروح فإذا جاوز عن ~~نصفه أراد أن يقوم فسقط فقيل له لا تعجل فذلك قوله: { وكان ~~الإنسن عجولا } قوله: { وجعلنا اليل والنهار ~~ءايتين } يعني: خلقنا الشمس والقمر علامتين يدلان على أن خالقهما ~~واحد. { فمحونا ءاية اليل } يعني: ضوء القمر وهو السواد الذي ~~في جوف القمر. وقال محمد بن كعب: كانت شمس بالليل وشمس بالنهار فمحيت شمس ~~الليل. وقال ابن ms0937 عباس: كان في الزمان الأول لا يعرف الليل من النهار فبعث ~~الله جبريل فمسح جناحه بالقمر فذهب ضوؤه وبقي علامة جناحه وهو السواد ~~الذي في القمر، فذلك قوله: { فمحونا ءاية اليل } { ~~وجعلنآ آية النهار مبصرة } أي: وتركنا علامة النهار ~~مضيئة مبينة { لتبتغوا فضلا من ربكم } أي: لكي تطلبوا ~~رزقا من ربكم في النهار { ولتعلموا عدد السنين ~~والحساب } أي: حساب الشهور والأيام { وكل شىء فصلناه ~~تفصيلا } أي: بيناه في القرآن. ### || [17.13-15] # قوله: { وكل إنسن ألزمنه طئره فى عنقه } ~~قال ابن عباس: أي خيره وشره مكتوب عليه لا يفارقه، وقال قتادة: سعادته ~~وشقاوته. قال الفقيه: حدثنا محمد بن الفضل. قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: ~~حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا يزيد بن ربيع عن يونس عن الحسن قال في ~~قوله { وكل إنسن ألزمنه طئره فى عنقه }: ~~طائره عمله وإليه هداه أميا كان أو غير أمي، وروى الحكم عن مجاهد ~~أنه قال: ما من مولود إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد وقال ~~الضحاك طائره في عنقه الشقاوة والسعادة والأجل والرزق { ونخرج له ~~يوم القيمة كتابا يلقه منشورا } أي مفتوحا. قرأ ~~ابن عامر: " يلقاه " بضم الياء وتشديد القاف يعني: يعطاه والباقون " ~~يلقاه " أي: يراه. وقوله: { اقرأ كتبك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا } أي: شاهدا. ويقال: محاسبا. لما ترى فيه ~~كل حسنة وسيئة محصاة عليك. قال ابن عباس: فإن كان مؤمنا أعطي كتابه ~~بيمينه وهي: صحيفة يقرأ سيئاته في باطنها وحسناته في ظاهرها فيجد فيها ~~عملت كذا وكذا وصنعت كذا وكذا وقلت كذا وكذا في سنة كذا وكذا في شهر ~~كذا وكذا وفي يوم كذا وكذا وفي ساعة كذا وكذا وفي مكان كذا وكذا، فإذا ~~انتهى إلى أسفلها قيل له: قد غفرها الله لك اقرأ ما في ظهرها فيقرأ ~~حسناته فيسره ما يرى فيها ويشرق لونه، عند ذلك يقول: # هآؤم اقرؤا كتبيه # [الحاقة: 19]. قال ويعطى الكافر بشماله ويقرأ حسناته في باطنها وسيئاته ~~في ظاهرها، فإذا انتهى إلى آخره قيل له هذه ms0938 حسناتك قد ردت عليك، اقرأ ما ~~في ظهرها فيرى فيها سيئاته قد حفظت عليه كل صغيرة وكبيرة فيسوءه ذلك ~~ويسود وجهه وتزرق عيناه ويقول عند ذلك # يا ليتنى لم أوت كتبيه # [الحاقة: 25] وهو قوله { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ~~} أي: حفيظا. وقال مقاتل: وذلك حين جحد فختم على لسانه وتكلمت جوارحه ~~فشهدت جوارحه على نفسه وذلك قوله: { كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا } أي: شهيدا. فلا شاهد عليك أفضل من نفسك قوله: { ~~من اهتدى } (يعني من اجتهد حتى اهتدى) { فإنما يهتدى ~~لنفسه } يعني: فثوابه لنفسه { ومن ضل } أي: ومن تغافل حتى ضل { ~~فإنما يضل عليها } أي: إثمه على نفسه { ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى } أي: لا تؤاخذ نفس بذنب نفس أخرى ثم قال: { ~~وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } حجة عليهم مع علمه ~~أنهم لا يطيعون وينذرهم ما هم عليه من المعصية فإن أجابوا وإلا عذبوا. ### || [17.16-19] # ثم قال: { وإذا أردنا أن نهلك قرية } يعني: أهل قرية { ~~أمرنا مترفيها } أي: أكثرنا جبابرتها، يقال: أمر إذا أكثر ~~وآمر أيضا. هما لغتان. وروي # " عن زينب بنت جحش أنها قالت: دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو يقول: ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج ~~مثل هذا وحلق إبهامه بالتي تليها. قالت: قلت يا رسول الله: أنهلك وفينا ~~الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث " # ويقال: أمر وآمر مثل فعل وأفعل يعني: أكثر. ومنه قوله - صلى الله عليه ~~وسلم: # " خير المال مهرة مأمورة " # أي: خيل كثير النتاج قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين ونافع في إحدى ~~الروايتين وابن كثير في إحدى الروايتين " أمرنا " بالتشديد بغير مد، ~~وفي إحدى الروايتين عن ابن كثير ونافع " آمرنا " بالمد والتخفيف. وقرأ ~~الباقون بالتخفيف بغير مد. فمن قرأ بالتشديد فمعناه: سلطنا جبابرتها، ومن ~~قرأ بالمد يعني: أكثرنا جبابرتها. ومن قرأ بالتخفيف له معنيان: أحدهما: ~~أكثرنا جبابرتها وأشرافها، ومعنى آخر: أمرناهم بالطاعة وخذلناهم حتى ~~تركوا الأمر وعصوا الله تعالى { ففسقوا فيها } أي: عصوا فيها ms0939 { ~~فحق عليها القول } أي: وجب عليها السخط بالعذاب { ~~فدمرناها تدميرا } أي: أهلكناها بالعذاب إهلاكا. قوله: { ~~وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك ~~بذنوب عباده خبيرا بصيرا } يعني: إن الله تعالى عالم ~~بذنوبهم قادر على أخذهم ومجازاتهم، فيه تهديد لهذه الأمة لكي يطيعوا الله ~~تعالى ولا يعصوه فيصيبهم مثل ما أصابهم، قوله: { من كان يريد ~~العجلة } أي: من كان يريد بعمله الذي افترض الله عليه ثواب الدنيا ~~{ عجلنا له } أي: أعطينا له { فيها ما نشاء } من عرض الدنيا ~~{ لمن نريد } أن نهلكه { ثم جعلنا له جهنم } أي: ~~أوجبنا له جهنم { يصلها } أي: يدخلها { مذموما } ملوما في ~~عمله { مدحورا } أي: مطرودا مقصيا من كل خير قوله: { ومن ~~أراد الأخرة } من المؤمنين بعمله الذي افترض الله عليه { وسعى ~~لها سعيها } يعني: عمل للآخرة عملها { وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا } يعني: عملهم مقبولا ويقال: ~~معناه: من كان غرضه وقصده وعزمه الدنيا وحطامها وزهرتها عجلنا له فيها أي ~~للمزيد في الدنيا ما نشاء لمن نريد يعني لمن نريد أن نعطيه بإرادتنا لا ~~بإرادته ومن كان قصده وعزمه الآخرة فنعطي له ما نريد من الآخرة. ### || [17.20-23] # قوله: { كلا نمد هؤلاء } يعني: كلا الفريقين من المؤمنين ~~والكافرين نعطي هؤلاء من أهل المعصية { وهؤلاء } من أهل الطاعة { ~~من عطاء ربك } أي: من رزق ربك. وقال الحسن: كلا نمد. نعطي من ~~الدنيا البر والفاجر { وما كان عطاء ربك محظورا } يعني: ~~محبوسا عن البر والفاجر في الدنيا. { انظر كيف فضلنا ~~بعضهم على بعض } في الدنيا بالمال { وللاخرة أكبر ~~درجت } يقول: ولفضائل الآخرة أرفع درجات مما فضلوا في الدنيا { ~~وأكبر تفضيلا } أي: وأرفع في الثواب. وقال الضحاك: " ~~وللآخرة أكبر درجات " في الجنة، الأعلى يرى فضله على من هو ~~أسفل منه والأسفل لا يرى أن فوقه أحدا. وقال مقاتل: فضل المؤمنين في ~~الآخرة على الكفار أكبر من فضل الكفار على المؤمنين في المال في الدنيا، ~~وقال بعض الحكماء: إذا أردت هذه الدرجات وهذا التفضيل فاستعمل هذه الخصال ~~التي ذكر ms0940 في هذه الآيات إلى قوله { عند ربك مكروها }. وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى عليه ~~السلام حيث كتب الله له فيها، أنزلها الله تعالى على نبيه محمد عليه ~~السلام وهي كلها في التوحيد وهي في الكتب كلها موجودة لم تنسخ قط وهو ~~قوله تعالى { لا تجعل مع الله إلها ءاخر فتقعد ~~مذموما } يعني: تبقى شقيا مذموما يذمك الله ويذمك الناس بفعلك { ~~مخذولا } يعني: يخذلك الذي تعبده. ويقال: فتبقى في النار يذمك الله ~~ويذمك الناس وتذم نفسك مخذولا أي: يخذلك معبودك ولا ينصرك. قوله: { ~~وقضى ربك } يعني: أمر { ألا تعبدوا إلا إياه } أي ~~أمر ربك لا تطيعوا أحدا إلا إياه، يعني: إلا الله تعالى يعني: لا تطيعوا ~~أحدا في المعصية وتطيعوا الله في الطاعة، ويقال لا توحدوا إلا الله. وفي ~~قراءة ابن مسعود ووصى ربك ألا تطيعوا إلا إياه { ~~وبالولدين إحسنا } أي: أمر بالإحسان إلى الوالدين برا ~~بهما وعطفا عليهما { إما يبلغن عندك الكبر } قرأ حمزة ~~والكسائي " إما يبلغان " بلفظ التثنية لأنه سبق ذكر الوالدين. ~~وقرأ الباقون " يبلغن " بلفظ الوحدان. لأنه انصرف إلى قوله: { ~~أحدهما } يعني: إن بلغ الكبر أحدهما { أو كلاهما } يعني: إن ~~بلغ أحد الأبوين عندك الهرم أو كلا الأبوين { فلا تقل لهما أف ~~} أي: لا تقذرهما ولا تقل لهما قولا رديئا عند خروج الغائط منهما إذا ~~احتاجا إلى معالجتهما عند ذلك. قال الفقيه: حدثنا أبو عبد الرحمن بن محمد ~~قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا أصرم عن ~~عيسى بن عبد الله الأشعري عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من أف لحرمه فليعمل العاق ما شاء ~~أن يعمل فلن يدخل الجنة وليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار " # .. وقال مجاهد: إذا كبرا فلا تأف لهما لأنهما قد رأيا منك مثل ذلك. وقال ~~القتبي: أف ms0941 بكسر وفتح وبضم وهو ما غلظ من الكلام يعني: لا تستثقل شيئا ~~من أمورهما ولا تغلظ لهما القول. قرأ ابن كثير وابن عامر بنصب الفاء، ~~وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص أف بكسر الفاء مع التنوين وقرأ الباقون ~~أف بكسر الفاء بغير تنوين ومعنى ذلك كله واحد. ثم قال تعالى: { ولا ~~تنهرهما } يعني: لا تغلظ عليهما بالقول { وقل لهما قولا ~~كريما } أي لينا حسنا. ### || [17.24-26] # قوله: { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } أي: كن ~~ذليلا رحيما عليهما. وروى هشام عن عروة عن أبيه في قوله: { واخفض ~~لهما جناح الذل من الرحمة } قال: كن لهما ذليلا ولا ~~تمتنع من شيء أحباه. وقال عطاء: جناحك يعني: يداك لا ينبغي أن ترفع يدك ~~على والديك ولا ينبغي لك أن تحد بصرك إليهما تغيظا. وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " إذا دعاك أبواك وأنت في الصلاة فأجب أمك ولا تجب أباك " # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لو كان جريج الراهب فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته ". # قال الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه - لأن في ذلك الوقت كان الكلام ~~الذي تحتاج إليه مباحا في الصلاة. وكذلك في أول شريعتنا ثم نسخ الكلام ~~في الصلاة فلا يجوز أن يجيبها إلا إذا علم أنه وقع لها أمر مهم فيجوز له ~~أن يقطع ثم يستقبل. ثم قال تعالى: { وقل رب ارحمهما } أي: عند ~~معالجتك إياهما في الكبر. ويقال: معناه: رب اجعل رحمتهما في قلبي حتى ~~أربيهما في كبرهما { كما ربيانى صغيرا } أي: كما عالجاني في ~~صغري، ويقال: معناه: ادع لهما بالرحمة بعد موتهما أي: كن بارا بهما في ~~حياتهما وادع لهما بعد موتهما. ثم قال: { ربكم أعلم بما فى ~~نفوسكم } من اللين لهما { إن تكونوا صلحين } أي بارين ~~بالوالدين محسنين إليهما { فإنه كان للأوابين غفورا } ~~أي: للراجعين من الذنوب إلى طاعة الله تعالى. ويقال: في الآية مضمر ~~ومعناه: { ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا ~~صلحين } فإن لم تكونوا ms0942 صالحين فارجعوا إلى الله وتوبوا إليه ~~تعالى. وقال مجاهد: الأواب الذي يذكر ذنوبه في الخلوة ويستغفر منها.. ~~وقال سعيد بن جبير الأواب: الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال ~~الحسن الأواب: الذي يقبل إلى الله بقلبه وعمله. وقال السدي الأواب: ~~المحسن وقال القتبي: الأواب: التائب مرة بعد مرة من قولك آب يؤوب. ويقال: ~~الأواب: الذي يصلي بين المغرب والعشاء. قوله: { وءات ذا القربى ~~حقه } أي: صلته { والمسكين } أي: أعط السائلين { وابن ~~السبيل } أي: الضيف النازل وحقه ثلاثة أيام. ثم قال تعالى: { ولا ~~تبذر تبذيرا } أي: لا تنفق مالك في غير طاعة الله تعالى. وروي عن ~~عمثان بن الأسود أنه قال سمعت مجاهدا ونحن نطوف بالبيت ورفع رأسه إلى ~~أبي قبيس فقال: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله تعالى لم ~~يكن مسرفا ولو أنفق درهما في معصية الله تعالى كان مسرفا. وروى الأعمش ~~عن الحكم عن أبي عبيد وكان ضريرا وكان عبد الله بن مسعود يدنيه فجاءه ~~يوما فقال: من نسأل إن لم نسألك؟ فقال سل. قال فما الأواب؟ قال الرحيم ~~قال فما التبذير؟ قال إنفاق المال في غير حقه. قال فما الماعون؟ قال: ما ~~يعاون الناس فيما بينهم. قال فما الأمة؟ قال الذي يعلم الناس الخير. ### || [17.27-29] # ثم قال تعالى: { إن المبذرين } أي: المنفقين أموالهم في غير ~~طاعة الله تعالى { كانوا إخون الشيطين } يعني أعوان ~~الشياطين { وكان الشيطن لربه كفورا } أي: كافرا { ~~وإما تعرضن عنهم } أي: عن قرابتك في الرحم وغيرهم ممن ~~يسألك حياء منه ورحمة له { ابتغاء رحمة من ربك ترجوها } ~~أي: انتظار رزق من ربك أن يأتيك أو قدوم مال غائب عنك ترجو حضوره { فقل ~~لهم قولا ميسورا } أي هينا لينا. يعني: عدهم عدة حسنة ~~وقال مقاتل: نزلت الآية في خباب بن الأرت وبلال وعمار ونحوهم من أصحاب ~~الصفة كانوا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجد شيئا يعطيهم ~~فيعرض عنهم فنزلت الآية. وقال السدي: معناه لا تعرض عن قرابتك وعن ms0943 ~~المساكين وابن السبيل ابتغاء أن تصيب مالا { فقل لهم قولا ~~ميسورا } أي قل لهم نعم وكرامة. ليس عندنا اليوم شيء فإن أتانا شيء ~~نعرف حقكم. وقال محمد بن الحنفية كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يقول لشيء لا، فإذا سئل وأراد أن يفعل. يقول نعم وإذا لم يرد أن يفعل ~~سكت. فكان قد علم ذلك منه قوله: { ولا تجعل يدك مغلولة ~~إلى عنقك } يقول: لا تمسك يدك في النفقة من البخل بمنزلة المغلولة ~~يده إلى عنقه { ولا تبسطها كل البسط } في الإسراف فتعطي ~~جميع ما عندك فيجيء الآخرون ويسألونك فلا تجد ما تعطيهم. وهذا قول ابن ~~عباس. وقال قتادة: لا تمسكها عن طاعة الله وعن حقه ولا تبسطها كل البسط ~~يقول لا تنفقها في المعصية وفيما لا يصلح. وقال مقاتل في قوله: لا تبسطها ~~كل البسط. أي: في العطية ولا يبقى عندك شيء فإذا سئلت لم تجد ما تعطيهم. ~~وقال بعض الحكماء: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته كالوالد. ولا ~~ينبغي للوالد أن يعطي جميع ماله لبعض ولده ويترك الآخرين فنهاه الله ~~تعالى أن يعطي جميع ماله المسكين الواحد وأمره أن يقسم بالسوية كي لا ~~ييأسوا منه ثم قال تعالى { فتقعد ملوما محسورا } يعني: لو ~~أعطيت جميع مالك فتبقى ملوما يلومك الناس وتلوم نفسك، محسورا. ~~منقطعا عن المال فلا مال لك، والمحسور في اللغة المنقطع. وروي في الخبر ~~أن امرأة بعثت إبنها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: قل له ~~إن أمي تستكسيك درعا، فإن قال حتى يأتينا شيء فقل له إنها إذن ~~تستكسيك قميصك. فأتاه فقال له إن أمي تستكسيك درعا فقال له: حتى يأتينا ~~شيء. فقال: إنها تستكسيك قميصك. قال: فنزع قميصه ودفعه إليه ولم يبق له ~~قميص يخرج به إلى الصلاة فنزلت هذه الآية. يعني تبقى عريانا لا تقدر أن ~~تخرج إلى الصلاة # قال الفقيه: إذا أردت أن تعرف أن البخل قبيح فانظر إلى هذه الآية وذلك ~~أن النبي - صلى الله عليه ms0944 وسلم - لما أعطى قميصه حتى عجز عن الخروج إلى ~~الصلاة عاتبه الله على ذلك فبدأ بالنهي عن الإمساك فقال { ولا تجعل ~~يدك مغلولة } فنهاه أولا عن البخل ثم نهاه عن دفع الكل وهو ~~التبذير. ### || [17.30-33] # ثم قال تعالى: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء } أي: ~~يوسع الرزق على من يشاء من كان صلاحه في ذلك { ويقدر } أي: يضيق على ~~من يشاء ويقدر لمن يشاء { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } ~~من البسط والتقتير، يعلم صلاح كل واحد من خلقه. قوله: { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملق } أي: مخافة الفقر { ~~نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~} أي: ذنبا عظيما. ويقال: ظلما عظيما. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه ~~قال: # " جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أي ~~الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قال يا رسول الله ثم أي؟ ~~قال «أن تزني بحليلة جارك». قال: ثم أي؟ قال «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم ~~معك " # قرأ ابن عامر " خطأ " بنصب الخاء وجزم الطاء. وقرأ ابن كثير " ~~خطاء " بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الألف. وقرأ الباقون " خطأ " ~~بكسر الخاء وجزم الطاء بغير مد. يعني: إثما كبيرا. ويقال خطيء ~~يخطأ خطأ مثل: أثم يأثم إثما. ومن قرأ بالنصب معناه: إن ~~قتلهم كان غير صواب. يقال: أخطأ يخطىء خطأ وإخطاء وقرأ ~~بعضهم بنصب الخاء والطاء وهي قراءة شاذة. ثم قال: { ولا تقربوا ~~الزنى إنه كان فاحشة } أي: معصية { وساء سبيلا } أي: ~~بئس المسلك، وروى عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لا ~~أحد أغير من الله. وبذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب ~~إليه المدح من الله تعالى. ولذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من ~~الله تعالى ولذلك بعث الرسل وأنزل الكتب. ثم قال تعالى { ولا ~~تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } ~~يعني: إلا بإحدى ثلاث مواضع، إذا قتل أحدا فيقتص به. أو زنى ms0945 وهو محصن ~~فيرجم. أو يرتد فيقتل. { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطنا } أي: سبيلا وحجة عليه إن شاء قتله وإن شاء عفا ~~عنه وإن شاء أخذ الدية. يعني إذا اصطلحا. وقال مجاهد: كل سلطان في القرآن ~~فهو حجة وكل ظن في القرآن فهو يقين. ثم قال: { فلا يسرف فى ~~القتل } يعني: لا يقتل غير القاتل حمية ولا يقتل بالواحد اثنين ولا ~~يقتل بعد ما عفا أو أخذ الدية { إنه كان منصورا } أي: معانا ~~من الله تعالى في كتابه. جعل الأمر إليه في القود. قرأ حمزة والكسائي ~~" تسرف " بالتاء على معنى المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء ### || [17.34-38] # ثم قال { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى ~~أحسن } أي: إلا على وجه التجارة لينمو مال اليتيم بالأرباح أو ينمو ~~على وجه المضاربة { حتى يبلغ أشده } يعني: حتى يتم خلقه. ~~وقال القتبي: أشد الرجل غير أشد اليتيم وإن كان لفظهما واحدا. لأن قوله ~~تعالى: # حتى إذا بلغ أشده # [الأحقاف: 25] إنما هو الاكتمال، وذلك ثلاثون سنة. وأشد الغلام أن ~~يشتد خلقه وذلك ثمان عشرة سنة. وقال مقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: # وإن تخالطوهم فإخونكم # [البقرة: 220] ثم قال: { وأوفوا بالعهد } يعني: الذي بينكم ~~وبين الله تعالى والعهد الذي بينكم وبين الناس { إن العهد كان ~~مسؤولا } يعني: إن ناقض العهد يسأل عنه يوم القيامة. ثم قال تعالى: { ~~وأوفوا الكيل إذا كلتم } لغيركم { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم } أي: بالميزان العدل بلغة الروم قرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية حفص " بالقسطاس " بكسر القاف والباقون بالضم وهما لغتان، ~~يعني: الميزان ويقال: هو القبان { ذلك خير } أي: الوفاء بجميع ما ~~أمركم الله تعالى به ونهاكم عنه خير من البخس والنقصان { وأحسن ~~تأويلا } أي: عاقبة ومرجعا في الآخرة { ولا تقف ما ليس ~~لك به علم } يقول: لا تقل ما لم تعلم فتقول: علمت ولم تعلم ورأيت ~~ولم تر. وسمعت ولم تسمع. أي: كأنك تقفو الأمور. يقال: قفوت أثره، والقائف ~~الذي يعرف الآثار ويتبعها، ثم حذرهم فقال: { إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك ms0946 كان عنه مسؤولا } أي: يسأل العبد ~~عن أعضائه يوم القيامة فيشهدن عليه، ويقال: معناه صاحب السمع والبصر ~~والفؤاد يسأل يوم القيامة عن السمع والبصر والفؤاد. ويقال: قوله: { ولا ~~تقف ما ليس لك به علم } أي: لا تقل ما لم تعلم ولا تسمع ~~اللغو ولا تنظر إلى الحرام ولا تحكم على الظن كل أولئك كان عنه مسئولا. ~~يعني: عن الكلام باللسان والتسمع بالسمع والتبصر بالبصر على وجه الإخبار ~~وهو من جوامع الكلم ثم قال: { ولا تمش فى الأرض مرحا } يعني: ~~بالتكبر والفخر { إنك لن تخرق } يعني: لن تدخل { الأرض } ولن ~~تجاوزها { ولن تبلغ الجبال طولا } قال القتبي: يعني: لا تقدر ~~أن تقطعها حتى تبلغ إلى آخرها. يقال: فلان أخرق إلى الأرض من فلان إذا ~~كان أكثر أسفارا، ولن تبلغ الجبال طولا يريد أنه ليس للعاجز أن يمدح ~~نفسه ويستكبر ثم قال: { كل ذلك } أي: كل ما أمرتك به ونهيتك عنه { ~~كان سيئه عند ربك } يعني: ترك ذلك معصية عند الله { ~~مكروها } أي: منكرا. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع " سيئة " ~~بنصب الهاء مع التنوين يعني: خطيئة ومعناه: ما ذكر في الآية، تركه كان ~~معصية وسيئة. وقرأ الباقون " سيئه " بضم الهاء على معنى الإضافة. ~~قال أبو عبيدة: وبهذه القراءة نقرأ، وحجته قراءة أبي، كان يقرأ ~~سيئاته على معنى الإضافة. ### || [17.39-44] # ثم قال: { ذلك مما أوحى إليك ربك } أي: مما بين الله ~~تعالى وأمر ونهى. كان ذلك مكتوبا في اللوح وأوحى إليك ربك { من ~~الحكمة } أي: بيان الحلال والحرام { ولا تجعل } أي: لا تقل { ~~مع الله إلها ءاخر } فالخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به أمته { فتلقى } أي: فتطرح { فى جهنم ملوما } أي: ~~يلومك الناس { مدحورا } أي: مقصيا من كل خير. وقال القتبي: مدحورا ~~أي: مبعدا، يقال: في الدعاء اللهم ادحر عني الشيطان أي: ابعده مني. { ~~أفأصفكم ربكم بالبنين } أي: أفاختاركم بالبنين { ~~واتخذ } لنفسه { من الملئكة إناثا إنكم ~~لتقولون قولا عظيما } في العقوبة، ويقال: قولا منكرا ~~قبيحا. قوله: { ولقد صرفنا } لقد بينا ms0947 { في هذا ~~القرآن ليذكروا } أي: ليتعظوا بالقرآن، ويقال: في القرآن من ~~كل شيء يحتاج إليه الناس، ويقال بينا في هذا القرآن من كل وعد ووعيد ~~ليتعظوا بما في القرآن فينتهوا عن عبادة الأوثان { وما يزيدهم ~~إلا نفورا } أي: القرآن لا ينفعهم إلا تباعدا عن الإيمان. قرأ ~~حمزة والكسائي " ليذكروا " بالتخفيف يعني: ليذكروا ما فيه، وقرأ ~~الباقون بالتشديد لأن أصله ليتذكروا فادغم التاء في الذال وشدد. قوله: { ~~قل لو كان معه ءالهة } قال ابن عباس: قل لأهل مكة. { كما ~~يقولون } من الأوثان { إذا لابتغوا إلى ذى العرش ~~سبيلا } أي: طريقا، فكانوا كهيئته. وقال قتادة أي: لعرفوا فضل ذي ~~العرش ومزيته عليهم. ويقال: ابتغوا طريقا للوصول إليه. وقال مقاتل: ~~لطلبوا سبيلا ليقهروه كفعل الملوك بعضهم مع بعض، ثم نزه نفسه عن الشريك ~~فقال تعالى: { سبحنه } أي: تنزيها له { وتعالى عما ~~يقولون } أي: عما يقول الظالمون إن معه شريكا { علوا كبيرا } ~~أي: بعيدا عما يقول الكفار. قوله { تسبح له السموات ~~السبع والأرض ومن فيهن } من الخلق { وإن من شىء ~~إلا يسبح بحمده } أي: ما من شيء إلا يسبح بأمره وبعلمه وقال ~~الكلبي: كل شيء ينبت يسبح، من الشجر وغير ذلك. فإذا قطع منه صار ما قطع ~~منه ميتا لا يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه الروح يسبح من شجر أو غيره. ~~وقال السدي: ليس شيء في أصله الأول إلا وهو يسبح. وروي عن الحسن أنه قيل ~~له: أيسبح هذا الخوان؟ قال كان يسبح في شجره. فأما الآن فلا، ويقال: ~~إذا قطع الشجر فإنه يسبح ما دام رطبا بدليل ما # " روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مر بقبرين فقال: ~~«إنهما ليعذبان في القبر وما يعذبان بكبيرة فأما أحدهما. كان يمشي ~~بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستنزه عن البول». ثم أخذ جريدتين من شجر ~~وغرس إحداهما في قبر والأخرى في قبر الآخر. فقال «لعلهما لا يعذبان ما ~~دامتا رطبتين " # قال الحكماء: الحكمة في ذلك أنهما ما دامتا رطبتين تسبحان الله تعالى. ~~ويقال: ms0948 معناه: ما من شيء إلا يسبح بحمده، ويقال: معناه: وإن من شيء يسبح ~~بحمده إلا يدل على وحدانية الله تعالى ويسبحه وأن الله خالقه { ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم } يعني: أثر صنعه فيهم، ولكن هذا بعيد ~~وهو خلاف أقاويل المفسرين ثم قال: { إنه كان حليما } حيث لم ~~يجعل العقوبة لمن اتخذ معه آلهة { غفورا } لمن تاب منهم. ### || [17.45-47] # { وإذا قرأت القرءان } يعني: أخذت في قراءة القرآن { ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالأخرة ~~حجابا مستورا } قال بعضهم: الحجاب المستور هو أن يمنعهم عن ~~الوصول إليه. كما # " روي أن امرأة أبي لهب جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~عنده أبو بكر فدخلت فقالت لأبي بكر هجاني صاحبك، قال أبو بكر: والله هو ~~ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت. فقال أبو بكر: أما رأتك يا رسول الله؟ ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لم يزل بيني وبينها ملك يسترني عنها ~~حتى رجعت " # وقال قتادة: الحجاب المستور هو الأكنة وقال مقاتل: الحجاب هو قوله: { ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } يعني: جعلنا ~~أعمالهم على قلوبهم أغطية حتى لا يرغبوا في الحق، ويقال: جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة يعني: الجن والشياطين حجابا مستورا فلا يصلون ~~إليك. وقال الكلبي: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلى القرآن ~~ستره الله وحجبه عن المشركين بثلاث آيات. إذا قرأهن حجب عنهم. إحداهن في ~~سورة الكهف # إنا جعلنا على قلوبهم أكنة # [الكهف: 57] والآية الثانية في النحل # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم # [النحل: 108]، والثالثة في حم الجاثية # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الجاثية: 23] الآية. ثم قال { وفي آذانهم وقرا } أي: صمما ~~وثقلا لا يسمعون الحق. قرأ ابن كثير كما يقولون بالياء وكذلك في قوله: # عما يقولون # [الإسراء: 43] وكذلك # يسبح له # [النور: 36] الثلاثة كلها بالياء على معنى المغايبة. وقرأ حمزة والكسائي ~~كلهن بالتاء على معنى المخاطبة ولفظ التأنيث وقرأ نافع وابن عامر الأول ~~خاصة بالتاء والآخرين بالياء. وقرأ أبو عمرو الأوسط بالياء. واختلفوا عن ~~عاصم ms0949 في رواية حفص الآخر خاصة بالياء وروى أبو بكر مثل ابن عامر قوله ~~تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } يعني: ~~وحدانيته، قول لا إله إلا الله { ولوا على أدبرهم ~~نفورا } أي: أعرضوا تباعدا عن الإيمان. وقال القتبي: ولوا على ~~أدبارهم هربا. وهو مثل ما قال مقاتل وذلك حين قال لهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " قولوا لا إله إلا الله تتملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم " # فنفروا من ذلك. ثم قال: { نحن أعلم بما يستمعون به } ~~يعني: بالقرآن { إذ يستمعون إليك } أي: إلى قراءتك القرآن { ~~وإذ هم نجوى } يعني: يتناجون فيما بينهم { إذ يقول ~~الظلمون } أي: يقول المشركون للمؤمنين { إن تتبعون } يعني: ~~ما تطيعون { إلا رجلا مسحورا } يعني: مقلوب العقل. وذكر ~~القتبي عن مجاهد أنه قال مسحورا أي: مخدوعا. لأن السحر حيلة وخديعة ~~كقوله: # فأنى تسحرون # [المؤمنون: 89] أي: من أين تخدعون. وذكر عن أبي عبيدة قال: السحر الرئة ~~يقال للرجل: انتفخ سحرك إذا جبن. يعني: إن تتبعون إلا رجلا ذا رئة أي: ~~بشرا مثلكم. ### || [17.48-49] # ثم قال: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } أي: وصفوا لك ~~الأمثال حيث قالوا: ساحر أو مجنون { فضلوا } أي: أخطأوا في المقالة ~~فتحيروا { فلا يستطيعون سبيلا } أي: لا يجدون مخرجا مما ~~قالوا لتناقض قولهم لأنهم قالوا مرة ساحر والساحر عندهم المبالغ في العلم ~~ومرة قالوا مجنون والمجنون عندهم من هو في غاية الجهل. قال ابن الصائب: ~~وذلك أن أبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وغيرهم كانوا يأتون رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ويستمعون إلى حديثه فقال النضر ذات يوم ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث أصحابه ما أدري ما يقول محمد غير أني ~~أرى شفتاه تتحركان فقال أبو جهل: هو مجنون وقال أبو لهب: بل هو كاهن وقال ~~حويطب: بل هو شاعر فنزل { وإذا قرأت القرءان } إلى قوله: { ~~قل عسى أن يكون قريبا }. وقوله: { وقالوا أءذا كنا ~~عظما } أي صرنا عظاما { ورفتا } أي: ترابا { أءنا ~~لمبعوثون } أي: لمجيئون { خلقا جديدا } والاختلاف ms0950 في قوله: ~~أئنا في القرآن مثل ما ذكرنا في الرعد. ### || [17.50-53] # قال الله تعالى: { قل كونوا حجارة } اللفظ لفظ الأمر ومعناه ~~معنى الخبر، يعني: لو كنتم من الحجارة { أو حديدا } أو من الحديد { ~~أو خلقا مما يكبر فى صدوركم } قال مجاهد: حجارة أو ~~حديدا أو ما شئتم فكونوا. فسيعيدكم الله الذي فطركم أول مرة كما كنتم، ~~ويقال أو خلقا مما يكبر في صدوركم يعني: السماء والأرض والجبال. وقال ~~الكلبي: معناه لو كنتم الموت لأماتكم. وعن الحسن وسعيد بن جبير وعكرمة ~~قالوا: أو خلقا مما يكبر في صدوركم يعني الموت فيبعثكم كما خلقكم أول ~~مرة قالوا لو كنا من الحجارة أو من حديد أو من الموت فمن يعيدنا؟ وهو ~~قوله تعالى: { فسيقولون من يعيدنا قل } يا محمد فسيعيدكم ~~الله { الذى فطركم } أي: خلقكم { أول مرة ~~فسينغضون إليك رؤوسهم } يهزون إليك رؤوسهم تعجبا من ~~قولك. وقال القتبي: يعني يحركونها استهزاء بقولك. وقال الزجاج أي: ~~سيحركون رؤسهم تحريك من يستثقله ويستبطئه { ويقولون متى هو } ~~يعنون: البعث { قل عسى أن يكون قريبا } وكل ما هو آت فهو ~~قريب، وعسى من الله واجب. قالوا يا محمد فمتى هذا القريب؟ فنزل { يوم ~~يدعوكم } يعني: إسرافيل وهي النفخة الأخيرة { فتستجيبون ~~بحمده } يقول: تخرجون من قبوركم بأمره وتقصدون نحو الداعي. وقال ~~مقاتل: يوم يدعوكم من قبوركم فتستجيبون للداعي بأمره. وذلك أن إسرافيل ~~يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن: أيتها العظام البالية ~~واللحوم المتفرقة والعروق المتقطعة اخرجوا من قبوركم فيخرجون من قبورهم. ~~ثم قال: { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } أي: ما لبثتم ~~في القبور إلا يسيرا قال الكلبي: وذلك أنه يرفع عنهم العذاب ما بين ~~النفختين. وبينهما أربعون سنة فينسون العذاب فيظنون أنهم لم يلبثوا في ~~قبورهم إلا يسيرا. وروي ذلك عن ابن عباس وهذا أصح ما قيل فيه. لأن بعض ~~المبتدعين قالوا إذا وضع الميت في قبره لا يكون عليه العذاب إلى وقت ~~البعث فيظنون أنهم مكثوا في القبر قليلا قوله: { وقل لعبادى ~~يقولوا ms0951 التى هى أحسن } قال ابن عباس كان أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يؤذيهم المشركون بمكة بالقول فشكوا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فنزل { وقل لعبادى } أي المسلمين { ~~يقولوا التى هى أحسن } أي: يجيبوا بجواب حسن، برد السلام ~~بلا فحش وهذا كقوله: # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63] ويقال: نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~سبه رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر الله تعالى بالكف ~~عنه. ويقال: نزلت في شأن عمر رضي الله عنه كان بينه وبين كافر كلام ثم ~~قال تعالى { إن الشيطن ينزغ بينهم } أي: يوسوس ويوقع ~~بينهم العداء لعنه الله ليفسد أمرهم { إن الشيطن كان ~~للإنسن عدوا مبينا } أي: ظاهر العداوة وهذا كقوله: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ### || [17.54-57] # ثم قال: { ربكم أعلم بكم } أي أعلم بأحوالكم وما أنتم فيه ~~من أذى المشركين { إن يشأ يرحمكم } فينجيكم من أهل مكة إذا ~~صبرتم على ذلك { أو إن يشأ يعذبكم } فيسلطهم عليكم إذا جزعتم ~~ولم تصبروا { وما أرسلنك عليهم وكيلا } يعني: مسلطا ~~وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، ويقال: { وما أرسلنك عليهم ~~وكيلا } أي: ليست المشيئة إليك في الهدى والضلالة ثم قال: { وربك ~~أعلم بمن فى السموات والارض } ، أي: ربك عالم بأهل ~~السموات وأهل الأرض وهو أعلم بصلاح كل واحد منهم. ثم قال: { ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض } منهم من فضل الله ~~بالكلام وهو موسى - عليه السلام - ومنهم من اتخذه خليلا وهو إبراهيم - ~~عليه السلام - ومنهم من رفعه مكانا عليا وهو إدريس - عليه السلام - ~~ومنهم من اصطفاه وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - { وءاتينا داوود ~~زبورا } أي: كتابا. قال مقاتل: الزبور مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ~~ولا فريضة، إنما ثناء على الله تعالى. قرأ حمزة " زبورا " بضم الزاي. ~~وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد. قوله: { قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه } قال ابن عباس: إن ناسا من خزاعة ~~كانوا يعبدون الجن وهم يرون أنهم هم الملائكة ms0952 فقال الله تعالى: { قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دونه } يعني: تعبدون من دون الله { ~~فلا يملكون } لا يقدرون { كشف الضر عنكم } يقول: صرف ~~السوء عنكم من الأمراض والبلاء إذا نزل بكم { ولا تحويلا } يقول: ~~ولا تحويله إلى غيره ما هو أهون منه ويقال: ولا يحولونه إلى غيرهم. قوله: ~~{ أولئك } يعني: الملائكة { الذين يدعون } أي: يعبدونهم ~~ويدعونهم آلهة. قرأ ابن مسعود " تدعون " بالتاء على معنى المخاطبة { ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة } يقول: يطلبون إلى ربهم ~~القربة والفضيلة والكرامة بالأعمال الصالحة { أيهم أقرب } أكرم ~~على الله تعالى وأقرب في الفضيلة والكرامة { ويرجون رحمته } ~~أي: جنته { ويخفون عذابه } أي: ناره { إن عذاب ربك ~~كان محذورا } يعني: لم يكن لأحد أمان من عذاب الله تعالى، ويقال ~~محذورا أي ينبغي أن يحذر منه. وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال كان ناس من الإنس يعبدون قوما من الجن. فأسلم الجن وبقي ~~الإنس على كفرهم. فأنزل الله { أولئك الذين يدعون } يعني ~~الجن { يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب } ~~وروى السدي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال { أولئك الذين ~~يدعون } عيسى وعزيرا والملائكة وما عبد من دون الله وهو لله مطيع. ### || [17.58-61] # قوله: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيمة } قال ابن عباس يعني نميت أهلها { أو معذبوها ~~عذابا شديدا } يعني بالسيف والزلازل والأمراض والخوف والغرق والحرق ~~{ كان ذلك فى الكتب مسطورا } أي: في الذكر الذي عند الله. ~~وقال مجاهد: مهلكوها أي مبيدوها أو معذبوها بالقتل والبلاء، ما من قرية ~~في الأرض إلا سيصيبها بعض ذلك. روى حماد بن سلمة عن أبي العلاء عن مكحول ~~أنه قال: أول أرض تصير خرابا أرض أرمينة وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~أنه قال أول أرض تصير خرابا أرض الشام وروى ابن سيرين عن ابن عمر أنه ~~قال: البصرة أسرع الأرضين خرابا وأخبثهم ترابا، وروى عن علي أنه قال: ~~أكثروا الطواف بهذا البيت قبل أن يحال بينكم وبينه فكأني برجل من الحبشة ms0953 ~~خمش الساقين قاعدا عليها يهدمها حجرا حجرا. ثم قال تعالى: { وما ~~منعنا أن نرسل بالأيت } وذلك أن قريشا طلبوا من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بآية فنزل وما منعنا. أي: ليس أحد ~~يمنعنا أن نرسل الآيات عندما سألوها { إلا أن كذب بها ~~الأولون } يعني: تكذيب الأولين حين أتتهم الآيات فلم يؤمنوا بها، ~~فأتاهم العذاب. # قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو العباس بن السراج قال: ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن جعفر بن ~~إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # " سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل الصفا لهم ذهبا ~~وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعونها، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم لعلنا ~~نتخير منهم ذرية. وإن شئت أن نريهم الذي سألوا. فإن كفروا أهلكوا كما ~~أهلك من كان قبلهم. فقال: «بل أستأني بهم " # فنزل { وما منعنا أن نرسل بالأيت إلا أن كذب ~~بها الأولون } ثم قال: { وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة } أي: معاينة يبصرونها، ويقال: علامة لنبوته { فظلموا ~~بها } أي: جحدوا بها فعقروها فعذبوا. فقال الله تعالى: { وما ~~نرسل بالأيت إلا تخويفا } لهم ليؤمنوا. فإن أبوا أتاهم ~~العذاب قوله: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ~~قال الكلبي: أحاط علمه بالناس. ويقال: هم في قبضته أي: قادر عليهم. وقال ~~قتادة: يعني: يمنعك من الناس حتى تبلغ رسالات الله تعالى. وقال السدي ~~معناه: إن ربك مظهرك على الناس. ثم قال: { وما جعلنا الرءيا ~~التى أرينك إلا فتنة للناس } قال: حدثنا الخليل بن ~~أحمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد الدبيلي، قال: حدثنا أبو عبد ~~الله قال: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ~~وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس قال هي رؤيا عين أريها ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسري به. # { والشجرة الملعونة فى القرءان } قال هي شجرة الزقوم. ~~قال الكلبي: هي ليلة أسري به من ms0954 المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ببيت ~~المقدس فنشر له الأنبياء كلهم فصلى بهم. ثم صلى الغداة بمكة فكذبوه وهو ~~قوله { فتنة للناس } حين كذبوه. يعني أهل مكة. قال عكرمة أما ~~إنها رؤيا يقظة ليست برؤيا منام. وقال سعيد بن المسيب أري النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنما هي ~~دنيا يعطونها فقر عينه فنزل: { وما جعلنا الرءيا التى ~~أرينك إلا فتنة للناس } يعني بني أمية ثم قال: { ~~والشجرة الملعونة فى القرءان } يعني ذكر الشجرة الملعونة ~~في القرآن فتنة لهم. يعني بلية لهم وذلك أن المشركين قالوا يخبرنا هذا ~~أن في النار شجرة. وكيف يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجرة فصار ~~ذلك فتنة لهم يعني بلية لهم. ويقال لما نزل # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم # [الدخان: 43، 44] قالوا فيما بينهم وما شجرة الزقوم. قالوا الثمر والزبد ~~فرجع أبو جهل إلى منزله فقال لجاريته زقمينا وأمرها أن تأتي بالتمر ~~والزبد فخرج به إلى الناس وقال كلوا فإن محمدا يخوفكم بهذا فصار ذكر ~~الشجرة فتنة لهم ثم قال { ونخوفهم } أي بذكر شجرة الزقوم { فما ~~يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } يعني: تماديا في المعصية. ~~قوله: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس قال أءسجد لمن خلقت طينا } ، فتعظم عن ~~السجود لآدم. ### || [17.62-64] # { قال أرءيتك هذا الذى كرمت على } في الآية ~~مضمر، معناه: فلعنه الله تعالى، قال إبليس: أرأيتك هذا الذي لعنتني لأجله ~~وفضلته علي { لئن أخرتن إلى يوم القيمة } يعني: ~~لئن أجلتني إلى يوم البعث. قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع " أخرتني ~~" بالياء عند الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء. لأن الكسرة تقوم مقامه. ثم ~~قال: { لأحتنكن ذريته } أي: لأستزلن ذريته، يقول اطلب زلتهم. ~~وقال القتبي: لاستأصلنهم. يقال احتنك الجراد ما على الأرض إذا أكله كله، ~~ويقال: هو من حنك الدابة يحنكها حنكا. إذا شد في حنكها الأسفل حبلا ~~يقودها به. أي لأقودنهم حيث شئت { إلا قليلا } يعني: الأنبياء ~~والمخلصين لله ويقال: إلا من عصمته مني { قال اذهب ms0955 فمن ~~تبعك } أي: من أطاعك { منهم فإن جهنم جزاؤكم } ~~يعني: نصيبكم من العذاب في النار { جزاء موفورا } أي: نصيبا ~~وافرا. لا يفتر عنهم. قوله: { واستفزز } يقول: استزل { من ~~استطعت منهم بصوتك } يقول: بدعائك ووسوستك ويقال: بأصوات ~~الغناء والمزامير { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } يعني: ~~استعن عليهم بأعوانك من مردة الشياطين (ورجلك) يعني: الشياطين الذين ~~يوسوسون للناس، ويقال: خيل المشركين ورجالتهم، وكل خيل تسعى في معصية ~~الله تعالى فهي من خيل إبليس وكل راجل يمشي في معصية الله فهو من رجالته. ~~قرأ عاصم في رواية حفص " ورجلك " بفتح الراء وكسر الجيم يعني: راجلك ~~فدل الواحد على الجنس. وقرأ الباقون بجزم الجيم، وهو جمع الراجل { ~~وشاركهم فى الأمول } أي: ما أكل من الأموال بغير طاعة الله ~~تعالى وما جمع من الحرام، ويقال: وشاركهم في الأموال وهو ما جعلوا من ~~الحرث والأنعام نصيبا لآلهتهم، ويقال: كل طعام لم يذكر اسم الله عليه ~~فللشيطان فيه شركة. قال الفقيه رضي الله عنه. حدثنا الفقيه أبو جعفر قال: ~~حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان بن يحيى قال: حدثنا أبو مطيع عن ~~الربيع بن زيد عن أبي محمد وهو رجل من أصحاب أنس قال: قال إبليس لربه: يا ~~رب جعلت لبني آدم بيوتا فما بيتي؟ قال الحمام، قال وجعلت لهم مجالس فما ~~مجلسي؟ قال السوق، قال وجعلت لهم قرآنا فما قرآني؟ قال الشعر، قال وجعلت ~~لهم حديثا فما حديثي: قال: الكذب، قال: وجعلت لهم أذانا فما أذاني؟ قال ~~المزمار، قال وجعلت لهم رسلا فما رسلي؟ قال: الكهنة، قال: وجعلت لهم ~~كتابا فما كتابي؟ قال: الوشم، قال: وجعلت لهم طعاما فما طعامي؟ قال: كل ~~ما لم يذكر عليه اسم الله. قال: وجعلت لهم شرابا فما شرابي؟ قال: كل ~~مسكر، قال: وجعلت لهم مصايد فما مصايدي؟ قال: النساء. ثم قال: { ~~وشاركهم فى الأمول } يعني: كل نفقة في معصية الله تعالى { ~~والأولد } أي: أولاد الزنا فهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير ويقال: ~~هو ما سموا أولادهم عبد العزى وعبد الحارث، ms0956 ويقال: كل معصية بسبب الولد. ~~ويقال إذا جامع الرجل أهله ولم يذكر اسم الله تعالى جامع معه الشيطان: ~~ويقال: المرأة النائحة والسكرانة يجامعها الشيطان فيكون له شركة في ~~الولد. قال الفقيه أبو الليث: هذا الكلام مجاز لا على وجه الحقيقة إنما ~~يراد به المثل ثم قال: { وعدهم } أي: منهم أنه لا جنة ولا نار ~~ولا بعث { وما يعدهم الشيطن إلا غرورا } أي: باطلا. ### || [17.65-69] # قوله: { إن عبادى ليس لك عليهم سلطن } أي: حجة. ~~ويقال: نفاذ الأمر { وكفى بربك وكيلا } أي: كفيلا على ما ~~قال، ويقال: حفيظا لهم. وقال أبو العالية: إن عبادي الذي لا يطيعونك. ~~ثم ذكر الدلائل والنعم ليطيعوه ولا يطيعوا الشيطان ثم قال: { ربكم ~~الذى يزجى لكم الفلك } أي: يسير لكم الفلك { فى البحر ~~لتبتغوا من فضله } أي: من رزقه { إنه كان بكم ~~رحيما } أي رحيم بكم. ثم قال: { وإذا مسكم الضر فى ~~البحر } أي: إذا أصابكم الخوف وأهوال البحر { ضل من تدعون ~~إلا إياه } أي: بطل من تدعون من الآلهة وتخلصون بالدعاء لله تعالى { ~~فلما نجكم إلى البر } يعني: من أهوال البحر { ~~أعرضتم } أي: تركتم الدعاء والتضرع ورجعتم إلى عبادة الأوثان { ~~وكان الإنسن كفورا } أي: الكافر كفورا بأنعم الله، ثم قال: ~~{ أفأمنتم } إن عصيتموه { أن يخسف بكم } أي: يغور بكم { ~~جانب البر } يعني: إلى الأرض السفلى. وقال مقاتل: يعني: ناحية من ~~البر { أو يرسل عليكم حاصبا } أي: حجارة من فوقكم كما أرسل ~~على قوم لوط { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } أي: مانعا يمنعكم ~~قوله: { أم أمنتم أن يعيدكم فيه } أي: البحر { تارة ~~أخرى } يعني: مرة أخرى { فيرسل عليكم قاصفا من ~~الريح } أي: ريحا شديدا { فيغرقكم بما كفرتم } بالله ~~وبنعمه { ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } أي: من ~~يتبعنا ويطالبنا بدمائكم كقوله # فاتباع بالمعروف # [البقرة: 178] أي مطالبة حسنة، ويقال: يعني: ثائرا ولا ناصرا لينتقم ~~لكم مني. قرأ ابن كثير وأبو عمرو " أن نخسف بكم " " أو نرسل " ~~" أن نعيدكم " " فنغرقكم " هذه الخمسة كلها بالنون وقرأ ~~الباقون كلها بالياء. ms0957 ### || [17.70-72] # ثم قال تعالى: { ولقد كرمنا بنى ءادم } بعقولهم وقال ~~الضحاك: بالعقل والتمييز، ويقال: إن الله تعالى خلق نبات الأرض والأشجار ~~وجعل فيها الروح لأنه ينمو ويزداد بنفسه ما دام فيه الروح، فإذا يبس خرج ~~منه الروح وانقطع نماؤه وزيادته، وخلق الدواب وجعل لهن زيادة روح تطلب ~~بها رزقها وتسمع بها الصوت، وخلق بني آدم وجعل لهم زيادة روح يعقلون بها ~~ويميزون ويعلمون، وخلق الأنبياء وجعل لهم زيادة روح يبصرون بها الملائكة ~~ويأخذون بها الوحي ويعرفون أمر الآخرة. ثم قال: { وحملنهم فى ~~البر والبحر } يعني: في البر على الرطوبة. يعني: الدواب وفي ~~البحر على اليبوسة وهي السفن { ورزقناهم من الطيبات } ~~يعني: الحلالات، ويقال: من نبات الحبوب والفواكه والعسل وجعل رزق البهائم ~~التبن والشوك { وفضلنهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا } يعني: على الجن والشياطين والبهائم. وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة وهم جبريل وميكاييل ~~وإسرافيل وأشباههم منهم. وروي عن أبي هريرة أنه قال: المؤمن أكرم على ~~الله من الملائكة الذين عنده. قوله: { يوم ندعوا كل أناس ~~بإممهم } أي: أذكر يوم ندعو كل أناس بكتابهم، ويقال: بداعيهم ~~الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى، يدعى إمامهم قبلهم، وقال أبو ~~العالية بإمامهم أي: بأعمالهم، وقال مجاهد: بنبيهم، وقال الحسن: بكتابهم ~~الذي فيه أعمالهم { فمن أوتى كتبه بيمينه فأولئك ~~يقرءون كتبهم } يعني: يقرؤون حسناتهم ويعطون ثواب حسناتهم { ~~ولا يظلمون فتيلا } يعني: لا يمنعون من ثواب أعمالهم مقدار ~~الفتيل وهو ما فتلته من الوسخ بين أصبعيك. ثم قال الله تعالى: { ومن ~~كان فى هذه أعمى } أي: من كان في هذه النعم أعمى، يعني: لم ~~يعلم أنها من الله { فهو فى الأخرة أعمى } عن حجته { ~~وأضل سبيلا } يعني: عن حجته. قال مجاهد: من كان في هذه الدنيا ~~أعمى عن الحجة فهو في الآخرة أعمى عن الحجة وأضل سبيلا. أي: أخطأ طريقا. ~~وقال قتادة: من كان في هذه الدنيا أعمى عما عاين من نعم الله وخلقه ~~وعجائبه فهو ms0958 في الآخرة التي هي غائبة عنه ولم يرها أعمى. وقال مقاتل: فيه ~~تقديم ومعناه: { وفضلنهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا } ومن كان عن هذه النعم أعمى فهو عما غاب عنه من أمر الآخرة ~~أعمى. وقال الزجاج: معناه: إذا عمي في الدنيا وقد تبين له الهدى وجعل ~~إليه التوبة فعمي عن رشده فهو في الآخرة لا يجد متابا ولا مخلصا مما هو ~~فيه. فهو أشد عمى وأضل سبيلا. أي: أضل طريقا. لأنه لا يجد طريقا إلى ~~الهداية فقد حصل على عمله. وذكر عن الفراء أنه قال: تأويله من كان في هذه ~~النعم التي ذكرتها أعمى لا يعرف حقها ولا يشكر عليها وهي محسوسة فهو في ~~الآخرة أعمى، يعني: أشد شكا في الذي هو غائب عنه في الآخرة من الثواب ~~والعقاب. ### || [17.73] # ثم قال تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى ~~أوحينا إليك } أي: وقد كادوا ليصرفونك عن الذي أوحينا إليك إن ~~قدروا على ذلك، وذلك # " أن ثقيفا أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: نحن إخوانك ~~وأصهارك وجيرانك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ماذا تريدون؟» ~~قالوا: نريد أن نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - «وما هن؟» قالوا: لا ننحني في الصلاة ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، ~~وأن تمتعنا بالطاغية سنة يعني: بطاعة الأصنام سنة. فقال لهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أما قولكم لا ننحني في الصلاة فإنه لا خير في دين ليس ~~فيه ركوع ولا سجود». قالوا: فإنا نفعل ذلك وإن كان فيه دناءة، «وأما ~~قولكم إنا لا نكسر أصنامنا بأيدينا. فإنا سنأمر من يكسرها»، قالوا ~~فتمتعنا باللات سنة، فقال: «إني غير ممتعكم بها " # قالوا يا رسول الله: فإنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط ~~غيرنا فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكره أن يقول لا مخافة أن ~~يأبوا الإسلام فنزل: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذى ~~أوحينا إليك لتفترى علينا غيره } وقال السدي: إن ~~قريشا قالت للنبي - صلى الله عليه ms0959 وسلم - إنك ترفض آلهتنا كل الرفض فلو ~~أنك تأتيها فتلمسها أو تبعث بعض ولدك فيمسها كان أرق لقلوبنا وأحرى أن ~~نتبعك. فأراد أن يبعث ابنه الطاهر فيمسح فنهاه الله تعالى عن ذلك ونزل { ~~وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك ~~لتفترى علينا غيره } وروى أبو العالية عن أصحابه، منهم ~~القرظي قال: لما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة النجم فبلغ # أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 20] جرى على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. ~~فلما بلغ السجدة سجد، وسجد معه المشركون. ثم جاء جبريل فقال ما جئتك بهذا ~~فنزل { وإن كادوا ليفتنونك } إلى قوله: { وإذا ~~لآتخذوك خليلا } فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - مغموما ~~حتى نزل { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطن فى أمنيته } الآية ~~وروى سعيد بن جبير عن قتادة قال: ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخمونه ويسودونه ~~ويقاربونه وكان في قولهم أن قالوا: يا محمد إنك تأتي بشيء لم يأت به أحد ~~من الناس. وأنت سيدنا وابن سيدنا فما زالوا يكلمونه حتى كاد أن يقاربهم. ~~ثم إن الله تعالى منعه وعصمه عن ذلك فقال تعالى # ولولا أن ثبتنك # [الإسراء: 74] الآية وذلك قوله { وإن كادوا ليفتنونك عن ~~الذى أوحينا إليك } في القرآن { لتفترى علينا ~~غيره } يعني: لتقول أو تفعل غير الذي أمرتك في القرآن { وإذا ~~لآتخذوك خليلا } أي: صفيا وصديقا، ويقال: إن المشركين قالوا ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - اطرد عن مجلسك سقاط الناس ومواليهم حتى ~~نجلس معك فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ذلك فنزل { وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك } من تقريب ~~المسلمين { وإذا لآتخذوك خليلا } لو فعلت ما طلبوا منك. ### || [17.74-76] # ثم قال: { ولولا أن ثبتنك } يقول: عصمناك ويقال: حفظناك { ~~لقد كدت تركن إليهم } يعني: لقد هممت أن تميل إليهم { ~~شيئا قليلا } وتعطي أمنيتهم شيئا قليلا { إذا لأذقنك ~~ضعف الحيوة ms0960 } أي: عذاب الدنيا { وضعف الممات } يعني: ~~عذاب الآخرة وهذا قول ابن عباس. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: ضعف ~~الحياة عذابها أي: عذاب الدنيا، وضعف الممات أي: عذاب الآخرة. وهذا مثل ~~الأول. ويقال: ضعف الممات أي: عذاب القبر، ويقال: هذا وعيد للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يعني إنك لو فعلت ذلك يضاعف لك العذاب على عذاب غيرك ~~كما قال تعالى: # ينسآء النبى من يأت منكن بفحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين # [الأحزاب: 30] لأن درجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودرجة من وصفهم ~~فوق درجة غيرهم فجعل لهم العذاب أشد. وروي عن مالك ابن دينار أنه قال: ~~سألت أبا الشعثاء عن قوله: { ضعف الحيوة وضعف الممات } ~~فقال: ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة ثم قال: { ثم لا تجد لك ~~علينا نصيرا } يقول: مانعا يمنعك من ذلك، ويقال: مانعا يمنع من ~~العذاب قوله: { وإن كادوا } وقد كادوا { ليستفزونك من ~~الأرض ليخرجوك منها } أي: ليستزلونك وليخرجوك من أرض مكة { ~~وإذا لا يلبثون خلفك } أي: بعدك { إلا قليلا } ~~فيهلكهم الله تعالى وروى عبد الرزاق عن معمر أنه قال: قد فعلوا ذلك ~~فأهلكهم الله تعالى يوم بدر ولم يلبثوا بعده إلا قليلا وقال مقاتل: وإن ~~كادوا ليستفزونك من الأرض يعني: من أرض المدينة نزلت الآية في حيي بن ~~أخطب وغيره من اليهود حين دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ~~حسدوه وقالوا: إنك لتعلم أن هذه ليست من أرض الأنبياء إنما ارض الأنبياء ~~الشام، فإن كنت نبيا فاخرج منها فنزل { وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها } أي: من أرض ~~المدينة إلى الشام { وإذا لا يلبثون خلفك إلا ~~قليلا } وأمر بالرجوع إلى المدينة. ### || [17.77-78] # ثم قال تعالى: { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ~~} أي: هكذا سنتي فيمن قد مضى، أن أهلك من عصوا الرسول ولم يتبعوه ولا ~~أهلكهم ونبيهم بين أظهرهم فإذا خرج نبيهم من عندهم عذبوا { ولا تجد ~~لسنتنا تحويلا } يعني: تغييرا أو تبديلا. قرأ حمزة والكسائي ~~وابن عامر وعاصم في ms0961 رواية حفص: " لا يلبثون خلافك " وقرأ ~~الباقون: " خلفك " ومعناهما قريب يعني: بعدك ثم قال: { أقم ~~الصلوة } يعني: أتمم الصلاة ودم عليها { لدلوك الشمس } ~~يعني: بعد زوالها، الظهر والعصر { إلى غسق الليل } يعني: إلى ~~دخول الليل وهي المغرب والعشاء. وروى سالم عن ابن عمر أنه قال: دلوكها ~~زيفها بعد نصف النهار أي تزوالها. وقال قتادة: زيفها عن كبد السماء وروى ~~ابن طاووس عن أبيه أنه قال: دلوكها غروبها وروى معمر عن الشعبي عن ابن ~~عباس أنه قال: لدلوك الشمس حين نزول الشمس وروى مجاهد عن ابن عباس أنه ~~قال: دلوكها غروبها. وقال ابن مسعود غروبها. وقال القتبي: إلى غسق الليل ~~الغسق ظلامه ثم قال: { وقرآن الفجر } أي: صلاة الغداة، وإنما ~~سميت صلاة الغداة قرآنا لأن القراءة فيها أكثر وأطول. ويقال: لأنه يقرأ ~~كلتا الركعتين وفي كلتا الركعيتن القراءة فريضة { إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا } أي: صلاة الغداة مشهودة يشهدها ملائكة ~~الليل وملائكة النهار. ويقال: كان بمعنى صار. يعني: صار مشهودا لأن ~~ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الغداة فينزل ملائكة النهار ~~والقوم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل. فإذا فرغ الإمام من ~~صلاته عرجت ملائكة الليل فيقولون: ربنا إنا تركنا عبادك وهم يصلون لك ~~ويقول الآخرون ربنا أدركنا عبادك وهم يصلون لك. { وقرءان } صار نصبا ~~لأن معناه: أقم قرآن الفجر ويقال: صار نصبا على وجه الإغراء أي: عليك ~~بقرآن الفجر ### || [17.79-81] # ثم قال: { ومن اليل فتهجد به } يعني: قم بالليل بعد ~~النوم، والتهجد القيام بعد النوم { نافلة لك } روى شهر بن حوشب عن ~~أبي أمامة أنه قال: كانت النافلة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~خاصة. وقال مجاهد: لم تكن النافلة إلا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه ~~قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويقال: " نافلة لك " أي: فضلا ~~لك ويقال: خاصة لك { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ~~} قال مقاتل: يعني: إن الشفاعة لأصحاب الأعراف، يحمده الخلق كلهم، ويقال: ~~إخراج قوم من النار. قال ms0962 الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا محمد ~~بن معاوية الأنماطي قال: حدثنا الحسن بن الحسين عن عطية العوفي قال: ~~حدثنا أبو حنيفة عن عطية العوفي # " عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~في قوله: { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } قال: ~~«يخرج الله أقواما من النار من أهل الإيمان بشفاعة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فذلك المقام المحمود فيؤتى بهم نهرا يقال له: الحيوان فيلقون فيه ~~فينبتون كما ينبت التقارير ثم يخرجون فيدخلون الجنة فيسمون فيها ~~الجهنميون. قال: ثم يطلبون إلى الله تعالى أن يذهب عنهم هذا الاسم فيذهبه ~~عنهم " # وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: # " يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد ينفذهم البصر ~~ويسمعهم المنادي فيقول: يا محمد فيقول: «لبيك وسعديك والخير بيديك " # وهو المقام المحمود، ويغبطه به الأولون والآخرون ثم قال تعالى: { وقل ~~رب أدخلنى مدخل صدق } أي: قال هذا حين أمره الله تعالى ~~بالرجوع إلى المدينة بعدما خرج منها فأمره الله بأن يقول: حين دخل ~~المدينة رب أدخلني مدخل صدق أي: أدخلني في المدينة إدخال صدق { ~~وأخرجنى مخرج صدق } يعني: من المدينة إلى مكة إخراج صدق، ~~ويقال: أدخلني في الدين مدخل صدق. أي: ثبتني على الدين وأخرجني أي: ~~احفظني من الكفر، ويقال: أخرجني من الدنيا إخراج صدق وأدخلني في الجنة. ~~ويقال: أدخلني بعز وشرف وإظهار الإسلام، ويقال: أدخلني في القبر مدخل صدق ~~وأخرجني من القبر مخرج صدق. وقال مجاهد: أدخلني في النبوة والرسالة مدخل ~~صدق، وقال الحسن: مخرج صدق من مكة إلى المدينة. ومدخل صدق الجنة. وقال ~~السدي: أدخلني المدينة وأخرجني من مكة، وعن أبي صالح: أدخلني في الإسلام ~~وارفعني بالإسلام { واجعل لى من لدنك } يعني: من عندك { ~~سلطنا نصيرا } أي: ملكا مانعا لا زوال فيه ولا يرد قولي، ~~ويقال: حجة ثابتة ظاهرة، قوله: { وقل جاء الحق } ظهر الإسلام ~~والقرآن { وزهق البطل } يقول: هلك الشرك وأهله { إن ~~البطل كان زهوقا } يعني: الشرك كان هالكا. لم يكن ms0963 له قرار ~~ولا دوام. روي عن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن مسعود أنه قال: دخل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة يوم الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون ~~صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: # جآء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقا # [الإسراء: 81] { جاء الحق وما يبدىء البطل وما ~~يعيد } وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك والصنم ~~ينكب لوجهه. ### || [17.82-85] # ثم قال: { وننزل من القرءان ما هو شفاء } أي: بيان من ~~العمى، ويقال: شفاء للبدن إذا قرىء على المريض يبرأ أو يهون عليه { ~~ورحمة للمؤمنين } أي: ونعمة من العذاب لمن آمن بالقرآن { ~~ولا يزيد الظلمين إلا خسارا } أي: المشركين ما نزل من ~~القرآن ما يزيدهم إلا خسارا. أي: تخسيرا وغبنا قوله: { وإذا ~~أنعمنا على الإنسن } أي: إذا وسعنا على الكافر الرزق ورفعنا ~~عنه العذاب في الدنيا { أعرض } عن الدعاء، ويقال: النعمة هي إرسال ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه الكافر { ونأى بجانبه } ~~يعني: تباعد عن الإيمان فلم يقربه. قرأ ابن عامر: " وناء " بمد الألف ~~على وزن باع. وقرأ أبو عمرو بنصب النون وكسر الألف. وقرأ حمزة والكسائي ~~بكسر النون والألف. وقرأ الباقون بنصب النون والألف { وإذا مسه ~~الشر كان يئوسا } يعني: إذا أصابه الفقر في معيشته والسقم في ~~الجسم كان آيسا من رحمة الله تعالى ثم قال: { قل كل يعمل ~~على شاكلته } قال القتبي: على خليقته وطبيعته وهو من الشكل. وقال ~~الحسن على شاكلته على بنيته وكذلك قال معاوية بن قرة وقال الكلبي: على ~~ناحيته ومنهاجه وحديثه وأمره الذي هو عليه { فربكم أعلم بمن ~~هو أهدى سبيلا } أي: بمن هو أصوب دينا ويقال: هو عالم بمن هو ~~على الحق. قوله: { ويسئلونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربى } أي: لا علم لي فيه. وقال مجاهد: الروح خلق من خلق الله ~~تعالى له أيد وأرجل. وقال مقاتل: الروح ملك عظيم على صورة الإنسان ~~أعظم من كل مخلوق. وروى معمر عن قتادة والحسن أنهما ms0964 قالا الروح هو جبريل. ~~وقال قتادة: كان ابن عباس يكتمه. أي: يجعله من المكتوم الذي لا يفسر. ~~وروى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود أنه قال: كنت أمشي مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فمر بقوم من اليهود فقال بعضهم: سلوه عن ~~الروح وقال بعضهم لا تسألوه. فقالوا يا محمد ما الروح؟ فقام متوكئا على ~~عسيب. فظننت أنه يوحى إليه فنزل { ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربى } فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه. ~~ويقال: الروح القرآن كقوله: { وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا } وروي في بعض الروايات عن ابن عباس أنه قال: الروح ملك ~~له مائة ألف جناح وكل جناح لو فتحه يأخذ ما بين المشرق والمغرب، ويقال: ~~إن جميع الملائكة تكون صفا واحدا. والروح وحده يكون صفا واحدا كقوله: # يوم يقوم الروح والملئكة صفا # [النبأ: 38] واحدا ويقال: معناه: يسألونك عن الروح الذي هو في الجسد ~~كيف هو قل الروح من أمر ربي. ويقال: الروح: جبريل كقوله: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] أي: يسألونك عن إتيان جبريل. كيف نزوله عليك قل الروح من ~~أمر ربي { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } أي: ما ~~أعطيتموه من العلم مما عند الله إلا يسيرا. ### || [17.86-88] # ثم قال: { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا ~~إليك } يعني: حفظ الذي أوحينا إليك من القرآن من قلبك، ويقال: لئن ~~شئنا لمحونا من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر { ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا } أي: لا تجد من تتوكل عليه في رد شيء منه، ~~ويقال: ثم لا تجد لك مانعا يمنعني من ذلك. قوله: { إلا رحمة من ~~ربك } يعني: لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين وروى ~~أبو حازم عن أبي هريرة أنه قال: سيؤتى على كتاب الله تعالى فيرفع إلى ~~السماء فلا تصبح على الأرض آية من القرآن وينزع من قلوب الرجال فيصبحون ~~ولا يدرون ما هو. وروي عن ابن مسعود أنه قال: يصبح الناس ms0965 كالبهائم. ثم ~~قرأ { ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا إليك } ~~الآية ثم قال: { إن فضله كان عليك كبيرا } أي: بالنبوة ~~والإسلام قوله: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله } أي: ~~بمثل هذا القرآن على نظمه وإيجازه ونسقه مع كثير مما ضمن فيه من الأحكام ~~والحدود وفنونها، ويقال: مثل هذا القرآن من تعريه عن التناقض مع كثرة ~~الأقاصيص والأخبار، ويقال: على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله. ~~لأن فيه علم ما كان وعلم ما يكون ولا يعرف ذلك إلا بالوحي، ويقال: بمثل ~~هذا القرآن لأنه كلام منثور لا على وجه الشعر لأن تحت كل كلمة معاني ~~كثيرة { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي: معينا. ### || [17.89-93] # ثم قال: { ولقد صرفنا للناس } يعني: بينا للناس { في ~~هذا القرآن من كل مثل } أي: من كل لون ومن من الحلال ~~والحرام والأحكام والحدود والوعد والوعيد { فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا } أي: ثباتا على الكفر. ويقال: أبوا عن الشكر إلا ~~كفورا. أي كفرانا مكانه ويقال: لم يقبلوه قوله: { وقالوا لن ~~نؤمن لك } أي: لن نقربك ولن نصدقك، وهو عبد الله بن أبي أمية ~~المخزومي وأصحابه قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - { لن نؤمن ~~لك } { حتى تفجر لنا } يعني: تشقق الماء { من الأرض ~~ينبوعا } أي: عيونا. قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي " تفجر ~~" بنصب التاء وجزم الفاء وضم الجيم مع التخفيف وقرأ الباقون " تفجر ~~" بضم التاء ونصب الفاء مع التشديد. وقال أبو عبيدة هذا أحب إلي لأنهم ~~اتفقوا في الذي بعده ولا فرق بينهما في اللغة، فمن قرأ بالتشديد فللتكثير ~~والمبالغة كما يقال: قبل تقبيلا للمبالغة ثم قال: { أو تكون ~~لك جنة } أي: بستانا { من نخيل وعنب } أي: الكروم { ~~فتفجر الأنهر } أي: تشقق الأنهار { خلالها } يعني: وسطها ~~{ تفجيرا } أي: تشقيقا { أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا } أي: قطعا. قرأ ابن عامر وعاصم ونافع " كسفا " ~~بنصب السين. وقرأ الباقون بالجزم ومعناهما واحد أي تسقط علينا طبقا، ~~واشتقاقه من كسفت ms0966 الشيء إذا غطيته. ومن قرأ بالنصب جعلها جمع كسفة وهي ~~القطعة { أو تأتى بالله والملئكة قبيلا } أي: ~~ضمينا كفيلا، والقبيل الكفيل. ويقال: من المقابلة أي: معاينة، شهيدا ~~يشهدون لك بأنك نبي الله تعالى { أو يكون لك بيت من زخرف ~~} أي: من ذهب { أو ترقى فى السماء } أي: تصعد إلى السماء { ~~ولن نؤمن لرقيك } أي: لصعودك { حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرءه } روى أسباط عن السدي أنه قال: # " لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة جاءه أبو سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أمية المخزومي أخو أم سلمة فأبى أن ~~يبايعهما فقالت أم سلمة ما بال أخي؟ يكون أشقى الناس بك رسول الله وابن ~~عمك. فقال: «أما ابن عمي فإنه كان يهجونا. وأما أخوك فإنه زعم أنه ~~لا يؤمن بي حتى أرقى في السماء ولو رقيت إلى السماء لن يؤمن حتى آتيه ~~بكتاب يقرؤه " # ثم دعاهما فقبل منهما وبايعهما. قال الله تعالى: { قل سبحن ~~ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } فإني لا أقدر على ما ~~تسألوني. قرأ ابن كثير وابن عامر " قال سبحان ربي " بالألف على ~~وجه الحكاية. وقرأ الباقون " قل سبحان " بغير ألف على وجه الأمر. ### || [17.94-98] # ثم قال: { وما منع الناس أن يؤمنوا } يعني: أهل مكة { ~~إذ جاءهم الهدى } يعني: القرآن ومحمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } يعني: الرسول ~~من الآدميين ومعناه: أنه ليست لهم حجة سوى ذلك القول. قال الله تعالى: { ~~قل } يا محمد { لو كان فى الأرض ملئكة يمشون } أي: ~~لو كان سكان ملائكة يمشون { مطمئنين } أي: مقيمين في الأرض { ~~لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا } أي: لبعثنا ~~عليهم رسولا من الملائكة وإنما يبعث الملك إلى الملائكة والبشر إلى ~~البشر. فلما قال لهم ذلك قالوا: له من يشهد لك بأنك رسول الله تعالى. قال ~~الله تعالى: { قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم } ~~بأني رسول الله { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } ثم قال ~~{ ومن يهد الله } أي: من ms0967 يكرمه الله تعالى بالإسلام ويوفقه { ~~فهو المهتد } يعني: فهو على الهدى وعلى الصواب. قرأ نافع وأبو ~~عمرو " المهتدي " بالياء عند الوصل. وقرأ الباقون بغير ياء { ومن ~~يضلل } أي: ومن يخذله الله عن دينه { فلن تجد لهم أولياء ~~من دونه } أي: يهدونهم من الضلالة { ونحشرهم يوم ~~القيمة على وجوههم } أي: نبعثهم يوم القيامة ونسوقهم ~~منكبين على وجوههم يسحبون عليها { عميا وبكما وصما } عن الهدى ~~ويقال: في ذلك الوقت يكونون عميا وبكما وصما. كما وصفهم { ~~مأواهم جهنم } أي: مصيرهم إلى جهنم { كلما خبت ~~زدناهم سعيرا } يقول: كلما سكن لهبها ولم تجد شيئا تأكله { ~~زدناهم سعيرا }. أي: وقودا، أعيدوا خلقا جديدا. قال مقاتل: ~~وذلك أن النار إذا أكلتهم فلم يبق منهم شيء غير عظام وصاروا فحما سكنت ~~النار فهو الخبو. ثم بدلوا جلودا غيرها فتشتعل وتسعر عليهم فذلك قوله { ~~زدناهم سعيرا } وقال أهل اللغة: يقال خبت النار إذا سكن لهبها ~~وإذا بقي من جمرها شيء يقال: خمدت فإذا طفئت ولم يبق شيء قالوا همدت ثم ~~قال تعالى: { ذلك جزاؤهم } أي: ذلك العذاب عقوبتهم وجزاء أعمالهم ~~{ بأنهم كفروا بآياتنا } أي: بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والقرآن { وقالوا أءذا كنا عظما ورفتا } أي: ترابا ~~{ أءنا لمبعوثون خلقا جديدا } بعد الموت. ### || [17.99-102] # قال الله تعالى: { أو لم يروا } يعني: أو لم يخبروا في القرآن { ~~أن الله الذى خلق السموات والأرض قادر على ~~أن يخلق مثلهم } يعني: يحييهم بعد الموت { وجعل لهم ~~أجلا لا ريب فيه } أي: لا شك فيه عند المؤمنين أنه كائن { ~~فأبى الظلمون إلا كفورا } أي: أبى المشركون عن الإيمان ~~ولم يقبلوا إلا الكفر. ثم قال تعالى: { قل لو أنتم تملكون ~~خزائن رحمة ربى } يقول: لو تقدرون على مفاتيح رزق ربي { إذا ~~لأمسكتم } أي لبخلتهم وامتنعتم عن الصدقة { خشية الإنفاق } ~~أي: مخافة الفقر { وكان الإنسن قتورا } أي: ممسكا بخيلا. ~~قال الزجاج: هذا جواب لقولهم # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90] وقال بعضهم: هذا ابتداء، وصف بخلهم. قوله: { ولقد ~~ءاتينا ms0968 موسى تسع ءايت بينات } أي: علامات واضحات مضيئات ~~بالحجة عليهم وهاديات إذ جاءهم موسى بالبينات. # وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابن عباس في قوله تسع آيات بينات: ~~وهي في سورة الأعراف # ولقد أخذنآ ءال فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات # [الأعراف: 130] قال: السنين لأهل البوادي ونقص الثمرات لأهل القرى، ~~فهاتان آيتان والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وهذه خمسة ويد ~~موسى إذ أخرجها بيضاء من غير سوء وعصاه إذ ألقاها فإذا هي ثعبان مبين. ~~قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا أبو موسى محمد بن إسحاق ~~وخزيمة قالا: حدثنا علي بن حزم بن حشرم قال: حدثنا عيسى بن يونس عن شعبة ~~عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن عسال قال: قال يهودي ~~لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي فنسأله عن هذه الآيات { ولقد ~~ءاتينا موسى تسع ءايت بينات } فقال: لا تقل نبي. فإنه ~~لو سمعها صارت له أربعة أعين. فأتوه فسألوه فقال: # " ألا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تقذفوا محصنا أو ~~قال ولا تفرقوا يوم الزحف ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله. وعليكم خاصة ~~يا معشر اليهود ألا تعدوا في السبت " # ، فقبلا يديه ورجليه فقالوا: نشهد إنك نبي الله ورسوله فقال: # " وما يمنعكما أن تسلما؟ " # فقالا: إن داود دعا ربه ألا يزال في ذريته نبي. فنخاف أن يقتلنا ~~اليهود ثم قال تعالى { فاسأل بنى إسرءيل } يعني: سل مؤمني أهل ~~الكتاب عن هذه الآيات { إذ جاءهم } يعني: حين جاءهم موسى { فقال ~~له فرعون إنى لاظنك يموسى مسحورا } أي: مغلوب ~~العقل. قوله: { قال } أي: موسى يا فرعون { لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء } الآيات قرأ الكسائي " علمت " بضم التاء يعني: علمت أنا من ~~أنزل هؤلاء الآيات { إلا رب السموات والأرض } يعني: إن ~~لم تصدقوني فأنا على يقين من ذلك. وقرأ الباقون بالنصب يعني: إنك تعلم ~~ذلك كما قال في آية ms0969 أخرى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14]. { بصائر } أي: علامات لنبوتي. ويقال: علامات بينات { ~~وإنى لأظنك } أي: لأعلمنك { يفرعون مثبورا } أي: ملعونا ~~هالكا. قال الحسن: مثبورا أي: مهلكا. وكذا قال قتادة. وروى مجاهد عن ~~ابن عباس أنه قال: مثبورا أي: ملعونا وكذا روى الكلبي والضحاك. ### || [17.103-106] # { فأراد أن يستفزهم من الأرض } أي: يستزلهم ويخرجهم. ~~ويقال: أي: يستخفهم من الأرض يعني: من الأردن وفلسطين ومصر { ~~فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبنى ~~إسرءيل } الذين مع موسى { اسكنوا الأرض } أي: انزلوا أرض ~~الأردن وفلسطين ومصر { فإذا جاء وعد الأخرة } أي: البعث بعد ~~الموت { جئنا بكم لفيفا } أي: جميعا، واللفيف الجماعة من كل ~~قبيلة ثم قال: { وبالحق أنزلناه } أي: أنزلنا عليك جبريل ~~بالقرآن { وبالحق نزل } أي: بالقرآن نزل جبريل، ويقال: أنزلناه ~~بالحق والحكمة والحجة. ثم قال: { وما أرسلناك إلا مبشرا } ~~بالجنة للمؤمنين { ونذيرا } بالنار للكافرين. ثم قال تعالى: { ~~وقرءانا فرقناه } حين أنزلنا به جبريل متفرقا آية بعد آية ~~وسورة بعد سورة { لتقرأه على الناس على مكث } أي: على ~~ترسل وسهل ليفهموه ويحفظوه وكان ابن عباس يقرأ " فرقناه " بالتشديد ~~أي: بينا فيه الحلال والحرام. ويقال: أنزلناه متفرقا { ونزلنه ~~تنزيلا } أي: بيناه تبيينا. ### || [17.107-111] # قوله: { قل ءامنوا به } أي: صدقوا بالقرآن { أو لا ~~تؤمنوا } يعني: أو لا تصدقوا، ومعناه: إن صدقتم به أو لم تصدقوا ~~فإنه غني عن إيمانكم وتصديقكم { إن الذين أوتوا العلم من ~~قبله } يعني: أعطوا علم كتابهم وهم مؤمنو أهل الكتاب من قبل القرآن { ~~إذا يتلى عليهم } أي: يعرض عليهم القرآن عرفوه { يخرون ~~للأذقان } أي: يقعون على الوجه { سجدا ويقولون سبحان ~~ربنا } أي: تنزيها لربنا وقال الكلبي أي نصلي لربنا { إن كان ~~وعد ربنا لمفعولا } وقد كان وعد ربنا لمفعولا أي: كائنا ~~ومقدورا. قوله: { ويخرون للأذقان } أي: يقعون على الوجوه { ~~يبكون ويزيدهم خشوعا } أي: تواضعا ومذلة، { قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن } قال الكلبي: كان ذكر الرحمن في ~~القرآن قليلا في بدىء ما نزل من القرآن. وقد كان أسلم ناس من اليهود ms0970 ~~منهم عبد الله بن سلام وأصحابه وكان ذكره في التوراة كثيرا. فسألوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فنزل { قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن }. قرأ حمزة والكسائي " قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن " بكسر اللام والواو وقرأ أبو عمرو بكسر اللام في (قل ~~ادعوا). وضم الواو في " أو ادعوا الرحمن " وقرأ الباقون كليهما ~~بالضم ومعناهما واحد { أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى } يعني: بأي الاسمين تدعون فهو حسن فله الأسماء الحسنى أي: ~~له الصفات العلى. ثم قال: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت ~~بها } وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة. وكان يصلي ~~بأصحابه وإذا رفع صوته أذاه المشركون وإذا خفض لا يسمع صوته الذين خلفه. ~~فأنزل الله تعالى ولا تجهر بصلاتك. أي بقراءتك فيؤذيك المشركون ولا تخافت ~~بها في جميع الصلوات، يعني: لا تسر بقراءتك فلا يسمع أصحابك قراءتك { ~~وابتغ بين ذلك سبيلا } يقول: بين الرفع والخفض، ويقال: ~~معناه: ولا تجهر في جميع الصلوات ولا تخافت في جميع الصلوات وابتغ بين ~~ذلك سبيلا. أي: اجهر في بعض الصلوات وخافت في البعض ثم قال: { وقل ~~الحمد لله الذى لم يتخذ ولدا } قال الكلبي: وذلك ~~أنه لما نزل { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } قالت ~~كفار قريش: كان محمد يدعو إلها واحدا وهو اليوم يدعو إلهين. ما نعرف ~~الرحمن إلا صاحب اليمامة. مسيلمة الكذاب فنزل: # ومن الأحزاب من ينكر بعضه # [الرعد: 36] يعني: ذكر الرحمن. وأمره بأن يقول: { الحمد لله ~~الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى ~~الملك } أي: لم يتخذ ولدا فيرث ملكه، ولم يكن له شريك في الملك في ~~عظمته. وقال أبو العالية: معناه: وقل الحمد لله الذي لم يجعلني ممن يتخذ ~~له ولدا ولم يجعلني ممن يقول له شريك في الملك { ولم يكن له ~~ولى من الذل } أي: من اليهود والنصارى وهم أذل خليقة الله ~~تعالى. # يؤدون الجزية، وقال مقاتل: معناه: لم يذل فيحتاج إلى ولي يعينه، أي: لم ~~يكن له ولي ms0971 ينتصر به من الذل { وكبره تكبيرا } أي: عظمه ~~تعظيما. ولا تقل له شريك. وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه أنه قال: بلغني # " أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: ~~إني رجل كثير الدين كثير الهم. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«اقرأ آخر سورة بني إسرائيل، { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن } حتى تختمها. ثم قل توكلت على الحي الذي لا يموت ثلاث ~~مرات ". ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-6] # قوله تعالى: { الحمد لله } يقول الشكر لله والألوهية لله { ~~الذى أنزل على عبده الكتب } أي أنزل على عبده محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - القرآن { ولم يجعل له عوجا } أي: لم ~~ينزله متناقضا { قيما } بل أنزله مستقيما ويقال: في الآية تقديم ~~ومعناه الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما أي مستقيما ولم يجعل ~~له عوجا أي لم ينزله مخالفا للتوراة والإنجيل قال أهل اللغة: " عوجا ~~بكسر العين في الأقوال وبنصب العين في الأشخاص " ويقال: في كلامه عوج وفي ~~هذه الخشبة عوج { لينذر بأسا شديدا } أي: لينذركم ببأس شديد ~~كما قال # يخوف أولياءه # [آل عمران: 175] أي: بأوليائه وهذا قول القتبي وقال الزجاج: أي: لينذرهم ~~بالعذاب البئيس { من لدنه } أي: من قبله ويقال: لينذر بأسا شديدا ~~أي: يخوفهم بالعذاب الشديد بما في القرآن من لدنه أي: من عنده قرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر: " من لدنه " بجزم الدال وقرأ الباقون بالضم ~~ومعناهما واحد. { ويبشر المؤمنين } بالجنة ثم وصف المؤمنين ~~فقال: { الذين يعملون الصلحات } فيما بينهم وبين ربهم ثم ~~بين الذي يبشرهم به فقال: { أن لهم أجرا حسنا } في ~~الجنة { ماكثين فيه أبدا } أي: مقيمين في الثواب والنعيم ~~خالدا مخلدا و " ماكثين " منصوب على الحال في معنى خالدين { ~~وينذر الذين قالوا } أي: يخوف بالقرآن الذين قالوا { ~~اتخذ الله ولدا } وهم المشركون والنصارى { ما لهم به ~~من علم } أي: ليس لهم بذلك القول بيان ولا حجة { ولا ~~لآئبائهم } أي: ولا حجة لآبائهم الذين مضوا فأخبر أنهم أخذوا دينهم ~~من ms0972 آبائهم بالتقليد لا بالحجة والبيان لأنهم قالوا كان آباؤنا على هذا { ~~كبرت كلمة } أي: عظمت الكلمة قرأ الحسن بالضم ومعناه عظمت كلمة ~~وهي قولهم: # اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116] { تخرج من أفواههم } فصارت نصبا بالتفسير { ~~إن يقولون إلا كذبا } أي: ما يقولون إلا كذبا { فلعلك ~~بخع نفسك } أي: قاتل نفسك أسفا وحزنا { على ءاثرهم ~~} أي: على أعمالهم { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ~~} أي: بهذا القرآن أسفا والأسف المبالغة في الحزن والغضب وهو منصوب لأنه ~~مصدر في موضع الحال. ### || [18.7-10] # { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } أي: ما على وجه ~~الأرض من الرجال زينة لها أي للأرض ويقال: جعلنا ما على الأرض من النبات ~~والأشجار والأنهار زينة لها أي: للأرض { لنبلوهم } أي: " لنختبرهم ~~" { أيهم أحسن عملا } أي: أخلص ويقال: أيهم أخلص في الزهد في ~~الدنيا وأترك لها { وإنا لجاعلون ما عليها } أي: ما على ~~الأرض في الآخرة من شيء من الزهرة { صعيدا جرزا } أي: ترابا أملس ~~لا نبات فيه وقال القتبي: الصعيد المستوي قال: ويقال: وجه الأرض ومنه ~~يقال: للتراب صعيد لأنه وجه الأرض (والجرز الذي لا نبات فيه يقال: أرض ~~جرز وسنة جرز إذا كان فيه جدوبة { أم حسبت أن أصحب ~~الكهف } أي: غار في الجبل { والرقيم } الكتاب. وقال قتادة: ~~دراهمهم وقال عكرمة: عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا أربعة غسلين ~~وحنان والأواه والرقيم وقال القتبي: الرقيم لوح كتب فيه خبر أصحاب الكهف ~~ونصب على باب الكهف والرقيم الكتاب وهو فعيل بمعنى مفعول " وبه كتاب ~~مرقوم " أي: مكتوب وقال الزجاج: هو اسم الجبل الذي فيه الكهف وقال ~~كعب الأحبار: الرقيم اسم القرية. روي عن ابن عباس: أن قريشا اجتمعوا ~~كان فيهم الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل السهمي وأبو جهل بن هشام ~~وأمية وأبي أبناء خلف والأسود بن عبد المطلب وسائر قريش فبعثوا منهم خمسة ~~رهط إلى يهود يثرب أي: يهود المدينة فسألوهم عن محمد وعن أمره وصفته وأنه ~~خرج من بين أظهرنا ويزعم أنه نبي مرسل ms0973 واسمه محمد وهو فقير يتيم فلما ~~قدموا المدينة أتوا أحبارهم وعلماءهم فوجدوهم قد اجتمعوا في عيد لهم ~~فسألوهم عنه ووصفوا لهم صفته فقالوا لهم نجده في التوراة كما وصفتموه لنا ~~وهذا زمانه ولكن سلوه عن ثلاث خصال فإن أخبركم بخصلتين ولم يخبركم ~~بالثالثة فاعلموا أنه نبي فاتبعوه فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هؤلاء ~~فلم يدر ما هن وقد زعمتم أنه يتعلم من مسيلمة الكذاب سلوه عن أصحاب الكهف ~~أي: قصوا عليه أمرهم وسلوه عن ذي القرنين أن كان ملكا وكان أمره كذا ~~وكذا وسلوه عن الروح فإن أخبركم عن قليل أو كثير فهو كاذب ففرحوا بذلك ~~فلما رجعوا وأخبروا أبا جهل ففرح وأتوه فقال أبو جهل: إنا سائلون عن ثلاث ~~خصال فسألوه عن ذلك فقال لهم: ارجعوا غدا أخبركم ولم يقل إن شاء الله ~~فرجعوا ولم ينزل عليه جبريل إلى ثلاثة أيام وفي رواية الكلبي: إلى خمسة ~~عشر يوما وفي رواية الضحاك: إلى أربعين يوما فجعلت قريش تقول يزعم محمد ~~أنه يخبرنا غدا بما سألناه وقد مضى كذا وكذا يوما فشق ذلك على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه جبريل فقال لجبريل لقد علمت ما ~~سألني عنه قومي فلم أبطأت علي فقال: أنا عبد مثلك # وما نتنزل إلا بأمر ربك # [مريم: 64] وقال: # ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23- 24] وكان المشركون يقولون: إن ربه قد ودعه وأبغضه فنزل: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] ونزل: { أم حسبت أن أصحب الكهف ~~والرقيم } { كانوا من ءايتنا عجبا } فلما قرأ عليهم ~~قالوا هذان ساحران يعني محمدا وموسى عليهما السلام ولم يصدقوه وقوله: { ~~عجبا } يقول: هم عجب وأمرهم أعجب وغيرهم مما خلقت أعجب منهم الشمس ~~والقمر والجبال والسموات والأرض أعجب منهم ثم بين أمرهم فقال تعالى: { ~~إذ أوى الفتية إلى الكهف } أي: صاروا إليه وجعلوه مأواهم ~~والفتية جمع فتى غلام وغلمة وصبي وصبية { فقالوا ربنا ءاتنا ~~من لدنك رحمة } أي: ثبتنا على الإسلام { وهيىء لنا من ms0974 ~~أمرنا رشدا } أي: هب لنا من أمرنا مخرجا. ### || [18.11-13] # { فضربنا على ءاذانهم } أي: أنمناهم وألقينا عليهم النوم ~~وقال الزجاج: " فضربنا على آذانهم " أي: منعناهم أن يسمعوا ~~لأن النائم إذا سمع انتبه { فى الكهف سنين عددا } ويراد بذكر ~~العدد: التأكيد لأن الكثير يحتاج أن يعد وإنما صار نصبا لأنه مصدر قال ~~ابن عباس في حديث أصحاب الكهف أنه قال إن مدينة كانت بالروم ظهر عليها ~~ملك من الملوك يقال له: دقيانوس غلب على مدينتهم وأرضهم وكانت المدينة ~~تسمى أفسوس فجعل يدعوهم إلى عبادة الأوثان ويقتلهم على ذلك فمن كفر بالله ~~واتبع دينه تركه فهدى الله شابا من أهل تلك المدينة إلى دين الإسلام ~~فجعل يدعوهم سرا حتى تابعه على ذلك سبعة أغلمة ففطن لهم الملك فأرسل ~~إليهم وأخذهم ودفعهم إلى آبائهم يحفظونهم حتى يرسل إليهم من يطلبهم من ~~آبائهم فأرسل إليهم فهربوا فقالت آباؤهم والله لقد خرجوا من عندنا ~~بالأمس فما ندري أين هم فمروا بغلام راعي ومعه كلب له فدعوه إلى أمرهم ~~فأعجبه ذلك فتابعهم عليه فمضى معهم واتبعه كلبه حتى أتوا غارا أي: ~~كهفا فدخلوا فيه ثم أرسلوا بعضهم إلى السوق ليشتري لهم طعاما من السوق ~~فركب الملك والناس معه في طلبهم وهم يسألون عنهم فسمع رسولهم بذلك فعجل ~~أن يشتري لهم كل الذي أرادوا فاشترى بعضه وأتاهم فأخبرهم أن الملك والناس ~~في طلبهم فأكلوا ما أتاهم به ولم يشبعوا ثم ناموا على وجوههم فضرب الله ~~على آذانهم بالنوم سنين عددا وسار الملك والناس معه حتى انتهوا إلى باب ~~الكهف فوجدوا آثارهم داخلين ولم يجدوا آثارهم خارجين فدخلوا الكهف فأعمى ~~الله عليهم فطلبوهم فلم يجدوا شيئا فقال الملك: سدوا عليهم باب الكهف ~~حتى يموتوا فيه فيكون قبرهم إن كانوا فيه ثم انصرف الملك والناس معه فعمد ~~رجلان مسلمان يكتمان إيمانهما إلى لوح من رصاص فكتبا فيه أسماء الفتية ~~وأسماء آبائهم ومدينتهم وأنهم خرجوا فرارا من دقيانوس الملك الكافر فمن ~~ظهر عليهم يعلم بأنهم مسلمون وألزقاه في السد من داخل ms0975 الكهف وقال في ~~رواية السدي قال في قصة أصحاب الكهف: كان في المدينة فتية ليس منهم أحد ~~يعرف صاحبه فخرج ملكهم فخرجا له وخرج الفتية ومنهم واحد له كلب وليس منهم ~~أحد إلا وهو يقول في نفسه إن رأيت أحدا استضعف دعوته إلى الإيمان بالله ~~فلما رجع الناس تخلف الفتية فاجتمعوا على باب المدينة وقد أغلق الباب ~~دونهم فطلبوا أن يدخلوا فلم يفتح لهم فقال بعضهم: إني أسر إليكم أمرا ~~فإن تابعتموني عليه رشدتم فقص عليهم أمره فقالوا جميعا نحن على هذا ~~آنذاك قوله عز وجل: { إذ قاموا فقالوا ربنا رب ~~السموات والأرض. # . } الآية فصاروا إلى الكهف فدخلوه ورقدوا فيه ورقد الكلب بفناء الكهف ~~فضرب الله على آذانهم بالنوم فلما فقدهم أهلوهم انطلقوا إلى الملك ~~فأخبروه فدعا بصخرة فكتب فيها أسماءهم وكتب فيها أنهم هلكوا في زمن كذا ~~ثم ضربها في سور المدينة على الباب وهو الرقيم وفي رواية وهب بن منبه ~~قال: جاء من حواري عيسى بن مريم عليهما السلام إلى مدينة أصحاب الكهف ~~فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد ~~له فكره أن يدخلها وأتى حماما كان قريبا من تلك المدينة فكان يعمل فيه ~~يعني أنه أجر نفسه من صاحب الحمام فرأى صاحب الحمام في حمامه البركة ودر ~~عليه الرزق واجتمع إليه فتية من أهل المدينة فكان يخبرهم بخبر السماء ~~والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه وكانوا على مثل حاله في حسن ~~الهيأة فكانوا في ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فماتا في ~~الحمام جميعا فأتى الملك فقيل له صاحب الحمام قتل ابنك فالتمسه فلم يقدر ~~عليه فقال من كان (يصحبه) فسموا الفتية فالتمسوهم فخرجوا من المدينة ~~فمروا بصاحب لهم في زرع له وكان على مثل أمرهم فذكروا له أنهم التمسوا ~~فانطلق معهم ومعه الكلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه وقالوا: نبيت ~~ها هنا الليلة ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم فضرب على آذانهم فخرج ms0976 ~~الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوا آثارهم وقد دخلوا الكهف فلما أراد ~~رجل منهم أن يدخل الكهف أرب فلم يطق أحد أن يدخل عليهم فقال له قائل: ~~ألست لو كنت قدرت عليهم قتلتهم فسد عليهم باب الكهف ودعهم حتى يموتوا ~~عطشا وجوعا ففعل ذلك ثم إن راعيا احتاج أن يبني حظيرة لغنمه فهدم ذلك ~~السد وبنى عليه لغنمه فصار باب الكهف مفتوحا وكلما غزا تلك المدينة فظهر ~~عليها أظهر علامته إن كان مسلما أظهر علامة المسلمين وإن كان كافرا ~~أظهر علامة المشركين ثم مات دقيانوس وملك ملك آخر مسلم فأظهر علامة ~~المؤمنين بالمدينة وكان يقال له: ستفاد الملك ثم إن أصحاب الملك استيقظوا ~~بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين فنظر واحد منهم إلى الشمس وقد دانت إلى ~~الغروب ويقال عند زوال الشمس فقال كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~" فقال كبيرهم لا تختلفوا فإنه لم يختلف قوم إلا هلكوا ثم قال فقال ~~الآخرون فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ~~أي أحل وأظهر لأنهم كانوا يذبحون الخنازير فدفعوا الدراهم إلى رجل يقال ~~له: تمليخا فلما انتهى إلى باب الكهف رأى حجارة مكسرة على بابه فقال: إن ~~هذا شيء ما رأيناه بالأمس فلما خرج أنكر الطريق فدنا إلى باب المدينة فلم ~~يعرفها فلما دخل المدينة لم يعرف أحدا من الناس فأشكل عليه فقال لعل هذه ~~غير تلك المدينة فسأل إنسانا فقال: أي مدينة هذه فقال أقسوس فقال لقد ~~أصابني شر وتغير عقلي فهذه مدينتنا ولا أعرفها ولا أعرف أحدا من أهلها ~~فأخرج الدراهم وجاء إلى الخباز ودفعها إليه فأخذ الخباز الدراهم فأنكرها ~~وقال من أين لك هذه الدراهم لقد وجدت كنزا لتخبرني وإلا دفعتك إلى الملك ~~وكان ملك يحدث بعد آخر يضرب دراهم على سكته وختمه فمن وجد معه دراهم غير ~~تلك الدراهم علم أنه كنز فلما وجدوا معه تلك الدراهم قالوا هذا كنز فقال ~~هذه الدراهم ما أخرجت من المدينة إلا أمس فظن الخباز أنه يتجانن ms0977 عليه ~~ليرسله فقال له: لقد علمت أنك تتجانن علي لا أرسلك حتى تعطيني من هذا ~~الكنز وإلا دفعتك إلى الملك اجتمع الناس عليه وذهبوا به إلى الملك فجعل ~~تمليخا يبكي خوفا من الملك وأن يرفع إلى ملكهم الجبار الذي فرضه الذي ~~أدخل على غيره سكن. # فقال له الملك: من أين لك هذه الدراهم فقال خرجت بها عشية أمس أنا ~~وأصحاب لي فرارا من دقيانوس الملك فقال إنك رجل شاب وذلك الملك قد مضى ~~عليه دهر طويل فما أنا بالذي أرسلك حتى تخبرني من أين لك هذه الدراهم فقص ~~عليه أمره وأمر أصحابه فقال أناس من المسلمين قد أخبروا بقصتهم أن ~~آباءنا أخبرونا أن فتية قد خرجوا بدينهم وهم مسلمون فرارا من دقيانوس ~~الملك وإنا والله لا ندري ولعله صادق فأركب وأنظر لعله شيء أراد الله أن ~~يظهرك عليه أو يكون في ولا يفك فركب الملك وركب معه الناس المسلم والكافر ~~حتى انتهوا إلى الكهف فلما رأى أصحابه الناس قد انتهوا إليهم عانق بعضهم ~~بعضا يبكون ولا يشكون إلا أنه الملك الجبار الكافر فقال لهم تمليخا: ~~امكثوا حتى أدخل أولا فدخل عليهم فأخبرهم بالقصة قال ابن عباس في رواية ~~أبي صالح: دخل عليهم الملك والناس فسألوهم عن أمرهم فقصوا عليهم قصتهم ~~فنظروا فإذا اللوح الرصاص الذي كتبه المسلمان فيه أسماؤهم وأسماء آبائهم ~~فقال الملك: هم قوم هلكوا في زمن دقيانوس وأحياهم الله في زماني فلم يبق ~~أحد من الكفار مع الملك إلا أسلموا كلهم إذا رأوهم فبينما هم يتحدثون إذ ~~ماتوا كلهم وقال في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن القوم لما ~~انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى: مكانكم حتى أدخل على أصحابي لا تهجموا ~~عليهم فيفزعوا منكم فدخل فعمي عليهم المكان فلم يدروا أين ذهب ولم يقدروا ~~على الدخول عليهم فقالوا: { لنتخذن عليهم مسجدا } ~~فجعلوا عليهم مسجدا وصاروا يصلون فيه فذلك قوله: { فضربنا على ~~ءاذانهم فى الكهف سنين عددا ثم بعثنهم } أي: ~~أيقظناهم { لنعلم أي الحزبين } يعني: ms0978 أي الفريقين المسلم ~~والكافر { أحصى } أي: احفظ { لما لبثوا أمدا } يعني: لما ~~مكثوا أجلا وكان المسلمان كتبا في اللوح فظهر لهم مقدار ما لبثوا فيه ~~ولم يعلم الكفار مقدار ذلك ويقال: أي الحزبين يعني الذين كانوا مؤمنين ~~قبل ذلك والذين أسلموا في ذلك الوقت ويقال أي الفريقين أصدق قولا لأنهم ~~قد اختلفوا في البعث منهم من كان ينكر ذلك فظهر لهم أن البعث حق { نحن ~~نقص عليك نبأهم } أي: ننزل عليك في القرآن خبر الفتية { ~~بالحق } أي: بالصدق { إنهم فتية آمنوا بربهم } ~~أي: صدقوا بتوحيد ربهم { وزدنهم هدى } أي: يقينا وبصيرة في ~~أمر دينهم. ### || [18.14-17] # { وربطنا على قلوبهم } أي: حفظنا قلوبهم على الإيمان. وقيل ~~ألهمناهم الصبر حتى ثبتوا على دينهم { إذ قاموا } من نومهم ويقال: ~~قاموا بإثبات الحجة ويقال: خرجوا من عند الملك { فقالوا ربنا ~~رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها } ~~أي: لم نقل من دون الله ربا وإن فعلنا { فقد قلنا إذا شططا } ~~أي: كذبا وجورا ويقال: شططا أي: علوا يقال: قد أشط إذا علا في القول ~~أي: جاوز الحد { هؤلاء قومنا اتخذوا } أي: عبدوا { من ~~دونه ءالهة لولا يأتون عليهم بسلطن بين } ~~يعني: (هلا يأتون بحجة بينة على عبادة آلهتهم) قوله تعالى: { فمن ~~أظلم ممن افترى } أي: اختلق { على الله كذبا } أن له ~~شريكا { وإذ اعتزلتموهم } يقول بعضهم لبعض: لو تركتموهم وما ~~يعبدون إلا الله يعني: لو تركتم ما يعبدون { وما يعبدون إلا ~~الله } ويقال: لو اعتزلتم عبادتهم إلا الله يعني: قولهم الله خالقنا ~~ويقال { وإذ اعتزلتموهم } هذا قولهم ثم قال حكاية عن قولهم: ~~فقال وما يعبدون إلا الله يعني: أصحاب الكهف { فأووا ~~إلى الكهف } أي: فارجعوا إلى الكهف ويقال: فادخلوا الكهف { ~~ينشر لكم ربكم من رحمته } أي: يهب لكم ربكم من نعمته ~~ويقال: يبسط لكم من رزقه { ويهيىء لكم من أمركم مرفقا ~~} أي: يجعل لكم من أمركم الذي وقعتم فيه ما يرفق بكم ويصلحكم ويقال: ~~مخرجا ونجاة { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم } أي: ms0979 تميل وتنحرف عن كهفهم { ذات اليمين وإذا ~~غربت تقرضهم } أي: تجاوزهم ويقال: تتركهم وتمر بهم وأصل القرض ~~القطع ومنه سمي المقراض { ذات الشمال } أي: شمال الكهف { وهم فى ~~فجوة منه } أي: في ناحية من الغار ويقال في متسع منه فأخبر أنه ~~بوأهم كهفا مستقبلا بنات نعش والشمس تميل عنه وتستدير طالعة وغاربة ولا ~~تدخل عليهم فتؤذيهم ولا يلحقهم سمومها فيغير ألوانهم وأبدانهم وكانوا في ~~متسع منه ينالهم نسيم الريح وينفس عنهم غمة الغار وكربه الغمة الهواء ~~العفن ويجوز الرفع النصب { ذلك من آيت الله } أي: ذلك الخبر ~~والذكر ويقال ذلك الذي فعل بهم واختار لهم المكان الموافق من عجائب الله ~~ولطفه وكرمه { من يهد الله فهو المهتد } أي من يوفقه الله ~~للهدى فهو المهتدي { ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا } أي: موفقا يرشده إلى التوحيد قرأ نافع وابن عامر وعاصم في ~~رواية أبي بكر (من أمركم مرفقا) بنصب الميم وكسر الفاء ~~والباقون بكسر الميم ونصب الفاء (مرفقا) ومعناهما واحد وهو ما يرتفق ~~به وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (تزاور) بتشديد الزاي مع الألف ~~لأن أصله تتزاور أي: تميل فأدغم وشدد الزاي وقرأ ابن عامر (تزور) ~~بجزم الزاي وتشديد الراء ومعنى ذلك كله واحد وهو الميل (ويجوز الرفع ~~والنصب). ### || [18.18-21] # { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } لأن عيونهم مفتحة ويقال: ~~من كثرة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال { ونقلبهم ذات اليمين ~~وذات الشمال } وذلك أن جبريل عليه السلام كان يقلبهم في كل سنة مرة ~~لكيلا تأكل الأرض لحومهم وهو قول ابن عباس وقال مجاهد: مكثوا ثلاثمائة ~~عام على شق واحد وقلبوا في التسع سنين { وكلبهم بسط ~~ذراعيه بالوصيد } أي: مادا ذراعيه بفناء الباب { لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا } أي: لو هجمت ~~عليهم اليوم لأدبرت فرارا من هيئتهم وروى سعيد بن جابر عن ابن عباس أنه ~~قال: غزا معاوية غزوة نحو الروم فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف لو ~~كشفنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس قد منع الله ذلك عمن ms0980 هو خير ~~منك يعني: قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: { لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا } { ولملئت منهم رعبا } ~~فقال معاوية لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناسا فقال: اذهبوا فادخلوا ~~الكهف فلما ذهبوا ودخلوا بعث الله تعالى ريحا فأخرجتهم ثم قال تعالى: { ~~وكذلك بعثنهم } أي: أيقظناهم من نومهم جياعا كما رقدوا { ~~ليتساءلوا بينهم } أي: ليتحدثوا بينهم { قال قائل ~~منهم كم لبثتم } أي: كم مكثتم في نومكم { قالوا لبثنا ~~يوما } فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا: { أو بعض يوم قالوا ~~ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة } وروى مجاهد عن ابن عباس ~~قال: كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل قرأ ابن كثير ونافع (؛ ~~ولملئت) بتشديد اللام وهي لغة لبعض العرب وقرأ الباقون بالتخفيف ~~وهما لغتان وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بورقكم بجزم ~~الراء وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان { فلينظر أيها أزكى ~~طعاما } أي: أطيب خبزا أو أحل ذبيحة وهذا قول ابن عباس ويقال: أي ~~أهلها أزكى طعاما وقال عكرمة أي: أكثر وأرخص طعاما { فليأتكم ~~برزق منه } أي: بطعام منه ويقال: أزكى طعاما أي: لم ~~يكن غصبا ولا من جهة لا تحل { وليتلطف } أي: وليرفق في الشراء { ~~ولا يشعرن بكم أحدا } أي: لا يعلمن بمكانكم أحدا من ~~الناس { إنهم إن يظهروا عليكم } يعني: إن يطلعوا عليكم { ~~يرجموكم } أي: يقتلوكم { أو يعيدوكم فى ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا } أي: لن تفوزوا ولن تسعدوا إذا أبدا إن ~~عبدتم غير الله تعالى { وكذلك أعثرنا عليهم } يقول: ~~أطلعنا الملك عليهم قال القتبي: وأصله في اللغة أن من عثر بشيء نظر ~~إليه حتى يعرفه فاستعير العثار مكان التبين والظهور { ليعلموا ~~أن وعد الله حق } يعني: البعث بعد الموت وذلك أن القوم كانوا ~~مختلفين منهم من كان مقرا بالبعث ومنهم من كان جاحدا فلما ظهر حالهم ~~عرفوا أن البعث حق وأنه كائن { وأن الساعة لا ريب فيها ~~إذ يتنزعون بينهم أمرهم } يعني: إذ يختلفون فيما ~~بينهم وقال بعضهم: اختلفوا ms0981 فيما بينهم هو ما ذكر بعد هذا في عددهم وقال ~~بعضهم: اختلفوا فقال المؤمنون فيما بينهم نبني مسجدا وقالت النصارى نبني ~~كنيسة فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد فذلك قوله تعالى: { فقالوا ~~ابنوا عليهم بنينا } أي: مسجدا { ربهم أعلم ~~بهم } أي: عالم بهم { قال الذين غلبوا على أمرهم } ~~يعني: الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون { لنتخذن ~~عليهم مسجدا } قال الزجاج: فيه دليل أنه ظهر أمرهم وغلب الذين ~~أقروا بالبعث على غيرهم لأنهم اتخذوا مسجدا والمسجد يكون للمسلمين. ### || [18.22-24] # { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم } قال بعضهم: اختلفوا ~~في أمرهم في ذلك الوقت ويقال: هذا الاختلاف في زمن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أخبر الله تعالى نبيه أنه لو سأل أهل الكتاب يختلفون عليه فسألهم ~~فاختلفوا وذلك أن أهل نجران السيد والعاقب ومن معهما قدموا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فكان السيد صارما يعقوبيا والعاقب نسطوريا ~~وصنف منهم ملكانيا فسألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عدة أصحاب ~~الكهف فقال السيد وأصحابه ثلاثة رابعهم كلبهم { ويقولون } أي العاقب ~~وصحابه { خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب } أي: ~~ظنا بالغيب لا علم لهم { ويقولون } أي: صنف منهم { سبعة ~~وثامنهم كلبهم } قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم: ~~{ قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل } ~~وهذا إخبار من الله أن عدتهم سبعة قال ابن عباس وفي رواية أخرى أنه قال: ~~أظن القوم كانوا ثلاثة قال واحد منهم كم لبثتم. فقال الثاني لبثنا يوما ~~أو بعض يوم فقال الثالث ربكم أعلم بما لبثتم وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~إنهم سبعة وذكر أسماءهم فقال مكسلينا وهو أكبرهم وتمليخا ومطرونس ~~وسارينوس ونوانس وكشطود وبيونس وبطنبور وليونس وذكر في رواية وهب أسماؤهم ~~بخلاف هذا إلا تميلخا فقد اتفقوا على اسمه وقال ابن عباس: كان اسم الكلب ~~قطمير وقال سعيد بن جبير: كان اسمه فرفدين ويقال: كان لونه خليج ويقال: ~~كان لونه غلبة بالفارسية ومعناه بالعربية أبلق وقال بعض المحدثين إن كلب ~~أهل الكهف يكون معهم ms0982 في الجنة وقال بعضهم يصير ترابا مثل سائر الحيوانات ~~وإنما الجنة للمؤمنين خاصة ثم قال عز وجل { فلا تمار فيهم إلا ~~مرآء ظهرا } قال قتادة فلا تمار يقول: حسبك ما أعلمناك من خبرهم ~~{ ولا تستفت فيهم منهم أحدا } أي: لا تسأل عن أصحاب ~~الكهف من النصارى أحدا { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذلك ~~غدا إلا أن يشاء الله } يعني: إلا أن تستثني فتقول: إن شاء ~~الله { واذكر ربك إذا نسيت } يعني: إذا نسيت الاستثناء ~~فاذكرها بعد ما ذكرت واستثن وهذا في غير اليمين وأما في اليمين فاتفق ~~الفقهاء من أهل الفتوى أن الاستثناء لا يكون موصولا إلا رواية عن ابن ~~عباس روى عنه مجاهد قال: يستثني الرجل في يمينه متى ذكر ثم قرأ (واذكر ~~ربك إذا نسيت) وهذه الرواية غير مأخوذة وروى أبو هريرة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " كان لسليمان بن داود مائة امرأة فقال لأطوفن ~~الليلة عليهن جميعا وكل امرأة تأتي بغلام ~~يقاتل في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله ~~فلم تأت واحدة منهن بشيء إلا امرأة واحدة ~~أتت بشق غلام فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله ~~لولد له ذلك وكان دركا له في حاجته " # ثم قال تعالى: { وقل عسى أن يهدينى ربى } أي: يرشدني { ~~لأقرب } أي: لأسرع { من هذا } الميعاد الذي وعدت لكم { رشدا ~~} أي: صوابا وهذا قول مقاتل وقال الزجاج: معناه عسى ربي أن يعطيني من ~~الآيات والدلائل على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل على قصة أصحاب ~~الكهف قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (أن يهديني) بالياء عند الوصل ~~وقرأ الباقون بحذف الياء. ### || [18.25-28] # { ولبثوا فى كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا } قرأ حمزة والكسائي ثلاث مائة بكسر الهاء بغير تنوين على ~~معنى الإضافة وقرأ الباقون بالتنوين { له غيب السموات ~~والأرض } أي: عالم بما لبثوا في رقودهم وقال الكلبي { أبصر به ~~وأسمع } أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم { ما ms0983 لهم من ~~دونه من ولى } أي: أصحاب الكهف { ولا يشرك فى حكمه ~~أحدا } قرأ ابن عامر ولا تشرك بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون ~~بالياء ومعناه أنه قد جرى ذكر علمه وقدرته وأعلم أنه لا يشرك في حكمه ~~أحدا كما قال: # علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى # [الجن: 26- 27] ومن قرأ بالتاء يقول لا تنسبن أحدا إلى عالم الغيب ~~ومعناه أنه لا يجوز لأحد أن يحكم بين رجلين بغير حكم الله فيما حكم أو دل ~~عليه حكم الله فليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه. { واتل ما أوحى ~~إليك } يقول: اقرأ عليهم الذي أنزل إليك { من كتب ربك } ~~يعني: القرآن { لا مبدل لكلمته } يقول: لا مغير لنزول ~~القرآن ولا خلف له ويقال: ولا ينقص منه ولا يزاد فيه { ولن تجد من ~~دونه ملتحدا } أي: لا ملجأ يمنعك منه ويقال ملتحدا أي مانعا ~~يمنعك ويقال: معدلا وإنما سمي اللحد لحدا لأنه في ناحية ويقال: معناه: ~~وإن زدت فيه أو نقصت منه لن تجد من عذابه ملجأ { واصبر نفسك } ~~يقول: واحبس نفسك { مع الذين يدعون ربهم } أي: يصلون لله ~~تعالى { بالغداة والعشى } يعني: الصلوات الخمس قال ابن عباس: ~~نزلت الآية في سلمان وصهيب وعمار بن ياسر وخباب بن الأرت وعامر بن فهيرة ~~ونحوهم من الفقراء قالوا بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس ذات ~~يوم عنده سلمان على بساط منسق بالخوص أي منسوجا إذ دخل عليه عيينة بن ~~حصن الفزاري فجعل يدفعه بمرفقه وينحيه حتى أخرجه من البساط وكان على ~~سلمان شملة قد عرق فيها فقال عيينة: إن لنا شرفا فإذا دخلنا عليك ~~فأخرج هذا واضربه فوالله إنه ليؤذيني ريحه أما يؤذيك ريحه؟ فإذا خرجنا من ~~عندك فأدخلهم وأذن لهم بالدخول إن بدا لك أن يدخلوا عليك أو اجعل لنا ~~مجلسا (ولهم مجلسا) فنزل: { واصبر نفسك... } إلى { يريدون ~~وجهه } أي: يطلبون رضاه { ولا تعد عيناك عنهم } أي: لا ~~يتجاوزهم (إلى زينة الحياة الدنيا) ويقال: لا تحتقرهم ولا تزدريهم ms0984 { ~~تريد زينة الحيوة الدنيا } أي: ما قال عيينة بن حصن ~~الفزاري وأمثاله { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~} أي: عن القرآن { واتبع هواه } في عبادة الأصنام { وكان ~~أمره فرطا } أي: ضياعا وقال السدي: هلاكا قال أبو عبيدة: ندما ~~وقال القتبي: أصله من العجلة والسبق قال المفسرون: أي: سرفا وقال ~~الزجاج: تفريطا وهو العجز. ### || [18.29-31] # ثم قال تعالى: { وقل الحق من ربكم } أي: القرآن يعني الذي ~~أعطاكم به الحق من ربكم وهو قول (لا إله إلا الله يعني: ادعهم إلى الحق) ~~{ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } أي: من شاء فليقل لا ~~إله إلا الله ويقال: معناه: من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء الله ~~له الكفر كفر ويقال فمن شاء فليؤمن من لفظه لفظ المشيئة والمراد به الأمر ~~يعني: آمنوا ومن شاء فليكفر لفظه لفظ المشيئة والمراد به الخبر ومعناه: ~~ومن كفر { إنا أعتدنا للظالمين نارا } يعني: للكافرين { ~~أحاط بهم سرادقها } يعني: أن دخانها محيط بالكافرين قال ~~الكلبي، ومقاتل: يخرج عنق من النار فيحيط بهم كالحظيرة { وإن ~~يستغيثوا } من العطش { يغاثوا بماء كالمهل } أي: أسود ~~غليظا كرديء الزيت وهذا قول الكلبي والسدي وابن جبير وروى عكرمة عن ابن ~~عباس مثله ويقال: هو الصفر المذاب أو النحاس المذاب إذ بلغ غايته في الحر ~~وروى الضحاك عن ابن مسعود: أنه أذاب فضة من بيت المال ثم بعث إلى أهل ~~المسجد وقال من أحب أن ينظر إلى المهل فلينظر إلى هذا وقال مجاهد: المهل ~~القيح والدم الأسود كعكر الزيت { يشوى الوجوه } يعني: إذا هوى به ~~إلى فيه أنضج وجهه { بئس الشراب } المهل { وساءت مرتفقا } ~~يقول: بئس المنزل النار رفقاؤهم فيها الشياطين والكفار { وساءت ~~مرتفقا } أي: مجلسا وأصل الارتفاق الاتكاء على المرفق { إن ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا } أي: لا نبطل ثواب من أحسن عملا في ~~الآخرة ثم بين ثوابهم فقال: { أولئك لهم جنات عدن } ~~العدن الإقامة ويقال: العدن بطنان الجنة وهي وسطها { تجرى من ~~تحتهم ms0985 الأنهر يحلون فيها من أساور من ذهب ~~ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق } السندس: ~~ما لطف من الديباج والاسبرق ما ثخن من الديباج وقال القتبي: يقول قوم: هو ~~فارس معرب أصله إستبرك وقال الزجاج في قوله { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت }: يجوز أن يكون خبره { إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا } كأنه يقول: إنا لا نضيع أجرهم ويحتمل أن ~~يكون الجواب قوله: { أولئك لهم جنات عدن } ويجوز أن يكون ~~جوابه لم يذكر وقد بين ثواب من أحسن عملا في موضع آخر وهو قوله { ~~منهم مغفرة وأجرا عظيما } وقوله: { أساور } جمع ~~أسورة واحدها سوار والأسورة جمع الجمع { متكئين فيها على ~~الأرائك } أي: على السرر في الحجال ولا يكون أريكة إلا إذا اجتمعا ~~على والحجلة { نعم الثواب } الجنة { وحسنت مرتفقا } أي: ~~منزلا في الجنة قرناؤهم الأنبياء والصالحون. ### || [18.32-34] # { واضرب لهم مثلا رجلين } أي: صف لأهل مكة صفة رجلين ~~أخوين من بني مخزوم أحدهما مؤمن واسمه أبو مسلمة بن عبد الأسد والآخر ~~كافر ويقال له: أسود بن عبد الأسد وهما من هذه الأمة وآخرين أيضا من بني ~~إسرائيل مؤمن وكافر فالمؤمن اسمه تمليخا ويقال: يهودا والكافر اسمه أبو ~~قطروس هكذا روي عن ابن عباس ويقال: هذا المثل لجميع من آمن بالله وجميع ~~من كفر به وروي عن ابن مسعود أنه قال: كانا مشركين من بني إسرائيل ~~أحدهما مؤمن والآخر كافر فاقتسما فأصاب كل واحد منهما أربعين ألف درهم ~~وروي عن ابن عباس أنه قال كانا أخوين ورث كل واحد منهما من أبيه أربعة ~~آلاف دينار فالكافر أنفق ماله في زينة الدنيا نحو شراء المنازل والخدم ~~والحيوان وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله تعالى وتصدق على الفقراء ~~والمساكين وذلك قوله تعالى: { جعلنا لأحدهما جنتين من ~~أعنب } أي: بساتين قال السدي: كان بستانا واحدا عليه جرار واحد ~~وكان في وسطه نهر فلذلك قال جنتين لمكان النهر الذي بينهما وسماه جنة ~~للمكان الدائر الذي عليه { وحففناهما بنخل } يعني: الجنتين ثم ~~قال { وجعلنا بينهما زرعا } أي:مزرعا ms0986 يقال: كان حول ~~البستان نخيل وأشجار وداخل الأشجار كروم وداخل الكروم موضع الزرع والرطاب ~~ونحو ذلك { كلتا الجنتين اتت أكلها } أي: أعطت وأخرجت ~~حملها وثمارها { ولم تظلم منه شيئا } أي: لم تنقص من ثمر ~~الجنتين شيئا وقال الزجاج: كلتا الجنتين آتت لأن لفظ كلتا واحد والمعنى: ~~أن كل واحدة منهما آتت أكلها يعني: أعطت (وأخرجت حملها. ~~وثمرتها ولم تظلم منه شيئا) يعني: لم ينقص من ثمر ~~الجنتين شيئا ولو قال: أتت لكان جائزا { وفجرنا خللهما } ~~أي: أجرينا وسطها { نهرا } والنهر بنصب الهاء والجزم بمعنى واحد في ~~اللغة إلا أن قراءة النصب أصح { وكان له ثمر } قرأ أبو عمرو ~~(ثمر) بضم الثاء وجزم الميم وقرأ الباقون غير عاصم بضم الثاء والميم ~~ومعناهما واحد وقرأ عاصم بنصب الثاء والميم فمن قرأ بالنصب فهو ما يخرج ~~من الشجر ومن قرأ بالضم فهو المال يقال: قد أثمر فلان مالا ويقال: الثمر ~~جمع ثمار ويقال: ثمرة وثمار وجمع الثمار ثمر { فقال لصحبه } ~~يعني: قال الكافر للمؤمن { وهو يحوره } أي: يفاخره ويراجعه ~~وذلك أن أخاه احتاج فأتاه يسأله منه شيئا فلم يعطه شيئا وعاتبه بدفع ~~ماله وذلك قوله تعالى: { فقال لصحبه وهو يحاوره } { ~~أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } يعني: وأكثر خدما. ### || [18.35-42] # { ودخل جنته } وهو آخذ بيد أخيه المسلم { وهو ظالم ~~لنفسه } بالشرك فمن كفر بالله فهو ظالم نفسه لأنه أوجب لها العذاب ~~الدائم { قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا } لأن أخاه ~~المؤمن عرض عليه الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر فأجابه الكافر { ~~فقال ما أظن أن تبيد هذه أبدا } يعني: لن تفنى هذه ~~أبدا { وما أظن الساعة قائمة } أي: كائنة { ولئن ~~رددت إلى ربى } أي: إن كان الأمر كما يقول ورجعت إلى ربي في ~~الآخرة { لأجدن خيرا منها منقلبا } في الآخرة أي: مرجعا ~~قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر (خيرا منهما) لأنها كناية عن ~~الجنتين وقرأ الباقون (منها) لأنه كناية عن قوله { ودخل جنته } ~~{ قال له صحبه } أي: أخاه المسلم { وهو يحوره } أي: ~~يكلمه ms0987 ويعظه في الله تعالى: { أكفرت بالذى خلقك من تراب ~~} يعني: آدم عليه السلام { ثم من نطفة ثم سواك رجلا } ~~يعني: خلقك معتدل قوله: { لكنا هو الله ربى } قرأ ابن عامر ~~ونافع في إحدى الروايتين (لكنا) بالألف وتشديد النون لأن أصله لكن ~~أنا فأدغم فيه وقرأ الباقون لكن وفي مصحف الإمام (لكن أنا هو ~~لله ربي) فهذا هو الأصل في اللغة ومعناه لكن أنا أقول هو الله ربي ~~{ ولا أشرك بربى أحدا ولولا إذ دخلت جنتك } ~~يقول فهلا إذ دخلت بستانك { قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله } يعني: بقوة الله أعطانيها لا بقوتي وروي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " من أعطي خيرا من أهل أو مال فيقول عند ~~ذلك ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم ير فيه ما ~~يكره " # { إن ترن } يعني إن رأيتني { أنا أقل منك مالا وولدا ~~} في الدنيا { فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك } هذه ~~في الآخرة { ويرسل عليها } أي: على جنتك { حسبانا من ~~السماء } أي: نارا من السماء وهذا قول الكلبي أيضا ومقاتل وقال ~~القتبي: (حسبانا) أي: مرامي واحدها حسبانة وقال الزجاج: الحسبان أصله ~~الحساب كقوله # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] أي: بحساب وهكذا قال هنا حسبانا أي: حسابا بما كسبت يداك ~~وقال بعض أهل اللغة الحسبان في اللغة سهم فارق وهو ما يرقي به ثم قال: { ~~فتصبح صعيدا زلقا } أي: فتصير ترابا أملس لا نبات فيها { ~~أو يصبح ماؤها غورا } أي: غائرا يقال: غار ماؤها فلم يقدر ~~عليه { فلن تستطيع له طلبا } أي: حيلة { وأحيط ~~بثمره } أي: فأهلك جميع ماله والاختلاف في الثمر كما ذكرنا { ~~فأصبح يقلب كفيه } أي: يصفق يده على الأخرى ندامة { على ~~ما أنفق فيها } من المال { وهى خاوية على عروشها } ~~أي: ساقطة على سقوفها { ويقول } في الآخرة { يليتنى لم ~~أشرك بربى أحدا } في الدنيا. ### || [18.43-45] # { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله } أي: جندا ~~وقوما وأعوانا يمنعونه من عذاب الله { وما كان منتصرا ms0988 } أي: ~~ممتنعا هو بنفسه قرأ حمزة والكسائي (ولم يكن) بالياء بلفظ التذكير ~~وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث وقال الزجاج: لو قال نصره لجاز وإنما ~~ينصره على المعنى أي: أقواما ينصرونه { هنالك الولية لله ~~الحق } أي: عند ذلك وهو يوم القيامة يعني السلطان والحكم لله لا ~~ينازعه أحد في ملكه يومئذ وهذا كقوله: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19] فمن قرأ الحق بكسر القاف جعله نعتا لله ومن قرأ بالضم ~~جعله نعتا للولاية قرأ حمزة (هنالك الولاية) بكسر الواو وضم ~~القاف وقرأ الباقون (الولاية لله الحق) وقال بعضهم: الولاية ~~بالكسر والنصب لغتان وقيل بالكسر مصدر الوالي يقال: والي بين الولاية ~~وبالنصب مصدر الولي بين الولاية { هو خير ثوابا } أي: خير من ~~أثاب العبد { وخير عقبا } أي: خير من أعقب قرأ حمزة وعاصم ~~(عقبا) بجزم القاف وقرأ الباقون بضم القاف ومعناهما واحد وهو العاقبة ~~فبين الله تعالى حال الأخوين في الدنيا وبين حالهما في الآخرة في سورة ~~الصافات في قوله تعالى # قال قآئل منهم إنى كان لى قرين... # [الصافات: 51] إلى قوله # فى سوآء الجحيم # [الصافات: 55] ثم قال { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا ~~} أي: للمشركين شبه ما في الدنيا من الزينة والزهرة { كماء ~~أنزلناه من السماء } وهو المطر { فاختلط به نبات ~~الأرض } أي: اختلط الماء بالنبات لأن الماء إذا دخل في الأرض ينبت به ~~النبات فكأنه اختلط به { فأصبح هشيما تذروه الرياح } وفي ~~الآية مضمر ومعناه فاختلط الماء بنبات الأرض فنبت وحسن حتى إذا بلغ أرسل ~~الله آفة فأيبسته فصار هشيما أي: صار يابسا متكسرا بعد حسنه قال ~~القتبي: وأصله من هشمت الشيء إذا كسرته ومنه سمي الرجل هاشما { ~~تذروه الرياح } أي: ذرته الرياح كالرماد ولم يبق منه شيء فكذلك ~~الدنيا في فنائها وزوالها تهلك إذا جاءت الآخرة وما فيها من الزهرة { ~~وكان الله على كل شىء مقتدرا } أي: قادرا من البعث ~~وغيره قرأ حمزة والكسائي الريح بلفظ الوحدان وقرأ الباقون الرياح بلفظ ~~الجماعة. ### || [18.46-48] # { المال والبنون زينة الحيوة الدنيا } أي: غرورا ~~لا يبقى كما ms0989 لا يبقى الهشيم حين ذرته الريح وإنما يبقى في الآخرة { ~~والبقيات الصلحات } أي: الصلوات الخمس هكذا روي عن أبي ~~الهيثم ومسروق وقال مسروق: الباقيات الصالحات هي الخمس صلوات وهي الحسنات ~~يذهبن السيئات وكذلك قال ابن أبي مليكة وروى سفيان الثوري عن منصور عن ~~مجاهد في قوله: { والبقيات الصلحات } قال: سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وروي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه # " (خرج على قومه وقال خذوا جنتكم قالوا يا ~~رسول الله أمن عدوه حضر قال لا بل من النار قالوا ~~وما جنتنا من النار قال سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر) " # ويقال: كل طاعة يبقى ثوابها فهي الباقيات الصالحات الصلاة والصدقة ~~والتسبيح وجميع الطاعات { خير عند ربك ثوابا وخير أملا ~~} أي: خير من هذه الزينة والغرور عند الله تعالى وخير ما يثبت الله العبد ~~وخير أملا أي خير ما يوصل العبد الصلاة والتسبيح أي أفضل رجاء مما يرجو ~~الكافر لأن ثواب الكافر النار ومرجعه إلى النار { ويوم نسير ~~الجبال } أي: نزيلها عن وجه الأرض ونسيرها كما نسير السحاب كقوله: # وهى تمر مر السحاب # [النمل: 88] { وترى الأرض بارزة } أي: ظاهرة من تحت الجبال ~~ويقال بارزة أي خالية مما فيها من الكنوز والأموات كما قال { وألقت ~~ما فيها وتخلت } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (ويوم ~~تسير الجبال) بالتاء مع الضمة ونصب الياء وضم اللام على معنى ~~فعل ما لم يسم فاعله وقرأ الباقون نسير بالنون ونصب اللام كما قال: { ~~وحشرنهم فلم نغادر منهم أحدا } أي: لم نترك منهم ~~أحدا ولا نخلف منهم أحدا { وعرضوا على ربك صفا } يقول: ~~جميعا كقوله: # ثم ائتوا صفا # [طه: 64] أي: جميعا يقول الله تعالى ذكره: { لقد جئتمونا } ~~فرادى: عراة حفاة { كما خلقنكم أول مرة } بلا أهل ولا ~~مال { بل زعمتم } أي: قد قلتم في الدنيا { أن لن نجعل ~~لكم موعدا } أي: لن نبعثكم في الآخرة. ### || [18.49-50] # { ووضع الكتب } أي: وضع كتاب كل امرىء منهم ms0990 بيمينه أو بشماله ~~{ فترى المجرمين } أي: المشركين والمنافقين والعاصين { ~~مشفقين مما فيه } أي: خائفين مما في الكتاب من الإحصاء { ~~ويقولون يويلتنا } يا ندامتنا { مال هذا الكتب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة } يعني: الزلل والكبائر ويقال ~~تبسما وضحكا { إلا أحصاها } يقول: حفظها عليهم { ووجدوا ~~ما عملوا } في الكتاب { حاضرا } من خير أو شر مكتوبا { ولا ~~يظلم ربك أحدا } أي: لا ينقص من ثواب أعمالهم ولا يزيد في ~~سيآتهم { وإذ قلنا للملئكة } الذين كانوا في الأرض مع ~~إبليس { اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من ~~الجن } قال بعضهم: كان أصله من الجن فلحق بالملائكة وجعل يتعبد معهم ~~وقال مقاتل: كان من الجن وهو جنس من الملائكة يقال لهم: الجن روي عن ابن ~~عباس أنه كان من الملائكة الذين هم خزان الجنان ويقال كان من الجن أي صار ~~من الجن كقوله # فكان من المغرقين # [هود: 43] { ففسق عن أمر ربه } أي: تعظم من طاعة ربه وخرج ~~عن طريق ربه يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها { أفتتخذونه ~~وذريته أولياء من دونى } أفتطيعونه وتتركون أمر الله { ~~وهم لكم عدو } أي: أعداء كقوله # هم العدو فاحذرهم # [المنافقون: 4] { بئس للظلمين بدلا } أي: بئس ما استبدلوا ~~عبادة الشيطان بعبادة الله ويقال: بئس ما استبدلوا بولاية الله تعالى ~~ولاية الشيطان. ### || [18.51-56] # ثم قال: { ما أشهدتهم خلق السموات والأرض } أي: ~~ما استعنت بهم على خلق السموات والأرض يعني إبليس وذريته { ولا خلق ~~أنفسهم } أي: ولا استعنت بهم على خلق { وما كنت متخذ ~~المضلين } أي ما كنت أتخذ الذين يضلون الناس عرفا يعني: الشياطين { ~~عضدا ويوم يقول نادوا شركائى } أي: لعباد الأوثان وهو ~~يوم القيامة نادوا شركائي أي: ادعوا آلهتكم { الذين زعمتم } في ~~الدنيا أنهم لي شركاء ليمنعوكم مني من عذابي { فدعوهم } يعني ~~الآلهة { فلم يستجيبوا لهم } أي: لم يجيبوهم { وجعلنا ~~بينهم موبقا } قال مجاهد: واد في جهنم وهكذا قال مقاتل وقال ~~القتبي: أي: مهلكا بينهم وبين آلهتهم في جهنم ومنه يقال أوبقته ذنوبه ~~ويقال موعدا وقال الزجاج: وجعلنا بينهم من ms0991 العذاب ما يوبقهم أي وجعلنا ~~بينهم وبين شركائهم الذين أضلوهم موبقا أي مهلكا. قرأ حمزة ويوم ~~(نقول) بالنون وقرأ الباقون بالياء { ورأى المجرمون النار ~~} أي: رآها المشركون من مكان بعيد { فظنوا } أي: علموا واستيقنوا { ~~أنهم مواقعوها } أي: داخلوها { ولم يجدوا عنها ~~مصرفا } أي: معدلا ولا ملجأ ولا مفرا يرجعون إليه { ولقد ~~صرفنا } أي: بينا { فى هذا القرءان للناس من كل ~~مثل } أي: من كل وجه ونوع ليتعظوا فلم يتعظوا ويقال: بينا من كل وجه ~~يحتاجون إليه { وكان الإنسن أكثر شىء جدلا } من أمر ~~الباطل يعني من أمر البعث مثل أبي بن خلف وأصحابه قال الفقيه: حدثنا ~~الخليل بن أحمد قال: حدثنا يحيى بن محمد الصاعد قال: حدثنا العباس بن ~~محمد الدوري قال: حدثنا محمد بن بشر قال للحجاج بن دينار: قال عن أبي ~~غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " # والدليل على أن الإنسان أراد به الكافر ما قال في سياق الآية { ~~ويجدل الذين كفروا بالبطل... } الآية ثم قال: { ~~وما منع الناس أن يؤمنوا } يقول: لم يمنع المشركون أن ~~يصدقوا { إذ جاءهم الهدى } يعني: الرسول والكتاب والدلائل ~~والحجج قوله: { ويستغفروا ربهم } أي: وما منعهم من ~~الاستغفار والرجوع عن شركهم { إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين } أي: عذاب الأمم الخالية { أو يأتيهم العذاب ~~قبلا } أي: عيانا بالسيف قرأ عاصم وحمزة والكسائي (قبلا) بضم ~~القاف والباء وقرأ الباقون بكسر القاف ونصب الباء فمن قرأ بالضم فهو ~~بمعنى فعل من قبل أي مما يقابلهم ويجوز أن يكون جمع قبيل هو أن يأتيهم ~~العذاب أنواعا ومن قرأ بالكسر معناه: عيانا { وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين } أي: للمؤمنين بالجنة { ومنذرين ~~} أي: للكافرين بالنار { ويجدل الذين كفروا بالبطل ~~} أي: يخاصموا بالباطل { ليدحضوا به } أي: ليزيلوا ويذهبوا به { ~~الحق } ومنه يقال: (حجة داحضة إذا زالت عن الحجة وقال مقاتل: ~~ليدحضوا به أي: ليبطلوا به الحق يعني القرآن والإسلام يعني يريدون أن ~~يفعلوا إن ms0992 قدروا عليه { واتخذوا ءايتى } يعني: القرآن { وما ~~أنذروا } أي: وما خوفوا به { هزوا } أي: سخرية. ### || [18.57-59] # { ومن أظلم } أي: فلا أحد أظلم ويقال: أشد في كفره { ممن ~~ذكر بئايت ربه } أي: وعظ بالقرآن { فأعرض عنها } ~~يقول فكذب بها ولم يؤمن بها { ونسى ما قدمت يداه } أي: نسي ~~ذنوبه التي أسلفها { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } أي ~~جعلنا أعمالهم على قلوبهم أكنة { أن يفقهوه } أي: لكيلا يعرفوه ولا ~~يفهموه { وفي آذانهم وقرا } أي: صمما وثقلا مجازاة لكفرهم { ~~وإن تدعهم إلى الهدى } أي: إلى الإسلام { فلن ~~يهتدوا } أي: لن يؤمنوا { إذا أبدا وربك الغفور } أي: ~~المتجاوز إن رجعوا { ذو الرحمة } أي: بتأخير العذاب عنهم { لو ~~يؤاخذهم بما كسبوا } أي: لو يعاقبهم بكفرهم { لعجل ~~لهم العذاب } في الدنيا { بل لهم موعد } أي: أجلا { ~~لن يجدوا من دونه موئلا } أي: ملجأ يلجأون إليه ولا منجا ~~منه { وتلك القرى } أي: أهلها يعني { أهلكنهم لما ~~ظلموا } يعني: القرون الماضية حين أقاموا وثبتوا على كفرهم { ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي: لهلاكهم أجلا يهلكون فيه ~~قرأ عاصم في رواية أبي بكر (لمهلكهم) بنصب الميم واللام وقرأ عاصم في ~~رواية حفص بنصب الميم وكسر اللام وقرأ الباقون بضم الميم ونصب اللام ~~ومعنى ذلك كله واحد قال الزجاج: يكون للمصدر ويجوز للوقت وإن كان مصدرا ~~فمعناه: جعلنا لوقت هلاكهم أجلا. ### || [18.60-65] # { وإذ قال موسى لفته } أي: لتلميذه وهو يوشع بن نون وقال ~~أهل الكتاب إنما هو موسى بن إفراتيم ابن يوسف بن يعقوب وذكر عن القتبي ~~أنه قال: زعم أهل التوراة أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب وقال عامة ~~المفسرين: هو موسى بن عمران الذي هو أخي هارون قال الفقيه رضي الله عنه: ~~حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا أبو العباس قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: ~~حدثنا أبو المغيرة قال: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله بن منبه ~~أن ابن عباس تمارى هو وقيس وجبر بن قيس الفزاري في صاحب موسى الذي سأل ~~موسى السبيل إليه قال ms0993 ابن عباس هو الخضر إذ مر أبي بن كعب فناداه ابن ~~عباس فقال تماريت أنا وهذا في صاحب موسى فقال سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # " بينا موسى في ملأ بني إسرائيل إذ قام إليه رجل فقال: هل تعلم أحدا ~~أعلم منك فقال لا فأوحى الله إليه بل عبدي الخضر فسأل موسى السبيل إلى ~~لقائه فجعل الله له الحوت آية فقال إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ~~فكان من شأنهما ما قص الله تعالى في القرآن " # وروى سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوف البكالي زعم أن موسى نبي ~~بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر فقال ابن عباس كذب عدو الله أخبرنا ~~أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " قام موسى خطيبا في بني إسرائيل " # وذكر نحو الحديث الأول وروى أسباط عن السدي قال بلغنا أن موسى بن عمران ~~نبي الله خطب خطبة فأبلغ فيها فدخله بعض العجب وتعجبت بنو إسرائيل ~~لبلاغته فقالوا يا نبي الله هل تعلم أحدا أبلغ منك فأوحى الله تعالى ~~إليه أن لي عبدا في الأرض هو أعلم منك فاطلبه قال وما علامته قال: تنطلق ~~معك بزاد فإذا تعبت في سفرك أي أعييت وفقدت زادك فعند ذلك تلقاه فانطلق ~~موسى وفتاه يوشع بن نون وحملا معهما خبزا وحوتا فذلك قوله تعالى: { ~~وإذ قال موسى لفته لا أبرح } قال الكلبي: وإنما سماه ~~موسى فتى لأنه كان يخدمه ويتبعه ويتعلم منه وكان يوشع من أشراف بني ~~إسرائيل وهو الذي استخلفه موسى على بني إسرائيل وقال مقاتل: كان فتاه ~~يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى من سبط يوسف { لا أبرح حتى ~~أبلغ مجمع البحرين } أي: بحر الملح وهو بحر فارس وبحر ~~الروم والبحر العذب وقد قيل: معناه: آتي الموضع الذي يجتمع فيه بين ~~العالمين يعني: موسى والخضر وهما بحران في العلم والتفسير الأول أصح لأنه ~~ذكر بعد هذا حديث البحر { أو أمضى حقبا } أي: زمانا ودهرا ~~وقال الكلبي: الحقب الواحد ms0994 ثمانون سنة { فلما بلغا مجمع ~~بينهما } أي: موسى ويوشع بن نون مجمع البحرين جلسا على شاطيء البحر ~~فأصابا من طعامهما ونام موسى وجعل يوشع يتوضأ من عين على شاطىء البحر ~~فانتضح من ذلك الماء على الحوت المالح فحيي فعاش الحوت وكانت تلك العين ~~عين الحياة لا تصيب شيئا إلا عاش فوثب الحوت في الماء فجعل الحوت يضرب ~~بذنبه في الماء فلا يضرب في ذنبه في الماء إلا ينسى فأراد يوشع أن يخبر ~~موسى بذلك فلما استيقظ موسى نسي يوشع أن يخبر موسى فذلك قوله { نسيا ~~حوتهما } يعني: أن يوشع نسي أن يخبر موسى عن خبر الحوت { فاتخذ ~~سبيله فى البحر سربا } قال الفراء: أي أخذ طريقه يبسا وقال ~~القتبي: اتخذ طريقه في البحر مذهبا ومسلكا فذهبا عن ذلك الموضع في ~~غدوتهما حتى أصابهما التعب ولم ينصب موسى في سفره وحتى كان يومئذ فنصب ~~فقال لفتاه يوشع قوله { فلما جاوزا قال لفته } يوشع { ~~آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال } ~~أي: مشقة وتعبا { قال } يوشع لموسى { أرأيت إذ أوينا إلى ~~الصخرة } أي حين نزلنا عند الصخرة { فإنى نسيت الحوت } ~~يقول: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت { وما أنسانيه إلا ~~الشيطن أن أذكره } لك وأمره { واتخذ سبيله فى ~~البحر } أي طريقه { عجبا } قال بعضهم: (عجبا) هو من كلام موسى ~~وقال بعضهم: من كلام يوشع قال عجبا وذلك أن يوشع لما أخبره فقال موسى ~~عجبا فكأنه من أعجب عجبا وقال بعضهم: هو كلام يوشع (قال اتخذ ~~سبيله في البحر عجبا) وذلك حين يبس له الماء وأثره في الماء ~~{ قال } موسى { ذلك ما كنا نبغ } أي نطلب من حاجتنا { ~~فارتدا } أي: رجعا { على ءاثارهما قصصا } يقتصان أثر ~~طريقهما من جاء فيه وإنما سمي قاصا لأنه يقص الأثر الأمم ومعناه أنهما ~~رجعا في الطريق الذي سلكاه فلما انتهيا إلى الصخرة حيث قام الحوت أراه ~~يوشع مكان الحوت وأثره في الماء فعجب موسى من أثره فأبصر رجلا عند ~~الصخرة قائما يصلي وعليه مدرعة صوف ms0995 وكساء صوف فلما فرغ من صلاته قال ~~موسى: السلام عليك فقال وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل قال: ومن أخبرك ~~أني نبي بني إسرائيل قال: أخبرني الذي أخبرك بمكاني فذلك قوله { ~~فوجدا عبدا من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا } ~~أي: أعطيناه النبوة { وعلمناه من لدنا علما } أي: علم ~~بعض الكوائن روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة الخضر في ~~بعض الأخبار فقال # " كان ابن ملك من الملوك فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده فلم يقبل وهرب ~~منه ولحق بجزائر البحر فطلبه أبوه فلم يقدر عليه ". ### || [18.66-71] # { قال له موسى هل أتبعك } أي: أصحبك { على أن ~~تعلمن مما علمت رشدا } أي: هدى وصوابا قرأ أبو عمرو ~~وابن عامر رشدا بالنصب وقرأ الباقون بالضم عن عاصم ونافع ومعناهما ~~واحد فقال له الخضر إن لك فيما في التوراة كفاية من طلب العلم في بني ~~إسرائيل وفضل أنت سترى مني أشياء تنكرها ولا ينبغي للرجل الصالح أن يرى ~~شيئا منكرا لا يغيره فذلك قوله تعالى: { قال إنك لن تستطيع ~~معى صبرا } يعني: إنك ترى مني أشياء لا تصبر عليها { وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } أي: ما لم تعلم به علما ~~ويقال: معناه: كيف تصبر على ما ظاهره منكر { قال } موسى { ستجدنى ~~إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا } أي: لا أترك أمرك ~~فيما أمرتني { قال } الخضر { فإن اتبعتنى } أي: صحبتني { ~~فلا تسألنى عن شىء } فعلت { حتى أحدث لك منه ~~ذكرا } أي: حتى أخبرك منه خبرا يعني: إن أنكرته فلا تعجل علي ~~بالمسألة فأمر موسى يوشع أن يرجع إلى بني إسرائيل وأقام موسى مع الخضر ~~قرأ نافع (فلا تسألني) بتشديد النون مع إثبات الياء والتقدير ~~للتأكيد للنهي وقرأ ابن عامر (فلا تسألن) بتشديد النون بغير ياء ~~لأن الكسرة تدل عليه وقرأ الباقون (فلا تسألني) بالتخفيف وإثبات ~~الياء وقرأ بعضهم بالتخفيف بغيره { فانطلقا } يعني: موسى والخضر وذلك ~~أن موسى رد يوشع إلى بني إسرائيل وذهب موسى مع الخضر { حتى ms0996 إذا ~~ركبا فى السفينة } وذلك أنهما لما أتيا السفينة: قال أهل ~~السفينة: لا يدخل علينا هذان الرجلان فإنا لا نعرفهما ونخاف على متاعنا ~~منهما فقال الملاح بل سيماهما سيما الزهاد فحملهما في السفينة بغير نول ~~أي مجانا فأخذ الخضر فأسا لما ركب السفينة وجعل يثقب السفينة ويخرقها ~~فقال أهل السفينة الله الله لا تخرق سفينتنا فتغرق فقال موسى حملنا بغير ~~نول وتخرق السفينة وتغرق أهلها فذلك قوله { حتى إذا ركبا فى ~~السفينة } { خرقها } أي: ثقبها { قال } موسى { أخرقتها ~~لتغرق أهلها } قرأ حمزة والكسائي ليغرق بالياء والنصب، (أهلها) ~~بضم اللام وقرأ الباقون بالتاء والضم وكسر الراء والنصب في اللام فمن قرأ ~~برفع التاء فالأهل هو المفعول { لقد جئت شيئا إمرا } أي: ~~منكرا شديدا قال القتبي: (إمرا) أي داهية وكذلك (نكرا) إلا أن ~~النكر أشد استعظاما بالعين وإنكارا بالقلب. ### || [18.72-74] # { قال } له الخضر { ألم أقل إنك لن تستطيع معى ~~صبرا } روي عن ابن عباس أنه قال: قال له موسى: يا عبد الله إنه لا يحل ~~لك أن تخرق سفينة القوم فتغرقهم فلم يكلمه الخضر وجعل يخرق السفينة حتى ~~خرقها فتنحى موسى وجلس فقال وما كنت أمنع أن أتبع هذا الرجل يظلم هؤلاء ~~القوم وقد كنت في بني إسرائيل أقرأ عليهم كتاب الله غدوة وعشية ويقبلون ~~مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل الذي يظلم هؤلاء القوم فقال الخضر يا موسى ~~أتدري ما حدثت به نفسك فقال موسى ما هو قال الخضر قلت كنت في بني إسرائيل ~~أتلو عليهم كتاب الله غدوة وعشية يقبلونه مني فتركتهم وصحبت هذا الرجل ~~الذي يظلم هؤلاء القوم قال له ألم أقل لك إنك لا تستطيع معي صبرا قال ~~فجاء عصفور فوقع على جانب السفينة فنقر من البحر نقرة من الماء ثم طار ~~فقال الخضر والله ما ذهبت أنا وأنت من العلم في علم الله تعالى إلا مثل ~~ما يغرف هذا العصفور من الماء من هذا البحر { قال } موسى { لا ~~تؤاخذنى بما نسيت } أي بما تركت من وصيتي وقال ابن ms0997 عباس هذا من ~~معاريض الكلام لأن موسى لم ينس ولكن قال لا تؤاخذني بما نسيت يقول إذا ~~كان مني نسيان فلا تؤاخذني به { ولا ترهقنى من أمرى عسرا ~~} يعني لا تكلفني من أمري شدة { فانطلقا } أي: خرجا من السفينة ومضيا ~~{ حتى إذا لقيا غلاما } قال الكلبي: كان اسمه خشنوذ وقال ~~غيره كان اسمه خربث بن كاذري فقتله أي أخذ برأسه قرعة قال ابن عباس في ~~رواية أبي صالح كان رجلا إلا أنه لم يهتك بعد وكان كافرا يقطع الطريق ~~وقال سعيد بن جبير في رواية ابن عباس كان صبيا غير مدرك فمر بغلمان ~~يلعبون فأخذ برأس غلام منهم فقطعه وقال في بعض الروايات خنقه فذلك قوله: ~~{ فقتله } وروي أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس أن النبي نهي عن ~~قتل الصبيان في دار العرب وأن صاحب موسى قد قتل صبيا فكتب إليه ابن عباس ~~إنك لو علمت من الصبيان ما علم صاحب موسى جاز لك أن تقتله { قال } له ~~موسى { أقتلت نفسا زكية بغير نفس } أي: طاهرة بغير ~~ذنب ويقال زكية لم تجن عليك بغير نفس يقول بغير دم وجب عليها قرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو (زاكية) بالألف وقرأ الباقون بغير ألف ومعناهما ~~واحد مثل قاسية وقسية وقال القتبي الزكية المطهرة التي لم تذنب قط { ~~لقد جئت شيئا نكرا } أي: منكرا أي أمرا فظيعا قال ~~القتبي إنما قال ها هنا نكرا لأن قتل النفس أشد استعظاما من خرق ~~السفينة وقال الزجاج: نكرا أقل من إمرا لأن إغراقه من في السفينة كان ~~أعظم عنده من قتل النفس الواحدة. ### || [18.75-79] # { قال } الخضر { ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى ~~صبرا } وقد زاد هنا لك للتأكيد قيل: لأنه قد سبق منه الزجر مرة { ~~قال } موسى: { إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى ~~} يعني: إن طلبت صحبتك فلا تبايعني وقد قرىء فلا تصحبني أبدا { قد ~~بلغت من لدنى عذرا } يقول: قد أعذرت فيما بيني وبينك في ~~الصحبة { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية ms0998 } قال ابن ~~عباس: وهي أنطاكية { استطعما أهلها } أي: استضافا قال بعضهم: ~~سألاهم وقال بعضهم: لم يسألاهم ولكن كان نزولهما بين ظهرانيهم بمنزلة ~~السؤال منهما { فأبوا أن يضيفوهما } يعني: لم يطعموهما { ~~فوجدا فيها جدارا } يعني: في تلك القرية { يريد أن ينقض ~~} وهذا كلام مجاز لأن الجدار لا يكون له إرادة ومعناه كاد أن يسقط { ~~فأقامه } يعني: سواه الخضر { قال } موسى: { لو شئت ~~لاتخذت عليه أجرا } أي: جعلا خبزا تأكله قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو لتخذت بغير ألف وكسر الخاء والباقون لاتخذت ومعناهما واحد وقرأ ~~نافع (من لدني) بنصب اللام وضم الدال وتخفيف النون وقرأ حمزة ~~والكسائي وابن كثير وأبو عمرو من لدني بتشديد النون وهي اللغة المعروفة ~~والأول لغة لبعض العرب واختلف الروايات عن عاصم { قال } الخضر { ~~هذا فراق بينى وبينك } أي: هذا شرط الفراق بيني وبينك ~~وأنت حكمت على نفسك { سأنبئك بتأويل } أي: بتفسير { ما لم ~~تستطع عليه صبرا } أي تعلم ما رأيتني أصنع فأنكرت لتغرق ~~أهلها وتأويله { أما السفينة فكانت لمسكين ~~يعملون فى البحر } ويكسبون قوتهم { فأردت أن أعيبها ~~} أي أجعلها معيبة { وكان وراءهم ملك } أي: أمامهم ملك روي عن ~~ابن عباس أنه كان يقرأ وكان أمامهم ملك { يأخذ كل سفينة ~~غصبا } وكان ابن عباس يقرأ أيضا كل سفينة صالحة غصبا أي: كل سفينة ~~بغير عيب. وكان اسم الملك جلنذا يعني: أنها لو كانت بغير عيب أخذها الملك ~~فإذا كانت مع العيب تبقى للمساكين قال الفقيه أبو الليث: فيه دليل أن ~~للوصي أن ينقض مال اليتيم إذا رأى فيه صلاحا وهو أنه لو كانت له دار ~~نفيسة فخاف أن يطمع فيها بعض السلاطين فأراد أن يخرب بعضها ليبقيها ~~لليتيم جاز وروي عن أبي يوسف أنه كان يجيز مصانعة الوصي في مال اليتيم ~~وهو يدفع من ماله شيئا إلى السلطان. ليدفعه عن بقية ماله. ### || [18.80-82] # { وأما الغلم فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن ~~يرهقهما } أي يقول يكلفهما { طغينا وكفرا } يقول تماديا ~~وإثما { فأردنا أن يبدلهما } قرأ نافع وأبو عمرو يبدلهما ~~بتشديد ms0999 الدال وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد يقال: بدل وأبدل بمعنى ~~واحد أي: يعطيهما ولدا غير هذا الولد { ربهما خيرا منه } أي ~~أفضل { زكوة } أي: ولدا صالحا { وأقرب رحما } أي: أوصل ~~رحما ويقال رحما ويقال أقرب رحمة وعطفا عليهما قال الكلبي: فولدت ~~امرأته جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فهدى الله على يده أمة من الأمم { ~~وأما الجدار فكان لغلمين يتيمين فى ~~المدينة } أحدهما أصرم والآخر صريم { وكان تحته كنز ~~لهما } قال الكلبي: أي مالا لهما وقال مقاتل ومجاهد: كل شيء في ~~القرآن من كنز فهو مال غير هنا فإنه الصحف التي فيها علم وقال الضحاك كنز ~~لهما أي: علم لهما قال الفقيه: حدثني أبي بإسناده عن أنس بن مالك قال. ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد تحت الجدار الذي قال الله ~~تعالى (وكان تحته كنز لهما) لوح من ذهب والذهب لا يصدأ ولا ~~ينقص مكتوب فيه (بسم الله الرحمن الرحيم) عجبت لمن يوقن ~~بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يوقن بزوال ~~الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~روي عن ابن عباس أنه قال كان في اللوح خمس كلمات وذكر نحوه قوله: { ~~وكان أبوهما صلحا } ذا أمانة واسمه كاشح فحفظا بصلاح أبيها ~~ولم يذكر منهما صلاحا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إن الله تعالى ليصلح بصلاح الرجل أهله وولده وأهل دويرته وأهل ~~الدويرات حوله " # { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما } أي يبلغا مبلغ الرجال ~~{ ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } أي: نعمة من ربك { ~~وما فعلته عن أمرى } أي: من قبل نفسي ولكن الله أمرني به { ~~ذلك تأويل } أي: تفسير { ما لم تسطع عليه صبرا } ~~تستطع وتسطع بمعنى واحد يقال اسطاع واستطاع قال الفقيه رضي الله عنه: ~~حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد الدوري قال: حدثنا ~~الحجاج الأعور قال: حدثنا حمزة الزيات عن أبي إسحق عن سعيد بن جبير عن ~~ابن ms1000 عباس عن أبي بن كعب (قال # " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا لأحد بدأ بنفسه وقال ~~«رحمة الله علينا وعلى موسى فلو كان صبر لقص الله علينا من خبرهما " # وفي رواية أخرى # " لقص الله علينا من خبرهما العجائب " # فلما أراد موسى أن يرجع قال للخضر أوصني فقال له الخضر إياك واللجاجة ~~ولا تمش في غير حاجة ولا تضحك من غير عجب ولا تعير الخطائين بخطاياهم ~~وابك على خطيئتك يا ابن عمران قال مجاهد: إنما سمي الخضر خضرا لأنه لا ~~يكون بأرض إلا اخضرت. ### || [18.83-86] # ثم قال تعالى: { ويسألونك عن ذى القرنين } وكان اسمه ~~اسكندر وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له لم سمي ذا القرنين فقال اختلف فيه ~~أهل الكتاب فقال بعضهم لأنه ملك الروم وفارس وقال بعضهم لأنه كان في رأسه ~~شبه القرنين وقال بعضهم: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها فسماه الملك ~~الذي عند قاف ذا القرنين ويقال: رأى في المنام أنه دنى من الشمس وأخذ ~~منها فقص رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين وقال الزجاج: سمي ذا القرنين ~~لأنه كان له ظفيرتان وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال ضرب على ~~قرني رأسه وقيل: لأنه بلغ قطر الأرض وقال عكرمة: كان ذو القرنين نبيا ~~ولقمان نبيا والخضر نبيا وروى مجاهد عن عبد الله بن عمرو ابن العاص كان ~~ذو القرنين نبيا وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال: ~~كان رجلا صالحا ولقمان كان رجلا حكيما وروي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه سئل عن ذي القرنين فقال هو ملك يسبح في الأرض وقال ~~مجاهد: ملك الأرض أربعة اثنان مؤمنان واثنان كافران أما المؤمنان فسليمان ~~بن داود وذو القرنين وأما الكافران فالنمرود بن كنعان وبختنصر قال تعالى: ~~{ قل سأتلوا عليكم منه ذكرا } أي خبرا وعلما من الله ~~تعالى { إنا مكنا له فى الأرض } أي: ملكناه وأعطيناه { ~~واتينه من كل شىء سببا } أي: علما ويقال ms1001 أعطيناه علم ~~الوصول إلى كل شيء يحتاج إليه من الحروف وغيرها ويقال علما بالطريق { ~~فأتبع سببا } أي أخذ طريقا فسار إلى المغرب { حتى إذا ~~بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة } قرأ ~~ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر حامئة بالألف وقرأ ~~الباقون حمئة بغير ألف فمن قرأ حامئة يعني جائرة ومن قرأ بغير ألف يعني: ~~من طينة سوداء منتنة وروي أن معاوية قرأ في عين فقال ابن عباس ما نقرؤها ~~إلا حمئة فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها فقال كما قرأتها قال ~~ابن عباس في بيتي نزل القرآن فبعث معاوية إلى كعب يسأله أين تجد الشمس ~~تغرب في التوراة قال في ماء وطين وقال في مذرة سوداء قال القتبي حمئة ذات ~~حمات والحامية حارة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع فأتبع بتشديد التاء ~~وكذلك ما بعده وقرأ الباقون فاتبع بنصب الألف وجزم التاء بغير تشديد { ~~ووجد عندها قوما } أي: عند العين التي تغرب فيها الشمس مؤمنين ~~وكافرين فظهر عليهم { قلنا يذا القرنين } قال مقاتل: أوصى ~~الله تعالى إليه وقال ابن عباس: ألهمه الله تعالى { إما أن تعذب ~~} يعني: أن تقتل من كان كافرا { وإما أن تتخذ فيهم حسنا ~~} يعني: تنعم عليهم وتغفر لمن كان مؤمنا وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا ~~قيل له إما أن تعذب من لم يؤمن وإما أن تتخذ فيهم حسنا لمن آمن. ### || [18.87-93] # { قال } ذو القرنين { أما من ظلم } أي: كفر بالله { فسوف ~~نعذبه } أي: نقتله إن لم يتب { ثم يرد إلى ربه } في ~~الآخرة { فيعذبه } في النار { عذابا نكرا } يقول: شديدا { ~~وأما من آمن } صدق بالله { وعمل صلحا } فيما بينه وبين ~~الله تعالى { فله جزاء الحسنى } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص جزاء بنصب الألف والتنوين وقرأ الباقون بضم الألف بغير تنوين. ~~فمن قرأ بالنصب فمعناه أن له الحسنى جزاء صار الجزاء نصبا للحال ومن قرأ ~~بالضم جزاء للإضافة بغير جزاء إحسان { وسنقول له من أمرنا ~~يسرا } أي: سنعد ms1002 له في الدنيا معروفا عدة ويقال وسنقول له قولا ~~جميلا { ثم أتبع سببا } أي: أخذ طريقا وقال القتبي: السبب ~~أصله الحبل ثم كل شيء توصلت به إلى موضع أو حاجة فهو سبب تقول فلان سببي ~~إليك أي: وصلتي وتسمى الطريق سببا لأنه يصل إلى الموضع الذي يريده { ~~حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } أي: لم يكن لهم من ~~دون الشمس شيء يظلهم لا شجر ولا جبل ولا ثوب إلا عراة عماة عن الخلق ~~وكانوا في مكان لا تستقر عليه البناء وقال قتادة: يقال: إنهم الزنج ~~وكانوا في مكان لا ينبت فيه نبات وكانوا يدخلون سربا إذا طلعت الشمس حتى ~~تزول عنهم ويخرجون في معايشهم { كذلك } يعني: هكذا بلغ مطلع الشمس ~~أيضا كما بلغ مغربها ثم استأنف فقال: { وقد أحطنا بما لديه ~~خبرا } أي: بما عنده علما وهذا قول مقاتل كذلك أي كما أخبرتك بهذا ~~الخبر كذلك كان علمنا محيطا به قبل ذلك { ثم أتبع سببا } أي: ~~أخذ طريقا { حتى إذا بلغ بين السدين } أي: بين ~~الجبلين قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر السدين بضم السين وكذلك الثاني ~~والذي في سورة يس وروى حفص عن عاصم أنه نصب كله وابن كثير وأبو عمرو نصبا ~~ها هنا ورفعا في يس وحمزة والكسائي رفعا بين السدين ونصبا ما سوى ذلك ~~وقال بعض أهل اللغة: ما كان مسدودا خلقه فهو سد بالنصب وما كان يعمل ~~الناس فهو سد بالضم وروي عن ابن عباس ومجاهد وقيل: إن المراد ها هنا طرفا ~~الجبل { وجد من دونهما } أي: من قبل الجبلين { قوما لا ~~يكادون يفقهون قولا } أي: كلاما غير كلامهم ولسانا غير ~~لسانهم قرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء وكسر القاف يعني أن كلامهم لا ~~يفهمه أحد غيرهم وقرأ الباقون يفقهون بالنصب يعني أنهم لا يفقهون قول ~~غيرهم. ### || [18.94-97] # { قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون فى الأرض } أي: يخرجون إلى أرضنا ويأكلون رطبنا ويحملون ~~يابسنا ms1003 ويقتلون أولادنا وكان يأجوج رجلا ومأجوج رجلا وكان أخوين من بني ~~يافث بن نوح فكثر نسلهما فنسب إليهما ويقال سمي يأجوج ومأجوج لكثرتهم ~~وازدحامهم لأنهم يموجون بعضهم في بعض { فهل نجعل لك خرجا } ~~قرأ عاصم يأجوج ومأجوج بهمز الألف وقرأ الباقون بغير همز وقرأ حمزة ~~والكسائي خراجا بالألف وقرأ الباقون خرجا بغير ألف ويقال الخراج هو ~~الضريبة والخرج هو الجعل ويقال: أحدهما اسم والآخر مصدر { على أن ~~تجعل بيننا سدا } أي: حاجزا ف { قال } ذو القرنين { ما ~~مكنى فيه ربى خير } قرأ ابن كثير ما مكنني بنونين وهو الأصل ~~في اللغة وقرأ الباقون مكني فأدغم إحدى النونين في الأخرى وأقيم التشديد ~~مقامه أي ما ملكني وأعطاني فيه ربي من القوة والمال خير من جعلكم في ~~الدنيا ويقال ما يعطيني الله تعالى في الأخرى من ثواب خير { ~~فأعينونى بقوة } قالوا وما تريد قال آلة العمل وهي آلة ~~الحدادين { أجعل بينكم وبينهم ردما } قالوا وما هي ~~قال { آتوني زبر الحديد } أي: قطع الحديد أجعل بينكم ~~وبينهم سدا قرأ عاصم في إحدى الروايتين إيتوني على معنى جيئوني ~~وقرأ الباقون (آتوني) بمد الألف أي: أعطوني فأتوه بقطع الحديد فبناه { ~~حتى إذا ساوى بين الصدفين } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامرالصدفين بضم الصاد والدال وقرأ عاصم بضم الصاد وجزم الدال وقرأ ~~الباقون بنصب الصاد والدال وهما ناحيتا الجبل فأخذ قطع الحديد وجعل ~~بينهما حطبا وفحما ووضع المنافخ وقال انفخوا فنفخوه حتى صار كهيئة ~~النار. ثم أتى بالصفر ويقال بالنحاس فأذابه وأفرغ عليه حتى صار جبلا من ~~حديد ونحاس فذلك قوله: { حتى إذا ساوى بين الصدفين } ~~أي: بين الجبلين { قال انفخوا } فنفخوا { حتى إذا جعله ~~نارا } أي صير الحديد نارا { قال آتونى أفرغ عليه قطرا ~~} وهو الصفر المذاب أصبب عليه قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة (قال ~~ائتوني) بجزم الألف والباقون بالمد { فما اسطعوا } أي فما ~~قدروا { أن يظهروه } يعني: أن يعلوا فوق السد { وما ~~استطعوا له نقبا } أي: ما قدروا على نقب السد ms1004 ويقال ما ~~استطاعوا له نقبا أي: ما تحت السد في الأرض لأنه بناه في الأرض إلى ~~السماء قال الفقيه رضي الله عنه: حدثنا عمرو بن حمد قال: حدثنا أبو بكر ~~الواسطي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو حفص عن سعيد عن قتادة ~~عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " إن يأجوج ومأجوج يحفرون الردم في كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع ~~الشمس قال الذين عليهم ارجعوا فسنحفره غدا فيعيده الله كما كان حتى إذا ~~بلغت مدتهم قال الذين عليهم ارجعوا فسنحفره غدا إن شاء الله تعالى ~~فيعودون إليه فإذا هو كهيأته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس ~~فيستقون المياه وتحصن الناس في حصونهم فيبعث الله عليهم نغفا في أقفيتهم ~~فيهلكهم الله بها " # وروى أبو صالح عن ابن عباس أن يأجوج ومأجوج لا يموت الرجل منهم حتى يلد ~~لصلبه ألف ابن وذكر أن يأجوج ومأجوج كما ذكرنا وهما ابنا يافث بن نوح ~~فإذا انكسر السد وذلك عند اقتراب الساعة يخرجون فيمرون ببحيرة طبرية بأرض ~~الشام وهي مملوءة ماء فيشربها أولهم ثم يمر آخرهم فيقولون لقد كان ها هنا ~~مرة ماء قال: والسد نحو بنات نعش ثم يمرون بالبحر فيأكلون ما في جوفه من ~~سمك وسرطان وسلحفاة ودابة ثم يأكلون ورق الشجر ويأكلون ما في الأرض من ~~شيء ويهرب الناس منهم فيقتلون من قدروا عليه ولا يستطيعون أن يأتوا أربعة ~~مساجد المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد طور سيناء ثم ~~لا يرون على الأرض غيرهم ثم يقولون لقد قتلنا أهل الأرض وبقي أهل السماء ~~فيرمون سهامهم نحو السماء فتصيب الطير في جو السماء فترجع سهامهم مختضبة ~~بالدماء فيقولون لقد قتلنا أهل السماء وأهل الأرض ولم يبق غيرنا فيبعث ~~الله تعالى عليهم دودا يسمى النغف فيدخل في آذانهم فيقتلهم فتنتن الأرض ~~من جيفهم ثم يرسل الله تعالى أربعين يوما حتى يحمل السيل جيفهم فيرميها ~~إلى البحر ويعود البحر كما ms1005 كان قرأ حمزة فما اسطاعوا بتشديد الطاء ~~والباقون بالتخفيف فلما فرغ ذو القرنين من بناء السد. ### || [18.98-102] # { قال هذا رحمة من ربى } أي: هذا السد رحمة من ربي عليكم ~~{ فإذا جاء وعد ربى } يقول إذا جاء أجل ربي { جعله دكا ~~} أي: كسرا قرأ أهل الكوفة دكاء بالمد وقرأ الباقون بالتنوين دكا إذا ~~لم يكن لها سنام { وكان وعد ربى حقا } أي: صدقا وكائنا ~~بخروجهم { وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعض } أي: ~~يحرك في بعض وراء السد { ونفخ فى الصور } قال أبو عبيدة: تنفخ ~~الأرواح في الصور وقال عامة المفسرين يعني: ينفخ إسرافيل في الصور وهذا ~~موافق لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه وحنا جبهته عليه وينتظر متى يؤمر ~~فينفخ فيه " # { فجمعنهم جمعا } أي: يوم القيامة نجمع يأجوج ومأجوج وجميع ~~الخلق { وعرضنا جهنم يومئذ } أي: كشفنا الغطاء عنها قبل ~~دخولهم جهنم { للكفرين عرضا } أي كشفا ويكون المصدر لتأكيد ~~الكلام ثم نعت الكافرين فقال: { الذين كانت أعينهم } أي ~~أعين الكافرين { فى غطاء عن ذكرى } أي: في عمى عن التوحيد ~~والقرآن فلم يؤمنوا { وكانوا لا يستطيعون سمعا } أي: ~~استماعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من بغضه وعداوته { أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء } ~~يعني: أن يعبدوا غيري ومعناه لا يحسبن الكافرون بأن يتخذوا أولياء يعبدون ~~معي شيئا لأن المشركين كانوا يدعون بعض المؤمنين إلى الشرك وهذا كقوله: # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # [الحجر: 42] ويقال: ومعناه: أفيظن الذين كفروا أن يعبدوا عبادي يعني ~~الملائكة وعزيرا والمسيح من دوني أولياء يعني أربابا ومعناه يظنون أنهم ~~لو اتخذوهم أربابا تنفعهم عبادتهم ويفوتون من عذابي ثم بين عذابهم فقال: ~~{ إنا أعتدنا جهنم للكفرين نزلا } أي: منزلا ~~روي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ: (أفحسب الذين كفروا) بجزم ~~السين وضم الباء معناه أيكفيهم مني ومن طاعتي أن يتخذوا عبادي من دوني ~~أولياء فحسبهم جهنم { إنا أعتدنا جهنم للكفرين ~~نزلا } أي: منزلا. ms1006 ### || [18.103-108] # { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملا } يعني: الخاسرين ~~أعمالهم { الذين ضل سعيهم } أي: بطلت أعمالهم { فى ~~الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا } أي: يظنون أنهم يفعلون فعلا حسنا قال علي بن أبي طالب هم ~~الخوارج وهكذا روي عن أبي أمامة الباهلي وروي عن سلمان الفارسي أنه ~~قال هم رهبان النصارى أهل الصوامع وهكذا قال مقاتل: { أولئك ~~الذين كفروا بئايت ربهم } أي: بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - والقرآن { ولقائه } أي: البعث بعد الموت { فحبطت ~~أعمالهم } أي: بطلت حسناتهم { فلا نقيم لهم يوم ~~القيمة وزنا } أي لا توزن أعمالهم مثقال ذرة ويقال: لا نقيم ~~لأعمالهم ميزانا { ذلك جزاؤهم } أي: هكذا عقوبتهم { جهنم ~~بما كفروا واتخذوا ءايتى ورسلى } أي: القرآن ومحمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - { هزوا } أي: استهزاء { إن الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحات كانت لهم جنت ~~الفردوس نزلا } أي منزلا وقال مقاتل الفردوس بلغة الروم ~~البساتين عليها الحيطان وقال السدي الأعناب بالنبطية وروى الحسن عن سمرة ~~بن جندب قال الفردوس ربوة خضراء من الجنة هى أعلاها وأحسنها وقال الكلبي ~~جنات الفردوس من أدنى الجنان منزلا وروى أبو أمامة الباهلي قال الفردوس ~~سرة الجنة أي أوسطها { خلدين فيها } أي: دائمين فيها { لا ~~يبغون عنها حولا } أي: تحولا رضوا بها وبثوابها وقال بعض ~~المفسرين: تمام النعمة أنهم لا يتمنون التحول لأنهم لو تمنوا التحول عنها ~~لتنقص النعم عليهم. ### || [18.109-110] # { قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى } وذلك أن ~~اليهود قالوا يزعم محمد أن من أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم ~~يزعم ويقول: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] فكيف نوافق الخير الكثير مع العلم القليل فنزل قل يا محمد ~~{ لو كان البحر مدادا لكلمت ربى } يكتب به { ~~لنفد البحر } وتكسرت الأقلام { قبل أن تنفد كلمت ~~ربى } أي لا تنفد كلمات ربي كما قال: في آية أخرى: # ما نفدت كلمت الله # [لقمان: 27] { ولو جئنا بمثله مددا } أي: بمثل البحر وقرأ ~~بعضهم ولو جئنا بمثله مدادا وقراءة العامة مددا ومعناهما واحد # ومن يؤت الحكمة ms1007 فقد أوتى خيرا كثيرا # [البقرة: 269] وهو قليل عند علم الله تعالى { قل إنما أنا ~~بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله ~~واحد فمن كان يرجو لقاء ربه } أي: من يخاف البعث بعد ~~الموت { فليعمل عملا صلحا } أي: خالصا فيما بينه وبين ~~الله تعالى { ولا يشرك } أي: لا يخلط ولا يرائي { بعبادة ~~ربه أحدا } وقال سعيد بن جبير فمن كان يرجو أي: من كان يرجو ثواب ~~ربه وروي عن مجاهد أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (وقال ~~إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله وأحب أن يقال لي خيرا) فنزل { ~~فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صلحا } قرأ ~~حمزة والكسائي وابن عامر في إحدى الروايتين أن ينفد بالياء بلفظ التذكير ~~وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث لأن الفعل إذا كان مقدما على الاسم ~~يجوز التأنيث والتذكير قال الفقيه: حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمران قال: ~~حدثنا أبو عبد الله المديني عن مخلد بن عبد الواحد عن الخليل عن علي بن ~~زيد بن جدعان عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: # " من قرأ سورة الكهف فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة تكون فإن خرج ~~الدجال في تلك الثمانية أيام عصمه الله من فتنة الدجال ومن قرأ الآية ~~التي في آخرها { قل إنما أنا بشر مثلكم.. } إلى الخاتمة ~~حين يأخذ مضجعه كان له نور يتلألأ في مضجعه إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة ~~يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه وإن كان مضجعه بمكة فتلاها كان نور يتلألأ ~~من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه ويستغفرون ~~له حتى يستيقظ من نومه " # إلى غير ذلك مما ورد في فضلها من الأخبار والآثار وصلى الله على سيدنا ~~محمد النبي المختار وعلى آله وصحابته الأطهار صلاة وسلاما دائمين ما ~~تعاقب الليل والنهار آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-6] # قوله عز وجل { كهيعص } قرأ ابن كثير ms1008 وعاصم في رواية حفص بنصب الهاء ~~والياء وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكسر الهاء والياء وقرأ أبو ~~عمرو بكسر الهاء ونصب الياء وقرأ حمزة وابن عامر بنصب الهاء وكسر الياء ~~وقرأ نافع بين الكسر والفتح وهو اختيار أبي عبيدة ومعنى هذا كله واحد قال ~~ابن عباس في تفسير قوله كهيعص قال كاف فالله كاف لخلقه (بالرزق والعطف ~~عليهم) والهاء فالله الهادي للخلق وأما الياء فيد الله مبسوطة على خلقه ~~بالرزق لهم والعطف عليهم وأما العين فالله تعالى عالم بخلقه وأمورهم وأما ~~الصاد فالله تعالى صادق بوعده وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال هو اسم ~~الله الأعظم وروي عنه أنه قال هو قسم أقسم الله بكهيعص ويقال هي حروف تدل ~~على ابتداء السور نحو الر والمر وغيرهما ثم قال: { ذكر رحمة ~~ربك عبده زكريا } معناه على طريق ابن عباس باسم الله الكافي ~~الهادي العالم الصادق ذكر رحمة ربك عبده زكريا (بالرحمة) ومن قال هو ~~ابتداء السورة فمعناه اقرأ كهيعص من قال إنه قسم فمعناه ورب كهيعص إنه ~~ذكر عبده زكريا بالرحمة ثم قال: { ذكر رحمة ربك عبده ~~زكريا } يعني: في هذه السورة ومعناه: ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة ~~ذكره بالرحمة لا يكون إلا بالله تعالى ففي الآية تقديم وتأخير يقول ذكر ~~ربك عبده زكريا بالرحمة وهو " زكريا بن ماثان { إذ نادى ربه ~~نداء خفيا } يقول دعا ربه نداء خفيا يقول أخفاه وأسره من قومه ~~ويقال: دعا ربه دعاء سرا لأنه علم أن دعاء السر أنفع وأسرع إجابة ويقال ~~دعا ربه خفيا يعني: خالصا { قال رب إنى وهن العظم منى } ~~أي: ضعف عظمي { واشتعل الرأس شيبا } يعني أخذ في الرأس ~~شيبا: وبياضا شيبا صار نصبا بالتمييز والمعنى اشتعل الرأس من الشيب ~~يقال: للشيب إذا كثر جدا قد اشتعل رأس فلان بالشيب ثم قال: { ولم ~~أكن بدعائك رب شقيا } يعني: لم تكن تخيب دعائي عندك إذا ~~دعوتك { وإني خفت الموالى من ورائى } يعني: خشيت ويقال: ~~أعلم الموالي يعني: الورثة ms1009 ويقال: بنو العم ويقال: العصبة من ورائي يعني: ~~من بعد موتي خاف أن يرثه غير الولد وروي عن قتادة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " يرحم الله تعالى زكريا وما كان عليه من ورثة " # وروي عن سعيد بن العاص أنه قال أملي على عثمان { وإني خفت ~~الموالى } بنصب الخاء وتشديد الفاء وكسر التاء ويقال: يعني: ذهبت ~~الموالي وقال أبو عبيدة لولا خلاف الناس لاتبعنا عثمان فيها ثم قال { ~~وكانت امرأتى عاقرا } يعني: عقيما لم تلد { فهب لى من ~~لدنك وليا } يعني ولدا { يرثنى ويرث من ءال ~~يعقوب } وقال عكرمة: يرثني ما لي ويرث من آل يعقوب النبوة وهكذا قال ~~الضحاك وقال بعضهم: يرثني يعني علمي وسنتي لأن الأنبياء عليهم السلام لا ~~يورثون مالا وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " # وروى أبو الدرداء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن الأنبياء لم يورثوا دراهم ولا دنانير وإنما ورثوا هذا العلم " # ويقال: لأنه رأى من الفتى وغلبة أهل الكفر فيخاف على إفساد مواليه إن لم ~~يكن أحد يقوم مقامه ويخولهم بالموعظة قرأ أبو عمرو والكسائي يرثني ويرث ~~بجزم كلا الثاءين على معنى جواب الأمر والشرط أي: أنك إذا وهبت لي وليا ~~يرثني وقرأ الباقون يرثني ويرث بالضم وقال أبو عبيدة: وهذا أحب إلي قال: ~~معناه: هب لي الذي هذه حاله وصفته لأن الأولياء قد يكون منهم الوراثة ~~وغيره فيقول: هب لي الذي يكون (ورائي وارث النبوة) ثم قال { واجعله ~~رب رضيا } يعني: صالحا زكيا. ### || [19.7-10] # { يزكريا إنا نبشرك بغلم اسمه يحيى } يعني: ~~أوحى الله تعالى وأرسل إليه جبريل وأن جبريل عليه السلام أدى إليه ~~الرسالة من الله عز وجل قال الله تعالى { إنا نبشرك } وقد بين ~~ذلك في سورة آل عمران # فنادته الملئكة وهو قائم يصلى فى المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى # [آل عمران: 39] ثم قال هنا بغلام اسمه يحيى { لم نجعل ~~له من قبل ms1010 سميا } يعني: لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولدا ~~يسمى يحيى ويقال لم يكن قبله أحد يسمى بذلك الاسم ويقال: لم يكن بذلك ~~الاسم في زمانه أحد وإنما سمي يحيى لأنه حي بالعلم والحكمة التي أوتيها ~~ويقال لأنه حي به المجالس ويقال لأنه حيي به عقر أمه ويقال " لم ~~نجعل له من قبل سميا " أي: نظيرا ومثالا قرأ حمزة " ~~نبشرك " وقرأ الباقون بالتشديد وضم النون ونصب الباء وكسر الشين ~~(نبشرك) فقال زكريا عند ذلك { قال رب } يقول: يا سيدي { ~~أنى يكون لي غلم } يعني: من أين يكون لي ولد ويقال: إنما ~~قال ذلك على وجه الدعاء لله تعالى فقال: يا رب من أين يكون لي ولد { ~~وكانت امرأتى عاقرا } من الولد { وقد بلغت من ~~الكبر عتيا } يقول: تحول العظم مني يابسا. ومنه يقال: قلب عات ~~إذا كان قاسي القلب غير لين ويقال لكل شيء انتهى فقد عتى ولم يكن زكريا ~~شاكا في بشارة الله عز وجل ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون قرأ حمزة ~~وعاصم في رواية حفص والكسائي عتيا بكسر العين وكذلك " صلبا ~~وجثيا وبكيا " إلا أن عاصما خالفهما في " بكيا " والباقون ~~كلها بالضم وكأن أبا عبيدة اختار الضم لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي { ~~قال } له جبريل عليه السلام { كذلك } يعني هكذا كما قلت إنك " قد ~~بلغت من الكبر عتيا قال ربك هو على هين " ~~ولكن الله عز وجل { قال ربك هو على هين } يعني خلقه علي ~~يسير { وقد خلقتك من قبل } يحيى { ولم تك شيئا } قرأ ~~حمزة والكسائي وقد خلقناك بالألف مؤخرة والنون مقدمة والباقون خلقتك وهو ~~اختيار أبي عبيدة قال زكريا عليه السلام " رب اجعل لي آية " في ~~الولد روى أسباط عن السدي قال لما بشر زكريا عليه السلام جاءه الشيطان ~~فقال إن هذا النداء الذي نوديته ليس من الله وإنما هو من الشيطان ليسخر ~~بك ولو كان من الله عز وجل لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك ف { قال } ~~عند ذلك { رب اجعل ms1011 لى ءاية } أعلم بها أن هذا النداء منك { قال ~~} الله تعالى له { آيتك ألا تكلم الناس ثلث ليال ~~سويا } يعني (علامتك أن) لا تستطيع أن تكلم الناس ثلاث ليال وأنت ~~صحيح سليم من غير خرس ولا مرض ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها ووضع ~~الولد في رحمها فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس. ### || [19.11-15] # { فخرج على قومه من المحراب } أي: من المسجد { ~~فأوحى إليهم } يعني أشار إليهم وأومأ إليهم ويقال كتب كتابا ~~وألقاه على الأرض ولم يقدر أن يتكلم به { أن سبحوا } يعني صلوا لله ~~تعالى { بكرة وعشيا } يعني غدوة وعشيا فعرف عند ذلك أنه آية ~~الولد قوله عز وجل { ييحيى خذ الكتب بقوة } يعني: أوحى ~~الله تعالى إليه أن (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) يعني بجد ومواظبة { ~~وآتيناه الحكم صبيا } يعني أجرينا الحكمة على لسانه في حال ~~صغره وذلك أنه مر بصبيان يلعبون فقالوا له تعال حتى نلعب فقال لهم: ما ~~للعب خلقنا ويقال (خذ الكتاب بقوة) أي: بعد عون من الله تعالى ~~ويقال بكثرة الدرس { ءاتينه الحكم صبيا } يعني: النبوة ~~والفقه والخير كله { وحنانا من لدنا } يعني: آتيناه رحمة من ~~عندنا وأصله من حنين الناقة على ولدها { وزكوة } يعني وصدقة منا ~~ويقال: التطهير ويقال صلاحا في دينه وقال سعيد بن جبير: الزكاة التزكية ~~{ وكان تقيا } يعني: مطيعا لربه { وبرا بولديه } يعني ~~مطيعا لهما ولا يعصيهما { ولم يكن جبارا } يعني: لم يكن قتالا ~~والجبار الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب { عصيا } يعني: لم يكن ~~عصيا لربه والعصي والعاصي واحد قوله عز وجل: { وسلم عليه } ~~أي: السلام من الله عز وجل والسعادة تناله { يوم ولد } أي حين ولد ~~{ ويوم يموت } يعني: حين يموت { ويوم يبعث حيا } أي: ~~حين يبعث حيا وروى قتادة عن الحسن أن يحيى عليه السلام قال لعيسى عليه ~~السلام: حين التقيا أنت خير مني فقال عيسى صلوات الله عليه بل أنت خير ~~مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي وروي عن بعض الصحابة أنه ms1012 قال ما من ~~الناس أحد إلا وهو يلقى الله عز وجل يوم القيامة ذو ذنب إلا يحيى بن ~~زكريا عليهما السلام وروي عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: # " ما أذنب يحيى عليه السلام ولا هم بامرأة ". ### || [19.16-21] # قوله: { واذكر فى الكتب مريم إذ انتبذت } يعني: ~~اذكر في القرآن خبر مريم ومعناه اقرأ عليهم ما أنزل عليك في القرآن من ~~خبر مريم " إذ انتبذت " يعني: اعتزلت وتنحت { من أهلها ~~مكانا شرقيا } يعني: مشرقة الشمس في دار أهلها { فاتخذت من ~~دونهم حجابا } يعني (ضربت وأرخت من دونهم) سترا { فأرسلنا ~~إليها روحنا } يعني: بعثنا إليها جبريل عليه السلام { فتمثل ~~لها بشرا سويا } يعني: تشبه لها في صورة شاب تمام الخلق فدنا ~~منها فأنكرت مريم مكان الرجل { قالت إنى أعوذ بالرحمن ~~منك إن كنت تقيا } يعني إن كنت مطيعا لله وإنما قالت ذلك لأن ~~التقي إذا وعظ بالله عز وجل اتعظ وخاف والفاسق يخوف بالسلطان والمنافق ~~يخوف بالناس فالتقي يخوف بالله ويقال في الآية مضمر ومعناه احذر إن كنت ~~تقيا { قال } لها جبريل { إنما أنا رسول ربك لأهب ~~لك غلما زكيا } يعني ولدا صالحا قرأ أبو عمرو ونافع في إحدى ~~الروايتين ليهب لك بالياء وقرأ الباقون لأهب فمن قرأ ليهب فمعناه ليهب ~~الله لك ومن قرأ لأهب لك يكون فيه مضمر ومعناه إنما أنا رسول ربك قال ~~لأهب لك غلاما زكيا يعني: قال ربك وهذا اختيار أبي عبيدة وهو موافق لخط ~~المصاحف { قالت } مريم لجبريل عليه السلام { أنى يكون لي ~~غلم } يعني: من أين يكون لي ولد { ولم يمسسنى بشر } ~~يعني: لم يقربني زوج { ولم أك بغيا } يعني: لم أك فاجرة { قال ~~} لها جبريل { كذلك } يعني: هكذا كما قلت { قال ربك هو ~~على هين } يعني خلقه علي يسير { ولنجعله ءاية للناس ~~} يعني: عبرة لبني إسرائيل { ورحمة منا } أي: ونعمة منا { ~~وكان أمرا مقضيا } يعني: قضاء كائنا. ### || [19.22-26] # { فحملته } يعني: حملت مريم بعيسى عليه السلام وقال وهب بن منبه ~~إن مريم ms1013 حملت بعيسى عليه السلام تسعة أشهر وقال بعضهم ثمانية أشهر فتلك ~~آية لأنه لا يعيش مولود في ثمانية أشهر وروي في بعض الروايات عن ابن عباس ~~أنه قال ما هي إلا أن حملت ثم وضعت وقال: مقاتل حملت في ساعة ووضعت في ~~ساعة { فانتبذت به مكانا قصيا } يعني: انفردت بولادتها ~~مكانا بعيدا قال القتبي: القصي أشد بعدا من القاصي ثم قال: { ~~فأجاءها المخاض } يعني: جاء بها وألجأها المخاض يعني: الطلق ~~بولادة عيسى عليه السلام: { إلى جذع النخلة } أي: أصل النخلة ~~قال ابن عباس النخلة اليابسة في شدة (الشتاء يعني) الطلق { قالت ~~يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا } يعني: ~~شيئا متروكا لم أذكر ويقال للشيء الحقير الذي إذا ألقي ينسى نسي وقال ~~قتادة يعني لا أعرف ولا أدرى من أنا وقال عكرمة: يعني جيفة ملقاة ~~وهكذا قال الضحاك وقال ربيعة بن أنس يعني: سقطا قرأ حمزة وعاصم في رواية ~~حفص وكنت نسيا منسيا بنصب النون والباقون نسيا بكسر النون ~~قال أبو عبيد وبالكسر نقرؤها لأنها كانت أكثر في لغة العرب وأفشاها عليها ~~أهل الحرمين والبصرة { فناداها من تحتها } قرأ حمزة والكسائي ~~ونافع وعاصم في رواية حفص من بالكسر يعني الملك وهكذا قرأ مجاهد والحسن ~~والباقون من بالنصب يعني به: عيسى عليه السلام وقال أبو عبيد بالأولى ~~نقرأ يعني بالكسر لأن قراءتها أكثر والمعنى فيها أعم لأنه إذا قال من ~~تحتها فإنما هو عيسى خاصة { ألا تحزنى } بولادة عيسى وبمكان ~~الجدب { قد جعل ربك تحتك سريا } أي: نهرا صغيرا بحبال ~~ويقال قد جعل ربك تحتك سريا أي: بيتا فذكر هذا القول عند ابن حميد ~~فأنكره وقال هو الجدول ألا ترى أنه قال فكلي واشربي قال مجاهد: السري ~~بالسريانية وقال سعيد بن جبير: بالنبطية { وهزى إليك بجذع ~~النخلة } يقول: حركي أصل النخلة { تسقط عليك رطبا ~~جنيا } أي: غضا طريا قرأ حمزة تساقط بنصب التاء وتخفيف السين وأصله ~~تتساقط إلا أنه حذفت منه إحدى التاءين للتخفيف وهذا كقوله # لو تسوى بهم الأرض # [النساء: ms1014 42] وأصله تتسوى وكقوله # تظهرون عليهم # [البقرة: 85] وكقوله # تنشق # [مريم: 90] وقرأ عاصم في رواية حفص تتساقط بضم التاء وتخفيف السين وكسر ~~القاف يعني: أن النخلة تساقط عليك وقرأ الباقون بالنصب وتشديد السين ونصب ~~القاف لأن التشديد أقيم مقام التاء التي حذفت وروي عن البراء بن عازب أنه ~~كان يقرأ يساقط بالياء يعني أن الجذع يساقط عليك وقرأ بعضهم تساقط بالنون ~~ومعناه: ونحن نساقط عليك وروي أنها كانت نخلة بلا رأس وكان ذلك في الشتاء ~~فجعل الله تعالى لها رأسا وأنبت فيها رطبا فذلك قوله تساقط عليك رطبا ~~أي غضا طريا قيل لها { فكلى } من الرطب { واشربى } من النهر { ~~وقرى عينا } أي طيبي نفسا بولادة عيسى وقال الربيع بن خيثم: ما ~~للنفساء عندي دواء إلا الرطب ولا للمريض إلا العسل ثم قال تعالى: { ~~فإما ترين من البشر أحدا } يعني: إن رأيت أحدا من ~~الناس { فقولى } إن سألك أحد شيئا فقولي { إنى نذرت ~~للرحمن صوما } يعني: صمتا وروي عن ابن عباس في بعض الروايات ~~أنه كان يقرأ إني نذرت للرحمن صمتا { فلن أكلم اليوم ~~إنسيا } يعني: قولي ذلك بالإشارة لا بالقول وكان المتقدمون يصومون من ~~الكلام كما يصومون من الطعام. ### || [19.27-33] # { فأتت به قومها } وذلك أن مريم حملت عيسى عليه السلام ودخلت ~~على أهلها وكان أهلها أهل بيت صالحين { قالوا } لها أي: قومها { ~~يمريم لقد جئت شيئا فريا } يعني أتيت وفعلت أمرا ~~عظيما منكرا لا يعرف منك ولا من أهل بيتك { يأخت هارون } يعني ~~هارون بن ماثان وكان من أمثل بني إسرائيل يا أخت هارون يعني: يا ~~شبه هارون في الصلاة والصلاح ويقال كان رجل سوء يسمى هارون فعيروها به ~~وشبهوها بهارون ويقال كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها ~~وذكر أن أهل الكتاب قالوا كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ~~ستمائة سنة فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: # " إنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين عليهم السلام " # يعني أن أخا مريم سمي باسم ms1015 هارون النبي عليه السلام ثم قال: { ما ~~كان أبوك امرأ سوء } يعني زانيا { وما كانت أمك ~~بغيا } يعني: فاجرة { فأشارت إليه } يعني أشارت إلى عيسى ~~عليه السلام أن كلموه يعني كلموا عيسى { قالوا كيف نكلم من ~~كان فى المهد صبيا } يعني: من هو في الحجر وهو رضيع ويقال: ~~معناه: كيف نكلم من هو يكون في المهد ويقال معناه كيف نكلم من يكون في ~~المهد صبيا فأنطق الله تعالى عيسى فتكلم و { قال إنى عبد الله ~~} فأول الكلام الذي تكلم به رد على النصارى لأنه أقر بأنه عبد الله ~~ورسوله ثم قال { آتاني الكتاب } روي عن ابن عباس أنه قال: معناه ~~علمني الكتاب في بطن أمي ويقال معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل { ~~وجعلنى نبيا } أي أكرمني الله تعالى بأن جعلني نبيا { ~~وجعلنى مباركا } يعني جعلني معلما للخلق { أينما كنت } ~~يعني: حيث ما كنت { وأوصاني بالصلاة والزكاة } يعني: ~~أوصاني وأمرني بإتمام الصلاة وإعطاء الزكاة { ما دمت حيا وبرا ~~بوالدتى } يعني جعلني رحيما بوالدتي { ولم يجعلنى ~~جبارا شقيا } يعني: لم يخذلني حتى صرت به جبارا عصيا { ~~والسلم على } يعني: السلام علي من الله تعالى { يوم ~~ولدت } يعني: حين ولدت { ويوم أموت } يعني حين أموت { ~~ويوم أبعث حيا } يعني: أبعث يوم القيامة فكلمهم بهذا ثم سكت ~~فلم يتكلم حتى كان قدر ما يتكلم الغلمان. ### || [19.34-39] # ثم قال عز وجل: { ذلك عيسى ابن مريم } أي: ذلك الذي قال إني ~~عبد الله عيسى بن مريم لا ما يقول النصارى إنه إله { قول الحق } ~~يعني: خبر الصدق قرأ عاصم وابن عامر قول بنصب اللام والباقون بالضم فمن ~~قرأ بالنصب فمعناه أقول الحق ومن قرأ بالضم معناه وهو قول الحق { الذى ~~فيه يمترون } يعني يشكون في عيسى عليه السلام ويختلفون فيما بينهم ~~ثم كذبهم في قولهم فقال: { ما كان لله أن يتخذ من ولد } ~~يعني: عيسى ثم نزه عن الولد فقال { سبحنه إذا قضى أمرا } ~~يعني إذا أراد أن يخلق خلقا مثل عيسى { فإنما يقول له كن ~~فيكون ms1016 } قرأ ابن عامر فيكون بالنصب وقرأ الباقون بالضم وقرأ بعضهم ~~تمترون بالتاء على وجه المخاطبة وقراءة العامة بالياء لأنها ليست فيها ~~مخاطبة { وإن الله ربى وربكم } قرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو ربكم بالنصب على معنى البناء والباقون وإن الله بالكسر على معنى ~~الابتداء وهي قراءة أبي عبيدة وفي قراءة أبي إن الله بغير واو فتكون ~~قراءته شاهدة على الكسر ثم قال { فاعبدوه } يعني: وحدوه وأطيعوه { ~~هذا صرط مستقيم } يعني: هذا الإسلام طريق مستقيم { ~~فاختلف الأحزاب من بينهم } يعني: الكفار من أهل النصارى ~~من بينهم يعني: بينهم في عيسى وتفرقوا ثلاثة فرق قالت النسطورية عيسى ابن ~~الله واليعقوبية قالوا إن الله هو المسيح والملكانية قالوا: إن الله ثالث ~~ثلاثة { فويل } يعني: الشدة من العذاب { للذين كفروا من ~~مشهد يوم عظيم } يعني: من عذاب يوم القيامة بأن عيسى لم يكن ~~الله ولا ولده ولا شريكه ويقال: ويل صخرة في جهنم { أسمع بهم ~~وأبصر يوم يأتوننا لكن الظلمون } أي: المشركون ~~{ اليوم } يعني: في الدنيا { فى ضلل مبين } أي: في خطأ بين ~~لا يسمعون الهدى ولا يبصرون ولا يرغبون فيه { وأنذرهم يوم ~~الحسرة } يقول وأنذرهم يا محمد أي خوفهم بهول يوم القيامة { إذ ~~قضى الأمر } يعني فرغ من الأمر إذا دخل أهل الجنة الجنة ودخل أهل ~~النار النار وهو يوم الندامة { وهم فى غفلة } يعني هم في الدنيا ~~في غفلة من تلك الندامة والحسرة { وهم لا يؤمنون } يعني لا ~~يصدقون بالبعث قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: ~~حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني عن محمد بن ~~عمرو عن (أبي) مسلمة عن الزهري عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال # " يؤتى بالموت فيوقف على الصراط فيقال يا أهل الجنة فيطلعون ويقال يا ~~أهل النار فيطلعون فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم يا ربنا هذا الموت ~~قال فيؤمر به فيذبح على الصراط ثم يقال للفريقين خلود لا موت فيها أبدا ~~" # وروى الأعمش عن ms1017 أبي صالح عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحوه فذلك قوله { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى ~~الأمر } الآية. ### || [19.40-47] # ثم قال: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها } يعني نميت ~~أهل الأرض كلهم ومن عليها { وإلينا يرجعون } في الآخرة { ~~واذكر فى الكتب إبرهيم } يعني خبر إبراهيم { إنه ~~كان صديقا نبيا } يعني صادقا وقال الزجاج: الصديق اسم ~~للمبالغة في الصدق يقال كل من صدق بتوحيد الله عز وجل وأنبيائه عليهم ~~السلام وفرائضه وعمل بما صدق فيه فهو صديق ومن ذلك سمي أبو بكر الصديق { ~~إذ قال لأبيه } وهو آزر بن تارخ بن تاخور وكان يعبد الأصنام { ~~يأبت لم تعبد ما لا يسمع } دعاءك { ولا يبصر } ~~عبادتك { ولا يغنى عنك } من عذاب الله عز وجل { شيئا } قرأ ابن ~~عامر يا أبت بالنصب والباقون بالكسر وكذلك ما بعده والعرب تقول في النداء ~~يا أبت ولا تقول يا أبتي ثم قال { يأبت إنى قد جاءنى من ~~العلم } من الله تعالى من البيان { ما لم يأتك } أنه من عند ~~غير الله عذبه الله في الآخرة بالنار { فاتبعنى } يعني: أطعني فيما ~~أدعوك ويقال اتبع دين الله { أهدك } يعني: أرشدك { صراطا سويا ~~} يعني: طريقا عدلا قائما ترضاه { يأبت لا تعبد ~~الشيطن } يعني: لا تطع الشيطان فمن أطاع شيئا فقد عبده { إن ~~الشيطن كان للرحمن عصيا } يعني عاصيا ثم قال { ~~يأبت إنى أخاف أن يمسك } يعني: أعلم أن يمسك { عذاب } ~~إن أقمت على كفرك يصيبك عذاب { من الرحمن } { فتكون ~~للشيطن وليا } يعني: قرينا في النار { قال } له أبوه { ~~أراغب أنت عن آلهتى } يعني أتارك أنت عبادة آلهتي { ~~يإبرهيم لئن لم تنته لأرجمنك } يقول: إن لم تنته عن ~~مقالتك ولم ترجع عنها لأسبنك وأشتمنك وكل شيء في القرآن من الرجم فهو ~~القتل غير ها هنا فإن ها هنا المراد به السب والشتم { واهجرنى ~~مليا } يعني تباعد عني حينا طويلا ولا تكلمني وقال السدي (مليا) ~~تعني أبدا وقال قتادة واهجرني مليا يعني تباعد عني سالما ويقال لا ms1018 ~~تكلمني دهرا طويلا { قال } إبراهيم { سلم عليك } يعني ~~أكرمك الله بالهدى { سأستغفر لك ربي } يعني سأدعو لك ربي { ~~إنه كان بى حفيا } يعني بارا عودني الإجابة إذا دعوته ويقال ~~تحفيت بالرجل إذا بالغت في إكرامه وهذا قول القتبي ويقال: حفيا يعني ~~عالما يستجيب لي إذا دعوته وكان يستغفر له ما دام أبوه حيا فلما مات ~~كافرا ترك الاستغفار له وكان يرجو أن يهديه الله عز وجل قوله عز وجل: # { وأعتزلكم وما تدعون... } ### || [19.48-55] # { وأعتزلكم } يعني وأترككم { وما تدعون من دون الله ~~} يعني أترك عبادة ما تعبدون من دون الله عز وجل { وأدعو ربى عسى ~~أن لا أكون بدعاء ربى شقيا } يعني: لا يخيبني إذا دعوته ~~فهاجر إلى بيت المقدس { فلما اعتزلهم وما يعبدون من ~~دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب } يعني أكرمناه ~~بالولد وهو إسحاق وولد الولد وهو يعقوب وقال بعض الحكماء من هاجر في طلب ~~رضاء الله عز وجل أكرمه الله عز وجل في الدنيا والآخرة كما أن إبراهيم ~~هاجر من قومه في طلب رضى الله تعالى عنه فأكرمه الله تعالى بإسحاق ويعقوب ~~عليهما السلام والثناء العمل الصالح ثم قال تعالى { وكلا جعلنا ~~نبيا } يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أكرمناهم بالنبوة { ~~ووهبنا لهم من رحمتنا } يعني من نعمتنا المال والولد في ~~الدنيا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " نعم المال الصالح للرجل الصالح " # { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } يعني أكرمناهم بالثناء ~~الحسن وكل أهل دين يقولون دين إبراهيم بزعمهم { واذكر فى ~~الكتب موسى إنه كان مخلصا } يعني: أخلصه الله عز وجل ~~ويقال: مخلصا يعني: جعله الله مختارا خالصا قرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~بنصب اللام يعني أخلصه الله عز وجل ويقال: مخلصا من الكفر والمعاصي ~~الباقون مخلصا بالكسر يعني مخلصا في العمل { وكان رسولا ~~نبيا } إلى بني إسرائيل { وندينه من جانب الطور ~~الأيمن } يعني: من يمين موسى ولم يكن للجبل يمين ولا شمال { ~~وقربناه نجيا } أي: كلمناه بلا وحي وقال الكلبي ~~(وقربناه نجيا) يعني وقربناه حتى سمع صرير ms1019 القلم في اللوح وقال ~~السدي: أدخل في السماء الدنيا وكلم وقال الزجاج (وقربناه ~~نجيا) مناجيا ثم قال عز وجل { ووهبنا له من رحمتنا } ~~من نعمتنا { أخاه هرون نبيا } فكان معه وزيرا معينا { ~~واذكر فى الكتب إسمعيل } يعني: اذكر في القرآن خبر ~~إسماعيل { إنه كان صدق الوعد } إذا وعد أنجز قال مقاتل: ~~إن إسماعيل وعد رجلا أن ينتظره فقام مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع ~~الرجل إليه وقال في رواية الكلبي كان ميعاده الذي وعد فيه صاحبه انتظره ~~حتى حال الحول وقال مجاهد إنه كان صادق الوعد يعني: لم يعد شيئا إلا وفى ~~به { وكان رسولا نبيا } يعني: كان رسولا إلى قومه نبيا ~~يخبر عن الله عز وجل { وكان يأمر أهله } يعني: أهل دينه ~~وقومه { بالصلاة والزكاة } يعني: بإتمام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة { وكان عند ربه مرضيا } يعني صالحا ذكيا. ### || [19.56-58] # { واذكر فى الكتب إدريس } يعني: خبر إدريس { إنه ~~كان صديقا نبيا } يعني: صادقا يخبر عن الله عز وجل وذكر عن ~~وهب بن منبه أنه قال: إنما سمي إدريس لكثرة ما يدرس من كتاب الله عز وجل ~~والسنن وأنزل عليه ثلاثين صحيفة وهو أول من لبس ثوب القطن وكانوا من قبل ~~ذلك يلبسون جلود الضأن واسمه أخنوخ. ويقال إلياس { ورفعناه ~~مكانا عليا } يعني: الجنة وقال مجاهد: يعني في السماء الرابعة قال ~~أخبرني الثقة بإسناده عن ابن عباس أنه سئل كعب الأحبار عن إدريس فقال كعب ~~إن إدريس كان رجلا خياطا وكان يقوم الليل ويصوم النهار ولا يفتر عن ذكر ~~الله عز وجل وكان يكتسب فيتصدق بالثلثين فأتاه ملك من الملائكة يقال له ~~إسرافيل فبشره بالجنة وقال له هل لك من حاجة قال وددت أني أعلم إلى متى ~~أجلي فأزداد خيرا فقال له ما أعلمه ولكن إن شئت حملتك إلى السماء قال: ~~فحمله إلى السماء فلقي ملك الموت فسأله عن أجله ففتح كتابا معه فقال لم ~~يبق من أجلك إلا ست ساعات أو سبع ساعات وقال أمرت أن أقبض نفسك ها هنا ~~فقبض ms1020 نفسه في السماء فذلك رفع مكانه وروى الكلبي عن زيد بن أسلم عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن إدريس جد أبي نوح وكان أهل الأرض يومئذ بعضهم مؤمنا وبعضهم كافرا ~~فكان يصعد لإدريس من العمل ما كان يصعد لجميع بني آدم فأحبه ملك الموت ~~فاستأذن الله تعالى في خلته قال فأذن له قال: فهبط إليه في صورة غير ~~صورته على صورة آدمي لكيلا يعرفه فقال: يا إدريس إني أحب أن أصحبك وأكون ~~معك فقال له إدريس إنك لا تطيق ذلك قال أنا أرجو أن يقويني الله عز وجل ~~على ذلك فكان معه يصحبه وكان إدريس يسيح النهار كله صائما فإذا جنه ~~الليل أتاه رزقه حيث يمسي فيفطر عليه ثم يحيي الليل كله فساحا النهار كله ~~صائمين حتى إذا أمسيا أتى إدريس رزقه فأكله ودعا الآخر فقال لا والذي ~~جعلك بشرا ما أشتهيه فيطعم إدريس ثم يستقبلا الليل بالصلاة فإدريس تناله ~~السآمة والفترة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر فجعل إدريس يتعجب منه ~~ثم أصبحا صائمين فساحا حتى إذا جنهما الليل أتى إدريس رزقه فجعل يطعم ~~ودعي الآخر فقال لا والذي جعلك بشرا ما أشتهيه فيطعم ثم استقبلا الليل ~~كله فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر فجعل إدريس ~~يتعجب منه ثم أصبحا اليوم الثالث صائمين فساحا فمرا على كرم قد أينع وطاب ~~فقال يا إدريس لو أنا أخذنا من هذا الكرم فأكلنا فقال إدريس ما أرى صاحبه ~~فأشتريه منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن قال فمضيا حتى مرا على غنم فقال ~~يا إدريس لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها فقال له إدريس إنك ~~معي منذ ثلاثة أيام فلو كنت آدميا لطعمت وإني لأدعوك كل ليلة إلى الحلال ~~فتأبى علي فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذه فبصحبة ما بيني وبينك إلا ما ~~أنبأتني من أنت قال إنك ستعلم قال أخبرني من أنت قال أنا ملك الموت ففزع ~~حين قال أنا ms1021 ملك الموت قال فإني أسألك حاجة قال ما هي قال أن تذيقني ~~الموت قال ما لي من ذلك شيء وليس لك بد من أن تذوقه قال: فإنه قد بلغني ~~عنه شدة ولعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا قال فأوحى الله عز ~~وجل إلى ملك الموت أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله قال فقبض نفسه ساعة ثم ~~أرسله فقال كيف رأيت قال لقد بلغني عنه شدة فلقد كان أشد مما بلغني عنه ~~قال: فإني أسألك حاجة أخرى قال: ما هي قال: أحب أن تريني النار قال مالي ~~من ذلك شيء ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت فسأل ربه فأمره فبسط جناحه ~~فحمله عليه حتى صعد به إلى السماء فانتهى به إلى باب من أبواب النار ~~فدقه فقيل من هذا فقال: ملك الموت فقال: مرحبا بأمين الله عز وجل فهل ~~أمرت فينا بشيء فقال لو أمرت فيكم بشيء لم أناظركم ولكن هذا إدريس سألني ~~أن أريه النار فأحب أن تروها إياه ففتح منها بشيء فجاءت بأمر عظيم فخر ~~إدريس مغشيا عليه فحمله ملك الموت وحبسه في ناحية حتى أفاق فقال له ملك ~~الموت ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ولكن سألتني فأحببت أن أسعفك قال ~~فإني أسألك حاجة أخرى لا أسألك غيرها قال ما هي قال أحب أن تريني الجنة ~~قال مالي من ذلك شيء ولكن سأطلب لك فإن قدرت عليه فعلت فانطلق به إلى ~~خزنة الجنة فدق بابا من أبوابها فقيل: من هذا فقال: أنا ملك الموت ~~فقالوا: مرحبا بأمين الله عز وجل هل أمرت فينا بشيء فقال لو أمرت فيكم ~~بشيء لم أناظركم ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه ~~قال ففتح له الباب فدخل فنظر إلى شيء لم ينظر مثله قط فطاف فيها ساعة ثم ~~قال له ملك الموت انطلق بنا فلنخرج فانطلق إلى شجرة فتعلق بها ثم قال ~~والله لا أخرج حتى يكون الله عز وجل هو الذي يخرجني فقال ms1022 ملك الموت إنه ~~ليس حينها ولا زمانها ولكن طلبت إليهم لترى فانطلق بنا فأبى عليه فقبض ~~الله ملكا من الملائكة فقال له ملك الموت اجعل هذا الملك حكما بيني ~~وبينك قال نعم قال الملك ما هو يا ملك الموت فأخبره بالقصة ثم نظر الملك ~~إلى إدريس قال ما تقول يا إدريس قال أقول إن الله يقول { كل نفس ~~ذآئقة الموت } [آل عمران: 185] ويقول: { وإن منكم إلا ~~واردها } [مريم: 71] وقد وردتها وقال لأهل الجنة { وما هم ~~منها بمخرجين } [الحجر: 48] فوالله لا أخرج منها حتى يكون الله ~~عز وجل هو الذي يخرجني قال: فسمع هاتفا يقول بإذني دخل وبإذني فعل فخل ~~سبيله فذلك قوله عز وجل: { ورفعناه مكانا عليا } " # أي الجنة ويقال: ورفعناه في القدر والمنزلة ويقال ورفعناه في النبوة ~~والعلم ثم قال عز وجل: { أولئك } يعني إبراهيم وموسى وإسماعيل ~~وإدريس وسائر الأنبياء { الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح } من ~~سائر الأنبياء وهم ولد نوح إلا إدريس يعني: حملناهم على السفينة وهم في ~~صلب نوح وأولاده { ومن ذرية إبرهيم وإسرءيل } وهو يعقوب ~~{ وممن هدينا } يعني: أكرمنا بالنبوة ويقال أكرمنا بالإسلام { ~~واجتبينا } يعني: واصطفينا بعد هؤلاء { إذا تتلى عليهم ~~آيات الرحمن } يعني القرآن { خروا سجدا وبكيا } ~~يعني يسجدون ويكون من خوف الله عز وجل بكى جمع باكي وقوله: { سجدا ~~وبكيا } منصوب على الحال وقال بعضهم: بكيا مصدر بكى يبكي بكيا ~~وقال الزجاج: من قال مصدر فهو خطأ لأن سجدا جمع ساجد وبكيا عطف عليه فهو ~~جمع باك. ### || [19.59-64] # { فخلف من بعدهم خلف } يعني بقي بعد الأنبياء الذين ~~ذكرناهم من أول السورة إلى هنا بقيات سوء وهم اليهود والنصارى يقال: في ~~الرداء خلف بإمكان اللام وفي الصلاح خلف بفتح اللام ثم وصفهم فقال ~~{ أضاعوا الصلاة } يعني: عن وقتها ويقال تركوها ويقال تركوا ~~الصلاة فلم يؤدوها وجحدوا بها فكفروا { واتبعوا الشهوت } يعني ~~وشربوا الخمر ويقال استحلوا الزنا ويقال استحلوا نكاح الأخت من الأب { ~~فسوف يلقون غيا } يعني شرا ms1023 ويقال وادي في جهنم يسمى غيا ~~ويقال مجازاة الغي كما قال الله عز وجل # يلق أثاما # [الفرقان: 68] أي مجازاة الآثام ثم استثني فقال تعالى { إلا من ~~تاب } يعني رجع عن الكفر { وآمن } يعني: صدق بتوحيد الله عز وجل { ~~وعمل صلحا } بعد التوبة { فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون شيئا } يعني: لا ينقصون شيئا من ثواب ~~أعمالهم ثم قال عز وجل: { جنت عدن } صار خفضا لأن معناه يدخلون ~~في (جنات عدن) { التى وعد الرحمن عباده بالغيب } ~~يعني ما غاب عن العباد والله عز وجل لا يغيب عنه شيء { إنه كان ~~وعده مأتيا } يعني جائيا كائنا وقال القتبي (مأتيا) يعني ~~المفعول بمعنى الفاعل يعني: جائيا وقال الزجاج: (مأتيا) مفعول من ~~الإتيان لأن كل من وصل إليك فقد وصلت إليه وكل من أتاك فقد أتيته { لا ~~يسمعون فيها } يعني في الجنة { لغوا } يعني حلفا وباطلا { ~~إلا سلما } يعني: ويسمعون السلام يسلم بعضهم على بعض وقال ~~الزجاج: اللغو ما يلغي من الكلام ويؤثم فيه والسلام اسم جامع للخير لأنه ~~يتضمن السلامة يعني لا يسمعون إلا سلامهم { ولهم رزقهم فيها ~~بكرة وعشيا } يعني: طعامهم على مقدار البكرة والعشي وليس هناك ~~بكرة ولا عشي وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال كانت العرب إذا أصاب ~~أحدهم الغداء والعشاء أعجبهم ذلك فأخبرهم الله تعالى أن لهم في الجنة هذه ~~الحالة وقال القتبي الناس يختلفون في مطاعمهم فمنهم من يأكل وجبة أي: مرة ~~واحدة في كل يوم ومنهم من يأكل متى وجد بغير وقت ولا عداد ومنهم من يأكل ~~الغداء والعشاء فأعدل هذه الأحوال كلها وأنفعها الغداء والعشاء والعرب ~~تقول عن ترك العشاء مهرمة ويذهب بلحم الكارة يعني باطن الفخذ فجعل طعام ~~أهل الجنة على قدر ذلك. ### || [19.65-70] # ثم قال عز وجل: { تلك الجنة التى نورث من عبادنا ~~من كان تقيا } يعني: مطيعا لله عز وجل { وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك } وذلك حين أبطأ عليه الوحي وعند سؤال أهل مكة عن ~~ذي القرنين وأصحاب الكهف وأمر الروح عاتب ms1024 المصطفى جبريل فقال الله تعالى ~~(قل يا جبريل لمحمد) ومعناه: قل { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك } { له ما بين أيدينا } من أمر الآخرة { وما ~~خلفنا } من أمر الدنيا { وما بين ذلك } أي ما بين النفختين { ~~وما كان ربك نسيا } يعني: لم يكن ينساك ربك حيث لم يوح إليك ~~ويقال ما بين أيدينا من أمر الآخرة والثواب والعقاب وما خلفنا جميع ما ~~مضى من أمر الدنيا وما بين ذلك ما يكون في هذا الوقت منا { وما كان ~~ربك نسيا } أي قد علم الله عز وجل ما كان وما يكون وما هو كائن ~~حافظ لذلك ويقال ما نسيك ربك وإن تأخر عنك الوحي وروي عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل: # " ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا " # فنزلت هذه الآية ثم قال { رب السموات والأرض } أي: خالق ~~السموات وخالق الأرض { وما بينهما } من الخلق ويقال رب السموات ~~والأرض أي مالكهما وعالم بهما وما فيهما { فاعبده } أي: أطعه { ~~واصطبر لعبادته } يعني: أحبس نفسك على عبادته { هل تعلم ~~له سميا } يعني: هل تعلم أحدا يسمى الله سوى الله وهل تعلم أحدا ~~يسمى الرحمن سواه ويقال هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم ~~بما كان وبما يكون { ويقول الإنسن } يعني: أبي بن خلف { أإذا ~~ما مت لسوف أخرج حيا } للبعث على معنى الاستفهام، قال ~~الله عز وجل { أو لا يذكر إلإنسن } يعني أولا يتعظ ويعتبر { ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } قرأ: نافع وعاصم ~~وابن عامر أولا يذكر بجزم الذال مع التخفيف يعني أولا يعلم والباقون ~~أولا يذكر بنصب الذال والتشديد ثم قال { فوربك ~~لنحشرنهم } أقسم الرب بنفسه ليبعثنهم وليجمعنهم يعني الذين ~~أنكروا البعث { والشيطين } يعني الشياطين { ثم ~~لنحضرنهم } يعني: لنجمعنهم { حول جهنم جثيا } يعني: ~~جميعا قال أهل اللغة الجثي جمع جاثي مثل بارك وبرك وساجد وسجد ~~وقاعد وقعد أي على ركبهم ولا يقدرون على القيام قال الزجاج الأصل في ~~الجسم وجاز ms1025 كسرها إتباعا لكسر التاء وهو نصب على الحال { ثم ~~لننزعن من كل شيعة } يعني لنخرجن من كل شيعة من أهل كل دين { ~~أيهم أشد على الرحمن عتيا } يعني جرأة على الله عز ~~وجل وهم القادة في الكفر وساداتهم نبدأ بهم فنعذبهم في النار وروي عن ~~سفيان عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص في قوله أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا قال يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما قوله عز وجل: { ~~ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا } أي: ~~أحق بالنار دخولا. ### || [19.71-72] # { وإن منكم إلا واردها } قال بعضهم: أي داخلها المؤمن ~~والكافر يدخلون على الصراط وهو ممدود على متن جهنم ويقال (وإن منكم ~~إلا واردها) يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم وروى سفيان عن إبراهيم ~~بن مهاجر عن مجاهد أن نافع بن الأزرق خاصم ابن عباس وقال لا يردها مؤمن ~~فقال ابن عباس أما أنا وأنت فسندخلها فانظر بماذا نخرج منها إن خرجنا ~~وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال يرد الناس جميعا الصراط وورودهم ~~قيامهم حول النار ثم يمرون على الصراط بأعمالهم فمنهم من يمر مثل البرق ~~ومنهم من يمر مثل الريح ومنهم من يمر مثل الطير ومنهم من يمر كأجود الخيل ~~ومنهم من يمر كأجود الإبل ومنهم من يمر كعدو الرجل حتى أن آخرهم مثل رجل ~~نوره على إبهامي قدميه ثم يتكفأ به الصراط والصراط دحض مزلة كحد السيف ~~عليه حسك كحسك العتاد وحافتاه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها ~~الناس فبين مار ناج وبين مخدوش مكدوش في النار والملائكة عليهم السلام ~~يقولون رب سلم سلم وروى سفيان عن ثور بن خالد بن معدان قال إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة قالوا ألم يعدنا ربنا أنا نرد النار قال ~~إنكم قد مررتم بها وهي خامدة فذلك قوله عز وجل { وإن منكم إلا ~~واردها } يعني: الخلائق على الصرط والصراط في جهنم { كان على ~~ربك حتما مقضيا } يعني قضاء واجبا قال: حدثنا أبو الحسن ~~محمد بن محمد بن مندوست قال: حدثنا ms1026 فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن ~~الفضل قال: حدثنا عدي بن عاصم قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا جرير ~~عن أبي السليل عن غنيم بن قيس عن أبي العوام قال: قال كعب هل تدرون ما ~~قوله { وإن منكم إلا واردها } قالوا: ما كنا نرى ورودها إلا ~~دخولها قال لا ولكن ورودها أن يجاء بجهنم كأنها متن أهالة حتى إذا استوت ~~عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم نادى مناد خذي أصحابك وذري أصحابي ~~فتخسف بكل ولي لها وهي أعلم بهم من الوالد لولده وينجو المؤمنون ندية ~~ثيابهم قال: وحدثني الثقة بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: لما نزلت هذه الآية كبا لها الناس كبوة شديدة وحزنوا حتى بلغ الحزن ~~كل مبلغ وليس أحدا إلا وهو يدخلها فأنشأوا يبكون قال ونزل بابن مظعون ~~ضيف فقال لامرأته هيئي لنا طعاما فاستوصي بضيفك خيرا حتى آتي رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فانتهى إليه وهم يبكون فقال ما يبكيكم قالوا نزلت ~~هذه الآية { وإن منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا } يقول: كائنا لا يبقى أحد إلا دخلها فأنشأ عثمان ~~بن مظعون يبكي ثم انصرف إلى منزله باكيا فلما أتى منزله سمعت امرأته ~~بكاءه فأنشأت تبكي فلما سمع الضيف بكاءهما أنشأ يبكي فلما دخل عليهما ~~عثمان قال لها: ما يبكيك قالت سمعت بكاءك فبكيت فقال للضيف: وأنت ما ~~يبكيك قال عرفن أن الذي أبكاكما سيبكيني قال عثمان فابكوا وحق لكم أن ~~تبكوا أنزل الله عز وجل اليوم على رسوله { وإن منكم إلا ~~واردها } فمكثوا بعد هذه الآية سنتين ثم قال عز وجل { ثم ننجى ~~الذين اتقوا } وروي في بعض الأخبار أنه نزل بعد ثلاثة أيام ~~(ثم ننجى الذين اتقوا } الشرك والمعاصي { ونذر ~~الظلمين فيها جثيا } يعني: المشركين جميعا فيها ففرح ~~المسلمون بها قرأ الكسائي ننجي بالتخفيف والباقون بالنصب والتشديد نجا ~~ينجي ونجا ينجي بمعنى واحد. ### || [19.73-76] # { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } تعرض عليهم يعني ~~واضحات قد بين فيها ms1027 الحلال والحرام { قال الذين كفروا ~~للذين ءامنوا } يعني أن النضر بن الحارث قال لأصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ويقال: أهل مكة قالوا لأصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - { أى الفريقين خير مقاما } يعني أهل الدينين يعني ~~منزلا قرأ ابن كثير مقاما بضم الميم والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم ~~فهو الإقامة يقال أقمت إقامة ومقاما ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي ~~يقام فيه { وأحسن نديا } يعني: مجلسا وذلك أنهم لبسوا الثياب ~~ودهنوا الرؤوس ثم قالوا للمؤمنين أي الفريقين خير منزلة المسلمون أو ~~المشركون وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم { وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } يعني: أكثر أموالا ~~ورئيا يعني: منظرا حسنا فلم يغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئا قرأ ~~نافع وابن عامر وريا بتشديد الياء بغير همز يعني النعمة والباقون ~~ورئيا بالهمز بغير تشديد يعني المنظر قال أبو عبيد وهكذا نقرأ مهموزا ~~لأنه من رؤية العين وإنما هي المنظر ثم قال عز وجل: { قل من كان فى ~~الضللة } يعني: قل يا محمد من كان في الكفر والشرك { فليمدد ~~له الرحمن مدا } يعني: يزيد له مالا وولدا قوله فليمدد هذا ~~لفظ الأمر ومعناه الخبر وتأويله أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه ~~فيها ويمده فيها كما قال # ويمدهم في طغينهم يعمهون # [البقرة: 15] { حتى إذا رأوا ما يوعدون } يعني في الآخرة ~~من العذاب والثواب { إما العذاب } في الدنيا { وإما الساعة ~~} أي قيام الساعة { فسيعلمون } يعني فسيعرفون يوم القيامة { من ~~هو شر مكانا } يعني صنيعا في الدنيا ومنزلا في الآخرة { ~~وأضعف جندا } يعني أقل عددا وقوة ومنعة أهم أم المؤمنون { ~~ويزيد الله الذين اهتدوا هدى } يعني: يزيد الله عز وجل ~~الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ ويقال جعل ~~جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم ويزيدهم بصيرة { والبقيات ~~الصلحات خير عند ربك ثوابا } وقد ذكرناه { وخير ~~مردا } يعني: وأفضل مرجعا في الآخرة. ### || [19.77-82] # { أفرأيت الذى كفر بئايتنا } يعني: بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - والقرآن { وقال لأوتين ms1028 } يعني لأعطين { مالا ~~وولدا } في الجنة روى أسباط عن السدي أن خباب بن الأرت كان صائغا ~~يعمل للعاص بن وائل حليا فجاء يسأله أجره فقال له العاص أنتم تزعمون أن ~~لنا بعثة وجنة ونارا فإذا كان يوم القيامة فإني سأوتى مالا وولدا ~~وأعطيك منه فنزل { أفرأيت الذى كفر بئايتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا } في الجنة قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو ~~مالا وولدا بفتح اللام والواو في كل القرآن غير أن أبا عمرو قرأ في ~~سورة نوح بالضم وهكذا روي عن مجاد وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وجزم ~~اللام من ها هنا إلى آخر السورة والتي في الزخرف والتي في سورة نوح وقال ~~أبو عبيد إنما قرأ هكذا لأنهما جعلا الولد غير الولد فيقال الولد ~~جماعة الأهل والولد واحد وقال الزجاج: الولد مثل أسد وأسد وجائز أن ~~يكون الولد بمعنى الولد قال أبو عبيد والذي عندنا في ذلك أنهما لغتان ~~والذي نختاره منهما بفتح اللام والواو قال الله عز وجل ردا على الكافرين ~~{ أطلع الغيب } يقول أنظر في اللوح المحفوظ { أم اتخذ ~~عند الرحمن عهدا } يعني: أعقد عند الله عقد التوحيد وهو قول ~~لا إله إلا الله ويقال أعهد إليه أن يجعل له في الجنة { كلا } وهو رد ~~عليه لا يعطي له ذلك واعلم أنه ليس في النصف الأول كلا وأما النصف الثاني ~~ففيه نيف وثلاثون موضعا ففي بعض المواضع في معنى الرد للكلام الأول وفي ~~بعض المواضع للتنبيه في معنى الافتتاح وفي بعض المواضع يحتمل كلا الوجهين ~~فأول ذلك أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ~~كلا تم الكلام عنده أي كلا لم يطلع الغيب ولم يتخذ عهدا ثم ابتدأ { ~~سنكتب ما يقول } من ذلك قوله { فأخاف أن يقتلون قال ~~كلا } لا يقتلونك وأما الذي هو للتنبيه في معنى الافتتاح قوله عز وجل # حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون # [التكاثر:2- 3] وقوله عز وجل سنكتب ما يقول من الكذب يعني: سنحفظ ما ~~يقول { ونمد له من العذاب } يعني: نزيد له من العذاب ms1029 مدا ~~يعني بعضه على إثر بعض { ونرثه ما يقول } يعني نعطيه غير ما ~~يقول في الجنة ونعطي ما يدعي لنفسه لغيره { ويأتينا فردا } يعني ~~وحيدا بغير مال ولا ولد { واتخذوا من دون الله ءالهة ~~ليكونوا لهم عزا } يعني منعة في الآخرة { كلا } رد عليهم ~~أي لا يكون لهم منعة. وتم الكلام ثم قال { سيكفرون ~~بعبدتهم } يعني: الآلهة يجحدون عبادتهم { ويكونون ~~عليهم ضدا } يعني الآلهة تكون عونا عليهم في العذاب ويقال عدوا ~~لهم في الآخرة ومن هذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " من طلب رضا المخلوق في معصية الخالق عاد الحامد له ذاما " # كما أن المشركين طلبوا العز من الآلهة فصارت الآلهة عونا عليهم في ~~العذاب فوجدوا ضد ما طلبوا منه. ### || [19.83-86] # ثم قال عز وجل: { ألم تر أنا أرسلنا الشيطين } يعني ~~ألم تخبر في القرآن أنا سلطنا الشياطين { على الكفرين } مجازاة ~~لهم ويقال خلينا بينهم وبين الكفار فلم نعصمهم { تؤزهم أزا } ~~يعني: تزعجهم إزعاجا وتغريهم إغراء حتى يركبوا المعاصي قال الضحاك ~~(تؤزهم أزا) أي تأمرهم أمرا وقال الحسن: تقدمهم إقداما إلى الشر ~~وقال الكلبي نزلت الآية في المستهزئين بالقرآن وهم خمسة رهط { فلا ~~تعجل } يا محمد { عليهم } بالعذاب { إنما نعد لهم ~~عدا } يعني أيام الحياة ثم ينزل بهم العذاب ويقال نعد عليهم النفس بعد ~~النفس ويقال الأيام والليالي والشهور قوله عز وجل: { يوم نحشر ~~المتقين } يعني: أذكر يوم نحشر المتقين الذين اتقوا الشرك والفواحش ~~{ إلى الرحمن وفدا } يعني: ركبانا على النوق والوفد جمع ~~الوافد مثل الركب جمع راكب والوفد الذي يأتي بالخبر والبشارة ويجازي ~~بالحياة الكرامة وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ (يوم نحشر ~~المتقين إلى الرحمن وفدا) ثم قال أتدرون على أي شيء ~~يحشرون أما والله ما يحشرون على أقدامهم ولكن يؤتون بنوق لم ير الخلائق ~~مثلها عليها أرحال الذهب وأزمتها من الزبرجد ثم ينطلق بهم حتى يقرعوا باب ~~الجنة وقال الربيع بن أنس يوفدون إلى ربهم فيكرمون ويعظمون ويشفعون ~~ويحيون فيها بالسلام ويقال: إلى الرحمن ms1030 يعني إلى الرحمة وهي الجنة ويقال ~~إلى الرحمن يعني إلى دار الرحمن ثم قال عز وجل { ونسوق ~~المجرمين إلى جهنم وردا } يعني: عطاشا مشاة وأصله ~~الورود على الماء والوارد على الماء يكون عطشانا. ### || [19.87-98] # قال عز وجل: { لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ ~~عند الرحمن عهدا } يعني: من جاء بلا إله إلا الله وقال سفيان ~~الثوري: إلا من قدم عملا صالحا { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا } يعني: اليهود والنصارى { لقد جئتم شيئا إدا } ~~يعني: قلتم قولا عظيما منكرا ويقال كذبا وزورا قال عز وجل { تكاد ~~السموات يتفطرن منه } يعني: من قولهم { وتنشق ~~الأرض } يعني: تتصدع الأرض { وتخر الجبال هدا } تصير ~~الجبال كسرا { أن دعوا للرحمن ولدا } يعني بأن قالوا لله ~~ولد روي عن بعض الصحابة أنه قال كان بنو آدم لا يأتون شجرة إلا أصابوا ~~منها منفعة حتى قالت فجرة بني آدم اتخذ الرحمن ولدا اقشعرت ~~الأرض وهلك الشجر وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء على لفظ التذكير ~~والباقون بالتاء لأن الفعل مقدم فيجوز كلاهما وقرأ ابن كثير ونافع ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص يتفطرن بالتاء والباقون بالنون ~~ومعناهما واحد مثل ينشق وتنشق قال الله عز وجل { وما ينبغى ~~للرحمن أن يتخذ ولدا } يعني: ما اتخذ الله عز وجل ولدا ~~{ إن كل من فى السموات والأرض إلا اتى ~~الرحمن عبدا } يعني أقر بالعبودية يعني به الملائكة وعيسى ~~وعزيرا وغيرهم { لقد أحصهم } يعني حفظ عليهم أعمالهم ~~ليجازيهم بها { وعدهم عدا } يعني: علم عددهم ويقال أحصاهم أي ~~حفظ أعمالهم فيجازيهم وعدهم عدا أي علم عدد أنفاسهم وحركاتهم { ~~وكلهم ءاتيه يوم القيمة فردا } يعني وحيدا بغير ~~مال ولا ولد { إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } ~~يعني: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { سيجعل لهم الرحمن ~~ودا } يعني: يحبهم ويحببهم إلى الناس وقال كعب الأحبار قرأت في ~~التوراة أنها لم تكن محبة لأحد إلا كان بدؤها من الله تعالى ينزل إلى أهل ~~السماء ثم ينزلها إلى أهل الأرض ثم قرأت القرآن فوجدته فيه وهو قوله ~~سيجعل لهم الرحمن ms1031 ودا يعني محبة في أنفس القوم روى سهيل ~~بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال # " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل قد أحببت فلانا فأحبوه فينادي في ~~السماء ثم تنزل له المحبة في الأرض وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل قد ~~أبغضت فلانا فينادي في أهل السماء ثم تنزل له البغضاء في أهل الأرض " # قوله عز وجل: { فإنما يسرنه بلسانك } يعني هونا ~~قراءة القرآن على لسانك { لتبشر به المتقين } أي: الموحدين ~~{ وتنذر به قوما لدا } أي جدلا بالباطل شديدي الخصومة ~~وهو جمع ألد مثل أصم وصم { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } ~~يعني من قبل قريش { هل تحس منهم من أحد } يعني هل ترى ~~منهم من أحد { أو تسمع لهم ركزا } أي صوتا خفيا والركز ~~الصوت الذي لا يفهم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-6] # قوله تعالى: { طه } قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي في رواية أبي بكر " ~~طه " بكسر الطاء والهاء وقرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص ~~بنصب الطاء والهاء وقرأ نافع وسطا بين النصب والكسر وقرأ أبو عمرو وابن ~~العلاء بنصب الطاء وكسر الهاء قال ابن عباس رضي الله عنه في رواية أبي ~~صالح لما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي بمكة اجتهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العبادة فاشتد عليه فجعل يصلي الليل ~~كله حتى شق عليه ذلك ونحل جسمه وتغير لونه فقال أبو جهل وأصحابه إنك شقي ~~فأتنا بآية أنه ليس مع إلهك إله فنزل (طه) يعني يا رجل بلسان عك وعني ~~به النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال عكرمة والسدي هو بالنبطية وروى ~~عكرمة عن ابن عباس أنه قال طه كقولك يا فلان ويقال إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا صلى رفع رجلا ووضع أخرى فنزل طه يعني طىء الأرض ~~بقدميك جميعا وقال مجاهد طه فواتح السورة ويقال طا طرب المؤمنين في ms1032 ~~الجنة وها هو أن الكافرين في النار ويقال الطا طلب المؤمنين في الحرب ~~والها هرب الكافرين { ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى } ~~يعني لتنصب نفسك وتتعبها { إلا تذكرة لمن يخشى } يقول: لم ~~ننزله إلا عظة لمن يسلم وقال القتبي في الآية تقديم يقول ما أنزلنا عليك ~~القرآن إلا تذكرة لمن يخشى لا أن تشقى ثم قال { تنزيلا } يعني: تنزل ~~به جبريل - عليه السلام - { ممن خلق الأرض والسموت ~~العلى } يعني: نزل من عند خالق السموات والأرض العلى يعني: الرفيع ~~وقال أهل اللغة العلى جمع العليا يقول السماء العليا والسموات العلى ثم ~~قال { الرحمن على العرش استوى } أي: حكمه ويقال كان فوق ~~العرش حين خلق السموات والأرض ويقال استوى استولى وملك كما يقال استوى ~~فلان على بلد كذا يعني استولى عليها وملكها فالله تعالى بين لخلقه قدرته ~~وتمام ملكه أنه يملك العرش وله ما في السموات وما في الأرض فذلك قوله: { ~~له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما ~~وما تحت الثرى } يعني: ما تحت الأرض السابعة السفلى وروى أسباط ~~عن السدي في قوله عز وجل وما تحت الثرى قال الصخرة التي تحت الأرض ~~السابعة وهي صخرة خضراء وهي سجين التي فيها كتاب الكفار ويقال الثرى تراب ~~رطب مقدار خمسمائة عام تحت الأرض ولولا ذلك لأحرقت النار الدنيا وما فيها ~~وروي عن ابن عباس أنه قال بسطت الأرض على الصخرة والصخرة بين قرني الثور ~~والثور على الثرى وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله عز وجل. ### || [20.7-12] # ثم قال: { وإن تجهر بالقول } يعني: تعلن بالقرآن { فإنه ~~يعلم السر وأخفى } يعني: ما أسررت في نفسك { وأخفى } ~~يعني: ما لم تحدث في نفسك وهذا قول الضحاك وقال ابن عباس هكذا وقال ~~عكرمة: السر ما حدث الرجل به أهله وأخفى ما تكلمت به نفسك وروى منصور بن ~~عمار عن بعض الصحابة قال السر ما أسررت به في نفسك وأخفى من السر ما لم ~~يطلع عليه أحد أنه كائن ثم قال عز وجل: { الله لا إله ms1033 إلا ~~هو } يعني: هو الله الخالق الرزاق لا خالق ولا رازق غيره { له ~~الأسماء الحسنى } يعني الصفات العلى { وهل أتاك حديث ~~موسى } يعني: خبر موسى - عليه السلام - في القرآن ثم أخبره فقال { ~~إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا } يعني انزلوا مكانكم ~~وقفوا { إنى آنست نارا } يعني: أبصرت نارا وذلك حين رجع من مدين ~~مع أهله أصابهم البرد فرأى موسى نارا من البعد فقال لهم امكثوا إني آنست ~~نارا { لعلى اتيكم منها بقبس } يعني: بشعلة وهو ما اقتبس ~~من عود { أو أجد على النار هدى } يعني هاديا يدلنا على ~~الطريق وكان موسى - عليه السلام - ضل الطريق وكانت ليلة مظلمة { فلما ~~أتها } يعني: انتهى إلى النار { نودى } يعني: دعي { يا موسى } ~~قال ابن عباس: لما أتى النار فإذا هي نار بيضاء تستوقد من شجرة خضراء من ~~أسفلها إلى أعلاها وهي خضراء فجعل يتعجب منها وقال في رواية (كعب) فوقف ~~وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه فلما طال ذلك أهوى إليها بضغث في يده ~~وهو يريد أن يقتبس من لهبها فلما فعل ذلك مالت نحوه كأنها تريده فاستأخر ~~عنها ثم عاد فطاف بها فنودي يا موسى { إني أنا ربك فاخلع ~~نعليك إنك بالواد المقدس طوى } يعني: المطهر قال ~~مقاتل طوى إسم الوادي وقال مجاهد: أي طي الأرض حافيا قال عامة المفسرين: ~~إنما أمره أن يخلع نعليه لأنهما كانا من جلد حمار ميت وقال بعضم أراد أن ~~يصيب باطن قدميه من الوادي ليتبرك به وروي عن كعب الأحبار أنه كان جالسا ~~في المسجد فجاء رجل يصلي فخلع نعليه ثم جاء آخر يصلي فخلع نعليه ثم جاء ~~آخر فخلع نعليه فقال لهم كعب الأحبار أنبيكم - صلى الله عليه وسلم - ~~أمركم بهذا قالوا لا قال فلم تخلعون نعالكم إذا صليتم قالوا سمعنا الله ~~تعالى يقول: إخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى قال أتدرون من أي شيء ~~كانتا نعلاه قالوا لا قال إنما كانتا من جلد حمار ميت فأمره الله تعالى ~~أن يخلعهما ليمسه القدس كله ms1034 وقال عكرمة " إخلع نعليك إنك بالوادي المقدس ~~طوى " قال لكي يمس راحة قدميه الأرض الطيبة قرأ ابن كثير وأبو عمرو أني ~~بنصب الألف يعني بأني على معنى البناء والباقون بكسر الهاء وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ونافع طوى بنصب الواو بغير تنوين وقرأ الباقون بالتنوين ### || [20.13-16] # ثم قال: { وأنا اخترتك } يعني: اصطفيتك للرسالة قرأ حمزة بكسر ~~الألف وتشديد النون وإنا اخترناك بالنون بلفظ الجماعة والباقون بنصب ~~الألف وتخفيف النون وأنا اخترتك بالتاء قال أبو عبيدة وبهذا نقرأ لموافقة ~~الخط يعني: بخط عثمان ثم قال: { فاستمع لما يوحى } يعني: إعمل ~~بما تؤمر وتنهى ثم قال { إننى أنا الله لا إله إلا أنا ~~فاعبدنى } يعني: أطعني واستقم على توحيدي { وأقم الصلاة ~~لذكري } يعني: لتذكرني فيها ويقال إن نسيت الصلاة فصلها إذا ذكرتها ~~وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نام ~~عن الصلاة حتى طلعت الشمس قال: # " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها إن الله تعالى يقول { وأقم ~~الصلاة لذكري } " # قال بعضهم هذا خطاب لموسى وقال بعضهم: هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى قوله { واتبع هواه فتردى } ثم رجع إلى قصة موسى ~~بقوله: { إن الساعة ءاتية أكاد أخفيها لتجزى كل ~~نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها واتبع هواه فتردى وما تلك بيمينك يموسى ~~} ثم قال { إن الساعة ءاتية } يعني: كائنة { أكاد ~~أخفيها } يعني: أسرها عن نفسي فكيف أعلنها لكم يا أهل مكة هكذا روي ~~عن جماعة من المتقدمين وقال ابن عباس في رواية أبي صالح وقال القتبي كذلك ~~في قراءة أبي أخفيها من نفسي وهكذا روى جماعة من المتقدمين وروى طلحة عن ~~عطاء في قوله (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) عن نفسي وروي في إحدى ~~الروايتين عن أبي بن كعب أنه كان يقول (أكاد أخفيها) بنصب الألف يعني: ~~أكاد أظهرها وهي قراءة سعيد بن جبير قال أهل اللغة خفي أي أظهر وقال امرؤ ~~القيس # " خفاهن من انفاقهن كأنما # خفاهن ودق من ms1035 عشي مجلب " # يذكر الفرس أنه استخرج الفأرة من جحرهن كالمطر ثم قال { لتجزى ~~كل نفس بما تسعى } يعني: لتثاب كل نفس بما تعمل ثم قال عز ~~وجل { فلا يصدنك عنها } يعني: لا يصرفنك عنها يعني: عن ~~الإقرار بقيام الساعة { من لا يؤمن بها } يعني: من لا يصدق ~~بقيام الساعة { واتبع هواه فتردى } يعني: فتهلك ويقال: ~~الردى الموت والهلاك ثم رجع إلى قصة موسى - عليه السلام - ### || [20.17-23] # فقال عز وجل { وما تلك بيمينك يموسى } يعني: أي الشيء ~~الذي بيدك وكان عالما بما في يده ولكن الحكمة في سؤاله لإزالة الوحشة عن ~~موسى لأن موسى كان خائفا مستوحشا كرجل دخل على ملك (وهو خائف) فسأله عن ~~أي شيء فتزول بعض الوحشة عنه بذلك ويستأنس بسؤاله وقال بعضهم: إنما سأله ~~تقريرا له أن ما في يده عصا لكيلا يخاف إذا صار ثعبانا { قال } موسى ~~{ قال هى عصاى أتوكؤا عليها } يعني: أعتمد عليها إذا ~~أعييت { وأهش بها على غنمى } يعني: أخبط بها ورق الشجر ~~لغنمي فإن قيل إنما سأله عما في يده ولم يسأله عما يصنع بها فلم أجاب ~~موسى عن شيء لم يسأله عنه قيل له قد قال بعضهم في الآية إضمار يعني (وما ~~تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي) فقال وما تصنع بها قال (أتوكؤ عليها ~~وأهش بها على غنمي) وقال بعضهم: إنما خاف موسى بذلك لأنه أمره بأن يخلع ~~نعليه فخاف أن يأمره بإلقاء عصاه فجعل يذكر منافع عصاه فقال: (أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي) { ولى فيها مأرب أخرى } يعني: ~~حوائج أخرى وواحدها مأربة وقال مقاتل كان موسى يحمل زاده على عصاه إذا ~~سار وكان يركزها في الأرض فيخرج الماء وتضيء له بالليل بغير قمر فيهتدي ~~على غنمه وروى أسباط عن السدي قال كانت عصا موسى من عود شجر آس من شجر ~~الجنة وكان استودعها إياه ملك من الملائكة في صورة إنسان يعني عند شعيب ~~وقال علي بن أبي طالب كانت عصى موسى من عود ورد من شجر الجنة ms1036 اثني عشر ~~ذراعا من ذراع موسى قوله تعالى: { قال ألقها يموسى } يعني: ~~الق عصاك من يدك فظن موسى أنه يأمره بإلقائها على وجه الرفض فلم يجد بدا ~~{ فألقها فإذا هى حية تسعى } يعني تسرح وتسير على ~~بطنها رافعة رأسها فخاف موسى وولى هاربا { قال } الله تعالى لموسى: { ~~خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى } يعني: سنجعلها ~~عصا كما كانت أول مرة وأصل السيرة الطريقة كما يقال فلان على سيرة فلان ~~أي على طريقته وإنما صار نصبا لنزع الخافض والمعنى سنعيدها إلى حالها ~~الأولى فتناولها موسى فإذا هي عصا كما كانت ثم قال عز وجل { واضمم ~~يدك إلى جناحك } قال الكلبي: الجناح أسفل الإبط يعني أدخل يدك ~~تحت إبطك { تخرج بيضاء } لها شعاع يضي (كضوء) الشمس { من غير ~~سوء } يعني من غير برص { آية أخرى } يعني علامة أخرى مع العصا { ~~لنريك من ءايتنا الكبرى } يعني: العظمى ومعناه: لنريك ~~الكبرى من آياتنا ولهذا لم يقل الكبريات لأنه وقع المعنى على واحدة. ### || [20.24-36] # ثم قال تعالى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى } يعني علا ~~وتكبر وادعى الربوبية أي اذهب إليه وادعه إلى الإسلام { قال } موسى ~~عليه السلام { رب اشرح لى صدرى } يعني يا رب وسع لي قلبي حتى لا ~~أخاف منه ويقال لين قلبي بالإسلام حتى أثبت عليه { ويسر لى أمرى ~~} يعني: هون علي ما أمرتني به { واحلل عقدة من لسانى } يعني: ~~ابسط العقدة أي: الرثة من لساني { يفقهوا قولي } يعني: يفهموا ~~كلامي وذلك أن موسى عليه السلام في حال صغره رفعه فرعون في حجره فلطمه ~~موسى لطمة ويقال أخذ بلحيته ومدها إلى الأرض فقال فرعون هذا من أعدائي ~~الذين كنت أتخوف به فقالت امرأته آسية بنت مزاحم صبي جاهل لا عقل له ضع ~~له طستا من ذهب وطستا من نار حتى تعلم ما يصنع فوضعوا له ذلك فجاء ~~جبريل عليه السلام فأخذ يده وأهوى بها إلى النار فأخذ جمرة فوضعها في فيه ~~فكانت الرثوثة من ذلك فذلك قوله تعالى: يفقهوا قولي { واجعل لى ~~وزيرا ms1037 من أهلى هرون أخى } يعني اجعل لي معينا من أهلي ~~أخي هارون { اشدد به أزرى } حتى يكون قوة لي والأزر الظهر ~~وجماعته أزر ويراد به القوة يقال آزرت فلانا على الأمر أي قويته عليه ~~وإنما نصب هارون لوقوع الفعل عليه والمعنى اجعل هارون أخي وزيرا فصار ~~الوزير المفعول الثاني ثم قال تعالى: { وأشركه فى أمرى } يعني ~~في نبوتي قرأ ابن عامر أشدد بنصب الألف وأشركه بضم الألف على معنى ~~الخبر عن نفسه أي أنا أفعل ذلك وإنما كان جزما على الجزاء في الأمر ~~والباقون أشدد بضم الألف وأشركه بنصب الألف على معنى الدعاء يعني اللهم ~~أشدد به أزري وأشركه في أمري قال أبو عبيدة بهذه القراءة نقرأ ويكون حرف ~~ابن مسعود شاهدا لها وكان يقرأ هارون أخي وأشدد به أزري وأشركه في أمري ~~وفي حرف أبي وأشركه في أمري وأشدد به أزري قال كأنه دعا ثم قال { كى ~~نسبحك كثيرا } يعني نصلي لك كثيرا { ونذكرك } باللسان { ~~كثيرا } يعني: على كل حال { إنك كنت بنا بصيرا } أي كنت ~~عالما بنا في الأحوال كلها { قال } الله تعالى { قد أوتيت ~~سؤلك يموسى } يعني: أعطيناك ما سألته. ### || [20.37-40] # { ولقد مننا عليك مرة أخرى } يعني قد أكرمتك بكرامات قبل هذا من غير ~~أن تسألني ثم بين له الكرامات والنعم فقال { إذ أوحينا إلى ~~أمك ما يوحى } أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم (أي: ألهمنا ~~أمك ما ألهمت ويقال ما يوحى على الحجر يعني كان إلهاما ولم يكن وحيا) { ~~أن اقذفيه فى التابوت } يعني اجعلي موسى في التابوت ثم { ~~فاقذفيه فى اليم } يعني اطرحيه في البحر { فليلقه ~~اليم بالساحل } يعني شاطىء البحر { يأخذه عدو لى ~~وعدو له } يعني: آل فرعون { وألقيت عليك محبة ~~منى } يعني: ألقيت محبتي عليك فكل من رآك أحبك { ولتصنع على ~~عينى } يقول ما يصنع بك على منظر مني وبعلمي وبإرادتي { إذ تمشى ~~أختك فتقول } لآل فرعون { هل أدلكم على من ~~يكفله } يعني: أرشدكم على من يكفله يعني يضمه ويحوطه ويرضعه { ~~فرجعنك ms1038 إلى أمك كى تقر عينها } يعني رددناك إليها ~~لتطيب نفسها { ولا تحزن وقتلت نفسا فنجينك من ~~الغم } يعني من القود { وفتنك فتونا } يعني ابتليناك ببلاء ~~بعد بلاء ويقال بنعمة على إثر نعمة قال أخبرني الثقة بإسناده عن سعيد بن ~~جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى لموسى { وفتنك فتونا } ~~فسألته عن الفتون ما هو فقال استأنف النهار يا ابن جبير فإن له حديثا ~~طويلا فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس ليخبرني ما وعدني من حديث الفتون ~~فقال ابن عباس تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم عليه السلام ~~أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك ~~ما يشكون فيه قال فرعون فكيف ترون فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث ~~رجالا معهم الشقار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ~~ذبحوه ففعلوا فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون وأن الصغار ~~يذبحون قالوا: يوشك أن يفني بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من ~~الأعمال والخدمة التي يكفونكم فاقتلوا عاما ودعوا (أي اتركوا) عاما لا ~~تقتلوا منهم أحدا فنشأ الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا ~~فتخافون مكاثرتهم إياكم فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في ~~العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية حتى إذا كان من قابل حملت ~~بموسى فوقع في قلبها من الحزن والهم ما لا يعلم فذلك من الفتون يا ابن ~~جبير فأدخل عليه في بطن أمه ما يراد به فأوحى الله تعالى إليها أن { لا ~~تخافى ولا تحزنى إنا رادوه إليك وجعلوه من ~~المرسلين } وأمرها إذا هي - ولدته أن تجعله في التابوت ثم تلقيه في ~~اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها ~~الشيطان فقالت في نفسها ما فعلت يا بني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان ~~أحب إلي من أن ألقيته بيدي إلى دواب البحر تأكله فانطلق به الماء حتى رقا ~~به عند فرضة مستقى جواري امرأة ms1039 فرعون فرأينه وأخذنه فهممن أن يفتحن ~~التابوت فقال بعضهن لبعض إن في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة ~~الملك بما وجدنا فيه - فحملنه كهيئته حتى دخلن به عليها فدفعنه إليها ~~فلما فتحنه ونظرت فإذا فيه غلام فألقى عليه منها محبة لم يلق مثلها على ~~أحد قط من البشر وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء ~~إلا ذكر موسى فلما سمع الذباحون بذكره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم ~~يريدون أن يذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت للذباحين اصبروا علي ~~فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ولا ينقص حتى آتي فرعون فأستوهبه ~~إياه فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم أنهكم فلما أتت ~~فرعون به قالت قرة عيني لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا (أو نتخذه ولدا) ~~فقال فرعون يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه فقال قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # " والذي يحلف به لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له لهداه الله تعالى ~~بموسى كما هدى به امرأته " # قال فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا فجعل ~~كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل من ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن ~~يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك ثم أمرت به فأخرج إلى السوق واجتمع ~~الناس ترجو أن تجد له ظئرا تأخذه منها فلم تجد فأصبحت أم موسى والها ~~فقالت لأخته قصي أثره فاطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحي ابني أم قد أكلته ~~الدواب في البحر فبصرت به عن جنب أي عن بعد والجنب أن - يسمو بصر الإنسان ~~إلى شيء بعيد وهي إلى جنبه لا يشعر به فقالت # هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم ~~له نصحون # [القصص:12] فقالوا وما يدريك ما نصحهم له وهل يعرفونه حتى شكوا في ذلك ~~وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه لرغبتهم في ~~الملك ورجاء منفعته فتركوها فانطلقت إلى ms1040 أمها فأخبرتها بالخبر فجاءت فلما ~~وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتليء جنباه ريا فانطلق البشرى ~~إلى امرأة فرعون يبشرونها بأن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتت به ~~وبها فلما رأت ما تصنع به قالت لها امكثي عندي ترضعين ابني فإني لم أحب ~~مثل حبه شيئا قط قالت لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك ~~أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلو خيرا إلا فعلت به فإن ~~طابت نفسك وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي فرجعت بابنها إلى بيتها من ~~يومها فأنجزها الله عز وجل وعده فأنبته الله نباتا حسنا فلم تزل بنو ~~إسرائيل تمتنع به من الظلم والسحرة فلما ترعرع أي: كبر قالت امرأة فرعون ~~لأم موسى أريني ابني فواعدتها يوما وقالت لخزانها وقهارمتها لا يبقى ~~منكم أحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة فلم تزل الهدايا والكرامة تستقبله ~~من حيث خرج من بيت أمه إلى أن دخل إلى امرأة فرعون فلما دخل عليها ~~بجلته: أكرمته وفرحت به وأعجبها وبجلت أمه بحسن أثرها عليه ثم ~~قالت لأدخلن به على فرعون فليبجلنه وليكرمنه فلما دخلت به عليه جعلته ~~في حجره فتناول موسى لحية فرعون ومدها إلى الأرض فقالت له الغواة من ~~أعداء الله تعالى ألا ترى إلى ما وعد الله لإبراهيم أنه يريد أن يصرعك ~~وينزع عنك ملكك ويهلكك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن ~~جبير فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت له ما بدا لك في هذا الصبي ~~الذي وهبته لي فقال ألا ترينه إنه سيصرعني فقالت له اجعل بينك وبينه ~~أمرا لتعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب ~~الجمرتين علمت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين فاعلم بأنه لا يؤثر الجمرتين ~~على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب ذلك إليه فتناول الجمرتين فانتزعوهما منه ~~مخافة أن يحرقا يديه فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل ~~فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل ms1041 بظلم ولا بسخرة فبينما هو يمشي في ~~ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل ~~فرعون فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى واشتد غضبه فوكزه ~~فقتله وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي فأتى فرعون فقيل له ~~إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا فقال ائتوني ~~بقاتله والذي يشهد عليه آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون شيئا ~~وإذا موسى قد رأى من الغد الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر فاستغاثه ~~الإسرائيلي على الفرعوني وقد ندم موسى على ما كان منه بالأمس وكره الذي ~~رأى مثل ذلك فخاف الإسرائيلي (من موسى) وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال ~~الإسرائيلي # إنك لغوى مبين # [القصص: 18] فخاف الإسرائيلي وظن أنه يريده فقال يا موسى # أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس # [القصص: 19] فتتاركا فانطلق الفرعوني إلى قومه وأخبرهم بما سمع من ~~الإسرائيلي من الخبر فأرسل فرعون إلى الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل ~~فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هيئتهم يطلبون موسى وجاء رجل من شيعة ~~موسى فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر وذلك من ~~الفتون يا ابن جبير فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك ~~وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه تعالى فإنه قال # عسى ربى أن يهدينى سوآء السبيل # [القصص: 22] # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان # [القصص: 23] يعني: أنهما حابستان غنمهما فقال: ما خطبكما معتزلتين لا ~~تسقيان مع الناس قالتا ليس لنا قوة نزاحم القوم وإنما ننتظر فضل حياضهم ~~فنسقي بها فسقى لهما موسى فجعل يغدق في الدلو ماء كثيرا حتى لو كان أول ~~الرعاة فراغا فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل ~~بها فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال إن ~~لكما لشأنا اليوم فحدثاه بما صنع موسى فأمر إحداهما أن تدعوه فأتته ~~فدعته فلما دخل على شعيب فأخبره بالقصة قال # لا ms1042 تخف نجوت من القوم الظلمين # [القصص: 25] أي ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ولسنا في مملكته وقوله ~~تعالى # قالت إحداهما يأبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوى الأمين # [القصص: 26] فاحتملته الغيرة وقال وما يدريك ما أمانته وقوته فقالت أما ~~قوته لما سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى منه في ذلك السقي وأما أمانته فإنه ~~ما نظرني حين أقبلت إليه صوب رأسه ولم يرفعه ولم ينظر إلي حين بلغته ~~رسالتك فقال لي: امشي خلفي وانعتي إلي الطريق يعني صفي ودليني على الطريق ~~فسرى عن أبيها فقال له هل لك # أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ~~ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك # [القصص: 27] فكان على موسى ثمان سنين واجبة بسنتين عدة منه فلما قضى ~~موسى الأجل وسار بأهله كان من أمر ما قص الله عليك في القرآن فشكى إلى ~~ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة ~~- تمنعه عن كثير من الكلام فسأل ربه أن يعينه بأخيه ليتكلم عنه بكثير مما ~~لا يفصح به فأعطاه الله سؤاله وحل عقدة من لسانه فاندفع موسى بالعصا فلقي ~~هارون فانطلقا جميعا إلى فرعون فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما بعد ~~بالدخول ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقال إنا رسولا ربك قال فمن ربكما ~~فأخبراه بالذي قص الله تعالى في القرآن فقال ما تريدان فقال موسى ~~أريد أن تؤمن بالله وأن ترسل معنا بني إسرائيل فأبى عليه ذلك وقال # فأت بأاية إن كنت من الصدقين # [الشعراء: 154] فألقى عصاه فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ~~فاقتحم فرعون عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل وأخرج يده من ~~جيبه فرآها بيضاء من غير سوء ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول ~~فاستشار الملأ فيما رأى فقالوا اجمع لها السحرة فإنهم بأرضك كثير فأرسل ~~فرعون في المدائن فحضر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا بم يعمل ~~هذان الساحران قالوا يعملان ms1043 بالحيات فقالوا والله ما في الأرض أحد يعمل ~~بالحيات التي نعمل فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى ويوم الزينة ~~هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة وهو يوم عاشوراء ~~فقال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر فنتبع السحرة إن كانوا ~~هم الغالبين يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما قالت السحرة لموسى # لقدرتهم بسحرهم إما أن تلقى وإما أن نكون ~~نحن الملقين # [الأعراف: 115] قال لهم موسى: ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم فرأى موسى من ~~سحرهم شيئا عظيما فأوجس في نفسه خيفة فأوحى الله تعالى إليه أن ألق ~~عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها فجعلت تلتقم العصي ~~والحبال حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرفت السحرة ذلك ~~قالوا لو كان هذا ساحرا لم يبلغ من سحره كل هذا ولكن هذا أمر من أمر ~~الله تعالى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة أمر موسى بالخروج ~~بقومه فخرج بهم ليلا فأصبح فرعون فبعث في المدائن حاشرين وتبعهم ~~بجنود عظيمة فنسي موسى أن يضرب بعصاه البحر فلما تراء الجمعان وتقاربا ~~قال قوم موسى إنا لمدركون إفعل ما أمرك الله تعالى فذكر موسى ما وعده ~~الله عز وجل فضرب البحر بعصاه فانفلق البحر إثنتي عشرة فرقة فلما جاوز ~~أصحاب موسى كلهم ودخل أصحاب فرعون كلهم التقى البحر عليهم فقال أصحاب ~~موسى إنا نخاف أن لا يكون فرعون فدعا موسى ربه فأخرجه حتى استيقنوا فمضوا ~~حتى أنزلهم منزلا ثم قال لهم أطيعوا هارون فإني استخلفته عليكم وإني ~~ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما وصامهن وكره أن يكلمه ربه وريح فمه ريح ~~فم الصائم فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه فقال له ربه حين أتاه ~~لم أفطرت وهو أعلم قال يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح قال ~~الله تعالى أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك ~~ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم إئتني ففعل موسى الذي ms1044 أمره ربه تعالى فلما ~~رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك وأخرج لهم السامري عجلا ~~جسدا له خوار من حلي آل فرعون فتفرقت بنو إسرائيل فقالت فرقة للسامري ما ~~هذا قال هذا ربكم ولكن موسى أخطأ الطريق فقالوا لا نكذب بهذا حتى يرجع ~~إلينا موسى وقالت فرقة هذا من عمل الشيطان وليس هذا بربنا وأسرت فرقة في ~~قلوبهم التصديق وقال لهم هارون إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فلما كلم ~~الله موسى أخبره بما لقي قومه بعده فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ~~وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه كما قص الله عز وجل في هذه السورة وذلك ~~من الفتون يا ابن جبير، ويقال: وفتناك فتونا أي اختبرناك اختبارا ويقال ~~أخلصناك إخلاصا كما قال تعالى # إنه كان مخلصا # [مريم: 51] ثم قال عز وجل { فلبثت سنين فى أهل مدين } ~~أي عشر سنين عند شعيب { ثم جئت على قدر يموسى } يعني: ~~على وقت مقدور عليك يا موسى وهذا قول ابن عباس وقال مقاتل: على قدر أي ~~على ميقات ويقال على موعد ويقال على قدر من تكلمي إياك ويقال على قضاء ~~قضيته ويقال على تمام الذي يوحى للأنبياء أربعين سنة. ### || [20.41-44] # { واصطنعتك لنفسى } يعني: اخترتك للرسالة والنبوة ولإقامة ~~حجتي فقال موسى يا رب حسبي حسبي فقد تمت كرامتي فقال الله تعالى { ~~اذهب أنت وأخوك بئايتى } يعني آياتي التسع { ولا ~~تنيا فى ذكرى } يعني لا تفترا ولا تعجزا ولا تضعفا عن أداء رسالتي ~~{ اذهبا إلى فرعون إنه طغى } يعني تكبر وعلا { ~~فقولا له قولا لينا } يعني: كلاما باللين والشفقة والرفق ~~لأن الرؤساء بكلام اللين أقرب إلى الإنقياد من الكلام العنيف أي قولا له ~~أيها الملك ويقال فقولا له قولا لينا لوجوب حقه عليك بما رباك وإن كان ~~كافرا وروى أسباط عن السدي قال: القول اللين أن موسى جاءه فقال له تسلم ~~وتؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين على أن لك شبابا لا تهرم أبدا ~~ويكون لك ملكا لا ينزع منك أبدا حتى ms1045 تموت ولا ينزع منك لذة الطعام ~~والشراب والجماع أبدا حتى تموت فإذا مت دخلت الجنة قال فكأنه أعجبه ذلك ~~وكان لا يقطع أمرا دون هامان وكان هامان غائبا فقال له فرعون إن لي من ~~أوامره وهو غائب حتى يقدم فلم يلبث أن قدم هامان فقال له فرعون علمت بأن ~~ذلك الرجل أتاني فقال هامان ومن ذلك الرجل فقال فرعون هو موسى قال فما ~~قال لك فأخبره بالذي دعاه إليه قال: فما قلت له قال: لقد دعاني إلى أمر ~~أعجبني فقال له هامان قد كنت أرى لك عقلا وأن لك رأيا بينا أنت رب ~~أفتريد أن تكون مربوبا وبينا أنت تعبد أفتريد أن تعبد غيرك فغلبه على ~~رأيه فأبى ثم قال تعالى: { لعله يتذكر أو يخشى } يعني: ~~يتعظ أو يسلم وقال الزجاج: لعل في اللغة للترجي والتطمع يقول لعله يصير ~~إلى خير والله سبحانه وتعالى خاطب العباد بما يعقلون والمعنى عند سيبوبه ~~إذهبا على رجائكما وطمعكما وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا ~~أن الحجة إنما تجب بإبائه وقال بعض الحكماء: إذا أردت أن تأمر بالمعروف ~~وتنهى عن المنكر فعليك باللين لأنك لست بأفضل من موسى وهارون ولا الذي ~~تأمره بالمعروف ليس بأسوأ من فرعون وقد أمرهما الله تعالى بأن يأمراه ~~باللين فأنت أولى أن تأمر وتنهى باللين. ### || [20.45-54] # ثم قال عز وجل: { قالا } أي: موسى وهارون { ربنا إننا نخاف ~~أن يفرط علينا } يعني أن يبادر بعقوبتنا يقال قد فرط منه أمر ~~أي: قد بدر منه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " أنا فرطكم على الحوض " # ويقال أن يفرط علينا يعني أن يضر بنا { أو أن يطغى } يعني: ~~يقتلنا قال كان هذا القول من موسى وهارون حين رجع موسى إلى مصر وأوحى ~~إليهما فقالا عند ذلك إننا نخاف أن - يفرط علينا أو أن يطغى وقال بعضهم ~~قد قال الله ذلك لموسى عند طور سيناء فأجابه موسى عن نفسه وعن هارون ~~فأضاف القول إليهما جميعا { قال } الله تعالى: { لا ms1046 تخافا } أي لا ~~تخافا عقوبة فرعون عند أداء الرسالة { إننى معكما } أي معينكما { ~~أسمع وأرى } أي أسمع ما يرد عليكما وأرى ما يصنع بكما { ~~فأتياه } يعني فاذهبا إلى فرعون { فقولا إنا رسولا ربك } ~~قال الفقيه أبو الليث رحمه الله في الآية دليل أنه يجوز رواية الأخبار ~~بالمعنى وإنما العبرة للمعنى دون اللفظ لأن الله تعالى حكى معنى واحدة ~~بألفاظ مختلفة وقال في آية أخرى # فقولا إنا رسول رب العلمين # [الشعراء: 16] وقال ها هنا { إنا رسولا ربك } وقال في آية ~~أخرى: # قالوا ءامنا برب العلمين رب موسى وهرون # [الأعراف:121/122] وقال في موضع { آمنا برب هرون وموسى } ~~ثم قال تعالى: { فأرسل معنا بنى إسرءيل ولا تعذبهم ~~} يعني: لا تستعبدهم { قد جئنك بئاية من ربك } يعني: ~~باليد والعصا { والسلم على من اتبع الهدى } أي: على ~~من طلب الحق ورغب في الإسلام قال الزجاج والسلام على من اتبع الهدى معناه ~~أن من اتبع الهدى فقد سلم من عذاب الله وسخطه { إنا قد أوحى ~~إلينا أن العذاب } في الآخرة بالدوام { على من كذب ~~وتولى } عن التوحيد والإيمان ولم يذكر في الآية أنهما أتيا فرعون ~~لأن في الكلام دليلا عليه حيث ذكر قول فرعون ومعناه أنهما أتيا فرعون ~~وأديا إليه الرسالة وقالا { إنا رسولا ربك } { قال } فرعون { ~~فمن ربكما يموسى } ولم يقل من ربي تكبرا منه { قال } ~~موسى: { ربنا الذى أعطى كل شىء خلقه } يعني: شكله ~~ويقال خلق لكل ذكر أنثى شبهه { ثم هدى } يعني: ألهمه الأكل والشرب ~~والجماع وقال القتبي: الإهداء أصله الإرشاد كقوله # عسى ربى أن يهدينى # [القصص: 22] ثم الإرشاد مرة يكون بالدعاء ومرة بالبيان وقد ذكرناه في ~~سورة الأعراف ومرة بالإلهام كقوله { أعطى كل شىء خلقه } أي: ~~صورته ثم هدى أي ألهمه إتيان الاناث ويقال ألهمه طلب المرعي وتوقى ~~المهالك وقال الحسن أعطى كل شيء من خلق ما يصلح له ثم هداه أن موسى أخبره ~~بالبعث والجزاء وأمر الآخرة وقال فرعون: { فما بال القرون ~~الأولى } يعني: ما حال القرون الماضية وما شأنها { قال ms1047 } موسى { ~~علمها عند ربى فى كتب } يعني: في اللوح المحفوظ { لا ~~يضل ربى } يعني لا يخفى على ربي { ولا ينسى } ما كان من أمرهم ~~وقال مجاهد لا يضل ربي أي لا يخفى على ربي شيء واحد وقال السدي أي لا ~~يغفل ولا يترك وكان الحسن يقرأ لا يضل بضم الياء يعني لا يضله الله يعني ~~به الكتاب وإلى هذا الموضع حكاية كلام موسى ثم إن الله تبارك وتعالى قال ~~لمشركي مكة { الذى جعل لكم الأرض مهدا } يعني: موضع ~~القرار وهو الرب الذي ذكر موسى لفرعون ودعاه إلى عبادته قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم مهدا والباقون مهادا أي: فراشا وبساطا قال أبو عبيد ~~المهد الفعل يقال مهدت مهدا والمهاد اسم -الموضع { وسلك لكم ~~فيها سبلا } يعني: حصل لكم فيها طرقا { وأنزل من السماء ~~ماء } يعني: المطر { فأخرجنا به أزواجا } يعني: أنبتنا ~~بالمطر أصنافا وألوانا { من نبت شتى } مختلف ألوانه { ~~كلوا وارعوا أنعمكم } اللفظ لفظ الأمر ومعناه معنى الخبر ~~يعني لتأكلوا منه وترعوا أنعامكم { إن فى ذلك } يعني إن في اختلاف ~~ألوانه { لآيات } أي: لعبرات { لأولى النهى } يعني: لذوي العقول ~~من الناس. ### || [20.55-61] # { منها خلقنكم } يعني: آدم خلقناه من الأرض { وفيها ~~نعيدكم } أي: بعد موتكم { ومنها نخرجكم } يعني: نحييكم ~~ونخرجكم من الأرض { تارة أخرى } ثم رجع إلى قصة فرعون فقال { ~~ولقد أريناه آياتنا كلها } يعني العلامات والدلائل { ~~فكذب } بالآيات { وأبى } أن يسلم { قال } فرعون وقومه { ~~أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى ~~فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه } يعني: ميعادا لا نخلفه { نحن ولا أنت ~~مكانا سوى } أي: لا نجاوزه مكانا سوى ذلك المكان وهذه قراءة نافع ~~وأبي عمرو والكسائي وابن كثير يقرؤون بالكسر قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ~~سوى بضم السين معناه الإنصاف وقال بعضهم سوى وسوى لغتان وقال مجاهد: ~~مكانا منصفا بينهم وقال السدي أي عدلا بينهم وقال القتبي: أي وسطا ~~بين الفريقين { قال موعدكم يوم الزينة } يعني: يوم عيد لهم ~~وهو يوم النيروز وروي عن سعيد بن جبير ms1048 عن ابن عباس قال هو يوم عاشورا { ~~وأن يحشر الناس ضحى } يعني إذا حشر الناس واجتمعوا على وقت ~~الضحى { فتولى فرعون } يعني: رجع إلى أهله { فجمع ~~كيده } يعني: سحرته { ثم أتى } يعني: أتى الميعاد قرأ بعضهم ~~يوم الزينة بنصب الميم والمعنى يقع في يوم الزينة وقراءة العامة يوم ~~الزينة رفع على معنى خبر الابتداء { قال لهم موسى ويلكم ~~لا تفتروا على الله كذبا } يعني: ضيق الله عليكم الدنيا لا ~~تفتروا على الله كذبا قال الزجاج ويلكم منصوب على أن الزمهم الله ويلا ~~ويجوز أن يكون على النداء كما قال # يويلتا ءألد # [هود: 72] قوله { فيسحتكم بعذاب } يعني: يأخذكم بعذاب ويهلككم ~~قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص فيسحتكم بضم الياء وكسر الحاء ~~والباقون فيسحتكم بالنصب وهما لغتان يقال سحته وأسحته إذا استأصله وأهلكه ~~{ وقد خاب من افترى } يعني: خسر من اختلق على الله كذبا. ### || [20.62-66] # { فتنزعوا أمرهم بينهم } أي تناظروا أمرهم بينهم ~~يعني: اختلفوا فيما بينهم سرا من فرعون وهم السحرة وقالوا فيما بينهم إن ~~كان ما يقول موسى حقا واجبا فيكون الغلبة لموسى وذلك قوله عز وجل { ~~فتنزعوا أمرهم بينهم } يعني: تناظروا أمرهم بينهم فذلك ~~قوله: { وأسروا النجوى } أي: أخفوا الكلام { قالوا إن ~~هذن لساحرن } يعني موسى وهارون { يريدان أن يخرجاكم ~~من أرضكم بسحرهما } قرأ أبو عمرو إن هذين لساحران لأن إن ~~تنصب ما بعدها وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص إن هاذان بجزم أن وتشديد ~~نون هاذان عند ابن كثير خاصة والباقون إن بالنصب والتشديد هاذان ~~لساحران بالتخفيف وقال أبو عبيد نقرأ بهذا ورأيت في مصحف عثمان إن هاذين ~~بهذا الخط ليس فيه ألف وهكذا رأيت رفع الاثنين في جميع المصاحف بإسقاط ~~الألف وإذا كتبوا النصب والخفض كتبوها بالياء وحكى الكسائي عن أبي الحارث ~~بن كعب وخثعم وزيد وأهل تلك الناحية الرفع مكان النصب قال القائل: # أي قلوص راكب تراها # طاروا علاهن فطر علاها # وقال آخر: # إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في الجد غايتاها # وقال آخر: # فمن ms1049 يك بالمدينة أمسى رحله # فإني وقياربها لغريب # وروى وكيع عن الأعمش عن إبراهيم قالوا كانوا يريدون أن الألف والياء في ~~القراءة سواء إن هاذان لساحران وإن هاذين لساحرين سواء وفي مصحف عبد الله ~~إن هاذان ساحران وفي مصحف أبي إن ذان إلا ساحران ثم قال الله عز وجل: { ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى } يقول: برجالكم الأمثل فالأمثل ~~يقول ليغلبا على الرجال من أهل العقول والشرف وقال القتبي: يقال هؤلاء ~~طريقة القوم أي: أشرافهم ويقال: أراد سنتكم ودينكم، وقال الزجاج: معناه ~~يذهبا بأهل طريقتكم كما قال # واسئل القرية التى كنا فيها # [يوسف: 82] ثم قال عز وجل: { فأجمعوا كيدكم } قرأ أبو عمرو ~~فأجمعوا بجر الألف ونصب الميم يعني جيئوا بكل كيد تقدرون عليه لا تبقوا ~~منه شيئا وقرأ الباقون فأجمعوا بقطع الألف وكسر الميم ومعناه ليكن عزمكم ~~كلكم على الكيد مجمعا عليه ولا تختلفوا فتخذلوا وقال أبو عبيد بهذا نقرأ ~~لأن الناس عليها ولصحتها في العربية يقال أجمعت الأمر واجتمعت عليه وإنما ~~يقال جمعت الشيء المتفرق فتجمع { ثم ائتوا صفا } يعني: جميعا ~~قال أبو عبيد الصف المصلى وقال الزجاج: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه ~~لعيدكم وصلاتكم قال ويجوز أن قوله ثم ائتوا مصطفين أي - مجتمعين ليكون ~~أنظم لكم ولأمركم وأشد لهيبتكم { وقد أفلح اليوم من ~~استعلى } يعني قد فاز ونجا اليوم من علا بالغلبة ثم جمع فرعون بينهم ~~وبين موسى عليه السلام { قالوا يا موسى } يعني السحرة { إما أن ~~تلقى } يعني: أن تطرح عصاك على الأرض { وإما أن نكون ~~أول من ألقى } إلى الأرض { قال } لهم موسى: { بل ألقوا ~~} فألقوا، في الكلام مضمر { فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه } يعني تراءت إلى موسى { من سحرهم أنها ~~تسعى } يعني: كأنها حيات وروي عن الحسن أنه كان يقرأ بالتاء تخيل لأن ~~جمع العصي مؤنث وقراءة العامة بالياء يعني: سعيها. ### || [20.67-73] # { فأوجس فى نفسه خيفة موسى } يعني أضمر في قلبه الخوف ~~وخاف أن لا يظفر به إن صنع القوم مثل ما صنع ويقال خاف من الحيات من ms1050 جهة ~~الطبع { قلنا لا تخف } يعني - أوحى الله تعالى إلى موسى عليه ~~السلام أن لا تخف { إنك أنت الأعلى } يعني الغالب قوله تعالى: ~~{ وألق ما فى يمينك } يعني: اطرح ما في يمينك من العصا { ~~تلقف ما صنعوا } يعني تلقم ما عملوا { إنما صنعوا ~~كيد ساحر } يعني عمل سحر قرأ عاصم في رواية حفص تلقف بالجزم ~~والتخفيف وقرأ ابن كثير في الروايتين تلقف بالنصب والتشديد وضم الفاء ~~وقرأ الباقون بجزم الفاء لأنه جواب الأمر وقرأ حمزة والكسائي كيد سحر ~~بغير ألف وقرأ الباقون كيد ساحر وقال أبو عبيد: بهذا نقرأ لأن إضافة ~~الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السحر وقرأ بعضهم كيد سحر بنصب الدال ~~جعله نصبا لوقوع الفعل عليه وهو قوله تعالى { إنما صنعوا كيد ~~ساحر } وهذا كقوله إنما ضربت زيدا وقراءة العامة بالضم لأنه خبر إن ~~وما اسم ومعناه إن الذي صنعوه كيد سحر { ولا يفلح السحر ~~حيث أتى } أي: حيثما عمل ويقال لا يفوز حيثما كان وذهب قوله تعالى: ~~{ فألقى السحرة سجدا } يعني: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا ~~وهذا قول الأخفش وقال الفراء والقتبي: وقعوا للسجود { قالوا امنا ~~برب هرون وموسى } يعني صدقنا به { قال } لهم فرعون { ~~ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم } يعني قبل أن آمركم { إنه ~~لكبيركم } يعني موسى لعالمكم { الذى علمكم السحر } ~~وإنما أراد به التلبيس على قومه لأنه علم أنهم لم يتعلموا من موسى وإنما ~~علموا السحر قبل قدوم موسى وقبل ولادته ثم قال { فلأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف } اليد اليمنى والرجل اليسرى { ~~ولأصلبنكم فى جذوع النخل } يعني على أصول النخل على ~~شاطىء النيل { ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى } ~~يعني: وأدوم أنا أم رب موسى { قالوا لن نؤثرك } أي لن نختار ~~عبادتك وطاعتك ولن نتبع دينك { على ما جاءنا من البينت } ~~يعني على دين الله بعدما جاءنا من العلامات { والذى فطرنا } يعني ~~ولا (عبادتك على) عبادة الذي خلقنا ويقال هو على معنى القسم أي لن نختارك ~~ودينك والذي فطرنا { فاقض ما أنت ms1051 قاض } يقول اصنع ما أنت صانع ~~فاحكم فينا من القطع والصلب ما شئت { إنما تقضي هذه ~~الحياة الدنيآ } يقول لست بحاكم علينا ولا تملكنا إلا في الدنيا ~~ما دام الروح فينا قوله تعالى: { إنا آمنا بربنا ليغفر ~~لنا خطينا } يعني ما عملنا في حال الشرك { وما أكرهتنا ~~عليه من السحر } يعني ليغفر لنا ما أجبرتنا عليه من السحر يروى ~~أن فرعون أكرههم على تعلم السحر { والله خير وأبقى } يعني ~~الله خير لنا منك وأدوم وثواب الله عز وجل خير من عطائك وأبقى مما وعدتنا ~~به من التعذيب. ### || [20.74-80] # { إنه من يأت ربه مجرما } أي مشركا والهاء للعباد وهذا ~~قول الله تعالى عز وجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنه من يأت ربه يوم ~~القيامة كافرا { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا ~~يحيى } يعني لا يموت فيستريح من العذاب ولا يحيى حياة تنفعه قوله عز ~~وجل { ومن يأته مؤمنا } يعني يأتي يوم القيامة مؤمنا يعني ~~مصدقا { قد عمل الصلحت } يعني الطاعات { فأولئك ~~لهم الدرجت العلى } يعني الفضائل في الجنة ثم قال { ~~جنت عدن } يعني هي جنات عدن { تجرى من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها } يعني دائمين في الجنة { وذلك ~~جزاء من تزكى } يعني ثواب من وحد قوله تعالى { ولقد ~~أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى } يعني سر بعبادي ~~ليلا { فاضرب لهم طريقا } يعني بين لهم طريقا { فى ~~البحر يبسا } يعني يابسا { لا تخاف دركا } يعني إدراك ~~فرعون { ولا تخشى } الغرق قرأ حمزة لا تخف دركا على معنى النهي ~~يعني لا تخف أن يدركك فرعون وقرأ الباقون لا تخاف بالألف ومعناه لست تخاف ~~وقال أبو عبيد بهذا نقرأ لأن من قرأ بالجزم يلزم أن يخشى لأنه حرف معطوف ~~على الذي قبله ثم قال { فأتبعهم فرعون بجنوده } يعني ~~لحقهم فرعون بجموعه { فغشيهم من اليم ما غشيهم } يعني ~~أصابهم من البحر ما أصابهم ويقال علاهم من البحر ما علاهم حين التقى ~~البحر عليهم ويقال فغشيهم من البحر ما غرقهم { وأضل فرعون ~~قومه وما هدى ms1052 } يعني أهلكهم وما نجا بنفسه ويقال أضلهم بحمله ~~إياهم على الضلالة وما هدى يعني ما هداهم إلى الرشاد وهذا رد لقوله: # اتبعون أهدكم سبيل الرشاد # [غافر: 38] ويقال: وما هدى يعني ما هداه إلى الصواب ثم ذكر نعمته على ~~بني إسرائيل فقال عز وجل { يبنى إسرءيل قد أنجينكم من ~~عدوكم } يعني: فرعون { وواعدنكم جانب الطور ~~الأيمن } يعني يمين موسى { ونزلنا عليكم المن ~~والسلوى } حيث كانوا في التيه. ### || [20.81-82] # { كلوا من طيبت ما رزقنكم } يعني: قال لهم كلوا من ~~حلالات ما رزقناكم يعني أعطيناكم قرأ حمزة والكسائي (أنجيتكم وواعدتكم ما ~~رزقتكم) الثلاثة كلها بالتاء وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع، وابن عامر ~~الثلاثة بالألف والنون وقرأ أبو عمرو بالتاء إلا قوله وواعدناكم ثم ~~قال { ولا تطغوا فيه } أي لا ترفعوا منه شيئا للغد { فيحل ~~عليكم غضبى } يعني فيجب وينزل عليكم عذابي { ومن يحلل ~~عليه غضبى } يعني: يجب وينزل عليه غضبي { فقد هوى } يعني: ~~هلك وتردى في النار وقرأ الكسائي فيحل بضم الحاء ومن يحلل بضم اللام ~~والباقون كلاهما بالكسر فمن قرأ بالضم يعني: ينزل ومن قرأ بالكسر يعني: ~~يجب { وإنى لغفار لمن تاب وامن } يعني: رجع من الشرك ~~والذنوب وآمن يعني: صدق بالله ورسله { وعمل صلحا } يعني: ~~خالصا فيما بينه وبين ربه { ثم اهتدى } يعني: علم أن لعمله ~~ثوابا وهذا قول مقاتل وروى جويبر عن الضحاك في قوله ثم اهتدى أي ثم ~~استقام وروى وكيع عن سفيان قال ثم اهتدى أي: مات على ذلك وقال ابن عباس ~~(ثم اهتدى) أي: مات على السنة. ### || [20.83-89] # قوله عز وجل { وما أعجلك عن قومك يموسى } وذلك أن موسى ~~لما انتهى إلى الجبل مع السبعين الذين اختارهم عجل موسى عليه السلام ~~شوقا إلى كلام ربه وأمرهم بأن يتبعوه إلى الجبل فقال الله تعالى لموسى ~~عليه السلام { وما أعجلك عن قومك يموسى } يعني ما أسبقك ~~عن قومك وتركت أصحابك خلفك { قال هم أولاء على أثرى } ويحتمل ~~أن يكون أولاء صلة يعني: هم على أثري يجيئون من بعدي { وعجلت ms1053 ~~إليك رب لترضى } يعني لكي يزداد رضاك عني قوله عز وجل { قال ~~فإنا قد فتنا قومك من بعدك } وهذا على وجه الاختصار ~~لأنه لم يذكر ما جرى من القصة لأنه ذكر في موضع آخر فها هنا اختصر الكلام ~~وقال { فإنا قد فتنا قومك } يعني ابتلينا قومك من بعد ~~انطلاقك إلى الجبل { وأضلهم السامرى } يعني أمرهم السامري ~~بعبادة العجل { فرجع موسى إلى قومه غضبن أسفا } ~~أي: حزينا وقال القتبي أسفا أي شديد الغضب فلما دخل المحلة رآهم حول ~~العجل فأبصر ما يصنعون حوله { قال يا قوم ألم يعدكم ~~ربكم وعدا حسنا } يعني: وعدا صدقا ومعناه وعد الله عز وجل ~~بأن يدفع الكتاب إلى موسى ليقرأه عليهم ويهتدوا به { أفطال ~~عليكم العهد } يعني أطالت عليكم المدة { أم أردتم أن ~~يحل } يعني: يجب { عليكم غضب } يعني: سخط { من ربكم ~~فأخلفتم موعدى } بترك عبادة الله { قالوا ما أخلفنا ~~موعدك بملكنا } يعني: ما تعمدنا ذلك قرأ حمزة والكسائي بملكنا ~~بضم الميم يعني ما فعلناه بسلطان كان لنا ولا قدرة وقرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو وابن عامر بملكنا بكسر الميم والملك ما حوته اليد وقرأ نافع وعاصم ~~بملكنا بنصب الميم وهو بمعنى الملك { ولكنا حملنا أوزارا ~~} يعني آثاما { من زينة القوم } يعني: من حلي آل فرعون ويقال ~~أوزارا يعني: حمالا { فقذفناها } يعني: فطرحناها في النار قرأ ~~حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر حملنا بالنصب ~~والتخفيف وقرأ الباقون بضم الحاء وتشديد الميم على فعل ما لم يسم فاعله ~~{ فكذلك ألقى السامرى } يعني: ألقاها في النار كما ألقينا ~~وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان السامري من أهل قرية يعبدون البقر ~~فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام معهم وفي قلبه حب عبادة البقر فابتلى ~~الله عز وجل به بني إسرائيل فكشف له عن بصره فرأى أثر فرس جبريل عليه ~~فأخذ من أثرها وقد كان هارون قال لبني إسرائيل إنكم قد تحملتم من حلي آل ~~فرعون وأمتعتهم معكم وهي نجسة فتطهروا منها وأوقدوا لهم ms1054 نارا فأحرقوها ~~فيه فجعلوا يأتون بالحلي والأمتعة فيقذفونها في النار فانسبك الحلى وأقبل ~~السامري وفي يده تلك القبضة من أثر فرس الرسول يعني جبريل عليه السلام ~~فوقف فقال: يا نبي الله ألقها فيه فقال نعم وهارون لا يظن إلا أنه من ~~الحلى الذي يأتي به بنو إسرائيل فقذفها فيه وقال كن عجلا جسدا له خوار ~~وقال السدي جاء جبريل ليذهب بموسى إلى ربه وجبريل على فرس فبصر به ~~السامري ويقال إن ذلك الفرس فرس الحياة فأخذ قبضة من أثر حافر الفرس فلما ~~ألقى التراب في الحلي صار عجلا جسدا له خوار فذلك قوله تعالى: { ~~فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا ~~إلهكم وإله موسى } وقال بعضهم: كان السامري من بني ~~إسرائيل وقد ولدته أمه في غار مخافة أن يذبح فرباه جبريل عليه السلام في ~~الغار حتى كبر فلما رأى جبريل على فرس الحياة عرفه لأنه قد كان رآه في ~~صغره فأخذ قبضة من تراب من أثر حافر فرسه ثم ألقاها في جوف العجل فصار ~~عجلا له خوار يعني صوتا وقال مجاهد خوار العجل كان هفيف الريح إذا دخلت ~~جوفه وهكذا روي عن علي بن أبي طالب وإحدى الروايتين عن ابن عباس أنه قال ~~صار عجلا له لحم ودم وخرج منه الصوت مرة واحدة فقال (هذا إلهكم) يعني ~~قال السامري وإله موسى { فنسى } يعني: أخطأ موسى الطريق وروى ~~عكرمة عن ابن عباس قوله فنسي أي نسي موسى أن يخبركم أن هنا إله وقال ~~قتادة قوله هذا إلهكم وإله موسى ولكن موسى نسي ربه عندكم قال الله تعالى ~~{ أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا } يعني: لم يكن ~~لهم عقل يعلموا أنه لم يكن إلههم حيث لا يكلمهم ولا يجيبهم { ولا ~~يملك لهم ضرا } يعني: لا يقدر على دفع مضرتهم { ولا نفعا ~~} أي: ولا جر منفعة. ### || [20.90-97] # { ولقد قال لهم هرون من قبل } يعني: من قبل مجيء موسى ~~إليهم { يقوم إنما فتنتم به } يعني: إنما ابتليتم بعبادة ~~العجل { وإن ربكم الرحمن } يعني: ms1055 إلهكم الرحمن { ~~فاتبعونى } يعني اتبعوا ديني { وأطيعوا أمرى } يعني قولي، ~~قوله تعالى { قالوا لن نبرح عليه عكفين } يعني: لا ~~نزال على عبادة العجل مقيمين { حتى يرجع إلينا موسى } ~~فلما جاءهم موسى { قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ~~ضلوا } يعني: أخطأوا الطريق بعبادة العجل { ألا تتبعن } ~~يعني أن لا تتبع أمري في وصيتي فتناجزهم الحرب ثم قال: { أفعصيت ~~أمرى } يعني: أفتركت وصيتي { قال } له موسى ذلك بعد ما أخذ بشعر ~~رأسه ولحيته فقال هارون عليه السلام { يا ابن أم } قرأ حمزة ~~والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يا ابن أم بكسر الميم على ~~معنى الإضافة والباقون بالنصب بمنزلة اسم واحد { لا تأخذ ~~بلحيتى ولا برأسى } أي: ولا بشعر رأسي { إنى خشيت أن ~~تقول فرقت بين بنى إسرءيل } يعني: جعلتهم فريقين وألقيت ~~بينهم الحرب { ولم ترقب قولى } يعني لم تنتظر قدومي ثم أقبل ~~على السامري { قال } له { فما خطبك يسمري } يقول ما شأنك ~~وما الذي حملك على ما صنعت ف { قال } السامري { بصرت بما لم ~~يبصروا به } قرأ حمزة والكسائي بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ ~~الباقون بالياء على معنى المغايبة بصرت بما لم يبصروا به يعني: رأيت ما ~~لم يروا وعلمت ما لم يعلموا به يعني بني إسرائيل قال موسى ما الذي رأيت ~~دون بني إسرائيل فقال رأيت جبريل على فرس الحياة قوله { فقبضت ~~قبضة من أثر الرسول } يعني: من أثر فرس جبريل وفي قراءة ~~عبد الله بن مسعود فقبصت قبصة بالصاد وروي عن الحسن أنه قرأ فقبضت قبصة ~~بالصاد وهو الأخذ بأطراف الأصابع وقراءة الجماعة فقبضت بالضاد وهو القبض ~~بالكف { فنبذتها } يعني فطرحتها في العجل { وكذلك سولت ~~لى نفسى } أي زينت لي نفسي فلا تلمني بهذا الفعل ولمهم بعبادتهم إياه ~~{ قال } له موسى { فاذهب فإن لك فى الحيوة } يعني ~~عقوبتك في الدنيا { أن تقول لا مساس } يعني لا أمس أحدا ولا ~~يمسني أحد ويقال ابتلي بالوسواس وأصل الوسواس من ذلك الوقت ويقال معناه: ~~لن تخالط أحدا ولن يخالطك ms1056 أحد فنفاه عن قومه { وإن لك موعدا ~~لن تخلفه } في الآخرة قرأ ابن كثير وأبو عمرو لن تخلفه بكسر اللام ~~لن تغيب عنه ومعناه تبعث يوم القيامة لا تقدر على غير ذلك ولا تخلفه وقرأ ~~الباقون تخلفه بنصب اللام يعني: لن تؤخر ولن تجاوز عنه ويقال معناه ~~يكافئك الله تعالى على ما فعلت والله لا يخلف الميعاد { وانظر إلى ~~إلهك الذى ظلت عليه عاكفا } يعني عابدا { ~~لنحرقنه } روى معمر عن قتادة قال في حرف ابن مسعود لنذبحنه ثم ~~(لنحرقنه) وقرأ الحسن لنحرقنه بالتخفيف وقراءة العامة بالتشديد ونصب ~~الحاء ومعناه أنه يحرق مرة بعد مرة وقرأ أبو جعفر المدني لنحرقنه بنصب ~~النون وضم الراء ومعناه لنبردنه بالمباريد، ويقال حرقه وأحرقه { ثم ~~لننسفنه فى اليم نسفا } يعني لنذرينه في البحر ذروا ~~والنسف التذرية. ### || [20.98-108] # { إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو } ~~يعني: أن العجل ليس بإلهكم وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو { وسع ~~كل شىء علما } يعني: أحاط علمه بكل شيء وهو عالم بما كان وما ~~يكون قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { كذلك نقص ~~عليك من أنباء ما قد سبق } يعني أخبار ما مضى { وقد ~~اتينك } يعني أعطيناك { من لدنا ذكرا } يعني أكرمناك من ~~عندنا بالقرآن { من أعرض عنه } يعني من يكفر بالقرآن { ~~فإنه يحمل يوم القيمة وزرا } يعني: حملا من ~~الذنوب { خلدين فيه } يعني: دائمين في عقوبة الوزر { وساء ~~لهم يوم القيمة حملا } يعني: بئس الحمل الوزر وبئس ما ~~يحملون من الذنوب قوله عز وجل { يوم ينفخ فى الصور } يعني: في ~~يوم ينفخ في الصور وهو يوم القيامة قرأ أبو عمرو ويوم ننفخ في الصور ~~بالنون واحتج بقوله ونحشر المجرمين والباقون بالياء قال أبو عبيدة وبهذا ~~نقرأ لأن النافخ ملك قد التقم الصور وأما الحشر فالله تعالى يحشرهم قال ~~أبو عبيد: معناه ينفخ الأرواح في الصور وخالفه غيره ثم قال و { نحشر ~~المجرمين } أي: المشركين { يومئذ زرقا } يعني: عطاشا ~~ويقال عميا ويقال زرق الأعين وروي ms1057 عن سعيد بن جبير أن رجلا قال لابن ~~عباس إن الله يقول في موضع { ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا } # ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97] فقال ابن عباس: إن يوم القيامة له حالات في حال زرقا وفي ~~حال عميا وقال القتبي زرقا أي تبيض عيونهم من العمى أي ذهب السواد ~~والناظر وقال الزجاج: يقال عطاشا لأن من شدة العطش يتغير سواد الأعين ~~حتى تزرق ثم قال: { يتخفتون بينهم } يعني: يتشاورون فيما ~~بينهم { إن لبثتم } يعني: ما مكثتم في القبور بعد الموت { إلا ~~عشرا } يعني: عشرة أيام ويقال عشر ساعات يقول الله عز وجل { نحن ~~أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة } يعني: ~~أوفاهم عقلا ويقال أعدلهم رأيا عند أنفسهم { إن لبثتم } يعني: ~~ما مكثتم في القبور { إلا يوما ويسئلونك عن الجبال } ~~وذلك أن بني ثقيف من أهل مكة قالوا يا رسول الله كيف تكون الجبال يوم ~~القيامة فنزل { ويسئلونك } يعني: عن أمر الجبال { فقل ~~ينسفها ربى نسفا } يعني: يقلعها ربي قلعا من أمكنتها ~~والنسف التذرية أي: تصيير الجبال كالهباء المنثور { فيذرها قاعا ~~صفصفا } قال القتبي: القاع واحدة القيعة وهي الأرض التي يعلوها ~~السراب كالماء والصفصف المستوي وقال السدي القاع الأملس والصفصف المستوي ~~{ لا ترى فيها عوجا ولا أمتا } يعني: لا ترى فيها صعودا ~~ولا هبوطا ويقال لا ترى فيها أودية ولا أمتا يعني شخوصا والأمت في ~~كلام العرب ما نشز من الأرض ثم قال عز وجل { يومئذ يتبعون ~~الداعى } أي: يقصدون نحو الداعي { لا عوج له } ومعناه لا ~~يميلون يمينا ولا شمالا { وخشعت الأصوات للرحمن } ~~يعني: خضعت وذلت وسكنت الكلمات للرحمن يعني: لهيبة الرحمن { فلا ~~تسمع إلا همسا } يعني: كلاما خفيا ويقال صوت الأقدام كهمس ~~الإبل. ### || [20.109-114] # قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن ~~له الرحمن } في الشفاعة { ورضى له قولا } يعني: إذا ~~قال بإخلاص القلب لا إله إلا الله في الدنيا { يعلم ما بين ~~أيديهم } من أمر الآخرة { وما خلفهم } من أمر الدنيا { ولا ~~يحيطون ms1058 به علما } أي لا يدركون علم الله تعالى { وعنت ~~الوجوه } قال قتادة: ذلت الوجوه { للحى القيوم } وقال ~~القتبي: أصله من عنيته أي حبسته ومنه قيل للأسير (عان) وقال الزجاج رحمه ~~الله عنت أي: خضعت يقال عنا يعنو أي: خضع { وقد خاب من حمل ~~ظلما } أي خسر من حمل شركا ثم قال { ومن يعمل من ~~الصلحت } يعني: من يعمل من الطاعات ومن للصلة والزينة { وهو ~~مؤمن } مع عمله لأن العمل لا يقبل بغير إيمان { فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما } قال قتادة: أي: لا يزداد في سيآته ولا ينقص من ~~حسناته أي لا يهضم قال السدي رحمه الله الظلم أن يأخذ لما لم يعمل والهضم ~~النقصان من حقه قال القتبي ومنه قيل هضيم الكشحين أي ضامر الجنبين وهضمني ~~الطعام أي أمرأني ويهضمني حقي قرأ ابن كثير فلا يخاف على معنى النهي ~~والباقون فلا يخاف على معنى الخبر ثم قال عز وجل { وكذلك ~~أنزلنه قرءانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد ~~} يعني: هكذا أنزلنا عليك جبريل ليقرأ عليك القرآن على لغة العرب وبينا ~~في القرآن من أخبار الأمم الماضية وما أصابهم بذنوبهم { لعلهم ~~يتقون } يعني: لكي يتقوا الشرك { أو يحدث لهم ذكرا } ~~يعني: يحدث الوعيد بهذا القرآن أو هذا القرآن لهم اعتبارا فيذكر به عذاب ~~الله للأمم فيعتبروا وهذا قول مقاتل ويقال: أو يحدث لهم ذكرا أي: يحدث ~~الوعيد بذكر العذاب فيزجرهم عن المعاصي ويقال { أو يحدث لهم ~~ذكرا } أي: شرفا والذكر الشرف ثم قال عز وجل { فتعلى الله ~~الملك الحق } يعني ارتفع وتعظم عن الشريك والولد { الملك ~~الحق } أهل الربوبية ويقال { فتعلى الله الملك الحق ~~} يعني: ارتفع وتعظم من أن يزيد في سيآت أحد وينقص من حسنات أحد الملك ~~الحق الذي يعدل بين الخلق ثم قال { ولا تعجل بالقرءان من ~~قبل أن يقضى إليك وحيه } وذلك أن جبريل عليه السلام كان ~~إذا قرأ القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعجل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بقراءته قبل أن (يختم جبريل ms1059 تلاوته مخافة أن لا ~~يحفظ فنزل) { ولا تعجل بالقرءان من قبل } أن يفرغ جبريل - ~~عليه السلام - من قراءته فيكون في الآية تعليم حفظ الأدب وهو الاستماع ~~إلى من يتعلم منه وهذا مثل قوله { لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به } روى جرير بن حازم عن الحسن أن رجلا لطم امرأته فجاءت ~~تلتمس القصاص فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما القصاص قبل أن ~~ينزل القرآن فنزل { ولا تعجل بالقرءان } الآية أي: لا تعجل ~~بالقصاص من قبل أن يقضى عليك بالقرآن ونزل قوله عز وجل { الرجال ~~قوامون على النساء } قال وكان الحسن يقرأ { من قبل إن ~~يقضى إليك وحيه } بالنصب يعني من قبل أن ينزل إليك جبريل ~~بالوحي وقراءة العامة { يقضى إليك وحيه } بالرفع على فعل ما ~~لم يسم فاعله ومعنى القراءتين واحد ثم قال: { وقل رب زدنى ~~علما } يعني: زدني علما بالقرآن معناه زدني فهما في معناه. ### || [20.115-123] # قوله تعالى: { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل } يعني: ~~أمرنا آدم - عليه السلام - بترك أكل الشجرة من قبل يعني: من قبل محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - { فنسى } يعني: فترك أمرنا { ولم نجد ~~له عزما } أي: حفظا لما أمر به، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ~~قال: " عهدنا إلى آدم فنسي " يعني: فترك أمرنا (ولم نجد له ~~عزما) يعني: حزما صريما وقال قتادة يعني: صبرا وقال السدي: مثله ~~وقال عطية (ولم نجد له عزما) أي حفظا بما أمر به روى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال عهد إلى آدم فنسي فسمي الإنسان وقال القتبي النسيان ~~ضد الحفظ كقوله تعالى # فإنى نسيت الحوت # [الكهف: 63] والنسيان الترك كقوله: { ولقد عهدنآ إلى ءادم ~~من قبل فنسي } وكقوله { فذوقوا بما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا } وكقوله # ولا تنسوا الفضل بينكم # [البقرة: 237] { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى } أي: تعظم عنا السجود { فقلنا ~~يئادم إن هذا عدو لك ولزوجك } يعني إبليس عدو لك ~~ولزوجك حواء فاحذرا منه { فلا يخرجنكما من الجنة ~~فتشقى } يعني: فتتعب ms1060 ويتعبا بعمل كفيك ولا تأكل إلا كدا بعد النعمة ~~وقال سعيد بن جبير لما هبط آدم من الجنة وكلف العمل فكان يمسح العرق عن ~~جبينه فذلك قوله (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) وهو العرق الذي مسحه من ~~الجبين ثم قال عز وجل { إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ~~} يعني: أن حالك ما دمت في الجنة لا تجوع ولا تعرى من الثياب { وإنك ~~لا تظمؤا فيها } يعني: لا تعطش في الجنة { ولا تضحى } يعني ~~لا يصيبك الضحى وهو حر الشمس قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر (وإنك) ~~بالكسر على معنى الابتداء وقرأ الباقون وإنك بالنصب على معنى البناء قوله ~~عز وجل { فوسوس إليه الشيطن قال يا ءادم هل ~~أدلك على شجرة الخلد } من أكل منها خلد ولم يمت { ~~وملك لا يبلى } يعني: هل أدلك على ملك لا يفنى فهو أكل الشجرة ~~{ فأكلا منها } يعني: من الشجرة وقد ذكرنا تفسير الشجرة في سورة ~~البقرة { فبدت لهما سوءتهما } أي ظهرت لهما عوراتهما { ~~وطفقا يخصفان } أي: عمدا يلزقان { عليهما من ورق ~~الجنة وعصى ءادم ربه } أي: ترك أمره بأكله من الشجرة { ~~فغوى } أي: أخطأ ولم يصب بأكله ما أراد وما وعد له من الخلود { ثم ~~اجتبه ربه } أي: اختاره واصطفاه بالنبوة { فتاب عليه } ~~يعني: تجاوز عنه وقبل توبته { وهدى } يعني: هداه الله تعالى للتوبة ~~بكلمات تلقاها { قال اهبطا منها جميعا } يعني: من الجنة آدم ~~وحواء وإبليس والحية { فإما يأتينكم منى هدى } يعني: يا ~~ذرية آدم سيأتيكم مني الكتب والرسل خاطبه به وعنى ذريته { فمن ~~اتبع هداى } يعني: أطاع كتبي ورسلي { فلا يضل } باتباعه ~~إياها في الدنيا { ولا يشقى } في الآخرة وروى سعيد ابن جبير عن ابن ~~عباس قال من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم ~~القيامة سوء الحساب فذلك قوله { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى }. ### || [20.124-129] # ثم قال عز وجل { ومن أعرض عن ذكرى } يعني: عن القرآن والرسل ~~ولم يؤمن وقال مقاتل: من أعرض ms1061 عن الإيمان { فإن له معيشة ~~ضنكا } يعني: معيشة ضيقة روي عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري أنهما قالا ~~(معيشة ضنكا) يقول: عذاب القبر وروى أبو سلمة عن أبي هريرة # " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: { معيشة ضنكا } قال ~~«عذاب القبر " # { ونحشره يوم القيمة أعمى } أي: أعمى عن الحجة وقال ~~ابن عباس وذلك حين يخرج من القبر يخرج بصيرا فإذا سيق إلى المحشر عمي ~~قال عكرمة رحمه الله في قوله { ونحشره يوم القيمة ~~أعمى } قال: عمي قلبه عن كل شيء إلا جهنم وقال الضحاك في قوله (معيشة ~~ضنكا) قال: الكسب الخبيث وقيل: معيشة سوء لأنه في معاصي الله وقال السدي ~~(معيشة ضنكا) أي: عذاب القبر حين يأتيه الملكان وقال قتادة: الضنك الضيق ~~يقول ضنكا في النار قوله عز وجل: { قال رب لم حشرتنى ~~أعمى } قال مجاهد: (لم حشرتني أعمى) لا حجة لي { وقد كنت ~~بصيرا } بالحجة في الدنيا ويقال (لم حشرتني أعمى) أي: أعمى العينين { ~~وقد كنت بصيرا } في الدنيا { قال كذلك أتتك ايتنا ~~فنسيتها } يعني: الرسل والقرآن فنسيتها وتركت العمل بها ولم تؤمن ~~بها { وكذلك اليوم تنسى } أي: تترك في النار (ويقال: كذلك ~~أتتك آياتنا فنسيتها أي: تعلمت القرآن فنسيته وتركته وقال السدي: وكذلك ~~اليوم تنسى أي: تترك في النار وتترك عن الخير) ثم قال عز وجل: { ~~وكذلك نجزى من أسرف } يعني: هكذا نعاقب من أشرك بالله { ~~ولم يؤمن بئايت ربه } بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~والقرآن { ولعذاب الأخرة أشد وأبقى } يعني وأدوم قوله ~~عز وجل { أفلم يهد لهم } يعني: أفلم يتبين لقومك { كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مسكنهم } ~~يعني: يمرون على منازلهم { إن فى ذلك لآيات } يعني: في هلاكهم ~~لعبرات { لأولى النهى } يعني: لعبرات لذوي العقول من الناس { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل ~~مسمى } وهذا مقدم ومؤخر يقول ولولا كلمة سبقت بتأخير العذاب عن هذه ~~الأمة إلى أجل مسمى أي: إلى يوم القيامة أي: لكان لزاما أي: لأخذتهم ~~بالعذاب كما أخذت من ms1062 كان قبلهم من الأمم عند التكذيب ولكن نؤجلهم إلى ~~يوم القيامة وهو أجل مسمى وقال القتبي: معناه: ولولا أن الله عز وجل جعل ~~الجزاء يوم القيامة وسبقت بذلك كلماته لكان العذاب ملازما لا يفارقهم ~~وقال: في الآية تقديم أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان العذاب ~~لازما. ### || [20.130-131] # { فاصبر على ما يقولون } يعني على ما يقول أهل مكة من ~~تكذيبهم إياك { وسبح بحمد ربك } يعني صل لربك وبحمد ربك ~~وبأمره قبل طلوع الشمس يعني: صلاة الفجر وقبل غروبها يعني: صلاة العصر ~~ويقال صلاة الظهر والعصر وروى جرير عن عبد الله البجلي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته يعني: لا ~~تزدحمون مأخوذ من الضم أي لا ينضم بعضكم إلى بعض في رؤيته بظهوره كما في ~~رواية الهلال ويروى لا تضامون بالتخفيف وهو الضم أي الظلم: أي: لا يظلم ~~بعضكم في رؤيته بأن يراه البعض دون البعض فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن ~~الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " # ثم قرأ هذه الآية { فسبح بحمد ربك { قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها } على معنى التأكيد للتكرار { ومن ~~ءاناء اليل } يعني: ساعات الليل { فسبح } يعني صلاة المغرب ~~والعشاء { وأطراف النهار } يعني: غدوة وعشية { لعلك ~~ترضى } يعني: لعلك تعطى من الشفاعة حتى ترضى قرأ الكسائي وعاصم في ~~رواية أبي بكر " ترضى " بضم التاء على فعل ما لم يسم فاعله والباقون ~~بالنصب يعني: ترضى أنت وقال أبو عبيدة وبالقراءة الأولى نقرأ بالضم لأن ~~فيها معنيين أحدهما ترضى أي تعطى الرضا والأخرى ترضى أن يرضاك الله ~~وتصديقه قوله تعالى # وكان عند ربه مرضيا # [مريم: 55] وليس في الأخرى وهي القراءة بالنصب إلا وجه واحد ثم قال عز ~~وجل: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزوجا منهم } يعني لا تنظر بالرغبة إلى ما أعطينا رجالا منهم من ~~الأموال والأولاد { زهرة الحيوة الدنيا } يعني: فإن زينة ~~الدنيا { لنفتنهم فيه } يعني: لنبتليهم بالمال ms1063 وقلة الشكر { ~~ورزق ربك } أي: جنة ربك { خير } من هذه الزينة التي في الدنيا ~~{ وأبقى } أي: وأدوم قال الفقيه أبو الليث رحمه الله حدثنا محمد بن ~~الفضل قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدثنا ~~وكيع عن موسى بن عبيدة عن يزيد بن عبد الله عن أبي رافع قال: - نزل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم - ضيف فبعثني إلى يهودي أن يبيعنا أو يسلفنا ~~إلى أجل فقال اليهودي لا والله إلا برهن فرجعت إليه فأخبرته فقال: # " لو باعني أو أسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض اذهب ~~بدرعي الحديدي " # فذهبت بها فنزل من بعدي هذه الآية تعزية عن الدنيا { ولا تمدن ~~عينيك إلى ما متعنا به أزوجا منهم } إلى آخر ~~الآية. ### || [20.132-135] # ثم قال عز وجل { وأمر أهلك بالصلوة } يعني قومك وأهلك وأهل ~~بيتك بالصلاة { واصطبر عليها } يعني: اصبر على ما أصابك فيها من ~~الشدة روى عبد الرزاق عن معمر عن رجل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا دخل عليه نقص في الرزق أي ضيق أمر أهله بالصلاة. ثم قرأ { ~~وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها } { لا ~~نسألك رزقا } لخلقنا ولا أن ترزق نفسك إنما نسألك العبادة { ~~نحن نرزقك } في الدنيا ما دمت حيا { والعقبة ~~للتقوى } يعني: الجنة للمتقين { وقالوا } يعني الكفار { ~~لولا يأتينا بئاية من ربه } يعني: هلا يأتينا محمد ~~بعلامة لنبوته قال الله تعالى { أو لم تأتهم بينة } يعني: ~~بيان { ما فى الصحف الأولى } يعني ما في التوراة والإنجيل حتى ~~يجدوا نعته فيه وهذا كقوله عز وجل # فاسأل الذين يقرءون الكتب من قبلك # [يونس: 94] ثم قال عز وجل: { ولو أنا أهلكنهم بعذاب ~~من قبله } يقول: لو أن أهل مكة أهلكناهم قبل محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - والقرآن { لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع ءايتك من قبل أن نذل ونخزى } ~~يعني: من قبل أن نعذب ثم قال عز وجل: { قل كل متربص } يعني: ~~منتظر لهلاك صاحبه أنا وأنتم وقال مقاتل: كان كفار ms1064 مكة يقولون نتربص ~~بمحمد # ريب المنون # [الطور: 30] يعني: الموت ووعدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - العذاب ~~فأنزل الله تعالى { قل كل متربص } يعني: أنتم متربصون بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - الموت ومحمد متربص بكم العذاب فأنزل الله تعالى { ~~قل كل متربص } { فتربصوا } أي: انتظروا { ~~فستعلمون } إذا نزل بكم العذاب { من أصحب الصراط ~~السوي } أي العدل { ومن اهتدى } منا ومنكم قرأ نافع وأبو عمرو ~~وعاصم (أولم تأتهم) بالتاء لأن لفظ البينة مؤنث والباقون أولم ~~يأتهم بالياء لأن معناه البيان والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1-6] # قوله تعالى: { اقترب للناس حسبهم } يعني: قربت القيامة ~~كقوله # اقتربت الساعة # [لقمر: 1] ويقال معناه اقترب وقت حسابهم ويقال دنا للناس ما وعدوا في ~~هذا القرآن { وهم فى غفلة } أي: في جهل وعمى من أمر آخرتهم { ~~معرضون } يعني: جاحدين مكذبين وهم كفار مكة ومن كان مثل حالهم ثم ~~نعتهم فقال: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ~~يعني: ما يأتيهم جبريل بالقرآن محدث والمحدث إتيان جبريل بالقرآن مرة بعد ~~مرة ويقال قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن مرة بعد مرة { ~~إلا استمعوه وهم يلعبون } يعني: يستمعون لاعبين ويقال ~~وهم يلعبون يعني: يهزأون ويسخرون قوله عز وجل: { لاهية قلوبهم } ~~يعني: ساهية قلوبهم عن أمر الآخرة { وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا } يعني: أخفوا تكذيبهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ~~ويتناجون فيما بينهم ثم بين أمرهم فقال الذين ظلموا معناه وأسروا النجوى ~~يعني الذين ظلموا ثم بين ما يسرون فقال { هل هذا } يعني: يقولون ما ~~هذا { إلا بشر مثلكم } أي: آدمي مثلكم { أفتأتون ~~السحر } يعني أفتصدقون الكذب { وأنتم تبصرون } وتعلمون أنه ~~سحر { قال } يا محمد { ربى يعلم القول } يعني: السر فأعلمهم ~~الله تعالى أنه يعلم قولهم وأطلع نبيه - صلى الله عليه وسلم - على سرهم ~~وعلانيتهم فقال { قال ربى يعلم القول } { فى السماء ~~والأرض } أي: يعلم سر أهل السموات وسر أهل الأرض قرأ حمزة والكسائي ~~وعاصم في رواية حفص ms1065 قال ربي يعلم على معنى الخبر وقرأ الباقون على معنى ~~الأمر ثم قال: { وهو السميع } لمقالتهم { العليم } بهم ~~وبعقوبتهم { بل قالوا أضغث أحلام } يعني أباطيل أحلام ~~كاذبة وقال أهل اللغة لا يكون الضغث إلا من أخلاط شتى فلذلك يقال أضغاث ~~أحلام أي لما فيها من التخاليط وهو كل حلم لا يكون له تأويل ومن هذا قوله ~~{ وخذ بيدك ضغثا } أي: أخلاط العيدان عدد مائة ويقال في الآية ~~تقديم ومعناه بل قالوا أضغاث أحلام { بل افتراه } يعني: إختلقه من ~~تلقاء نفسه { بل هو شاعر } يعني: ينقضون قولهم بعضهم ببعض مرة ~~يقولون سحر ومرة يقولون أضغاث أحلام { فليأتنا بآية كمآ ~~أرسل الأولون } يعني: يقولون: فأتنا بآية أي بعلامة كما في ~~الرسل الأولين فأخبر الله تعالى أنهم لم يؤمنوا وإن أتاهم بآية فقال عز ~~وجل: { ما ءامنت قبلهم } يعني: قبل كفار مكة { من قرية } ~~من للصلة والزينة يعني: لم يصدق قبلهم أهل قرية للرسل أي: إذا جاءتهم ~~بالآيات { أهلكنها أفهم يؤمنون } يعني: أفقومك يصدقون ~~إذا جاءتهم الآيات أي لا يؤمنون. ### || [21.7-12] # ثم قال عز وجل: { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحى ~~إليهم } يعني: لم أرسل إليهم الملائكة بالرسالة وكانت الرسل من ~~الآدميين { فاسألوا أهل الذكر } يعني: أهل التوراة والإنجيل: ~~{ إن كنتم لا تعلمون } أي: لا تصدقون وذلك أن أهل مكة قالوا لو ~~أراد الله تعالى أن يبعث إلينا رسولا لأرسل ملائكة قرأ عاصم في رواية ~~حفص نوحي بالنون وكذلك في قوله # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه # [الأنبياء:25] وقرأ حمزة والكسائي الأول بالياء والثاني بالنون والباقون ~~كلاهما بالياء وهو اختيار أبي عبيد { وما جعلنهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام } يعني: ما خلقنا الرسل جسدا لا يأكلون ولا ~~يشربون ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون وقال جسدا ولم ~~يقل أجسادا لأن الواحد ينبىء عن الجماعة ويقال معناه وما جعلناهم ذوي ~~أجساد لا يأكلون الطعام لأنهم قالوا # ما لهذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان:7] ثم قال: { وما كانوا خلدين } يعني: في الدنيا { ~~ثم ms1066 صدقنهم الوعد } يعني: العذاب للكفار والنجاة للأنبياء ~~عليهم السلام { فأنجينهم ومن نشاء } يعني فأنجينا الأنبياء ~~عليهم السلام ومن نشاء من المؤمنين { وأهلكنا المسرفين } ~~يعني: المشركين قوله عز وجل: { لقد أنزلنا إليكم كتبا ~~فيه ذكركم } يعني: القرآن فيه عزكم وشرفكم يعني: شرف العرب والذكر ~~يوضع موضع الشرف لأن الشرف يذكر ويقال ذكركم أي فيه تذكرة لكم ما ترجون ~~من رحمة وتخافون من عذابه كما قال # كلا إنها تذكرة # [عبس: 11] وقال السدي فيه ذكركم يعني: ما تعنون به من أمر دنياكم ~~وآخرتكم وما بينكم وقال الحسن فيه ذكركم يعني: أمسك به عليكم دينكم وفيه ~~بيان حلالكم وحرامكم ويقال وعدكم ووعيدكم ثم قال: { أفلا تعقلون ~~} أن فيه عزكم وشرفكم فتؤمنون به قوله عز وجل: { وكم قصمنا } ~~القصم الكسر يعني كم أهلكنا { من قرية } يعني: أهل قرية { كانت ~~ظلمة } أي: كافرة { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } ~~يعني: خلقنا بعد هلاكها قوما آخرين خيرا منهم فسكنوا ديارهم { فلما ~~أحسوا بأسنا } يعني: رأوا عذابنا { إذا هم يركضون } ~~يعني: يهربون ويعدون وقال القتبي: أصل الركض تحريك الرجلين يقال: ركضت ~~الفرس إذا أعديته بتحريك رجليك ومنه قوله # اركض برجلك # [ص: 42]. ### || [21.13-17] # ثم قال عز وجل: { لا تركضوا } يعني: قالت الملائكة عليهم السلام ~~لا تهربوا وقال قتادة هذا على وجه الاستهزاء وقال مقاتل لما انهزموا قالت ~~لهم الملائكة عليهم السلام كهيئة الاستهزاء لا تركضوا وقال القتبي: هذا ~~كما قال لبيد: # هلا سألت جموع كندة # يوم ولوا أين أينا # قال ابن عباس إن قرية من قرى اليمن يقال لها حصور أرسل الله تعالى إليهم ~~نبيا فكذبوه ثم قتلوه فسلط الله عز وجل عليهم بختنصر فقتلهم وهزمهم ~~فقالت لهم الملائكة عليهم السلام حين انهزموا لا تركضوا يعني: لا تهربوا ~~{ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } يعني: خولتم فيه من أمر ~~دنياكم { ومسكنكم لعلكم تسألون } عن قتل نبيكم ويقال ~~عن الإيمان { قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين } بقتل ~~نبينا عليه السلام ويقال بالشرك بالله عز وجل قوله تعالى: { فما زالت ~~تلك دعواهم } يعني: كلمة الويل ms1067 قولهم { حتى جعلنهم ~~حصيدا خمدين } يعني: محصودا وقال أهل اللغة: فعيل بمعنى مفعول ~~والحصيد بمعنى محصود ويقع على الواحد والاثنين والجماعة، وقال السدي: ~~الحصيد الذي قد حصد ويقال: كداسة الغنم بأظلافها خامدين ميتين لا يتحركون ~~وقال مجاهد رحمه الله: خامدين بالسيف قوله عز وجل: { وما خلقنا ~~السماء والأرض وما بينهما } من الخلق والعجائب { ~~لاعبين } أي: لغير شيء ولكن خلقناهم لأمر كائن ويقال وما خلقت هذه ~~الأشياء إلا ليعتبروا ويتفكروا فيها ويعلموا أن خالق هذه الأشياء أحق ~~بالعبادة من غيره ويكون لي عليهم الحجة يوم القيامة قوله عز وجل { لو ~~أردنا أن نتخذ لهوا } يعني: زوجة بلغة حضرموت { ~~لاتخذنه من لدنا } يعني: من عندنا قال ابن عباس اللهو ~~الولد وقال الحسن وقتادة: اللهو المرأة وقال القتبي: التفسيران متقاربان ~~لأن المرأة للرجل لهو وولده لهو كما يقال: ريحانتاه وأصل اللهو الجماع ~~فكني به بالمرأة والولد كما كني عنه باللمس وتأويل الآية أن النصارى لما ~~قالوا في المسيح ما قالوا قال الله تعالى: { لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذنه من لدنا } أي صاحبة وولدا ~~لاتخذنا ذلك من عندنا لا من عندكم لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا ~~عند غيره ثم قال: { إن كنا فعلين } يعني: ما كنا فاعلين ويجوز ~~أن يكون إن كنا ممن يفعل ذلك ولسنا ممن يفعله. ### || [21.18-23] # ثم قال عز وجل { بل نقذف بالحق } يعني: بالحق { على ~~البطل } ومعناه نبين الحق من الباطل { فيدمغه } أي يبطله ~~ويضمحل به ويقال يكسره وقال أهل اللغة: أصل هذا إصابة الرأس والدماغ ~~بالضرب وهو مقتل { فإذا هو زاهق } يعني: هالك ويقال زاهق أي: ~~زائل ذاهب قال الفقيه أبو الليث رحمه الله في الآية دليل أن النكتة إذا ~~قابلتها نكتة أخرى على ضدها سقط الاحتجاج بها لأنها لو كانت صحيحة ما ~~عارضها غيرها لأن الحق لا يعارضه الباطل ولكن يغلب عليه فيدمغه ثم قال: { ~~ولكم الويل } يعني: الشدة من العذاب وهم النصارى { مما ~~تصفون } يعني: تقولون من الكذب على الله { وله من فى ~~السموات ms1068 والأرض } من الخلق { ومن عنده } من الملائكة { ~~لا يستكبرون } يعني: لا يتعظمون { عن عبادته ولا ~~يستحسرون } يعني: لا يعيون الحسير المنقطع الواقف إعياء روي عن ~~عبد الله بن الحارث أنه قال: قلت لكعب الأحبار رضي الله عنه أرأيت قوله { ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون } أما شغلهم رسالة ~~أما شغلهم عمل فقال لي: ممن أنت فقلت: من بني عبد المطلب فضمني إليه ثم ~~قال: يا ابن أخي إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لنا النفس ألست تأكل وتشرب ~~وتذهب وتجيء وأنت تتنفس كذلك جعل لهم التسبيح ثم قال عز وجل: { أم ~~اتخذوا الهة } الميم صلة معناه أعبدوا من دون آلهة ويقال: بل ~~عبدوا آلهة { من الأرض } يعني: اتخذوها من الأرض ويقال من الأرض ~~يعني: في الأرض { هم ينشرون } يعني: هل يحيون تلك الآلهة شيئا ~~وقرىء أيضا ينشرون بضم الياء ونصب الشين هل يحيون أبدا لا يموتون ثم ~~قال: { لو كان فيهما الهة إلا الله } يعني: لو كان في ~~السماء والأرض آلهة غير الله { لفسدتا } يعني: لخربت السموات والأرض ~~ولهلك أهلها يعني أن التدبير لم يكن مستويا ثم نزه نفسه عن الشريك فقال ~~تعالى: { فسبحن الله رب العرش عما يصفون } يعني: ~~عما يقولون من الكذب قوله عز وجل: { لا يسأل عما يفعل } ~~يعني: عما يحكم في خلقه من المغفرة والعقوبة لأنه عادل ليس بجائر { ~~وهم يسئلون } عما يفعلون بعضهم ببعض لأنهم يجورون ولا يعدلون ~~ومعناه لا يسأل عما يفعل على وجه الاحتجاج عليه ولكن يسأل عن معنى ~~الاستكشاف والبيان كقوله عز وجل: # رب لم حشرتنى أعمى # [طه: 125] وروي عن مجاهد أنه قال: لا يسأل عن قضائه وقدره وهم يسألون عن ~~أعمالهم ويقال لا يسأل عما يفعل لأنه ليس فوقه أحد وهم يسألون لأنهم ~~مملوكون. ### || [21.24-30] # ثم قال عز وجل: { أم اتخذوا من دونه ءالهة } الميم صلة ~~يعني أعبدوا من دونه آلهة { قل هاتوا برهنكم } يعني: حجتكم ~~وكتابكم الذي فيه عذركم { هذا ذكر من معى } إلى يوم القيامة ~~{ وذكر من قبلى } يعني: خبر ms1069 من قبلي فلا أجد فيه أن الشرك كان ~~مباحا في وقت من الأوقات ويقال { هذا ذكر من معى وذكر ~~من قبلى } يعني القرآن وكتب الأولين ثم قال { بل أكثرهم لا ~~يعلمون الحق } يعني: لا يصدقون بالقرآن ويقال بالتوحيد { فهم ~~معرضون } يعني: مكذبون بالقرآن والتوحيد ثم بين ما أمر في جميع ~~الكتب للرسل فقال عز وجل: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحى إليه } كما يوحى إليك { أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون } يعني: وحدون { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا } وذلك حين قال مشركو قريش في الملائكة ما قالوا فقال الله ~~تعالى: { سبحنه } نزه نفسه عن الولد { بل عباد مكرمون ~~} يعني: بل عبيد أكرمهم الله تعالى بعبادته { لا يسبقونه ~~بالقول } يعني: لا يقولون ولا يعملون شيئا ما لم يأمرهم { وهم ~~بأمره يعملون } يعني: يعملون ما يأمرهم به { يعلم ما ~~بين أيديهم } من أمر الآخرة { وما خلفهم } من أمر الدنيا ~~{ ولا يشفعون } يعني الملائكة { إلا لمن ارتضى } يعني: ~~لمن رضي عنه بشهادة أن لا إله إلا الله { وهم من خشيته ~~مشفقون } يعني: من هيبته خائفون لأنهم عاينوا أمر الآخرة فيخافون ~~عاقبة الأمر ثم قال: { ومن يقل منهم } يعني: من الملائكة { ~~إنى إله من دونه } يعني: من دون الله ولم يقل ذلك غير إبليس ~~عدو الله { فذلك } يعني: ذلك القائل { نجزيه جهنم كذلك ~~نجزى الظلمين } أي: الكافرين قوله عز وجل: { أو لم ير ~~الذين كفروا } يعني: أو لم يخبروا في الكتاب قرأ ابن كثير ~~(ألم ير) بغير واو والباقون أو لم بالواو ومعناهما قريب { أن ~~السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما } يعني: ~~فرقناهما وأبنا بعضها من بعض وقال مجاهد: كانت السماء لا تمطر والأرض لا ~~تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات وقال القتبي: كانتا منضمتين ففتقناهما ~~ففتقنا السماء بالمطر والأرض بالنبات وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ~~كانت السموات واحدة والأرض واحدة ففتقت السماء سبعا والأرض مثلهن وقال ~~الزجاج: ذكر السموات والأرض ثم قال: (كانتا رتقا) ففتقناهما لأن ~~السموات يعبر عنها بالسماء بلفظ الواحد وأن ms1070 السموات كانت سماء واحدة ~~وكذلك الأرض والمعنى أن السموات كانت واحدة ففتقتها وجعلتها سبعا وكذلك ~~الأرض وقيل إنما فتقت السماء بالمطر والأرض بالنبات بدليل قوله { ~~وجعلنا من الماء كل شىء حى } فقال رتقا ولم يقل رتقين ~~لأن الرتق مصدر والمعنى كانتا ذواتي رتق ودلهم بهذا على توحيده حيث قال { ~~وجعلنا من الماء كل شىء حى } يعني: جعلنا الماء حياة كل ~~شيء وهو قول مقاتل وقال قتادة خلق كل شيء حي من الماء وقال أبو العالية ~~رحمه الله { وجعلنا من الماء } يعني: من النطفة { أفلا ~~يؤمنون } يعني أفلا يصدقون بتوحيد الله بعد هذه العجائب. ### || [21.31-36] # وقوله عز وجل { وجعلنا فى الأرض رواسى } يعني: الجبال ~~الثقال الثوابت { أن تميد بهم } يعني: كيلا تميل ويقال: كراهية أن ~~تميل بكم { وجعلنا فيها فجاجا سبلا } يعني: في الأرض وفي ~~الجبال أودية والفجاج جمع فج وهو كل شيء مخترق بين جبلين سبلا يعني: ~~طرقا { لعلهم يهتدون } أي: لكي يعرفوا الطرق { وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا } من الشياطين ويقال: محفوظا من السقوط ~~كيلا تسقط عليهم { وهم عن ءايتها معرضون } يعني: عن شمسها ~~وقمرها ونجومها وما فيها من الأدلة والعبر معرضون يعني: لا يتفكرون فيها ~~وقرأ بعضهم (وهم عن آياتها معرضون) ومعناه: إن السماء بنفسها أعظم آية ~~لأنها متمسكة بقدرته ثم قال عز وجل { وهو الذى خلق اليل ~~والنهر } يعني: الظلمة والضوء { والشمس والقمر كل ~~فى فلك يسبحون } أي: في دوران يجرون وقال قتادة: يعني يجرون في ~~فلك السلام وقال الكلبي كل شيء يدور فهو فلك وقال القتبي: الفلك القطب ~~الذي تدور به النجوم وهو كوكب خفي بقرب الفرقدين ونبات نعش عليه تدور ~~السماء فقد ذكر بلفظ العقل يسبحون لأنه وصف منهم الفعل كما ذكر من ~~العقلاء ثم قال عز وجل { وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد } يعني: في الدنيا { أفإن مت فهم الخالدون } ~~وذلك أن أناسا من الكفار قالوا: إن محمدا يموت فنزل { كل نفس ~~ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة } ~~يعني: بالغنى والفقر والرخاء والشدة فتنة يعني: ms1071 اختبارا لهم { ~~وإلينا ترجعون } في الآخرة قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين ~~يرجعون بالياء بلفظ المغايبة وقرأ الباقون ترجعون بالتاء على معنى ~~المخاطبة وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين (يرجعون) بنصب الياء قوله عز ~~وجل: { وإذا راك الذين كفروا } وذلك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مر بأبي سفيان بن حرب وأبي جهل بن هشام فقال أبو جهل لأبي ~~سفيان هذا نبي بني عبد مناف يقول ذلك كالمستهزيء فنزل قوله: { وإذا ~~راك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا } يعني: ما ~~يقولون لك إلا سخرية ثم قال { أهذا الذى يذكر الهتكم } ~~بالسوء ويقال: أهذا الذي يعيب آلهتكم { وهم بذكر الرحمن ~~هم كفرون } يعني: جاحدون تاركون وهذا كقوله عز وجل # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالأخرة # [الزمر: 45] قال الكلبي: وذلك حين نزل # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110] فقال أهل مكة: ما يعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب فنزل # وهم بذكر الرحمن هم كفرون # [الأنبياء: 36]. ### || [21.37-43] # قوله عز وجل: { خلق الإنسان من عجل } أي: مستعجلا بالعذاب ~~وهو النضر بن الحارث وقال القتبي: (خلق الإنسان من عجل) أي: ~~خلقت العجلة في الإنسان ويقال إن آدم عليه السلام استعجل حين خلق واستعجل ~~كفار قريش نزول العذاب كما استعجل آدم عليه السلام قال الله تعالى: { ~~سأوريكم ءايتي } قال الكلبي رحمه الله: هو ما أصاب قوم نوح ~~وقوم هود وصالح وكانت قريش يسافرون في البلدان فيرون آثارهم ومنازلهم ~~ويقال: يعني: القتل ببدر ويقال: يعني: يوم القيامة { فلا ~~تستعجلون } بنزول العذاب ثم قال عز وجل { ويقولون متى ~~هذا الوعد } يعني: البعث { إن كنتم صدقين } يعني: إن ~~كنت صادقا فيما تعدنا أن نبعث فنزل قوله عز وجل { لو يعلم ~~الذين كفروا حين لا يكفون } يعني: لا يصرفون ولا يرفعون ~~{ عن وجوههم النار } لأن أيديهم تكون مغلولة { ولا عن ~~ظهورهم } في الآخرة { ولا هم ينصرون } يعني: لا يمنعون عما ~~نزل بهم من العذاب وجوابه مضمر يعني: لو علموا ذلك الآن لامتنعوا من ~~الكفر والتكذيب { بل ms1072 تأتيهم بغتة } يعني: الساعة تأتيهم فجأة { ~~فتبهتهم } يعني: فتفجأهم { فلا يستطيعون ردها } أي: ~~صرفها عن أنفسهم { ولا هم ينظرون } يعني لا يمهلون ولا يؤجلون ~~قوله عز وجل: { ولقد استهزىء برسل من قبلك } كما استهزأ ~~بك قومك { فحاق بالذين سخروا منهم } أي: نزل بالذين ~~سخروا منهم { ما كانوا به يستهزءون } يعني: العذاب الذي ~~كانوا به يستهزئون قوله عز وجل { قل من يكلؤكم } يعني: من يحفظكم ~~{ باليل والنهار من الرحمن } يعني: من عذاب الرحمن ~~معناه من يمنعكم من عذاب الرحمن إلا الرحمن { بل هم عن ذكر ~~ربهم } يعني: عن التوحيد والقرآن { معرضون } مكذبون تاركون ~~قوله عز وجل { أم لهم آلهة } الميم صلة يعني ألهم آلهة { ~~تمنعهم من دوننا } يعني: من عذابنا { لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم } يعني: لا تقدر الآلهة أن تمنع نفسها من العذاب أو ~~السوء إن أرادوا بها فكيف ينصرونكم { ولا هم منا يصحبون } ~~يعني: يأمنون من عذابنا وقال مجاهد يعني: ولا هم منا ينصرون وقال السدي ~~لا نصحبهم فندفع عنهم في أسفارهم وقال القتبي: أي لا يجارون لأن المجير ~~صاحب لمجاره. ### || [21.44-50] # ثم قال عز وجل: { بل متعنا هؤلاء } يعني: أجلناهم وأمهلناهم ~~{ وءاباءهم } من قبلهم { حتى طال عليهم العمر } يعني: ~~الأجل { أفلا يرون } يعني: أفلا ينظر أهل مكة { أنا نأتى ~~الأرض ننقصها } أي: نأخذ ونفتح الأرض ننقصها { من أطرافها ~~} ما حول مكة أي ننقصها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من نواحيها ويقال ~~يعني نقبض أرواح أشراف أهل مكة ورؤسائها وقال الحسن: هو ظهور المسلمين ~~على المشركين وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو موت فقهائها وذهاب خيارها ~~وقال الكلبي: يعني: السبي والقتل والخراب ثم قال تعالى: { أفهم ~~الغلبون } يعني: أن الله تعالى هو الغالب وهم المغلوبون ثم قال عز ~~وجل { قل إنما أنذركم بالوحى } يعني: بما نزل من القرآن { ~~ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } يعني: أن من ~~يتصامم لا يسمع الدعاء إذا ما يخوفون قرأ ابن عامر ولا تسمع الصمم ~~الدعاء بالتاء بلفظ المخاطبة ومعناه أن لا تقدر ms1073 أن تسمع الصم الدعاء إذا ~~ما ينذرون يعني: إذا خوفوا والباقون ولا يسمع بالياء على وجه الحكاية ثم ~~أخبر عن قلة صبرهم عند العذاب فقال: { ولئن مستهم نفحة ~~من عذاب ربك } يعني: من أصابتهم عقوبة من عذاب ربك ويقال: لئن ~~أصابهم العذاب أي طرف من العذاب ويقال أدنى شيء من عذاب ربك { ~~ليقولن يويلنا إنا كنا ظلمين } أي: ظلمنا أنفسنا ~~بترك الطاعة لله { ونضع الموزين القسط } يعني: ميزان العدل ~~{ ليوم القيمة } يعني: في يوم القيامة قال ابن عباس هو ميزان ~~له كفتان (وله لسانان يوزن به الأعمال) الحسنات والسيئات فيجاء بالحسنات ~~في أحسن صورة ويجاء بالسيئات في أقبح صورة { فلا تظلم نفس ~~شيئا } يعني: لا ينقص من ثواب أعمالهم شيئا { وإن كان مثقال ~~حبة } يعني: وزن حبة { من خردل } قرأ نافع مثقال حبة بضم اللام ~~وقرأ الباقون بالنصب فمن قرأ بالرفع فمعناه وإن حصل للعبد مثقال حبة من ~~خردل ومن قرأ بالنصب معناه وإن كان العمل (مثقال حبة) يصير خبر ~~كان { أتينا بها } يعني: جئنا بها وأحضرناها وقرأ بعضهم (آتينا) ~~بالمد يعني: جازينا بها وأعطينا بها وقراءة العامة بغير مد ثم قال: { ~~وكفى بنا حسبين } يعني: مجازين قوله عز وجل { ولقد ~~ءاتينا موسى وهرون الفرقان } يقول النصرة والنجاة فنصر ~~موسى وهارون وأهلك عدوهما فرعون { وضياء } يعني: الذي أنزل عليهما من ~~الحلال والحرام في الكتاب قرأ ابن كثير وضئاء بهمزتين والباقون بهمزة ~~واحدة { وذكرا } يعني: عظة { للمتقين } الذين يتقون الكفر ~~والفواحش والكبائر وقال مجاهد: الفرقان الكتاب وقال السدي: الفرقان ~~والنصر والضياء النور وذكرا قال التوراة وقال مقاتل: الفرقان والتوراة ~~وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان (ضياء ~~وذكرا) يعني: أعطيناهما التوراة نورا وعظة ويروى عن عكرمة عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ (الذين استجابوا) بالواو يعني (والذين) { ولقد ~~ءاتينا موسى وهرون الفرقان ضياء } بغير واو وقال ~~اجعلوا هذه الواو عند قوله: { والذين استجابوا لله } ثم ~~قال عز وجل: { الذين يخشون ربهم بالغيب } يعني: يعملون ~~لربهم في ms1074 غيب عنه والله تعالى لا يغيب عنه شيء { وهم من الساعة ~~مشفقون } يعني: من عذاب الساعة خائفون قوله عز وجل { وهذا ~~ذكر مبارك } يعني: هذا القرآن ذكر مبارك يعني؛ فيه السعادة ~~والمغفرة للذنوب والنجاة لمن آمن به { أنزلنه } لكم { ~~أفأنتم له منكرون } يعني أفأنتم للقرآن مكذبون جاحدون. ### || [21.51-60] # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا إبرهيم رشده من قبل } ~~يعني: أكرمناه بالمغفرة من قبل النبوة وقال مقاتل: من قبل موسى وهارون ~~وقال مجاهد: من قبل بلوغه وقال الكلبي: يقول ألهمناه رشده الخير وهديناه ~~قبل بلوغه ويقال من قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن { وكنا ~~به علمين } بأنه أهل للرشد ويقال: للنبوة ويقال: { وكنا به ~~عالمين } { إذ قال } يعني: حين قال { لأبيه وقومه ما ~~هذه التمثيل } أي التصاوير يعني الأصنام { التى أنتم ~~لها عكفون } أي: عابدون ويقال: التي عليها مقيمين روى ميسرة ~~النهدي أن عليا رضي الله عنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال (ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عاكفون) فلما قال لهم ذلك إبراهيم { ~~قالوا وجدنا ءاباءنا لها عبدين } يعني: فنحن نعبدها { ~~قال } لهم إبراهيم { لقد كنتم أنتم وءاباؤكم فى ~~ضلل مبين } يعني: في خطإ بين قال السدي: كان أبوه يصنع ~~الأصنام يبعث بها مع بنيه فيبيعونها فبعث إبراهيم بصنم ليبيعه فجعل ينادي ~~من يشتري ما يضره ولا ينفعه وكان إخوته يبيعون ولا يبيع هو شيئا وقال ~~أنتم في ضلال مبين { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللعبين قال } إبراهيم بل أقول لكم حقا وأدعوكم إلى عبادة الله ~~تعالى { بل } هو { ربكم } أي: خالقكم ورازقكم { رب ~~السموات والأرض } هو ربكم { الذى فطرهن } يعني: هو ~~الذي خلقهن { وأنا على ذلكم من الشهدين } بأن ~~الذي خلق السموات والأرض هو ربكم قال عز وجل { ~~وتالله لأكيدن أصنمكم } يعني: قال إبراهيم والله لأكسرن ~~أصنامكم { بعد أن تولوا مدبرين } يعني: بعد أن تنطلقوا ~~ذاهبين إلى عيدكم وذلك أن القوم كانوا أرادوا أن يخرجوا إلى عيد لهم ~~فقالوا لإبراهيم اخرج معنا حتى تنظر إلى عيدنا وكان القوم ms1075 في ذلك الزمان ~~ينظرون إلى النجوم فينظر أحدهم ويقول إنه يصيبني كذا وكذا من الأمر وكان ~~ذلك معروفا عندهم وكانوا إذا خرجوا إلى عيدهم لم يخلفوا بعدهم إلا من ~~كان مريضا (فنظر - إبراهيم - نظرة في النجوم فقال ~~إني سقيم) يعني: أشتكي غدا فأصبح من الغد معصوبا رأسه وخرج القوم ~~إلى عيدهم ولم يتخلف أحد غيره فلما خرج القوم قال إبراهيم أما والله ~~لأكيدن أصنامكم فسمعه رجل منهم فحفظها عليه فأخذ إبراهيم فأسا ويقال: ~~قدوما جاء إلى بيت أصنامهم وكانوا قد وضعوا ألوان الطعام بين أيديهم ~~فإذا رجعوا من عيدهم رفعوا ذلك الطعام ويأكلون تبركا ودخل إبراهيم بيت ~~الأصنام فرأى ذلك الطعام بين أيديهم فقال (ألا تأكلون) فلم يجيبوه ~~فقال: { ما لكم لا تنطقون فأقبل عليهم ضربا ~~باليمين } يعني: جعل يضرب القوم بيده وقال السدي: قطع رؤوسها كلها ~~وقال ابن عباس: كسرها كسرا وقال بعضهم نحت وجوههم وقال بعضهم: قطع يد ~~بعضهم ورجل بعضهم وأذن بعضهم فذلك قوله تعالى: { فجعلهم ~~جذاذا } يعني: فتاتا ويقال: كسرهم قطعا قطعا وقال أهل اللغة: كل ~~شيء كسرته فقد جذذته وقال أبو عبيد (يعني فتاتا ويقال: كسرهم) أي ~~استأصلهم ويقال جزا الله دابرهم أي استأصلهم وقرأ الكسائي (جذاذا) ~~بالكسر والباقون بالضم وقريء في الشاذ جذاذا بالنصب ومعناه قريب ~~بعضها من بعض وهو الكسر { إلا كبيرا لهم } لم يكسره وتركه على ~~حاله وقال الزجاج: يحتمل الكبير في الخلقة ويحتمل أكبر ما عندهم في ~~تعظيمهم { لعلهم إليه يرجعون } يعني: إلى الصنم الأكبر ~~ويقال يرجعون إلى قوله باحتجاجه عليهم لوجوب الحجة عليهم فجعل القدوم على ~~عنق ذلك الصنم الأكبر فلما رجعوا من عيدهم نظروا إلى آلهتهم مكسرة ويقال: ~~حين دخل إبراهيم بيت الأصنام كان عندهم خدم يعني الوصائف فخرجن وقلن إن ~~هذا الرجل مريض جاء يطلب من الآلهة العافية فلما خرج إبراهيم ودخلن فنظرن ~~إلى الأصنام مقطوعة الرأس فخرجن إلى الناس بالويل والصياح وأخبرنهم ~~بالقصة فتركوا عيدهم ودخلوا فلما رأوا ذلك { قالوا من فعل هذا ~~بئالهتنا إنه لمن الظلمين ms1076 } في فعله { قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم } أي يعيبهم ويقال: أخبر الرجل الذي سمع ~~منه فقال: إني سمعت فتى يذكرهم قال تالله لأكيدن أصنامكم { يقال له ~~إبرهيم } صار إبراهيم رفعا بمعنى يقال له هو إبراهيم وقال يحتمل ~~يقال له إبراهيم رفع على معنى النداء المفرد. ### || [21.61-71] # قوله عز وجل: { قالوا فأتوا به على أعين الناس ~~لعلهم يشهدون } يعني: يشهدون عليه بما يعرفون منه ويقال: ~~يشهدون عقوبتهم له قال فجاؤوا به إلى ملكهم النمرود بن كنعان { قالوا ~~} أي: قال له الملك { ءأنت فعلت هذا بئالهتنا يا ~~إبراهيم قال } إبراهيم { بل فعله كبيرهم هذا } ~~يعني: عظيمهم عندكم وإنما قال هذا على وجه الاستهزاء لا على وجه الجد { ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون } يعني: إن كانوا يتكلمون ~~فسألوهم من فعل هذا بكم { فرجعوا إلى أنفسهم } فلاموها يعني ~~إلى أصحابهم { فقالوا إنكم أنتم الظلمون } يعني: ~~حيث قلتم إن إبراهيم كسرها { ثم نكسوا على رؤوسهم } ~~يعني: رجعوا إلى قولهم الأول وقال القتبي: أي ردوا إلى ما كانوا يعرفون ~~من أنها لا تنطق فقالوا { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } يا ~~إبراهيم يعني تعلم أنهم لا يتكلمون يا إبراهيم { قال } لهم إبراهيم { ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا } إن ~~عبدتموهم { ولا يضركم } إن تركتموهم { أف لكم } يعني: ~~قذرا لكم وسحقا لكم وتعسا لكم والاختلاف في قوله: أف مثل ما سيق { ~~ولما تعبدون من دون الله } يعني: أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله { أفلا تعقلون } أن من ليس له ذهن ولا قوة ولا منفعة ~~ولا مضرة أن لا تعبدوه قوله عز وجل: { قالوا } يعني: قال ملكهم: { ~~حرقوه وانصروا ءالهتكم } يعني: انتقموا لآلهتكم { إن ~~كنتم فعلين } به شيئا فافعلوا فأمر النمرود أهل القرى أن ~~يجمعوا له حطبا أياما كثيرة وأمر بأن يبنى بنيانا فبنى حائطا ~~مستديرا وجمعوا الحطب ما شاء الله (ثم أضرموا فيه النار) فارتفعت النار ~~حتى بلغت السماء في أعين الناظرين وكانت الطير يمر بها فيصيبها حر النار ~~فلا تستطيع أن تجوز فيه فتقع ميتة فلما ms1077 أرادوا أن يلقوه فيها لم يستطيعوا ~~لشدة حرها ولم يقدر أحد أن يدنو منها فبطل تدبيرهم وكادوا أن يتركوه حتى ~~جاء إبليس عدو الله (لعنه الله) فدلهم على المنجنيق وهو أول منجنيق صنع ~~وجاءوا بإبراهيم فأوثقوا يديه وجعلوه في المنجنيق وروي في الخبر أن ~~السموات والأرض والجبال بكوا عليه وبكت عليه ملائكة السموات وقالوا ربنا ~~عبدك إبراهيم يحرق فيك فقال لهم إن استغاث بكم فأغيثوه فلما رمي في ~~المنجنيق قال: حسبي الله ونعم الوكيل فرمي به بالمنجنيق في الهوى فجعل ~~يهوي نحو النار فقال جبريل: يا رب عبدك إبراهيم يحرق فيك قال الله تعالى ~~إن استغاث بك فأغثه فأتاه جبريل وهو يهوي نحو النار فقال أتطلب ~~النجاة فقال أما منك فلا قال: أفلا تسأل الله أن ينجيك منها فقال إبراهيم ~~حسبي من سؤالي علمه بحالي فلما أخلص قلبه لله تعالى فعند ذلك قال الله ~~تعالى: { قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم ~~} يعني: سلميه من حرك وبردك قال عكرمة بردت نار الدنيا كلها يومئذ فلم ~~ينتفع بها أحد من أهلها وقال كعب ما أحرقت النار من إبراهيم غير وثاقه ~~وقال قتادة إن الخطاف كانت تطفيء النار بأجنحتها وكانت الوزغة تنفخها ~~وروت عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " اقتلوا الوزغة فإنها كانت تنفخ على إبراهيم النار " # وكانت تقتلهن وقال علي بن أبي طالب في قوله (بردا وسلاما) لو لم ~~يقل وسلاما لأهلكه البرد وكذلك قال ابن عباس فضمه جبريل بجناحه ووضعه ~~على الأرض وضرب جناحه على الأرض فأظهر الماء واخضرت الأرض فلما كان في ~~اليوم الثالث خرج النمرود مع جيشه وأشرف على موضع مرتفع لينظر إلى ~~النار فرأى في وسط ذلك الموضع ماء وخضرة ورأى هناك شخصين والنار حواليهما ~~فقال: إنا قد رمينا إنسانا واحدا فما لي أرى فيها شخصين فرجع متحيرا ~~قال الله تعالى: { وأرادوا به كيدا } يعني: حرقا { ~~فجعلنهم الأخسرين } يعني: الأذلين الأسفلين { ~~ونجينه ولوطا إلى الأرض التى باركنا فيها ~~للعلمين } يعني: إلى الأرض المقدسة فخرج إبراهيم ms1078 من ذلك الموضع ~~وقال للوط إني أريد أن أهاجر فصدقه واتبعه فخرجا إلى بيت المقدس ويقال ~~إلى الشام التي باركنا فيها بالماء والثمار للناس. ### || [21.72-79] # { ووهبنا له إسحق } يعني: الولد { ويعقوب نافلة } ~~يعني: زيادة وذلك أنه سأل الله تعالى الولد فأعطاه الله تعالى الولد وهو ~~إسحاق عليه السلام وولد الولد فضله على مسألته وهو يعقوب عليه السلام ~~ويقال نافلة: أي: غنيمة { وكلا جعلنا صلحين } يعني: ~~أكرمناهم بالإسلام وقال الكلبي: كان لوط ابن أخي إبراهيم فكان لوط بن ~~هازر ابن آزر وهو عم لوط وقال بعضهم كان ابن عمه وكانت سارة أخت لوط ثم ~~قال عز وجل: { وجعلنهم أئمة } يعني: قادة في الخير ويقال: ~~أكرمناهم بالأمانة والنبوة { يهدون بأمرنا } يعني: يدعون الخلق ~~بأمرنا إلى أمرنا وإلى ديننا { وأوحينا إليهم فعل ~~الخيرت } يعني: أمرناهم بالأعمال الصالحة ويقال بالدعاء إلى الله ~~تعالى أي قول لا إله إلا الله { وإقام الصلاة } يعني: تمام الصلاة ~~{ وإيتآء الزكاة } يعني: الزكاة المفروضة وصدقة التطوع { ~~وكانوا لنا عبدين } يعني مطيعين وقوله عز وجل { ولوطا } ~~يعني: واذكر لوطا إذ { آتيناه حكما وعلما } يعني: النبوة ~~والفهم ويقال ولوطا يعني وأوحينا إليهم واتينا لوطا حكما وعلما يعني ~~النبوة والفهم { ونجينه من القرية } يعني مدينة سدوما { ~~التى كانت تعمل الخبئث } يعني: اللواطة { إنهم ~~كانوا قوم سوء فسقين } يعني عاصين { وأدخلناه في ~~رحمتنا } يعني أكرمنا لوطا في الدنيا بطاعتنا وفي الآخرة بالجنة { ~~إنه من الصلحين } يعني: من المرسلين قوله عز وجل { ونوحا ~~} يعني: واذكر نوحا { إذ نادى من قبل } يعني دعا على قومه من ~~قبل إبراهيم وإسحاق { فاستجبنا له فنجينه وأهله ~~من الكرب العظيم } يعني الغرق وتكذيب قومه { ونصرنه ~~من القوم } يعني: على القوم { الذين كذبوا ~~بئايتنا } يعني: كذبوا نوحا بما أنذرهم من الغرق ويقال: (نصرناه ~~من القوم) أي: نجيناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا { إنهم كانوا ~~قوم سوء } أي: كافرين { فأغرقنهم أجمعين } يعني: ~~الصغير والكبير فلم يبق منهم أحد إلا هلك بالطوفان قال عز وجل { ~~وداوود وسليمن } يعني: واذكر داود وسليمان { إذ ms1079 ~~يحكمان فى الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شهدين } وذلك أن غنما لقوم وقعت في زرع رجل ~~فأفسدته قال ابن عباس في رواية أبي صالح أن غنم قوم وقعت في كرم قوم ~~ليلا حين خرج عناقيده فأفسدته فاختصموا إلى داود بن ايشا عليه السلام ~~فقوم داود الكرم والغنم فكانت القيمتان سواء يعني: قيمة الغنم وقيمة ما ~~أفسدت من الكرم فدفع الغنم إلى صاحب الكرم فخرجوا من عنده فمروا بسليمان ~~عليه السلام فقال بما قضى بينكم الملك فأخبروه فقال نعم ما قضى به وغير ~~هذا أرفق للفريقين جميعا فرجع أصحاب الكرم والغنم إلى داود فأخبروه بما ~~قال سليمان فأرسل داود إلى سليمان فقال كيف رأيت قضائي بين هؤلاء فإني لم ~~أقض بالوحي وإنما قضيت بالرأي فقال: نعم ما قضيت فقال: عزمت عليك أي: ~~أنشدك بحق النبوة وبحق الوالد على ولده إلا أخبرتني فقال سليمان: غير هذا ~~كان أرفق بالفريقين فقال وما هو قال سليمان يأخذ أهل الكرم الغنم ينتفعون ~~بألبانها وسمنها وصوفها ونسلها ويعمل أهل الغنم لأهل الكرم في كرمهم حتى ~~إذا عاد الكرم كما كان ردوه فقال داود نعم ما قضيت به فقضى داود بينهم ~~بذلك وقال بعضهم كان ذلك القضاء نافذا فلم ينقض ذلك وكان سليمان في ذلك ~~اليوم ابن إحدى عشر سنة فذلك قوله { إذ نفشت فيه غنم ~~القوم } يعني: دخلت فيه غنم القوم ويقال نفشت أي: دخلت فيه بالليل من ~~غير حافظ لها وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الزهري رحمهم الله ~~قال: النفش لا يكون إلا ليلا والهمل بالنهار وروى قتادة عن الشعبي أن ~~شاة وقعت في غزل الحواك فاختصموا إلى شريح رحمه الله فقال شريح انظروا ~~أوقعت ليلا أو نهارا فإن كان بالليل يضمن وإن - كان بالنهار لا يضمن ثم ~~قرأ شريح (إذ نفشت فيه غنم القوم) وقال: النفش بالليل ~~والهمل بالنهار وكلاهما الرعي بلا راع وروى سعيد بن المسيب أن ناقة ~~البراء بن عازب دخلت حائطا لقوم فأفسدته فقضى رسول ms1080 الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن حفظ الأموال على أهلها بالنهار وعلى أهل الماشية ما أصابت ~~الماشية بالليل وبهذا الخبر أخذ أهل المدينة وقال أهل العراق لا يضمن ~~ليلا كان أو نهارا إلا أن يتعمد صاحبها فيرسلها فيه وذهبوا إلى ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " جرح العجماء جبار " # { وكنا لحكمهم شهدين } يعني: عالمين قوله عز وجل: { ~~ففهمنها سليمن } يعني: ألهمناها سليمان { وكلا ~~ءاتينا حكما وعلما } يعني: النبوة والفهم بالحكم وروي عن الحسن ~~البصري رحمه الله أنه قال: لولا هذه الآية لم يجرؤ أحد منا أن يفتي في ~~الحوادث ثم قال: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ~~والطير } يعني: كلما سبح داود يسبح معه الجبال والطير يعني سخرنا ~~الجبال والطير يسبحن معه إذا سبح وقال كان داود يمر بالجبال صبحا وهي ~~تجاوبه وكذلك الطير وقال قتادة: يسبحن أي يصلين معه إذا صلى يعني كل ما ~~سبح داود تسبح معه الجبال والطير يعني: سخرنا الطير والجبال يسبحن معه { ~~وكنا فعلين } يعني: نحن فعلنا ذلك بهما. ### || [21.80-83] # قوله عز وجل: { وعلمناه صنعة لبوس لكم } يعني: دروع ~~الحديد وذلك أن داود خرج يوما متنكرا ليسأل عن سيرته في مملكته فقال ~~جبريل: نعم الرجل هو لولا أن فيه خصلة واحدة قال: وما هي قال: بلغني أنه ~~يأكل من بيت المال وليس شيء أفضل من أن يأكل الرجل من كد يده فرجع داود ~~عليه السلام وسأله الله عز وجل أن يجعل رزقه من كد يديه فألان له الحديد ~~وكان يتخذ منها الدروع ويبيعها ويأكل من ذلك فذلك قوله: (وعلمناه) يعني: ~~ألهمناه ويقال علمناه بالوحي صنعة اللبوس لكم { لتحصنكم من ~~بأسكم } يعني: يمنعكم قتال عدوكم قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص ~~بالتاء لتحصنكم وقرأ عاصم في رواية أبي بكر لنحصنكم بالنون بدليل قوله ~~وعلمناه وقرأ الباقون بالياء للفظ التذكير يعني: ليحصنكم الله عز وجل ~~ويقال: يعني اللبوس ومن قرأ بالتاء فهو كناية عن الصنعة واختار أبو عبيد ~~بالتاء لتحصنكم لأن اللبوس أقرب ms1081 إليه ثم قال: { فهل أنتم ~~شكرون } اللفظ لفظ الاستفهام يعني اشكروا وارث هذه النعم ووحدوه ~~قوله عز وجل: { ولسليمن الريح } قرأ عبد الرحمن (الريح) بضم ~~الحاء على معنى الابتداء وقراءة العامة (الريح) بالنصب ومعناه: وسخرنا ~~لسليمان الريح { عاصفة } يعني: قاصفة شديدة وقال في موضع آخر: # تجرى بأمره رخآء # [ص: 36] يعني: لبنة فإنها كانت تشتد إذا أراد وتلين إذا أراد { تجرى ~~بأمره } يعني: تسير بأمر الله عز وجل ويقال: بأمر سليمان { إلى ~~الأرض التى باركنا فيها } بالماء والشجر { وكنا بكل ~~شىء علمين } يعني: من أمر سليمان وغيره قوله عز وجل: { ومن ~~الشيطين من يغوصون له } يعني: سخرنا لسليمان من الشياطين ~~من يغوصون له في البحر { ويعملون عملا دون ذلك } من ~~البنيان وغيره { وكنا لهم حفظين } من أن يهيجوا أحدا في ~~زمانه ويقال يحفظهم أن لا يفسدوا ما عملوا ويقال: وكنا لهم حافظين ~~ليطيعوا سليمان ولا يعصوه قوله عز وجل: { وأيوب إذ نادى ~~ربه } يعني: أذكر أيوب عليه السلام روي في الخبر أن أيوب كان بمنزلة ~~الملك وهو أيوب بن مرضي النبي عليه السلام - وكانت له أموال من صنوف ~~مختلفة وكانت له ضياع كثيرة وكان له ثلثمائة زوج نيران وغلمان يعملون له ~~في ضياعة وأموال السوائم من الغنم والإبل والبقر وكان متعبدا ناسكا ~~منفقا متصدقا فحسده إبليس عدو الله وقال: إن هذا يذهب بالدنيا والآخرة ~~وأراد أن يفسد عليه إحدى الدارين أو كلتيهما فسأل الله تعالى وقال: إن ~~عبدك أيوب يعبدك لأنك أعطيته السعة في الدنيا ولولا ذلك لم يعبدك قال ~~الله تعالى إني أعلم منه أنه يعبدني ويشكرني وإن لم يكن له سعة في الدنيا ~~فقال يا رب سلطني عليه فسلطه على كل شيء منه إلا على روحه وجاء إبليس إلى ~~غنمه كهيئة النار وضرب عليها فأهلك جميع غنمه فجاءت رعاته فأخبروه بالقصة ~~فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال هو الذي أعطى وهو الذي أخذ وهو أحق به ~~ويقال إنه أحرق غنمه ورعاته فجاء إبليس على هيئة راع من رعاته فأخبره ms1082 ~~بذلك فقال له أيوب لو كان فيك خيرا لهلكت مع أصحابك ثم جاء إلى إبله ~~وبقره ففعل مثل ذلك ثم جاء إلى زرعه كهيئة النار فأفسد جميع زرعه فأخبر ~~بذلك فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وقال هو الذي أعطى وهو الذي أخذ وهو ~~أحق به وكان له سبعة بنين وثلاث بنات ويقال سبعة بنين وسبعة بنات في بيت ~~فجاء إبليس عليه اللعنة فهدم البيت عليهم فماتوا كلهم فذكر ذلك لأيوب ~~فحمد الله تعالى وأثنى عليه على ذلك ولم يجزع وقال هو الذي أعطى ثم أخذ. # ثم جاء إلى أيوب وهو في الصلاة فلما سجد نفخ في أنفه وفمه نفخة فانتفخ ~~أيوب عليه السلام وخرجت به قروح وجعل تسيل منها الصديد وتفرق عنه أقرباؤه ~~وأصدقاؤه ولم يبق معه إلا امرأته وقال ابن عباس في رواية أبي صالح كان ~~اسم امرأته ماحين بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب ويقال كان اسمها رحمة فتأذى ~~- به جيرانه وقالوا لامرأته احمليه من ها هنا فإنا نتأذى به فحملته حتى ~~أخرجته إلى كناسة قوم ووضعته عليها وجعلت تدخل على الناس وتخدمهم وتأخذ ~~شيئا وتنفقه عليه فكان ذلك البلاء ما شاء الله فجاء إبليس في صورة طبيب ~~وقال للمرأة إن أردت أن يبرأ من علته فمريه يشرب الخمر ويتكلم بكلمة ~~الكفر فأخبرته المرأة بذلك فقال لها ذلك إبليس الذي أمرك بهذا فألحت عليه ~~فغضب وقال والله لئن برئت لأضربنك مائة سوط فقالت متى تبرأ فقال عند ذلك: ~~رب { أنى مسنى الضر } ويقال إنه اشتهى شيئا يتخذ بالسمن ~~فدخلت امرأته على امرأة غني من الأغنياء وسألتها ذلك فأبت عليها ثم نظرت ~~إلى ذوائبها فرأت ذوائبها مثل الحبل فقالت لئن دفعت إلي ذوائبك دفعت ~~إليك ما تطلبين مني فدفعت بالمقراض وقطعت ذوائبها ودفعتها إليها وأخذت ~~منها ما سألت وجاءت به إلى أيوب فقال لها من أين لك هذا فأخبرته بالقصة ~~فبكى أيوب عند ذلك وقال رب إني مسني الضر قال بعضهم: مكث أيوب في بلائه ~~سبع سنين وقال ms1083 بعضهم عشر سنين (وروى ابن عباس) عن أنس بن مالك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال # " إن أيوب نبي الله لبث في بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد ~~إلا رجلين من إخوانه كانا يعودانه ويغدوان إليه ويروحان فقال احدهما ~~لصاحبه والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له ~~صاحبه وما ذلك قال له ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى فيكشف ما به ثم ~~راحا إليه فلم يصبرا حتى ذكرا ذلك له فعند ذلك قال: رب مسني الضر " # قال: فلما كان ذات يوم خرجت امرأته فأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه ~~السلام في مكانه: أن # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # [ص: 42] فشرب واغتسل فأذهب الله عز وجل ما به من البلاء فقال أيوب كان ~~الركض برجلي أشد علي من البلاء الذي كنت فيه قال ابن عباس لما قال الله ~~تعالى له: اركض برجلك ففعل فانفجرت اغتسل منها فصح جسده ثم قيل له اركض ~~برجلك ففعل فخرجت عين فشرب منها فالتأم ما في جوفه فلما رجعت إليه المرأة ~~لم تعرفه فقالت له بارك الله فيك هل رأيت نبي الله المبتلى فوالله ما ~~رأيت أحدا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أيوب قال وكان له آنذاك ~~أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين إحداهما على أندر القمح ~~فأفرغت الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ذلك ~~قوله تعالى: { إذ نادى ربه أنى مسنى الضر } أصابني ~~البلاء والشدة { وأنت أرحم الرحمين } فعرض ولم يفصح بالدعاء. ### || [21.84-86] # قال الله تعالى { فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر } ~~يعني رفعنا ما به من شدة { وآتيناه أهله ومثلهم معهم ~~} قال مقاتل ولدت امرأة أيوب منه سبعة بنين وثلاث بنات قبل البلاء ~~فأحياهم الله تعالى ثم ولدت بعد كشف البلاء سبعة بنين وثلاث بنات فذلك ~~قوله { ومثلهم معهم } وقال الكلبي: ولدت سبعة بنين وسبع بنات ~~فنشروا له وولدت امرأته مثلهم سبعة بنين وسبع بنات ms1084 ويقال آتاه الله عز ~~وجل أهله في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة وروى وكيع عن ابن سفيان عن ~~الضحاك أن ابن مسعود بلغه أن مروان بن الحكم قال { وآتيناه أهله ~~ومثلهم معهم } أي: أهلا غير أهله فقال ابن مسعود لا بل أهله ~~بأعيانهم ومثلهم معهم ثم قال { رحمة من عندنا } يعني نعمة منا { ~~وذكرى للعبدين } يعني: عظة للمطيعين وهم أمة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ليعتبروا به لأن أيوب - عليه السلام - لم يفتر عن عبادة ~~ربه عز وجل في بلائه ثم قال تعالى { وإسمعيل وإدريس } يعني: ~~واذكر إسماعيل وهو إسماعيل ابن إبراهيم الخليل وإدريس وهو جد أبي نوح { ~~وذا الكفل } قال بعضهم: كان ذو الكفل نبيا وقال مجاهد ذو الكفل لم ~~يكن نبيا وكان رجلا صالحا تكفل لبني قومه أن يكفيه أمر قومه ويقضي ~~بينهم بالعدل ولذلك سمي ذا الكفل ويقال إنما ذكره مع الأنبياء عليهم ~~السلام لأنه عمل عمل الأنبياء وقال قتادة: كفل عن رجل صلاته كان يصلي كل ~~يوم ألف ركعة فكفل عنه فكان يصلي بعد موته فسمي ذا الكفل ويقال إنه كفل ~~مائة نبي وأنجاهم من القتل وضمهم إلى نفسه فسمي ذا الكفل { كل من ~~الصبرين } يعني: صبروا على طاعة الله عز وجل وعلى ما أصابهم من ~~الشدة في الله تعالى { وأدخلنهم فى رحمتنا } يعني: ~~أكرمناهم بالنبوة ويقال: أدخلناهم في الجنة { إنهم من ~~الصلحين } يعني: المطيعين لله تعالى ### || [21.87-88] # { وذا النون } يعني: واذكر ذا النون يعني ذو السمكة وهو يونس بن ~~متى - عليه السلام - { إذ ذهب مغضبا } يعني: مصارعا من قومه ~~ويقال كان ضيق الصدر سريع الغضب وذلك أنه لما دعا قومه إلى الله تعالى ~~كذبوه فأخبرهم بأن العذاب نازل بهم فأتاهم العذاب فأخلصوا لله تعالى ~~بالدعاء فصرف عنهم وكان يونس اعتزلهم ينتظر هلاكهم فسأل بعض من مر عليه ~~من أهل تلك المدينة فلما علم أنهم لم يهلكوا أنف أن يرجع إليهم مخافة أن ~~ينسب إلى الكذب ويعير به وذهب مغاضبا يعني: أنفا قال القتبي: غضب ~~وأنف ms1085 بمعنى واحد لقربهما وقال بعضهم: إنما غضب على الملك وذلك أن ملكا ~~من الملوك يقال له ابن تغلب غزا بني إسرائيل ونزل أيام عافيتهم أوحى الله ~~إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يسمى شعياء أن ائت حزقيا الملك ومره ~~ليبعث نبيا قويا أمينا وكان في ملكه خمسة من الأنبياء فجاء شعياء إلى ~~حزقيا وأخبره بذلك فدعى الملك يونس بن متى وأمره بأن يخرج فأبى أن يخرج ~~وقال إن في بني إسرائيل أنبياء أقوياء غيري فعزم عليه الملك ليخرج فخرج ~~وهو كاره فغضب على الملك فوجد قوما قد شحنوا سفينتهم فقال لهم أتحملونني ~~معكم فعرفوه فحملوه فلما شحنت السفينة بهم وأسرعت في البحر انكفأت وغرقت ~~بهم فقال ملاحوها يا هؤلاء إن فيكم رجلا عاصيا وإن السفينة لا تفعل هذا ~~من غير ريح إلا وفيكم رجل عاصي فاقترعوا فخرج بينهم يونس - عليه السلام - ~~فقال التجار نحن أولى بالمعصية من نبي الله ثم أعادوا الثانية والثالثة ~~فخرج سهم يونس فقال يا هؤلاء أنا والله العاصي قال فتلفف في كسائه وقام ~~على رأس السفينة فرمى بنفسه فابتلعته السمكة فذلك قوله تعالى: { إذ ~~ذهب مغضبا فظن أن لن نقدر عليه } يعني: لن ~~يقدر عليه العقوبة ويقال إن ذنبه لم يبلغ الذي نقدر عليه العقوبة ويقال ~~ظن أنا لن نضيق عليه الحبس كقوله # فقدر عليه رزقه # [الفجر: 16] أي: ضيق وقرأ بعضهم { فظن أن لن نقدر عليه ~~} بالتشديد فهو من التقدير وقراءة العامة بالتخفيف { فنادى فى ~~الظلمت } يعني: في ظلمات ثلاث ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن ~~الحوت { أن لا إله إلا أنت } أي: ليس أحد له سجن كسجنك { ~~سبحنك } إني تبت إليك { إنى كنت من الظلمين } لنفسي ~~قال الله تعالى { فاستجبنا له ونجينه من الغم } ~~يعني: غم الماء في بطن الحوت ويقال من غم الذنب وقد بقي في بطن الحوت ~~أربعين يوما ويقال أقل من ذلك ثم قال: { وكذلك ننجى ~~المؤمنين } قرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين ~~نجي بنون واحدة وتشديد ms1086 الجيم وقال الزجاج: هو لحن لأن فعل ما لم يسم ~~فاعله لا يكون بغير فاعل وإنما كتب في المصحف بنون واحدة لأن الثانية ~~تخفى مع الجيم وقال أبو عبيدة والذي عندنا أنه ليس بلحن وله مخرجان في ~~العربية أحدهما أنه يريد ننجي مشددة كقوله (ونجينه من ~~الغم) ثم يدغم النون الثانية في الجيم والآخر معناه نجي نجاة المؤمنين ~~قال: هذه القراءة أحب إلي لأن المصاحف كلها كتبت بنون واحدة وهكذا رأيت ~~في مصحف الإمام عثمان رضي الله عنه وقرأ الباقون (ننجي المؤمنين) بنونين ### || [21.89-94] # قوله تعالى: { وزكريا } يعني: واذكروا زكريا { إذ نادى ~~ربه } يعني إذ دعا ربه { رب لا تذرنى فردا } يعني: وحيدا ~~لا وارث لي { وأنت خير الورثين } يعني: أفضل الوارثين قال ~~الله تعالى { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى ~~وأصلحنا له زوجه } يعني: رحم امرأته وكانت عقيما لم تلد قط ~~وكانت سيئة الخلق فأصلحها الله تعالى { إنهم كانوا يسارعون ~~فى الخيرت } يعني يبادرون في الطاعات وهو زكريا وامرأته ويحيى - ~~عليهم السلام - ويقال الأنبياء الذين سبق ذكرهم { ويدعوننا رغبا ~~ورهبا } يعني: رغبة فيما عند الله من الثواب والجنة ورهبا أي: ~~فرقا من عذاب الله تعالى { وكانوا لنا خشعين } يعني: مطيعين ~~ويقال متواضعين قوله عز وجل: { والتى أحصنت فرجها } يعني: ~~واذكر مريم التي حفظت نفسها من الفواحش { فنفخنا فيها من ~~روحنا } يعني: نفخ جبريل في نفسها بأمرنا { وجعلنها ~~وابنها ءاية } يعني عبرة { للعلمين } أي: لجميع الخلق ~~ويقال آية ولم يقل آيتين لأن شأنهما واحد الآية فيهما بمعنى واحد وهو ~~الولادة بغير أب قوله عز وجل { إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة } يعني دينكم دين الإسلام دينا واحدا قرأ بعضهم أمة ~~واحدة بالضم ومعناه إن هذه أمتكم وقد تم الكلام ثم يقول أمة يعني ~~هذه أمة واحدة وقرأ العامة بالنصب على معنى التفسير ثم قال: { وأنا ~~ربكم فاعبدون } يعني فوحدوني ثم قال: { وتقطعوا ~~أمرهم بينهم } يعني: عرفوا فيما بينهم وهم اليهود والنصارى { ~~كل إلينا رجعون } في الآخرة فهذا تهديد للذين تفرقوا في الدين ms1087 ~~ثم بين ثواب الذين ثبتوا على الإسلام فقال تعالى: { فمن يعمل من ~~الصلحت } يعني الطاعات { وهو مؤمن } يعني: مصدق بتوحيد ~~الله عز وجل { فلا كفران لسعيه } يعني: لا يجحد ولا ينسى ~~ثواب عمله والكفران مصدر مثل الشكران والغفران { وإنا له ~~كتبون } يعني: حافظين مجازين ### || [21.95-99] # قوله عز وجل: { وحرام على قرية } يعني: على قرية فيما مضى { ~~أهلكنها } بالعذاب في الدنيا { أنهم لا يرجعون } إلى ~~الدنيا قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وحرم الباقون وحرام ~~بنصب الحاء والالف وحرم وحرام بمعنى واحد كقوله حل وحلال وروي عن ~~عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ وحرم وقال واجب عليهم أن لا يرجع منهم ~~راجع ويقال معناه وحرام على أهل قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم ~~لا يرجعون أي لا يتوبون ويقال لا يرجعون لا زيادة ومعناه حرام عليهم أن ~~يرجعوا ثم قال تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } ~~قرأ ابن عامر فتحت بالتشديد على معنى المبالغة والتكثير وقرأ ~~الباقون بالتخفيف وقرأ عاصم (يأجوج ومأجوج) بالهمز والباقون ~~بغير همز { وهم من كل حدب ينسلون } قال مقاتل: يعني من كل ~~مكان يخرجون من كل جبل أو أرض أو واد وخروجهم عند قيام الساعة وقال عبد ~~الله بن سلام رضي الله عنه لا يموت واحد منهم إلا ترك من صلبه ألف ذرية ~~فصاعدا وروى قتادة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنه قال ~~الإنس عشرة أجزاء منهم يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء وجزء واحد سائر الإنس ~~وروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الزبعرا عن عبد الله بن مسعود قال ~~يخرج يأجوج ومأجوج بعد الدجال يموجون في الأرض فيفسدون فيها ثم ~~قرأ { وهم من كل حدب ينسلون } أي يخرجون فيبعث الله تعالى ~~عليهم دابة مثل هذا النغف فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون فتنتن الأرض ~~فيرسل الله تعالى ماء فيطهر الأرض منهم فذلك قوله عز وجل: { حتى إذا ~~فتحت يأجوج ومأجوج } يعني: أرسلت كقوله # لفتحنا عليهم بركت من السمآء ms1088 # [الأعراف: 96] يعني: أرسلنا { وهم من كل حدب } أي من كل أكمه ~~ونشرة من الأرض يخرجون وقال بعضهم يكون خروجهم قبل الدجال والأصح: ما روي ~~عن عبد الله بن مسعود قوله تعالى: { واقترب الوعد الحق } ~~يعني: قيام الساعة { فإذا هى شخصة } أي: فاتحة { أبصر ~~الذين كفروا يويلنا } يعني: يقولون يا ويلنا { قد ~~كنا فى غفلة } يعني: في جهل { من هذا } اليوم ثم ذكروا أن ~~المرسلين كانوا أخبروهم فقالوا: { بل كنا ظلمين } يعني: قد ~~أخبرونا فكذبناهم قوله عز وجل { إنكم وما تعبدون من دون ~~الله حصب جهنم } وروي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ حطب ~~جهنم وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ حضب جهنم بالضاد وقراءة العامة حصب ~~بالصاد يعني: رميا في جهنم وكل ما يرمى في جهنم فهو حصب ويقال حصب هو ~~الحطب بلسان الزنجية ومن قرأ حطب أي كل ما يوقد به جهنم ومن قرأ حضب ~~بالضاد معناه ما يهيج به النار { أنتم لها واردون } أي داخلون ~~وقال ابن عباس في رواية أبي صالح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أتى قريشا وهم في المسجد مجتمعون وثلثمائة وستون صنما مصفوفة وصنم كل ~~قوم بحيالهم فقال # " { إنكم وما تعبدون من دون الله } يعني (من هذه ~~الأصنام في النار) " # ثم انصرف عنهم فشق ذلك عليهم مشقة عظيمة شديدة وأتاهم عبد الله بن ~~الزبعرا وكان شاعرا فقال ما لي أراكم بحال لم أركم عليها قبل فقالوا: إن ~~محمدا يزعم أنا وما نعبد في النار فقال: لو كنت ها هنا لخصمته فقالوا هل ~~لك أن ترسل إليه فقال: نعم فبعثوا إليه فأتاهم فقال له ابن الزبعرا: ~~أرأيت ما قلت لقومك آنفا أخاص لهم أم عام فقال بل عام كل من عبد من دون ~~الله فهو وما يعبد في النار قال أرأيت عيسى ابن مريم - عليه السلام - هذه ~~النصارى تعبده فعيسى والنصارى في النار وهذا عزير تعبده اليهود فعزير ~~واليهود في النار وهذا حي يقال لهم بنو مليح يعبدون الملائكة فالملائكة ms1089 ~~وهم في النار فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يجبهم فضج أصحابه ~~وضحكوا فنزل { ولما ضرب ابن مريم مثلا } ونزل في عيسى ~~وعزير والملائكة # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] يقال: إن هذه القصة لا تصح لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان أفصح العرب وأنطقهم لسانا وأحضرهم جوابا كما وصف نفسه # " أنا أفصح العرب " # فلا يجوز أن يسكت على مثل هذا السؤال ولم يكن السؤال لازما ويقال: كان ~~سكوته الاستخفاف لأنه سأل سؤالا محالا لأنه قال إنكم وما تعبدون من دون ~~الله ولم يقل ومن تعبدون وما لا يقع على النواطق ومن تقع على النواطق ~~ويقال هذا القول يقال لهم يوم القيامة لأنه قال: { قد كنا فى ~~غفلة من هذا بل كنا ظلمين } يقال: لهم عند ذلك ~~إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم فإن قيل ~~ما الحكمة في إدخال الأصنام في النار قيل زيادة عقوبة للكفار لأن الأصنام ~~أحجار فيكون الحر فيها أشد ويقال الفائدة في إدخال المعبود النار زيادة ~~ذل وإصغار عليهم حيث رأوا معبودهم في النار معهم من غير أن يكون للأصنام ~~عقوبة لأنه لا يجوز التعذيب بذنب غيرهم ثم قال تعالى { لو كان ~~هؤلاء ءالهة } يعني: الأصنام { ما وردوها } أي ما دخلوها ~~ومنعوا أنفسهم من النار { وكل فيها خلدون } يعني العابد ~~والمعبود. ### || [21.100-104] # { لهم فيها زفير } يعني: في النار صوتهم مثل نهيق الحمار { ~~وهم فيها لا يسمعون } يعني: عيسى وعزيرا في الجنة لا يسمعون ~~زفيرهم ويقال يعني أن أهل النار لا يسمعون في النار الصوت وذلك حين يقال ~~لهم { اخسئوا فيها ولا تكلمون } فصاروا صما بكما عميا ثم ~~قال عز وجل: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } ~~يعني الذين وجبت لهم منا الجنة يعني: عيسى وعزيرا { أولئك عنها ~~مبعدون } يعني: منجون من النار قوله: { لا يسمعون حسيسها ~~} يعني: صوت جهنم { وهم فيما اشتهت أنفسهم } يعني لهم ما ~~تمنت أنفسهم في الجنة { خلدون } يعني: دائمين { لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر } قال ms1090 ابن عباس رضي الله عنه: يعني النفخة الأخيرة ~~دليل قوله تعالى # ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموت ومن ~~فى الأرض إلا من شآء الله وكل أتوه دخرين # [النمل: 87] وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار وقال مقاتل: إذا ذبح ~~الموت بين الجنة والنار فيأمن أهل الجنة من الموت ويفزع أهل النار ~~فيفزعون حين أيسوا من الموت وقال الكلبي وسعيد بن جبير والضحاك إنه حين ~~وضع الطبق على النار بعد ما أخرج منها من أخرج فيفزعوا لذلك فزعا لم ~~يفزعوا لشيء قط وذلك الفزع الأكبر وقال مقاتل وابن شريح: حين يذبح الموت ~~على هيأة كبش أملح على الأعراف والفريقان ينظرون فينادي يا أهل الجنة ~~خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت وقال ذو النون المصري: هو القطيعة ~~والفراق ويقال: إنه الموت لأن أول هول يراه الإنسان من أمر الآخرة هو ~~الموت ويقال الفزع الأكبر عند قوله # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] ويقال: هذا حين دعوا إلى الحساب ويقال عند الصراط ثم قال ~~تعالى: { وتتلقهم الملئكة } يعني: يوم القيامة لأهل ~~الجنة قال مقاتل: يعني الملائكة الذين كتبوا أعمال بني آدم حين خرجوا من ~~قبورهم فيقولون للمؤمنين { هذا يومكم الذى كنتم ~~توعدون } (في الجنة وقال الكلبي: تتلقاهم الملائكة عند باب الجنة ~~ويبشرونهم بذلك ويقولون هذا يومكم الذي كنتم توعدون) في الدنيا قوله عز ~~وجل: { يوم نطوى السماء } يعني: واذكر يوم نطوي السماء { كطى ~~السجل للكتب } ، قال السدي: السجل ملك موكل بالصحف فإذا مات ~~الإنسان دفع كتابه إلى السجل فطواه ويقال السجل الصحيفة ويقال: السجل ~~الكاتب وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كان كاتب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبره الله تعالى أنه يطوي السماء يوم القيامة كما ~~يطوي السجل الكتاب قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص للكتب بلفظ ~~الجماعة وقرأ الباقون للكتاب بلفظ الواحد وقرأ أبو حفص المدني (تطوى) ~~السماء بالتاء والضم على فعل ما لم يسم فاعله وقراءة العامة (نطوي ~~السماء) بالنون وقرأ بعضهم السجل ms1091 بجزم الجيم والتخفيف وقراءة العامة ~~بالتشديد وبكسر الجيم ثم استأنف الكلام فقال تعالى: { كما بدأنا ~~أول خلق نعيده } يعني: خلقهم في الدنيا يعيدهم في الآخرة ~~ويقال كما بدأناهم شقيا وسعيدا في الدنيا فكذلك يكونون في الآخرة ويقال ~~كما بدأنا أول خلق من نطفة في الدنيا نعيده وأن تمطر السماء أربعين يوما ~~كمني الرجال فينبتون فيه { وعدا علينا } يعني: وعدنا البعث صدقا ~~وحقا لا خلاف فيه كقوله: # لا ريب فيه # [السجدة:2] { وعدا } صار نصبا للمصدر { إنا كنا فعلين } ~~بهم أي: باعثين بعد الموت وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إنكم تحشرون يوم القيامة عراة غرلا بهما ثم قال: { كما بدأنا ~~أول خلق نعيده } ". ### || [21.105-112] # ثم قال عز وجل: { ولقد كتبنا فى الزبور } يعني: في التوراة ~~والإنجيل والزبور والقرآن وكل كتاب زبور { من بعد الذكر } يعني: ~~من بعد اللوح المحفوظ ويقال الذكر التوراة يعني: كتبنا في الإنجيل ~~والزبور والفرقان من بعد التوراة أي بينا في هذه الكتب { أن الأرض ~~} يعني: أرض الجنة { يرثها عبادى الصلحون } يعني: ينزلها ~~عبادي المؤمنون وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير ومقاتل رضي الله عنه ~~ويقال: إن الأرض المقدسة يرثها أي: ينزلها بنو إسرائيل ويقال: يعني: أرض ~~الشام يرثها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال: جميع الأرض تكون في ~~آخر الزمان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " سيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها ". # قوله عز وجل: { إن فى هذا } أي: في هذا القرآن { لبلغا } ~~إلى الجنة { لقوم عبدين } أي: موحدين ويقال: في هذا القرآن ~~لبلاغا بلغهم من الله عز وجل لقوم مطيعين وعن كعب أنه قال: إنهم أهل ~~الصلوات الخمس قوله عز وجل: { وما أرسلنك إلا رحمة ~~للعلمين } يعني: ما بعثناك يا محمد إلا رحمة للعالمين يعني: ~~نعمة للجن والإنس ويقال للعالمين أي: لجميع الخلق لأن الناس كانوا ثلاثة ~~أصناف مؤمن وكافر ومنافق وكان رحمة للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة ورحمة ms1092 ~~للمنافقين حيث أمنوا القتل ورحمة للكافرين بتأخير العذاب وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس قال: من آمن بالله ورسوله فله الرحمة في الدنيا والآخرة ~~ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي أن يصيبه ما كان يصيب الأمم السالفة قبل ~~ذلك فهو رحمة للمؤمنين والكافرين وذكر في الخبر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لجبريل عليه السلام: يقول الله عز وجل: { وما ~~أرسلنك إلا رحمة للعلمين } فهل أصابك من هذه ~~الرحمة قال: نعم أصابني من هذه الرحمة أني كنت أخشى عاقبة الأمر فآمنت بك ~~لثناء أثنى الله تعالى علي بقوله عز وجل: # ذى قوة عند ذى العرش مكين مطع ثم أمين # [التكوير: 20- 21] قوله عز وجل: { قل إنما يوحى إلى ~~أنما إلهكم إله وحد } أي: ربكم رب واحد { فهل ~~أنتم مسلمون } أي: مخلصون بالتوحيد ويقال: مخلصون بالعبادة ~~اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الأمر يعني: أسلموا ثم قال: { فإن ~~تولوا } قال: فإن أعرضوا عن الإيمان { فقل ءاذنتكم } يعني: ~~أعلمتكم { على سواء } أي: على بيان علانية غير سر ويقال أعلمتكم ~~بالوحي الذي يوحى إلي لنستوي في الإيمان به ويقال: معناه أعلمتكم فقد ~~صرت أنا وأنتم على سواء وهذا من الاختصار ثم قال عز وجل: { وإن ~~أدرى } يعني: وما أدري { أقريب أم بعيد ما توعدون } من ~~نزول العذاب بكم في الدنيا فقل لهم: { إنه يعلم الجهر من ~~القول } يعني: العلانية { ويعلم ما تكتمون } يعني: ما ~~تسرون من التكذيب بالعذاب ثم قال عز وجل: { وإن أدرى } يعني: وما ~~أدري { لعله فتنة لكم } لعل تأخير العذاب عنكم في الدنيا ~~فتنة لكم لأنهم كانوا يقولون لو كان حقا لنزل بنا العذاب { ومتع ~~إلى حين } أي: بلاغ إلى منتهى آجالكم يعني: تعيشون إلى الموت قوله ~~عز وجل: { قال رب احكم بالحق } يعني: اقض بيني وبين أهل مكة ~~بالعدل، ويقال: بالعذاب { وربنا الرحمن } أي: العاطف على ~~خلقه بالرزق { المستعان على ما تصفون } يعني: أستعين به ~~على ما تقولون وتكذبون ويقال: المطلوب منه العون والنصرة وروي عن الضحاك ~~أنه قرأ: ms1093 (قل رب احكم بالحق) على معنى الخبر على ميزان افعل يعني: هو ~~أحكم الحاكمين قال: لأنه لا يجوز أن يسأل أن يحكم بالحق وهو لا يحكم ~~إلا بالحق وقرأه العامة (قل رب احكم) على معنى السؤال معناه أحكم بحكمك ~~ثم يخبر عن ذلك الحكم أنه حق قرأ عاصم في رواية حفص قال: رب احكم على ~~معنى الحكاية وقرأ الباقون قل رب احكم وقرأ ابن عامر في إحدى الروايتين ~~على ما يصفون بالياء بلفظ المغايبة وقرأ الباقون بالتاء على معنى ~~المخاطبة وقرأ حمزة الزبور بضم الزاي وقرأ الباقون بالنصب والله أعلم ~~بالصواب. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1-2] # { يا أيها الناس اتقوا ربكم } يقول أطيعوا ربكم ويقال: ~~إخشوا ربكم { إن زلزلة الساعة شىء } يعني: قيام الساعة { ~~شىء عظيم } يقول هولها عظيم والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحال ~~الهائلة من قولهم زلت قدمه إذا زالت عن الجهة سرعة ثم وصف ذلك اليوم ~~فقال: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة } يعني: تشغل كل ~~مرضعة { عما أرضعت } يعني: كل ذات ولد رضيع ويقال: تحير كل ~~والدة عن ولدها { وتضع كل ذات حمل حملها } أي: تسقط ~~ولدها من هول ذلك اليوم وروى منصور عن إبراهيم عن علقمة (إن ~~زلزلة الساعة شيء عظيم) قال: هذا بين يدي الساعة وقال ~~مقاتل: وذلك قبل النفخة الأولى ينادي ملك من السماء يا أيها الناس أتى ~~أمر الله فيسمع الصوت أهل الأرض جميعا فيفزعون فزعا شديدا ويموج بعضهم ~~في بعض فيشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير وتضع الحوامل ما في بطونها ~~وتزلزلت الأرض وطارت القلوب وعن سعيد بن جبير أنه قال: إنما هو عن النفخة ~~الأولى التي هي الفزع الأكبر ويقال هو يوم القيامة وقال: حدثنا الخليل بن ~~أحمد قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم قال: حدثنا الدبيلي قال: حدثنا ~~أبو عبد الله قال: حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جذعان قال سمعت الحسن ~~يقول: # " حدثنا عمران بن الحسين قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في مسير فنزلت ms1094 عليه هذه { يأيها الناس اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شىء عظيم } فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أتدرون أي يوم ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذلك يوم يقول ~~الله عز وجل لآدم: قم فابعث بعث أهل الجنة قال فيقول آدم: وما بعث أهل ~~الجنة يقول: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون في النار وواحد في الجنة قال ~~فأنشأ القوم يبكون فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه لم يكن نبي قط ~~إلا كانت قبله جاهلية فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن لم يكن كمل العدد من ~~الجاهلية أخذ من المنافقين وما مثلكم من الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع ~~وكالشامة في جنب البعير ثم قال عليه الصلاة والسلام إني لأرجو أن تكونوا ~~ثلث أهل الجنة فكبروا ثم قال: إن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء إلا ~~كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من كفرة الجن والإنس " # وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " يقول الله تعالى لآدم: قم فابعث أهل النار فقال يا رب وما بعث أهل ~~النار فيقول من كل ألف تسعماية وتسعة وتسعون فعند ذلك يشيب الصغير وتضع ~~الحامل ما في بطنها " # ويقال: هذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه حامل ولا صغير ~~ولكنه بين هول ذلك اليوم أنه لو كان حاملا لوضعت حملها من شدة ذلك اليوم ~~ثم قال تعالى { وترى الناس سكرى وما هم بسكرى } ~~يعني: ترى الناس سكارى من الهول أي كالسكارى وما هم بسكارى من الشراب { ~~ولكن عذاب الله شديد } قرأ حمزة والكسائي (وترى ~~الناس سكرى وما هم بسكرى) بغير ألف وقرأ الباقون كلاهما بالألف ~~وروي عن ابن مسعود وحذيفة أنهما قرآ سكرى وهو اختيار أبي عبيدة وروي عن ~~أبي زرعة أنه قرأ على الربيع بن خثيم (وترى) بضم التاء وقراءة العامة ~~بالنصب. ### || [22.3-6] # قوله عز وجل: { ومن الناس من يجدل فى الله } يعني: ~~يخاصم في الله يعني: في وحدانية الله ويقال في دين الله ms1095 { بغير ~~علم } يعني: بغير حجة ويقال بغير علم يعلمه وهو النضر بن الحارث ~~وأصحابه { ويتبع كل شيطن مريد } يعني: يطيع ويعمل ~~بأمر كل شيطان متمرد في معصية الله عز وجل ويقال معناه ويتبع ما سول له ~~الشيطان والمريد الفاسد يقال مرد الشيء إذا بلغ في الشر غايته ويقال مرد ~~الشيء إذا جاوز حد مثله ثم قال عز وجل: { كتب عليه } يعني: قضى ~~عليه يعني الشيطان { أنه من تولاه } يعني من يتبع الشيطان { ~~فأنه يضله } عن الهدى { ويهديه } يعني: يدعوه { إلى ~~عذاب السعير } يعني: إلى عمل عذاب النار قوله عز وجل { ياأيها ~~الناس } يعني: يا كفار مكة { إن كنتم فى ريب } يعني: في شك { ~~من البعث } بعد الموت فانظروا إلى بدء خلقكم { فإنا ~~خلقنكم من تراب } يعني من آدم عليه السلام من تراب { ثم ~~من نطفة ثم من علقة } وهي الدم الغبيط الجامد وجمعها علق ~~{ ثم من مضغة } (وهي اللحمة القليلة قدر ما يمضغ) مثل قطعة كبد ~~{ مخلقة } أي تامة { وغير مخلقة } يعني: غير تامة وهو ~~السقط ويقال: مصورة وغير مصورة { لنبين لكم } بدء خلقكم ويقال ~~يخرج السقط من بطن أمه مصورا أو غير مصور لنبين لكم بدء خلقكم كيف ~~نخلقكم في بطون أمهاتكم ويقال لنبين لكم في القرآن أنكم كنتم كذلك { ~~ونقر فى الأرحام ما نشاء } فلا يكون سقطا { إلى أجل ~~مسمى } يعني إلى وقت خروجه من بطن أمه ويقال إلى وقت معلوم لتسعة ~~أشهر { ثم نخرجكم طفلا } من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا ~~وقال القتبي: لم يقل أطفالا لأنهم لم يخرجوا من أم واحدة ولكنه أخرجهم ~~من أمهات شتى فكأنه قال: يخرجكم طفلا طفلا { ثم لتبلغوا ~~أشدكم } يعني ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة ويقال إلى ست وثلاثين ~~سنة والأشد هو الكمال في القوة والخير { ومنكم من يتوفى من ~~قبل } أن يبلغ أشده { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ~~} أي أضعف العمر وهو الهرم ويقال: يعني يرجع إلى أسفل العمر يعني يذهب ~~عقله { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } يعني ms1096 لكيلا يعقل ~~بعد عقله الأول ثم دلهم على إحياء الموتى بإحيائه الأرض فقال تعالى { ~~وترى الأرض هامدة } يعني ميتة يابسة جافة ذات تراب { فإذا ~~أنزلنا عليها الماء } يعني المطر { اهتزت } يعني تحركت ~~بالنبات كقوله عز وجل # فلما رءاها تهتز # [النمل: 10] يعني: تتحرك ويقال اهتزت يعني: استبشرت { وربت } يعني ~~انتفخت للنبات وأصله من ربا يربو وهو الزيادة { وأنبتت من كل ~~زوج } يعني: من كل صنف من ألوان النبات { بهيج } يعني: حسنا حتى ~~يبهج به فدلهم للبعث بعد إحياء الأرض ليعتبروا ويعلموا بأن الله هو ~~الحق وعبادته هي الحق وغيره من الآلهة باطل { ذلك بأن الله ~~هو الحق وأنه يحى الموتى } أي: يعلم أنه يحيى الموتى ~~{ وأنه على كل شىء قدير } أي: قادر على كل شيء من البعث ~~وغيره. ### || [22.7-11] # قوله عز وجل: { وأن الساعة } يعني: يعلموا أن الساعة { ~~ءاتية } أي: كائنة أي: جاثية { لا ريب فيها } أي: لا شك فيها ~~عند المؤمنين وعند كل من كان له عقل وذهن { وأن الله يبعث من ~~فى القبور } قوله عز وجل: { ومن الناس من يجدل فى ~~الله } يعني: يخاصم في دين الله عز وجل { بغير علم } أي: بلا ~~بيان وحجة { ولا هدى } يعني: ولا دليل واضح من المعقول { ولا ~~كتب منير } يعني: ولا كتاب منزل مضيء فيه حجة { ثانى ~~عطفه } يعني: لاوى عنقه عن الإيمان وهو على وجه الكناية ومعناه: ~~يجادل في الله بغير علم متكبرا ويقال ثاني عطفه أي: معرضا عنه { ~~ليضل عن سبيل الله } قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ليضل) ~~بنصب الياء يعني: ليعرض عن دين الله عز وجل والباقون بالضم يعني: ليصرف ~~الناس عن دين الإسلام قال الله تعالى: { له فى الدنيا خزى } ~~يعني النضر بن الحارث قتل يوم بدر صبرا { ونذيقه يوم ~~القيمة عذاب الحريق } يعني: عذاب النار فأخبر الله تعالى ~~أن ما أصابه في الدنيا من الخزي لم يكن كفارة لذنوبه ثم قال عز وجل { ~~ذلك } يعني: ذلك العذاب يعني: يقال له يوم القيامة هذا العذاب { ~~بما قدمت يداك ms1097 } يعني: بما عملت يداك وذكر اليدين كناية يعني ~~ذلك العذاب بكفرك وتكذيبك { وأن الله ليس بظلم ~~للعبيد } يعني: لا يعذب أحدا بغير ذنب قوله عز وجل: { ومن ~~الناس من يعبد الله على حرف } يعني: على شك وعلى وجه ~~الرياء ولا يريد به وجه الله تعالى ويقال: على شك والعرب تقول: أنت على ~~حرف أي على شك ويقال على حرف: بلسانه دون قلبه وروي عن الحسن قال يعبد ~~الله على حرف أي: على إيمان ظاهر وكفر باطن ويقال على حرف أي: على انتظار ~~الرزق وهذه الآية مدنية نزلت في أناس من بني أسد أصابتهم شدة شديدة ~~فاحتملوا العيال حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأغلوا ~~الأسعار بالمدينة { فإن أصابه خير اطمأن به } يعني: إن ~~أصابه سعة وغنية وخصب اطمأن به وقال نعم الدين دين محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { وإن أصابته فتنة } أي: بلية وضيق في المعيشة { ~~انقلب على وجهه } أي: رجع إلى كفره الأول وقال: بئس الدين دين ~~محمد { خسر الدنيا والأخرة } أي: غبن الدنيا والآخرة في ~~الدنيا بذهاب ماله وفي الآخرة بذهاب ثوابه ويقال: خسر الدنيا والآخرة ~~لأنه لم يدرك ما طلب من المال وفي الآخرة بذهاب الجنة وروي عن حميد أنه ~~كان يقرأ (خاسر) بالألف وقراءة العامة خسر بغير ألف { ذلك هو ~~الخسرن المبين } يعني: الظاهر البين. ### || [22.12-15] # قوله عز وجل: { يدعوا من دون الله } يعني: يعبد من دون الله { ~~ما لا يضره } إن لم يعبده يعني الصنم { وما لا ينفعه } إن ~~عبده { ذلك هو الضلال البعيد } يعني: الخطأ البين ويقال في ~~خطأ طويل بعيد عن الحق { يدعوا لمن ضره أقرب من ~~نفعه } يعني: يعبد لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته ويقال: ~~ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا فإن قيل: لم يكن في عبادته نفع ~~البتة فكيف يقال من نفعه ولا نفع له قيل له إنما قال هذا على عاداتهم وهم ~~يقولون لشيء لا منفعة فيه ضره أكثر من نفعه كما يقولون ms1098 لشيء لا يكون ~~هنا بعيد كما قالوا # أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3] ثم قال تعالى { لبئس المولى } يعني: بئس الصاحب { ~~ولبئس العشير } يعني: بئس الخليط ويقال: معناه من كانت عبادته ~~عقوبة عليه فبئس المعبود هو ثم ذكر ما أعد الله تعالى لأهل الصلاح ~~والإيمان فقال تعالى: { إن الله يدخل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر إن الله يفعل ما يريد } يعني: يحكم في خلقه ~~ما يشاء من السعادة والشقاوة قوله تعالى { من كان يظن أن لن ~~ينصره الله } الهاء كناية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجوز ~~في اللغة الإضمار في الكفاية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهرا ~~كقوله تعالى: # ما ترك على ظهرها من دآبة # [فاطر: 45] يعني: على ظهر الأرض وكقوله عز وجل: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] يعني: الشمس ومعناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - بالغلبة والحجة { فى الدنيا و } الشفاعة في { ~~الأخرة } قوله: { فليمدد بسبب إلى السماء } يعني: ~~فليربط بحبل من سقف البيت لأنه كلما علاك فهو سماء { ثم ليقطع } ~~يعني: ليختنق { فلينظر هل يذهبن كيده } يعني: ~~اختناقه { ما يغيظ } معناه: هل ينفعه ذلك قال ابن عباس: نزلت ~~الآية في نفر من أسد وغطفان فقالوا: نخاف أن لن ينصر الله محمدا عليه ~~السلام فيقطع ما بيننا وبين حلفائنا من المودة يعني اليهود وقال القتبي: ~~كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم على المشركين يستبطئون ما وعد لهم من ~~النصرة وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم لهم أمره فنزل ~~{ من كان يظن أن لن ينصره الله } يعني: محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد ما سمعوا منه النصرة والإظهار ولكن كلام العرب على ~~وجه الاختصار يعني إن لم تثق بما أقول لك فاذهب واختنق أو اجتهد جهدك قال ~~وفيه وجه آخر وهو أن يكون ها هنا السماء بعينها لا السقف فكأنه قال ~~فليمدد بسبب إلى السماء أي: بحبل وليرتق فيه ثم ليقطع ~~يعني ms1099 الحبل حتى يخر فيهلك فلينظر هل ينفعه كقوله عز وجل # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن ~~تبتغى نفقا فى الأرض أو سلما فى السمآء # [الأنعام: 35] وقال أبو عبيدة: (من كان يظن أن لن ينصره ~~الله في الدنيا والآخرة) يعني أن لن يرزقه الله وذهب إلى قول ~~العرب أرض منصورة أي: ممطورة فكأنه قال: من كان قانطا من رزق الله ~~ورحمته فليفعل ذلك فلينظر هل يذهبن كيده أي: حيلته ما ~~يغيظ أي: غيظه لتأخير الرزق عنه وقال الزجاج: من كان يظن أن لن ينصره ~~الله يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - حتى يظهره الله على الدين كله ~~فليمت غيظا. ### || [22.16-18] # ثم قال تعالى: { وكذلك أنزلنه } يعني: جبريل عليه السلام ~~بالقرآن { آيات بينات } يعني: واضحات بالحلال والحرام { وأن ~~الله يهدى من يريد } يعني: يرشد إلى دينه من كان أهلا لذلك ~~فيوفقه لذلك وهذا كقوله # والله يدعو إلى دار السلام # [يونس: 25] { إن الذين ءامنوا } يعني: أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ومن كان مثل حالهم { والذين هادوا } يعني: مالوا عن ~~الإسلام يعني اليهود { والصبئين } وقد ذكرناه من قبل { ~~والنصرى والمجوس } يعني: عبدة النيران { والذين ~~أشركوا } يعني: عبدة الأوثان والأديان ستة فواحد لله تعالى والخمسة ~~للشيطان { إن الله يفصل بينهم } يعني: يقضي ويحكم بينهم { ~~يوم القيمة } يعني: بين هذه الأديان الستة وقال بعضهم: إن ~~الفاء مضمرة في الكلام ومعناه: فإن الله يفصل بينهم على معنى جواب الشرط ~~ويقال: جوابه في قوله: { فالذين كفروا } ثم قال { إن الله ~~على كل شىء شهيد } من أعمالهم ثم قال عز وجل { ألم تر } ~~يعني ألم تعلم ويقال ألست تعلم ويقال: ألم تخبر في الكتاب { أن ~~الله يسجد له من فى السموات } من الملائكة { ومن فى ~~الأرض } من الخلق { والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال } قال مقاتل: سجود هؤلاء حين تغرب الشمس تحت العرش ويقال: ~~سجودها دورانها { و } سجود { الشجر والدواب } إذا تحول ظل كل ~~شيء فهو سجوده قوله: { وكثير من الناس } أي: المؤمنين { ~~وكثير حق عليه العذاب } أي: ms1100 بترك سجودهم في الدنيا ويقال ~~(وكثير حق عليه العذاب) بعدم الطاعة. ويقال: سجود الشجر، ~~أي هو سجود ظلها ويقال: يسجد أي: يخضع وفيه آية الخلق فهو سجودهم { ~~ومن يهن الله فما له من مكرم } يعني: من قضى الله عز ~~وجل عليه بالشقاوة فما له من مسعد { إن الله يفعل ما يشاء } ~~يعني: يحكم ما يشاء في خلقه من الإهانة والإكرام. ### || [22.19-24] # قوله عز وجل: { هذان خصمان } يعني: أهل دينين { اختصموا ~~فى ربهم } يعني: احتجوا في دين ربهم قال أبو ذر الغفاري رضي الله ~~عنه نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر يعني حمزة وعلي بن أبي طالب ~~وعبيدة بن الحارث من المؤمنين رضي الله عنهم وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ~~ربيعة والوليد بن عتبة من المشركين يعني أن المؤمنين يخاصمون الكفار ~~ويجاهدونهم ويقاتلونهم ثم بين مصير كلا الفريقين بقوله { فالذين ~~كفروا } وقال مجاهد (هذان خصمان) يعني: المؤمنين والكافرين ~~اختصما في البعث فالكافرون { قطعت لهم ثياب من نار } ~~والمؤمنون يدخلون جنات تجري من تحتها الأنهار وقال عكرمة: (هذان ~~خصمان اختصموا) أي: اختصمت الجنة والنار فقالت الجنة: خلقت ~~للرحمة وقالت النار: خلقت للعذاب وروي عن ابن عباس أنه قال: (هذان ~~خصمان) وذلك أن اليهود قالوا كتابنا ونبينا أفضل، وقالت النصارى ~~ونبينا كان يحيى الموتى وهو أفضل من نبيكم فنحن أولى بالله وقال ~~المؤمنون: نحن آمنا بالله وبجميع الأنبياء عليهم السلام وبجميع الكتب ~~وأنتم كفرتم ببعض الرسل وببعض الكتب فديننا أولى من دينكم فنزل { ~~هذان خصمان } الآية وقال هذان خصمان اختصموا ولم يقل اختصما لأن ~~كل واحد من الخصمين جمع قرأ ابن كثير (هذان) بتشديد النون والباقون ~~بالتخفيف وفي الآية دليل أن الكفر كله ملة واحدة لأنه ذكر ستة ملل من ~~الأديان ثم قال: هذان خصمان ثم بين مصير كلا الفريقين فقال { فالذين ~~كفروا قطعت لهم ثياب من نار } أي: جحدوا بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - والقرآن هيئت لهم ثياب أي: قمص من نار ويقال: نحاس { ~~يصب من فوق رؤوسهم الحميم } قال ms1101 مقاتل: يضرب الملك ~~رأسه بالمقمع فيثقب رأسه ثم يصب من فوق رؤوسهم الحميم الذي قد انتهى ~~حره { يصهر } به يعني: يذاب به { ما فى بطونهم ~~والجلود } يعني: تنضح الجلود فتسلخ { ولهم مقامع من ~~حديد } يضرب بها هامتهم { كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها من غم } يعني: من الغم والشدة التي أدركته ضرب بمقمعة من ~~حديد فيهوي بها كذلك فذلك قوله: { أعيدوا فيها } أي: ردوا إليها { ~~وذوقوا عذاب الحريق } أي: المحرق يعني يقال لهم ذوقوا عذاب ~~النار وهذا الجزاء لأحد الخصمين ثم بين جزاء الخصم الآخر فقال عز وجل { ~~إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر يحلون فيها } ~~يعني: يلبسون في الجنة { من أساور } يعني: اقلبه { من ذهب ~~ولؤلؤا } قرأ نافع وعاصم في رواية حفص ولؤلؤا بالهمز والنصب وقرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر هكذا إلا أنه لم يهمز الواو الأولى وقرأ الباقون ~~بالهمز والكسر فمن قرأ بالكسر فلأجل من ومن قرأ بالنصب فمعناه يحلون ~~لؤلؤا نصب لوقوع الفعل عليه وهو اختيار أبي عبيد ثم قال: { ~~ولباسهم فيها حرير } أي في الجنة قوله عز وجل: { وهدوا ~~إلى الطيب من القول } يعني: أرشدوا ويقال دعوا إلى قول ~~التوحيد لا إله إلا الله ويقال القرآن { وهدوا إلى صرط ~~الحميد } يعني: الطريق المحمود في أفعاله وهو دين الإسلام. ### || [22.25] # ثم قال عز وجل: { إن الذين كفروا } يعني: أهل مكة { ~~ويصدون عن سبيل الله } يعني صرفوا الناس عن دين الإسلام { ~~والمسجد الحرام } يعني: وعن المسجد الحرام وهذه الآية مدنية ~~وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج مع أصحابه من الحديبية ~~منعهم المشركون عن المسجد الحرام ثم وصف المسجد الحرام فقال: { الذى ~~جعلنه للناس سواء } يعني: عاما للمؤمنين جميعا { ~~العكف فيه والباد } يعني: سواء المقيم في الحرم ومن دخل مكة ~~من غير أهلهما ومعناه: المقيم والغريب فيه سواء ويقال في تعظيمه وحرمته ~~ويقال المسجد الحرام أراد به جميع الحرم المقيم وغيره في حق النزول سواء ~~وقال عمر رضي الله عنه ms1102 يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي ~~حيث يشاء ولهذا قال أبو حنيفة: إن بيع دور مكة لا يجوز وفي إحدى ~~الروايتين يجوز وهذا قول أبي يوسف والأول قول محمد قرأ عاصم في رواية حفص ~~سواء بالنصب يعني: جعلناه سواء وقرأ الباقون سواء بالضم على معنى ~~الابتداء ثم قال: { ومن يرد فيه بإلحاد } وهو الظلم والميل ~~عن الحق ويقال أصله ومن يرد فيه إلحادا فزيد فيه الباء كما قال { ~~تنبت بالدهن } ويقال: من اشترى الطعام بمكة للاحتكار فقد ألحد { ~~بظلم } يعني: بشرك أو بقتل { نذقه من عذاب أليم } أي: ~~مؤلم قال الزجاج: الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد وقال مقاتل: نزلت ~~الآية في عبد الله بن أنيس بن خطل القرشي وذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعث رجلين أحدهما مهاجري والآخر أنصاري فافتخرا في الأنساب فغضب ~~عبد الله بن أنس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة فأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة بقتله فقتل قرأ أبو عمرو ~~(والبادي) بالباء عند الوصل وكذلك نافع في رواية ورش وقرأ حمزة ~~والكسائي وابن عامر بغير ياء في الوصل والقطع وقرأ ابن كثير بالياء في ~~الوصل والقطع وهو الأصل في اللغة ومن أسقطه لأن الكسر يدل عليه. ### || [22.26-27] # قوله عز وجل: { وإذ بوأنا لإبرهيم مكان البيت } قال ~~مقاتل: يعني: دللنا لإبراهيم موضع البيت فبناه مع إسماعيل عليهما السلام ~~ولم يكن له أثر ولا أساس البيت لأن البيت كان أيام الطوفان مرفوعا قد ~~رفعه الله إلى السماء وهو البيت المعمور وقال الكلبي: وإذ بوأنا ~~أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت يتكلم فيقول بموضع البيت جعله الله منزلا ~~لإبراهيم بعث الله تعالى سحابة على قدر البيت فيها رأس يتكلم فيقول: يا ~~إبراهيم ابن على قدري وحيالي فأسس عليها البيت وذهبت السحابة ثم بناه حتى ~~فرغ منه فأوحى الله تعالى إليه { أن لا تشرك بى شيئا } وقال ~~أبو قلابة: بناه من خمسة أجبل حراء وثبير وطور سيناء ولبنان وجبل ms1103 أحد ~~وقال الزجاج: وإذ بوأنا أي: جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم والمبوأ ~~المنزل يعني أن الله تعالى علم إبراهيم عليه السلام مكان البيت فبناه على ~~إسه القديم وكان البيت قد رفع إلى السماء قال ويروى أن البيت الأول كان ~~من ياقوتة حمراء. # وروي عن ابن عباس أنه قال: رفع السماء إلى السادسة يطوف به كل يوم سبعون ~~ألف ملك وهو بحيال الكعبة ثم قال: { وطهر بيتى } يعني أوحى الله ~~تعالى إلى إبراهيم: أن طهر بيتي من النجاسات ومن عبادة الأوثان { ~~للطائفين } يعني لأجل الطائفين بالبيت من غير أهل مكة { ~~والقائمين } يعني: المقيمين من أهل مكة { والركع السجود ~~} يعني: أهل الصلاة بالأوقات من كل وجه. ثم قال الله عز وجل { وأذن ~~فى الناس بالحج } يعني: ناد في الناس وذلك أن إبراهيم لما فرغ من ~~بناء الكعبة أمره الله تعالى أن ينادي فصعد إبراهيم على أبي قبيس ونادى ~~يا أيها الناس أجيبوا ربكم إن الله تعالى قد بنى بيتا وأمركم بأن تحجوه. ~~وقال مجاهد: فقام إبراهيم على المقام فنادى بصوت أسمع من بين المشرق ~~والمغرب يأيها الناس أجيبوا ربكم فأجابوه من أصلاب الرجال لبيك قال: ~~فإنما يحج من أجاب إبراهيم يومئذ ويقال التلبية اليوم جواب الله عز وجل ~~من نداء إبراهيم عن أمر ربه فذلك قوله { يأتوك رجالا } يعني: على ~~أرجلهم مشاة { وعلى كل ضامر } يعني على الإبل وغيرها فلا يدخل ~~بعيره ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر من طول الطريق { يأتين من كل ~~فج عميق } أي: من نواحي الأرض عميق يعني: بعيد. وقال مجاهد: الفج ~~الطريق والعميق البعيد وقال: إن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ~~ماشيين. وقال ابن عباس: ما آسى على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا ~~لأن الله تعالى قال: { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر } قال ~~الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان بيته قريبا من مكة فإذا حج ماشيا فهو ~~أحسن وأما إذا كان بيته بعيدا فالركوب أفضل وروي عن أبي حنيفة رحمه الله ~~أنه قال: الراكب ms1104 أفضل لأن في المشي يتعب نفسه ويسوء خلقه وإن كان الرجل ~~يأمن على نفسه أن يصبر فالمشي أفضل لأنه روي في الخبر أن الملائكة عليهم ~~السلام تتلقى الحاج فيسلمون على أصحاب المحامل ويصافحون أصحاب البعير ~~والبغال والحمير ويعانقون المشاة. ### || [22.28-31] # ثم قال عز وجل: { ليشهدوا منفع لهم } يعني: الأجر في ~~الآخرة في مناسكهم ويقال: وليحضروا مناحرهم وقضاء مناسكهم { ~~ويذكروا اسم الله } يعني: ولكي يذكروا الله { فى أيام ~~معلومت } يعني: يوم النحر ويومين بعده وقال مجاهد وقتادة: ~~المعلومات أيام العشر والمعدودات أيام التشريق وقال سعيد بن جبير: كلاهما ~~أيام التشريق ويقال المعلومات أيام النحر والمعدودات أيام التشريق وهو ~~طريق الفقهاء وأشبه بتأويل الكتاب لأنه ذكر في أيام معلومات الذبح وذكر ~~في أيام معدودات الذكر عند الرمي ورخص بتركه في اليوم الآخر بقوله # فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه ومن تأخر ~~فلا إثم عليه # [البقرة: 203] ثم قال: { على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } يعني ليذكروا اسم الله عند الذبح والنحر على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام وهو البقر والإبل والغنم ثم قال { فكلوا منها } ~~يعني من لحوم الأنعام { وأطعموا البائس الفقير } يعني ~~الضرير والزمن والفقير الذي ليس له شيء وقال الزجاج البائس الذي أصابه ~~البؤس وهو الشدة قوله عز وجل { ثم ليقضوا تفثهم } يعني ~~مناسكهم، وقال مجاهد التفث حلق الرأس وتقليم الأظفار وروي عن عطاء عن ابن ~~عباس وقال التفث الرمي والحلق والتقصير وحلق العانة ونتف الإبط وقص ~~الأظافير والشارب والذبح وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال التفث ما ~~عليه من المناسك وقال الزجاج: التفث لا يعرف أهل اللغة ما هو وإنما عرفوا ~~في التفسير وهو الأخذ من الشارب وتقليم الأظافر والأخذ من الشعر كأنه ~~الخروج من الإحرام إلى الإحلال ثم قال: { وليوفوا نذورهم } ~~يقول من كان عليه نذر في الحج والعمرة مما أوجب على نفسه من هدي أو غيره ~~فإذا نحر يوم النحر فقد أوفى بنذره ثم قال { وليطوفوا ~~بالبيت العتيق } يعني طواف الزيارة بعدما حلق رأسه ms1105 أو قصر، وقال ~~مقاتل: العتيق يعني عتقه في الجاهلية من القتل والسبي والجراحات وغيرها، ~~وقال الحسن: العتيق يعني القديم كما قال # إن أول بيت # [آل عمران: 96] وقال مجاهد: عتيق يعني: أعتق من الجبابرة ويقال أعتق من ~~الغرق يوم الطوفان وهذا قول الكلبي وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: (ليقضوا) ~~بجزم اللام وكذلك (وليوفوا) وقرأ أبو عمرو الثلاثة كلها بالكسر بمعنى لام ~~كي وقرأ ابن كثير بكسر اللام الأولى خاصة فمن قرأ بالجزم جعلها أمر ~~الغائب ومن قرأ بالكسر جعله خبرا عطفا على قوله { ليذكروا } وقرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر (وليوفوا) بنصب الواو وتشديد الفاء وقرأ الباقون ~~بالتخفيف من أوفى يوفي والأول من وفى يوفي ومعناهما واحد. # ثم قال عز وجل { ذلك } يعني: هذا الذي ذكر من أمور المناسك ثم قال { ~~ومن يعظم حرمت الله } يعني أمر المناسك كلها { فهو ~~خير له عند ربه } يعني أعظم لأجره { وأحلت لكم ~~الأنعم } يعني: الإبل والبقر والغنم وغيره { إلا ما يتلى ~~عليكم } في التحريم في سورة المائدة { فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثن } يعني: اتركوا عبادة الأوثان { واجتنبوا } يعني: ~~اتركوا { قول الزور } يعني: الكذب وهو قولهم هذا حلال وهذا حرام ~~ويقال: معناه اتركوا الشرك ويقال: اتركوا شهادة الزور ثم قال عز وجل: { ~~حنفاء لله } يعني: مخلصين [مسلمين لله ويقال: معناه كونوا مخلصين ~~بالتلبية] لأن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا ~~شريك هو لك تملكه وما ملك ويقال إن هذا القول بالزور الذي أمرهم الله ~~باجتنابه ثم قال: { غير مشركين به ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء } أي: وقع من السماء { فتخطفه ~~الطير } يعني: تختلسه الطير { أو تهوى به الريح } يعني: ~~تذهب به الريح { فى مكان سحيق } يعني: بعيد فكذلك الكافر في البعد ~~من الله عز وجل ويقال: معناه من يشرك بالله فقد ذهب أصله وقال الزجاج: ~~الخطف هو أخذ الشيء: السرعة فهذا مثل ضربه الله عز وجل للكافرين في من ~~بعدهم من الحق فأخبر أن بعد من أشرك من الحق كبعد ms1106 من خر من السماء فذهبت ~~به الطير وهوت به الريح في مكان (سحيق) يعني: بعيد قرأ نافع فتخطفه ~~الطير بنصب الخاء والتشديد وقرأ الباقون بالجزم والتخفيف من خطف ومن ~~قرأ بالتشديد فلأن أصله فتخطفه فادغم التاء في الطاء وألقيت حركة التاء ~~على الخاء. ### || [22.32-35] # ثم قال عز وجل: { ذلك } يقول هذا الذي أمر من اجتناب الأوثان { ومن ~~يعظم شعئر الله } يعني: البدن فيذبح أعظمها وأسمنها وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: تعظيمها استعظامها وأيضا استسمانها واستحسانها ثم ~~قال: { فإنها من تقوى القلوب } يعني: من إخلاص القلوب ويقال ~~من صفاء القلوب وشعائر الله: معالم الله ودينه ندب الله إليها وأمر ~~بالقيام بها وواحدها شعيرة قوله عز وجل: { لكم فيها منفع } ~~يعني: في البدن وقال مجاهد: يعني في ركوبها وشرب ألبانها وأوبارها { ~~إلى أجل مسمى } يعني إلى أجل مسمى بدنا فمحلها إلى البيت ~~العتيق وروي عن ابن عباس نحو هذا قول بعض الناس: إنه يجوز ركوب البدن ~~وقال أهل العراق: لا يجوز إلا عند الضرورة ويضمن ما نقصها الركوب وهذا ~~القول أحوط الوجهين { ثم محلها إلى البيت العتيق } ~~يعني: منحرها في الحرم وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " جميع فجاج مكة منحر ". # ثم قال عز وجل: { ولكل أمة } أي: لكل أهل دين ويقال لكل قوم من ~~المؤمنين فيما خلا { جعلنا منسكا } يعني: ذبحا لهراقة دمائهم ~~ويقال: مذبحا يذبحون فيه قال الزجاج: معناه: جعلنا لكل أمة أن تتقرب بأن ~~تذبح الذبائح لله تعالى قرأ حمزة والكسائي (منسكا) بكسر السين وقرأ ~~الباقون بالنصب فمن قرأ بالكسر يعني مكان النسك ومن قرأ بالنصب فعلى ~~المصدر وقال أبو عبيد: قراءتنا هي بالنصب لفخامتها ثم قال { ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعم } يعني: يذكرون اسم الله تعالى عند الذبح { فإلهكم ~~إله وحد } أي: ربكم رب واحد { فله أسلموا } يعني: أخلصوا ~~بالتسمية عند الذبيحة وفي التلبية { وبشر المخبتين } يعني: ~~المخلصين بالجنة ويقال: المخبتين المجتهدين في العبادة والسكون فيها، قال ~~قتادة: المخبتون ms1107 المتواضعون وقال الزجاج: أصله من الخبت من الأرض وهو ~~المكان المنخفض من الأرض ويقال: المخبت الذي فيه الخصال التي ذكرها الله ~~بعده وهو قوله { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } ~~يعني: خافت قلوبهم { والصبرين على ما أصابهم } من أمر ~~الله من المرازي والمصائب { والمقيمي الصلاة } يعني: يقيمونها ~~بمواقيتها { ومما رزقنهم ينفقون } يعني: يتصدقون وينفقون ~~في الطاعة ثم ذكر البدن يعني ينحرون البدن فهذه الخصال الحسنة صفة ~~المخبتين. ### || [22.36-37] # قوله عز وجل: { والبدن جعلنها لكم } قرأ بعضهم ~~(والبدن) بضم الدال والباء وقراءة العامة بسكون الدال والمعنى واحد { ~~من شعائر الله } يعني: جعلنا البدن من مناسك الحج { لكم ~~فيها خير } يعني: في نحرها أجر في الآخرة ومنفعة في الدنيا { ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف } يعني [إذا نحرتم ~~فاذكروا اسم الله عليها صواف أي] قائمة قد صفت قوائمها والآية تدل على أن ~~الإبل تنحر قائمة وروي عن عبد الله بن عمر أنه أمر برجل قد أناخ بعيره ~~لينحره فقال له: انحره قائما فإنه صفة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم ~~- وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما كانا يقرآن (فاذكروا اسم ~~الله عليها صوافن) والصوافن التي تقوم على ثلاثة قوائم إذا ~~أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فهو الصافن وجماعته صوافن وقال مجاهد من قرأ ~~صوافن قال قائمة معقولة من قرأها صواف قال يصف بين يديها وروي عن زيد بن ~~أسلم أنه قرأ: صوافي بالياء منتصبة ويقال خالصة من الشرك وروي عن الحسن ~~مثله وقال: خالصة لله تعالى وهكذا روى عنهما أبو عبيدة وحكى القتبي عن ~~الحسن قال: كان يقرأ (صواف) مثل قاض وغاز أي: خالصة لله تعالى يعني: لا ~~تشرك به في حال التسمية على نحرها ثم قال: { فإذا وجبت جنوبها ~~} يعني: إذا ضربت بجنبيها على الأرض بعد نحرها يقال: وجب الحائط إذا سقط ~~ووجب القلب إذا تحرك من الفزع ويقال: وجب البيع [إذا أبرم] { فكلوا ~~منها وأطعموا القنع والمعتر } فالقانع الراضي الذي ~~يقنع بما أعطي وهو السائل والمعتر الذي يتعرض للمسألة ولا ms1108 يتكلم ويقال ~~القانع المتعفف الذي لا يسأل ويقنع بما أرسلت إليه والمعتر السائل الذي ~~يعتريك للسؤال وقال الزهري: السنة أن يأكل الرجل من لحم أضحيته قبل أن ~~يتصدق وروي عن عطاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ليأكل أحدكم من لحم أضحيته " # وروى منصور عن إبراهيم قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص ~~للمسلمين بقوله (فكلوا منها فمن شاء أكل ومن شاء لم ~~يأكل) قال الفقيه أبو الليث رحمه الله والأفضل أن يتصدق بثلثه على ~~المساكين ويعطي ثلثه للجيران والقرابة أغنياء كانوا أو فقراء ويمسك لنفسه ~~ثلثه وروي عن ابن مسعود نحو هذا وروي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله ~~عن القانع والمعتر فقال: القانع الذي يقنع بما أعطي والمعتر الذي يعتري ~~بالأبواب قال: أما سمعت قول زهير: # على مكثريهم حق من يعتريهم # وعند المقلين السماحة والبذل # وقال مجاهد:القانع جارك وإن كان غنيا ثم قال تعالى: { كذلك ~~سخرنها لكم } أي: ذللناها لكم وهي البدن { لعلكم ~~تشكرون } يعني: لكي تشكروا رب النعمة قوله عز وجل: { لن ينال ~~الله لحومها ولا دماؤها } وذلك أن - أهل الجاهلية كانوا إذا ~~نحروا البدن عند زمزم أخذوا دماءها ولطخوها حول الكعبة وعلقوا لحومها ~~بالبيت وقالوا اللهم تقبل منا فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزل { لن ~~ينال الله لحومها ولا دماؤها } يعني: لن يصل إلى الله عز ~~وجل لحومها ولا دماؤها { ولكن يناله التقوى منكم } أي ~~يصل إليه التقوى من أعمالكم الزاكية والنية الخالصة قرأ الحضرمي (لن ~~تنال الله) بالتاء لأن لفظ اللحوم - مؤنثة ولكن تناله بالتاء لأن ~~لفظ التقوى مؤنث وقراءة العامة بالياء وانصرف إلى المعنى لأن الفعل مقدم ~~ثم قال: { كذلك سخرها لكم } يعني: ذللها لكم { ~~لتكبروا الله } يقول لتعظموا الله { على ما هداكم } ~~يعني: أرشدكم لأمر دينه { وبشر المحسنين } بالجنة فمن فعل ما ~~ذكر في هذه الآيات فهو محسن ويقال: المحسن الذي يحسن الذبيحة فيختار بغير ~~عيب. ### || [22.38-41] # قوله عز وجل: { إن الله يدافع عن الذين ءامنوا } ~~يعني: يدفع ms1109 كفار مكة عن الذين آمنوا فلا ينالون منهم شيئا وقال الزجاج: ~~إذا فعلت هذا وخالفتم أهل الجاهلية فيما يفعلون في نحرهم وإشراكهم فإن ~~الله يدافع عن حزبه أي المؤمنين ويقال: إن أهل مكة آذوا المسلمين قبل ~~الهجرة فاستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتالهم في السر فنهاهم ~~الله عز وجل عند ذلك ثم قال عز وجل: { إن الله يدافع عن ~~الذين ءامنوا } يعني: يدفع أذاهم عن المسلمين فأمرهم بالصبر قرأ ~~ابن كثير وأبو عمرو (إن الله يدفع) بغير ألف والباقون يدافع ~~بالألف من دافع يدافع بمعنى دفع ثم قال { إن الله لا يحب ~~كل خوان كفور } يعني: أثيم لأمانته كفور لربه ولنعمته وقال أهل ~~اللغة: الخوان الفعال من الخيانة وهو المبالغة في الخيانة فمن ذكر اسما ~~غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوان كفور قوله عز وجل: { ~~أذن للذين يقتلون } يعني: أذن للمؤمنين بقتال المشركين { ~~بأنهم ظلموا } يعني: أذن لهم بالقتال بسبب أنهم ظلموا قرأ عاصم ~~في رواية حفص (أذن) بضم الألف على معنى [فعل ما لم يسم فاعله] أذن الله ~~للذين يقاتلون بنصب التاء [على معنى أنهم مفعولون وقرأ ابن عامر أذن بنصب ~~الألف على معنى أذن الله للذين يقاتلون بنصب التاء] وقرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر وأبو عمرو أذن بالضم يقاتلون بالكسر وقرأ الباقون بالنصب قرأ ~~حمزة والكسائي وابن كثير يقاتلون بالكسر ثم قال: { وإن الله ~~على نصرهم لقدير } يعني: قادر وكان المشركون لا يزالون ~~يؤذونهم باللسان وباليد فشكوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما ~~هاجروا أمروا بالقتال ثم أخبر الله عن ظلم كفار مكة فقال عز وجل: { ~~الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق } يعني: بلا جرم ~~أجرموا { إلا أن يقولوا ربنا الله } يعني لم يخرج كفار ~~مكة المؤمنين بسبب سوى أنهم كانوا يقولون ربنا الله فأخرجوهم بهذا السبب ~~ويقال: في الآية تقديم ومعناه (أذن للذين يقاتلون) الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله { وإن الله على ~~نصرهم لقدير ms1110 } ثم قال: { ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض } بالجهاد [وإقامة] الحدود وكف الظلم يقول: لولا أن ~~يدفع المشركين بالمؤمنين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين { لهدمت ~~صومع وبيع } ويقال: ولولا دفع الله بالأنبياء وبالمؤمنين من ~~غيرهم لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى { وصلوت } يعني: كنائس ~~اليهود { ومسجد } المسلمين { يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا } وقال مجاهد: لولا دفع الله تعالى الناس بعضهم ببعض في الشهادة ~~في الحق لهدمت هذه الصوامع وما ذكر معها وقال الزجاج: تأويل هذا ولولا أن ~~دفع الله بعض الناس ببعض لهدمت في شريعة كل نبي المكان الذي يصلي فيه ~~[فكان معناه لولا دفع الله] لهدم في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى البيع ~~وفي زمن محمد - صلى الله عليه وسلم - [وعلى جميع الأنبياء] المساجد قرأ ~~نافع ولولا دفاع الله بالألف والباقون بغير ألف وقرأ ابن كثير ونافع ~~لهدمت بالتخفيف والباقون بالتشديد على معنى المبالغة والتكثير ثم قال: { ~~ولينصرن الله من ينصره } يعني: لينصرن بالغلبة على عدوه ~~من ينصره بنبيه - محمد صلى الله عليه وسلم - ويقال لينصرن الله من ينصره ~~يعني: ينصر الله من ينصر دينه بالغلبة كما قال في آية أخرى # إن تنصروا الله ينصركم # [محمد:7] ثم قال { إن الله لقوى عزيز } أي منيع قادر على ~~أن ينصر محمدا - صلى الله عليه وسلم - بغير عونكم قوله عز وجل { ~~الذين إن مكنهم فى الأرض } يعني إن أنزلناهم ~~بالمدينة وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - قوله: { أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف } يعني ~~بالتوحيد واتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - { ونهوا عن ~~المنكر } أي: عن الشرك { ولله عقبة الأمور } يعني: ~~لله ترجع عواقب الأمور يعني: عاقبة أمور العباد في الآخرة. ### || [22.42-45] # قوله عز وجل: { وإن يكذبوك } يعني إن يكذبوك يا محمد أهل مكة { ~~فقد كذبت قبلهم } يعني: قبل قومك { قوم نوح } كذبوا ~~نوحا { وعاد } كذبت هودا { وثمود } كذبوا صالحا { وقوم ~~إبرهيم } كذبوا إبراهيم { وقوم لوط } كذبوا لوطا { ~~وأصحب مدين } كذبوا شعيبا { وكذب موسى } يعني كذبه ~~قومه { فأمليت للكفرين } يعني: أمهلتهم { ثم ms1111 ~~أخذتهم } يعني: عاقبتهم بعد المهل بالعذاب { فكيف كان ~~نكير } يعني: كيف رأيت تغييري وإنكاري عليهم يعني: أليس قد وجدوا حقا ~~فكذلك كفار مكة تصيبهم العقوبة كما أصابهم ثم قال عز وجل: { فكأين ~~من قرية } يعني: وكم من أهل قرية { أهلكنها } يعني: أهلكنا ~~أهلها { وهى ظلمة } يعني: كافرة { فهى خاوية على ~~عروشها } يعني: ساقطة حيطانها على سقوفها { وبئر معطلة } ~~يعني: خالية ليس عندها ساكن { وقصر مشيد } يعني: طويلا في ~~السماء ويقال: معناه: كم من بئر معطلة عطلها أربابها وليس عليها أحد ~~يستسقي وقصر مشيد يعني: كم من حصن طويل مشيد ليس فيه ساكن ويقال [المشيد ~~هو المبني بالشيد وهو الجص وهو المشيد المطول ويقال] المشيد والمشيد سواء ~~أي المطول قرأ أبو عمرو أهلكتها بالتاء وقرأ الباقون أهلكناها بلفظ ~~الجماعة وقرأ نافع في رواية ورش وأبو عمرو في إحدى الروايتين وبير ~~بالتخفيف وهي لغة لبعض العرب وقرأ الباقون بالهمز وهي اللغة المعروفة. ### || [22.46-51] # ثم قال عز وجل: { أفلم يسيروا فى الأرض } يعني أو لم ~~يسافروا في الأرض فيعتبروا { فتكون لهم قلوب يعقلون بها ~~} يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة يعقلون بها { أو آذان ~~يسمعون بها } التخويف { فإنها } أي: النظرة بغير عبرة ويقال ~~كلمة الشرك { لا تعمى الأبصر ولكن تعمى القلوب ~~التى فى الصدور } يعني: العقول التي في الصدور وذكر الصدر ~~للتأكيد ثم قال عز وجل { ويستعجلونك بالعذاب } وهو النضر ~~بن الحارث { ولن يخلف الله وعده } في العذاب { وإن ~~يوما عند ربك } يعني إن يوما من الأيام التي وعد لهم في العذاب ~~عند ربك في الآخرة { كألف سنة مما تعدون } في الدنيا ثم ~~بين لهم العذاب في الآخرة حيث قال: { ولن يخلف الله وعده } ~~[ووصف طول عذابهم ويقال: إنه أراد في الدنيا ثم بين لهم العذاب في الآخرة ~~حيث قال: { ولن يخلف الله وعده } ] ووصف طول عذابهم ويقال ~~إنه أراد بذلك قدرته عليهم بحال استعجالهم أنه يأخذهم متى شاء.قرأ ابن ~~كثير وحمزة والكسائي (مما يعدون) بالياء وقرأ الباقون بالتاء على ~~معنى المخاطبة ثم ms1112 قال عز وجل: { وكأين من قرية أمليت لها ~~} فلم أعجل عليها العقوبة { وهى ظلمة } أي: كافرة { ثم ~~أخذتها } بالعذاب ولكن لم يذكر العذاب لأنه سبق ذكره ثم قال { ~~وإلى المصير } يعني: المرجع في الآخرة قوله عز وجل: { يأيها ~~الناس إنما أنا لكم نذير مبين } يعني: رسول مبين ~~أبلغكم بلغة تعرفونها { فالذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } يعني: الطاعات { لهم مغفرة } لذنوبهم { ~~ورزق كريم } حسن في الجنة { والذين سعوا فى ءايتنا ~~} يعني: عملوا في القرآن بالتكذيب { معجزين } قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو معجزين بغير ألف والتشديد في جميع القرآن والباقون بالألف والتخفيف ~~فمن قرأ معجزين أي: يعجزون من اتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ويثبطونهم ومن قرأ معاجزين أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم يظنون أنهم لا ~~يبعثون وقيل معاجزين أي: معاندين ومعناه ليسوا بفائتين { أولئك ~~أصحب الجحيم } يعني: النار. ### || [22.52-54] # قوله عز وجل: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبى إلا إذا تمنى } يعني: حدث نفسه { ألقى الشيطن ~~فى أمنيته } أي: في حديثه ويقال: تمنى أو قرأ كما قال القائل: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخره لاقى حمام المقادر # وقال آخر: # تمنى داود الزبور على الرسل # ألقى الشيطان في أمنيته # أي في تلاوته: { فينسخ الله ما يلقى الشيطن } يعني: ~~يذهب الله به ويبطله { ثم يحكم الله ءايته } يعني: بين ~~الله عز وجل الناسخ من المنسوخ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أتاه ~~الشيطان في صورة جبريل وهو يقرأ سورة # والنجم إذا هوى # [النجم: 1] عند الكعبة حتى انتهى إلى قوله # أفرءيتم اللت والعزى ومنوة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19- 20] ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى منها ~~الشفاعة ترتجى فلما سمعه المشركون يقرأ ذلك أعجبهم فلما انتهى إلى آخرها ~~سجد، وسجد المشركون معه والمسلمون فأتاه جبريل عليه السلام فقال ما جئتك ~~بهذا فنزل { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى } ~~الآية وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو هذا قال حدثنا الخليل بن أحمد ~~قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثنا جعفر ms1113 بن زيد الطيالسي قال: حدثنا ~~إبراهيم بن محمد قال حدثنا أبو عاصم عن عمار بن الأسود عن سعيد بن جبير ~~وعن ابن عباس قال قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { ومنوة ~~الثالثة الأخرى } ثم قال تلك الغرانيق العلى وإن الشفاعة منها ~~ترتجى فقال المشركون قد ذكر آلهتنا فنزلت الآية وقال مقاتل قرأ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والنجم بمكة عند مقام إبراهيم فنعس فقرأ تلك ~~الغرانيق العلى فلما فرغ من السورة سجد وسجد من خلفه فنزل { وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى } وقال قتادة: لما ~~ألقى الشيطان ما ألقي قال المشركون قد ذكر الله آلهتنا بخير ففرحوا بذلك ~~فذلك قوله # والله عليم حكيم ليجعل ما يلقى الشيطن ~~فتنة للذين فى قلوبهم مرض # [الحج:52- 53] روى أسباط عن السدي قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى المسجد فقرأ سورة النجم فلما انتهى إلى قوله # ومنوة الثالثة الأخرى # [النجم: 20] فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ~~لترتجى حتى بلغ إلى آخر السورة سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره ~~آلهتهم فلما رفع رأسه حملوه وأسندوا به بين قطري مكة حتى إذا جاءه جبريل ~~عليه السلام عرض عليه فقرأ عليه الحرفين فقال جبريل عليه السلام معاذ ~~الله أن أكون أقرأتك هذا واشتد عليه فأنزل الله تعالى لتطييب نفس رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم وأخبره أن الأنبياء عليهم السلام قبله قد ~~كانوا مثله ويقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد وجلس عنده ~~جماعة من المشركين فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه ~~فابتلاه الله تعالى بما ألقى الشيطان في أمنيته وقال بعضهم: تمنى أي تفكر ~~وحدث تلك الغرانيق العلى ولم يتكلم به لأن قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان حجة فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر وقال بعضهم: ~~لما رآه الشيطان يقرأ خلط صوته بصوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ ~~الشيطان تلك الغرانيق فظن الناس أنه قرأها رسول ms1114 الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يكن قرأها وقال بعضهم: قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على وجه التعيير والزجر يعني: أنكم تعبدونها كأنهن الغرانيق العلى ~~كما قال إبراهيم عليه السلام # فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء: 63] وقال الزجاج: ألقى الشيطان في تلاوة فذلك محنة يمتحن ~~الله تعالى بها من يشاء فجرى على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء ~~من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاوة والنفاق وروي عن سفيان بن عيينة ~~عن عمرو بن دينار أن ابن عباس كان يقرأ (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي ولا محدث والمحدث الذي يرى أمره في منامه من غير أن يأتيه الوحي) ثم ~~قال { والله عليم حكيم } أي عليم بما ألقى الشيطان (حكيم) حكم ~~بالناسخ وبين قوله عز وجل { ليجعل ما يلقى الشيطن ~~فتنة } يعني: بلية { للذين فى قلوبهم مرض } أي: شك { ~~والقاسية قلوبهم } يعني الذين قست قلوبهم من ذكر الله وهم ~~المشركون { وإن الظلمين لفى شقاق بعيد } عن الحق ~~يعني: المشركين في خلاف طويل عن الحق ثم ذكر المؤمنين فقال: { ~~وليعلم الذين أوتوا العلم } يعني الذين أكرموا بالتوحيد ~~والقرآن ويقال هم مؤمنو أهل الكتاب { أنه الحق من ربك } ~~يعني القرآن { فيؤمنوا به } أي: فيصدقوا به ويقال: لكي يعلموا أن ~~ما أحكم الله في آياته حق وأن ما ألقى الشيطان باطل ويزداد لهم يقين ~~وبيان فذلك قوله { فيؤمنوا به } أي: يثبتوا على إيمانهم { ~~فتخبت له قلوبهم } يعني: فتخلص له قلوبهم { وإن الله ~~لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم } يعني: إن ~~الله عز وجل لحافظ قلوب المؤمنين في هذه المحنة حتى لم ينزع المعرفة من ~~قلوبهم عند إلقاء الشيطان. ### || [22.55-59] # { ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه } أي: في شك ~~منه يعني: من القرآن { حتى تأتيهم الساعة بغتة } يعني ~~فجأة { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } لا فرح فيه ولا راحة ~~ولا رحمة ولا رأفة وهو عذاب يوم القيامة وقال السدي وقتادة يوم عقيم يوم ~~بدر ويقال إنما سمي يوم عقيم ms1115 لأنه أعقم كثيرا من النساء وقال عمرو بن ~~قيس يوم عقيم يوم القيامة يوم ليس له ليلة ولا بعده يوم والعقيم أصله في ~~اللغة المرأة التي لا تلد وكذلك رجل عقيم إذا كان لا يولد له وكذلك كل ~~شيء لا يكون فيه خير يعني لا يكون للكافرين خير في يوم القيامة كما قال ~~الله تعالى # يوم على الكفرين غير يسير # [المدثر: 10] ثم وصف ذلك اليوم فقال عز وجل { الملك يومئذ ~~لله } لا ينازع فيه أحد { يحكم بينهم } يعني يقضي بين الخلق ~~لا حاكم في ذلك اليوم غيره ثم قال { فالذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } يعني: أن حكمه في يوم القيامة إن المؤمنين { في ~~جنت النعيم } قوله عز وجل { الذين كفروا وكذبوا ~~بئايتنا فأولئك لهم عذاب مهين } يعني: الشدة ثم ~~قال عز وجل: { والذين هجروا } وذلك أن المسلمين قاتلوا ~~فاستشهدوا { فى سبيل الله } فقال الذين لم يستشهدوا وهل لنا أجر ~~فنزل { والذين هاجروا فى سبيل الله } يعني: في طاعة الله ~~من مكة إلى المدينة { ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا } يعني: يرزقهم الغنيمة في الدنيا لمن لم يموتوا ~~ولم يقتلوا { وإن الله لهو خير الرزقين } يعني: أفضل ~~الرازقين وأقوى المعطين { ليدخلنهم مدخلا يرضونه } ~~يعني: الجنة إذا قتلوا وماتوا { وإن الله لعليم حكيم } حيث ~~لم يعجل بالعقوبة وهذه الآية مدنية. ### || [22.60-62] # قوله عز وجل: { ذلك ومن عاقب } قال مقاتل: وذلك أن مشركي العرب ~~لقوا المسلمين في الشهر الحرام فكره المسلمون القتال فقاتلهم المشركون ~~فبغوا عليهم فنصر الله المسلمين عليهم فوقع في أنفس المؤمنين من القتال ~~في الشهر الحرام فنزل { ذلك ومن عاقب } يقول هذا جزاء من عاقب { ~~بمثل ما عوقب به } وقال بعضهم ذلك يعني ما وصفنا من صفة أهل ~~الجنة وأهل النار فهو كذلك فقد تم الكلام (ومن عاقب) ابتداء الكلام بمثل ~~ما عوقب به في الدنيا وقال الكلبي: الرجل يقتل وله الحميم فله أن يقتل به ~~قاتله { ثم بغى عليه لينصرنه الله } على من بغى ~~عليه. ويقال إذا زاد ms1116 على القتل لينصرنه الله ويقال إن الرجل إذا وجب له ~~القصاص فله أن يقتل أو يأخذ الدية فإن أخذ أكثر من حقه بالقتل وأخذ الدية ~~{ ثم بغى عليه } أي: ظلم عليه يعني: غضب عليه أولياء المقتول ~~باستيفاء حقه فجنوا عليه لينصرنه الله أي: له أن يطلب بجنايته ويقال له ~~إذا ظلم على ولي المقتول بالاستطالة بالقتل أو بأخذ الدية لينصرنه الله ~~بأخذ حقه { إن الله لعفو غفور } بقتالهم ثم قال عز وجل { ~~ذلك } يعني ذلك القدرة { بأن الله يولج اليل فى ~~النهار ويولج النهار فى اليل وأن الله سميع ~~بصير } ثم قال: { ذلك } يعني هذا الذي ذكر من صفته وقدرته { ~~بأن الله } يعني: لعلموا أن الله { هو الحق } وأن عبادته ~~الحق { وأن ما يدعون من دونه هو البطل } ولا يقدرون ~~على شيء { وأن الله هو العلى الكبير } يعني هو أعلى ~~وأكبر من أن يعدل به الباطل قرأ ابن عامر ثم قتلوا بالتشديد وقرأ الباقون ~~بالتخفيف وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وأن ما يدعون ~~بالياء بلفظ المغايبة وقرأ الباقون بالتاء وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي ~~بكر ليدخلنهم مدخلا بنصب الميم وقرأ الباقون بالضم. ### || [22.63-71] # ثم قال عز وجل: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ~~ماء } يعني: المطر { فتصبح الأرض مخضرة } يعني: تصير ~~الأرض مخضرة بالنبات ويقال ذات خضرة { إن الله لطيف } باستخراج ~~النبات { خبير } أي عليم به وبمكانه ثم قال عز وجل { له ما في ~~السموات وما في الأرض } من الخلق { وإن الله لهو ~~الغنى } عن الخلق وعن عبادتهم { الحميد } يعني: المحمود في ~~أفعاله. قوله عز وجل { ألم تر أن الله سخر لكم } يعني: ~~ذلل لكم { ما فى الأرض والفلك تجرى } يعني: تسير { فى ~~البحر بأمره } يعني: بإذنه. وروي عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأ ~~الفلك بضم الكاف على معنى الابتداء وقراءة العامة بالنصب لوقوع التسخير ~~عليها يعني: سخر لكم الفلك ويقال: صار نسبا بمنطلق على أن تعني أن الفلك ~~تجري ثم قال { ويمسك السماء ms1117 أن تقع على الأرض } يعني: ~~لكيلا تقع على الأرض ويقال كراهية أن تقع على الأرض. { إلا بإذنه ~~} يعني بأمره يوم القيامة { إن الله بالناس لرؤوف رحيم ~~} يعني رحيم مع شركهم ومعصيتهم حيث يرزقهم في الدنيا ولم يعاقبهم في ~~العاجل ثم قال عز وجل { وهو الذى أحياكم } يعني خلقكم ولم ~~تكونوا شيئا { ثم يميتكم } في الدنيا { ثم يحييكم } ~~للبعث { إن الإنسن لكفور } أي كفور لنعمه لا يشكره ولا ~~يطيعه قوله عز وجل { لكل أمة } يعني: لكل قوم { جعلنا ~~منسكا } يعني مذبحا { هم ناسكوه } يعني ذابحوه وفي منسك من ~~الاختلاف ما سبق { فلا ينزعنك فى الأمر } لا يخالفنك في ~~أمر الذبيحة نزلت في قوم من خزاعة قالوا ما ذبح الله فهو أحل مما ذبحتم ~~وقال الزجاج: المعنى فيه أي فلا يجادلنك ولا تجادلهم والدليل عليه وإن ~~جادلوك ويقال فلا ينازعنك في الأمر يعني لا يغلبونك في المنازعة { ~~وادع إلى ربك } يعني أدع الخلق إلى معرفة ربك وإلى توحيد ربك { ~~إنك لعلى هدى مستقيم } يعني: على دين مستقيم قوله عز وجل ~~{ وإن جدلوك } يعني إن حاججوك في أمر الذبيحة والتوحيد { فقل ~~الله أعلم بما تعملون } يعني عالما بأعمالكم فيجازيكم ~~وذلك قوله { الله يحكم بينكم } يقضي بينكم { يوم ~~القيمة فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين والذبيحة ~~قال عز وجل { ألم تعلم } يا محمد { أن الله يعلم ما ~~فى السموات والأرض إن ذلك فى كتب } يعني إن ذلك ~~العلم مكتوب في اللوح المحفوظ { إن ذلك } في كتاب يعني إن كتابته { ~~على الله يسير } يعني هين حال حفظه على الله أي: كتابته على الله ~~يسير ثم قال عز وجل { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل ~~به سلطنا } يعني عذر ولا حجة قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين ما ~~لم ينزل بالتخفيف والباقون بالتشديد { وما ليس لهم به علم } ~~يعني ليس لهم بذلك حجة من المعقول { وما للظلمين من نصير ~~} أي مانع يمنعهم من العذاب. ### || [22.72-73] # ثم قال عز وجل: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } ~~يعني ms1118 يعرض عليهم القرآن { تعرف فى وجوه الذين كفروا ~~المنكر } يعني الغم والحزن والكراهية { يكدون يسطون } أي: ~~هموا لو قدروا يضربون ويبطشون أشد البطش { بالذين يتلون ~~عليهم ءايتنا } يعني يقرأون عليهم القرآن وقال القتبي: يسطون ~~أي يتناولونهم بالمكروه من الضرب والشتم ويقال يسطون يعني يفرطون عليهم ~~والسطوة العقوبة { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار } ~~يعني بأشد وأسوأ من ضربكم وبطشكم ويقال إنهم كانوا يعيرون أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ببذاذة حالهم ورثاثتها قال الله تعالى: قل لهم يا ~~محمد أفأنبئكم بشر من ذلك يعني مما قلتم للمؤمنين قالوا ما هي قال ~~النار { وعدها الله الذين كفروا } يعني: للكافرين ~~قوله: { وبئس المصير } صاروا إليه قوله عز وجل: { يأيها ~~الناس ضرب مثل فاستمعوا له } يعني: بين ووصف شبه به ~~لآلهتكم أي: أجيبوا عنه وقال بعضهم ليس ها هنا مثل وإنما أراد به قطع ~~الشغب لأنهم كانوا يقولون # لا تسمعوا لهذا القرءان والغوا فيه # [فصلت: 26] فقال: يا أيها الناس ضرب مثل فاصغوا إليه استماعا للمثل ~~فأوقع في أسماعهم عيب آلهتهم فقال: { إن الذين تدعون من ~~دون الله } ويقال مثلكم مثل من عبد آلهة { لن يخلقوا ذبابا ~~} أي: لن يقدروا على خلق الذباب ويقال المثل في الآية لا غير وهو قوله: ~~إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا أي: لن يقدروا ان يخلقوا ~~ذبابا من الذباب في المثل { ولو اجتمعوا له } أي: على تخليقه ~~ثم ذكر من أمرها ما هو أضعف من خلق الذباب فقال: { وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا } وذلك أنهم كانوا يلطخون العسل على فم الأصنام ~~فيجيء الذباب فيسلب منها ما لطخوا عليها { لا يستنقذوه منه } ~~أي: لا يقدرون أن يستنقذوا من الذباب ما أخذ منهم { ضعف الطالب ~~والمطلوب } يعني: الذباب والصنم ويقال ضعف العابد والمعبود. ### || [22.74-78] # قوله عز وجل: { ما قدروا الله حق قدره } أي: ما عظموا ~~الله حق عظمته حين أشركوا به غيره ولم يوحدوه ويقال ما وصفوه حق صفته ~~ويقال ما عرفوه حق معرفته كما ينبغي وقال ابن ms1119 عباس نزلت الآية في يهود ~~المدينة حين قالوا خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استلقى فاستراح ~~ووضع إحدى رجليه على الأخرى وكذب أعداء الله فنزل ما قدروا الله حق قدره ~~{ إن الله لقوى عزيز } أي قوي في أمره (عزيز) يعني: منيع ~~في ملكه ومعبودهم لا قوة له ولا منفعة ويقال إن الله لقوي على عقوبة من ~~جعل له شريكا عزيز للانتقام منهم قوله عز وجل: { الله يصطفى من ~~الملئكة رسلا } قيل: جبريل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت ~~والحفظة الذين يكتبون أعمال بني آدم { ومن الناس } يعني: ويختار من ~~الناس مثل منهم محمد وعيسى وموسى ونوح عليهم السلام فجعلهم أنبياء ورسلا ~~إلى خلقه { إن الله سميع بصير } سميع لمقالتهم بصير بمن ~~يتخذه رسولا وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: أأنزل عليه الذكر من بيننا ~~فأخبر الله تعالى أنه سميع مقالة من يكفر بصير بمن يصلح للرسالة فيختاره ~~ويجعله رسولا ثم قال عز وجل: { يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } يعني: من أمر الآخرة وأمر الدنيا { وإلى الله ~~ترجع الأمور } يعني: عواقب الأمور في الآخرة ويقال معناه: منه بدأ ~~وإليه يرجع قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا اركعوا ~~واسجدوا } يعني: صلوا لله تعالى وقال بعض الناس: يسجد في هذا ~~الموضع، يذكر ذلك عن عمر وابن عمر وروي عن ابن عباس أنه قال السجدة في ~~الحج في الأولى منهما وهذا قول أهل العراق لأن السجدة سجدة الصلاة بدليل ~~أنها مقرونة بالركوع معناه: اركعوا واسجدوا في الصلوات المفروضات التطوع ~~وروي عن ابن عباس أنه قال: أول ما أسلموا كانوا يسجدون بغير ركوع فأمرهم ~~الله تعالى بأن يركعوا ويسجدوا ثم قال: { واعبدوا ربكم } أي ~~وحدوه وأطيعوه { وافعلوا الخير } أي: أكثروا من الطاعات ~~والخيرات ما استطعتم وبادروا إليها ويقال: التسبيحات { لعلكم ~~تفلحون } يعني: تنجون من عذاب الله تعالى قوله عز وجل: { ~~وجهدوا فى الله حق جهده } يعني: اعملوا لله عز وجل حق ~~عمله ويقال: جاهدوا في طاعة الله عز وجل وطلب مرضاته وقال الحسن: حق ~~جهاده ms1120 أن تؤدي جميع ما أمرك الله عز وجل به وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه ~~وأن تترك رغبة الدنيا لرهبة الآخرة وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن رجلا سأله فقال: أي الجهاد أفضل فقال كلمة عدل عند السلطان ثم قال: { ~~هو اجتبكم } يعني: إختاركم واصطفاكم { وما جعل عليكم ~~فى الدين من حرج } يعني: في الإسلام من ضيق ولكن جعله واسعا ولم ~~يكلفكم مجهود الطاقة وإنما كلفكم دون ما تطيقون ويقال: وضع عنكم إصركم ~~والأغلال التي كانت عليكم ويقال وما جعل عليكم في الدين من حرج وهو ما ~~رخص في الإفطار في السفر والصلاة قاعدا عند العلة وقال قتادة: أعطيت هذه ~~الأمة ثلاثا لم يعطها إلا نبي كان يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اذهب فليس عليك من حرج وقال لهذه الأمة: وما جعل عليكم في الدين من حرج ~~وكان يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنت شهيد على قومك وقال لهذه ~~الأمة: لتكونوا شهداء على الناس وكان يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سل تعط وقال لهذه الأمة: # ادعونى أستجب لكم # [غافر: 60] ثم قال: { ملة أبيكم إبرهيم } قال الزجاج: إنما ~~صار منصوبا لأن معناه اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم قال: وجائز أن يكون ~~وافعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم ويقال: معناه، وما جعل عليكم في الدين ~~من حرج ولكن جعل لكم ملة سمحة سهلة كملة أبيكم إبراهيم { هو ~~سمكم المسلمين من قبل } يعني الله تعالى سماكم المسلمين ~~ويقال: إبراهيم سماكم أي: من آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ~~[ويقال إبراهيم سماكم المسلمين يا أمة محمد] والطريق الأول أصح لأنه قال: ~~من قبل هذا القرآن { وفى هذا } يعني: القرآن [الله سماكم المسلمين ~~في سائر الكتب من قبل هذا القرآن وفي هذا القرآن] { ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم } يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - على أمته ~~بأنه بلغهم الرسالة بالتصديق لهم { وتكونوا شهداء على الناس ~~} يعني: على سائر الأمم أن الرسل قد بلغتهم وقال مقاتل: وتكونوا شهداء ~~على الناس يعني: للناس يعني ms1121 للرسل على قومهم كقوله وما ذبح على النصب أي ~~المنصب ثم قال: { فأقيموا الصلاة } يعني: أقروا بها وأتموها { ~~وآتوا الزكاة } يعني: أقروا بها وأدوها ثم قال: { واعتصموا ~~بالله } يعني: وثقوا بالله إذا فعلتم ذلك ويقال: معناه تمسكوا بتوحيد ~~الله، وهو قول لا إله إلا الله { هو مولكم } أي: وليكم وناصركم ~~وحافظكم { فنعم المولى } يعني: نعم الحافظ { ونعم ~~النصير } يعني: نعم المانع لكم برحمته والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1-11] # { قد أفلح المؤمنون } إلى عشر آيات وروي عن كعب الأحبار ~~قال: إن الله تعالى لما خلق الجنة قال لها: تكلمي فقالت (قد أفلح ~~المؤمنون) وروي عن غيره أنها قالت: أنا حرام على كل بخيل ومرائي وروي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا وقوله قد أفلح المؤمنون أي: ~~سعد وفاز ونجا المصدقون بإيمانهم ثم نعتهم ووصف أعمالهم فقال: { ~~الذين هم فى صلاتهم خشعون } يعني: متواضعين وقال ~~الزهري سكون المرء في صلاته لا يلتفت يمينا ولا شمالا وقال الحسن ~~البصري: أي: خائفون وروي عنه أنه قال خاشعون الذين لا يرفعون أيديهم في ~~الصلاة إلا في التكبيرة الأولى وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال الخشوع ~~في الصلاة أن لا تلتفت في صلاتك يمينا ولا شمالا وذكر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه كان إذا قام في الصلاة رفع بصره إلى السماء فلما ~~نزلت هذه الآية رمى بصره نحو مسجده وروي عن أبي هريرة # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة ~~فقال لو خشع قلبه لخشعت جوارحه " # ثم قال عز وجل { والذين هم عن اللغو معرضون } يعني ~~الحلف والباطل من الكلام تاركون قال قتادة كل كلام أو عمل لا يحتاج إليه ~~فهو لغو ويقال: الذين هم عن الشتم والأذى معرضون كقوله عز وجل: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] ثم قال { والذين هم للزكوة فعلون } ~~يعني: مؤدون { والذين هم لفروجهم حفظون ms1122 } عن الفواحش ~~وعن ما لا يحل لهم ثم استثنى فقال { إلا على أزوجهم } يعني ~~على نسائهم الأربع وذكر عن القراءة أنه قال: على بمعنى من يعني إلا من ~~نسائهم مثنى وثلاث ورباع { أو ما ملكت أيمنهم } يعني: ~~الإماء { فإنهم غير ملومين } لا يلامون على الحلال { فمن ~~ابتغى وراء ذلك } يعني: طلب بعد ذلك ما سوى نسائه وإمائه { ~~فأولئك هم العادون } يعني المعتدين من الحلال إلى الحرام ~~ويقال: وأولئك هم الظالمون الجائرون الذين تعمدوا الظلم { والذين ~~هم لامنتهم وعهدهم رعون } يعني: ما ائتمنوا عليه من ~~أمر دينهم مما لا يطلع عليه أحد ومما يأتمن الناس بعضهم بعضا (وعهدهم) ~~يعني: وفاء بالعهد راعون يعني: حافظين وأصل الرعي في اللغة القيام على ~~إصلاح ما يتولاه قرأ ابن كثير والذين هم لأماناتهم بلفظ الوحدان وقرأ ~~الباقون بلفظ الجمع يعني: بيع الأمانات ثم قال عز وجل: { والذين ~~هم على صلاتهم يحافظون } يعني على المواقيت يحافظون لا ~~تشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ويتمونها بركوعها وسجودها قرأ حمزة ~~والكسائي على صلاتهم بلفظ الوحدان وقرأ الباقون صلواتهم بلفظ الجماعة ~~ومعناهما واحد لأن الصلاة اسم جنس يقع على الواحد والأكثر فهذه الخصال ~~صفة المؤمنين المخلصين في أعمالهم ثم بين ثوابهم فقال عز وجل { ~~أولئك هم الورثون } يعني النازلين ثم بين ما يرثون فقال: { ~~الذين يرثون الفردوس } وهي البساتين بلغة الروم عليها ~~حيطان ويقال: لم يكن أحد من أهل الجنة إلا وله نصيب في الفردوس لأن هناك ~~كلها بساتين وأشجار ويقال أولئك هم الوارثون يعني: يرثون المنازل التي ~~للكفار في الجنة وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال ~~الفردوس البستان الحسن { هم فيها خلدون } يعني: في الجنة ~~دائمون وقال القتبي: حدثني أبو حاتم السجستاني قال كنت عند الأخفش وعنده ~~الثوري فقال: يا أبا حاتم ما صنعت بكتاب المذكر والمؤنث قلت قد عملت ~~شيئا فقال: ما تقول في الفردوس قلت مذكر قال: فإن الله يقول { هم ~~فيها خلدون } قلت أراد الجنة فأنث فقال: يا غافل أما ms1123 تسمع الناس ~~يقولون أسألك الفردوس الأعلى فقلت يا نائم إنما الأعلى ها هنا أفعل وليس ~~بفعلى. ### || [23.12-14] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسن من سللة من ~~طين } يعني: آدم قال الكلبي ومقاتل: السلالة إذا عصر الطين يسيل الطين ~~والماء بين أصابعه وقال الكلبي: خلقنا الإنسان يعني ابن آدم من نطفة ~~سلت تلك النطفة من طين والطين آدم عليه السلام والنطفة ما يخرج من ~~صلبه فيقع في رحم المرأة وقال الزجاج سلالة من طين أي [من طين] آدم ~~والسلالة القليل من أن ينسل وكل مبني على فعالة فهو يراد به القليل مثل ~~النخالة والنطفة سلالة وإنما سميت النطفة سلالة لأنها تنسل من بين الصلب ~~والترائب ثم جعلناه { نطفة فى قرار مكين } يعني: في مكان ~~حريز حصين { ثم خلقنا النطفة علقة } أي: حولنا الماء ~~دما { فخلقنا العلقة مضغة } أي: حولنا الدم مضغة { ~~فخلقنا المضغة عظما } أي: خلقنا في المضغة عظاما { ~~فكسونا العظم لحما ثم أنشأنه خلقا ءاخر } ~~قال عكرمة وأبو العالية والشعبي: معناه نفخ فيه الروح وروى الأخفش عن زيد ~~بن وهب عن عبد الله بن مسعود أنه (قال إن خلق أحدكم يجمع ~~في بطن أمه أربعين ليلة ثم يكون علقة مثل ~~ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله عز وجل ~~ملكا فيأمر بأن يكتب أجله وعمله ورزقه ~~وشقي أو سعيد فهي أربع كلمات ثم ينفخ فيه ~~الروح) وروي عن عطاء عن ابن عباس في قوله (ثم أنشأناه خلقا ~~آخر) قال نفخ فيه الروح وروى ابن نجيح عن مجاهد (ثم أنشأناه ~~خلقا آخر) قال: حين استوى شابا وروى معمر عن قتادة ثم أنشأناه ~~خلقا آخر قال: هو نبات الشعر والأسنان وقال بعضهم: هو نفخ الروح ويقال ~~ذكرا أو أنثى ويقال: معناه ثم أنشأناه خلقا آخر يعني: الجلد وروي عن ~~عطاء عن ابن عباس أنه قال ينفخ فيه الروح وروي عن عبد الله بن مسعود أنه ~~كان يقرأ ثم أنشأته خلقا آخر { فتبارك الله أحسن ~~الخلقين } يعني: أحكم المصورين وروى أبو صالح ms1124 عن عبد الله بن عباس ~~قال: # " كان عبد الله بن أبي سرح يكتب هذه الآيات للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فلما انتهى إلى قوله (ثم أنشأناه خلقا آخر) عجب من تفضل الإنسان أي من ~~تفضل خلق الإنسان فقال { فتبارك الله أحسن الخلقين } ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أكتب هكذا أنزلت " # فشك عند ذلك وقال: لئن كان محمد صادقا فيما يقول: إنه يوحى إليه فقد ~~أوحي إلي كما أوحي إليه ولئن قال من ذات نفسه فلقد قلت مثل ما قال فكفر ~~بالله تعالى وقال مقاتل والزجاج: كان عمر رضي الله عنه عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذ أنزلت عليه هذه الآية فقال عمر: { ~~فتبارك الله أحسن الخلقين } فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: # " هكذا أنزلت علي " # فكأنه أجرى على لسانه هذه الآية قبل قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد قيل إن الحكاية الأولى غير صحيحة لأن ارتداد عبد الله بن أبي سرح كان ~~بالمدينة وهذه الآية مكية قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر فخلقنا ~~المضغة عظما فكسونا العظم لحما وقرأ الباقون بالألف ومعناهما واحد لأن ~~الواحد يغني عن الجنس. ### || [23.15-20] # قوله تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون } يعني: ~~تموتون عند انقضاء آجالكم { ثم إنكم يوم القيمة ~~تبعثون } يعني: تحيون بعد الموت فذكر أول الخلق لأنهم كانوا مقرين ~~بذلك ثم أثبت الموت لأنهم كانوا يشاهدونه ثم أثبت البعث الذي كانوا ~~ينكرونه ثم ذكر قدرته فقال عز وجل: { ولقد خلقنا فوقكم ~~سبع طرائق } يعني: سبع سموات بعضها فوق بعض كالقبة وقال مقاتل ~~والكلبي: غلظ كل سماء خمسمائة عام وبين كل سمائين كذلك وقال أهل ~~اللغة: الطرائق واحدها طريقة ويقال طارقت الشيء يعني: إذا جعلت بعضه فوق ~~بعض وإنما سمي الطرائق لأن بعضها فوق بعض ثم قال: { وما كنا عن ~~الخلق غفلين } أي: عن خلقهن عاجزين تاركين ويقال لكل سماء ~~طريقة لأن على كل سماء ملائكة عبادتهم مخالفة لعبادة ملائكة السماء ~~الأخرى يعني لكل أهل سماء طريقة من ms1125 العبادة وما كنا عن الخلق غافلين أي ~~لم نكن نغفل عن حفظهن كما قال # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] قوله عز وجل: { وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر } يعني: بوزن ويقال بقدر ما يكفيهم لمعايشهم ويقال بقدر يعني كل ~~سنة (تمطر بقدر) السنة الأولى كما روي عن ابن مسعود أنه قال: ليست سنة ~~بأمطر من سنة ولكن الله عز وجل يصرفه حيث يشاء ويقال وأنزلنا من السماء ~~ماء أي أربعة أنهار تخرج من الجنة دجلة والفرات وسيحان وجيحان { ~~فأسكناه فى الأرض } أي: فأدخلناه في الأرض ويقال: جعلناه ~~ثابتا فيها من الغدران والعيون والركايا { وإنا على ذهاب به ~~لقدرون } يعني: يغور في الأرض فلا يقدر عليه كقوله عز وجل # إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك: 30] { فأنشأنا لكم به جنت } يعني: وأخرجنا ~~بالماء جنات يعني الخضرة ويقال: جعلنا لكم بالماء البساتين { من ~~نخيل وأعناب } يعني: الكروم { لكم فيها فوكه ~~كثيرة } يعني: ألوان الفواكه سوى النخيل والأعناب { ومنها ~~تأكلون } ثم قال عز وجل { وشجرة } أي وأنبتنا شجرة ويقال: ~~خلقنا شجرة { تخرج من طور سيناء } قال قتادة: طور سيناء جبل ~~حسن وقال الكلبي: جبل ذو شجرة وقال مجاهد: الطور جبل والسيناء حجارة وقال ~~القتبي: الطور جبل والسيناء إسم وقال مقاتل: خلقنا في الجبل الحسن الذي ~~كلم الله تعالى موسى عليه السلام قرأ ابن كثير وأبو عمر ونافع طور سيناء ~~بكسر السين وقرأ الباقون بالنصب ومعناهما واحد ثم قال { تنبت ~~بالدهن } أي: تخرج بالدهن قرأ ابن كثير وأبو عمرو تنبت بضم التاء ~~وكسر الباء يعني: تخرج الدهن وقرأ الباقون تنبت بنصب التاء وضم الباء ~~وهو اختيار أبي عبيد أي: تنبت معه الدهن كما يقال: جاءني فلان بالسيف { ~~وصبغ للآكلين } يعني: الزيت يصطبغ به وجعل الله عز وجل في هذه ~~الشجرة إداما ودهنا وهي صبغ للآكلين. ### || [23.21-25] # ثم قال عز وجل: { وإن لكم فى الأنعم لعبرة } يعني: في ~~الإبل والبقر والغنم لمن يعتبر فيها يقال العير بأوقار والمعتبر بمثقال { ~~نسقيكم مما فى بطونها } يعني من ألبانها وهي تخرج ms1126 من بين ~~فرث ودم قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (نسقيكم) بنصب ~~النون وقرأ الباقون بالضم وهذا مثل ما في سورة النحل ثم قال: { ولكم ~~فيها منفع كثيرة } يعني: في ظهورها وأصوافها وألبانها ~~وأشعارها { ومنها تأكلون } يعني: من لبنها ولحومها وأولادها { ~~وعليها وعلى الفلك تحملون } يعني: على الأنعام في ~~المفازة وعلى السفينة في البحر تسافرون قوله عز وجل: { ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه } يعني: أرسلناه إلى قومه كما ~~أرسلناك إلى قومك فإن قيل: إيش الحكمة في تكرار القصص قيل له لأن في كل ~~قصة كررها ألفاظا وفوائد ونكتا ما ليس في الأخرى ونظمها سوى نظم الأخرى ~~وقال الحسن للقصة ظهر وبطن فالظهر خبر يخبرهم والبطن عظة تعظهم ويقال: ~~إنما كررها تأكيدا للحجة والعظة كما أنه كرر الدلائل ويكفي دليل واحد ~~لمن يستدل به تفضلا من الله تعالى ورحمة منه فقال تعالى: { ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه } { فقال يقوم اعبدوا ~~الله } يعني: أطيعوا الله عز وجل ووحدوه { ما لكم من إله ~~غيره } يعني: ليس لكم رب سواه { أفلا تتقون } عبادة غير الله ~~عز وجل فتوحدونه يعني: اتقوه ووحدوه قوله عز وجل: { فقال الملأ ~~الذين كفروا } يعني الأشراف الذين كفروا { من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم } يعني: خلقا آدميا مثلكم { يريد ~~أن يتفضل عليكم } بالرسالة (ويقال يريد أن يتفضل عليكم يعني: ~~يريد أن يجعل لنفسه فضلا عليكم بالرسالة) { ولو شاء الله ~~لأنزل ملئكة } أي: لو شاء أن يرسل إلينا رسولا لأنزل ملائكة { ~~ما سمعنا بهذا } يعني: مما يدعونا إليه نوح من التوحيد { في ~~آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة } يعني: الجنون ~~{ فتربصوا به حتى حين } يعني: انتظروا به حتى يتبين لكم ~~أمره وصدقه من كذبه ويقال: حتى حين أي حتى يموت فتنجوا منه فلما أبوا على ~~نوح دعا عليهم. ### || [23.26-35] # { قال رب انصرنى } يعني: أعني عليهم بالعذاب { بما كذبون ~~} يعني: بتحقيق قولي في العذاب لأنه أنذر قومه بالعذاب فكذبوه قوله عز ~~وجل: { فأوحينا إليه أن اصنع ms1127 الفلك بأعيننا } ~~أي: إعمل السفينة بأعيننا يعني: بمنظر منا وبعلمنا ثم قال: { ~~ووحينا } يعني: بوحينا إليك وأمرنا { فإذا جاء أمرنا } ~~يعني: عذابنا { وفار التنور } يعني: بنبع الماء من أسفل التنور { ~~فاسلك فيها } يعني: فأدخل في السفينة { من كل زوجين ~~اثنين } يعني من كل حيوان صنفين ولونين ذكرا وأنثى { وأهلك } ~~يعني: وأدخل فيها أهلك { إلا من سبق عليه القول منهم ~~} يعني: إلا من وجب عليه العذاب وهو ابنه كنعان { ولا تخطبنى ~~فى الذين ظلموا } يعني ولا تراجعني بالدعاء في الذين كفروا وهو ~~ابنه { إنهم مغرقون } بالطوفان: قرأ عاصم في رواية حفص من كل ~~زوجين بتنوين اللام وقرأ الباقون بغير تنوين ثم قال عز وجل: { فإذا ~~استويت أنت ومن معك على الفلك } يعني: ركبت في ~~السفينة { فقل الحمد لله } يعني: الشكر لله { الذى ~~نجانا من القوم الظلمين } المشركين قوله عز وجل { وقل ~~رب أنزلنى } يعني: إذا نزلت من السفينة إلى البر فقل رب أنزلني { ~~منزلا مباركا } قرأ عاصم في رواية أبي بكر منزلا بنصب الميم ~~وكسر الزاي يعني موضع النزول وقرأ الباقون: منزلا بضم الميم ونصب الزاي ~~وهو اختيار أبي عبيدة وهو المصدر من أنزل ينزل فصار بمعنى أنزلني إنزالا ~~مباركا { وأنت خير المنزلين } من غيرك وقد قرأ في الشواذ ~~وأنت خير المنزلين بنصب الزاي يعني أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام ~~قل هذا القول حتى تكون خير المنزلين ثم قال عز وجل: { إن فى ذلك } ~~يعني: في إهلاك قوم نوح { لأيات } يعني: لعبرا لمن بعدهم { وإن ~~كنا لمبتلين } يعني: وقد كنا لمختبرين بالغرق ويقال بالطاعة ~~والمعصية وإن بمعنى قد كقوله # وإن كان مكرهم # [إبراهيم: 46] يعني: وقد كان مكرهم قوله عز وجل: { ثم أنشأنا من ~~بعدهم } أي: خلقنا من بعدهم { قرنا آخرين } وهم قوم هود { ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم } يعني: نبيهم هودا عليه ~~السلام { أن اعبدوا الله } يعني: قال لهم هود احمدوا الله ~~وأطيعوه { ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } يعني: ~~اتقوه، اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الأمر قوله عز ms1128 وجل: { وقال ~~الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء ~~الأخرة } يعني: بالبعث بعد الموت { وأترفنهم } يعني: ~~أنعمنا عليهم ويقال وسعنا عليهم حتى أترفوا { في الحياة الدنيا ما هذا } ~~يعني: قالوا ما هذا { إلا بشر } يعني: آدميا { مثلكم ~~يأكل مما تأكلون منه } يعني: كما تأكلون منه { ويشرب ~~مما تشربون } يعني: كما تشربون { ولئن أطعتم بشرا } ~~يعني: آدميا { مثلكم إنكم إذا لخسرون } أي: ~~لمغبونون { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا } ~~أي: صرتم ترابا { وعظما أنكم مخرجون } يعني: محبون. ### || [23.36-48] # قوله عز وجل: { هيهات هيهات } قرأ أبو جعفر المدني هيهات هيهات ~~كلاهما بكسر التاء قال أبو عبيد قراءتها بالنصب لأنه أظهر اللغتين ~~وأفشاهما وقال بعضهم: قد قرىء هذا الحرف بسبع قراءات بالكسر والنصب ~~والرفع والتنوين وغير التنوين والسكون وهذه الكلمة يعبر بها عن البعد ~~يعني: بعيدا بعيدا ومعناه أنهم قالوا هذا لا يكون أبدا يعني البعث { ~~لما توعدون } يعني: بعيدا بعيدا لما توعدون { إن ~~هى } يعني: ما هي { إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا } ~~يعني: نحيا ونموت على وجه التقديم ويقال: معناه يموت الآباء وتعيش ~~الأبناء { وما نحن بمبعوثين } يعني: لا نبعث بعد الموت { إن ~~هو } يعني ما هو { إلا رجل افترى على الله كذبا ~~وما نحن له بمؤمنين } أي: بمصدقين فلما كذبوه دعا عليهم { ~~قال رب انصرنى } يعني: قال هود أعني عليهم بالعذاب { بما ~~كذبون قال } الله تعالى { عما قليل } يعني عن قريب وما صلة ~~كقوله # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] { ليصبحن ندمين } يعني: ليصيرن نادمين ~~فأخبر الله تعالى عن معاملة الذين كانوا من قبل مع أنبيائهم وسوء جزائهم ~~وأذاهم لأنبيائهم ليصبر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أذى قومه ثم ~~أخبر عن عاقبة أمرهم فقال تعالى: { فأخذتهم الصيحة ~~بالحق } يعني: العذاب وهو الريح العقيم ويقال: وهي صيحة جبريل عليه ~~السلام { فجعلنهم غثاء } يعني: يابسا ويقال: هلكى كالغثاء ~~وهو جمع غثاء وهو ما على السيل من الزبد لأنه يذهب ويتفرق وقال الزجاج: ~~الغثاء البالي من ورق الشجر أي: جعلناه يبسا كيابس الغثاء ms1129 ويقال: الغثاء ~~النبات اليابس كقوله # فجعله غثآء أحوى # [الأعلى: 5] ثم قال: { فبعدا } يعني: سحقا ونكسا { للقوم ~~الظلمين } يعني: بعدا من رحمة الله تعالى قوله عز وجل { ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرونا } يعني: خلقنا من بعدهم قرونا { ~~ءاخرين ما تسبق من أمة أجلها } وفي الآية مضمر ومعناه ~~فأهلكناهم بالعذاب في الدنيا ما تسبق من أمة يعني: ما يتقدم ولا تموت قبل ~~أجلها طرفة عين { وما يستأخرون } بعد أجلهم طرفة عين قوله عز ~~وجل: { ثم أرسلنا رسلنا تترا } يعني: بعضها على إثر بعض ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو (تترى) بالتنوين وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء ~~بغير تنوين وقرأ الباقون بنصب الراء وبغير تنوين وهو التواتر قال مقاتل: ~~كلما في القرآن (تترا ومدرارا وأبابيل ومردفين يعني: ~~بعضها على إثر بعض قال القتبي: أصل تترى وترا فقلبت الواو تاء كما ~~قلبوها في التقوى والتخمة وأصلها وترا والتخمة وأصلها ثم قال عز وجل { ~~كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم ~~بعضا } بالهلاك الأول فالأول { فجعلنهم أحاديث } أي: ~~أخبارا وعبرا لمن بعدهم ويقال فجعلناهم أحاديث لمن بعدهم يتحدثون ~~بأمرهم وشأنهم وقال الكلبي: ولو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث { ~~فبعدا } للهالك ويقال فسحقا { لقوم لا يؤمنون } ~~يعني لا يصدقون قوله عز وجل: { ثم أرسلنا موسى وأخاه ~~هرون بئايتنا } التسع { وسلطن مبين } يعني: بحجة ~~بينة { إلى فرعون } أي: قومه { فاستكبروا } يعني: تعظموا ~~عن الإيمان والطاعة { وكانوا قوما علين } يعني متكبرين { ~~فقالوا أنؤمن } يعني أنصدق { لبشرين مثلنا } يعني: ~~خلقين آدميين { وقومهما لنا عبدون } أي: مستهزئين ذليلين { ~~فكذبوهما } يعني: موسى وهارون { فكانوا من المهلكين } ~~يعني: صاروا مغرقين في البحر. ### || [23.49-53] # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني: التوراة ~~{ لعلهم يهتدون } يعني: لكي يهتدوا يعني: بني إسرائيل قوله ~~تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } يعني: عبرة ~~وعلامة لبني إسرائيل ولم يقل آيتين وقد ذكرناه ثم قال { وآويناهمآ ~~إلى ربوة } يعني: أنزلناهما إلى ربوة وذلك أنها لما ولدت عيسى ~~عليه السلام هم قومها أن يرجموها فخرجت من بيت المقدس إلى ms1130 أرض دمشق ~~والربوة المكان المرتفع { ذات قرار ومعين } يعني: أرضا مستوية ~~ومعين يعني الماء الجاري الطاهر وهو مفعول من العين وأصله معيون كما ~~يقال: ثوب مخيط وقال سعيد بن المسيب الربوة هي دمشق ويقال هي بيت المقدس ~~لأنها أقرب إلى السموات من سائر الأرض ويقال: إنها الرملة وفلسطين قرأ ~~ابن عامر وعاصم ربوة بنصب الراء وقرأ الباقون بالضم ومعناهما واحد قوله ~~عز وجل: { يا أيها الرسل } يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~وإنما خاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأمته كما يجيء في مخاطبتهم { كلوا من الطيبت } ~~يعني: من الحلالات قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد ~~قال: حدثنا ابن صاعد قال: حدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا الفضيل بن دكين ~~قال: حدثنا الفضل بن مرزوق قال: أخبرني عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: # " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله تعالى امر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبت } وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد ~~يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي ~~بالحرام فانى يستجاب لذلك " # وقال الزجاج: خوطب بهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل يا ايها ~~الرسل وتضمن هذا الخطاب أن الرسل عليهم السلام جميعا كذا أمروا قال: ~~ويروى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه وكان رزق النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنائم ثم قال تعالى: { ~~واعملوا صلحا } يعني: خالصا { إنى بما تعملون ~~عليم } يعني: قبل أن تعملوا قوله عز وجل { وإن هذه ~~أمتكم أمة وحدة } يعني: دينكم الذي أنتم عليه يعني ملة ~~الإسلام دين واحد عليه كانت الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون { وأنا ~~ربكم فاتقون } يعني: أنا شرعته لكم فأطيعون قرأ ms1131 ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو أن بنصب الألف وتشديد النون وقرأ ابن عامر بنصب الألف وسكون ~~النون وقرأ الباقون بكسر الألف والتشديد على معنى الابتداء ثم قال عز وجل ~~{ فتقطعوا أمرهم بينهم } يقول فرقوا دينهم وتفرقوا في ~~دينهم ومعناه أن دين الله تعالى واحد فجعلوه أديانا مختلفة زبرا قرأ ~~ابن عامر { زبرا } بنصب الباء أي قطعا وفرقا وقرأ نافع وأبو عمرو ~~وعاصم وحمزة والكسائي (زبرا) بضم الباء أي كتبا معناه جعلوا دينهم ~~كتبا مختلفة ويقال فتقطعوا كتاب الله وحرفوه وغيروه (زبرا) { كل ~~حزب بما لديهم فرحون } يعني بما هم عليه من الدين معجبون ~~راضون به. ### || [23.54-61] # قوله عز وجل: { فذرهم فى غمرتهم } يعني اتركهم في جهالتهم { ~~حتى حين } يعني إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب { ~~أيحسبون } يعني أيظنون وهم أهل الفرق { أنما نمدهم به ~~} يعني أن الذي نزيدهم به { من مال وبنين } في الدنيا { ~~نسارع لهم فى الخيرت } يعني هو خير لهم في الآخرة قرأ بعضهم ~~يسارع بالياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله وقراءة العامة ~~نسارع بالنون وكسر الراء يعني يظنون أنا نسارع لهم في الخيرات بزيادة ~~المال والولد بل هو استدراج لهم وروي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى ~~نبي من الأنبياء عليهم السلام أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد ~~له مني ويجزع عبدي المؤمن أن أقبض منه الدنيا وهو أقرب له مني ثم قال { ~~أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } وقد تم ~~الكلام يعني أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا ثم قال نسارع لهم في ~~الخيرات { بل لا يشعرون } أن ذلك فتنة لهم ويقال إنما نمدهم به ~~من مال وبنين وقد تم الكلام يعني أيظنون أن ذلك خير لهم في الدنيا ثم قال ~~عز وجل نسارع لهم في الخيرات يعني نبادرهم في الطاعات وهو خير لهم أي في ~~الآخرة بل لا يشعرون أن زيادة المال والولد أن ذلك مكر بهم وشر لهم في ~~الآخرة ثم ذكر ms1132 المؤمنين فقال عز وجل { إن الذين هم من خشية ~~ربهم مشفقون } يعني: خائفين من عذابه ويقال هذا عطف على قوله { ~~والذين هم لأمنتهم وعهدهم رعون والذين ~~هم على صلوتهم يحفظون والذين هم من خشية ~~ربهم مشفقون } ثم قال { والذين هم بئايت ~~ربهم يؤمنون } يعني: بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ~~يصدقون قوله { والذين هم بربهم لا يشركون } يعني: لا ~~يشركون معه غيرهم ولكنهم يوحدون ربهم ويقال: بربهم لا يشركون وهو أن يقول ~~لولا فلان ما وجدت هذا ثم قال عز وجل { والذين يؤتون ما ~~ءاتوا } يعني: يعطون ما أعطوا من الصدقة والخير { وقلوبهم ~~وجلة } يعني: خائفة وروى سالم بن معول عن عبد الرحمن بن سعيد ~~الهمداني # " أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه ~~الآية { والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة } هم ~~الذين يشربون الخمر ويسرقون ويزنون قال لا يا بنت أبي بكر ولكنهم هم ~~الذين يصومون ويتصدقون ويصلون " # وروي عن أبي بكر بن خلف أنه قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي ~~الله عنها فقلنا كيف تقرئين يا أم المؤمنين { والذين يؤتون ما ~~ءاتوا } قالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ { ~~والذين يؤتون ما ءاتوا } فقلت يا نبي الله هو الرجل الذي ~~يسرق ويشرب الخمر قال # " لا يا بنت أبي بكر هو الرجل الذي يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل ~~منه " # وقال الزجاج: من قرأ يؤتون ما آتوا معناه يعطون ما أعطوا ويخافون أن لا ~~يقبل منهم ومن قرأ يأتون ما أتوا أي: يعملون من الخيرات ما يعملون ~~ويخافون مع اجتهادهم أنهم مقصرون ثم قال تعالى: { أنهم إلى ~~ربهم رجعون } يعني: لأنهم إلى ربهم راجعون ومعناه يعملون ويوقنون ~~أنهم يبعثون بعد الموت قوله عز وجل: { أولئك يسرعون فى ~~الخيرت } يعني: يبادرون في الطاعات من الأعمال الصالحة { وهم ~~لها سبقون } يعني: هم لها عاملون يعني الخيرات وقال الزجاج: فيه ~~قولان أحدهما: معناه هم إليها سابقون كقوله عز وجل: { بأن ms1133 ربك ~~أوحى لها } يعني: إليها ويجوز هم لها سابقون أي لأجلها أي: من أجل ~~اكتسابها كقولك: أنا أكرم فلانا لك أي: من أجلك. ### || [23.62-67] # قوله عز وجل: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } يعني: بقدر ~~طاقتها { ولدينا كتاب } يعني: وعندنا نسخة أعمالهم التي يعملون ~~وهي التي تكتب الحفظة عليهم { ينطق بالحق } يعني: يشهد عليهم ~~بالصدق وقال الكلبي (ولا نكلف نفسا إلا وسعها) أي: ~~طاقتها فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل قاعدا { وعندنا كتب ~~ينطق بالحق } وهو الذكر يعني اللوح المحفوظ { وهم لا ~~يظلمون } يعني: لا يزاد في سيآتهم ولا ينقص من حسناتهم { بل ~~قلوبهم فى غمرة من هذا } يعني في غفلة من الإيمان بهذا ~~القرآن ويقال هم في غفلة من هذا الذي وصفنا من كتابة الأعمال { ولهم ~~أعمل من دون ذلك } قال مقاتل: يقول لهم أعمال خبيثة دون ~~الشرك { هم لها عملون } أي: لتلك الأعمال لا محالة التي في ~~اللوح المحفوظ وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال ذكر الله تعالى { ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون } ثم قال للكفار: { ~~بل قلوبهم فى غمرة من هذا } ثم رجع إلى المؤمنين فقال ~~{ ولهم أعمل من دون ذلك } الأعمال التي عددتهم لها ~~عاملون ثم قال عز وجل: { حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب } يعني أغنياءهم وجبابرتهم بالعذاب قال مجاهد: يعني بالسيوف ~~يوم بدر وقال الكلبي: بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف { إذا هم ~~يجأرون } أي: يصيحون ويتضرعون إلى الله تعالى حين نزل بهم العذاب ~~ويقال: يدعون ويستغيثون قول الله تعالى: { لا تجأروا اليوم } ~~يعني: لا تضجوا ولا تتضرعوا اليوم { إنكم منا لا تنصرون } ~~يعني: من عذابنا لا تمنعون قوله عز وجل: { قد كانت ءايتى ~~تتلى عليكم } أي: تقرأ وتعرض عليكم { فكنتم على ~~أعقبكم تنكصون } أي: ترجعون إلى الشرك وتميلون إليه { ~~مستكبرين به } أي - متعظمين ويقال: تنكصون أي: تقيمون عليه ~~مستكبرين به يعني: بالبيت صار هذا كناية من غير أن يسبق ذكر البيت لأن ~~ذلك البيت كان معروفا عندهم وقال مجاهد: مستكبرين به ms1134 أي بمكة بالبلد { ~~سمرا } بالليل لجلسائهم { تهجرون } بالقول الذي في القرآن ~~ويقال تهجرون يعني تتكلمون بالفحش وسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم - # " زوروها يعني المقابر ولا تقولوا هجرا " # يعني: فحشا وقال القتبي: مستكبرين به يعني: بالبيت العتيق تهجرون به ~~ويقولون نحن أهله سامرا والسمر حديث الليل وقال أهل اللغة: السمر في ~~اللغة ظل القمر ولهذا سمي حديث الليل سمرا لأنهم كانوا يجتمعون في ظل ~~القمر ويتحدثون قرأ نافع (سامرا تهجرون) بضم التاء وكسر الجيم ~~وقرأ الباقون بنصب التاء وضم الجيم وقال أبو عبيد: هذه القراءة أحب إلينا ~~فيكون من الصدود والهجران كقوله { فكنتم على أعقبكم ~~تنكصون } يعني: تهجرون القرآن ولا تؤمنون به ومن قرأ تهجرون أراد ~~الإفحاش في المنطق وقد فسرها بعضهم على الشرك. ### || [23.68-74] # ثم قال عز وجل: { أفلم يدبروا القول } وأصله يتدبروا ~~فأدغم التاء في الدال يعني أفلم يتفكروا في القرآن { أم جاءهم } من ~~الأمان { ما لم يأت ءاباءهم الأولين } حتى يؤمنوا وقال ~~معناه جاءهم الذي لم يجىء آباءهم الأولين وهذا كقوله # لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم # [يس: 60] وقال الكلبي: أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين من البراءة من ~~العذاب ثم قال تعالى: { أم لم يعرفوا رسولهم } يعني نسبة ~~رسولهم { فهم له منكرون } يعني: جاحدين قال أبو صالح عرفوه ولكن ~~حسدوه { أم يقولون به جنة } يعني بل يقولون به جنون { بل ~~جاءهم بالحق } يعني الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة ~~والقرآن من عند الله عز وجل أن لا تعبدوا إلا الله { وأكثرهم ~~للحق كرهون } يعني: جاحدين مكذبين وهم الكفار قوله عز وجل { ~~ولو اتبع الحق أهواءهم } والحق هو الله تعالى يعني لو ~~اتبع الله أهواءهم يعني: مرادهم { لفسدت السموات والأرض ~~ومن فيهن } يعني لهلكت لأن أهواءهم ومرادهم مختلفة ويقال لو كانت ~~الآلهة بأهوائهم كما قالوا لفسدت السموات كقوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] ثم قال: { بل أتينهم بذكرهم } يعني: ~~أنزلنا إليهم جبريل عليه السلام بعزهم وشرفهم لأن ms1135 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - منهم { فهم عن ذكرهم معرضون } يعني عن ~~القرآن: أي تاركوه لا يؤمنون به { أم تسألهم خرجا } قرأ حمزة ~~والكسائي خراجا { فخراج ربك خير } يعني: فثواب ربك خير ويقال ~~- قوت ربك من الحلال خير من جعلهم وثوابهم { وهو خير الرزقين } ~~أي: أفضل الرازقين قوله عز وجل: { وإنك لتدعوهم إلى صرط ~~مستقيم } يعني دين مستقيم وهو الإسلام لا عوج فيه { وإن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني لا يصدقون بالبعث { عن ~~الصرط لنكبون } أي عن الدين لعادلون ومائلون. ### || [23.75-77] # { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر } يعني: من ~~الجوع الذي أصابهم { للجوا } أي: مضوا وتمادوا { في طغينهم ~~يعمهون } يعني: في ضلالتهم يترددون قوله عز وجل { ولقد ~~أخذنهم بالعذاب } يعني: بالجوع { فما استكانوا ~~لربهم } يعني: ما تضعفوا وما خضعوا لربهم { وما يتضرعون } ~~يقول: ما يرغبون إلى الله في الدعاء وبالطاعة { حتى إذا فتحنا ~~عليهم بابا ذا عذاب شديد } يعني: نفتح عليهم قال السدي: هو ~~فتح مكة { إذا هم فيه مبلسون } قال أبلسوا يومئذ وتغيرت ~~وجوههم وألوانهم حين ينظرون أصنامهم تكسرت وقال عكرمة: ذا عذاب شديد ~~يعني: فتح مكة ويقال الجوع الشديد إذا هم فيه مبلسون أي آيسون من كل خير ~~ورزق. ### || [23.78-90] # قوله عز وجل: { وهو الذى أنشأ لكم السمع ~~والأبصر والأفئدة } فهذه الأشياء من النعم { قليلا ما ~~تشكرون } يعني: أنتم لا تشكرون ويقال شكركم فيما صنع إليكم قليل { ~~وهو الذى ذرأكم } يعني: خلقكم في الأرض { وإليه ~~تحشرون } في الآخرة { وهو الذى يحى ويميت } أي: يحيي ~~الموتى ويميت الأحياء { وله اختلف اليل والنهار } أي: ~~ذهاب الليل ومجيء النهار { أفلا تعقلون } أمر الله ويقال أفلا ~~تعقلون توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون ثم قال عز وجل: { بل ~~قالوا مثل ما قال الأولون } يعني: كذبوا مثل ما كذب ~~الأولون { قالوا أءذا متنا وكنا ترابا وعظما ~~أءنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا ~~من قبل } يعني: هذا القول { إن هذا } يعني: ما هذا { إلا ~~أسطير الأولين } يعني: أحاديثهم وكذبهم قوله ms1136 عز وجل: { قل } ~~لكفار مكة { لمن الأرض ومن فيها } من الخلق { إن كنتم ~~تعلمون } أن أحدا يفعل ذلك غير الله تعالى فأجيبوني { سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون } يعني: تتعظون فتطيعونه وتوحدونه { ~~قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ~~سيقولون لله } وكلهم قرؤا الأول بغير ألف وأما الآخر فإن كلهم ~~قرؤوا بغير ألف غير أبي عمرو فإنه قرأ الله والباقون لله قال أبو عبيد: ~~وجدت في مصحف الإمام كلها بغير ألف قال وحدثني عاصم الجحدري أن أول من ~~قرأ هاتين الألفين نصر بن عاصم الليثي فأما من قرأ الله فهو ظاهر لأنه ~~جواب السائل عما يسأل ومن قرأ لله فله مخرج في العربية سهل وهو ما حكى ~~الكسائي عن العرب أنه يقال للرجل من رب هذه الدار فيقول لفلان يعني هي ~~لفلان والمعنى في ذلك أنه إذا قيل من صاحب هذه الدار فكأنه يقول - لمن ~~هذه الدار وإذا قال المجيب هي لفلان أو قال فلان فهو جائز ولو كان الأول ~~الله لكان يجوز في اللغة ولكنه لم يقرأ والاختلاف في الآخرين ثم قال: { ~~قل أفلا تتقون } عبادة غير الله تعالى فتوحدونه قوله عز وجل: { ~~قل من بيده ملكوت كل شىء } يعني: خزائن كل شيء { وهو ~~يجير ولا يجار عليه } يعني: يقضي ولا يقضى عليه ويقال وهو ~~يؤمن من العذاب ولا يؤمن عليه أي ليس له أحد يؤمن الكفار من عذابه { إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون } ~~يعني: من الذين تصرفون عن الإسلام وعن الحق ثم قال عز وجل: { بل ~~أتينهم بالحق } قال الكلبي: يعني القرآن وقال مقاتل: يعني ~~جئناهم بالتوحيد { وإنهم لكذبون } في قولهم إن الملائكة ~~عليهم السلام كذا وكذا ثم قال: { حتى إذا جآء... } ### || [23.91-98] # { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله } ~~أي من شريك { إذا لذهب } يعني: لو كان معه آلهة لذهب { كل ~~إله بما خلق } يعني؛ لاستولى كل إله بما خلق وجمع لنفسه كلما ~~خلق { ولعلا بعضهم على بعض } يعني: ولغلب بعضهم ms1137 على بعض { ~~سبحن الله عما يصفون } من الكذب قوله عز وجل: { علم ~~الغيب والشهدة } يعني: عالم السر والعلانية ويقال عالم بما ~~مضى وما هو كائن { فتعلى الله عما يشركون } يعني: هو ~~أجل وأعلى مما يوصف له من الشريك والولد قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ~~عامر وعاصم في رواية حفص (عالم الغيب) بكسر الميم على معنى النعت ~~لقوله: { سبحن الله } وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء ~~قوله: { قل رب إما ترينى ما يوعدون } من العذاب وما صلة ~~ويقال إن أريتني عذابهم { رب فلا تجعلنى فى القوم ~~الظلمين } يعني: أخرجني منهم قبل أن تعذبهم فلا تعذبني معهم ~~بذنوبهم { وإنا على أن نريك ما نعدهم } من العذاب { ~~لقدرون } قال الكلبي: هذا أمر قد كان بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - شهده أصحابه وقد مضى بعد الفتنة التي وقعت في الصحابة بعد ~~قتل عثمان رضي الله عنه وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير بعد ~~نزول هذه الآية ضاحكا ولا مبتسما وقال مقاتل (وإنا على أن ~~نريك ما نعدهم لقادرون) يعني: يوم بدر ويقال يوم فتح مكة ~~ويقال قل رب إما تريني ما يوعدون يعني الفتنة { رب فلا تجعلنى ~~فى القوم الظلمين } يعني: مع الفئة الباغية وهذا كقوله # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة # [الأنفال: 25] وذكر عن الزبير أنه كان إذا قرأ هذه الآية يقول قد حذرنا ~~الله فلم نحذر ثم قال عز وجل { ادفع بالتى هى أحسن ~~السيئة } يعني ادفع بحلمك جهلهم ويقال بالكلام الحسن الكلام القبيح ~~ويقال: ادفع بقول لا إله إلا الله الشرك من أهل مكة ثم قال: { نحن ~~أعلم بما يصفون } يعني: بما يقولون من الكذب (ويقال معناه نحن ~~أعلم بما يقولون) فلا تعجل أنت أيضا { وقل رب أعوذ بك من ~~همزات الشيطين } يعني: أعتصم بك من نزغات الشيطان وضرياته ~~ووساوسه ثم قال: { وأعوذ بك رب أن يحضرون } يعني قل رب ~~أعوذ بك من قبل أن يحضرون الشياطين عند تلاوة القرآن ويقال يحضرون عند ms1138 ~~الموت ويقال عند الصلاة وأصله أن يحضرونني إلا أنه يكتب يحضرون بحذف إحدى ~~النونين للتخفيف. ### || [23.99-111] # قوله عز وجل: { حتى إذا جاء أحدهم الموت } يعني: أمهلهم ~~وأجلهم حتى إذا حضر أحدهم الموت وهم الكفار { قال رب ارجعون } ~~يعني: يقول لملك الموت وأعوانه يا سيدي ردني ويقال: يدعو الله تعالى ~~ويقول يا رب ارجعون ويقال إنما قال بلفظ الجماعة لأن العرب تخاطب جليل ~~الشأن بلفظ الجماعة ويقال معناه يا رب مرهم ليرجعوني إلى الدنيا { ~~لعلى أعمل صلحا } يعني: خالصا { فيما تركت } في ~~الدنيا قال الله تعالى { كلا } وهو رد عليهم يعني أنه لا يرد إلى ~~الدنيا ثم قال { إنها كلمة هو قائلها } يعني: مقولها ولا ~~تنفعه ثم قال: { ومن ورائهم برزخ } يعني: من بعدهم القبر { ~~إلى يوم يبعثون } أي: والبرزخ ما بين الدنيا والآخرة ويقال: ~~كل حاجز بين الشيئين فهو برزخ ويقال هو بين النفختين وقال قتادة البرزخ ~~بقية الدنيا وقال الحسن: القبر بين الدنيا والآخرة قوله عز وجل: { ~~فإذا نفخ فى الصور } يعني: النفخة الأخيرة { فلا أنسب ~~بينهم } يعني: لا ينفعهم { يومئذ } النسب { ولا ~~يتساءلون } عن ذلك فهذه حالات لا يتساءلون في موضع ويتساءلون في ~~موضع آخر { فمن ثقلت موزينه } يعني: رجحت حسناته على سيئاته { ~~فأولئك هم المفلحون } يعني: الناجون من الآخرة { ومن ~~خفت موزينه } يعني رجحت سيئاته على حسناته { فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم فى جهنم خلدون تلفح ~~وجوههم النار } يعني: تنفح قال أهل اللغة: النفح واللفح بمعنى ~~واحد إلا أن اللفح أشد تأثيرا وهو الدفع يعني تضرب وجوههم النار { ~~وهم فيها } يعني في النار { كلحون } يعني: كلحت وعبست وجوههم ~~والكلح الذي قد قلصت شفتاه عن أسنانه ونحو ما ترى من رؤوس الغنم مشوبة ~~إذا بدت الأسنان يعني كلحت وجوههم فلم تلتق شفاههم وقال ابن مسعود كالرأس ~~النضوج ثم قال { ألم تكن } يعني يقال لهم ألم تكن { آياتي ~~تتلى عليكم } يعني ألم يكن يقرأ عليكم القرآن فيه بيان هذا ~~اليوم وما هو كائن فيه { فكنتم بها تكذبون } يعني بالآيات ~~قوله ms1139 عز وجل { قالوا } يعني إن الكفار قالوا { ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا } التي كتبت علينا (والتي قدرت علينا) في اللوح ~~المحفوظ { وكنا قوما ضالين } عن الهدى قرأ حمزة والكسائي ~~شقاوتنا بنصب الشين والألف وقرأ الباقون شقوتنا بكسر الشين وسكون القاف ~~بغير ألف وروي عن ابن مسعود شقاوتنا وشقوتنا ومعناهما قريب { ربنا ~~أخرجنا منها } يعني: من النار { فإن عدنا } إلى الكفر ~~والتكذيب { فإنا ظلمون قال } أي: فحينئذ يقول الله تعالى { ~~اخسئوا فيها } يعني: اصغروا فيها واسكتوا أي: كونوا صاغرين { ولا ~~تكلمون } أي: ولا تكلمون بعد ذلك قال أبو الليث رحمه الله، حدثنا ~~محمد بن الفضل قال: حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا إبراهيم بن يوسف قال ~~حدثنا أبو حفص عن سعيد عن قتادة عن أبي أيوب الأزدي عن عبد الله بن عمرو ~~بن العاص قال: إن أهل النار يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد ~~عليهم إنكم ماكثون ثم يدعون ربهم ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ~~فلا يجيبهم مقدار ما كانت الدنيا مرتين ثم يجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلمون ~~فوالله ما نبت بعد هذا بكلمة إلا الزفير والشهيق وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: لما قال الله تعالى: اخسئوا فيها ولا تكلمون فإنما بقت أفواههم ~~وانكسرت ألسنتهم فمن الأجواف يعوون عواء الكلب ويقال اخسئوا أي: تباعدوا ~~تباعد سخط يقال خسأت الكلب إذا زجرته ليتباعد ثم بين لهم السبب الذي ~~استحقوا تلك العقوبة به فقال { إنه كان فريق من عبادى ~~يقولون } وهم المؤمنون { ربنا ءامنا } أي: صدقنا { فاغفر ~~لنا وارحمنا وأنت خير الرحمين } قوله عز وجل { ~~فاتخذتموهم سخريا } يعني هزوا { حتى أنسوكم ~~ذكرى } يعني: أنساكم الهزء بهم العمل بطاعتي { وكنتم منهم ~~تضحكون } في الدنيا قرأ عاصم وابن عامر وابن كثير وأبو عمرو ~~(سخريا) بكسر السين وكذلك في سورة ص وكانوا يقرؤون في الزخرف بالرفع ~~قالوا لأن في هذين الموضعين من الاستهزاء وهناك في الزخرف من السخرة ~~والعبودية فما كان من الاستهزاء فهو بالكسر وما كان من التسخير فهو بالضم ~~وقرأ ms1140 حمزة والكسائي ونافع (سخريا) كل ذلك بالضم وقال أبو عبيد: هكذا ~~نقرأ لأنهن يرجعن إلى معنى واحد وهما لغتان سخري وسخري وذكر عن ~~الخليل وعن سيبويه أن كلاهما واحد قوله عز وجل: { إنى جزيتهم ~~اليوم بما صبروا } يعني: جعلت جزاءهم الجنة وهم المؤمنون بما ~~صبروا يعني بصبرهم على الأذى وعلى أمر الله تعالى { أنهم هم ~~الفائزون } يعني: الناجون قرأ حمزة والكسائي إنهم بكسر الألف على ~~معنى الابتداء والمعنى إني جزيتهم ثم أخبر فقال إنهم هم الفائزون وقال ~~أبو عبيد: وقرأ الباقون أنهم بالنصب أني جزيتهم لأنهم هم الفائزون ~~وقال أبو عبيد: الكسر أحب إلى علي ابتداء المدح من الله تعالى. ### || [23.112-118] # قوله عز وجل: { قل كم لبثتم فى الأرض عدد سنين } ~~يعني: في القبر ويقال في الدنيا ويروى عن ابن عباس في بعض الروايات أنه ~~قال لا أدري في الأرض أم في القبر وقال مقاتل: كم لبثتم في ~~القبر عدد سنين { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~فاسأل العادين } قال الأعمش: يعني الحافظين وقال مقاتل: يعني ملك ~~الموت وأعوانه وقال قتادة: يعني فاسأل الحساب وقال مجاهد: يعني الملائكة ~~عليهم السلام وهكذا قال السدي: { قال إن لبثتم } في القبر أو في ~~الدنيا { إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون } يعني: ~~لو كنتم تصدقون أنبيائي عليهم السلام في الدنيا لعرفتم أنكم ما مكثتم في ~~القبور إلا قليلا قرأ حمزة والكسائي وابن كثير قل كم لبثتم على معنى ~~الأمر وكذلك قوله قل إن لبثتم وقرأ الباقون (قال) بالألف وقرأ حمزة ~~والكسائي (فاسال العادين بغير همز وقرأ الباقون فاسأل بالهمزة ثم قال: { ~~أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا } أي: لعبا وباطلا ~~لغير شيء يعني: أظننتم أنكم لا تعذبون بما فعلتم { وأنكم إلينا ~~لا ترجعون } بعد الموت قرأ حمزة والكسائي لا ترجعون بنصب التاء ~~وكسر الجيم وقرأ الباقون بضم التاء ونصب الجيم وكذلك التي في القصص ~~قالوا: لأنها من مرجع الآخرة وما كان من مرجع الدنيا فقد اتفقوا في فتحه ~~مثل قوله: # ولا إلى أهلهم يرجعون # [يس: 50] قال ms1141 أبو عبيد: وبالفتح نقرأ لأنهم اتفقوا في قوله تعالى: # أنهم لا يرجعون # [الأنبياء: 95] وقال إنهم لا يرجعون # وقال إنهم إلى ربهم رجعون # [المؤمنون: 60] كقوله # إنا لله وإنآ إليه رجعون # [البقرة: 156] فأضاف الفعل إليهم ثم قال عز وجل: { فتعلى الله ~~الملك الحق } يقول ارتفع وتعظم من أن يكون خلق شيئا عبثا وإنما ~~خلق لأمر كائن ثم وحد نفسه فقال: { لا إله إلا هو رب ~~العرش الكريم } يعني: السرير الحسن قوله عز وجل { ومن يدع ~~مع الله إلها ءاخر لا برهان له به } يقول لا حجة له ~~بالكفر ولا عذر يوم القيامة { فإنما حسابه عند ربه } في ~~الآخرة يعني عذابه { إنه لا يفلح الكفرون } يعني: لا ~~يأمن الكافرون من عذابه ويقال: معناه جزاء كل كافر أنه لا يفلح الكافرون ~~في الآخرة عند ربهم قوله عز وجل: { وقل رب اغفر وارحم } ~~يعني: تجاوز عني { وأنت خير الرحمين } يعني: من الأبوين وهذا ~~قول الحسن ويقال من غيرك ويقال: إنما حسابه عند ربه فيجازيه كما قال: # ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 26] وقل رب اغفر وارحم فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~يستغفر للمؤمنين ويسأل لهم المغفرة ويقال: أمره بأن يستغفر لنفسه ليعلم ~~غيره أنه محتاج إلى الاستغفار كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " إني أستغفر الله ربي وأتوب إلى الله في كل يوم سبعين مرة أو قال مائة ~~مرة " # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1-2] # قوله سبحانه وتعالى: { سورة أنزلنها } قرأ بعضهم (سورة) ~~بنصب الهاء وقراءة العامة بالضم فمن قرأ بالضم فمعناه هذه سورة أنزلناها ~~ومن قرأ بالنصب فمعناه: أنزلنا سورة ويقال اقرأ سورة وقد قرئت سؤرة ~~بالهمزة وبغير همز فمن قرأ بالهمز جعلها من أسأرت يعني: أفضلت كأنها قطعة ~~من القرآن ومن لم يهمز جعلها من سور المدينة (سورا) وقال النابغة ~~للنعمان ابن المنذر: # ألم تر أن الله أعطاك سورة # ترى كل ملك دونها يتذبذب # وإنما خص هذه السورة بذكر السورة لما فيها من الأحكام فذلك كله ms1142 يرجع إلى ~~أمر واحد وهو أمر النساء ثم قال تعالى: { وفرضنها } يعني: بينا ~~حلالها وحرامها وقال القتبي: أصل الفريضة الوجوب وها هنا يجوز أن يكون ~~بمعنى بيناها وقد يجوز أوجبنا العمل بما فيها وقال بعض أهل اللغة: أصل ~~الفرض هو القطع ولهذا سمي ما يقطع من حافة النهر فرضة ويسمى الموضع الذي ~~يقطع من السواك أي ليشد فيه الخيط فرض ولهذا يسمى الميراث فريضة لأن كل ~~واحد قطع له نصيب معلوم قرأ ابن كثير وأبو عمرو (وفرضناها) بتشديد ~~الراء وقرأ الباقون بالتخفيف فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه ألزمناكم العمل ~~بما فرض ومن قرأ بالتشديد فهو على وجهين أحدهما على معنى التكثير أي إنا ~~فرضنا فيها فروضا ومعنى آخر وبينا وفصلنا فيها من الحلال والحرام ثم ~~قال: { وأنزلنا فيها } يعني في السورة { آيات بينات } ~~يعني: الحدود والفرائض والأمر والنهي ويقال: الآيات يعني العلامات ~~والعبرات ويقال: يعني آيات القرآن { لعلكم تذكرون } يعني: ~~تتعظون فلا تعطلون الأحكام والحدود قوله عز وجل: { الزانية ~~والزانى } وقرأ بعضهم: (الزانية) بالنصب على معنى اجلدوا الزانية ~~والزاني وهكذا السارق والسارقة بالنصب على هذا المعنى ويقال: في الزنا ~~بدأ بذكر المرأة لأن الزنا في النساء أكثر وفي السرقة بدأ بالرجال لأن ~~السرقة في الرجال أكثر وقراءة العامة بالرفع على معنى الابتداء وقيل: ~~إنما بدأ بالمرأة لأنها أحرص على الزنا من الرجال ويقال لأن الفعل ينتهي ~~إليها ولا يكون إلا برضاها ثم قال: { فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة } يعني: إذا كانا غير محصنين { ولا ~~تأخذكم بهما رأفة فى دين الله } قرأ ابن كثير رآفة ~~بالهمزة والمد وقرأ أبو عمرو بالمد بغير همز وقرأ الباقون بالهمز بلا مد ~~ومعنى الكل واحد وهو الرحمة وقال بعضهم: الرأفة اسم جنس والرحمة إسم نوع ~~قال بعضهم الرأفة للمذنبين والرحمة للتائبين وهو قول سفيان الثوري وقال ~~بعضهم الرأفة تكون دفع المكروه والرحمة إيصال المحبوب يعني: لا يحملنكم ~~الشفقة عليهما على ترك الحد { إن كنتم تؤمنون بالله } يعني: ~~في دين الله أي: في حكم الله إن ms1143 كنتم تؤمنون بالله { واليوم الآخر ~~} يعني: يوم القيامة وإنما سمي اليوم الآخر لأنه لا يكون بعده ليل ولا ~~نهار فيصير كله بمنزلة يوم واحد وقد قيل: إنه تجتمع الأنوار كلها وتصير ~~في الجنة يوما واحدا وجمعت الظلمات كلها في النار وتصير كلها ليلة ~~واحدة ثم قال: { وليشهد عذابهما طائفة من ~~المؤمنين } يعني: ليحضر عند إقامة الحد طائفة من المؤمنين وفي حضور ~~الطائفة ثلاث فوائد أولها: أنهم يعتبرون بذلك ويبلغ الشاهد الغائب ~~والثانية: أن الإمام إذا إحتاج إلى الإعانة أعانوه والثالثة: لكي يستحي ~~المضروب فيكون زجرا له من العود إلى مثل ذلك الفعل وقال الزهري: الطائفة ~~ثلاثة فصاعدا وذكر عن أنس بن مالك أنه قال: أربعة فصاعدا لأن الشهادة ~~على الزنا لا تكون أقل من أربعة وقال بعضهم: اثنان فصاعدا وقال بعضهم: ~~الواحد فصاعدا وهو قول أهل العراق وهو استحباب وليس بواجب وروي عن ابن ~~عباس أنه قال رجلان وعن مجاهد قال: واحد فما فوقه طائفة وروي عن ابن عباس ~~مثله. ### || [24.3-5] # قوله عز وجل: { الزانى لا ينكح إلا زانية } روي عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا يقال له مرثد بن أبي مرثد قال للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أأنكح عناقا يعني امرأة بغية كانت بمكة قال: فسكت ~~عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت هذه الآية { الزانى ~~لا ينكح إلا زانية } { أو مشركة } فقال: # " يا مرثد لا تنكحها " # وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ليس هو على النكاح ولكنه الجماع ~~ويقال إن أصحاب الصفة استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن ~~يتزوجوا الزواني وكانت لهن رايات كعلامة البيطار ليعرف أنها زانية ~~وقالوا لنا في تزويجهن مراد فأذن لنا فإنهن أخصب أهل المدينة وأكثرهم ~~خيرا والمدينة غالية السعر وقد أصابنا الجهد فإذا جاءنا الله تعالى ~~بالخير طلقناهن وتزوجنا المسلمات فنزلت الآية الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة وقال سعيد بن جبير والضحاك: الزاني لا ينكح إلا زانية أي لا ~~يزني حين ms1144 يزني إلا بزانية مثله في الزنا والزانية لا تزني إلا بزان مثلها ~~في الزنا { والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ~~وحرم ذلك على المؤمنين } يعني: الزنا وقال الحسن البصري: ~~الزاني المجلود بالزنا لا ينكح إلا زانية مجلودة مثله في الزنا وروي عن ~~علي بن أبي طالب أن مجلودا تزوج امرأة غير مجلودة ففرق بينهما ويقال: ~~أراد به النكاح لا ينكح يعني لا يتزوج وكان التزويج حراما بهذه الآية ثم ~~نسخ بما روي أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن امرأتي لا ~~ترد يد لامس فقال: طلقها، قال: إني أحبها، فقال: أمسكها وقال سعيد بن ~~المسيب الزاني لا ينكح إلا زانية كانوا يرون الآية التي بعدها نسختها # وأنكحوا الأيمى منكم # [النور: 32] الآية ثم قال عز وجل: { والذين يرمون ~~المحصنت } يعني: يقذفون العفائف من النساء الحرائر المسلمات { ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } على صدق مقالتهم { ~~فاجلدوهم } يقول: للحكام ويقال هذا الخطاب لجميع المسلمين ثم إن ~~المسلمين فوضوا الأمر إلى الإمام وإلى القاضي ليقيم عليهم الحد { ~~ثمانين جلدة } يعني: ثمانين سوطا { ولا تقبلوا لهم ~~شهادة أبدا } أي: لا تقبلوا لهم شهادة بعد إقامة الحد عليهم { ~~وأولئك هم الفسقون } يعني: العاصين قال عز وجل: { ~~إلا الذين تابوا من بعد ذلك } يعني: القذف { ~~وأصلحوا } يعني: العمل بعد التوبة { فإن الله غفور } ~~لذنوبهم بعد التوبة { رحيم } بهم بعد التوبة وقال شريح: يقبل توبته ~~فيما بينه وبين الله تعالى فأما شهادته فلا تقبل أبدا وقال إبراهيم ~~النخعي رحمه الله: إذا تاب ذهب عنه الفسق ولا تقبل شهادته أبدا وروي عن ~~ابن عباس أنه قال (إلا الذين تابوا) تاب الله عليهم من الفسق ~~وأما الشهادة فلا تقبل أبدا وهكذا عن سعيد بن جبير ومجاهد وروي عن جماعة ~~من التابعين أن شهادته تقبل إذا تاب مثل عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب ~~والشعبي وغيرهم وهو قول أهل المدينة والأول قول أهل العراق وبه نأخذ. ### || [24.6-10] # ثم قوله عز وجل: { والذين يرمون أزوجهم } يعني: يقذفون ~~أزواجهم بالزنا قال ms1145 أبو الليث: حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا أبو الحسن علي ~~بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا يزيد بن هارون عن عباد بن ~~منصور عن عكرمة عن ابن عباس (عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) قال: # " لما نزل والذين يرمون المحصنات الآية قال مسعد بن عبادة وهو سيد ~~الأنصار أهكذا أنزلت يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «يا ~~معشر الأنصار لا تسمعون إلى ما يقول سيدكم " # فقال سعد والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وإنها من الله تعالى ~~ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى ~~آتي بأربعة شهداء فوالله إني لا آتي بأربعة شهداء حتى يقضي حاجته قال فما ~~لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم ~~فجاء من أرضه عشاء فوجد عند امرأته رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم ينجه ~~حتى أصبح فغدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: ~~إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ما جاء به واشتد عليه واجتمعت الأنصار فقالوا قد ~~ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- هلال ابن أمية ويبطل شهادته في المسلمين فقال هلال والله إني لأرجو أن ~~يجعل الله لي مخرجا فوالله إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليريد أن ~~يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فعرفوا بذلك في تربد وجهه فأمسكوا عنه حتى ~~فرغ من الوحي فنزل والذين يرمون أزواجهم { ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم } فسري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: # " أبشر يا هلال فقد جعل الله لك مخرجا " # فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي فأرسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد ~~من عذاب الدنيا فقال هلال: والله يا ms1146 رسول الله لقد صدقت عليهما فقالت كذب ~~علي فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " لاعنوا بينهما " # فقيل لهلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كانت ~~الخامسة قيل يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن ~~هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب قال والله لا يعذبني الله عليها كما ~~لم يجلدني عليها فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ~~قيل لها إشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فلما كانت ~~الخامسة قيل لها اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وان هذه ~~الموجبة التي توجب عليك العذاب فمكثت ساعة ثم قالت والله لا أفضح قومي ~~فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بينهما وقضى أن لا يدعي ولدها لأب وقال إن جاءت به ~~أصيهب أريسج أثيبج خمش الساقين فهو لهلال وإن جاءت به أورق جعدا جماليا ~~خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو للذي رميت به فجاءت به أورق جعدا ~~جماليا خدلج الساقين سابغ الإليتين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " لولا الايمان لكان لي ولها شأن " # ، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرا على مصر ولا يدعي لأب وروى بن شهاب عن ~~سهل بن سعد الساعدي أن عويمر العجلاني أتى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: يا رسول الله أرأيت إن وجد الرجل مع امرأته رجلا إن قتله ~~قتلتموه أو كيف يفعل قال: # " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فأت بها " # فتلاعنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما فرغا قال: كذبت ~~عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا فطلقها ثلاثا قبل أن ~~يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن شهاب: تلك سنة المتلاعنين ~~وفي رواية أخرى أنه فرق بينهما وقال الزهري: صار ذلك سنة في المتلاعنين ~~فذلك قوله: { والذين يرمون أزوجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم } يعني: الزوج خاصة { فشهدة ms1147 ~~أحدهم أربع شهدات بالله إنه لمن ~~الصدقين } أي: يحلف الزوج أربع مرات فيقول (في كل مرة) أشهد بالله ~~الذي لا إله إلا هو أني صادق فيما رميتها به من الزنا { والخامسة } ~~يعني: ويقول في المرة الخامسة { أن لعنة الله عليه ~~إن كان من الكذبين } فيما رماها به من الزنا قوله: { ~~ويدرؤا عنها العذاب } يعني: يدفع الحاكم الحد عن المرأة { ~~أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكذبين } يعني: بعد ما تحلف المرأة أربع مرات فتقول في كل مرة ~~أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن الزوج من الكاذبين في قوله: { ~~والخامسة } يعني: وتقول المرأة في الخامسة { أن غضب الله ~~عليها إن كان } الزوج { من الصدقين } في مقالته قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص أربع شهادات بضم العين وقرأ الباقون بالنصب ~~فمن قرأ بالضم يكون على معنى خبر الابتداء فشهادة أحدهم التي تدرؤ حد ~~القذف أربع شهادات ومن (قرأ بالنصب فالمعنى فعليهم أن يشهد أحدهم أربع ~~شهادات) قال أبو عبيد: وبهذا نقرأ ومعناه فشهادة أحدهم أن يشهد أربع ~~شهادات فيكون الجواب في قوله إنه لمن الصادقين وقرأ عاصم أن لعنة الله ~~بتخفيف أن والجزم وقرأ الباقون بالتشديد وقرأ عاصم في رواية حفص ~~(والخامسة أن غضب الله عليها) بالنصب وقرأ الباقون بالرفع فإذا فرغا من ~~اللعان فرق القاضي بينهما (وقال بعضهم: بعد اللعان وهو قول الشافعي رحمه ~~الله أوفى قول علمائنا رحمهم الله لا تقع الفرقة ما لم يفرق بينهما ثم ~~قال عز وجل): { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ~~وجوابه: مضمر ومعناه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لبين لكم الصادق من ~~الكاذب ويقال ولولا فضل الله عليكم ورحمته لنال الكاذب منكم بما ذكرناه ~~من عذاب عظيم ثم قال: { وإن الله تواب حكيم } يعني: تواب ~~لمن تاب ورجع حكيم بينهما بالملاعنة. ### || [24.11] # قوله عز وجل: { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } ~~يعني: قالوا بالكذب وقال الأخفش الإفك أسوأ الكذب وهذه الآية نزلت ببراءة ~~عائشة رضي الله عنها قال الفقيه أبو الليث ms1148 رحمه الله: أخبرني الثقة ~~بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج في سفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها ~~خرج بها معه قالت فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك بعد ما نزلت آية الحجاب وكان ذلك ~~في غزوة بني المصطلق قالت: فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه في مسيرنا حتى ~~إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته وقفل ودنونا من ~~المدينة أذن ليلة بالرحيل فقمت ومشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني ~~أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت ~~فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فحملوا ~~هودجي ورحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت: وكان ~~النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهن ولم يفشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من ~~الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثة ~~السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم ~~وليس بها داع ولا مجيب قالت: فجلست مكاني فظننت أن القوم سيفقدوني ~~فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي إذ غلبني النوم فنمت وقد كان ~~صفوان بن المعطل السلمي يمكث في المعسكر إذا ارتحل الناس يتبع ما يقع من ~~الناس من أمتعتهم فيحمله إلى المنزل الآخر فيعرفه فتجيء الناس ويأخذون ~~أمتعتهم وكان لا يكاد يذهب من العسكر شيء فأصبح صفوان عند منزلي فرأى ~~سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب على ~~الحجاب فاسترجع فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ~~ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فركبتها ~~فانطلق بي يقود بي الراحلة قالت: وكان عبد الله بن أبي إذا نزل في ~~العسكر نزل في أقصى العسكر فيجتمع إليه ناس فيحدثهم ويتحدثون قالت: وكان ~~معه في مجلسه يومئذ ms1149 حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة فافتقد الناس عائشة حين ~~نزلوا صحوة وهاج الناس في ذكرها أن عائشة قد فقدت (ودخل علي بن أبي طالب ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أن عائشة قد فقدت) فبينما الناس ~~كذلك إذ دنا صفوان بن المعطل فتكلم عبد الله بن أبي بما تكلم وحسان بن ~~ثابت وسائرهم وأفشوه في العسكر وخاض أهل العسكر فيه فجعل يرويه بعضهم من ~~بعض ويحدث بعضهم بعضا قالت: وقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك ويريبني في ~~وجعي أني لا أعرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت ~~أرى منه حين أشتكي إنما يدخل ويسلم ثم يقول # " كيف تيكم " # فذلك يريبني ولا أشعر بالسر فلما رأيت ذلك قلت يا رسول الله لو أذنت ~~لي فانقلبت إلى أبوي يمرضاني قال: # " لا بأس عليك " # وإنما قلت ذلك لما رأيت من جفائه قالت: فانقلبت إلى أمي ولا علم لي بشيء ~~مما كان حتى قمت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة قالت: وكانوا لا يتخذون ~~الكنف في بيوتهم إنما كانوا يذهبون في فسح المدينة قالت: فخرجت في بعض ~~الليل ومعي أم مسطح حتى فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح ~~فقلت لها: بئس ما صنعت تسبين رجلا وقد شهد بدرا فقالت: أولم تسمعي ما ~~قال: قلت: وماذا قال قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى ~~مرضي وأخذتني الحمى مكاني فرجعت أبكي ثم قلت لأمي: يغفر الله لك تحدث ~~الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي منه شيئا فقالت: هوني عليك فوالله ~~لقل ما كانت امرأة قط رضية عند رجل يحبها ولها ضرائر لأكثرت عليها قالت: ~~فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ~~ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ~~رضي الله عنهما حيت استلبث الوحي يستشيرهما في فراق ms1150 أهله فأما علي بن أبي ~~طالب فقال: لم يضيق الله عليك والنساء كثير فاستبدل وأما أسامة بن زيد ~~فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه من الود فقال: ~~يا رسول الله ما علمت منها إلا خيرا فلا تعجل وانظر واسأل أهلك قال: ~~فسأل حفصة بنت عمر عنها فقالت: يا رسول الله ما رأيت عليها سوءا قط وسأل ~~زينب بنت جحش فقالت: مثل ذلك وسأل بريرة فقال: # " أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة " # قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه ~~عليها غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله ~~قالت: فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل علي وعندي أبواي ~~فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: # " يا عائشة لقد بلغك ما يقول الناس فإن كان ما يكون منك زلة ما يكون من ~~الناس فتوبي إلى الله تعالى فإن الله يقبل التوبة عن عباده فإن العبد إذا ~~اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " # فانتظرت أبواي أن يجيبا عني فلم يفعلا فقلت: يا أبت أجبه فقال ماذا أقول ~~فقلت: يا أماه أجيبيه فقالت: ماذا أقول ثم استعبرت فبكيت فقلت: لا والله ~~لا أتوب مما ذكروني به وإني لأعلم أنني لو أقررت بما يقول الناس لقلت ~~وأنا منه بريئة ولا أقول فيما لم يكن حقا ولئن أنكرت فلا تصدقني قالت: ~~ثم أنسيت اسم يعقوب فلم أذكره فقلت ولكني أقول كما قال العبد الصالح أبو ~~يوسف # فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون # [يوسف: 18] قالت: فوالله ما برح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~تغشاه من الله ما كان يغشاه قالت: أنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن ~~الله عز وجل يبرئني ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل الله في شأني وحيا ~~يتلى ولساني كان أحقر من أن يتكلم الله في بقرآن يقرأ به في المساجد ~~ولكنني كنت أرجو أن يرى ms1151 النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه شيئا ~~ببراءتي فلما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يضحك كان أول ~~كلمة تكلم بها أن قال: # " يا عائشة أبشري أما والله فقد برأك الله تعالى " # فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ~~تعالى هو الذي أنزل براءتي وفي رواية قالت: أحمد الله تعالى وأذمكم قالت: ~~فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد المنبر فحمد الله تعالى ~~وأثنى عليه ثم قال: # " يا أيها الناس من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي برجل ما ~~رأيت عليه سوءا قط ولا دخل على أهلي إلا وأنا معه " # فقام سعد بن معاذ فقال أخبرنا يا رسول الله من هو فإن يكن من الأوس ~~نقتله وإن يكن من الخزرج نرى فيه رأيا أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن ~~عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن حملته الحمية فقال: كلا ~~ولكنها عداوتك للخزرج قال فاستبا فقام أسيد بن حضير الأوسي وقال: يا ~~سعد بن عبادة أتقول هذا كلا والله ولكنك منافق تحب المنافقين فاستب حي ~~هذا وحي هذا فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللغط نزل وتركهم ~~وقد تلى عليهم ما أنزل الله عليه في أمر عائشة رضي الله عنها { إن ~~الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم } يعني: جماعة منكم وهو ما ~~قال عبد الله بن أبي وأصحابه ما برئت عائشة من صفوان وما برىء عنها صفوان ~~والعصبة عشرة فما فوقها كما قال الكلبي { لا تحسبوه شرا لكم ~~} يعني: عائشة ومن كان ينسبها والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر { ~~بل هو خير لكم } لأنه لو لم يكن قولهم لم يظهر فضل عائشة رضي ~~الله عنها وإنما ظهر فضل عائشة بما صبرت على المحنة فنزل بسببها سبع عشرة ~~آية من القرآن من قوله { إن الذين جاءوا بالإفك } إلى قوله: { ~~لهم مغفرة ورزق كريم } ووجه آخر بل هو خير لكم لأنه يؤخذ ~~من حسناته ms1152 ويوضع في ميزانه يعني: عائشة وصفوان وهذا خير له ثم قال: { ~~لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم } يعني: لكل واحد ~~منهم العقوبة بمقدار ما شرع في ذلك الأمر لأن بعضهم قد تكلم بذلك وبعضهم ~~ضحك وبعضهم سكت فكل واحد منهم ما اكتسب من الإثم بقدر ذلك { والذى ~~تولى كبره } يعني: الذي تكلم بالقذف { منهم له عذاب ~~عظيم } يعني: الحد في الدنيا فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الحد ~~عليهم وكان حميد يقرأ والذي تولى كبره بضم الكاف يعني: عظمه ~~قال أبو عبيد: والقراءة عندنا بالكسر وإنما الكبر في النسب وفي الولاء. ### || [24.12-15] # ثم قال عز وجل: { لولا إذ سمعتموه } يعني: هلا إذ سمعتم قذف ~~عائشة وصفوان { ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم ~~خيرا } يعني: هلا ظننتم به كظنكم بأنفسكم ويقال ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم كظن المؤمنين والمؤمنات بأمثالهم وبأهل دينهم خيرا ويقال يعني: ~~هلا ظننتم كما ظن المؤمنون والمؤمنات { وقالوا هذا إفك ~~مبين } يعني: هلا قلتم حين بلغكم هذا الكذب هذا كذب بين وعلمتم أن ~~أمكم لا تفعل ذلك { لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء } ~~يعني: هلا جاءوا بها { فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكذبون } في قولهم اللفظ لفظ ~~الماضي والمراد به المستقبل يعني اطلبوا منهم أربعة شهداء فإن لم يأتوا ~~بها فأقم عليهم الحد ثم قال عز وجل: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته } يعني: منته ونعمته عليكم { فى الدنيا ~~والأخرة لمسكم } يعني: أصابكم { فيما أفضتم فيه } ~~يعني: فيما قلتم من القذف { عذاب عظيم } في الدنيا والآخرة على وجه ~~التقديم قوله عز وجل: { إذ تلقونه بألسنتكم } أي يرويه ~~بعضكم من بعض ويتلقاه بعضكم من بعض وقرىء (إذ تلقونه) بكسر اللام وضم ~~القاف والتخفيف أي: تكذبون بألسنتكم ويقال: معناه تسرعون إلى الكذب يقال ~~ولق يلق إذا أسرع إلى الكذب وروى ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها ~~أنها كانت تقرأ (إذ تلقونه) بكسر اللام وقال ابن أبي مليكة هي أعلم ~~لأن الآية نزلت فيها وروي عن أبي بن كعب ms1153 أنه كان يقرأ إذ يتلقونه وقال ~~أبو عبيد: لولا قراءة أبي وكراهة الخلاف على الناس ما كان أحد أولى أن ~~يتبع فيها من عائشة كما احتج ابن أبي مليكة ثم قال تعالى: { وتقولون ~~بأفوهكم ما ليس لكم به علم } من الفرية { ~~وتحسبونه هينا } أي: تحسبون عقوبته هينة { وهو عند ~~الله عظيم } في الوزر والعقوبة. ### || [24.16-20] # قوله تعالى: { ولولا إذ سمعتموه } يعني: وهلا إذ سمعتم القذف ~~{ قلتم ما يكون لنا } يعني: ما ينبغي لنا ولا يجوز لنا { أن ~~نتكلم بهذا سبحنك هذا بهتن عظيم } وفي ~~هذا بيان فضل عائشة رضي الله عنها حيث نزهها الله باللفظ الذي نزه به ~~نفسه وهو لفظ سبحان الله ويقال: سبحان الله أن تكون امرأة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - زانية ما كانت امرأة نبي زانية قط ثم وعظ الذين يخوضون ~~في أمر عائشة فقال عز وجل: { يعظكم الله } يعني: ينهاكم الله عز ~~وجل: { أن تعودوا لمثله أبدا } يعني: القذف { إن كنتم ~~مؤمنين } يعني: مصدقين بالله وبرسوله عليه السلام وباليوم الآخر { ~~ويبين الله لكم الايت } يعني: الأمر والنهي { والله ~~عليم حكيم } ونزل في عبد الله بن أبي وأصحابه { إن الذين ~~يحبون أن تشيع الفحشة } يعني: يظهر الزنا ويفشو ويقال: ~~تحبوا ما شاع لعائشة رضي الله عنها من الثناء السيء { في الذين ~~آمنوا } يعني: عائشة وصفوان { لهم عذاب أليم فى الدنيا ~~} الحد { والآخرة } النار إن لم يتوبوا { والله } تعالى { ~~يعلم } أنهما لم يزنيا { وأنتم لا تعلمون } ذلك منهما ثم ~~قال عز وجل: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ~~وجوابه مضمر يعني: لولا من الله عليكم ونعمته لعاقبكم فيما قلتم في أمر ~~عائشة وصفوان { وأن الله رءوف رحيم } حيث لم يعجل بالعقوبة. ### || [24.21-22] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تتبعوا ~~خطوت الشيطن } يعني: (لا تتبعوا) تزيين الشيطان ووساوسه بقذف ~~المؤمنين والمؤمنات { ومن يتبع خطوت الشيطن } وفي ~~الآية مضمر ومعناه ومن يتبع خطوات الشيطان وقع في الفحشاء والمنكر { ~~فإنه } يعني: به الشيطان { يأمر بالفحشاء } يعني: المعاصي ~~{ والمنكر } ما لا ms1154 يعرف في شريعة ولا سنة وروي عن أبي مجلز قال: ~~خطوات الشيطان النذور في معصية الله تعالى فيه قال: { ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته ما زكى منكم } يعني: ما ظهر وما ~~صلح منكم { من أحد أبدا } يعني: أحدا ومن صلة { ولكن ~~الله يزكى } يعني: يوفق للتوحيد { من يشآء } ويقال: ما زكى أي ~~ما وحد ولكن الله يزكي أي يطهر { والله سميع } لمقالتهم { ~~عليم } بهم ثم قال عز وجل: { ولا يأتل } يعني: لا يحلف وهو ~~يفتعل من الألية وهي اليمين قرأ أبو جعفر المدني وزيد بن أسلم ولا يتأل ~~على معنى يتفعل ويقال: معناه ولا يدع أن ينفق ويتصدق وهو يتفعل من ألوت ~~أني أصنع كذا ويقال ما ألوت جهدي أي: ما تركت طاقتي وذلك أن أبا بكر كان ~~ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره فلما تكلم بما تكلم به حلف أبو بكر رضي ~~الله عنه أن لا ينفق عليه فنزلت هذه الآية ولا يأتل { أولو ~~الفضل منكم } في طاعة الله لأنه كان أفضل الناس بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - { منكم والسعة } يعني: السعة في المال وهذا ~~من مناقب أبي بكر رضي الله عنه حيث سماه الله أولو الفضل في الإسلام ~~ويقال: ولا يأتل يعني ولا يحلف أولو الفضل منكم يعني أولو الغنى والسعة ~~في المال والأول أشبه لكي لا يكون حمل الكلام على التكرار { أن ~~يؤتوا } أولي القربى يعني: لا يحلف أن لا يعطي ولا ينفق على { ~~أولى القربى } يعني: على ذوي القربى وهو مسطح { والمسكين ~~والمهجرين فى سبيل الله } وكان مسطح من فقراء المهاجرين ~~ومن أقرباء أبي بكر { وليعفوا وليصفحوا } يقول: ليتركوا ~~وليتجاوزوا { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فقال أبو ~~بكر: أنا أحب أن يغفر الله لي فقد تجاوزت عن قرابتي ويقال: إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر: # " ألا تحب أن يغفر الله لك؟ " # قال نعم فقرأ عليه هذه الآية وأمره بأن ينفق على مسطح وفي الآية دليل ~~على أن من حلف على ms1155 أمر فرأى الحنث أفضل منه فله أن يحنث ويكفر عن يمينه ~~ويكون له ثلاثة أجور أحدها ائتماره بأمر الله تعالى والثاني أجر بره وذلك ~~صلته في قرابته والثالث أجر التكفير ثم قال تعالى: { والله غفور ~~رحيم } يعني: غفور لذنوبكم رحيم بالمؤمنين. ### || [24.23-26] # قوله عز وجل: { إن الذين يرمون المحصنت } يعني: ~~العفائف { الغفلت } يعني: عن الزنا والفواحش { المؤمنت ~~} أي: المصدقات بالألسن والقلوب { لعنوا فى الدنيا والآخرة ~~} وأصل اللعنة هي الطرد والبعد ويقال للشيطان اللعين لبعده عن الرحمة ~~وروي في الخبر أن يوم القيامة تكون هذه الأمة شاهدة على الأمم الأولين ~~إلا الذين تجري على لسانهم اللعنة وروي # " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سمع رجلا يلعن بعيره فقال ~~أتلعنها وتركبها؟ " # فنزل عنها ولم يركبها أحد قوله تعالى: { ولهم عذاب عظيم } أي ~~شديد يوم القيامة وذكر أن حسان بن ثابت ذهب بصره في آخر عمره فدخل يوما ~~على عائشة فجلس عندها ساعة ثم خرج فقيل لها إن الله تعالى قال: { لهم ~~عذاب عظيم في الدنيا والآخرة } فقالت عائشة: أوليس هذا ~~أعظم يعني: ذهاب بصره ويقال عذاب عظيم إن لم يتوبوا { يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون } أي: بما تكلموا ثم قال: { يومئذ يوفيهم الله ~~دينهم الحق } يعني: يوفيهم جزاء أعمالهم قرأ حمزة والكسائي يشهد ~~بالياء بلفظ المذكر والباقون بالتاء بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم فيجوز ~~أن يذكر ويؤنث وقرأ مجاهد (الحق) بضم القاف فيكون الحق نعت لله وتكون ~~قراءة أبي بن كعب شاهدة له كأنه يقول يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم ~~وقراءة العامة الحق بالنصب وإنما يكون نصبا لنزع الخافض أي: يوفيهم الله ~~ثواب دينهم بالحق أي: بالعدل وجه أخر أن يكون الحق نعتا للدين ويكون ~~كقوله (حقا) ثم يدخل عليه الألف واللام قوله تعالى: { ويعلمون ~~أن الله هو الحق المبين } أي: عبادة الله هي الحق المبين ~~ويقال ما يعلمون أن ما قال الله هو الحق { الخبيثت للخبيثين ~~} قال الكلبي: الخبياث من الكلام للخبيثين من الرجال يعني ms1156 عبد الله بن ~~أبي { والخبيثون } من الرجال { للخبيثت } من الكلام على ~~معنى التكرار والتأكيد ويقال الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال مثل ~~عبد الله بن أبي تكون له زوجة خبيثة زانية وامرأة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا تكون زانية خبيثة ويقال: الخبيثات للخبيثين يعني: لا يتكلم ~~بكلام الخبيث إلا الخبيث ولا يليق إلا بالخبيث ويقال الكلمات الخبيثات ~~إنما تلتصق بالخبيثين من الرجال ثم قال: { والطيبت للطيبين ~~} يعني: الطيبات من الكلام للطيبين من الرجال ويقال الطيبات من النساء ~~للطيبين من الرجال { والطيبون للطيبت } على معنى التكرار ~~والتأكيد ثم قال: { أولئك مبرءون مما يقولون } يعني: ~~عائشة رضي الله عنها وصفوان مما يقولون من الفرية { لهم مغفرة } ~~لذنوبهم { ورزق كريم } يعني: رزقا في الجنة كثيرا ويقال كريم ~~يعني: حسن وذكر ابن عباس أنه دخل على عائشة رضي الله عنها في مرضها الذي ~~ماتت فيه فذكرت ما كان منها من الخروج في يوم الجمل وغيره فقال لها ابن ~~عباس أبشري فإن الله تعالى يقول { لهم مغفرة ورزق كريم } ~~والله تعالى ينجز وعده فسري بذلك عنها. ### || [24.27-29] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم } يعني: بيوتا ليست لكم حتى تستأنسوا يعني: حتى ~~تستأذنوا وروي عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس كان يقرأ حتى ~~تستأنسوا ويقال تستأذنوا خطأ من الكاتب وروي عن مجاهد عن ابن عباس أنه ~~قال أخطأ الكاتب في قوله حتى تستأنسوا، وقراءة العامة تستأنسوا وقال ~~القتبي الاستئناس أن تعلم من في الدار يقال استأنست فما رأيت أحدا أي ~~استعلمت وتعرفت ومنه قوله # فإن ءانستم منهم رشدا # [النساء: 6] أي علمتم وروي عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال جاءت ~~امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إني أكون في ~~بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد فيأتي الأب فيدخل فكيف ~~أصنع قال ارجعي فنزلت هذه الآية { يأيها الذين ءامنوا لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم } { حتى تستأنسوا } ~~قال ms1157 مجاهد؛ وهو التنحنح { وتسلموا على أهلها ذلكم ~~خير لكم } يعني: التسليم والاستئذان خير لكم من أن تدخلوا بغير ~~إذن وسلام { لعلكم تذكرون } أن التسليم والاستئذان خير لكم ~~قال عز وجل: { فإن لم تجدوا فيها أحدا } يعني: في البيوت ~~يأذن لكم في الدخول { فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } في ~~الدخول { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } ولا تقيموا على ~~أبواب الناس فلعل لهم حوائج { هو أزكى لكم } يعني: الرجوع أصلح ~~لكم من القيام والقعود على أبواب الناس { والله بما تعملون ~~عليم } إذا دخلتم بإذن أو بغير إذن ثم رخص لهم في البيوت على طريق ~~الناس مثل الرباطات والخانات وذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: ~~يا رسول الله فكيف بالبيوت التي بين الشام ومكة والمدينة التي على ظهر ~~الطريق ليس لها ساكن فنزل قوله عز وجل { ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة } مثل الخانات وبيوت السوق { ~~فيها متاع لكم } يعني: منافع لكم ويقال في الخربات التي يدخل ~~فيها لقضاء الحوائج فيها منفعة لكم ويقال في الخانات منفعة لكم من الحر ~~والبرد { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } من ~~التسليم والاستئذان. ### || [24.30-34] # قوله عز وجل: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم } ~~يعني: يكفوا أبصارهم ومن صلة في الكلام { ويحفظوا فروجهم } ~~عما لا يحل لهم وقال أبو العالية الرياحي: كلما ذكر حفظ الفرج في القرآن ~~أراد به الحفظ عن الزنا إلا ها هنا فإن المراد به ها هنا الستر عن النظر ~~يعني: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم عن عورات النساء ويحفظوا فروجهم عن ~~أبصار الناس وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - [لعلي رضي الله عنه # " يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك والأخرى عليك " # ] وروي عن عيسى بن مريم أنه قال: إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب ~~قوله: { ذلك أزكى لكم } وأطهر من الزينة يعني غض البصر والحفظ ~~خير لكم من ترك الحفظ والنظر ثم قال { إن الله خبير بما ~~يصنعون } يعني: عالم بهم قوله عز وجل: { وقل للمؤمنت ~~يغضضن ms1158 من أبصرهن } يعني: يحفظن أبصارهن عن الحرام { ~~ويحفظن فروجهن } عن الفواحش { ولا يبدين زينتهن ~~} يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن { إلا ما ظهر منها } روى سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس أنه قال: وجهها وكفيها وهكذا قال إبراهيم النخعي ~~وروي أيضا عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الوجه والكفان وهكذا قال ~~الشعبي وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان وقال مجاهد الكحل ~~والخضاب وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم وروي عن ابن عباس ~~في رواية أخرى إلا ما ظهر منها أي: فوق الثياب وروى أبو إسحاق عن ابن ~~مسعود أنه قال ثيابها وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله (إلا ~~ما ظهر منها) فتقنع عبد الله بن مسعود وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه ثم ~~قال: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } يعني: على ~~الصدر والنحر قال ابن عباس: وكان النساء قبل هذه الآية (يسدلن خمرهن من ~~ورائهن كما تفعل النبط فلما نزلت هذه الآية) سدلن الخمر على الصدر والنحر ~~ثم قال { ولا يبدين زينتهن } يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن ~~وهو الصدر والساق والساعد والرأس لأن الصدر موضع الوشاح والساق موضع ~~الخلخال، والساعد موضع السوار والرأس موضع الإكليل فقد ذكر الزينة وأراد ~~بها موضع الزينة { إلا لبعولتهن } يعني: لأزواجهن { أو ~~آبآئهن } يعني: يجوز للآباء النظر إلى مواضع زينتهن { أو آبآء ~~بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن } ~~وقد ذكر في الآية بعض ذوي الرحم المحرم فيكون فيه دليل على ما كان بمعناه ~~لأنه لم يذكر فيها الأعمام والأخوال ولكن الآية إذا نزلت في شيء فقد نزلت ~~فيما هو في معناه والأعمام والأخوال بمعنى الإخوة وبني الإخوة لأنه ذو ~~رحم محرم وقد ذكر الأبناء في آية أخرى وهي قوله # لا جناح عليهن فى ءابآئهن ولا أبنآئهن # [الأحزاب: 55] والنظر إلى النساء على أربع مراتب في وجه يجوز النظر إلى ~~جميع أعضائها وهو النظر إلى زوجته وأمته وفي وجه يجوز ms1159 النظر إلى الوجه ~~والكفين وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرما لها ويأمن كل واحد ~~منهما على نفسه فلا بأس بالنظر عند الحاجة وفي وجه يجوز النظر إلى الصدر ~~والرأس والساق والساعد وهو النظر إلى امرأة ذي رحم أو ذات رحم محرم مثل ~~الأخت والأم والعمة والخالة وأولاد الأخ والأخت وامرأة الأب وامرأة الابن ~~وأم المرأة سواء كان من قبل الرضاع أو من قبل النسب وفي وجه لا يجوز ~~النظر إلى شيء وهو أن يخاف أن يقع في الإثم إذا نظر ثم قال تعالى: { أو ~~نسائهن } يعني: نساء أهل دينهن ويكره للمرأة أن تظهر مواضع زينتها ~~عند امرأة كتابية لأنها تصف ذلك عند غيرها ويقال: نسائهن يعني العفائف ~~ولا ينبغي أن تنظر إليها المرأة الفاجرة لأنها تصف ذلك عند الرجال ثم ~~قال: { أو ما ملكت أيمنهن } يعني الجواري فإنها نزلت في ~~الإماء وقال سعيد بن المسيب لا تغرنكم هذه الآية { أو ما ملكت ~~أيمنهن } يعني: الجواري فإنها نزلت في الإماء لا ينبغي للمرأة ~~أن ينظر العبد إلى شعرها ولا إلى شيء من محاسنها وقال مجاهد: في بعض ~~القراءات (أو ما ملكت أيمانهن) الذين لم يبلغوا الحلم وروى ~~سفيان عن ليث قال كان بعضهم يقرأ (أو ما ملكت أيمانهن من الصغار) وقال ~~الشعبي: لا ينظر العبد إلى مولاته ولا إلى شعرة منها ثم قال تعالى: { ~~أو التبعين غير أولى الإربة } يعني الخادم أو الأجير ~~للمرأة يعني غير ذوي الحاجة مثل الشيخ الكبير ونحوه وقال مجاهد: هو الذي ~~لا أرب له أي لا حاجة له بالنساء مثل فلان وكذا روى الشعبي عن علقمة وقال ~~الحسن والزهري: غير أولو الإربة هو الأحمق وقال الضحاك: هو الأبله ويقال: ~~هو الذي طبعه طبع النساء فلا يكون له شهوة الرجال وسئلت عائشة رضي الله ~~عنها هل يرى الخصي حسن المرأة قالت: لا ولا كرامة أليس هو رجل قرأ ابن ~~عامر وعاصم في رواية أبي بكر غير أولي الإربة بنصب الراء وقرأ الباقون ~~بالكسر فمن قرأ ms1160 بالكسر يكون على النعت للتابعين فيكون معناها التابعين ~~الذين هذه حالهم ومن نصب أراد به الاستثناء والمعنى إلا أولي الإربة ثم ~~قال: { من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورت النساء } يعني: لم يطلعوا ولم يشتهوا الجماع ثم قال { ولا ~~يضربن بأرجلهن } يعني: لا يضربن بإحدى أرجلهن على الأخرى ~~ليقرع الخلخال بالخلخال { ليعلم ما يخفين من زينتهن } ~~يعني: ما يواري الثياب من زينتهن وروى سفيان عن السدي قال: كانت المرأة ~~تمر على المجلس وفي رجلها الخلخال فإذا جازت بالقوم ضربت رجلها ليصوت ~~خلخالها فنزلت ولا يضربن بأرجلهن وقال بعض المفسرين: قد علم الله تعالى ~~أن من النساء من تكون حمقاء فتحرك رجلها ليعلم أن لها خلخالا فنهي ~~النساء أن يفعلن كما تفعل الحمقاء ثم قال: { وتوبوا إلى الله ~~جميعا } يعني: من جميع ما وقع التقصير من الأوامر والنواهي التي ذكر ~~من أول السورة إلى ها هنا { أيها المؤمنون } يعني: أيها ~~المصدقون بالله ورسوله وفي هذه الآية دليل أن الذنب لا يخرج العبد من ~~الإيمان لأنه أمر بالتوبة والتوبة لا تكون إلا من الذنب ولم يفصل بين ~~الكبائر وغيرها فقال بعدما أمر بالتوبة أيها المؤمنون سماهم مؤمنين بعد ~~الذنب ثم قال { لعلكم تفلحون } أي تنجون من العذاب قرأ ابن ~~عامر (أيه) بضم الهاء وكذلك في قوله (يا أيه الساحر)(وأيه ~~الثقلان) وقرأ الباقون بالنصب قوله عز وجل: { وأنكحوا ~~الأيمى منكم } والأيامى الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم ~~يقال رجل أيم وامرأة أيم كما يقال رجل بكر وامرأة بكر ويقال الأيم من ~~النساء خاصة كل امرأة لا زوج لها فهي أيم فأمر الأولياء بأن يزوجوا ~~النساء وأمر الموالي بأن يزوجوا العبيد والإماء إذا احتاجوا إلى ذلك فقال ~~للأولياء: { وأنكحوا الأيمى منكم } يعني: من قومكم ومن ~~عشيرتكم ثم قال المولى سبحانه: { والصلحين من عبادكم } ~~يعني: من عبيدكم زوجوهم امرأة وهذا أمر استحباب وليس بحتم { وإمائكم ~~} يعني: زوجوا إماءكم لكيلا يقعن في الزنا { إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله } يعني: يرزقهم الله من ms1161 فضله وسعته وقال ~~بعضهم: هذا منصرف إلى الحرائر خاصة دون العبيد والإماء وقال بعضهم: انصرف ~~إلى جميع ما سبق ذكرهم من الأحرار والمماليك يغنهم الله من فضله يعني: ~~من رزقه والغني على وجهين غني بالمال وهو أضعف الحالين وغني بالقناعة ~~وهو أقوى الحالين كما روي في الخبر الغنى غنى النفس وروى هشام ابن عروة ~~عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " [أنكحوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال] " # وقال عمر رضي الله عنه ابتغوا الغنى في النكاح ثم قرأ يغنهم الله من ~~فضله وروي عن جعفر بن محمد أن رجلا شكا إليه الفقر فأمره أن يتزوج فتزوج ~~الرجل ثم جاء فشكى إليه الفقر فأمره بأن يطلقها فسأل عن ذلك فقال قلت ~~لعله من أهل هذه الآية { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله } فلما لم يكن من أهلها قلت لعله من أهل آية أخرى # وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته # [النساء: 130] ثم قال { والله وسع عليم } أي واسع الفضل ويقال ~~واسع أي موسع في الرزق يوسع على من يشاء عليم بقدر ما يحتاج إليه كل واحد ~~منهم ثم أخبر أنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنا وأمر بالتعفف للذي ~~لا امرأة له فقال عز وجل: { وليستعفف الذين } أي: ليحفظ نفسه ~~عن الحرام الذين { لا يجدون نكاحا } يعني: سعة بالنكاح المهر ~~والنفقة ويقال: يعني امرأة موافقة { حتى يغنيهم الله من ~~فضله } يعني: من رزقه بالنكاح وقد قيل إن الصبر والطلب خير من ~~الهرب { والذين يبتغون الكتب } قال ابن عباس وذلك أن ~~مملوكا لحويطب يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فنزلت الآية ~~والذين يبتغون الكتاب يعني: يطلبون الكتابة { مما ملكت ~~أيمنكم فكتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } يعني: ~~حرفة قال مجاهد وعطاء: يعني: مالا وروي عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني ~~قال: أدبا وصلاحا وقال إبراهيم: يعني وفاء وصدقا وروى يحيى بن أبي ~~كثير قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " [ { إن علمتم فيهم خيرا ms1162 } أي حرفة ولا ترسلوهم كلا على ~~الناس] " # وقال ابن عباس الخير المال كقوله # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] أي: مالا وقيل: خيرا يعني: صلاحا في دينه لكيلا يقع في ~~الفساد بعد العتق وهذا أمر استحباب لا إيجاب وقال بعضهم: هو واجب وروى ~~معمر عن قتادة قال: سأل سيرين أبو محمد بن سيرين أنس بن مالك بأن يكاتبه ~~فأبى أنس بن مالك فرفع عليه عمر الدرة وتلى عليه هذه الآية { ~~فكتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } { وآتوهم من ~~مال الله الذي آتاكم } يعني أعطاكم يعني: يعطيه من الكتابة ~~شيئا ويقال: يعطى من بيت المال حتى يؤدي كتابه وقال عمرو عن علي رضي ~~الله عنه يترك له ربع الكتابة وقال قتادة: يترك له العشر وقال: آتوهم أي: ~~حث الموالي وغيرهم أن يعينوهم هذا أمر استحباب وليس بواجب وقال بعضهم: ~~الحط واجب والأول أصح { ولا تكرهوا فتيتكم على ~~البغاء } يعني لا تكرهوا إماءكم على الزنا وقال عكرمة: كانت جارية ~~لعبد الله بن أبي يقال لها: معاذة وكان يكلفها الخراج على الزنا فنزل { ~~ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء } { إن أردن ~~تحصنا } يعني: تعففا { لتبتغوا عرض الحيوة ~~الدنيا } يعني: لتطلبوا بكسبهن وولدهن المال { ومن يكرههن } ~~يعني: يجبرهن على الزنا { فإن الله من بعد إكراههن } ~~يعني: من بعد إجبارهن على الزنا { غفور } لذنوبهم { رحيم } بهن ~~يعني الإماء لأنهن كن مكرهات على فعل الزنا قوله عز وجل: { ولقد ~~أنزلنا إليكم ءايت مبينت } يعني واضحات { ~~ومثلا من الذين خلوا من قبلكم } يعني: فيه خير من ~~قبلكم من الأمم الماضية { وموعظة للمتقين } لكي يعتبروا ~~بما أصابهم. ### || [24.35] # قوله عز وجل: { الله نور السموات والأرض } قال ابن عباس ~~رضي الله عنه هادي أهل السموات وأهل الأرض ويقال هادي أهل السموات والأرض ~~من يشاء وبين ذلك في آخر الآية بقوله: { يهدى لنوره من يشاء } ~~ويقال: معناه الله منور السموات والأرض وقال ابن عباس بدليل قوله { ~~مثل نوره } فأضاف النور إليه وبدليل ما قال في سياق الآية # ومن لم يجعل الله له نورا فما ms1163 له من نور # [النور: 40] وروي عن أبي العالية أنه قال: معناه الله منور قلوب أهل ~~السموات وقلوب أهل الأرض بالمغفرة والتوحيد يعني من كان أهلا للإيمان ~~ويقال الله منور السموات والأرض أما السموات فنورها بالشمس والقمر ~~والكواكب وأما الأرض فنورها بالأنبياء والعلماء والعباد - عليهم السلام - ~~ثم قال تعالى: { مثل نوره } يعني: مثل نور المعرفة في قلب المؤمن { ~~كمشكاة فيها مصباح } يعني: كمثل كوة فيها سراج ويقال: المشكاة ~~الكوة التي ليست بنافذة وهي بلغة الحبشة وروي في قراءة ابن مسعود مثل ~~نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح ثم وصف المصباح فقال: { ~~المصباح فى زجاجة } يعني: كمثل سراج في قنديل في كوة فكذلك ~~الإيمان والمعرفة في قلب المؤمن والقلب في الصدر والصدر في الجسد فشبه ~~القلب بالقنديل والماء الذي في القنديل شبه بالعلم والدهن بالرفق وحسن ~~المعاملة وشبه الفتيلة باللسان وشبه النار بالجوف في زجاجة يعني: في قلب ~~مضيء ويقال: إنما شبه القلب بالزجاجة لأن ما في الزجاجة يرى من خارجها ~~فكذلك ما في القلب يرى من ظاهره ويبين ذلك في أعضائه ويقال لأن الزجاجة ~~تسرع الكسر بأدنى آفة تصيبها فكذلك القلب بأدنى آفة تدخل فيه فإنه يفسد ~~ثم وصف { الزجاجة } فقال: { كأنها كوكب درى } يعني: ~~استنار القنديل بصفاء الزجاجة من قرأ بضم الدال فهو منسوب إلى الدر يعني: ~~يشبه في ضوئه الدر ومن قرأ بكسر الدال يعني الذي يدرأ عن نفسه يعني: لا ~~يكاد يقدر النظر إليه من شدة ضوئه قرأ (نافع وابن كثير وعاصم في رواية ~~حفص دري بضم الدال غير مهموز وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال وبهمز ~~الياء وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بالضم والهمز ثم قال تعالى) { ~~يوقد من شجرة مبركة } يعني: السراج يوقد بدهن من شجرة ~~مباركة { زيتونة } قرأ أبو عمر وابن كثير توقد بنصب التاء والواو ~~والقاف بلفظ التأنيث وأصله تتوقد فحذف إحدى التائين وقرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر وحمزة والكسائي بضم التاء والتخفيف بلفظ التأنيث على فعل ما لم ~~يسم ms1164 فاعله وقرأ الباقون توقد بلفظ التذكير والتفسير على معنى فعل ما لم ~~يسم فاعله فمن قرأ بالتأنيث انصرف إلى الزجاجة ومن قرأ بالتذكير انصرف ~~إلى المصباح والسراج ثم وصف الشجرة المباركة فقال: زيتونة { لا ~~شرقية ولا غربية } أي: لم تكن بحال تصيبها الشمس في أول ~~النهار وآخره فكذلك هذا المؤمن تكون كلمة الإخلاص في قلبه ثابتة مثل ثبوت ~~الشجرة فلا يكون مشبهيا ولا معطليا ولا قدريا ولا جبريا ولكنه على ~~الاستقامة ويقال لا شرقية ولا غربية يعني: تكون في وسط الأشجار حتى لا ~~تحرقها الشمس فكذلك هذا المؤمن بين أصحاب صلحاء يثبتونه على الاستقامة ~~وروي عن الحسن أنه قال: ليس هذه من أشجار الدنيا لكن من أشجار الآخرة ~~يعني: أن أشجار الدنيا لا تخلو من أن تكون شرقية أو غربية ولكن هذه من ~~أشجار الآخرة فكذلك هذا المؤمن أصاب المعرفة بتوفيق الله عز وجل قال: { ~~يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار } يعني: أن الزيت ~~في الزجاجة يكاد أن يضيء وإن لم يكن موقدا فكذلك المؤمن يعرف الله تعالى ~~ويخافه ويطيعه وإن لم يكن له أحد يذكره ويأمره وينهاه ثم قال: { نور ~~على نور } يعني: الزجاجة نور والسراج نور والزيت نور فكذلك المؤمن ~~اعتقاده نور وقوله نور وفعله نور وقال أبو العالية فهو يتقلب في خمسة ~~أنوار فكلامه نور وعمله نور ومخرجه نور ومدخله نور ومصيره إلى النور يوم ~~القيامة { يهدى الله لنوره من يشاء } يعني: يوفق ويعطي من ~~يشاء يعني: الهدى وللآية وجه آخر الله نور السموات والأرض يعني الله مرسل ~~الرسل لأهل السموات وأهل الأرض مثل نوره يعني: مثل نور محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - فسماه نورا كقوله: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة:15] ثم قال مثل نوره { كمشكاة فيها مصباح } يعني: ~~مثل نور محمد - صلى الله عليه وسلم - في صلب أبيه كالقنديل يضيء البيت ~~المظلم فكما أن البيت يكون مضيئا بالقنديل فإذا أخذ منه القنديل يبقى ~~البيت مظلما فكذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - كان كالقنديل في ms1165 صلب ~~أبيه فلما خرج بقي صلب أبيه مظلما { يوقد من شجرة مبركة ~~} يعني: نور محمد - صلى الله عليه وسلم - من نور إبراهيم خليل الرحمن - ~~عليه السلام - { زيتونة لا شرقية ولا غربية } يعني: ~~لم يكن إبراهيم عليه السلام يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما ويقال: لا شرقية ولا غربية يعني: يعطي الله النبوة لمن يشاء ولها ~~وجه آخر { الله نور السموات والأرض } يعني منزل القرآن ~~فنور بالقرآن السموات والأرض { مثل نوره } يعني: مثل نور القرآن في ~~قلب المؤمن { كمشكاة فيها مصباح } يعني قلب المؤمن بالقرآن ~~توقد من شجرة مباركة يعني ينزل القرآن من رب كريم ذي بركة لا شرقية ولا ~~غربية أي ليس القرآن بلغة السريانية ولا بلغة العبرانية ولكنه عربي مبين ~~{ يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار } يعني: ~~القرآن يضيء وألفاظه مهذبة وإن لم تفهم معانيه يهدي الله لنوره من يشاء ~~يعني: يوفق ويكرم بفهم القرآن من يشاء { ويضرب الله الأمثال ~~للناس } يعني: الله عز وجل يبين الأشياء للناس لكي يفهموا ويقال: ~~المثل كالمرآة يظهر عنده الحق { والله بكل شيء عليم } من ضرب ~~الأمثال ثم قال عز وجل: # { في بيوت أذن الله أن ترفع }. ### || [24.36-38] # قال الله عز وجل: { فى بيوت أذن الله أن ترفع } يعني: ما ~~ذكر من القنديل المضيء يعني: هو في المساجد ثم وصف المساجد ويقال: هذا ~~ابتداء القصة وفيه معنى التقديم يعني أذن الله أن ترفع البيوت وهي ~~المساجد أذن الله أن ترفع أي تبنى وتعظم { ويذكر فيها اسمه } ~~يعني توحيده ويقال بالأذان والإقامة { يسبح له } فيها يعني: يصلي ~~لله في المساجد { بالغدو والآصال } يعني عند الغداة والعشي قرأ ~~ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر يسبح بنصب الباء على معنى فعل ما لم يسم ~~فاعله ثم قال عز وجل: { رجال لا تلهيهم تجرة } يعني: هم ~~رجال وقرأ الباقون يسبح بكسر الباء ويكون الفعل للرجال يعني: يسبح فيها ~~رجال لا تلهيهم يعني: لا يشغلهم البيع والشراء عن ذكر الله يعني: عن طاعة ~~الله وعن ms1166 مواقيت الصلاة { ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلوة } يعني: عن إتمام الصلاة قال بعضهم: نزلت الآية في أصحاب ~~الصفة وأمثالهم الذين تركوا التجارة ولزموا المسجد وقال بعضهم: هم الذين ~~يتجرون ولا تشغلهم تجارة عن الصلوات في مواقيتها وهذا أشبه لأنه قال: { ~~وإيتآء الزكاة } وأصحاب الصفة وأمثالهم لم يكن عليهم الزكاة ~~وقال الحسن: { رجال لا تلهيهم تجرة } أما أنهم كانوا ~~يتجرون ولم تكن تشغلهم تجارة عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ~~وروي عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا ~~بياعاتهم وقاموا إلى الصلاة فقال هؤلاء: من الذين { لا تلهيهم ~~تجرة ولا بيع عن ذكر الله } ثم قال { يخفون ~~يوما } يعني: من اليوم الذي { تتقلب فيه القلوب ~~والأبصر } يعني يتردد فيه القلوب والأبصار في الصدر إن كان كافرا ~~فإنه يبلغ الحناجر من الخوف وإن كان تقيا مؤمنا تقول الملائكة: { ~~هذا يومكم الذى كنتم توعدون } فبين ما في قلبه في ~~البصر وإن كان حزنا فحزن وإن كان سرورا فسرور ويقال: يتقلب يعني: يتحول ~~حالا بعد حال مرة يعرفون ومرة لا يعرفون ويقال يتقلب يعني: يتحول عما ~~كانت عليه في الدنيا من الشك حين رأى بالمعاينة فيتحول قلبه وبصره من ~~الشك إلى اليقين ثم قال عز وجل { ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا } يعني: يجزيهم الله بإحسانهم ويقال: يجزيهم أحسن وأفضل من ~~أعمالهم وهو الجنة ويقال ويجزيهم أكثر من أعمالهم بكل حسنة عشرة ~~وأضعافا مضاعفة ويقال: يجزيه ويغفر له بأحسن أعماله ويبقى سائر أعماله ~~فضلا ثم قال: { ويزيدهم من فضله } أي: يرزقهم من عطائه { ~~والله يرزق من يشاء بغير حساب } أي: يرزقه ولا يحاسبه ~~ويقال: يرزقه رزقا لا يدرك حسابه ويقال: ليس أحد يحاسبه فيما يعطي ~~ويقال: بغير حساب أي: من غير حساب أي: من حيث لا يحتسب ثم ضرب مثلا لعمل ~~الكفار فقال عز وجل: # { والذين كفروا... } ### || [24.39-40] # { والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة } يعني: ~~مثل أعمالهم الخبيثة في الآخرة كسراب بقيعة يعني: كمثل سراب في مفازة ~~ويقال ms1167 قاع وقيعة وقيعان يعني أرضا مستوية كما يقال: صبي وصبية وصبيان ثم ~~قال: { يحسبه الظمان ماء } يعني: العطشان إذا رأى السراب من ~~بعيد يحسبه ماء { حتى إذا جاءه } يعني: فإذا أتاه ليشرب منه { ~~لم يجده شيئا } يعني: لم يجده ماء ويقال لم يجده شيئا مما طلبه ~~وأراده فكذلك الكافر يظن أنه يثاب في صدقته وعتقه وسائر أعماله فإذا جاءه ~~يوم القيامة وجده هباءا منثورا ولا ثواب له قوله: { ووجد الله ~~عنده } أي: يوم القيامة عند عمله وهذا كما قال: { إن ربك ~~لبالمرصاد } يعني: مصير الخلائق إليه { فوفه حسابه } ~~يعني: يوفيه ثواب عمله { والله سريع الحساب } فكأنه حاسب ~~ويقال: سريع الحفظ ويقال إذا حاسب فحسابه سريع فيحاسبهم جميعا فيظن كل ~~واحد منهم أنه يحاسبه خاصة فلا يشغله حساب أحدهم عن الآخر لأنه لا يحتاج ~~إلى أخذ الحساب ولا يجري فيه الغلط ولا يلتبس عليه ويحفظ على كل صاحب ~~حسابه ليذكره فهذا المثل لأعمال الكفار والتي في ظاهرها طاعة فأخبر أنه ~~لا ثواب لهم بها ثم ضرب مثلا آخر للكافر فقال عز وجل { أو ~~كظلمت } قال بعضهم: الألف زيادة ومعناه: وكظلمات يعني مثلهم أيضا ~~كظلمات ويقال: أو للتخيير يعني إن شئت فاضرب لهم المثل بالسراب وإن شئت ~~بالظلمات فقال: أو كظلمات { فى بحر لجى } يعني: مثل الكافر: كمثل ~~رجل يكون في بحر عميق في الليل كثير الماء { يغشه موج من ~~فوقه موج من فوقه سحاب ظلمت } يعني يكون في ظلمة ~~البحر وظلمة الليل وظلمة السحاب فكذلك الكافر في ظلمة الكفر وظلمة الجهل ~~وظلمة الجور والظلم ويقال: { يغشه موج من فوقه موج } ~~يعني المعاصي ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء ومن فوقه سحاب يعني ~~الخذلان من الله تعالى ثم قال: (ظلمات) { بعضها فوق بعض } ~~كما قال للمؤمن نور على نور فيكون للكافر ظلمة على ظلمة قوله ظلمة وعمله ~~ظلمة واعتقاده ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمة وهو النار ~~ويقال: شبه قلب الكافر بالبحر العميق وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث طبع ~~الله على قلوبهم ms1168 وسمعهم وأبصارهم فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق ثم ~~قال: { إذا أخرج يده لم يكد يراها } يعني: لم يكن أقرب ~~إليه من نفسه فإذا أبرز يده لم يكد يراها من شدة الظلمة ومع ذلك لم ير ~~نفسه فكذلك الكافر لم ينظر إلى القبر ولم يتفكر في أمر نفسه أيضا كقوله ~~عز وجل # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] ثم قال: { ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور } يعني: من لم يكرمه الله بالهدى (فما له من مكرم) ~~بالمعرفة قرأ ابن كثير ظلمات بكسر التاء والتنوين فكأنه يجعله بمنزلة ~~قوله كظلمات وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء وقرىء في الشاذ سحاب ~~ظلمات على معنى الإضافة. ### || [24.41-44] # قوله عز وجل: { ألم تر أن الله يسبح له } يعني يصلي له ~~ويذكر له ويقال: يخضع له { من فى السموات والأرض } أي: من ~~في السموات من الملائكة ومن في الأرض من الخلق { والطير صافت ~~} يعني مفتوحة الأجنحة وأصل الصف هو البسط ولهذا يسمى اللحم القديد ~~صفيفا لأنه يبسط { كل قد علم صلاته وتسبيحه والله ~~عليم بما يفعلون } يعني: كل واحد من المسبحين يعلم كيف يصلي ~~وكيف يسبح يعني: والله يعلم عمل كل عامل فيجازيهم بأعمالهم إلا أنه لا ~~يعجل بعقوبة المذنبين والكافرين لأنه قادر عليهم قوله تعالى: { ولله ~~ملك السموت والأرض } وهذا معنى قوله ولله ملك ~~السموات والأرض قال مجاهد: في قوله { كل قد علم ~~صلاته وتسبيحه } الصلاة للإنسان والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه ~~ثم قال: { وإلى الله المصير } يعني: إليه المرجع في الآخرة ~~قوله عز وجل { ألم تر أن الله يزجى سحابا } يعني: يسوق ~~سحابا { ثم يؤلف بينه } يعني: يجمع بينه { ثم يجعله ~~ركاما } يعني: قطعا قطعا ويقال: يجعل بعضها فوق بعض { فترى ~~الودق } يعني: المطر { يخرج من خلاله } (يعني: من وسط ~~السحاب قرأ ابن عباس يخرج من خلله وقراءة العامة من خلاله) وهي جمع خلل { ~~وينزل من السماء من جبال فيها من برد } يعني: من ~~جبال في السماء قال مقاتل: ms1169 روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال جبال السماء ~~أكثر من جبال الأرض فيها من برد أي: في الجبال من برد ويقال: وهو الجبال ~~من البرد أي ينزل من السماء من جبال البرد وروي عن ابن عباس أنه قال: ~~البرد هو الثلج وما رأيته ويقال: الجبال عبارة عن الكثرة يعني: ينزل ~~الثلج مقدار الجبال كما يقال: عند فلان جبال من مال أي: مقدار جبال من ~~كثرته ويقال البرد هو الذي له صلابة كهيأة الجمد { فيصيب به من ~~يشاء } يعني: البرد يصيب الزرع والإنسان إذا كان في مفازة، قوله: { ~~ويصرفه عن من يشآء } فلا يصيبه ويقال: يصيب به يعني: يعذب به ~~من يشاء ويصرفه عمن يشاء فلا يعذبه قوله: { يكاد سنا برقه } ~~يعني: ضوء برقه { يذهب بالأبصر } يعني: من شدة نوره قرأ أبو ~~جعفر المدني يذهب بضم الياء وكسر الهاء وقراءة العامة يذهب بنصب الياء ~~والهاء ثم قال: { يقلب الله اليل والنهار } يعني: يذهب ~~الله بالليل ويجيء بالنهار ويقال ينقص من النهار ويزيد من الليل { إن ~~فى ذلك } يعني: في تقلبهما واختلاف ألوانهما { لعبرة } يعني: ~~لآية { لأولى الأبصر } يعني: لذوي العقول والفهم في الدين وسئل ~~سعيد بن المسيب أي العبادة أفضل فقال: التفكير في خلقه والتفقه في دينه ~~ويقال: [العبر بالوقار والمعتبر بمثقال] ثم قال: # { والله خلق كل... } ### || [24.45-46] # قوله عز وجل: { والله خلق كل دابة من ماء } يعني: من ~~ماء الذكور قرأ حمزة والكسائي خالق كل دابة على معنى الإضافة وقرأ ~~الباقون خلق كل دابة على معنى فعل الماضي ويقال هذا معطوف على ما سبق { ~~يهدى الله لنوره من يشاء } فكأنه يقول يهدي من يشاء ويضل ~~من يشاء كما أنه يخلق ما يشاء من الخلق ألوانا ثم وصف الخلق فقال تعالى: ~~{ فمنهم من يمشى على بطنه } مثل الحية ونحو ذلك فإن قيل ~~لا يقال: للدواب منهم وإن هذا اللفظ يستعمل للعقلاء قيل له الدابة اسم ~~عام وهو يقع على ذي روح فيقع ذلك على العقلاء وغيرهم فإذا كان هذا ms1170 اللفظ ~~يقع على العقلاء وغيرهم فذكر بلفظ العقلاء ولو قال فمنه كان جائزا ~~وينصرف إلى قوله: كل ولكنه لم يقرأ وإنما قال يمشي على وجه المجاز وإن ~~كان حقيقته المشي بالرجل لأنه جمعه مع الذي يمشي على وجه التبع ثم قال: { ~~ومنهم من يمشى على رجلين } مثل الإنسان ونحوه { ~~ومنهم من يمشى على أربع } أي: على أربع قوائم مثل ~~الدواب وأشباهها فإن قيل إيش الحكمة في خلق كل شيء من الماء قيل له لأن ~~الخلق من الماء أعجب لأنه ليس شيء من الأشياء أشد طوعا من الماء لأن ~~الإنسان لو أراد أن يمسكه بيده أو أراد أن يبني عليه أو يتخذ منه شيئا ~~لا يمكنه والناس يتخذون من سائر الأشياء أنواع الأشياء قيل: فالله تعالى ~~أخبر أنه يخلق الماء ألوانا من الخلق وهو قادر على كل شيء ثم قال: { ~~يخلق الله ما يشاء } يعني: كما يشاء وكيف يشاء { إن الله ~~على كل شىء } من الخلق وخلقه { قدير } أي: قادر قوله عز وجل: ~~{ لقد أنزلنا ءايت مبينت } قرأ أبو عمرو وعاصم ونافع ~~وابن كثير وأبو بكر (مبينات) بنصب الياء في جميع القرآن يعني: ~~مفصلات وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر مبينات بكسر الياء يعني: يبين ~~للناس دينهم { والله يهدى من يشاء } أي: يرشد من كان أهلا ~~لذلك { إلى صرط مستقيم } يعني: دين مستقيم وهو دين الإسلام. ### || [24.47-51] # قوله عز وجل: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول } قال ~~مقاتل: نزلت في شأن بشر المنافق وذلك أن رجلا من اليهود كانت بينه وبين ~~خصومة وأن اليهودي دعا بشرا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال بشر ~~نتحاكم إلى كعب بن الأشرق فإن محمدا يعيف علينا فنزل: { وإذا دعوا ~~إلى الله ورسوله } وقال في رواية أخرى: كان عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه اشترى أرضا من علي فندمه قومه وقالوا عمدت إلى أرض سبخة لا ~~ينالها الماء فاشتريتها ردها عليه فقال قد اتبعتها منه فقالوا ردها فلم ~~يزالوا به حتى أتاه فقال اقبض مني أرضك فإني قد ms1171 اشتريتها ولم أرضها لأنه ~~لا ينالها الماء فقال له علي رضي الله عنه: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها ~~مني وأنت تعرفها وتعلم ما هي فلا أقبلها منك قال: فدعا علي عثمان رضي ~~الله عنهما أن يخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال قوم عثمان ~~لا تخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن أنت خاصمته إليه قضي له ~~عليك وهو ابن عمه وأكرم عليه منك ثم أختصما إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقضي لعلي على عثمان فنزل في قوم عثمان ويقولون آمنا ~~بالله وبالرسول { وأطعنا } يعني: صدقنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا { ثم يتولى فريق منهم } أي: يعرض عن طاعتهما ~~طائفة منهم { من بعد ذلك } الإقرار { وما أولئك ~~بالمؤمنين } يعني: بمصدقين قال بعضهم: هذا التفسير الذي ذكره ~~الكلبي غير صحيح لأن قوم عثمان إن كانوا مؤمنين من الذين هاجروا معه إلى ~~المدينة وقد ذكر أنهم ليسوا بمؤمنين وقال بعضهم: هو الصحيح لأن قوم عثمان ~~بعضهم منافقون ميفضون لبني هاشم لعداوة كانت بينهم في الجاهلية وكان ~~عثمان يميل إلى قرابته ولا يعرف نفاقهم ويقال وما أولئك بالمؤمنين يعني: ~~ليس عملهم عمل المؤمنين المخلصين ثم قال عز وجل: { وإذا دعوا إلى ~~الله ورسوله } يعني: إلى حكم الله ورسوله ويقال إلى كتاب الله ~~تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - { ليحكم بينهم } ~~يعني: ليقضي بينهم بالقرآن { إذا فريق منهم معرضون } يعني ~~طائفة منهم معرضون عن طاعة الله ورسوله قوله عز وجل { وإن يكن ~~لهم الحق } يعني: القضاء { يأتوا إليه مذعنين } ~~يعني: خاضعين مسرعين طائعين قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة ثم ~~قال { أفى قلوبهم مرض } أي: شك ونفاق { أم ارتابوا } ~~يعني: شكوا في القرآن { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ~~ورسوله } يعني: يجور الله عليهم ورسوله قال بعضهم: اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به الإفهام فكأن الله تعالى يعلمنا بأن في قلوبهم مرض ~~وأنهم شكوا ويقال: في قلوبهم مرض يعني: بل في قلوبهم مرض أم ارتابوا بل ~~شكوا ونافقوا ثم قال تعالى: { بل أولئك هم ms1172 الظلمون } ~~يعني: هم الظالمون لا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال عز وجل: { ~~إنما كان قول المؤمنين } يعني: المصدقين { إذا دعوا ~~إلى الله ورسوله } يعني: إلى كتاب الله ورسوله يعني: أمر رسوله ~~{ ليحكم بينهم } يعني: ليقضي بينهم بالقرآن { أن يقولوا ~~سمعنا وأطعنا } أي: سمعنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأطعنا أمره فإن فعلوا ذلك { وأولئك هم المفلحون } يعني: ~~الناجون الفائزون. ### || [24.52-55] # ثم قال عز وجل: { ومن يطع الله ورسوله } يعني: يطع الله في ~~الفرائض ويطع الرسول في السنن { ويخش الله } فيما مضى { ~~ويتقه } فيما يستقبل { فأولئك هم الفائزون } أي: ~~الناجون وروي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في قوله تعالى: { ومن يطع الله ورسوله } فيوحده ورسوله ~~فيصدقه بالرسالة ويخشى الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما بقي من عمره ~~فأولئك هم الفائزون يعني: الناجون من العذاب آمنون عند سكرات الموت قال: ~~فلما نزلت هذه الآية أقبل عثمان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~يا رسول الله إن شئت لأخرجن من أرضي ولأدفعنها إليه وحلف على ذلك فمدحه ~~الله عز وجل بذلك فقال عز وجل: { وأقسموا بالله جهد ~~أيمنهم } يعني: حلفوا بالله وإذا حلفوا بالله كان ذلك جهد اليمين ~~{ لئن أمرتهم ليخرجن } من الأموال قال الله تعالى للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم: { قل لا تقسموا } أي: لا تحلفوا { طاعة ~~معروفة } يعني هذه منكم طاعة معروفة لا طاعة نفاق فكأن فيه مضمرا ~~لأن بعض الناس منافقون فأخبر أن هذه طاعة ليس فيها نفاق ثم قال: { إن ~~الله خبير بما تعملون } يعني: في السر والعلانية ثم قال عز ~~وجل: { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } يعني: أطيعوا ~~الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن { فإن تولوا } يعني: ~~أعرضوا عن الطاعة لله والرسول { فإنما عليه ما حمل } يعني: ~~ما أمر بتبليغ الرسالة وليس عليه من وزركم شيء { وعليكم ما ~~حملتم } يعني: ما أمرتم والإثم عليكم وإذا تركتم الإجابة { وإن ~~تطيعوه } يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم ms1173 - { تهتدوا } من ~~الضلالة ثم قال { وما على الرسول إلا البلغ المبين ~~} وفي الآية مضمر فكأنه يقول: وإن تعصوه وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين يعني: ليس عليه إلا التبليغ قوله عز وجل: { وعد الله ~~الذين ءامنوا منكم وعملوا الصلحات } وذلك أن كفار ~~مكة لما صدوا المسلمين عن مكة عام الحديبية فقال المسلمون: لو فتح ~~الله مكة ودخلناها آمنين فنزل قوله: { ليستخلفنهم فى الأرض ~~} يعني: لينزلنهم في أرض مكة { كما استخلف الذين من ~~قبلهم } يعني: من قبل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من بني ~~إسرائيل وغيرهم { وليمكنن لهم } يعني: ليظهرن لهم { دينهم ~~} الإسلام { الذى ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا } من الكفار { يعبدوننى } يعني: لكي يعبدوني { ~~لا يشركون بى شيئا } ويقال: معناه يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~أي: يظهر عبادة الله تعالى ويبطل الشرك وروى الربيع بن أنس عن أبي ~~العالية قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة زمانا ~~نحوا من عشر سنين وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى إذا أمروا بالهجرة ~~إلى المدينة فقدموا المدينة أمرهم الله تعالى بالقتال فكانوا بها خائفين ~~يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فقال رجل من أصحابه يا رسول الله نحن ~~أبدا خائفون هل يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # " لا يكون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيا ~~ليست فيه حديدة " # ونزلت هذه الآية { وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } الآية ~~ويقال: نزلت في شأن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ليستخلفنهم ~~يعني: يكونوا خلفاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدا بعد ~~واحد ثم قال: { ومن كفر بعد ذلك } يعني: بعد الأمن والتمكين { ~~فأولئك هم الفسقون } أي: العاصين قرأ عاصم في رواية أبي ~~بكر كما استخلف بضم التاء على فعل ما لم يسم فاعله وقرأ الباقون بنصب ~~التاء لأنه سبق ذكر الله تعالى وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي ms1174 بكر ~~(وليبدلنهم) بالتخفيف وقرأ الباقون بتشديد الدال من بدل يبدل والأول من ~~أبدل يبدل. ### || [24.56-59] # قوله عز وجل: { وأقيموا الصلاة } يعني: أقروا بها وأتموها { ~~وآتوا الزكاة } يعني: أقروا بها وأعطوها { وأطيعوا ~~الرسول } فيما يأمركم به من التوحيد والطاعة { لعلكم ~~ترحمون } فلا تعذبون قوله عز وجل: { لا تحسبن الذين ~~كفروا معجزين فى الأرض } يعني: فائتين ويقال: سابقين أمر ~~الله تعالى ويقال معناه لا تظن أنهم يهربون منا وأنهم يفوتون من عذابنا { ~~ومأواهم النار وبئس المصير } يعني: صاروا إليه وبئس ~~المرجع قرأ حمزة وابن عامر (لا يحسبن) بالياء ونصب السين وقرأ الباقون ~~بالتاء بلفظ المخاطبة وكسر السين قوله عز وجل: { يأيها الذين ~~ءامنوا } قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~ظهيرة ليدعوه فانطلق الغلام ليدعوه فوجده نائما قد أغلق الباب فأخبر ~~الغلام أنه في هذا البيت فقرع الباب على عمر فلم يستيقظ فدخل فاستيقظ عمر ~~فجلس فانكشف منه شيء فرآه الغلام فعرف عمر أنه قد رآه فقال عمر وددت أن ~~الله تعالى نهى ابناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعة إلا ~~بإذن ثم انطلق معه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { ~~يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم } يعني: العبيد والإماء والولاية { والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم } يعني: وليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم ~~يعني: الاحتلام وهم الأحرار من الغلمان { ثلاث مرات } لأنها ساعات ~~غرة وغفلة ثم بين الساعات الثلاث فقال: { من قبل صلة الفجر ~~} لأن ذلك وقت لبس الثياب { وحين تضعون ثيبكم من ~~الظهيرة } أي: وقت القيلولة { ومن بعد صلة العشاء } ~~وذلك وقت النوم { ثلاث عورات لكم } يعني: ثلاث ساعات وقت غرة ~~أي عورة وغفلة وهن أوقات التجرد وظهور العورة وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ~~في رواية واحدة (ثلاث) عورات بنصب الثاء وقرأ الباقون بالضم فمن قرأ ~~بالنصب فمعناه ليستأذنكم ثلاث عورات أي: ثلاث ساعات ومن قرأ بالضم معناه ~~هي ثلاث ms1175 عورات فيكون خبرا عن الأوقات الثلاثة وروى عكرمة أن رجلين من ~~أهل العراق سألا ابن عباس عن قوله: ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث ~~مرات فقال ابن عباس إن الله تعالى ستير يحب الستر وكان الناس لم يكن ~~لهم ستور على أبوابهم ولا حجاب في بيوتهم فربما فاجأ الرجل ولده أو خادمه ~~أو يتيم في حجره وهو مع أهله فأمرهم الله تعالى أن يستأذنوا في ثلاث ~~ساعات التي سمى الله تعالى ثم جاء الله باليسر وبسط الرزق عليهم فاتخذوا ~~الستور واتخذوا حجاب فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي قد ~~أمروا به وقد قيل: إن فيه دليلا أن ذلك الحكم إذا ثبت فإذا زال المعنى ~~زال الحكم وقال مجاهد: الاستئذان هو التنحنح ثم قال تعالى: { ليس ~~عليكم ولا عليهم } أي: ليس عليكم معشر المؤمنين ولا عليهم ~~يعني الخدم { جناح بعدهن } يعني: بعد الساعات الثلاث { ~~طوافون عليكم } يعني: يتقلبون فيكم ليلا ونهارا يدخلون عليكم ~~بغير استئذان في الخدمة { بعضكم على بعض } أي: يدخل بعضكم على ~~بعض بغير إذن { كذلك يبين الله لكم الآيت } يعني: أمره ~~ونهيه في الاستئذان { والله عليم } بصلاح الناس { حكيم } حكم ~~بالاستئذان قوله عز وجل: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~} يعني: الاحتلام { فليستأذنوا كما استأذن الذين من ~~قبلهم } يعني: الكبار من ولد الرجل وأقربائه معناه: فليستأذنوا في ~~كل وقت كما استأذن الذين من قبلكم يعني: من الرجال { كذلك يبين ~~الله لكم آيته } أي: أمره ونهيه في كل وقت { والله ~~عليم } بصلاحكم { حكيم } حكم بالاستئذان. ### || [24.60-61] # { والقواعد من النساء } يعني: الآيسة من الحيض والقاعدة ~~المرأة التي قعدت عن الزوج وعن الحيض والولد والجماعة قواعد { ~~اللتى لا يرجون نكاحا } يعني: لا يحتجن إلى الزوج ولا يرغب ~~فيهن { فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن } أي: ~~جلبابهن ويخرجن بغير جلباب { غير متبرجت بزينة } والتبرج ~~إظهار الزينة يعني: لا يردن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن { وأن ~~يستعففن } يعني: يتعففن فلا يضعن الجلباب { خير لهن } من ~~الوضع { والله ms1176 سميع } لمقالتهن يعني: أن العجوز إذا وضعت جلبابها ~~وتبدي زينتها وتقول من يرغب في { عليم } بنيتها وبفعلها ويقال: سميع ~~عليم بجميع ما سبق في هذه السورة ويقال: سميع عليم انصرف إلى ما بعده ~~فيما يتحرجون عن الأكل قوله عز وجل: { ليس على الأعمى حرج } ~~قال في رواية الكلبي كانت الأنصار يتنزهون عن الأكل مع الأعمى والمريض ~~والأعرج وقالوا إن هؤلاء لا يقدرون أن يأكلوا مثل ما نأكل فنزل ليس ~~على الأعمى حرج يعني: ليس على من أكل مع الأعمى حرج { ولا ~~على } من أكل مع { الأعرج حرج ولا على } من أكل مع { ~~المريض حرج } إذا أنصف في مؤاكلته وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ ~~وهو غير محتمل في اللغة لأنه أضاف الحرج إلى الأعمى لا إلى من أكل معه ~~وقد قيل إن هذا صحيح لأنه ذكر الأعمى وأراد به الأكل مع الأعمى كقوله: # وأشربوا فى قلوبهم العجل # [البقرة: 93] أي حب العجل قال: وكما قال: { واسئل القرية } ~~وللآية وجه آخر وهو أن الأعمى كان يتحرج عن الأكل مع الناس مخافة أن يأكل ~~أكثر منهم وهم لا يشعر والأعرج أيضا يقول إني أحتاج لزمانتي أن يوسع لي ~~في المجلس فيكون عليهم مضرة والمريض يقول الناس يتأذون مني لمرضي ~~ويقذرونني فيفسد عليهم الطعام فنزل { ليس على الأعمى حرج ~~ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } يعني: لا ~~بأس بأن يأكلوا مع الناس ولا مأثم عليهم ولها وجه آخر وهو ما روي عن ~~عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان الناس يخرجون إلى الغزو ويدفعون ~~مفاتيحهم إلى الزمنى والمرضى ويقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا في ~~منازلنا وكانوا يتورعون منازلهم حتى نزلت هذه الآية وإلى هذا يذهب الزهري ~~رضي الله عنه وذكر أيضا أن مالك بن زيد وكان صديقه الحارث بن عمرو خرج ~~غازيا وخلف مالكا في أهله وماله وولده فلما رجع الحارث رأى مالكا ~~متغيرا لونه فقال ما أصابك فقال: لم يكن عندي شيء اكله فجهدت من الشدة ~~والجوع ولم يكن يحل لي ms1177 أن آكل شيئا من مالك فنزلت هذه الآية إلى قوله { ~~أو صديقكم } وقوله: { ولا على أنفسكم جناح أن ~~تأكلوا من بيوتكم } أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو ~~من بيوت عيالكم وأزواجكم ويقال بيوتكم أي بيوت أولادكم ويقال: من بيوتكم ~~يعني: من بيوت بعضكم وذلك أنه لما نزل { ولا تأكلوا أمولكم ~~بينكم بالباطل } امتنع الناس من أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزل ~~في ذلك: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } ~~يعني: من بيوت بعضكم بعضا { أو بيوت آبآئكم أو بيوت ~~أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم ~~أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم } يعني: لا بأس أن يأكل من بيت ~~هؤلاء بغير إذنهم لأنه يجري بينهما من الانبساط ما يغني عن الإذن ثم قال: ~~{ أو ما ملكتم مفاتحه } أي: خزائنه يعني: عبيدكم وإماءكم إذا ~~كان له عبد مأذون فلا بأس أن يأكل من ماله لأن ذلك من مال مواليه ويقال: ~~يعني حافظ البيوت فلا بأس أن يأكل مقدار حاجته ثم قال: { وصديقكم } ~~يعني: لا جناح على الصديق أن يأكل من بيت صديقه إذا كان بينهما انبساط ~~وروي عن قتادة أنه قال: لو دخلت على صديق ثم أكلت من طعامه بغير إذنه كان ~~حلالا ثم قال: { ليس عليكم أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا } يعني: جماعة أو متفرقين في بيت هؤلاء ويقال: إنهم كانوا ~~يمتنعون عن الأكل وحده وذكر في قوله تعالى: # إن الإنسن لربه لكنود # [العاديات: 6] يعني: الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده فرخص في هذه ~~الآية لأن الإنسان لا يمكنه أن يطلب في كل مرة أحدا يأكل معه وروى معمر ~~عن قتادة قال نزلت الآية في حي من العرب كان الرجل منهم لا يأكل طعامه ~~وحده وكان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكل معه فنزل { ليس عليكم ~~جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا } ثم قال: { فإذا ~~دخلتم بيوتا } قال مقاتل: يعني دخلتم بيوتا للمسلمين { ~~فسلموا على أنفسكم } يعني: ms1178 بعضكم على بعض كما قال { ولا ~~تقتلوا أنفسكم } يعني: بعضكم بعضا وروى عمرو بن دينار عن ابن ~~عباس قال: فإذا دخلتم بيوتا قال: هو المسجد فسلموا على أنفسكم فقولوا ~~السلام علينا من ربنا { تحية من عند الله } يعني السلام { ~~مبركة } بالأجر { طيبة } بالمغفرة وقال إبراهيم النخعي ~~(فسلموا على أنفسكم) إذا كان في البيت إنسان يقول السلام ~~عليكم وإذا لم يكن فيه أحد يقول السلام علينا من ربنا وعلى عباد الله ~~الصالحين وهكذا قال مجاهد وقال الحسن والكلبي (فسلموا على ~~أنفسكم) يعني: بعضكم على بعض وروى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " [أبخل الناس الذي يبخل بالسلام] " # ويقال معنى السلام إذا قال السلام عليكم يعني السلامة لكم مني فكأنه ~~أمنه من شر نفسه ويقال: يعني: حفظكم الله من الآفات ويقال: السلام هو ~~الله فكأنه الله حفيظ عليكم ومطلع على ضمائركم فإن كنتم في خير فزيدوا ~~وإن كنتم في شر فانزجروا { تحية من عند الله } وأصل التحية ~~هو البقاء والحياة كقوله حياك الله وإنما صار نصبا على المصدر ثم قال: { ~~كذلك يبين الله لكم الآيت } يعني: أمره ونهيه في أمر ~~الطعام والشراب { لعلكم تعقلون } أي: لكي تعقلوا وتفهموا. ### || [24.62-64] # قوله عز وجل: { إنما المؤمنون } يعني: المصدقين { الذين ~~ءامنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع } يعني مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا جمعهم على أمر ~~لتدبير في أمر جهاد. أو في أمر من أمور الله تعالى فيه طاعة لله ولرسوله ~~{ لم يذهبوا } يعني: لم يفارقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- { حتى يستذنوه } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يجمعهم يوم الجمعة فيستشيرهم في أمر الغزو فكان يثقل على بعضهم المقام ~~فيخرجون بغير إذنه وقال بعضهم نزلت في يوم الخندق وكان بعض الناس يرجعون ~~إلى منازلهم بغير إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتركوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأمرهم بأن لا يرجعوا ~~إلا بإذنه ms1179 عليه السلام وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو ولا ينبغي لأحد أن يرجع ~~بغير إذنه وفي الآية بيان حفظ الأدب بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر ~~من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه وكذلك إذا خرجوا إلى ~~الغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه ولا يخالف أمر السرية وروي عن ~~مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء فقال هذا في الجمعة وفي الزحف وفي ~~كل أمر جامع ثم قال تعالى: { إن الذين يستأذنونك ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله } وليسوا ~~بمنافقين وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يكونوا يرجعون حتى ~~يستأذنوا وأما المنافقون - فيرجعون بغير إذن ثم قال { فإذا ~~استأذنوك لبعض شأنهم } يعني: لبعض أمورهم وحوائجهم { ~~فأذن لمن شئت منهم } ولا تأذن لمن شئت لأن بعض المنافقين لم ~~يكن لهم في الرجوع حاجة فإن أرادوا أن يرجعوا فلم يأذن لهم وأذن للمؤمنين ~~وقال مقاتل نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله ~~فأذن له { واستغفر لهم الله } أي: فيما استأذنوك من الرجوع ~~بغير حاجة لهم { أن الله غفور } رحيم لمن تاب { رحيم } ~~به ثم قال عز وجل: { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم } ~~يعني: لا تدعوا محمدا باسمه - صلى الله عليه وسلم - { كدعاء ~~بعضكم بعضا } ولكن وقروه وعظموه وقولوا يا رسول الله ويا نبي ~~الله ويا أبا القاسم وفي الآية بيان توقير معلم الخير لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يعلم الخير فأمر الله عز وجل بتوقيره وتعظيمه ~~وفيه معرفة حق الأستاذ وفيه معرفة أهل الفضل ثم ذكر المنافقين فقال عز ~~وجل: { قد يعلم الله } يعني: يرى الله { الذين ~~يتسللون منكم } يعني: يخرجون من المسجد { لواذا } يلوذ ~~بعضهم ببعض وذلك أن المنافقين كان يشق عليهم المقام هناك يوم الجمعة ~~وغيره فيتسللون من بين القوم ويلوذ الرجل بالرجل أو بالسارية لئلا ~~يراه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يخرج من المسجد يقال لاذ يلوذ إذا ~~عاذ وامتنع بشيء ويقال: معنى (لواذا) هنا، ms1180 من الخلاف يعني: يخالفون ~~خلافا فخوفهم الله تعالى عقوبته فقال { فليحذر الذين ~~يخلفون عن أمره } يعني: عن أمر الله تعالى ويقال عن أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقال عن زيادة في الكلام للصلة ومعناه ~~يخالفون أمره إلى غير ما أمرهم به { أن تصيبهم فتنة } يعني: ~~الكفر لأن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجب فمن تركه على وجه ~~الجحود كفر ويقال فتنة يعني: بلية في الدنيا ويقال: فساد في القلب ويقال: ~~{ أو يصيبهم عذاب أليم } يعني: يصيبهم عذاب عظيم في الآخرة ~~ويقال: القتل بالسيف ويقال: يجعل حلاوة الكفر في قلبه وقوله أو على ~~معنى الإبهام لا على وجه الشك والتخيير ثم قال عز وجل: { ألا إن ~~لله ما فى السموات والأرض } من الخلق عبيده وإماؤه في ~~مملكته { قد يعلم ما أنتم عليه } من خير أو شر فيجازيكم ~~بذلك { ويوم يرجعون إليه } في الآخرة { فينبئهم ~~بما عملوا } من خير أو شر فيجازيهم بذلك { والله بكل شيء ~~عليم } من أعمالهم وأقوالهم وبما في أنفسهم وروي عن الأعمش عن سفيان ~~بن سلمة قال: شهدت ابن عباس ولي الموسم وقرأ سورة النور على المؤمنين ~~وفسرها على المنبر فلو سمعتها الروم لأسلمت وقال عمر رضي الله تعالى عنه ~~تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور والله أعلم وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-3] # قول الله سبحانه وتعالى: { تبرك } قال ابن عباس رضي الله عنه ~~يعني: تعالى وتعظم قال ابن عباس ويقال: تفاعل من البركة وهذه لفظة مخصوصة ~~ولا يقال يتبارك كما يقال يتعالى ولا يقال متبارك كما يقال متعال ويقال ~~تبارك أي ذو بركة والبركة هي كثرة الخير ويقال: أصله من بروك الإبل ويقال ~~للواحد بارك وللجماعة برك وكان الإنسان إذا كان له إبل كثيرة وقد برك هو ~~على الباب يقولون فلان ذو بركة ويقولون للذي كان له إبل تحمل إليه ~~الأموال من بلاد بعيدة فلان ذو بركة فصار ذلك أصلا حتى أنه لو كان ms1181 له ~~مال سوى الإبل لا يقال فلان ذو بركة قال الله تعالى { تبرك } أي: ~~ذو البركة ويقال: أصله من الدوام ويقال: بارك في موضوع إذا دام فيه ويقال ~~معناه البركة في اسمه وفي الذي ذكر عليه اسمه ثم قال { الذى نزل ~~الفرقان } يعني: أنزل جبريل عليه السلام بالقرآن والفرقان هو المخرج ~~من الشبهات { على عبده } يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - { ~~ليكون للعلمين نذيرا } يعني: ليكون الفرقان نذيرا للإنس ~~والجن ويقال: يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال: يعني: الله ~~تبارك وتعالى وأرادها هنا جميع الخلق وقد يذكر العام ويراد به الخاص من ~~الناس كقوله عز وجل # وأنى فضلتكم على العلمين # [البقرة: 47 و 122] أي: على عالمي زمانهم ويذكر ويراد به جميع الخلائق ~~كقوله # رب العلمين # [الفاتحة: 2] ثم قال عز وجل: { الذي له ملك السماوات ~~والأرض } يعني: خزائن السموات والأرض ويقال: له نفاذ الأمر في ~~السموات والأرض { ولم يتخذ ولدا } ليورثه ملكه { ولم يكن ~~له شريك فى الملك } فينازعه في عظمته { وخلق كل شىء ~~} كما ينبغي أن يخلقهم { فقدره تقديرا } يعني: بين الصلاح في ~~كل شيء وجعله مقدرا معلوما ويقال: كل شي خلقه من الخلق فقدره تقديرا ~~أي: قدر لكل ذكر وأنثى قوله عز وجل: { واتخذوا من دونه ~~ءالهة } يعني: تركوا عبادة الله الذي خلق هذه الأشياء وعبدوا غيره { ~~لا يخلقون شيئا } يعني: عبدوا شيئا لا يقدر أن يخلق ذبابا ولا ~~غيره { وهم يخلقون } يتخذونها بأيديهم { ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا } أي: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءا { ~~ولا نفعا } أي: لا تقدر أن تسوق إلى نفسها خيرا ويقال: لا يملكون ~~دفع مضرة ولا جر منفعة { ولا يملكون موتا } يعني: لا يقدرون أن ~~يميتوا أحدا { ولا حياة } أي: ولا يحيون أحدا { ولا نشورا } ~~يعني: بعث الأموات ويقال: ولا يملكون موتا يعني: الموت الذي كان قبل أن ~~يخلقوا ولا حياة يعني: أن يزيدوا في الأجل ولا نشورا بعد الموت ويقال: { ~~لا يملكون موتا ولا حياة } يعني: أن يبقوا أحدا ms1182 { ولا ~~نشورا } يعني: أن يحيوه بعد الموت وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء لأن ~~الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم. ### || [25.4-9] # ثم قال عز وجل: { وقال الذين كفروا } يعني: كفار مكة { إن ~~هذا إلا إفك } يعني: ما القرآن إلا كذب { افتراه } يعني: ~~كذبا اختلقه من ذات نفسه { وأعانه عليه قوم ءاخرون } ~~يعني: جبرا ويسارا { فقد جاءوا ظلما وزورا } وقال بعضهم: هذا ~~قول الله تعالى ردا على الكفار بقولهم هذا { فقد جاءوا ظلما ~~وزورا } يعني: شركا وكذبا { وقالوا أسطير الأولين ~~اكتتبها } يعني: أباطيل اكتتبها أي كتبها من جبر ويسار يعني أساطير ~~الأولين { فهى تملى عليه } يعني: تقرأ وتملى عليه { بكرة ~~وأصيلا } يعني: غدوة وعشية قوله عز وجل: { قل } يا محمد { ~~أنزله } يعني: القرآن { الذى يعلم السر فى السموات ~~والأرض } يعني: يعلم السر والعلانية ومعناه: لو كان هذا القول من ذات ~~نفسه لعلمه الله تعالى وإذا علمه عاقبه كما قال تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين # [الحاقة: 44، 45] ثم قال: { إنه كان غفورا رحيما } فكأنه ~~يقول: إرجعوا وتوبوا فإنه كان غفورا لمن تاب رحيما بالمؤمنين قوله عز ~~وجل: { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام } مثل ~~ما نأكل { ويمشى فى الأسواق } يعني: يتردد في الطريق { لولا ~~أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا } يعني: معينا يخبره ~~بما يراد به من الشر { أو يلقى إليه كنز } يعني: يعطى له ~~كنز { أو تكون له جنة } يعني: بستانا { يأكل منها } ~~أي: وذلك أن كفار قريش اجتمعوا في بيت فبعثوا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأتاهم فقال له العاص بن وائل السهمي وقريش معه: قد تعلم يا محمد ~~أن لا بلاد أضيق من بلادنا ساحة ولا أقل أنهارا ولا زرعا ولا أشد عيشا ~~فادع ربك أن يسير عنا هذه الجبال حتى يفسح لنا في بلادنا ثم يفجر لنا ~~فيها أنهارا حتى نعرف فضلك عند ذلك ونراك تمشي في الأسواق معنا تبتغي من ~~سير العيش فاسأل ربك أن يجعل لك قصورا أو جنانا وليبعث معك ملكا يصدقك ms1183 ~~فنزل حكاية عن قولهم { أو تكون له جنة يأكل منها } قرأ ~~حمزة والكسائي نأكل بالنون وقرأ الباقون بالتاء { وقال الظلمون ~~إن تتبعون } يعني: ما تطيعون يا أصحاب محمد { إلا رجلا ~~مسحورا } يعني: مغلوب العقل ويقال: مسحورا أي مخلوقا لأن الذي ~~يكون مخلوقا يكون حياته بالمعالجة بالأكل والشرب فيسمى مسحورا ويقال: ~~مسحورا أي: سحر به قوله عز وجل: { انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال } يعني: انظر يا محمد كيف وصفوا لك الأشباه إلى ماذا شبهك ~~قومك بساحر وكاهن وكذاب { فضلوا } عن الهدى ويقال: ذهبت حيلتهم ~~وأخطأوا في المقالة { فلا يستطيعون سبيلا } يعني: لا يجدون ~~حيلة ولا حجة على ما قالوا لك ولا مخرجا لأنه تناقض كلامهم حيث قالوا ~~مرة مجنون ومرة ساحر. ### || [25.10-16] # ثم قال عز وجل: { تبرك } وتعالى وقد ذكرناه { الذى إن شاء ~~جعل لك خيرا من ذلك } يعني: خيرا مما يقول الكفار في الآخرة ~~{ جنت تجرى من تحتها الأنهر ويجعل لك ~~قصورا } في الجنة ويقال: في الدنيا إن شاء أعطاك وروى سفيان عن حبيب ~~بن أبي ثابت قال عن خيثمة قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن شئت ~~أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتحها ما لم نعط من قبلك أحدا ولا نعطي من بعدك ~~أحدا ولا ينقصك ذلك مما عند الله شيئا وإن شئت جمعناها لك في الآخرة ~~قال - صلى الله عليه وسلم - # " بل اجمعوها لي في الآخرة " # فنزل { تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك } ~~الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (ويجعل) بضم ~~اللام على معنى خبر الابتداء والباقون بالجزم لأنه جواب الشرط ثم قال عز ~~وجل: { بل كذبوا بالساعة } معناه: ولكن كذبوا بالساعة يعني: ~~بالقيامة { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } يعني: ~~هيأنا لمن كذب بالقيامة وقودا وهو نار جهنم { إذا رأتهم } جهنم ~~{ من مكان بعيد } يعني: من مسيرة خمسمائة عام ويقال من مسيرة ~~خمسمائة سنة { سمعوا لها } يعني: منها { تغيظا } على الكفار { ~~وزفيرا } يعني: صوتا كصوت الحمار وقال قوم معناه يسمعون ms1184 منها تغيظ ~~المعذبين وزفيرهم كما قال # لهم فيها زفير وشهيق # [هود: 106] وقال عامة المفسرين التغيظ زفير يسمع من النار ألا ترى أنه ~~قال { سمعوا لها } ولم يقل سمعوا منها ولا فيها وقال في آية أخرى # وهي تفور تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 8] وروي في الخبر # " أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر على وجهه ~~ترعد فرائصهم حتى أن إبراهيم الخليل عليه السلام ليجثو على ركبتيه ويقول ~~يا رب لا أسألك إلا نفسي " # ثم قال عز وجل: { وإذا ألقوا منها } يعني: فيها { مكانا ~~ضيقا } يعني: يضيق عليهم المكان كتضييق الزج من الرمح { ~~مقرنين } أي: مسلسلين في القيود موثقين في الحديد قرنوا مع ~~الشياطين { دعوا هنالك ثبورا } فعند ذلك دعوا بالويل يعني: ~~يقولون واهلاكاه فتقول لهم الخزنة: { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~وحدا وادعوا ثبورا كثيرا } يعني: ادعوا ويلا كثيرا دائما ~~قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { قل } يا محمد لكفار ~~مكة: { أذلك خير } يعني: هذا الذي وصف من العذاب خير { أم ~~جنة الخلد } فإن قيل كيف يقال: خير وليس في النار خير قيل له: قد ~~يقال على وجه المجاز وإن لم يكن فيه خير، والعاقبة: تقول العاقبة خير من ~~البلاء وإنما خاطبهم بما يتعارفون في كلامهم { التى وعد ~~المتقون } يعني الذين يتقون الشرك والكبائر { كانت لهم ~~جزاء ومصيرا } يعني: جزاء بأعمالهم الحسنة ومرجعا إليها ثم قال ~~عز وجل: { لهم فيها ما يشآءون } أي يحبون { خلدين } أي: ~~دائمين في الجنة { كان على ربك وعدا } منه في الدنيا { ~~مسؤولا } يسأله المتقون ويقال: مسئولا يسأل لهم الملائكة عليهم ~~السلام وهو قوله عز وجل: # ربنا وأدخلهم جنت عدن # [غافر: 8] ويقال وعدا على لسان رسولهم وقد سألوا الله عز وجل ذلك وهو ~~قوله { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } ويقال ~~وعدا لا خلف فيه لمن سأله. ### || [25.17-19] # قوله عز وجل: { ويوم نحشرهم } يعني: نجمعهم { وما ~~يعبدون } يعني: ونحشر ما يعبدون { من دون الله } يعني: ~~الأصنام ويقال: المسيح وعزير ويقال: ms1185 الملائكة عليهم السلام { فيقول ~~أءنتم أضللتم } يعني: أأنتم أمرتم { عبادى هؤلاء } أن ~~يعبدوكم { أم هم ضلوا السبيل } يعني: أم هم أخطأوا الطريق ~~فتبرأت الملائكة والأصنام قوله تعالى: { قالوا سبحنك } أي: ~~تنزيها لك { ما كان ينبغى لنا } أي: ما يجوز لنا { أن ~~نتخذ من دونك من أولياء } وقرأ الحسن وأبو جعفر المدني ~~أن (نتخذ) بضم النون ونصب الخاء ومعناه ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من ~~دونك إلها فيعبد وقراءة العامة بنصب النون وكسر الخاء يعني: ما كان ~~ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فيعبدوننا ويقال: معناه ما كان فينا ~~روح نأمرهم بطاعتنا ويقال: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ~~فنعبدهم فكيف نأمر غيرنا بعبادتنا كقوله تعالى: # سبحنك أنت ولينا من دونهم # [سبأ: 41] قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ويوم يحشرهم بالياء فيقول ~~بالياء وقرأ ابن عامر كلاهما بالنون وقرأ الباقون الأول بالنون والثاني ~~بالياء ثم قال: { ولكن متعتهم وءاباءهم } يعني: أن هذا ~~كان بكرمك وفضلك حيث لما عصوك لم تمنع عنهم الدنيا حتى اغتروا بذلك وظنوا ~~أنهم على الحق حيث لم يصبهم بلاء ولم تمنع منهم النعمة فذلك قوله تعالى: ~~{ ولكن متعتهم } يعني: تركتهم في الدنيا يتمتعون وأجلتهم ~~وآباءهم في المتاع والسعة { حتى نسوا الذكر } يعني: تركوا ~~التوحيد والإيمان بالقرآن { وكانوا قوما بورا } أي: هلكى فاسدين ~~وأصله الفساد يقال بارت السوق إذا كسدت وقال الكلبي بورا يعني: هالكين ~~فاسدة قلوبهم غير متقين ولا محسنين يقول الله تعالى لعبدة الأوثان { ~~فقد كذبوكم بما تقولون } يعني: الأصنام ويقال الملائكة { ~~فما يستطيعون صرفا ولا نصرا } يعني: لا يستطيع الكفار ~~انصرافا إلى غير حجتهم التي تكلموا بها ويقال لا يستطيعون صرفا أي: ~~إنصرافا عن حجتهم ولا نصرا يعني: ولا ينتصرون من آلهتهم حين كذبتهم ~~ويقال لا يقدرون يعني الأصنام ولا الملائكة صرف العذاب عنهم ولا نصرا ~~يعني لا يمنعونهم منه ويقال الصرف الحيلة ويقال لا يقبل منهم فدية أن ~~يصرفوا عن أنفسهم بالفدية قرأ عاصم في رواية ms1186 حفص (فما تستطيعون بالتاء) ~~على معنى المخاطبة يعني يقال لهم: لا تستطيعون صرف ذلك وقرأ الباقون ~~بالياء ومعناه أن الله تعالى يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - فما ~~يستطيعون صرف ذلك عنهم ثم قال تعالى: { ومن يظلم منكم } يعني: ~~يشرك بالله في الدنيا ويقال: يكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ~~{ نذقه عذابا كبيرا } في الآخرة وهو عذاب النار. ### || [25.20] # قوله عز وجل: { وما أرسلنا قبلك من المرسلين } ~~جوابا لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام { إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق } يعني: كانت ~~الرسل من الآدميين ولم يكونوا من الملائكة عليهم السلام ثم قال: { ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون } يقول: ابتلينا ~~بعضكم ببعض الفقير بالغني والضعيف بالقوي وذلك أن الشريف إذا رأى الوضيع ~~قد أسلم أنف عن الإسلام وقال: أأسلم فأكون مثل هذا فثبت على دينه حمية ~~يقول الله تعالى للشريف (أتصبرون) أن تكونوا شرعا سواء في الدين { ~~وكان ربك بصيرا } أي عالما بمن يؤمن ومن لا يؤمن ويقال (جعلنا ~~بعضكم لبعض فتنة يعني بلية الغني للفقير والقوي للضعيف لأن ضعفاء ~~المسلمين وفقراءهم إذا رأوا الكفار في السعة والغنى - يتأذون منهم وكان ~~في ذلك بلية لهم فقال تعالى (أتصبرون) اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به ~~الأمر يعني اصبروا كقوله # أفلا يتوبون إلى الله # [المائدة: 74] يعني توبوا إلى الله ويقال: أهل النعم بلية لأهل الشدة ~~لأن أهل الشدة إذا رأوا أهل النعمة تنغص عيشهم فأمرهم الله تعالى بالصبر ~~وذكر عن بعض المتقدمين أنه كان إذا رأى غنيا من الأغنياء يقول: نصبر يا ~~رب نصبر يا رب أراد جوابا لقوله تعالى { أتصبرون } وكان ربك ~~بصيرا يعني: عالما بمن يصلح له الغنى والفقر ويقال { وكان ربك ~~بصيرا } يعني: عالما بثواب الصابرين. ### || [25.21-26] # قوله عز وجل: { وقال الذين لا يرجون لقاءنا } يعني: لا ~~يخافون البعث بعد الموت ويقال لا يرجون الجنة والمغفرة وهم كفار أهل مكة ~~{ لولا أنزل علينا الملائكة } يعني: هلا أنزل علينا ~~الملائكة فيخبروننا بأنك رسول الله إلينا { أو نرى ربنا } ~~فيخبرنا ms1187 بأنك مرسل قال الله تعالى: { لقد استكبروا فى ~~أنفسهم } يعني: تعظموا في أنفسهم وأعرضوا عن الإيمان ويقال: لقد ~~استكبروا في أنفسهم يعني: وضعوا لأنفسهم قدرا ومنزلة حيث أرادوا لأنفسهم ~~الرسل من الملائكة عليهم السلام ورؤية الرب عز وجل: { وعتوا عتوا ~~كبيرا } يعني: أبوا إباء كثيرا ويقال: اجترءوا على الله اجتراء ~~كثيرا وقال أهل اللغة العاتي الذي لا ينفعه الوعظ والنصيحة ثم أخبر متى ~~يرون الملائكة فقال عز وجل: { يوم يرون الملئكة } يعني: ~~يوم القيامة { لا بشرى يومئذ للمجرمين } يعني: للمشركين ~~وتكون البشارة للمؤمنين ثم قال: { ويقولون حجرا محجورا } ~~يعني: تقول لهم الملائكة: حراما محرما أي: تكون لهم البشرى يومئذ بما ~~يبشر به المتقون وإنما قيل للحرام حجر لأنه حجر عليه وقال مجاهد: تقول ~~الملائكة: حراما محرما أن يدخلوا الجنة وقال الحسن وقتادة: وهي كلمة ~~كانت العرب تقولها كان الرجل إذا نزلت به الشدة قال: حجرا محجورا أي: ~~حراما محرما ويقال إن قريشا كانوا إذا استقبلهم أحد كانوا يقولون له ~~حاجورا حاجورا حتى يعرف أنهم من الحرم فلا يضرونهم وأخبر أنهم كانوا ~~يقولون ذلك ولا ينفعهم ويقال: إن المشركين في الشهر الحرام إذا استقبلهم ~~أحد يقولون حجرا محجورا ويريدون أن يذكروه أنه في الشهر الحرام وذلك ~~القول لا ينفعهم يوم القيامة وقرأ الحسن (حجرا) بضم الحاء وقراءة العامة ~~بكسر الحاء { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل } قال الكلبي ~~يعني: عمدنا إلى ما عملوا من عمل لغير الله تعالى ويقال: قصدنا إلى ما ~~عملوا من عمل ومعناه نظرنا في أعمالهم ولم نجد فيها خيرا فأبطلناها ولم ~~نجعل لها ثوابا فذلك قوله تعالى: { فجعلناه هباء منثورا } ~~قال الضحاك: هو الغبار ما لا يستطاع جمعه ولا أخذه بيد وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه الهباء المنثور الذي تراه في شعاع الشمس في الكوة وهذا ~~قول عكرمة والكلبي وقال قتادة: هو ما ذرت الريح من حطام الشجر ويقال ~~الغبار الذي يسطع من حوافر الدواب ثم قال عز وجل: { أصحب ~~الجنة يومئذ خير مستقرا ms1188 } يعني: أفضل منزلا { ~~وأحسن مقيلا } (يعني: مرجعا ومجلسا وروي عن الأعمش عن إبراهيم ~~في قوله: (خير مستقرا وأحسن مقيلا) يعني: قال: كانوا يرون أنه يفرغ من ~~حساب الناس إلى مقدار نصف النهار فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ~~وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا لا ينتصف النهار من ذلك اليوم ~~حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار عنيا بذلك يوم القيامة ~~ولأن مقدار ذلك اليوم خمسون ألف سنة وإنما أراد بتلك القيلولة القرار لا ~~النوم لأنه لا يكون في الجنة نوم ولا في النار نوم قوله عز وجل: { ~~ويوم تشقق السماء } قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تشقق ~~بتشديد الشين لأن أصله يتشقق فأدغم إحدى التائين في الشين وقرأ الباقون ~~بالتخفيف وهذا مثل الإختلاق في قوله (تسألون) فقال { ويوم تشقق ~~السماء بالغمم } يعني: الغمام والغمام هو شيء مثل السحاب ~~الأبيض فوق سبع سموات كما روي في الخبر أن دعوة المظلوم ترفع فوق الغمام ~~يعني: تشقق السماء وتظهر بالغمام { ونزل الملئكة تنزيلا } ~~قرأ ابن كثير وننزل الملائكة بنونين ونصب الهاء ومعناه: أن الله تعالى ~~يقول: ننزل الملائكة وقرأ الباقون (ونزل) على ما فعل ما لم يسم فاعله ~~معناه: أن الله تعالى ينزل ملائكة السموات وروي في الخبر أنه تشقق سماء ~~الدنيا فينزل ملائكة سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس ~~ويقول لهم الخلائق: أفيكم ربنا يعني: هل جاء أمر ربنا بالحساب فيقول: لا ~~وسوف يأتي ثم تنزل ملائكة السماء الثانية بمثلي من في الأرض من الملائكة ~~والإنس والجن ثم تنزل ملائكة كل سماء على هذا التضعيف حتى تنزل ملائكة ~~سبع سموات فيظهر بالغمام وهو كالسحاب الأبيض فوق سبع سموات ثم ينزل ~~بالأمر بالحساب فذلك قوله: { ويوم تشقق السماء بالغمم ~~ونزل الملئكة تنزيلا } ويقال: الغمام الذي قال في سورة ~~البقرة # في ظلل من الغمام والملئكة # [البقرة: 210] ثم قال عز وجل: { الملك يومئذ الحق ~~للرحمن } وفي الآية تقديم ومعناه الملك يومئذ الحق للرحمن الحق ~~صفة ms1189 الملك والمعنى الملك الذي هو الملك حقا ملك الرحمن لأنه لا يدعي ~~الملك يومئذ أحد ويقال الحق يومئذ الملك الخالص ويقال: يعني: الملك الصدق ~~ثم قال تعالى: { وكان يوما على الكفرين عسيرا } يعني: ~~شديدا وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين يسيرا وهذا كما ~~قال في آية أخرى # على الكفرين غير يسير # [المدثر: 10]. ### || [25.27-31] # قوله عز وجل: { ويوم يعض الظلم على يديه } يعني: ~~عقبة بن أبي معيط وذلك أن عقبة (كان لا يقدم من سفر) إلا صنع طعاما وكان ~~يدعو إلى الطعام من أهل مكة من أحب وأراد وكان يكثر مجالسة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ويعجبه حديثه فقدم ذات يوم من سفره وصنع طعاما ودعا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طعامه فأتاه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما قدم الطعام إليه فأبى أن يأكل وقال ما أنا بالذي آكل من ~~طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وكان عندهم من العار ~~أن يخرج أحدهم قبل أن يأكل (من الطعام شيئا فألح عليه أن يأكل) فلم يأكل ~~فشهد بذلك عقبة فأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من طعامه وكان أبي ~~بن خلف الجمحي غائبا وكان خليله فلما قدم أخبر بذلك فأتاه فقال صبوت يا ~~عقبة فقال لا والله ما صبوت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل من طعامي إلا ~~أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم فشهدت فطعم فقال له: ما ~~أنا بالذي أرضى عنك أبدا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتشتمه وتكذبه ففعل ~~ذلك فنزلت هذه الآية { ويوم يعض الظلم } يعني: عقبة على ~~يديه يعني: على أنامله وروي عن أنس بن مالك أنه قال يعض عقبة بن أبي معيط ~~على يديه يوم القيامة يأكل لحم يديه حتى يبلغ العضد من الندامة وهو { ~~يقول يليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا } يعني: اتخذت ~~طريق الهدى وكنت معه على الإسلام قوله عز وجل: { يويلتى ليتنى ~~لم أتخذ فلانا خليلا ms1190 } يعني: أبي بن خلف وقال إنما قال ~~فلانا ولم يذكر اسمه لحقارته { لقد أضلنى عن الذكر } أي: ~~عن الإيمان { بعد إذ جاءنى } أي: حين جاءني ويقال إنه لم يذكر ~~اسمه لأنه دخل في جميع الظالمين لأن من صنع مثل هذا الصنيع ~~يكون جزاؤه هذا وقتل عقبة يوم بدر صبرا وقتل أبي بن خلف يوم أحد ~~ويقال: { لم أتخذ فلانا خليلا } يعني: الشيطان بدليل قوله ~~عز وجل: { وكان الشيطن للإنسن خذولا } يعني: يتبرأ ~~منه يوم القيامة ونزل فيه # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو # [الزخرف: 67] ثم قال عز وجل: { وقال الرسول يرب إن ~~قومى اتخذوا هذا القرءان مهجورا } يعني: متروكا لا ~~يؤمنون به ولا يعملون بما فيه وقال القتبي يعني: جعلوه كالهذيان ويقال: ~~فلان يهجر في منامه أي يهذب وقال مجاهد: يهجرون منه بالقول يعني يقولون ~~فيه بالقبيح فبين الشكاية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الرب ~~عز وجل ثم إن الله عز وجل عزاه وأخبره أن الرسل من قبله كانوا يتأذون ~~بقومهم فذلك قوله عز وجل: { وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا ~~من المجرمين } يعني: من المشركين فيهجرون الكتاب ثم قال: { ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا } يعني: هاديا إلى دينه من كان ~~أهلا لذلك ويقال وكفى بربك حافظا على الدين ونصيرا أي: مانعا ويقال: ~~وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا يعني: فرعونا كما جعلنا أبا جهل فرعونك ويقال ~~سلطنا على كل نبي متكبرا ليتكبر عليه ويكذبه ويؤذيه وروي في الخبر لو أن ~~مؤمنا ارتقى على ذروة جبل فقيض الله تعالى إليه منافقا يؤذيه فيؤجر ~~عليه { وكفى بربك هاديا } يعني: اكتف بربك واصبر على أذاهم، ~~صار هاديا ونصيرا نصبا على الحال أي: وكفى بربك في حال الهداية ~~والنصرة نصيرا، ويقال: الباء زائدة للصلة ومعناه: كفى بربك هاديا إلى ~~دينه ونصيرا. ### || [25.32-34] # قوله: { وقال الذين كفروا لولا } يعني: هلا { نزل ~~عليه القرءان جملة وحدة } كما أنزلت التوراة على موسى ~~والإنجيل على عيسى عليهما السلام ويقول الله تعالى: { كذلك } يعني: ~~هكذا أنزلناه متفرقا { لنثبت به ms1191 فؤادك } يعني: ليحفظ ويقوى ~~به قلبك ونفرحك دخل قلبه الغم نزلت عليه آية وآيتان فيفرح بها ويقال: ~~لنثبت به فؤادك يعني ليكون قبوله على المسلمين أسهل لأنه لو أنزلت ~~الأحكام والشرائع كلها جملة واحدة شق على المسلمين قبولها كما شق على بني ~~إسرائيل ويقال: أنزلناه هكذا لنرسخ القرآن في قلبك لكي تحفظ الآية ~~والآيتين ويقال: كذلك أنزلناه لتحكم عند كل حادثة وعند كل واقعة لتقوي به ~~قلبك في ذلك { ورتلناه ترتيلا } يعني: بيناه تبيينا ويقال ~~شيء رتل ورتيل إذا كان مبينا وقال مجاهد: ورتلناه ترتيلا أي بعضه على ~~أثر بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء ~~الدنيا ثم أنزل بعد ذلك جبريل عليه السلام به في عشرين سنة وهو قوله ~~تعالى: { كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ~~} # وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلنه تنزيلا # [الإسراء: 106] { ولا يأتونك بمثل إلا جئنك ~~بالحق } يعني: لا يخاصمونك بمثل مثل قوله: { لولا نزل ~~عليه القرءان جملة وحدة } ثم قال: { إلا جئنك ~~بالحق } يعني: أنزلنا عليك جبريل بالقرآن فتخاصمهم به { وأحسن ~~تفسيرا } يعني: وأحسن بيانا لترد به خصومهم ويقال: معناه: ولا ~~يأتونك بحجة إلا بينا لك في القرآن ما فيه نقص لحجتهم وأحسن تفسيرا أي: ~~جوابا لهم ويقال: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بما هو أحسن من مثلهم ويقال ~~كل نبي إذا قال له قومه قولا كان هو الذي يرد عليهم وأما النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا قالوا له شيئا فالله تعالى هو الذي يرد عليهم ~~ثم أخبرهم بمستقرهم في الآخرة فقال عز وجل: { الذين يحشرون ~~على وجوههم } يعني: يسحبون على وجوههم { إلى جهنم ~~أولئك شر مكانا } يعني: منزلا في النار وضيقا في الدنيا { ~~وأضل سبيلا } يعني: أخطأ طريقا وذلك أن كفار مكة قالوا ما كان ~~محمد وأصحابه أولى بهذا الأمر منا والله إنهم لشر خلق الله فأنزل الله عز ~~وجل: { الذين يحشرون على وجوههم } وروي في الخبر أن ~~الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة ms1192 أصناف فصنف على النجائب وصنف على ~~أرجلهم وصنف على وجوههم فقيل يا رسول الله: كيف يحشرون على وجوههم فقال ~~إن الذي أمشاهم على أقدامهم فهو قادر على أن يمشيهم على وجوههم فذلك قوله ~~{ أولئك شر مكانا }. ### || [25.35-39] # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني: أعطينا ~~موسى التوراة. { وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا } أي: ~~معينا { فقلنا اذهبا إلى القوم } يعني: به موسى كقوله عز ~~وجل في سورة طه # اذهب أنت وأخوك # [طه: 42] خاطب موسى خاصة إلى القوم { الذين كذبوا ~~بئايتنا } يعني: فرعون وقومه كذبوا بآياتنا أي بتوحيدنا وديننا ~~وقال الكلبي يعني: كذبوا بآياتنا التسع وقال بعضهم هذا التفسير خطأ لأن ~~الآيات التسع أعطاها الله تعالى موسى بعد ذهابه إليه وقد قيل معناه اذهبا ~~إلى القوم وهذا الخطاب لموسى عليه السلام ثم قال الله تعالى للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - { الذين كذبوا بئايتنا } يعني: ~~بالعلامات التي خلق الله تعالى في الدنيا ويقال بآياتنا يعني: بالرسل ~~وبكتب الأنبياء عليهم السلام الذين قبل موسى ثم قال: { فدمرنهم ~~تدميرا } يعني: كذبوهما فأهلكناهم إهلاكا ويقال: في الآية تقديم ~~قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب يعني: كتابا قبل التوراة قوله عز ~~وجل: { وقوم نوح } يعني: واذكر قوم نوح عليه السلام: { لما ~~كذبوا الرسل } يعني: نوحا وحده كما قال # يأيها الرسل # [المؤمنون: 51] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب فيجوز أن يذكر الجماعة ~~ويراد به الواحد كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة كقوله # والعصر إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1- 2] وإنما أراد به الناس ألا ترى أنه استثنى منه جماعة ويقال: ~~إن نوحا كان يدعو قومه إلى الإيمان به وبالأنبياء الذين بعده فلما كذبوه ~~فقد كذبوا جميع الرسل فلهذا قال { لما كذبوا الرسل } { ~~أغرقناهم وجعلناهم للناس آية } يعني: عبرة لمن بعدهم ~~{ وأعتدنا للظلمين عذابا أليما } أي: وجيعا، ثم قال ~~عز وجل: { وعادا وثمودا وأصحب الرس } يعني: واذكر ~~عادا وثمود وأصحاب الرس وهم قوم قد نزلوا عند بئر كانت تسمى الرس فكذبوا ~~رسلهم فأهلكهم الله تعالى ويقال إنما سموا ms1193 أصحاب الرس لأنهم قتلوا ~~نبيهم ورسولهم في بئر لهم وقال مقاتل: يعني: البئر التي كان فيها أصحاب ~~ياسين بأنطاكية التي بالشام { وقرونا بين ذلك كثيرا } يعني: ~~أهلكنا أمما بين قوم نوح وعاد وبين عاد وثمود إلى أصحاب الرس كثيرا { ~~وكلا ضربنا له الأمثال } يعني: بينا لهم العذاب أنه نازل ~~بهم في الدنيا { وكلا تبرنا تتبيرا } أي: دمرناهم بالعذاب ~~تدميرا يقال تبره إذا أهلكه. ### || [25.40-46] # ثم قال عز وجل: { ولقد أتوا على القرية } يعني: أهل مكة ~~مروا على القرية { التى أمطرت مطر السوء } يعني: قريات ~~لوط أمطرنا عليهم الحجارة قوله: { أفلم يكونوا يرونها } ~~يعني: أفلم يبصرونها فيعتبروا بها { بل كانوا لا يرجون ~~نشورا } يعني: بل كانوا لا يخافون البعث ويقال لا يرجون ثواب الآخرة ~~وإنما جاز أن يعبر به عنهما لأن في الرجاء طرفا من الخوف لأن كل من يرجو ~~شيئا فإنه يخاف وربما يدرك وربما لا يدرك قوله عز وجل: { وإذا ~~رأوك } يعني: أهل مكة { إن يتخذونك إلا هزوا } يعني: ~~ما يقولون لك إلا سخرية فيما بينهم ويقولون { أهذا الذى بعث ~~الله رسولا } يعني: إلينا وهو قول أبي جهل حين قال لأبي سفيان بن ~~حرب أهذا نبي بني عبد مناف { إن كاد ليضلنا } يعني: أراد أن ~~يصرفنا { عن ءالهتنا } يعني: عن عبادة آلهتنا { لولا أن ~~صبرنا عليها } يعني: ثبتنا على عبادتها لأدخلنا في دينه حكى ~~قولهم ثم بين مصيرهم فقال: { وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب } يعني: يوم القيامة { من أضل سبيلا } يعني: أخطأ ~~طريقا يعني: تبين لهم أن الذي قلت لهم كان حقا قوله عز وجل: { ~~أرءيت من اتخذ إلهه هواه } يعني: اتخذ هوى نفسه إلها ~~يعني: يعمل بكل ما يدعوه إليه هواه ويقال: إنهم كانوا يعبدون حجرا فإذا ~~رأوا الجحر أحسن منه تركوا الأول وعبدوا الثاني { أفأنت تكون ~~عليه وكيلا } يعني: أتريد أن تكون بيدك المشيئة في الهدى والضلالة ~~ويقال معناه أفأنت تكون عليه وكيلا يعني: أتريد أن تكون ربا لهم ~~فتجزيهم بأعمالهم يعني: لست كذلك فأنذرهم فإنما أنت ms1194 منذر ثم قال عز وجل: ~~{ أم تحسب أن أكثرهم } يعني: أتظن أنهم يريدون الهدى أو { ~~يسمعون أو يعقلون } الهدى { إن هم } يعني: ما هم { ~~إلا كالأنعم } في الأكل والشرب ولا يتفكرون في أمر الآخرة { ~~بل هم أضل سبيلا } يعني: أخطأ طريقا من البهائم لأن البهائم ~~ليسوا بمأمورين ولا بمنهيين وقال مقاتل البهائم تعرف ربها وتذكره وكفار ~~مكة لا يعرفون ربهم فيوحدونه قوله عز وجل: { ألم تر إلى ربك ~~كيف مد الظل } قال بعضهم: فيه تقديم ومعناه ألم تر إلى الظل كيف ~~مده ربك وقال بعضهم فيه مضمر ومعناه ألم تر إلى صنع ربك كيف مد الظل ~~يعني: بسط الظل بعد انفجار الصبح إلى طلوع الشمس { ولو شاء ~~لجعله ساكنا } يعني: دائما كما هو لا شمس معه كما يكون في الجنة ~~ظل ممدود ويقال تلك الساعة تشبه ساعات الجنة إلا أن الجنة أنور { ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا } حيث ما تكون الشمس يظهر الظل ~~وقال القتبي إنما يكون دليلا لأنه لو لم تكن الشمس لم يعرف الظل لأن ~~الأشياء تعرف بأضدادها { ثم قبضنه إلينا قبضا يسيرا ~~} يعني: الظل بعد غروب الشمس وذلك أن الشمس إذا غابت عاد الظل وذلك وقت ~~قبضه لأن ظل الشمس بعد غروب الشمس لا يذهب كله جملة وإنما يقبض الله ذلك ~~الظل قبضا خفيا شيئا فشيئا دل الله تعالى بهذا الوصف على قدرته ~~ولطفه في معاقبته بين الظل والشمس (لمنافع الناس ولمصالح) عباده وبلاده ~~ويقال ثم قبضناه أي: قبضناه سهلا ويقال: يسيرا عند طلوع الشمس ثم ~~قبضناه يسيرا يعني: هينا سهلا ويقال يسيرا يعني: خفيا فلا يدري أحد ~~أين يصير وكيف يصير ويقال: ثم قبضناه يعني: ورفعناه رفعا خفيفا. # ويقال قوله { ثم جعلنا الشمس عليه دليلا } أي: على ~~الأوقات في النهار ليعرف زوال الشمس وأوقات الصلاة ### || [25.47-52] # قوله عز وجل: { وهو الذى جعل لكم اليل لباسا } يعني: ~~سكنا لتسكنوا فيه ويقال لباسا سترا يستر جميع الأشياء { والنوم ~~سباتا } يعني: راحة للخلق ليستريحوا فيه بالنوم { وجعل النهار ~~نشورا ms1195 } أي: للنشور ينتشرون فيه لابتغاء الرزق ثم قال عز وجل: { ~~وهو الذى أرسل الريح بشرا } يعني: تنشر السحاب ~~والاختلاف في القراءات كما ذكرنا في سورة الأعراف { بين يدى ~~رحمته } يعني: قدام المطر { وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا } يعني: مطهرا يطهر به الأشياء ولا يطهر بشيء { لنحيى ~~به بلدة ميتا } يعني: أرضا لا نبات فيها فينبت بالمطر { ~~ونسقيه } يعني: نسقي بالمطر { مما خلقنا أنعما ~~وأناسى كثيرا } وهو جماعة الإنس يعني: نسقي به الناس والدواب ~~لفظ البلدة مؤنث إلا أن معنى البلدة والبلد واحد فانصرف إلى المعنى ولو ~~قال ميتة لجاز إلا أنه لم يقرأ ثم قال عز وجل: { ولقد صرفنه ~~بينهم } يعني: قسمناه بين الخلق ويقال نصرفه من بلد إلى بلد مرة ~~بهذا البلد ومرة ببلد آخر كما روي عن ابن مسعود أنه قال ما من عام بأمطر ~~من عام ولكن الله تعالى يصرفه (في الأرض ثم قرأ هذه الآية كما روي عن ابن ~~مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى ~~غيرهم فإذا - عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار " # وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما من عام بأكثر من عام ولكنه يصرفه) حيث ~~يشاء فذلك قوله تعالى: ولقد صرفناه بينهم { ليذكروا } يعني: ~~ليتعظوا في صنعه فيعتبروا في توحيد الله تعالى فيوحدوه وقرأ حمزة ~~والكسائي ليذكروا بالتخفيف وضم الكاف وقرأ الباقون بالتشديد والنصب ثم ~~قال: { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } يعني: كفرانا في ~~النعمة وهو قولهم مطرنا بنوء كذا ويقال: إلا جحودا وثباتا على الكفر ~~قوله عز وجل: { ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا ~~} قال مقاتل: ولو شئنا لبعثنا في زمانك في كل قرية رسولا ولكن بعثناك ~~إلى القرى كلها رسولا اختصصناك بها { فلا تطع الكفرين } ~~وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه { وجهدهم به } أي: بالقرآن { ~~جهادا كبيرا } يعني: شديدا. ### || [25.53-57] # قوله عز وجل: { وهو الذى مرج البحرين } يعني: أرسل ويقال ms1196 ~~حلى البحرين ويقال: فلق البحرين ويقال خلق البحرين العذب والمالح { ~~هذا عذب فرات } يعني: حلوا { وهذا ملح أجاج } ~~يعني: مر مالح { وجعل بينهما برزخا } أي: حاجزا { ~~وحجرا محجورا } أي: حرم على العذب أن يملح وحرم على المالح أن ~~يعذب وحرم على كل واحد منهما أن يختلط بصاحبه وأن يغير كل واحد منهما طعم ~~صاحبه قوله عز وجل: { وهو الذى خلق من الماء بشرا } أي: ~~من النطفة إنسانا { فجعله نسبا وصهرا } فالنسب ما لا يحل لك ~~نكاحه من القرابة والصهر ما يحل لك نكاحه من القرابة وغير القرابة وهذا ~~قول الكلبي وقال الضحاك: النسب القرابة والصهر الرضاع ويحرم من الصهر ما ~~يحرم من النسب ويقال النسب الذي يحرم بالقرابة والصهر الذي يحرم بالنسب ~~وهو ما ذكر في قوله تعالى: # حرمت عليكم أمهتكم وبنتكم وأخوتكم ~~وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت # [النساء: 23] فهذه السبع تحرم بالقرابة والسبع التي تحرم بالنسب فهو ما ~~ذكر بعده وهو قوله تعالى: # وأمهتكم اللاتى أرضعنكم # [النساء: 23] إلى آخر الآية وامرأة الأب ثم قال تعالى: { وكان ~~ربك قديرا } فيما أحل النكاح وفيما حرم يقال: قديرا على ما أراد ~~قوله عز وجل: { ويعبدون من دون الله } يعني: الأصنام { ما ~~لا ينفعهم } إن عبدوهم { ولا يضرهم } إن لم يعبدوهم { ~~وكان الكفر على ربه ظهيرا } أي: عونا للشياطين على ~~ربه قال بعضهم: نزلت في شأن أبي جهل بن هشام ويقال في شأن جميع الكفار ثم ~~قال: { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } يعني: ما ~~أرسلناك يا محمد إلا مبشرا بالجنة لمن أطاع الله ونذيرا بالنار لمن ~~عصاه { قل ما أسألكم عليه } يعني: قل لكفار مكة ما أسألكم ~~يعني: على القرآن والإيمان { من أجر } يعني: من جعل { إلا من ~~شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } يعني: إلا من شاء أن يوحده ~~ويتخذ إلى ربه بذلك التوحيد سبيلا يعني: مرجعا ويقال: يعمل فيتخذ عند ~~ربه مرجعا صالحا فيدخل به الجنة يعني: لا أريد الأجر ولكن أريد لكم هذا ~~الذي ذكر وقصدي هذا لا أن ms1197 آخذ منكم شيئا. ### || [25.58-60] # قوله عز وجل: { وتوكل على الحى الذى لا يموت } وذلك ~~حين دعي إلى ملة آبائه فأمره الله تعالى بأن يتوكل على ربه قال الكريم { ~~وسبح بحمده } قال مقاتل: واذكر بأمره وقال الكلبي: صل بأمره { ~~وكفى به بذنوب عباده خبيرا } يعني: عالما معناه وكفى ~~بالله عالما بذنوب عباده وبمجازاتهم فلا أحد أعلم بذنوب عباده ومجازاتهم ~~منه ثم قال عز وجل: { الذى خلق السموات والأرض وما ~~بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش } وقد ~~ذكرناه وتم الكلام ثم قال: { الرحمن } يعني: استوى الرحمن على ~~العرش قال: ويجوز أن يكون على معنى الابتداء ثم قال: { فاسأل به ~~خبيرا } يعني: فاسأل (عنه عالما ويقال معناه ما أخبرتك به من شيء فهو ~~كما أخبرتك فاسأل) بذلك عالما حتى يبين لك ذلك كقوله: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك # [يونس: 94] الآية خاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد به أمته ~~قوله عز وجل: { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن } يعني: ~~صلوا للرحمن ويقال: اخضعوا له ووحدوه { قالوا وما الرحمن } ~~يعني: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب قالوا: { أنسجد لما ~~تأمرنا } لذلك الكذاب قرأ حمزة والكسائي بالياء على معنى المغايبة ~~وقرأ الباقون على المخاطبة { وزادهم نفورا } يعني: زادهم ذكر ~~الرحمن تباعدا عن الإيمان فمن قرأ بالياء فمعناه لما يأمرنا الرحمن ~~بالسجود ويقال لما يأمرنا محمد يعني لا نسجد لما يأمرنا كقوله: # فانكحوا ما طاب لكم # [النساء: 3] يعني: من طاب لكم ومن قرأ بالتاء أراد به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال أبو عبيد: هذا هو الوجه لأن المشركين خاطبوه بذلك وكانوا ~~غير مقرين بالرحمن. ### || [25.61-67] # قوله عز وجل: { تبرك } وقد ذكرناه { الذى جعل فى السماء ~~بروجا } يعني: خلق في السماء بروجا يعني: نجوما وكواكب ويقال: ~~قصورا وذكر أنه جعل في القصور حراسا كما قال في آية أخرى # وأنا لمسنا السمآء فوجدنها ملئت حرسا # [الجن: 8] الآية ويقال: البروج الكواكب العظام وكل ظاهر مرتفع فهو برج ~~وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها ثم ms1198 قال تعالى: { وجعل } يعني: ~~خلق فيها { سراجا } يعني: شمسا { وقمرا منيرا } يعني: منورا ~~مضيئا قرأ حمزة والكسائي (سرجا) بلفظ الجمع يعني الكواكب وقرأ ~~الباقون (سراجا) وبه قال أبو عبيدة: بهذا نقرأ كقوله: { وجعل ~~الشمس سراجا } ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله: { بروجا } ثم قال ~~عز وجل: { وهو الذى جعل اليل والنهار } أي: خلق الليل ~~والنهار { خلفة لمن أراد أن يذكر } أي خلفة يخلف كل ~~واحد منهما صاحبه يذهب الليل ويجيء النهار ويذهب النهار ويجيء الليل ~~ويقال: خلفة يعني: مخالفا بعضه لبعض أحدهما أبيض والآخر أسود فهما ~~مختلفان كقوله عز وجل: { إن فى اختلف اليل والنهار } ~~الآية وعن الحسن أنه قال: النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل ~~فيفوته فيقضي فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر قرأ حمزة ~~(يذكر) بتسكين الذال وضم الكاف يعني: يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف ~~الليل والنهار وقرأ الباقون بالتشديد (يذكر) وأصله يتذكر يعني: يتعظ ~~في اختلافهما ويستدل بهما { أو أراد شكورا } يعني: العمل الصالح ~~ويترك ما هو عليه من المعصية ويقال أو أراد شكورا أو أراد توحيدا ~~وإقرارا فيمكنه ذلك قوله عز وجل: { وعباد الرحمن الذين ~~يمشون } يعني: وإن من عباد الرحمن عبادا يمشون { على الأرض ~~هونا } يعني: يمضون متواضعين وهذا جواب لقولهم وما الرحمن أنسجد فقال ~~الرحمن الذي جعل في السماء بروجا وهو الذي له عباد مثل هؤلاء يعني أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان مثل حالهم وهذا كقوله # جنت عدن التى وعد الرحمن عباده # [مريم: 61] وكقوله: # فبشر عباد الذين # [الزمر: 17] الآية وقال مجاهد: يمشون على الأرض هونا قال في طاعة الله ~~متواضعين ويقال: هونا أي هينا لا جور فيه على أحد ولا أذى ويقال: هونا ~~يعني: سكينة ووقارا وحلما { وإذا خاطبهم الجهلون } يعني: ~~كلمهم الجاهلون بالجهل { قالوا سلاما } يعني: سدادا من القول ~~ويقال: ردوا إليهم بالجميل وقال الحسن: أي حلما لا يجهلون وإن جهل عليهم ~~حلموا وقال الكلبي: نسخت بآية القتال وقال بعضهم: هذا خطأ لأن هذا ms1199 ليس ~~بأمر ولكنه خير من حالهم والنسخ يجري في الأمر والنهي ثم وصف حال لياليهم ~~فقال عز وجل: { والذين يبيتون لربهم سجدا } يعني: ~~يقومون بالليل في الصلاة سجدا { وقيما } يعني: يكونون في ليلتهم ~~مرة ساجدين ومرة قائمين وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: من صلى ركعتين أو ~~أربعا بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما ثم وصف خوفهم فقال إنهم مع ~~جهدهم خائفون من عذاب الله عز وجل ويتعوذون منه فقال عز وجل: { ~~والذين يقولون } يعني: عباد الرحمن { ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } يعني: لازما لا ~~يفارق صاحبه وقال بعض أهل اللغة: الغرام في اللغة أشد العذاب وقال محمد ~~بن كعب القرظي: (إن عذابها كان غراما) قال سألهم عن النعم ~~فلم يأتوا بثمنها فأغرمهم ثمن النعم وأدخلهم النار ثم قال: { إنها ~~ساءت مستقرا ومقاما } يعني: بئس المستقر وبئس الخلود والمقام ~~الخلود كقوله: # دار المقامة # [فاطر: 35] يعني: دار الخلود ويقال نصب المستقر للتمييز ومعناه لأنها ~~ساءت في المستقر ثم قال عز وجل: { والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا } وقرأ نافع وابن عامر يقتروا بضم ~~الياء وكسر التاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لم يقتروا بنصب الياء وكسر ~~التاء وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء وضم التاء ومعنى ذلك كله واحد يعني: لم ~~يسرفوا فينفقوا في معصية الله ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة { وكان ~~بين ذلك قواما } يعني: بين ذلك عدلا ووسطا وقال الحسن: ما ~~أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ولا إقتار فهو في سبيل الله ~~تعالى وقال مجاهد: لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهبا فأنفقه في طاعة الله ~~لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما في معصية الله تعالى كان مسرفا. ### || [25.68-70] # ثم قال عز وجل: { والذين لا يدعون مع الله إلها ~~ءاخر } يعني: لا يشركون بالله ويقال: الشرك ثلاثة أولها أن يعبد غير ~~الله تعالى والثاني أن يطيع مخلوقا بما يأمره من المعصية والثالث أن ~~يعمل لغير وجه الله تعالى فالأول ms1200 كفر والآخران معصية ثم قال: { ولا ~~تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق } أي: ~~إلا بإحدى خصال ثلاث وقد ذكرناه { ولا يزنون } يعني: لا يستحلون ~~الزنا ولا يقتلون النفس { ومن يفعل ذلك } يعني: الشرك والقتل ~~والزنا { يلق أثاما } قال الكلبي يعني: عقابا في النار وذكر عن ~~سيبويه والخليل أنهما قالا: معناه جزاء الآثام ويقال: الآثام العقوبة ~~وقال الشاعر: # جزى الله ابن عروة حين أمسى # عقوقا فالعقوق له أثام # أي: عقوبة ثم قال عز وجل: { يضعف له العذاب يوم ~~القيمة ويخلد فيه مهانا } يعني: في العذاب صاغرا يهان ~~فيه قرأ عاصم يضاعف له بالألف وضم الفاء وقرأ ابن عامر وابن كثير يضعف ~~بغير ألف والتشديد وجزم الفاء وقرأ الباقون يضاعفون بالألف وجزم الفاء ~~وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر ويخلد بضم الدال وروى حفص عن عاصم ~~وابن كثير ويخلد بالإشباع والباقون بجزم الدال ثم قال عز وجل: { إلا ~~من تاب وءامن } يعني: تاب من الشرك والزنا والقتل وصدق بتوحيد ~~الله تعالى: { وعمل صلحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنت } يعني: مكان الشرك الإيمان ومكان القتل الكف ~~ومكان الزنا العفاف ومكان المعصية العصمة والطاعة ويقال: إنه يبدل في ~~الآخرة مكان عمل السيئات والحسنات وروي عن ابن مسعود أنه قال: إن يوم ~~القيامة إذا أعطى الإنسان كتابه لينظر في كتابه فيرى أوله معاصي وفي ~~الآخر حسنات فلما رجع إلى أول الكتاب رآه كله حسنات وروى أبو ذر رضي الله ~~عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " يعرض عليه أصاغر ذنوبه وهو مشفق من الكبائر أن تجيء ذنوبه العظام فإذا ~~أراد به خيرا قيل أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب إن لي ذنوبا ما ~~أراها هنا " # قال: ولقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك ثم تلا { ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت } وذكر عن أبي ~~هريرة أنه قال: خرجت من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألتني ~~امرأة في الطريق فقالت زنيت ثم قتلت الولد فهل لي ms1201 من توبة فقلت: لا توبة ~~لك أبدا ثم قلت: أفتيتها ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا ~~فرجعت إليه فأخبرته بذلك فقال هلكت وأهلكت فأين أنت من هذه الآية { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر } إلى قوله: { ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت } فخرجت وقلت ~~من يدلني على امرأة سألتني مسألة والصبيان يقولون جن أبو هريرة حتى ~~أدركتها وأخبرتها بذلك فسرت وقالت: إن لي حديقة جعلتها لله ولرسوله وقال ~~بعضهم: هذه الآية مدنية نزلت في شأن وحشي وقال بعضهم: الآية قد كانت نزلت ~~بمكة فكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى وحشي ثم قال ~~تعالى: { وكان الله غفورا رحيما } يعني: غفورا لما فعلوا ~~قبل التوبة لمن تاب رحيم [بالمؤمنين] بعد التوبة. ### || [25.71-77] # { ومن تاب وعمل صلحا } يعني: تاب من الشرك والمعاصي وعمل ~~صالحا بعد التوبة { فإنه يتوب إلى الله متابا } يعني: ~~مناصحا لا يرجع ويقال متابا له في الجنة ويقال متابا يعني: توبة يعني ~~يتوب توبة مخلصة ثم قال: { والذين لا يشهدون الزور } يعني: ~~لا يحضرون مجالس الكذب والفحش والكفر { وإذا مروا باللغو } ~~يعني: مجالس اللهو والباطل { مروا كراما } يعني: حلماء علماء ~~معرضين عنها وقال القتبي: مروا كراما لم يخوضوا فيه وأكرموا أنفسهم ثم ~~قال عز وجل: { والذين إذا ذكروا بئايت ربهم } ~~يعني: وعظوا بالقرآن { لم يخروا عليها } يعني: لم يقعوا عليها ~~{ صما وعميانا } يعني: لا يسمعون ولا يبصرون ولكنهم سمعوا ~~وانتفعوا به وهذا قول مقاتل وقال القتبي لم يخروا عليها أي لم يتغافلوا ~~عنها فكأنهم صم لم يسمعوها عمي لم يروها ثم قال عز وجل: { والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزوجنا وذريتنا ~~قرة أعين } يعني: اجعل أزواجنا وذريتنا من الصالحين تقر أعيننا ~~بذلك ويقال: وفقهم للطاعة واعصمهم من المعصية ليكونوا معنا في الجنة فتقر ~~بهم أعيننا قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وذريتنا ~~بلفظ الوحدان وقرأ الباقون وذرياتنا بلفظ الجماعة ثم قال: { واجعلنا ~~للمتقين إماما } يعني: اجعلنا أئمة في الخير ms1202 يقتدي بنا ~~المؤمنون كما قال: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا # [الأنبياء: 73] أي: قادة في الخير وروي عن عروة أنه كان يدعو بأن يجعله ~~الله ممن يحمل عنه العلم فاستجيب دعاؤه وروي عن مجاهد معناه واجعلنا ممن ~~نقتدي بمن قبلنا حتى يقتدي بنا من بعدنا ويقال: معناه اجعلنا ممن يقتدي ~~بالمتقين ويقتدي بنا المتقون فهذا كله من خصال عباد الرحمن من قوله: ~~وعباد الرحمن إلى ها هنا فوصف أعمالهم ثم بين ثوابهم فقال عز ~~وجل: { أولئك يجزون الغرفة } يعني: غرف الجنة كقوله: # غرف من فوقها غرف مبنية # [الزمر: 20] { بما صبروا } يعني: صبروا على أمر الله تعالى في ~~الدنيا وعلى طاعته { ويلقون فيها } يعني: في الجنة { تحية ~~} يعني: التسليم { وسلما } يعني: سلام الله تعالى لهم قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وإحدى الروايتين عن ابن عباس ويلقون ~~فيها بنصب الياء وجزم اللام والتخفيف وقرأ الباقون ويلقون بضم الياء ~~ونصب اللام وتشديد القاف فمن قرأ بالتخفيف يعني: يلقي بعضهم بعضا ~~بالسلام ومن قرأ بالتشديد يعني: يجيء إليهم سلام الله يعني يلقى إليهم ~~السلام من الله تعالى ثم قال عز وجل: { خلدين فيها } يعني: ~~دائمين في الجنة { حسنت مستقرا ومقاما } يعني: موضع القرار ~~وموضع الخلود قوله عز وجل: { قل ما يعبؤا بكم ربى لولا ~~دعاؤكم } يقول: ما يفعل بكم ربي لولا عبادتكم ويقال: ما يفعل ~~بعذابكم لولا عبادتكم غير الله تعالى ويقال: ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة ~~من يعبدوني لأنزلت عليكم عذابي ويقال: لولا دعاؤكم يعني: يقول لولا ~~إيمانكم ثم قال عز وجل سبحانه: { فقد كذبتم فسوف يكون ~~لزاما } يعني: عذابا يلزمهم فقتلوا ببدر وعجلت أرواحهم إلى النار ~~فتلك عقوبتهم فيها ويقال: لزاما يعني: موتا وقال ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه: خمس قد مضين من ذلك اللزام واللزم والقمر والدخان والبطشة ~~(ويقال ما يحتاج بعذابكم لولا عبادتكم الأصنام ويقال ما يفعل الله ~~بعذابكم لولا عبادتكم غير الله ويقال ما ينتظر بهلاككم لولا عبادة من ~~يعبدني لأنزلت عذابي إلى غير ذلك) والله أعلم ms1203 وصلى الله على سيدنا محمد. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-6] # قول الله سبحانه وتعالى { طسم } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي ~~بكر بإمالة الطاء وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتفخيم وهما لغتان معروفتان ~~عند العرب ويجوز كلاهما وقرأ نافع بين ذلك وقرأ حمزة بإظهار النون ~~والباقون بالإدغام لتقارب مخرجهما ومن لم يدغم أراد التبيين وكلاهما جائز ~~وأما التفسير فروى معمر عن قتادة أنه قال: إسم من أسماء القرآن ويقال ~~والطاء طوله والسين سناؤه والميم ملكه ومجده ويقال: الطاء شجرة طوبى ~~والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~بعضهم عجزت العلماء عن تفسيرها وقال بعضهم هو قسم قسم الله تعالى به { ~~تلك ءايت الكتب } يعني: هذه آيات الكتاب ويقال: تلك آيات ~~الكتاب التي كنت وعدت في التوراة أن أنزلها على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - الكتاب { المبين } يعني: القرآن بين لكم الحق من الباطل { ~~لعلك بخع نفسك } يعني: مهلك نفسك ويقال: قاتل نفسك بالحزن ~~{ أن لا يكونوا مؤمنين } يعني: إذا لم يصدقوا بالقرآن وذلك حين ~~كذبه أهل مكة شق ذلك عليه وحزن بذلك فقال له: ليس عليك سوى التبليغ ولا ~~تقتل نفسك إن لم يؤمنوا ثم قال عز وجل: { إن نشأ ننزل ~~عليهم من السماء ءاية } يعني: علامة { فظلت } يعني: ~~فصارت { أعنقهم لها خضعين } يعني: وننزل عليهم آية ~~تضطرهم إلى أن يؤمنوا ولكنه لم يفعل لأنه لو فعل ذلك لذهبت المحنة فلم ~~يستوجبوا الثواب إذا آمنوا بعد معاينة العذاب كمن آمن يوم القيامة لا ~~ينفعه إيمانه لأنه قد ظهر له بالمعاينة ويقال فظلت أعناقهم يعني: ساداتهم ~~وكبراؤهم والأعناق الكبراء فإن قيل: جمع الأعناق مؤنث قال: خاضعين ولم ~~يقل: خاضعات قيل له لأن الكلام انصرف إلى المعنى فكأنه قال: هم لها ~~خاضعون قوله: { وما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } ~~وقد ذكرناه { إلا كانوا عنه معرضين } يعني: مكذبين معرضين ~~عن الإيمان به { فقد كذبوا } يعني: كذبوا بالقرآن كما قال في آية ~~أخرى # فقد كذبوا بالحق # [الأنعام:5] يعني: { فسيأتيهم ms1204 أنباء } يعني: أخبار { ما ~~كانوا به يستهزءون } يعني: يوم القيامة ويقال: قد جاءهم بعض ~~ذلك في الدنيا وهو القتل والقهر والغلبة. ### || [26.7-15] # قوله عز وجل: { أو لم يروا إلى الأرض } يعني: أو لم ينظروا ~~في عجائب الأرض ويتفكروا فيها { كم أنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم } يعني: من كل نوع من النبات ويقال: من كل لون حسن وقال القتبي: ~~الكريم يقع على الأنواع والكريم الشريف الفاضل قال الله تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقكم # [الحجرات: 13] # ولقد كرمنا بنى ءادم # [الإسراء: 70] # رب العرش الكريم # [المؤمنين: 116] # وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31] # إنى ألقى إلى كتاب كريم # [النمل: 29] أي: شريف فاضل والكريم الصفوح وذلك من الشرف كما قال: # فإن ربى غنى كريم # [النمل: 40] # ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] أي الصفوح والكريم الكثير كما قال # ورزق كريم # [الأنفال: 4] أي كثير والكريم الحسن كما قال # من كل زوج كريم # [الشعراء:7] أي: حسن # وقل لهما قولا كريما # [الإسراء: 23] أي: حسنا وروي عن الشعبي أنه قال: (كم أنبتنا فيها) ~~يعني: بني آدم فمن دخل الجنة فهو كريم ومن دخل النار فهو لئيم ثم قال عز ~~وجل: { إن فى ذلك لآية } يعني: في اختلاف النبات وألوانه { ~~لآية } يعني لعبرة لأهل مكة أنه إله واحد ثم قال: { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } يعني: مصدقين بالتوحيد ولو كان أكثرهم ~~مؤمنين يعني: وما كانوا مؤمنين بل كلهم كافرين { وإن ربك لهو ~~العزيز } يعني: المنيع بالنقمة لمن لم يجب الرسل { الرحيم } حيث ~~لم يعجل بعقوبتهم ويقال رحيم بالمؤمنين قوله عز وجل: { وإذ نادى ~~ربك موسى } يعني: أتل عليهم إذ نادى ربك موسى كما قال: { واتل ~~عليهم نبأ إبرهيم } وقال مقاتل: إذ نادى ربك موسى يعني: أمر ~~ربك يا محمد لموسى { أن ائت القوم الظلمين } يعني: إذهب ~~إلى القوم المشركين { قوم فرعون ألا يتقون } قال مقاتل: ~~يعني قل لهم ألا تتقون عبادة غيره وتوحدونه ويقال: (ألا يتقون) يعني: ~~ألا تعبدون الله تعالى { قال } موسى { رب } أي: قال يا رب { إنى ~~أخاف أن يكذبون } بما أقول ms1205 { ويضيق صدرى } إذا كذبوني في ~~رسالتك { ولا ينطلق لسانى } لمهابته قرأ يعقوب الحضرمي ويضيق ~~صدري ولا ينطلق كلاهما بنصب القاف وجعله نصبا بأن ومعناه أخاف أن يكذبون ~~وأن يضيق صدري وأن لا ينطلق لساني وقراءة العامة بالضم على معنى ~~الاستئناف ثم قال: { فأرسل إلى هرون } يعني: أرسله معي لكي ~~يكون عونا لي في أداء الرسالة ثم قال: { ولهم على ذنب } يعني: ~~قصاص بقتل القبطي { فأخاف أن يقتلون } به قال القتبي: على معنى ~~عندي أي لهم عندي ذنب { قال } الله تعالى: { كلا } أي: لا تخف وقال ~~الزجاج: كلا ردع وتنبيه أي: لا يقدرون على ذلك { فاذهبا ~~بئايتنا } خاطب به موسى خاصة بأن يذهب مع أخيه إلى فرعون بآياتنا ~~التسع { إنا معكم مستمعون } يعني: سامعين وقد بين ذلك في ~~موضع آخر وهو قوله # أسمع وأرى # [طه: 46] والاستماع سبب للسمع فيعبر به عنه. ### || [26.16-33] # قوله عز وجل { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب ~~العلمين } يعني: موسى وحده ويضاف الشيء إلى اثنين ويراد به الواحد ~~وقال القتبي: الرسول يكون بمعنى الجمع كما يكون الضيف بمعنى الجمع # قال إن هؤلآء ضيفى # [الحجر: 68] وقال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة ويقال: رسول: يعني به: ~~رسولين كقوله: # إنا رسولا ربك # [طه: 47] فقال: { إنا رسول رب العلمين } { أن ~~أرسل معنا بنى إسرءيل } يعني: قل لفرعون ذلك ولم يذكر ~~إتيانه إلى فرعون لأن في الكلام دليلا عليه وقد بين في موضع آخر حيث ~~قال: # فلما جآءهم موسى بآيتنا بينت # [القصص: 36] وقال مقاتل: (إنا رسول رب العالمين) وانقطع ~~الكلام ثم انطلق موسى وكان هارون بمصر فانطلقا إلى فرعون قال مقاتل: فلم ~~يأذن لهما سنة ثم أخبر البواب فرعون أن ها هنا إنسانا يذكر أنه رسول رب ~~العالمين فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه وقال السدي: لما أتى باب فرعون ~~ضرب موسى عليه السلام عصاه على الباب ففزع فرعون من ذلك فأذن له في ~~الدخول من ساعته فلما دخل عليه عرفه فأدى الرسالة فقال له فرعون: { قال ~~ألم نربك فينا وليدا } (قال ms1206 الفقيه أبو الليث رحمه الله: أول ~~ما بدأ فرعون بكلام السفلة ومن على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~أطعمه فقال: (ألم نربك فينا وليدا) يعني: ألم تكن صغيرا قد ربيناك { ~~ولبثت فينا } يعني: مكثت عندنا { من عمرك سنين } يعني: ~~ثلاثين سنة { وفعلت فعلتك التى فعلت } يعني: قتلت النفس ~~التي قتلتها وقرأ في الشاذ (فعلتك) بكسر الكاف هي قراءة الشعبي وقراءة ~~العامة بالنصب والنصب يقع على فعل واحد والكسر على المرات يعني: قتلت مرة ~~وهممت بالقتل ثانيا ثم قال: { وأنت من الكفرين } بنعمتي ~~ويقال: كفرت بي حيث قتلت النفس ويقال: وأنت من الجاحدين للقتل يعني: لم ~~تقر بالقتل فأخبره موسى أنه غير جاحد للقتل { قال فعلتها إذا } ~~يعني: قتلت النفس { وأنا من الضالين } عن النبوة كقوله: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] ويقال: من الجاهلين ولم أتعمد القتل قال القتبي: أصل الضلالة ~~العدول عن الحق ثم يكون لمعاني منها النسيان لأن الناسي عادل عنه فكما ~~قال ها هنا (فعلتها إذا وأنا من الضالين) أي: من ~~الناسين وكما قال: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282] ثم قال عز وجل: { ففررت منكم } يعني: هربت منكم ~~إلى مدين { لما خفتكم } على نفسي أن تقتلوني { فوهب لى ~~ربى حكما } قال الكلبي: يعني النبوة وقال مقاتل: يعني العلم والفهم ~~{ وجعلنى من المرسلين } إليكم ثم قال عز وجل: { وتلك ~~نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرءيل } يعني: أو ~~كان هذا نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل فكأنه أنكر عليه فقال كيف ~~تكون نعمتك التي تمن علي فإنك قد عبدت بني إسرائيل أي: استعبدتهم وتمن ~~علي ويقال قد اعترف له بالنعمة فقال وتلك نعمة تمن علي حيث عبدت بني ~~إسرائيل ولم تعبدني ويقال: معناه تلك نعمة إنما صارت نعمة بتعبيدك بني ~~إسرائيل ولم تعبدني لأنك لو لم تعبدهم لم تجعلني أمي في التابوت حتى صرت ~~في بيتك ولكن إنما صارت نعمة لأجلك حيث عبدت بني إسرائيل وقال مقاتل: ~~وتلك نعمة تمنها علي يا فرعون بإحسانك إلي ms1207 خاصة وبترك أبنائك أن عبدت بني ~~إسرائيل وقال الكلبي: يقول تستعبد بني إسرائيل وتمن علي لذلك { قال ~~فرعون } لموسى { وما رب العلمين } منكرا له وهذا جواب ~~لقوله: { إنا رسول رب العلمين } فجاء بجواب قطع حجته { ~~قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين } بتوحيد الله تعالى فعجز فرعون عن الجواب { فقال لمن ~~حوله ألا تستمعون } إلى قول موسى - عليه السلام - قالوا له ~~فيما تقول يا موسى فجاء بحجة أخرى ليؤكد عليهم { قال ربكم } ~~يعني: أدعوكم إلى ربكم { ورب ءابائكم الأولين } يعني إلى ~~توحيد خالقكم وخالق آبائكم الأولين { قال } فرعون لجلسائه { إن ~~رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون قال } موسى - ~~عليه السلام - ليس بمجنون مثلي أدعوكم إلى { رب المشرق ~~والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } يعني إن كان ~~لكم ذهن الإنسانية فلما عجز عن الجواب مال إلى العقوبة كما يفعل السلاطين ~~{ فقال لئن اتخذت إلها غيرى } يعني: لئن عبدت ربا ~~غيري { لأجعلنك من المسجونين } يعني: لأحبسنك في السجن ~~قال إبن عباس وكان سجنه أشد من القتل { قال } موسى { أولو جئتك ~~بشىء مبين } يعني: ولو جئتك بحجة بينة يستبين لكم أمري { قال } ~~فرعون { فأت به } يعني: فأرناه { إن كنت من ~~الصدقين } بأنك رسول { فألقى عصاه } من يده { فإذا ~~هى ثعبان مبين } يعني: حية صفراء من أعظم الحيات { ونزع ~~يده } يعني: أخرج يده فقال ما هذه فقالوا يدك فأدخلها في جيبه وأخرجها ~~{ فإذا هى بيضاء للنظرين } يعني: لها شعاع كشعاع الشمس ~~وانتشر الضوء حوالي مصر للناظرين لمن نظر إليها من غير برص فعجبوا من ~~ذلك. ### || [26.34-51] # قوله عز وجل: ف { قال للملإ حوله (إن هذا لسحر ~~عليم } يعني: قال فرعون لمن حوله من) يعني الرؤساء والأشراف وأصله في ~~اللغة من ملأ قال بعضهم: الملأ إنما بما يراد بهم مائتان وخمسون وقال ~~بعضهم: ثلاثمائة وخمسون وهم جماعة الملأ ويقال ملأ العين هيبة يعني إذا ~~نظر إليها الناظر ثم قال: إن هذا لساحر عليم { يريد أن ~~يخرجكم من أرضكم بسحره } يعني: من أرض مصر { فماذا ms1208 ~~تأمرون } يعني: تشيرون { قالوا أرجه وأخاه } يعني ~~احسبهما وأخرجهما ولا تقتلهما ولا تؤمن بهما وأصله من التأخير يعني أخر ~~أمرهما حتى تنظر { وابعث فى المدائن حشرين } يحشرون عليك ~~السحرة { يأتوك بكل سحار عليم } يعني حاذقا { فجمع ~~السحرة لميقت يوم معلوم } وهو يوم عيد لهم وهو يوم ~~الزينة قال مقاتل وكانوا اثنين وسبعين ساحرا ويقال سبعون ألفا وقال ~~الزجاج ذكر أن السحرة كانوا اثني عشر ألفا { وقيل للناس } يعني: ~~أهل مصر { هل أنتم مجتمعون } للسحرة للميعاد { لعلنا ~~نتبع السحرة } على أمرهم { إن كانوا هم الغلبين } ~~قوله عز وجل { فلما جاء السحرة } يعني: إلى الميقات { قالوا ~~لفرعون أئن لنا لأجرا } يعني: لجعلا { إن كنا نحن ~~الغلبين } يعني: أتجازينا إن غلبناه { قال نعم } نجازيكم { ~~وإنكم إذا لمن المقربين } يعني: لكم مع الجائزة ~~الكرامة والمنزلة عندي { قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ~~ملقون } يعني: اطرحوا { فألقوا حبلهم وعصيهم ~~وقالوا إنا لنحن الغلبون } يعني: نغلب موسى { ~~فألقى موسى عصه فإذا هى تلقف ما يأفكون } ~~يعني: تلتقم وتبتلع ما يطرحون من الحبال والعصي قوله عز وجل: { ~~فألقى السحرة سجدين } أي: خروا سجدا لله تعالى { ~~قالوا ءامنا برب العلمين } فقال فرعون: إياي تعنون قالوا ~~{ رب موسى وهرون } يعني: خالق موسى وهارون { قال ءامنتم ~~له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذى ~~علمكم السحر فلسوف تعلمون } ماذا أصنع بكم { ~~لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين } على شاطىء نهر مصر { قالوا } يعني: ~~السحرة { لا ضير } أي: لا يضرنا ما فعلت بنا { إنا إلى ربنا ~~منقلبون } يعني إلى خالقنا راجعون { إنا نطمع } يعني: نرجو { ~~أن يغفر لنا خطينا } يعني: شركنا وسحرنا { أن كنا ~~أول المؤمنين } يعني: أول المصدقين من قوم فرعون وذكر عن ~~الفراء أنه قال: كانوا أول مؤمني أهل دهرهم وقال الزجاج: لا أحسبه عرف ~~الرواية لأن الذين كانوا مع موسى روي في التفسير أنهم ستمائة ألف وسبعين ~~ألفا ولكن معناه أول من آمن في هذه الساعة ### || [26.52-62] # قوله عز وجل: { وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى } ~~يعني: ms1209 ببني إسرائيل { إنكم متبعون } يعني: يتبعكم فرعون وقومه ~~ويقال: أسرى يسري إسراء إذا سار ليلا يعني: اذهب بهم بالليل { ~~فأرسل فرعون فى المدائن حشرين } يحشرون الناس لقتال ~~موسى عليه السلام وخرج في طلبه وقال: { إن هؤلاء لشرذمة ~~قليلون } يعني: طائفة وعصبة وجماعة قليلون وقال الزجاج الشرذمة في ~~كلام العرب القليل ويروى أنهم كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا { ~~وإنهم لنا لغائظون } يعني: لمبغضين ويقال: إنا لغائظون ~~بخلافهم لنا وذهابهم بحيلتنا ثم قال عز وجل: { وإنا لجميع ~~حذرون } أي: مودون شاكون في السلاح قرأ ابن كثير ونافع حذرون بغير ~~ألف والباقون بالألف حاذرون والحاذر المستعد والحذر المستيقظ ويقال ~~الحاذر الذي يحذر في الفور والحذر الذي لا تلقاه إلا حذرا وروي عن ابن ~~مسعود أنه كان يقرأ: (حاذرون) بالألف وكان يقول يعني ذا أداة من ~~السلاح ومعناه إنا قد أخذنا حذرنا من عدونا بسلاحنا قال الله تعالى { ~~فأخرجنهم } يعني فرعون وقومه { من جنت } يعني: البساتين ~~{ وعيون } يعني: الأنهار الجارية { وكنوز } يعني: من الأموال ~~الكثيرة { ومقام كريم } يعني: المنازل الحسنة ويقال: المنابر التي ~~يعظم عليها فرعون قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وعيون بضم العين في جميع ~~القرآن والباقون بالكسر وهما لغتان وكلاهما جائز وقال بعضهم: ~~(فأخرجناهم من جنات وعيون) كلام فرعون إنا أخرجنا بني ~~إسرائيل من أرض مصر والطريق الأول أشبه كما قال في آية أخرى # كم تركوا من جنت وعيون # [الدخان: 25] الآية ثم قال: { كذلك } يعني: هكذا أفعل بمن عصاني ثم ~~استأنف فقال عز وجل: { وأورثنها } ويقال لك أورثناها يعني: هكذا ~~أنزلنا في مساكن فرعون { بنى إسرءيل } بعد ما غرق فرعون ثم قال: { ~~فأتبعوهم مشرقين } يعني: طلوع الشمس قوله عز وجل: { فلما ~~تراءا الجمعان } يعني: تقاربا ورأى بعضهم بعضا وذلك أن فرعون ~~أرسل في المدائن حاشرين ليحشروا الناس فركب وركب معه ألف ألف ومائتا ألف ~~فارس سوى الرحالة أي: المشاة فلما دنوا من عسكر موسى { قال أصحب ~~موسى } لموسى عليه السلام { إنا لمدركون } يعني: يدركنا ~~فرعون { قال } موسى { كلا } لا يدرككم { إن معى ms1210 ربى ~~سيهدين } يعني: سينجيني ويهديني إلى طريق النجاة. ### || [26.63-85] # قوله عز وجل: { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك ~~البحر فانفلق } يعني: وفي الآية مضمر ومعناه فضربه بالعصا فانفلق ~~البحر { فكان كل فرق كالطود العظيم } يعني: كالجبل ~~العظيم { وأزلفنا ثم الآخرين } يعني: قربنا قوم فرعون إلى ~~البحر وأدنيناهم إلى الغرق ومنه قوله تعالى: # وأزلفت الجنة للمتقين # [الشعراء: 90] أي: أدنيت وقربت وروي عن الحسن قال وأزلفنا يعني: أهلكنا ~~وقال غيره: وأزلفنا أي: جمعناهم في البحر حتى غرقوا ومنه قوله قبل الجمع ~~المزدلفة { وأنجينا موسى ومن معه أجمعين } يعني: من ~~البحر { ثم أغرقنا الآخرين } يعني: فرعون وقومه وقد ذكرنا ~~القصة في موضع آخر ثم قال { إن فى ذلك لآية } يعني: فيما صنع ~~لآية يعني: لعبرة لمن بعدهم { وما كان أكثرهم مؤمنين } ~~يعني مصدقين يعني: لو كان أكثرهم مؤمنين لم يهلكهم الله تعالى { وإن ~~ربك لهو العزيز } بالنعمة { الرحيم } لمن تاب قوله عز ~~وجل: { واتل عليهم نبأ إبرهيم } يعني أخبر أهل مكة خبر ~~إبراهيم { إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون } أي: كيف قال ~~لقومه ثم أخبرهم عن ذلك وذلك أن إبراهيم عليه السلام لما ولدته أمه في ~~الغار فلما كبر وخرج دخل المصر فأراد أن يعلم على أي مذهب هم وهكذا ينبغي ~~للعاقل إذا دخل بلدة أن يسألهم عن مذهبهم فإن وجدهم على الاستقامة دخل ~~معهم وإن وجدهم على غير الاستقامة أنكر عليهم فقال لهم إبراهيم ما تعبدون ~~{ قالوا نعبد أصناما فنظل لها عكفين } أي: نقوم ~~عليها عابدين فأراد أن يبين عيب فعلهم فقال: { قال هل ~~يسمعونكم } يعني: هل تجيبكم الآلهة سمى الإجابة سمعا لأن السمع ~~سبب الإجابة { إذ تدعون } يعني: هل يجيبونكم إذا دعوتموهم { أو ~~ينفعونكم } إذا عبدتموهم { أو يضرون } يعني: يضرونكم إن لم ~~تعبدوهم { قالوا بل وجدنا ءاباءنا كذلك يفعلون } ~~يعني: وجدنا آباءنا يعبدونهم هكذا فنحن نعبدهم قال لهم إبراهيم عليه ~~السلام { قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون } اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به الإعلام يعني اعلموا أن الذي كنتم تعبدون { أنتم ~~وءاباؤكم } وأجدادكم ms1211 يعني: معبودكم ومعبود آبائكم وأجدادكم { ~~الأقدمون } يعني الماضين { فإنهم عدو لى } يعني: إنهم ~~أعدائي { إلا رب العلمين } يقال: معناه: إلا من يعبد رب ~~العالمين ويقال: كانوا يعبدون مع الله الآلهة فقال لهم: جميع ما تعبدون ~~من الآلهة فإنهم عدو لي إلا رب العالمين فإنه ليس لي ويقال: معناه: أتبرأ ~~من أفعالكم وأقوالكم إلا الذي تقولون رب العالمين وهو قوله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] ويقال إلا بمعنى لكن ومعناه فإنهم عدو لي لكن رب العالمين ~~يعني: لكن أعبد رب العالمين ثم وصف لهم رب العالمين فقال { الذى ~~خلقنى فهو يهدين } يعني: يحفظني ويثبتني على الهدى { ~~والذى هو يطعمنى ويسقين } يعني: هو الذي يرزقني ويرحمني ~~ثم قال: { وإذا مرضت فهو يشفين } فقد أضاف سائر الأنبياء ~~إلى الله تعالى وأضاف المرض إلى نفسه لأن المرض كسب يده كقوله عز وجل: # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30] وفيه كفارة وإذا كان أصله من كسب نفسه أضافه إلى نفسه ثم ~~قال: { والذى يميتنى ثم يحيين } يعني: يميتني في الدنيا ~~ويحييني في المبعث { والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى ~~يوم الدين } يعني: أرجو أن يغفر خطيئتي وهو قوله: # فقال إنى سقيم # [الصافات: 89] ويقال وقوله: # بل فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء: 63] وقوله لسارة هذه أختي ويقال: يعني ما كان مني الزلل ~~ويقال: هو قوله # هذا ربى # [الأنعام: 78] ويقال ما كان نبي من الأنبياء إلا وقد هم بزلة ثم قال: { ~~رب هب لى حكما } يعني: النبوة { وألحقنى بالصلحين ~~} يعني: بالمرسلين في الجنة { واجعل لى لسان صدق فى ~~الآخرين } يعني: الثناء الحسن في الباقين وإنما أراد بالثناء الحسن ~~لكي يفيدوا به فيكون له مثل أجر من اقتدى به { واجعلنى من ورثة ~~جنة النعيم } يعني: اجعلني ممن ينزل فيها. ### || [26.86-89] # ثم قال: { واغفر لأبى إنه كان من الضالين } يعني: ~~اهده إلى الحق من الضلالة والشرك يعني: إنه كان من المشركين في الحال ~~كقوله عز وجل: # من كان فى المهد صبيا # [مريم: 29] يعني من هو في الحال ms1212 صبي ويقال إنه كان من الضالين حين ~~فارقته كقوله: # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79] وهذا الاستغفار حين كان وعده بالإسلام وقال مقاتل: إن ~~إبراهيم عليه السلام قد كذب ثلاث كذبات وأخطأ ثلاث خطيئات وابتلي بثلاث ~~بليات وسقط سقطة فأما الكذبات فقال # إنى سقيم # [الصافات: 89] وقوله # بل فعله كبيرهم هذا # [الأنبياء: 63] وقوله لسارة حين قال هي أختي والخطايا قوله للنجم والشمس ~~والقمر # هذا ربى # [الأنعام: 78] وأما البليات حين قذف في النار والختان والأمر بذبح الولد ~~وسقط سقطة حين دعا لأبيه وهو مشرك وقال غيره: لم يكذب ولم يخطىء ولم يسقط ~~لأنه قال إني سقيم يعني: سأسقم لأن كل آدمي سيصيبه السقم وقوله بل ~~فعله كبيرهم هذا قد قرنه بالشرط وهو قوله # إن كانوا ينطقون # [الأنبياء: 63] وقوله لسارة هي أخته فكانت أخته في الدين وقوله { ~~هذا ربى } كان على وجه الاسترشاد لا للتحقيق ويقال كان ذلك القول ~~على سبيل الإنكار والزجر يعني أمثل هذا ربي وأما دعاؤه لأبيه فعن وعدة ~~وعدها إياه وقد بين الله تعالى بقوله # وما كان استغفار إبرهيم لأبيه إلا عن موعدة # [التوبة: 114] الآية يعني أن أباه وعده أنه سيؤمن فما دام حيا يرجو أو ~~يدعو وإذا مات ضالا ترك الاستغفار ويقال: إن إبراهيم كان وعده أن يستغفر ~~له حيث قال: # سأستغفر لك ربي # [مريم: 47] فاستغفر له ليكون منجزا لوعده ثم قال { ولا تخزنى ~~يوم يبعثون } يعني: لا تعذبني يوم يبعثون من قبورهم إلى ها هنا ~~كلام إبراهيم وقد انقطع كلامه ثم إن الله تبارك وتعالى وصف ذلك اليوم: { ~~يوم لا ينفع مال ولا بنون } يعني: يوم القيامة لا ينفع ~~المال الذي خلفوه في الدنيا وأما المال الذي أنفقوا في الخير فليس ينفعهم ~~ولا بنون يعني الكفار لأنهم كانوا يقولون # نحن أكثر أمولا وأولدا # [سبأ: 35] فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في ذلك اليوم المال ولا ~~البنون وأما المسلمون ينفعهم المال والبنون لأن المسلم إذا مات ابنه قبله ~~يكون له ذخرا وأجرا في الجنة وإن تخلف بعده فإنه يذكره بصالح ms1213 دعائه ~~فينفعه ذلك ثم قال: { إلا من أتى الله بقلب سليم } ~~يعني: من جاء بقلب سليم يوم القيامة ينفعه المال والبنون ويقال: إلا ~~من أتى الله بقلب سليم فذلك ينفعه والقلب السليم هو القلب ~~المخلص وقال ابن عباس: يعني: بقلب خالص من الشرك وروى أبو أسامة بن عوف ~~قال: قلت لابن سيرين ما القلب السليم قال أن تعلم أن الله عز وجل حق وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ويقال: سليم من ~~اعتقاد الباطل ويقال: سليم من النفاق والهوى والبدعة وسئل أبو القاسم ~~الحكيم عن القلب السليم فقال: له ثلاث علامات أولها أن لا يؤذي أحدا ~~والثاني أن لا يتأذى من أحد والثالث إذا اصطنع مع أحد معروفا لم يتوقع ~~منه المكافأة فإذا هو لم يؤذ أحدا فقد جاء بالورع وإذا لم يتأذ من أحد ~~فقد جاء بالوفاء وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع فقد جاء بالإخلاص. ### || [26.90-110] # ثم قال عز وجل: { وأزلفت الجنة للمتقين } يعني: قربت ~~الجنة للمتقين الذين يتقون الشرك والفواحش يعني: أن المتقين قربوا من ~~الجنة ثم قال: { وبرزت الجحيم للغاوين } يعني: أظهرت ~~الجحيم وكشفت غطاءها للكافرين ويقال: يؤتى بها في سبعين ألف زمام { ~~وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله } أي: ~~يقال للكفار أين معبودكم الذين كنتم تعبدون من دون الله { هل ~~ينصرونكم } يعني: هل يمنعونكم من العذاب { أو ينتصرون } ~~يعني: هل يمتنعون من العذاب فاعترفوا أنهم لا ينصرونهم ولا ينتصرون فأمر ~~بهم إلى النار ويقال أينما كنتم تعبدون من دون الله يعني الشياطين لأنهم ~~أطاعوها في المعصية فكأنهم عبدوها قوله عز وجل: { فكبكبوا فيها ~~هم والغاوون } يعني: جمعوا فيها هم والغاوون ويقال: فكبكبوا فيها ~~فقدموا من النار هم والغاوون يعني: الكفار والآلهة والشياطين الذين أغووا ~~بني آدم وهذا قول مقاتل ويقال: فكبكبوا فيها يعني: ألقي بعضهم على بعض ~~وقال القتبي: الأصل كببوا أي ألقوا على رؤوسهم فيها فأبدل مكان إحدى ~~الباءين كاف وقال الزجاج هو تكرير الانكباب لأنه ms1214 إذا ألقي ينكب مرة بعد ~~مرة حتى يستقر فيها ويقال جمعوا فيها ومنه حديث جبريل عليه السلام أنه ~~ينزل في كبكبة من الملائكة يعني: جماعة من الملائكة عليهم السلام ثم قال ~~عز وجل: { وجنود إبليس أجمعون } يعني: جمعوا فيها جميعا { ~~قالوا وهم فيها يختصمون } (يعني: الكفار والأصنام ويقال: ~~الكفار والشياطين ويقال: الرؤساء والأتباع ومعناه: قالوا وهم يختصمون) ~~فيها على ما معنى التقديم { تالله } يعني: والله { إن كنا لفى ~~ضلل مبين } يعني: في خطأ بين { إذ نسويكم برب ~~العلمين } يعني: نطيعكم كما يطيع المؤمنون أمر الله عز وجل { ~~وما أضلنا إلا المجرمون } يعني: ما صرفنا عن الإيمان إلا ~~الشياطين ويقال: رؤساؤنا ويقال: آباؤنا المشركون { فما لنا من ~~شفعين } يعني: حيث يرون الأنبياء عليهم السلام يشفعون للمؤمنين ~~والملائكة عليهم السلام يشفعون ولا يشفع أحد للكفار فيقولون ليس أحد يشفع ~~لنا { ولا صديق حميم } يعني: قريب يهمه أمرنا قوله عز وجل { ~~فلو أن لنا كرة } يعني: رجعة إلى الدنيا { فنكون من ~~المؤمنين } يعني: من المصدقين على دين الإسلام { إن فى ذلك ~~لآية } يعني: لعبرة لمن يعبد غير الله ليعلم أنه يتبرأ منه في الآخرة ~~ولا ينفعه { وما كان أكثرهم مؤمنين } يعني: الذين جمعوا ~~في النار ولم يكونوا مؤمنين { وإن ربك لهو العزيز } ~~بالنقمة لمن عبد غيره { الرحيم } بالمؤمنين قوله عز وجل: { كذبت ~~قوم نوح المرسلين } يعني: نوحا عليه السلام وحده ويقال جميع ~~الأنبياء عليهم السلام لأن نوحا عليه السلام دعاهم إلى الإيمان بجميع ~~الأنبياء والرسل عليهم السلام فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل { إذ ~~قال لهم أخوهم نوح } يعني: نبيهم سماه أخوهم لأنه كان منهم ~~وابن أبيهم { ألا تتقون } يعني ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه { ~~إني لكم رسول أمين } فيما بينكم وبين ربكم وجعلني الله عز ~~وجل أمينا في أداء الرسالة إليكم ويقال: إنه كان أمينا فيهم قبل أن ~~يبعث { فاتقوا الله وأطيعون } أي: خافوا الله واتبعوني فيما ~~أمركم به { وما أسئلكم عليه من أجر } يعني: على ~~الإيمان (من أجر) أي أجر { إن ms1215 أجرى } يعني: ما ثوابي { ~~إلا على رب العلمين فاتقوا الله وأطيعون } ~~وقد ذكرناه. ### || [26.111-122] # قوله عز وجل: { قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } ~~يعني: أنصدقك واتبعك سفلتنا ويقال: الضعفاء قرأ يعقوب الحضرمي وأتباعك ~~الأرذلون وهو جمع تابع ومعناه وأتباعك الأرذلون وقراءة العامة ~~(واتبعك الأرذلون) بلفظ الماضي فيقال: من اتبع قال لهم نوح { ~~قال وما علمى بما كانوا يعملون } يعني: ما كنت أعلم أن ~~الله تعالى يهديهم من بينكم ويدعكم { إن حسابهم إلا على ~~ربى } يعني: ما حسابهم إلا على ربي ويقال ما سرائرهم إلا عند ربي { ~~لو تشعرون } إن الله تعالى علام الغيوب قالوا لنوح أطردهم حتى ~~نؤمن لك قال لهم نوح { وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا ~~إلا نذير مبين } يعني: ما أنا إلا منذر لكم بلغة تعرفونها { ~~قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين ~~} أي: من المقتولين ويقال: من المرجومين بالحجارة قوله عز وجل: { قال ~~رب إن قومى كذبون } بالعذاب والتوحيد { فافتح بينى ~~وبينهم فتحا } يعني: اقض بيني وبينهم قضاء ويقال للقاضي: فتاح ~~وهذه لغة أهل اليمن { ونجنى ومن معى من المؤمنين } من ~~العذاب ومن أذى الكفار { فأنجينه ومن معه فى الفلك ~~المشحون } يعني: السفينة المملوءة الموقرة من الناس والأنعام وغير ~~ذلك { ثم أغرقنا بعد البقين } يعني: من بقي ممن لم يركب ~~السفينة ولفظ البعد والقبل إذا كان بغير إضافة يكون بالرفع مثل قوله # لله الأمر من قبل ومن بعد # [الروم: 4] وكقوله { ثم أغرقنا بعد البقين } وإذا كانت ~~بالإضافة يكون نصبا في موضع النصب كقوله # وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين # [الأنبياء: 11] ثم قال عز وجل { إن فى ذلك لآية } يعني: لعبرة ~~لمن استخف بفقراء المسلمين واستكبر عن قول الحق { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } فلم يؤمن من قومه إلا ثمانون من الرجال ~~والنساء { وإن ربك لهو العزيز } بالنقمة لمن تعظم عن ~~الإيمان واستخف بضعفاء المسلمين واستهزأ بهم { الرحيم } لمن تاب. ### || [26.123-140] # وقوله عز وجل: { كذبت عاد المرسلين } يعني: كذبوا هودا ~~عليه السلام { إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون } أي ms1216 ~~نبيهم هود وقد ذكرناه { إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن ~~أجرى إلا على رب العلمين } وقد تقدم ذكره { ~~أتبنون بكل ريع ءاية } يعني: بكل طريق علامة ويقال بكل شرف ~~علما { تعبثون } يعني: تلعبون ويقال: تضربون فتأخذون المال ممن مر ~~بكم وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: { ءاية تعبثون } يعني: تبنون ~~ما لا تسكنون وقال أهل اللغة: كل لعب لا لذة فيه فهو عبث واللعب ما كان ~~فيه لذة فهم إذا بنوا بناء ولا منفعة لهم فيه فكأنهم يعبثون ثم قال عز ~~وجل { وتتخذون مصانع } يعني: القصور وقال مجاهد: المصانع قصور ~~وحصون وقال القتبي: المصانع البناء واحدها مصنعة ويقال الريع الإرتفاع من ~~الأرض ومعناه: أنكم تبنون البناء والقصور وتظنون أن ذلك يحصنكم من ~~أقدار الله تعالى ويقال: وتتخذون مصانع يعني: الحياض { لعلكم ~~تخلدون } يعني: كأنكم تخلدون في الدنيا قوله عز وجل: { وإذا ~~بطشتم } يعني: عاقبتم ويقال يعني: ضربتم بالسوط وقتلتم بالسيف { ~~بطشتم جبارين } يعني: فعلتم كفعل الجبارين لأن الجبارين يضربون ~~ويقتلون بغير حق وأصل البطش في اللغة: هو الأخذ بالقهر والغلبة { ~~فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به { واتقوا الذى ~~أمدكم بما تعلمون } يعني: أعطاكم ما تعلمون من الخير ثم بين ~~فقال: { أمدكم بأنعم وبنين } يعني: أعطاكم الأموال ~~والبنين { وجنت وعيون } يعني: البساتين والأنهار الجارية ~~فاعرفوا رب هذه النعمة واشكروه ليديم عليكم النعمة فإنكم إن لم تشكروه { ~~فإني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } يعني: أعلم أنه ~~يصيبكم العذاب في الدنيا والآخرة قوله عز وجل { قالوا سواء ~~علينا أوعظت } يعني: أنهيتنا وخوفتنا من العذاب { أم لم ~~تكن من الوعظين } يعني: من الناهين روي عن ابن عباس أنه قال: ~~هو الوعظ بعينه { إن هذا إلا خلق الأولين } قرأ أبو ~~عمرو والكسائي وابن كثير إن هذا إلا خلق بنصب الخاء وقرأ الباقون بالضم ~~فمن قرأ بالنصب فمعناه ما هذا العذاب الذي تذكره إلا أحاديث الأولين ~~ويقال الإحياء بعد الموت لا يكون وإنما هذا خلق الأولين أنهم يعيشون ms1217 ثم ~~يموتون { وما نحن بمعذبين } قال القتبي: الخلق الكذب كقوله: # إن هذا إلا اختلاق # [ص: 7] وكقوله: # إن هذا إلا خلق الأولين # [الشعراء: 137] أي: خوضهم للكذب والعرب تقول: للخرافات أحاديث الخلق ~~قال: وأعمل الخلق: التقدير وها هنا أراد بهم اختلافهم وكذبهم وأما من قرأ ~~بضم الخاء فمعناه إن هذا إلا عادة الأولين والعادة أيضا تحتمل المعنيين ~~مثل الأول ثم قال عز وجل: { فكذبوه فأهلكنهم } يعني: ~~كذبوا هودا فأهلكناهم بالريح { إن فى ذلك لآية } يعني: لعبرة ~~لمن يعمل عمل الجبارين ولا يقبل الموعظة وهو تخويف لهذه الأمة { وما ~~كان أكثرهم مؤمنين } يعني: قوم عاد ولو كان أكثرهم لم ~~يهلكهم الله تعالى { وإن ربك لهو العزيز } يعني: المنيع ~~بالنقمة لمن يعمل عمل الجبارين ولا يقبل الموعظة وهو تخويف لهذه الأمة ~~لكيلا يسلكوا مسالكهم { الرحيم } لمن تاب. ### || [26.141-159] # قوله عز وجل: { كذبت ثمود المرسلين } يعني: صالحا ومن ~~قبله من المرسلين عليهم السلام { إذ قال لهم أخوهم } يعني: ~~نبيهم { صلح ألا تتقون } وقد ذكرناه. { إني لكم رسول ~~أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه ~~من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين } وقد ~~ذكرناه { أتتركون فيما ههنا ءامنين } يعني: في هذا الخير ~~والسعة آمنين من الموت { فى جنت وعيون } يعني: البساتين ~~والأنهار ويقال: العيون ها هنا الآثار لأن قوم صالح لم يكن لهم أنهار ~~جارية ويقال: كانت لهم بالشتاء آبار وكانوا يسكنون في الجبال وفي أيام ~~الصيف كانوا يخرجون إلى القصور والكروم والأنهار ثم قال عز وجل: { ~~وزروع ونخل طلعها هضيم } قال مقاتل يعني: متراكبا بعضه ~~على بعض وقال القتبي: الهضيم الطلع قبل أن تنشق عنه القشر يريد أنه ينضم ~~متكثر يقال رجل أهضم الكشحين إذا كان منضما ويقال هضيم أي طري لين ويقال ~~هضيم متهشهش في الفم { وتنحتون من الجبال بيوتا ~~فرهين } قرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع فرهين بغير ألف وقرأ الباقون ~~فارهين بالألف فمن قرأ فرهين فهو بمعنى أشرين بطرين وهو الطغيان في ~~النعمة وإنما صار نصبا على الحال ومن قرأ فارهين ms1218 أي حاذقين { ~~فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به قوله عز وجل { ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين } يعني: قول المشركين وهم التسعة رهط { ~~الذين } كانوا { يفسدون فى الأرض ولا يصلحون } يعني: ~~لا يأمرون بالصلاح ولا يجيبونه ولا يطيعونه فأجابوه قوله { قالوا ~~إنما أنت من المسحرين } يعني: من المخلوقين ويقال: ذو سحر ~~والسحر هو الدية يعني إنك مثلنا وروي عن ابن عباس أنه قال: من المسحرين ~~أي من المخلوقين وقال: أما سمعت قول لبيد: # فإن تسألينا فيم نحن فإننا # عصافير من هذا الأنام المسحر # ويقال إنما أنت من المسحرين يعني سوقة مثلنا والسوق إذا كان دون السلوك ~~ثم قال عز وجل { ما أنت إلا بشر مثلنا } يعني: آدمي مثلنا { ~~فأت بآية إن كنت من الصادقين } إنك رسول الله تعالى { ~~قال هذه ناقة لها شرب } والشرب في اللغة النصيب من الماء ~~والشرب بضم الشين المصدر والشرب بنصب الشين جماعة الشراب فكان للناقة ~~شرب يوم ولهم شرب يوم فذلك قوله: { ولكم شرب يوم معلوم ~~ولا تمسوها بسوء } يعني: لا تصيبوها بعقر يعني لا تقتلوها ~~فإنكم إن قتلتموها { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } يعني: صيحة ~~جبريل عليه السلام { فعقروها } يعني: قتلوا الناقة { فأصبحوا ~~ندمين } يعني: فصاروا نادمين على عقرها قوله عز وجل: { ~~فأخذهم العذاب } يعني: عاقبهم الله تعالى بالعذاب { إن فى ~~ذلك لآية } يعني: لعبرة لمن يعظم آيات الله تعالى وكانت الناقة ~~علامة لنبوة صالح عليه السلام فلما أهلكوها ولم يعظموها صاروا نادمين ~~والقرآن علامة لنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن رفضه ولم يعمل بما ~~فيه ولم يعظمه يصير نادما غدا ويصيبه العذاب { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } يعني: قوم صالح عليه السلام { وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم } يعني: المنيع بالنقمة لمن لم ~~يعظم آيات الله تعالى الرحيم لمن تاب ورجع. ### || [26.160-175] # قوله عز وجل: { كذبت قوم لوط المرسلين } يعني: لوطا ~~وغيره { إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون } وقد ~~ذكرناه، { إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى ~~إلا على ms1219 رب العلمين } وقد ذكرناه { أتأتون ~~الذكران من العلمين } يعني: أتجامعون الرجال من بين ~~العالمين { وتذرون } يعني: وتتركون { ما خلق لكم ربكم ~~من أزوجكم } يعني: من نسائكم { بل أنتم قوم عادون } ~~يعني: معتدين من الحلال إلى الحرام { قالوا لئن لم تنته ~~يلوط } من مقالتك { لتكونن من المخرجين } من قريتنا { ~~قال إنى لعملكم من القلين } يعني: من المبغضين ويقال: ~~قلت الرجل إذا بغضته ومنه قوله: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى:3]. قوله عز وجل: { رب نجنى وأهلى مما يعملون ~~} من الفواحش { فنجينه وأهله أجمعين إلا عجوزا ~~فى الغبرين } يعني: الباقين في العذاب يعني: وامرأته ويقال إن ~~هذا من أسماء الأضداد يقال: غبر الشيء إذا مضى وغبر الشيء إذا بقى وقال ~~بعض أهل اللغة: القالي التارك للشيء الكاره له غاية الكراهية { ثم ~~دمرنا الآخرين } يعني: أهلكنا الباقين { وأمطرنا ~~عليهم مطرا } يعني: الحجارة { فساء مطر المنذرين } ~~يعني: بئس مطر من أنذر فلم يؤمن { إن فى ذلك لآية } يعني: لعبرة ~~لمن عمل الفواحش أي وارتكب الحرام. { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } يعني: ~~المنيع بالنقمة لمن ارتكب الفواحش وعمل الحرام رحيم لمن تاب وقد ذكرناه. ### || [26.176-180] # قوله عز وجل: { كذب أصحب لئيكة } قرأ أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي الأيكة بكسر الهاء والألف والباقون ليكة بغير ألف ونصب الهاء ~~إسم بلد ولا ينصرف من قرأ الأيكة فلأنها عرفت بالألف واللام فيصير خفضا ~~بالإضافة في الشاذ ليكة بكسر الهاء بغير ألف لأن الأصحاب مضاف إلى ليكة ~~فصار إسما واحدا ويقال الأيكة هي الشجرة الملتفة يقال: أيك وأيكة مثل ~~أجم وأجمة ويقال: شجرة الدوم وهو شجر المقل ثم قال عز وجل: { إذ قال ~~لهم شعيب } ولم يقل أخوهم قال بعضهم: كان شعيب بعث إلى قومين ~~أحدهما مدين وكان شعيب منهم فسماه أخاهم حيث قال # وإلى مدين أخاهم شعيبا # [هود: 84] والآخر أصحاب الأيكة ولم يكن شعيب - عليه السلام - منهم فلم ~~يقل أخوهم وقال بعضهم: كان مدين والأيكة واحدا وهو الغيضة بقرب مدين ~~فذكره في موضع أخوهم ولم ms1220 يذكره في الآخر ثم قال: { ألا تتقون } ~~يعني: ألا تخافون الله تعالى فتوحدوه { إني لكم رسول أمين ~~فاتقوا الله وأطيعون وما أسئلكم عليه من ~~أجر إن أجرى إلا على رب العلمين } وقد ذكرناه ### || [26.181-191] # ثم قال عز وجل: { أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين } يعني: من الناقصين في الكيل والوزن وفي هذا دليل على ~~أنه أراد بهذا أهل مدين لأنه ذكر في تلك الآية # وأوفوا الكيل والميزان # [الأنعام: 152] كما ذكرها هنا ثم قال: { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم } يعني: بميزان العدل بلغة الروم ويقال هو القبان { ولا ~~تبخسوا الناس أشياءهم } يعني: لا تنقصوا الناس حقوقهم قرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بالقسطاس بكسر القاف والباقون بالضم ~~وهما لغتان ثم قال: { ولا تعثوا فى الأرض مفسدين } يعني: ~~لا تسعوا فيها بالمعاصي يقال: عثى يعثو وعاث يعيث وعثى يعثي إذا ظهر ~~الفساد ثم قال عز وجل: { واتقوا الذى خلقكم والجبلة ~~الأولين } يعني: الخليقة الأولى { قالوا إنما أنت من ~~المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا } وقد ذكرنا { ~~وإن نظنك لمن الكذبين } يعني: ما نظنك إلا من الكاذبين ~~{ فأسقط علينا كسفا من السماء } أي: جانبا من السماء ~~وقريء كسفا بنصب السين أي: قطعا وهو جمع كسفة { إن كنت من ~~الصدقين قال } لهم شعيب - عليه السلام - { ربى أعلم بما ~~تعملون } من نقصان الكيل { فكذبوه } في العذاب { فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة } لأنه أصابهم حر شديد فخرجوا إلى غيضة ~~فاستظلوا بها فأرسل عليهم نارا فأحرقت الغيضة فاحترقوا كلهم { إنه ~~كان عذاب يوم عظيم } صار العذاب نصبا لأنه خبر كان { إن ~~فى ذلك لآية } يعني: لعبرة لمن نقص في الكيل والوزن { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين } يعني: قوم شعيب { وإن ربك لهو ~~العزيز } بالنقمة لمن نقص الكيل والوزن { الرحيم } لمن تاب ورجع. ### || [26.192-199] # قوله عز وجل: { وإنه لتنزيل رب العلمين } يعني: ~~القرآن ويقال: إنه إشارة إلى ما ذكر في أول السورة تلك آيات الكتاب ~~المبين وأنه يعني: الكتاب لتنزيل رب العالمين { نزل به الروح ~~الأمين } قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ms1221 وعاصم في رواية أبي بكر نزل ~~بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف فمن قرأ بالتشديد فمعناه نزل الله ~~تعالى بالقرآن الروح الأمين يعني جبريل - عليه السلام - نصب الروح لوقوع ~~الفعل عليه يعني: أنزل الله تعالى جبريل بالقرآن ومن قرأ بالتخفيف ~~فمعناه: نزل جبريل - عليه السلام - بالقرآن فجعل الروح رفعا لأنه فاعل ~~ثم قال: { على قلبك } أي: نزله عليك ليثبت به قلبك ويقال أي يحفظ ~~به قلبك ويقال: على قلبك أي: نزل على قدر فهمك وحفظك ويقال: أي: نزله ~~عليك فوعاه قلبك وثبت فيه فلا تنساه أبدا كما قال # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] ويقال: على قلبك يعني: على موافقة قلبك ومرادك { لتكون ~~من المنذرين } يعني: من المخوفين بالقرآن للكفار من النار ثم قال ~~عز وجل: { بلسان عربى مبين } يعني: مبين لهم بلغتهم ويقال: ~~بلغة قريش وهوازن وكان لسانهما أفصح قال مقاتل: وذلك أنهم كانوا يقولون ~~إنه يعلمه أبو فكيهة وكان أعجميا روميا فأخبر أن القرآن بلغة قريش { ~~وإنه لفى زبر الأولين } يعني: أمر محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ونعته وصفته في كتب الأولين كما قال: # يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157] والزبر الكتب واحدها زبور مثل رسل ورسول ويقال إنه يعني ~~القرآن لفي زبر الأولين يعني بعضه كان في كتب الأولين ويقال نعت القرآن ~~وخبره كان في كتب الأولين ثم قال عز وجل: { أو لم يكن لهم ~~ءاية } بالتاء وضم الهاء وقرأ الباقون بالياء بلفظ التذكير آية بالنصب ~~فمن قرأ بلفظ التذكير والنصب جعل أن يعلمه إسم كان وجعل آية خبر كان ~~والمعنى أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل على جهة المعنى ومن قرأ ~~بلفظ التأنيث والضم جعل آية هي الإسم وأن يعلمه خبر تكن ومعنى القراءتين ~~واحد وذلك أن كفار مكة بعثوا رسولا إلى يهود المدينة وسألوهم عن بعثته ~~فقالوا هذا زمان خروجه ونعته كذا فنزل أولم يكن لهم آية ~~يعني: لكفار مكة علامة { أن يعلمه علماء بنى إسرءيل } ~~يعني: إن هذا علامة لهم ليؤمنوا به ثم قال: { ولو ms1222 نزلنه ~~على بعض الأعجمين } يعني: القرآن لو نزلناه بالعبرانية على ~~رجل ليس بعربي اللسان من العبرانيين { فقرأه عليهم } يعني: على ~~كفار مكة { ما كانوا به مؤمنين } يعني بالقرآن فهذا منة من ~~الله تعالى حيث خاطبهم بلغتهم ليعرفوه وليفهموه وقال القتبي: في قوله على ~~بعض الأعجمين يقال رجل أعجمي إذا كان في لسانه عجمة وإن كان من العرب ~~ورجل عجمي بغير ألف إذا كان من العجم وإن كان فصيح اللسان ### || [26.200-213] # ثم قال عز وجل: { كذلك سلكناه } يعني: جعلنا التكذيب بالقرآن { ~~فى قلوب المجرمين } يعني: المشركين مجازاة لهم أن طبع على ~~قلوبهم وسلك فيها التكذيب ويقال: جعل حلاوة الكفر في قلوبهم { لا ~~يؤمنون به } يعني: بالقرآن ويقال بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~حتى يروا العذاب الأليم } في الدنيا والآخرة { ~~فيأتيهم بغتة } يعني يأتيهم العذاب فجأة { وهم لا ~~يشعرون } به فيتمنون الرجعة والنظرة { فيقولوا هل نحن ~~منظرون } فلما وعدهم العذاب قالوا فأين العذاب تكذيبا به يقول الله ~~تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون } يعني: أبمثل عذابنا ~~يستهزئون ثم قال: { أفرأيت إن متعنهم سنين } يعني: ~~سنين الدنيا كلها ويقال سنين كثيرة { ثم جاءهم ما كانوا ~~يوعدون } من العذاب قوله عز وجل: { ما أغنى عنهم } يعني: ما ~~ينفعهم { ما كانوا يمتعون } في الدنيا ثم خوفهم فقال { ومآ ~~أهلكنا من قرية } يعني: من أهل قرية فيما خلا { إلا لها ~~منذرون } يعني: رسلا ينذرونهم { ذكرى } يعني: العذاب تذكرة ~~وتفكرا قال بعضهم: إن ذكرى في موضع النصب وقال بعضهم: في موضع رفع أما ~~من قال في موضع النصب فيقول لها منذرون يذكرونهم ذكرى يعني: يعظونهم عظة ~~ومن قال أنه في موضع رفع فيقول لها منذرون هم ذكرى { وما كنا ~~ظلمين } يعني: بإهلاكنا إياهم ثم قال عز وجل: { وما تنزلت ~~به الشيطين } روي عن الحسن أنه قرأ وما تنزلت به الشياطون شبهه ~~بقوله كافرون ومسلمون قال أبو عبيدة وهذا وهم لأن واحدها شيطان والنون ~~فيه أصلية أما مسلمون وكافرون فالنون فيهما زائدة في الجمع لأن واحدهما ~~مسلم وكافر وقال بعضهم: هذا ms1223 غلط على الحسن لأنه كان فصيحا لا يخفى عليه ~~وإنما الغلط من الراوي ومعنى الآية أن المشركين كانوا يقولون إن الشيطان ~~هو الذي يقرأ عليه قال الله تعالى ردا لقولهم { وما تنزلت به ~~الشيطين } { وما ينبغى لهم } يعني: وما جاز لهم { وما ~~يستطيعون } ذلك وقد حيل بينهم وبين السمع وقد روي عن ابن عباس أنه ~~قال: لا يستطيعون أن يحملوا القرآن ولو فعلوا ذلك لاحترقوا ثم قال عز ~~وجل: { إنهم عن السمع لمعزولون } يعني: إنهم عن ~~الاستماع لمحجوبون وممنوعون ثم قال: { فلا تدع مع الله ~~إلها ءاخر } وذلك حين دعي إلى دين آبائه فأخبر الله تعالى أنه لو ~~اتخذ إلها آخر عذبه الله تعالى وإن كان كريما عليه كقوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] فكيف بغيره وروي في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى نبي من ~~أنبياء بني إسرائيل يقال له: أرميا بأن يخبر قومه بأن يرجعوا عن المعصية ~~فإنهم إن لم يرجعوا أهلكتهم فقال أرميا: يا رب إنهم أولاد أنبيائك وأولاد ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - أفتهلكهم بذنوبهم فقال الله ~~تعالى: وإنما أكرمت أنبيائي لأنهم أطاعوني ولو أنهم عصوني لعذبتهم وإن ~~كان إبراهيم خليلي ويقال فلا تدع مع الله إلها آخر الخطاب ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - المراد به غيره لأنه علم أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يتخذ إلها آخر ثم قال: { فتكون من ~~المعذبين } يعني: إن عبدت غيري فتكون من الهالكين. ### || [26.214-220] # قوله عز وجل { وأنذر عشيرتك الأقربين } يعني: خوف أقرباءك ~~بالنار لكي يؤمنوا أو يثبتوا على الإيمان من كان منهم مؤمنا وروى هشام ~~عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين ~~} جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل بيته فقال لهم: # " يا بني هاشم يا بني عبد المطلب تعلمون أني رسول الله إليكم وأني لا ~~أملك لكم من الله شيئا لي عملي ولكم عملكم وإنما أوليائي منكم المتقون ~~فلأعرفن ما جاء الناس يوم القيامة بالآخرة وجئتم بالدنيا تحملونها على ~~رقابكم " # وذكر السدي هكذا ms1224 ثم قال # " ألا فاتقوا النار ولو بشق تمرة " # وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لما نزل { وأنذر ~~عشيرتك الأقربين } أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفا ~~فصعد عليه ثم نادى بأعلى صوته # " يا صباحاه " # فاجتمع الناس فقال - صلى الله عليه وسلم -: # " يا بني عبد المطلب يا بني هاشم أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا ~~الجبل تريد أن تغير عليكم أصدقتموني " # قالوا: نعم قال: # " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " # فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا فنزل # تبت يدآ أبى لهب وتب # [المسد: 1] ثم قال عز وجل: { واخفض جناحك لمن اتبعك ~~من المؤمنين } يعني: لين جانبك لمن اتبعك من المؤمنين يعني: من ~~المصدقين { فإن عصوك فقل } قال مقاتل: فيها تقديم يعني: ~~الأقربين أي: فإن خالفوك { فقل إنى برىء مما تعملون } من ~~الشرك ثم قال: { وتوكل على العزيز الرحيم } قرأ نافع وابن ~~عامر بالفاء فتوكل لأنه متصل بالكلام الأول ودخلت الفاء للجزاء وقرأ ~~الباقون (وتوكل) بالواو على وجه العطف وتوكل على العزيز الرحيم يعني: أي: ~~ثق بالله وفوض جميع أمورك إلى العزيز الرحيم { الذى يراك حين ~~تقوم } في الصلاة وحدك { وتقلبك فى السجدين } (أي وحين ~~تصلي في الجماعة وقال عكرمة: وتقلبك في الساجدين) قال في حال القيام ~~والركوع والسجود يعني: يرى قيامك وركوعك وسجودك ويراك مع المصلين ويقال: ~~الذي يراك حين تقوم من مقامك للصلاة بالليل ويقال: حين تقوم وتدعو الناس ~~إلى شهادة أن لا إله إلا الله ويقال وتقلبك في الساجدين يعني تقلبك في ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات من آدم إلى نوح وإلى إبراهيم وإلى من بعده ~~صلوات الله عليهم قوله عز وجل: { إنه هو السميع العليم } ~~يعني: بآبائهم وبأعمالهم ### || [26.221-227] # ثم قال { هل أنبئكم } يعني: هل أخبركم { على من تنزل ~~الشيطين } هذا موصول بقوله: { وما تنزلت به ~~الشيطين } { تنزل على كل أفاك أثيم } يعني: ~~كذاب صاحب الإثم فاجر القلب الأفاك الكذاب والأثيم الفاجر يعني به كهنة ~~الكفار { يلقون السمع } يعني: ms1225 يلقون بآذانهم إلى السمع من السماء ~~لكلام الملائكة عليهم السلام { وأكثرهم كذبون } يعني: حين ~~يخبرون الكهنة وروى معمر عن الزهري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ~~الشياطين تسترق السمع فتجيء بكلمة حق فتقذفها في أذن وليها فيزيد فيها ~~أكثر من مائة كذبة وهذا كان قبل أن يحجبوا من السماء ثم قال عز وجل: { ~~والشعراء يتبعهم الغاوون } قال قتادة ومجاهد: يتبعهم ~~الشياطين وقال في رواية الكلبي الغاوون هم الرواة الذين كانوا يروون هجاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فيتبعهم ويقال الغاوون هم الضالون ~~ويقال شعراء الكفار كانوا يهجون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال ~~عز وجل { ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون } يعني: في كل ~~وجه وفن يذهبون ويخوضون يأخذون مرة يذمون ومرة يمدحون وذكر عن القتبي أنه ~~قال: في كل واد يهيمون من القول وفي كل مذهب يذهبون كما تذهب البهائم على ~~وجهها وقال غيره هام الرجل والبعير إذا مضى على وجهه لا يدري أين يذهب ~~فكذلك الشاعر يأخذ كلامه لا يدري أين ينتهي قرأ نافع وحده يتبعهم بجزم ~~التاء والتخفيف وقرأ الباقون يتبعهم بنصب التاء والتشديد وهما بمعنى واحد ~~يتبعهم ويتبعهم ثم قال: { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } ~~يعني: أن الشعراء يقولون قد فعلنا كذا وكذا وقلنا كذا فيمدحون بذلك ~~أنفسهم وهم كذبة ثم استثنى شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن ~~رواحة وكعب بن مالك رضي الله عنهم فقال عز وجل: { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت وذكروا الله كثيرا } ~~يعني: ذكروا الله في أشعارهم ويقال: وذكروا الله عز وجل في الأحوال كلها ~~{ وانتصروا من بعد ما ظلموا } يعني: انتصر شعراء المسلمين ~~من شعراء الكافرين فكافؤوهم والباديء أظلم ويقال انتصروا من أهل مكة من ~~بعدما أخرجوا لأن الحرب تكون بالسيف وباللسان فأذن القتال بالشعر كما أذن ~~بالسيف إذ فيه قهرهم ثم أوعد شعراء الكافرين فقال تعالى: { وسيعلم ~~الذين ظلموا } يعني: الذين هجوا المسلمين { أى منقلب ~~ينقلبون } يعني: أي مرجع يرجعون إليه في الآخرة ms1226 يعني: إلى الخسران ~~والنار ويقال: هاتان الآيتان مدنيتان يذكر أنه لما نزل والشعراء يتبعهم ~~الغاوون جاء عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وهما يبكيان فقرأ رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - (والشعراء) إلى قوله { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } فقال: عليه السلام # " هذا أنتم { وانتصروا من بعد ما ظلموا } وروي عن عكرمة ~~قال: عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن من الشعر لحكمة ~~وإن من الشعراء لحكماء " # وفي رواية أخرى # " وإن من البيان لسحرا " # (والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم). ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-7] # قول الله سبحانه وتعالى: { طس تلك ءايت القرءان } يعني: هذه ~~الأحكام ويقال: تلك الآيات التي وعدتم بها وذلك أنهم وعدوا بالقرآن في ~~كتبهم ويقال: يعني العلامات جميع الأحرف للقرآن { وكتب مبين } ~~كلاهما واحد وإنما كرر اللفظ للتأكيد مبين يعني: بين ما فيه من أمره ~~ونهيه ويقال مبين للأحكام الحلال والحرام ثم قال { هدى } يعني: القرآن ~~هدى وبيانا من الضلالة لمن عمل به ويقال هدى يعني: هاديا { وبشرى ~~للمؤمنين } يعني ما فيه من الثواب للمؤمنين قرأ حمزة والكسائي ~~وأبو عمرو وورش عن نافع وبشرى بإمالة الراء وقرأ الباقون بالتفخيم ~~وكلاهما جائز والإمالة أكثر في كلام العرب والتفخيم أفصح وهي لغة أهل ~~الحجاز للمؤمنين يعني: للمصدقين بالقرآن أنه من الله تعالى ثم نعتهم ~~فقال: { الذين يقيمون الصلوة } يعني: يقرون بها ويتمونها { ~~ويؤتون الزكوة } يعني: يقرون بها ويعظمونها { وهم ~~بالآخرة هم يوقنون } يعني: يصدقون بأنها كائنة ثم قال { إن ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي: لا يصدقون بالبعث بعد الموت ~~{ زينا لهم أعملهم } يعني: ضلالتهم عقوبة لهم ولما عملوا ~~ومجازاة لكفرهم زينا لهم سوء أعمالهم { فهم يعمهون } يعني: ~~يترددون فيها ويتحيرون في ضلالتهم قوله عز وجل: { أولئك } يعني: ~~أهل هذه الصفة { الذين لهم سوء العذاب } يعني: شدة العذاب { ~~وهم فى الآخرة هم الأخسرون } يعني: الخاسرون بحرمان النجاة ~~والمنع من الحسنات ويقال هم أخسر من غيرهم وقال أهل اللغة: متى ذكر ms1227 ~~الأخسر مع الألف واللام فيجوز أن يراد به الأخسر من غيرهم وإن لم يذكر ~~غيرهم وإن ذكر بغير ألف ولام فلا يجوز أن يقال هو أخسر إلا أن يبين أنه ~~هو أخسر من فلان أو من غيره قوله عز وجل: { وإنك لتلقى ~~القرءان } يعني: كقوله: # وما يلقاها # [فصلت: 35] يعني: مما يؤتي بها ويقال: وما يؤتى وإنك لتلقى القرآن يعني: ~~لتلقن القرآن وقال أهل اللغة: تلقى وتلقن بمعنى واحد إذا أخذ وقبل ~~من غيره ويقال: وإنك لتلقى القرآن أي: يلقى إليك القرآن وحيا من الله عز ~~وجل ثم قال: { من لدن حكيم عليم } يعني: نزل عليك جبريل من ~~عند حكيم عليم في أمره عليم بأعمال الخلق قوله عز وجل: { إذ قال ~~موسى لأهله } قال بعضهم: معناه إنه عليم بما ينزل عليك كعلمه بقول ~~موسى عليه السلام ويقال: حكمت لك بالنبوة كما حكمت لموسى إذ قال لأهله: { ~~إنى آنست نارا } يعني: رأيت نارا { سآتيكم منها بخبر ~~} يعني: خبر الطريق { أو آتيكم بشهاب قبس } يعني: بنار ~~ويقال: كل أبيض ذو نور فهو شهاب والقبس كل ما يقتبس من النار والقبس يعني ~~المقبوس كما يقال: ضرب فلان يعني مضروبه قرأ عاصم وحمزة والكسائي شهاب ~~قبس بالتنوين وقرأ الباقون بغير تنوين فمن قرأ منونا جعل القبس نعت ~~الشهاب ومن قرأ بشهاب غير منون أضاف الشهاب إلى القبس ثم قال: { ~~لعلكم تصطلون } يعني: تستدفئون من البرد. ### || [27.8-14] # قوله عز وجل { فلما جاءها } يعني: النار ويقال يعني: الشجرة { ~~نودى أن بورك من فى النار } يعني: بورك من عند النار وهو ~~موسى عليه السلام { ومن حولها } يعني الملائكة عليهم السلام وهو ~~على وجه التقديم يعني فلما جاءها ومن حولها من الملائكة نودي أن بورك من ~~في النار أي عند النار ويقال من في طلب النار أو قصدها والمعنى: بورك فيك ~~يا موسى وقال أهل اللغة: باركه وبارك فيه وبارك عليه واحد وهذا تحية من ~~الله تعالى لموسى عليه السلام ثم قال: { وسبحن الله } يعني: ~~قيل له: قل سبحان ms1228 الله تنزيها لله تعالى من السوء ويقال: إنه أي الله في ~~النداء قال فسبحان الله { رب العلمين } وقال بعض المفسرين: كان ~~ذلك نور رب العزة وإنما أراد به تعظيم ذلك النور كما يقال للمساجد بيوت ~~الله تعظيما لها ثم قال عز وجل: { يموسى إنه أنا الله } ~~وذكر عن الفراء أنه قال: هذه الهاء عماد وإنما يراد به وصل الكلام كما ~~يقال: إنما وما يكون للوصل كذلك ها هنا فكأنه قال: يا موسى إني أنا الله ~~{ العزيز الحكيم } ويقال: معناه: إن الذي تسمع نداءه هو الله ~~العزيز الحكيم قوله عز وجل: { وألق عصاك } يعني: من يدك فألقاها ~~فصارت حية وقد يجوز أن يضمر الكلام إذا كان في ظاهره دليل { فلما ~~رءاها تهتز } يعني: تتحرك { كأنها جان } يعني: حية والجان ~~هي الحية الخفيفة الأهلية فإن قيل: إنه قال في آية أخرى: # فإذا هى ثعبان مبين # [الأعراف: 107] والثعبان الحية الكبيرة فأجاب بعض أصحاب المعاني: إنه ~~كان في كبر الثعبان وفي خفة الجان قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: ~~والجواب الصحيح أن الثعبان كان عند فرعون والجان عند الطور ثم قال: { ~~ولى مدبرا } يعني: أدبر هاربا من الخوف { ولم يعقب } ~~يعني: لم يرجع ويقال: لم يلتفت يقول الله تعالى لموسى { يموسى لا ~~تخف } من الحية { إنى لا يخاف لدى المرسلون } يعني: ~~لا يخاف عندي ثم استثنى فقال: { إلا من ظلم } قال مقاتل: إلا من ~~ظلم نفسه من المرسلين مثل آدم وسليمان وإخوة يوسف وداود وموسى صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين ويقال: إلا من ظلم يعني: لكن من ظلم { ثم بدل ~~حسنا بعد سوء } أي (فعل إحسانا) بعد إساءته { فإنى غفور ~~رحيم } قال الكلبي: إلا من ظلم يعني (أشرك) فهذا الذي يخاف ثم بدل ~~حسنا يعني: توحيدا بعد سوء يعني: بعد شرك فإني غفور رحيم قال أبو الليث ~~رحمه الله: ويكون إلا على هذا التفسير بمعنى لكن لا وعلى وجه الاستثناء ~~وذكر عن الفراء أنه قال الاستثناء وقع في معنى مضمر من الكلام كأنه قال: ms1229 ~~لا يخاف لدي المرسلون بل غيرهم الخائف وقال القتبي: هذا لا يصح لأن ~~الإضمار يصح إذا كان في ظاهره دليل ولكن معناه: أن الله تعالى لما قال ~~إني لا يخاف لدي المرسلون علم أن موسى كان مستشعرا خيفة من قبل القبطي ~~فقال: إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنه يخاف ولكني أغفر له فإني ~~غفور رحيم ويقال: إلا من ظلم يعني: ولا من ظلم ولا يبين ظلمه ثم بدل ~~حسنا بعد سوء فإنه لا يخاف أيضا ثم قال عز وجل: { وأدخل يدك ~~فى جيبك } يعني: جيب المدرعة ثم أخرجها { تخرج بيضاء من ~~غير سوء } يعني: من غير برص { فى تسع ءايت } يعني: هذه ~~الآية من تسع آيات كما تقول أعطيت لفلان عشرة أبعرة فيها فحلان أي: منها ~~وقد بين في موضع آخر حيث قال: # ولقد ءاتينا موسى تسع ءايت بينات # [الإسراء: 101] وقد ذكرناها { إلى فرعون } أي: اذهب إلى فرعون { ~~وقومه إنهم كانوا قوما فسقين } يعني: إنهم كانوا ~~قوما عاصين قوله: { فلما جاءتهم ءايتنا } يعني: جاءهم موسى ~~بآياتنا التسع { مبصرة } يعني: معاينة ويقال مبينة أي: علامة ~~لنبوته ويقال: مبصرة يعني: مضيئة واضحة { قالوا هذا سحر ~~مبين } أي: بين { وجحدوا بها } يعني: بالآيات بعد المعرفة { ~~واستيقنتها أنفسهم } أنها من الله تعالى وإنما استيقنتها ~~قلوبهم لأن كل آية رأوها استغاثوا بموسى وسألوا منه بأن يكشف عنهم فكشفنا ~~عنهم فظهر لهم بذلك أنه من الله تعالى وفي الآية تقديم ومعناه وجحدوا بها ~~{ ظلما } يعني: شركا { وعلوا } يعني: تكبرا وترفعا عن أن ~~يؤمنوا بما جاء به موسى واستيقنتها أنفسهم يعني: وهم يعلمون أنها من الله ~~ثم قال: { فانظر كيف كان عقبة المفسدين } يعني: ~~الذين يفسدون في الأرض بالمعاصي فكانت عاقبتهم الغرق. ### || [27.15-19] # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا داوود وسليمن علما } ~~يعني: علم القضاء والعلم بكلام الطير والدواب { وقالا } يعني: داود ~~وسليمان { الحمد لله الذى فضلنا على كثير من ~~عباده المؤمنين } بالكتاب والنبوة وكلام البهائم والطير والملك ~~ويقال: فضلنا على كثير من الأنبياء حيث ms1230 لم يعط أحدا من الأنبياء عليهم ~~السلام ما أعطانا وقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا وأقضى من داود وكان ~~داود أشد تعبدا من سليمان عليهما السلام ثم قال عز وجل: { وورث ~~سليمن داوود } يعني: ورث ملكه وقال الحسن: ورث المال والملك لا ~~النبوة والعلم لأن النبوة والعلم من فضل الله ولا يكون بالميراث ويقال: ~~ورث العلم والحكم لأن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون دراهم ولا دنانير ~~{ وقال } سليمان: لبني إسرائيل { يأيها الناس علمنا ~~منطق الطير } يعني: أفهمنا وألهمنا منطق الطير وذلك أن سليمان كان ~~جالسا في أصحابه إذ مر بهم طير يصوت فقال لجلسائه: أتدرون ماذا يقول ~~قالوا: لا قال: إنه يقول ليت الخلق لم يخلقوا فإذا خلقوا: علموا لماذا ~~خلقوا قال: وصاح عنده ديك فقال: هل تدرون ماذا يقول قالوا لا قال إنه ~~يقول اذكروا الله يا غافلين ثم قال تعالى: { وأوتينا من كل شىء ~~} يعني أعطينا علم كل شيء ويقال النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين ~~والرياح { إن هذا } الذي أعطينا { لهو الفضل المبين } ~~يعني: المبين ويقال: المبين تبين للناس فضلهم ثم قال عز وجل: { وحشر ~~لسليمن جنوده } يعني: جموعه والحشر هو أن يجمع ليساق ثم قال: ~~{ من الجن والإنس والطير فهم يوزعون } يعني: يساقون ~~ويقال: يوزعون يعني: يكفون ويحبس أولاهم على آخرهم وأصل الوزع الكف يقال: ~~وزعت الرجل إذا كففته وعن الحسن أنه قال: لا بد للناس من وزعة أي من ~~سلطان يكفهم وقال مقاتل: إنه استعمل جنيا عليهم يرد أولهم على آخرهم ~~ويقال هكذا إعادة القوافل والعساكر (ويقال: وحشر أي: جمع لسليمان جنوده ~~مسيرة له من الجن والإنس والطير فهم يوزعون يجلس أولهم على آخرهم حتى ~~يجتمعوا قوله عز وجل: ) { حتى إذا أتوا على وادى النمل ~~} وذلك أن سليمان كان له بساط فرسخ في فرسخ ويقال أربع فراسخ في أربع ~~فراسخ وكان يضع عليه كرسيه وجميع عساكره ثم يأمر الريح فترفعه وتذهب به ~~مسيرة شهر في ساعة واحدة فركب ذات يوم في جموعه فمر بواد النمل في ms1231 أرض ~~الشام { قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا ~~مسكنكم } يعني: بيوتكم ويقال: حجركم { لا يحطمنكم } أي: ~~لا يهلكنكم ويقال: لا يكسرنكم { سليمن وجنوده } وإنما خاطبهم ~~بقوله: ادخلوا بخطاب العقلاء لأنه حكى عنهم ما يحكى عن العقلاء ثم قال: { ~~وهم لا يشعرون } يعني: قوم سليمان لا يشعرون بكم ولو كانوا ~~يشعرون بكم لا يحطمونكم لأنهم علموا أن سليمان عليه السلام ملك عادل لا ~~بغي فيه ولا جور ولئن علم بها لم توطأ ويقال: وهم لا يشعرون يعني: جنوده ~~خاصة لأنه علم أن سليمان يعلم بمكانه ويتعاهده ويقال: وهم لا يشعرون ~~يعني: النمل لا يشعرون بجنود سليمان حتى أخبرتهم النملة المنذرة فرفع ~~الريح صوتها إلى سليمان { فتبسم ضحكا من قولها } كما ~~يكون ضحك الأنبياء عليهم السلام وإنما ضحك من ثنائها على سليمان بعدله في ~~ملكه يعني: أنه لو شعر بكم لم يحطمكم ويقال: فتبسم ضاحكا أي: متعجبا ~~ويقال: فرحا بما أنعم الله تعالى عليه صار ضاحكا نصبا على الحال { ~~وقال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت ~~على } يعني: ألهمني ويقال: أزعني من الكف أيضا كأنه قال: احفظ ~~جوارحي لكيلا تشتغل بشيء سوى شكر نعمتك التي أنعمت علي { وعلى ~~والدى } يعني: النبوة والملك { وأن أعمل صلحا ~~ترضه } يعني: تقبله مني وذكر أنه مر بزارع فقال الزارع: إنه ما ~~أعطي مثل هذا الملك لأحد؟ فقال له سليمان: ألا أنبئك بما هو أفضل من هذا: ~~القصد في الغنى والفقر وتقوى الله تعالى في السر والعلانية والقضاء ~~بالعدل في الرضا والغضب ثم قال تعالى: { وأدخلنى برحمتك فى ~~عبادك الصلحين } يعني: أدخلني بنعمتك مع عبادك الصالحين يعني: ~~المرسلين في جنتك فوقف سليمان عليه السلام بموضعه ليدخل النمل مساكنهم ثم ~~مضى قرأ يعقوب الحضرمي وأبو عمرو في إحدى الروايتين لا يحطمنكم بسكون ~~النون وقراءة العامة بنصب النون وتشديدها وهذه النون تدخل للتأكيد فيجوز ~~التخفيف والتثقيل ولفظه لفظ النهي ومعناه: جواب الأمر يعني: إن لم تدخلوا ~~مساكنكم حطمكم. ### || [27.20-21] # ثم قال عز وجل: { وتفقد الطير } يعني: طلب الطير ms1232 وذلك أنه ~~أراد أن ينزل منزلا فطلب الهدهد { فقال مالي لا أرى ~~الهدهد } وكان رئيس الهداهد وكان سليمان قد جعل على كل صنف منهم ~~رئيسا ثم جعل الكركي رئيسا على جميع الطيور قرأ نافع وأبو عمرو وابن ~~عامر وحمزة مالي بسكون الياء وقرأ الباقون بنصب الياء وهما لغتان يجوز ~~كلاهما ثم قال: { أم كان من الغائبين } يعني: أم صار غائبا ~~لم يحضر بعهد ويقال: الميم للصلة ومعناه: أكان من الغائبين يعني: أصار ~~(من الغائبين) وذكر أن الهدهد كان مهندسا يعرف المسافة التي بينهم وبين ~~الماء ويقال كان يعرف الماء من تحت الأرض ويراه كما يرى من القارورة وروى ~~عكرمة أنه قال: قلت لابن عباس كيف يرى الماء من تحت الأرض وأن صبياننا ~~يأخذونه بالفخ فلا يرى الخيط والشبكة (من تحت التراب) فقال ابن عباس ما ~~ألقى هذه الكلمة على لسانك إلا الشيطان أما علمت أنه إذا نزل القضاء ذهب ~~البصر فدعا سليمان أمير الطير فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما ~~أدري أين هو وما أرسلته مكانا فغضب سليمان عند ذلك وقال: { ~~لأعذبنه عذابا شديدا } يعني: لانتفن ريشه فلا يطير مع ~~الطيور حولا ولأشمسنه في الحر حتى يأكله الذر { أو لأذبحنه } ~~يعني لأقتلنه حتى لا يكون له نسل { أو ليأتينى بسلطن } ~~يعني: بحجة بينة واضحة أعذره بها { مبين } بين فإن قيل: كيف يجوز أن ~~يعاقب من لا يجري عليه القلم قيل له: تجوز العقوبة على وجه التأديب إذا ~~كان منه ذنب كما يجوز للأب أن يؤدب ولده الصغير وأما الذبح فيجوز وإن لم ~~يكن منه ذنب قرأ ابن كثير ليأتينني بنونين وقرأ الباقون بنون واحدة فمن ~~قرأ بنونين فهو للتأكيد لأن النون الأولى مشددة وتسمى تلك نون القسم وهي ~~في الحقيقة نونين والنون الثانية للإضافة ومن قرأ بنون واحدة فقد استقل ~~الجمع بين النونات واقتصر على نونين فأدغم إحداهما في الأخرى. ### || [27.22-26] # قوله عز وجل: { فمكث غير بعيد } قرأ عاصم بنصب الكاف وقرأ ~~الباقون بالضم وهما لغتان ومعناهما واحد ms1233 يعني: لم يلبث إلا قليلا ويقال ~~لم يظل الوقت حتى جاء الهدهد { فقال أحطت } وفي الآية مضمر ومعناه ~~فمكث غير بعيد أن جاءه الهدهد فقال له سليمان: أين كنت فخر له ساجدا ~~وقال أحطت { بما لم تحط به } يعني: علمت ما لم تعلم وجئتك بخبر ~~لم تكن تعلمه ولم يخبرك عنه أحد ثم أخبره فقال: { وجئتك من سبإ ~~بنبإ يقين } فإن قيل كيف يجوز أن يقال أن سليمان لم يعلم به وكانت ~~أرض سبأ قريبة منه وهناك ملك لم يعلم به سليمان قيل له علم به سليمان ~~ولكنه لم يعلم أنهم يسجدون للشمس ويقال أنه علم بها ولكنه لم يعلم أن ~~ملكها قد بلغ هذا المبلغ وعلم أنهم أهل الضلالة والإحاطة هي العلم ~~بالأشياء بما فيها وجهتها كما قال: { وجئتك من سبإ } يعني: من أرض سبأ ~~وهي مدينة باليمن بنبأ يقيني يعني: بخبر صدق لا شك فيه ويقال: بخبر عجيب ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو سبأ بالنصب بغير تنوين وقرأ الباقون بالكسر ~~والتنوين فمن قرأ بالنصب جعله اسم مدينة وهي مؤنثة لا تنصرف ومن قرأ ~~بالكسر والتنوين جعله اسم الرجل ويقال: جعله اسم مكان فقال له سليمان: ~~وما ذلك الخبر فقال: { إنى وجدت امرأة تملكهم } يعني ~~تملك أرض سبأ { وأوتيت من كل شىء } يعني: أعطيت علم ما في ~~بلادها ويقال من كل صنف من الأموال والجنود وأنواع الخير مما يعطى الملوك ~~{ ولها عرش عظيم } يعني: سريرا كبيرا أعظم من سريرك ويقال: ~~كان طول سريرها ثمانون ذراعا في ثمانين مرصعا بالذهب والدر والياقوت ~~وقوائمه من اللؤلؤ والياقوت واسمها بلقيس قال مقاتل: كانت أمها من الجن ~~ويقال ولها عرش عظيم أي: شديد قوله عز وجل: { وجدتها } يعني: رأيتها ~~{ وقومها يسجدون للشمس } يعني: يعبدون الشمس { من دون ~~الله وزين لهم الشيطن أعملهم } الخبيثة { ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون } يعني: طريق الهدى ~~ومعناه: صدهم الشيطان عن الإسلام فهم لا يهتدون يعني لا يعرفون الدين ~~قوله عز وجل: { ألا يسجدوا لله } قرأ الكسائي ألا ms1234 بالتخفيف ~~وقرأ الباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف فمعناه: أن الهدهد قال عند ذلك ~~أن لا تسجدوا لله؟ وقال مقاتل: هذا قول سليمان قال لقومه: ألا يسجدوا ~~(ويقال: هذا كلام الله ألا يسجدوا لله) وهذا من الاختصار فكأنه قال: ألا ~~يا هؤلاء اسجدوا لله ومن قرأ بالتشديد فمعناه فصدهم عن السبيل أن لا ~~يسجدوا لله يعني: لأن لا يسجدوا ويقال: معناه: وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~لأن لا يسجدوا وإذا قرىء بالتخفيف فهو موضع السجدة وإذا قرىء بالتشديد ~~فليس بموضع سجدة في الوجهين جميعا وهذا القول أحوط { الذى يخرج ~~الخبء } يعني المخبئات { في السموات والأرض } مثل الثلج ~~والمطر وفي الأرض مثل النبات والأشجار والكنوز والموتى ويقال: الذي يظهر ~~سر أهل السموات والأرض ويعلنها فذلك قوله تعالى: { ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون } ثم قال عز وجل: { الله لا إله ~~إلا هو رب العرش العظيم } أي: الذي يعلم ذلك قرأ عاصم ~~والكسائي في رواية حفص ما تخفون وما تعلنون بالتاء على معنى المخاطبة لهم ~~وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر لهم. ### || [27.27-33] # { قال } سليمان: { سننظر أصدقت } في قولك { أم كنت من ~~الكذبين } يعني: أم أنت فيها من الكاذبين فكتب كتابا وقال له { ~~اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم ~~فانظر ماذا يرجعون } يعني: على ماذا يتفقون ثم تول عنهم يعني: ~~ارجع عنهم ويقال ليس فيها تقديم ومعناه اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم ~~تول عنهم يعني: استأخر في ناحية غير بعيد فانظر ماذا يرجعون أي ماذا ~~يريدون من الجواب قرأ ابن عامر وابن كثير فألقهى إليهم بالياء وبعد الهاء ~~وقرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين وقرأ حمزة وعاصم بالجزم وقرأ نافع فألقه ~~إليهم بكسر الهاء ولا يبلغ الياء وكل ذلك جائز في اللغة والقراءة بالياء ~~أوسع اللغتين. وأكثر استعمالا قال مقاتل: فجعل الهدهد الكتاب في منقاره ~~ثم طار حتى وقف على رأس المرأة فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه فرفعت ~~المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها وروي في بعض الروايات أنها كانت ~~نائمة في ms1235 البيت وقد أغلقت بابها فدخل من الكوة ووضع الكتاب على صدرها ~~ويقال عند رأسها وأكثر الروايات أنه ألقاه في حجرها فقرأت الكتاب قرأت ~~فيه الخاتم فارتعدت وخضعت وخضع من معها من الجنود لأن ملك سليمان كان في ~~خاتمه فقرأت الكتاب وأخبرتهم بما فيه قال مقاتل: ولم يكن في الكتاب إلا ~~قوله: { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم ألا تعلوا على وأتونى مسلمين } لأن كلام ~~الأنبياء عليهم السلام على الإجمال ولا يكون على التطويل وقال في رواية ~~الكلبي نكتب فيه ان كنتم من الإنس فعليكم بالطاعة وإن كنتم من الجن فقد ~~عبدتم إلى قوله عز وجل { قالت } أي المرأة { يأيها الملأ إنى ~~ألقى إلى كتاب كريم } يعني: حسن ويقال كتاب مختوم وروي عن ~~ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " كرامة الكتاب ختمه " # ويقال: كل كتاب لا يكون مختوما فهو مغلوب ويقال: كان سليمان عليه ~~السلام إذا كتب إلى الشياطين ختمه بالحديد وإذا كتب إلى الجن ختمه بالصفر ~~وإذا كتب إلى الإنس ختمه بالطين وإذا كتب إلى الملوك ختمه بالفضة فجعل ~~ختم كتابها من ذهب ويقال: إن المرأة إنما قالت كتاب كريم لأنها ظنت أنه ~~نزل من السماء فلما نظرت إليه قرأت عنوان ( { إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } يعني: عنوانه من ~~سليمان) وأنه يعني: في داخله وأول سطره بسم الله الرحمن الرحيم { ألا ~~تعلوا على } أي: لا تتعظموا علي ولا تتطاولوا علي ويقال: لا ~~تترفعوا علي وإن كنتم ملوكا قوله عز وجل { وأتونى مسلمين } ~~يعني: مستسلمين خاضعين ويقال يعني: مخلصين منقادين طائعين (قال محمد بن ~~موسى: إنما بدأ سليمان بنفسه لعلمه بأن ذكره على سائر الملوك أعظم من ~~ذكره معبوده فهول عليها بذكر نفسه ثم ذكر) (معبوده فذهب بنفسها وانقادت ~~في مملكتها وإنما خافت من هول سليمان حين آمنت بالله فقالت عند ذلك: رب ~~ظلمت نفسي بعبادة الشمس وما خفت منك فالآن عرفتك وتبت إليك وأنت رب ~~العالمين { قالت } المرأة) { يأيها الملأ } يعني: ms1236 الأشراف ~~والقادة { أفتونى فى أمرى } وكان لها ثلثمائة وثلاثة عشر قائدا ~~تحت يد كل قائد ألف رجل وقد قيل أكثر من هذا أفتوني في أمري يعني: ~~أجيبوني في أمري ويقال بينوا لي أمري وأخبروني ويقال: أشيروا علي { ما ~~كنت قطعة أمرا } أي: قاضية أمرا ويقال: فاصلة أمرا { ~~حتى تشهدون } يعني: تحضرون أي: لا أقطع أمرا دونكم { قالوا ~~} مجيبين لها { نحن أولوا قوة وأولو بأس شديد } ~~يعني: عدة وكثرة وسلاحا وقتال شديد { والأمر إليك } يعني: ~~أخبرناك بما عندنا أيتها الملكة ومع ذلك لا نجاوز ما تقولين يعني: إن ~~أمرتينا بقتال قاتلنا وإن أمرتنا بغير ذلك أطعناك { فانظرى ماذا ~~تأمرين } يعني: ماذا تشيرين إلينا. ### || [27.34-38] # قوله عز وجل: { قالت } يعني: المرأة { إن الملوك إذا ~~دخلوا قرية } على وجه القوة والغلبة { أفسدوها } يعني: ~~أهلكوها وخربوها { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } يعني: ~~أهانوا أشرافها وكبراءها ليستقيم لهم الأمر { وكذلك يفعلون } ~~قال ابن عباس: هذا قول الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~وكذلك يفعلون تصديقا لقول المرأة قال الحسن: هذا قول بلقيس إن سليمان ~~وجنوده كذلك يفعلون وأكثر المفسرين على خلاف ذلك ثم قالت المرأة { ~~وإنى مرسلة إليهم بهدية } يعني: أصانعهم بالمال فإن ~~كان من أهل الدنيا فإنه يقبل ويرضى بذلك ويقال: أختبره أملك هو أم نبي ~~فإن كان ملكا قبلها وإن كان نبيا لم يقبلها { فناظرة بم ~~يرجع المرسلون } يعني: أنظر بماذا يرجع المرسلون من الجواب من ~~عنده وذكر في الخبر أنها بعثت إليه لبنتين من ذهب والمسك والعنبر وبعثت ~~بعشرة غلمان وعشرة جواري وكان في الجواري بعض الغلظة وكان في الغلمان بعض ~~اللين وأمرت بأن تخضب أيديهم جميعا وجعلتهم على هيئة الجواري وبعثت إليه ~~جوهرة في ثقبها اعوجاج وطلبت أن يدخل الخيط فيها وكتبت إلى سليمان إن كنت ~~نبيا فميز بين الجواري والغلمان فأمر سليمان الشياطين بأن يلقوا في طريق ~~الرسل لبنا كثيرا من الذهب فلما جاءت رسل بلقيس استحقروا هديتهم فلما ~~قدموا على سليمان أمر بماء فوضع وأمر الغلمان والجواري بأن ms1237 يتوضأ فجعل ~~الغلام يحدر الماء على يده حدرا وأما الجواري فكن يصببن صبا وفي رواية ~~أخرى كانت الجارية تأخذ الماء بكفها وتدلك ذراعها وأما الجوهرة فأخذ ~~بوردة حمراء عقد فيها خيطا ثم أدخلها في الحجر حتى خرجت من الجانب الآخر ~~فرد الهدية وقال للوافد (أتمدونني بمال) يعني أتغرونني بالمال ~~قوله عز وجل: { فلما جاء سليمان } قال بعضهم: يعني جاء الرسول ~~وقال بعضهم يعني: جاء بريدها والأول أشبه لأنه خاطب الرسول { قال ~~أتمدونني بمال } قرأ حمزة أتمدونني بمال بنون واحدة والتشديد ~~وقرأ الباقون بنونين وأصله نونان إلا أن حمزة أدغم إحداهما في الأخرى ~~وشددها وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو أتمدونني بالياء في الوصل لأنه في ~~الأصل الياء وهو ياء الإضافة وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسر يدل عليه ~~ثم قال { فما ءاتنى الله } يعني: ما أعطاني الله عز وجل من ~~النبوة والحكمة والدين والإسلام والملك { خير مما ءاتكم } ~~يعني: خير مما أعطاكم من الدنيا والمال { بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون } يعني: إذا أهدى بعضكم إلى بعض يقال معناه بل أنتم تفرحون ~~بهديتكم إذا ردت إليكم لأنكم قليلون المال ويقال لأنكم مكاثرون بالدنيا ~~قوله عز وجل: { ارجع إليهم } يعني: قال سليمان للأمير الوافد ~~ارجع إليهم بالهدية فإن لم يحضروني { فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم بها } يعني: لا طاقة لهم بها قال بعض المتقدمين: ومتى ~~يكون لهم طاقة بجنود سليمان وكان جنود سليمان من الجن والإنس والشياطين { ~~ولنخرجنهم منها } يعني: من أرض سبأ { أذلة } يعني: ~~مغلولة أيديهم إلى أعناقهم { وهم صغرون } أي: ذليلون فلما بلغ ~~الخبر إلى المرأة ورسالة سليمان لم تجد بدا من الخروج إليه فخرجت نحوه ~~فلما علم سليمان بمسيرها إليه { قال } لجلسائه { يأيها الملا ~~أيكم يأتينى بعرشها } يعني: بسرير بلقيس { قبل أن ~~يأتونى مسلمين } أي: موحدين لأنه قد كان أوحي إلى سليمان بأنها ~~تسلم وقال بعضهم: إنما أراد سليمان بإحضار سريرها قبل أن تسلم ليكون ~~السرير له لأنها لو أسلمت حرم عليه ما كان لها وقال بعضهم: إنما أراد أن ms1238 ~~يبين دلالة نبوته عندها فتعلم المرأة أنه نبي فتسلم. ### || [27.39-41] # قوله عز وجل: { قال عفريت من الجن } يعني: ما أراد من الجن ~~والعفريت هو الشديد القوي ويقال العفريت من كل شيء المبالغ والحاذق في ~~أمره { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } يعني في ~~مجلس القضاء وكان قضاؤه إلى إنصاف النهار ويقال: إلى وقت الضحى { وإنى ~~عليه لقوى أمين } قوله عليه أي: على إتيان السرير القوي على ~~حمله أمين على ما فيه من الجواهر واللؤلؤ وغير ذلك فقال سليمان: أنا أريد ~~أسرع من هذا { قال الذى عنده علم من الكتب } يعني: ~~آصف بن برخيا وكان وزيره ومؤدبه في حال صغره وكان يعلم الاسم الأعظم ~~ويقرأ كتاب الله فقال يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ~~ويقال: هو قوله: يا حي يا قيوم ويقال: يا ذا الجلال والإكرام ويقال: إن ~~الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل عليه السلام وهو قول المعتزلة قال ~~الشيخ الإمام لأنهم لا يرون كرامة الأولياء وأكثر المفسرين على أنه آصف ~~بن برخيا رضي الله عنه قال: { أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك } يعني: قبل أن ينتهي إليك الذي وقع عليه منتهى بصرك ~~وهو جاء إليك ويقال قبل أن تطرف قال له سليمان: لقد أسرعت إن فعلت ذلك ~~فدعا بالاسم الأعظم فإذا بالسرير قد ظهر بين يدي سليمان { فلما ~~رءاه } أي: رأى سليمان السرير { مستقرا عنده } أي: موجودا ~~عنده { قال } سليمان: { هذا من فضل ربى ليبلونى } ~~يعني: ليختبرني { أأشكر } هذه النعمة { أم أكفر } نعم الله ~~تعالى إذا رأيت من دوني هو أعلم مني قال مقاتل: فلما رفع رأسه قال: الحمد ~~لله الذي جعل في أهلي من يدعوه فيستجيب له { ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه } يعني: يفعل لنفسه لأنه يعود إليه حيث يستجيب ~~المزيد من الله تعالى { ومن كفر } النعم يعني: ترك الشكر { فإن ~~ربى غنى } عن شكر العباد { كريم } في الإفضال على من شكره ~~بالنعمة ويقال كريم لمن شكر من ms1239 عباده (ويقال لما رأى آصف السرير مستقرا ~~عنده خرج من فضل نفسه ورجع إلى فضل الله ورأى الحول والقوة لله تعالى ~~فقال هذا من فضل ربي لا من فضل نفسي ولو لم يقل من فضل ربي لسقط عن ~~المنزلة أسرع من إتيان السرير حيث قال: أنا آتيك به حيث شهر نفسه ~~بالفضيلة ويقال: انا آتيك به يعني بالله آتيك لا بالمدة والحيلة فأسقط ~~الحول والقوة عن نفسه وسلم الأمر إلى الله فقال هذا من فضل ربي فلما رأى ~~سليمان السرير عنده علم أن هذا ليس من قوة جلسائه إنما هو من صنع ربه) ~~قوله عز وجل { قال نكروا لها عرشها } يعني: قال سليمان عليه ~~السلام غيروا لها عرشها عن صورته والتنكير هو التغيير يقال: نكرته فنكر ~~أي: غيرته فتغير وروى الضحاك عن ابن عباس قال: التنكير أن يزاد فيه أو ~~ينقص منه يعني زيدوا في سريرها وانقصوا منه حتى نرى أنها تعرف سريرها أم ~~لا وذلك قوله: { ننظر أتهتدى } يعني: أتعلم أنه عرشها { أم ~~تكون من الذين لا يهتدون } يعني: لا يعلموه يقال: إنه جعل ~~أعلاه أسفله وأسفله أعلاه ويقال: إنه إنما أمر بذلك لأن الجن قالوا ~~لسليمان عليه السلام: في عقلها شيء من النقصان فأراد سليمان أن يمتحن ~~عقلها فأمر بأن يغير السرير ويسألها عن ذلك. ### || [27.42-44] # قوله: { فلما جاءت } يعني: بلقيس وجلست على السرير { قيل } لها ~~{ أهكذا عرشك } يعني: أهكذا سريرك { قالت } بلقيس { كأنه ~~هو } شبهته به قال مقاتل: شبهوا عليها فشبهت عليهم ولو قيل لها أهذا ~~عرشك لقالت: نعم ويقال: إنها شكت في ذلك لأنها تركت سريرها في سبعة أبيات ~~مقفلة أبوابها ومفاتيح الأقفال بيدها فقال سليمان { وأوتينا ~~العلم من قبلها } يعني: حمد الله على ما أعطاه من إتيان السرير ~~وحضورها وعلى ما أعطاه قبل إتيانها من النبوة والإسلام فقال: وأوتينا ~~العلم من قبلها يعني: أعطينا العلم من قبل مجيئها ويقال: أعطينا علم ~~ملكها وعرشها من قبل مجيئها { وكنا مسلمين } يعني: مخلصين لله ~~تعالى ويقال: مسلمين منقادين ms1240 له قوله عز وجل: { وصدها ما كانت ~~تعبد من دون الله } يعني: عبادتها التي كانت تعبد الشمس منعها ~~عن الإسلام ويقال: معناه صدها إبليس عن الإيمان فتكون ما ها هنا بمعنى ~~الفاعل ويقال: ما هنا بمعنى المفعول فكأنه يقول صدها سليمان عما كانت ~~تعبد من دون الله كرجل يقول منعت فلانا الماء يعني: عن الماء ويقال: ~~معناه: أن الله تعالى صدها عما كانت تعبد من دون الله ووفقها للإسلام ~~ويقال: صدها عن الإسلام العبادة التي كانت تعبدها لأنها نشأت ذلك وربيت ~~ولم تعرف إلا قوما يعبدون الشمس ثم قال: { إنها كانت من قوم ~~كفرين } أي: من قوم جاحدين لله تعالى قوله عز وجل: { قيل لها ~~ادخلى الصرح } يعني: القصر وذلك لأنها لما أقبلت قالت الجن: لقد ~~لقينا من سليمان ما لقينا من التعب فلو اجتمع سليمان وهذه وما عندها من ~~العلم لهلكنا وخشوا أن يتزوجها ويكون بينهما ولد فيرث الملك فيبقون في ~~ذلك العناء إلى الأبد فأرادوا أن يبغضوها إلى سليمان فقالوا: إن رجليها ~~شعراوان وقال مقاتل: كانت أمها جنية وروى ابن أبي نجيح عن (مجاهد قال: ~~كانت أمها جنية) وكانت شعراء وقال بعضهم: هذا لا يصح لأن الجن ليسوا من ~~جنس الآدميين فلا يكون بينهما شهوة ونسل وقد قال الله تعالى: # إنا خلقنكم من ذكر وأنثى # [الحجرات: 13]. يعني: آدم وحواء عليهما السلام فلا يجوز أن يكون النسل ~~من غيرهما ويقال: إنهم قالوا لسليمان إن رجلها تشبه حافر الدواب فأراد ~~سليمان أن ينظر إلى رجليها فأمر بأن يوضع سريرها في الصرح المبني من ~~القوارير يعني من الزجاج وجعل تحت الصرح الماء فيه السمك فجلس سليمان على ~~سريره في الصرح ومقدميه ثم أمر بلقيس بأن تدخل الصرح { فلما رأته ~~حسبته لجة } أي: فلما جاءت إلى الصرح رأت ما فيه من السمك حسبته ~~لجة أي: ظنت أنه ماء كثير بين يدي سرير سليمان فأرادت أن تخوض في الماء ~~فشمرت ثيابها { وكشفت عن ساقيها } فنظر سليمان إلى ساقيها ~~وكانت شعرا فاستشار سليمان الإنس ms1241 في ذلك فأشاروا عليه بالموسى فقال ~~سليمان: الموسى تخدش ساقيها فاستشار الجن فأشاروا عليه بالنورة فأصل ~~النورة من ذلك الوقت وروي أن سليمان ما نظر إلى ساق أحسن من ساقيها ولا ~~خلاف بين الروايتين لأنه يكون أحسن الساقين شعراوين وروي " عن عائشة رضي ~~الله عنها أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت أنا أحسن ~~ساقين أم بلقيس فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " كانت هي أحسن ساقين منك في الدنيا وأنت أحسن ساقين منها في الآخرة " # فلما كشفت عن ساقيها قال لها: سليمان لا تكشفي عن ساقيك { قال إنه ~~صرح ممرد من قوارير } يقول: قصر مملس ولهذا يسمى الذي لم ~~ينبت له شعر أمرد ويقال ممرد يعني: قوي شديد كما يقال: شيطان مريد " من ~~قوارير " يعني من الزجاج: فلما رأت السرير والصرح علمت أن ملكها ليس بشيء ~~عند ملك سليمان وأن ملكه من الله تعالى وأنه نبي حقا ثم إن سليمان دعاها ~~إلى الإسلام فأجابت فذلك قوله تعالى: { قالت رب إنى ظلمت ~~نفسى } بعبادتي للشمس { وأسلمت مع سليمن لله } أي: ~~مع سليمان بالتوحيد وقيل إن سليمان لما عرفها الجنة فقالت ظلمت نفسي بسوء ~~الظن لسليمان وأسلمت مع سليمان أي وأخلصت ديني لله) مع سليمان بالتوحيد ~~ويقال مع سليمان يعني: أسلمت على يدي سليمان لله { رب العلمين } ~~وتابت من شركها إلى الله تعالى قال مقاتل: فاتخذها سليمان لنفسه فولدت له ~~داود بن سليمان " قال النبي - صلى الله عليه وسلم: # " هي أحسن الساقين من نساء العالمين وهي من أزواج سليمان في الجنة عليه ~~السلام ". ### || [27.45-49] # قوله عز وجل { ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا ~~أن اعبدوا الله } يعني: أمرهم بأن يعبدوا الله ويطيعوه ويوحدوه ~~{ فإذا هم فريقان يختصمون } يعني: مؤمنون وكافرون فإذا ~~قوم صالح مؤمن وكافر يختصمون يقول كل فريق الحق معي وقد ذكرنا خصومتهم في ~~سورة الأعراف وهي قوله: # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا # [الأعراف: 75] الآية فطلبت الفرقة الكافرة على تصديق صالح العذاب { ~~قال } لهم صالح ms1242 عليه السلام { يقوم لم تستعجلون ~~بالسيئة } أي: بالعذاب { قبل الحسنة } يعني: العافية ~~ويقال: التوبة وهو قولهم: يا صالح إن كان ما أتيت به حقا فأتنا بما ~~تعدنا من العذاب ثم قال: { لولا تستغفرون الله } يعني: لكي ~~ترحموا فلا تعذبوا قوله عز وجل: { قالوا اطيرنا بك } وأصله ~~تطيرنا بك يعني: تشاءمنا بك { وبمن معك } وذلك أنه قد أصابهم ~~القحط بتكذيبهم إياه فقالوا: هذا الذي أصابنا بشؤمك وشؤم أصحابك { قال ~~} لهم صالح: { طائركم عند الله } يعني: ما أصابكم فمن الله ~~ويقال: هذا الذي يصيبكم هو مكتوب عند الله ويقال: خيركم وشركم ورخاؤكم ~~وشدتكم من عند الله عليكم بفعلكم ويقال: عقوبتكم عند الله { بل أنتم ~~قوم تفتنون } أي: تبتلون بذنوبكم ويقال: تختبرون بالخير والشر ~~وأصل الفتنة هي الإختبار ويقال: فتنت الذهب بالنار لينظر إلى جودته قوله ~~عز وجل: { وكان فى المدينة } يعني: في قرية صالح وهي الحجر { ~~تسعة رهط } كانوا أغنياء قوم صالح { يفسدون فى الأرض ~~ولا يصلحون } يعني: يعملون بالمعاصي في أرض قريتهم ولا يصلحون أي: ~~لا يطيعون الله تعالى فيها ولا يتوبون من المعصية ولا يأمرون بها فسأل ~~قوم صالح منه ناقة فصارت الناقة بلية لهم فكانت تأتي مراعيهم فتأكل جميع ~~ما فيها فتنفر منها دوابهم وتشرب ماء بئرهم العذب الذي يشربون منه فجعلوا ~~نيابة لشرب الماء اللبن فتشرب ذلك اليوم الماء كله وتسقيهم اللبن حتى ~~يرووا فجاء هؤلاء التسعة وفيهم " قدار بن سالف " عاقر الناقة وكان ابن ~~زانية أحمر أزرق " ومصدع بن دهر " وكانا قد قعدوا لها فلما مرت بهما ~~رماها مصدع بسهم ثم قال: يا قدار اضرب فضرب عرقوبها فعقروها ثم سلخوها ~~واقتسموا لحمها فأوعدهم الله الهلاك وبين لهم العلامة بتغيير ألوانهم ~~فاجتمعوا التسعة { قالوا تقاسموا بالله } يعني: تحالفوا ~~بالله { لنبيتنه } قرأ حمزة والكسائي بالتاء وضم التاء الثاني { ~~وأهله ثم لنقولن } بالتاء وضم اللام والباقون بالنون ونصب ~~التاء ثم لنقولن بالنون ونصب اللام فمن قرأ بالنون جعل تقاسموا خبرا ~~فكأنهم قالوا: متقاسمين فيما بينهم لنبيتنه وأهله أي: لنقتلنه وعياله ms1243 ~~ويقال: وأهله يعني: ومن آمن معه ومن قرأ بالتاء فمعناه: جعل تقاسموا ~~أمرا فكان أمر بعضهم بعضا وقال بعضهم لبعض تحالفوا لنبيتنه وأهله ثم ~~لنقولن { لوليه } يعني: لولي صالح إن سألونا فنقول: { ما شهدنا ~~مهلك أهله } يعني: إهلاك أهله وقومه ويقال: ما حضرنا عند إهلاك ~~أهله { وإنا لصدقون } يعني: إنا لصادقون بما نقول لهم ويقال: ~~معناه إنا لصادقون عندهم فيصدقونا إذا أخرجنا من بيوتنا. ### || [27.50-53] # قوله عز وجل: { ومكروا مكرا } يعني: أرادوا قتل صالح { ~~ومكرنا مكرا } يعني: جثم عليهم الجبل فماتوا كلهم ويقال: رجمتهم ~~الملائكة عليهم السلام بالحجارة فماتوا فذلك قوله تعالى: { ومكروا ~~مكرا } أي: أرادوا قتل صالح ومكرنا مكرا يعني: أراد الله عز وجل ~~قتلهم جزاء لأعمالهم { وهم لا يشعرون } بأن الملائكة يحرسون ~~صالحا في داره - قرأ عاصم في رواية أبي بكر: مهلك بنصب الميم واللام وفي ~~رواية حفص مهلك بنصب الميم وكسر اللام وقرأ الباقون بضم الميم ونصب اللام ~~ثم قال: { فانظر كيف كان عقبة مكرهم } يعني: جزاء ~~مكرهم { أنا دمرنهم } قرأ عاصم وحمزة والكسائي أنا بالنصب ~~وقرأ الباقون بكسر الألف فمن قرأ بالنصب فمعناه فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم لأنا دمرناهم ويجوز أن يكون خبر كان ومن قرأ بالكسر لأنه لما قال: ~~فانظر كيف كان عاقبة مكرهم يعني: إيش كان عاقبة مكرهم ثم فسر فقال: إنا ~~دمرناهم على وجه الإستئناف { وقومهم أجمعين } يعني: أهلكناهم ~~بصيحة جبريل عليه السلام ويقال: خرجت النار من تحت أرجلهم وأحرقتهم ~~ويقال: إنهم خرجوا ليلا لإهلاك صالح فدمغتهم الملائكة بأحجار من حيث لا ~~يرونهم فقتلوهم وقومهم أجمعين قوله عز وجل: { فتلك بيوتهم ~~خاوية } يعني: خالية من الناس ويقال: بيوتهم خاوية يعني: مساكنهم ~~خربة ساقطة { بما ظلموا } أي: أشركوا ويقال: بكفرهم بالله تعالى ~~صارت خاوية نصبا على الحال يعني: فانظر إلى بيوتهم خاوية وقرىء في الشاذ ~~خاوية بالضم على معنى النعت للبيوت ثم قال: { إن فى ذلك لآية } ~~يعني: في إهلاكهم وفيما أصابهم لغيره لمن بعدهم { لقوم يعلمون } ~~يعني: يعقلون ويصدقون { وأنجينا الذين ءامنوا ms1244 } يعني: صدقوا ~~صالحا برسالته { وكانوا يتقون } الشرك والفواحش. ### || [27.54-59] # قوله عز وجل: { ولوطا إذ قال لقومه } يعني: وأرسلنا لوطا ~~عطفا على قوله ولقد أرسلنا إلى ثمود ويقال: معناه: واذكر لوطا إذ قال ~~لقومه يعني: حين قال لقومه قوله عز وجل: { أئنكم لتأتون ~~الرجال شهوة } يعني: تجامعون الرجال شهوة منكم { من دون ~~النساء بل أنتم قوم تجهلون } أي: جاهلون { فما كان ~~جواب قومه } وإنما نصب الجواب لأنه خبر كان واسمه { إلا أن ~~قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون } يعني: يتنزهون ويقذروننا بهذا الفعل وإنا لا نحب أن ~~يكون بين أظهرنا من ينهانا عن أعمالنا قال الله تعالى: { فأنجينه ~~وأهله } يعني: ابنتيه ريثا وزعورا { إلا امرأته } لم ننجها ~~من العذاب { قدرنها } أي: تركناها { من الغبرين } أي: ~~من الباقين في العذاب ويقال: قضينا عليها أنها من الباقين في العذاب قوله ~~عز وجل: { وأمطرنا عليهم مطرا } يعني: الحجارة { فساء ~~مطر المنذرين } يعني: بئس مطر من أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا ثم ~~قال عز وجل: { قل الحمد لله وسلم على عباده } قال ~~بعضهم: معناه: قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: قل الحمد ~~لله وقال بعضهم: معناه: الحمد لله على هلاك كفار الأمم الماضية يعني: ما ~~ذكر في هذه السورة من هلاك فرعون وقومه وثمود وقوم لوط ويقال: قال: الحمد ~~لله الذي علمك وبين لك هذا الأمر ويقال: إن هذا كان للوط حين أنجاه، أمره ~~بأن يحمد الله تعالى ثم قال: وسلام على عباده يعني: المرسلين { الذين ~~اصطفى } يعني: اختارهم الله تعالى للرسالة والنبوة وروي عن مجاهد أنه ~~قال: هم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وكذلك قال مقاتل وقال سفيان ~~الثوري: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: { الله خير ~~أما يشركون } يعني: الله تعالى أفضل أم الآلهة التي تعبدونها ~~اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التقرير يعني: الله تعالى خير لهم مما ~~يشركون # " فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ هذه الآية قال: بل الله ~~خير وأبقى وأجل ms1245 وأكرم " # ويقال: معناه أعبادة الله خير أم عبادة ما يشركون به من الأوثان وقال ~~القتبي: الله خيرا أما يشركون يعني أم من يشركون فتكون ما مكان من كما ~~قال: # والسمآء وما بنها # [الشمس: 5] يعني: ومن بناها # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] يعني: ومن خلق. ### || [27.60-68] # ثم قال عز وجل: { أمن خلق السموات والأرض وأنزل ~~لكم من السماء ماء } يعني: المطر { فأنبتنا به } يعني: ~~بالمطر { حدائق ذات بهجة } يعني: البساتين وأحدها حديقة وإنما ~~سميت حديقة لأنها محاطة بالحيطان وقال بعضهم: إذا كانت ذا شجر يقال لها: ~~حديقة سواء كان لها حائط أو لا ذات بهجة يعني: ذات حسن { ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها } يعني: ما كان لمعبودكم قوة ويقال: ما ~~كان ينبغي لكم أن تنبتوا شجرها ويقال ما قدرتم عليه وقرأ أبو عمرو وعاصم ~~أما يشركون بالياء على معنى الخبر وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة ~~وقرأ عاصم في رواية أبي بكر قدرناها بتخفيف الدال والباقون بالتشديد ثم ~~قال: { أإله مع الله } يعينه على صنعه اللفظ لفظ الإستفهام ~~والمراد به الإنكار والزجر { بل هم قوم يعدلون } يعني: ~~يشركون الأصنام ثم قال عز وجل: { أمن جعل الأرض قرارا } ~~يعني: مستقرا لا تميد بأهلها ويقال: قرارا أي سكنا لأهلها { وجعل ~~خلالها أنهارا } أي: فجر بسواد الأرض أنهارا ويقال: شق بينهما ~~أنهارا { وجعل لها } أي خلق لها { رواسى } أي: خلق للأرض ~~الجبال الثوابت { وجعل بين البحرين حاجزا } يعني: العذب ~~والمالح حاجزا يعني: سترا مانعا بقدرته لا يختلطان بعضهما في بعض { ~~أإله مع الله } يعينه على صنعه { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } يعني: ولكن أكثرهم لا يعلمون بتوحيد الله عز وجل: { أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه } يعني: أمن يستجيب في البلاء ~~للمضطر إذا دعاه { ويكشف السوء } يعني: ومن يكشف الضر { ~~ويجعلكم خلفاء الأرض } يعني: سكان الأرض بعد هلاك أهلها { ~~أإله مع الله قليلا ما تذكرون } قرأ أبو عمرو وابن ~~عامر في إحدى الروايتين بالياء على معنى الخبر عنهم وقرأ الباقون تذكرون ~~بالتاء على معنى المخاطبة ms1246 وقرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال وقرأ أبو عمرو ~~ونافع في رواية قالون أإله مع الله بالهمز والمد وقرأ الباقون بغير مد ~~بهمزتين ثم قال عز وجل: { أمن يهديكم فى ظلمت البر ~~والبحر } يعني: من يرشدكم في أهوال البر والبحر { ومن يرسل ~~الرياح بشرا بين يدى رحمته } يعني: قدام المطر { ~~أإله مع الله تعالى الله عما يشركون } أي: تعظم ~~الله عما يشركون { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده } يعني: ~~خلقهم ولم يكونوا شيئا ثم يعيدهم في الآخرة { ومن يرزقكم من ~~السماء } يعني: المطر { والأرض } يعني: النبات { أإله مع ~~الله قل هاتوا برهنكم } يعني: حجتكم وعلتكم بأنه صنع ~~شيئا من هذا غير الله { إن كنتم صدقين } بأن مع الله آلهة ~~أخرى { قل } يا محمد لكفار مكة: { لا يعلم من فى ~~السموات والأرض } من الملائكة والناس { الغيب إلا ~~الله } يعني: متى تقوم الساعة إلا الله رفع على معنى البدل فكأنه يقول ~~لا يعلم أحد الغيب إلا الله أي: لا يعلم ذلك إلا الله { وما ~~يشعرون أيان يبعثون } يعني: متى يبعثون أو أن يبعثون ومتى ~~يبعثون قوله عز وجل: { بل ادرك علمهم فى الآخرة } قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو وأدرك قرأ الباقون ادراك بالألف فمن قرأ أدرك فمعناه: ~~أدرك علمهم علم الآخرة وروي عن السدي قال: اجتمع علمهم يوم القيامة فلم ~~يشكوا ولم يختلفوا ويقال: معناه: علموا في الآخرة أن الذين كانوا يوعدون ~~حق ولا ينفعهم ذلك ومن قرأ إدراك فأصله تدارك فادغم التاء في الدال وشددت ~~وأدخلت ألف الوصل ليسلم السكون للدال ومعناه تتابع علمهم أي حكمهم على ~~الآخرة واستعمالهم الظنون في علم الآخرة فهم يقولون تارة: إنها تكون ~~وتارة: لا تكون الساعة ويقال: معناه: تدارك أي: تكامل علمهم يوم القيامة ~~بأنهم يبعثون ويشاهدون ما وعدوا { بل هم فى شك منها } أي: من ~~قيام الساعة في الدنيا { بل هم منها عمون } يعني: يتعامون عن ~~قيامها ويقال: بل هم منها عمون أي: من علمها جاهلون وروي عن ابن عباس أنه ~~كان يقرأ: بل إدراك وهذه ms1247 القراءة أشد إيضاحا للمعنى الذي ذكرناه ثم حكى ~~قول الكفار فقال عز وجل: { وقال الذين كفروا أءذا كنا ~~ترابا وءاباؤنا أءنا لمخرجون } يعني: أحياء من القبور { ~~لقد وعدنا هذا } يعني: هذا الذي يقول محمد عليه السلام: { ~~نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا } الذي يقول { إلا ~~أسطير الأولين } يعني: أحاديث الأولين وكذبهم مثل حديث رستم ~~واسفنديار ويقال: إن هذا إلا مثل رسل الأولين مما كذبوا. ### || [27.69-81] # قوله عز وجل: { قل سيروا فى الأرض فانظروا } يعني: ~~فاعتبروا { كيف كان عقبة المجرمين } يعني: آخر أمر ~~المشركين { ولا تحزن عليهم } إن لم يؤمنوا بل ويقال ولا تحزن ~~عليهم أي: على تكذيبهم وإعراضهم عنك { ولا تكن فى ضيق } يعني: لا ~~يضيق صدرك { مما يمكرون } يعني: بما يقولون من التكذيب ويقال: ~~ولا يضيق قلبك بمكرهم { ويقولون متى هذا الوعد } أي: وعد ~~العذاب { إن كنتم صدقين } أن العذاب نازل بالمكذب ويقال: ولا ~~تكن في ضيق مما يمكرون بقولهم فهذا دأبنا ودأبك أيام الموسم وهم الخراصون ~~فكانوا يأمرون أهل الموسم بأن لا يسمعوا كلامه ثم قال عز وجل: { قل ~~عسى أن يكون ردف لكم } يعني: قرب وحضر لكم قال القتبي أي ~~تبعكم واللام زائدة فكأنه قال: ردفكم قال: وقيل في التفسير: دنا منكم { ~~بعض الذى تستعجلون } من العذاب وهو عذاب القبر ويقال: يعني: ~~القحط ويقال: يوم بدر { وإن ربك لذو فضل على الناس } ~~حين لم يأخذهم بالعذاب عند معصيتهم { ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون } بتأخير العذاب عنهم حتى يتوبوا { وإن ربك ~~ليعلم ما تكن صدورهم } يعني: ما تسر قلوبهم من عداوة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - { وما يعلنون } بألسنتهم من الكفر ~~والشرك قوله عز وجل: { وما من غائبة } يعني: من أمر العذاب ~~ويقال: ما من شيء غائب عن العباد { في السموات والأرض إلا ~~فى كتب مبين } يعني: مكتوب في اللوح المحفوظ ويقال: أي: جملة ~~غائبة عن الخلق إلا في كتاب مبين { إن هذا القرءان يقص ~~على بنى إسرءيل } قال مقاتل: يعني: أن هذا القرآن يبين للناس ~~أهل الكتاب { أكثر ms1248 الذى هم فيه يختلفون } يعني: ~~اختلافهم وقال ابن عباس: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أهواء ~~وأحزابا بطعن بعضهم على بعض ويبرأ بعضهم من بعض فنزل القرآن بتبيان ما ~~اختلفوا فيه ثم قال عز وجل: { وإنه } يعني: القرآن { لهدى } ~~يعني: لبيانا من الضلالة { ورحمة } من العذاب { للمؤمنين ~~إن ربك يقضى بينهم } يعني: بين المختلفين في الدين { ~~بحكمه } أي: بقضائه يوم القيامة { وهو العزيز } يعني: المنيع ~~بالنقمة ويقال: العزيز يعني: القوي فلا يرد له أمر { العليم } بأحوال ~~خلقه سبحانه { فتوكل على الله } يعني: ثق بالله ويقال: فوض ~~أمرك إلى الله { إنك على الحق المبين } يعني: الدين المبين ~~وهو الإسلام ثم قال عز وجل: { إنك لا تسمع الموتى } فهذا ~~مثل ضربه للكفار أي: فكما أنك لا تسمع الموتى فكذلك لا تتفقه كفار مكة { ~~ولا تسمع الصم الدعاء } قرأ ابن كثير ولا يسمع بالياء ~~والنصب والصم بالرفع والباقون بالتاء وضم التاء وكسر الميم والصم ~~بالنصب فمن قرأ بالياء فلا يسمع فالفعل للصم ومن قرأ بالتاء فالخطاب ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنك لا تسمع الصم الدعاء { إذا ولوا ~~مدبرين } يعني: أعرضوا عن الحق مكذبين قوله عز وجل: { وما أنت ~~بهادى العمى عن ضللتهم } قرأ حمزة تهدي العمي بغير ألف ~~وقرأ الباقون بالألف فمن قرأ تهدي فمعناه ما أنت يا محمد بالذي تهدي ~~الذين عميت بصائرهم عن آياتنا ولكن عليك الدعاء ويهدي الله من يشاء ومن ~~قرأ بهادي فإن الباء دخلت لتأكيد النفي كقولك ما أنت بعالم فالياء لتأكيد ~~النفي وخفض العمي للإضافة ثم قال: { إن تسمع إلا من يؤمن ~~بآياتنا } يعني: لا تسمع الهدى إلا من صدق بالقرآن أنه من الله تعالى ~~ويقال: بآياتنا يعني: أدلتنا { فهم مسلمون } يعني: مخلصون مقرون ~~بها ويقال: مسلمون في علم الله تعالى. ### || [27.82] # قوله عز وجل: { وإذا وقع القول عليهم } يعني: إذا وجب ~~عليهم العذاب والسخط وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانه ولم يبق إلا ~~من يموت كافرا في علم الله تعالى { أخرجنا لهم ms1249 دابة من ~~الأرض تكلمهم } بما يسوءهم يعني: الدابة التي تكلم الناس ~~وخروجها من أول أشراط الساعة { أن الناس } قرأ عاصم وحمزة والكسائي ~~أن بالنصب قرأ الباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب يكون حكاية قول الدابة ~~ومعناه تكلمهم بأن الناس { كانوا بئايتنا لا يوقنون } أي: ~~لا يؤمنون بآيات ربهم وهو خروج الدابة ومن قرأ بالكسر يكون بمعنى ~~الابتداء ويتم الكلام عند قوله تكلمهم ثم يقول الله تعالى: أن الناس ~~كانوا بآياتنا لا يوقنون يعني لا يؤمنون قال أبو عبيد: حدثنا هشام عن ~~المغيرة أن أبا زرعة بن عمر وابن عباس قرأها تكلمهم بنصب التاء وكسر ~~اللام وبسكون الكاف والتخفيف يعني تسمهم فيتبين الكافر من المؤمن قال ~~الفقيه أبو الليث رحمه الله وحدثني الثقة عن أبي بكر الواسطي عن إبراهيم ~~بن يوسف عن محمد بن الفضل الضبي عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن ابن عمر رضي ~~الله عليهم قال: ألا أريكم المكان الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تخرج الدابة منه فضرب بعصاه قبل الشق الذي في الصفا وقال إنها ذات ~~زغب وريش وإنها لتخرج تلبها أول ما تخرج كحضر الفرس الجواد ثلاثة أيام ~~ولياليهن وإنها لتدخل عليهم وإنهم ليفرون منها إلى المساجد فتقول: أترون ~~أن المساجد تنجيكم مني وروى مقاتل قال: تخرج الدابة من الصفا ولا يخرج ~~إلا رأسها وعنقها فتبلغ رأسها السحاب فيراه أهل المشرق والمغرب ثم يقود ~~إلى مكانها ثم تزلزل الأرض في ذلك اليوم في ست ساعات فيمسون خائفين فإذا ~~أصبحوا جاءهم الصريخ بأن الدجال قد خرج وروي عن أبي هريرة أنه قال تخرج ~~الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام فتجلو وجه المؤمن بعصا ~~موسى وتختم وجه الكافر بخاتم سليمان ثم تقول لهم: يا فلان أنت من أهل ~~الجنة ويا فلان أنت من أهل النار فترى أهل البيت مجتمعين على خوانهم يقول ~~لهذا يا مؤمن ولهذا يا كافر وروى ابن جريج عن أبي الزبير قال رأسها رأس ~~ثور وعيناها خنزير وأذناها فيل وقرناها أيل ms1250 وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر ~~أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هرة وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم ~~بعير بين كل مفصلين منها اثني عشر ذراعا بذراع آدم عليه السلام تخرج ~~ومعها عصا موسى وخاتم سليمان فتنكت على وجه المؤمن حتى يبيض وتختم الكافر ~~بخاتم سليمان حتى يسود فيعرف المؤمن من الكافر وروي عن عبد الله بن عمر ~~أنه قال: تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء فتفشو في وجهه حتى يبيض وجهه ~~ويتابعون في الأسواق فيعرفون المؤمن من الكافر. ### || [27.83-86] # قوله عز وجل: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا } يعني: ~~نوجب عليهم العذاب في يوم نحصر من كل أمة فوجا يعني من أهل كل دين جماعة ~~ويقال: يوم نحشر يعني: نجمع من كل أمة فوجا يعني: جماعة { ممن ~~يكذب بئايتنا فهم يوزعون } يعني: يحبس أولهم لآخرهم: ~~يجتمعوا { حتى إذا جاءوا } يعني: اجتمعوا للحشر { قال ~~أكذبتم بئايتى } يعني: قال الله تعالى لهم: أكذبتم بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - والقرآن اللفظ لفظ الإستفهام والمراد به التقرير ~~يعني: قد كذبتم بآياتنا { ولم تحيطوا بها علما } اللفظ لفظ ~~النفي والمراد به المناقشة في الحساب يعني: كذبتم كأنكم لم تعلموا ويقال: ~~لم تعرفوها حق معرفتها ثم قال: { أماذا كنتم تعملون } اللفظ ~~لفظ السؤال والمراد به التوبيخ ومعناه ماذا كنتم تعملون. أن تؤمنوا ~~بالكتاب والرسل يعني أي عمل منعكم من ذلك { ووقع القول عليهم ~~} يعني: نزل عليهم العذاب ووجب عليهم { بما ظلموا } يعني: بما ~~أشركوا { فهم لا ينطقون } يعني: لا يمكنهم أن يتكلموا من الهيبة ~~لما ظهر لهم من المعاينة ولما تحيروا في ذلك ثم وعظ كفار مكة فقال: { ~~ألم يروا } يعني: ألم يعتبروا. { أنا جعلنا اليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا } يعني: مضيئا وأضاف الفعل ~~إلى النهار لأن الكلام يخرج مخرج الفاعل إذا كان هو سببا للفعل كما قال: # بل مكر اليل والنهار # [سبأ: 33] { إن فى ذلك لآيت لقوم يؤمنون } أي: فيما ~~ذكر من الليل والنهار لعبرات لقوم يصدقون بتوحيد الله تعالى. ### || [27.87-93] # وقال عز وجل { ويوم ms1251 ينفخ فى الصور } أي: واذكر يوم ينفخ ~~إسرافيل في الصور { ففزع من فى السموات ومن فى الأرض ~~} أي: من شدة الصوت والفزع ويقال: ماتوا وقال بعضهم: النفخ ثلاثة أحدها: ~~الفزع وهو قوله { ففزع من فى السموات } ونفخة أخرى للموت: ~~وهو قوله: # فصعق من فى السموت # [الزمر:68] ونفخة للبعث: وهي قوله: # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68] وقال بعضهم: إنما هما نفختان والفزع والصعق كناية عن الهلاك ~~ثم نفخة للبعث { إلا من شاء الله } يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل ثم يموتوا بعد ذلك { وكل أتوه دخرين } روى سفيان ~~بإسناده عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ وكل أتوه بغير مد ونصب التاء وهي ~~قراء حمزة وعاصم في رواية حفص والباقون بالمد والضم ومن قرأ بالمد وضم ~~التاء فمعناه كل حاضروه { دخرين } أي: صاغرين ويقال: متواضعين ومن ~~قرأ بغير مد يعني يأتوا الله { وترى الجبال تحسبها جامدة ~~} أي: تحسبها واقفة مكانها ويقال: مستقرة { وهى تمر مر ~~السحاب } حتى يقع على الأرض فتستوي أي: في أعين الناظرين كأنها واقفة ~~قال القتبي: وكذلك كل عسكر غض به الفضاء فينظر الناظر فيرى أنها واقفة ~~وهي تسير { صنع الله الذى أتقن كل شىء } يعني: ملأ كل ~~أي: أحكم خلق كل شيء ويقال: الشيء المتقن أن يكون وثيقا ثابتا فما كان ~~من صنع غيره يكون واهيا ولا يكون متقنا { إنه خبير بما ~~تفعلون } أي: عليم بما فعلتم { من جاء بالحسنة } أي ~~بالإيمان والتوحيد وكلمة الإخلاص وشهادة أن لا إله إلا الله { فله ~~خير منها } على وجه التقديم وله منها خير أي: حين ينال بها الثواب ~~والجنة ويقال: فله خير منها أي: خير من الحسنة يعني: أكثر منها للواحد ~~عشرة ويقال: فله خير منها من الحسنة وهي الجنة لأن الجنة هي عطاؤه وفضله ~~والعمل هو اكتساب العبد فما كان من فضله وعطائه فهو أفضل وهذا تفسير ~~المعتزلة والأول قول المفسرين { وهم من فزع يومئذ ءامنون ~~} أي: من فزع يوم القيامة قرأ ابن كثير وأبو عمرو ms1252 ونافع في رواية ورش من ~~فزع يومئذ بغير تنوين ويومئذ بكسر الميم والباقون بالتنوين ونصب الميم ~~قال أبو عبيد: وبالإضافة نقرأ لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع ~~فزع ذلك اليوم وإذا قال: فزع بالتنوين صار كأنه قال: فزع دون فزع وقال ~~غيره، إنما أراد به الأكبر لأن بعض الأفزاع تصيب الجميع وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو وابن عامر: إنه خبير بما يفعلون بالياء على معنى الإخبار عنهم ~~والباقون بالتاء على معنى المخاطبة { ومن جاء بالسيئة } أي: ~~بالشرك { فكبت وجوههم فى النار } ويقال: يكبون على وجوههم ~~ويجرون إلى النار وتقول لهم خزنة النار { هل تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون } من الشرك ويقال: فكبت أي: ألقيت وطرحت { إنما ~~أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } أي: قل يا محمد لأهل ~~مكة: أمرني الله تعالى أن أستقيم على عبادة رب هذه البلدة يعني: مكة الذي ~~حرمها بدعاء إبراهيم عليه السلام وحرم فيها القتل والصيد قال بعضهم: كان ~~حراما أبدا قال بعضهم وهو أصح: إن إبراهيم لما دعا فجعلها الله حراما ~~بدعوته وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن إبراهيم حرم مكة وأنا حرمت المدينة ما بين لابتيها " # ثم روي أنه قد رخص في المدينة ثم قال تعالى: وله كل شيء أي: وخلق كل شيء ~~وأمرت أن أكون من المسلمين أي: من المخلصين { وأن أتلو ~~القرءان } يعني: أمرت أن أقرأ عليكم القرآن يا أهل مكة { فمن ~~اهتدى } أي: آمن بالقرآن { فإنما يهتدى لنفسه } أي: ~~يؤمن لنفسه ويثاب عليها { ومن ضل } ولم يوحد ولم يؤمن بالقرآن ~~وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - { فقل إنما أنا من ~~المنذرين } أي: من المخوفين ومن المرسلين فليس علي إلا تبليغ ~~الرسالة { وقل الحمد لله } أي: الشكر لله على ما هداني { ~~سيريكم } أيها المشركون آياته يعني: العذاب في الدنيا { ~~فتعرفونها } أنها حق وذلك أنه أخبرهم بالعذاب فكذبوه فأخبرهم أنهم ~~يعرفونها أنها حق وذلك إذا نزل بهم وهو القحط والقتل ويقال: هو فتح مكة { ~~وما ربك بغفل ms1253 عما تعملون } فهذا وعيد للظالم وتعزية ~~للمظلوم وقال الزجاج في قوله (سيريكم) آياته أي سيريكم الله آياته في ~~جميع ما خلق وفي أنفسكم قرأ نافع وعاصم في رواية حفص وابن عامر في إحدى ~~الروايتين (تعملون) بالتاء على معنى المخاطبة وقرأ الباقون بالياء على ~~معنى الخبر عنه والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-4] # قوله تعالى: { طسم تلك ءايات الكتب المبين } أي: القرآن ~~وهو مبين للأحكام وقد ذكرناه (قال أبو سعيد الفاريابي في قوله تعالى (طا) ~~قال: هو طاهر عما يعلوه والسين سامع لما وصفوه والميم ماجد حين سألوه ~~والماجد كثير العطاء ويقال: أمجدني فلان إذا أكثر إعطاؤه ويقال: (طا) أي: ~~أقسم الله بطالوت وسين أقسم الله بسليمان وميم أقسم الله بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ) { نتلوا عليك } يعني: ننزل عليك جبريل عليه ~~السلام يقرأ عليك { من نبإ موسى وفرعون بالحق } أي: ~~من خبر موسى وفرعون بالصدق { لقوم يؤمنون } يعني: يصدقون محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية وإنما أنزل القرآن لجميع الناس ولكن ~~المؤمنين هم الذين يصدقون فكأنه لهم وذلك أن أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا يؤذونهم المشركون فيشكون إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فنزلت هذه السورة في شأنهم لكي يعرفوا ما نزل في بني إسرائيل ~~من فرعون وقومه ليصبروا كصبرهم وينجيهم ربهم كما أنجا بني إسرائيل من ~~فرعون وقومه وهذا كقوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] الآية ثم أخبر عن فرعون فقال تعالى: { إن فرعون ~~علا فى الأرض } يعني: استكبر وتعظم عن الإيمان وخالف أمر موسى في ~~أرض مصر { وجعل أهلها شيعا } يعني: أهل مصر فرقا { ~~يستضعف } يعني: يستقهر { طائفة منهم } يعني: من أهل مصر ~~وهم بنو إسرائيل فجعل بعضهم ينقل الحجارة من الجبل وبعضهم يعملون له عمل ~~النجارة وبعضهم أعمال الطين ومن كان لا يصلح لشيء من أعماله يأخذ منه كل ~~يوم ضريبة درهما فإذا غابت الشمس ولم يأت ms1254 بالضريبة غلت يده اليمنى إلى ~~عنقه ويأمره بأن يعمل بشماله هكذا شهرا. ثم قال: { يذبح ~~أبناءهم } أي يعني: أبناء بني إسرائيل صغارا { ويستحيي ~~نساءهم } يعني: يستخدم نساءهم وأصله من الاستحياء يعني يتركهن أحياء ~~وروى أسباط عن السدي قال: بلغنا أن فرعون رأى فيما يرى النائم كأن نارا ~~أقبلت من أرض الشام فاشتملت على بيوت مصر وكانت الشام أرض بني إسرائيل ~~أول ما كانوا فأحرقتها كلها إلا بيوت بني إسرائيل فسأل الكهنة عن ذلك ~~فقالوا: يولد في بني إسرائيل مولود يكون على يديه هلاك أهل مصر فأمر ~~فرعون بأن لا يولد في بني إسرائيل ذكر إلا ذبح وعمد إلى ما كان من بني ~~إسرائيل خارج المصر فأدخله المدينة واستعبدهم ورفع العمل عن رقاب أهل مصر ~~ووضعه على بني إسرائيل " ثم قال: { إنه كان من المفسدين } ~~يعني: فرعون كان يعمل بالمعاصي. ### || [28.5-8] # قوله عز وجل: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~فى الأرض } يعني: أردنا أن نمن بالنجاة على الذين استضعفوا في الأرض ~~وهم بنو إسرائيل نمن. يعني: ننعم عليهم { ونجعلهم أئمة } ~~يعني: قادة في الخير { ونجعلهم الوارثين } يعني: أرض مصر ~~وملك فرعون وقومه بعد هلاك فرعون { ونمكن لهم } يعني: نملكهم ~~ويقال: ننزلهم في الأرض { فى الأرض } يعني: في أرض مصر { ونرى ~~فرعون وهمن } قرأ حمزة والكسائي: ويرى بالياء والنصب وفرعون ~~وهامان { وجنودهما } بالرفع كل ذلك قرأ والباقون: ونرى بالنون ~~والضم وفرعون وهامان وجنودهما كلها بالنصب ونصب نرى لأنه معطوف على قوله ~~أن نمن فكأنه قال: أن نمن وأن نري ونصب فرعون لوقوع الفعل عليه ومن قرأ ~~بالياء رفعه لأن الفعل منه ثم قال: وهامان وجنودها { منهم ما ~~كانوا يحذرون } يعني: يرون ما كانوا يخافون من ذهاب الملك وقوله ~~عز وجل: { وأوحينا إلى أم موسى } يعني: ألهمنا أم موسى { ~~أن أرضعيه } وذلك أن أم موسى حبلت فلم يظهر بها أثر الحبل حتى ~~ولدت موسى وأرضعته ثلاثة أشهر أو أكثر فألهمها الله تعالى بقوله: { ~~فإذا خفت عليه } يعني: إلى صباحه { فألقيه فى اليم ms1255 } ~~يعني: في البحر قال: مقاتل وهو النيل فعلمها جبريل ويقال: رأت في المنام ~~بأنها تؤمر أن تلقيه في البحر ويقال كان هذا إلهاما ويقال: كانت دلالة ~~حيث علمت بالرؤيا أو شيء خيل لها أن تفعل ما فعلت كما أن إبراهيم عليه ~~السلام رأى في المنام ذبح إسحاق وإسماعيل عليهما السلام وذكر أنها كانت ~~تخبز يوما وكان موسى عليه السلام على رأس التنور إذ دخل قوم فرعون ~~يطلبون الولد فوضعته في التنور فدخلوا فلم يجدوا موسى عليه السلام فجاءت ~~إلى التنور فوجدته يلعب بأصابعه في الأرض فاستيقنت أن الله تعالى يحفظه ~~فجعلته في التابوت وألقته في النيل ثم قال: { ولا تخافى } الغرق { ~~ولا تحزنى } أن لا يرد إليك { إنا رادوه إليك ~~وجعلوه من المرسلين } يعني: رسولا إلى فرعون وقومه فلما ~~ألقته في النيل جاء به الماء وكان ممر الماء في دار فرعون فوجدته جواري ~~فرعون بين الماء والشجر فمن ثم سمي موسى بلفظ القبط موسى فذلك قوله ~~تعالى: { فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا ~~وحزنا } يعني: إن أخذهم إياه كان سببا لحزنهم فكأنهم أخذوه لذلك ~~وإنما كان أخذهم لم يكن لذلك قرأ حمزة والكسائي: وحزنا بضم الحاء وسكون ~~الزاي وقرأ الباقون: بنصب الحاء والزاي وهما لغتان ومعناهما واحد { إن ~~فرعون وهمن وجنودهما كانوا خطئين } يعني: ~~مشركين ويقال: عاصين آثمين. ### || [28.9-11] # قوله عز وجل: { وقالت امرأت فرعون } واسمها آسية لفرعون ~~هذا الغلام { قرة عين لى ولك لا تقتلوه } فإنه آتانا به ~~الماء من مصر آخر ومن أرض أخرى وليس من بني إسرائيل ويقال: أنها قالت إن ~~هذا كبير ومولود قبل هذه المدة التي أخبر لك { عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا } فإنه لم يكن له ولد ذكر قال فرعون: فهو قرة ~~عين لك فأما أنا فلا وروي عن ابن عباس أنه قال: لو قال فرعون أيضا هو ~~قرة عين لي لنفعه الله تعالى به ولكنه أبى ويقال قرة عين لي وقد تم ~~الكلام ثم قالت ولك لا تقتلوه (قال: وروى عكرمة عن ms1256 ابن عباس أنه كان يقف ~~على قرة عين لي ولك ثم قال: لا تقتلوه أي: لا تقتلوه فلا الثاني إضمار في ~~الكلام) والتفسير الأول أصح ثم قال: { وهم لا يشعرون } أي: لا ~~يشعر فرعون وقومه أن هلاكهم على يديه ثم قال عز وجل: { وأصبح ~~فؤاد أم موسى فارغا } يعني: خاليا من كل ذكر وشغل إلا ذكر ~~موسى عليه السلام ويقال صار قلبها فارغا حين بعثت أخته لتنظر فأخبرتها ~~بأنه قد أخذ في دار فرعون فسكنت حيث لم يغرق ويقال: صار قلبها فارغا ~~لأنها علمت أنه لا يقتل وروي عن فضالة بن عبيد أنه قرأ: وأصبح فؤاد أم ~~موسى فزعا يعني: خائفا وقراءة العامة فارغا وتفسيره ما ذكرناه وقد قيل ~~أيضا فارغا من شغل نفقته { إن كادت لتبدى به } يعني: وقد ~~كادت لتظهر به قال مقاتل: وذلك أنها لما ألقت التابوت في النيل فرآت ~~التابوت يدفعه مرة ويضعه أخرى فخشيت عليه الغرق فعند ذلك فزعت عليه وكادت ~~أن تصيح ويقال: أنه لما كبر كان الناس يقولون: هو ابن فرعون فكأن ذلك شق ~~عليها وكادت أن تظهر أن هذا ولدي وليس بولد فرعون ويقال: لما دخل الليل ~~دخل الغم في قلبها حيث لم تدر أين صار ولدها فأرادت أن تظهر ذلك { لولا ~~أن ربطنا على قلبها } أي: ثبتنا قلبها ويقال: قوينا قلبها ~~وألهمناها الصبر { لتكون من المؤمنين } يعني: من المصدقين ~~بوعد الله تعالى حيث وعد لها بإنا رادوه إليك فلم تجزع ولم تظهر قوله عز ~~وجل: { وقالت لأخته قصيه } يعني: قالت أم موسى: لأخت موسى وكان ~~اسم أخته مريم (قصية) يعني: اتبعي أثره ويقال يعني: امشي بجنبه في الحد ~~وهو في الماء حتى تعرف من يأخذه { فبصرت به عن جنب } يعني: ~~بصرته عن بعد كما قال # والجار الجنب # [النساء: 36] يعني البعيد منهم من قوم آخرين ويقال عن جنب يعني في جنب { ~~وهم لا يشعرون } أنها أخت موسى ويقال: وهم لا يشعرون يعني وهم ~~لا يعرفون أنها ترقبه. ### || [28.12-16] # قوله عز وجل: { وحرمنا ms1257 عليه المراضع من قبل } أي: من ~~قبل مجيء أمه ويقال في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن أم موسى عليها ~~السلام قالت لأخته قصيه أي اطلبي أثره بعد ما أخذه آل فرعون ولم يقبل رضع ~~أحد وحرمنا عليه المراضع من قبل مجيء أخته ويقال: حرمنا عليه المراضع ~~يعني: منعنا موسى أن يقبل ثدي مرضع من قبل أن نرده على أمه { فقالت } ~~أخته حين تعذر عليهم إرضاعه { هل أدلكم على أهل بيت ~~يكفلونه لكم } يعني: يضمنونه لكم رضاعه ويقال: يضمنونه { وهم ~~له نصحون } يعني: مشفقون للولد ويقال: مخلصون شفقة فقال هامان: ~~خذوها حتى تخبرنا بقصة هذا الغلام فأخذت فألهمها الله تعالى أن قالت عند ~~ذلك إنما ذكرت النصيحة لفرعون أعني وهم له ناصحون لفرعون لا لغيره فقال ~~هامان لفرعون دعوها فقد صدقت فأرسل إليها فلما جاءت أمه وضعت الثدي في ~~فمه فأخذ ثديها وسكن فذلك قوله تعالى: { فرددنه إلى أمه ~~كى تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد ~~الله حق } يعني: كائن صدق وهو قوله إنا رادوه إليك { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } بأن وعد الله حق يعني أهل مصر قوله عز ~~وجل: { ولما بلغ أشده } ثم قال: قال مجاهد: يعني بلغ ثلاثا ~~وثلاثين سنة { واستوى } يعني: بلغ أربعين سنة قال وفي رواية الكلبي ~~الأشد ما بين ثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة ويقال: ولما بلغ أشده يعني ~~منتهى قوته وهو ما فوق الثلاثين واستوى يعني: بلغ أربعين سنة { ~~آتيناه حكما وعلما } يعني: علما وعقلا ويقال: النبوة وعلم ~~التوراة وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الأشد ثلاثا وثلاثين سنة وأما ~~الاستواء فأربعون سنة والعمر الذي أعذر الله تعالى ابن آدم فيه إلى ستين ~~سنة يعني: قوله: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر # [فاطر:37] ثم قال: { وكذلك نجزى المحسنين } يعني: ~~المؤمنين قوله عز وجل: { ودخل المدينة } قال مقاتل يعني: قرية ~~على رأس فرسخين وقال غيره يعني: المصر { على حين غفلة من ~~أهلها } يعني: نصف النهار وقت القيلولة ويقال ما بين ms1258 المغرب والعشاء ~~{ فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته } ~~يعني: من بني إسرائيل { وهذا من عدوه } يعني: من القبط وقال ~~القتبي: هذا من شيعته أي: من أصحابه وهذا من عدوه أي من أعدائه والعدو ~~يدل على الواحد والجمع وذكر أن خباز فرعون أخذ رجلا من بني إسرائيل سخرة ~~فأمره بأن يحمل الحطب إلى دار فرعون { فاستغثه الذى من ~~شيعته } يعني: هذا الذي من شيعة موسى استغاث بموسى { على الذى ~~من عدوه فوكزه موسى } يعني: ضربه بكفه ضربة في صدره وقال ~~القتبي: فوكزه يعني: لكزه ويقال لكزته ووكزته إذا دفعته { فقضى ~~عليه } يعني: مات الخباز بضربته وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت ~~عليه فمعنى قوله فقضى عليه أي قتله ولم يتعمد قتله وكان موسى شديد البطش ~~ثم ندم على قتله فقال إني لم أؤمر بالقتل وإن كان كافرا { قال هذا ~~من عمل الشيطن } يعني هو الذي حملني على هذا الفعل { إنه ~~عدو مضل مبين } يعني: يضل الخلق مبين يعني: ظاهر العداوة ثم ~~استغفر إلى الله تعالى { فقال } موسى { رب إنى ظلمت نفسى ~~فاغفر لى فغفر له } يعني: غفر الله ذنبه عز وجل { إنه ~~هو الغفور } للذنوب لمن تاب { الرحيم } بخلقه ### || [28.17-22] # { قال } موسى { رب بما أنعمت على } يعني: بالمغفرة كقوله # بمآ أغويتنى # [الحجر: 39] يعني أما إذا أغويتني ثم قال: { فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين } يعني (أعوذ بالله أن أكون) معينا للكافرين لأن ~~الإسرائيلي كان كافرا ولم يستثن على كلامه فابتلاه الله عز وجل في اليوم ~~الثاني بمثل ذلك وكانوا لا يعرفون من قتل خباز الملك وكانوا يطلبون قاتله ~~{ فأصبح } موسى { فى المدينة خائفا } أن يؤخذ فيقتل { ~~يترقب } يعني: ينتظر الطلب ويقال: ينتظر الأخبار { فإذا الذى ~~استنصره بالأمس يستصرخه } يعني: رأى الإسرائيلي كان ~~يقاتل مع رجل آخر من القبط يستصرخه يعني: يستغيثه كقوله # مآ أنا بمصرخكم # [إبراهيم:22] يعني: بمغيثكم { قال له موسى } يعني: للإسرائيلي { ~~إنك لغوى مبين } يعني: ضال بين ويقال: جاهل بين ويقال: ظاهر ~~الغواية وقد قتلت لك الأمس رجلا وتدعوني ms1259 إلى آخر ثم أقبل إليه فظن الذي ~~من شيعته أنه يريده فذلك قوله تعالى { فلما أن أراد أن ~~يبطش بالذى هو عدو لهما } يعني يريد أن يضرب القبطي ~~فظن الإسرائيلي أنه يريده بعد ما عاتبه قرأ أبو جعفر المدني يبطش بضم ~~الطاء وقراءة العامة بالكسر ومعناهما واحد (فظن الإسرائيلي أن موسى يريد ~~ضربه ف) { قال يا موسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت ~~نفسا بالأمس } وقال بعضهم كان ذلك إبليس تشبه بالرجل الإسرائيلي ~~ليظهر أمر موسى وقال بعضهم: كان ذلك الرجل بعينه فقال ذلك الرجل من الخوف ~~{ إن تريد } يعني: ما تريد { إلا أن تكون جبارا فى ~~الأرض } يعني: قتالا قال الكلبي: من قتل رجلين فهو جبار ويقال: إن من ~~سيرة الجبابرة القتل بغير حق { وما تريد أن تكون من ~~المصلحين } يعني: المطيعين لله تعالى فلما قال الإسرائيلي هذا علم ~~القبطي أن موسى هو قاتل القبطي فرجع القبطي فأخبرهم أن موسى هو القاتل ~~فائتمروا بينهم بقتل موسى قال فأذن فرعون بقتله فجأه خزيلي وهو مؤمن من ~~آل فرعون وأخبر موسى بذلك فذلك قوله { وجاء رجل من أقصى ~~المدينة يسعى } يعني: من وسط المدينة يمشي على رجليه ويقال يسرع ~~ويشتد في مشيته ف { قال يا موسى إن الملأ } يعني: الأشراف ~~من أهل مصر { يأتمرون بك ليقتلوك } قال أبو عبيد: يعني ~~يتشاورون في أمرك وقال القتبي يعني: يهمون بك ليقتلوك { فاخرج } من ~~هذه المدينة { إنى لك من النصحين } قوله عز وجل { فخرج ~~منها } أي من مصر { خائفا يترقب } يعني: ينتظر الطلب { قال ~~رب نجنى من القوم الظلمين } يعني: المشركين { ولما ~~توجه تلقاء مدين } أي بوجهه نحو مدين وذلك أن موسى عليه ~~السلام حين خرج وتوجه نحو مدين وكان بينه وبين مدين ثمانية أيام كما بين ~~الكوفة والبصرة ويقال تلقاء مدين يعني: سلك الطريق الذي تلقاء مدين ويقال ~~لما قال رب نجني من القوم الظالمين استجاب الله تعالى دعاءه فجاءه جبريل ~~عليه السلام وأمره بأن يسير تلقاء مدين فسار إلى مدين في عشرة أيام ms1260 وهو ~~قوله: { قال عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل } يعني: ~~يرشدني قصد الطريق إلى مدين. ### || [28.23-25] # قوله عز وجل: { ولما ورد ماء مدين } ومدين بن إبراهيم ~~عليهما السلام وكانت البير تنسب إليه الماء وصار مدين اسم قبيلة { وجد ~~عليه أمة } أي: جماعة { من الناس يسقون } أي: وجد على ~~الماء جماعة من الناس يسقون أنعامهم وأغنامهم ويقال هم أربعون رجلا ~~ويقال عشرة رجال { ووجد من دونهم } يعني: من دون الناس { ~~امرأتين تذودان } أي: تطردان وقال سعيد بن جبير يعني: حابستان ~~ويقال تحبسان غنمهما وقال القتبي: تذودان أي تكفان غنمهما وحذف الغنم ~~اختصارا ويقال كانتا تحبسان الغنم لكيلا تختلط بغيرها ويقال تحبسان ~~الغنم لتصدر مواشي الناس وتسقيان بفضل الماء ومما فضل من أغنام الناس ~~وهما ابنتا شعيب النبي عليه السلام { قال } لهما موسى { ما ~~خطبكما } أي: ما شأنكما ترعيان الغنم مع الرجال وما بالكما لا ~~تسقيان { قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء } قرأ أبو عمرو ~~وابن عامر يصدر بنصب الياء وضم الدال وقرأ الباقون يصدر بضم الياء وكسر ~~الدال فمن قرأ بالنصب فهو من صدر يصدر إذا رجع من الماء ومعناه لا نسقي ~~حتى يرجع الرعاء ونسقي بفضلهم لأنا لا نقدر أن نسقي وأن نزاحم الرجال إذا ~~صدروا سقينا بفضل مواشيهم ومن قرأ يصدر بالضم فهو من أصدر يصدر والمعنى ~~حتى يصدر الرعاة أغنامهم { وأبونا شيخ كبير } لم يقدر على ~~الخروج وليس له عونا يعينه غيرنا فرجع الرعاة ووضعوا صخرة على البئر ~~فانتهى موسى إلى البئر وقد أطبقت عليها الصخرة فاقتلعها ثم سقى لهما حتى ~~أروتا أغنامهما وقال في رواية الكلبي كان للبئر دلو يجتمع عليه أربعون ~~رجلا حتى يخرجوه من البئر فجاء موسى أهل الماشية فسألهم أن يهيئوا له ~~دلوا من الماء فقالوا إن شئت أعطيناك الدلو على أن تسقي أنت قال نعم ~~فأخذ موسى عليه السلام الدلو فسقى بها وحده فصب في الحوض ثم قربتا غنمهما ~~فشربت فذلك قوله عز وجل: { فسقى لهما } يعني: أغنامهما { ثم ~~تولى إلى الظل } يعني: ms1261 تحول إلى ظل الشجرة { فقال رب إنى ~~لما أنزلت إلى من خير فقير } أي لما أنزلت إلي من ~~الطعام فأنا محتاج إلى ذلك إنه كان جائعا فسأل ربه ولم يسأل الناس ففطنت ~~الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة فقال أبوهما هذا رجل ~~جائع وقال لإحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها فذلك قوله { ~~فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن أبى ~~يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } قوله على استحياء ~~يعني على حياء لأنها كانت مقنعة ولم تك متبرجة ويقال: على استحياء يعني: ~~على حياء لأنها كانت واضعة يدها على وجهها ويقال: على استحياء أي: مستترة ~~بكم درعها (قال: فالوقف على تمشي إذا كان قولها على الحياء فأما إذا كان ~~مشيها على الحياء فالوقف على استحياء والقول بالحياء أشبه من المشي ~~بالحياء فكيف ما يقف يجوز بالمعنى) فقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما ~~سقيت لنا وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال ويقال: أقل من ذلك فتبعها ~~فلم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال خائفا مستوحشا فلما ~~تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها وتظهر عجيزتها وجعل موسى عليه السلام ~~يعرض مرة ويغض أخرى فلما عيل صبره ناداها يا أمة الله كوني خلفي وأريني ~~السمت بقولك يعني: دليني الطريق فلما دخل على شعيب عليه السلام إذا هو ~~بالعشاء مهيأ فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعش فقال موسى أعوذ بالله فقال ~~له شعيب: لم لا تأكل أما أنت جائع فقال: بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا ~~لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا ~~فقال: لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي إنا نقري الضيف ونطعم الطعام ~~فجلس موسى فأكل وأخبره بقصة القتل والهرب فذلك قوله عز وجل: { فلما ~~جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من ~~القوم الظلمين } يعني: خرجت من ولاية فرعون ولا سلطان له في ~~أرضنا وقال في رواية الكلبي: كان هذا الرجل ms1262 اسمه نيرون ابن أخي شعيب ~~وشعيب كان توفي قبل ذلك وقال عامة المفسرين: إن هذا كان شعيبا. ### || [28.26-29] # قوله عز وجل: { قالت إحداهما يأبت استجره } أي: قالت ~~إحدى الابنتين التي جاءت به وقال في رواية مقاتل: هي الكبرى وقال في ~~رواية الكلبي: هي الصغرى يا أبت استأجر موسى ليرعى لك الغنم { إن ~~خير من استجرت القوى الأمين } يعني: خير الأجراء من ~~يكون قويا في العمل أمينا على المال والعورة ثم قال: إيش تعلمين أنه ~~قوي أمين بماذا فأخبرته بالقصة قال أبو الليث: حدثنا محمد بن الفضل قال: ~~حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا إبرهيم بن يوسف قال: حدثنا أبو معاوية عن ~~الحجاج عن الحكم قال: كان سريع لا يفسر شيئا من القرآن إلا ثلاث آيات # الذى بيده عقدة النكاح # [البقرة: 237] قال: الزوج # وءاتينه الحكمة # [ص: 20] وفصل الخطاب قال: الحكمة: الفقه والعلم وفصل الخطاب: البينة ~~والإيمان وقوله: { إن خير من استجرت القوى الأمين ~~} قال: كانت قوته أن يحمل صخرة لا يقوى على حملها إلا عشرة رجال وكانت ~~أمانته أن ابنة شعيب مشت أمامه فوصفتها الريح فقال لها: تأخري وصفي لي ~~الطريق { قال } شعيب لموسى - عليهما السلام - { إنى أريد أن ~~أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أن تأجرنى ~~ثمانى حجج } يعني: أزوجك إحدى ابنتي على أن ترعى غنمي ثمان سنين ~~وهذا الحكم في هذه الأمة جائز أيضا لو تزوج الرجل المرأة على أن يرعى ~~غنمها كذا وكذا سنة أو يرعى غنم ابيها يجوز النكاح ويكون ذلك مهرا لها { ~~فإن أتممت عشرا } (يعني: عشر سنين) { فمن عندك } يعني: ~~فإن أتممت عشر سنين فبفضلك وليس ذلك بواجب عليك { وما أريد أن ~~أشق عليك } في السنتين يعني: أنت بالخيار في ذلك ويقال: بأن أشرط ~~عليك العشر { ستجدنى إن شاء الله من الصلحين } أي: من ~~الوافين بالعهد وقال مقاتل: يعني: من المرافقين بك كقوله: # اخلفنى فى قومى وأصلح # [الأعراف: 142] يعني: ارفق بهم { قال } موسى: { ذلك بينى ~~وبينك أيما الأجلين قضيت } يعني: ذلك الشرط بيني وبينك ~~أيما الأجلين ms1263 أتممت لك إما الثماني وإما العشر { فلا عدوان على ~~} أي: لا سبيل لك علي ويقال: لا ظلم علي بأن أطالب أكثر منه فإن قيل كيف ~~تجوز الإجارة بهذا الشرط على أحد الأجلين بغير وقت معلوم قيل له العقد قد ~~وقع على الثماني وهو قوله أن تأجرني ثماني حجج خير في الزيادة والإجازة ~~بهذا الشرط في الشريعة جائزة أيضا ثم قال: { والله على ما ~~نقول وكيل } يعني: شهيد فيما بيننا ويقال: شاهد على ما نقول وعلى ~~عقدنا وذكر مقاتل أن رجلا من الأزد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أيما الأجلين قضى موسى قال # " الله أعلم " # حتى سأل جبريل فأتاه جبريل فسأله فقال الله أعلم حتى سأل إسرافيل - عليه ~~السلام - فقال الله أعلم حتى اسأل رب العزة فأوحى الله تعالى إلى إسرافيل ~~- عليه السلام - أن قد قضى موسى أبرهما وأوفاهما وروي عن ابن عباس أنه ~~قال قضى موسى أيم الأجلين وقد كان شرطه له أن ما ولدت في ذلك العام ولدا ~~أبلق فهو له فولدت في ذلك العام كلها بلقا فأخذ البلق، ومثل هذا الشرط في ~~شريعتنا غير واجب إلا أن الوعد من الأنبياء - عليهم السلام - واجب فوفاه ~~بوعده فلما أراد أن يخرج قال لشعيب - عليه السلام - يا شيخ أعطني عصا ~~أسوق بها غنمي فقال لابنته التمسي له عصا فجاءت بعصا شعيب فقال شعيب - ~~عليه السلام - ردي هذه وكانت تلك العصا أودعها إياه ملك في صورة إنسان ~~وكانت من عود آس الجنة فردتها والتمست غيرها فلم يقع في يدها غيرها ~~فأعطته فخرج مع أهله فضل الطريق وكانت ليلة باردة مظلمة فذلك قوله تعالى ~~{ فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله } يعني بامرأته ~~{ آنس } يعني: أبصر { من جانب الطور نارا قال لأهله ~~امكثوا } يعني: قفوا مكانكم { إني آنست نارا لعلي ~~آتيكم منها بخبر } أي خبر الطريق { أو جذوة من ~~النار } قرأ عاصم جذوة بنصب الجيم وقرأ حمزة بضم الجيم وقرأ الباقون ~~بالكسر فهذه لغات معناها واحد وهو قطعة من النار ويقال شعلة ms1264 وهو عود قد ~~احترق { لعلكم تصطلون } أي لكي تصطلوا من البرد فترك امرأته ~~في البرية وذهب. ### || [28.30-35] # { فلما أتها } يعني النار { نودى من شاطىء الوادى ~~الأيمن } يعني من جانب الواد الأيمن عن يمين موسى - عليه السلام - ~~{ فى البقعة المباركة } يعني من الموضع المبارك الذي كلم ~~الله فيه - موسى عليه السلام - { من الشجرة أن يموسى إنى ~~أنا الله رب العلمين } يعني الذي يناديك رب العالمين قوله ~~عز وجل: { وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها ~~جان ولى مدبرا ولم يعقب } وقد ذكرناه قال الله تعالى { ~~يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين } يعني من ~~الحية يعني قد [آمنت أذينا لك] منها مكروه { اسلك يدك } أي أدخل ~~يدك { فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم ~~إليك جناحك من الرهب } أي يدك قال بعضهم هذا ينصرف إلى ~~قوله ولم يعقب من الرهب أي لم يلتفت من الخوف ويقال كان خائفا فأمره بأن ~~يضم يده إلى صدره ففعل حتى سكن عن قلبه الرعب قرأ ابن كثير ونافع وأبو ~~عمرو من الرهب بنصب الراء والهاء وقرأ عاصم في رواية حفص بنصب الراء وجزم ~~الهاء والباقون الرهب بضم الراء وجزم الهاء ومعنى ذلك كله واحد وهو الخوف ~~وقال بعضهم هو الكريم ثم قال: { فذانك برهانن من ربك } ~~يعني اليد والعصا آيتان وعلامتان من ربك وحجتان لنبوتك قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو فذانك بتشديد النون وقرأ الباقون: بالتخفيف وهما لغتان وهو الإشارة ~~إلى شيئين يقال للواحد ذلك وذاك والاثنين ذانك وذاناك { إلى ~~فرعون وملئه } ومعناه أرسلناك إلى فرعون بهاتين الآيتين { ~~إنهم كانوا قوما فسقين } يعني: عاصين { قال } موسى { ~~رب إنى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون } به { ~~وأخى هرون هو أفصح منى لسانا } يعني: أبين مني لسانا ~~وكانت في لسان موسى عقدة من النار التي أدخلها فاه { فأرسله معى ~~ردءا } أي عونا { يصدقنى } يعني: لكي يصدقني ويعبر عن كلامي قرأ ~~نافع ردا بغير همز والباقون بالهمز فمن قرأ بالهمز فهو الأصل ومن قرأ ~~بغير همز فإنما ms1265 ألقى فتحة الهمزة على الدال ولين الهمزة وقرأ عاصم وحمزة ~~يصدقني بضم القاف والباقون بالجزم فمن قرأ بالجزم جعله جواب الأمر ومن ~~قرأ بالضم جعله صفة ردءا أي ردءا مصدقا ثم قال: { إنى أخاف أن ~~يكذبون } أي فرعون وقومه { قال } الله تعالى { سنشد عضدك ~~بأخيك } أي نقويك بأخيك { ونجعل لكما سلطنا } يعني: ~~حجة ثانية وهي اليد والعصا { فلا يصلون إليكما بايتنا ~~} يعني: لا يقدرون على قتلكما { أنتما ومن اتبعكما ~~الغلبون } يعني: من آمن بكما الغالبون في الحجة. ### || [28.36-38] # قوله عز وجل: { فلما جاءهم موسى بئايتنا بينت } ~~(يعني: جاء إلى فرعون وقومه بعلاماتنا وذكر في رواية مقاتل أن فرعون لم ~~يأذن لهما إلى سنة وقال) في رواية السدي وغيره أنه لما جاء إلى الباب لم ~~يأذن له البواب فضرب عصاه على باب فرعون ضربة ففزع من ذلك فرعون وجلساؤه ~~فدعا البواب وسأله فأخبره أن بالباب رجلا يقول أنا رسول رب العالمين ~~فأذن له فدخل فأدى الرسالة وأراهم العلامة فقالوا هذا سحر فذلك قوله عز ~~وجل { قالوا ما هذا إلا سحر مفترى } يعني ما هذا الذي ~~جئت به إلا كذب مختلق يعني: الذي جئت به ما هو إلا سحر قد اختلقته من ذات ~~نفسك { وما سمعنا بهذا فى ءابائنا الأولين وقال ~~موسى } قرأ ابن كثير بغير واو وقرأ الباقون بالواو فمن قرأ بالواو فهو ~~عطف جملة على جملة ومن قرأ بغير واو فهو استئناف قال موسى { ربى ~~أعلم بمن جاء بالهدى من عنده } يعني أنا جئت بالهدى من ~~عند الله { ومن تكون له عقبة الدار } يعني: هو أعلم بمن ~~تكون له الجنة والنار ويقال بمن يكون له عاقبة الأمر والدولة قرأ حمزة ~~والكسائي: ومن يكون بلفظ التذكير وقرأ الباقون تكون بلفظ التأنيث ثم قال: ~~{ إنه لا يفلح الظلمون } يعني: لا يأمن الكافرون من ~~عذابه { وقال فرعون } لأهل مصر { يأيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيرى } فلا تطيعوا موسى وهذه إحدى ~~كلمتيه التي أخذه الله بهما والأخرى # فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: ms1266 24] ثم قال: { فأوقد لى يهمن على الطين } ~~أي أوقد النار على اللبن حتى يصير آجرا قال مقاتل وكان فرعون أول من طبخ ~~الآجر وبنى به { فاجعل لى صرحا } أي قطرا طويلا منه وهو المنارة ~~{ لعلى أطلع } السماء { إلى إله موسى } يعني: وأقف ~~عليه فبنى الصرح وكان بلاطه خبث القوارير وكان الرجل لا يستطيع القيام ~~عليه من طوله مخافة أن تنسفه الرياح وكان طوله في السماء خمسة آلاف ذراع ~~وعرضه ثلاثة آلاف ذراع فلما فزع من بنائه جاء جبريل - عليه السلام - فضرب ~~جناحه على الصرح فهدمه ثم قال تعالى: { وإنى لأظنه من ~~الكذبين } أي أحسب موسى بما يقول أن في السماء إلها من الكاذبين. ### || [28.39-45] # قوله عز وجل: { واستكبر هو وجنوده فى الأرض } يعني: ~~استكبر فرعون عن الإيمان هو وقومه { بغير الحق } يعني: بغير حجة { ~~وظنوا أنهم } يعني: وحسبوا أنهم { إلينا لا يرجعون } ~~بعد الموت قرأ نافع وحمزة والكسائي لا يرجعون بنصب الياء وكسر الجيم على ~~فعل لأنهم وقرأ الباقون بضم الياء أي لا يردون بمعنى التعدي قول الله ~~تعالى { فأخذنه وجنوده } يعني: عاقبناه وجنوده { ~~فنبذنهم فى اليم } يعني: أغرقناهم في البحر وقال مقاتل في ~~النيل { فانظر كيف كان عقبة الظلمين } يعني: ~~المشركين { وجعلنهم أئمة } يعني: خذلناهم حتى صاروا قادة ~~ورؤساء للضلال والجهال { يدعون إلى النار } يعني: إلى عمل أهل ~~النار ويقال إلى الضلالة التي عاقبتها النار { ويوم القيمة لا ~~ينصرون } يعني: لا يمنعون من عذابي { وأتبعنهم فى هذه ~~الدنيا لعنة } أي: عقوبة وهو الغرق { ويوم القيمة هم ~~من المقبوحين } أي: من المهلكين والعرب؛ تقول: قبحه الله أهلكه ~~الله ويقال: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة وذلك أنهم لما أهلكوا لعنوا ~~فهم يعرضون على النار غدوة وعشية إلى يوم القيامة ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين الممقوتين المهلكين ويقال من المقبوحين أي: من المعذبين ويقال ~~إنه قبح صورتهم ويقال: من المقبوحين أي من المشوهين قوله عز وجل: { ~~ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني: أعطيناه التوراة { من ~~بعد ما أهلكنا القرون الأولى } بالعذاب أي: من ms1267 بعد قوم ~~نوح وعاد وثمود { بصائر للناس } يعني: هلاكهم بصيرة للناس وغيرهم ~~ويقال بصائر يعني الكتاب بيانا لبني إسرائيل ومعناه ولقد آتينا موسى ~~الكتاب بصائر أي مبينا للناس { وهدى } من الضلالة لمن عمل به { ~~ورحمة } لمن آمن به من العذاب { لعلهم يتذكرون } أي ~~لكي يتعظوا فيؤمنوا بتوحيد الله { وما كنت بجانب الغربى } ~~أي: ما كنت يا محمد بناحية الجبل من قبل المغرب { إذ قضينا إلى ~~موسى الأمر } يعني: إذ عهدنا إليه بالرسالة ويقال: أحكمنا معه ~~وعمدنا إليه بأمرنا ونبينا { وما كنت من الشهدين } يعني: ~~حاضرين لذلك الأمر { ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول ~~عليهم العمر } أي الأجل فنسوا عهد الله ونسوا أمره { وما ~~كنت ثاويا فى أهل مدين } أي: مقيما في أهل مدين { تتلو ~~عليهم ءايتنا } يعني: تتلوا على أهل مكة القرآن يعني: أن الله ~~تعالى أعلمك أخبار الأمم الماضية من حديث موسى وشعيب عليهما السلام ليكون ~~علامة لنبوتكم حيث يخبرك بخبر موسى ولم تكن حاضرا هناك ولم تكن تقرأ ~~القرآن { ولكنا كنا مرسلين } إليك لتخبرها بخبر أهل مدين ~~وبخبر موسى ويقال: { ولكنا كنا مرسلين } يعني: أرسلناك ~~رسولا وأنزلنا هذه الأخبار لتخبرهم لولا ذلك لما علمتها. ### || [28.46-50] # قوله عز وجل: { وما كنت بجانب الطور } يعني: بناحية الجبل ~~الذي كلم الله به موسى يعني عن يمين موسى ولولا ذلك { إذ نادينا } ~~يعني: كلمنا موسى ويقال: إذ نادينا أمتك وذلك أن الله تعالى لما وصف نعت ~~أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فأحب موسى أن يراهم قال الله تعالى ~~لموسى إنك لن تراهم وإن أحببت أسمعتك كلامهم فأسمعه الله تعالى كلامهم ~~وقال أبو هريرة رضي الله عنه: معنى قوله: (إذ نادينا) يعني نودوا يا أمة ~~محمد أعطيهم قبل أن تسألوني واستجبت لكم قبل أن تدعوني وروي أن عمر عن ~~ابن مدرك عن أبي زرعة قال نرفع الحديث في قوله: وما كنت بجانب الطور إذ ~~نادينا قال: نودي يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن ~~تسألوني ( # " وعن عمرو بن شعيب قال ms1268 سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله { ~~وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } ما كان النداء وما ~~كانت الرحمة قال كتاب كتبه الله تعالى قبل أن يخلق خلقه بألفي عام ~~وستمائة عام على ورقة أمن ثم وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت ~~رحمتي غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن لقيني ~~منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أدخلته الجنة " # ) ثم قال { ولكن رحمة من ربك } يعني: القرآن نعمة من ربك ~~حيث اختصصت به نصب رحمة لأن معناه فعلنا ذلك للرحمة كقوله: فعلت ذلك ~~ابتغاء الخير يعني لابتغاء الخير ثم قال: { لتنذر قوما ما ~~أتهم } يعني: لم يأتهم { من نذير من قبلك } يعني: لم ~~يأتهم رسول من قبلك وهم أهل مكة { لعلهم يتذكرون } يعني: ~~لكي يتعظوا قوله عز وجل: { ولولا أن تصيبهم مصيبة } يعني: ~~عقوبة ونقمة وفي الآية تقديم، ومعناها لولا أن يقولوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين لعذبوا في الدنيا ولأصابتهم ~~مصيبة { بما قدمت أيديهم } وهذا هو قول مقاتل ويقال معناه: ~~لولا أن يصيبهم عذاب { فيقولوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع ءايتك ونكون من المؤمنين ~~} لعذبوا في الدنيا فيكون جوابه مضمرا، ويقال: معناه لو إني أهلكتهم قبل ~~إرسالي إليك لقالوا يوم القيامة ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~أي: يقولوا ولولا ذلك لم نحتج إلى إرسال الرسل فأرسلناك لكي لا يكون لهم ~~حجة علي ثم قال عز وجل: { فلما جاءهم الحق من عندنا } ~~يعني: الكتاب والرسل { قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى ~~موسى } من قبل يعني هلا أعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن جملة ~~واحدة كما أعطي موسى التوراة جملة يقول الله تعالى: { أولم ~~يكفروا بما أوتى موسى من قبل } يعني: بالتوراة فقد ~~كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~قالوا سحران تظهرا } يعني: تعاونا وذلك أن أهل مكة سألوا ~~اليهود عنه فأخبروهم أنهم يجدون ms1269 في كتبهم نعته وصفته فأمروهم بأن يسألوه ~~عن أشياء فلما أجابهم قالوا: ساحران تظاهرا { وقالوا إنا بكل ~~كفرون } يعني: جاحدين قرأ حمزة والكسائي وعاصم سحران بغير ألف عنوا ~~محمدا وموسى عليهما السلام ويقال: التوراة والفرقان ويقال: التوراة ~~والإنجيل وقال سعيد بن جبير: يعني: موسى وهارون عليهما السلام ويقال موسى ~~وعيسى عليهما السلام واحتج من يقرأ بغير ألف بما في سياق الآية { قل ~~فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى منهما ~~أتبعه } واحتج من قرأ بالألف بقوله تعالى تظاهرا تعاونا والتظاهر ~~يكون بالناس يقول الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - قل لهم فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه يعني: من التوراة والقرآن اتبعه ~~أي أعمل به { إن كنتم صدقين } بأنهما ساحران { فإن لم ~~يستجيبوا لك } يعني: إن لم يجيبوك إلى الإثبات بالكتاب { ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } بعبادة الأوثان ويقال: ~~يؤثرون أهواءهم على الدين { ومن أضل } يعني ومن أضر بنفسه { ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } يعني: بغير بيان ~~من الله { إن الله لا يهدى القوم الظلمين } يريد ~~كفار مكة يعني: لا يرشدهم إلى دينه. ### || [28.51-55] # قوله: { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم ~~يتذكرون } أي: ينالهم في القرآن خبر الأمم الماضية كيف عذبوا ~~لعلهم يتذكرون: أي لكي يخافوا فيؤمنوا بما في القرآن ويقال ولقد وصلنا ~~لهم القول أي وصلنا لهم الكتب بعضها ببعض يعني: بعثنا بعضها على إثر بعض، ~~ويقال: ولقد وصلنا أي أوصلنا لهم القول يعني: أنزلنا لهم القرآن آية بعد ~~آية أنه هداية لعلهم يتذكرون يعني: لكي يتعظوا ثم وصف مؤمني أهل الكتاب ~~فقال: { الذين ءاتينهم الكتب من قبله } يعني: من ~~قبل القرآن { هم به يؤمنون } يعني: مؤمني أهل الكتاب وهم أربعون ~~رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين قبل أن يبعث محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - اثنان وثلاثون من أهل أرض الحبشة قدموا مع جعفر الطيار وثمانية من ~~أهل الشام ويقال إنهم ثمانية عشر رجلا: { وإذا يتلى عليهم } ~~يعني: القرآن { قالوا ءامنا به } أي صدقنا { إنه ms1270 الحق ~~من ربنا } يعني: القرآن وذلك أنهم عرفوا بما ذكر في كتبهم من نعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته وكتابه فقالوا { إنا كنا من ~~قبله مسلمين } يعني: من قبل هذا القرآن ومن قبل محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - كنا مخلصين { أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~} يعني: يعطون ثوابهم ضعفين مرة بكتابهم ومرة بإيمانهم بالقرآن وبمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - { بما صبروا } يعني: بصبرهم على ما أوتوا ~~ويقال: بما صبروا أي بصبرهم على دينهم الأول وبما صبروا على أذى المشركين ~~فصدقوا وثبتوا على إيمانهم حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه: ما رأينا أحدا ~~أجهل منكم تركتم دينكم وأخذتم دينه فقالوا ما لنا لا نؤمن بالله فذلك ~~قوله عز وجل: { ويدرءون بالحسنة السيئة } أي: يدفعون قول ~~المشركين بالمعروف ويقال: يدفعون الشرك بالإيمان ويقال: يدفعون بالكلام ~~الحسن الكلام القبيح ويقال يدفعون ما تقدم لهم من السيآت بما يعملون من ~~الحسنات { ومما رزقنهم ينفقون } يعني: يتصدقون قوله عز ~~وجل: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } يعني: إذا ~~سمعوا الشتم والأذى والكلام القبيح لم يردوا عليهم ولم يكافئوهم به ولم ~~يلتفتوا إليه يعني إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم { ~~وقالوا لنا أعملنا } يعني: ديننا { ولكم أعملكم ~~} يعني: دينكم { سلم عليكم } يعني: وردوا معروفا عليهم ليس ~~هذا تسليم التحية وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة أي بيننا وبينكم ~~المتاركة والمسالمة وهذا إن يؤمر المسلمون بالقتال ويقال السلام عليكم ~~يعني: أكرمكم الله تعالى بالإسلام { لا نبتغى الجهلين } أي: ~~لا نطلب دين الخاسرين ولا نصحبهم ويقال: هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد ~~الله بن سلام وروى أسباط عن السدي # " قال لما أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال يا رسول الله ابعث ~~إلى قومي فاسألهم عني فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فستر ~~بينهم وبينه سترا، وقال: أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم قالوا ~~ذاك سيدنا وأعلمنا قال أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني ~~قالوا هو أفقه من أن ms1271 يدع دينه ويتبعك قال أرأيتم إن فعل قالوا لا يفعل ~~قال أرأيتم إن فعل قالوا إنه لا يفعل ولو فعل إذا نفعل فقال عليه السلام: ~~أخرج يا عبد الله فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ~~فوقعوا فيه وشتموه وقالوا ما فينا أحد أقل علما ولا أجهل منك قال ألم ~~تثنوا عليه آنفا " # قالوا: إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم فجعلوا يشتمونه وهو يقول ~~(سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) فقال ابن يا مني وكان من رؤساء بني ~~إسرائيل: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق فابسط يدك يا محمد فبسط يده ~~فبايع ابن يامني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل { الذين ~~ءاتينهم الكتب من قبله } إلى قوله { ومما ~~رزقنهم ينفقون } وإلى قوله لا نبتغي الجاهلين. ### || [28.56-60] # قوله عز وجل: { إنك لا تهدى من أحببت } يعني: لا ترشد من ~~أحببته إلى الهدى. ويقال من أحببت هدايته إلى دينك وذلك # " أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يا عماه قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله تعالى ~~فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم ~~يزالا يكلمانه ويكلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مات على الكفر " # فنزل { إنك لا تهدى من أحببت } بهدايته { ولكن ~~الله يهدى من يشاء } يعني: يرشد من يشاء إلى دينه { وهو ~~أعلم بالمهتدين } يعني: بمن قدر له الهدى قوله عز وجل: { ~~وقالوا } يعني: مشركي مكة { إن نتبع الهدى معك } يعني: ~~الإيمان بك { نتخطف من أرضنا } يعني: نسبى ونخرج من مكة ~~لإجماع العرب على خلافنا وهذا قول الحارث بن عامر النوفلي حين قال للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ما كذبت كذبة قط فنتهمك اليوم ولكن متى ما نؤمن ~~بك فتحسنا العرب من أرضنا يقول الله تعالى: { أولم نمكن ms1272 لهم ~~حرما آمنا } يعني: أولم ننزلهم مكة حرما أمينا يعني: كان الحرم ~~أمنا لهم في الجاهلية من القتل والسبي وهم يعبدون غيري فكيف يخافون إن ~~أسلموا أن لا يكون الحرم أمنا لهم فذلك قوله أولم نمكن لهم يعني أولم ~~ننزلهم مكة حرما آمنا من الغارة والسبي { يجبى إليه } بالتاء ~~يعني: يحمل إليه { ثمرات كل شىء } أي من ألوان الثمرات (قرأ نافع ~~تجبى بالتاء لأن الثمرات) مؤنثة وقرأ الباقون بالياء لتقديم الفعل ثم ~~قال: { رزقا من لدنا } أي: من عندنا { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } يأكلون رزقي ويعبدون غيري وهم آمنون في الحرم ويقال لا ~~يعلمون أن ذلك من فضل الله عليهم ثم خوفهم فقال تعالى { وكم ~~أهلكنا من قرية } فيما مضى { بطرت معيشتها } كفرت ~~برزق ربها ذكر القرية وأراد به أهل القرية يعني أنهم كانوا ينقلبون في ~~رزق الله تعالى فلم يشكروه في نعمته ويقال بطرت معيشتها يعني: طغوا في ~~نعمة الله فأهلكهم الله تعالى بالعذاب في الدنيا ويقال عاشوا في البطر ~~وكفران النعم { فتلك مسكنهم } يعني: انظروا واعتبروا في ~~بيوتهم وديارهم بقيت خالية { لم تسكن من بعدهم إلا ~~قليلا } وهم المسافرون ينزلون بها يوما أو ساعة { وكنا نحن ~~الورثين } أي نرث الأرض ومن عليها { وما كان ربك مهلك ~~القرى } يعني: لم يعذب أهل القرى { حتى يبعث فى أمها ~~رسولا } يعني: معظمها ويقال في أكبر قراها ويقال أم القرى مكة قرأ ~~حمزة والكسائي في أمها بكسر الألف والباقون بالضم ومعناهما واحد يبعث في ~~أمها رسولا { يتلو عليهم ءايتنا } يعني: القرآن { وما ~~كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظلمون } يعني: لم ~~نهلكها إلا بظلم أهلها ثم قال عز وجل: { وما أوتيتم من شىء } ~~يعني: ما أعطيتم من مال ويقال ما أعطيتم من الدنيا فهو { فمتع ~~الحيوة الدنيا } يعني: فهو متاع الحياة الدنيا ينتفعوا بها أيام ~~حياتهم { وزينتها } يعني: وزهراتها ولا تبقى دائما { وما عند ~~الله } من الثواب والجنة { خير وأبقى } يعني: أفضل وأدوم ~~لأهله مما أعطيتم في الدنيا { أفلا تعقلون } أن الباقي خير ms1273 من ~~الفاني قرأ عمرو يعقلون بالياء على معنى الخبر عنهم وقرأ الباقون بالتاء ~~على معنى المخاطبة. ### || [28.61-66] # قوله عز وجل: { أفمن وعدنه وعدا حسنا } يعني الجنة { ~~فهو لاقيه } يعني: مدركه ومصيبه { كمن متعناه متع ~~الحيوة الدنيا } بالمال { ثم هو يوم القيمة من ~~المحضرين } في النار هل يستوي حالهما قال في رواية الكلبي نزل في ~~عمار بن ياسر وأبي جهل بن هشام. وقال غيره هذا في جميع المؤمنين وجميع ~~الكافرين ويقال نزلت في النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي أبي جهل يعني ~~من كان له في هذه الدنيا عدة مع دين الله خير ممن كان له سعة وفرج مع ~~الشرك ثم هو يوم القيامة من المحضرين يعني من المعذبين في النار وقال عز ~~وجل: { ويوم يناديهم } يعني واذكر يوم يدعوهم يعني المشركين { ~~فيقول أين شركائى الذين } يعني: المشركين { كنتم ~~تزعمون } لهم شركاتي في الدنيا { قال الذين حق عليهم ~~القول } وجبت عليهم الحجة فوجب عليهم العذاب ويقال وجب عليهم القول ~~وهو قوله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] { ربنا هؤلاء الذين أغوينا ~~أغوينهم } يعني القادة يقولون ربنا هؤلاء الذين أضللنا يعني ~~السفلة أغويناهم { كما غوينا } أي أضللناهم كما كنا ضالين ويقال: ~~يقول الكافرون ربنا هؤلاء الذين أغوينا يعني الشياطين فقالت الشياطين ~~أغويناهم يعني أضللناهم كما غوينا أي أضللنا { تبرأنا إليك } ~~من عبادتهم { ما كانوا إيانا يعبدون } يعني: ما كانوا ~~يأمرونا بعبادة الآلهة { وقيل } للكفار { ادعوا شركائكم } ~~يعني آلهتكم التي تعبدون من دون الله { فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم } يقول الله عز وجل: { ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون } يعني يودون لو أنهم كانوا مهتدين في ~~الدنيا ويقال يودون أن لم يكونوا اتبعوهم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي لم ~~يجيبوهم بحجة تنفعهم فيودون أنهم لم يعبدوهم لما رأوا العذاب ثم قال عز ~~وجل: { ويوم يناديهم } يعني يسألهم يوم القيامة { فيقول ~~ماذا أجبتم المرسلين } في التوحيد { فعميت عليهم ~~الأنباء } يعني ألبست عليهم الحجج { يومئذ } من الهول { فهم ~~لا يتساءلون } يعني: لا يسأل بعضهم بعضا عما يحتجون به رجاء ms1274 أن ~~يكون عنده من الحجة ما لم يكن عند غيره لأن الله تعالى أدحض حجتهم وفي ~~الدنيا إذا اشتبهت عليه الحجة ربما يسأل عن غيره فيلقنه الحجة وفي الآخرة ~~آيس من ذلك. ### || [28.67-75] # ثم قال الله عز وجل { فأما من تاب وءامن } يعني: من الشرك { ~~وعمل صلحا } فيما بينه وبين الله تعالى { فعسى أن يكون ~~من المفلحين } أي من الناجين الفائزين بالخير قوله عز وجل: { ~~وربك يخلق ما يشاء ويختار } وذلك ان الوليد بن المغيرة ~~كان يقول: # لولا نزل هذا القرءان على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعني به نفسه وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف فقال تعالى ~~{ وربك يخلق ما يشاء ويختار } للرسالة من يشاء { ما ~~كان لهم الخيرة } يعني: ليس (الخيار إليهم ويقال هو ربك يخلق ~~ما يشاء ويختار لهم ما يشاء ما كان لهم الخيرة أي ما كان لهم طلب الخيار ~~والأفضل ويقال ما كان لبعضهم على بعض فضل والله تعالى هو الذي يختار وقال ~~الزجاج الوقف على قوله ويختار والمعنى وربك يخلق ما يشاء ويختار ثم قال ~~ما كان لهم الخيرة أي لم يكن لهم أبدا) يختاروا على الله ويكون ما للنفي ~~قال ووجه آخر أن تكون بمعنى الذي يعني وربك يخلق ما يشاء ويختار الذي لهم ~~الخيرة أن يدعوهم إليه من عبادته ما لهم فيه الخيرة، ويقال: ما كان لهم ~~الخيرة يعني: ليس لهم أن يختاروا على الله عز وجل وليس إليهم الإختيار، ~~والمعنى لا نرسل الرسل إليهم على اختيارهم ثم قال: { سبحن الله ~~} أي تنزيها لله { وتعالى عما يشركون } يعني: ما تضمر وتسر ~~قلوبهم { وما يعلنون } من القول { وهو الله لا إله ~~إلا هو } يعني: لا خالق ولا رازق غيره { له الحمد فى ~~الأولى والآخرة } أي في الدنيا والآخرة وقال مقاتل: يعني يحمده ~~أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الجنة ويقال له الألوهية في الدنيا ~~والآخرة وله الحكم. يعني: نفاذ الحكم والقضاء يحكم في الدنيا والآخرة بما ~~يشاء { وإليه ترجعون } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم قوله ms1275 عز ~~وجل: { قل أرأيتم إن جعل الله } يعني ألا تنظرون إلى نعمة ~~الله تعالى في خلق الليل والنهار لمصلحة الخلق فلو جعل { عليكم ~~اليل سرمدا } أي دائما { إلى يوم القيمة من ~~إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون } ~~المواعظ وتعتبرون بها قوله عز وجل: { قل أرءيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيمة } ~~يعني دائما { من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه } يعني: تقرون تريحون فيه { أفلا تبصرون } من ~~يفعل ذلك بكم لأن العيش لا يصلح إلا بالليل والنهار فأخبر عن صنعه لمصلحة ~~الخلق ليشكروه ويوحدوه ويعبدوه فقال: { ومن رحمته } أي ومن نعمته ~~وفضله { جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه } يعني ~~في الليل وجعل لكم النهار { ولتبتغوا من فضله } يعني: ~~لتطلبوا من رزقه في النهار { ولعلكم تشكرون } أي تشكرون رب ~~هذه النعمة ثم قال عز وجل: { ويوم يناديهم } يعني: (أنذرهم) ~~بذلك اليوم ويقال معناه اذكر ذلك اليوم الذي يناديهم أي يدعوهم { ~~فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون } انها لي ~~شريك { ونزعنا من كل أمة شهيدا } أي أخرجنا من كل أمة ~~نبيها ورسولها (شهيدا) بالرسالة والبلاغ { فقلنا } للمشركين { ~~هاتوا برهنكم } أي حجتكم بأن معي شريكا فلم يكن لهم حجة { ~~فعلموا أن الحق لله } يعني أن عبادة الله هي الحق ويقال ~~علموا أنه التوحيد لله ويقال أن الحق ما دعا إليه الله وأتاهم به الرسول ~~{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } يعني: اشتغل عنهم ~~بأنفسهم ما كانوا يفتدون يعني يكذبون في الدنيا يعني الأصنام ويقال يعني: ~~الشياطين ويقال وضل عنهم ما كانوا يفترون يعني تشفعوا بما عبدوه من دون ~~الله. ### || [28.76-82] # قوله عز وجل: { إن قرون كان من قوم موسى } يعني من بني ~~إسرائيل ويقال كان ابن عم موسى { فبغى عليهم } يعني: تطاول ~~وتكبر على بني إسرائيل وكان فرعون قد ملكه على بني إسرائيل حين كانوا ~~بمصر فلما قطع موسى البحر ببني إسرائيل ومعه قارون فأغرق الله تعالى ~~فرعون وجنوده يرجع موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا ms1276 ~~ديارهم كما قال في رواية أخرى # وأورثنها بنى إسرءيل # [الشعراء: 59] وجعلت (جنوده لهارون) وهو الرأس والذي بقرب القربان، فقال ~~قارون لموسى لك النبوة ولهارون الحبورة والمذبح وأنا لست في ذلك من شيء ~~فقال له موسى أنا لم أفعل ذلك ولكن الله تعالى فعل ذلك فقال له قارون لا ~~أصدقك على ذلك واعتزل قارون ومن تبعه من بني إسرائيل وكان كثير المال ~~والتبع وروى عن الحسن أنه قال أول من شرف الشرف قارون لما بنى داره وفرغ ~~منها وشرفها صنع للناس طعاما سبعة أيام يجمعهم كل يوم ويطعمهم وروي عن ~~ابن عباس أنه قال لما أمر الله تعالى موسى بالزكاة قال لقارون إن الله ~~أمرني أن آخذ من مالك الزكاة فأعط من كل مائتي درهم خمسة دراهم فلم يرض ~~بذلك فقال له اعط من كل ألف درهم درهما فلم يرض بذلك وقال لبني إسرائيل ~~إن موسى لم يرض حتى تناول أموالكم فما ترون قالوا رأينا لرأيك تبع قال: ~~فإني أرى أن ترموه فتهلكوه فبعثوا إلى امرأة زانية فأعطوه حكمها على أن ~~ترميه بنفسها ثم أتوه في جماعة بني إسرائيل فقالوا يا موسى ما على من ~~يسرق من الحد، قال: تقطع يده قالوا وإن كنت أنت قال وإن كنت أنا، قالوا ~~وما على الزاني إذا زنا، قال: يرجم قالوا وإن كنت أنت قال وإن كنت أنا ~~قالوا فأنت قد ازنيت قال أنا، وجزع من ذلك فأرسلوا إلى المرأة فلما جاءت ~~وعظها وعظم عليها موسى الحلف بالله وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ~~وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت قالت أما إذا حلفتني فإني أشهد أنك بريء ~~وإنك رسول الله وقالت أرسلوا إلي فأعطوني حكمي على أن أرميك بنفسي قال: ~~فخر موسى عليه السلام لله ساجدا يبكي فأوحى الله تعالى إليه ما يبكيك قد ~~أمرت الأرض أن تطيعك فأمرها بما شئت فقال موسى خذيهم فأخذتهم وقال في ~~رواية الحسن خرج موسى عليه السلام مغضبا فدعى الله عز وجل: وقال: عبدك ~~قارون الذي عبد ms1277 (غيرك) دونك وجحدك فأوحى الله تعالى إلى موسى أني قد أمرت ~~الأرض بأن تطيعك فجاء موسى حتى دخل إلى قارون حين اجتمع الناس في داره ~~فقال يا عدو الله كذبتني بكلام له غيظ حتى غضب قارون وأقبل عليه بكلام ~~شديد وهم به فلما رأى موسى ذلك قال يا أرض خذيهم قالوا: وكان قارون على ~~فرش على سرير مرتفع في السماء فأخذت الأرض أقدامهم وغاب سريره ومجلسه وقد ~~دخل من الدار في الأرض مثل ما أخذت منهم على قدرها فأقبل موسى يوبخهم ~~ويغلظ لهم المقالة فلما رأى القوم ما نزل بهم عرفوا أن هذا الأمر ليس لهم ~~به قوة فنادوا يا موسى كف عنا وارحمنا وجعلوا يتضرعون إليه ويطلبون رضاه ~~وهو لا يزداد إلا غضبا وتوبيخا لهم ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ~~ركبهم فجعلوا يتضرعون إليه ويسألونه وهو يبوبخهم ثم قال يا أرض خذيهم ~~فأخذتهم إلى أوساطهم وكانت الأرض تأخذ من الدار كل مرة مثل ما تأخذ منهم ~~وهم يتضرعون في ذلك إلى موسى ويسألونه ثم قال يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى ~~آباطهم فمدوا أيديهم إلى وجه الأرض رجاء أن يمتنعوا بها ثم قال يا أرض ~~خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم فلم يبق على وجه الأرض منهم شيء إلا رؤوسهم ~~ولم يبق من الدار إلا شرفها وقال قارون يا موسى أنشدك بالله وبالرحم فقال ~~يا أرض خذيهم فاستوت الأرض عليهم وعلى الدار فانطلق موسى وهو فرح بذلك ~~فأوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى يتضرع إليك عبادي ودعوك وسألوك فلم ~~ترحمهم أما وعزتي وجلالي لو أنهم سألوني واستغاثوا بي لرحمتهم ولكن تركوا ~~أن يجعلوا رغبتهم ورجاءهم إلي وجعلوها إليك فتركتهم فذلك قوله تعالى: إن ~~قارون كان من قوم موسى (فبغى عليهم) يعني تطاول على بني إسرائيل ~~وعلى موسى { وآتيناه من الكنوز } يعني: من المال { مآ إن ~~مفاتحه } يعني خزائنه { لتنوء بالعصبة } قال مقاتل العصبة ~~من العشرة إلى أربعين فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة يقول لتعجز العصبة ~~أولو القوة عن ms1278 حمل مفاتيح الخزائن وقال أهل اللغة ناء به الحمل إذا أثقله ~~وقال القتبي تنوء بالعصبة أي تميل بها العصبة أي تميل بهم العصبة إذا ~~حملتها من ثقلها وقال ابن عباس في رواية أبي صالح العصبة في هذا الموضوع ~~أربعون رجلا وخزائنه كانت أربع ماية ألف ما يحمل كل رجل منهم عشرة إلا ~~أن ويقال مفاتحه يعني: مفاتيح خزاينه يحملها أربعون رجلا ويقال أربعون ~~بغلا وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة قال كان مفاتيح كنوز من جلد كل مفتاح ~~مثل الإصبع كل مفتاح على خزانة على حدة فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين ~~بغلا كل بغل أغر محجل { إذ قال له قومه } يعني بني إسرائيل { ~~لا تفرح } يعني لا تفخر بما أديت من الأموال ويقال لا تفرح بكثرة ~~المال { إن الله لا يحب الفرحين } يعني المرحين ~~المفاخرين، ويقال: البطرين، ويقال: لا تفرح أي لا تأشر والأشر أشد الفرح ~~الذي يخالطه حرص شديد حتى يبطر يعني يطغى وقالوا له { وابتغ فيما ~~ءاتاك الله } يعني اطلب مما أعطاك الله من الأموال والخير { ~~الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } يعني لا ~~تترك حظك من الدنيا أن تعمل لآخرتك { وأحسن } العطية من الصدقة ~~والخير { كما أحسن الله إليك } يعني أعط الناس كما أعطاك ~~الله ويقال أحسن إلى الناس كما أحسن الله إليك { ولا تبغ الفساد ~~فى الأرض } يعني أنفقه في طاعة الله ولا تنفقه في معصية الله { إن ~~الله لا يحب المفسدين } أي المنفقين في المعصية (وقوله " ~~وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك في الدنيا " أي لا تضيع ~~عمرك فإنه نصيبك من الدنيا { قال } قارون { إنما أوتيته على ~~علم عندى } قال مقاتل أي على خير علمه الله عندي) وقال في رواية ~~الكلبي يعني: علم التوراة وكان قارون اقرأ رجل في بني إسرائيل في التوراة ~~فأعطيت ذلك لفضل علمي وكنت بذلك العلم ومستحقا بفضل المال ويقال على علم ~~عندي يعني علم الكيميا وكان يعمل كيميا الذهب وقال الزجاج الطريق الأول ~~أشبه لأن ms1279 الكيميا لا حقيقة لها يقول الله تعالى { أو لم يعلم ~~أن الله } تعالى { قد أهلك من قبله من القرون ~~من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا } من الأموال منهم ~~نمرود وغيره { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } يعني: لا ~~يسأل الكافرون عن ذنوبهم لأن كل كافر يعرف بسيماه وهذا قول الكلبي وقال ~~مقاتل لا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية وقيل لا يسأل ~~الكافرون يوم القيامة عن ذنوبهم سؤال النجاة بل يسألون سؤال العذاب ~~والمناقشة قوله عز وجل: { فخرج على قومه فى زينته } يعني ~~خرج قارون على بني إسرائيل (قال مقاتل: وهو على بغلة شهباء عليها سرج من ~~ذهب عليها أرجوان ومعه أربعة آلاف فارس وعليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ~~ثلاثمائة جارية بيضاء عليهن من الحلل والثياب الحمر على البغال الشهب ~~وقال قتادة خرج معه أربعة آلاف دابة عليها ثياب حمر منها ألف بغلة بيضاء ~~عليها قطائف أرجوان وقال في رواية الكلبي خرج على ثلثمائة دابة بيضاء ~~عليها نوع من الكساء وعليها ثلثمائة قطيفة حمراء عليها جواري وغلمان { ~~قال الذين يريدون الحيوة الدنيا } وكانوا من أهل ~~التوحيد { يليت لنا مثل ما أوتى قرون } يعني مثل ما ~~أعطي من الأموال قارون { إنه لذو حظ عظيم } يقول ذو نصيب وافر ~~في الدنيا قوله عز وجل: { وقال الذين أوتوا العلم } يعني ~~أكرموا بالعلم بما وعد الله في الآخرة للذين تمنوا ذلك { ويلكم ~~ثواب الله خير } يعني: ويحكم ثواب الله في الآخرة خير يعني أفضل ~~{ لمن ءامن } يعني: صدق بتوجيه الله تعالى { وعمل صلحا } ~~فيما بينه وبين الله تعالى مما أعطى قارون في الدنيا { ولا يلقاها ~~} يعني ولا يلقن ولا يوقف ويرزق في الجنة { إلا الصبرون } في ~~الدنيا على أمر الله تعالى ويقال ولا يلقاها أي لا يعطى الأعمال الصالحة ~~إلا الصابرون على الطاعات وعن زينة الدنيا ويقال ولا يلقاها يعني ولا ~~يلقن) بهذه الكلمة إلا الصابرون عن زينة الدنيا يقول الله تعالى. # { فخسفنا به } يعني قارون { وبداره الأرض } يعني: بقارون ~~وبداره وأمواله ms1280 فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة { ~~فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله } يعني: لم ~~يكن له جنة وأعوان يمنعونه من عذاب الله عز وجل: { وما كان من ~~المنتصرين } يعني: وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من عذاب ~~الله. # قوله عز وجل: { وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ~~} حين رأوه في زينته وقالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون { يقولون ~~ويكأن الله } قال القتبي قد اختلف في هذه اللفظة فقال الكسائي ~~معناها ألم تر أن الله يبسط ويكأنه يعني ألم تر أنه لا يفلح الكافرون روى ~~عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال ويكأن الله يعني أو لا يعلم أن الله ~~{ يبسط } وهذا شاهد بقول الكسائي وذكر الخليل بن أحمد أنها مفصولة وي ~~ثم يبتدىء فيقول كأن الله وقال ابن عباس في رواية أبي صالح كان الله يبسط ~~{ الرزق لمن يشاء } كأنه لا يفلح الكافرون وقال وي صلة في الكلام ~~وهذا شاهد لقول الخليل وقال الزجاج الذي قاله الخليل أجود وهو أن قوله وي ~~مفصولة من كان لأن من يدم على شيء يقول وي يعاتب الرجل على ما سلف يقول: ~~وي كأنك قصدت مكروها وقال مقاتل معناه ولكن الله يبسط الرزق لمن يشاء { ~~من عباده } يعني: يوسعه على من يشاء من عباده { ويقدر } يعني: ~~يقتر ويقال ويضيق على من يشاء يعني: لولا أن الله من علينا لكنا مثل ~~قارون في العذاب { لولا أن من الله علينا لخسف بنا } ~~معهم ويقال لولا من الله علينا بالإيمان لكنا مثل قارون في العذاب ~~ويقال لولا أن من الله علينا يعني: عصمنا مثل ما كان عليه من البطر ~~والبغي لخسف بنا كما خسف به قال قرأ عاصم في رواية حفص بنصب الخاء وكسر ~~السين لخسف الله بنا وقرأ الباقون بالضم على فعل ما لم يسم فاعله { ~~ويكأنه } يعني: ولكنه { لا يفلح الكفرون } أي ~~الجاحدون للنعم. ### || [28.83-88] # قوله عز وجل: { تلك الدار الآخرة } يعني: الجنة ms1281 { نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا فى الأرض } يعني: نعطيها للذين لا ~~يريدون تعظيما وتكبرا وتجبرا فيها عن الإيمان { ولا فسادا } في ~~الأرض يعني: لا يريدون المعاصي في الدنيا وروى وكيع عن سفيان عن مسلم ~~البطين لا يريدون علوا في الأرض يعني: التكبر بغير حق ولا فسادا قال ~~أخذ المال بغير حق ويقال العلو الخطرات في القلب والفساد فعل الأعضاء { ~~والعقبة للمتقين } يعني: الجنة للذين يتقون الشرك ~~والمعاصي ويقال عاقبة الأمر وما يستقر عليه للمتقين الموحدين ويقال في ~~العاقبة المحمودة للمتقين قوله عز وجل: { من جاء بالحسنة } يعني: ~~بكلمة الإخلاص وهي قول لا إله إلا الله { فله خير منها } وقد ~~ذكرناه { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى } يعني: لا يثاب { ~~الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } ~~يعني: يصيبهم بأعمالهم قوله عز وجل: { إن الذى فرض عليك ~~القرءان } يعني: أنزل عليك (القرآن) ويقال أمرك بالعمل بما في القرآن ~~{ لرادك إلى معاد } وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الموت ~~وقال السدي إلى معاد يعني الجنة وهكذا روي عن مجاهد وروي عن عكرمة عن ابن ~~عباس قال يعني إلى مكة وقال القتبي معاد الرجل بلده لأنه يتصرف في البلاد ~~وينصرف في الأرض ثم يعود إلى بلده والعرب تقول رد فلان إلى معاده يعني ~~إلى بلده وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - حين خرج من مكة إلى المدينة ~~اغتم لمفارقته مكة لأنها مولده وموطئه ومنشأه وبها عشيرته واستوحش فأخبر ~~الله تعالى في طريقه أنه سيرده إلى مكة وبشره بالظهور والغلبة ثم قال ~~تعالى: { قل ربى أعلم من جاء بالهدى } أي يعني: بالرسالة ~~والقرآن وذلك حين قالوا إنك في ضلال مبين { ومن هو فى ضلل ~~مبين } وذلك حين قالوا فنزل قل ربي أعلم من جاء بالهدى يعني: فأنا ~~الذي جئت بالهدى وهو يعلم بمن هو في ضلال مبين نحن أو أنتم ثم قال عز ~~وجل: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتب } يعني: ~~أن يلقى وينزل عليك القرآن { إلا رحمة من ربك } ويقال في ms1282 ~~الآية تقديم ومعناه أن الذي فرض عليك القرآن يعني: جعلك نبيا ينزل عليك ~~القرآن وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبيا بوحي إليك لرادك إلى معاد إلى ~~مكة ظاهرا قاهرا ويقال إلا رحمة من ربك يعني لكن دين ربك رحمة واختارك ~~لنبوته وأنزل عليك الوحي ثم قال: { فلا تكونن ظهيرا ~~للكفرين } يعني: عونا للكافرين حين دعوه إلى دين ابائه { ولا ~~يصدنك عن ءايت الله } يعني: لا يصرفنك عن آيات الله ~~القرآن والتوحيد { بعد إذ أنزلت إليك } أي: بعد ما أنزل ~~إليك جبريل عليه السلام بالقرآن { وادع إلى ربك } يعني: أدع ~~الخلق إلى توحيد ربك { ولا تكونن من المشركين } يعني: لا ~~تكونن مع المشركين على دينهم { ولا تدع مع الله إلها ~~ءاخر } أي: لا تعبد غير الله ثم وحد نفسه فقال { لا إله إلا ~~هو } يعني: لا خالق ولا رازق غيره { كل شىء هالك إلا ~~وجهه } يعني: تهلك جميع الأشياء إلا الله فإنه لم يزل ولا يزال ويقال ~~كل شيء هالك إلا وجهه أي كل عمل هالك لا ثواب له إلا ما يراد به وجه الله ~~عز وجل ويقال كل شيء متغير إلا ملكه فإن ملكه لا يتغير ولا يزال إلى غيره ~~أبدا { له الحكم } أي له القضاء وله نفاذ الأمر والحكم على ما ~~يريد { وإليه ترجعون } يعني: إليه المرجع في الآخرة ليجازيكم ~~بأعمالكم وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " من قرأ سورة القصص كان له من الأجر بعدد من صدق موسى وكذب ولم يبق ملك ~~في السموات والأرض إلا شهد له يوم القيامة إنه كان صادقا في قوله كل شيء ~~هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون والحمد لله وحده وصلى الله على من ~~لا نبي بعده وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. (صدق الله جل ربنا وهو أصدق الصادقين وصدق رسله قوله صدق ووعده ~~حق) " ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-3] # قوله سبحانه وتعالى: { ألم أحسب الناس } يعني: أيظن الناس { أن ms1283 ~~يتركوا } يعني: أن يمهلوا أن يقولوا آمنا } أي صدقنا { ~~وهم لا يفتنون } يعني: لا يبتلون قال في رواية الكلبي # " لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو ~~يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } [الأنعام: ~~65] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا جبريل ما بقاء أمتي على ~~هذا فقال له جبريل عليه السلام فادع الله لأمتك فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ~~ثم سأل ربه عز وجل أن لا يبعث عليهم العذاب قال فنزل جبريل عليه السلام ~~فقال: يا محمد إن الله عز وجل قد أجار أمتك من خصلتين وألزمهم خصلتين قال ~~فعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوضأ ثم صلى فأحسن الصلاة ثم سأل ~~ربه عز وجل لأمته أن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فنزل جبريل ~~- عليه السلام - فقال يا محمد قد سمع الله عز وجل مقالتك فإنه يقول: ولقد ~~أرسلنا رسلا من قبلك فصدقهم مصدقون وكذبهم مكذبون ثم لم يمنعنا أن ~~نبتليهم بعد قبض أنبيائهم ببلاء يعرف فيه الصادق من الكاذب ثم نزل قوله ~~عز وجل { ألم أحسب الناس } الآية " # قال مقاتل في مهجع بن عبد الله مولى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أول ~~قتيل قتل من المسلمين يوم بدر وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه ~~الأمة فجزع أبواه وأمرأته وقد كان الله بين للمسلمين أنه لا بد لهم من ~~البلاء والمشقة في ذات الله عز وجل فنزل " ألم أحسب الناس أن يتركوا " ~~وقال بعضهم لما أصيب المسلمون يوم أحد وكانت الكرة عليهم فعيرهم اليهود ~~والنصارى والمشركون فشق ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية ويقال نزلت في ~~عباس بن أبي ربيعة وفي نفر معه أخذهم المشركون وعذبوهم على الإسلام فنزلت ~~هذه الآية ويقال نزلت في جمع المسلمين ومعناه أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا ثم لا يفرض عليهم الفرائض، وقال الزجاج: هذا اللفظ لفظ ~~الإستخبار والمعنى تقرير وتوبيخ معنى ms1284 أحسب الناس أن يقنع منهم بأن يقولوا ~~آمنا فقط ولا يختبروا ويقال أن لا يعذبوا في الدنيا ثم قال عز وجل: { ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم } يعني: اختبرنا الذين كانوا ~~من قبل هذه الأمة وابتليناهم ببلايا { فليعلمن الله الذين ~~صدقوا } يعني: إنما يبتليهم ليبين الذين صدقوا من المؤمنين في ~~إيمانهم { وليعلمن الكذبين } منهم فشكوا عند البلاء ~~ويقال: معناه ليبين صدق الصادق وكذب الكاذب بوقوع صدقه ووقوع كذبه وقال ~~القتبي: يعني ليميزن الله الذين صدقوا ويميز الكاذبين. ### || [29.4-8] # ثم قال: { أم حسب الذين يعملون السيئات } يعني: ~~الشرك والمعاصي { أن يسبقونا } يعني: أن يفوتونا، ويقال: يعجزونا، ~~ويقال: يهربوا منا فلا نجازيهم { ساء ما يحكمون } يعني: بئس ما ~~يقضوا لأنفسهم، قال الكلبي: نزلت في عتبة وشيبة والوليد بن عتبة بارزوا ~~يوم بدر فبارزهم من المسلمين علي وحمزة وعبيدة بن الحارث فنزل في شأن ~~مبارزي المسلمين { من كان يرجو لقاء الله فإن أجل ~~الله لآت } يعني: الآخرة لكائن { وهو السميع العليم } ~~السميع لمقالتهم، العليم بهم وبأعمالهم وقوله عز وجل: { ومن جاهد ~~فإنما يجهد لنفسه } يعني: علي بن أبي طالب وصاحباه رضي ~~الله عنهم { إن الله لغنى عن العلمين } يعني: عن ~~نصرة العالمين يوم بدر ويقال نزلت في جميع المسلمين من كان يرجو لقاء ~~الله أي يخاف الآخرة، ويقال: يخاف الموت فيستعد للآخرة والموت بالعمل ~~الصالح، فإن أجل الله لآت ويعني كائن وهو السميع لدعائهم العليم بأمر ~~الخلق ومن جاهد يعني: عمل الخيرات فإنما يجاهد لنفسه يعني: ثوابه لنفسه ~~إن الله لغني عن العالمين يعني: عن أعمالهم فإنما ثوابهم لأنفسهم ثم قال ~~عز وجل: { والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~لنكفرن عنهم } أي: لنمحون عنهم { سيئاتهم } يعني: ~~ذنوبهم ويقال لنجزينهم يعني: ثوابا أفضل من أعمالهم لكل حسنة عشرة ~~وأكثر، ويقال: لنجزينهم يعني: لنثيبنهم أحسن الذي كانوا يعملون أي أفضل ~~من أعمالهم يعني يجازيهم بأحسن أعمالهم الذي كانوا يعملون في الدنيا فذلك ~~قوله عز وجل: { ولنجزينهم أحسن الذى كانوا ~~يعملون ووصينا الإنسن بوالديه حسنا } يعني: ~~ووصينا الإنسان أن ms1285 يفعل بوالديه ما يحسن يعني: برا بهما وقال الكلبي ~~نزلت الآية في سعد بن أبي وقاص لما أسلم قالت له أمه: يا سعد بلغني أنك ~~صبوت إلى دين محمد فوالله لا يظلني سقف بيت وإن الطعام والشراب علي حرام ~~حتى تكفر بمحمد، وترجع إلى دينك الذي كنت عليه فأبى عليها ذلك فثبتت على ~~حالها لا تطعم ولا تشرب ولا تسكن بيتا فلما خلص إليها الجوع لم تجد بدا ~~من أن تأكل وتشرب فحث الله سعد بالبر إلى أمه ونهاه أن يطيعها على الشرك ~~فقال { وإن جهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم } ~~أي: ما ليس لك به حجة يعني: الشرك { فلا تطعهما } في الشرك ثم ~~حذره ليثبت على الإسلام فقال { إلي مرجعكم } يعني: مصيركم في ~~الآخرة { فأنبئكم بما كنتم تعملون } يعني: أخبركم بما ~~كنتم تعملون في الدنيا من خير أو شر وأثيبكم على ذلك. ### || [29.9-15] # ثم قال عز وجل: { والذين ءامنوا } يعني: أقروا وصدقوا بوحدانية ~~الله تعالى وبنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - { وعملوا ~~الصلحات } يعني: الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { ~~لندخلنهم فى الصلحين } أي: مع الأنبياء والرسل عليهم ~~السلام في الجنة ويقال لندخلنهم في جملة الصالحين ونحشرهم مع الصالحين ~~قوله عز وجل: { ومن الناس من يقول ءامنا بالله } نزلت ~~في عياش بن أبي ربيعة هاجر إلى المدينة قبل قدوم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إليها فجزعت أمه من ذلك جزعا شديدا فقالت لأخويه أبي جهل بن ~~هشام والحارث بن هشام وهما أخواه لأمه وأبناء عمه فخرجوا في طلبه فظفروا ~~به، وقالوا له إن بر الوالدة واجب فعليك أن ترجع فتبرها فإنها حلفت أن لا ~~تأكل ولا تشرب، وأنت أحب الأولاد إليها فلم يزالوا به حتى تتابعهم فجاءوا ~~به إلى أمه فعمدت أمه فقيدته، وقالت: والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر ~~بمحمد وضربوه حتى رجع إلى دينهم فنزل " ومن الناس من يقول آمنا بالله " { ~~فإذا أوذى فى الله } يعني: عذب في دين الله عز وجل: { جعل ~~فتنة الناس ms1286 } يعني: عذاب أخوته في الدنيا { كعذاب الله } ~~في الآخرة ويقال نزلت في قوم من المسلمين أخذوهم إلى مكة وعذبوهم حتى ~~ارتدوا فنزل " من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله " يعني: جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله فينبغي ~~للمسلم أن يصبر على إيذائه في الله (وصارت الآية لجميع المسلمين ليصبروا ~~على ما أصابهم في الله عز وجل ثم قال) { ولئن جاء نصر من ~~ربك } يعني: لو يجيء نصر من الله عز وجل بظهور الإسلام والغلبة على ~~العدو بمكة وغيرها { ليقولن إنا كنا معكم } أي: على ~~دينكم { أوليس الله بأعلم } يعني: أوليس الله عليم { بما ~~فى صدور العلمين } من التصديق والتكذيب أعلم بمعنى عليم يعني: ~~هو عليم بما في قلوب الخلق، ويقال معناه هو أعلم بما في صدورهم فهم أي ~~بما في صدور أنفسهم { وليعلمن الله الذين ءامنوا } ~~يعني: ليميزن الله الذين ثبتوا على دين الإسلام { وليعلمن ~~المنفقين } يعني: ليميزن المنافقين الذين لم يكن إيمانهم حقيقة ~~قوله عز وجل: { وقال الذين كفروا } أي: جحدوا وأنكروا { ~~للذين ءامنوا } وذلك أن أبا سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة ابن ~~شيبة قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أو خباب بن الأرت وأناس آخرين من ~~المسلمين { اتبعوا سبيلنا } يعني: ديننا الذي نحن عليه واكفروا ~~بمحمد ودينه { ولنحمل خطيكم } يعني: نحن الكفلاء لكم بكل ~~تبعة من الله عز وجل تصيبكم وأهل مكة شهداء علينا يقول الله عز وجل { ~~وما هم بحملين من خطيهم من شىء } يعني لا ~~يقدرون أن يحملوا خطاياهم يعني وبال خطاياهم عنهم ولا يرفعون عنهم لأنهم ~~لو استطاعوا أن يدفعوا لدفعوا عن أنفسهم { وإنهم لكذبون } ~~في مقالتهم ثم قال عز وجل { وليحملن أثقالهم } يعني يحملون ~~من أوزار الذين يضلونهم من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيء وهذا كقوله ~~عز وجل # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25] وهذا كما روي في الخبر " من سن سنة سيئة ms1287 كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة { وليسألن يوم القيامة ~~عما كانوا يفترون } يعني عما يقولون من الكذب قوله { ولقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما } يدعوهم إلى الإسلام ويحذرهم وينذرهم فأبوا أن ~~يجيبوه فكذبوه { فأخذهم الطوفان } يعني الغرق { وهم ~~ظلمون } وقال القتبي: الطوفان المطر الشديد، وكذلك الموت إذا كثر، ~~وقال مقاتل: الطوفان ما طغى فوق كل شيء، وقال بعض أهل اللغة: هذا ~~الاشتقاق غير صحيح لأنه لو كان هذا لقال طغوان لأنه يقال طغى يطغوا، وقال ~~بعضهم: هذا على وجه القلب كما يقال جذب وجبذ، ويقال أصله من الطوف أي سار ~~وطاف في الأرض وقال الزجاج الطوفان من كل شيء ما كان كثيرا كالقتل ~~الذريع الكثير يسمى طوفان ثم قال عز وجل { فأنجينه } يعني نوحا ~~عليه السلام { وأصحب السفينة } من الغرق { وجعلنها ~~ءاية للعلمين } يعني جعلنا السفينة عبرة لمن بعدهم، وقد بقيت ~~السفينة على الجودي إلى وقت قريب من وقت خروج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فكان ذلك علامة وعبرة لمن رأها ومن لم يرها لأن الخبر قد بلغه، ويقال: ~~رسم السفينة التي بقيت بين الخلق وقت نوح وتجري في البحر علامة للعالمين. ### || [29.16-22] # قوله عز وجل: { وإبرهيم } يعني: أرسلنا إبراهيم عطفا على قوله " ~~ولقد أرسلنا نوحا " ويقال: معناه واذكر إبراهيم { إذ قال لقومه ~~اعبدوا الله واتقوه } يعني وحدوا الله عز وجل واتقوه يعني ~~اخشوه ولا تعصوه { ذلكم خير لكم } يعني التوحيد وعبادة الله ~~عز وجل خير من عبادة الأوثان { إن كنتم تعلمون } قوله عز وجل { ~~إنما تعبدون من دون الله أوثنا } يعني أصناما { ~~وتخلقون إفكا } يعني: تعملونها بأيديكم ثم يقولون إنها آلهة ~~ويقال: تتخذونها آلهة كذبا ثم قال { إن الذين تعبدون من ~~دون الله } وهي الأصنام { لا يملكون لكم رزقا } يعني لا ~~يقدرون أن يعطوكم مالا ولا يقدرون أن يرزقوكم { فابتغوا عند ~~الله الرزق } يعني الله عز وجل هو الذي يملك رزقكم فاطلبوا الرزق ~~من الله عز وجل { واعبدوه واشكروا ms1288 له } أي وحدوه واشكروا له ~~في النعم فإن مصيركم إليه { إليه ترجعون } بعد الممات قال الله ~~عز وجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - قل لأهل مكة { وإن تكذبوا } ~~بما أخبرتكم من قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام { فقد كذب أمم ~~من قبلكم } يعني كذبوا رسلهم { وما على الرسول إلا ~~البلغ المبين } يعني إلا أن يبلغ الرسالة ويبين أمر العذاب ~~ويقال إلا أن يبلغ الرسالة ويبين مراد الرسالة ثم قال الله عز وجل { أو ~~لم يروا } قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر " أو لم تروا " ~~بالتاء على معنى المخاطبة يعني قل لهم يا محمد أو لم تروا وقرأ الباقون ~~بالياء ومعناه يا محمد أو لم يروا هؤلاء الكفار { كيف يبدىء ~~الله الخلق ثم يعيده } يعني يخلقهم في الابتداء ولم يكونوا ~~نسيا ثم يعيدهم كما خلقهم { إن ذلك على الله يسير } يعني ~~إن الذي خلق الخلق يقدر أن يعيدهم وهو عليه هين قوله عز وجل { قل ~~سيروا فى الأرض } يعني: سافروا في الأرض يعني فتعتبروا في أمر ~~البعث، ويقال سيروا في الأرض يعني اقرؤوا القرآن { فانظروا } أي ~~فاعتبروا { كيف بدأ الخلق } يعني: كيف خلق الخلق { ثم ~~الله ينشىء النشأة الآخرة } يعني: يحييهم بعد الموت للمبعث ~~{ إن الله على كل شىء قدير } من أمر البعث وغيره ثم قال ~~عز وجل { يعذب من يشاء } يعني: يخذل من يشاء ولا يهدي من لم يكن ~~أهلا لذلك { ويرحم من يشاء } أي: يهديه إن كان أهلا كذلك { ~~وإليه تقلبون } يعني: ترجعون إليه في الآخرة قوله عز وجل { ~~وما أنتم بمعجزين فى الأرض } يعني لا تهربون منه ولا ~~تفوتونه { ولا فى السماء } يعني إن كنتم في الأرض ولا في السماء لا ~~يقدرون أن يهربوا منه { وما لكم من دون الله } يعني: من عذاب ~~الله { من ولى } يعني: من قريب ينفعكم { ولا نصير } يعني ولا ~~مانع يمنعكم من عذاب الله عز وجل. ### || [29.23-25] # ثم قال عز وجل: { والذين كفروا بئايت الله } يعني: ~~بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن ms1289 { ولقائه } يعني كفروا بالبعث ~~بعد الموت { أولئك يئسوا من رحمتى } يعني من جنتي { ~~وأولئك لهم عذاب أليم } في الآخرة ثم رجع إلى قصة ~~إبراهيم حيث قال لقومه اعبدوا الله واتقوه قوله عز وجل { فما كان ~~جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه ~~فأنجاه الله من النار } وفي الآية مضمر، ومعناه فقذفوه في ~~النار فأنجاه الله من النار فلم تحرقه وجعلها بردا وسلاما { إن فى ~~ذلك } أي فيما أنجاه الله من النار بعدما قذفوه فيها { لآيات } يعني ~~لعبرات { لقوم يؤمنون } يعني يصدقون بتوحيد الله تعالى فقال لهم ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام { وقال إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثنا } يعني إنما عبدتم من دون الله أوثانا يعني أصناما ~~{ مودة بينكم } على عبادة أصنامكم قرأ نافع وابن كثير وعاصم ~~في رواية أبي بكر مودة بنصب الهاء مع التنوين بينكم بنصب النون يعني ~~اتخذتم أوثانا آلهة مودة بينكم على عبادتها صار نصبا لوقوع الفعل عليه، ~~وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص مودة بنصب الهاء بغير التنوين بينكم بكسر ~~النون على معنى الإضافة، وقرأ الباقون مودة بالضم بينكم بالكسر وروي عن ~~الفداء أنه قال إنما صار المودة رفعا بالصفة بقوله عز وجل { في ~~الحياة الدنيا } وينقطع الكلام عند قوله " إنما اتخذتم من دون ~~الله أوثانا " ثم يبني ضرر مودتهم في الحياة الدنيا فقال تعالى { ثم ~~يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض } يعني ليس مودتكم ~~تلك الأصنام بشيء لأن مودة ما بينكم في الحياة الدنيا تنقطع ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض يعني الأصنام من العابد والشياطين ممن عبدها ~~ويقال يعني الأتباع والقادة تتبرأ القادة من الأتباع { ويلعن ~~بعضكم بعضا } يعني الأتباع يلعن القادة والعابد يلعن المعبود { ~~ومأواكم النار } يعني مصيركم إلى النار { وما لكم من ~~نصرين } يعني مانعين من عذاب الله عز وجل. ### || [29.26-30] # قوله عز وجل: { فئامن له لوط } يعني صدق لوط إبراهيم عليهما ~~السلام على الهجرة ويقال صدقه بالنبوة حين لم تحرقه النار { وقال } ~~إبراهيم { إنى مهاجر إلى ربى } يعني إلى رضاء ربي ms1290 وطاعة ربي، ~~ويقال إلى أرض مصر في أرض ربي فهجر قومه الكافرون وخرج إلى الأرض المقدسة ~~ومعه سارة ثم قال { إنه هو العزيز } في ملكه { الحكيم } في ~~أمره ويقال حكيم حكم أن من لم يقدر في بلدة على طاعة الله عز وجل فليخرج ~~إلى بلدة أخرى قوله عز وجل { ووهبنا له إسحق ويعقوب } ~~يعني المهاجر إلى طاعة الله عز وجل أكرمه الله في الدنيا وأعطاه ذرية ~~طيبة وهو ولده إسحاق وولد ولده يعقوب عليهم السلام ووهب له أربعة أولاد ~~إسحاق من سارة وإسماعيل من هاجر ومدين ومداين من غيرهما { وجعلنا ~~فى ذريته النبوة } يعني من ذرية إبراهيم النبوة والكتاب: ~~يعني أكرم الله عز وجل ذريته بالنبوة وأعطاهم الصحف، ويقال: أخرج من ~~ذريته ألف نبي { والكتب } يعني الزبور والتوراة والإنجيل والفرقان ~~{ وآتيناه أجره في الدنيا } يعني أعطيناه في الدنيا الثناء ~~الحسن { وإنه فى الآخرة لمن الصلحين } يعني مع ~~النبيين في الجنة قوله عز وجل { ولوطا } يعني وأرسلنا لوطا { إذ ~~قال لقومه إنكم لتأتون الفحشة } قرأ ابن كثير ~~ونافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص إنكم على معنى الخبر وقرأ أبو عمرو ~~أئنكم بالمد على معنى الاستفهام، لتأتون الفاحشة يعني المعصية { ما ~~سبقكم بها من أحد من العلمين أئنكم ~~لتأتون الرجال } واتفقوا في هذا الحرف على لفظ الاستفهام ~~واختلفوا في الأول فقرأ الذين سميناهم على وجه الإخبار عنهم إنكم تفعلون ~~وتكون على وجه التعيير وقرأ الباقون الأول على وجه الاستفهام فيكون اللفظ ~~لفظ الاستفهام والمعنى منه التوبيخ والتقريع ثم قال { وتقطعون ~~السبيل } يعني تعترضون الطريق لمن مر بكم بعملكم الخبيث ويقال: ~~وتقطعون السبيل يعني: تأخذون أموالكم كانوا يفعلون ذلك لكيلا يدخلوا في ~~بلدهم ويتناولوا من ثمارهم، ويقال تقطعون السبيل النسل { وتأتون فى ~~ناديكم المنكر } يعني تعملون في مجالسكم المنكر وقال بعضهم: ~~يعني به اللواطة كانوا يفعلون ذلك في المجالس بالعلانية ويقال أراد به ~~المعاصي وهي الرمي بالبندق الصغير والحذف ومضغ العلك وحل إزار القباء ~~واللعب بالحمام وشرب الخمر وضرب العود والمزامير. وغير ms1291 ذلك من المعاصي ~~وروت أم هانيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: { وتأتون ~~فى ناديكم المنكر } قالوا # " كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم " # { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب ~~الله إن كنت من الصدقين } بالعذاب وإن العذاب نازل بنا { ~~قال رب انصرنى } أي أعني { على القوم المفسدين } ~~يعني: المشركين ### || [29.31-37] # قوله عز وجل: { ولما جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى } ~~يعني بالبشارة بالولد { قالوا إنا مهلكو أهل هذه ~~القرية } يعني قريات لوط { إن أهلها كانوا ظلمين } ~~يعني كافرين { قال } إبراهيم { إن فيها لوطا } يعني أتهلكهم ~~وفيهم لوط { قالوا } يعني قال جبريل عليه السلام { نحن أعلم ~~بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت ~~من الغبرين } يعني من الباقين في الهلاك { ولما أن جاءت ~~رسلنا لوطا سىء بهم } يعني ساء مجيئهم { وضاق بهم ~~ذرعا } يعني اغتم بقدومكم فلا يدري أيأمرهم بالخروج أم بالنزول ويقال ~~ضاق بهم القلب { وقالوا لا تخف } علينا { ولا تحزن } من ~~العذاب { إنا منجوك وأهلك } قرأ حمزة والكسائي لننجينه وإنا ~~منجوك كلاهما بالتخفيف وقرأ أبو عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم ~~كلاهما بالتشديد وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم الأول بالتشديد والثاني ~~بالتخفيف ومعناهما واحد ويقال أنجيته ونجيته بمعنى واحد { إلا ~~امرأتك كانت من الغبرين } ثم قال عز وجل { إنا ~~منزلون على أهل هذه القرية } قرأ ابن عامر وعاصم في ~~إحدى الروايتين منزلون بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد { ~~رجزا من السماء } يعني أنزلنا عذابنا من السماء { بما كانوا ~~يفسقون } يعني يعصون الله عز وجل، قوله عز وجل { ولقد تركنا ~~منها } يعني من قريات لوط { آية بينة } يعني علامة ظاهرة واضحة ~~يعني هلاكهم علامة ظاهرة، ويقال قرياتهم علامة ظاهرة { لقوم ~~يعقلون } يعني لمن كان له ذهن الإنسانية (ولقد تركنا منها آية يعني ~~الحجارة التي أنزلها الله تعالى من السماء على كل واحد منها اسم صاحبها { ~~وإلى مدين } يعني وأرسلنا إلى مدين { أخهم شعيبا } ~~يعني نبيهم شعيبا { فقال يقوم اعبدوا الله } يعني وحدوا ~~الله وأطيعوه ms1292 { وارجوا اليوم الآخر } يعني خافوا يوم القيامة ~~لأنه آخر الأيام، ويقال: يوم الموت وهو آخر أيامهم { ولا تعثوا ~~فى الأرض مفسدين } يعني لا تعملوا في الأرض بالمعاصي في نقصان ~~الكيل والوزن { فكذبوه } يعني أوعدهم بالعذاب على نقصان الكيل ~~والوزن فكذبوه { فأخذتهم الرجفة } يعني العذاب ويقال الزلزلة ~~وأصله الحركة { فأصبحوا في دارهم } يعني صاروا في دارهم يعني ~~في محلتهم { جثمين } يعني ميتين أو يقال خامدين فصاروا كالرماد ~~ويقال جثم بعضهم على بعض بالموت وقال أبو سهل جاثمين: أي ساقطين على ~~وجوههم وركبهم وقال مقاتل شبه أرواحهم في أجسادهم وهم أحياء بالنار إذا ~~اتقدت ثم طفيت فبينما أحياء إذ صاح بهم جبريل فصعقوا أمواتا أجمعين. ### || [29.38-40] # ثم قال عز وجل: { وعادا وثمود } وقال بعضهم انصرف إلى قوله # ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت:3] وفتنا عادا وثمودا وقال بعضهم انصرف إلى قوله # فأخذتهم الرجفة # [الأعراف: 78] يعني أخذهم العذاب، وأخذ عادا وثمودا، ويقال: معناه ~~اذكر عادا وثمودا، أو يقال: صار نصبا لنزع الخافض ومعناه وأرسلنا ~~الرسل إلى عاد وثمود { وقد تبين لكم من مسكنهم } ~~يعني: ظهر لكم يا أهل مكة من منازلهم آية في إهلاكهم { وزين لهم ~~الشيطن أعملهم } يعني ضلالتهم { فصدهم عن ~~السبيل } يعني صرفهم عن الدين، ويقال منعهم عن التوحيد ويقال صد يصد ~~صدا إذا منعه وصد يصد صدودا إذا امتنع بنفسه وأعرض قوله { وكانوا ~~مستبصرين } في دينهم وهم يرون أنهم على الحق وهم على الباطل ويقال ~~كانوا مستبصرين أي ذوي بصيرة ومع ذلك جحدوا ثم قال عز وجل: { وقرون ~~وفرعون وهمن } يعني أهلكنا قارون وفرعون وهامان { ولقد ~~جاءهم موسى بالبينت } يعني بالعلامات والآيات { ~~فاستكبروا فى الأرض } يعني طغوا فيها وتعظموا عن الإيمان { ~~وما كانوا سبقين } يعني بفائتين من عذابنا قوله عز وجل { ~~فكلا أخذنا بذنبه } يعني كلهم أهلكناهم بذنوبهم ويقال معناه ~~أهلكنا كل واحد منهم بذنبه لا بذنب غيره { فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا } يعني الحجارة وهم قوم لوط { ومنهم من ~~خسفنا به الأرض } يعني قارون { ومنهم من أغرقنا } ~~وهم فرعون ms1293 وقومه، وقال العتبي: الأخذ أصله باليد ثم يستعار في مواضع ~~فيكون بمعنى القبول كقوله عز وجل # وأخذتم على ذلكم إصرى # [آل عمران: 81] أي قبلتم عهدي والأخذ التعذيب كقوله { وكذلك أخذ ~~ربك } وكقوله { فكلا أخذنا بذنبه } يعني عذبنا وكقوله # وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه # [غافر: 5] يعني ليعذبوه { وما كان الله ليظلمهم } يعني لم ~~يعذبهم من غير جرم منهم { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~بجرمهم يستوجبون العقوبة. ### || [29.41-44] # قوله عز وجل: { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء } يعني مثل عبادتهم الأصنام في الضعف وقلة نفعهم إياهم { ~~كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت ~~} يعني أضعف البيوت { لبيت العنكبوت } لأنه لا يغني من حر ولا ~~من برد ولا من مطر وكذلك آلهتهم لا يدفعون عنهم ضرا ولا يقدرون لهم ~~نفعا ثم قال { لو كانوا يعلمون } يعني لو كانوا يعلمون أن ~~اتخاذهم الأصنام كذلك، لأنهم قد علموا أن بيت العنكبوت أوهن البيوت، ولكن ~~قوله " لو كانوا يعلمون " انصرف إلى قوله اتخذوا يعني لا يعلمون أن هذا ~~مثله ثم قال عز وجل { إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شىء } وهذه كلمة تهديد يعني يعلم بعقوبتهم ويقال: إن الله يعلم أن ~~الآلهة لا شفاعة لهم ولا قدرة { وهو العزيز } بالنعمة لمن عصاه { ~~الحكيم } حكم بالعقوبة على من عبد غيره، ويقال: حكم أن لا يعبد غيره ~~{ وتلك الأمثل نضربها للناس } يعني أمثال آلهتهم ~~نبينها للناس { وما يعقلها إلا العلمون } يعني لا ~~يفهمها ويعلمها إلا الموحدون ويقال: يعني العاقلين قرأ أبو عمرو وعاصم أن ~~الله يعلم ما يدعون بالياء على لفظ المغايبة وقرأ الباقون بالتاء على لفظ ~~المخاطبة يعني قل لهم يا محمد إن الله يعلم ما تدعون من دونه ثم قال عز ~~وجل { خلق الله السموات والأرض بالحق } يعني ~~بالعدل ويقال لبيان الحق ولم يخلقها باطلا { إن فى ذلك } أي خلق ~~السموات والأرض { لآية } يعني لعبرات { للمؤمنين } يعني ~~المصدقين وإنما أضاف إلى المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بها. ### || [29.45-50] # قوله عز وجل: { اتل ما أوحى ms1294 إليك } يعني اقرأ عليهم ما أنزل ~~إليك { من الكتب } يعني من القرآن، ويقال: هو أمر بتلاوة القرآن ~~يعني اقرؤوا القرآن واعملوا بما فيه { وأقم الصلاة } يعني وأتم ~~الصلاة { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } ~~يعني ما دام العبد يصلي لله عز وجل انتهى عن الفحشاء والمنكر والمعاصي، ~~ويقال: وأقم الصلاة يعني وأد الصلاة الفريضة في مواقيتها بركوعها ~~وسجودها والتضرع بعدها إن الصلاة تنهى عن الفحشاء يعني إذا صلى العبد لله ~~صلاة خاشع يمنعه من المعاصي لأنه يرق قلبه فلا يميل إلى المعاصي وروى أبو ~~أمامة الباهلي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " من لم تنهه صلاتة عن الفحشاء والمنكر لم تزده صلاته عند الله إلا ~~مقتا " # وروي عن الحسن البصري رحمه الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال # " من لم تنهه صلاته عن فحشاء ولا منكر لم يزدد بها من الله إلا بعدا " # وقال الحسن: إذا لم تنته بصلاتك عن الفحشاء فلست بمصلي ثم قال { ~~ولذكر الله أكبر } يعني أفضل من سائر العبادات وروي عن الحسن ~~البصري رحمه الله أنه قال قراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من صلاة لا ~~يكون فيها كثير القراءة ثم قرأ هذه الآية { وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله ~~أكبر } قال مقاتل: ولذكر الله إياك أفضل من ذكرك إياه بالصلاة وقال ~~الكلبي يقول ذكره إياكم بالخير أكبر من ذكركم إياه والله يذكر من ذكره ~~بالخير قال أبو الليث رحمه الله حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا ~~الماسرجسي قال حدثنا إسحاق قال حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الله ~~بن ربيعة قال سألني ابن عباس عن قوله { ولذكر الله أكبر } ~~فقلت هو التسبيح والتهليل والتقديس فقال: لقد قلت شيئا عجيبا وإنما هو ~~ذكر الله العباد أكثر من ذكر العباد إياه وقال قتادة: ولذكر الله أكبر أي ~~ليس شيء أفضل من ذكر الله. وسئل سلمان الفارسي أي العمل أفضل قال ذكر ~~الله ويقال ذكر الله ms1295 أفضل من الاشتغال بغيره، ويقال: ذكر الله حين كتبكم ~~في اللوح المحفوظ من المسلمين أفضل، ويقال ذكر الله عز وجل لك بالمغفرة ~~أفضل من ذكرك إياه، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه ومن ذكره في ملأ ذكره الله عز ~~وجل في ملأ أكبر من الملأ الذي ذكره فيهم وأطيب ومن تقرب من الله شبرا ~~تقرب الله منه ذراعا يعني بإجابته وتوفيقه ورحمته ومن تقرب إلى الله ~~تعالى ذراعا تقرب الله منه باعا، ومن أتى الله ماشيا أتاه هرولة " # يعني بإجابته وتوفيقه ثم قال تعالى { والله يعلم ما ~~تصنعون } من الخير والشر فيجازيكم به قوله عز وجل { ولا ~~تجدلوا أهل الكتب } قال مقاتل ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~البتة يعني مؤمنيهم ثم استثنى كفارهم فقال { إلا بالتى هى ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم } إلا بالتي هي أحسن فيها ~~تقديم ثم نسخته آية قتال أهل الكتاب وقال الكلبي ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~إن الله عز وجل أمر المسلمين إذ كانوا بمكة قبل أن يأمرهم بالقتال، فقال: ~~" ولا تجادلوا من أتاكم من أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن بالقرآن تعظونهم ~~به وتدعونهم إلى الإسلام وهي التي أحسن إلا الذين ظلموا منهم في الملاعنة ~~وهم أهل نجران: ويقال: ولا تجادلوا أهل الكتاب يعني لا تخاصموهم إلا ~~بالتي هي أحسن يعني إلا بالكلمة التي هي أحسن وهي كلمة التوحيد إلا الذين ~~ظلموا منهم يعني ولا الذين ظلموا منهم ويقال إلا الذين ظلموا منهم فلا ~~بأس بأن تجادلوهم بما هو أشد ثم بين الكلمة التي هي أحسن فقال { ~~وقولوا ءامنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم } ~~يعني القرآن والتوراة { وإلهنا وإلهكم واحد } يعني ~~ربنا وربكم واحد { ونحن له مسلمون } يعني مخلصون بالتوحيد ثم ~~قال عز وجل { وكذلك أنزلنا إليك الكتب } يعني القرآن ~~كما أنزلنا إلى موسى وعيسى عليهما السلام { فالذين ءاتينهم ~~الكتب } وهم مؤمنو أهل الكتاب { يؤمنون به } يعني يصدقون ~~بالقرآن. { ومن هؤلاء من ms1296 يؤمن به } يعني قريشا { وما ~~يجحد بئايتنا } يعني بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن ~~{ إلا الكفرون } من اليهود ومشركي العرب ثم قال عز وجل { وما ~~كنت تتلو من قبله من كتب } يعني من قبل القرآن { ولا ~~تخطه بيمينك } أي لم تكن تكتب شيئا بيدك { إذا لارتب ~~المبطلون } يعني فلو كنت قرأت الكتب أو كنت تكتب بيدك لشك أهل مكة ~~في أمرك ويقولون إنه قرأ الكتب وأخذ منها ويقال معناه لارتاب المبطلون ~~يعني لشك أهل الكتاب في أمرك لأنهم وجدوا في كتبهم نعته وصفته أنه أمي لا ~~يقرأ الكتب كيلا يشكوا في صفته { بل هو ءايت بينت فى ~~صدور الذين أوتوا العلم } يعني بل هو يقين إنه نبي عند أهل ~~العلم، ويقال يعني القرآن آيات بينات يعني واضحات ويقال بل إنه لا يقرأ ~~ولا يكتب آيات بينات لأنه أخبر عن أقاصيص الأولين في صدور الذين أوتوا ~~العلم يعني مؤمني أهل الكتاب { وما يجحد بئايتنا إلا ~~الظلمون } يعني الكافرون قوله عز وجل { وقالوا لولا ~~أنزل عليه ءايت من ربه } أي علامة من ربه { قل ~~إنما الايت } يعني العلامات { عند الله } يعني من عند الله ~~عز وجل وليس بيدي شيء { وإنما أنا نذير مبين } يعني ~~مخوفا مفقها لكم أنبئكم بلغة تعرفونها قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ~~وعاصم في رواية حفص آيات بلفظ الجماعة يعني آيات القرآن والباقون آية ~~يعني آية واحدة يعني أنه كان لا يكتب وكان له في ذلك آية بينة لنبوته ~~ويجوز أن يكونا معناه الآيات للجنس. ### || [29.51-59] # ثم قال عز وجل: { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتب } يعني القرآن فيه خبر ما مضى وخبر ما يكون أو لم يكفهم هذا ~~علامة، ويقال: أو لم يكفهم أنهم فصحاء فجاءهم بالقرآن الذي أعجزهم عن ذلك ~~وقال الزجاج كان قوم من المسلمين كتبوا شيئا عن اليهود فأتوا به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " كفى هذا حماقة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما أتاهم به ms1297 نبيهم إلى ما ~~أتى به غير نبيهم " # فقال عز وجل: { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتب } { يتلى عليهم إن فى ذلك لرحمة } ~~يعني في هذا القرآن لنعمة لمن آمن به { وذكرى } أي موعظة ويقال تفكر ~~{ لقوم يؤمنون } يعني يصدقون بالقرآن فقال له كعب بن الأشرف فقد ~~كان قدم مكة من يشهد لك أنك رسول الله إن لم يشهد لك فنزل { قل كفى ~~بالله بينى وبينكم شهيدا } بأني رسول الله { يعلم ~~ما فى السموات والأرض والذين ءامنوا بالبطل ~~} يعني بالصنم ويقال بالشيطان ويقال بالطاغوت وهو كعب بن الأشرف { ~~وكفروا بالله } يعني جحدوا وحدانية الله { أولئك هم ~~الخسرون } يعني المغبونين في العقوبة، ويقال: خسروا حيث استوجبوا ~~لأنفسهم العقوبة ثم قال عز وجل { ويستعجلونك بالعذاب } ~~وذلك أنهم قالوا ائتنا بعذاب الله يقول الله عز وجل { ولولا أجل ~~مسمى } أي لولا الوقت الذي وقت لهم { لجاءهم العذاب ~~وليأتينهم بغتة } يعني فجأة { وهم لا يشعرون } ~~بنزول العذاب { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكفرين } يعني جعلت لهم النار تحيط بهم قوله عز ~~وجل { يوم يغشهم العذاب } يعني يعلوهم { من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ~~} قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو، ونقول ذوقوا بالنون يعني نقول لهم ~~نحن ذوقوا وهي حكاية عن الله سبحانه وتعالى بلفظ الجماعة وهو لفظ الملوك ~~وقرأ الباقون بالياء يعني يقول الله عز وجل ويقال وتقول لهم الخزنة ذوقوا ~~ما كنتم تعملون يعني جربوا عقوبة ما كنتم تعملون في الدنيا ثم قال عز وجل ~~{ يعبادي الذين آمنوا } قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو بسكون ~~الياء وقرأ الباقون بنصب الياء وقرأ ابن عامر وحده { إن أرضى ~~واسعة } بنصب الياء وقرأ الباقون بسكونها، في مثل هذه المواضع لغتان ~~يجوز كلاهما، ومعناه إن أرضي واسعة إذا أمرتم بالمعصية والبدعة ~~فاهربوا ولا تطيعوا في المعصية نزلت في ضعفاء المسلمين إن كنتم يعني إذا ~~كنتم في ضيق من إظهار الإسلام بمكة " فإن أرضي واسعة " يعني ~~المدينة واسعة بإظهار الإسلام وروي عن الحسن عن النبي ms1298 - صلى الله عليه ~~وسلم - إنه قال: # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة وكان ~~رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام " # وإنما خص إبراهيم لأنه قال # إنى مهاجر إلى ربى # [العنكبوت: 26] ففر بدينه إلى أرض المقدسة وإنما خص محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - لأنه هاجر من مكة إلى المدينة، ويقال: إن القوم كانوا في ضيق ~~من العيش فقال إن كنتم تخافون شدة العيش فإن أرضي واسعة { فإياى ~~فاعبدون } أي موحدون بالمدينة علانية، ثم خوفهم بالموت ليهاجروا ~~فقال { كل نفس ذائقة الموت } لأنهم كانوا يخافون على ~~أنفسهم بالخروج فقال لهم: لا تخافوا فإن { كل نفس ذائقة ~~الموت ثم إلينا ترجعون } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم قرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر يرجعون بالياء بلفظ المغايبة على معنى الخبر عنهم ~~وقرأ الباقون بالتاء على معنى الخطاب لهم ثم قال عز وجل { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحات } يعني صدقوا بالله ورسوله وعملوا ~~الصالحات يعني الطاعات وهاجروا فسمى الهجرة من الأعمال الصالحة لأنها ~~كانت فريضة في ذلك الوقت { لنبوئنهم } يعني لننزلنهم ولنسكننهم ~~{ من الجنة غرفا } يعني غرفا من الجنة قرأ حمزة والكسائي ~~لنثوينهم بالثاء وقرأ الباقون لنبؤنهم بالياء، فمن قرأ بالثاء فهو من ~~ثويت بالمكان يعني أقمت به كقوله # وما كنت ثاويا فى أهل مدين # [القصص: 45] ومن قرأ بالباء يعني لننزلنهم وذكر عن الفراء أنه قال ~~كلاهما واحد بوأته منزلا أي أنزلته وأثويته منزلا: يعني أنزلته سواء ~~كقوله (وما كنت ثاويا) ثم قال { تجرى من تحتها ~~الأنهر خلدين فيها نعم أجر العملين } أي ثواب ~~الموحدين { الذين صبروا } على الهجرة، ويقال: صبروا على أمر الله ~~تعالى { وعلى ربهم يتوكلون } أي يثقون به ولا يهتمون ~~للرزق لأنهم كانوا يقولون كيف نهاجر وليس لنا مال ولا معيشة فوعظهم الله ~~ليعبتروا فقال. # { وكأين من دآبة... } ### || [29.60-63] # { وكأين من دابة } يعني وكم من دابة في الأرض أو من طائر في ~~السماء { لا تحمل رزقها } معها ولا يجمع الغذاء إلا النملة ~~والفأرة ويقال لا تخبىء رزقها { الله ms1299 يرزقها وإياكم } يعني ~~يرزق الدواب حيث ما توجهت وإياكم إذا هاجرتم إلى المدينة { وهو ~~السميع } لمقالتكم { العليم } بكم { ولئن سألتهم } يعني ~~كفار مكة { من خلق السموات والأرض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } يعني من أين ~~يكذبون بتوحيد الله عز وجل ثم رجع إلى (أهل) الهجرة ورغبهم فيها فقال { ~~الله يبسط الرزق لمن يشاء } يعني يوسع على من يشاء { من ~~عباده ويقدر له } ويقتر لمن يشاء { إن الله بكل ~~شىء عليم } من البسط والتقتير { ولئن سألتهم من نزل ~~من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها } يعني من ~~بعد يبسها وقحطها { ليقولن الله قل الحمد لله } على ~~إقرارهم بذلك { بل أكثرهم لا يعقلون } توحيد ربهم وهم ~~مقرون بالله عز وجل خالق هذه الأشياء. ### || [29.64-69] # قوله عز وجل: { وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو } ~~يعني باطل { ولعب } كلعب الصبيان، ولهو كلهو الشبان، ويقال: فرح لا ~~يبقى للخلق ولا يبقى فيها إلا العمل الصالح روى أبو هريرة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال " إن الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر ~~الله تعالى وما والاه أو عالما أو متعلما " وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه مر بسخلة منتنة فقال والذي نفسي بيده للدنيا على الله ~~أهون من هذه السخلة على أهلها " { وإن الدار الآخرة لهى ~~الحيوان } يعني هي دار الحياة لا موت فيها { لو كانوا ~~يعلمون } يعني لو كانوا يصدقون بثواب الله عز وجل { فإذا ~~ركبوا فى الفلك } يعني في السفن { دعوا الله مخلصين ~~له الدين } يعني موحدين وتركوا دعاء أصنامهم ويعلمون أنه لا يجيبهم ~~أحد إلا الله تعالى { فلما نجاهم إلى البر } يعني إلى ~~القرار { إذا هم يشركون } به قوله عز وجل { ليكفروا بمآ ~~ءاتينهم } يعني ما أعطيناهم من النعمة { وليتمتعوا } قرأ ~~عاصم وأبو عمرو وابن عامر ونافع في رواية ورش وليتمتعوا بكسر اللام وقرأ ~~الباقون بالجزم فمن قرأ بالكسر فمعناه لكي يتمتعوا لأن الكلام عطف على ما ~~قبله يعني يشركون لكي يكفروا ولكي يتمتعوا في ms1300 الدنيا ومن قرأ بالجزم فهو ~~على معنى التهديد والتوبيخ بلفظ الأمر وتشهد له قراءة أبي كان يقرأ ~~تمتعوا { فسوف يعلمون } ومعناه وليتمتعوا يعني وليعيشوا فسوف ~~يعلمون إذا نزل بهم العذاب { أو لم يروا } يعني أو لم يعلموا ~~ويعتبروا { أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس ~~من حولهم } يعني يختلس الناس فيقتلون ويسبون وهم آمنون يأكلون ~~رزقي ويعبدون غيري فكيف أسلط عليهم، إذا أسلموا { أفبالبطل ~~يؤمنون } يعني أفبالشيطان يصدقون أن لي شريكا ويقال أفبالأصنام ~~يؤمنون { وبنعمة الله يكفرون } يعني وبخالق هذه النعمة ~~ورسوله يجحدون ثم قال عز وجل { ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا } بأن معه شريكا { أو كذب بالحق } يعني ~~بالقرآن { لما جاءه } أي حين جاءه { أليس فى جهنم مثوى ~~للكفرين } مثوى أي مقاما للكافرين بالتوحيد كما قال # فريق فى الجنة وفريق فى السعير # [الشورى: 7] ثم قال عز وجل { والذين جهدوا فينا } يعني ~~رغبوا في طاعتنا { لنهدينهم سبلنا } يعني لنعرفنهم طريقنا، ~~ويقال: معناه لنرشدنهم طريق الجنة { وإن الله لمع ~~المحسنين } يعني في العون لهم ويقال والذين عملوا بما علموا ~~لنوفقنهم لما لم يعلموا، والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-6] # قول الله سبحانه وتعالى { الم غلبت الروم } يعني: قهرت الروم ~~{ فى أدنى الأرض } مما يلي فارس يعني: أرض الأردن وفلسطين { ~~وهم } يعني: أهل الروم { من بعد غلبهم سيغلبون } أهل ~~فارس وذلك # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى قيصر ملك الروم يدعوه إلى ~~الإسلام فقرأ كتابه وقبله ووضعه على عينيه، وخاتمه بخاتمه، ثم أوثقه على ~~صدره، ثم كتب جواب كتابه أنا نشهد أنك نبي ولكنا لا نستطيع أن نترك الدين ~~القديم الذي اصطفى الله لعيسى فعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ~~قد ثبت الله ملكهم إلى يوم القيامة إلى أدنى الأرض منها بفتح الله عز وجل ~~على المسلمين وكتب إلى كسرى ملك فارس فمزق كتابه ورجع الرسول بعدما أراد ~~قتله فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال ms1301 - صلى الله عليه وسلم ~~- قد مزق الله ملكهم فلا ملك لهم أبدا إذا مات كسرى فلا كسرى بعده فلما ~~ظهرت فارس على الروم اغتم المسلمون لذلك فنزل قوله تعالى: { الم ~~غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون } " # وقال في رواية الكلبي إن مشركي قريش شتموا حين غلب المشركون أهل الكتاب ~~فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه لم تشتمون فوالله ليظهرن الروم عليهم فقال ~~أبي بن خلف والله لا يكون ذلك أبدا فتبايعا أبو بكر وأبي بن خلف لتظهرن ~~الروم على أهل فارس إلى ثلاث سنين على تسع ذود فرجع أبو بكر إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأخبره بالأمر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~انطلق فزده في الخطر ومده في الأجل فرجع أبو بكر إلى أبي بن خلف فقال أنا ~~أبايعك إلى سبع سنين على عشر ذود فبايعه فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو ~~بكر من مكة إلى المدينة مهاجرا أتاه فلزمه فكفل له عبد الرحمن بن أبي ~~بكر فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه محمد بن أبي بكر فلزمه ~~فأعطاه كفيلا ثم خرج إلى أحد فظهرت الروم على فارس عام الحديبية وذلك ~~عند رأس سبع سنين فذلك قوله { ويومئذ يفرح المؤمنون ~~بنصر الله } وروى أسباط عن السدي عن أصحابه قال اقتتلت فارس ~~والروم فغلبتهم فارس ففخر أبو سفيان بن حرب على المسلمين وقال الذين ليس ~~لهم كتاب غلبوا على الذين لهم كتاب فشق ذلك على المسلمين فلقي أبو بكر ~~رضي الله عنه أبا سفيان فقامره على ثلاثة أبكار على أن الروم ستغلب فارس ~~إلى ثلاث سنين ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال له انطلق ~~فزد في الجعل وزد في السنين فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار فالتقى ~~الروم وفارس فغلبتهم الروم وظهر عليهم هرقل فجاءه جبريل عليه السلام ~~بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم ووافق ذلك يوم بدر وظهور النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على ms1302 المشركين ففرح المؤمنون بظهورهم على المشركين وظهور أهل ~~الكتاب على أهل الشرك ويقال إن أهل الروم كانوا أهل كتاب وكان المسلمون ~~يرجون إسلامهم وأهل فارس كانوا مجوسا فكان المسلمون لا يرجون إسلامهم ~~وكانوا يحزنون لغلبة فارس عليهم فنزل الم غلبت الروم في أدنى الأرض أي ~~أقرب الأرض إلى أرض فارس وهم من بعد غلبهم سيغلبون روي عن الفراء أنه ~~قال: يعني من بعد غلبتهم ولكن عند الإضافة سقطت الهاء كما قال وأقام ~~الصلاة ولم يقل وإقامة الصلاة، وقال الزجاج: هذا غلط وإنما يجوز ذلك في ~~المعتل خاصة والغلب والغلبة كلاهما مصدر وسيغلبون { فى بضع سنين } ~~يعني: إلى خمس سنين ويقال إلى سبع سنين روي عن أبي عبيدة أنه قال البضع ~~من واحد إلى أربعة، وقال القتبي: البضع ما فوق الثلاثة إلى دون العشرة ~~وقال مجاهد: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، ويقال من بعد غلبهم، وهذا ~~اللفظ يكون للغالبين وللمغلوبين كقولهم من بعد قتلهم ثم قال عز وجل: { ~~لله الأمر من قبل ومن بعد } يعني: لله الأمر حين غلبت ~~فارس الروم ومن بعد يعني حين غلبت الروم فارس ولفظ القبل والبعد إذا كان ~~في آخر الكلام يكون رفعا على معنى الإضافة للغاية ولو كان إضافة إلى شيء ~~يكون خفضا كقولك من بعدهم ومن قبلهم ثم قال: { ويومئذ يفرح ~~المؤمنون } لما يرجون من إسلامهم، ويقال يفرح أبو بكر رضي الله عنه ~~خاصة ويقال يفرح المؤمنون بتصديق وعد الله تعالى، وروي عن الشعبي أنه ~~قال: كان ذلك عام الحديبية فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فبايعوه ~~مبايعة الرضوان ووعد لهم غنائم خيبر، وظهرت الروم على فارس وكان تصديقا ~~لهذه الآية ويومئذ يفرح المؤمنون وإنما جازت مخاطرة أبي بكر رضي الله عنه ~~لأن المخاطرة كانت مباحة في ذلك الوقت ثم حرمت بقوله: # إنما الخمر والميسر # [المائدة: 90] الآية ثم قال: { بنصر الله } يعني: بفتح الله { ~~ينصر من يشاء } يعني: نصر الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه { وهو العزيز الرحيم } بالمؤمنين حين ms1303 نصرهم قوله عز ~~وجل: { وعد الله } نصب الوعد لأنه مصدر ومعناه وعد الله وعدا يعني ~~انتصروا وعد الله ثم قال: { لا يخلف الله وعده } حيث وعد لهم ~~غلبة الروم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني: ~~الكفار لا يعلمون أن الله عز وجل لا يخلف وعده ويقال لا يعلمون الآخرة. ### || [30.7-11] # قوله عز وجل: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا } ~~يعني: يعلمون حرفتهم وأمر معايشهم ومتى يدرك زرعهم ويقال في أمر التجارة ~~كانوا أكيس الناس وقال الحسن كان الرجل منهم يأخذ درهما ويقول وزنة كذا ~~ولا يخطىء { وهم عن الآخرة هم غفلون } أي: لا يؤمنون بها ~~ويقال عن أمر الآخرة وما وعدوا فيها من الهول والعذاب هم غافلون ثم وعظهم ~~فقال عز وجل: { أو لم يتفكروا فى أنفسهم } فيعتبروا في ~~خلق السماوات والأرض وروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال تفكر ساعة ~~خير من قيام ليلة ثم قال: { ما خلق الله السموات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق } يعني: للحق { وأجل ~~مسمى } يعني: السماوات والأرض لهن أجل ووقت معلوم { وإن ~~كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكفرون } يعني: جاحدون ~~للبعث ثم خوفهم فقال عز وجل: { أو لم يسيروا فى الأرض ~~فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم } يعني: ~~الأمم الخالية كانت عاقبتهم الهلاك ثم أخبر عنهم فقال { كانوا أشد ~~منهم قوة وأثاروا الأرض } قال مقاتل يعني ملكوا الأرض ~~وقال الكلبي يعني: حرثوها ويقال أثاروا الأرض إذا قلبوها للزراعة { ~~وعمروها } يعني: عمروا الأرض { أكثر مما عمروها } يعني: ~~أهل مكة، ويقال: عاشوا فيها أكثر مما عاش أهل مكة { وجاءتهم ~~رسلهم بالبينات } يعني: بالحجج الواضحات فكذبوهم فأهلكهم الله ~~عز وجل: { فما كان الله ليظلمهم } أي: ليعذبهم بغير ذنب { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } بالمعاصي قوله عز وجل: { ~~ثم كان عقبة الذين أساءوا } يعني: آخر أمر الذين ~~أشركوا { السوأى } يعني: العذاب فيجوز أن تكون ثم على معنى التأخير ~~ويجوز أن يكون معناه ثم مع هذا كان عاقبة الذين قرأ نافع وابن كثير وأبو ~~عمرو عاقبة بالضم وقرأ ms1304 الباقون بالنصب (فمن قرأ بالضم جعله اسم كان وجعل ~~السوء خبر كان ومن قرأ بالنصب جعل العاقبة خبر كان) والسوء اسم كان ومعنى ~~القراءتين يرجع إلى شيء واحد يعني ثم كان عاقبة الكافرين النار لتكذيبهم ~~بآيات الله عز وجل والسوء ها هنا جهنم كما أن الحسنى الجنة ثم قال: { أن ~~كذبوا بآيات الله } يعني: عاقبة جهنم لأنهم كذبوا بآيات الله ~~ما جاءت بها الرسل { وكانوا بها يستهزئون } يعني: بآيات ~~الله { الله يبدأ الخلق ثم يعيده } يعني: يحيهم بعد ~~الموت { ثم إليه ترجعون } في الآخرة قرأ أبو عمرو وعاصم في ~~رواية أبي بكر يرجعون بالياء على معنى الإخبار عنهم وقرأ الباقون بالتاء ~~على معنى المخاطبة. ### || [30.12-16] # قال عز وجل: { ويوم تقوم الساعة } يعني: واذكر يوم تقوم ~~الساعة { يبلس المجرمون } يعني: ييأس المشركون من كل خير ويقال ~~أيسوا من إقامة الحجة، ويقال: يبلس المجرمون يعني: يندمون قال الزجاج: ~~المبلس الساكت المنقطع الحجة الآيس من أن يهتدي إليها { ولم يكن ~~لهم من شركآئهم شفعاء } يعني: من الملائكة ومن الأصنام { ~~وكانوا بشركآئهم كافرين } يعني: تبرأت الملائكة عليهم ~~السلام منهم وتبرأت الأصنام عنهم ثم قال عز وجل: { ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون } يعني: بعد الحساب يتفرقون فريق ~~في الجنة وفريق في النار ثم أخبر عن مرجع كل فريق فقال { فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني: الذين صدقوا بالله ~~ورسوله وأدوا الفرائض والسنن { فهم في روضة يحبرون } قال ~~مقاتل يعني: بستان يكرمون وينعمون وقال السدي يحبرون أي يفرحون ويكرمون ~~وقال مجاهد يحبرون يعني: ينعمون وقال القتبي يحبرون يعني: يسرون وينعمون ~~والحبرة والسرور ومنه يقال مع كل حبرة عبرة وقال الزجاج يحبرون يعني: ~~يحسنون إليهم يقال للعالم حبر وللمداد حبر لأنه يحسن به الكتابة ويقال ~~يحبرون أي يسمعون أصوات المغنيات قوله عز وجل: { وأما الذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا } يعني: بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~- والقرآن { ولقآء الآخرة } يعني: البعث بعد الموت { ~~فأولئك في العذاب محضرون } يعني: مقرنين ويقال يجتمعون ~~هم وآلهتهم. ### || [30.17-26] # قوله عز وجل: { فسبحان الله ms1305 } يعني: صلوا لله { حين تمسون ~~} يعني: صلاة المغرب والعشاء { وحين تصبحون } يعني: صلاة الفجر ~~وعشيا يعني صلاة العصر وحين تظهرون على معنى التقديم والتأخير أي صلاة ~~الظهر { وله الحمد فى السموات والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون } يعني: يحمده أهل السماوات وأهل الأرض ويقال له ~~الألوهية في السماوات والأرض كقوله عز وجل: # وهو الذى فى السمآء إله وفى الأرض إله # [الزخرف: 84] يقال وله الحمد يعني الحمد على أهل السموات وأهل الأرض ~~لأنهم في نعمته فالحمد واجب علينا { يخرج الحى من الميت } ~~يعني: الدجاجة من البيضة والإنسان من النطفة والمؤمن من الكافر { ~~ويخرج الميت من الحى } يعني: البيضة من الدجاجة والكافر من ~~المؤمن { ويحيي به الأرض بعد موتها } يعني: ينبت النبات ~~من الأرض بعد يبسها وقحطها بالمطر { وكذلك تخرجون } يعني: ~~يحيكم بالمطر الذي يمطر من البحر المسجور كالمني فتحيون به وقال مقاتل ~~يرسل الله عز وجل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة من البحر ~~المسجور على الأرض بين النفختين فينتشر عظام الموتى فذلك قوله وكذلك ~~تخرجون، قرأ حمزة والكسائي تخرجون بفتح التاء والباقون برفع التاء يعني: ~~تخرجون من قبوركم يوم القيامة قوله عز وجل { ومن ءايته } قال ~~مقاتل يعني: ومن علامات الرب أنه واحد وإن لم يروه وعرفوا توحيده بصنعه { ~~أن خلقكم من تراب } يعني: خلق آدم من تراب وأنتم ولده { ثم ~~إذا أنتم } ذريته من بعده { بشر تنتشرون } يعني: تبسطون ~~كقوله { وينشر رحمته } يعني ويبسط ويقال { ومن آياته } يعني من العلامات ~~التي تدل على أن الله عز وجل واحد لا مثل له ظهور القدرة التي يعجز عنها ~~المخلوقون { أن خلقكم من تراب } يعني: آدم عليه السلام { ثم إذا أنتم بشر ~~} منتشرون على وجه الأرض ثم قال عز وجل { ومن ءايته } يعني: من ~~علامات وحدانيته { أن خلق لكم من أنفسكم } يعني: من جنسكم ~~{ أزوجا } لأنه لو كان من غير جنسه لكان لا يستأنس بها ويقال من ~~أنفسكم يعني: خلقها من آدم ويقال: من بعضكم بعضا { لتسكنوا ~~إليها } يعني: لتستقر قلوبكم عندها لأن ms1306 الرجل إذا طاف البلدان لا ~~يستقر قلبه فإذا رجع إلى أهله اطمأن واستقر، ويقال لتسكنوا إليها يعني: ~~لتوافقوها { وجعل بينكم مودة ورحمة } يعني: الحب بين ~~الزوج والمرأة ولم يكن بينهما قرابة ويحب كل واحد منهما صاحبه ويقال وجعل ~~بينكم مودة للصغير على الكبير ورحمة للكبير على الصغير ويقال { وجعل ~~بينكم مودة ورحمة } يعني الولدان { إن فى ذلك لآيات } يعني: ~~فيما ذكر لعلامات لوحدانيته { لقوم يتفكرون } أني خالق قوله ~~عز وجل: { ومن ءايته خلق السموات والأرض } وأنتم ~~تعلمون ذلك لأنهم مقرون أن الله عز وجل خالقهم وهو خالق الأشياء { ~~واختلف ألسنتكم } أي عربي وعجمي ونبطي { وألونكم } ~~أي أحمر وأبيض وأسود وأسمر { إن فى ذلك لآيات } يعني: لعلامات ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الألسن والألوان لعلامات { ~~للعلمين } فيعتبرون قرأ عاصم في رواية حفص (للعالمين) بكسر اللام ~~يعني جميع العلماء يعني أن في ذلك علامة للعقلاء وقرأ الباقون بنصب اللام ~~يعني علامة لجميع خلق الأنس والجن قوله عز وجل: { ومن ءايته ~~منامكم بالليل والنهار } منامكم نومكم فهو مصدر يقال نام ~~نوما ومناما بالليل والنهار على معنى التقديم يعني منامكم بالليل { ~~وابتغاؤكم من فضله } بالنهار يعني: طلبكم الرزق بالنهار ~~والمعيشة { إن فى ذلك لآيات } يعني: لعلامات على وحدانيتي { ~~لقوم يسمعون } المواعظ ويعتبرون قوله عز وجل: { ومن ~~ءايته يريكم البرق خوفا } من الصواعق إذا كنتم بأرض قفر ~~{ وطمعا } للمطر خوفا وطمعا منصوبان على المفعول له المعنى يريكم ~~للخوف والطمع خوفا للمسافر وطمعا للمقيم { وينزل من السماء ~~ماء } يعني المطر { فيحيي به الأرض } أي: بالنبات { بعد ~~موتها إن فى ذلك لآيت } أي: لعلامات { لقوم ~~يعقلون } عن الله عز وجل فيوحدونه قوله عز وجل: { ومن ءايته ~~أن تقوم السماء } يعني: فوق رؤوسكم بغير عمد لا يناله شيء وتقوم ~~الأرض على الماء تحت أقدامكم { والأرض بأمره } أي بقدرته { ~~ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } يعني: إسرافيل عليه ~~السلام يدعوكم على صخرة بيت المقدس في الصور دعوة من الأرض { إذا ~~أنتم تخرجون } وقال بعضهم في الآية تقديم ومعناه ثم ms1307 إذا دعاكم ~~دعوة من الأرض يعني من قبوركم فإذا أنتم تخرجون قرأ حمزة والكسائي تخرجون ~~بنصب التاء وضم الراء وقرأ الباقون بضم التاء ونصب الراء ثم قال عز وجل { ~~وله من فى السموات والأرض } من الخلق { كل له ~~قنتون } يعني: مقرين بالعبودية يعلمون أن الله عز وجل ربهم ويقال ~~قانتون أي خاضعون له لا يقدرون أن يغيروا أنفسهم عما خلقهم، ويقال: معناه ~~في كل شيء دليل ربوبيته وهذا أيضا من آياته ولكنه لم يذكر لأنه قد سبق ~~ذكره مرات فكأنه يقول ومن آياته أن له من في السموات والأرض كل له ~~قانتون. ### || [30.27-29] # قال عز وجل: { وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده } أي: ~~خلق آدم فبدأ خلقهم ولم يكونوا شيئا ثم يعيده يعني: يبعثهم في الآخرة ~~أحياء { وهو أهون عليه } يعني: في المثل عندكم لأن ابداء ~~الشيء أشد من إعادته ويقال إن ابتداءه كان نطفة ثم جعله علقة ثم جعله ~~مضغة ثم لحما ثم عظاما وفي الآخرة حال واحد وذلك { وهو أهون ~~عليه } من هذا، وقال القتبي: عن أبي عبيدة وهو أهون عليه يعني: هين ~~عليه كما يقال الله أكبر أي الكبير، ويقال: الإعادة أهون عليه من البداية ~~والبداية عليه هين ثم قال: { وله المثل الأعلى فى ~~السموات والأرض } يعني: الصفات العلى بأنه واحد لا شريك له { ~~وهو العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره ثم قال عز وجل: { ~~ضرب لكم مثلا } (نزلت في كفار قريش كانوا يعبدون الآلهة ~~ويقولون في إحرامهم لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك قال ~~الله تعالى ضرب لكم مثلا أي) وصف لكم شبها { من أنفسكم هل ~~لكم مما ملكت أيمنكم } يعني: من العبيد { من ~~شركاء فيما رزقنكم } من الأموال { فأنتم } وعبيدكم { ~~فيه سوآء } في الرزق فيما أعطيناكم من الأموال والملك ثم قال: { ~~تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } قال مقاتل: يعني أتخافون ~~عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت كما تخافون أن يرثكم الأحرار فقالوا: لا، ~~فقال: أترضون لله الشركة في ملكه وتكرهون لأنفسكم قال الكلبي: ms1308 هل لكم مما ~~ملكت أيمانكم شركاء فيما رزقناكم من أموالكم من عبيدكم وإمائكم فأنتم وهم ~~فيه سواء تخافوهم كخيفتكم أنفسكم يقول: كما يخاف الرجل ابنه وعمه وأقاربه ~~قالوا: لا قال: فأنتم لا ترضون هذا لأنفسكم أن يكونوا فيما تملكون ~~يشاركونكم في أموالكم فكيف ترضون لله ما لا ترضون به لأنفسكم، وقال ~~السدي: ضرب لكم مثلا هذا مثل ضربه الله عز وجل في الميراث للآلهة يقول ~~هل لكم مماليك شركاء في الميراث الذي ترثونه من آبائكم وأنتم تخافون أن ~~يدخل معكم مملوككم في ذلك الميراث كما تدخلون أنتم فيه فكما لا يكون ~~للمملوك أن يدخل في مواريثكم فكذلك لا يكون لهذا الوثن الذي تعبدونه من ~~دون الله عز وجل أن يدخل في ملكي وإنما خلقي وعبيدي قال أبو الليث رحمه ~~الله عز وجل: وفي الآية دليل أن العبد لا ملك له لأنه أخبر أن لا مشاركة ~~للعبيد فيما رزقنا الله عز وجل من الأموال ثم قال عز وجل: { كذلك ~~نفصل الآيت } يعني: نبين العلامات { لقوم يعقلون } ~~الأمثال فيوحدونه ثم قال عز وجل: { بل اتبع الذين ظلموا ~~أهواءهم } يعني: اتبع الذين كفروا أهواءهم بعبادة الأوثان { ~~بغير علم } يعني: بغير حجة { فمن يهدى من أضل الله ~~} يعني: فمن يهدي إلى توحيد الله من أضله الله وخذله وطرده ويقال فمن ~~يرشد إلى الحق من خذله الله عز وجل: { وما لهم من نصرين } ~~يعني: مانعين من عذاب الله. ### || [30.30-35] # قوله عز وجل: { فأقم وجهك للدين حنيفا } أي: أخلص دينك ~~الإسلام للدين حنيفا يعني: للتوحيد مخلصا ويقال: يذكر الوجه ويراد به ~~هو فكأنه يقول: فأقم الدين مخلصا ويقال: معناه فأقبل بوجهك إلى الدين ~~وأقم عليه حنيفا أي مخلصا مائلا إليه ويقال: أخلص دينك وعملك لله ~~تعالى وكن مخلصا ثم قال { فطرة الله } يعني: اتبع دين الله ويقال ~~اتبع ملة الله ويقال الفطرة الخلقة يعني خلقة الله { التى فطر ~~الناس عليها } أي خلق البشر عليها كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # " كل مولود يولد على الفطرة ms1309 وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج ~~البهيمة بهيمة هل تحسبون فيها من جدعاء " # وروي عن أبي هريرة أنه قال: # " اقرأوا إن شئتم (فطرة الله الذي فطر الناس عليها) " # يعني خلق الناس عليها وفي الخبر أنه قال # " كل مولود يولد على الفطرة لأنه شهد يوم الميثاق " # ثم قال: { لا تبديل لخلق الله } يعني: لا تغيير لدين الله ~~ويقال لا تبديل لخلق الله عندما خلق الله الخلق لم يكن لأحد أن يغير ~~خلقته ثم قال: { ذلك الدين القيم } يعني: التوحيد هو الدين ~~المستقيم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } يعني: كفار ~~مكة لا يعلمون بتوحيد الله. قوله عز وجل: { منيبين إليه } انصرف ~~إلى قوله { فأقم وجهك } يعني: فأقبل بوجهك منيبا إليه ويجوز أن ~~يخاطب الرئيس بلفظ الجماعة لأن له أتباعا وإنما يراد به هو وأتباعه كما ~~قال: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1] منيبين إليه يعني: راجعين إليه من الكفر إلى التوحيد { ~~واتقوه وأقيموا الصلاة } يعني: وأتموا الصلوات الخمس { ~~ولا تكونوا من المشركين } على دينهم { من الذين ~~فرقوا دينهم } يعني: تركوا دين الإسلام الذي أمروا به { ~~وكانوا شيعا } فجعلوه أديانا يعني: تركوا دينهم وصاروا فرقا ~~اليهود والنصارى والمجوس قرأ حمزة والكسائي فارقوا بالألف وقرأ الباقون ~~فرقوا بغير ألف فمن قرأ فارقوا يعني: تركوا دينهم، ومن قرأ فرقوا دينهم ~~يعني: افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنين وسبعين فرقة، ~~والمسلمون ثلاثة وسبعين فرقة { كل حزب بما لديهم فرحون ~~} يعني: كل أهل دين بما عندهم من الدين راضون قوله عز وجل: { وإذا ~~مس الناس ضر } يعني: إذا أصاب الكفار شدة { دعوا ربهم ~~منيبين إليه } يعني: منقلبين إليه بالدعاء عند الشدة والقحط { ~~ثم إذا أذاقهم منه رحمة } يعني: إذا أصابهم من الله ~~نعمة وهي السعة في الرزق والخصب { إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون } يعني: تركوا توحيد ربهم في الرخاء وقد وحدوه في الضراء ~~قوله عز وجل: { ليكفروا بمآ ءاتينهم } قال مقاتل تقول: ~~أذاقهم رحمة لئلا يكفروا بالذي أعطاهم من الخير ويقال كانت النعمة سبيلا ~~للكفر فكأنه ms1310 أعطاهم لذلك كما قال # فالتقطه ءال فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] وقرىء في الشاذ يشركون ليكفروا بجزم اللام فيكون أمرا على ~~وجه الوعيد والتهديد ثم قال: { فتمتعوا فسوف تعلمون } ~~يعني: فتمتعوا قليلا إلى آجالكم فسوف تعلمون ما يفعل بكم يوم القيامة ثم ~~قال عز وجل: { أم أنزلنا عليهم سلطنا } يعني: كتابا من ~~السماء { فهو يتكلم } يعني: ينطق { بما كانوا به ~~يشركون } يعني: بما كانوا يقولون من الشرك، اللفظ لفظ الاستفهام، ~~والمراد به النفي يعني: لم ينزل عليهم حجة بذلك وقال القتبي: فهو يتكلم ~~فهو من المجاز ومعناه أنزلنا عليهم برهانا يستدلون به فهو يدلهم على ~~الشرك ويقال: أم أنزلنا عليهم عذرا بذلك. ### || [30.36-40] # قال عز وجل: { وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها } ~~يعني: المطر والسعة { وإن تصبهم سيئة } يعني: الجوع والشدة { ~~بما قدمت أيديهم } يعني: جزاء لذنوبهم { إذا هم ~~يقنطون } يعني: آيسين من الرزق قرأ أبو عمرو والكسائي يقنطون بكسر ~~النون وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان ومعناهما واحد، ثم وعظهم ليعتبروا ~~ويطمئنوا بالرزق فقال عز وجل: { أولم يروا أن الله ~~يبسط الرزق لمن يشاء } يعني: يوسع وكان يرى صلاح العبد في ذلك ~~{ ويقدر } يعني: يضيق العيش ويكون صلاحه في ذلك من البسط والتقتير { ~~إن فى ذلك } يعني: في البسط والتقتير { لآيت لقوم ~~يؤمنون } يعني: يصدقون قوله عز وجل: { فئات ذا القربى ~~حقه } يعني: فأعط ذا القربى حقه وحق القرابة هو الصلة { ~~والمسكين } يعني: أعط السائل حقه وحقه أن يتصدق عليه بشيء { ~~وابن السبيل } يعني: الضيف النازل وحقه أن تحسن إليه { ذلك ~~خير } يعني: الذي وصف من صلة القرابة والمسكين وابن السبيل ذلك خير { ~~للذين يريدون وجه الله } يعني: أي يريدون بذلك رضاء الله ~~خير من الإمساك عندهم { وأولئك هم المفلحون } يعني: ~~الناجون ويقال: الباقون في النعمة ويسمى السحور فلاحا لأنه يبقي للصائم ~~قوة { وما ءاتيتم من ربا } يعني: ما أعطيتم من عطية { ~~ليربوا فى أموال الناس } يعني: ليزدادوا في أموال ومعناه ~~ما أعطيتم من عطية لتلتمسوا بها الزيادة { فلا ms1311 يربوا عند الله ~~} أي: فلا تضاعف تلك العطية عند الله عز وجل ما أعطيتم عند الله ولا يأثم ~~فيه وروى معمر عن قتادة عن ابن عباس قال هي هبة يريد أن يثاب أفضل منها ~~فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر فيه صاحبه ولا إثم عليه { ومآ ~~آتيتم من زكاة } قال هي الصدقة { تريدون وجه الله ~~فأولئك هم المضعفون } وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله ~~وقال عكرمة الربا ربوان ربا حلال وربا حرام فأما الحلال فهو هبة الرجل ~~يريد أن يثاب ما هو أفضل منها وأما الحرام (فزيادة خالية عن العوض في عقد ~~المعاوضة وهو نوعان ربا الفضل وربا النساء عرف ذلك في كتب الفقه قرأ ابن ~~كثير وما أتيتم بغير مد يعني ما جئتم وقرأ الباقون بالمد يعني ما أعطيتم ~~واتفقوا في الثاني أنه بالمد وقرأ نافع لتربو بالتاء والضم والباقون) ~~بالياء والنصب فمن قرأ بالنصب فمعناه لتستزيدوا أنتم زيادة في المال ~~يعني: لتكثروا أموالكم بما أعطيتم ومن قرأ ليربو بالياء معناه ليربو ~~المعطي فيكثر حتى يرد ما هو أكثر منه، ثم بين ما يربو فيه فقال: { ومآ ~~آتيتم من زكاة } يعني: ما أعطيتم من صدقة تريدون وجه الله يعني ~~رضا الله ففيه الإضعاف فأولئك هم المضعفون للواحد عشرة فصاعدا، ويقال: ~~المضعفون أي الواجدين من الضعف كما يقال أكذبته إذا وجدته كاذبا ثم أخبر ~~عن صنعه ليعرف توحيده فقال عز وجل: { الله الذى خلقكم } ولم ~~تكونوا شيئا { ثم رزقكم } يعني: أطعمكم ما عشتم في الدنيا { ~~ثم يميتكم } عند انقضاء آجالكم { ثم يحييكم } للبعث بعد ~~الموت لينبئكم بما عملتم في الدنيا ويجازيكم { هل من شركائكم ~~من يفعل من ذلكم من شىء } يعني: يفعل كفعله ثم نزه نفسه ~~فقال: { سبحانه وتعالى عما يشركون } (وقد ذكرناه ~~ويقال: الله الذي خلقكم وطلب منكم العبادة ثم رزقكم وطلب الطمأنينة ثم ~~يميتكم وطلب منكم الاستعداد للموت ثم يحييكم وطلب منكم الحجة والبرهان). ### || [30.41-45] # { ظهر الفساد فى البر والبحر } يعني: قحط المطر ونقص ~~الثمار ms1312 للناس والدواب يعني: نقص النبات في البر للدواب والوحوش وفي البحر ~~يعني القرى والأرضين ينقصان الثمار والزرع سمى القرى والمدائن بحرا لما ~~يجري فيها من الأنهار، ويقال البحر نفسه لأنه إذا لم يكن مطر فإنه لا ~~يخرج منه اللؤلؤ { بما كسبت أيدى الناس } أي: بما عملوا من ~~المعاصي، ويقال: من أذنب ذنبا فجميع الخلق من الإنس والجن والدواب ~~والوحوش والطير والذر خصماؤه يوم القيامة لأنه يمنع المطر بالمعصية فيضر ~~بأهل البر والبحر، وروي عن ثقيف الزاهد أنه قال من أكل الحرام فقد خان ~~جميع الناس حيث لا يستجاب دعاؤه، ويقال: ظهر الفساد في البر والبحر يعني: ~~ظهرت المعاصي في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس يعني: بكسب الناس، فأول ~~فساد البر كان من قابيل حيث قتل أخاه هابيل، وأول فساد البحر كان من ~~جلندا حيث كان يأخذ كل سفينة غصبا وقال عطية العوفي ظهور الفساد: قحوط ~~المطر، قيل له هذا فساد البر، فما فساد البحر؟ قال: إذا قل المطر قل ~~الغوص وقال قتادة: ظهر الفساد في البر والبحر يعني امتلأت الضلالة والظلم ~~في الأرض وروي عن أبي العالية أنه قال: البر الأعضاء والبحر القلوب يعني ~~ظهر الفساد في الناس في الأعضاء وفي القلوب ثم قال: { ليذيقهم ~~بعض الذى عملوا } يعني: يعذبهم ببعض ذنوبهم في الدنيا ويدخر ~~البعض في الآخرة والذوق إنما هو كناية عن التعذيب فكأنه يقول يعذبهم ~~بالجوع والقحط في الدنيا { لعلهم يرجعون } أي: لكي يرجعوا عن ~~الكفر قرأ ابن كثير لنذيقهم بالنون أي لنذيقهم نحن وقرأ الباقون بالياء ~~يعني: ليذيقهم الله عز وجل ثم خوفهم فقال عز وجل: { قل سيروا فى ~~الأرض } أي سافروا فيها { فانظروا كيف كان عقبة ~~الذين من قبل } يعني: كيف كان آخر أمر من كان قبلهم { كان ~~أكثرهم مشركين } فيعتبروا بذلك والنظر على وجهين: يقال نظر ~~إليه إذا نظر بعينه، ونظر فيه إذا تفكر بقلبه، وها هنا قال فانظروا ولم ~~يقل فيه ولا إليه فهو على الأمرين جميعا ثم قال عز وجل: { فأقم ~~وجهك ms1313 للدين القيم } يعني: أخلص دينك الإسلام القيم يعني: ~~المستقيم، ويقال أقبل بوجهك إليه ويقال اثبت عليه { من قبل أن ~~يأتى يوم لا مرد له من الله } يعني: يوم القيامة لا ~~يقدر أحد أن يرد ذلك اليوم من الله، ويقال يعني: ذلك اليوم من الله ويقال ~~لا خلف لذلك الوعد من الله { يومئذ يصدعون } يعني: يتصدعون ~~فأدغم التاء في الصاد وشدد يعني: يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير ~~ثم قال عز وجل: { من كفر فعليه كفره } يعني: جزاء كفره ~~وعقوبته { ومن عمل صلحا } يعني: وحده وعمل بالطاعة بعد ~~التوحيد { فلأنفسهم يمهدون } قال مقاتل: أي يقدمون وقال ~~مجاهد: يعني لأنفسهم يفرشون في القبر ويقال في الجنة، ويقال فلأنفسهم ~~يعملون ويستعدون قوله عز وجل: { ليجزي الذين آمنوا } ينصرف ~~إلى قوله يصدعون يعني: يتفرقون لكي يجزي الذين آمنوا { وعملوا ~~الصلحت من فضله } يعني: من رزقه ويقال من ثوابه ويقال ~~بفضله { إنه لا يحب الكفرين } بتوحيد الله عز وجل ويقال ~~لا يرضى دين الكافرين. ### || [30.46-51] # قال عز وجل: { ومن ءايته أن يرسل الريح } يعني: ومن ~~علامات وحدانيته أن يعرفوا توحيده بصنعه أن يرسل الرياح { مبشرت } ~~بالمطر ويقال يستبشر بها الناس ويقال فإذا كان الاستبشار به ينسب الفعل ~~إليه { وليذيقكم من رحمته } يعني: ليصيبكم من نعمته وهو ~~المطر { ولتجرى الفلك بأمره } يعني: السفن تجري في البحر ~~بالرياح بأمره { ولتبتغوا من فضله } يعني: لتطلبوا في البحر ~~من رزقه كل هذا بالرياح { ولعلكم تشكرون } رب هذه النعم ~~فتوحدوه { ولقد أرسلنا من قبلك } يا محمد { رسلا إلى ~~قومهم فجآءوهم بالبينات } بالأمر والنهي فكذبوهم كما كذب ~~قومك { فانتقمنا من الذين أجرموا } بالعذاب يعني: من ~~الذين كفروا { وكان حقا علينا } يعني: واجبا علينا { نصر ~~المؤمنين } بالنجاة مع رسولهم وإنما هو وجوب الكرم لا وجوب اللزوم ~~ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال الله عز وجل: { الله الذى يرسل ~~الريح فتثير سحابا } يعني: تدفعه وتهيجه يقال ثار الغبار إذا ~~ارتفع { فيبسطه فى السماء كيف يشاء } يعني كيف يشاء الله ~~عز وجل إن ms1314 شاء بسطه مسيرة يوم أو أكثر { ويجعله كسفا } يعني: ~~قطعا { فترى الودق يخرج من خلاله } يعني: المطر يخرج ~~من خلاله من وسط السحاب { فإذا أصاب به } يعني: بالمطر { من ~~يشاء من عباده إذا هم يستبشرون } يعني: يفرحون بنزول ~~المطر عليهم قرأ ابن عامر كسفا بالجزم وقرأ الباقون بالنصب ثم قال عز ~~وجل: { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من ~~قبله لمبلسين } أي: من قبل نزول المطر عليهم لمبلسين يعني: ~~آيسين من المطر، وقال الأخفش: تكرير قبل للتأكيد، وقال قطرب: الأول ~~للتنزيل والثاني للمطر ثم قال: { فانظر إلى ءاثر رحمة ~~الله } يعني: ألوان النبات من أثر المطر منه الأخضر والأحمر والأصفر ~~قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر إلى آثار رحمة الله بلفظ ~~الجماعة قرأ الباقون بلفظ الوحدان لأن الوحدان يغني عن الجمع ثم قال: { ~~كيف يحيى الأرض بعد موتها } حين لم يكن فيها نبات { ~~إن ذلك } يعني: هذا الذي فعل { لمحيي الموتى } في الآخرة ~~{ وهو على كل شىء قدير ولئن أرسلنا ريحا ~~فرأوه مصفرا } يعني: الزرع متغيرا بعد خضرته { لظلوا ~~من بعده يكفرون } يعني: لصاروا وأصله العمل بالنهار ويستعمل في ~~موضع صار كقوله أصبح وأمسى يوضع موضع صار من بعده يكفرون أي من بعد ~~اصفراره يكفرون النعم يقول لو فعلت ذلك لفعلوا هكذا، ويقال: قوله فرأوه ~~إشارة إلى النبات لأن الريح مؤنثه وإنما أراد ما ينبت بالمطر، ويقال: ~~معناه أنهم يستبشرون إذا رأوا الغيث ويكفرون إذا انقطع عنهم النبات ثم ~~ضرب لهم مثلا آخر فقال: { فإنك لا تسمع الموتى }. ### || [30.52-60] # { فإنك لا تسمع الموتى } فشبه الكفار بالموتى فكما لا ~~يسمع الموتى النداء فكذلك لا يجيب ولا يسمع الكفار الدعاء إذا دعوا إلى ~~الإيمان { ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين } يعني: أن الأصم إذا كان مقبلا لا يسمع فكيف إذا ولى ~~مدبرا فكذلك الكافر لا يسمع إذا كان يتصامم عند القراءة والقراءة ~~ذكرناها في سورة النمل ثم قال عز وجل: { وما أنت بهادى العمى ~~} إلى الإيمان { عن ms1315 ضللتهم } يعني: لا تقدر أن توفقه وهو لا ~~يرغب عن طاعتي في طلب الحق { إن تسمع } يعني: ما تسمع { إلا من ~~يؤمن بآياتنا } يعني: بالقرآن { فهم مسلمون } يعني: ~~مخلصون ثم أخبرهم عن خلق أنفسهم ليعتبروا ويتفكروا فيه فقال عز وجل: { ~~الله الذى خلقكم من ضعف } يعني: من نطفة ويقال صغيرا لا ~~يعقل { ثم جعل من بعد ضعف قوة } يعني: شدة بتمام خلقه { ~~ثم جعل من بعد قوة ضعفا } يعني: بعد الشباب الهرم { ~~وشيبة } أي شمطا قرأ عاصم في رواية حفص وحمزة من ضعف بنصب الضاد ~~وقرأ الباقون من ضعف بالضم وهما لغتان ومعناهما واحد { يخلق ما ~~يشاء } أي يحول الخلق كما يشاء من الصورة { وهو العليم ~~القدير } العليم بتحويل الخلق القدير يعني: القادر على ذلك قوله عز ~~وجل: { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون } يعني: ~~يحلف المشركون { ما لبثوا غير ساعة } في الدنيا يقول الله عز ~~وجل كذلك كانوا يكذبون بالبعث كما أنهم كذبوا حيث قالوا ما لبثوا يعني في ~~القبور غير ساعة ويقال: { كذلك كانوا يؤفكون } لأنهم يقولون ~~مرة # إن لبثتم إلا عشرا # [طه: 103] ومرة يقولون # لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف: 119] ومرة يقولون { ما لبثنا غير ساعة } فيقول الله ~~تعالى هكذا كانوا في الدنيا ثم قال عز وجل: { وقال الذين أوتوا ~~العلم والإيمن } يعني: أكرموا بالعلم والإيمان { لقد ~~لبثتم فى كتب الله } أي في علم الله، ويقال: فيما كتب الله ~~عز وجل وقال مقاتل: في الآية تقديم يعني: وقال الذين أوتوا العلم في كتاب ~~الله والإيمان وهو ملك الموت لقد لبثتم في كتاب الله { إلى يوم ~~البعث } ويقال الذين أوتوا العلم بالكتاب وأوتوا الإيمان وهم العلماء ~~ثم قال: { فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون } يعني: لا تصدقون بهذا اليوم في الدنيا ثم قال عز وجل: { ~~فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا } يعني: أشركوا { ~~معذرتهم } قرأ ابن كثير وأبو عمر ولا تنفع بالتاء بلفظ التأنيث ~~لأن لفظ المعذرة مؤنثة وقرأ الباقون بالياء فينصرف إلى المعنى يعني عذرهم ~~{ ولا هم يستعتبون ms1316 } يقال عتب يعتب إذا غضب عليه وأعتب يعتب ~~إذا رجع عن ذنبه واستعتب إذا طلب منه الرجوع يعني: أنه لا يطلب منهم ~~الرجوع في ذلك اليوم ليرجعوا ثم قال عز وجل: { ولقد ضربنا ~~للناس } يعني: وصفنا وبينا { في هذا القرآن من كل ~~مثل } أي: شبه { ولئن جئتهم بئاية } كما سألوا { ~~ليقولن الذين كفروا } يعني: المشركون من أهل مكة { إن ~~أنتم إلا مبطلون } يعني: يقولون ما أنت إلا كاذب وليس هذا من ~~الله عز وجل كما كذبوا بانشقاق القمر يقال أبطل الرجل إذا جاء بالباطل ~~وأكذب إذا جاء بالكذب، فقال: إن أنتم إلا مبطلون يعني: كاذبون ثم قال: { ~~كذلك يطبع الله } يعني يختم الله عز وجل { على قلوب ~~الذين لا يعلمون } يعني: لا يصدقون بالقرآن وبمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - { فاصبر } يا محمد { إن وعد الله حق } فيما ~~وعد لكم من النصر على عدوكم وإظهار دين الإسلام حق، ويقال: فاصبر إن وعد ~~الله حق يعني: صدق في العذاب { ولا يستخفنك } يعني: يستنزلنك ~~عن البعث { الذين لا يوقنون } أي لا يصدقون ويقال لا يستخفنك ~~يعني: لا يحملنك تكذيبهم على الخفة يعني: كن حليما صبورا وقورا، ~~ويقال: لا يستخفنك فتدعو عليهم بتعجيل العذاب فيهلك الذين لا يوقنون ~~بالعذاب والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # قول الله تبارك وتعالى { الم تلك ءايت الكتب الحكيم ~~} يعني هذه آيات القرآن المحكم من الباطل، ويقال: أحكم حلاله وحرامه، ~~ويقال: محكم لا يرد عليه التناقض { هدى } يعني بيانا من الضلالة، ~~ويقال هاديا { ورحمة } من العذاب { للمحسنين } الذين يحسنون ~~العمل، وهم المؤمنون، لأن كل مؤمن محسن قرأ حمزة هدى ورحمة بالضم ~~والباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فعلى الإضمار، ومعناه هو هدى ورحمة على ~~معنى تلك هدى ورحمة، ومن نصب فهو على الحال المعنى تلك آيات في حال ~~الهداية والرحمة ثم نعت المحسنين فقال تعالى: { الذين يقيمون ~~الصلاة } يعني يقرون بها ويتمونها قوله: { ويؤتون الزكاة } ~~يعني يقرون بها ويؤدونها { وهم بالآخرة } يعني ms1317 بالبعث الذي فيه ~~جزاء أعمالهم { هم يوقنون } بأنها كائنة { أولئك } يعني أهل ~~هذه الصفة { على هدى من ربهم } يعني بيان من ربهم بين لهم ~~طريقهم ووفقهم لذلك { وأولئك هم المفلحون } يعني ~~الفائزون بالخير. ### || [31.6-11] # { ومن الناس من يشترى لهو الحديث } يعني من الناس ناس ~~يشترون أباطيل الحديث وهو النضر بن الحارث كان يخرج إلى أرض فارس تاجرا ~~ويشتري من هنالك من أحاديثهم ويحمله إلى مكة، ويقول لهم: إن محمدا ~~يحدثكم بالأحاديث طرفا منها، وأنا أحدثكم بالحديث تاما { ليضل عن ~~سبيل } يعني يصرف الناس عن دين { الله } عز وجل ويقال: يشتري جواري ~~مغنيات قال أبو الليث رحمه الله: حدثني الثقة بإسناده عن أبي أمامة رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن وأكل أثمانهن حرام " # وفيه أنزل الله عز وجل هذه الآية { ومن الناس من يشترى ~~لهو الحديث } وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله { ~~ومن الناس من يشترى لهو الحديث } قال: شراء المغنية ~~ويقال: لهو الحديث هاهنا الشرك يعني يختار الشرك على الإيمان ليضل عن ~~سبيل الله عز وجل يعني ليصرف الناس بذلك عن سبيل الله { بغير علم ~~} يعني بغير حجة { ويتخذها هزوا } يعني سبيل الله عز وجل لأن ~~السبيل مؤنث كقوله تعالى # قل هذه سبيلى # [يوسف: 108] ويقال ويتخذها هزوا يعني آيات القرآن التي ذكر في أول ~~السورة استهزاء بها حيث جعلها بمنزلة حديث رستم واسفنديا وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو ليضل بنصب الياء وقرأ الباقون بالضم فمن قرأ بالنصب فمعناه ~~ليضل بذلك عن سبيل الله يعني بترك [دين] الإسلام ومن قرأ بالضم يعني بصرف ~~الناس عن دين الإسلام ويصرف نفسه أيضا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص (ويتخذها) بنصب الذال وقرأ الباقون بالضم فمن نصبها ردها على ~~قوله ليضل يعني لكي يضل ولكي يتخذها هزوا ومن قرأ بالضم ردها على قوله ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث ويتخذها وقال: { أولئك لهم ~~عذاب مهين ms1318 } يهانون به قوله عز وجل: { وإذا تتلى عليه ~~ءايتنا } يعني إذا قرىء عليه القرآن { ولى مستكبرا } يعني ~~أعرض مستكبرا عن الإيمان والقرآن { كأن لم يسمعها } يعني كأن ~~لم يسمع ما في القرآن من الدلائل والعجائب { كأن فى أذنيه ~~وقرا } أي ثقلا فلا يسمع القرآن يعني يتصامم { فبشره بعذاب ~~أليم } فلما ذكر عقوبة الكافر ذكر على أثر ذلك ثواب المؤمنين فقال: { ~~إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت ~~النعيم } في الآخرة { خلدين } يعني دائمين { فيها وعد ~~الله حقا } أوجبه الله عز وجل لأهل هذه الصفة { وهو العزيز ~~الحكيم } حكم بالعذاب للكافرين والنعيم للمؤمنين ثم بين علامة ~~وحدانيته فقال: { خلق السموات بغير عمد ترونها } ~~أي خلقها بغير عمد ترونها بأعينكم، ويقال: معناه بغير عمد ترونها أنتم ~~يعني لها عمد ولكن لا ترونها والعمد جماعة العماد ثم قال: { وألقى ~~فى الأرض رواسى } يعني الجبال الثوابت { أن تميد بكم } ~~يعني لكيلا تزول بكم الأرض ثم قال: { وبث فيها } يعني وخلق فيها في ~~الأرض ويقال وبسط فيها { من كل دابة وأنزلنا من السماء ~~ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم } وقد ذكرناه ثم قال: ~~{ هذا خلق الله } يقول هذا الذي خلقت أنا { فأرونى ماذا ~~خلق الذين من دونه } يعني الذين تدعونه إلها من دونه يعني ~~الأصنام، ويقال هذا خلق الله يعني مخلوق الله، ويقال: هذا صنع الله ثم ~~قال: { بل الظلمون فى ضلل مبين } أي الكافرون في خطأ ~~بين لا يعتبرون ولا يتفكرون فيما خلق الله عز وجل فيعبدونه ويقال في ضلال ~~مبين يعني في خسران بين قوله عز وجل: { ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة. # .. }. ### || [31.12-20] # { ولقد ءاتينا لقمان الحكمة } وقال مجاهد يعني أعطينا ~~لقمان العقل والفقه والإصابة في غير نبوة، ويقال أيضا الحكمة والعقل ~~والإصابة في القول وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما زهد عبد في الدنيا إلا أثبت الله تعالى الحكمة في قلبه وأنطق بها ~~لسانه وبصره عيوب الدنيا وعيوب نفسه، وإذا رأيتم أخاكم قد زهد في الدنيا ~~فاقتربوا ms1319 إليه فاستمعوا منه فإنه يلقى الحكمة " # وقال السدي: ولقد آتينا لقمان الحكمة يعني: النبوة، وعن عكرمة قال: كان ~~لقمان نبيا وعن وهب بن منبه قال: كان لقمان رجلا حكيما ولم يكن نبيا ~~وروي عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدا حبشيا، ويقال: إن أول ما ظهرت ~~حكمته أن مولاه قال له يوما: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، ثم قال: أخرج ~~أطيب مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: له ~~اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، فقال: أخرج لنا أخبث مضغتين فيها فأخرج ~~اللسان والقلب فسأله عن ذلك: فقال لقمان إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ~~ولا أخبث منهما إذا خبثا وذكر عن وهب بن منبه أن لقمان خير بين ~~النبوة والحكمة فاختار الحكمة قال فبينما كان يعظ الناس يوما وهم ~~مجتمعون عليه إذ مر به عظيم من عظماء بني إسرائيل، فقال: ما هذه الجماعة؟ ~~فقيل له؟ جماعة اجتمعت على لقمان الحكيم فأقبل إليه، فقال له: ألست عبد ~~بني فلان؟ فقال: نعم، فقال فما الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: صدق الحديث ~~وأداء الأمانة وتركي ما لا يعنيني فانصرف عنه متعجبا وتركه ثم قال ~~تعالى: { أن اشكر لله } يعني حكما من أحكام الله أن اشكر لله، ~~ويقال: معناه ولقد آتينا لقمان الحكمة وقلنا له اشكر لله بما أعطاك من ~~الحكمة { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه } يعني ثواب ~~الشكر لنفسه { ومن كفر } أي جحد فلا يوحد ربه { فإن الله ~~غنى } عن خلقه وعن شكرهم { حميد } في فعاله { وإذ قال ~~لقمان لابنه } قال مقاتل كان اسم ابنه أنعم { وهو يعظه } ~~ويقال: معناه قال لابنه واعظا { يبنى لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم } يعني ذنب عظيم لا يغفر أبدا وكان ابنه ~~وامرأته كافرين فما زال بهما حتى أسلما وقال مقاتل زعموا أنه كان ابن ~~خالة أيوب وذكر القاسم بن عباد بإسناده عن عبد الله بن دينار أن لقمان ~~قدم من سفر فلقيه غلامه قال: ما فعل أبي؟ قال: ms1320 مات، فقال: ملكت أمري، ~~قال: وما فعلت أمي؟ قال: قد ماتت قال: فذهب همي، قال: فما فعلت أختي؟ ~~قال: ماتت فقال: سترت عورتي، قال: فما فعلت امرأتي؟ قال: قد ماتت فقال: ~~جدد فراشي، قال: فما فعل أخي؟ قال: مات قال: انقطع ظهري، وفي رواية أخرى ~~قال ما فعل أخي؟ قال مات فقال انكسر جناحي. # ثم قال فما فعل ابني؟ قال: مات فقال: انصدع قلبي وقال وهب بن منبه: كان ~~لقمان عبدا حبشيا لرجل من بني إسرائيل في زمن داود - عليه السلام - ~~فاشتراه فأعتقه وكان حبشيا أسود غليظ الشفتين والمنخرين غليظ العضدين ~~والساقين وكان رجلا صالحا أبيض القلب وليس يصطفي الله عز وجل عباده على ~~الحسن والجمال وإنما يصطفيهم على ما يعلم من غائب أمرهم قرأ عامر في ~~رواية حفص وابن كثير في إحدى الروايتين يا بني بالنصب وقرأ الباقون ~~بالكسر وقد ذكرناه ثم قال عز وجل { ووصينا الإنسن } فكأنه ~~يقول آمركم بما أمر به لقمان لابنه بأن لا تشركوا بالله شيئا وآمركم بأن ~~تحسنوا إلى الوالدين فذلك قوله عز وجل: { ووصينا الإنسن } ~~يعني: أمرناه بالإحسان { بولديه } ثم ذكر حق الأم وما لقيت من أمر ~~الولد من الشدة فقال { حملته أمه وهنا على وهن } يعني ~~ضعفا على ضعف لأن الحمل في الابتداء أيسر عليها فكلما ازداد الحمل ~~يزيدها ضعفا على ضعف { وفصاله فى عامين } يعني فطامه بعد ~~سنتين من وقت الولادة { أن اشكر لى ولولديك } يعني: وصيناه ~~وأمرناه بأن اشكر لي بما هديتك للإسلام واشكر لوالديك بما فعله إليك { ~~إلى المصير } فأجازيك بعملك ثم قال عز وجل: { وإن جهداك ~~} يعني: وإن قاتلاك يعني أن حرمة الوالدين وإن كانت عظيمة فلا يجوز للولد ~~أن يطيعهما في المعصية فقال: وإن جاهداك يعني وإن قاتلاك ويقال: وإن ~~أراداك { على أن تشرك بى ما ليس لك به علم } يعني: ~~ما ليس لك به حجة بأن معي شريكا { فلا تطعهما } في الشرك { ~~وصحبهما فى الدنيا معروفا } يعني: عاشرهما في الدنيا ~~معروفا بالإحسان وإنما سمي الإحسان معروفا ms1321 لأنه يعرفه كل واحد قال: ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " حسن المصاحبة أن يطعمهما إذا جاعا وأن يسكوهما إذا عريا ثم قال: { ~~واتبع سبيل من أناب إلى } " # يعني: اتبع دين من أقبل إلي بالطاعة ثم استأنف فقال { ثم إلي ~~مرجعكم } [في الآخرة وقال بعضهم: إنما أتم الكلام عند قوله: واتبع ~~سبيل من أناب إلي يعني دين من أقبل على الطاعة ثم استأنف الكلام فقال: ثم ~~إلي مرجعكم] تكرارا على وجه التأكيد { فأنبئكم بما كنتم ~~تعملون } يعني: فأجازيكم بها ثم رجع إلى حديث لقمان فقال: { ~~يبني إنهآ } يعني الخطيئة { إن تك } قال مقاتل: وذلك أن ابن ~~لقمان قال لأبيه يا أبتاه إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد فكيف يعلمها ~~الله سبحانه وتعالى فرد عليه لقمان وقال: يا بني إنها إن تك يعني الخطيئة ~~إن تك { مثقال حبة من خردل } يعني وزن خردلة { فتكن ~~فى صخرة } أي الصخرة التي هي أسفل الأرضين وقال بعضهم: أراد بها كل ~~صخرة لأنه قال بلفظ النكرة يعني ما في جوف الصخرة الصماء وقال مقاتل: هي ~~الصخرة التي في أسفل الأرض وهي خضراء مجوفة ثم قال: { أو فى ~~السموات أو فى الأرض يأت بها الله } يعني يجازي بها ~~الله أي يعطيه ثوابها ويقال: يأت بها الله عند الميزان فيجازيه بها، ~~ويقال: هذا مثل لأعمال العباد يأت بها الله يعني يعطيه ثوابها عز وجل ~~كقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7] يعني يرى ثوابه قرأ نافع مثقال بضم اللام وقرأ الباقون ~~بالنصب فمن قرأه بالضم جعله اسم يكن ومن قرأ بالنصب جعله خبرا، والاسم ~~فيه مضمر ومعناه إن تكن صغيرة قدر مثقال حبة، وإنما قال إن تكن بلفظ ~~التأنيث لأن المثقال أضيف إلى الحبة فكان المعنى للحبة، وقيل: أراد به ~~الخطيئة ومن قرأ بالضم جعله اسم تكن ثم قال { إن الله لطيف ~~خبير } يعني لطيف باستخراج تلك الحبة خبير بمكانها وقال أهل اللغة: ~~اللطيف في اللغة يعبر به عن أشياء يقال للشيء ms1322 الرقيق وللشيء الحسن لطيف ~~وللشيء الصغير لطيف ويقال للمشفق لطيف ثم قال عز وجل: { يبني أقم ~~الصلاة } يعني أتم الصلاة { وأمر بالمعروف } يعني التوحيد ~~ويقال: أظهر العدل { وانه عن المنكر } وهو كل ما لا يعرف في ~~شريعة ولا سنة ولا معروف في العقل { واصبر على ما أصابك } ~~يعني إذا أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فأصابك من ذلك ذل أو هوان أو ~~شدة فاصبر على ذلك ف { إن ذلك من عزم الأمور } يعني من حق ~~الأمور ويقال: من واجب الأمور وصارت هذه الآية بيانا لهذه الأمة وإذنا ~~لهم أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ينبغي أن يصبر على ما يصيبه في ~~ذلك إذا كان أمره ونهيه لوجه الله تعالى لأنه قد أصاب ذلك في ذات الله عز ~~وجل ثم قال تعالى { ولا تصعر خدك للناس } قرأ ابن كثير ~~وابن عامر وعاصم ولا تصعر بالتشديد بغير ألف وقرأ الباقون ولا تصاعر ~~بالألف والتخفيف وهما لغتان، ومعناهما واحد، يقال: صعر خده وصاعره ~~ومعناهما الاعراض على جهة الكبر يعني لا تعرض بوجهك عن الناس متكبرا، ~~وقال مقاتل: لا تعرض وجهك عن فقراء المسلمين وهكذا قال الكلبي وقال ~~العتبي: أصله الميل ويقال: رجل أصعر إذا كان به داء فيميل رأسه وعنقه من ~~ذلك إلى أحد الجانبين، ويقال: معناه لا تكلم أحدا وأنت معرض عنه فإن ذلك ~~من الجفاء والإذاء ثم قال: { ولا تمش فى الأرض مرحا } يعني ~~لا تمشي بالخيلاء والمرح والبطر والأشر كله واحد وهو أن يعظم نفسه في ~~النعم { إن الله لا يحب كل مختال فخور } يعني ~~مختالا في مشيته فخورا في نعم الله عز وجل { واقصد فى مشيك } ~~يعني تواضع لله تعالى في المشي ولا تختل في مشيتك، ويقال: أسرع في مشيتك ~~لأن الإبطاء في المشي يكون من الخيلاء { واغضض من صوتك } يعني: ~~اخفض ومن صلة في الكلام اخفض كلامك ولا تكن سفيها ثم ضرب للصوت الوضيع ~~مثلا فقال: { إن أنكر الأصوت } يعني أقبح الأصوات { لصوت ~~الحمير } لشدة أصواتها وإنما ms1323 ذكر صوت الحمير لأن صوت الحمار كان هو ~~المعروف عند العرب وسائر الناس بالقبح، وإن كان قد يكون ما سواه أقبح منه ~~في بعض الحيوان وإنما ضرب الله المثل بما هو المعروف عند الناس قوله عز ~~وجل { ألم تروا أن الله سخر لكم } يعني قل يا محمد ~~لأهل مكة ألم تروا أن الله ذلل لكم { ما في السموات وما في ~~الأرض } كل ذلك من الله تعالى يعني: ومن قدرة الله ورحمته وحده لا ~~شريك له { وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة } ~~فالظاهرة التي يراها الناس والباطنة ما غاب عن الناس. # ويقال: النعم الظاهرة شهادة أن لا إله إلا الله، وأما الباطنة فالمعروفة ~~بالقلب. وقال مقاتل: الظاهرة تسوية الخلق والرزق والباطنة تستر عن ~~العيون، عن ابن عباس قال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قوله ~~وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة فقال: # " الظاهر الإسلام والباطنة ما ستر سوأتك " # قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص نعمه بنصب العين وميم وضم الهاء ~~وقرأ الباقون نعمه بجزم العين ونصب الهاء والميم فمن قرأ نعمه بالجزم فهي ~~نعمة واحدة وهي ما أعطاه الله من توحيده ومن قرأ نعمه فهو على معنى جميع ~~ما أنعم الله عز وجل عليهم ثم قال { ومن الناس من يجدل فى ~~الله } يعني يخاصم في دين الله عز وجل { بغير علم } يعني بغير ~~حجة وهو النضر بن الحارث { ولا هدى } أي بغير بيان من الله عز وجل { ~~ولا كتب منير } أي: مضيا فيه حجة. ### || [31.21-25] # قوله عز وجل: { وإذا قيل لهم } يعني لكفار مكة { اتبعوا ~~ما أنزل الله } على نبيه من القرآن فآمنوا به وأحلوا حلاله وحرموا ~~حرامه { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءاباءنا } ~~يقول الله عز وجل: { أو لو كان الشيطن } يعني أوليس ~~الشيطان { يدعوهم إلى عذاب السعير } يعني يدعوهم إلى ~~تقليد آبائهم بغير حجة فيصيروا إلى عذاب السعير قوله عز وجل: { ومن ~~يسلم وجهه إلى الله } أي يخلص دينه ويقال يخلص عمله لله { ~~وهو محسن } يعني موحد ms1324 ويقال: ذكر الوجه وأراد به هو يعني ومن أخلص ~~نفسه لله عز وجل بالتوحيد وبأعمال نفسه وهو محسن في عمله قرأ عبد الرحمن ~~المسلمي ومن يسلم بنصب السين وتشديد اللام من سلم يسلم وقراءة العامة ومن ~~يسلم بجزم السين وتخفيف اللام من سلم يسلم { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } يعني قد أخذ بالثقة { وإلى الله ~~عقبة الأمور } يعني إليه مرجع وعواقب الأمور ويقال: العباد إليه ~~فيجازيهم بأعمالهم قوله عز وجل: { ومن كفر فلا يحزنك كفره ~~} وذلك أنهم لما كذبوا بالقرآن وقالوا إنه يقول من تلقاء نفسه شق ذلك ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل: { ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره } بالقرآن { إلينا مرجعهم } يعني إلينا ~~مصيرهم { فننبئهم بما عملوا } يعني يجازيهم بجحودهم { إن ~~الله عليم بذات الصدور } بما في قلبك من الحزن مما قالوا ~~وقال الكلبي: إن الله عليم بذات الصدور من خير أو شر ثم قال عز وجل: { ~~نمتعهم قليلا } يعني يسيرا في الدنيا فكل ما هو فان فهو قليل { ~~ثم نضطرهم } يعني نلجئهم { إلى عذاب غليظ } يعني شديد ~~لا يفتر عنهم قوله عز وجل: { ولئن سألتهم } يعني الكفار { من ~~خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد ~~لله } على إقراركم { بل أكثرهم } يعني الكفار { لا ~~يعلمون } يعني لا يصدقون. ### || [31.26-32] # قال عز وجل: { لله ما فى السموات والأرض } من الخلق { ~~إن الله هو الغنى } عن عبادة خلقه { الحميد } في فعاله ~~ويقال حميد أي محمود يعني يحمد ويشكر قوله عز وجل: { ولو أنما فى ~~الأرض من شجرة أقلام } الآية قال قتادة ذلك أن المشركين ~~قالوا: هذا كلام يوشك أن ينفد وينقطع فنزل قوله تعالى { ولو أن ما ~~فى الأرض } الآية قال ابن عباس في رواية أبي صالح: إن اليهود أعداء ~~الله سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الروح فنزل # قل الروح من أمر ربى ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا # [الإسراء: 85] قالوا: كيف تقول هذا وأنت تزعم أن من أوتي الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا فكيف يجتمع علم ms1325 قليل وخير كثير؟ فنزل { ولو أن ~~ما فى الأرض من شجرة أقلام } يقول: لو أن الشجر تبرى ~~وتجعل أقلاما { والبحر يمده من بعده سبعة أبحر } ~~تكون كلها مدادا يكتب بها علم الله عز وجل لانكسرت الأقلام ولنفد المداد ~~ولم ينفد علم الله تعالى فما أعطاكم الله من العلم قليل فيما عنده من ~~العلم قرأ أبو عمرو والبحر يمده بنصب الراء وقرأ الباقون بالضم فمن قرأ ~~بالنصب نصبه لأن معناه ولو أن ما في الأرض وأن البحر يمده ومن قرأ بالضم ~~فهو على الاستئناف والبحر يمده يعني أمد إلى كل بحر مثله ما نفذت { ما ~~نفدت كلمت الله } يعني علمه وعجائبه ويقال: معاني كلمات ~~الله لأن لكل آية ولكل كلمة من المعاني ما لا يدرك ولا يحصى، ويقال: ما ~~نفذت كلمات الله لأن كلمات الله لا تدرك ما تكلم به في الأزل سبحانه ~~وتعالى ثم قال { إن الله عزيز حكيم } عزيز بالنعمة على ~~الكافر حكيم حكم أنه ليس لعلمه غاية وأن العلم للخلق غاية ثم قال عز وجل ~~{ ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة } قال ~~مقاتل: نزلت في أبي بن خلف وابني أسد منبه ونبيه كلاهما ابني أسد قالوا: ~~إن الله عز وجل خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يقول إنه بعث في ~~ساعة واحدة فقال الله عز وجل: ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة أيها ~~الناس جميعا يقال هاهنا مضمر فكأنه يقول: إلا كخلق نفس واحدة وكبعث نفس ~~واحدة ويقال: معناه قدرته على بعث الخلق أجمعين وعلى خلق الخلق أجمعين ~~كقدرته على خلق نفس واحدة ويقال: كنفس واحدة أي إلا كخلق آدم - عليه ~~السلام - ثم قال { إن الله سميع } لمقالتهم { بصير } بهم ~~قوله عز وجل { ألم تر أن الله يولج الليل فى ~~النهار } يعني انتقاص كل واحد منها بصاحبه ويقال: يدخل الليل في ~~النهار والنهار في الليل { ويولج النهار فى الليل وسخر ~~الشمس والقمر } يعني ذللهما لبني آدم { كل يجرى لأجل ~~مسمى } يعني يجريان في السماء ms1326 إلى يوم القيامة وهو الأجل المسمى، ~~ويقال: يجري كل واحد منهما إلى أجله في الغروب حتى ينتهي إلى وقت نهايته ~~{ وأن الله بما تعملون خبير } روي عن أبي عمرو في إحدى ~~الروايتين أنه قرأ يعملون بالياء بلفظ المغايبة وقرأ الباقون بالتاء على ~~معنى المخاطبة ثم قال عز وجل: { ذلك } يعني هذا الذي ذكر من صنع الله ~~عز وجل بالنهار والليل والشمس والقمر { بأن الله هو الحق } ~~يعني ليعلموا أن الله هو الحق { وأن ما يدعون من دونه ~~البطل } يعني من الآلهة لا يقدرون على شيء من ذلك يعني لا تنفعهم ~~عبادتها، قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص وإنما يدعون ~~بالياء على معنى الخبر عنهم وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة لهم ~~ثم عظم نفسه فقال تعالى: { وأن الله هو العلى الكبير } ~~يعني ليعلموا أن الله هو الرفيع الكبير يعني العظيم وهو الذي يعظم ويحمد ~~ثم بين قدرته فقال عز وجل: { ألم تر أن الفلك } يعني السفن { ~~تجري في البحر بنعمة الله } أي برحمة الله لمنفعة الخلق ~~{ ليريكم من ءايته } يعني من علامات وحدانيته ويقال من ~~عجائبه { إن فى ذلك } يعني إن الذي ترون في البحر { لآيات } ~~يعني لعبرات { لكل صبار شكور } على أمر الله عز وجل عند ~~البلاء، ويقال: الذي يصبر في الأحوال كلها شكورا لله عز وجل في نعمه، ~~ويقال: لكل صبار شكور يعني: لكل مؤمن موحد، وإنما وصفه بأفضل خصلتين في ~~المؤمن لأن أفضل خصال المؤمن الصبر والشكر، والصبار هو للمبالغة في الصبر ~~والشكور على ميزان فعول هو للمبالغة في الشكر، وروي عن قتادة أنه قال: إن ~~أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر فأعلم الله عز وجل ~~أن المتفكر المعتبر في خلق السماوات والأرض هو الصبار والشكور قوله عز ~~وجل: { وإذا غشيهم موج كالظلل } يعني أتاهم موج كما ~~يقال: من غشي سدد السلطان يجلس ويقم ويقال: علاهم ويقال: غطاهم موج ~~كالظلل يعني كالسحاب ويقال: كالجبال وهو جمع ظلة يعني يأتيهم ms1327 الموج بعضه ~~فوق بعض وله سواد لكثرته { دعوا الله مخلصين له الدين } ~~يعني أخلصوا له بالدعوة { فلما نجاهم إلى البر } يعني إلى ~~القرار { فمنهم مقتصد } يعني فمنهم من يؤمن ومنهم من يكفر ولا ~~يؤمن ثم ذكر المشرك الذي ينقض العهد فقال تعالى: { وما يجحد ~~بئايتنا } يعني لا يترك العهد { إلا كل ختار كفور } ~~يعني غدار بالعهد كفور لله عز وجل في نعمه وقال العتبي: الختر أقبح الغدر ~~كفور على ميزان فعول وإنما يذكر هذا اللفظ إذا صار عادة له كما يقال: ~~ظلوم وقد ذكر الكافر بأقبح خصلتين فيه كما ذكر المؤمن بأحسن خصلتين فيه ~~وهو قوله { صبار شكور }. ### || [31.33-34] # قوله عز وجل: { يأيها الناس اتقوا ربكم } يعني وحدوه ~~وأطيعوه { واخشوا } يعني واخشوا عذاب يوم { يوما لا يجزى ~~والد عن ولده } يعني هو جاز عن والده شيئا ولا ينفع والد عن ~~ولده ويقال: لا يقضي والد عن ولده ما عليه { ولا مولود هو جاز ~~عن والده شيئا } يعني لا يقدر الولد أن ينفع والده شيئا وهذا في ~~الكفار خاصة وأما المؤمن فإنه ينفع كما قال في آية أخرى: # ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] ثم قال: { إن وعد الله حق } يعني البعث بعد ~~الموت كائن ولا خلف فيه { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } ~~يعني لا يغرنكم ما في الدنيا من زينتها وزهوتها فتركنوا إليها وتطمئنوا ~~بها وتتركوا الآخرة والعمل لها { ولا يغرنكم بالله ~~الغرور } يعني لا يغرنكم الشيطان عن طاعة الله عز وجل ويقال: كل مضل ~~هو شيطان وقال أهل اللغة: الغرور بنصب الغين هو الشيطان وبالضم أباطيل ~~الدنيا قوله عز وجل: { إن الله عنده علم الساعة } قال ~~مقاتل: نزلت في رجل يقال له: الوليد بن عمرو من أهل البادية أتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركت ~~امرأتي حبلى فماذا تلد؟ وقد علمت بأي أرض ولدت فبأي أرض أموت؟ وقد علمت ~~ما عملت اليوم فماذا أنا عامل غدا؟ ومتى الساعة؟ فنزل: { إن الله ~~عنده علم الساعة } يعني ms1328 علم القيامة لا يعلمه غيره { ~~وينزل الغيث } يعني وهو الذي ينزل الغيث متى شاء { ويعلم ~~ما فى الأرحام } من ذكر وأنثى { وما تدرى نفس ماذا ~~تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت } في سهل أو ~~جبل وروي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله فقرأ إن الله عنده علم الساعة " # الآية وقال ابن مسعود كل شيء أوتي نبيكم إلا مفاتيح الغيب الخمس إن الله ~~عنده علم الساعة إلى آخر السورة وقالت عائشة رضي الله عنها: من حدثكم ~~بأنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: { وما تدرى نفس ماذا ~~تكسب غدا وما تدرى نفس بأى أرض تموت } يعني بأي ~~مكان تموت وبأي قدم تؤخذ وبأي نفس ينقضي أجله وروى شهر بن حوشب قال: دخل ~~ملك الموت على سليمان بن داود - عليه السلام - فقال رجل من جلسائه ~~لسليمان: من هذا؟ فقال: ملك الموت فقال: لقد رأيته ينظر إلي كأنه يريدني ~~فأريد أن تحملني على الريح حتى تلقيني بالهند ففعل ثم أتى ملك الموت إلى ~~سليمان فسأله عن نظره ذلك فقال: إني كنت أعجب أني كنت أمرت أقبض روحه في ~~أرض الهند في آخر النهار وهو عندك ثم قال تعالى: { إن الله عليم ~~خبير } يعني بهذه الأشياء التي ذكرها. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-5] # قوله تعالى: { الم تنزيل الكتب } يعني: المنزل من الله عز ~~وجل القرآن على معنى التقديم يعني أن هذا الكتاب تنزيل من الله عز وجل ~~والكتاب وهو التنزيل ويقال: معناه نزل به جبريل عليه السلام بهذا التنزيل ~~الكتاب يعني القرآن { لا ريب فيه } يعني لا شك فيه أنه { من ~~رب العلمين } فلما نزله جبريل جحده قريش وقالوا: إنما يقوله ~~من تلقاء نفسه فنزل: { أم يقولون افتراه } يعني: أيقولون ~~اختلقه من ذات نفسه وقال أهل اللغة: فرى يفري إذا قطعه للإصلاح وأفرى ~~يفري إذا قطعه للاستهلاك فأكذبهم الله عز وجل فقال { بل هو الحق ~~من ربك } يعني: القرآن ms1329 ولو لم يكن من الله عز وجل لم يكن حقا وكان ~~باطلا ويقال: بل هو الحق من ربك يعني: نزل من عند ربك { لتنذر ~~قوما } يعني: كفار قريش { ما أتهم من نذير من قبلك ~~} يعني: لم يأتهم في عصرك ولكن أتاهم من قبل لأن الأنبياء المتقدمين ~~عليهم السلام ما كانوا إلى جميع الناس ويقال: معناه لم يشاهدوا نذيرا ~~قبلك وإنما الإنذار قد كان سبق لأنه قال: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وقد سبق الرسل ويقال ما آتاهم من نذير من قبلك يعني: من ~~قومهم من قريش ثم قال: { لعلهم يهتدون } يعني يهتدون من ~~الضلالة وأصل الإنذار هو الإسلام يقال: أنذر العدو إذا أعلمه ثم دل على ~~نفسه بصفة فقال عز وجل: { الله الذى خلق السموات ~~والأرض وما بينهما } من السحاب والرياح وغيره { في ستة ~~أيام } ولو شاء خلقها في ساعة واحدة لفعل ولكنه خلقها في ستة أيام ~~ليدل على التأني ويقال: خلقها في ستة أيام لتكون الأيام أصلا عند الناس ~~{ ثم استوى على العرش } فيها تقديم يعني: خلق العرش قبل ~~السموات ويقال: علا فوق العرش من غير أن يوصف بالاستقرار على العرش ~~ويقال: استوى أمره على بريته فوق عرشه كما استوى أمره وسلطانه وعظمته دون ~~عرشه وسمائه { ما لكم من دونه من ولي } يعني من قريب ينفعكم ~~في الآخرة { ولا شفيع } من الملائكة { أفلا تتذكرون } ~~يعني: أفلا تتعظون فيما ذكره من صفته فتوحدونه ثم قال عز وجل: { يدبر ~~الأمر } يقول: يقضي القضاء { من السماء إلى الأرض } يعني ~~يبعث الملائكة من السماء إلى الأرض { ثم يعرج إليه } يعني ~~يصعد إليه. # قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا عمرو بن محمد بإسناده عن الأعمش عن ~~عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن سابط قال: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل ~~وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل أما جبريل فموكل بالرياح والجنود وأما ~~ميكائيل فموكل بالنبات والقطر وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح وأما ~~إسرافيل فهو ينزل بالأمور عليهم فذلك قوله عز وجل: { يدبر الأمر ~~من ms1330 السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه } { فى يوم ~~كان مقداره } يعني في يوم واحد من أيام الدنيا كان مقدار ذلك ~~اليوم { ألف سنة مما تعدون } أنتم وقال القتبي: معناه يقضي ~~في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض فتوقعه الملائكة عليهم السلام في ~~الأرض ثم يعرج إلى السماء فيكون نزولها ورجوعها في يوم واحد مقدار المسير ~~على قدر سيرنا ألف سنة لأن بعد ما بين السماء والأرض خمسمائة عام فيكون ~~نزوله وصعوده ألف عام في يوم واحد وروى جويبر عن الضحاك في يوم كان ~~مقداره ألف سنة قال: يصعد الملك إلى السماء مسيرة خمسمائة عام ويهبط ~~مسيرة خمسمائة عام في كل يوم من أيامكم وهو مسيرة ألف سنة. ### || [32.6-10] # قال عز وجل: { ذلك عالم الغيب } يعني ذلك الذي يفعل هذا هو ~~عالم الغيب { والشهدة } يعني ما غاب من العباد وما شاهدوه ويقال: ~~عالم بما كان وبما يكون ويقال: عالم السر والعلانية ويقال: عالم بأمر ~~الآخرة وأمر الدنيا { العزيز } في ملكه { الرحيم } بخلقه قوله عز ~~وجل: { الذى أحسن كل شىء خلقه } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~وابن عامر خلقه بجزم اللام وقرأ الباقون بالنصب فمن قرأ بالجزم فمعناه ~~الذي أحسن كل شيء وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإنسان في خلقه ~~حسن والخنزير في خلقه حسن وكل شيء في خلقه حسن ومن قرأ بالنصب فعلى فعل ~~الماضي يعني: خلق كل شيء على إرادته وخلق الإنسان في أحسن تقويم ويقال: ~~الذي علم خلق كل شيء خلقه يعني علم كيف خلق ويقال: هل تحسن شيئا يعني: ~~تعلم ومعناه الذي علم خلق كل شيء خلقه ويقال: الحسن عبارة عن الزينة يعني ~~الذي زين كل شيء خلقه وأتقنه كما قال: # صنع الله الذى أتقن كل شىء # [النمل: 88]. ثم قال: { وبدأ خلق الإنسن من طين } يعني ~~خلق آدم عليه السلام من طين من أديم الأرض { ثم جعل نسله من ~~سلالة } أي خلق ذريته من سلالة من النطفة التي تنسل من الإنسان وقال ~~أهل اللغة كل ms1331 شيء على ميزان فعالة فهو ما فضل من شيء يقال: نشارة ونخالة ~~ونحاته ثم رجع إلى آدم عليه السلام فقال عز وجل { من ماء مهين ~~ثم سواه } يعني سوى خلقه { ونفخ فيه من روحه } ثم رجع ~~إلى ذريته فقال: { وجعل لكم السمع والأبصر } ويقال ~~هذا كله في صفة الذرية يعني ثم { جعل نسله من سلالة من ~~ماء مهين } يعني: من نطفة ضعيفة ثم سواه يعني: جمع خلقه في رحم ~~أمه ونفخ فيه من روحه يعني: جعل فيه الروح بأمره وجعل لكم السمع والأبصار ~~{ والأفئدة } ثم قال: { قليلا ما تشكرون } يعني لا ~~تشكرون رب هذه النعم على حسن خلقكم فتوحدوه فلا تستعملوا سمعكم وأفئدتكم ~~إلا في طاعتي ويقال: ما هاهنا صلة فكأنه يقول: تشكرونه قليلا ويقال: ما ~~بمعنى الذي فكأنه قال: فقليل الذي تشكرون وقد يكون الكلام بعضه بلفظ ~~المغايبة ثم قال: وجعل لكم السمع بلفظ المخاطب فكما قال هاهنا ثم جعل ~~نسله ثم سواه ونفخ فيه من روحه بلفظ المغايبة ثم قال: وجعل لكم بلفظ ~~المخاطبة ثم قال عز وجل: { وقالوا أءذا ضللنا فى الأرض } ~~يعني: هلكنا وصرنا ترابا { أإنا لفي خلق جديد } يعني انبعث ~~بعد الموت وأصله ضل الماء في اللبن إذا غاب وهلك وروي عن الحسن البصري ~~رحمه الله أنه قرئ آئذا صللنا بالصاد وتفسيره النتن يقال: صل اللحم إذا ~~انتن وقراءة العامة بالضاد المعجمة أي هلكنا وقرأ ابن عامر وقالوا إذا ~~ضللنا إذا بغير استفهام أئنا لفي خلق جديد على وجه الاستفهام قال: لأنهم ~~كانوا يقرون بالموت ويشاهدونه وإنما أنكروا البعث ويكون الاستفهام في ~~البعث دون الموت ثم قال عز وجل: { بل هم بلقاء ربهم ~~كفرون } يعني بالبعث جاحدون فلا يؤمنون به قوله عز وجل: { قل ~~يتوفاكم ملك... }. ### || [32.11-14] # { قل يتوفكم } يعني: يقبض أرواحكم { ملك الموت } ~~واسمه عزرائيل وروي في الخبر أن له وجوها أربعة فوجه من نار يقبض به ~~أرواح الكفار ووجه من ظلمة يقبض به أرواح المنافقين ووجه من رحمة يقبض به ~~أرواح المؤمنين ووجه ms1332 من نور يقبض به أرواح الأنبياء والصديقين عليهم ~~السلام والدنيا بين يديه كالكف وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة ~~العذاب فإذا قبض روح المؤمن دفعها إلى ملائكة الرحمة وإذا قبض روح الكافر ~~دفعها إلى ملائكة العذاب وروى جابر بن زيد أن ملك الموت كان يقبض الأرواح ~~بغير وجه فأقبل الناس يسبونه ويلعنونه فشكى إلى ربه عز وجل فوضع الله عز ~~وجل الأمراض والأوجاع فقالوا: مات فلان بكذا وكذا ثم قال تعالى: { ~~الذى وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } بعد الموت ~~أحياء فيجازيكم بأعمالكم ثم قال عز وجل: { ولو ترى إذ ~~المجرمون } يعني: المشركون { ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم } استحياء من ربهم بأعمالهم يقولون { ربنا أبصرنا } ~~الهدى { وسمعنا } الإيمان ويقال: أبصرنا يوم القيامة بالمعاينة ~~وسمعنا يعني أيقنوا حين لم ينفعهم يقينهم { فارجعنا } إلى الدنيا { ~~نعمل صلحا إنا موقنون } يعني: أيقنا بالقيامة ويقال: إنا ~~موقنون يعني قد آمنا ولكن لا ينفعهم وقد حذف الجواب لأن في الكلام دليلا ~~ومعناه ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت ما تعتبر به غاية الاعتبار يقول الله ~~تعالى: { ولو شئنا لآتينا } يعني: لأعطينا { كل نفس ~~هداها ولكن حق القول منى } يعني: وجب العذاب مني ~~ويقال: ولكن سبق القول بالعذاب وهو قوله: { لأملان جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين } من كفار الإنس ومن كفار الجن أجمعين ~~فيقول لهم الخزنة { فذوقوا بما نسيتم } يعني: ذوقوا العذاب بما ~~تركتم { لقاء يومكم هذا } يعني: تركتم العمل بحضور يومكم هذا ~~قال القتبي: النسيان ضد الحفظ والنسيان - الترك فقوله: { فذوقوا ~~بما نسيتم لقاء يومكم هذا } أي تركتم الإيمان بلقاء هذا ~~اليوم { إنا نسينكم } يعني: تركناكم في العذاب ويقال: نجازيكم ~~بنسيانكم كما قال الله عز وجل: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] { وذوقوا عذاب الخلد } الذي لا ينقطع أبدا { ~~بما كنتم تعملون } من الكفر. ### || [32.15-20] # قال الله عز وجل: { إنما يؤمن بئايتنا } يعني: يصدق ~~بآياتنا يعني بالعذاب { الذين إذا ذكروا بها } يعني وعظوا ~~بها يعني: بآيات الله عز وجل { خروا سجدا } على وجوههم { ~~وسبحوا بحمد ربهم } يقول: وذكروا ms1333 الله عز وجل بأمره { ~~وهم لا يستكبرون } عن السجود كفعل الكفار ويقال: الذين إذا ~~ذكروا يعني دعوا إلى الصلوات الخمس أتوها فصلوها ولا يستكبرون عنها قوله ~~عز وجل: { تتجافى جنوبهم } قال مقاتل: نزلت في الأنصار كانت ~~منازلهم بعيدة من المسجد فإذا صلوا المغرب كرهوا أن ينصرفوا مخافة أن ~~تفوتهم صلاة العشاء في الجماعة فكانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء ~~ويقال: الذي يصلي العشاء والفجر بجماعة وقال أنس بن مالك: الذي يصلي ما ~~بين المغرب والعشاء وهو صلاة الليل كما جاء في الخبر # " قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ركعة في الليل خير من ألف ركعة في ~~النهار " # قال أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا السراج قال: ~~حدثنا إسحاق بن إبراهيم (قال حدثنا أبو معاوية عن إبراهيم بن عبد الرحمن ~~بن إسحاق) عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد العبسية عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: # " يحشر الناس يوم القيامة في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينقدهم البصر ثم ~~ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم فأين الذين يحمدون ~~الله عز وجل على كل حال؟ فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم ~~ينادي مناد: أين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ فيقومون وهم ~~قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم ينادي مناد: أين الذين تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يؤمر لسائر الناس فيحاسبون ~~" # فذلك قوله عز وجل: { تتجافى جنوبهم } { عن المضاجع } ~~يعني: يصلون بالليل ويقومون عن فرشهم { يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا } خوفا من عذابه وطمعا في رحمته { ومما رزقنهم ~~ينفقون } يعني: يتصدقون من أموالهم يعني: صدقة التطوع لأنه قرنه ~~بصلاة التطوع ويقال: يعني الزكاة المفروضة والأول أراد به العشاء والفجر ~~ثم بين ثوابهم فقال عز وجل: { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم ~~} يعني: ما أعد لهم { من قرة أعين } يعني: من الثواب في الجنة ~~ويقال: من طيبة النفس وروى أبو هريرة عن النبي ms1334 - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " يقول الله عز وجل: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر " # قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { فلا تعلم نفس ما أخفى ~~لهم من قرة أعين } قال مقاتل: قيل لابن عباس ما الذي أخفي ~~لهم؟ قال: في جنة عدن ما لم يكن في جناتهم قرأ حمزة ما أخفي بسكون الياء ~~وقرأ الباقون بنصبها فمن قرأ بالسكون فهو على معنى الخبر عن نفسه فكأنه ~~قال: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم (ومن قرأ بالنصب فهو على فعل ما لم يسم ~~فاعله على معنى أفعل وقرىء في الشاذ وما أخفى يعني: وما أخفى الله عز وجل ~~لهم) ثم قال: { جزاء بما كانوا يعملون } يعني: جزاء لأعمالهم ~~قوله عز وجل: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون } يعني: لا يستوون عند الله عز وجل في الفضل نزلت الآية في ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنه جرى ~~بينهما كلام فقال الوليد لعلي: بأي شيء تفاخرني؟ أنا والله أحد منك ~~سنانا وأبسط منك لسانا وأملأ منك في الكتيبة عينا يعني أكون أملأ ~~مكانا في العسكر، فقال له علي رضي الله عنه: اسكت فإنك فاسق فنزل { ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } وقال ~~الزجاج: نزلت في عقبة بن أبي معيط قال ويجوز في اللغة لا يستويان ولم ~~يقرأ والقراءة لا يستوون ومعناهما لا يستوي المؤمنون والكافرون ثم بين ~~مصير كلا الفريقين فقال تعالى: { أما الذين ءامنوا } أي أقروا ~~بالله ورسوله والقرآن { وعملوا الصلحات } يعني الطاعات { ~~فلهم جنت المأوى نزلا } يعني: يأوي إليها المؤمنون ~~ويقال: يأوي إليها أرواح الشهداء وهو أصح في اللغة ثم قال: (نزلا) ~~يعني: رزقا والنزل في اللغة هو الرزق ويقال: نزلا يعني: منزلا { بما ~~كانوا يعملون } يعني: بأعمالهم ثم بين مصير الفاسقين فقال: { ~~وأما الذين فسقوا } يعني: عصوا ولم يتوبوا { فمأواهم ~~النار } فسقوا يعني نافقوا وهو الوليد ms1335 بن عتبة ومن كان مثل حاله ~~فمأواهم النار يعني: مصيرهم إلى النار ومرجعهم إليها { كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها } يعني: من النار { أعيدوا ~~فيها } ويقال: إن جهنم إذا جأشت ألقتهم في أعلى الباب فطمعوا في الخروج ~~منها فتلقاهم الخزنة بمقامع فتضربهم فتهوي بهم إلى قعرها { وقيل ~~لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } ~~وقال في آية أخرى -: { ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها ~~تكذبون } بلفظ التأنيث لأنه أراد به النار وهي مؤنثة وهاهنا قال: ~~الذي كنتم به تكذبون بلفظ التذكير لأنه أراد به العذاب وهو مذكر. ### || [32.21-24] # قال عز وجل: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } وهو ~~المصيبات والقتل والجوع { دون العذاب الأكبر } وهو عذاب النار ~~يعني: إن لم يتوبوا ويقال: العذاب الأدنى هو السحر للفاسقين والعذاب ~~الأكبر النار إن لم يتوبوا ويقال: العذاب الأدنى عذاب القبر وقال ~~إبراهيم: يعني: سنين جدب أصابتهم وقال أبو العالية مصيبات في الدنيا { ~~لعلهم يرجعون } يعني: يتوبون قوله عز وجل: { ومن أظلم ~~ممن ذكر بئايت ربه } يعني: وعظ بآيات ربه القرآن { ثم ~~أعرض عنها } يعني: عن الإيمان بها فلم يؤمن بها { إنا من ~~المجرمين منتقمون } بالعذاب يعني منتصرون ثم قال عز وجل: { ~~ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني: أعطينا موسى التوراة { ~~فلا تكن فى مرية من لقائه } قال مقاتل: يعني فلا تكن في شك ~~من لقاء موسى التوراة فإن الله عز وجل ألقى عليه الكتاب وقال في رواية ~~الكلبي: فلا تكن في مرية من لقاء موسى عليه السلام فلقيه ليلة أسري به ~~في بيت المقدس يعني لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - موسى هناك ويقال: ~~لقيه في السماء وذكر الخبر المعروف أنه فرض على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خمسون صلاة فقال له موسى عليه السلام: ارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف لأمتك فلم يزل يرجع حتى حط الله عز وجل إلى الخمس ويقال: فلا تكن ~~في مرية من لقائه يعني من لقاء الله عز وجل وهو البعث بعد الموت ويقال: ~~فلا تكن في مرية من لقائه ms1336 يعني لا تشكن أنك تلقى موسى يوم القيامة ثم قال ~~عز وجل: { وجعلنه هدى لبنى إسرءيل } يعني جعلنا التوراة ~~بيانا لهم وهدى من الضلالة ويقال: وجعلناه هدى يعني جعلنا موسى هاديا ~~لبني إسرائيل يدعوهم { وجعلنا منهم أئمة } يعني وجعلنا من ~~بني إسرائيل قادة في الخير { يهدون بأمرنا } يعني: يدعون الناس ~~إلى أمر الله عز وجل { لما صبروا } بكسر اللام والتخفيف وقرأ ~~الباقون بالنصب والتشديد فمن قرأ بالتشديد { لما صبروا } أي: حين ~~صبروا ويقال: هو حكاية المجازات يعني لما صبروا جعلنا منهم أئمة ومن قرأ ~~بالتخفيف لما صبروا أي بما صبروا وتشهد لها قراءة ابن مسعود كان يقرأ بما ~~صبروا ويقال: معناه كما صبروا عن الدنيا وصبروا على دينهم ولم يرجعوا عنه ~~ويقال: معناه وجعلناهم أئمة بصبرهم { وكانوا بئايتنا ~~يوقنون } يعني: يصدقون بالعلامات التي أعطي موسى. ### || [32.25-30] # قال عز وجل: { إن ربك هو يفصل بينهم } يعني: يقضي ~~بينهم { يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون } من ~~الدين ثم خوف كفار مكة فقال عز وجل: { أولم يهد لهم } يعني أو ~~لم يبين لهم الله تعالى وقرىء في الشاذ أو لم نهد لهم بالنون وقرأ العامة ~~بالياء { كم أهلكنا } يعني: أو لم نبين لهم الهلاك { من ~~قبلهم من القرون } يعني: قوم لوط وصالح وهود { يمشون فى ~~مسكنهم } يعني: يمرون في منازلهم { إن فى ذلك لآيات } ~~يعني: في إهلاكهم لآيات لعبرات { أفلا يسمعون } أي أفلا يسمعون ~~المواعظ فيعتبرون بها ثم قال عز وجل: { أو لم يروا أنا ~~نسوق الماء إلى الأرض الجرز } يعني اليابسة الملساء التي ~~ليس فيها نبات يقال: أرض جرز أي أرض جدب لا نبات فيها يقال: جرزت الجراد ~~إذا أكلت وتركت الأرض جرزا { فنخرج به زرعا } يعني: نخرج ~~بالماء النبات { تأكل منه أنعمهم } أي من الكلأ والعشب ~~والتبن { وأنفسهم } من الحبوب والثمار { أفلا يبصرون } هذه ~~العجائب فيوحدوا ربهم قوله عز وجل: { ويقولون متى هذا ~~الفتح } قال مقاتل: أي متى هذا القضاء وهو البعث وقال قتادة: الفتح ~~القضاء وقال مجاهد: الفتح يوم القيامة ms1337 { إن كنتم صدقين } ~~تكذيبا منهم يعنون به النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال عز وجل: { ~~قل } يا محمد { يوم الفتح } يعني: يوم القيامة { لا ينفع ~~الذين كفروا إيمنهم } قال في رواية الكلبي إن أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتذاكرون فيما بينهم وهم بمكة قبل ~~فتح مكة لهم وكان ناس من بني خزيمة كانوا إذا سمعوا ذلك منهم يستهزئون ~~بهم ويقولون لهم متى فتحكم هذا الذي كنتم تزعمون ويقولون: فنزل يعني: بني ~~خزيمة { متى هذا الفتح } يا أصحاب محمد { إن كنتم ~~صادقين } قل يا محمد يوم الفتح أي فتح مكة لا ينفع الذين كفروا ~~إيمانهم من القتل { ولا هم ينظرون } حتى يقتلوا وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة وقد ~~كانت بينه وبينهم إحنة في الجاهلية يعني الحقد فقالوا: قد أسلمنا فقال ~~لهم: انزلوا فنزلوا فوضع فيهم السلاح فقتل منهم وأسر فبلغ ذلك النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: # " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " # فبعث إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالدية من غنائم خيبر فذلك ~~قوله تعالى: { قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } من القتل { ~~ولا هم ينظرون } يعني يؤجلون ثم قال عز وجل: { فأعرض عنهم } يا ~~محمد { وانتظر } لهم فتح مكة ويقال: العذاب { إنهم ~~منتظرون } بهلاكك وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل وتبارك الذي ~~بيده الملك وروى أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " من قرأ الم السجدة وتبارك الذي بيده الملك فكأنما أحيى ليلة القدر ~~" # والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1-3] # قوله تبارك وتعالى: { يأيها النبى اتق الله ولا تطع ~~الكفرين } قال مقاتل: وذلك أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل ~~وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة بعد أحد وبعد ms1338 الهدنة فمروا على عبد ~~الله بن أبي المنافق فقام معهم عبد الله بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق ~~فجاؤوا إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له: اترك ذكر آلهتنا ~~وقل إن لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربك فشق ذلك على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر رضي الله عنه: ائذن لي في قتلهم ~~فقال: قد أعطيتهم الأمان فلم يأذن له بالقتل وأمره بأن يخرجهم من المدينة ~~فقال لهم عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه فنزل: { يأيها النبى ~~اتق الله } وقال مقاتل: في رواية الكلبي قدموا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالمدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير وجد ~~بن قيس فتكلموا فيما بينهم فلما اجتمعوا في أمر فيما بينهم أتوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونه إلى أمرهم وعرضوا عليه أشياء فكرهها ~~منهم فهم بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون أن يقتلوهم ~~فنزل { يأيها النبى اتق الله } ولا تنقض العهد الذي بينك ~~وبينهم إلى المدة { ولا تطع الكفرين } من أهل مكة { ~~والمنفقين } من أهل المدينة فيما دعوك إليه ويقال: إن المسلمين ~~أرادوا أن ينقضوا العهد فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأذن لهم ~~فنزل: { يأيها النبى اتق الله } في نقض العهد وإنما ذكر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراده هو وأصحابه ألا ترى أنه قال في سياق ~~الآية: { إن الله كان بما تعملون خبيرا } ثم قال: { ~~إن الله كان عليما } بما اجتمعوا عليه { حكيما } حيث نهاك ~~عن نقض العهد وحكم بالوفاء قوله عز وجل: { واتبع ما يوحى ~~إليك من ربك } يعني ما في القرآن { إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا } من وفاء العهد ونقضه { وتوكل على الله ~~} يعني: ثق بالله وفوض أمرك إلى الله تعالى { وكفى بالله ~~وكيلا } يعني: حافظا وناصرا قرأ أبو عمرو بما يعملون بالياء على ~~معنى الخبر عنهم وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة يعني: النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. ### || [33.4-5] # قوله ms1339 عز وجل: { ما جعل الله لرجل من قلبين فى ~~جوفه } قال مقاتل: نزلت في جميل بن معمر ويكنى أبا معمر وكان حافظا ~~بما يسمع وأهدى الناس للطريق يعني طريق البلدان وكان مبغضا للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وكان يقول: إن لي قلبين أحدهما أعقل من قلب محمد فنزل: ~~{ ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } وكان ~~الناس يظنون أنه صادق في ذلك حتى كان يوم بدر فانهزم وهو آخذ بإحدى نعليه ~~في أصبعه والأخرى في رجله حتى أدركه أبو سفيان بن حرب وكان لا يعلم بذلك ~~حتى أخبر أن إحدى نعليه في أصبعه والأخرى في رجله فعرفوا أنه ليس له ~~قلبان ويقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهى في صلاته فقال ~~المنافقون: لو أن له قلبين أحدهما في صلاته والآخر مع أصحابه فنزل: { ~~ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه } وروى معمر ~~عن قتادة قال: كان رجل لا يسمع شيئا إلا وعاه فقال الناس: ما يعي هذا ~~إلا أن له قلبين وكان يسمى ذا القلبين فنزلت هذه الآية وروى معمر عن ~~الزهري قال: بلغنا أن ذلك في شأن زيد بن حارثة ضرب الله مثلا يقول ليس ~~ابن رجل آخر ابنك كما لا يكون لرجل آخر من قلبين وذكر عن الشافعي أنه ~~احتج على محمد بن الحسن قال: { ما جعل الله لرجل من ~~قلبين } يعني: ما جعل الله لرجل من أبوين في الإسلام يعني لا يجوز ~~أن يثبت نسب صبي واحد من أبوين ولكن هذا التفسير لم يذعن به أحد من ~~المتقدمين فلو أراد به على وجه القياس لا يصح لأنه ليس بينهما جامع يجمع ~~بينهما وذكر عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما أن جارية كانت بين رجلين ~~جاءت بولد فادعياه، فقالا: إنه ابنهما يرثهما ويرثانه ثم قال عز وجل: { ~~وما جعل أزوجكم اللائى تظهرون منهن ~~أمهتكم } قرأ عاصم تظاهرون بضم التاء وكسر الهاء والألف وقرأ ~~ابن عامر تظاهرون بنصب التاء والهاء وتشديد الظاء وقرأ ابن ms1340 كثير ونافع ~~وأبو عمرو تظهرون بنصب التاء والهاء بغير ألف والتشديد وقرأ حمزة ~~والكسائي تظاهرون بنصب التاء والتخفيف مع الألف وهذه كلها لغات يقال: ~~ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر بمعنى واحد وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر ~~أمي فمن قرأ تظهرون بالتشديد فالأصل تظهرون فأدغم إحدى التائين في الظاء ~~وشددت من قرأ تظاهرون فالأصل يتظاهرون فأدغمت إحدى التائين ومن قرأ ~~بالتخفيف حذف إحدى التائين ولم يشدد للتخفيف كقوله: (تسألون) والأصل ~~تتساءلون والآية نزلت في شأن أوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته وذكر حكم ~~الظهار في سورة المجادلة. # ثم قال تعالى: { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } نزلت في ~~شأن زيد ابن حارثة حين تبناه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فكما لا ~~يجوز أن يكون لرجل واحد قلبان فكذلك لا يجوز أن تكون امرأته أمه ولا ابن ~~غيره يكون ابنه ثم قال: { ذلكم قولكم بأفوهكم } يعني: ~~قولكم الذي قلتم زيد بن محمد - صلى الله عليه وسلم - أنتم قلتموه ~~بألسنتكم { والله يقول الحق } يعني: يبين الحق ويأمركم به كي ~~لا تنسبوا إليه غير النسبة { وهو يهدى السبيل } يعني: يدل على ~~طريق الحق يقال: يدل على الصواب بأن تدعوهم إلى آبائهم وروى أبو بكر بن ~~عياش عن الكلبي قال: كان زيد بن حارثة مملوكا لخديجة بنت خويلد فوهبته ~~خديجة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقه وتبناه فكانوا يقولون ~~زيد بن محمد فنزل قوله: { ادعوهم لآبائهم } يعني انسبوهم لآبائهم ~~فقالوا: زيد بن حارثة { هو أقسط عند الله } يعني أعدل عند ~~الله عز وجل { فإن لم تعلموا آباءهم } يعني إن لم تعلموا ~~لهم آباء تنسبونهم إليهم { فإخوانكم فى الدين } أي قولوا ابن ~~عبد الله وابن عبد الرحمن { وموليكم } يعني قولوا مولى فلان وكان ~~أبو حذيفة أعتق عبدا يقال له: سالم وتبناه فكانوا يسمونه سالم بن أبي ~~حذيفة فلما نزلت هذه الآية سموه سالما مولى أبي حذيفة ثم قال: { ~~وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } يعني: أن ~~تنسبوهم إلى غير آبائهم قبل النهي ms1341 ويقال: ما جرى على لسانهم بعد النهي ~~لأن ألسنتهم قد تعودت بذلك { ولكن } الجناح فيما { ما ~~تعمدت قلوبكم } يعني: قصدت قلوبكم بعد النهي وروي عن عطاء بن ~~أبي رباح عن عبيد بن عمرو عن عبد الله بن عباس عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى ناسيا فذكر ذلك للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأمره أن ينفث عن يساره ثلاثا وأن يستعيذ بالله من ~~الشيطان الرجيم ثم قال: { وكان الله غفورا رحيما } يعني: ~~غفورا لمن أخطأ ثم رجع رحيما بهم. ### || [33.6-8] # قوله عز وجل: { النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~} يعني: ما يرى لهم رأيا فذلك أولى وأحسن لهم من رأيهم ويقال: معناه: ~~النبي أرحم بالمؤمنين من أنفسهم { وأزوجه أمهتهم } يعني: ~~كأمهاتهم في الحرمة وذكر عن أبي أنه كان يقرأ { النبى أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم } وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم { ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } قال في رواية ~~الكلبي: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخا بين الناس فكان يؤاخي ~~بين الرجلين فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله فمكثوا ~~في ذلك ما شاء الله حتى نزلت هذه الآية { وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض } { فى كتب الله من ~~المؤمنين والمهجرين } الذين آخى بينهم فصارت المواريث ~~بالقرابات وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " أنا ولي كل مسلم فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فإلى الله وإلى ~~رسوله " # فأمر بصرف الميراث إلى العصبة ثم قال تعالى: { إلا أن تفعلوا ~~إلى أوليائكم معروفا } يعني: إلا أن يوصي له بثلث ماله ~~وقال مقاتل: كان المهاجرون والأنصار يرثون بعضهم من بعض بالقرابة ولا يرث ~~من لم يهاجر إلا أن يوصي للذي لم يهاجر ثم نسخ بما في آخر سورة الأنفال ~~ثم قال: { كان ذلك فى الكتب مسطورا } يعني: هكذا كان ~~مكتوبا في التوراة ويقال في اللوح المحفوظ ويقال: في القرآن ms1342 قوله عز ~~وجل: { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } وهو الوحي ~~الذي أوحى إليهم أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل وأن يصدق بعضهم ~~بعضا ويقال: الميثاق الذي أخذ عليهم من ظهورهم ويقال: كل نبي أمر بأن ~~يأمر من بعده بأن يخبروا ببعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ينتهي ~~إليه ثم قال: { ومنك ومن نوح } في هذا تفضيل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأنه قد ذكر جملة الأنبياء - عليهم السلام - ثم خصه ~~بالذكر قبلهم وكان آخرهم خروجا ثم ذكر نوحا لأنه كان أولهم ثم ذكر ~~إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم صلوات الله عليهم لأن كل واحد منهم كان على ~~أثر بعض فقال: { وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم } ثم ~~قال: { وأخذنا منهم ميثقا غليظا } يعني: عهدا وثيقا ~~أن يعبدوا الله تعالى ويدعوا الخلق إلى عبادة الله عز وجل وأن يبشروا كل ~~واحد منهم بمن بعده ثم قال عز وجل: { ليسأل الصدقين عن ~~صدقهم } يعني: أخذ عليهم الميثاق لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني: ~~يسأل المرسلين عن تبليغ الرسالة ويسأل الوفيين عن وفائهم وروي في الخبر ~~أنه يسأل القلم يوم القيامة فيقول له ما فعلت بأمانتي فيقول يا رب سلمتها ~~إلى اللوح ثم جعل القلم يرتعد مخافة أن لا يصدقه اللوح فيسأل اللوح بأن ~~القلم قد أدى الأمانة وأنه قد سلم إلى إسرافيل فيقول لإسرافيل ما فعلت ~~بأمانتي التي سلمها إليك اللوح فيقول سلمتها إلى جبريل فيقول لجبريل عليه ~~السلام: ما فعلت بأمانتي فيقول: سلمتها إلى أنبيائك فيسأل الأنبياء عليهم ~~السلام فيقولون: قد سلمناها إلى خلقك فذلك قوله تعالى: { ليسأل ~~الصدقين عن صدقهم } { وأعد للكفرين عذابا ~~أليما } يعني: الذين كذبوا الرسل قوله عز وجل: { يأيها ~~الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم... }. ### || [33.9] # { يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم } يعني: احفظوا منة الله عليكم بالنصرة { إذ جاءتكم ~~جنود } يعني: الأحزاب وذلك # " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة صالح بني قريظة وبني ~~النضير على أن لا يكونوا عليه ms1343 ولا معه فنقضت بنو النضير عهودهم وأجلاهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - منها وذكر قصتهم في سورة الحشر ثم إن بني ~~قريظة جددوا العهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم إن حيي بن أخطب ~~ركب وخرج إلى مكة فقال لأبي سفيان بن حرب إن قومي مع بني قريظة وهم ~~سبعمائة وخمسون مقاتلا فحثه على الخروج إلى قتال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم خرج من مكة إلى غطفان وحثهم على ذلك ثم خرج إلى كنانة ~~وحثهم على ذلك فخرج أبو سفيان مع جماعة من أهل مكة وخرج غطفان وبنو كنانة ~~حتى نزلوا قريبا من المدينة مع مقدار خمسة عشر ألف رجل ويقال ثمانية عشر ~~ألف رجل ثم جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة فجاء إلى باب كعب بن الأشرف ~~وهو رئيس بني قريظة فاستأذن عليه فقال لجاريته انظري من هذا؟ فعرفته ~~الجارية فقالت هذا حيي بن أخطب فقال لا تأذني له علي فإنه مسؤوم إنه قد ~~سأم قومه يريد أن يسأمنا زيادة فقالت له الجارية ليس ها هنا فقال حيي بن ~~أخطب بلى هو ثم ولكن عنده قدر جيش لا يحب أن يشركه فيها أحد فقال كعب ~~احفظني أخزاه الله يعني أغضبني ائذني له في الدخول فدخل عليه فقال له ~~يجيئك مليكك قد جئتك بعارض برد جئتك بقريش بأجمعها وكنانة بأجمعها ~~وغطفان بأجمعها لا يذهب هذا الفوز حتى يقتل محمد فانقض الحلف بينك وبين ~~محمد فقال له كعب بن الأشرف إن العارض ليسبب بنفحاته شيئا ثم يرجع وأنا ~~في بحر لجي لا أقدر على أن أريم داري ومالي والله ما رأينا جارا قط ~~خيرا من محمد ما خفر لنا بذمة ولا هتك لنا سترا ولا آذانا وإنما أخشى ~~أن لا يقتل محمد وترجع أنت وأقتل أنا فقال لكم ما في التوراة إن لم يقتل ~~محمدا في هذا الغور لأدخلن معكم حصنكم فيصيبني ما أصابكم فنقض الحلف وشق ~~الصحيفة فقدم بنعيم بن مسعود المدينة وكان تاجرا يقدم من ms1344 مكة فقال يا ~~محمد شعرت أن بني قريظة نقضوا الحلف الذي كان بينك وبينهم فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لعلنا نحن أمرناهم بذلك فقال عمر إن كنت أمرتهم ~~بذلك وإن كنت تأمرهم بذلك فقتالهم علينا هين فقال ما أنا بكذاب ولكن ~~الحرب خدعة ونعيم لم يسلم ذلك اليوم فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سعد بن معاذ وأسيد بن خضير وسعد بن عبادة إلى كعب بن الأشرف يناشدوه الله ~~الحلف الذي كان بينهم وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من قبل فأبى كعب بن ~~الأشرف وجرى بينهم كلام وسب سعد بن معاذ فقال أسيد بن حضير أتسب سيدك ~~معاذا يا عدو الله ما هو لك بكفؤ فقال سعد بن معاذ اللهم لا تميتني حتى ~~أشفي نفسي منهم فرجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحدثوه ~~الحديث فانطلق نعيم بن مسعود إلى أبي سفيان فقال يا أبا سفيان والله ما ~~كذب محمد قط كذبة أخبرني بأنه أمر بنقض الحلف بينه وبين بني قريظة فقال ~~سلمان الفارسي إنا كنا يا رسول الله بأرض فارس إذا تخوفنا الجنود خندقنا ~~على أنفسنا فهل لك أن تخندق خندقا فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مع أهل المدينة وخندق وأخذ المعول بيده فضرب لكي يقتدي الناس فضرب ضربة ~~فأبرق برقة حتى ظهر ضوء بضربته ثم ضرب ضربة أخرى فأبرق برقة ثم ضرب ~~الثالثة فقال سلمان لقد رأيت أمرا عجيبا فقال لقد رأيت ذلك قال نعم ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لقد رأيت بالأولى قصور الشام ~~وبالثانية قصور كسرى وبالثالثة قصور اليمن فهذه فتوح يفتح الله عليكم ~~فقال ناس من المنافقين يعدنا أن تفتح الشام وأرض فارس واليمن وما يستطيع ~~أحد منا أن يذهب إلى الخلاء ما يعدنا إلا غرورا فمكث الجنود حول المدينة ~~بضعة عشرة ليلة فأرسل عيينة بن حسن الفزاري والحارث بن عوف إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إنك إن أعطيتنا تمر المدينة هذه السنة نرجع عنك ~~بغطفان وكنانة ms1345 ونخلي بينك وبين قومك فتقاتلهم فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا فقال فنصف ذلك التمر قال نعم وكان عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سعد بن معاذ وهو سيد الأوس وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقال ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينة والحارث ابن عوف لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - اكتب لنا كتابا فدعى بصحيفة ليكتب بينهم فقال سعد ~~ابن معاذ وسعد بن عبادة يا رسول الله أوحي إليك في هذا شيء؟ فقال لا ~~ولكنني رأيت العرب رمتكم من قوس واحدة فقلت أرد هؤلاء وأقاتل هؤلاء فقالا ~~ما رجون بهذا منها في الجاهلية قط أن يأخذوا منا تمرة واحدة إلا بشراء ~~وقراء فحين زادنا الله بك وأمدنا بك وأكرمنا بك نعطيهم الدنية لا نعطيهم ~~شيئا إلا بالسيف فشق النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحيفة وقال: اذهبوا ~~فلا نعطيكم شيئا إلا بالسيف فلما كان يوم الجمعة أرسل أبو سفيان إلى حيي ~~بن أخطب أن استعد غدا إلى القتال فقد طال المقام ها هنا وقل لقومك يعدوا ~~فلما جاء بني قريظة الرسول فقالوا غدا يوم السبت لا نقاتل فيه فقال أبو ~~سفيان نحن نؤخر القتال إلى يوم الأحد هاتوا لنا رهونا أبناءكم نثلج ~~إليهم أي نطمئن بذلك فجاء رسول أبي سفيان إلى بني قريظة وقد أمسوا فقالوا ~~هذه الليلة لا يدخل علينا أحد ولا يخرج من عندنا أحد فوقع في نفس أبي ~~سفيان من قول نعيم بن مسعود أنه خوان حق وأن نقض العهد كان مكرا منهم ~~فلما كانت الليلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عند الخندق ~~فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلث الليل ثم قال من رجل ينظر ما ~~يفعل القوم أدخله الله الجنة فما تحرك منهم أحد ثم صلى الثلث الثاني فقال ~~من رجل ينظر ما يفعل القوم فما تحرك منهم أحد ثم صلى ساعة ثم هتف مرة ~~أخرى فما تحرك منهم إنسان فقال يا حذيفة فجاء حذيفة فقال أما سمعت كلامي ms1346 ~~منذ الليلة قال بلى ولكن بي من الجوع والقر يعني البرد لم أقدر على أن ~~أجيبك قال اذهب فانظر ما فعل القوم ولا ترمي بسهم ولا بحجر ولا تطعن برمح ~~ولا تضرب بسيف فقال يا رسول الله إني لا أخشى أن يقتلوني إني لميت ولكن ~~أخشى أن يمثلوا بي فقال ليس عليك بأس فلما قال هذا قال حذيفة آمنت وعرفت ~~أنه لا بأس علي فلما ولى حذيفة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - احفظه ~~من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته فدخل حذيفة ~~رضي الله عنه في عسكر قريش فإذا هم يصطلون يعني: مجتمعين على نار لهم ~~فجلس حذيفة في حلقة منهم فقال أتدرون ما يريد الناس غدا قالوا ماذا ~~يريدون قال يقولون يعني: أهل العساكر أين قريش أين سادات الناس وقادتهم؟ ~~فتجيئون فيطرحونكم في نحور العدو فتقتلوا أو تفروا فما زال ذلك الحديث ~~يفشوا في العسكر ثم دخل عسكر بني كنانة فقال: أتدرون ماذا يريد الناس ~~غدا؟ قالوا ماذا يريدون؟ قالوا يقولون أين بنو كنانة أين ذروة العرب أين ~~رماة الخندق فتجيبون فيطرحونكم في نحور العدو فتقتلوا أو تفروا ثم دخل ~~عسكر غطفان فقال أتدرون ماذا يريد الناس غدا؟ قولوا ماذا يريدون؟ قال ~~يقولون أين غطفان أين بنو فزارة بن حلاس الخيول؟ فتجيبون فيطرحونكم في ~~نحور العدو فتقتلوا أو تفروا قال فبعث الله تعالى عليهم ريحا شديدة فلم ~~تترك لهم خباء إلا قلعته ولا إناء إلا أكفاته وقلعت أوتاد خيولهم وجالت ~~الخيول بعضها في بعض فقالوا فيما بينهم لقد بدا محمد بالسر فالنجاة ~~النجاة فركب أبو سفيان جمله معقولا فما حل عقاله إلا بعد أن انبعث قال ~~حذيفة ولو شئت أن أضربه بسيفي أو أطعنه برمحي لفعلت ولكن نهاني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فترحلوا كلهم وذهبوا فرجع حذيفة إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فحدثه عن العساكر وما فعل الله عز وجل بها فنزل { ~~يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم ms1347 } " # في الدفع عنكم { إذ جاءتكم جنود } من المشركين { فأرسلنا ~~عليهم ريحا } شديدة { وجنودا لم تروها } من الملائكة ~~وذلك كبرت حوالي العسكر حتى انهزموا حين هبت بهم الريح وهي ريح الصبا ~~وروي عن ابن عباس # " عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد ~~بالدبور ثم قال تعالى: { وكان الله بما تعملون بصيرا } " # في أمر الخندق. ### || [33.10-17] # قوله عز وجل: { إذ جاؤوكم من فوقكم } يعني: أتاكم المشركون من ~~فوق الوادي يعني: طلحة بن خويلد الأسدي { ومن أسفل منكم } من ~~قبل المغرب وهو أبو الأعور السلمي ويقال من فوقكم أي من قبل المشرق مالك ~~بن عوف وعيينة بن حصن الفزاري ويهود بني قريظة ومن أسفل منكم أبو سفيان ~~فلما رأى ذلك قالوا { وإذ زاغت الأبصر } يعني: شخصت الأبصار ~~فرقا يعني: أبصار المنافقين لأنهم أشد خوفا كأنهم خشب مسندة { ~~وبلغت القلوب الحناجر } خوفا هذا على وجه المثل ويقال ~~اضطراب القلب يبلغ الحناجر ويقال إذا خاف الإنسان تنتفخ الرئة وإذا ~~انتفخت الرئة يبلغ القلب الحنجرة ويقال للجبان منتفخ الرئة { ~~وتظنون بالله الظنونا } يعني: الإياس من النصرة يعني: ~~ظننتم أن لن ينصر الله عز وجل محمدا - صلى الله عليه وسلم - قرأ ابن ~~كثير والكسائي وعاصم في رواية حفص الظنون بالألف عند الوقف ويطرحونها عند ~~الوصل وكذلك في قوله # وأطعنا الرسولا # [الأحزاب: 66] # فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67] وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر بالألف في ~~حال الوصل والوقف وقرأ أبو عمرو وحمزة بغير ألف في الحالتين جميعا فمن ~~قرأ بالألف في الحالين فلاتباع الخط لأن في مصحف الإمام وفي سائر المصاحف ~~بالألف ومن قرأ بغير ألف فلأن الألف غير أصلية وإنما يستعمل هذه الألف ~~الشعراء في القوافي وقال أبو عبيدة أحب إلي في هذه الحروف أن يتعمد الوقف ~~عليها بالألف ليكون متبعا للمصحف واللغة ثم قال عز وجل: { هنالك ~~ابتلى المؤمنون } يعني: عند ذلك اختبر المؤمنون يعني: أمروا ~~بالقتال والحضور وكان في ذلك اختبارا لهم { وزلزلوا زلزالا ~~شديدا } أي: حركوا تحريكا شديدا ms1348 واجتهدوا اجتهادا شديدا { وإذ ~~يقول المنفقون والذين فى قلوبهم مرض ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } وهم لم يقولوا رسول ~~الله وإنما قالوا باسمه ولكن الله عز وجل ذكره بهذا اللفظ قوله عز وجل: { ~~وإذ قالت طائفة منهم } يعني: جماعة من المنافقين { ~~يأهل يثرب } يعني: يا أهل المدينة وكان اسم المدينة يثرب فسماها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة { لا مقام لكم } قرأ ~~عاصم في رواية حفص بضم الميم وقرأ الباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فمعناه ~~لا إقامة لكم ومن قرأ بالنصب فهو بالمكان أي لا مكان لكم تقومون فيه ~~والجمع المقامات وكان أبو عبيدة يقرأ بالنصب لأنه يحتمل المقام والمكان ~~جميعا يعني أن المنافقين قالوا خوفا ورعبا منهم لا مقام لكم عند ~~القتال { فارجعوا } يعني: فانصرفوا إلى المدينة { ويستأذن ~~فريق منهم النبى } وهم بنو حارثة وبنو سلمة وذلك أن بيوتهم ~~كانت من ناحية المدينة { يقولون إن بيوتنا عورة } يعني: ~~ضائعة نخشى عليها السراق ويقال: معناه أن بيوتنا مما يلي العدو وإنا لا ~~نأمن على أهالينا وقال القتبي أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ وكان ~~الرجال سترا وحفظا للبيوت فقالوا إن بيوتنا عورة يعني: خالية والعرب ~~تقول أعور منزلك أي إذا سقط جداره يقول الله تعالى { وما هى ~~بعورة } لأن الله عز وجل يحفظها يعني: وما هي بخالية { إن ~~يريدون إلا فرارا } أي: ما يريدون إلا فرارا من القتال ثم ~~قال: { ولو دخلت عليهم من أقطارها } يعني: لو دخل ~~العسكر من نواحي المدينة { ثم سئلوا الفتنة } يعني: دعوهم ~~إلى الشرك { لآتوها } قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر لأتوها بالهمزة ~~بغير مد وقرأ الباقون بالهمز والمد فمن قرأ بالمد (لآتوها) يعني: لأعطوها ~~ومن قرأ بغير مد معناه صاروا إليها وجاؤوها وكلاهما يرجع إلى معنى واحد ~~يعني لو دعوا إلى الشرك لأجابوا سريعا { وما تلبثوا بها ~~إلا يسيرا } أي: وما تحسبوا بالشرك إلا قليلا يعني يجيبوا سريعا ~~ويقال لو فعلوا ذلك لم يلبثوا بالمدينة إلا قليلا. # ثم قال عز وجل: ms1349 { ولقد كانوا عهدوا الله من قبل } ~~يعني: من قبل قتال الخندق حين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة خرج ~~سبعون رجلا من المدينة إلى مكة فخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليلة العقبة إلى السبعين فبايعهم وبايعوه فقالوا للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: # " اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا واشترط لنفسي أن تمنعوني ~~مما منعتم به أنفسكم وأولادكم فقالوا: قد فعلنا ذلك (فما لنا؟ قال عليه ~~السلام لكم النصرة في الدنيا والجنة في الآخرة قالوا: قد فعلنا ذلك " # فذلك قوله) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل { لا يولون ~~الأدبر } منهزمين { وكان عهد الله مسؤولا } يعني يسأل ~~في الآخرة من ينقض العهد قوله عز وجل: { قل لن ينفعكم الفرار ~~إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا } أي لا تؤجلون إلا يسيرا لأن الدنيا كلها قليلة ثم قال ~~عز وجل: { قل من ذا الذى يعصمكم من الله } يعني: ~~يمنعكم من قضاء الله وعذابه { إن أراد بكم سوءا } يعني: القتل ~~{ أو أراد بكم رحمة } أي عافية ويقال سوءا يعني: الهزيمة أو ~~أراد بكم رحمة يعني: خيرا وهو النصر يعني: من يقدر على دفع السوء عنكم ~~وجر الخير إليكم { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا } يعني: قريبا ومانعا. ### || [33.18-22] # قوله عز وجل: { قد يعلم الله المعوقين منكم } يعني: ~~يرى المثبطين منكم المانعين من القتال منكم وهم المنافقون { ~~والقائلين لإخونهم } يعني: لأوليائهم وأصدقائهم { هلم ~~إلينا } يعني: ارجعوا إلينا إلى المدينة وهذا بلغة أهل المدينة ~~يقولون للواحد وللاثنين والجماعة هلم وسائر العرب تقول للجماعة هلموا ثم ~~قال { ولا يأتون البأس إلا قليلا } وذلك أن المنافقين ~~كانوا يقولون إن لنا شغلا فيرجعون إلى المدينة فإذا لقيهم أحد بالمدينة ~~من المؤمنين يقولون دخلنا لشغل ونريد أن نرجع وإذا لقوا أحدا من ~~المنافقين يقولون أي شيء تصنعون هناك ارجعوا إلينا ولا يأتون البأس يعني: ~~ولا يحضرون القتال إلا قليلا رياء وسمعة ms1350 ولو كان ذلك لله لكان كثيرا ~~وهذا كقوله: { ولا يذكرون الله إلا قليلا }. # ثم قال عز وجل: { أشحة عليكم } يعني: أشفقة عليكم حبا لكم ~~حتى يعوقكم يا معشر المسلمين ويقال: يعني: بخلاء في النفقة عليكم ويقال ~~فيه تقديم فكأنه يقول ولا يأتون البأس شفقة عليكم أي لم يحضروا شفقة ~~عليكم إلا قليلا يعني: لا قليلا ولا كثيرا { فإذا جاء الخوف } ~~يعني: خوف القتال { رأيتهم ينظرون إليك } من الخوف { ~~تدور أعينهم كالذى يغشى عليه من الموت } يعني: ~~تدور أعينهم كدوران الذي هو في غثيان الموت ونزعاته جبنا وخوفا { ~~فإذا ذهب الخوف } وجاءت قسمة الغنيمة { سلقوكم } يعني: ~~رموكم ويقال: طعنوا فيكم { بألسنة حداد } يعني: سلاط باسطة ~~بالشر { أشحة على الخير } يعني: حرصا على الغنيمة ويقال: ~~بخلا على الغنيمة { أولئك لم يؤمنوا } يعني: لم يصدقوا حق ~~التصديق { فأحبط الله أعملهم } يعني: أبطل الله ثواب ~~أعمالهم { وكان ذلك على الله يسيرا } يعني: إبطال أعمالهم ~~ويقال عذابهم في الآخرة على الله هين ثم قال عز وجل: { يحسبون ~~الأحزاب لم يذهبوا } يعني: يظنون أن الجنود لم يذهبوا من ~~الخوف والرعب { وإن يأت الأحزاب } مرة أخرى ويقال: حكاية عن ~~الماضي { يودوا لو أنهم بادون فى الأعراب } يعني: ~~تمنوا أنهم خارجون في البادية مع الأعراب { يسألون عن ~~أنبائكم } يعني: عن أخباركم وأحاديثكم { ولو كانوا فيكم } ~~يعني: معكم في القتال { ما قاتلوا إلا قليلا } رياء وسمعة ~~من غير حسبة وقرىء في الشاذ يسألون بتشديد السين وأصله يتساءلون أي يسأل ~~بعضهم بعضا وقراءة العامة يسألون لأنهم يسألون القادمين ولا يسأل بعضهم ~~بعضا قوله عز وجل: { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة ~~حسنة } قرأ عاصم أسوة بضم الألف وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان ~~ومعناهما واحد يعني لقد كان لكم اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقدوة حسنة وسنة صالحة لأنه كان أسبقهم في الحرب وكسرت رباعيته يوم أحد ~~وواساكم بنفسه في مواطن الحرب { لمن كان يرجو الله } ~~يعني: يخاف الله عز وجل: { واليوم الآخر وذكر الله ~~كثيرا } باللسان { ولما رأى ms1351 المؤمنون الأحزاب } يعني: ~~الجنود يوم الخندق والقتال { قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله } في سورة البقرة وهو قوله عز وجل # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم # [البقرة: 214] الآية ويقال: إنه قد أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه نازل ذلك الأمر فلما رأوه { قالوا هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله } { وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا ~~إيمانا وتسليما } يعني: لم يزدهم الجهد والبلاء إلا تصديقا لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وجرأة وتسليما يعني: تواضعا لأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم نعت المؤمنين. ### || [33.23-27] # فقال عز وجل: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا ~~الله عليه } يعني: وفوا بالعهد الذي عاهدوا ليلة العقبة { ~~فمنهم من قضى نحبه } يعني: أجله فمات أو قتل على الوفاء ~~يعني: وفاء بالعهد وقال القتبي النحب في اللغة النذر وذلك أنهم نذروا إذا ~~لقوا العدو أن يقاتلوا فقتل في القتال فسمي قتله قضاء نحبه، واستعير ~~النحب مكان الموت وقال مجاهد: النحب العهد وروى عيسى بن طلحة قال: جاء ~~أعرابي فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الذين قضوا نحبهم فأعرض عنه ~~وطلع طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " هذا ممن قضى نحبه " # ثم قال { ومنهم من ينتظر } يعني: ينتظر أجله { وما ~~بدلوا تبديلا } يعني: ما غيروا بالعهد الذي عهدوا تغييرا ثم ~~قال عز وجل: { ليجزى الله الصدقين بصدقهم } يعني: ~~الوافين بوفائهم { ويعذب المنفقين } يعني: إذا ماتوا على ~~النفاق { إن شاء أو يتوب عليهم } يعني: يقبل توبتهم إن ~~تابوا { إن الله كان غفورا رحيما } لمن تاب منهم رحيما ~~بهم قوله عز وجل: { ورد الله الذين كفروا } يعني: صدهم ~~وهم الكفار الذين جاؤوا يوم الخندق { بغيظهم } يعني: صرفهم عن ~~المدينة مع غيظ منهم { لم ينالوا خيرا } يعني: لم يصيبوا ما ~~أرادوا من الظفر والغنيمة { وكفى الله المؤمنين القتال } ~~يعني: دفع الله عنهم مؤنة القتال حيث بعث عليهم ريحا وجنودا { وكان ~~الله قويا عزيزا } # " فلما رجع النبي - صلى الله ms1352 عليه وسلم - من الخندق دخل المدينة ودخل ~~على فاطمة رضي الله عنها وأراد أن يغسل رأسه فجاءه جبريل عليه السلام ~~وقال لا تغسل رأسك ولكن اذهب إلى بني قريظة فخرج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ويقال إن جبريل عليه السلام قال له حين وضع سلاحه وضعت سلاحك ~~قال: نعم قال: ما وضعت الملائكة عليهم السلام سلاحها بعد وقد أمرك الله ~~عز وجل أن تنهض نحو بني قريظة فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~الناس فقال عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة فلبس رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - سلاحه وخرج المسلمون معه واللواء في يد علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فمر على بني عدي وبني النجار وقد أخذوا السلاح ~~فقال من أمركم أن تلبسوا السلاح فقالوا دحية الكلبي وكان جبريل عليه ~~السلام يتمثل في صورته فلما جاء بني قريظة وجد بعض الصحابة قد صلوا العصر ~~قبل أن يأتوا بني قريظة مخافة أن تفوتهم عن وقتها وأبى بعضهم فقالوا ~~نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي حتى نأتي بني قريظة فلم ~~ينتهوا إلى بني قريظة حتى غابت الشمس ولم يصلوا العصر " # قال فلم يؤنب أحدا من الفريقين أي رضي بما فعل الفريقان جميعا وفيه ~~دليل لقول بعض الناس إن لكل مجتهد نصيب # " فجاء علي رضي الله عنه باللواء حتى غرزه عند الحصن فسبت اليهود رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه ورجع إليه علي رضي الله عنه فقال ~~تأخر يا رسول الله ونحن نكفيك فيهم قال سبوني ولو كانوا دوني لم يسبوني ~~فلما جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا إخوة القردة ~~والخنازير انزلوا على حكم الله وحكم رسوله فقالوا يا أبا القاسم ما كنت ~~فحاشا ورجع حيي بن أخطب من الروحاء وقد ذكر يمينه التي حلف بها لكعب ~~بن الأشرف ودخل معهم في حصنهم ونزل بنو سعد بن شعبة أسد وثعلبة فأسلموا ~~وأبى من بقي فقال رسول الله ms1353 - صلى الله عليه وسلم - لأبي لبابة بن عبد ~~المنذر اذهب فقل لحلفائك ومواليك ينزلوا على حكم الله تعالى ورسوله عليه ~~السلام " # فجاءهم أبو لبابة فقال: انزلوا على حكم الله ورسوله فقالوا: يا أبا ~~لبابة نصرناك يوم بعاث ويوم الحدائق والمواطن كلها التي كانت بين الأوس ~~والخزرج ونحن مواليك وحلفاؤك فانصح لنا ماذا ترى؟ فأشار إليهم ووضع يده ~~على حلقه يعني: الذبح فقالوا: لا تفعل يعني: لا ننزل فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " خنت الله ورسوله " # فقال: نعم فانطلق فربط نفسه بخشبة من خشب المسجد حتى تاب الله عليه ~~والتمسه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجده فقالوا: إنه قد ربط ~~نفسه بخشبة من خشبة المسجد فقال: # " لو جاءني لاستغفرت له فأما إذا ربط نفسه فدعوه حتى يتوب الله عليه " # ثم أتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فحله فقال كعب بن أسد لأصحابه من ~~بني قريظة أما تعلمون أنه قد جاءنا ابن فلان اليهودي من الشام فقال لنا ~~جئتكم لنبي ينتهي إلى هذه الأرض من قريش وأنه يبعث بالذبح والقتل والسب ~~فلا يهولنكم ذلك وكونوا أولياءه وأنصاره فقالوا لا نكون تبعا لغيرنا نحن ~~أهل الكتاب والنبوة لا نتبع قوما أميين ما درسوا كتابا قط فلا نفعل ~~فقال كعب بن أسد أطيعوني في إحدى ثلاث قالوا وما هي فقال إنكم لتعرفون ~~أنه رسول الله فاتبعوه وانصروه وكونوا أنصاره وأولياءه فقالوا لا نكون ~~تبعا لغيرنا فقال إما إذا أبيتم فإن هذه ليلة السبت هم يأمنونكم انزلوا ~~إليهم فبيتوهم حتى تقتلوهم فقالوا لا نكسر سبتنا فقد كسر قوم من بني ~~إسرائيل سبتهم فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير قال فإن أبيتم هذا فإذا ~~كان يوم الأحد فاقتلوا أبناءكم ونساءكم ثم انزلوا إليهم بأسيافكم ~~فقاتلوهم حتى تموتوا كراما فقالوا لا نفعل فلبثوا خمسة عشر ليلة محاصرين ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " على حكم من تنزلون " # قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى سعد ms1354 بن معاذ وكان جريحا قد رمته بني قريظة فأصاب أكحله فدعا الله ~~تعالى أن لا يميته حتى يشفي صدره من بني قريظة فأتي به على حمار فتبعه ~~قوم كان ميلهم إلى بني قريظة وكانوا يقولون له يا أبا عمرو أحسن في ~~حلفائك ومواليك إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب البقية وقد ~~نصروك يوم بعاث ويوم حدائق فلم يكلمهم حتى نظر إلى بيوت بني قريظة فقال ~~سعد قد آن لي أن لا أخاف في الله لومة لائم فعرفوا أنه سوف يقتلهم فرجعوا ~~عنه فلما دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لمن حوله: # " قوموا إلى سيدكم فأنزلوه " # فقام إليه الأنصار فأنزلوه فقال # " احكم فيهم يا أبا عمرو " # فقال سعد لليهود أترضون بحكمي قالوا: نعم فقال: عليكم بذلك عهد الله ~~وميثاقه قالوا نعم فالتفت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~وهاب أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال وعلي من ~~هاهنا مثل ذلك وإنه ليغض بصره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " نعم نعم وعلينا " # فقال لبني قريظة انزلوا فلما نزلوا قال احكم فيهم يا رسول الله أن تقتل ~~مقاتليهم وتسبي ذراريهم وتقسم أموالهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " لقد حكمت بحكم من فوق سبعة أرقعة " # فأتى بيحيى بن أخطب مأسورا في حلة فجاءه رجل من الأنصار فنزع رداءه ~~فبقي في إزاره فجعل يمزق إزاره - لكي لا يلبسه أحد وهو يقول لا بأس بأمر ~~الله فلما جاء بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " ألم يمكن الله منك يا عدو الله " # فقال بلى وما ألوم نفسي فيك قد التمست العز في مظانه وقلقلت في كل مقلقل ~~فأبى الله إلا أن يمكنك مني فأمر بضرب عنقه ثم جاؤوا بعزاز بن سموأل فقال ~~ألم يمكني الله منك فقال بلى يا أبا القاسم فضرب عنقه ثم قال لسعد # " عليك بمن بقي وقال ms1355 لا تجمعوا عليهم حرين حر الهاجرة وحر السيف " # فحسبهم كذلك في دار الحارث وفي بعض الروايات ببيت خراب ثم أخرجهم رسلا ~~فقتلهم على الولاء والترتيب فقال بعضهم لبعض ما تراهم يصنعون بنا فقال ~~واحد ألا تعقلون أنهم يقتلون ألا ترون أن الداعي لا يسكت ومن ذهب لا يرجع ~~فقتلوا كلهم ولم يسلم أحد منهم كان فيهم رجل يقال له زبير بن باطا فكلم ~~ثابت بن قيس بن شماس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره فقال إن ~~الزبير بن باطا له عندي يد وقد أعانني يوم بعاث فهبه لي يا رسول الله ~~حتى أعتقه فقال عليه السلام # " هو لك " # فجاء إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن أتعرفني قال نعم وهل ينكر الرجل أخاه ~~أنت ثابت بن قيس قال أتذكر يدا لك عندي يوم بعاث قال نعم إن الكريم يجزي ~~باليد فاجز بها فقال قد وهبك النبي - صلى الله عليه وسلم - لي وقد أعتقتك ~~قال شيخ كبير لا أهل له كيف يعيش فجاء ثابت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فكلمه في أهله فقال # " لك أهله " # فجاء إليه فقال قد وهب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلك فهي لك ~~فقال شيخ كبير أعمى وامرأة ضعيفة وأطفال صغار لا مال لهم كيف يعيشون فقام ~~ثابت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأله ماله فقال # " لك ماله " # فجاء إليه فقال قد وهب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك لي فهو ~~لك فقال فما فعلت بكعب ابن أسد الذي وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها ~~عذارى الحي قال قتل قال فما فعل بعزاز بن سموأل مقدم اليهود إذا حملوا ~~وحاميهم إذا انصرفوا قال قتل قال فما فعل بسيد الحاضر والبادي حيي بن ~~أخطب يحملهم في الحرب ويطعمهم في المحل؟ قال قتل قال فما فعل بفلان وفلان ~~قال قتل قال فقال: يا ابن الأخ لا خير في الحياة بعد أولئك ألا أصبر فيه ~~قدر فراغ دلو ماء حتى ms1356 ألقى الأحبة قال أبو بكر ويلك يا ابن باطا والله ما ~~هو إفراغ دلو ماء ولكنه عذاب الله أبدا يا ابن الأخ قدمني إلى مصارع ~~قومي فاضرب ضربة أجهز بها وأرفع يدك عن العصام وألصق بالرأس فإن أحسن ~~الجسد أن يكون فيه شيء من العنق فقال ثابت ما كنت لأقتلك قال ما أبالي من ~~قتلني فتقدم رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضرب عنقه ~~وغنم الله عز وجل رسوله أموال بني قريظة وذراريها فقسمها بين المسلمين ~~فنزل قوله تعالى: # { وأنزل الذين ظهروهم } يعني: عاونوهم { من أهل ~~الكتب } وهم بنو قريظة { من صياصيهم } يعني: من قصورهم ~~وحصونهم وأصل الصياصي في اللغة قرون الثور لأنه يتحصن به فقيل للحصون ~~صياصي لأنها تمنع ثم قال: { وقذف فى قلوبهم الرعب } حين ~~انهزم الأحزاب { فريقا تقتلون } يعني: رجالهم { وتأسرون ~~فريقا } تسبون طائفة وهم النساء والصبيان قال مقاتل قتل أربعمائة ~~وخمسون رجلا وسبي من النساء والصبيان ستمائة وخمسون وقال في رواية ~~الكلبي كانوا سبعمائة فقسمها بين المهاجرين ثم قال عز وجل: { ~~وأورثكم أرضهم } يعني: مزارعهم { وديرهم } يعني: ~~منازلهم { وأمولهم } يعني: العروض والحيوان { وأرضا لم ~~تطؤوها } يعني: لم تملكوها ولم تقدروا عليها يعني ورثكم تلك الأرض ~~أيضا وهي أرض خيبر وروي عن الحسن وغيره في قوله (أرضا لم ~~تطؤوها) قال كلما فتح على المسلمين إلى يوم القيامة { وكان ~~الله على كل شىء قديرا } يعني: على فتح مكة وغيرها من ~~القرى. ### || [33.28-33] # قوله عز وجل { يأيها النبى قل لأزوجك } وذلك أنه رأى ~~منهن الميل إلى الدنيا وطلبن منه فضل النفقة { إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها } يعني: وزهرتها { فتعالين ~~أمتعكن } متعة الطلاق { وأسرحكن سراحا جميلا } ~~يعني: أطلقكن طلاق السنة من غير إضرار قوله عز وجل: { وإن كنتن ~~تردن الله ورسوله } يعني: تطلبن رضى الله ورضى رسوله { ~~والدار الآخرة } يعني: الجنة { فإن الله أعد ~~للمحسنت منكن أجرا عظيما } يعني: ثوابا جزيلا في ~~الجنة فاعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهرا فلما نزلت هذه ~~الآية جمع ms1357 نساءه فبدأ بعائشة فقال: # " يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى ~~تستشيري أبويك قالت وما هو يا رسول الله فتلى عليها الآية فقالت أفيك يا ~~رسول الله أستشير أبوي؟ بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة " # ثم خير نساءه فاخترنه سائر النساء ثم قال عز وجل: { ينساء النبى ~~من يأت منكن بفحشة مبينة } يعني: الزنا { يضاعف ~~لها العذاب ضعفين } يعني: تعاقب مثلي ما يعاقب غيرها ويقال ~~الجلد والرجم وهذا قول الكلبي ويقال من يأت منكن بفاحشة مبينة يعني: ~~بمعصية يضاعف لها العذاب ضعفين لأن كرامتهن كانت أكثر فجعل العقوبة عليهن ~~أشد وهذا كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال يغفر للجاهل سبعون ما لا ~~يغفر للعالم واحدة ثم قال { وكان ذلك على الله يسيرا } ~~يعني: هينا قرأ ابن كثير وعاصم في إحدى الروايتين (مبينة) بنصب ~~الياء وقرأ الباقون بالكسر وقرأ ابن كثير وابن عامر (نضعف) بالنون ~~وتشديد العين لها العذاب بنصب الباء ومعناه لها العذاب وقرأ أبو عمرو: ~~(يضعف) بالياء والتشديد وضم الباء في العذاب على معنى فعل ما لم ~~يسم فاعله وقرأ الباقون (يضاعف) وهما لغتان والعرب تقول تضعف الشيء ~~وضاعفه ثم قال { ومن يقنت منكن لله ورسوله } أي: تطع ~~منكن الله ورسوله { وتعمل صلحا } يعني: تعمل بالطاعات فيما ~~بينها وبين ربها { نؤتها أجرها مرتين } يعني: ثوابها ~~ضعفين { وأعتدنا لها رزقا كريما } يعني: ثوابا حسنا في ~~الجنة قرأ حمزة والكسائي ويعمل صالحا بالياء وقرأ الباقون بالتاء فمن ~~قرأ بالياء فللفظ من لأن لفظها لفظ واحد مذكر كما اتفقوا في قوله { ~~ومن يقنت } ومن قرأ بالياء ذهب إلى المعنى وصار منكن فاصلا بين ~~الفعلين وقرأ حمزة والكسائي يؤتها بالياء يعني: يؤتها الله وقرأ الباقون ~~بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه ثم قال عز وجل: { ينساء النبى ~~لستن كأحد من النساء } يعني: لستن كسائر النساء فقال لستن ~~كأحد ولم يقل كواحد لأن لفظ الأحد يصلح للواحد والجماعة وأما لفظ الواحد ~~لا يصلح إلا للواحد ms1358 ثم قال عز وجل: { إن اتقيتن } يعني: إن ~~اتقيتن المعصية وأطعتن الله ورسوله { فلا تخضعن بالقول } ~~يعني: لا تلن بالقول ويقال: لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فأنتن أحق ~~الناس بالتقوى وتم الكلام ثم قال { فلا تخضعن بالقول } يعني: ~~لا ترفقن بالقول وهو اللين من الكلام ومعلوم أن الرجل إذا أتى باب إنسان ~~والرجل غائب فلا يجوز للمرأة أن تلين القول معه ثم قال: { فيطمع ~~الذى فى قلبه مرض } يعني: فجور وقال عكرمة هو شهوة الزنا ~~ويقال الميل إلى المعصية { وقلن قولا معروفا } يعني: صحيحا ~~جميلا ويقال قولا حسنا يعني لينا ويقال لا يقلن باللين فيفتن ولا ~~بالخشن فتؤذين وقلن قولا معروفا بين ذلك قال عز وجل: { وقرن في ~~بيوتكن } قرأ نافع وعاصم (وقرن فى بيوتكن) بالنصب والباقون ~~بالكسر فمن قرأ بالكسر فمعناه اسكن في بيوتكن بالوقار وهو من وقر يقر ~~وقارا ويقال هو من التقرير ويقال قر يقر وأصله قررن ولكن المضاعف يراد ~~به التخفيف فحذف إحدى الراءين للتخفيف فلما طرحوا إحدى الراءين استثقلوا ~~الألف ولم تكن أصلية وإنما دخلت للوصل فحذفت الألف ومن قرأ وقرن بنصب ~~القاف لا يكون إلا للتقرير ثم قال: { ولا تبرجن تبرج ~~الجهلية الأولى } يعني: لا تتزين كتزين الجاهلية الأولى ~~والتبرج إظهار الزينة ويقال التبرج الخروج من المنزل والجاهلية الأولى ~~قال الكلبي يعني الأزمنة التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام فكانت المرأة ~~من أهل ذلك الزمان تتخذ الدروع من اللؤلؤ ثم تمشي وسط الطريق وكان ذلك في ~~زمن النمرود الجبار وروي عن الحكم بن عيينة قال الجاهلية الأولى كانت بين ~~نوح وآدم عليهما السلام وكانت نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ورجالهم ~~حسان وكانت المرأة تريد الرجل على نفسها وروى عكرمة عن ابن عباس أن ~~الجاهلية الأولى كانت بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وقال مقاتل الجاهلية ~~الأولى كانت قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما سمى جاهلية ~~الأولى لأنه كان قبله ثم قال: { وأقمن الصلاة } يعني: أتممن ~~الصلوات الخمس { وآتين الزكاة } يعني: ms1359 إن كان لكن مال { ~~وأطعن الله ورسوله } فيما ينهاكن وفيما يأمركن { إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس } يعني: الإثم وأصله في ~~اللغة كل خبيث من المأكول وغيره { أهل البيت } يعني: يا أهل البيت ~~وإنما كان نصبا للنداء ويقال إنما صار نصبا للمدح ويقال صار نصبا على ~~جهة التفسير فكأنه يقول أعني أهل البيت وقال عنكم بلفظ التذكير ولم يقل ~~عنكن لأن لفظ أهل البيت يصلح أن يذكر ويؤنث قوله { ويطهركم ~~تطهيرا } يعني: من الإثم والذنوب. ### || [33.34-36] # قوله عز وجل: { واذكرن ما يتلى فى بيوتكن } يعني: ~~احفظن ما يقرأ عليكن { من آيت الله } يعني: القرآن { ~~والحكمة } يعني: أمره ونهيه في القرآن فوعظهن ليتفكرون ثم قال: { ~~إن الله كان لطيفا } لطيف علمه فيعلم حالهن إن خضعن بالقول ~~ويقال لطيفا أمر نبيه بأن يلطف بهن { خبيرا } يعني: عالما بأعمالهن ~~قوله عز وجل: { إن المسلمين والمسلمت } وذلك أن أم ~~سلمة رضي الله عنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بال ربنا ~~يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه فأخشى أن لا يكون فيهن خير ~~ولا لله عز وجل فيهن حاجة فنزل { إن المسلمين والمسلمت ~~} ويقال إن النساء اجتمعن وبعثن أنيسة رسولا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالت إن الله تبارك وتعالى خالق الرجال والنساء وقد أرسلك إلى ~~الرجال والنساء فما بال النساء ليس لهن ذكر في الكتاب فنزلت هذه الآية ~~وقال قتادة: لما ذكر الله عز وجل أزواج النبي يعني: دخل نساء مسلمات ~~عليهن فقلن ذكرتن ولم نذكر ولو كان فينا خيرا ذكرنا فنزلت هذه الآية { ~~إن المسلمين والمسلمت } يعني: المسلمين من الرجال ~~والمسلمات من النساء { والمؤمنين } يعني: المصدقين الموحدين من ~~الرجال { والمؤمنت } يعني: المصدقات الموحدات من النساء { ~~والقنتين } يعني: المطيعين وأصل القنوت القيام ثم يكون للمعاني ~~ويكون للطاقة كقوله { والقنتين } - ويكون للإقرار بالعبودية ~~كقوله: # كل له قنتون # [البقرة: 116 والروم: 26] { والقنتت } أي: المطيعات من النساء ~~{ والصدقين } يعني: الصادقين في إيمانهم من الرجال { ~~والصدقت } من النساء { والصبرين والصبرت } على ms1360 ~~أمر الله تعالى من الرجال والنساء { والخشعين والخشعت ~~} يعني: المتواضعين من الرجال والنساء { والمتصدقين ~~والمتصدقت } يعني: المنفقين أموالهم في طاعة الله من الرجال ~~والنساء { والصئمين والصئمت } قال مقاتل: من صام رمضان ~~وثلاثة أيام من كل شهر فهو من الصائمين والصائمات ثم قال: { ~~والحفظين فروجهم والحفظت } يعني: من الفواحش من ~~الرجال والنساء { والذكرين الله كثيرا والذكرت } يعني: ~~باللسان من الرجال والنساء فذكر أعمالهم ثم ذكر ثوابهم فقال: { أعد ~~الله لهم مغفرة } في الدنيا لذنوبهم { وأجرا عظيما } ~~في الآخرة وهو الجنة قوله عز وجل: { وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة } الآية وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لزينب ~~بنت جحش الأسدية وهي بنت عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أميمة بنت عبد ~~المطلب: # " إني أريد أن أزوجك من زيد بن حارثة " # فقالت: يا رسول الله لا أرضاه لنفسي وأنا أرفع قريش لأنني من قريش وابنة ~~عمتك فنزل { وما كان لمؤمن } يعني: ما جاز لمؤمن يعني زيد بن ~~حارثة ولا مؤمنة يعني زينب بنت جحش { إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا } يعني: حكم حكما في تزويجهما { أن يكون لهم الخيرة ~~من أمرهم } يعني: اختيار من أمرهم بخلاف ما أمر الله ورسوله قرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم: أن يكون بالياء بالتذكير وقرأ الباقون: بالتاء بلفظ ~~التأنيث فمن قرأ بالتاء فلأن لفظ الخيرة مؤنث ومن قرأ بالياء فإنه ينصرف ~~إلى المعنى ومعناهما الاختيار لتقديم الفعل { ومن يعص الله ~~ورسوله فقد ضل ضللا مبينا } فلما سمعت زينب بنت جحش ~~نزول هذه الآية قالت أطعتك يا رسول الله. ### || [33.37-39] # قال عز وجل: { وإذ تقول للذى أنعم الله عليه } ~~يعني: زيد بن حارثة قد أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام { وأنعمت ~~عليه } بالعتق { أمسك عليك زوجك } قال قتادة: جاء زيد بن ~~حارثة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إن زينب اشتد علي لسانها ~~وإني أريد أن أطلقها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " اتق الله وأمسك عليك زوجك " # وكان يحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطلقها ms1361 وخشي مقالة الناس أن ~~أمره بطلاقها فنزلت هذه الآية وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ~~أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إلى زيد بن حارثة يطلبه في ~~حاجة له فإذا زينب بنت جحش قائمة في درع وخمار فلما رآها أعجبته ووقعت في ~~نفسه فقال: # " سبحان الله مقلب القلوب ثبت قلبي " # فلما سمعت زينب جلست فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما جاء ~~زيد ذكرت ذلك له فعرف أنها أعجبته ووقعت في نفسه وأعجب بها رسول الله ~~فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال يا رسول الله إن زينب امرأة ~~فيها كبر تعصي أمري ولا تبر قسمي فلا حاجة لي فيها فقال له # " اتق الله يا زيد في أهلك وأمسك عليك زوجك " # وكان يحب أن يطلقها فطلقها زيد ونزلت هذه الآية { أمسك عليك ~~زوجك واتق الله } { وتخفى فى نفسك } يعني: تسر في ~~نفسك ليت أنه طلقها { ما الله مبديه } يعني مظهره عليك حتى ينزل ~~به قرآنا { وتخشى الناس } يعني: تستحي من الناس ويقال وتخشى ~~مقالة الناس { والله أحق أن تخشه } في أمرها قال الحسن: ~~ما أنزل الله عز وجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - آية أشد منها ولو ~~كان كاتما شيئا من الوحي لكتمها ثم قال { فلما قضى زيد ~~منها وطرا } يعني: حاجة { زوجنكها } فلما انقضت عدتها ~~تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الحسن: فكانت زينب تفتخر على ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقول: أما أنتن فزوجكن آباؤكن وأما ~~أنا فزوجني رب العرش تعني: قوله: { زوجنكها } { لكيلا ~~يكون على المؤمنين حرج } يعني: لكيلا يكون على الرجل حرج ~~بأن يتزوج امرأة ابنه الذي يتبناه { فى أزواج أدعيائهم ~~إذا قضوا منهن وطرا } يعني: حاجة { وكان أمر الله ~~مفعولا } تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها كائن لا بد ~~واللام للزيادة وكي مثله فلو كان أحدهما لكان يكفي ولكن يجوز أن يجمع بين ~~حرفين زائدين إذا كانا جنسين وإنما لا يجوز إذا كانا ms1362 من جنس واحد كما قال # ليس كمثله شىء # [الشورى: 11] ولا يصلح أن يقال: مثل مثل أو كي كي فإذا كانا جنسين جاز ~~فقالت اليهود والمنافقون يا محمد تنهى عن تزوج امرأة الإبن ثم تتزوجها ~~فنزل قوله عز وجل { ما كان على النبى من حرج } يقول ليس ~~على النبي إثم { فيما فرض الله له } يعني: في الذي رخص الله عز ~~وجل من تزوج زينب { سنة الله فى الذين خلوا من قبل } ~~يعني: هكذا سنة الله في الذين مضوا يعني: في كثرة تزوج النساء كما فعل ~~الأنبياء عليهم السلام { وكان أمر الله قدرا مقدورا } ~~يعني: قضاء كائنا قوله عز وجل: { الذين يبلغون رسالت ~~الله } قال مقاتل: يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده ويقال ~~ينصرف إلى قوله: { سنة الله فى الذين خلوا من قبل... ~~الذين يبلغون رسالت الله } { ويخشونه } في ~~كتمان ما أظهر الله عليهم { ولا يخشون أحدا } في البلاغ { ~~إلا الله وكفى بالله حسيبا } يعني: شهيدا بأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بلغ الرسالة عن الله عز وجل ويقال شهيدا يعني: ~~حفيظا. ### || [33.40-48] # قوله عز وجل { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } ~~يعني بالتبني وليس بأب لزيد بن حارثة { ولكن رسول الله } ~~يعني: ولكنه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقال لم يكن أب ~~الرجال لأن بنيه ماتوا صغارا ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء ولا نبي ~~بعده فذلك قوله: { وخاتم النبيين } قرأ بعضهم ولكن (رسول ~~الله) بضم اللام ومعناه ولكن هو رسول الله وكان خاتم النبيين وقرأ عاصم ~~في إحدى الروايتين (وخاتم) النبيين بنصب التاء وقرأ الباقون بالكسر فمن ~~قرأ بالكسر يعني آخر النبيين ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل ~~إليه يعني أنه ختمهم وهو خاتم قال أبو عبيد وبالكسر نقرأ لأنه رويت ~~الآثار عنه أنه قال # " أنا خاتم النبيين " # فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء { وكان الله بكل ~~شىء عليما } بمن يصلح للنبوة وبمن لا يصلح فإن قيل كيف يظن برسول ~~الله ms1363 - صلى الله عليه وسلم - أنه يظهر من نفسه خلاف ما في قلبه قيل له ~~يجوز مثل هذا لأن في قوله { أمسك عليك زوجك واتق الله ~~} أمر بالمعروف وفيه رد النفس عما تهوى وهذا عمل الأنبياء والصالحين ~~عليهم السلام وقال بعضهم للآية وجه آخر وهو أن الله تعالى قد أخبر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنها تكون زوجته فلما زوجها من زيد بن حارثة لم ~~يكن بينهما ألفة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهاه عن الطلاق ~~ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى وقال بأنها تكون زوجته فلما طلقها زيد ~~بن حارثة كان يمتنع من تزوجها خشية مقالة الناس يتزوج امرأة ابنه المتبنى ~~به فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة ~~الابن المتبنى لأمته ونزل # وإذ تقول للذى أنعم الله عليه # [الأحزاب:37] الآية ثم قال تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ~~اذكروا الله ذكرا كثيرا } يعني: اذكروا الله باللسان وروي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد قيل: يا رسول الله فما جلاؤها؟ ~~قال: تلاوة كتاب الله عز وجل وكثرة ذكره " # وذكر أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إن شرائع ~~الإسلام قد كثرت فأنبئني منها بأمر أتشبث به فقال: # " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل " # ويقال: ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى لأنه قدر لكل عبادة ~~مقدارا ولم يقدر للذكر وأمر بالكثرة فقال: { اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا } يعني اذكروه في الأحوال كلها لأن الإنسان لا يخلو من أربعة ~~أحوال إما أن يكون في الطاعة أو في المعصية أو في النعمة أو في الشدة ~~فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص ويسأله القبول ~~والتوفيق وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها ~~ويسأل منه التوبة منها والمغفرة وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر؛ وإذا ~~كان في الشدة يذكره بالصبر ثم قال تعالى { وسبحوه ms1364 بكرة ~~وأصيلا } يعني: غدوا وعشيا يعني: صلوا لله بالغداة والعشي يعني: ~~الفجر والعصر ويقال بالغداة يعني صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر وأصيلا ~~يعني: صلوا آخر النهار وأول النهار وهي صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء ثم قال عز وجل: { هو الذي يصلي عليكم } يقول: هو ~~الذي يرحمكم ويغفر لكم { وملئكته } أي: يأمر الملائكة عليهم ~~السلام بالاستغفار لكم { ليخرجكم من الظلمت إلى ~~النور } يعني: أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفقكم لذلك، اللفظ لفظ ~~المستأنف والمراد به الماضي يعني أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ~~ونور قلوبكم بالمعرفة ويقال معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر ~~ويقال ليخرجكم من الظلمات يعني: من المعاصي إلى نور التوبة والطهارة من ~~الذنوب ويقال من ظلمات القبر إلى نور المحشر ويقال من ظلمات الصراط إلى ~~نور الجنة ويقال من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة ثم قال { ~~وكان بالمؤمنين رحيما } يعني: بالمصدقين الموحدين رحيما ~~يرحم عليهم ثم قال عز وجل: { تحيتهم يوم يلقونه سلم ~~} قال مقاتل: يعني يلقون الرب في الآخرة بسلام وقال الكلبي: تجيبهم ~~الملائكة عليهم السلام على أبواب الجنة بالسلام فإذا دخلوها حيا بعضهم ~~بالسلام وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام ويقال يعني يسلم بعضهم ~~على بعض ويقال يسلمون على الله تعالى { وأعد لهم أجرا ~~كريما } يعني: جزاء حسنا في الجنة ويقال مساكن في الجنة حسنة قوله ~~عز وجل { يأيها النبى إنا أرسلنك شاهدا } يعني: ~~شهيدا على أمتك بالبلاغ { ومبشرا } بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة ~~وفي الدنيا بالنصرة { ونذيرا } من النار يعني: مخوفا لمن عصى الله ~~عز وجل: { وداعيا إلى الله } يعني: أرسلناك داعيا إلى توحيد ~~الله ومعرفته { بإذنه } يعني: بأمره { وسراجا منيرا } يعني: ~~أرسلناك بسراج منير لأنه يضيء الطريق فهذه كلها صارت نصبا لنزع الخافض ~~ثم قال عز وجل: { وبشر المؤمنين } يعني بشر يا محمد المصدقين ~~بالتوحيد { بأن لهم من الله فضلا كبيرا } في الجنة ~~وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ms1365 تأخر # [الفتح: 2] فقال المؤمنون هذا لك فما لنا فنزل قوله تعالى { وبشر ~~المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } في الجنة ~~فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل # بشر المنفقين بأن لهم عذابا أليما # [النساء: 138] ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى { ولا ~~تطع الكفرين } من أهل مكة { والمنفقين } من أهل ~~المدينة { ودع أذاهم } أي تجاوز عن المنافقين ولا تقتلهم ويقال ~~ودع أذاهم يعني اصبر على أذاهم وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني: ~~فوض أمرك إلى الله وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود وقال: # " قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسمة فقال رجل من الأنصار إن ~~هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر بذلك فاحمر وجهه فقال رحم الله أخي ~~موسى عليه السلام لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " # ثم قال { وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } ~~يعني: حافظا نصيرا. ### || [33.49-50] # وقوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم ~~المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } ~~قرأ حمزة والكسائي تماسوهن وقرأ الباقون تمسوهن مثل الاختلاف الذي ذكرنا ~~في سورة البقرة { فما لكم عليهن من عدة } يعني: ليس ~~للأزواج عليهن عدة { تعتدونها } وإنما خص المؤمنات لأن نكاح ~~المؤمنات كان مباحا في ذلك الوقت فلما أحل الله تعالى نكاح الكتابيات ~~صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا ~~عدة عليها بالإجماع وإن طلقها بعد ما خلا بها ولم يدخل بها فقد روي عن ~~ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا لا عدة عليها وقال عمر ~~وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم رضي الله عنهم أن عليها العدة وهو ~~أحوط الوجهين أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضا ولم يكن أحدهما ~~مريضا ولا محرما ولا صائما صوم فرض يجب على الزوج المهر كاملا وعليها ~~العدة احتياطا وأما إذا كانت المرأة حائضا أو مريضة أو محرمة أو صائمة ~~عن فرض أو الرجل ms1366 مريض أو صائم عن فرض أو محرم فطلقها بعد الخلوة قبل ~~الدخول فعليه نصف المهر وعليها العدة احتياطا ثم قال { فمتعوهن } ~~يعني: متعة الطلاق ثلاثة أثواب وهي مستحبة غير واجبة { وسرحوهن ~~سراحا جميلا } يعني: خلوا سبيلهن تخلية حسنة وهو أن يعطيها حقها ~~قوله عز وجل: { يأيها النبى إنا أحللنا لك ~~أزوجك } يعني: نساءك { اللاتي آتيت أجورهن } يعني: ~~أعطيت مهورهن لأن غيره كان له أكثر من أربع نسوة أمره أن يترك ما زاد على ~~الأربع وقد أحل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إمساك التسع ولم يأمره ~~بالفرقة { وما ملكت يمينك } يعني: أحللنا لك من الإماء مثل ~~مارية القبطية { مما أفاء الله عليك } من الغنيمة يعني: ~~أعطاك الله كقوله تعالى: # مآ أفآء الله على رسوله # [الحشر: 7] ثم قال { وبنات عمك } يعني: أحللنا لك نكاح بنات عمك ~~{ وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خلتك ~~اللاتى هجرن معك } يعني: هاجرن معه من مكة إلى المدينة أو ~~قبله أو بعده ثم قال { وامرأة مؤمنة } يعني: أحللنا لك امرأة ~~مؤمنة { إن وهبت نفسها للنبى } صلى الله عليه وسلم - وقرأ ~~الحسن إن وهبت بنصب الألف ومعناه إذا وهبت ويكون ذلك الفعل خاصة لامرأة ~~واحدة وقراءة العامة إن بالكسر فيكون معناه لكل امرأة إن فعلت ذلك في ~~المستقبل قال مقاتل: وذلك أن أم شريك وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بغير مهر كذا قال الكلبي وروى معمر عن الزهري في قوله: { إن ~~وهبت نفسها للنبى } قال بلغنا أن ميمونة وهبت نفسها للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ووهبت سودة يومها لعائشة رضي الله عنها وروى وكيع ~~عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي وعمرو بن الحكم وعبد الله بن ~~عبيدة قال تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشر امرأة ستة من قريش ~~- خديجة بنت خويلد وعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي ~~سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وثلاثا من بني عامر ~~وامرأتين من بني هلال ميمونة بنت الحارث ms1367 وهي التي وهبت نفسها للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وزينب أم المساكين وامرأة من بني بكر وهي التي اختارت ~~الدنيا وامرأة من بني الحزن من كندة وهي التي استعاذت منه وقال يحيى بن ~~أبي كثير تزوج أربعة عشر خديجة وسودة وعائشة تزوج هؤلاء الثلاث بمكة ~~وتزوج بالمدينة زينب بنت خزيمة وأم سلمة وجويرية من بني المصطلق وميمونة ~~بنت الحارث وصفية بنت حيي بن أخطب وزينب بنت جحش وكانت امرأة زيد بن ~~حارثة وعالية بنت ظبيان وحفصة وأم حبيبة والكندية وامرأة من كلب وروى ~~الزهري عن عروة قال لما دخلت الكندية على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قالت أعوذ بالله منك فقال لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك ثم قال عز وجل { ~~إن أراد النبى أن يستنكحها } يعني أن يتزوجها بغير صداق ~~{ خالصة لك من دون المؤمنين } يعني: خالصا للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بغير مهر ولا يحل لغيره وقال الزهري الهبة كانت للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خاصة ولا تحل لأحد أن تهب له امرأة نفسها بغير صداق ~~وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - واختلف الناس في جواز النكاح قال أهل المدينة باطل وقال ~~أهل العراق النكاح جائز ولها مهر مثلها وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه أجاز ذلك وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن ~~خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت من ~~المهاجرات الأول وقال القتبي العرب تخبر عن غائب ثم ترجع إلى الشاهد ~~فتخاطبه كما قال هاهنا { إن وهبت نفسها للنبى } بلفظ ~~الغائب ثم قال: { خالصة لك من دون المؤمنين } ثم قال { ~~قد علمنا ما فرضنا عليهم } يعني: ما أوجبنا عليهم { فى ~~أزوجهم } يعني: في أن لا يتزوجوا إلا بالمهر ويقال إلا أربعا { ~~وما ملكت أيمنهم } ويقال يعني: إلا ما لا وقت فيهن { ~~لكيلا يكون عليك حرج } في الهبة بغير مهر وفي الآية ومعناه ms1368 ~~أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - لكي ~~لا يكون عليك حرج ثم قال { وكان الله غفورا } يعني: غفورا فيما ~~تزوج قبل النهي { رحيما } في تحليل ذلك. ### || [33.51-55] # قوله عز وجل: { ترجى من تشاء منهن } قرأ أبو عمرو وابن كثير ~~وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ترجىء بالهمزة وقرأ الباقون بغير الهمز ~~كلاهما في اللغة واحد وأصله من التأخير يقول تؤخر من تشاء منهن ولا ~~تتزوجها { وتؤوى إليك من تشاء } يعني: تضم فتتزوجها لخيره في ~~تزويج القرابة ويقال: تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء وقال قتادة جعله ~~في حل أن يدع من يشاء منهن ويضم إليه من يشاء يعني إن شاء جعل لهن قسما ~~وإن شاء لم يجعل وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم وقال الحسن: ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى ~~يتزوجها أو يدعها وفي ذلك نزل: { ترجى من تشاء منهن } ثم قال ~~{ ومن ابتغيت ممن عزلت } يعني أشرت ممن تركت { فلا ~~جناح عليك } يعني: لا إثم عليك { ذلك أدنى أن تقر ~~أعينهن } (أي ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن ~~تطمئن) قلوبهن { ولا يحزن } مخافة الطلاق { ويرضين بما ~~ءاتيتهن كلهن } من النفقة إذا علمن أنه من الله عز وجل وقرىء ~~في الشاذ كلهن بالنصب صار نصبا لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء وتقرأه ~~العامة أتيتهن كلهن بالضم ومعناه يرضين كلهن بما أعطيتهن ثم قال { ~~والله يعلم ما فى قلوبكم } من الحب والبغض { وكان ~~الله عليما } بما في قلوبكم { رحيما } بالتجاوز قوله عز وجل { ~~لا يحل لك النساء من بعد } قال مجاهد: أي لا تحل لك ~~اليهوديات ولا النصرانيات من بعد يعني: من بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج يقول: لا تبديل اليهوديات ولا النصرانيات على المؤمنات يقول لا ~~تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات ~~والنصرانيات يتسرى بهن قال الحسن وابن سرين: خير ms1369 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نساءه بين الدنيا والآخرة فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ~~فشكر الله لهن على ذلك فحبسه عليهن فقال لا يحل لك النساء من بعد { ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج } يعني: لا يحل لك أن تطلق واحدة ~~منهن وتتزوج غيرها قرأ أبو عمرو (لا تحل) بالتاء بلفظ التأنيث وقرأ ~~الباقون بالياء بمعنى: لا يحل لك من النساء شيء ويقال: معناه لا تحل ~~لجميع النساء فمن قرأ: بالتاء بالتأنيث يعني: جماعة النساء ثم قال: { ~~ولو أعجبك حسنهن } يعني أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها ~~فنهاه الله تعالى عز وجل عن ذلك فتركها وتزوجها أبو بكر رضي الله عنه ~~بإذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { إلا ما ملكت يمينك ~~} من السريات { وكان الله على كل شىء رقيبا } من أمر ~~التزويج رقيبا يعني: حفيظا وروى عمرو بن دينار عن عطاء عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى حل له ~~النساء بعد قوله: { لا يحل لك النساء } قوله عز وجل: { ~~يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبى } ~~وذلك أن أناسا من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ويدخلون عليه بغير إذن ويجلسون وينتظرون الغداء وإذا أكلوا جلسوا ~~طويلا ويتحدثون طويلا فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال { لا ~~تدخلوا بيوت النبى } { إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام } يعني: إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول { غير نظرين ~~إنه } يعني من غير أن تنتظروا وقته ويقال أصله إدراك الطعام يعني: ~~غير ناظرين إدراكه ويقال إناه يعني نضج الطعام ثم قال: { ولكن إذا ~~دعيتم فادخلوا } يعني: إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته { ~~فإذا طعمتم } الطعام { فانتشروا } يعني تفرقوا { ولا ~~مستأنسين لحديث } أي لا تدخلوا مستأنسين للحديث { إن ~~ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم } أن يقول لكم ~~تفرقوا { والله لا يستحى من الحق } يعني: من بيان الحق أن ~~يأمركم بالخروج بعد الطعام قال الفقيه أبو الليث في الآية حفظ الأدب ms1370 ~~والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفا لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلا ولكنه إذا ~~أكل ينبغي أن يخرج ثم قال { وإذا سألتموهن متعا } يعني ~~إذا سألتم من نسائه متاعا { فاسألوهن من ورآء حجاب } ولا ~~تدخلوا عليهن واسألوا من خلف الستر ويقال خارج الباب { ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن } من الريبة ثم قال { وما كان لكم ~~أن تؤذوا رسول الله } قال وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال لئن ~~مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل { وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله } { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } ~~يعني: ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبدا { إن ذلكم كان ~~عند الله عظيما } في العقوبة ويقال: إنما نهى عن ذلك لأنهن ~~أزواجه في الدنيا والآخرة وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته: إن أردت أن ~~تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها ولذلك حرم ~~الله تعالى على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوجن بعده وروي ~~أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا ~~فأنكحاك وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي فخطبها ~~معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان وأبت أن تتزوجه وروي في خبر آخر ~~بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله إن المرأة منا كان لها زوجان ~~لأيهما تكون في الآخرة؟ فقال: # " إنها تخير فتختار أحسنهما خلقا معها ثم قال يا أم حبيبة إن حسن الخلق ~~ذهب بالدنيا والآخرة " # ثم قال عز وجل { إن تبدوا شيئا أو تخفوه } يعني: إن ~~تظهروا من أمر التزويج شيئا أو تسروه وتضمروه { فإن الله كان ~~بكل شىء عليما } من السر والعلانية يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم ~~يجازيكم به ثم خص الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخص في ذلك وهو ~~قوله عز وجل { لا جناح عليهن فى ءابائهن } يعني: من ~~الدخول عليهن { ولا أبنائهن ولا إخونهن ولا أبناء ~~إخونهن ولا أبناء أخوتهن ولا نسائهن } يعني: ~~نساء ms1371 أهل دينهن { ولا ما ملكت أيمانهن } من الخدم { ~~واتقين الله } يعني: اخشين الله وأطعن الله فلا يراهن غير هؤلاء ~~{ إن الله كان على كل شىء شهيدا } يعني: عالما ~~بأعمالهم. ### || [33.56-59] # قوله عز وجل: { إن الله وملئكته يصلون على ~~النبى } والصلاة من الله الرحمة والمغفرة ومن الملائكة - عليهم ~~السلام - الاستغفار يعني أن الله عز وجل يغفر للنبي ويأمر ملائكته ~~بالاستغفار والصلاة عليه ثم أمر المسلمين بالصلاة عليه فقال: { ~~يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه } روي عن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه قال # " قلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى ~~آل محمد " # إلى آخره وروى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " صلوا علي فإن الصلاة علي زكاة لكم واسألوا الله لي الوسيلة قالوا وما ~~الوسيلة يا رسول الله قال أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد ~~وأرجو أن أكون أنا هو " # وروى أنس بن مالك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات " # ويقال ليس شيء من العبادات أفضل من الصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأن سائر العبادات أمر الله تعالى بها عباده وأما الصلاة على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد صلى عليه أولا هو بنفسه وأمر الملائكة ~~بذلك ثم أمر العباد بذلك ثم قال { وسلموا تسليما } يعني: اخضعوا ~~له خضوعا ويقال: ائتمروا بما يأمركم الله تعالى ويقال: لما نزلت هذه ~~الآية قال المسلمون هذا لك فما لنا فنزل: # هو الذى يصلى عليكم وملئكته # [الأحزاب: 43] ثم قال عز وجل { إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله } يعني: اليهود والنصارى حيث قالوا: # يد الله مغلولة غلت أيديهم # [المائدة: 64] ونحو ذلك من الكلمات ويقال أذاهم الله وهو قولهم لله ولد ~~ونحو ذلك وإيذاءهم رسوله أنهم زعموا أنه ساحر ومجنون { لعنهم ~~الله فى الدنيا } يعني: عذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي { ~~والآخرة ms1372 } بالنار ويقال: هم الذين يجعلون التصاوير ويقولون تخلق كما ~~يخلق الله تعالى { وأعد لهم عذابا مهينا } يهانون فيه ثم ~~قال عز وجل { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت ~~بغير ما اكتسبوا } يعني: بغير جرم { فقد احتملوا ~~بهتنا } يعني: قالوا كذبا { وإثما مبينا } يعني ذنبا ~~بينا قال مقاتل: قال السدي: نزلت هذه الآية في أمر عائشة وصفوان ويقال: ~~في جميع من يؤذي مسلما بغير حق وقال عثمان لأبي بن كعب: إني قرأت هذه ~~الآية { والذين يؤذون المؤمنت } فوقعت مني كل موقع ~~والله إني لأضربهم وأعاقبهم فقال له أبي إنك لست منهم إنك مؤدب معلم قوله ~~عز وجل { يأيها النبى قل لأزوجك وبنتك } وذلك أن ~~المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار فضاقت الدور عليهم وكن النساء يخرجن ~~بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن كان الزناة يرصدون في الطريق وكانوا ~~يطلبون الولائد ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل فأمر الحرائر ~~بأخذ الجلباب وقال الحسن كن النساء والإماء بالمدينة يقال لهن كذا وكذا ~~يخرجن فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن فكانت الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة ~~ويؤذونها فأمر الله تعالى المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن وقال ~~القتبي يلبسن الأردية ويقال يعني: يرخين الجلابيب على وجوههن وقال مجاهد ~~يدنين عليهن من جلابيبهن يعني متجلببين ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن ~~فاسق بأذى من قول ولا ريبة قوله: { ونساء المؤمنين يدنين ~~عليهن من جلبيبهن ذلك أدنى أن يعرفن } ~~يعني: أحرى { فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } إذا ~~تابوا ورجعوا ثم وعد المنافقين وخوفهم لينزجروا عن الحرائر أو الإماء. ### || [33.60-68] # فقال عز وجل: { لئن لم ينته المنفقون } عن نفاقهم { ~~والذين في قلوبهم مرض } يعني: الميل إلى الزنا إن لم ~~يتوبوا عن ذلك { والمرجفون فى المدينة } يعني: الذين يخبرون ~~بالأراجيف وكانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من عدوهم والأراجيف هي أول ~~الاختيار وأصل الرجف هو الحركة فإذا وقع خبر الكذب فإنه يقع الحركة ~~بالناس فسمي إرجافا ويقال: الأراجيف تلقح الفتنة يعني: إن لم ينتهوا عن ~~النفاق وعن الفجور وعن القول بالأراجيف { لنغرينك بهم ms1373 } يعني: ~~لنسلطنك عليهم ويقال: لنحملنك على قتلهم وروى سفيان عن منصور بن زرين ~~قال: { لئن لم ينته المنفقون والذين فى ~~قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة } هذا كله شيء ~~واحد يعني: أنه نعتهم بأعمالهم الخبيثة { ثم لا يجاورونك ~~فيها إلا قليلا } يعني: لا يساكنوك في المدينة إلا قليلا حتى ~~أهلكهم ويقال إلا جوارا قليلا ويقال إلا قليلا منهم وقال قتادة: إن ~~أناسا من المنافقين أرادوا أن يظهروا نفاقهم فنزلت هذه الآية ثم قال ~~عز وجل { ملعونين أينما ثقفوا } يعني: يجعلهم ملعونين ~~أينما وجدوا فأوجب الله تعالى لهم اللعنة على كل حال أينما وجدوا وأدركوا ~~{ أخذوا وقتلوا تقتيلا } فلما سمعوا بالقتل انتهوا عن ذلك ~~قوله عز وجل: { سنة الله فى الذين خلوا من قبل } ~~يعني: سنة الله في الزناة القتل ويقال: هذا سنة الله في الذين مضوا من ~~قبل يعني الذين أضمروا النفاق بأن يسلط الله عليهم الأنبياء بالقتل سنة ~~الله { ولن تجد لسنة الله تبديلا } يعني: مبدلا ~~ومغيرا قوله عز وجل: { يسئلك الناس عن الساعة } يعني عن ~~قيام الساعة وذلك أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله: ~~متى الساعة فقال - عليه السلام - # " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " # فنزل { قل إنما علمها عند الله } يعني: علم قيام الساعة ~~عند الله { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } يعني ~~سريعا وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: من أشراط الساعة أن يفتح ~~القول ويحزن الفعل وأن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار ومعنى يفتح الأقوال أن ~~يقول: أفعل غدا فإذا جاء غدا خالف قوله وقت الفعل وأصل الفتح الابتداء ~~وهو أن يعد لأخيه عدة حسنة ثم يخالفه وقال عطاء بن أبي رباح: من اقتراب ~~الساعة مطر ولا نبات وعلو أصوات الفساق في المساجد وظهور أولاد الزنا ~~وموت الفجأة وانبعاث الدويبضة يعني السفلة من الناس وقوله لعل الساعة ~~تكون (قريبا) ولم يقل قريبة لأنها جعلت ظرفا وبدلا ولم تجعل نعتا ~~وصفة ثم قال عز وجل: { إن الله لعن الكفرين } يعني: ~~خذلهم ms1374 وطردهم من رحمته { وأعد لهم سعيرا } يعني: جهنم ويقال: ~~لعن الكافرين في الدنيا بالقتل وفي الآخرة أعد لهم سعيرا { خلدين ~~فيها أبدا لا يجدون وليا } يعني: قريبا ينفعهم { ولا ~~نصيرا } أي: مانعا يمنعهم من العذاب والسعير في اللغة هو النار ~~الموقدة ثم قال عز وجل: { يوم تقلب وجوههم فى النار } ~~يعني: تحول يقول هذا العذاب في يوم تقلب وجوههم في النار يعني: تحول عن ~~الحسن إلى القبح من حال البياض إلى حال السواد وزرقة الأعين ويقال تقلب ~~يعني: تجدد كقوله: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها # [النساء: 56] فيندمون على فعلهم ويوبخون أنفسهم { يقولون ~~يليتنا أطعنا الله } فيما أمرنا ونهانا في دار الدنيا { ~~وأطعنا الرسولا } فيما دعانا إلى الحق { وقالوا ربنا ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا } يعني: قادتنا وأشرافنا ~~وعظماءنا { فأضلونا السبيلا } يعني: صرفونا عن طريق الإسلام ~~ويقال أضللت الطريق وأضللته عن الطريق بمعنى واحد قرأ ابن عامر ساداتنا ~~وقرأ الباقون سادتنا جمع سيد وساداتنا جمع الجمع ثم قال عز وجل: { ~~ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب } يعني: زدهم واحمل عليهم ~~يعني عذبهم وارفع عنا بعض العذاب واحمل عليهم فإنهم هم الذين أضلونا { ~~والعنهم لعنا كبيرا } قرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين ~~كبيرا بالباء من الكبر والعظم يعني عذبهم عذابا عظيما وقرأ الباقون ~~كثيرا من الكثرة يعني: عذبهم عذابا كثيرا دائما. ### || [33.69-73] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا ~~كالذين ءاذوا موسى } عليه السلام يعني: لا تؤذوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كما آذى بنو إسرائيل موسى - عليه السلام - قال ~~الفقيه أبو الليث رحمه الله أخبرني الثقة بإسناده عن همام بن منبه عن أبي ~~هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وكان موسى - ~~عليه السلام - يغتسل وحده فقال بعضهم والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا ~~إلا أنه آدر فذهب موسى مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فخرج ~~موسى بأثره يقول حجر ثوبي حجر ثوبي ms1375 حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى ~~فقالوا والله ما بموسى من بأس فقام الحجر وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا " # فقال أبو هريرة: ستة أو سبعا والله إن بالحجر لندبا سبعة بضرب موسى ~~وذلك قوله: { فبرأه الله مما قالوا } ويقال: إن موسى ~~وهارون وابني هارون خرجوا فتوفي هارون في تلك الخرجة فلما رجع موسى إلى ~~قومه قالت السفهاء من بني إسرائيل لموسى أنت قتلت هارون فخرج موسى مع ~~جماعة من بني إسرائيل فأحيا الله تعالى هارون - عليه السلام - فأخبر أنه ~~لم يقتله أحد وأنه مات بأجله فذلك قوله تعالى: { فبرأه الله ~~مما قالوا } { وكان عند الله وجيها } يعني: مكينا ~~وكان له جاه عنده منزلة وكرامة ثم قال عز وجل: { يأيها الذين ~~ءامنوا اتقوا الله } يعني: أطيعوا الله واخشوا الله { ~~وقولوا قولا سديدا } يعني: عدلا صوابا فيما بينكم وهو قولهم ~~ابن فلان فأمرهم أن ينسبوهم إلى آبائهم ويقال قولوا { قولا سديدا } ~~يعني: لا إله إلا الله ويقال: قولا مخلصا { يصلح لكم ~~أعملكم } يعني: يقبل أعمالكم { ويغفر لكم ذنوبكم ~~ومن يطع الله ورسوله } في السر والعلانية { فقد فاز ~~فوزا عظيما } يعني: نجى بالخير وأصاب نصيبا وافرا قوله عز وجل: { ~~إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال } قال مجاهد لما خلق الله عز وجل آدم - عليه السلام - عرض ~~عليه الأمانة فحملها فما كان بين أن حملها وبين أن أخرج من الجنة إلا كما ~~بين الظهر والعصر وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال إنا عرضنا ~~الأمانة يعني الفرائض على السماوات والأرض والجبال فقال لهن يأخذن بما ~~فيها فقلنا وما فيها يا رب قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن أسأتن عوقبتن فقلن ~~يا رب إن تعرضها علينا فلا نريد وإن أمرتنا بها فنحن نجتهد وعرضت على ~~الإنسان يعني: آدم - عليه السلام - فقبلها وحملها وقال بعضهم هذا على وجه ~~المثل إن لم تظهر الخيانة في الأمانة إلا من الإنسان فلم تظهر من ~~السماوات والأرض والجبال كما قال: # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل # [الحشر: ms1376 21] فكأنه يقول لو عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ~~لأبين حملها { وأشفقن منها وحملها الإنسن } يعني: ~~آدم وذريته { إنه كان ظلوما جهولا } بالقبول وروي عن الحسن ~~أنه قال: عرض على السموات عرض تخيير لا عرض إيجاب فلذلك لم تعص بترك ~~قبولها ويقال: عرضنا الأمانة على السموات يعني على ملائكة السماوات ~~والأرض والجبال كما قال: # واسئل القرية # [يوسف: 82] يعني: أهل القرية وقال السدي: لما أراد أن يحج عرض الأمانة ~~يعني أمر ولده شيث وقابيل وهابيل فعرض على قابيل الكخداذبية والائتمار ~~والقيام في شغل الدنيا والعيش حتى يرجع هو من الحج إلى وطنه فقبله ثم ~~خانه فقتل أخاه وإنما كان عرض آدم بأمر الله تعالى فلذلك قال عرضنا وقال ~~بعضهم إن الله عز وجل لما استخلف آدم على ذريته وسلطه على جميع ما في ~~الأرض من الأنعام والوحوش والطير عهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه فقبله ~~ولم يزل عاملا به إلى أن حضرته الوفاة فسأل ربه أن يعلمه من يستخلف بعده ~~ويقلده الأمانة أن يعرض على السموات والأرض بالشرط الذي أخذ عليه من ~~الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى فأبين أن يقبلنها شفقا من عذاب الله ~~فأمره أن يعرض على الأرض والجبال فكلاهما أبيا ثم أمره أن يعرض على ولده ~~فقبل بالشرط إنه كان ظلوما جهولا لعاقبة ما تقلده يعني المتقبل الذي ~~تقبله منه وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال الأمانة ثلاث في ~~الصلاة والصيام والجنابة ثم قال عز وجل: { ليعذب الله ~~المنفقين والمنفقت } يعني: عرضنا الأمانة على الإنسان ~~لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات { والمشركين ~~والمشركت } بما خانوا الأمانة { ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنت } بما أوفوا الأمانة { وكان الله ~~غفورا رحيما } وكان صلة في الكلام يعني والله غفور لذنوب المؤمنين ~~رحيم بهم وروى سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قال أبي بن كعب: كانت ~~سورة الأحزاب لتقارب سورة البقرة أو أطول منها وكان فيها آية الرجم قلت ~~يا أبا المنذر وما آية الرجم فقال إذا ms1377 زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ~~نكالا من الله العزيز الحكيم والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد النبي ~~الأمي وآله وسلم. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1-2] # قول الله تعالى: { الحمد لله الذى له ما فى ~~السموات وما في الأرض } من الخلق { وله الحمد فى ~~الآخرة } يعني: يحمده أهل الجنة ويقال: يحمدونه في ستة مواضع أحدها ~~حين نودي # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59] فإذا تميز المؤمنون من الكافرين يقولون # الحمد لله الذى نجانا من القوم الظلمين # [المؤمنون: 28] كما قال نوح - عليه السلام - حين أنجاه الله عز وجل من ~~قومه، والثاني حين جازوا الصراط قالوا # الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] والثالث لما دنوا إلى باب الجنة واغتسلوا بماء الحيوان، ~~ونظروا إلى الجنة وقالوا # الحمد لله الذى هدانا لهذا # [الأعراف: 43] والرابع لما دخلوا الجنة استقبلتهم الملائكة - عليهم ~~السلام - بالتحية فقالوا # الحمد لله الذى صدقنا وعده وأورثنا الأرض # [الزمر: 74] الآية، والخامس: حين استقروا في منازلهم وقالوا # الحمد لله الذى... أحلنا دار المقامة من ~~فضله # [فاطر: 34-35] والسادس كلما فرغوا من الطعام قالوا: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] وقال بعضهم إنها الذي استوجب الحمد في الآخرة كما استوجب ~~الحمد في الدنيا ثم قال { وهو الحكيم } حين حكم بالبعث { ~~الخبير } يعني: العليم بهم ثم قال عز وجل: { يعلم ما يلج فى ~~الأرض } يعني: ما يدخل في الأرض من المطر والأموات والكنوز { وما ~~يخرج منها } من النبات والكنوز والأموات { وما ينزل من ~~السماء } من مطر أو وحي أو رزق أو مصيبة { وما يعرج فيها } ~~يعني يصعد إلى السماء من الملائكة، وأعمال بني آدم { وهو الرحيم } ~~بخلقه { الغفور } بستر الذنوب وتأخير العذاب عنهم. ### || [34.3-5] # قوله عز وجل: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ~~قل بلى وربى } قسم أقسم به يعني: بلى والله، قوله { ~~لتأتينكم علم الغيب } قرأ ابن عامر ونافع عالم بالضم ~~جعله رفعا بالابتداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم عالم الغيب بكسر ~~الميم وهو صفة لله تعالى وهو قوله { الحمد لله } ويقال رده إلى ~~حرف ms1378 القسم وهو قوله تعالى { قل بلى وربى علم } وقرأ حمزة ~~والكسائي علام الغيب، وهو على المبالغة في وصف الله عز وجل بالعلم ويقال ~~من قرأ عالم الغيب بالضم فهو على المدح، ومعناه هو عالم الغيب، ويقال: هو ~~على الابتداء وخبره { لا يعزب عنه } قرأ الكسائي لا يعزب بكسر ~~الواو وقرأ الباقون بالضم ومعناهما واحد أي لا يغيب عنه { مثقال ~~ذرة } يعني: وزن ذرة صغيرة والذرة النملة الصغيرة الحمراء، ويقال: ~~التي ترى في شعاع الشمس { في السموات ولا فى الأرض ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتب مبين } ~~يعني: قد بين الله عز وجل في اللوح المحفوظ { ليجزى } يعني: لكي ~~يثيب { الذين ءامنوا } بأعمالهم في الدنيا { وعملوا ~~الصلحات أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم { ورزق ~~كريم } أي ثواب حسن في الجنة قوله عز وجل { والذين سعوا فى ~~ءايتنا } يعني: عملوا في القرآن { معجزين } يعني: متسابقين ~~ليسبق كل واحد منهم بالتكذيب قرأ أبو عمرو وابن كثير معجزين أي مثبطين ~~يثبطون الناس عن الإيمان بالقرآن و { أولئك لهم عذاب من ~~رجز أليم } قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص أليم بضم الميم وكذلك ~~في الجاثية جعلاه من نعت العذاب يعني: عذاب أليم من رجز على معنى التقديم ~~يعني: عذاب شديد وقرأ الباقون بالكسر فيكون صفة للرجز يعني: عذاب من ~~العذاب الأليم. ### || [34.6-9] # قال عز وجل: { ويرى الذين أوتوا العلم } يعني: أي يعلم ~~الذين أوتوا العلم وهذا روي في قراءة ابن مسعود يعني به مؤمني أهل الكتاب ~~يعني: إنهم يعلمون أن { الذى أنزل إليك من ربك } يعني: ~~القرآن { هو الحق ويهدى } يعني: يدعو ويدل { إلى صراط ~~العزيز الحميد } يعني: إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب ~~الرسل الحميد في فعاله قوله عز وجل: { وقال الذين كفروا } ~~يعني: كفار أهل مكة { هل ندلكم على رجل } يعني: قال بعضهم ~~لبعض هل ندلكم على رجل { ينبئكم } يعني: يخبركم { إذا مزقتم ~~كل ممزق } يعني: يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض وأكلتكم ~~الأرض كل ممزق يعني: وكنتم ms1379 ترابا { إنكم لفى خلق جديد } ~~يعني: بعد هذا كله صرتم خلقا جديدا قوله عز وجل { افترى على ~~الله كذبا } يعني: قالوا إن الذي يقول إنكم لفي خلق جديد اختلق على ~~الله كذبا { أم به جنة } يعني: به جنون يقول الله { بل ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة } هم كذبوا حين كذبوا بالبعث { ~~فى العذاب والضلل البعيد } يعني: هم في العذاب في الآخرة ~~والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل { ~~أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من ~~السماء والأرض } لأن الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض قال ~~قتادة إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء ~~والأرض { إن نشأ نخسف بهم الأرض } يعني: تغور بهم ~~وتبتلعهم الأرض { أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ~~يعني: جانبا من السماء قرأ حمزة والكسائي إن نشأ نخسف } أو يسقط، ~~الثلاثة كلها بالياء وقرأ الباقون كلها بالنون فمن قرأ بالياء فمعناه إن ~~يشأ الله ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه ثم قال عز وجل: { ~~إن فى ذلك لآية } يعني: لعبرة { لكل عبد منيب } يعني: ~~مقبل إلى طاعة الله عز وجل ويقال مخلص القلب بالتوحيد ويقال مشتاق إلى ~~ربه ويقال { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم } يعني: ~~أفلم يعلموا أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض وهو قادر على أن يخسف ~~بهم إن لم يوحدوا { إن فى ذلك لآية } أي لعلامة لوحدانيتي. ### || [34.10-11] # قوله عز وجل: { ولقد ءاتينا داود منا فضلا } يعني: ~~أعطيناه النبوة والملك { يجبال أوبى معه } يعني: سبحي مع ~~داود، وأصله في اللغة من الرجوع وإنما سمي التسبيح إيابا لأن المسبح مرة ~~بعد مرة وقال القتبي: أصله التأويب من السير وهو أن يسير النهار كله كأنه ~~أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل ثم قال { والطير } وقرىء ~~في الشاذ والطير بالضم، وقراءة العامة بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو على ~~وجهين: أحدهما أن يكون نسقا على أوبي والمعنى يا جبال ارجعي بالتسبيح ms1380 ~~معه أنت والطير ويجوز أن يكون مرفوعا على النداء والمعنى أيها الجبال ~~وأيها الطير، ومن قرأ بالنصب فلثلاث معان أحدها لنزع الخافض ومعناه أوبي ~~معه ومع الطير والثاني أنه عطف على قوله { ولقد ءاتينا داود ~~منا فضلا } وآتيناه الطير يعني: وسخرنا له الطير والثالث أن النداء ~~إذا كان على أثره إسم فكان الأول بغير الألف واللام والثاني بالألف ~~واللام فإنه في الثاني بالخيار إن شاء نصبه وإن شاء رفعه والنصب أكثر كما ~~قال الشاعر # ألا يا زيد والضحاك سيرا # فقد جاوزتما خمر الطريق # ورفع زيدا لأنه نداء مفرد ونصب الضحاك بإدخال الألف واللام ثم قال عز ~~وجل { وألنا له الحديد } يعني: جعلنا له الحديد مثل العجين { ~~أن اعمل سبغت } يعني: قلنا له اعمل الدروع الواسعة وكان قبل ~~ذلك صفائح الحديد مضروبة ثم قال { وقدر فى السرد } قال السدي ~~السرد المسامير التي في خلق الدرع وقال مجاهد وقدر في السرد أي لا تدق ~~المسامير فتقلقل في الحلقة ولا تغلظها فتعصمها واجعله قدرا بين ذلك وقال ~~في رواية الكلبي هكذا، وقال بعضهم هذا لا يصح لأن الدروع التي عملها داود ~~- عليه السلام - وكانت بغير مسامير لأنها كانت معجزة له ولو كان محتاجا ~~إلى المسمار لما كان بينه وبين غيره فرق وقد يوجد من بقايا تلك الدروع ~~بغير مسامير ولكن معنى قوله: { وقدر فى السرد } أي: قدر في ~~نسخها وطولها وعرضها وضيقها وسعتها ويقال: قدر في تأليفه والسرد في اللغة ~~تقدمة الشيء إلى الشيء يأتي منسقا بعضه إلى أثر بعض متتابعا ويقال يسرد ~~في الكلام إذا ذكره بالتأليف ومنه قيل لصانع الدروع سراد وزراد تبدل من ~~السين الزاي وروي عن عائشة أنها قالت إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يكن سرد الحديث كسردكم: أي لم يتابع في الحديث كتتابعكم ثم قال { ~~واعملوا صلحا } يعني: أدوا فرائضي وقد خاطبه بلفظ الجماعة كما ~~قال: # يأيها الرسل كلوا من الطيبت # [المؤمنون: 51] وأراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ويقال: إنه ~~أراد به داود ms1381 وقومه { إنى بما تعملون بصير } يعني: عالم. ### || [34.12-14] # قوله عز وجل: { ولسليمن الريح } قرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~الريح بالضم وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب فمعناه وسخرنا لسليمان ~~الريح كما اتفقوا في سورة الأنبياء ولسليمان الريح مسخرة تكون رفعا على ~~معنى الخبر ثم قال { غدوها شهر ورواحها شهر } تسير به ~~الريح عند الغداة مسيرة شهر فتحمله مع جنوده من بيت المقدس إلى اصطخر ~~ورواحها شهر: يعني: تسير به عند آخر النهار سيرة شهر من اصطخر إلى بيت ~~المقدس واصطخر عند بلاد فارس { وأسلنا له عين القطر } يعني ~~أجرينا له عين الصفر المذاب يقال تسيل له في كل شهر ثلاثة أيام يعمل بها ~~ما أحب وروى سفيان عن الأعمش قال سيلت له كما سيل الماء، ويقال: جرى له ~~عين النحاس في اليمن وقال شهر بن حوشب جرى له عين النحاس من صنعاء { ~~ومن الجن من يعمل بين يديه } يعني: وسخرنا لسليمان من ~~الجن من يعمل بين يديه { بإذن ربه } يعني: بأمر ربه { ومن ~~يزغ منهم عن أمرنا } يعني: من يعص سليمان فيما أمره { ~~نذقه من عذاب السعير } قال بعضهم: كان معه ملك ومعه سوط من ~~عذاب السعير فإذا خالف سليمان أحد الشياطين ضربه بذلك السوط، وقال مقاتل: ~~يعني: به عذاب الوقود في الآخرة قوله عز وجل { يعملون له ما ~~يشاء } يعني: ما يشاء سليمان { من محريب } يعني: المساجد ويقال ~~الغرق { وتمثيل } يعني: على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل ~~الهيبة في الحرب وغيره، ويقال ويجعلون صورا للأنبياء ليستزيد الناس رغبة ~~في الإسلام ثم قال: { وجفان كالجواب } يعني: قصاعا كالحياض ~~الكبيرة ويجلس على القصعة الواحدة ألف رجل أو أقل أو أكثر الجابية في ~~اللغة الحوض الكبير وجماعته جواب قرأ ابن كثير كالجوابي بالياء في الوقف ~~والوصل جميعا وقرأ أبو عمرو بالياء في الوصل، والباقون بغير ياء فمن قرأ ~~بالياء فلأنه الأصل ومن حذف فلاكتفائه بكسر الياء قوله: { وقدور ~~راسيت } يعني: ثابتات في الأرض لا تزول من مكانها وكان يتخذ ~~القدور ms1382 من الجبال، قال مقاتل: كان ملكه ما بين مصر وبابل، وقال بعضهم: ~~جميع الأرض ثم قال { اعملوا ءال داود شكرا } يعني: يا آل ~~داود لما أعطيتكم من الفضل، ويقال: معناه اعملوا عملا تؤدوا بذلك شكر ~~نعمتي { وقليل من عبادى الشكور } والشكور هو المبالغة في ~~الشكر وهو من كان عادته الشكر في الأحوال كلها ومثل هذا في الناس قليل ~~وهذا معنى قوله { وقليل من عبادى الشكور } وروي عن أبي ~~العالية أنه قال هو شكر الشكر يعني: إذا شكر النعمة يعلم أن ذلك الشكر ~~بتوفيق الله عز وجل ويشكر لذلك الشكر وهذا في الناس قليل ثم قال عز وجل { ~~فلما قضينا عليه الموت } يعني: على سليمان - عليه الصلاة ~~والسلام - فكان سليمان يبني في بيت المقدس فرأى أن ذلك لا يتم إلا بالجن ~~فأمرهم بالعمل وقال لأهله لا تخبروهم بموتي فكان قائما في الصلاة متكئا ~~على عصاه، وكان سليمان - عليه الصلاة والسلام - يطول الصلاة فكان الجن ~~إذا حضروا رأوه قائما فرجعوا ويقولون إنه قائم يصلي فيقبلون على ~~أعمالهم، وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال كان سليمان - عليه ~~السلام - إذا مر بشجرة يعني: بشيء من نبات الأرض قال لها ما شأنك فتخبره ~~الشجرة أنها كذا وكذا، ولمنفعة كذا وكذا فيدفعها إلى الناس حتى ينتفعوا ~~بها فمر بشجرة فقال لها ما إسمك يا شجرة فقالت أنا خرنوبة فقال ما شأنك ~~قالت أنا لخراب المسجد فتعصى سليمان منها عصا فكانت الجن يقولون للإنس ~~إنا نعلم الغيب وإن سليمان سأل الله عز وجل أن يخفي موته فلما قضى الله ~~عز وجل على سليمان الموت لم تدر الجن ولا الإنس ولا أحد كيف مات ولم يطلع ~~أحد على موته والجن تعمل بأشد ما كانوا عليه، حتى خر سليمان - عليه ~~السلام - فنظروا كيف مات فلم يدروا فنظروا إلى العصا فرأوا العصا قد أكلت ~~يعني: قد أكل منها وفي العصا أرضة فنظروا إلى أين أكلت الأرض من العصا ~~فجعلوا له علما ثم ردوا الأرض فيها فأكلت شهرا ms1383 ثم نظروا كم أكلت في ذلك ~~الشهر ثم قاسوها بما أكلت من قبل فكان لموته أثني عشر شهرا فتبين للجن ~~أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين فقالت الجن: إن لها ~~علينا حقا يعني: الأرضة فهم يبلغونها الماء فلا يزال لها طينة رطبة فذلك ~~قوله { فلما قضينا عليه الموت } { ما دلهم على ~~موته } يعني: ما دل على موت سليمان { إلا دابة الأرض } ~~يعني: الأرضة { تأكل منسأته } يعني: عصاه قرأ نافع وأبو عمرو ~~منساية بلا همز وقرأ الباقون بالهمز فمن قرأ بالهمز فهو من نسأ ينسأ إذا ~~زجر الدابة ثم تسمى عصاه منسأة لأنه يزجر بها الدابة ومن قرأ بغير همز ~~فقد حذف الهمزة للتخفيف وكلاهما جائز { فلما خر } يعني: سقط - ~~عليه السلام - { تبينت الجن } علم الإنس أن الجن لا يعلمون ~~الغيب، ويقال: تبينت الجن يعني: ظهر لهم أنهم لو علموا الغيب يعني: { أن ~~لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب ~~المهين } فتفرقوا عن ذلك قرأ حمزة من عبادي الشكور بسكون الياء وقرأ ~~الباقون بالنصب وهما لغتان وكلاهما جائز. ### || [34.15-17] # قوله عز وجل: { لقد كان لسبأ } قرىء بالنصب والكسر وقد ذكرناه ~~من قبل فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله إسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله ~~أرضا والأول أشبه لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~سبأ فقال # " هو اسم رجل " # ويقال هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان وروي عن ابن عباس أنه قال هي من ~~قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبيا - عليهم السلام - إلى ثلاث عشر ~~قرية باليمن اتبع بعضهم بعضا حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ وقرية أخرى ~~فأتوهم فذكروهم نعم الله عز وجل وخوفهم عقابه، وروى أسباط عن السدي قال: ~~كانت أرضهم أرضا خصيبة وكانت المرأة تخرج على رأسها مكيلا فلا ترجع حتى ~~تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها وكان الماء يأتيهم من ~~مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين وكانوا قد ردموا ms1384 ردما بين جبلين ~~فحبسوا الماء وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم، ويقال: ~~كان لهم وادي وكان للوادي ثلاث درفات فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة ~~العليا، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى، وإذا قل الماء فتحوا الدرفة ~~السفلى فأخصبوا وكثرت أموالهم واتخذوا من الجنان ما شاؤا فلما أحبوا ذلك ~~وكذبوا رسلهم بعث الله عز وجل عليهم جرذا فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل ~~منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون ~~المنسأة العرم فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم ~~نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه وكان كاهنا فقال ما ~~تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه ~~البلدة فدعى إبن أخ له فقال إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني فقل أي ~~عم أعطني ميراثي من أبي فإني سأقول وهل ترك أبوك شيئا فاردد علي وكذبني ~~فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني فقال أي عم ما كنت لأفعل هذا بك، قال: ~~بلى، فلما رأى لعمه في ذلك هوى قال أفعل ما تأمرني، ففعل، فقال عمران بن ~~عامر لله علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي فلما عرفوا منه ~~الجد قال هذا أعطيك كذا فنظر إلى أجودهم صفقة فقال عجل إلى مالي فقد حلفت ~~أن لا أبيت بها فعجل إليه ماله وارتحل من يومه حتى شخص عنهم فاتسع ذلك ~~الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم وتفرقوا في البلدان فذلك قوله لقد كان لسبأ ~~{ فى مسكنهم } قرأ الكسائي في مسكنهم بكسر الكاف والنون وقرأ حمزة ~~وعاصم في رواية حفص مسكنهم بنصب الكاف وكسر النون وقرأ الباقون مساكنهم ~~بالألف والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد، وهما لغتان مثل مطلع ومطلع ~~والمساكين جمع مسكين وقد قيل المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم ~~وقرياتهم { ءاية } أي علامة ظاهرة لوحدانيتي { جنتان عن يمين ~~وشمال } يعني بستانان عن يمين الوادي وعن شماله وإنما أراد بالبستان ms1385 ~~البساتين ويقال بساتين عن يمين الطريق وبساتين عن شماله فأرسل الله تعالى ~~إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم { كلوا من رزق ربكم } ~~يعني من فضل ربكم { واشكروا له } فيما رزقكم { بلدة طيبة ~~} يعني: هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة { ورب غفور } لمن تاب من ~~الشرك { فأعرضوا } عن الإيمان وقالوا: من ذا الذي يأخذ منا النعم { ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم } والعرم هو اسم لذلك الوادي، ~~ويقال: اسم للمنشأة، ويقال: هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم ~~الماء وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها، وندت أنعامهم، وأخذ كل واحد ~~منهم بيد ولده وامرأته فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى: { ~~وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط } ~~يعني أبدلهم الله تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك { وأثل ~~} يعني الطرفاء { وشىء من سدر قليل } والسدر كانوا يستظلون في ~~ظله ويأكلون من ثمره قرأ أبو عمرو (أكل) بكسر اللام بغير تنوين وقرأ ~~الباقون بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد ذواتي ثمر يؤكل ثم قال خمط بدلا ~~من أكل، والمعنى ذواتي خمط وأكله ثمرة، ومن قرأ بغير تنوين أضاف الأكل ~~إلى الخمط، والخمط هو الأراك في اللغة المعروفة وقال بعضهم كل نبت أخذ ~~طعما من مرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط ثم قال { ذلك جزينهم ~~} يعني ذلك الذي أصابهم عقوبة لهم عاقبناهم { بما كفروا } أي ~~بكفرهم { وهل نجازي إلا الكفور } يعني وهل يعاقب بمثل هذه ~~العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى ويقال الكفور الكافر، قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص وهل نجازي بالنون وكسر الزاى إلا الكفور ~~بالنصب وقرأ الباقون يجازي بالياء وفتح الزاي إلا الكفور بالضم، فمن قرأ ~~بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه والكفور بنصب لوقوع الفعل عليه، ~~ومن قرأ يجازي بالياء فهو على فعل ما لم يسم فاعله، يعني هل يعاقب بمثل ~~هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى ويقال هل يجازي الله ومعنى ~~الآية أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات، وأما الكافر فإنه يحبط ~~عمله كله ms1386 فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى: # أضل أعملهم # [محمد: 1] أي: أبطل أعمالهم وأحبطها فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى ~~قوله: (وهل يجازى إلا الكفور). ### || [34.18-21] # قال عز وجل: { وجعلنا بينهم وبين القرى التى ~~باركنا فيها } قال في رواية الكلبي إنهم قالوا للرسل إنا قد عرفنا ~~نعمة الله علينا فوالله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا والذي كنا عليه ~~لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه قوم قط فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ~~ما كانوا عليه وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة ~~بعضها إلى بعض فذلك قوله وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها { ~~قرى ظهرة } ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله ~~فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق وقال غيره { وجعلنا بينهم ~~وبين القرى التى باركنا فيها } هذا حكاية عما كانوا فيه ~~من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني متصلة على الطريق من حيث ~~يرى بعضها من بعض { وقدرنا فيها السير } للمبيت والمعيل من ~~قرية إلى قرية { سيروا فيها } يعني ليسيروا فيها، اللفظ لفظ الأمر، ~~والمراد به الشرط والجزاء فلم يشكروا ربهم فسألوا ربهم أن تكون القرى ~~والمنازل بعضها أبعد من بعض { ليالي وأياما آمنين فقالوا ~~ربنا بعد بين أسفارنا } وقد كانوا في قراهم آمنين ~~منعمين فذلك قوله: { ليالي وأياما آمنين } يعني أنهم كانوا ~~يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار آمنين من الجوع والعطش واللصوص ~~والسباع، قرأ ابن كثير وأبو عمرو بعد بغير ألف وتشديد العين وقرأ الباقون ~~باعد بالألف، وهما لغتان بعد باعد، وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل ~~البصرة ربنا بضم الباء باعد بنصب العين وهو على معنى الخبر، وروى ~~الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه ربنا باعد بين أسفارنا فلذلك لا ~~ينصب ثم قال { وظلموا أنفسهم } بالشرك وتكذيب الأنبياء { ~~فجعلنهم أحاديث } يعني أهلكهم الله تعالى فصاروا أحاديث ~~للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى { ~~ومزقنهم كل ممزق } أي فرقناهم في ms1387 كل وجه فألقى الله ~~الأزد بعمان الأوس والخزرج بالمدينة وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من ~~أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس فسموا بإسم أبيهم وخزاعة ~~بمكة كانوا بنو خزاعة منهم لخم وجذام بالشام، ويقال: كلب وغسان { إن ~~فى ذلك لآيات } أي: في هلاكهم وتفريقهم لعبرات { لكل صبار ~~شكور } يعني للمؤمنين الذين صبروا على طاعة الله تعالى وشكروا نعمته ~~قوله عز وجل: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } يعني ~~على أهل سبأ، ويقال: هذا ابتداء يعني جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال: # لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 82-83] فكان ذلك ظنا منه فصدق ظنه { فاتبعوه إلا فريقا ~~} يعني طائفة { من المؤمنين } وهم الذين قال الله تعالى # إن عبادى ليس لك عليهم سلطن # [الحجر: 42] وقال سعيد بن جبير: كان ظنه أنه قال أنا ناري وآدم طيني، ~~والنار تأكل الطين وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو وابن عامر ولقد صدق بالتخفيف يعني صدق في ظنه وقرأ الباقون صدق ~~بالتشديد يعني صار ظنه صدقا قوله عز وجل { وما كان له عليهم ~~من سلطن } يعني لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم ويقال يعني ما ~~سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا، وقال الحسن البصري رحمه الله ~~والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء وما كان إلا غرورا وأماني ~~دعاهم إليها فأجابوه، وقال قتادة والله ما كان ظنه إلا ظنا فنزل الناس ~~عند ظنه وقال معمر قال لي مقاتل: إن إبليس لما أنزل آدم - عليه السلام - ~~ظن أن في ذريته من سيكون أضعف منه فصدق عليهم ظنه، فإن قيل في آية أخرى # إنما سلطنه على الذين يتولونه # [النحل: 100] وهاهنا يقول { وما كان له عليهم من سلطن ~~} قيل له أراد بالسلطان هناك الحجة يعني إنما حجته على الذين يتولونه ~~وهاهنا أراد به الملك والقهر يعني لم يكن له عليهم ملك يقهرهم به، ويقال: ~~معنى الآيتين واحد لأن هناك قال إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا، ms1388 ~~وهاهنا قال: وما كان له عليهم من سلطان يعني حجة على فريق من المؤمنين ~~إلا بالتزين والوسوسة منه { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ~~ممن هو منها فى شك } يعني نميز من يصدق بالبعث ممن هو في شك ~~يعني من قيام الساعة وقال القتبي: علم الله نوعان: أحدهما: علم ما يكون ~~من إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين من قبل أن يكون، وهذا علم لا يجب به ~~حجة ولا عقوبة والآخر علم الأمور الظاهرة فيحق به القول ويقع بوقوعها ~~الجزاء يعني: ما سلطانه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرا موجودا ~~وكفر الكافرين ظاهرا موجودا وكذلك قوله: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جهدوا منكم # [آل عمران: 142] الآية ثم قال عز وجل: { وربك على كل شىء ~~حفيظ } يعني عالما بالشك واليقين، ويقال: عالم بقولهم، ويقال: عالم ~~بما يكون منهم قبل كونه، ويقال: حفيظ يحفظ أعمالهم ليجازيهم. ### || [34.22-23] # قال عز وجل: { قل ادعوا الذين زعمتم } يعني قل لكفار مكة ~~ادعو الذين زعمتم { من دون الله } أنهم آلهة فيكشفوا عنكم الضر ~~الذي نزل بكم من الجوع يعني الأصنام ويقال: الملائكة - عليهم السلام - { ~~لا يملكون مثقال ذرة } يعني نملة صغيرة { في ~~السموات ولا فى الأرض } يعني إذا كان حالهم هذا فمن أين ~~جعلوا لهم الشركة في العبادة ثم قال { وما لهم فيهما من شرك ~~} يعني في خلق السماوات والأرض من عون ويقال ما لهم فيها من نصيب { وما ~~له منهم من ظهير } يعني معين من الملائكة الذين يعبدونهم ثم ~~ذكر أن الملائكة لا يملكون شيئا من الشفاعة فقال عز وجل { ولا تنفع ~~الشفعة عنده } يعني لا تنفع لأحد لا نبيا ولا ملكا { إلا ~~لمن أذن له } أن يشفع لأحد من أهل التوحيد قرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر في إحدى الروايتين إلا لمن أذن له بالنصب يعني حتى يأذن الله ~~عز وجل له قرأ الباقون بالضم على فعل ما لم يسم فاعله ومعناه مثل الأول ~~ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي ms1389 خروا سجدا من مخافة الله ~~عز وجل وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } وذلك أن أهل السموات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ~~ومحمد - عليهما السلام - فسمعوا صوتا كوقع الحديد على الصفا (فخروا ~~سجدا مخافة القيامة) وذلك صوت الوحي ويقال: صوت نزول جبريل - عليه ~~السلام - فخروا سجدا مخافة القيامة، فهبط جبريل - عليه السلام - على أهل ~~كل سماء فذلك قوله { حتى إذا فزع عن قلوبهم } وذكر عن بعض ~~أهل اللغة أنه قال إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما تقع موقع ~~الابتداء كقوله عز وجل: # حتى إذا فتحنا عليهم بابا # /[المؤمنون: 77] كقوله حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج { حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم } يعني لما فزع عن قلوبهم ومعناه انجلاء الفزع ~~عن قلوبهم فقاموا عن السجود وسأل بعضهم بعضا { قالوا ماذا قال ~~ربكم } يعني ماذا قال جبريل - عليه السلام - عن ربكم { قالوا ~~الحق } يعني الوحي قال حدثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله قال حدثنا ~~الخليل بن أحمد قال حدثنا الدبيلي قال حدثنا أبو عبد الله قال حدثنا ~~سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~وسمع لذلك صوت كأنها سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ~~ربكم، قالوا: الحق الذي قال فسيحي الشياطين بعضهم فوق بعض فإذا سمع ~~الأعلى منهم الكلمة رمى بها إلى الذي تحته وربما أدركه الشهاب قبل أن ~~ينبذها، وربما نبذها قبل أن تدركه فينبذها بعضهم إلى بعض حتى تنتهي إلى ~~الأرض فتلقى على لسان الكاهن والساحر فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقول ~~أليس قد أخبر بكذا وكذا وكان حقا وهي الكلمة التي سمع من السماء " # قرأ ابن عامر حتى إذا فزع بنصب الفاء والزاي يعني كشف الله الفزع وقرأ ~~الباقون بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن حتى إذا فزع ~~بالواو والغين يعني ms1390 فرغ الفزع عن قلوبهم، وقراءة العامة بالزاي أي خفف ~~عنها الفزع وقال مجاهد معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال ~~{ وهو العلى الكبير } يعني هو أعلى وأعظم وأجل من أن يوصف ~~له شريك. ### || [34.24-30] # قوله عز وجل { قل من يرزقكم من السموات والأرض } ~~يعني المطر والنبات فإن أجابوك وإلا { قل الله } يعني الله يرزقكم ~~من السماوات والأرض { وإنا أو إياكم } يعني قل لهم أحدنا { ~~لعلى هدى } والأخرى على الضلال، يعني إنا على الهدى وأنتم على ~~الضلالة وهذا كرجل يقول لأخر أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه أراد به صاحبه، ~~ويقال في الآية تقديم يعني وإنا على الهدى وإياكم { أو فى ضلل ~~مبين } ثم قال عز وجل: { قل لا تسئلون عما أجرمنا } ~~يعني لا تسألون عن جرم أعمالنا { ولا نسئل عما تعملون } ~~يعني لا نسأل عن جرم أعمالكم ويقال لا تؤخذون بجرمنا ولا نؤخذ بجرمكم ~~قوله عز وجل { قل يجمع بيننا ربنا } يعني يوم القيامة نحن ~~وأنتم { ثم يفتح بيننا بالحق } يعني بالعدل { وهو ~~الفتاح العليم } القابض العليم بما يقضي { قل أرونى ~~الذين ألحقتم به شركاء } أروني آلهتكم الذين تعبدون من ~~دون الله وتزعمون أنها له شركاء أي ماذا خلقوا في السموات والأرض من ~~الخلق { كلا } يعني ما خلقوا شيئا { بل هو الله } خالق كل شيء ~~{ العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره قوله عز وجل { وما ~~أرسلنك إلا كافة للناس } أي عامة للناس { بشيرا } ~~وروى خالد الحذاء عن قلابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي بعثت إلى كل أحمر وأسود فليس أحد من ~~أحمر وأسود يدخل في أمتي إلا كان منهم، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر، ~~وجعلت فاتحا وخاتما وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتنا ~~الصلاة صلينا وإن لم نجد ماء تيممنا وأطعمنا غنائمنا ولم يطعمها أحد كان ~~قبلنا كانت قربانهم تأكله النار " # ثم قال بشيرا { ونذيرا } يعني بشيرا بالجنة لمن أطاعه ونذيرا ~~بالنار لمن عصاه { ولكن أكثر الناس لا ms1391 يعلمون } يعني ~~لا يصدقون بالجنة ولا بالنار { ويقولون متى هذا الوعد } ~~يعني البعث { إن كنتم صدقين } يعني إن كنت صادقا ويقال: إن ~~كنت رسول الله قوله عز وجل { قل لكم ميعاد يوم } يعني ميقاتا ~~في العذاب، ويقال: ميعادا في البعث والعذاب { لا تستئخرون ~~عنه } يعني عن الميعاد والعذاب { ساعة } يعني قدر ساعة { ولا ~~تستقدمون } قبل الأجل، ويقال: معناه أنا قادر اليوم على عذابهم، ~~ولكن أؤخرهم في الوعد الذي كتب لهم في اللوح المحفوظ. ### || [34.31-35] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرءان ولا بالذى بين يديه } من التوراة والإنجيل يعني ~~لا نصدق بذلك كله فحكى الله قولهم ثم ذكر عقوبتهم في الآخرة فقال { ~~ولو ترى إذ الظلمون } يعني لو رأيت يا محمد الظالمين يوم ~~القيامة { موقوفون عند ربهم } يعني محبوسين في الآخرة { ~~يرجع بعضهم إلى بعض القول } يعني يرد بعضهم بعضا ~~الجواب ثم أخبر عن قولهم فقال { يقول الذين استضعفوا } وهم ~~السفلة والاتباع { للذين استكبروا } يعني القادة والرؤساء { ~~لولا أنتم لكنا مؤمنين } يعني لولا دعوتكم وتعريفكم إيانا ~~لكنا مصدقين قوله عز وجل { قال الذين استكبروا } يعني القادة ~~{ للذين استضعفوا } وهم الاتباع { أنحن صددنكم ~~عن الهدى } يعني أنحن منعناكم عن الإيمان { بعد إذ جاءكم } ~~به الرسول { بل كنتم مجرمين } يعني مشركين قوله عز وجل { ~~وقال الذين استضعفوا } يعني ردت الضعفاء عليهم الجواب ~~وقالوا { للذين استكبروا بل مكر اليل والنهار } ~~يعني قولكم لنا بالليل والنهار واحتيالكم بالدعوة إلى الشرك { إذ ~~تأمروننا أن نكفر بالله } يعني نجحد بوحدانية الله { ~~ونجعل له أندادا } يعني نقول له شركاء { وأسروا ~~الندامة } يعني أخفوا الحسرة ويقال اظهروا الندامة والحسرة { لما ~~رأوا العذاب وجعلنا الأغلل } يعني نجعل الأغلال يوم ~~القيامة { فى أعناق الذين كفروا } من الرؤساء والسفلة { ~~هل يجزون } يعني هل يثابون في الآخرة { إلا ما كانوا ~~يعملون } في الدنيا قوله عز وجل { وما أرسلنا فى قرية ~~من نذير } يعني من رسول { إلا قال مترفوها } يعني ~~جبابرتها ورؤساؤها للرسل { إنا بما أرسلتم به كفرون } ~~يعني جاحدون بالتوحيد ms1392 والمترف المتنعم وإنما أراد به المتكبرين { ~~وقالوا نحن أكثر أمولا وأولدا } في الدنيا { ~~وما نحن بمعذبين } في الآخرة ومعناه أن الكفار المتقدمين ~~استخفوا بالفقراء وآذوا الرسل كما يفعل بك قومك وافتخروا بما أعطاهم الله ~~عز وجل من الأموال كما افتخر قومك وأمره بأن يأمرهم بأن لا يفتخروا ~~بالمال فإن الله تعالى يعطي المال لمن يشاء. ### || [34.36-42] # وهو قوله عز وجل: { قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء } ~~أي يوسع المال لمن يشاء وهو مكر منه واستدراج { ويقدر } يعني يقتر ~~على من يشاء وهو نظر له لكي يعطى في الآخرة من الجنة بما قتر عليه في ~~الدنيا { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } أن التقتير ~~والبسط من الله عز وجل، ويقال: لا يصدقون أن الذين اختاروا الآخرة خير من ~~الذين اختاروا الدنيا ثم أخبر الله تعالى أن أموالهم لا تنفعهم يوم ~~القيامة فقال عز وجل { وما أمولكم ولا أولدكم ~~بالتى تقربكم عندنا زلفى } يعني قربة، ومعناه وما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا ولو كان على سبيل الجمع لقال ~~بالذين يقربونكم لأن الحكم للآدميين إذا اجتمع معهم غيرهم ثم قال { ~~إلا من آمن } يعني إلا من صدق بالله ورسوله { وعمل صلحا ~~فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } يعني للواحد ~~عشرة إلى سبع مائة، وإلى ما لا يحصى وقال القتبي: أراد بالضعف التضعيف أي ~~لهم جزاء وزيادة، قال: ويحتمل جزاء الضعف أي جزاء الأضعاف كقوله: # عذابا ضعفا في النار # [ص: 61] أي مضافا وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: إن الغني إذا ~~كان تقيا يضاعف الله له الأجر مرتين ثم قرأ هذه الآية { وما ~~أمولكم ولا أولدكم } إلى قوله: { فأولئك لهم ~~جزاء الضعف } يعني أجره مثلي ما يكون لغيره، ويقال هذا لجميع من ~~عمل صالحا { وهم فى الغرفت ءامنون } قرأ حمزة وهم في ~~الغرفة وقرأ الباقون وهم في الغرفات والغرفة في اللغة: كل بناء يكون ~~علوا فوق سفل، وجمعه غرف وغرفات، ومعناه وهم في الجنة آمنون من الموت ~~والهرم والأمراض والعدو وغير ms1393 ذلك من الآفات ثم قال عز وجل { والذين ~~يسعون فى ءايتنا معجزين } والقراءة قد ذكرناها { ~~أولئك فى العذاب محضرون } يعني في النار معذبون { قل ~~إن ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ~~له } وقد ذكرناه { وما أنفقتم من شىء } يعني ما تصدقتم من ~~صدقة { فهو يخلفه } يعني فإن الله يعطي خلفه في الدنيا وثوابه في ~~الآخرة { وهو خير الرزقين } يعني أقوى المعطين وروى أبو الدرداء ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " ما طلعت شمس ولا غربت شمس إلا بعث بجنبيها ملكان يناديان اللهم عجل ~~لمنفق ماله خلفا وعجل لممسك ماله تلفا " # ثم قال عز وجل { ويوم نحشرهم جميعا } يعني الملائكة عليهم ~~السلام ومن عبدهم قرأ بعضهم من أهل البصرة: يحسرهم بالياء يعني يحشرهم ~~الله عز وجل وقراءة العامة بالنون على معنى الحكاية عن نفسه { ثم ~~يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ~~يعني أنتم أمرتم عبادي أن يعبدوكم وهذا سؤال توبيخ كقوله لعيسى عليه ~~السلام # أءنت قلت للناس اتخذونى # [المائدة: 116] الآية { قالوا سبحنك } فنزهت الملائكة ربها عن ~~الشرك، وقالوا سبحانك يعني تنزيها لك { أنت ولينا من دونهم ~~} ونحن برآء منهم من أن نأمرهم أن يعبدونا { بل كانوا يعبدون ~~الجن } يعني أطاعوا الشياطين في عبادتهم { أكثرهم بهم ~~مؤمنون } يعني مصدقين الشياطين مطيعين لها يقول الله تعالى { ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا } يعني شفاعة { ~~ولا ضرا } يعني ولا دفع الضر عنهم { ونقول للذين ظلموا ~~} يعني كفروا في الدنيا يقال لهم في الآخرة { ذوقوا عذاب النار ~~التى كنتم بها تكذبون } إنها غير كائنة ثم أخبر عن أفعالهم ~~في الدنيا. ### || [34.43-49] # قوله عز وجل: { وإذا تتلى } يعني يقرأ وتعرض { عليهم ~~ءايتنا بينت } بالأمر والنهي والحلال والحرام { قالوا } ما ~~نعرف هذا { ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم } يعني ~~يصرفكم { عما كان يعبد ءاباؤكم } من عبادة الأصنام { ~~وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى } يعني كذبا مختلقا { ~~وقال الذين كفروا للحق } يعني للقرآن { لما جاءهم ~~إن هذا إلا سحر مبين } يعني كذب ms1394 بين ثم قال عز وجل { ~~وما ءاتينهم } يعني ما أعطيناهم { من كتب يدرسونها } ~~يعني من كتب يقرؤونها وفيها حجة لهم بأن مع الله شريكا { وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير } يعني من رسول في زمانهم ~~{ وكذب الذين من قبلهم } يعني من قبل قومك أرسلهم كما كذبك ~~قومك { وما بلغوا } أي ما بلغ قومك { معشار ما ءاتينهم ~~} يعني ما بلغ أهل مكة عشر الذي أعطينا الأمم الخالية من الأموال والقوة ~~فأهلكتهم بالعذاب حين كذبوا رسلي { فكذبوا رسلى فكيف كان ~~نكير } يعني كيف كان إنكاري وتغييري عليهم وإيش خطر هؤلاء بجنب أولئك ~~فاحذروا مثل عذابهم { قل إنما أعظكم بوحدة } يعني بكلمة ~~واحدة ويقال بخصلة واحدة { أن تقوموا لله } بالحق { مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصحبكم من جنة } يعني ~~أمركم بالإنصاف أن تتأملوا حق التأمل وتتفكروا في أنفسكم هل لهذا الرجل ~~الذي يدعوكم إلى خالقكم وخالق السموات والأرض هل رأيتم به جنونا ثم قال ~~ما بصاحبكم من جنة يعني من جنون، وقال القتبي: تأويله أن المشركين لما ~~قالوا إنه ساحر ومجنون وكذاب فقال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة أن تنصحوا لأنفسكم ولا يميل بكم هوى ~~فتقوموا لله في دار يخلو فيها الرجل منكم بصاحبه، فيقول له: هلم فلنتصادق ~~هل رأينا بهذا الرجل جنة أم جربنا عليه كذبا ثم ينفرد كل واحد منهما عن ~~صاحبه فيتفكر وينظر فإن ذلك يدل على أنه نذير قال وكل من تحير في أمر قد ~~اشتبه عليه واستبهم أخرجه من الحيرة أن يسأل ويناظر فيه ثم يتفكر ويعتبر، ~~ثم قال { إن هو إلا نذير لكم } أي ما هو إلا مخوف لكم { ~~بين يدى عذاب شديد } أي بين يدي القيامة ثم قال عز وجل: { ~~قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر كفار مكة أن لا يؤذوا أقربائه فكفوا عن ذلك فنزل # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة فى ~~القربى # [الشورى: 23] فكفوا عن ذلك ثم ms1395 سمعوا بذكر آلهتهم فقالوا لا تنظرون إليه ~~ينهانا عن إيذاء أقربائه وسألناه أن لا يؤذينا في آلهتنا فلا يمتنع فنزل ~~{ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } إن شئتم آذوهم وإن ~~شئتم امتنعتم { إن أجرى إلا على الله } فهو الحافظ والناصر ~~{ وهو على كل شىء شهيد } بأني نذير وما بي جنون ثم قال عز ~~وجل { قل إن ربى يقذف بالحق } يعني يبين الحق من الباطل، ~~ويقال: يأمر بالحق ويقال: يتكلم بالحق يعني بالوحي { علم ~~الغيوب } يعني هو عالم كل غيب قوله عز وجل { قل جاء الحق } ~~يعني ظهر الإسلام { وما يبدىء البطل } يعني لا يقدر الشيطان ~~أن يخلق أحدا { وما يعيد } يعني لا يقدر أن يحييه بعد الموت، والله ~~تعالى يفعل ذلك، ويقال: الباطل أيضا الصنم، وروى ابن مسعود أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل ~~يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل، قل جاء الحق وما يبدي ~~الباطل وما يعيد. ### || [34.50-54] # قوله عز وجل: { قل } يا محمد { إن ضللت فإنما أضل ~~على نفسى } يعني وزور الضلال على نفسي { وإن اهتديت } إلى ~~الحق والهدى { فبما يوحى إلى ربى } يعني اهتديت بما يوحي إلي ~~من القرآن { إنه سميع } للدعاء { قريب } بالإجابة ممن دعاه ~~وقيل للنابغة حين أسلم: أصبوت يعني آمنت بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: بلى هو غلبني بثلاث آيات من كتاب الله عز وجل فأردت أن أقول ثلاثة ~~أبيات من الشعر على قافيتها فلما سمعت هذه الآيات فعييت فيها ولم أطق ~~فعلمت أنه ليس من كلام البشر وهي هذه { قل إن ربى يقذف ~~بالحق علم الغيوب } { قل جاء الحق وما يبدىء ~~البطل وما يعيد } { قل إن ضللت فإنما أضل ~~على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه ~~سميع قريب } قوله عز وجل: { ولو ترى إذ فزعوا } يعني: ~~خافوا من العذاب { فلا فوت } يعني: فلا نجاة لهم منها { وأخذوا ~~من مكان قريب }. # روي عن الكلبي أنه قال: نزلت الآية في ms1396 قوم يقال لهم السفيانية يخرجون في ~~آخر الزمان عددهم ثلاثون ألف رجل إلى أن يبلغوا أرض الحجاز فافترقوا ~~فرقتين فتقدمت فرقة إلى موضع يقال له بيداء صاح بهم جبريل عليه السلام ~~صيحة فخسف بهم الأرض كلهم إلا واحدا منهم ينجو فيحول وجهه إلى خلفه ~~فيرجع إلى الفرقة الأخرى فيخبرهم بما أصابهم يعني ولو ترى يا محمد فزعهم ~~حين صاح بهم جبريل عليه السلام فلا فوت أي لا يفوت منهم فايت وأخذوا من ~~مكان قريب يعني خسف بهم البيدا بقرب مكة، ويقال: يعني: يوم القيامة ولو ~~ترى يا محمد إذ فزعوا حين نزل بهم العذاب يوم القيامة فلا فوت وأخذوا من ~~مكان قريب، كما قال: وبرزت الجحيم، وقال الحسن: ولو ترى إذ فزعوا من ~~قبورهم يوم القيامة، وقال الضحاك: يعني يوم بدر ثم قال عز وجل { ~~وقالوا ءامنا به } يعني العذاب حين رأوه يقول الله تعالى { ~~وأنى لهم التناوش } يعني من أين لهم التوبة ويقال: من أين ~~لهم الرجفة قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في إحدى الروايتين التناؤش ~~بالهمز وقرأ الباقون بغير همز فمن قرأ بالهمز فهو من التناوش وهو الحركة ~~في إبطاء، والمعنى من أين لهم أن يتحركوا فيما لا حيلة لهم فيه، ومن قرأ ~~بغير همز فهو من التناول، ويقال: تناول إذا مد يده إلى شيء ليصل إليه ~~وتناوش يده إذا مد يده إلى شيء لا يصل إليه ثم قال { من مكان ~~بعيد } يعني من الآخرة إلى الدنيا وروي عن ابن عباس أنه قال: من مكان ~~بعيد قال: سألوا الرد حين لا رد ثم قال عز وجل: { وقد كفروا به ~~من قبل } يعني كفروا بالله من قبل الموت، ويقال به يعني: بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم، ويقال: بالقرآن { ويقذفون بالغيب } يعني: ~~يتكلمون بالظن في الدنيا { من مكان بعيد } أنه لا جنة ولا نار ~~ولا بعث ثم قال { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } يعني من ~~الرجفة إلى الدنيا ويقال من التسوية كيف ينالون التسوية في هذا الوقت، ~~وقد كفروا ms1397 به من قبل { كما فعل بأشيعهم من قبل } يعني ~~الأقدمون أهل دينهم الأولون من قبل الأشياع جمع الجمع يقال: شيعة وشيع ~~وأشياع ثم قال { إنهم كانوا فى شك مريب } يعني هم في شك ~~مما نزل بهم مريب يعني أنهم لا يعرفون شكهم، وقال القتبي: في قوله فلا ~~فوت: يعني لا مهرب ولا ملجأ وهذا مثل قوله: # فنادوا ولات حين مناص # [ص: 3] أي: نادوا حين لا مهرب والله أعلم. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1-2] # قوله تبارك وتعالى: { الحمد لله فاطر السموات ~~والأرض } يعني: خالق السموات والأرض يقال فطر الشيء إذا بدأه قال ابن ~~عباس رضي الله عنه ما كنت أعرف فاطر حتى اختصما لي أعرابيان في بئر، ~~فقال: أحدهما أنا فطرتها يعني: بدأتها، ثم قال: { جاعل ~~الملئكة رسلا } يعني: مرسل الملائكة بالرسالة جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت والكرام الكاتبين عليهم السلام { أولى أجنحة ~~} يعني: ذوي أجنحة ولفظ أولي يستعمل في الجماعة ولا يستعمل في الواحد، ~~وواحدها ذو، ثم قال: { مثنى وثلث ورباع } يعني: من ~~الملائكة من له جناحان ومنهم من له ثلاثة أجنحة ومنهم من له أربعة ومنهم ~~كذا، ويقال: ثلاث معدول من ثلاثة يعني ثلاثة ثلاثة ورباع معدول من أربعة ~~يعني أربعة أربعة ثم قال: { يزيد فى الخلق ما يشاء } يعني: ~~يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء وروي عن ابن شهاب # " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل جبريل عليه السلام أن ~~يتراءى له في صورته، فقال له جبريل: إنك لا تطيق ذلك، فقال: إني أحب أن ~~تفعل، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إلى المصلى) في ليلة مقمرة ~~فأتاه جبريل في صورته فغشي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~رآه، ثم أفاق وجبريل عليه السلام يسنده واضع إحدى يديه على صدره والأخرى ~~بين كتفيه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله ما كنت أرى ~~شيئا من الخلق هكذا، فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل؟ إن له اثني عشر ~~جناحا منها جناح بالمشرق وجناح ms1398 بالمغرب وأن العرش لعلى كاهله وإنه ~~ليتضائل بالأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوضع يعني عصفورا حتى لا ~~يحمل عرشه إلا عظمته " # فذلك قوله تعالى: { يزيد فى الخلق ما يشاء } يعني: في خلق ~~الملائكة ويقال يزيد في الخلق ما يشاء يعني الشعر الحسن والصوت الحسن ~~والخد الحسن ويقال يزيد في الخلق ما يشاء يعني في الجمال والكمال ~~والذمامة ثم قال: { إن الله على كل شىء قدير } من ~~الزيادة والنقصان وغيره ثم قال عز وجل: { ما يفتح الله ~~للناس من رحمة } يعني: ما يرسل الله للناس من رزق كقوله: # ابتغآء رحمة من ربك # [الإسراء: 28] ويقال الغيث ويقال من رحمة يعني: من كل خير { فلا ~~ممسك لها } يعني: لا يقدر أحد على حبسها { وما يمسك } يعني: ~~ما يحبس من رزق { فلا مرسل له من بعده } يعني: فلا معطي أحد ~~بعد الله عز وجل قال في أول الكلام: فلا ممسك لها بلفظ التأنيث لأنه ~~انصرف إلى اللفظ وهو الرحمة ثم قال: فلا مرسل له بلفظ التذكير لأنه ينصرف ~~إلى المعنى وهو المطر والرزق ولو كان كلاهما بلفظ التذكير أو كلاهما بلفظ ~~التأنيث لجاز في اللغة فذكر الأول بلفظ التأنيث لأن الرحمة كانت أقرب ~~إليه وفي الثاني كان أبعد وقد ذكر بلفظ التذكير مجاز حذف ما، ثم قال { ~~وهو العزيز } فيما أمسك { الحكيم } فيما أرسل. ### || [35.3-8] # قوله عز وجل: { يأيها الناس اذكروا نعمة الله ~~عليكم } يعني: احفظوا نعمة الله ثم ذكر النعمة فقال { هل من ~~خلق غير الله يرزقكم من السماء والأرض } يعني: ~~النبات والمطر قرأ حمزة والكسائي غير الله بكسر الراء، وقرأ الباقون ~~بالضم مثل ما في سورة الأعراف، والاستثناء إذا كان بحرف إلا فإن الإعراب ~~يكون على ما بعده، وإذا كان الاستثناء بحرف غير فإن الإعراب يقع على نفس ~~الغير، فمن قرأ بالكسر صار كسرا على البدل، ومن قرأ بالرفع فمعناه هل ~~خالق غير الله لأن من موكدة ولفظ الآية لفظ الاستفهام، والمراد به النفس ~~يعني أنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد ms1399 سواه ولا يرزقكم أحد سواه ثم وحد نفسه ~~فقال { لا إله إلا هو } يفعل بكم ذلك { فأنى تؤفكون ~~} يعني: من أين تكذبون وأنتم تعلمون أنه لا يخلق أحد سواه ثم قال عز وجل: ~~{ وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك } كما كذبك ~~قومك، وهذا تعزية يعزي بها نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذاهم ~~{ وإلى الله ترجع الأمور } يعني: إليه ترجع عواقب الأمور ~~بالبعث ثم قال عز وجل: { يا أيها الناس } يعني: يا أهل مكة { ~~إن وعد الله حق } يعني: البعث بعد الموت حق كائن { فلا ~~تغرنكم الحيوة الدنيا } يعني: حياتكم في الدنيا، ~~والدنيا في الأصل هي القربى سميت بهذا لأن حياتهم هذه أقرب إليهم، ويقال: ~~هي فعلى من الأدون يعني: حياة الأدون { ولا يغرنكم بالله ~~الغرور } يعني: الباطل وهو الشيطان. قال: حدثنا أبو الليث رحمه الله ~~قال حدثني أبي قال حدثنا أبو الحسن الفراء الفقيه السمرقندي قال: حدثنا ~~أبو بكر الجرجاني الإمام بسمرقند ذكر بإسناده عن العلاء بن زيادة قال ~~رأيت الدنيا في النوم امرأة قبيحة عمشاء ضعيفة عليها من كل زينة فقلت من ~~أنت أعوذ بالله منك فقالت أنا الدنيا فإن يسرك أن يعيذك الله مني فأبغض ~~الدراهم يعني لا تمسكها عن النفقة في موضع الحق ثم قال عز وجل: { إن ~~الشيطن لكم عدو } يعني: حين يأمركم بالكفر ومن عداوته مع ~~أبيكم ترك طاعة الله { فاتخذوه عدوا } يعني: فعادوه بطاعة الله ~~ومعناه أطيعوا الله عز وجل لأنك إذا أطعت الله فقد عاديت الشيطان { ~~إنما يدعو حزبه } يعني: شيعته إلى الكفر { ليكونوا من ~~أصحب السعير } يعني: من أهل النار ثم بين مصير من أطاع الشيطان ~~ومصير من عصاه فقال { الذين كفروا } يعني: جحدوا بوحدانية الله ~~عز وجل { لهم عذاب شديد } في الآخرة { والذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحات } يعني: صدقوا بوحدانية الله وعملوا الطاعات ~~واتخذوا الشيطان عدوا { لهم مغفرة } في الدنيا لذنوبهم { ~~وأجر كبير } يعني: ثوابا حسنا في الجنة قوله عز وجل: { أفمن ~~زين له سوء عمله } يعني: قبيح عمله ms1400 كمن لم يزين له ذلك { ~~فرءاه حسنا } يعني: فظنه حقا، والجواب فيه مضمرا فمن زين له ~~سوء عمله كمن لم يزين له ذلك، وقال الزجاج: أفمن زين له سوء عمله يعني ~~أبا جهل وأصحابه وأضله الله كمن لم يزين له ذلك وهداه الله تعالى ثم قال: ~~{ فإن الله يضل من يشاء } عن دينه { ويهدى من يشاء ~~} لدينه { فلا تذهب نفسك عليهم حسرت } قال القتبي: ~~هذا من الإضمار يعني ذهبت نفسك حسرة عليهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ~~بتركهم الإيمان وقرىء في الشاذ: فلا تذهب بضم التاء وكسر الهاء نفسك بنصب ~~السين من أذهب يذهب يعني: لا تقتل نفسك؛ وقراءة العامة فلا تذهب نفسك ~~بنصب التاء والهاء وضم السين أي: (لا تحزن نفسك) { إن الله عليم ~~بما يصنعون } من الخير والشر. ### || [35.9-11] # قال عز وجل: { والله الذى أرسل الرياح فتثير ~~سحبا } أي ترفعه وتهيجه { فسقناه } يعني: نسوقه { إلى ~~بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها } يعني: ~~بعد يبسها { كذلك النشور } يعني: هكذا تحيون بعد الموت يوم ~~القيامة وروي عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن ابن الزبعرى عن عبد الله بن ~~مسعود أنه قال تقوم الساعة على شرار الناس ثم يقوم ملك بالصور فينفخ فيه ~~فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات إلا ما شاء الله ثم يكون بين ~~النفختين ما شاء الله فيرسل الله الوباء من السماء من تحت العرش كمني ~~الرجال فتنبت لحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الندا ثم قرأ: { ~~فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور } ثم ~~ينفخ في الصور قوله عز وجل: { من كان يريد العزة فلله ~~العزة جميعا } يعني: من طلب العزة بعبادة الأوثان فليتعزز بطاعة ~~الله عز وجل فإن العزة لله جميعا يقول من يتعزز بإذن الله، ويقال: معناه ~~من كان يريد أن يعلم لمن تكون العزة فليعلم بأن العزة لله جميعا، ويقال: ~~من كان يطلب لنفسه العزة فإن العزة لله جميعا ثم قال: { إليه ~~يصعد الكلم الطيب } قال مقاتل: يصعد ms1401 إلى السماء كلمة التوحيد ~~{ والعمل الصلح يرفعه } يقول التوحيد يرفع العمل الصالح ~~إلى الله تعالى في السماء فيها تقديم، وقال الحسن البصري العمل الصالح ~~يرفع الكلام الطيب إلى الله عز وجل فإذا كان الكلام الطيب عملا غير صالح ~~يرد القول إلى العمل لأنه أحق من القول، وقال قتادة: والعمل الصالح ~~يرفعه، قال الله: يرفعه، ويقال: العمل الصالح يرفعه لصاحبه، ويقال: يرفعه ~~يعني: يعظمه، ويقال: العمل الصالح يرفعه أي يقبل الأعمال بالإخلاص معناه ~~العمل الخالص الذي يقبله ثم قال: { والذين يمكرون السيئات ~~} أي: يعملون بالشرك، ويقال يعملون بالرياء لا يقبل منهم { لهم ~~عذاب شديد } في الآخرة { ومكر أولئك هو يبور } ~~يعني: شرك أولئك وفسقهم وصنيعهم يهلك صاحبه في الآخرة، يقال بارت السلعة ~~إذا كسدت لأنها إذا كسدت فقد تعرضت للهلاك ثم قال عز وجل: { والله ~~خلقكم من تراب } يعني: آدم عليه السلام وهو أصل الخلق { ثم ~~من نطفة } يعني: خلقكم من نطفة { ثم جعلكم أزوجا } ~~يعني: أصنافا ذكرا وأنثى، ويقال: أصنافا أحمر وأبيض وأسود يعني ~~فاذكروني ووحدوني { وما تحمل من أنثى } ومن صلة في الكلام { ~~ولا تضع إلا بعلمه } يعني: بمشيئته { وما يعمر من ~~معمر } فيطول عمره { ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب } يعني: إلا وكل ذلك في كتاب الله أي قد بين في اللوح المحفوظ ~~وروي عن ابن عمر أنه قرأ من عمره بجزم الميم، وهما لغتان مثل نكر ونكر { ~~إن ذلك على الله يسير } يعني: حفظه على الله هين بغير ~~كتابة. ### || [35.12-14] # قال عز وجل: { وما يستوى البحران } العذب والمالح { هذا ~~عذب فرات } يعني: طيب هين شربه. ويقال: سلس في حلقه، حلو في ~~شرابه، { سائغ } يعني: شهيا ويقال: يسوغه الشراب { وهذا ملح ~~أجاج } يعني: الشديد الذي شيب بضرب إلى المرارة { ومن كل ~~تأكلون لحما طريا } يعني: السمك { وتستخرجون } من ~~المالح { حلية } وهي اللؤلؤ { تلبسونها } يعني: تستعملونها ~~وتلبسون نساءكم وهذا المثل لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ~~الكفار يعني: وما يستوي الذين صدقوا والذين كذبوا ومن كل يظهر ms1402 شيء من ~~الصلاح يعني يلد الكافر المسلم مثل ما أولد الوليد بن المغيرة خالد بن ~~الوليد وأبو جهل عكرمة بن أبي جهل قوله { وترى الفلك } يعني: ~~السفن { مواخر } يعني: تذهب وتجيء { فيه } يعني: في البحر { ~~لتبتغوا من فضله } يعني: من رزقه { ولعلكم تشكرون ~~} يعني: لكي تشكروا رب هذه النعمة، يقال في اللغة: مخر يمخر إذا شق الماء ~~يعني أن السفينة تشق الماء في حال جريها، يقال: مخرت السفينة إذا جرت ~~وشقت الماء في جريها ثم قال عز وجل: { يولج اليل فى النهار ~~ويولج النهار فى اليل } وقد ذكرناه { وسخر الشمس ~~والقمر } يعني: ذلل الشمس والقمر لبني آدم { كل يجرى ~~لأجل مسمى } يعني: إلى أقصى منازلها في الغروب لأنها تغرب كل ~~ليلة في موضع وهو قوله عز وجل: # فلا أقسم برب المشارق والمغارب # [المعارج: 40] ويقال: إلى أجل مسمى يعني: يجريان دائما إلى يوم القيامة ~~{ ذلكم الله ربكم } يعني هذا الذي فعل لكم هذا الفعل هو ~~ربكم وخالقكم { له الملك } فاعرفوا توحيده وادعوه ولا تدعوا غيره { ~~والذين تدعون من دونه } يعني: من دون الله الأوثان وما ~~يعبدونهم من دون الله { ما يملكون من قطمير } يعني: لا يقدرون ~~أن يعطوكم ولا ينفعوكم بمقدار القطمير والقطمير قشر النواة الأبيض الذي ~~يكون بين النوى والتمر، وقال مجاهد: القطمير لفاف النوى ثم قال: { إن ~~تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم } يعني: ولو كانوا بحال يسمعون أيضا فلا يجيبونكم ~~ولا يكشفون عنكم شيئا { ويوم القيمة يكفرون ~~بشرككم } يعني: يتبرؤون من عبادتكم ويقولون ما كنتم إيانا تعبدون ~~يقول الله تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { ولا ينبئك مثل ~~خبير } يعني: لا يخبرك من عمل الآخرة مثل الرب تبارك وتعالى، ويقال: ~~لا يخبرك أحد مثل الرب بأن هذا الذي ذكر عن الأصنام أنهم يتبرؤون عن ~~عبادتهم. ### || [35.15-26] # قال عز وجل: { يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } ~~يعني: أنتم محتاجون إلى ما عنده ويقال أنتم الفقراء إلى الله في رزقه ~~ومغفرته { والله هو الغنى الحميد } الغنى عن ms1403 عبادتكم ~~الحميد في فعاله وسلطانه وهذا كما قال في آية أخرى: # والله الغنى وأنتم الفقرآء # [محمد: 38] لأن كل واحد يحتاج إليه لأن أحدا لا يقدر أن يصلح أمره إلا ~~بالأعوان والأمير ما لم يكن له خدم وأعوان لا يقدر على الإمارة وكذلك ~~التاجر يحتاج إلى المكارين والله عز وجل غني عن الأعوان وغيره ثم قال عز ~~وجل: { إن يشأ يذهبكم } يعني: يهلككم ويميتكم { ويأت ~~بخلق جديد } أفضل منكم وأطوع لله { وما ذلك على الله ~~بعزيز } يعني: شديد { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ~~يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى، ويقال: لا تحمل بالطوع ولكن يحمل ~~عليها إذا كان له خصما ثم قال: { وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها } يعني: الذي أثقلته الذنوب والأوزار إن لو دعا أحدا ليحمل ~~عنه بعض أوزاره لا يحمل من وزره شيئا وإن كان ذا قرابة لا يحمل من وزره، ~~وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال إن الوالد يتعلق بولده يوم ~~القيامة فيقول يا بني إني كنت لك والدا فيثني عليه خيرا فيقول يا بني ~~قد احتجت إلى مثقال ذرة وفي رواية أخرى: إلى مثقال حبة من حسناتك لعلي ~~أنجو بها مما ترى فيقول له ولده ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق إني أخاف ~~مثل الذي تخوفت ثم يتعلق بزوجته فيقول لها إني كنت لك زوجا في الدنيا ~~فيثني عليها خيرا، ويقول إني طلبت إليك حسنة واحدة لعلي أنجو بها مما ~~ترين فتقول ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق إني أخاف مثل الذي تخوفت فذلك ~~قوله: { وإن تدع مثقلة إلى حملها } { لا يحمل ~~منه شىء ولو كان ذا قربى } ثم قال: { إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب } يعني: إنما تخوف بالقرآن ~~الذين يخافون ربهم بالغيب يعني آمنوا بالله وهم في غيب منه { ~~وأقاموا الصلاة } يعني: يقيمون الصلاة وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ينذر المؤمنين والكافرين ولكن الذين يخشون ربهم هم الذين ~~يقبلون الإنذار فكأنه أنذرهم خاصة ثم قال: { ومن تزكى } يعني: ms1404 ~~توحد، ويقال: تطهر نفسه من الشرك، ويقال: من صلح فإنما صلاحه لنفسه يثاب ~~عليه في الآخرة، ويقال: من يعطي الزكاة فإنما ثوابه لنفسه { فإنما ~~يتزكى لنفسه وإلى الله المصير } فيجازيهم بعملهم ~~قوله عز وجل: { وما يستوى الأعمى } يعني: الكافر الأعمى عن ~~الهدى { والبصير } يعني: المؤمن { ولا الظلمات ولا ~~النور } يعني: الكفر والإيمان { ولا الظل ولا الحرور } ~~يعني: الجنة والنار ولا الحرور هو استقرار الحر { وما يستوى ~~الأحياء ولا الأموات } قال القتبي مثل الأعمى والبصير كالكافر ~~والمسلم والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان والظل والحرور مثل الجنة ~~والنار وما يستوي الأحياء ولا الأموات مثل العقلاء والجهال ثم قال: { ~~إن الله يسمع من يشاء } يعني: يفقه من يشاء { وما أنت ~~بمسمع من فى القبور } يعني: لا تقدر أن تفقه الأموات وهم ~~الكفار { إن أنت إلا نذير } يعني: ما أنت إلا رسول { إنا ~~أرسلنك بالحق } يعني: بالقرآن ويقال: لبيان الحق { بشيرا ~~ونذيرا } وقد ذكرناه { وإن من أمة إلا خلا فيها ~~نذير } يعني: وما من أمة فيما مضى إلا فيهم نذير، يعني إلا جاءهم رسول ~~ثم قال: { وإن يكذبوك } يا محمد { فقد كذب الذين من ~~قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينت } يعني: بالأمر والنهي ~~{ وبالزبر } يعني: بالكتب وبأخبار من كان قبلهم { وبالكتب ~~المنير } يعني: المضيء الكتاب هو نعت لما سبق ذكره من البينات والزبر ~~{ ثم أخذت الذين كفروا } يعني: الذين كذبوهم فعاقبتهم { ~~فكيف كان نكير } يعني: كيف كان إنكاري وتغييري عليهم ثم ذكر ~~خلقه ليعتبروا به ويوحدوه. ### || [35.27-30] # فقال عز وجل: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~} يعني: المطر { فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ~~} من الثمار الأحمر والأصفر والحلو والحامض { ومن الجبال جدد ~~بيض } يعني: خلق من الجبال جددا يعني: جماعة الجدة والجدة هي الطريقة ~~التي في الجبل والجدد هي الطرائق فترى الطريق من البعد منها أبيض وبعضها ~~حمر وقال القتبي الجدد الخطوط والطرق تكون في الجبال فبعضها بيض وبعضها ~~حمر وبعضها غرابيب سود وهو جمع غريب وهو الشديد السواد ويقال أسود غريب { ~~وحمر مختلف ms1405 ألونها وغرابيب سود ومن الناس ~~والدواب } يعني: خلق من الناس والدواب { والأنعم مختلف ~~ألونه كذلك } أي كاختلاف الثمرات ثم استأنف فقال: { إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } وقال بعضهم: إنما يتم ~~الكلام عند قوله مختلف ألوانه ثم استأنف فقال: { كذلك إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء } يعني هكذا يخشى الله من ~~عباده العلماء يعني إن العلماء يعلمون خلق الله تعالى، ويتفكرون في خلقه ~~ويعملون ثوابه وعقابه فيخشونه ويعلمون بالطاعة طمعا لثوابه ويمتنعون عن ~~المعاصي خشية عقابه وقال مقاتل أشد الناس خشية أعلمهم بالله تعالى، فيها ~~تقديم، وروى سفيان عن بعض المشيخة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~سئل يا رسول الله أينا أعلم فقال # " أخشاكم لله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء قالوا يا رسول ~~الله فأي الأصحاب أفضل قال الذي إذا ذكرت أعانك وإذا نسيت ذكرك قالوا فأي ~~الأصحاب شر قال الذي إذا ذكرت لم يعنك وإذا أنسيت لم يذكرك قالوا فأي ~~الناس شر قال اللهم اغفر للعلماء والعالم إذا فسد فسد الناس " # ثم قال تعالى: { أن الله عزيز } في ملكه { غفور } لمن تاب ~~قوله عز وجل: { إن الذين يتلون كتب الله } يعني: ~~يقرؤون القرآن ويقال: معناه يتبعون كتاب الله تعالى يقال: تلى يتلو إذا ~~تبعه كقوله تعالى: # والقمر إذا تلها # [الشمس: 2] { وأقاموا الصلاة } يعني: أتموا الصلوات في ~~مواقيتها { وأنفقوا مما رزقناهم } يعني: تصدقوا مما ~~أعطيناهم من الأموال { سرا وعلانية يرجون تجرة لن ~~تبور } يعني: لن تهلك ولن تخسر، ومعناه: يرجون تجارة رابحة وهي الجنة ~~مكان الحياة الدنيا ثم قال عز وجل: { ليوفيهم أجورهم } يعني: ~~يوفر ثواب أعمالهم { ويزيدهم من فضله } يعني: من رزقه من ~~الجزاء والثواب في الجنة، ويقال: من فضله يعني من تفضله { إنه ~~غفور } لذنوبهم { شكور } لأعمالهم اليسيرة والشكر على ثلاثة أوجه ~~الشكر ممن يكون دونه الطاعة لأمره وترك مخالفته والشكر ممن هو شكله يكون ~~الجزاء والمكافأة والشكر ممن فوقه يكون رضي منه باليسير. ### || [35.31-32] # قال عز وجل: { والذى أوحينا إليك من الكتب } يعني: ms1406 ~~أرسلنا إليك جبريل عليه السلام بالقرآن { هو الحق } لا شك فيه { ~~مصدقا لما بين يديه } يعني: موافقا لما قبله من الكتب { ~~إن الله بعباده لخبير بصير } يعني: عالم بهم وبأعمالهم ~~قوله عز وجل: { ثم أورثنا الكتب } ويقال: أعطينا القرآن { ~~الذين اصطفينا من عبادنا } يعني: اخترنا من هذه الأمة، ~~وثم بمعنى العطف يعني وأورثنا الكتاب، ويقال: ثم بمعنى التأخير يعني بعد ~~كتب الأولين أورثنا الكتاب { فمنهم ظلم لنفسه } يعني: من ~~الناس ظالم لنفسه { ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرت } روي عن ابن عباس في إحدى الروايتين أنه قال الظالم ~~الكافر، والمقتصد المنافق، والسابق المؤمن، وروي عنه رواية أخرى أنه قال: ~~هؤلاء كلهم من المؤمنين فالسابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد الذي ~~أسلم بعد الهجرة قبل فتح مكة والظالم الذي أسلم بعد فتح مكة، وطريق ثالث ~~ما روى أبو الدرداء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " السابق الذي يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد الذي يحاسب حسابا ~~يسيرا، والظالم الذي يحاسب في طول المحشر " # وطريق رابع ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال سابقنا سابق ~~ومقتصدنا ناجي وظالمنا مغفور له وطريق آخر ما روى أسد بن رفاعة عن عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه أنه قال سابقنا أهل الجهاد ومقتصدنا أهل حضرنا يعني ~~أهل الأمصار، وهم أهل الجماعات والجمعات، وظالمنا أهل بدونا وطريق سادس ~~ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت عن هذه الآية فقالت السابق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن مضى معه، والمقتصد مثل أبي بكر ومن مضى ~~معه، والظالم فمثلي ومثلكم، وطريق سابع ما روي عن مجاهد قال: الظالم هم ~~أصحاب المشأمة، والمقتصد أصحاب الميمنة والسابق هم السابقون بالخيرات ~~فكأنه استخرجه من قوله: # فأصحب الميمنة مآ أصحب ~~الميمنة...والسبقون السبقون # [الواقعة: 8-10] وطريق ثامن ما روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال ~~الظالم هم المنافقون، والمقتصد هم التابعون بإحسان والسابق هم أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وطريق تاسع ما روي عن ms1407 الحسن أيضا أنه قال ~~السابق الذي ترك الدنيا، والمقتصد الذي أخذ من الحلال، والظالم الذي لا ~~يبالي من أين أخذ، وقيل طريق عاشر السابق الذي رجحت حسناته على سيئاته ~~والمقتصد الذي استوت حسناته مع سيئاته والظالم الذي رجحت سيئاته على ~~حسناته وقيل طريق حادي عشر السابق الذي سره خير من علانيته، والمقتصد ~~الذي سره وعلانيته سواء والظالم الذي علانيته خير من سره، وطريق ثاني عشر ~~السابق الذي تهيأ للصلاة قبل دخول وقتها، والمقتصد الذي تهيأ للصلاة بعد ~~دخول وقتها، والظالم الذي ينتظر الإقامة، وطريق ثالث عشر السابق الذي ~~يتوكل على الله ويجعل جميع جهده في طاعة الله عز وجل والمقتصد الذي يطلب ~~قوته ولا يطلب الزيادة والظالم الذي يطلب فوق القوت والكفاف، وقيل طريق ~~رابع عشر السابق الذي شغله معاده عن معاشه، والمقتصد الذي يشتغل بهما ~~جميعا والظالم الذي شغله معاشه عن معاده وقيل: طريق خامس عشر السابق ~~الذي ينجو بنفسه وينجو غيره بشفاعته والمقتصد الذي يدخل الجنة برحمة الله ~~وفضله والظالم الذي يدخل الجنة بشفاعة الشافعين، وطريق سادس عشر السابق ~~الذي يعطى كتابه بيمينه والمقتصد الذي يعطى كتابه بشماله والظالم الذي ~~يعطى كتابه وراء ظهره وطريق سابع عشر قيل السابق الذي ركن إلى المولى ~~والمقتصد الذي ركن إلى العقبى والظالم الذي ركن إلى الدنيا، وطريق ثامن ~~عشر ما روي عن يحيى بن معاذ الرازي قال: الظالم الذي يضيع العمر في ~~الشهوة والمعصية، والمقتصد الذي يحارب فيهما، والسابق الذي يجتهد في ~~الزلات ثم قال لأن محاربة الصديقين في الزلات ومحاربة الزاهدين في ~~الشهوات ومحاربة التائبين في الموبقات وطريق تاسع عشر قال: الظالم يطلب ~~الدنيا تمتعا والمقتصد الذي يطلب الدنيا تلذذا والسابق الذي ترك الدنيا ~~تزهدا وطريق العشرين قال: الظالم الذي يطلب ما لم يؤمر بطلبه وهو الرزق، ~~والمقتصد الذي يطلب ما أمر به ولم يؤمر بطلبه، والسابق الذي طلبه مرضاة ~~الله ومحبته. # وطريق حادي عشرين قيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر ~~والسابق المجتنب عن الصغائر والكبائر، وطريق ثاني عشرين ms1408 قيل السابق ~~الخارج إلى الغزو والرباطات قبل الناس، والمقتصد الخارج إليها مع الناس ~~الذي يعلم ويعلم الناس ويعمل به، والمقتصد الذي يعلم ويعلم ولا يعمل به، ~~والظالم الذي لا يعلم ولا يرغب إلى التعليم. وطريق رابع وعشرين السابق ~~الذي هو مشغول في عيب نفسه ولا يطلب عيب غيره، والمقتصد الذي يطلب عيب ~~غيره، والظالم الذي هو مشغول في عيب غيره ولا يصلح عيب نفسه. وطريق خامس ~~وعشرين ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتب الذين ~~اصطفينا } إلى قوله { الفضل الكبير } قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " هؤلاء كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فإنه يدخل الجنة بغير حساب ~~وأما المقتصد فإنه يحاسب حسابا يسيرا ثم يدخل الجنة وأما الظالم لنفسه ~~فإنه يحاسب حسابا شديدا ويحبس حبسا طويلا ثم يدخل الجنة فإذا دخلوا ~~الجنة (قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور " # وقد قيل غير هذا إلا أنه يطول الكلام فيه وفيما ذكرنا كفاية لمن عمل به ~~وأكثر الروايات أن الأصناف الثلاثة كلهم في الجنة مؤمنون وأول الآية ~~وآخرها دليل على ذلك فأما أول الآية فقوله عز وجل { ثم أورثنا ~~الكتب الذين اصطفينا من عبادنا } يعني: أعطينا ~~الكتاب فأخبر أنه أعطى الكتاب لهؤلاء الثلاثة # وقال في آخر الآية # جنت عدن يدخلونها # [النحل: 31] فأشار إلى الأصناف [الثلاثة بالآية الأولى حيث قال: { ~~وأورثنا الكتب } والأخرى حيث قال: { يدخلونها } ولم ~~يقل يدخلانها وفي الآية الأخرى دليل أن الأصناف الثلاثة هم يدخلون الجنة] ~~وقال بعضهم تأول قول ابن عباس الذي قاله في رواية أبي صالح أن الظالم ~~كافر يعني: كفر النعمة، ومعناه فمنهم من كفر بهذه النعمة ولم يشكر الله ~~عز وجل عليها، ومنهم مقتصد يعني يشكر ويكفر، ومنهم سابق يعني يشكر ولا ~~يكفر، وروي عن كعب الأحبار أنه قيل له ما منعك أن تسلم على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: كان أبي ms1409 مكنني جميع التوراة إلا ورقات منعني ~~أن أنظر فيها فخرج أبي يوما لحاجة فنظرت فيها فوجدت فيها نعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأمته، وأنه يجعلهم يوم القيامة ثلاثة أثلاث ثلث ~~يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ويدخلون الجنة بغير ~~حساب وثلث تشفع لهم الملائكة والنبيون فأسلمت وقلت لعلي أكون من الصنف ~~الأول وإن لم أكن من الصنف الأول لعلي أن أكون من الصنف الثاني أو من ~~الصنف الثالث فلما قرأت القرآن وجدتها في القرآن وهو قوله عز وجل: { ~~ثم أورثنا الكتب } إلى قوله: { جنت عدن ~~يدخلونها } الآية، فإن قيل: ايش الحكمة في ذكره الظالم ابتداء ~~وتأخيره ذكر السابق قيل له الحكمة فيه والله أعلم لكيلا يعجب السابق ~~بنفسه ولا ييأس الظالم من رحمة الله عز وجل ثم قال تعالى: { بإذن ~~الله ذلك هو الفضل الكبير } يعني: الذين أورثهم من ~~الكتاب واختارهم هو الفضل الكبير من الله تعالى. ### || [35.33-35] # قال عز وجل: { جنت عدن } يعني: لهم جنات عدن أي دار الإقامة ~~يقال عدن يعدن إذا أقام قرأ أبو عمرو وابن كثير في إحدى الروايتين { ~~يدخلونها } بضم الياء وفتح الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، ~~وقرأ الباقون يدخلونها على معنى أن الفعل لهم { يحلون فيها من ~~أساور } يعني: يلبسون الحلي من أساور { من ذهب ولؤلؤا } قرأ ~~نافع وعاصم { ولؤلؤا } بالنصب ومعناه يحلون أساور ولؤلؤا وقرأ ~~الباقون بالكسر يعني من ذهب ومن لؤلؤ ثم قال: { ولباسهم فيها ~~حرير } يعني: لباسهم في الجنة من حرير الجنة لا كحرير الدنيا قوله عز ~~وجل: { وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن } ~~يعني: حزن الموت وحزن خوف الخاتمة ويقال: هم العيش ويقال هم المرور على ~~الصراط { إن ربنا لغفور } يغفر الذنوب { شكور } يقبل ~~اليسير من العمل ويعطي الجزيل عز وجل { الذى أحلنا دار ~~المقامة من فضله } يعني: الحمد لله الذي أنزلنا دار الخلود ~~والمقامة والمقام بمعنى واحد يعني: الإقامة والدوام من فضله وكرمه { لا ~~يمسنا فيها نصب } يعني: لا يصيبنا تعب ms1410 وعناء { ولا ~~يمسنا فيها لغوب } يعني: لا يصيبنا فيها من أعباء كما يصيبنا ~~في الدنيا ثم بين حال المشركين في النار: { والذين كفروا ~~لهم نار جهنم لا يقضى عليهم... } ### || [35.36-40] # فقال عز وجل: { والذين كفروا } يعني: جحدوا بوحدانية الله عز ~~وجل: { لهم نار جهنم لا يقضى عليهم } الموت ويقال: ~~لا يرسل عليهم ولا ينزل الموت { فيموتوا } حتى يستريحوا { ولا ~~يخفف عنهم من عذابها } يعني: من عذاب جهنم { كذلك ~~نجزى كل كفور } يعني: هكذا نعاقب كل كافر بالله تعالى قرأ أبو ~~عمرو يجزي بالياء والضم ونصب الزاي كل كفور بضم اللام على معنى فعل ما لم ~~يسم فاعله وقرأ الباقون نجزي بالنون والنصب كل بنصب اللام ومعنى ~~القراءتين يرجع إلى شيء واحد يعني كذلك يجزي الله تعالى، ثم أخبر عن ~~حالهم فيها فقال عز وجل: { وهم يصطرخون فيها } أي يستغيثون ~~يقال: صرخ يصرخ إذا أغاث واستغاث وهو من الأضداد ويستعمل للإغاثة ~~والإستغاثة لأن كل واحد منهما يصلح وهو افتعال من الصراخ يعني يدعون في ~~النار ويقولون { ربنا أخرجنا نعمل صلحا غير الذى ~~كنا نعمل } يعني: نعمل غير الشرك وغير المعصية يقول الله تعالى: ~~{ أولم نعمركم } يعني: أولم نعطكم من العمر والمهلة في الدنيا ~~{ ما يتذكر فيه من تذكر } يعني: يتعظ فيه من أراد أن ~~يتعظ وروي مجاهد عن ابن عباس في قوله { أولم نعمركم } قال ~~العمر ستون سنة { وجاءكم النذير } يعني: الشيب والهرم وروي أن ~~إبراهيم الخليل أول من رأى الشيب فقال يا رب ما هذا فقال هذا وقار في ~~الدنيا ونور في الآخرة فقال يا رب زدني وقارا ويقال { أولم ~~نعمركم } يعني: أولم نعطكم ونطول أعماركم وما يتذكر فيه من تذكر أي ~~مقدار ما يتعظ فيه من يتعظ، وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين سنة أزال عذره " # وجاءكم النذير أي الرسول { فذوقوا } العذاب في النار { فما ~~للظلمين من نصير } يعني: ما للمشركين من مانع من عذاب ms1411 الله ~~عز وجل ثم قال عز وجل: { إن الله علم غيب السموات ~~والأرض } يعني: غيب ما يكون في السموات والأرض يعني أنهم لو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه { إنه عليم بذات الصدور } يعني: عليم ~~بما في قلوبهم ويقال عالم بما في قلوب العباد من الخير والشر ثم قال عز ~~وجل: { هو الذى جعلكم خلئف فى الأرض } يعني: قل لهم ~~يا محمد الله تعالى جعلكم سكان الأرض من بعد الأمم الخالية { فمن ~~كفر } بتوحيد الله { فعليه كفره } يعني: عاقبة كفره، وعقوبة ~~كفره { ولا يزيد الكفرين كفرهم عند ربهم إلا ~~مقتا } وهو الغضب الشديد الذي يستوجب العقوبة يعني لا يزدادون في طول ~~أعمارهم إلا غضب الله تعالى عليهم وقال الزجاج المقت أشد الغضب { ولا ~~يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا } يعني: غبنا في ~~الآخرة وخسرانا ثم قال عز وجل: { قل أرءيتم شركاءكم ~~الذين تدعون من دون الله } يعني: تعبدون من دون الله { ~~أرونى ماذا خلقوا من الأرض } يعني: أخبروني أي شيء خلقوا ~~مما في السموات أو مما في الأرض من الخلق، وقال القتبي: من بمعنى في يعني ~~أروني ماذا خلقوا في الأرض يعني أي شيء خلقوا في الأرض كما خلق الله عز ~~وجل { أم لهم شرك فى السموات } يعني: عون على خلق ~~السموات والأرض ويقال نصيب في السموات اللفظ لفظ الاستفهام والشك والمراد ~~به النفي يعني ليس لهم شرك في السموات ثم قال { أم آتيناهم ~~كتابا } يعني: أعطيناهم كتابا اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي ~~يعني كما ليس لهم كتاب فيه حجة على كفرهم { فهم على بينة ~~منه } يعني: ليسوا على بيان مما يقولون قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة ~~وعاصم في رواية حفص على بينة بغير ألف وقرأ الباقون بينات بلفظ الجماعة ~~ومعناهما واحد لأن الواحد ينبىء عن الجماعة ثم قال: { بل إن يعد ~~الظلمون بعضهم بعضا } يعني: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا ~~يعني: الشياطين للكافرين من الشفاعة لمعبودهم { إلا غرورا } يعني: ~~باطلا. ### || [35.41-45] # قوله عز وجل: { إن الله يمسك السموات } يعني: ms1412 يحفظ ~~السماوات { والأرض أن تزولا } يعني: لئلا تزولا عن مكانها { ~~ولئن زالتا } يعني: يوم القيامة { إن أمسكهما من أحد ~~من بعده } يعني: لا يقدر أحد أن يمسكهما، ويقال: { ولئن زالتا ~~} يعني: إن زالتا في الحال وهما لا يزولان { إنه كان حليما } عن ~~قول الكفار حيث قالوا لله ولد فكادت السماوات والأرض أن تزولا ~~فأمسكهما بحلمه فلم يزولا { غفورا } يعني: متجاوزا عنهم إن تابوا ~~ويقال غفورا حيث لم يعجل عليهم بالعقوبة، وأمسك السماوات والأرض أن ~~تزولا وقوله عز وجل: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~يعني: كفار مكة كانوا يعيرون اليهود والنصارى بتكذيبهم أنبياءهم وقالوا ~~لو أرسل الله عز وجل إلينا رسولا لكنا أهدى من إحدى الأمم وكانوا يحلفون ~~على ذلك فذلك قوله: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم } ~~فكل من حلف بالله فهو جهد اليمين { لئن جاءهم نذير } يعني: رسول ~~{ ليكونن أهدى من إحدى الأمم } يعني: أصوب دينا من ~~اليهود والنصارى { فلما جاءهم نذير } وهو محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { ما زادهم إلا نفورا } يعني: ما زادهم الرسول إلا ~~تباعدا عن الهدى قوله عز وجل: { استكبارا فى الأرض } يعني: ~~تكبرا في الأرض استكبارا مفعول المعنى زادهم الرسول تكبرا هذا كقوله # ولا يزيد الظلمين إلا خسارا # [الإسراء: 82] وكأن القرآن سبب لخسرانهم فأضاف إليهم ثم قال: { ومكر ~~السيىء } يقول قول الشرك واجتماعهم على قتل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قرأ حمزة ومكر السيء بجزم الياء وقرأ الباقون بالكسر لتبين الحروف ~~وجزم حمزة لكثرة الحركات ثم قال: { ولا يحيق المكر السيىء ~~إلا بأهله } يعني: لا يدور وينزل المكر السيىء إلا بأهله يعني ~~عقوبة المكر ترجع إليهم { فهل ينظرون } يعني: ما ينتظرون { إلا ~~سنة آلأولين } يعني: مثل عقوبة الأمم الخالية أن ينزل بهم مثل ~~ما نزل بالأولين { فلن تجد لسنت الله تبديلا } يعني: ~~لصنعة الله تعالى ويقال: لملة الله، ويقال: لسنة الله في العذاب تبديلا ~~يعني: لا يقدر أحد أن يبدله { ولن تجد لسنة الله تحويلا ~~} يعني: تغييرا يعني: لا يقدر أحد أن يغير فعل الله تعالى ثم ms1413 وعظهم ~~ليعتبروا فقال عز وجل: { أولم يسيروا فى الأرض } يعني: أولم ~~يسافروا في الأرض { فينظروا } يعني: فيعتبروا { كيف كان ~~عقبة الذين } يعني: آخر أمر الذين كانوا { من قبلهم ~~وكانوا أشد منهم قوة } يعني: منعة { وما كان الله ~~ليعجزه من شىء } يعني: ليسبقه ويفوته من شيء ويقال: لا يقدر ~~أحد أن يهرب من عذابه { في السموات ولا فى الأرض إنه ~~كان عليما } بخلقه بأنه لا يفوت منهم أحد { قديرا } يعني: قادرا ~~عليهم بالعقوبة قوله عز وجل: { ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا } يعني: لو عاقبهم { ما ترك على ظهرها } يعني: على ~~ظهر الأرض { من دابة } يعني: لهلكت الدواب من قحط المطر، قال قتادة: ~~ما ترك على ظهرها من دابة إلا أهلكهم كما أهلك من كان في زمان نوح عليه ~~السلام ويقال: من دابة يعني من الجن والإنس فيعاقبهم بذنوبهم فيهلكهم، ~~وقال مجاهد: ما ترك على ظهرها من دابة يعني من هوام الأرض من العقارب ومن ~~الخنافس وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال كاد الجعل أن ~~يعذب في حجره بذنب بني آدم ثم قرأ { ولو يؤاخذ الله الناس } ~~الآية والعرب تكني عن الشيء إذا كان مفهوما كما كني هاهنا عن الأرض ~~كقوله: { ما ترك على ظهرها } وإن لم يسبق ذكر الأرض ثم قال: ~~{ ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى } يعني: إلى الميعاد ~~الذي وعدهم الله تعالى ويقال إلى الوقت الذي وقت لهم في اللوح المحفوظ { ~~فإذا جاء أجلهم } يعني: إلى انقضاء حياتهم، ويقال: هو البعث قال ~~تعالى: { فإن الله كان بعباده بصيرا } يعني: عالما بهم ~~وبأعمالهم، روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال لما طعن عمر رضي الله عنه ~~قال كعب لو دعى الله عمر لأخر في أجله فقال الناس سبحان الله أليس قد قال ~~الله تعالى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] فقال كعب: وقد قال: # ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا فى ~~كتب # [فاطر: 11] قال الزهري: فنرى أن ذلك ما ms1414 لم يحضر الأجل فإذا حضر لم يؤخر ~~وليس أحد إلا وعمره مكتوب في اللوح المحفوظ والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-5] # قوله تبارك وتعالى: { يس } قرأ حمزة بين الكسر والفتح، وقرأ الكسائي ~~بالإمالة، وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ ابن عامر، والكسائي { يس ~~والقرءان } مدغم بالنون، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو ونافع، وحمزة ~~بإظهار النون، وكل ذلك جائز في اللغة، وقرىء في الشاذ " ياسين " بنصب ~~النون، ومعناه اتل ياسين، لأن يس اسم سورة، وقراءة العامة بالتسكين لأنها ~~حروف هجاء فلا تحتمل الإعراب، مثل قوله تعالى { الم } وروي عن ابن عباس ~~في تفسير قوله { يس } يعني يا إنسان بلغة طيىء، وهكذا قال مقاتل، عن ~~قتادة، والضحاك، وروي عن محمد ابن الحنفية أنه قال { يس } يعني يا محمد، ~~وروى معمر عن قتادة قال { يس } اسم من أسماء القرآن، ويقال افتتاح ~~السورة، وقال مجاهد هذه فواتح السور يفتتح بها كلام رب العالمين، وقال ~~شهر بن حوشب، قال كعب { يس } قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بألفي عام فقال: يس { والقرءان الحكيم } ويا ~~محمد { إنك لمن المرسلين } وقال ابن عباس في قوله { ~~والقرءان الحكيم } أي: أحكم حلاله وحرامه وأمره ونهيه، ويقال: ~~حكيم يعني محكم من التناقض والعيب، ويقال الحكيم: أي الحاكم كالعليم يعني ~~العالم، يعني القرآن حاكم على جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى من قبل ~~{ إنك لمن المرسلين } فهذا جواب القسم، ومعناه يا إنسان، ~~والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين، يعني رسولا كسائر المرسلين، جوابا ~~لقولهم لست مرسلا { على صرط مستقيم } يعني إنك على صراط ~~مستقيم (ويقال هذا نعت للرسل، يعني إنك لمن المرسلين، الذين كانوا على ~~صراط مستقيم، أي على طريق الإسلام) ثم قال عز وجل: { تنزيل العزيز ~~الرحيم } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وعاصم في إحدى الروايتين { ~~تنزيل } بضم اللام، ومعناه: هذا القرآن تنزيل، أو هو تنزيل العزيز ~~الرحيم، وقرأ الباقون { تنزيل } بالنصب، ومعناه نزله تنزيلا، ms1415 فصار ~~نصبا بالمصدر. ### || [36.6-10] # قوله تعالى: { لتنذر } يعني لتخوف بالقرآن { قوما ما أنذر ~~ءاباؤهم } يعني كما أنذر آباؤهم الأولون { فهم غفلون } عن ~~ذلك، يعني عما أنذر آباؤهم ثم قال عز وجل: { لقد حق القول } أي ~~وجب القول بالعذاب { على أكثرهم } أي على الكفار، ويقال لقد حق ~~القول، وهو قوله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] ويقال: القول كناية عن العذاب، أي وجب عليهم العذاب { ~~فهم لا يؤمنون } يعني لا يصدقون بالقرآن { إنا جعلنا فى ~~أعنقهم أغللا } قال مقاتل: نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا ~~جهل حلف لئن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليدفعنه بحجر، فأتاه وهو ~~يصلي فرفع الحجر ليدمغه، فيبست يده إلى عنقه، والتزق الحجر بيده ورجع إلى ~~أصحابه، فخلصوا الحجر من يده، ورجل آخر من بني المغيرة أتاه ليقتله فطمس ~~الله على بصره فلم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع قوله، فرجع إلى ~~أصحابه فلم يرهم حتى نادوه، فذلك قوله تعالى: { إنا جعلنا فى ~~أعنقهم أغللا فهي إلى الأذقن فهم مقمحون ~~وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا } ~~وذكر في رواية الكلبي نحو هذا، وقال بعضهم { إنا جعلنا فى ~~أعنقهم أغللا } أي نجعل في أعناقهم أغلالا يوم القيامة، ~~ويقال: معناه { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا } أي ~~جعلنا أيديهم ممسكة عن الخيرات مجازاة لكفرهم { وجعلنا من بين ~~أيديهم سدا } أي حائلا لا يهتدون إلى الإسلام، ولا يبصرون ~~الهدى، وقال بعضهم: { إنا جعلنا فى أعنقهم أغللا } ~~يعني أيديهم، ولم يذكر في الآية اليد، وفيها دليل لأن الغل لا يكون إلا ~~باليد إلى العنق، فلما ذكر العنق فكأنما ذكر اليد، وروي عن ابن عباس، ~~وابن مسعود أنهما قرآ: إنا جعلنا في أيمانهم أغلالا، وقرأ بعضهم: في ~~أيديهم وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد، لأنه لا يجوز أن يكون الغل بأحدهما ~~دون الآخر، كقوله: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] ولم يذكر البرد لأن في الكلام دليلا عليه ثم قال: { فهى ~~إلى الأذقن فهم مقمحون } (أي رددنا أيديهم إلى أعناقهم) ~~إلى الأذقان، أي ms1416 الحنك الأيسر { فهم مقمحون } أي رافعو الرأس ~~إلى السماء، غاضو الطرف، لا يبصر موضع قدميه، وقال قتادة: أي مغلولين من ~~كل خير ثم قال عز وجل { وجعلنا من بين أيديهم سدا } أي ~~ظلمة { ومن خلفهم سدا } أي ظلمة { فأغشينهم } بالظلمة ~~{ فهم لا يبصرون وسوآء عليهم } الآية، يعني خوفتهم، ~~اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التوبيخ { وسوآء عليهم ~~أءنذرتهم } يعني خوفتهم { أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ~~يعني أم لم تخوفهم لا يصدقون، إنما نزلت الآية في شأن الذين ماتوا على ~~كفرهم، أو قتلوا على كفرهم، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { ~~سدا } بنصب السين في كلاهما، وقرأ الباقون بالضم، وقال أبو عبيدة ~~قراءتنا بالضم لأنهما من فعل الله تعالى، وليس من فعل بني آدم، وقال ~~القتبي: المقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره، يقال بعير قامح: إذا روي من ~~الماء فقمحت عيناه وقال: والسد: الجبل { فأغشينهم } يعني أعمينا ~~أبصارهم عن الهدى. ### || [36.11-12] # قال عز وجل: { إنما تنذر من اتبع الذكر } يعني تخوف ~~بالقرآن من اتبع الذكر، يعني من قبل الموعظة وسمع القرآن { وخشى ~~الرحمن بالغيب } يعني أطاعه في الغيب { فبشره ~~بمغفرة } في الدنيا { وأجر كريم } في الآخرة ثم قال عز وجل: ~~{ إنا نحن نحيى الموتى } يعني نبعثهم في الآخرة { ~~ونكتب ما قدموا } يعني نحفظ ما أسلفوا، وما عملوا من أعمالهم، ~~ويقال { ونكتب ما قدموا } يعني تكتب أعمالهم الكرام الكاتبون، ~~وما عملوا من خير أو شر { وءاثارهم } يعني ما استنوا من سنة خير أو ~~شر عملوه، واقتدى بهم من بعدهم، فلهم مثل أجورهم أو عليهم مثل أوزارهم، ~~من غير أن ينقص منه شيئا، وهذا كقوله عز وجل # ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر # [القيامة: 13]، وهذا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: # " من سن سنة حسنة فله " # إلى آخره، وقال مجاهد: { وءاثارهم } يعني خطأهم، وروى مسروق أنه ~~قال: ما خطا عبد خطوة إلا كتبت له حسنة أو ~~سيئة، وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال: إن بني سلمة ذكروا للنبي - ~~صلى الله ms1417 عليه وسلم - بعد منازلهم من المسجد، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # " يا بني سلمة دياركم فإنما تكتب آثاركم " # ثم قال: { وكل شىء أحصينه } أي حفظناه وبيناه { فى ~~إمام مبين } يعني في اللوح المحفوظ. ### || [36.13-14] # قوله عز وجل: { واضرب لهم مثلا } أي وصف لهم شبها { ~~أصحب القرية } أهل القرية وهي أنطاكية { إذ جاءها ~~المرسلون } يعني رسل عيسى عليه السلام { إذ أرسلنا ~~إليهم اثنين } قال مقاتل: هما: تومان، وطالوس { فكذبوهما ~~فعززنا بثالث } يعني قويناهما بثالث، وهو شمعون، وقرأ عاصم في ~~رواية أبي بكر { فعززنا } بالتخفيف، ومعناهما غلبنا، نقول عزه ~~يعزه، إذا غلبه، ومنه قوله تعالى # وعزنى فى الخطاب # [ص: 23] يعني غلبني في القول، وقرأ الباقون { فعززنا } بالتشديد، ~~ومعناه قوينا وشددنا الرسالة برسول ثالث، وذلك أن عيسى ابن مريم عليهما ~~السلام رسولين إلى أنطاكية، وإنما كان إرساله بإذن الله عز وجل، فأضاف ~~إليه حيث قال { إذ أرسلنا إليهم اثنين } ثم بعث بعد ذلك ~~شمعون، وروي في بعض الروايات أن عيسى عليه السلام أوصى إلى الحواريين أن ~~يتفرقوا في البلدان، ثم رفع عيسى إلى السماء، وكان مجيء الرسل بعدما رفع ~~عيسى، وفي بعض الروايات أنه أرسل الرسل ثم رفع وكان للرسل من المعجزة ما ~~للأنبياء عليهم السلام بدعاء عيسى عليه السلام، فلما جاء الرسولان ~~الأولان ودخلا أنطاكية وجعلا يناديان فيها بالإيمان بالرحمن، يعني يدعوان ~~إلى الإيمان بالله عز وجل ويزجران أهلها عن عبادة الأصنام والشيطان، ~~فأخذوهما شرط الملك، وأتوا بهما إلى الملك، فلما دخلا على الملك، قالا ~~إن الأوثان التي تعبدون ليست بشيء وإن إلهكم الله الذي في السماء، وأن ~~من مات منكم صار إلى النار، فغضب الملك وجلدهما وسجنهما، ثم حضر شمعون، ~~ودخل أنطاكية وجاء إلى السجن فقال للسجان ائذن لي حتى أدخل السجن، فإني ~~أريد أن أدفع إلى كل واحد كسرة خبز، فأذن له فدخل وجعل يعطي لكل واحد ~~كسرة خبز حتى انتهى إلى صاحبيه، فقال لهما إني أريد أن آتي الملك وأطلب ~~فكاكما حتى أخلصكما، فإنكما لم تأتيا الأمر من ms1418 قبل وجهه، ألم تعلما أنكما ~~لا تطاعان إلا بالرفق واللطف، وأن مثلكما مثل امرأة لم تلد زمانا من ~~دهرها، ثم ولدت غلاما فأسرعت بشأنه فأطعمته الخبز قبل أوانه فغص بلقمة ~~فمات، فكذلك دعوتكما هذا الملك قبل أوان الدعاء فأصابكما البلاء، ثم ~~انطلق شمعون وتركهما فقعد عند بيت الأصنام حتى إذا دخلوا بيت الأصنام، ~~دخل في صلاتهم، فقام بين يدي تلك الأصنام يصلي ويتضرع ويسجد لله تعالى، ~~ولا يشكون أنه على ملتهم، وأنه إنما يدعو آلهتهم ففعل ذلك أياما، فذكروا ~~ذلك للملك فدعاه وكلمه وقال له من أين أنت؟ فقال: أنا رجل من بني ~~إسرائيل، وقد انقرض أهلي وكنت بقيتهم وجئت إلى أصحابك آنس بهم وأسكن ~~إليكم، فسأله الملك عن أشياء فوجده (حسن التدبير والرأي) فلبث فيهم ما ~~شاء الله، فلما رأى أمره قد استقام قال يا أيها الملك إني قد بلغني ~~أنك سجنت رجلين منذ زمان، يدعوانك إلى إله غير إلهك فهل لك أن تدعوهما ~~فاسمع كلاهما، وأخاصمهما عنك؟ فقال الملك: نعم فدعاهما وأقيما بين يديه ~~فقال لهما شمعون أخبراني عن إلهكما؟ فقالا إنه يبرىء الأكمه، والأبرص ~~فدعي برجل ولد أعمى فدعوا الله تعالى فأبصر الأعمى، قال شمعون: فأنا أفعل ~~مثل ذلك فأتي بآخر فدعا شمعون رضي الله عنه فبرىء فقال لهما شمعون لا فضل ~~لكما علي بهذا، ثم أتي برجل أبرص فدعوا فبرىء، وفعل شمعون بآخر مثل ذلك، ~~فقال لهما شمعون: فهل عندكما شيء غير هذا؟ فقالا نعم، إن ربنا يحيي ~~الموتى فقال شمعون: أنا لا أقدر على ذلك ثم قال للملك هل لك أن تأتي ~~بالصنم فلعله يحيي الموتى، فيكون لك الفضل عليهما ولإلاهك؟ فقال الملك: ~~إنك تعلم أنه لا يسمع ولا يبصر، فكيف يحيي الموتى؟، ثم قال له شمعون: ~~سلهما هل يستطيعان أن يفعلا مثل ما قالا؟ فقال الملك: إن عندنا ميتا قد ~~مات منذ سبعة أيام، وكان لأبيه ضيعة قد خرج إليها، وأهله ينتظرون قدومه ~~واستأذنوا في دفنه فأمرتهم أن يؤخروه حتى يحضر أبوه، فأمرهم بإحضار ms1419 ~~ذلك الميت فلم يزالا يدعوان الله تعالى وشمعون يعينهما بالدعاء في نفسه ~~حتى أحياه الله تعالى، فقال شمعون أنا أشهد أنهما صادقان، وأن إلههما حق، ~~فاجتمع أهل المصر وقالوا: إن كلمتهم كانت واحدة، فرجموهم بالحجارة، وجاء ~~أب الغلام فأسلم، وقتل أب الغلام أيضا وهو حبيب بن إسرائيل النجار ثم إن ~~الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام فصاح صيحة فماتوا كلهم، فذلك قوله ~~تعالى: { إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما ~~فعززنا بثالث فقالوا } يعني هؤلاء الثلاثة { إنا ~~إليكم مرسلون } وأروهم العلامة. ### || [36.15-19] # قوله عز وجل: { قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا } يعني ~~آدمي مثلنا { وما أنزل الرحمن من شىء } يعني لم يرسل ~~الرسل من الآدميين { إن أنتم إلا تكذبون } بأنكم رسل الله ~~تعالى يعني أرسلكم عيسى بأمر الله تعالى، فأنكروا ذلك { قالوا ~~ربنا يعلم } يعني أن الرسل قالوا ربنا يعلم { إنا إليكم ~~لمرسلون } يعني أرسلنا عيسى عليه السلام بأمر الله تعالى { وما ~~علينا إلا البلغ المبين قالوا إنا تطيرنا ~~بكم } يعني قال أهل أنطاكية إنا تشاءمنا بكم، وهذا الذي يصيبنا من ~~شؤمكم، وهو قحط المطر { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } يعني ~~لنقتلنكم { وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا ~~طئركم معكم } يعني شؤمكم معكم وبأعمالكم الخبيثة، ويقال: إن ~~الذي يصيبكم كان مكتوبا في أعناقكم { أءن ذكرتم } يعني إن وعظتم ~~بالله، قرأ نافع، وأبو عمرو (آين) بهمزة واحدة ممدودة، وقرأ الباقون ~~بهمزتين، وقرأ زر بن حبيش: إن ذكرتم بهمزة واحدة مع التخفيف والفتح ~~يعني: لأنكم وعظتم فلم تتعظوا، ومن قرأ بالاستفهام فمعناه: إن وعظتم ~~تطيرتم، قالوا: هذا جوابا لقولهم إنا تطيرنا بكم، ويقال معناه: أئن ~~ذكرتم، يعني حين وعظتم بالله تشاءمتم بنا، ثم قال: { بل أنتم قوم ~~مسرفون } يعني مشركون. ### || [36.20-32] # قوله تعالى: { وجاء من أقصى المدينة } يعني من وسط المدينة، ~~وهو حبيب بن إسرائيل النجار { رجل يسعى } يعني يسعى في مشيه، وقال ~~بعضهم هو الذي عاش ابنه بعد الموت بدعاء الرسل، فجاء وأسلم، وقال بعضهم: ~~كان ابنه مريضا فبرىء بدعوة الرسل، فصدق بهم، فلما ms1420 بلغه أن القوم أرادوا ~~قتل الرسل جاء ليمنع الناس عن قتلهم، وقال قتادة: كان في غار يدعو ربه، ~~فلما بلغه مجيء الرسل أتاهم { قال يا قوم اتبعوا ~~المرسلين } يعني دين المرسلين، ثم قال للرسل هل تسألون على هذا ~~أجرا؟ فقالوا لا، فقال للقوم: { اتبعوا من لا يسئلكم ~~أجرا } يعني على الإيمان { وهم مهتدون } يدعوكم إلى التوحيد، ~~فقال له قومه: تبرأت عن ديننا واتبعت دين غيرنا فقال { وما لى لا ~~أعبد الذى فطرنى } يعني خلقني، قرأ حمزة وابن عامر في إحدى ~~الروايتين { وما لى } بسكون الياء، وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان ~~وكلاهما جائز ثم قال { وإليه ترجعون } يعني تصيرون إليه بعد ~~الموت، وهذا كقوله: # ولله ميراث السموت والأرض # [آل عمران: 180] فقالوا له ارجع إلى ديننا، فقال حبيب { أءتخذ من ~~دونه ءالهة } يعني أعبد من دونه أصناما { إن يردن ~~الرحمن بضر } يعني ببلاء وشدة إذا فعلت ذلك { لا تغن ~~عنى شفعتهم شيئا } يعني لا تقدر الآلهة أن يشفعوا لي { ~~ولا ينقذون } يعني لا يدفعون عني الضرر { إنى إذا لفى ~~ضلل مبين } يعني إني إذا فعلت ذلك لفي خسران بين { إنى ~~ءامنت بربكم فاسمعون } يعني فاشهدوني وأعينوني بقول: لا إله ~~إلا الله وقال ابن عباس: ألقي في البئر، وهو الرس، كما قال # وأصحاب الرس # [ق: 12]، وقال قتادة قتلوه بالحجارة وهو يقول: رب اهد قومي فإنهم لا ~~يعلمون، وقال مقاتل أخذوه ووطؤوه تحت أقدامهم حتى خرجت أمعاؤه ثم ألقي في ~~البئر، وقتلوا الرسل الثلاثة فلما ذهب بروح حبيب النجار إلى الجنة ف { ~~قيل } له { ادخل الجنة قال يليت قومى يعلمون ~~بما غفر لى ربى } وذلك حين دخلها، وعاين ما فيها من النعيم، تمنى ~~أن يسلم قومه، فقال: { قال يليت قومى يعلمون بما غفر ~~لى ربى } بالذي غفر لي ربي، ويقال: بمغفرتي، ويقال: بماذا غفر لي ربي، ~~فلو علموا لآمنوا بالرسل، ثم قال: { وجعلنى من المكرمين } ~~أي الموحدين في الجنة نصح لهم في حياته، وبعد وفاته، يقول الله تعالى { ~~وما أنزلنا على قومه من بعده ms1421 من جند من السماء ~~} يعني من بعد حبيب النجار { من جند } من السماء يعني الملائكة { ~~وما كنا منزلين } يعني لم نبعث إليهم أحدا { إن كانت ~~إلا صيحة وحدة } يعني ما كانت إلا صيحة جبريل عليه السلام { ~~فإذا هم خمدون } يعني ميتون لا يتحركون { يحسرة على ~~العباد } يعني يا ندامة على العباد في الآخرة، يعني يقولون يا حسرتنا ~~على ما فعلنا بالأنبياء عليهم السلام { ما يأتيهم من رسول } ~~في الدنيا { إلا كانوا به يستهزئون } ثم خوف المشركين ~~بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا، فقال { ألم يروا كم ~~أهلكنا } يعني ألم يعلموا، ويقال: ألم يخبروا كم أهلكنا { ~~قبلهم من القرون } يعني كم عاقبنا من القرون الماضية { ~~أنهم إليهم لا يرجعون } إلى الدنيا { وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون } قرأ عاصم وحمزة وابن عامر، ~~بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف، فمن قرأ بالتشديد فمعناه: وما كل ~~إلا جميع، ومن قرأ بالتخفيف فما: زائدة ومؤكدة، والمعنى وإن كل لجميع ~~لدينا محضرون، يعني يوم القيامة محضرون عندنا، ثم وعظهم كي يعتبروا من ~~صنعه، فيعرفوا توحيده. ### || [36.33-35] # قوله تعالى { وآية لهم } يعني علامة وحدانيته { الأرض ~~الميتة أحييناها } يعني الأرض اليابسة أحييانها بالمطر لتنبت ~~{ وأخرجنا منها حبا } يعني الحبوب كلها { فمنه ~~يأكلون وجعلنا فيها } يعني وخلقنا في الأرض { جنات من ~~نخيل وأعناب } يعني البساتين والكروم { وفجرنا فيها ~~من العيون } يعني أجرينا في الأرض الأنهار تخرج من العيون { ~~ليأكلوا من ثمره } يعني من الثمرات { وما عملته ~~أيديهم } يعني لم تعمل أيديهم، ويقال: والذي عملت أيديهم مما يزرعون ~~{ أفلا يشكرون } رب هذه النعم فيوحدوه، وقرأ حمزة والكسائي ~~(ثمره) بالضم، وقرأ الباقون بالنصب، والثمر بالنصب: جماعة الثمرة، ~~والثمرات جمع الجمع وهو الثمر، مثل كتاب وكتب، والثمر بالضم: جمع ~~الثمار، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (وما عملت) بغير ~~هاء، وقرأ الباقون بالهاء، ومعناهما واحد، ثم قال { أفلا يشكرون ~~} اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، يعني اشكروا رب هذه النعم ~~ووحدوه. ### || [36.36-40] # قال عز وجل: { سبحن الذى خلق الأزوج كلها } يعني ms1422 ~~تنزيها لله عز وجل الذي خلق الأصناف كلها { مما تنبت الأرض } ~~يعني ألوانا من النبات، والثمار، ففي كل شيء خلق الله تعالى دليلا على ~~وحدانيته تعالى وربوبيته { ومن أنفسهم } يعني خلق من جنسهم أصناف ~~الذكر والأنثى، وألوانا مختلفة { ومما لا يعلمون } يعني وخلق ~~من الخلق ما لا يعلمون، وهذا كقوله # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها، فقال عز وجل: { ~~وءاية لهم اليل } يعني علامة وحدانيته الليل { نسلخ ~~منه النهار } يعني نخرج ونميز منه النهار { فإذا هم ~~مظلمون } يعني داخلون في الظلمة، ويقال: يبقون في الظلمة، ويقال: ~~إن الله خلق الدنيا مظلمة، ثم قال { والشمس } سراجا، فإذا طلعت ~~الشمس، صارت الدنيا مضيئة، وإذا غربت الشمس بقيت الظلمة كما كانت، وهو ~~قوله تعالى { نسلخ منه النهار } يعني ننزع الضوء منه { ~~فإذا هم مظلمون } يعني يبقون في الظلمة، ويقال: نسلخ الليل ~~يعني نخرج منه النهار إخراجا لا يبقى منه شيء من ضوء النهار، كما نسلخ ~~الليل من النهار، فكذلك نسلخ النهار من الليل، فكأنه يقول: الليل نسلخ ~~منه النهار، والنهار نسلخ منه الليل، فاكتفى بذكر أحدهما لأن في الكلام ~~دليلا، وقد ذكر في آية أخرى قال: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # [الزمر: 5] ثم قال عز وجل والشمس { تجرى لمستقر لها } قال ~~مقاتل: يعني لوقت لها، وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى ~~مستقرها ولا تتجاوزها، ثم ترجع إلى أول منازلها، وقال القتبي: { ~~والشمس تجرى لمستقر لها } يعني إلى مستقر لها، ~~ومستقرها أقصى منازلها في الغروب، وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة ~~حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع، فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزها، ~~وطريق آخر ما روي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه # " قال كنت جالسا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند غروب الشمس، ~~فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها ~~تغرب، وتذهب حتى تسجد تحت العرش وتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن ms1423 تستأذن فلا ~~يؤذن لها حتى تستشفع وتطلب، فإذا طال عليها قيل لها اطلعي مكانك " # فذلك قوله { والشمس تجرى لمستقر لها } قال مستقرها ~~تحت العرش ثم قال { ذلك تقدير العزيز العليم } العزيز ~~بالنقمة، العليم بما قدره من أمرها وخلقها، وروى عمرو بن دينار، عن ابن ~~عباس أنه كان يقرأ: { والشمس تجرى لمستقر لها } يعني لا ~~تقف ولا تستقر، ولكنها جارية أبدا ثم قال عز وجل: { والقمر ~~قدرنه منازل } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (والقمر) ~~بالضم، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فله وجهان أحدهما أن يكون على ~~الابتداء، والآخر معناه وآية لهم القمر، عطف على قوله: { وءاية ~~لهم الليل } ومن قرأ بالنصب، فمعناه: وقدرنا القمر، وقال مقاتل ~~في قوله { والقمر قدرنه منازل } يعني قدرناه منازل في ~~السماء يبدو رقيقا، ثم يستوي، ثم ينقص في آخر الشهر، وقال الكلبي { ~~قدرنه منازل } أي قدرناه منازل بالليل، ينزل كل ليلة في ~~منزل، ويصعد في منزل حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه، ثم يعود إلى ~~أدنى منازله، ويقال: إن القمر يدور في منازله في شهر واحد، مثل ما تدور ~~الشمس في منازلها في سنة واحدة، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون ~~فرسخا مستديرة، والشمس هكذا، وكان ضوؤهما واحدا، فأخذ تسعة وتسعون ~~جزءا من القمر فألحقت بالشمس، وروي عن ابن عباس أنه قال: القمر أربعون ~~فرسخا في أربعين فرسخا، والشمس ستون فرسخا في ستين فرسخا، وقال ~~بعضهم: القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها، ثم قال تعالى { ~~حتى عاد كالعرجون القديم } يعني صار كالعذق اليابس ~~المنقرس، الذي حال عليه الحول ويقال: للقمر ثمانية وعشرون منزلا، فإذا ~~صار في آخر منازله دق حتى يعود كالعذق اليابس، والعرجون إذا يبس: دق ~~واستقوس فشبه القمر به، يعني صار في عين الناظر كالعرجون، وإن كان هو في ~~الحقيقة عظيم بنفسه، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقا ثم قال عز وجل { ~~لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر } يعني أن تطلع في ~~سلطان القمر، وقال ms1424 عكرمة: لكل واحد منهما سلطان، للشمس سلطان بالنهار، ~~وللقمر سلطان بالليل، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل { ولا الليل ~~سابق النهار } يعني لا يدرك سواد الليل ضوء النهار فيغلبه على ~~ضوئه { وكل فى فلك يسبحون } يعني في دوران يجرون ويدورون، ~~ويقال " يسبحون " يعني يسيرون فيه بالانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد ~~سبح فيه، وقال بعضهم: السماء كالموج المكفوف والشمس والقمر والكواكب ~~الدوارة يسبحون فيها، وقال بعضهم الأفلاك كثيرة، مختلفة في السير، تقطع ~~القمر في ثمانية وعشرين يوما، والشمس تقطع في سنة، وقال بعضهم: الفلك ~~واحد، وجريهن مختلف، والفلك في اللغة: كل ما يدور. ### || [36.41-44] # قال عز وجل: { وءاية لهم } يعني علامة لكفار مكة على معرفة ~~وحدانية الله تعالى { أنا حملنا ذريتهم } يعني آباءهم، ~~واسم الذرية: يقع على الآباء والنسوة والصبيان، وأصله الخلق، كقوله عز ~~وجل # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا # [الأعراف: 179] يعني خلقنا، ويقال: ذريتهم خاصة، ثم قال { فى الفلك ~~المشحون } يعني في سفينة نوح عليه السلام الموقرة، المملوءة، يعني ~~حملنا ذريتهم في أصلاب آبائهم، قرأ نافع وابن عامر: " ذرياتهم " ~~بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون (ذريتهم) وأراد به الجنس ثم قال عز ~~وجل { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } يعني من مثل ~~سفينة نوح عليه السلام ما يركبون في البحر، وقال قتادة يعني الإبل يركب ~~عليها في السير كما تركب السفن في البحر، وقال السدي { وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون } فقال هذه السفن الصغار، يعني ~~الزوارق، وقال عبد الله بن سلام: هي الإبل، قال الفقيه أبو الليث رحمه ~~الله أخبرني الثقة بإسناده عن أبي صالح قال: قال لي ابن عباس: ما تقول في ~~قوله { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قلت: هي ~~السفن، قال: خذ مني بآذان إنما هي الإبل، فلقيني بعد ذلك فقال: إني ما ~~رأيتك إلا وقد غلبتني فيها، هي كما قلت، ألا ترى أنه يقول { وإن ~~نشأ نغرقهم } يعني إن نشأ نغرقهم في الماء { فلا صريخ ~~لهم } يعني لا مغيث لهم { ولا هم ينقذون } يعني لا يمنعون ms1425 فلا ~~ينجون من الغرق قوله عز وجل { إلا رحمة منا } يعني إلا نعمة ~~منا حين لم نغرقهم، ويقال معناه: لكن رحمة منا بحيث لم نغرقهم { ~~ومتعا إلى حين } يعني بلاغا إلى آجالهم. ### || [36.45-52] # قال عز وجل: { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم ~~وما خلفكم } يعني: ما بين أيديكم من أمر الآخرة. فاعملوا لها، وما ~~خلفكم من أمر الدنيا فلا تغتروا بها، وقال مقاتل: { اتقوا ما بين ~~أيديكم } لكيلا يصيبكم مثل عذاب الأمم الخالية { وما خلفكم } ~~يعني: واتقوا ما بين أيديكم أي: من عذاب الآخرة، والأول قول الكلبي ثم ~~قال: { لعلكم ترحمون } يعني: لكي ترحموا فلا تعذبوا { وما ~~تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم } مثل انشقاق القمر { ~~إلا كانوا عنها معرضين } يعني: مكذبين وهذا جواب لقوله عز ~~وجل: { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } الآية، ثم أخبر عن حال زنادقة الكفار فقال عز وجل: { ~~وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } يعني: تصدقوا ~~من المال الذي أعطاكم الله عز وجل. { قال الذين كفروا ~~للذين ءامنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } ~~على وجه الاستهزاء منهم { إن أنتم إلا فى ضلل مبين } ~~يعني: في خطأ بين، قال بعضهم هذا قول الكفار الذين أمرهم بالنفقة وقال ~~بعضهم: هذا قول الله تعالى يعني قل لهم يا محمد، إن أنتم إلا في ضلال ~~مبين، وروي عن ابن عباس مثل هذا ثم قال عز وجل: { ويقولون متى ~~هذا الوعد إن كنتم صدقين } يعني: متى هذا الوعد الذي ~~تعدونا به يوم القيامة إن كنتم صادقين بأنا نبعث بعد الموت فيقول الله ~~تعالى: { ما ينظرون } بالعذاب { إلا صيحة وحدة } يعني: ~~لا حظر لإهلاكهم فليس إلا صيحة واحدة { تأخذهم وهم يخصمون ~~} قرأ عاصم في رواية أبي بكر، يخصمون بكسر الياء والخاء، وقرأ نافع ~~يخصمون بنصب الياء وسكون الخاء وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص وابن ~~عامر في إحدى الروايتين بنصب الياء وكسر الخاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~بنصب الياء والخاء وقراءة حمزة (يخصمون) بنصب ms1426 الياء وجزم الخاء بغير ~~تشديد، ومعناه تأخذهم وبعضهم يخصم بعضا، ومن قرأ بالتشديد فالأصل فيه ~~يختصمون فأدغمت التاء في الصاد وشددت ومن قرأ بنصب الخاء طرح فتحة التاء ~~على الخاء، ومن قرأ بكسر الخاء فلسكونها وسكون الصاد. وروي عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص لينفخن في الصور والناس في طرقهم، وأسواقهم حتى أن ~~الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله واحد منهما حتى ينفخ في ~~الصور فيصعق به، وهي التي قال الله تعالى: { ما ينظرون إلا ~~صيحة وحدة تأخذهم وهم يخصمون } قال الفقيه أبو ~~الليث رحمه الله وأخبرني الثقة بإسناده عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " تقوم الساعة والرجلان يتبايعان الثوب فلا يطويانه ولا يتبايعانه، ~~وتقوم الساعة والرجل يحلب الناقة فلا يصل الإناء إلى فيه، وتقوم الساعة ~~وهو يلوط الحوض فلا يسقي فيه " # ثم قال تعالى: { فلا يستطيعون توصية } يعني: يموتون من ~~ساعتهم بغير وصية فلا يستطيعون أن يوصوا إلى أهلهم بشيء { ولا إلى ~~أهلهم يرجعون } يعني: ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق. ~~فأخبر الله تعالى بما يلقون (في النفخة الأولى) ثم أخبر بما يلقون في ~~النفخة الثانية يعني: إذا بعثوا من قبورهم بعد الموت، فذلك قوله { ~~ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث } من القبور { ~~إلى ربهم ينسلون } يعني: يخرجون من قبورهم أحياء وكان بين ~~النفختين أربعين عاما في رواية ابن عباس وقيل أكثر من ذلك، ورفع العذاب ~~عن الكفار بين النفختين، فكأنهم رقدوا فلما بعثوا { قالوا يويلنا ~~من بعثنا من مرقدنا } يعني: من أيقظنا من منامنا قال: فيقول ~~لهم الحفظة من الملائكة { هذا ما وعد الرحمن } على ألسنة ~~الرسل { وصدق المرسلون } بأن البعث حق، ويقال إن المؤمنين هم ~~الذين يقولون { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } ~~بأن البعث كائن. ### || [36.53-58] # قال عز وجل: { إن كانت إلا صيحة وحدة فإذا هم ~~جميع لدينا محضرون } قال الكلبي يعني في الآخرة، وقال مقاتل ~~في بيت المقدس " لحسابهم " ثم قال: { فاليوم لا تظلم نفس ms1427 ~~شيئا } يعني: يوم القيامة لا تنقص نفس مؤمنة ولا كافرة من أعمالهم ~~شيئا { ولا تجزون } يعني: ولا تثابون { إلا ما كنتم ~~تعملون } من خير أو شر ثم قال: { إن أصحب الجنة ~~اليوم فى شغل فكهون } يعني: يوم القيامة في شغل مما هم فيه ~~أي عن الذي هم فيه فاكهون يعني ناعمين، قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو ~~(في شغل) بجزم الغين وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان، يقال شغل وشغل مثل ~~عذر وعذر وعمر وعمر، قرأ أبو جعفر المدني (فكهون) بغير ألف. وقراءة ~~العامة (فاكهون) بالألف فمن قرأ بغير ألف يعني: يتفكهون، قال أبو عبيد ~~يقال للرجل إذا كان يتفكه بالطعام أو بالشراب، أو بالفاكهة، أو بأعراض ~~الناس إن فلانا يتفكه، ومنه يقال للمزاحة فكاهة، ومن قرأ بالألف يعني ~~ذوي فاكهة وقال الفراء: فاكهة، وفكهة لغتان، كما يقال حذر وحاذر، وروي في ~~التفسير { فكهون } يعني ناعمون، وفكهون: معجبون، وقال الكلبي ~~ومقاتل في قوله: { إن أصحب الجنة } الآية، يعني شغلوا ~~بالنعيم في افتضاض لأبكار العذارى عن أهل النار فلا يذكرونهم، يعني ~~معجبين بما هم فيه من النعم والكرامة، قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: ~~حدثنا محمد بن الفضل بإسناده عن عكرمة في قوله { فى شغل فكهون ~~} قال في افتضاض الأبكار وروى زيد بن أرقم عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: # " إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، فقال رجل من ~~أهل الكتاب إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة فقال الرسول: يفيض من جسد ~~أحدهم عرق مثل المسك الأذفر فيضمر بذلك بطنه " # ثم قال تعالى: { هم وأزوجهم فى ظلل } قرأ حمزة والكسائي ~~(في ظلل) وقرأ الباقون (في ظلل)، فمن قرأ (في ظلل) فهو جمع ~~الظلة، يقال ظلة وظلل، مثل حلة وحلل، ومن قرأ بكسر الظاء فهو جمع الظل، ~~يعني هم في ظلال العرش والشجر، ويقال معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد، ~~يعني إن أهل الجنة هم وأزواجهم الحور العين في القصور { على ~~الأرائك متكئون } يعني: على السرر ms1428 عليها الحجال، وروى مجاهد عن ~~ابن عباس قال: الأرائك سرر في الحجال وقال الكلبي: لا تكون أريكة إلا إذا ~~اجتمعتا، فإذا تفرقا فليست بأريكة { متكئون } أي ناعمون، وإنما سمي ~~هذا لأن الناعم يكون متكئا، ثم قال: { لهم فيها فكهة } يعني: ~~لهم في الجنة من أنواع الفاكهة { ولهم ما يدعون } يعني: ما ~~يتمنون مما يشتهوا من الخير { سلام قولا من رب رحيم } ~~يعني: يرسل إليهم ربهم بالتحية والسلام، والعرب تقول: ادعي ما شئت ~~يدعون: يتمنون فقوله عز وجل: " سلام قولا " يعني: يقال لهم سلام، كأنهم ~~يتلقونه بالسلام من رب رحيم، ويقال { ولهم ما يدعون سلم ~~} يعني: لهم ما يشاؤون خالصا، ثم قال: { قولا من رب رحيم }. ### || [36.59-66] # يقول الله تعالى: [ { وامتازوا اليوم } وذلك أنه إذا كان يوم ~~نادى مناد] { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } يعني: ~~اعتزلوا أيها الكفار من المؤمنين فإنهم قد تأذوا منكم في الدنيا ~~فاعتزلوهم حتى ينجوا منكم ويقال: إن المنادي ينادي أيها المجرمون امتازوا ~~فإن المؤمنين قد فازوا، وأيها المنافقون امتازوا فإن المخلصين قد فازوا، ~~ويا أيها الفاسقون امتازوا فإن الصالحين قد فازوا، ويا أيها العاصون ~~امتازوا فإن المطيعين قد فازوا، ثم يقول للكفار والمنافقين بعدما امتازوا ~~{ ألم أعهد إليكم } يعني: ألم أتقدم إليكم، ويقال: ألم أبين ~~لكم في القرآن، ويقال: ألم أوضح لكم { يبني ءادم } بالكتاب ~~والرسل. وقال القتبي: العهد يكون لمعان: يكون للأمانة كقوله: # فأتموا إليهم عهدهم # [التوبة: 4] ويكون لليمين ويكون للميثاق، ويكون للزمان، كما يقال: كان ~~ذلك في عهد فلان: أي في زمانه ويكون العهد للوصية كقوله { ألم ~~أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطن ~~} يعني: أن لا تطيعوا الشيطان، قال ابن عباس من أطاع شيئا فقد عبده { ~~إنه لكم عدو مبين } يعني: بين العداوة { وأن ~~اعبدونى هذا صرط مستقيم } يعني: أطيعوني ووحدوني يعني: ~~هذا التوحيد طريق مستقيم ويقال دين الإسلام هو طريق مستقيم لا عوج فيه ~~وهو طريق الجنة قوله عز وجل: { ولقد أضل منكم جبلا ~~كثيرا } يعني: خلقا كثيرا، وقرأ نافع وعاصم { جبلا ms1429 } بكسر الجيم ~~والباء والتشديد، وقرأ أبو عمرو وابن عامر (جبلا) بضم الجيم وجزم الباء، ~~والباقون بضم الجيم والباء، ومعنى ذلك كله واحد، وقال أهل اللغة: الجبل ~~والجبلة كله بمعنى واحد، يعني الناس الكثير { أفلم تكونوا ~~تعقلون } ما فعل بمن كان قبلكم فتعتبروا فلم تطيعوه، فلما دنوا من ~~النار قال لهم خزنتها { هذه جهنم التى كنتم توعدون } ~~في الدنيا فلم تصدقوا بها { اصلوها اليوم بما كنتم ~~تكفرون } يعني: اصلوها اليوم بما كفرتم في الدنيا عقوبة لكم في ~~الدنيا { اليوم نختم على أفوههم } وذلك حين قالوا: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] { وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون } يعني: يعملون من الشرك والمعاصي ثم قال: { ~~ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } قال مقاتل: يعني لو ~~نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى { فاستبقوا الصرط } ~~يعني: ولو طمست الكفر لاستبقوا الصراط، أي لجازوا الطريق { فأنى ~~يبصرون } يعني: فمن أين يبصرون الهدى بعدما جعلت قلوبهم قاسية، ~~وجعلت على أعمالهم غطاء وأكنة على قلوبهم قال الكلبي: ولو نشاء ~~لفقأنا أعين الضلالة فأبصروا الهدى واستبقوا الطريق { فأنى ~~يبصرون } الطريق، ويقال: فأنى يبصرون الهدى، وقال بعضهم: ولو نشاء ~~لأعمينا أبصارهم في أسواقهم ومجالسهم، كما فعلنا بقوم لوط عليه السلام ~~حين كذبوه وراودوه عن ضيفه { فاستبقوا الصرط } يعني: فابتدروا ~~الطريق هربا إلى منازلهم ولو فعلنا ذلك بهم. ### || [36.67-70] # قال عز وجل: { ولو نشاء لمسخنهم على مكنتهم } ~~يعني: إن شئت لمسختهم حجارة في منازلهم، ليس فيها أرواح { فما ~~استطعوا مضيا ولا يرجعون } ولا يتقدمون ولا يتأخرون. ~~وهذا قول مقاتل. وقال الكلبي: لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير { فما ~~استطعوا مضيا } يعني: فما قدروا ذهابا ولا يرجعون قوله عز ~~وجل { ومن نعمره } يعني: من أطلنا عمره في الدنيا { ننكسه ~~فى الخلق } يعني: نرده إلى أرذل العمر فلا يعقل فيه كعقله الأول. ~~قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر (ننكسه) بضم النون الأولى ونصب ~~الثانية وكسر الكاف مع التشديد وقرأ الباقون (ننكسه) بنصب النون ~~الأولى وجزم الثانية وضم الكاف والتخفيف، ومعناهما واحد ms1430 يقال نكسه ~~ونكسه وأنكسه بمعنى واحد، ومعناه من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل ~~القوة ضعفا، وبدل الشباب هرما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (مكاناتهم) ~~وقرأ الباقون { مكنتهم } والمكانة والمكان واحد مثل المنزل ~~والمنزلة، والمكانات جمع المكانة ثم قال: { أفلا تعقلون } يعني: ~~أفلا تفهمون أن الله هو الذي يفعل ذلك، فتوحدوه، وليس لمعبودهم قدرة على ~~ذلك. قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو (أفلا تعقلون) بالتاء على ~~معنى المخاطبة وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر وقرأ عاصم وأبو عمرو ~~وحمزة { وأن اعبدونى } بالياء وقرأ الباقون بغير ياء لأن الكسر ~~يدل عليه ثم قال عز وجل: { وما علمنه الشعر } جوابا لقولهم ~~إنه شاعر، يعني أرسلنا إليه القرآن، ولم نرسل إليه الشعر { وما ~~ينبغى له } يعني: لم يكن أهلا لذلك وقال: ما يسهل له، وما يحضره ~~الشعر { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين } يعني: ما هو إلا ~~عظة وقرآن مبين يعني: يبين الحق من الضلالة، وروى عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة أنه قال: سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت كان أبغض الحديث إليه الشعر، ولم ~~يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس بن طرفة # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول # " ويأتيك بالأخبار من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر ليس هكذا يا رسول ~~الله فقال لست بشاعر ولا ينبغي لي أن أتكلم بالشعر " # فإن قيل روي عنه أنه كان يتكلم بالشعر لأنه ذكر أنه قال: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # وذكر أنه عثر يوما فدميت أصبعه فقال: # هل أنت إلا إصبع دميت # وفي كتاب الله ما لقيت # وذكر أنه قال يوم الخندق # بسم الإله وبه هدينا # ولو عبدنا غيره شقينا # قيل له هذه كلمات تكلم بها فصارت موافقة للشعر وليست بشعر. ثم قال عز ~~وجل: { لينذر من كان حيا } يعني: من كان ms1431 مؤمنا لأن المؤمن هو ~~الذي يقبل الإنذار. ويقال من كان حيا يعني: عاقلا راغبا في الطاعة. ~~قرأ نافع وابن عامر (لتنذر) بالتاء على معنى المخاطبة يقول لتنذر يا ~~محمد، وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر عنه. يعني: لتنذر يا محمد. ~~ويقال يعني: لتنذر بالقرآن من كان مهتديا في علم الله تعالى الأزلي { ~~ويحق القول } يعني: وجب العذاب { على الكفرين } يعني: ~~قوله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] ثم وعظهم ليعتبروا. ### || [36.71-76] # فقال عز وجل: { أو لم يروا أنا خلقنا لهم } يعني: أولم ~~ينظروا فيعتبروا فيما أنعم الله عز وجل عليهم قوله { مما عملت ~~أيدينا أنعما } يعني: أنا خلقنا لهم بقوتنا وبقدرتنا وبأمرنا { ~~أنعما } يعني: الإبل والبقر والغنم { فهم لها ملكون } ~~يعني: الأنعام وقال قتادة: يعني ما في بطونها { وذللنها لهم ~~} يعني: سخرناها لهم فيحملون عليها ويسوقونها حيث شاؤوا فلا تمتنع منهم { ~~فمنها ركوبهم } في انتفاعهم وحوائجهم { ومنها يأكلون } ~~من الإبل والبقر والغنم { ولهم فيها } يعني: في الأنعام { ~~منفع } في الركوب والحمل والصوف والوبر { ومشرب } يعني: ~~ألبانها { أفلا يشكرون } رب هذه النعمة فيوحدونه، يعني: اشكروا ~~ووحدوا { واتخذوا من دون الله ءالهة } يعني: تركوا عبادة ~~رب هذه النعم وعبدوا الآلهة { لعلهم ينصرون } يعني: لعل هذه ~~الآلهة تمنعهم من العذاب في ظنهم يقول الله عز وجل: { لا يستطيعون ~~نصرهم } يعني: منعهم من العذاب { وهم لهم جند محضرون ~~} يعني: الكفار للأصنام جند يتعصبون لها ويحضرونها في الدنيا للآلهة، ~~ويقال: وهم لهم جند محضرون يعني لآلهتهم كالعبيد والخدم، قيام بين ~~أيديهم، وقال الحسن: { وهم لهم جند } في الدنيا { محضرون } ~~في النار ثم قال عز وجل: { فلا يحزنك قولهم } يعني: لا يحزنك ~~يا محمد تكذيبهم إياك { إنا نعلم ما يسرون } من التكذيب { ~~وما يعلنون } يعني: ما يظهرون لك من العداوة. ### || [36.77-83] # قوله عز وجل: { أولم ير الإنسن أنا خلقنه من ~~نطفة } روى سفيان عن الكلبي عن مجاهد قال أتى أبي بن خلف الجمحي ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعظم بالي قد أتى عليه حين، فقام ففته ~~بيده ثم ms1432 قال يا محمد أتعدنا أنا إذا متنا وكنا مثل هذا بعثنا؟ فأنزل الله ~~تعالى { أولم ير الإنسن } الآية وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه: أنه قال: لما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرون الماضية ~~أنهم يبعثون بعد الموت، وأنكم يا أهل مكة معهم، فأخذ أبي بن خلف الجمحي ~~عظما باليا فجعل يفته بيده ويذروه في الرياح، ويقول عجبا يا أهل مكة ~~إن محمدا يزعم أنا إذا متنا وكنا عظاما بالية مثل هذا العظم وكنا ~~ترابا، أنا نعاد خلقا جديدا، وفينا الروح، وذلك ما لا يكون أبدا. ~~فنزل { أولم ير الإنسن أنا خلقنه من نطفة } ~~يعني: أولم يعلم هذا الكافر أنا خلقناه أول مرة من نطفة { فإذا هو ~~خصيم مبين } جدل بالباطل، ويقال خصيم بين الخصومة فيما يخاصم، ~~مبين أي بين { وضرب لنا مثلا } يعني: وصف لنا شبها في أمر ~~العظام. ويقال وصف لنا بالعجز { ونسى خلقه } يعني: وترك ابتداءه ~~حين خلقه من نطفة، ويقال ترك النظر في خلق نفسه فلم يعتبر و { قال من ~~يحيى العظم وهى رميم } يعني: بالية، والرميم: العظم ~~البالي. يقال رم العظم إذا بلي قال الله تعالى: { قل يحييها ~~الذى أنشأها أول مرة } يعني: قل يا محمد يحيي العظام الذي ~~خلقها أول مرة، يعني: في أول مرة ولم يكن شيئا ثم قال عز وجل: { وهو ~~بكل خلق عليم } يعني: عليم بخلقهم، وببعثهم، ثم أخبر عن صنعه ~~ليعتبروا في البعث فقال: { الذى جعل لكم } يعني: قل يا محمد ~~العظام يحييها { الذى جعل لكم } { من الشجر الأخضر ~~نارا فإذا أنتم منه توقدون } قال الكلبي كل شجرة يقدح منها ~~النار إلا شجرة العناب، فمن ذلك القصارون يدقون عليه { فإذا أنتم ~~منه توقدون } يعني: تقدحون يعني: فهو الذي يقدر على أن يبعثكم ثم ~~قال عز وجل: { أوليس الذى خلق السموات والأرض } ~~وهي أعظم خلقا { بقدر على أن يخلق مثلهم } في ~~الآخرة. والكلام يخرج على لفظ الاستفهام ويراد به التقرير. ثم قال: { ~~بلى } هو قادر على ذلك { وهو ms1433 الخلق العليم } يعني: ~~الباعث العليم ببعثهم قوله عز وجل: { إنما أمره إذا أراد ~~شيئا } من أمر البعث وغيره { أن يقول له كن فيكون } خلقا. ~~قرأ ابن عامر والكسائي فيكون بالنصب وقد ذكرناه في سورة البقرة { ~~فسبحن الذى بيده ملكوت كل شىء } يعني: خلق كل شيء ~~من البعث وغيره. # ويقال خزائن كل شيء، ويقال له القدرة على كل شيء { وإليه ~~ترجعون } بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم. قال حدثنا الفقيه أبو الليث ~~رحمه الله قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان، بإسناده عن أبي بن كعب رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس فمن قرأ يس يريد بها وجه الله تعالى ~~غفر له وأعطي من الأجر كمن قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيما مسلم قرئت ~~عنده سورة يس حين ينزل به ملك الموت ينزل إليه بكل حرف منها عشرة أملاك ~~يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون قبضه، ويشهدون ~~غسله ويشيعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه وأيما مسلم مريض قرىء ~~عنده سورة يس وهو في سكرات الموت لا يقبض ملك الموت روحه حتى يجيء رضوان ~~خازن الجنة بشربة من شراب الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض ملك الموت ~~روحه عليه السلام وهو ريان ويدخل قبره وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ~~ويخرج من القبر وهو ريان ويحاسب وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض ~~الأنبياء عليهم السلام حتى يدخل الجنة وهو ريان " # (والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد النبي ~~الأواب وعلى آله وسلم). ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-5] # قوله تبارك وتعالى: { والصفت صفا } قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى { والصفت صفا } قال أقسم الله تعالى ~~بصفوف الملائكة الذين في السموات، كصفوف المؤمنين في الصلاة. ويقال يعني ~~صفوف الغزاة في الحرب كقوله عز وجل: # صفا كأنهم بنين مرصوص # [الصف: 4] ويقال: بصفوف الأمم يوم القيامة لقوله عز وجل: # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف: 48] ويقال: ms1434 صف الطيور بين السماء والأرض صافات بأجنحتها لقوله # والطير صآفات # [النور: 41] ويقال: صفوف الجماعات في المساجد، وفي الآية بيان فضل ~~الصفوف، حيث أقسم الله بهن، ثم قال عز وجل { فالزجرت زجرا } يعني: ~~الملائكة الذين يزجرون السحاب ويؤلفونه ويسوقونه إلى البلد الذي لا مطر ~~بها، ويقال { فالزجرت } يعني فالدافعات وهم الملائكة الذين يدفعون ~~الشر عن بني آدم موكلون بذلك ويقال فالزاجرات يعني ما زجر الله تعالى في ~~القرآن بقوله: # لا تأكلوا الربا # [آل عمران: 130] # ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم # [النساء: 2] ويقال هي التوراة والإنجيل، والزبور، والفرقان، وما كان من ~~عند الله من كتب ويقال: فالزجرات زجرا، يعني هم الأنبياء والرسل، ~~والعلماء، يزجرون الناس عن المعاصي، والمناهي، والمناكر { ~~فالتليت ذكرا } يعني: الملائكة، وهو جبريل يتلو القرآن على ~~الأنبياء، ويقال: هم المؤمنون الذين يقرؤون القرآن، ويقال: فالتاليات ~~ذكرا، قال هم الصبيان يتلون في الكتاب من الغدوة إلى العشية، كان الله ~~تعالى يحول العذاب عن الخلق ما دامت تصعد هذه الأربعة إلى السماء، أولها ~~أذان المؤذنين والثاني تكبير المجاهدين، والثالث تلبية الملبين، والرابع ~~صوت الصبيان في الكتاب وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه ~~قال { والصفت صفا } قال الملائكة { فالزجرت زجرا } ~~قال الملائكة { فالتليت ذكرا } قال الملائكة، وهكذا قال ~~مجاهد قد أقسم الله بهذه الأشياء { إن إلهكم لواحد } ~~ويقال: أقسم (بنفسه فكأنه يقول وخالق هذه الأشياء إن إلهكم لواحد يعني: ~~ربكم، وخالقكم) ورازقكم لواحد { رب السموات } يعني: الذي خلق ~~السماوات { والأرض وما بينهمآ } من خلق { ورب ~~المشرق } يعني: مشرق كل يوم وقال في آية أخرى: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف وقال في هذه السورة { رب ~~المشرق } أي مشرق كل يوم. ### || [37.6-18] # قال { إنا زينا السماء الدنيا } يعني: الأدنى، وإنما ~~سميت سماء الدنيا لأنها أقرب إلى الأرض { بزينة الكوكب } أي: ~~بضوء الكواكب، قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص (بزينة) بالتنوين ~~(الكواكب) بالكسر بغير تنوين بكسر الباء وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~(بزينة) بالتنوين (الكواكب) بالنصب ms1435 والباقون (بزينة) بالكسر ~~بغير تنوين (الكواكب) بكسر الباء فمن قرأ بزينة الكواكب بالكسر جعل ~~الكواكب بدلا من الزينة والمعنى: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب ومن ~~قرأ بالنصب أقام الزينة مقام التزيين، فكأنه قال: إنا زينا السماء ~~الدنيا بتزيننا الكواكب، فيكون الكواكب على معنى التفسير، ومن قرأ بغير ~~تنوين فهو على إضافة الزينة إلى الكواكب، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه ~~أنه قال - الكواكب معلقة بالسماء كالقناديل - ويقال إنها مركبة عليها كما ~~تكون في الصناديق والأبواب ثم قال: { وحفظا من كل شيطن ~~مارد } يعني: حفظ الله تعالى السماء بالكواكب من كل شيطان متمرد يعني ~~شديد يقال: مرد يمرد إذا اشتد ثم قال: { لا يسمعون } قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص (لا يسمعون) بنصب السين والتشديد، ~~والباقون (يسمعون) بنصب الياء وجزم السين مع التخفيف، فمن قرأ بجزم ~~السين فهو بمعنى يسمعون، ومن قرأ بالتشديد فأصله يتسمعون فأدغمت التاء في ~~السين وشددت يعني لكيلا يستمعون { إلى الملإ الأعلى } يعني: ~~إلى الكتبة { ويقذفون } يعني: يرمون { من كل جانب دحورا } ~~يعني: طردا من كل ناحية من السماء وكانوا من قبل (يستمعون إلى كلام ~~الملائكة) عليهم السلام، قال حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا إسحاق بن ~~إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن الزهري عن علي بن ~~الحسين عن ابن عباس قال: # " بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في نفر من ~~أصحابه إذ رمى بنجم فاستنار، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما كنتم ~~تقولون لمثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا يموت عظيم أو يولد عظيم فقال عليه ~~السلام: إنه لا يرمى لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز وجل إذا قضى أمرا ~~يسبحه حملة العرش وأهل السماء السابعة يقول ماذا قال ربكم فيخبرونهم ~~فيستخبر أهل كل سماء أهل السماء الأخرى حتى ينتهي الخبر إلى السماء ~~الدنيا فتخطف الجن، ويرمون فيما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون ~~فيه ويكذبون " # قال معمر قلت للزهري؟ أو كان يرمى به في الجاهلية ms1436 قال نعم قال قالت الجن ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - # وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9] قال غلظ وشدد أمرها حيث بعث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقوله { دحورا } يعني: طردا بالشهب فيعيدونهم { ولهم عذاب ~~واصب } يعني: دائم، يعني: الشياطين لمن استمع ولمن لم يستمع في الآخرة ~~وقال مقاتل: في الآية تقديم { إلا من خطف } من الشياطين { ~~الخطفة } يختطف، يعني: يستمع إلى الملأ الأعلى من كلام الملائكة ~~عليهم السلام { فأتبعه شهاب ثاقب } ، والشهاب في اللغة: كل ~~أبيض ذي نور، والثاقب: المضيء { فاستفتهم } يعني: سل أهل مكة، ~~وهذا سؤال تقرير لا سؤال استفهام وقال تعالى: { أهم أشد خلقا } ~~بالبعث { أم من خلقنا } يعني: ما خلقنا من السموات، وما ذكر من ~~المشارق والمغارب، ويقال: أهم أشد خلقا بالبعث، يعني بعثهم أشد { أم ~~من خلقنا } يعني: أم خلقهم في الابتداء ثم ذكر خلقهم في الابتداء ~~فقال: { إنا خلقنهم من طين لازب } يعني: خلقنا آدم وهم ~~من نسله من طين حمئة، ويقال: لازب: أي لاصق، ويقال لازب يعني: لازم، ~~إلا أن الباء تبدل من الميم، لقرب مخرجهما، كما يقال: سمد رأسه وسبد ~~إذا استأصله، واللازب، واللاصق واحد، ثم قال: { بل عجبت ~~ويسخرون } قرأ حمزة والكسائي: (عجبت) بضم التاء، وقرأ الباقون ~~بالنصب، فمن قرأ بالنصب فالمعنى بل عجبت يا محمد من نزول الوحي عليك ~~والكافرون يسخرون مكذبين لك، ومن قرأ (بل عجبت) بالضم فهو إخبار عن ~~الله تعالى، وقد أنكر قوم هذه القراءة، وقالوا إن الله تعالى لا يعجب من ~~شيء، لأنه علم الأشياء قبل كونها، وإنما يتعجب من سمع أو رأى شيئا لم ~~يسمعه ولم يره، ولكن الجواب أن يقال: العجب من الله عز وجل بخلاف العجب ~~من الآدميين، ويكون على وجه التعجب، ويكون على وجه الإنكار والاستعظام ~~لذلك القول كما قال في آية أخرى # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5] وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة أن شريحا كان يقرأ: (بل عجبت) ~~بالنصب ويقول إنما ms1437 يعجب من لا يعلم، وقال الأعمش فذكرت ذلك لإبراهيم ~~النخعي فقال إبراهيم النخعي إن شريحا كان معجبا برأيه، وعبد الله بن ~~مسعود كان أعلم منه وكان يقرؤها (بل عجبت) بالضم وروي عن ابن عباس ~~أنه كان يقرأ هكذا بالضم، وهو اختيار أبي عبيدة ثم قال: { ويسخرون ~~} يعني: يسخرون حين سمعوا { وإذا ذكروا لا يذكرون } يعني: ~~إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون، { وإذا رأوا ءاية } يعني: علامة ~~مثل انشقاق القمر { يستسخرون } يعني: يستهزئون ويسخرون، وقال أهل ~~اللغة سخر واستسخر بمعنى واحد، مثل قر واستقر { وقالوا إن هذا ~~إلا سحر مبين } يعني بين قوله عز وجل: { أءذا متنا } يعني ~~يقولون إذا متنا { وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون ~~} يعني: لمحيون بعد الموت { أو ءاباؤنا الأولون قل } يا محمد ~~{ نعم وأنتم دخرون } يعني: صاغرون. ### || [37.19-40] # قال عز وجل: { فإنما هى زجرة وحدة } يعني: صيحة ونفخة ~~واحدة، ولا يحتاج إلى الأخرى { فإذا هم } يعني: الخلائق { ينظرون ~~} يعني: يخرجون من قبورهم وينظرون إلى السماء كيف غيرت والأرض كيف بدلت، ~~فلما عاينوا البعث ذكروا قول الرسل: إن البعث حق { وقالوا ~~يويلنا هذا يوم الدين } يعني يوم الحساب، ويقال يوم ~~الجزاء، فردت عليهم الحفظة ويقولون { هذا يوم الفصل الذى ~~كنتم به تكذبون } أنه لا يكون، ثم ينادي المنادي { احشروا ~~الذين ظلموا } يعني: سوقوا الذين كفروا { وأزوجهم } يعني: ~~وأشباههم، ويقال وقرناءهم وضرباءهم، ويقال وأشياعهم وأعوانهم، ويقال ~~وأمثالهم { وما كانوا يعبدون من دون الله } يعني: من ~~الشياطين الذين أضلوهم، ويقال كل معبود وكل من يطاع في المعصية { ~~فاهدوهم } يعني: ادعوهم جميعا ويقال اذهبوا بهم وسوقوهم جميعا { ~~إلى صرط الجحيم } يعني: إلى طريق الجحيم، والجحيم: ما عظم من ~~النار، ويقال: إلى وسط الجحيم، فلما انطلق بهم إلى جهنم أرسل الله عز وجل ~~ملكا يقول { وقفوهم } أي احبسوهم { إنهم مسئولون } عن ~~ترك قول لا إله إلا الله، ويقال في الآية تقديم يعني يقال لهم قفوا ~~قبل ذلك، فحبسوا أو سئلوا ثم يساق بهم إلى الجحيم فيقال لهم { ما لكم ~~لا تنصرون } يعني: لم ms1438 ينصر بعضكم بعضا ولا يدفع بعضكم عن بعض ~~كما كنتم تفعلون في الدنيا قوله عز وجل: { بل هم اليوم ~~مستسلمون } أي خاضعون ذليلون { وأقبل بعضهم على ~~بعض يتساءلون } يعني: يسأل ويخاصم بعضهم بعضا القادة والسفلة، ~~والعابد والمعبود ومتابعي الشيطان للشيطان، ويقال: يتساءلون يعني ~~يتلاومون، { قالوا } يعني: السفلة للرؤساء { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين } يعني: من قبل الحق أي الدين فزينتم لنا ~~ضلالتنا، وروي عن الفراء أنه قال: { اليمين } في اللغة القوة ~~والقدرة، ومعناه إنكم كنتم تأتوننا بأقوى الحيل وكنتم تزينون علينا ~~أعمالنا، وقال الضحاك: تقول السفلة للقادة إنكم قادرون وظاهرون علينا، ~~ونحن ضعفاء أذلاء في أيديكم، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال { ~~تأتوننا عن اليمين } عن الحق، يعني: الكفار يقولون للشيطان، ~~وقال القتبي: إنما يقول هذا المشركون لقرنائهم من الشياطين { إنكم ~~كنتم تأتوننا عن اليمين } يعني: عن أيماننا، لأن إبليس ~~قال: # لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمنهم وعن شمآئلهم # [الأعراف: 17] وقال المفسرون: من أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من ~~قبل الدين وليس عليه الحق، ومن أتاه من قبل الشمال أتاه من قبل الشهوات، ~~ومن أتاه من بين يديه أتاه من قبل التكذيب بالقيامة، ومن أتاه من خلفه ~~خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده، فلم يصل رحما، ولم يؤد زكاة، ~~وقال المشركون لقرنائهم إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين في الدنيا من جهة ~~الدين، يعني أضللتمونا { قالوا } لهم قرناؤهم { بل لم تكونوا ~~مؤمنين } أي لم تكونوا على حق فتشبه عليكم ونزيلكم عنه إلى الباطل { ~~وما كان لنا عليكم من سلطن } يعني: من قدرة فنقهركم، ~~ويقال من ملك فنجبركم عليه { بل كنتم قوما طغين } يعني: ~~كافرين عاصين { فحق علينا } يعني: وجب علينا جميعا { قول ~~ربنا } وهو السخط، ويقال قول ربنا يوم قال لإبليس # لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين # [ص: 85] { إنا لذائقون } يعني: العذاب جميعا في النار، قوله عز ~~وجل: { فأغوينكم } يعني: أضللناكم عن الهدى { إنا كنا ~~غوين } يعني: ضالين يقول الله تعالى: { فإنهم } يعني: الكفار ms1439 ~~والشياطين { يومئذ فى العذاب مشتركون } يعني: شركاء في ~~النار وفي العذاب يوم القيامة { إنا كذلك نفعل ~~بالمجرمين } يعني: هكذا نفعل بمن أشرك، فنجمع بينهم وبين الذين ~~أضلوهم في النار، ثم أخبر عنهم فقال { إنهم كانوا } يعني: في ~~الدنيا { إذا قيل لهم لا إله إلا الله } يعني: قولوا ~~لا إله إلا الله { يستكبرون } عنها ولا يقولونها { ويقولون ~~أإنا لتاركوا آلهتنا } يعني: أنترك عبادة آلهتنا { ~~لشاعر } يعني: لقول شاعر { مجنون } أي مغلوب على عقله، يقول ~~الله تعالى { بل جاء بالحق } يعني: بالقرآن، ويقال: بأمر التوحيد، ~~ويقال جاء ببيان الحق { وصدق المرسلين } الذين قبله، قال ~~مقاتل يعني: صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمرسلين الذين قبله، وقال ~~الكلبي: وبتصديق المرسلين الذين قبله ومعناهما واحد. ويقال معناه جاء ~~محمد عليه السلام بموافقة المرسلين عليهم السلام { إنكم } يعني: ~~العابد والمعبود { لذآئقو العذاب الأليم } يعني: لتصيبوا ~~العذاب الوجيع الدائم { وما تجزون } في الآخرة { إلا ما ~~كنتم تعملون } يعني: إلا بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي ~~والشرك ثم استثنى المؤمنين فقال عز وجل: { إلا عباد الله ~~المخلصين } يعني: الموحدين، ويقال إلا بمعنى لكن عباد الله ~~المخلصين. ### || [37.41-56] # قال { أولئك لهم رزق معلوم } يعني: طعام معلوم معروف ~~حين يشتهونه على قدر غدوة وعشية، ثم بين الرزق فقال { فوكه } يعني: ~~ألوان الفاكهة { وهم مكرمون } بالثواب، ويقال منعمون { في ~~جنت النعيم على سرر متقبلين } في الزيارة { ~~يطاف عليهم } يعني: يطوف عليهم خدمهم { بكأس من معين } ~~يعني: خمرا جاريا (من معين) يعني: الطاهر الجاري بيضاء يعني: بخمرة ~~توجب اللذة { بيضاء لذة } يعني: شهوة { للشاربين، لا ~~فيها غول } يعني: ليس فيها إثم ويقال لا غائلة لها، ولا يوجع منها ~~الرأس، وروى شريك عن سالم قال لا فيها غول أي لا مكروه فيها ولا أذى، ~~وقال القتبي لا فيها غول أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها. يقال: الخمر غول ~~للحلم، والحرب غول للنفوس، والغول البعد { ولا هم عنها ينزفون ~~} قرأ حمزة والكسائي (ينزفون) بكسر الزاي، وقرأ الباقون بالنصب، فمن ~~قرأ بالنصب فمعناه ms1440 لا يذهب عقولهم شربها ويقال للسكران نزيف، ومنزوف إذا ~~زال عقله، ومن قرأ بالكسر فله معنيان: أحدهما لا ينفذ شرابهم أبدا، ~~والثاني أنهم لا يسكرون ثم قال عز وجل: { وعندهم قصرت ~~الطرف عين } يعني: غاضات الأعين عن غير أزواجهن، يعني: قصرن طرفهن ~~على أزواجهن وقنعن بهم ولا يبغين بهم بدلا ثم قال: (عين) أي حسان الأعين ~~شدة البياض في شدة السواد، يقال لواحدة العين عيناء يعني: كبيرة العين، ~~ويقال الحسن العيناء التي سواد عينها أكثر من بياضها ثم قال: { ~~كأنهن بيض مكنون } يعني: إنهن أحسن بياضا من بيض النعم، ~~والعرب تشبه النساء ببيض النعام، يقال لا يكون لون البياض في شيء أحسن من ~~بيض النعام وقال قتادة البيض التي لم تلوثه الأيدي، ويقال البيض أراد به ~~القشر الداخل من البيض، المكنون قد خبأ وكن من البرد والحر { ~~فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يعني: يسأل بعضهم ~~بعضا عن حاله في الدنيا قوله عز وجل: { قال قائل منهم } يعني: ~~من أهل الجنة { إنى كان لى قرين } وهو الذي بين الله تعالى ~~أمرهما في سورة الكهف # جعلنا لأحدهما جنتين من أعنب # [الكهف: 32] فكانا أخوين وشريكين وأنفق أحدهما ماله في أمر الآخرة، ~~واتخذ الآخر لنفسه ضياعا وخدما، واحتاج المؤمن إلى شيء، فجاء إلى أخيه ~~الكافر يسأله، فقال له الكافر ما صنعت بمالك؟ فأخبره أن قدمه إلى الآخرة، ~~فقال له الكافر { يقول أءنك لمن المصدقين } يعني: إنك ~~ممن يصدق بالبعث، وطلب منه أن يدخل في دينه، ولم يقض حاجته، فذلك قوله { ~~أءنك لمن المصدقين } يعني: بالبعث بعد الموت قوله عز وجل: { ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون } ~~يعني: لمحاسبون، فيقول المؤمن لأصحابه في الجنة { قال هل أنتم ~~مطلعون } حتى ننظر إلى حاله وإلى منزله، فيقول أصحابه: اطلع أنت ~~فإنك أعرف به منا { فاطلع } يعني: فنظر في النار { فرآه في ~~سوآء الجحيم } يعني: رأى أخاه في وسط الجحيم أسود الوجه مزرق ~~العين، فيقول المؤمن عند ذلك قوله: { قال تالله إن كدت ~~لتردين } يعني: والله لقد ms1441 هممت لتغويني ولتضلني، ويقال: لتردين أي ~~لتهلكني، يقال أرديت فلان: أي أهلكته، والردى: الموت والهلاك، وقال ~~القتبي في قوله { إنا لمدينون } أي مجازون بأعمالنا، يقال: دنته ~~بما عمل: أي جازيته. ### || [37.57-70] # قال عز وجل: { ولولا نعمة ربى } يعني: لولا ما أنعم الله ~~علي بالإسلام { لكنت من المحضرين } معك في النار، ثم أقبل ~~المؤمن على أصحابه في الجنة فقال: يا أهل الجنة { أفما نحن ~~بميتين إلا موتتنا الأولى } اللفظ لفظ الاستفهام، ~~والمراد به النفي، يعني لا نموت أبدا سوى موتتنا الأولى، وذلك حين يذبح ~~الموت فيأمنوا من الموت { وما نحن بمعذبين } يعني: لم نكن من ~~المعذبين مثل أهل النار، قال الله عز وجل: { إن هذا لهو ~~الفوز العظيم } يعني: النجاة الوافرة، فازوا بالجنة ونجوا من ~~النار { لمثل هذا } يعني: لمثل هذا الثواب والنعم والخلود { ~~فليعمل العملون } أي: فليبادر المبادرون، ويقال فليجتهد ~~المجتهدون [ويقال: فليحتمل المحتملون الأذى لأنه فد حفت الجنة بالمكاره] ~~{ أذلك خير نزلا } يعني: الذي وصفت في الجنة، خير ثوابا، ~~ويقال رزقا، ويقال منزلا { أم شجرة الزقوم } للكافرين { ~~إنا جعلنها فتنة للظلمين } يعني: ذكر الشجرة بلاء ~~للمشركين، قال قتادة زادتهم تكذيبا، فقالوا يخبركم محمد أن في النار ~~شجرة والنار تحرق الشجر، وقال مجاهد إنا جعلناها فتنة، قول أبي جهل إنما ~~الزقوم التمر والزبد فقال لجاريته زقمينا فزقمته وذكر أن الزبعري قال ~~الزقوم بلسان البربر وأفريقيا: التمر والزبد، فأخبر الله تعالى عن الزقوم ~~أنه لا يشبه النخل ولا طلعها كطلع النخل، فقال: { أذلك خير ~~نزلا } يعني: نعيم الجنة، وما فيها من اللذات { خير نزلا } أي ~~طعاما { أم شجرة الزقوم } لأهل النار قوله عز وجل: { إنا ~~جعلنها فتنة للظلمين } ثم وصف الشجرة فقال: { ~~إنها شجرة تخرج فى أصل الجحيم } يعني: في وسط الجحيم ~~{ طلعها } يعني: ثمرتها { كأنه رؤوس الشيطين } يعني: رؤوس ~~الحيات قبيح في النظر، ويقال هو نبت لا يكون شيء من النبات أقبح منه، وهو ~~يشبه الحسك فيبقى في الحلق، ويقال هي رؤوس الشياطين بعينها، وذلك أن ~~العرب إذا وصفت الشيء ms1442 بالقبح تقول كأنه شيطان، ثم وصف أكلهم فقال { ~~فإنهم لآكلون منها } يعني: من ثمرها { فمالئون منها ~~البطون } وهو جماعة المالي، يعني: يملؤون منها البطون قال حدثنا أبو ~~الليث رحمه الله، قال حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا محمد بن عقيل قال ~~حدثنا عباس الدوري قال حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " أيها الناس اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون فلو أن قطرة من ~~الزقوم قطرت في الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم فكيف ممن هو طعامه ~~وشرابه منه ليس له طعام غيره " # قوله عز وجل: { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم } ~~يعني: خلطا من حميم من ماء حار في جهنم { ثم إن مرجعهم ~~لإلى الجحيم } يعني: مصيرهم إلى النار، ثم بين المعنى الذي به ~~يستوجبون العقوبة فقال تعالى: { إنهم ألفوا } يعني: وجدوا { ~~آبآءهم ضآلين } عن الهدى { فهم على ءاثارهم ~~يهرعون } يعني: يسعون في مثل أعمال آبائهم، والإهراع في اللغة: ~~المشي بين المشيتين وقال مجاهد كهيئة الهرولة. ### || [37.71-98] # قال عز وجل: { ولقد ضل قبلهم } يعني: أضل إبليس قبلهم { ~~أكثر الأولين } يعني: من الأمم الخالية، ولم يذكر إبليس لأن في ~~الكلام دليلا عليه فاكتفى بالإشارة، ومثل هذا كثير في القرآن ثم قال عز ~~وجل: { ولقد أرسلنا فيهم منذرين } يعني: رسلا ~~ينذرونهم، كما أرسلناك إلى قومك، فكذبوهم بالعذاب، كما كذبك قومك، فعذبهم ~~الله تعالى في الدنيا { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ~~} يعني: آخر أمر من أنذر فلم يؤمن { إلا عباد الله ~~المخلصين } يعني: الموحدين المطيعين فإنهم لم يعذبوا قوله عز وجل: ~~{ ولقد نادانا نوح } يعني: دعا نوح ربه على قومه، وهو قوله: # أنى مغلوب فانتصر # [القمر: 10] { فلنعم المجيبون } يعني: نعم المجيب أنا { ~~ونجينه وأهله من الكرب العظيم } يعني: من الهول ~~الشديد وهو الغرق، قوله: { وجعلنا ذريته هم البقين } ~~لأن الذي حمل معه من الناس ثمانون رجلا وامرأة، غرقوا كلهم ولم يبق إلا ~~ولده سام، وحام، ويافث ms1443 قال الفقيه أبو الليث رحمه الله حدثنا أبو جعفر ~~قال حدثنا أبو القاسم الصغار بإسناده عن سمرة بن جندب قال: إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال # " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم " # ثم قال تعالى: { وتركنا عليه فى الآخرين } يعني: أبقينا ~~عليه ذكرا حسنا في الباقين من الأمم، وهذا قول القتبي، وقال مقاتل ~~يعني: أثنينا على نوح بعد موته ثناء حسنا ثم قال عز وجل: { سلم ~~على نوح فى العلمين } يعني: السعادة والبركة على نوح من بين ~~العالمين { إنا كذلك نجزى المحسنين } يعني: هكذا نجزي كل ~~من أحسن { إنه من عبادنا المؤمنين } يعني: المصدقين ~~بالتوحيد { ثم أغرقنا الأخرين } يعني: قومه الكافرين. # قوله عز وجل: { وإن من شيعته لإبرهيم } قال مقاتل: يعني: ~~إبراهيم من شيعة نوح عليه السلام وعلى ملته، وقال الكلبي يعني من شيعة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - إبراهيم، وعلى دينه ومنهاجه، وذكر عن الفراء ~~أنه قال هذا جائز، وإن كان إبراهيم قبله كما قال: # حملنا ذريتهم # [يس: 41] يعني: آباءهم، ذريته الذين هو منهم، قوله عز وجل: { إذ جاء ~~ربه بقلب سليم } يعني: إبراهيم دعا ربه بقلب سليم أي: خالص ~~[ويقال: إذ جاء ربه بقلب سليم أي مخلص] سليم من الشرك { إذ قال ~~لأبيه وقومه ماذا تعبدون } يعني: إيش الذي تعبدون، ويقال: ~~معناه لماذا تعبدون هذه الأوثان قوله عز وجل: { أئفكا ءالهة } ~~يعني: أكذبا آلهة { دون الله تريدون } عبادتها { فما ~~ظنكم برب العلمين } إذا عبدتم غيره، فما ظنكم به إذ ~~لقيتموه { فنظر نظرة فى النجوم } قال مقاتل: يعني: في ~~الكواكب [ويقال فنظر نظرة في النجوم، أي في أمر النجوم ثم تفكر بالعين ~~وبالقلب] وذلك أنه رأى كوكبا قد طلع { فقال إنى سقيم } أي: ~~سأسقم ويقال مطعونا وهو قول سعيد بن جبير والضحاك وقال القتبي: نظر في ~~الحساب لأنه لو نظر إلى الكواكب، لقال: نظر نظرة إلى النجوم وإنما يقال ~~نظر فيه، إذا نظر في الحساب { فقال إنى سقيم } أي سأمرض غدا ~~وكانوا يتطيرون من المريض، ms1444 فلما سمعوا ذلك منه هربوا، فذلك قوله تعالى: { ~~فتولوا عنه مدبرين } قال الفقيه أبو الليث رحمه الله ~~حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا خزيمة قال حدثنا عيسى بن إبراهيم قال ~~حدثنا ابن وهب عن جرير بن حازم عن أيوب السجستاني عن محمد بن سيرين عن ~~أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لم يكذب إبراهيم قط إلا ثلاث كذبات، ثنتان في ذات الله قوله: " إني ~~سقيم " وقوله " بل فعله كبيرهم هذا " وواحدة في شأن سارة ذلك أنه قدم أرض ~~جبار، ومعه سارة، وكانت أحسن النساء، فقال لها إن هذا الجبار إن علم أنك ~~امرأة يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم ~~في الأرض مسلما غيري وغيرك فلما دخل الأرض رآها بعض أهل الجبار، فأتاه ~~فقال له: لقد دخل اليوم أرضك امرأة، لا ينبغي أن تكون إلا لك، فأرسل ~~إليها فأتي بها، فقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما أدخلت عليه لم يتمالك أن ~~بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها ادعي الله أن يطلق يدي ولا ~~أضرك، ففعلت فعاد، فقبضت يده أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ~~ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال لها ادعي الله أن ~~يطلق يدي ولك علي ألا أضرك، ففعلت، فأطلقت يده، فدعا الذي جاء بها فقال ~~له إنك أتيتني بشيطان ولم تأتيني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطاها هاجر، ~~فأقبلت تمشي حتى جاءت إلى إبراهيم، فلما رآها إبراهيم انصرف من الصلاة، ~~فقال لها: مهيم: يعني ما الخبر؟ فقالت خيرا كفيت الفاجر وأخدمني خادما ~~" # فقال أبو هريرة: " فتلك أمكم يا بني ماء السماء " يعني نسل العرب منها، ~~لأنه روي في الخبر أنها وهبت هاجر لإبراهيم فولد منها إسماعيل، ويقال: { ~~فتولوا عنه مدبرين } يعني أعرضوا عنه ذاهبين إلى عيدهم ~~قوله عز وجل: { فراغ إلى ءالهتهم } يعني: مال إلى أصنامهم ~~ويقال: دخل بيوت الأصنام، فرأى بين أيديهم طعاما { فقال ألا ~~تأكلون } فلم يجيبوه، فقال: { ما لكم لا ms1445 تنطقون فراغ ~~عليهم ضربا باليمين } يعني: أقبل يضربهم بيمينه، ويقال: ~~يضربهم باليمين التي حلف، وهو قوله: # تالله لأكيدن أصنامكم # [الأنبياء: 57] ويقال باليمين، يعني يضربهم بالقوة، واليمين كناية عنها ~~لأن القوة في اليمين { فأقبلوا إليه يزفون } يعني: يسرعون ~~{ قال } إبراهيم { أتعبدون ما تنحتون } بأيديكم من ~~الأصنام، قرأ حمزة (يزفون) بضم الياء، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ ~~بالنصب فأصله من زفيف النعام، وهو ابتداء عدوه، ومن قرأ بالضم، أي يصيروا ~~إلى الزفيف، ويدخلون في الزفيف، وكلا القراءتين يرجع إلى معنى واحد وهو ~~الإسراع في المشي ثم قال عز وجل: { والله خلقكم وما ~~تعملون } يعني: وما تنحتون به يأيديكم من الأصنام، ومعناه تتركون ~~عبادة من خلقكم، وخلق ما تعملون وتعبدون غيره { قالوا ابنوا له ~~بنينا } يعني: أتونا { فألقوه فى الجحيم } يعني: في ~~النار العظيمة { فأرادوا به كيدا } يعني: أرادوا حرقه وقتله { ~~فجعلنهم الأسفلين } يعني: الآخرين ويقال: الأذلين، وعلاهم ~~إبراهيم، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى أهلكهم الله عز وجل. ### || [37.99-113] # { وقال إني ذاهب إلى ربي } يعني: إني مهاجر إلى طاعة ربي، ~~ويقال من أرض ربي إلى أرض ربي، وقال مقاتل: يعني من بابل إلى بيت المقدس، ~~ويقال: من أرض حران إلى بيت المقدس { سيهدين } يعني: يحفظني، ويقال ~~إني مهاجر إلى ربي، يعني مقبل إلى طاعة ربي، " سيهديني " أي سيرشدني ربي ~~ويقال سيعينني قوله عز وجل: { رب هب لى من الصلحين } يعني: ~~يا رب أعطني ولدا صالحا من المسلمين { فبشرنه بغلم ~~حليم } يعني: حليم في صغره، عليم في كبره قوله عز وجل: { فلما ~~بلغ معه السعى } إلى الحج، ويقال: إلى الجبل { قال } إبراهيم ~~عليه السلام لابنه { يبنى إنى أرى فى المنام } قال ~~مقاتل: هو إسحاق، وقال الكلبي: هو إسماعيل، وروى معمر عن الزهري، قال في ~~قوله { فبشرنه بغلم حليم، فلما بلغ معه ~~السعى } قال ابن عباس: هو إسماعيل، وكان ذلك بمنى، وقال كعب: هو ~~إسحاق، وكان ذلك ببيت المقدس، وقال مجاهد وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي ~~هو إسماعيل وروي عن علي بن أبي طالب ms1446 أنه قال هو إسحاق، وهكذا روي عن ابن ~~عباس [وهكذا قال] وعكرمة وقتادة: وأبو هريرة وعبد الله بن سلام رضي الله ~~عنهم، وهكذا قال أهل الكتابين كلهم، والذي قال هو إسماعيل: احتج بالكتاب، ~~والخبر، أما الكتاب: فهو أنه لما ذكر قصة الذبح قال على أثر ذلك { ~~وبشرنه بإسحق نبيا } ، وأما الخبر: فما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " أنا ابن الذبيحين " # يعني: أباه عبد الله بن عبد المطلب، وإسماعيل بن إبراهيم، وأما الذي ~~يقول هو إسحاق يحتج بما روي في الخبر، أنه ذكر نسبة يوسف، فقال: كان يوسف ~~أشرف نسبا، يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ~~إبراهيم خليل الله، قد اختلفوا فيه هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب، ~~والظاهر عند العامة هو إسحاق، فذلك قوله: { يبنى إنى أرى فى ~~المنام أنى أذبحك } فظاهر اللفظ أنه رأى في المنام أنه يذبحه ~~ولكن معناه إني أرى في المنام أني قد أمرت بذبحك بدليل ما قال في سياق ~~الآية: { قال يأبت افعل ما تؤمر } وروي في الخبر، # " أنه رأى في المنام، أنه قيل له، إن الله يأمرك أن تذبح ولدك، فاستيقظ ~~خائفا وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم رأى في المنام في الليلة ~~الثانية والثالثة مثل ذلك، فاستيقظ وضم ابنه إلى نفسه، وجعل يبكي حتى ~~أصبح فانقاد لأمر الله تعالى، وقال لامرأته سارة إني أريد أن أخرج إلى ~~طاعة ربي، فابعثي ابني معي فجهزته وبعثته معه " # ، قال كعب الأحبار: قال الشيطان إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم ~~أبدا، فلما خرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان ودخل على سارة فقال: ~~أين ذهب إبراهيم بابنك؟ فقالت غدا به لبعض حاجته، قال: إنه لم يغد به ~~لحاجته، ولكنه إنما ذهب به ليذبحه، فقالت: ولم يذبحه؟ قال: يزعم أن ربه ~~أمره بذلك فقالت: قد أحسن أن يطيع ربه، فخرج في أثرهما فقال للغلام أين ~~يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته، قال: فإنه لا يذهب بك ms1447 لحاجته، ولكنه إنما ~~يذهب بك ليذبحك، فقال: ولم يذبحني؟ قال يزعم أن ربه أمره بذلك، قال: ~~فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن، فتركه (ولحق بإبراهيم)، فقال: أين ~~غدوت بابنك؟ قال لحاجة، قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنما غدوت به ~~لتذبحه، قال ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن الله تعالى أمرك بذلك، قال فوالله ~~لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن، فتركه وأيس من أن يطاع قوله عز وجل: { ~~فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدنى ~~إن شاء الله من الصبرين } ، { فلما أسلما ~~وتله للجبين وندينه أن يإبرهيم قد ~~صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين، إن ~~هذا لهو البلاء المبين } ، { وفدينه بذبح ~~عظيم } فأوحى الله تعالى إلى إسحاق، أن ادعو فإن لك دعوة مستجابة فقال ~~إسحاق: اللهم إني أدعوك أن تستجيب لي في أيما عبد من الأولين، ~~والآخرين، لقيك لا يشرك بك شيئا أن تدخله الجنة، وقال مجاهد إن إبراهيم ~~عليه السلام لما أراد أن يذبح ابنه بالسكين، قال ابنه. يا أبت خذ ~~بناصيتي، واجلس بين كتفي حتى لا أوذيك إذا أصابني حد السكين، ولا تذبحني ~~وأنت تنظر في وجهي عسى أن ترحمني واجعل وجهي إلى الأرض ففعل إبراهيم، ~~فلما أمر السكينة على حلقه انقلبت فقال يا أبت ما لك؟ قال: قد انقلبت ~~السكين، قال فاطعن بها طعنا قال: فطعن فانتنت، قال فعرف الله عز وجل ~~الصدق منه ففداه بذبح عظيم وقال هو إسحاق، وروى أسباط عن السدي قال كان ~~من شأن إسحاق حين أراد أبوه أن يذبحه، أنه ركب مع أبيه في حاجة فأعجبه ~~شبابه وحسن هيئته وكان إبراهيم حين بشر بإسحاق، قبل أن يولد له، قال هو ~~إذا لله ذبيح، فقيل لإبراهيم في منامه قد نذرت لله نذرا فاوفيه، فلما ~~أصبح قال { يبنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك } ~~يقول قد أمرت بذبحك { قال يأبت افعل ما تؤمر } قال: فانطلق ~~معي، وأخبر أمك أنك تنطلق إلى أخوالك، وأخذ إبراهيم معه حبلا ومدية ~~يعني: السكين، فقال له: يا ms1448 أبتاه حدها فإنه أهون للموت، فانطلق به، حتى ~~أتى به جبلا من جبال الشام، فأضجعه في أصرة وربط يديه ورجليه فقال له ~~إسحاق: يا أبتاه شد رباطي لكي لا أضطرب فيصيب الدم ثيابك فتراه سارة ~~فتحزن فبكى إبراهيم بكاء شديدا، وأخذ الشفرة، فوضعها على حلقه وضرب الله ~~تعالى على حلقه صفيحة نحاس، فجعل يحز فلا تصنع شيئا، فلما رأى إبراهيم ~~ذلك قلبه على وجهه فضرب الله تعالى على قفاه صفيحة نحاس، وبكيا حتى ابتلت ~~الأرض من دموعهما، فجعل يحز فلا تقطع شيئا، فنودي { أن يإبرهيم ~~قد صدقت الرؤيا } ودونك هذا الكبش فهو فداه فالتفت فإذا هو ~~بكبش أبيض أملح ينحط من الجبل، وقد كان رعى في الجنة أربعين خريفا، فخلا ~~عن ابنه وأخذ الكبش فذبحه، وقال وهب بن منبه: لما قال لإسحاق { يبنى ~~إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى ~~قال يأبت افعل ما تؤمر } ثم قال يا أبت إني أوصيك بثلاثة ~~أشياء، قال وكان إسحاق في ذلك اليوم ابن سبع سنين، أحدها: أن تربط يدي ~~لكيلا اضطرب فأوذيك والثاني: أن تجعل وجهي إلى الأرض لكيلا تنظر إلى وجهي ~~فترحمني والثالث: أن تذهب بقميصي إلى أمي، ليكون القميص عندها تذكرة مني، ~~فذلك قوله { فلما بلغ معه السعى قال يبنى إنى ~~أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى } قرأ ~~حمزة والكسائي (ماذا ترى) بضم التاء، يعني: ماذا ترى من صبرك، ويقال ~~معناه ماذا تشير، وقرأ الباقون بالنصب، وهو من الرأي يعني ماذا ترى [من ~~صبرك، ويقال: معناه ماذا تشير] فيما أمر الله به، ويقال هو من المشورة ~~والرأي (قال أبو عبيد بالنصب تقرأ، لأن هذا في موضع المشورة والرأي ~~والآخر يستعمل في رؤية) العين { قال يأبت افعل ما تؤمر ~~ستجدنى إن شاء الله من الصبرين } على الذبح قوله عز ~~وجل { فلما أسلما } يعني: اتفقا على أمر الله تعالى، قال قتادة: ~~أسلم هذا نفسه لله تعالى، وأسلم هذا ابنه لله تعالى، وروي عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه أنه ms1449 قرأ (فلما سلما) يعني: رضيا وتله للجبين يعني: صرعه على ~~جبينه أي: على وجهه وقال القتبي وتله للجبين يعني: جعل إحدى جبينيه على ~~الأرض، وهما جبينان والجبهة بينهما { وندينه أن يإبرهيم ~~قد صدقت الرؤيا } وقال القتبي الواو زيادة، ومعناه: فلما ~~أسلما وتله للجبين ناديناه، وهذا كما قال امرىء القيس: # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا # بطن خبت ذي حقاف عقنقل # يعني انتحى، والواو زيادة، وقال بعضهم في الآية مضمر ومعناه فلما أسلما: ~~سلما وتله للجبين، وذكر عن الخليل بن أحمد، أنه سئل عن هذه الآية فقال: ~~ليس لنا في كتاب الله عز وجل متكلم، فقيل له فما مثله في العربية، فقال: ~~قول امرىء القيس فلما أجزنا ساحة الحي أجزنا وانتحى بنا، كذلك قوله { ~~أسلما } سلما، وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، ~~يعني: أوفيت الوعد، وائتمرت ما أمرت لقول الله تعالى: { إنا كذلك ~~نجزى المحسنين } كما فعلت يا إبراهيم قوله إن هذا لهو البلاء ~~المبين يعني: الاختبار البين، ثم قال: { وفدينه بذبح عظيم ~~} يعني: بكبش عظيم، والذبح بكسر الذال: اسم لما يذبح، وبالنصب مصدر، وروي ~~عن ابن عباس أنه قال: حدثني من رأى قرني الكبش معلقين في الكعبة، وهو ~~الكبش الذي ذبحه إبراهيم عن إسماعيل عليهما السلام، ثم قال: { ~~وتركنا عليه فى الآخرين } قال الثناء الحسن { سلم ~~على إبرهيم } يعني: سلام الله على إبراهيم، ويقال هذا موصول ~~بالأول يعني: { وتركنا عليه فى الآخرين سلم على ~~إبرهيم } يعني: أثنينا عليه السلام في الآخرين قوله: { كذلك ~~نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين } يعني: ~~المصدقين المخلصين ثم قال عز وجل: { وبشرنه بإسحق ~~نبيا من الصلحين } يعني: بشرناه بنبوة إسحاق بعدما أمر بذبح ~~إسحاق، وقال ابن عباس بشر بإسحاق بعدما أمر بذبح إسماعيل، وكان إسماعيل ~~أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة ثم قال عز وجل: { وبركنا عليه ~~وعلى إسحق } أي: على إبراهيم وعلى إسحاق، وبركته النماء ~~والزيادة في الأموال والأولاد فكان من صلبه ذرية لا تحصى { ومن ~~ذريتهما محسن } مثل موسى وهارون ms1450 وداود وسليمان وعيسى عليهم ~~السلام ومؤمنو أهل الكتاب { وظلم لنفسه مبين } يعني: الذين ~~كفروا بآيات الله عز وجل وروي عن ابن عباس أنه قال: قد رعي الكبش في ~~الجنة أربعين خريفا، وقال بعضهم هي الشاة التي تقرب بها هابيل بن آدم ~~عليهما السلام فتقبل منه قربانه ورفع إلى السماء حيا، ثم جعل بدلا عن ~~ذبح إسماعيل أو إسحاق ويقال هي الشاة التي خلقها الله تعالى لأجله، وقال ~~بعضهم إنها وعلة من البر يعني بقرة وحش من البر جبلية. ### || [37.114-148] # قوله عز وجل: { ولقد مننا على موسى وهرون } يعني: ~~أنعمنا عليهما بالنبوة { ونجينهما وقومهما من ~~الكرب العظيم } يعني: من الغرق { ونصرنهم } يعني: موسى ~~وقومه { فكانوا هم الغلبين } بالحجة على فرعون { ~~وءاتينهما } يعني: موسى وهارون { الكتب المستبين } ~~يعني: المبين الذي قد بين فيه الحلال والحرام { وهدينهما ~~الصرط المستقيم } يعني: ثبتناهما على دين الإسلام { وتركنا ~~عليهما فى الآخرين } يعني: الثناء الحسن في الباقين. { سلم ~~على موسى وهرون } يعني: السلامة منا والمغفرة عليهما { ~~إنا كذلك نجزى المحسنين } أي: نكافىء المحسنين { ~~إنهما من عبادنا المؤمنين } يعني: من المرسلين قوله عز ~~وجل: { وإن إلياس لمن المرسلين } يعني: نبي من أنبياء ~~بني إسرائيل عليهم السلام وقال بعضهم إنه إدريس وروي عن ابن مسعود أنه ~~كان يقرأ وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدريس وقال بعضهم إلياس هو ~~الخضر عليه السلام وقال بعضهم إلياس غير الخضر وإلياس صاحب البراري ~~والخضر صاحب الجزائر ويجتمعان (في كل يوم عرفة بعرفات) ويقال هو من سبط ~~يوشع بن نون بعثه الله تعالى إلى أهل بعلبك فكذبوه فأهلكهم الله تعالى ~~بالقحط وقال الله عز وجل لإلياس سلني أعطك، قال ترفعني إليك فرفعه الله ~~تعالى إليه، وجعله أرضيا، سماويا، إنسيا ملكيا يطير مع الملائكة فذلك ~~قوله تعالى: { إذ قال لقومه ألا تتقون } اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به الأمر يعني: اتقوا الله تعالى: { أتدعون ~~بعلا وتذرون } ربا، روى عكرمة عن ابن عباس قال: البعل الصنم، ~~وقال مجاهد أتدعون بعلا وتذرون ربا، وروى جبير عن الضحاك ms1451 قال مر ~~رجل وهو يقول من يعرف بعل البقرة فقال رجل أنا بعلها، فقال له ابن عباس ~~أنك زوج البقرة فقال الرجل: يا ابن عباس أما سمعت قول الله تعالى يقول: { ~~أتدعون بعلا } يعني: ربا وأنا ربها، ويقال البعل كان اسم ذلك ~~الصنم خاصة الذي كان لهم، ويقال كان صنما من ذهب، فقال لهم { ~~أتدعون بعلا } أي الصنم { وتذرون أحسن الخلقين } ~~الذي خلقكم يعني: تتركون عبادة الله { الله ربكم } قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص الله ربكم (ورب ءابائكم) ~~كلها بالنصب، وقرأ الباقون كلها بالضم فمن قرأ بالنصب يرده إلى قوله { ~~وتذرون أحسن الخلقين الله ربكم ورب } على صفة ~~أحسن الخالقين ومن قرأ بالضم فهو على معنى الاستئناف فكأنه قال هو الله ~~ربكم ورب آبائكم الأولين ثم قال عز وجل: { فكذبوه } يعني: كذبوا ~~إلياس { فإنهم لمحضرون } يعني: هم وآلهتهم لمحضرون النار { ~~إلا عباد الله المخلصين } فإنهم لا يحضرون النار { ~~وتركنا عليه فى الآخرين } يعني: الثناء الحسن { سلم ~~على إل ياسين } قرأ نافع وابن عامر (سلام على آل ياسين) ~~وقرأ الباقون إلياسين ومن قرأ آل ياسين، يعني محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويقال آل محمد فياسين اسم والال مضاف إليه، وآل الرجل أتباعه، ~~وقيل أهله، ومن قرأ الياسين فله طريقان: أحدهما: أنه جمع الياس ومعناه ~~الياس وأمته من المؤمنين كما يقال رأيت المهالبة يعني بني المهلب والثاني ~~أن يكون لقبان الياس والياسين مثل ميكال وميكائيل ثم قال: { إنا ~~كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ~~} وقد ذكرناه قوله عز وجل: { وإن لوطا لمن المرسلين } ~~قوله: { إذ نجينه وأهله أجمعين إلا عجوزا فى ~~الغبرين } { ثم دمرنا الآخرين } وقد ذكرناه ثم قال عز ~~وجل { وإنكم لتمرون عليهم مصبحين } يعني: إنكم ~~يا أهل مكة، لتمرون على قرياتهم إذا سافرتم بالليل والنهار، فذلك قوله: { ~~وباليل أفلا تعقلون وإن يونس لمن المرسلين ~~} يعني: من جملة المرسلين { إذ أبق } يعني: إذ فر، ويقال: إذ هرب، ~~ويقال: خرج { إلى الفلك المشحون } يعني: الموقد من الناس، ~~والدواب، ويقال ms1452 المجهز الذي قد فرغ من جهازه { فسهم } يعني: ~~اقترعوا، وقد ذكرت قصته في سورة الأنبياء { فكان من المدحضين ~~} يعني: من المقروعين، والمدحض في اللغة: هو المغلوب في الحجة، وأصله من ~~دحض الرجل، إذ ذل من مكانه، قوله { فالتقمه الحوت } يعني: ~~ابتلعه الحوت { وهو مليم } قال أهل اللغة المليم: الذي استوجب ~~اللوم، سواء لأمره، أو لا، والملوم الذي يلام، سواء استوجب اللوم أو لا، ~~ويقال وهو ملوم، يعني يلوم نفسه { فلولا أنه كان من ~~المسبحين } قال مقاتل والكلبي: لولا أنه كان من المصلين قبل ذلك، ~~ويقال لولا أنه كان من المسبحين في بطن الحوت { للبث } أي لمكث { فى ~~بطنه } ولكان بطنه قبره { إلى يوم يبعثون } يعني: إلى يوم ~~القيامة قوله عز وجل: { فنبذنه بالعراء } يعني: نبذه الحوت ~~على ساحل البحر، ويقال بالفضاء على ظاهر الأرض، وقال أهل اللغة العراء: ~~هو المكان الخالي من البناء، والشجر، والنبات فكأنه من عرى الشيء { ~~وهو سقيم } يعني: مريض، وذكر في الخبر أنه لم يبق له لحم، ولا ظفر، ~~ولا شعر، فألقاه على الأرض كهيئة الطفل لا قوة له، وقد كان مكث في بطن ~~الحوت أربعين يوما، ثم قال { وأنبتنا عليه شجرة من ~~يقطين } قال مقاتل: يعني من قرع، وهكذا قال قتادة، ومجاهد، وقال أهل ~~اللغة: كل شيء ينبت بسطا فهو يقطين، هكذا قال الكلبي، وذكر في الخبر، أن ~~وعلة كانت تختلف إليه ويشرب من لبنها، فكان تحت ظل اليقطين، ويشرب من لبن ~~الوعلة يعني بقرة الوحش حتى تقوى ثم يبست تلك الشجرة فاغتم لذلك وحزن ~~حزنا شديدا، وبكى فأوحى الله تعالى إليه إنك قد اغتتمت بيبس هذه الشجرة ~~فكيف لم تغتم بهلاك مائة ألف أو يزيدون؟ فذلك قوله: { وأرسلنه ~~إلى مائة ألف أو يزيدون } يعني: كما أرسلناه قبل ذلك إلى ~~قومه وهم مائة ألف، يعني: أهل نينوى، أو يزيدون، يعني بل يزيدون ويقال: ~~يعني: ويزيدون وكانوا مائة وعشرين ألفا { فآمنوا } يعني: لما جاءهم ~~العذاب أقروا وصدقوا، فصرف الله عنهم العذاب، فذلك قوله { ~~فمتعنهم إلى حين ms1453 } يعني: أبقيناهم إلى منتهى آجالهم، فخرج ~~يونس عليه السلام فمر بجانب (مدينة نينوى، فرأى هناك غلاما يرعى فقال من ~~أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس، فقال فإذا رجعت إليهم) فأخبرهم بأنك قد ~~رأيت يونس فقال الغلام إنه من يحدث، ولم تكن له بينة قتلوه، فقال له يونس ~~تشهد لك هذه البقعة، وهذه الشجرة، فدخل وقال للملك إني رأيت يونس عليه ~~السلام يقرئك السلام، فلم يصدقوه حتى خرجوا فشهدت له الشجرة والبقعة قال ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فأخذ الملك بيد الغلام، وقال أنت أحق ~~بالملك مني فأقام الغلام أميرهم أربعين سنة. ### || [37.149-157] # قال عز وجل: { فاستفتهم } يعني: سل أهل مكة { ألربك ~~البنات } قال مقاتل وذلك أن جنسا من الملائكة، يقال لهم الجن منهم ~~إبليس، قال بعض الكفار إن الله عز وجل اتخذهم بناتا لنفسه، فقال لهم أبو ~~بكر رضي الله عنه فمن أمهم؟ فقالوا سروات الجن فذلك قوله ألربك ~~البنات { ولهم البنون } يعني: يختارون له البنات، ولأنفسهم ~~البنين، ثم قال { أم خلقنا الملئكة إنثا وهم ~~شهدون } يعني: كانوا شاهدين حاضرين حين خلقهم بناتا { ألا ~~إنهم من إفكهم } يعني: من كذبهم { ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكذبون } في قلوبهم ثم قال عز وجل: { ~~أصطفى البنات على البنين } وذكر عن نافع أنه قرأ بإسقاط ~~الألف في الوصل، وهو قوله: (لكاذبون اصطفى) وبكسرها في الابتداء، وجعلها ~~ألف وصل، ولم يجعلها ألف قطع، ولا ألف استفهام ومعناها أن الله عز وجل ~~حكى عن كفار قريش أنهم يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأنهم من إفكهم ~~ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون في قولهم اصطفى البنات على البنين وقرأ ~~الباقون (لكاذبون اصطفى) باثبات الألف على معنى الاستفهام، فلفظه لفظ ~~الاستفهام، والمراد به الزجر، ثم قال عز وجل: { ما لكم كيف ~~تحكمون } يعني: كيف تقضون بالحق { أفلا تذكرون } أنه لا ~~يختار البنات على البنين { أم لكم سلطن مبين } يعني: ألكم ~~حجة ويقال ألكم عذر بين في كتاب الله أنزل الله إليكم بأن الملائكة بناته ~~{ فأتوا بكتبكم ms1454 } يعني: أي بعذركم وحجتكم { إن كنتم ~~صدقين } في مقالتكم. ### || [37.158-170] # قال عز وجل: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا } ~~يعني: وصفوا بين الرب وبين الملائكة نسبا، حين زعموا أنهم بناته، ويقال ~~جعلوا بينه وبين إبليس قرابة وروى جبير عن الضحاك قال: قالت قريش: إن ~~إبليس أخو الرحمن، وقال عكرمة { وجعلوا بينه وبين ~~الجنة نسبا } قالوا الملائكة بنات الله، وجعلوهم من الجن، وهكذا ~~قال القتبي ثم قال: { ولقد علمت الجنة } قال مقاتل والكلبي: ~~يعني: علمت الملائكة الذين قالوا إنهم البنات { إنهم لمحضرون ~~} أن من قال إنهم بناته، لمحضرون في النار ويقال لو علمت الملائكة، أنهم ~~لو قالوا بذلك أدخلوا النار ثم قال عز وجل: { سبحن الله عما ~~يصفون } يعني: تنزيها لله عما يصف الكفار، ثم استثنى على معنى ~~التقديم والتأخير يعني: فقال إنهم لمحضرون { إلا عباد الله ~~المخلصين } يعني: الموحدين فإنهم لا يقولون ذلك ثم قال عز وجل: { ~~فإنكم } يا أهل مكة { وما تعبدون، ما أنتم عليه ~~بفتنين } يعني: ما أنتم عليه بمضلين أحدا بآلهتكم { إلا من ~~هو صال الجحيم } يعني: إلا من قدر الله له أن يصلى الجحيم، ويقال ~~إلا من كان في علم الله تعالى أنه يصلى الجحيم، ويقال: إلا من قدرت عليه ~~الضلالة، وعلمت ذلك منه، وأنتم لا تقدرون على الإضلال والهدى { وما ~~منا إلا له مقام معلوم } يعني: قل يا جبريل لمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم، يعني مصلى ~~معروفا في السماء يصلي فيه، ويعبد الله تعالى فيه { وإنا لنحن ~~الصافون } يعني: صفوف الملائكة في السماوات، وروي عن مسروق، عن ابن ~~مسعود قال: " إن في السماوات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك ~~ساجد وروي أو قدماه، وروي عن مجاهد عن أبي ذر عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر ~~إلا وفيه جبهة ملك ساجد " # ويقال إن جبريل عليه السلام، جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ms1455 - فقال ~~له: # أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه # [المزمل:20] وما منا إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله عز وجل ~~فيه، { وإنا لنحن المسبحون } يعني: المصلين { وإن ~~كانوا ليقولون لو أن عندنا } يعني: إن أهل مكة كانوا ~~يقولون لو أتانا بكتاب مثل اليهود والنصارى، لكنا نؤمن، فذلك قوله عز وجل ~~لو أن عندنا { ذكرا من الأولين } يعني: لو جاءنا رسول ~~{ لكنا عباد الله المخلصين } يعني: الموحدين، فلما جاءهم ~~محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفروا به ويقال يعني: بالقرآن { ~~فكفروا به فسوف يعلمون } يعني: يعرفون في الآخرة، وهذا ~~وعيد لهم، ويقال في الدنيا. ### || [37.171-182] # قوله عز وجل: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا } يعني: قد ~~مضت كلمتنا بالنصرة لعبادنا { المرسلين } يعني: الأنبياء عليهم ~~السلام وهو قوله عز وجل: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلى # [المجادلة: 21] { إنهم لهم المنصورون } في الدنيا على ~~أعدائهم { وإن جندنا لهم الغلبون } يعني: المؤمنون أهل ~~ديننا، ويقال: رسلنا لهم الغالبون في الدنيا بالغلبة والحجة في الآخرة { ~~فتول عنهم } يعني: فأعرض عنهم إلى نزول العذاب، وكان ذلك قبل أن ~~يؤمر بالقتال { حتى حين } قال الكلبي: إلى فتح مكة، ويقال إلى أن ~~تؤمر بالقتال { وأبصرهم } يعني: أعلمهم ذلك { فسوف ~~يبصرون } يعني: يرون ماذا يفعل بهم إذا نزل بهم العذاب { ~~أفبعذابنا يستعجلون } يعني: أفبعذاب مثلي يستعجلون { ~~فإذا نزل بساحتهم } يعني: بقربهم وحضرتهم { فساء صباح ~~المنذرين } يعني: بئس الصباح، صباح من أنذر بالعذاب، وروي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه لما نزل بقرب خيبر قال: # " هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء ~~صباح المنذرين " # يعني: من أنذرتهم فلم يؤمنوا قوله عز وجل: { وتول عنهم حتى ~~حين وأبصر فسوف يبصرون } وتكرار الكلام للتأكيد، ~~والمبالغة في الحجة، ثم نزه نفسه عما قالت الكفار، فقال عز وجل: { ~~سبحن ربك } يا محمد { رب العزة } والقدرة { عما ~~يصفون } يعني: عما يقولون وقرىء في الشاذ (رب العزة) ويكون ~~نصبا على المدح، وفي الشاذ قرىء (رب العزة) بالرفع على معنى هو رب ~~العزة، ms1456 وقراءة العامة بالكسر على معنى النعت ثم قال عز وجل: { وسلم ~~على المرسلين } بتبليغ الرسالة، ففي الآية دليل وتنبيه للمؤمنين ~~بالتسليم على جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام ثم قال: { والحمد ~~لله رب العلمين } على هلاك الكافرين، الذين لم يوحدوا ربهم، ~~ويقال: حمد الرب نفسه ليكون دليلا لعباده ليحمدوه سبحانه وتعالى، والحمد ~~لله رب العالمين. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1-3] # قوله تعالى: { ص، والقرآن } قرأ الحسن (صاد) بالكسر وجعلها من ~~المصادات، يقول عارض القرآن، (أي عارض عملك بالقرآن، ويقال بقلبك)، وروى ~~معمر عن قتادة، في قوله (ص) قال: هو كما تقول، تلق كذا أي هيىء نفسك ~~لقدوم فلان، يعني: طهر نفسك بآداب القرآن، كما قال - صلى الله عليه وسلم ~~- # " القرآن مأدبة الله تعالى فتطعموا من مأدبته " # وكان عيسى بن يعمر يقرأ (صاد) بالنصب، وكذلك يقرأ (قاف) و (نون) ~~بالنصب، ومعناه اقرأ صاد، وقراءة العامة بسكون الدال، لأنها حروف هجاء، ~~فلا يدخلها الإعراب، وتقديرها الوقف عليها، وقيل في تفسير قول الله ~~تعالى: (ص) يعني الله هو الصادق. ويقال هو قسم { والقرءان } عطف ~~عليه قسم بعد قسم، ومعناه أقسمت بصاد وبالقرآن، وقال علي بن أبي طالب ~~الصاد اسم بحر في السماء، وقال ابن مسعود في قوله { ص، والقرءان } ~~يعني صادقوا القرآن حتى تعرفوا الحق من الباطل، وقال الضحاك معناه صدق ~~الله، ثم قال والقرآن { ذي الذكر } يعني والقرآن ذي الشرف، ويقال ~~فيه ذكر من كان قبله وجواب القسم عند قوله: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] والجواب قد يكون مؤخرا عن الكلام كما قال: # والفجر وليال عشر # [الفجر: 1، 2] وجوابه قوله: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14] وقوله: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1] وجوابه، قوله: # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] وقال بعضهم جواب القسم ههنا { كم أهلكنا } ومعناه ~~لكم أهلكنا، فلما طال الكلام حذف اللام، ثم قال: { بل الذين ~~كفروا فى عزة } أي في حمية كقوله: # أخذته العزة # [البقرة: 206] يعني الحمية، ويقال في عزة: يعني في تكبر { وشقاق } ~~يعني في خلاف من الدين بعيد، ويقال: في عداوة ms1457 ومباعدة وتكذيب، وقال ~~القتبي بل في اللغة على وجهين: أحدهما لتدارك كلام غلطت فيه تقول رأيت ~~زيدا بل عمروا، والثاني أن يكون لترك شيء، وأخذ غيره من الكلام كقوله: ~~{ بل الذين كفروا فى عزة وشقاق } ثم خوفهم فقال عز ~~وجل: { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } يعني من أمة { ~~فنادوا } يعني فنادوا في الدنيا واستغاثوا { ولات حين مناص ~~} يعني وليس تحين فرار، قال الكلبي: فكانوا إذا قاتلوا قال بعضهم لبعض ~~مناص، يعني يقول احمل حملة واحدة فينجو من نجا، ويهلك من هلك، فلما أتاهم ~~العذاب، قالوا مناص، مثل ما كانوا يقولون، فقال الله تعالى ليس تحين ~~فرار، وهي لغة اليمن، وقال القتبي النوص: التأخر والبوص: التقدم في كلام ~~العرب وروى معمر عن قتادة في قوله { فنادوا ولات حين مناص } ~~قال نادوا على غير حين النداء، وقال عكرمة: نادوا وليس تحين انفلات، وقال ~~أبو عبيدة اختلفوا في الوقف، فقال بعضهم يوقف عند قوله { ولات } ثم ~~يبتدأ ب { حين مناص } لأنا لا نجد في شيء من كلام العرب ولات، أما ~~المعروف لا، ولأن تفسير ابن عباس يشهد لها، وذلك أنه قال ليس تحين فرار ~~وليس هي أخت لا، ولا بمعناها، قال أبو عبيد ومع هذا تعمدت النظر في الذي ~~يقال له مصحف الإمام وهو مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه فوجدت التاء ~~متصلة مع حين. ### || [38.4-10] # قال عز وجل: { وعجبوا أن جاءهم منذر منهم } يعني مخوف ~~منهم، ورسول منهم، يعني من العرب وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~وقال الكفرون هذا سحر كذاب } يكذب على الله تعالى ~~أنه رسوله { أجعل الألهة إلها وحدا } يعني كيف يتسع ~~لحاجتنا إله واحد { إن هذا لشىء عجاب } يعني لأمر عجيب، ~~والعرب تحول فعيلا إلى فعال، وههنا أصله شيء عجيب كما قال في سورة ق # عجيب # [ق: 2] { وانطلق الملأ منهم } قال الفقيه أبو الليث رحمه ~~الله أخبرنا الثقة بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما مرض ~~أبو طالب دخل عليه نفر من قريش ms1458 فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك يشتم ~~آلهتنا ويقول ويقول، ويفعل ويفعل، فأرسل إليه فانهه عن ذلك، فأرسل إليه ~~أبو طالب وكان إلى جنب أبي طالب موضع رجل فخشي أبو جهل إن جاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يجلس إلى جنب عمه أن يكون أرق له عليه، فوثب أبو ~~جهل فجلس في ذلك المجلس، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجد ~~مجلسا إلا عند الباب، فلما دخل قال له أبو طالب: يا ابن أخي إن قومك ~~يشكونك، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول، وتفعل وتفعل، فقال: # " يا عم (إني إنما أريد منهم كلمة واحدة) تدين لهم بها العرب وتؤدي ~~إليهم بها العرب والعجم الجزية، فقالوا وما هي فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا إله إلا الله " # فقاموا فزعين، ينفضون ثيابهم ويقولون { أجعل الآلهة إلها ~~وحدا إن هذا لشىء عجاب وانطلق الملأ منهم } ~~يعني الأشراف من قريش { أن امشوا } يعني امكثوا { واصبروا } ~~يعني اثبتوا { على ءالهتكم } يعني على عبادة آلهتكم { إن ~~هذا لشىء يراد } يعني لأمر يراد كونه بأهل الأرض، ويقال: إن ~~هذا لشيء يراد يعني لا يكون ولا يتم له { ما سمعنا بهذا فى ~~الملة الآخرة } يعني في اليهود والنصارى { إن هذا إلا ~~اختلاق } يعني يختلقه من قبل نفسه، ويقال في قوله { إن هذا ~~لشىء يراد } يعني أراد أن يكون. ثم قال عز وجل: { أأنزل ~~عليه الذكر من بيننا } يعني أخص بالنبوة من بيننا، يقول الله ~~عز وجل { بل هم فى شك من ذكرى } يعني في ريب من القرآن ~~والتوحيد { بل لما يذوقوا عذاب } أي لم يذوقوا عذابي كقوله # ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم # [الحجرات: 14] أي لم يدخل، فهذا تهديد لهم أي سيذوقوا عذابي ثم قال { ~~أم عندهم خزائن رحمة ربك } يعني مفاتيح رحمة ربك، يعني ~~مفاتيح النبوة بأيديهم ليس ذلك بأيديهم وإنما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~{ العزيز الوهاب } يعني بيد الله العزيز في ملكه، الوهاب لمن ~~يشاء بل الله يختار من يشاء للوحي ms1459 فيوحي الله عز وجل وهي الرسالة لمن ~~يشاء { وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب } يعني إن لم ~~يرضوا بما فعل الله تعالى فليتكلفوا الصعود إلى السماء، وقال القتبي: ~~أسباب السماء أي أبواب السماء، كما قال القائل: ولو نال أسباب السماء ~~بسلم، قال: ويكون أيضا { فليرتقوا فى الأسباب } يعني في ~~الجبال إلى السماء، كما سألوك أن ترقى إلى السماء فتأتيهم بآية وهذا كله ~~تهديد وتوبيخ بالعجز. ### || [38.11-20] # قال عز وجل: { جند ما هنالك } يعني جند عند ذلك، وما زائدة، ~~يعني حين أرادوا قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - { مهزوم } يعني ~~مغلوب { من الأحزاب } يعني من الكفار، وقال مقاتل: فأخبر الله ~~تعالى بهزيمتهم ببدر وقال الكلبي: يعني عند ذلك إن أرادوه، مهزوم: مغلوب ~~ثم قال عز وجل: { كذبت قبلهم } يعني من قبل أهل مكة { قوم ~~نوح، وعاد، وفرعون ذو الأوتاد } يعني ذو ملك ثابت شديد ~~دائم، ويقال ذو بناء محكم، ويقال: يعني: في عز ثابت والعرب تقول: فلان في ~~عز ثابت الأوتاد، يريدون دائم شديد، وأصل هذا أن بيوت العرب تثبت بأوتاد، ~~ويقال هي أوتاد كانت لفرعون يعذب بها، وكان إذا غضب على أحد شده بأربعة ~~أوتاد ثم قال: { وثمود وقوم لوط وأصحب الأيكة } ~~يعني الغيضة وهم قوم شعيب عليه السلام { أولئك الأحزاب } يعني ~~الكفار، سموا أحزابا لأنهم تحزبوا على أنبيائهم، أي تجمعوا، وأخبر في ~~الابتداء أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب { إن كل } يعني ما كل { ~~إلا كذب الرسل فحق عقاب } يعني وجب عذابي عليهم قوله ~~عز وجل { وما ينظر هؤلآء } يعني قومك { إلا صيحة وحدة ~~} يعني النفخة الأولى { ما لها من فواق } يعني من نظرة ومن رجعة، ~~قرأ حمزة والكسائي (فواق) بضم الفاء، وقرأ الباقون بالنصب، ومعناهما ~~واحد، يسمى ما بين حلبتي الناقة فواق، لأن اللبن يعود إلى الضرع، وكذلك ~~إفاقة المريض، يعني يرجع إلى الصحة، فقال: ما لها من فواق، يعني من رجوع، ~~وقال أبو عبيدة: من فتحها أراد ما لها من راحة ولا إفاقة يذهب بها إلى ~~إفاقة ms1460 المريض، ومن ضمها، جعلها من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين، ~~يعني: ما لها من انتظار، وقال القتبي: الفواق، والفواق واحد وهو ما بين ~~الحلبتين، ثم قال تعالى { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا } ~~قال ابن عباس وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لقريش: # " من لم يؤمن بالله أعطي كتابه بشماله " # ، فقالوا: { ربنا عجل لنا قطنا } يعني صحيفتنا، وكتابنا في ~~الدنيا { قبل يوم الحساب } والقط في اللغة: الصحيفة المكتوبة، ~~ويقال لما نزل قوله # فأما من أوتى كتبه بيمينه # [الحاقة: 19] فقالوا ربنا عجل لنا هذا الكتاب { قبل يوم ~~الحساب } استهزاء، ثم عزى نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال عز وجل: ~~{ اصبر على ما يقولون } من التكذيب { واذكر عبدنا ~~داود ذا الأيد } يعني ذا القوة على العبادة { إنه أواب } ~~يعني مقبل على طاعة الله عز وجل وقال مقاتل: أواب يعني: مطيع قوله عز ~~وجل: { إنا سخرنا الجبال معه } يعني: ذللنا الجبال { ~~يسبحن } مع داود عليه السلام { بالعشى والإشراق } يعني في ~~آخر النهار وأوله، وروى طاووس أن ابن عباس قال لأصحابه، هل تجدون صلاة ~~الضحى في القرآن؟ قالوا لا، قال بلى، قوله: { يسبحن بالعشى ~~والإشراق } كانت صلاة الضحى يصليها داود عليه السلام ثم قال عز وجل { ~~والطير محشورة } يعني مجموعة { كل له أواب } يعني ~~مطيع وقال عمرو بن شرحبيل الأواب بلغة الحبشة: المسيح، وقال الكلبي: ~~المقبل على طاعة الله تعالى قوله عز وجل { وشددنا ملكه } يعني ~~قوينا حراسه، قال مقاتل والكلبي: كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف ~~رجل، ويقال قوينا ملكه وأثبتناه وحفظناه عليه وروي في الخبر، أن غلاما ~~استعدى على رجل وادعى عليه بقرا، فأنكر المدعي عليه، وقد كان لطمه لطمة ~~حين ادعى عليه، فسأل داود من الغلام البينة، فلم يقمها فرأى داود في ~~منامه أن الله عز وجل يأمره أن يقتل المدعى عليه، ويسلم البقر إلى الغلام ~~فقال داود هو منام، ثم أتاه الوحي بذلك فأخبر بذلك بنو إسرائيل فجزعت بنو ~~إسرائيل وقالوا رجل لطم غلاما لطمة فقتله ms1461 بذلك؟ فقال داود عليه السلام: ~~هذا أمر الله تعالى به، فسكتوا، ثم أحضر الرجل فأخبره أن الله تعالى أمره ~~بقتله، فقال الرجل صدقت يا نبي الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقر ~~فقتله داود، فعظمت هيبته وشدد ملكه فلما رأى الناس ذلك جل أمره في ~~أعينهم، وقالوا: إنه يقضي بوحي الله تعالى ثم إن الله تعالى أرخى سلسلة ~~من السماء وأمره بأن يقضي بها بين الناس فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ~~ومن كان ظالما لا يقدر على أخذ السلسلة وقد كان غصب رجل من رجل لؤلؤا، ~~فجعل اللؤلؤ في جوف عصا له، ثم خاصمه المدعي إلى داود عليه السلام فقال ~~المدعي إن هذا أخذ مني لؤلؤا وإني لصادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة، ~~ثم قال المدعى عليه خذ مني العصا، فأخذ عصاه، وقال إني قد دفعت إليه ~~اللؤلؤ، وإني لصادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة، فتحير داود عليه ~~السلام في ذلك، فرفعت السلسلة، وأمره بأن يقضي بالبينات والأيمان، فذلك ~~قوله عز وجل { وآتيناه الحكمة } يعني الفهم والعلم، ويقال يعني ~~النبوة { وفصل الخطاب } يعني القضاء بالبينات والأيمان وقال ~~قتادة والحسن: وفصل الخطاب يعني البينة على الطالب، واليمين على المطلوب. ### || [38.21-26] # قال عز وجل: { وهل أتاك نبؤا الخصم } يعني خبر الخصم ويقال ~~خبر الخصوم، أي وهل أتاك يا محمد ما أتاك، حين أتاك، ويقال وقد أتاك { ~~إذ تسوروا المحراب } والتسور: أن يصعد في مكان مرتفع، وإنما ~~سمي المحراب سورا لارتفاعه من الأرض، ويقال تسوروا: يعني دخلوا عليه من ~~فوق الجدار، وقال الحسن البصري: وذلك أن داود عليه السلام جزأ الدهر ~~أربعة أيام، فيوما لنسائه، ويوما لقضائه ويوما يخلو فيه لعبادة ربه، ~~ويوما لبني إسرائيل ليسألونه، فقال يوما لبني إسرائيل أيكم يستطيع أن ~~يتفرغ لعبادة ربه يوما لا يصيب الشيطان منه شيئا؟ فقالوا: يا نبي الله، ~~إننا والله لا نستطيع، فحدث داود نفسه أنه يستطيع ذلك، فدخل محرابه وأغلق ~~بابه فقام يصلي في المحراب، فجاء طائر في أحسن صورة مزين كأحسن ما ms1462 يكون، ~~فوقع قريبا منه، فنظر إليه فأعجبه، فوقع في نفسه منه، فدنا منه ليأخذه، ~~فوقع قريبا منه وأطمعه أن سيأخذه، ففعل ذلك ثلاث مرات، حتى إذا كان في ~~الرابعة ضرب يده عليه فأخطأه ووقع على سور المحراب، قال وخلف المحراب حوض ~~تغتسل فيه النساء، فضرب يده عليه، وهو على سور المحراب فأخطأه، وهرب ~~الطائر، فأشرف داود، فإذا بامرأة تغتسل فلما رأته نقضت شعرها، فغطى ~~جسدها، فوقع في نفسه منها ما يشغله عن صلاته، فنزل من محرابه، ولبست ~~المرأة ثيابها، وخرجت إلى بيتها، فخرج حتى عرف بيتها، وسألها من أنت؟ ~~فأخبرته فقال: هل لك زوج؟ قالت نعم، قال أين هو؟ فقالت في بعث كذا وكذا، ~~وجند كذا وكذا، فرجع وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا فاجعل فلانا في ~~أول الخيل، فقدم في فوارس فقاتل فقتل، ثم انتظر حتى انقضت عدتها، فخطبها ~~وتزوجها، فبينما هو في المحراب، إذ تسور عليه ملكان، وكان الباب مغلقا، ~~ففزع منهما، فقالا: لا تخف { خصمان بغى بعضنا على بعض ~~فاحكم بيننا بالحق } يعني اقض بيننا بالعدل، ثم خاصم أحدهما ~~الآخر فقال: { إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة } إلى ~~آخره فعلم داود عليه السلام أنه مراد بذلك (فخر راكعا وأناب) قال الحسن ~~سجد أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة، قال ولم يذق طعاما ~~ولا شرابا حتى أوحى الله عز وجل إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك، ~~وهكذا ذكر في رواية الكلبي عن ابن عباس أنه سجد أربعين يوما حتى سقط جلد ~~وجهه ونبت العشب من دموعه، فقال يا رب: كيف ترحمني وأنا أعلم أنك منتقم ~~مني بخطيئتي وذكر أن جبريل عليه السلام قال له اذهب إلى أوريا فاستحل منه ~~فإنك تسمع صوته في يوم كذا، فأتاه ذات ليلة، فناداه، فأجابه، فاستحل منه ~~فقال: أنت في حل، فلما رجع قال له جبريل هل أخبرته بجرمك؟ قال لا، قال: ~~فإنك لم تفعل شيئا؟ قال فارجع فأخبره بالذي صنعت، فرجع داود فأخبره ~~بذلك، فقال أنا ms1463 خصمك يوم القيامة، فرجع مغتما وبكى أربعين يوما، فأتاه ~~جبريل عليه السلام فقال: إن الله تعالى يقول إني أستوهبك من عبدي، فيهبك ~~لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء، فسري عنه بذلك، وكان محزونا في عمره، ~~باكيا على خطيئته، وروي في خبر آخر، أن داود سمع بني إسرائيل كانوا ~~يقولون في دعائهم يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فيستجاب لهم، فقال لهم ~~داود عليه السلام اذكروني فيهم فقولوا: يا إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ~~وداود، فقالوا: آلله أمرك بهذا؟ قال لا، فقالوا: لا نزيد فيهم ما لم ~~يأمرك الله تعالى بذلك، فسأل داود ربه أن يجعله فيهم، فأوحى الله تعالى ~~إليه، وذكر له ما لقي إبراهيم من الشدائد، وما لقي إسحاق ويعقوب عليهم ~~السلام، فسأل داود ربه أن يبتليه ببلية لكي يبلغ منزلتهم، فابتلي بذلك ~~حتى بلغ مبلغهم، وقال بعضهم هذه القصة لا تصح، لأنه لا يظن بالنبي مثل ~~داود أنه يفعل مثل ذلك، ولكن كانت خطيئته أنه لما اختصما إليه، فقال ~~للمدعي لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه فنسبه إلى الظلم بقول المدعي فكان ~~ذلك منه زلة، فاستغفر ربه عن زلته، فذلك قوله { إذ دخلوا على ~~داوود } وقال بعضهم: كانوا اثنين فذكر بلفظ الجماعة فقال، { إذ ~~دخلوا على داوود } وقال بعضهم كانوا جماعة ولكنهم كانوا ~~فريقين، فقال { إذ دخلوا على داوود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } يعني ~~استطال وظلم بعضنا على بعض { فاحكم بيننا بالحق } يعني اقض ~~بيننا بالعدل { ولا تشطط } أي ولا تجر في الحكم والقضاء ويقال ~~أشططت إذا جرت { واهدنا إلى سواء الصرط } يعني: أرشدنا إلى ~~أعدل الطريق قوله عز وجل: { إن هذا أخى له تسع وتسعون ~~نعجة، ولى نعجة وحدة، فقال أكفلنيها } يعني أعطني ~~هذه النعجة، وهذا قول الكلبي ومقاتل، وقال القتبي { أكفلنيها } ~~يعني ضمها إلي، واجعلني كافلها { وعزنى فى الخطاب } يعني ~~غلبني في الكلام { قال } داود { لقد ظلمك بسؤال نعجتك ~~إلى نعاجه } أي مع نعاجه { وإن كثيرا من الخلطاء } ~~يعني من الإخوان، والشركاء ms1464 { ليبغى بعضهم على بعض } يعني ~~ليظلم بعضهم بعضا { إلا الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } فإنهم لا يظلمون { وقليل ما هم } يعني قليل ~~منهم الذين لا يظلمون، فلما قضى بينهما داود عليه السلام أحب أن يعرفهما، ~~فصعد إلى السماء حيال وجهه { وظن داوود } يعني علم داود ويقال ظن: ~~بمعنى أيقن، إلا أنه ليس بيقين عيانا لأن العيان لا يقال فيه إلا العلم ~~{ أنما فتنه } يعني ابتليناه واختبرناه، ويقال إنهما ضحكا ~~وذهبا فعلم داود أن الله عز وجل ابتلاه بذلك، وروي عن أبي عمرو في بعض ~~الروايات أنه قرأ (أنما فتناه) بالتخفيف، ومعناه ظن أن الملكين ~~اختبراه وامتحناه في الحكم، وقراءة العامة (فتنه) بالتشديد، يعني ~~أن الله عز وجل قد اختبره وامتحنه بالملكين { فاستغفر ربه ~~وخر راكعا وأناب } يعني وخر وقع راكعا ساجدا { وأناب } ~~يعني أقبل إلى طاعة الله تعالى بالتوبة، وروى عطاء بن السائب عن أبي عبد ~~الله البجلي قال: إن داود لم يرفع رأسه إلى السماء مذ أصاب الخطيئة حتى ~~مات، وذكر في الخبر أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، فتزوج امرأة أوريا ~~على شرط أن يكون ولدها خليفة بعده، فولد له منها سليمان وكان خليفته ~~بعده، يقول الله عز وجل: { فغفرنا له ذلك } يعني ذنبه { ~~وإن له عندنا لزلفى } لقربة { وحسن مئاب } أي ~~المرجع في الآخرة، [وروي أن كاتبا كان يكتب قوله تعالى: وخر راكعا ~~وأناب وكان تحت شجرة فقرأها وكتبها فخرت الشجرة ساجدة لله تعالى وهي تقول ~~اللهم اغفر بها ذنبا، وخرت الدواة ساجدة كذلك، وهي تقول اللهم احطط عني ~~بها وزرا، وكذلك الصحيفة التي في يده وهي تقول اللهم احدث مني بها شكرا ~~وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا ~~رسول الله رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة ~~فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول اللهم اكتب لي بها ~~عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما ~~تقبلتها من عبدك داود، ms1465 قال ابن عباس فقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~آية سجدة ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة، ~~وأيضا سئل ابن عباس عن سجدة (ص) من أين سجدت؟ قال أما تقرأ هذه الآية { ~~ومن ذريته داود وسليمن } ثم قال # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90] فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود، ~~فسجدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتداء به] ثم قوله عز وجل { ~~يداوود إنا جعلنك خليفة فى الأرض } يعني أكرمناك ~~بالنبوة وجعلناك خليفة، والخليفة: الذي يقوم مقام الذي قبله، فقام مقام ~~الخلفاء الذين قبله، وكان قبله النبوة في سبط والملك في سبط آخر، ~~فأعطاهما الله تعالى لداود ثم قال { فاحكم بين الناس بالحق ~~} يعني بالعدل { ولا تتبع الهوى } أي لا تمل إلى هوى نفسك ~~فتقضي بغير عدل، ويقال لا تعمل بالجور في القضاء، ولا تتبع الهوى كما ~~اتبعت في بتشايع وهي امرأة أوريا { فيضلك عن سبيل الله } ~~يعني عن طاعة الله تعالى، ويقال: يعني الهوى يستزلك عن سبيل الله { إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله } يعني عن دين الله الإسلام { ~~لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } يعني بما ~~تركوا من العمل ليوم القيامة فلم يخافوه، ويقال: بما تركوا الإيمان بيوم ~~القيامة. ### || [38.27-29] # قوله عز وجل: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما ~~} من الخلق { بطلا } يعني عبثا لغير شيء بل خلقناهما لأمر هو كائن ~~{ ذلك ظن الذين كفروا } يعني يظنون أنهما خلقتا لغير شيء، ~~وأنكروا البعث { فويل للذين كفروا من النار } يعني ~~جحدوا، من النار يعني من عذاب النار { أم نجعل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } وذلك أن كفار مكة قالوا إنا نعطى في ~~الآخرة من الخير أكثر مما تعطون، فنزل { أم نجعل الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } في الثواب { كالمفسدين ~~فى الأرض } يعني كالمشركين وقال في رواية الكلبي نزلت في مبارزي يوم ~~بدر { أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت } ~~يعني عليا وحمزة، وعبيدة رضي الله عنهم { كالمفسدين فى الأرض ~~} يعني عتبة وشيبة ابنا ms1466 ربيعة، والوليد، ويقال: نزلت في جميع المسلمين، ~~وجميع الكافرين، يعني لا نجعل جزاء المؤمنين كجزاء الكافرين في الدنيا ~~والآخرة، كما قال في آية أخرى: # أم حسب الذين اجترحوا السيئت أن نجعلهم ~~كالذين ءامنوا وعملوا الصلحت سوآء # [الجاثية: 21] ثم قال عز وجل: { أم نجعل المتقين ~~كالفجار } يعني كالكفار في الثواب، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد ~~به الوعيد ثم قال عز وجل { كتب أنزلنه إليك مبرك } ~~يعني أنزلنا جبريل عليه السلام به إليك { مبارك } يعني كتاب مبارك ~~فيه مغفرة للذنوب لمن آمن به وصدقه وعمل بما فيه { ليدبروا ~~ءايته } أي لكي يتفكروا في آياته، قرأ عاصم في إحدى الروايتين ~~(لتدبروا) بالتاء مع النصب وتخفيف الدال، وهو بمعنى: لتتدبروا، ~~فحذفت إحدى التاءين وتركت الأخرى خفيفة، وقراءة العامة (ليدبروا) ~~بالياء وتشديد الدال، وهو بمعنى ليتدبروا، فأدغمت التاء في الدال وشددت ~~ثم قوله عز وجل { وليتذكر } يعني وليتعظ بالقرآن { أولو ~~الألبب } يعني ذوو العقول من الناس. ### || [38.30-34] # { ووهبنا لداود سليمن } يعني أعطينا لداود سليمان، وروي عن ~~ابن عباس أنه قال: أولادنا من مواهب الله عز وجل ثم قرأ و # يهب لمن يشآء إنثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49] فوهب الله تعالى لداود سليمان { نعم العبد إنه ~~أواب } يعني مقبلا إلى طاعة الله تعالى قوله عز وجل { إذ عرض ~~عليه بالعشى } يعني في آخر النهار { الصفنت الجياد ~~} يعني الخيل، قال الكلبي ومقاتل: صفن الفرس، إذا رفع إحدى رجليه، فيقوم ~~على طرف حافره، وقال أهل اللغة: الصافن: الواقف من الخيل، وفي الخبر # " من أحب أن يقوم له الرجال صفوفا فليتبؤ مقعده من النار " # يعني يديمون له القيام، والجياد: الحسان، ويقال الإسراع في المشي، وقال ~~ابن عباس في رواية الكلبي إن أهل دمشق من العرب، وأهل نصيبين جمعوا ~~جموعا وأقبلوا ليقاتلوا سليمان فقهرهم سليمان، وأصاب منهم ألف فرس عراب ~~فعرضت على سليمان الخيل، فجعل ينظر إليها ويتعجب من حسنها، حتى شغلته عن ~~صلاة العصر، وغربت الشمس، ثم ذكرها بعد ذلك فغضب وقال: ردوها على ~~فضرب بسوقها وأعناقها بالسيف حتى ms1467 خر منها تسعمائة فرس، وهي التي كانت ~~عرضت عليه، وبقيت مائة فرس لم تعرض عليه، كما كان في أيدي الناس الآن من ~~الجياد فهو من نسلها، أي من نسل المائة الباقية، قوله تعالى { فقال ~~إنى أحببت حب الخير } يعني آثرت حب المال { عن ذكر ~~ربى } يعني عن الصلاة وهي صلاة العصر { حتى توارت بالحجاب ~~} يعني حتى غابت الشمس، وهذا إضمار لما لم يسبق ذكره يعني ذكر الشمس لأن ~~في الكلام دليلا، فاكتفى بالإشارة عن العبارة قوله عز وجل { ردوها ~~على } يعني قال سليمان: ردوا الخيل علي فردت عليه { فطفق ~~مسحا بالسوق } يعني يضرب السوق وهو جماعة الساق { والأعناق } ~~وهو جمع العنق، وروي عن إبراهيم النخعي قال: كانت عشرين ألف فرس، وقال ~~السدي كانت خيل لها أجنحة، وقال أبو الليث يجوز أن يكون مراده في سرعة ~~السير كأن لها أجنحة، وقال بعضهم كانت الجن والشياطين أخرجتها من البحر، ~~وقال عامة المفسرين في قوله { فطفق مسحا بالسوق والأعناق ~~} يعني فضرب سوقها وأعناقها، وقال بعضهم: لم يعقر ولكن جعل على سوقهن ~~وعلى أعناقهن سمة، وجعلها في سبيل الله، قال لأن التوبة لا تكون بأمر ~~منكر، ولكن الجواب عنه أن يقال له يجوز أن يكون ذلك مباحا في ذلك الوقت، ~~وإنما أراد بذلك الاستهانة بمال الدنيا لمكان فريضة الله تعالى، ثم قال ~~عز وجل { ولقد فتنا سليمن } ابتليناه { وألقينا ~~على كرسيه جسدا } يعني شيطانا، قال ابن عباس في رواية أبي ~~صالح: إن سليمان أمر بأن لا يتزوج إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من ~~غير بني إسرائيل فعاقبه الله تعالى، فأخذ شيطان يقال له صخر، خاتمه وجلس ~~على كرسيه أربعين يوما، وقد ذكرنا قصته في سورة البقرة { ثم أناب ~~} يعني رجع إلى ملكه وأقبل على طاعة الله تعالى وقال الحسن في قوله تعالى ~~{ وألقينا على كرسيه جسدا } قال شيطانا، وروى سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنه قال: سألت كعبا عن قوله: { وألقينا على ~~كرسيه جسدا } قال شيطانا يعني أخذ خاتم سليمان الذي فيه ms1468 ملكه ~~فقذفه في البحر فوقع في بطن سمكة وانطلق سليمان يطوف فتصدق عليه بسمكة ~~فشواها ليأكل فإذا فيها خاتمه، وقال وهب بن منبه إن سليمان تزوج امرأة من ~~أهل الكتاب، وكان لها عبد فطلبت منه أن يجزرها لعبدها يعني ينحر الجزور، ~~فأجزرها، فكره ذلك منه، ثم ابتلي بالجسد الذي ألقي على كرسيه وروى معمر ~~عن قتادة في قوله: { وألقينا على كرسيه جسدا } قال كان ~~الشيطان جلس على كرسيه أربعين ليلة، حتى رد الله تعالى إليه ملكه، وروى ~~ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: { وألقينا على كرسيه ~~جسدا } قال شيطان يقال له صخر، قال له سليمان يوما: كيف تفتنون ~~الناس؟ فقال له: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر فذهب ~~ملكه وقعد صخر على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان فلم يقربهن، ~~فأنكرته أم سليمان، أهو سليمان أم آصف فكان يقول: أنا سليمان، فيكذبونه، ~~حتى أعطته امرأة يوما حوتا، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، ودخل ~~صخر البحر فارا، وذكر شهر بن حوشب نحو هذا، وقال لما جلس سليمان على ~~سريره بعث في طلب صخر فأتي به، فأمر به فقورت له صخرة وأدخله فيها ثم ~~أطبق عليها وألقاه في البحر، وقال هذا سجنك إلى يوم القيامة، وقال بعضهم ~~هذا التفسير الذي قاله هؤلاء الذين ذكروا أنه شيطان، لا يصح، لأنه لا ~~يجوز من الحكيم أن يسلط شيطانا من الشياطين على أحكام المسلمين، ويجلسه ~~على كرسي نبي من الأنبياء عليهم السلام، ولكن تأويل الآية والله أعلم أن ~~سليمان كان له ابن، فجاء ملك الموت يوما زائرا لسليمان فرآه ابنه، ~~فخافه وتغير لونه، ومرض من هيبته، فأمر سليمان عليه السلام الريح بأن ~~تحمل ابنه فوق السحاب ليزول ذلك عنه، فلما رفعته الريح فوق السحاب ودنا ~~أجله، فقبض ابنه وألقي على كرسيه فذلك قوله: { وألقينا على ~~كرسيه جسدا } يعني ابنه الميت قال والدليل على ذلك أن الجسد في ~~اللغة هو الميت الذي لا يأكل الطعام والشراب، كالميت ونحوه، وذكر أن ms1469 ~~سليمان جزع على ابنه، إذ لم يكن له إلا ابن واحد فدخل عليه ملكان، فقال ~~أحدهما: إن هذا مشى في زرعي فأفسده، فقال له سليمان: لم مشيت في زرعه؟ ~~فقال: لأن هذا الرجل زرع في طريق الناس، ولم أجد مسلكا غير ذلك، فقال ~~سليمان للآخر: لم زرعت في طريق الناس؟ أما علمت أن الناس لا بد لهم من ~~طريق يمشون فيه؟ فقال لسليمان صدقت، لم ولدت على طريق الموت، أما علمت أن ~~ممر الخلق على الموت، ثم غابا عنه، فاستغفر سليمان فذلك قوله { ثم ~~أناب } يعني تاب ورجع إلى طاعة الله عز وجل. ### || [38.35-40] # قوله عز وجل: { قال رب اغفر لى وهب لى ملكا } أي أعطني ~~ملكا { لا ينبغى لأحد من بعدى } قال سعيد ابن جبير: أعطني ~~ملكا لا تسلبه كما سلبت في المرة الأولى، ويقال: إنما تمنى ملكا لا ~~يكون لأحد من بعده، حتى يكون ذلك معجزة له، وعلامة لنبوته { إنك ~~أنت الوهاب } يعني المعطي الملك قوله عز وجل { فسخرنا له ~~الريح تجرى بأمره } وكان من قبل ذلك لم تسخر له الريح، ~~والشياطين، فلما دعا بذلك سخرت له الريح والشياطين، فقال: { فسخرنا ~~له الريح تجرى بأمره } يعني بأمر سليمان ويقال بأمر الله ~~تعالى { رخاء } يعني لينة مطيعة { حيث أصاب } يعني حيث أراد من ~~الأرض والنواحي، أصاب يعني أراد، وقال الأصمعي العرب تقول: أصاب الصواب ~~فأخطأ الجواب، يعني أراد الصواب فأخطأ الجواب { والشيطين } يعني ~~سخرنا له كل شيء، وسخرنا له الشياطين أيضا { كل بناء وغواص } ~~يعني يغوصون في البحر ويستخرجون اللؤلؤ، وقال مقاتل: وهو أول من استخرج ~~اللؤلؤ من البحر { وءاخرين مقرنين } يعني مردة الشياطين موثقين ~~{ فى الأصفاد } يعني في الحديد، ويقال: الأصفاد: الأغلال ثم قال عز ~~وجل { هذا عطاؤنا } يعني هذا عطاؤنا لك، وكرامتنا عليك { ~~فامنن } يعني اعتق من شئت منهم، فخل سبيله من الشياطين { أو ~~أمسك بغير حساب } يعني احبس في العمل، والوثاق، والسلاسل من ~~شئت منهم { بغير حساب } أي فلا تبعة عليك في الآخرة فيمن أرسلته، ~~وفيمن ms1470 حبسته، ويقال ليس عليك بذلك إثم { وإن له عندنا ~~لزلفى } يعني لقربى { وحسن مئاب } يعني: حسن المرجع. ### || [38.41-44] # قوله عز وجل { واذكر عبدنا أيوب } يعني واذكر صبر عبدنا ~~أيوب { إذ نادى ربه } يعني دعا ربه { أنى مسنى ~~الشيطن } يعني أصابني الشيطان { بنصب وعذاب } وهو المشقة ~~والعناء والأمراض، وعذاب في ماله، يعني هلاك أهله وماله، وقد ذكرناه في ~~سورة الأنبياء قوله عز وجل { اركض برجلك هذا } يعني قال له ~~جبريل اضرب الأرض برجلك، فضرب، فنبعت عين من تحت قدميه فاغتسل فيها، فخرج ~~منها صحيحا، ثم ضرب برجله الأخرى، فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد فشرب ~~منها فذلك قوله هذا { مغتسل } يعني الذي اغتسل منها ثم قال: { ~~بارد وشراب } يعني الذي شرب منها قوله عز وجل: { ووهبنا له ~~أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولى ~~الألبب، وخذ بيدك ضغثا } يعني قبضة من سنبل فيها مائة ~~سنبلة وقال الكلبي: ضغثا: أي مجتمعا، وقال مقاتل: الضغث القبضة ~~الواحدة، فأخذ عيدانا رطبة من الآس فيه مائة عود، وقال القتبي: الضغث، ~~الحزمة من العيدان والكلأ { فاضرب به } يعني اضرب به امرأتك { ولا ~~تحنث } في يمينك، وقال الزجاج: قالت امرأته لو ذبحت عناقا باسم ~~الشيطان، فقال لا، ولا كفا من تراب، وحلف أنه يضربها مائة سوط، ~~وأمر بأن يبر في يمينه { إنا وجدنه صابرا } على البلاء الذي ~~ابتليناه { نعم العبد إنه أواب } يعني مقبل على طاعة ربه، ~~وقال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، ومكث يوسف في السجن سبع ~~سنين، ويقال إنه أواب، لما هلك ماله قال كان ذلك من عطاء الله، ولما هلك ~~أولاده قال: إنا لله وإنآ إليه راجعون، ولما ابتلي ~~بالنفس قال: إني له ويقال: واذكر أنت يا محمد، صبر عبدنا أيوب إذ ضاق ~~صدرك من أذى الكفار، وأمر أمتك ليذكروا صبره، ويعتبروا، ويصبروا. ### || [38.45-64] # قال عز وجل: { واذكر عبادنا إبرهيم } فجعل العبد نعت ~~إبراهيم خاصة، كأنه قال واذكر عبدنا، قرأ ابن كثير واذكر (عبدنا) ~~بغير ألف، وقرأ الباقون (عبادنا) بالألف، فمن ms1471 قرأ عبدنا فمعناه ~~(واذكر عبدنا إبراهيم } فجعل العبد نعتا لإبراهيم خاصة ~~فكأنه قال { واذكر عبدنا إبراهيم } واذكر { إسحق ~~ويعقوب } ومن قرأ { عبادنا } يعني ما بعده مع إبراهيم، ~~وإسحاق، ويعقوب { أولى الأيدى والأبصر } يعني أولي ~~القوة في العبادة، والأبصار يعني ذوي البصر في أمر الله تعالى قوله عز ~~وجل { إنا أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار } يعني ~~اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة وليس لهم هم إلا هم الآخرة، ~~ويقال معناه: واذكر صبر إبراهيم، وصبر إسحاق، وصبر يعقوب، ولم يذكر صبر ~~إسماعيل لأنه لم يبتل بشيء، قرأ نافع (بخالصة) بغير تنوين على معنى ~~الإضافة، وقرأ الباقون مع التنوين، وروي عن مالك ابن دينار أنه قال: نزع ~~الله ما في قلوبهم من حب الدنيا وذكرها وقد أخلصهم بحسب الآخرة وذكرها، ~~ومن قرأ (بخالصة) بالتنوين، جعل قوله: { ذكرى الدار } بدلا ~~من خالصة، والمعنى إنا أخلصناهم بذكر الدار، والدار هاهنا دار الآخرة، ~~يعني جعلناهم لنا خالصين، بأن جعلناهم يكثرون ذكر الدار والرجوع إلى الله ~~تعالى ثم قال عز وجل: { وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار } يعني المختارين للرسالة، الأخيار في الجنة ثم قال { ~~واذكر إسمعيل } قال مقاتل: واذكر صبر إسماعيل وهو أشمويل بن ~~هلفانا، وقال غيره هو إسماعيل بن إبراهيم، يعني اذكر لقومك صبر إسماعيل، ~~وصدق وعده { واليسع، وذا الكفل } واليسع كان خليفة إلياس، وذا ~~الكفل كفل مائة نبي أطعمهم وكساهم { وكل من الأخيار هذا ~~ذكر } يعني هذا الذي ذكرنا من الأنبياء عليهم السلام في هذه السورة ~~ذكر يعني بيان لعظمته { وإن للمتقين } من هذه الأمة { ~~لحسن مئاب } يعني حسن المرجع. ثم وصف الجنة فقال عز وجل { ~~جنت عدن مفتحة لهم الأبواب } يعني تفتح لهم ~~الأبواب فيدخلونها يعني الجنة، كما قال تعالى في آية أخرى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوبها # [الزمر: 73] فإذا دخلوها وجلسوا على السرر، وكانوا { متكئين ~~فيها يدعون فيها بفكهة كثيرة وشراب } يعني ألوان ~~الفاكهة، والشراب { وعندهم قصرت الطرف } يعني غاضات ~~أعينهن عن غير أزواجهن { أتراب } يعني ذات أقران أي مستويات على سن ~~واحد { هذا ms1472 ما توعدون ليوم الحساب } يقول { إن هذا ~~} يعني إن هذا الثواب الذي توعدون بأنه يكون لكم في يوم الحساب وقرأ ابن ~~كثير، وأبو عمر، بالياء على معنى الاخبار عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على ~~معنى المخاطبة، يقول الله تعالى { إن هذا لرزقنا } يعني إن ~~هذا الذي ذكرنا لعطاؤنا للمتقين { ما له من نفاد } يعني لا يكون ~~له فناء، ولا انقطاع عنهم، وهذا كما قال تعالى: # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33] ثم قال: { هذا } يعني هذا الرزق للمتقين، فيتم الكلام ~~عند قوله { هذا } ثم ذكر ما أوعد الكفار فقال عز وجل: { وإن ~~للطغين لشر مآب } يعني للكافرين لبئس المرجع لهم في الآخرة، ~~ثم بين مرجعهم فقال عز وجل { جهنم يصلونها } يعني يدخلونها { ~~فبئس المهاد } يعني فبئس موضع القرار { هذا فليذوقوه } ~~يعني هذا العذاب لهم فليذوقوه { حميم وغساق } وهو ماء حار قد ~~انتهى حره، قرأ حمزة والكسائي وحفص غساق، بتشديد السين، وقرأ الباقون ~~بالتخفيف، وعن عاصم روايتان، رواية حفص بالتشديد، ورواية أبي بكر ~~بالتخفيف، فمن قرأ بالتشديد: فهو بمعنى سيال وهو ما يسيل من جلود أهل ~~النار، ومن قرأ بالتخفيف: جعله مصدر غسق يغسق غساقا، أي سال، وروي عن ~~ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرآ غساق بالتشديد، وفسراه بالزمهرير، وقال ~~مقاتل: الغساق، البارد الذي انتهى برده، وقال الكلبي: الحميم: هو ماء حار ~~قد انتهى حره وأما غساق فهو الزمهرير، يعني برد يحرق كما تحرق النار، ~~وقال بعضهم الغساق: المنتن بلفظ الطحاوية ثم قال عز وجل { وءاخر من ~~شكله أزوج } يعني وعذاب آخر من نحوه يعني من نحو الحميم، ~~والزمهرير، قرأ أبو عمر، وابن كثير في إحدى الروايتين (وأخر من شكله) ~~بضم الألف، وقرأ الباقون (وآخر) بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو لفظ الجماعة ~~ومعناه وأنواع أخر، ومن قرأ (وأخر) بنصب الألف بلفظ الواحد يعني ~~وعذاب آخر من شكله، أي مثل عذابه الأول { أزوج } يعني ألوان { ~~هذا فوج مقتحم معكم } يعني جماعة داخلة معكم النار ~~يقال: اقتحم إذا دخل في المهالك، وأضلوا الدخول، تقول الخزنة ms1473 للقادة وهذه ~~جماعة داخلة معكم النار وهم الاتباع { لا مرحبا بهم } يعني لا ~~وسع الله لهم { إنهم صالو النار } يعني داخل النار معكم فردت ~~الاتباع على القادة { قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم } يعني ~~لا وسع الله عليكم { أنتم قدمتموه لنا } يعني أسلفتموه لنا ~~وبدأتم بالكفر قبلنا فاتبعناكم { فبئس القرار } يعني بئس موضع ~~القرار في النار قوله عز وجل { قالوا ربنا من قدم لنا ~~هذا } الأمر هذا الذي كنا فيه { فزده عذابا ضعفا فى ~~النار، وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم ~~من الأشرار } يعني فقراء المسلمين. # قوله عز وجل: { أتخذنهم سخريا } قرأ حمزة، والكسائي، ~~وأبو عمرو (سخريا اتخذناهم) بالوصل، وقرأ الباقون بالقطع فمن قرأ بالقطع ~~فهو على معنى الاستفهام بدليل قوله { أم زاغت عنهم الأبصر ~~} لأن أم تدل على الاستفهام، ومن قرأ بالوصل فمعناه أنا أتخذناهم سخريا، ~~وجعل أم بمعنى بل، وقرأ حمزة والكسائي ونافع (سخريا) بضم السين، ~~وقرأ الباقون بالكسر، قال القتبي: فمن قرأ بالضم جعله من السخرة يعني ~~تستذلهم، ومن قرأ بالكسر فمعناه إنا كنا نسخر منهم، ثم قال { أم ~~زاغت عنهم الأبصر } يعني مالت وحادت أبصارنا عنهم فلا ~~نراهم، قال الله سبحانه وتعالى { إن ذلك لحق تخاصم أهل ~~النار } يعني يتكلم به أهل النار ويتخاصمون فيما بينهم. ### || [38.65-69] # { قل } يا محمد { إنما أنا منذر } يعني رسول أخوفكم عذاب ~~الله تعالى، وأبين لكم أن الله تعالى واحد { وما من إله إلا ~~الله الوحد القهار } يعني قاهر لخلقه { رب السموات ~~والأرض وما بينهما العزيز } بالنقمة { الغفار } ~~للمؤمنين قوله عز وجل { قل هو نبأ عظيم } يعني القرآن حديث ~~عظيم لأنه كلام رب العالمين { أنتم عنه معرضون } يعني تاركون ~~فلا تؤمنون به، وقال الزجاج { قل هو نبأ عظيم } يعني قل إن ~~النبأ الذي أنبأتكم عن الله عز وجل نبأ عظيم فيه دليل نبوتي، مما ذكر فيه ~~من قصة آدم عليه السلام فإن ذلك لا يعرف إلا بوحي أو بقراءة كتب، ولم يكن ~~قرأ الكتب ثم قال { ما كان لى ms1474 من علم بالملإ الأعلى ~~} يعني الملائكة عليهم السلام { إذ يختصمون } يعني يتكلمون حين ~~قالوا # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] وإنما عرفت ذلك بالوحي. ### || [38.70-88] # { إن يوحى إلى } يعني ما يوحي إلي { إلا أنما أنا ~~نذير مبين } إلا أنا رسول بين ثم قال عز وجل { إذ قال ~~ربك للملئكة إنى خلق بشرا من طين } يعني آدم { ~~فإذا سويته } يعني جمعت خلقه { ونفخت فيه من روحى } ~~يعني وجعلت الروح فيه { فقعوا له سجدين } يعني اسجدوا له { ~~فسجد الملئكة كلهم أجمعون } يعني سجدوا كلهم دفعة ~~واحدة { إلا إبليس } أبى عن السجود و { استكبر وكان من ~~الكفرين } يعني وصار من الكافرين { قال يا إبليس } ما ~~منعك يعني يا خبيث { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ~~} يعني الذي خلقته بيدي، قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها، ولا نعرف ~~تفسيرها يعني قوله بيدي، يعني الذي خلقت بيدي، وقال بعضهم تفسيرها كما ~~قال الله تعالى، خلقته بيدي، ولا نفسر اليد، ونقول يد لا كالأيدي وهذا ~~قول أهل السنة والجماعة، وقال بعضهم نفسرها بما يليق من صفات الله تعالى ~~يعني خلقه بقدرته وقوته وإرادته، فإن قيل: قد خلق الله عز وجل سائر ~~الأشياء بقوته وقدرته وإرادته فما الفائدة في التخصيص هنا؟ قيل له: قد ~~ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضا وهو قوله: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعما # [يس: 71] ويقال { لما خلقت بيدى } أي بقوتي، قوة العلم، وقوة ~~القدرة، ويقال خلقته بيدي: أي بماء السماء، وتراب الأرض كقوله، آدم خلقه ~~من تراب، وكما قال عليه السلام # " خلق الله تعالى الخلق من ماء " # وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال " أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل ~~حرف منها ظهر وبطن " وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضا ما له ظهر وبطن، ~~وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " لا تقولوا فلان قبيح فإن الله عز وجل خلق آدم على ~~صورته " # ومن قال إن لله تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر، ms1475 ولكن المعنى في الخبر ما ~~روي عن بعض المتقدمين أنه قال: إن الله تبارك وتعالى اختار من الصور صورة ~~وخلق آدم عليه السلام بتلك الصورة، فمن ذلك قال: # " إن الله تعالى خلق آدم على صورته " # ،أي على تلك الصورة التي اختارها الله، روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ: ~~(بيدى استكبرت) موصولة الألف، وقراءة العامة بقطع الألف على ~~الاستفهام بدليل قوله عز وجل { أم كنت من العلين } ومن قرأ ~~موصولة فهو على معنى الوجوب، وتكون أم بمعنى بل { أستكبرت } يعني ~~تعظمت عن السجود { أم كنت من العلين } يعني: بل كنت من ~~العالين، من المخالفين لأمري { قال } إبليس { أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين } قوله عز وجل: { قال ~~فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتى إلى ~~يوم الدين، قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون، ~~قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم } وقد ذكرناه من قبل { قال فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين ~~} { قال فالحق، والحق أقول } يقال معناه قولي الحق وأقول ~~الحق، قرأ حمزة وعاصم (فالحق) بضم القاف، وقرأ الباقون واتفقوا في ~~الثاني أنه بالنصب، فمن قرأ بالضم فمعناه: أنا الحق والحق أقول، ويقال: ~~فمعناه فالحق مني، والحق أقول ويقال معناه فقولنا الحق، وأقول الحق { ~~لأملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ~~ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الإغراء يعني الزموا الحق، واتبعوا الحق، ثم ~~قال: { والحق أقول } يعني وأقول الحق كقوله عز وجل: # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122] ثم قال عز وجل: { لأملان جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين } يعني من ذريتك، وممن تبعك في دينك { ~~قل } يا محمد { ما أسألكم عليه من أجر } يعني على الذي ~~أتيتكم به من القرآن من أجر، ولكن أعلمكم بغير أجر { وما أنا من ~~المتكلفين } يعني: ما أتيتكم به من قبل نفسي، وما تكلفته من تلقاء ~~نفسي، { إن هو } يعني: ما هذا القرآن { إلا ذكر ~~للعلمين } يعني: إلا عظة للجن، والإنس، { ولتعلمن ~~نبأه بعد حين } يعني: خبر هذا ms1476 القرآن أنه حق، بعد حين يعني بعد ~~الموت، ويقال: بعد الإسلام، ويقال بعد ظهور الإسلام. والله أعلم بالصواب. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-5] # قول الله تبارك وتعالى { تنزيل الكتب من الله } يعني ~~القرآن، صار رفعا بالابتداء، وخبره من الله تعالى، أي نزل الكتاب من عند ~~الله { العزيز } بالنقمة { الحكيم } في أمره، ومعناه نزل جبريل ~~بهذا القرآن من عند الله { العزيز الحكيم } وقال بعضهم: صار رفعا ~~لمضمر فيه، ومعناه هذا الكتاب تنزيل قوله تعالى { إنا أنزلنا ~~إليك الكتب } يعني أنزلنا إليك جبريل بالكتاب { بالحق } ~~{ فاعبد الله مخلصا له الدين } يعني استقم على التوحيد، ~~وعلى عبادة الله تعالى مخلصا، وإنما خاطبه والمراد به قومه، يعني وحدوا ~~الله تعالى ولا تقولوا مع الله شريكا ثم قال: { ألا لله الدين ~~الخالص } يعني له الولاية والوحدانية، ويقال له الدين الخالص، ~~والخالص: هو دين الإسلام فلا يقبل غيره من الأديان، لأن غيره من الأديان ~~ليس هو بخالص سوى دين الإسلام قوله عز وجل { والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء } يعني عبدوا من دونه أربابا، وأوثانا { ما ~~نعبدهم } على وجه الإضمار، قالوا ما نعبدهم يعني يقولون ما ~~نعبدهم، وروي عن عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب أنهما كانا يقرآن ~~والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا (ما يعبدهم) ~~بالياء، وقراءة العامة ما نعبدهم على وجه الإضمار لأن في الكلام ~~دليلا عليه { إلا ليقربونا إلى الله زلفى } يعني ~~ليشفعوا لنا، ويقربونا عند الله ويقال ليقربونا إلى الله زلفى يعني ~~منزلة. يقول الله تعالى: { إن الله يحكم بينهم } يعني ~~يقضي بينهم يوم القيامة { فيما هم فيه يختلفون } من الدين ثم ~~قال عز وجل { إن الله لا يهدى } أي لا يرشد إلى دينه { من ~~هو كذب كفار } في قوله الملائكة بنات الله وعيسى بن الله، ~~كفار، يعني كفروا بالله، بعبادتهم إياهم، ويقال معناه: لا يوفق لتوحيده ~~من هو كاذب على الله، حتى يترك كذبه ويرغب في دين الله { لو أراد ~~الله أن يتخذ ولدا } كما قلتم { لاصطفى } يعني لاختار ~~من الولد { مما ms1477 يخلق ما يشاء } من خلقه إن فعل ذلك ثم قال { ~~سبحنه } نزه نفسه عن الولد، وعن الشرك { هو الله الوحد ~~القهار } يعني الذي لا شريك له، القهار: يعني القاهر لخلقه، ثم بين ~~ما يدل على توحيده ويعجز عنه المخلوقون قوله عز وجل { خلق ~~السموات والأرض بالحق } يعني للحق، ولم يخلقهما باطلا ~~لغير شيء { يكور الليل على النهار } قال مجاهد يعني ~~يدهور الليل على النهار { ويكور النهار على الليل } يعني ~~يدور النهار على الليل وقال مقاتل: يكور يعني يسلط عليه، وهو انتقاص كل ~~واحد منهما من صاحبه، وقال الكلبي يكور يعني: يزيد من النهار في الليل، ~~فيكون الليل أطول من النهار، ويزيد من الليل في النهار فيكون النهار أطول ~~من الليل هذا يأخذ من هذا، وهذا يأخذ من هذا، وقال القتبي: يكور ~~يعني: يدخل هذا على هذا، وأصل التكوير اللف والجمع، ومنه كور العمامة، ~~ومنه قوله # إذا الشمس كورت # [التكوير: 1] { ويكور النهار على الليل } { وسخر ~~الشمس والقمر } يعني: ذلل ضوء الشمس والقمر للخلق { كل ~~يجرى لأجل مسمى } يعني: إلى أقصى منازله، ويقال إلى يوم ~~القيامة { ألا هو العزيز } يعني: العزيز بالنقمة لمن لم يتب { ~~الغفار } لمن تاب، ويقال العزيز في ملكه، الغفار لخلقه بتأخير ~~العذاب. ### || [39.6-7] # قوله عز وجل: { خلقكم من نفس وحدة } يعني من نفس آدم - ~~عليه السلام - { ثم جعل منها زوجها } حواء { وأنزل ~~لكم من الأنعم ثمنية أزوج } يعني ثمانية أصناف ~~وقد فسرناه في سورة الأنعام { يخلقكم فى بطون أمهتكم ~~خلقا من بعد خلق } يعني نطفة ثم علقة، ثم مضغة، حالا بعد حال ~~{ فى ظلمت ثلث } أي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ~~وهو الذي يكون فيه الولد في الرحم فتخرج بعد ما يخرج الولد { ذلكم ~~الله ربكم } يعني الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم { له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون } يعني من أين ~~تكذبون على الله؟ ومن أين تعدلون عنه إلى غيره؟ فاعلموا أنه خالق هذه ~~الأشياء ثم قال { إن تكفروا } يعني إن تجحدوا وحدانيته { فإن ms1478 ~~الله غني عنكم } يعني عن إقراركم وعبادتكم { ولا يرضى ~~لعباده الكفر } قال الكلبي يعني: ليس يرضى من دينه الكفر، ~~ويقال: لا يرضى لعباده الكفر، وهو ما قاله لإبليس إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان ويقال: لا يرضى لعباده الكفر يعني بشيء من عبادة الكفار { وإن ~~تشكروا يرضه لكم } يعني إن تؤمنوا بالله وتوحدوه يرضه لكم، ~~يعني: يقبله منكم، لأنه دينه { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ~~يعني لا يؤاخذ أحد بذنب غيره { ثم إلى ربكم مرجعكم } ~~يعني مصيركم في الآخرة { فينبئكم } يعني فيخبركم { بما كنتم ~~تعملون } من خير أو شر، فيجازيكم { إنه عليم بذات ~~الصدور } يعني عالم بما في ضمائر قلوبهم. ### || [39.8-10] # قال: { وإذا مس الإنسن ضر } يعني إذا أصاب الكافر شدة في ~~جسده { دعا ربه منيبا إليه } يعني مقبلا إليه بدعائه { ~~ثم إذا خوله نعمة منه } قال مقاتل يعني أعطاه، وقال ~~الكلبي يعني بدله عافية مكان البلاء { نسى } ترك الدعاء { ما كان ~~يدعو إليه من قبل } ويتضرع به { وجعل لله أندادا } ~~يعني يصف لله شريكا { ليضل عن سبيله } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~ليضل بنصب الياء وهو من ضل يضل، يعني ترك الهدى، وقرأ الباقون ليضل بالضم ~~يعني ليضل الناس، ويقال ليضل نفسه بعبادة غير الله ويصرفهم عن سبيل الله ~~يعني عن دين الله { قل تمتع بكفرك قليلا } يعني عش في ~~الدنيا مع كفرك قليلا { إنك من أصحب النار } يعني من أهل ~~النار قوله عز وجل { أمن هو قانت ءاناء الليل سجدا ~~وقائما } وأصل القنوت هو القيام، ثم سمي المصلي قانتا لأنه بالقيام ~~يكون، ومعناه أمن هو مصل كمن لا يكون مصليا، على وجه الإضمار، وروي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل القانت القائم " # يعني المصلي القائم قرأ ابن كثير ونافع وحمزة (أمن) بالتخفيف وقرأ ~~الباقون بالتشديد، فمن قرأ بالتخفيف فقد روي عن الفراء أنه قال: معناه يا ~~من هو قانت كما تقول في الكلام فلان لا يصوم ولا يصلي فيا من ms1479 يصلي ويصوم ~~أبشر فكأنه قال يا من هو قانت أبشر ومن قرأ بالتشديد فإنه يريد به معنى ~~الذي، ومعناه الذي هو من أصحاب النار، فهذا أفضل، أم الذي هو قانت آناء ~~الليل، يعني ساعات الليل في الصلاة ساجدا وقائما في الصلاة { يحذر ~~الآخرة } يعني يخاف عذاب الآخرة { ويرجوا رحمة ربه } ~~يعني مغفرة الله تعالى { قل هل يستوى الذين يعلمون } ~~وهم المؤمنون { والذين لا يعلمون } وهم الكفار، في الثواب ~~والطاعة، ويقال قل هل يستوي الذين يعلمون يعني يصدقون ~~بما وعد الله في الآخرة من الثواب والذين لا يعلمون يعني لا ~~يصدقون، ويقال معناه قل هل يستوي العالم والجاهل، فكما لا يستوي العالم ~~والجاهل، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي، { إنما يتذكر أولو ~~الألبب } يعني يعتبر في صنعي وقدرتي من له عقل وذهن قوله عز وجل { ~~قل يعباد الذين آمنوا } يعني أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - { اتقوا ربكم } يعني اخشوا ربكم في صغير الأمور وكبيرها ~~واثبتوا على التوحيد ثم قال: { للذين أحسنوا فى هذه ~~الدنيا حسنة } يعني لمن عمل بالطاعة في الدنيا حسنة، له الجنة ~~في الآخرة ويقال: للذين أحسنوا يعني شهدوا أن لا إله إلا الله في ~~الدنيا حسنة يعني لهم الجنة في الآخرة، ويقال للذين أحسنوا أي ثبتوا على ~~إيمانهم فلهم الجنة قوله { وأرض الله واسعة } قال مقاتل يعني ~~الجنة واسعة، وقال الكلبي وأرض الله واسعة يعني المدينة فتهاجروا فيها، ~~يعني انتقلوا إليها واعملوا لآخرتكم، { إنما يوفى الصبرون ~~أجرهم } يعني هم الذين يصبرون على الطاعة لله في الدنيا، جزاؤهم ~~وثوابهم على الله { بغير حساب } يعني بلا عدد ولا انقطاع، وروى ~~سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال # " " أنا فرطكم على الحوض " قال سفيان: لما نزل { من جآء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها } [الأنعام: 160] قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - " رب زد أمتي " فنزل: { مثل الذين ~~ينفقون أمولهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة ms1480 حبة } ~~[البقرة: 261] قال " رب زد أمتي " فنزل { من ذا الذى يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } ~~[البقرة: 245] فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " رب زد أمتي " فنزل: { ~~إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب } " # فانتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ### || [39.11-20] # قال عز وجل: { قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا ~~له الدين } وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله، وملة جدك عبد المطلب، وسادات قومك ~~يعبدون الأصنام، فنزل: { قل } يا نبي الله إنى أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين يعني التوحيد { وأمرت ~~لأن أكون أول المسلمين } من أهل بلدي { قل إنى ~~أخاف إن عصيت ربى } وعبدت غيره ينزل علي { عذاب يوم ~~عظيم } أي في يوم القيامة { قل الله أعبد } يعني أعبد الله { ~~مخلصا له دينى } أي توحيدي { فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه } من الآلهة وهذا كقوله # لكم دينكم # [الكافرون: 6] ويقال: { فاعبدوا ما شئتم من دونه } لفظه ~~لفظ التخبير والأمر، والمراد به التهديد والتخويف، كقوله { اعملوا ~~ما شئتم من دونه } وكقوله: { قل تمتع بكفرك قليلا ~~} ويقال: قد بين الله ثواب المؤمنين وعقوبة الكافرين، ثم قال: فاعبدوا ما ~~شئتم من دونه وذلك قبل أن يؤمر بالقتال، فلما أيسوا منه أن يرجع إلى ~~دينهم قالوا خسرت إن خالفت دين آبائك، فقال الله تعالى { قل إن ~~الخسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيمة } يعني أنتم الخاسرون لا أنا، ويقال الذين خسروا أنفسهم ~~بفوات الدرجات ولزوم الشركات { ألا ذلك هو الخسران ~~المبين } يعني الظاهر، حيث خسروا أنفسهم وأهلهم وأزواجهم { لهم ~~من فوقهم ظلل من النار } يعني أطباقا من نار { ومن ~~تحتهم ظلل } يعني مهادا من نار، أو معناه أن فوقهم نار، وتحتهم ~~نار { ذلك يخوف الله به عباده } أي ذلك الذي ذكر يخوف ~~الله به عباده في القرآن لكي يؤمنوا { يعباد فاتقون } أي ~~فوحدون، وأطيعون { والذين اجتنبوا الطغوت } قال مقاتل: ~~يعني اجتنبوا عبادة الأوثان، وقال الكلبي: الطاغوت يعني الكهنة { أن ~~يعبدوها ms1481 } يعني أن يطيعوها، ورجعوا إلى عبادة ربهم { وأنابوا ~~إلى الله } أي أقبلوا إلى طاعة الله ويقال: رجعوا من عبادة الأوثان ~~إلى عبادة الله { لهم البشرى } يعني الجنة، ويقال الملائكة ~~يبشرونهم في الآخرة { فبشر عباد الذين يستمعون ~~القول } يعني القرآن { فيتبعون أحسنه } يعني يعملون ~~بحلاله، وينتهون عن حرامه، وقال الكلبي: يعني يجلس الرجل مع القوم فيستمع ~~الأحاديث محاسن ومساوىء، فيتبع أحسنه فيأخذ المحاسن فيحدث بها، ويدع ~~مساوئه، ويقال يستمعون القرآن ويتبعون أحسن ما فيه، وهو القصاص والعفو، ~~يأخذ العفو لقوله # ولئن صبرتم لهو خير للصبرين # [النحل: 126]، (وقال بعضهم: يستمع النداء، فيستجيب ويسرع إلى الجماعة ~~وقال بعضهم: يستمع الناسخ والمنسوخ، والمحكم من القرآن فيعمل بالمحكم، ~~ويؤمن بالناسخ والمنسوخ) ثم قال: { أولئك الذين هداهم ~~الله } أي وفقهم الله لمحاسن الأمور، ويقال { هداهم الله } أي ~~أكرمهم الله تعالى بدين التوحيد { وأولئك هم أولو ~~الألبب } يعني ذوي العقول قوله عز وجل: { أفمن حق عليه ~~كلمة العذاب } يعني وجب له العذاب، ويقال أفمن سبق في علم الله ~~تعالى أنه في النار، كمن لا يجب عليه العذاب { أفأنت تنقذ من فى ~~النار } يعني تستنقذ من هو في علم الله تعالى أنه يكون في النار بعمله ~~الخبيث، ويقال: من وجبت له النار، وقدرت عليه، ثم ذكر حال المؤمنين ~~المتقين فقال عز من قائل: { لكن الذين اتقوا ربهم } ~~يعني وحدوا ربهم، وأطاعوا ربهم، { لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية } في الجنة، وهي العلالي، غرف مبنية مرتفعة بعضها فوق بعض { ~~تجرى من تحتها الأنهر وعد الله } في القرآن { لا ~~يخلف الله الميعاد }. ### || [39.21-26] # قوله عز وجل: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فسلكه ينابيع فى الأرض } أي فأدخله في الأرض فجعله ينابيع ~~يعني عيونا في الأرض تنبع، ويقال { فسلكه ينابيع فى الأرض ~~} يعني جاريا في الأرض وهي تجري فيها، ويقال جعل فيها أنهارا وعيونا { ~~ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } أحمر وأصفر ~~وأخضر { ثم يهيج } أي يتغير { فتراه مصفرا } أي يابسا ~~بعد الخضرة، ويقال ثم يهيج يعني ييبس، ms1482 ويقال: يهيج أي يتم ويشتد، ~~من هاج يهيج، أي تم يتم فتراه مصفرا متغيرا عن حاله { ثم ~~يجعله حطما } قال القتبي: حطاما مثل الرفات والفتات، وقال ~~الزجاج: الحطام: ما تفتت وتكسر من النبت، وقال مقاتل: حطاما يعني هالكا ~~{ إن فى ذلك لذكرى } أي فيما ذكر لعظة { لأولى ~~الألبب } يعني لذوي العقول من الناس { أفمن شرح الله ~~صدره للإسلم } يعني وسع الله قلبه للإسلام، ويقال: لين الله ~~قلبه لقبول التوحيد { فهو على نور من ربه } يعني على هدى من ~~الله تعالى وجوابه مضمر، يعني أفمن شرح الله صدره للإسلام، واهتدى، كمن ~~طبع على قلبه وختم على قلبه فلم يهتد، ويقال: فهو على نور من ~~ربه يعني القرآن. لأن فيه بيان الحلال والحرام، فهو على نور من ربه ~~لمن تمسك به ويقال على نور: يعني التوحيد والمعرفة، وروي في الخبر أنه ~~لما نزلت هذه الآية: { أفمن شرح الله صدره للإسلم } ~~قالوا فكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: # " إذا دخل النور في القلب انفسح وانشرح قالوا: فهل لذلك علامة؟ قال: نعم ~~التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت " # ثم قال: { فويل } يعني الشدة من العذاب { للقسية ~~قلوبهم } يعني لمن قست، ويبست قلوبهم { من ذكر الله } تعالى ~~ويقال القاسية: الخالية من الخير { أولئك } يعني أهل هذه الصفة { ~~فى ضلل مبين } أي في خطأ بين قوله عز وجل { الله نزل ~~أحسن الحديث } يعني أحكم الحديث وهو القرآن، وذلك أن المسلمين ~~قالوا لبعض مؤمني أهل الكتاب نحو عبد الله بن سلام أخبرنا عن التوراة فإن ~~فيها علم الأولين والآخرين، فأنزل الله تعالى: الله نزل أحسن ~~الحديث يعني أنزل عليكم أحسن الحديث وهو القرآن، ويقال: أحسن الحديث ~~يعني أحسن من سائر الكتب، لأن سائر الكتب صارت منسوخة بالقرآن { ~~كتبا متشبها } يعني يشبه بعضه بعضا ولا يختلف، ويقال ~~متشابها يعني موافقا لسائر الكتب في التوحيد، وفي بعض الشرائع، وروي عن ~~الحسن البصري أنه قال: متشابها يعني خيارا لا رذالة فيه ويقال ~~متشابها: ms1483 اشتبه على الناس تأويله ثم قال { مثاني } يعني أن الأنباء ~~والقصص تثنى فيه، ويقال: سمي مثاني لأن فيه سورة المثاني يعني سورة ~~الفاتحة # الحمد لله رب العلمين # [الفاتحة: 2] ثم قال: { تقشعر منه } يعني ترتعد مما فيه من ~~الوعيد { جلود الذين يخشون ربهم } ويقال تقشعر منه يعني ~~تتحرك مما في القرآن من الوعيد، ويقال ترتعد منه الفرائص { ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم } يعني بعد الاقشعرار { إلى ذكر الله ~~} من آية الرحمة والمغفرة، يعني إذا قرأت آيات الرجاء والرحمة تطمئن ~~قلوبهم وتسكن { ذلك } يعني القرآن، { هدى الله يهدى به من ~~يشاء } يعني بالقرآن من يشاء الله أن يهديه إلى دينه { ومن يضلل ~~الله } عن دينه { فما له من هاد } يعني لا يقدر أحد أن يهديه ~~بعد خذلان الله تعالى قوله عز وجل { أفمن يتقى بوجهه سوء ~~العذاب } يعني أفمن يدفع بوجهه شدة سوء العذاب، وجوابه مضمر، يعني هل ~~يكون حاله كحال من هو في الجنة، يعني ليس الضال الذي تصل النار إلى وجهه ~~كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه ليسا سواء، وقال أهل اللغة: أصل ~~الاتقاء في اللغة: الإوتقاء وهو التستر، يعني وجهه إلى النار كالذي لا ~~يفعل ذلك به، وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال { أفمن يتقى ~~بوجهه سوء العذاب } يعني يجر على وجهه في النار، وهذا كقوله: # أفمن يلقى فى النار خير أم من يأتى ءامنا ~~يوم القيمة # [ فصلت: 40] ويقال { أفمن يتقى بوجهه سوء العذاب } ~~معناه أنه يلقى في النار مغلولا، لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه { ~~يوم القيمة وقيل للظلمين } يعني للكافرين { ذوقوا ~~ما كنتم تكسبون } من التكذيب قوله عز وجل { كذب الذين ~~من قبلهم } يعني من قبل قومك رسلهم { فأتهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون } يعني لا يعلمون، ولا يحتسبون وهم غافلون { ~~فأذاقهم الله الخزى } العذاب { في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أكبر } يعني أعظم مما عذبوا به في الدنيا { ~~لو كانوا يعلمون } ولكنهم لا يعلمون. ### || [39.27-31] # قوله عز وجل: { ولقد ضربنا للناس فى هذا القرءان ms1484 ~~من كل مثل } يعني بينا في هذا القرآن من كل شيء، وقد بين بعضه ~~مفسرا، وبعضه مبهما مجملا { لعلهم يتذكرون } أي لكي ~~يتعظوا { قرءانا عربيا } يعني أنزلناه قرآنا عربيا، بلغة العرب ~~{ غير ذى عوج } يعني ليس بمختلف، ولكنه مستقيم، ويقال: غير ذي ~~تناقض، ويقال غير ذي عيب، ويقال: غير ذي عوج أي غير مخلوق، قال أبو الليث ~~رحمه الله حدثنا محمد بن داود قال حدثنا محمد بن أحمد بإسناده قال حدثنا ~~أبو حاتم الداري عن سليمان بن داود العتكي عن يعقوب بن محمد بن عبد الله ~~الأشعري عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: في ~~قوله تعالى: { قرءانا عربيا غير ذى عوج } قال غير مخلوق { ~~لعلهم يتقون } أي لكي يتقوا الشرك { ضرب الله مثلا } ~~أي بين شبها { رجلا فيه شركاء متشكسون } أي عبدا بين ~~موالي مختلفين، يأمره هذا بأمر وينهاه هذا عنه، ويقال متشاكسون أي ~~مختلفون يتنازعون { ورجلا سلما لرجل } أي خالصا لرجل لا شركة ~~فيه لأحد، قرأ ابن كثير وأبو عمر (سالما) بالألف وكسر اللام، والباقون ~~(سلما) بغير ألف ونصب السين، فمن قرأ سالما فهو اسم الفاعل على ~~معنى سلم فهو سالم، ومعناه الخالص، ومن قرأ (سلما) فهو مصدر فكأنه ~~أراد به رجلا ذا سلم لرجل، ومعنى الآية: هل يستوي من عبد آلهة مختلفة، ~~كمن عبد ربا واحدا، وقال قتادة الرجل: الكافر، والشركاء: الشياطين ~~والآلهة ورجلا سلما المؤمن يعمل لله تعالى وحده، وقال بعضهم هذه ~~المثل للراغب والزاهد، فالراغب شغلته أمور مختلفة فلا يتفرغ لعبادة ربه، ~~فإذا كان في العبادة فقلبه مشغول بها، والزاهد قد يتفرغ عن جميع أشغال ~~الدنيا فهو يعبد ربه خوفا وطمعا { هل يستويان مثلا } يعني ~~عنده في المنزلة يوم القيامة { الحمد لله } قال مقاتل الحمد لله ~~حين خصهم، ويقال: الحمد لله على تفضيل من اختاره على من اشتغل بما دونه، ~~ويقال يعني: قولوا الحمد لله { بل أكثرهم لا يعلمون } ~~أن عبادة رب واحد خير من عبادة أرباب شتى ويقال ms1485 { لا يعلمون } ~~أنهما لا يستويان ويقال { لا يعلمون } توحيد ربهم { إنك ~~ميت وإنهم ميتون } ذلك أن كفار قريش قالوا: نتربص به ريب ~~المنون، يعني ننتظر موت محمد - عليه السلام - فنزل { إنك ميت ~~وإنهم ميتون } يعني أنت ستموت وهم سيموتون، ويقال { إنك ~~ميت وإنهم ميتون } يعني إنك لميت لا محالة وإنهم لميتون لا ~~محالة، والشيء إذا قرب من الشيء سمي باسمه، فالخلق كلهم إذا كانوا بقرب ~~من الموت فكل واحد منهم يموت لا محالة فسماهم ميتين { ثم إنكم ~~يوم القيمة عند ربكم تختصمون } أي تتكلمون بحججكم ~~الكافر مع المؤمن، والظالم مع المظلوم، فإن قيل: قد قال في آية أخرى: # لا تختصموا لدى # [ق: 28] قيل له: إن في يوم القيامة ساعات كثيرة، وأحوالها مختلفة، مرة ~~يختصمون ومرة لا يختصمون كما أنه قال فهم لا يتساءلون وقال في آية أخرى: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27] يعني في حال يتساءلون، وفي حال لا يتساءلون، وهذا كما قال ~~في موضع آخر # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] وقال في آية أخرى: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92]، وكما قال في آية أخرى لا يتكلمون، وفي آية أخرى أنهم ~~يتكلمون ونحو هذا كثير في القرآن، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: # " لا تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى ~~تتخاصم الروح والجسد، فيقول الجسد إنما كنت ~~بمنزلة جزع ملقى، لا أستطيع شيئا، وتقول الروح ~~إنما كنت ريحا لا أستطيع أن أعمل شيئا، فضرب ~~لهما مثل الأعمى والمقعد، فحمل الأعمى المقعد ~~فيدله المقعد ببصره ويحمله الأعمى برجليه " # وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أنس قال: سألت أبا العالية عن قوله: ~~{ لا تختصموا لدى } ثم قال { ثم إنكم يوم ~~القيمة عند ربكم تختصمون } فكيف هذا؟ قال: أما قوله { ~~لا تختصموا لدى } فهو لأهل الشرك، وأما قوله { ثم ~~إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون } فهو لأهل ~~القبلة، يختصمون في مظالم ما بينهم. ### || [39.32-37] # قال تعالى: { فمن أظلم ممن كذب على الله } أي ms1486 فلا أحد ~~أظلم ممن كذب على الله بأن معه شريكا { وكذب بالصدق إذ ~~جاءه } يعني بالقرآن وبالتوحيد، ويقال { وكذب بالصدق } يعني ~~بالصادق وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - { أليس فى جهنم ~~مثوى للكفرين } يعني مأوى للذين يكفرون بالقرآن، فاللفظ: لفظ ~~الاستفهام والمراد به التحقيق كقوله # أليس الله بأحكم الحكمين # [التين: 8] { والذى جاء بالصدق وصدق به } أي بالقرآن ~~وصدق به أي أصحابه ويقال وصدق به المؤمنون، وقال القتبي { والذى ~~جاء بالصدق وصدق به } هو في موضع جماعة ومعناه: والذين جاؤوا ~~بالصدق وصدقوا به، وهذا موافق لخبر ابن مسعود، وقال قتادة، والشعبي، ~~ومقاتل، والكلبي { والذى جاء بالصدق } يعني النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - { وصدق به } يعني المؤمنون، وذكر عن علي بن أبي طالب ~~أنه قال { والذى جاء بالصدق } يعني النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- { وصدق به } يعني أبو بكر { أولئك هم المتقون } ~~الذين اتقوا الشرك، والفواحش، وقرأ بعضهم وصدق بالتخفيف، يعني النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قرأ على الناس كما أنزل عليه ولم يزد في الوحي ~~شيئا، ولم ينقص من الوحي شيئا { لهم ما يشآءون عند ربهم ~~} يعني لهم ما يريدون ويحبون في الجنة { ذلك جزاء المحسنين } ~~أي ثواب الموحدين المطيعين المخلصين { ليكفر الله عنهم } ~~يعني ليمحو عنهم ويغفر لهم { أسوأ الذى عملوا } يعني أقبح ما ~~عملوا مخالفا للتوحيد { ويجزيهم أجرهم } أي ثوابهم { ~~بأحسن الذى كانوا يعملون } يعني يجزيهم بالمحاسن، ولا ~~يجزيهم بالمساوىء لأنه ليس لهم ذنب ولا خطايا فلا يجزيهم بمساوئهم { ~~أليس الله بكاف عبده } قرأ حمزة، والكسائي عباده ~~بالألف بلفظ الجماعة، يعني الذين صدقوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وبالقرآن، والباقون عبده بغير ألف، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- { ويخوفونك بالذين من دونه } يعني بالذين يعبدون من ~~دونه وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا تزال تقع ~~في آلهتنا فاتق كيلا يصيبك منها معرة، أو سوء، فنزل { أليس الله ~~بكاف عبده } الآية، وروى معمر عن قتادة قال: بعث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خالد بن ms1487 الوليد إلى العزى ليكسرها، فمشى إليها بالفأس فقالت ~~له قيمتها يا خالد: احذر فإن لها شدة، لا يقوم لها أحد، فمشى إليها خالد ~~فهشم أنفها بالفأس، ويقال أليس الله بكاف عبده يعني ~~الأنبياء ثم قال { ومن يضلل الله فما له من هاد } يعني ~~من يخذله الله عن الهدى فما له من مرشد ولا ناصر { ومن يهد الله ~~فما له من مضل } أي ليس له أحد يخذله { أليس الله ~~بعزيز ذى انتقام } يعني عزيزا في ملكه ذي انتقام من عدوه. ### || [39.38-45] # قوله تعالى { ولئن سألتهم من خلق السموات ~~والأرض ليقولن الله } فعل ذلك { قل أفرايتم ما ~~تدعون من دون الله } يعني ما تعبدون من دون الله من الآلهة { ~~إن أرادنى الله بضر } يعني إن أصابني الله ببلاء، ومرض في ~~جسدي، وضيق في معيشتي، أو عذاب في الآخرة { هل هن كشفت ~~ضره } يعني هل تقدر الأصنام على دفع ذلك عني { أو أرادنى ~~برحمة } أي بنعمة وعافية وخير { هل هن ممسكت رحمته ~~} يعني هل تقدر الأصنام على دفع تلك الرحمة عني، قرأ أبو عمر كاشفات ~~بالتنوين ضره بالنصب ممسكات بالتنوين رحمته بالنصب، ~~والباقون بغير تنوين وكسر ما بعده على وجه الإضافة، فمن قرأ بالتنوين نصب ~~ضره ورحمته لأنه مفعول به { قل حسبى الله } يعني يكفيني الله من ~~شر آلهتكم، ويقال: حسبي الله يعني: أثق به { عليه توكلت } أي ~~فوضت أمري إلى الله { عليه يتوكل المتوكلون } أي يثق ~~به الواثقون، فأنا متوكل، وعليه توكلت { قل يقوم اعملوا على ~~مكانتكم } أي في منازلكم ويقال (على مكانتكم) أي على قدر ~~طاقتكم وجهدكم { إنى عمل } في إهلاككم لأنهم قالوا له إن لم تسكت ~~عن آلهتنا نعمل في إهلاكك فنزل { قل يقوم اعملوا على ~~مكانتكم } إهلاكي في مكانتكم { إنى عمل } في إهلاككم { ~~فسوف تعلمون } من نجا، ومن هلك، قرأ عاصم في رواية أبي بكر ~~مكاناتكم بلفظ الجماعة والباقون مكانتكم والمكانة، والمكان واحد { من ~~يأتيه عذاب يخزيه } أي من يأتيه عذاب الله يهلكه { ويحل ~~عليه عذاب مقيم } أي دائم ms1488 لا ينقطع أبدا { إنا أنزلنا ~~عليك الكتب للناس بالحق } يعني أنزلنا عليك جبريل ~~بالقرآن، للناس بالحق، يعني لتدعو الناس إلى الحق، وهو التوحيد { فمن ~~اهتدى } أي وحد وصدق بالقرآن، وعمل بما فيه { فإنما يهتدي ~~لنفسه } أي ثواب الهدى لنفسه { ومن ضل فإنما يضل ~~عليها } يعني أعرض ولم يؤمن بالقرآن فقد أوجب العقوبة على نفسه { ~~وما أنت عليهم بوكيل } يعني ما أنت يا محمد عليهم بحفيظ، ~~ويقال بمسلط وهذا قبل أن يؤمر بالقتال { الله يتوفى الأنفس ~~حين موتها } قال الكلبي: الله يقبض الأنفس عند موتها { والتى ~~لم تمت فى منامها } فيقبض نفسها إذا نامت أيضا { فيمسك ~~التى قضى عليها الموت } فلا يردها { ويرسل الأخرى ~~} التي لم تبلغ أجلها { إلى أجل مسمى } أي يردها إلى أجلها، ~~وقال مقاتل { الله يتوفى الأنفس } عند أجلها، والتي قضى عليها ~~الموت، فيمسكها عن الجسد، على وجه التقديم، والتي لم تمت في منامها فتلك ~~الأخرى التي أرسلها إلى الجسد إلى أجل مسمى، وقال سعيد بن جبير: الله ~~يقبض أنفس الأحياء والأموات، فيمسك أنفس الأموات، ويمسك أنفس الأحياء إلى ~~أجل مسمى { إن فى ذلك لآيت لقوم يتفكرون } أي ~~يعتبرون، قرأ حمزة والكسائي قضي عليها بضم القاف وكسر الضاد وفتح ~~الياء، وبضم التاء في الموت، على فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: (قضى ~~عليها) بالنصب، يعني قضى الله عليها الموت، ونصب الموت، لأنه مفعول ~~به { أم اتخذوا من دون الله } الميم صلة معناه اتخذوا، ~~فاللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ والزجر، فقال أم اتخذوا ~~من دون الله { شفعاء } يعني يعبدون الأصنام لكي تشفع لهم { قل ~~أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون } يعني ~~يعبدونهم وإن كانوا لا يعقلون شيئا { قل لله الشفعة ~~جميعا } أي قل يا محمد لله الأمر والإذن في الشفاعة، وهذا كقوله # من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وكما قال: # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له # [طه: 109] ثم قال: { له ملك السموات والأرض } يعني ~~خزائن السموات والأرض، ويقال نفاذ الأمر في السموات ms1489 والأرض، وله نفاذ ~~الأمر في السموات والأرض { ثم إليه ترجعون } في الآخرة { ~~وإذا ذكر الله وحده اشمأزت } يعني إذا قيل لهم قولوا: ~~لا إله إلا الله اشمأزت قال مقاتل: يعني انقبضت عن التوحيد، وقال الكلبي ~~أعرضت ونفرت، وقال القتبي: العرب تقول: اشمأز قلبي من فلان أي نفر منه { ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } يعني لا يصدقون بيوم ~~القيامة { وإذا ذكر الذين من دونه } يعني الآلهة { إذا ~~هم يستبشرون } بذكرها، وذلك أنه حين قرأ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - سورة النجم وذكر آلهتهم استبشروا. ### || [39.46-53] # قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { قل اللهم فاطر ~~السموات والأرض } صار نصبا بالنداء، يعني يا خالق السماوات ~~والأرض { علم الغيب والشهدة } يعني عالما بما غاب عن ~~العباد، وما لم يغب عنهم، ويقال عالما بما مضى، وما لم يمض، وما هو ~~كائن، ويقال: عالم السر والعلانية { أنت تحكم بين عبادك } ~~يعني أنت تقضي في الآخرة بين عبادك { فيما كانوا فيه ~~يختلفون } من أمر الدين { ولو أن للذين ظلموا } أي ~~كفروا { ما فى الأرض جميعا ومثله معه } أي مثل ما في ~~الأرض { لافتدوا به } أي لفادوا به أنفسهم { من سوء العذاب ~~} أي من شدة العذاب { يوم القيمة } وفي الآية مضمر، أي لا يقبل ~~منهم ذلك { وبدا لهم من الله } أي ظهر لهم حين بعثوا من ~~قبورهم { ما لم يكونوا يحتسبون } في الدنيا أنه نازل بهم، ~~يعني يعملون أعمالا يظنون أن لهم فيها ثوابا فلم تنفعهم مع شركهم، ~~فظهرت لهم العقوبة مكان الثواب { وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا } أي عقوبات ما عملوا { وحاق بهم } أي نزل بهم عقوبة { ~~ما كانوا به يستهزءون } يعني باستهزائهم بالمسلمين، ويقال ~~باستهزائهم بالرسول، والكتاب، والعذاب، { فإذا مس الإنسن ~~ضر دعانا } يعني أصاب الكافر شدة وبلاء، وهو أبو جهل، ويقال جميع ~~الكفار دعانا أي أخلص في الدعاء { ثم إذا خولنه } أي بدلنا ~~وأعطيناه مكانها عافية { نعمة منا قال إنما أوتيته ~~على علم بل هى فتنة } أي على علم عندي، يعني أعطاني ذلك ms1490 ~~لأنه علم أني أهل لذلك، ويقال: معناه على علم عندي، بالدواء { بل هى ~~فتنة } أي بلية وعطية يبتلى بها العبد، ليشكر أو ليكفر { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أن إعطائي ذلك بلية، وفتنة { قد ~~قالها الذين من قبلهم } يعني قال تلك الكلمة، الذين من قبل ~~كفار مكة، مثل قارون وأشباهه { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } يعني لم ينفعهم ما كانوا يجمعون من الأموال { ~~فأصبهم سيئات ما كسبوا } أي عقوبات ما عملوا، قوله { ~~والذين ظلموا من هؤلاء } يعني من أهل مكة { سيصيبهم ~~سيئات ما كسبوا } يعني عقوبات ما عملوا، مثل ما أصاب الذين من ~~قبلهم { وما هم بمعجزين } أي غير فائتين من عذاب الله { أو ~~لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء } أي ~~يوسع الرزق لمن يشاء { ويقدر } أي يقتر على من يشاء { إن فى ~~ذلك } يعني في القبض والبسط { لآيات } أي لعلامات لوحدانيتي { ~~لقوم يؤمنون } أي يصدقون بتوحيد الله { قل يعبادى ~~الذين أسرفوا على أنفسهم } يعني أسرفوا بالذنوب على ~~أنفسهم، قرأ نافع، وابن كثير وعاصم، وابن عامر قل يا عبادي بفتح ~~الياء، والباقون بالإرسال، وهما لغتان، ومعناهما واحد { لا تقنطوا ~~من رحمة الله } أي لا تيأسوا من مغفرة الله { إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا } الكبائر، وغير الكبائر، إذا تبتم { ~~إنه هو الغفور } لمن تاب { الرحيم } بعد التوبة لهم، وروى ~~عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: أصاب قوم في الشرك ذنوبا عظاما ~~فكانوا يخافون أن لا يغفر الله لهم، فدعاهم الله تعالى بهذه الآية { ~~يعبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا } ~~وقال مجاهد: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم بقتل الأنفس في الجاهلية، ~~وقال في رواية الكلبي نزلت الآية في شأن وحشي، يعني أسرفوا على أنفسهم ~~بالقتل والشرك والزنى، لا تيأسوا { من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا } لمن تاب وقال ابن مسعود أرجى آية في كتاب ~~الله هذه الآية وهكذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي عن عكرمة عن ~~ابن عباس أنه قال: فيها عظة. ms1491 ### || [39.54-61] # قوله تعالى { وأنيبوا إلى ربكم } يعني ارجعوا له، وأقبلوا ~~إلى طاعة ربكم { وأسلموا له } يعني أخلصوا، وأقروا بالتوحيد { ~~من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } أي لا ~~تمنعون مما نزل بكم { واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم ~~من ربكم } قال الكلبي: هذا القرآن أحسن ما أنزل إليهم، يعني ~~اتبعوا ما أمرتم به، ويقال أحلوا وحرموا حرامه { من قبل أن ~~يأتيكم العذاب بغتة } أي فجأة { وأنتم لا ~~تشعرون } بنزوله { أن تقول نفس } يعني لكي لا تقول نفس، ~~ويقال معناه: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، خوفا قبل أن تصيروا إلى حال ~~الندامة وتقول نفس { يا حسرتى } يعني يا ندامتا { على ما ~~فرطت فى جنب الله } يعني تركت وضيعت من طاعة الله، وقال ~~مقاتل: يعني ما ضيعت من ذكر الله، ويقال: يا ندامتاه على ما فرطت في أمر ~~الله { وإن كنت لمن السخرين } يعني وقد كنت من المستهزئين ~~بالقرآن في الدنيا، ويقال وقد كنت من اللاهين، وقال أبو عبيدة: في جنب ~~الله، وذات الله واحد { أو تقول لو أن الله هدانى } يعني ~~قبل، أو تقول: لو أن الله هداني، بالمعرفة { لكنت من المتقين ~~} أي من الموحدين، يعني لو بين لي الحق من الباطل لكنت من المؤمنين { ~~أو تقول حين ترى العذاب } يعني من قبل أن تقول { لو أن ~~لى كرة } أي رجعة إلى الدنيا { فأكون من المحسنين } ~~يعني من الموحدين، يقول الله تعالى { بلى قد جاءتك ءايتى } ~~يعني القرآن { فكذبت بها واستكبرت } أي تكبرت، وتجبرت عن ~~الإيمان بها { وكنت من الكفرين } قرأ عاصم الجحدري (بلى ~~قد جاءتك آياتي) يعني القرآن فكذبت بها واستكبرت ~~وكنت كلها بالكسر، وهو اختيار ابن مسعود، وصالح، ومن تابعه من قراء ~~سمرقند، وإنما قرأ بالكسر لأنه سبق ذكر النفس، والنفس تؤنس، وقراءة ~~العامة كلها بالنصب، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني يقال للكافر: { ~~ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله } يعني ~~قالوا بأن لله شريكا { وجوههم مسودة } صار وجوههم رفعا ~~بالابتداء، ويقال معناه: مسودة وجوههم { أليس فى جهنم ms1492 مثوى ~~للمتكبرين } أي مأوى للذين تكبروا عن الإيمان { وينجي ~~الله الذين اتقوا بمفازتهم } يعني ينجي الله الذين ~~اتقوا الشرك، من جهنم، قال مقاتل، والكلبي بأعمالهم الحسنة لا يصيبهم ~~العذاب، وقال القتبي: بمنجاتهم، قرأ حمزة والكسائي بمفازاتهم بالألف ~~وكذلك عاصم في رواية أبي بكر، والباقون بمفازتهم بغير ألف والمفازة: ~~الفوز والسعادة والفلاح، والمفازات جمع { لا يمسهم السوء } أي ~~لا يصيبهم العذاب { ولا هم يحزنون } في الآخرة. ### || [39.62-70] # { الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل } أي ~~حفيظ، ويقال: كفيل بأرزاقهم { له مقاليد السموات ~~والأرض } يعني بيده مفاتيح السموات والأرض ويقال خزائن السموات ~~والأرض وهو المطر والنبات، وقال القتبي المقاليد: المفاتيح، يعني ~~مفاتيحها وخزائنها، وواحدها: إقليد، ويقال: إنها فارسية معربة إكليد { ~~والذين كفروا بئايت الله } يعني بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم، وبالقرآن { أولئك هم الخسرون } يعني اختاروا ~~العقوبة على الثواب { قل أفغير الله تأمرونى } قرأ ابن ~~عامر، تأمرونني بنونين، وقرأ نافع (تأمروني) بنون واحدة والتخفيف ~~وقرأ الباقون بنون واحدة والتشديد والأصل تأمرونني بنونين، كما روي عن ~~ابن عامر، إلا أنه أدغم إحدى النونين في الأخرى وشدد، وتركها نافع على ~~التخفيف { أعبد أيها الجهلون } يعني أيها المشركون ~~تأمروني أن أعبد غير الله { ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك } يعني الأنبياء بالتوحيد { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك } أي ثوابك، وإن كنت كريما علي، فلو أشركت ~~بالله ليحبطن عملك { ولتكونن من الخسرين } في الآخرة، ~~فكيف لو شرك غيرك، فالله تعالى علم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يشرك بالله، ولكنه أراد تنبيها لأمته أن من أشرك بالله حبط عمله، وإن ~~كان كريما على الله { بل الله فاعبد } أي استقم على عبادة الله ~~وتوحيده، وقال مقاتل بل الله فاعبد أي فوحد الله تعالى، وقال الكلبي: ~~يعني أطع الله تعالى، { وكن من الشكرين } على ما أنعم الله ~~عليك من النبوة والإسلام والرسالة، ويقال: هذا الخطاب لجميع المؤمنين، ~~أمرهم بأن يشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم وأكرمهم بمعرفته، ووفقهم ~~لدينه { وما قدروا الله حق قدره ms1493 } أي ما عظموا الله حق ~~عظمته، ولا وصفوه حق صفته، ولا عرفوا الله حق معرفته، وذلك أن اليهود ~~والمشركين وصفوا الله تعالى بما لا يليق بصفاته فنزل { وما قدروا ~~الله حق قدره } وفيه تنبيه للمؤمنين لكيلا يقولوا مثل مقالتهم، ~~ويعظموا الله حق عظمته، ويصفوه حق صفته، # ليس كمثله شىء وهو السميع البصير # [الشورى: 11] ثم قال { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيمة } أي في قدرته وملكه وسلطانه، لا سلطان لأحد عليها، وهذا ~~كقوله # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] وقال القتبي: في قبضته: أي في ملكه نحو قولك للرجل: هذا ~~في يدك وقبضتك، أي في ملكك { والسموت مطويت بيمينه ~~} أي بقدرته، ويقال في الآية تقديم معناه، والسموات مطويات بيمينه يوم ~~القيامة أي في يوم القيامة، ويقال بيمينه، يعني عن يمين العرش، وقال ~~القتبي: بيمينه أي بقدرته، نحو قوله: # وما ملكت أيمنهم # [الأحزاب: 50] يعني: ما كانت لهم عليه قدرة، وليس الملك لليمين دون ~~الشمال، ويقال اليمين هاهنا: الحلف، لأنه حلف بعزته وجلاله ليطوين ~~السموات والأرض، ثم نزه نفسه فقال تعالى { سبحانه وتعالى ~~عما يشركون } أي تنزيها لله تعالى، يعني ارتفع وتعظم عما ~~يشركون، يعني عما يصفون له من الشريك { ونفخ فى الصور } روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الصور فقال: # " هو القرن وإن عظم دائرته مثل ما بين ~~السماء والأرض فينفخ نفخة فيفزع الخلق، ثم ينفخ نفخة أخرى فيموت ~~أهل السموات والأرض، فإذا كان وقت النفخة الثالثة تجمعت الأرواح كلها في ~~الصور ثم ينفخ النفخة الثالثة فتخرج الأرواح كلها كالنحل، وكالزنابير ~~وتأتي كل روح إلى جسدها " # ، فذلك قوله تعالى { فصعق من فى السموات ومن فى ~~الأرض } يعني يموت من في السماوات ومن في الأرض { إلا من شاء ~~الله } يعني جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت ويقال: أرواح ~~الشهداء، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: استثنى الله تعالى الشهداء حول ~~العرش متقلدين بسيوفهم وقال بعضهم: النفخة نفختان، وروى أبو هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ينفخ في الصور ثلاث ms1494 نفخات، الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، ~~والثالثة نفخة القيام لرب العالمين " # ، وهو قوله { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ~~ينظرون } أي ينظرون ماذا يأمرهم، ويقال ينظرون إلى السماء كيف غيرت، ~~وينظرون إلى الأرض كيف بدلت، وينظرون إلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب، ~~وينظرون فيما عملوا في الدنيا، وينظرون إلى الآباء والأمهات كيف ذهبت ~~شفقتهم عنهم، واشتغلوا بأنفسهم، وينظرون إلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم { ~~وأشرقت الأرض } يعني أضاءت { بنور ربها } أي بعدل ربها، ~~ويقال: وأشرقت وجوه من على الأرض بمعرفة ربها، وأظلم وجوه من على الأرض ~~بنكرة ربها، وقال بعضهم هذا من المكتوم الذي لا يفسر { ووضع ~~الكتب } يعني ووضع الحساب، ويقال ووضع الكتاب في أيدي الخلق في ~~أيمانهم وشمائلهم { وجىء بالنبيين والشهداء وقضى ~~بينهم بالحق } أي بين الخلق بالعدل، بين الظالم والمظلوم، وبين ~~الرسل، وقومهم { وهم لا يظلمون } أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم ~~شيئا { ووفيت } أي وفرت { كل نفس ما عملت } أي جزاء ما ~~عملت من خير أو شر { وهو أعلم بما يفعلون } لأنه قد سبق ~~ذكر قوله وجيء بالنبيين والشهداء ثم أخبر أنه لم يدع الشهداء ليشهدوا بما ~~يعلموا، بل هو أعلم بما يفعلون، وإنما يدعو الشهداء لتأكيد الحجة عليهم. ### || [39.71-75] # قال: { وسيق الذين كفروا } أي يساق الذين كفروا { إلى ~~جهنم زمرا } يعني أمة أمة، فوجا فوجا، وواحدتها زمرة { حتى ~~إذا جاءوها } يعني جهنم { فتحت أبوبها } وقال أصحاب اللغة: ~~جهنم في أصل اللغة: جهنام، وهي بئر لا قعر لها، فحذفت الألف وشددت النون ~~فسميت جهنم، قرأ حمزة والكسائي وعاصم فتحت بتخفيف التاء، والباقون ~~بالتشديد، فمن قرأ بالتشديد، فلتكثير الفعل، ومن قرأ بالتخفيف فعلى فعل ~~الواحد، وكذلك الاختلاف في الذي بعده { وقال لهم خزنتها } أي ~~خزنة جهنم، وواحدها خازن، وقال القتبي: الواو قد تزاد في الكلام، والمراد ~~به حذفه، كقوله: # حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ~~ينسلون واقترب الوعد الحق # [الأنبياء: 96- 97] يعني اقترب، وكقوله { وقال لهم خزنتهآ } ~~يعني قال لهم، وهذا في كلام العرب ms1495 ظاهر، كما قال امرؤ القيس: فلما أجزنا ~~ساحة الحي وانتحى، يعني انتحى، بغير واو، ثم قال: { ألم يأتكم ~~رسل منكم } يعني آدميا مثلكم تفهمون كلامه { يتلون عليكم ~~ءايت ربكم } يعني يقرؤون عليكم ما أوحي إليهم { وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا } يعني أنهم يخوفونكم بهذا اليوم، فكأنه يقول ~~لهم يا أشقياء ألم يأتكم رسل منكم؟ فأجابوه { قالوا بلى } فيقرون ~~بذلك في وقت لا ينفعهم الاقرار، ولو كان قولهم بلى في الدنيا لكان ينفعهم ~~ولكنهم قالوا بلى في وقت لا ينفعهم { ولكن حقت كلمة ~~العذاب على الكفرين } أي وجبت كلمة العذاب في علم الله ~~السابق أنهم من أهل النار، ويقال وجبت كلمة العذاب وهي قول الله تعالى # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] { قيل ادخلوا أبوب جهنم خلدين ~~فيها } أي دائمين فيها { فبئس مثوى المتكبرين } أي بئس ~~موضع القرار لمن تكبر عن الإيمان، ثم بين حال المؤمنين المطيعين فقال ~~تعالى { وسيق الذين اتقوا ربهم } يعني اتقوا الشرك ~~والفواحش { إلى الجنة زمرا } يعني فوجا فوجا، بعضم قبل ~~الحساب اليسير وبعضهم بعد الحساب الشديد، على قدر مراتبهم { حتى ~~إذا جاءوها وفتحت أبوبها } يعني وقد فتحت أبوابها، ويقال { ~~وفتحت أبوبها } قبل مجيئهم تكريما وتبجيلا لهم، ويقال الواو ~~زيادة في الكلام، ويقال هذه الواو منسوقة على قوله فتحت كما يقال في ~~الكلام دخل زيد وعمرو { وقال لهم خزنتها سلم عليكم ~~طبتم فادخلوها خلدين } أي فزتم ونجوتم، ويقال طابت لكم ~~الجنة، وقال بعض أهل العربية في الآية دليل على أن أبواب الجنة ثمانية، ~~لأنه قد ذكر بالواو وإنما يذكر بالواو إذا بلغ الحساب ثمانية، كما قال في ~~آية أخرى: # سيقولون ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22] فذكر الواو عند الثمانية، وكما قال: # التئبون العبدون # [التوبة: 112] فذكرها كلها بغير واو، فلما انتهى إلى الثمانية قال # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112]. وقال في آية أخرى # مسلمت مؤمنت # [التحريم: 5] ثم قال عند الثمانية # وأبكارا # [التحريم: 5] وعرف أن أبواب جهنم سبعة بالآية، وهي قوله لها سبعة أبواب ~~وقال ms1496 أكثر أهل اللغة ليس في الآية دليل، لأن الواو قد تكون عند الثمانية، ~~وقد تكون عند غيرها، ولكن عرف أن أبوابها ثمانية بالأخبار، ثم أنهم لما ~~دخلوا الجنة حمدوا الله تعالى { وقالوا الحمد لله } يعني ~~الشكر لله { الذى صدقنا وعده } يعني أنجز لنا وعده على لسان ~~رسله { وأورثنا الأرض } يعني أنزلنا أرض الجنة { نتبوأ ~~من الجنة حيث نشاء } أي ننزل في الجنة ونستقر فيها حيث ~~نشاء ونشتهي { فنعم أجر العملين } أي ثواب الموحدين ~~المطيعين { وترى الملئكة حافين } أي ترى يا محمد الملائكة ~~يوم القيامة محدقين { من حول العرش يسبحون بحمد ~~ربهم } أي يسبحونه ويحمدونه { وقضى بينهم بالحق } أي ~~بين الخلق، وهو تأكيد لما سبق من قوله وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي بينهم ~~بالحق { وقيل الحمد لله رب العلمين } يعني لما قضي ~~بينهم بالحق، أي بالعدل، وميزوا من الكفار حمدوا الله تعالى، وقالوا ~~الحمد لله رب العالمين، الذي قضى بيننا بالحق، ونجانا من القوم الظالمين ~~وقال مقاتل: ابتدأ الدنيا بالحمد لله رب العالمين وهو قوله { الحمد ~~لله الذى خلق السموات والأرض } ، وختمها بقوله { ~~الحمد لله رب العلمين }. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1-3] # قوله تبارك وتعالى { حم } روي عن ابن عباس أنه قال: الحواميم كلها ~~مكية وهكذا روي عن محمد بن الحنفية، وقال ابن مسعود: إن حم ~~ديباج القرآن وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ ~~الحواميم " # وقال قتادة حم اسم من أسماء الله الأعظم، ويقال: اسم من أسماء القرآن، ~~ويقال قسم أقسم الله بحم، ويقال معناه: قضى بما هو كائن ويقال: حم ~~الأمر أي قدر وقضى وتم، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم حم بفتح الحاء، ~~وقرأ أبو عمرو، ونافع بين الفتح والكسر، والباقون بالكسر وكل ذلك جائز في ~~اللغة، ثم قال { تنزيل الكتب من الله العزيز ~~العليم } يعني إن هذا القرآن الذي يقرأه عليكم محمد هو من عند الله ~~العزيز في سلطانه وملكه العليم بخلقه وبأعمالهم { غافر الذنب ~~} لمن يقول: لا إله ms1497 إلا الله مخلصا، يستر عليه ذنوبه { وقابل ~~التوب } لمن تاب ورجع { شديد العقاب } لمن مات على الشرك ولم ~~يقل لا إله إلا الله { ذى الطول } يعني ذي الفضل على عباده والمن، ~~والطول في اللغة: التفضل، يقال طل علي برحمتك أي تفضل، وقال مقاتل ذي ~~الطول يعني ذي الغنى عمن لم يوحده، ثم وحد نفسه فقال { لا إله ~~إلا هو إليه المصير } يعني إليه مصير العباد ومرجعهم في ~~الآخرة فيجازيهم بأعمالهم. ### || [40.4-6] # قوله { ما يجدل فى ءايت الله } يعني ما يخاصم في آيات ~~الله بالتكذيب { إلا الذين كفروا فلا يغررك ~~تقلبهم فى البلاد } يعني ذهابهم ومجيئهم في أسفارهم ~~وتجاراتهم، فإنهم ليسوا على شيء من الدين، وقال مقاتل تقلبهم يعني ~~ما هم فيه من السعة في الرزق، ثم خوفهم ليحذروا فقال { كذبت ~~قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم } يعني الأمم من ~~بعد قوم نوح { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ~~يعني أرادوا أن يقتلوه { وجدلوا بالبطل } أي بالشرك { ~~ليدحضوا به الحق } يعني ليبطلوا به دين الحق، وهو الإسلام ~~والذي جاء به الرسل { فأخذتهم } أي عاقبتهم { فكيف كان ~~عقاب } يعني كيف رأيت عذابي لهم، أليس قد وجدوه حقا { وكذلك ~~حقت كلمت ربك } يعني سبقت ووجبت كلمة ربك { على ~~الذين كفروا } بالعذاب { أنهم أصحب النار } يعني ~~يصيرون إليها، قرأ نافع وابن عامر كلمات ربك بلفظ الجماعة، ~~والباقون كلمة ربك بلفظ الواحد، وهي عبارة عن الجنس، والجنس يقع على ~~الواحد وعلى الجماعة، وقرىء في الشاذ إنهم بالكسر على معنى الابتداء، ~~وقراءة العامة بالنصب على معنى البناء. ### || [40.7-9] # قال الله تعالى: { الذين يحملون العرش } وهم الملائكة { ~~ومن حوله } من المقربين { يسبحون بحمد ربهم } يعني ~~يسبحون الله تعالى ويحمدونه { ويؤمنون به } أي يصدقون بالله { ~~ويستغفرون للذين ءامنوا } يعني المؤمنين، وفي الآية دليل ~~فضل المؤمنين، وبيانه أن الملائكة مشتغلون بالدعاء لهم ثم وصف دعاءهم ~~للمؤمنين، وهو قولهم { ربنا } يعني يقولون يا ربنا { وسعت كل ~~شىء رحمة وعلما } يعني يا ربنا رحمتك واسعة، وعلمك محيط بكل ~~شيء، ويقال معناه ملأت ms1498 كل شيء نعمة وعلما، علم ما فيها من الخلق، روى ~~قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: وجدنا أنصح عباد الله لعباد ~~الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله، الشياطين، وروى الأعمش ~~عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله بن مسعود، يقولون الملائكة خير ~~للمسلمين من ابن الكواء الملائكة يستغفرون لمن في الأرض وابن الكواء يشهد ~~عليهم بالكفر، وكان ابن الكواء رجلا خارجيا، قوله: { فاغفر ~~للذين تابوا } أي تجاوز عنهم، يعني الذين رجعوا عن الشرك { ~~واتبعوا سبيلك } يعني دينك الإسلام { وقهم عذاب ~~الجحيم } يعني ادفع عنهم في الآخرة عذاب النار { ربنا } يعني ~~ويقولون ربنا { وأدخلهم جنت عدن التى ~~وعدتهم } على لسان رسلك { ومن صلح } أي من وحد الله تعالى { ~~من ءابائهم وأزوجهم وذريتهم } أي وأدخلهم معهم ~~الجنة أيضا { إنك أنت العزيز } في ملكك { الحكيم } في أمرك ~~{ وقهم السيئت } يعني ادفع عنهم العذاب في الآخرة { ومن ~~تق السيئت يومئذ } يعني من دفعت العذاب عنه فقد رحمته قال ~~مقاتل السيئات يعني الشرك في الدنيا { فقد رحمته } في الآخرة { ~~وذلك هو الفوز العظيم } يعني النجاة الوافرة. ### || [40.10-12] # { إن الذين كفروا ينادون } قال مقاتل والكلبي لما عاين ~~الكفار النار ودخلوها مقتوا أنفسهم، أي لاموا أنفسهم وغضبوا عليها، فتقول ~~لهم خزنة جهنم { لمقت الله أكبر من مقتكم } يعني غضب ~~الله عليكم وسخطه، أكبر من مقتكم { أنفسكم إذ ~~تدعون إلى الإيمن فتكفرون } أي تجحدون وتثبتون على ~~الكفر { قالوا ربنا أمتنا اثنتين } يعني كنا نطفا ~~أمواتا { وأحييتنا اثنتين } يعني فأحييتنا ثم أمتنا عند ~~آجالنا، ثم أحييتنا اليوم، وذكر عن القتبي نحو هذا، وقال بعضهم: إحدى ~~الإماتتين يوم الميثاق حين صيروا إلى صلب آدم، والأخرى في الدنيا عند ~~انقضاء الأجل، وإحدى الإحيائين في بطن الأمهات. والأخرى في القبر { ~~فاعترفنا بذنوبنا } يعني أقررنا بشركنا، وظهر لنا أن البعث حق ~~{ فهل إلى خروج من سبيل } يعني فهل سبيل إلى الخروج من ~~النار، ويقال فهل من حيلة إلى الرجوع { ذلكم } يعني يقال لهم ذلك ~~الخلود { بأنه إذا دعى ms1499 الله وحده كفرتم } يعني ~~إذا قيل لكم لا إله إلا الله جحدتم، وأقمتم على الكفر { وإن يشرك ~~به تؤمنوا } يعني إذا دعيتم إلى الشرك، وعبادة الأوثان تصدقوا { ~~فالحكم لله العلى الكبير } يعني القضاء فيكم لله العلي ~~الكبير، أي الرفيع فوق خلقه، القاهر لخلقه، الكبير بالقدرة والمنزلة. ### || [40.13-19] # قال الله تعالى: { هو الذى يريكم ءايته } يعني: عجائبه ~~ودلائله من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، وذلك أنه ~~لما ذكر ما يصيبهم يوم القيامة، عظم نفسه تعالى، ثم ذكر لأهل مكة من ~~الدلائل ليؤمنوا به فقال هو الذي يريكم آياته { وينزل ~~لكم من السماء رزقا } يعني المطر، ويقال الملائكة لتدبير الرزق ~~{ وما يتذكر إلا من ينيب } يعني ما يتعظ بالقرآن إلا من ~~يقبل إليه بالطاعة، ويقال وما يتذكر في هذا الصنيع فيوحد الرب إلا من ~~يرجع إليه { فادعوا الله مخلصين له الدين } يعني اعبدوه ~~بالإخلاص { ولو كره الكفرون } يعني وإن شق ذلك على المشركين ~~الكافرين { رفيع الدرجت } يعني رافع وخالق السماوات، أي مطبقا ~~بعضها فوق بعض، ويقال: هو رافع الدرجات في الدنيا بالمنازل وفي الآخرة ~~الجنة ذو الدرجات { ذو العرش } يعني رافع العرش، ويقال: خالق العرش، ~~هو رب العرش { يلقى الروح من أمره } يعني ينزل جبريل بالوحي ~~{ على من يشاء من عباده } وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~{ لينذر يوم التلاق } يعني ليخوف بالقرآن، وقرأ الحسن لتنذر ~~بالتاء على معنى المخاطبة، يعني لتنذر يا محمد، وقراءة العامة بالياء، ~~يعني لينذر الله، ويقال: لينذر من أنزل عليه الوحي، يوم التلاق، قرأ ابن ~~كثير يوم التلاقي بالياء، وهي إحدى الروايتين عن نافع، والباقون ~~بغير ياء، فمن قرأ بالياء فهو الأصل، ومن قرأ بغير ياء فلأن الكسر يدل ~~عليه، وقال في رواية الكلبي يوم التلاق يوم يلتقي أهل السماوات، ~~وأهل الأرض، ويقال يوم يلتقي الخصم والمخصوم { يوم هم برزون } ~~أي ظاهرين خارجين من قبورهم { لا يخفى على الله منهم شىء ~~} يعني من أعمال أهل السماوات وأهل الأرض { لمن الملك اليوم } ~~قال بعضهم: هذا بين ms1500 النفختين يقول الرب تبارك وتعالى لمن الملك ~~اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه { لله الواحد القهار } ~~قال بعضهم إن ذلك لأهل الجمع يوم القيامة، يقول لمن الملك اليوم، فأقر ~~الخلائق كلهم وقالوا لله الواحد القهار يقول الله تعالى { ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } يعني بما عملت في ~~الدنيا من خير أو شر { لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب } وقد ذكرناه { وأنذرهم يوم الأزفة } يعني خوفهم ~~بيوم القيامة، فسمي الأزفة لقربه، ويقال أزف شخوص فلان يعني قرب، كما قال ~~أزفت الآزفة ثم قال { إذ القلوب لدى الحناجر } من الخوف ~~لا تخرج، ولا تعود إلى مكانها { كظمين } أي مغمومين، يتردد خوفهم ~~في أجوافهم { ما للظلمين } يعني المشركين { من حميم } أي ~~قريب { ولا شفيع يطاع } أي له الشفاعة فيهم { يعلم خائنة ~~الأعين } هذا موصول بقوله { لا يخفى على الله منهم ~~شىء } وهو يعلم خائنة الأعين، وقال أهل اللغة: الخائنة والخيانة واحدة، ~~كقوله: # ولا تزال تطلع على خآئنة # [المائدة: 13] وقال مجاهد: خائنة الأعين يعني نظر العين إلى ما نهى الله ~~عنه، وقال مقاتل الغمزة فيما لا يحل له والنظرة إلى المعصية، ويقال ~~النظرة بعد النظرة، وقال قتادة يعلم خائنة الأعين يعني يعلم ~~غمزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى { وما تخفى الصدور ~~}. ### || [40.20] # { والله يقضى بالحق } أي يحكم بالحق، ويقال يأمر بما يجب به ~~الثواب، وينهى عما يجب به العقاب { والذين يدعون من دونه } ~~يعني يعبدون من الآلهة، قرأ نافع وابن عامر تدعون بالتاء على معنى ~~المخاطبة، والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم { لا يقضون بشىء ~~} يعني ليس لهم قدرة ولا يحكمون بشيء { إن الله هو السميع ~~البصير } يعني السميع لمقالة الكفار البصير بأعمالهم. ### || [40.21-22] # { أولم يسيروا في الأرض فينظروا } يعني فيعتبروا { ~~كيف كان عقبة } يعني آخر أمر { الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة } يعني منعة، قرأ ابن ~~عامر، ومن تابعه من أهل الشام أشد منكم بالكاف على معنى المخاطبة ~~والباقون أشد منهم بالهاء على معنى الخبر عنهم ms1501 { وآثارا في الأرض ~~} يعني أكثر أعمالا، ويقال أشد لها طلبا، وأبعد لها ذهابا { ~~فأخذهم الله بذنوبهم } أي عاقبهم الله { وما كان ~~لهم من الله من واق } أي من مانع يمنعهم من عذاب الله { ذلك ~~} أي ذلك العذاب { بأنهم كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينت } يعني بالأمر والنهي، ويقال: بالدلائل الواضحات { ~~فكفروا } بهم وبدلائلهم { فأخذهم الله إنه قوى ~~شديد العقاب } أي عاقبهم الله بذنوبهم، إنه قادر على أخذهم، شديد ~~العقاب لمن عاقب. ### || [40.23-27] # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا } التسع { ~~وسلطن مبين } أي حجة بينة { إلى فرعون وهمن ~~وقارون فقالوا سحر كذاب } يعني لم يصدقوا موسى قوله ~~عز وجل: { فلما جاءهم بالحق من عندنا } يعني بالرسالة { ~~قالوا اقتلوا أبناء الذين ءامنوا معه } يعني أعيدوا ~~القتل عليهم { واستحيوا نساءهم } فلا تقتلوهن { وما كيد ~~الكفرين إلا فى ضلل } أي في خطأ بين قوله تعالى { ~~وقال فرعون } لقومه { ذرونى أقتل موسى } يعني خلوا عني ~~حتى أقتل موسى { وليدع ربه } يعني ليدعوا ربه موسى لكي يمنعه ~~عني، وذلك أن قومه كانوا يقولون: أرجئه وأخاه ولا تقتله حتى لا يفسدوا ~~عليك الملك، فقال لهم فرعون ذروني أقتل موسى، فإني أعلم أن صلاح ملكي في ~~قتله { إنى أخاف أن يبدل دينكم } يعني عبادتكم إياي { ~~أو أن يظهر فى الأرض الفساد } يعني الدعاء إلى غير ~~عبادتي، قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو عمرو وأن يظهر على معنى ~~العطف، والباقون أو أن يظهر على معنى الشك، وكلاهما جائز، وأو لأحد ~~الشيئين، إما لشك المتكلم، أو أحدهما، والواو للجمع، وتقع على الأمرين ~~جميعا وقرأ أبو عمرو ونافع، وعاصم، يظهر بضم الياء وكسر الهاء ~~الفساد بالنصب، والباقون يظهر بنصب الياء والهاء الفساد بالضم، ~~فمن قرأ يظهر بالضم فالفعل لموسى والفساد نصب لوقوع الفعل عليه، ومن ~~قرأ يظهر فالفعل للفساد فيصير الفساد رفعا لأنه فاعل، فلما سمع موسى ~~ذلك التهديد استعاذ بالله من شره فذلك قوله { وقال موسى إنى ~~عذت بربى وربكم } يعني أستعيذ بربي وربكم { من كل ~~متكبر } عن الإيمان يعني ms1502 { لا يؤمن } أي لا يصدق { بيوم ~~الحساب }. ### || [40.28-35] # { وقال رجل مؤمن من ءال فرعون } وهو حزبيل بن ~~ميخائيل، هو ابن عم قارون وكان أبوه من آل فرعون، وأمه من بني إسرائيل، ~~ويقال كان ابن فرعون { يكتم إيمنه } وكان قد أسلم سرا من ~~فرعون، قوله { أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد ~~جاءكم بالبينت من ربكم } يعني اليد والعصا، وروى ~~الأوزاعي، عن يحيى بن كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عروة بن ~~الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال «أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي عند الكعبة فلوى ثوبه على عنقه، وخنقه خنقا ~~شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، ثم قال أبو بكر أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم ~~بالبينات من ربكم { وإن يك كذبا فعليه كذبه } يعني ~~فعليه وبال كذبه، فلا ينبغي أن تقتلوه بغير حجة ولا برهان { وإن يك ~~صدقا } في قوله وكذبتموه { يصبكم بعض الذى يعدكم } ~~من العذاب، يعني بعض ذلك العذاب يصبكم في الدنيا، ويقال بعض الذي يعدكم ~~فيه أي جميع الذي يعدكم كقوله: # ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه # [الزخرف: 63] أي جميع الذي تختلفون فيه { إن الله لا يهدى } ~~يعني لا يرشد ولا يوفق إلى دينه { من هو مسرف } في قوله { ~~كذاب } يعني الذي عادته الكذب { يقوم لكم الملك اليوم ~~} أي ملك مصر { ظهرين فى الأرض } أي غالبين على أرض مصر { ~~فمن ينصرنا من بأس الله } يعني من يعصمنا من عذاب الله { ~~إن جاءنا } يعني أرأيتم إن قتلتم موسى وهو الصادق فمن يمنعنا من عذاب ~~الله، فلما سمع فرعون قول المؤمن { قال فرعون ما أريكم ~~إلا ما أرى } يعني ما أريكم من الهدى إلا ما أرى لنفسي، ويقال: ما ~~آمركم إلا ما رأيت لنفسي أنه حق وصواب { وما أهديكم إلا ~~سبيل الرشاد } يعني ما أدعوكم إلا ms1503 إلى طريق الهدى، وقرىء في الشاذ ~~الرشاد بتشديد الشين يعني سبيل الرشاد الذي يرشد الناس، ويقال رشاد ~~اسم من أسماء أصنامه، قوله { وقال الذى ءامن } وهو حزبيل { ~~يقوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } يعني ~~أخاف عليكم من تكذيبكم مثل عذاب الأمم الخالية { مثل دأب قوم ~~نوح } أي مثل عذاب قوم نوح { وعاد وثمود والذين من ~~بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد } يعني لا يعذبهم ~~بغير ذنب { ويقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد } وهو ~~من ند يند، وهو من تنادى يتنادى تناديا، وروى أبو صالح عن ابن عباس ~~أنه قرأ يوم التناد بتشديد الدال وقال تندون كما تند الإبل، وهذا موافق ~~لما بعده، { يوم تولون مدبرين } وكقوله: # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه # [عبس: 34، 35]. # وقرأ الحسن يوم التنادي بالياء وهو من النداء، يوم ينادى كل قوم ~~بأعمالهم، وينادي المنادى من مكان بعيد، وينادي أهل النار أهل الجنة، ~~وينادي أهل الجنة أهل النار # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا # [الأعراف: 44] وقراءة العامة التناد بالتخفيف بغير ياء، وأصله الياء ~~فحذف الياء لأن الكسرة تدل عليه، وقوله: { يوم تولون مدبرين ~~} أي هاربين قال الكلبي: هاربين إذا انطلق بهم إلى النار فعاينوها هربوا، ~~فيقال لهم { ما لكم من الله من عاصم } أي ليس لكم من عذاب ~~الله من مانع، وقال مقاتل { يوم تولون مدبرين } أي ذاهبين ~~بعد الحساب إلى النار، كقوله: { فتولوا عنه مدبرين } أي ~~ذاهبين { ما لكم من الله من عاصم } يعني من مانع من عذابه ~~{ ومن يضلل الله } عن الهدى { فما له من هاد } يعني من ~~مرشد وموفق { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينت } ~~هذا قول حزبيل أيضا لقوم فرعون قال { ولقد جاءكم يوسف } ~~ويقال يعني به أهل مصر وهم الذين قبل فرعون، لأن القرون الذين كانوا في ~~زمن فرعون لم يروا يوسف، وهذا كما قال تعالى: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل # [البقرة: 91] وإنما أراد به آباءهم (بالبينات) أي بتعبير الرؤيا وروي عن ~~وهب بن منبه قال: فرعون موسى: ms1504 هو الذي كان في زمن يوسف وعاش إلى وقت ~~موسى، وهذا خلاف قول جميع المفسرين { فما زلتم فى شك مما ~~جاءكم به } من تصديق الرؤيا وبما أخبركم { حتى إذا هلك } ~~يعني مات { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } يقول ~~الله تعالى { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } ~~يعني من هو مشرك شاك في توحيد الله، ثم وصفهم فقال { الذين ~~يجدلون فى ءايت الله بغير سلطن } أي بغير حجة { ~~أتهم كبر مقتا عند الله } أي عظم بغضا لهم من الله { ~~وعند الذين ءامنوا } يعني عند المؤمنين { كذلك يطبع ~~الله } أي يختم الله بالكفر { على كل قلب متكبر ~~جبار } يعني متكبر عن عبادة الله تعالى، قرأ أبو عمرو قلب ~~متكبر بالتنوين، جعل قوله متكبر نعتا للقلب، ومعناه أن صاحبه ~~متكبر، والباقون قلب متكبر بغير تنوين على معنى الإضافة، لأن ~~المتكبر هو الرجل وأضاف القلب إليه. ### || [40.36-46] # { وقال فرعون يهمن ابن لى صرحا } أي قصرا مشيدا ~~{ لعلى أبلغ الأسبب } يعني أصعد طرق السموات { ~~فأطلع } أي انظر { إلى إله موسى } الذي يزعم أنه أرسله، ~~وقال مقاتل والقتبي { أسبب السموات } أبوابها، قرأ عاصم في ~~رواية حفص (فأطلع) بنصب العين، والباقون بالضم فمن قرأ بالنصب جعله ~~جوابا للفعل، ومن قرأ بالضم رده إلى قوله أبلغ الأسباب فأطلع { وإنى ~~لأظنه كذبا } أي لأحسب موسى كاذبا في قوله، قال الله تعالى { ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله } أي قبح عمله { وصد ~~عن السبيل } أي الدين والتوحيد، قرأ حمزة والكسائي وعاصم وصد ~~بضم الصاد، والباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فمعناه: إن فرعون صرف عن طريق ~~الهدى، يعني إن الشيطان زين له سوء عمله، وصرفه عن طريق الهدى ومن قرأ ~~بالنصب فمعناه صرف فرعون الناس عن الدين { وما كيد فرعون ~~إلا فى تباب } أي ما صنع فرعون إلا في خسارة يوم القيامة، كقوله: # تبت يدآ أبى لهب # [المسد: 1] يعني إن فرعون اختار متاعا قليلا، وترك الجنة الباقية، ~~فكان عمله في الخسارة { وقال الذى ءامن } وهو حزبيل { يقوم } ~~{ اتبعون أهدكم ms1505 سبيل الرشاد } يعني أطيعوني حتى ~~أرشدكم وأبين لكم دين الصواب، قوله تعالى: { يقوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع } أي قليل { وإن الآخرة هى دار ~~القرار } لا زوال لها { من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها } يعني من عمل الشرك فلا يجزى إلا النار في الآخرة { ~~ومن عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } ~~يعني من رجل أو امرأة { فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب } أي: بغير مقدار، وقال بعض الحكماء ~~إن الله تعالى قال { من عمل سيئة } ولم يقل من ذكر أو أنثى ~~وقال: { ومن عمل صلحا من ذكر أو أنثى } لأن العمل ~~الصالح يحسن من الرجل والمرأة والسيئة من المرأة أقبح من الرجل، فلم ~~يذكر من ذكر أو أنثى { ويقوم ما لى أدعوكم إلى النجاة ~~} يعني أن حزبيل قال لقومه: ما لي أدعوكم إلى التوحيد والطاعة وذلك سبب ~~النجاة والمغفرة فلم تطيعوني { وتدعوننى إلى النار } يعني إلى ~~عمل أهل النار، ثم بين عمل أهل النار فقال: { تدعوننى لأكفر ~~بالله } يعني: لأجحد بوحدانية الله { وأشرك به } أي أشرك ~~بالله، { ما ليس لى به علم } يعني ما ليس لي به حجة بأن مع ~~الله شريكا { وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار } يعني ~~إلى دين العزيز الغفار، العزيز في ملكه، الغفار: لمن تاب { لا جرم } ~~أي حقا يقال: لا جرم يعني لا بد { أنما تدعوننى إليه ~~ليس له دعوة فى الدنيا } أي ليس له قدرة، ويقال ليس له ~~استجابة دعوة تنفع في الدنيا { ولا فى الآخرة وأن مردنا ~~إلى الله } أي مصيرنا ومرجعنا إلى الله يوم القيامة { وأن ~~المسرفين } يعني المشركين { هم أصحب النار } يعني هم في ~~النار أبدا { فستذكرون ما أقول لكم } يعني ستعرفون إذا ~~نزل بكم العذاب، وتعلمون أن ما أقول لكم من النصيحة أنه حق { وأفوض ~~أمرى إلى الله } يعني أمر نفسي إلى الله، وأدع تدبيري إليه { ~~إن الله بصير بالعباد } يعني عالم بأعمالهم وبثوابهم، ~~فأرادوا قتله فهرب منهم فبعث فرعون في طلبه فلم يقدروا عليه فذلك قوله ms1506 { ~~فوقاه الله سيئات ما مكروا } يعني دفع الله عنه شر ما ~~أرادوا { وحاق بئال فرعون } يعني نزل بهم { سوء العذاب ~~} يعني شدة العذاب وهو الغرق { النار يعرضون عليها } قال ابن ~~عباس يعني تعرض أرواحهم على النار { غدوا وعشيا } هكذا قال ~~قتادة ومجاهد، وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على منازلهم من النار كل يوم ~~مرتين، وقال ابن مسعود # " أرواحهم في جوف طير سود يرون منازلهم غدوة ~~وعشية " # وقال هذيل بن شرحبيل # " أرواح الشهداء في جوف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش " # وإن أرواح آل فرعون في جوف طير سود تغدو وتروح على النار فذلك عرضها، ~~والآية تدل على إثبات عذاب القبر لأنه ذكر دخولهم النار يوم القيامة وذكر ~~أنه تعرض عليهم النار قبل ذلك غدوا وعشيا، ثم قال { ويوم تقوم ~~الساعة } يعني يقال لهم يوم القيامة { أدخلوا ءال فرعون ~~} قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو أدخلوا بضم الألف والخاء، ~~وهكذا قرأ عاصم في رواية أبي بكر، والباقون بنصب الألف وكسر الخاء، فمن ~~قرأ أدخلوا بالضم فمعناه ادخلوا يا آل فرعون { أشد العذاب } ~~فصار الآل نصبا بالنداء، ومن قرأ أدخلوا بالنصب معناه: يقال للخزنة ~~أدخلوا آل فرعون يعني قوم فرعون أشد العذاب يعني أسفل العذاب فصار ~~الآل نصبا لوقوع الفعل عليه. ### || [40.47-52] # { وإذ يتحاجون في النار } أي يتخاصمون في النار، الضعفاء ~~والرؤساء { فيقول الضعفاء للذين استكبروا } يعني ~~لرؤسائهم { إنا كنا لكم تبعا } في الدنيا { فهل أنتم ~~مغنون عنا } أي حاملون عنا { نصيبا من النار } يعني بعض ~~الذي علينا من العذاب باتباعنا إياكم كما كنا ندفع عنكم المؤونة في دار ~~الدنيا { قال الذين استكبروا } يعني الرؤساء يقولون للضعفاء ~~{ إنا كل فيها } يعني نعذب نحن وأنتم على قدر حصصكم في الذنوب، ~~فلا يغني واحد واحدا { إن الله قد حكم بين العباد } ~~أي قضى بين العباد، بين التابع والمتبوع، ويقال حكم بين العباد، يعني ~~أنزلنا منازلنا، وأنزلكم منازلكم { وقال الذين فى النار ~~لخزنة جهنم } إذا اشتد عليهم العذاب { ادعوا ربكم } ~~يعني سلوا ms1507 ربكم { يخفف عنا يوما من العذاب } يعني يوما ~~من أيام الدنيا حتى نستريح، فترد الخزنة عليهم فتقول { قالوا أولم ~~تك تأتيكم رسلكم بالبينت } يعني ألم تخبركم الرسل أن ~~عذاب جهنم إلى الأبد، ويقال أو لم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات يعني ألم تخبركم الرسل بالدلائل والحجج والبراهين ~~فكذبتموهم { قالوا بلى قالوا فادعوا } يعني تقول لهم الخزنة ~~فادعوا ما شئتم فإنه لا يستجاب لكم { وما دعاء الكفرين إلا ~~فى ضلل } أي في خطأ بين { إنا لننصر رسلنا } بالغلبة ~~والحجة { والذين ءامنوا } بهم يعني الذين صدقوهم { في ~~الحياة الدنيا } أي بالحجة والغلبة على جميع الخلق، يعني على ~~جميع أهل الأديان { ويوم يقوم الأشهد } قال مقاتل يعني ~~الحفظة من الملائكة يشهدون عند رب العالمين للرسل بالبلاغ، وعلى الكافرين ~~بتكذيبهم، وقال الكلبي يعني يوم القيامة يقوم الرسل عند رب العالمين { ~~يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم } يعني لا ينفع ~~الكافرون اعتذارهم، قرأ ابن كثير وأبو عمرو (يوم لا تنفع) بالتاء ~~بلفظ التأنيث، لأن المعذرة مؤنثة والباقون بالياء وانصرف إلى المعنى ~~يعني: لا ينفع لهم اعتذارهم { ولهم اللعنة } أي السخطة { ~~ولهم سوء الدار } أي عذاب جهنم. ### || [40.53-65] # { ولقد ءاتينا موسى الهدى } يعني التوراة، فيها هدى ونور ~~من الضلالة { وأورثنا بنى إسرءيل الكتب } يعني ~~أعطيناهم على لسان الرسل، التوراة، والإنجيل، والزبور { هدى } أي ~~بيانا من الضلالة، ويقال فيه نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~وذكرى لأولى الألبب } ، يعني عظة لذوي العقول { فاصبر ~~إن وعد الله حق } يعني اصبر يا محمد على أذى المشركين فإن ~~وعد الله حق، وهو ظهور الإسلام على الأديان كلها، وفتح مكة { ~~واستغفر لذنبك } وهذا قبل نزول قوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] ويقال استغفر لذنبك أي لذنب أمتك { وسبح بحمد ربك ~~} أي صل بأمر ربك { بالعشى } أي صلاة العصر { والإبكر } يعني ~~صلاة الغداة، ويقال: سبح الله تعالى، واحمده بلسانك في أول النهار، وآخره ~~{ إن الذين يجدلون فى ءايت الله } قال الكلبي ~~ومقاتل يعني اليهود والنصارى كانوا يجادلون في الدجال، ms1508 وذلك أنهم كانوا ~~يقولون إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان فيخوض البحر، وتجري معه ~~الأنهار، ويرد علينا الملك، فنزل { إن الذين يجدلون فى ~~ءايت الله } يعني في الدجال، لأن الدجال آية من آيات الله { ~~بغير سلطن } أي بغير حجة { ءاتهم } من الله { إن فى ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببلغيه } أي ما في قلوبهم ~~إلا عظمة ما هم ببالغيه يعني ما هم ببالغي ذلك الكبر الذي في ~~قلوبهم بأن الدجال منهم، وقال القتبي: إن في صدورهم إلا تكبرا ~~على محمد - صلى الله عليه وسلم، وطمعا أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك، ~~وقال الزجاج: معناه وما هم ببالغي إرادتهم، وإرادتهم دفع آيات الله، وروى ~~أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية قال: إن اليهود ذكروا الدجال ~~وعظموا أمره فنزل { إن الذين يجدلون فى ءايت الله ~~} يعني إن الدجال من آيات الله { فاستعذ بالله } من فتنة ~~الدجال، فإنه ليس ثم فتنة أعظم من فتنة الدجال { إنه هو السميع ~~} لقول اليهود { البصير } يعني العليم بأمر الدجال، ويقال السميع ~~لدعائك، البصير برد فتنة الدجال عنك { لخلق السموت والأرض ~~أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } قال الكلبي ومقاتل: لخلق السموات والأرض ~~أعظم من خلق الدجال، ويقال لخلق السماوات والأرض، أعظم من خلق الناس بعد ~~موتهم، يعني أنهم يبعثون يوم القيامة { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } أن الدجال خلق من خلق الله، ويقال لا يعلمون أن الله ~~يبعثهم ولا يصدقون { وما يستوى الأعمى والبصير } يعني ~~الكافر والمؤمن في الثواب { والذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت ولا المسىء } يعني لا يستوي الصالح مع الطالح { ~~قليلا ما تتذكرون } أي يتعظون ويعتبرون، قرأ عاصم وحمزة ~~والكسائي تتذكرون بالتاء على وجه المخاطبة، والباقون بالياء ~~يتذكرون على معنى الخبر عنهم، وفي كلا القراءتين ما للصلة ~~والزينة { إن الساعة لأتية لا ريب فيها } يعني قيام ~~الساعة آتية لا شك فيها عند المؤمنين { ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون } أي لا يصدقون الله تعالى { وقال ربكم ~~ادعونى أستجب لكم }. # قال ms1509 الكلبي معناه: وحدوني أغفر لكم، وقال مقاتل معناه: وقال ربكم لأهل ~~الإيمان ادعوني أستجب لكم { إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتى } أي عن توحيدي، فلا يؤمنون بي، ولا يطيعونني { سيدخلون ~~جهنم دخرين } أي: صاغرين، ويقال: { وقال ربكم ~~ادعونى } يعني: الدعاء بعينه: { أستجب لكم } يعني: أستجب ~~دعاءكم، وقال بعض المتأخرين معناه ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة، ~~وقيل أيضا ادعوني بلا جفاء، أستجب لكم بالوفاء، وقيل أيضا: ادعوني بلا ~~خطأ، أستجب لكم مع العطاء، وروى النعمان بن بشير عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال # " إن الدعاء هو العبادة " # ثم قرأ { وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم ~~دخرين } قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين عن ~~أبي عمرو سيدخلون بضم الياء ونصب الخاء على معنى فعل ما لم يسم ~~فاعله، وتكون جهنم مفعولا ثانيا، والباقون يدخلون بنصب الياء وضم الخاء ~~على الإخبار عنهم بالفعل المستقبل، على معنى سوف يدخلون { الله ~~الذى جعل لكم الليل } أي: خلق لكم الليل { لتسكنوا ~~فيه } أي لتستقروا فيه، وتستريحوا فيه { والنهار مبصرا } ~~أي: مضيئا لابتغاء الرزق، والمعيشة، ويقال: مبصرا: معناه يبصر فيه ~~{ إن الله لذو فضل على الناس } يعني: على أهل مكة بتأخير ~~العذاب عنهم، ويقال: لذوي فضل على الناس أي على جميع الناس بخلق الليل ~~والنهار { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } لربهم في ~~النعمة فيوحدونه، ويطيعونه { ذلكم الله ربكم } يعني: الذي ~~خلق هذا هو ربكم { خلق كل شىء لا إله إلا هو ~~فأنى تؤفكون } أي: تصرفون، وتحولون، ويقال: { فأنى ~~تؤفكون } أي من أين تكذبون { كذلك يؤفك } أي: هكذا يكذب، ~~ويقال: هكذا يحول { الذين كانوا بئايت الله يجحدون ~~} ويقال هكذا يؤفك الذين كانوا من قبلهم { الله الذى جعل ~~لكم الأرض قرارا } أي: بسط لكم الأرض وجعلها موضع قراركم { ~~والسماء بناء } أي: خلق السماء فوقكم مرتفعا { وصوركم } ~~أي: خلقكم { فأحسن صوركم } ولم يخلقكم على صورة الدواب { ~~فأحسن صوركم } أي أحكم خلقكم { ورزقكم من الطيبات ~~} أي الحلالات، يقال ms1510 اللذيذات { ذلكم الله ربكم } يعني: ~~الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم { فتبرك الله رب ~~العلمين } أي فتعالى الله رب العالمين، ويقال هو من البركة، يعني ~~البركة منه { هو الحى } يعني: هو الحي الذي لا يموت، ويميت الخلائق ~~{ لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } ~~يعني: بالتوحيد { الحمد لله رب العلمين } يعني: قولوا ~~الحمد لله رب العالمين الذي صنع لنا هذا. ### || [40.66-68] # { قل إنى نهيت } يعني: قل يا محمد لأهل مكة إنى نهيت { ~~أن أعبد الذين تدعون من دون الله } يعني: نهاني ربي ~~أن أعبد الذين تعبدون من دون الله من الأصنام { لما جاءنى ~~البينت من ربى } يعني: حين جاءني الواضحات وهو القرآن { ~~وأمرت أن أسلم لرب العلمين } يعني: أستقيم على ~~التوحيد { هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ~~ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ~~أشدكم } وقد ذكرناه من قبل { ثم لتكونوا شيوخا } ~~يعني: يعيش الإنسان إلى أن يصير شيخا { ومنكم من يتوفى من ~~قبل } { ولتبلغوا أجلا مسمى } يعني: الشباب والشيخ ~~يبلغ أجلا مسمى وقتا معلوما، ويقال في الآية تقديم، ومعناه: ثم ~~لتكونوا شيوخا أي لتبلغوا أجلا مسمى، يعني: وقت انقضاء أجله { ~~ومنكم من يتوفى من قبل } أي من قبل أن يبلغ أشده، ويقال: ~~من قبل أن يصير شيخا، { ولعلكم تعقلون } أي: لكي تعقلوا ~~أمر ربكم، ولتستدلوا به، وتتفكروا في خلقه { هو الذي يحيي ~~ويميت } أي: يحيي للبعث ويميت في الدنيا على معنى التقديم، ويقال ~~معناه هو الذي يحيي في الأرحام، ويميت عند انقضاء الآجال { فإذا ~~قضى أمرا } يعني: أراد أن يخلق شيئا { فإنما يقول له ~~كن فيكون }. ### || [40.69-76] # { ألم تر إلى الذين يجدلون فى ءايت الله } ~~أي: يجادلون في القرآن أنه ليس منه { أنى يصرفون } يعني: من أين ~~يصرفون عن القرآن والإيمان من أين يعدلون عنه إلى غيره، ويقال: عن الحق ~~والتوحيد، ثم وصفهم فقال { الذين كذبوا بالكتب } أي ~~بالقرآن { وبما أرسلنا به رسلنا } يعني: بالتوحيد، ويقال ~~بالأمر والنهي { فسوف يعلمون } ماذا ينزل بهم في الآخرة، ms1511 ثم وصف ~~ما ينزل بهم، فقال عز وجل { إذ الأغلل فى أعنقهم } ~~يعني: ترد أيمانهم إلى أعناقهم { والسلسل يسحبون } يعني: ~~تجعل السلاسل في أعناقهم يسحبون ويجرون { فى الحميم } يعني: في ~~ماء حار قد انتهى حره قال مقاتل: يسحبون في الحميم، يعني: في حر النار، ~~وقال الكلبي: يعني في الماء الحار { ثم فى النار يسجرون } ~~أي: يوقدون، فصاروا وقودا، وروي عن ابن عباس أنه قرأ والسلاسل بنصب ~~اللام يسحبون بنصب الياء يعني: أنهم يسحبون السلاسل وقال: هو أشد ~~عليهم، وقراءة العامة والسلاسل بضم اللام يسحبون بالضم على معنى ~~فعل ما لم يسم فاعله، والمعنى أن الملائكة يسحبونهم في السلاسل { ثم ~~قيل لهم } أي تقول لهم الخزنة { أين ما كنتم تشركون } ~~أي: تعبدون { من دون الله } من الأوثان { قالوا ضلوا ~~عنا } يعني: اشتغلوا بأنفسهم عنا { بل لم نكن ندعوا من ~~قبل شيئا } وذلك أنهم يندمون على إقرارهم وينكرون ويقولون: بل ~~لم نكن ندعوا من قبل شيئا في الدنيا، ويقال معناه: بل ~~لم نكن نعبد شيئا ينفعنا، يقول الله تعالى: { كذلك يضل الله ~~الكفرين } عن الحجة { ذلكم } أي ذلكم العذاب { بما كنتم ~~تفرحون فى الأرض } أي تبطرون، وتتكبرون في الأرض { بغير ~~الحق وبما كنتم تمرحون } أي: تعصون، وتستهزئون بالمسلمين { ~~ادخلوا أبوب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين } أي: فبئس مقام المتكبرين عن الإيمان. ### || [40.77-85] # { فاصبر إن وعد الله حق } يعني: اصبر يا محمد على أذى ~~الكفار إن وعد الله حق أي كائن { فإما نرينك ~~بعض الذى نعدهم } من العذاب، يعني فإما نرينك بعض الذي نعدهم ~~من العذاب في الدنيا، وهو القتل والهزيمة { أو نتوفينك } من ~~قبل أن نرينك عذابهم في الدنيا { فإلينا يرجعون } يعني: يرجعون ~~إلينا في الآخرة فنجزيهم بأعمالهم { ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك } يعني: إلى قومهم { منهم من قصصنا عليك } يعني: ~~سميناهم لك فأنت تعرفهم { ومنهم من لم نقصص عليك } ~~يعني: لم نسمهم لك، ولم نخبرك بهم، يعني أنهم صبروا على أذاهم، فاصبر أنت ~~يا محمد على أذى قومك كما صبروا ms1512 { وما كان لرسول أن يأتى ~~بئاية } أي ما كان لرسول من القدرة أن يأتي بآية، أي بدلائل وبراهين ~~{ إلا بإذن الله } يعني: بأمره { فإذا جاء أمر الله ~~} يعني: بالعذاب { قضى بالحق } أي: عذبوا ولم يظلموا حين عذبوا { ~~وخسر هنالك المبطلون } أي خسر عند ذلك المبطلون، يعني ~~المشركون، ويقال يعني الظالمون، ويقال الخاسرون، ثم ذكر صنعه ليعتبروا ~~فقال { الله الذى جعل لكم الأنعم } يعني: خلق لكم ~~البقر والغنم والإبل { لتركبوا منها } أي بعضها وهو الإبل { ~~ومنها تأكلون } أي: من الأنعام منافع، في ظهورها، وشعورها، وشرب ~~ألبانها { ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم } أي: ما ~~في قلوبكم من بلد إلى بلد { وعليها وعلى الفلك تحملون } ~~يعني: على الأنعام وعلى السفن { ويريكم ءايته } يعني: دلائله ~~وعجائبه { فأي آيات الله تنكرون } بأنها ليست من الله { ~~أفلم يسيروا فى الأرض } يعني: يسافروا في الأرض { ~~فينظروا } أي: فيعتبروا { كيف كان عقبة الذين من ~~قبلهم } يعني: آخر أمر من كان قبلهم كيف فعلنا بهم حين كذبوا رسلهم ~~{ كانوا أكثر منهم } يعني: أكثر من قومك في العدد { ~~وأشد قوة } من قومك { وآثارا في الأرض } يعني: مصانعهم ~~أعظم آثارا في الأرض وأطول أعمارا، وأكثر ملكا في الأرض { فمآ ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } يعني: لم ينفعهم ما عملوا ~~في الدنيا حين نزل بهم العذاب { فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينت } بالأمر والنهي، وبخبر العذاب { فرحوا بما ~~عندهم من العلم } يعني: من قلة علمهم، رضوا بما عندهم من ~~العلم، ولم ينظروا إلى دلائل الرسل، ويقال رضوا بما عندهم فقالوا: لن ~~نعذب، ولن نبعث، ويقال فرحوا بما عندهم من العلم، أي علم التجارة كقوله: ~~يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، { وحاق بهم } أي نزل بهم { ما ~~كانوا به يستهزءون } أي: يسخرون به ويقولون أنه غير نازل بهم ~~{ فلما رأوا بأسنا } أي عذابنا في الدنيا { قالوا ~~ءامنا بالله وحده وكفرنا } أي تبرأنا { بما كنا ~~به مشركين } يعني: بما كنا به مشركين من الأوثان { فلم يك ~~ينفعهم إيمنهم } يعني: تصديقهم { لما رأوا بأسنا ~~} أي: حين رأوا عذابنا، ms1513 قال القتبي: البأس الشدة والبأس العذاب كقوله { ~~فلما رأوا بأسنا } وكقوله: # فلما أحسوا بأسنا # [الأنبياء: 12]، { سنت الله التى قد خلت فى عباده } ~~قال مقاتل: يعني كذلك كانت سنة الله { فى عباده } يعني العذاب في ~~الأمم الخالية، إذا عاينوا العذاب لم ينفعهم الإيمان، وقال القتبي: هكذا ~~سنة الله أنه من كفر عذبه { وخسر هنالك الكفرون } أي: خسر ~~عند ذلك الكافرون بتوحيد الله عز وجل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله ~~وسلم. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-5] # قوله تبارك وتعالى { حم } اسم السورة، ويقال { حم } يعني قضي ما هو ~~كائن، ويقال: هو قسم أقسم الله تعالى به { تنزيل } أي نزل بهذا القرآن ~~جبريل { من الرحمن الرحيم } (تنزيل) صار رفعا بالابتداء، ~~وخبره { كتب فصلت ءايته } ويقال: صار رفعا بإضمار فيه. ~~ومعناه هذا تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب، يعني القرآن { فصلت ~~ءايته } يعني بينت وفسرت دلائله وحججه، ويقال: بين حلاله وحرامه { ~~قرءانا عربيا } صار نصبا على الحال، أي بينت آياته في حال جمعه، ~~{ لقوم يعلمون } أي يصدقون ويقرون بالرسل، ويقال يعلمون ما فيه ~~ويفهمونه قرآنا عربيا أخذ من الجمع، ولو كان غير عربي لم يعلموه قوله ~~تعالى { بشيرا ونذيرا } يعني بشيرا للمؤمنين بالجنة، ونذيرا ~~للكافرين بالنار { فأعرض أكثرهم } يعني أعرض أكثر أهل مكة { ~~فهم لا يسمعون } يعني لا يسمعون سمعا ينفعهم، لأنهم لا يجيبون ~~ولا يطيعون { وقالوا قلوبنا فى أكنة } يعني في غطاء لا ~~نفقه ما تقول { مما تدعونا إليه } من التوحيد لا يصل إلى ~~قلوبنا { وفي آذاننا وقر } يعني ثقلا فلا نسمع قولك، يعني نحن في ~~استماع قولك كالصم لا نسمع ما تقول { ومن بيننا وبينك حجاب ~~} أي ستر وغطاء { فاعمل إننا عملون } يعني اعمل على أمرك ~~نعمل على أمرنا، ويقال: اعمل لإلهك الذي أرسلك، إننا عاملون لآلهتنا ~~وهذا قول مقاتل والأول قول الكلبي، ويقال اعمل في هلاكنا، إننا عاملون في ~~هلاكك روى محمد بن كعب القرضي عمن حدثه أن عتبة بن ربيعة، قال ذات يوم ~~وهو جالس في نادي قريش ألا أقوم إلى ms1514 هذا الرجل وأكلمه، وأعرض عليه ~~أمورا لعله يقبل منا بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، وذلك حين رأوا ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيدون ويكثرون، فقالوا بلى يا أبا ~~الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من المكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر ~~عظيم، فرقت جماعتهم، وعبت آلهتهم، ودينهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فإن ~~كنت إنما تريد بما جئت به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثر ~~مالا، وإن كنت تريد شرفا، شرفناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن ~~كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه أي ~~خيالا لا تستطيع أن ترده عنك نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا لك فيه أموالنا ~~حتى نبريك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، فلما فرغ ~~منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { بسم الله الرحمن الرحيم - حم ~~تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته } حتى ~~انتهى إلى قوله # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة ~~عاد وثمود # [فصلت: 13] فقام عتبة وجاء إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: تالله لقد ~~جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب، فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك، ~~قال: سمعت قولا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا ~~بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، وخلوا بيني وبين الرجل، وبين ما هو فيه، ~~فقالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، فقال هذا الرأي لكم، فاصنعوا ما ~~بدا لكم. ### || [41.6-12] # يقول الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { قل } يا محمد { ~~إنما أنا بشر مثلكم } يعني آدميا مثلكم { يوحى ~~إلى } ما أبلغكم من الرسالة { أنما إلهكم إله وحد ~~فاستقيموا إليه } يعني أقروا له بالتوحيد { واستغفروه } ~~من الشرك { وويل للمشركين } يعني الشدة من العذاب للمشركين { ~~الذين لا يؤتون الزكاة } يعني لا يعطون الزكاة ولا يقرون ~~بها { وهم بالآخرة هم كفرون } يعني ms1515 بالبعث بعد الموت، ثم ~~وصف المؤمنين فقال { إن الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } يعني صدقوا بالله وأدوا الفرائض { لهم أجر ~~غير ممنون } يعني غير منقوص، ويقال غير مقطوع عنهم في حال ضعفهم ~~ومرضهم فقال عز وجل { قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق ~~الأرض فى يومين } اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به التهديد ~~والزجر، يعني أئنكم لتكذبون بالخالق الذي خلق الأرض في يومين يوم الأحد ~~ويوم الإثنين، فبدأ خلقها في يوم الأحد، وبسطها في يوم الاثنين { ~~وتجعلون له أندادا } يعني تصفون له شركاء من الآلهة { ذلك ~~رب العلمين } يعني الذي خلق الأرض فهو رب جميع الخلق، ولو أراد ~~الله أن يخلقها في لحظة واحدة لفعل، وكان قادرا ولكنه أحب أن يبصر الخلق ~~وجوه الأناة، والقدرة على خلق السموات والأرض في أيام كثيرة، وفي لحظة ~~واحدة سواء، لأن الخلق عاجزون عن مثقال ذرة منها، وكان ابتداء خلق الأرض ~~في يوم الأحد، وإتمام خلقها وبسطها في يوم الاثنين { وجعل فيها ~~رواسى من فوقها } يعني وخلق في الأرض الرواسي يعني الجبال ~~الثوابت من فوقها { وبرك فيها } بالماء والشجر { وقدر ~~فيها أقوتها } [يعني قسم فيها الأرزاق وقال عكرمة: قدر فيها ~~أقواتها] يعني قدر في كل قرية عملا لا يصلح في الأخرى، مثل النيسابوري ~~لا يكون إلا بنيسابور، والهروي لا يكون إلا بهراة، وقال قتادة: { ~~وقدر فيها أقوتها } قال جبالها، ودوابها، وأنهارها، وثمارها، ~~وقال الحسن: وقدر فيها أقواتها قال: أرزاقها، وقال مقاتل: ~~يعني: أرزاقها ومعايشها، وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله ~~عنهم قال: أول ما خلق الله من شيء، خلق القلم، فقال له اكتب، فقال يا رب ~~وما أكتب؟ فقال: اكتب القدر فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم القيامة، ~~ثم خلق النون، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات ثم بسط الأرض على ظهر ~~النون، فاضطرب النون، فتمادت الأرض فأوتدت بالجبال، ثم قال { فى ~~أربعة أيام } يعني من أيام الآخرة، ويقال من أيام الدنيا { ~~سواء للسائلين } يعني لمن سأل الرزق، ومن لم يسأل، ms1516 وقال مقاتل { ~~سواء للسائلين } يعني عدلا لمن سأل الرزق، كقوله # واهدنآ إلى سوآء الصرط # [ص: 22] يعني عدلا، وقال ابن عباس سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن هذه الآية فقال: # " خلق الأرواح قبل الأجساد بأربع آلاف سنة " # ، وهكذا خلق الأرزاق قبل الأرواح بأربع آلاف سنة { فى أربعة ~~أيام سواء } قرأ الحسن: " سواء " بكسر الألف، وقرأ أبو جعفر ~~المدني: (سواء) بالضم، وقراءة العامة بالنصب، فمن قرأ بالكسر جعل سواء ~~صفة للأيام، والمعنى في أربعة أيام مستويات تامات للسائلين، ومن قرأ ~~بالضم فمعناه: في أربعة أيام. وقد تم الكلام، ثم استأنف فقال سواء ~~للسائلين، ومن قرأ بالنصب يعني قدرها (سواء) صار نصبا على المصدر، ~~ومعناه استوت استواء { ثم استوى إلى السماء } أي صعد أمره إلى ~~السماء وهو قوله (كن) ويقال عمد إلى خلق السماء { وهى دخان } ~~يعني بخار الماء كهيئة الدخان، وذلك أنه لما خلق العرش لم يكن تحت العرش ~~شيء سوى الماء كما قال (وكان عرشه على الماء) ثم ألقى الحرارة على الماء ~~حتى ظهر منه البخار، فارتفع بخاره كهيئة الدخان، فارتفع البخار، وألقى ~~الريح الزبد على الماء فزيد الماء، فخلق الأرض من الزبد وخلق السماء من ~~الدخان وهو البخار ثم قال تعالى { وهى دخان } ، { فقال لها ~~وللأرض } يعني للسماء، والأرض، { ائتيا طوعا أو كرها } ~~يعني اعطيا الطاعة طوعا أو كرها، يعني: ائتيا بالمعرفة لربكما، والذكر ~~له طوعا أو كرها { قالتا أتينا طائعين } فأعطيا الطاعة ~~بالطوع، ويقال: كانت السماء رتقا عن المطر، والأرض عن النبات، فقال ~~لهما: { ائتيا } يعني أعطيا وأخرجا ما فيكما من المطر والنبات منفعة ~~للخلق، إن شئتما طائعين، وإن شئتما كارهين { قالتا أتينا ~~طائعين } يعني أخرجنا ما فينا طائعين غير كارهين، وروي عن مجاهد أنه ~~قال: معناه يا سماء أبرزي شمسك وقمرك ونجومك، ويا أرض أخرجي نباتك طوعا ~~أو كرها ويقال: هذا على وجه المثل، يعني أمرهما بإخراج ما فيهما، ~~فأخرجتا طائعتين، قوله عز وجل { فقضاهن سبع سموات فى ~~يومين وأوحى فى كل سماء أمرها } يعني أمر ms1517 أهل كل سماء ~~بأمرها قال السدي: خلق في كل سماء خلقا من الملائكة { وزينا ~~السماء الدنيا بمصبيح } يعني بالنجوم { وحفظا } يعني ~~من الشياطين أن يسترقوا السمع { ذلك } أي الذي ذكر من صنعه { ~~تقدير العزيز } في ملكه { العليم } بخلقه. ### || [41.13-18] # { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم } أي خوفتكم { صعقة } ~~أي عذابا { مثل صعقة } أي مثل عذاب { عاد وثمود } وقال ~~مقاتل: كان عاد وثمود ابني عم، وموسى وقارون ابني عم، وإلياس واليسع ابني ~~عم، وعيسى ويحيى ابني خالة، ومعنى الآية إن لم يعتبروا فيما وصف لهم من ~~قدرتي وعظمتي في خلق السماوات والأرض، وأعرضوا عن الإيمان، فقل أنذرتكم ~~عذابا مثل عذاب عاد وثمود أنه يصيبهم مثل ما أصابهم، قال الفقيه أبو ~~الليث رحمه الله أخبرني الخليل بن أحمد قال حدثنا علي بن المنذر قال ~~حدثنا ابن فضيل عن الأجلح، عن ابن حرملة عن جابر بن عبد الله: أن أبا جهل ~~والملأ من قريش بعثوا عتبة ابن ربيعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأتاه فقال له أنت يا محمد خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب، فلم ~~تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك لواء وكنت ~~رأسا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشرة نسوة تختارهن من أي حي ~~من بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به ~~أنت وعقبك من بعدك، فلما فرغ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { ~~بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من ~~الرحمن الرحيم } إلى قوله { مثل صعقة عاد ~~وثمود } فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكف ثم رجع إلى أهله ~~ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم، فقال أبو جهل والله يا معشر قريش ما نرى ~~عتبة إلا وقد صبأ، فأتوه فقال أبو جهل والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك ~~قد صبوت إلى دين محمد، وأعجبك أمره، فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا ~~أبدا، وقال إني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بقوله: " والله ms1518 ليس فيه ~~سحر ولا شعر ولا كهانة " فأمسكت على فيه وناشدته بالرحم أن يكف وقد علمتم ~~أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - إذا قال قولا لم يكذب فخفت أن ينزل ~~بكم العذاب ثم قال تعالى: { إذ جاءتهم الرسل من بين ~~أيديهم } يعني من قبل عاد وثمود { ومن خلفهم } يعني من بعد ~~عاد وثمود { ألا تعبدوا إلا الله } يعني ألا تطيعوا في ~~التوحيد غير الله، وهذا قول الرسل لقومهم، فأجابهم قومهم { قالوا لو ~~شاء ربنا لأنزل ملئكة } ولم يرسل إلينا آدميا { فإنا ~~بما أرسلتم به كفرون } أي جاحدون، وقد قيل في قوله { من ~~بين أيديهم ومن خلفهم } يعني خوفوهم من بين أيديهم من ~~أمر الآخرة وحذروهم النار، ورغبوهم في الجنة { ومن خلفهم } يعني ~~زهدوهم في الدنيا فلم يقبلوا، وقد قيل { من بين أيديهم } يعني ~~ما خلق قبلهم، كيف أهلكهم الله، ومما خلفهم من أمر الآخرة { فأما ~~عاد فاستكبروا فى الأرض } يعني تعظموا عن الإيمان، عن قول ~~لا إله إلا الله { بغير الحق وقالوا من أشد منا ~~قوة } يقول الله تعالى { أو لم يروا أن الله الذى ~~خلقهم } وقواهم { هو أشد منهم قوة } يعني بطشا ولم ~~يعتبروا بذلك { وكانوا بئايتنا يجحدون } يعني جاحدين ~~بما آتاهم هود عليه السلام أنه لا ينزل بهم، قوله عز وجل { فأرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا } يعني ريحا باردا ذا صوت ودوي تحرق كما ~~تحرق النار، ويقال: { ريحا صرصرا } أي شديدة الصوت { فى أيام ~~نحسات } قال مقاتل: يعني شدائد. # وقال الكلبي يعني أيام مشؤومات قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (فى ~~أيام نحسات) بجزم الحاء، والباقون بكسر الحاء ومعناهما واحد، ~~ويقال يوم نحس ويوم نحس، وأيام نحسه ونحسه، والنحسات جمع الجمع. { ~~لنذيقهم عذاب الخزى } يعني العذاب الشديد في الدنيا قبل ~~عذاب الآخرة وهذا كقوله # ليذيقهم بعض الذى عملوا # [الروم: 41] يعني ليصيبهم بعض العقوبة في الدنيا. كقوله تعالى { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون } يعني يتوبون ثم قال عز وجل { في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم ms1519 لا ~~ينصرون } يعني أشد مما كان في الدنيا { وهم لا ينصرون } يعني ~~لا يمنعهم أحد من عذاب الله لا في الدنيا ولا في الآخرة { وأما ~~ثمود } قرأ الأعمش (ثمود) بالتنوين، وقراءة العامة بغير تنوين { ~~فهدينهم } يعني بينا لهم الحق من الباطل والكفر من الإيمان وقال ~~مجاهد (فهديناهم) أي دعوناهم، وقال قتادة ومقاتل: بينا لهم، وقال ~~القتبي: دعوناهم ودللناهم { فاستحبوا العمى على الهدى } ~~يعني اختاروا الكفر على الإيمان، ويقال اختاروا طريق الضلالة على طريق ~~الهدى { فأخذتهم صعقة العذاب الهون } والصاعقة: هي ~~العذاب (الهون) يعني يهانون فيه، ويقال الهون الشديد { بما كانوا ~~يكسبون } يعني يعملون من الشرك والمعاصي قوله عز وجل { ونجينا ~~الذين ءامنوا وكانوا يتقون } يعني آمنوا بصالح النبي عليه ~~السلام، (وكانوا يتقون) عقر الناقة، ويتقون الشرك والفواحش. ### || [41.19-25] # قال عز وجل: { ويوم يحشر أعداء الله } يعني: يساق أعداء ~~الله وهم الكفار والمنافقون { إلى النار } قرأ نافع (ويوم ~~نحشر) بالنون أعداء بالنصب على معنى الإضافة إلى نفسه، وقرأ الباقون ~~بالياء والضم (يحشر أعداء الله) على معنى فعل ما لم يسم ~~فاعله، ويوم صار نصبا لإضمار فيه يعني: واذكر يوم يحشر أعداء ~~الله إلى النار { فهم يوزعون } يعني: يحبس أولهم ليلحق بهم ~~آخرهم وأصله من وزعته أي كففته { حتى إذا ما جاءوها } يعني: ~~إذا جاؤوها ما صلة في الكلام، يعني جاءوا النار وعاينوها قيل لهم # أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون # [الأنعام: 22] فقالوا عند ذلك (والله ربنا ما كنا ~~مشركين) فيختم على أفواههم، وتستنطق جوارحهم فتنطق بما كتمت الألسن، ~~فذلك قوله { شهد عليهم سمعهم } يعني: آذانهم بما سمعت { ~~وأبصرهم } يعني: أعينهم بما نظرت ورأت { وجلودهم } يعني: ~~فروجهم { بما كانوا يعملون } يعني: بجميع أعمالهم قوله تعالى: ~~{ وقالوا لجلودهم } يعني: لجوارحهم وقال القتبي: الجلود كناية ~~عن الفروج { لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذى أنطق كل شىء } يعني: أنطق الدواب وغيرهم { وهو ~~خلقكم أول مرة } يعني: أنطقكم في الدنيا { وإليه ~~ترجعون } في الآخرة، يقول الله تعالى { وما كنتم تستترون ~~} يعني: ما كنتم تمتنعون، ويقال: ما ms1520 كنتم تحسبون وتستيقنون { أن ~~يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما ~~تعملون } من الخير والشر { وذلكم ظنكم الذى ظننتم ~~بربكم أرداكم } يعني: ذلك الظن الذي أهلككم، ويقال: ~~(أرداكم) يعني: أغواكم، ويقال: أهلككم سوء الظن، وروى الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " يقول الله تعالى »أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه ~~حيث يذكرني« " # وقال الحسن: إن المؤمن أحسن الظن بربه، فأحسن العمل، وإن المنافق أساء ~~الظن بربه، فأساء العمل { فأصبحتم من الخسرين } يعني: ~~صرتم من المغبونين { فإن يصبروا } على النار { فالنار مثوى ~~لهم } أي: مأوى لهم ويقال هذا جواب لقولهم { اصبروا على ~~ءالهتكم } يقول الله تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى ~~لهم } { وإن يستعتبوا } أي: يسترجعوا من الآخرة إلى الدنيا ~~{ فما هم من المعتبين } أي من المرجوعين إلى الدنيا، ويقال: { ~~وإن يستعتبوا } يعني: وإن يطلبوا العذر { فما هم من ~~المعتبين } أي لا يسمع ولا يقبل منهم عذر قوله عز وجل: { ~~وقيضنا لهم قرناء } قال القتبي يعني ألزمناهم قرناء من ~~الشياطين، وقال أهل اللغة: قيض يعني: سلط، ويقال: قيض بمعنى قدر { ~~فزينوا لهم } يعني: زينوا لهم التكذيب بالحساب، وقال الحسن { ~~وقيضنا لهم قرناء } أي خلينا بينهم وبين الشياطين بما ~~استحقوا من الخذلان فزينوا لهم { ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } قال الضحاك يعني: شككوهم في أمر الآخرة (وما خلفهم) ~~يعني: رغبوهم في الدنيا، ويقال زينوا لهم ما بين أيديهم، يعني ما كان ~~عليه آباؤهم من أمر الجاهلية، وما خلفهم يعني: تكذيبهم بالبعث { وحق ~~عليهم القول } يعني: وجب عليهم العذاب { فى أمم قد خلت ~~من قبلهم } يعني: مع أمم قد خلت من قبل أهل مكة { من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خسرين } بالعقوبة، ويقال: إنهم ~~كانوا خاسرين مثلهم. ### || [41.26-29] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا ~~القرءان } نزلت الآية في أبي جهل وأصحابه، فإنه قال: إذا تلى محمد ~~القرآن، فارفعوا أصواتكم بالأشعار والكلام في وجوههم حتى تلبسوا ms1521 عليهم ~~فذلك قوله { والغوا فيه } يعني: الغطوا، واللغط هو: الشغب والجلب ~~{ لعلكم تغلبون } أي تغلبوهم فيسكتون، قال الزجاج: قوله { ~~والغوا فيه } أي عارضوه بكلام لا يفهم يكون ذلك الكلام لغوا، ~~يقول الله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا ~~شديدا } يعني: في الدنيا بالقتل { ولنجزينهم } في الآخرة { ~~أسوأ الذى كانوا يعملون } يعني: أقبح ما كانوا يعملون، ~~ويقال: هذا كله من عذاب الآخرة، يعني: فلنذيقن الذين كفروا في الآخرة ~~عذابا شديدا، ولنجزينهم من العذاب أسوأ ما كانوا يعملون، يعني ~~بأسوء أعمالهم وهو الشرك { ذلك جزاء أعداء الله النار } ~~يعني: ذلك العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله النار يعني: ذلك العذاب ~~هو النار، ويقال صار رفعا بالبدل عن الجزاء، ثم قال: { لهم فيها ~~دار الخلد } يعني: في النار موضع المقام أبدا { جزآء بما ~~كانوا بآياتنا يجحدون } يعني: بالكتاب، والرسل قوله تعالى: { ~~وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين } يعني الصنفين ~~اللذين { أضلنا } يعني: استنا ضلالتنا { من الجن والإنس ~~} ويقال: جهلانا حتى نسينا الآخرة، ثم قال { نجعلهما تحت ~~أقدامنا ليكونا من الأسفلين } في النار، ويقال: من الجن، ~~ويقال: يعني: إبليس هو الذي أضلنا، ومن الإنس يعني ابن آدم الذي قتل ~~أخاه، ويقال يعني رؤساؤهم في الضلالة، كقوله: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا # [الأحزاب: 67] الآية، قرأ ابن كثير وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر ~~(أرنا) بجزم الراء، والباقون بالكسر ومعناهما واحد. ### || [41.30-36] # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقموا } يعني: قالوا ربنا الله فعرفوه، واستقاموا على المعرفة، ~~وقال القتبي: يعني آمنوا ثم استقاموا على طاعة الله، وقال ابن عباس في ~~رواية الكلبي: ثم استقاموا على ما افترض الله عليهم، وروي عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم قال: أتدرون ما استقاموا عليه؟ ~~فقالوا ما هو يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: استقاموا ~~ولم يشركوا، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثم استقاموا ولم يروغوا ~~روغان الثعلب على طاعة الله، فقال ابن عباس في رواية القتبي ms1522 ثم استقاموا، ~~وعن أبي العالية أنه قال ثم استقاموا أي أخلصوا له الدين والعمل، ويقال: ~~وحدوا الله تعالى واستقاموا على طاعته، ولزموا سنة نبيه، وقال بعض ~~المتأخرين: معناه ثم استقاموا أفعالا كما استقاموا أقوالا، وقد قيل ~~أيضا { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا ~~} يعني: يقولون الله مانعنا ومعطينا، وضارنا ونافعنا { ثم ~~استقموا } على ذلك القول، ولا يرون النفع ولا يرجون من أحد دون ~~الله تعالى، ولا يخافون أحدا دون الله، فذكر أعمالهم، ثم ذكر ثوابهم ~~فقال { تتنزل عليهم الملئكة } قال الكلبي يعني: تتنزل ~~عليهم الملائكة عند قبض أرواحهم ويبشرونهم ويقولون { ألا تخافوا ~~ولا تحزنوا } يعني: لا تخافوا ما أمامكم من العذاب، ولا تحزنوا ~~على ما خلفكم من الدنيا، وقال مقاتل: تتنزل عليهم الملائكة يعني: تتنزل ~~عليهم الحفظة من السماء يوم القيامة فتقول له أتعرفني؟ فيقول لا. فيقول: ~~أنا الذي كنت أكتب عملك، وبشره بالجنة فذلك قوله: { وأبشروا ~~بالجنة التى كنتم توعدون } في الدنيا، وقال زيد بن أسلم ~~البشرى في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر وفي البعث، وقال بعض ~~المتأخرين: هذه البشرى للخائف الحزين لا للآمن المستبشر، يعني: الذي كان ~~خائفا في الدنيا ثم قال عز وجل: { نحن أولياؤكم فى ~~الحياة } يعني: تقول لهم الحفظة نحن كنا أولياءكم في الحياة الدنيا، ~~ونحن أولياؤكم { وفى الأخرة ولكم فيها ما تشتهى ~~أنفسكم } يعني: لكم في الجنة ما تحب وتتمنى قلوبكم { ولكم ~~فيها ما تدعون } يعني: تسألون ثم قال: { نزلا } أي رزقا { ~~من غفور } للذنوب العظام { رحيم } بالمؤمنين، حكى الزجاج عن ~~الأخفش " نزلا " منصوبا من وجهين: أحدهما على المصدر فمعناه: أنزلناه ~~نزلا، ويجوز أن يكون على الحال قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ~~ممن دعا إلى الله وعمل صلحا } قال بعضهم الآية نزلت ~~في شأن المؤذنين، يدعون الناس إلى الصلاة، { وعمل صلحا } يعني: ~~صلى بين الأذان والإقامة ويقال: الأنبياء يدعون الخلق إلى توحيد الله ~~تعالى، وعمل صالحا: يعني: الطاعات، ويقال العلماء يعلمون الناس أمور ~~دينهم، ويدعونهم إلى طريق الآخرة، وعمل صالحا: يعني عملوا ms1523 بالعلم، ويقال ~~نزلت الآية: في الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر يعني: يأمرون ~~بالمعروف ويعملون به، ويصبرون على ما أصابهم، قوله: { وقال إننى ~~من المسلمين } يعني: أكون على دين الإسلام، لأنه لا تقبل طاعة ~~بغير دين الإسلام فقال عز وجل: { ولا تستوى الحسنة ولا ~~السيئة } قال الزجاج: لا زائدة مؤكدة، والمعنى لا تستوي الحسنة ~~والسيئة، يعني: لا تستوي الطاعة والمعصية، ولا يستوي الكفر والإيمان، ~~ويقال: لا يستوي البصير والأعمى، ويقال: لا يستوي الصبر والجزع، واحتمال ~~الأذى والإساءة، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤذيه أبو جهل ~~لعنة الله عليه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره رؤيته بغضا ~~له، فأمره الله تعالى بالعفو والصفح فقال: { ادفع بالتى هى ~~أحسن } يعني: ادفع بالكلمة الحسنة الكلمة القبيحة { فإذا الذى ~~بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم } يعني: إذا ~~فعلت ذلك يصير الذي بينك وبينه عداوة بمنزلة القرابة في النسب قوله ~~تعالى: { وما يلقاها إلا الذين صبروا } يعني: الكلمة ~~الحسنة، ودفع السيئة ما يعطاها إلا الذين صبروا على طاعة الله، وأداء ~~الفرائض { وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم } يعني: ذو نصيب ~~وافر في الآخرة، ويقال { ادفع بالتى هى أحسن } يعني: بقول ~~لا إله إلا الله، السيئة: يعني الشرك، وما يلقاها إلا الذين صبروا: ~~على كظم الغيظ ثم قال: { وإما ينزغنك } يعني: يصيبك { من ~~الشيطن نزغ } يعني: وسوسة على الإحتمال { فاستعذ ~~بالله } من شره، وامض على احتمالك، وقال مقاتل: { وإما ~~ينزغنك } يعني: يفتتنك { من الشيطان نزغ } أي فتنة، ~~وقال الكلبي الذنب عند دفع السيئة، ويقال { ينزغنك } يعني: يغوينك ~~{ فاستعذ بالله } يعني تعوذ بالله { إنه هو السميع } ~~للإستعاذة { العليم } بقول الكفار وعقوبتهم. ### || [41.37-39] # { ومن ءايته } يعني: من علامات وحدانيته { الليل ~~والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر } يعني: خلق الشمس والقمر، والليل والنهار دلالة لوحدانيته، ~~لتعرفوا وحدانيته فتعبدوه ولا تعبدوا هذه الأشياء { واسجدوا لله ~~الذى خلقهن } يعني: اعبدوا خالق هذه الأشياء واسجدوا له وأطيعوه ~~{ إن كنتم إياه تعبدون } يعني: إن أردتم بعبادة الشمس ~~والقمر ms1524 رضا الله تعالى فإن رضاه أن تعبدوه ولا تعبدوا غيره، ويقال { إن ~~كنتم إياه تعبدون } يعني: إن أردتم بعبادتهما عبادة الله ~~تعالى فاعبدوا الله وأطيعوه ولا تسجدوا لغيره { فإن استكبروا } ~~يعني: تكبروا عن السجود لله تعالى وعن توحيده { فالذين عند ربك ~~} يعني: الملائكة { يسبحون له } يعني: يصلون لله تعالى { ~~بالليل والنهار } يقال هو التسبيح بعينه، يعني يسبحونه ~~ويذكرونه { وهم لا يسئمون } يعني: لا يملون من الذكر والعبادة ~~والتسبيح قوله عز وجل: { ومن ءايته } أي: من علامات وحدانيته { ~~أنك ترى الأرض خشعة } أي: غبراء يابسة لا نبت فيها { ~~فإذا أنزلنا عليها الماء } يعني: المطر { اهتزت } ~~يعني: تحركت بالنبات { وربت } أي: علت يعني: انتفخت الأرض إذا أرادت ~~أن تنبت { إن الذى أحيها } بعد موتها { لمحى الموتى ~~} للبعث في الآخرة { إنه على كل شىء قدير } أي من البعث ~~وغيره. ### || [41.40-42] # قوله تعالى: { إن الذين يلحدون فى ءايتنا } قال مقاتل ~~يعني: يميلون عن الإيمان بالقرآن، وقال الكلبي: يعني: يميلون في آياتنا ~~بالتكذيب، وقال قتادة: الإلحاد التكذيب، وقال الزجاج: أي يجعلون الكلام ~~على غير وجهه، ومن هذا سمي اللحد لحدا: لأنه في جانب القبر، قرأ حمزة ~~(يلحدون) بنصب الحاء والياء، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ~~ومعناهما واحد، لحد وألحد بمعنى واحد، قوله { لا يخفون علينا } ~~أي: لا يقدرون على أن يهربوا من عذابنا، ولا يستترون منا { أفمن ~~يلقى فى النار } يعني: أبا جهل وأصحابه { خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة } يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ويقال نزلت في شأن جميع الكفار وجميع المؤمنين، يعني: من كان مرجعه ~~إلى النار حاله يكون خيرا، أم حال من يدخل الجنة، ثم قال لكفار مكة { ~~اعملوا ما شئتم } لفظه لفظ التخيير والإباحة، والمراد به ~~التوبيخ والتهديد لأنه بين مصير كل عامل ثم قال تعالى { إنه بما ~~تعملون بصير } من الخير والشر قوله تعالى (بصير) أي عالم { إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } يعني: جحدوا بالقرآن ~~لما جاءهم { وإنه } يعني: القرآن { لكتب عزيز } يعني: كريم ~~عند المؤمنين، ويقال ms1525 كريم على الله أنزله آخر الكتب، وقال مقاتل: كتاب ~~عزيز: يعني: منيع عن الباطل ويقال عزيز لا يوجد مثله في النظم وكثرة ~~فوائده { لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من ~~خلفه } قال الكلبي ومقاتل لا يأتيه الباطل أي لا يأتيه التكذيب من ~~الكتاب الذي قبله كل يصدق هذا ولا يجيء من بعده كتاب يكذبه وقال قتادة لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يعني لا يستطيع الشيطان أن يبطل ~~منه حقا، ولا يؤيد فيه باطلا، قال أبو الليث حدثنا الخليل بن أحمد قال ~~حدثنا الباغندي قال حدثنا محمد بن سلمة عن أبي سنان عن عمرو بن مرة عن ~~أبي البحتري عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب قال: قيل للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " " إن أمتك ستفترق من بعدك " فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بلى فقالوا: ما المخرج منها، فقال جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: كتاب الله العزيز الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد) " # من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، وهو الذكر ~~الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من كان قبلكم، وبيان ~~من بعدكم، والحكم فيما بينكم، هو الفصل المبين، وهو الفضل وليس بالهزل، ~~وهو الذي سمعته الجن فقالوا (إنا سمعنا قرآنا عجبا) لا يخلق على طول ~~الدهر ولا تنقضي عبره ولا تفنى عجائبه، ثم قال للحارث خذها إليك يا أعور، ~~ثم قال { تنزيل من حكيم حميد } يعني: القرآن تنزيل من الله ~~تعالى الحكيم في أمره المحمود في فعاله، وقال بعضهم: قوله { إن ~~الذين كفروا بالذكر لما جاءهم } لم يذكر جوابه، وجوابه ~~مضمر، وقال بعضهم: جوابه في قوله { وذو عقاب أليم } ويقال جوابه ~~في قوله # أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44]. ### || [41.43-46] # قوله تعالى: { ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك } يعني: اصبر على مقالة الكفار فإنهم لا يقولون من التكذيب لك ~~إلا ms1526 ما قد قيل للرسل من قبلك من التكذيب، ويقال معناه ما يقال لك يعني: ~~لا يؤمر لك يعني في الرسالة إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، بأن يعبدوا ~~الله، فيقال لك أن تعبد الله أيضا، ويقال { ما يقال لك } إلا بأن ~~تبلغ الرسالة { إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } بأن ~~يبلغوا الرسالة { إن ربك لذو مغفرة } قال مقاتل: أي ذو ~~تجاوز في تأخير العذاب عنهم إلى أجلهم، وقال الكلبي { إن ربك ~~لذو مغفرة } لمن تاب من الشرك { وذو عقاب أليم } لمن لم ~~يتب ومات على الكفر قوله عز وجل: { ولو جعلنه قرءانا ~~أعجميا } يعني: لو أنزلناه بلسان العبرانية { لقالوا لولا ~~فصلت ءايته } يعني: هلا بين بالعربية { ءاعجمى وعربى ~~} ويقولون القرآن أعجمي والرسول عربي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم، قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بهمزتين بغير مد، والباقون بهمزة واحدة ~~مع المد، ومعناهما واحد ويكون على معنى الاستفهام وقرأ الحسن { ~~أعجمى } بهمزة واحدة بغير مد، ويكون على غير وجه الاستفهام وقرأ ~~بعضهم { أعجمى } بنصب العين والجيم، يقال رجل عجمي إذا كان من ~~العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعجمي إذا كان لا يفصح وإن كان من العرب، ثم ~~قال تعالى: { قل هو للذين ءامنوا هدى } يعني: القرآن هدى ~~للمؤمنين من الضلالة { وشفاء } أي: شفاء لما في الصدور من العمى { ~~والذين لا يؤمنون } بالآخرة { في آذانهم وقر } يعني: ~~ثقل وصم { وهو عليهم عمى } عمي: بالكسر على معنى النعت، ~~وقراءة العامة بالنصب يعني: القرآن عليهم حجة وهذا قول الكلبي، وقال ~~مقاتل يعني: عموا عنه فلا ينظرونه، ولا يفهمونه وروي عن ابن عباس أنه ~~قرأ: (وهو عليهم عم) بالكسر على معنى النعت، وقراءة العامة ~~بالنصب على معنى المصدر، كما أنه قال (هدى وشفاء) على معنى: المصدر ثم ~~قال: { أولئك ينادون من مكان بعيد } وهذا على سبيل ~~المثل، يقال للرجل إذا قل فهمه إنك تنادي من مكان بعيد، يعني: إنك لا ~~تفهم شيئا، ويقال: ينادون من مكان بعيد: يعني: من السماء، وقال ms1527 مجاهد ~~يعني: بعيدا من قلوبهم، وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة من مكان بعيد، ~~فينادى الرجل بأشنع أسمائه يعني: يقال له يا فاسق، يا منافق، يا كذا، يا ~~كذا، قوله تعالى: { ولقد ءاتينا موسى الكتب } يعني: ~~أعطينا موسى التوراة ويقال الألواح، قوله { فاختلف فيه } يعني: ~~صدق بعضهم وكذب بعضهم { ولولا كلمة سبقت من ربك } يعني: ~~وجبت بتأخير العذاب { لقضي بينهم } يعني: لفرغ من أمرهم ولهلك ~~المكذب { وإنهم لفى شك منه مريب } يعني: من العذاب بعد ~~البعث (مريب) لا يعرفون شكهم، ويقال مريب: أي ظاهر الشك ويقال: { ~~ولولا كلمة سبقت من ربك } بتأخير العذاب عن هذه الأمة ~~إلى يوم القيامة لأتاهم العذاب إذ كذبوه كما فعل بغيرهم قوله تعالى: { ~~من عمل صلحا فلنفسه } يعني: ثوابه لنفسه { ومن ~~أساء فعليها } يعني: العذاب على نفسه { وما ربك بظلم ~~للعبيد } يعني: لا يعذب أحدا بغير ذنب. ### || [41.47-50] # قوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة } يعني: لا يعلم قيام ~~الساعة أحد إلا الله، يعني: يرد الخلق كلهم علم قيام الساعة إلى ربهم { ~~وما تخرج من ثمرت من أكمامها } يعني: من أجوافها يعني ~~حين تطلع، وغلاف كل شيء كمه أي تخرج من موضعها الذي كانت فيه، قرأ نافع ~~وابن عامر وعاصم في إحدى رواية حفص { من ثمرت } بلفظ الجمع، ~~والباقون { من ثمرة } بلفظ الواحد، ثم قال { وما تحمل من ~~أنثى ولا تضع إلا بعلمه } يعني: إلا وهو يعلمه، ولا ~~يعلم أحد قبل الولادة قبل صفته، ولا يعلم أحد بعد وضعه كم أجله { ~~ويوم يناديهم } يعني: يدعوهم { أين شركائى } يعني: ~~الذين كنتم تدعون من دون الله، { قالوا ءاذناك ما منا من ~~شهيد } يعني: أعلمناك، وقلنا لك { ما منا من شهيد } يعني: ~~يشهد بأن لك شريك، تبرؤوا من أن يكون مع الله شريك وقالوا ما منا من أحد ~~يشهد لك أنه عبد أحد دونك، وقال القتبي: هذا قول الآلهة التي كانوا ~~يعبدون في الدنيا (ما منا من شهيد: لهم، كما قالوا وادعوه في الدنيا فينا ~~{ وضل عنهم } يعني: بطل عنهم ms1528 { ما كانوا يدعون من ~~قبل } في الدنيا { وظنوا ما لهم من محيص } يعني: علموا ~~واستيقنوا ما لهم من ملجأ ولا مفر من النار قوله تعالى: { لا يسأم ~~الإنسان } يعني: لا يمل الكافر، قال الضحاك نزلت في شأن النضر بن ~~الحارث { من دعاء الخير } يعني: من سؤال الخير، يعني العافية في ~~الجسد والسعة في الرزق { وإن مسه الشر } يعني: أصابته الشدة ~~والبلاء والفقر { فيؤوس قنوط } يعني: آيسا من الخير، قانطا من ~~رحمة الله تعالى، ويقال: لا يمل من دعاء الخير، وإذا نزلت به شدة يقول ~~اللهم عافني، وإذا مسه الشر فيؤوس قنوط، يعني آيسا من معبوده { ولئن ~~أذقنه رحمة منا } يعني: أصبناه عافية منا وغنى { من ~~بعد ضراء مسته } يعني: من بعد شدة أصابته { ليقولن ~~هذا لى } يعني: أنا أهل لهذا ومستحق له ويقال أنا أحق بهذا، ويقال: ~~هذا بعملي وأنا محقوق به { وما أظن الساعة قائمة } يعني: ~~ما أحسب القيامة كائنة { ولئن رجعت إلى ربى } يعني: يوم ~~القيامة { إن لى عنده للحسنى } يعني: الجنة، ولئن كان يوم ~~القيامة كما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - فلي الجنة، يقول الله ~~تعالى: { فلننبئن الذين كفروا } يعني: لنخبرنهم { بما ~~عملوا } من أعمالهم الخبيثة { ولنذيقنهم } يعني: لنجزينهم { ~~من عذاب غليظ } يعني: عذاب شديد لا يفتر عنهم. ### || [41.51-54] # قوله تعالى: { وإذا أنعمنا على الإنسن أعرض ونأى ~~بجانبه } يعني: أعرض الكافر فلا يدعو ربه، وقال الكلبي أعرض عن ~~الإيمان { ونأى بجانبه } يعني: تباعد بجانبه عن الدعاء، وعن ~~الإيمان { وإذا مسه الشر } يعني: أصابته الشدة { فذو دعاء ~~عريض } قال مقاتل والكلبي يعني كثيرا، ويقال يعني طويلا، فإن قيل قد ~~قال في موضع { وإذا مسه الشر فيؤوس قنوط } وقال في موضع ~~آخر { فذو دعاء عريض } مرة ذكر أنه يؤوس ومرة أخرى ذكر أنه ~~يدعو فكيف هذا؟ قيل له: هذا في شأن رجل، وهذا في شأن رجل آخر، ويجوز أن ~~يكون في شأن إنسان واحد { وإذا مسه الشر فيؤوس قنوط } ~~عن كل معبود دون الله فيدعو الله دائما، فقال ms1529 عز وجل: { قل ~~أرءيتم إن كان من عند الله } يعني: إن كان هذا الكتاب من ~~عند الله { ثم كفرتم به } يعني: جحدتم أنه ليس من عند الله ~~ماذا تقولون؟ وماذا تجيبون؟ وماذا تحتالون إذا نزل بكم العذاب يوم ~~القيامة؟ { من أضل ممن هو فى شقاق بعيد } أي: في خلاف ~~طويل بعيد عن الحق قوله تعالى: { سنريهم ءايتنا فى الآفاق } ~~يعني: عذابنا في البلاد، مثل هلاك عاد وثمود وقوم لوط وهم يرون إذا ~~سافروا آثارهم وديارهم { وفى أنفسهم } يبتلون بأنفسهم من البلايا، ~~ويقال: من قتل أصحابهم الكفار في الحرب { حتى يتبين لهم ~~أنه الحق } يعني: إن الذي قلت هو الحق فيصدقونك وقال مجاهد { ~~سنريهم ءايتنا فى الآفاق } يعني: ما يفتح الله عليهم من ~~القرى { وفى أنفسهم } قال فتح مكة، وقال الضحاك معناه: أن أبا ~~جهل، قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ائتنا بعلامة فانشق القمر نصفين، ~~فقال أبو جهل للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن كان القمر قد انشق فهي ~~آية، ثم قال يا معشر قريش إن محمدا قد سحر القمر، فوجهوا رسلكم إلى ~~الآفاق هل عاينوا القمر إن كان كذلك فهي آية، وإلا فذلك سحر، فوجهوا ~~فإذا أهل الآفاق يتحدثون بانشقاقه فقال أبو جهل عليه اللعنة: (هذا ~~سحر مستمر) يعني: ذاهبا في الدنيا، فنزل { سنريهم ~~ءايتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق } وقال بعض المتأخرين سنريهم أياتنا في الآفاق ما وضع ~~في العالم من الدلائل، وفي أنفسهم: ما وضع فيها من الدلائل التي تدل على ~~وحدانية الله تعالى، وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسول صادق ينطق ~~بالوحي فيما يقول، وهذا كما قال: # وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون # [الذاريات: 20، 21] قوله تعالى: { أو لم يكف بربك } شاهدا أن ~~القرآن من الله تعالى: { أنه على كل شىء شهيد } أي: عالم ~~بأعمالهم، بالبعث وغيره، وقال الكلبي { أو لم يكف بربك } ~~يعني: أنه قد أخبرهم بذلك وإن لم يسافروا ويقال: { أو لم يكف ~~بربك } ومعنى: الكفاية ههنا: أنه ms1530 قد بين لهم ما فيه كفاية بالدلالة ~~على توحيده وتثبيت رسله ثم قال: { ألا إنهم فى مرية من ~~لقاء ربهم } ألا: كلمة تنبيه يعني: اعلم أنهم في شك من البعث { ~~ألا إنه بكل شىء محيط } يعني: ألا إن الله تعالى عالم ~~بأعمالهم وعقوبتهم، والإحاطة: إدراك الشيء بكماله، يعني: أحاط علمه ~~سبحانه وتعالى بكل شيء من البعث وغيره، والحمد لله وحده وصلى الله على من ~~لا نبي بعده وآله وسلم. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-4] # قوله تبارك وتعالى { حم عسق } روي عن ابن عباس أنه قال: الحاء حكم ~~الله والميم: ملك الله، والعين: علو الله، والسين: سناء الله، والقاف: ~~قدرة الله. فكأنه يقول: فبحكمي وملكي وعلوي، وسنائي، وقدرتي، لا أعذب ~~عبدا قال: لا إله إلا الله مخلصا فلقيني بها، ومعنى قول ابن عباس لا ~~يعذب عبدا، يعني لا يعذبه عذابا دائما خالدا، وروى المسيب عن رجل، عن ~~أبي عبيدة قال: العين عذاب الله، والسين: سنون، والقاف: فيها القحط العجب ~~(قال: وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " افتحوا صبيانكم قول لا إله إلا الله، ولقنوا موتاكم لا إله إلا الله ~~" # الحكمة في ذلك، لأن حال الصبيان حال حسن، لا غل ولا غش في قلوبهم، وحال ~~الموتى حال الاضطرار، فإذا قلتم ذلك في أول ما يجري عليكم القلم، وآخر ما ~~يجف القلم فعسى الله أن يتجاوز ما بين ذلك قال المسيب: وحدثنا محدث قال: ~~قاف قذف، وقال الضحاك في قوله { حم عسق } قال: قضى عذاب سيكون ~~واقعا، وأرجو أن يكون قد مضى يوم بدر، والسنون، وقال شهر بن حوشب { حم ~~عسق } حرب يذل فيه العزيز ويعز فيه الذليل من قريش، ثم يفضي إلى ~~العرب، ثم إلى العجم، ثم هي متصلة إلى خروج الدجال، وقال عطاء: الحاء حرب ~~وهو موت ذريع في الناس وفي الحيوان حتى يبيدهم ويفنيهم، والميم تحويل ملك ~~من قوم إلى قوم، والعين عدو لقريش يركبهم ثم ترجع الدولة إليهم بحرمة ~~البيت، والسين هو استئصال بالسنين كسني يوسف، والقاف ms1531 قدر من الله نافذ في ~~ملكوت الأرض لا يخرجون من قدره وهو نافذ فيهم، وقال السدي: الحاء حلمه، ~~والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤه، والقاف قدرته، وقال قتادة: هو ~~اسم من أسماء الله تعالى، ويقال اسم من أسماء القرآن، ثم قال تعالى { ~~كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك } يعني أوحى ~~الله إليك ب { حم عسق } كما أوحى الله بها إلى الذين كانوا من ~~قبلك وقال ابن عباس ليس من نبي وإلا وقد أوحى الله تعالى إليه ب { ~~حم عسق } كما أوحى الله بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، قرأ ~~ابن كثير { يوحى إليك } بالألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله ~~وقرأ الباقون (يوحي) بالكسر يعني هكذا يوحي الله إليك، وقرىء في الشاذ ~~(نوحي) بالنون ثم قال { الله العزيز } بالنقمة على من لم يجب ~~الرسل { الحكيم } حكم بإنزال الوحي عليك، وقال مقاتل: { كذلك ~~يوحى إليك وإلى الذين من قبلك } يعني في أمر العذاب ~~قوله عز وجل { له ما في السموات وما في الأرض } يعني ~~من خلق { وهو العلى } يعني لرفعي { العظيم } فلا شيء أعظم ~~منه، يعني عظيم قدرته. ### || [42.5-10] # قوله تعالى { تكاد السموات يتفطرن } يعني يتشققن { من ~~فوقهن } يعني تكاد أن يتشققن من قدرة الله وهيبته يعني من هيبة ~~الرحمن وجلاله وعظمته، قرأ ابن كثير وابن عامر، وحمزة، وعاصم، في رواية ~~حفص (تكاد السموات } بالتاء بلفظ التأنيث { يتفطرن } ~~بالتاء بلفظ التأنيث، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (تكاد) ~~بالتاء بلفظ التأنيث (ينفطرن) بالنون، وقرأ الباقون بالياء بلفظ ~~التذكير (يتفطرن) بالياء ثم قال { والملئكة يسبحون ~~بحمد ربهم } يعني يسبحونه ويذكرونه { ويستغفرون لمن ~~فى الأرض } يعني للمؤمنين، وروى داود بن قيس قال: دخلت على وهب بن ~~منبه فسئل عن قوله { ويستغفرون لمن في الأرض } قال ~~للمؤمنين منهم، وفي رواية أنه قال نسختها الآية التي في سورة المؤمن حيث ~~قال # ويستغفرون للذين ءامنوا # [غافر: 7] وروى معمر عن قتادة قال { ويستغفرون لمن فى ~~الأرض } قال للمؤمنين منهم، قال أبو الليث ms1532 رحمه الله هذا الذي روي عن ~~قتادة أصح، لأن النسخ في الأخبار لا يجوز، وإنما في الأمر والنهي ثم قال ~~{ ألا إن الله هو الغفور } لذنوبهم { الرحيم } بهم في ~~الرزق. ويقال: { ويستغفرون لمن فى الأرض } يعني يسألون لهم ~~الرزق قوله عز وجل { والذين اتخذوا من دونه أولياء } ~~يعني عبدوا من دون الله أولياء يعني أصناما { الله حفيظ ~~عليهم } يعني يحفظ أعمالهم، ويقال شهيد عليهم { وما أنت ~~عليهم بوكيل } يعني بمسلط لتجبرهم على الإيمان، وهذا قبل أن يؤمر ~~بالقتال قوله عز وجل { وكذلك أوحينا إليك قرءانا ~~عربيا } يعني هكذا أنزلنا عليك جبريل بالقرآن ليقرأ عليك القرآن ~~بلغتهم ليفهموه { لتنذر أم القرى } يعني لتخوف بالقرآن أهل ~~مكة { ومن حولها } من البلدان { وتنذر يوم الجمع } ~~يعني لتنذرهم بيوم القيامة، والباء محذوفة منه كما قال { لينذر ~~بأسا شديدا } يعني ببأس شديد وإنما سمي يوم الجمع: لأنه يجتمع فيه ~~أهل السماء وأهل الأرض كلهم، من الأولين، والآخرين { لا ريب فيه } ~~يعني يوم القيامة لا شك فيه أنه كائن { فريق فى الجنة } وهم ~~المؤمنون { وفريق فى السعير } وهم الكافرون قوله تعالى { ولو ~~شاء الله لجعلهم أمة وحدة } يعني على ملة واحدة وهو ~~الإسلام { ولكن يدخل من يشاء فى رحمته } يعني يكرم ~~بدينه من يشاء، من كان أهلا لذلك، ويدخله في الآخرة في رحمته أي في جنته ~~{ والظلمون ما لهم من ولى ولا نصير } يعني الكافرين ~~ليس لهم مانع يمنعهم من العذاب، ولا ناصر ينصرهم قوله تعالى { أم ~~اتخذوا من دونه أولياء } يعني عبدوا من دون الله أربابا { ~~فالله هو الولى } يعني هو أولى أن يعبدوه، ويقال: الله هو ~~الولي يعني هو الرب، وهو إله السماوات، وإله الأرض، ويقال هو الولي ~~لمصالحهم ينزل المطر بعد المطر { وهو يحيي الموتى } يعني ~~يحيهم بعد الموت، ويقال يحيي قلوبهم بالمعرفة { وهو على كل ~~شىء قدير } يعني قادر على ما يشاء قوله تعالى { وما اختلفتم ~~فيه من شىء } يعني إذا اختلفتم في أمر الدين { فحكمه إلى ~~الله } يعني علمه عند الله، ms1533 { ذلكم الله ربى } يعني الذي ذكر ~~هو الله ربي { عليه توكلت } يعني فوضت أمري إليه سبحانه { ~~وإليه أنيب } يعني أقبل إلى الله تعالى بالطاعة. ### || [42.11-15] # { فاطر السموات والأرض } يعني هو خالق السماوات والأرض { ~~جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يعني أصنافا، ذكرا وأنثى ~~{ ومن الأنعم أزوجا } يعني أصنافا ذكرا وأنثى وقال القتبي ~~{ جعل لكم من أنفسكم أزواجا } يعني من جنسكم إناثا، { ~~ومن الأنعم أزوجا } يعني إناثا { يذرؤكم فيه } ~~يعني: يخلقكم فيه أي في الرحم، وقال الكلبي { يذرؤكم فيه } يعني ~~يكثركم في التزويج، وقال مقاتل يعيشكم فيما جعل لكم من الذكور والإناث من ~~الأنعام ثم قال { ليس كمثله شىء } في القدرة وقال أهل اللغة: ~~هذا الكاف مؤكدة أي ليس مثله شيء، ويقال المثل صلة في الكلام يعني ليس هو ~~كشيء { وهو السميع البصير } يعني هو السميع لمقالتهم، البصير ~~بهم وبأعمالهم ومعنى الآية { ليس كمثله شىء } لأنه الخالق ~~العالم بكل شيء، والقادر على ما يشاء # الحى القيوم # [البقرة: 255] وهذه المعاني بعيدة من غيره، ثم قال عز وجل { له ~~مقاليد السموات والأرض } يعني خزائن السموات والأرض وهو ~~المطر، وخزائن الأرض وهو النبات { يبسط الرزق لمن يشاء } ~~يعني يوسع الرزق على من كان صلاحه في ذلك { ويقدر } يعني يقتر على ~~من كان صلاحه في ذلك { إنه بكل شىء عليم } من البسط ~~والتقتير. قوله تعالى { شرع لكم من الدين } قال مقاتل أي بين ~~لكم الدين وهو الإسلام ومن هاهنا صلة، وقال الكلبي: اختار لكم من الدين ~~ومعناه اختار لكم دينا من الأديان وأكرمكم به، ثم قال { ما وصى ~~به نوحا } يعني الدين الذي أمر به نوحا أن يدعو الخلق إليه، وأن ~~يستقيم عليه، { والذى أوحينا إليك } يعني الذي أوحينا إليك ~~بأن تدعو الناس إليه { وما وصينا به } يعني والدين الذي أمرنا ~~به { إبراهيم وموسى وعيسى } ثم بين ما أمرهم به، فقال { ~~أن أقيموا الدين } يعني أقيموا التوحيد { ولا تتفرقوا ~~فيه } يعني لا تختلفوا في التوحيد { كبر على المشركين } ~~يعني على مشركي مكة { ما تدعوهم إليه } وهو ms1534 التوحيد وقال أبو ~~العالية أن أقيموا الدين قال الإخلاص لله في عبادته لا شريك له ولا ~~تتفرقوا فيه قال لا تتعالوا فيه وكونوا عباد الله إخوانا كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه، يعني الإخلاص لله تعالى، ويقال { أن ~~أقيموا الدين } يعني ارفقوا في الدين، اتفقوا ولا تتفرقوا فيه، ~~يعني لا تختلفوا فيه كما اختلف أهل الكتاب ثم قال { الله يجتبى ~~إليه من يشاء } أي يختار لدينه من يشاء من كان أهلا لذلك { ~~ويهدى إليه من ينيب } يعني يرشد إلى دينه من يقبل إليه، ~~ويقال يهدي من كان في علمه السابق أنه يتوب ويرجع ويقال { من ينيب } ~~يعني من يجتهد بقلبه. كما قال: { والذين جهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا } قوله تعالى: { وما تفرقوا } يعني ~~مشركي مكة ما تفرقوا في الدين { إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم } في كتابهم يعني جاءهم محمد بالبينات، ويقال: وما تفرقوا، ~~يعني أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم في كتابهم، يعني من نعت محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - { بغيا بينهم } يعني حسدا فيما بينهم ~~لأنه كان من العرب، وروى معمر عن قتادة أنه تلى { وما تفرقوا ~~إلا من بعد ما جاءهم العلم } قال: إياكم والفرقة فإنها ~~مهلكة وروي في الخبر # " إن لكل شيء آفة وآفة الدين الهوى " # ثم قال { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل ~~مسمى } يعني بتأخير العذاب إلى وقت معلوم { لقضي بينهم } ~~يعني لفرغ منهم بالهلاك { وإن الذين أورثوا الكتب } ~~يعني أعطوا التوراة والإنجيل { من بعدهم } يعني من بعد نوح ~~وإبراهيم، وقال مقاتل يعني من بعد الأنبياء { لفى شك منه } يعني: ~~من القرآن { مريب } أي ظاهر الشك وقوله تعالى { فلذلك فادع } ~~يعني فإلى ذلك ادعهم، يعني إلى القرآن، ويقال إلى التوحيد { واستقم ~~كما أمرت } يعني استقم عليه كما أمر { ولا تتبع ~~أهواءهم } يعني لا تعمل بهواهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه { ~~وقل ءامنت } يعني صدقت { بما أنزل الله من كتب } يعني ~~بجميع ما أنزل الله من الكتب علي، وعلى من كان قبلي ms1535 { وأمرت ~~لأعدل بينكم } وهو الدعوة إلى التوحيد وإلى قول لا إله إلا الله ~~{ الله ربنا وربكم } يعني خالقنا وخالقكم { لنا ~~أعملنا ولكم أعملكم } يعني لنا ديننا ولكم دينكم { ~~لا حجة بيننا وبينكم } يعني لا خصومة بيننا وبينكم يوم ~~القيامة { وإليه المصير } يعني إليه المرجع في الآخرة. ### || [42.16-20] # قوله تعالى: { والذين يحاجون فى الله } يعني يخاصمون في ~~توحيد الله ودين الله { من بعد ما استجيب له } يعني من بعد ما ~~أجابوا إياه، أي: بعد ما أجاب المؤمنون بتوحيد الله لنبيه، وقال مجاهد: ~~طمع رجال بأن يعودوا إلى الجاهلية فنزل { والذين يحاجون فى ~~الله } إلى قوله { حجتهم داحضة } وروى معمر عن قتادة قال: ~~والذين يحاجون في الله، يعني في دينه قال هم اليهود والنصارى، قالوا ~~كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم، فنزل { والذين ~~يحاجون فى الله } أي في دين الله { من بعد ما استجيب ~~له } يعني من بعد ما دخل الناس في الإسلام { حجتهم داحضة } ~~يعني خصومتهم باطلة، ويقال احتجاجهم زائل ساقط، يقال: دحض أي زال، ومعناه ~~ليس لهم حجة، وسمى قولهم حجة على وجه المجاز، يعني حجتهم كما قال { فما ~~أغنت عنهم ءالهتهم } يعني الآلهة بزعمهم، ولم يكونوا آلهة ~~في الحقيقة { عند ربهم وعليهم غضب } يعني كما يكابرون ~~عقولهم { ولهم عذاب شديد } بما كانوا يفعلون قوله عز وجل { ~~الله الذى أنزل الكتب بالحق والميزان } أي لبيان ~~الحق، وأنزل الميزان وهو العدل، ويقال وأنزل الميزان في زمان نوح، ويقال ~~هي الحدود، والأحكام، والأمر، والنهي قوله { وما يدريك لعل ~~الساعة قريب } يعني قيام الساعة قريب، وهذا كقوله { اقتربت ~~الساعة } وقال تعالى { لعل الساعة قريب } ولم يقل قريبة؟ ~~لأن تأنيثها ليس بحقيقي، ولأنه انصرف إلى المعنى يعني للبعث قوله تعالى { ~~يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها } يعني إن ~~المشركين كانوا يقولون { متى هذا الوعد إن كنتم ~~صدقين } ويقولون { ربنا عجل لنا قطنا } { ~~والذين ءامنوا مشفقون منها } يعني خائفين من قيام الساعة ~~لأنهم يعلمون أنهم مبعوثون محاسبون { ويعلمون أنها الحق } ~~يعني يعلمون ms1536 أن الساعة كائنة { ألا إن الذين يمارون فى ~~الساعة } يعني يشكون ويخاصمون فيها { لفى ضلل بعيد } أي في ~~خطأ طويل، بعيد عن الحق قوله عز وجل { الله لطيف بعباده } ~~يعني عالم بعباده، ويقال رحيم بعباده، ويقال اللطيف: الذي يرزقهم في ~~الدنيا ولا يعاقبهم في الآخرة، ويقال: اللطيف بعباده، بالبر والفاجر، لا ~~يهلكهم جوعا { يرزق من يشاء } بغير حساب، ويقال يزرق من يشاء ~~مقدار ما يشاء في الوقت الذي يشاء { وهو القوى } على هلاكهم { ~~العزيز } يعني: المنيع لا يغلبه أحد قوله تعالى: { من كان يريد ~~حرث الآخرة } يعني: ثواب الآخرة بعمله { نزد له فى حرثه ~~} يعني ينال كليهما { ومن كان يريد حرث الدنيا } يعني ثواب ~~الدنيا بعمله { نؤته منها } يعني نعطه منها { وما له فى ~~الآخرة من نصيب } لأنه عمل لغير الله تعالى قال أبو الليث رحمه ~~الله حدثنا الفقيه أبو جعفر قال حدثنا محمد بن عقيل قال حدثنا محمد بن ~~إسماعيل الصايغ قال حدثنا الحجاج قال حدثنا شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد ~~الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: # " من كانت نيته الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا ~~وهي راغمة، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين ~~عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له " # ، وقال القتبي: الحرث في اللغة العمل، يعني من كان يريد بحرثه، أي بعمله ~~الآخرة نضاعف له الحسنات، ومن أراد بعمله الدنيا أعطيناه ولا نصيب له في ~~الآخرة. ### || [42.21-23] # قوله عز وجل: { أم لهم شركاء } يعني ألهم آلهة دوني { شرعوا ~~لهم من الدين } أي بينوا لهم من الدين { ما لم يأذن به ~~الله } يعني ما لم يأمر به، ويقال معناه: ألهم آلهة ابتدعوا لهم من ~~الدين أي من الشريعة والطريقة، ويقال سنوا لهم ما لم يأذن به الله، يعني ~~ما لم ينزل به الله من الكتاب والدين { ولولا كلمة الفصل } ~~يعني القضاء الذي سبق ms1537 ألا يعذب هذه الأمة، ويؤخر عذابهم إلى الآخرة { ~~لقضي بينهم } يعني أنزل بهم العذاب في الدنيا { وإن ~~الظلمين } يعني المشركين { لهم عذاب أليم } في الآخرة ~~قوله تعالى { ترى الظلمين } يعني ترى الكافرين يوم القيامة { ~~مشفقين مما كسبوا } يعني خائفين مما عملوا في الدنيا { ~~وهو واقع بهم } يعني نازل بهم ما كانوا يحذرون { والذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحات } يعني الذين صدقوا بالتوحيد، ~~وأدوا الفرائض والسنن { فى روضت الجنت } يعني في بساتين ~~الجنة { لهم ما يشآءون عند ربهم } من الكرامة { ذلك ~~هو الفضل الكبير } يعني: المن العظيم قوله تعالى: { ذلك ~~الذى يبشر الله } يعني ذلك الثواب الذي يبشر الله { عباده ~~} في الدنيا، قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو (يبشر) بنصب ~~الياء وجزم الباء وضم الشين مع التخفيف، والباقون بالتشديد وقد ذكرناه { ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحات } يعني يبشرهم بتلك ~~الجنة، وبذلك الثواب ثم قال { قل لا أسألكم عليه أجرا } ~~يعني قل يا محمد لأهل مكة لا أسألكم عليه أجرا أي على ما جئتكم به أجرا ~~{ إلا المودة فى القربى } قال مقاتل يعني إلا أن تصلوا ~~قرابتي، وتكفوا عني الأذى، ثم نسخ بقوله: { قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم } ويقال { إلا المودة فى القربى } ~~يعني إلا ألا تؤذونني بقرابتي منكم، قال ابن عباس ليس حي من أحياء ~~العرب إلا وللنبي - عليه السلام - فيه قرابة، وقال الحسن: إلا المودة في ~~القربى، يعني إلا أن تتوددوا إلى الله تعالى بما يقربكم منه، وهكذا قال ~~مجاهد، وقال سعيد بن جبير: إلا المودة في القربى، يعني: إلا أن تصلوا ~~قرابة ما بيني وبينكم ثم قال { ومن يقترف حسنة } يعني يكتسب ~~حسنة { نزد فيها حسنا } يعني للواحد عشرة، ويقال: نزد له التوفيق ~~في الدنيا، ونضاعف له الثواب في الآخرة { إن الله غفور شكور ~~} يعني غفور لمن تاب، شكور يقبل اليسير ويعطي الجزيل. ### || [42.24-30] # قوله تعالى: { أم يقولون افترى على الله كذبا } يعني ~~تقوله من ذات نفسه ولم يأمره الله تعالى، قال الله تعالى { فإن يشإ ~~الله يختم على ms1538 قلبك } يعني يحفظ قلبك حتى لا تدخل في قلبك ~~المشقة والأذى من قولهم { ويمح الله البطل } يعني يهلك الله ~~تعالى الشرك { ويحق الحق } يعني يظهر دينه الإسلام { ~~بكلمته } يعني بتحقيقه وبنصرته وبالقرآن { إنه عليم ~~بذات الصدور } يعني يعلم ما في قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~من الحزن، ويعلم ما في قلوب الكافرين من التكذيب قوله تعالى { وهو ~~الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن ~~السيئت } حتى يتجاوز عما عملوا قبل التوبة، وروى عبد العزيز بن ~~إسماعيل، عن محمد بن مطرف قال: # " يقول الله تعالى: ويح ابن آدم يذنب الذنب، ثم ~~يستغفر فأغفر له، ثم يذنب ذنبا، ثم يستغفر ~~فأغفر له، ثم يذنب ذنبا، ثم يستغفر فأغفر ~~له لا هو يترك ذنوبه، ولا هو ييأس من رحمتي، ~~أشهدكم أني قد غفرت له " # { ويعلم ما تفعلون } من خير أو شر، قرأ حمزة والكسائي وعاصم، ~~في رواية حفص (تفعلون) بالتاء على معنى المخاطبة والباقون بالياء على ~~معنى الخبر عنهم { ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا ~~الصلحت } يعني يجيب دعاءهم، ويعطيهم أكثر ما سألوا من المغفرة { ~~ويزيدهم من فضله } يعني يزيدهم على أعمالهم من الثواب ويقال ~~يعطيهم الثواب في الجنة أكثر مما سألوا { والكفرين لهم ~~عذاب شديد } يعني دائما لا يقتر عنهم قوله تعالى { ولو بسط ~~الله الرزق لعباده } يعني لو وسع الله تعالى عليهم المال { ~~لبغوا } أي لطغوا { فى الأرض } وعصوا { ولكن ينزل ~~بقدر ما يشاء } يعني يوسع على كل إنسان بمقدار صلاحه في ذلك، قال ~~أبو الليث رحمه الله: حدثنا أبو القاسم حمزة بن محمد قال حدثنا أبو ~~القاسم أحمد بن حمزة قال حدثنا نصر بن يحيى قال سمعت شقيق بن إبراهيم ~~الزاهد يقول { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~فى الأرض } قال لو أن الله تعالى رزق العباد من غير كسب لتفرغوا، ~~وتفاسدوا في الأرض، ولكن شغلهم بالكسب حتى لا يتفرغوا للفساد، ثم قال { ~~إنه بعباده خبير بصير } يعني بالبر والفاجر، والمؤمن ~~والكافر، ويقال يعني عالم بصلاح كل واحد منهم قوله تعالى ms1539 { وهو ~~الذى ينزل الغيث } يعني المطر { من بعد ما قنطوا } ~~أي حبس عنهم { وينشر رحمته } يعني المطر { وهو الولى ~~الحميد } يعني الولي للمطر يرسله مرة بعد مرة، الحميد يعني أهل أن ~~يحمد على صنعه قوله عز وجل { ومن ءايته } يعني من علامات ~~وحدانيته { خلق السموات والأرض } يعني خلقين عظيمين لا ~~يقدر عليهما بنو آدم، ولا غيرهم { وما بث فيهما من دابة } ~~يعني ما خلق في السماوات والأرض من خلق أو بشر فيهما { وهو على ~~جمعهم } يعني على إحيائهم للبعث { إذا يشاء قدير } يعني قادر ~~على ذلك، ويقال { وما بث فيهما من دابة } يعني في الأرض ~~خاصة، كما قال: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] يعني من أحدهما ثم قال { وما أصبكم من ~~مصيبة } يعني: ما تصابون من مصيبة في أنفسكم وأموالكم { فبما ~~كسبت أيديكم } يعني يصيبكم بأعمالكم ومعاصيكم { ويعفوا عن ~~كثير } يعني ما عفى الله عنه فهو أكثر، وروي عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه أنه قال «ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله أنزلت على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا بلى، فقرأ عليهم { وما أصبكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } قال: ~~فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفى الله تعالى عنه في الدنيا ولم ~~يعاقب فهو أجود وأمجد، وأكرم من أن يعذب فيه يوم القيامة، وعن الضحاك ~~قال: ما تعلم رجل القرآن ثم نسيه، إلا بذنب، ثم قرأ { وما أصبكم ~~من مصيبة فبما كسبت أيديكم } وأي مصيبة أعظم من نسيان ~~القرآن، قرأ نافع وابن عامر «بما كسبت أيديكم» بحذف الفاء ويكون [ما]: ~~بمعنى الذي، ومعناه الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم، وقرأ الباقون ~~(فبما كسبت) بالفاء، وتكون الفاء جواب الشرط، ومعناه ما يصيبكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم، ثم قال: { وما أنتم بمعجزين فى ~~الأرض... } ### || [42.31-35] # { وما أنتم بمعجزين فى الأرض } يعني بفائتين من عذاب ~~الله حتى يجزيكم به { وما لكم من دون الله } يعني من عذاب الله ~~{ من ولى } يعني من حافظ { ولا ms1540 نصير } يعني مانع يمنعكم من ~~عذاب الله تعالى قوله تعالى { ومن ءايته الجوار } قرأ ابن ~~كثير (الجواري) بالياء في الوقف والوصل، وقرأ نافع وأبو عمر بالياء في ~~الوصل، وبغير الياء في الوقف، والباقون بغير ياء في الوقف والوصل، فمن ~~قرأ بالياء فهو الأصل في اللغة، وهي جماعة السفن تجرين في الماء، واحدتها ~~جارية، كقوله: # حملنكم فى الجارية # [الحاقة: 11] يعني السفينة، ومن قرأ بغير ياء فلأن الكسر يدل عليه { فى ~~البحر كالأعلم } يعني تسير في البحر كالجبال { إن يشأ ~~يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره } يعني يبقين ~~سواكن على ظهر الماء { إن فى ذلك لآيات } يعني لعلامات ~~لوحدانيتي { لكل صبار شكور } يعني الذي يصبر على طاعة الله ~~(شكور) لنعم الله قوله تعالى { أو يوبقهن بما كسبوا } ~~يعني إن يشأ يهلك السفن بما عملوا من الشرك وعبادة الأوثان { ويعف ~~عن كثير } ولا يجازيهم { ويعلم الذين يجدلون فى ~~ءايتنا } قرأ ابن عامر ونافع بضم الميم، والباقون بالنصب، فمن قرأ ~~بالضم فلأنه عطف على قوله (ويعف) وموضعه الرفع، وأصله (ويعفو) فاكتفى بضم ~~الفاء، والذين، كان معطوفا عليه رفع أيضا، ومن قرأ بالنصب صار نصبا ~~للصرف، يعني صرف الكلام عن الإعراب الأول، ومعناه ولكي يعلم الذين ~~يجادلون في آياتنا، يعني في القرآن بالتكذيب { ما لهم من محيص } ~~يعني من مفر من الله. ### || [42.36-42] # { فما أوتيتم من شىء } يعني ما أعطيتم من الدنيا { فمتع ~~الحياة الدنيا } أي منفعة الحياة الدنيا { وما عند الله ~~خير وأبقى } أي ما عند الله في الآخرة من الثواب والكرامة خير ~~وأبقى يعني أدوم، ثم بين لمن يكون ذلك الثواب فقال: { للذين ~~ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } أي يثقون به تعالى ويفوضون ~~الأمر إليه قوله تعالى { والذين يجتنبون كبئر الإثم ~~والفوحش } وهذا نعت المؤمنين أيضا الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش، قرأ حمزة والكسائي (كبير الإثم) بغير ألف بلفظ الواحد، لأن ~~الواحد يدل على الجمع، والباقون (كبائر) وهو جمع كبيرة، والكبيرة: ما ~~أوجب الله تعالى الحد عليها في الدنيا، أو العذاب في الآخرة، ثم ms1541 قال { ~~وإذا ما غضبوا هم يغفرون } يعني: إذا غضبوا على أحد ~~يتجاوزون، ويكظمون الغيظ ثم قال: { والذين استجابوا لربهم ~~} يعني أجابوا وأطاعوا ربهم فيما يدعوهم إليه ويأمرهم به { وأقاموا ~~الصلاة } يعني أتموا الصلوات الخمس في مواقيتها { وأمرهم ~~شورى بينهم } يعني إذا أرادوا حاجة تشاوروا فيما بينهم، وروي عن ~~الحسن أنه قال: هم الذين إذا حزبهم أمر استشاروا أولي الرأي منهم { ~~ومما رزقنهم ينفقون } يعني يتصدقون في طاعة الله ثم قال ~~{ والذين إذا أصابهم البغى } يعني الظلم { هم ~~ينتصرون } أي ينتقمون ويقتصون روى سفيان عن منصور عن إبراهيم أنه ~~قال كانوا يكرهون أن يستذلوا، ويحبون العفو إذا قدروا، قوله تعالى { ~~وجزآء سيئة سيئة مثلها } يعني يعاقب مثل عقوبته لغيره ~~{ فمن عفا وأصلح } يعني عفا عن مظلمته، وأصلح بالعفو { ~~فأجره على الله } يعني ثوابه على الله { إنه لا يحب ~~الظلمين } يعني لمن يبدأ بالظلم، روي عن زيد بن أسلم أنه قال: ~~كانوا ثلاث فرق، فرقة بالمدينة، وفرقتان بمكة، إحداهم تصبر على الأذى، ~~والثانية تنتصر والثالثة تكظم، فنزلت الآية { والذين استجابوا ~~لربهم } نزلت في الذين بالمدينة { والذين إذا أصابهم ~~البغى هم ينتصرون } نزلت في الذين ينتصرون، وقوله { فمن ~~عفا وأصلح } نزلت في الذين يصبرون، فأثنى الله تعالى عليهم جميعا ~~قوله عز وجل { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل } ثم نزل في الظالمين { إنما السبيل ~~على الذين يظلمون الناس } # " وذكر أن أبا بكر رضي الله عنه، كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ورجل من المنافقين يسبه وأبو بكر رضي الله عنه لم يجبه، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ساكت يبتسم، فأجابه أبو بكر، فقام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وذهب، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما دام يسبني كنت جالسا، فلما أجبته قمت، فقال - عليه السلام - ~~إن الملك كان يجيبه عنك، فلما أجبته ذهب الملك وجاء الشيطان، وأنا لا ~~أجلس في مجلس يكون فيه الشيطان " # فنزل { فمن عفا وأصلح فأجره على الله ms1542 } وروى محمد ~~بن المنكدر قال: ينادي المنادي يوم القيامة من كان له عند الله حق فليقم، ~~قال: فيقوم من عفا وأصلح، قوله عز وجل: { ولمن انتصر بعد ~~ظلمه } يعني انتصف بعد ظلمه واقتص منه { فأولئك ما ~~عليهم من سبيل } يعني من مأثم، وقال قتادة: هذا فيما يكون بين ~~الناس من القصاص، فأما لو ظلمك لا يحل لك أن تظلمه، يعني فيما لا يحتمل ~~القصاص وقال الحسن: يعني إذا قال لعنك الله، أن تقول له يلعنك الله وإذا ~~سبك فلك أن تسبه، ما لم يكن فيه حد، أو كلمة لا تصلح، ثم قال تعالى: { ~~إنما السبيل } يعني الإثم والحرج { على الذين يظلمون ~~الناس } يعني يبدؤون بالظلم { ويبغون فى الأرض بغير ~~الحق } يعني ويظلمون في الأرض، ويعملون المعاصي { أولئك لهم ~~عذاب أليم } يعني وجيع. ### || [42.43-46] # قوله عز وجل: { ولمن صبر وغفر } يعني صبر عن مظلمته فلم يقتص ~~من صاحبه (وغفر) يعني تجاوز عنه { إن ذلك لمن عزم الأمور ~~} يعني الصبر والتجاوز من أفضل الأمور، وأصوب الأمور، قال بعضهم: هذه ~~الآيات مدنيات، وقال بعضهم: مكيات قوله تعالى { ومن يضلل الله } ~~يعني يخذله الله عن الهدى، ويقال: من يخذله ويتركه على ما هو فيه من ظلم ~~الناس { فما له من ولى من بعده } يعني ليس له قريب يهديه ~~ويرشده إلى دينه، من بعده يعني من بعد خذلان الله تعالى إياه قوله { ~~وترى الظلمين } يعني المشركين والعاصين { لما رأوا ~~العذاب } في الآخرة { يقولون هل إلى مرد من سبيل } ~~يعني هل من رجعة إلى الدنيا من حيلة فنؤمن بك، يتمنون الرجوع إلى الدنيا ~~قوله تعالى { وتراهم يعرضون عليها } يعني يساقون إلى النار ~~{ خشعين من الذل } أي خاضعين من الحزن، ويقال ساكتين ذليلين ~~مقهورين من الحياء { ينظرون من طرف خفى } قال الكلبي يعني ~~ينظرون بقلوبهم ولا يرونها بأعينهم لأنهم يسحبون على وجوههم، وقال مقاتل: ~~يعني يستخفون بالنظر إليها يعني إلى النار: قال القتبي يعني غضوا أبصارهم ~~من الذل، وقال بعضهم مرة ينظرون إلى العرش بأطراف أعينهم ماذا ms1543 يأمر الله ~~تعالى بهم، ومرة ينظرون إلى النار { وقال الذين ءامنوا } يعني ~~المؤمنين المظلومين { إن الخسرين الذين خسروا ~~أنفسهم } يعني يظلمون غيرهم حتى تصير حسناتهم للمظلومين فخسروا ~~أنفسهم { وأهليهم يوم القيمة } قال بعضهم هذه حكاية كلام ~~المؤمنين في الآخرة، بأنهم يقولون ذلك، حين رأوا الظالمين الذين خسروا ~~أنفسهم، وقال بعضهم: هذه حكاية قولهم في الدنيا فحكى الله تعالى قولهم، ~~وصدقهم على مقالتهم فقال { ألا إن الظلمين فى عذاب ~~مقيم } يعني دائم، وقال بعضهم: هذا اللفظ، لفظ الخبر عنهم والمراد به ~~التعليم أنه ينبغي لهم أن يقولوا هكذا يعني يصبروا على ظلمهم قوله تعالى ~~{ وما كان لهم من أولياء } يعني لا يكون للظالمين يوم ~~القيامة مانع يمنعهم من عذاب الله { ينصرونهم من دون الله } ~~يعني يمنعونهم من عذاب الله { ومن يضلل الله } يعني يضله الله ~~عن الهدى { فما له من سبيل } إلى الهدى من حجة، ويقال ما له من ~~حيلة. ### || [42.47-50] # قوله عز وجل: { استجيبوا لربكم } يعني أجيبوا ربكم في ~~الإيمان، وفيما أمركم به { من قبل أن يأتى يوم لا مرد ~~له } يعني لا رجعة له إذا جاء لا يقدر أحد على دفعه { من الله } ~~ويقال فيه تقديم: يعني من قبل أن يأتي من عذاب الله يوم لا مرد له، يعني ~~لا مدفع له { ما لكم من ملجأ يومئذ } يعني ما لكم من مفر ~~ولا حرز يحرزكم من عذابه { وما لكم من نكير } يعني من مغير ~~يغير العذاب عنكم قوله عز وجل { فإن أعرضوا } عن الإيمان وعن ~~الإجابة بعد ما دعوتهم { فما أرسلنك عليهم حفيظا } ~~تحفظهم على الإيمان، وتجبرهم على ذلك { إن عليك إلا البلغ ~~} يعني ليس عليك إلا تبليغ الرسالة، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم قال { ~~وإنا إذا أذقنا الإنسن منا رحمة } يعني أصبنا ~~الإنسان منا رحمة { فرح بها } أي بطر بالنعمة، قال بعضهم: يعني أبا ~~جهل، وقال بعضهم: جميع الناس، والإنسان هو لفظ الجنس وأراد به جميع ~~الكافرين بدليل أنه قال { وإن تصبهم } ذكر بلفظ الجماعة يعني إن ms1544 ~~تصبهم { سيئة } يعني القحط والشدة { بما قدمت أيديهم } ~~يعني بما عملوا من المعاصي { فإن الإنسن كفور } لنعم الله، ~~يعني يشكو ربه عند المصيبة، ولا يشكره عند النعمة قوله تعالى { لله ~~ملك السموات والأرض } يعني القدرة على أهل السماوات والأرض ~~{ يخلق ما يشاء } على أي صورة شاء { يهب لمن يشاء ~~إنثا } يعني من يشاء الأولاد الإناث فلا يجعل معهن ذكورا { ~~ويهب لمن يشاء الذكور } يعني يعطي من يشاء الأولاد الذكور ~~ولا يكون معهم إناث { أو يزوجهم ذكرانا وإنثا } يعني ~~يعطي من يشاء الأولاد الذكور والإناث { ويجعل من يشاء عقيما } ~~فلا يعطيه شيئا من الولد، ويقال: { يهب لمن يشاء إنثا } كما ~~وهب للوط النبي { ويهب لمن يشاء الذكور } كما وهب لإبراهيم - ~~عليه السلام - { أو يزوجهم ذكرانا وإنثا } كما جعل ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما وهب ليعقوب - عليه السلام - { ~~ويجعل من يشاء عقيما } كما جعل ليحيى وعيسى - عليهما السلام - ~~{ إنه عليم قدير } يعني عالم بما يصلح لكل واحد منهم، قادر على ~~ذلك. ### || [42.51-53] # قوله عز وجل: { وما كان لبشر } يعني: لأحد من خلق الله { أن ~~يكلمه الله إلا وحيا } يعني يرسل إليه جبريل ليقرأ عليه، ~~ويقال: إلا وحيا يعني إلهاما، ويقال يسمع الصوت فيفهمه، وذلك أن اليهود ~~قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يكلمك الله، أو ينظر إليك إن كنت ~~نبيا، كما كلم موسى فنزل { وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~} يعني ما جاز لأحد من الآدميين أن يكلمه الله إلا وحيا، يعني يسمع ~~الصوت أو يرى في المنام، ولا يجوز أن يكلمه مواجهة عيانا في الدنيا { ~~أو من وراء حجاب } فيكلمه كما كلم موسى { أو يرسل رسولا ~~} كما أرسل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - { فيوحى بإذنه ما ~~يشاء } يعني فيرسل بأمره، ويقال: بإذنه ما يشاء من أمره، قرأ نافع وابن ~~عامر (أو يرسل) بضم اللام، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم ~~فمعناه: أو هو يرسل رسولا، ومن قرأ بالنصب فعلى الإضمار أيضا ومعناه أو ~~يرسل رسولا (فيوحي) قرأ نافع ms1545 وابن عامر فيوحي بسكون الياء، ومعناه أو ~~هو يرسل رسولا فيوحي، وقرأ الباقون بالنصب (فيوحي) لإضمار أن { ~~إنه على حكيم } يعني أعلى من أن يكلم أحدا في الدينا مواجهة، ~~ولا يراه فيها أحد عيانا { حكيم } حكم ألا يكلم أحدا في المواجهة، ~~ولا يراه أحد قوله تعالى: { وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا } يعني جبريل بأمرنا، ويقال أوحينا إليك روحا يعني القرآن، ~~وقال القتبي: الروح روح الأجسام، ويسمى كلام الله تعالى روحا لأن فيه ~~حياة من الجهل وموت الكفر، كما قال: # يلقى الروح من أمره على من يشآء من عباده # [غافر: 15] ثم قال: { وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا } { ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيمن } ~~يعني ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا تدري كيف تدعو الخلق إلى ~~الإيمان { ولكن جعلنه نورا } يعني أنزلنا جبريل بالقرآن ~~ضياء من العمى، وبيانا من الضلالة، فإن قيل: سبق ذكر الكتاب والإيمان، ~~ثم قال { ولكن جعلنه نورا } ولم يقل جعلناهما؟ قيل له: لأن ~~المعنى هو الكتاب وهو دليل على الإيمان، ويقال: لأن شأنهما واحد، كقوله: # وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية # [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، ويقال { ولكن جعلنه نورا } ~~يعني الإيمان كناية عنه، ولأنه أقرب { نهدى به من نشاء من ~~عبادنا } يعني نوفق من نشاء للهدى من كان أهلا لذلك { وإنك ~~لتهدى إلى صرط مستقيم } يعني لتدعو الخلق إلى دين ~~الإسلام قوله عز وجل { صرط الله } يعني دين الله { الذى له ~~ما فى السموات وما في الأرض } من خلق { ألا إلى ~~الله تصير الأمور } أي ترجع إليه عواقب الأمور. والله أعلم وصلى ~~الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-4] # قوله تبارك وتعالى { حم والكتب المبين } يعني: أقسم بحم، ~~وبالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان كل ما تحتاج إليه ~~الأمة، ويقال مبين أي بين بلغة تعرفونها، يعني بين فيه الحلال والحرام { ~~إنا جعلنه } فهذا جواب القسم يعني: إنا جعلناه ووصفناه، أقسم ~~بالكتاب المبين إنا جعلنه ms1546 يعني: إنا قلناه ووصفناه وبيناه، ~~ويقال: أنزلنا به جبريل { قرءانا عربيا } يعني: بلغة العرب { ~~لعلكم تعقلون } يعني: لكي تعقلوا، وتفهموا ما فيه، ولو نزل ~~بغير لغة العرب لم تفهموا ما فيه ثم قال: { وإنه فى أم ~~الكتب لدينا } يعني: إن كذبتم بالقرآن فإن نسخته في أصل الكتاب ~~يعني: اللوح المحفوظ لدينا يعني: عندنا { لعلى حكيم } يعني: شريف ~~مرتفع، محكم من الباطل، ويقال: حكيم أحكم حلاله وحرامه، ويقال: حكيم، ~~أي حاكم على الكتب كلها، ويقال: حكيم أي: ذو حكمة، كما قال تعالى { ~~حكمة بلغة } ، قرأ حمزة والكسائي «في إم الكتاب» بكسر الألف في ~~جميع القرآن، لأن الياء أخت الكسرة فاتبع الكسرة الكسرة، والباقون «أم» ~~بضم الألف، وهو الأصل في اللغة. ### || [43.5-14] # قوله عز وجل: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } يعني: أفندع ~~ونترك أن نرسل إليكم الوحي مبهما، لا آمركم ولا أنهاكم، وقال القتبي ~~معناه: أن أمسك عنكم فلا أذكركم إعراضا، يقال: صفحت عن فلان إذا أعرضت ~~عنه، وقال مجاهد معناه: تكذبون بالقرآن ولا تعاقبون فيه، قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر { أن كنتم قوما مسرفين } بنصب ~~الألف، وقرأ الباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فمعناه: أفنضرب عنكم ذكر ~~العذاب بأن أسرفتم يعني: أشركتم وعصيتم، ويقال: أفنضرب عنكم ذكر العذاب ~~لأن أسرفتم وكفرتم، ومن قرأ بالكسر فمعناه: إن كنتم قوما مسرفين، ويقال: ~~هو على معنى: الاستقبال، ومعناه إن تكونوا مسرفين نضرب عنكم الذكر ثم قال ~~عز وجل: { وكم أرسلنا من نبي فى الأولين } يعني: كم ~~بعثنا من نبي في أمر الأمم الأولين كما أرسلنا إلى قومك { وما ~~يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزءون } يعني: ~~يسخرون منه قوله تعالى: { فأهلكنا أشد منهم بطشا } يعني: ~~من كان أشد منهم قوة { ومضى مثل الأولين } يعني: سنة الأولين ~~بالهلاك قوله تعالى: { ولئن سألتهم } يعني: المشركين { من ~~خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } يعني: يقولون خلقهن الله تعالى الذي هو العزيز في ملكه، ~~العليم بخلقه، فزادهم الله تعالى في جوابهم فقال: { الذى جعل ~~لكم الأرض ms1547 مهدا } قرأ حمزة والكسائي وعاصم مهدا والباقون ~~مهادا بالألف، يعني: قرارا للخلق { وجعل لكم فيها سبلا } ~~يعني: طرقا { لعلكم تهتدون } يعني: لكي تعرفوا طرقها من بلد ~~إلى بلد، ويقال: لعلكم تهتدون يعني: لكي تعرفوا هذه النعم، ~~وتأخذوا طريق الهدى، ثم ذكرهم النعم فقال عز وجل: { والذى نزل ~~من السماء ماء بقدر } يعني: بمقدار ووزن { فأنشرنا به ~~} يعني: أحيينا بالمطر { بلدة ميتا } يعني: أرضا ميتة لا نبات ~~فيها { كذلك تخرجون } أنتم من قبوركم قوله تعالى: { والذى ~~خلق الأزوج كلها } يعني: الأصناف كلها من النبات، والحيوان، ~~وغير ذلك { وجعل لكم من الفلك والأنعم ما ~~تركبون } يعني: جعل لبني آدم من السفن، والإبل والدواب ما يركبون ~~عليها ثم قال: { لتستووا على ظهوره } يعني: لتركبوا ظهور ~~الأنعام، ولم يقل ظهورها؟ لأنه انصرف إلى المعنى وهو جنس الأنعام { ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } يعني: إذا ~~ركبتم فتحمدوا الله تعالى { وتقولوا } عند ذلك { سبحن الذى ~~سخر لنا هذا } يعني: ذلل لنا هذا { وما كنا له ~~مقرنين } يعني: مطيعين وقال أهل اللغة: أنا مقر لك أي مطيق لك، ~~ويقال مقرنين: أي مالكين، ويقال: ضابطين ثم قال: { وإنا إلى ~~ربنا لمنقلبون } يعني: راجعين إليه في الآخرة، وقد روى عثمان بن ~~الأسود عن مجاهد أنه قال: إذا ركب الرجل دابته ولم يذكر اسم الله تعالى ~~ركب الشيطان من ورائه، ثم صك في قفاه، فإن كان يحسن الغناء قال له تغن، ~~وإن كان لا يحسن الغناء قال له تمن، يعني: تكلم بالباطل وعن علي بن ربيعة ~~أنه قال: كنت رديفا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما وضع رجله في ~~الركاب قال: بسم الله، فلما استوى، قال: الحمد لله، ثم قال سبحان ~~الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا ~~إلى ربنا لمنقلبون. ### || [43.15-25] # قال الله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا } يعني: ~~وصفوا لله من خلقه شريكا وولدا { إن الإنسن لكفور مبين ~~} يعني: كفور لنعمه مبين أي بين الكفر ثم قال تعالى: { أم ~~اتخذ مما ms1548 يخلق بنات } وهو رد على بني مليح حيث قالوا ~~الملائكة بنات الله معناه، اختار لكم البنين ولنفسه البنات، ثم وصف ~~كراهيتهم البنات فقال: { وأصفكم بالبنين } قوله عز وجل: { ~~وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا } يعني: ~~بما وصفوا لله تعالى من البنات، وكرهوا لأنفسهم ذلك { ظل وجهه ~~مسودا وهو كظيم } يعني: تغير لونه وهو حزين مكروب، يعني: ~~أترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم قوله عز وجل: { أو من ينشأ فى ~~الحلية } يعني: يغذى في الذهب والفضة ويقال أفمن زين في الحلي ~~والحلل { وهو فى الخصام غير مبين } يعني: في الكلام غير ~~فصيح، ويقال: هن في الخصومة غير مبينات في الحجة، ويقال أفمن زين في ~~الحلي وهو في الخصومة غير مبين، لأن المرأة لا تبلغ بخصومتها، وكلامها ما ~~يبلغ الرجل، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص أو من ينشأ بضم ~~الياء ونصب النون وبشديد الشين، ومعناه أو من يربى في الحلية، لفظه لفظ ~~الاستفهام والمراد به التوبيخ، وقرأ الباقون أومن ينشأ بنصب الياء ~~وجزم النون مع التخفيف، يعني يشب وينبت في الحلي قوله تعالى: { ~~وجعلوا الملئكة الذين هم عباد الرحمن ~~إنثا } يعني: وصفوا الملائكة بالأنوثة، قرأ ابن كثير وابن عامر ~~ونافع الذين هم عبد الرحمن (إناثا) يعني: وصفوا ~~الملائكة بالأنوثة، قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع عبيد. يعني: الملائكة ~~الذين هم في السماء، والباقون عباد يعني: جمع عبد ثم قال: { ~~أشهدوا خلقهم } يعني: أحضروا خلق الملائكة حين خلقهم الله ~~تعالى فعلموا أنهم ذكورا أو إناثا؟ هذا استفهام فيه نفي، يعني لم ~~يشهدوا خلقهم على وجه التوبيخ والتقريع ثم قال: { ستكتب ~~شهدتهم } يعني: ستكتب مقالتهم { ويسئلون } عنه يوم ~~القيامة، وروي عن الحسن: أنه قرأ (ستكتب شهاداتهم) بالألف، ~~يعني: أقوالهم، وقرأ عبد الرحمن الأعرج (سنكتب) بالنون قوله تعالى: ~~{ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم } يعني: ما ~~عبدنا الملائكة ويقال الأصنام { ما لهم بذلك من علم } أي: ~~ما لهم بذلك القول من حجة { إن هم إلا يخرصون } يعني: يكذبون ~~بغير حجة، وقال مقاتل: ms1549 في الآية تقديم، يعني: عباد الرحمن إناثا، ما ~~لهم بذلك من علم قوله عز وجل: { أم ءاتينهم كتبا من ~~قبله } يعني: أنزلنا عليهم كتابا، من قبل هذا القرآن { فهم به ~~مستمسكون } يعني: آخذون به عاملون، اللفظ لفظ الاستفهام والمراد ~~به النفي قوله عز وجل: { بل قالوا إنا وجدنا ءاباءنا ~~على أمة } يعني: لكنهم قالوا إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، وقال ~~القتبي: أصل الأمة الجماعة والصنف كقوله: # وما من دآبة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثلكم # [الأنعام: 38] ثم يستعار في أشياء، منها الدين كقوله { إنا وجدنا ~~ءاباءنا على أمة } أي على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين ~~واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - لأنهم على ملة واحدة وهي الإسلام، وروى مجاهد وعمر بن عبد ~~العزيز أنهما قرآ (إمة) بكسر الألف أي على نعمة، ويقال على هيئة ~~وقراءة العامة بالضمة، يعني: على دين وروى أبو عبيدة عن بعض أهل اللغة أن ~~الأمة والأمة لغتان، ثم قال: { وإنا على آثارهم ~~مهتدون } يعني: مستيقنين { وكذلك ما أرسلنا من ~~قبلك فى قرية من نذير إلا قال مترفوها } يعني: ~~جبابرتها { إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم مقتدون } يعني: بسنتهم مقتدون، أي: بأعمالهم، قال الله ~~تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { قال أولو جئتكم ~~بأهدى } يعني: أليس هذا الذي جئتكم به هو أهدى { مما وجدتم ~~عليه ءاباءكم } يعني: بأصوب وأبين من ذلك، قرأ ابن عامر وعاصم في ~~رواية حفص (قال أولو) على معنى الخبر، والباقون (قل) بلفظ الأمر، ~~وقرأ أبو جعفر المدني (جئناكم) بلفظ الجماعة { قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كفرون } يعني: إن الجبابرة قالوا لرسلهم إنا بما ~~أرسلتم به جاحدون. ### || [43.26-30] # قوله عز وجل: { فانتقمنا منهم } بالعذاب { فانظر كيف ~~كان عقبة المكذبين } يعني: آخر أمرهم قوله عز وجل: { ~~وإذ قال إبرهيم لأبيه وقومه إننى براء مما ~~تعبدون } يعني: بريء من معبودكم، ذكر عن الفراء أنه قال براء: مصدر ~~صرف أسماء، وكل ms1550 مصدر صرف إلى اسم، فالواحد، والجماعة، والذكر، والأنثى، ~~فيه سواء قوله عز وجل: { إلا الذى فطرنى } يعني: إلا الذي ~~خلقني فإني لا أتبرأ منه { فإنه سيهدين } ويقال: إلا بمعنى ~~لكن، يعني لكن الذي خلقني فهو سيهدين يعني: يثبتني على دين الإسلام { ~~وجعلها كلمة بقية فى عقبه } يعني: جعل تلك الكلمة ~~ثابتة في نسله وذريته، وهي كلمة التوحيد، لا إله إلا الله { لعلهم ~~يرجعون } عن كفرهم إلى الإيمان، وقال قتادة: هو التوحيد والإخلاص، ~~لا يزال في ذريته من يوحدوا الله تعالى ويعبدوه، وقال مجاهد: يعني: كلمة ~~لا إله إلا الله في عقبه وولده، ويقال: { إننى براء مما ~~تعبدون } يعني: ذو البراءة، كما يقال رجل عدل، ورجال عدل أي ذو عدل، ~~قوله تعالى: { بل متعت هؤلاء } يعني: أجلت هؤلاء وأمهلتهم ~~يعني قومك { وآبآءهم حتى جآءهم الحق } يعني: القرآن، ~~ويقال الدعوة إلى التوحيد { ورسول مبين } يعني: بين أمره ~~بالدلائل والحجج، ويقال: مبين يعني: بين لهم الحق من الباطل قوله تعالى: ~~{ ولما جاءهم الحق } يعني: القرآن { قالوا هذا سحر ~~وإنا به كفرون } يعني: جاحدون. ### || [43.31-32] # { وقالوا } يعني: أهل مكة { لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم } على رجل عظيم من رجلي ~~القريتين وهو الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي بالطائف، ~~يعني لو كان حقا لأنزل على أحد هذين الرجلين، وروى وكيع عن محمد بن عبد ~~الله بن أفلح الطائفي قال: عن خالد بن عبد الله بن يزيد قال: كنت جالسا ~~عند عبد الله بن عباس بالطائف فسأله رجل عن هذه الآية، وهي قوله { من ~~القريتين } فقال القرية التي أنت فيها يعني: الطائف، والقرية التي ~~جئت منها يعني مكة، وسئل عن الرجلين فقال: جبار من جبابرة قريش وهو ~~الوليد بن المغيرة بمكة وعروة بن مسعود جد المختار يعني: أبا مسعود، يقال ~~اسمه عمرو بن عمير قوله تعالى: { أهم يقسمون رحمة ربك } ~~يعني: أبأيديهم مفاتيح الرسالة والنبوة فيضعوها حيث شاؤوا، ولكننا نختار ~~للرسالة من نشاء من عبادنا { نحن قسمنا بينهم معيشتهم ms1551 ~~فى الحياة الدنيا } يعني: نحن قسمنا أرزاقهم فيما بينهم وهو ~~أدنى من الرسالة، فلم نترك اختيارها إليهم فكيف نفوض إختيار ما هو أفضل ~~منه وأعظم، وهي الرسالة إليهم ثم قال: { ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجت } يعني: فضلنا بعضهم على بعض بالمال في الدنيا { ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } يعني: الاستهزاء، ويقال فضل ~~بعضهم على بعض في العز والرياسة ليستخدم بعضهم بعضا ويستعبد الأحرار ~~العبيد، ثم أخبر أن الآخرة أفضل مما أعطوا في الدنيا فقال { ورحمة ~~ربك خير مما يجمعون } يعني: خير مما يجمع الكفار من المال ~~في الدنيا. ### || [43.33-39] # { ولولا أن يكون الناس أمة وحدة } يقول: لولا أن ~~يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة المال وقال الحسن لولا أن ~~يتتابعوا في الكفر { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة } وهي سماء البيت { ومعارج ~~عليها يظهرون } يعني: الدرج عليها يرتقون ويرتفعون، وقال ~~الزجاج: يصلح أن يكون لبيوتهم بدلا من قوله { لمن يكفر } ويكون ~~المعنى لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن، ويصلح أن يكون معناه لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن على بيوتهم، قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لبيوتهم سقفا» ~~بنصب السين وجزم القاف ويكون عبارة عن الواحد فدل على الجمع، والمعنى ~~لجعلنا لبيت كل واحد منهم سقفا من فضة، وقرأ الباقون سقفا بالضم على ~~معنى الجمع، ويقال سقف ومسقف مثل رهن ورهن، قوله تعالى: { ~~ولبيوتهم أبوبا وسررا عليها يتكئون } يعني: ~~يجلسون وينامون { وزخرفا } وهو الذهب يعني: لجعلنا هذا كله من ذهب ~~وفضة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " لولا أن يجزع عبدي المؤمن، لعصبت الكافر ~~بعصابة من حديد ولصببت عليه الدنيا صبا " # وإنما أراد بعصابة الحديد كناية عن صحة البدن يعني: لا يصدع رأسه، ثم ~~أخبر أن ذلك كله مما يفنى فقال: { وإن كل ذلك لما متع ~~الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين } وما: ~~ها هنا زيادة، ومعناه وإن كل ذلك لمتاع، ويقال وما ذلك إلا متاع الحياة ~~الدنيا يفنى ولا يبقى { والآخرة } يعني: الجنة للذين يتقون الشرك، ms1552 ~~والمعاصي والفواحش قرأ عاصم وابن عامر في رواية هشام { وإن كل ~~ذلك لما } بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف، فمن قرأ بالتخفيف ~~فما: للصلة والتأكيد، ومن قرأ بالتشديد فمعناه وما كل ذلك إلا متاع، وقال ~~مجاهد كنت لا أعلم (ما) الزخرف، حتى سمعت في قراءة عبد الله بيتا من ~~ذهب، قوله تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن } قال الكلبي ~~يعني: يعرض عن الإيمان والقرآن، يعني لا يؤمن، ويقال: من يعمى بصره عن ~~ذكر الرحمن، وقال أبو عبيدة: من يظلم بصره عن ذكر الرحمن { نقيض ~~له شيطانا } يعني: نسيب له شيطانا مجازاة لإعراضه عن ذكر الله، ~~ويقال نسلط عليه، ويقال نقدر له، ويقال نجعل له شيطانا { فهو له ~~قرين } يعني: يكون له صاحبا في الدنيا فيزين له الضلالة، ويقال فهو ~~له قرين يعني قرينه في سلسلة واحدة لا يفارقه يعني في النار، وروي عن ~~سفيان بن عيينة أنه قال: ليس مثل من أمثال العرب إلا وأصله في كتاب الله ~~تعالى، قيل له: من أين قول الناس أعطى أخاك تمرة، فإن أبى فجمرة. فقال ~~قوله: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~} الآية { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } يعني: ~~الشياطين يصرفونهم عن الدين { ويحسبون أنهم مهتدون } ~~يعني: الكفار يظنون أنهم على الحق { حتى إذا جاءنا } قرأ ابن ~~كثير ونافع وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر (جانا) بالمد بلفظ ~~التثنية يعني الكافر وشيطانه الذي هو قرينه، وقرأ الباقون (جاءنا) بغير ~~مد يعني الكافر يقول لقرينه { قال يليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين } يعني: ما بين المشرق والمغرب، ويقال بين مشرق الشتاء ~~ومشرق الصيف { فبئس القرين } يعني: بئس الصاحب معه في النار، ~~ويقال هذا قول الله تعالى: { فبئس القرين } يعني: بئس الصاحب معه ~~في النار، ويقال هذا قول الكافر يعني: بئس الصاحب كنت أنت في الدنيا وبئس ~~الصاحب اليوم، فيقول الله تعالى: { ولن ينفعكم اليوم } ~~الاعتذار { إذ ظلمتم } يعني: كفرتم وأشركتم في الدنيا { أنكم ~~فى العذاب مشتركون } يعني: أنكم جميعا في النار التابع ~~والمتبوع في ms1553 العذاب سواء. # قوله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { أفأنت تسمع الصم ~~أو تهدى العمى... }. ### || [43.40-45] # { أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى } إلى الهدى { ~~ومن كان فى ضلل مبين } يعني: من كان في علم الله في ~~الضلالة ومعنى الآية: إنك لا تقدر أن تفهم من كان أصم القلب، ويعمى عن ~~الحق، ومن كان في ضلال مبين، يعني: ظاهر الضلالة قوله: { فإما ~~نذهبن بك } يعني: نميتك قبل أن نرينك الذي وعدناهم يعني قبل أن ~~نريك النقمة { فإنا منهم منتقمون } يعني: ننتقم منهم بعد ~~موتك، قال قتادة: ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - وبقيت النقمة، قال: ~~وذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # " أرى ما يصيب أمته من بعده فما رؤي ضاحكا ~~مستبشرا حتى قبض " # ثم قال: { أو نرينك الذى وعدنهم } يعني: في حياتك { ~~فإنا عليهم مقتدرون } يعني: إنا لقادرون على ذلك قوله ~~تعالى: { فاستمسك بالذى أوحى إليك } يعني: اعمل بالذي ~~أوحي إليك من القرآن { إنك على صرط مستقيم } يعني: على ~~دين الإسلام { وإنه لذكر لك ولقومك } يعني: القرآن شرف ~~لك ولمن آمن به ويقال { ولقومك } يعني: العرب لأن القرآن نزل ~~بلغتهم { وسوف تسئلون } عن هذه النعم، وعن شكر هذا الشرف يعني ~~القرآن إذا أديتم شكره أو لم تؤدوه قوله تعالى: { وسئل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا } قال مقاتل والكلبي: يعني: سل ~~مؤمني أهل الكتاب { أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون } يعني: هل جاءهم رسول يدعوهم إلى عبادة غير الله، ويقال { ~~وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } يعني: سل ~~المرسلين، فلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنبياء ليلة المعراج وصلى ~~بهم ببيت المقدس، فقيل له فسلهم فلم يشك، ولم يسألهم، ويقال إنما خاطب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأراد أمته، يعني: سلوا أهل الكتاب كقوله # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين ~~يقرءون الكتب # [يونس: 94] الآية. ### || [43.46-56] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بئايتنا إلى ~~فرعون وملإيه فقال إنى رسول رب العلمين } ~~وقد ذكرناه { فلما جاءهم بئايتنا } يعني: ms1554 باليد والعصا { ~~إذا هم منها يضحكون } يعني: يعجبون ويسخرون { وما نريهم ~~من ءاية إلا هى أكبر من أختها } يعني: أعظم من التي ~~كانت قبلها، وهي السنين، والنقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، فلم يؤمنوا بشيء { وأخذنهم بالعذاب ~~لعلهم يرجعون } يعني: عاقبناهم بهذه العقوبات لكي يرجعوا، ~~ويعرفوا ضعف معبودهم { وقالوا يأيها الساحر } وكان الساحر ~~فيهم عظيم الشأن، يعني: قالوا لموسى يا أيها العالم { ادع لنا ~~ربك } أي سل لنا ربك { بما عهد عندك } يعني: بحق ما أمرك به ~~ربك أن تدعو إليه { إننا لمهتدون } يعني: نؤمن بك ونوحد الله ~~تعالى قوله تعالى: { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون } يعني: ينقضون عهودهم { ونادى فرعون فى قومه } ~~يعني: خطب فرعون لقومه { قال يا قوم أليس لى ملك مصر } ~~وهي أربعون فرسخا، في أربعين فرسخا { وهذه الأنهر تجرى ~~من تحتى } يعني: من تحت يدي، ويقال من حولي، وحول قصوري وجناني { ~~أفلا تبصرون } فضلي على موسى { أم أنا خير من هذا ~~الذى هو مهين } يعني: خير، وأم للصلة، من هذا الذي هو مهين يعني: ~~ضعيف ذليل { ولا يكاد يبين } يعني: لا يكاد يعبر حجة، ويقال ~~معناه: ألا تنظرون إلى فصاحتي، وإلى عي كلام موسى { فلولا ألقى ~~عليه أسورة من ذهب } يعني: هلا أعطي أسورة من ذهب، يعني لو ~~كان حقا وكان رسولا كما يقول لأعطي له المال فيكون حاله خيرا من هذا، ~~وكان آل فرعون يلبسون الأساور، قرأ عاصم في رواية حفص (أسورة) بغير ~~ألف، والباقون (أساورة) فمن قرأ أسورة، فهو جمع السوار، ومن قرأ ~~أساورة، فهو جمع الجمع، ويقال أساور جمع سوار ثم قال: { أو جاء معه ~~الملئكة مقترنين } يعني: لو كان حقا لأتته الملائكة ~~متتابعين فيصدقون على مقالته، ويقال (مقترنين) أي: متعاونين { ~~فاستخف قومه فأطاعوه } يعني: فاستذل قومه فأطاعوه، يعني: ~~حملهم على الخفة فانقادوا له { إنهم كانوا قوما فسقين } ~~يعني: كافرين عاصين، وذلك أن فرعون قال لهم ما أريكم إلا ما أرى ~~فأطاعوه على تكذيب موسى عليه السلام { إنهم كانوا ms1555 قوما ~~فسقين } يعني: ناقضي العهد قوله تعالى: { فلما ءاسفونا } ~~يعني: أغضبونا، قال أهل اللغة: الأسف الغضب، وروى معمر عن سماك بن الفضل ~~قال كنا عند عروة بن محمد وعنده وهب بن منبه فجاء قوم فشكوا عاملهم ~~وأثبتوا على ذلك، فتناول وهب عصا كانت في يد عروة فضرب بها رأس العامل ~~حتى أدماه فاستعابها عروة، وكان حليما وقال: يعيب علينا أبو عبد الله، ~~الغضب، وهو يغضب، فقال وهب: وما لي لا أغضب وقد غضب الذي خلق الأحلام، إن ~~الله تعالى يقول { فلما ءاسفونا انتقمنا منهم } يعني: ~~أغضبونا، ويقال فلما آسفونا يعني: وجب عليهم عذابنا { انتقمنا ~~منهم } يعني: أهلكناهم { فأغرقنهم أجمعين } يعني: لم ~~نبق منهم أحدا قوله تعالى: { فجعلنهم سلفا } قال مجاهد ~~يعني: كفار قوم فرعون سلفا لكفار مكة، أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال قتادة: جعلناهم سلفا إلى النار، قرأ حمزة والكسائي (سلفا) ~~بالضم، وقرأ الباقون (سلفا) بنصب السين واللام فمن قرأ بالنصب فمعناه: ~~جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون، ومن قرأ بالضم، فهو جمع سليف ~~أي جمع قد مضى ويقال سلفا واحدها سلفة من الناس أي قطعة، قوله { ~~ومثلا للآخرين } يعني: عبرة لمن بعدهم. ### || [43.57-62] # قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا } يعني: وصف ابن ~~مريم شبها { إذا قومك منه يصدون } يعني: يعرضون عن ذكره، ~~ويقال: لما قالت النصارى إن عيسى ابن الله، إذا قومك منه يصدون، قرأ ابن ~~عامر والكسائي ونافع (يصدون) بضم الصاد وقرأ الباقون (يصدون) ~~بالكسر، فمن قرأ بالضم فمعناه: يعرضون، ومن قرأ بالكسر فمعناه يضجون ~~ويرفعون أصواتهم تعجبا، وذلك أنهم قالوا لما جاز أن يكون عيسى ابن الله، ~~جاز أن تكون الملائكة بناته، فعارضوه بذلك يعني: أهل مكة ورفعوا أصواتهم ~~بذلك ويقال: إن عبد الله بن الزبعرى، قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ما ذكرنا في سورة الأنبياء ففرح المشركون بذلك، ورفعوا أصواتهم تعجبا من ~~قوله آلهتنا خير، ثم قال تعالى: { وقالوا ءأالهتنا خير أم ~~هو } يعني: أم عيسى، فإذا جاز أن يكون هو ولدا، ms1556 جاز أن تكون الأصنام ~~والملائكة كذلك، ويقال: فإذا جاز أن يكون هو في النار، جاز أن تكون معه ~~الأصنام في النار قوله: { ما ضربوه لك إلا جدلا } يعني: ما ~~عارضوك بهذه المعارضة إلا جدلا { بل هم قوم خصمون } يعني: ~~يجادلونك شديد المجادلة بالباطل قوله تعالى: { إن هو إلا عبد ~~أنعمنا عليه } أي ما كان عيسى إلا عبدا لله أنعم الله تعالى ~~عليه بالنبوة، وأكرمه بها { وجعلنه مثلا لبنى إسرءيل } ~~يعني: عبرة لبني إسرائيل ليعتبروا به حين ولد ابن من غير أب ثم قال: { ~~ولو نشاء لجعلنا منكم ملئكة فى الأرض ~~يخلفون } يعني: لو شاء الله، لجعل مكانكم في الأرض ملائكة يخلفون، ~~فكانوا خلفا منكم ثم رجع إلى صفة عيسى عليه السلام فقال: { وإنه ~~لعلم للساعة } يعني: نزول عيسى علامة لقيام الساعة ويقال: نزول ~~عيسى آية للناس، وروى وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين، عن أبي يحيى عن ~~ابن عباس في قوله: { وإنه لعلم للساعة } قال خروج عيسى ابن ~~مريم وروى معمر عن قتادة قال: نزول عيسى، وروى عبادة عن حميد عن أبي ~~هريرة قال # " لا تقوم الساعة حتى يرى عيسى عليه السلام في الأرض ~~إماما مقسطا، وكنت أرجو ألا أموت حتى آكل مع عيسى ~~عليه السلام على مائدة فمن لقيه منكم فليقرئه ~~مني السلام " # قرأ بعضهم (وإنه لعلم للساعة) بكسر العين أي: بنزول ~~المسيح يعلم أنه قد قربت الساعة، ومن قرأ (وإنه لعلم) بالنصب ~~فإنه بمعنى الدليل والعلامة، قوله تعالى: { فلا تمترن بها } ~~يعني: لا تشكن في القيامة والبعث { واتبعوني } يعني أطيعونني { ~~هذا صرط مستقيم } يعني: هذا التوحيد صراط مستقيم { ولا ~~يصدنكم الشيطن } يعني: لا يصرفنكم الشيطان عن طريق الهدى ~~{ إنه لكم عدو مبين } ظاهر العداوة. ### || [43.63-76] # { ولما جاء عيسى بالبينت } يعني: بالآيات والعلامات، ~~وهو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، ويقال: بالبينات يعني: ~~بالإنجيل { قال قد جئتكم بالحكمة } يعني: بالنبوة { ~~ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه } قال بعضهم يعني: ~~كل الذي تختلفون فيه، وقال بعضهم: معناه لأبين تحليل ms1557 بعض الذي تختلفون ~~فيه، كقوله # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران: 50] وكانوا في ذلك التحريم مختلفين، فمصدق ومكذب { ~~فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به من التوحيد قوله ~~تعالى: { إن الله هو ربى وربكم } يعني: خالقي وخالقكم { ~~فاعبدوه } يعني: وحدوه وأطيعوه { هذا صرط مستقيم } ~~يعني: دين الإسلام { فاختلف الأحزاب من بينهم } أي تفرقوا ~~في أمر عيسى، وهم النسطورية، والماريعقوبية، والملكانية، وقد ذكرناه من ~~قبل، ويقال: الأحزاب، تحزبوا وتفرقوا في أمر عيسى، وهم اليهود فقالوا فيه ~~قولا عظيما، وفي أمه فقالوا إنه ساحر، ويقال اختلفوا في قتله { ~~فويل للذين ظلموا } يعني: أشركوا { من عذاب يوم ~~أليم } يعني: عذاب يوم شديد قوله تعالى: { هل ينظرون إلا ~~الساعة } يعني: ما ينظرون إذا لم يؤمنوا إلا الساعة { أن ~~تأتيهم بغتة } يعني: فجأة { وهم لا يشعرون } بقيامها ~~قوله تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو } قال ~~مجاهد: الأخلاء في معصية الله تعالى في الدنيا يومئذ متعادين في الآخرة ~~{ إلا المتقين } الموحدين قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف، وعقبة ~~بن أبي معيط، وقال الكلبي: كل خليل في غير طاعة الله فهو عدو لخليله، ~~وروى عبيد بن عمير قال: كان لرجل ثلاثة أخلاء بعضهم أخص به من بعض، فنزلت ~~به نازلة، فلقي أخص الثلاثة فقال يا فلان إني قد نزل بي كذا وكذا، وإني ~~أحب أن تعينني، فقال له ما أنا بالذي أعينك ولا أنفعك فانطلق إلى الذي ~~يليه، فقال له: أنا معك حتى أبلغ المكان الذي تريده ثم رجعت وتركتك، ~~فانطلق إلى الثالث فقال له أنا معك حيثما دخلت، قال: فالأول ماله، ~~والثاني أهله وعشيرته، والثالث عمله، وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله { الأخلاء يومئذ ~~بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } فقال: خليلان ~~مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين فيثني على صاحبه خيرا، ثم ~~يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول كل واحد منهما لصاحبه نعم الأخ ~~ونعم الصاحب، ويموت أحد الكافرين فيثني على صاحبه شرا، ms1558 ثم يموت الآخر، ~~فيجمع بين أرواحهما فيقول كل واحد منهما لصاحبه بئس الأخ وبئس الصاحب ~~قوله تعالى: { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون } يعني: يوم القيامة، ثم وصفهم فقال: { الذين ءامنوا ~~بئايتنا وكانوا مسلمين } يعني: مخلصين بالتوحيد قوله ~~تعالى: { ادخلوا الجنة أنتم وأزوجكم تحبرون } ~~يعني: تكرمون وتنعمون، ويقال: ترون، والحبرة: السرور قوله تعالى: { ~~يطاف عليهم بصحف من ذهب } قال كعب: يطاف عليهم بسبعين ~~ألف صحفة من ذهب في كل صحفة لون وطعام ليس في الأخرى، والصحفة هي القصعة ~~{ وأكواب } وهي الأباريق التي لا خراطيم لها يعني: مدورة الرأس، ~~ويقال التي لا عرى لها، واحدها كوب { وفيها ما تشتهيه ~~الأنفس } يعني: تتمنى كل نفس { وتلذ الأعين } من النظر ~~إليها { وأنتم فيها خلدون وتلك الجنة } يعني: هذه ~~الجنة { التى أورثتموها } يعني: أنزلتموها { بما كنتم ~~تعملون } يعني: دخلتموها برحمة الله تعالى، بإيمانكم، واقتسمتموها ~~بأعمالكم { لكم فيها فكهة كثيرة } لا تنقطع، لقوله # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33] { منها تأكلون } أي: من الفواكه، متى تشاؤوا، ثم ~~وصف المشركين فقال: { إن المجرمين } يعني: المشركين { فى ~~عذاب جهنم خلدون } أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون { لا ~~يفتر عنهم } يعني: لا ينقطع عنهم العذاب طرفة عين { وهم ~~فيه مبلسون } يعني: آيسين من رحمة الله تعالى قوله تعالى: { وما ~~ظلمنهم } يعني: لم نعذبهم بغير ذنب { ولكن كانوا هم ~~الظلمين } لأنهم كانوا يستكبرون عن الإيمان. ### || [43.77-81] # قوله تعالى: { ونادوا يملك } وذلك أنه لما يشتد عليهم العذاب ~~يتمنون الموت ويقولون لخازن جهنم يا مالك { ليقض علينا ~~ربك } يعني: ادع ربك لقبض أرواحنا، فأجابهم بعد أربعين سنة { قال ~~إنكم مكثون } وروى عطاء بن السائب عن رجل عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: يجيبهم بعد ألف سنة { إنكم مكثون } ، ويقال: ~~إنهم ينادون { يملك ليقض علينا ربك } فأوحى الله تعالى ~~إلى مالك ليجيبهم فيقول لهم مالك قال إنكم ماكثون قوله تعالى: ~~{ لقد جئنكم بالحق } يعني: جاءكم جبريل في الدنيا بالقرآن ~~والتوحيد { ولكن أكثركم للحق كرهون } يعني: ~~جاحدون وهو قوله تعالى: { أم ms1559 أبرموا أمرا } قال مقاتل: وذلك ~~حين اجتمعوا في دار الندوة ودخل إبليس عليهم، وقد ذكرناه في سورة الأنفال ~~فنزل { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } يعني: أجمعوا ~~أمرهم بالشر على النبي - صلى الله عليه وسلم - { فإنا مبرمون } ~~أي مجمعون أمرنا على ما يكرهون وقال الكلبي: وذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا ~~وقالوا إنه يقول: بأن ربي يعلم السر، أترى أنه يعلم ما نقول بيننا؟ فنزل ~~{ أم أبرموا أمرا } يعني: أقاموا على المعصية { فإنا ~~مبرمون } أي معذبون عليها، قال القتبي: أي أحكموه. والمبرم: المفتول ~~على طاقين، قوله تعالى: { أم يحسبون } يعني: بل يظنون، ويقال ~~أيظنون، والميم صلة { أنا لا نسمع سرهم ونجوهم } اللفظ ~~لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ، ومعناه إن الله تعالى يعلم سرهم ~~ونجواهم، قال ابن عباس: الذين يتناجون خلف الكعبة، يعني الذين يقولون إن ~~الله لا يسمع مقالتنا، قال الله تعالى: { بلى } يعني: نسمع ذلك { ~~ورسلنا لديهم يكتبون } مقالتهم قوله تعالى: { قل إن ~~كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين } يعني: ~~الموحدين من أهل مكة، قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية وقرئت عليهم فقال ~~النضر بن الحارث ألا ترونه صدقني فقال له الوليد ما صدقك، ولكنه يقول ما ~~كان للرحمن ولد، يعني إن إن بمعنى ما، قال: { فأنا أول ~~العبدين } يعني: الموحدين من أهل مكة، وقال الكلبي: أنا أول ~~الآنفين أن لله ولدا، وقال القتبي: إن كان هذا في زعمكم، فأنا أول ~~الموحدين لأنكم تزعمون أن له ولدا، فأنا أول الآنفين من ذلك فلم ~~توحدوه، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدا فليس من العابدين ~~كقوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أي: ليوحدون، ثم نزه نفسه فقال: { سبحن رب ~~السموات والأرض رب العرش عما يصفون... }. ### || [43.82-89] # { سبحن رب السموات والأرض رب العرش عما ~~يصفون } يعني: عما يقولون إن لله ولدا { فذرهم } يعني: كفار ~~مكة حين كذبوا بالعذاب { يخوضوا ويلعبوا } يعني: يخوضوا في ~~أباطيلهم، ويستهزئوا { حتى يلقوا يومهم الذى ~~يوعدون } يعني: حتى يعاينوا يومهم الذي يوعدون، وهو يوم القيامة ms1560 قوله ~~تعالى: { وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله ~~} يعني: إله كل شيء، ويعلم كل شيء، ويقال هو إله في السماء يعبد، وفي ~~الأرض إله يعبد ويقال يوحد في السماء، ويوحد في الأرض { وهو ~~الحكيم } في أمره { العليم } بخلقه وبمقالتهم، ثم عظم نفسه فقال ~~تعالى: { وتبارك الذى } يعني: تعالى عما وصفوه الذي { له ~~ملك السموات والأرض } يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن ~~الأرض النبات { وما بينهما وعنده علم الساعة } يعني: ~~قيام الساعة { وإليه ترجعون } قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم ~~(ترجعون) بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ الباقون بالياء على معنى ~~الخبر عنهم قوله تعالى: { ولا يملك الذين يدعون } يعني: لا ~~يقدر الذين يعبدون { من دونه الشفعة إلا من شهد ~~بالحق } يعني: بلا إله إلا الله مخلصا { وهم يعلمون } أنه ~~الحق حين شهدوا بها من قبل أنفسهم، وأنهم يشفعون لهؤلاء قوله تعالى: { ~~ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } يعني: كفار ~~قريش { فأنى يؤفكون } يعني: أنى يصرفون بعد التصديق ثم قال: { ~~وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } يعني: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - (وقيله) يعني: وقوله، قرأ عاصم وحمزة ~~(قيله) بكسر اللام، والباقون بالنصب، وقرىء في الشاذ (وقيله) بضم ~~اللام، فمن قرأ بالنصب فنصبه من وجهين، أحدهما على العطف على قوله # أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم # [الزخرف: 80] (وقيله)، ومعنى آخر: وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب، ~~يعني يعلم الغيب، ومن قرأ بالكسر معناه: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا ~~رب، ومن قرأ بالرفع فمعناه: وقيله قول يا رب { إن هؤلاء قوم ~~لا يؤمنون } يعني: لا يصدقون { فاصفح عنهم } يعني: أعرض ~~عنهم، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال { وقل سلم } يعني: سدادا من ~~القول { فسوف يعلمون } وهذا وعيد منه، قرأ نافع وابن عامر ~~(تعلمون) بالتاء على معنى المخاطبة لهم، والباقون بالياء على معنى ~~الخبر عنهم. والله أعلم. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-8] # قوله تبارك وتعالى: { حم والكتب المبين إنا ~~أنزلنه فى ليلة مبركة } يعني الكتاب أنزلناه في ليلة ~~القدر، سميت مباركة ms1561 لما فيها من البركة، والمغفرة للمؤمنين، وذلك أن ~~القرآن أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة ~~القدر إلى السفرة، ثم أنزله جبريل متفرقا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم، ويقال: كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ~~مقدار ما ينزل به جبريل عليه السلام متفرقا إلى السنة الثانية، ثم قال { ~~إنا كنا منذرين } يعني مخوفين بالقرآن قوله تعالى: { فيها ~~يفرق كل أمر حكيم } يعني في ليلة القدر يقضى كل أمر محكم، ~~ما يكون في تلك السنة إلى السنة الأخرى، وهذا قول عكرمة، وروى منصور عن ~~مجاهد قال: فيها يقضى أمر السنة إلى السنة من المصائب والأرزاق وغير ذلك، ~~وهذا موافق للقول الأول، ويقال في تلك الليلة، يفرق يعني ينسخ من اللوح ~~المحفوظ ما يكون إلى العام القابل من الرزق، والأجل، والأمراض، والخصب، ~~والشدة، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إنك لتلقى الرجل في ~~الأسواق وقد وقع اسمه في الأموات ثم قرأ هذه الآية { فيها يفرق ~~كل أمر حكيم } يعني في تلك الليلة يفرق كل أمر الدنيا إلى مثلها ~~إلى السنة من قابل { أمرا من عندنا } يعني قضاء من عندنا ويقال ~~معناه: بأمر من عندنا، فنزع حرف الخافض فصار نصبا { إنا كنا ~~مرسلين } يعني الرسل إلى الخلق، ويقال يعني الملائكة في تلك الليلة ~~{ رحمة من ربك } يعني إنزال الملائكة رحمة من الله تعالى، ~~ويقال الرسالة رحمة من الله تعالى، ويقال هذا القرآن رحمة لمن آمن به { ~~إنه هو السميع } لقولهم { العليم } بهم وبأعمالهم قوله عز ~~وجل { رب السموات والأرض } قرأ أهل الكوفة رب بكسر الباء، ~~والباقون بالضم، فمن قرأ بالكسر رده إلى قوله رحمة من ربك رب السموات، ~~ومن قرأ بالضم رده إلى قوله { إنه هو السميع العليم } رب ~~السماوات، ويقال على الاستئناف، ومعناه، هو ربكم وهو رب السماوات والأرض ~~{ وما بينهما إن كنتم موقنين } يعني مؤمنين بتوحيد الله ~~{ لا إله إلا هو يحيي ويميت } وقد ذكرناه { ربكم ~~} أي ms1562 خالقكم ورازقكم { ورب ءابائكم الأولين } يعني هو ~~خالقهم ورازقهم. ### || [44.9-16] # قوله عز وجل: { بل هم فى شك يلعبون } يعني: يستهزؤون ويقال ~~هذا جواب قوله إن كنتم موقنين فكأنه قال لا يوقنون بل هم في شك يلعبون ~~يعني: يخوضون في الباطل قوله تعالى: { فارتقب } يعني: فانتظر يا ~~محمد { يوم تأتى السماء بدخان مبين } يعني الجدب ~~والقحط، قال القتبي: سمي الجدب، والقحط دخانا وفيه قولان: أحدهما أن ~~الجائع كأنه يرى بينه وبين السماء دخانا من شدة الجوع والثاني: أنه سمي ~~القحط دخانا ليبس الأرض، وانقطاع النبات، وارتفاع الغبار، فشبه بالدخان، ~~وروى الأعمش عن مسلم ابن صبيح عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: «خمس ~~مضين الدخان، واللزام، يعني العذاب الأكبر، والروم، والبطشة، والقمر وروي ~~عن الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في المسجد فسئل عن ~~قوله { يوم تأتى السماء بدخان مبين } فقال إذا كان يوم ~~القيامة نزل دخان من السماء فأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، وأخذ ~~المؤمنون منه بمنزلة الزكام، قال مسروق فدخلت على عبد الله فأخبرته وكان ~~متكئا فاستوى قاعدا ثم أنشأ فقال: يا أيها الناس من كان عنده علم فسئل ~~عنه فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل الله أعلم، إن قريشا حين كذبوه ~~يعني: - صلى الله عليه وسلم - دعا عليهم فقال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها سنين كسني يوسف عليه السلام " # فأصابهم سنة، وشدة الجوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام حتى كان يرى ~~أحدهم كان بينه وبين السماء دخانا. فذلك قوله { فارتقب يوم ~~تأتى السماء بدخان مبين } يعني انتظر بهلاكهم يوم تأتي ~~السماء بدخان مبين { يغشى الناس } يعني أهل مكة { هذا عذاب ~~أليم } يعني يقولون هذا الجوع عذاب أليم، ثم إن أبا سفيان وعتبة بن ~~ربيعة، والعاص بن وائل وأصحابهم قالوا يا رسول الله استسق الله لنا فقد ~~أصابنا شدة قوله تعالى: { ربنا اكشف عنا العذاب } يعني ~~الجوع { إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى } يعني من أين لهم ~~التوبة والعظة والتذكرة { وقد جاءهم ms1563 رسول مبين } بلغتهم ~~ومفقه لهم { ثم تولوا عنه } يعني أعرضوا عما جاء به فلم ~~يصدقوه، ومع ذلك { وقالوا معلم مجنون } يعلمه جبر ويسار ~~أسماء الرجلين غلامي الخضر { إنا كاشفوا العذاب قليلا ~~إنكم عائدون } إلى المعصية، فعادوا، فانتقم منهم يوم بدر فذلك ~~قوله { يوم نبطش البطشة الكبرى } يعني نعاقب العقوبة ~~العظمى { إنا منتقمون } منهم بكفرهم، ويقال { يوم نبطش ~~البطشة الكبرى } يعني يوم القيامة، ويقال آية الدخان لم تمض ~~وستكون في آخر الزمان، وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي ~~الله عنه قال: لم تمض آية الدخان، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ ~~الكافر حتى يصير كهيئة الجمل، وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: # " أخبرت أن الكوكب ذا الذنب قد طلع، فخشيت أن ~~يكون الدخان قد طرق " # ويقال هذا كله يوم القيامة إذا خرجوا من قبورهم، تأتي السماء بدخان ~~مبين، محيط بالخلائق فيقول الكافرون { ربنا اكشف عنا ~~العذاب } أي ردنا إلى الدنيا { إنا مؤمنون } يقول الله تعالى ~~من أين لهم الرجعة وقد جاءهم رسول مبين فلم يجيبوه. ### || [44.17-29] # قوله تعالى { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون } يعني ~~ابتلينا قبل قومك قوم فرعون { وجاءهم رسول كريم } على ربه وهو ~~موسى عليه السلام، ويقال رسول كريم أي شريف { أن أدوا إلى ~~عباد الله } يعني أرسلوا معي بني إسرائيل، واتبعوني على ديني { ~~إني لكم رسول أمين } قد جئتكم من عند الله تعالى، ويقال: ~~كريم لأنه كان يتجاوز عنهم، ويقال: أمين فيكم قبل الوحي فكيف تتهموني ~~اليوم، ويقال كريم: حيث يتجاوز عنهم، حين دعا موسى، ورفع عنهم الجراد ~~والقمل والضفادع والدم { إني لكم رسول أمين } فيما بينكم ~~وبين ربكم قوله تعالى { وأن لا تعلوا على الله } يعني لا ~~تخالفوا أمر الله تعالى، ويقال لا تستكبروا عن الإيمان ولا تعلوا بالفساد ~~لأن فرعون لعنه الله كان عاليا من المسرفين { إني آتيكم ~~بسلطان مبين } يعني آتيكم بحجة بينة اليد والعصى، وغير ذلك { ~~وإنى عذت بربى وربكم } يعني أعوذ بالله { أن ترجمون ~~} يعني أن تقتلون، ومعناه ms1564 أسأل الله تعالى أن يحفظني لكي لا تقتلوني، قرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي (عذت) بإدغام الذال في التاء لقرب مخرجيهما، ~~والباقون بغير إدغام لتبيين الحرف، ثم قال: { وإن لم تؤمنوا ~~لى فاعتزلون } يعني إن لم تصدقوني فاتركوني قوله تعالى { فدعا ~~ربه } يعني دعا موسى ربه كما ذكر في سورة يونس # ربنا اطمس على أمولهم # [يونس: 88] وقوله: # ونجنا برحمتك من القوم الكفرين # [يونس: 86] { أن هؤلاء قوم مجرمون } يعني مشركون، فأبوا ~~أن يطيعوني { فأسر بعبادى ليلا } فأوحى الله تعالى إليه أن ~~أدلج ببني إسرائيل { إنكم متبعون } يعني إن فرعون يتبع ~~أثركم، فخرج موسى ببني إسرائيل، وضرب بعصاه البحر فصار طريقا يابسا، ~~وهذا كقوله تعالى: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا # [طه: 77] فلما جاوز موسى مع بني إسرائيل البحر فأراد موسى أن يضرب بعصاه ~~البحر ليعود إلى الحالة الأولى، فأوحى الله تعالى إليه بقوله { واترك ~~البحر رهوا } قال قتادة: يعني طريقا يابسا واسعا وقال الضحاك: ~~رهوا يعني سهلا، وقال مجاهد: يعني منفرجا، وقال القتبي: يعني طريقا ~~سالكا كما هو، ويقال رهوا: أي سككا جددا طريقا يابسا { إنهم ~~جند مغرقون } وذلك أن بني إسرائيل خشوا أن يدركهم فرعون، فقالوا ~~لموسى: اجعل البحر كما كان فإننا نخشى أن يلحق بنا قال الله تعالى: { ~~إنهم جند مغرقون } يعني سيغرقون، فدخل فرعون وقومه البحر ~~فأغرقهم الله تعالى، وبقيت قصورهم وبساتينهم، قوله تعالى { كم ~~تركوا من جنت وعيون } يعني بساتين وأنهارا جارية { ~~وزروع } يعني الحروق { ومقام كريم } يعني مساكن ومنازل حسنة ~~كذلك، يعني هكذا أخرجناهم من النعم { ونعمة كانوا فيها ~~فكهين } يعني معجبين، وقال أهل اللغة: النعمة بكسر النون هي ~~المنة واليد الصالحة، والنعمة بالضم هي الميسرة، وبالنصب هي السعة في ~~العيش ثم قال { كذلك } يعني هكذا أخرجناهم من السعة والنعمة { ~~وأورثناها قوما آخرين } يعني جعلناها ميراثا لبني إسرائيل ~~قوله تعالى: { فما بكت عليهم السماء والأرض } قال بعضهم ~~هذا على سبيل المثل، والعرب إذا أرادت تعظيم ملك عظيم الشأن عظيم العطية ~~تقول كسف القمر لفقده، وبكت الريح، والسماء، ms1565 ~~والأرض، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم، فأخبر الله تعالى، أن فرعون لم يكن ~~ممن يجزع له جازع، ولم يقم لفقده فقد، وقال بعضهم: { فما بكت ~~عليهم السماء والأرض } يعني أهل السماء، وأهل الأرض، فأقام ~~السماء والأرض مقام أهلها كما قال: # وسئل القرية # [يوسف: 82] وقال بعضهم يعني بكت السماء بعينها، وبكت الأرض، وقال ابن ~~عباس: " لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله، ~~وينزل منه رزقه فإذا مات بكى عليه بابه في ~~السماء وبكت عليه آثاره في الأرض " وذكر عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أنه سئل أتبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إذا مات ~~المؤمن بكت عليه معادنه من الأرض التي كان يذكر الله تعالى فيها، ويصلي، ~~وبكى عليه بابه الذي كان يرفع فيه عمله، فأخبر الله تعالى أن قوم فرعون ~~لم تبك عليهم السماء والأرض { وما كانوا منظرين } يعني مؤجلين ### || [44.30-37] # { ولقد نجينا بنى إسرءيل من العذاب المهين } ~~يعني من العذاب الشديد، ويقال المهين: يعني: الهوان وهو قتل الأبناء، ~~واستخدام البنات { من فرعون } يعني من عذاب فرعون { إنه كان ~~عاليا من المسرفين } يعني كان عاصيا عاتيا، مستكبرا ~~متعظما وكان من المسرفين يعني من المشركين { ولقد اخترنهم } ~~يعني اصطفينا بني إسرائيل { على علم } يعني على علم من الله تعالى ~~أنهم أهل لذلك، ويقال { على علم } علم الله فيهم من صبرهم { على ~~العلمين } يعني على عالمي زمانهم { وءاتينهم من ~~الآيت } يعني أعطيناهم من العلامات { ما فيه بلاء مبين } ~~يعني ابتلاء بينا، مثل انفلاق البحر وأشباه ذلك، ثم ذكر كفار مكة فقال { ~~إن هؤلاء ليقولون إن هى إلا موتتنا الأولى } ~~يعني ما هي إلا موتتنا الأولى { وما نحن بمنشرين } بعدها { ~~فأتوا بئابائنا إن كنتم صدقين } أنا نبعث بعد الموت، ~~يعني قالوا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى { أهم ~~خير أم قوم تبع } يعني قومك خير أم قوم تبع، وإنما ذكر قوم ~~تبع لأنهم كانوا أقرب إلى أهل مكة في الهلاك من غيرهم، قال الكلبي وكانوا ~~أشراف حمير ms1566 { والذين من قبلهم أهلكنهم } فكيف لا ~~نهلك قومك إذا كذبوك، قال: وكان تبع اسم ملك منهم، مثل فرعون، ويقال إنما ~~سمي تبع لكثرة أتباعه، فأسلم فخالفوه فأهلكهم الله تعالى، وكان اسمه سعد ~~بن ملكي كرب، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: إن تبع كان رجلا صالحا وكان كعب الأحبار يقول: ذم الله قومه ولم ~~يذمه، وقال سعيد بن جبير: إن تبعا كسا البيت يعني الكعبة، وقال القتبي: ~~هم ملوك اليمن، كل واحد منهم يسمى تبعا، لأنه يتبع صاحبه، وكذلك الظل ~~يسمى تبعا لأنه يتبع الشمس، وموضع التبع في الجاهلية، موضع الخليفة في ~~الإسلام وهم ملوك العرب، ثم قال { والذين من قبلهم } يعني من ~~قبل تبع { أهلكنهم } يعني عذبناهم عند التكذيب { إنهم ~~كانوا مجرمين } يعني: مشركين. ### || [44.38-42] # قوله تعالى: { وما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما لاعبين } يعني عابثين لغير شيء { ما خلقنهما ~~إلا بالحق } يعني إلا لأمر هو كائن، ويقال خلقناهما للعبرة ومنفعة ~~الخلق، ويقال للأمر والنهي والترهيب والترغيب { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } يعني لا يصدقون ولا يفقهون قوله تعالى: { إن يوم ~~الفصل } أي يوم القضاء بين الخلق، وهو يوم القيامة { ميقتهم ~~أجمعين } يعني ميعادهم أجمعين، الأولين والآخرين، ويقال يوم الفصل ~~يعني يوم يفصل بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوج والزوجة، والخليل ~~والخليلة، ثم وصف ذلك اليوم فقال { يوم لا يغنى مولى عن ~~مولى شيئا } يعني لا يدفع ولي عن ولي، ولا قريب عن قريب شيئا في ~~الشفاعة { ولا هم ينصرون } يعني: لا يمنعون مما نزل بهم من ~~العذاب، يعني الكافرين، ثم وصف المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض فقال { ~~إلا من رحم الله إنه هو العزيز } في نعمته للكافرين ~~{ الرحيم } بالمؤمنين. ### || [44.43-50] # قوله تعالى: { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } يعني ~~الفاجر وهو الوليد وأبو جهل ومن كان مثل حالهما { كالمهل يغلى ~~فى البطون } يعني كالصفر المذاب، قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ~~(كالمهل يغلى } بالياء بلفظ التذكير، والباقون بلفظ التأنيث فمن ~~قرأ بلفط ms1567 التذكير رده إلى المهل، ومن قرأ بلفظ التأنيث رده إلى الشجرة { ~~كغلى الحميم } يعني الماء الحار الذي قد انتهى حره، ثم قال ~~للزبانية { خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم } يعني فسوقوه ~~وادفعوه إلى وسط الجحيم، قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر (فاعتلوه) بضم ~~التاء، والباقون بالكسر وهما لغتان، ومعناهما واحد، يعني امضوا به بالعنف ~~والشدة، وقال مقاتل: يعني ادفعوه على وجهه، وقال القتبي: خذوه بالعنف { ~~ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم } ويقال له: { ~~ذق إنك أنت العزيز الكريم } وذلك أن أبا جهل قال: أنا في ~~الدنيا أعز أهل هذا الوادي، وأكرمه، فيقال له في الآخرة ذق إنك ~~أنت العزيز الكريم، يعني المتعزز المتكرم كما قلت في الدنيا ~~قوله عز وجل: { إن هذا ما كنتم به تمترون } يعني: ~~تشكون في الدنيا، قرأ الكسائي (ذق أنك) بنصب الألف والباقون ~~بالكسر، فمن قرأ بالنصب فمعناه: ذق يا أبا جهل لأنك قلت أنك أعز أهل هذا ~~الوادي، فقال الله تعالى { ذق إنك أنت } القائل أنا العزيز ~~الكريم، ومن قرأ بالكسر فهو على الاستئناف، ثم وصف حال المؤمنين في ~~الآخرة. ### || [44.51-59] # فقال تعالى { إن المتقين فى مقام أمين } يعني في منازل ~~حسنة، آمنين من العذاب، قرأ نافع وابن عامر (في مقام) بضم الميم، ~~والباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب يعني المكان والموضع، ومن قرأ بالضم ~~يعني الإقامة { فى جنت وعيون } يعني في بساتين وأنهار جارية { ~~يلبسون من سندس } يعني ما لطف من الديباج { وإستبرق } ~~يعني: ما ثخن منه { متقبلين } يعني: متواجهين، كما قال في آية ~~أخرى # إخوانا على سرر متقبلين # [الحجر: 47] ثم قال: { كذلك } يعني: هكذا كما ذكرت لهم في الجنة. ~~ثم قال عز وجل: { وزوجنهم بحور عين } يعني: بيض الوجوه ~~حسان الأعين { يدعون فيها بكل فكهة ءامنين } يعني ما ~~يتمنون من الفواكه، آمنين من الموت ومن زوال المملكة ويقال (ءامنين) ~~مما يلقى أهل النار { لا يذوقون فيها الموت } يعني: في الجنة ~~{ إلا الموتة الأولى } يعني: سوى ما قضى عليهم من الموتة ~~الأولى في الدنيا { ووقهم ms1568 عذاب الجحيم } يعني: يصرف عنهم ~~عذاب النار. قوله تعالى: { فضلا من ربك } يعني هذا الثواب عطاء ~~من ربك للمؤمنين المخلصين { ذلك هو الفوز العظيم } يعني ~~النجاة الوافرة { فإنما يسرنه بلسانك } يعني هونا ~~قراءة القرآن على لسانك لكي تقرأه وتخبرهم بذلك { لعلهم ~~يتذكرون } يعني: يتعظون بالقرآن { فارتقب } يعني: انتظر ~~بهلاكهم { إنهم مرتقبون } يعني: منتظرون بهلاكك، روى يعلى بن ~~عبيد عن إسماعيل عن عبد الله بن عيسى قال: " أخبرت أنه من قرأ ليلة ~~الجمعة سورة الدخان إيمانا، واحتسابا وتصديقا أصبح مغفورا له ". # والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وآله، وأزواجه ~~الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما دائما. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-6] # قوله تبارك وتعالى: { حم تنزيل الكتب } يعني: هذا الكتاب ~~تنزيل { من الله العزيز الحكيم } وقد ذكرناه { إن فى ~~السموات والأرض لآيت للمؤمنين } يعني: لعبرات ~~للمؤمنين في خلقهن، ويقال: معناه أن ما في السموات من الشمس، والقمر ~~والنجوم وفي الأرض من الجبال والأشجار والأنهار وغيرها من العجائب لعبرات ~~ودلائل واضحات للمؤمنين، يعني للمقرين المصدقين، ويقال للمؤمنين ~~يعني: لمن أراد أن يؤمن ويتقي الشرك قوله عز وجل: { وفى خلقكم ~~وما يبث من دابة } يعني: وفيما خلق من الدواب { ءايت ~~لقوم يوقنون } يعني: عبرات ودلائل لمن كان له يقين، قرأ حمزة ~~والكسائي (آيات) بالكسر، والباقون بالضم، وكذلك الاختلاف في الذي بعده، ~~فمن قرأ بالكسر فإن المعنى: إن في خلقكم آيات لقوم يوقنون، فهو في موضع ~~النصب، إلا أن هذه التاء تصير خفضا في موضع النصب، وإنما أضمر فيه ~~إن لأن قوله { إن فى السموات والأرض لآيات } في ~~موضع النصب، فكذلك في الثاني معناه: إن في خلقكم آيات، ومن قرأ بالضم فهو ~~على الاستئناف على معنى وفي خلقكم آيات { واختلف الليل ~~والنهار } يعني: في اختلاف الليل والنهار، في سواد الليل وبياض ~~النهار، يعني في اختلاف ألوانهما، وذهاب الليل ومجيء النهار { وما ~~أنزل الله من السماء من رزق } وهو المطر { فأحيا ~~به الأرض بعد موتها } يعني بعد يبسها وقحطها { وتصريف ~~الرياح } مرة رحمة، ومرة ms1569 عذابا، ويقال: مرة جنوبا ومرة شمالا ثم ~~قال { ءايت لقوم يعقلون تلك ءايت الله } يعني ~~هذه دلائل الله وعلامة وحدانيته { نتلوها عليك بالحق } يعني ~~يقرأ عليك جبريل من القرآن بأمر الله { فبأي حديث بعد الله ~~وآياته يؤمنون } قال مقاتل: إن لم تؤمنوا بهذا القرآن فبأي حديث ~~بعد توحيد الله وبعد القرآن تؤمنون يعني: تصدقون. ### || [45.7-11] # قوله تعالى: { ويل لكل أفاك أثيم } يعني كذاب فاجر { ~~يسمع ءايت الله } يعني القرآن { تتلى عليه } يعني ~~يعرض عليه ويقرأ عليه { ثم يصر مستكبرا } يعني: يقيم على ~~الكفر متكبرا عن الإيمان { كأن لم يسمعها } يعني: كأن لم ~~يعقلها، ولم يفهمها { فبشره } يا محمد { بعذاب أليم } يعني: ~~شديد، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر (وآياته ~~تؤمنون) بالتاء على معنى المخاطبة، والباقون بالياء على معنى الخبر ~~عنهم قوله عز وجل: { وإذا علم من ءايتنا شيئا ~~اتخذها هزوا } يعني إذا سمع من آياتنا يعني من القرآن اتخذها ~~هزءا يعني سخرية، ويقال مثل حديث رستم، وإسنفديار، وهو النضر بن الحارث ~~{ أولئك لهم عذاب مهين } يهانون فيه قوله تعالى: { من ~~ورائهم جهنم } يعني: أمامهم جهنم ويقال من بعدهم في الآخرة ~~جهنم { ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا } يعني: لا ينفعهم ~~ما جمعوا من المال { ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ~~} يعني: لا ينفعهم ما عبدوا دونه من الأصنام { ولهم عذاب عظيم } ~~في الآخرة. قوله تعالى: { هذا هدى } يعني: هذا القرآن بيان من ~~الضلالة، ويقال: هذا العذاب الذي حق { والذين كفروا } يعني ~~جحدوا { بآيت ربهم } يعني: بالقرآن { لهم عذاب من رجز ~~أليم } يعني: وجيع في الآخرة، قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ~~(أليم) بضم الميم، والباقون بكسر الميم، كما ذكرنا في سورة سبأ ثم ~~ذكرهم النعم ليعتبروا. ### || [45.12-14] # فقال تعالى: { الله الذى سخر لكم البحر لتجرى ~~الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون } وقد ذكرناه ثم قال: { وسخر لكم ما فى ~~السموات وما في الأرض } يعني: ذلل لكم ما في السموات وما في ~~الأرض ms1570 لصلاحكم ثم قال تعالى: { جميعا منه } يعني: جميع ما سخر الله ~~تعالى هو من قدرته ورحمته، ويقال (جميعا منه) يعني: منة منه، ~~قال مقاتل: يعني جميعا من أمره وروى عكرمة عن ابن عباس قال: جميعا منه، ~~منه النور ومنه الشمس ومنه القمر { إن فى ذلك } يعني: فيما ذكر { ~~لآيات } يعني دلالات وعبرات { لقوم يتفكرون } يعتبرون في ~~صنعه وتوحيده، وروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- # " أنه مر بقوم يتفكرون في الخالق، فقال ~~تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق " # وروى وكيع عن هشام عن عروة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # " إن الشيطان يأتي أحدكم، فيقول من خلق السماء؟ ~~فيقول: الله، فيقول من خلق الأرض؟ فيقول الله، فيقول من خلق الله تعالى؟ ~~فإذا افتتن أحدكم بذلك فليقل آمنت بالله ~~ورسوله " # قال الله تعالى: { قل للذين ءامنوا } قال مقاتل والكلبي: وذلك ~~أن رجلا من الكفار من قريش شتم عمر رضي الله عنه بمكة، فهم عمر بأن يبطش ~~به فأمره الله بأن يتجاوز عنه فقال: { قل للذين ءامنوا } ، ~~يعني: عمر { يغفروا للذين } يعني يتجاوزوا ولا يعاقبوا الذين { ~~لا يرجون أيام الله } يعني: لا يخافون عقوبته التي أهلك بها ~~عادا وثمودا، والقرون التي أهلكت قبلهم يعني: لا يخشون مثل أيام الأمم ~~الخالية، قال قتادة ثم نسختها آية القتال # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] ثم قال: { ليجزى قوما بما كانوا يكسبون ~~} يعني: يجزيهم بأعمالهم في الآخرة، قال مجاهد: { لا يرجون أيام ~~الله } ، يعني لا ينالون نعم الله، قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ~~(لنجزي) بالنون على الإضافة إلى نفسه، والباقون ليجزي بالياء ~~أي ليجزي الله. ### || [45.15-20] # قوله عز وجل { من عمل صلحا فلنفسه } يعني ثوابه لنفسه ~~{ ومن أساء فعليها } يعني عقوبته عليها { ثم إلى ~~ربكم ترجعون } في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم قال الله تعالى { ~~ولقد ءاتينا بنى إسرءيل } يعني أولاد يعقوب { الكتب } ~~أي التوراة، والزبور والإنجيل، لأن موسى وداود وعيسى كانوا في بني ~~إسرائيل { والحكم } يعني الفهم والعلم ms1571 { والنبوة } يعني ~~جعلنا فيهم النبوة، فكان فيهم ألف نبي { ورزقناهم من ~~الطيبات } يعني الحلال من الرزق وهو المن والسلوى، ويقال رزقناهم ~~من الطيبات يعني أورثناهم أموال فرعون { وفضلنهم على ~~العلمين } يعني فضلناهم بالإسلام على عالمي زمانهم { ~~وءاتينهم بينت من الأمر } يعني الحلال والحرام، وبيان ~~ما كان قبلهم، ثم اختلفوا بعده، قوله تعالى { فما اختلفوا } يعني ~~في الدين { إلا من بعد ما جاءهم العلم } أي صفة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في كتبهم { بغيا بينهم } يعني حسدا منهم ~~وطلبا للعز والملك، ويقال اختلفوا في الدين فصاروا أحزابا فيما بينهم، ~~يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من دين بعض ثم قال: { إن ربك ~~يقضى بينهم يوم القيمة } يعني يحكم بينهم { فيما ~~كانوا فيه يختلفون } في الكتاب والدين قوله عز وجل { ثم ~~جعلنك على شريعة من الأمر } يعني أمرناك وألزمناك ~~وأثبتناك على شريعة، ويقال على سنة من الأمر، وذلك حين دعوه إلى ملتهم، ~~ويقال على شريعة: يعني على ملة ومذهب، وقال قتادة: الشريعة الفرائض ~~والحدود والأحكام. { فاتبعها } يعني اثبت عليها { ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون } أي لا يصدقون بالتوحيد { إنهم ~~لن يغنوا عنك من الله شيئا } يعني إن تركت الإسلام إنهم ~~لا يمنعوك من عذاب الله شيئا { وإن الظلمين بعضهم ~~أولياء بعض } يعني بعضهم على دين بعض { والله ولى ~~المتقين } أي ناصر الموحدين المخلصين { هذا بصئر ~~للناس } يعني يبصرهم ما لهم وما عليهم، والواحدة بصيرة يعني يبين لهم ~~الحلال والحرام، ويقال: هذا القرآن دلائل للناس، ويقال: دعوة وكرامة ثم ~~قال { وهدى ورحمة } أي هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب { ~~لقوم يوقنون } يعني يصدقون بالرسل والكتاب، ويوقنون أن الله ~~أنزله نعمة وفضلا. ### || [45.21-23] # { أم حسب الذين اجترحوا السيئت } يعني اكتسبوا ~~السيئات، وذلك أنهم كانوا يقولون إنا نعطى في الآخرة من الخير ما لم ~~تعطوا، قال الله تعالى { أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئت } يعني أيظن الذين عملوا الشرك وهو عتبة وشيبة والوليد ~~وغيرهم { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } يعني عليا وحمزة وعيينة بن الحارث ms1572 رضي الله عنهم { ~~سواء محيهم وممتهم } يعني يكونون سواء في نعم الآخرة، ~~قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص (سواء) بالنصب، والباقون بالضم، ~~فمن قرأ بالنصب فمعناه أحسبوا أن نجعلهم سواء، أي مستويا، فيجعل (أن ~~نجعلهم) متعديا إلى مفعولين، ومن قرأ بالضم: جعل تمام الكلام عند ~~قوله (وعملوا الصلحات) ثم ابتدأ فقال { سواء محيهم ~~وممتهم } خبر الابتداء، وقال مجاهد { سواء محيهم ~~وممتهم } قال: المؤمنون في الدنيا والآخرة مؤمن يكون على إيمانه، ~~يموت على إيمانه ويبعث على إيمانه، والكافر في الدنيا والآخرة كافر يموت ~~على الكفر ويبعث على الكفر، وروى أبو الزبير عن جابر قال: " يبعث ~~كل عبد على ما مات عليه المؤمن على إيمانه ~~والمنافق على نفاقه " ثم قال: { ساء ما يحكمون } أي بئس ~~ما يقضون الخير لأنفسهم حين يرون أن لهم ما في الآخرة ما للمؤمنين قوله ~~عز وجل { وخلق الله السموات والأرض بالحق } وقد ~~ذكرناه { ولتجزى كل نفس بما كسبت } يعني ما عملت { ~~وهم لا يظلمون } يعني لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يزادون ~~على سيئاتهم قوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه } قال يعمل بهواه، ولا يهوى شيئا إلا ركبه، ولا يخاف الله { ~~وأضله الله على علم } يعني علم منه أنه ليس من أهل الهدى ~~{ وختم على سمعه وقلبه } يعني خذله الله فلم يسمع الهدى، ~~وقلبه: يعني ختم على قلبه فلا يرغب في الحق { وجعل على بصره ~~غشوة } يعني غطاء كي لا يعتبر في دلائل الله تعالى، قرأ حمزة ~~والكسائي (غشوة) بنصب الغين بغير ألف، والباقون (غشاوة)، كما ~~اختلفوا في سورة البقرة، ومعناهما واحد { فمن يهديه من بعد ~~الله } يعني من بعد ما أضله الله { أفلا تذكرون } أن من لا ~~يقبل إلى دين الله، ولا يرغب في طاعته لا يكرمه بالهدى والتوحيد. ### || [45.24-27] # قوله تعالى: { وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا } يعني ~~آجالنا تنقضي نموت ويحيي آخرون، يعني نموت نحن ويحيا أولادنا، ويقال يموت ~~قوم ويحيا آخرون، ووجه آخر: { نموت ونحيا } يعني نحيا ونموت لأن ~~الواو للجمع ms1573 لا للتأخير، ووجه آخر: نموت ونحيا أي كنا أمواتا في أصل ~~الخلقة، ثم نحيا، ثم يهلكنا الدهر فذلك قوله { وما يهلكنا إلا ~~الدهر } يعني لا يميتنا إلا مضي الأيام وطول العمر، قال الله تعالى { ~~وما لهم بذلك من علم } يعني يقولون قولا بغير حجة، ~~ويتكلمون بالجهل { إن هم إلا يظنون } يعني ما هم إلا جاهلون ~~قوله تعالى { وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينات } يعني ~~تعرض عليهم آيات القرآن واضحات، بين فيه الحلال والحرام { ما كان ~~حجتهم } أي لم تكن حجتهم وجوابهم { إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبآئنآ } يعني أحيوا لنا آباءنا { إن كنتم صدقين } بأنا ~~نبعث { قل الله يحييكم } يخلقكم من النطفة { ثم يميتكم ~~} عند انقضاء آجالكم { ثم يجمعكم إلى يوم القيمة } ~~يعني يوم القيامة يجمع أولكم وآخركم { لا ريب فيه } لا شك فيه عند ~~المؤمنين، ويقال: لا ينبغي أن يشك فيه { ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون } يعني البعث بعد الموت قوله عز وجل { ولله ملك ~~السموات والأرض } يعني خزائن السموات والأرض، ويقال له نفاذ ~~الأمر في السماوات والأرض { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يخسر المبطلون } يعني يخسر المكذبون بالبعث، وهم أهل الباطل ~~والكذب، ثم قال: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الأعراف: 187]. ### || [45.28-31] # { وترى كل أمة جاثية } يعني مجتمعة للحساب على الركب { ~~كل أمة تدعى إلى كتبها } يعني إلى ما في كتابها من ~~خير أو شر، وهذا كقوله # يوم ندعوا كل أناس بإممهم # [الإسراء: 71] يعني بكتابهم { اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون } يعني يقال لهم اليوم تثابون بما كنتم تعملون في الدنيا من ~~خير أو شر قوله تعالى { هذا كتبنا ينطق عليكم } يعني ~~هذا الذي كتب عليكم الحفظة { ينطق عليكم } { بالحق } يعني ~~يشهد عليكم بالحق { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ~~يعني نستنسخ عملكم من اللوح المحفوظ، نسخة أعمالكم، { ما كنتم ~~تعملون } من الحسنات والسيئات، قال أبو الليث رحمه الله حدثنا ~~الخليل بن أحمد قال حدثنا الماسرخسي قال حدثنا إسحاق قال حدثنا بقية بن ~~الوليد قال حدثنا أرطأة بن المنذر قال عن مجاهد عن ms1574 ابن عمر عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " أول ما خلق الله القلم فكتب ما يكون في الدنيا من عمل معمول برا ~~وفاجرا، وأحصاه في الذكر، فاقرؤوا إن شئتم { إنا كنا نستنسخ ~~ما كنتم تعملون } فهل يكون النسخ إلا من شيء قد فرغ منه " # وروى الضحاك عن ابن عباس أن الله تعالى وكل ملائكته يستنسخون من ذلك ~~الكتاب المكتوب عنده كل عام في شهر رمضان ما يكون في الأرض من حدث إلى ~~مثلها من السنة المقبلة، فيعارضون به حفظة الله تعالى على عبادة كل عشية ~~خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقا لما في كتابهم ذلك لا زيادة فيه ولا ~~نقصان وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ألستم قوما عربا، هل يكون ~~النسخ إلا من أصل كان قبل ذلك وقال القتبي (إنا كنا ~~نستنسخ) قال: إن الحفظة يكتبون جميع ما يكون من العبد ثم يقابلونه ~~بما في أم الكتاب فما فيه من ثواب أو عقاب أثبت، وما لم يكن فيه ثواب ولا ~~عقاب محي، فذلك قوله: # يمحو الله ما يشآء ويثبت # [الرعد: 39] الآية، وقال الكلبي يرفعان ما كتبا فينسخان ما فيها من خير ~~أو شر، ويطرح ما سوى ذلك، قوله تعالى { فأما الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت فيدخلهم ربهم فى رحمته ~~ذلك هو الفوز المبين } وقد ذكرناه قوله عز وجل { وأما ~~الذين كفروا } يعني جحدوا بالكتاب والرسل والتوحيد يقال لهم { ~~أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } يعني تقرأ عليكم في ~~الدنيا { فاستكبرتم } يعني تكبرتم عن الإيمان والقرآن { ~~وكنتم قوما مجرمين } يعني مشركين كافرين بالرسل والكتب. ### || [45.32-37] # { وإذا قيل إن وعد الله حق } يعني إذا قال لكم الرسل في ~~الدنيا إن البعث بعد الموت حق { والساعة لا ريب فيها } أي لا ~~شك فيها، قرأ حمزة (والساعة) بالنصب عطف على قوله { إن وعد ~~الله حق } وإن الساعة، قرأ الباقون بالضم ومعناه: (وإذا ~~قيل إن وعد الله حق) وقيل (والساعة لا ريب ~~فيها) أي لا شك فيها { قلتم ما ندرى ما الساعة ms1575 } يعني ما ~~القيامة، وما البعث { إن نظن إلا ظنا } يعني قلتم ما نظن إلا ~~ظنا غير اليقين { وما نحن بمستيقنين } أنها كائنة قوله عز ~~وجل { وبدا لهم } أي ظهر لهم { سيئات ما عملوا } يعني ~~عقوبات ما عملوا في الدنيا ويقال تشهد عليهم جوارحهم { وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزءون } يعني نزل بهم العذاب ووجب عليهم ~~العذاب باستهزائهم أنه غير نازل بهم { وقيل } يعني قالت لهم الخزنة { ~~اليوم ننساكم } يعني نترككم في النار { كما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا } يعني كما تركتم الإيمان والعمل لحضور يومكم هذا { ~~ومأواكم النار } يعني مثواكم ومستقركم النار { وما لكم من ~~نصرين } يعني ليس لكم مانع يمنعكم مما نزل بكم من العذاب { ~~ذلكم بأنكم اتخذتم ءايت الله هزوا } يعني هذا ~~العذاب بأنكم لم تؤمنوا { وغرتكم الحياة الدنيا } يعني ما ~~في الدنيا من زينتها وزهرتها { فاليوم لا يخرجون منها } ~~قرأ حمزة والكسائي بنصب الياء، فيجعلان الفعل لهم، والباقون بالضم على ~~فعل ما لم يسم فاعله { ولا هم يستعتبون } يعني لا يرجعون إلى ~~الدنيا، وقال الكلبي لا يعاتبون بعد هذا القول ويتركون في النار، ويقال ~~لا يراجعون الكلام بعد دخولهم النار { فلله الحمد } يعني عند ~~ذلك يحمد المؤمنون الله في الجنة كقوله # الحمد لله الذى صدقنا وعده # [الزمر: 74]، ويقال: فلله الحمد، يعني له آثار الحمد فعلى جميع الخلق أن ~~يحمدوه ويقال: فلله الحمد يعني الألوهية والربوبية { رب السموات ~~ورب الأرض } يعني الحمد لرب الأرض { رب العلمين } يعني ~~لرب جميع الخلق الحمد والثناء { وله الكبرياء } يعني العظمة ~~والقدرة والسلطان والعزة { في السموات والأرض وهو ~~العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره وقضائه. سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-3] # قوله تبارك وتعالى: { حم تنزيل الكتب من الله العزيز ~~الحكيم } وقد ذكرناه { ما خلقنا السموات والأرض ~~وما بينهما } من الشمس والقمر، والنجوم، والرياح، والخلق { إلا ~~بالحق } يعني إلا ببيان الحق لأمر عظيم هو كائن، ولم يخلقهن عبثا { ~~وأجل مسمى } يعني خلقهن ms1576 لأجل أمر عظيم ينتهي إليه وهو يوم ~~القيامة، وهو الأجل المعلوم { والذين كفروا } يعني مشركي مكة { ~~عما أنذروا معرضون } يعني عما خوفوا به تاركون فلا يؤمنون ~~به، ولا يتفكرون فيه. ### || [46.4-7] # { قل أرأيتم ما تدعون من دون الله } يعني ما تعبدون ~~من الأصنام، قال القتبي: ما: ههنا في موضع الجمع. يعني الذين يدعون من ~~الآلهة { أرونى ماذا خلقوا من الأرض } يعني أخبروني ما ~~الذي خلقوا من الأرض، كالذي خلق الله تعالى، إن كانوا آلهة { أم لهم ~~شرك فى السموات } يعني أم لهم نصيب ودعوة في السماوات، يعني ~~في خلق السموات ثم قال { ائتونى بكتب من قبل هذا } أي ~~بحجة لعبادتكم الأصنام في كتاب الله، ويقال ائتوني بحجة من الله ومن ~~الأنبياء من قبل هذا يعني من قبل هذا القرآن الذي أتيتكم به فيه بيان ما ~~تقولون { أو أثرة من علم } يعني رواية تروونها من الأنبياء ~~والعلماء { إن كنتم صدقين } أن الله تعالى أمركم بعبادة ~~الأوثان، قرأ الحسن وأبو عبد الرحمن السلمي (أو أثرة من علم) ~~قال القتبي هو اسم مبني على فعلة من ذلك والأول فعالة، والأثرة التذكرة، ~~ومنه يقال فلان يأثر الحديث أي يرويه وقال قتادة (أو أثارة) يعني ~~خاصة من علم، ويقال: (أو أثارة من علم) يؤثر عن الأنبياء ~~والعلماء، فلما قال لهم ذلك سكتوا قوله تعالى { ومن أضل ممن ~~يدعو من دون الله } يعني من أشد كفرا ممن يعبد من دون الله ~~آلهة { من لا يستجيب له إلى يوم القيمة } يعني لا ~~يجيبه وإن دعاه إلى يوم القيامة { وهم عن دعائهم غفلون } ~~يعني عن عبادتهم، ثم بين إجابتهم وحالهم يوم القيامة فقال تعالى { ~~وإذا حشر الناس } يعني إلى البعث { كانوا لهم أعداء } ~~يعني صارت الآلهة أعداء لمن عبدهم { وكانوا بعبادتهم ~~كفرين } يعني جاحدين ويتبرؤون منهم { وإذا تتلى عليهم ~~ءايتنا بينات } يعني تقرأ عليهم آياتنا واضحات، فيها الحلال ~~والحرام، ويقال بينات فيها دلائل واضحات { قال الذين كفروا ~~للحق } يعني للقرآن { لما جاءهم هذا سحر مبين } أي ~~حين جاءهم ms1577 هذا سحر بين. ### || [46.8-10] # قوله عز وجل: { أم يقولون افتراه } يعني اختلقه من ذات نفسه { ~~قل إن افتريته } يعني اختلقته من تلقاء نفسي يعذبني الله تعالى ~~عليه { فلا تملكون لى من الله شيئا } يعني لا تقدرون أن ~~تمنعوا عذاب الله عني { هو أعلم بما تفيضون فيه } يعني ~~تخوضون فيه من الكذب في القرآن { كفى به شهيدا } يعني كفى بالله ~~عالما { بينى وبينكم } ويقال تفيضون: أي تقولون ثم قال { ~~وهو الغفور الرحيم } يعني الغفور لمن تاب، الرحيم بهم قوله ~~تعالى { قل ما كنت بدعا من الرسل } يعني ما أنا أول رسول ~~بعث { وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم } يعني يرحمني ~~وإياكم، أو يعذبني وإياكم، وقال الحسن في قوله (وما أدري ما ~~يفعل بي ولا بكم) يعني في الدنيا، وقال الكلبي: وذلك أنه رأى في ~~المنام أنه أخرج إلى أرض ذات نخل وشجر، فأخبر أصحابه، فظنوا أنه وحي أوحي ~~إليه فاستبشروا، فمكثوا بذلك ما شاء فلم يروا شيئا مما قال لهم، فقالوا ~~يا رسول الله ما رأينا الذي قلت لنا؟ فقال: # " إنما كان رؤيا رأيتها ولم يأت وحي من السماء، وما أدري أيكون ذلك أو ~~لا يكون " # ، فنزل قوله { قل ما كنت بدعا من الرسل } يعني ما كنت ~~أولهم، وقد بعث قبلي رسل كثير { وما أدرى ما يفعل بى ولا ~~بكم } { إن أتبع إلا ما يوحى إلى } ويقال: ما أدري ~~ما يفعل بي ولا بكم، يرحمني وإياكم أو يعذبني وإياكم، فقالوا للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم: إذا لا فرق بيننا وبينك، كما نحن لا ندري ما يفعل بنا، ~~ولا تدري ما يفعل بك وقد عير المشركون المسلمين فقالوا # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الإسراء: 47] لا يدري ما يفعل به: فأنزل الله تبارك وتعالى: # تبارك الذى إن شآء جعل لك خيرا من ذلك ~~جنت تجرى من تحتها الأنهر ويجعل لك قصورا # [الفرقان: 10] فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة نزل عليه # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: ms1578 2] وقد نسخت هذه الآية # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الإسراء: 47] ثم قال تعالى { وما أنا إلا نذير مبين } ~~يعني مخوف مفقه لكم بلغة تعرفونها قوله تعالى { قل أرءيتم إن ~~كان من عند الله } يعني إن كان القرآن من عند الله تعالى { ~~وكفرتم به } يعني جحدتم بالقرآن، { وشهد شاهد من بنى ~~إسرءيل } قال مجاهد وعكرمة وقتادة: هو عبد الله بن سلام، وروى عامر ~~بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: # " لا يشهد لأحد يمشي على الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ~~" # وفيه نزلت { وشهد شاهد من بنى إسرءيل } { على ~~مثله } أي على مثل شهادة عبد الله بن سلام، يعني بنيامين على مثله، ~~يعني على مثل شهادة عبد الله بن سلام، وكان ابن أخ عبد الله بن سلام شهد ~~على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم، وروى وكيع، عن ابن عون قال ذكر عند ~~الشعبي { وشهد شاهد من بنى إسرءيل } أنه عبد الله بن سلام، ~~فقال الشعبي: وكيف يكون عبد الله بن سلام هو الشاهد وهذه السورة مكية، ~~وكان ابن سلام بالمدينة، قال ابن عون فثبت أن محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: صدق الشعبي، إن تلك السورة نزلت بمكة، ولكن هذه الآية نزلت ~~بالمدينة، فوضعت في هذه السورة، وروى داود بن أبي هند عن الشعبي، عن ~~مسروق قال: والله ما هو عبد الله بن سلام ولقد أنزلت بمكة، فخاصم به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، الذين كفروا من أهل مكة أن التوراة مثل ~~القرآن، وموسى مثل محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكل مؤمن بالتوراة ~~فهو شاهد من بني إسرائيل، ثم قال { فآمن واستكبرتم } يعني ~~تكبرتم وتعاظمتم عن الإيمان { إن الله لا يهدى القوم ~~الظلمين } يعني الكافرين. ### || [46.11-14] # { وقال الذين كفروا للذين ءامنوا } يعني قال رؤساء ~~المشركين لضعفاء المسلمين { لو كان خيرا } يعني لو كان هذا الدين ~~حقا { ما سبقونا إليه } ، وقال قتادة قال أناس من المشركين ~~نحن أعز، ms1579 ونحن أغنى ونحن أكرم، فلو كان خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان، ~~قال الله تعالى # يختص برحمته من يشآء # [البقرة: 105] يعني يختار لدينه من كان أهلا لذلك { وإذ لم ~~يهتدوا به } يعني لم يؤمنوا بهذا أي القرآن كما اهتدى به أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - { فسيقولون هذا إفك قديم } ~~يعني القرآن كذب قديم، أي تقادم من محمد - صلى الله عليه وسلم - قوله ~~تعالى { ومن قبله كتاب موسى } يعني قد أنزل قبل هذا القرآن ~~الكتاب على موسى، يعني التوراة { إماما } يقتدى به { ورحمة } من ~~العذاب لمن آمن به { وهذا كتب مصدق } يعني وأنزل إليك هذا ~~الكتاب مصدق للكتب التي قبله { لسانا عربيا } بلغتكم لتفهموا ما ~~فيه { لينذر الذين ظلموا } يعني مشركي مكة، قرأ نافع وابن ~~عامر (لتنذر) بالتاء على معنى المخاطبة، يعني لتنذر أنت يا محمد ~~والباقون بالياء على معنى الخبر عنه، يعني ليخوف محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - بالقرآن { وبشرى للمحسنين } يعني بشارة بالجنة ~~للموحدين { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~أولئك أصحب الجنة خلدين فيها جزاء بما ~~كانوا يعملون } وقد ذكرناه. ### || [46.15-16] # قال الله تعالى: { ووصينا الإنسن بولديه إحسنا } ~~يعني أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه، قال مقاتل والكلبي: نزلت الآية ~~في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويقال هذا أمر عام لجميع الناس، قرأ ~~حمزة والكسائي وعاصم " إحسانا " بالألف، ومعناه: أمرناه بأن يحسن ~~إليهما إحسانا، والباقون " حسنا " بغير ألف فجعلوه اسما وأقاموه ~~مقام الإحسان، ثم ذكر حق الوالدين فقال { حملته أمه كرها } ~~يعني في مشقة { ووضعته كرها } يعني في مشقة { وحمله ~~وفصله } يعني حمله في بطن أمه، وفصاله ورضاعه { ثلاثون ~~شهرا } وروى وكيع بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن ~~رجلا قال له إني تزوجت جارية سليمة، بكرا، لم أر منها ريبة، وإنها ولدت ~~لستة أشهر، فقرأ علي # والولدت يرضعن أولدهن حولين كاملين # [البقرة: 233] وقرأ { وحمله وفصله ثلاثون شهرا } ~~فالحمل ستة أشهر، والرضاع سنتين، والولد ولدك، ms1580 وقال وكيع هذا أصل إذا ~~جاءت بولد لأقل من ستة أشهر لم يلزمه فيفرق بينهما ثم قال { حتى ~~إذا بلغ أشده } يعني بلغ ثلاثا وثلاثين { وبلغ ~~أربعين سنة } صدق بالنبي - صلى الله عليه وسلم، يعني أبا بكر { ~~قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك } يعني ألهمني ما أؤدي ~~به شكر نعمتك، وما أوزعت به نفسي أن أكفها عن كفران نعمتك، وأصله من ~~وزعته: أي دفعته، قال رب أوزعني أن أشكر، يعني أن أؤدي شكر نعمتك { ~~التى أنعمت على وعلى والدى } بالإسلام { وأن ~~أعمل صلحا ترضه } يعني تقبله { وأصلح لى فى ~~ذريتى } يعني أكرمهم بالتوحيد ويقال: اجعلهم أولادا صالحين مسلمين، ~~فأسلموا كلهم { إنى تبت إليك } يعني أقبلت إليك بالتوبة { ~~وإنى من المسلمين } يعني المخلصين الموحدين على دينهم قوله ~~تعالى { أولئك } يعني أهل هذه الصفة يعني أبا بكر ووالديه وذريته ~~ومن كان في مثل حالهم { الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا } يعني ستجزيهم بإحسانهم، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية ~~حفص (نتقبل) بالنون { ونتجاوز } بالنون، وقرأ الباقون بالياء ~~والضم، فمن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه، يعني نتقبل نحن، ~~ونصب أحسن لوقوع الفعل عليه ومن قرأ بالياء والضم فهو على معنى فعل ما لم ~~يسم فاعله، ولهذا رفع قوله (أحسن) لأنه مفعول ما لم يسم فاعله ثم قال ~~(ونتجاوز) { عن سيئتهم } يعني ما فعلوا قبل التوبة فلا ~~يعاقبون عليها { فى أصحب الجنة } يعني هم مع أصحاب الجنة، ~~وروى أبو معاوية عن عاصم الأحول عن الحسن قال { من يعمل سوءا ~~يجز به } إنما ذلك لمن أراد الله هوانه، وأما من أراد الله كرامته ~~فإنه يتجاوز عن سيئاته { في أصحاب الجنة } ثم قال { وعد ~~الصدق } يعني وعد الصدق في الجنة قوله تعالى { الذى كانوا ~~يوعدون }. ### || [46.17-20] # { والذى قال لولديه أف لكما } يعني عبد الرحمن بن ~~أبي بكر، قال لوالديه أف لكما يعني قدرا لكما، وهو الرديء من الكلام، ~~وقد ذكرنا الاختلاف في موضع آخر، وقد قرىء على سبع قراءات: بالنصب، ~~والضم، والكسر، وكل ms1581 قراءة تكون بالتنوين وبغير تنوين، فتلك ست قراءات، ~~والسابع أف بالسكون، { أتعداننى أن أخرج } يعني أن أبعث بعد ~~الموت، وذلك قبل أن يسلم { وقد خلت القرون من قبلى } أي ~~مضت الأمم ولم يبعث أحدهم { وهما يستغثيان الله } يعني أبويه ~~يدعوان الله تعالى له بالهدى، اللهم اهده وارزقه الإيمان، ويقولان له { ~~ويلك ءامن إن وعد الله حق } يعني ويحك أسلم وصدق ~~بالبعث، فإن البعث كائن { فيقول } لهما { ما هذا إلا ~~أسطير الأولين } يعني كذبهم، فقال عبدالرحمن إن كنتما صادقين ~~فأخرجا فلانا وفلانا من قبورهما فنزل { أولئك } يعني القرون ~~التي ذكر { الذين حق عليهم القول } أي وجب عليهم العذاب ~~{ فى أمم قد خلت من قبلهم } يعني في أمم قد مضت من قبلهم ~~من كفار { من الجن والإنس إنهم كانوا خسرين } في ~~الآخرة بالعقوبة، فأسلم عبد الرحمن وحسن إسلامه، وذكر في الخبر أن مروان ~~بن الحكم قال نزلت هذه الآية في شأن عبد الرحمن أخ عائشة، فبلغ ذلك عائشة ~~فقالت: بل نزلت في أبيك وأخيك قوله عز وجل { ولكل درجت مما ~~عملوا } يعني فضائل في الثواب مما عملوا { وليوفيهم ~~أعملهم } أي أجورهم { وهم لا يظلمون } يعني لا ينقصون ~~من ثواب أعمالهم شيئا، ولا يزادون على سيئات أعمالهم قوله تعالى: { ~~ويوم يعرض الذين كفروا على النار } يعني يكشف ~~الغطاء عنها، فينظرون إليها، فيقال لهم: { أذهبتم طيبتكم } ~~يعني أكلتم حسناتكم { فى حيتكم الدنيا واستمتعتم ~~بها } يعني انتفعتم بها في الدنيا، وقرأ ابن عامر (أأذهبتم) ~~بهمزتين، وقرأ ابن كثير (آذهبتم) بالمد ومعناهما واحد، ويكون ~~استفهاما على وجه التوبيخ، والباقون (أذهبتم) بهمزة واحدة بغير مد ~~على معنى الخبر وروي عن عمر أنه اشتهى شرابا فأتي بقدح فيه عسل، فأدار ~~القدح في يده قال: أشربها فتذهب حلاوتها، أو تبقى نقمتها، ثم ناول القدح ~~رجلا، فسئل عن ذلك فقال: خشيت أن أكون من أهل هذه الآية { أذهبتم ~~طيبتكم فى حيتكم الدنيا } وروي عن عمر أنه دخل على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على حصير وقد أثر بجنبه ms1582 الشريط، ~~فبكى عمر، فقال: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: ذكرت كسرى وقيصر وما كانا فيه من ~~الدنيا، وأنت رسول رب العالمين قد أثر بجنبك الشريط، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت ~~لنا طيباتنا في الآخرة " # قوله { فاليوم تجزون عذاب الهون } يعني العذاب الشديد { ~~بما كنتم تستكبرون فى الأرض بغير الحق } يعني ~~تستكبرون عن الإيمان { وبما كنتم تفسقون } يعني تعصون الله ~~تعالى. ### || [46.21-28] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد } يعني واذكر لأهل مكة، ويقال ~~معناه واصبر على ما يقولون واذكر هود { إذ أنذر قومه ~~بالأحقاف } يعني خوف قومه بموضع يقال له الأحقاف روى منصور عن مجاهد ~~قال: الأحقاف الأرض، ويقال: جبل بالشام ويسمى الأحقاف، وقال القتبي: ~~الأحقاف: جمع حقف وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه واستطال وانحنى { ~~وقد خلت النذر من بين يديه } يعني مضت من قبل هود { ~~ومن خلفه } يعني ومن بعده { ألا تعبدوا إلا الله } ~~يعني خوفهم ألا تعبدوا إلا الله ووحدوه { إنى أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } يعني أعلم أنكم إن لم تؤمنوا يصبكم عذاب يوم ~~كبير { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ءالهتنا } يعني ~~لتصرفنا عن عبادة آلهتنا { فأتنا بما تعدنا } من العذاب { إن ~~كنت من الصدقين } أن العذاب نازل بنا { قال } هود { ~~إنما العلم عند الله } يعني علم العذاب عند الله يجيء بأمر ~~الله، وإنما علي تبليغ الرسالة، وليس بيدي إتيان العذاب، فذلك قوله { ~~وأبلغكم ما أرسلت به } يعني ما يوحي الله إلي لأدعوكم ~~إلى التوحيد { ولكنى أراكم قوما تجهلون } لما قيل لكم، ~~ولما يراد بكم من العذاب { فلما رأوه عارضا مستقبل ~~أوديتهم } يعني لما رأوا العذاب مقبلا، وكانت السحابة إذا جاءت ~~من قبل ذلك الوادي أمطروا، وقال القتبي: العارض: السحاب { قالوا ~~هذا عارض ممطرنا } يعني هذه سحابة وغيم ممطرنا، أي تمطر به ~~حروثنا، لأن المطر كان حبس عنهم فقال هود: ليس هذا عارض { بل هو ما ~~استعجلتم به } يعني الريح والعذاب { ريح فيها عذاب ~~أليم } أي ms1583 متلف، وروى عطاء عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا رأى رياحا مختلفة تلون وجهه وتغير وخرج ودخل، وأقبل ~~وأدبر، فذكرت ذلك له فقال: وما يدريك لعله كما قال الله: { فلما ~~رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا ~~عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها ~~عذاب أليم } فإذا أمطرت سري عنه، ويقول # وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته # [الفرقان: 48] ثم قال تعالى { تدمر كل شىء بأمر ربها } ~~يعني تهلك الريح كل شيء بأمر ربها، أي بإذنه تعالى { فأصبحوا } أي ~~فصاروا من العذاب بحال { لا يرى مسكنهم } وقد ذكرناه في سورة ~~الأعراف، قرأ حمزة وعاصم (لا يرى) بضم الياء (مساكنهم) بضم النون ~~على معنى: فعل ما لم يسم فاعله، يعني: لا يرى شيء وقد هلكوا كلهم، وقرأ ~~الباقون (لا ترى) بالتاء على معنى المخاطبة، ومعناه لا ترى شيئا ~~أيها المخاطب لو كنت حاضرا ما رأيت إلا مساكنهم، ثم قال { كذلك ~~نجزي القوم المجرمين } يعني هكذا نعاقب القوم المشركين عند ~~التكذيب { ولقد مكنهم } يعني أعطيناهم الملك والتمكين { ~~فيما إن مكنكم فيه } يعني ما لم نمكن لكم، ولم نعطكم يا ~~أهل مكة، وقال القتبي إن الخفيفة قد تزاد في الكلام كقول الشاعر: ما إن ~~رأيت ولا سمعت به، يعني ما رأيت ولا سمعت به يعني ما لم نمكن لكم ومعنى ~~الآية ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وقال الزجاج: إن ههنا مكان ما، ~~يعني فيما مكناكم فيه، ويقال معناه ولقد مكناهم في الذي مكناكم فيه { ~~وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفئدة } يعني جعلنا لهم ~~سمعا ليسمعوا المواعظ، وأبصارا لينظروا في الدلائل وأفئدة ليتفكروا في ~~خلق الله تعالى { فما أغنى عنهم } يعني لم ينفعهم من العذاب { ~~سمعهم ولا أبصرهم ولا أفئدتهم من شىء } إذ لم ~~يسمعوا الهدى، ولم ينظروا في الدلائل، ولم يتفكروا في خلقه { إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله } يعني بدلائله { وحاق بهم } ~~يعني نزل بهم من العذاب { ما كانوا به يستهزءون } يعني ~~العذاب الذي كانوا يجحدون به ms1584 ويستهزئون قوله تعالى { ولقد ~~أهلكنا ما حولكم من القرى } يعني أهلكنا قبلكم يا أهل ~~مكة بالعذاب ما حولكم من القرى { وصرفنا الآيت } أي بينا لهم ~~الدلائل والحجج والعلامات { لعلهم يرجعون } أي يرجعون عن ~~كفرهم قبل أن يهلكوا قوله تعالى { فلولا نصرهم } يعني فهلا ~~نصرهم، يعني كيف لم يمنعهم من العذاب { الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا } يعني عبدوا من دون الله ما يتقربون بها إلى الله { ~~ءالهة } يعني أصناما كما قال في آية أخرى # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] { بل ضلوا عنهم } يعني الآلهة لم تنفعهم شيئا، ~~ويقال اشتغلوا بأنفسهم، ويقال بطلت عنهم { وذلك إفكهم } يعني ~~كذبهم { وما كانوا يفترون } يعني يختلقون، وذكر أبو عبيدة ~~بإسناده عن عبد الله بن عباس أنه قرأ (أفكهم) بنصب الألف والفاء ~~والكاف، يعني ذلك الفعل أضلهم وأهلكهم وصرفهم عن الحق، وقراءة العامة ~~بضده (وذلك إفكهم) يعني ذلك الفعل: وهو عبادتهم وقولهم وكذبهم، ~~ويقال (وذلك إفكهم) اليوم كما كان إفك من كان قبلهم. ### || [46.29-35] # قوله تعالى { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } وذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث خرت الأصنام على وجوهها في تلك ~~الليلة، فصاح إبليس صيحة فاجتمع إليه جنوده فقال لهم: قد عرض أمر عظيم ~~امضوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، يعني امشوا وانظروا ماذا حدث من ~~الأمر، وروى ابن عباس، أنه لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - حيل بين ~~الشياطين وبين السماء وأرسل عليهم الشهب، فجاؤوا إلى إبليس فأخبروه بذلك، ~~قال هذا الأمر حادث اضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فجاء نفر منهم فوجدوا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي تحت نخلة في سوق عكاظ ومعه ابن مسعود ~~وأصحابه، وكان يقرأ سورة طه في الصلاة، وروى وكيع عن سفيان عن عاصم، عن ~~رجل، عن زر بن حبيش في قوله تعالى: { وإذ صرفنا إليك نفرا ~~من الجن } قال كانوا تسعة أحدهم زوبعة أتوه ببطن نخلة { ~~يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا } ~~وروى عكرمة عن الزبير قال: كان النبي - صلى ms1585 الله عليه وسلم - يقرأ في ~~العشاء الأخيرة، فلما حضروا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعضهم ~~لبعض: أنصتوا للقرآن واستمعوا { فلما قضى } يعني فرغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من القراءة والصلاة { ولوا } يعني رجعوا { إلى ~~قومهم منذرين } قال مقاتل يعني المؤمنين، وقال الكلبي يعني ~~مخوفين، وقال مجاهد: ليس في الجن رسل، وإنما الرسل في الإنس والنذارة في ~~الجن، ثم قرأ { فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ~~} يعني أنذروا قومهم من الجن { قالوا قومنا إنا سمعنا } من ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - { كتبا } يعني قراءة القرآن { أنزل ~~من بعد موسى } يعني أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - { ~~مصدقا لما بين يديه } يعني موافقا لما قبله من الكتب { ~~يهدى إلى الحق } يعني يدعو إلى توحيد الله تعالى من الشرك كما هو ~~في سائر الكتب { وإلى طريق مستقيم } لا عوج فيه، يعني دين ~~الله تعالى وهو الإسلام { يقومنا أجيبوا داعى الله } يعني ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به } يعني صدقوا به وبكتابه { ~~يغفر لكم من ذنوبكم } ومن: صلة في الكلام، يعني يغفر لكم ~~ذنوبكم إن صدقتم وآمنتم { ويجركم من عذاب أليم } يعني ~~يؤمنكم من عذاب النار { ومن لا يجب داعى الله } يعني من لم ~~يجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يدعو إليه من الإيمان { ~~فليس بمعجز فى الأرض } يعني لا يستطيع أن يهرب في الأرض، من ~~عذاب الله تعالى، ويقال معناه فلن يجد الله عاجزا عن طلبه { وليس ~~له من دونه أولياء } يعني ليس له أنصار يمنعونه مما نزل به من ~~العذاب { أولئك فى ضلل } يعني في خطأ { مبين } وذكر في ~~الخبر: أنهم لما أنذرهم وخوفهم جاء جماعة منهم إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بمكة فلقيهم بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، فأمرهم ونهاهم وكان معه ~~عبد الله بن مسعود وخط له النبي - صلى الله عليه وسلم - خطا وقال له # " لا تخرج من هذا الخط، فإنك إن خرجت لن تراني إلى يوم ~~القيامة، فلما رجع إليه قال: يا نبي ms1586 الله سمعت هدتين أي صوتين، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أما إحداهما فإني سلمت عليهم فردوا علي ~~السلام، وأما الثانية فإنهم سألوا الرزق فأعطيتهم عظما رزقا لهم، ~~وأعطيتهم روثا رزقا لدوابهم " # ثم قال تعالى { أو لم يروا } يعني أو لم يعتبروا ويتفكروا، ~~ويقال أولم يخبروا { أن الله الذى خلق السموات ~~والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر } يعني: لم يعجز عن ~~خلق السماوات والأرض، فكيف يعجز عن بعث الموتى، ويقال: { ولم يعى ~~بخلقهن } يعني: لم يعيه خلقهن، ولم يعي بخلقهن بقادر { على ~~أن يحيي الموتى بلى } لأنهم كانوا مقرين بأن الله هو الذي ~~خلق السموات والأرض، وكانوا منكرين للبعث بعد مماتهم، فأخبرهم الله تعالى ~~بأن الذي كان قادرا على خلق السماوات والأرض، يكون قادرا على إحيائهم ~~بعد الموت، ثم قال { بلى } يعني: هو قادر على البعث { إنه على ~~كل شىء قدير } من الإحياء والبعث { ويوم يعرض الذين ~~كفروا على النار } يعني: يكشف الغطاء عنها، ويقال يساق الذين ~~كفروا إلى النار، ويقال لهم { أليس هذا بالحق } يعني: أليس ~~هذا العذاب الذي ترون حقا وكنتم تكذبون به { قالوا بلى وربنا ~~} إنه الحق، (وربنا) هو الله، ويقال: والله إنه لحق، فيقرون حين لا ~~ينفعهم إقرارهم، قال فيقال لهم { قال فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون } أي تجحدون { فاصبر } يا محمد يعني: اصبر على ~~أذى أهل مكة وتكذيبهم { كما صبر أولو العزم من الرسل } ~~يعني: أولو الحزم، وهو أن يصبر في الأمور، ويثبت عليها، وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أراد أن يدعو عليهم، فأمره الله تعالى بالصبر كما ~~صبر نوح، وكما صبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء صلوات ~~الله عليهم أجمعين وقال السدي: أولو العزم: الذين أمروا بالقتال من ~~الرسل، وقال أبو العالية: أولو العزم من الرسل كانوا ثلاثة، والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رابعهم، إبراهيم وهود ونوح، فأمره الله تعالى أن يصبر ~~كما صبروا وقال مقاتل: أولو العزم من الرسل اثني عشر نبيا في بيت ~~المقدس، فأوحى الله إليهم ثلاث مرات ms1587 أن اخرجوا من بين أقوامكم، فلم ~~يخرجوا، فقال الله تعالى يمضي العذاب عليكم مع قومكم، فتشاوروا فاختاروا ~~هلاك أنفسهم بينهم { ولا تستعجل لهم } يعني: لا تستعجل لهم ~~بالعذاب { كأنهم يوم يرون ما يوعدون } يعني: العذاب قد ~~أتاهم من قريب في الآخرة، فلقربه كأنهم يرونه في الحال، ويقال: في الآية ~~تقديم وتأخير، كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة في الدنيا، يعني: إذا أتاهم ذلك ~~اليوم يرون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا القليل فذلك قوله: { لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار } يعني: من نهار الدنيا، ويقال ~~يعني: في القبور، وقال أبو العالية: معناه كأنهم يرون حين يظنون أنهم لم ~~يلبثوا إلا ساعة من نهار ثم قال: { بلاغ } يعني: ذلك بلاغ وبلغه وأجل، ~~فإذا بلغوا أجلهم ذلك { فهل يهلك إلا القوم الفسقون ~~} يعني هل يهلك في العذاب، إذا جاء العذاب إلا القوم العاصون، ويقال ~~معناه: لا يهلك مع رحمة الله وفضله، إلا القوم الفاسقون، ويقال: بلاغ ~~يعني: هذا الذي ذكر بلاغ أي تمام العظة، ويقال هو من الإبلاغ، أي هذا ~~إرسال وبيان لهم كقوله { هذا بلغ للناس }. # والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-3] # قوله تبارك وتعالى: { الذين كفروا } أي جحدوا بتوحيد الله تعالى ~~وبالقرآن { وصدوا عن سبيل الله } أي صرفوا الناس عن طاعة ~~الله، وهو الجهاد { أضل أعملهم } يعني أبطل الله حسناتهم ~~التي عملوا في الدنيا، لأنهم عملوا بغير إيمان، وكل عمل يكون بغير إيمان ~~فهو باطل، كما قال # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] الآية، قال الكلبي نزلت في مطعمي بدر، وهم رؤساء مكة ~~الذين كانوا يطعمون الناس في حال خروجهم إلى بدر، منهم أبو جهل والحارث ~~ابنا هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ومنبه ونبيه ~~ابنا الحجاج وغيرهم، ويقال هذا في عامة الكفار، وهذا كقوله # والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة # [النور: 39] الآية وروى مجاهد عن ابن عباس قال: { الذين كفروا } ~~هم أهل مكة { والذين ءامنوا وعملوا ms1588 الصلحات } قال هم ~~الأنصار، الذين آمنوا يعني: صدقوا بالله تعالى وبمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وبالقرآن، وعملوا الصالحات: يعني أدوا الفرائض والسنن وهم أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان في مثل حالهم { وآمنوا بما ~~نزل على محمد وهو الحق من ربهم } يعني: صدقوا ~~بما أنزل جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو الحق وليس فيه باطل ~~ولا تناقض { كفر عنهم سيئتهم } يعني: محا عنهم ذنوبهم ~~التي عملوا في الشرك بإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وطاعتهم لله ~~تعالى فيما يأمرهم به من الجهاد { وأصلح بالهم } يعني: حالهم، ~~وهذا قول قتادة، وقال مقاتل: يعني: بين أمورهم في الإسلام، وعملهم وحالهم ~~حتى يدخلوا الجنة، وروى مجاهد (وأصلح بالهم) يعني شأنهم، وقال ~~القتبي { كفر عنهم سيئتهم } أي سترها { وأصلح ~~بالهم } أي حالهم ويقال: أصلح بالهم يعني: أظهر الله تعالى أمرهم في ~~الإسلام حتى يقتدى بهم، ثم بين المعنى الذي أحبط أعمال الكافرين، وأصلح ~~شأن المؤمنين فقال: { ذلك بأن الذين كفروا } يعني: ذلك ~~الإبطال بأن الذين كفروا { اتبعوا البطل } يعني: اختاروا ~~الشرك وثبتوا عليه، ولم يرغبوا في الإسلام، ويقال: معناه لأنهم اختاروا ~~الباطل على الحق، واتباع الهوى على اتباع رضى الله سبحانه وتعالى { ~~وأن الذين آمنوا } وهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~اتبعوا الحق من ربهم } يعني: اتبعوا القرآن وعملوا به، ~~ويقال: معناه اختاروا الإيمان على الكفر، واتباع القرآن واتباع رضى الله ~~تعالى، على اتباع الهوى قوله تعالى: { كذلك يضرب الله ~~للناس أمثلهم } يعني: هكذا يبين الله صفة أعمالهم، ثم حرض ~~المؤمنين على القتال فقال: { فإذا لقيتم الذين كفروا ~~فضرب الرقاب... }. ### || [47.4-6] # { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } يعني: ~~اضربوا الرقاب، صار نصبا بالأمر، ومعناه اضربوا الأعناق ضربا، وروى ~~وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: # " إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، وإنما بعثت ~~بضرب الرقاب وشد الوثاق " # { حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق } يعني: حتى ~~إذا قهرتموهم وأسرتموهم فشدوا الوثاق يعني: ms1589 فاستوثقوا أيديهم من خلفهم، ~~ويقال الإثخان: أن يعطوا أيديهم، ويستسلموا، وقال الزجاج { حتى ~~أثخنتموهم } يعني: أكثرتم فيهم القتل والأسر بعد المبالغة في ~~القتل، وقال مقاتل: حتى إذا أثخنتموهم بالسيف فظفرتم عليهم { ~~فشدوا الوثاق } يعني: الأسر { فإما منا بعد } يعني: ~~عتقا بعد الأسر بغير فداء { وإما فداء } يعني: يفادي نفسه بماله، ~~وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإمام بالخيار في الأسرى إن شاء فادى ~~وإن شاء قتل، وإن شاء استرق، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه ~~قال: لا أفادي وإن طلبوا بمدين من ذهب، وذكر عن أبي بكر أنه كتب إليه في ~~أسير التمسوا منه الفداء فقال اقتلوه، لأن أقتل رجلا من المشركين أحب ~~إلي من كذا وكذا، قال أبو الليث: وقد كره بعض الناس قتل الأسير، واحتج ~~بظاهر هذه الآية { فإما منا بعد وإما فداء } ، وقال ~~أصحابنا: لا بأس بقتله بالخبر الذي روي عن أبي بكر رضي الله عنهم ~~وروي عن ابن جريج، وغيره من أهل التفسير أن هذه الآية منسوخة بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]، وقد قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن خطل يوم فتح مكة ~~بعدما وقع في منعة المسلمين فهو كالأسير، وأما الفداء: فإن فادوا بأسير ~~من المسلمين فلا بأس به، كما قال إبراهيم النخعي إن شاء فادى بالأسير، ~~وإن أراد أن يفتدي بمال لا يجوز إلا عند الضرورة، لأن في رد الأسير إلى ~~دار الحرب قوة لهم في الحرب فكره ذلك، كما يكره أن يحمل إليهم السلاح ~~للبيع ثم قال: { حتى تضع الحرب أوزارها } روي عن ابن ~~عباس أنه قال حتى تترك الكفار إشراكها، ويوحدوا الرب تبارك وتعالى، حتى ~~لا يبقى إلا مسلم، أو مسالم يعني: في ذمة المسلمين، الذين يعطون الجزية، ~~وعن سعيد ابن جبير قال: { حتى تضع الحرب أوزارها } قال: ~~خروج عيسى عليه السلام يكسر الصليب، فيلقى الذئب الغنم فلا يأخذها ولا ~~تكون عداوة بين اثنين، وهكذا قال مجاهد، وقال مقاتل { حتى تضع ~~الحرب أوزارها } يعني: في مكان يقاتل ms1590 سماهم حربا، وقال ~~القتبي: حتى تضع الحرب، يعني: حتى يضع أهل الحرب السلاح. ثم قال عز وجل: ~~{ ذلك } يعني: افعلوا ذلك، ثم استأنف فقال: { ولو يشاء الله ~~لانتصر منهم } بغير قتال يعني: يهلكهم { ولكن ليبلو ~~بعضكم ببعض } يعني: لم يهلكهم لكي يختبرهم بالقتال، حتى يتبين ~~فضلهم ويستوجبوا الثواب ثم قال: { والذين قتلوا فى سبيل ~~الله } يعني: جاهدوا عدوهم في طاعة الله تعالى { فلن يضل ~~أعملهم } يعني: لن يبطل ثواب أعمالهم، قرأ أبو عمرو (قتلوا) ~~بضم القاف بغير ألف، وهكذا روي عن عاصم في إحدى الروايتين، يعني: الذين ~~قتلوا يوم أحد، ويوم بدر، وفي سائر الحروب، وقرأ الباقون { والذين ~~قاتلوا فى سبيل الله } بالنصب يعني: جاهدوا الكفار وحاربوهم ~~ثم قال { سيهديهم } يعني: يجنبهم من أهوال الآخرة، ويقال: سيهديهم: ~~يعني: يثبتهم على الهدى { ويصلح بالهم } وقد ذكرناه { ~~ويدخلهم الجنة } في الآخرة { عرفها لهم } يعني هداهم ~~الله تعالى إلى منازلهم، وروى أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إذا أذن لأهل الجنة في دخولها (لأحدهم أهدى أي ~~أعرف بمنزله في الجنة، من منزله الذي كان في ~~الدنيا) " # وعن ابن مسعود أنه قال ما أشبههم إلا أهل الجمعة حين انصرفوا من ~~جمعتهم، يعني إن كل واحد منهم، يهتدي إلى منزله، وقال الزجاج في قوله { ~~سيهديهم ويصلح بالهم } أي يصلح لهم أمر معايشهم في ~~الدنيا، مع ما يجازيهم في الآخرة، وهذا كما قال تعالى # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا # [نوح: 10، 11] الآية ويقال { عرفها لهم } أي طيبها لهم، يقال ~~طعام معرف أي مطيب، ثم حث المؤمنين على الجهاد. ### || [47.7-12] # فقال { يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم } يعني: إن تنصروا دين الله بقتال الكفار { ينصركم } ~~بالغلبة على أعدائكم { ويثبت أقدامكم } فلا تزول في الحرب ثم ~~قال تعالى: { والذين كفروا فتعسا لهم } يعني: بعدا ~~ونكسا وخيبة لهم، وهو من قولك: تعست أي عثرت وسقطت { وأضل ~~أعملهم } يعني: أبطل ثواب حسناتهم فلم يقبلها منهم، ثم ms1591 بين ~~المعنى الذي أبطل به حسناتهم فقال { ذلك } يعني: ذلك الإبطال { ~~بأنهم كرهوا ما أنزل الله } يعني أنكروا وكرهوا الإيمان ~~بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - { فأحبط ~~أعملهم } يعني: ثواب أعمالهم، ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل: { ~~أفلم يسيروا فى الأرض } يعني: أفلم يسافروا في الأرض { ~~فينظروا } يعني: فيعتبروا { كيف كان عقبة الذين من ~~قبلهم } يعني: كيف كان آخر أمرهم { دمر الله عليهم } ~~يعني أهلكهم الله تعالى بالعذاب { وللكفرين أمثلها } ~~يعني: للكافرين من هذه الأمة أمثالها من العذاب، وهذا وعيد لكفار قريش ثم ~~قال: { ذلك } يعني: النصرة التي ذكر في قوله { إن تنصروا الله ~~ينصركم } { بأن الله مولى الذين ءامنوا } يعني: ~~إن الله تبارك وتعالى ناصر أولياءه بالغلبة على أعدائهم { وأن ~~الكفرين لا مولى لهم } يعني لا ناصر ولا ولي لهم لا ~~تنصرهم آلهتهم، ولا تمنعهم مما نزل بهم من العذاب، ثم ذكر مستقر ~~المؤمنين، ومستقر الكافرين فقال { إن الله يدخل الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } وقد ذكرناه { والذين كفروا يتمتعون } ~~يعني: يعيشون بما أعطوا في الدنيا { ويأكلون كما تأكل ~~الأنعم } ليس لهم هم إلا الأكل والشرب والجماع { والنار ~~مثوى لهم } أي منزلا ومستقرا لهم. ### || [47.13-18] # قوله تعالى: { وكأين من قرية } يعني: وكم من قرية فيما مضى، ~~يعني: أهل قرية { هى أشد قوة } يعني: أشد منعة وأكثر عددا، ~~وأكثر أموالا. { من قريتك التى أخرجتك } يعني: أهل مكة ~~الذين أخرجوك من مكة إلى المدينة { أهلكنهم } يعني: عذبناهم عند ~~التكذيب { فلا نصر لهم } يعني: لم يكن لهم مانع مما نزل بهم من ~~العذاب، وهذا تخويف لأهل مكة قوله تعالى: { أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن زين له سوء عمله } قال مقاتل ~~والكلبي يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وأبا جهل بن هشام، يعني لا ~~يكون حال من كان على بيان من الله تعالى كمن حسن له قبح عمله { ~~واتبعوا أهواءهم } بعبادة الأوثان، ويقال هذا في جميع ~~المسلمين، وجميع الكافرين، لا يكون حال الكفار مثل ms1592 حال المؤمنين في ~~الثواب قوله تعالى { مثل الجنة } يعني: صفة الجنة { التى ~~وعد المتقون } الذين يتقون الشرك والفواحش { فيها أنهار ~~من ماء غير ءاسن } قرأ ابن كثير { من ماء غير ءاسن } ~~بغير مد، والباقون بالمد، ومعناهما واحد، يعني ماء غير منتن ولا متغير ~~الطعم والريح { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } ~~إلى الحموضة كما يتغير لبن أهل الدنيا من الحالة الأولى { وأنهر ~~من خمر لذة للشربين } يعني: لذيذة، ويقال # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [الواقعة: 19] { وأنهر من عسل مصفى } ليس فيها العكر ~~ولا الكدرة، ولا الدردي كعسل أهل الدنيا، قال مقاتل: هذه الأنهار الأربعة ~~تتفجر من الكوثر إلى أهل الجنة، ويقال من تحت شجرة طوبى إلى أهل الجنة { ~~ولهم فيها من كل الثمرت } يعني: من ألوان الثمرات { ~~ومغفرة من ربهم } لذنوبهم في الآخرة، ويقال في الدنيا { ~~كمن هو خلد فى النار } يعني: هل يكون حال من هو في هذه ~~النعم كمن هو في النار أبدا { وسقوا ماء حميما } أي: حارا قد ~~انتهى حره { فقطع أمعاءهم } من شدة الحر فذابت أمعاؤهم، كقوله ~~تعالى: # يصهر به ما فى بطونهم والجلود # [الحج: 20] ثم قال: { ومنهم من يستمع إليك } يعني: من ~~المنافقين من يستمع إليك { حتى إذا خرجوا من عندك ~~قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا } وذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس يوم الجمعة، وعاب في خطبته ~~المنافقين، فلما خرجوا من عنده، قال بعض المنافقين لعبد الله بن مسعود ~~وهو الذي أوتي العلم: ماذا قال آنفا؟ يعني الساعة على جهة الاستهزاء، ~~قال الله تعالى: { أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم } مجازاة لهم { واتبعوا أهواءهم } يعني: عملوا ~~بهوى أنفسهم، ثم ذكر المؤمنين المصدقين فقال: { والذين اهتدوا ~~زادهم هدى } يعني: آمنوا بالله تعالى، وأحسنوا الاستماع إلى ما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - { زادهم هدى } يعني: زادهم الله ~~بصيرة في دينهم، وتصديقا لنبيهم، ويقال: زادهم بما قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هدى، ويقال زادهم قول المنافقين، واستهزاؤهم { هدى } ~~يعني: تصديقا ms1593 وثباتا على الإسلام، وشكر الله تعالى { وآتاهم ~~تقواهم } حين بين لهم التقوى، ويقال ألهمهم قبول الناسخ وترك ~~المنسوخ. # قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا الساعة } أي: ما ينتظر قومك ~~إلا قيام الساعة، يعني: فما ينتظر قومك إن لم يؤمنوا إلا الساعة { أن ~~تأتيهم بغتة } يعني: فجأة { فقد جاء أشراطها } يعني: ~~علاماتها وهو: انشقاق القمر والدخان وخروج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وروى مكحول عن حذيفة قال سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " متى الساعة، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن لها أشراط، ~~تقارب الأسواق يعني: كسادها، ومطر ولا نبات يعني: مطر في غير حينه، وتفشو ~~الفتنة، وتظهر أولاد البغية، ويعظم رب المال، وتعلو أصوات الفسقة في ~~المساجد، ويظهر أهل المنكر على أهل الحق " # ثم قال: { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } يعني: من ~~أين لهم التوبة إذا جاءتهم الساعة، وقال قتادة: فأنى لهم أن يتذكروا أو ~~يتذاكروا إذا جاءتهم الساعة، وقال مقاتل: فيه تقديم: يعني: أنى لهم ~~التذكرة والتوبة عند الساعة إذا جاءتهم، وقد فرطوا فيها. ### || [47.19-23] # قوله عز وجل: { فاعلم أنه لا إله إلا الله } قال ~~الزجاج هذه الفاء جواب الجزاء، ومعناه: قد بينا ما يدل على توحيد الله ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد علم أن ~~الله تعالى واحد، إنما خاطبه والمراد به أمته ويقال هذا الأمر للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خاصة، ومعناه فاثبت على إظهار قول لا إله إلا ~~الله، يعني: ادع الناس إلى ذلك، ويقال كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: # " ليتني أعلم أي الكلام أفضل، وأي الدعاء أفضل، فأعلمه الله تعالى أن ~~أفضل الكلام التوحيد، وأفضل الدعاء الاستغفار " # ، ثم قال: { واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنت } روى الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم سبعين مرة أو أكثر " # وروى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إني أستغفر الله تعالى وأتوب إليه في كل يوم ms1594 مائة مرة " # وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن جريج قال: قيل لعطاء: استغفر للمؤمنين ~~في المكتوبة؟ قال نعم، قلت فمن أبتدىء؟ قال فبنفسك كما قال الله تعالى: ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات { والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم } يعني: منتشركم بالنهار، ومأواكم بالليل، ويقال ذهابكم ~~ومجيئكم قوله عز وجل: { ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت ~~سورة } وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ، فاشتاقوا ~~إلى الوحي فقالوا لولا نزلت، هلا نزلت سورة، قال الله تعالى { فإذا ~~أنزلت سورة محكمة } يعني: مبينة الحلال والحرام { وذكر ~~فيها القتال } يعني: أمروا فيها بالقتال، وقال قتادة: كل سورة ذكر ~~فيها ذكر القتال فهي محكمة، وقال القتبي في قراءة ابن مسعود سورة محدثة، ~~وتسمى المحدثة محكمة لأنها إذا نزلت تكون محكمة ما لم ينسخ منها شيء، ~~ويقال { فإذا أنزلت سورة محكمة } فيها ذكر القتال، ~~وطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فرح بها المؤمنون، وكره المنافقون ~~فذلك قوله { رأيت الذين فى قلوبهم مرض } يعني: الشك ~~والنفاق { ينظرون إليك نظر المغشى عليه من ~~الموت } كراهية لنزول القرآن، يعني إنهم يشخصون نحوك بأبصارهم ~~وينظرون نظرا شديدا من شدة العداوة، كما ينظر المريض عند الموت { ~~فأولى لهم } فهذا تهديد ووعيد، يعني: وليهم المكروه، يعني: قل ~~لهم احذروا العذاب، وقد تم الكلام ثم قال: { طاعة وقول معروف ~~} قال القتبي هذا مخصوص، يعني: قولهم قبل نزول الفرض سمعا لك وطاعة، ~~فإذا أمروا به كرهوا ذلك، ويقال: معناه طاعة وقول معروف أمثل لهم، ويقال ~~معناه: فإذا أنزلت سورة ذات طاعة يؤمر فيها بالطاعة، وقول معروف { ~~فإذا عزم الأمر } أي جاء الجد ووقت القتال، فلم يذكر في الآية ~~جوابه، والجواب فيه مضمر معناه: فإذا عزم الأمر يعني: وجب الأمر، وجد ~~الأمر، كرهوا ذلك، ثم ابتدأ فقال: { فلو صدقوا الله لكان ~~خيرا لهم } يعني: لو صدقوا الله في النبي وما جاء به، لكان خيرا ~~لهم من الشرك والنفاق، قوله { فهل عسيتم إن توليتم } ~~يعني: لعلكم وإن وليتم أمر هذه الأمة { أن تفسدوا فى الأرض } ~~بالمعاصي يعني: ms1595 أن تعصوا الله في الأرض { وتقطعوا أرحامكم } ~~قال السدي: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض، بالمعاصي، وتقطعوا ~~أرحامكم، فإن المؤمنين إخوة فإذا قتلوهم فقد قطعوا أرحامهم، وروى جبير عن ~~الضحاك قال: نزلت في الأمراء إن توليتم، أمر الناس أن تفسدوا في ~~الأرض، ويقال: معناه إن أعرضتم عن دين الإسلام، وعما جاء به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء ودفن البنات، وقطع ~~الأرحام { فهل عسيتم إن توليتم } يعني: هل تريدون إذا ~~أنتم تركتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أمركم به إلا أن تعودوا ~~إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر والمعاصي وقطع الأرحام، قرأ نافع (فهل ~~عسيتم) بكسر السين والباقون بالنصب، وهما لغتان إلا أن النصب أظهر عند ~~أهل اللغة، قوله عز وجل: { أولئك الذين لعنهم الله } ~~يعني: أهل هذه الصفة خذلهم الله وطردهم من رحمته، قوله { فأصمهم } ~~عن الهدى فلا يعقلونه { وأعمى أبصرهم } عن الهدى فلا ~~يبصرونه عقوبة لهم. ### || [47.24-32] # قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرءان } يعني: أفلا يسمعون ~~القرآن ويعتبرون به، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه من وعد ووعيد، ~~وكثرة عجائبه، حتى يعلموا أنه من الله تعالى وتقدس { أم على قلوب ~~أقفالها } يعني: بل على قلوب أقفالها، يعني: أقفل على قلوبهم ومعناه ~~أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم قوله تعالى: { إن الذين ~~ارتدوا على أدبرهم } يعني: رجعوا إلى الشرك { من ~~بعد ما تبين لهم الهدى } يعني: من بعد ما ظهر لهم ~~الإسلام، قال قتادة { إن الذين ارتدوا على أدبرهم ~~} وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكفروا به، ~~ويقال نزلت في المرتدين ثم قال عز وجل: { الشيطن سول لهم } ~~يعني: زين لهم ترك الهدى، وزين لهم الضلالة { وأملى لهم ذلك } ~~قرأ أبو عمرو: { وأملى } بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على معنى ~~فعل ما لم يسم فاعله، والباقون { وأملى } بنصب اللام والألف، يعني: ~~أمهل الله لهم فلم يعاقبهم حين كذبوا محمدا - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويقال زين ms1596 لهم الشيطان وأملى لهم الشيطان يعني: خيل لهم تطويل المدة ~~والبقاء، وقرأ يعقوب الحضرمي (وأملي) بضم الألف وكسر اللام وسكون ~~الياء، ومعناه أنا أملي يعني: أطول لهم المدة، كما قال: { إنما ~~نملى لهم ليزدادوا إثما } ثم قال ذلك يعني: اللعن والصمم ~~والعمى والتزين والإملاء { بأنهم قالوا للذين كرهوا ~~ما نزل الله } وهم المنافقون قالوا ليهود بني قريظة والنضير، وهم ~~الذين كرهوا ما نزل الله، يعني تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن { ~~سنطيعكم فى بعض الأمر } يعني: سنغنيكم في بعض الأمر { ~~والله يعلم إسرارهم } فيما قالوا فيما بينهم قرأ حمزة ~~والكسائي وعاصم في رواية حفص (إسرارهم) بكسر الألف، والباقون بالنصب ~~فمن قرأ بالنصب فهو جمع السر، ومن قرأ بالكسر فهو مصدر أسررت إسرارا، ~~ويقال: سر وأسرار، ثم خوفهم فقال الله تعالى { فكيف } يعني: كيف ~~يصنعون { إذا توفتهم الملئكة } يعني: تقبض أرواحهم ~~الملائكة، ملك الموت وأعوانه { يضربون وجوههم وأدبرهم ~~} يعني: عند قبض الأرواح، ويقال يعني يوم القيامة في النار { ذلك } أي ~~ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت وفي النار { بأنهم اتبعوا ~~ما أسخط الله } يعني: اتبعوا الكفر، وتكذيب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { وكرهوا رضوانه } يعني: عملوا بما لم يرض الله به، ~~وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى { فأحبط أعملهم } يعني: ~~أبطل ثواب أعمالهم قوله تعالى: { أم حسب الذين فى قلوبهم ~~مرض } يعني: أيظن أهل النفاق والشك { أن لن يخرج الله ~~أضغنهم } يعني: لم يظهر الله نفاقهم، ويقال: يعني الغش الذي في ~~قلوبهم للمؤمنين وعداوتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - { ولو نشاء ~~لأرينكهم } يعني: لعرفتك المنافقين وأعلمتك { فلعرفتهم ~~بسيمهم } يعني: بعلاماتهم الخبيثة، ويقال: { فلعرفتهم ~~بسيمهم } إذا رأيتهم، ويقال: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة ~~فلعرفتهم بسيماهم، يعني: حتى عرفتهم { ولتعرفنهم فى لحن ~~القول } يعني: ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم في لحن القول يعني في ~~محاورة الكلام، ويقال { فى لحن القول } يعني: كذبهم إذا تكلموا، ~~فلم يخف على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية منافق ~~عنده إلا ms1597 عرفه بكلامه ثم قال: { والله يعلم أعملكم } ~~يعني: لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها فكيف يخفى عليه إذا عملتموها { ~~ولنبلونكم } يعني لنختبرنكم عند القتال { حتى نعلم } أي ~~نميز { المجهدين منكم والصبرين } يعني: صبر الصابرين ~~عند القتال { ونبلو أخبركم } يعني: نختبر أعمالكم، ويقال: ~~أسراركم، قرأ عاصم في رواية أبي بكر { وليبلونكم حتى يعلم ~~ويبلوا } الثلاثة كلها بالياء، يعني: يختبركم الله والباقون الثلاثة ~~كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه قوله عز وجل: { إن الذين ~~كفروا } يعني: جحدوا { وصدوا } يعني: صرفوا الناس عن دين ~~الإسلام { عن سبيل الله } قال مقاتل: يعني: اليهود، وقال الكلبي: ~~يعني رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد { وشاقوا الرسول } يعني: ~~عادوا الله تعالى ورسوله، وخالفوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الدين { من بعد ما تبين لهم الهدى } يعني: الإسلام وأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه الحق { لن يضروا الله شيئا ~~} يعني: لن ينقصوا الله من ملكه شيئا، بكفرهم، بل يضروا بأنفسهم { ~~وسيحبط أعملهم } يعني: يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في ~~الدنيا فلا يقبلها منهم. ### || [47.33-38] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } يعني: أطيعوه في السر كما في العلانية، ويقال: ~~أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، وفيما يأمركم من الجهاد ~~{ ولا تبطلوا أعملكم } يعني: حسناتكم بالرياء، وقال أبو ~~العالية: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يرون أنه لا يضر مع قول ~~لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزل { يأيها ~~الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا ~~تبطلوا أعملكم } فخافوا أن تبطل الذنوب الأعمال، وقال ~~مقاتل: نزلت في الذين يمنون عليك أن أسلموا { إن الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله } قال مقاتل وذلك # " أن رجلا سأله عن والده أنه كان محسنا في كفره، قال: هو في النار، ~~فولى الرجل يبكي، فدعاه فقال له: والدك ووالدي ووالد إبراهيم في النار " # فنزل { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } { ~~ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله ms1598 لهم } قال ~~الكلبي: نزلت الآية في رؤساء أهل بدر قوله تعالى: { فلا تهنوا } ~~يعني: لا تضعفوا عن عدوكم: { وتدعوا إلى السلم } يعني: إلى ~~الصلح، أي: لا تهنوا ولا تدعوا إلى الصلح نظير قوله تعالى: # ولا تلبسوا الحق بالبطل وتكتموا الحق # [البقرة: 42] يعني: ولا تكتموا الحق، وفي هذه الآية دليل على أن أيدي ~~المسلمين إذا كانت عالية على المشركين لا ينبغي لهم أن يجيبوهم إلى الصلح ~~لأن فيه ترك الجهاد، وإن لم تكن يدهم عالية عليهم فلا بأس بالصلح لقوله ~~تعالى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 61] يعني: إن مالوا للصلح فمل إليه، قرأ حمزة في رواية أبي ~~بكر: إلى السلم بكسر السين، والباقون بالنصب قال بعضهم: وهما لغتان، ~~وقال بعضهم: أحدهما صلح، والآخر استسلام، ثم قال: { وأنتم ~~الأعلون } يعني: العالين يكون آخر الأمر لكم { والله معكم } ~~يعني: معينكم وناصركم { ولن يتركم أعملكم } يعني: لن ~~ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، يقال وترتني حقي يعني: بخستني فيه، وقال ~~مجاهد: لن ينقصكم، وقال قتادة: لن يظلمكم { إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو } يعني: باطل وفرح { وإن تؤمنوا } أي ~~تستقيموا على التوحيد { وتتقوا } النفاق { يؤتكم أجوركم ~~} يعني: يعطكم ثواب أعمالكم { ولا يسئلكم أمولكم } يعني: ~~لا يسألكم جميع أموالكم، ولكن ما فضل منها { إن يسئلكموها } ~~يعني: جميع الأموال { فيحفكم تبخلوا } يعني: إن يلح عليكم بما ~~يوجبه في أموالكم، ويقال فيحفكم يعني: يجهدكم كثرة المسألة، تبخلوا ~~بالدفع { ويخرج أضغنكم } يعني: يظهر بغضكم، وعداوتكم لله ~~تعالى، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين، ويقال ويخرج ما في ~~قلوبكم من حب المال، يقول هذا للمسلمين، ويقال هذا للمنافقين، يعني يظهر ~~نفاقكم، وقال قتادة علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان. # قوله عز وجل: { ها أنتم هؤلاء } قرأ نافع، وأبو عمرو { ها ~~أنتم } بمدة طويلة بغير همز، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالمد والهمز، ~~فها تنبيه، وأنتم كلمة على حدة، وإنما مد ليفصل ألف هاء من ألف أنتم، ~~وقرأ ابن كثير بالهمز بغير مد، ومعناه: أأنتم ثم قلبت إحدى الهمزتين ~~هاء، ms1599 ومعنى هذه القراءات كلها: أنتم يا معشر المؤمنين { تدعون ~~لتنفقوا فى سبيل الله } يعني لتتصدقوا في سبيل الله، وتعينوا ~~الضعفاء { فمنكم من يبخل } بالنفقة في سبيل الله { ومن ~~يبخل } بالنفقة { فإنما يبخل عن نفسه } يعني لا يكون ~~له ثواب النفقة { والله الغنى } عما عندكم من الأموال، وعن ~~أعمالكم { وأنتم الفقراء } إلى ما عند الله من الثواب، والرحمة، ~~والمغفرة { وإن تتولوا } يعني تعرضوا عما أمركم الله به من ~~الصدقة وغير ذلك مما افترض الله عليكم من حق { يستبدل قوما ~~غيركم ثم لا يكونوا أمثلكم } يعني يهلككم ويأت بخير ~~منكم، وأطوع لله تعالى منكم، ثم لا يكونوا أمثالكم، يعني أشباهكم في ~~معصية الله تعالى، قال بعضهم: لم يتولوا، ولم يستبدل بهم، وقال بعضهم ~~استبدل بهم أناس من كندا وغيرها، وروى أبو هريرة قال: لما نزلت هذه ~~الآية، قالوا: # " يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء الذين إن تولينا ~~استبدلوا بنا قال وعنده سلمان فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده ~~عليه ثم قال: هذا وقومه ثم قال: " لو كان الإيمان معلقا بالثريا ~~لتناوله رجال من أبناء فارس " # وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-3] # قوله تبارك وتعالى: { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } يعني ~~قضينا لك قضاء بينا، أكرمناك بالإسلام والنبوة، وأمرناك بأن تدعو الخلق ~~إليه، قال مقاتل: وذلك أنه لما نزل بمكة { وما أدرى ما يفعل ~~بى ولا بكم } وكان المشركون يقولون لم تتبعون رجلا لا يدري ما ~~يفعل به ولا بمن تابعه، فلما قدم المدينة، عيرهم بذلك المنافقون أيضا، ~~فعلم الله تعالى ما في قلوب المؤمنين من الحزم وما في قلوب الكافرين من ~~الفرح فنزل { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } يعني قضينا لك ~~قضاء بينا { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } فقال المؤمنون: هذا لك، فما لنا؟ فنزل # ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر # [الفتح: 5] الآية، فقال المنافقون فما لنا؟ فنزل # ويعذب المنفقين والمنفقت # [الفتح: 6] الآية، وقال الزجاج: إنا فتحنا ms1600 لك، يعني فتح الحديبية، ~~والحديبية بئر سمي المكان بها، والفتح: هو الظفر بالمكان كان بحرب أو ~~بغير حرب، قال ومعنى الفتح: الهداية إلى الإسلام، وكان في فتح الحديبية ~~معجزة من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنها بئر فاستسقى ~~جميع ما فيها من الماء، ولم يبق فيها شيء فمضمض رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم مجه فيها فدرت البئر بالماء، ثم قال: { ليغفر لك ~~} قال بعضهم هذه لام كي، فكأنه قال: لكي يغفر لك { الله ما تقدم ~~من ذنبك } يعني ذنب آدم { وما تأخر } يعني ذنب أمتك، وقال ~~القتبي: هذه لام القسم فكأنه قال { ليغفر لك الله ما ~~تقدم من ذنبك وما تأخر } ويقال ما كان قبل نزول الوحي ~~وما كان بعده قوله تعالى { ويتم نعمته عليك } بالنبوة ~~وبإظهار الدين { ويهديك صرطا مستقيما } يعني يثبتك على ~~الهدى وهو طريق الأنبياء { وينصرك الله } يعني لكي ينصرك الله ~~على عدوك { نصرا عزيزا } بإظهار الإسلام. ### || [48.4] # قوله تعالى: { هو الذى أنزل السكينة فى قلوب ~~المؤمنين } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجهز في سنة ست ~~في ذي القعدة فخرج إلى العمرة معه ألف وستمائة رجل، ويقال: ألف وأربعمائة ~~وساق سبعين بدنة فبلغ قريشا خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ~~فبعثوا خالد بن الوليد في عصابة منهم ليصدوا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وأصحابه عن البيت، فلما نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان قال: # " إن قريشا جعلت لي عيونا فمن يدلني على طريق الثنية، فقال رجل من ~~المسلمين أنا يا رسول الله، فخرج بهم وانتهوا إلى الثنية، وصعدوا فيها، ~~فلما هبط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الثنية بركت ناقته ~~القصواء، فلم تنبعث فزجرها، وزجرها الناس وضربوها فلم تنبعث، فقال الناس ~~خلأت القصواء أي صارت حرونا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خلأت ~~القصواء وما كان ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: لا ~~يسألونني فيما بيني وبينهم شيئا يعظمون به حرماتهم إلا قبلته منهم ms1601 ثم ~~زجرها فانبعثت، فلما نزلوا على القليب بالحديبية لم يكن في البئر إلا ماء ~~وشيك يعني قليل متغير فاستسقوا فلم يبق في البئر ماء، فقال من رجل يهيج ~~لنا الماء، فقال رجل أنا يا رسول الله، فقال: ما اسمك؟ قال: مرة فقال ~~تأخر، فقال رجل آخر أنا يا رسول الله، فقال ما اسمك؟ قال: ناجيه فقال: ~~انزل فنزل فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشقصا فبحت به البئر ~~فنبع الماء، وقال في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كان ماء ~~الحديبية قد قل، فأتى بدلو من ماء فتوضأ منه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم، وجعل منه في فيه ثم مجه في الدلو، ثم أمرهم بأن يجعلوه في البئر ~~ففعلوا فامتلأت البئر حتى كادوا يغرقون منها وهم جلوس ففزع المشركون ~~لنزول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في الحديبية، فجاؤوه ~~واستعدوا ليصدوه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر يا عمر: ~~اذهب فاستأذن لنا عليهم حتى نعتمر، ويخلوا بيني وبين البيت، لا أريد منهم ~~غيره، فقال عمر يا رسول الله ليس ثم أحد من قومي يمنعني، فأرسل عثمان فإن ~~هناك ناسا من بني عمه يمنعونه، فذهب عثمان فتلقاه أبان بن سعيد بن ~~العاص، فقال له أجرني من قومك حتى أبلغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم، فأجاره وحمله على فرسه وراءه ودخل به مكة، فاستأذن عثمان قريشا ~~فأبوا أن يأذنوا له، فقال أبان لعثمان طف أنت إن شئت، فقال لما كنت ~~لأتقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وبقي هناك ثلاثة أيام، ~~فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن عثمان قد قتل، فقال لأصحابه ~~بايعوني على الموت، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة فبايعه ~~أصحابه على الموت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إني أخاف ألا يدرك ~~عثمان هذه البيعة فأنا أبايع له يميني بشمالي، ثم رجع عثمان فأخبر أنهم ~~قد أبوا ذلك، وبلغت قريشا البيعة، فكبرت تلك البيعة عندهم، ms1602 وقالوا ليزيد ~~بن الحارث الكناني أردده عنا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ابعثوا ~~الهدي في وجهه يراها فإنهم قوم يعظمون الهدي، فبعثوا الهدي في وجهه، فلما ~~رأى يزيد بن الحارث الهدي قال: ما أرى أحدا يفلح برد هذا الهدي، ورجع ~~إلى قريش فقال لهم: لا تردوا هذا الهدي فإني أخشى أن يصيبكم عذاب من ~~السماء، فأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي فجاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم، فجلس إليه فقال يا محمد: ارجع عن قومك هذه المرة، فجعل يكلم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ويومىء بيديه إلى لحيته، وكان المغيرة ~~قائما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربه بالسوط على يده، وقال ~~اكفف يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يصل إليك ما ~~تكره، فقال عروة: من هذا يا محمد؟ فقال: ابن أخيك المغيرة بن شعبة، فقال ~~يا غدر ما غسلت سلحتك عني بعد، أفتضرب يدي؟ قال: اكففها قبل أن لا تصل ~~إليك، فرجع عروة إلى قريش، فقالوا له ما ورائك يا أبا يعقوب، فقال خلوا ~~سبيل الرجل يعتمر، فإني حضرت كسرى وقيصر والنجاشي فما رأيت ملكا قط ~~أصحابه أطوع من هذا الملك، والله إنه ليتنخم فيبتدرون نخامته، والله إنه ~~ليجلس فيبتدرون التراب الذي يجلس عليه، وإنه ليتوضأ فيبتدرون وضوءه، ~~فقالوا جبنت وانتفح سحرك، ثم قالوا لسهيل بن عمرو اذهب واردده عنا ~~وصالحه، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قد سهل أمرهم، ~~فجاءه سهيل في نفر من قريش فقال: يا محمد ارجع عن قومك هذه المرة على أن ~~لك أن تأتيهم من العام المقبل فتعتمر أنت وأصحابك، ويدخل كل إنسان منكم ~~بسلاحه راكبا، فتصالحنا على أن لا تقاتلنا ولا نقاتلك سنتين، فرضي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال اكتب بيننا وبينك كتابا، فأمر ~~عليا رضي الله عنه أن يكتب، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا ~~أعرف الرحمن، قال فكيف أكتب؟ قال: اكتب باسمك اللهم، فكتب باسمك ms1603 اللهم، ~~هذا ما صالح عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال سهيل لو ~~أعلم أنك رسول الله لاتبعتك، أفترغب عن اسم أبيك؟ فقال علي رضي الله عنه: ~~فوالله إنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رغم أنفك فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم: أنا محمد رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ~~اكتب محمد بن عبد الله، لأنه كان عهد أن لا يسألوه عن شيئا يعظمون به ~~حرماتهم إلا قبله، فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، سهيل بن ~~عمرو، ألا تقاتلنا ولا نقاتلك سنتين، وندخل في حلفنا من نشاء، وتدخلوا في ~~حلفكم من شئتم، وعلى أنكم تأتون من العام المقبل وتقيمون ثلاثة أيام ثم ~~ترجعون، وعلى أن ما جاء منا إليكم لا تقبلوه وتردوه إلينا، ومن جاء منكم ~~إلينا فهو منا فلا نرده إليكم، فشق ذلك الشرط على المسلمين فقالوا يا ~~رسول الله: من لحق بنا منهم لم نقبله، ومن لحق بهم منا فهو لهم، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأما من لحق بهم منا فأبعده الله وأولى ~~بمن كفر وأما من أراد أن يلحق بنا منهم فسيجعل الله له مخرجا، فجاء أبو ~~جندل بن سهيل يوسف في الحديد، يعني يمشي مشي الأعرج قد أسلم فأوثقه أبوه ~~حين خشي أن يذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم، فلما وقع في ظهراني ~~المسلمين، قال إني مسلم فجاء أبوه، فقال: إنما كتبنا الكتاب الساعة، فقال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا رسول الله أليس الله حق وأنت نبيه؟ قال: ~~بلى، قال: ونحن قوم مؤمنون؟ وهم كفار؟ قال بلى، قال فلم نعطي الدنية ~~في ديننا، قال إنما كتبنا الكتاب الساعة، فتحول عمر إلى أبي جندل فقال: ~~يا أبا جندل إن الرجل يقتل أباه في الله، وإن دم الكافر لا يساوي دم كلب، ~~وجعل عمر يقرب إليه سيفه كيما يأخذه ويضرب به أباه، فقال أبو جندل ما لك ~~لا تقتله أنت؟ فقال عمر: نهاني ms1604 رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال: ما ~~أنت بأحق بطاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني، لا أقتل أبي، فأخذ ~~سهيل بن عمرو غصن من أغصان تلك الشجرة فضرب به وجه أبي جندل، والمسلمون ~~يبكون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - خلوا بينه وبين ابنه، فإن يعلم ~~الله من أبي جندل الصدق ينجيه منهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لسهيل هبه لي فقال سهيل لا، فقال مكرز بن حفص قد أجرته يعني أمنته ~~فآمنه حتى رده إلى مكة فأنجى الله تعالى أبا جندل من أيديهم بعد ما رجع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فخرج إلى شط البحر واجتمع ~~إليه قريبا من سبعين رجلا كرهوا أن يقيموا مع المشركين، وعلموا أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لن يقبلهم حتى تنقضي المدة، فعمدوا إلى عير ~~لقريش مقبلة إلى الشام أو مدبرة فأخذوها، وجعلوا يقطعون الطريق على ~~المشركين، فأرسل المشركون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يناشدونه إلا ~~قبضهم إليه، وقالوا له أنت في حل منهم، فالتحقوا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم، فعلم الذين كرهوا الصلح أن الخير فيما رأى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم، ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن ينحروا ~~البدن، ويحلقوا الرؤوس فلم يفعل ذلك منهم أحد، فدخل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على أم سلمة فقال: ألا تعجبين، أمرت الناس أن ينحروا البدن ~~ويحلقوا فلم يفعل أحد منهم، فقالت أم سلمة قم أنت يا رسول الله وانحر ~~بدنك، واحلق رأسك فإنهم سيقتدون بك، فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- البدن وحلق رأسه ففعل القوم كلهم، فحلق بعضهم وقصر بعضهم، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم، يرحم الله المحلقين، فقالوا والمقصرين يا ~~رسول الله، فقال يرحم الله المحلقين والمقصرين " # ، فرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة فنزل { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } إلى قوله: { هو الذى أنزل ~~السكينة فى قلوب المؤمنين } يعني السكون والطمأنينة في ~~البيعة ms1605 في قلوب المؤمنين { ليزدادوا إيمنا مع ~~إيمنهم } يعني تصديقا مع تصديقهم الذي هم عليه، ويقال تصديقا ~~بما أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البيعة، ويقال يعني ~~إقرارا بالفرائض مع إقرارهم بالله تعالى، وروي عن علي بن أبي طلحة عن ~~ابن عباس في قوله { هو الذى أنزل السكينة } قال يعني الرحمة ~~{ فى قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمنا } قال إن الله ~~تعالى بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشهادة أن لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، كما قال # قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد # [الاخلاص:1، 4] فلما صدقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم ~~الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الصوم، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما ~~صدقوا به زادهم الجهاد، يعني إن في كل ذلك يزيد تصديقا مع تصديقهم، { ~~ولله جنود السموات والأرض } فجنود السموات الملائكة، ~~وجنود الأرض المؤمنون من الجن والإنس { وكان الله عليما } بخلقه ~~{ حكيما } في أمره حيث حكم بالنصر للمؤمنين يوم بدر. ### || [48.5-9] # قوله عز وجل { ليدخل المؤمنين والمؤمنت } يعني ~~المصدقين والمصدقات { جنت تجرى من تحتها الأنهر } ~~يعني من تحت غرفها وأشجارها { خلدين فيها } يعني دائمين مقيمين ~~لا يموتون ولا يخرجون منها { ويكفر عنهم سيئتهم } يعني ~~يمحو ويتجاوز عن سيئاتهم، يعني عن ذنوبهم { وكان ذلك عند الله ~~فوزا عظيما } في الآخرة أي نجاة وافرة من العذاب ثم قال { ~~ويعذب المنفقين والمنفقت } يعني ولكن يعذب ~~المنافقين والمنافقات من أهل المدينة { والمشركين } من أهل مكة { ~~والمشركت } الذين أقاموا على عبادة الأصنام، قوله { الظانين ~~بالله ظن السوء } وظنهم ترك التصديق بالله تعالى ورسوله مخافة ~~ألا ينصر محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى # بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول # [الفتح: 12] ثم قال { عليهم دائرة السوء } يعني عاقبة ~~العذاب والهزيمة { وغضب الله عليهم ولعنهم } في الدنيا ~~{ وأعد لهم جهنم } في الآخرة { وساءت مصيرا } يعني ~~بئس المصير الذي صاروا إليه قوله تعالى { ولله جنود ~~السموات والأرض وكان الله عزيزا } بالنقمة لمن مات ms1606 ~~على كفره ونفاقه { حكيما } في أمره وقضائه حكم بالنصرة للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم قال { إنا أرسلنك شاهدا } يعني بعثناك ~~شاهدا بالبلاغ إلى أمتك { ومبشرا } لمن أجابك بالجنة { ونذيرا ~~} يعني مخوفا للكفار بالنار { لتؤمنوا بالله ورسوله } ~~يعني لتصدقوا بالله فيما يأمركم، وتصدقوا برسوله محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { وتعزروه } يعني لكي تعينوه وتنصروه على عدوه بالسيف { ~~وتوقروه } أي تعظموا النبي - صلى الله عليه وسلم - { ~~وتسبحوه } يعني تصلوا لله تبارك وتعالى { بكرة وأصيلا } ~~يعني غدوة وعشيا، فكأنه قال: لتؤمنوا بالله وتسبحوه، وتؤمنوا برسوله ~~وتعزروه وتوقروه، قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ليؤمنوا بالله ~~ورسوله ويعزروه ويوقروه ويسبحوه) كلها بالياء ~~على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على معنى المخاطبة، وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو (دائرة السوء) بضم السين، وقرأ الباقون بالنصب ~~كقولك: رجل سوء وعمل سوء، وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو بالنصب أيضا. ### || [48.10-14] # قوله عز وجل: { إن الذين يبايعونك } يعني يوم الحديبية تحت ~~الشجرة، وهي بيعة الرضوان، قال الكلبي: بايعوا تحت الشجرة، وهي شجرة ~~السمرة وهم يومئذ ألف وخمسمائة وأربعون رجلا، وروى هشام عن محمد بن ~~الحسن قال: كانت الشجرة أم غيلان { إنما يبايعون الله } يعني ~~كأنهم يبايعون الله، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بايعهم بأمر ~~الله تعالى، ويقال { إنما يبايعون الله } أي لأجله وطلب رضاه ~~ثم قال { يد الله فوق أيديهم } يعني يد الله بالنصرة ~~والغلبة والمغفرة { فوق أيديهم } بالطاعة، وقال الزجاج { يد ~~الله فوق أيديهم } يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: يد الله فوق أيديهم ~~بالوفاء، ويحتمل يد الله فوق أيديهم بالثواب، فهذان وجهان جاءا في ~~التفسير، ويحتمل أيضا: يد الله فوق أيديهم في المنة عليهم وفي ~~الهداية، فوق أيديهم في الطاعة { فمن نكث } يعني نقض العهد والبيعة ~~{ فإنما ينكث على نفسه } [يعني عقوبته على نفسه { ومن ~~أوفى بما عهد عليه الله } قرأ حفص برفع الهاء أي وفي ~~بما عاهد عليه من البيعة فيتم ذلك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ~~يعني أوفى بما عاهد ms1607 الله عليه] من البيعة والتمام في ذلك مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - { فسيؤتيه أجرا عظيما } في الجنة، قرأ ~~نافع وابن كثير وابن عامر (فسنؤتيه) بالنون والباقون بالياء، ~~وكلاهما يرجع إلى معنى واحد، يعني سيؤتيه الله ثوابا عظيما قوله تعالى ~~{ سيقول لك المخلفون من الأعراب } وهم أسلم وأشجع ~~وعقار وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين خرج إلى مكة عام ~~الحديبية، فاستتبعهم وكانت منازلهم بين مكة والمدينة، فقالوا فيما بينهم ~~نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فقاتلهم، فاعتلوا عليه بالشغل حتى ~~رجع، فأخبر الله تعالى رسوله قبل ذلك أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر ~~وهم كاذبون، فقال { سيقول لك المخلفون من الأعراب } ~~يعني الذين تخلفوا عن بيعة الحديبية { شغلتنا أمولنا ~~وأهلونا } يعني خفنا عليهم الضيعة ولولا ذلك لخرجنا معك { ~~فاستغفر لنا } في التخلف { يقولون بألسنتهم ما ~~ليس فى قلوبهم } يعني من طلب الاستغفار، وهم لا يبالون استغفرت ~~لهم أم لم تستغفر لهم { قل } يا محمد { فمن يملك لكم من ~~الله شيئا } يعني من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب الله شيئا { إن ~~أراد بكم ضرا } يعني قتلا أو هزيمة { أو أراد بكم ~~نفعا } يعني النصرة، قرأ حمزة والكسائي (ضرا) بضم الضاد وهو سوء ~~الحال، والمرض وما أشبه ذلك والباقون بالنصب وهو ضد النفع، اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به التقرير، يعني لا يقدر أحد على دفع الضر، ومنع ~~النفع غير الله، ثم استأنف الكلام فقال { بل كان الله بما ~~تعملون خبيرا } يعني عالما بتخلفكم ومرادكم قوله عز وجل { بل ~~ظننتم أن لن ينقلب الرسول } يعني بل منعكم من السير معه ~~لأنكم ظننتم أن لن ينقلب الرسول { والمؤمنون } من الحديبية { ~~إلى أهليهم أبدا وزين ذلك فى قلوبكم } يعني ~~حسن التخلف في قلوبكم { وظننتم ظن السوء } يعني حسبتم الظن ~~القبيح { وكنتم قوما بورا } يعني هلكى، وروي عن ابن عباس أنه ~~قال: البور في لغة أزد وعمان - الشيء الفاسد - والبور في كلام العرب: لا ~~شيء، يعني أعمالهم بور، أي مبطلة قوله ms1608 عز وجل { ومن لم يؤمن ~~بالله ورسوله } يعني من لم يصدق بالله في السر كما صدقه في ~~العلانية { فإنا أعتدنا للكفرين سعيرا } يعني هيأنا ~~لهم عذاب السعير قوله تعالى { ولله ملك السموات والأرض ~~} يعني خزائن السماوات والأرض، ويقال ونفاذ الأمر في السماوات والأرض { ~~يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وهو فضل: منه المغفرة، ~~ويعذب من يشاء على الذنب الصغير وهو عدل منه { وكان الله غفورا ~~} لذنوبهم { رحيما } بهم. ### || [48.15-20] # قال عز وجل: { سيقول المخلفون } يعني الذين تخلفوا عن ~~الحديبية { إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } يعني ~~إلى غنائم خيبر { ذرونا نتبعكم } يعني اتركونا نتبعكم في ذلك ~~الغزو { يريدون أن يبدلوا كلم الله } يعني يغيروا كلام ~~الله، يعني ما قال الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لا تأذن لهم في ~~غزاة أخرى، قرأ حمزة والكسائي (كلم الله) وهو جمع بكلمة، والباقون ~~(كلام الله) والكلام: اسم لكل ما يتكلم به { قل لن ~~تتبعونا } في المسير إلى خيبر إلا متطوعين من غير أن يكون لكم ~~شرك في الغنيمة { كذلكم قال الله من قبل } يعني من قبل ~~الحديبية { فسيقولون بل تحسدوننا } يعني يقولون للمؤمنين ~~إن الله لم ينهكم عن ذلك بل تحسدوننا على ما نصيب معكم من الغنائم، قال ~~الله تعالى { بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا } أي لا ~~يعقلون ولا يرغبون في ترك النفاق لا قليلا ولا كثيرا، ويقال بل كانوا ~~لا يفقهون النهي من الله تعالى إلا قليلا منهم قوله عز وجل { قل ~~للمخلفين من الأعراب } يعني الذين تخلفوا عن الحديبية ~~مخافة القتال { ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد } ~~يعني قتال شديد، قال بعضهم: يعني قتال أهل اليمامة بعد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم، قاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال مجاهد: ~~(إلى قوم أولى بأس شديد) يعني أهل الأوثان، وقال أيضا هم ~~أهل فارس وكذا قال عطاء، وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف، وقال الحسن: ~~فارس والروم { تقتلونهم أو يسلمون } قرأ بعضهم (أو ~~يسلموا) بألف من غير نون، وقراءة العامة ms1609 بالنون، فمن قرأ (أو ~~يسلموا) يعني حتى يسلموا أو إلى أن يسلموا، ومن قرأ بالنون فمعناه: ~~تقاتلونهم أو هم يسلمون { فإن تطيعوا } يعني تجيبوا وتوقعوا ~~القتال، وتخلصوا لله تعالى { يؤتكم الله أجرا حسنا } يعني ~~ثوابا حسنا في الآخرة { وإن تتولوا كما توليتم من ~~قبل } يعني تعرضوا عن الإجابة كما أعرضتم يوم الحديبية { يعذبكم ~~عذابا أليما } يعني شديدا دائما، فلما نزلت هذه الآية قال أهل ~~الزمانة والضعفاء فكيف بنا إذا دعينا إلى قتالتهم ولا نستطيع الخروج، ~~فيعذبنا الله؟ فنزل قوله: { ليس على الأعمى حرج } وهذا قول ~~الكلبي، وقال مقاتل: نزل العذر في الذين تخلفوا عن الحديبية { ليس ~~على الأعمى حرج } يعني ليس عليهم إثم في التخلف { ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج } يعني إثم { ومن ~~يطع الله ورسوله } في الغزو، ويقال: ومن يطع الله ورسوله في ~~الغزو في السر والعلانية { يدخله جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } وقد ذكرناه { ومن يتول } يعني يعرض عن ذلك، يعني ~~عن طاعة الله ورسوله بالتخلف { يعذبه عذابا أليما } يعني ~~شديدا دائما، قرأ نافع وابن عامر (ندخله ونعذبه) كلاهما ~~بالنون، والباقون كلاهما بالياء، وكلاهما يرجع إلى معنى واحد قوله تعالى ~~{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة } يعني شجرة السمرة، ويقال: أم غيلان، قال قتادة: ~~بايعوه يومئذ وهم ألف وأربعمائة رجل، وكان عثمان يومئذ بمكة، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إن عثمان في حاجة الله، وحاجة رسوله، وحاجة المؤمنين، ثم وضع إحدى ~~يديه على الأخرى وقال: هذه بيعة عثمان " # { فعلم ما فى قلوبهم } أي ما في قلوبهم من الصدق والوفاء ~~وهذا قول ابن عباس، وقال مقاتل: فعلم ما في قلوبهم من الكراهية للبيعة ~~على أن يقاتلوا ولا يفروا { فأنزل } الله { السكينة عليهم } ~~يعني أنزل الله تعالى الطمأنينة والرضى عليهم { وأثبهم } يعني ~~أعطاهم { فتحا قريبا } يعني فتح خيبر { ومغانم كثيرة ~~يأخذونها } يعني يغنمونها { وكان الله عزيزا حكيما } ~~حكم عليهم بالقتل والسبي، ويقال حكم الغنيمة للمؤمنين، والهزيمة للكافرين ~~ثم قال { وعدكم الله مغانم كثيرة ms1610 تأخذونها } يعني ~~تغنمونها، وهو ما أصابوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وبعده إلى ~~يوم القيامة، وقال ابن عباس: هي هذه الفتوح التي تفتح لكم { فعجل ~~لكم هذه } يعني فتح خيبر، قرأ بعضهم (وأتاهم) أي أعطاهم، ~~وقراءة العامة (وأثابهم) يعني كافأهم قوله تعالى { وكف أيدى ~~الناس عنكم } يعني أيدي أهل مكة ويقال أسد وغطفان أرادوا أن ~~يعينوا أهل خيبر فدفعهم الله عن المؤمنين، فصالحوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على ألا يكونوا له ولا عليه ثم قال { ولتكون ءاية ~~للمؤمنين } يعني عبرة للمؤمنين، وهو فتح خيبر، لأن المسلمين كانوا ~~ثمانية آلاف، وأهل خيبر كانوا سبعين ألفا ثم قال { ويهديكم ~~صرطا مستقيما } يعني يرشدكم دينا قيما وهو دين الإسلام. ### || [48.21-26] # قال: { وأخرى لم تقدروا عليها } يعني وعدكم الله غنيمة ~~أخرى لم تقدروا عليها، يعني لم تملكوها بعد، وهو فتح مكة، ويقال هو فتح ~~قرى فارس والروم { قد أحاط الله بها } يعني علم الله أنكم ~~ستفتحونها وتستغنمونها فجمعها وأحرزها لكم { وكان الله على كل ~~شىء قديرا } من الفتح وغيره { ولو قتلكم الذين ~~كفروا } يعني كفار مكة يوم الحديبية، ويقال أسد وغطفان يوم خيبر { ~~لولوا الأدبر } منهزمين { ثم لا يجدون وليا ~~ولا نصيرا } يعني قريبا ينفعهم ولا مانعا يمنعهم من الهزيمة قوله ~~عز وجل { سنة الله التى قد خلت من قبل } يعني هكذا ~~سنة الله بالغلبة والنصرة لأوليائه والقهر لأعدائه { ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا } يعني تغييرا وتحويلا { وهو الذى ~~كف أيديهم عنكم } يعني أيدي أهل مكة { وأيديكم ~~عنهم } يعني أيديكم عن أهل مكة من بعد أن أظفركم عليهم وذلك أن جماعة ~~من أهل مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين، فرماهم المسلمون ~~بالحجارة، حتى أدخلوهم بيوت مكة، وروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: ~~طلع قوم وهم ثمانون رجلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قبل ~~التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه، فأخذهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: { وهو الذى كف أيديهم ~~عنكم ms1611 وأيديكم عنهم } { ببطن مكة } يعني بوسط مكة { ~~من بعد أن أظفركم عليهم } يعني سلطكم عليهم { وكان ~~الله بما تعملون بصيرا } بحرب بعضكم بعضا. # قوله تعالى: { هم الذين كفروا } يعني: جحدوا بوحدانية الله ~~تعالى { وصدوكم عن المسجد الحرام } أن تطوفوا به { ~~والهدى معكوفا } يعني: محبوسا، يقال عكفته عن كذا إذا حبسته، ~~ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه، يعني: صيروا الهدي محبوسا عن دخول ~~مكة، وهي سبعون بدنة، ويقال: مائة بدنة { أن يبلغ محله } يعني: ~~منحره، ومنحرة: منى للحاج، وعند الصفا للمعتمر ثم قال: { ولولا ~~رجال مؤمنون ونساء مؤمنت } بمكة { لم ~~تعلموهم } أنهم مؤمنون، يعني لم تعرفوا المؤمنين من المشركين { ~~أن تطئوهم } يعني: تحت أقدامكم، ويقال فتضربوهم بالسيف { ~~فتصيبكم منهم معرة } يعني: تلزمكم الدية { بغير ~~علم } يعني: بغير علم منكم لهم، ولا ذنب لكم، وذلك أن بعض المؤمنين ~~كانوا مختلطين بالمشركين، غير متميزين ولا معروفي الأماكن، ثم قال: { ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنت لم ~~تعلموهم أن تطئوهم } لو دخلتموها أن تقتلوهم { ليدخل ~~الله فى رحمته من يشاء } لو فعلتم فيصيبكم من قتلهم معرة، ~~يعني يعيركم المشركون بذلك ويقولون قتلوا أهل دينهم، كما قتلونا، فتلزمكم ~~الديات ثم قال: { لو تزيلوا } أي تميزوا من المشركين { ~~لعذبنا الذين كفروا } يعني: لو تميزوا بالسيف، وقال ~~القتبي: صار قوله { لعذبنا } جوابا لكلامين: أحدهما - لولا رجال ~~مؤمنون، والآخر: لو تزيلوا: يعني: لو تفرقوا واعتزلوا يعني: المؤمنين من ~~الكافرين - لعذبنا الذين كفروا { منهم عذابا ~~أليما } يعني: شديدا وهو القتل قوله تعالى: { إذ جعل الذين ~~كفروا } يعني: أهل مكة { فى قلوبهم الحمية حمية ~~الجهلية } وذلك أنهم قالوا قتل آباءنا وإخواننا ثم أتانا يدخل ~~علينا في منازلنا، والله لا يدخل علينا، فهذه الحمية التي في قلوبهم { ~~فأنزل الله سكينته } يعني: طمأنينته { على رسوله ~~وعلى المؤمنين } فأذهب عنهم الحمية حتى اطمأنوا وسكتوا { ~~وألزمهم كلمة التقوى } يعني: ألهمهم كلمة لا إله إلا ~~الله حتى قالوا { وكانوا أحق بها } يعني: كانوا في علم الله ~~تعالى أحق بهذه الكلمة من كفار مكة { وأهلها } يعني: ms1612 وكانوا أهل هذه ~~الكلمة عند الله تعالى { وكان الله بكل شىء عليما } يعني: ~~عليما بمن كان أهلا لذلك وغيره. ### || [48.27-29] # قوله عز وجل: { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~} يعني: حقق الله تعالى رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوفاء ~~والصدق، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في المنام قبل الخروج ~~إلى الحديبية أنهم يدخلون المسجد الحرام، فأخبر الناس بذلك فاستبشروا، ~~فلما صدهم المشركون، قالت المنافقون في ذلك ما قالت، فنزل لقد صدق ~~الله رسوله الرؤيا بالحق يعني: يصدق رؤياه بالحق { ~~لتدخلن المسجد الحرام } يعني: ما أخبر أصحابه أنهم ~~يدخلون المسجد الحرام في العام الثاني، ويقال: نزلت الآية بعد ما دخلوا ~~في العام الثاني لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام يعني: ما أخبر أصحابه أنهم يدخلون ~~المسجد الحرام { إن شآء الله آمنين } يعني: لتدخلن إن شاء الله ~~آمنين، يعني بإذن الله وأمره، ويقال هذا اللفظ حكاية الرؤيا، وذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رأى في المنام، رأى كأن ملكا ينادي ~~وهو يقول لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، فأنزل الله تعالى لقد ~~صدق الله رسوله الرؤيا بالحق وهو قول الملك { ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين } من ~~العدو { محلقين رءوسكم ومقصرين } يعني: منهم من يحلق ~~ومنهم من يقصر { لا تخفون } العدو { فعلم ما لم ~~تعلموا } قال مقاتل: فعلم أن يفتح عليهم خيبر قبل ذلك، فوعد لهم ~~الفتح، ثم دخول مكة ففتحوا خيبر ثم رجعوا ثم دخلوا مكة وأتوا عمرة ~~القضاء، وقال الكلبي في قوله: { فعلم ما لم تعلموا } يعني: ~~علم الله أنه سيكون في السنة الثانية، ولم تعلموا أنتم فلذلك وقع في ~~أنفسكم ما وقع { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } يعني: ~~فتح خيبر ثم قال عز وجل: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~} يعني: بالتوحيد شهادة أن لا إله إلا الله { ودين الحق } وهو ~~الإسلام { ليظهره على الدين كله } يعني: على الأديان كلها ~~قبل أن تقوم الساعة فلا يبقى أهل دين ms1613 إلا دخلوا في الإسلام { وكفى ~~بالله شهيدا } بأن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن ~~لم يشهد كفار مكة، وذلك حين أراد أن يكتب محمد رسول الله، فقال سهيل بن ~~عمرو: إنا لا نعرف بأنك رسول الله ولا نشهد، قال الله عز وجل: { وكفى ~~بالله شهيدا } وإن لم يشهد سهيل وأهل مكة، قال عز وجل: { ~~محمد رسول الله والذين معه } من المؤمنين { ~~أشداء على الكفار } بالغلظة { رحماء بينهم } يعني: ~~متوادين فيما بينهم { تراهم ركعا سجدا } يعني: يكثرون ~~الصلاة { يبتغون فضلا من الله ورضوانا } يعني: يلتمسون ~~من الحلال، وقال بعضهم " والذين معه " يعني: أبا بكر { أشداء ~~على الكفار } يعني: عمر { رحماء بينهم } يعني: عثمان { ~~تراهم ركعا سجدا } يعني: عليا رضوان الله عليهم أجمعين { ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا } يعني: الزبير، وعبد ~~الرحمن بن عوف { سيمهم فى وجوههم } يعني: علاماتهم وهي ~~الصفرة في وجوههم { من أثر السجود } يعني: من السهر بالليل، ~~ويقال يعرفون غرا محجلين يوم القيامة من أثر الوضوء، وقال مجاهد: ~~(سيمهم فى وجوههم) قال: الخشوع والوقار، وقال منصور: قلت ~~لمجاهد أهذا الذي يكون بين عيني الرجل؟ قال: إن ذلك قد يكون للرجل وهو ~~أقسى قلبا من فرعون ثم قال: { ذلك مثلهم فى التوراة } ~~يعني: هذا الذي ذكره من نعتهم وصفتهم في التوراة، ثم ذكر نعتهم في ~~الإنجيل فقال: { ومثلهم فى الإنجيل } يعني: مثل محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه { كزرع أخرج شطأه } روى ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد قال: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد، قال: { مثلهم فى ~~التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه } ~~قرأ ابن كثير، وابن عامر شطأه بنصب الشين والطاء والباقون بنصب الشين ~~وجزم الطاء، ومعناهما واحد، وهو فراخ الزرع، وقال مجاهد: شطأه يعني: ~~قوائمه قرأ ابن عامر (فآزره) بغير مد والباقون بالمدة ومعناهما واحد، ~~يعني: قواه ومنه قوله عز وجل # اشدد به أزرى # [طه: 31] يعني: قوي به ظهري، ويقال { كزرع أخرج شطأه } ~~يعني: سنبله فآزره يعني: أعانه وقواه { فاستغلظ } يعني: غلظ ~~الزرع واستوى { فاستوى على ms1614 سوقه } وهو جماعة الساق { يعجب ~~الزراع } يعني: الزارع إذا نظر في زرعه بعدما استغلظ واستوى يعجبه ~~ذلك، فكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، تبعه أبو بكر ثم تبعه عمر، ثم ~~تبعه واحد بعد واحد من أصحابه، حتى كثروا ففرح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك لكثرتهم { ليغيظ بهم الكفار } يعني: أهل مكة ~~يكرهون ذلك لما رأوا من كثرة المسلمين وقوتهم، وروى خيثمة عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرئهم القرآن في المسجد، فأتى على هذه ~~الآية: { كزرع أخرج شطأه } فقال: أنتم الزرع وقد دنا حصادكم، ~~ويقال كزرع يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم { أخرج شطأه } ~~يعني: أبا بكر { فازره } يعني: أعانه عمر على كفار مكة { ~~فاستغلظ } يعني: تقوى بنفقة عثمان { فاستوى على سوقه } ~~يعني: قام على أمره علي بن أبي طالب يعينه وينصره على أعدائه { يعجب ~~الزراع ليغيظ بهم الكفار } يعني: طلحة والزبير، وكان ~~الكفار يكرهون إيمان طلحة والزبير لشدة قوتهما، وكثرة أموالهما { وعد ~~الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت منهم } ~~يعني: لهم، ويقال فيما بينهم وبين ربهم، ويقال: من: ها هنا لإبانة ~~الجنس يعني: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم، أي من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - { مغفرة } لذنوبهم { وأجرا ~~عظيما } يعني: ثوابا وافرا في الجنة (روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " من قرأ سورة الفتح فكأنما شهد فتح مكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- " # والله سبحانه أعلم. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # قوله تبارك وتعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا ~~بين يدى الله ورسوله } يقال: (يا) نداء، و (ها) تنبيه ~~و(الذين) إشارة و (آمنوا) مدحه روي عن الضحاك أنه كان يقرأ (لا ~~تقدموا) بنصب التاء والدال، وقراءة العامة (لا تقدموا) برفع ~~التاء وكسر الدال، فمن قرأ بالنصب فهو في الأصل: لا تتقدموا، فحذفت إحدى ~~التاءين لتكون أخف، ومن قرأ بالضم فهو: من قدم تقدم، يقال فلان تقدم بين ~~يدي أبيه، وبين يدي الإمام، يعني تعجل بالأمر وانتهى دونه، يعني ms1615 لا ~~تقدموا الكلام بين يدي الله ورسوله، ومعناه لا تقولوا قبل أن يقول الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - ويقال معناه: إذا أمرتم بأمر فلا تفعلوه قبل ~~الوقت الذي أمرتم به، وقال الحسن: إن قوما ذبحوا قبل أن يصلي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يذبحوا آخر فنزل { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا ~~بين يدى الله ورسوله } وقال مسروق كنا عند عائشة يوم الشك ~~فأتي بلبن فناولتني، فقلت إني صائم، فقالت عائشة رضي الله عنها وقد نهي ~~عن هذا، وقرأت هذه الآية، وقالت هذه الآية نزلت في الصوم وغيره، وقال ~~مقاتل نزلت الآية في ثلاثة نفر وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~سرية وأمر عليهم المنذر بن عمرو، فخرج بنو عامر بن صعصعة عند بئر معونة ~~فرصدوهم على الطريق وقتلوهم فرجع ثلاثة منهم، فلما دنوا إلى المدينة خرج ~~رجلان من بني سليم صلحا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد كان ~~أهداهما، وكساهما فقالا: نحن من بني عامر، لأن بني عامر كانوا أقرب إلى ~~المدينة، فقتلوهما وأخذوا من ثيابهما وجاؤوا بها إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فنزل { يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا ~~بين يدى الله ورسوله } يعني: لا تعجلوا بقتل ولا بأمر حتى ~~تستأمروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي عن الحسن في رواية ~~أخرى، أنه قال: لا تعملوا بخلاف الكتاب والسنة، ثم قال: { واتقوا ~~الله } يعني: اخشوا الله عز وجل فيما يأمركم وينهاكم، ولا تخالفوا أمر ~~الله ورسوله وقوله: { إن الله سميع عليم } يعني: سميع الدعاء ~~عليم بخلقه، ويقال: سميع لقول المستأمنين، عليم بنيات الذين قتلوهما، وفي ~~الآية بيان رأفة الله عز وجل على عباده حيث سماهم مؤمنين مع معصيتهم. ### || [49.2-3] # فقال: { يأيها الذين آمنوا } ولم يقل يا أيها الذين عصوا، ~~وقد ذكرنا من قبل أن النداء على ست مراتب وهذا نداء مدح قوله عز وجل { ~~يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق ~~صوت النبى } نزلت في وفد ms1616 بني تميم قدموا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم سبعون أو ثمانون منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، ~~وعطارد بن الحجاب وذلك حين قالوا ائذن لشاعرنا وخطيبنا في الكلام، فعلت ~~الأصوات واللغط، فنزلت الآية { لا ترفعوا أصوتكم فوق ~~صوت النبى } ويقال نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس وكان في أذنه ~~وقر، فكان إذا تكلم رفع صوته، ثم قال: { ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض } يعني: لا تدعوه باسمه كما ~~يدعو الرجل الرجل منكم باسمه، ولكن عظموه ووقروه وقولوا: يا نبي الله، ~~ويا رسول الله ثم قال: { أن تحبط أعملكم وأنتم لا ~~تشعرون } أن ذلك يحبطها، يعني: إن فعلتم ذلك فتحبط حسناتكم، وقال ~~بعضهم من عمل كبيرة من الكبائر حبط جميع ما عمل من الحسنات، واحتج بهذه ~~الآية { أن تحبط أعملكم } ولكن نحن نقول: الكبيرة لا تبطل ~~العمل ما لم يكفر، وإنما ذكر ها هنا إبطال العمل: لأن في ذلك استخفافا ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن قصد الاستخفاف بالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كفر، فلما نزلت هذه الآية دخل ثابت بن قيس بيته وجعل يبكي ~~ويقول أنا من أهل النار، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فبعث ~~إليه وقال # " إنك من أهل الجنة بل غيرك من أهل النار فقال: يا رسول الله لا أتكلم ~~بعد ذلك إلا سرا أو ما كان يشبه السر فنزل: { إن الذين ~~يغضون أصوتهم عند رسول الله } - صلى الله عليه وسلم - ~~" # روى ثابت عن أنس قال: # " لما نزل لا ترفعوا أصواتكم وكان ثابت بن قيس رفيع الصوت ~~فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي، وحبط عملي، أنا من أهل النار وجلس في ~~بيته يبكي، ففقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبروه بما قال، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - بل هو من أهل الجنة " # فقال أنس: لكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما ~~كان يوم اليمامة فكان فينا بعض الانكشاف فجاء ثابت بن قيس وقد تحنط ولبس ms1617 ~~كفنه فقال بئس ما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل، ثم قال: { إن ~~الذين يغضون أصوتهم عند رسول الله } { ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ~~يعني: أخلص الله قلوبهم، ويقال أصفى الله عز وجل قلوبهم للتقوى من ~~المعصية، يعني: يجعل قلوبهم موضعا للتقوى { لهم مغفرة } لذنوبهم ~~{ وأجر عظيم } أي ثواب وافر في الجنة، يعني: يجعل ثوابهم في ~~الدنيا، أن يخلص قلوبهم للتقوى، وفي الآخرة أجر عظيم. ### || [49.4-8] # قوله عز وجل: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرت } ~~فالحجرات: جمع الحجرة، يقال حجرة وحجرات مثل ظلمة وظلمات، وقرىء في الشاذ ~~الحجرات بنصب الجيم، وقرأه العامة بالضم، ومعناهما واحد، نزلت الآية في ~~شأن نفر من بني تميم، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أسامة بن ~~زيد، فانتهى إلى قبيلة وكانت تسمى بني العنبر، فأغار عليهم وسبى زراريهم، ~~فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراهم، أو يفدوهم فنادوه وكان وقت الظهيرة وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجرة فنادوه من وراء الحجرة، وكان ~~لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجرات، فلما خرج النبي كلموه في أمر ~~الزراري فقال لواحد منهم احكم، فقال: حكمت أن تخلي نصف الأسارى وتبيع ~~النصف منا، ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية إن ~~الذين ينادونك من وراء الحجرات { أكثرهم لا ~~يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ~~لكان خيرا لهم } لأنهم لو لم ينادوه لكان يعتقهم كلهم وروى ~~معمر عن قتادة أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فناداه من ~~وراء الحجرات فقال يا محمد: إن مدحي زين، وإن شتمي شين ~~فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: # " ويلك ذلك الله عز وجل " # فنزل إن الذين ينادونك الآية ثم قال عز وجل: { والله ~~غفور } لمن تاب { رحيم } بهم بعد التوبة قوله عز وجل: { ~~يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } الآية ~~نزلت في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني ~~المصطلق ليقبض الصدقات، فخرجوا إليه ليبجلوه ويعظموه، فخشى منهم لأنه كان ms1618 ~~بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقال: خرجوا إلي بأسلحتهم، ومنعوا مني الصدقات، وأطرحوني وأرادوا ~~قتلي، فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث لقتالهم، فجاؤوا إلى ~~المدينة وقالوا يا رسول الله: لما بلغنا قدوم رسولك خرجنا نبجله ونعظمه ~~فانصرف عنا، فاغتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما فعل الوليد بن ~~عقبة فنزل { يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبإ } يعني: بحديث كذب، وبخبر كذب { فتبينوا } يعني: وتعرفوا ~~ولا تعجلوا { أن تصيببوا } يعني: كيلا تصيبوا { قوما ~~بجهالة } وأنتم لا تعلمون بأمرهم { فتصبحوا } يعني: فتصيروا { ~~على ما فعلتم ندمين } قرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا ~~" بالثاء، وقرأ الباقون " فتبينوا " مثل ما في سورة النساء، ثم ~~قال للمؤمنين رضي الله عنهم { واعلموا أن فيكم رسول ~~الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر } يعني: ما أمرتم ~~به، لأن الناس كانوا قد حرضوه على إرسالهم لقتال بني المصطلق، { ~~لعنتم } يعني: لأثمتم، وروى أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ ~~هذه الآية: { لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم } ~~يعني: هذا نبيكم وخياركم لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم فكيف بكم ~~اليوم، ويقال: لعنتم أي لهلكتم، وأصله من عنت البعير إذا انكسرت رجله، ثم ~~ذكر لهم النعم فقال { ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمن } يعني؛ جعل حب الإيمان في قلوبكم { وزينه فى ~~قلوبكم } يعني: حسنه للثواب الذي وعدكم، ويقال: دلكم عليه بالحجج ~~القاطعة، ويقال: زينه في قلوبكم بتوفيقه إياكم لقبوله { وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان } يعني: بغض إليكم ~~المعاصي والكفر. # لما بينه من العقوبة. ثم قال: { أولئك هم الرشدون } يعني: ~~المهتدون، فذكر أول الآية على وجه المخاطبة، وآخر الآية بالمغايبة، ثم ~~قال أولئك هم الراشدون ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا، فقد ~~دخل في هذا المدح، وفي الآية دليل أن من كان مؤمنا فإنه لا يحب الفسوق ~~والمعصية، لأن الله تعالى قال { وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان } والمؤمن إذا ابتلي بالمعصية فإن شهوته ~~وغفلته تحمله على ذلك، ms1619 لا لحبه للمعصية ثم قال، أي ذلك التحبيب والتبغيض ~~{ فضلا من الله ونعمة } يعني: كان الإيمان الذي حببه إليكم، ~~والكفر الذي بغضه إليكم كان فضلا من الله ونعمة يعني رحمة { والله ~~عليم } بخلقه { حكيم } في أمره وقضائه. ### || [49.9-11] # قوله عز وجل: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~إلى الأنصار ليكلمهم في أمر من الأمور، وهو على حماره فبال الحمار وهو ~~راكب عليه يكلم الأنصار، فقال عبد الله بن أبي المنافق: خل للناس سبيل ~~الريح من نتن هذا الحمار، ثم قال أف وأمسك على أنفه، فشق على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قوله، فانصرف عبد الله بن رواحة، فقال: اتقوا هذا، ~~لحمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله لبوله أطيب ريحا منك، ~~فاقتتلا، فاجتمع قوم ابن رواحة وهم الأوس، وقوم عبد الله بن أبي وهم ~~الخزرج، فكان بينهم ضرب النعال والأيدي والسعف، ورجع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأصلح بينهم، فأنزل الله تعالى: { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } بالعدل، فكره ~~بعضهم الصلح فنزل قوله { فإن بغت إحداهما على الأخرى } ~~يعني: استطالت فلم ترجع إلى الصلح { فقتلوا التى تبغى } ~~يعني: تظلم { حتى تفىء إلى أمر الله } يعني: ترجع إلى ما ~~أمر الله عز وجل، وروى أسباط عن السدي قال: كانت امرأة من الأنصار يقال ~~لها أم زيد، فأبغضت زوجها، وأرادت أن تلحق بأهلها وكان قد جعلها في غرفة ~~له، وأمر أهله أن يحفظوها، وخرج إلى حاجة له، فأرسلت إلى أهلها، فجاء ناس ~~من أهلها وأرادوا أن يذهبوا بها فاقتتلوا بالنعال والتلاطم، فنزل قوله ~~تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } الآية ~~ثم صارت الآية عامة في جميع المسلمين، إذا اقتتل فريقان من المسلمين وجب ~~على المؤمنين الإصلاح بين الفريقين، فإن ظهر أن أحد الفريقين ظالم، فإنه ~~يقاتل ذلك الفريق حتى يرجع إلى حكم الله ثم قال: { فإن فاءت } يعني؛ ~~رجعت إلى الصلح { فأصلحوا بينهما بالعدل } يعني: بالحق { ~~وأقسطوا } يعني؛ اعدلوا بين ms1620 الفريقين ولا تميلوا { إن الله ~~يحب المقسطين } يعني: العادلين ثم قال عز وجل: { إنما ~~المؤمنون إخوة } يعني: كالأخوة في التعاون، لأنهم على دين ~~واحد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم - # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " # وروي عنه أنه قال # " المؤمنون كعضو واحد إذا اشتكى عضو تداعى ~~سائر الأعضاء إلى الحمى والسهر " # (ثم قال: { فأصلحوا بين أخويكم } يعني: الفريقين من ~~المؤمنين مثل الأوس والخزرج فأصلحوا بين أخويكم) قرأ ابن ~~سيرين إخوانكم بالنون، وقرأ يعقوب الحضرمي بين إخوتكم ~~بالتاء، يعني جمع الأخ، وقراءة العامة أخويكم بالياء على تثنية ~~الأخ، يعني: بين كل أخوين ثم قال: { واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون } يعني اخشوا الله عز وجل ولا تعصوه لكي ترحموا فلا تعذبوا ~~قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من ~~قوم } يعني: لا يستهزىء الرجل من أخيه، وقال بعضهم: الآية نزلت في ~~ثابت بن قيس، حيث عير الذي لم يوسع له في المكان، وقال بعضهم: الآية نزلت ~~في الذين ينادونه من وراء الحجرات، استهزؤوا من ضعفاء المسلمين: { عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم } يعني: أفضل منهم وأكرم على الله ~~تعالى: { ولا نساء من نساء } يعني: لا تستهزىء امرأة من امرأة، ~~وذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت إن أم سلمة جميلة لولا أنها قصيرة { ~~عسى أن يكن خيرا منهن } يعني أفضل، ثم صارت الآية عامة ~~في الرجال والنساء، فلا يجوز أحد أن يسخر من صاحبه، أو من أحد من خلق ~~الله تعالى، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: البلاء موكل بالقول لو سخرت من ~~كلب خشيت أن أكون مثله ثم قال: { ولا تلمزوا أنفسكم } يعني: ~~لا يطعن بعضكم بعضا، وقال القتبي: ولا تغتابوا إخوانكم من المسلمين ~~لأنهم كأنفسكم، كما قال # ظن المؤمنون والمؤمنت بأنفسهم خيرا # [النور: 12] يعني بأمثالهم ثم قال { ولا تنابزوا بالألقب ~~} يعني: لا تسموا باللقب، وقال محمد بن كعب القرظي: هو الرجل يكون على ~~دين من الأديان فيسلم فيدعونه بدينه الأول، يا يهودي ويا نصراني، ويقال: ~~لا تعيروا المسلم ms1621 بالملة التي كان عليها، ولا تسموه بغير دين الإسلام، ~~وقال أهل اللغة: الألقاب والأنباز واحد، ومنه قيل في الحديث: # " قوم نبزهم الرافضة " # أي لقبهم { ولا تنابزوا بالألقب } أي لا تداعوا بها، ~~ويقال: هو اللقب الذي يكرهه الرجل، يعني أنه ينبغي للمؤمن أن يخاطب أخاه ~~بأحب الأسماء إليه، وقرأ بعضهم " ولا تلمزوا " بضم الميم، وقراءة ~~العامة بالكسر، وهما لغتان، يقال لمز فلان فلانا يلمز ويلمزه إذا عابه، ~~وذكر في التفسير أن الآية نزلت في مالك بن أبي مالك، وعبد الله بن أبي ~~حدرد، وذلك أن أبا مالك كان على المقاسم، فقال لعبد الله بن أبي حدرد ~~الأسلمي: يا أعرابي، فقال له عبد الله يا يهودي، فأمرهما رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يدخلا عليه حتى تظهر توبتهما، فنزل { بئس الاسم ~~الفسوق بعد الإيمان } يعني: بئس التسمية لإخوانكم بالكفر وهم ~~مؤمنون { ومن لم يتب } من قوله { فأولئك هم ~~الظلمون }. فأوثقا أنفسهما حتى قبلت توبتهما. ### || [49.12-14] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا ~~من الظن } يعني: لا تحققوا الظن: { إن بعض الظن إثم } ~~يعني: معصية، أي إن ظن السوء بالمسلم معصية، وقال سفيان الثوري: الظن ~~ظنان، ظن فيه إثم، وظن لا إثم فيه، فالظن الذي فيه إثم، أن يظن ويتكلم ~~به، وأما الظن الذي لا إثم فيه، فهو أن يظن ولا يتكلم به، لأنه قال { ~~إن بعض الظن إثم } ولم يقل جميع الظن إثم ثم قال: { ولا ~~تجسسوا } يعني: لا تطلبوا ولا تبحثوا عن عيب أخيكم { ولا يغتب ~~بعضكم بعضا } روى أسباط عن السدي قال: كان سلمان الفارسي في سفر ~~مع ناس فيهم عمر، فنزلوا منزلا فضربوا خيامهم، وصنعوا طعامهم، ونام ~~سلمان، فقال بعض القوم لبعض: ما يريد هذا العبد إلا أن يجد خياما ~~مضروبة، وطعاما مصنوعا، فلما استيقظ سلمان قالوا له: انطلق إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - والتمس لنا إداما نأتدم به، فأتى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال عليه السلام: # " أخبرهم أنهم قد ائتدموا، فأخبرهم، فقالوا ms1622 ما طعمنا بعد، وما كذب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فأتوه فقال: ائتدمتم من صاحبكم حين قلتم ما ~~قلتم وهو نائم " # ، ثم قرأ ولا يغتب بعضكم بعضا { أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه } يعني: فكما تكرهون ~~أكل لحمه ميتا، فكذلك اجتنبوا ذكره بالسوء وهو غائب، ويقال: كان سلمان ~~في سفر مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكان يطبخ لهما فنزلوا منزلا، ~~فلم يجد ما يصلح لهم أمر الطعام، فبعثاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لينظر عنده شيئا من الطعام، فقال أسامة: لم يبق عند النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - شيء من الطعام، فرجع إليهما فقالا إنه لو ذهب إلى بئر كذا ~~ليبس ماؤها، فنزلت هذه الآية، ويقال نزلت في شأن زيد بن ثابت، وذلك أن ~~نفرا ذكروا فيه شيئا فنزل { ولا يغتب بعضكم بعضا } قرأ ~~نافع: (ميتا) بتشديد الياء والخفض، والباقون بالجزم، وقال أهل اللغة: ~~الميت والميت واحد مثل ضيق وضيق، وهين وهين، ولين ولين ثم قال: { ~~واتقوا الله } في الغيبة وتوبوا إليه { إن الله تواب } ~~يعني: قابل التوبة { رحيم } بهم بعد التوبة قوله تعالى: { يأيها ~~الناس } قال مقاتل: وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة ~~أمر بلالا ليؤذن، فقال الحارث بن هشام أما وجد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - غير هذا الغراب، يعني بلال فنزل يا أيها الناس { ~~إنا خلقنكم من ذكر وأنثى } يعني: آدم وحواء { ~~وجعلنكم شعوبا وقبائل } يعني: رؤوس القبائل مثل مضر ~~وربيعة، وقبائل يعني: الأفخاذ مثل بني سعد وبني عامر { لتعرفوا } ~~في النسب { إن أكرمكم عند الله أتقكم } يعني: وإن ~~كان عبدا حبشيا أسود مثل بلال، وقال في رواية الكلبي نزلت في ثابت بن ~~قيس، كان في أذنيه ثقل، وكان يدنو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ليسمع كلامه، فأبطأ يوما واحدا وقد أخذ الناس مجالسهم فجاء فتخطى ~~رقابهم حتى جلس قريبا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رجل من ~~القوم هذا يتخطى رقابنا فلم ms1623 لا يجلس حيث وجد المكان، فقال ثابت: من هذا؟ ~~فقالوا فلان، فقال ثابت: يا ابن فلانة وكان يعير بأمه فخجل، فنزلت هذه ~~الآية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " من عير فلانا بأمه؟ فقال ثابت بن قيس: أنا قد ذكرت شيئا، فقرأ هذه ~~الآية عليه فاستغفر ثابت " # ، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: القبائل والأفخاذ ~~الصغار، والشعوب: الجمهور مثل مضر، وقال الضحاك: الشعوب: الأفخاذ الصغار، ~~والقبائل مثل بني تميم وبني أسد، وقال القتبي: الشعوب: أكثر من القبيلة ~~وقال الزجاج: الشعب أعظم من القبيلة، ومعناه: إني لم أخلقكم شعوبا ~~وقبائل لتتفاخروا وإنما خلقناكم كذلك لتعارفوا، روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " إذا كان يوم القيامة يقول عز وجل: إنكم جعلتم لأنفسكم ~~نسبا وجعلت لنفسي نسبا فرفعتم نسبكم ووضعتم نسبي، ~~فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، يعني: قلت إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم وقلتم أنتم فلان وفلان " # ثم قال: { إن الله عليم } بأتقيائكم { خبير } بافتخاركم { ~~قالت الأعراب ءامنا } قال ابن عباس: نزلت في بني أسد، قدموا ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قحط أصابهم، فجاؤوا بأهاليهم، ~~وذراريهم يطلبون الصدقة، وأظهروا الإسلام، وقالوا يا رسول الله نحن ~~أسلمنا طوعا، وقدمنا بأهالينا فأعطنا من الغنيمة أكثر مما تعطي غيرنا، ~~ويقال كانت قبيلتان جهينة، ومزينة قدموا بأهاليهم فنزلت الآية { قالت ~~الأعراب ءامنا } يعني: صدقنا { قل لم تؤمنوا } يعني: لم ~~تصدقوا في السر، كما صدقتم في العلانية { ولكن قولوا أسلمنا ~~} يعني: دخلنا في الانقياد والخضوع، ويقال: استسلمنا مخافة القتل والسبي ~~{ ولما يدخل الإيمن فى قلوبكم } يعني: التصديق، ~~ويقال: لم يدخل حب الإيمان في قلوبكم { وإن تطيعوا الله ~~ورسوله } في السر كما تطيعونه في العلانية { لا يلتكم من ~~أعملكم شيئا } يعني: لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، قرأ ~~أبو عمرو (لا يألتكم) بالألف والهمز، والباقون (لا يلتكم) ~~بغير ألف ولا همز، ومعناهما واحد، يقال: لاته يلته، وألته يألته إذا نقص ~~حقه. { إن الله غفور رحيم } لو صدقوا بقلوبهم، ms1624 ثم بين الله ~~عز وجل لهم من المصدق. ### || [49.15-18] # قال عز وجل: { إنما المؤمنون } يعني المصدقون في إيمانهم { ~~الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا } ~~يعني لم يشكوا في إيمانهم { وجهدوا } الأعداء { بأمولهم ~~وأنفسهم فى سبيل الله } أي في طاعة الله { أولئك ~~هم الصدقون } في إيمانهم فلما نزلت هذه الآية أتوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم، فحلفوا بالله أنهم لمصدقوه في السر، فنزل { قل ~~أتعلمون الله بدينكم } الذي أنتم عليه { والله ~~يعلم ما فى السموات وما في الأرض } يعني سر أهل ~~السماوات وسر أهل الأرض { والله بكل شيء عليم } أي يعلم ما ~~في قلوبكم من التصديق وغيره قوله عز وجل: { يمنون عليك أن ~~أسلموا } يعني بقولهم: جئناك بأهالينا وأولادنا { قل لا ~~تمنوا على إسلمكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمن } يعني وفقكم للإيمان { إن كنتم صادقين ~~} بأنكم مخلصون في السر والعلانية قوله تعالى { إن الله يعلم ~~غيب السموات والأرض } يعني سر أهل السماوات وسر أهل الأرض ~~{ والله بصير بما تعملون } قرأ ابن كثير وعاصم في رواية ~~إبان (يعملون) بالياء على معنى الخبر عنهم، وقرأ الباقون بالتاء على ~~معنى المخاطبة، [أي بصير بما يعملون من التصديق وغيره، والخير والشر، ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم] ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1] # قوله تبارك وتعالى { ق } قال قتادة هو اسم من أسماء الله تعالى. كقوله ~~قادر وقاهر ويقال: هو اسم من أسماء القرآن، وقال مجاهد: هو افتتاح ~~السورة، وقال بعضهم " ق " يعني قضي الأمر، كما قال في " حم " حم الأمر، ~~والدليل عليه قول الشاعر: # فقلت لها قفي قالت قاف # يعني وقفت، فذكر القاف، وأراد به تمام الكلام، وقال ابن عباس: هو جبل من ~~زمردة خضراء، محيط بالعالم، فخضرة السماء منها، وهي من وراء الحجاب الذي ~~تغيب الشمس من وراءه، والحجاب دون { ق } بمسيرة سنة، وما بينهما ظلمة، ~~وأطراف السماء ملتصقة بها، ويقال خضرة السماء من ذلك الجبل، ويقال: " ق " ~~يعني: إن الله عز وجل قائم بالقسط، ثم قال: { والقرآن المجيد } ~~يعني ms1625 الشريف وقال الضحاك: هو جبل محدق بالدنيا من زبرجدة خضراء، وخضرة ~~السماء منها، ليس في الأرض بلدة من البلدان، ولا مدينة من المدائن، ولا ~~قرية من القرى إلا وفيها عرق من عروقها، وملك موكل عليها واضع كفه بها، ~~فإذا أراد الله عز وجل بقوم هلاكهم، أوحى الله عز وجل إلى ذلك الملك، ~~فحرك منها عرقا فخسف بهم، فأقسم الله عز وجل بقاف والقرآن المجيد، يعني ~~الشريف، إنكم لمبعوثون يوم القيامة، لأن أهل مكة أنكروا البعث فصار جواب ~~القسم مضمرا فيه وهو ما ذكرناه: إنكم مبعوثون، ويجوز أن يكون جواب القسم # قد علمنا ما تنقص الأرض # [ق: 4] فيكون معناه: ق والقرآن المجيد، لقد علمنا ما تنقص الأرض، فحذف ~~اللام لأن ما قبلها عوض عنها، كما قال # قد أفلح من زكها # [الشمس: 9] يعني لقد أفلح، وقال القتبي: هذا من الاختصار فكأنه قال: ق ~~والقرآن المجيد لتبعثن. ### || [50.2-11] # قوله عز وجل: { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } يعني ~~من أهل مكة { فقال الكفرون هذا شىء عجيب } يعني أمر ~~عجيب أن يكون محمد رسولا وهو من نسبهم قوله تعالى { أءذا متنا ~~وكنا ترابا } بعد الموت نجدد، بعدما متنا نصير خلقا جديدا { ~~ذلك رجع بعيد } يعني رد طويل لا يكون أبدا، ويقال رجع يرجع ~~رجعا إذا رجعه غيره، ورجع يرجع رجوعا إذا رجع بنفسه، كقوله صد يصد ~~صدودا، وصد يصد صدا، { ذلك رجع بعيد } أي ذلك صرف بعيد، قوله ~~تعالى { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } يعني ما تأكل ~~الأرض من لحومهم وعروقهم، وما بقي منهم، ويقال: تأكل الأرض جميع البدن ~~إلا العصعص، وهو عجب الذنب، وذلك العظم آخر ما يبقى من البدن، فأول ما ~~يعود، ذلك العظم، ويركب عليه سائر البدن { وعندنا كتب حفيظ } ~~يعني اللوح المحفوظ قوله عز وجل: { بل كذبوا بالحق } يعني ~~كذبوا بالقرآن، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم، والبعث { لما جاءهم } ~~أي حين جاءهم { فهم } يعني قريش { فى أمر مريج } يعني في قول ~~مختلف ملتبس، المريج: أن يقلق الشيء فلا يستقر، ms1626 ويقال: مرج الخاتم في يدي ~~مرجا: إذا قلق للهزال، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: { فهم ~~فى أمر مريج } أي من ترك الحق، يقال: من ترك الحق أمرج عليه رأيه ~~والتبس عليه دينه، ثم دلهم على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه ~~الذي يدل على وحدانيته فقال { أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنينها } بغير عمد { وزينها } ~~بالكواكب { وما لها من فروج } يعني شقوق وصدوع وخلل قوله تعالى { ~~والأرض مددنها } يعني بسطناها مسير خمسمائة عام من تحت الكعبة ~~{ وألقينا فيها روسي } يعني الجبال الثوابت، قوله { ~~وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج } يعني حسن طيب من الثمار ~~والنبات قوله تعالى { تبصرة } يعني في هذا الذي ذكره من خلقه تبصرة ~~لتبصروا به، ويقال: عبرة، { وذكرى } يعني تفكرا وعظة { لكل ~~عبد منيب } يعني مخلص بالتوحيد، ويقال: راجع إلى ربه قوله تعالى { ~~ونزلنا من السماء ماء مبركا } يعني المطر، فيه ~~البركة، حياة لكل شيء { فأنبتنا به جنت } يعني البساتين { ~~وحب الحصيد } يعني حين ما يخرج من سنبله، ويقال: ما يحصد وما لا ~~يحصد كل ما كان له حب، ويقال هي الحبوب التي تحصد قوله عز وجل { ~~والنخل بسقت } يعني أطوال { لها طلع نضيد } يعني ~~الكفري، نضيد يعني: مجتمع، يقال: نضد بعضه على بعض، ويقال ثمر منضود إذا ~~كان متراكبا بعضه على بعض، ويقال إنما يسمى نضيدا ما كان في الغلاف، { ~~رزقا للعباد } يعني جعلناه طعاما للخلق، يعني الحبوب والثمر { ~~وأحيينا به } يعني بالماء { بلدة ميتا } إذا لم يكن فيها ~~نبات، فهذا كله صفات بركة المطر ثم قال { كذلك الخروج } يعني ~~هكذا الخروج من القبر، كما أحييت الأرض الميتة بالنبات، فكذلك لما ماتوا ~~وبقيت الأرض خالية أمطرت السماء أربعين ليلة كمني الرجل فدخل في الأرض، ~~فتنبت لحومهم وعروقهم وعظامهم من ذلك ثم يحييهم، فذلك قوله { كذلك ~~الخروج } ثم عزى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على إيذاء ~~الكفار يعني لا تحزن بتكذيب الكفار إياك لأنك لست بأول نبي وكل أمة كذبت ~~رسلها ms1627 مثل نوح وهود عليهم السلام وغيرهم فقال عز وجل { كذبت ~~قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس. # .. }. ### || [50.12-22] # { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس } والرس: بئر ~~دون اليمامة، وإن عليها قوما كذبوا رسلهم فأهلكهم الله تعالى { ~~وثمود وعاد وفرعون وإخون لوط } يعني قومه { ~~وأصحاب الأيكة } يعني قوم شعيب { وقوم تبع } يعني قوم ~~حمير، ويقال: تبع كان اسم ملك، وروى وكيع عن عمران بن جرير عن أبي مجلز ~~قال جاء عبد الله بن عباس، إلى عبد الله بن سلام فسأله عن تبع فقال: كان ~~تبع رجلا من العرب ظهر على الناس وسبا على فتية من الأحبار، فكان يحدثهم ~~ويحدثونه، فقال قومه إن تبعا ترك دينكم، وتابع الفتية، فقال تبع للفتية: ~~ألا ترون إلى ما قال هؤلاء؟ فقالوا: بيننا وبينهم النار التي تحرق ~~الكاذب، وينجو منها الصادق، قال نعم، فقال تبع للفتية: ادخلوها، فتقلدوا ~~مصاحفهم ثم دخلوها، فانفرجت لهم حتى قطعوها، ثم قال لقومه ادخلوها فلما ~~دخلوا وجدوا حر النار، كفوا، فقال لهم لتدخلنها، فدخلوها فلما توسطوا، ~~أحاطت بهم النار فأحرقتهم، وأسلم تبع وكان رجلا صالحا، ويقال كان اسمه ~~سعد بن ملكي كرب، وكنيته أبو كرب { كل كذب الرسل } يعني جميع ~~هؤلاء كذبوا رسلهم { فحق وعيد } يعني وجب عليهم عذابي، معناه: ~~فاحذروا يا أهل مكة مثل عذاب الأمم الخالية فلا تكذبوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم قال عز وجل: { أفعيينا بالخلق الأول } ~~قال مقاتل: يعني: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم ولم يكونوا شيئا، ~~[فكذلك نخلقهم ونبعثهم، أي ما عيينا عن ذلك، فكيف نعيي عن بعثهم، ويقال: ~~معناه أعيينا خلقهم الأول ولم يكونوا شيئا لأن الذي قد كان فإعادته أيسر ~~في رأي العين، من الابتداء، يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه، وقال ~~الزجاج: هذا تقرير تقرر لأنهم اعترفوا في الابتداء أن الله عز وجل خلقهم ~~ولم يكونوا شيئا، ثم قال { بل هم فى لبس من خلق جديد } ~~يعني في شك من البعث بعد الموت، ويقال بل أقاموا على شكهم قوله عز ms1628 وجل { ~~ولقد خلقنا الإنسن } يعني جنس الإنسان، وأراد به جميع ~~الخلق { ونعلم ما توسوس به نفسه } يعني ما يحدث به ~~قلبه، ويتفكر في قلبه { ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد } يعني في القدرة عليه، وحبل الوريد: عرق يخالط القلب ويقال ~~هو العرق الذي داخل العنق، الذي هو عرق الروح فأعلمه الله تعالى أنه أقرب ~~إليه من ذلك العرق، ويقال: الوريدان عرقان بين الحلقوم والعلباوين، ~~والحبل هو الوريد، وأضيف إلى نفسه لاختلاف لفظي اسميه قوله عز وجل { إذ ~~يتلقى المتلقيان } يعني يكتب الملكان عمله ومنطقه، يعني ~~يتلقيان منه ويكتبان، وقال أهل اللغة: تلقى وتلقف بمعنى واحد { عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد } يعني عن يمين ابن آدم وعن شماله ~~قاعدان، أحدهما عن يمينه. # والآخر عن شماله، وصاحب اليمين موكل على صاحب الشمال، اثنان بالليل ~~واثنان بالنهار، وكان في الأصل قعيدان ولكن اكتفى بذكر أحدهما فقال: قعيد ~~ثم قال عز وجل { ما يلفظ من قول } يعني ما يتكلم ابن آدم بقول ~~{ إلا لديه رقيب عتيد } يعني عنده حافظ حاضر، وقال الزجاج: ~~عتيد أي ثابت لازم قوله تعالى { وجاءت سكرة الموت بالحق ~~} يعني جاءت غمرته بالحق أنه كائن، ويقال: جاءت نزعات الموت بالحق، يعني ~~بالسعادة والشقاوة، يعني يتبين له عند الموت، ويقال فيه تقديم ومعناه: ~~جاءت سكرة الحق بالموت، روي عن أبي بكر الصديق أنه كان يقرأ " وجاءت ~~سكرة الحق بالموت { ذلك ما كنت منه تحيد } يعني ~~يقال له هذا الذي كنت تخاف منه وتكره، ويقال ذلك اليوم الذي كنت تفر منه ~~{ ونفخ فى الصور } يعني النفخة الأخيرة وهي نفخة البعث { ذلك ~~يوم الوعيد } يعني العذاب في الآخرة { وجاءت } أي جاءت يوم ~~القيامة { كل نفس معها سائق وشهيد } سائق: يسوقها إلى ~~المحشر، ويسوقها إلى الجنة أو إلى النار، وشهيد: يعني الملك يشهد عليها، ~~وقال القتبي: السائق هاهنا: قرينها من الشياطين يسوقها، سمي سائقا لأنه ~~يتبعها، والشهيد: الملك، ويقال: الشاهد أعضاؤه، ويقال: الليل والنهار ~~والبقعة تشهد عليه، ويقال له { لقد كنت فى غفلة من هذا ms1629 ~~} يعني من هذا اليوم فلم تؤمن به، وقد ظهر عندك بالمعاينة { فكشفنا ~~عنك غطاءك } يعني غطاء الآخرة، ويقال أريناك ما كان مستورا عنك في ~~الدنيا، ويقال: أريناك الغطاء الذي على أبصارهم، كما قال: " على أبصارهم ~~غشاوة " حيث لم يعقلوا { فبصرك اليوم حديد } أي: نافذ، ~~ويقال: شاخص بصره لا يطرف يديم النظر حين يعاين في الآخرة ما كان مكذبا ~~به، ويقال حديد: أي حاد، كما يقال حفيظ يعني حافظ، وقعيد بمعنى قاعد، ~~وقال الزجاج: هذا مثل ومعناه: إنك كنت بمنزلة من عليه غطاء فبصرك اليوم ~~حديد، يعني علمك بما أنت فيه نافذ. ### || [50.23-30] # قوله عز وجل { وقال قرينه } يعني ملكه الذي كان يكتب عمله { ~~هذا ما لدى عتيد } يعني هذا الذي وكلتني به قد أتيتك به، وهو ~~حاضر، يقول الله عز وجل: { ألقيا فى جهنم } يعني يقول للملكين: ~~ألقيا في جهنم { كل كفار عنيد } وقال بعضهم هذا أمر للملك ~~الواحد بلفظ الاثنين، وقال الفراء: يرى أصل هذا أن الرفقة أدنى ما تكون ~~ثلاثة نفر، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء ~~قيلا: يا صاحبي، ويا خليلي، قال الشاعر: فقلت لصاحبي لا تحبساني، وأدنى ~~ما يكون الأمر والنهي في الإعراب اثنان، فجرى كلامهم على ذلك، ومثل هذا ~~قول امرىء القيس: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # ويقال " ألقيا في جهنم " على معنى تكرير الأمر يعني ألق ألق، ~~وهو على معنى التأكيد، وكذلك في قوله: قفا معناه: قف قف، وقال الزجاج ~~عندي أن قوله ألقيا أمر للملكين، وقال بعضهم الأمر للواحد بلفظ ~~الإثنين واقع في إطلاق العرب، وكان الحجاج: يقول يا حرسي اضربا عنقه { ~~كل كفار عنيد } يعني كل جاحد بتوحيد الله تعالى، معرض عن ~~الإيمان، وقال مقاتل يعني الوليد بن المغيرة، ويقال: هذا في جميع الكفار ~~الذين ذكر صفتهم في هذه الآية، وهي قوله: { مناع للخير } يعني ~~بخيلا لا يخرج حق الله من ماله، ويقال «مناع للخير» يعني يمتنع ~~عن الإسلام { معتد مريب } المعتدي: هو الظلوم الغشوم، والمريب: ms1630 ~~الشاك في توحيد الله تعالى قوله تعالى { الذى جعل مع الله ~~إلها ءاخر } يعني أشرك بالله عز وجل { فألقيه فى ~~العذاب الشديد } يعني في النار { قال قرينه } يعني شيطانه { ~~ربنا ما أطغيته } يعني لم يكن لي قوة أن أضله { ولكن ~~كان فى ضلل بعيد } يعني في خطأ طويل بعيد عن الحق، يقول الله ~~تعالى لابن آدم وشيطانه { قال لا تختصموا لدى } أي لا ~~تختصموا عندي { وقد قدمت إليكم بالوعيد } يعني أخذت ~~عليكم الحجة، وأخبرتكم بالكتاب والرسول { ما يبدل القول ~~لدى } يعني لا يغير قضائي وحكمي الذي حكمت، ويقال: لا يكذب وعيدي { ~~وما أنا بظلم للعبيد } يعني لا أعذب أحدا بغير ذنب، ~~ويقال: " ما يبدل القول لدي " يعني لا يغير عن جهته، ولا ~~يحذف منه، ولا يزاد فيه لأني أعلم كيف ضلوا، وكيف أضللتموهم، وروى سالم ~~عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: ~~وإياك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال وإياي، ولكن الله عز وجل ~~أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " # ، وعن الربيع عن أنس قال: سألت أبا العالية عن قوله عز وجل: # ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31] وها هنا يقول { لا تختصموا لدى } فقال: لا ~~تختصموا لدي، في أهل النار، والأخرى في المؤمنين في المظالم فيما بينهم، ~~وقال مجاهد ما يبدل القول لدى يعني لقد قضيت ما أنا قاض ~~قوله عز وجل: { يوم نقول لجهنم } قرأ نافع وعاصم في رواية ~~أبي بكر يقول بالياء، يعني يقول الله تعالى، قرأ الباقون بالنون، ~~ومعناه كذلك يوم صار نصبا على معنى ما يبدل القول لدي في ~~ذلك اليوم، ويقال على معنى أنذرهم يوم، كقوله: # وأنذرهم يوم الحسرة # [مريم: 39] ثم قال { هل امتلات } يعني هل أوفيتك ما وعدتك، وهو ~~قوله لأملأن جهنم { فتقول } النار { هل من مزيد } يعني ~~هل من زيادة، وقال عطية: هل من موضع، ويقال معناه: هل امتلأت، أي ms1631 قد ~~امتلأت، فليس من مزيد، ويقال أنا طلبت الزيادة تغيظا لمن فيها، وروى ~~وكيع بإسناده عن أبي هريرة قال: # " لا تزال جهنم تسأل الزيادة، حتى يضع الله فيها قدمه، ~~فتقول جهنم يا رب قط قط " # أي حسبي حسبي، وقال في رواية الكلبي نحو هذا، ويقال تضيق بأهلها حتى لا ~~يكون فيها مدخل لرجل واحد، قال أبو الليث: قد تكلم الناس في مثل هذا ~~الخبر، قال بعضهم نؤمن به ولا نفسره، وقال بعضهم نفسره على ما جاء بظاهر ~~لفظه، وتأوله بعضهم، وقال معنى الخبر، بكسر القاف يضع قدمه، وهم أقوام ~~سالفة فتمتلىء بذلك. ### || [50.31-36] # قوله عز وجل: { وأزلفت الجنة } يعني قربت وأدنيت الجنة { ~~للمتقين } الذين يتقون الشرك والكبائر، ويقال زينت الجنة ثم قال ~~عز وجل { غير بعيد } يعني ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال غير ~~بعيد، يعني دخولهم غير بعيد، فيقال لهم { هذا ما توعدون } في ~~الدنيا { لكل أواب حفيظ } أي مقبل إلى طاعة الله، حفيظ لأمر ~~الله تعالى في الخلوات وغيرها، ويقال الأواب الحفيظ: الذي إذا ذكر خطاياه ~~استغفر منها وروى مجاهد عن عبيد بن عمير مثل هذا قوله عز وجل { من ~~خشى الرحمن بالغيب } يعني يخاف الله عز وجل، فيعمل بما ~~أمره الله، وانتهى عما نهاه، وهو في غيب منه { وجاء بقلب منيب ~~} يعني مقبلا إلى طاعة الله مخلصا، ويقال لهم { ادخلوها بسلام } ~~ذكر في أول الآية بلفظ الواحدان، وهو قوله " وجاء بقلب منيب " ~~ثم ذكر بلفظ الجماعة وهو قوله { ادخلوها } لأن لفظه من اسم جنس يقع ~~على الواحد وعلى الجماعة، مرة تكون عبارة عن الجماعة، ومرة تكون عن ~~الواحدان { ادخلوها بسلام } يعني بسلامة من العذاب والموت ~~والأمراض والآفات { ذلك يوم الخلود } أي لا خروج منه قوله عز ~~وجل { لهم ما يشآءون فيها } يعني يتمنون فيها { ولدينا ~~مزيد } يعني زيادة على ما يتمنون، من التحف والكرامات، ويقال هو ~~الرؤية، وكقوله: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] ثم قال عز وجل { وكم أهلكنا قبلهم من قرن ~~} يعني قبل أهل مكة { هم أشد ms1632 منهم بطشا } يعني أشد من أهل ~~مكة قوة { فنقبوا فى البلد } يعني طافوا وتقلبوا في أسفارهم ~~وتجاراتهم، ويقال تغربوا في البلاد { هل من محيص } يعني هل من ~~فرار، وهل من ملجأ من عذاب الله. ### || [50.37-45] # قوله عز وجل { إن فى ذلك لذكرى } يعني فيما صنع لقومك { ~~لمن كان له قلب } يعني عقل، لأنه يعقل بالقلب فكني عنه { أو ~~ألقى السمع } يعني استمع إلى القرآن { وهو شهيد } يعني قلبه ~~حاضر غير غائب عنه، وقال القتبي: وهو شهيد: يعني استمع كتاب الله وهو ~~شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه، وروى معمر عن قتادة قال: لمن كان ~~له قلب من هذه الأمة، أو ألقى السمع، قال رجل من أهل الكتاب: استمع إلى ~~القرآن وهو شهيد على ما في يديه من كتاب الله تعالى، وروي عن عمر أنه ~~قرأ: " فنقبوا " بالتخفيف يعني " فتبينوا " ونظروا، وذكروا، ومنه ~~قيل للعريف نقيب القوم، لأنه يتعرف أمرهم ويبحث عنهم، وقرأ يحيى بن يعمر ~~" فنقبوا " بضم النون وكسر القاف يعني " تبينوا " وقرأ الباقون ~~بالتشديد، يعني طوفوا، وقوله # هل من محيص # [ق: 36] يعني هل من ملجأ من الموت قوله عز وجل: { ولقد خلقنا ~~السموات والأرض } وذلك أن اليهود قالوا: لما خلق الله ~~السماوات والأرض وفرغ منهما، استراح في يوم السبت فنزل قوله ولقد ~~خلقنا السماوات والأرض { وما بينهما فى ستة ~~أيام وما مسنا من لغوب } يعني ما أصابنا من إعياء، وإنما ~~يستريح من يعيى قوله عز وجل { فاصبر على ما يقولون } من ~~المنكر، وهو قولهم استراح ويقال فاصبر على ما يقولون من التكذيب، وقال في ~~رواية الكلبي: نزلت في المستهزئين من قريش، وفي أذاهم للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس ~~وقبل الغروب } يعني صل لربك صلاة الفجر وصلاة الظهر وصلاة العصر ~~{ ومن اليل } يعني المغرب والعشاء { فسبحه } يعني صل له وهو ~~المغرب والعشاء { وأدبر السجود } يعني ركعتي المغرب، قرأ ابن ~~كثير ونافع وحمزة وإدبار بكسر الألف، والباقون بالنصب فهو جمع الدبر، ~~ومن قرأ بالكسر ms1633 فعلى مصدر أدبر يدبر إدبارا، قال أبو عبيدة هكذا نقرأ ~~يعني بالنصب، لأنه جمع الدبر، وإنما الإدبار هو المصدر، كقولك أدبر يدبر ~~إدبارا، ولا إدبار للسجود، وإنما ذلك للنجوم، قوله عز وجل { واستمع ~~يوم يناد المناد } قرأ أبو عمرو ونافع وابن كثير (المنادي ~~بالياء في الوصل، وهو الأصل في اللغة، والباقون بغير ياء، لأن الكسر يدل ~~عليه، فاكتفى به، ومعنى الآية: اعمل واجتهد واستعد ليوم القيامة، يعني ~~استمع صوت إسرافيل { من مكان قريب } يعني من صخرة بيت المقدس { ~~يوم يسمعون الصيحة بالحق } يعني نفخة إسرافيل بالحق ~~أنها كائنة، وقال مقاتل في قوله { من مكان قريب } قال صخرة بيت ~~المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء بثمانية عشر ميلا، وقال الكلبي باثنى ~~عشر ميلا { ذلك يوم الخروج } من قبورهم إلى المحاسبة، ثم إلى ~~إحدى الدارين، إما إلى الجنة وإما إلى النار، وقال أبو عبيدة: يوم الخروج ~~اسم من أسماء يوم القيامة، واستشهد بقول العجاج: أليس يوم سميت خروجا: ~~أعظم يوما سميت عروجا، قوله تعالى { إنا نحن نحيي ونميت } ~~يعني نحيي في الآخرة، ونميت في الدنيا الأحياء، ويقال إنا نحن نحيي ~~الموتى، ونميت الأحياء { وإلينا المصير } يعني المرجع في ~~الآخرة، يعني مصير الخلائق كلهم قوله عز وجل { يوم تشقق الأرض ~~عنهم سراعا } يعني تصدع الأرض عنهم، قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ~~" تشقق " بتشديد الشين، والباقون بالتخفيف، لأنه لما حذف إحدى ~~التاءين ترك الشين على حالها، ثم قال: " سراعا " يعني خروجهم من ~~القبور سراعا { ذلك حشر علينا يسير } يعني جمع الخلائق ~~علينا هين { نحن أعلم بما يقولون } في البعث من التكذيب { ~~وما أنت عليهم بجبار } يعني بمسلط، يعني لم تبعث لتجبرهم ~~على الإسلام، وإنما بعثت بشيرا ونذيرا، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم ~~قال { فذكر بالقرءان } يعني فعظ بالقرآن بما وعد الله فيه { من ~~يخاف وعيد } يعني من يخاف عقوبتي، وعذابي. # والله أعلم. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-9] # قوله تعالى { والذريت ذروا } أقسم الله عز وجل بالرياح إذا ~~أذرت ذروا، وروى يعلى بن عطاء ms1634 عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الرياح ~~ثمانية أربعة منها رحمة وأربعة منها عذاب فالرحمة منها الناشرات ~~والمبشرات والذاريات والمرسلات وأما العذاب العاصف والقاصف والصرصر ~~والعقيم وعن أبي الطفيل قال شهدت عليا رضي الله عنه وهو يخطب ويقول ~~سلوني عن كتاب الله عز وجل فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بالليل ~~أم بالنهار فسأله ابن الكواء فقال: له ما الذاريات ذروا قال الرياح قال ~~{ فالحملت وقرا } قال السحاب قال فما { فالجريت ~~يسرا } قال السفن جرت بالتسيير على الماء { فالمقسمت أمرا ~~} قال الملائكة وعن ابن عباس رضي الله عنه قال والذاريات الرياح قال ما ~~ذرت الريح فالحاملات وقرا يعني السحاب الثقال الموقرة من الماء ~~فالجاريات يسرا يعني السفن جرت بالتسيير على الماء فالمقسمات أمرا يعني ~~أربعة من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت لكل واحد منهم أمر ~~مقسوم وهم المدبرات أمرا أقسم الله تعالى بهذه الآية { إنما ~~توعدون } يعني الذي توعدون من قيام الساعة { لصدق } يعني ~~لكائن، ويقال في الآية مضمر فأقسم الله تعالى برب الذاريات يعني ورب ~~الرياح الذاريات ورب السحاب الحاملات ورب السفن الجاريات ورب الملائكة ~~المقسمات إنما توعدون لصادق { وإن الدين لواقع } يعني ~~المجازات على أعمالهم لواقع ثم بين في آخر الآية ما لكل فريق من الجزاء ~~فبين جزاء أهل النار أنهم يفتنون وبين جزاء المتقين أنهم في جنات وعيون ~~ثم قال عز وجل { والسماء ذات الحبك } أقسم بالسماء ذات الحسن ~~والجمال وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعني ذات الخلق الحسن وقال ~~مجاهد المتقن من البنيان يعني البناء المحكم ويقال الحبك يعني ذات ~~الطرائق ويقال للماء القائم إذا ضربته الريح فصارت فيه الطرائق له حبك ~~وكذلك الرمل إذا هبت عليه الريح فرأيت فيه كالطرائق فبذلك حبك قوله تعالى ~~{ إنكم لفى قول مختلف } يعني متناقض مرة قالوا ساحرا ~~ومرة قالوا مجنون والساحر عندهم من كان عالما غاية في العلم، والمجنون ~~من كان جاحدا غاية في الجهل فتحيروا فقالوا مرة مجنون ومرة ساحر ويقال ms1635 ~~إنكم لفي قول مختلف يعني مصدقا ومكذبا يعني يؤمن به بعضهم ويكفر به ~~بعضهم ثم قال عز وجل: { يؤفك عنه من أفك } يعني يصرف عنه من ~~صرف وذلك إن أهل مكة أقاموا رجالا على عقاب مكة يصرفون الناس فمنهم من ~~يأخذ بقولهم ويرجع ومنهم من لا يرجع فقال يصرف عنه من قد صرفه الله عن ~~الإيمان وخذله، ويقال يصرف عنه من قد صرفه يوم الميثاق، ويقال يصرف عنه ~~من كان مخذولا لم يكن من أهل الإيمان. ### || [51.10-22] # قال عز وجل: { قتل الخرصون } يعني لعن الكاذبون { الذين ~~هم فى غمرة سهون } يعني في جهالة وعمي وغفلة عن أمر الآخرة ~~ساهون يعني لاهين عن الإيمان وعن أمر الله تعالى { يسئلون أيان ~~يوم الدين } يعني أي أوان يوم الحساب استهزاء منهم به فأخبر الله ~~تعالى عن ذلك اليوم فقال { يوم هم على النار يفتنون } ~~يعني بالنار يحرقون ويعذبون ويقول لهم الخزنة { ذوقوا فتنتكم ~~هذا الذى كنتم به تستعجلون } يعني هذا العذاب الذي ~~كنتم به تستهزئون يعني تستعجلون على وجه الاستهزاء ثم بين ثواب المتقين ~~فقال عز وجل: { إن المتقين فى جنت وعيون } يعني في ~~بساتين وأنهار قوله تعالى { ءاخذين ما ءاتهم ربهم } يعني ~~قابضين ما أعطاهم ربهم من الثواب { إنهم كانوا قبل ذلك } ~~في الدنيا { محسنين } بأعمالهم، قرأ عاصم آخذين نصب على الحال، ~~ومعنى، في جنات وعيون في حال آخذين ما آتاهم ربهم ثم قال: { كانوا ~~قليلا من اليل ما يهجعون } يعني قليل من الليل ما ينامون ~~وقال بعضهم كانوا قليلا ثم الكلام، يعني مثل هؤلاء المتقين كانوا قليلا ~~ثم أخبر عن أعمالهم فقال من الليل ما يهجعون يعني لا ينامون بالليل ~~كقوله: # والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما # [الفرقان: 64] وقال الضحاك كانوا من النائمين وقال الحسن لا ينامون إلا ~~قليلا وقال الربيع بن أنس لا ينامون بالليل إلا قليلا. { ~~وبالأسحر هم يستغفرون } يعني يصلون عند السحر، ويقال ~~يصلون بالليل ويستغفرون عند السحر عن ذنوبهم { وفى أمولهم حق ~~} يعني نصيب للفقراء { للسائل والمحروم } السائل ms1636 المسكين ~~الذي يسأل الناس والمحروم المتعفف الذي لا يسأل الناس ويقال المحروم ~~المحترف الذي لا يبلغ عيشه وقال الشعبي أعياني أن أعلم من المحروم روى ~~سفيان عن ابن إسحاق عن قيس قال سألت ابن عباس من السائل والمحروم فقال ~~السائل الذي يسأل والمحروم المحارب الذي ليس له سهم في الغنيمة وهكذا قال ~~إبراهيم النخعي ومجاهد والربيع بن أنس وروى عكرمة عن ابن عباس قال ~~المحروم الفقير الذي إذا خرج إلى الناس استعف ولم يعرف مكانه ولا يسأل ~~الناس فيعطونه وقال الزجاج المحروم الذي لا ينمو له مال ويقال هي ~~بالفارسية بي دولة يعني لا إقبال له قوله { وفى الأرض ءايت ~~للموقنين } يعني فيمن أهلك قبلهم لهم عبرة، ويقال فيها علامة ~~وحدانية الله تعالى كأنه قال جعلت جميع الأشياء مرآتك لتنظر إليها وترى ~~ما فيها ومراد النظر في المرآة رؤية من لم ير فكأنه قال وانظر في آيات ~~صنعي لتعلم أفي صانع كمل الأشياء فإذا نظرت إلى النقش والنقش يدل إلى ~~نقاشه وإذا نظرت إلى النفس وعجائب تركيبها يدل على خالقها، وإذا نظرت في ~~الأرض فمختلف الأشياء عليها يدل إلى ربها وهي البحار والجبال والأنهار ~~والأثمار { وفى أنفسكم } يعني وعلامة وحدانيته في أنفسكم { أفلا ~~تبصرون } يعني تتفكرون في خلق أنفسكم كيف خلقكم وهو قادر على أن ~~يبعثكم. قوله عز وجل: { وفى السماء رزقكم } يعني من السماء ~~يأتي سبب رزقكم وهو المطر، ويقال وعلى خالق السماء رزقكم { وما ~~توعدون } يعني ما توعدون من الثواب والعقاب والخير والشر قال مجاهد ~~وما توعدون يعني الجنة والنار وهكذا قال الضحاك. ### || [51.23-37] # قال عز وجل: { فورب السماء والأرض } أقسم الرب بنفسه { ~~إنه لحق } يعني ما قسمت من الرزق لكائن { مثل ما أنكم ~~تنطقون } يعني كما تقولون لا إله إلا الله أو يعني كما أن قولكم لا ~~إله إلا الله حق كذلك قولي سأرزقكم حق، ويقال معناه كما أن الشهادة ~~واجبة عليكم فكذلك رزقكم واجب علي ويقال معناه هو الذي ذكر في أمر الآيات ~~والرزق حق يعين ms1637 صدق مثل ما أنكم تنطقون وروي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال # " أبى ابن آدم أن يصدق ربه حتى أقسم له فورب السماء والأرض إنه لحق " # ، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر { مثل ما أنكم ~~تنطقون } بضم اللام والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فهو نعت بالحق ~~وصفه له، ومن قرأ بالنصب فهو على التوكيد على معنى أنه لحق حقا مثل ~~نطقكم قوله عز وجل: { هل أتاك حديث ضيف إبرهيم ~~المكرمين } يعني جاء جبريل مع أحد عشر ملكا - عليهم السلام - ~~المكرمين أكرمهم الله تعالى ويقال أكرمهم إبراهيم وأحسن عليهم القيام. { ~~إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما } فسلموا عليه فرد عليهم ~~السلام { قال سلم } قرأ حمزة والكسائي قال سلم أي أمري سلم ~~والباقون سلام أي أمري سلام أي صلح ثم قال { قوم منكرون } يعني ~~أنكرهم ولم يعرفهم وقال كانوا لا يسلمون في ذلك الوقت فلما سمع منهم ~~السلام أنكرهم { فراغ إلى أهله } يعني عهد إلى أهله، ~~ويقال عدل ومال إلى أهله، ويقال عدل من حيث لا يعلمون لأي شيء عدل، يقال ~~راغ فلان عنا إذا عدل عنهم من حيث لا يعلمون { فجاء بعجل سمين } ~~قال بعضهم كان لبن البقرة كله سمنا فلهذا كان العجل سمينا { ~~فقربه إليهم } فلم يأكلوا { فقال ألا تأكلون } ~~فقالوا نحن لا نأكل بغير ثمن فقال إبراهيم كلوا فاعطوا الثمن قالوا وما ~~ثمنه فقال إذا أكلتم فقولوا بسم الله وإذا فرغتم فقولوا الحمد لله فتعجبت ~~الملائكة - عليهم السلام - لقوله فلما رآهم لا يأكلون { فأوجس ~~منهم خيفة } يعني أظهر في نفسه خيفة، ويقال ملأ عنهم خيفة فلما ~~رأوه يخاف { قالوا لا تخف } منا يعني لا تخشى منا { وبشروه ~~بغلم عليم } يعني إسحاق { فأقبلت امرأته فى صرة ~~} يعني أخذت امرأته في صيحة. { فصكت وجهها } يعني ضربت بيديها ~~خديها تعجبا { وقالت عجوز عقيم } يعني عجوزا عاقرا لم تلد ~~قط كيف يكون لها ولد فقال لها جبريل { قالوا كذلك قال ربك ~~إنه } يكون لك ولد { هو الحكيم } في أمره حكم ms1638 بالولد بعد الكبر ~~{ العليم } عليم بخلقه ويقال عليم بوقت الولادة فلما رآهم أنهم ~~الملائكة { قال } لهم { فما خطبكم أيها المرسلون } ~~يعني ما أمركم وما شأنكم ولماذا جئتم أيها المرسلون { قالوا إنآ ~~أرسلنآ } يعني قال جبريل أرسلنا الله تعالى { إلى قوم ~~مجرمين } يعني قوم كفار مشركين { لنرسل عليهم } يعني لكي ~~نرسل عليهم { حجارة من طين } مطبوخ كما يطبخ الآجر { ~~مسومة عند ربك للمسرفين } يعني معلمة، وقال: مخططة ~~بسواد وحمرة، ويقال: مكتوب على كل واحد اسم صاحب الذي يصيبه ثم قال عند ~~ربك يعني جاءت الحجارة من عند ربك للمشركين فاغتم إبراهيم لأجل لوط، قال ~~الله تعالى { فأخرجنا من كان فيها } أي في قريات لوط { من ~~المؤمنين } يعني من المصدقين { فما وجدنا فيها غير ~~بيت من المسلمين } يعني غير بيت لوط قوله عز وجل { ~~وتركنا فيها ءاية } يعني أبقينا في قريات لوط آية يعني عبرة في ~~هلاكهم من بعدهم ثم قال { للذين يخافون العذاب الأليم } ~~يعني العذاب الشديد. ### || [51.38-53] # قال: { وفى موسى } عطف على قوله # وفى أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] وفي موسى { إذ أرسلنه إلى فرعون ~~بسلطن مبين } يعني حجة بينة وهي اليد والعصا. { فتولى ~~بركنه } يعني أعرض عنه فرعون بجموعه يعني مع جموعه وجنوده ويقال ~~فتولى بركنه يعني أعرض بجانبه { وقال سحر أو مجنون ~~فأخذنه وجنوده } يعني عاقبناه وجموعه { فنبذنهم ~~فى اليم } قال الكلبي يعني أغرقناهم في البحر، وقال مقاتل يعني في ~~النيل { وهو مليم } يعني يلوم نفسه ويلومه الناس، وقال مليم أي ~~مذنب وقال أهل اللغة ألام الرجل إذا أتى بذنب يلام عليه ثم قال { وفى ~~عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم } يعني سلطنا ~~عليهم الريح الشديد وإنما سميت عقيما لأنها لا تأتي على شيء إلا جعلته ~~كالرميم لا خير فيه ويقال سميت عقيما لأنها لا تلقح الأشجار ولا تثير ~~السحاب وهي الدبور، وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما ~~أنزل الله قطرة من ماء إلا بمثقال ولا أنزل سفرة من ريح إلا بمكيال إلا ms1639 ~~قوم نوح طغى على خزانة الماء فلم يكن لهم عليه سبيل وعتت الريح يوم عاد ~~على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل وروى عكرمة عن ابن عباس قال العقيم ~~الذي لا منفعة لها ثم قال { ما تذر من شىء } يعني ما تترك من شيء ~~هو لهم ولا منهم { أتت عليهم إلا جعلته كالرميم } ~~يعني مرت عليه إلا جعلته كالرماد ويقال الرميم الورق الجاف المتحطم مثل ~~الهشيم المحتظر، كما قال كهشيم المحتظر بعد ما كانوا كنخل متقصر وروى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما أرسل على عاد من الريح إلا مثل خاتمي ~~هذا يعني إن الريح العقيم تحت الأرض فأخرج منها مثل ما يخرج من ثقب ~~الخاتم فأهلكهم ثم قال { وفى ثمود } يعني قوم صالح { إذ قيل ~~لهم تمتعوا حتى حين } يعني قال لهم نبيهم صالح - عليه ~~السلام - عيشوا إلى منتهى آجالكم ولا تعصوا أمر الله { فعتوا عن ~~أمر ربهم } يعني تركوا طاعة ربهم { فأخذتهم الصعقة ~~} يعني العذاب قرأ الكسائي فأخذتهم الصعقة بغير ألف وجزم العين والباقون ~~بألف وهي الصيحة التي أهلكتهم بالصعقة قوله من قولك صعقتهم الصاعقة يعني ~~أهلكتهم وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ صعقة مثل الكسائي { ~~وهم ينظرون } يعني ظهرت النار من تحت أرجلهم وهم يرونها بأعينهم ~~ويقال سمعوا الصيحة وهم ينظرون متحيرون { فما استطعوا من ~~قيام } يعني ما استطاعوا أن يقوموا لعذاب الله تعالى حتى أهلكوا { ~~وما كانوا منتصرين } يعني ممتنعين من العذاب ثم قال: { ~~وقوم نوح } وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وقوم نوح بكسر الميم يعني ~~في قوم نوح كما قال وفي ثمود والباقون بالنصب يعني وأهلكنا قوم نوح ويقال ~~معناه فأخذناه وأخذنا { من قبل } هؤلاء الذين سميناهم { إنهم ~~كانوا قوما فسقين } يعني قوم نوح من قبل يعني عاصين قوله ~~عز وجل { والسماء بنينها بأيد } يعني خلقناها بقوة وقدرة ~~{ وإنا لموسعون } يعني نحن قادرون على أن نوسعها كما نريد ويقال ~~والسماء صار نصبا لنزع الخافض ومعناه وفي السماء آية ثم قال: ms1640 { ~~والأرض فرشنها } يعني وفي الأرض آية بسطناها مسيرة خمسمائة ~~عام من تحت الكعبة { فنعم المهدون } يعني نعم الماهدون نحن ~~ويقال في قوله وإنا لموسعون يعني نحن جعلنا بينهما وبين الأرض سعة ثم قال ~~عز وجل { ومن كل شىء خلقنا زوجين } يعني صنفين الذكر ~~والأنثى والأحمر والأبيض والليل والنهار والدنيا والآخرة والشمس والقمر ~~والشتاء والصيف { لعلكم تذكرون } يعني تتعظون فيما خلق الله، ~~فتوحدوه قوله عز وجل { ففروا إلى الله } يعني توبوا إلى الله ~~من ذنوبكم، ويقال: معناه ففروا من الله إلى الله، أو ففروا من عذاب الله ~~إلى رحمة الله، أو ففروا من معصيته إلى طاعته ومن الذنوب إلى التوبة، { ~~إنى لكم منه نذير مبين } يعني مخوفا من عذاب الله ~~تعالى بالنار { ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر } يعني ~~لا تقولوا له شريكا وولدا { إنى لكم منه نذير مبين } ~~يعني فإن فعلتم فإني لكم مخوف من عذابه فلم يقبلوا قوله وقالوا هذا ساحر ~~أو مجنون يقول الله تعالى تعزية لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { كذلك ~~ما أتى الذين من قبلهم من رسول } يعني هكذا ما أتى في ~~الأمم الخالية من رسول { إلا قالوا سحر أو مجنون } كقول ~~كفار مكة للنبي - صلى الله عليه وسلم - { أتواصوا به } يعني ~~توافقوا وتواطؤوا فيما بينهم وأوصى الأول الآخر أن يقولوا ذلك ويقال: ~~توافقوا وتواطؤوا به كل قوم وجعلوا كلمتهم واحدة أن يقولوا ساحر أو مجنون ~~قال الله عز وجل { بل هم قوم طغون } يعني عاتين في معصية ~~الله تعالى. ### || [51.54-60] # قال { فتول عنهم } يعني فأعرض عنهم يا محمد بعد ما بلغت ~~الرسالة وأعذرت { فما أنت بملوم } يعني لا تلام على ذلك لأنك قد ~~فعلت ما عليك { وذكر } يعني عظ أصحابك بالقرآن { فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين } يعني المصدقين تنفعهم العظة ويقال ~~فعظ أهل مكة فإن الذكرى تنفع المؤمنين يعني من قدر لهم الإيمان ثم قال عز ~~وجل { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } يعني ما ~~خلقتهم إلا أمرتهم بالعبادة فلو أنهم خلقوا للعبادة لما عصوا طرفة ms1641 عين ~~وقال مجاهد: يعني ما خلقتهم إلا لآمرهم وأنهاهم ويقال إلا ليعبدون يعني ~~إلا ليوحدون وهم المؤمنون وهم خلقوا للتوحيد والعبادة وخلق بعضهم لجهنم ~~كما قال، # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] فقد خلق كل صنف للأمر والنهي الذي يصلح له ثم قال { ما ~~أريد منهم من رزق } يعني ما خلقتهم لأن يرزقوا أنفسهم { ~~وما أريد أن يطعمون } يعني لا أكلفهم أن يطعموا أحدا من خلقي ~~وأصل هذا أن الخلق عباد الله وعياله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم فقد رزقه ~~إذا كان رزقهم عليه ثم قال { إن الله هو الرزاق } يعني ~~الرزاق لجميع خلقه { ذو القوة المتين } يعني ذو القوة على ~~أعدائه الشديد العقوبة لهم والمتين في اللغة الشديد القوي قرأ الأعمش ذو ~~القوة المتين بكسر النون جعله من نعت القوة وقراءة العامة بالضم ومعناه ~~إن الله هو الرزاق وهو ذو القوة المتين قوله عز وجل { فإن للذين ~~ظلموا } يعني أشركوا وهم مشركو مكة { ذنوبا } يعني نصيبا من ~~العذاب { مثل ذنوب أصحبهم } يعني مثل نصيب أصحاب من عذاب ~~الذين مضوا وأصل الذنوب في اللغة هو الدلو الكبير فكيف عنه لأنه تتابع ~~يعني مثل عذاب الذين أهلكوا نحو قوم عاد وثمود وغيرهم { فلا ~~يستعجلون } يعني بالعذاب لأن النضر ابن الحارث كان يستعجل بالعذاب ~~فأمهله إلى يوم بدر ثم قتل في ذلك اليوم وصار إلى النار. قوله عز وجل { ~~فويل للذين كفروا من يومهم الذى يوعدون } يعني ~~من عذاب يوم القيامة والويل الشدة من العذاب، يقال الويل واد في جهنم. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-16] # قوله تعالى: { والطور } أقسم الله تعالى بالجبل وكل جبل فهو طور ~~بلغة النبط ويقال بلغة السريانية ولكن عني به الجبل الذي كلم الله عليه ~~موسى عليه السلام بمدين ثم قال: { وكتب مسطور } يعني: في ~~اللوح المحفوظ ويقال أعمال بني آدم { فى رق منشور } يعني: في ~~صحيفة منشورة كما قال # ونخرج له يوم القيمة كتابا يلقه منشورا # [الإسراء: 13] يعني: مفتوحا يقرؤونه ويقال كتاب مسطور يعني: القرآن في ms1642 ~~رق منشور يعني: المصاحف ويقال في اللوح المحفوظ ثم قال: { والبيت ~~المعمور } وهو في السماء السابعة ويقال في السماء السادسة، ويقال في ~~السماء الرابعة وروى وكيع بإسناده عن علي وابن عباس في قوله والبيت ~~المعمور قالا هو بيت في السماء حيال الكعبة يزوره كل يوم سبعون ألف ملك ~~ولا يعودون إليه إلى يوم القيامة قال بعضهم بناه الملائكة قبل أن يخلق ~~آدم عليه السلام وقال بعضهم هو البيت الذي بناه آدم بمكة فرفعه الله ~~تعالى في أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة، وقال بعضهم أنزل الله ~~بيتا من ياقوتة في زمان آدم عليه السلام ووضع بمكة فكان آدم يطوف به ~~وذريته من بعده إلى زمن الطوفان فرفع إلى السماء وهو البيت المعمور طوله ~~كما بين السماء والأرض ثم قال { والسقف المرفوع } يعني: السماء ~~المرتفعة من الأرض مقدار خمسمائة عام { والبحر المسجور } يعني: ~~البحر الممتلىء تحت العرش وهو بحر مكفوف يقال له الحيوان يحمي الله به ~~الموتى يوم القيامة فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء ويقال أقسم بخالق هذه ~~الأشياء { إن عذاب ربك لواقع } يعني: العذاب الذي أوقع ~~الكفار فهو كائن { ما له من دافع } يعني: لا يقدر أحد أن يرفع ~~عنهم العذاب ثم بين أن ذلك العذاب في أي يوم يكون فقال { يوم تمور ~~السماء مورا } يعني: تدور السماء بأهلها دورا وتموج بعضهم في بعض ~~من الخوف صار اليوم نصبا لنزع الخافض ومعناه أن عذاب ربك لواقع في يوم ~~تمور السماء مورا يعني: في يوم القيامة { وتسير الجبال سيرا ~~} يعني: تسير على وجه الأرض سيرا مثل السحاب حتى تستوي بالأرض { ~~فويل } الشدة من العذاب { يومئذ } يعني: يوم القيامة { ~~للمكذبين } بيوم القيامة ثم نعتهم فقال { الذين هم فى ~~خوض يلعبون } يعني: في باطل يلهون ويستهزئون قوله عز وجل: { ~~يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } يعني: تدفعهم خزنة ~~جهنم، ويقال يدعون يعني يزعجون إليها إزعاجا شديدا ويدفعون دفعا ~~عنيفا ومنه قوله تعالى: # يدع اليتيم # [الماعون: 2] أي يدفع عما يجب ويقال دعا يعني دفعا ms1643 على وجوههم يجرون ~~فإذا دنوا منها قالت لهم الخزنة { هذه النار التى كنتم ~~بها تكذبون } يعني: لم تصدقوا بها ولم تأمنوا بها (في الدنيا) { ~~أفسحر هذا } العذاب الذي ترون لأنفسكم لأنكم قلتم في الدنيا ~~للرسول ساحرا ومجنون { أم أنتم لا تبصرون } النار ويقال: بل ~~أنتم لا تعقلون ثم قال لهم { اصلوها } يعني: ادخلوا فيها { ~~فاصبروا أو لا تصبروا } يعني: فإن صبرتم أو لم تصبروا فهو { ~~سواء عليكم } اللفظ لفظ الأمر المراد به الخبر يعني إن صبرتم أو ~~لم تصبروا فلا تنجون منها أبدا { إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون } في الدنيا من الكفر والتكذيب. ### || [52.17-28] # بين حال المتقين فقال: { إن المتقين فى جنت } يعني: ~~الذين يتقون الشرك والفواحش في بساتين { ونعيم فكهين } يعني: ~~معجبين ويقال ناعمين ويقال فرحين { بما ءاتهم ربهم } في ~~الجنة من الكرامة { ووقهم ربهم عذاب الجحيم } يعني: ~~دفع عنهم عذاب النار ويقول لهم الخزنة: { كلوا واشربوا } يعني: ~~كلوا من ألوان الطعام والثمار واشربوا من ألوان الشراب { هنيئا } ~~يعني: لا داء ولا غائلة فيه ولا يخاف في الأكل والشرب من الآفات ما يكون ~~في الدنيا { بما كنتم تعملون } يعني: هذا الثواب لأعمالكم ~~التي عملتم في الدنيا ثم قال: { متكئين على سرر } يعني: ~~نائمين على سرر { مصفوفة } قد صف بعضها إلى بعض فكانوا على سرر وكل ~~من كان اشتاق إلى صديقه يلتقيان. قوله تعالى: { وزوجنهم بحور ~~عين } يعني: بيض الوجوه العين حسان الأعين قوله تعالى: { والذين ~~ءامنوا } يعني: صدقوا بالله ورسوله وصدقوا بالبعث { واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم } يعني: ~~ألحقناهم ذرياتهم قرأ أبو عمرو واتبعناهم ذرياتهم الحقنا بهم ذرياتهم ~~الثلاثة كلها بالألف وقرأ نافع اثنان بغير ألف والآخر بالألف، وقرأ ابن ~~عامر الأول بغير ألف والاخران بالألف والباقون كلها ألف فمن قرأ اتبعناهم ~~معناه ألحقناهم يعني: الذين آمنوا وجعلنا ذريتهم مؤمنين ألحقنا بهم ~~ذريتهم في الجنة في درجتهم ومن قرأ واتبعتهم بغير ألف يعني: ذريتهم معهم، ~~ومن قرأ ذرياتهم بالألف فهو جمع الذرية، ومن قرأ بغير ألف فهو عبارة ms1644 عن ~~الجنس ويقع على الجماعة أيضا وقال مقاتل معناه الذين أدركوا مع آبائهم ~~وعملوا خيرا في الجنة ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا العمل ~~فهم معهم في الجنة ويقال إن أحدهم إذا كان أسفل منه يلحق بهم لكي تقر ~~عينه وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال يرفع الله المسلم ذريته وإن ~~كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ثم قال: { وما ألتنهم من ~~عملهم من شىء } يعني: ما نقصناهم من عمل الآباء إذا كانوا مع ~~الأبناء حتى يبلغ بهم ذريتهم من غير أن ينقص من أجر أولئك شيئا ولا من ~~ذريتهم { كل امرىء بما كسب رهين } يعني: كل نفس مرتهنة ~~بعملها يوم القيامة ثم رجع إلى صفة المتقين في التقديم وكرامتهم قوله ~~تعالى: { وأمددنهم بفكهة } يعني: أعطيناهم من ألوان ~~الفاكهة { ولحم مما يشتهون } يعني: يتمنون، قرأ ابن كثير ~~ألتناهم بكسر اللام، وهي لغة لبعض العرب واللغة الظاهرة بالفتح وهي من ~~آلت يألت وهو النقصان قوله عز وجل: { يتنزعون فيها كأسا } ~~يعني: يتعاطون في الجنة تعطيهم الخدم قدح الشراب ولا يكون كأسا، إلا مع ~~الشراب { لا لغو فيها } يعني: لا باطل في الجنة { ولا تأثيم ~~} يعني: لا إثم في شرب الخمر ويقال لا تأثيم يعني لا تكذيب فيما بينهم، ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا لغوا فيها بنصب الواو ولا تأثيما بنصب الميم ~~والباقون بالضم مع التنوين فمن قرأ بالنصب فهو على التبرئة ومن قرأ بالضم ~~فهو على معنى الخبر يعني ليس فيها لغو ولا تأثيم كما قال # لا فيها غول # [الصافات: 47] ثم قال عز وجل: { ويطوف عليهم غلمان لهم ~~كأنهم لؤلؤ مكنون } يعني: في الحسن والبياض مثل اللؤلؤ في ~~الصدف لم تمسه الأيدي ولم تره الأعين، وروى سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن ~~رجلا قال # " يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم فقال والذي نفسي بيده إن فضل ~~المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " # ثم قال: { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } يعني: ms1645 ~~يتحدثون ويتساءلون في الجنة عن أحوالهم التي كانت في الدنيا ثم يقول صرت ~~إلى هذه المنزلة الرفيعة. قوله تعالى: { قالوا إنا كنا قبل } ~~يعني: في الدنيا { فى أهلنا مشفقين } يعني: خائفين من العذاب ~~ثم قال: { فمن الله علينا } يعني: من علينا بالمغفرة والرحمة ~~{ ووقنا عذاب السموم } يعني: دفع عنا عذاب النار قوله عز ~~وجل: { إنا كنا من قبل ندعوه } يعني: في الدنيا ندعو الرب ~~{ إنه هو البر } الصادق في قوله وفيما وعد لأوليائه، ويقال ~~البر بمعنى: النار { الرحيم } قرأ نافع والكسائي أنه بالنصب ومعناه ~~إنا كنا من قبل ندعوه بأنه هو البر، وقرأ الباقون بالكسر على معنى ~~الاستئناف ثم أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يعظ الناس ~~ولا يبالي في قولهم. ### || [52.29-38] # فقال عز وجل: { فذكر } يعني: فعظ بالقرآن { فما أنت بنعمة ~~ربك } يعني: برحمة ربك ويقال هو كقوله ما أنت بحمد الله مجنون وقال ~~أبو سهل متعظ بالقرآن ولست أنت والحمد لله { بكهن ولا مجنون ~~} ويقال فذكر يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين وبما أعتدنا ~~للضالين الكافرين فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون يعني لست تقول بقول ~~الكهنة ولا تنطق إلا بالوحي ثم قال: { أم يقولون شاعر } يعني: ~~أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه وهو قول الوليد بن المغيرة وأبي جهل ~~وأصحابهما { نتربص به ريب المنون } يعني: أوجاع الموت ~~وحوادثه، قال قتادة ريب المنون الموت، وقال مجاهد ريب المنون حوادث الدهر ~~وقال القتبي حوادث الدهر وأوجاعه ومصايبه ويقال إنهم كانوا يقولون قد مات ~~أبوه شابا وهم ينتظرون موته. { قل تربصوا } يعني: انتظروا هلاكي ~~{ فإنى معكم من المتربصين } وذكر في التفسير أن الذين ~~قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: ~~{ أم تأمرهم أحلمهم بهذا } يعني: أتأمرهم عقولهم ~~وتدلهم على التكذيب والإيذاء بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { أم هم ~~قوم طاغون } يعني: بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى: { أم ~~يقولون تقوله } يعني: أيقولون أن محمدا - صلى الله عليه ms1646 وسلم ~~- يقول من ذات نفسه واللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الزجر والوعيد ثم ~~قال: { بل لا يؤمنون } يعني: لا يصدقون بالرسول والكتاب عنادا ~~وحسدا منهم، قوله عز وجل: { فليأتوا بحديث مثله } يعني: ~~إن قلتم إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقول من ذات نفسه فأتوا بمثل ~~هذا القرآن كما جاء به { إن كانوا صدقين } في قولهم. ثم قال: { ~~أم خلقوا من غير شىء } يعني: من غير رب، كانوا هكذا خلقا ~~من غير شيء ومعناه كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم فيوحدونه ~~ويعبدونه ويقال أم خلقوا من غير شيء يعني لغير شيء، ومعناه أخلقوا باطلا ~~لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون ثم قال { أم هم الخلقون } ~~يعني: أهم خلقوا الخلق أم الله تعالى ومعناه أن الله تعالى خلق الخلق وهو ~~الذي يبعثهم يوم القيامة ثم قال { أم خلقوا السموات ~~والأرض } يعني: بل الله تعالى خلقهم { بل لا يوقنون } بتوحيد ~~الله الذي خلقهما أنه واحد لا شريك له ثم قال { أم عندهم خزائن ~~ربك } يعني: مفاتيح رزق ربك، ويقال: مفاتيح ربك الرسالة فيضعونها حيث ~~شاؤوا ولكن الله يختار من يشاء كقولهم # أءلقى الذكر عليه من بيننا # [القمر: 25] ثم قال { أم هم المسيطرون } يعني: أهم المسلطون ~~عليهم يحملونهم حيث شاؤوا على الناس فيجبرونهم بما شاؤوا، قرأ ابن كثير ~~وابن عامر والكسائي في إحدى الروايتين المسيطرون بالسين والباقون بالصاد ~~وقرأ حمزة المزيطرون بإشمام الزاء وقال الزجاج تسيطر علينا وتصيطر وأصله ~~السين وكل سين بعدها طاء يجوز أن تقلب صادا مثل مسيطر ويبسط ثم قالوا { ~~أم لهم سلم } يعني: سببا إلى السماء { يستمعون فيه } ~~يعني: يرتقون عليه فيستمعون القول من رب العالمين { فليأت ~~مستمعهم بسلطن مبين } أي بحجة بينة. ### || [52.39-49] # قال عز وجل: { أم له البنت ولكم البنون } ثم بين ~~جهلهم. وقلة أحلامهم أنهم يجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم ثم قال عز وجل { ~~أم تسئلهم أجرا } ومعناه أن الحجة واجبة عليهم من كل وجه ~~لأنك قد أتيتهم بالبيان والبرهان ولم تسألهم على ذلك أجرا، ms1647 فقال أم ~~تسألهم يعني: أتطلب منهم أجرا بما تعلمهم من الأحكام والشرائع { فهم ~~من مغرم مثقلون } يعني: من أجل المغرم يمتنعون عن الإيمان ~~يعني: لا حجة لهم في الامتناع لأنك لا تسأل منهم أجرا فيثقل عليهم لأجل ~~الأجر قوله عز وجل: { أم عندهم الغيب } يعني: عندهم الغيب بأن ~~الله لا يبعثهم { فهم يكتبون } يعني: أمعهم كتاب يكتبون بما ~~شاؤوا يعني: ما في اللوح المحفوظ فهذا كله لفظ الاستفهام والمراد به ~~الزجر ثم قال عز وجل: { أم يريدون كيدا } بل يريدون وعيدا ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - { فالذين كفروا هم ~~المكيدون } يعني: بل هم المعذبون الهالكون قوله عز وجل: { أم ~~لهم إله غير الله } يعني: ألهم خالق غير الله يخلق ويرزق ~~ويمنعهم من عذابنا { سبحن الله عما يشركون } يعني: ~~تنزيها لله تعالى عما يصفون من الشريك والولد ثم ذكر قسوة قلوبهم فقال { ~~وإن يروا كسفا من السماء سقطا } يعني: جانبا من ~~السماء ساقطا عليهم { يقولوا } يعني: لقالوا من تكذيبهم { سحب ~~مركوم } يعني: متراكما بعضه على بعض لأنهم كانوا يقولون لا نؤمن بك ~~حتى تسقط علينا كسفا ثم قال الله تعالى لو فعلنا ذلك لم يؤمنوا ولا ~~ينفعهم من قسوة قلوبهم. ثم قال: { فذرهم } يعني: فتخل عنهم يا محمد ~~{ حتى يلقوا يومهم } يعني: يعاينوا يومهم { الذى فيه ~~يصعقون } يعني: يموتون ويقال يعذبون قرأ عاصم وابن عامر يصعقون بضم ~~الياء والباقون يصعقون بنصب الياء وكلاهما واحد وهما لغتان ثم وصف حالهم ~~في ذلك اليوم فقال: { يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيئا } ~~يعني: لا ينفعهم صنيعهم شيئا { ولا هم ينصرون } يعني: لا يمنعون ~~مما نزل بهم من العذاب. ثم قال عز وجل: { وإن للذين ظلموا ~~عذابا دون ذلك } يعني: من قبل عذاب النار، قد روى عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما قال: عذاب القبر، وقال معمر عن قتادة قال عذاب القبر ~~في القرآن ثم قرأ وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك، ويقال عذابا دون ذلك ~~يعني: القتل ويقال الشدائد والعقوبات في الدنيا { ولكن ms1648 ~~أكثرهم لا يعلمون } يعني: لا يصدقون بالعذاب ثم عزى نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذاهم فقال { واصبر لحكم ربك ~~} يعني: لما أمرك ربك ونهاك عنه، ويقال: واصبر على تكذيبهم وأذاهم { ~~فإنك بأعيننا } يعني: فإنك بمنظر منا والله تعالى يرى أحوالك ~~ولا يخفى عليه شيء، وقال الزجاج: فإنك بأعيننا بمعنى: فإنك بحيث نراك ~~ونحفظك ولا يصلون إلى مكرك ويقال نرى ما يصنع بك { وسبح بحمد ~~ربك حين تقوم } يعني: صل بأمر ربك قبل طلوع الشمس يعني: صلاة ~~الفجر وقبل الغروب يعني صلاة العصر { ومن الليل فسبحه } ~~يعني: صل صلاة المغرب والعشاء ويقال: حين تقوم صلاة الفجر والظهر والعصر ~~ومعناه صل صلاة النهار وصلاة الليل، ويقال: سبح بحمد ربك حين تقوم يعني: ~~قل سبحانك اللهم وبحمدك إذا قمت إلى الصلاة وهذا قول ربيع بن أنس { ~~وإدبر النجوم } يعني: ركعتي الفجر وروى سعيد بن جبير، عن ~~زاذان عن عمر رضي الله عنه لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر وهما ~~إدبار النجوم وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال إدبار ~~السجود الركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وروى وكيع ~~عن ابن عباس أنه قال بت ذات ليلة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فصلى ركعتي الفجر ثم خرج إلى الصلاة فقال ابن عباس الركعتان اللتان قبل ~~الفجر إدبار النجوم واللاتي بعد المغرب بإدبار السجود وفي الآية دليل على ~~أن تأخير صلاة الفجر أفضل لأنه أمر بركعتي الفجر بعد ما أدبرت النجوم، ~~وإنما أدبرت النجوم بعد ما أسفر والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-9] # قوله تعالى: { والنجم إذا هوى } قال ابن عباس رضي الله عنه - ~~أقسم الله تعالى بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقتا بعد وقت الآية والآيتان والسورة والسورتان وكان بين أوله ~~وآخره إحدى وعشرون سنة، قال مجاهد: أقسم الله بالثريا إذا غابت وسقطت ~~والعرب تسمي الثريا نجما ويقال أقسم بالكواكب المضيئة ويقال أقسم بجميع ms1649 ~~الكواكب { ما ضل صحبكم } وذلك أن قريشا قالوا له قد تركت دين ~~آبائك، وخرجت من الطريق وتقول شيئا من ذات نفسك فنزل: { والنجم ~~إذا هوى، ما ضل صحبكم } يعني: ما ترك دين أبيه إبراهيم { ~~وما غوى } يعني: لم يضل قوما، والغاوي والضال واحد يقال: الضلال ~~قبل البيان والفساد بعد البيان، قرأ حمزة والكسائي إذا هوى وما غوى كله ~~بالإمالة في جميع السورة، وقرأ نافع وأبو عمرو بين الإمالة والفتح في ~~جميع السورة والباقون بالتخفيف وكل ذلك جائز في اللغة ثم قال { وما ~~ينطق عن الهوى } يعني: ما ينطق بهذا القرآن بهوى نفسه، والعرب ~~تجعل عن مكان الباء تقول رميت عن القوس أي بالقوس وما ينطق عن الهوى أي ~~بالهوى { إن هو إلا وحى يوحى } يعني: ما هذا القرآن إلا وحي ~~يوحى إليه { علمه شديد القوى } يعني: أتاه جبريل عليه السلام ~~وعلمه وهو شديد القوى وأصله في اللغة من قوى الجبل وهو طاقاته والواحد ~~قوة ويقال علمه شديد القوى يعني الله تعالى يعلمه بالوحي وهو ذو القوة ~~المتين قوله عز وجل: { ذو مرة } يعني: ذي قوة وأصل المرة القتل ~~فيعبر به عن القوة ومنه الحديث # " لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي " # ثم قال عز وجل: { فاستوى } يعني: جبريل عليه السلام ويقال فاستوى ~~يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - { وهو بالأفق الأعلى } ~~يعني: من قبل مطلع الشمس جبريل فرآه على صورته، وله جناحان أحدهما ~~بالمشرق، والآخر بالمغرب { ثم دنا فتدلى } إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكل ما دنا منه، انتقص حتى إذا قرب منه مقدار قوسين رآه ~~كما رآه في سائر الأوقات حتى لا يشك جبريل { فكان قاب قوسين } ~~يعني: في القرب مقدار قوسين وقال بعضهم: يعني: ليلة المعراج دنا من العرش ~~مقدار قوسين وإنما ذكر القوسين لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تجعل ~~مساحة الأشياء بالقوس ويقال: فكان قاب قوسين يعني: قدر ذراعين وإنما سمي ~~الذراع قوسا لأنه تقاس به الأشياء. { أو أدنى } يعني: بل أدنى، ~~ويقال أو ms1650 بمعنى واو العطف يعني: مقدار قوسين أو أقرب من ذلك. ### || [53.10-18] # قوله تعالى: { فأوحى إلى عبده ما أوحى } يعني: أوحى ~~الله تعالى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه جبريل ما قرأ، ~~ويقال: تكلم مع عبده ليلة المعراج ما تكلم ويقال: أمر عبده بما أمر ثم ~~قال { ما كذب الفؤاد ما رأى } يعني: ما كذب قلب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ما رأى بصره من أمر ربه في رؤية جبريل عليه السلام، ~~ويقال في رؤية الله تعالى بقلبه، قال محمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس ~~سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل رأيت ربك فقال رأيته بفؤادي ولم ~~أره بعيني، قرأ الحسن ما كذب بتشديد الذال وهو إحدى الروايتين عن ابن ~~عباس ومعناه لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا، والباقون بالتخفيف يعني: ~~ما كذب فؤاد محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما رأى ثم قال عز وجل: { ~~أفتمرونه على ما يرى } قرأ حمزة أفتمرونه بنصب التاء ~~وجزم الميم بغير ألف وهكذا روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما ~~ومعناه أفتجحدونه فيما رأى والباقون أفتمارونه يعني: أفتجادلونه لأنه رأى ~~من آيات ربه الكبرى. ثم قال: { ولقد رءاه نزلة أخرى } ~~يعني: لقد رأى جبريل مرة أخرى، وروي عن كعب الأحبار أنه قال رأى ربه مرة ~~فقال: إن الله كلم موسى مرتين، ورأى محمدا مرتين فبلغ ذلك إلى عائشة رضي ~~الله عنها وعن أبيها. فقالت قد اقشعر جلدي من هيبة هذا الكلام فقيل لها ~~يا أم المؤمنين أليس يقول الله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى، فقالت: أنا ~~سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: رأيت جبريل نازلا في ~~الأفق على خلقته، وصورته ويقال: ولقد رآه نزلة أخرى يعني رآه بفؤاده ~~وأكثر المفسرين يقولون إن المراد به جبريل يعني: محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - لما رجع من عند ربه ليلة أسري به رأى جبريل { عند سدرة ~~المنتهى } فقال مقاتل السدرة هي شجرة طوبى ولو أن رجلا ركب نجيبه ms1651 ~~وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم لما وصل إلى المكان الذي ركب منه تحمل ~~لأهل الجنة الحلي والحلل وجميع ألوان الثمار، ويقال: هي شجرة غير شجرة ~~طوبى، وهي شجرة عن يمين العرش فوق السماء السابعة تخرج أنهار الجنة من ~~أصل تلك الشجرة، وإنما سميت سدرة المنتهى لأن أرواح المؤمنين تنتهي إليها ~~ويقال أرواح الشهداء تنتهي إليها ويقال الملائكة ينتهون إليها ولا ~~يجاوزنها ويقال لأن علم كل واحد ينتهي إليها ولا يتجاوزنها ولا يدري ما ~~فوق ذلك وروي عن طلحة بن مطرف عن مرة عن عبد الله قال لما أسري برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - انتهي به إلى سدرة المنتهى وإليها ينتهي ما ~~عرف من تحتها وإليها ينتهي ما هبط من فوقها وهي النهاية التي ينتهي إليها ~~من فوق ومن تحت ولا يتجاوز عن ذلك ثم قال عز وجل: { عندها جنة ~~المأوى } وإنما سميت المأوى لأنه يأوي إليها أرواح الشهداء قرأ سعد ~~بن أبي وقاص وعائشة رضي الله عنهما جنة المأوى بالتاء وقيل لسعد أن ~~فلانا يقرأ عندها جنه المأوى بالهاء قال سعد ما له أجنه الله، وعن ~~أبي العالية قال سألني ابن عباس كيف تقرأها يا أبي العالية قال قلت له ~~جنة، قال: صدقت هي مثل قوله " جنات المأوى " وقراءة العامة " جنة " وهي ~~من جنات ثم قال { إذ يغشى السدرة ما يغشى } يعني: يغشاها ~~من الملائكة ما يغشى وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل ماذا ~~يغشى قال: جراد من ذهب، ويقال فراش من ذهب، وقال الحسن يغشاها نور مثل ~~الجراد من ذهب ثم قال: { ما زاغ البصر } يعني: ما مال وما عدل بصر ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - عما رأى { وما طغى } وما تعدى وما جاوز ~~إلى غيره ويقال وما طغى يعني: وما ظلم صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما رأى تلك الليلة التي عرج به إلى السماء { لقد رأى من ~~ءايت ربه الكبرى } وهو الرفرف الأخضر قد غطى الأفق فجلس عليه ~~رسول الله - صلى ms1652 الله عليه وسلم - عليه وجاوز سدرة المنتهى، وقال ابن ~~مسعود رأى جبريل وله ستمائة جناح وهم من آيات ربه الكبرى وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما أخبر برؤية جبريل تعجبوا منه وأنكروا فأخبر ~~الله تعالى أنه قد رآه مرة أخرى وأنه قد رأى من آيات ربه الكبرى. ### || [53.19-27] # قال عز وجل: { أفرءيتم اللت والعزى } قرأ مجاهد اللات ~~بتشديد التاء. يقال كان رجلا يلت السويق بالزيت ويطعم الناس، وقال السدي ~~كان رجلا يقوم على آلهتهم ويلت السويق لهم، ويقال كانت حجارة يعبدونها ~~وينزل عندها رجل يبيع السويق ويلته فسميت تلك الحجارة باللات وقرأه ~~العامة بغير تشديد، قال مقاتل وإنما سمي اللات والعزى لأنهم قالوا هكذا ~~أسماء الملائكة وهم بناته فنزل { ألكم الذكر وله والأنثى ~~} وقال قتادة اللات كان لأهل الطائف والعزى لقريش ومناة للأنصار ويقال: ~~إن المشركين أرادوا أن يجعلوا من آلهتهم من أسماء الحسنى فأرادوا أن ~~يسموا الواحد منها الله فجرى على لسانهم اللات، وأرادوا أن يسموا الواحد ~~منها العزيز فجرى على لسانهم العزى، وأرادوا أن يسموا الواحد منها المنان ~~فجرى على لسانهم مناة، ويقال: إن العزى كانت نخلة بالطائف يعبدونها فبعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد حتى قطع تلك النخلة فخرجت ~~منها امرأة تجر شعرها على الأرض فأتبعها بفأس فقتلها فأخبر بذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال # " تلك العزى قتلها فلا تعبد العزى أبدا " # ، ويقال: أول الأصنام كانت اللات ثم العزى ثم مناة وهو قوله أفرأيتم ~~اللات والعزى { ومنوة الثالثة الأخرى } يعني: أفرأيتم ~~عبادتها تنفعهم في الآخرة ثم قال { ألكم الذكر وله الأنثى ~~} يعني: بني مدلج، ويعبدون الملائكة ويقولون هم بناته فيشفعوا لنا { ~~تلك إذا قسمة ضيزى } أي: جائرة معوجة قرأ ابن كثير بهمز ~~الألف والمد والباقون بغير همز ومعناهما واحد وهو اسم الصنم وقرأ ابن ~~كثير ضئزى بالهمزة والباقون بغير همزة، ومعناهما واحد، يقال ضازه يضيزه ~~إذا نقصه حقه يقال ضزت في الحكم أي جرت ثم قال { إن هى إلا ~~أسماء ms1653 سميتموها } يعني: الأصنام { أنتم وءاباؤكم } ~~بالتقليد { ما أنزل الله بها من سلطن } يعني: من عذر ~~وحجة لكم بما تقولون { إن يتبعون إلا الظن } يعني: ما ~~يعبدون وما يتبعون إلا الظن ولا تعرفونها أنها يقينا آلهة { وما ~~تهوى الأنفس } يعني: يتبعون ما تشتهي أنفسهم وعبدوه وتركوا دين ~~الله { ولقد جاءهم من ربهم الهدى } يعني: أتاهم الكتاب ~~والرسول وبين لهم طريق الهدى ثم قال عز وجل: { أم للإنسن ما ~~تمنى } يعني: ما يتمنى بأن الملائكة تشفع له فيكون الأمر بتمنيه { ~~فلله الآخرة والأولى } يعني: ثواب الآخرة والأولى، ويقال: أهل ~~السماوات وأهل الأرض كلهم عبيده، ويقال: له نفاذ الأمر في الآخرة ~~والأولى، ويقال: جميع ما فيها يدل على وحدانيته ثم قال: { وكم من ~~ملك فى السموات لا تغنى شفعتهم شيئا } يعني: ~~لا تنقطع شفاعتهم ردا لقولهم إنهم يشفعون لنا ثم استثنى فقال { إلا ~~من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } يعني: من كان ~~معه التوحيد فيشفع له بإذن الله تعالى ثم قال { إن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة } يعني: لا يصدقون بالبعث { ليسمون ~~الملئكة تسمية الأنثى } باسم البنات وفيه تنبيه للمؤمنين ~~لكي لا تقولوا مثل مقالتهم وزجرا للكافرين عن تلك المقالة. ### || [53.28-32] # قال عز وجل: { وما لهم به من علم } يعني: ليس لهم حجة على ~~مقالتهم { إن يتبعون إلا الظن } يعني: ما يتبعون إلا الظن ~~يعني: على غير يقين { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا ~~} يعني: لا يمنعهم من عذاب الله شيئا { فأعرض عن من تولى ~~عن ذكرنا } يعني: اترك من أعرض عن القرآن ولا يؤمن به { ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا } يعني: لم يرد بعلمه الدار الآخرة ~~إنما يريد به منفعة الدنيا { ذلك مبلغهم من العلم } يعني: ~~غاية علمهم الحياة الدنيا، ويقال: ذلك منتهى علمهم لا يعلمون من أمر ~~الآخرة شيئا وهذا كقوله # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن ~~الآخرة هم غافلون # [الروم: 7]. # ثم قال عز وجل: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله } يعني: هو أعلم بمن ترك ms1654 طريق الهدى { وهو أعلم بمن ~~اهتدى } يعني: من تمسك بدين الإسلام، ومعناه فأعرض عنهم ولا تعاقبهم ~~فإن الله عليم بعقوبة المشركين وبثواب المؤمنين، وهذا قبل أن يؤمر ~~بالقتال ثم عظم نفسه بأنه غني عن عبادتهم فقال { ولله ما فى ~~السموات وما في الأرض } من الخلق { ليجزي الذين ~~أساءوا بما عملوا } يعني: ليعاقب في الآخرة الذين أشركوا ~~وعملوا المعاصي { ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى } يعني: ~~ويثيب الذين آمنوا وأدوا الفرائض الخمسة بإحسانهم ثم نعت المحسنين فقال: ~~{ الذين يجتنبون كبئر الإثم والفوحش } قرأ حمزة ~~والكسائي كبير الإثم والفحش بلفظ الوحدان والمراد به الجنس والباقون ~~كبائر الإثم بلفظ الجماعة، قال بعضهم كبائر الإثم يعني: الشرك بالله، ~~والفواحش يعني: المعاصي وقال بعضهم: كبائر الإثم والفواحش بمعنى واحد، ~~لأن كل فاحشة كبيرة، وكل كبيرة فاحشة وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال # " الكبائر أربعة الشرك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله ~~والأمن من مكر الله " # ، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكبائر سبعة فبلغ ذلك إلى ~~عبد الله بن عباس فقال هي إلى السبعين أقرب، ويقال كل ما نهى الله عنه ~~فهو كبيرة، وقيل كل ما أصر العبد عليه فهو كبيرة، كما روي عن بعضهم أنه ~~قال لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار. قال { إلا اللمم ~~} وقال بعضهم: اللمم هو الصغائر من الذنوب يعني: إذا اجتنبت الكبائر يغفر ~~الله صغار الذنوب من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة وهو كقوله ~~تعالى: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئتكم # [النساء: 31] قال مقاتل نزلت في شأن نبهان التمار وذلك أن امرأة أتت ~~لتشتري التمر فقال لها ادخلي الحانوت فعانقها وقبلها فقالت المرأة خنت ~~أخاك ولم تصب حاجتك فندم وذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وروى مسروق عن ابن مسعود قال زنا العينين النظر وزنا اليدين البطش وزنا ~~الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك الفرج، أو يكذبه فإن تقدم كان زنا وإن ~~تأخر كان لمما. ms1655 # وقال عكرمة اللمم النظر وحديث النفس ونحو ذلك، وروى طاووس عن ابن عباس ~~قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فزنا العينين نظر الناظر، وزنا ~~اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " # وقال عبد الله بن الزبير - اللمم القبلة واللمس باليد وقال بعضهم اللمم ~~كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه وروى منصور عن مجاهد قال في قوله " إلا ~~اللمم " هو الرجل يذنب الذنب ثم ينزع عنه، وروي عن أبي هريرة قال اللمم ~~النكاح وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية يقول ~~الله تعالى في كتابه # وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف # [النساء: 23] وروي عن الحسن أنه قال: اللمم هو أن يصيب النظرة من المرأة ~~والشربة من الخمر ثم ينزع عنه وروي عن مجاهد أنه قال الذي يلم بالذنب ثم ~~يدعه، وقد قال الشاعر: # إن تغفر اللهم تغفر جما # وأي عبد لله لا ألما # وقال بعضهم { إلا اللمم } ومعناه: ولا اللمم ومعناه: أن تجتنبوا ~~صغائر الذنوب وكبائرها كما قال القائل وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير ~~والعيش يعني: ولا اليعافير ولا العيس - وروي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " إياكم والمحقرات من الذنوب " # ، وسئل زيد بن ثابت عن قوله إلا اللمم قال حرم الله الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن. ثم قال: { إن ربك وسع المغفرة } يعني: واسع ~~الفضل غافر الذنوب للذين يتوبون ويقال معناه رحمته واسعة على الذين ~~يجتنبون الكبائر ثم قال: { هو أعلم بكم } يعني: هو أعلم بحالكم ~~منكم { إذ أنشأكم من الأرض } يعني: إذ هو خلقكم من الأرض ~~يعني: خلق آدم من تراب وأنتم من ذريته { وإذ أنتم أجنة } ~~يعني: كنتم صغارا { فى بطون أمهتكم } كان هو أعلم بحالكم ~~منكم في ذلك كله { فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم } يعني: ~~لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب ms1656 ولا تمدحوها، ويقال: ولا تزكوا أنفسكم يعني: ~~لا يمدح بعضكم بعضا، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " # والمدح على ثلاثة أوجه أوله - أن يمدحه في وجهه فهو الذي نهي عنه، ~~والثاني أن يمدحه بغير حضرته ويعلم أنه يبلغه فهو أيضا منهي عنه، ~~والثالث أن يمدحه في حال غيبته وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه ويمدحه بما ~~هو فيه فلا بأس بهذا، ويقال فلا تزكوا أنفسكم يعني: لا تطهروا أنفسكم من ~~العيوب وهذا كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " الناس كإبل مائة لم يكن فيها راحلة " # { بمن اتقى } يعني: من يستحق المدح ومن لا يستحق المدح. ### || [53.33-42] # قال: { أفرأيت الذى تولى } يعني: أعرض عن الحق وهو الوليد ~~بن المغيرة ومن كان في مثل حاله { وأعطى قليلا } يعني: وأنفق ~~قليلا من ماله { وأكدى } يعني: هو أمسك عن النفقة قال مقاتل أنفق ~~الوليد ابن المغيرة على أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نفقة قليلة ثم ~~انتهى عن ذلك، وقال القتبي وأكدى أصله من كديه الدكية وهي الصلابة فيها ~~فإذا بلغها الحافر يبس حفرها فقطع الحفرة يعني: تركها فقيل لمن طلب شيئا ~~ولم يدرك أخره وأعطى شيئا. ولم يتم وأكدى ثم قال عز وجل: { أعنده ~~علم الغيب فهو يرى } يعني: أعنده علم الآخرة فهو يرى صنيعه، ~~وقيل يعلم ما في اللوح المحفوظ فيرى صنيعه { أم لم ينبأ بما ~~فى صحف موسى } يعني: ألم يخبر بما بين الله تعالى في صحف موسى، ~~قال بعضهم: صحف موسى يعني: التوراة وقال بعضهم: هو كتاب أنزل عليه قبل ~~التوراة { وإبرهيم الذى وفى } يعني: في كتاب إبراهيم الذي ~~وفى يعني: بلغ الرسالة، ويقال: وفى بمعنى عمل ما أمر به وذلك أن الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط قال لعثمان إنك تنفق مالك فعن قريب تفتقر فقال عثمان ~~إن لي ذنوبا فقال الوليد ادفع إلي بعض المال حتى أدفع ذنوبك فدفع إليه ~~فأنزل الله تعالى أم لم ينبأ ms1657 بما في صحف موسى يعني: ألم يبين الله تعالى ~~في كتاب موسى وكتاب إبراهيم { ألا تزر وزرة وزر أخرى } ~~يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى، ويقال " وإبراهيم الذي وفى " يعني: ~~بما ابتلاه الله تعالى بعشر كلمات ويقال بذبح الولد ويقال كان يصلي كل ~~غداة أربع ركعات صلاة الضحى فسماه وفيا، ثم قال عز وجل: { وأن ليس ~~للإنسن إلا ما سعى } يعني: ليس للإنسان في الآخرة إلا ما عمل ~~في الدنيا من خير أو شر { وأن سعيه سوف يرى } يعني: يرى ~~ثواب عمله في الآخرة قوله عز وجل: { ثم يجزاه الجزاء ~~الأوفى } يعني: يعطى ثوابه كاملا { وأن إلى ربك ~~المنتهى } يعني: إليه ينتهي أعمال العباد وإليه يرجع الخلق كلهم ~~فهذا كله في مصحف موسى وإبراهيم. ### || [53.43-58] # قال: { وأنه هو أضحك وأبكى } يعني: أضحك أهل الجنة في ~~الجنة قال وأبكى أهل النار في النار، ويقال أضحك في الدنيا أهل النعمة، ~~وأبكى أهل الشدة والمعصية { وأنه هو أمات وأحيا } يعني: ~~يميت في الدنيا ويحيي في الآخرة للبعث { وأنه خلق الزوجين ~~} يعني: اللونين والصنفين { الذكر والأنثى من نطفة إذا ~~تمنى } يعني: تهراق في رحم الأنثى، وقال القتبي: من نطفة إذا تمنى ~~يعني: تقدر وتخلق، ويقال ما تدري ما يمني لك الماني يعني: ما يقدر لك ~~المقدر ثم قال عز وجل: { وأن عليه النشأة الأخرى } يعني: ~~البعث بعد الموت، يعني: ذلك إليه وبيده وهو قادر على ذلك فاستدل عليهم ~~بالفعل الآخر بالفعل الأول أنه خلقهم في الابتداء من النطفة، وهو الذي ~~يحيهم بعد الموت { وأنه هو أغنى وأقنى } يعني: حول وأعطى ~~المال وأقنى يعني أفقر، ويقال: أغنى يعني يعطي وأقنى يعني: يرضي بما ~~يعطي، ويقال أغنى نفسه عن الخلق وأقنى يعني: أفقر الخلق إلى نفسه، وروى ~~السدي عن أبي صالح أغنى بالمال وأقنى يعني: بالقنية، وقال الضحاك أغنى ~~بالذهب وبالفضة والثياب، والمسكن وأقنى بالإبل والبقر والغنم والدواب، ~~وقال عكرمة أغنى يعني: أرضى وأقنى يعني: وأقنع ثم قال: { وأنه هو ~~رب الشعرى } يعني: وأن الله ms1658 هو خالق الشعرى قال ابن عباس هو كوكب ~~تعبده خزاعة يطلع بعد الجوزاء يقول الله تعالى وأنا ربها وأنا خلقتها ~~فاعبدوني، ثم خوفهم فقال عز وجل: { وأنه أهلك عادا الأولى ~~} بالعذاب وهم قوم هود عليه السلام وكان بعدهم عاد آخر سواهم فلهذا سماهم ~~عاد الأولى، { وثمود فما أبقى } يعني: قوم صالح عليه السلام ~~فأهلكهم الله وما بقي منهم أحد قرأ نافع وأبو عمرو عاد الأولى - بحذف ~~الهمزة وإدغام التنوين والباقون عادا بالتنوين الأولى بالهمزة وكلاهما ~~جائز عند العرب وقرأ حمزة وعاصم رواية حفص وثمود بغير تنوين والباقون ~~ثمودا بالتنوين قال أبو عبيد نقرأ بالتنوين مكان الألف الثانية في ~~المصحف ثم قال: { وقوم نوح من قبل } يعني: أهلكنا قوم نوح من ~~قبل عاد وثمود { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } يعني: ~~أشد في كفرهم وطغيانهم لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فدعاهم فلم ~~يجيبوا وكان الآباء يوصون الأبناء بتكذيبه ثم قال عز وجل: { ~~والمؤتفكة أهوى } يعني: مدينة قوم لوط وسماها مؤتفكة لأنها ~~ائتفكت أي انقلبت أهوى أي أسقط ويقال: المؤتفكة يعني: المكذبة أهوى يعني: ~~أهوى من السماء إلى الأرض وذلك أن جبريل عليه السلام حيث قلع تلك المدائن ~~فرفعها إلى قريب من السماء ثم قلبها وأهواها إلى الأرض { فغشها ~~ما غشى } يعني: فغشاها من الحجارة ما غشى كقوله # وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل # [الحجر: 74] ثم قال: { فبأى آلاء ربك تتمارى } يعني: بأي ~~نعمة من نعماء ربك تتجاحد أيها الإنسان بأنها ليست من الله تعالى قوله عز ~~وجل: { هذا نذير من النذر الأولى } يعني: محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - نذير مثل النذر الأولى يعني: رسولا مثل الرسل الأولى ~~مثل نوح وهود وصالح صلوات الله عليهم وقد خوفهم الله ليحذروا معصيته ~~ويتبعوا ما أمرهم الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال { ~~أزفت الآزفة } يعني: دنت القيامة. { ليس لها من دون ~~الله كاشفة } يعني: ليس للساعة من دون الله كاشفة عن علم قيامها، ~~وهذا كقوله # قل إنما علمها عند ربي لا ms1659 يجليها لوقتهآ ~~إلا هو # [الأعراف:187]. ### || [53.59-62] # قال عز وجل: { أفمن هذا الحديث تعجبون } يعني: من ~~القرآن تعجبون تكذيبا { وتضحكون } استهزاءا { ولا تبكون } ~~مما فيه من الوعد { وأنتم سمدون } يعني: لاهين عن القرآن، روي ~~عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال هو الغناء كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ~~ولعبوا وهي بلغة أهل اليمن وقال قتادة سامدون يعني غافلون ثم قال عز وجل: ~~{ فاسجدوا لله } يعني: صلوا لله ويقال اخضعوا لله { ~~واعبدوا } يعني: أطيعوا ويقال فاسجدوا لله في الصلاة واعبدوا يعني: ~~وحدوه، ويقال: هو سجدة التلاوة بعينها، وروي عن الشعبي أنه قال إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سجد في النجم وسجد معه المؤمنون والمشركون ~~والجن والإنس. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-4] # قوله تعالى: { اقتربت الساعة } يعني دني قيام الساعة لأن خروج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من علامات الساعة { وانشق ~~القمر } وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~علامة لنبوته فانشق القمر نصفين، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~أنه قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانشق القمر نصفين ~~فرأيت حراء بين فلقتي القمر أي شقتي القمر، وعن جبير بن مطعم قال انشق ~~القمر ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة وروى قتادة عن أنس ~~قال سأل أهل مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية فانشق القمر بمكة ~~وقال بعضهم اقتربت الساعة وانشق القمر يعني تقوم الساعة وينشق القمر يوم ~~القيامة وأكثر المفسرين قالوا: إن هذا قد مضى، وقال عبد الله بن مسعود ما ~~وعد الله ورسوله من أشراط الساعة كلها قد مضى إلا أربعة طلوع الشمس من ~~مغربها، ودابة الأرض وخروج الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج ثم قال { وإن ~~يروا ءاية يعرضوا } يعني إذا رأوا آية من آيات الله مثل ~~انشقاق القمر يعرضوا عنها ولا يتفكروا فيها { ويقولوا سحر ~~مستمر } يعني مصنوعا سيذهب، ويقال معناه ذاهبا يذهب ثم التئام ~~القمر وقال القتبي: سحر مستمر يعني شديد القوى، ms1660 وهو من المرة وهو القتل ~~وقال الزجاج في مستمر قولان قول: ذاهب وقول دائم وقال الضحاك لما رأى أهل ~~مكة انشقاق القمر، وقال أبو جهل هذا سحر مستمر فابعثوا إلى أهل الآفاق ~~حتى ينظروا إذا رأوا القمر منشقا أم لا فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه ~~منشقا قالوا: هذا سحر مستمر يعني استمر سحره في الآفاق قوله عز وجل { ~~وكذبوا } يعني كذبوا بالآية وبقيام الساعة { واتبعوا ~~أهواءهم } في عبادة الأصنام { وكل أمر مستقر } يعني ~~كل قول من الله له حقيقة منه في الدنيا سيظهر وما كان منه في الآخرة ~~سيعرف يعني ما وعد لهم من العقوبة ويقال: معناه مستقر لأهل النار عملهم ~~ولأهل الجنة عملهم يعني يعطي لكل فريق جزاء أعمالهم ثم قال { ولقد ~~جاءهم من الأنباء } يعني جاء لأهل مكة من الأخبار عن الأمم الخالية ~~{ ما فيه مزدجر } يعني ما فيه موعظة لهم وزجر عن الشرك والمعاصي. ### || [54.5-14] # قوله تعالى: { حكمة بلغة } يعني جاءهم كلمة بالغة وهو القرآن ~~يعني حكمة وثيقة { فما تغن النذر } يعني لا تنفعهم النذر إن لم ~~يؤمنوا كقوله # وما تغن الآيت والنذر عن قوم لا يؤمنون # [يونس: 101] ويقال: { فما تغن النذر } لم تنفعهم الرسل إذا نزل ~~بهم العذاب إن لم يؤمنوا قوله تعالى { فتول عنهم } يعني اتركهم ~~وأعرض عنهم بعدما أقمت عليهم الحجة { يوم يدعو الداع } يعني ~~يدعو إسرافيل على صخرة بيت المقدس { إلى شىء نكر } يعني إلى أمر ~~فظيع شديد منكر { خشعا } يعني ذليلة { أبصرهم } خاشعا نصب ~~على الحال يعني يخرجون خاشعا قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو خاشعا بالألف ~~مع النصب والباقون خشعا بضم الخاء بغير ألف وتشديد الشين بلفظ الجمع، ~~لأنه نعت للجماعة، ومن قرأ بلفظ الواحد فلأجل تقديم النعت، وقرأ ابن ~~مسعود خاشعة بلفظ التأنيث، وقرأ ابن كثير إلى شيء نكر بجزم الكاف، ~~والباقون بالضم، وهما لغتان ثم قال عز وجل { يخرجون من ~~الأجداث } يعني من القبور { كأنهم جراد منتشر } يعني ~~انتشروا عن معدنهم ويجول بعضهم في بعض قوله تعالى { مهطعين إلى ~~الداع ms1661 } يعني مقبلين إلى صوت إسرافيل { يقول الكفرون ~~هذا يوم عسر } يعني شديد عسر عليه، وروي في الخبر # " أنهم إذا خرجوا من قبورهم يمكثون واقفين أربعين سنة " # ، ويقال: مائة سنة حتى يقولوا أرحنا من هذا ولو إلى النار ثم يؤمرون ~~بالحساب ثم عزى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذى قومه كما لقي ~~الرسل من قومهم فقال { كذبت قبلهم } يعني قبل قومك يا محمد { ~~قوم نوح } حين أتاهم بالرسالة { فكذبوا عبدنا } نوحا { ~~وقالوا مجنون } يعني قالوا لنوح إنك مجنون { وازدجر } يعني ~~أوعد بالوعيد ويقال: صاحوا به حتى غشي عليه، وقال القتبي: وازدجر أي زجر ~~وهو افتعل من ذلك فلما ضاق صدره { فدعا ربه أنى مغلوب } ~~يعني مقهور فيما بينهم { فانتصر } يعني أعني عليهم بالعذاب فأجابه ~~الله كما في سورة الصافات: # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون # [الصافات: 75] قوله عز وجل { ففتحنا أبوب السماء } يعني طرق ~~السماء { بماء منهمر } يعني منصبا كثيرا، وقال القتبي بماء ~~منهمر أي كثير سريع الانصباب ومنه يقال همر للرجل إذا كثر من الكلام ~~وأسرع فيه، قرأ ابن عامر ففتحنا بتشديد التاء على تكثير الفعل، وقرأ ~~الباقون بالتخفيف لأنها فتحت فتحا واحدا، قوله عز وجل { وفجرنا ~~الأرض عيونا } يعني أخرجنا من الأرض عيونا مثل الأنهار الجارية { ~~فالتقى الماء } يعني ماء السماء وماء الأرض { على أمر قد ~~قدر } يعني على وقت قد قضى { وحملناه } يعني حملنا نوحا { ~~على ذات ألوح } يعني على سفينة قد اتخذت بألواح { ودسر } ~~يعني سفينة قد شدت بالمسامير، وقال بعضهم: كانت سفينة نوح من صاج، وقال ~~بعضهم: من خشب شمشار، ويقال: من الجوز، وقال القتبي: الدسر المسامير ~~واحدها دسار وهي أيضا الشريط الذي يشد بها السفينة ثم قال { تجرى ~~بأعيننا } يعني تسير السفينة بمنظر منا وأمرنا، ويقال بمراد وحفظ ~~منا وقال الزجاج في قوله " فالتقى الماء " ولم يقل: الماءان لأن الماء ~~اسم لجميع ماء السماء وماء الأرض فلو قال ماءان لكان جائزا لكنه لم يقل ~~ثم قال { جزاء لمن كان كفر } يعني الحمل على السفينة ms1662 ثواب لنوح ~~الذي كفر به قومه، وقرأ بعضهم جزاء لمن كان كفر بالنصب يعني الفرق عقوبة ~~لمن كذب بالله تعالى وبنوح. ### || [54.15-20] # قوله تعالى { ولقد تركنها ءاية } أي سفينة نوح أبقيناها ~~عبرة للخلق، وقال بعضهم: يعني تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل ~~إلى قريب من خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم يعني جنس ~~السفينة صارت عبرة لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة فاتخذت الناس السفن ~~بعد ذلك في البحر فلذلك كانت آية للناس ثم قال: { فهل من مدكر ~~} يعني هل من معتبر يعتبر بما صنع الله تعالى بقوم نوح فيترك المعصية، ~~ويقال: فهل من مذكر يتعظ بأنه حق ويؤمن به، وقال أهل اللغة أصل مدكر ~~مفتعل من الذكر مذتكر فأدغمت الذال في التاء ثم قلبت دالا مشددة ثم قال ~~{ فكيف كان عذابى ونذر } يعني كيف رأيت عذابي وإنذاري لمن ~~أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا والنذر بمعنى الإنذار قوله عز وجل { ولقد ~~يسرنا القرءان } يعني هونا القرآن { للذكر } يعني للحفظ، ~~ويقال: هونا قراءاته، وروى الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " لولا قول الله تعالى " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر " ما طاقت ~~الألسن أن تتكلم به " # ، ويقال هوناه لكي يذكروا به. ثم قال { فهل من مدكر } يعني ~~متعظ يتعظ بما هون من قراءة القرآن، وروى الأسود عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه أنه قال قرأت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل من مدكر ~~بالدال فقال النبي عليه السلام فهل من مذكر يعني بالذال قوله تعالى { ~~كذبت عاد } يعني كذبوا رسولهم هود { فكيف كان عذابى ~~ونذر } يعني أليس وجوده حقا ونذر جمع نذير، قال القتبي النذر جمع ~~النذير والنذير بمعنى الإنذار مثل التنكير بمعنى الإنكار يعني كيف كان ~~عذابي وإنكاري ثم بين عذابه فقال عز وجل: { إنا أرسلنا ~~عليهم ريحا صرصرا } يعني سلطنا عليهم ريحا باردة { فى ~~يوم نحس مستمر } يعني شديدة استمرت عليهم لا تفتر عنهم سبع ~~ليال وثمانية أيام حسوما ms1663 دائمة { تنزع الناس } يعني تنزع أرواحهم ~~من أجسادهم وهذا قول مقاتل ويقال في يوم نحس يعني يوم مشؤوم عليهم مستمر ~~يعني استمر عليهم بالنحوسة، وقال القتبي الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع ~~الناس يعني تقلعهم من مواضعهم { كأنهم أعجاز نخل منقعر ~~} يعني صرعهم فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض فشبههم ~~لطولهم بالنخيل الساقطة. وقال مقاتل كان طول كل واحد منهم اثنى عشر ~~ذراعا، وقال في رواية الكلبي كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا ~~فاستهزؤوا حين ذكر لهم الريح فخرجوا إلى الفضاء فضربوا بأرجلهم وغيبوها ~~في الأرض إلى قريب من ركبهم فقالوا قل للريح حتى ترفعنا فجاءت الريح ~~فدخلت تحت الأرض وجعلت ترفع كل اثنين وتضرب أحدهما على الآخر بعدما ~~ترفعهما في الهواء ثم تلقيه في الأرض، والباقون ينظرون إليهم حتى رفعتهم ~~كلهم ثم رمت بالرمل والتراب عليهم وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا ~~وكذا يوما. ### || [54.21-31] # قال الله تعالى { فكيف كان عذابى ونذر ولقد يسرنا ~~القرءان للذكر فهل من مدكر } وقد ذكرناه { كذبت ~~ثمود بالنذر } يعني صالحا حين أتاهم { فقالوا أبشرا ~~منا وحدا } يعني خلقا مثلنا { نتبعه } في أمره { إنا ~~إذا لفى ضلل وسعر } يعني إنا إذا فعلنا ذلك لفي خطأ وعناء، ~~وقال الزجاج: يعني إنا إذا فعلنا ذلك لفي ضلال وجنون وهذا كما يقال ناقة ~~مسعورة إذا كان بها جنون ويجوز أن يكون وسعر جمع في معنى العذاب ثم قال ~~عز وجل { أألقي الذكر عليه من بيننا } يعني اختص ~~بالنبوة والرسالة من بيننا { بل هو كذاب أشر } يعني كاذبا ~~على الله أشر يعني بطرا متكبرا قوله عز وجل { سيعلمون غدا } ~~قرأ ابن عامر وحمزة ستعلمون بالتاء على معنى المخاطبة يعني أن صالحا قال ~~لهم ستعلمون غدا، والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم من الله تعالى ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعلمون غدا يعني يوم القيامة { من ~~الكذاب الأشر } أهم أم صالح، ومعناه أنه يتبين لهم أنهم هم ~~الكاذبون، وكان صالحا صادقا في مقالته ms1664 ثم قال { إنا مرسلوا } ~~يعني نخرج لهم { الناقة } وذلك حين سألوا صالحا بأن يخرج لهم ناقة ~~من الحجر فدعا صالح ربه فأوحى الله تعالى إليه أني مخرج الناقة { ~~فتنة } يعني بلية { لهم فارتقبهم } يعني انتظر هلاكهم { ~~واصطبر } على الإيذاء قوله تعالى { ونبئهم } يعني وأخبرهم { ~~أن الماء قسمة بينهم } يوم للناقة، ويوم لأهل القرية { ~~كل شرب محتضر } يعني إذا كان يوم الناقة تحضر الناقة ولا ~~يحضرون وإذا كان يومهم لا تحضر الناقة وكل فريق يحضر في نوبته { ~~فنادوا صحبهم } يعني مصدع أو قذار { فتعاطى فعقر } ~~يتناول الناقة بالسهم يعقرها { فكيف كان عذابى ونذر، إنا ~~أرسلنا عليهم صيحة وحدة } يعني صيحة جبريل عليه السلام ~~{ فكانوا كهشيم المحتظر } قال قتادة يعني كرماد محترق، ~~وقال الزجاج الهشيم ما يبس من الورق وتحطم وتكسر قرأ بعضهم كهشيم المحتظر ~~بنصب الظاء، وقراءة العامة بالكسر فمن قرأ بالنصب فهو اسم الحظيرة ومعناه ~~كهشيم المكان الذي يحضر فيه الهشيم ومن قرأ بالكسر فهو صاحب الحظيرة يعني ~~يجمع الحشيش في الحظيرة لغنمه فداسته الغنم. ### || [54.32-40] # قال عز وجل { ولقد يسرنا القرءان للذكر } يعني سهلناه ~~للحفظ لأن كتب الأولين يقرؤها أهلها نظرا ولا يكادون يحفظون من أولها ~~إلى آخرها كما يحفظ القرآن { فهل من مدكر } يعني متعظ به قوله ~~تعالى { كذبت قوم لوط بالنذر } يعني بالرسل لأن لوطا ~~عليه السلام يدعوهم إلى الإيمان بجميع الرسل فكذبوهم ولم يؤمنوا فأهلكهم ~~الله تعالى وهو قوله { إنا أرسلنا عليهم حصبا } يعني ~~حجارة من فوقهم { إلا آل لوط نجينهم بسحر } يعني وقت ~~السحر قوله تعالى { نعمة من عندنا } يعني رحمة من عندنا على آل ~~لوط صار نعمة نصبا لأنه مفعول ومعناه ونجيناهم بالإنعام عليهم { ~~كذلك نجزى من شكر } يعني هكذا يجزي الله تعالى من شكر نعمته ~~ولم يكفرها.. ويقال من شكر يعني من وحد الله تعالى لم يعذبه في الآخرة مع ~~المشركين فكما أنجاهم في الدنيا ينجيهم في الآخرة ولا يجعلهم مع المشركين ~~قوله عز وجل { ولقد أنذرهم بطشتنا } يعني خوفهم لوط ~~عقوبتنا { فتماروا ms1665 بالنذر } يعني شكوا بالرسل فكذبوا يعني لوط ~~ويقال معناه شكوا بالعذاب الذي أخبرهم به الرسل أنه نازل بهم قوله تعالى ~~{ ولقد راودوه عن ضيفه } يعني طلبوا منه الضيافة، وكانت ~~أضيافه جبريل مع الملائكة فمسح جبريل بجناحه على أعينهم فذهب أبصارهم ~~وذلك قوله { فطمسنا أعينهم } يعني أذهبنا أعينهم وأبصارهم { ~~فذوقوا عذابى ونذر } اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الخبر ~~يعني فذوقوا عذاب الله تعالى أي عقوبة الله ما أخبر الله تعالى ثم قال { ~~ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر } يعني أخذهم وقت ~~الصبح عذاب دائم يعني عذاب الدنيا موصولة بعذاب الآخرة { فذوقوا ~~عذابى ونذر } يقال لهم ذوقوا عذاب الله تعالى وإنذاره ثم قال { ~~ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر } وقد ~~ذكرناها. ### || [54.41-48] # قوله تعالى { ولقد جاء ءال فرعون النذر } يعني الرسل وهو ~~موسى وهارون { كذبوا بئايتنا كلها } يعني بالآيات التسع ~~{ فأخذنهم } يعني عاقبناهم عند التكذيب { أخذ عزيز ~~مقتدر } يعني عقوبة منيع بالنقمة على عقوبة الكفار مقتدرا يعني ~~قادرا على عقوبتهم وهلاكهم ثم خوف كفار مكة فقال. { أكفركم ~~خير من أولئكم } يعني أكفاركم أقوى في النذر من الذين ~~ذكرناهم فأهلكهم الله تعالى وهو قادر على إهلاكهم { أم لكم براءة ~~فى الزبر } يعني براءة في الكتب من العذاب، اللفظ لفظ الاستفهام، ~~والمراد به الزجر يعني ليس لكم براءة ونجاة من العذاب ثم قال عز وجل { ~~أم يقولون نحن جميع منتصر } يعني ممتنع من العذاب يقول ~~الله تعالى { سيهزم الجمع } يعني سيهزم جمع أهل مكة في الحرب، { ~~ويولون الدبر } يعني ينصرفون من الحرب منهزمين يعني به يوم بدر ~~وفي هذا علامة من علامات النبوة لأن هذه الآية نزلت بمكة وأخبرهم أنهم ~~سيهزمون في الحرب فكان كما قال، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن عمر ~~رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية سيهزم الجمع ويولون الدبر فكنت لم ~~أعلم ما هي وكنت أقول أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يثبت في الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون ms1666 الدبر، وقال ~~الزجاج: ويولون الدبر يعني الإدبار كقوله تعالى # يولوكم الأدبار # [آل عمران: 111] لأن اسم الواحد يدل على الجمع وكذلك قوله تعالى # فى جنت ونهر # [القمر: 54] أي أنهار وذكر عن الفراء أنه قال إنما وحد لأنه رأس آية ~~تقابل بالتوحيد رؤوس الآي وكذلك في الدبر لموافقته رؤوس الآي ثم قال: { ~~بل الساعة موعدهم } يعني مجمعهم { والساعة أدهى ~~وأمر } يعني عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا، ثم وصف عذاب ~~الآخرة فقال { إن المجرمين فى ضلل وسعر } يعني ~~المشركين في الدنيا في ضلالة وخطأ وخلاف وفي سعير في الآخرة والسعر جماعة ~~السعير ويقال السعر يعني في عناء ثم أخبرهم بمستقرهم فقال عز وجل { ~~يوم يسحبون فى النار على وجوههم } يعني يجرون في ~~النار على وجوههم ويقول لهم الخزنة { ذوقوا مس سقر } يعني عذاب ~~النار. ### || [54.49-55] # قال { إنا كل شىء خلقنه بقدر } يعني خلقنا لكل شيء ~~شكله مما يوافقه وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال هذه الآية نزلت ~~في أهل القدر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر وقال محمد بن كعب القرظي { إنا كل شىء خلقنه ~~بقدر } نزلت تعبيرا لأهل القدر. # قال أبو الليث حدثنا أبو جعفر قال حدثنا أبو القاسم حدثنا محمد بن الحسن ~~حدثنا سفيان عن وكيع عن زياد بن إسماعيل عن محمد بن عبادة عن أبي هريرة ~~قال جاء مشركو قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخاصمونه في ~~القدر فنزلت الآية يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر. وروى الضحاك عن ابن عباس في قوله إنا كل شيء خلقناه ~~بقدر قال خلق لكل شيء من خلقه ما يصلحهم من رزق ومن الدواب وخلق لدواب ~~البر ولغيرها من الرزق ما يصلحها وكذلك لسائر خلقه قوله عز وجل { وما ~~أمرنا إلا وحدة } يعني وما أمرنا بقيام الساعة إلا مرة ~~واحدة { كلمح بالبصر } يعني كرجع البصر ومعناه إذا أمرنا بقيام ~~الساعة ms1667 واحدة فنقول كن فيكون أقرب من طرف البصر ثم قال { ولقد ~~أهلكنا أشيعكم } يعني عذبنا أشباهكم وأهل ملتكم ويقال ~~إخوانكم حين كذبوا رسلهم { فهل من مدكر } يعني معتبر يعتبر ~~فيكم فيعلم أن ذلك حق ويخاف عقوبة الله. ثم قال عز وجل { وكل شىء ~~فعلوه فى الزبر } يعني وكل شيء عملوه في الكتاب يحصى عليهم { ~~وكل صغير وكبير مستطر } يعني مكتوبا في اللوح المحفوظ ~~ثم قال { إن المتقين } يعني الذين يتقون الشرك والفواحش { فى ~~جنت ونهر } يعني في بساتين وأنهار جارية { فى مقعد صدق ~~} يعني في أرض كريمة ويقال: في مجلس حسن وهي أرض (الجنة) { عند مليك ~~مقتدر } يعني في جوار مليك قادر على الثواب قادر على خلقه مثيب ~~ومعاقب وقال القتبي النهر الضياء والسعة من قولك انهرت الطعنة إذا ~~وسعتها. [قال أبي بن كعب رضي الله عنه. من قرأ سورة اقتربت الساعة في كل ~~غب بعثه الله تعالى ووجهه مثل القمر ليلة البدر، وإن قرأ بها في كل ليلة ~~كان أفضل] والله أعلم بالصواب. