######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0013084 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر محمد بن أبي إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري الحنفي (المتوفى: 380هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 380 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بحر الفوائد المشهور بمعاني الأخبار #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: متون الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0013084 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-13084 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/13084 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد حسن محمد حسن إسماعيل - أحمد فريد المزيدي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1420هـ - 1999م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخيار للكلاباذي # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله بجميع محامده لجميع آلائه ونعمائه، ~~والسلام والتحية والإكرام على سيد المرسلين خاتم النبيين، وعلى جميع إخوانه ~~من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين من أهل السماوات وأهل الأرضين ~~وغيرهم كلهم أجمعين، وعلى جميع الصحابة والخلفاء الراشدين والتابعين ~~والصالحين وعلماء الدين والشهداء والفقهاء والمتعلمين وجميع المسلمين ~~والمؤمنين من الجنة والناس أجمعين في كل لحظة ولمحة وخطرة من أزل الأزل إلى ~~أبد الآبدين، يقول العبد الضعيف أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن الحسين ~~السعدي أحسن الله إليه وأسعد جده: ثنا الشيخ القاضي الإمام الأجل جلال ~~الدين أبو المحامد حامد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن إملاء، قال: أخبرنا ~~الشيخ الإمام الأجل أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفاري الأنصاري قال: ~~أخبرنا الشيخ والدي # PageV01P017 # ، قال: أخبرنا الشيخ أبو حاتم إبراهيم بن أحمد المستملي، قال: أخبرنا ~~الشيخ أبو بدر بن إسحاق العارف الكلاباذي المصنف، قال رضي الله عنه: ~~وأخبرني بهذا الإسناد الشيخ العالم الصالح الدين فخر الدين محمد بن هارون، ~~والشيخ الإمام زين الصالحين عمر بن أبي بدر عثمان الصابوني بقراءتي عليهما ~~في الجامع ببخارى، قال: أخبرنا بهذا الإسناد الشيخ الأستاذ ظهير الدين أبو ~~المكارم الحسين بن علي المرغيناني، والشيخ القاضي جمال القضاة أبو بكر محمد ~~بن عمر الكرماني الزغاني في كثيرين آخرين، قال رضي الله عنه، وأخبرنا الشيخ ~~القاضي الإمام. . . رحمه الله قال: أخبرنا الشيخ الإمام نجم الدين أبو حفص ~~عمر بن محمد النسفي قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن أحمد البلدي ~~قال: أخبرنا الشيخ أبو نصر أحمد بن علي المايمرغي المصنف رضي الله عنه، ~~وأخبرنا أيضا بهذا الإسناد الشيخ الإمام الأجل الأستاذ ظهير الدين وجمال ~~القضاة الكرميني في كثيرين آخرين، قال رضي الله عنه وقد أخبرنا الشيخ ~~الإمام القاضي الأجل قاضي القضاة عماد الدين أبو حفص عمر بن أبي بكر بن ~~محمد بن علي بن الفضل الزنجري بقراءة الشيخ الإمام الزاهد القطان المستملي ~~في مسجده بعد إملائه، قال: ms001 أخبرنا الشيخ القاضي الإمام الأجل الزاهد ~~الوالد، قال: سمعت معاني الأخبار، وشرح الآثار من الشيخ الإمام أبي الحسن ~~علي بن أحمد التميمي في مسجد الشيخ الإمام شمس الأئمة أبي محمد عبد العزيز ~~بن أحمد الحلواني وهو حاضر يسمع في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ~~رواه عن المصنف، قال رضي الله عنه، وأخبرنا أيضا بهذا الإسناد الشيخ الإمام ~~الأجل الأستاذ ظهير الدين، والشيخ الإمام الدين فخر الأئمة محمد بن هارون ~~والشيخ القاضي الإمام أبو عمر، وعثمان بن أبي بكر المطوعي، وجمال القضاة ~~الكرميني، وكثير من المشايخ يكثر تعدادهم قدس الله أرواحهم # PageV01P018 # ، قال: رضي الله عنه ، وقد أخبرنا الشيخ القاضي العالم الأجل الأستاذ ~~بهاء الدين مفتي الشرق والغرب أبو المحامد محمد بن أحمد بن يوسف المنسوب ~~إلى إسبيجاب بقراءتي عليه من أوله إلى آخره في المسجد الجامع ببخارى أعمرها ~~الله وخلص أهلها وأئمتها في أوائل ذي الحجة سنة أربع وستين وخمسمائة، قال: ~~أخبرنا الشيخ القاضي الإمام الزاهد اللدني قال: أخبرنا الشيخ القاضي الإمام ~~صدر الإسلام أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي قال: أخبرنا الشيخ ~~الإمام الأجل شمس الأئمة فخر الإسلام أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد ~~الرحمن بن الحسين الكاتب قال: أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد العارف أبو بكر ~~محمد بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري المصنف إملاء بدرب الجديد في ~~سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، قال رضي الله عنه : وأخبرنا الشيخ الإمام الأجل ~~الأستاذ ظهير الدين محمد بن أحمد المحبوبي، والشيخ الإمام الأجل الأستاذ ~~ظهير الدين المرغيناني، والشيخ القاضي الإمام جمال القضاة الكرميني، والشيخ ~~القاضي الإمام أبو عمر المطوعي، وغيرهم، قالوا: أخبرنا الشيخ القاضي الإمام ~~الزاهد عماد الدين أبو بكر محمد بن الحسن بن منصور النسفي رحمه الله ، وقد ~~توفي سنة خمس وخمسمائة، قال: أخبرنا شمس الأئمة الحلواني، عن أبي محمد ~~الكاتب، عن المصنف، قال رضي الله عنه : وقد أعرضت عن إيراد الأسانيد وذكر ~~المشايخ تحرزا عن الملال للأحباب والأصحاب قدس الله أرواح الماضين، وحصل ~~آمال الحاضرين بفضله ms002 ورحمته، وهو أرحم الراحمين ، وبهذه الأسانيد التي ~~ذكرناها، قال الشيخ الإمام الزاهد العارف أبو بكر بن أبي إسحاق، وهو محمد ~~بن إبراهيم بن يعقوب الكلاباذي البخاري رحمه الله . # PageV01P019 # حدثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن مروك قال: ح محمد بن عيسى الطرسوسي قال: ~~حدثني يحيى بن معين، وعلي بن بحر، قالا: حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله ~~بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ~~ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا ~~الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» قال ~~الشيخ الإمام الزاهد أبو بكر بن أبي إسحاق رحمه الله: يجوز أن يكون قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله» خبرا من محبتهم إياه، وإن كان لفظه لفظ ~~الأمر، وقد جاء مثله في كلام العرب مثل قولهم: عش رحبا تر عجبا، أي لأن ~~العيش ليس إلى الإنسان، فيؤمر بأن يعيش ومثله ما روي من أبي الدرداء رضي ~~الله عنه قال: وجدت الناس أخبر تقله، معناه: إن خبرتهم قليتهم، يدل على ~~قوله: وجدت الناس كأنه قال: وجدت الناس صفتهم أن خبرتهم قليتهم. وكذلك ~~قوله: «أحبوا الله» ، معناه إنما تحبون الله لأنه أنعم عليكم، فأحبكم، ~~فأحببتموه لحبه لكم، قال الله عز وجل {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] أخبر ~~عن حبه لهم قبل حبهم له ### | [ص: 21] # . وقوله: «أحبوني لحب الله» أي إنما تحبونني، لأن الله تعالى أحبني، فوضع ~~فيكم محبتي، كما جاء في الحديث: «إذا أحب الله عبدا أمر جبرائيل عليه ~~السلام، فنادى في السماء ألا إن الله أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ~~ثم يوضع حبه في الأرض» # PageV01P020 # وفي بعض الحديث: «ويقع على الماء فيشربه البر والفاجر، فيحبه البر ~~والفاجر، وإذا بغض عبدا فمثل ذلك» حدثناه أحمد بن علي بن عمرو، قال: حدثنا ~~علي بن إسحاق الماذراني، قال: حدثنا علي بن حرب، قال: حدثنا أبو مسعود ~~الزجاج واسمه عبد الرحمن بن حسين، ms003 عن معمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، ~~عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله عز وجل إذا أحب عبدا» ، وذكره فأخبر أن الله تعالى إذا أحب عبدا وضع ~~محبته في كل شيء، حتى في الجماد، وإنما حملنا معنى الخبر على ما قلناه لأن ~~المحبة إذا كانت بشرط النعمة كانت معلولة ناقصة، وكان رجوعها إلى حظ المحب، ~~لا إلى المحبوب في النعم كلها، أو أكثرها، ملاذ النفوس، ومرافق الأبدان، أو ~~ما يؤدي إليها، ومن أنس للذة والرفق تغير للألم والمكروه، وفوات حظوظ النفس ~~قال الله تعالى {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه} [الحج: 11] وقد قالوا في محبة زليخا ليوسف ~~صلوات الله على سيدنا وعليه: إنها لم تكن محبة حقيقية، وإنما كانت معها ~~شهوة، ومطالبة حظ النفس، ألا ترى إلى قوله عز وجل {وراودته التي هو في ~~بيتها عن نفسه} [يوسف: 23] الآية، فلما لم يطاوعها وفاتها حظها فيه، آثرت ~~المر على ألمها فقالت {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من # PageV01P021 # الصاغرين} . وأما النسوة فغبن عن حظوظ الغيرة، وآلامهن، حتى قطعن أيديهن، ~~ولم يحسسن بالألم، وزليخا لما تمكن الحب منها قالت {الآن حصحص الحق أنا ~~راودته عن نفسه} [يوسف: 51] ، أقرت على نفسها وشهدت له بالبراءة، هذا يظهر ~~دليلا أن محبة النعمة محبة لذة ومطالبة حظوظ النفس، فإن حملنا هذا الحديث ~~على ظاهر اللفظ كان أمرا معلولا، والمحبة نهاية الأحوال المعلولات، الذين ~~جازوا كثيرا منها، فمثل هؤلاء لا يخاطبون بالمعلول من الأمر، كما قال الله ~~تعالى، وقد قالت رابعة، أو غيرها: والله لو قطعتني بالبلاد إربا إربا ما ~~ازددت لك إلا حبا، فمثل هذا لا يحمل على المحبة رؤية النعم التي هي حظوظ ~~النفس، ونحمل أيضا معنى الحديث إذا حمل على ما قلنا تنبيها لهم على ما من ~~الله عليهم. . . . أوصافهم معرضين كما نبههم الله عز وجل بقوله {فلم ~~تقتلوهم ms004 ولكن الله قتلهم} [الأنفال: 17] . وأما قوله: «وأحبوا أهل بيتي ~~لحبي» ، أي إنما تحبونهم لأني أحببتهم، وأحببتهم لأن الله تعالى أحبهم، ~~ويجوز أن يكون أمرا أن تحبونهم فيكون تصديقا لحبهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويكون معنى الحب لهم إيثارهم على غيرهم # PageV01P022 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P022 # حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي الخلوتي الجيدموني، قال: ح عبد ~~العزيز بن حاتم قال: ح الحارث بن مسلم قال: ح زياد بن ميمون، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «علامة حب ~~الله حب ذكر الله، وعلامة بغض الله بغض ذكر الله» قال الشيخ الإمام الزاهد ~~رحمه الله: معناه إن شاء الله: علامة حب الله عبده ذكره، وذلك أنه إذا أحب ~~عبدا ذكره، وإذا ذكر الله عبدا حبب إليه ذكره، فيذكر العبد ربه لذكر ربه ~~له، كما أحب ربه لحب ربه له، قال الله تعالى {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ~~، وقال عز وجل {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ، يجوز أن يكون معناه ذكر ~~الله عبده أكبر من ذكر العبد الله، لأن ذكر الله للعبد يسر من العبد ذكره ~~لله، إذ علة كل ### | [ص: 23] # شيء صنعه ولا علة ما يصنعه، والله تعالى إذا أحب عبدا أحب منه ذكره له # PageV01P022 # كما جاء في الحديث: " قال جبرائيل صلوات الله عليه وسلامه: يا رب عبدك ~~فلان اقض له حاجته، فيقول الله تعالى: دعوا عبدي فإني أحب أن أسمع صوته " ~~حدثناه عبد الله بن محمد قال: ح عبد الرحيم بن عبد الله بن إسحاق السمناني ~~قال: ح إسماعيل بن توبة قال: ح عفيف بن سالم الموصلي، عن بكر بن خنيس، عن ~~ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ويجوز أن يكون معناه على ظاهره، فيكون علامة المحب لله كثرة ذكره له ~~عز وجل؛ لأنه قيل: من أحب شيئا أكثر ذكره، لأن من أحب الله تعالى أحب أن ~~يكون معه وعنده، وكونه معه وعنده ذكره ms005 إياه، كما جاء في الحديث: «أنا جليس ~~من ذكرني» ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت» # PageV01P023 # حدثنا بكير بن مسعود بن مروان، قال: ح أبو سليمان محمد بن منصور البلخي ~~قال: ح القعنبي قال: ح مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله متى الساعة؟ فقال له ### | [ص: 24] # رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعددت لها» قال: حب الله ورسوله، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من أحببت» قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن ~~يكون معناه إن كنت كذلك، فأنت مع من أحببت شهودا له بالقلب، وذكرا له ~~باللسان، وخدمة له بالجوارح، فيكون علامة من أحب الله أن يحب ذكر الله، ~~وذكر الله من العبد بلسانه علامة شهوده له بقلبه، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «اعبد الله كأنك تراه» ، ومن شهده بقلبه فهو معه، ومن ذكره ~~فكأنه جليسه، وهكذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه» # PageV01P023 # حدثنا أبو النضر محمد بن إسحاق الرشادي قال: ح علي بن عبد العزيز قال: ح ~~أبو عبيد قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن عامر، عن شريح بن هانئ، عن عائشة، ~~رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه، ومن كره لقاءه كره الله لقاءه، والموت دون لقاء الله عز ~~وجل» أي إنما يحب العبد لقاء الله إذا أحب الله لقاء عبده، لأن المحبة صفة ~~له، والله تعالى بجميع صفاته قديم عند عامة الصوفية، وكثير من المتكلمين من ~~المثبتة، فالمحبة من الله تعالى صفة له في ذاته، وبه قال الأشعري وأصحابه، ~~وكذلك البغض والسخط والغضب والموالاة والرياض، وإذا كان كذلك لم يجز أن ~~يكون محبة الله عبده تبعا لمحبة العبد لله، أو موجبة لها. وقوله: «والموت ~~دون لقاء الله» يجوز أن يكون حبه معنى دقيقا ms006 أي أن دون لقاء الله من العبد ~~شهودا له بالقلب إلا بعد موت النفس والغيبة عما دون الله كما قال حارثة: ~~عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، فكأني أنظر إلى عرش ربي ~~بارزا "، أي إنما كان نظري إلى عرش ربي بارزا بعد تركي حظوظ النفس، وإماتة ~~الشهوات كلها # PageV01P025 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P025 # حدثنا أبو الفضل محمد بن حاتم بن الهيثم قال: ح محمد بن بحير بن حاتم أبو ~~جعفر قال: ح محمد بن مخلد الحضرمي أبو عمرو البصري قال: ح سلام أبو المنذر، ~~عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إنما حبب إلي من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة " ### | [ص: 26] # قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: من الدنيا، في الدنيا فيكون من بمعنى في فكأنه قال: «حبب إلي في ~~الدنيا» أي: مدة كوني فيها هذه الأشياء الثلاثة، فيكون هذه الأشياء في ~~الدنيا لا من الدنيا، وإن كانت فيها، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما ~~حبب إلي في هذه الدنيا» ما ذكر إخبارا منه عن بلوغه نهاية الكلام، الكمال ~~في العبودية لله عز وجل، وذلك أن أصل العبودية لله تعالى ودوران أحوالها ~~على شيئين: تعظيم قدر الله تعالى، وحسن معاملة خلق الله، وما ذكر صلى الله ~~عليه وسلم أنه حبب إليه بجميع هاتين الخصلتين، وذلك أن الصلاة أجمع خصلة من ~~خصال الدين لتعظيم قدر الله، وأدل شيء على إجلاله عز وجل، وذلك أن أولها ~~الطهارة سرا وجهرا، ثم جمع الهمة، وإخلاء السر وهو النية، ثم الانصراف عما ~~دون الله إلى الله بالقصد إليه وهو التوجه، ثم الإشارة برفع اليدين إلى نبذ ~~ما ربط به، ثم أول أذكاره التكبير، وهو النهاية في تعظيم قدر الله، وهو ~~قوله: الله أكبر، ثم أول ثناء فيه ثناء لا يشوبه ذكر شيء سواه، وهو قوله: ~~سبحانك اللهم وبحمدك إلى قوله: ms007 ولا إله غيرك، ثم قراءة كلامه لا يجوز غيره ~~منتصبا قد زم جوارحه هيبة وخشوعا وإجلالا وتعظيما، ثم تحقيق ما عبر بلسانه ~~عن ضميره من التعظيم لله فعلا وحركة، وهو الركوع والسجود، وأذكارهما تنزيه ~~الله وإجلاله وتعظيمه بقوله: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، ثم مع ~~كل حركة تكبير، وليست هذه الخصال بإجماعها في شيء من العبادات أجمل منها في ~~الصلاة، فكان قوله صلى الله عليه وسلم: «جعلت قرة عيني في الصلاة» عبارة عن ~~تعظيمه قدر الله تعالى. وأما حسن معاملة خلق الله، فالنهاية فيه أن يوفر ~~عليهم حقوقهم ويزيدهم ويرفعهم ويبذل لهم حظوظهم من نفسه، ولا يستوفي منهم ~~حق نفسه، ولا يطالبهم بحظوظها، فأخبر صلى الله عليه وسلم عن كماله في هذه ~~الخصلة بقوله: «الطيب والنساء» ، وذلك أن الطيب من حظ الروحانيين من خلق ~~الله وهم الملائكة صلوات الله عليهم أجمعين، وليس لهم في شيء من عرض الدنيا ~~غير الطيب حظ، فأحب صلى الله عليه وسلم الطيب إيفاء لحقوقهم، وحسن معاملة ~~لهم مع غناه عنه، لأنه صلى الله عليه وسلم كان أطيب ريحا من كل طيب في ~~الدنيا # PageV01P025 # حدثنا أبو منصور محمد بن نعيم بن ناعم قال: أبو حاتم الرازي قال: ح ~~الأنصاري، حدثني حميد، عن أنس، رضي الله عنه قال: ما مسست حريرة، ولا خزا ~~ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة قط مسكا ولا ~~عنبرا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان بهذه الصفة لم ~~يستعمل الطيب لنفسه، وكان بلغ من حبه للطيب # PageV01P027 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح ~~خالد بن عبد الله، عن المنذر بن ثعلبة، عن علباء بن أحمد، أن عليا تزوج ~~فاطمة على أربعمائة درهم وثمانين درهما، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يجعل ثلثها في الطيب فهذا حظ الروحانيين من الخلق، وبلغ النهاية فيه من حبه ~~له، فكأنه أحب أن يوفر عليهم حظوظهم إذ ms008 ليس لهم في شيء من عرض الدنيا غير ~~الطيب حظ، ثم عشرة النساء ومعاملتهن أصعب وأعسر، لأنهن أضعف تركيبا، وأقل ~~عقلا، وأرق دينا، وأغلب على ألباب الرجال فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه ~~حببن إليه، فحبب إليه معاملتهن وعشرتهن مع ضيق أخلاقهن، فعاملهن أحسن ~~معاملة، حتى جمع بين الضراير، وهو سبب المشاقة والتشاج وتغير الأخلاق، حتى ~~بلغ من حسن معاملته إياهن أن تحاببن وتواصلن، وبلغ من رفقه بهن أن عاتبه ~~الله تعالى {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} ~~[التحريم: 1] ، فمن كانت معاملته النساء هذه المعاملة، فما ظنك في معاملته ~~الرجال؟، وكان من حسن معاملته صلى الله عليه وسلم ما # PageV01P027 # ح حاتم بن عقيل قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح مندل، ~~عن الحسن بن الحكم النخعي، عن أنس رضي الله عنه قال: خدمت النبي صلى الله ~~عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا قال لشيء لم ~~أصنعه: ألا صنعته؟ ولا رأيت ركبته قدام ركبة جليسه قط، ولا عاب طعاما قط، ~~ولا صافحه أحد قط فانتزع يده من يده حتى يكون المصافح هو الذي ينزع يده، ~~ولا أصغى إليه أحد برأسه فنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 28] # رأسه، حتى يكون المصغي هو الذي ينحي رأسه، ولقد شممت ريح طيب النساء ~~والرجال فما شممت ريحا قط ولا رائحة أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا عرقه " وبلغ من حسن معاملته خلق الله أن أسلم له الشيطان # PageV01P027 # ما حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد ~~إلا وقد وكل به قرينه من الجن» ، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي ~~إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم» واختلف في معنى قوله: «أسلم» فقيل: ~~استسلم، وقيل: أسلم أنا منه، وقيل: صار مسلما، فإن ms009 كان استسلم، فهذا غاية ~~حسن المعاملة حتى انقاد له العدو واستسلم، وإن سلم صلى الله عليه وسلم منه ~~فبحسن معاملته بعد عصمة ربه عز وجل، فسلم منه؛ لأنه غاية الرفق والتوقي، ~~وإن أسلم ودخل على الإسلام فلا يستنكر إسلام قرين من بين الجميع، كما لم ~~يستنكر كفر واحد من بين جميع الملائكة، وهو إبليس لعنه الله مع قوله عز وجل ~~{لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] ، وعصيان اثنين ~~هاروت وماروت، ويكون الواحد مستثنى من بين الجميع، وإن لم يعلم وجه ~~الاستثناء، فهذا من حسن المعاملة منه إياه أن أسلم الشيطان، فقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «إنما حبب إلي من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة» ، عبارة عن بلوغ الغاية في العبودية كما قلنا، ولما كان ### | [ص: 29] # أصل العبودية الخصلتين اللتين ذكرهما من تعظيم قدر الله، وحسن معاملة خلق ~~الله، وكان أحد الخصلتين أعظم من الأخرى، وهي تعظيم قدر الله، فلذلك زيد في ~~تحبيبها إليه، حتى صارت قرة عينه، فإن قرة العين غاية المحبة، فكأنه قال: ~~إنما حبب إلي في الدنيا العبودية لله لا غير، وفي بعض الروايات: «من ~~دنياكم» ، فيكون فيه إشارة إلى أنه ليس له فيها حظ، ولا إليها نظر، ولا لها ~~عنده حظ، وأنها بغيضة رأسا، والذي حبب إليه فيها ما هو لله عز وجل # PageV01P028 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P029 # ح أبو الليث نصر بن الفتح قال: ح أبو عيسى قال: ح محمد بن عيسى بن سورة ~~قال: ح قتيبة، عن مالك، وح نصر قال: وح أبو عيسى قال: ح إسحاق بن موسى ~~الأنصاري قال: ح معن قال: ح مالك، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: «هذا جبل ~~يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم بين لابتيها» أي طرفيها ~~قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله: هذا جبل يحبنا ~~أهله ونحبهم، فكأنه ms010 قال: أهل هذا الجبل يحبوننا ونحبهم، وهم أهل المدينة، ~~كما قال الله تعالى {واسأل القرية التي كنا فيها والعير} [يوسف: 82] الآية، ~~أي أهل القرية والعير، ويجوز أن يكون ذلك إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى ~~حب الله إياه، وأنه حبيب الله أحبه الله، فأسكن حبه ما اختار من خلقه من ~~حيوان وجماد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إذا أحب الله تعالى عبدا أمر ~~جبرائيل صلوات الله ### | [ص: 30] # عليه وسلامه ينادي في أهل السماوات: ألا إن الله تعالى أحب فلانا، ~~فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع محبته في كل شيء " وذكر الماء # PageV01P029 # قال: ح أحمد بن علي بن عمرو قال: ح علي بن إسحاق المارداني قال: ح علي بن ~~حرب قال: ح أبو مسعود الزجاج واسمه عبد الرحمن بن الحسن، عن عمر، عن سهيل ~~بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا نادى جبرائيل عليه السلام: إني ~~أحب فلانا، فأحبوه، فينادي جبرائيل عليه السلام في السماء: ربكم عز وجل يحب ~~فلانا، فأحبوه، فعند ذلك يلقى عليه القبول في الأرض، ويقع على الماء، ~~فيشربه البر والفاجر فيحبه البر والفاجر، وإذا بغض عبدا، فمثل ذلك " فأخبر ~~صلى الله عليه وسلم أنه تعالى أحبه، فأسكن محبته كل شيء، حتى أسكن محبته ~~أبعد الأشياء من صفة المحبة وهو الجبل، فيكون ذلك إبلاغا في المحبة فيه له، ~~كما ذكر الله عز وجل الحجارة، وأخبر أن منها ما يتفجر منه الأنهار، ويشقق ~~فيخرج منه الماء، ويهبط من خشية الله مع بعدها عن أوصاف اللين والرطوبة ~~مبالغة في ذكر قسوة قلوب الكافرين، فكذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~محبة الجبل إياه مبالغة في محبة الله له، حتى وضع في الجبل محبته، وقد وضع ~~الله تعالى محبته في الجذع حتى حن لما فارقه شوقا إليه ومحبة له # PageV01P030 # حدثنا نصر، قال: ح أبو عيسى قال: ح محمود بن غيلان قال: ح ms011 عمر بن يونس، ~~عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، رضي ~~الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب إلى لزق جذع، فاتخذوا له ~~منبرا، فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فمسه فسكن، وفي رواية أخرى: «فاحتضنه فسكن» ### | [ص: 31] # فأخبر أن من محبته إياه حن، ألا ترى يقول، فاحتضنه فسكن، فكأن سكونه حين ~~مسه أو احتضنه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ونحبه» ، يجوز أن يكون محبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم الجبل على المجازاة، وذلك أن من أحب شيئا فقد ~~آثره، ومن الحق أن تؤثر من يؤثرك، ويجوز أن يكون معناه أن من أحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أحبه الله، قال الله عز وجل {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فإذا كان اتباعه موجبا محبة الله، ~~فكيف بمحبته، ومن أحبه الله أحبه أحباء الله، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سيد أحباء الله، فهو أحق أن يحب من يحبه الله، ويجوز أن يكون معناه ~~إشارة منه إلى حبه لله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن أقدر موضع الإشارة ~~إلى محبة الله إياه، فكأنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن محبة الله له بقوله: ~~«يحبنا» ، وأخبر عن محبته له عز وجل بقوله: «ونحبه» ، والجبل واسطة بين ~~الحبيبين، الله ورسوله، كما كانت الشجرة واسطة بين الكليمين الله وموسى # PageV01P030 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P031 # ح محمد بن إسحاق الرشادي قال: ح محمد بن الضو قال: ح كثير العبدي قال ح ~~سفيان بن سعيد الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن ~~يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: ~~«اللهم إني أسألك الصحة، والعفة، والأمانة، وحسن الخلق، والرضا بالقدر» . ~~قال الشيخ رحمه الله: الصحة في إقامة الأوامر، والعفة الانتهاء عن الزواجر، ~~والأمانة ذم الجوارح، وحسن الخلق تحمل أثقال الخلق، ms012 وهو بتحقق العبودية، ~~والرضا بالقدر مشاهدة الربوبية # PageV01P031 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P032 # ح محمد بن إسحاق الرشادي قال: ح أحمد بن داود السجستاني قال: ح عبد ~~الواحد بن غياث قال: ح صالح المري، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن ~~أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ادعوا ~~الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه» . ~~قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: معنى قوله: «وأنتم موقنون بالإجابة» ~~أي: كونوا على حالة تستحقون الإجابة أي بحضور السر، وصحة الحال، حتى يكون ~~معروفا في الملكوت، حتى يقال: صوت معروف، وهو أن يكون تعرف إلى الله تعالى ~~في أداء أوامره، واجتناب مناهيه، وقبول أحكامه غير متسخط، ثم يدعوه، ولا ~~يكون في سره غيره إلا سواه بقوله تعالى {وجاء بقلب منيب} [ق: 33] أي: راجع ~~إليه عما سواه، ثم يكون مضطرا إليه، فقد انقطع رجاؤه عما سواه، لا يرجع إلا ~~حوله وقوته، ولا إلى أفعاله تعالى، قال الله تعالى {أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء} [النمل: 62] ، قال بعضهم: المضطر الذي إذا رفع إليه يده ~~لم ير لنفسه عملا، فإذا كذلك أيقن بإجابة دعوته، لأن الله عز وجل وعد إجابة ~~من دعاه، وهذه شرائط من يجيب دعاءه، ومن أتى بها فالله منجز له وعده، والله ~~لا يخلف الميعاد # PageV01P032 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P032 # ح عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: ح يحيى بن إسماعيل بن الحسن الهمداني ~~قال: حدثنا خالد بن يزيد العمري، عن ابن أبي ذئب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ~~بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا رسول الله أي الدعاء خير، أدعو به في صلاتي؟ فقال: " نزل علي ~~جبريل عليه السلام فقال: إن خير الدعاء أن تقول في صلاتك: اللهم ### | [ص: 33] # لك الحمد كله، ولك الملك كله، ولك الخلق كله، وإليك يرجع الأمر كله، ~~أسألك من الخير كله، وأعوذ بك ms013 من الشر كله " قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه ~~الله: قوله: «لك الحمد كله» موضع الصفاء والانقطاع إليه «ولك الملك كله» ~~موضع الكفاية به، والتوكل عليه. «ولك الخلق كله» موضع الأمن به والسكون. ~~«وإليك يرجع الأمر كله» موضع الإخلاص له والتبري إليه. «أسألك من الخير ~~كله» موضع الوقوف معه، والالتجاء إليه. «وأعوذ بك من الشر كله» الرجوع إلى ~~نفسك وأوصافها " # PageV01P032 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P033 # حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن محمد الدهقان، قال: ح أبو الفضل محمد بن ~~إبراهيم البكري قال: ح محمد بن إسماعيل بن جعفر المدني قال: ح موسى بن جعفر ~~قال: ح عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد ~~الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أذن له بالدعاء ~~منكم فتحت له أبواب الرحمة، وما يسأل الله شيئا قط أحب إليه من أن يسأل ~~العفو والعافية في الدنيا والآخرة» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: في ~~هذا الحديث تعظيم قدر الدعاء، والتنبيه لعظيم المنة، وشرف المنزلة أعطى ~~العبد ما سئل أو منع، وذلك أن من أذن له بالدعاء فقد جذبه الحق عز وجل ~~إليه، وصرفه عن غيره، وألجأه إلى كنفه، وضمه إليه، واختصه به، وشغله به عمن ~~سواه؛ لأنه صرف قلبه بالرغبة إليه، وشغل لسانه بالثناء عليه، وذم جوارحه ~~بالمثول بين يديه، فما تدري ما صنع عندما أعطى فلانا، أعطي الملك كله لمكان ~~ما، أعطي في الدعاء أكثر، على أن الداعي لا شك يجاب لقوله تعالى {ادعوني ~~أستجب لكم} [غافر: 60] ، هذه سين التوكيد، وهو يقوم مقام القسم عند ### | [ص: 34] # أصحاب المعاني، وقوله {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} [النمل: 62] فيه إضمار: ~~أن الله تعالى يجيبه لا غيره، وقال عز وجل {ولله الأسماء الحسنى فادعوه ~~بها} [الأعراف: 180] ، فإذا دعي بأسمائه وأثني عليه بصفاته، لا بد أن ~~يجيبه، لأن في ترك الإجابة رجوع العلة إليه جل وعلا، لا إلى العبد، ويتعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا، وروي عن رسول الله ms014 صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة» ، وكيف لا يجيبه؟ وهو يحب صوته، ولولا ~~ذلك ما فتح عليه الدعاء له. والإجابة نوعان: قد يكون بالمراد، وقد لا يكون، ~~والاستجابة ليس إلا إجابة عن المراد # PageV01P033 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P034 # حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحيم بن عبد الله بن إسحاق، ~~قال: ح إسماعيل بن توبة قال: ح عفيف بن سالم الموصلي، عن بكر بن خنيس، عن ~~ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أحب الله تعالى عبدا صب عليه البلاء ~~صبا، وسحبه عليه سحبا، فإذا دعا، قالت الملائكة: صوت معروف، وقال جبريل ~~صلوات الله عليه: يا رب عبدك فلان، اقض له حاجته، فيقول الله تعالى: دعوا ~~عبدي، فإني أحب أن أسمع صوته، فإذا قال: يا رب قال الله تعالى: لبيك عبدي، ~~وسعديك، لا تدعوني بشيء إلا استجبت لك، ولا تسألني شيئا إلا أعطيتك، إما أن ~~أعجل لك ما سألت، وإما أن أدخر لك عندي أفضل منه، وإما أن أدفع عنك من ~~البلاء ما هو أعظم من ذلك " ### | [ص: 35] # قال في الحديث: «لا تدعوني لشيء إلا استجبت لك» ، كما قال الله تعالى ~~{ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] وقال بعض علماء اللغة: الإجابة نوعان، قد ~~يكون بالمراد، وقد لا يكون، والاستجابة ليس إلا إجابة عن المراد، فقد صح ~~قول أصحاب المعاني: أن هذه السين تقوم مقام القسم، والله عز وجل لا يخلف ~~الميعاد، فما ظنك إذا أكد بالقسم، وفي بعض الروايات: " أن الله أوحى إلى ~~داود عليه السلام أن قل لظلمة بني إسرائيل: لا تدعوني، فإني آليت على نفسي ~~أن لا يدعوني أحد إلا أجبته، وإنهم إن دعوني أجبتهم باللعنة " هذا معنى ~~الراوية، والله أعلم بلفظه، فقد أخبر أنه يجيب من دعاه، وكفى به شرفا أن ~~تدعوه فيجيبك، فأما السؤال فقد شرط الاختيار لك، كما قال: «إما أن أعجل لك، ~~أو أدخر، ms015 أو أدفع عنك» ، فحسبك شرفا أن يختار لك مولاك عز وجل، ولأن تمنع ~~ما سألت أعظم وأشرف؛ لأنه قال: «أو أدخر لك عندي» هاه لو علمت قوله: «عندي» ~~لهان عليك أن يسلخ جلدك وأنت حي، فكيف بما صرف عنك. وأما قوله: «ما يسأل ~~الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العفو والعافية في الدنيا» ، أما العفو: فأن ~~يختصك لنفسه، ويسرك عن غيره، فيعفى على أثرك، فلا يفطن بك، ولا يعرف مذهبك، ~~فيفوت عدوك إن أرادك وسائر الخلق أن يفتنوك، ونفسك أن يطالبك بحظوظها. ~~والعافية أن يعصمك عما سواه، فلا يكون لك إلى غيره رجوع، ولا إلى سواه نظر، ~~قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: الدعاء مثل قوله: يا الله، يا رحمن، ~~فمن كان مؤمنا دعاه، ووصفه كما هو لم يحرم الإجابة، وهذا معنى قوله {ادعوني ~~أستجب لكم} [غافر: 60] ، وأما الكفار إذا دعوا فلم يصفوه كما وصف نفسه، فلا ~~شك أن الإجابة تكون اللعنة، وللمؤمنين لبيك. وقوله: «اللهم اغفر لي» ، لا ~~يكون دعاء، وإنما هو سؤال، والسؤال غير الدعاء، والله أعلم # PageV01P034 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P036 # حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي قال: ح ابن أبي العوام ~~قال: ح يزيد بن هارون قال: ح عبد الرحمن بن أبي بكر بن مليكة، عن موسى بن ~~عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله ~~بالدعاء» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: معنى قوله: «ينفع مما نزل، ~~ومما لم ينزل» ، هو ما قلناه إن شاء الله أنه قد جعل لك شرف الإذن في ~~الدعاء، وفتح أبواب الرحمة، وأن يكون داعيا له مفتقرا إليه، مثيبا عليه، ~~ذاكرا له، وهذا خير لك من كثير مما تسأل، ويجوز أن يكون الدعاء يسهل على ~~الداعي تحمل ما نزل من البلاء والمصيبة، ويضاعف له ثواب ما نزل؛ لأنه يحوز ~~ثواب المصيبة والبلاء، وثواب الافتقار والاضطراب إليه، وشرف ms016 الدعاء له، ~~ويكون الدعاء بعد نزول البلاء سبب الصبر والرضا، وسبب العصمة عن الجزع الذي ~~لم يحرم الثواب، ومما لم ينزل بأن يصرف عنه، أو يخفف عليه، أو ينزل معه ~~توفيق الصبر، والرضا والشكر، ويعطيه العوض عليه في الدنيا والآخرة، وذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم # PageV01P036 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P036 # حدثنا عبد العزيز بن محمد بن المرزبان، قال: ح أبو الفضل محمد بن إبراهيم ~~قال: ح محمد بن إسماعيل بن جعفر قال: حدثني أبو حمزة، عن ابن عجلان، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معى واحد» ### | [ص: 37] # قال الشيخ رحمه الله: هذه إن شاء الله عبارة عن كثرة الأكل وقلته، وذلك ~~أن الكافر يأكل للشهوة، والمؤمن يأكل للضرورة، ألا ترى إلى ما روي عن بعض ~~الصحابة أو التابعين أنه قال: وددت أن الله تعالى جعل رزقي في حصاة ألوكها، ~~حتى أموت، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حسب ابن آدم ~~أكلات يقمن صلبه» ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من وعاء إذا ~~ملئ شر من البطن، فإن كان لا بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس» . ~~وهذا نهاية ما صح من الأكل، وهو ثلث البطن؛ لأنه قال: «فإن كان لا بد» ، ~~فإنه بقوله: لا تملأن بطونكم؛ فإن كنتم لا بد مالئيه فاملئوا ثلثه بالطعام، ~~ولا تزيدوا عليه، جعل النهاية ثلث البطن، فيجب أن لا يزاد عليه، وإذا كان ~~النهاية ثلث البطن جاز أن يكون الاختيار نصف ذلك، وهو السدس، ثم ينقص ~~المؤمن من هذا الحد شيئا، فيصير سبع البطن، فكأنه يأكل سبع ما يأكل الممتلئ ~~جوفه الذي يصير بطنه شر وعاء ملئ، والكافر يملأه، فيكون بطنه شر وعاء، كما ~~أنه شر الخلق، وأحرى أن شهوات الطعام تنقسم على سبعة أقسام منها: شهوة ~~الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، ms017 ~~والضرورة سابعها ### | [ص: 38] # . فالطعام يؤكل للضرورة، وهو الجوع الذي لا بد من تسكينه، ويرى الإنسان ~~الطعام فيشتهيه فيأكل، وليس له إليه حاجة، ويشم رائحة الطعام فيشتهيه ~~فيأكل، ويستلذ الطعام فيأكل، ويسمع بذلك الطعام فيشتهيه فيأكل، وكل ذلك بعد ~~أن يكون قد استوفى من الطعام، ويشتهي الحامض، والحلو، والمر، والمز، فيأكل ~~بشهوة طبعه، فأما شهوة النفس فإنها لا تقف، وذلك أن المرء ربما يعاف الطعام ~~لامتلائه، ويشتهي ما يشتهيه، ويهيئ الطعام لوقت مستقبل، فالذي يأكل للشهوة ~~ربما جمع هذه الشهوات كلها، والمؤمن لا يأكل للشهوة، ولكن يأكل للضرورة، ~~فهو سبع ما يأكل الكافر # PageV01P036 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P038 # حدثنا أبو حاتم سهل بن السري بن الخضر الحافظ قال: ح سهل بن شاذويه قال: ~~ح عمر بن محمد بن الحسين قال: ح أبي قال: ح محمد بن زياد بن مروان، عن ~~محمود بن راشد، شيخ من أهل مرو، عن أبي أمية عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن ~~إلا وفيه حسد، وسوء ظن، وطيرة، فذهاب حسده ألا يبغي أخاه غائلة، وذهاب سوء ~~ظنه أن لا يحقره بقول يقوله، وذهاب طيرته أن يمضي لحاجته ولا ترده الطيرة» ~~قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: المؤمنون متفاوتون في أحوالهم، ~~ومقاماتهم، ودرجاتهم، فمنهم الضعيف في إيمانه، ومنهم القوي، ومنهم العالي، ~~ومنهم الداني، وقوله صلى الله عليه وسلم: ما من مؤمن إلا وفيه كذا وكذا عم ~~الجميع من المؤمنين إلا أن لكل واحد منهم من هذه الخصال التي فيها هذا ~~الخبر تحمل على ما يليق به وبحاله، فالذي وصف النبي صلى الله عليه وسلم في ~~هذا الحديث حالة المتوسطين من المؤمنين، بقوله: ذهاب حسده ألا يبغي أخاه ~~غائلة، فحسد الذي يبغي صاحبه أخاه غائلة هذا هو الحسد المذموم الذي يعرفه ~~المؤمن من نفسه، فيجاهدها بأن لا يبغي أخاه غائلة، لأن صفة الحسد أن يغتال ~~الحاسد محسوده، فكأن نفسه تطالبه بأن يبغي أخاه غائلة، فهو ms018 مجاهدها، وكذلك ~~إذ ساء ظنه بأخيه، فإن نفسه تطالبه بأن يبغي أخاه غائلة، فهو مجاهدها، ~~والطيرة تمنع صاحبها عن المضي في حاجاته، فهو يجاهد # PageV01P038 # نفسه، ولا تثنيه الطيرة عن وجهه بل يمضي فيه. هذه صفة أوساط المؤمنين، ~~فأما من علت رتبته، وارتفعت منزلته، وجلت صفته، فإنه يكون فيه هذه الخصال ~~غير أنها لا تكون مذمومة، وذلك أنها تكون في أسباب الدين لله تعالى، لا في ~~أسباب الدنيا، ولا لنفسه، وهو أن يكون حسده في فضيلة يراها في أخيه وخلة من ~~خلال الخير يجدها فيه فيتمناها لنفسه كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيما # PageV01P039 # ح نصر بن فتح قال: ح أبو عيسى قال: ح ابن أبي عمر قال: ح سفيان قال: ح ~~الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا حسد ~~إلا في اثنتين: رجل آتاه الله تعالى مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء ~~النهار، ورجل آتاه الله تعالى القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ~~" فيسمى هذا حسدا، فهذا حسد من علت رتبته في الدين عن درجة أولئك، وسوء ظنه ~~يكون بنفسه لا بغيره من المؤمنين، فهو لسوء ظنه بنفسه يخاف عليها مع حسن ~~عمله، كما قال الله تعالى {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: ~~60] ، أي يفعلون من الخير والطاعة والبر، وقلوبهم وجلة أنها لا تقبل منهم، ~~ويرد عليهم لسوء ظنونهم بأنفسهم أنهم قصروا في الذي وجب عليهم من ذلك، كذلك ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما # PageV01P039 # ح خلف بن محمد قال: ح أحمد بن محمد بن الفضل، وأحمد بن عمر قالا: ح ابن ~~أبي عمر قال: ح سفيان، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب ~~الهمذاني، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن هذه الآية {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] هم ~~الذين ### | [ص: 40] # يشربون الخمور ويسرقون؟ قال: «لا يا بنت الصديق، ms019 ولكنهم الذين يصلون، ~~ويصومون، ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في ~~الخيرات» وأما الطيرة: فإنها تكون لهم في أسباب الدنيا إذا فتحت عليهم ~~تطيروا أنها لهم فتنة، وسبب الاشتغال عن الله عز وجل، ويرون أنها سبب ~~المقت، كما قال الله تعالى {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} [الأنعام: 44] ، وفي بعض ~~الأخبار: إذا رأيت الغناء مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، فهذه طيرة هؤلاء، ~~وسوء ظنهم، وحسدهم في الدين؛ فإن الذين اصطفاهم الله تعالى لنفسه، وانتخبهم ~~لولايته، وجعلهم في قبضته، كل خصالهم محمودة، وجميع حركاتهم على ما يجب، ~~وعامة صفاتهم صفات المدح، وإن كانت غلبة أحوال الآدميين لا تكون على حالة ~~واحدة # PageV01P039 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P040 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح محمد بن سليمان بن الحارث الباغندي قال: ح ~~محمد بن عمران بن محمد بن أبي ليلى قال: ح سليمان بن رجاء، عن صالح المري، ~~عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أو غيره قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن أبدال أمتي لم يدخلوا الجنة بالأعمال، ولكن دخلوا ~~الجنة برحمة الله تعالى، وسخاوة الأنفس، وسلامة الصدور، ورحمة للمسلمين» ### | [ص: 41] # قال الشيخ رحمه الله: إنما سموا أبدالا؛ لأنهم بدل من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والصديقين، والشهداء الذين هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ورضي الله عنهم من المهاجرين السابقين الأولين والأنصار في أن يصرف ~~الله بهم العذاب عن أهل الأرض بعصيانهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان أمانا في أمته، قال الله تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} ~~[الأنفال: 33] ، ثم أصحابه من بعده، وأهل بيته، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «أهل بيتي أمان لأمتي» ، وقال عليه السلام: «أصحابي أمنة لأمتي، ~~إذا ذهب أصحابي أتى كذلك أمتي ما يوعدون» ، فلما قبض الله هؤلاء إلى رحمته ~~جعل منهم في كل عصر وحين بدلا منهم على حسب ما ms020 ينبغي بأهل ذلك العصر، فيدفع ~~بهم عنهم العذاب. قوله: «لم يدخلوا الجنة بالأعمال» يعني بالحركات الظاهرة، ~~فإنهم عسى أتوا بأكثر صلاة، وصياما، وجهادا، ونفقة من غيرهم من صالحي ~~المؤمنين، ولكن دخلوها بهذه الصفات التي تفردوا بها عن غيرهم، فقد يجوز أن ~~يكون في عصرهم من هو أكثر عملا منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أبي بكر رضي الله عنه: «إنه لم يفضلكم بكثرة صلاة، ولا صيام، ولكن بشيء وقر ~~في صدره» . وقوله: «سخاوة الأنفس» أي بسخاوتها بفوات ما دون الله، وسلامة ~~الصدور من السكون إلى غير الله، قال الله تعالى {إلا من أتى الله بقلب ~~سليم} [الشعراء: 89] ، قيل: سليم عما دون الله، وقوله: «ورحمة للمسلمين» ~~بالشفقة على خلق الله في تحمل أثقالهم، وتخفيف مؤنهم عنهم # PageV01P040 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P042 # حدثنا أبو الفضل محمد بن حاتم بن الهيثم قال: ح الحسن بن مكرم قال: ح روح ~~بن عبادة قال: ح شعبة قال: سمعت أبا التياح، قال: سمعت أنس بن مالك، رضي ~~الله عنه يحدث، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يسروا، ولا تعسروا، ~~وسكنوا، ولا تنفروا» قال الشيخ: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «يسروا» إن ~~شاء الله أي: اصرفوا وجوه الناس إلى الله تعالى في الرغبة إليه، وردوهم في ~~طلب الحوائج إلى الله تعالى، وردوهم في جميع أحوالهم على الله تعالى، فإن ~~اليسر كله عند الله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} ~~[البقرة: 185] ، وقال {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} [المائدة: 6] . ~~«ولا تعسروا» أي: لا تردوهم إلى المخلوقين في طلب الحوائج منهم، وقضائها من ~~عندهم، فإنهم محتاجون إلى مثل ما يحتاج إليهم فيه، فكأنهم يتجاذبون شيئا ~~بينهم كل يريده لنفسه، فيعسر عليكم الوصول إلى ما يتجاذبونه بينكم. وقوله: ~~«سكنوا» تصديقا لما قلنا بأن السكون هو الطمأنينة، وقد قال الله تعالى {ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28] ، فلا يزال قلب المؤمن في اضطراب في ~~نيل ما يرجوه، وكذلك ما يريده حتى يرد إلى ms021 الله تعالى، فهناك يسكن اضطرابه ~~ضرورة واختيارا. وكذلك قوله: «لا تنفروا» أي: لا تفرقوهم في دلالتهم على ~~غير الله، وردهم إلى من سواه، فيتفرق بهم المذاهب، ويختلف عليهم المسالك ~~والطرق في طلب ما يريدونه فالتنافر فرقة، والسكون جمع، فكان معنى قوله: ~~يسروا، أي: ردوهم إلى اليسر ### | [ص: 43] # ، ولا تعسروا، أي: لا تردوهم إلى العسر، وسكنوا: أي اجمعوهم، ولا تنفروا ~~أي: لا تفرقوهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أصبح وهمه الدنيا شتت ~~الله عليه أمره، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له شمله» ، هذا فيمن أراد ~~الدنيا والآخرة، فما ظنك فيمن أراد بهما. يدل على صحة هذا التأويل ما # PageV01P042 # حدثنا محمد بن إسحاق الخزاعي، قال: ح سعيد بن مسعود قال: ح جعفر بن عون، ~~عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: ما خير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بين أمرين، إلا اختار الذي هو أيسر " يجوز أن يكون ~~معناه: اختار الذي هو لله تعالى، وأنه إذا اختار ما أراد الله تعالى فقد ~~اختار اليسر؛ لأن الله تعالى يريد اليسر # PageV01P043 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P043 # حدثنا أبو الحسن محمد بن عمر البجيري قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد ~~الله البصري قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ح هشام، وهمام قالا: ح يحيى، ~~عن أبي جعفر، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " ثلاث دعوات مستجابات، لا يشك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ~~ودعوة المظلوم " وروي: «دعوة الولد على والده» ، والولد مخلص في دعاء ~~والديه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى استجاب دعوة ~~الصبيان لوالديهم» ؛ لطهارتهم، ولأنه ربما يكون أطهر منهما، وأقلهم ذنبا، ~~جئنا إلى الحديث ### | [ص: 44] # قال الشيخ رحمه الله: فيه إشارة إلى التبرئ عما سوى الله، والانقطاع إلى ~~الله، والشفقة على خلق الله، وذلك أن المسافر مستوفز مضطرب الحال، قل ما ~~يساكن شيئا، أو يوافق حالا؛ لأنه منتقل في المكان مختلف العشرة من ms022 الأحزان، ~~على وجل من حوادث الزمان، كثير الرجوع إلى الله إلى الرحمن، قدر ما انفصل ~~سره من الاعتبار اتصل سره من الخيار، صفا سره، فأسرعت الإجابة إليه إذا ~~دعاه، والمظلوم مضطر قال الله تعالى {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء} [النمل: 62] ، والمضطر منقطع إلى الله تعالى، والوالد مشفق على ~~ولده، مؤثر لحظه على حظ نفسه، فصحت شفقته، فأجيبت دعوته # PageV01P043 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P044 # حدثنا أبو الفضل علي بن الحسن بن أحمد إمام جامع سرخس، وأبو محمد أحمد بن ~~محمد بن رجاء السرخسيان قالا: ح أبو عبيد محمد بن إدريس السامي، ح أبو جعفر ~~أحمد بن صالح المخزومي قال: حدثني عبيد الله بن عمر، قال: ح يوسف بن خالد ~~السمتي قال: ح عمر بن إسحاق، أنه سمع عطاء بن يسار، يحدث عن ميمونة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال الله تعالى: من آذى لي وليا فقد استحل ~~محارمي، وما تقرب إلي عبدي في مثل أداء فريضتي، وإن العبد ليتحبب إلي ~~بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش ~~بها، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه الذي يعقل به، إن سألني أعطيته، وإن ~~دعاني أجبته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن موته وذلك أنه يكرهه، ~~وأنا أكره مساءته " قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله: «كنت ~~رجله ويده» ، والله أعلم، أي: كنت حافظا له أعصمه، وأعصم جوارحه ظاهرا ~~وباطنا، أن يتصرف إلا في نجاتي؛ لأنه إذا أحبه كره له أن يتصرف فيما يكرهه ~~منه ### | [ص: 45] # ، وقوله: «ما ترددت» ، يجوز أن تكون هذه عبارة عن الفعل بالصفة، فيكون ~~المراد منه، والله أعلم: ما رددت شيئا مما أريد أن أفعله بعبدي كما رددت ~~عليه في إزالة كراهة الموت عنه، وذلك أن المؤمن إذا كره الموت ردد الله ~~عليه أحوالا مختلفة، حالا بعد حال، ومرة بعد أخرى مما يحدثه في نفسه من عجز ~~يجده، وضعف يراه في نفسه، وأسباب تحدث له في مدة عمره حتى ms023 يسأم لذلك حياته، ~~فيتمنى الموت، # PageV01P044 # كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يوشك أحدكم أن يسعى ~~إلى قبر قرابته، أو ذي رحمه، فيقول: يا ليتني مكانك، ولا أعاين ما أعاين " ~~ح به محمد بن أحمد البغدادي قال: حدثني محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي، ~~قال: حدثني أبو نعيم النخعي، قال: ح أبو الغبيش، عن أبيه، عن أبي هريرة، ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويبلغ من تمنيه ~~الموت ما يسأل الله ذلك» ، حتى ورد النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به» ألا ترى إلى ما روي عن علي رضي ~~الله عنه أنه أخذ بلحيته فقال: ما يحبس أشقاها أن يخضب هذه من هذا، وأشار ~~بيده إلى رأسه، فهذا تمنيه للموت لاختلاف رعيته عليه، وإذا هم له في أحوال ~~مختلفة، مرة يقاتل الناكثين، ومرة يقاتل القاسطين، ومرة يقاتل المارقين من ~~الجمل إلى صفين، ومنها إلى النهر، ثم مخالفة رعيته له، وكل هذا يردده الله ~~تعالى عليه، حتى بلغ من تمنيه الموت ما ذكر، وقد يحدث الله تعالى في قلوب ~~عباده من الرغبة فيما عنده والشوق إليه والحب للقائه مما يشتاق إلى الموت ~~فضلا عن زوال الكراهة عنه له، فأخبر أنه يكره الموت ويسؤه، ويكره الله ~~تعالى مساءته، فيزيل عنه كراهة الموت بما يردده عليه من الأحوال، فيأتيه ~~الموت وهو له مؤثر، وإليه مشتاق وتردد: قد يجوز أن يكون في اللغة بمعنى ردد ~~إن شاء الله، كما ذكرنا، فقد جاء عنهم تفكر وفكر، وتدبر ودبر، وتهدد وهدد، ~~فيكون تردد بمعنى ردد، والله أعلم بالصواب # PageV01P045 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P046 # حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي قال: ح أبو سعيد العدوي قال: ح الحسن ~~بن علي قال: ح محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: ح معتمر بن سليمان، عن ~~أبيه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله ms024 عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ~~وأما قوم يريد الله بهم الرحمة، فإذا ألقوا فيها أماتهم، حتى يأذن ~~بإخراجهم، فيدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم» قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن ~~يكون أماتهم عبارة عن تغييبه إياهم عن آلامها فيها، ولا يكون ذلك موتا على ~~الحقيقة، فإن النوم قد يغيب عن كثير من الآلام والملاذ، وقد سماه الله ~~تعالى: وفاة، فقال جل جلاله: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها} [الزمر: 42] ، فهي وفاة وليس بموت في الحقيقة الذي هو خروج الروح ~~عن البدن، وكذلك الصعقة قد عبر الله عن الموت بها، فقال: {فصعق من في ~~السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} : وأخبر عن موسى صلوات الله عليه، ~~أنه خر صعقا، ولم يكن ذلك موتا على الحقيقة غير أنه لما غيب عن أحوال ~~الشاهد، وعن الملاذ، والآلام جاز أن يسمى موتا، فيجوز أن يكون معنى قوله: ~~أماتهم أي: غيبهم عن الآلام، وهم أحياء بلطيفة يحدثها الله فيهم، كما غيب ~~النسوة اللاتي قطعن أيديهن بشاهد ظهر لهن، فغبن فيه عن آلامهن، ويجوز أن ~~يكون ذلك موتا على الحقيقة، وأنه يميتهم فيها بخروج أرواحهم، فيكونوا ~~أمواتا على الحقيقة مع قوله: {لا يموت فيها ولا يحيى} [طه: 74] : لأن أهل ~~النار أحياء في الحقيقة، وليسوا بأموات، لأن الحيوان إذا لم يوصف بالحياة، ~~فهو موصوف بالموت، ولما لم يكونوا فيها موتى، فهم أحياء. فإذا جاز أن ~~يكونوا أحياء مع قوله: {لا يحيى} [طه: 74] جاز أن يكون الموحدون فيها ~~أمواتا مع قوله: {لا يموت فيها ولا يحيى} [طه: 74] : ومعنى قوله: {لا يموت ~~فيها ولا يحيى} [طه: 74] أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيى فينتفع بحياته ### | [ص: 47] # . فإن قيل: فما معنى إدخالهم النار، وهم فيها غير متألمين؟ قيل: أن ~~يدخلهم النار تأديبا لهم، وإن لم يعذبهم فيها، ويكون صرف نعم الجنة عنهم ~~مدة كونهم فيها عقوبة لهم كالمحبوسين في السجون، فإن الحبس عقوبة، وإن لم ~~يكن معه غل، ولا ms025 قيد، ويجوز أن يكونوا متألمين غير أن آلامهم تكون أخف من ~~آلام المغيبين، وهم موتى أخف من عذابهم، وهم أحياء، قال الله تعالى في قصة ~~آل فرعون: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] ، فأخبر أن عذابهم إذا بعثوا يكون أشد من ~~عذابهم، وهم موتى، وهم في حالة الموت معذبون، فكذلك الموحدون يميتهم في ~~النار، ويكونون معذبين متألمين، وهم موتى، ويكون عذابهم، وآلامهم أخف من ~~عذاب الكفار، على أن قوله: {لا يموت فيها ولا يحيى} [طه: 74] في صفة ~~الكفار؛ لأنه قال: {ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت ~~فيها ولا يحيى} [الأعلى: 12] ، والأشقى: هو الذي بلغت شقاوته نهايتها، وهو ~~الذي لا يسعد أبدا، وهو الذي يخلد فيها، فأما الموحد وإن شقي بدخوله فيها، ~~فإنه يسعد بخروجه منها، فهو وإن شقي، فليس بالأشقى، وإذا كان قوله: {لا ~~يموت فيها ولا يحيى} [طه: 74] في الكفار خرج الموحدون منها، فيجوز أن ~~يموتوا، ولا يكون ذلك خلافا للآية. وإن قيل بأن المخلدين فيها ليسوا بصفة ~~الأحياء، ولا الموتى لم يبعد، فإن الجماد لا يوصف بالحياة، ولا بالموت، وهم ~~وإن لم يكونوا بأحياء، ولا موتى بخلق الله تعالى فيهم الآلام الشديدة، ~~ويكونون معذبين أبد الأبد بأشد العذاب، وقد خلق الله تعالى في الجماد ~~الألم، وهو الجذع الذي كان يخطب النبي صلى الله عليه وسلم عنده لما اتخذ له ~~المنبر من حنين الناقة، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتضنه، ~~فسكن، وإنما حن حزنا على مفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحزن ألم. ~~وخلق الله الكلام في الجماد، بقوله: {قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] فإذا ~~جاز هذا فيما لا يوصف بالموت، ولا بالحياة، جاز أن يخلق في أهل النار الذين ~~هم الكفار الآلام، والعذاب أبد الأبد، وليسوا بأحياء، ولا موتى، والله أعلم ~~بالصواب # PageV01P046 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P048 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح الحماني قال: ح عبد ~~العزيز بن محمد، عن ms026 محمد بن أبي حميد، عن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن جده ~~سعد بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سعادة لابن آدم ~~ثلاثة، وشقاوة لابن آدم ثلاثة، فمن سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن ~~الواسع، والمركب الصالح، وشقاوة ابن آدم: المسكن السوء، والمرأة السوء، ~~والمركب السوء " قال الشيخ رحمه الله: هذه والله أعلم سعادة الدنيا دون ~~سعادة الدين، والسعادة سعادتان: مطلقة، ومقيدة، فالمطلقة: السعادة في الدين ~~والدنيا، والمقيدة: فيما قيدت به، وهذه سعادة مقيدة، لأنها ذكرت أشياء ~~معدودة، فكان من رزق امرأة صالحة، ومسكنا واسعة، ومركبا صالحا، طاب عيشه، ~~ويهنأ ببقائه، وثم رفعه بها، لأن هذه الأشياء من تراخي الأبدان، ومتاع ~~الحياة الدنيا، وقد يكون السعيد في الدين، ومن عباد الله الصالحين، ولا ~~يكون له شيء من هذه الأشياء، وإن كانت أي الشقاوة، فعلى ضد هذا المعنى من ~~الشقاوة، ومعنى الشقاوة ههنا: التعب، قال الله تعالى: {لا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى} قيل: فتتعب، ومن ابتلي بالمرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب ~~السوء تعب في أكثر أوقاته، ويجوز أن يكون أكثر السعداء مبتلين بهذا التعب، ~~فإن الأولياء مرادون بالبلاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد ~~الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» ، وقد كان لنوح ولوط ### | [ص: 49] # صلوات الله عليهما امرأتا سوء، فهما في غاية الشقاوة، ولوط ونوح في غاية ~~السعادة، وامرأة فرعون أسعد أهل زمانها، وفرعون أشقى الخلق، وقد كان لموسى ~~صلوات الله عليه عريش يأوي إليه، وكذلك أكثر الأنبياء صلوات الله عليهم، ~~والأولياء رضوان الله عليهم، فدل أنه أراد السعادة المقيدة التي هي سعادة ~~الدنيا دون السعادة المطلقة التي تعم الدين والدنيا # PageV01P048 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P049 # حدثنا محمد بن عبد الله بن يوسف المعروف بالعماني قال: ح أبو إسحاق ~~إبراهيم بن سعيد القشيري قال: ح محمد بن الأزهر قال: ح عبد الرحمن بن قيس ~~قال: ح سكين بن السراج قال: ح المغيرة بن السويد، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ms027 عليه وسلم: «من سعادة المرء خفة لحيته» ~~قال الشيخ رحمه الله: اللحية للرجل زينة، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~كانت تقسم فتقول: لا والذي زين الرجال باللحى، والزينة إذا كانت تامة وافرة ~~ربما أعجب المرء نفسه، والعجب هلاك، والهلاك شقاء، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه " # PageV01P049 # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما خير ما أعطي المسلم؟ قال: «حسن الخلق» ~~قال: فما شر ما أعطي؟ قال: «قلب سوء في صورة حسنة، فإذا نظر إلى نفسه ~~أعجبته» ### | [ص: 50] # حدثناه أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي بالرمي قال: ح أبو حاتم محمد بن ~~إدريس سنة ست وسبعين ومائتين قال: ح عبد الله بن مروان أبو شيخ الحراني ~~قال: ح زهير قال: ح أبو إسحاق، عن المزني، أو الجهني أن رجلا أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما خير ما أعطي ~~المسلم، فذكره. . . فإذا كانت الزينة سبب إعجاب المرء بنفسه، وإعجابه بها ~~من المهلكات، والهلاك شقاء، كانت الخفة في الزينة سبب ازدرائه بها، فكان ~~ذلك فوزا ونجاة، وهو السعادة. ففي هذا الحديث دلالة على الاختيار في التوسط ~~في التزين، وترك المبالغة فيها من لباس، ودار، ومركب، وكلام، ومشي، وفي ~~جميع ما يتزين المرء به، وقد ورد في كل شيء من هذا أخبار. روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «بينا رجل من بني إسرائيل لبس حلة، فاختال فيها في ~~مشيته، فخسف الله الأرض به، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة» # PageV01P049 # قال: ح محمد بن محمد أبو جعفر الجمال قال: حدثنا أحمد بن محمد بن رزيق ~~المعروف بابن الأعجم بصنعاء قال: ح أبو سالم بن جعشم، ح ابن أبي رواد، عن ~~حنظلة، عن طاوس، عن أبي هريرة رضي الله عنه لا يعلمه إلا قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «بينا رجل من بني إسرائيل لبس حلة فأعجبته نفسه، ~~فاختال ms028 فيها في مشيته، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم ~~القيامة» ### | [ص: 51] # وقال عمر رضي الله عنه: اخشوشنوا، واخشوشبوا، وركب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرسا، فكرهه، وقال: «وجدته عجرا» وكان عمر رضي الله عنه ينهى ~~عماله عن ركوب البراذين لكراهيتها، ولين متونها، وفي صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا مشى تكفأ، كأنما يمشي في صبب. كل هذه الأخبار دالة على كراهة ~~المبالغة في الزينة، وكره للرجال ما ظهر لونه من الطيب، فكل ما أدى إلى ~~الإعجاب بالنفس فهو شقاء، والسعادة بخلافه، ففي خفة اللحية خفة الزينة، وفي ~~خفة الزينة السعادة، والله أعلم وفي أصل آخر بعد قوله: «ما ظهر لونه من ~~الطيب» ، فإذا كذلك كان قوله: «من سعادة المرء خفة لحيته» معناه ما ذكرنا ~~من الأسباب بعد المرء عن الإعجاب بنفسه، وهو سعادة، والله أعلم # PageV01P050 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P051 # حدثنا عصمة بن محمود بن إدريس البيكندي، قال: ح إبراهيم بن إسماعيل ~~البيكندي قال: ح سويد، ح بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن أبي ~~الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «العطسة عند الحديث شاهد عدل» حدثنا أحمد بن محمد بن رجاء، وأبو ~~الفضل علي بن الحسين بن أحمد السرخسيان قال: ح محمد بن إدريس الشامي أبو ~~لبيد قال: ح سويد بن سعيد الحدثاني قال: ح بقية بن الوليد بإسناده مثله. ~~قال الشيخ رحمه الله: الشاهد الحاضر، والشهود الحضور، والكذب ضد الصدق ### | [ص: 52] # . وروي أن الملك يتباعد عن العبد عند الكذب # PageV01P051 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح يحيى بن موسى قال: قلت لعبد ~~الرحيم بن هارون الغساني: حدثكم عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن ~~عمر، رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كذب العبد ~~تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به» قال يحيى: فأقر به عبد الرحيم بن ~~هارون، فقال: نعم ms029 فإذا غاب الملك عند الكذب حضر عند الصدق، فشهد، والملك ~~حبيب الله عز وجل؛ لأنه كريم عليه، قال الله جل وعلا {وإن عليكم لحافظين ~~كراما كاتبين} [الانفطار: 11] أي كراما على الله، كاتبين لأعمالكم، وقال ~~الله عز وجل {كرام بررة} [عبس: 16] ، وقال {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون} [التحريم: 6] ، فهذه صفات من يحبهما الله، فإذا فالملك حبيب ~~الله، ومن كان بهذه الصفة فهو لله عز وجل حبيب، وورد الخبر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحب العطاس، ويكره التثاؤب» # PageV01P052 # حدثنا محمد بن عبد الله بن يوسف العماني، قال: ح محمد بن أحمد البراء أبو ~~الحسن قال: ح المعافى بن سليمان قال: ح روح بن القاسم، عن محمد بن عجلان، ~~عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحب العطاس، ويكره التثاؤب» ### | [ص: 53] # فإذا شهد العطاس الذي هو حبيب الله عند الحديث صدقه، فكان شاهدا لأنه حضر ~~ولم يغب، وعدلا لأنه حبيب الله، والله أعلم. فإذا دل حضور أحد الحبيبين وهو ~~الملك عند الحديث الصدق دل حضور الحبيب الآخر الذي هو العطاس عند الحديث ~~على صدقه، والله أعلم # PageV01P052 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P053 # حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن بشروية بن علي قال: ح أبو علي صالح بن محمد ~~قال: ح علي بن الجعد قال: ح مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاء بن عبد الرحمن، ~~عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «حسب الرجل دينه، ومروءته عقله» قال الشيخ رحمه الله: الحسب في ~~الآباء، والشرف في الولادة، وأشرف الأحساب حسب العرب، والعرب إنما شرفوا ~~بالدين، وذلك أن خيار الناس وأفضلهم في الدين وأقربهم زلفى عند الله تعالى ~~كانوا من العرب، وذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيد الخلق كلهم، وسيدا ~~كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين غير النبيين والمرسلين أبو بكر، وعمر ~~رضي الله عنهما، ms030 وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين رضي الله عنهما وسيدة ~~النساء خديجة، وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فإذا كان هؤلاء الذين هم خيار ~~الخلق من الأولين والآخرين، وأفضلهم من العرب صار للعرب شرفا بذلك. أما ~~أوائلهم فبأنهم كانوا سببا لكونهم ولدوهم، وأما من بعدهم فلأنهم من نسل ~~هؤلاء الخيار، فصح أن علة الشرف الدين، فكان الحسب في الجاهلية هو الشرف ~~بالولادة، إذ لم يكن لهم دين، فلما أظهر الله الدين، وأخرج الأخيار ~~والأفاضل الذين هم ودائعه في الأصلاب والأرحام سقط شرف الماضين منهم، إذ ~~كان شرفهم بهم، فصار الشرف في الأصل الذي كان سببا لشرف العرب، ومهد الدين، ~~فصار الانتماء والافتخار ### | [ص: 54] # الذي كان بالآباء بالدين، ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه كيف قال فيمن انتمى، وافتخر بالآباء فيما # PageV01P053 # حدثنا به عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم قال: ح أبو ثابت ~~قال: ح عبد الله بن وهب، ح هشام بن سعيد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أذهب ~~عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم ~~عليه السلام، وآدم من تراب» نبه عن رجال فخرهم بأقوام، وإنما هم فحم من فحم ~~جهنم، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن، ~~فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشرف بأولئك قد سقط، ثم كانت ~~العرب قبائل، فكل كان ينتمي إلى أحدها، فصار نعوت المؤمنين بدل قبائل ~~العرب، ومراتب الدين بدل شعوبها، قال الله تعالى {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 112] ، وقال الله تعالى {إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات} [الأحزاب: 35] فالانتماء إلى هذه الأوصاف والشرف بهذه ms031 أنسب دون ~~الآباء والسلف. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومروءته عقله» ، ظاهر المروة ~~عند الناس حسن الزي، وجمال الحال، والتوسع في الطعام والإطعام، وهذه أحوال ~~من اتسع في المال فيمكنه ذلك، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن ~~المروة هو العقل، وقد يكون العاقل موسعا عليه، ومقدرا له، فإذا كمل عقل ~~المرء تمت مروءته، وذلك أن المروءة اشتقاقها من المرء، والمرء الإنسان، ~~والإنسان إنما شرف على سائر الحيوانات ### | [ص: 55] # بالعقل، وكمال العقل التنزه عن كل خلق ذميم، وكف النفس عن شهواتها ~~الردية، وطباعها الدنية، ووضع كل شيء موضعه، وإيفاء كل ذي حق حقه فالعاقل ~~يوفي حق الربوبية لربه جل جلاله على قدر وسعه وطاقته، ويوفي حق العبودية من ~~نفسه، ويوفي حقوق الله من فصيح وأعجمي، ويوفي حقوق نفسه، فإن لها عليه حقا، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لنفسك عليك حقا» . فمن كانت فيه هذه ~~الخصال التي يجمعها العقل فقد تمت مروءته، وظهرت إنسانيته، ومن لم يكن بهذه ~~الأوصاف فلا فرق بينه وبين سائر الحيوان، بل هو شر الحيوان، قال الله ~~تعالى: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل} [الفرقان: 44] # PageV01P054 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P055 # حدثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي بالري قال: ح أبو يحيى جعفر بن محمد ~~الزعفراني قال: ح موسى يعني ابن محمد النخعي قال: ح ابن لهيعة، عن مشرح بن ~~هامان، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكثر ~~منافقي أمتي قراؤها» قال الشيخ رحمه الله: والله أعلم هذا نفاق العمل لا ~~نفاق الاعتقاد، وذلك أن المنافق هو الذي أظهر شيئا وأضمر خلافه، أظهر ~~الإيمان بالله لله، وأضمر عصمة ماله ودمه، والمرائي بعمله الدار الآخرة، ~~وأضمر ثناء الناس وعرض الدنيا، والقارئ أظهر أنه يريد الله بعمله ووجهه لا ~~غير، وأضمر حظ نفسه وهو الثواب، ويرى نفسه أهلا لذلك، وينظر لعمله بعين ~~الإجلال، فلأن كان باطنه خلاف ظاهره صار منافقا إذ المنافق بإيمانه قصد حظ ~~نفسه، والقارئ بعمله قصد حظ ms032 نفسه فاستويا في القصد، ومخالفة الباطن ~~والظاهر، فاستويا في الإثم لاستوائهما في القصد والصفة ### | [ص: 56] # ، فالمنافق راءى الإمام والسلطان وعوام المسلمين، والمرائي راءى الزهاد ~~والعباد، وأرباب الدين، والقارئ راءى الله عز وجل فصال بعمله، وأعجب بنفسه، ~~وتمنى على ربه # PageV01P055 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P056 # حدثنا أبو جعفر محمد بن جعفر قال: ح أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي ~~قال: ح أحمد بن يحيى الصوفي قال: ح زيد بن الحباب قال: ح سفيان الثوري، عن ~~حجاج بن فرافصة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد يغلب ~~القدر» قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون أراد كفر النعمة الذي هو ضد ~~الشكر لا كفر الجحود الذي هو ضد الإيمان، وهو أن الفقر نعمة من الله تعالى ~~على العبد؛ لأنه سبب الرجوع إلى الله تعالى والالتجاء إليه، والطلب منه، ~~وهو حلية الأنبياء، وزي الأصفياء، وشعار الصالحين، وزينة المؤمنين، فقد روي ~~في الحديث: " إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين ". وروي: «أن ~~الفقر أزين بالعبد المؤمن من العوار الجيد على خد الفرس» ، وما كان كذلك ~~فهو نعمة جليلة، غير أنه مكروه مؤلم، شديد التحمل، فقال: «كاد» ، يكفر نعمة ~~الفقر لثقل تحملها على النفوس. وقوله: «كاد الحسد يغلب القدر» أي: كاد ~~الحسد في قلب الحاسد أن يغلب على رؤية القدر، فلا يرى أن النعمة التي حسده ~~عليها إنما صارت له بقدر الله وقضائه، فلا تزول عنه إلا بقضاء الله وقدره، ~~وغرض الحاسد ومراده وشهوته زوال نعمة المحسود ### | [ص: 57] # . ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مؤمن إلا ~~وفيه حسد» ، ثم قال: «فذهاب حسده أن لا يبغي أخاه غائلة» ، فأخبر أن الحاسد ~~يعمل في إزالة النعمة من المحسود، ولو تحقق معرفته بالقدر لم يحسده، ولرجع ~~إلى الله تعالى في الاستسلام له، والانقياد لحكمه، ورضي بقدره الذي يعلم ~~أنه لا يرده ms033 أحد، قال: ويجوز أن يكون المراد منه الفقر من العلم، وهو الفقر ~~الأعظم، فإن الجهل أقرب شيء إلى الكفر، فإن برصيصاء ظن لجهله أن سجوده ~~للمخلوق ينجيه، فكفر # PageV01P056 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P057 # حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي، قال: ح عبد الصمد بن الفضل ~~قال: ح عبد الله بن يزيد المقبري قال: ح يحيى بن شريح قال: ح سالم بن غيلان ~~أنه سمع دراجا أبا السمح، قال: سمعت أبا الهيثم، قال: سمعت أبا سعيد ~~الخدري، رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«تعوذوا بالله من الكفر والدين» فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أيعدل الكفر بالدين؟ قال: «نعم» قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون المعنى ~~فيه إذا جحد المديون الدين وأنكره، لأن الكفر جحود حق الله تعالى، والإنكار ~~لصاحب الدين جحود حق العباد، فعادل جحود حق العباد جحود حق الله تعالى، ~~ويكون إتلاف أموال الناس وإن لم ينكرها جحودا، لأن المعنى في الجحود ~~الإتلاف، فمن أي وجه أتلف، فكأنه جحده، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان لا يصلي على من مات وعليه دين، ولم يترك وفاء، ويصلي عليه إذا ترك ~~وفاء، أو ضمن الدين ضامن ### | [ص: 58] # ، فأما من لم يجحد الدين، ولم يرد إتلافه فإنه لا يعادل الكفر إن شاء ~~الله، يؤيد ذلك # PageV01P057 # ما حدثنا عامر بن محمد، قال: ح أبو الحسن علي بن صالح قال: ح عبد السلام ~~بن عاصم الرازي قال: ح جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، عن زياد ~~بن عمرو بن هند، عن عمران بن حذيفة، قال: كانت ميمونة تدان فتكثر، فقال لها ~~أهلها في ذلك ولاموها ووجدوا عليها، فقالت: لا أترك الدين وقد سمعت خليلي ~~وحبي صلوات الله عليه وسلامه يقول: «ما من أحد يدان دينا يعلم الله أنه ~~يريد قضاءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا» # PageV01P058 # قال سمعت منصور بن عبد الله الهروي، يقول: سمعت محمد بن حامد الترمذي، ms034 ~~يقول: كنت عند أحمد بن خضرويه، وقد احتضر، فتقدم بعض تلاميذه فسأله عن ~~مسألة، ففتح عينيه، وهما تذرفان بالدموع فقال: يا بني باب كنت أدقه منذ ~~خمسة وتسعين سنة الآن يفتح لي، فلا أدري أبشر بالسعادة، أو بالشقاوة، ثم ~~التفت عن يمينه ويساره فإذا غرماؤه جلوس، فرفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم ~~إنك جعلت الرهاين توثقة لأرباب الأموال في الدنيا، وأنا رهن بين أظهرهم، ~~فإن كنت تريد أخذ الرهن منهم، فأد إليهم حقوقهم، فإذا داق يدق الباب، ~~ففتحوا فإذا رجل على بغلة، ومعه جراب، فنزل فدخل، وقال: أين غرماء أحمد؟ ~~فقالوا: نحن، فأدى إلينا ما كان عليه وخرج، ومات أحمد رحمه الله، وكان ~~الدين عليه سبعمائة دينار فمن ادان على الله أدى الله عنه في الدنيا، ومن ~~ترك وفاء بما عليه وهو غير جاحد ولا مطول خرج من هذا الوعيد، والله تعالى ~~أعلم # PageV01P058 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P059 # حدثنا عصمة بن محمود بن محمد الكندي أبو محمد، قال: ح إبراهيم بن إسماعيل ~~قال: ح محمد بن بشار قال: ح قيس بن ربيع، عن أبيه عبد الرحمن بن عوسجة، عن ~~البراء بن عازب، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«زينوا القرآن بأصواتكم» قال الشيخ رحمه الله: معناه زينوا أصواتكم ~~بالقرآن، فإن القرآن يزين صوت المؤمن، لقوله حين سئل: من أحسن الناس صوتا ~~بالقرآن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من إذا قرأ رأيت أنه يخشى ~~الله تعالى» . وبرواية أخرى # PageV01P059 # حدثنا محمد بن حامد، قال: ح محمد بن رجاء قال: ح صيار بن عبد الله بن ~~خارجة قال: ح عبد الله بن عمرو قال: ح يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: بلغنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا ~~سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى» ### | [ص: 60] # فقراءة القرآن من الخاشي زينة لصوته، فكأنه يقول: زينوا قراءتكم بالخشية ~~لله، وحسنوا أصواتكم بقراءة القرآن على خشية من قلوبكم، وروي عن النبي ms035 صلى ~~الله عليه وسلم ذلك نصا، كما ذكرناه من المعنى، وهو ما # PageV01P059 # حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح عبد الله بن حماد قال: ح يحيى بن بكير ~~قال: ح يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ~~رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا في بيوتكم، ولا ~~تجعلوها قبورا، وزينوا أصواتكم بالقرآن؛ فإن الشيطان ينفر من البيت الذي ~~يقرأ فيه سورة البقرة» # PageV01P060 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P060 # حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب الفقيه الحارثي رحمه الله قال: ح أبو ~~بكر محمد بن تمام بن عيسى قال: ح إسحاق بن محمد بن إسحاق العمي قال: ح يونس ~~بن عبيد، عن الحسن، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس» قال الشيخ رحمه ~~الله: التودد: الإتيان بالأحوال التي يودك الناس ويحبونك من أجلها، كما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ازهد فيما في أيدي الناس يحبك ~~الناس» ### | [ص: 61] # . فمن زهد فيم في أيديهم، وبذل لهم ما عنده، وتحمل أثقالهم، ولم يكلفهم ~~حملها من نفسه وكف أذاهم عنهم وتحمل أذاهم، وأنصفهم ولم ينصف عنهم، وأعانهم ~~ولم يستعن بهم، ونصرهم ولم ينتصر منهم، فهذه أوصاف العقلاء، أي هذه ~~وأمثالها، فمن أتى بهذه الأوصاف وتخلق بهذه الأخلاق فقد تودد إليهم، فلأنه ~~صلى الله عليه وسلم أشار إلى التخلق بهذه الأخلاق، واكتساب هذه الأفعال، ~~فمن تخلق بها، وعاشر الناس عليها، وعاملهم بها، وده الناس، وأحبوه، وهذه ~~أوصاف العقلاء من الناس، وليس معناه على أنه يريد محبتهم له، وودهم إياه، ~~بل يفعل ما يفعله لله تعالى، ولوجوب حق العباد عليه، لا لمطالبة الود منهم، ~~فإذا فعل العبد ذلك لله تعالى أودع الله وده قلوب المؤمنين؛ لأنه تعالى ~~يوده، فيجعل وده في قلوب عباده المؤمنين، قال الله تعالى {سيجعل لهم الرحمن ~~ودا} [مريم: 96] ، قيل: أي في قلوب أوليائه # PageV01P060 ### | ### | حديث آخر ms036 # # PageV01P061 # حدثنا أبو عمرو الحسين بن علي بن الحسن العطار، قال: ح عبد الله بن أبي ~~مسرة قال: ح يحيى بن محمد الحارثي قال: ح عبد العزيز محمد بن أسامة بن زيد، ~~عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رأى قوما يقرءون القرآن في المسجد، فقال: «اقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم ~~يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه، ولا يتأجلونه» قال الشيخ رحمه الله: معناه ~~والله أعلم، يريدون به العاجلة عرض الدنيا وحطامها، والرفعة فيها، ولا ~~يتأجلونه أي: لا يريدون به الدار الآخرة، وما عند الله فمعناه: أنهم لا ~~يقرءون القرآن للآجلة، بل يقرءونه للعاجلة، فمن أراد به الدنيا وترسل في ~~قرأته ورتله فهو متعجل، ومن أراد به الآخرة، ومر فيه متعجلا قراءته بعد ~~أداء الحروف حقها، فهو متأجل، الدليل على ذلك ما روي عن ختم عثمان رضي الله ~~عنه في ليلة # PageV01P061 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P062 # حدثنا محمد بن عبد الله العماني، قال: ح محمد بن هشام هو ابن أبي الدميك ~~قال: ح أحمد بن جناب قال: ح عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي ~~هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بشروا خديجة ~~ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب» قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى ~~قوله: «لا صخب فيه» أي: هو مخصوص لها، لا يشاركها فيه أحد؛ لأن الغالب في ~~أحوال الناس التنازع في الشيء المشترك بينهم، والمنازعة تفضي إلى الصخب، ~~وما انفرد لأحد شيء لم ينازع فيه فلم يكن هناك صخب، فعبر عن انفرادها بهذا ~~البيت الذي هو من درة جوفاء بزوال الصخب فيه، وإن لم يكن هناك صخب، وقوله: ~~«لا نصب» أي: ليس ذلك جزاء لنصبها، ولا تكلفها من الأعمال التي أتيت عليها، ~~لكن هذا زيادة وفضل من الله تعالى لها بعدما أعطاها من الثواب على أفعالها، ~~وأضعف لها منه، والله أعلم # PageV01P062 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P062 # حدثنا أبو الحسن محمد بن ms037 عمر البختري قال: ح أبو مسلم إبراهيم بن عبد ~~الله البصري قال: ح سليمان بن حرب قال: ح شعبة، ح واقد جده عبد الله بن ~~عمر، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ~~ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ### | [ص: 63] # قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله «كفارا» أي: كفارا لنعمة ~~الإسلام تاركين الشكر فيه، فإن من الشكر على نعمة الإسلام مواصلة أهله، ~~وموافقتهم، واجتماع الكلمة فيه، والتحاب لأجله، وترك التقاطع وبغي بعض على ~~بعض؛ لأن من أحب شيئا أحب أهله، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تؤمنون بي حتى تحابوا» # PageV01P062 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P063 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح علي بن حجر قال: ح أبو لبيد ~~بن محمد الموقري، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب، رضي ~~الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع أبو بكر وعمر، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين ~~والآخرين إلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما» قال الشيخ رحمه الله: ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «يا علي لا تخبرهما» ، يجوز أن يكون ذلك على ~~معنى لا تخبرهما قبلي، كأن صلى الله عليه وسلم أراد أن يكون هو المخبر ~~لهما، والمبشر لهما بهذه البشارة، ليكون ذلك أجل قدرا، وأعظم موقعا، ويكون ~~فضل السبق بالبشارة له، وتكون هذه الفضيلة من الفضائل التي لا تكون إلا له ~~صلى الله عليه وسلم وليس ذلك إن شاء الله على مخافة الفتنة عليهما، فقد ~~أخبرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبما هو أعظم منه بقوله: «إن ~~أهل الجنة ليرون أهل ### | [ص: 64] # عليين، كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما منهم، وأنعما» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل المسجد، وأبو ~~بكر وعمر أحدهما عن ms038 يمينه والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، وقال: «هكذا ~~نبعث يوم القيامة» . وقد تبين في هذا الحديث وغيره من الأخبار أنه أخبرهما ~~فلو كان قوله: «يا علي لا تخبرهما» حفظا لمواضع الفتنة عليهما لم يخبرهما، ~~وكيف يخاف عليهما الفتنة وهو يعلم أنهما بهذه الصفة؟ والمفتون لا يستحق هذه ~~الفضيلة، ولا ما هو دونها، ومن بلغت رتبته هذه الرتبة عصم من الفتنة، ~~والإعجاب بالنفس؛ لأن الإعجاب بالنفس من المهلكات، ومن كان بهذه الصفة لا ~~يجوز أن يهلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ما أخبرهما به من هو ~~دونهما في الفضيلة مثل عكاشة حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل ~~من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب» ، فقال عكاشة رضي الله عنه: ادع الله ~~أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم» . وقال لبلال: «سمعت خشخشتك في الجنة بين ~~يدي» ### | [ص: 65] # وكثيرا من أصحابه بشرهم بالجنة، ولم يخف عليهم الفتنة، لعلمه أنهم يعصمون ~~عن الفتنة ليتم مراد الله فيهم، فكيف بهما وهما رضي الله عنهما بحيث لا ~~يدانيهما في الفضل أحد من الناس من الأولين والآخرين بعد الأنبياء ~~والمرسلين صلوات الله عليهم # PageV01P063 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P065 # حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي، قال: ح أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، ح ~~أبو بكر بن أبي شيبة قال: ح عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عبد الرحمن بن ~~أيمن، عن أبيه، قال: قلت لجابر رضي الله عنه يعني ابن عبد الله: حدثني ~~بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرويه عنك، فقال جابر: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق نحفر فيه، فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم ~~شيئا، ولا نقدر عليه، فعرضت في الخندق كدية، فجئت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: هذه كدية قد عرضت في الخندق، وقد رششت عليها الماء، فقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبطنه معصوبة بحجر، فأخذ المعول، ثم سملها، ~~ثم ضرب، فعادت كثيبا أهيل قال الشيخ رحمه الله: ms039 معنى عصب النبي صلى الله ~~عليه وسلم الحجر على بطنه عند الجوع يجوز أن تكون العادة عند العرب أو لأهل ~~المدينة أنهم كانوا يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم، وغارت بطونهم، فشدوا عليها ~~حجرا يعتمدون عليه، وكان أصابهم الجوع ففعلوا ذلك، ففعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم موافقة لهم، وليعلم أصحابه أنه ليس عنده طعام استأثر به دونهم، ~~وأراهم خلاء جوفه كخلاء أجوافهم، وإن كان هو صلى الله عليه وسلم محمولا في ~~الجوع عن الضعف الذي يلحقهم عنده، فإنه قال صلى الله عليه وسلم حين واصل ~~فواصل أصحابه، فنهاهم عن ذلك، فقالوا: إنك لتواصل فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«إني لست كأحدكم، إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني» ### | [ص: 66] # فأخبر أنه محمول فيما يرد عليه من الله، وما يغنيه من الطعام والشراب، ~~فإنما عصب الحجر على بطنه على معنى المساواة بهم، والموافقة معهم، الدليل ~~على ذلك ما روي في الحديث الذي # PageV01P065 # حدثنا به نصر بن الفتح قال: ح أبو عيسى قال: ح عبد الله بن أبي زياد قال: ~~ح سيار، عن سهل بن أسلم، عن يزيد بن أبي منصور، عن أنس بن مالك، رضي الله ~~عنه، عن أبي طلحة، رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن حجرين ألا ترى أنهم لما شكوا إليه الجوع أظهر لهم ما أظهروا له، ~~وقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما لما خرجا إلى المسجد ليلا، فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فرآهما , فقال لهما: " ما أخرجكما هذه الساعة؟ ~~فقالا: الجوع، فقال: «والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما» أخبرهما بما شكوا ~~إليه من نفسه تطيبا لنفوسهما، ونفوس أصحابه، وأنه لم يجد طعاما كما لم ~~يجدوا، فيكون ذلك أسهل عليهم، وأطيب لنفوسهم، وأرضى لهم بأحوالهم. ويجوز أن ~~يكون معنى عصب الحجر منه على بطنه إشارة منه لهم إلى أن القوام الذي ~~بالطعام ليس هو من الطعام، ms040 ولكن القوام بالله عز وجل، لأن الطعام إنما يكون ### | [ص: 67] # منه القوة، والقوام بما يصل منه إلى الجوف، فعمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أبعد الأشياء من معاني الفداء به، فربطه من خارج يريهم أن هذا ~~يقوم له مقام الطعام الذي يصل إلى الأجواف فيكون منه القوام ليقطعهم ذلك عن ~~الاعتماد في حال الجوع على الطعام، ويصرفهم إلى الله تعالى في التقوية بما ~~شاء من طعام أو غيره، فيكون اعتمادهم على الله عز وجل دون اعتمادهم على ~~الأسباب، ويكون هو أول من فعل ذلك، ويكون ذلك ممن فعله تأسيا به وقدوة، ~~فيحملهم تركه الأسوة عن الجوع الذي حل بهم، ولم يأت في الأخبار أن عيون ~~أصحابه فعلوا ذلك، لأنهم أدركوا إشارته في ذلك، فلذلك لم يربطوها على ~~بطونهم. ويجوز أن يكون ربط الحجر منه مقابلة أصحابه بما أظهروه من الضعف ~~والعجز والحاجة إلى الطعام، فقابلهم بمثله من نفسه من ضعف البشرية، وعجز ~~صفة الإنسانية، وأنه يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الطعام على جلالة قدره، ~~وعلو درجته، وارتفاع منزلته عند ربه جل جلاله، كما قال جل جلاله {وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام} [الأنبياء: 8] ، وقال عز وجل {وما أرسلنا ~~قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام} [الفرقان: 20] الآية، ثم لما ~~أظهروا القوة من نفوسهم من الوصال أراهم ضعفهم في أحوالهم، وعجزهم في ~~نفوسهم، فنهاهم عنه، فقالوا: إنك لتواصل، فقال: «لست كأحدكم , إن ربي ~~يطعمني ويسقيني» ، ثم واصل صلى الله عليه وسلم حتى انسلخ الشهر فقال: «لو ~~غم علي الشهر لواصلت» ، قال في الحديث كالمنكل لهم حين أظهروا قوة من ~~نفوسهم، وأعلمهم أنه محمول على ضعف أوصاف البشرية، وعجزها بالوارد عليه من ~~ربه عز وجل، ألا تراه يقول: «إني لست كأحدكم» صلى الله عليه وسلم # PageV01P066 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P068 # حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يعقوب قال: ح الحسين بن علي العطار ~~قال: ح إبراهيم بن عبد الله العبسي قال: ح وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، ~~عن أبي ms041 هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل ~~عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: ~~إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: ~~فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله ~~تعالى من رائحة المسك، الصوم جنة الصوم جنة " قال الشيخ رحمه الله: معنى ~~إضافة الصوم إلى نفسه جل اسمه يجوز أن يكون لبعده من الرياء والسمعة؛ لأنه ~~لا يكاد يقع عليه أبصار الناظرين، فيدخل فيه الرياء، ويجوز أن يكون على ~~معنى أن الصائم لا يطعم، والله تعالى وصف نفسه فقال {وهو يطعم ولا يطعم} ~~[الأنعام: 14] ، فكأن الصائم اتصف بصفة من صفات الله تعالى على قدر ما يليق ~~من البشرية، وكماله لله على استحقاق الربوبية، كما أن العالم منا والكريم ~~والرحيم متصف بصفة يستحقها الله، وللعبد فيها نسبة على قدر البشرية، فلما ~~كان كذلك يجوز أن يكون خصوص الإضافة إلى نفسه لذلك. وقوله: «أنا أجزي به» ~~أي: على كرم الربوبية لا على استحقاق العبودية، كأنه تعالى يقول: إن الذي ~~أتيت به من الإمساك عن الطعام ليس من صفتك، إنما هو من صفتي، فإني أنا الذي ~~لا أطعم , غير أنك تكلفت من أجلي، وتركت طعامك وشرابك لي، فأنا أجزيك على ~~قدري. وقال الشريف أبو الحسن العلوي الهمداني: اختص بالصوم لنفسه ليسلم من ~~العدو أن يفسده؛ لأنه لا يطمع فيما لله، ويسلم من الخصوم أن يأخذوه عند ~~الحساب، فإذا ### | [ص: 69] # استوفى الخصوم أعمال المؤمنين، ولم يبق له عمل أخرج الله تعالى ديوان ~~صومه الذي هو لله تعالى دون العبد، فيجزيه على ذلك على استحقاق الربوبية؛ ~~لأنه له وثوابه على قدره. وقال أبو الحسن بن أبي ذر رحمه الله معنى قوله: ~~«أنا أجزي به» ، أي: أن الجزاء به له، قال أبو الحسن: أي معرفتي في الجزاء ~~له به، وحسبه ذلك جزاء، فما شيء يدانيها ولا يبلغها، وقول صلى الله عليه ~~وسلم: ms042 " للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره " يجوز أن يكون فرحه على حصول ~~صومه، فلم ينقطع عليه بموت أو علة أو آفة، فهو يسر بذلك، ويجوز أن يفرح أنه ~~حصل له شيء هو لله خالص؛ لأن الله حكم بذلك فقال: «الصوم لي» ، ومنهم من ~~يفرح بتوفيق ربه إياه على صومه، فلن يكون عمل إلا به، فيكون فرحة من الله ~~إليه دون ما جاء منه. ويجوز أن يريد بإفطاره يوم خروجه من الدنيا، فإن ~~المؤمن قد صام عن جميع لذاته وشهواته المحرمة عليه أيام. . . أفطر الصائم، ~~وإن لم يأكل، فالمؤمن إذا غربت شمس حياته في الدنيا أفطر من صيامه عن ~~شهواته، وذلك حين فرحه # PageV01P068 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحفة المؤمن الموت» حدثناه حاتم بن عقيل ~~قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى بن الحماني قال: ح ابن مبارك، عن يحيى ~~بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبي عبد الرحمن ~~الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « ### | [ص: 70] # وفرحة عند لقاء ربه» ، وهو النظر إليه جل جلاله؛ لأنه قال له: «أنا أجزي ~~به» أي: أنا أجزيك النظر إلي، لا أن يكون ذلك جزاء لعملك، ولكني أجزيك فضلا ~~ومنة , والله أعلم. وقوله: «وخلوف فمه أطيب عند الله تعالى من ريح المسك» ~~أي: من ريح المسك عند الخلق، أي كما أنهم يحبون ريح المسك ويؤثرونه ويرضون ~~به ويختارونه , كذلك الله عز وجل يحب خلوف فم الصائم ويؤثره ويرضى به ~~ويختاره. وقوله: «الصوم جنة» يجوز أن يكون جنة في الدنيا من المعاصي، ~~والسفه على الناس، والغيبة لهم، ومجازاة من أساء إليهم قولا وفعلا، فقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم، فليقل إني ~~صائم اليوم» ، معناه والله أعلم: أن لا يجازي به على جهله، وليقل لنفسه إن ~~طالبته مجازاته: إني صائم، ولا ينبغي للصائم أن يجهل ويسفه ويمنعه عن ~~الغيبة، فقد قال رسول الله صلى ms043 الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور ~~والعمل به، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه» ، أخبر أن الصيام ترك ما ~~ينهى الله تعالى عنه من قول وعمل ### | [ص: 71] # ، وليس هو بترك الطعام والشراب قط، فالصيام جنة تستره وتحول بينه وبين ~~المعاصي، وهو جنة في الآخرة من النار، فيجوز أن لا يكون للناس سبيل على ~~الصائم، كما أنه لا سبيل لها على مواضع الوضوء من العبد، لأن الصوم يعم ~~جميع البدن، فلا يكون للنار سبيل فهو له منها جنة، والله أعلم. ومعنى آخر ~~في تخصيص الصوم وهو أن في الصوم معنى الإعراض عن النفس طلبا لمرضاة الله، ~~والإعراض عن النفس ترك حظوظها، وحظوظ النفس هو الطعام والشراب والرفث إلى ~~النساء. فمن ترك هذه الأشياء، فقد ترك حظوظ النفس وشهواتها ولذاتها، ومن ~~ترك ذلك فقد أعرض عن نفسه، ومن أعرض عن نفسه ابتغاء وجه الله لم يبق بينه ~~وبين الله حجاب؛ لأن الحجب ثلاثة: الخلق، والدنيا، والنفس، فالخلق والدنيا ~~إنما يحجبان إذا كانا لحظ النفس، فمن أعرض عن نفسه فقد أعرض عن الدنيا ~~والخلق، فحصل الصوم إعراضا عن النفس، والإعراض عنها وصول إلى الله. فلذلك ~~قال: «الصوم لي» ، وليس هذا المعنى في شيء من الفرائض غير الصوم والصلاة؛ ~~لأن وقت الصلاة وقت يسير، فهو إذا فرغ منها رجع إلى جميع حظوظه، ووقت الصوم ~~يمتد؛ لأنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وجملة الشرائع الإسلام والذي بني ~~عليه الإسلام خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وصوم رمضان، وحج البيت. وليس معنى الإعراض عن النفس على طول المدة إلا في ~~الصوم، الدليل على هذا قوله: «يدع طعامه وشهوته من أجلي» أخبر أن تركه ~~طعامه وشهوته هو شيء لله، لا لغيره، والله تعالى أعلم # PageV01P069 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P072 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح ~~أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول ms044 الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا، وأرق ~~أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، ورأس الكفر قبل المشرق» قال الشيخ ~~رحمه الله: وصفهم صلى الله عليه وسلم بلين القلوب ورقتها، ثم نسب الإيمان ~~والحكمة إليهم، كأنه أخبر أن بناء الإيمان على الشفقة على خلق الله عز وجل، ~~والرقة عليهم؛ إذ كان ذلك صفة من نسب الإيمان إليهم بقوله: «الإيمان يمان» ~~. والحكمة هي: الإصابة لما يرضى به الله وما يحبه، وترك ما يسخطه ويكرهه، ~~ولا ينال ذلك إلا برقة القلب وصفائه، فيشهد فيه زواجر الحق؛ لأن زواجر الله ~~في قلب كل مؤمن، فمن كان أصفى قلبا فإنه أحسن إدراكا لذلك الزاجر، وأشد ~~إصابة له، لذلك نسب الحكمة إلى من رق قلبه، ويكون ذكر القلب والفؤاد عبارة ~~عن شيء واحد، ويجوز أن يكون الفؤاد عبارة عن باطن القلب؛ فإن الحكماء ~~قالوا: الصدر خارج القلب، والفؤاد داخله، فوصف القلب باللين، والشيء اللين ~~ينثني وينعطف، وهو التقلب، وسمي القلب قلبا لأنه متقلب، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: إنما سمي القلب قلبا لأنه يتقلب، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض تقلبها الرياح ظهرا لبطن» ، ~~والمتقلب يتقلب إلى كذا، فكأنه وصف أهل اليمن بأن قلوبهم ألين وأكثر تقلبا ~~وتثنيا، وأن تثنيها وانقلابها ### | [ص: 73] # إلى الإيمان والحكمة أكثر منهما إلى غيرهما؛ لأن أفئدتهم أرق فهي أكثر ~~شهودا للغيب؛ لأن الشيء الرقيق أنفذ في خلال الأشياء المانعة، والحجب ~~الساترة من الشيء الغليظ، ومن خرق الحجب أدرك الإيمان وحقيقته، والحكمة ~~التي هي التكلم عن الله عز وجل. ويجوز أن يكون أشار بلين القلب أي: خفض ~~الجناح ولين الجانب، والانقياد والاحتمال وترك العلو والترفع؛ لأن هذه ~~الأفعال إنما تظهر ممن لان قلبه، وهي أوصاف الظاهر، وأشار برقة أفئدتهم إلى ~~شفقتهم على الخلق، والرحمة لهم، والرأفة بهم، والتعطف عليهم، والنصح لهم، ~~وأن يحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم، وهذه أوصاف الباطن، فكأنه أشار إلى أنهم ~~أحسن أخلاقا ظاهرا وباطنا، وقد ms045 قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» فقوله: «الإيمان يمان» أي: أهل اليمن أكمل ~~الناس إيمانا، وتكون الحكمة من أوصاف من كمل إيمانه ويقينه، ويجوز أن يكون ~~وصفه لهم بلين القلوب إشارة إلى قبول الحق؛ لأن أهل اليمن أجابوا إلى ~~الإسلام بالدعوة دون المحاربة والقتال، فقبلوا الحق للين قلوبهم؛ لأن من ~~قسا قلبه لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله، وقامت حججه، وقال الله تعالى ~~{فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ثم ~~قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} [البقرة: 74] ، أخبر أن ~~من قسا قلبه لا يرجع إلى الحق، وإن ظهرت أعلامه، والآيات إنما يعقلها من ~~كانت صفته ضد صفة القاسية قلوبهم، ولذلك نسب الإيمان إليهم؛ لأنهم قبلوه من ~~غير عنف، ونسبهم إلى الحكمة؛ لأن الحكمة هي الإصابة للحق، فأصابوا الحق، ~~فآمنوا للين قلوبهم ومواتاتهم، وقبولهم الحق. ويجوز أن يكون معنى قوله: ~~«أرق أفئدة» إشارة إلى توسطهم في مشاهدات القلوب، ومنازلات الأسرار، وذلك ~~أنهم قالوا: إن الفؤاد عين القلب، فكأنه أشار ### | [ص: 74] # إلى أن في نظرهم إلى أحوال الغيوب رقة، وأنهم في هذه الصفة ليسوا بذلك، ~~وبذلك تشهد أحوالهم، ويعرفها من شاهدهم، كأنه أشار إلى أنهم في الأحوال ~~الظاهرة أقوى منهم في الأحوال الباطنة، والله تعالى أعلم # PageV01P072 # ويدل على ذلك ما حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم السكندي، ~~قال: ح محمد بن إسحاق العدوي قال: ح ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، ~~عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم ~~أهل اليمن هم أضعف قلوبا، وأرق أفئدة، والفقه يمان، والحكمة يمانية» ويدل ~~على ذلك إجابة الكثير منهم الأسود العبسي، وطلحة الأسدي لما تنبآ بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذلك لرقة أفئدتهم، وضعف رؤية أفئدتهم؛ لأن الفؤاد عين ~~القلب، لما ضعف إبصار قلوبهم لم يشاهدوا ما أجابوا إليه أول مرة من صحة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما ms046 دعاهم غيره أجابوه، وهذه صفة عوامهم، ~~فأما خواصهم فرقت أفئدتهم فنفذت في خلال الحجب فخرقتها فشاهدت العيوب فقوي ~~إيمانهم فثبتوا عليه. قوله صلى الله عليه وسلم: «رأس الكفر قبل المشرق» ~~يجوز أن يكون المراد فيه كفر النعمة، لا كفر الجحود، وذلك أن أكثر الفتن ~~التي كانت في الإسلام ظهرت من قبل المشرق، وهو العراق وما وراءه، فإن الجمل ~~وهو أعظم الفتن التي كانت في الإسلام بعد قتل عثمان رضي الله عنه كان ~~بالعراق، وكذلك الصفين والنهروان، وقتل الحسين رضي الله عنه بالعراق، وفيها ~~كانت فتنة ابن الزبير تسع سنين، وفتنة الجماجم، قالوا: قتل فيها خمسمائة من ~~قراء التابعين، ثم فتنة أبي مسلم كان ظهوره من قبل المشرق، هذا وغيرها من ~~الفتن والأحداث أكثرها كانت من قبل المشرق، وسبب الفتنة وإراقة دماء ~~المسلمين كفران نعمة الإسلام , ### | [ص: 75] # ويجوز أن يكون المراد فيه الكفر الذي هو ضد الإيمان، ويكون ذلك خروج ~~الدجال، فإن أكثر الروايات على أن خروجه يكون من قبل الترك # PageV01P074 # حدثنا حاتم بن يحيى، ح الحماني، ح علي بن مسهر، عن عاصم بن كليب، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حدثنا أن أعور الدجال مسيح الضلالة يخرج من قبل المشرق " في ~~حديث ساقه # PageV01P075 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P075 # حدثنا حاتم بن عقيل، ح يحيى بن حماد، ح يحيى الحماني، ح أبو معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين ~~يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا ~~اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " قال الشيخ: يجوز أن يكون ~~معنى قوله: «أنا عند ظن عبدي» أي بالكفاية إذا استكفاني، والكلاءة له إذ ~~استكلأني، والإقبال عليه ms047 إذا أناب إلي، والإجابة له إذا دعاني، والقبول منه ~~إذا عمل لي، والمغفرة له إذا استغفر لي؛ لأن هذه الأوصاف لا تظهر من العبد ~~إلا إذا أحسن بالله ظنه، وقوي يقينه ### | [ص: 76] # . وقوله: «فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» يجوز أن يكون معناه: إن خلا ~~بذكري أخليت ستره عن سواي، وإن أخفى ذكره لي إجلالا لقدري، وتعظيما لحقي ~~وغيرة على الذكر لي أخفيته في غيبي فلا أطلع عليه إلا أحبائي غيرة عليه ~~مني، وأغيبه في غيب غيبي، فلا يكون لشيء إليه طريق فيشغله عني، فيكون سري ~~بين خلقي، كما كنت سره في خلقي. وفي بعض الروايات: «من ذكرني في نفسه ذكرته ~~في نفسي» فيجوز أن يكون معناه: من ذكرني في نفسه هو الذي ذكرته في نفسي، ~~كأنه يقول: من ذكرني في نفسه هو الذي ذكرته في نفسي أي: في غيبي قبل إيجادي ~~له، وقبل ذكره لي، وقبل كل قبل في أزل الآزال، وسابق العلم، والله أعلم. ~~«وإن ذكرني في ملأ» افتخارا بي وإجلالا بين خلقي، ذكرته في ملأ خير منهم ~~مباهاة به، وتعظيما لقدره بين ملائكتي الذين هم أفضل ممن ذكرني فيهم - وهم ~~المؤمنون - مباهاة كقوله {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] الآية، ~~فأجاب: إني أعلم ما لا تعلمون. ويجوز أن يكون معنى قوله: «في ملأ خير منهم» ~~أي: خير منهم حالا؛ لأن الملائكة أحوالهم حالة واحدة، وهي الحالة المرضية ~~لقوله تعالى {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 20] ، وقال {لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6] ، والمؤمنون يتفاوت ~~أحوالهم، ويختلف أوقاتهم بين طاعة وضدها، وفتور وتقصير، وجد وتوفير، فأولئك ~~الملأ الذين هم الملائكة في أحوالهم خير من الملأ الذين هم المؤمنون، وإن ~~لم تكن الملائكة خيرا منهم في الفضل ومعنى قوله: «وإن اقترب إلي» أي بالقصد ~~والنية شبرا، قربته مني توفيقا وتيسيرا ذراعا، وإن اقترب إلي بالعزم ~~والاجتهاد ذراعا قربته مني بالهداية والرعاية باعا، وإن أتاني معرضا عما ~~سواي يمشي آويته إلى كنفي، فيفوت من سواي آثرا ms048 فيه، أو طريقا إليه، كأنه ~~يقول: من أعرض عما سوى الله، وأقبل على الله مسرعا خوفا أن يدركه شيء ~~فيقطعه عن سيره إلى الله، وإقباله على الله آويته إلي، وحلت بينه وبين كل ~~قاطع، وسبقت به كل مانع، والله أعلم ### | [ص: 77] # . وعلى الرواية الأخرى، وهي ما روي: «من اقترب إلي شبرا، ومن اقترب إلي ~~ذراعا، ومن أتاني يمشي» فمعناه إن شاء الله: إن الذي اقترب مني شبرا ~~بالطاعة هو الذي أقترب منه ذراعا بالتوفيق، والذي اقترب مني ذراعا بالإخلاص ~~هو الذي أقترب منه باعا بالجذب، ومن أتاني مشاهدا لي هو الذي هرولت إليه ~~برفع أستار الغيوب بيني وبينه، فيكون بمعنى: من الذي، ويكون قوله: اقتربت ~~إليه خبرا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، ~~معناه علي مولى من كنت مولاه، كذلك قوله: من اقتربت إليه، أي: اقتربت إلى ~~من اقتربت إليه، ويجوز أن تكون معاني هذه العبارات كأنه سؤال وجواب كما قال ~~عز وجل {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} [غافر: 16] ، فكأن الجواب من ~~الذي منه السؤال # PageV01P075 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P077 # قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم البكري قال: ح ~~إسحاق الفروي قال: ح ابن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم على ~~صورته، طوله ستون ذراعا» قال أبو الزناد: ولا أعلم إلا أن الأعرج حدثني ~~بذلك. قال الشيخ: ومعنى قوله: خلق الله آدم على صورته التي كان عليها يوم ~~قبض أي: لم يكن علقة، ثم مضغة، ثم عظما، ثم مكسوا لحما، ثم طفلا ### | [ص: 78] # ، ثم بالغا أشده، ثم شيخا، أي لم يخلق أطوارا، بل خلق على الصورة التي ~~كان بها، ويقال: خلق على صورته، فكان في الأرض حين أهبط إليها على صورته ~~التي كان في الجنة عليها لم تتغير صورته التي أهبط فيها إلى الأرض، ولم ~~ينتقص طوله، ولا سلب نوره، يدل عليه ms049 قوله: «طوله ستون ذراعا» أي: على هذا ~~الطول خلق، ولم يكن في الجنة أطول منه في الأرض، ولا أقل نورا، ولا أدنى ~~حالا فيها منه في الجنة. ويجوز أن يكون معنى صورته: أي صورة حاله، وأن يكون ~~متفاوت الحال، متغاير الوصف، فيوصف مرة بالغواية، ومرة بالهداية وبالعصيان ~~والتوبة. قال الله تعالى {وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} ~~[طه: 122] ، ووصفه بالعلم مرة، وبالجهل أخرى فقال {وعلم آدم الأسماء كلها} ~~[البقرة: 31] ، وقال {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72] ~~وهذا إلى سائر أحواله في تباينها، وأوصافه في تغايرها، ثم ما أكرمه به من ~~فضله واختصه واصطفاه واستخلصه واجتباه وكان خليفته في أرضه، وقبلة ملائكته، ~~وقسيم أهل ناره وجنته، علمه الأسماء وألهمه الحمد والثناء، فكان خلقه عز ~~وجل بهذه الأوصاف، وعلى صورة هذه الأحوال، وهذا كما قال الله تعالى {ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 118] ، ولذلك قيل: خلقهم ليكونوا ~~مختلفين. وقال جل جلاله {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] ~~. فلذلك خلق الله تعالى آدم ليكون على هذه الأوصاف، وما لا يحصى من الحكمة ~~فيه، فكان معنى قوله: خلق آدم على صورته، أي: خلقه ليكون صورة حاله هذه ~~الصورة، وخلق سائر الخلائق على حالة واحدة، خلق الله الملائكة للطاعة لا ~~غير، والشياطين للعصيان لا غير، والبهائم وسائر الحيوان للتسخير لا غير، ~~وفي رواية أخرى أنه: «خلق آدم على صورة الرحمن» # PageV01P077 # أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد البجلي، قال: ح منصور بن نصر قال: ~~ح أبو جعفر بن محمد بن محمد عبد الله قال: ح إسحاق بن إسماعيل قال: ح جرير ~~بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء بن أبي رباح ### | [ص: 79] # ، عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تقبحوا الوجوه، فإن آدم على صورة الرحمن» فإن كان محفوظا فيجوز أن يكون ~~معناه: أي خلقه على الصورة التي ارتضاها الرحمن أن تكون صورة لآدم، ms050 إذ لم ~~يكن في خلق الله خلق على صورته في البنية والحال إذ الملائكة على حالة ~~واحدة، والله أعلم بصورة بنيتهم غير أن الأخبار وردت بأنه لم يكن قبله شيء ~~من المخلوقين على صورته وخلقته، قال الله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم} [التين: 4] , وقيل أن قوله: «خلق آدم على صورته» كان عقيب قوله: «لا ~~تقولوا قبح الله وجهك، فإن آدم خلق على صورته، فإن الله خلق آدم على صورته» ~~أي: على صورة هذا المقبح وجهه، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا ضرب أحدكم ~~خادمه، فليتجنب الوجه» ، ثم قال: «فإن الله خلق آدم على صورته» أي على صورة ~~هذا المضروب والمقبح وجهه، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: «تسمون ~~أولادكم محمدا، ثم تلعنونهم» # PageV01P078 # حدثناه محمود بن إسحاق أبو إسحاق الخزاعي، قال: ح حريث بن عبد الرحمن ~~قال: ح محمود بن غيلان قال: ح أبو داود الطيالسي، عن الحكم بن عطية، عن ~~ثابت، عن أنس بن مالك، رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «تسمون أولادكم محمدا، ثم تلعنونهم» إجلالا لاسمه صلى الله عليه ~~وسلم، وتكريما لصورة آدم صلى الله عليه وسلم # PageV01P080 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P080 # حدثنا عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم، قال: ح أبو ثابت محمد بن عبيد الله ~~المدني قال: ح عبد الله بن وهب قال: ح عبد الله بن وهب قال: أخ أبو يحيى بن ~~سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنهم، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال أنا خير من يونس بن متى، فقد ~~كذب» وفي حديث آخر: «لا تفضلوني على أخي يونس» قال الشيخ رحمه الله: يجوز ~~أن يكون معنى قوله: «من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب» أي من قال: ~~أنا خير منه في النبوة والرسالة، ذلك أن الرسالة والنبوة معنى واحد، لا ~~تفاضل فيها بين الأنبياء والمرسلين، وإنما التفاضل في تفضيل الله من ms051 شاء ~~منهم بعد النبوة والرسالة، وما يحدث لهم من الأحوال التي تبين ### | [ص: 81] # شرفهم وفضلهم عنده عز وجل، ومعنى تخصيصه يونس بتسميته من بين سائر ~~الأنبياء يجوز أن يكون لأن الله تعالى وصف يونس أوصاف يسبق إلى الأوهام ~~انحطاطه في الدرجة وانخفاضه في المنزلة، وذلك أنه تعالى قال {فظن أن لن ~~نقدر عليه} [الأنبياء: 87] ، وقال {إذ أبق إلى الفلك المشحون} [الصافات: ~~140] ، وقال {فالتقمه الحوت وهو مليم} [الصافات: 142] ، وقال {لولا أن ~~تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم} [القلم: 49] ، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «إن النبوة أثقالا، وإن يونس تفسخ منها الربع» , فحفظ صلى ~~الله عليه وسلم موضع الفتنة من أوهام بعض من يسبق إليها منه أن هذه الأوصاف ~~جرحت في نبوئته، أو أخلت برسالته، أو قدحت في الاصطفاء القديم منه تعالى ~~إياه، أو حطت من رتبته، أو أوهنت قوى عصمته، كما حفظ صلى الله عليه وسلم ~~موضع الفتنة على الأنصاري الذي مر به عشاء، وهو قائم مع صفية، فقال له: ~~«أما إنها صفية بنت حيي» ، فقال الأنصاري: سبحان الله يا رسول الله فقال ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» هذا معنى ~~الحديث إن شاء الله، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه مع ما وصفه الله تعالى ~~من هذه الأوصاف نبيه الكريم، ورسوله المصطفى، وهو مع هذه الأوصاف ليس بأدون ~~درجة مني في النبوة والرسالة مع أني سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله ~~تعالى، وأدناهم منزلة مني وأقربهم وسيلة إليه , وأول شافع، وأكرم مشفع إلى ~~سائر فضائله صلى الله عليه وسلم التي وصفها، وما عند الله له لا يعلمه إلا ~~الله تعالى، صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء # PageV01P080 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P082 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى بن عبد ~~الحميد قال: ح شريك، عن ابن وهب، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى ms052 يحب إذا أنعم على عبده نعمة ~~أن يرى أثرها عليه» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن يكون معنى: ~~أثرها عليه الشكر لله عز وجل بالعمل الصالح فيه، والثناء عليه، والذكر له ~~ظاهرا وباطنا، والإفضال منه، والجود على الأغيار، والعطف على الجار، ~~والإنفاق من فضل ما عنده، والإنفاق منه في وجوه القرب، كما قال الله تعالى ~~في قصة قارون {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما ~~آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك} ~~[القصص: 77] ، وهو أن يبدأ بالإنفاق منه على نفسه، ثم على عياله وولده، ~~فيرى أثر الجدة عليه زيا وإنفاقا وشكرا لله تعالى بالعمل الصالح، والثناء ~~عليه باللسان , هذا في النعمة التي هي سعة المال، فأما النعمة الدينية ~~فأولى وأحق، وهو ممن أوتي علما باستعمال علمه، وذم جوارحه، وتهذيب أخلاقه، ~~ورياضة نفسه، ولين الجانب، وخفض الجناح، والحلم عن السفيه، والإعراض عن ~~الجاهل في خشيته من الله تعالى، قال الله عز وجل {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} [فاطر: 28] ، ثم تعليم الجاهل، وتأديب الغير، وبثه العلم في أهله، ~~ووضعه في حقه في تواضع ولين وبر وإشفاق، وممن أنعم الله تعالى عليه ~~بالولاية للمسلمين بالدفع عنهم، والنظر لهم، والإنصاف فيما بينهم، وبسط ~~العدل، والحكم بالقسط إلى سائر ما يجب عليه، وهذا يدخل أن الله تعالى في كل ~~نعمة أنعم الله بها على العباد، ومما يطول شرحه # PageV01P082 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P083 # قال حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم البكري قال: ح ~~محمد بن إسماعيل قال: حدثني أبو ضمرة، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة» قيل لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ~~ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المؤمنين ولعامتهم» قال الشيخ الإمام المصنف رحمه ~~الله: قال أبو الحسن بن أبي ذر رحمه الله: النصح في الجملة ms053 عندي هو: فعل ~~الشيء الذي به الصلاح والملاءمة، مأخوذ من النصاحة، وهي السلوك التي يخاط ~~بها، وتصغيرها نصيحة , يقول العرب: هذا قميص منصوح أي: مخيط، ونصحته أنصحه ~~نصحا إذا خطته، وإنما اختلفت النصح في الأشياء لاختلاف أحوال الأشياء: ~~فالنصح لله عز وجل هو: وصفه بما هو أهله، وتنزيهه عما هو ليس بأهل له عقدا ~~وقولا، والقيام بتعظيمه، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرغبة في محابه، ~~والبعد من مساخطه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد ~~العاصين إلى طاعته قولا وفعلا. وإرادة النصيحة لكتابه: إقامته في التلاوة، ~~وتحسينه عند القراءة، وتفهم ما فيه واستعماله، والذب عنه من تأويل ~~المحرفين، وطعن الطاعنين. والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم: مؤازرته ~~ونصرته، والحماية من ذويه حيا وميتا، وإحياء سنته بالطلب، وإحياء طريقته في ~~بث الدعوة، وتأليف الكلمة، والتخلق بأخلاقه الظاهرة. والنصيحة للأئمة: ~~معاونتهم على ما تكلفوا القيام به، وفي بعض النسخ «على ما تكلفوا القيام ~~به» في تنبيههم عند الغفلة، وتقويمهم عند الهفوة، وسد خلتهم عند ### | [ص: 84] # الحاجة، ونصرتهم في جميع الكلمة عليهم، ورد القلوب الناضرة إليهم. ~~والنصيحة لجماعة المسلمين: الشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، ~~وتفريج كربهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم في الآجل، ودعوتهم إلى ما ~~يسعدهم، وتوقي ما يشغل خواطرهم، وفتح باب الوسواس عليهم، وإن كان في نفسه ~~حقا وحسنا، ومن النصيحة للمسلمين رفع مؤنة بدنه ونفسه وحوائجه عنهم، والله ~~أعلم # PageV01P083 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P084 # قال: ح نصر بن الفتح قال: ح أبو عيسى قال: ح محمد بن عمرو بن نبهان بن ~~صفوان الثقفي البصري قال: ح روح بن أسلم قال: ح شداد أبو طلحة الراسبي، عن ~~أبي الوازع، عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: " إني لأحبك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انظر ما تقول» ~~قال: والله إني لأحبك - ثلاث مرات - قال: «إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا؛ ~~فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه» قال الشيخ ms054 الإمام المصنف ~~رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله: «فأعد للفقر تجفافا» أي: إنك ادعيت ~~دعوى كبيرة، ومن ادعى شيئا طولب بالبينة عليه، فكأنه قال: إنك مطالب بصحة ~~دعواك بالاختبار لك بالصبر تحت أثقال الفقر، وتحمل مكروهه، وتجرع غصصه، ~~فاستعد لذلك فإن ذلك كائن. ومما يدل على ذلك كذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~له: «انظر ما تقول» ، كأنه ينهه على ما ادعاه من محبته إياه، ظنه أمر له ~~غور، وليس ذلك بهين، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما يقول ما يقول ~~من غفلة لعظم ما ادعاه، وحسبان منه، وسلامة صدر، وليس يقوله على التيقظ ~~والعلم وتحقق معناه. ألا ترى أن في الحديث: «أن رجلا أتاه» دل على أنه ليس ~~من علية أصحابه، ومن الذين لهم فضل العلم بالله عز وجل ### | [ص: 85] # قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله العارف المصنف رحمه الله: ويجوز أن ~~يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فأعد للفقر تجفافا» تنبيها له وحثا ~~على العمل، واستعدادا لفقر يوم الحساب، كأنه يقول له: لا تتكل على ذلك، ~~واعمل كي لا تأتي يوم القيامة وليس لك عمل، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «يا فاطمة ابنة محمد صلى الله عليه وسلم اشتري نفسك من الله تعالى؛ ~~فإني لا أملك لك من الله تعالى شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اشتري نفسك من الله تعالى، فإني لا أملك لك من الله تعالى شيئا» ، حثا ~~لهم على العمل، وترك التفريط فيه، اتكالا على قرب النسب منه صلى الله عليه ~~وسلم ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم من الرجل نظرا إلى نفسه، ~~وإلى أوصافها بعين التعظيم فصرفه عن نظره إلى أوصافه بعين التعظيم والاتكال ~~عليها، وهو صلى الله عليه وسلم، وإن دعاه إلى عمل لفقر يوم الحساب، وعمله ~~صفته؛ فإنه دعاه إليه جدا واجتهادا، فقد دعاه عنه اتكالا عليه، وسكونا ~~إليه، ويدل على أنه أراد به فقر يوم القيامة قوله صلى ms055 الله عليه وسلم: «أعد ~~للفقر تجفافا» ، والتجفاف إنما يكون لرد الشيء، والحول بينه وبينك، وفقر ~~الدنيا لمن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم جائزة من الله وعطاء، وعطاء ~~الله وجائزته لا ترد، فدل قوله صلى الله عليه وسلم: «أعد للفقر تجفافا» أي ~~لفقر يوم القيامة ليصرفه عنك، أو يجوز أن يريد الفقر الذي هو قلة المال، ~~والضر، وعدم المرافق، وهو الفقر المعروف، ويكون معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «فأعد للفقر تجفافا» أي تجفافا تصونه به، وتدفع عنه ما يقدح فيه من ~~الجذع فيه، والنكرة له، والتشوق لمرادته، فإن الفقر جائزة الله لمن أحبني، ~~وخلعته عليه، وبره به، وإكرامه له، وتحفته إياه، وجزيل الثواب منه على جليل ~~قدر هذه الصفة عنده، وذلك أن الفقر زي أنبيائه، وحلية أوليائه، وزينة ~~المؤمنين، وشعار الصالحين، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول له: «إن هذا كائن ~~من الله عز وجل» ، فاستعد لقبوله، والاستقبال له، والاستعداد لدفع ما يقدح ~~فيه من الصبر فيه، والشكر عليه، والصون له، والدفع عنه تعظيما له، وإجلالا ~~لقدره، فكأنه ### | [ص: 86] # عليه الصلاة والسلام وإن ذكر الفقر من بين جميع المكاره؛ فإنه لم يرد به ~~خصوص الفقر الذي هو عدم الإملاك، ولكنه أراد جميع المكاره وأنواع المحن ~~والبلايا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله تعالى عبدا صب عليه ~~البلاء صبا، وسحه عليه سحا» ، ومن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه ~~الله، فالمراد من الفقر المكاره والبلايا من أي وجه كان، وليس ذلك خصوص ~~الفقر، ولكنه لما كان من عظيم المكاره، وجليل البلايا عبر عن البلاء ~~والمكروه به، والدليل عليه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجلة ~~منهم والكبار لم يكونوا مخصوصين بالفقر، وعدم الإملاك، ولم يكونوا مجانبين ~~من البلايا العظام، والمكاره الشداد # PageV01P084 # قالت عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو نزل ~~بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لها هيضها " حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن ~~عبد الله البغدادي ms056 قال: ح المدائني هو عبد الله بن روح قال: ح ابن شبابة ~~قال: ح عبد العزيز الماجشوني، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن القاسم بن ~~محمد، عن عائشة رضي الله عنها. الحديث. وقتل عمر، وحوصر عثمان أربعين يوما ~~وذبح، ولقي علي رضي الله عنه ما لقي، وكأنه كان مخصوصا بالبلاء مرادا به ~~أكثر عمره، ولقيت عائشة رضي الله عنها ما لقيت بالجمل، وطلحة والزبير رضي ~~الله عنهما قتلا، وتوفي أبو ذر بالربذة وحيدا فريدا، وعمران بن حصين أضني ~~على سرير منقوب ثلاثين سنة، وخباب مرض مرضا طالت مدته فيها، حتى اكتوى سبعا ~~في بطنه، وكذلك عامة أصحابه صلى الله عليه وسلم لقوا من البلايا والشدائد ~~أنواعا، وهؤلاء هم المخصوصون بشدة المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يبتلوا كلهم بالفقر خاصة، ولكن بأنواع البلايا، وقد صرح بذكر البلايا ~~خبر آخر # PageV01P086 # حدثنا به أحمد بن سهل قال: ح صالح بن محمد قال: ح عبيد الله بن عمر قال: ~~ح يوسف بن يزيد أبو معشر البراء قال: ح شداد بن سعيد، عن أبي الوازع جابر ~~بن عمرو، عن عبد الله بن مغفل، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال ~~رجل: يا رسول الله إني لأحبك قال: «فإن كنت صادقا فأعد للفقر تجفافا، فإن ~~البلاء أسرع إلى من يحبني من السيل إلى منتهاه» # PageV01P087 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P087 # قال: ح أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي قال: ح عبيد الله بن ~~محمد بن إبراهيم الكشوري الصنعاني قال: ح عبد ربه بن عبد الله بن عبد ربه ~~العبدي، عن أبي رجاء، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي رضي الله ~~عنه: أن جبريل صلوات الله عليه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقه مغتما، ~~فقال: يا محمد ما هذا الغم الذي أراه في وجهك؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «الحسن والحسين أصابهما عين» ، فقال: يا محمد صدق بالعين، فإن العين ~~حق "، وذكر الحديث إلى آخره. قال ms057 الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن ~~يكون معنى العين: العين التي يجري منها الأحكام والأمور في الخلق، وهو ~~القضاء القديم، والقدر السابق، والكتاب الأول الذي بين الله تعالى فيه ما ~~حكم في خلقه، وعلى عباده من المكاره، والمحاب، والآلام، والملاذ، وما ~~يعملونه من الخير والشر، وسائر أحوالهم، وما قضي في أرضه وسمائه، فكأنه ~~يقول له صلى الله عليه وسلم: صدق، وتحقق بأن الذي أصابهما بقضاء الله تعالى ~~وقدره، وأن ذلك شيء لم يحدث في الوقت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعمر رضي الله عنه حين قال له: أرأيت ما نعمل فيه , أنعمل على أمر مؤتنف، ~~أو أمر قد فرغ منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «على أمر قد فرغ منه» ، فكذلك ~~قول جبريل صلوات الله عليه وسلامه له: صدق بالعين، يعني: صدق بالقدر، ومعنى ~~قوله: صدق بالقدر كأنه يقول له: أنت مصدق بالقدر، فما هذا الحزن الذي ### | [ص: 88] # ظهر فيك، وليس على أنه يأمره بأمر لم يكن هو فيه، وهذا كما يقول القائل ~~لمن يعمل عملا ثم يعرض له ذكر شيء فيقول له: اعمل عملك، ولا يهمنك هذا، ~~وكذلك قوله: صدق بالقدر الذي أنت به مصدق، ولا يهمنك أمر الحسن والحسين، ~~فإن الله تعالى يعافيهما، ويجوز أن يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أصابهما عين» ، هي الآفة التي تصيب الإنسان عند استحسان أحد شيئا من فعله، ~~أو نفسه، أو بدنه، فيصيبه علة في ذلك الوقت، وذلك بقضاء الله وقدره، لا أن ~~يحدث الناظر في المنظور إليه فعلا، فإن المحدث لا يفعل في غيره، وإنما يفعل ~~في نفسه، ومحل قدرته، فقال له جبريل عليه السلام: صدق بتلك العين التي هي ~~القضاء والقدر فإنها حق، وهذه الآفة والعلة تزول عنهما، وعوذهما بكذا، وذكر ~~في الحديث تسكينا لقلوب العباد، وتحقيقا أن الذي أصاب المعين إنما أصابه من ~~الله عز وجل، ألا يرى أنه قال: عوذ بالله تعالى وقال بعض الناس: إن العين ~~داء كانت العرب تعرضها، وعلة كانت تسمى ms058 عينا، ولذلك قال: «إن العين تدخل ~~الرجل القبر، والجمل القدر» ، أي هذا الداء يقتل. وقال بعضهم: إن الناظر ~~إذا نظر إلى شيء فاستحسنه، حتى شغل به عن ذكر الله عز وجل، فلم يرجع إلى ~~الله عز وجل وإلى رؤية صنعه، أحدث الله تعالى في المنظور علة، ويكون نظر ~~ذلك الناظر سببها، فيؤاخذه الله تعالى بجنايته بنظره إليه على غفلة من ذكر ~~الله، كأنه هو الذي فعلها به، وهذا كالضرب من الضارب بالسيف، فيحدث الله ~~تعالى الجراحة في المضروب، والألم فيه، أو خروج الروح على أثره، ويكون هو ~~القاتل والجارح، وإن كان موت المضروب وألمه فعل الله تعالى، وليس بفعل ~~الضارب، ولكن لما كان الضارب منهيا عن الضرب بغير حق لحقه الوعيد الذي ~~أوعده الله تعالى به، واستحقه بجنايته، وهو الضرب، فكذلك الناظر منهي عن ~~نظره إلى الشيء من الأشياء على غفلة ونسيان ذكر الله تعالى، فكانت هذه ~~جنايته، فيجوز أن يحدث الله تعالى في المنظور علة يؤخذ الناظر بجنايتها، ~~وذلك بقضاء الله وقدره، يبينك هذا أن النظر على الغفلة أثر في المنظور، ~~فكيف لا يؤثر في الناظر من الوعيد؟ والله الهادي # PageV01P087 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P089 # قال: حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، قال: ح إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: ~~ح سعيد بن سلام العطار الأعور قال: ح ثور بن يزيد الشامي، عن خالد بن ~~معدان، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه رفعه فقال: «استعينوا على نجاح ~~الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف ~~رحمه الله: يجوز أن يكون معناه اكتموا حوائجكم، ولا ترفعوها إلى الناس، ~~فإنكم إن رفعتموها إليهم ربما يكون المرفوع إليه بعض حسادكم، فلا يحب قضاء ~~الحاجة لكم، فيحسدكم على نعمة القضاء، فيمتنع عنه، أو يحسدكم على النعمة ~~بأن لا تكونوا محتاجين، فإذا أظهرتم حاجتكم شمت بكم، وانتظروا الفرج، ونجاح ~~الحاجة من الله تعالى؛ فإنه يحب قضاءها لكم إذا كنتم إليه منقطعين، وبقضائه ~~راضين، وعلى كتمان حوائجكم وضروراتكم صابرين. ويجوز أن يكون معنى قوله: ms059 ~~«استعينوا على نجاح الحوائج بالكتمان» أي: استعينوا بالله تعالى على نجاح ~~الحوائج في حال الكتمان لها، أي كونوا لها كاتمين، واستعينوا بالله عز وجل ~~على نجاحها، ويكون الباء الموصولة بالكتمان بمعنى «في» كقوله عز وجل ~~{استعينوا بالصبر والصلاة} [البقرة: 153] أي: استعينوا بالله تعالى في حال ~~الصبر والصلاة، أي: استعينوا بالله، وكونوا صابرين مصلين، وكأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أشار إلى الصبر والقناعة والرضا، فإن كتمان الحاجة من أحد ~~هذه الوجوه إما أن يكون راضيا فلا يرضى عنه حولا رضا منه بقضاء ربه، أو ~~يكون قانعا سهل عليه تحمل الألم فيه؛ لأنه اختيار الله تعالى له، أو صابرا ~~يتجرع غصصه رجاء ثواب الله تعالى، ومن كانت إحدى هذه الخصال فيه فإنه يقضي ~~له حاجته، لأنها من ### | [ص: 90] # خصال من لو أقسم على الله لأبره، بل يكون حاجته مقضية، لأن الراضي إنما ~~يريد موافقة الله تعالى، وقد أصابها في رضاه، والقانع إنما يريد ما اختاره ~~الله تعالى له، وقد أصاب ما اختار الله تعالى له في قناعته، والصابر إنما ~~يريد ثواب الله تعالى، وقد أصابه في صبره، قال الله تعالى {إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] . وكل هذه الأحوال نعمة من الله ~~تعالى جليلة على عباده، وهم عليها محسودون من العدو والولي، أما العدو يريد ~~زوالها عنه، فيكبته الله تعالى بإدامتها للمحسود، وأما الولي فإنه يتمناها ~~لنفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين» # PageV01P089 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P090 # قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سباع بن الوضاح الخطيب قال: ح محمد بن ~~الضؤر قال: ح عمرو بن عون الواسطي قال: ح خالد بن العلاء بن المسيب، عن ~~أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، رضي الله عنهم قال: سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ثم ~~يبتلى الناس على قدر دينهم، فمن ثخن دينه ثخن بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف ~~بلاؤه» قال الشيخ الإمام العارف رحمه الله: أكثر ms060 البلاء من وجهين: سلب ~~المحبوب، وحمل المكروه، والمحبوبات مسكون إليها، ومن ساكن شيئا شغل به، ~~وأقبل عليه، والمكاره مهروب منها، ومن هرب من شيء أدبر عنه، والأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام ### | [ص: 91] # والأمثلون أحباء الله، فالله حبيبهم، والحبيب يحب مواجهة حبيبه له بوجهه، ~~وإقباله عليه بكليته، فيسلبهم المحبوبات والملاذ ليصرف بوجوههم إليه، ويقبل ~~بقلوبهم عليه، ويحملهم المكاره ليهربوا منها إليه، فيدبروا من الأشياء، ~~ويقبلوا عليه، فإذا أقبلوا عليه أبلاهم به # PageV01P090 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P091 # قال: ح أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن الفضل بن يوسف قال: ح عبد الصمد ~~قال: ح خالد بن عبد الرحمن المخزومي، عن خيرة بنت محمد بن ثابت بن سباع، عن ~~أبيها، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه، محاسن الأخلاق» ، وقالت: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» قال الشيخ رحمه الله: يجوز ~~أن يكون معنى «حسان الوجوه» أي الذين وجوههم طلقة مستبشرة بسطة، فإن ذلك ~~يدل على سعة صدورهم، وحسن أخلاقهم، وتحريهم مسرة الناس، ومن اتسع صدره لا ~~يصعب عليه قضاء الحاجة لأخيه، ومن حسن خلقه استحيا من الرد، ومن اتسع صدره ~~يسخو بما في يديه، فإن البخل من ### | [ص: 92] # ضيق الصدر؛ لأنه يخاف أن يحتاج إلى ما يطلب منه فيتمسك به ضنا به لحاجته ~~إليه لضيق صدره عن تحمل الخصاصة إن دفع إليها، ومن تحرى مسرة الناس يتسارع ~~إلى قضاء حوائجهم؛ لأن طلاقة وجهه وبسطه إنما يريد به مسرة الناس، ويطلب ~~محابهم، وقضاء حوائجهم مسرتهم ومحابهم. الدليل على ذلك ما ذكر في الحديث: ~~«محاسن الأخلاق» وفي بعض الروايات: «اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه» ، ~~فيجوز أن يكون معناه: اطلبوا الحوائج إلى الله وكونوا عند حسان الوجوه أي: ~~وجوه أحوالهم، كأنه يقول: خالطوا الذين حسنت أحوالهم في معاملتهم لله في ~~قضاء فروضه، واجتناب مناهيه، وقبول أحكامه، وحسن معاملتهم عباد ربهم في ~~تحمل أذاهم، وطلب محابهم، وكف الأذى عنهم، كأنه يقول: كونوا ms061 عند الصالحين ~~من عباد الله، كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين} [التوبة: 119] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطعموا طعامكم ~~الأبرار» كأنه يريد الخلطة أي: خالطوا الأبرار من الناس، وكونوا معهم. يدل ~~على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «خالطوا الحكماء» ، فيكون معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه» أي: اطلبوا الحوائج من ~~الله وكونوا عند حسان الوجوه، أي: كونوا مع الصالحين. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» أي: جميل الأفضال بكم، حسن النظر لكم، ~~مريد لصلاحكم، جميل المعاملة معكم، يرضى بالقليل، ويثيب عليه الجزيل، ويقبل ~~الحسنات المدخول عليها، ويعفو عن السيئات المسكون إليها، يكلفكم اليسير ~~ويعينكم عليه، ويعطيكم الجزيل، ويشكركم عليه، ولا يمن عليكم، وتعطون القليل ~~ويشكركم، فهو يحب الجمال منكم أي: التجمل منكم في قلة إظهار الحاجة إلى ~~غيره، فإنه قام لكم بها، وما زوى عنكم زواها نظرا لكم ### | [ص: 93] # ، وإرادة الخير بكم، فتجملوا فيما بينكم، ولا تشكوه إلى غيره بإظهار ~~حوائجكم، فهو جميل الفعل بينكم، يحب التجمل منكم , ويجوز أن يكون معنى ~~قوله: «إن الله تعالى جميل يحب الجمال» أنه جميل الفعل، أي يخلقه كما قلنا ~~من ذلك قضاء حاجات الخلق، فيحب منكم هذه الصفة أي: يحب منكم قضاء حوائج ~~إخوانكم، وهو الجمال، وبه الجمال لكم. ويجوز أن يكون معنى قوله: «اطلبوا ~~الحوائج إلى حسان الوجوه» أي: اطلبوا حوائجكم عند حسان الوجوه وجوه ~~إخوانكم، أي: إذا كنتم عند الصالحين من عباده بالحب لهم، والتخلق بأخلاقهم، ~~شكرا لله عز وجل ذلك لكم فقضى حوائجكم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا، وتروح ~~بطانا» وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم قوم لا يشقى جليسهم» # PageV01P091 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P093 # قال: حدثنا نصير بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح قتيبة قال: ح عبد ~~العزيز بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن ms062 أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا ~~جرس» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: قد ورد الخبر بأن جبريل صلوات ~~الله عليه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا ~~صورة» ### | [ص: 94] # أما الكلاب فيجوز أن يكون تستقذرها الملائكة، وهي أعني: الكلاب المؤذية ~~للناس، وليس في إمساكها فائدة إلا لماشية أو صيد، فما كان لغير ذلك، ~~فإمساكها مع قذرها ونجاستها من غير فائدة معصية لله تعالى، وكذلك الصورة، ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صور صورة، كلف أن ينفخ فيها الروح، ~~وليس بفاعل» ، وفيها إخفاء؛ لأن فيها منازعة الله تعالى، إذ الله تعالى هو ~~الخالق المصور، وفيها إخبار في التشديد من الوعيد، وهي معصية عظيمة، فيكون ~~تخلف الملائكة عليهم السلام عن البيت الذي فيه كلب وصورة لأجل معصية أهل ~~البيت لله تعالى في ذلك والجرس إنما يعلق على أعناق الجمال والدواب للرعاية ~~والحفظ ليعرف بها سيرها ووقوفها، وعدولها عن الطريق يمنة ويسرة، أو سيرها ~~على سنن الطريق، وقد يسكن قلوب الرفقة إليها ما داموا يسمعون صوته، ويتكلون ~~على ذلك، ويسكنون إليه، والملائكة حفظة للمسلمين من الأوقات من بين أيديهم ~~ومن خلفهم، قال الله تعالى {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر ~~الله} [الرعد: 11] ، إن استخفى السائر بالليل، أو ظهر سائر بالنهار، فإذا ~~اطمأنت قلوب الرفقة، وسكنت نفوسهم إلى صوت الجرس في الحفظ لهم في سير ~~الجمال والدواب، انقطعت بقدر سكونها إليه عن الله عز وجل، فيجوز أن يكون ~~الله عز وجل يكلهم إلى ما توكلوا عليه ويصرف عنهم حفظته، إذا اتخذوا لهم من ~~عند أنفسهم حفظة. والجرس ليس كسائر الأسباب التي يتخذها الناس من ذلك فيها ~~حاجزا بينهم وبين الآفات كالأبواب والمغاليق والأوكية، فإن أكثر ما يتخذها ~~الناس من ذلك فيها فوائد أخرى سوى التحرز بها عن الآفات، وليس الجرس كذلك؛ ~~لأن هذه الفائدة التي ms063 اتخذها الناس لها إن زالت عنه لم يبق فيه معنى غير ~~التلهي بصوته لمن استلذه، والذي يستلذه فليس بلبيب # PageV01P093 # قال: ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح سليمان هو ابن بلال، عن العلاء بن عبد ~~الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الجرس مزمار الشيطان» قال الشيخ رحمه الله: إذا فليس في الجرس ~~معنى إلا التحرز من الآفات، والاتكال عليه في التحرز من الآفة، والتحرز ~~منها يكون بصحبة الملائكة الذين هم المعقبات، وسبب استحضارهم ذكر الله عز ~~وجل، والتوكل عليه، والانقطاع عما دونه إليه، وترك الاعتماد على ما سواه من ~~حي وجماد # PageV01P095 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P095 # قال: ح حاتم بن عقيل قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح ~~ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: ~~قلت: يا رسول الله أعتقت أربعين محررا في الجاهلية قال: فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سبق إليك من خير» قال الشيخ الإمام العارف ~~المصنف رحمه الله: يجوز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما ~~سبق لك» ، أي: أن ذلك مسابقة خير لك إلى ما بعده من إسلامك، فتثاب على ما ~~سبق لك من ذلك الخير، ويجمع لك ذلك إلى ما ### | [ص: 96] # تعمله في الإسلام، ويجوز أن يكون: «أسلمت على ما سبق من خير» أي: ببركة ~~تلك المسابقة من الخير هداك الله تعالى إلى الإيمان والإسلام له، فيكون فيه ~~إشارة إلى أن من ظهر منه خير كان ذلك دليلا على سعادة قدمت له من الله عز ~~وجل، وإن عاقبة من كان فيه فضل وخير، وخلق حسن وفعل جميل يكون إلى خير، وإن ~~كان في الوقت ما كان يدل على ذلك ما حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى قال: ~~ح عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح فيما نعلم، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: ms064 قيل للنبي صلى الله عليه وسلم. إن تلك الفضيلة التي هي فيه، وهي ~~صلواته بالليل بشرى من الله عز وجل على ما سبق له من السعادة، وأنه يرجع ~~إلى الله ويتوب إليه # PageV01P095 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P096 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: ح ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن ربيعة بن يزيد الدمشقي، عن عبد الله ~~بن الديلمي، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، ~~فمن أصابه من نور ذلك اليوم شيء فقد اهتدى، ومن أخطأه فقد ضل» قال عبد الله ~~بن عمرو: فمن ثم أقول: جف القلم على علم الله تعالى. قال الشيخ الإمام ~~الزاهد رحمه الله: يجوز أن يكون معنى التي تجري منها الأحكام والأمور في ~~الخلق، وهو القضاء القديم. قوله: «خلق خلقه في ظلمة» أي: جهالا عن معرفة ~~الله تعالى، فعبر عن الجهل بالظلمة، أي أنهم لم يكونوا يهتدون إلى معرفة ~~الله من حيث هم؛ لأن العبودية لا تدرك الربوبية؛ لأن المعروف من الأشياء ما ~~يدخل تحت الحواس، أو يدركه الأوهام ### | [ص: 97] # ، والله تعالى يتعالى عن ذلك علوا كبيرا، إذا فليس للعبد أن يعرف الله من ~~حيث العبد، وإنما يعرفه بإحداث الله تعالى المعرفة له به، ويتعرف إليه ~~فيعرفه حينئذ، وهو معنى قوله: «ثم ألقى عليهم من نوره» أي: هدى من شاء ~~منهم، فعبر عن الهداية بالنور، ألا تراه يقول: «فمن أصابه من نور ذلك اليوم ~~فقد اهتدى» ، أخبر أنه لا يهتدي إلى معرفة الله تعالى إلا بالله تعالى، ~~والدلائل والأعلام التي في الأقطار والأنفس لإلزام الحجة، وليست بأسباب ~~للهداية بمجردها، ولو كانت أسبابا للهداية لاهتدى كل من نظر إليها، وقد نظر ~~إليها كل من له عقل سليم، ولم يهتد إلا من شاء الله تعالى، قال الله تعالى ~~{والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} ms065 [يونس: 25] ، ~~وقال عز وجل {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [النحل: 93] # PageV01P096 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P097 # قال: ح حاتم بن عقيل قال: ح يحيى قال: ح أبو الأحوص، عن منصور، عن سالم ~~بن أبي الجعد، عن ثوبان، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» وفي بعض النسخ: ~~«من خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الطهور إلا مؤمن» قال الشيخ الإمام ~~المصنف رحمه الله: روي في التفسير في قوله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا} [فصلت: 30] لا إله إلا الله، فالاستقامة هي الإقامة على قول ~~لا إله إلا الله بإيفاء حقه، ورعاية حده، وأولى حقه إسقاط تعظيم ما سوى ### | [ص: 98] # الله تعالى عن شرك، وهو أن لا نخاف غيره، ولا نرجو سواه، ولا نراعي إلا ~~حقه، وكل حق أوجبه الله تعالى فهو من حق الله، وأدنى حدوده إقامة ما أوجبه ~~حق هذا القول، وهو أداء أوامره، والانتهاء عما نهى عنه، والرضا بما يكون ~~منه. وقوله: «ولن تحصوا» قيل: لن تحصوا ثوابها، وقيل: لن تطيقوا أي لا ~~تستطيعوا أن تستقيموا، ومعناه لا تستطيعون بحولكم وقوتكم، ولا باجتهادكم ~~واستطاعتكم، بل لن تطيقوه، وأحرى أن لا تطيقوه، وإن بذلتم مجهودكم، أي ~~عجزهم في أداء حق الله تعالى، ويجوز أن يكون معنى قوله: «واستقيموا» على ما ~~أقررتم في الذر الأول حين أجبتم ربكم عز وجل بقولكم على حين قال لكم: «ألست ~~بربكم» أي استقيموا على قولكم «بلى» بمراعات الأنفاس، ومراقبة الأهجاس، ولن ~~تحصوا عدد أنفاسكم، ولا تطيقون مراقبة خواطركم، فكيف تستقيمون، صرفهم عن ~~أوصافهم في رؤية الاستقامة منهم، وإقامتهم مقام الاضطراب لعجز البشرية، ~~ودلهم على الافتقار إلى الله تعالى في طلب الاستقامة. وقوله: «واعلموا أن ~~من خير أعمالكم الصلاة» ، يجوز أن يكون معناه أن من أفضل أعمالكم، وأتمها ~~دلالة على الاستقامة الصلاة، وذلك أنها. . . . . الله , والانقطاع إليه عما ~~سواه، وفيها ذم الجوارح وجميع الشر، والإقبال على الله تعالى، والانصراف ~~عما سواه، والاشتغال به ms066 عمن دونه. وقوله: «ولن يحافظ على الطهور إلا ~~المؤمن» يجوز أن يكون المراد به الطهارة من الحدث، وهو الوضوء، وفي رواية ~~أخرى: «ولن يحافظ على الوضوء إلا المؤمن» ، وهي رواية الأعمش، عن سالم، عن ~~ثوبان # PageV01P097 # حدثناه أحمد بن محمد بن زكريا، قال: ح إسحاق بن أحمد قال: ح يعلى، عن ~~الأعمش، عن سالم، عن ثوبان: «ولن يحافظ على الوضوء إلا المؤمن» ، وقال: ~~«أفضل أعمالكم» قال: ويجوز أن يكون معنى قوله: «الطهور» ظاهرا وباطنا، وهو ~~أن يحافظ على طهارة سره من النظر إلى غير الله تعالى كما يحافظ على طهارة ~~ظاهره من الحدث ### | [ص: 99] # . وقوله: «لن يحافظ» دليل على صحة تأويل قوله «لن تحصوا» أي: لن تطيقوا؛ ~~لأن المحافظة على وزن المجاهدة، وهو أن تجاهد من يجاهدك، أي: تكون غالبا ~~مرة، ومغلوبا أخرى، وأنت تجهد وتبذل مجهودك في الجهاد، وكذلك المحافظة، ~~وذلك أنك تتحفظ جهدك وطاقتك في تطهير سرك، ثم تغلب عليهم، ثم تحفظ ثم تضيع، ~~مرة حفظ ومرة ضيعة، وأنت باذل مجهودك في حفظ سرك، أي: لن تطيق الاستقامة، ~~ولكن تبذل مجهودك فيه، فيكون مرة كذا ومرة كذا، كما أن المحافظة على الوضوء ~~ليس أن لا تحدث، لكن كلما أحدثت تطهر، فيكون المؤمن بين هاتين الحالتين في ~~الاستقامة بين عجز البشرية وبين استظهار الربوبية، فيكون بين رعاية وإهمال، ~~وبين تقصير وإكمال، وبين مراقبة وإغفال، وهو بين جد وفتور، كما أنه بين حدث ~~وطهور # PageV01P098 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P099 # قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي رحمه الله قال: ح داود. . ~~أبي العوام. . أبو حاتم قال: ح عبد الصمد بن نعمان قال: ح عبد الملك بن ~~حسين هو النخعي، عن سلمة بن كهيل، عن أبي جحيفة رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «جالس الكبراء، وسائل العلماء، وخالط الحكماء» وقال ~~مسعر: عن سلمة بن كهيل، عن أبي جحيفة: «وخالل الحكماء» حدثنا به محمد بن ~~علي بن الحسين قال: ح أبو عوانة الإسفراييني قال: ح أبو عمر الإمام قال: ms067 ح ~~مخلد بن يزيد قال: ح مسعر قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله: يجوز ~~أن يريد بقوله صلى الله عليه وسلم: «جالس الكبراء» أي: ذوو الأسنان والشيوخ ~~الذين لهم تجارب ### | [ص: 100] # ، وقد كملت عقولهم، وسكنت حدتهم، وكملت آدابهم، وفي بعض النسخ: آراؤهم، ~~وزالت عنهم خفة الصبى، وحدة الشباب، وأحكموا التجارب، فمن جالسهم تأدب ~~بآدابهم، وانتفع بتجاربهم، فكان سكونهم ووقارهم حاجزا لمن جالسهم، وزاجرا ~~لهم عما يتولد من طباعهم، ويتبرك بهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«البركة مع أكابركم» ، وقد أمر بتوقيرهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «من لم ~~يوقر كبيرنا، فليس منا» . ويجوز أن يريد بقوله: «جالس الكبراء» ، أي: ~~الكبراء في الحال، ومن له رتبة في الدين، ومنزلة عند الله، وإن لم يكن ~~كبيرا في السن، والكبير في الحال هو جميع علم الوراثة إلى علم الدراسة، فقد ~~قيل جاء في الحديث: «من عمل بما علم ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم» ، فقد ~~شرط لوراثة هذا العلم العمل بعلم الدراسة الذي هو علم الاكتساب، وهو علم ~~الأحكام بعد أحكام علم التوحيد، وهذا علم الدراسة، وعلم الوراثة: علم آفات ~~النفس، وآفات العمل، وخدع النفس، وغرور الدنيا، وأخبر أن من عمل بعلم ~~الاكتساب ورثه الله تعالى علم ما لم يعلم، وهو علم الإفهام، وفي نسخة «علم ~~الإلهام» ، والفراسة الذي هو النظر بنور الله عز وجل؛ فإنه قال صلى الله ~~عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله عز وجل» ### | [ص: 101] # ، وقال صلى الله عليه وسلم: «ومن ورثه الله تعالى هذا العلم، فهو الذي ~~شرح الله صدره للإسلام» ، فهو على نور من ربه، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «النور إذا دخل القلب انشرح وانفتح» ، فقيل: وما علامة ذلك؟ فقال: ~~«التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل ~~دخوله، ومن تجافى عن الدنيا كشف عن سره الحجب، فصار الغيب له شهودا» قال ~~حارثة رضي الله عنه: عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، ~~فكأني ms068 أنظر إلى عرش ربي بارزا، وهو الحديث الذي # PageV01P099 # حدثناه خلف بن محمد، قال: ح صالح بن محمد قال: ح إسماعيل بن إبراهيم ~~الترجماني قال: ح يوسف بن عطية الصفار قال: ح ثابت البناني، عن أنس بن ~~مالك، رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ ~~استقبله شاب من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف أصبحت يا ~~حارثة؟» فقال أصبحت مؤمنا بالله تعالى حقا قال: «انظر إلى ما تقول فإن لكل ~~قول حقيقة» ، فقال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت ~~نهاري، فكأني بعرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، ~~وكأني أنظر إلى أهل النار يتعارون فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أبصرت فالزم» ، وفي رواية: «أصبت فالزم، عبد نور الله تعالى الإيمان في ~~قلبه» ، فقال: يا رسول الله ادع الله تعالى لي بالشهادة، فدعا له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنودي يوما في الخيل: يا خيل الله اركبي، فكان أول ~~فارس ركب، وأول فارس استشهد، فبلغ أمه، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: أخبرني عن ابني، فإن يك في الجنة فلن أبكي، ولن أجزع ### | [ص: 102] # ، وإن يكن غير ذلك بكيت ما عشت في الدنيا قال: «أم حارثة، إنها ليست ~~بجنة، ولكنها جنة في جنان، والحارثة في الفردوس الأعلى» ، فرجعت، وهي تضحك، ~~وتقول: بخ بخ لك يا حارثة فأخبر في هذا الحديث أن من عمل بما علم نور الله ~~تعالى قلبه، ومن نور الله تعالى قلبه كوشف عن كثير من أحوال الغيب، وعلم ما ~~لم يتعلم من جهة اليقين فيما تعلم، لا أنه يعلم أشياء من الأحكام، وغيره من ~~غير اجتهاد في تعلمه، حتى يعلم القرآن، وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وأحكام الدين من غير تعلم، ليس كذلك، ولكن يكاشف وينهتك الحجب بينه وبين ~~كثير من أحوال الغيب، فلا يتعرضه الشكوك، ولا ينازعه الخواطر في الحق، ~~وبيانه كما قال النبي صلى ms069 الله عليه وسلم: «إن الحق ينطق على لسان عمر» ، ~~فهذه أوصاف الكبراء، ومن كان بهذه الصفة تجلى على قدر زمانه، وفي بعض ~~النسخ: " تجلى قدره على أهل زمانه، فإنه يجالس في التوقير، والإجلال، ~~والتعظيم، وذم الجوارح، ومراقبة الخواطر، فإن أهل الصدق لهم نور، يقفون على ~~كثير من أحوال الناس. قال عبد الله بن محمد الأنطاكي: إذا جالستم أهل ~~الصدق، فجالسوهم بالصدق؛ فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في أسراركم، ويخرجون ~~من هممكم، ومن جالسهم فلا يجب أن يتعرض عليهم في أحوالهم، ولا يبادرون ~~بشيء، وفي بعض النسخ: «ولا يبادون» ، ولا ينكر عليهم حال، ولكن يبصر عليهم ~~حتى يكونوا هم الذين يكشفون لهم ما التبس عليهم من أحوالهم، ألا يرى إلى ما ~~قال العبد الصالح لموسى عليهما السلام {فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا} [الكهف: 70] ، وإنما يجالس الكبراء في أوقات يكون منهم البداية ~~والإذن، ولا يداخلون كل وقت، فإن أوقاتهم لهم فيما بينهم وبين الله تعالى ~~لا يحملهم فيها غيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لي مع الله عز وجل ~~وقت لا يسعني فيه غيره» ، هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم، وحاله أرفع من ~~أن يعلم، أو يعبر عنه، وأحوال سائر الكبراء على ### | [ص: 103] # قدر ما يليق بهم، إذا فهؤلاء يجالسون تبركا بهم، وتيمنا بروائح أحوالهم، ~~فهم ملحاء المريدين ولهفتهم بهم , يتحررون عن كثير مما يخافونه من فتن ~~الزمان، وشر أهله، ومكائد العدو، وبلاء النفوس، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الشيطان ليفرق من ظل عمر» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروي عن ربه جل جلاله: «هم القوم لا يشقى جليسهم» وقوله: «وخالط الحكماء» ~~أي: داخلهم، واختلط بهم، وكن معهم في كل وقت؛ فإن الحكيم هو المصيب في ~~أقواله، والمتقن لأفعاله، والمحفوظ في أحواله، فمن خالطهم وداخلهم أخذ ~~محاسن أخلاقهم، وانتفع بإصابتهم في أقوالهم، وتهذب بهم في مختلف أحوالهم. ~~وقوله: «سائل العلماء» تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على إحكام الأمور ~~وإصلاحها فيما بينك وبين ms070 الله تعالى، وفيما بينك وبين خلق الله تعالى، كأنه ~~يقول: قدم العلم على العمل لتكون أعمالك على تقدمة العلم بها فتصح. وقوله: ~~«سائل العلماء» ، لم يجعل له وقتا دون وقت كأنه يقول: كن أبدا عالما سائلا ~~ومتعلما، والعلماء إذا أطلقوا فهم الفقهاء، لأن العلم إذا أطلق أريد به علم ~~الفقه الذي هو علم الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، وأما سائر العلوم فإنها ~~مقيد؛ يقال: علم الكلام، وعلم القرآن، وعلم الحديث، وعلم اللغة، وكذلك جميع ~~العلوم، فإنها تقيد بذكر يخصه به، وكذلك العلماء إذا أطلق كان المفهوم به ~~الفقهاء، فأما سائر العلماء كسائر العلوم، فإنما يقال هذا قول المتكلمين، ~~وقال فيه المفسرون , وكذا يقول اللغويون، وقال النحويون , وبه قرأ في ~~القرآن، ينسب أهل كل نوع من العلم إلى ما ينتحله، فالعلماء اسم يختص به ~~الفقهاء عند الإطلاق. فيجوز أن يكون قوله: سائل العلماء " أراد به ما قلناه ~~من علم الأحكام، فإن البلوى به أكثر، والحاجة إليه آمن، والله أعلم # PageV01P101 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P104 # قال: حدثنا بكير بن محمد بن حمدان، قال: ح أبو جعفر أحمد بن علي الخزاز ~~قال: ح أسيدة بن زيد الجمال قال: ح محمد بن عبد الله العوني، عن عطية، عن ~~أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~ينبغي لمسلم ولا يصح له أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي» قال الشيخ الإمام ~~المصنف رحمه الله: يجوز أن يكون ذلك لأن بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~في المسجد، وبيت علي رضي الله عنه كان كذلك، وإن كان البيتان لم يكونا من ~~المسجد، ولكن كانا متصلين بالمسجد، وأبوابهما كانت في المسجد، فيجعلهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد، فقال: «ما ينبغي لمسلم أن يجنب في ~~المسجد إلا أنا وعلي، وإن أجنبنا فيه، فإنا في بيوتنا» فيكون معناه لا ~~ينبغي لمسلم أن يجنب في المسجد، ونحن إنما نجنب في بيوتنا ليس في المسجد، ~~والذي يدل على أن بيت علي رضي ms071 الله عنه كان في المسجد كما كان بيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في المسجد # PageV01P104 # حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم قال: ح محمد بن ~~إسماعيل بن جعفر المدني قال: ح عبد الله بن سلمة، عن ابن شهاب، عن سالم بن ~~عبد الله، قال: سأل أبي رجل عن علي، وعثمان، رضي الله عنهما، أيهما كان ~~خيرا؟ فقال له عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: هذا بيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأشار إلى بيت علي إلى جنبه، لم يكن يكون في هذا المسجد غيرهما ~~"، وذكر الحديث إذا فلم يكونا يجنبان في المسجد، وإنما كانا يجنبان في ~~بيوتهما، وبيوتهما في المسجد، إذ كان أبوابهما فيه، وكانا يستطرقانه في ~~حالة الجنابة قال # PageV01P104 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح علي بن المنذر قال: ح أبو ~~فضيل، عن سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «يا علي ### | [ص: 105] # لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك» قال نصر: قال أبو عيسى: ~~قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل ~~لأحد أن يستطرقه جنبا غيري وغيرك , فدل هذا على أن أبواب بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وعلي كانا في المسجد، فكانا يستطرقان المسجد إذا خرجا من ~~بيوتهما في حالة الجنابة. قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: فيجوز أن ~~يكون معنى قوله ذلك تخصيصا لهما، كأن النبي صلى الله عليه وسلم خص بأشياء، ~~فيكون هذا مما خص به، ثم خص عليا رضي الله عنه فرخص له فيما لم يرخص به ~~غيره، وإن كانت أبواب بيوتهم في المسجد، فإنه كانت في المسجد أبواب لبيوت ~~غير بيوتهما، حتى أمر بسدهما، إلا باب علي رضي الله عنه # PageV01P104 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى بن الحماني قال: ms072 ~~ح أبو عوانة، عن أبي بلج، وفي بعض النسخ عن أبي صالح، عن عمرو بن ميمون، عن ~~ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سدوا أبواب ~~المسجد كلها إلا باب علي» ، رضي الله عنه # PageV01P105 # قال: حدثنا أبو الفضل المروكي، قال: ح محمد بن عيسى الطرسوسي قال: ح أبو ~~جعفر النفيلي قال: ح مسكين بن بكير، عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ~~ميمون، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«سدوا الأبواب إلا باب علي» رضي الله عنه ### | [ص: 106] # فخصه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يترك بابه في المسجد مفتوحا، فكان ~~يجنب في بيته، وبيته في المسجد # PageV01P105 # وأما الحديث الآخر أنه قال: «لا يبقين في المسجد باب إلا سد غير باب أبي ~~بكر» رضي الله عنه قال: حدثنا به المروكي قال: ح محمد بن عيسى قال: ح ~~إسماعيل بن أبي أويس قال: ح مالك بن أنس، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن ذلك ~~كانت أبوابا تطلع إلى المسجد خوخات، وأبواب البيوت خارجة من المسجد، فأمر ~~بسد تلك الخوخات، فلم يكن مطلع في المسجد، وترك خوخة أبي بكر رضي الله عنه، ~~تصديق ذلك في رواية أخرى , قال: «سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر» ~~رضي الله عنه # PageV01P106 # حدثنا القواريري، قال: ح حامد بن سهل قال: ح محمد بن عبد الرحمن أبو بكر ~~ابن أخي الحسين الجعفي قال: ح زيد بن يحيى، وفي نسخة: يزيد بن يحيى بن عبيد ~~الخزاعي قال: ح مالك بن أنس، عن حصين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، ~~رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سدوا كل خوخة في ~~المسجد إلا خوخة أبي بكر» وقال غيره: «سدوا الأبواب» بلا لفظة: إلى المسجد ~~«واتركوا باب أبي بكر» فدل هذا أن تلك الأبواب ms073 لم تكن أبواب البيوت التي ~~تدخل فيها وتخرج منها، وإنما كان خوخات تطلع إلى المسجد كالكوا، والمشاكي، ~~وباب علي رضي الله عنه كان باب البيت الذي يدخل فيه فيخرج منه، كما قال عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهما حين أشار إلى بيت علي رضي الله عنه إلى جنب ### | [ص: 107] # بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبيت النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ~~فدل أن بيت علي رضي الله عنه كان فيه، وقد فسر ذلك ابن عمر أيضا بقوله: لم ~~يكن يكون في هذا المسجد غيرهما # PageV01P106 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P107 # قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم قال: ح محمد بن ~~إسماعيل بن جعفر قال: ح الدراوردي، عن يزيد بن عبد الله، عن محمد بن ~~إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليتوضأ، وليستنثر ~~ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه» قال الشيخ الإمام المصنف رحمه ~~الله: يجوز أن يكون ذلك لبعده من مواضع التقيد؛ فإن العين باب النظر إلى ~~خلق السموات والأرض، قال الله تعالى {إن في السموات والأرض لآيات} ، وقال ~~الله تعالى {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «النظر إلى الكعبة عبادة» ، فهي باب العبرة، والفم باب الذكر، قال ~~الله تعالى {فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون} [الأعراف: 69] ، والأذن باب ~~سماع ذكر الله تعالى، وسماع العلم، قال الله تعالى {الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] ، وليس في الخياشيم شيء من هذا المعنى، فيجوز ~~أن يكون اقتراب الشيطان من الإنسان، وموضع مدخله فيه إما عن طريق الوسوسة، ~~أو جريانه فيه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم» ، وقال في التثاؤب: «التثاؤب ### | [ص: 108] # في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع» ، ~~وقال: «فإن الشيطان يضحك في جوفه» ، فأخبر أن الشيطان يدخل في جوف ms074 الإنسان، ~~فيجوز أن يكون مدخله فيه من طريق الخياشيم من طريق الوسوسة، وهو باب ظاهر، ~~ويقول الناس لمن استخفه أمر، أو ظهر فيه كبر: نفخ الشيطان في منخره. وقال ~~الحجاج في خطبته: يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، قد نفخ الشيطان في ~~مناخركم، حتى قلتم: ما بالحجاج فمه، وهل يرجو الحجاج الخير كله إلا بعد ~~الموت؟ وهو باب ظاهر يعني الخيشوم، ليس له طبق، والعين والفم لهما طبقان، ~~وما دون الإزار فمستور من المسلم، ولا يجد العدو إليه سبيلا، كما لا يجد ~~إلى السقاء إذا أوكي، وإلى الباب إذا غلق. قال # PageV01P107 # حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح عمار بن شعيب، عن أبي الزبير، عن جابر ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نمت فأغلق ~~الباب، وأوك السقاء، وخمر الإناء، وأطفئ السراج، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ~~سد، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم، فإن ~~لم تجد ما تخمره به، فأعرض عليه ولو بعود، واذكر اسم الله تعالى» # PageV01P108 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P109 # قال: حدثنا أبو سعيد حاتم بن عقيل بن المهتدي، قال: ح يحيى بن إسماعيل بن ~~عثمان قال: ح يحيى بن عبد الحميد الحماني، قال قيس: قال: ح عمرو بن مرة عن ~~أبي عبيدة، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ~~باسط يده لمسيء الليل أن يتوب إلى النهار، وباسط يده لمسيء النهار أن يتوب ~~إلى الليل، يرفع عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار ~~لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره» ، ثم قرأ أبو عبيدة {أن بورك ~~من في النار ومن حولها} [النمل: 8] # PageV01P109 # وحدثنا محمد بن نعيم بن ناعم، قال: ح أبي قال: ح عثمان بن أبي شيبة قال: ~~ح عبيد الله بن موسى قال: ح سفيان، عن حكيم بن الديلمي، عن ms075 أبي هريرة، عن ~~أبي موسى، نحوه، وقال: «حجابه النهار» . قال الشيخ الإمام المصنف رحمه ~~الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا ينام» نفى عنه النوم ~~الذي هو الاستراحة من التعب والنصب، والله تعالى يتعالى عن. . . . استراحة ~~له بصفة، والنوم غفلة، والله عز وجل يتعالى عن ذلك، ونفى بقوله: «لا ينبغي ~~أن ينام» جوازه عليه، أي: لا ينام، ولا يجوز النوم عليه لأنه آفة، والآفة ~~حدث، وليس عز وجل بمحل للحوادث تعالى عز وجل عن ذلك علوا كبيرا. وقوله: ~~«يخفض القسط ويرفعه» يجوز أن يريد به رفع أهل القسط وهو العدل، ويضع أهل ~~الجور، أي برفع قدر أهل العدل في الدنيا بين الناس بالثناء الحسن، والحفظ ~~لهم والعون، وفي الآخرة بالثواب والدرجات، ويضع أهل الجور في الدنيا بالبغض ~~لهم من الناس، والعاقبة الوبئة، وفي الآخرة بالعقوبة، وخفة الميزان، فلا ~~يقيم لهم يوم # PageV01P109 # القيامة وزنا، فكأنه قال: يخفض أقواما لأجل القسط لأنهم تركوه، ولم ~~يعملوا به، ويرفع أقواما لأجل القسط لأنهم عملوا به، ويجوز أن يكون يخفض ~~بالقسط ويرفع بالقسط، ومعناه يرفع أقواما في الدين والدنيا بالعلم والقدرة ~~والهداية والإيمان ومراتبه، ويضع آخرين بالذل والجهل والضلال والكفر، وهو ~~في ذلك عادل غير ظالم لهم، ولا جائر عليهم؛ لأن الظلم لا يكون منه، والجور ~~لا يجوز عليه؛ لأنه ليس تحت قدرة قادر، ولا فوقه آمر، ولا زاجر، فيكون ~~ظالما بترك الأمر، أو جائرا عن سنن الحق تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا ~~كبيرا. ويجوز أن يكون معنى «يخفض القسط» ، أي: ينقص العدل في الأرض بغلبة ~~الجور وأهله، ويرفعه بالبسط في الأرض بغلبة العدل وأهله، فقد كان القسط ~~والعدل والإيمان غير موجود، ولا معروف بغلبة فرعون وملئه، ثم بسطه الله ~~تعالى بإرسال موسى عليه السلام، ثم ظهر الجور والكفر حتى أرسل الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، فبسط القسط، وأظهر الإيمان، ومحق الكفر، ثم قال صلى ~~الله عليه وسلم في شأن المهدي: «فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما ~~وجورا» ms076 . وقوله صلى الله عليه وسلم: «باسط يده لمسيء الليل أن يتوب إلى ~~النهار» ، اليد صفة الله تعالى وصف بها نفسه، ولو لم يرد السمع لم يجز ~~القول؛ لأنه من الصفات المتشابهة، فلما ورد السمع به وجب التصديق له، ~~والإيمان به، وتأويله على ما يليق به، ونفي التشبيه وأوصاف الحدث عنه , قال ~~أهل الحديث وسائر المثبتة: له يد لا كالأيدي، كما أنه موجود لا كالموجودين، ~~وشيء لا كالأشياء. وقال بعض المثبتة: إنها يد صفة، وليست بيد جارحة، ولا ~~جزء، ولا بعض كما أن ذاته ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، قال الله تعالى {يد ~~الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] ، وقال عز وجل {ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي} [ص: 75] ، وقال تعالى {يداه مبسوطتان} [المائدة # PageV01P110 # : 64] وورد الخبر بقوله: «باسط يده» ، فصدقه القرآن، فوجب تصديقه , ~~والقول به على ما قلنا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «باسط يده لمسيء الليل ~~إلى النهار» ، يجوز أن يكون معناه أن لا يثبت إساءته في ديوانه ليلته، ~~ويمهله إلى النهار كما # PageV01P111 # حدثنا عبد الله بن محمد، قال: ح الحسين بن الفضل قال: ح عبد الله بن بكر ~~السهمي قال: ح بشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، ~~فإذا عمل العبد الحسنة كتبها له عشر أمثالها، وإذا عمل سيئة , قال صاحب ~~اليمين لصاحب الشمال: أمسك، فيمسك عنه سبع ساعات من النهار، فإن استغفر لم ~~يكتب عليه، وإن لم يستغفر كتب سيئة واحدة «فأخبر أنه يمسك عن إثباتها في ~~ديوانه ليستغفر، فمعنى» باسط يده " يعني: بالرحمة والإمهال ليتوب، فإن تاب ~~تاب الله عليه، وأثبتها حسنة في ديوانه، قال عز وجل {فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70] ، وإن لم يتب أثبتها في ديوانه سيئة واحدة، ~~والتوبة مبسوطة له إلى أن يغرغر بالموت، والشفاعة يوم القيامة إن لم يتب ~~منها، والرحمة من الله تعالى التي وسعت كل شيء، قال الله تعالى {فسأكتبها ~~للذين يتقون ms077 ويؤتون الزكاة} [الأعراف: 156] الآية وقوله: «يرفع عمل الليل ~~قبل النهار» ، يجوز أن يكون معناه: تصعد ملائكة الليل بأعمال الخلق في ~~الليل إلى السماء قبل النهار، وملائكة النهار بأعمال الخلق في النهار قبل ~~الليل، ويجوز أن يكون معناه: يقبل أعمال المؤمنين المخلصين في ليلهم قبل ~~النهار، وفي نهارهم قبل الليل، ويكون فيه معنى تعجيل إجابته لمن دعاه، وحسن ~~قبوله لمن عمل له، وسرعة إقباله على من أقبل عليه. وقوله: «حجابه النار» ، ~~يجوز أن يكون معناه: أي حجب الخلق عن إدراكه، والتوهم له، والفكرة فيه ~~بسلطانه وجبروته وكبريائه، فلا يحيطون به علما ### | [ص: 112] # . وقوله: «لو كشف عنها» ، يجوز أن يريد لو كشف الحجاب عن خلقه، وهو حجاب ~~لطفه عن أوليائه والمؤمنين به، وحجاب الغفلة عن أعدائه ومن جحده، وحجاب ~~الرحمة عن سائر الأشياء من جميع خلقه من جماد وحي، فظهر لهم جلاله وهيئته ~~وقهره لتلاشت الأشياء كلها، واضمحلت وفنيت وغابت، قال الله عز وجل {فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] ، أي: بان له سلطانه وعظمته، فصار ~~ترابا، بل تلاشى، وذهب وفني، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع» # PageV01P111 # قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسين أبو علي الإسفراييني، قال: ح أحمد بن ~~علي بن الحسن أبو شعيب المدائني قال: ح أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ~~البرقي قال: ح دحيم بن إبراهيم قال: ح مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن ~~أيوب، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير، وقبيصة بن المخارق، رضي الله ~~عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا ~~ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع، فإذا انكسف ~~واحد منهما، فصلوا كأتم صلاة مكتوبة صليتموها» أخبر أن الأشياء في حجبة ~~عنه، ولو كشف الحجاب عنها تلاشت، ومعنى التجلي إظهار الهيبة والجلال، فعلى ~~قدر ما يظهر من ذلك يكون ذهاب الأشياء، وعلى قدر ما يحجبها يكون بقاؤها. ~~ومعنى قوله: ms078 «حجابه النار» يجوز أن يكون النار عبارة عن الشغل، أي: حجب ~~الخلق عنه ليشغلهم بذاتهم وحاجاتهم من ضرورات وشهوات، ولو كشف الحجاب عنهم ~~فبان لهم هيئته وسلطانه تلاشوا وفنوا ### | [ص: 113] # . ومعنى: «سبحات وجهه» يجوز أن يكون عبارة عن الجلال والهيبة؛ لأن ~~التسبيح تنزيه الله عز وجل وإجلاله وتعظيمه، فمعنى قوله: «لأحرقت سبحات ~~وجهه» ، أي: أفنى جلاله وهيبته وقهره ما أدركه بصره. ومعنى: " ما أدركه ~~بصره، أي: كل شيء خلقه وأحدثه من العرش إلى الثرى، كأنه عبارة عن كل موجود ~~سواه، وليس قوله: «ما أدركه بصره» على التحديد والتجزئة، حتى يكون وراء ذلك ~~شيء موجود، بل هو مستوعب لكل موجود سواه، وذلك أنه مدرك لكل موجود لا يغيب ~~عن بصره شيء، ولا يستتر عنه مخلوق، ولا يتوارى عنه محدث تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا # PageV01P112 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P113 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ~~ح أبو معاوية قال: ح إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " سألت الشفاعة لأمتي، فقال: لك سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ~~فقلت: رب زدني، فقال: لك مع كل ألف سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ~~فقلت: رب زدني، فقال: لك هذا، فيجيء بين يديه وعن يمينه، وعن شماله "، وقال ~~أبو بكر رضي الله عنه: حسبنا يا رسول الله، فقال عمر رضي الله عنه: دع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يكثر لنا ما أكثر الله تعالى لنا، فقال أبو بكر ~~رضي الله عنه: إنها حثية من حثيات ربنا عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «صدق أبو بكر» قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله: في حثية ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وشماله معنيان: الكثرة والاختلاط، وذلك ~~أن من حثى عن يمينه وشماله لا يميز ولا يختار، فيأخذ شيئا ويدع آخر، ولكنه ~~يأخذ ما ms079 حصل في قبضته من أي شيء كان، وعلى أي صفة كان، وما كان من العدو، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بحثية أن الذين شفعه الله تعالى فيهم ~~يجوز العدد كثرة، والصفة جميعا، فكأنه يقول: شفعني الله تعالى في أمتي ~~بغاية من الكثرة لا يحصى عددهم، ولا يعرف ### | [ص: 114] # أوصافهم مسيئين كانوا أو محسنين، أصحاب صغائر كانوا أو كبائر، يدل على ~~ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» # PageV01P113 # قال: حدثنا بكير بن حمدان، قال: ح محمد بن يونس الكديمي قال: ح أبو عاصم ~~النبيل قال: ابن جريج قال: ح أبو الزبير، عن جابر، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» # PageV01P114 # قال: وحدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح نوح بن قيس الحداني، عن زبير ~~الرقاشي، عن أنس رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لمن تشفع؟ قال: «لأصحاب الدماء والعظائم» ففي هذا الحديث دليل على أنه صلى ~~الله عليه وسلم أشار بحثية إلى كثرة عددهم، واختلاف أحوالهم، وتباين ~~أوصافهم وقول أبي بكر رضي الله عنه: إنها حثية من حثيات ربنا، وتصديق النبي ~~صلى الله عليه وسلم إياه إخبار منه أن الكثير من النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجاوز العدد والإحصاء، فكيف بالذي يعلم الله تعالى بكثرته، ففي قول أبي بكر ~~رضي الله عنه دلالة أنه شفع في جميع أمته من أهل الإيمان، ألا تراه يقول: ~~حسبنا يا رسول الله، أي: قد استوعبت، وقول عمر رضي الله عنه: دع رسول الله ~~يكثر لنا ما أكثر الله لنا، يدل على أنه لم يدرك من إشارة النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما أدركه أبو بكر؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه، علم أنه إخبار عن ~~الجميع، حتى لا يبقى منه شيء، وليس وراء ذلك غاية، والدليل على ذلك حديثه ~~الآخر # PageV01P114 # قال: حدثنا محمد بن حامد القواريري، قال: ح أحمد بن نصر بن إبراهيم ~~النيسابوري ms080 قال: ح عمرو بن علي قال: ح أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، ~~عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل ~~نبي دعوة مستجابة، فتعجل، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، وهي ~~نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا» # PageV01P115 # وحدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب، قال: ح حمدان بن ذي النون، وعبد الصمد ~~بن الفضل، وأجيد بن الحسين قالوا: ح مكي بن إبراهيم قال: ح داود بن يزيد بن ~~عبد الرحمن الأودي قال: سمعت أبا بردة الأشعري، يحدث عن أبي المليح البصري، ~~عن أبي موسى الأشعري، قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~فنزلنا منزلا فكنا معه، ففقدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا ~~نطلبه، فاطلع علينا يتبسم، فلما انتهى إلينا، قلنا: يا رسول الله أين كنت؟ ~~قال: " أتاني جبريل عليه السلام، فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين ~~أن يتقبل شفاعتي فيهم , قال: فاخترت الشفاعة "، فقلنا: أتشفع لنا؟ قال: «قد ~~شفعت لكم» ، فلما كثر عليه الناس قال: «هي لمن قال لا إله إلا الله مخلصا» ~~قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: فقد تخرج هذه الأخبار بما تضمنت إشارة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حثيته، وإنها إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن ~~الله عز وجل بأنه شفعه في جميع أمته، وأنه لا يخرج منها أصحاب الكبائر ~~والعظائم، ومن لم يعمل سوى الإيمان خيرا، حين أخبر أنها حثية من حثيات الرب ~~عز وجل، فمعنى الحثية من الله عز وجل عبارة عما قلناه # PageV01P115 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P116 # قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: قرأ علي أبو نصر محمد بن حمدويه بن ~~سهل المطوعي في المحرم سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة في دار بكار، وهو ينظر في ~~كتابه: حدثكم محمود بن آدم قال: ح سفيان بن عيينة، عن عمرو بن زياد، عن ~~عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ms081 الله عليه وسلم: ~~«عجبت من يوسف صلوات الله عليه، ومن صبره وكرمه، والله يغفر له لو كنت أنا ~~مكانه حين أتاه الرسول لبدرته الباب، ولكنه أراد أن يكون له القدر، ولولا ~~كلمة قالها ما لبث في السجن ما لبث» قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن صبر الكريم ابن الكرام يوسف صلوات الله ~~عليه، وسكونه في حاله، ورضاه وتمكنه وسكونه تحت مجاري أقضية الله تعالى، ~~وقلة اضطرابه، وانتظارية حكم ربه عز وجل في الفرح عما هو فيه من غم السجن ~~وكربه، وعجب من شأنه في صبره وكرمه، ورفع من قدره صلى الله عليه وسلم، ~~وأخبر عن نفسه أنه لو كان مكانه لبادر الباب، وهو صلى الله عليه وسلم أرفع ~~حالا، وأشد تمكنا، وأجل قدرا، فهو أفضل الأنبياء، وخير البشر، فهو أحرى ~~بالصبر والكرم، وأحق بتمكين الحال، فليس إخباره عن نفسه بمبادرة الخروج إن ~~شاء الله تضجرا من الحال والاستبطاء للفرج، ولا لعلة التمكن ولا لاضطراب ~~منه في الحال التي رفع إليها، ولكنه إخبار منه عن نفسه إيثار حق الله تعالى ~~على حظ نفسه، وذلك أن يوسف عليه السلام كان رسولا، فقد بعثه إلى القوم ~~الذين هم هو بين أظهرهم، وكان يجب عليه الدعاء إلى الله تعالى، وقد دعا أهل ~~السجن، قال الله تعالى {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار} [يوسف: 39] الآية، دلهم على صدقه بالمعجزة عن الآية وهو علم الغيب ~~الذي لا يعلمه إلا الله، ومن ارتضى من رسول، فقال {لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} [يوسف: 37] الآية، ولم يكن له طريق ~~إلى دعوة الملك إلى الله تعالى لكونه في السجن، فلما وجد السبيل إلى ذلك ~~بإرسال الملك إليه أن يأتوه به تربص، وقدم عذر نفسه وبراءتها مما نسب إليه ~~من إرادة السوء الذي رمته امرأة العزيز به إذ تقول {ما جزاء من أراد بأهلك ~~سوءا} [يوسف: 25] ، فرد صلى الله عليه وسلم الرسول , فقال {ارجع إلى ms082 ربك ~~فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن} [يوسف: 50] الآية: فلما برأنه ~~{ما علمنا عليه من سوء} [يوسف: 51] ، وقالت امرأة العزيز {أنا راودته عن ~~نفسه وإنه لمن الصادقين} [يوسف: 51] ، فعند ذلك أجاب الملك، وخرج من السجن، ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت مكانه لبادرت الباب» ، يعني الأصل ~~إلى دعوة الملك إلى الله تعالى لوجوب حق الله تعالى، وتأدبا بأدب الله عز ~~وجل بقوله عز وجل {فاصدع بما تؤمر} [الحجر: 94] ، وقوله عز وجل {بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] ، فأخبر أنه لو كان مكانه لآثر حق الله ~~تعالى في دعوة الملك إلى الله تعالى على براءة نفسه إعراضا عنها، وإقبالا ~~على الله في أداء حقه، وجعل ذلك من يوسف شبه التقصير، ألا ترى إلى قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «والله يغفر له» # PageV01P116 # ومما يدل على أن ذلك على الإشارة إلى التقصير قوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث آخر: «لو لبثت في السجن ما لبث، ثم جاءني الرسول أجبت» ، ثم قال صلى ~~الله عليه وسلم: " رحمة الله على لوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد قال: فما ~~بعث الله من بعده نبيا إلا في ذروة من قومه " قال: حدثنا به نصر بن الفتح ~~قال: ح أبو عيسى قال: ح الحسين بن حريث الخزاعي قال: ح الفضل بن موسى، عن ~~محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كان ليأوي إلى ركن شديد» ~~كأنه يقول: قد كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الرسالة والنبوة، وهي أعز من ~~العشيرة، فكذلك قوله: «لو كنت أنا مكانه حين آتاه الرسول لبادرته» ، وليس ~~معنى التقصير تقصيرا في حال يوسف عليه السلام، ولكنه تقصير في حال النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أن لو كان ذلك منه تقصير، وإن لم يكن من يوسف عليه ~~السلام تقصير؛ لأنه أرفع حالا منه أبان صلى الله عليه وسلم عن ارتفاع درجته ms083 ~~عن درجة يوسف صلى الله عليه وسلم، وإن ما كان من يوسف لو كان من النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان ذلك منه تقصيرا، وإن لم يكن من يوسف تقصير؛ لأن إظهار ~~عذره عند الملك من واجب حق الله تعالى؛ لأنه كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم , وكذلك قول لوط صلوات الله عليه: إذ أوى إلى ركن شديد يمنعونني فلا ~~أقتل لأصل إلى قضاء حق الله تعالى في الدعاء إليه، ولم يكن ذلك منه، ومن ~~يوسف صلى الله عليه وسلم بمعنى طلب حظوظ النفس فيهما، وإن لم يقصدا حظوظ ~~نفسهما، ففيه بعد عن أنفسهما، وخصومة عنهما، وتقديم ذلك على الدعاء إلى ~~الله تعالى يشبه التقصير من حال من سقطت عنه نفسه، وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وحظوظها. وقيل: لو خرج يوسف عليه السلام قبل أن يبرئنه لاحتاج إلى ~~طلب العذر من الملك، فيما رمي به، فلما تربص حتى برأنه اعتذر الملك إليه ~~بقوله {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«ولولا كلمة قالها ما لبث في السجن ما لبث» ، فقيل: الكلمة التي قالها قوله ~~للذي نجا منهما، أي: صاحبي السجن {اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] # PageV01P117 # قال: حدثنا محمد بن عبد الله الفقيه، قال: ح أبو إسحاق الهسنجاني قال: ح ~~أحمد هو ابن أبي الحواري قال: ح زهير بن عباد، وعبد العزيز بن عمير قال: ~~دخل جبريل عليه السلام على يوسف عليه السلام في السجن قال: فعرفه يوسف عليه ~~السلام، فقال له: يا أخا المنذرين ما لي أراك بين المنذرين، أما تراني ~~كأسير بين الخاطئين؟ فقال جبريل: يا طاهر ابن الطاهرين إن الله كرمني بك ~~وآبائك وهو يقرئك السلام، ويقول لك: ما استحييت مني أن استشفعت بغيري، وفي ~~رواية: استعنت بغيري، وعزتي لألبثنك في السجن بضع سنين قال: فقال لجبريل: ~~وهو عني راض؟ قال: نعم , قال: إذا لا أبالي فإن كان هذا صحيحا فهو الحق، ~~والقول بعده تكلف، وإن كان غير ذلك فيجوز أن يكون الكلمة ms084 التي قالها # PageV01P118 # قوله {رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه} [يوسف: 33] ، فقد روي في بعض ~~الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن البلاء موكل بالقول» ، ولو ~~لم يقل {رب السجن أحب إلي} [يوسف: 33] ، لم يسجن هذا، أو كلاما هذا معناه، ~~فكأنه لما كان ذلك من قدر الله تعالى وكتبه على يوسف صلى الله عليه وسلم ~~أجرى ذلك على لسانه؛ لأن لا يسبق إلى الأوهام أن لبثه في السجن كان عقوبة ~~له على ذنب، أو معاتبة على تقصير، ولكن على اختيار منه، وأنه آثر ألم نفسه ~~وعناها على ارتكاب ما روود عليه من معصية الله عز وجل، فهو تشكر منه وإظهار ~~فضله عليه السلام، ولبثه في السجن مدة ما لبث رفعة له، وإظهار شرفه، وعلو ~~منزلته، وارتفاع درجته، فقد روي في بعض الأخبار أنه حجة على من ابتلي بالرق ~~والعبودية، وفي بعض النسخ: والعبودة إذا قصر في حق الله تعالى وأيوب عليه ~~السلام حجة على أهل البلاء، وسليمان عليه السلام حجة على الملوك , وليس ما ~~جرى على الأنبياء والرسل، ولا وما ابتلي به الأولياء والصديقون من المحن ~~والبلايا عقوبات لهم، ولكن تحف وهدايا وخلع قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~«أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» ، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا أحب الله تعالى عبدا صب عليه البلاء صبا، وسجه سجا» وقد يكون معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا كلمة قالها» ، يصرف معنى الكلمة إلى ~~القضاء والحكم والتقدير الأول في سابق علم الله أن يلبث يوسف عليه السلام ~~في السجن ما لبث، فيجوز معناه لولا كلمة قالها الحق عز وجل ما لبث يوسف ~~عليه السلام ما لبث , لقوله عز وجل {ولكن حق القول مني} [السجدة: 13] ، ~~فيجوز أن يكون معنى القول {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم} [يونس: 19] ~~، وقوله {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} # PageV01P119 # وقوله {ولكن حق القول مني} [السجدة: 13] ، فيجوز أن يكون معنى القول ~~مصروفا إلى الله تعالى، وإن لم يتقدم قبله اسمه عز ms085 وجل كقوله تعالى {إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] ، فكان الدعاء إشارة إلى القرآن، وإن لم ~~يسبق له ذكر، فكذلك قوله: «لولا كلمة قالها» يعني: قالها الله تعالى , وإن ~~لم يسبق ذكر قول الله تعالى. ويجوز أن يصرف إلى قوله: «والله يغفر له» ، ~~فيكون القول مصروفا إلى الاسم المذكور في قوله: والله يغفر له "، ويكون ~~الفائدة فيه أن لبث يوسف في السجن ما لبث لم يكن عقوبة لذنب كان منه - وذلك ~~سبقت - ولا عتابا على تقصير في حق، لكن لقضاء سبق، وقدر مضى لما فيه من ~~التدبير والحكمة منها ما ظهر، والذي استأثر الله تعالى بعلمه أكثر، والله ~~أعلم # PageV01P120 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P120 # قال: حدثنا علي بن محناج، قال: ح علي بن عبد العزيز قال: ح يحيى بن عبد ~~الحميد الحماني قال: ح جرير، عن منصور، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن ~~علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله تعالى وتر يحب الوتر، وأوتروا يا أهل القرآن» قال الشيخ الإمام الزاهد ~~المصنف رحمه الله: الوتر: الفرد، والفرد هو الذي لا يزدوج، فالوتر هو الذي ~~لا يشفع، فالله عز وجل وتر، لا يشفع بشيء من خلقه إذ هو الفرد الذي لا ~~يزدوج بشيء، وكل ما سواه من الأفراد يزدوج بشكل، أو بضد، وكل وتر غيره يشفع ~~بخلاف أو وفاق، فالله تعالى وتر، إذ لا شكل له، ولا ضد، وكل وتر سواه فهو ~~في نفسه ليس بفرد بل هو شفع؛ لأنه مركب، ويقبل التركيب، والله تعالى ### | [ص: 121] # يتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فهو فرد وتر واحد أحد، لا يوصف بما يوصف به ~~خلقه بوجه من الوجوه من جهة الفردية والوترية والوحدانية والأحدية، فهو ~~واحد متوحد، فرد متفرد، واحد متحد، فيجوز أن يكون معنى قوله: «إن الله ~~تعالى وتر يحب الوتر» أي: هو فرد واحد يحب من عباده كل فرد، لا يزدوج ~~بالمحدثات بمعنى: السكون إليها، والتشبث بها، والاعتناق لها، والعكوف ~~عليها، ms086 بل ينفرد عن الخلق، فلا يسكن إليهم في معنى الضر والنفع، وعن ~~الدنيا، فلا يميل إليها، وعن حظوظ نفسه فلا يشغله عن واجب حق الله تعالى، ~~والله تعالى عز وجل أيضا وتر، أي: فرد تفرد بخلق عباده، ولم يكن له معين، ~~ولا ظهير، وتفرد بهداية من هداه من غير شفيع ولا وزير، وأنعم على المؤمنين ~~بما لو عدوها لم يحصوها، تفرد بكل ذلك وحده من غير علة، فيحب من عباده كل ~~وتر أي: متفرد بعبادته له مقبل بكليته عليه، قاصد بنيته وحده، ناظر في جميع ~~أحواله إليه، مكتف عن جميع خلقه به، لا يعرج في سره إليه عن شيء من ~~الأشياء، ولا يوافق حالا من الأحوال، ولا يكون الدنيا منه على بال، فيكون ~~وترا لوتر، وفردا لفرد. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فأوتروا يا أهل القرآن» ~~، يجوز أن يستدل خطر به على إيجاب الوتر، كأنه يقول: من كان من أهل القرآن ~~تلاوة له وإيمانا به، فليوتر، فأوجب الوتر كإيجاب قراءة القرآن، ويجوز أن ~~يكون معناه: أفردوا الأعمال لله عز وجل، ولا تشيبوها برياء ولا سمعة، ولا ~~تخلطوها بإرادة دنيا، ولا همة حظ نفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما ~~الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته ~~إلى ما هاجر إليه» # PageV01P120 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء ~~عن الشرك، فمن عمل عملا وأشرك فيه غيري، فأنا منه براء، وهو لمن عمل له " ~~قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد قال: حدثنا محمد بن إبراهيم قال: ح إسحاق بن ~~محمد الفروي، وفي بعض النسخ: الهروي قال: ح ابن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي ~~عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " قال الله عز وجل. فذكر الحديث. فكان معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «أوتروا ms087 يا أهل القرآن» أي: أخلصوا العمل لله تعالى، ولا توتروا فيه، ~~وأفردوا له أعمالكم # PageV01P122 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P122 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: ح إسحاق وهو حازم بن الحسين الحميسي، وفي بعض النسخ: الحمسي، عن يزيد ~~الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما من قلب آدمي إلا وهو بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإذا شاء ~~أن يثبته ثبته، وإذا شاء أن يقلبه قلبه، وإنما مثل القلب كمثل ريشة بأرض ~~فلاة في ريح عاصف، تقلبها الرياح» قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه ~~الله: وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأصابع، كما وصف الله تعالى ~~نفسه باليد، والسمع، والبصر، فقامت ### | [ص: 123] # الدلائل على أن يده وسمعه وبصره ليست بجوارح، ولا أعضاء، ولا أصابع، ولا ~~أجزاء، إذ هو عز وجل واحد أحد صمد فرد بعيد عن أوصاف الحدث، وعن شبه ~~المخلوقين، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، فعلينا الإيمان به، والوصف ~~له بما وصف نفسه به، ونفي أوصاف الحدث عنه، وتنزيهه عن التشبيه، والكيفية ~~والدرك إلا من حيث الإقرار به والإيمان والتصديق له، فكذلك ما وصفه به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الإصبع، فعلينا التسليم له، وفي بعض النسخ: ~~الإسلام له، والإيمان به، والتصديق على أنها صفة له على ما يستحقه، ويليق ~~به من غير كيفية، ولا إدراك، ولا تشبيه. أو هو صلى الله عليه وسلم أعلم ~~الخلق وأعرفهم وبأوصافه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أعلمكم بالله ~~عز وجل» ، وقال الله تعالى {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: ~~4] ، فالإصبع صفة لله عز وجل، ومن صفاته العدل، والفضل، فيجوز أن يكون معنى ~~قوله: «بين أصبعين» أي: بين صفتين من صفات الله عز وجل، ويعني الفضل ~~والعدل، وفي بعض النسخ: ويعني بالصفتين العدل والفضل لقوله: يقلبها، فيكون ~~التقليب عن حالتين مختلفتين، وفي بعض النسخ: بين ms088 حالتين مختلفتين مرة إلى ~~كذا، ومرة إلى كذا، كما قال في حديث آخر: «يقلبها الريح ظهرا لبطن، فإذا ~~قلب قلب عبد إلى هدى فهو فضل منه، وإذا قلبه إلى ضلال فهو عدل منه» ، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب» ، ويسأله ~~التثبيت، فالله تعالى يقلب قلوب أعدائه بعدل، والعدل صفة له، فهو يقلب ~~قلوبهم من حال إلى حال، وكلها إرادة الشر بهم والضلال لقوله ### | [ص: 124] # عز وجل {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} [المائدة: 41] ، فهو ~~يجعل في قلوبهم المرض، ويقلبها من المرض إلى الزيغ، ومن الزيغ إلى الدين، ~~والدين إلى أن يجعلها في أكنة، ومنها إلى الطبع، ومن الطبع إلى الختم، وذلك ~~عدل منه، وهو يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، قال الله عز وجل {في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] ، وقال جل جلاله {فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم} [الصف: 5] ، وقال عز وجل {كلا بل ران على قلوبهم} [المطففين: 14] ، ~~وقال جل جلاله {وجعلنا على قلوبهم أكنة} [الأنعام: 25] ، وقال جل جلاله {بل ~~طبع الله عليها بكفرهم} [النساء: 155] ، وقال عز وجل {ختم الله على قلوبهم} ~~[البقرة: 7] ، فهو عز وجل يفعل ذلك بالمنافقين والكافرين دون المؤمنين ~~المخلصين، وله أن يفعل ما يشاء إذ هو المالك لهم، ولا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فعلى هذا يقلب قلوب أعدائه، ومن سبق ~~له من الله تعالى الشقاء فكفر وجحد وأشرك ونافق تعالى الله عن ظلم عباده ~~علوا كبيرا، ويقلب قلوب أوليائه بفضله من حال إلى حال إرادة الخير لهم ~~ليهتدوا ويوفقوا ويزيدهم إيمانا، قال الله تعالى {ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} [الفتح: 4] ، وتثبيتا لهم، كما قال الله عز وجل {يثبت الله الذين ~~آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [إبراهيم: 27] ، فقلوب ~~أوليائه المؤمنين المخلصين الذين سبقت لهم منه الحسنى تتقلب بين الخوف ~~والرجاء، واللين والشدة، والوجل والطمأنينة، والقبض البسط، والشوق والمحبة، ~~والأنس والهيبة، والله تعالى يقلبها بفضله قال الله عز وجل {الذين ms089 إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] ، وقال الله تعالى {ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله} [الزمر: 23] ، وقال الله تعالى {أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى} [الحجرات: 3] ، وقال الله تعالى {ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله} [النور: 2] ، وقال الله تعالى {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ~~[الرعد: 28] ، وقال {أفمن شرح الله صدره للإسلام} [الزمر: 22] ، وقال الله ~~تعالى {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165] والله يقبض ويبسط، يقبض ~~قلوبهم بالخوف منه، ويبسطها بالأنس به والذكر له، فقلوب عباده تتقلب بين ~~هاتين الصفتين العدل والفضل، وهو يقلبها له الخلق والأمر ### | [ص: 125] # بين الهدى والضلال، ومنه التثبيت والإزالة، له الحكم وإليه المصير، وقلوب ~~عامة المؤمنين تتقلب بين أحوال مختلفة بين يقين واضطراب، وغفلة وتيقظ، ~~وسكون إلى الدنيا وميل إلى الآخرة، مرة إلى هذا، ومرة إلى هذا. قال عبد ~~الله بن عباس رضي الله عنهما: إنما سمي القلب قلبا لأنه يتقلب. وقال بعض ~~الحكماء: ما من شيء أشد على العبد من حفظ القلب بين ما يجول حول العرش، حتى ~~تراه يجول حول الحش. وقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه: إنما على العبد ~~ذم جوارحه، وحفظ حدود الله، وكف النفس عن شهواتها، فإذا فعل ذلك حفظ الله ~~تعالى قلبه، وأصلح سره، وفي بعض الروايات: من صلح برانيه أصلح الله تعالى ~~جوانيه معناه: من أصلح ظاهره بذم جوارحه، وحفظ حركاته، أعانه الله تعالى ~~على حفظ قلبه. وقال بعض الحكماء: استجلب نور القلب بدوام الحزن، واستفتح ~~باب الحزن بطول الذكر، واطلب راحة البدن بإحجام القلب، واطلب إحجام القلب ~~بترك خلطاء السوء، وقيل: موت القلب بالجهل، وحياة القلب بالعلم # PageV01P122 # قال: حدثنا موسى بن محمد بن محمد بن سماك الفقيه، قال: ح أبي قال: ح ~~الحسين بن سهل البصري قال: ح عبد الرزاق قال: ح معمر، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن القلب يدثر كما يدثر ~~السيف» # PageV01P125 # وحدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ms090 ح يحيى الحماني قال: ح ~~أبو بكر، عن أبي المقلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، ~~عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~لقمان قال لابنه: يا بني عليك مجالس العلماء، واستمع كلام الحكماء؛ فإن ~~الله تعالى يحيي القلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل ~~المطر " # PageV01P125 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P126 # قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: ح عبد الله بن موسى التيمي ~~قال: ح يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري، عن جعفر بن عمرو، عن ~~أبيه عمرو بن أمية رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله , أرسل ناقتي ~~وأتوكل؟ أو أقيد وأتوكل؟ قال: «بل قيد، وتوكل» قال الشيخ الإمام الزاهد ~~المصنف: أصل التوكل السكون على ما سبق من قضاء الله وقدره، وهو أن يعلم أن ~~ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا تحقق العبد بذلك ~~سكن منه الاضطراب، وسقط عنه السكون إلى الأبواب. ومن صح توكله لم يلتفت إلى ~~فوات حظه، ولا إلى إصابته، فيستوي فيه الأمران جميعا؛ لأنه إنما توكل على ~~ما سبق، وسكن إليه، وهو لا يدري ماذا قضى الله تعالى له: فوات حظه، أو ~~إصابته فأما من توكل لتحرز من فوت ما عنده أو نيل ما ليس عنده فليس بمتوكل ~~على الحقيقة، أو قد يجوز في قدر الله تعالى فوت ما عنده، وحرمان ما ليس ~~عنده، ولا مرد لقضاء الله، ولا راد لحكمه، فسواء توكل أو تمسك بالسبب، ~~واختلط في الطلب، ألا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو توكلتم على ~~الله حق توكله لرزقكم كما رزق الطير تغدو خماصا، وتروح بطانا» ، ومعلوم أن ~~الطير لا توكل لها، ولكنها لا تلتفت إلى فوات أو نيل، فقال: لو كنتم كذلك ~~غير ملتفتين إلى الأسباب ولا متعلقين بها، ولا مضطرين فيما تكفل لكم من ~~أرزاقكم لأدركتم ما قسم لكم من غير ### | [ص: 127] # حرث، ولا ms091 زرع، ولا تكلف، فأما التحرز لدفع المضار والمكاره وحفظ الحظوظ ~~ونيلها، فإنها مأذون فيها غير مدعو إليها، إلا ما كان فيها منفعة للأغيار، ~~وصونا للدين الوطني، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة ~~السابقين قال: «هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يكوون، ولا يكتوون، ~~وعلى ربهم يتوكلون» وقد رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم المعاوذ، ~~وكوى سعد بن الربيع غير أنه قال: «لا تلومن في أبي أمامة» يعني سعد بن ~~الربيع فكواه، يعني: لأعزرن فيه، فأخبر أن التوكل رفض هذه الأسباب؛ لأن ~~الرقى والكي إنما يستعملان رجاء العافية، والمتوكل لا يبالي بالمرض والصحة، ~~وإنما يختار ما يكون ما لا يريد، ويكون سكونه إلى ما سبق له من الله عز وجل ~~من صحة، أو مرض، أو نيل، أو فوات، فإنها الأسباب التي جاء الترغيب فيها من ~~المكاسب والحرف والتجارات، فعلى شرط التعاون نصح، والمتوكل يفعل هذه كلها ~~لا يجتر بها نفعا إلى نفسه، لكن لينفع الأغيار، ويصون به عرضه ودينه. وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من طلب الدنيا حلالا استعفافا عن ~~المسألة وسعيا على عياله، وتعطفا على جاره لقي الله تعالى وجهه كالقمر ليلة ~~البدر، ومن طلبها حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان» فقد ~~أخبر أن تناول الأسباب لصون الدين والعرض، ونفع الغير، فأما ما يتحرز به من ~~الآفات فهو غير معول إليها إلا أنه مأذون فيها إلا ما يتحرز به من آفات ~~الأغيار ### | [ص: 128] # . وقوله صلى الله عليه وسلم: «قيد وتوكل» ، إنما قال له ذلك لأنه كان ~~يريد التوكل؛ لئلا تفوته فائتة، وكان توكله لتحرز من الآفة لا سكون إلى ~~المقدر، فاحتاط له النبي صلى الله عليه وسلم بالتحرز، فقال: قيد لتبلغ ~~العذر في التحرز، وتوكل لئلا تؤتى إن أتيت من جهة الخلاف، وهو أن ترد إلى ~~فعلك وتحرزك، فيكون قد أحكمت من الوجهين جميعا، وكذا الواجب على كل مستشار ~~أن يحتاط إلى المستشير، ويدل على ms092 أحكم الأمور، وأوثق الأسباب، وأبعدها عن ~~مواضع التلف؛ لأن المستشير طالب للأرفق به مؤثر له، خائف من ضده، لم يستكمل ~~قوة التوكل والسكون إلى ما قدر له، فهو كالمضطرب فيه. ألا يرى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك: «أبق عليك بعض مالك» ، وقال لبلال: «أنفق ~~بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» ، وقال له لما خبأ له شيئا: «أما تخشى ~~أن يخسف به في نار جهنم» ، وكان خبأ له شيئا من تمر؛ لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان مستكمل التوكل ساكنا إلى ما له عند الله عز وجل غير مضطرب فيه، ~~ولا ملتفت إلى نفسه، بل كان نظره إلى ما يريد الله به، سواء كان فيه رفقه ~~أو غيره , وعلم من كعب بن مالك ميلا إلى رفقه وإيثارا لحظه، فقال له: «أبق ~~بعض مالك» لئلا يضطرب سره، وكذلك عمرو بن أمية حين قال: أقيد وأتوكل، كأنه ~~قال: بأيهما أحتاط لنفسي بالقيد أو بالتوكل؟ فقال: بكلا الأمرين ليتم ~~سكونك، ولا يضطرب سرك # PageV01P126 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P129 # قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم البكري قال: ح ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن سلمة، عن سعيد بن أبي سعيد ~~المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمى ~~لحذيفة المنافقين، وقال له: «إياك أن تخبر أحدا منهم، حتى آذن لك» ، فتوفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن لحذيفة في ذكرهم بذلك، فلبث حتى ~~كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال لي عمر: أنشدك الله عز وجل أنا ~~فيمن سمى لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا والله، والله لا أبرئ ~~منها رجلا بعدك " قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله: يجوز أن يكون ~~معنى قوله سمى لك، أي: وصف لك صفتهم، فأكون فيمن وصف، أي هل في من أوصافهم ~~شيء، وقد يجوز أن يراد بالاسم الصفة؛ لأن الاسم يدل على ms093 المسمى، وكذلك ~~الصفة وقد يعرف الشيء باسمه وصفته، فلما كان كذلك جاز أن يوضع أحدهما موضع ~~الآخر، فكان عمر رضي الله عنه إنما استخبر حذيفة عن صفة المنافقين ~~ليتوقيها، وإن كانت فيه أزالها عن نفسه، فأما النفاق فإنه قد كان متحققا ~~متيقنا أنه ليس فيه في الوقت، ولا يجوز أن يكون منافقا فيما بعد بشارة ~~النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة، فكيف يكون من بشر بالجنة منافقا، ~~والمنافق في الدرك الأسفل من النار. وخبر النبي صلى الله عليه وسلم يوجب ~~التصديق، والشك فيه كفر، وقد يجوز أن يكون في المؤمن بعض أوصاف المنافقين ~~وإن لم يكن منافقا، وإنما أراد عمر رضي الله عنه أن يعرف صفة من أوصاف ~~المنافقين التي أسرها النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين إلى حذيفة، أو ~~صفة علم حذيفة ممن سمى له النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين، فإن كانت ~~فيه أزالها عن نفسه، وتحرز منها إن لم تكن فيه، وهذا كما قال عمر بن عبد ~~العزيز رحمه الله: رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي , أي: يخبرني عيوبي ~~فأتركها، معنى هذا معنى الحديث # PageV01P129 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P130 # قال: حدثنا علي بن محتاج، قال: ح علي بن عبد العزيز قال: مسلم بن إبراهيم ~~قال: ح هلال مولى ربيعة بن عمرو الباهلي قال: ح أبو إسحاق، عن الحارث، عن ~~علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ملك ~~زادا وراحلة يبلغه إلى بيت الله تعالى فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو ~~نصرانيا» ، وذلك أن الله تعالى يقول {ولله على الناس حج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: معنى قوله: ~~«فلا عليه» يجوز أن يكون سواء عليه، وقوله: «يهوديا أو نصرانيا» ، معناه ~~والله أعلم: تشبيه وتقريب، وليس بحكم كأنه يقول: سواء عليه أن يموت على ~~شريعة اليهود أو النصارى، وذلك أن اليهود والنصارى لا يقرون الحج من شعائر ~~دينهم، ولا يتعبدون ms094 الله تعالى به إليه، ويجحدون أن يكون الحج من فروض , ~~والطهارة وغيرها من شعائر الإسلام، وإن كانت على خلاف ما عليه المسلمون، ~~فمن أقام من المسلمين شرائع الإسلام وترك الحج من غير عذر مع الاستطاعة إلى ~~السبيل فكأنه جحده، وإن أقر بلسانه؛ فإنه بين الإقرار والجحود في الظاهر ~~إلا إقامة ما أقر به وتركه، فالتارك للحج مع الاستطاعة من غير عذر متشبه ~~باليهود والنصارى، ومن تشبه بقوم فهو منهم، قول النبي صلى الله عليه وسلم. ~~ومعنى قوله: «فهو منهم» أي: يعد فيهم ومنهم؛ لأن الناس إنما يعرفون ظواهر ~~الخلق، ولا يعلم سرائرهم وبواطنهم إلا الله، ومن رأوه على فعل أو مع قوم ~~رياء وفعلا عدوه منهم، واجعلوه فيهم، واحكموا عليه بحكمهم. وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» يريد إن مات قبل أن يحج ~~ولا عذر له، فكأنه مات على شريعة اليهود والنصارى، وذكر الموت فيه على ~~التوقيت، فإن وقت الحج موسع، وفواته بالموت. وإذا مات فقد فاته، فكأنه تركه ~~ترك جحود وإنكار؛ لأنه قد أقام سائر الشرائع التي أقر بها، فلما ترك هذا مع ~~الإمكان ### | [ص: 131] # ، فكأنه معرض عنه مستهين به، مستخف بحقه، فصار كالجاحد والمنكر له، وهو ~~اليهود والنصارى، فتشبه بهم، فعد منهم وفيهم، والله تعالى أعلم # PageV01P130 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P131 # قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم قال: ح محمد بن ~~إسماعيل بن جعفر قال: حدثني أبو ضمرة، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي ~~هريرة، رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير مع ~~أصحابه إذ سمع رجلا يلعن ناقته قال: فسار مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، ثم قال: «أين اللاعن ناقته» ، فقال الرجل: أنا هذا يا رسول الله , ~~قال: «أخرجها عنا، فقد أجبت فيها» قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: يجوز ~~أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «قد أجبت» أي: حكم الله عز وجل عليك ~~بطردها وإبعادها، فإن اللعن ms095 هو الطرد عند أهل اللغة، فكأن الرجل لما قال ~~لناقته: لعنك الله أوجب الله تعالى عليه طردها وإبعادها عقوبة له، أو ~~تأديبا لئلا يعود إلى مثله، وهذا يدل على أن اللاعن ناقته كان له عند الله ~~عز وجل حالة حسنة؛ لأن في الحديث: «إذا لعن الرجل أخاه أو شيئا فإن كان ذلك ~~أهلا له وإلا رجعت اللعنة إلى صاحبها» أي: اللاعن، هذا معنى الحديث. فلما ~~لعن هذا الرجل ناقته لم تكن الناقة أهلا للعن، ولم ترجع على اللاعن؛ لأنه ~~لو كان أهلا لها لرجع عليه، ولو رجع عليه لطرده رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخرجه من بينهم، فلما قال: أخرجها عنا علم أنه لم يرجع عليه لقال له: ~~اخرج عنا، فلما لم يقل ذلك وقال: أخرجها، فصار كأن الحكم وجب عليها، وليست ~~الناقة من أهل الخطاب فيقع عليها اللعن من الله تعالى، وإنما وجب الحكم ~~بطردها على الرجل فصارت متروكة مطرودة مبتعدة لا يجوز له الانقطاع بها من ~~ركوب أو بيع أو نحر، فحرم نفعها تأديبا له، وقد