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-11] # قوله تبارك وتعالى { الرحمن علم القرءان } وذلك أنه لما ~~نزل قوله تعالى اسجدوا للرحمن قال كفار مكة وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا، ~~وقالوا ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب فأنزل الله تعالى { ~~الرحمن } فأخبر عن نفسه وذكر صفة توحيده فقال { الرحمن } ~~يعني: الرحمن الذي أنكروه علم القرآن يعني أنزل القرآن على محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ليقرأه عليه جبريل عليه السلام ويعلمه { خلق ~~الإنسن } يعني الذي خلق آدم من أديم الأرض ويقال خلق محمدا، ويقال ~~خلق الإنسان أراد به جنس الإنسان يعني جعله مخبرا مميزا حتى يميز ~~الإنسان من جميع الحيوان { علمه البيان } يعني الكلام ويقال يعني ~~الفصاحة ويقال الفهم ثم قال { الشمس والقمر بحسبان } يعني ~~بحساب ومنازل ولا يتعدانها، ويقال: بحسبان يعني يدلان على عدد الشهور ~~والأوقات ويعرف منها الحساب { والنجم والشجر يسجدان } ~~والنجم كل نبات ينبسط على وجه الأرض ليس له ساق مثل الكرم والقرع ونحو ~~ذلك أو الشجر كل ms1668 نبات له ساق يسجدان يعني ظلهما يسجدان لله تعالى في أول ~~النهار وآخره ويقال يسجدان يعني يسبحان الله تعالى كما قال # وإن من شىء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] ويقال: خلقهما على خلقه فيها دليل لربوبيته ويدل الخلق ~~على سجوده، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله والنجم والشجر يسجدان قال ~~نجوم السماء وأشجار الأرض يسجدان بكرة وعشيا ثم قال عز وجل { ~~والسماء رفعها } يعني من الأرض مسيرة خمسمائة عام { ووضع ~~الميزان } يعني أنزل الميزان للخلق يوزن به وإنما أنزل في زمان نوح ~~عليه السلام ولم يكن قبل ذلك ميزان { ألا تطغوا فى الميزان ~~} يعني لكي لا تظلموا في الميزان، ويقال ووضع الميزان يعني أنزل العدل في ~~الأرض ألا تطغوا في الميزان يعني لكي لا تميلوا عن العدل { وأقيموا ~~الوزن بالقسط } يعني اعدلوا في الوزن { ولا تخسروا ~~الميزان } يعني لا تنقصوا حقوق الناس في الوزن، ويقال وأقيموا الوزن ~~يعني أقيموا اللسان بالقول ولا تخسروا الميزان يعني لا تقولوا بغير حق { ~~والأرض وضعها للأنام } يعني بسط الأرض للخلق. { فيها ~~فكهة } يعني وخلق من الأرض من ألوان الفاكهة، { والنخل ذات ~~الأكمام } يعني: ذات النخيل الطويل، الموقرة بالطلع، ذات الخلق، ~~وإنما العجائب في خلقه وما يتولد منه لأنه يتولد من النخيل من المنافع ما ~~لا يحصى، وقال القتبي: { ذات الأكمام } يعني ذات الكوى قبل أن ~~تتفتق وغلاف كل شيء أكمه { ذات الأكمام } يعني: ذات الغلاف. ### || [55.12-18] # قال { والحب ذو العصف } يعني: ذو الورق { والريحان } ~~يعني ثمره، وقال مجاهد: العصف يعني ورق الحنطة، والريحان الرزق، وقال ~~الضحاك: الحب الحنطة، والشعير والعصف التبن. وروى سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس قال: العصف الزرع، والريحان الورق بلسان حمير، ويقال: العصف السنبل، ~~والريحان ثمرته وما ينتفع به. ويقال الريحان يعني الرياحين جمع الريحان ~~وهو نبت لا ساق له قرأ ابن عامر والحب ذو العصف بنصب الباء وإنما نصبه ~~لأنه عطف على قوله { الأرض وضعها للأنام } { والحب } ~~يعني وخلق الحب ذا العصف والريحان، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو ms1669 عمرو، ~~وعاصم (والحب ذو العصف والريحان) بضم النون والباء لأنه عطف على قوله ~~(فيها فاكهة) وقرأ حمزة والكسائي هكذا إلا أنهما كسرا النون في قوله ~~(والريحان) عطفا على (العصف) على وجه المجاورة وقد ذكر الله تعالى من أول ~~السورة نعماءه ثم خاطب الإنس والجن فقال { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } وإن لم يسبق ذكرهما لأن في الكلام دليلا وقد ذكرهما من ~~بعده وهو قوله # يمعشر الجن والإنس # [الرحمن: 33] وقال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني فبأي ~~نعمة من نعماء ربكما أيها الجن والإنس تكذبان يعني تتجاحدان بأنها ليست ~~من الله تعالى، قال بعضهم آلاء الله ونعماء الله واحد إلا أن الآلاء أعم ~~والنعماء أخص، ويقال الآلاء النعمة الظاهرة وهو التوحيد والنعماء النعمة ~~الباطنة وهو المعرفة بالقلب كقوله # وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة # [لقمان: 20]. # وقال بعضهم الآلاء إيصال النعم، والنعماء رفع البلايا، مثاله أن رجلا ~~لو كانت له يد شلاء فله الآلاء وليست النعماء، وكذلك لسان الأخرس ورجل ~~مقعد فله الآلاء وليست له النعماء وأكثر المفسرين لم يفصلوا بينهما وقد ~~ذكر في هذه السورة دفع البلية وإيصال النعمة فكل ذلك سماه الآلاء، وروى ~~محمد بن المنذر عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ ~~على أصحابه سورة الرحمن فسكت القوم فقال النبي عليه السلام # " الجن كانوا أحسن ردا منكم ما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكما تكذبان إلا ~~قالوا ولا بواحدة منها فلك الحمد " # وفي رواية أخرى أنه قال # " ما قرأت عليهم إلا قالوا ولا بواحدة منها فلك الحمد " # ثم قال: { خلق الإنسن } يعني آدم { من صلصل } يعني الطين ~~اليابس الذي يتصلصل أي يصوت كما يصوت الفخار، ويقال الصلصال الطين الجيد ~~الذي ذهب عنه الماء وتشقق { كالفخار } يعني الطين الذي يصنع به ~~الفخار وقال في موضع آخر: # خلقنكم من تراب # [الحج: 5] وقال في موضع آخر: # من طين # [السجدة: 7] وقال في موضع آخر: { من صلصل } فهذا كله قد كان ~~حالا بعد حال { وخلق الجان } يعني أبا الجن ثم قال هو إبليس ms1670 { ~~من مارج من نار } يعني من لهب من نار وليس لها دخان. # وقال بعضهم خلق من نار جهنم وقال بعضهم من النار التي بين الكلة الرقيقة ~~بين السماء ومنها يكون البرق ولا يرى السماء إلا من وراء تلك الكلة ثم ~~قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني فبأي نعمة أنتم ~~يعني خلقكم أيها الإنس من نفس واحدة وخلقكم أيها الجن من نفس واحدة فكيف ~~تنكرون هذه النعمة أنها ليست من الله تعالى ثم قال { رب ~~المشرقين ورب المغربين } يعني هو رب المشرقين مشرق ~~الشمس ومشرق القمر وقيل مشرق الشتاء ومشرق الصيف ورب المغربين يعني مغرب ~~الشتاء والصيف ثم قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني ~~نعمة أنتم من نعمائه أيها الجن والإنس تتجاحدان؟ ومعناه أنتم حيث ما كنتم ~~من مشارق الأرض ومغاربها في ملك الله تعالى وتأكلون رزقه وهو عالم حيث ما ~~كنتم وهو حافظكم وناصركم فكيف تنكرون هذه النعم. ### || [55.19-32] # قوله عز وجل: { مرج البحرين يلتقيان } يعني أرسل البحرين ~~ويقال خلى البحرين ويقال خلق البحرين يلتقيان يعني مالح وعذب { ~~بينهما برزخ } يعني حاجز { لا يبغيان } يعني لا يختلطان ~~فيغير طعمه وأصل البغي التطاول والجور والظلم، وقال بعضهم بينهما حاجز ~~لطيف لا يراه الخلق وإنما العبرة في ذلك أنه لا يرى ويقال بعضهم ليس هناك ~~شيء وإنما تمنعهما من الاختلاط قدرة الله تعالى ويقال يلتقيان أي ~~يتقابلان أحدهما بحر الروم والآخر بحر فارس وقيل بحر الهند وبينهما برزخ ~~لا يبغيان أي لا يختلطان؛ { بينهما برزخ } بلطف الله تعالى أي ~~باللطف تمنع عن الامتزاج وهما بحر واحد لن يمس أحدهما بالآخر وقال ~~الزجاج: البرزخ الحاجز فهما من دموع العين مختلطان وفي قدرة الله منفصلان ~~وقيل بينهما برزخ أي جزيرة العرب، وقيل بحر السماء والأرض كقوله تعالى # ففتحنآ أبوب السمآء بماء منهمر وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11، 12] وبينهما برزخ الهواء والأرض وسكان الأرض ثم قال { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني خلق البحرين لمنفعة ~~الخلق وبين لكم العبرة وقدرته ولطفه ms1671 لتعتبروا به وتوحدوه فكيف تنكرون هذه ~~النعمة بأنها ليست من الله تعالى ثم قال { يخرج منهما ~~اللؤلؤ } يعني من بحر مالح اللؤلؤ { والمرجان } ما صغر منه ~~ويقال اللؤلؤ يعني الصغار والمرجان يعني العظام. # وقرأ نافع وأبو عمرو يخرج بضم الياء ونصب الراء على فعل ما لم يسم ~~فاعله وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الراء، وقرأ بعضهم بكسر الراء يعني ~~يخرج الله تعالى ونصب اللؤلؤ والمرجان لأنه مفعول به. ثم قال { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } يعني خلق في البحر اللؤلؤ لمنفعة الخلق ~~ولصلاحهم ولكي تعتبروا به فكيف تنكرون هذه النعمة ثم قال عز وجل { وله ~~الجوار المنشئات في البحر } يعني السفن التي تجري في الماء ~~{ كالأعلام } يعني كالجبال فشبه السفن في البحر بالجبال في البر ~~وقرأ حمزة المنشئات بكسر الشين والباقون بالنصب فمن قرأ بالكسر يعني ~~المبتدئات في السير ثم قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~أنه جعل السفن في البحر لمنفعة الخلق فكيف تنكرون هذه النعمة بأنها ليست ~~من الله تعالى ثم قال عز وجل { كل من عليها فان } يعني كل شيء ~~على وجه الأرض يفنى { ويبقى وجه ربك } يعني ذو الملك والعظمة ~~والإكرام { ذو الجلل والإكرام } يعني ذو الملك والعظمة ~~والإكرام يعني ذو الكرم والتجاوز فلما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلكت ~~بنو آدم فلما نزل # كل نفس ذائقة الموت # [آل عمران: 185] أيقنوا بهلاك أنفسهم وهذا من النعم لأنه يحذرهم وبين ~~لهم ليتهيؤوا لذلك ثم قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~ومعناه إن الله تعالى يعينكم فتوكلوا عليه ولا تعتمدوا على الناس لأنهم ~~لا يقدرون على دفع الهلاك عن أنفسهم والله هو الباقي بعد فناء الخلق وهو ~~الذي يتجاوز عنكم ويعينكم فكيف تنكرون ربكم الذي خلقكم وأحسن إليكم، قوله ~~تعالى { يسأله من فى السموات والأرض } يعني الملائكة ~~يسألون لأهل الأرض المغفرة ويسأل أهل الأرض جميع حوائجهم من الله تعالى ~~ثم قال: { كل يوم هو فى شأن } يعني في كل يوم يعز ويذل، ~~ويحيي ويميت، ويعطي ويمنع، وذلك أن اليهود قالوا إن ms1672 الله لا يقضي يوم ~~السبت شيئا فنزل { كل يوم هو فى شأن } فأخبر الله تعالى أنه ~~يقضي في جميع الأيام وكان هذا من النعم، وذكر أن الحجاج بن يوسف الثقفي ~~أرسل إلى محمد بن الحنفية يتوعده قال لأفعلن بك كذا وكذا فأرسل إليه محمد ~~بن الحنفية وقال إن الله تعالى ينظر في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة إلى ~~اللوح المحفوظ وكل يوم يعز ويذل ويعطي ويمنع فأرجو أن يرزقني الله تعالى ~~ببعض نظراته أن لا يجعل لك علي سلطان فكتب بها الحجاج إلى عبد الملك بن ~~مروان فكتب عبد الملك بهذه الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية ووضعها في ~~خزانته فكتب إليه ملك الروم يتوعده في شيء فكتب إليه عبد الملك بتلك ~~الكلمات التي قالها محمد بن الحنفية فكتب إليه صاحب الروم والله ما هذا ~~من كنزك ولا من كنز أهل بيتك ولكنها من كنز أهل بيت النبوة. # ثم قال عز وجل { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني ~~تجحدون نعمته وأنتم تسألون حوائجكم منه. # قوله عز وجل: { سنفرغ لكم أيها الثقلان } أي سنحفظ ~~عليكم أعمالكم أيها الجن والإنس فنجازيكم بذلك، وروى جبير عن الضحاك في ~~قوله سنفرغ لكم أيها الثقلان قال هذا وعيد من غير شغل إن الله تعالى لا ~~يشغل بشيء وقال الزجاج الفارغ في اللغة على ضربين أحدهما الفراغ من الشغل ~~والآخر القصد للشيء كما تقول سأفرغ لفلان أي سأجعل قصدي له. # قرأ حمزة والكسائي (سيفرغ لكم) بالياء والباقون بالنون وكلاهما يرجع إلى ~~معنى واحد يعني سيحفظ الله عليكم أعمالكم ويحاسبكم بما تعملون. ثم قال { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني ما عملتم فإنه لا ينسى ~~ولا يمنح ثوابه وينصفكم من ظلمكم فكيف تنكرون هذه النعم بأنها ليست من ~~الله تعالى واعلموا أن هذه النعم كلها من الله فاشكروه فكيف تنكرون من هو ~~يجازيكم بأعمالكم ولا يمنع ثواب حسناتكم وينصركم على أعدائكم فهذه النعم ~~كلها من الله فاشكروه ووحدوه. ### || [55.33-44] # قال { يمعشر الجن والإنس إن استطعتم } يعني إن قدرتم ms1673 ~~{ أن تنفذوا من أقطر السموات والأرض } يعني أن ~~تخرجوا من أطراف السماوات والأرض ونواحيها { فانفذوا } يعني ~~فاخرجوا إن استطعتم قال مقاتل: هذا الخطاب للجن والإنس في الدنيا يعني إن ~~استطعتم أن تخرجوا من أقطار السماوات والأرض هروبا من الموت فانفذوا { ~~لا تنفذون إلا بسلطن } يعني أينما أدرككم الموت، وروي عن ~~ابن عباس أنه قال هذا الخطاب في يوم القيامة وذلك أن السماء تتشقق ~~بالغمام وتنزل ملائكة السموات ويقومون حول الدنيا محيطا بها وجاء ~~الروح وهو ملك يقوم صفا وهو أكبر من جميع الخلق فحينئذ يقال لهم إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان يعني لا تنجون إلا بحجة وبرهان ثم قال { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } يعني فبأي نعمة من نعمائه تجحدون حيث بين لكم ~~أحوال يوم القيامة حتى تتوبوا وترجعوا، ويقال معناه ذلك اليوم لا يفوته ~~أحد ولا يعينكم أحد غيره فكيف تجحدون هذه النعم ثم قال: { يرسل ~~عليكما شواظ من نار } يعني يرسل على كفار الجن وكفار الإنس ~~لهب من النار { ونحاس } يعني الصفر المذاب يعذبون بهما ويقال دخان ~~لهب فيه ويقال النحاس هو لباس أهل النار { فلا تنتصران } يعني لا ~~تمنعان من ذلك قرأ ابن كثير { يرسل عليكما شواظ } بكسر ~~الشين والباقون بالضم فهما لغتان ومعناهما واحد وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ~~(ونحاس) بكسر السين والباقون بالضم فمن قرأ بالكسر عطف على قوله من نار ~~ومن قرأ بالضم عطف على قوله شواظ ثم قال { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } يعني لا يعينكم أحد غير الله ولا يحفظكم حين يرسل عليكم ~~العذاب إلا الله فكيف تنكرون قدرته وتوحيده ثم قال عز وجل { فإذا ~~انشقت السماء } يعني انفرجت السماء لنزول الملائكة كقوله # ويوم تشقق السمآء بالغمم # [الفرقان: 25] ثم قال: { فكانت وردة كالدهان } يعني صارت ~~كدهن الورد الصافي، وهذا قول مقاتل وقال القتبي صارت حمراء في لون الفرس ~~يعني بمنزلة الدابة الجلجون الذي تغير لونه في كل وقت يرى لونه على ~~خلاف اللون الأول، ويقال له ms1674 المورد، ويقال الدهن الأديم الأحمر بلغة ~~الفارسي يعني الفرس الذي يكون لونه لون الورد الأحمر يعنون أخضر يضرب إلى ~~سواد يتغير لونه بياض، ويقال من هيبة ذلك زاغ فيرى أنه كالدهن. ثم قال عز ~~وجل { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني: إذا كان يوم ~~القيامة تغيرت السموات من هيبته ويأمر الخلق بالحساب فهو الذي ينجيكم من ~~هول ذلك اليوم فكيف تنكرون هذه النعمة ثم قال عز وجل { فيومئذ لا ~~يسئل عن ذنبه } يعني عن علمه { إنس ولا جان } يعني ~~إنسيا ولا جنيا لأن الله تعالى قد أحصى عليه ويقال لا يسأل سؤال ~~استفهام ولكن يسأل سؤال التوبيخ والزجر، كقوله تعالى # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] ويقال لا يسأل الكافر لأنه عرف بعلامته ثم قال { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } يعني إذا كان يوم القيامة أعطاكم ~~الثواب وأدخلكم في جنته فكيف تنكرون وحدانيته ويقال معناه: إن الله قد ~~بين لكم أنه يعلم أعمالكم ونهاكم عن الذنوب وتجاوز عنكم فكيف تنكرون ~~وحدانيته قوله عز وجل { يعرف المجرمون بسيمهم } يعني ~~يعرف الكافر بسواد الوجوه وزرقة الأعين { فيؤخذ بالنواصى ~~والأقدام } وذلك أن خزنة جهنم بعد الحساب يغلون أيديهم إلى أعناقهم ~~ويجمعون بين نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم على وجوههم فيطرحونهم في ~~النار ثم قال: { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني هو ~~الذي يدفع عنكم ذلك العذاب إن آمنتم به وأطعتموه ووحدتموه فكيف تنكرون ~~هذه النعمة ثم قال عز وجل { هذه جهنم } وذلك أن الكفار إذا ~~دنوا من النار تقول لهم الخزنة هذه جهنم { التى يكذب بها ~~المجرمون } يعني جهنم التي كنتم بها تكذبون في الدنيا ثم أخبر عن ~~حالهم فيها فقال: { يطوفون بينها وبين حميم ءان } يعني ~~الشراب الحار الذي قد انتهى حره وذلك أنه يسلط عليهم الجوع فيؤتى بهم إلى ~~الزقوم الذي طلعه كرؤوس الشياطين فأكلوا منه فأخذ في حلقهم فاستغاثوا ~~بالماء فأتوا من الحميم فإذا قربوا إلى وجوههم تناثر لحم وجوههم فيشربون ~~فيغلي في أجوافهم ويخرج جميع ما فيها ثم يلقى عليهم الجوع فمرة يذهب بهم ms1675 ~~إلى الحميم ومرة إلى الزقوم فذلك قوله تعالى { يطوفون بينها ~~وبين حميم ءان }. ### || [55.45-61] # قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني هو الذي ينجيكم ~~من عذاب الآخرة إن أطعتم أمره وآمنتم برسله فكيف تنكرون وحدانية الله ~~تعالى؟ ويقال معناه إن إخباري إياكم بهذه العقوبة نعمة لكم لكي تنتهوا عن ~~الكفر والمعاصي فلا تنكروا نعمتي عليكم فقد ذكر الله في هذه الآيات دفع ~~البلاء ثم ذكر إيصال النعم لمن اتقاه وأطاع أمره فقال { ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان } يعني من خاف عند المعصية مقام يوم القيامة ~~بين يدي ربه فانتهى عن المعصية فله في الآخرة جنتان يعني بستانان، وقال ~~مجاهد هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله عندها فيدعها فله أجران. # وذكر عن الفراء أنه قال " جنتان " أراد به جنة واحدة وإنما ذكر " جنتان ~~" للقوافي، والقوافي تحتمل الزيادة والنقصان ما لا يحتمل الكلام. وقال ~~القتبي هذا لا يجوز لأن الله قد وعد ببستانين فلا يجوز أن يريد بهما ~~واحدا فلو جاز هذا لجاز أن يقال في قوله تسعة عشر إنما هم عشرون ولكن ~~ذكر للقوافي. ثم قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني ~~بأي نعمة من نعماء الله تعالى تتجاحدان إذ جعل الجنة ثواب أعمالكم فكيف ~~تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته قوله تعالى { ذواتا أفنان } ~~يعني ذواتا ألوان يعني البساتين فيها ألوان من الثمرات ويقال ذواتا أغصان ~~وقال الزجاج الأفنان ألوان وهي الأغصان أيضا واحدها فنن ثم قال { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني قد وعدتم الجنة ~~والراحة فكيف تنكرون وحدانيته ونعمته ثم قال عز وجل { فيهما عينان ~~تجريان } يعني في البساتين نهران من ماء غير آسن أي غير متغير ثم ~~قال { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني جعل الأنهار ~~نزاهة لكم زيادة في النعمة فكيف تنكرون قدرة الله تعالى ونعمته ثم قال { ~~فيهما من كل فكهة زوجان } يعني في هذين البستانين من كل ~~لون من الفاكهة صنفان الحلو والحامض ويقال لونان { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } يعني جعل فيهما من الراحة والنزاهة من كل نوع ~~من ms1676 الفاكهة فكيف تنكرون نعمته وقدرته قوله عز وجل { متكئين على ~~فرش } يعني ناعمين على فرش { بطائنها من إستبرق } هو ~~الديباج الغليظ الأخضر بلغة فارس وقال مقاتل بطائنها يعني ظواهرها وذكر ~~عن الفراء أنه قال بطائنها يعني الظهارة وقد تكون الظهارة بطانة والبطانة ~~ظهارة لأن كل واحد منهما يكون وجها واحدا وقال القتبي هذا لا يصح ولكن ~~ذكر البطانة تعليما أن البطانة إذا كانت من استبرق فالظهارة تكون أجود ~~وروي عن ابن عباس أنه سئل أن بطائنها من استبرق فما الظواهر؟ قال هو مما ~~قال الله تعالى { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة ~~أعين } ثم قال { وجنى الجنتين دان } يعني اجتناؤهما قريب ~~إن شاء تناولهما قائما وإن شاء تناولهما قاعدا وإن شاء متكئا ثم قال { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني جعل لكم مجالس الملوك ~~مع الفراش المرتفعة فكيف تنكرون وحدانية الله ونعمته ثم قال عز وجل { ~~فيهن قصرت الطرف } يعني في الجنان من الزوجات غاضات البصر ~~قانعات بأزواجهن لا يشتهين غيرهم ولا ينظرون إلى غيرهم قوله تعالى { لم ~~يطمثهن إنس } يعني لم يمسسهن إنس { قبلهم ولا جان } ~~يعني لا إنسا ولا جنيا { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } ~~يعني جعل لكم أزواجا موافقة لطبعكم وهن لا يرون غيركم فكيف تنكرون الله ~~تعالى؟ ثم وصف الزوجات فقال { كأنهن الياقوت والمرجان } ~~يعني: في الصفاء كالياقوت، وفي البياض كالمرجان { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } يعني جعلهن بحال تتلذذ أعينكم بالنظر إليهن ~~فكيف تنكرون وحدانية الله تعالى ونعمته؟ ثم قال عز وجل { هل جزاء ~~الإحسن إلا الإحسن } يعني هل جزاء التوحيد وهو قول لا ~~إله إلا الله إلا الجنة، ويقال هل جزاء من خاف مقام ربه إلا هاتان ~~الجنتان التي ذكرناها في الآية ثم قال { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } يعني فكيف تنكرون نعمة ربكم حيث جعل ثواب إحسانكم الجنة ~~وبين لكم لكي تحسنوا وتنالوا ثواب الله وإحسانه. ### || [55.62-78] # قال عز وجل { ومن دونهما جنتان } يعني من دون الجنتين اللتين ~~ذكرهما جنتان أخروان، فالأوليان جنة النعيم وجنة ms1677 عدن والأخريان جنة ~~الفردوس وجنة المأوى { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني ~~قد ذكر للمتقين جنتين وجنتان أخريان زيادة على الكرامة فكيف تنكرون فضل ~~ربكم وكرامته ثم وصف الجنتين الأخريين فقال { مدهامتان } يعني ~~خضراوان ويقال التي تضرب خضرها إلى السواد { فبأى ءالاء ~~ربكما تكذبان } يعني جعل لكم الجنان المخضرة لأن النظر في ~~الخضرة يجلي البصر فكيف تنكرون وحدانيته ثم قال { فيهما عينان ~~نضاختان } يعني ممتلئتان فوارتان وقال القتبي، يعني تفوران بالماء ~~والنضخ أكثر من النضح وقال مجاهد نضاختان يعني مملوءتان من الخير لا ~~ينقطعان { فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني كيف تنكرون ~~من جعل لكم فيهما عينان تفوران على الدوام ولا انقطاع لهما ثم قال عز ~~وجل: { فيهما فكهة ونخل ورمان } يعني في الجنتين ~~الأخريين من ألوان الفاكهة { فبأى ءالاء ربكما تكذبان ~~} معناه في الجنتين الأخريين من ألوان الفاكهة كمثل ما في الأوليين فأنتم ~~تجدون فيها ألوانا من الثمار والفواكه فكيف تنكرون هذه النعمة ثم قال عز ~~وجل { فيهن خيرت حسان } يعني في الجنان كلها زوجات حسان وقال ~~الزجاج أصله في اللغة خيرات وقد قرىء بالتشديد وقراءة العامة بالتخفيف ~~وقال مقاتل خيرات الأخلاق حسان الوجوه { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } يعني في هذه الجنان الأربعة في كل واحدة منها تجدون خيرة ~~زوجة هي أحسن بما في الأخرى فكيف تنكرون عزة ربكم ولا تشكرونه ثم وصف ~~الخيرات فقال { حور مقصورت } يعني محبوسات { فى الخيام } ~~على أزواجهن وقال ابن عباس الخيمة الواحدة من لؤلؤة مجوفة فرسخ في فرسخ ~~لها أربعة آلاف مصراع من ذهب { فبأى ءالاء ربكما ~~تكذبان } يعني فكيف تنكرون هذه النعمة حين حبس الأزواج الطيبات ~~لكم إن أطعتم الله ثم قال عز وجل { لم يطمثهن إنس قبلهم ~~ولا جان } يعني لم يمسسهن إنس قبلهم ولا جان قرأ الكسائي (لم ~~يطمثهن) بضم الميم والباقون بالكسر وهما لغتان ومعناهما واحد { فبأى ~~ءالاء ربكما تكذبان } ثم قال { متكئين على ~~رفرف } يعني نائمين على المجالس الخضر على السرر الحسان ويقال على ~~رياض { خضر وعبقرى حسان } يعني الزرابي ms1678 الكثيرة الألوان وهي ~~الطنافس الحسان وقال مجاهد وعبقري حسان يعني الديباج وقال الزجاج وإنما ~~قال (عبقري حسان) ولم يقل حسن لأن العبقري جماعة يقال للواحدة عبقرية كما ~~تقول ثمرة وثمر لوزة ولوز وأيضا يكون العبقري اسم جنس والعبقري كل شيء ~~بولغ في وصفه والعبقري البسط ويقال الطنافس المبسوطة ثم قال عز وجل { ~~فبأى ءالاء ربكما تكذبان } يعني فبأي نعمة من نعماء ~~ربكما أيها الجن والإنس تتجاحدان مع هذه الكرامات التي بين الله تعالى ~~لكم لتعلموا فتنالوا تلك الكرامات ما شاء الله ثم قال عز وجل { ~~تبرك اسم ربك ذى الجلل } يعني ذي الارتفاع يعني ارتفاع ~~المنزلة والقدرة { والإكرام } يعني الكريم المتجاوز عن المذنبين ~~ويقال الاسم زيادة في الكلام ومعناه تبارك ربك. # قرأ ابن عامر (ذو الجلال) بالواو والباقون (ذي الجلال) بالياء فمن قرأ ~~(ذو) جعله نعتا للاسم والاسم رفع ومن قرأ بالكسر جعله نعتا للرب عز وجل ~~والله أعلم. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-3] # قوله تعالى: { إذا وقعت الواقعة } يعني قامت القيامة وإنما ~~سميت القيامة الواقعة لثبوتها وهي النفخة الآخرة، وقال قتادة هي الصيحة ~~أسمعت القريب والبعيد { ليس لوقعتها كاذبة } يعني ليس لها ~~مثوبة ولا ارتداد ويقال ليس لقيامها تكذيب - ثم وصف القيامة فقال { ~~خافضة رافعة } يعني خفضت أقواما بأعمالهم فأدخلتهم النار ورفعت ~~أقواما بأعمالهم فأدخلتهم الجنة. # وقال قتادة في قوله (خافضة رافعة) يعني خفضت أقواما في عذاب الله ورفعت ~~أقواما في كرامات الله. ### || [56.4-9] # قال عز وجل: { إذا رجت الأرض رجا } يعني زلزلت الأرض زلزلة ~~وحركت تحريكا شديدا لا تسكن حتى تلقي جميع ما في بطنها على ظهرها ثم ~~قال { وبست الجبال بسا } يعني فتتت الجبال فتا، ويقال ~~قلعت الجبال قلعا ويقال كسرت الجبال كسرا { فكانت هباء ~~منبثا } يعني ترابا وهو ما يسطع من سنابك الخيل، ويقال الغبار الذي ~~في شعاع الكوة، وقال القتبي وبست الجبال بسا - يعني فتتت حتى صارت ~~كالدقيق والسويق المبثوث، ثم وصف حال الخلق في يوم القيامة وأخبر أنهم ~~ثلاثة أصناف اثنان في الجنة وواحدة في ms1679 النار ثم نعت كل صنف من الثلاثة ~~على حدة فقال { وكنتم أزواجا ثلثة } يعني تكونون يوم ~~القيامة ثلاثة أصناف { فأصحب الميمنة } يعني الذين يعطون ~~كتابهم بأيمانهم { ما أصحب الميمنة } يعني ما تدري ما ~~لأصحاب الميمنة من الخير والكرامات { وأصحب المشئمة } ~~يعني الذين يعطون كتابهم بشمالهم { ما أصحب المشئمة } يعني ~~ما تدري ما لأصحاب المشئمة من الشرب والعذاب، ويقال أصحاب الميمنة يعني ~~الذين كانوا يوم الميثاق على يمين آدم عليه السلام ويقال على يمين العرش ~~وأصحاب المشئمة الذين كانوا على شمال آدم عليه السلام. ويقال على شمال ~~العرش، ويقال أصحاب الميمنة الذين يكونون يوم القيامة على يمين العرش ~~ويأخذون طريق الجنة وأصحاب المشئمة الذين يأخذون طريق الشمال فيفضي بهم ~~إلى النار. ### || [56.10-36] # قال عز وجل { والسبقون السبقون } يعني السابقين إلى ~~الإيمان والجهاد والطاعات السابقون يعني هم السابقون إلى الجنة فذكر ~~الأصناف - الثلاثة أحدها - أصحاب اليمين - الثاني أصحاب الشمال، والثالث ~~السابقون ثم وصف كل صنف منهم بصفة فبدأ بصفة السابقين فقال { أولئك ~~المقربون } يعني المقربين عند الله في الدرجات { في جنت ~~النعيم } يعني في جنات عدن. { ثلة من الأولين وقليل ~~من الآخرين } يعني إن السابقين تكون جماعة من الأولين يعني من أول ~~هذه الأمة مثل الصحابة والتابعين وقليل من الآخرين يعني إن السابقين في ~~آخر هذه الأمة يكون قليلا وقال بعضهم ثلة من الأولين يعني جميعا من ~~الأمم الخالية وقليل من الآخرين يعني من هذه الأمة فحزن المسلمون بذلك ~~حتى نزلت (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) فطابت أنفسهم، والطريق الأول ~~أصح وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " كلتا الثلتين من أمتي " # ، وروي عن عبد الله بن يزيد قال - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " أهل الجنة عشرون ومائة صنف هذه الأمة منها ثمانون صنفا " # ثم قال { على سرر موضونة } يعني إن السابقين في الجنة على ~~سرر منسوجة بالدر والياقوت وقال مجاهد موضونة بالذهب وقال القتبي موضونة ~~أي منسوجة كأن بعضها أدخل في بعض أو نضد بعضها على ms1680 بعض ومنه قيل للدرع ~~(موضونة) ثم قال { متكئين عليها متقبلين } يعني ~~ناعمين على سرر متقابلين في الزيادة وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه أنه قرأ متكئين عليها ناعمين وقال مجاهد متقابلين يعني لا ينظر بعضهم ~~إلى قفا بعض ثم قال عز وجل { يطوف عليهم } يعني في الخدمة { ~~ولدن مخلدون } يعني غلمانا خلدوا في الجنة، ويقال على سن ~~واحد لا يتغيرون لأنهم خلقوا للبقاء و من خلق للبقاء لا يتغير، ويقال ~~مخلدون يعني لا يكبرون ويقال هم أولاد الكفار لم يكن لهم ذنب يعذبون ولا ~~طاعة يثابون فيكونون خداما لأهل الجنة قوله تعالى { بأكواب ~~وأباريق } هي التي لها عرى ثم قال { وكأس من معين } يعني ~~خمرا بيضاء من نهر جار { لا يصدعون عنها } يعني لا يصدع ~~رؤوسهم بشرب الخمر في الآخرة { ولا ينزفون } يعني لا تذهب عقولهم ~~ولا ينفد شرابهم ثم قال { وفكهة مما يتخيرون } يعني ما ~~يتمنون ويختارون من ألوان الفاكهة { ولحم طير مما يشتهون ~~} يعني إن شاء شويا وإن شاء مطبوخا ثم قال عز وجل { وحور عين } ~~قرأ حمزة والكسائي وحور عين بالكسر عطفا على قوله { بأكواب ~~وأباريق } والباقون وحور عين بالضم ومعناها ولهم حور عين - والحور ~~البيض والعين الحسان الأعين { كأمثل اللؤلؤ المكنون } ~~يعني اللؤلؤ الذي في الصدف لم تمسه الأيدي ولم تره الأعين { جزاء بما ~~كانوا يعملون } يعني هذه الجنة مع هذه الكرامات ثوابا لأعمالهم ~~ثم قال { لا يسمعون فيها لغوا } يعني في الجنة حلفا وكذبا ~~{ ولا تأثيما } يعني كلاما فيها عند الشرب كما يكون في الدنيا ~~ويقال ولا تأثيما يعني: ولا إثم عليهم فيما شربوا { إلا قيلا ~~سلما سلما } يعني إلا قولا وكلاما يسلم بعضهم على بعض ويبعث ~~الله تعالى إليهم الملائكة بالسلام فهذا كله نعت السابقين. # ثم ذكر الصنف الثاني فقال { وأصحب اليمين ما أصحب ~~اليمين } يعني ما لأصحاب اليمين من الخير والكرامة على وجه التعجب ثم ~~وصف حالهم فقال { فى سدر مخضود } يعني لا شوك له كالدر الذي ~~يكون في الدنيا ms1681 وقال قتادة (في سدر مخضود) يعني كثير الحمل أي ليس له ~~شوك، وقال القتبي كأنه نضد شوكه يعني قطع، وروي في الخبر أنه لما نزل ذكر ~~السدر قال أهل الطائف إنها سدرنا هذا فنزل مخضود يعني موقر بلا شوك ثم ~~قال: { وطلح منضود } وقال مقاتل يعني الموز المتراكم بعضه على ~~بعض وقال قتادة هو الموز وهذا روي عن ابن عباس والمنضود الذي نضد بالحمل ~~من أوله إلى آخره ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ (وطلع ~~منضود) كقوله تعالى { طلع نضيد } كقوله تعالى { وظل ممدود ~~} يعني دائما لا يزول، وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها ~~اقرؤوا إن شئتم (وظل ممدود) ثم قال { وماء مسكوب } يعني منصبا ~~كثيرا ويقال يعني منصبا من ساق العرش { وفكهة كثيرة } يعني ~~ألوان الفاكهة كثيرة { لا مقطوعة } يعني لا مقطوعة يعني لا ينقطع ~~عنهم في حين كما يكون في فواكه الدنيا بل توجد في جميع الأوقات { ولا ~~ممنوعة } يعني لا يمنع منهم والممنوعة أن ينظر إليها ولا يقدر أن ~~يأكلها. كأشجار الدنيا { وفرش مرفوعة } بعضها فوق بعض مرتفعة ~~ثم قال عز وجل: { إنا أنشأنهن إنشاء } يعني الجواري ~~والزوجات، يقال نساء الدنيا خلقناهن خلقا بعد خلق الدنيا، ويقال إنهن ~~أفضل وأحسن من حور الجنة لأنهن عملن في الدنيا والحور لم يعملن، وعن أنس ~~بن مالك قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم - { إنا أنشأنهن ~~إنشاء } قال: # " إن من المنشآت التي كن في الدنيا عجايز عمشا رمصا زمنا " # ثم قال { فجعلنهن أبكرا } يعني خلقناهن أبكارا عذارى ### || [56.37-56] # { عربا } يعني محبات عاشقات لأزواجهن لا يردن غيرهم قرأ حمزة وعاصم ~~في إحدى الروايتين عربا بجزم الراء والباقون بالضم ومعناهما واحد وقال ~~أبو عبيد نقرأ بالضم لأنها أقيس في العربية لأن واحدتها عروب وجمعها ~~عرب مثل صبور وصبر وشكور وشكر ثم قال { أترابا } يعني مستويات في ~~السن كأنهن ms1682 على ميلاد واحد بنات ثلاث وثلاثين، وروي عن عكرمة أنه قال أهل ~~الجنة ميلاد ثلاثين سنة رجالهم ونساؤهم قامة أحدهم ستون ذراعا على قامة ~~أبيهم آدم عليه السلام شاب جرد مكمولون أحسنهم يرى كالقمر ليلة البدر ~~وآخرهم كالكوكب الدري في السماء يبصر وجهه في وجهها وكبده في كبدها وفي ~~مخ ساقها وتبصر هي وجهها في وجهه وفي كبده وفي مخ ساقه ولا يبزقون ولا ~~يتمخطون وما كان فوق ذلك من الأذى فهو أبعد { لأصحب اليمين } ~~يعني هذا الذي ذكر كرامة لأصحاب اليمين ثم قال عز وجل: { ثلة من ~~الأولين وثلة من الآخرين } يعني جماعة من أول هذه الأمة ~~وجماعة من الآخرين فذكر في السابقين أنهم جماعة من الأولين وقليل من ~~الآخرين لأن السابق في أخر الأمة قليل وأما أصحاب اليمين يكون جماعة من ~~أول الأمة وجماعة من آخر الأمة ثم ذكر الصنف الثالث فقال { وأصحب ~~الشمال ما أصحب الشمال } يعني ما لأصحاب الشمال من شدة وشر ~~وهوان ثم وصف حالهم فقال { فى سموم وحميم } والسموم الزمهرير ~~يقطع الوجوه وسائر الجسوم ويقال السموم النار الموقدة والحميم الماء ~~الحار الشديد { وظل من يحموم } واليحموم الدخان يعني دخان جهنم ~~أسود { لا بارد ولا كريم } يعني لا بارد شرابهم ولا كريم ~~منقلبهم ثم بين أعمالهم التي استحقوا بها العقوبة بأعمالهم الباطل فقال { ~~إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } يعني كانوا في الدنيا ~~متكبرين في ترك أمر الله تعالى ويقال كانوا مشركين { وكانوا ~~يصرون على الحنث العظيم } يعني يثبتون على الذنب العظيم ~~وهو الشرك وإنما سمي الشرك حنثا لأنهم كانوا يحلفون بالله لا يبعث الله ~~من يموت وكانوا يصرون على ذلك، وقال القتبي الحنث العظيم اليمين الغموس ~~وقال مجاهد الذنب العظيم، وقال ابن عباس الحنث العظيم هو الشرك { ~~وكانوا يقولون } مع شركهم { أءذا متنا وكنا ترابا ~~وعظما أءنا لمبعوثون } يعني بعدما صرنا ترابا وعظاما ~~بالية صرنا أحياء بعد الموت { وءاباؤنا الأولون } الذين مضوا ~~قبلنا وصاروا ترابا قال الله تعالى قل يا محمد { قل إن ~~الأولين والآخرين ms1683 } يعني الأمم الخالية { لمجموعون } وهذه ~~الأمة لمجموعة { إلى ميقت يوم معلوم } في يوم القيامة ~~يجتمعون فيه { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون } ~~بالبعث { لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها ~~البطون } يعني يملؤون من طلعها البطون { فشربون عليه من ~~الحميم } يعني على إثره يشربون من الحميم { فشربون شرب ~~الهيم } يعني كشرب الهيم وهي الإبل التي يصيبها داء فلا تروا من ~~الشراب ويقال الأرض التي أصابتها الشمس، وهي أرض سهلة من الرملة قرأ نافع ~~وعاصم وحمزة (شرب الهيم) بضم الشين والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فهو ~~اسم ومن قرأ بالنصب فهو المصدر ويقال كلاهما مصدر شربت ثم قال { هذا ~~نزلهم يوم الدين } يعني جزاءهم يوم الجزاء ويقال معناه هو الذي ~~ذكرناه من الزقوم والشراب طعامهم وشربهم يوم الحساب. ### || [56.57-73] # قال { نحن خلقنكم } يعني خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم ~~تعلمون { فلولا تصدقون } يعني أفلا تصدقون بالبعث وبالرسل ثم ~~أخبر عن صنعه ليعتبروا فقال { أفرءيتم ما تمنون } يعني ما ~~خرج منكم من النطفة ويقع في الأرحام { أأنتم تخلقونه } يعني ~~منه بشرا في بطون النساء ذكرا أو أنثى { أم نحن الخلقون } ~~يعني بل نحن نخلقه { نحن قدرنا بينكم الموت } يعني نحن ~~قسمنا بينكم الآجال فمنكم من يموت صغيرا ومنكم من يموت شابا ومنكم من ~~يموت شيخا، قرأ ابن كثير (نحن قدرنا) بالتخفيف وقرأ الباقون (قدرنا) ~~بالتشديد ومعناهما واحد لأن التشديد للتكثير ثم قال { وما نحن ~~بمسبوقين على أن نبدل أمثلكم } يعني وما نحن ~~بعاجزين إن أردنا أن نأتي بخلق مثلكم وأمثل منكم وأطوع لله تعالى { ~~وننشئكم فى ما لا تعلمون } يعني ونخلقكم سوى خلقكم من ~~الصور فيما لا تعلمون من الصور مثل القردة والخنازير ويقال وما نحن ~~بعاجزين على أن نرد أرواحكم إلى أجسامكم بعد الموت ثم قال عز وجل { ~~ولقد علمتم النشأة الأولى } يعني علمتم ابتداء خلقكم إذ ~~خلقناكم في بطون أمهاتكم ثم أنكرتم البعث { فلولا تذكرون } ~~يعني فهل لا تتعظون وتعتبرون بالخلق الأول أنه قادر على أن يبعثكم كما ~~خلقكم أول مرة ولم ms1684 تكونوا شيئا ثم قال { أفرءيتم ما تحرثون ~~} يعني فهل لا تعتبروا بالزرع الذي تزرعونه في الأرض { ءأنتم ~~تزرعونه } يعني تنبتونه { أم نحن الزرعون } يعني أم نحن ~~المنبتون يعني بل الله تعالى أنبته { لو نشاء لجعلناه ~~حطما } يعني يابسا هالكا بعدما بلغ { فظلتم تفكهون } ~~يعني فصرتم تندمون ويقال يعني تتعجبون من يبسه بعد خضرته { إنا ~~لمغرمون } يعني معذبون { بل نحن محرومون } يعني حرمنا ~~منفعة زرعنا قرأ عاصم في رواية أبي بكر إنا لمغرمون بهمزتين على ~~الاستفهام وقرأ الباقون بهمزة واحدة على معنى الخبر ثم قال { ~~أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه ~~من المزن } يعني من السماء { أم نحن المنزلون } يعني بل ~~نحن المنزلون عليكم { لو نشاء جعلنه أجاجا } يعني مرا ~~مالحا لا تقدرون على شربه { فلولا تشكرون } يعني هلا تشكرون رب ~~هذه النعمة وتوحدونه حين سقاكم ماء عذبا ثم قال عز وجل { أفرءيتم ~~النار التى تورون } يعني تقدمون والعرب تقدح بالزند والزند خشبة ~~يحك بعضه على بعض فيخرج منه النار { ءأنتم أنشأتم شجرتها } ~~يعني خلقتم شجرها { أم نحن المنشئون } يعني الخالقون يعني الله ~~أنشأها وخلقها لمنفعة الخلق { نحن جعلنها تذكرة } يعني ~~النار موعظة وعبرة في الدنيا من نار جهنم، وقال مجاهد نحن جعلناها تذكرة ~~يعني النار الصغرى للنار الكبرى { ومتعا للمقوين } يعني ~~منفعة لمن كان ساخرا، وقال قتادة المقوي الذي قد فني زاده وقال الزجاج ~~المقوي الذي قد نزل بالقوى وهي الأرض الخالية. ### || [56.74-96] # قال عز وجل { فسبح باسم ربك العظيم } يعني اذكر التوحيد ~~باسم ربك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - الرب العظيم، ويقال صل بأمر ربك ~~ويقال سبح لله واذكره قوله عز وجل { فلا أقسم } قال بعضهم يعني ~~أقسم و (لا) زيادة في الكلام وقال بعضهم " لا " رد لقول الكفار ثم قال { ~~بموقع النجوم } يعني بنزول القرآن نزل نجوما آية بعد آية. وروى ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (مواقع النجوم) يعني بحكم القرآن { ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } يعني القسم بالقرآن عظيم ~~لو تعلمون ذلك ويقال لو ms1685 تعلمون يعني لو تصدقون ذلك قرأ حمزة والكسائي ~~(بموقع النجوم) بغير ألف وقرأ الباقون بمواقع النجوم بلفظ الجماعة فمن ~~قرأ بموقع فهو واحد دل على الجماعة ويقال بمواقع النجوم يعني بمساقط ~~النجوم يعني الكواكب - ثم قال عز وجل { إنه لقرءان كريم } ~~يعني الذي يقرأ عليك يا محمد لقرآن شريف كريم على ربه { فى كتب ~~مكنون } يعني مستور من خلق الله وهو اللوح المحفوظ { لا يمسه ~~إلا المطهرون } يعني اللوح المحفوظ ويقال لا تمسه إلا الملائكة ~~المطهرون من الذنب ولا يقرؤه إلا الطاهرون، ويقال لا يمس المصحف إلا ~~الطاهر وروى معمر عن محمد بن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه رضي الله عنه - ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابا فيه # " لا يمس القرآن إلا على طهور " # وروى إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال " كنا مع سلمان فخرج يقضي حاجته ~~ثم جاء فقلنا يا عبد الله لو توضأت لعلنا نسألك عن آيات الله فقال إني ~~لست أمسه لأنه لا يمسه إلا المطهرون فقرأ علينا ما نسينا، يعني يجوز ~~للمحدث أن يقرأ ولا يجوز أن يمس المصحف، وأما الجنب لا يجوز له أن يمس ~~المصحف ولا يقرأ آية تامة. ثم قال { تنزيل من رب العلمين } ~~يعني أنزل الله تعالى جبريل عليه السلام على محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~بهذا القرآن يقرأه عليه من رب العالمين ثم قال عز وجل { أفبهذا ~~الحديث أنتم مدهنون } يعني تكفرون وقال الزجاج المدهن ~~والمداهن الكذاب المنافق. وقال بعض أهل اللغة أصله من الدهن لأنه يلين في ~~دينه يعني ينافق ويرى كل واحد أنه على دينه ويقال (أنتم مدهنون) يعني ~~مكذبون { وتجعلون رزقكم } يعني شكر رزقكم { أنكم ~~تكذبون } يعني تقولون للمطر إذا مطرتم مطرنا بنوء كذا وروي عن ~~عاصم في بعض الروايات أنكم تكذبون بالتخفيف يعني تجعلون شكر رزقكم الكذب ~~وهو أن يقولوا مطرنا بنوء كذا وقرأ الباقون تكذبون بالتشديد يعني ~~تجعلون شكر رزقكم التكذيب ولا تنسبون السقيا إلى الله تعالى الذي رزقكم ~~ثم قال ms1686 { فلولا إذا بلغت الحلقوم } يعني بلغ الروح ~~الحلقوم { وأنتم حينئذ تنظرون } إلى الميت { ونحن ~~أقرب إليه منكم } يعني أمر الله تعالى وهو ملك الموت أقرب ~~إليه منكم حين أتاه لقبض روحه { ولكن لا تبصرون } ما حضر ~~الميت { فلولا إن كنتم غير مدينين } يعني غير محاسبين، ~~ويقال غير مملوكين أذلاء عن قولك دنت له بالطاعة وإنما سمي (يوم ~~الدين) لأنه يوم الإذلال والهوان ويقال (غير مدينين) يعني غير مجزيين { ~~ترجعونها إن كنتم صدقين } يعني إنكم غير محاسبين فهلا ~~رددتم عنه الموت. # ثم ذكر الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم في أول السورة فقال { فأما إن ~~كان من المقربين } يعني إذا كان هذا الميت من المقربين عند ~~الله من السابقين { فروح وريحان } قرأ الحسن (فروح) بضم ~~الراء المهملة وقراءة العامة بالنصب وقال أبو عبيد لولا خلاف الأمة ~~لقرأته بالضم، وروت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قرأ بالضم، وقال القتبي الروح يعبر عن معان فالروح روح ~~الأجسام الذي يقبض عند الممات وفيه حياة النفس، والروح جبريل. وكلام الله ~~روح لأنه حياة من الجهل وموت الكفر ورحمة الله روح كقوله # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] أي برحمة والروح الرحمة والرزق ويقال الروح حياة دائمة ~~لا موت فيها (والريحان) الرزق، ويقال هي النبات بعينها ومن قرأ بالنصب ~~فهو الفرح ويقال الراحة، ويقال هي الرحمة ثم قال { وجنة نعيم } ~~يعني لا انقطاع { وأما إن كان من أصحب اليمين } يعني ~~إن كان الميت من أصحاب اليمين { فسلم لك من أصحب ~~اليمين } يعني سلام الله لهم ويقال يسلمون عليك من الجنة، ويقال سلام ~~عليك منهم، ويقال ترى منهم ما تحب من السلام، ويقال (فسلام لك) يعني يقال ~~له ثوابه عند الموت وفي القبر وعلى الصراط وعند الميزان بشارة لك، إنك من ~~أهل الجنة ثم قال عز وجل { وأما إن كان من المكذبين } ~~يعني إن كان الميت (من المكذبين) بالبعث { الضالين } عن الهدى. { ~~فنزل من حميم } يعني جزاؤهم وثوابهم من حميم { وتصلية ~~جحيم } يعني يدخلون ms1687 الجحيم وهي ما عظم من النار { إن هذا ~~لهو حق اليقين } يعني إن هذا الذي قصصنا عليك في هذه السورة من ~~الأقاصيص وما أعد الله لأوليائه وأعدائه وما ذكر مما يدل على وحدانيته ~~لهو حق اليقين { فسبح باسم ربك العظيم } يعني اذكر اسم ربك ~~بالتوحيد ويقال نزه الله تعالى عن السوء يعني قل سبحان الله ويقال اثن ~~على الله تعالى ويقال صل لله تعالى وروي عن عبد الله بن مسعود (رضي الله ~~عنه) أنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " من قرأ سورة الواقعة في كل يوم لم تصبه فاقة " # والله أعلم بالصواب. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1] # قوله تعالى: { سبح لله ما فى السموات } يعني: صلى لله ~~ما في السموات من الملائكة { والأرض } من المؤمنين فسمى الصلاة ~~تسبيحا لأنه يجرى فيها التسبيح ويقال (سبح لله) يعني: ذكر الله ما في ~~السماوات يعني: جميع ما في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والأرض ~~يعني: جميع ما في الأرض من الإنس والأشجار والأنهار والجبال وغير ذلك، ~~ويقال (سبح لله) يعني: خضع لله جميع ما في السماوات والأرض وقال بعضهم ~~التسبيح آثار صنعه يعني: في كل شيء دليل لربوبيته ووحدانيته ويقال هو ~~التسبيح بعينه يعني: يسبح جميع الأشياء كقوله # وإن من شىء إلا يسبح بحمده # [الإسراء44]، وقال الحسن البصري (لولا ما يخفى عليكم من تسبيح من معكم ~~في البيوت ما تقادرتم)، وروى سمرة بن جندب عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال # " أفضل الكلام أربعة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~" # ولا يضرك بأيهن بدأت { وهو العزيز الحكيم } يعني: العزيز ~~بالنقمة لمن لا يوحده والعزيز في اللغة: الذي لا يعجزه عما أراد ويقال ~~العزيز الذي لا يوجد مثله الحكيم في أمره وقضائه. ### || [57.2-6] # قال عز وجل: { له ملك السموات والأرض } يعني: له خزائن ~~السماوات والأرض يعني: خزائن السماوات المطر وخزائن الأرض النبات، ~~ويقال معناه: له نفاذ الأمر في السماوات والأرض ثم قال: { يحيي ~~ويميت } يعني: ms1688 يحيي للبعث ويميت في الدنيا { وهو على كل ~~شىء قدير } من الإحياء والإماتة ثم قال عز وجل: { هو الأول } ~~يعني: الأول قبل كل أحد { والآخر } بعد كل أحد { والظهر } ~~يعني: الغالب على كل شيء { والبطن } يعني: العالم بكل ويقال (هو ~~الأول) يعني: مؤول كل شيء (والآخر) يعني: مؤخر كل شيء (والظاهر) يعني: ~~المظهر (والباطن: يعني: المبطن، ويقال هو (الأول) يعني: خالق الأولين ~~(والآخر) يعني: خالق الآخرين والظاهر يعني خالق الآدميين وهم ظاهرون ~~(والباطن) يعني: خالق الجن والشياطين الذين لا يظهرون ويقال (هو الأول) ~~يعني: خالق الدنيا والآخر يعني: خالق الآخرة (والظاهر والباطن) يعني: ~~عالم بالظاهر والباطن، ويقال هو الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء ~~والظاهر والباطن يعني: منه نعمة ظاهرة، ويقال هو (الأول والآخر والظاهر ~~والباطن) يعني: هو الرب الواحد ثم قال { وهو بكل شىء عليم } ~~يعني: من أمر الدنيا والآخرة ثم قال عز وجل: { هو الذى خلق ~~السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يعلم ما يلج فى الأرض } يعني ما يدخل في الأرض من ~~الماء والكنوز والأموات { وما يخرج منها } من النبات والكنوز ~~والأموات { وما ينزل من السماء } وهو المطر والثلج والرزق ~~والملائكة { وما يعرج فيها } يعني: ما يصعد فيها من الملائكة ~~وأعمال العباد والأرواح { وهو معكم أينما كنتم } يعني: ~~عالم بكم وبأعمالكم أينما كنتم في الأرض { والله بما تعملون ~~بصير } فيجازيكم بالخير خيرا وبالشر شرا. ثم قال عز وجل: { له ~~ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } ~~ثم قال عز وجل: { يولج اليل فى النهار } يعني: يدخل الليل ~~في النهار إذا جاء الليل ذهب النهار { ويولج النهار فى اليل ~~} يعني: يدخل النهار في الليل إذا جاء النهار ذهب الليل ومعنى آخر يعني: ~~يدخل زيادة الليل في النهار يعني: يصير الليل أطول ما يكون خمس عشرة ساعة ~~والنهار أقصر ما يكون تسع ساعات والليل والنهار أربع وعشرون ساعة، ثم قال ~~عز وجل: { وهو عليم بذات الصدور } يعني: بما في القلوب من ~~الخير والشر. ### || [57.7-11] # قال { آمنوا ms1689 بالله ورسوله } يعني: صدقوا بوحدانية الله ~~تعالى وصدقوا برسوله { وأنفقوا } يعني: تصدقوا في طاعة الله تعالى: ~~{ مما جعلكم مستخلفين فيه } يعني: مما جعلكم مالكين من ~~المال، ويقال معناه إن الأموال والدنيا كلها لله تعالى فيجعل العباد ~~مستخلفين على أمواله وأمرهم بالنفقة مما جعلهم خليفة فيها ثم بين ثواب ~~الذين آمنوا فقال { فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا } يعني: ~~صدقوا بوحدانية الله تعالى وتصدقوا { لهم أجر كبير } يعني: عظيم ~~وهو الثواب الحسن في الجنة، ويقال إن هذه الآية نسخت بآية الزكاة ويقال ~~إنها ليست بمنسوخة ولكنها حث على الصدقة والنفقة في طاعة الله تعالى ثم ~~قال عز وجل: { وما لكم لا تؤمنون بالله } يعني: ما لكم لا ~~تصدقون بوحدانية الله تعالى { والرسول يدعوكم } قرأ بعضهم ~~(والرسول) بضم اللام يعني: ما لكم لا تؤمنون بالله وتم الكلام ثم قال ~~والرسول يدعوكم إلى توحيد الله تعالى وقراءة العامة والرسول بكسر اللام ~~يعني: مالكم لا تصدقون بالله وبرسوله حين يدعوكم. { لتؤمنوا ~~بربكم } يعني: لتصدقوا بوحدانية الله تعالى { وقد أخذ ~~ميثقكم } يعني: أخذ الله تعالى إقراركم والميثاق حين أخرجكم من ~~صلب آدم { إن كنتم مؤمنين } يعني: مصدقين قرأ أبو عمرو وقد أخذ ~~ميثاقكم بضم القاف وكسر الخاء على معنى: فعل ما لم يسم فاعله والباقون ~~يعني: أخذ الله ميثاقكم ثم قال: { هو الذى ينزل على عبده ~~} هو الذي ينزل جبريل على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - يقرأ عليه { ~~آيات بينات } يعني: آيات القرآن واضحات بين فيه الحلال والحرام ~~والأمر والنهي { ليخرجكم من الظلمت إلى النور } ~~يعني: يدعوكم من الشرك إلى الإيمان ويقال بينات يعني: واضحات ويقال آيات ~~يعني: علامات النبوة ليخرجكم من الظلمات إلى النور يعني: ليوفقكم الله ~~تعالى للهدى ويخرجكم من الكفر { وإن الله بكم لرؤوف ~~رحيم } يعني: هداكم لدينه وأنزل عليكم ثم قال عز وجل: { وما لكم ~~ألا تنفقوا فى سبيل الله } يعني: ما لكم ألا تصدقوا أو لا ~~تنفقوا أموالكم في طاعة الله { ولله ميراث السموات ~~والأرض } يعني: إلى الله يرجع ميراث السموات ms1690 والأرض أي شيء ينفعكم ~~ترك الإنفاق ميتون تاركون أموالكم ويقال: معناه وما لكم ألا تنفقوا ~~والأموال كلها لله تعالى وهو يأمركم بالنفقة، ويقال أنفقوا ما دمتم في ~~الحياة فإنكم إن بخلتم فإن الله هو يرثكم ويرث أهل السموات يعني: أنفقوا ~~قبل أن تفنوا وتصير كلها ميراثا لله تعالى بعد فنائكم وإنما ذكر لفظ ~~الميراث لأن العرب تعرف ما ترك الإنسان ميراثا فخاطبهم بما يعرفون فيما ~~بينهم ثم قال: { لا يستوى منكم } يعني: لا يستوي منكم في الفضل ~~والثواب عند الله تعالى { من أنفق } ماله في طاعة الله { من ~~قبل الفتح } يعني: قاتل العدو - وفي الآية تقديم يعني: من أنفق ~~وقاتل من قبل الفتح يعني: فتح مكة ونزلت الآية في شأن أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - المهاجرين والأنصار يعني: الذين أنفقوا أموالهم مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاتلوا الكفار لا يستوي حالهم وحال ~~غيرهم، ويقال نزلت الآية في شأن أبي بكر رضي الله عنه كان جالسا مع نفر ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقعت بينهم منازعة في شيء ~~فنزل في تفضيل أبي بكر رضي الله عنه (لا يستوي منكم من أنفق) ماله (من ~~قبل الفتح) يعني: من قبل ظهور الإسلام { وقتل } يعني: وجاهد { ~~أولئك أعظم درجة } يعني: أبي بكر رضي الله عنه { من ~~الذين أنفقوا من بعد وقتلوا } العدو مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ويقال هذا التفضيل لجميع أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، ~~وروى سفيان عن زيد بن أسلم قال - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " سيأتي قوم بعدكم يحقرون أعمالكم مع أعمالهم " # قالوا: يا رسول الله نحن أفضل أم هم فقال # " لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك فضل أحدكم ولا نصفه " # { أولئك أعظم درجة } قال الفقيه حدثني الخليل بن أحمد ثنا ~~الدبيلي ثنا عبيد الله عن سفيان عن زيد بن أسلم { من الذين ~~أنفقوا من بعد وقتلوا } { وكلا وعد الله ~~الحسنى } قرأ ابن عامر وكل وعد الله الحسنى ms1691 بضم اللام والباقون ~~بالنصب فمن قرأ بالضم صار ضما لمضمر فيه فكأنه قال أولئك وعد الله ~~الحسنى ومن نصب معناه وعد الله كلا الحسنى يعني: الجنة ثم قال: { ~~والله بما تعملون خبير } يعني: ما أنفقتم ثم قال { من ~~ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا } يعني: من ذا الذي يعطي ~~من أموال الله قرضا حسنا يعني: وفقا بالإخلاص وطلب ثواب الله تعالى: { ~~فيضاعفه له } في الحسنات ويعطي من الثواب ما لا يحصى { وله ~~أجر كريم } يعني: ثوابا حسنا في الآخرة ويقال نزلت الآية في شأن ~~أبي الدحداح ويقال هو حث لجميع المسلمين. ### || [57.12-15] # قال عز وجل: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنت } يعني: ~~في يوم القيامة على الصراط. { يسعى نورهم بين أيديهم ~~وبأيمنهم } يعني: بتصديقهم في الدنيا وبأعمالهم الصالحة فيعطى ~~لهم النور يمضون به على الصراط فيكون النور بين أيديهم وأيمانهم وعن ~~شمائلهم إلا أن ذكر الشمائل مضمر وتقول لهم الملائكة { بشراكم ~~اليوم } يعني: أبشروا هذا اليوم بكرامة الله تعالى: { جنت ~~تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها } يعني: مقيمين ~~في الجنة ونجوا من العذاب { ذلك هو الفوز العظيم } قوله ~~تعالى: { يوم يقول المنفقون والمنفقت ~~للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم } يعني: ~~نصب من نوركم فتضيء معكم، وروي عن أبي أمامة الباهلي أنه قال " بينما ~~العباد يوم القيامة عند الصراط إذ غشيتهم ظلمة ثم يقسم الله تعالى النور ~~بين عباده فيعطي الله المؤمن نورا ويبقى الكافر والمنافق لا يعطيان ~~نورا فكما لا يستضيء الأعمى بنور البصر كذلك لا يستضيء الكافر والمنافق ~~بنور الإيمان فيقولان انظروا نقتبس من نوركم فيقال لهم { قيل ~~ارجعوا } حيث قسم النور فيرجعون فلا يجدون شيئا فيرجعون وقد ضرب ~~بينهم بسور، وعن الحسن البصري قال إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ~~لأنه يعطي المؤمن والمنافق نورا فإذا بلغوا الصراط اطفىء نور المنافق ~~فيقول المنافقون انظروا نقتبس من نوركم قال فيشفق المؤمنون حين طفىء نور ~~المنافقين فيقولون عند ذلك - (ربنا أتمم لنا نورنا)، قرأ حمزة أنظرونا ~~بنصب الألف وكسر الظاء المعجمية والباقون ms1692 بالضم فمن قرأ بالنصب فمعناه ~~أمهلونا ومن قرأ بالضم فمعناه انتظرونا فقال لهم المؤمنون. ارجعوا { ~~وراءكم فالتمسوا نورا } يعني: ارجعوا إلى الدنيا فإنا جعلنا ~~النور في الدنيا ويقال ارجعوا إلى المحشر حيث أعطينا النور واطلبوا نورا ~~فيرجعون في طلب النور فلم يجدوا شيئا { فضرب بينهم بسور } ~~يعني: ظهر لهم ويقال بين أيديهم بسور يعني: بحائط بين أهل الجنة وأهل ~~النار { له باب باطنه } يعني: باطن السور { فيه الرحمة } ~~يعني: الجنة { وظهره من قبله العذاب } يعني: النار ويقال ~~هو السور الذي عليه أصحاب الأعراف فيظهر بين الجنة والنار باب يعني عليه ~~باب فيجاوز فيه المؤمنون ويبقى المنافقون على الصراط في الظلمة { ~~يندونهم } من وراء السور { ألم نكن معكم } يعني: ألم ~~نكن معكم في الدنيا على دينكم وكنا معكم في الجماعات والصلوات فيجيبهم ~~المؤمنون { قالوا بلى } يعني: قد كنتم معنا في الدنيا أو في الظاهر ~~{ ولكنكم فتنتم أنفسكم } يعني: قد أصبتم أنفسكم حيث ~~كفرتم في السر، ويقال فتنتم أنفسكم يعني: ثبتم على الكفر الأول في السر { ~~وتربصتم } يعني: انتظرتم موت نبيكم، ويقال تربصتم يعني: أخرتم ~~التوبة وسوفتم فيها { وارتبتم } يعني: شككتم في الدين وشككتم ~~في البعث { وغرتكم الأمانى } يعني: أباطيل الدنيا { حتى ~~جاء أمر الله } يعني: القيامة { وغركم بالله الغرور ~~} يعني: الشياطين وقال الزجاج الغرور على ميزان فعول وهو من أسماء ~~المبالغة وكذلك الشياطين الغرور لأنه يغري ابن آدم كثيرا. # ثم قال: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية } يعني: في هذا ~~اليوم وهو يوم القيامة، وقرأ ابن عامر فاليوم لا تؤخذ بالتاء لأن الفدية ~~مؤنثة وقرأ الباقون بالياء - وجمع على المعنى لأن معنى الفدية فداء ~~ومعناه (لا يؤخذ منكم) الفداء يعني المنافقين { ولا من الذين ~~كفروا } يعني الذين جحدوا بتوحيد الله تعالى { مأواكم النار ~~} يعني: مصيركم إلى النار يعني المنافقين والكافرين { هى مولكم ~~} يعني: هي أولى بكم بما أسلفتم من الذنوب { وبئس المصير } يعني: ~~بئس المرجع النار للكافرين والمنافقين. ### || [57.16-19] # قوله تعالى: { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } يعني: ألم ms1693 يجىء وقت تخاف قلوبهم فترق ~~قلوبهم يقال أنا يأني إناءا إذا حان وجاء وقته وأوانه قال الفقيه حدثنا ~~الخليل بن أحمد ثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الدبيلي قال حدثنا أبو عبيد ~~الله قال ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عبد الله عن القاسم قال - مل ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله ~~فأنزل الله تعالى: { الذى نزل أحسن الحديث كتبا ~~متشبها } ثم ملوا ملة أخرى فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل ~~الله تعالى: { ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله } ، ويقال إن المسلمين قالوا لسلمان ~~الفارسي حدثنا عن التوراة فإن فيها عجائب فنزل { نحن نقص عليك ~~أحسن القصص } فكفوا عن السؤال ثم سألوه عن ذلك فنزلت هذه الآية { ~~ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر ~~الله } يعني: ترق قلوبهم لذكر الله. { وما نزل من الحق } ~~يعني: القرآن بذكر الحلال والحرام قرأ نافع وعاصم في رواية حفص وما نزل ~~- بالتخفيف والباقون بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة ثم وعظهم فقال: ~~{ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب من قبل } يعني: ~~ولا تكونوا في القسوة كاليهود والنصارى من قبل خروج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - { فطال عليهم الأمد } يعني: الأجل ويقال خروج ~~النبي عليه السلام { فقست قلوبهم } يعني: جفت ويبست قلوبهم عن ~~الإيمان فلم يؤمنوا بالقرآن إلا قليل منهم { وكثير منهم ~~فسقون } يعني: عاصون، ويقال (ألم يأن للذين آمنوا) يعني: ~~المنافقين الذين آمنوا بلسانهم دون قلوبهم. وقال أبو الدرداء استعيذوا ~~بالله من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق؟ قال أن ترى الجسد خاشعا ~~والقلب ليس بخاشع. # قوله تعالى: { اعلموا أن الله يحيي الأرض } يعني: يصلح ~~الأرض فاعتبروا بذلك { بعد موتها } يعني: بعد يبسها وقحطها فكذلك ~~يحيي القلوب بالقرآن ويصلح بعد قساوتها حتى تلين كما أحيا الأرض كذلك بعد ~~موتها بالمطر. { قد بينا لكم الآيت } يعني: العلامات في ~~القرآن { لعلكم تعقلون } يعني: لكي تعقلوا أمر البعث كذلك ~~إنكم أيضا تبعثون قوله تعالى: { إن المصدقين ~~والمصدقت } قرأ ms1694 ابن كثير وعاصم رواية أبي بكر (إن المصدقين ~~والمصدقات) كليهما بالتخفيف والباقون بالتشديد فمن قرأ بالتخفيف فمعناه ~~إن المؤمنين من الرجال والمؤمنات من النساء فمن صدق الله ورسوله ورضي بما ~~جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن قرأ بالتشديد يعني: المتصدقين ~~من الرجال والمتصدقات من النساء فأدغمت التاء في الصاد وشددت { ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا } يعني: يتصدقون محتسبين بطبيعة ~~أنفسهم صادقين من قلوبهم { يضاعف لهم } الحسنات والثواب بكل واحد ~~عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يحصى { ولهم أجر كريم } يعني: ~~ثوابا حسنا في الجنة ثم قال عز وجل: { والذين ءامنوا بالله ~~ورسله } يعني: صدقوا بتوحيد الله وصدقوا بجميع الرسل { أولئك ~~هم الصديقون } والصديق اسم المبالغة في الفعل يقال رجل صديق كثير ~~الصدق وقال ابن عباس رضي الله عنه فمن آمن بالله ورسله فهو من الصديقين ~~ثم قال. # { والشهداء عند ربهم } قال مقاتل هذا استئناف فقال ~~(الشهداء) يعني: من استشهد عند ربهم يعني: يطلب شهادة على الأمم { لهم ~~أجرهم } يعني: ثوابهم { ونورهم } ويقال هذا بناء على الأول ~~يعني: (أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم) يشهدون للرسل بتبليغ ~~الرسالة ويقال معناه (أولئك هم الصديقون) (وأولئك هم الشهداء) عند ربهم، ~~ويكون لهم أجرهم ونورهم، قال مجاهد كل مؤمن صديق شهيد ثم وصف حال الكفار ~~فقال عز وجل: { والذين كفروا } يعني: بوحدانية الله تعالى { ~~وكذبوا بئايتنا } يعني: جحدوا بالقرآن { أولئك ~~أصحب الجحيم }. ### || [57.20-23] # قال عز وجل: { اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ~~ولهو } يعني: باطلا ولهوا يعني: فرحا يلهون فيها { وزينة } ~~يعني: زينة الدنيا { وتفاخر بينكم } عن الحسب { وتكاثر ~~فى الأمول والأولد } تفتخرون بذلك، وروى إبراهيم عن علقمة عن ~~عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قام في ظل شجرة في يوم ~~صائف ثم راح وتركها " # ثم ضرب للدنيا مثلا آخر فقال { كمثل غيث } يعني: كمثل مطر نزل ~~من السماء فينبت به الزرع والنبات { أعجب الكفار نباته } ~~يعني: فرح الزارع بنباته، ويقال أعجب ms1695 الكفار يعني: الكفار بالله لأنهم ~~أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين ويقال الكفار كناية عن الزراع ~~لأن الكفر في اللغة هو التغطية، ولهذا سمي الكافر كافرا لأنه يغطي ~~الحق بالباطل فسمي الزراع كفارا لأنهم يغطون الحب تحت الأرض وليس ذلك ~~الكفر الذي هو ضد الإيمان، والطريقة الأولى أحسن إن أراد به الكفار لأن ~~ميلهم إلى الدنيا أشد { ثم يهيج } يعني: ييبس فيتغير { فتراه ~~مصفرا } بعد خضرته { ثم يكون حطاما } يعني: يابسا ويقال ~~حطاما يعني: هالكا فشبه الدنيا بذلك لأنه لا يبقى ما فيها كما لا يبقى ~~هذا النبت { وفى الآخرة عذاب شديد } لمن افتخر بالدنيا ~~واختارها { ومغفرة من الله ورضون } لمن ترك الدنيا ~~واختار الآخرة على الدنيا ويقال عذاب شديد لأعدائه ومغفرة من الله ~~لأوليائه ثم قال: { وما الحيوة الدنيا إلا متع ~~الغرور } يعني: كمتاع الغرور يعني: كالمتاع الذي يتخذ من الزجاج ~~والخزف يسرع إلى الفناء ولا يبقى ثم قال عز وجل: { سابقوا إلى ~~مغفرة من ربكم } يعني: سارعوا بالأعمال الصالحة، ويقال بادروا ~~بالتوبة، وقال مكحول سابقوا إلى تكبيرة الافتتاح { وجنة } يعني: إلى ~~جنة { عرضها كعرض السماء والأرض } يعني: لو ألصقت بعضها ~~على بعض يعني: سبع سماوات وسبع أراضين ومدت مد الأديم لكان عرض الجنة ~~أوسع من ذلك وإنما بين عرضها ولم يبين طولها ويقال لو جعلت السموات ~~والأرض لكانت الجنة بعد ذلك هذا مثل يعني إنها أوسع شيء رأيتموه. { ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } يعني: خلقت وهيئت ~~للذين صدقوا بوحدانية الله تعالى وصدقوا برسله { ذلك فضل الله } ~~يعني: ذلك الثواب فضل الله على العباد { يؤتيه من يشاء } يعني: ~~يعطيه من يشاء من عباده وهم المؤمنون { والله ذو الفضل ~~العظيم } يعني: ذو العطاء العظيم وذو المن الجسيم قوله تعالى: { ~~ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم } يعني: ~~من قحط المطر وغلاء السعر وقلة النبات ونقص الثمار ولا في أنفسكم من ~~البلايا والأمراض والأوجاع { إلا فى كتب } يعني: إلا في اللوح ~~المحفوظ { من قبل أن نبرأها } يعني: من قبل ms1696 أن نخلق تلك ~~النسمة، وذكر الربيع بن أبي صالح الأسلمي قال دخلت على سعيد بن جبير حين ~~جيء به إلى الحجاج أراد قتله فبكى رجل من قومه فقال سعيد ما يبكيك قال ~~لما أصابك من مصيبة قال فلا تبك قد كان في علم الله تعالى أن يكون هذا ~~ألم تسمع قول الله تعالى (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتاب من قبل أن نبرأها) يعني: من قبل أن نخلقها. # ويقال قبل أن نخلق تلك النفس { إن ذلك على الله يسير } ~~يعني: هينا { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } يعني: لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم من الرزق والعافية إذا علمتم أنها مكتوبة عليكم قبل ~~خلقكم { ولا تفرحوا بما ءاتكم } يعني: بما أعطاكم في ~~الدنيا ولا تفتخروا بذلك. { والله لا يحب كل مختال ~~فخور } يعني: متكبرا فخورا بنعم الله تعالى ولا يشكروه قرأ أبو عمرو ~~بما أتاكم بغير مد والباقون بالمد فمن قرأ بغير مد فمعناه لكيلا تفرحوا ~~بما جاءكم من حطام الدنيا فإنه إلى نفاذ ومن قرأ بالمد بما أعطاكم وروى ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن ~~المؤمن من جعل الفرح والمصيبة صبرا. ### || [57.24-27] # قال عز وجل: { الذين يبخلون } يعني: لا يحب الذين يبخلون يعني ~~يمسكون أموالهم ولا يخرجون منها حق الله تعالى: { ويأمرون الناس ~~بالبخل } ويقال الذين يبخلون يعني يكتمون صفة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - ويأمرون الناس بالبخل يعني: يكتمون صفة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ونعته { ومن يتول } يعني: يعرض عن النفقة، ويقال يعرض عن ~~الإيمان { فإن الله هو الغنى الحميد } يعني: غني عن ~~نفقتهم وعن إيمانهم (الحميد) في فعاله قرأ حمزة والكسائي ويأمرون الناس ~~بالبخل بنصب الخاء والباء وقرأ الباقون بضم الباء وإسكان الخاء ومعناهما ~~واحد. قرأ نافع وابن عامر فإن الله الغني الحميد الذي لا غني مثله ~~والباقون (فإن الله هو الغني الحميد) بإثبات هو ثم قال: { لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينت } يعني: بالأمر ms1697 والنهي والحلال ~~والحرام { وأنزلنا معهم الكتب } يعني: أنزلنا عليهم ~~الكتاب ليعلموا أمتهم { والميزان } يعني: العدل ويقال هو الميزان ~~بعينه أنزل على عهد نوح عليه السلام. { ليقوم الناس بالقسط } ~~يعني: لكي يقوم الناس بالقسط يعني: بالعدل { وأنزلنا الحديد } ~~يعني وجعلنا الحديد { فيه بأس شديد } يعني فيه قوة شديدة في ~~الحرب وعن عكرمة أنه قال (وأنزلنا الحديد) يعني: أنزل الله تعالى الحديد ~~لآدم عليه السلام العلاة والمطرقة والكلبتين فيه بأس شديد ثم قال عز وجل: ~~{ ومنفع للناس } يعني: في الحديد منافع للناس مثل السكين ~~والفأس والإبرة يعني: من معايشهم { وليعلم الله من ينصره } ~~يعني: ولكن يعلم الله من ينصره على عدوه. { ورسله بالغيب } ~~بقتل أعدائه كقوله { إن تنصروا الله ينصركم } ويقال لكي يرى ~~الله من استعمل هذا السلاح في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالغيب يعني: يصدق بالقلب { إن الله قوى } في أمره ~~{ عزيز } في ملكه ثم قال عز وجل: { ولقد أرسلنا نوحا ~~وإبرهيم } يعني: بعثناهما إلى قومهما { وجعلنا فى ~~ذريتهما } يعني: في نسليهما { النبوة والكتب } وكان ~~فيهم الأنبياء مثل موسى وهارون وداود ويونس وسليمان وصالح ونوح وإبراهيم ~~عليهم السلام { فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون } ~~يعني: كثير من ذريتهم تاركون للكتاب. قوله عز وجل: { ثم قفينا ~~على ءاثرهم } يعني: وصلنا وأتبعنا على آثارهم { برسلنا ~~} واحدا بعد واحد { وقفينا بعيسى ابن مريم } يعني: ~~وأرسلنا على آثارهم بعيسى بن مريم { وآتيناه الإنجيل } يعني: ~~أعطيناه الأنجيل { وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه } ~~يعني: الذين آمنوا به وصدقوه واتبعوا دينه { رأفة ورحمة } يعني: ~~المودة والمتوادين الذين يود بعضهم بعضا، ويقال الرأفة على أهل دينهم ~~يرحم بعضهم بعضا وهم الذين كانوا على دين عيسى لم يتهودوا ولم يتنصروا ~~ثم استأنف الكلام فقال { ورهبانية ابتدعوها } يعني: ابتدعوا ~~رهبانية { ما كتبنها عليهم } يعني: لم تكتب عليهم الرهبانية ~~{ إلا ابتغاء رضون الله } وذلك أنه لما كثر المشركون خرج ~~المسلمون منهم فهربوا واعتزلوا في الغيران واتبعوا الصوامع فطال عليهم ~~الأمد ورجع بعضهم عن دين عيسى ابن مريم وابتدعوا ms1698 النصرانية قال الله ~~تعالى ابتدعوها يعني الرهبانية والخروج إلى الصوامع والتبتل للعبادة ما ~~كتبناها عليهم يعني ما أوجبنا عليهم ولم نأمرهم إلا ابتغاء رضوان الله ~~يعني أمرناهم بما يرضي الله تعالى لا غير ذلك ويقال ابتدعوها لطلب رضى ~~الله تعالى { فما رعوها حق رعايتها } يعني: لم يحافظوا على ~~ما أوجبوا على أنفسهم، ويقال فما أطاعوا الله حين تهودوا وتنصروا قال ~~الله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } في ~~الآخرة { وكثير منهم فاسقون } يعني: عاصين وهم الذين تهودوا ~~وفي هذه الآية دليل وتنبيه للمؤمنين أن من أوجب على نفسه شيئا لم يكن ~~واجبا عليه أن يتبعه ولا يتركه فيستحق اسم الفسق وروي عن بعض الصحابة ~~أنه قال عليكم بإتمام هذه التراويح لأنها لم تكن واجبة عليكم فقد ~~أوجبتموها على أنفسكم فإنكم إن تركتموها صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية ~~(وكثير منهم فاسقون). ### || [57.28-29] # قال عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } ~~يعني: أطيعوه فيما يأمركم به وفيما ينهاكم عنه { وآمنوا برسوله ~~} محمد - صلى الله عليه وسلم - يعني: اثبتوا على الإسلام بعد نبيكم محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - ويقال يا أيها الذين آمنوا بعيسى ابن مريم آمنوا ~~بالله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - { يؤتكم كفلين من ~~رحمته } يعني: أجرين من فضله ويقال " لما نزلت في أهل مكة " # أولئك يؤتون أجرهم مرتين # [القصص:54] حزن المسلمون فنزل فيهم (يؤتكم كفلين من رحمته) وأصل الكفل ~~النصيب يعني: نصيبين من رحمته أحدهما بإيمان نبيه قبل خروج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - والآخر الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. ثم قال ~~عز وجل: { ويجعل لكم نورا تمشون به } يعني: يجعل لكم ~~سبيلا واضحا تهتدون به { ويغفر لكم } يعني: يغفر لكم ذنوبكم { ~~والله غفور رحيم } يعني: يغفر الذنوب للمؤمنين (رحيم) بهم { ~~لئلا يعلم أهل الكتب ألا يقدرون على شىء ~~من فضل الله } ولا مؤكدة في الكلام ومعناه لأن يعلموا أنهم لا ~~يقدرون على شيء من فضل الله ورحمته يعني مؤمني أهل الكتاب يعملون أنهم لا ~~يقدرون من ms1699 فضل الله إلا برحمته لا برحمته { وأن الفضل بيد ~~الله } يعني: الثواب من الله تعالى { يؤتيه من يشاء } من كان ~~أهلا لذلك من العبادة { والله ذو الفضل العظيم } يعني: هو ~~المعطي وهو المانع والله أعلم بالصواب. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # قوله تعالى: { قد سمع الله قول التى تجادلك } يعني ~~تخاصمك { فى زوجها } يعني من قبل زوجها وروى أبو العالية الرياحي أن ~~الآية نزلت في شأن أوس بن الصامت وفي امرأته خويلة بنت دعلج وعن عكرمة ~~أنه قال نزلت في امرأة اسمها خويلة بنت ثعلبة وفي زوجها أوس بن الصامت ~~جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت إن زوجها جعلها عليه ~~كظهر أمه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ما أراك إلا وقد حرمت عليه " # قالت انظر يا نبي الله جعلني الله فداك يا نبي الله في شأني وجعلت ~~تجادله وعائشة رضي الله عنها تغسل رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت عائشة رضي الله عنها اقصري حديثك ومجادلتك يا خويلة أما ترين وجه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تربد ليوحى إليه فأنزل الله تعالى ~~{ قد سمع الله قول التى تجادلك } وروى سفيان عن خالد ~~عن أبي قلابة قال كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإيلاء فلما جاء ~~الإسلام جعل الله تعالى في الظهار ما جعل، وجعل في الإيلاء ما جعل ثم ~~قال: { وتشتكى إلى الله } يعني تتضرع المرأة إلى الله مخافة ~~الفرقة { والله يسمع تحاوركما } يعني محاورتكما ومراجعتكما. ~~{ إن الله سميع بصير } يعني سميعا لمقالة خويلة بصير بأمرها ~~وقال مقاتل فهي خويلة بنت ثعلبة ### || [58.2-4] # قوله تعالى: { الذين يظهرون منكم من نسائهم } قرأ ~~عاصم يظاهرون بضم الياء وكسر الهاء والتخفيف من ظاهر يظاهر، وقرأ ابن ~~كثير ونافع وأبو عمرو يظهرون بنصب الياء مع التشديد وهو في الأصل يتظهرون ~~فأدغمت التاء في الظاء والمعنى في هذا كله واحد يقال ظاهر من امرأته ~~وتظهر منها وأظهر منها إذا قال لها أنت علي كظهر أمي ثم قال { ما ~~هن أمهتهم ms1700 } وروى الفضل عن عاصم أمهاتهم بضم التاء لأنه خبر ~~ما كقولك ما زيد عالم، وقرأ الباقون بالكسر لأن التاء في موضع النصب فصار ~~خفضا لأنها تاء الجماعة وهي لغة أهل الحجاز فينصبون خبر " ما " كقوله ما ~~هذا بشرا ما هن كأمهاتهم في الحرمة { إن أمهتهم } يعني ما ~~أمهاتهم { إلا اللائى ولدنهم } يعني الأم التي ولدته والأم ~~التي أرضعته لأنه قال في موضع آخر # وأمهتكم اللاتى أرضعنكم # [النساء:23] ثم قال: { وإنهم ليقولون منكرا من ~~القول وزورا } يعني قولا منكرا وكذبا { وإن الله ~~لعفو غفور } يعني ذو تجاوز (غفور) حيث جعل الكفارة لرفع الحرمة، ~~ولم يجعل فرقة بينهما ثم قال { والذين يظهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا } يعني يعودون لنقض ما ~~قالوا ولرفع ما قالوا في الجاهلية { فتحرير رقبة } يعني فعليه ~~تحرير رقبة ويقال (ثم يعودون لما قالوا) فيه تقديم وتأخير يعني (ثم ~~يعودون فتحرير رقبة لما قالوا). ويقال معناه ثم يعودون لما قالوا في ~~الجاهلية وذلك أنهم كانوا يتكلمون بهذا القول فيرجعون إلى ذلك القول بعد ~~الإسلام وقال بعضهم لا تجب الكفارة حتى يقول مرتين لأنه قال ثم يعودون ~~لما قالوا يعني يعودون مرة أخرى (فتحرير رقبة) هذا القول خلاف جميع أهل ~~العلم وإنما تجب الكفارة إذا قال مرة واحدة. # والكفارة ما قال الله تعالى # فتحرير رقبة # [النساء:92] يعني عتق رقبة { من قبل أن يتماسا } يعني من قبل ~~أن يجامعها، ويقال من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه { ذلكم ~~توعظون به } يعني هذا الحكم الذي تؤمرون به { والله بما ~~تعملون خبير } من الوفاء وغيره وقوله تعالى { فمن لم يجد ~~} يعني من لم يجد الرقبة { فصيام شهرين متتابعين } يعني ~~فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما. { من قبل أن يتماسا ~~} يعني من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه. # وفي الآية دليل أن المرأة لا يسعها أن تدع الزوج يقربها قبل الكفارة ~~لأنه نهاهما جميعا عن المسيس قبل الكفارة واتفقوا على أنه إذا أفطر في ~~شهرين يوما بغير عذر عليه ms1701 أن يستقبل واختلفوا فيمن أفطر لمرض أو عذر أو ~~غيره قال عطاء إذا أفطر من مرض فالله أعذره بالعذر يبدله ولا يستأنف، ~~وقال طاووس يقضي ولا يستأنف، وهكذا قال سعيد بن المسيب فهؤلاء كلهم قالوا ~~لا يستقبل وقال إبراهيم النخعي والزهري والشعبي يستقبل وهكذا قال عطاء ~~الخراساني والحكم بن كيسان وبه قال أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم ثم ~~قال: { فمن لم يستطع } الصيام { فإطعام ستين ~~مسكينا } يعني فعليه في قول أهل المدينة لكل مسكين صاع من الحنطة أو ~~التمر وفي قول أهل العراق منوان من حنطة أو صاع من تمر بدليل ما روى ~~سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياض قال: كنت أصيب من النساء ما لا ~~يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من أهلي فتظاهرت من أهلي حتى ~~ينسلخ الشهر فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء فواقعتها ~~فلما أصبحت أخبرت قومي فقلت اذهبوا معي إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ما نذهب وما نأمن أن ينزل فيك قرآن فاتيته فأخبرته. # فقال # " " حرر رقبة " فقلت ما أملك إلا رقبتي قال " فصم شهرين " قلت وهل ~~أصابني إلا من قبل الصيام قال " فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا " قلت ~~والذي بعثك بالحق نبيا لقريش ما لنا طعام ثم قال " انطلق إلى صاحب صدقة ~~بني زريق فليدفعها إليك " # فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - السعة وحسن الرأي وقد أمر لي بصدقتكم فقد بين في ~~هذا الخبر أنه يجب وسقا من تمر والوسق ستون صاعا بالاتفاق ثم قال { ~~ذلك لتؤمنوا بالله } يعني لتصدقوا بوحدانية الله تعالى { ~~ورسوله } يعني وتصدقوا برسوله { وتلك حدود الله } يعني ~~هذه فرائض الله وأحكامه { وللكفرين عذاب أليم } يعني الذين ~~لا يؤمنون بالله وبرسوله وروي عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ~~تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتناجي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يسمع بعض ms1702 كلامها ويخفى عليه بعضه إذ أنزل الله تعالى (قد سمع ~~الله قول التي تجادلك في زوجها) وهكذا قال الأعمش. ### || [58.5-10] # قوله تعالى: { إن الذين يحادون الله ورسوله } يعني ~~يعادون ويشاقون الله ورسوله ويقال يشاقون أولياء الله ورسوله يعني الذين ~~يشاقون أولياء الله لأن أحدا لا يعادي الله ولكن من عادى أولياء الله ~~فقد عادى الله تعالى ثم قال { كبتوا كما كبت الذين من ~~قبلهم } قال مقاتل أخذوا كما أخذ الذين من قبلهم من الأمر ويقال ~~عذبوا كما عذب الذين من قبلهم وقال أبو عبيد أهلكوا، ويقال غيظوا كما غيظ ~~الذين من قبلهم، والكبت هو الغيظ ويقال أحزنوا وقال الزجاج أذلوا وغلبوا ~~{ وقد أنزلنا ءايت بينت } يعني القرآن فيه بيان أمره ~~ونهيه، ويقال آيات واضحات { وللكفرين عذاب مهين } يهانون ~~فيه ثم قال { يوم يبعثهم الله جميعا } الأولين والآخرين ~~يبعثهم الله من قبورهم { فينبئهم بما عملوا } من خير أو شر ~~ليعلموا وجوب الحجة عليهم { أحصه الله ونسوه } يعني حفظ ~~الله عليهم أعمالهم وهم نسوا أعمالهم، ويقال ونسوه يعني وتركوا العمل في ~~الدنيا { والله على كل شىء شهيد } يعني شاهدا بأعمالهم. ~~ثم قال { ألم تر أن الله يعلم } يعني ألم تعلم، اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به التقرير يعني أنك تعلم ويقال معناه إني أعلمتك أن ~~الله يعلم { ما في السموات وما في الأرض } يعني سر أهل ~~السماوات وسر أهل الأرض { ما يكون من نجوى ثلثة إلا ~~هو رابعهم } يعني لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم ولا يتكلمون فيما ~~بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم { ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم } يعني كان هو سادسهم لأنه يعلم ما ~~يقولون فيما بينهم { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا ~~هو معهم } يعني عالم بهم وبأحوالهم { أينما كانوا } في ~~الأرض { ثم ينبئهم بما عملوا } يعني يخبرهم بما عملوا يوم ~~القيامة من خير أو شر. # وذلك أن نفرا كانوا يتناجون عند الكعبة قال بعضهم لبعض لا ترفعوا ~~أصواتكم حتى لا يسمع رب محمد ms1703 - صلى الله عليه وسلم - ويقال إن المنافقين ~~واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين فامتنعوا من ذلك ثم عادوا ~~إلى النجوى { يوم القيمة إن الله بكل شىء عليم ~~ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } يعني عن قول ~~السر فيما بينهم { ثم يعودون لما نهوا عنه ~~ويتنجون بالإثم } يعني بالكذب { والعدوان } يعني ~~بالجور والظلم { ومعصيت الرسول } يعني خلاف أمر الله وأمر ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرأ حمزة (وينجون) والباقون (ويتناجون) ~~وهما لغتان يقال تناجي القوم وانتجوا ثم قال { وإذا جاءوك حيوك ~~} يعني إذا جاؤوك اليهود حيوك { بما لم يحيك به الله } وذلك ~~أنهم كانوا يقولون إذا دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السام ~~عليكم فيقول وعليكم فقالت عائشة رضي الله عنها وعليكم السام لعنكم الله ~~وغضب عليكم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " " مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش " قالت أو لم تسمع ~~ما قالوا؟ قال " أو لم تسمعي ما رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب ~~لهم في " # فقالت اليهود فيما بينهم لو كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ~~يقول لاستجيب دعاؤه علينا حيث قال عليكم فنزل { وإذا جاءوك ~~حيوك } يعني سلموا عليك بما لم يحيك به الله يعني بما لم يأمرك به ~~الله أن تحيي به ويقال بما لم يسلم عليك به الله { ويقولون فى ~~أنفسهم } يعني فيما بينهم { لولا يعذبنا الله } يعني هلا ~~يعذبنا الله { بما نقول } لنبيه يقول الله تعالى { حسبهم ~~جهنم } يعني مصيرهم إلى جهنم { يصلونها } يعني يدخلونها { ~~فبئس المصير } ما صاروا إليه قوله تعالى { يأيها الذين ~~ءامنوا إذا تناجيتم } قال مقاتل يا أيها الذين آمنوا باللسان ~~دون القلب إذا تناجيتم فيما بينكم { فلا تتنجوا بالإثم ~~والعدوان } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث سرية ~~كان المنافقون يتناجون فيما بينهم ليحزنوا المؤمنين وهذا الخطاب للمخلصين ~~في قول بعضهم لأن الله تعالى أمرهم أن لا يتناجوا بالإثم والعدوان كفعل ~~المنافقين يعني بالعداوة والظلم. { ومعصيت الرسول } يعني ms1704 خلاف ~~أمر الرسول أي لا تخالفوا أمره { وتنجوا بالبر والتقوى ~~} يعني بالذي أمركم الله تعالى به بالطاعة والتقى يعني ترك المعصية ثم ~~خوفهم فقال { واتقوا الله } يعني اخشوا الله فلا تتناجوا بمثل ما ~~تتناجى اليهود والمنافقون { الذى إليه تحشرون } بعد الموت ~~فيجازيكم بأعمالكم ثم قال عز وجل { إنما النجوى من ~~الشيطن } يعني نجوى المنافقين من تزيين الشيطان، قال قتادة إذا ~~رأى المسلمون المنافقين جاؤوا متناجين فشق عليهم فنزل إنما ~~النجوى من الشيطان يعني نجوى المنافقين في المعصية من الشيطان ~~{ ليحزن الذين ءامنوا } قرأ نافع (ليحزن الذين آمنوا) بضم ~~الزاء والباقون بالنصب ومعناهما واحد ثم قال { وليس بضارهم ~~شيئا } يعني ليس نجوى المنافقين يضر شيئا للمؤمنين أي لا يضرهم { ~~إلا بإذن الله } إلا أن يشاء الله ثم أمر المؤمنين بأن يتوكلوا ~~على الله وهو قوله تعالى { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } ### || [58.11-13] # قال عز وجل { يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا فى المجلس } قرأ عاصم في المجالس بلفظ الجمع ~~والباقون في المجلس يعني في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم -. نزلت في ~~ثابت بن قيس وكان في أذنيه شيء من الثقل فحضر مجلس النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد أخذوا مجالسهم فبقي قائما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " رحم الله من وسع لأخيه " # فنزلت الآية وروى معمر عن قتادة أنه قال كان الناس يتنافسون في مجلس ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل لهم إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس { ~~فافسحوا } يعني وسعوا المجلس { يفسح الله لكم وإذا ~~قيل انشزوا فانشزوا } يعني إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا وروى معمر ~~عن الحسن قال هذا في الغزاة، وقال مجاهد تفسحوا في المجلس يعني مجلس ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة وإذا قيل انشزوا إلى كل خير وقتال عدو ~~وأمر بالمعروف وروي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " لا يقيم الرجل الرجل في مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا " # قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين انشزوا بالضم ms1705 للشين ~~والباقون بالكسر وهما لغتان يقال نشز ينشز يعني إذ قيل لكم انهضوا يعني ~~قوموا لا تتثاقلوا، ويقال انشزوا يعني قوموا للصلاة وقضاء حق أو شهادة ~~فانشزوا يعني انهضوا ثم قال { يرفع الله الذين ءامنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجت } يعني من كان له ~~إيمان وعلم وكان له فضائل على الذين يقومون وليس بعالم. قال الضحاك (يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم) وقد تم الكلام ثم قال { والذين أوتوا ~~العلم درجت } يعني لأهل العلم درجات أي الذين أوتوا العلم في ~~الدنيا ولهم درجات في العقبى قال وللعلماء مثل درجة الشهداء وقال مقاتل ~~إذا انتهى المؤمن إلى باب الجنة يقال للمؤمن الذي ليس بعالم أدخل الجنة ~~بعملك ويقال للعالم أقم على باب الجنة واشفع للناس وقال ابن مسعود يرفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم على ~~الذين آمنوا منكم ولم يؤتوا العلم درجات ثم قال { والله بما ~~تعملون خبير } من التفسح في المجلس وغيره قوله تعالى { يأيها ~~الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول } يعني إذا كلمتم ~~الرسول سرا { فقدموا بين يدى نجوكم صدقة } يعني ~~تصدقوا قبل كلامكم بصدقة { ذلك خير لكم } يعني التصدق خير لكم ~~من إمساكه { وأطهر } لقلوبكم وأزكى من المعصية { فإن لم ~~تجدوا } ما تتصدقون { فإن الله غفور رحيم } لمن لم ~~يجد الصدقة وذلك أن الأغنياء كانوا يكثرون مناجاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يمكنوا الفقراء من سماع كلامه وكان يكره طول مجالستهم وكثرة ~~نجواهم فأمرهم الله تعالى بالصدقة عند المناجاة فانتهوا عن ذلك فقدرت ~~الفقراء على سماع كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ومجالسته وقال مجاهد ~~نهوا عن مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يتصدقوا فلم يناجه ~~إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قدم دينارا تصدق به وكلم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في عشر كلمات ثم أنزلت الرخصة بالآية التي بعدها ~~وهو قوله { ءأشفقتم } يعني أبخلتم يا أهل الميسرة { أن ~~تقدموا بين يدى نجوكم صدقت } فلو فعلتم كان خيرا ~~لكم { فإن لم تفعلوا } وتكرهوا ms1706 ذلك فإن الله تعالى غني عن ~~صدقاتكم { وتاب الله عليكم } يعني تجاوز عنكم { فأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } فنسخت الزكاة الصدقة التي عند ~~المناجاة { وأطيعوا الله ورسوله } فيما يأمركم به وينهاكم ~~عنه { والله خبير بما تعملون } من الخير والشر والتصدق ~~والنجوى. ### || [58.14-19] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب ~~الله عليهم } يعني المنافقين اتخذوا اليهود أولياء وتولوهم ~~وناصحوهم وهم اليهود وغضب الله عليهم ثم قال { ما هم منكم ولا ~~منهم } يعني ليسوا منكم في الحقيقة ولا من اليهود في العلانية وهذا ~~كقوله لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وكانوا إذا سألهم المسلمون إنكم تتولون ~~اليهود كانوا يحلفون بالله إنهم من المؤمنين كما قال الله تعالى في آية ~~أخرى (يحلفون بالله إنهم منكم وما هم منكم) فأخبر الله تعالى أنهم ~~لكاذبون في أيمانهم فقال: { ويحلفون على الكذب وهم ~~يعلمون } يعني يحلفون أنهم مصدقون في السر وهم يعلمون أنهم مكذبون { ~~أعد الله لهم عذابا شديدا } في الآخرة { إنهم ساء ~~ما كانوا يعملون } يعني بئس ما كانوا يعملون بولايتهم اليهود ~~وكذبهم وحلفهم ثم قال عز وجل { اتخذوا أيمنهم جنة } ~~يعني جعلوا حلفهم بدلا عن القتل ليأمنوا بها عن القتل والسبي { ~~فصدوا عن سبيل الله } يعني صدوا وصرفوا الناس عن دين الله ~~تعالى في السر { فلهم عذاب مهين } يهانون فيه قوله تعالى { ~~لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله ~~شيئا } يعني لم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا { ~~أولئك أصحب النار هم فيها خلدون } يعني دائمين ~~ثم قال عز وجل { يوم يبعثهم الله جميعا } يعني المنافقين ~~واليهود { فيحلفون له } يعني يحلفون لله تعالى في الآخرة { كما ~~يحلفون لكم } في الدنيا، وحلفهم في الآخرة ما قال الله تعالى في ~~سورة الأنعام # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام:23]، وروى معمر عن قتادة قال: المنافق يحلف لله تعالى يوم ~~القيامة كما كان حلف لأوليائه في الدنيا ثم قال { ويحسبون ~~أنهم على شىء } يعني يحسبون أن يمينهم تنفعهم شيئا { ألا ~~إنهم هم الكذبون } في ms1707 قولهم ويقال ويحسبون إنهم على شيء من ~~الدين ويقال ويحسبون يعني يحسب المؤمنون أنهم على شيء يعني إن المنافقين ~~على شيء من الدين يعني إذا سمعوا حلفهم قال الله تعالى من الدين يعني إذا ~~سمعوا حلفهم قال الله تعالى ألا إنهم هم الكاذبون في حلفهم ~~وهم كافرون في السر ثم قال { استحوذ } يعني غلب { عليهم ~~الشيطن } ويقال استولى عليهم الشيطان { أولئك حزب ~~الشيطن } يعني جند الشيطان { ألا إن حزب الشيطن ~~هم الخسرون } يعني خسروا أنفسهم وأموالهم في الآخرة. ### || [58.20-22] # قوله عز وجل: { إن الذين يحادون الله ورسوله } يعني ~~يعادون الله ويخالفون الله ورسوله { أولئك فى الأذلين } يعني ~~في الأسفلين في الدرك الأسفل من النار وهم المنافقون ويقال (أولئك في ~~الأذلين) يعني في الهالكين قوله تعالى: { كتب الله } يعني قضى الله ~~{ لأغلبن أنا ورسلى } يعني لأغلبن في الدنيا بالحجة ~~والدلائل في الآخرة ويقال لأغلبن يعني لأقهرن أنا ورسلي فتكون العاقبة ~~للمؤمنين { إن الله قوى عزيز } ويقال كتب الله يعني قضى ~~الله ذلك قضاء ثابتا لأغلبن أنا ورسلي وغلبة الرسل تكون على نوعين: # من بعث منهم في الحرب فغلب في الحرب، ومن بعث منهم بغير حرب فهو غالب ~~بالحجة (إن الله قوي عزيز) أي مانع حزبه من أن يذل (والعزيز) الذي لا ~~يغلب ولا يقهر. ثم قال { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } يعني البعث بعد الموت { يوادون من حاد ~~الله ورسوله } يعني يتخذون خلة وصداقة مع الكافرين. # نزلت في " حاطب بن أبي بلتعة " وفيه نزل (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة) ثم قال عز وجل { ولو كانوا ءاباءهم أو ~~أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم } يعني لا تتخذوا مع ~~الكافرين صداقة وإن كانوا من أقربائه ثم قال { أولئك كتب فى ~~قلوبهم الإيمن } يعني الذين لا يتخذون مع الكافرين صداقة هم ~~الذين جعل في قلوبهم الإيمان يعني التصديق { وأيدهم } يعني أعانهم ~~{ بروح منه } أي قواهم بنور الإيمان وبإحياء الإيمان وذلك ~~يوصلهم إلى الجنة { ويدخلهم جنت تجرى من تحتها ~~الأنهر } يعني ms1708 في الآخرة { خلدين فيها } يعني في الجنة { ~~رضى الله عنهم } بإيمانهم وطاعتهم { ورضوا عنه } ~~بالثواب والجنة { أولئك حزب الله } يعني جند الله { ألا ~~إن حزب الله هم المفلحون } يعني جند الله هم الناجون ~~الذين فازوا بالجنة وبنعمة الله تعالى وفضله والله أعلم بالصواب. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1-2] # قوله تبارك وتعالى { سبح لله ما فى السموات } يعني صلى ~~لله ويقال خضع لله ويقال هو التسبيح بعينه ما في السموات من الملائكة { ~~وما فى الأرض } يعني من الخلق { وهو العزيز } في ملكه { ~~الحكيم } في أمره ثم قال عز وجل { هو الذى أخرج الذين ~~كفروا } يعني يهود بني النضير { من أهل الكتب من ~~ديرهم } وكان بدأ أمر بني النضير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث ثلاثة بعوث أحد البعوث مرشد بن أبي مرشد الغنوي وأمره على سبعة نفر ~~إلى بعض النواحي فساروا حتى جاءوا بطن الرجيع فنزلوا عند شجرة فأكلوا من ~~تمر عجوة كانت معهم فسقطت نوايات بالأرض وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون ~~بالنهار فكمنوا بالجبل فجاءت امرأة من هذيل ترعى الغنم فرأت النوايات ~~التي سقطت في الأرض فأنكرت صفرهن فعرفت أنها تمر المدينة فصاحت في قومها ~~أنتم أتيتم فجاؤوا يطلبونها فوجدوهم قد كمنوا في الجبل فقالوا لهم انزلوا ~~ولكم الأمان فقالوا لا نعطي بأيدينا فقاتلوهم فقتلوا كلهم إلا عبد الله ~~بن طارق فجرحوه وحسبوا أنه قد مات فتركوه فنجا من بينهم وبقي أخوهم عاصم ~~بن ثابت ابن الأفلح ففرغ جعبته ثم جعل يرميهم ويرتجز ويقاتلهم حتى فنيت ~~سبله ثم طاعن بالرمح حتى انكسر الرمح وبقي السيف ثم قال اللهم إني قد ~~حميت دينك أول النهار فاحم جسدي في آخره وكانوا يجردون من قتل أصحابه ~~فلما قتلوا عاصما حمته الدبر وهي الذنابير حتى جاء السيل من الليل فذهب ~~به الدبر وأسروا خبيب بن عدي ورجل آخر اسمه زيد بن الديشة، فأما خبيب ~~فذهبوا به إلى مكة فاشترته امرأة ومعها أناس من قريش قتل لهم قتيل يوم ~~بدر فلما جيء بخبيب أتي به في ms1709 الشهر الحرام فحبس حتى انسلخ الشهر الحرام ~~ثم خرجوا به من الحرم ليصلبوه فقال لهم اتركوني أصلي ركعتين فصلاهما ثم ~~قال لولا خشيت أن يقولوا جزع من الموت لأزددت فقال اللهم ليس ها هنا أحد ~~أن يبلغ عني رسولك السلام فبلغ أنت عني السلام ثم التفت إلى وجوههم وقال ~~اللهم أحصهم عددا وأهلكهم بدنا يعني متفرقين ولا تبقي منهم أحدا ثم ~~صلبوه وأما صاحبه الذي أسر معه اشتراه صفوان بن أمية وأما البعث الثاني ~~فإنه بعث محمد بن سلمة مع أصحابه فقتل أصحابه عن نحو طريق العراق وارتث ~~هو من وسط القتلى فنجا وأما البعث الثالث فإن عمرو بن مالك كتب إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن ابعث إلي رجالا يعلموننا القرآن ~~ويفقهوننا في الدين فهم في ذمتي وجواري فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- المنذر بن عمرو الساعدي في أربعة عشر من المهاجرين والأنصار فساروا نحو ~~بئر معونة فلما ساروا ليلة من المدينة بلغهم أن عمرو بن مالك مات فكتب ~~المنذر بن عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمده فأمده - صلى ~~الله عليه وسلم - بأربعة نفر منهم عمرو بن أمية الضمري والحارث بن الصمة ~~وسعد بن أبي وقاص ورجل آخر فساروا حتى بلغوا بئر معونة وكتبوا إلى ربيعة ~~بن عامر بن مالك نحن في ذمتك وذمة أبيك أفنقدم إليك أم لا فقال أنتم في ~~ذمتي وجواري فأقدموا فخرج إليهم عامر ابن الطفيل واستعان برعل وذكوان ~~وعصية فخرجوا إلى المسلمين فقاتلوهم فقتلوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري ~~والحارث بن الصمة وسعد بن أبي وقاص كانوا تخلفوا فنزلوا تحت شجرة إذ وقع ~~على الشجرة طير فرمى عليهم بعلقة دم فعرفوا أن الطير قد شرب الدم فقال ~~بعضهم لبعض قد قتل أصحابنا فصعدوا أعلى الجبل فنظروا فإذا القوم صرعى وقد ~~اعتكفت عليهم الطير فقال الحارث بن الصمة أنا لا أنتهي حتى أبلغ مصارع ~~أصحابي فخرج إليهم فقاتل القوم فقتل منهم رجلين ثم أخذوه فقالوا له ما ~~تحب ms1710 أن نصنع بك فقال لهم بلغوا بي مصارع قومي فلما بلغ مصارع أصحابه ~~أرسلوه فقاتلهم فقتل منهم اثنين ثم قتل فرجع عمرو بن أمية الضمري ورجع ~~معه الرجلان الآخران إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رجلان من ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستأمنين قد كساهما وحملهما رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال من أنتما قال كلابيان فقتلهما عمرو بن ~~أمية الضمري وأخذ سلبهما ودخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأخبره الخبر فقال بئس ما صنعت حين قتلتهما فلما جاء إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة صلى الصبح ~~في ذلك اليوم وقال في الركعة الثانية اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم ~~اجعلها عليهم سنين كسني يوسف اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان اللهم ~~غفار غفر الله لها وسالم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله فجاء أناس من ~~بني كلاب يلتمسون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية الكلابيين ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة صالح بني النضير ~~على أن لا يكونوا معه ولا عليه فاستعان النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~عقل الكلابيين قبائل الأنصار فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال ~~أعينوني في عقل أصابني فقال هؤلاء حلفائي فخرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومعه أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم إلى بني النضير فقال حيي بن ~~أخطب اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا فجلس النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في صفه ومعه أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم فقال حيي ~~بن أخطب لأصحابه إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن فاقتلوه لا ~~تروا شرا أبدا فنزل جبريل عليه السلام وأخبره فقام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كأنه يريد حاجة حتى دخل المدينة فجاء إنسان فسألوه عنه فقال ~~رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل أول البيوت فقاموا من ms1711 هناك فقال ~~حيي بن أخطب عجل أبو القاسم عليه فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله ~~فلما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة جمع الناس وجاء ~~بالجيش واختلفوا في قتل كعب بن الأشرف فقال بعضهم لبعض قد كان قتل قبل ~~ذلك، وقال بعضهم قتل في هذا الوقت فبعث محمد بن سلمة فخرج محمد بن سلمة ~~وأبو نائلة ورجلان آخران فأتوه بالليل وقالوا أتيناك نستقرض منك شيئا من ~~التمر فخرج إليهم فقتلوه ورجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج ~~إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الجيش إلى بني النضير فقال لهم ~~اخرجوا منها فإذا جاء وقت الجذاذ فجذوا ثماركم فقالوا لا نفعل فحاصرهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا أبا القاسم نحن نعطيك الذي ~~سألتنا قال # " لا ولكن اخرجوا منها ولكم ما حملت الإبل إلا الحلقة " # يعني السلاح قالوا لا فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس ~~عشرة ليلة وأمر بقطع نخيلهم ونقب بيوتهم فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم ~~فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت آخر ينتظرون المنافقين وقد قال ~~المنافقون لهم لئن أخرجتم لنخرجن معكم وإن قوتلتم لننصرنكم فلما رأوا أنه ~~لا يأتيهم أحد من المنافقين ولاحقهم من الشر مما لحقهم قال بعضهم لبعض ~~ليس لنا مقام بعد النخيل فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا ~~إلا الحلقة ونخرج فأجلاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة ~~ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة فأخذ أموالهم فقسمها بين المهاجرين ولم ~~يعطها أحدا من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين مثل حاجة المهاجرين وهما ~~سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة فنزلت هذه الآية وهو الذي أخرج ~~الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم يعني بني النضير { لأول ~~الحشر } يعني أول الإجلاء من المدينة وقال عكرمة من شك بأن الحشر هو ~~الشام فليقرأ هذه الآية { هو الذى أخرج الذين كفروا ~~من أهل الكتب من ديرهم لأول الحشر } فلما قال ~~لهم اخرجوا ms1712 من المدينة قالوا إلى أين قال إلى أرض المحشر فقال لهم إنهم ~~أول من يحشر وأخرج من ديارهم ثم قال { ما ظننتم أن يخرجوا } ~~يعني ما ظننتم أيها المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم وذلك إن بني النضير كان ~~لهم عز ومنعة وظن الناس أنهم بعزهم ومنعتم لا يخرجون { وظنوا ~~أنهم } يعني وحسبوا بني النضير أنهم { مانعتهم حصونهم ~~من الله } يعني أن حصونهم تمنعهم من عذاب الله { فاتهم ~~الله } يعني أتاهم أمر الله ويقال فأتاهم الله بما وعد لهم { من ~~حيث لم يحتسبوا } يعني لم يظنوا أنه ينزل بهم وهو قتل كعب بن ~~الأشرف ويقال خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الجيش إليهم { ~~وقذف فى قلوبهم الرعب } يعني جعل في قلوبهم الخوف { ~~يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين } وذلك ~~أنهم حصنوا أزقتهم بالدروب وكان المسلمون ينقبون بيوتهم ويدخلونها وكان ~~اليهود ينقبون بيوتهم من الجانب الآخر ويخرجون منها. # ويقال كان اليهود ينقبون بيوتهم ليرموا بها على المسلمين وكان المسلمون ~~يخربون نواحي بيوتهم ليتمكنوا من الحرب ويقال كان اليهود أنفقوا في ~~بيوتهم فلما علموا أنهم يخرجون منها جعلوا يخربونها كيلا يسكنها المسلمون ~~وكان المؤمنون يخربونها ليدخلوا عليهم قرأ أبو عمرو يخربون بالتشديد ~~والباقون بالتخفيف قال بعضهم هما لغتان خرب وأخرب وروي عن الفراء أنه قال ~~من قرأ بالتشديد فمعناه يهدمون ومن قرأ بالتخفيف فمعناه يعطلون. ثم قال { ~~فاعتبروا يأولى الأبصر } يعني من له البصارة في أمر ~~الله. ### || [59.3-5] # قوله عز وجل { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء } ~~يعني لولا أن قضى الله عليهم الإخراج من جزيرة العرب إلى الشام { ~~لعذبهم فى الدنيا } يعني لعذبهم بالقتل والسبي { ولهم ~~فى الآخرة عذاب النار } يعني ذلك الذي أصابهم من الجلاء في ~~الدنيا والعذاب في الآخرة { ذلك بأنهم شاقوا الله ~~ورسوله ومن يشاق الله } يعني خالفوا الله ورسوله في الدين، ~~ويقال عادوا الله ورسوله (ومن يشاق الله) وأصله من يشاقق الله إلا أن ~~إحدى القافين أدغمت في الأخرى وشددت يعني من يخالف الله ورسوله في الدين ~~{ فإن ms1713 الله شديد العقاب } يعني إذا عاقب فعقوبته شديدة ~~قوله عز وجل { ما قطعتم من لينة } يعني من نخلة { أو ~~تركتموها قائمة على أصولها } فلم تقطعوها { فبإذن ~~الله } يعني بأمر الله، وقال عكرمة لما دخل المسلمون على بني النضير ~~أخذوا يقطعون النخل فنهاهم بعضهم وتأولوا قوله قوله تعالى # وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل # [البقرة:205] وقال بعضهم يقطع ويتأول قوله تعالى # ولا ينالون من عدو نيلا # [التوبة:120] فأنزل الله تعالى { ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } وقال ~~الزهري في قوله { ما قطعتم من لينة } اللينة ألوان النخل كلها ~~إلا العجوة وقال الضحاك اللينة النخلة الكرمة والشجرة الطيبة المثمرة ~~وقال مجاهد اللينة الشجرة المثمرة وروى بن أبي نجيح عن مجاهد قال نهى بعض ~~المهاجرين بعضا عن قطع النخل وقالوا إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن ~~بتصديق من نهى عن قطعها وبتحليل من قطعها وإنما قطعها وتركها بإذن الله ~~تعالى وعن ابن عباس أنه قال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع النخل ~~فشق ذلك على بني النضير مشقة شديدة فقالوا للمؤمنين تزعمون أنكم تكرهون ~~الفساد وأنتم تفسدون في الأرض فدعوها قائمة فإنما هي لمن غلب فنزل " ما ~~قطعتم من لينة واللينة هي النخلة كلها ما خلا العجوة " " أو تركتموها ~~قائمة على أصولها " وهي العجوة فبإذن الله يعني القطع والترك بإذن الله ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر عبد الله بن سلام وأبا ~~ليلى المازني بقطع النخل فكان أبو ليلى يقطع العجوة وكان عبد الله بن ~~سلام يقطع اللون فقيل لأبي ليلى لم تقطع العجوة قال لأن فيه كبت العدو ~~وقيل لابن سلام لم تقطع اللون قال لأني أريد أن تبقى العجوة للمسلمين ~~فأنزل الله تعالى رضا بما فعل الفريقان فقال الله تعالى { ما ~~قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله } ثم قال عز وجل { وليخزى الفسقين } ~~يعني وليذل العاصين الناقضين العهد. ### || [59.6-10] # قال عز وجل { وما أفاء ms1714 الله على رسوله } يعني ما أعطى ~~الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر فلم يفعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقسم بين فقراء المهاجرين فنزل { وما ~~أفاء الله على رسوله } { منهم } يعني ما أعطى الله ~~ورسوله من أموال بني النضير { فما أوجفتم } يعني ما أجريتم { ~~عليه من خيل ولا ركاب } يعني لا على خيل ولا على إبل أتيتم ~~بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها ويقال أوجف الفرس والبعير إذا أسرعا ~~يعني لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا { ولكن الله ~~يسلط رسله } يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - { على من ~~يشاء } من بني النضير { والله على كل شيء قدير } من ~~النصرة والغنيمة ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم فقال { ما أفاء ~~الله على رسوله من أهل القرى } يعني من بني النضير ~~وفدك ويقال بني قريظة والنضير وخيبر { فلله وللرسول } يعني ~~لله أن يأمركم فيه بما أحب وروى عبد الرازق عن معمر عن الزهري قال كانت ~~بنو النضير للنبي - صلى الله عليه وسلم - خالصا لم يفتحوها عنوة ولكن ~~افتتحوها على صلح فقسمها بين المهاجرين ثم قال { ولذى القربى } ~~يعني قرابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - { واليتمى ~~والمسكين وابن السبيل } وروى مالك بن أنس عن عمر قال كانت ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك فأما بنو ~~النضير فكانت حبسا لنوائبه وأما فدك فكانت لابن السبيل وأما خيبر فجزأها ~~ثلاثة أجزاء فقسم جزأين بين المسلمين وحبس جزءا للنفقة فما فضل عن أهله ~~رده إلى فقراء المسلمين ثم قال { كى لا يكون } المال { دولة } ~~قرأ أبو جعفر المدني بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب يعني لكي ~~لا يكون دولة وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دولة بنصب الدال والباقون بالضم ~~فمن قرأ بالضم فهو اسم المال الذي يتداول فيكون مرة لهذا ومرة لهذا وأما ~~النصب فهو النقل والانتقال من حال إلى ms1715 حال { بين الأغنياء منكم ~~} يعني لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء ليقسمونه بينهم ثم قال { وما ~~ءاتكم الرسول فخذوه } يعني ما أعطاكم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الغنيمة فخذوه وما أمركم الرسول فاعملوا به { وما نهكم ~~عنه فانتهوا } يعني فامتنعوا عنه { واتقوا الله إن ~~الله شديد آلعقاب } لمن عصاه ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين فقال ~~تعالى { للفقراء المهجرين } يعني الغنائم للفقراء المهاجرين ~~{ الذين أخرجوا من ديرهم وأمولهم } يعني تركوا ~~أموالهم وديارهم في بلادهم وهاجروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ويقال هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين يعني اعرفوا حقهم ~~وصلوهم الذين أخرجوا من ديارهم يعني أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم { ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا } يعني يطلبون رزقا في ~~الجنة ورضوان الله تعالى { وينصرون الله ورسوله } يعني ~~يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته { أولئك هم الصدقون } يعني ~~الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك فقالوا هذا كله لهم ~~وأموالنا أيضا لهم فأثنى الله تعالى على الأنصار فقال عز وجل { ~~والذين تبوءوا الدار والإيمن من قبلهم } يعني ~~استوطنوا الدار يعني دار المدينة من قبل هجرتهم يعني نزلوا دار الهجرة في ~~المدينة والإيمان يعني " تبؤوا الإيمان " أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر ~~إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قال الله تعالى { يحبون ~~من هاجر إليهم } يعني يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين { ولا ~~يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا } يعني لا يكون في ~~قلوبهم حسدا مما أعطوا يعني المهاجرين ويقال حاجة يعني حزازة، وهو ~~الحزن، ويقال ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا { ~~ويؤثرون على أنفسهم } في القسمة يعني الغنيمة يعني تركوها ~~للمهاجرين { ولو كان بهم خصاصة } يعني حاجة وروى وكيع عن ~~فضيل بن عمران عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار نزل به ضيف ~~فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه فقال لامرأته نومي الصبية وأطفئي ~~السراج وقربي إلى الضيف ما عندك فنزل (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة) ويقال إن رجلا من ms1716 الأنصار أهدي له برا من مشوي فقال لعل جاري ~~أحوج مني فبعث إليه ثم إن جاره بعثه إلى آخر فطاف سبعة أبيات ثم عاد إلى ~~الأول فنزل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قال الله تعالى { ومن ~~يوق شح نفسه } يعني ومن يمنع بخل نفسه { فأولئك هم ~~المفلحون } يعني الناجين وروى وكيع بإسناده عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال # " بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة " # وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار ثم أثنى على الذين من ~~بعدهم على طريقتهم فقال { والذين جآءوا من بعدهم } يعني ~~التابعين ويقال يعني الذين هاجروا من بعد الأولين { يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخوننا الذين سبقونا بالإيمن } يعني ~~أظهروا الإيمان قبلنا يعني المهاجرين والأنصار { ولا تجعل فى ~~قلوبنا غلا } يعني غشا وحسدا وعداوة { للذين ءامنوا ~~ربنا إنك رءوف رحيم } يعني رحيم بعبادك المؤمنين وفي الآية ~~دليل أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ ~~في المسلمين وله أجر مثل أجر الصحابة ومن شتم أو لم يترحم عليهم أو كان ~~في قلبه غل لهم ليس له حظ في المسلمين لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ ثم ذكر ~~الأنصار ثم ذكر الذين جاؤوا من بعدهم وقد وصفهم الله بصفة الأولين إذ دعا ~~لهم وفي الآية دليل أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين ~~وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين ~~ثم نزل في شأن المنافقين. ### || [59.11-17] # فقال عز وجل { ألم تر إلى الذين نفقوا } يعني منافقي ~~المدينة { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتب } يعني من بني النضير { لئن أخرجتم لنخرجن ~~معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا } يعني ولا نطيع محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - في خذلانكم { وإن قوتلتم لننصرنكم } ~~يعني لنعينكم { والله يشهد إنهم لكذبون } في مقالتهم ~~وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة قلوبهم فقال الله تعالى { لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم } يعني لئن أخرج بنو ms1717 النضير لا ~~يخرج المنافقين معهم { ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } يعني لا ~~يمنعونهم من ذلك { ولئن نصروهم ليولن الأدبر } ~~يعني ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك ولئن نصروهم ليولن الأدبار يعني ~~رجعوا منهزمين { ثم لا ينصرون } ثم لا يثبتون يعني لا يمنعون من ~~الهزيمة ثم قال عز وجل { لأنتم أشد رهبة } يعني أنتم يا معشر ~~المسلمين أشد رهبة { فى صدورهم من الله } يعني خوفهم منكم أشد ~~من عذاب الله في الآخرة { ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } ~~يعني لا يعقلون أمر الله تعالى ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب فقال عز ~~وجل { لا يقتلونكم جميعا } يعني لا يخرجون إلى الصحراء ~~لقتالكم { إلا فى قرى محصنة } يعني حصينة { أو من وراء ~~جدر } يعني يقاتلونكم من وراء جدر فحذف الألف وهو جمع الجدار قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو من وراء بالألف والباقون وراء جدر بحذف الألف وهو جماعة ~~وممن قرأ جدار فهو واحد يريد به الجمع ثم قال { بأسهم بينهم ~~شديد } يعني قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد وأما مع المؤمنين فلا ~~ثم قال { تحسبهم جميعا } يعني تظن أن المنافقين واليهود على أمر ~~واحد وكلمتهم واحدة. { وقلوبهم شتى } يعني قلوب اليهود مختلفة ~~ولم يكونوا على كلمة واحدة { ذلك بأنهم } يعني ذلك الاختلاف ~~بأنهم { قوم لا يعقلون } يعني لا يعقلون أمر الله تعالى ثم ضرب ~~لهم مثلا فقال عز وجل { كمثل الذين من قبلهم } يعني مثل ~~بني النضير مثل الذين من قبلهم يعني أهل بدر { قريبا } يعني كان قتال ~~بدر قبل ذلك بقريب وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك قريبا { ذاقوا ~~وبال أمرهم } يعني عقوبة ذنبهم { ولهم عذاب أليم } ~~يعني عذابا شديدا في الآخرة ثم ضرب لهم مثلا آخر في الآخرة وهو مثل ~~المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم { كمثل الشيطن ~~إذ قال للإنسن اكفر } يعني برصيصا الراهب وروى عدي بن ثابت ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان في بني إسرائيل راهب عبد الله تعالى ~~زمانا من الدهر حتى كان يؤتى ms1718 بالمجانين فيعودهم ويداويهم فيبرؤون على ~~يديه وأنه أتى بامرأة قد جنت وكان لها أخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل ~~به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل به ~~الشيطان يخوفه ويزين له حتى قتلها ودفنها ثم ذهب الشيطان إلى إخوتها في ~~صورة رجل حتى لقي أحدا من أخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب وأنه دفنها في ~~مكان كذا فبلغ ذلك ملكهم فسار الملك مع الناس فأتوه فاستنزلوه من الصومعة ~~فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على خشبة تمثل له الشيطان فقال ~~أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل لك أن تطيعني فيما أقول لك وأخلصك ~~مما أنت فيه فقال نعم قال اسجد لي سجدة واحدة فسجد له فذلك قوله كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر يعني اسجد { فلما كفر } يعني ~~سجد { قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب ~~العلمين } قال ذلك على وجه الاستهزاء كذلك المنافقون خذلوهم ~~اليهود كما خذل الشيطان الراهب { فكان عقبتهما } يعني عاقبة ~~الشيطان والراهب { أنهما فى النار خلدين فيها } يعني ~~مقيمين فيها وكان ابن مسعود يقرأ (خالدان فيها) وقراءة العامة بعده ~~خالدين فيها بالنصب وإنما هو نصب على الحال { وذلك جزاء ~~الظلمين } يعني الخلود في النار جزاء المنافقين والكافرين. ### || [59.18-22] # قوله تعالى { يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله } يعني ~~اخشوا الله ويقال أطيعوا الله { ولتنظر نفس ما قدمت ~~لغد } يعني ما عملت لغد وأسلفت لغد أي ليوم القيامة ومعناه تصدقوا ~~واعملوا بالطاعة لتجدوا ثوابه يوم القيامة ثم قال { واتقوا الله ~~إن الله خبير بما تعملون } من الخير والشر ثم وعظ ~~المؤمنين بأن لا يتركوا أمره ونهيه كاليهود ويوحدوه في السر والعلانية ~~ولا يكونوا في المعصية كالمنافقين فقال: { ولا تكونوا كالذين ~~نسوا الله } يعني تركوا أمر الله تعالى { فأنسهم ~~أنفسهم } يعني خذلهم الله تعالى حتى تركوا حظ أنفسهم أن يقدموا ~~خيرا لها { أولئك هم الفسقون } يعني العاصين ويقال ولا ~~تكونوا كالذين نسوا الله أي تركوا ذكر الله وما ms1719 أمرهم به فأنساهم أنفسهم ~~يعني فترك ذكرهم بالرحمة والتوفيق، ويقال ولا تكونوا كالذين نسوا الله ~~يعني تركوا عهد الله ونبذوا كتابه وراء ظهورهم فأنساهم أنفسهم يعني ~~أنساهم حالهم حتى لم يعملوا لأنفسهم ولم يقدموا لها خيرا أولئك هم ~~الفاسقون يعني الناقضين للعهد ثم ذكر مستقر الفريقين فقال { لا ~~يستوى أصحب النار وأصحب الجنة } يعني لا يستوي ~~في الكرامة والهوان في الدنيا والآخرة لأن أصحاب الجنة في الدنيا موفقون ~~منعمون معتصمون وفي الآخرة لهم الثواب والكرامة وأصحاب النار مخذولون في ~~الدنيا معذبون في الآخرة، ويقال لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة في ~~الآخرة لأن أصحاب الجنة يتقلبون في النعيم وأصحاب النار يتقلبون في النار ~~والهوان ثم قال { وأصحب الجنة هم الفائزون } يعني ~~المستعدون الناجون وأصحاب النار الهالكون ثم وعظهم ليعتبروا بالقرآن فقال ~~عز وجل { لو أنزلنا هذا القرءان على جبل } يعني ~~القرآن الذي فيه وعده ووعيده لو أنزلناه على جبل { لرأيته ~~خشعا متصدعا من خشية الله } يعني خاضعا متصدعا، ~~ويقال يندق من خوف عذاب الله فكيف لا يندق ولا يرق هذا الإنسان ويخشع ~~ويقال هذا على وجه المثل يعني لو كان الجبل له تميز عقل لتصدع من الخشية ~~ثم قال عز وجل { وتلك الأمثل نضربها للناس } يعني ~~نبينها للناس { لعلهم يتفكرون } يعني لكي يتعظوا في أمثال ~~الله يعني يعتبرون ولا يعصون الله تعالى ثم قال { هو الله الذى ~~لا إله إلا هو } يعني لا خالق ولا رازق غيره { علم ~~الغيب والشهدة } يعني عالم السر والعلانية ويقال الغيب ما ~~غاب عن العباد والشهادة ما شاهدوه وعاينوه ويقال عالم بما كان وبما يكون ~~ويقال عالم بأمر الآخرة وبأمر الدنيا ثم قال { هو الرحمن ~~الرحيم } يعني العاطف على جميع الخلق بالرزق - (الرحيم) بالمؤمنين. ### || [59.23-24] # قال عز وجل: { هو الله الذى لا إله إلا هو الملك ~~القدوس } يعني: مالك كل شيء وهو الملك الدائم الذي لا يزول ملكه ~~أبدا ثم قال القدوس يعني: الطاهر عما وصفه الكفار ولهذا سمي بيت المقدس ~~يعني المكان الذي يتطهر ms1720 فيه من الذنوب ثم قال { السلم } يعني: يسلم ~~عباده من ظلمه ويقال سمى نفسه سلاما لسلامته مما يلحق الخلق من العيب ~~والنقص والفناء ثم قال { المؤمن } يعني: يؤمن أولياؤه من عذابه، ~~ويقال المؤمن أي يصدق في وعده ووعيده ويقال المؤمن يعني: قابل إيمان ~~المؤمنين ثم قال: { المهيمن } يعني: الشهيد على عباده بأعمالهم ~~ويقال المهيمن يعني: المويمن فقلبت الواو هاء وهو بمعنى الأمين ثم قال { ~~العزيز } يعني: الذي لا يعجزه شيء عما أراد ويقال العزيز الذي لا ~~يوجد مثله ثم قال { الجبار } يعني: القاهر لخلقه على ما أراده، ~~ويقال الغالب على خلقه ومعناهما واحد ثم قال { المتكبر } يعني: ~~المتعظم على كل شيء، ويقال المتكبر الذي تكبر عن ظلم عباده. ثم قال: { ~~سبحن الله } يعني: تنزيها لله تعالى { عما يشركون } ~~يعني: عما وصفه الكفار من الشريك والولد، ويقال سبحان الله بمعنى التعجب ~~يعني عجبا عما وصفه الكفار من الشريك قوله تعالى: { هو الله ~~الخلق } يعني: خالق الخلق في أرحام النساء، ويقال خالق النطف في ~~أصلاب الآباء المصور للولد في أرحام الأمهات ويقال الخالق يعني المقدر { ~~البارىء } الذي يجعل الروح في الجسد، ويقال الباريء يعني: خالق ~~الأشياء ابتداء ثم قال: { المصور } للولد في أصلاب الآباء { له ~~الأسماء الحسنى } يعني: الصفات العلى ويقال له الأسماء الحسنى ~~وهي تسعة وتسعون اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة، وروى أبو ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من ~~أحصاها دخل الجنة " # ثم قال { يسبح له ما فى السموات والأرض } يعني: يخضع ~~له ما في السماوات والأرض يعني: جميع الأشياء كقوله وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده ثم قال { وهو العزيز الحكيم } يعني: العزيز في ملكه ~~الحكيم في أمره فإن قال قائل قد قال الله تعالى { فلا تزكوا ~~أنفسكم } فما الحكمة في أنه نهى عباده عن مدح أنفسهم ومدح نفسه قيل ~~له عن هذا السؤال جوابان - أحدهما - أن العبد وإن كان فيه خصال ms1721 الخير فهو ~~ناقص وإن كان ناقصا لا يجوز له أن يمدح نفسه والله سبحانه وتعالى: تام ~~الملك والقدرة فيستوجب به المدح فمدح نفسه ليعلم عباده فيمدحوه، وجواب ~~آخر أن العبد وإن كان فيه خصال الخير فتلك الخصال أفضال من الله تعالى ~~ولم يكن ذلك بقدرة العبد فلهذا لا يجوز له أن يمدح نفسه والله سبحانه ~~وتعالى إنما قدرته وملكه له ليس لغيره فيستوجب به المدح ومثال هذا أن ~~الله تعالى نهى عباده أن لا يمنوا على أحد بالمعروف وقد من الله تعالى ~~على عباده للمعنى الذي ذكرناه في المدح والله أعلم بالصواب وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم. ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1-3] # قوله سبحانه وتعالى: { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ~~عدوى وعدوكم أولياء } نزلت في حاطب بن أبي بلتعة العبسي ~~ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهز الجيش للخروج إلى فتح مكة ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج إلى الغزو ورى بغيره ~~يعني: يظهر من نفسه أنه يريد الخروج إلى ناحية أخرى وكان الناس لا يعلمون ~~إلى أي ناحية يريد الخروج فأمر الناس بأن يتجهزوا للخروج إلى الغزو ولم ~~يعلموا إلى أين يخرج إلا الخواص من أصحابه فبينما الناس يتجهزون إذ قدمت ~~امرأة من مكة يقال لها سارة مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف ~~وكانت امرأة مغنية فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - لماذا جئت ~~فقالت جئت لتعطيني شيئا فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعلت ~~بحطباتك من شبان قريش فقالت منذ قتلهم ببدر لم يصل إلى شيء إلا القليل ~~فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تعطى شيئا لترجع فلما أرادت ~~الخروج أتاها حاطب بن أبي بلتعة فقال لها إني معطيك عشرة دنانير وكساء ~~على أن تبلغي إلى أهل مكة كتابا فأجابته إلى ذلك فخرجت إلى مكة فنزل ~~جبريل عليه السلام في أثرها بالخبر فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعلي والزبير والمقداد انطلقوا حتى ms1722 تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة معها ~~كتاب فخذوه منها فخرجوا حتى أتوا الروضة فإذا هي سارة هناك فقالوا لها ~~أخرجي الكتاب. فقالت ما معي كتاب فألحوا عليها فحلفت أنه ليس معها كتاب ~~فلم يصدقوها حتى نزعت جميع ثيابها فرمت بها إليهم فنظروا إلى ثيابها فلم ~~يجدوا فيها الكتاب ونظروا في راحلتها وأمتعتها فلم يجدوا فيها الكتاب ~~فقال بعضهم لبعض تعالوا حتى نرجع فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه إن ~~جبريل نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك فقول المرأة ~~أصدق أم قول جبريل فوالله لا أرجع حتى آخذ منها الكتاب ولأحملن رأسها إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسل السيف ليضرب رأسها فأخرجت الكتاب ~~من عقاصها فأتوا به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ الكتاب فإذا فيه ~~من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة وأخبرهم بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يريد الخروج إليهم وذكر أن محمدا يقصدكم فخذوا حذركم وإنه أراد ~~بالكتاب إليهم مودتهم فقام إليه عمر رضي الله عنه وقال دعني يا رسول الله ~~أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هذا يا حاطب ~~فقال لا تعجل علي يا رسول الله إني كنت ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم ~~وكل من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهاليهم فأردت أن أتخذ ~~فيهم يدا يحمون قرابتي وما فعلت هذا كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا ~~أرضى بالكفر بعد الإسلام وقد علمت أن الله تعالى منجز وعده ما وعد إلا ~~نصر نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " دعوه إنه يشهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل ~~بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " # فنزل يا أيها الذين آمنوا فسماهم مؤمنين لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~يعني في العون والنصرة. { تلقون إليهم بالمودة } يعني: ~~تكتبون وتبعثون إليهم بالصحيفة والنصيحة ويقال معناه تخبرونهم ms1723 كما يخبر ~~الرجل أهل مودته حيث توجهون إليهم بالكتاب والمودة والنصيحة { وقد ~~كفروا بما جاءكم من الحق } يعني: من القرآن والرسول { ~~يخرجون الرسول وإيكم } يعني: أخرجوكم من مكة { أن ~~تؤمنوا بالله ربكم } يعني: لأجل الإيمان بربكم يعني ~~بوحدانية ربكم { إن كنتم خرجتم جهادا فى سبيلى ~~وابتغاء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة } يعني: لا ~~تلقون إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي وطلب رضاي ~~{ وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم } يعني: ما ~~أسررتم وما أظهرتم يعني: أسررتم من المودة لأهل الكفر وأعلنتم الاقرار ~~بالتوحيد { ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } ~~يعني: من يفعل منكم بعد هذا فقد خطا قصد الطريق ثم قال عز وجل: { إن ~~يثقفوكم } وهذا إخبار من الله تعالى للمؤمنين بعداوة كفار مكة ~~إياهم لكيلا يميلوا إليهم فقال " إن يثقفوكم " يعني: أن يظهروا عليكم ~~ويقال إن يأخذوكم ويقال إن يقهروكم ويغلبوكم { يكونوا لكم ~~أعداء } يعني: يتبين لكم أنهم أعداؤكم فيظهر لكم عداوتهم عند ذلك { ~~ويبسطوا إليكم أيديهم } بالقتل والتعذيب { ~~وألسنتهم بالسوء } يعني: بالشتم { وودوا لو ~~تكفرون } يعني: تمنوا أن ترجعوا إلى دينهم فإن فعلتم ذلك بسبب ~~قرابتكم { لن تنفعكم أرحمكم } يعني: قرابتكم { ولا ~~أولدكم } الذين كانوا بمكة { يوم القيمة يفصل ~~بينكم } يعني: يفرق بينكم وبينهم يوم القيامة قرأ عاصم بنصب الياء ~~وكسر الصاد مع التخفيف يعني: يفصل الله بينكم يوم القيامة وقرأ ابن كثير ~~ونافع وأبو عمرو يفصل بينكم بضم الياء ونصب الصاد مع التخفيف على معنى ~~فعل ما لم يسم فاعله، والمعنى مثل الأول وقرأ حمزة والكسائي يفصل بينكم ~~بضم الياء وكسر الصاد مع التشديد يعني يفصل الله بينكم والتشديد للتكثير ~~وقرأ ابن عامر يفصل بينكم بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد على معنى فعل ~~ما لم يسم فاعله والتشديد للتكثير ويقال الفصل هو القضاء يعني: يقضي ~~بينكم على هذا { والله بما تعملون بصير } يعني: عالم ~~بأعمالكم. ### || [60.4-6] # قوله عز وجل: { قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبرهيم ~~} يعني: هلا فعلتم كما فعل إبراهيم تبرأ من أبيه ms1724 لأجل كفره ويقال قد كانت ~~لكم أسوة حسنة يعني قدوة حسنة وسنة صالحة في إبراهيم فاقتدوا به { ~~والذين معه } يعني: من كان مع إبراهيم من المؤمنين { إذ ~~قالوا لقومهم } أي: لمن كفر من قومهم { إنا برآء منكم ~~} يعني: من دينكم { ومما تعبدون } يعني: برأوا مما تعبدون { من ~~دون الله } من الآلهة { كفرنا بكم } يعني تبرأنا منكم قرأ ~~عاصم أسوة حسنة بضم الألف والباقون بالكسر وهما لغتان إسوة وأسوة وهما ~~بمعنى الاقتداء ثم قال: { وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } يعني: ~~حتى تصدقوا بالله وحده فأعلم الله تعالى أن أصحاب إبراهيم تبرءوا من ~~قومهم وعادوهم لأجل كفرهم فأمر الله تعالى أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يقتدوا بهم ثم قال: { إلا قول إبرهيم } يعني: ~~اقتدوا بهم إلا قول إبراهيم { لأبيه لأستغفرن لك } يعني: ~~لأدعون لك أن يهديك الله ويكون على هذا التفسير إلا بمعنى لكن قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك يعني: لأدعون لك أن يهديك الله يعني إبراهيم ~~تبرأ من قومه لكنه يدعو لأبيه بالهدى ثم قال: { وما أملك لك من ~~الله من شىء } يعني: ما أقدر أن أمنعك من عذاب الله من شيء إن لم ~~تؤمن ثم علمهم ما يقولون فقال قولوا { ربنا عليك توكلنا } ~~يعني: فوضنا أمرنا إليك وأمر أهالينا { وإليك أنبنا } يعني: ~~اقبلنا إليك بالطاعة { وإليك المصير } يعني: المرجع في الآخرة ~~قوله تعالى: { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } ~~فتقتر علينا الرزق وتبسط عليهم فيظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل { ~~واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم } وفي ~~قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنك أنت الغفور الرحيم، وقال بعضهم ~~هذا كله حكاية عن قول إبراهيم إنه دعا ربه بذلك ويقال هذا تعليم لحاطب بن ~~أبي بلتعة هل لأدعون بهذا الدعاء حتى ينجو أهلك ولا يسلط عليهم عدوك قوله ~~تعالى: { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة } يعني: في ~~إبراهيم وقومه في الاقتداء { لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر } يعني: لمن ms1725 يخاف الله ويخاف البعث ويقال لمن كان يرجو ثواب الله ~~وثواب يوم القيامة { ومن يتول } يعني: يعرض عن الحق ويقال يأبى عن ~~أمر الله تعالى { فإن الله هو الغنى الحميد } يعني: ~~الغني عن عباده الحميد في فعاله. ### || [60.7-10] # قال عز وجل: { عسى الله أن يجعل بينكم } يعني: لعل الله ~~أن يجعل بينكم { وبين الذين عاديتم } من كفار مكة { منهم ~~مودة } وذلك أنه لما أخبرهم عن إبراهيم بعداوته مع أبيه فأظهر ~~المسلمون العداوة مع أرحامهم فشق ذلك على بعضهم فنزل { عسى الله أن ~~يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة } ~~يعني: صلة قال مقاتل فلما أسلم أهل مكة خالطوهم وناكحوهم فتزوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبي سفيان وأسلمت وأسلم أبوها ويقال ~~يسلم منهم فيقع بينكم وبينهم مودة بالإسلام وهذا القول أصح لأنه كان قد ~~تزوج بأم حبيبة قبل ذلك { والله قدير } على المودة ويقال قدير ~~بقضائه وهو ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل مكة { والله ~~غفور } لمن تاب منهم { رحيم } بهم بعد التوبة ثم رخص في صلة الذين ~~لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم وهم خزاعة وبني مدلج فقال عز وجل: { ~~لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم فى ~~الدين } يعني: عن صلة الذين لم يقاتلوكم في الدين { ولم ~~يخرجوكم من ديركم أن تبروهم } يعني: أن تصلوهم { ~~وتقسطوا إليهم } يعني: تعدلوا معهم بوفاء عهدهم { إن ~~الله يحب المقسطين } يعني: العادلين بوفاء العهد يقال أقسط ~~الرجل فهو مقسط وإذا عدل وقسط يقسط فهو قاسط إذا جار. # ثم قال عز وجل: { إنما ينهكم الله عن الذين ~~قتلوكم فى الدين } يعني: عن صلة الذين قاتلوكم في الدين وهم ~~أهل مكة ومن كان في مثل حالهم من أهل الحرب { وأخرجوكم من ~~ديركم وظهروا على إخرجكم } يعني: عاونوا على ~~إخراجكم من دياركم { أن تولوهم } يعني: أن تناصحوهم { ومن ~~يتولهم } منكم يعني: يناصحهم ويحبهم منكم { فأولئك هم ~~الظلمون } يعني: الكافرون الظالمون لأنفسهم. قوله عز وجل: { ~~يأيها الذين ءامنوا إذا جاءكم المؤمنت ~~مهجرت ms1726 } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل مكة يوم ~~الحديبية وكتب بينه وبينهم كتابا # " إن من لحق من المسلمين بأهل مكة فهو منهم ومن لحق منهم بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رده عليهم " # فجاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمها سبيعة بنت الحارث ~~الأسلمية فجاء زوجها في طلبها فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ارددها ~~فإن بيننا وبينك شرطا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " إنما كان الشرط في الرجال ولم يكن في النساء " # فأنزل الله تعالى إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات نصب على الحال { ~~فامتحنوهن } يعني: اختبروهن ما أخرجكن من بيوتكن ويقال: ~~فامتحنوهن يعني: اسألوهن ويقال استخلفوهن ما خرجنا إلا حرصا على الإسلام ~~ولم تكن لكراهية الزوج ولا لغير ذلك { الله أعلم بإيمنهن ~~} يعني: أعلم بسرائرهن { فإن علمتموهن مؤمنت } يعني: ~~إذا ظهر عندكم إنها خرجت لأجل الإسلام ولم يكن خروجها لعداوة وقعت بينها ~~وبين زوجها { فلا ترجعوهن إلى الكفار } يعني: لا تردوهن ~~إلى أزواجهن { لا هن حل لهم } يعني: لا تحل مؤمنة لكافر { ~~ولا هم يحلون لهن } يعني: ولا نكاح كافر لمسلمة قوله تعالى: ~~{ وآتوهم مآ أنفقوا } يعني: أعطوا أزواجهن الكفار ما أنفقوا ~~عليهن من المهر قال مقاتل يعني: إن تزوجها أحد من المسلمين يدفع المهر ~~إلى الزوج فإن لم يتزوجها أحد من المسلمين فليس لزوجها الكافر شيء ثم قال ~~{ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن } يعني: لا حرج على ~~المسلمين أن يتزوجوهن { إذآ آتيتموهن أجورهن } يعني: ~~مهورهن فرد المهر على الزوج الكافر منسوخ وفي الآية دليل أن المرأة إذا ~~خرجت من دار الحرب بانت من زوجها وفي الآية تأييد لقول أبي حنيفة أنه لا ~~عدة عليها وفي أقوال أبي يوسف ومحمد عليها العدة. # ثم قال: { ولا تمسكوا بعصم الكوافر } قرأ أبو عمرو ولا ~~تمسكوا بالتشديد والباقون بالتخفيف فمن قرأ بالتخفيف فهو من أمسك يمسك ~~ومن قرأ بالتشديد فهو من مسك بالشيء يمسكه تمسيكا ومعناهما واحد وهو أن ~~المرأة إذا كفرت ولحقت بدار الحرب فقد زالت العصمة ms1727 بينهما فنهى أن يقبضها ~~من بعد انقطاعها وجاز له أن يتزوج أختها أو أربعا سواها وأصل العصمة ~~الحبل ومن أمسك بالشيء فقد عصمه وقال معناه لا ترغبوا فيهن ولا تعتدوا ~~فيهن ويقال لا تعتد بامرأتك الكافرة فإنها ليست لك بامرأة وكان للمسلمين ~~نساءا في دار الحرب فتزوجهن هناك ثم قال { واسألوا مآ أنفقتم ~~} يعني: اسألوا من أزواجهن ما أنفقتم عليهن من المهر { وليسألوا } ~~منكم { مآ أنفقوا } يعني: ما أعطوا من مهر المرأة التي أسلمت وهذه ~~الآية نسخت إلا قوله (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) ثم قال { ذلكم ~~حكم الله } يعني: أمره ونهيه { يحكم بينكم } يعني: يقضي ~~بينكم { والله عليم حكيم }. ### || [60.11-13] # قوله عز وجل: { وإن فاتكم شىء من أزوجكم إلى ~~الكفر } يعني: إذا ارتدت امرأة ولحقت بدار الحرب (فعاقبتم) يعني: ~~فغنم من المشركين شيئا { فاتوا الذين ذهبت أزوجهم } من ~~الغنيمة { مثل ما أنفقوا } من الغنيمة مثل الذين أعطوا نساءهم من ~~المهر وهذه الآية منسوخة بالإجماع قرأ إبراهيم النخعي (فعقبتم) بغير ألف ~~وعن مجاهد أنه قرأ { فعقبتم } وقراءة العامة (فعاقبتم) فذلك كله ~~يرجع إلى معنى واحد يعني إذا غلبتم العدو واعتصمتم واصبتموهم في القتال { ~~واتقوا الله } يعني: أخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم { الذى ~~أنتم به مؤمنون } يعني: مصدقين ثم قال: { ياأيها النبى ~~إذا جاءك المؤمنت يبايعنك } يعني: النساء إذا أسلمن ~~فبايعهن { على أن لا يشركن بالله شيئا } يعني: لا ~~يعبدن غير الله { ولا يسرقن } يعني: لا يأخذن مال أحد بغير حق { ~~ولا يزنين ولا يقتلن أولدهن } يعني: ولا يقتلن ~~بناتهن كما قتلن في الجاهلية ويقال لا يشربن دواءا فيسقطن حملهن ثم ~~اختلفوا في مبايعة النساء وقال بعضهم وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ثوبا وأخذ في الثوب وقال بعضهم كان يشيرهن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويصافحهن عمر وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة ~~وفرغ من مبايعة الرجال وهو على الصفا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أسفل ~~منه فبايع النساء ms1728 على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن فقالت هند امرأة ~~أبي سفيان إني قد أصبت من مال أبي سفيان فلا أدري أحلال أم لا فقال أبو ~~سفيان نعم ما أصبت فيما مضى وفيما غير فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عفا الله عما سلف وفي خبر آخر أنها قالت أرأيت لو لم يعطني ما يكفيني ~~ولولدي هل يحل لي أن آخذ من ماله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " خذي من ماله ما يكفيك ولولدك بالمعروف " # ثم قال ولا يزنين فلما قال ذلك قالت هند أو تزني الحرة فضحك عمر عند ذلك ~~ثم قال تعالى { ولا يقتلن أولدهن } يعني: لا يقتلن ~~بناتهن الصغار فقالت هند ربيناهم صغارا أفنقتلهم كبارا فتبسم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم قال { ولا يأتين ببهتن ~~يفترينه بين أيديهن وأرجلهن } يعني: لا يجيئن ~~بصبي من غير زوجها فيقلن للزوج هو منك فقالت هند إن البهتان أفحش وما ~~تأمرنا إلا بالرشد ثم قال عز وجل: { ولا يعصينك فى معروف } ~~يعني: في طاعة مما أمر الله تعالى ويقال ولا يعصينك في معروف يعني فيما ~~نهيتهن عن النوح وتمزيق الثياب أو تخلو مع الأجنبي أو نحو ذلك فقالت هند ~~ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء ثم قال: { ~~فبايعهن واستغفر لهن الله } يعني: إذا بايعن على ذلك ~~فاسأل الله لهن المغفرة لما كان في الشرك { إن الله غفور ~~رحيم } غفور لهن كان في الشرك رحيم فيما بقي قوله تعالى: { يأيها ~~الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ~~} وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأمر المسلمين ~~يتواصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم وطعامهم وشرابهم فنهاهم الله ~~تعالى عن ذلك فقال: { يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله عليهم } يعني: لا تتخذوا الصداقة مع قوم غضب ~~الله عليهم ويقال هذا أيضا في حاطب بن أبي بلتعة. # ثم قال عز وجل: { قد يئسوا من الآخرة كما يئس ~~الكفر من أصحب القبور } قال مقاتل ms1729 وذلك أن الكافر إذا ~~وضع في قبره أتاه ملك شديد الانتهار فيجلسه ثم يسئله من ربك وما دينك ومن ~~رسولك فيقول لا أدري فيقول الملك أبعدك الله انظر يا عدو الله إلى منزلك ~~فينظر إليه من النار فيدعو بالويل والثبور فيقول هذا لك يا عدو الله ~~فيفتح له باب إلى الجنة فيقول هذا لمن آمن بالله تعالى فلو كنت آمنت بربك ~~نزلت الجنة فيكون حسرة عليه وينقطع رجاؤه منها وعلم أنه أبعد له فيها ~~ويئس من خير الجنة فذلك قوله تعالى للكفار أهل الدنيا الأحياء منهم قد ~~يئسوا من الآخرة يعني: من خير الآخرة لأنهم كذبوا بالثواب والعقاب وهم ~~آيسون من الجنة كما يئس الكفار من أصحاب القبور، إذا عرف منازله ويقال إن ~~الكفار إذا مات منهم أحد يئسوا من رجوعه فيقال قد يئس هؤلاء من الآخرة ~~كما يئس الكفار من أصحاب القبور من رجوعهم ويقال يئسوا من الآخرة يعني ~~هؤلاء الكفار كما يئس الكفار الذين كانوا قبلهم من الآخرة وهو اليوم من ~~أصحاب القبور والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ~~وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-8] # قوله تبارك وتعالى: { سبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض وهو العزيز الحكيم الحكيم يأيها الذين ~~ءامنوا لم تقولون ما لا تفعلون } وذلك أن أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا بعدما فروا يوم أحد لو نعلم أي ~~الأعمال أحب إلى الله تعالى وأفضل لفعلناه فنزل لم تقولون ما لا تفعلون ~~ويقال قالوا ذلك قبل يوم أحد فابتلوا بذلك وفروا فنزل تيسيرا لهم بترك ~~الوفاء فقال لم تقولون ما لا تفعلون { كبر مقتا عند الله } ~~يعني: عظم بغضا عند الله { أن تقولوا ما لا تفعلون إن ~~الله يحب الذين يقتلون فى سبيله صفا ~~كأنهم بنين مرصوص } يعني: يصفون بمنزلة الصف في الصلاة ~~وملتزمة بعضهم في بعض لا يتأخر أحدهم عن صاحبه بمنزلة البنيان الذي بني ~~بالرصاص ويقال كأنهم بنيان مرصوص أي متفقي الكلمة بعضهم على ms1730 بعض على ~~عدوهم فلا يخالف بعضهم بعضا وروي في الخبر أنه كان يوم مؤتة وكان عبد ~~الله بن رواحة أحد الأمراء الذين أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ناداهم يا أهل المجلس الذين وعدتم ربكم قولكم ثم مشى فقاتل حتى قتل قوله ~~تعالى: { وإذ قال موسى } وقد قال موسى { لقومه يقوم ~~لم تؤذوننى } بالتكذيب وذلك أنهم كذبوه وقالوا إنه أدبر ويقال: ~~إنه حين مات هارون ويقال إنه قال لقومه الكفار لم تؤذونني بالتكذيب ~~والشتم { وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم فلما ~~زاغوا } يعني: مالوا عن الحق وعدلوا عنه { أزاغ الله ~~قلوبهم } يعني: خذلهم عن الهدى فثبتوا على اليهودية { والله لا ~~يهدى } يعني: لا يرشد إلى دينه { القوم الفسقين } يعني: ~~العاصين المكذبين الذين لا يرغبون في الحق. { وإذ قال عيسى ابن ~~مريم } يعني: وقد قال عيسى ابن مريم { يبنى إسرءيل إنى ~~رسول الله إليكم } يعني: أرسلني الله تعالى إليكم لأدعوكم إلى ~~الإسلام { مصدقا لما بين يدى من التوراة } يعني: ~~أقرأ عليكم الإنجيل موافقا للتوراة في التوحيد وفي بعض الشرائع { ~~ومبشرا برسول } يعني: أبشركم برسول الله { يأتى من بعدى ~~اسمه أحمد } وروى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ~~فقال # " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى صلوات الله عليهم ورأت أمي رؤياها ~~حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى في أرض الشام " # { فلما جاءهم بالبينت } يعني: جاءهم عيسى بالبينات التي ~~كان يريهم من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص { قالوا هذا ~~سحر مبين } يعني: بينا ظاهرا قرأ حمزة والكسائي ساحر بالألف ~~والباقون سحر بغير ألف فمن قرأ ساحر فهو فاعل ومن قرأ سحر فهو نعت الفعل. ### || [61.7-14] # قال عز وجل: { ومن أظلم } يعني: من أشد في كفره { ممن ~~افترى على الله } يعني: اختلق على الله { الكذب } وهم ~~اليهود { وهو يدعى إلى الإسلام } يعني: إلى دين محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { والله لا ms1731 يهدى القوم الظلمين } ~~يعني: لا يرشدهم ويقال لا يرحمهم ما داموا على كفرهم. ثم قال عز وجل: { ~~يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم } يعني: ليبطلوا ~~دين الله بقولهم { والله متم نوره } يعني: مظهر توحيده وكتابه ~~{ ولو كره الكفرون } يعني: وإن كره اليهود والنصارى، قرأ ~~حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية حفص والله متم نوره على معنى ~~الإضافة والباقون متم بالتنوين نوره بالنصب فمتم فاعل ونصب نوره لأنه ~~مفعول به، ثم قال عز وجل: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~} يعني: بالتوحيد { ودين الحق } يعني: الشهادة لا إله إلا الله { ~~ليظهره على الدين كله } يعني: على الأديان كلها، قال مقاتل: ~~وقد فعل: ويقال: إنه يكون في آخر الزمان لا يبقى أحد إلا مسلم أو ذمة ~~للمسلم { ولو كره المشركون } يعني: وإن كرهوا ذلك ثم قال عز ~~وجل: { يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجرة ~~تنجيكم من عذاب أليم } يعني: من عذاب دائم، قرأ ابن عامر ~~تنجيكم بالتشديد والباقون بالتخفيف وهما لغتان أنجاه ونجاه بمعنى واحد: ~~ثم بين لهم تلك التجارة فقال عز وجل { تؤمنون بالله } يعني: ~~تصدقون بتوحيد الله { ورسوله } يعني: وتصدقون برسوله وبماء جاء به ~~من عنده { وتجهدون فى سبيل الله بأمولكم ~~وأنفسكم } فقدم ذكر المال لأن الإنسان ربما يضر بماله ما لا يضر ~~بنفسه ولأنه إذا كان له مال فإنه يؤخذ به النفس ليغزو { ذلكم خير ~~لكم } يعني: التصديق والجهاد خير لكم من تركهما { إن كنتم ~~تعلمون } يعني: تعلمون ثواب الله تعالى ويقال: يعلمون يعني يصدقون ~~ثم بين ثواب ذلك العمل فقال { يغفر لكم ذنوبكم } يعني: إن ~~فعلتم ذلك العمل يغفر لكم ذنوبكم { ويدخلكم جنت تجرى من ~~تحتها الأنهر ومسكن طيبة } يعني: يدخلكم منازل ~~الجنة { فى جنت عدن ذلك الفوز العظيم } يعني: ~~النجاة الوافرة ثم قال عز وجل { وأخرى تحبونها نصر من ~~الله } يعني: تجارة أخرى تحبونها نصر من الله يعني: ولكم سوى الجنة ~~أيضا عدة أخرى في الدنيا تحبونها ويقال معناه ونجاة أخرى تحبونها نصر من ~~الله يعني هي ms1732 النصرة من الله تعالى على عدوكم { وفتح قريب } يعني: ~~ظفرا سريعا عاجلا في الدنيا والجنة في الآخرة ثم قال { وبشر ~~المؤمنين } يعني: بشرهم بالجنة ثم قال عز وجل { يأيها ~~الذين ءامنوا كونوا أنصر الله } قرأ ابن كثير ونافع ~~وأبو عمرو أنصارا الله بالتنوين والباقون أنصار الله بالإضافة، ومعناهما ~~واحد، يعني: كونوا أعوان الله بالسيف على أعدائه ومعناه: انصروا الله ~~وانصروا دين الله وانصروا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما نصر الحواريون ~~عيسى ابن مريم وهو قوله تعالى: # { كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من ~~أنصرى إلى الله } يعني: من أعواني إلى الله ويقال إنما سموا ~~الحواريون لبياض ثيابهم: ويقال كانوا قصارين ويقال: خلصاؤه وصفوته كما ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: # " الزبير ابن عمتي وحواري من أمتي " # وتأويل الحواريين في اللغة: الذين أخلصوا وتبرؤوا من كل عيب وكذلك ~~الدقيق الحواري لأنه ينتقى من لباب البر وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ~~قال إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين وروى عبد الرزاق عن ~~معمر قال: تلا قتادة: (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) قال وقد ~~كان ذلك بحمد الله جاءه السبعون فبايعوه عند العقبة فنصروه وآووه حتى ~~أظهر الله دينه { قال الحواريون نحن أنصار الله } ~~يعني: نحن أعوانك مع الله { فآمنت طآئفة من بني ~~إسرائيل } يعني: بعيسى عليه السلام ويقال فآمنت طائفة من بني ~~إسرائيل بمحمد - صلى الله عليه وسلم - { وكفرت طائفة } يعني: ~~جماعة منهم { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم } ~~يعني: قوينا الذين آمنوا على عدوهم من الكفار { فأصبحوا ظاهرين ~~} فصاروا غالبين بالنصرة والحجة والله أعلم بالصواب. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-8] # قوله تعالى: { يسبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض } وقد ذكرناه { الملك القدوس } يعني الملك الذي يملك ~~كل شيء ولا يزال ملكه القدوس يعني الطاهر عن الشريك والولد قرىء في الشاذ ~~الملك القدوس بالضم ومعناه هو الملك القدوس وقرأه العامة بالكسر فيكون ~~نعتا لله تعالى { العزيز } في ملكه { الحكيم } في أمره ثم قال: ~~{ هو الذى بعث ms1733 فى الأميين } يعني في العرب والأميون الذين ~~لا يكتبون وهو ما خلقت عليه الأمة قبل تعلم الكتابة { رسولا منهم ~~} يعني من قومهم العرب { يتلو عليهم } يعني يقرأ عليهم { ~~ءايته } يعني القرآن { ويزكيهم } يعني يدعوهم إلى التوحيد ~~ويطهرهم به من عبادة الأوثان ويقال ويزكيهم يعني يصلحهم ويقال يأمرهم ~~بالزكاة { ويعلمهم الكتب } يعني القرآن { والحكمة } ~~يعني الحلال والحرام { وإن كانوا } يعني وقد كانوا { من قبل } ~~أن يبعث إليهم محمدا - صلى الله عليه وسلم - { لفى ضلل مبين ~~} يعني لفي خطأ بين يعني الشرك { وءاخرين منهم } يعني التابعين ~~من هذه الأمة ممن بقي { لما يلحقوا بهم } يعني لم يكونوا بعد ~~فسيكونون، وروى جويبر عن الضحاك في قوله آخرين منهم لما يلحقوا بهم قال ~~يعني من أسلم من الناس وعمل صالحا إلى يوم القيامة من عربي وعجمي ثم ~~قال: { وهو العزيز الحكيم } يعني العزيز في ملكه الحكيم في ~~أمره قوله تعالى { ذلك فضل الله يؤتيه } يعني الإسلام فضل ~~الله يؤتيه { من يشآء } يعني يعطيه من يشاء ويكرم به من يشاء من كان ~~أهلا لذلك { والله ذو الفضل العظيم } يعني ذو المن العظيم ~~لمن اختصه بالإسلام. # ثم قال: { مثل الذين حملوا التوراة } يعني صفة الذين ~~علموا التوراة وأمروا بأن يعملوا بما فيها { ثم لم يحملوها } ~~أي لم يعملوا بما أمروا فيها من الأمر والنهي وبيان صفة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ويقال مثل الذين حملوا التوراة وأمروا بأن يحملوا تفسيرها ثم ~~لم يحملوها يعني لم يعلموا تفسيرها فمثلهم { كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا } يعني يحمل كتبا ولا يدري ما فيها كما لا يدري ~~اليهود ما حملوا من التوراة ثم قال { بئس مثل القوم الذين ~~كذبوا بئايت الله } يعني بئس مثل القوم ضربنا لهم الأمثال ~~ويقال بئس صفة القوم الذين كذبوا بآيات الله يعني: جحدوا بالقرآن وبمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم - { والله لا يهدى القوم ~~الظلمين } يعني إلى طريق الجنة اليهود الذين لا يرغبون في الحق ~~وقوله تعالى { قل يأيها الذين هادوا } يعني: مالوا عن ~~الإسلام والحق إلى ms1734 اليهودية { إن زعمتم أنكم } يعني إن أدعيتم ~~وقلتم إنكم { أولياء لله } يعني: أحبابا لله { من دون ~~الناس } يعني من دون المؤمنين { فتمنوا الموت } يعني سلوا ~~الموت فقولوا اللهم أمتنا { إن كنتم صدقين } بأنكم أولياء الله ~~من دون المؤمنين { ولا يتمنونه أبدا } يعني لا يسألون أبدا ~~{ بما قدمت أيديهم } يعني بما عملت وأسلفت أيديهم { ~~والله عليم بالظلمين } يعني عليما بحالهم بأنهم لا يتمنون ~~الموت { قل إن الموت الذى تفرون منه فإنه ~~ملقيكم } أي تكرهوا الموت يعني نازل بكم لا محالة { ثم ~~تردون } يعني ترجعون في الآخرة { إلى علم الغيب ~~والشهدة } وقد ذكرناه { فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } يعني يخبركم ويجازيكم بما كنتم تعملون في الدنيا. ### || [62.9-11] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة } يعني إذا أذن للصلاة { من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله } يعني امضوا إلى الصلاة فصلوها، ويقال: إلى ذكر ~~الله يعني الخطبة فاستمعوها، وروى الأعمش عن إبراهيم قال كان ابن مسعود ~~يقرأ فامضوا إلى ذكر الله ويقول لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي، ~~وقال القتبي السعي على وجوه الإسراع في المشي كقوله تعالى # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى # [القصص:20] والسعي العمل كقوله تعالى، # وسعى لها سعيها # [الإسراء:19] وقال # إن سعيكم لشتى # [الليل:4] والسعي المشي كقوله تعالى # يأتينك سعيا # [البقرة:260]، وكقوله تعالى # فاسعوا إلى ذكر الله # [الجمعة:9] وقال الحسن في قوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر ~~الله } قال ليس السعي بالأقدام ولكن السعي بالنية وسعي بالقلب وسعي ~~بالرغبة ثم قال { وذروا البيع } ولم يذكر الشراء لأنه لما ذكر ~~البيع فقد دل على الشراء ومعناه اتركوا البيع والشراء، وقال جماعة من ~~العلماء لو باع بعد الأذان يوم الجمعة لم يجز البيع، وقال الزهري يحرم ~~البيع يوم الجمعة عند خروج الإمام، وروى جويبر عن الضحاك أنه قال إذا ~~زالت الشمس يوم الجمعة حرم الشراء والبيع ولو كنت قاضيا لرددته وروى ~~معمر عن الزهري قال الأذان الذي يحرم نية البيع عند خروج الإمام وقت ~~الخطبة، وقال الحسن إذا زالت الشمس ms1735 فلا تشتر ولا تبع وقال محمد يحرم ~~البيع عند النداء يوم الجمعة عند الصلاة وروى عكرمة عن ابن عباس قال لا ~~يصح البيع والشراء يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة حتى تنقضي وقال عامة أهل ~~الفتوى من الفقهاء إن البيع جائز في الحكم لأن النهي لأجل الصلاة وليس ~~بمانع لمعنى في البيع ثم قال { ذلكم خير لكم } يعني السعي إلى ~~الصلاة وترك الشراء والبيع والاستماع إلى الخطبة خير لكم من الشراء ~~والبيع { إن كنتم تعلمون } يعني فاعلموا ذلك وكل ما في القرآن ~~إن كنتم تعلمون إن كنتم مؤمنين، فهو بمعنى التقرير والأمر ثم قال عز وجل ~~{ فإذا قضيت الصلوة } يعني فرغتم من الصلاة { فانتشروا ~~فى الأرض وابتغوا من فضل الله } يعني: اطلبوا الرزق من ~~الله تعالى بالتجارة والكسب اللفظ لفظ الأمر والمراد به: الرخصة كقوله: # وإذا حللتم فاصطدوا # [المائدة:2]، وهي رخصة بعد النهي { واذكروا الله كثيرا } ~~يعني: واذكروا الله باللسان { لعلكم تفلحون } يعني لكي تنجوا ~~ثم قال عز وجل: { وإذا رأوا تجرة أو لهوا } قال مجاهد: ~~اللهو هو الضرب بالطبل: فنزلت الآية حين قدم دحيه ابن خليفة الكلبي، وروى ~~سالم عن جابر قال: أقبلت عير ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ونحن نصلي الجمعة فانفض الناس إليهم فما بقي غير اثني عشر رجلا فنزلت ~~الآية وإذا رأوا تجارة أو لهوا { انفضوا إليها ~~وتركوك قائما } وروى معمر عن الحسن أن أهل المدينة أصابهم جوع ~~وغلاء سعر فقدمت عير والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب يوم ~~الجمعة فسمعوا بها فخرجوا إليها والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم قال ~~الله تعالى وتركوك قائما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ولو اتبع آخرهم أولهم لالتهب الوادي عليهم نارا ". # قال معمر عن قتادة قال لم يبق يومئذ معه إلا إثنى عشر رجلا وامرأة ~~ويقال إن أهل المدينة كانوا إذا قدمت عير ضربوا بالطبل وخرج الناس فنزل ~~(وإذا رأوا تجارة أو لهوا) انفضوا إليها. والمعنى خرجوا إليها يعني: إلى ~~التجارة، ويقال إليها يعني جملة ms1736 ما رأوا من اللهو والتجارة، وتركوك ~~قائما على المنبر { قل ما عند الله خير من اللهو } ~~يعني: ثواب الله تعالى خير من اللهو { ومن التجرة والله ~~خير الرزقين } وخير المعطين. والله أعلم بالصواب. وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وسلم. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-6] # قوله تعالى { إذا جاءك المنفقون } إذا حرف من حروف التوقيت: ~~وجوابه قوله: فاحذرهم، وهذا إعلام من الله تعالى بنفاقهم وكذبهم وغرورهم ~~{ قالوا نشهد إنك لرسول الله } يعني: يقولون ذلك ~~بلسانهم دون قلوبهم { والله يعلم إنك لرسوله } من غير ~~قولهم { والله يشهد } يعني: يبين { إن المنفقين ~~لكذبون } يعني إنهم مصدقون في قولهم ولكنهم كاذبون بأنهم أرادوا ~~به الإيمان ثم قال عز وجل { اتخذوا أيمنهم جنة } يعني ~~حلفهم جنة من القتل: وقرأ بعضهم (اتخذوا إيمانهم) بكسر الألف يعني ~~اتخذوا إظهارهم الإسلام وتصديقهم سترا لأنفسهم وقراءة العامة اتخذوا ~~إيمانهم بالنصب يعني: استتروا بالحلف وكلما ظهر نفاقهم حلفوا كاذبين ثم ~~قال { فصدوا عن سبيل الله } يعني صرفوا الناس عن دين الله ~~وهو الإسلام { إنهم ساء ما كانوا يعملون } يعني بئس ما ~~كانوا يعملون حيث أظهروا الإيمان وأسروا الكفر وصدوا الناس عن الإيمان { ~~ذلك بأنهم } يعني ذلك الحلف وصرف الناس عن الإيمان بأنهم { ~~ءامنوا } يعني: أقروا باللسان علانية { ثم كفروا } يعني كفروا ~~في السر { فطبع على قلوبهم } بالكفر { فهم لا ~~يفقهون } الهدى ولا يرغبون فيه، قوله تعالى { وإذا رأيتهم ~~} يعني المنافقين { تعجبك أجسمهم } يعني عبد الله بن أبي بن ~~سلول المنافق كان رجلا جسيما فصيحا يعني يعجبك منظرهم وفصاحتهم، { ~~وإن يقولوا تسمع لقولهم } يعني تصدقهم فتحسب أنهم محقون ~~{ كأنهم خشب مسندة } قال مقاتل فيها تقديم يقول كأن ~~أجسامهم خشب مسنده بعضها على بعض قائما وإنها لا تسمع ولا تعقل ويقال ~~خشب مسنده يعني خشب أسند إلى الحائط ليس فيها أرواح فكذلك المنافقون لا ~~يسمعون الإيمان ولا يعقلون قرأ الكسائي وأبو عمرو وابن كثير في إحدى ~~الروايتين (كأنهم خشب) بجزم الشين والباقون بالضم ومعناهما واحد، وهو ~~جماعة الخشب فوصفهم بتمام الصور ms1737 ثم أعلم أنهم في ترك التفهم بمنزلة الخشب ~~ثم قال { يحسبون كل صيحة عليهم } فوصفهم بالجبن أي كلما ~~صاح صائح ظنوا أن ذلك لأمر عليهم ويقال إن كل من خاطب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا يخافون ويظنون أنه مخاطب يخاطبه في أمرهم وكشف نفاقهم ~~ثم أمر أن يحذرهم وبين أنهم أعداؤه فقال { هم العدو } يعني هم ~~أعداؤك { فاحذرهم } ولا تأمن من شرهم ثم قال { قتلهم ~~الله } يعني لعنهم { أنى يؤفكون } يعني من أين يكذبون، ويقال ~~من أين يصرفون عن الحق ثم قال عز وجل { وإذ قيل لهم تعالوا ~~يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم } يعني: ~~عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وأعرضوا عنه وذلك أن عبد الله بن أبي بن ~~سلول قيل له يا أبا الحباب قد أنزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال أمرتموني أن أؤمن فقد ~~آمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت وما بقي إلا أن أسجد لمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - قرأ نافع لووا رؤوسهم بالتخفيف والباقون بالتشديد ~~ومن قرأ بالتخفيف فهو من لوى يلوي ومن قرأ بالتشديد فهو للتكثير ثم قال { ~~ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } يعني يعرضون عن ~~الاستغفار مستكبرين عن الإيمان في السر. # ثم أخبر أن الاستغفار لا ينفعهم ما داموا على نفاقهم فقال { سواء ~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن ~~يغفر الله لهم } لأنهم منافقون { إن الله لا يهدى ~~القوم الفسقين } يعني لا يرشدهم إلى دينه لأنهم لا يرغبون ~~فيه. ### || [63.7-11] # قال { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند ~~رسول الله حتى ينفضوا } يعني: يتفرقوا وروى سفيان ابن ~~عيينة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كنا في غزوة فكسح ~~رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يال الأنصار، وقال ~~المهاجري يال المهاجرين فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال # " ما بال دعوى الجاهلية دعوها فإنها فتنة " # فقال عبد الله بن أبي والله ms1738 لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب رأس هذا المنافق فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " # وروى معمر عن قتادة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه لا تنفقوا على من ~~عند رسول الله فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا قال فاقتتل رجلان ~~أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حليف الأنصار فظهر عليهم ~~الغفاري فقال رجل منهم عظيم النفاق يعني عبد الله بن أبي عليكم صاحبكم ~~حليفكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا كما قال ~~القائل: سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل. وروى معمر عن الحسن أن غلاما جاء إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال يا نبي الله إني سمعت أن عبد الله بن أبي يقول كذا ~~فقال. فلعلك غضبت عليه فقال أما والله يا نبي الله فلقد سمعته يقول: ~~فلعله أخطأ سمعك فقال: لا، والله يا نبي الله لقد سمعته يقول فأنزل الله ~~تعالى تصديقا للغلام لئن رجعنا إلى المدينة فأخذ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بأذن الغلام وقال وعت أذنك يا غلام فنزل قوله تعالى: هم الذين ~~يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا قال الله تعالى { ~~ولله خزائن السموات والأرض } يعني مفاتيح السموات، ~~وهي المطر والرزق ومفاتيح الأرض وهي النبات { ولكن ~~المنفقين لا يفقهون } أمر الله تعالى { يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل } يعني القوي منها يعني من المدينة الذليل: يعني محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - وأصحابه قال الله تعالى { ولله العزة ~~ولرسوله } يعني: المقدرة والمنعة لله ولرسوله { وللمؤمنين ~~} حيث قواهم الله تعالى ونصرهم { ولكن المنفقين لا ~~يعلمون } يعني: لا يصدقون في السر ويقال: ولله العزة يعني القدرة ~~ويقال نفاذ الأمر ولرسوله وهو عزة النبوة والرسالة وللمؤمنين وهو عز ~~الإيمان والإسلام أعزهم الله في الدنيا والآخرة ولكن المنافقين لا ~~يعلمون. ms1739 # ثم قال عز وجل { يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم ~~أمولكم } يعني: لا تشغلكم أموالكم { ولا أولدكم عن ~~ذكر الله } يعني عن طاعة الله تعالى { ومن يفعل ذلك } ~~يعني من لم يعمل بطاعته ولم يؤمن بوحدانيته { فأولئك هم ~~الخسرون } يعني: المغبونين بذهاب الدنيا وحرمان الآخرة ثم قال عز ~~وجل { وأنفقوا مما رزقنكم } يعني: تصدقوا مما رزقناكم أي ~~مما رزقكم الله من الأموال { من قبل أن يأتى أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب } ~~يعني يقول يا سيدي ردني إلى الدنيا { فأصدق } يعني فأتصدق ويقال ~~أصدق بالله { وأكن من الصلحين } يعني أفعل كما فعل المؤمنون ~~وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال من كان له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه ~~أو مال يبلغه بيت الله فلم يحج سأل عند الموت الرجعة قال - فقال رجل اتق ~~الله يا ابن عباس سألت الكفار الرجعة قال إني أقرأ عليك بهذا القرآن ثم ~~قرأ { يأيها الذين آمنوا } إلى قوله { فأصدق ~~وأكن من الصلحين }. # فقال رجل يا ابن عباس وما يوجب الزكاة قال مائتان فصاعدا قال فما يوجب ~~الحج قال الزاد والراحلة، قرأ أبو عمرو (فأصدق وأكون) بالواو وفتح النون ~~والباقون (وأكن) بحذف الواو بالجزم فمن قرأ (أكون) لأن قوله فأصدق جواب ~~(لولا أخبرتني) بالفاء فأكون معطوفا عليه، ومن قرأ (فاكن) فإنه عطفه على ~~موضع فأصدق لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن ولم يعطفه على اللفظ قال ~~أبو عبيدة: قرأت في مصحف عثمان هكذا بغير واو ثم قال: { ولن يؤخر ~~الله نفسا إذا جاء أجلها } يعني: إذ جاء وقتها { والله ~~خبير بما تعملون } من الخير والشر فيجازيكم قرأ عاصم في رواية ~~أبي بكر يعلمون بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى ~~المخاطبة والله أعلم. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-6] # قوله تعالى: { يسبح لله ما فى السموات وما في ~~الأرض له الملك } أي له الملك الدائم الذي لا يزول يعني: يحمده ~~المؤمنون في الدنيا وفي الجنة كما قال { وله الحمد } في الأولى ~~والآخرة ms1740 ويقال له الحمد يعني: هو المحمود في شأنه وهو أهل أن يحمد لأن ~~الخلق كلهم في نعمته فالواجب عليهم أن يحمدوه ثم قال { وهو على ~~كل شىء قدير } يعني: قادر على ما يشاء { هو الذى خلقكم ~~} يعني: يخلقكم من نفس واحدة { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ~~يعني: منكم من يصير كافرا، ومنكم من يصير أهلا للإيمان، ويؤمن بتوفيق ~~الله تعالى، ويقال منكم من خلقه كافرا ومنكم من خلقه مؤمنا، كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # " ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى " # وإلى هذا ذهب أهل الجبر، ويقال فمنكم كافر يعني: كافر بأن الله تعالى ~~خلقه وهو كقوله: # قتل الإنسن مآ أكفره من أى شىء خلقه # [عبس:17، 18] وكقوله # أكفرت بالذى خلقك من تراب # [الكهف: 37]، ويقال (فمنكم كافر) يعني كافرا في السر وهم المنافقون ~~(ومنكم مؤمن) وهم المخلصون ويقال: هذا الخطاب لجميع الخلق، ومعناه: هو ~~الذي خلقكم فمنكم كافر بالله وهم المشركون ومنكم مؤمن وهم المؤمنون يعني: ~~استويتم في خلق الله إياكم واختلفتم في أحوالكم فمنكم من آمن بالله ومنكم ~~من كفر ثم قال { والله بما تعملون بصير } يعني: عليما بما ~~تعملون من الخير والشر ثم قال عز وجل: { خلق السموات ~~والأرض بالحق } يعني: بالحق والحجة والثواب والعقاب { ~~وصوركم } يعني: خلقكم { فأحسن صوركم } يعني: خلقكم على ~~أجمل صورة وهذا كقوله # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # [التين: 4]، وكقوله # ولقد كرمنا بنى ءادم # [الإسراء: 70] ثم قال { وإليه المصير } يعني: إليه المرجع في ~~الآخرة فهذا التهديد يعني: كونوا على الحذر لأن مرجعكم إليه ثم قال { ~~يعلم ما فى السموات والأرض } يعني: من كل موجود { ~~ويعلم ما تسرون وما تعلنون } يعني: ما تخفون وما ~~تضمرون في قلوبكم وما تظهرون وتعلنون بألسنتكم { والله عليم ~~بذات الصدور } يعني: عليما بسرائركم ثم قال الله عز وجل: { ~~ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل } اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به: التوبيخ والتقريع يعني: قد أتاكم خبر الذين كفروا ~~من قبلكم { فذاقوا وبال أمرهم } يعني: أصابتهم عقوبة ذنبهم ~~في ms1741 الدنيا ثم أخبر أن ما أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم فقال: { ~~ولهم عذاب أليم } في الآخرة ثم بين السبب الذي أصابهم به ~~العذاب فقال: { ذلك } العذاب { بأنه كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينت } يعني: بالأمر والنهي، ويقال بالبينان يعني: ~~بالدلائل والحجج { فقالوا أبشر يهدوننا } يعني آدميا مثلنا ~~يرشدنا ويأتينا بدين غير دين آبائنا { فكفروا } يعني: جحدوا بالرسل ~~والكتاب { وتولوا } يعني: أعرضوا عن الإيمان { واستغنى ~~الله } تعالى عن إيمانهم { والله غنى حميد } عن إيمان ~~العباد، حميد في فعاله يقبل اليسير، ويعطي الجزيل. ### || [64.7-9] # قال عز وجل: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } يعني: ~~مشركي العرب زعموا أن لن يبعثوا بعد الموت { قل } يا محمد { بلى ~~وربى لتبعثن } فهذا قسم أقسم أنهم يبعثون بعد الموت { ثم ~~لتنبؤن بما عملتم } يعني: تخبرون بما عملتم في دار الدنيا ~~ويجزون على ذلك ثم قال { وذلك على الله يسير } يعني: البعث ~~والجزاء على الله هين قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله } ~~يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى. وصدقوا برسالة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - { والنور الذى أنزلنا } يعني؛ صدقوا بالقرآن الذي نزل ~~به جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - فسمى القرآن نورا لأنه يهتدى ~~به في ظلمة الجهالة والضلالة ويعرف به الحلال والحرام ثم قال { والله ~~بما تعملون خبير } يعني: عالم بأعمالكم فيجازيكم بها ثم قال { ~~يوم يجمعكم } يعني: تبعثن في يوم يجمعكم { ليوم الجمع } ~~يعني: يوم تجمع فيه أهل السماء وأهل الأرض ويجمع فيه الأولون والآخرون، ~~قرأ يعقوب الحضرمي يوم نجمعكم بالنون وقراءة العامة بالياء ومعناهما واحد ~~ثم قال { ذلك يوم التغابن } يعني: يغبن فيه الكافر نفسه وأصله ~~ومنازله في الجنة يعني: يكون له النار مكان الجنة وذلك هو الغبن والخسران ~~ثم قال { ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا } يعني: يوحد ~~الله تعالى ويؤدي الفرائض { يكفر عنه سيئته } يعني: ذنوبه ~~{ ويدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر ~~خلدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم } يعني: النجاة ~~الوافرة قرأ نافع وابن عامر نكفر وندخله كلاهما بالنون والباقون: كلاهما ~~بالياء ومعناهما ms1742 واحد. ### || [64.10-15] # ثم وصف حال الكافرين فقال عز وجل: { والذين كفروا ~~بئايتنا } يعني: بالكتاب والرسول { أولئك أصحب ~~النار خلدين فيها وبئس المصير } يعني: بئس المرجع ~~الذي صاروا إليه المغبونين ثم قال عز وجل: { ما أصاب من مصيبة ~~} يعني: ما أصاب بني آدم من شدة ومرض وموت الأهلين { إلا بإذن ~~الله } يعني: إلا بإرادة الله تعالى وبعلمه { ومن يؤمن بالله ~~} يعني: يصدق بالله على المصيبة ويعلم أنها من الله تعالى: { يهد ~~قلبه } يعني: إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظلم غفر وروي عن ~~علقة بن قيس أن رجلا قرأ عنده هذه الآية فقال أتدرون ما تفسيرها وهو أن ~~الرجل المسلم يصاب بالمصيبة في نفسه وماله يعلم أنها من عند الله تعالى ~~فيسلم ويرضى ويقال، من يؤمن بالله يهدي قلبه للاسترجاع يعني يوفقه الله ~~تعالى لذلك { والله بكل شيء عليم } أي عالم بثواب من صبر على ~~المصيبة ثم قال عز وجل: { وأطيعوا الله } يعني: أطيعوا الله في ~~الفرائض { وأطيعوا الرسول } في السنن ويقال أطيعوا الله في ~~الرضا بما يقضي عليكم من المصيبة وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الصبر ~~وترك الجذع { فإن توليتم } يعني: أبيتم وأعرضتم عن طاعة الله ~~وطاعة رسوله { فإنما على رسولنا البلغ المبين } أي ~~ليس عليه أكثر من التبليغ ثم وحد نفسه فقال عز وجل: { الله لا ~~إله إلا هو } يعني لا ضار ولا نافع ولا كاشف إلا هو { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون } يعني: على المؤمنين أن ~~يتوكلوا على الله ويفوضوا أمرهم إليه. قوله تعالى: { يأيها الذين ~~ءامنوا إن من أزوجكم وأولدكم عدوا لكم } ~~حين يمنعونكم الهجرة { فاحذروهم } أن تطيعوهم في ترك الهجرة روى ~~سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن قوما أسلموا بمكة فأرادوا أن يخرجوا إلى ~~المدينة فمنعهم أزواجهم وأولادهم فلما قدموا على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رأوا الناس قد فقهوا في الدين فأرادوا أن يعاقبوا أزواجهم ~~وأولادهم فنزل قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا إن من ~~أزوجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم } { ~~وإن تعفوا } يعني: ms1743 تتركوا عقابهم { وتصفحوا } يعني: ~~وتتجاوزوا { وتغفروا فإن الله غفور رحيم } لذنوب ~~المؤمنين رحيم بهم ثم قال { إنما أمولكم وأولدكم ~~فتنة } يعني: الذين بمكة بلية لا يقدر الرجل على الهجرة، روي عن عبد ~~الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطبنا ~~فأقبل الحسن والحسين يمشيان ويعثران فلما رآهما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نزل إليهما وأخذهما واحدا من هذا الجانب وواحدا من هذا ~~الجانب ثم صعد المنبر فقال # " صدق الله { إنما أمولكم وأولدكم فتنة } لما ~~رأيت هذين الغلامين لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما " # ثم أتم الخطبة ثم قال { والله عنده أجر عظيم } أي ثواب ~~عظيم لمن آمن ولمن لم يعص الله تعالى لأجل الأموال والأولاد وأحسن ~~إليهم. ### || [64.16-18] # قال عز وجل: { فاتقوا الله ما استطعتم } يعني: على قدر ~~ما أطقتم { واسمعوا } يعني: اسمعوا ما تؤمرون به من المواعظ { ~~وأطيعوا } يعني: وأطيعوا الله والرسول { وأنفقوا خيرا ~~لأنفسكم } يعني: تصدقوا خيرا: يعني: وأنفقوا من أموالكم في حق الله ~~تعالى لأنفسكم يعني ثوابه لأنفسكم ويكون زادا لكم إلى الجنة، ويقال ~~معناه: تصدقوا خيرا لأنفسكم من إمساك الصدقة { ومن يوق شح ~~نفسه } يعني: يدفع البخل عن نفسه { فأولئك هم ~~المفلحون } يعني الناجين السعداء وقوله تعالى: { إن تقرضوا ~~الله قرضا حسنا } يعني: صادقا من قلوبكم { يضعفه لكم ~~} يعني؛ القرض يضاعف حسناتكم ويقال يضاعفه لكم يعني الله تعالى يضاعف ~~القرض لكم فيعطي للواحد عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا يحصى { ويغفر ~~لكم } يعني: يغفر لكم ذنوبكم { والله شكور } يعني: يقبل اليسير ~~ويعطي الجزيل { حليم } لا يعجل بالعقوبة لمن يبخل ثم قال: { علم ~~الغيب والشهدة } وقد ذكرناه { العزيز الحكيم } يعني ~~العزيز في ملكه الحكيم في أمره سبحانه وتعالى - وصلى الله على سيدنا محمد ~~وآله وصحبه وسلم. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1-5] # قوله تعالى: { يأيها النبى إذا طلقتم النساء } ~~فالخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به هو وأمته بدليل قوله { ~~إذا طلقتم النساء } فذكر بلفظ الجماعة فكأنه قال يا أيها ms1744 النبي ~~ومن آمن بك إذا طلقتم النساء يعني: أنت وأمتك إذا أردتم أن تطلقوا النساء ~~وقال الكلبي نزلت في النبي - صلى الله عليه وسلم -: حين غضب على حفصة بنت ~~عمر فقال: فطلقوهن لعدتهن وقال طاهرات: من غير جماع، وروى أبو إسحاق عن ~~أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال { فطلقوهن لعدتهن } ~~طاهرات من غير جماع روى سفيان عن عمرو بن دينار أن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قرأ فطلقوهن لقبل عدتهن وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ~~لو أن الناس أصابوا حد الطلاق لما ندم رجل على امرأته يطلقها وهي طاهرة ~~لم يجامعها فإن بدا أن يمسكها فأمسكها وإن بدا له أن يخلي سبيلها خلى ~~سبيلها وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ~~ووجهان حرام فأما الحلال بأن يطلقها، من غير جماع أو يطلقها حاملا، وأما ~~الحرام بأن يطلقها حائضا أو يطلقها حين جامعها، وقال الحسن فطلقوهن ~~لعدتهن قال إذا طهرن من الحيض من غير جماع، وقال الزهري وقتادة يطلقها ~~لقبيل عدتها وروى ابن طاوس عن أبيه قال حد الطلاق أن يطلقها قبل عدتها ~~قلت: وما قبل عدتها قال طاهرة من غير جماع ثم قال { وأحصوا ~~العدة } يعني: واحفظوا العدة: فأمر الرجل بحفظ العدة لأن في النساء ~~غفلة فربما لا تحفظ عدتها. ثم قال { واتقوا الله ربكم } ~~يعني: واخشوا الله ربكم: فأطيعوه فيما أمركم ولا تطلقوا النساء في غير ~~طهورهن فلو طلقها في الحيض فقد أساء والطلاق واقع عليها في قول عامة ~~الفقهاء ثم قال { لا تخرجوهن من بيوتهن } يعني اتقوا الله ~~في إخراجهن من بيوتهن لأن سكناها على الزوج ما لم تنقض عدتها ثم قال { ~~ولا يخرجن } يعني: ليس لهن أن يخرجن من البيوت، ثم قال: { إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة } يعني: إلا أن تزني فتخرج لأجل ~~إقامة الحد عليها وهو قول ابن مسعود، وقال الشعبي وقتادة: خروجها في ~~العدة فاحشة وإخراج الزوج لها في العدة معصية، وهكذا روي ms1745 عن ابن عمرو ~~وإبراهيم النخعي وقال ابن عباس الفاحشة: أن تبذو على زوجها فتخرج ثم قال ~~{ وتلك حدود الله } يعني: الطلاق بالسنة وإحصاء العدة من أحكام ~~الله تعالى { ومن يتعد حدود الله } يعني: يترك حكم الله ~~فيما أمر من أمر الطلاق { فقد ظلم نفسه } يعني: أضر بنفسه: ثم ~~قال { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ~~يعني: لا تطلقها ثلاثا: فلعله يحدث من الحب أو الولد خير فيريد أن ~~يراجعها فلا يمكنه مراجعتها وإن طلقها واحدة يمكنه أن يراجعها ثم قال { ~~فإذا بلغن أجلهن } يعني: إذا بلغن وقت انقضاء عدتهن وهو مضي ~~ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة { فأمسكوهن بمعروف } ~~يعني: راجعوهن بإحسان: يعني: أن تمسكوهن بغير إضرار { أو فارقوهن ~~بمعروف } يعني: اتركوهن بإحسان ويقال: فإذا بلغن أجلهن يعني؛ انقضت ~~عدتهن فأمسكوهن بمعروف يعني بنكاح جديد إذا طلقها واحدة أو اثنتين ثم قال ~~عز وجل: { وأشهدوا ذوى عدل منكم } يعني: أشهدوا على الطلاق ~~والمراجعة فهو على الاستحباب ويقال على النكاح المستقبل: فإن أراد به ~~الإشهاد على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب ولو ترك الإشهاد ~~بالمراجعة جاز الطلاق والمراجعة فإن أراد به الإشهاد على النكاح فهو ~~واجب، لأنه لا نكاح إلا بشهود ثم قال { وأقيموا الشهدة ~~لله } يعني؛ يا معشر الشهود أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على ~~وجهها لحق الله تعالى ولسبب أمر الله تعالى ثم قال { ذلكم يوعظ ~~به } يعني: هذا الذي يؤمر به { من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } أي لا يكتم الشهادة ثم قال { ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا } يعني: يخشى الله ويطلق امرأته للسنة ~~يجعل له مخرجا يعني: المراجعة. # { ويرزقه من حيث لا يحتسب } يعني: في شأن المراجعة، ~~ويقال يجعل له مخرجا يعني: ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة، ~~ووجه آخر أن من اتقى الله عند الشدة وصبر يجعل له مخرجا من الشدة ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب يعني يوسع عليه من الرزق، وقال مسروق يجعل له مخرجا قال ~~مخرجه أن يعلم أن ms1746 الله هو يرزقه وهو يمنحه ويعطيه لأنه هو الرازق وهو ~~المعطي وهو المانع كما قال الله تعالى: # هل من خلق غير الله يرزقكم # [فاطر: 3] الآية # ثم قال عز وجل { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ~~يعني من يثق بالله في الرزق فهو حسبه يعني الله كافيه، وروى سالم بن أبي ~~الجعد أن رجلا من أشجع أسره العدو فجاء أبوه إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فشكا إليه فقال اصبر فأصاب ابنه غنيمة فجاء بهما جبريل - عليه ~~السلام - ومن يتق الله يجعل له مخرجا الآية وعن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنه قال جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم فما تأمرني فقال ~~آمرك وإياها أن تستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~فرجع إلى منزله فقالت له بماذا أمرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال بكذا فقالت نعم ما أمرك به فجعلا يقولان ذلك فخرج ابنه بغنيمة كثيرة ~~فنزل قوله تعالى { ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه } يعني من يثق بالله في الشدة يجعل له مخرجا من ~~الشدة ويقال المخرج على وجهين أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة، والثاني أن ~~يكرمه فيها بالرضا والصبر ثم قال: { إن الله بلغ أمره } ~~يعني: قاضيا أمره: قرأ عاصم في رواية حفص بالغ أمره بغير تنوين بكسر ~~الراء على الإضافة، والباقون بالتنوين أمره بالنصب، نصبه بالفعل بمعنى ~~يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلا ووقتا ثم قال: { قد جعل الله ~~لكل شىء قدرا } يعني: جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ووقتا ~~لا يتقدم ولا يتأخر قوله تعالى: { واللائى يئسن من المحيض ~~من نسائكم } قال ابن عباس رضي الله عنهما لما نزل قوله # والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء # [البقرة: 228] قال معاذ بن جبل يا رسول الله لو كانت المرأة آيسة لا ~~تحيض كيف ms1747 تعتد فنزل { واللائى يئسن من المحيض من ~~نسائكم } والآية أن تبلغ ستين سنة ويقال خمسين { إن ارتبتم } ~~إن شككتم في عدتهن { فعدتهن ثلثة أشهر } فقام رجل آخر ~~فقال: لو كانت صغيرة كيف عدتها وقام آخر وقال لو كانت حاملا كيف عدتها ~~فنزل { واللائى لم يحضن } يعني: المرأة التي لم تحض فعدتها ~~ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة { وأولت الأحمال أجلهن } ~~يعني عدتهن. { أن يضعن حملهن } وقال عمر لو وضعت ما في بطنها ~~وزوجها على سريره قبل أن يدفن في حفرته لانقضت عدتها وحلت للأزواج وروى ~~الزهري عن عبد الله عن أبيه أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها ~~بعشرين يوما فمر بها السنابل بن بعكك فقال لها أتريدين أن نتزوج فقالت ~~نعم قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر فأتت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال لها قد حللت للزواج يعني انقضت عدتك ثم قال: { ومن يتق ~~الله } يعني: يصبر على طاعة الله تعالى { يجعل له من أمره ~~يسرا } يعني: ييسر عليه أمره ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى ويعصمه ~~عن معاصيه ثم قال { ذلك أمر الله } يعني: هذا الذي ذكره حكم ~~الله وفريضته { أنزله إليكم } يعني: أنزله في القرآن على نبيكم ~~{ ومن يتق الله } ويعمل بأحكامه وفريضته { يكفر عنه ~~سيئته } في الدنيا { ويعظم له أجرا } يعني ثوابا في ~~الجنة قرأ نافع وابن عامر نكفر عنه بالنون والباقون بالياء ومعناهما يرجع ~~إلى شيء واحد ثم رجع إلى ذكر المطلقات ### || [65.6-7] # فقال عز وجل: { أسكنوهن من حيث سكنتم } يعني أنزلوهن من ~~حيث تسكنوا فيه { من وجدكم } يعني: من سعتكم والوجد القدرة والغنى ~~ويقال: افتقر فلان بعد وجده ثم قال { ولا تضاروهن } يعني لا ~~تظلموهن { لتضيقوا عليهن } في النفقة والسكنى { وإن كن ~~أولت حمل } يعني إن كن المطلقات ذوات حمل { فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن } وقد أجمعوا: أن المطلقة إذا ~~كانت حاملا فلها النفقة وأما إذا لم تكن حاملا فإن كان الطلاق رجعيا ~~فلها النفقة. والسكنى بالإجماع، وإن كان الطلاق ms1748 بائنا فلها السكنى ~~والنفقة في قول أهل العراق وقال بعضهم لها السكنى ولا نفقة ثم قال { ~~فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } يعني: المطلقات إذا ~~أرضعن أولادكم فأعطوهن أجورهن لأن النفقة على الأب وأجر الرضاع من النفقة ~~فهو على الأب إذا كانت المرأة مطلقة ثم قال { وأتمروا بينكم ~~بمعروف } هموا به وعزموا عليه ويقال هو أن لا تضار المرأة بالزوج ~~ولا الزوج بالمرأة في الرضاع ويقال: وأتمروا بينكم يعني: اتفقوا فيما ~~بينكم يعني الزوج والمرأة يتفقان على أمر واحد بمعروف يعني بإحسان { ~~وإن تعاسرتم } يعني تضايقتم وهو أن يأبى أن يؤتي المرأة لأجل ~~رضاعها وأبت المرأة أن ترضعه ويقال: يعني أراد الرجل أقل مما طلبت المرأة ~~من النفقة ولم يتفقا على شيء واحد { فسترضع له أخرى } يعني ~~يدفع الزوج الصبي إلى امرأة أخرى إن أرضعت بأقل مما ترضع الأم به ثم قال ~~عز وجل { لينفق ذو سعة من سعته } يعني ينفق على المرأة ذو ~~الغنى على قدر غناه وعلى قدر عيشه وسعته ويسره { ومن قدر عليه ~~رزقه } يعني ضيق عليه رزقه { فلينفق مما ءاتاه الله } ~~يعني على قدر ما أعطاه الله من المال { لا يكلف الله نفسا ~~إلا ما ءاتاها } يعني: لا يأمر الله نفسا في النفقة إلا ما أعطاها ~~من المال { سيجعل الله بعد عسر يسرا } يعني العسر ينتظر ~~اليسر. ### || [65.8-12] # قوله تعالى { وكأين من قرية } يعني فكم من أهل قرية قرأ ابن ~~كثير وكأين بغير الألف والباقون بغير مد مع تشديد الياء، وهما لغتان ~~ومعناهما واحد يعني وكم من قرية { عتت عن أمر ربها } يعين أبت ~~وعصت عن أمر ربها يعني: عن طاعة ربها قال مقاتل: عتت عن أمر ربها يعني ~~خالفت وعصت وقال الكلبي: العتو المعصية وقال أهل اللغة العتو مجاوزة الحد ~~في المعصية ثم قال { ورسله } يعني: عن طاعة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - { فحاسبنها حسابا شديدا } يعني جازاها الله ~~بعملها ويقال حاسبناها في الآخرة حسابا شديدا { وعذبنها ~~عذابا نكرا } يعني عذابا منكرا على معنى التقديم ms1749 يعني عذبناها ~~في الدنيا عذابا شديدا وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا ويقال ~~وحاسبناها يعني في الدنيا يعني جازيناها وخذلناها وحرمناها ثم قال عز وجل ~~{ فذاقت وبال أمرها } يعني: جزاء ذنبها { وكان عقبة ~~أمرها خسرا } يعني: أهل القرية يعني أن آخر أمرهم صار إلى الخسران ~~والندامة ثم قال: { أعد الله لهم عذابا شديدا } يعني ما ~~أصابهم في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم ولكن مع ما أصابهم في الدنيا أعد ~~الله لهم عذابا شديدا في الآخرة لأنهم لم يرجعوا عن كفرهم ثم أمر ~~المؤمنين بأن يعتبروا بهم ويثبتوا على إيمانهم فقال { فاتقوا ~~الله يأولى الألبب } يعني، اخشوا الله وأطيعوه يا ذوي ~~العقول من الناس { الذين آمنوا } بالله يعني الذين صدقوا بالله ~~ورسوله { قد أنزل الله إليكم ذكرا } يعني كتابا ويقال ~~شرفا وعزا وهو القرآن. ثم قال { رسولا } يعني أرسل إليكم رسولا { ~~يتلوا عليكم } يعني يقرأ عليكم ويعرض عليكم ويقال: قد أنزل ~~إليكم ذكرا ورسولا يعني كتابا مع رسوله ليتلو عليكم يعني يقرأ عليكم { ~~آيات الله مبينات } يعني: واضحات ويقال: بين فيه الحلال ~~والحرام { ليخرج الذين ءامنوا } يعني: الذين صدقوا بتوحيد ~~الله وطاعته { وعملوا الصلحات } يعني الطاعات { من ~~الظلمت إلى النور } يعني من الجهالة إلى البيان ويقال: ليخرج ~~الذين آمنوا اللفظ لفظ المستقبل والمراد به الماضي يعني أخرج الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور يعني من الكفر إلى الإيمان ويقال: ~~هو المستقبل يعني يخرجهم من الشبهات والجهالات إلى الدلالات والبراهين، ~~ويقال: ليدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخرجكم من ظلمات الكفر إلى ~~نور الإيمان من قدرة الله الإيمان في سابق علمه ثم قال عز وجل { ومن ~~يؤمن بالله } يعني: يصدق بالله ويقال: يثبت على الإيمان { ~~ويعمل صلحا } يعني فرائض الله وسنن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - { يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } قرأ ~~نافع وابن عامر ندخله بالنون والباقون بالياء يعني يدخله الله تعالى في ~~الآخرة { خلدين فيها } يعني مقيمين في الجنة دائمين فيها { ~~أبدا قد أحسن الله له رزقا } يعني ms1750 أعد الله له ثوابا ~~في الجنة ثم قال عز وجل { الله الذى خلق سبع سموات ~~ومن الأرض مثلهن } يعني خلق سبع أراضين مثل عدد السماوات { ~~يتنزل الأمر بينهن } يعني ينزل الوحي من السموات، ويقال: ~~في كل سماء وفي كل أرض أمره نافذ، وقال القتبي الأمر على وجوه الأمر أي ~~القضاء كقوله # يدبر الأمر # [يونس: 3] ويعني يقضي القضاء وكقوله # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] أي القضاء والأمر الدين كقوله # وتقطعوا أمرهم بينهم # [ الأنبياء: 93] وكقوله # وظهر أمر الله # [التوبة: 48] أي دين الله والأمر القول كقوله # يتنزعون بينهم أمرهم # [الكهف: 21] أي قولهم، الأمر، العذاب، كقوله # إنه قد جآء أمر ربك # [هود: 76] والأمر القيامة، كقوله # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] والأمر الوحي كقوله # يتنزل الأمر بينهن # [الطلاق: 12] يعني: الوحي والأمر: الذنب كقوله: # فذاقت وبال أمرها # [الطلاق: 9] أي جزاء ذنبها. وأصل هذا كله، واحد لأن الأشياء كلها بأمر ~~الله تعالى فسميت الأشياء أمورا ثم قال { لتعلموا أن الله ~~على كل شىء قدير } يعني يمكنكم أن تعلموا أن الله على كل شيء ~~قدير { وأن الله قد أحاط بكل شىء علما } يعني أحاط ~~علمه بكل شيء وروى معمر عن قتادة في قوله (سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن) قال في كل سماء وفي كل أرض من أرضه وخلق من خلقه ~~وأمر من أموره وقضاء من قضائه سبحانه وتعالى. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1-2] # قوله تعالى: { يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله ~~لك } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلا في يوم لعائشة رضي الله ~~عنها مع جاريته مارية القبطية فوقعت حفصة على ذلك فقال لها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # " لا تعلمي عائشة " # وحرم مارية على نفسه فأخبرت حفصة عائشة بذلك فأطلع الله تعالى نبيه على ~~ذلك فطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - حفصة فأمر الله تعالى رسوله ~~بكفارة اليمين لتحريم جاريته على نفسه وأمره بأن يراجع حفصة فقال له ~~جبريل: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة ونزلت هذه الآية يا أيها النبي تحرم ~~ما أحل ms1751 الله لك يعني مارية { تبتغى مرضات أزوجك } يعني تطلب ~~رضا زوجتك عائشة { والله غفور } فيما حرم على نفسه ويقال غفور ~~لذنب حفصة { رحيم } حيث لم يعاقبها { قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمنكم } يعني بين الله لكم كفارة أيمانكم، ويقال أوجب ~~الله عليكم كفارة أيمانكم، وفي الآية وجه آخر روى هشام بن عروة عن أمية ~~عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يحب الحلو والعسل وكان إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن ~~فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس فسألت عائشة عن ذلك فقيل ~~لها أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - منه فقالت أما والله لنحتالن فذكرت ذلك لسودة، وقالت إذا دخل فإنه ~~سيدنو منك فقولي له أكلت المغافير فإنه سيقول لك لا فقولي له ما هذه ~~الريح وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتد عليه إذا وجد منه ~~الريح فإنه سيقول لك حفصة سقتني شربة عسل فقولي له جرست نحلة العرفط ~~يعني أن تلك النحلة أكلت العرفط وهو نبات به رائحة منكرة وسأقول له ذلك ~~وقولي له أنت يا صفية فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~سودة قالت سودة لقد كدت أن أناديه وإنه لعلى الباب فرقا منك فلما دنا مني ~~قلت أكلت المغافير قال لا فما هذه الريح قال سقتني حفصة شربة عسل قلت ~~جرست نحله العرفط فلما دخل على صفية قالت له مثل ذلك فلما دخل على حفصة ~~قالت له يا رسول الله ألا أسقيك منه قال لا حاجة لي به وروى بن أبي مليكة ~~عن عبد الله بن عباس قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب من ~~شراب عند سودة من العسل فدخل على عائشة فقالت له إني أجد منك ريحا ثم ~~دخل على حفصة فقالت إني أجد منك ريحا قال أراه من شراب شربته عند سودة ~~والله لا أشربه فنزل ms1752 { يأيها النبى لم تحرم ما أحل ~~الله لك } ثم قال { قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمنكم } يعني أوجب عليكم كفارة أيمانكم { والله ~~مولكم } يعني ناصركم وحافظكم { وهو العليم } بما قالت حفصة ~~لعائشة في أمر مارية { الحكيم } حكم بكفارة اليمين. ### || [66.3-4] # قال عز وجل { وإذ أسر النبى } يعني أخفى النبي { إلى ~~بعض أزوجه حديثا } يعني كلاما { فلما نبأت به } ~~يعني أخبرت بذلك الخبر حفصة عائشة { وأظهره الله عليه } ~~يعني أظهر الله قولها لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فدعا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حفصة فأخبرها ببعض ما أخبرت عائشة ولم يخبرها عن ~~الجميع فذلك قوله { عرف بعضه وأعرض عن بعض } يعني سكت ~~عن بعض، ومن هذا قيل: إن الكريم لا يبالغ في العتاب، قرأ الكسائي عرف ~~بعضه بالتخفيف يعني جازاها ببعضه، والباقون (عرف) بالتشديد يعني عرف ~~حفصه { فلما نبأها به } يعني لما أخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك الخبر حفصة { قالت من أنبأك هذا } يعني من ~~أخبرك بهذا { قال نبأنى } يعني أخبرني { العليم الخبير } ~~قوله تعالى { إن تتوبا إلى الله } يعني عائشة وحفصة { فقد ~~صغت قلوبكما } يعني مالت قلوبكما عن الحق وذكر عن الفراء أنه ~~قال: معناه إن لا تتوبا إلى الله فقد مالت قلوبكما عن الحق، ويقال: فيه ~~مضمر، ومعناه: إن تتوبا إلى الله يقبل الله توبتكما، ويقال معناه إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما يعني مالت إلى الحق، وروى الزهري عن عبد ~~الله بن عباس قال كنت مع عمر رضي الله عنه حين حج فلما كنا في بعض الطريق ~~نزل في موضع فقلت يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان قال الله تعالى { ~~إن تتوبا إلى الله } فقال عمر رضي الله عنه واعجبا لك يا ابن ~~عباس، قال الزهري كأنه كره ما سأله عنه ولم يكتمه قال هي حفصة وعائشة رضي ~~الله عنهما ثم قال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة ~~وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت يوما ~~على امرأتي ms1753 فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك ~~فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لتراجعنه وتهجره إحداهن ~~اليوم إلى الليل فدخل على حفصة فذكرت لها، فقالت: نعم، فقلت قد خاب من ~~فعل ذلك منكن وخسرت أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله لا ~~تراجعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تسأليه شيئا واسأليني ما ~~بدا لك، قالت كان لي جار من الأنصار يأتيني بخبر الوحي وأتاه بمثل ذلك - ~~قالت فأتاني يوما فناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: ماذا ~~قال طلق النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه فقلت خابت حفصة وخسرت فدخل ~~على حفصة وهي تبكي فقلت أطلقكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: ~~لا أدري هوذا معتزلا في هذه المشربة فأتيته فدخلت فسلمت عليه فإذا هو ~~متكىء على رمل حصير قد أثر في جنبه فقلت أطلقت نساءك يا رسول الله قال لا ~~فقلت الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما ~~قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن فتبسم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أقسم أن لا يدخل شهرا عليهن حتى نزل { ~~يأيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك } إلى ~~قوله تعالى { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما }. # ثم قال { وإن تظاهرا عليه } يعني تعاونا على أذاه ومعصيته ~~فيكون مثلكما كمثل امرأة نوح وامرأة لوط تعملان عملا تؤذيان بذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ عاصم وحمزة والكسائي تظاهر بالتخفيف ~~وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد وكذلك ابن كثير وابن عامر في إحدى ~~الروايتين لأن أصله تتظاهر { فإن الله هو موله } يعني ~~وليه وناصره { وجبريل وصلح المؤمنين } يعني أبا بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وأصحابه رضي الله عنهم قال حدثنا الفقيه ابن جعفر حدثنا ~~أبو بكر أحمد بن حمدان حدثنا أحمد بن جرير قال: حدثنا سعيد بن هشام قال ~~حدثنا هشام بن عبد الملك عن محمد بن أبان عن عبد ms1754 الله بن عثمان عن عكرمة ~~في قوله (وصالح المؤمنين) قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال عبد الله ~~فذكرت ذلك لسعيد بن جبير قال صدق عكرمة، ويقال صالح المؤمنين يعني خيار ~~أصحابه ثم قال { والملئكة بعد ذلك ظهير } يعني الملائكة ~~أيضا أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك يعني مع ذلك أعوان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### || [66.5-8] # قال: { عسى ربه إن طلقكن } فخوفهن الله تعالى بفراق ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهن وعسى من الله واجب يعني إن طلقكن عسى ~~ربه { أن يبدله أزوجا } قرأ نافع وأبو عمرو (يبدله) بتشديد ~~الدال والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد يقال بدل وأبدل { خيرا ~~منكن مسلمت } يعني مستسلمات لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ويقال يعني معينات ثم قال { مؤمنت } يعني مصدقات في إيمانهن { ~~قنتت } يعني مطيعات لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - { ~~تئبت } يعني راجعات عن الذنوب { عبدت } يعني موحدات مطيعات ~~{ سئحت } يعني صائمات وقال أهل اللغة إنما سمي الصائم سائحا لأن ~~الذي يسيح للعبادة لا زاد معه يمضي نهاره لا يطعم شيئا ولذلك سمي الصائم ~~سائحا { ثيبت وأبكارا } الثيبات جمع الثيب والأبكار جمع ~~البكر وهن العذارى، ويقال: هذا وعد من الله تعالى للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن يزوجه في الجنة والثيب هي آسية امرأة فرعون، والبكر هي مريم ~~أم عيسى عليه السلام وهي ابنة عمران تكون وليته في الجنة، ويجتمع عليها ~~أهل الجنة فيزوج الله تعالى هاتين المرأتين محمدا - صلى الله عليه وسلم ~~-. # قوله تعالى { يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم } يعني ~~بعدوا أنفسكم عن النار بطاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - { ~~وأهليكم } يعني أهليكم { نارا } بتعليمهم ما ينجيهم منها، وقال ~~قتادة: مروهم بطاعة الله تعالى وانهوهم عن معصية الله وقال مجاهد يعني ~~أوصوا أهليكم بتقوى الله ويقال: أدبوهم وعلموهم خيرا تقوهم بذلك نارا ~~{ وقودها } يعني حطبها، والوقود: ما توقد به النار يعني حطبها { ~~الناس } إذا صاروا إليها وحطبها { والحجارة } قبل أن يصير الناس ~~إليها وهي حجارة ms1755 الكبريت ثم قال { عليها ملئكة غلاظ شداد ~~} يعني على النار ملائكة موكلين غلاظ يعني أقوياء يعملون بأرجلهم كما ~~يعملون بأيديهم { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون } ~~يعني ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة ولكن يفعلون { ما ~~يؤمرون } يعني لا يفعلون غير ما أمرهم الله تعالى ثم قال { ~~يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم } يعني يقول ~~لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون لا تعتذروا اليوم يعني لا يقبل ~~منكم العذر { إنما تجزون ما كنتم تعملون } يعني ~~تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي ثم أمر المؤمنين بالتوبة ~~عن الذنوب فقال { يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا } يعني صادقا في توبته، ويقال: تنصحون لله فيها من ~~غير مداهنة، وروى سماك ابن حرب عن النعمان بن بشير، قال: سئل عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه عن التوبة النصوح فقال هو الرجل يتوب من عمل السوء ~~ثم لا يعود إليه أبدا، وروي عن ابن عباس أنه قال توبة النصوح الندم ~~بالقلب والاستغفار باللسان والإضمار أن لا يعود إليها، قرأ نافع وعاصم في ~~إحدى الروايتين توبة نصوحا بضم النون والباقون بالنصب فمن قرأ بالنصب ~~فهو صفة التوبة يعني توبة بالغة في النصح، كما يقال: رجل صبور وشكور ومن ~~قرأ بالضم يعني ينصحوا بها نصوحا كما يقال نصحت له نصحا ونصوحا. # ثم قال { عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئتكم } يعني ~~يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم { ويدخلكم جنت تجرى ~~من تحتها الأنهر يوم لا يخزى الله النبى } صار ~~اليوم نصبا لنزع الخافض يعني يكفر عنكم في يوم لا يخزي الله النبي قال ~~الكلبي يعني لا يعذب الله النبي ويقال يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة ~~وغيره وتم الكلام ثم قال: { والذين ءامنوا معه نورهم ~~يسعى بين أيديهم } يعني على الصراط وروى الحسن عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " من المؤمنين من نوره أبعد ما بيننا وبين عدن أبين ومنهم من نوره لا ~~يجاوز قدميه " # فقال: { نورهم يسعى بين ms1756 أيديهم } يعني: يضيء بين أيديهم ~~{ وبأيمنهم } يعني عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار { ~~يقولون ربنا أتمم لنا نورنا } ذلك حين طفئت أنوار ~~المنافقين أشفق المؤمنون على نورهم ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب ~~فيقولون ربنا أتمم لنا نورنا يعني احفظ علينا نورنا { واغفر لنا } ~~ما مضى من ذنوبنا { إنك على كل شىء قدير } من إتمام النور ~~والمغفرة. ### || [66.9-12] # قوله تعالى { يأيها النبى جهد الكفر ~~والمنفقين } يعني جاهد الكفار بالسيف وجاهد المنافقين بالقول ~~والتهديد { واغلظ عليهم } يعني اشدد عليهم يعني على كلا ~~الفريقين يعني على الكفار بالسيف وعلى المنافقين باللسان { ومأواهم ~~جهنم } يعني إن لم يرجعوا ولم يتوبوا فمرجعهم إلى جهنم { وبئس ~~المصير } يعني بئس القرار وبئس المرجع. # قوله تعالى { ضرب الله مثلا } يعني وصف الله شبها لكفار مكة ~~وذلك أنهم استهزؤوا وقالوا إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يشفع لنا ~~فبين الله تعالى أن شفاعته عليه السلام لا تنفع لكفار مكة كما لا تنفع ~~شفاعة نوح لامرأته وشفاعة لوط لامرأته وذلك قوله { للذين كفروا ~~امرأت نوح } واسمها واعلة { وامرأت لوط } واسمها داهلة ~~ويقال فيه تخويف لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليثبتن على دينه ~~وطاعته ثم قال { كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صلحين } يعني نوحا ولوطا عليهما السلام { فخانتاهما } ~~يعني خالفتاهما في الدين، وروي عن ابن عباس أنه قال ما زنت امرأة نبي قط ~~وما كانت خيانتهما إلا في الدين، فأما امرأة نوح كانت تخبر الناس أنه ~~مجنون وأما امرأة لوط كانت تدل على الأضياف، وقال عكرمة الخيانة في كل ~~شيء ليس في الزنا { فلم يغنينا عنهما من الله شيئا } ~~يعني لم يمنعهما صلاح زوجهما مع كفرهما من الله شيئا يعني من عذاب الله ~~شيئا { وقيل } لهما في الآخرة { ادخلا النار مع الدخلين } ~~فكذلك كفار مكة وإن كانوا أقرباء النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينفعهم ~~صلاح النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك أزواجه إذا خالفنه ثم ضرب الله ~~مثلا للمؤمنين فقال عز وجل { وضرب الله مثلا للذين ~~ءامنوا ms1757 } يعني بين الله شبها وصفة للمؤمنين الذين آمنوا { امرأة ~~فرعون } فإنها كانت صالحة لم يضرها كفر فرعون فكذلك من كان مطيعا ~~لله لا يضره شر غيره، ويقال: هذا حث للمؤمنين على الصبر في الشدة يعني لا ~~تكونوا في الصبر عند الشدة أضعف من امرأة فرعون صبرت على إيذاء فرعون { ~~إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة } وذلك أن ~~فرعون: لما علم بإيمانها فطلب منها أن ترجع فأبت ولم ترجع عن إيمانها ~~فوتدها بأربعة أوتاد في يديها ورجليها وربطها وجعل على صدرها حجر الرحاء ~~وجعلها في الشمس فأراها الله تعالى بيتها في الجنة ونسيت ما هي فيه من ~~العذاب وضحكت فقالوا عند ذلك هي مجنونة تضحك وهي في العذاب وروى أبو ~~عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قالت كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس فإذا ~~ذرت أي طلعت الشمس وارتفعت أظلتها الملائكة بأجنحتها وأريت مقعدها من ~~الجنة وروى قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " حسبك من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة ~~بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - وآسية امرأة فرعون " # ثم قال الله عز وجل { رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ~~} يعني ارزقني في الجنة { ونجنى من فرعون وعمله } يعني من ~~عذاب فرعون وظلمه { ونجنى من القوم الظلمين } يعني من ~~قوم فرعون يعني من تعييرهم وشماتتهم ثم قال عز وجل { ومريم ابنة ~~عمران } يعني واذكر مريم، ويقال: معناه وضرب الله مثلا مريم ابنة ~~عمران وصبرها على إيذاء اليهود { التى أحصنت فرجها } يعني ~~عفت نفسها عن الفواحش { فنفخنا فيه من روحنا } يعني أرسلنا ~~جبريل عليه السلام فنفخ في جيب درعها وذلك قوله " فنفخنا فيه من روحنا " ~~أي في جيبها أي روحا من أرواحنا وهي روح عيسى عليه السلام { وصدقت ~~بكلمت ربها } أي صدقت بعيسى عليه السلام ويقال صدقت بالبشارات ~~التي بشرها بها جبريل { وكتبه } يعني آمنت بكتاب الله تعالى، وقرأ ~~أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وكتبه يعني الكتب التي ms1758 أنزلت على الأنبياء ~~والباقون بكتابه يعني الإنجيل وقرأ بعضهم وصدقت بكلمة ربها يعني صار عيسى ~~مخلوقا بكلمة الله فصدقت بذلك { وكانت من القنتين } يعني ~~المطيعين لله. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1-11] # قوله تعالى { تبارك الذى بيده الملك } يعني تعالى وتعظم ~~وهذا قول ابن عباس وقيل تفاعل من البركة وقال الحسن تبارك يعني تقدس الذي ~~بيده الملك يعني الذي له الملك كما قال له ملك السماوات والأرض ويقال ~~الذي بيده الملك يعني الذي له القدرة ونفاذ الأمر { وهو على كل ~~شىء قدير } يعني في العز والذل يعز من يشاء ويذل من يشاء ثم قال { ~~الذى خلق الموت والحيوة } قال مقاتل خلق الموت يعني ~~(النطفة والعلقة والمضغة وخلق الحياة) يعني خلق إنسانا ونفخ فيه الروح ~~فصار حيا وقال الكلبي: خلق الموت بمنزلة كبش أملح لا يمر على شيء ولا ~~يجد ريحه شيء إلا مات والحياة شيء كهيئة الفرس البلقاء الأنثى التي يركب ~~عليها جبريل والأنبياء، وقال قتادة في قوله (خلق الموت والحياة) يعني أذل ~~الله ابن آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة وفناء وجعل الآخرة دار جزاء ~~وبقاء ويقال خلق الموت والحياة يعني قدر الحياة ثم قدر الموت بعد الحياة ~~{ ليبلوكم } يعني ليختبركم ما بين الحياة والموت { أيكم ~~أحسن عملا } في حياته ويقال أيكم أكمل عملا وأخلص عملا ويقال ~~خلق الموت والحياة أي خلق الحياة للامتحان وخلق الموت للجزاء كما قيل ~~لولا المحن لقدمنا مفاليس. وذلك أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا ~~وخلق النار وخلق لها أهلا وابتلاهم بالعمل والأمر والنهي فيستوجبون ~~بفعلهم الثواب والعقاب والابتلاء من الله تعالى أن يظهر من العبد ما كان ~~يعلم منه في الغيب ثم قال { وهو العزيز الغفور } يعني العزيز ~~بالنقمة للكافر والغفور لمن تاب منهم ثم قال { الذى خلق } يعني ~~تبارك الذي خلق { سبع سموات طباقا } يعني مطبقا بعضها فوق ~~بعض مثل القبة { ما ترى فى خلق الرحمن من تفوت } ~~قرأ حمزة والكسائي من تفوت بغير ألف والباقون بالألف وهما لغتان تفاوت ~~الشيء وتفوت ms1759 إذا اختلف يعني ما ترى في خلق الرحمن اختلافا واضطرابا ~~ويقال ما ترى فيها من اعوجاج ولكنه مستوي ويقال معناه ما ترى في خلق ~~السموات من عيب وأصله من الفوت أي يفوت الشيء فيقع فيه الخلل ولكنه متصل ~~بعضها ببعض ثم أمر بأن ينظروا في خلقه ليعتبروا به ويتفكروا في قدرته ~~فقال عز وجل { فارجع البصر } يعني رد البصر إلى السماء ويقال قلب ~~البصر في السماء ويقال اجتهد بالنظر إلى السماء { هل ترى من ~~فطور } يعني هل ترى فيها من شقوق ويقال هل ترى فروجا أو صدوعا أو ~~خللا { ثم ارجع البصر كرتين } يعني انظر إليها وإنما أمر ~~بالنظر إلى السماء مرتين لأن الإنسان إذا نظر في الشيء مرة لا يرى أثر ~~عيبه ما لم ينظر فيه مرة أخرى فأخبر الله تعالى أنه وإن نظر إلى السماء ~~مرتين لا يرى فيها عيبا بل يتحير بالنظر إليها فذلك قوله { ينقلب ~~إليك البصر خاسئا } يعني يرجع البصر ذليلا. # { وهو حسير } يعني قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا وقال ~~القتبي خاسئا أي مبعدا وهو حسير أي كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه ~~قبل أن يرى شيئا من الخلل ثم قال { ولقد زينا السماء ~~الدنيا بمصبيح } يعني بالنجوم والكواكب { وجعلنها ~~رجوما للشيطين } يعني جعلنا بعض النجوم رميا للشياطين إذا ~~تصدوا استراق السمع { وأعتدنا لهم } يعني للشياطين { عذاب ~~السعير } يعني الوقود { وللذين كفروا } يعني أعتدنا للذين ~~جحدوا { بربهم } يعني بوحدانية الله تعالى { عذاب جهنم } ~~قرىء في الشاذ عذاب جهنم بالنصب يعني أعتدنا لهم عذاب جهنم فيصير نصبا ~~لوقوع الفعل عليه وقراءة العامة بالضم على معنى خبر الابتداء ثم قال { ~~وبئس المصير } يعني المرجع ثم قال { إذا ألقوا فيها } ~~يعني ألقوا الكفار في نار جهنم { سمعوا لها } يعني سمعوا منها { ~~شهيقا } يعني صوتا كصوت الحمار { وهى تفور } يعني تغلي كغلي ~~المرجل { تكاد تميز من الغيظ } يعني تكاد تتفرق من غيظها ~~على أعداء الله تعالى { كلما ألقى فيها فوج } يعني من النار ms1760 ~~فوج يعني أمة من الأمم { سألهم خزنتها ألم يأتكم ~~نذير } يعني رسولا يخبركم ويخوفكم { قالوا بلى } يعني يقولون ~~بلى { قد جاءنا نذير } يعني الرسول { فكذبنا } الرسول { ~~وقلنا } إنكم لكاذبون على الله تعالى { ما نزل الله من ~~شىء } يعني كتابا ولا رسولا { إن أنتم إلا فى ضلل ~~كبير } يعني قلنا لهم ما أنتم إلا في خطأ عظيم { وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل } يعني لو كنا نسمع إلى الحق أو نعقل يعني ~~نرغب في الهدى ونتفكر في الخلق { ما كنا فى أصحب السعير } ~~يعني مع أصحاب الزقوم في النار، ويقال: يعني ما كنا في أهل النار { ~~فاعترفوا بذنبهم } يعني أقروا بشركهم { فسحقا } يعني ~~فبعدا من رحمة الله تعالى { لأصحب السعير } يعني الوقود، وقال ~~الزجاج: فسحقا نصب على المصدر، فمعناه أسحقهم الله سحقا فباعدهم من ~~رحمته - والسحق البعيد كقوله # في مكان سحيق # [الحج:31] أي بعيد قرأ الكسائي بضم السين والحاء وجزم الحاء والباقون ~~بضم السين وهما لغتان معناهما واحد، ثم بين حال المؤمنين. ### || [67.12-20] # فقال عز وجل { إن الذين يخشون ربهم } يعني يخافون الله ~~تعالى ويخافون عذابه الذي هو { بالغيب } فهو عذاب يوم القيامة { ~~لهم مغفرة } يعني مغفرة لذنوبهم { وأجر كبير } يعني ~~ثوابا عظيما في الجنة ثم قال { وأسروا قولكم أو ~~اجهروا به } اللفظ لفظ الأمر والمراد به الخبر يعني إن أخفيتم ~~كلامكم في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - أو جهرتم به { إنه ~~عليم بذات الصدور } يعني بما في القلوب من الخير والشر وذلك أن ~~جماعة من الكفار كانوا يتشاورون فيما بينهم فقال بعضهم لبعض لا تجهروا ~~بأصواتكم فإن رب محمد يسمع فيخبره. # قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - قل لهم يا محمد أسروا ~~قولكم أو اجهروا به فإنه يعلم به ثم أخبر بما هو أخفى من هاتين الحالتين ~~فقال إنه عليم بذات الصدور يعني فكيف لا يعلم قول السر ثم قال عز وجل { ~~ألا يعلم من خلق } يعني ألا يعلم السر من خلق السر يعني هو ~~خلق السر ms1761 في قلوب العباد فكيف لا يعلم بما في قلوب العباد ثم قال { ~~وهو اللطيف الخبير } يعني: لطف علمه بكل شيء يعني يرى أثر كل ~~شيء بما في القلوب من الخير والشر ويقال لطيف يرى أثر النملة السوداء على ~~الصخرة الصماء في الليلة الظلماء (خبير) يعني عالم بأفعال العباد ~~وأقوالهم. ثم ذكر نعمه على خلقه ليعرفوا نعمته فيشكروه ويوحدوه فقال { ~~هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا } يعني خلق لكم الأرض ~~ذلولا ومدها وذللها وجعلها لينة لكي تزرعوا فيها وتنتفعوا منها بألوان ~~المنافع { فامشوا فى مناكبها } يعني لكي تمشوا في أطرافها ~~ونواحيها وجبالها وهذا خبر بلفظ الأمر وقال القتبي فامشوا في مناكبها ~~يعني جوانبها ومنكبا الرجل جانباه وقال قتادة مناكبها جبالها قال وكان ~~لبشر بن كعب سرية فقال لها إن أخبرتيني ما مناكب الأرض فأنت حرة لوجه ~~الله فقالت مناكبها جبالها فصارت حرة - فأراد أن يتزوجها فسأل أبو ~~الدرداء فقال له دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ويقال هو الذي جعل لكم ~~الأرض ذلولا أي سهل لكم السلوك فامشوا في مناكبها أي - تمشون فيها { ~~وكلوا من رزقه } يعني تأكلون من رزق الله تعالى وتشكرونه { ~~وإليه النشور } يعني إلى الله تبعثون من قبوركم ويقال معناه هو ~~الذي ذلل لكم الأرض قادر على أن يبعثكم لأنه ذكر أولا خلق السماء ثم ذكر ~~خلق الأرض ثم ذكر النشور ثم خوفهم فقال عز وجل { ءامنتم من فى ~~السماء } قال الكلبي ومقاتل يعني أمنتم عقوبة من في السماء يعني الرب ~~تعالى إن عصيتموه ويقال هذا على الاختصار ويقال أمنتم عقوبة من هو جار ~~حكمه في السماء. # قرأ أبو عمرو ونافع آمنتم بالمد والباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ~~وهو الاستفهام والمراد به التوبيخ وقرأ ابن كثير بهمزة واحدة بغير مد على ~~لفظ الخبر { أن يخسف بكم الأرض } يعني يغور بكم الأرض كما فعل ~~بقارون { فإذا هى تمور } يعني تدور بكم إلى الأرض السفلى { أم ~~أمنتم من فى السماء } يعني عذاب من في السماء { أن يرسل ~~عليكم ms1762 حصبا } يعني حجارة كما أرسلنا إلى قوم لوط وقال القتبي ~~أم على وجهين مرة يراد بها الاستفهام كقوله - (أم يحسدون الناس) ومرة ~~يراد بها " أو " كقوله (أم أمنتم) ويعني أو أمنتم وهذا كقوله # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا # [الإسراء:68] ثم قال { فستعلمون كيف نذير } يعني تعبيري ~~عليهم بالعذاب ويقال معناه سيظهر لكم كيف عذابي ثم قال { ولقد ~~كذب الذين من قبلهم } يعني الأمم الخالية كذبوا رسلهم { ~~فكيف كان نكير } يعني كيف كانت عقوبتي إياهم وإنكاري لهم ثم قال ~~{ أو لم يروا إلى الطير } يعني أو لم يعتبروا في خلق الله ~~تعالى كيف خلق الطيور { فوقهم صفت } يعني باسطات أجنحتها ~~في الهواء { ويقبضن } يعني ويضممن أجنحتهن ويضربن بها { ما ~~يمسكهن } يعني ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط { إلا ~~الرحمن إنه بكل شىء بصير } يعني عالما بصلاح كل شيء. ### || [67.21-30] # قال عز وجل: { أمن هذا الذى هو جند لكم } يعني حزب ~~لكم ومنفعة لكم { ينصركم من دون الرحمن } يعني من عذاب ~~الرحمن ومعناه هاتوا أخبروني من الذي يمنعكم من عذاب الله تعالى إن ~~عصيتموه { إن الكفرون إلا فى غرور } يعني ما الكافرون ~~إلا في خداع وأباطيل ثم قال عز وجل { أمن هذا الذى ~~يرزقكم إن أمسك رزقه } يعني من الذي يرزقكم إن حبس الله ~~رزقه وهذا كقوله # هل من خلق غير الله يرزقكم من السمآء ~~والأرض # [فاطر: 3] ثم قال { بل لجوا } يعني تمادوا في الذنب، ويقال تمادوا ~~في الكفر ويقال بل مضوا { فى عتو } يعني في تكبر { ونفور } يعني ~~تباعدا من الإيمان ثم قال عز وجل { أفمن يمشى مكبا على ~~وجهه } يعني الكافر يمشي ضالا في الظلمة أعمى القلب { أهدى } ~~يعني هو أصوب دينا { أفمن يمشى سويا على صرط ~~مستقيم } هو المؤمن يعمل بطاعة الله يعني على دين الإسلام، وقال ~~قتادة أفمن يمشي مكبا على وجهه قال هو الكافر عمل بمعصية الله يحشره ~~الله تعالى يوم القيامة على وجهه أمن يمشي سويا على صراط مستقيم هو ms1763 ~~المؤمن يعمل بطاعة الله تعالى يسلك به يوم القيامة طريق الجنة وقال ~~الزجاج أعلم الله تعالى أن المؤمن يسلك الطريق المستقيم وإن كان الكافر ~~في ضلال بمنزلة الذي يمشي مكبا على وجهه، قال مقاتل نزلت في شأن أبي جهل ~~وقال بعضهم هو وجميع الكفار ثم قال { قل هو الذى أنشأكم } ~~يعني خلقكم { وجعل لكم السمع } لكي تسمعوا بها الحق { ~~والأبصر } يعني لكي تبصروا { والأفئدة } يعني القلوب لكي ~~تعقلوا بها الهدى { قليلا ما تشكرون } يعني شكركم فيما صنع ~~إليكم قليلا، ويقال معناه خلق لكم السمع والأبصار والأفئدة آلة لطاعات ~~ربكم وقطعا لحجتكم وقدرة على ما أمركم فاستعملتم الآلات في طاعة غيره ~~ولم توحدوه. ثم قال عز وجل { قل هو الذى ذرأكم فى الأرض ~~} يعني خلقكم ويقال كثركم في الأرض وأنزلكم في الأرض { وإليه ~~تحشرون } يعني إليه ترجعون بعد الموت فيجازيكم بأعمالكم قوله تعالى: ~~{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين } يعني ~~البعث بعد الموت إن كنتم صادقين أنا نبعث خاطبوا به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بلفظ الجماعة ويقال أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه { قل إنما العلم عند الله } يعني علم قيام الساعة ~~عند الله { وإنما أنا نذير مبين } يعني مخوف أخوفكم بلغة ~~تعرفونها قوله تعالى { فلما رأوه زلفة سيئت } يعني لما ~~رأوا العذاب قريبا ويقال لما رأوا القيامة قريبة وسيئت { وجوه ~~الذين كفروا } يعني ذللت ويقال قبحت وسودت. # وقال القتبي فلما رأوه زلفة يعني لما رأوا ما وعدهم الله قريبا منهم ~~وقال الزجاج سيئت أي تبين فيها السوء في وجوه الذين كفروا { وقيل ~~هذا الذى كنتم به تدعون } أي تشكون في الدنيا قرأ قتادة ~~والضحاك ويعقوب الحضرمي تدعون بالتخفيف يعني تستعجلون وتدعون إليه في ~~قولكم فأمطر علينا حجارة من السماء وقراءة العامة تدعون بالتشديد يعني ~~تكذبون ويقال من أجله تدعون الأباطيل يعني تدعون أنكم إذا متم وكنتم ~~ترابا وعظاما لا ترجعون ولا تجازون، ويقال تدعون أي تتمنون قوله تعالى ~~{ قل أرءيتم إن أهلكنى الله ومن معى } يعني ms1764 إن ~~عذبنا الله { أو رحمنا } يعني غفر لنا { فمن يجير ~~الكفرين } يعني من ينجيهم ويغيثهم { من عذاب أليم } يعني ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم # " نحن مؤمنون بالله ونتوسل بعبادته إليه لا نأمن عذابه على معصيته فكيف ~~تؤمنون مع كفركم به من عذابه وعقوبته " # فمن يجير الكافرين من عذاب أليم. { قل هو الرحمن ءامنا ~~به } يعني قل هو الرحمن بفضله إن شاء عذبنا وإن شاء رحمنا { وعليه ~~توكلنا } يعني فوضنا إليه أمورنا { فستعلمون من هو فى ~~ضلل مبين } يعني فستعرفون عند نزول العذاب من هو في خطأ بين قرأ ~~الكسائي فسيعلمون بالياء بلفظ الخبر والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ~~يعني سوف تعلمون يا كفار مكة { قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم ~~غورا } يعني إن صار ماؤكم غائرا لا تناله الأيدي ولا الدلاء { فمن ~~يأتيكم بماء معين } يعني بماء طاهر والغور والغائر يقال ماء ~~غور ومياه غور وهو مصدر لا يثنى ولا يجمع وقال مجاهد بماء معين يعني جار ~~وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما يعني الطاهر وروى أبو هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " سورة في القرآن ثلاثون شفعت لصاحبها حتى غفر له { تبارك الذي بيده ~~الملك } " # وروى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال يؤتى بالرجل في قبره من قبل ~~رأسه فيقول له ليس لك علي من سبيل قد كان يقرأ على سورة الملك فيؤتى من ~~قبل رجليه فيقول: ليس لك علي سبيل كان يقوم بسورة الملك فيؤتى من قبل ~~جوفه فيقول: ليس لك علي سبيل قد أوعاني سورة الملك قال: وهي المنجية تنجي ~~صاحبها من عذاب القبر وروى ابن الزبير عن جابر قال كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا ينام حتى يقرأ سورة الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه وتبارك ~~الذي بيده الملك والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-6] # قوله تبارك وتعالى { ن والقلم } - قرأ الكسائي ونافع وعاصم في إحدى ~~الروايتين ms1765 بالإدغام والباقون بإظهار النون وهما لغتان ومعناهما واحد قال ~~ابن عباس هي السمكة التي تحت الأرضين وروى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن ~~عباس قال أول ما خلق الله تعالى من شيء القلم فقال اكتب قال بما أكتب قال ~~اكتب القدر فيجري بما هو كائن إلى قيام الساعة ثم خلق النون يعني السمكة ~~فدحا الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات فاضطربت النون ~~فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة ~~وقال سعيد بن جبير والحسن وقتادة النون الدواة وقال قتادة الدواة والقلم ~~ما قام لله وبه لإصلاح عيش خلقه والله يعلم ما يصلح خلقه. ويقال النون ~~افتتاح اسم الله تعالى وهو النون ويقال هو آخر اسمه من الرحمن وهذا قسم ~~أقسم الله تعالى بالنون والقلم وجواب القسم ما أنت بنعمة ربك بمجنون. ~~فذلك قوله نون { وما يسطرون } يكتب الحفظة من أعمال بني آدم ~~ويقال وما يسطرون يعني تكتب الحفظة في اللوح المحفوظ { ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون } يعني ما أنت بحمد الله تعالى بمجنون وما ~~أنت بنعمة ربك بمجنون كما يزعمون وذلك أن أول ما نزل من القرآن قوله ~~تعالى # اقرأ باسم ربك الذى خلق # [العلق:1] إلى قوله # علم الإنسن ما لم يعلم # [العلق:5] وعلمه جبريل الصلاة فقال أهل مكة: جن محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان النبي يفر من الشاعر والمجنون فلما نسبوه إلى الجنون شق ذلك ~~عليه فنزل (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) ويقال بل أنت رسول الله تعالى ثم ~~قال { وإن لك لأجرا غير ممنون } يعني غير مقطوع ويقال: ~~غير محسوب ويقال: لا يمن عليك { وإنك لعلى خلق عظيم } ~~يعني على خلق حسن، وقال مقاتل يعني: على دين الإسلام وقال عطية يعني: على ~~آدب القرآن ثم قال { فستبصر ويبصرون } يعني: سترى ويرون، ~~ويقال فستعلم ويعلمون { بأيكم المفتون } يعني: إذا نزل بهم ~~العذاب تعلمون أيكم المفتون يعني بأيكم المجنون ويقال الباء زيادة، ~~ومعناه أيكم المفتون يعني أيكم المجنون، وقال قتادة يعني أيكم ms1766 أولى ~~بالسلطة وقال أبو عبيدة أيكم المجنون والباء زيادة واحتج بقول القائل - ~~نضرب بالسيف ونرجو بالفرج يعني نرجو الفرج. ### || [68.7-16] # قال { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله } يعني: ~~هو عالم بمن أخطأ الطريق عن دينه { وهو أعلم بالمهتدين } ~~لدينه ثم قال { فلا تطع المكذبين } وذلك أنهم كانوا يدعونه ~~إلى دين آبائه فأمره الله تعالى أن يثبت على دينه فقال لا تطع المكذبين ~~بوحدانية الله تعالى { ودوا لو تدهن فيدهنون } قال مجاهد ~~ودوا لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيميلون إليك، وقال السدي ~~ودوا لو تكفر فيكفرون وقال القتبي ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في ~~أديانهم، وكانوا أرادوا أن يعبدوا آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة ثم قال: { ~~ولا تطع كل حلاف مهين } يعني: كذابا في دين الله، ~~والحلاف مكثار الحلف، مهين ضعيف فاجر نزلت في الوليد بن المغيرة، وقال ~~القتبي، المهين الحقير الدنيء وقال الزجاج وهو فعيل من المهانة وهي القلة ~~ومعناه في هذا الموضع القلة في الرأي والتمييز ثم قال { هماز } يعني؛ ~~الوليد بن المغيرة طعان لعان مغتاب { مشاء بنميم } يعني: يمشي ~~بين الناس بالنميمة وقال القتبي هماز يعني عياب ثم قال { مناع ~~للخير } يعني: بخيلا لا ينتفع بماله لنفسه وكان ينفق أمواله على ~~غيره ويقال معناه مناع للخير يعني: التوحيد ويمنع الناس عن التوحيد { ~~معتد } يعني ظلوما لنفسه { أثيم } يعني: فاجرا قوله تعالى { ~~عتل } يعني؛ شديد الخصومة بالباطل ويقال: عتل يعني أكول شروب صحيح ~~الجسم رحيب البطن { بعد ذلك } يعني مع ذلك { زنيم } يعني: ملصق، ~~وقال ابن عباس الزنيم الدعي الملصق ويستدل بقول القائل: # زنيم تداعاه الرجال زيادة # كما زيد في عرض الأديم الأكارع # ويقال الزنيم الشديد الخلق، وروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم ~~يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا العتل الزنيم قال أما الجواظ فالذي ~~جمع ومنع وتدعوه لظى نزاعة للشوى " # أي الشديد الخلق رحيب الجوف وأما الجعظري فالفظ الغليظ ms1767 وأما العتل ~~الزنيم صحيح أكول شروب ظلوم للناس، ويقال الزنيم الدعي وذكر أنه لما نزلت ~~هذه الآية قال لأمه إن محمدا لصادق وأنه قال كذا وكذا فأقرت والدته له ~~بذلك ثم قال { أن كان ذا مال وبنين } يعني: فلا تطعه وإن كان ~~ذا مال وبنين يعني لا تطعه بسبب ماله ثم قال { إذا تتلى عليه ~~ءايتنا } يعني القرآن { قال أسطير الأولين } يعني: ~~كذبهم وأباطيلهم وقال السدي يعني أساجيع الأولين ثم قال { سنسمه ~~على الخرطوم } يعني: سنضربه على الوجه، ويقال سنسود وجهه يوم ~~القيامة ويقال: سنسمه على أنفه وقال القتبي: للعرب في هذا مذاهب يقولون ~~للرجال إذا سبه سبة قبيحة أو يثني عليه فاحشة قد وسم ميسم سوء يريد أنه ~~ألصق به عارا لا يفارقه كما أن السمة لا يعفو أثرها وقد وصف الله تعالى ~~الوليد بالحلف والمهانة والمشي بالنميمة والبخل والظلم والإثم والدعوى ~~فألحق به العار لا يفارقه في الدنيا والآخرة قال والذي يدل على هذا ما ~~روي عن الشعبي في قوله عتل بعد ذلك زنيم يعني القتل الشديد والزنيم له ~~زنمة من الشر يعرف بها كما تعرف الشاة. ### || [68.17-33] # قال: { إنا بلونهم } يعني: اختبرنا أهل مكة بترك الاستثناء ~~ويقال ابتليناهم بالجوع والشدة ثم قال { كما بلونا أصحب ~~الجنة } يعني: أهل ضيروان وهي قبيلة باليمن. وروى أسباط عن السدي ~~قال كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا وكان إذا بلغ ثماره فأتاه ~~المساكين فلم يمنعهم من دخولها وأن يأكلوا منها وأن يتزودوا فيها فلما ~~مات أبوهم قال بنوه بعضهم لبعض على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين ~~فقالوا فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين ولم يستثنوا فانطلقوا وهم ~~يتخافتون ويقول بعضهم لبعض خفيا أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك ~~قوله: { إذ أقسموا } يعني حلفوا فيما بينهم { ليصرمنها ~~مصبحين } يعني: ليجدنها وقت الصبح أي ليقطعنها قبل أن يخرج ~~المساكين { ولا يستثنون } يعني: لم يقولوا إن شاء الله تعالى ~~وروي في الخبر أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل اجتمع ms1768 هناك مساكين ~~كثيرة وقد جعل له علامة فكل ثمرة تسقط وراء العلامات كانت للمساكين ~~فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياما كثيرة فلما مات الرجل قال ~~بنوه فيما بينهم إن أبانا كان عياله أقل وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر ~~وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل كي لا يشعر بهم المساكين فاحترقت نخيلهم في ~~تلك الليلة فذلك قوله: { فطاف عليها طائف } يعني: بعث الله ~~تعالى نارا على حديقتهم بالليل والطائف الذي أتاك ليلا فأحرقها وهم ~~نائمون { من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم } ~~يعني صارت الحديقة كالليل المظلم، وقال القتبي الصريم من أسماء الأضداد ~~يسمى الليل صريما والصبح صريما لأن الليل ينصرم عن النهار والنهار ~~ينصرم عن الليل ويقال الصريم يعني ذهب ما فيها فكأنه صرم أي قطع وجز. ثم ~~قال { فتنادوا مصبحين } يعني: نادى بعضهم لبعض { أن ~~اغدوا على حرثكم } يعني: اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام ~~نخيلكم { إن كنتم صرمين } يعني: إن أردتم أن تصرموها قبل أن ~~يحضرها المساكين { فانطلقوا } يعني: ذهبوا إلى نخيلهم { وهم ~~يتخفتون } يعني: يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي { أن لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد ~~} قال مقاتل: يعني على جد في أنفسهم { قدرين } على جنتهم وقال ~~الزجاج: معناه على قصد وقال القتبي: الحرد: المنع، ويقال الحرد: القصد ~~قادرين: واجدين، ويقال على قوة ونشاط، ويقال على طريق جنتهم، ويقال الحرد ~~اسم تلك الجنة { فلما رأوها } يعني: رأوها يعني: أتوها ورأوها ~~مسودة أنكروها { قالوا إنا لضالون } يعني: أخطأنا الطريق ~~وليست هذه جنتنا فلما تفحصوا وعلموا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم فقالوا { ~~بل نحن محرومون } يعني: حرمنا منفعتها { قال أوسطهم ~~} يعني: أعدلهم وأعقلهم { ألم أقل لكم لولا تسبحون } ~~يعني: هلا تستثنون في أيمانكم ويقال: كان استثناؤهم التسبيح يعني: لولا ~~قلتم سبحان الله؟ فندموا على فعلهم { قالوا سبحن ربنا } ~~يعني: نزهوه وعظموه تائبين عن ذنوبهم ويقال نستغفر ربنا { إنا كنا ~~ظلمين } يعني: ضارين بأنفسنا بمنعنا المساكين { فأقبل ~~بعضهم على بعض يتلومون } يعني: جعل يلوم بعضهم بعضا ~~لصنيعهم ذلك ثم { قالوا ms1769 } بأجمعهم { يويلنا إنا كنا ~~طغين } يعني: عاصين بمنعنا المساكين ثم قالوا: { عسى ربنا ~~أن يبدلنا خيرا منها } يعني: يعوضنا خيرا منها في الجنة { ~~إنا إلى ربنا رغبون } يعني: راجين مما عنده قال الله تعالى ~~{ كذلك العذاب } يعني: هكذا عذاب الدنيا لمن منع حق الله تعالى: ~~{ ولعذاب الآخرة أكبر } لمن لم يتب ولم يرجع عن ذنبه ويقال: ~~هكذا العذاب في الدنيا لأهل مكة بالجوع ولعذاب الآخرة أعظم { لو ~~كانوا يعلمون } يعني: لو كانوا يفقهون ويقال لو كانوا يصدقون، ثم ~~ذكر ما للمتقين من الثواب. ### || [68.34-43] # فقال عز وجل: { إن للمتقين عند ربهم } يعني: في الآخرة ~~{ جنت النعيم } فلما ذكر الله تعالى نعيم الجنة قال عتبة بن ~~ربيعة: إن كان كما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن لنا في الآخرة ~~أكثر ما للمسلمين لأن فضلنا وشرفنا أكثر فنزل { أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين } يعني لا يكون حال المسلمين في الهوان ~~والذل كالمشركين { ما لكم كيف تحكمون } يعني ويحكم كيف ~~تقضون بالجور { أم لكم كتب فيه تدرسون } يعني: ألكم ~~كتاب تقرأون فيه { إن لكم فيه لما تخيرون } يعني: في ~~الكتاب مما تتمنون { أم لكم أيمن علينا بلغة } ~~يعني: ألكم عهد عندنا وثيق { إلى يوم القيمة } يعني: في يوم ~~القيامة { إن لكم لما تحكمون } يعني: ما تقضون لأنفسكم في ~~الآخرة؟ قوله تعالى { سلهم أيهم بذلك زعيم } يعني: أيهم ~~كفيل لهم بذلك؟ ثم قال { أم لهم شركاء } يعني: شهداء يشهدون أن ~~الذي قالوا لهم حق { فليأتوا بشركائهم إن كانوا ~~صدقين } يعني يشهدون أن لهم في الآخرة ما للمسلمين فهذا كله لفظ ~~الاستفهام والمراد به الزجر واليأس يعني ليس لهم ذلك. قوله تعالى: { ~~يوم يكشف عن ساق } يعني اذكر ذلك اليوم ويقال معناه إن الثواب ~~والعقاب الذي ذكر في يوم يكشف عن ساق قال ابن عباس يعني يظهر قيام ~~الساعة، وروى سفيان عن مغيرة عن إبراهيم عن ابن عباس قال عن ساق يعني عن ~~أمر عظيم وقال مجاهد يوم يكشف عن ساق عن بلاء عظيم وقال قتادة ms1770 يكشف الأمر ~~عن شدة الأمر { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } ~~قال الفقيه حدثنا الخليل بن أحمد حدثنا بن منيع حدثنا هدبة حدثنا حماد بن ~~سلمة عن علي ابن زيد عن عمارة القرشي عن أبي بردة بن أبي موسى قال حدثنا ~~أبي قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول # " إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا فذهب كل ~~قوم إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا ويبقى أهل التوحيد فيقال لهم كيف ~~بقيتم وقد ذهب الناس فيقولون إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا ولم نره ~~قال أوتعرفونه إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقال لهم وكيف تعرفونه ولم تروه ~~قالوا لا شبه له فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له ~~سجدا ويبقى أقوام ظهروهم مثل صياصي البقر فيريدون السجود فلا يستطيعون ~~فيقول الله تعالى عبادي ارفعوا رؤوسكم قد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من ~~اليهود والنصارى في النار " # قال أبو بردة فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال والله الذي لا ~~إله إلا هو أحدثك أبوك بهذا الحديث فحلفت له ثلاثة أيمان فقال عمر ما ~~سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث وقال القتبي يوم ~~يكشف عن ساق هذا من الاستعارة فسمى الشدة ساقا، لأن الرجل إذا وقع في ~~الشدة شمر عن ساقه فاستعيرت في موضع الشدة ويقال يكشف ما كان خفيا ويقال ~~يبدؤا عن أمر شديد وهو عذاب عظيم يوم القيامة ثم قال عز وجل: { ~~خشعة أبصرهم } يعني: ذليلة أبصارهم { ترهقهم ذلة ~~} يعني: تغشاهم وتعلوهم كآبة وكشوف وسواد وذلك أن المسلمين إذا رفعوا ~~رؤوسهم من السجود صارت وجوههم بيضاء كالثلج فلما نظر اليهود والنصارى ~~والمنافقون وهم عجزوا عن السجود حزنوا واغتموا فسودت وجوههم ثم بين ~~المعنى الذي عجزهم عن السجود فقال { وقد كانوا يدعون إلى ~~السجود وهم سلمون } يعني: يدعون إلى السجود في الدنيا وهم ~~أصحاء معافون فلم يسجدوا. ### || [68.44-52] # قال عز وجل: { فذرنى ومن يكذب بهذا ms1771 الحديث } يعني: ~~دع هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقرآن ويقال فوض أمرهم إلي فإني قادر على ~~أخذهم متى شئت { سنستدرجهم } يعني: سنأخذهم وسنأتيهم بالعذاب { ~~من حيث لا يعلمون } يعني: نذيقهم من العذاب درجة من حيث لا ~~يعلمون أن العذاب نازل بهم وأصله في اللغة من الارتقاء في الدرجة وقال ~~السدي: كلما جددوا معصية جدد لهم نعمة وأنساهم شكرها فذلك الاستدراج { ~~وأملى لهم } يعني: أمهل لهم وأؤجل لهم إلى وقت { إن كيدى ~~متين } يعني: عقوبتي شديدة إذا نزلت بهم لا يقدرون على دفعها ثم قال { ~~أم تسئلهم أجرا } يعني: أتسألهم على الإيمان جملا { فهم ~~من مغرم مثقلون } يعني لأجل الغرم يمتنعون وهذا يرجع إلى ~~قوله أم لكم كتاب فيه تدرسون ثم قال { أم عندهم الغيب } يعني: ~~اللوح المحفوظ { فهم يكتبون } يعني: ما يقولون ثم قال عز وجل: { ~~فاصبر لحكم ربك } يعني على ما أمر ربك ولقضاء ربك { ولا ~~تكن كصحب الحوت } يعني: لا تكن في قلة الصبر والضجر مثل يونس ~~عليه السلام { إذ نادى وهو مكظوم } يعني: مكروبا في بطن ~~الحوت وقال الزجاج مكظوم أي مملوء غما { لولا أن تداركه ~~نعمة من ربه } يعني: لولا النعمة والرحمة التي أدركته من الله ~~تعالى { لنبذ بالعراء } يعني: لطرح بالصحراء والصحراء هي الأرض ~~التي لا يكون فيها نخل ولا شجر يوارى فيها { وهو مذموم } يعني: ~~يذم ويلام ولكن كان رحمة من الله تعالى حيث نبذ بالعراء وهو سقيم وليس ~~بمذموم قوله تعالى: { فاجتبه ربه } يعني: اختاره ربه للنبوة { ~~فجعله من الصلحين } يعني: من المرسلين كقوله (وإن يونس لمن ~~المرسلين) ثم قال عز وجل: { وإن يكاد الذين كفروا } يعني: ~~أراد الذين كفروا { ليزلقونك بأبصرهم } يعني: ليرهقونك ~~بأبصارهم إن قدروا على ذلك ويقال معناه إذا قرأت القرآن فينظرون إليك ~~نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزلقك أي بالعداوة يسقطك من شدة النظر وذكر ~~عن الفراء أنه قال: ليزلقونك بأبصارهم يعني: يعتانونك يعني: يصيبونك ~~بعيونهم وذلك أن رجلا من العرب كان إذا أراد أن يعتان شيئا يقبل على ~~طريق الإبل ms1772 إذا صدرت عن الماء فيصيب منها ما أراد بعينه فأرادوا أن ~~يصيبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال الكلبي ليزلقونك يعني ~~ليصرعونك { لما سمعوا الذكر } يعني: قراءتك القرآن { ~~ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر ~~للعالمين } يعني: ما هذا القرآن إلا عظة للجن والإنس ويقال عز ~~وشرف للعالمين - قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر (آن كان ذا مال وبنين) ~~بهمزتين والباقون بهمزة واحدة إلا ابن عامر فإنه يقرأ آن كان بالمد فمن ~~قرأ بهمزتين فالألف الأولى للاستفهام والثانية ألف إن ومن قرأ بهمزة ~~واحدة معناه لأن كان ذا مال أي لا تطعه لماله وتحمل لأن كان ذا مال قال ~~أساطير الأولين قرأ نافع ليزلقونك بنصب الياء والباقون بالضم وهما لغتان ~~ومعناهما واحد. والله أعلم بالصواب. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-10] # قوله تعالى: { الحاقة ما الحاقة } وهو اسم من أسماء القيامة ~~ومعناه القيامة ما القيامة تعظيما لأمرها وقال قتادة في قوله (الحاقة) ~~يعني: حقت لكل قوم أعمالهم يعني: حقت للمؤمنين أعمالهم وللكافرين أعمالهم ~~من حق يحق إذا صح وذكر عن الفراء أنه قال إنما قيل لها الحاقة لأن فيها ~~حواق الأمور يقال لقد حق عليك الشيء أي وجب ثم قال: { وما أدراك ~~ما الحاقة } يعني: ما تدري أي يوم هو تعظيما لأمرها ثم وصف ~~القيامة في قوله فإذا نفخ في الصور ثم ذكر من كذب بالساعة والقيامة وما ~~نزل بهم فقال: { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } يعني: كذبت ~~قوم صالح وقوم هود بالقيامة وإنما سميت قارعة لأنها تقرع قلوب الخلق ثم ~~أخبر عن عقوبتهم في الدنيا فقال: { فأما ثمود فأهلكوا ~~بالطاغية } يعني: بطغيانهم ومعناه وطغيانهم حملهم على التكذيب ~~فأهلكوا ويقال أهلكوا بالرجفة الطاغية كما قال في قصته بريح صرصر عاتية ~~يعني عتت على خزانها فذلك قوله: { وأما عاد فأهلكوا بريح ~~صرصر عاتية } يعني: باردة يعني شديدة البرد { سخرها ~~عليهم } يعني: سلطها عليهم { سبع ليال وثمنية ~~أيام حسوما } يعني: دائمة متتابعة ويقال عاتية يعني: شديدة حسوما ~~يعني: كاملة دائمة لا يفتر عنهم وقال ms1773 القتبي حسوما أي متتابعة وأصله من ~~حسم الداء لأنه يكون مرة بعد مرة { فترى القوم فيها صرعى } ~~يعني: في الريح ويقال في الأيام ويقال في القرية صرعى يعني: موتى ويقال ~~هلكى ويقال قلعى مطروحين { كأنهم أعجاز نخل خاوية } ~~يعني: منقلعة ساقطة وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس قال ما أنزل الله تعالى ~~قطرة من ماء إلا بمثقال ولا شعرة من الريح إلا بمكيال إلا يوم عاد ونوح ~~وأما الريح فعتت على خزائنها يوم عاد فلم يكن لهم عليها سبيل وأما الماء ~~طغى على خزانه يوم نوح فلم يكن لهم عليه سبيلا كما قال الله تعالى { ~~إنا لما طغى الماء } الآية. ثم قال عز وجل: { فهل ترى ~~لهم من باقية } يعني: لم يبق أحدا منهم ثم قال عز وجل { وجاء ~~فرعون ومن قبله } قرأ أبو عمرو والكسائي ومن قبله بكسر القاف ~~ونصب الياء الموحدة يعني: ظهر فرعون وأتباعه وأشياعه والباقون بنصب القاف ~~وجزم الباء يعني: من تقدمه من عتاب الكفار ثم قال { والمؤتفكت ~~بالخاطئة } يعني: قريات قوم لوط يعني؛ جاء فرعون وقوم لوط بالخاطئة ~~يعني: بالشرك وبأعمالهم الخبيثة { فعصوا رسول ربهم } يعني: ~~كذبوا رسلهم { فأخذهم أخذة رابية } يعني عاقبهم الله ~~عقوبة شديدة. ### || [69.11-17] # قال عز وجل: { إنا لما طغى الماء } يعني طغى على خزانه يوم ~~نوح كما روي عن ابن عباس ويقال طغى الماء أي ارتفع ويقال في اللغة طغى ~~الشيء إذا ارتفع جدا وقال قتادة إنه طغى فوق كل شيء خمسة عشر ذراعا. { ~~حملنكم فى الجارية } يعني: السفينة ومعناه حين غرق الله ~~تعالى قوم نوح حملناكم يا محمد في السفينة في أصلاب آبائكم { ~~لنجعلها لكم تذكرة } يعني: لنجعل هلاك قوم نوح لكم عبرة ~~لتعتبروا بها { وتعيها أذن وعية } يعني: يسمع هذا الخبر أذن ~~سامعة ويحفظها قلب حافظ على معنى الإضمار ثم رجع إلى أول السورة فقال { ~~فإذا نفخ فى الصور نفخة وحدة } يعني: نفخ إسرافيل في ~~الصور نفخة واحدة ثم قال { وحملت الأرض والجبال } يعني: ~~قلعت ما على الأرض ms1774 من نباتها وشجرها وحملت الجبال عن أماكنها { ~~فدكتا دكة وحدة } يعني: فضربت على الأرض مرة واحدة وهذا قول ~~مقاتل وقال الكلبي يعني رفعت الأرض والجبال فزلزلتا زلزلة واحدة. ويقال ~~فدكتا دكة واحدة أي كسرتا كسرة واحدة { فيومئذ وقعت ~~الواقعة } يعني في ذلك اليوم قامت القيامة { وانشقت السماء ~~} يعني انفرجت السماء بنزول الملائكة { فهى يومئذ واهية } ~~يعني: ضعيفة منشقة متمزقة من الخوف { والملك على أرجائها } ~~يعني الملائكة على نواحيها وأطرافها يعني صفوف الملائكة حول العرش. { ~~ويحمل عرش ربك فوقهم } يعني فوق الخلائق { يومئذ ~~ثمنية } يعني ثمانية أجزاء من المقربين لا يعلم كثرة عددهم إلا ~~الله وروى عطاء بن السائب عن ميسره في قوله ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية يعني: ثمانية من الملائكة أرجلهم في تخوم الأرض السابعة وقال وهب ~~بن منبه أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم لكل واحد منهم أربعة ~~وجوه وجه ثور ووجه أسد ووجه إنسان روى الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد ~~المطلب في قوله تعالى ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. ### || [69.18-37] # قال عز وجل: { يومئذ تعرضون } أي تساقون إلى الحساب والقصاص ~~وقراءة الكتب، ويقال تعرضون على الله تعالى كقوله # وعرضوا على ربك صفا # [الكهف:48] ثم قال: { لا تخفى منكم خافية } يعني لا يخفى ~~على الله منكم ولا من أعمالكم شيء قرأ حمزة والكسائي (لا يخفى) والباقون ~~بالتاء بلفظ التأنيث لأن لفظ خافية مؤنث ومن قرأ بالياء انصرف إلى المعنى ~~يعني لا يخفى منكم خاف والهاء ألحقت للمبالغة ثم قال عز وجل: { فأما ~~من أوتى كتبه بيمينه } يعني: كتابه الذي عمله فرأى فيه ~~الحسنات فسر بذلك { فيقول } لأصحابه { هاؤم } يعني تعالوا { ~~اقرؤا كتبيه } قال القتبي هاؤم في اللغة بمنزلة خذ وتناول ~~ويقال للاثنين هاؤما وللجماعة هاؤموا والأصل هاكم فحذفوا الكاف وأبدلوها ~~همزة، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال بلغني أنهم يعرضون ثلاث ~~عرضات فأما عرضتان فهما الخصومات والمعاذير وأما الثالثة فتطاير الصحف في ~~الأيدي، وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا ثم ms1775 قال: { إنى ظننت أنى ~~ملق حسابيه } يعني: أيقنت وعلمت أني أحاسب قال الله تعالى - { ~~فهو فى عيشة راضية } يعني: في عيش مرضي { فى جنة ~~عالية } يعني مرتفعة { قطوفها دانية } يعني اجتناء ثمارها ~~قريب يعني شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد فيقال لهم { كلوا ~~واشربوا هنيئا } يعني كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها ~~هينئا يعني طيبا بلا داء، ويقال حلال لا إثم فيه { بما أسلفتم ~~} يعني: بما عملتم وقدمتم { فى الأيام الخالية } يعني: في ~~الدنيا، ويقال بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية يعني في ~~الدنيا { وأما من أوتى كتبه بشماله } روي عن ابن ~~عباس أنه قال: الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد وهذه الآية في ~~الأسود بن عبد الأسد، ويقال في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار { ~~فيقول يليتنى لم أوت كتبيه } يعني: لم أعط كتابيه { ~~ولم أدر ما حسابيه } يعني: لم أعلم ما حسابي قوله تعالى: { ~~يليتها كانت القاضية } يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين ~~النفختين، ويقال يا ليتها كانت القاضية يعني المنية، قال مقاتل: يتمنى ~~الموت { ما أغنى عنى ماليه } يعني ما أرى ينفعني مالي الذي ~~جمعت في الدنيا { هلك عنى سلطنيه } يعني: بطل عني عذري ~~وحجتي يقول الله تعالى { خذوه فغلوه } يعني؛ بالأغلال الثقال { ~~ثم الجحيم صلوه } يعني أدخلوه { ثم فى سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه } يعني: أدخلوه في تلك ~~السلسلة { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم } يعني: لا ~~يصدق بالله العظيم { ولا يحض } يعني لا يحث نفسه ولا غيره { على ~~طعام المسكين } يعني؛ لا يطعم المسكين في الدنيا { فليس له ~~اليوم ههنا حميم } يعني: قريب يمنع منه شيئا يعني أحدا ~~يمنع من العذاب { ولا طعام إلا من غسلين } يعني؛ ليس له ~~فيها طعام إلا من غسلين، وروى عكرمة عن ابن عباس قال لا أدري ما الغسلين، ~~وروي عنه أنه قال الغسلين ما يسقط عن عروقهم وذاب من أجسادهم، وقال ~~القتبي هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة { لا يأكله إلا ~~الخطئون } يعني: المشركين ms1776 وروى عكرمة عن ابن عباس أن رجلا قرأ ~~عنده لا يأكله إلا الخاطئون وقال ابن عباس كلنا نخطىء ولكن لا يأكله إلا ~~الخاطئون يعني: العاصين الكافرين. ### || [69.38-52] # قال: { فلا أقسم بما تبصرون } يعني: أقسم بما تبصرون من ~~شيء، ومن الخلق { وما لا تبصرون } من الخلق { إنه لقول ~~رسول كريم } يعني: هذا القرآن قول رسول كريم على الله تعالى، يعني ~~جبريل وهذا قول مقاتل ويقال: قول رسول كريم يعني قول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يعني: محمد - صلى الله عليه وسلم - قال أبو العالية، ~~إنه يعني القرآن لقول رسول كريم يقرأ عليك يا محمد - ويقال معناه إن الذي ~~ينزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ويقرؤه عليه جبريل الكريم ~~على الله تعالى ليس الشياطين كما يقولون { وما هو بقول شاعر } ~~يعني: القرآن ليس هو بقول شاعر { قليلا ما تؤمنون } يعني: ~~قليلا ما تؤمنون، وما صلة، قرأ ابن كثير وابن عامر في رواية هشام قليلا ~~ما يؤمنون بالياء وقليلا ما يذكرون بالياء والباقون بالتاء عبى معنى ~~المخاطبة ثم قال: { ولا بقول كاهن } يعني: ليس بقول كاهن ليس ~~بقول شيطان أي عراف كاذب { قليلا ما تذكرون } يعني: قليلا ما ~~تتعظون ثم قال عز وجل: { تنزيل من رب العلمين } يعني ~~القرآن هو كلام رب العالمين أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قال ~~{ ولو تقول علينا بعض الأقاويل } يعني أن محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - لو قال من ذات نفسه { لأخذنا منه باليمين } ~~يعني: لعاقبناه فأعلم الله تعالى أنه لا محاباه لأحد إذا عصاه بالقرآن ~~وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنى: قوله باليمين يعني بالقوة، ~~وقال القتبي إنما قام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شيء في يمينه ولأهل ~~اللغة في هذا مذاهب أخر وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة أحد فيقولون خذ بيده ~~وافعل به كذا وكذا، قال الله تعالى لو كذب علينا لأمرنا بالأخذ بيده ثم ~~عاقبناه، ويقال لو تقول علينا بعض الأقاويل معناه لو زاد حرفا واحدا ms1777 ~~على ما أوحيته إليه أو نقص لعاقبته وكان هو أكرم الناس علي وفي الآية ~~تنبيه لغيره لكيلا يغيروا شيئا من كتاب الله تعالى ولا يتقولوا فيه ~~شيئا من ذات أنفسهم ويقال باليمين يعني بالحق، ويقال بالحجة { ثم ~~لقطعنا منه الوتين } وهو عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات ~~صاحبه يعني لأهلكناه { فما منكم من أحد عنه حجزين } ~~يعني: ليس أحد منكم يمنعنا من عذابه { وإنه } يعني: القرآن { ~~لتذكرة للمتقين } يعني: عظة للذين يتقون الشرك والفواحش { ~~وإنا لنعلم أن منكم مكذبين } يعني: وإنا لنعلم أن ~~منكم أيها المؤمنون مكذبون بالقرآن يعني: المنافقين ثم قال عز وجل: { ~~وإنه لحسرة على الكفرين } يعني: إن هذا القرآن ندامة ~~على الكفارين يوم القيامة لأنه يقال لهم ألم يقرأ عليكم القرآن فيكون لهم ~~حسرة وندامة بترك الإيمان { وإنه لحق اليقين } يعني: إن تلك ~~الندامة لحق اليقين ويقال إن القرآن من الله تعالى حقا يقينا { ~~فسبح باسم ربك العظيم } يعني: صل لله تعالى ويقال سبحه ~~باللسان والله تعالى أعلم والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-14] # قوله تعالى: { سأل سائل } قرأ نافع بغير همزة والباقون بالهمزة ~~فمن قرأ بغير همزة فهو من سال يسال، يعني جرى واد بعذاب الله تعالى ومن ~~قرأ بالهمزة فهو من سأل يسأل بمعنى دعا داع { بعذاب واقع } وهو ~~النضر بن الحارث فوقع به العذاب فقتل يوم بدر في الدنيا، وقال مجاهد دعا ~~داع بعذاب يقع في الآخرة وهو قولهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء ويقال سأل سائل عن عذاب واقع والجواب { ~~للكفرين ليس له دافع } يعني أن ذلك العذاب من الله واقع ~~للكافرين { من الله } الذي هو { ذي المعارج } قال مقاتل: يعني ~~ذي الدرجات يعني السموات السبع وقال القتبي يعني معارج الملائكة أي تصعد ~~{ تعرج الملئكة والروح إليه } يعني جبريل { فى ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } يعني ذلك العذاب ~~واقع في يوم القيامة مقداره خمسين ألف سنة ويقال: يعني يعرج جبريل ms1778 ~~والملائكة في يوم واحد كان مقداره لو صعد غيرهم خمسين ألف سنة وقال محمد ~~بن كعب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة قال هو يوم الفصل بين الدنيا ~~والآخرة ثم قال عز وجل { فاصبر صبرا جميلا } يعني اصبر صبرا ~~حسنا لا جزع فيه ثم أخبر متى يقع العذاب فقال { إنهم يرونه ~~بعيدا } يعني يوم القيامة غير كائن عندهم. { ونراه قريبا } لا ~~خلف فيه { يوم تكون السماء كالمهل } يعني اليوم الذي تكون ~~السماء كالمهل أي كدردي الزيت من الخوف ويقال ما أذيب من الفضة أو النحاس ~~{ وتكون الجبال كالعهن } يعني كالصوف المندوف قرأ الكسائي ~~يعرج الملائكة بالياء والباقون بالتاء بلفظ التأنيث لأنها جمع الملائكة ~~ومن قرأ بالياء فلتقديم الفعل وروي عن ابن كثير أنه قرأ (ولا يسأل حميم) ~~بضم الياء والباقون بالنصب ومن قرأ بالضم فمعناه أنه لا يسأل قريب عن ذي ~~قرابته لأن كل إنسان يعرف بعضهم بعضا قوله تعالى { يبصرونهم } ~~يعني يعرفونهم ملائكة الله تعالى ومن قرأ بالنصب معناه لا يسأل قريب عن ~~قريبه لأنه يعرف بعضهم بعضا يبصرونهم يعني يعرفونهم ويقال مرة يعرفونهم ~~ويقال ومرة لا يعرفونهم ثم قال عز وجل { يود المجرم } أي يتمنى ~~الكافر { لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه } يعني ~~يفادي نفسه بولده { وصحبته } يعني وزوجته { وأخيه ~~وفصيلته التى تويه } يعني عشيرته التي يأوى إليهم وقال ~~مجاهد وفصيلته أي قبيلته هكذا روي عن قتادة وقال الضحاك يعني عشيرته { ~~ومن فى الأرض جميعا } يعني يفادي نفسه بجميع من في الأرض { ~~ثم ينجيه } يعني ينجي نفسه من العذاب. ### || [70.15-35] # قال الله تعالى { كلا } أي حقا لا ينجيه وإن فادى جميع الخلق ولا ~~يفادي نفسه وقال أهل اللغة كلا ردع وتنبيه يعني لا يكون كما تمنى. ثم ~~استأنف الكلام فقال { كلا إنها لظى } يعني النار والعقوبة لظى ~~اسم من أسماء النار { نزاعة للشوى } يعني قلاعة للأعضاء ويقال ~~حراقة للأعضاء والجسد، وقال القتبي الشوى جلود الرأس وأحدها شواة ويعني ~~أن النار تنزع جلود الرأس وعن أبي صالح قال ms1779 نزاعة للشوى أطراف اليدين ~~والرجلين وقال مقاتل يعني تنزع النار الهامة والأطراف قرأ عاصم في رواية ~~حفص نزاعة نصبا على الحال والباقون بالضم يعني إنها نزاعة للشوى { ~~تدعوا من أدبر وتولى } يعني لظى تدعو إلى نفسه تنادي من ~~أعرض عن التوحيد وأعرض عن الإيمان، ويقال إن لظى تنادي وتقول أيها الكافر ~~تعال إلي فإن مستقرك في وتقول أيها المنافق تعال إلي فإن مستقرك في ~~فذلك قوله (تدعوا من أدبر وتولى) ثم قال { وجمع فأوعى } يعني جمع ~~المال ومنع حق الله تعالى قال مقاتل فأوعى يعني فأمسكه فلم يؤد حق الله ~~تعالى ثم قال { إن الإنسن خلق هلوعا } يعني حريصا ضجورا ~~بخيلا ممسكا فخورا، وقال القتبي هلوعا يعني شديد الجزع يقال ناقة ~~هلوع إذا كانت شديدة النفس { إذا مسه الشر } يعني الفقر { ~~جزوعا } يعني لا يصبر على الشدة { وإذا مسه الخير منوعا ~~} يعني إذا أصابه الغنى يمنع حق الله تعالى { إلا المصلين } ~~فإنهم ليسوا هكذا وهم يؤدون حق الله تعالى { الذين هم على ~~صلاتهم دائمون } يعني يحافظون على الصلوات { والذين فى ~~أمولهم حق معلوم } يعني معروفا. { للسائل ~~والمحروم } يعني للسائل الذي يسأل الناس والمحروم الذي لا يشهد ~~الغنيمة ولا يسهم له وروى وكيع عن سفيان عن قيس عن محمد بن الحسن قال بعث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية ففتحت فجاء آخرون بعد ذلك فنزل (وفي ~~أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) وقال الشعبي أعياني أن أعلم ما ~~المحروم ثم قال تعالى { والذين يصدقون بيوم الدين } يعني ~~بيوم الحساب { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون } يعني ~~خائفين { إن عذاب ربهم غير مأمون } يعني لم يأت لأحد ~~الأمان من عذاب الله تعالى، ويقال لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله ~~تعالى ثم قال { والذين هم لفروجهم حفظون إلا على ~~أزوجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ~~ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون } وقد ذكرناه { والذين هم لامنتهم ~~وعهدهم رعون } يعني الأمانات التي فيما بينهم وبين الله تعالى ~~والعهد الذي بينهم ms1780 وبين الله تعالى والأمانات والعهد التي بينهم وبين ~~الناس حافظون { والذين هم بشهدتهم قائمون } يعني ~~يؤدون الشهادة عند الحاكم ولا يكتمونها إذا دعوا إليها فيؤدون الشهادة ~~على الوجه الذي علموها وحملوها - قرأ عاصم في رواية حفص وأبو عمرو في ~~إحدى الروايتين بشهاداتهم وهو جمع الشهادة والباقون بشهادتهم وهي شهادة ~~واحدة وإنما تقع على الجنس ثم قال { والذين هم على صلاتهم ~~يحافظون } يعني يداومون عليها ويحافظون عليها في مواقيتها { ~~أولئك فى جنت مكرمون } يعني أهل هذه الصفة في جنات ~~مكرمون بثواب من الله تعالى بالتحف والهدايا. ### || [70.36-44] # قال تعالى: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } يعني ~~حولك ويقال عندك ناظرين والمهطع المقبل ببصره على الشيء كانوا ينظرون ~~إليه نظرة عداوة يعني كفار مكة وإنما قولهم مهطعين نصبا على الحال { ~~عن اليمين وعن الشمال عزين } يعني حلقا حلقا جلوسا لا ~~يدنون منه فينتفعون بمجلسه، ويقال: عزين يعني متفرقين، وروى تميم عن طرفة ~~عن جابر بن سمرة قال: دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن ~~جلوس متفرقين فقال # " مالي أراكم عزين " # يعني متفرقين { أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة ~~نعيم } يعني يتمنى كل واحد منهم أن يدخل الجنة كما يدخل المسلمون قال ~~الله تعالى { كلا } يعني لا يدخلون ما داموا على كفرهم ثم قال { ~~إنا خلقنهم مما يعلمون } يعني من النطفة وقال الزجاج ~~معناه أنهم خلقوا من تراب ثم من نطفة فأي شيء لهم يدخلون به الجنة ويقال ~~إنا خلقناهم مما يعلمون فبماذا يتكبرون ويتجبرون. ثم قال عز وجل { فلا ~~أقسم برب المشرق } يعني أقسم برب المشارق، وقال في آية { ~~رب المشرق والمغرب } وإنما أراد به الناحية التي تطلع ~~الشمس والناحية التي تغرب الشمس منها وقال في آية أخرى { رب ~~المشرقين } يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف ورب المغربين لذلك وقال ~~في هذا الموضع رب المشارق يعني مشرق كل يوم وهي ثمانون ومائة مشرق في ~~الشتاء ومشرق مثلها في الصيف { والمغرب } يعني مغرب كل يوم { ~~إنا لقدرون على أن نبدل خيرا منهم ms1781 } يعني على ~~أن نهلكهم ونخلق خلقا خيرا منهم { وما نحن بمسبوقين } يعني ~~عاجزين { فذرهم } يعني اتركهم وأعرض عنهم { يخوضوا ~~ويلعبوا } يعني حتى يخوضوا، ويلعبوا في الباطل ويستهزئوا { حتى ~~يلقوا يومهم } يعني يعاينوا يومهم { الذى يوعدون } ~~قوله تعالى: { يوم يخرجون من الأجداث سراعا } يعني في ~~اليوم الذي يوعدون وفي اليوم الذي يخرجون من القبور سراعا يعني يسرعون ~~إلى الصوت { كأنهم إلى نصب يوفضون } يعني كأنهم إلى علم ~~منصوب يمضون قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص إلى نصب بضم النون والصاد ~~يعني أصناما لهم كقوله # وما ذبح على النصب # [المائدة:3] والباقون إلى نصب يعني إلى علم يستبقون وقال أهل اللغة ~~الإيفاض الإسراع { خشعة أبصرهم } يعني ذليلة أبصارهم { ~~ترهقهم ذلة } يعني تغشاهم مذلة ثم قال { ذلك اليوم ~~الذى كانوا يوعدون } يعني يوعدون فيه العذاب. وهم له منكرون ~~وصلى الله على سيدنا محمد. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-14] # قوله تعالى { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } يعني: جعله ~~الله رسولا إلى قومه { أن أنذر قومك } يعني أن خوف قومك بالنار ~~لكي يؤمنوا بالله { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } يعني: ~~الطوفان والغرق { قال } لهم نوح عليه السلام { يا قوم إنى ~~لكم نذير مبين } يعني قال نوح لقومه أنبئكم بلغة تعرفونها { ~~أن اعبدوا الله } يعني أنذركم وأقول لكم اعبدوا الله يعني وحدوا ~~الله { واتقوه } يعني واخشوه واجتنبوا معاصيه { وأطيعون } فيما ~~آمركم { يغفر لكم من ذنوبكم } يعني ذنوبكم ومن صلة { ~~ويؤخركم } يعني يؤجلكم { إلى أجل مسمى } يعني إلى ~~منتهى آجالكم { إن أجل الله } يعني إن عذاب الله { إذا جاء ~~لا يؤخر } يعني لا يستطيع أن يؤخره أحد { لو كنتم تعلمون ~~} يعني لو كان لكم علم تنتفعون به قوله تعالى { قال رب } يعني دعا ~~نوح بعد ما كذبوه في طول المدة قال رب يعني يا رب { إنى دعوت ~~قومى } إلى التوحيد { ليلا ونهارا } يعني في كل وقت سرا ~~وعلانية { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } يعني إلى ~~التوحيد تباعدا من الإيمان قال عز وجل { وإنى كلما دعوتهم ~~} إلى التوحيد ms1782 { لتغفر لهم جعلوا أصبعهم فى ~~ءاذنهم } يعني لا يسمعون دعائي { واستغشوا ثيابهم } يعني ~~غطوا رؤوسهم بثيابهم لكي لا يسمعوا كلامي { وأصروا } يعني أقاموا ~~على الكفر والشرك { واستكبروا استكبارا } يعني تكبروا عن ~~الإيمان تكبرا. قوله تعالى { ثم إنى دعوتهم جهرا } يعني ~~دعوتهم إلى الإيمان علانية من غير خفية { ثم إنى أعلنت لهم ~~} يعني صحت لهم { وأسررت لهم إسرارا } يعني خلطت دعاءهم ~~بالعلانية بدعائهم في السر { فقلت استغفروا ربكم } يعني ~~توبوا وارجعوا من ذنوبكم يعني الشرك والفواحش { إنه كان غفارا ~~} يعني غفارا لمن تاب من الشرك { يرسل السماء عليكم ~~مدرارا } يعني المطر دائما كلما احتاجوا إليه { ويمددكم ~~بأمول وبنين } يعني يعطيكم أموالا وأولادا { ويجعل ~~لكم جنت } يعني البساتين { ويجعل لكم أنهارا } ~~يعني في الجنات قوله تعالى { ما لكم لا ترجون لله وقارا ~~} ما لكم لا تخافون لله عظمة في التوحيد وهو قول الكلبي ومقاتل، وقال ~~قتادة مالكم لا ترجون لله عاقبة، ويقال ما لكم لا ترجون عاقبة الإيمان ~~يعني في الجنة، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال مالكم لا تعلمون حق ~~عظمته، وقال مجاهد مالكم لا ترجون لله عظمة { وقد خلقكم ~~أطوارا } يعني خلقا بعد خلق، وحالا بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة. ~~فمعناه مالكم لا توحدون وقد خلقكم يعني ضروبا، ويقال أراد به اختلاف ~~الأخلاق والمنطق، ويقال أراد به المناظرة. ### || [71.15-28] # ثم وعظهم ليعتبروا فقال عز وجل { ألم تروا كيف خلق الله ~~} يعني ألم تنظروا فتعتبروا كيف خلق الله تعالى { سبع سموات ~~طباقا } يعني مطبقا بعضها فوق بعض { وجعل القمر فيهن ~~نورا } يعني ضياءا لبني آدم وإنما قال فيهن أراد به سماء الدنيا لأنها ~~إحداهن { وجعل الشمس سراجا } يعني نورا للخلق، ويقال جعل ~~القمر فيهن نورا يعني في جميع السماوات لأن إحداهن مضيء لأهل السماوات ~~وظهره لأهل الأرض، ويقال وجعل القمر فيهن نورا يعني معهن نورا ثم قال ~~عز وجل { والله أنبتكم من الأرض نباتا } يعني خلقكم في ~~الأرض خلقا، ويقال يعني خلقكم من الأرض وهو آدم عليه ms1783 السلام وأنتم من ~~ذريته { ثم يعيدكم فيها } يعني بعد الموت { ويخرجكم ~~إخراجا } يعني يخرجكم من الأرض يوم القيامة قوله تعالى { والله ~~جعل لكم الأرض بساطا } يعني فراشا { لتسلكوا منها ~~} يعني فتمضوا فيها وتأخذوا فيها { سبلا فجاجا } يعني طرقا بين ~~الجبال والرمال، ويقال طرقا واسعة قوله تعالى { قال نوح رب ~~إنهم عصونى } فيما أمرتهم من توحيد الله تعالى { ~~واتبعوا } يعني أطاعوا { من لم يزده ماله } يعني ~~أطاعوا من لم يزده ماله يعني كثرة أمواله { وولده إلا خسارا } ~~أي خسرانا في الآخرة { ومكروا مكرا كبارا } يعني مكرا ~~عظيما، ويقال مكروا مكرا كبيرا ويعني قالوا كلمة الشرك والكبير ~~والكبار بمعنى واحد { وقالوا لا تذرن ءالهتكم } يعني قال ~~بعضهم لبعض ويقال قال الرؤساء للسفلة لا تذرن يعني لا تتركوا عبادة ~~آلهتكم { ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا } فهذه أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها يعني لا تتركوا ~~عبادة هذه الأصنام، قرأ نافع ودا بضم الواو والباقون بالنصب ومعناهما ~~واحد وهو اسم الصنم، وقال قتادة: هذه الآلهة كان يعبدها قوم نوح ثم عبدها ~~العرب بعد ذلك وقال القتبي الود صنم، ومنه كانت العرب تسمي عبد ود وكذلك ~~تسمى عبد يغوث. # ثم قال: { وقد أضلوا كثيرا } يعني: هذه الأصنام أضلوا كثيرا ~~من الناس يعني: ضلوا بهن كثيرا من الناس كقوله: { إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس ثم قال: { ولا تزد الظلمين إلا ضلالا ~~} يعني: خسارا وغبنا ثم قال عز وجل: { مما خطيئتهم ~~أغرقوا } (يعني: بشركهم بالله تعالى أغرقوا في الدنيا) { ~~فأدخلوا نارا } في الآخرة، قال مقاتل: مما خطيئاتهم أغرقوا ~~بخطياتهم، وقال القتبي: بما خطياتهم أغرقوا يعني من خطيئاتهم أغرقوا ~~والميم زيادة ثم قال: { فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا } يعني: أعوانا يمنعونهم من العذاب قرأ أبو عمرو خطاياهم ~~والباقون خطيئاتهم ومعناهما واحد وهو جمع خطيئة قوله تعالى: { وقال ~~نوح رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا } ~~يعني: لا تدع على ظهر الأرض من الكافرين ديارا يعني: أحدا منهم، ويقال: ~~أصله من الدار يعني ms1784 نازلا بها، ويقال في الدار أحد، وما بها ديار، وأصله ~~ديوار فقلبت الواو، ياء ثم شددت وأدغمت الياء في الياء ثم قال عز وجل: { ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك } يعني: إنك إن تتركهم ولم ~~تهلكهم يدعوا الموحدين إلى الكفر { ولا يلدوا إلا فاجرا ~~كفارا } يعني: يكون منهم الأولاد يكفرون، ويفجرون بعد البلوغ، ويقال: ~~يعني ولا يلدوا إلا أن يكونوا فجارا كفارا، وهذا كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره " # ثم قال عز وجل: { رب اغفر لى ولولدى ولمن دخل ~~بيتى مؤمنا } يعني: سفينتي وديني وقال الكلبي، ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا يعني: مسجدي { وللمؤمنين والمؤمنت ولا تزد ~~الظلمين إلا تبارا } يعني: لا تزد الكافرين إلا هلاكا ~~كقوله تبرناهم تتبيرا وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه كان إذا قرأ ~~القرآن في الليل فمر بآية فيقول لي يا عكرمة ذكرني عند هذه الآية غدا ~~فقرأ ذات ليلة هذه الآية فقال يا عكرمة ذكرني غدا فذكرته ذلك فقال إن ~~نوحا دعا بهلاك الكافرين، ودعا للمؤمنين بالمغفرة وقد استجيب دعاؤه في ~~المؤمنين فيغفر الله تعالى للمؤمنين والمؤمنات بدعائه وبهلاك الكافرين ~~فأهلكوا، وروي عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " نجاة المؤمنين في ثلاثة أشياء بدعاء نوح عليه السلام، وبدعاء إسحاق ~~عليه السلام وبشفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - " # يعني: للمؤمنين والله أعلم. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-4] # قوله تعالى: { قل أوحى إلى } يعني: قل يا محمد أوحى الله إلي ~~وأخبرني الله تعالى في القرآن { أنه استمع نفر من الجن } ~~وهم تسعة من أهل نصيبين من أهل اليمن من أشرافهم والنفر ما بين الثلاثة ~~إلى العشرة، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال انطلق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين ~~الشياطين وبين السماء أي بين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فقالوا ما ~~هذا إلا لشيء حدث فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ms1785 يبتغون ما هذا الذي حال ~~بينهم وبين خبر السماء فوجدوا النفر الذين خرجوا نحو تهامة ورسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بنخلة وهو يصلي مع أصحابه صلاة الفجر فاستمعوا منه ~~فقالوا هذا والله الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم { ~~فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا يهدى إلى الرشد ~~} فأنزل الله تعالى { قل أوحى إلى أنه استمع نفر ~~من الجن } يعني: طائفة وجماعة من الجن فقالوا إنا سمعنا يعني: قالوا ~~بعدما رجعوا إلى قومهم إنا سمعنا قرآنا عجبا يعني عزيزا شريفا ~~كريما، ويقال عزيزا لا يوجد مثله، يهدي إلى الرشد يعني: يدعو إلى الهدى ~~وهو الإسلام ويقال إلى الصواب والتوحيد والأمر والنهي، ويقال يدل على ~~الحق { فآمنا به } يعني: صدقنا بالقرآن، ويقال آمنا بالله تعالى. { ~~ولن نشرك بربنا أحدا } يعني: إبليس يعني: لن نشرك بعبادته ~~أحدا من خلقه ثم قال عز وجل: { وأنه تعلى جد ربنا } ~~أي: ارتفع عظمة ربنا ويقال ارتفع ذكره، ويقال ارتفع ملكه وسلطانه { ما ~~اتخذ صحبة ولا ولدا } يعني: لم يتخذ زوجة ولا ولدا كما ~~زعم الكفار، واتفق القراء في قوله - أنه استمع نفر على نصب الألف لأن ~~معناه قل أوحي إلي بأنه استمع واتفقوا في قوله إنا سمعنا على الكسر لأنه ~~على معنى الابتداء واختلفوا فيما سوى ذلك - قرأ حمزة والكسائي وابن عامر ~~كلها بالنصب بناء على قوله (أنه استمع) إلا في حرفين - أحدهما - فإن له ~~نهار جهنم بالكسر - والأخرى قوله فإنه يسلك من بين يديه بالكسر على معنى ~~الابتداء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير كلها بالكسر إلا في أربعة أحرف (قل ~~أوحي إلى أنه استمع)، (وأن لو استقاموا) (وأن المساجد)، (وأنه لما قام ~~عبد الله يدعوه)، قرأ عاصم في رواية أبي بكر ونافع في إحدى الروايتين ~~هكذا إلا في قوله وأنه لما قام عبد الله وإنما اختاروا الكسر لهذه الأحرف ~~بناء على قوله إنا سمعنا وقال أبو عبيد: ما كان من قول الجن فهو كسر ~~ومعناه وقالوا إنه تعالى، وقالوا أنه كان يقول ms1786 وما كان محمولا على قوله ~~أوحى فهو نصب على معنى أوحي إلي أنه ثم قال { وأنه كان يقول ~~سفيهنا على الله شططا } يعني: جاهلنا يعني إبليس لعنه الله، ~~ويقال وإنه كان يقول سفيهنا يعني كفرة الجن على الله شططا يعني كذبا ~~وجورا من المقال. ### || [72.5-17] # قال عز وجل: { وأنا ظننا } يعني: حسبنا { أن لن تقول ~~الإنس والجن على الله كذبا } يعني: نتوهم أن أحدا لا ~~يكذب على الله وإلى ها هنا حكاية كلام الجن، يقول الله تعالى { وأنه ~~كان رجال من الإنس } يعني: في الجاهلية { يعوذون برجال ~~من الجن } وذلك أن الرجل إذا نزل في فضاء من الأرض كان يقول أعوذ ~~بسيد هذا الوادي فيكون في أمانهم تلك الليلة { فزادوهم رهقا } ~~يعني: زادوا للجن عظمة وتكبروا ويقولن بلغ من سؤددنا أن الجن والأنس ~~يطلبون منا الأمان { وأنهم ظنوا كما ظننتم } يعني: كفار ~~الجن حسبوا كما حسبتم يا أهل مكة { أن لن يبعث الله أحدا } ~~يعني: بعد الموت، يعني: إنهم كانوا غير مؤمنين كما أنكم لا تؤمنون، ويقال ~~إنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا يعني رسولا فقد أرسل محمدا ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى كلام الجن فقال { وأنا لمسنا ~~السماء } يعني: صعدنا وأتينا السماء لاستراق السمع { فوجدنها ~~ملئت حرسا شديدا } يعني: حفاظا أقوياء من الملائكة { ~~وشهبا } يعني: رمينا نجما متوقدا { وأنا كنا نقعد ~~منها مقعد للسمع } يعني: كنا نقعد فيما مضى للاستماع من ~~الملائكة ما يقولون فيما بينهم من الكوائن { فمن يستمع الآن ~~يجد له شهابا رصدا } يعني: نجما مضيئا والرصد الذي أرصد ~~للرجم يعني: النجم، وروى عبد الرزاق عن معمر قال قلت للزهري أكان يرمى ~~بالنجوم في الجاهلية قال نعم قلت أفرأيت قوله (فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا) قال غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال الجن بعضهم لبعض: { وأنا لا ندرى أشر أريد بمن فى ~~الأرض } يعني: يبعثه فلم يؤمنوا فيهلكوا { أم أراد بهم ~~ربهم رشدا } يعني: خيرا ms1787 وصوابا فيؤمنوا ويهتدوا ويقال لا ندري ~~أخيرا أريد بأهل الأرض أو الشرحين حرست السماء ورمينا بالنجوم ومنعنا ~~السمع، ويقال: أريد عذابا بمن في الأرض بإرسال الرسول بالتكذيب له أو ~~أراد بهم ربهم خيرا ببيان الرسول لهم هدى وبيانا ثم قال عز وجل: { ~~وأنا منا الصلحون } يعني: الموحدين والمسلمين { ومنا ~~دون ذلك } يعني: ليسوا بموحدين { كنا طرائق قددا } يعني: ~~فينا أهواء مختلفة وملل شتى، وقال القتبي يعني: فرقا مختلفة وكل فرقة ~~قدة مثل القطعة في التقدير والطرائق جمع الطريق قوله تعالى: { وأنا ~~ظننا } يعني: علمنا وأيقنا { أن لن نعجز الله فى ~~الأرض } يعني: لا يفوت أحد من الله تعالى: { ولن نعجزه ~~هربا } لا يقدر الهرب منه قال الله عز وجل: { وأنا لما ~~سمعنا الهدى } يعني: القرآن يقرؤه محمد - صلى الله عليه وسلم - { ~~آمنا به } يعني: صدقنا بالقرآن، ويقال بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ، ويقال صدقنا بالله تعالى { فمن يؤمن بربه } قال بعضهم هذا ~~من كلام الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - فمن يصدق بوحدانية الله ~~تعالى { فلا يخاف بخسا } يعني: نقصانا من ثواب عمله { ولا ~~رهقا } يعني: ذهاب عمله وهذا كقوله تعالى { فلا يخاف ظلما ~~ولا هضما } ، ويقال هذا كلام الجن بعضهم لبعض فمن يؤمن بربه فلا ~~يخاف بخسا ولا رهقا والرهق الظلم أن يجعل ثواب عمله لغيره والبخس ~~النقصان من ثواب عمله، قوله تعالى: { وأنا منا المسلمون } ~~يعني: المصدقين بوحدانية الله تعالى: { ومنا القسطون } يعني: ~~العادلين عن طريق الهدى ويقال القاسطون يعني الجائرين يقال قسط الرجل إذا ~~جار وأقسط إذا عدل كقوله تعالى: { إن الله يحب المقسطين ~~} ثم قال { فمن أسلم } يعني: أقر بوحدانية الله تعالى وأخلص ~~بالتوحيد له { فأولئك تحروا رشدا } يعني: نورا، وتمنوا ~~وقصدوا ثوابا ثم قال عز وجل: { وأما القسطون } يعني: ~~العادلين عن الطريق الجائرين { فكانوا لجهنم حطبا } يعني: ~~وقودا، قال الله تعالى { وألو استقاموا على الطريقة } ~~قال مقاتل: لو استقاموا على طريقة الهدى يعني أهل مكة { لأسقينهم ~~ماء غدقا } يعني: كثيرا من السماء كقوله # ولو ms1788 أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] ثم قال عز وجل: { لنفتنهم فيه } يعني: لنبتليهم ~~به كقوله # ولولا أن يكون الناس أمة وحدة # [الزخرف: 33] الآية، وقال قتادة (وأن لو استقاموا على الطريقة) يعني: ~~آمنوا لوسع الله عليهم الرزق، وقال القتبي هذا مثل ضربه الله تعالى ~~للزيادة في أموالهم ومواشيهم كقوله (ولولا أن يكون الناس) ثم قال: { ~~ومن يعرض عن ذكر ربه } يعني: توحيد ربه ويقال: يكفر بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - والقرآن { يسلكه عذابا صعدا } يعني ~~يكلفه الصعود على جبل أملس، وقال مقاتل (عذابا صعدا) أي شدة العذاب ~~وقال القتبي: يعني: شاقا وقال قتادة صعودا من عذاب الله تعالى لا راحة ~~فيه. ### || [72.18-28] # قال عز وجل: { وأن المسجد لله } قال الحسن يعني الصلاة ~~لله تعالى، وقال قتادة: كانت اليهود والنصارى يدخلون كنائسهم ويشركون ~~بالله تعالى فأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يخلص الدعوة ~~له إذا دخل المسجد وقال القتبي: قوله (وأن المساجد لله) يعني: يعني ~~السجود لله ويقال: هي المساجد بعينها يعني: بنيت المساجد ليعبدوا الله ~~تعالى فيها { فلا تدعوا مع الله أحدا } يعني: لا تعبدوا ~~أحدا غير الله تعالى، قرأ حمزة والكسائي وعاصم (يسلكه) بالياء والباقون ~~بالنون وكلاهما يرجع إلى معنى واحد يقال سلكت الخيط في الإبرة وأسلكته ~~إذا أدخلته قوله عز وجل: { وأنه لما قام عبد الله } ~~يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - لما قام إلى الصلاة ببطن نخلة ~~(يدعوه) يعني: يصلي لله تعالى ويقرأ كتابه { كادوا يكونون ~~عليه لبدا } يعني: يركب بعضهم بعضا ويقع بعضهم على بعض ثم قال عز ~~وجل: { قل إنما أدعو ربى } قرأ حمزة وعاصم قل إنما أدعو ربي ~~على معنى الأمر يعني: قل يا محمد إنما أدعو ربي يعني أعبده { ولا ~~أشرك به أحدا } ، قرأ الباقون على معنى الخبر عنهم قرأ ابن عامر ~~في رواية هشام عليه لبدا بضم اللام والباقون بكسرها ومعناهما واحد وقال ~~القتبي يكونون عليه لبدا أي يتلبدون به رغبة في استماع ms1789 القرآن، يقال ~~لبدت به أي لصقت به ومعناه كادوا أن يلصقوا به قوله تعالى: { قل إنى ~~لا أملك لكم ضرا ولا رشدا } يعني: لا أقدر لكم خذلانا ~~ولا هداية. # قوله تعالى { قل إنى لن يجيرنى من الله أحد } يعني لن ~~يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته { ولن أجد من دونه ~~ملتحدا } يعني ملجأ ولا مفرا { إلا بلاغا من الله ~~ورسلته } يعني فذلك الذي يجيرني من عذاب الله. ويقال في الآية ~~تقديم ومعناه قل لا أملك لكم ضرا إلا أن أبلغكم رسالات ربي يعني ليس ~~بيدي شيء من الضر والنفع والهداية إلا بتبليغ الرسالة { ومن يعص ~~الله ورسوله } في التوحيد ولم يؤمن به، { فإن له نار ~~جهنم خلدين فيها أبدا } أي مقيمين في النار أبدا يعني ~~دائما. وقد تم الكلام ثم قال عز وجل { حتى إذا رأوا ما ~~يوعدون } من العذاب يعني لما رأوا العذاب، ويقال معناه أمهلهم حتى ~~إذا رأوا ما يوعدون في الدنيا وفي الآخرة { فسيعلمون من هو ~~أضعف ناصرا } يعني مانعا من العذاب { وأقل عددا } يعني ~~رجالا فقالوا متى هذا العذاب الذي تعدنا يا محمد فنزل { قل إن ~~أدرى أقريب ما توعدون } يعني ما أدري أقريب ما توعدون من ~~العذاب { أم يجعل له ربى أمدا } يعني أجلا ينتهي إليه قوله ~~تعالى { علم الغيب } يعني هو عالم الغيب { فلا يظهر ~~على غيبه أحدا } يعني هو الذي يعلم وقت نزول العذاب ولا يطلع ~~على غيبه أحدا من خلقه قوله تعالى { إلا من ارتضى من رسول ~~} يعني إلا من اختار لرسالته فإنه يطلعه على ما يشاء من الغيب ليكون ~~دلالة لنبوته { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا } يعني من الملائكة بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن خلفه ليحفظوه من الشياطين { ليعلم أن قد أبلغوا ~~رسلت ربهم } يعني ليعلموا الرسول أن الذي أنزل إليه من ~~رسالات الله وذلك أن الملائكة لو لم يرصدوهم لما يستمعوا حين يقرأ جبريل ~~ثم يفشون ذلك قبل أن يخبرهم الرسول فلا ms1790 يكون بينهم وبين الأنبياء فرق ولا ~~يكون للأنبياء دلالة ثم لا يقبل قولهم. # وروى أسباط عن السدي في قوله إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين ~~يديه ومن خلفه رصدا إذا بعث إليه تعالى نبيا جعل معه حفظة من الملائكة ~~فإذا جاء الوحي من الله تعالى قالت الملائكة هذا من الله فإذا جاءه ~~الشيطان قالت الحفظة هذا من الشيطان ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ~~يعني ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا الرسالة لأنهم تمازحوا من استراق ~~السمع وقال سعيد بن جبير لم يجيء جبريل قط بالقرآن إلا ومعه أربعة من ~~الحفظة ثم قال عز وجل { وأحاط بما لديهم } يعني الله تعالى ~~عالم بما عند الأنبياء ويقال عالم بهم { وأحصى كل شىء عددا ~~} يعني عدد الملائكة وعلم نزول العذاب ووقته وغير ذلك والله أعلم. وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1-8] # قوله تعالى { يأيها المزمل } يعني الملتف في ثيابه وأصله في ~~اللغة المتزمل وهو الذي يتزمل في الثياب وكل من التف بثوبه فهو متزمل وقد ~~تزمل فأدغمت التاء في الزاء وشددت الزاء فقيل مزمل يعني النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - { قم اليل } يعني قم الليل للصلاة { إلا قليلا } ~~من الليل { نصفه } يعني قم نصفه فاكتفى بذكر الفعل الأول من الثاني ~~لأنه دليل عليه { أو انقص منه قليلا } يعني أو انقص من النصف ~~قليلا { أو زد عليه } يعني زد على النصف يعني ما بين الثلث إلى ~~الثلثين ثم قال { ورتل القرءان ترتيلا } يعني توسل فيه وقال ~~الحسن بينه إذا قرأته فلما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فنزلت ~~الرخصة في آخر السورة، وقال مقاتل هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس، وقال ~~الضحاك (ورتل القرآن ترتيلا) قال اقرأه حرفا حرفا وقال مجاهد أحب ~~الناس إلى الله تعالى في القراءة أعقلهم عنه قوله تعالى { إنا ~~سنلقى عليك قولا ثقيلا } يعني سننزل عليك القرآن بالأمر ~~والنهي يعني يثقل لما فيه من الأمر والنهي والحدود وكان هذا ms1791 في أول الأمر ~~ثم سهل الله تعالى الأمر في قيام الليل، وقال قتادة في قوله (إنا سنلقي ~~عليك قولا ثقيلا) قال يثقل الله فرائضه وحدوده. ويقال يعني قيام الليل ~~ثقيل على المجرمين، ويقال ثقيل على من خالفه، ويقال ثقيل في الميزان خفيف ~~على اللسان، ويقال نزوله ثقيل كما قال # لو أنزلنا هذا القرءان على جبل # [الحشر:21] الآية وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت حرائها وما ~~تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه أي يذهب عنه ثم قال { إن ناشئة ~~اليل هى أشد وطأ } يعني ساعات الليل أشد موافقة للقراءة ~~وأسمع، ويقال هي أشد نشاطا من النهار إذا كان الرجل محتسبا، ويقال هي ~~أوفى لقلوبهم { وأقوم قيلا } وأبين وأصوب وأثبت قراءة، وقال ~~القتبي ناشئة الليل يعني ساعاته وهي مأخوذة من نشأت أي ابتداء شيئا بعد ~~شيء فكأنه قال إن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف من الاسم قوله تعالى ~~أشد وطئا يعني أثقل على المصلي من ساعات النهار فأخبر أن الثواب على قدر ~~الشدة وأقوم قيلا يعني أخلص للقول وأسمع له لأن الليل تهدأ فيه الأصوات ~~وتنقطع فيه الحركات قرأ أبو عمرو وابن عامر أشد وطأ بكسر الواو ومد الألف ~~والباقون بنصب الواو بغير مد فمن قرأ بالكسر يعني أشد وطأ أي موافقة لقلة ~~السمع يعني أن القرآن في الليل يتواطأ فيه قلب المصلي ولسانه وسمعه على ~~التفهم يعني أبلغ في القيام وأبين في القول ويقال أغلظ على اللسان. قوله ~~تعالى { إن لك فى النهار سبحا طويلا } يعني فراغا ~~طويلا بقضاء حوائجك فيه ففرغ نفسك لصلاة الليل، وقال القتبي سبحا أي ~~تصرفا إقبالا وإدبارا بحوائجك وأشغالك قوله عز وجل { واذكر اسم ~~ربك } يعني اذكر توحيد ربك ويقال فاذكر ربك. ويقال صل لربك { ~~وتبتل إليه تبتيلا } يعني أخلص إليه إخلاصا في دعائك ~~بعبادتك وهو قول مجاهد وقتادة ويقال وتبتل إليه تبتيلا يعني انقطع إليه ~~وأصل التبتل القطع قيل ms1792 لمريم العذراء البتول لأنها انقطعت إلى الله تعالى ~~في العبادة. ### || [73.9-19] # قال عز وجل { رب المشرق والمغرب } قرأ حمزة وابن عامر ~~والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر رب المشرق بالكسر والباقون رب بالضم فمن ~~قرأ بالكسر وتبعه قوله وأذكر اسم ربك رب المشرق والمغرب ومن قرأ بالضم ~~فهو على الابتداء ويقال معناه هو رب المشرق والمغرب. ثم قال { لا ~~إله إلا هو } وقد ذكرناه { فاتخذه وكيلا } يعني وليا ~~وحافظا وناصرا وكفيلا ثم قال عز وجل { واصبر على ما ~~يقولون } يعني على ما يقولون من التكذيب والإذاء { واهجرهم ~~هجرا جميلا } يعني اعتزلهم اعتزالا حصنا بلا جزع ولا فحش ثم قال ~~{ وذرنى والمكذبين } هذا كلام على ما جرت به عادات الناس لأن ~~الله تعالى لا يحول بينه وبين إرادته أحد ولكن معناه فوض أمورهم إلي ~~يعني أمور المكذبين { أولى النعمة } يعني ذا المال والغنى { ~~ومهلهم قليلا } يعني أجلهم يسيرا لأن الدنيا كلها قليل يعني ~~إلى يوم القيامة ثم بين ما لهم من العقوبة يوم القيامة فقال عز وجل { ~~إن لدينا أنكالا } يعني قيودا في الآخرة، ويقال عقوبة من ~~ألوان العذاب { وجحيما } ما عظم من النار { وطعاما ذا غصة ~~وعذابا أليما } يعني ذا شوك مستمسك في الحلق لا يدخل ولا يخرج ~~فيبقى في الحلق ومع ذلك لهم عذاب أليم قول الله تعالى { يوم ترجف ~~الأرض } يوم تتحرك وتتزلزل صار اليوم منصوبا لنزع الخافض يعني هذه ~~العقوبة في يوم ترجف الأرض { والجبال وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا } يعني صارت الجبال رملا سائلا وهو كقوله فكانت هباء منبثا ~~ثم قال { إنا أرسلنا إليكم رسولا شهدا عليكم } ~~يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - يشهد عليكم بتبليغ الرسالة { كما ~~أرسلنا إلى فرعون رسولا } يعني موسى بن عمران { فعصى ~~فرعون الرسول } يعني كذبه ولم يقبل قوله { فأخذنه ~~أخذا وبيلا } يعني عاقبناه عقوبة شديدة وهو الغرق فهذا تهديد لهم ~~يعني إنكم إن كذبتموه فهو قادر على عقوبتكم قوله عز وجل { فكيف ~~تتقون إن كفرتم } يعني توجدون في الآخرة إن كفرتم ms1793 في الدنيا، ~~ويقال فيه تقديم ومعناه إن كفرتم في الدنيا كيف تحذرون وتنجون. { يوما ~~يجعل الولدن شيبا } يعني يوم القيامة من هيبته يشيب الصبيان ~~وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان ولكن معناه أن ~~هيبة ذلك اليوم بحال لو كان هناك صبي يشيب رأسه من الهيبة ويقال هذا وقت ~~الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق ثم قال عز وجل { السماء ~~منفطر به } يعني انشقت السماء من هيبة الرحمن { كان وعده ~~مفعولا } يعني كائنا في البعث ثم قال { إن هذه تذكرة } ~~يعني هذه الصورة موعظة { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } ~~يعني من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك التوحيد إلى ربه مرجعا فليفعل وقال أهل ~~اللغة في قوله السماء منفطر به ولم يقل منفطرة به فالتذكير على وجهين: ~~أحدهما: أنه انصرف إلى المعنى ومعنى السماء السقف كقوله # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء:32]، والثاني: أن معناه السماء ذات الانفطار كما يقال امرأة ~~مرضع أي ذات رضاع على وجه النسب. ويقال قوله السماء منفطر به يعني فيه ~~شيء في يوم القيامة، ويقال يعني بالله تعالى يعني من هيبته قوله تعالى إن ~~هذه تذكرة يعني إن هذه الآيات التي ذكرت موعظة بليغة فمن شاء اتخذ إلى ~~ربه سبيلا يعني من شاء أن يرغب فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر الحجج ~~والدلائل. ### || [73.20] # قال عز وجل { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ~~ثلثى اليل ونصفه وثلثه } قرأ حمزة والكسائي وابن كثير ~~وعاصم ونصفه وثلثه كلاهما بالنصب والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فهو على ~~تفسير الأدنى كما قال أدنى من ثلثي الليل وكان نصفه وثلثه تفسير لذلك ~~الأدنى ومن قرأ بالكسر فمعناه أدنى من نصفه وثلثه وقال الحسن لما نزل ~~قوله قم الليل إلا قليلا فكان قيام الليل فريضة فقام بها المؤمنون حولا ~~فأجهدهم ذلك وما كلهم قام بها فأنزل الله تعالى رخصة { إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى } إلى قوله { علم أن لن ~~تحصوه } فصار تطوعا ولا بد ms1794 من قيام الليل. فذلك قوله { إن ~~ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى اليل ~~ونصفه وثلثه } { وطائفة من الذين معك } يعني ~~وجماعة من المؤمنين معك تقومون نصف الليل وثلثه { والله يقدر ~~اليل والنهار } يعني يعلم ساعات الليل والنهار { علم أن ~~لن تحصوه } يعني أن لن تطيعوه ولم تقدروا أن تحفظوا ما فرض الله ~~عليكم على الدوام ويقال معناه لن تطيقوا حفظ ساعات الليل { فتاب ~~عليكم } يعني تجاوز عنكم ورفع عنكم وجوب القيام { فاقرءوا ما ~~تيسر من القرءان } في صلاة الليل ويقال فاقرؤوا ما تيسر من ~~القرآن في جميع الصلوات { علم أن سيكون منكم مرضى } علم ~~الله تعالى أن منكم مرضى لا يقدرون على قيام الليل { وآخرون ~~يضربون في الأرض } يعني يسافرون في الأرض { يبتغون من ~~فضل الله } يعني في طلب المعيشة يطلبون الرزق من الله تعالى وفي ~~الآية دليل أن الكسب الحلال بمنزلة الجهاد لأنه جمع مع الجهاد في سبيل ~~الله، وروى إبراهيم عن علقمة قال - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد فيبيعه بسعر يومه إلا كانت ~~منزلته عند الله تعالى منزلة الشهيد " # ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { وآخرون يقاتلون في ~~سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه } يعني من القرآن { ~~وأقيموا الصلاة } يعني الصلوات الخمس { وآتوا الزكاة } ~~يعني الزكاة المفروضة { وأقرضوا الله قرضا حسنا } يعني ~~تصدقوا من أموالكم بنية خالصة من المال الحلال { وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير } يعني ما تعملون من عمل من الأعمال الصالحة ~~يعني تتصدقون بنية خالصة { تجدوه عند الله } يعني تجدوا ثوابه ~~في الآخرة. { هو خيرا وأعظم أجرا } يعني الصدقة خير من ~~الإمساك وأعظم ثوابا من معاملتكم وتجارتكم في الدنيا، وروي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه اتخذ له حيسا - يعني: تمرا بلبن فجاءه مسكين ~~فأخذه، ودفعه إليه فقال بعضهم ما يدري هذا المسكين ما هذا فقال عمر لكن ~~رب المسكين يدري ما هو فكأنه تأول قوله تعالى { وما تقدموا ~~لأنفسكم ms1795 من خير تجدوه عند الله هو خيرا ~~وأعظم أجرا } ثم قال عز وجل { واستغفروا الله } يعني ~~اطلبوا المغفرة لذنوبكم بالرجوع إلى الله تعالى { إن الله غفور ~~رحيم } يعني غفورا لمن تاب رحيما بعد التوبة والله أعلم بالصواب. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-10] # قوله تعالى { يأيها المدثر } يعني محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد تدثر بثوبه وأصله المتدثر بثيابه إذا نام فأدغمت التاء في ~~الدال وشددت وروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة الوحي فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في حديثه # " فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي ~~جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فخشيت فرجعت إلى أهلي فقلت ~~زملوني زملوني فدثروني فنزل يا أيها المدثر " # { قم فأنذر } يعني فخوف قومك وادعهم إلى التوحيد ويقال قم فأنذر ~~يعني قم فصل لله ويقال قم فأنذر يعني خوفهم بالعذاب إن لم يوحدوا يعني ~~ادعهم من الكفر إلى الإيمان ثم قال عز وجل { وربك فكبر } يعني ~~فعظمه عما يقولون فيه عبدة الأوثان. ويقال فكبر يعني فكبر للصلاة ثم قال ~~{ وثيابك فطهر } يعني طهر قلبك بالتوبة عن الذنوب والمعاصي وهذا ~~قول قتادة وقال مقاتل يعني قلبك فطهر بالتوبة وكانت العرب تقول للرجل إذا ~~أذنب دنس الثياب وقال الفراء يعني ثيابك فقصر. وقال الزجاج لأن تقصير ~~الثوب أبعد من النجاسة وإن كان طويلا لا يؤمن أن يصيبه النجاسة ويقال ~~يعني لا تقصر فتكون غادرا دنس الثياب وقال مجاهد وثيابك فطهر يعني نفسك ~~فطهر ويقال عملك فأخلص ويقال ظنك فحسن ثم قال { والرجز فاهجر } ~~يعني المأثم فاترك ويقال الرجز فاهجر يعني ارفض عبادة الأوثان قرأ عاصم ~~في رواية حفص والرجز بضم الزاء والباقون بكسر الزاء ومعناهما واحد وهم ~~الأوثان يعني فارفض عبادة الأوثان ويقال الرجز العذاب كقوله تعالى # رجزا من السمآء # [البقرة:59] ومعناه كل شيء يحرك إلى عذاب الله تعالى فاتركه ثم ms1796 قال عز ~~وجل { ولا تمنن تستكثر } يعني لا تعط شيئا قليلا تطلب به ~~أكثر وأفضل في الدنيا وقال الحسن ولا تمنن تستكثر يعني ولا تمنن بعملك ~~على ربك تستكثره وقال مجاهد لا تعط مالك رجاء فضل من الثواب في الدنيا ~~وقال الضحاك لا تعط ولتعطى أكثر منه قوله تعالى { ولربك فاصبر } ~~يعني اصبر على أمر ربك قال إبراهيم النخعي اصبر لعظمة ربك وقال مقاتل ~~ولربك فاصبر يعني يعزي نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذاهم ~~ويقال فاصبر نفسك في عبادة ربك { فإذا نقر فى الناقور } يعني ~~اصبر فعن قريب ينفخ في الصور. { فذلك يومئذ يوم عسير على ~~الكفرين غير يسير } يعني يوم شديد على الكافرين غير يسير ~~يعني غير هين وفي الآية دليل أن ذلك اليوم يكون على المؤمنين هينا وهذا ~~كقوله تعالى # وكان يوما على الكفرين عسيرا # [الفرقان:26] لأن الكفار يقطع رجاؤهم في جميع الوجوه. ### || [74.11-31] # قال { ذرنى ومن خلقت وحيدا } يعني اترك هذا الذي خلقته ~~وحيدا وفوض أمره إلي وهو الوليد بن المغيرة خلقه الله تعالى وحيدا ~~بغير مال ولا ولد { وجعلت له مالا ممدودا } يعني ورزقته ~~مالا كثيرا قال مجاهد كان له مائة ألف دينار وكان بنوه عشرة وقال بعضهم ~~كان ماله أربعة آلاف درهم ثم قال عز وجل { وبنين شهودا } يعني ~~حضورا لا يغيبون عنه في التجارة ولا غيرهم وقال بعضهم ذرني ومن خلقت ~~وحيدا يعني إنه لم يكن من قريش وكان ملصقا بهم لأنه ذكر أن أباه ~~المغيرة تبناه بعد ما أتت ثمانية أشهر ولم يكن منه كما قال الله تعالى # عتل بعد ذلك زنيم # [القلم13] { وجعلت له مالا ممدودا } يعني غير منقطع عنه ~~وبنين شهودا لا يغيبون عنه ولا يحتاجون إلى التصرف وكان له عشرة من ~~البنين وهذا قول الكلبي وغيره وقال مقاتل سبع بنين { ومهدت له ~~تمهيدا } يعني بسطت له في المال والخير بسطا ويقال أمهلت له إمهالا ~~{ ثم يطمع أن أزيد } يعني يطمع أن أزيد ماله وولده. وذلك أنه ~~تفاخر على ms1797 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لي مالا ممدودا ولي ~~عشرة من البنين فلا يزال يزداد مالي وبني فنزل ثم يطمع أن أزيد يعني أن ~~أزيد وهو يعصيني { كلا } يعني وهو رد عليه يعني لا أزيد فما ازداد ~~ماله بعد ذلك ولا ولده ولكن أخذ في النقصان فهلك عامة ماله وولده قوله ~~تعالى { إنه كان لآيتنا عنيدا } يعني مكذبا معرضا عنها ~~معاندا ثم قال عز وجل { سأرهقه صعودا } يعني يكلف في النار ~~صعود جبل من صخرة ملساء في الباب الخامس تسمى سقر فإذا بلغ رأس العقبة ~~دخل دخان في حلقه فيخرج من جوفه ما كان في جوفه من الأمعاء فإذا سقط في ~~أسفل العقبة سقي من الحميم فإذا بلغ أعلاه انحط منه إلى أسفله من مسيرة ~~سبعين سنة وقال مجاهد (سأرهقه صعودا) يعني مشقة من العذاب وقال الزجاج ~~سأحمله على مشقة من العذاب ويقال سأكلفه الصعود على عقبة شاقة والصعود ~~والكؤود بمعنى واحد ثم ذكر خبث أفعاله الذي يستوجب به العقوبة فقال { ~~إنه فكر وقدر } يعني إنه فكر في أمر محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وقدر في أمره وقال ساحر يقول الله عز وجل { فقتل كيف ~~قدر } يعني فلعن كقوله # قتل الخرصون # [الذاريات10]. { ثم قتل كيف قدر } وذلك حين اجتمعوا في دار ~~الندوة ليدبروا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وقالوا هذه أيام الموسم ~~والناس مجتمعون وقد فشا قول هذا الرجل في الناس وهم سائلون عنه فماذا ~~تجيبون وتردون عليهم فقالوا نقول إنه مجنون وقال بعضهم إنهم يأتونه ~~ويكلمونه فيجدونه فصيحا عاقلا فيكذبونكم فقالوا نقول شاعر قال بعضهم هم ~~العرب وقد رأوا الشعراء وقوله لا يشبه الشعر فيكذبونكم قالوا نقول كاهن ~~قال بعضهم إنهم لقوا الكهان وإذا سمعوا قوله وهو يستثني في كلامه ~~المستقبل فيكذبونكم ففكر الوليد بن المغيرة ثم أدبر عنهم ثم رجع إليهم ~~وقال فكرت في أمره فإذا هو ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه فاجتمع ~~رأيهم على أن يقولوا ساحر فقتل كيف قدر يعني كيف قدر ms1798 بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - بالسحر ثم قتل يعني لعن مرة أخرى أي اللعنة على أثر اللعنة ~~كيف قدر هذا التقدير الذي قال للكفرة إنه ساحر { ثم نظر } يعني ثم ~~نظر في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - { ثم عبس } يعني عبس وجهه ~~أي كلح وتغير لون وجهه وقال الزجاج ثم عبس وجهه { وبسر } أي نظر ~~بكراهة شديدة { ثم أدبر } يعني أعرض عن الإيمان { واستكبر } ~~يعني تكبر عن الإيمان ثم قال { إن هذا إلا سحر يؤثر } ~~يعني تأثره من صاحب اليمامة يعني يرويه عن مسيلمة الكذاب ويقال معناه ما ~~هذا الذي يقول إلا سحر يرويه عن جابر ويسار ويقال عن أهل بابل { إن ~~هذا إلا قول البشر } يعني ما هذا القرآن إلا قول الآدمي ~~قال الله تعالى { سأصليه سقر } يعني سأدخله سقر قال مقاتل يعني ~~الباب الخامس وقال الكلبي هو اسم من أسماء النار { وما أدراك ما ~~سقر } تعظيما لأمرها ثم بين قال { لا تبقى ولا تذر } يعني ~~لا تبقي لحما إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقا جديدا، ويقال ~~لا تبقي ولا تذر يعني لا تميت ولا تحيي، ويقال لا تبقى اللحم ولا العظم ~~ولا الجلد إلا أحرقته ولا تذر لحما ولا عظما ولا جلدا أي تدعه محرقا ~~بل تجده خلقا جديدا ثم قال عز وجل { لواحة للبشر } يعني ~~حراقة للأجساد شواهة للوجوه نزاعة للأعضاء وأصله في اللغة التسويد ويقال ~~لاحته الشمس إذا غيرته وذلك أن الشيء إذا كان فيه دسومة فإذا أحرق أسود ~~ثم قال { عليها تسعة عشر } يعني على النار تسعة عشر من ~~الملائكة مسلطون من رؤساء الخزنة وأما الزبانية فلا يحصى عددهم كما قال ~~في سياق الآية وما يعلم جنود ربك إلا هو. # وإنما أراد تسعة عشر ملكا ومعهم ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ويخرج ~~لهب النار من أفواههم فنزعت عنهم الرأفة غضاب على أهلها يدفع أحدهم سبعين ~~ألفا فلما نزلت هذه الآية قال الوليد بن المغيرة لعنه الله أنا أكفيكم ~~خمسة وكل ابن لي ms1799 يكفي واحدا منهم وسائر أهل مكة يكفي أربعة منهم وقال ~~رجل من المشركين وكان له قوة وأنا أكفيكموهم وحدي أدفع عشرة بمنكبي هذا ~~وتسعة بمنكبي الأيسر فألقيهم في النار حتى يحترقوا وتجوزون حتى تدخلون ~~الجنة فنزلت هذه الآية { وما جعلنا أصحب النار إلا ~~ملائكة } يعني ما سلطنا أعوان النار إلا ملائكة زبانية غلاظ شداد لا ~~يغلبهم أحد { وما جعلنا عدتهم } يعني ما ذكرنا قلة عددهم وهم ~~تسعة عشر { إلا فتنة للذين كفروا } يعني بلية لهم { ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتب } وذلك أن أهل الكتاب ~~وجدوا في كتابهم أن مالكا رئيسهم وثمانية عشر من الرؤساء فبين لهم أنما ~~يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوله بالوحي { ويزداد ~~الذين ءامنوا إيمنا } يعني تصديقا وعلما { ولا يرتاب ~~الذين أوتوا الكتب } يعني: يعلموا أنه حق وعدتهم كذلك { ~~والمؤمنون } أيضا لا يشكون في ذلك { وليقول الذين فى ~~قلوبهم مرض } يعني: المنافقين { والكفرون } يعني: ~~المشركين { ماذا أراد الله بهذا مثلا } يعني بذكر خزنة ~~جهنم تسعة عشر يقول الله تعالى: { كذلك يضل الله من يشاء } ~~يعني يخذله ولا يؤمن به أمنا له { ويهدى من يشاء } يعني يوفقه ~~لذلك { وما يعلم جنود ربك إلا هو } يعني من يعلم قوة ~~جنود ربك وكثرتها إلا هو يعني الله تعالى ويقال وما يعلم يعني لا يعلم ~~عدد جموع ربك إلا الله تعالى { وما هى إلا ذكرى للبشر } ~~يعني الدلائل والحجج في القرآن ويقال ما هي يعني القرآن ويقال وما هي ~~يعني سقر إلا ذكرى للبشر يعني عظه للخلق ثم أقسم الله تعالى لأجل سقر. ### || [74.32-56] # فقال { كلا } ردا عليهم { والقمر } يعني وخالق القمر { ~~واليل إذ أدبر } يعني ذهب أقسم بخالق الليل { والصبح ~~إذا أسفر } أقسم بخالق الصبح { إنها لإحدى الكبر } يعني ~~سقر إحدى الكبر العظام وباب من أبواب النار قرأ نافع وحمزة وعاصم في ~~رواية حفص والليل إذ بغير ألف أدبر بالألف والباقون إذا بالألف دبر بغير ~~ألف وهما لغتان ومعناهما واحد دبر وأدبر ويقال دبر النهار وأدبر ودبر ~~الليل وأدبر وقال ms1800 مجاهد سألت ابن عباس عن قوله والليل إذا أدبر فسكت حتى ~~إذا كان آخر الليل قال يا مجاهد هذا حين دبر الليل ويقال: الليل إذا أدبر ~~يعني إذا جاء بعد النهار والصبح إذا أسفر يعني استضاء بأنها أي سقر لإحدى ~~الكبر يعني أن سقر لأعظم درجات في النار { نذيرا للبشر } يعني ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - نذيرا للخلق وإنما صار نعتا لأنه معناه ~~تم نذيرا للبشر، ويقال إن العذاب الذي ذكر نذيرا للبشر قوله تعالى { ~~لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر } يعني يتقدم في ~~الخير أو يتأخر إلى المعصية فبينا لكم فهذا وعيد لكم لمن شاء منكم أن ~~يتقدم إلى الطاعة أو يتأخر إلى المعصية كقوله # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف29] ويقال معناه لمن شاء منكم أن يتقدم إلى التوبة فليوحد أو ~~يتأخر عن التوبة فليقم على الكفر يعني نذيرا لمن شاء. ثم قال { كل ~~نفس بما كسبت رهينة } يعني كل كافر مرتهن بعمله { إلا ~~أصحب اليمين } يعني لكن أصحاب اليمين فإنهم ليسوا مرتهنين ~~بعملهم يعني الذين أعطوا كتابهم بأيمانهم ويقال هم الذين عن يمين العرش، ~~ويقال كل نفس بما كسبت رهينة عند المحاسبة إلا أصحاب اليمين قال علي ابن ~~أبي طالب رضي الله عنه هم أطفال المسلمين يعني ليس عليهم حساب لأنهم لم ~~يعملوا شيئا ثم قال { فى جنت يتساءلون } يعني إنهم في ~~بساتين يتسألون { عن المجرمين } يعني يرون أهل النار يسألونهم { ~~ما سلككم فى سقر } يعني ما الذي أدخلكم في سقر فأجابهم أهل ~~النار { قالوا لم نك من المصلين } يعني لم نك نقر بالصلاة ~~ولم نؤدها { ولم نك نطعم المسكين } يعني كنا لا نقر ~~بالفرائض والزكاة ولا نؤديها. { وكنا نخوض مع الخائضين } ~~يعني كنا نستهزيء بالمسلمين ونخوض بالباطل ونرد الحق مع المبطلين ~~المستهزئين { وكنا نكذب بيوم الدين } يعني بيوم الحساب { ~~حتى أتنا اليقين } يعني الموت والقيامة قوله تعالى { فما ~~تنفعهم شفعة الشفعين } يعني لا يسألهم شفاعة الأنبياء ~~وشفاعة الملائكة { فما لهم عن التذكرة معرضين } فما ms1801 ~~للمشركين يعرضون عن القرآن والتوحيد { كأنهم حمر مستنفرة ~~} يشبههم بالحمر الوحشية المذعورة حين فروا من القرآن وكذبوا به قرأ نافع ~~وابن عامر مستنفرة بنصب الفاء والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فمعناه ~~منفرة فإن الصائد نفرها ومن قرأ بالكسر ومعناه نافرة ويقال نفر واستنفر ~~بمعنى واحد ثم قال { فرت من قسورة } فقال أبو هريرة رضي الله ~~عنه يعني الأسد وقال سعيد ابن جبير رضي الله عنهم القناص يعني الصيادين ~~وقال قتادة القسورة النبل يعني الرمي بالسهام وهو حس الناس وأصواتهم ثم ~~قال عز وجل { بل يريد كل امرىء منهم } يعني أهل مكة { أن ~~يؤتى صحفا منتشرة } وذلك أن كفار مكة قالوا إن الرجل من بني ~~إسرائيل إذا أذنب ذنبا يصبح وذنبه وكفارته مكتوب عند رأسه فهل ترينا مثل ~~ذلك إن كنت رسولا فنزل بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة يعني ~~صحفا مكتوب فيها جرمه وتوبته ويقال نزلت في شأن عبد الله بن أمية ~~المخزومي حين قال لن نؤمن حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قال الله تعالى: { ~~كلا } يعني هذا لا يكون لهم أبدا ثم ابتداء فقال { بل لا ~~يخافون الآخرة } يعني البعث يعني لكن لا يخافون عذاب الآخرة { ~~كلا إنها تذكرة } يعني حقا إن القرآن عظة للخلق { فمن ~~شاء ذكره } يعني من شاء أن يتعظ به فليتعظ { وما يذكرون ~~إلا أن يشاء } يعني إلا أن يشاء { الله } لهم، ويقال إلا أن ~~يشاء الله منهم قرأ نافع وما تذكرون بالتاء على معنى المخاطبة والباقون ~~بالياء على معنى الخبر عنهم ثم قال عز وجل { هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة } يعني هو أهل أن يتقى ولا يشرك به ويوحد ولا ~~يعصى وأهل المغفرة يعني هو أهل أن يغفر لمن أطاعه ولا يشرك ويقال هو أهل ~~أن يتقى وأهل المغفرة لمن اتقى والله الموفق. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-5] # قوله تعالى: { لا أقسم بيوم القيمة } أجمع أهل التفسير ~~أن معناه أقسم واختلفوا في تفسير لا قال بعضهم والكلام زيادة للزينة، ~~ويجري في كلام ms1802 العرب زيادة لا كما في آية أخرى قال # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف:12] يعني: أن تسجد وقال بعضهم لا رد لكلامهم حيث أنكروا البعث ~~فقال ليس الأمر كما ذكر ثم قال أقسم بيوم القيامة ويقال معناه أقسم برب ~~يوم القيامة إنها كائنة { ولا أقسم بالنفس اللوامة } ~~يعني: أقسم بخالق النفس اللوامة وهي نفس ابن آدم يلوم نفسه كما روي عن ~~ابن عباس وعن عمر رضي الله عنهم ما من نفس برة وفاجرة إلا تلوم نفسها إن ~~كانت محسنة تقول يا ليتني زدت إحسانا وإن كانت سيئة تقول يا ليتني تركت، ~~ولم يذكر جواب القسم لأن في الكلام دليلا عليه وهو قوله بلى قادرين ~~ومعناه ولا أقسم بالنفس اللوامة لتبعثن بعد الموت ثم قال عز وجل: { ~~أيحسب الإنسن } يعني: أيظن الكافر { أن لن نجمع ~~عظامه } يعني: أن لن يبعث الله بعد الموت نزلت في أبي بن خلف ويقال ~~في عدي بن الربيعة لإنكار البعث بعد الموت يقول الله تعالى { بلى ~~قدرين } يعني: إن الله تعالى قادر { على أن نسوى ~~بنانه } يعني: يجعل أصابعه ملتزقة وألحق الراحة بالأنامل وهذا قول ~~ابن عباس: وقال القتبي: فكأنه يقول أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه في ~~الآخرة بلى قادرين على أن نسوي بنانه يعني: أن نجمع ما صغر منه ونؤلف ~~بينه أي نعيد السلاميات على صغرها ومن قدر على جمع هذا فهو على جمع كبار ~~العظام أقدر وقال مجاهد على أن نسوي خفه كخف البعير لا يعمل به شيئا، ~~وقال سعيد بن جبير يعني كنف البعير أو كحافر الدابة والحمر لأنه ليس من ~~دابة إلا وهي تأكل بفمها غير الإنسان قوله تعالى: { بل يريد ~~الإنسن ليفجر أمامه } يعني: يقدم ذنوبه ويؤخر توبته ويقول ~~سوف أتوب ولا يترك الذنوب وهذا قول ابن عباس رضي الله عنه وقال عكرمة ~~ليفجر أمامه يعني يريد الذنوب في المستقبل، وقال القتبي: بل يريد الإنسان ~~ليفجر أمامه فقد كثرت فيه التفاسير، وقال سعيد بن جبير سوف أتوب وقال ~~الكلبي يكثر الذنوب ms1803 ويؤخر التوبة وقال آخرون: يتمنى الخطيئة، وفيه قول ~~آخر على طريق الإنكار بأن يكون الفجور بمعنى التكذيب بيوم القيامة ومن ~~كذب بالحق فقد فجر، وأصل الفجور الميل فقيل للكاذب والمكذب والفاسق فاجر ~~لأنه مال عن الحق. ### || [75.6-30] # قوله تعالى: { يسأل أيان يوم القيامة } يعني: يسأل متى ~~يوم القيامة تكذيبا بالبعث فكأنه قال: بل يريد الإنسان أن يكذب بيوم ~~القيامة وهو أمامه وهو يسأل متى يكون فبين الله تعالى في أي يوم يكون ~~فقال: { فإذا برق البصر } يعني: شخص البصر وتحير قرأ نافع فإذا ~~برق البصر بنصب الراء والباقون بالكسر فمن قرأ بالنصب فهو من برق يبرق ~~بريقا ومعناه شخص فلا يطرق من شدة الفزع ومن قرأ بالكسر يعني فزع وتحير ~~وأصله أن الرجل إذا رأى البرق تحير وإذا رأى من أعاجيب يوم القيامة تحير ~~ودهش { وخسف القمر } يعني: ذهب ضوؤه { وجمع الشمس ~~والقمر } يعني: كالثورين المقرنين ويقال برق البصر وخسف القمر قال ~~كوكب العين ذهب ضوؤه وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال يجعلان ~~في نور الحجاب ويقال جمع الشمس والقمر يعني: سوى بينهما في ذهاب نورهما ~~وإنما قال وجمع الشمس والقمر ولم يقل وجمعت لأن المؤنث والمذكر إذا ~~اجتمعا فالغلبة للمذكر { يقول الإنسن يومئذ أين ~~المفر } يقول أين الملجأ من النار قرىء في الشاذ أين المفر بالكسر ~~للفاء على معنى: أين مكان الفرار وقراءة العامة بالنصب يعني أين الفرار ~~ثم قال: { كلا لا وزر } يعني: حقا لا جبل يلجئون إليه فيمنعهم من ~~النار ولا شجر يواريهم والوزر في كلام العرب الجبل الذي يلتجىء إليه ~~والوزر والستر هنا الشيء الذي يستترون به وقال عكرمة ولا وزر يعني منعه ~~وقال الضحاك يعني: لا حصن لهم يوم القيامة ثم قال عز وجل: { إلى ~~ربك يومئذ المستقر } يعني: المرجع { ينبأ ~~الإنسن يومئذ بما قدم وأخر } يعني: يسأل ويبين له ~~ويجازى بما قدم من الأعمال وأخر من سنة صالحة أو سيئة قوله عز وجل: { ~~بل الإنسن على نفسه بصيرة } يعني: جوارح ms1804 العبد شاهدة ~~عليه ومعناه على الإنسان من نفسه شاهد يشهد عليه كل عضو بما فعل ويقال ~~يعني جوارح العبد شاهدة عليه ومعناه رقيب بعضها على بعض والبصيرة أدخلت ~~فيها الهاء للمبالغة كما يقال: رجل علامة وقال الحسن: على نفسه بصيرة ~~يعني: بعيوب غيره الجاهل بعيوب نفسه { ولو ألقى معاذيره } ~~يعني: ولو تكلم بعذر لم يقبل منه ويقال ولو أرخى ستوره يعني: أنه شاهد ~~على نفسه وإن أذنب في الستور قوله تعالى: { لا تحرك به لسانك ~~} يعني: لا تعجل بقراءة القرآن من قبل أن يفرغ جبريل عليه السلام من ~~قراءته وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه القرآن تعجل به للحفظ فنزل (لا تحرك ~~به لسانك) { لتعجل به إن علينا جمعه } يعني: حفظه في ~~قلبك { وقرءانه } يعني: يقرأ عليك جبريل حتى تحفظه { فإذا ~~قرأنه فاتبع قرءانه } يعني: إذا قرأ عليك جبريل فاقرأ ~~أنت بعد قراءته وفراغه وقال محمد بن كعب فاتبع قراءته يعني: فاتبع حلاله ~~وحرامه وقال الأخفش إن علينا جمعه يعني: تأليفه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ~~يعني: تأليفه { ثم إن علينا بيانه } يعني: بيان أحكامه ~~وحدوده، ويقال علينا بيانه يعني شرحه ويقال بيان فرائضه كما بين على لسان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم نزل بعد هذه الأحكام قوله تعالى: { ~~كلا بل تحبون العاجلة } يعني: تحبون العمل للدنيا { ~~وتذرون الآخرة } يعني: تتركون العمل للآخرة قرأ ابن كثير وأبو ~~عمرو بل يحبون بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على - معنى ~~المخاطبة ثم بين حال ذلك اليوم فقال { وجوه يومئذ ناضرة } ~~أي حسنة مشرقة مضيئة كما قال في آية أخرى # تعرف فى وجوههم نضرة النعيم # [المطففين:24] { وإلى ربها ناظرة } يعني: ناظرين يومئذ إلى ~~الله تبارك وتعالى وقال مجاهد إلى ربها ناظرة يعني تنتظر الثواب من ربها ~~وهذا القول لا يصح لأنه مقيد بالوجوه موصول بإلى ومثل هذا لا يستعمل في ~~الانتظار ثم قال عز وجل: { ووجوه يومئذ ms1805 باسرة } يعني: عابسة ~~ويقال كريهة ويقال كاسفة ومسودة { تظن أن يفعل بها فاقرة ~~} يعني: تعلم أنه قد نزل بها العذاب والشدة يعني تعلم هذه الأنفس ويقال ~~الفاقرة الداهية ويقال قد أيقنت أن العذاب نازل بها ثم قال عز وجل: { ~~كلا إذا بلغت التراقى } يعني: حقا إذا بلغت النفس إلى ~~الحلقوم يعني: خروج الروح { وقيل من راق } يعني: يقول من حضر عند ~~الموت هل من طبيب حاذق يداويه ويقال من راق يعني: من يشفي من هذا الحال ~~ويقال من راق يعني: من يقدر أن يرقي من الموت يعني: لا يقدر أحد أن يرقي ~~من الموت والعرب تقول من الرقية رقى يرقي رقية ومن الرقي وهو الصعود ~~رقي يرقى رقيا فهو راق منهما { وظن أنه الفراق } يعني: ~~استيقن أنه ميت وأنه يفارق الروح من الجسد ويقال: وقيل من راق أن ~~الملائكة الذين حضروا لقبض روحه يقول بعضهم لبعض من راق يعني من يصعد منا ~~بروحه إلى السماء فأيقن عند ذلك أنه الفراق { والتفت الساق ~~بالساق إلى ربك يومئذ المساق } قال ابن عباس يعني: ~~التفت شدتان أخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة وروى وكيع عن ~~بشير بن المهاجر قال سمعت الحسن يقول والتفت الساق بالساق قال هما ساقان ~~إذا التفتا في الكفن إلى ربك يومئذ المساق يعني: يساق العبد إلى ربه. ### || [75.31-40] # قال عز وجل: { فلا صدق ولا صلى } وهو أبو جهل بن هشام يعني: ~~لم يصدق بتوحيد الله تعالى وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يصل لله ~~تعالى ويقال ولا صلى يعني: ولا أسلم فسمي المسلم مصليا { ولكن ~~كذب وتولى } يعني: كذب بالتوحيد وتولى يعني: أعرض عن الإيمان { ~~ثم ذهب إلى أهله يتمطى } قال القتبي: يعني: وأصله في ~~اللغة يتمطط فقلبت الطاء ياء فصار يتمطى يعني: ذهب إلى أهله يتمطى يعني: ~~ويتبختر في مشيته { أولى لك فأولى } وهذا وعيد على أثر وعيد ~~يعني: احذر يا أبا جهل ومعنى أولى لك أي قرب لك يا أبا جهل وقال سعيد بن ms1806 ~~جبير قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي جهل أولى لك فأولى. { ثم ~~أولى لك فأولى } ثم نزل به القرآن وقال الزجاج معناه أولى لك ~~يعني وجب لك المكروه يا أبا جهل والعرب تقول أولى بفلان إذا وعد له ~~مكروها وقال القتبي أولى لك تهديد ووعيد كما قال فأولى لهم ثم ابتدأ ~~فقال - # طاعة وقول معروف # [محمد: 21] ثم قال: { أيحسب الإنسن أن يترك سدى } - ~~يعني: أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى { ألم يك نطفة من ~~منى يمنى } يعني: أليس قد خلق من ماء مهين قرأ ابن عامر وحفص عن ~~عاصم من منى يمنى بالهاء والباقون بالتاء على معنى التأنيث لأن النطفة ~~مؤنثة ومن قرأ بالياء انصرف إلى المعنى وهو الماء { ثم كان علقة ~~} يعني: صارت بعد النطفة علقة { فخلق فسوى } يعني: جمع خلقه في ~~بطن أمه مستويا معتدل القامة { فجعل منه } يعني: خلق من المني { ~~الزوجين } يعني: لونين من الخلق { الذكر والأنثى أليس ~~ذلك بقدر على أن يحيى الموتى } اللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به التقرير يعني أن هذا الذي يفعل مثل هذا هو قادر على ~~أن يحيي الموتى وذكر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيي الموتى قال سبحانك اللهم بلى قادر والله أعلم وصلى الله على سيدنا ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-14] # قوله تعالى: { هل أتى على الإنسن } يعني: قد أتى على أدم { ~~حين من الدهر } يعني: أربعين سنة { لم يكن شيئا ~~مذكورا } يعني: لم يدر ما اسمه ولا ما يراد به إلا الله تعالى وذلك ~~أن الله تعالى لما أراد أن يخلق آدم أمر جبريل عليه السلام أن يجمع ~~التراب فلم يقدر ثم أمر إسرافيل فلم يقدر ثم أمر عزرائيل عليهم السلام ~~فجمع التراب من وجه الأرض فصار التراب طينا ثم صار صلصالا وكان على ~~حاله أربعين سنة قبل أن ينفخ فيه الروح، وروى معمر عن قتادة قال كان آدم ~~آخر ما خلق من الخلق خلق كل ms1807 شيء قبل آدم ثم قال: { إنا خلقنا ~~الإنسن من نطفة أمشاج نبتليه } يعني: مختلطا ماء ~~الرجل وماء المرأة لا يكون الولد إلا منهما جميعا ماء الرجل أبيض ثخين، ~~وماء المرأة أصفر رقيق " نبتليه " يعني لكي نبتليه بالخير والشر { ~~فجعلنه سميعا بصيرا } يعني: جعلنا له سمعا يسمع به الهدى ~~وبصرا يبصر به الهدى، وقال مقاتل في الآية تقديم يعني جعلناه سميعا ~~بصيرا يعني جعلنا له سمعا لنبتليه يعني: لنختبره قوله عز وجل: { إنا ~~هدينه السبيل } يعني: بينا له وعرفناه طريق الخير وطريق الكفر ~~ويقال سبيل السعادة والشقاوة { إما شاكرا وإما كفورا } ~~يعني: إما أن يكون موحدا وإما أن يكون جاحدا لوحدانية الله تعالى ويقال ~~إما شاكرا لنعمه وإما كفورا لنعمه، ثم بين ما أعد للكافرين فقال: { ~~إنا أعتدنا للكفرين } يعني: في الآخرة { سلسلا ~~وأغللا } يعني: هيئنا لهم أغلالا تغل بها أيمانهم إلى أعناقهم { ~~وسعيرا } يعني: وقودا ثم بين ما أعد للشاكرين فقال { إن ~~الأبرار } يعني: الصادقين في إيمانهم { يشربون من كأس } ~~يعني: من خمر { كان مزاجها كفورا } يعني: على برد الكافور ~~وريح المسك وطعم الزنجبيل ليس ككافور الدنيا ولا كمسكها ولكنه وصف بها ~~حتى يهتدى به القلوب أو يقال الكافور اسم عين في الجنة يمزج بها الخمر { ~~عينا يشرب بها عباد الله } يعني: عين الكافور يشرب بها ~~أولياء الله تعالى في الجنة { يفجرونها تفجيرا } يعني: ~~يمزجونها تمزيجا وقال ابن عباس يفجرونها تفجيرا في قصورهم وديارهم وذلك ~~أن عين الكافور يشرب بها المقروبون صرفا غير ممزوج ولغيرهم ممزوجا ~~ويقال يفجرونها تفجيرا يعني يفجرون تلك العين في الجنة كيف أحبوا كما ~~يفجر الرجل النهر الذي يكون له في الدنيا ها هنا وها هنا حيث شاء ثم بين ~~أفعالهم في الدنيا فقال { يوفون بالنذر } يعني: يتمون الفرائض ~~ويقال: أوفوا بالنذر { ويخفون يوما } وهو يوم القيامة { كان ~~شره مستطيرا } يعني: عذابه فاشيا ظاهرا وهو أن السموات قد ~~انشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة وفارت المياه ثم قال عز وجل: { ~~ويطعمون الطعام على حبه } يعني: على قلته ms1808 وشهوته وحاجته ~~{ مسكينا } وهو الطائف بالأبواب { ويتيما وأسيرا } يعني: من ~~أسر من دار الشرك ويقال أهل اليمن وذكر أن الآية نزلت في شأن علي بن أبي ~~طالب وفاطمة رضي الله عنهما وكانا صائمين فجاءهما سائل وكان عندهما قوت ~~يومهما فأعطيا السائل بعض ذلك الطعام ثم جاءهما يتيم فأعطياه من ذلك ~~الطعام ثم جاءهما أسير فأعطياه الباقي فمدحهما الله تعالى لذلك، ويقال: ~~نزلت في شأن رجل من الأنصار ثم قال عز وجل: { إنما نطعمكم ~~لوجه الله } يعني: ينوون بأدائهم ويضمرون في قلوبهم وجه الله ~~تعالى ويقولون { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } يعني: لا ~~نريد منكم مكافأة في الدنيا ولا ثواب في الآخرة { إنا نخاف من ~~ربنا يوما عبوسا قمطريرا } يعني: العبوس الذي تعبس فيه ~~الوجوه من هول ذلك اليوم والقنطرير الشديد العبوس، ويقال عبوسا أي يوم ~~يعبس فيه الوجوه فجعل عبوسا من صفة اليوم كما قال # في يوم عاصف # [إبراهيم:18] أراد عاصف الريح والقمطرير الشديد يعني: ينقبض الجبين وما ~~بين الأعين من شدة الأهوال، ويقال قمطريرا نعت اليوم، ويقال يوم قمطرير ~~إذا كان شديدا يعني يوما شديدا صعبا ثم قال عز وجل: { فوقهم ~~الله شر ذلك اليوم } يعني: دفع الله عنهم عذاب ذلك اليوم { ~~ولقهم } يعني: أعطاهم { نضرة } حسن الوجوه { وسرورا } ~~يعني: فرحا في قلوبهم قوله تعالى: { وجزاهم بما صبروا } ~~يعني: أعطاهم الثواب بما صبروا في الدنيا { جنة وحريرا } يعني: ~~لباسهم فيها حرير ويقال بما صبروا على الطاعات ويقال على المصائب وقوله ~~عز وجل: { متكئين فيها } يعني: ناعمين في الجنة { على ~~الأرائك } يعني: على السرر وفي الجمال واحدها أريكة { لا يرون ~~فيها شمسا } يعني: لا يصيبهم فيها حر الشمس { ولا زمهريرا } ~~يعني: ولا برد الشتاء ثم قال عز وجل { ودانية عليهم ~~ظللها } يعني: قريبة عليهم ظلال الشجر { وذللت قطوفها ~~تذليلا } يعني: قربت ثمارها، ويقال: سخرت قطوفها يعني: مجنى ثمرها ~~تذليلا يعني قريبا ينالها القاعد والقائم، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ~~قال أرض الجنة من فضة وترابها مسك وأصول شجرها ms1809 ذهب وفضة وأغصانها لؤلؤ ~~وزبرجد والورق والثمر تحت ذلك فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل جالسا لم ~~يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه ثم قرأ وذللت قطوفها تذليلا وقال أهل ~~اللغة ذللت أي أدنيت منهم من قولك حائط ذليل إذا كان قصير السمك والقطوف ~~والثمرة واحدها قطف وهو نحو قوله تعالى # قطوفها دانية # [الحاقة:23]. ### || [76.15-31] # قال عز وجل { ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب } ~~وهي كيزان مدققة الرأس لا عرى لها { كانت قواريرا من فضة } ~~يعني في صفاء القارورة وبياض الفضة، وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال لو ~~أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء ~~من ورائه ولكن قوارير الجنة من فضة في صفاء القوارير كبياض الفضة قرأ ~~نافع وعاصم والكسائي سلاسلا وقواريرا كلهن بإثبات الألف والتنوين، وقرأ ~~حمزة بإسقاط الألف كلها وكان أبو عمرو يثبت الألف في الأولى من قوارير ~~ولا يثبتها في الثانية، قال أبو عبيد رأيت في مصحف عثمان رضي الله عنه ~~الذي قال له مصحف الإمام قوارير بالألف والثانية كان بالألف فحكت ورأيت ~~أثرها بينا هناك، وأما السلاسل فرأيتها قد رست وقال بعض أهل اللغة ~~الأجود في العربية أن لا ينصر فيه سلاسل وقوارير لأن كل جمع يأتي بعد ~~ألفه حرفان أو ثلاثة أوسطها ساكن فإنه لا ينصرف فأما من صرفه ونون فإنه ~~رده إلى الأصل في الازدواج إذا وقعت الألف بغير تنوين ثم قال { ~~قدروها تقديرا } يعني على قدر كف الخدم، ويقال على قدر كف ~~المخدوم ولا يحجز، ويقال على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه ويقال على ~~مقدار الذي لا يزيد ولا ينقص ليكون الري لشربهم { ويسقون فيها ~~كأسا } يعني خمرا وشرابا { كان مزاجها } يعني خلطها { ~~زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا } وقال القتبي ~~والزنجبيل اسم العين وكذلك السلسبيل، ويقال إن السلسبيل اللبن والزنجبيل ~~طعمه، والعرب تضرب به المثل وقال مقاتل: إنما سمي السلسبيل لأنها تسيل ~~عليهم في الطريق وفي منازلهم وقال أبو صالح بلغني أن السلسبيل ms1810 شديد ~~الجرية وقال بعضهم معناه كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ~~يعني عينا تسمى الزنجبيل وتم الكلام، ثم قال سلسبيلا يعني سل الله ~~تعالى السبيل إليها قوله تعالى { ويطوف عليهم ولدن ~~مخلدون } يعني لا يكبرون ويكونون على سن واحدة { إذا ~~رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا } قال قتادة كثرتهم ~~وحسنهم كاللؤلؤ المنثور { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما } ~~يعني إذا رأيت هناك ما في الجنة رأيت نعيما { وملكا كبيرا } يعني ~~على رؤوسهم التيجان كما يكون على رأس ملك من الملوك ويقال " وملكا ~~كبيرا " يعني لا يدخل رسول رب العزة إلا بإذنهم ثم قال عز وجل { ~~عليهم ثياب سندس خضر } يعني على ظهورهم ثياب سندس قرأ ~~نافع وحمزة بجزم الياء وكسر الهاء والباقون بنصب الياء وضم الهاء فمن قرأ ~~بالجزم فمعناه الذي يعلوهم وهو اسم فاعل من علا يعلو ومن قرأ بالنصب نصبه ~~على الظرف كما قال فوقهم ثياب، وروي عن ابن مسعود: أنه قرأ عاليتهم ثياب ~~يعني الوجه الأعلى ثم قال ثياب سندس خضر بالكسر { وإستبرق } قرأ ~~نافع وعاصم في رواية حفص خضر واستبرق كلاهما بالضم والباقون كلاهما ~~بالكسر فمن قرأ بالضم لأنه نعت الثياب يعني ثيابا خضرا ومن قرأ بالكسر ~~فهو نعت للسندس ومن قرأ واستبرق بالضم فهو نسق على الثياب ومعناه عليهم ~~سندس واستبرق ومن قرأ بالكسر يكون عليهم ثياب من هذين النوعين ثم قال عز ~~وجل { وحلوا أساور من فضة } وهو جمع السوار { وسقهم ~~ربهم شرابا طهورا } يعني الذي سقاهم خدمهم، ويقال الذين ~~يشربون من قبل أن يدخلوا الجنة ثم قال { إن هذا كان لكم ~~جزاء } يعني الذي وصف لكم في الجنة ثوابا لأعمالكم { وكان ~~سعيكم مشكورا } يعني عملكم مقبولا يعني يبشرون بهذا إذا أرادوا ~~أن يدخلوا الجنة ثم قال { إنا نحن نزلنا عليك القرءان ~~تنزيلا } يعني أنزلنا عليك القرآن تنزيلا يعني إنزالا فالمصدر ~~للتأكيد ثم قال عز وجل { فاصبر لحكم ربك } يعني استقم على أمر ~~الله تعالى ونهيه ويقال اصبر على أذى الكفار، وقال: على تبليغ الرسالة { ~~ولا ms1811 تطع منهم ءاثما أو كفورا } آثما يعني فاجرا وهو ~~الوليد بن المغيرة أو كفورا يعني ولا كفورا وهو عتبة بن ربيعة قال ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن فعلت هذا لأجل المال فارجع حتى أدفع ~~إليك من المال ما تصير به أكثر مالا من أهل مكة فنزلت هذه الآية ولا تطع ~~منهم أثما ولا كفورا ثم قال عز وجل: { واذكر اسم ربك } يعني ~~صل باسم ربك { بكرة وأصيلا } يعني بكرة وعشيا يعني صلاة الفجر ~~وصلاة الظهر والعصر { ومن اليل فاسجد له } يعني فصل لله ~~المغرب والعشاء { وسبحه ليلا طويلا } يعني بعد المكتوبة فهذا ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، ويقال له ولأصحابه وهذا أمر استحباب ~~لا أمر وجوب ثم قال عز وجل { إن هؤلاء يحبون العاجلة } ~~يعني يختارون الدنيا { ويذرون وراءهم } يعني يتركون العمل لما ~~هو أمامهم { يوما ثقيلا } يعني ليوم ثقيل وقال مجاهد وراءهم يعني ~~خلفهم. # قوله تعالى { نحن خلقنهم وشددنا أسرهم } يعني ~~قوينا خلقهم ليطيعوني فلم يطيعوني، ويقال شددنا مفاصلهم بالعصب والعروق ~~والجلد لكي لا ينقطع المفاصل وقت تحريكها، ويقال شددنا أسرهم أي قبلهم ~~ودبرهم لكي لا يسيل البول والغائط إلا عند الحاجة { وإذا شئنا } ~~يعني إذا أردنا { بدلنا أمثلهم تبديلا } يعني أي نخلق ~~خلقا أمثل منهم وأطوع لله { إن هذه تذكرة } يعني هذه ~~السورة عظة لكم ويقال هذه الآيات { فمن شاء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا } يعني فمن شاء أن يتعظ فليتعظ فقد بينا له الطريق ثم قال عز ~~وجل { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } يعني إلا أن يشاء لكم ~~فيوفقكم يعني إن جاهدتم فيوفقكم كقوله # والذين جهدوا فينا لنهدينهم # [العنكبوت:69] الآية قرأ ابن كثير وأبو عمرو " وما يشاؤون " بالياء على ~~معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم قال عز وجل { ~~إن الله كان عليما حكيما } يعني كان عليما قبل خلقكم من ~~يتخذ السبيل ولم يشرك ويوحد " حكيما " حكم بالبداية لمن كان أهلا لذلك ~~قوله تعالى { يدخل من يشاء فى رحمته } يعني يكرم بالإسلام ~~من ms1812 كان أهلا لذلك ويقال يدخل من يشاء في رحمته يعني في نعمته وهي الجنة ~~في رحمته وفضله { والظلمين أعد لهم عذابا أليما } ~~يعني يدخل الظالمين في عذاب أليم ويقال يعذب الظالمين وقرىء في الشاذ ~~والظالمون وقراءة العامة والظالمين بالنصب ومعناه ويعذب الظالمين ويكون ~~لهم عذابا أليما تفسيرا لهذا المضمر والله أعلم. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-15] # قوله تعالى: { والمرسلت عرفا } قال الكلبي ومقاتل يعني ~~الملائكة أرسلوا بالمعروف، ويقال كثرتها لها عرف كعرف الفرس، وقال أهل ~~اللغة: ويحتمل وجهين، أحدهما أنها متتابعة بعضها في إثر بعض، وهو مشتق من ~~عرف الفرس، ووجه آخر، أنه يرسل بالعرف أي بالمعروف وروى سفيان عن سلمة ~~ابن كهيل عن مسلم البطين عن أبي عبيدة الساعدي قال سألت عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنهما عن قوله (والمرسلات عرفا) قال الريح { ~~فالعصفت عصفا } قال الريح { والنشرت نشرا } قال ~~الريح { فالفرقت فرقا } قال حسبك معناه والمرسلات عرفا ~~يعني أرسل الرياح متتابعة كعرف الفرس فالعاصفات عصفا يعني الريح الشديدة ~~التي تدر التراب بالبراري وسمي ريح عاصف، والناشرات نشرا يعني الريح ~~التي تنشر السحاب ويقال الناشرات نشرا يعني البعث يوم القيامة ويقال ~~الملائكة الذين ينشرون من الكتاب " فالفارقات فرقا " يعني القرآن فرق ~~بين الحق والباطل ويقال هو القبر فرق بين الدنيا والآخرة، ويقال آيات ~~القرآن التي فيها بيان عقوبة الكفار { فالملقيت ذكرا } يعني ~~فالمنزلات وحيا وهم الملائكة { عذرا أو نذرا } يعني أنزل الوحي ~~عذرا من الله تعالى من الظلم أو نذرا لخلقه من عذابه، قرأ حمزة ~~والكسائي وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص بضم العين وجزم الذال أو نذرا ~~بضم النون وجزم الذال والباقون بضم الحرفين في كليهما فمعناهما إنذار وهو ~~جمع نذر يعني لإنذار ومن قرأ بالجزم فمعناه كذلك وهو للتخفيف وإنما نصب ~~عذرا أو نذرا لأنهما مفعولا لهما فمعناه فالملقيات ذكرا للإعذار ~~والإنذار ثم قال عز وجل { إنما توعدون لوقع } وهو جواب قسم ~~أقسم الله تعالى بهذه الأشياء إن ما توعدون من أمر الساعة والبعث لواقع ~~يعني لكائن ms1813 ولنازل ثم قال عز وجل { فإذا النجوم طمست } يعني ~~الموعد الذي يوعدون في اليوم الذي فيه طمست النجوم يعني ذهب ضوؤها { ~~وإذا السماء فرجت } يعني انشقت من خوف الرحمن { وإذا ~~الجبال نسفت } يعني قلعت من أصولها حتى سويت بالأرض { وإذا ~~الرسل أقتت } يعني جمعت وروى منصور عن إبراهيم وإذا الرسل اقتت ~~قال وعدت وقال مجاهد أي أجلت قرأ أبو عمرو وقتت بغير همزة والعرب تقول ~~صلى القوم إحدانا ووحدانا ومعناهما واحد يعني يجعل لها وقتا واحدا ~~وقيل جمعت لوقتها ثم قال { لأي يوم أجلت } على وجه التعظيم ~~يعني لأي يوم أجلت الرسل ليشهدوا على قومهم ثم بين فقال { ليوم ~~الفصل } يعني أجلها ليوم الفصل وهو يوم القضاء، ويقال يوم الفصل يعني ~~يوم يفصل بين الحبيب والحبيبة وبين الرجل وأمه وأبيه وأخيه { وما ~~أدراك ما يوم الفصل } يعني ما تدري أي يوم القضاء تعظيما ~~لذلك اليوم { ويل يومئذ للمكذبين } يعني الشدة من العذاب ~~في ذلك اليوم للذين أنكروا وجحدوا بيوم القيامة. ### || [77.16-31] # قال عز وجل { ألم نهلك الأولين } يعني ألم يهلك الله تعالى ~~من كان قبلهم بتكذيبهم لأنبيائهم { ثم نتبعهم الآخرين } يعني ~~نهلك الآخرين يعني إن كذبوا رسلهم { كذلك نفعل بالمجرمين ~~} يعني هكذا يفعل الله بالكفار { ويل يومئذ للمكذبين } ~~يعني الذين كذبوا رسلهم ثم قال: { ألم نخلقكم من ماء مهين ~~} يعني من نطفة وهو ماء ضعيف { فجعلنه فى قرار مكين } ~~يعني في رحم الأم { إلى قدر معلوم } يعني إلى وقت معروف وهو ~~وقت الخروج من البطن { فقدرنا } يعني فخلقنا { فنعم ~~القدرون } يعني نعم الخالق وهو أحسن الخالقين قرأ نافع والكسائي ~~فقدرنا بتشديد الدال المهملة والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد، يقال: ~~قدرت كذا وكذا وقد يعني خلقه في بطن الأم نطفة ثم علقة ثم مضغة يعني ~~قدرنا خلقه قصيرا وطويلا فنعم القادرون يعني فنعم ما قدر الله تعالى ~~خلقهم ثم أخبرهم بصنعه ليعتبروا فيؤمنوا بالبعث وعرفوا الخلق الأول فقال ~~{ ويل يومئذ للمكذبين } يعني الشدة من العذاب لمن رأى ~~الخلق الأول فأنكر الخلق الثاني ms1814 ويقال فنعم القادرون يعني نعم المقدرون، ~~ويقال نعم المالكون. ثم قال عز وجل { ألم نجعل الأرض كفاتا ~~} يعني أوعية للخلق ويقال موضع القرار، ويقال بيوتا ومنزلا { أحياء ~~وأموتا } يعني ظهرها منازل الأحياء وبطنها منازل الأموات، وقال ~~الأخفش يعني أوعية للأحياء والأموات، وقال الشعبي بطنها لأمواتكم وظهرها ~~لأحياءكم ويقال يعني نظمكم فيها والكفت الضم { وجعلنا فيها ~~رواسى } يعني الجبال الثقال { شمخت } يعني عاليات طوالا { ~~وأسقينكم ماء فراتا } يعني ماء عذبا من السماء ومن الأرض ~~{ ويل يومئذ للمكذبين } يعني ويل لمن عاين هذه الأشياء ~~وأنكر وحدانية الله تعالى والبعث ثم قال عز وجل { انطلقوا إلى ما ~~كنتم به تكذبون } يعني يوم الفصل يقال لهؤلاء الذين أنكروا ~~البعث انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون يعني انطلقوا إلى العذاب ثم قال عز وجل ~~{ انطلقوا إلى ظل ذى ثلث شعب لا ظليل ولا ~~يغنى من اللهب } وذلك أنه يخرج عنق من النار فيحيط الكفار مثل ~~السرادق ثم يخرج من دخان جهنم ظل أسود فيفرق فيهم ثلاث فرق رؤوسهم فإذا ~~فرغ من عرضهم قيل لهم انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ينفعهم ولا ~~يغني من اللهب يعني السرادق من لهب النار. وقال القتبي: وذلك أن الشمس ~~تدنو من رؤوسهم يعني رؤوس الخلق أجمع، وليس عليهم يومئذ لباس ولا لهم ~~أكنان ينجي الله تعالى برحمته من يشاء إلى ظل من ظله ثم قال للمكذبين ~~انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله وعقابه انطلقوا إلى ظل أي ~~دخان من نار جهنم قد يسطع ثم افترق ثلاث فرق فيكونون فيه إلى أن يفرغ من ~~الحساب كما يكون أوليائه في ظله ثم يؤمر لكل فريق إلى مستقره الجنة أو ~~إلى النار ثم وصف الظل فقال لا ظليل يعني لا يظلكم من حر هذا اليوم بل ~~يزيدكم من لهب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس ولا يغني من اللهب ~~وهذا مثل قوله # وظل من يحموم # [الواقعة:43] وهو الدخان وهو سرادق أهل النار كما ذكر المفسرون. ms1815 ### || [77.32-50] # قال عز وجل { إنها ترمى بشرر كالقصر } يعني النار ترمي ~~بشرر القصر قال الكلبي يعني يشبه القصر وهو القصور الأعاريب التي على ~~الماء واحدهما عربة وهي الأرحية التي تكون على الماء تطحن الحنطة وقال ~~مقاتل القصور أصول الشجر العظام وقال مقاتل إنها ترمي بشرر كالقصر أراد ~~القصور من قصور أحياء العرب وقرأ بعضهم كالقصر بنصب الصاد شبه بأعناق ~~النخل ثم شبه في لونه بالجمالات الصفر فقال: { كأنه جملة ~~صفر } وهو أسود والعرب تسمي السود من الإبل الصفر لأنه يشوبه صفرة ~~كما قال الأعشى: # تلك خيلي وتلك منها ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # يعني أسود، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " جمالة صفر " وهي جمع ~~جمل يقال جمل وجمال وجمالة وقرأ الباقون جمالات وهو جمع الجمع وقال ابن ~~عباس رضي الله عنه جمالات حيال السفينة يجمع بعضها إلى بعض حتى يكون مثل ~~أوساط الرجال { ويل يومئذ للمكذبين } يعني: ويل لمن جحد ~~هذا اليوم بعدما سمعه ثم قال عز وجل { هذا يوم لا ينطقون } ~~يعني: لا يتكلمون وهذا في بعض أحوال يوم القيامة ومواضعها { ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون } يعني: لا يؤذن لهم في الكلام يعني ~~الكفار ليعتذروا { ويل يومئذ للمكذبين } يعني: ويل لمن ~~جحد يوم القيامة وهو يقدر على الكلام في هذا اليوم يعني: كان في الدنيا ~~يقدر على المعذرة فتركها ثم قال عز وجل { هذا يوم الفصل } ~~يعني: يوم القضاء ويقال يوم الفصل يعني بين أهل الجنة وبين أهل النار { ~~جمعنكم والأولين } يعني: جمعناكم يا أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم مع من مضى قبلكم { فإن كان لكم كيد فكيدون } ~~يعني: إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم { ويل يومئذ ~~للمكذبين } يعني: ويل لمن أنكر قدرة الله والبعث والجمع يوم ~~القيامة ثم قال عز وجل { إن المتقين فى ظلل وعيون } ~~يعني: إن الذين يتقون الشرك والفواحش. # قال الكلبي في ظلال الأشجار وقال مقاتل يعني في الجنان والقصور يعني ~~قصور الجنة وعيون يعني أنهار جارية { وفوكه } يعني وألوان الفواكه { ~~مما يشتهون ms1816 } يعني يتمنون ويقال لهم { كلوا } يعني من الطعام ~~{ واشربوا } من الشراب { هنيئا } يعني سائغا مريئا لا يؤذيهم ~~{ بما كنتم تعملون } يعني ثوابا لكم بما عملتم في الدنيا { ~~إنا كذلك نجزى المحسنين } يعني هكذا يثبت الله الموحدين ~~المحسنين المؤمنين في أعمالهم وأفعالهم { ويل يومئذ ~~للمكذبين } يعني ويل لمن أنكر هذا الثواب ثم قال للمجرمين عز وجل ~~{ كلوا وتمتعوا قليلا } يعني كلوا في الدنيا كما تأكل ~~البهائم وعيشوا مدة قليلة إلى منتهى آجالكم { إنكم مجرمون } ~~يعني مشركين، وهذا وعيد وتهديد { ويل يومئذ للمكذبين } ~~يعني لمن رضي بالدنيا ولا يقر بالبعث ثم قال عز وجل { وإذا قيل ~~لهم اركعوا لا يركعون } يعني اخضعوا لله تعالى بالتوحيد لا ~~يخضعون، ويقال وإذا قيل لهم صلوا وأقروا بالصلاة لا يركعون يعني لا يقرون ~~بها ولا يصلون. # يعني ويل طويل لمن لا يقر بالصلاة ولا يؤديها وقال مقاتل نزلت في ثقيف ~~قالوا أنحني في الصلاة لأنه مذلة علينا ثم قال عز وجل { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون } يعني إن لم يصدقوا به فبأي كلام يصدقون يعني إن ~~لم يصدقوا بالقرآن ولم يقروا به فبأي حديث يصدقون يعني هذا الكلام لا ~~باطل فيه يعني لا حديث أصدق منه ولا دعوة أبلغ من دعوى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والله أعلم بالصواب. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-5] # قوله تعالى { عم يتساءلون } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لما بعث جعلوا يتساءلون فيما بينهم ويقولون ما الذي جاء به هذا الرجل ~~فنزل عم يتساءلون يعني عماذا يتساءلون ثم قال { عن النبإ ~~العظيم } يعني يتساءلون عن الخبر العظيم وهو القرآن كقوله - # قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون # [ص:68] ويقال معناه عن ماذا يتحدثون وعن أي شيء يتحدثون ثم قال عن النبأ ~~العظيم يعني خبرا عظيما وقال الزجاج أصله عما يتساءلون ثم بين فقال عن ~~النبأ العظيم يعني عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل عن القرآن ~~وقيل عن النبأ العظيم يعني عن البعث والدليل قوله تعالى # إن يوم الفصل كان ms1817 ميقتا # [النبأ:17] ثم بين لهم الأمر الذي كانوا يتساءلون وهو البعث ثم قال عز ~~وجل { الذى هم فيه مختلفون } يعني مصدقا ومكذبا يعني ~~بالبعث بعضهم مصدق وبعضهم مكذب، ويقال بالقرآن ويقال بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم قال الله تعالى { كلا سيعلمون } يعني سيعرفون { ~~ثم كلا سيعلمون } يعني سيعرفون ذلك الوعيد على أثر الوعيد ~~يعني سيعلمون عند الموت وفي الآخرة ويتبين لهم بالمعاينة قرأ ابن عامر ~~ستعلمون بالتاء على وجه المخاطبة وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر ~~عنهم. ### || [78.6-23] # ثم ذكر صنعه ليستدلوا بصنعه على توحيده فقال تعالى { ألم نجعل ~~الأرض مهدا } يعني فراشا ومقاما ويقال موضع القرار، ويقال: ~~معناه ذللنا لهم الأرض ليسكنوها ويسيروا فيها { والجبال أوتادا ~~} يعني أوتدها وأثبتها ثم قال { وخلقنكم أزوجا } يعني ~~أصنافا وأضدادا ذكرا وأنثى، ويقال ألوانا بيضا وسودا وحمرا { ~~وجعلنا نومكم سباتا } يعني راحة لأبدانكم وأصله التمدد ~~فلذلك سمي السبت لأنه قيل لبني إسرائيل استريحوا فيه. ويقال سباتا يعني ~~سكونا وانقطاعا عن الحركات { وجعلنا اليل لباسا } يعني ~~سكونا يسكنون فيه ويقال سترا يستر كل شيء { وجعلنا النهار ~~معاشا } يعني مطلبا للمعيشة { وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا } يعني سبع سموات غلاظا كل سماء مسيرة خمسمائة عام { ~~وجعلنا سراجا وهاجا } يعني وقادا مضيئة { وأنزلنا من ~~المعصرات } يعني من السحاب سمي معصرات لأنها تعصر الماء ويقال ~~المعصرات هي الرياح يعني ذوات الأعاصير كقوله إعصارا فيه نار ثم قال عز ~~وجل { ماء ثجاجا } يعني سيالا، ويقال منصبا كثيرا { لنخرج ~~به حبا ونباتا } يعني بالماء حبوبا كثيرة للناس ونباتا للدواب ~~من العشب والكلأ { وجنت ألفافا } يعني شجرها ملتفا بعضها في ~~بعض فأعلم الله تعالى قدرته أنه قادر على البعث فقال { إن يوم ~~الفصل كان ميقتا } يعني يوم القيامة ميقاتا وميعادا للأولين ~~والآخرين { يوم ينفخ فى الصور فتأتون أفواجا } يعني ~~جماعة جماعة. وروي في بعض الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال يبعث الله تعالى الناس صورا مختلفة بعضهم على صورة الخنزير ~~وبعضهم على صورة القردة وبعضهم وجوههم ms1818 كالقمر ليلة البدر ثم قال عز وجل { ~~وفتحت السماء } يعني أبواب السماء { فكانت أبوبا } يعني ~~صارت طرقا قرأ حمزة والكسائي وعاصم وفتحت بالتخفيف والباقون بالتشديد ~~وهو لتكثير الفعل والتخفيف بفتح مرة واحدة ثم قال عز وجل { وسيرت ~~الجبال } يعني قلعت من أماكنها { فكانت سرابا } يعني فصارت ~~كالسراب تسير في الهواء كالسراب في الدنيا { إن جهنم كانت ~~مرصادا } أي رصدا لكل كافر ويقال سجنا ومحبسا { للطغين ~~مئابا } أي للكافرين مرجعا يرجعون إليها { لبثين فيها ~~أحقابا } يعني ماكثين فيها أبدا دائما والأحقاب وأحدها حقب والحقب ~~ثمانون سنة واثنا عشر شهرا وكل شهر ثلاثون يوما وكل يوم منها مقدار ألف ~~سنة مما تعدون بأهل الدنيا فهذا حقب واحد، والأحقاب هو التأبيد كلما مضى ~~حقب دخل حقب آخر، وإنما ذكر أحقابا لأن ذلك كان أبعد شيء عندهم فذكر ~~وتكلم بما تذهب إليه أوهامهم ويعرفونه وهو كناية عن التأبيد أي يمكثون ~~فيها أبدا قرأ حمزة لبثين بغير ألف والباقون لابثين بالألف ومعناهما ~~واحد. ### || [78.24-40] # قال عز وجل { لا يذوقون فيها بردا } يعني لا يكون فيها برد ~~يمنعهم من حرها وقال القتبي: البرد النوم، وقال الزجاج: يجوز أن يكون ~~البرد نوما، ويجوز أن يكون معناه لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل { ولا ~~شرابا } يعني شرابا ينفعهم { إلا حميما } يعني ماء حارا قد ~~انتهى حره { وغساقا } يعني زمهريرا، وقال الزجاج: الغساق ما يغسق ~~من جلودهم أي ما يسيل وقد قيل الشديد البرد قرأ حمزة والكسائي وعاصم في ~~رواية حفص وغساقا بالتشديد والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد ثم قال { ~~جزاء وفقا } يعني العقوبة موافقة لأعمالهم لأن أعظم الذنوب الشرك ~~نعوذ بالله وأعظم العذاب النار ووافق الجزاء العمل ثم قال { إنهم ~~كانوا لا يرجون حسابا } يعني لا يخافون البعث بعد الموت، ~~ويقال: كانوا لا يرجون ثواب الآخرة أنهم كانوا ينكرون البعث قوله تعالى { ~~وكذبوا بآيتنا كذابا } يعني جحدوا بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وبالقرآن كذابا يعني تكذيبا وجحودا ثم قال { وكل شىء ~~أحصينه كتبا } يعني أثبتناه في اللوح المحفوظ ms1819 { فذوقوا ~~} يعني يقال لهم فذوقوا العذاب { فلن نزيدكم إلا عذابا } ~~ثم بين حال المؤمنين فقال عز وجل { إن للمتقين مفازا } يعني ~~نجاة من النار إلى الجنة ويقال المفاز بمعنى الفوز يعني موضع النجاة { ~~حدائق وأعنبا } يعني لهم حدائق في الجنة والحدائق ما أحيط ~~بالجدار وفيه من النخيل والثمار وأعنابا يعني كروما { وكواعب ~~أترابا } والكواعب الجواري مفلكات الثديين أترابا مستويات في ~~الميلاد والسن وقال أهل اللغة الكواعب النساء قد كعب ثديهن { وكأسا ~~دهاقا } كل إناء فيه شراب فهو كأس فإذا لم يكن فيه شراب فليس بكأس كما ~~يقال للمائدة إذا كان عليها طعام مائدة وإذا لم يكن فيها طعام خوان يقال ~~دهاقا يعني سائغا وقال الكلبي: وكأسا دهاقا يعني: إناء فيه خمر ملان ~~متتابعا وهذا قول عطية وسعيد والعباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم ~~ومجاهد وإبراهيم النخعي { لا يسمعون فيها لغوا } يعني حلفا ~~وباطلا ويقال ولا يسمعون في مشربها فحشا خبثا { ولا كذابا } يعني ~~تكذيبا في شربها يعني لا يكذبون فيها قرأ الكسائي كذابا بالتخفيف يعني ~~لا يكذب بعضهم بعضا وقرأ الباقون بالتشديد فهو من التكذيب ثم قال { ~~جزاء من ربك } يعني ثوابا من ربك { عطاء حسابا } يعني ~~كثيرا وقال مجاهد عطاء من الله حسابا بما عملوا وقال أهل اللغة حسابا ~~أي كثيرا كما يقال أعطينا فلانا عطاء حسابا أي كثيرا وأصله أن يعطيه ~~حتى يقول حسبي، وقال الزجاج حسابا أي ما يكفيهم يعني فيه ما يشتهون ثم ~~قال { رب السموات والأرض } يعني خالق السموات والأرض قرأ ~~ابن كثير ونافع وأبو عمرو رب السموات والأرض بضم الباء والباقون بالكسر ~~فمن قرأ بالضم فمعناه هو رب السموات والأرض ومن قرأ بالكسر فهو على معنى ~~الصفة أي: جزاءا من ربك رب السموات والأرض { وما بينهما ~~الرحمن } يعني الرحمن هو رب السموات والأرض { لا يملكون ~~منه خطابا } يعني لا يملكون الكلام بالشفاعة إلا بإذنه { يوم ~~يقوم الروح } قال الضحاك هو جبريل وقال قتادة عن ابن عباس وخلق على ~~صورة بني آدم، ويقال هو ms1820 خلق واحد يقوم صفا واحدا { والملئكة ~~صفا } يعني صفوفا، ويقال: الروح لا يعلمه إلا الله. # كما قال # قل الروح من أمر ربى # [الإسراء: 85]، ثم قال عز وجل { لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمن } يعني لا يتكلمون بالشفاعة إلا من أذن له الرحمن ~~بالشفاعة { وقال صوابا } يعني لا إله إلا الله يعني من كان معه من ~~التوحيد وهو من أهل الشفاعة ثم قال عز وجل { ذلك اليوم الحق } ~~يعني القيامة كائنة { فمن شاء اتخذ } يعني من شاء وجد واتخذ بذلك ~~التوحيد { إلى ربه مآبا } يعني مرجعا ويقال من شاء اتخذ ~~بالطاعة إلى ربه مرجعا ثم خوفهم فقال { إنا أنذرنكم عذابا ~~قريبا } يعني خوفناكم بعذاب قريب وهو يوم القيامة ثم خوف المؤمنين ~~ووصف ذلك اليوم { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } يعني ~~ما عملوا من الخير والشر يعني ينظر المؤمن إلى عمله وينظر الكافر إلى ~~عمله { ويقول الكافر الكافر يليتنى كنت تربا } ~~يعني لو كنت بهما منها فأكون ترابا أستوي بالأرض وذلك أن الله تعالى ~~يقول للسباع والبهائم كوني ترابا فعند ذلك يتمنى الكافر يا ليتني كنت ~~ترابا، وروى عبد الله بن عمر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال إن الله ~~يحشر البهائم والدواب والناس ثم يقتص لبعضهم من بعض حتى يقتص للشاة ~~الجماء من الشاة القرناء ثم إن الله تعالى يقول لها كوني ترابا فيراها ~~الكافر ويتمنى أن يكون مثلها ترابا، ويقول: يا ليتني كنت ترابا يعني يا ~~ليتني لم أبعث كقوله # يليتنى لم أوت كتبيه # [الحاقة:25] إلى قوله # يليتها كانت القاضية # [الحاقة:27] والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-14] # قوله تعالى { والنزعت غرقا } قال مقاتل يعني ملك الموت ~~ينزع روح الكافر من صدره كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف فيخرج ~~نفسه من حلقه منها العروق كالغريق في الماء { والنشطت نشطا ~~} ملك الموت ينشط روح الكافر من قدمه إلى حلقه وقال الكلبي: (والنازعات) ~~يعني ملك الموت وأعوانه غرقا كرها يقال: غرقت ms1821 نفسه في صدره وذلك أنه ~~ليس من كافر يحضره الموت إلا عرضت عليه جهنم فيراها قبل أن يخرج نفسه ~~فيرى فيها أقواما مرة ينغمسون ومرة يرتفعون فعند ذلك تغرق روحه في جسده ~~(والناشطات نشطا) يعني الملائكة الذين يقبضون أرواح المؤمنين بالتيسير ~~وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا ويرى منزلته في الجنة ويرى فيها ~~أقواما من أهل معرفته وهم يدعون إلى أنفسهم فعند ذلك ينشط إلى الخروج ~~ويقال: النازعات الملائكة تنزع النفس أغراقا كما يغرق النازع في القوس ~~والناشطات الملائكة تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال وقال عطاء والنازعات ~~غرقا يعني ألقى والناشطات نشطا يعني الأوهاق ثم قال { ~~والسبحت سبحا } يعني الملائكة الذين يقبضون أرواح الصالحين ~~يسلونها سلا رقيقا ويتركونها حتى تستريح رويدا، ويقال: والسابحات ~~سبحا يعني السفن تجري في الماء ويقال والسابحات سبحا يعني الملائكة جعل ~~نزولها في السماء كالسباحة ويقال والسابحات سبحا يعني النجوم الدوارة ~~كما قال و # وكل فى فلك يسبحون # [الأنبياء:33] ثم قال { فالسبقت سبقا } يعني الملائكة ~~الذين يسبقون إلى الخير والدعاء ويقال فالسابقات سبقا بالخير يعني أرواح ~~المؤمنين يعرج بها إلى السماء سراعا يفتح لها أبواب السماء ويقال ~~فالسابقات سبقا يعني خيول الغزاة { فالمدبرت أمرا } يعني ~~الملائكة الذين جعل إليهم تدبير الخلق وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وعزرائيل عليهم السلام أما جبريل فعلى الوحي وإنزال الرحمة والعذاب على ~~الخلائق بأمر الله وأما ميكائيل فعلى الأمطار والنبات يقسم على البلاد ~~والعباد بإذن الله. وأما عزرائيل وهو ملك الموت فعلى قبض الأرواح عند ~~انقضاء أجلهم بإذن الله تعالى وأما اسرافيل فعلى النفح في الصور متى أمره ~~الله تعالى. فهذا كله قسم وجواب القسم مضمر فكأنه أقسم بهذه الأشياء أنهم ~~يبعثون يوم القيامة لأن في الكلام دليلا عليه وهو قوله { يوم ~~ترجف الراجفة } يعني لتبعثن يوم القيامة في يوم ترجف الراجفة ~~يعني الصيحة الأولى { تتبعها الرادفة } يعني الصيحة الثانية ~~يعني النفخة الأولى للصعق، والنفخة الأخرى للبعث وروي عن يزيد بن ربيعة ~~عن الحسن في قوله يوم ترجف الراجفة ms1822 تتبعها الرادفة قال هما النفختان فأما ~~الأولى فيميت الأحياء وأما الثانية فتحيي الموتى ثم تلا # ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى ~~الأرض إلا من شاء الله # [الزمر:68] ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأصل الرجفة الحركة ~~يعني تزلزلت الأرض زلزلة شديدة عند النفخة الأولى والرادفة كل شيء تجيء ~~بعد شيء فهو يردفه ثم قال { قلوب يومئذ واجفة } يعني خائفة ~~خاشعة من هول ذلك اليوم ويقال يعني ذليلة ويقال زائلة عن مكانها { ~~أبصرها خشعة } يعني أبصار الخلائق ذليلة، ويقال أبصار ~~القلوب خاشعة ثم ذكر قول الكفار وإنكارهم البعث فقال { يقولون ~~أءنا لمردودون فى الحفرة } تعجبا منهم وفي الآية تقديم ~~ومعناه أئنا لمردودون في الحياة بعد الموت، ويقال: أئنا لمردودون في ~~الحافرة أي إلى أول أمرنا يقال رجع فلان في حافرته وعلى حافرته أي رجع من ~~حيث جاء ثم قال { أءذا كنا عظما نخرة } يعني بعد ما كنا ~~عظاما بالية، قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر إذا كنا عظاما ~~ناخرة بالألف والباقون بغير ألف قال بعضهم معناهما واحد هما لغتان وقال ~~بعضهم الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها والنخرة التي قد فسدت ~~كلها وقال مجاهد عظاما نخرة أو مرفوتة كما قال في قوله عظاما ورفاتا { ~~قالوا تلك إذا كرة خسرة } يعني إن كانوا كما يقولون ~~فنحن بخسران قوله تعالى { فإنما هى زجرة وحدة } يعني ~~يبعثهم صيحة واحدة وهو نفخ إسرافيل في الصور { فإذا هم ~~بالساهرة } يعني على وجه الأرض يعني هم قيام على ظهر الأرض، ويقال ~~سميت الأرض ساهرة لقيام الخلق وسهرهم عليها. ### || [79.15-26] # ثم وعظهم بما أصاب فرعون في النكال في الدنيا فقال { هل أتاك ~~حديث موسى } يعني قد أتاك خبر موسى { إذ ناداه ربه ~~بالواد المقدس } يعني بالوادي المطهر { طوى } اسم الوادي { ~~اذهب إلى فرعون إنه طغى } يعني علا وتكبر وكفر فقال ~~الله تعالى { فقل هل لك إلى أن تزكى } يعني ألم يأن لك ~~أن تسلم، ويقال: معناه هل ترغب في توحيد ربك ms1823 وتشهد أن لا إله إلا الله، ~~وتزكي نفسك من الكفر والشرك قرأ ابن كثير ونافع إلى أن تزكى بتشديد الزاء ~~لأن أصله تتزكى وأدغمت التاء في الزاء وشددت والباقون بالتخفيف، لأنه حذف ~~إحدى التائين وتركت مخففة ثم قال { وأهديك إلى ربك ~~فتخشى } يعني أدعوك إلى توحيد ربك فتخشى يعني تخاف عذابه فتسلم { ~~فأراه الآية الكبرى } يعني العصا واليد وسائر الآيات { ~~فكذب وعصى } يعني كذب الآيات ولم يقبل قول موسى عليه السلام { ~~ثم أدبر يسعى } يعني أدبر عن التوحيد وسعى في هلاك موسى { ~~فحشر } يعني فجمع أهل المدينة { فنادى } يعني فخاطب { فقال } ~~لهم اعبدوا أصنامكم التي كنتم تعبدون فإن هؤلاء أربابكم الصغار { أنا ~~ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ~~} يعني فعاقبه بعقوبة الدنيا والآخرة وهي الغرق وعقوبة الآخرة وهي النار، ~~ويقال الآخرة، والأولى يعني العقوبة بالكلمة الأولى والكلمة الأخرى فأما ~~الأولى قوله " ما علمت لكم من إله غيري " والأخرى قوله " وأنا ربكم ~~الأعلى " وكان بين الكلمتين أربعون سنة، ويقال: قوله " وأنا ربكم الأعلى ~~" كان في الابتداء حيث أمرهم بعبادة الأصنام ثم نهاهم عن ذلك وأمرهم بأن ~~لا يعبدوا غيره، وقال: " ما علمت لكم من إله غيري " ثم قال { إن فى ~~ذلك } يعني في هلاك فرعون وقومه { لعبرة لمن يخشى } يعني ~~لعظة لمن يريد أن يعتبر ويسلم. ### || [79.27-41] # ثم وعظ أهل مكة فقال { أأنتم أشد خلقا أم السمآء } ~~يعني أبعثكم بعد الموت أشد أم خلق السماء في المشاهدة عند الناس خلق ~~السماء أشد فالذي هو قادر على خلق السماء قادر على البعث ثم قال { ~~بنها } يعني خلق السماء مرتفعة { رفع سمكها } أي سقفها بغير ~~عمد { فسواها } يعني سوى خلقها، ويقال خلقها مستوية بلا صدع ولا شق ~~{ وأغطش ليلها } يعني أظلم ليلها { وأخرج ضحها } يعني ~~أنوار ضحاها وشمسها ونهارها فإنها راجعة إلى السماء ثم قال عز وجل { ~~والأرض بعد ذلك دحها } يعني بعد خلق الأرض السماء وبسط ~~الأرض ومدها { أخرج منها ماءها } يعني من الأرض ماءها يعني ~~عيونها للناس { ومرعها } للدواب والأنعام، ms1824 قال القتبي: هذا من ~~جوامع الكلم حيث ذكر شيئين على جميع ما يخرج من الأرض قوتا ومتاعا ~~للأنعام من العنب والشجر والحب والتمر والملح والنار لأن النار من ~~العيدان والملح من الماء ثم قال عز وجل { والجبال أرسها } ~~يعني أوتدها وأثبتها { متعا لكم } يعني منفعة لكم { ~~ولأنعمكم فإذا جاءت الطامة الكبرى } يعني الصيحة ~~العظمى وإنما سميت الطامة لأنها طمت وعلت فوق كل شيء { يوم ~~يتذكر الإنسن ما سعى } يعني يعلم بكل شيء عمله في الدنيا، ~~ويقال: يوم ينظر الإنسان في كتابه بما عمل في الخير والشر { وبرزت ~~الجحيم } يعني أظهرت الجحيم { لمن يرى } يعني لمن وجب له { ~~فأما من طغى } يعني كفر وعلا وتكبر { وآثر الحياة ~~الدنيا } يعني اختار ما في الدنيا على الآخرة، ويقال: اختار العمل ~~للدنيا على الآخرة { فإن الجحيم هى المأوى } يعني مأوى من ~~كان هكذا { وأما من خاف مقام ربه } يعني خاف المقام بين ~~يدي ربه { ونهى النفس عن الهوى } يعني منع نفسه عن معاصي ~~الله تعالى وعمل بخلاف ما تهوى في الحرام { فإن الجنة هى ~~المأوى } يعني مأوى من كان هكذا، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ~~أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل واتباع الهوى فأما طول الأمل فينسي ~~الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. ### || [79.42-46] # قوله تعالى { يسئلونك عن الساعة } يعني يسألونك عن قيام ~~الساعة { أيان مرسها } أي وقت قيامها وأصله أي أوان ظهورها ~~ووقتها، قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - { فيم أنت من ~~ذكراها } يعني دع ما أنت وذاك دع ذلك إلى الله ثم قال { إلى ~~ربك منتهها } يعني عند ربك علم. [قيامها، وروى سفيان عن ابن ~~شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يزل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يسأل عن الساعة حتى نزل " فيم أنت من ذكراها إلى ربك] منتهاها ~~يعني عند ربك علم قيامها وانتهى عند ذلك ثم قال عز وجل { إنما أنت ~~منذر من يخشها } يعني أنت مخوف بالقرآن من ms1825 يخاف قيام الساعة ~~وليس عليك أن تعرف متى وقتها ثم قال عز وجل { كأنهم يوم ~~يرونها } يعني قيام الساعة { لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحها } يعني كأنهم لبثوا في قبورهم مقدار عشية، وهو قدر آخر ~~النهار أو ضحاها وهو قدر أول النهار ويقال كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ~~مقدار العشية أو مقدار الضحى قرأ أبو عمرو في إحدى الروايتين إنما أنت ~~منذر بالتنوين والباقون بغير تنوين فمن قرأ بالتنوين جعل من في موضع ~~النصب يعني منذر الذي يخشاها ومن قرأ بغير تنوين جعل من في موضع خفض ~~بالإضافة. والله الموفق بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا محمد. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-16] # قوله تعالى { عبس وتولى } أي كلح وأعرض بوجهه يعني النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وروى هشام ابن عروة قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- جالسا ومعه عتبة بن ربيعة في ناس من وجوه قريش وهو يحدثهم بحديث فجاء ~~ابن أم مكتوم على تلك الحال فسأله عن بعض ما ينفع به فكره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يقطع كلامه وقال في رواية مقاتل كان اسم ابن أم ~~مكتوم عمر بن قيس، وقال في رواية الكلبي كان اسمه عبد الله بن شريح فقال ~~يا رسول الله علمني مما علمك الله تعالى فأعرض عنه شغلا بأولئك القوم ~~لحرصه على إسلامهم فنزل (عبس وتولى) وهو بلفظ المغايبة تعظيما للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عبس محمد - صلى الله عليه وسلم - وجهه وتولى يعني ~~وأعرض { أن جاءه الأعمى } يعني إن جاءه الأعمى ويقال حين جاءه ~~الأعمى وهو ابن أم مكتوم ثم قال: { وما يدريك لعله يزكى ~~} يعني وما يدريك يا محمد لعله يصلي أو يفلح فيعمل خيرا فيتعظ بالقرآن ~~ويقال يعني يزداد خيرا { أو يذكر } يعني يتعظ بالقرآن { ~~فتنفعه الذكرى } يعني العظة ثم قال { أما من استغنى } ~~يعني استغنى بنفسه عن ثواب الله، ويقال استغنى بماله ونفسه عن دينك ~~وعظمتك { فأنت له تصدى } يعني تقبل بوجهك عليه، ويقال تصدى ~~يعني تعرض، يقال: ms1826 فلان تصدى لفلان إذا تعرض له ليراه. قرأ عاصم أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى بنصب العين، جعله جوابا لعله يتذكر فتنفعه الذكرى، وقرأ ~~الباقون بالضم جعلوه جوابا للفعل، قرأ نافع وابن كثير تصدى بتشديد الصاد ~~لأن الأصل تتصدى فأدغمت وشددت والباقون بحذف التاء للتخفيف فهذا كقوله # فقل هل لك إلى أن تزكى # [النازعات:18] ثم قال { وما عليك ألا يزكى } يعني أي شيء ~~عليك إن لم يوجد عتبة وأصحابه ويقال: لا يضرك إن لم يؤمن ولم يصلح ثم قال ~~عز وجل { وأما من جاءك يسعى } يعني يسرع إلى الخير ويعمل به ~~وهو ابن أم مكتوم، ويقال يعني يمشي برجليه { وهو يخشى } ربه { ~~فأنت عنه تلهى } يعني تشتغل وتتلاهى وتتغافل وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يكرم ابن أم مكتوم بعد نزول هذه الآية قوله تعالى { ~~كلا } يعني لا تفعل ولا تقبل على من استغنى عن الله تعالى بنفسه وتعرض ~~عمن يخشى الله تعالى ثم قال { إنها تذكرة } يعني هذه الموعظة ~~تذكرة ويقال هذه السورة تذكرة يعني موعظة { فمن شاء ذكره } يعني ~~ذكر المواعظ وذكره بلفظ التذكير ولم يقل ذكرها لأنه ينصرف إلى المعنى لأن ~~الموعظة إنما هي بالقرآن يعني فمن شاء أن يتعظ بالقرآن فليتعظ { فى ~~صحف مكرمة } يعني أن هذا القرآن في صحف مكرمة يعني مطهرة مبجلة ~~معظمة وهو اللوح المحفوظ { مرفوعة } يعني مرتفعة { مطهرة } ~~يعني منزهة عن التناقض والكذب والعيب { بأيدى سفرة } يعني الكتبة ~~الذين يكتبون في اللوح المحفوظ، ثم أثنى على الكتبة فقال { كرام } على ~~الله { بررة } أي مطيعين لله تعالى، ويقال بررة من الذنوب، وقال ~~القتبي السفرة الكتبة وأحدهما سافر وإنما يقال للكاتب سافر لأنه يبين ~~الشيء ويوضحه ويقال أسفر الصبح إذا أضاء البررة جمع بار مثل كفرة وكافر. ### || [80.17-32] # قال تعالى { قتل الإنسن ما أكفره } يعني لعن الكافر بالله ~~تعالى يعني عتبة وأصحابه ومن كان مثل حاله إلى يوم القيامة ما أكفره يعني ~~ما الذي أكفره وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي يعني أي شيء أكفره قال ms1827 نزلت ~~في عتبة حيث قال: إني كفرت بالنجم إذا هوى، ويقال: ما أكفره يعني ما أشده ~~في كفره ثم قال { من أى شىء خلقه } يعني هل يعلم من أي شيء ~~خلقه الله تعالى ويقال أفلا يعتبر من أي شيء خلقه ثم أعلمه ليعتبر في ~~خلقه فقال { من نطفة خلقه فقدره } يعني خلقه في بطن أمه ~~طورا بعد طور { ثم السبيل يسره } يعني يسره للخروج من بطن ~~أمه ويقال يسره طريق الخير والشر، وقال مجاهد هو مثل قوله # إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الدهر3] { ثم أماته فأقبره } يعني جعل له قبرا يوارى ~~فيه، ويقال: أمر به ليعتبر، ويقال فأقبره أي جعله ممن يقبر ولم يجعله ممن ~~يلقى على وجه الأرض كالبهائم { ثم إذا شاء أنشره } يعني يبعثه ~~في القبر إذا جاء وقته ثم قال { كلا لما يقض ما أمره } ~~يعني لم يؤد ما أمره من التوحيد وما هنا صلة كقوله # فبما رحمة من الله # [آل عمران159] وقال مجاهد " لما يقضي ما أمره " يعني لا يقضي أحدا ~~أبدا كما افترض عليه ثم أمرهم بأن يعتبروا بخلقه فقال { فلينظر ~~الإنسن إلى طعامه } يعني إلى رزقه ومن أي شيء يرزقه ~~وليعتبروا به { أنا صببنا الماء صبا } يعني المطر قرأ أهل ~~الكوفة أنا صببنا بنصب الألف والباقون بالكسر، فمن قرأ بالنصب جعله بدلا ~~عن الطعام يعني فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ومن قرأ ~~بالكسر فهو على الاستئناف أنا صببنا الماء صبا يعني المطر على الأرض ~~المطر بعد المطر { ثم شققنا الأرض شقا } يعني شققناها ~~بالنبات والشجر { فأنبتنا فيها } يعني في الأرض ومعناه أخرجنا من ~~الأرض { حبا } يعني الحبوب كلها { وعنبا } يعني الكروم { ~~وقضبا } قال ابن عباس رضي الله عنهما القضبة وهو القت الرطب وقال ~~القتبي القضب القت سمي قضبا لأنه يقضب مرة بعد مرة أي يقطع وكذلك القصيل ~~(لأنه يفصل أي يقطع ويقال: وقضبتا يعني جميع ما يقضب مثل القت والكرات ~~وسائر البقول التي تقطع فينبت من أصله { وزيتونا } وهي ms1828 شجرة الزيتون ~~{ ونخلا } يعني النخيل { وحدائق غلبا } قال عكرمة غلاظ ~~الرقاب ألا ترى أن الرجل إذا كان غليظ الرقبة يقال أغلب والحدائق واحدها ~~حديقة غلبا أي نخلا غلاظا طوالا، ويقال: حدائق غلبا يعني حيطان ~~النخيل والشجر، وقال الكلبي كل شيء أحبط عليه من نخيل أو شجر فهو حديقة ~~وما لم يحط به فليس بحديقه، ويقال الشجر الملتف بعضه في بعض. # ثم قال عز وجل { وفكهة } ويعني الثمر كلها وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال # " خلقتم من سبع ورزقتم من سبع فاسجدوا لله على سبع " # ، وإنما أراد بقوله خلقتم من سبع يعني من نطفة ثم من علقه، الآية والرزق ~~من سبع وهو قوله " فأنبتنا فيها حبا وعنبا " إلى قوله " وفاكهة وأبا " ~~ثم قال { وأبا } يعني العنب وقال مجاهد ما يأكل الدواب والأنعام وقال ~~الضحاك هو التبن { متعا لكم ولأنعمكم } يعني الحبوب ~~والفواكه منفعة لكم والكلأ والعشب منفعة لكم ولأنعامكم. ### || [80.33-42] # ثم ذكر القيامة فقال { فإذا جاءت الصاخة } يعني: الصيحة تصخ ~~الأسماع أي تصمها فلا يسمع إلا ما يدعا به ويقال الصاخة اسم من أسماء يوم ~~القيامة وكذلك الطامة والقارعة والحاقة ثم وصف ذلك اليوم فقال { يوم ~~يفر المرء من أخيه } وفراره أنه يعرض عنه بنفسه وقال شهر بن ~~حوشب يوم يفر المرء من أخيه يعني: هو هابيل يفر من أخيه قابيل { وأمه ~~وأبيه } يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - من أمه وأبيه وإبراهيم ~~من أبيه { وصحبته } يعني: لوط عليه السلام من امرأته { وبنيه ~~} يعني: نوح عليه السلام من ابنه، ويقال هذا في بعض أحوال يوم القيامة أن ~~كل واحد منهم يشتغل بنفسه يعني: فلا ينظر المرء إلى أخيه وإلى أبيه وإلى ~~ابنه ثم قال تعالى { لكل امرىء منهم شأن يغنيه } يعني؛ ~~لكل إنسان شغل يشغله عن هؤلاء، وروي في الخبر أن عائشة رضي الله عنها ~~قالت يا رسول الله كيف يحشر الناس قال # " حفاة عراة " # فقالت عائشة رضي الله عنها واسوأتاه النساء مع الرجال حفاة عراة فقرأ ~~رسول ms1829 الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية { لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه } يعني: لكل واحد منهم عمل يشغله بنفسه عن ~~غيره ثم قال تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة } يعني: من الوجوه ~~ما يكون في ذلك اليوم مشرقة مضيئة { ضحكة مستبشرة } يعني: ~~مفرحة بالثواب وهم المؤمنون المطيعون { ووجوه يومئذ عليها ~~غبرة } يعني: من الوجوه ما يعلوها السواد كالدخان وأصل الغبرة يعني ~~الغبار ثم قال عز وجل: { ترهقها قترة } يعني: تلحقها قترة يعني ~~يغشاها الكسوف والسواد { أولئك هم الكفرة الفجرة } ~~يعني: أن أهل هذه الصفة هم الكفرة بالله تعالى الكذبة على الله تعالى ~~ويقال ترهقها قترة يعني المذلة والكآبة والفجرة يعني: الظلمة. والله ~~الموفق بمنه وصلى الله على سيدنا محمد وآله. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-14] # قوله تعالى: { إذا الشمس كورت } قال أبو الليث رحمه الله ~~حدثنا الحاكم أبو الفضل قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب المروزي حدثنا ~~محمد بن حموية النيسابوري قال حدثنا إبراهيم بن موسى قال حدثنا هشام عن ~~عبد الله عن يحيى بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن عمر رضي الله عنهما عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " من أحب أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: (إذا الشمس كورت) يعني: ذهب ضوؤها ~~وكذلك قال الضحاك وعكرمة يعني: اضمحلت وذهبت ويقال تكور كما تكور العمامة ~~يعني: جمع ضوؤها ولف كما تلف العمامة قوله تعالى { وإذا ~~النجوم انكدرت } يعني: تناثرت وتساقطت { وإذا الجبال ~~سيرت } يعني: قلعت عن الأرض وسيرت في الهواء كقوله # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة # [الكهف:47] يعني: خالية ليس عليها شيء من الماء والشجر وغيرها ثم قال { ~~وإذا العشار عطلت } يعني: النوق الحوامل عطلها أربابها ~~اشتغالا بأنفسهم وواحدها: عشراء وهي الناقة التي أتت على حملها عشرة ~~أشهر وهي في الحمل فلا يعطلها أهلها إلا في يوم القيامة وهذا على وجه ~~المثل لأن في يوم القيامة لا يكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل يعني: ~~أن هول ms1830 يوم القيامة بحال لو كان عند الرجل عشراء يعطلها واشتغل بنفسه ثم ~~قال { وإذا الوحوش حشرت } يعني جمعت { وإذا البحار ~~سجرت } يعني: ضجرت بعضها إلى بعض فصارت بحرا واحدا فملئت وكثر ~~ماؤها كقوله # والبحر المسجور # [الطور:6] يعني: الممتلىء ويقال سجرت أي أحميت بالكواكب إذا تساقطت ~~وفيها قال ابن عباس إذا كان يوم القيامة كور الله تعالى الشمس والقمر ~~والنجوم في البحر ثم بعث الله تعالى ريحا دبورا فتنفخها فتصير نارا ~~وهو قوله (وإذا البحار سجرت) أي أحميت. وقال قتادة: سجرت أي غار ماؤها، ~~وقال الزجاج وقد قيل إنه جعل مياهها نارا يعذب بها الكفار فهذه الأشياء ~~الست التي ذكرها قبل النفخة الأخيرة والتي ذكرها بعدها تكون بعد النفخة ~~الأخيرة وهو قوله { وإذا النفوس زوجت } قال الكلبي ومقاتل ~~يعني: نفوس المؤمنين قرنت بالحور العين ونفوس الكفار بالشياطين. وقال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه في قوله (وإذا النفوس زوجت) قال الفاجر مع الفاجر ~~والصالح مع الصالح وقال أبو العالية الرياحي قرنت الأجساد بالأرواح وقال ~~القتبي الزوج القرين كقوله # احشروا الذين ظلموا وأزوجهم # [الصافات:22] يعني قرناءهم ثم قال " وإذا النفوس زوجت " أي قرنت نفوس ~~الكفار بعضها ببعض والعرب تقول زوجت إبلي إذا قرنت بعضها ببعض ويقال وإذا ~~النفوس زوجت يعني الابرار مع الأبرار في زمرة والأشرار مع الأشرار في ~~زمرة ثم قال { وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت }. # وكان العرب إذا ولد لأحدهم ابنة دفنها حية وهي الموءودة فتسأل يوم ~~القيامة بأي ذنب قتلك أبوك وإنما يكون السؤال على وجه التوبيخ لقائلها ~~يوم القيامة لأن جوابها قتلت بغير ذنب وهو مثل قوله تعالى # يعيسى ابن مريم أءنت قلت للناس # [المائدة:116] وإنما سؤاله وجوابه تبكيت على من ادعى هذا عليه وقال ~~عكرمة الموءودة المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت فكانت أوان ~~ولادتها حفرت حفرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة وإن ولدت غلاما ~~حبسته وقرىء في الشاذ " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " يعني: ~~المقتولة سئلت لأبويها بأي ذنب قتلتماني ولا ms1831 ذنب لي قوله تعالى: { ~~وإذا الصحف نشرت } يعني؛ تطايرت الصحف وهي الكتب التي فيها ~~أعمال بني آدم، قرأ ابن كثير وأبو عمرو سجرت وسعرت مخففتين، ونشرت مشددة ~~وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم سجرت وسعرت مشددتين ونشرت مخففة وقرأ ~~حمزة والكسائي سجرت ونشرت مخففتين وسعرت مشددة فمن شددها فلتكثير ومن ~~خففها فعلى غير التكثير قوله تعالى: { وإذا السماء كشطت } ~~يعني: نزعت من أماكنها كما يكشف الغطاء عن الشيء يعني: كشفت عما فيها ثم ~~قال عز وجل { وإذا الجحيم سعرت } يعني: للكافرين { وإذا ~~الجنة أزلفت } يعني: قربت للمتقين فجواب هذه الأشياء قوله ~~تعالى: { علمت نفس ما أحضرت } يعني؛ عند ذلك تعلم كل نفس ~~ما عملت من خير أو شر وهذا كقوله تعالى # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران:30] الآية. ### || [81.15-25] # قال عز وجل: { فلا أقسم بالخنس } يعني: الذي خنس بالنهار ~~وظهر بالليل، ويقال الخنس النجوم التي تخنس بالنهار وتظهر بالليل { ~~الجوار الكنس } الجوار التي تجري والكنس التي ترتفع وتغيب، وقال ~~أهل التفسير الخنس يعني خمسة من الكواكب فهران، وزحل، ومشتري، وعطارد، ~~وزهرة التي تخنس بالنهار وتظهر بالليل، الجواري لأنهن تجري بالليل في ~~السماء (الكنس) يعني: تستتر كما تكنس الظباء وقال أهل اللغة الخنس واحدها ~~خانس كراكع وركع وقال بعضهم الخنس أرادها هنا الوحوش والظباء وظباء ~~الوحوش والجواري الكنس التي تدخل الكنائس وهذا غصن من أغصان الشجر ويكون ~~معناه: أقسم برب هذه الأشياء وروى عكرمة عن ابن عباس: (الخنس) المعز ~~(والكنس) الظباء ألم ترى إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت ~~ببصرها؟ وروى الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال ~~(الجوار الكنس) هي بقر الوحش وقال علي بن أبي طالب: هي النجوم، وقال ~~القتبي هي النجوم الخمسة الكبار لأنها تخنس أي ترجع في مجراها وتكنس أي ~~تستتر كما تكنس الظباء ثم قال عز وجل { واليل إذا عسعس } ~~يعني: إذا أدبر وقال الزجاج (عسعس) إذا أقبل (وعسعس) إذا أدبر والمعنيان ~~يرجع ms1832 إلى شيء واحد وهذا ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره وقال ~~مجاهد (إذا عسعس) أي إذا أظلم ثم قال عز وجل: { والصبح إذا ~~تنفس } يعني: إذا استضاء وارتفع، ويقال إذا امتد حتى يصير النهار ~~بينا، فأقسم بهذه الأشياء، ويقال يخالف هذه الأشياء { إنه } يعني: ~~القرآن { لقول رسول كريم } على ربه يقرأ على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو جبريل عليه السلام ثم أثنى على جبريل وبين فضله فقال { ~~ذى قوة } يعني: ذا شدة ويقال أعطاه الله تعالى القوة ومن قوته أنه ~~قلع مدائن قوم لوط بجناحه ثم قال عز وجل: { عند ذى العرش مكين ~~} يعني: عند رب العرش له منزلة { مطع } يعني: يطيعه أهل السماوات { ~~ثم أمين } فيما استودعه الله من الرسالات ويقال (مطاع) يعني: طاعته ~~على أهل السماوات واجبة كطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - على أهل الأرض ~~(أمين) على الرسالة والوحي، ويقال (أمين) في السماء كما أن محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - أمين في الأرض ثم قال عز وجل: { وما صحبكم } ~~الذي يدعوكم إلى التوحيد لله تعالى { بمجنون ولقد رءاه } ~~يعني: رأى محمد - صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام { بالأفق ~~المبين } عند مطلع الشمس ثم قال { وما هو على الغيب ~~بضنين } أي ليس فيما يوحى إليه من القرآن ببخيل وقرأ ابن مسعود رضي ~~الله عنه بظنين بظاء وهكذا قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي (بظنين) ~~يعني: بمتهم أنه يزيد فيه أو ينقص والباقون بالضاد يعني: البخيل ثم قال ~~{ وما هو بقول شيطن رجيم } يعني: القرآن ليس بمنزلة ~~قول الكهان. ### || [81.26-29] # قوله عز وجل: { فأين تذهبون } يعني: تذهبون عن طاعتي وكتابي ~~ويقال (أنى تذهبون) يعني: تعدلون عن أمري وقال الزجاج معناه فبأي طريق ~~تسلكون ابين من هذه الطريقة التي بينت لكم { إن هو إلا ذكر ~~للعلمين } يعني: ما هذا القرآن إلا عظة للجن والإنس. قوله ~~تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم } يعني: لمن شاء أن يستقيم ~~على التوحيد فليستقم { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب ~~العلمين ms1833 } فأعلمهم أن المشيئة والتوفيق والخذلان إليه وأن الأمور ~~كلها بمشيئة الله تبارك وتعالى وإرادته والله الموفق وصلى الله على سيدنا ~~محمد. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # قوله تعالى: { إذا السماء انفطرت } يعني: انفجرت لهيبة الرب ~~تبارك وتعالى ويقال انفجرت لنزول الملائكة لقوله تعالى: # ويوم تشقق السمآء بالغمم ونزل الملئكة ~~تنزيلا # [الفرقان: 25] { وإذا الكواكب انتثرت } يعني: تساقطت { ~~وإذا البحار فجرت } يعني: فتحت بعضها في بعض وصارت بحرا ~~واحدا { وإذا القبور بعثرت } يعني: بعثرت وأخرج ما فيها، ~~ويقال بعثرت المتاع وبعثرته إذا جعلت أسفله أعلاه ثم قال عز وجل: { ~~علمت نفس ما قدمت وأخرت } يعني: ما عملت من خير وشر ~~يعني ما عملت من سنة صالحة أو سيئة، وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " أيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله أجر من اتبعه إلا أنه لا ينقص من ~~أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى الضلالة فاتبع فله أجر من اتبعه إلا أنه ~~لا ينقص من أوزارهم شيئا " # ويقال ما قدمت أي ما عملت وما أخرت يعني: أضاعت العمل فلم تعمل. ### || [82.6-12] # قال عز وجل: { يأيها الإنسان } يعني: يا أيها الكافر { ما ~~غرك بربك الكريم } يعني: لم يعجل بالعقوبة، وقال مقاتل نزلت ~~في كلدة بن أسيد حيث ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوسه فلم يعاقبه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - (فبلغ ذلك حمزة فأسلم حمية لذلك ثم أراد أن ~~يعود كلدة لضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية فأسلم حمزة يومئذ). # ويقال نزلت في جميع الكفار ما غرك يعني: ما خدعك حين كفرت بربك الكريم ~~المتجاوز لمن تاب { الذى خلقك } من النطفة { فسواك } يعني: ~~فسوى خلقك { فعدلك } يعني: خلقك معتدل القامة { في أى صورة ~~ما شآء ركبك } يعني: شبهك بأي صورة شاء إن شاء بالوالد وإن شاء ~~بالوالدة قرأ عاصم والكسائي وحمزة فعدلك بالتخفيف والباقون بالتشديد فمن ~~قرأ بالتخفيف جعل في المعنى إلى فكأنه قال فعدلك إلى أي صورة ms1834 شاء أن ~~يركبك يعني صرفك إلى ما شاء من الصور من الحسن والقبح ومن قرأ بالتشديد ~~فمعناه قومك ويكون ما صلة وقد تم الكلام عند قوله فعدلك ثم ابتدأ فقال في ~~أي صورة شاء ركبك، ويقال في ما معنى الشرط والجزاء والمعنى أي صورة ما ~~شاء أن يركبك فيها ركبك ويكون شاء بمعنى يشاء ثم قال عز وجل: { كلا } ~~يعني: لا يؤمن هذا الإنسان بما ذكره من أمره وصورته { بل تكذبون ~~بالدين } يعني: تكذبون بأنكم مبعوثون يوم القيامة ثم أعلم الله تعالى ~~أن أعمالكم محفوظة عليهم فقال { وإن عليكم لحفظين } من ~~الملائكة يحفظون أعمالكم { كراما كتبين } يعني: كراما على الله ~~تعالى كاتبين يعني يكتبون أعمال بني آدم عليه السلام { يعلمون ما ~~تفعلون } من الخير والشر، وروى مجاهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال # " أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى الحالتين ~~الجنابة والغائط ". ### || [82.13-19] # قال تعالى: { إن الأبرار } يعني: المؤمنين المصدقين في أيمانهم { ~~لفى نعيم } يعني: في الجنة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله تعالى عنهم ومن كان مثل حالهم { ~~وإن الفجار } يعني: الكفار { لفى جحيم يصلونها ~~يوم الدين } يعني: يدخلون فيها يوم القيامة { وما هم عنها ~~بغائبين } يعني: لا يخرجون منها أبدا { وما أدراك ما يوم ~~الدين } تعظيما لذلك اليوم { ثم ما أدراك ما يوم الدين ~~} يعني: كيف تعلم حقيقة ذلك اليوم ولم تعاينه { يوم لا تملك ~~نفس لنفس شيئا } يعني: لا تنفع نفس مؤمنة لنفس كافرة شيئا ~~بالشفاعة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالضم والباقون بالنصب فمن قرأ ~~بالضم معناه يوم لا تملك ومن قرأ بالنصب فلنزع الخافض يعني في يوم ثم قال ~~{ والأمر يومئذ لله } يعني: الحكم والقضاء لله تعالى وهو ~~يوم القيامة. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-10] # قوله تعالى: { ويل للمطففين } يعني: الشدة من العذاب للذين ~~ينقصون المكيال والميزان وإنما سمي الذي يخون في المكيال والميزان مطففا ~~لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا ms1835 الشيء الخفيف الطفيف ثم بين ~~أمرهم فقال { الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ~~} يعني: استوفوا من الناس لأنفسهم وعلى بمعنى عن بمعنى إذا اكتالوا عن ~~الناس يستوفون يتمون الكيل والوزن { وإذا كالوهم } يعني: إذا ~~باعوا من غيرهم ينقصون الكيل { أو وزنوهم يخسرون } يعني: ~~ينقصون الكيل وقال بعضهم كالوهم حرفان يعني: كالوا ثم قال: هم وكذلك ~~وزنوا ثم قال هم يخسرون وذكر عن حمزة الزيات أنه قال هكذا ومعناه هم إذا ~~كالوا أو وزنوا ينقصون وكان الكسائي يجعلها حرفا واحدا كالوهم أي كالوا ~~لهم وكذلك وزنوا لهم وقال أبو عبيدة وهذه هي القراءة لأنهم كتبوها في ~~المصاحف بغير ألف ولو كان مقطوعا لكتبوا كالواهم بالألف ثم قال عز وجل: ~~{ ألا يظن } يعني: ألا يعلم المطفف وألا يستيقن بالبعث قوله تعالى: ~~{ أولئك أنهم مبعوثون } يعني: يبعثون بعد الموت { ~~ليوم عظيم } يعني: يوم القيامة هولها شديد { يوم يقوم ~~الناس لرب العلمين } يعني: في يوم يقوم الخلائق بين يدي ~~الله تعالى وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال # " يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم يعني خمسمائة عام وذلك المقام ~~على المؤمنين كتولي الشمس " # وروى نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " يقوم أحدكم ورشحه إلى أنصاف أذنيه " # وقال ابن مسعود إن الكافر ليلجم بعرقه حتى يقول أرحني ولو إلى النار ثم ~~قال: { كلا } يعني: لا يستيقنون البعث ثم استأنف، فقال { إن ~~كتب الفجار } ويقال: هذا موصول بكلا إن كتاب يعني حقا إن كتاب ~~الفجار { لفى سجين } يعني: أعمال الكفار لفي سجين قال مقاتل وقتادة ~~السجين الأرض السفلى، وقال الزجاج السجين فعيل من السجن والمعنى كتابهم ~~في حبس جعل ذلك دليلا على خساسة منزلتهم وقال مجاهد سجين صخرة تحت الأرض ~~السفلى فيجعل كتاب الفجار تحتها، وقال عكرمة " لفي سجين " أي لفي خسارة ~~وقال الكلبي: السجين الصخرة التي عليها الأرضون وهي مسجونة فيها أعمال ~~الكفار وأزواجهم فلا تفتح لهم أبواب السماء ثم قال: { وما أدراك ms1836 ~~ما سجين } ثم أخبر فقال { كتب مرقوم } يعني: مكتوبا ويقال ~~مكتوب مختوم { ويل يومئذ } يعني: شدة العذاب { للمكذبين } ~~يعني: شدة العذاب للمكذبين. ### || [83.11-21] # ثم بين فقال عز وجل { الذين يكذبون بيوم الدين } يعني: ~~يجحدون بالبعث { وما يكذب به } يعني: بيوم القيامة { إلا ~~كل معتد أثيم } يعني: كل معتد بالظلم آثم عاص لربه ويقال كل ~~مقيد للخلق أثيم يعني فاجر وهو الوليد بن المغيرة وأصحابه ومن كان في مثل ~~حالهم ثم قال: { إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير ~~الأولين } يعني: أحاديث الأولين وكذبهم ثم قال { كلا } يعني: لا ~~يؤمن { بل ران على قلوبهم } يعني: ختم، ويقال غطى على قلوبهم ~~{ ما كانوا يكسبون } يعني: ما عملوا من أعمالهم الخبيثة، وروى ~~أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " إذا أذنب العبد ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه فإذا تاب صقل قلبه وإن ~~زاد زادت وذلك قوله { كلا بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون } " # ، وقال قتادة الذنب على الذنب حتى مات القلب (أسود) ويقال غلف على ~~قلوبهم ويقال غطا على قلوبهم وقال أهل اللغة الرين هو الصدأ والصدأ هو ~~اسم البعد كما قال ويصدهم عن سبيل الله يغشى على القلب ثم قال: { كلا ~~إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } يعني: لا يرونه ~~يوم القيامة ويقال عن رحمته لممنوعون { ثم إنهم لصالوا ~~الجحيم } يعني: دخلوا النار { ثم يقال } يعني: يقول لهم الخزنة ~~{ هذا الذى كنتم به تكذبون } يعني: تجحدون، وقلتم إنه ~~غير كائن ثم قال عز وجل: { كلا إن كتب الأبرار لفى ~~عليين } يعني: حقا إن كتاب المصدقين لفي عليين وهو فوق السماء ~~السابعة، فرفع كتابهم على قدر مرتبتهم ثم قال عز وجل: { وما أدراك ~~ما عليون } ثم وصفه فقال { كتب مرقوم } يعني: مكتوبا ~~مختوما في عليين { يشهده المقربون } يعني: يشهد على ذلك ~~الكتاب سبعة أملاك من مقربي أهل كل سماء وقال بعضهم الكتاب أراد به الروح ~~والأعمال يعني: يرفع روحه وأعماله إلى عليين. ### || [83.22-36] # قال عز وجل: { إن ms1837 الأبرار لفى نعيم على الأرائك ~~ينظرون } يعني: المؤمنين الصالحين لفي نعيم في الجنة على الأرائك ~~ينظرون يعني على سرر في الحجال ينظرون إلى أهل النار، ويقال ينظرون إلى ~~عدوهم حين يعذبون { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } ~~يعني: أثر النعمة وسرورهم في وجوههم ظاهر { يسقون من رحيق } ~~يعني: يسقون خمرا بيضاء، وقال الزجاج الرحيق الشراب الذي لا غش فيه، قال ~~القتبي الرحيق الخمر العتيقة، ثم قال { مختوم ختمه مسك } ~~يعني: إذا شرب منه رجل وجد عند فراغه من الشراب ريح المسك قرأ الكسائي ~~مسك، وروي عن الضحاك أنه قرأ مثله والباقون ختامه مسك ومعناهما واحد، ~~والخاتم اسم والختام مصدر يعني يجد شاربه ريح المسك حين ينزع الإناء من ~~فيه ثم قال عز وجل: { وفى ذلك فليتنافس المتنفسون } ~~يعني: بمثل هذا الثواب فليتبادر المتبادرون، ويقال فليتحاسد المتحاسدون ~~ويقال فليواظب المواظبون وليجتهد المجتهدون وهذا كما قال لمثل هذا فليعمل ~~العاملون ثم قال { ومزاجه من تسنيم } يعني: مزاج الخمر من ماء ~~اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب في الجنة وإنما سمي تسنيما لأنه يتسنم ~~عليهم فينصب عليهم انصبابا، وقال عكرمة ألم تسمع إلى قول الرجل يقول إني ~~لفي السنام من قومه فهو في السنام من الشراب، وقال القتبي أصله من سنام ~~البعير يعني المرتفع ثم وصفه فقال عز وجل: { عينا يشرب بها ~~المقربون } يعني: التسنيم عينا يشرب بها المقربون صرفا ويمزج ~~لأصحاب اليمين ثم قال عز وجل: { إن الذين أجرموا } يعني: ~~أشركوا { كانوا من الذين ءامنوا يضحكون } يعني: من ~~ضعفاء المؤمنين يضحكون ويسخرون ويستهزؤون بهم { وإذا مروا بهم ~~يتغامزون } يعني: يطعنون ويغتابون وذلك أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه مر بنفر من المنافقين ومعه نفر من المسلمين فسخر منهم ~~المنافقون، ويقال حكاية عن كفار مكة أنهم كانوا يضحكون من ضعفاء المسلمين ~~وإذا مروا بهم وهم جلوس يتغامزون يعني يتطاعنون بينهم ويقولون هؤلاء ~~الكسالى { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ~~} يعني: رجعوا معجبين بما هم فيه { وإذا رأوهم } يعني: رأوا ~~المؤمنين { قالوا إن ms1838 هؤلاء لضالون } يعني: تركوا طريقهم { ~~وما أرسلوا عليهم حفظين } يعني: يعني ما أرسل هؤلاء ~~حافظين على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحفظوا عليهم أعمالهم، ~~قال مقاتل: هذا كله في المنافقين يعني ما وكل المنافقون بالمؤمنين يحفظون ~~عليهم أعمالهم، قرأ عاصم [في رواية حفص] انقلبوا فكهين بغير ألف وفي ~~رواية حفص والباقون بالألف ومعناهما واحد وقال بعضهم فاكهين ناعمين فكهين ~~فرحين. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-5] # قوله تعالى: { إذا السماء انشقت } يعني: انفرجت لهيبة الرب عز ~~وجل، ويقال انشقت لنزول الملائكة وما شاء من أمره { وأذنت لربها ~~وحقت } يعني: أطاعت السماء لربها بالسمع والطاعة وحقت يعني: وحق لها ~~أن تطيع لربها الذي خلقها { وإذا الأرض مدت } أي بسطت ومدت ~~الأديم ليس فيها جبل ولا شجر حتى يتسع فيها جميع الخلائق، وروى علي بن ~~الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إذا كان يوم القيامة مد الله تعالى الأرض مد الأديم حتى لا يكون لبشر ~~من الناس إلا موضع قدميه لكثرة الخلائق فيها " # { وألقت ما فيها وتخلت } يعني: ألقت الأرض ما فيها من ~~الكنوز والأموات وتخلت عنها { وأذنت لربها } يعني: أجابت الأرض ~~لربها بالطاعة وأدت إليه ما مستودعها من الكنوز والموتى { وحقت } ~~يعني: وحق للأرض أن تطيع ربها الذي خلقها. ### || [84.6-13] # قال عز وجل: { يأيها الإنسن إنك كادح } قال مقاتل يعني: ~~الأسود بن عبد الأسد ويقال: أبي بن خلف، ويقال: في جميع الكفار يعني: ~~أيها الكافر إنك كادح يعني: ساع بعملك { إلى ربك كدحا } يعني: ~~سعيا، ويقال معناه إنك عامل لربك عملا { فملقيه } في عملك ما ~~كان من خير أو شر فالأول قول مقاتل، والثاني قول الكلبي وقال الزجاج ~~الكدح في اللغة السعي في العمل وجاء في التفسير إنك عامل عملا فملاقيه ~~أي ملاق ربك. قيل فملاقي عملك ثم قال عز وجل: { فأما من أوتى ~~كتبه بيمينه } يعني: المؤمن { فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا } يعني: حسابا هينا { وينقلب } أي: يرجع { إلى ~~أهله مسرورا } الذي أعد الله له في الجنة سرورا به، ms1839 وروى ابن ~~أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: # " من نوقش في الحساب يوم القيامة عذب " # فقلت أليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا يعني: هينا قال ~~ليس ذلك في الحساب إنما ذلك العرض ولكن من نوقش للحساب يوم القيامة عذب، ~~ويقال حسابا يسيرا لأنه غفرت ذنوبه ولا يحاسب بها ويرجع من الجنة ~~مستبشرا { وأما من أوتى كتبه وراء ظهره } يعني: ~~الكافر يخرج يده اليسرى من وراء ظهره يعطى كتابه بها { فسوف يدعو ~~ثبورا } يعني: بالويل والثبور على نفسه { ويصلى سعيرا } يعني: ~~يدخل في الآخرة نارا وقودا قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ويصلى سعيرا بنصب ~~الياء وجزم الصاد مع التخفيف والباقون، ويصلى بضم الياء ونصب الصاد مع ~~التشديد فمن قرأ يصلى بالتخفيف فمعناه أنه يقاسي حر السعير وعذابه، يقال ~~صليت النار إذا قاسيت عذابها وحرها ومن قرأ بالتشديد فمعناه أنه يكثر ~~عذابه في النار حتى يقاصي حرها { إنه كان فى أهله مسرورا ~~} يعني: في الدنيا مسرورا بما أعطي في الدنيا فلم يعمل للآخرة. ### || [84.14-19] # قوله عز وجل: { إنه ظن أن لن يحور } قال مقاتل ظن أن لن ~~يرجع إلى الله تعالى في الآخرة وهي لغة الحبشة، وقال قتادة يعني ظن أن لن ~~يبعثه الله تعالى. وقال عكرمة ألم تسمع إلى قول الحبشي إذا قيل له حر ~~يعني أرجع إلى أهلك. ثم قال { بلى } يعني: ليرجعن إلى ربه في الآخرة ~~{ إن ربه كان به بصيرا } يعني كان عالما به من يوم خلقه ~~إلى يوم بعثه قوله تعالى: { فلا أقسم بالشفق } يعني: أقسم ~~بالشفق والشفق الحمرة والبياض الذي بعد غروب الشمس وهذا التفسير يوافق ~~قول أبي حنيفة رحمه الله، وروي عن مجاهد أنه قال: الشفق هو ضوء النهار، ~~وروي عنه أنه قال الشفق النهار كله، وروي عن ابن عمر أنه قال: الشفق ~~الحمرة وهذا يوافق قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ثم قال { واليل ~~وما وسق } يعني: ساق وجمع وضم، وقال القتبي أي ms1840 حمل وجمع منه الوسق ~~وهو الحمل، وقال الزجاج أي ضم وجمع، وقال مقاتل: " والليل وما وسق " ~~يعني: ما يساق معه من الظلمة والكواكب. وقال الكلبي يعني: ما دخل فيه { ~~والقمر إذا اتسق } يعني: إذا استوى وتم إلى ثلاثة عشرة ليلة ~~ويقال إذا اتسق يعني: تم وتكامل { لتركبن طبقا عن طبق } قرأ ~~ابن كثير وحمزة والكسائي لتركبن بنصب التاء والباقون بالضم فمن قرأ ~~بالنصب فمعناه لتركبن يا محمد من سماء إلى سماء، ومن قرأ بالضم فالخطاب ~~لأمته أجمعين يعني لتركبن حالا بعد حال حتى يصيروا إلى الله تعالى من ~~إحياء وإماتة وبعث، ويقال: يعني مرة نطفة ومرة علقة، ويقال: حالا بعد ~~حال، مرة تعرفون ومرة لا تعرفون يعني يوم القيامة، ويقال يعني السماء ~~لتحولن حالا بعد حال، مرة تتشقق بالغمام ومرة تكون كالدهان. قرأ بعضهم ~~ليركبن بالياء يعني: ليركبن هذا المكذب طبقا عن طبق يعني: حالا بعد حال ~~يعني: الموت ثم الحياة. ### || [84.20-25] # قال عز وجل: { فما لهم لا يؤمنون } يعني: كفار مكة لا يصدقون ~~بالقرآن { وإذا قرىء عليهم القرءان لا يسجدون } ~~يعني: لا يخضعون لله تعالى ولا يوحدونه، ويقال ولا يستسلمون لربهم ولا ~~يسلمون ولا يطيعون ويقال لا يصلون لله تعالى قوله تعالى: { بل ~~الذين كفروا يكذبون } يعني: يجحدون بالقرآن والبعث أنه لا ~~يكون، وقال مقاتل نزلت في بني عمرو بن عمير وكانوا أربعة فأسلم اثنان ~~منهم، ويقال: هذا في جميع الكفار ثم قال عز وجل: { والله أعلم ~~بما يوعون } يعني: يكتمون في صدورهم من الكذب والجحود، ويقال مما ~~يجمعون في قلوبهم من الخيانة ويقال معناه والله أعلم بما يقولون ويخفون { ~~فبشرهم بعذاب أليم } يعني: شديدا دائما، وقال مقاتل ثم ~~استثنى الاثنين اللذين أسلما فقال { إلا الذين ءامنوا } يقال ~~هذا الاستثناء لجميع المؤمنين يعني: الذين صدقوا بتوحيد الله تعالى { ~~وعملوا الصلحات } يعني: أدوا الفرائض والسنن { لهم أجر ~~غير ممنون } يعني غير منقوص ويقال غير مقطوع، ويقال لهم أجر لا ~~يمن عليهم ومعنى قوله (فبشرهم بعذاب أليم) يعني اجعل مكان البشارة ms1841 ~~للمؤمنين بالرحمة والجنة للكفار بالعذاب الأليم على وجه التعبير لأن ذلك ~~لا يكون بشارة في الحقيقة. والله الموفق بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا ~~محمد وآله وسلم. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-5] # قوله تعالى: { والسماء ذات البروج } يعني: ذات النجوم ~~والكواكب ويقال ذات القصور وقال عطية العوفي كان القصور في السماء على ~~أبوابه قال قتادة البروج النجوم وكذلك قال مجاهد أقسم الله تعالى بالسماء ~~ذات البروج وجواب القسم قوله تعالى # إن بطش ربك لشديد # [البروج:12] ثم قال: { واليوم الموعود } يعني: يوم القيامة، ~~قال مقاتل اليوم الموعود الذي وعدهم أن يصيرهم إليه وقال الكلبي وعد أهل ~~السماء وأهل الأرض أن يصيروا إلى ذلك اليوم { وشهد ومشهود } ~~ذكر مقاتل عن علي رضي الله عنه قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم ~~النحر يوم الحج الأكبر وروي عن ابن عباس أنه قال الشاهد محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - كقوله تعالى: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء:41] والمشهود يوم القيامة كقوله تعالى # وذلك يوم مشهود # [هود:103] وروى جويبر عن الضحاك مثله وروى أبو صالح عن ابن عباس قال # " الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة " # وروى سعيد بن المسيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال # " سيد الأيام يوم الجمعة وهو شاهد ومشهود يوم عرفة " # وروى جابر بن عبد الله قال # " الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة " # وروى مجاهد عن ابن عباس قال الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة وقال ~~عكرمة مثله وقال بعضهم الشاهد آدم والمشهود ذريته ثم قال عز وجل: { ~~قتل أصحب الأخدود } يعني: لعن أصحاب الأخدود { النار ~~ذات الوقود } يعني: يصيرون إلى النار ذات الوقود في الآخرة وقال ~~الكلبي النار ارتفعت فوقهم أربعين ذراعا فوقعت عليهم وأحرقتهم وقتلتهم ~~وذلك قوله قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود قال حدثنا أبو جعفر حدثنا ~~علي بن أحمد قال حدثنا محمد بن الفضل حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ~~ابن سلمة ثنا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال ذكر رسول الله - صلى ~~الله عليه ms1842 وسلم - أصحاب الأخدود فقال كان ملكا من الملوك كان له ساحر ~~فكبر الساحر فقال للملك إني قد كبرت فلو نظرت غلاما في أهلك فطنا كيسا ~~فعلمته على هذا فنظر إلى غلام من أهله كيس فطن فأمره أن يأتيه ويلزمه ~~وكان بين منزل الغلام ومنزل الساحر راهب فقال الغلام لو دخلت على هذا ~~الراهب وسمعت من كلامه فدخل عليه فأعجبه قوله وكان أهله إذا بعثوه إلى ~~الساحر دخل الغلام على الراهب واحتبس عنده فإذا أتى الساحر ضربه وقال ما ~~حبسك فإذا رجع من عند الساحر إلى أهله دخل على الراهب فاحتبس عنده. فإذا ~~أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك فشكى ذلك إلى الراهب فقال له الراهب إذا ~~قالوا لك ما حبسك فقل حبسني الساحر وإذا قال لك الساحر ما حبسك فقل حبسني ~~أهلي فبينما هو ذات يوم يريد الساحر إذا هو بدابة هائلة يعني كبيرة قد ~~قطعت الطريق على الناس فقال اليوم يتبين لي أمر الراهب فأخذ حجرا ودنا ~~من الدابة فقال اللهم إن كان أمر الراهب حقا فاقتل هذه الدابة ورماها ~~بالحجر فأصاب مقتلها فقتلها فقال الناس إن هذا الغلام قتل هذه الدابة ~~واشتهر أمره فأتى الراهب فأخبره فقال يا بني أنت خير مني فلعلك أن تبتلى ~~لا تدلن علي فبلغ أمر الغلام أنه كان يبرىء الأكمه والأبرص ويداوي من ~~الأرض فعمي جليس الملك فذكر له الغلام فأتاه فقال يا بني قد بلغ من سحرك ~~أنك تبرىء الأكمه والأبرص فقال الغلام ما أنا بساحر ولا أشفي أحدا ولا ~~يشفي إلا ربي فقال له الرجل " هذا الملك ربك قال لا ولكن ربي ورب الملك ~~الله تعالى فإن آمنت بالله تعالى به دعوت الله تعالى فشفاك فأسلم فدعا ~~الله تعالى فبرىء فأتى الملك فقال له الملك أليس يا فلان قد ذهب بصرك ~~فقال بلى ولكن رده علي ربي فقال أنا قال لا ولكن ربي وربك الله قال أولك ~~رب غيري قال نعم وربك وربي الله تعالى. # فلم يزل به حتى أخبره بأمر ms1843 الغلام فأرسل إلى الغلام فجاءه فقال يا بني ~~قد بلغ من سحرك أنك تشفي من كذا وكذا فقال ما أنا بساحر ولا أشفي أحدا ~~وما يشفي إلا ربي فقال أنا قال لا ولكن ربي وربك الله تعالى فلم يزل به ~~حتى دل على الراهب فدعي الراهب فأتى به فأراد أن يرجع من دينه فأبى وأمر ~~بمنشار فوضع في مفرق رأسه فشق به حتى سقط شقاه ثم دعا بجليسه وأراد أن ~~يرجع عن دينه فأبى فأمر بمنشار فشق حتى سقط شقاه فأمر الغلام أن يفعل ذلك ~~بمكانه فقال احملوه في سفينة فانطلقوا به حتى إذا لججتم به فغرقوه ~~فانطلقوا به حتى لجوا به فلما أرادوا به ذلك فقال اللهم اكفينهم بما شئت ~~فانكبت بهم السفينة فغرقوا فجاء الغلام حتى قام بين يدي الملك فأخبره ~~بالذي كان فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فإذا كنتم في ذروة الجبل ~~دهدهه عنه فانطلقوا به حتى إذا كانوا بذلك المكان فقال اللهم اكفينهم بما ~~شئت فتدهدهوا عن الجبل يمينا وشمالا فجاء حتى قام بين يدي الملك فأخبره ~~بالذي كان وقال إن تجمع الملك إنك لا تقدر على قتلي حتى تفعل بي ما آمرك ~~به فقال وما هو قال تجمع أهل مملكتك في صعيد واحد ثم تصلبني وتأخذ سهما ~~من كتابي فترميني به وتقول بسم الله رب هذا الغلام فأصاب صدغه فوضع يده ~~على صدغه فمات فقال الناس آمنا برب هذا الغلام فقيل للملك وقعت فيما كنت ~~تجاوز وقد أسلم الناس فقال خذوا يا قوم الطريق وخذوا فيها أخدودا وألقوا ~~فيها النار (فمن رجع) عن دينه وإلا فألقوه فيها ففعلوا فجعل الناس يجيئون ~~ويلقون أنفسهم في الأخدود حتى كان آخرهم امرأة ومعها صبي لها رضيع تحمله ~~فلما دنت من النار وجدت حرها فولت فقال لها الصبي يا أماه امضي فإنك على ~~الحق فرجعت وألقت نفسها في النار فذلك قوله عز وجل قتل أصحاب الأخدود ~~النار ذات الوقود وروي في خبر آخر أن الملك كان على ms1844 دين اليهودية يقال له ~~ذو نواس واسمه زرعة ملك حمير وما حولها فكان هناك قوم دخلوا في دين عيسى ~~عليه السلام فحفر لهم أخدودا فأوقد فيها النار وألقاهم في الأخدود ~~فحرقهم وحرق كتبهم ويقال كان الذين على دين عيسى عليه السلام بأرض نجران ~~فسار إليهم من أرض حمير حتى أحرقهم وأحرق كتبهم فأقبل منهم رجل فوجد ~~مصحفا فيها وإنجيلا محترقا بعضه فخرج به حتى أتى به ملك الحبشة فقال ~~له إن أهل دينك قد أوقدت لهم النار فحرقوا بها وحرق كتبهم فأراه الذي جاء ~~به ففزع الملك لذلك وبعث إلى صاحب الروم وكتب إليه يستمده بنجارين يعملون ~~له السفن فبعث إليه صاحب الروم من يعمل له السفن فحمل فيها الناس فخرج به ~~فخرجوا ما بين ساحل عدن إلى ساحل جازان وخرج إليهم أهل اليمن فلقوهم ~~بتهامة واقتتلوا فلم ير ملك حمير له بهم طاقة وتخوف أن يأخذوه فضرب فرسه ~~حتى وقع في البحر فمات فيه فاستولى أهل الحبشة على ملك حمير وما حوله ~~وبقى الملك لهم إلى وقت الإسلام، وروي في الخبر أن الغلام الذي قتله ~~الملك دفن فوجد ذلك الغلام في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه واضعا ~~يده على صدغه كما كان وضعها حين قتل وكلما أخذ يده سال منه الدم وإذا ~~أرسل يده انقطع الدم فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليهم أن ذلك ~~الغلام صاحب الأخدود فاتركوه على حاله حتى يبعثه الله تعالى يوم القيامة ~~على حاله وذلك قوله تعالى (قتل أصحاب الأخدود) يعني: لعن أصحاب الأخدود ~~وهم الذين خدوا أخدود النار ذات الوقود يعني الأخدود ذات النار الوقود ~~ويقال قتل أصحاب الأخدود يعني: أهل الحبشة قتلوا أصحاب الأخدود أصحاب ~~النار ذات الوقود. ### || [85.6-11] # قوله عز وجل { إذ هم عليها } يعني: القوم عند النار حضور قال ~~سفيان إذ هم عليها على السرر { قعود } عند النار { وهم على ما ~~يفعلون بالمؤمنين شهود } يعني أن خدامهم وأعوانهم يفعلون ~~بالمؤمنين ذلك وهم هناك شهود يعني حضورا، ويقال ms1845 يفعلون بالمؤمنين ذلك ~~وهم شهود يعني: يشهدون بأن المؤمنين في ضلال تركوا عبادة آلهتهم ويقال ~~على ما يفعلون بالمؤمنين شهود يشهدون على أنفسهم يوم القيامة { وما ~~نقموا منهم } يعني: وما طعنوا فيهم { إلا أن يؤمنوا ~~بالله } يعني: سوى أنهم صدقوا بتوحيد الله تعالى { العزيز } في ~~ملكه { الحميد } في فعاله، ويقال وما نقموا منهم يعني وما أنكروا ~~عليهم إلا أن يؤمنوا بالله يعني إلا إيمانهم بالله { الذى له ملك ~~السموات والأرض والله على كل شىء شهيد } ثم بين ~~ما أعد الله لأولئك الكفار فقال عز وجل: { إن الذين فتنوا } ~~يعني: عذبوا وأحرقوا { المؤمنين والمؤمنت } يعني في ~~الدنيا { ثم لم يتوبوا } يعني: لم يرجعوا عن دينهم ولم يتوبوا ~~إلى الله تعالى { فلهم عذاب جهنم } في الآخرة { ولهم ~~عذاب الحريق } يعني: العذاب الشديد وقال الزجاج المعنى والله أعلم ~~لهم عذاب بكفرهم ولهم عذاب بما حرقوا المؤمنين قوله تعالى: { إن ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت ~~تجرى من تحتها الأنهر ذلك الفوز الكبير } ~~جزاءا لهم. ### || [85.12-22] # { إن بطش ربك لشديد } يعني: عذاب ربك لشديد وهذا قول مقاتل ~~وقال الكلبي إن أخذ ربك لشديد ومعناهما واحد، ويقال العقوبة الشديدة وهذا ~~موضع هذا القسم ثم قال: { إنه هو يبدىء ويعيد } يعني: يبدأ ~~الخلق في الدنيا ويعيد في الآخرة من التراب يعني: يبعثهم بعد الموت { ~~وهو الغفور الودود } يعني: الغفور لذنوب المؤمنين ويقال ~~الغفور للذنوب الودود يعني: المحب للتائبين، ويقال المحب لأوليائه ويقال ~~الودود يعني الكريم ثم قال { ذو العرش المجيد } يعني: رب السرير ~~الشريف، قرأ حمزة والكسائي بكسر الدال وقرأ الباقون بالضم فمن قرأ بالخفض ~~جعله نعتا للعرش ومن قرأ بالضم جعله صفة ذو يعني: (ذو العرش) وهو ~~(المجيد) الشريف والمجيد الكريم. { فعال لما يريد } يعني: يحيي ~~ويميت، ويعز ويذل ثم قال عز وجل: { هل أتاك حديث الجنود } ~~يعني: قد أتاك حديثهم ثم فسر الجنود فقال { فرعون وثمود } يعني: ~~قوم موسى وقوم صالح أهلكهم الله تعالى في الدنيا وهذا وعيد لكفار هذه ~~الأمة ليعتبروا بهم ويوحدوه ms1846 ثم قال تعالى: { بل الذين كفروا ~~فى تكذيب } يعني: إن الذين لا يعتبرون ويكذبون الرسل والقرآن { ~~والله من ورائهم محيط } يعني: اصبر يا محمد على تكذيبهم ~~فإن الله عالم بهم وقال الزجاج في قوله والله من ورائهم محيط يعني لا ~~يعجزه منهم أحد قدرته مشتملة عليهم { بل هو قرءان مجيد } ~~يعني: إنهم وإن كذبوا لا يعرفون حقه لا يقرون به وهو قرآن شريف أشرف من ~~كل كتاب أو يقال شريف لأنه كلام رب العزة { فى لوح محفوظ } ~~يعني: مكتوبا في اللوح الذي هو محفوظ عند الله من الشياطين وهو عن يمين ~~العرش من درة بيضاء ويقال من ياقوتة حمراء قرأ نافع محفوظ بالضم والباقون ~~بالكسر فمن قرأ بالضم جعله نعتا للقرآن، ومعناه قرآن مجيد محفوظ من ~~الشياطين في اللوح ومن قرأ بالكسر فهو نعت اللوح. وروى سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال إن الله تعالى جعل لوحا من درة بيضاء ~~دفتاه من ياقوتة حمراء ينظر الله تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة ~~ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء وروي عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه ~~قال حدثني فرقد في قوله تعالى: { بل هو قرءان مجيد فى لوح ~~محفوظ } قال هو صدر المؤمنين، وقال قتادة في اللوح المحفوظ عند الله ~~تعالى. والله الموفق بمنه وكرمه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-4] # قوله تعالى: { والسماء والطارق } قال سعيد بن جبير سألت ابن ~~عباس رضي الله عنهم عن قوله (والسماء والطارق) فقال { وما أدراك ~~ما الطارق النجم الثاقب } وسكت فقلت له مالك فقال والله ما ~~أعلم منها إلا ما أعلم ربي يعني تفسير الآية ما ذكر في هذه الآية وهو ~~قوله والنجم الثاقب يعني: هو الطارق وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~رواية أخرى والسماء والطارق قال الطارق الكواكب التي تطرق في الليل وتخفى ~~في النهار وما أدراك ما الطارق على وجه التعجب والتعظيم ثم بين ms1847 فقال ~~النجم الثاقب يعني هو النجم المضيء وقال مجاهد الثاقب الذي يتوهج وقال ~~الحسن البصري الثاقب هو النجم حين يرسل على الشياطين فيثقبه يعني فيحرقه ~~وقال قتادة النجم الثاقب يعني: يطرق بالليل ويخنس بالنهار فأقسم الله ~~تعالى بالسماء ونجومها ويقال بخالق السماء ونجومها { إن كل نفس ~~لما عليها حافظ } وهذا جواب القسم يعني ما من نفس إلا عليها ~~حافظ من الملائكة يحفظ قولها وفعلها. قرأ عاصم وحمزة وابن عامر أن كل نفس ~~لما عليها بتشديد الميم والباقون لما عليها بالتخفيف فمن قرأ بالتشديد ~~فمعناه ما من نفس إلا وعليها حافظ فيكون لما بمعنى إلا، ومن قرأ بالتخفيف ~~جعل ما مؤكدة ومعناه كل نفس عليها حافظ. ### || [86.5-10] # قال { فلينظر الإنسن مم خلق } يعني: فليعتبر الإنسان من ~~ماذا خلق قال بعضهم نزلت في شأن أبي طالب، ويقال نزلت في جميع من أنكر ~~البعث ثم بين أول خلقهم ليعتبروا فقال { خلق من ماء دافق } ~~يعني: من ماء مهراق في رحم الأم ويقال دافق بمعنى مدفوق كقوله # فهو فى عيشة راضية # [القارعة:7] أي مرضية ثم قال { يخرج من بين الصلب ~~والترائب } يعني: خلق من مائين من ماء الأب يخرج من بين الصلب ومن ~~ماء الأم يخرج من الترائب والترائب موضع القلادة كما قال امرؤ القيس: # مهفهفة بيضاء غير مغاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # ثم قال { إنه على رجعه لقادر } يعني: على بعثه وإعادته ~~بعد الموت لقادر، ويقال على رجعه إلى صلب الآباء وترائب الأمهات لقادر ~~والتفسير الأول أصح لأنه قال { يوم تبلى السرائر } يعني: ~~تظهر الضماير ويقال يختبر السرائر { فما له من قوة ولا ~~ناصر } يعني: ليس له قوة يدفع العذاب عن نفسه ولا مانع يمنع العذاب ~~عنه. ### || [86.11-17] # وقوله: { والسماء ذات الرجع } فهو قسم أقسم الله تعالى بخالق ~~السماء ذات الرجع يعني يرجع السحاب بالمطر بعد المطر والسحابة بعد ~~السحابة { والأرض ذات الصدع } يعني: يتصدع فيخرج ما بالنبات ~~والثمار فيجعلها قوتا لبني آدم عليه السلام ويقال ذات الصدع يعني: ذات ~~الأودية وهو قول مجاهد ms1848 وقال قتادة يعني ذات النبات { إنه لقول ~~فصل } يعني: القرآن قول حق وجد { وما هو بالهزل } يعني: ~~باللعب ويقال لم ينزل بالباطل قوله تعالى: { إنهم يكيدون ~~كيدا } يعني: يمكرون مكرا وهم أهل مكة في دار الندوة ويقال يكيدون ~~كيدا يعني يصنعون أمرا وهو الشرك والمعصية { وأكيد كيدا } يعني: ~~أصنع لهم أمرا، وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة قوله تعالى: { ~~فمهل الكفرين } يعني: أجل الكافرين ويقال خل عنهم { ~~أمهلهم رويدا } يعني: أجلهم قليلا أي إلى وقت الموت ويقال ~~إنهم يكيدون كيدا بمعنى: الخراصون الذين يحبسون في كل طريق يعني: يصدون ~~الناس عن دينه يعني يحبسون الناس في كل طريق يصدون الناس عن دينه وروى ~~عبد الرزاق عن أبي وائل عن همام مولى عثمان قال لما كتبوا المصحف شكوا في ~~ثلاث آيات فكتبوها في كتف شاة وأرسلوها إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت ~~فدخلت عليهما فناولتهما أبيا فقرأها فكان فيها لا تبديل لخلق الله وكان ~~فيها لم يتسن فكتب لم يتسنه وكان فيها فأمهل الكافرين فمحى الألف وكتب ~~فمهل الكافرين ونظر فيها زيد بن ثابت فانطلقت بها اليهم فناولتها زيد بن ~~ثابت إليهم فأثبتوها في المصحف أمهلهم رويدا يعني: أجلهم قليلا فإن أجل ~~الدنيا كلها قليل. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1-5] # قوله تعالى: { سبح اسم ربك الأعلى } قال الكلبي: يعني صل ~~بأمر ربك، ويقال سبح هو من التنزيه والبراءة يعني نزه ربك، والاسم ~~صلة، ويقال: (سبح اسم ربك الأعلى) يعني: قل سبحان ربي الأعلى كما روي في ~~الخبر أنه قيل: يا رسول الله ما نقول في ركوعنا فنزل " سبح اسم ربك ~~الأعلى " بمعنى العالي (كقوله أكبر بمعنى الكبير والعلو هو القهر والغلبة ~~يعني أمره نافذ على خلقه فلما نزل (فسبح باسم ربك العظيم) فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # " اجعلوها في ركوعكم " # فقالوا فما نقول في سجودنا؟ فنزل " سبح اسم ربك الأعلى " قال عليه ~~السلام: # " اجعلوها في سجودكم " # ويقال # " سبح اسم ربك " # يعني اذكر توحيد ربك الأعلى، ويقال كان بدء ms1849 قوله # " سبحان ربي الأعلى " # أي ميكائيل خطر على باله عظمة الرب جلا وعلا سلطانه فقال: يا رب أعطني ~~قوة حتى أنظر إلى عظمتك وسلطانك، فأعطاه قوة أهل السموات فطار خمسة آلاف ~~سنة فنظر فإذا الحجاب على حاله واحترق جناحه من نور العرش ثم سأل القوة ~~فأعطاه القوة ضعف ذلك فجعل يطير ويرتفع عشرة آلاف سنة حتى احترق جناحه ~~وصار في آخره كالفرخ ورأى الحجاب والعرش على حاله فخر ساجدا وقال # " سبحان ربي الأعلى " # يعني: تعالى من أن يكون محسوسا معقولا ثم سأل ربه أن يعيده إلى مكانه ~~إلى حاله الأولى ثم قال عز وجل: { الذى خلق فسوى } يعني: الذي ~~خلق كل ذي روح، وجميع خلقه، ويقال سبح الله تعالى الذي خلقك فسوى خلقك ~~يعني: اليدين والرجلين والعينين ولم يخلقك زمنا ولا مكفوفا، كما قال ~~وصوركم فأحسن صوركم قوله تعالى: { والذى قدر فهدى } يعني: ~~قدر لكل شيء شكله، يعني لكل ذكر وأنثى من شكله وهداه للأكل والشرب ~~والجماع، ويقال الذي قدر فهدى يعني فهداه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ~~ويقال الذي قدر فهدى سبح لله الذي خلقك وقدر آجالك وأرزاقك وأعمالك وهداك ~~إلى المعرفة والإسلام والأكل والشرب فصل بابن آدم وسبح لهذا المنعم ~~المكرم السيد الذي هو الأحد الصمد، # هو الأول والآخر والظهر والبطن وهو بكل ~~شىء عليم # [الحديد: 3] ثم قال عز وجل: { والذى أخرج المرعى } يعني: ~~أنبت الكلأ ويقال هو العشب والحشيش وألقت وما أشبه، قرأ الكسائي " والذي ~~قدر " بالتخفيف، والباقون بالتشديد ومعناها واحد يقال قدره الأمر وقدرته ~~قوله تعالى: { فجعله غثاء أحوى } يعني: جعل المرعى يابسا بعد ~~خضرته، وقال القتبي: غثاء يعني يابسا، أحوى يعني أسود من قدمه واحتراقه. ### || [87.6-13] # قال عز وجل: { سنقرئك فلا تنسى } يعني: سنعلمك القرآن وينزل ~~عليك فلا تنسى إلا ما شاء الله، يعني قد شاء الله أن لا تنسى القرآن فلم ~~ينس القرآن بعد نزول هذه الآية. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ ~~في قراءته قبل أن يفرغ جبريل عليه السلام مخافة أن ms1850 ينساه ويقال " سنقرئك ~~فلا تنسى " يعني: سنحفظ عليك حتى لا تنسى شيئا، ويقال إن جبريل عليه ~~السلام كان ينزل عليه في كل زمان ويقرأ عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويبين له ما نسخ فذلك قوله { إلا ما شاء الله } يعني: إلا ~~ما شاء الله أن يرفعه وينسخه ويذهب من قلبك ثم قال تعالى: { إنه ~~يعلم الجهر وما يخفى } يعني: يعلم العلانية والسر، ويقال ~~ما يجهر به الإمام في الفجر والمغرب والعشاء والجمعة وما يخفى يعني: في ~~الظهر والعصر والسنن، ويقال " يعلم " ما يظهر من أفعال العباد وأقوالهم " ~~وما يخفى " من أقوالهم وأفعالهم، ويقال " يعلم " ما عمل العباد " وما ~~يخفى " يعني ما لم يعملوه وهم عاملوه ثم قال عز وجل: { ونيسرك ~~لليسرى } يعني: سنهون عليك حفظ القرآن وتبليغ الرسالة، ويقال ~~يعني: نعينك على الطاعة، قوله تعالى: { فذكر } يعني: فعظ بالقرآن ~~الناس { إن نفعت الذكرى } يعني: إن نفعتهم العظة ومعناه ما ~~نفعت العظة بالقرآن إلا لمن يخشى ويقال إن نفعت الذكرى يعني إن قولك ~~ودعوتك تنفع لكل قلب عاقل ويقال (سنيسرك لليسرى) يعني: نهون عليك عمل أهل ~~الجنة ثم قال: { سيذكر من يخشى } يعني: يتعظ بالقرآن من يخشى ~~الله تعالى ويسلم ويقال معناه سيتعظ ويؤمن ويعمل صالحا من يخشى قلبه من ~~عذاب الله تعالى { ويتجنبها } يعني: يتباعد عنها يعني عن عظتك { ~~الأشقى } يعني: الشقي الذي وجب في علم الله تعالى أنه يدخل النار مثل ~~الوليد وأبي جهل ومن كان مثل حالهما { الذى يصلى النار ~~الكبرى } يعني: يدخل يوم القيامة النار الكبرى يعني: النار العظمى ~~لأن نار الدنيا هي النار الصغرى ونار الآخرة هي النار الكبرى، وروى يونس ~~عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # " إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وقد غمست في النار مرتين ~~ليدنى منها وينتفع بها ولولا ذلك ما دنوتم منها " # ويقال إنها تستجير أن ترد إلى جهنم يعني تتعوذ منها وقال بعض الحكماء: ~~علامة الشقاوة تسع أشياء كثرة الأكل، والشرب، ms1851 والنوم، والإصرار على ~~الذنب، والغيبة، وقساوة القلب، وكثرة الذنوب، ونسيان الموت، والوقوف بين ~~يدي الملك عز وجل، وهذا هو الشقي الذي يدخل النار الكبرى { ثم لا ~~يموت فيها ولا يحيى } يعني: لا يموت في النار حتى يستريح من ~~عذابها ولا يحيا حياة تنفعه، وقال القتبي معناه: هو العذاب بحال من يموت ~~ولا يموت. ### || [87.14-19] # قال عز وجل: { قد أفلح من تزكى } يعني فاز ونجا من هذا ~~العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد { ~~وذكر اسم ربه } يعني توحيد ربه { فصلى } مع الإمام الصلوات ~~الخمس، [ويقال (قد أفلح من تزكى) يعني أدى زكاة الفطر (وذكر اسم ربه ~~فصلى) مع الإمام صلاة العيد] ويقال (قد أفلح من تزكى) يعني أدى زكاة ~~المال، يعني نجا من خصومة الفقراء يوم القيامة (وذكر اسم ربه فصلى) يعني ~~كبر وصلى لله تعالى، ويقال (من تزكى) يعني تاب من الذنوب (وذكر اسم ربه) ~~يعني إذا سمع الآذان خرج إلى الصلاة ثم ذم تارك الجماعة لأجل الاشتغال ~~بالدنيا فقال { بل تؤثرون الحيوة الدنيا } يعني تختارون ~~عمل الدنيا على عمل الآخرة، قرأ أبو عمرو (بل يؤثرون) بالياء على معنى ~~الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم قال عز وجل { ~~والآخرة خير وأبقى } يعني عمل الآخرة خير وأبقى من اشتغال ~~الدنيا وزينتها، ويقال معناه يختارون عيش الدنيا الفانية على عيش الآخرة ~~الباقية وإن عيش الآخرة خير وأبقى لأن في عيش الدنيا عيوبا كثيرة خوف ~~المرض والموت والفقر والذل والهوان والزوال والحبس والمنع وما أشبه ذلك ~~وليس في عيش الآخرة شيء من هذه العيوب، لأجل هذا قيل خير من الدنيا قوله ~~تعالى: { إن هذا لفى الصحف الأولى } يعني الذي ذكر في ~~هذه السورة كان في الصحف الأولى يعني في الكتب الأولى ثم فسره فقال { ~~صحف إبرهيم وموسى } ويقال الذي ذكر في آخر السورة أربع آيات ~~لفي كتب الأولين وكل كتاب مكتوب يسمى الصحف يعني في قوله قد أفلح من تزكى ~~الخ الآية. ### | [88 - سورة الغاشية] ms1852 ### || [88.1-15] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث الغشية } هل استفهام واستفهم ~~الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن أتاه بعد فكأنه قال لا ~~يأتيك خبره ثم أخبره، ويقال معناه قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية اسم من ~~أسماء يوم القيامة، وإنما سميت غاشية لأنها تغشى الخلق كلهم كما يقال ~~يوما كان شره مستطيرا، ويقال الغاشية النار، وإنما سميت غاشية لأنها ~~تغشى وجوه الكفار كما قال # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم:5] أو كقوله # يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [العنكبوت:55]، ويقال الغاشية دخان النار يخرج من النار يوم القيامة عنق ~~من النار فيحيط بالكفار مثل السرادق ويجيء دخانها فيغشى الخلائق حتى لا ~~يرى بعضهم بعضا إلا من جعل الله تعالى له نورا بصالح عمله في الدنيا ~~كقوله # كالقصر كأنه جملة صفر # [المرسلات:33] وكقوله # وظل من يحموم # [الواقعة:43] ويقال تغشى الغاشية الصراط المنافقين كقوله # انظرونا نقتبس من نوركم # [الحديد:13] الآية ثم وصف ذلك اليوم وقال { وجوه يومئذ ~~خشعة } يعني من الوجوه وجوه يومئذ خائفة ذليلة في العذاب وهي وجوه ~~الكفار ثم قال { عاملة } يعني تجر على وجوهها في النار { ~~ناصبة } يعني من تعب وعذاب في النار ويقال (عاملة ناصبة) يعني تكلف ~~الصعود على عتبة ملساء من النار فيرتقيها في عناء ومشقة فإذا ارتقى إلى ~~ذروتها هبط منها إلى أسفلها. ويقال نزلت في رهبان النصارى عاملة في ~~الدنيا ناصبة في العبادة أشقياء في الدنيا والآخرة ويقال (عاملة) في ~~الدنيا بالمعاصي والذنوب (ناصبة) في الآخرة بالعذاب { تصلى نارا ~~حامية } يعني تدخل نارا حارة قد أوقدت ثلاثة آلاف سنة حتى اسودت ~~فهي سوداء مظلمة قوله تعالى: { تسقى من عين ءانية } أي من ~~عين حارة قد انتهى حرها { ليس لهم طعام } وهذا في بضع دركها ~~{ إلا من ضريع } قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر بضم التاء ~~(تصلى نارا) وقرأ الباقون بالنصب فمن قرأ بالضم لمعنى المفعول الذي لم ~~يسم فاعله ونصب نارا على أنه مفعول ثان، ومن قرأ بالنصب جعل الفعل الذي ~~يدخل ms1853 النار وهو كناية عن الوجوه ولهذا ذكره بلفظ التأنيث ثم قال ليس لهم ~~طعام إلا من ضريع والضريع نبات بين طريق مكة واليمن فإذا أكل الكفار منه ~~بقي في حلقهم (ليس لهم طعام إلا من ضريع) يعني غير الضريع { لا ~~يسمن } يعني لا يشبع الضريع { ولا يغنى من جوع } يعني ولا ~~ينفع (من جوع) وهذا الجزاء للذي يتعب نفسه للعمل في الدنيا والمعاصي وما ~~لا يحتاج إليه ثم وصف مكان الذي يعمل لله تعالى ويترك عمل المعصية ويؤدي ~~ما أمر الله تعالى ويترك ما نهي عنه فقال { وجوه يومئذ ~~ناعمة } يعني من الوجوه ما تكون ناعمة يعني في نعمة وكرامة وهي وجوه ~~المؤمنين والتائبين والصالحين، ويقال وجوه يومئذ ناعمة يعني مشرقة مضيئة ~~مثل القمر ليلة البدر { لسعيها راضية } يعني لثواب عملها راضية ~~ويقال لثواب سعيه الذي عمل في الدنيا من الخير يعني رأى ثوابه في الجنة ~~(راضية مرضية) رضي الله عنه بعمله في الدنيا ورضي العبد من الله تعالى في ~~الآخرة من الثواب { فى جنة عالية } يعني ذلك الثواب في جنة ~~عالية مرتفعة في الدرجات العلى، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال # " إن المتحابين لله تعالى في غرفة ينظر إليهم أهل الجنة كما ينظر أهل ~~الأرض إلى كواكب السماء " # ثم قال عز وجل { لا تسمع فيها لغية } يعني لا يكون في ~~الجنة لغو ولا باطل وليس فيها غل ولا غش، قرأ نافع لا تسمع بضم تاء ~~التأنيث لأن اللاغية مؤنثة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لا يسمع بضم الياء ~~على معنى فعل ما لم يسم فاعله وإنما ذكر بلفظ التذكير لأنه انصرف إلى ~~المعنى يعني إلى اللغو، وروي عن ابن كثير ونافع في إحدى الروايتين بنصب ~~التاء يعني لا تسمع في الجنة أيها الداخل كلمة لغو لأن أهل الجنة لا ~~يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى ثم قال { فيها عين جارية } ~~يعني في الجنة عين جارية ماؤها أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فمن ~~شرب منه ms1854 شربة لا يظمأ بعدها أبدا ويذهب من قلبه الغل والغش والحسد ~~والعداوة والبغضاء ثم قال { فيها سرر مرفوعة } يعني مرتفعة { ~~وأكواب موضوعة } يعني الكيزان التي لا عرى لها مدورة الرأس { ~~ونمارق مصفوفة } يعني فيها وسائد قد صف بعضها إلى بعض على ~~الطنافس. ### || [88.16-26] # { وزرابي مبثوثة } قال القتبي الزرابي الطنافس ويقال البسط ~~واحدها زربي ثم قال عز وجل (مبثوثة) أي كثيرة متفرقة أو مبسوطة والنمارق ~~الوسايد واحدها نمرقة والمؤمن جالس فوق هذا كله وعلى رأسه نور وضاء كأنهن ~~الياقوت والمرجان جزاء بما كانوا يعملون، فإن شك شاك فيها فتعجب وقال ~~كيف هذا وهو غائب عنا فقل انظر إلى صنعة الرب تبارك وتعالى في الدنيا وهو ~~قوله { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } يعني خلق ~~من قطرة ماء خلقا عظيما يحمل عليها وإنما خص ذكر الإبل لأن الإبل ~~كانت أقرب الأشياء إلى العرب ثم قال عز وجل { وإلى السماء } يعني ~~أفلا ينظرون إلى السماء { كيف رفعت } بلا عمد تحتها وحبست في ~~الهواء بقدرة الرب سبحانه وتعالى؟ ثم قال { وإلى الجبال } يعني ~~أفلا ينظرون إلى الجبال { كيف نصبت } على ظهر الأرض أوتادا لها ~~وليس جبل من الجبال إلا وله عرق من قاف وملك موكل بجبل فإذا أراد الله ~~تعالى بأهل أرض شيئا أوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بذلك الجبل فيحرك ~~تلك العروق فيتزلزل ثم قال { وإلى الأرض كيف سطحت } يعني ~~بسطت على ظهر الماء ثم قال: { فذكر إنما أنت مذكر } يعني ~~فذكر يا محمد - صلى الله عليه وسلم - وخوفهم بالعذاب في الآخرة، إنما أنت ~~مذكر يعني مخوفا بالقرآن { لست عليهم بمسيطر } يعني بمسلط ~~تجبرهم على الإسلام وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، وقال مقاتل في الآية تقديم ~~يعني فذكر { إلا من تولى } يعني أعرض عن الإيمان { وكفر } ~~بالله تعالى { فيعذبه الله العذاب الأكبر } فيدخله ~~النار وهو العذاب الأكبر الدائم وهو عذاب النار، حرها شديد، ومقرها بعيد، ~~ومقامها حديد قوله تعالى: { إن إلينا إيابهم } يعني إن إلينا ~~مرجعهم بعد الموت { ثم إن علينا حسابهم ms1855 } يعني إن مرجعهم ~~إلينا بعد الموت (ثم إن علينا حسابهم) يعني يحاسبون بكل صغيرة وكبيرة ~~وقليل وكثير كما قال (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) ويقال إن ~~علينا حسابهم يعني جزاءهم بأعمالهم يعني ثوابهم بما عملوا والله أعلم ~~بالصواب. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-3] # قوله تعالى: { والفجر } هو قسم وجوابه (إن ربك لبالمرصاد) أقسم ~~الله تعالى بالفجر يعني الصبح، والفجر فجران المستطيل وهو من الليل ~~والفجر المعترض وهو من النهار، ويقال أراد به أول يوم من المحرم ثم قال ~~عز وجل: { وليال عشر } يعني: عشر ذي الحجة ويقال إنها الأيام العشر ~~التي صام فيها موسى عليه السلام وهي قوله: # وأتممناها بعشر # [الأعراف:142] ويقال هي أيام عاشوراء، ثم قال عز وجل: { والشفع ~~والوتر } قال قتادة الخلق كله شفع ووتر فأقسم الله تعالى بالخلق، ~~وروى الحارث عن علي رضي الله عنه أنه قال (الشفع) آدم وحواء (والوتر) ~~الله سبحانه وتعالى قال ابن عباس الوتر آدم فتشفع بزوجته حواء، وقال ~~عطاء: (الشفع) الناس (والوتر) الله سبحانه وتعالى وقال الحسن الشفع هو ~~الخلق، والذكر والأنثى، والوتر الله تعالى ويقال أقسم بالصلوات والصلوات ~~منها ما هو شفع وهو الفجر والظهر والعصر والعشاء ومنها ما هو وتر وهو ~~الوتر في المغرب ويقال إنما هو الأعداد كلها شفع ووتر وعن ابن عباس الشفع ~~أيام الذبح والوتر يوم عرفة. ### || [89.4-14] # قال عز وجل: { واليل إذا يسر } قال الكلبي: يعني ليلة ~~المزدلفة يسير الخلق إلى المزدلفة وقال القتبي: والليل إذا يسر يعني يسرى ~~فيه كقوله ليل نائم أي ينام فيه وقال الزجاج أصله تسري يسري إلا أن ~~الياء قد حذفت منه وهي القراءة المشهورة بغير ياء يقرأ بالياء قرأ حمزة ~~والكسائي والشفع والوتر بكسر الواو والباقون بالنصب وهما لغتان يقال ~~للفرد وتر ووتر وقرأ ابن كثير " يسر " بالياء في حالة الوصل والقطع ~~وقرأ نافع بالياء إذا وصل وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والقطع لأن ~~الكسرة تدل عليه ثم قال عز وجل: { هل فى ذلك قسم لذى حجر } ~~يعني: ms1856 أن هذا الذي ذكرناه قسما لذي لب من الناس ويقال إن في ذلك قسم صدق ~~لذي عقل ولب ورشد، والحجر: اللب ثم قال عز وجل: { ألم تر كيف ~~فعل ربك بعاد } يعني: ألم تعلم؟ ويقال ألم تخبر؟ واللفظ لفظ ~~الاستفهام والمراد به التقدير يعني: فذلك خبر عاد { إرم ذات ~~العماد } يعني: عاقبة قوم عاد وقال بعضهم هما عادان، أحدهما عاد وإرم ~~والآخر هم قوم هود وقال بعضهم كلاهما واحد ويقال إرم اسم للجنة التي ~~بناها فمات قبل أن يدخلها وذكر فيها حكاية طويلة عن وهب بن منبه ثم قال ~~(ذات العماد) يعني الفساطيط والعمود عمود الفسطاط { التى لم ~~يخلق مثلها فى البلد } يعني: في القوة والطول ويقال (ذات ~~العماد) يعني: ذات القوة ويقال ذات العماد يعني: دائم الملك طويل العمر ~~ويقال ذات العماد أي ذات البناء الرفيع وروى أسباط عن السدي قال عاد ابن ~~إرم فنسبهم إلى أبيهم الأكبر كقولك بكر بن وائل ويقال لا ينصرف إرم لأنه ~~اسم قبيلة وقال مقاتل ذات العماد يعني طولها اثنا عشر ذراعا التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد في الطول والقوة وإرم اسم أب قبيلة ينسب إليهم وهو ~~إرم بن سمك بن نسمك بن سام بن نوح عليه السلام وقال الكلبي ذات العماد ~~يعني كانوا أهل ذات عمود وماشية فإذا هاج العمود يعني يبس العشب رجعوا ~~إلى منازلهم ويقال عاد وإرم شيء واحد، ثم قال عز وجل: { وثمود ~~الذين جابوا الصخر بالواد } وهم قوم صالح نقبوا الجبل ~~وقعلوا أحجارا لا يطيق مائتا رجل بالوادي وقال الكلبي هو واد القرى ثم ~~قال عز وجل: { وفرعون ذى الأوتاد } يعني: قواد الكفرة الفجرة ~~الذين خلقهم الله تعالى أوتادا في مملكته ليكفوا عنه عدوه ويقال إن له ~~بيتا أوتد فيه أوتادا فإذا عذب أحد طرحه فيها ويقال سمي بذي الأوتاد ~~لأنه كان إذا غضب على أحد وثقه بأربعة أوتاد ويقال: الأوتاد وهي الصلب ~~إذا غضب على أحد صلبه كقوله لأصلبنكم ويقال ذو الأوتاد يعني ذا الملك ~~الثابت ms1857 { الذين طغوا فى البلد } يعني: عادا وثمود وفرعون ~~عصوا في البلاد { فأكثروا فيها الفساد } يعني: أكثروا في ~~الأرض المعاصي { فصب عليهم ربك } يعني: أرسل عليهم ربك { ~~سوط عذاب } يعني: شديد العذاب حتى أهلكهم. # { إن ربك لبالمرصاد } يعني: مر الخلق عليه ويقال: (إن ~~ربك لبالمرصاد) يعني ملائكة ربك على الصراط يعني يرصدون العباد على جسر ~~جهنم في سبع مواضع وقال ابن عباس رضي الله عنهما " يحاسب العبد في أولها ~~بالإيمان فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء نجا وإلا تردى في النار وفي ~~الثاني يحاسب على الصلاة فإن أتم ركوعها وسجودها في مواقيتها نجا وإلا ~~تردى في النار والثالث يحاسب على الزكاة فإن أداها بشروطها نجا وإلا ~~تردى في النار وفي الرابع يحاسب بصوم رمضان فإن صامه بحدوده وحقوقه نجا ~~وإلا تردى في النار، وفي الخامس في الحج والعمرة وفي السادس بالوضوء ~~والغسل من الجنابة وفي السابع بر الوالدين وصلة الأرحام ومظالم العباد ~~فإن أداها نجا وإلا تردى في النار. ### || [89.15-22] # قال عز وجل: { فأما الإنسن إذا ما ابتله ربه } قال ~~الكلبي ومقاتل نزلت في " أمية بن خلف " ويقال في أبي بن خلف إذا ما ~~ابتلاه يعني اختبره ربه { فأكرمه } يعني: ورزقه { ونعمه } ~~يعني أعطاه النعمة { فيقول ربى أكرمن } يعني: اجتباني وفضلني ~~وأنا أهل لذلك { وأما إذا ما ابتله } بالفقر { فقدر ~~عليه رزقه } قرأ أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين " فقدر " ~~بالتشديد والباقون بالتخفيف ومعناهما واحد أي فقتر عليه رزقه وأصابه ~~الجوع والأمراض { فيقول ربى أهانن } يعني: طردني وعاقبني شكاية ~~لربه قال الله تعالى { كلا } أي حقا يعني: ليس إهانتي وإكرامي في نزع ~~المال والولد والفقر والمرض ولكن إهانتي في نزع المعرفة وإكرامي بتوفيق ~~المعرفة والطاعة وقال قتادة لم يكن الغنى من كرامة ولم يكن الفقر من ~~الذل. ولكن الكرامة مني بتوفيق الإسلام والهوان مني بالخذلان عنه إنما ~~المكرم من أكرم بطاعتي والمهان من أهين بمعصيتي ثم قال { بل لا ~~تكرمون اليتيم } يعني: لا تعطون حق اليتيم وكان في حجر أمية ms1858 بن ~~خلف يتيم لا يؤدي حقه فنزلت الآية بسببه فصار فيها عظة لجميع الناس قرأ ~~أبو عمرو وابن عامر في إحدى الروايتين فقدر بالتشديد والباقون بالتخفيف ~~ومعناهما واحد ثم قال عز وجل: { ولا يحض على طعام ~~المسكين } يعني: لا يحثون أنفسهم ولا غيرهم على طعام المسكين ويقال ~~لا تحاضون على إطعام المسكين ويقال لا يحض بعضهم بعضا قرأ حمزة والكسائي ~~وعاصم ولا تحاضون بالألف يعني: لا يحث بعضهم بعضا وقرأ أبو عمرو ولا ~~يحضون بالياء يعني: لا يحثون والباقون لا تحضون بالتاء على المخاطبة ثم ~~قال: { وتأكلون التراث } يعني: الميراث { أكلا لما } ~~يعني: شديدا كقولك لممت الشيء إذا جمعته ومعناه يأكلون مال اليتيم أكلا ~~شديدا سريعا { وتحبون المال } يعني كثرة المال وجمع المال { ~~حبا جما } يعني: شديدا ويقال كثيرا قرأ أبو عمرو ويكرمون ويأكلون ~~ويحبون كلها بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى الخطاب ~~لهم ثم قال عز وجل { كلا } يعني: حقا { إذا دكت الأرض ~~دكا دكا } يعني: زلزلت الأرض زلزالها والتكرار للتأكيد ثم قال: { ~~وجاء ربك والملك } قال بعضهم هذا من المكتوم الذي لا يفسر ~~وقال أهل السنة وجاء ربك بلا كيف وقال بعضهم معناه وجاء أمر ربك بالحساب ~~والملك { صفا صفا } يعني: صفوفا كصفوف الملائكة وأهل الدنيا في ~~الصلاة. ### || [89.23-30] # قال عز وجل: { وجىء يومئذ بجهنم } تحضر وتدنو من الكفار ~~وروي عن عبد الرحمن بن حاطب قال كنا جلوسا عند كعب يذكرنا فجاء عمر رضي ~~الله عنه فجلس ناحيته وقال ويحك يا كعب خوفنا فقال كعب إن جهنم لتقرب ~~يوم القيامة لها زفير وشهيق حتى إذا قربت ودنت زفرت زفرة لا يبقى نبي ولا ~~صديق إلا وهو يخر ساقطا على ركبتيه فيقول اللهم لا أسألك اليوم إلا ~~نفسي ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبيا لظننت أن لا تنجو فقال ~~عمر رضي الله عنه والله إن الأمر لشديد ثم قال { يومئذ يتذكر ~~الإنسن } يعني: يتعظ الكافر { وأنى له الذكرى } يعني: من ~~تنفعه العظة ويقال ms1859 يومئذ يتذكر الإنسان يعني يظهر الإنسان التوبة يعني: ~~أين له التوبة يعني كيف تنفعه التوبة يومئذ { يقول يليتنى ~~قدمت لحياتى } يعني: يا ليتني عملت في حياتي الفانية لحياتي ~~الباقية ثم قال عز وجل: { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ~~ولا يوثق وثاقه أحد } قرأ الكسائي لا يعذب بنصب الذال ولا ~~يوثق بنصب التاء والباقون كلاهما بالكسر فمن قرأ بالنصب فمعناه ولا يعذب ~~عذاب هذا الصنف من الكفار أحد وكذلك لا يوثق وثاقه أحد ومن قرأ بالكسر ~~معناه لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد الملك يومئذ لله وحده والأمر ~~بيده ويقال معناه لا يقدر أحد من الخلق أن يعذب كعذاب الله تعالى ولا ~~يوثق في الغل والصفد كوثاق الله. ثم قال عز وجل: { يأيتها النفس ~~المطمئنة } التي اطمأنت بلقاء الله عز وجل ويقال المطمئنة يعني: ~~الراضية بثواب الله تعالى القانعة بعطاء الله الشاكرة لنعمائه تعالى يقال ~~لها عند الفراق من الدنيا { ارجعى إلى ربك } يعني: ارجعي إلى ~~ثواب ربك إلى ما أعد الله لك في الجنة ويقال له يوم القيامة { راضية ~~مرضية فادخلى فى عبادى } يعني: مع عبادي الصالحين في ~~الجنة { وادخلى جنتى } يعني: ادخلي الجنة بلا حساب ويقال هذا ~~الخطاب لأهل الدنيا يعني أيتها النفس المطمئنة في الدنيا التي أمنت من ~~عذاب الله ارجعي إلى ربك راضية مرضية يعني: فادخلي في عبادي يعني: ادخلي ~~في عبادي وفي طاعتي وادخلي في جنتي ويقال معناه تقول الملائكة يا أيتها ~~النفس المطمئنة ارجعي إلى ما أعد الله لك راضية (فادخلي في عبادي) على ~~محض التقديم يعني يا أيتها النفس المطمئنة الراضية بما أعطيت من الثواب ~~مرضية بما عملت وادخلي جنتي مع عبادي والله تعالى أعلم. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-4] # قوله تعالى: { لا أقسم بهذا البلد } يعني: أقسم بهذا ~~البلد ولا صلة في الكلام ومعناه أقسم برب هذا البلد الذي ولد فيه يعني ~~مكة { وأنت حل بهذا البلد } يحلها يوم فتح مكة معناه ~~فسيحل لك هذا البلد يعني: القتال فيه ساعة من النهار ولم ms1860 يحل لك أكثر من ~~ذلك وروى عبد الملك عن عطاء في قوله (وأنت حل بهذا البلد) وقال إن الله ~~تعالى حرم مكة فجعلها حراما يوم خلق السموات والأرض وهي حرام إلى أن ~~تقوم الساعة ولم تحل إلا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة من النهار ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه دخل بالبيت يوم الفتح ووضع يده ~~على باب الكعبة فقال # " لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ألا إن ~~الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام لي بحرام الله تعالى ~~إلى يوم القيامة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا ساعة ~~من نهار " # ثم قال عز وجل: { ووالد وما ولد } ووالد يعني: آدم وما ولد ~~يعني ذريته ويقال كل والد وكل مولود وقال عكرمة ووالد الذي يلد وما ولد ~~التي لم تلد من النساء والرجال { لقد خلقنا الإنسن فى ~~كبد } يعني: معتدل الخلق والقامة فأقسم بمكة وبآدم وذريته. { لقد ~~خلقنا الإنسن } منتصبا قائما على رجلين وقال مقاتل نزلت الآية ~~في حارث بن عامر بن نوفل وروى مقسم عن ابن عباس في قوله " لقد خلقنا ~~الإنسان (في كبد) " قال خلق كل شيء يمشي على أربع إلا الإنسان فإنه خلق ~~منتصبا وهذا كقوله # لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم # [التين:4] ويقال (لقد خلقنا الإنسان في كبد) يعني: في مشقة وتعب، وروي ~~عن ابن رفاعة عن سعيد بن الحسن عن الحسن البصري في قوله " لقد خلقنا ~~الإنسان في كبد " قال سعيد يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة، وقال الحسن ~~لم يخلق الله تعالى خليقة يكابد مكابدة ما يكابد ابن آدم، وروي عن عطاء ~~عن ابن عباس يقول خلق في شدة يعني مولده ونبات أسنانه وغير ذلك ويقال ~~معناه ولقد خلقنا الإنسان في كبد وهي المضغة مثل الكبد دما غليظا ثم ~~يصير مضغة. ### || [90.5-10] # وقال عز وجل: { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } يعني ~~أيحسب الكافر أن لن يقدر ms1861 عليه الله تعالى يعني على أخذه وعقوبته { ~~يقول أهلكت مالا لبدا } يعني أبا جهل بن هشام يقول أنفقت ~~مالا كثيرا في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم ينفعني ذلك وهو ~~أنه ضمن مالا لمن يقتل محمدا - صلى الله عليه وسلم - ويقال: أنفق مالا ~~يوم بدر ثم قال عز وجل { أيحسب } يعني أيظن { أن لم يره ~~أحد } يعني: إن لم ير الله تعالى صنيعه فلا يعاقبه بما فعل. ثم ذكر ما ~~أنعم عليه ليعتبر به ويوحد فقال { ألم نجعل له عينين } ~~يعني: ألم نخلق له عينين يبصر بهما { ولسانا } ينطق به { ~~وشفتين } فيضمهما { وهدينه النجدين } قال الثعلبي ~~ومقاتل يعني عرفناه طريق الخير والشر، وقال قتادة يعني طريق الهدى ~~والضلالة وهكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه ويقال { وهدينه ~~النجدين } يعني هديناه في الصغر لأحد الثديين يعني خلق له شفتين ~~ليأخذ بهما ثدي أمه ويقال بينا له طريقين طريق الدنيا وطريق الآخرة وقال ~~مجاهد يعني طريق السعادة وطريق الشقاوة ويقال الطاعة والمعصية ويقال طريق ~~الصواب وطريق الخطأ ومعناه ألم نجعل له ما يستدل به على أن الله تعالى ~~قادر على أن يبعثه ويحصي عليه ما عمله. ### || [90.11-20] # قال عز وجل { فلا اقتحم العقبة } يعني: فلا هو اقتحم العقبة ~~ويقال فلم يقتحم العقبة ويقال معناه فهل تجاوز العقبة الذي يزعم أنه أنفق ~~مالا كثيرا في عداوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما أراد بالعقبة ~~الصراط كما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال إن بين أيدينا عقبة كؤود لا ~~ينجو منها الا كل مخف وكما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه بكى حين ~~حضرته الوفاة قيل له وما يبكيك قال بعد المفازة وقلة الزاد وضعف النفس ~~وعقبة كؤد والهبوط منها إلى الجنة أو إلى النار ثم قال عز وجل { وما ~~أدراك ما العقبة } يعني ما أدراك بماذا يكون مجاوزة الصراط. ثم ~~قال { فك رقبة } يعني: اقتحام العقبة هو فك الرقبة يعني إنما ~~يجاوز الصراط { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة ms1862 } يعني يجاوز ~~الصراط بإحكام في يوم ذي مجاعة قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي (فك ~~رقبة) بنصب الكاف والهاء (وأطعم) بنصب الهمزة بغير الألف والباقون (فك ~~رقبة) بضم الكاف وكسر الهاء أو إطعام بكسر الهمزة وإثبات الألف فمن قرأ ~~بالنصب فهو محمول على المعنى معناه فلا فك رقبة ولا أطعم في يوم ذي ~~مسغبة فكيف يجاوز العقبة ومن قرأ بالضم فمعناه اقتحام العقبة فك رقبة، ~~يعني مجاوزة العقبة بعتق رقبة وبإطعام في يوم ذي مسغبة أي مجاعة ثم بين ~~لهم لمن يطعم الطعام فقال { يتيما ذا مقربة } يعني يتيما ~~بينك وبينه قرابة { أو مسكينا ذا متربة } يعني مسكينا لا ~~شيء له لاصق في التراب من الجهد فهذا الإحسان مجاوزة العقبة { ثم ~~كان من الذين ءامنوا } يعني من صنع هذا الإحسان يكون مؤمنا ~~لأنه لا يتقبل عملا من الأعمال بغير إيمان ويقال معناه ثم يثيب على ~~إيمانه ثم قال { وتواصوا بالصبر } يعني تحاشوا أنفسهم بالصبر ~~وتحاشوا بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله تعالى وبالصبر على المكروهات ~~لأنه روي في الخبر أن الجنة حقت بالكاره ثم قال تعالى { وتواصوا ~~بالمرحمة } يعني تحاشوا بالتراحم بعضهم على بعض يعني بالمرحمة على ~~أنفسهم على غيرهم وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " من يرحم الناس يرحمه الله تعالى " # ثم قال { أولئك أصحب الميمنة } (يعني أهل التراحم ~~والتواصل هم أصحاب الميمنة) الذين يعطون كتابهم بأيمانهم. { ~~والذين كفروا بئايتنا } يعني: بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وبالقرآن ويقال كفروا بدلائل الله تعالى { هم أصحب ~~المشئمة } يعني: يعطون كتابهم بشمالهم { عليهم نار ~~مؤصدة } يعني: أدخلوا في النار وأطبقت عليهم لا يخرج منها ~~غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة ~~عليهم نار بالهمزة والباقون بغير همزة وهما لغتان يقال: أصدت وأوصدت ~~الباب وأوصدته إذا أطبقته. والله أعلم. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-10] # قوله تعالى { والشمس وضحها } أقسم الله تعالى بالشمس وضوئها ~~وحرها ويقال بخالق الشمس وضحاها يعني: ارتفاع النهار ويقال: حر ms1863 الشمس ~~يسمى ضحى قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وضحها بالتفخيم وكذلك تلاها إلى ~~آخر السورة وقرأ حمزة والكسائي كلها بالإمالة وقرأ نافع وأبو عمرو بين ~~ذلك ثم قال عز وجل { والقمر إذا تلها } يعني يتبع الشمس ~~والهاء كناية عن الشمس وقال قتادة والشمس هو النهار والقمر إذا تلاها قال ~~يتلوها صبيحة الهلال وإذا سقطت الشمس رأيت الهلال عند سقوطها ثم قال عز ~~وجل: { والنهار إذا جلها } يعني إذا أضاء واستنار فقال ~~القتبي هذا من الاختصار والنهار إذا جلاها ويعني والأرض أو الدنيا يعني ~~النهار إذا أضاء الدنيا وقال الكلبي معناه إذا جلى النهار ظلمة الليل ثم ~~قال عز وجل { واليل إذا يغشها } يعني غطى ضوء النهار ويقال ~~والليل إذا يغشاها يعني غطى الأرض وسترها ثم قال { والسماء وما ~~بنها } يعني خلقها ويقال والسماء وما بناها يعني الله تعالى بناها ~~فأقسم بنفسه ويقال ما للصلة ومعناه: والسماء وبنائها ثم قال عز وجل { ~~والأرض وما طحها } يعني والذي بسطها على الماء من تحت الكعبة ~~ثم قال { ونفس وما سواها } يعني ونفس والذي سوى خلقها ويقال ~~ونفس وما خلقها { فألهمها فجورها وتقواها } يعني: ألهمها ~~الطاعة والمعصية ويقال عرفها وبين لها ما تأتى وما تذر ثم قال عز وجل { ~~قد أفلح من زكها } يعني: أصلحها الله وعرفها وهذا جواب ~~القسم لقد أفلح ولكن اللام حذفت لثقلها لأن الكلام طال ثم قال { وقد ~~خاب من دسها } يعني: خسر من أغفلها وأغواها وخذلها وأضلها وقال ~~القتبي معناه قد أفلح من زكى نفسه أي أنماها وأعلاها بالطاعة والبر ~~والصدقة وقد خاب من دساها يعني نقصها وأخفاها بترك عمل البر وبركوب عمل ~~المعاصي وأصله دسس فجعل مكان إحدى السينين ياء كما يقال قصيت أظفاري ~~وأصله قصصت قال وأصل هذا أن أجواد العرب كانوا ينزلون في أرفع المواضع ~~ويوقدون من النار للطارقين لتكون أنفسهم أشهر واللئام ينزلون الأطراف ~~والأهضام لتخفي أماكنهم على الطارقين فأخفوا أنفسهم والبار أيضا أظهر ~~نفسه بأعمال البر والفاجر دساها ويقال: إن الله تعالى يطلب ms1864 من عباده ~~المؤمنين يوم القيامة ستة أشياء: بمكان النعمة الشكر وبمكان الشدة وبمكان ~~الصحة العمل بالطاعة وبمكان الذنوب التوبة وبمكان العمل الإخلاص فمن ~~يجييء بهذه الأشياء فقد أفلح ونما ومن لم يجييء بهذه الأشياء فقد خسر ~~وغبن. ### || [91.11-15] # قال عز وجل { كذبت ثمود بطغواها } يعني بطغيانهم حملهم على ~~ذلك التكذيب { إذ انبعث أشقها } يعني: إذا قام أشقى ثمود ~~وكلهم أشقياء في علم الله تعالى وأشقاهم عاقر الناقة وهو قدار بن سالف ~~ومصدع بن دهر { فقال لهم رسول الله } صلى الله عليه وسلم - ~~يعني صالحا { ناقة الله } يعني احذروا ناقة الله { وسقيها ~~} يعني لا تأخذوا سقياها ومعناه ولا تعقروا ناقة الله وذروا شربها وقد ~~ذكرناه في سورة الأعراف. { فكذبوه } يعني صالحا بالعذاب { ~~فعقروها } يعني فعقروا الناقة ويقال في الآية تقديم فعقروها فخوفهم ~~صالح عليه السلام بالعذاب فكذبوه ثم قال عز وجل { فدمدم عليهم ~~ربهم } يعني أنزل عليهم ربهم عقوبة { بذنبهم } والدمدمة ~~المبالغة في العقوبة والنكال، ثم قال { فسواها } يعني: فسواها في ~~الهلاك يعني الصغير والكبير { ولا يخاف عقبها } قرأ نافع وابن ~~عامر فلا يخاف بالفاء، والباقون بالواو فمن قرأ بالفاء وصل الذي بعدها ~~بالذي قبلها وهو قوله فدمدم عليهم ربهم يعني أطبق عليهم العذاب بذنبهم ~~فسواها يعني فسوى الأرض عليهم ولا يخاف عقبى هلكهم ولا يقدر أن يرجعوا ~~إلى السلامة ومن قرأ بالواو فمعناه التقديم والتأخير يعني الذي عقرها وهو ~~لا يخاف عقبى عقرها ويقال إن الله تعالى أهلكهم ولم يخف ثأرها وعاقبتها ~~على غير وجه التقديم، وروى الضحاك عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال لعلي رضي الله عنه # " " أتدري من أشقى الأولين " قلت الله ورسوله أعلم قال: " عاقر الناقة " ~~فقال " أتدري من أشقى الآخرين " قلت الله ورسوله أعلم قال: " قاتلك " # والله أعلم. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-11] # قوله تعالى: { واليل إذا يغشى } أقسم الله تعالى بالليل إذا ~~غشيت ظلمته ضوء النهار ويقال: أقسم بخالق الليل إذا يغشى يعني يغشى الليل ~~ضوء النهار { والنهار إذا تجلى } يعني أقسم ms1865 بالنهار إذا ~~استنار وتجلى عن الظلمة { وما خلق الذكر والأنثى } يعني ~~والذي خلق الذكر والأنثى يعني آدم وحواء وقال القتبي: ما ومن أصلهما واحد ~~وجعل من للناس وما لغير الناس ويقال من مر بك من الناس وما مر بك من ~~الإبل وقال أبو عبيد: وما خلق أي وما خلق وكذلك قوله # والسمآء وما بنها # [الشمس:5] # ونفس وما سواها # [الشمس:7] و " ما " في هذه المواضع بمعنى " من ". # وقال أبو عبيد: وما بمعنى من وبمعنى الذي وروي عن ابن مسعود أنه كان ~~يقرأ والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى وروى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة ~~قال قدمنا الشام فأتانا أبو الدرداء فقال أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد ~~الله بن مسعود فأشاروا إلي فقلت نعم أنا فقال كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه ~~الآية قلت سمعته يقرأ (والذكر والأنثى): قال: أنا هكذا والله سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأها وهؤلاء يريدونني على أن أقرأها كلا ~~أنا معهم ثم قال عز وجل { إن سعيكم لشتى } فهذا موضع جواب ~~القسم - أقسم الله تعالى بخالق هذه الأشياء إن سعيكم لشتى يعني أديانكم ~~ومذاهبكم مختلفة يعني عملكم مختلف عامل للجنة وعامل للنار وقال أبو الليث ~~رحمه الله حدثنا أبو جعفر حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال ~~أخبرنا حدثنا أحمد ابن جرير قال حدثنا أبو عبد الرحمن راشد بن إسماعيل عن ~~منصور بن مزاحم عن يونس بن إسحاق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن ~~أبا بكر رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي ابن خلف ببروة ~~وعشرة أواق من فضة فأعتقه لله تعالى فأنزل الله تعالى { واليل إذا ~~يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر ~~والأنثى إن سعيكم لشتى } يعني سعي أبي بكر وأمية بن خلف ~~{ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى } يعني بلا ~~إله إلا الله يعني أبا بكر { فسنيسره لليسرى } يعني الجنة { ~~وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى } يعني بلا ~~إله إلا الله { فسنيسره ms1866 للعسرى } يعني أمية وأبي ابني خلف ~~إذا ماتا. ويقال لنزول هذه الآية سبب آخر. # كان رجل من الكفار له نخلة في دار، وشعبها في دار رجل آخر من المسلمين ~~وكان إذا سقطت ثمرة في دار المسلم نادى الكافر: حرام حرام وكان المسلم ~~يأخذ الثمرة فيرمي بها في دار الكافر لئلا يأكل ذلك صبيانه فسقطت يوما ~~ثمرة فأخذها ابن صغير للمسلم فجعلها في فيه فدخل الكافر فأخرج الثمرة من ~~فيه وأبكى الصبي فشكى المسلم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا ~~المشرك فقال أتبيع نخلتك ليعطيك الله أفضل منها في الجنة فقال لا أبيع ~~العاجل بالآجل فسمع رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشترى ~~النخلة من الكافر وتصدق بها على المسلم فنزلت (فأما من أعطى واتقى) يعني ~~أعطى من ماله حق الله تعالى وأتقى الشرك وسخط الله تعالى وصدق بالحسنى ~~يعني بثواب الله في الجنة (فسنيسره) يعني سنعينه ونوفقه (لليسرى) يعني ~~لعمل أهل الجنة { وأما من بخل } ، بالصدقة { واستغنى } ~~يعني رأى نفسه مستغنيا عن ثواب الله وعن جنته { وكذب بالحسنى ~~} يعني بالثواب وهو الجنة { فسنيسره للعسرى } يعني نخذله ~~ولا نوفقه للطاعة فسنيسر عليه طريق المعصية { وأما من بخل ~~واستغنى } { وما يغنى عنه ماله إذا تردى } يعني ~~ما ينفعه ماله إذا مات وتركه في الدنيا وهو يرد إلى النار. ### || [92.12-21] # قال عز وجل { إن علينا للهدى } يعني علينا بيان الهدى ويقال ~~علينا التوفيق للهدى من كان أهلا لذلك { وإن لنا للآخرة ~~والأولى } يعني الدنيا والآخرة لله تعالى يعطي منها من يشاء ويقال ~~معناه إلى الله تعالى ثواب الدنيا والآخرة ويقال وإن لنا للآخرة والأولى ~~يعني لله تعالى نفاذ الأمر في الدنيا والآخرة يعطي في الدنيا المغفرة ~~والتوفيق للطاعة وفي الآخرة الحسنة والثواب ثم قال: { فأنذرتكم ~~نارا تلظى } يعني خوفتكم بالقرآن نارا تلظى يعني تثقل على أهلها ~~وتغيظ على أهلها وتزفر عليهم قوله عز وجل { لا يصلها } يعني لا ~~يدخل في النار { إلا الأشقى } يعني الذي ختم له بالشقاوة { الذى ~~كذب ms1867 وتولى } يعني كذب بالتوحيد وتولى عن الإيمان وعن طاعة الله ~~تعالى وأخذ في طاعة الشيطان ثم قال { وسيجنبها الأتقى } يعني ~~يباعد عنها الأتقى يعني المتقي الذي يتقي الشرك وهو { الذى يؤتى ~~ماله يتزكى } يعني يعطي من ماله حق الله تعالى يتزكى يعني يريد ~~به وجه الله تعالى ثم قال { وما لأحد عنده من نعمة تجزى ~~} يعني لا يفعل ذلك مجازاة لأحد { إلا ابتغاء وجه ربه ~~الأعلى } ولكن يفعل ذلك وجه ربه الأعلى يفعل ذلك طلب رضاء الله تعالى ~~الأعلى يعني الله العلي الكبير الرفيع فوق خلقه بالقهر والغلبة { ~~ولسوف يرضى } يعني سوف يعطي الله من الثواب حتى يرضى بذلك. # وقال مقاتل مر أبو بكر على بلال وسيده أمية بن خلف يعذبه فاشتراه وأعتقه ~~فكره أبو قحافة عتقه فقال لأبي بكر أما علمت أن مولى القوم من أنفسهم ~~فإذا أعتقت فأعتق من له منظرة وقوة فنزل وما لأحد عنده من نعمة تجزى يعني ~~لا يعقل لطلب المجازاة ولكن إنما يعطي ما له ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف ~~يرضى بثواب الله تعالى والله أعلم بالصواب. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-8] # قوله تبارك وتعالى: { والضحى } يعني: النهار كله ويقال الضحى ساعة ~~من ساعات النهار ويقال الضحى حر الشمس { واليل إذا سجى } يعني: ~~اسود وأظلم ويقال إذا سكن بالناس ويقال (والضحى والليل إذا سجى) يعني: ~~عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم ~~ويقال (والضحى) نور الجنة إذا تنور (والليل إذا سجى) يعني: ظلمة النار ~~إذا أظلم ويقال (والضحى) يعني النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار ~~(والليل إذا سجى) يعني السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل، وأقسم ~~الله تعالى بهذه الأشياء { ما ودعك ربك وما قلى } يعني: ~~ما تركك ربك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - منذ أوحى إليك (وما قلى) ~~يعني: ما أبغضك ربك وذلك أن مشركي قريش أرسلوا إلى يهود المدينة وسألوهم ~~عن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - فقالت لهم اليهود فاسألوه عن أصحاب ~~الكهف وعن ms1868 قصة ذي القرنين وعن الروح فإن أخبركم بقصة أهل الكهف وعن قصة ~~ذي القرنين ولم يخبركم عن أمر الروح فاعلموا أنه صادق فجاؤوه، وسألوه ~~فقال لهم " ارجعوا غدا حتى أخبركم " ونسي أن يقول إن شاء الله فانقطع ~~عنه جبريل خمسة عشرة يوما، في رواية الكلبي وفي رواية الضحاك أربعين ~~يوما فقال المشركون قد ودعه ربه وأبغضه فنزل فيهم ذلك وروى أسباط عن ~~السدي قال فأبطأ جبريل عليه السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أربعين ليلة حتى شكى ذلك إلى خديجة فقالت خديجة لعل ربك قد قلاك أو نسيك ~~فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية (ما ودعك ربك وما قلى) { ~~وللآخرة خير لك من الأولى } يعني: ما أعطاك الله في ~~الآخرة خير لك مما أعطاك في الدنيا ويقال معناه عز الآخرة خير من عز ~~الدنيا لأن عز الدنيا يفنى وعز الآخرة يبقى. قوله تعالى: { ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى } يعني يعطيك ثواب طاعتك حتى ترضى و (سوف) ~~من الله تعالى واجب ويقال (ولسوف يعطيك) الحوض والشفاعة (حتى ترضى) ثم ~~ذكر له ما أنعم عليه في الدنيا وفي الآخرة فقال عز وجل: { ألم ~~يجدك يتيما فاوى } يعني: كنت يتيما فضمك إلى عمك أبي طالب ~~فكفاك المؤنة حين كنت يتيما (ما ودعك ربك) فكيف ودعك بعد ما أوحى إليك ~~ثم قال عز وجل: { ووجدك ضالا فهدى } يعني: وجدك جاهلا ~~بالنبوة وبالحكمة وبالكتاب وقراءته والدعوة إلى الإيمان فهداك إلى هذه ~~الأشياء وكقوله # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # ويقال ووجدك ضالا يعني: من بين قوم ضلال فهدى يعني: حفظك من أمرهم وعن ~~أخلاقهم ويقال ووجدك بين قوم ضلال فهداهم بك ثم قال عز وجل: { ووجدك ~~عائلا فأغنى } يعني: وجدك فقيرا بلا مال فأغناك بمال خديجة ~~ويقال وجدك فقيرا عن القرآن والعلم فأغناك يعني أغنى قلبك وأرضاك بما ~~أعطاك. ### || [93.9-11] # قال تعالى { فأما اليتيم فلا تقهر } يعني لا تظلمه وادفع ~~إليه حقه ويقال معناه واذكر يتمك وأرحم اليتيم، وقال مجاهد فلا تقهر ~~يعني ms1869 فلا تقهره وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ (فأما اليتيم فلا تكهر) ~~يعني لا تعبس في وجهه وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: من ضم يتيما وكان محسنا في نفقته كان له حجابا ~~من النار يوم القيامة ومن مسح برأسه كان له بكل شعرة حسنة. وقوله تعالى: ~~{ وأما السائل فلا تنهر } يعني لا تؤذه ولا تزجره ويقال ~~معناه واذكر فقرك ولا تزجر السائل ولا تنهره ورده ببذل يسير وبكلمة طيبة، ~~وفي الآية تنبيه لجميع الخلق لأن كل واحد من الناس كان فقيرا في الأصل ~~فإذا أنعم الله عليه وجب أن يعرف حق الفقراء ثم قال عز وجل { وأما ~~بنعمة ربك فحدث } يعني بهذا القرآن فيعلم الناس وفي الآية ~~تنبيه لجميع من يعلم القرآن أن يحتسب في تعليم غيره ويقال معناه فحدث ~~الناس بما آتاك الله من الكرامة ويقال معناه اجهر بالقرآن في الصلاة وروى ~~أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # " إن الله تعالى جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده " # يعني يشكر بما أنعم الله تعالى عليه ويحدث به فيظهر على نفسه أثر النعمة ~~(والله أعلم بالصواب). ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-4] # قوله تعالى { ألم نشرح لك صدرك } هو معطوف على قوله # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى:6] وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال # " سألت ربي مسألة ووددت أني لم أسألها قط، فقلت اتخذت إبراهيم خليلا ~~وكلمت موسى تكليما فقال الله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى؟ قلت بلى: قال ~~{ ووجدك ضآلا فهدى } [الضحى: 7] قلت بلى! قال { ووجدك ~~عآئلا فأغنى } [الضحى: 8] قلت بلى! قال { ألم نشرح لك ~~صدرك } " # الآية وروي عن بعض المتقدمين أنه قال: سورة (التوبة والأنفال) بمنزلة ~~سورة واحدة وسورة (ألم نشرح لك والضحى) بمنزلة سورة واحدة وسورة (لإيلاف ~~قريش وألم تر كيف فعل ربك) بمنزلة سورة واحدة. # قال (ألم نشرح لك صدرك): يعني ألم نوسع قلبك بالتوحيد ms1870 والإيمان وهذا قول ~~مقاتل وقال الكلبي أتاه جبريل فشرح صدره حتى أبدى قلبه ثم جاء بدلو من ~~ماء زمزم فغسله وأنقاه مما فيه ثم جاء بطشت من ذهب قد ملىء علما ~~وإيمانا فوضعه فيه. ويقال الانشراح للعلم حتى علم أنه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكان مؤمنا من وقت الميثاق فشق صدره على جهة المثل ~~فيعبر به عنه ويقال ألم نشرح لك صدرك يعني ألم نلين قلبك بقبول الوحي وحب ~~الخيرات ويقال معناه ألم نطهر لك قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس كسائر الناس؟ ~~ويقال معناه ألم نشرح يعني نوسع لك قلبك بالعلم كقوله (وعلمك ما لم تكن ~~تعلم) ثم قال: { ووضعنا عنك وزرك } يعني غفرنا لك ذنبك كقوله # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] ويقال غفرنا لك ذنبك وذلتك بترك الاستثناء ويقال معنى ~~(ووضعنا عنك وزرك) يعني عصمناك من الذنوب. { الذى أنقض ظهرك } ~~لو لم يعصمك الله لأثقل ظهرك، ويقال معناه أخرجنا من قلبك الأخلاق السيئة ~~وطبائع السوء الذي أنقض ظهرك يعني التي لو لم ننزعها عن قلبك لأثقل عليك ~~حمل النبوة والرسالة ثم قال عز وجل { ورفعنا لك ذكرك } يعني ~~في التأذين والخطب حتى لا أذكر إلا وذكرت معي يعني أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل يوم خمس ~~مرات في الأذان والإقامة. ### || [94.5-8] # قال تعالى { فإن مع العسر يسرا } يعني مع الشدة سعة يعني ~~بعد الشدة سعة في الدنيا ويقال بعد شدة الدنيا سعة في الآخرة يعني إذا ~~احتمل المشقة في الدنيا ينال الجنة في الآخرة ثم قال عز وجل { إن مع ~~العسر يسرا } على وجه التأكيد وروي عن ابن عباس أنه قال لا يغلب ~~العسر يسرين وروى مبارك بن فضالة عن الحسن أنه قال كانوا يقولون ~~لا يغلب عسر واحد يسرين فقال ابن مسعود رضي الله عنه لو كان العسر في ~~جحر جاء اليسر حتى يدخل عليه لأنه قال تعالى { إن مع ms1871 العسر ~~يسرا } ، ويقال (إن مع العسر) وهو إخراج أهل مكة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (يسرا) وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل في عز وشرف ~~ثم قال عز وجل { فإذا فرغت فانصب } يعني إذا فرغت من الجهاد ~~فاجتهد في العبادة { وإلى ربك فارغب } يعني اطلب المسألة إليه ~~قال قتادة فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء وهكذا قال الضحاك وقال ~~مجاهد (فإذا فرغت) من اشتغال نفسك (فانصب) يعني فصل ويقال (فإذا ~~فرغت) من الفرائض (فانصب) في الفضائل فيقال (فإذا فرغت) من الصلاة ~~(فانصب) نفسك للدعاء والمسألة (وإلى ربك فارغب) يعني إلى الله فارغب في ~~الدعاء برفع حوائجك إليه والله أعلم وأحكم بالصواب. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-5] # قوله تعالى: { والتين والزيتون } وهما مسجدان بالشام ويقال هما ~~جبلان بالشام (التين) جبل بيت المقدس (والزيتون) جبل بدمشق وقال قتادة ~~(التين) الجبل الذي عليه دمشق (والزيتون) الجبل الذي عليه بيت المقدس ~~ويقال (التين) الذي يؤكل وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال تينكم ~~وزيتونكم هذا، وقال مجاهد: هو الذي يؤكل وهو قول سعيد بن جبير والشعبي ثم ~~قال { وطور سينين } يعني: الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى ~~صلوات الله على نبينا وعليه ويقال (الطور) اسم الجبل (سينين) يعني: ذا ~~شجر ويقال التين معناه علي بن أبي طالب رضي الله عنه والزيتون فاطمة ~~الزهراء بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله تعالى عنها وطور ~~سينين هما الحسن والحسين سيدا الشهداء في دار الدنيا وهذا لا يصح في ~~اللغة { وهذا البلد الأمين } يعني: مكة أمين من أن يهاج فيها ~~من دخل فيها ويقال (الأمين) لجميع الحيوان الذي لا يجري عليه القلم ثم ~~قال: عز وجل { لقد خلقنا الإنسن فى أحسن تقويم } ~~يعني: في أحسن صورة لأنه يمشي مستويا وليس منكوسا وله لسان ذلق ويد ~~وأصابع يقبض بها، قال بعضهم نزلت في شأن الوليد بن المغيرة وقال بعضهم ~~نزلت في كلدة بن أسيد وقال بعضهم هذا عام { ثم رددنه ms1872 أسفل ~~سفلين } يعني: رددناه بعد القوة والشباب والحسن إلى الضعف والهرم ~~يعني: يصير كالصبي في الحال الأولى يعني رددناه إلى أرذل العمر ويقال ~~رددناه يعني الفاجر والكافر بعد موته إلى أسفل السافلين في النار. ### || [95.6-8] # قال عز وجل: { إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ~~} يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى وعملوا الصالحات { فلهم أجر ~~غير ممنون } يعني: غير منقوص وذلك أن المؤمن إذا عمل في حالة ~~شبابه وقوته وحياته فإذا مرض أو هرم أو مات فإنه يكتب له حسناته كما كان ~~يعمل في حال شبابه وقوته إلى يوم القيامة ويقال (غير ممنون) يعني: غير ~~مقطوع ويقال (غير ممنون) يعني: لا يمن عليه وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: # " إن المؤمن إذا مات صعد ملكاه إلى السماء فيقولان إن عبدك فلان قد مات ~~فأذن لنا حتى نعبدك على السماء فيقول الله تعالى إن سماواتي مملوءة ~~بملائكتي ولكن اذهبا إلى قبره فاكتبا له حسناته إلى يوم القيامة " # { فما يكذبك بعد بالدين } يعني: أيها الإنسان ما الذي حملك ~~بعدما خلقك الله تعالى في أحسن تقويم حتى كذبت بيوم الدين والقضاء { ~~أليس الله بأحكم الحكمين } يعني: بأعدل العادلين يعمل ~~بالعدل مع الكفار ومع المؤمنين بالفضل وقال مقاتل فما يكذبك بعد بالدين ~~يعني فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة والشباب والهرم ~~بالحساب لا تغتر في صورتك وشبابك فهو قادر على أن يبعثك ويقال معنى قوله ~~(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) يعني لا يحزن ولا يذهب عقله من كان ~~عالما عاملا به. وروي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال طوبى لمن طال عمره وحسن عمله والله أعلم. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # قوله تبارك وتعالى { اقرأ باسم ربك الذى خلق } يقول اقرأ ~~القرآن بأمر ربك، وهذه أول سورة نزلت من القرآن وذلك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما بلغ أربعين سنة كان يسمع صوتا يناديه يا محمد ولا يرى ~~شخصه وكان يخشى على نفسه الجنون حتى رأى جبريل ms1873 - عليه السلام - يوما في ~~صورته فغشي عليه فحمل إلى بيت خديجة فقالوا لها تزوجت مجنونا فلما أفاق ~~أخبر بذلك خديجة فجاءت إلى ورقة بن نوفل وكان يقرأ الإنجيل ويفسره ثم ~~جاءت إلى عداس وكان راهبا فقال لها إن له نبأ وشأنا يظهر أمره فخرج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما إلى الوادي فجاء جبريل - عليه السلام ~~- بهذه السورة وأمره بأن يتوضأ ويصلي ركعتين فلما رجع أعلم بذلك خديجة ~~وعلمها الصلاة وذلك قوله # قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم:6]، يعني علموهم وأدبوهم، وروى معمر عن الزهري أنه قال أخبرني ~~عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أول ما بدىء به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة الصادقة وكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب الخلاء إليه يعني العزلة وكان يأتي حراء ~~ويمكث هناك ثم يرجع إلى خديجة فجاءه الملك وهو على حراء فقال له اقرأ ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أنا بقارىء فأخذني فغطني ~~ثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فأخذني ~~فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق { خلق ~~الإنسن من علق اقرأ وربك الأكرم الذىعلم ~~بالقلم علم الإنسن ما لم يعلم } فرجع ترجف بوادره وقد أخذته ~~الرعدة حتى دخل على خديجة فقال زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ~~فذلك قوله (اقرأ باسم ربك) يعني اقرأ بعون الله ووحيه إليك، ويقال معناه ~~(اقرأ باسم ربك) كقوله # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف: 24] يعني اذكر ربك الذي خلق الخلائق. ثم قال عز وجل { خلق ~~الإنسن من علق } يعني ابن آدم من دم عبيط وقال في آية أخرى # ألم نخلقكم من مآء مهين # [المرسلات: 20] وقال في آية أخرى # خلقنكم من تراب # [الحج: 5] وهذه الآيات يصدق بعضها بعضا لأن أول الخلق من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم من مضغة كما بين الجملة في موضع آخر ثم قال عز وجل ms1874 { ~~اقرأ وربك الأكرم } يعني اقرأ يا محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- وربك يعينك ويفهمك وإن كنت غير قارىء (الأكرم) يعني ربك المتجاوز عن ~~جهل العباد ويقال اقرأ وقد تم الكلام ثم استأنف فقال (وربك الأكرم) يعني ~~الكريم ويقال الأكرم يعني المكرم الذي يكرم من يشاء بالإسلام ثم قال { ~~الذى علم بالقلم } علم الكتابة والخط بالقلم { علم ~~الإنسن ما لم يعلم } يعني علم آدم - عليه السلام - أسماء كل ~~شيء يعني ألهمه ويقال (علم الإنسان) يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~(ما لم يعلم) يعني القرآن كقوله # ما كنت تدرى ما الكتب ولا الإيمن # [الشورى: 52] ويقال علم الإنسان ما لم يعلم يعني علم بني آدم ما لم ~~يعلموا كقوله # والله أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون ~~شيئا # [النحل: 78]. ### || [96.6-14] # قال عز وجل { كلا } يعني: حقا { إن الإنسن ليطغى } ~~يعني الكافر ليعصي الله ويقال: يرفع منزلة نفسه { أن رءاه ~~استغنى } يعني: أن رأى نفسه مستغنيا عن الله تعالى مثل أبي جهل ~~وأصحابه، ومثل فرعون حيث ادعى الربوبية قال أبو الليث رحمه الله حدثنا ~~أبو جعفر بن عوف عن الأعمش عن القاسم قال قال عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه، منهومان لا يشبعان: طالب العلم وطالب الدنيا ولا يستويان أما طالب ~~العلم فيزداد رضا الله، وأما طالب الدنيا فيزداد في الطغيان ثم قال (كلا ~~إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) ثم قال { إن إلى ربك ~~الرجعى } يعني المرجع إلى الله تعالى يوم القيامة، ويقال معناه: ~~رجوع الخلائق كلهم بعد الموت إلى الله تعالى فيحاسبون ويجازون فريق في ~~الجنة وفريق في السعير قوله تعالى: { أرأيت الذى ينهى ~~عبدا إذا صلى } وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ~~صلى في المسجد رفع صوته بالقراءة فلغطوا ورموه بالحجارة فخفض صوته في ~~الصلاتين الظهر والعصر إذا حضروا وأما صلاة المغرب اشتغلوا بالعشاء وصلاة ~~العشاء ناموا وصلاة الفجر لم يقوموا فرفع في هذا فصار سنة إلى اليوم فنزل ~~" أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى " ويقال إن ms1875 أبا جهل بن هشام قال: لئن ~~رأيت محمدا - صلى الله عليه وسلم - يصلي لأطأن عنقه فنزل (أرأيت الذي ~~ينهى عبدا إذا صلى) يعني ألم تر أن هذا الكافر ينهى عبد الله عن الصلاة ~~وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم قال { أرءيت إن كان على ~~الهدى } يعني: محمدا - صلى الله عليه وسلم - إن كان على الإسلام { ~~أو أمر بالتقوى } يعني التوحيد ثم قال: { أرءيت إن ~~كذب وتولى } يعني: (إن كذب) بالتوحيد { وتولى } عن ~~الإسلام. { ألم يعلم بأن الله يرى } أفعاله فيجازيه وهذا ~~جواب لجميع ما تقدم من قوله: (أرأيت) ويقال في الآية إضمار وهو قوله ~~(أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى): يعني بهذا الذي يصنع ويؤذي محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - أليس هو على ضلالة أليس هو قد نهى عن الصلاة ~~والخيرات أرأيت إن كان على الهدى يعني أرأيت أيها الناهي إن كان المصلي ~~على الهدى أو أمر بالتقوى يعني بالتوحيد واجتناب المعاصي فينهاه عن ذلك ### || [96.15-19] # قال { كلا لئن لم ينته } يعني: حقا لئن لم يمتنع أبو جهل عن ~~إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يتب ولم يسلم قبل الموت { ~~لنسفعا بالناصية } يعني لنأخذ به بالناصية أخذا شديدا يعني ~~يؤخذ بنواصيه يوم القيامة ويطوى مع قدميه ويطرح في النار فنزلت الآية في ~~شأن أبي جهل وهي عظة لجميع الناس وتهديد لمن يمنع عن الخير وعن الطاعة ثم ~~قال عز وجل { ناصية كذبة خاطئة } جعل الكاذبة صفة الناصية ~~وإنما أراد صاحب الناصية يعني ناصية كاذبة على الله تعالى خاطئة يعني ~~مشركة وقال مجاهد: الذي يجحد ويأكل رزق الله تعالى ويعبد غيره، ثم قال عز ~~وجل { فليدع ناديه } يعني قل يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فليدع أهل مجلسه وأصحابه الكفرة حتى { سندع الزبانية } يعني ~~الملائكة هم ملائكة العذاب غلاظ شداد والزبانية أخذ من الزبن وهو ~~الدفع وإنما سموا الزبانية لأنهم يدفعون الكفار إلى النار ويقال إنما ~~سموا زبانية لأنهم يعملون بأرجلهم كما يعملون بأيديهم، وروي في الخبر أن ~~النبي ms1876 - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ بهذه السورة وبلغ إلى قوله لنسفعا ~~بالناصية قال أبو جهل أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك قال الله تعالى { ~~فليدع ناديه سندع الزبانية } فلما سمع ذكر الزبانية ~~رجع فزعا فقيل له خشيت منه قال لا ولكن رأيت عنده فارسا فهددني ~~بالزبانية فلا أدري ما الزبانية ومال إلى الفارس فخشيت أن يأكلني. وروى ~~عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هدد أبا جهل فقال ~~لم تهددني؟ فوالله علمت أني أكثر أهل الوادي ناديا لئن دعوت يعني ~~أهل مجلسي منعوني عن ربك فنزل (فليدع ناديه سندع الزبانية) قال ابن عباس ~~رضي الله عنه لو دعا ناديه أخذته الزبانية ثم قال { كلا لا تطعه ~~} يعني: حقا لا تطعه في ترك الصلاة يا محمد { واسجد } يعني: صل لله ~~تبارك وتعالى { واقترب } يعني صل واقترب إلى ربك بالأعمال الصالحة، ~~وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال اقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ألا ~~يرى إلى قوله (واسجد واقترب) يعني: اقترب إلى ربك بالسجود واعلم أن ~~السجود أربعة أحرف: السين سرعة المطيعين والجيم جهد العابدين والدال دوام ~~المجتهدين والهاء هداية العارفين ويقال السين سرور العارفين الجيم جمال ~~العابدين والدال دولة المطيعين والهاء هبة الصديقين. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # قوله تعالى: { إنا أنزلنه فى ليلة القدر } يعني: ~~أنزلنا القرآن الكريم جملة واحدة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ في ~~ليلة القدر يعني: في ليلة القضاء وإنما سميت ليلة القدر: لأن الله تعالى ~~يقدر في تلك الليلة ما يكون من السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق ~~وغيره ويسلمه إلى مدبرات الأمور وهم أربعة من الملائكة إسرافيل وجبريل ~~وميكائيل وملك الموت - عليهم السلام - وفي آية أخرى # فى ليلة مبركة # [الدخان: 3] وإنما سميت ليلة مباركة يعني ليلة القدر لأنه ينزل فيها ~~الخير والبركة والمغفرة ثم قال عز وجل { وما أدراك ما ليلة ~~القدر } تعظيما لها فقال { ليلة القدر خير من ألف ~~شهر } يعني العمل في ليلة ms1877 القدر خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ~~ليلة القدر وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كان جالسا بين ~~أصحابه يحدث بأن رجلا كان من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر وصام ولم ~~يضع السلاح حتى مات فعظم ذلك على أصحابه فنزلت (ليلة القدر خير من ألف ~~شهر) يعني العمل فيها وثوابه أفضل من لبس السلاح وصيام ألف شهر ليس فيها ~~ليلة القدر وروي في خبر آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال أرى ~~أعمال الناس فكأنه تقاصر أعمار أمته إن لم يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ ~~غيرهم في طول العمر فأعطاه الله تعالى في الجنة ليلة القدر خيرا من ألف ~~شهر فقيل يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي ليلة هي قال: # " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان " # ثم قال عز وجل { تنزل الملئكة والروح فيها } يعني ~~تتنزل الملائكة من كل سماء ومن سدرة المنتهى وهو مسكن جبريل على وسطها - ~~عليه السلام - فينزلون إلى الأرض ويدعون الخلق ويؤمنون بدعائهم إلى وقت ~~طلوع الفجر وذلك قوله (تنزل الملائكة والروح فيها) يعني جبريل معهم وذكر ~~في الخبر أن جبريل - عليه السلام - وقف على سطح الكعبة ونشر جناحيه ~~أحدهما يبلغ المشرق والآخر يبلغ المغرب وقال بعضهم " الروح " خلق يشبه ~~الملائكة وجهه يشبه وجه بني آدم - عليه السلام - وقال بعضهم هو ما قال ~~الله تعالى # قل الروح من أمر ربى # [الإسراء: 85] وقال مجاهد: ما نزل ملك إلا ومعه روح ولهم أيد وأرجل وهم ~~موكلون على الملائكة كما أن الملائكة موكلون على بني آدم ثم قال عز وجل { ~~بإذن ربهم } يعني: ينزلون بأمر ربهم { من كل أمر سلم ~~} يعني: تلك الليلة من كل أمر سلام يعني من كل آفة سلامة يعني: في هذه ~~الليلة لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقال: سلام يعني لا يستطيع ~~الشيطان أن يعمل فيها شرا. # وقال القتبي: إن (من) توضع موضع (الباء) يعني بكل أمر سلام أي خير { ~~هى حتى مطلع الفجر } وقال ms1878 مجاهد: يعني كل أمر سلام وسلام ~~من أن يحدث فيها آذى أو يستطيع الشيطان أن يعمل فيها ويقال معناه: تنزل ~~الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر وقد تم الكلام يعني: ينزلون ~~فيها من كل أمر من الرخصة وكل أمر قدره الله تعالى في تلك الليلة إلى ~~قابل # ثم استأنف فقال: (سلام هي) يعني سلام وبركة وخير كلها (حتى مطلع الفجر) ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ من كل أمر سلام يعني الملائكة ~~يسلمون على كل امرىء، وقرأ الكسائي حتى مطلع الفجر بكسر اللام والباقون ~~بنصب اللام فمن قرأ بالكسر جعله اسما لوقت الطلوع، ومن قرأ بالنصب جعله ~~مصدرا يعني يطلع طلوعا والله أعلم بالصواب. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-5] # قوله تعالى: { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب ~~} يعني: اليهود والنصارى { والمشركين } يعني: عبدة الأوثان { ~~منفكين } يعني: غير منتهين عن كفرهم وعن قولهم الخبيث { حتى ~~تأتيهم البينة } يعني: حتى أتاهم البيان فإذا جاءهم البيان ~~فريق منهم انتهوا وأسلموا، وفريق ثبتوا على كفرهم، ويقال لم يزل الذين ~~كفروا من أهل الكتاب والمشركين حتى وجب في الحكمة علينا في هذا الحال ~~إرسال الرسول إليهم، ويقال معناه: لم يكونوا منتهين عن الكفر حتى أتاهم ~~الرسول والكتاب فلما آتاهم الكتاب والرسول تابوا ورجعوا عن كفرهم وهم ~~مؤمنو أهل الكتاب والذين أسلموا من مشركي العرب. وقال قتادة (البينة) ~~أراد به محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، وقال القتبي (منفكين) أي زائلين ~~يقال لا أنفك من كذا أي لا أزول قوله تعالى: { رسول من الله ~~يتلو صحفا مطهرة } يعني: قرآنا مطهرا من الزيادة ~~والنقصان، ويقال مطهرا من الكذب والتناقض ويقال (صحفا مطهرة) أي أمور ~~مختلفة ويقال سمي القرآن صحفا من كثرة السور { فيها كتب قيمة } ~~يعني: صادقة مستقيمة لا عوج فيها ويقال: كتب قيمة: يعني تدل على الصواب ~~والصلاح ولا تدل على الشرك والمعاصي. ثم قال عز وجل { وما تفرق ~~الذين أوتوا الكتب } يعني: وما اختلفوا في محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وهم ms1879 اليهود والنصارى { إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة } يعني: بعدما ظهر لهم الحق فنزل القرآن على محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم قال: { وما أمروا } يعني: وما أمرهم محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - { إلا ليعبدوا الله } يعني: ليوحدوا الله ~~ويقال وما أمروا في جميع الكتب إلا ليعبدوا الله يعني يوحدوا الله { ~~مخلصين له الدين حنفاء } مسلمين روي عن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد أنه قال: حنفاء يعني: متبعين وقال الضحاك حنفاء: يعني حجاجا يحجون ~~بيت الله تعالى ثم قال: { ويقيموا الصلوة } يعني يقرون بالصلاة ~~ويؤدونها في مواقيتها. { ويؤتوا الزكوة } يعني يقرون بها ~~ويؤدونها. { وذلك دين القيمة } يعني: المستقيم لا عوج فيه: ~~يعني الإقرار بالتوحيد وبالصلاة والزكاة وإنما بلفظ التأنيث (القيمة) ~~لأنه انصرف إلى المعنى والمراد به الملة. يعني: الملة المستقيمة لا عوج ~~فيها يعني هذا الذي يأمرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - وبهذا أمروا في ~~جميع الكتب. ### || [98.6-8] # قال عز وجل { إن الذين كفروا من أهل الكتب ~~والمشركين } يعني: الذين جحدوا من اليهود والنصارى بمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وبالقرآن: ومن مشركي مكة وثبتوا على كفرهم { فى نار ~~جهنم خلدين فيها } يعني: دائمين فيها { أولئك هم ~~شر البرية } يعني: شر الخليقة: قرأ نافع وبن عامر (البريئة) ~~بالهمزة والباقون بغير همزة فمن قرأ بالهمزة: فلأن الهمزة فيها أصل ~~ويقال: برأ الله الخلق ويبرؤهم وهو الخالق البارىء ومن قرأ بغير همزة ~~فلأنه اختار حذف الهمزة وتخفيفها. ثم مدح المؤمنين ووصف أعمالهم وبين ~~مكانهم في الآخرة حتى يرغبوا إلى جواره فقال { إن الذين ءامنوا ~~وعملوا الصلحت } يعني صدقوا بالله وأخلصوا بقلوبهم ~~وأفعالهم وهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن تابعهم إلى يوم ~~القيامة { أولئك هم خير البرية } يعني هم خير الخليقة ~~وقال عبد الله ابن عمرو بن العاص: (والله للمؤمن أكرم على الله تعالى من ~~بعض الملائكة الذين عبدوه) وروي عن الحسن أنه سئل عن قوله (أولئك هم خير ~~البرية) أهم خير من الملائكة؟ قال ويلك أين تعدل الملائكة من الذين آمنوا ms1880 ~~وعملوا الصالحات ثم بين ثوابهم فقال عز وجل { جزاؤهم عند ربهم ~~} يعني ثوابهم في الآخرة { جنت عدن تجرى من تحتها ~~الأنهر } يعني أنهار من الخمر والعسل واللبن وماء غير آسن { ~~خلدين فيها أبدا } يعني دائمين مقيمين فيها { رضى الله ~~عنهم } بأعمالهم { ورضوا عنه } بثوابه الجنة { ذلك } يعني ~~هذا الثواب الذي ذكر { لمن خشى ربه } يعني وحد ربه في ~~الدنيا واجتنب معاصيه والله أعلم. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-6] # قوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها } وذلك أن الناس ~~كانوا يرون في بدء الإسلام أن الله تعالى لا يؤاخذ بالصغائر من الذنوب ~~ولا يعاقب إلا في الكبائر حتى نزلت هذه السورة وقال (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) وذكر أهوال ذلك اليوم وبين أن ~~القليل في ذلك اليوم يكون كثيرا فقال (إذا زلزلت الأرض زلزالها) يعني ~~تزلزلت الأرض عند قيام الساعة وتحركت واضطربت حتى يتكسر كل شيء عليها، ~~ويقال سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قيام الساعة فنزل وبين متى ~~يكون قيام الساعة فقال (إذا زلزلت الأرض زلزالها) يعني تزلزلت الأرض ~~وتحركت تحركا وهو كقوله # ويخرجكم إخراجا # [نوح: 18] والمصدر للتأكيد قوله تعالى: { وأخرجت الأرض ~~أثقالها } يعني أظهرت ما فيها من الكنوز والأموات { وقال ~~الإنسن ما لها } يعني يقول الإنسان الكافر ما لها يعني للأرض على ~~وجه التعجب { يومئذ تحدث أخبارها } يعني تخبر الأرض بكل ما ~~عمل عليها بنو آدم من خير أو شر، تقول للمؤمنين صلى علي وحج واعتمر ~~وجاهد فيفرح المؤمن، وتقول للكافر أشرك وسرق وزنا وشرب الخمر فيحزن ~~الكافر فيقول مالها؟ يعني ما للأرض تحدث بما عمل عليها؟ على وجه التقديم ~~والتأخير ومعناه يومئذ تحدث أخبارها (وقال الإنسان مالها) يقول الله ~~تعالى لمحمد - صلى الله عليه وسلم - { بأن ربك أوحى لها } ~~يعني أن الأرض تحدث بأن ربك أذن لها في الكلام وألهمها { يومئذ ~~يصدر الناس أشتاتا } يعني يرجع الناس متفرقين فريق في الجنة ~~وفريق في السعير فريق مع الحور العين يتمتعون وفريق مع الشياطين ms1881 يعذبون، ~~فريق على السندس والديباج على الأرائك متكئون، وفريق في النار على وجوههم ~~يجرون، اللهم في الدنيا هكذا كانوا فريقا حول المساجد والطاعات ~~وفريق في المعاصي والشهوات فذلك قوله (يومئذ يصدر الناس أشتاتا) يعني ~~فرقا فرقا { ليروا أعملهم } يعني ثواب أعمالهم وهكذا ~~كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه فإن كان محسنا يقول لم لم ~~ازدد إحسانا وإن كان غير ذلك يقول ألا رغبت عن المعاصي؟ " # وهذا عند معاينة الثواب والعقاب وقال أبي بن كعب الزلزلة لا تخرج إلا ~~من ثلاثة: إما نظر الله تعالى بالهيبة إلى الأرض، وإما لكثرة ذنوب بني ~~آدم، وأما لتحرك الحوت التي عليها الأرضون السبع تأديبا للخلق وتنبيها ### || [99.7-8] # ثم قال عز وجل { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ~~يعني مقدار ذرة وهو الذي يرى في شعاع الشمس يعني يرى ثوابه في الآخرة { ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } يعني يرى جزاؤه في ~~الآخرة، وروى قتادة عن محمد بن كعب القرظي قال (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره) الآية قال ما من كافر عمل مثقال ذرة من خير إلا عجل له ثواب ذلك ~~في الدنيا في نفسه أو في أهله أو في ماله حتى خرج من الدنيا وليس له عند ~~الله مثقال ذرة من خير. وما من مؤمن عمل مثقال ذرة من شر إلا عجل له ~~عقوبتها في الدنيا في نفسه أو في ماله أو في أهله حتى يخرج من دار الدنيا ~~وليس له عند الله مثقال ذرة من شر وروى معمر عن زيد بن أسلم أن رجلا جاء ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال علمني مما علمك الله فدفعه إلى ~~رجل يعلمه القرآن فعلمه (إذا زلزلت الأرض) حتى بلغ (فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) فقال الرجل حسبي فأخبر بذلك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال دعه فقه الرجل وروى الأجلح عن أبي ~~إسحاق عن امرأته ms1882 عن عائشة أنها قالت دخلت على عائشة رضي الله عنها أنا ~~وامرأة أبي سفيان فجاء سائل يسألها سلة من عنب فأخذت حبة من عنب فأعطته ~~فنظر بعضنا إلى بعض فقالت إن قدر هذا أثقل من ذرات كثيرة ثم قرأت فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره والله أعلم. ### | [100 - سورة العاديات] ### || [100.1-5] # قوله تعالى: { والعديت ضبحا } قال مقاتل وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعث سرية إلى بني كنانة واستعمل عليهم " المنذر بن ~~عمرو " الساعدي فأبطأ عليه خبرهم فاغتم لذلك فنزل عليه جبريل - عليه ~~السلام - بهذه السورة يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعلمه عن ~~حالهم فقال (والعاديات ضبحا) يعني أفراس أصحابك يا محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - إنهم يسبحون في عدوهم { فالموريت قدحا } يعني النار ~~التي تسطع من حوافر الفرس إذا عدت في مكان ذي صخور وأحجار { ~~فالمغيرت صبحا } يعني أصحابك يغيرون على العدو عند الصبح { ~~فأثرن به نقعا } يعني يثيرون بحوافرهن التراب إذا عدت الفرس في ~~مكان سهل يهيج التراب والغبار (نقعا) يعني أطراحا على الأرض { ~~فوسطن به جمعا } يعني أصحابك أصبحوا في وسط العدو مع الظفر ~~والغنيمة فلا تغتم وقال الكلبي (والعاديات ضبحا) يعني أنفاس الخيل حين ~~تتنفس إذا اجتهدت وقال ابن مسعود رضي الله عنه (والعاديات ضبحا) يعني ~~الإبل بعرفات إذا دخل الحجاج مكة، وروى عطاء عن ابن عباس في قوله ~~(والعاديات ضبحا) قال الخيل وما أصبح دابة قط إلا كلب أو خنزير وهو يلهث ~~كما يلهث الكلب وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي الإبل تذهب إلى ~~وقعة بدر. # وقال أبو صالح تقاولت مع عكرمة في قوله (والعاديات ضبحا) قال عكرمة قال ~~ابن عباس هي الخيل في القتال فقلت مولاي [يعني علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه] أعلم من مولاك إنه كان يقول هي الإبل التي تكون بمكة حين تفيض من ~~عرفات إلى جمع وقال أهل اللغة الضبح (صوت حلوقها) إذا عدت والضبح والضبع ~~واحد ms1883 يقال ضحت الناقة وضبعت إذا عدت في المسير. # وهذا قسم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء وجوابه قوله تعالى: # إن الإنسن لربه لكنود # [العاديات:6] وقال بعضهم (فالموريات قدحا) معناه فالمنجيات عملا وهذا ~~مثل ضربه الله تعالى فكما أن الأقداح تنجي الرجل المسلم من برد الشتاء ~~والهلاك وإذا لم يكن معه الزند فيهلك في البرد فكذلك العمل الصالح ينجي ~~العبد يوم القيامة ومن العذاب الهلاك وإذا لم يكن معه عمل صالح يهلك في ~~العذاب ويقال (فالموريات قدحا) يعني نارا لأبي حباحب كان رجل في بعض ~~أحياء العرب من أبخل الناس ولم يوقد نارا حتى ينام كل ذي عين ثم يوقدها ~~فإذا استيقظ أحد أطفأها لكي لا ينتفع بناره أحد بخلا منه فكذلك الخيل ~~حين اشتدت على الأرض الحصاة فقدحت النار بحوافرها لا ينتفع بها كما لا ~~ينتفع بنار أبي حباحب ثم قال (فالمغيرات صبحا) يعني الخصماء، يغيرون ~~على حسنات العبد يوم القيامة بمنزلة ريح عاصف يجيء ويرفع التراب الناقع ~~من حوافر الدواب فذلك قوله تعالى (فأثرن به نقعا) ويقال هي الإبل ترجع ~~من عرفات إلى مزدلفة ثم يرجعن إلى منى ويذبح هناك ويقسم الخمر ويوجد ~~اللحم كأنهم أغاروها (فأثرن به نقعا) يعني هيجن بالوادي غبارا حين ~~يرجعون من مزدلفة إلى منى وقوله تعالى (به) كناية عن الوادي فكأنه يقول ~~(فأثرن به نقعا) أي غبارا ثم قال (فوسطن به جمعا) يعني فوقعن بالوادي ~~ويقال بالمكان جمعا أي اجتمع الحاج بمنى. ### || [100.6-11] # قال { إن الإنسن لربه لكنود } فيه جواب القسم أقسم الله ~~تعالى بهذه الأشياء وفيه بين ذكر فضل الغازي وفضل فرس الغازي على تفسير ~~من فسر الآية على الفرس حين أقسم الله تعالى بالتراب الذي يخرج والنار ~~التي تخرج من تحت حوافر فرس الغازي لأنه ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل ~~الله تعالى. # ومن فسر الآية على الإبل ففي الآية بيان فضل الحاج وفضل دواب الحاج حيث ~~أقسم الله تعالى بالتراب الذي يخرج من تحت أخفاف إبل الحاج والنار التي ~~تخرج منها ms1884 حيث صارت في أرض الحجارة أن الإنسان لربه لكنود يعني لبخيل قال ~~مقاتل نزلت في قرط بن عبد الله وقال معنى " الكنود " بلسان كندة وبني ~~حضرموت هو العاصي سيده، وبلسان بني كنانة البخيل، ويقال هو الوليد بن ~~المغيرة، ويقال هو أبو حباحب ويقال كان ثلاثة نفر في العرب في عصر واحد ~~أحدهم آية في السخاء وهو حاتم الطائي، والثاني آية في البخل وهو أبو ~~حباحب، والثالث آية في الطمع هو أشعب كان طماعا وكان من طمعه إذا رأى ~~عروسا تزف إلى موضع جعل يكنس باب داره لكي تدخل داره، وكان إذا رأى ~~إنسانا يحك عنقه فيظن أنه ينزع القميص ليدفعه إليه ويقال " الكنود " ~~الذي يمنع وفده ويجمع أهله ويضرب عبده ويأكل وحده ولا يعبأ للنائرة في ~~قومه أي المصيبة، وقال الحسن الكنود الذي يذكر المصائب وينسى النعم ويقال ~~الكنود الذي لا خير فيه ويقال الأرض التي غلب عليها السبخة ولا يخرج منها ~~البذر أرض كنود قوله تعالى: { وإنه على ذلك لشهيد } يعني ~~الله تعالى حفيظ على صنعه عالم به. { وإنه لحب الخير ~~لشديد } يعني الإنسان على جمع المال حريص، وقال القتبي: معناه إنه ~~لحب المال لبخيل، والشدة البخل ها هنا، وقال الزجاج معناه أنه من أجل حب ~~المال لبخيل وهذا موافق لما قال القتبي، ثم قال عز وجل { أفلا ~~يعلم إذا بعثر ما فى القبور } يعني أفلا يعلم هذا البخيل ~~إذا بعث الناس من قبورهم وعرضوا على الله تعالى بعثر يعني أخرج { ~~وحصل ما فى الصدور } يعني بين ما في القلوب من الخير والشر { ~~إن ربهم بهم يومئذ لخبير } يعني عالم بهم وبأعمالهم ~~وبنياتهم، ومن أطاعه في الدنيا ومن عصاه فيها وفي الآية دليل أن الثواب ~~يستوجب على قدر النية ويجري به لأنه قال عز وجل (وحصل ما في الصدور) يعني ~~يحصل له من الثواب بقدر ما كان في قلبه من النية إن نوى بعمله وجه الله ~~تعالى والدار الآخرة يحصل له الثواب على قدره والله أعلم. ### | [101 - سورة القارعة] ms1885 ### || [101.1-11] # قوله تعالى: { القارعة ما القارعة } يعني القيامة والساعة ما ~~الساعة وهذا من أسماء يوم القيامة مثل الحاقة والطامة والصاخة، وإنما ~~سميت القارعة لأنها تنزع القلوب بالأهوال ويقال سماها قارعة لثلاثة: # لأنها تقرع في أذن العبد بما عمله وسمعه، والثاني تقرع أركان العبد بعضه ~~في بعض، والثالث تقرع القلوب كما تقرع القصار الثوب ثم قال عز وجل { ~~وما أدراك ما القارعة } تعظيما لشدتها ثم وصفها فقال { ~~يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } يعني كالجراد ~~كالفراش يجول بعضهم في بعض كما قال في آية أخرى # كأنهم جراد منتشر # [القمر:7] ويقال شبههم بالفراش لأنهم يلقون أنفسهم في النار كما يلقي ~~الفراش نفسه في النار { وتكون الجبال كالعهن المنفوش } ~~يعني كالصوف المندوف وهي تمر مر السحاب { فأما من ثقلت ~~موزينه } يعني رجحت حسناته على سيئاته ويقال ثقلت موازينه بالعمل ~~الصالح بالصلاة والزكاة وغيرها من العبادات { فهو فى عيشة ~~راضية } يعني في عيش مرضي يعني في الجنة لا موت فيها ولا فقر ولا ~~مرض ولا خوف ولا جنون يعني آمن من كل خوف وفقر { وأما من خفت ~~موزينه } يعني رجحت سيئاته على حسناته يعني الكافر ويقال من خفت ~~موازينه يعني لا يكون له عمل صالح { فأمه هاوية } يعني مصيره ~~إلى النار، قال قتادة هي أمهم ومأواهم وإنما سميت الهاوية لأن الكافر إذا ~~طرح فيها يهوي على هامته، وإنما سميت أمه لأن مصيره إليها ومسكنه فيها، ~~ثم وصفها فقال { وما أدراك ما هيه } تعظيما لشدتها، ثم أخبر ~~عنها فقال { نار حامية } يعني حارة قد انتهى حرها، وأصله ما هي ~~فأدخلت الهاء للوقف كقوله: # اقرؤا كتبيه # [الحاقة:19] وأصله كتابي قرأ حمزة والكسائي وما أدراك ما هي بغير هاء في ~~الوصل وبالهاء عند الوقف وقرأ الباقون بإثباتها في الوصل والوقف والله ~~تعالى أعلم بالصواب. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-8] # قوله تعالى: { ألهكم التكاثر } قال الكلبي: نزلت في ~~حيين من العرب أحدهما بنو عبد مناف والآخر بنو سهم تفاخرا في الكثرة ~~فكثرتهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم إنما البغي ms1886 والقتال قد أهلكنا فقد ~~أحيانا وأحياكم وأمواتنا وأمواتكم ففعلوا فكثرتهم بنو سهم فنزل ~~(ألهاكم التكاثر) يعني شغلكم وأذهلكم التفاخر { حتى زرتم ~~المقابر } يعني أتيتم وذكرتم وعددتم أهل المقابر يعني حتى يدرككم ~~الموت على تلك الحال وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه (قرأ ~~الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) ثم قال يقول بني آدم مالي مالي وهل لك ~~من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ويقال ~~معناه أغفلكم التفاخر والتكاثر عن الهاوية والنار الحامية حتى زرتم ~~المقابر يعني عددتم من في المقابر. ثم قال { كلا } وهو رد على ~~صنيعكم ويقال (كلا) معناه أي لا تدعون الفخر بالأحساب حتى زرتم ~~المقابر، وقال الزجاج كلا ردع لهم وتنبيه يعني ليس الأمر الذي أن يكون ~~عليه التكاثر والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة الله تعالى والإيمان بنبيه ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - { سوف تعلمون } إذا نزل بكم الموت ~~ويقال (كلا سوف تعلمون) إن سئلتم في القبر ثم قال { ثم كلا سوف ~~تعلمون } بعد الموت حين نزل بكم العذاب لأن الأحساب لا تنفعكم قوله ~~تعالى: { كلا لو تعلمون } قال بعضهم معناه كلا لا تؤمنون ~~بالوعيد وقد تم الكلام ثم استأنف فقال: { علم اليقين } يعني لو ~~تعلمون ما القيامة باليقين لألهاكم عن ذلك ويقال هذا موصول به كلا لو ~~تعلمون يقول حقا لو علمتم علم اليقين بأن المال والحسب والفخر لا ينفعكم ~~يوم القيامة ما افتخرتم بالمال والعدد والحسب ثم قال عز وجل { ~~لترون الجحيم } قرأ ابن عامر والكسائي (لترون) بضم التاء ~~والباقون بالنصب فمن قرأ بالضم فهو على فعل ما لم يسم فاعله ونصب الجحيم ~~على أنه مفعول ثان، ومن قرأ بالنصب فعلى فعل المخاطبة ونصب الجحيم لأنه ~~مفعول به يعني لترون الجحيم يوم القيامة عيانا { ثم لترونها ~~عين اليقين } يعني يدخلونها عيانا لا شك فيه { ثم ~~لتسئلن يومئذ عن النعيم } يعني ولتسألن يوم القيامة ~~عن النعيم قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أكل خبزا يابسا ms1887 وشرب ~~الماء من الفرات فقد أصاب النعيم وقال ابن مسعود رضي الله عنه هو الأمن ~~والصحة وروى حماد بن سلمة عن أبيه عمار بن أبي عمار عن جابر أنه قال ~~جاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فأطعمناهم رطبا وأسقيناهم الماء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " هذا من النعيم التي تسألون عنه " # وروى صالح بن محمد عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن بن عباس ~~قال إن أبا بكر سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكلة أكلها مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت أبي الهيثم بن التيهان من لحم ~~وخبز وشعير وبسر مذنب وماء عذب فقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه فقال: النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # " إنما ذلك للكفار ثم قال ثلاثة لا يسأل الله تعالى عنها العبد يوم ~~القيامة ما يواري عورته، وما يقيم به صلبه، وما يكفه عن الحر والقد ~~وهو مسؤول بعد ذلك عن كل نعمة " # وروى الحسن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " ما أنعم الله تعالى على العبد من نعمة صغيرة أو كبيرة فيقول عليها ~~الحمد لله إلا أعطاه الله تعالى خيرا مما أخذ " # والله أعلم، وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " من قرأ سورة التكاثر لم يحاسبه الله تعالى بالنعيم الذي أنعم به في ~~الدار الدنيا وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن ". ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # قوله تعالى: { والعصر } قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعني ~~الدهر وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يعني صلاة العصر وذلك أن ~~أبا بكر لما أسلم قالوا خسرت يا أبا بكر حين تركت دين أبيك فقال أبو ~~بكر ليس الخسارة في قبول الحق إنما الخسارة في عبادة الأوثان التي لا ~~تسمع ولا تبصر ولا تغني عنكم فنزل جبريل - عليه ms1888 السلام - بهذه الآية ~~(والعصر) # أقسم الله تعالى بصلاة العصر { إن الإنسن لفى خسر } يعني أن ~~الكافر لفي خسارة وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال " إن الإنسان لفي ~~خسر " يعني الناس كلهم ثم استثنى فقال عز وجل { إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصلحت } فإنهم غير منقوصين قال القتبي ~~الخسر النقصان إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير منقوص كما ~~قال الله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين، آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) يعني يكتب ~~لهم ثواب عملهم وإن ضعفوا عن العمل، قال الزجاج: إن الإنسان أراد به ~~الناس، والخسران واحد، ومعناه إن الإنسان الكافر والعاملين بغير طاعة ~~الله تعالى لفي خسر وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ والعصر ~~ونوايب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفي لعنة إلى آخر الدهر، ويقال ~~أقسم الله تعالى بخالق الدهر إن الإنسان لفي خسر يعني أبا جهل والوليد بن ~~المغيرة ومن كان في مثل حالهما، ثم استثنى المؤمنين فقال إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين { وتواصوا بالحق } يعني تحاثوا على القرآن. يعني ~~يرغبون في الإيمان بالقرآن والأعمال الصالحة { وتواصوا ~~بالصبر } يعني تحاثوا على الصبر على عبادة الله تعالى وعلى الشدائد ~~فيرغبون الناس على ذلك ويقال بالصبر على المكاره فإن الجنة حفت بالمكاره ~~والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # قوله تعالى: { ويل لكل همزة لمزة } يعني الشدة من ~~العذاب، ويقال (ويل) واد في جهنم (لكل همزة لمزة) قال أبو العالية ~~يعني يهمزه في وجهه ويلمزه من خلفه وقال مجاهد الهمزة: اللعان، واللمزة: ~~الذي يأكل لحوم الناس، وقال ابن عباس الهمزة واللمزة الذي يفرق بين الناس ~~بالنميمة والآية نزلت في الأخنس ابن شريق، ويقال الذي يسخر من الناس ~~فيشير بعينه وبحاجبيه وبشفتيه إليه، وقال مقاتل نزلت في الوليد بن ~~المغيرة وكان يغتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويطعن في وجهه، ويقال ~~نزلت في جميع المغتابين ms1889 ثم قال عز وجل { الذى جمع مالا ~~وعدده } يعني استعبد بماله الخدم والحيوان (وعدده) أي حسبه وأحصاه ~~قرأ بن عامر وحمزة والكسائي (الذي جمع مالا وعدده) بالتشديد والباقون ~~بالتخفيف، فمن قرأ بالتشديد فهو للمبالغة كثر الجمع ومن قرأ بالتخفيف ~~فمعناه وجمع مالا وعدده أي قوما أعدهم نصارا قوله عز وجل { يحسب ~~أن ماله أخلده } يعني يظن أن ماله الذي جمع أخلده في الدنيا ~~ويمنعه من الموت ومن قرأ بالتخفيف فلا يموت حتى يفنى ماله يقول الله ~~تعالى { كلا } لا يخلده ماله أبدا وولده ثم استأنف فقال عز وجل { ~~لينبذن فى الحطمة } يعني ليطرحن وليقذفن في الحطمة والحطمة ~~اسم من أسماء النار ثم قال: { وما أدراك ما الحطمة } تعظيما ~~لشدتها، ثم وصفها فقال { نار الله الموقدة } يعني المستعرة ~~تحطم العظام وتأكل اللحم فلهذا سميت الحطمة. { التى تطلع على ~~الأفئدة } يعني تأكل اللحم حتى تبلغ أفئدتهم وقال القتبي تطلع على ~~الأفئدة أي تشرف على الأفئدة وخص الأفئدة لأن الألم إذا وصل إلى الفؤاد ~~مات صاحبه فأخبر أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون كما قال الله تعالى # لا يموت فيها ولا يحيا # [الأعلى:13] ويقال (تطلع على الأفئدة) يعني تأكل الناس حتى تبلغ الأفئدة ~~فإذا بلغت الأفئدة ابتدأ خلقه ولا تحرق القلب لأن القلب إذا احترق لا يجد ~~الألم فيكون القلب على حاله ثم قال { إنها عليهم مؤصدة } ~~يعني مطبقة على الكافرين { فى عمد ممددة } يعني طبقها مشدود ~~إلى العمد، وقال الزجاج: معناه العذاب مطبق عليهم في عمد أي عمد من ~~النار، وقال الضحاك (مؤصدة) أي حائط لا باب فيه، وروي عن الأعمش أنه كان ~~يقرأ (عليهم مؤصدة ممدودة) يعني أطبقت الأبواب ثم شددت بالأوتاد من حديد ~~من نار حتى يرجع إليهم غمها وحرها فلا يفتح لهم باب ولا يدخل عليهم روح ~~ولا يخرج منها غم إلى الأبد قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ~~(في عمد ممدودة) بضم العين والميم وقرأ الباقون بالنصب ومعناهما واحد ~~وهو جمع العماد. والله أعلم ms1890 بالصواب. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # قوله تعالى: { ألم تر } يعني ألم تخبر بالقرآن، ويقال (ألم تر) ~~يعني ألم يبلغك الخبر، ويقال اللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الإخبار، ~~يعني اعلم واعتبر بصنيع ربك { كيف فعل ربك } يعني كيف عذب ربك ~~{ بأصحب الفيل } وكان بدء أصحاب الفيل ما ذكرناه في سورة ~~البروج أن زرعة قتل المسلمين بالنار فهرب رجل منهم إلى ملك الحبشة وأخبره ~~بذلك فبعث ملك الحبشة جيشا إلى أرض اليمن فأمر عليهم أرياطا ومعه في ~~جنده أبرهة الأشرم فركب البحر بمن معه حتى أتوا ساحلا مما يلي أرض اليمن ~~فدخلوها ومع أرياط سبعون ألفا من الحبشة وهزم جنود زرعة وألقى زرعة نفسه ~~في الماء فهلك وأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعه في أمر ~~الحبشة أبرهة وكان من أصحابه ممن وجهه معه النجاشي إلى اليمن وخالفه ~~أبرهة وتفرق الجند في أرض اليمن وصار إلى كل واحد منهما طائفة منهم ثم ~~خرجوا للقتال فلما تقارب الناس ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط ~~أن لا تصنع شيئا بأن تلقي الحبشة بعضها في بعض حتى تفنيها فأبرز لي ~~وأبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إلى جنده فأرسل إليه أرياط أن قد أنصفت ~~فاخرج فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا وخرج إليه أرياط وكان رجلا ~~طويلا عظيما في يده حربة وخلف أبرهة عبدا يقال له عنودة وروي عن بعضهم ~~عيودة بالياء فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على ~~رأس أبرهة يريد يافوخة فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فخدشت حاجبيه وعينه ~~وأنفه وشفتيه فلذلك سمي أبرهة الأشرم. وحمل عيودة على أرياط من خلف أبرهة ~~فقتل أرياط وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن وكل ~~ما صنع أبرهة من غير علم النجاشي ملك الحبشة فلما بلغه ذلك غضب غضبا ~~شديدا وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف أن لا يدع أبرهة حتى ~~يطأ بلاده ويجز ناصيته، فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه وملأ جرابا ms1891 من تراب ~~أرض اليمن ثم بعث إلى النجاشي وكتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك ~~وأنا عبدك واختلفنا في أمرك وكل طاعة لك إلا أني قد كنت أقوى على أمر ~~الجيش منه وأضبط له، وقد حلقت رأسي حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب ~~من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه فيبر قسمه فلما وصل كتاب أبرهة إلى النجاشي ~~رضي عنه وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري وقال أبرهة لعتودة ~~حين قتل أرياط حكمك يعني أحكم علي بما شئت فقال حكمي أن لا تدخل عروس من ~~نساء أهل اليمن على زوجها حتى أصيبها قبله، قال ذلك لك فأقام أبرهة ~~باليمن وغلامه عنودة يصنع باليمن ما كان أعطاه في حكمه ثم عدل عليه رجل ~~من حمير أو من خثعم فقتله فلما بلغ أبرهة قتله وكان أبرهة رجلا حليما ~~ودعا في دينه من النصرانية فقال قد آن لكم يا أهل اليمن أن يكون منكم رجل ~~حازم يأنف مما يأنف منه الرجال إني والله لو علمت حين حكمته أنه يسأل من ~~الذي سأل ما حكمته وأيم الله لا يؤخذ منكم فيه عقل ولا قود. # ثم أن أبرهة بنى بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانه في أرض الروم ولا ~~في أرض الشام ثم كتب إلى النجاشي الأكبر ملك الحبشة أني قد بنيت لك كنيسة ~~لم يكن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب فلما ~~علمت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي خرج رجل من بني كنانة من الحمس حتى ~~قدم اليمن فدخل الكنيسة فنظر فيها ثم خرى فيها فدخلها أبرهة فوجد تلك ~~العذرة فيها فقال: من اجترأ علي بهذا؟ فقال له أصحابه: أيها الملك رجل ~~من أهل ذلك البيت الذي يحجه العرب فقال أعلي اجترأ بهذا؟ ثم قال ~~بالنصرانية لأهدمن ذلك البيت ولأخربنه حتى لا يحجه حاج أبدا، ~~فدعا بالفيل وأذن قومه بالخروج، وروي في رواية أخرى أن فئة من قريش ~~خرجوا إلى أرض النجاشي فأوقدوا نارا ms1892 فلما رجعوا تركوا النار في يوم ريح ~~عاصف حتى وقعت النار في الكنيسة فأحرقتها فعزم أبرهة وهو خليفة النجاشي ~~أن يخرج إلى مكة فيهدم الكعبة وينقل أحجارها إلى اليمن فيبني هناك بيتا ~~ليحج الناس إليه، وروي في رواية أخرى أن رجلا من أهل مكة خرج إلى اليمن ~~فأخذ جزعة من القصب ذات ليلة وأضرم النار في الكنيسة فأحرقها ثم هرب ~~فبناها أبرهة مرة أخرى فحلف بعيسى ابن مريم بأن يهدم الكعبة لكي يتحول ~~الحج إلى كنيسته فتجهز فخرج معه حتى إذا كان في بعض طريقه بعث رجلا من ~~بني سليم ليدعو الناس في حج بيته الذي بناه فتلقاه رجل من اليمن بني ~~كنانة فقتله فازداد أبرهة بذلك غضبا وحث على المسير والانطلاق حتى إذا ~~كان بأرض جعم فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له ذو يفن فدعا ~~القوم وأحبابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وصده عن بيت الله فقاتله فهرب ~~ذو يفن وأصحابه وأخذوا ذا يفن وأتى به أسيرا فلما أراد قتله قال أيها ~~الملك لا تقتلني: فإنه عسى أن أكون معك خير لك من قتلي فتركه وحبسه عنده ~~في وثاقه ثم مضى على وجهه ذلك حتى إذا كان بأرض خشعم عرض له " فقيل بن ~~حبيب الخشعي " فقاتله فهزمه وأخذ أسيرا فلما أتي به وهم بقتله فقال أيها ~~الملك لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب فتركه وخلى سبيله وخرج به معه ~~يدله على أرض العرب حتى إذا مر بالطائف فخرج إليه مسعود بن مغيث التقى في ~~رجال من ثقيف فقالوا أيها الملك إنما نحن عبيدك ليس عندنا لك خلاف وليس ~~بيتنا هذا الذي تريد يعنون اللات والعزى وليست بالتي يحج إليه العرب ~~وإنما ذلك بيت قريش الذي بمكة فنحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز عنهم ~~فبعثوا معه أبا رغال فخرج يهديهم الطريق حتى أنزلهم بالمغمس وهي على ستة ~~أميال من مكة فمات أبو رغال هناك فرجمت العرب قبره فهو القبر الذي ترجمه ~~الناس بالمغمس ثم أن ms1893 قريشا لما علموا أن لا طاقة لهم بالقتال مع هؤلاء ~~القوم لم يبق بمكة أحد إلا خرج إلى الشعاب والجبال ولم يبق أحد إلا عبد ~~المطلب على سقايته وشيبه أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ ~~بعضادتي البيت ويقول لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبوا ~~بصليبهم فامر ما بدا لك ثم إن أبرهة بعث رجلا من الحبشة على جمل له حتى ~~انتهى إلى مكة وساق إلى أبرهة أموال قريش وغيرها فأصاب مائتي بعير لعبد ~~المطلب وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ثم بعثت ابرهة رجلا من أهل حمير إلى ~~مكة وقال أرسل إلى سيد هذا البيت وشريفهم ثم قال له إن الملك يقول لك إني ~~لم آت لاحرجكم وإنما جئت لأهدم هذا البيت فإن لم تتعرضوا إلى دونه بحرب ~~فلا حاجة لي بدمائكم. # فلما دخل الرسول مكة جاء إلى عبد المطلب وأدى إليه الرسالة فقال له عبد ~~المطلب ما نريد حربه وما لنا بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن " ذي يفن " ~~وكان صديقا له فجاءه وهو في مجلسه فقال له هل عندك من عناء بما نزل بنا ~~فقال له ذويفن ما عناء رجل أسير بيد ملك ينتظر بأن يقتله عدوا أو مشيا: ~~ألا إن صاحب الفيل صديق لي فأرسل إليه فأوصيه لك وأعظم عليه حقك وأسأله ~~أن يستأذن لك على الملك فتكلمه أنت بما بدا لك فقال: حسبي ففعل ذلك فلما ~~دخل عبد المطلب على الملك وكلمه فأعجبه كلامه ثم قال لترجمانه قل له: ما ~~حاجتك؟ قال عبد المطلب حاجتي إليك أن ترد إلي مائتي بعير لي فلما قال ذلك ~~قال له أبرهة لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم إني رجوت (يعني كرهت) فيك حيث ~~كلمتني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت ~~لهدمه لا تكلمني فيه؟ قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وإن للبيت ربا ~~سيمنعه فقال ما كان يمنع مني قال أنت وذلك فرد عليه الإبل فانصرف عبد ~~المطلب ms1894 إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمر بالخروج لمن بقي من أهل مكة إلى ~~الجبال وفي بطون الشعاب ثم إن عبد المطلب أخذ بحلقتي باب الكعبة وقال ~~اللهم إن المرء يمنع رحله وذكر كلمات في ذلك ثم أرسل حلقتي الباب وانطلق ~~ومن معه إلى الجبال ينتظرون ما يصنع أبرهة بمكة فلما أصبح أبرهة تهيأ ~~لدخول مكة وهيأ فيله وجيشه وكان اسم الفيل محمودا وكنيته أبو العباس ~~وكتبه أبو البكشوم فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي ~~حتى جاء إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال ابرك محمودا وارجع راشدا من ~~حيث جئت فإنك والله في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه. # فاضطجع فضربه ليقوم فأبى فضربوه ليقوم فأبى وضربوا بالطبرزين فوجهوه ~~راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى ~~مكة فبرك وأرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل ~~طير منها ثلاثة أحجار حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمصة ~~والعدسة لا تصيب أحدا منهم إلا هلك فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي ~~جاؤوا منه ويتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق فخرج نفيل يشتد ~~حتى صعد الجبل فخرجوا معه يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل فأصيب ~~أبرهة في جسده وخرجوا معه فيسقط من جسده أنملة أنملة كلما سقطت منه أنملة ~~خرجت منه مدة قيح ودم حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى ~~انصدع صدره عن قلبه ثم مات فملك ابنه يكثوم بن أبرهة ملك اليمن وروي في ~~الخبر أنه أول ما وقعت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وقال بعضهم ~~كان أمر أصحاب الفيل قبل مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث وعشرين ~~سنة وقال بعضهم كان ذلك في عام مولده - عليه السلام - وروي عن قبس بن ~~مخرمة أنه قال ولدت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عام الفيل ~~فنزل قوله (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) يعني كيف عاقب ربك ms1895 أصحاب ~~الفيل بالحجارة حين أرادوا هدم الكعبة قال تعالى { ألم يجعل ~~كيدهم فى تضليل } يعني في خسارة ويقال معناه ألم يجعل صنيعهم ~~في أباطيل { وأرسل عليهم طيرا أبابيل } يعني متتابعا ~~بعضها على أثر بعض أرسل عليهم الله طيورا بيضا صغارا وقال عبيد بن ~~عمير أرسل عليهم طيرا بلقا من البحر كأنها الخطاطيف وروى عطاء عن ابن ~~عباس قال طيرا سودا جاءت من قبل البحر فوجا فوجا ثم قال (ترميهم ~~بحجارة من سجيل) قال سعيد بن جبير الحجارة أمثال الحمصة وروي عن ابن عباس ~~قال رأيت عند أم هانىء من تلك الحجارة مثل بعر الغنم مخططة بحمرة. # وروى إسرائيل عن جابر بن أسباط قال طيرا كأنها رجال الهند جاءت من قبل ~~البحر تحمل الحجارة في مناقيرها وأظافيرها أكبرها كمبارك الإبل وأصغرها ~~كرؤوس الإنسان { ترميهم بحجارة من سجيل } يعني من طين خلط ~~بالحجارة ويقال طين مطبوخ كما يطبخ الآجر وذكر مقاتل عن عكرمة قال هي ~~طير جاءت من قبل البحر لها رؤوس كرؤوس السباع لم تر قبل يومئذ ولا بعده ~~فجعلت ترميهم بالحجارة فتجدر جلودهم وكان أول يوم رأى فيه الجدري ويقال ~~مكتوب في كل حجر اسم الرجل واسم أبيه ولا يصيب الرجل شيء إلا نفده فيها ~~وقع على رأس رجل إلا خرج من دبره وما وقعت على جانبه إلا خرجت من الجانب ~~الآخر وقال وهب بن منبه حجارة من سجيل قال بالفارسية سنك وكل يعني حجارة ~~وطين وروى موسى بن يشار عن عكرمة حجارة من سجيل قال سنك وكل ثم قال عز ~~وجل { فجعلهم كعصف مأكول } يعني كزرع بال فأخبر الله ~~تعالى أنه سلط على الجبابرة أضعف خلقه كما سلط على النمرود بعوضة فأكلت ~~من دماغه أربعين يوما فمات من ذلك والله أعلم بالصواب. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-4] # قوله تعالى: { لإيلف قريش إيلفهم } قرأ ابن عامر (لإلاف ~~قريش) بغير ياء بعد الهمزة والباقون بياء قبلها همزة ومعناهما واحد وهذا ~~موصول بما قبله يعني أن الله تعالى أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش ms1896 يعني ~~لتقر قريش بالحرم ويجاورون البيت فقال عز وجل { فجعلهم كعصف ~~مأكول } (لإيلاف قريش) يعني فعل ذلك ليؤلف قريشا بهاتين الرحلتين ~~اللتين بهما عيشهم ومقامهم بمكة # وقال أهل اللغة ألفت موضع كذا أي لزمته وألفينه الله كما يقال لزمته ~~موضع كذا ألزمنيه الله وكرر لإيلاف على معنى التأكيد كما يقال أعطيتك ~~المال لصيانة وجهك وصيانتك عن جميع الناس، وقال مجاهد لئلاف قريش يعني ~~لنعمتي على قريش، وقال سعيد بن جبير أذكر نعمتي على قريش ويقال معناه لا ~~يشق عليهم التوحيد كما لا يشق عليهم { رحلة الشتاء والصيف } ~~قال مقاتل وذلك أن قريشا كانوا تجارا وكانوا يمتارون في الشتاء من ~~الأردن وفلسطين لأن ساحل البحر كان أدناها فإذا كان الصيف تركوا طريق ~~الشام وأخذوا طريق اليمن فشق ذلك عليهم فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة ~~حتى حملوا الطعام في السفن إلى مكة للبيع وجعل أهل مكة يخرجون إليهم على ~~مسيرة ليلة ويشترون فكفاهم الله تعالى مؤونة الشتاء والصيف { ~~فليعبدوا رب هذا البيت } لأن رب هذا البيت كفاهم مؤونة ~~الخوف والجوع فليألفوا العبادة كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف وقال الزجاج ~~كانوا يترحلون في الشتاء إلى الشام وفي الصيف إلى اليمن وهذا موافق لما ~~قال مقاتل، وقال السدي: في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام. وهكذا ~~قال القتبي، وروي عن أبي العالية أنه قال كانوا لا يقيمون بمكة صيفا ولا ~~شتاء فأمرهم الله تعالى بالمقام عند البيت في العبادة، ويقال معناه قل ~~لهم يا محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يجتمعوا على الإيمان والتوحيد ~~وعبادة رب هذا البيت كاجتماعهم على رحلة الشتاء والصيف (فليعبدوا رب هذا ~~البيت) يعني سيد وخالق هذا البيت الذي صنع هذا الإحسان إليكم حتى يكرمكم ~~في الآخرة كما أكرمكم في الدنيا { الذى أطعمهم من جوع } يعني ~~أشبعهم بعد الجوع الذي أصابهم حتى جهدوا { وءامنهم من خوف } يعني ~~من خوف الجهد والعدو والغارة، وقال السدي (آمنهم من خوف) يعني من خوف ~~الجذام والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [107 - سورة الماعون] ms1897 ### || [107.1-7] # قوله تعالى: { أرأيت الذي يكذب بالدين } قرأ الكسائي ~~(أرأيت) بغير ألف وقرأ نافع بالألف بغير همزة والباقون بالألف والهمزة ~~أرأيت وهذه كلها لغات العرب واللغة المعروفة بالألف والهمزة ومعناه ألا ~~ترى يا محمد - صلى الله عليه وسلم - هذا الكافر الذي يكذب بالدين يعني ~~بيوم القيامة، وقال معناه ما تقول يا محمد في هذا الكافر الذي يكذب بيوم ~~القيامة فكيف يكون حاله يوم القيامة وقال قتادة نزلت في وهب بن عايل وقال ~~جعدة بن هبيرة نزلت في العاص بن وائل ويقال هذا تهديد لجميع الكفار ثم ~~قال عز وجل { فذلك الذى يدع اليتيم } يعني يدفع اليتيم عن ~~حقه ويقال يمنع اليتيم حقه ويظلمه { ولا يحض على طعام ~~المسكين } يعني لا يحث على طعام المسكين ويقال لا يطعم المسكين ثم ~~قال عز وجل { فويل للمصلين } يعني للمنافقين { الذين هم ~~عن صلتهم ساهون } يعني لاهين عنها حتى يذهب وقتها { الذين ~~هم يرآءون } الناس بالصلاة ولا يريدون بها وجه الله تعالى حتى إذا ~~رأوا الناس صلوا وإذا لم يروا الناس لم يصلوا قوله تعالى: { ~~ويمنعون الماعون } قال مقاتل يمنعون الزكاة، " والماعون " بلغة ~~الحبش المال وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال يراؤون بصلاتهم ~~ويمنعون الزكاة، ويقال الماعون يعني المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما ~~بينهم. وعن أبي عبيد قال سألت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن الماعون ~~قال: الماعون ما يتعاطاه الناس فيما بينهم مثل الفأس والقدوم والقدر ~~والدلو ونحو ذلك وروى وكيع عن سالم بن عبد الله قال سمعت عكرمة يقول ~~الماعون الفأس والقدوم والقدر والدلو قلت من منع هذا فله الويل قال من ~~راءى بصلاة وسها عنها ومنع هذا فله الويل # وقال القتبي الماعون الزكاة ويقال الماعون هو الماء والكلأ وروي عن ~~الفراء أنه قال هو المال. والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # قوله تعالى: { إنا أعطينك الكوثر } يعني الخير الكثير ~~لفضيلة القرآن، ويقال العلم، وقال القتبي أحسبه " فوعل " من الكثرة ~~والخير الكثير، وقال ms1898 مقاتل (إنا أعطيناك الكوثر) أراد به نهرا في الجنة ~~طينه مسك أزفد ورضراضه اللؤلؤ أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، وروى ~~عطاء بن السائب عن محمد بن زياد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الكوثر نهر في الجنة حافتاه الذهب ~~ومجراه على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، ~~تربته أطيب من المسك وروي عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " بينما أنا أسير في الجنة فإذا بنهر حافتاه من اللؤلؤ المجوف يعني ~~الخيام قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك " # ثم قال عز وجل { فصل لربك } يعني صل لله الصلوات الخمس { ~~وانحر } قال بعضهم: انحر نفسك يعني اجتهد في الطاعة، وقال بعضهم انحر ~~يعني استقبل بنحرك القبلة وقال بعضهم وانحر يعني البدنة يعني اعرف هذه ~~الكرامة من الله تعالى وأطعم، وقال بعضهم صل صلاة العيد يوم العيد وانحر ~~البدنة ثم قال عز وجل { إن شانئك هو الأبتر } يعني مبغضك ~~وهو " العاص بن وائل السهمي " هو الأبتر يعني الأبتر من الخير وذلك أن ~~العاص بن وائل السهمي كان يقول لأصحابه هذا الأبتر الذي لا عقب له. وبلغ ~~ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتم لذلك فنزل إن شانئك هو ~~الأبتر وأنت يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ستذكر معي إذا ذكرت فرفع ~~الله ذكره في كل مواطن ويقال (فصل لربك وانحر) بأن يستوي بين السجدتين ~~حتى يبدي نحره فخاطب بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به جميع ~~الأمة كما قال (يا أيها الرسل) وأراد به هو وأصحابه، وروي عن علي بن أبي ~~طالب، رضي الله عنه في قوله (فصل لربك وانحر) قال يعني ضع اليمين على ~~الشمال في الصلاة (إن شانئك هو الأبتر) في ماله وولده وأهله والبتر: في ~~اللغة الاستئصال والقطع وقال قتادة الأبتر الحقير الرقيق الذليل. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # قوله تعالى: { قل يأيها الكفرون ms1899 } وذلك أن قريشا قالوا ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - (إن يسرك بأن نتبعك عاما ونترك ديننا ~~ونتبع دينك وترجع إلى ديننا عاما) فنزلت هذه السورة وقال مقاتل نزلت في ~~المستهزئين وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ سورة النجم ~~وجرى على لسانه ما جرى فقال أبو جهل أخزاه الله لا يفارقنا إلا على أحد ~~أمرين ندخل معك في بعض ما تعبد وتدخل معنا في بعض ديننا أو نتبرأ من ~~آلهتنا وتتبرأ من إلهك فنزلت هذه السورة، وقال الكلبي أنهم أتوا العباس ~~فقالوا له لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول وآمنا به ~~فنزل (قل يا أيها الكافرون)، ويقال إنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا له ~~إن ابن أخيك يؤذينا ونحن لا نؤذيه بحرمتك فدعاه أبو طالب وذكر ذلك له ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # " إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة " # فقال ما هي قال # " لا إله إلا الله " # فنفروا عن هذه الكلمة فنزلت (قل يا أيها الكافرون) يعني قل يا محمد لأهل ~~مكة { لا أعبد ما تعبدون } يعني (لا أعبد) بعد هذا (ما ~~تعبدون) أنتم من الأوثان ولا أرجع إلى دينكم { ولا أنتم عبدون ~~ما أعبد } يعني لا تعبدون أنتم بعد هذا الرب الذي أعبده أنا حتى ~~ترون ما يستقبلكم غدا وهذا كقوله عز وجل # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا # [الكهف:29] قوله تعالى: { ولا أنا عابد ما عبدتم } يعني ~~لست أنا في الحال عابدا لأصنامكم وما كنت عابدا لها قبل هذا لأني علمت ~~مضرة عبادتها { ولا أنتم عبدون ما أعبد } يعني لستم ~~عابدين في الحال لجهلكم وغفلتكم وقلة عقلكم. ثم قال عز وجل { لكم ~~دينكم ولى دين } يعني قد أكملت عليكم الحجة فليس علي أن أجبركم ~~على الإسلام فاثبتوا على دينكم حتى تروا ماذا يستقبلكم غدا وأنا أثبت ~~على ديني الذي أكرمني الله تعالى به ولا أرجع إلى دينكم أبدا وهذا قبل ~~أن يؤمر بالقتال ثم نسخ بآية القتال، ms1900 فيها دليل أن الرجل إذا رأى منكرا ~~أو سمع قولا منكرا فأنكره فلم يقبلوا منه لا يجب عليه أكثر من ذلك ~~وإنما عليه أن يحفظ مذهبه وطريقه ويتركهم على مذهبهم وطريقهم. وقال الحسن ~~سمعت شيخا يحدث قال بينما أسير مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمع ~~رجلا يقرأ (قل يا أيها الكافرون) فقال # " أما هذا فقد برىء من الشرك " # وسمع رجلا يقرأ # قل هو الله أحد # [الصمد: 1] فقال # " أما هذا فقد غفر الله تعالى له " # والله أعلم. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # قوله تعالى: { إذا جاء نصر الله } وروى عبد الملك بن سليمان ~~قال سمعت سعيد بن جبير يقول كان أناس من المهاجرين قد وجدوا عمر وفي ~~إدنائه ابن عباس رضي الله عنهما دونهم وكان يسأله فقال عمر أما إني ~~سأريكم منه اليوم ما تعرفون به فضله فسأله عن هذه السورة { إذا جاء ~~نصر الله والفتح } قال بعضهم أمر الله تعالى نبيه محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجا أن يحمده ~~ويستغفره فقال لابن عباس تكلم، فقال أعلمه الله متى يموت فقال (إذا جاء ~~نصر الله والفتح) فهي آيتك من الموت (فسبح بحمد ربك)، قال مقاتل لما نزلت ~~هذه السورة قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه أبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما فاستبشروا فسمع بذلك ابن عباس فبكى فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما يبكيك فقال نعيت نفسك فقال # " صدقت " # فعاش بعد هذه السورة سنتين، وروى أبو عبيد بن عبد الله أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يكثر أن يقول # " سبحانك ربي وبحمدك اللهم اغفر لي " # وقال علي رضي الله عنه لما نزلت هذه السورة مرض النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فخرج إلى الناس فخطبهم وودعهم ثم دخل المنزل وتوفي بعد أيام. وروي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح) ~~يعني إذا أتاك نصر من الله تعالى على الأعداء من قريش وغيرهم. (والفتح) ms1901 ~~يعني فتح مكة والطائف وغيرها { ورأيت الناس يدخلون فى ~~دين الله أفوجا } يعني جماعة جماعة وقبيلة قبيلة، وكان قبل ذلك ~~يدخلون واحدا واحدا فدخلوا فوجا فوجا فإذا رأيت ذلك فاعلم أنك ميت ~~فاستعد للموت بكثرة التسبيح والاستغفار فذلك قوله { فسبح بحمد ~~ربك } يعني سبحه، ويقال يعني سبح صل لربك { واستغفره إنه ~~كان توابا } يعني مسبحا وذلك لمن تاب. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # قوله تعالى: { تبت يدا أبى لهب } يعني خسر أبو لهب وذلك أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نزل قوله تعالى # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء:214] صعد على الصفا ونادى فاجتمعوا فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # " أمرني ربي أن أنذر عشيرتي الأقربين وأدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله فقولوا أشهد لكم بها عند ربي " # فأنكروا ذلك فقال أبو لهب تبا لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا، وروي في ~~خبر آخر أنه اتخذ طعاما ودعاهم ثم قال # " أسلموا تسلموا وأطيعوا تهتدوا " # فقال أبو لهب تبا لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا فنزلت (تبت يدا أبي ~~لهب) يعني خسرت يدا أبي لهب عن التوحيد { وتب } يعني وقد خسر ويقال ~~إنما ذكر اليد وأراد به هو وقال مقاتل تبت يدا أبي لهب وتب يعني خسر نفسه ~~وكان أبو لهب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - واسمه " عبد العزى " ولهذا ~~ذكره بالكنية ولم يذكر اسمه لأن اسمه كان منسوبا إلى صنم وقال بعضهم ~~كنيته كان اسمه ثم قال عز وجل { ما أغنى عنه ماله } يعني ما ~~نفعه ماله في الآخرة إذ كفر في الدنيا { وما كسب } يعني ما ينفعه ~~ولده في الآخرة إذا كفر في الدنيا والكسب أراد به الولد لأن ولد الرجل من ~~كسبه ثم قال عز وجل { سيصلى نارا ذات لهب } يعني يدخل في ~~النار ذات لهب يعني ذات شعل ثم قال عز وجل { وامرأته } يعني امرأته ~~تدخل النار معه { حمالة الحطب } قرأ عاصم حمالة الحطب بنصب ~~الهاء ويكون على معنى الذم والشين ومعناه أعني حمالة الحطب والباقون ~~بالضم على ms1902 معنى الإبتداء وحمالة الحطب جعل نعتا لها فقال (حمالة الحطب) ~~يعني حمالة الخطايا والذنوب ويقال (حمالة الحطب) يعني تمشي بالنميمة فسمى ~~النميمة حطبا لأنه يلقي بين القوم العداوة والبغضاء وكانت تمشي بالنميمة ~~في عداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ويقال كانت تحمل الشوك ~~فتطرحه في طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالليل من بغضها ~~لهم حتى بلغ النبي - عليه السلام - شدة وعناء فحملت ذات ليلة حزمة شوك ~~لكي تطرحها في طريقهم فوضعتها على جدار وشدتها بحبل من ليف على صدرها ~~فأتاها جبريل - عليه السلام - ومده خلف الجدار وخنقها حتى ماتت فذلك قوله ~~{ فى جيدها حبل من مسد } أي من ليف وقال أكثر أهل التفسير ~~(في جيدها حبل من مسد) يعني في الآخرة في عنقها سلسلة من حديد وتحتها نار ~~وفوقها نار، وروى سعيد بن جبير رضي الله عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه قال لما نزلت تبت يدا أبي لهب جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه لو تنحيت يا رسول الله فإنها امرأة بذية فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # " سيحال بيني وبينها " # فدخلت فلم تره فقالت لأبي بكر رضي الله عنه هجانا صاحبك فقال والله ما ~~ينطق بالشعر ولا يقوله قالت إنك لمصدق فاندفعت راجعة فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه يا رسول الله ما رأتك فقال: # " لم يزل بيني وبينها ملك يسترني عنها حتى رجعت " # وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي يزيد بن زيد قال لما نزلت هذه السورة ~~قيل لأمرأة أبي لهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد هجاك فأتت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في الخلاء وقالت يا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - على ماذا تهجوني فقال # " أما والله ما أنا هجوتك ما هجاك إلا الله عز وجل " # قالت هل رأيتني أحمل الحطب أو رأيت في جيدي حبل من مسد؟ وقال مجاهد: (في ~~جيدها حبل من مسد) مثل حديد البكرة، وقال غيره يعني ms1903 عروة سلسلة من حديد ~~ذرعها سبعون ذراعا والله أعلم. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # قوله تعالى: { قل هو الله أحد } وذلك أن قريشا قالوا له صف ~~لنا ربك الذي تعبده وتدعونا إليه ما هو؟ فأنزل الله تعالى (قل هو الله ~~أحد) يعني قل يا محمد للكفار إن ربي الذي أعبده (هو الله أحد) يعني فرد ~~لا نظير له ولا شبيه له ولا شريك له ولا معين له ثم قال عز وجل { الله ~~الصمد } يعني الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب، وقال السدي وعكرمة ومجاهد ~~(الصمد) الذي لا جوف له، وعن قتادة قال كان إبليس لعنه الله ينظر إلى آدم ~~- عليه السلام - ودخل في فيه وخرج من دبره يعني حين كان صلصالا فقال ~~للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف وروي عن ابن عباس رضي ~~الله عنه أنه قال الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ويتضرعون إليه ~~عند مسألتهم وقال أبو وايل (الصمد) السيد الذي انتهى سؤدده وكذلك قال ~~سعيد بن جبير وقال الحسن البصري رضي الله عنه (الصمد) الدائم، وقال قتادة ~~(الصمد) الباقي ويقال الكافي وقال محمد بن كعب القرظي (الصمد) الذي لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويقال (الصمد) التام في سؤدده وروي عن ~~علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال (الصمد) الذي لا يخاف من فوقه ولا ~~يرجو من تحته ويصمد إليه في الحوائج ثم قال عز وجل { لم يلد } ~~يعني لم يكن له ولد يرث ملكه. { ولم يولد } يعني لم يكن له والد ~~يرث عنه ملكه { ولم يكن له كفوا أحد } يعني لم يكن له ~~نظير ولا شريك فينازعه في عظمته وملكه وقال مقاتل إن مشركي العرب قالوا ~~إن الملائكة كذا وكذا وقالت اليهود والنصارى في عزير والمسيح ما قالت ~~فكذبهم الله تعالى وأبرأ نفسه مما قالوا فقال (لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد)، قرأ عاصم في رواية حفص كفوا بغير همزة وقرأ حمزة بسكوت ~~الفاء ms1904 مهموزا والباقون بضم الفاء مهموزا بهمزة وكل ذلك يرجع إلى معنى ~~واحد وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال من قرأ (قل هو الله أحد) بعد صلاة ~~الفجر إحدى عشرة مرة لم يلحقه ذنب يومئذ ولو اجتهد الشيطان # وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال # " أيعجز أحدكم أن يقرأ القرآن في ليلة؟ " # فقيل يا رسول الله من يطيق ذلك؟ قال: # " أن يقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات " # ، وروي عن ابن شهاب عن الزهري رضي الله عنه قال بلغنا أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال # " من قرأ قل هو الله أحد مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن " # والله أعلم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # قوله تعالى: { قل أعوذ برب الفلق } يعني قل يا محمد أعتصم ~~وأستعيذ وأستعين بخالق الخلق والفلق الخلق وإنما سمي الخلق فلقا لأنهم ~~فلقوا من آبائهم وأمهاتهم ويقال (أعوذ برب الفلق) يعني بخالق الصبح، ~~ويقال فالق الحب والنوى قال الله تعالى # إن الله فالق الحب والنوى # [الأنعام: 95] وقال # فالق الإصباح # [الأنعام: 96] ويقال الفلق واد في جهنم، ويقال جب في النار # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال # " الفلق شجرة في جهنم فإن أراد الله أن يعذب الكافر بأشد العذاب يأمره ~~أن يأكل من ثمرها " # وروي عن كعب الأحبار أنه دخل في بعض الكنائس التي للروم فقال: أخسر عمل ~~وأضل قوم قد رضيت لكم بالفلق فقيل له ما الفلق يا كعب؟ قال: بئر في ~~النار إذا فتح بابها صاح جميع أهل النار من شدة عذابها # ثم قال عز وجل { من شر ما خلق } قال الجن والإنس وقال الكلبي من ~~شر ما خلق يعني من شر ذي شر. ثم قال عز وجل { ومن شر غاسق إذا ~~وقب } يعني ظلمة الليل إذا دخل سواد الليل في ضوء النهار ويقال (إذا ~~وقب) يعني إذا جاء وأدبر وقال القتبي (الغاسق) الليل والغسق الظلمة ويقال ~~الغاسق القمر إذا انكسف واسود (إذا ms1905 وقب) يعني إذا دخل في الكسوف # ثم قال تعالى { ومن شر النفثت فى العقد } يعني ~~الساحرات الموخزات المهيجات اللواتي ينفثن في العقد ثم قال عز وجل { ~~ومن شر حاسد إذا حسد } يعني كل ذي حسد أراد به لبيد بن أعصم ~~اليهودي ويقال لبيد بن عاصم وروى الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم ~~قال سحر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل من اليهود عقد له عقدا ~~فاشتكى لذلك أياما فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال له: إن رجلا من ~~اليهود سحرك فبعث عليا رضي الله عنه واستخرجها فحلها فجعل كلما حل عقدة ~~وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك خفة حتى حلها كلها فقام النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كأنما نشط من عقال فما ذكر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ذلك لليهود # وروي في خبر آخر أن لبيد بن أعصم اتخذ لعبة للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وأخذ من عائشة رضي الله عنها فأفحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فجعل في اللعبة أحد عشر عقدة ثم ألقاها في بئر، وألقى فوقها صخرة فاشتكى ~~من ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شكوا شديدا فصارت أعضاؤه مثل ~~العقد فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين النائم واليقظان إذ ~~أتاه ملكان أحدهما جلس عند رأسه والآخر عند قدميه فالذي عند قدميه يقول ~~للذي عند رأسه ما شكواه قال السحر قال من فعل به؟ قال لبيد بن أعصم ~~اليهودي قال فأين صنع السحر قال في بئر كذا قال ماذا رأوه يبعث إلى تلك ~~البئر فنزح ماؤها فإنه انتهى إلى الصخرة فإذا رأها فليقلعها فإن تحتها ~~كؤبة وهي كؤبة قد سقطت عنقها وفيه إحدى عشرة عقدة فيحرق في النار فيبرأ ~~إن شاء الله تعالى فاستيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد فهم ما قالا ~~فبعث عمار بن ياسر وعليا رضي الله عنهما إلى تلك البئر في رهط من أصحابه ~~فوجدوها كما وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم فنزلت هاتان السورتان ms1906 ~~وهي إحدى عشرة آية فكلما قرأ آية حل منها عقدة حتى انحلت كلها ثم أحرقها ~~بالنار فبرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي في بعض الأخبار عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (قل هو الله أحد) و (قل أعوذ برب ~~الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ما سأل منها سائل ولا استعاذ مستعيذ بمثلها ~~قط وهذه الآية دليل أن الرقية جائزة إن كانت بذكر الله تعالى وبكتابه ~~والله أعلم بالصواب. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # قوله تعالى: { قل أعوذ برب الناس } يقول أستعيذ بالله وخالق ~~الناس ويقال أستعيذ بالله الذي هو رازق الخلق، ثم قال عز وجل { ملك ~~الناس } يعني خالق الناس ومالكهم وله نفاذ الأمر والملك فيهم، ثم قال ~~عز وجل { إله الناس } يعني خالق الناس ومعطيهم ومانعهم { من ~~شر الوسواس } يعني من شر الوسواس يعني من شر الشيطان، لأني لا ~~أستطيع أن أحفظ نفسي من شره لأنه يجري في نفس الإنسان مجرى الدم ولا يراه ~~بشر والله تعالى قادر على حفظي من شره ومن وسوسته # ثم وصف الشيطان فقال { الخناس } قال مجاهد هو منبسط على قلب ~~الإنسان إذا ذكر الله خنس وانقبض فإذا عقل انبسط على قلبه ويقال له خنوس ~~كخنوس القنفذ { الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنة ~~والناس } يعني يدخل في صدور الجن كما يدخل في صدور الإنس ويوسوس لهم ~~ويقال (الناس) في هذا الموضع يصلح للجن والإنس فإذا أراد به الجن فمعناه ~~يوسوس في صدور المؤمنين الذين هم جن (يوسوس في صدور الناس) يعني الذين هم ~~من بني آدم ويقال (الناس) معطوف على الوسواس ومعناه (من شر الوسواس) (ومن ~~شر الناس) كما قال في آية أخرى # شيطين الإنس والجن # [الأنعام: 112] وقال مقاتل روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~له جبريل - عليه السلام - ألا أخبرك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~بأفضل ما يتعوذ به؟ قلت # " وما هو؟ " # قال المعوذتان # وروى علقمة عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه ms1907 وسلم - أنه قال # " ما تعوذ المعوذون بمثل المعوذتين " # وروي عن الحسن البصري في قوله تعالى (من الجنة والناس) قال إن من الناس ~~شياطين فتعوذوا بالله من الشياطين يعني شياطين الجن والإنس، وقال هما ~~شيطانان فأما شيطان الجن فيوسوس في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فإنه ~~علانية وروى أبو معاوية عن عثمان بن واقد قال أرسلني أبي إلى محمد بن ~~المنكدر أسأله عن المعوذتين أهما من كتاب الله تعالى قال من لم يزعم ~~أنهما من كتاب الله تعالى فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~(والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين ~~ورسول رب العالمين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة والمقربين ~~وأهل طاعتك أجمعين. ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين ~~وتابعي التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، حسبنا الله ونعم الوكيل. ms1908