قال بعض أهل اللغة: اللعن: ~~الترك، والملعون: المتروك # [البحر الكامل] # أفطيم هل تدرين كم من متلف ... جاوزت لا مرعى ولا مسكون # غورية نجدية تصعيده ... تصويبه متشابه ملعون ### | [ص: 132] # يصف الطريق يقول: إنه متروك لا يسلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: «قد أجبت ~~فيها» أي: أوجب الله تعالى عليك تركها، والانتفاع بها , قال: وأظن أن في ~~بعض الروايات: «فحط عنها رحله، وكانت تسير لا يرى فيها أحد» ، أو كلاما هذا ~~معناه. قال # PageV01P131 # حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي ~~المهلب، عن عمران بن حصين، رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بعض أسفاره إذ سمع لعنة، فقال: «ما هذا؟» فقيل: فلانة لعنت ~~راحلتها، فقال: «ضعوا عنها؛ فإنها ملعونة» قال: فوضع عنها. قال الراوي: ~~فكأني أنظر إليها ناقة ورقا ففي هذا دليل أنه حكم عليه بطردها وتركها، ~~والانتفاع بها، فهي ملعونة ms096 أي: متروكة مخلا سبيلها # PageV01P132 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P132 # قال: حدثنا الفضل بن عمير بن عثمان المروزي، قال: ح إسماعيل بن أبي أويس ~~قال: ح أبي، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن يسار، مولى ابن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال: أشهد لسمعت سالما يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ينظر الله تعالى إليهم يوم القيامة: الحالف ~~بعد العصر كذبا، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى " قال الشيخ الإمام المصنف ~~رحمه الله: يجوز أن يكون تخصيص الوقت للحلف كاذبا بعد العصر أراد به ختم ~~عمله؛ لأن بعد العصر آخر النهار، وحلفه كاذبا في ذلك الوقت ختم عمل نهاره ~~بعمل سيئ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالخواتيم» وفي ~~رواية «خواتمها» ### | [ص: 133] # . وقال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا قيد ~~شبر فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار» ، فهذا الحالف في آخر نهاره ~~قد ختم نهاره بعمل من أعمال أهل النار، وعسى يكون هذا آخر نهار عمره فيكون ~~آخر عمله عمل سيئ، فلا ينظر الله إليه. وكذلك مدمن الخمر؛ لأن من أدمن على ~~عمل، وأقام عليه أدركه الموت عليه، وكان ذلك آخر عمله، ولعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عاصر الخمر ومعتصرها "، والمدمن لها جامع لهذه الأوصاف، فهو ~~جامع لهذه الملاعن كلها، وأقام عليها، ولم ينتقل عنها، فأدركه الموت، فيختم ~~له به. والمنان بما أعطى منازع لله تعالى صفته التي لا يستحقها غيره؛ لأن ~~المنة بالعطاء لا يستحقها إلا الله عز وجل وحده؛ لأنه يعطي من ملك نفسه، ~~ويعطي ما يعطي من غير وجوب، فإن الله عز وجل ليس بواجب عليه فعل شيء إذ له ~~أن يعطي وله أن يمنع، فإذا أعطى من غير وجوب وأعطى من ملكه لا من ملك غيره ~~استحق الامتنان، فأما من دونه فإنه إذا أعطى أعطى من ملك غيره، لا من ملك ~~نفسه؛ لأن ما في أيدي العباد فملكه ms097 على الحقيقة لله عز وجل، وما أعطى أعطى ~~بوجوب؛ لأن الله تعالى أوجب عليه الإعطاء، ومن أعطى ما أعطى من ملك غيره لم ~~يجز له أن يمن على من أعطى، ومن أعطى ما وجب عليه لم يستوجب المنة، فهو إذا ~~من بما أعطى كأنه ادعى لنفسه الملك والحرية، وانتفى من العبودية، ونازع ~~الله تعالى في صفته، فلا ينظر الله عز وجل إليه، قال الله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] ### | [ص: 134] # وقوله: «لا ينظر الله تعالى» يفهم أي: لا يرحمهم، ولا يتحنن عليهم، ~~ومعناه أن لا يرحم رحمة لا يعذبهم، ولا يرحمهم رحمة لا يخلدهم في النار، ~~فيجوز أن لا يرحمهم عند الموت، ولا يتحنن عليهم فينزل عليهم الملائكة بأن ~~لا خوف عليكم، ولا أنتم تحزنون، ولم يرحمهم إذا أدخلوا حفرهم، فقد قيل: ~~أرحم ما يكون الله بعبده إذا دخل حفرته، ورجع عنه مشيعوه، ويجوز أن لا ~~يرحمه في قبره ويرحمه في القيامة، ويجوز أن لا يرحمهم في القيامة ويرحمهم ~~بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، أو يرحمهم بعد أن يدخلهم النار، ثم ~~يرحمهم بإيمانهم، فيخرجهم من النار، وقد امتحشوا على ما جاء في الحديث. ~~وقوله في الخبر الآخر: «فيعمل بعمل أهل النار» إنما هو الكفر والجحود ~~والشرك الذي لا يجوز أن يغفره الله تعالى؛ لأن أهل النار على الإطلاق هم ~~المخلدون فيها، ولا يخلد في النار إلا كل كفار أثيم، فأما أهل الصلاة فهم ~~أهل الجنة على الحقيقة؛ لأنهم إليها صائرون، وفيها مخلدون، ودخولهم النار ~~تأديب لهم وتطهير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما أهل النار الذين هم ~~أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، وأما قوم يريد الله بهم الرحمة، فإذا ألقوا ~~فيها أماتهم» الحديث، فأخبر أن أهل النار هم الأشقون الذين يصلون النار ~~الكبرى فلا يموتون ولا يحيون، وهم كفار، وأما أهل الصلاة فليسوا من أهل ~~النار بالحقيقة، فإذا كان أهل النار هم الكفار كان عمل أهل النار على ~~الإطلاق، أو قد يجوز ms098 وقوعها من الأولياء، وأفاضل المؤمنين، ولا يجوز وقوع ~~الكفر منهم، إذ لا يجامع الكفر الإيمان، وقد تجامع المعصية التي هي دون ~~الكفر الإيمان، قال الله تعالى {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: 102] ~~، وقال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} ~~[التحريم: 8] ، وقال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون} [الصف: 2] ، وأمثالها في القرآن كثير # PageV01P132 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P135 # قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن سباع بن الوضاج قال: ح أبو عبد الله ~~سليمان بن الأحوص قال: ح أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ولقبه ~~دحيم بن اليتيم قال: ح الوليد قال: ح الأوزاعي قال: ح إسحاق هو ابن عبد ~~الله بن أبي طلحة الأنصاري قال: ح جعفر بن عياض قال: ح أبو هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعوذوا بالله من الفقر والقلة ~~والذلة وأن تظلم وتظلم» قال الشيخ الإمام العارف رحمه الله: الفقر على وجوه ~~منها: عدم المال والمرافق، وخلو اليد عن الأملاك، ومنها عدم العلم، وهو ~~الجهل، وهو الفقر الأعظم، ومنها فقر الآخرة، وهو الخسران المبين، فأما عدم ~~المال، وخلو الأيدي من الأملاك إذا قارنه الصبر وصح التوكل على الله والرضا ~~بما قضى الله عز وجل فهو حلية الأنبياء، وزي الأولياء، وشعار الصالحين، ~~وزين المؤمنين، وفيما أوصى الله تعالى إلى موسى صلى الله عليه وسلم: إذا ~~رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين. وعن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «للفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على خد الفرس» ، وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «اللهم من أحبني فأقلل ماله وولده» ، وإذا خلا الفقر عن ~~هذه الخصال وكان معه التسخط على الله تعالى والتتبع لما نهى الله عنه ~~والجزع فيه، فهو الفقر المسيء الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمبادرته ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: " بادروا بالأعمال خمسا: هرما مقترا، وسقما ~~مفسدا، وغنى مطغيا، وفقرا مسيئا، وموتا مجهزا "، والله تعالى أعلم بسياق ~~الحديث، فهذا ms099 يجوز أن يكون الفقر الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 136] # بالاستعاذة منه. وأما عدم العلم فهو الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«كاد الفقر يكون كفرا» ، فإن الجهل أقرب شيء إلى الكفر نعوذ بالله تعالى ~~منه # PageV01P135 # وأما فقر الآخرة فهو ما جاء في الحديث: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: ~~المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلواته وصيامه وزكاته، ويأتي ~~قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقعد فيقضي ~~هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن قضيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من ~~الخطايا أخذ من خطاياه، فطرح عليه، ثم طرح في النار» قال: حدثنا نصر بن ~~الفتح قال: أبو عيسى قال: ح قتيبة بن سعيد قال: ح عبد العزيز بن محمد، عن ~~العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «أتدرون من المفلس؟» وذكر الحديث. فهو الفقر الذي يجوز ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عناه، وأمر بالتعوذ منه مع ما ذكرنا من ~~القسمين وأما القلة فيجوز أن يكون التكثر بالمال والاستغناء بالثروة، ~~والسكون إليه، والاعتماد عليه، فقد قال الله عز وجل {قل متاع الدنيا قليل} ~~[النساء: 77] قال الحكيم رحمه الله: من استغنى بماله قل، ومن اعتز بمخلوق ~~ذل، فمن أقل ممن استكثر بالقليل، واستغنى من النذر الحقير ويجوز أن يكون ~~القلة القلة من الأعمال الصالحة، وما عمل منها مدخول فيها، فقد قال الله عز ~~وجل في صفة قوم لا يذكرون الله إلا قليلا قال: قلت أذكارهم، وما وقع منها ~~فمراءاة، والقليل مع الإخلاص كثير، والكثير دون الإخلاص قليل، وأما الذلة ~~فالتعزز بالمخلوق، والاستظهار بالنادي والعشير، قال الله عز وجل {فليدع ~~ناديه سندع الزبانية} [العلق: 18] ، وقال الله عز وجل {ليخرجن الأعز منها ### | [ص: 137] # الأذل} [المنافقون: 8] ، فكان الأذل هو الأعز عند نفسه ms100 بكثرة أتباعه ~~وكثرة أنصاره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من اعتز بالمخلوق أذله ~~الله» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من اعتز بمخلوق ذل، ومن اهتدى برأيه ضل» ~~، فالذلة هي التعزز بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا يملك موتا ولا ~~حياة ولا نشورا، فهو كما قال الله عز وجل {ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73] ~~ويجوز أن تكون الذلة الشذوذ عن الجماعة، والاعتزال عن السواد الأعظم، ~~واتباع الهوى بمخالفة الكتاب والسنة، والاتباع لغير سبيل المؤمنين، فقد قال ~~الله عز وجل {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم} [النساء: 115] ، فلا أذل ممن رد إلى ~~نفسه الأمارة بالسوء، وانفرد في متابعة هواه، وظلمة رأيه، وانقطع عمن له ~~العزة، فإن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، فمن انقطع عن الله عز وجل ~~بإعراضه عن كتاب الله عز وجل، وأعرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركه ~~لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالف أولياء الله عز وجل باتباعه غير ~~سبيلهم، فهو الوحيد العزيز، الشريد، الطريد، الحقير، الذليل، النذر، ~~القليل، جليس الشيطان، وبغيض الرحمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«عليكم بالجماعة، فإن الذئب يأخذ الشاة والعاصية» فيجوز أن يكون الذلة التي ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منها متابعة الهوى في دين الله ~~عز وجل، والتعزز بما دون الله تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ~~وقوله: «أن تظلم، أو تظلم» ، والظلم أنواع، منها: الشرك، وهو أعظمه، قال ~~الله تعالى {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ومنها ظلم عباد الله، وهو ~~الإفلاس بين يدي الله، والمصير إلى عذاب الله تعالى، ومنها ظلم المرء نفسه، ~~وهو الحيرة يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الظلم ~~ظلمات يوم القيامة» ؛ لأن من ظلم نفسه منعها حقها الذي أوجب الله تعالى ~~عليه لها من ### | [ص: 138] # إتيان ما أمر الله تعالى به، فأتى يوم القيامة خلوا عن الأعمال التي ~~نورها يسعى بين أيدي ms101 المؤمنين، وبأيمانهم، فبقي في ظلمة، فإن قيل: ارجع ~~وراءك، فالتمس نورا، فقد خاب، وضل، وإن تداركه الله تعالى برحمته أضاء له ~~إيمانه، وأنار له توحيده، فذلك فضل الله، والله ذو الفضل العظيم فمن ظلم ~~فاتته آخرته التي لها معاده، فخسر خسرانا مبينا، وضل في النار ضلالا بعيدا، ~~إذا ضر بها، فنوقش، وعذب، أو يرحمه الله تعالى، إن شاء برحمته التي وسعت كل ~~شيء، وإن ظلم أحل بدنياه التي فيها معاشه، فشقي، وتعب، أو يرفق الله تعالى ~~به، والله رؤوف رحيم. ففي أمره صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من أن تظلم، أو ~~تظلم إشارة إلى ضعف العبد، وفقره، وأنه لا بد له في الدنيا من مرافقة التي ~~يصلح بها دينه، وتقوم بها نفسه، ويصون بها عرضه، قال الله تعالى: {وخلق ~~الإنسان ضعيفا} [النساء: 28] ، ولا بد له في الآخرة مما يرجع إليه من رحمة ~~الله، وشفاعة رسول الله، وعمل صالح قدمه لينال به ثواب الله عز وجل، قال ~~الله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} ~~[فاطر: 15] # PageV01P136 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P138 # قال: حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح محمد بن عيسى قال: ح سويد قال: ح عبد ~~الله قال: ح خالد بن العلاء، وفي بعض النسخ أبو العلاء، عن عطية، عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كيف ~~أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وأسمع الأذن متى يؤمر بالنفخ، فينفخ» ، ~~فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» ### | [ص: 139] # قال الشيخ الإمام العارف رحمه الله: في هذا الحديث إشارة من النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه إلى الرجوع إلى الله تعالى، والاعتماد عليه، ~~والتبرؤ من الحول، والقوة، والنظر إلى أفعالهم، والاعتماد على أعمالهم، ~~والسكون إلى شيء دون الله في أحوالهم، ألا يرى أنهم لما غيروا، وألقوا ~~بأيديهم، وتثاقلوا في نفوسهم، لم يدلهم على ms102 عمل من أعمالهم يرجعون إليه، ~~ولا أمرهم بفعل شيء من أفعالهم، يعتمدون عليه، بل ردهم إلى الله، وصرفهم ~~عما سواه إليه، فقال: " قولوا: حسبنا الله " إظهارا للافتقار، وإقرارا ~~بالاضطرار، وأنه لا نجاة من الله إلا بالله، ولا مفر منه إلا إليه، قال ~~الله تعالى: {ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين} [الذاريات: 50] # PageV01P138 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P139 # قال: حدثنا محمد بن إسحاق الخزاعي، قال: ح سعيد بن مسعود المروي قال: ح ~~إسحاق بن منصور السلوي، وعبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن ~~المنهال، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبي هريرة، إن شاء الله رضي الله عنه ~~قال: قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل أنت شافع لأبويك؟ قال: «إني ~~لشافع لهما، أعطيت، أو منعت، وما أرجو لهما النجاة عن النار بالكلية» قال ~~الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: يجوز أن يكون أراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله «إني لشافع لهما» في الدنيا، وذلك قبل أن ينهاه الله تعالى عن ~~الاستغفار لهما بقوله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] الآية. وهذا كما استغفر إبراهيم عليه ~~السلام لأبيه بقوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} [الشعراء: 86] . ~~وقوله: «وما أرجو لهما» ؛ لأن استغفاره لهما كان بعد موتهما، فلم يرج لهما ~~إذا ماتا على غير الإسلام، واستغفر لهما رقة عليهما، وفي بعض النسخ «رأفة، ~~وقضاء لحقهما» ، إذ لم يدركهما، فيحسن معاملتهما، ويصاحبهما في الدنيا ~~معروفا، وكان استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه في حياته لموعدة وعدها ~~إياه بقوله: {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا} [مريم: 47] ، فلما مات تبين ~~أنه عدو لله، تبرأ منه؛ لأنه مات على شركه لم يتب منه تبرأ منه، وترك ~~الاستغفار له، والنبي عليه السلام علم من أبويه ما علم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام من أبيه، غير أنه أراد قضاء حقهما، فنهاه الله تعالى عنه، فانتهى، ~~والله الموفق # PageV01P139 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P140 # قال: حدثنا نصر، قال: ح أبو عيسى قال: ms103 ح محمد بن المثنى قال: ح أبو داود ~~قال: ح أبو سنان الشيباني، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي ~~هريرة، رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل يعمل العمل، فيسره، ~~فإذا اطلع عليه أعجبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " له أجران: أجر ~~السر، وأجر العلانية " قال الشيخ الإمام العارف رحمه الله: يجوز أن يكون ~~سروره الذي يؤجر عليه سروره بتوفيق الله عز وجل إياه على إصلاح سريرته، وأن ~~الله تعالى جعله من الذين حسنت سرايرهم، وما ظهر منها لم يكن قبائح، ~~وقبائح، فكثير من الناس يفتضحون إذا ظهرت سرايرهم، لأنها تكون قبائح أسروها ~~فيما بينهم، وبين الله تعالى، وإن حسنت ظواهرهم، فهذا إذا ظهرت سريرته، ~~ووافقت علانيته، واستويا في الحسن سر بذلك؛ لأنها من أوصاف المؤمنين، أعني ~~موافقة السر، والعلانية على ما يرضي الله تعالى، فيكون سروره على حسن ~~إيمانه، وتوفيق الله عز وجل إياه بتحسن العمل في السر كتحسين عمله في ~~العلانية، فيكون ذلك أمارة الإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سرته ~~حسنته، فهو مؤمن» ، فيكون سروره لله عز وجل دون أن يكون لحسن ثنائه من ~~الناس، أو تعظيم عندهم، أو إجلال في أعينهم ### | [ص: 141] # . ويجوز أن يكون معناه أن العمل إذا صح في أوله لم يضره فساد يكون بعده؛ ~~لأن الرياء هو ما يفعله العبد من العلم ليرائي به الناس، ويكون ذلك قصده، ~~ومراده، ما كان كذلك لم يكن لله تعالى، وما لم يكن لله تعالى، فمحبط باطل، ~~قال الله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] ، فأما ما ~~وقع من العمل لله تعالى، وإرادة الدار الآخرة، لم يلحقه فساد يكون بعده، ~~ولم يحبطه شيء دون الشرك، نعوذ بالله تعالى منه، عند أهل السنة والجماعة، ~~لقوله تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: 102] ، ولو كان الأمر ~~على ما تزعم المعتزلة من إحباط الطاعات بالمعاصي، لم يجز اختلاطهما، ~~واجتماعهما، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أجران» ، أي ms104 أن عمل السر ~~قد خلص لله تعالى، فلا يلحقه فساد، وسروره بحسنته إذا ظهرت حسنة أخرى، فصار ~~له بذلك أجران # PageV01P140 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P141 # قال: حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح أحمد بن نصر ~~النيسابوري، وغير واحد، قالوا: ح أبو مسهر، عن إسماعيل بن عبد الله بن ~~سماعة، عن الأوزاعي، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ~~ما لا يعنيه» قال الشيخ الإمام الأجل العارف رحمه الله: يجوز أن يكون معنى ~~قوله: «تركه ما لا يعنيه» من أوصاف الناس، وأقوالهم، فلا يكاد يذكرهم، ولا ~~ينظر إلى عيوبهم، ولا يعترض عليهم في أخلاقهم؛ لأنه قد أسلمهم إلى الله ~~تعالى، فيكون الله عز وجل هو الذي يطالبهم بصدقهم في أفعالهم، وصحة ~~أعمالهم، ويقيم أمر الله تعالى فيهم، ويشفق عليهم، وينصح لهم، ويقبل منهم ~~ظواهرهم، ويوكل سرايرهم إلى الله تعالى، فإنها ليست مما يعنيه، فإذا كان ~~كذلك سلم المسلمون من لسانه، ويده، فهو المسلم، والإسلام له صفة، والحسن ~~لإسلامه صفة، فهو لما حسن إسلامه في إسلام خلق الله تعالى إلى الله ترك ما ~~لا يعنيه من البحث عن سرائرهم، ومطالبة الصدق إذا صلحت ### | [ص: 142] # ظواهرهم، والإعراض عن مختلف أحوالهم إلا فيما يلزمه فرض أمر بمعروف، أو ~~نهي عن منكر في رقة بهم، وشفقة عليهم، وإرادة الصلاح لهم، ويجوز أن يكون ~~معنى حسن إسلام المرء حسن تسليمه، وذلك أن الله تعالى قال: {إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} [التوبة: 111] الآية، فقد اشترى الله منهم ~~نفوسهم، فعليهم تسليم المبيع، وقد باع البائع الشيء، ويلتوي في تسليم ~~المبيع، حتى ينتزعه المشتري منه بحق البايع، فأما من حسن تسليمه سلم المبيع ~~أوفر ما كان، وأتمه في سعة من صدره، وطيبة من نفسه، خاصة إذا علم أنه استحق ~~من الثمن أضعاف أضعاف القيمة، فمتى حسن إسلام المرء حسن تسليم نفسه إلى ~~الله عز وجل , غير ms105 ملتو ولا متربص. قال الله تعالى لخليله إبراهيم صلوات ~~الله عليه: {أسلم قال أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} ~~[البقرة: 132] ، ومن حسن تسليمه أن لا يعترض على الله تعالى في أحكامه ~~عليه، وقضاياه فيما شاء، وسريان الاعتراض منه على الله تعالى في تسخط ~~قضائه، والتأتي لمعقول أحكامه هو الذي لا يعنيه؛ لأن المشتري إذا أحدث فيما ~~اشتراه من هدم بناء فيه، أو تغيير شيء منه، أو نقض فيه، أو إبرام، فاعترض ~~البائع فيه مما لا يعنيه من قوله لم فعلت، وألا صنعت كذا، ولو فعلت كذا، ~~وليتك صنعت كل ذلك مما لا يعنيه , فحصل معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، على هذا الموضع الرضا بأحكام الله ~~تعالى، والتلقي بالبشر، والسرور، ثم القضاء، والصبر تحت أثقال ما يكرهه، ~~والاستسلام، والانقياد بذل العبودية للملك القهار، فيما يجريه من أحكامه في ~~جميع خلقه من أرضه، وسمائه، وفي نفس العبد مما يؤلمه ويلذه، أو يسره، ~~ويحزنه. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: وايم الله ما هو إلا ~~الفناء، والفقر، وما أبالي بأيهما ابتليت، وفي بعض النسخ: ابتديت , فهذا من ~~حسن الإسلام أن لا يعترض على الله، ولا يختار تسليما لنفسه إليه، وتفويضا ~~لأمره إليه، كما ندب النبي صلى الله عليه وسلم إليه فيما # PageV01P141 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح ~~شريك، وأبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال الحماني: وح شريك، عن عبد ~~الله بن حبشي، عن البراء رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 143] # ، قال لرجل: " إذا آويت إلى فراشك، فقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ~~ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة، ورهبة منك، ~~وإليك، لا ملجأ ومنجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي ~~أرسلت، فإنك إن مت مت على الفطرة " زاد أبو الأحوص: «وإن أصبحت أصبت خيرا» ~~وقوله: «أسلمت نفسي ms106 إليك» ، تسليم المبيع إلى المشتري طوعا. وقوله: «وجهت ~~وجهي إليك» هو الإقبال عليه، والإعراض عما دونه. وقوله: «ألجأت ظهري إليك» ~~هو الاعتماد عليه. وقوله: «فوضت أمري إليك» هو التوكل عليه، رغبة إليه دون ~~ما سواه من ملاذ النفس، ومرافقها، ورهبة منه، لا من آلام النفوس، ومكارهها؛ ~~لأن من سلم نفسه، وفوض أمره، فمطالبته حظوظ نفسه، واتساق أموره مما لا ~~يعنيه، إذ ليس ذلك له، وإليه، ومن توجه إليه، وأقبل عليه لم يلتفت إلى شيء ~~دونه، ومن كان كذلك لم تكن رغبته في شيء دونه، ولا يريد غيره، ولا يطلب إلا ~~رضاه، والقربة منه، والزلفى لديه، ومن اعتمد في أحواله عليه، وتوكل فيما ~~يعامله به عليه، فقد احترز من جميع المكاره، بل تفرغ منها له فلا يخاف شيئا ~~سواه، ولا يرهب إلا منه؛ لأنه ما عنده باق، وإنما ينفذ ما عند غيره، فهذا ~~عبد لا يرى غير ربه، ولا يطالع غير سيده، ولا يراقب إلا مولاه، فكأنه ليس ~~في الدار غيره، ولا للملك سواه. قال الله تعالى: {لمن الملك اليوم لله ~~الواحد القهار} [غافر: 16] ، فاليوم يوم، وغدا يوم، والأيام كلها يوم واحد، ~~لا مصرف لها إلا واحد، ولا مدبر فيها إلا واحد، فله الملك اليوم، يفعل في ~~خلقه ما يشاء من تعريف عباده، وتغيير الأحوال في بلاده، ويفعل فيهم ما ~~يشاء، ويحكم فيهم ما يريد، له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين، وله ~~الملك غدا إذا أفنى عباده، وطوى بلاده، لا أحد ينازعه، ولا مجيب يجاوره، ~~فالملك اليوم وغدا لله الواحد القهار، لا ملجأ منه، ولا منجا يخاطبه من ~~الله إلا إليه، منه المفر، وإليه المقر، ففروا إلى الله إني لكم منه نذير ~~مبين، تبارك الله رب العالمين # PageV01P142 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P144 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: ح الحسين بن علي بن الجعفي، عن مجمع بن يحيى الأنصاري قال: سمعته يذكر ~~عن سعيد بن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله ms107 عنه قال: صلينا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المغرب، ثم قلنا: لو انتظرنا، حتى نصلي معه ~~العشاء، فانتظرناه، فخرج علينا فقال: «ما زلتم هاهنا؟» قال: قلنا: نعم يا ~~رسول الله، نصلي معك العشاء قال: «أحسنتم أو أحييتم» ، ثم رفع رأسه إلى ~~السماء، وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء قال: «النجوم أمنة لأهل ~~السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، ~~فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي ~~أتى أمتي ما يوعدون» قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله: يجوز أن ~~يكون قوله صلى الله عليه وسلم: «النجوم أمنة لأهل السماء» أي أنها لا ~~تنفطر، ولا تنشق، ولا يموت أهلها ما دامت النجوم فيها باقية، فإذا ذهبت ~~النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون لقوله تعالى {إذا الشمس كورت وإذا النجوم ~~انكدرت} [التكوير: 2] ، ثم قال {وإذا السماء كشطت} [التكوير: 11] ، وقال ~~تعالى {إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت} [الانفطار: 1] ، فهذا ذهاب ~~النجوم، وما يوعدون أهل السماء فقوله {فصعق من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا ما شاء الله} ، وقوله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، ~~وقوله تعالى {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك} [الرحمن: 26] ، فهذا الوعد ~~إنما يأتيها إذا نفخ في الصور فصعق من في السموات، الآية. فإذا انتثرت ~~النجوم تفطرت السماء، وصعق من فيها. وقوله صلى الله عليه وسلم: «أنا أمنة ~~لأصحابي» يجوز أن يكون من اختلاف قلوبهم، والتقاطع بينهم والتشاجر، فإنهم ~~كانوا في حياته مؤتلفين متفقين ### | [ص: 145] # متواصلين متبادلين، قلوبهم على قلب واحد، ليس فيها همة دنيا، ولا عزة ~~نفس، ولا نظر إلى شيء فاستوى لله تعالى، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تغيرت قلوبهم # PageV01P144 # قال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال: ما نفضنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي، ~~وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا " قال الشيخ ms108 الإمام رحمه الله: وتغيرت ~~أحوالهم، ومالوا إلى الدنيا، وافترقت آراؤهم، حتى تقاطعوا، أو تشاجروا، ~~وتواثبوا على الملك، حتى تقاتلوا وجعل بعضهم يضرب وجه بعض، فهذا الذي وعدوا ~~, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض» وقال: «ستلقون بعدي أثرة، وأمورا تنكرونها» ### | [ص: 146] # . وقال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» # PageV01P145 # وقال: «إن أمتي مرحومة إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن» وذلك لأن ~~العذاب لو كان في الآخرة لكان لا ينفعهم الندامة قال: حدثناه محمد بن نعيم ~~بن ناعم قال: ح أبي قال: ح عثمان بن أبي سليم، عن شيبة قال: ح الحسن بن ~~موسى قال: ح سعيد بن زيد قال: ح ليث بن أبي سليم، عن أبي بردة، عن أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يكون معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم: أتى أصحابي ما يوعدون "، هو تغير قلوبهم، وتفرق ~~أهوائهم، وتشاجرهم، وما لا خفاء به بما ظهر فيهم، مما أخبرهم به، ووعدهم ~~أنه كائن فيهم، كقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «لتقاتلن ~~الناكثين والفاسقين والمارقين» # PageV01P146 # وقوله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه: «عسى يقمصك الله قميصا من ~~بعدي، فإذا أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه» ثلاث مرات قال: حدثناه ~~محمد بن أحمد البغدادي، وفي بعض النسخ: أحمد بن محمد قال: ح أبو العباس ~~محمد بن طاهر بن أبي الدميك قال: ح إبراهيم بن زياد قال: ح فرج بن فضالة، ~~عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن النعمان بن ~~بشير، عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان ذلك ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «أصحابي أمنة لأمتي» يعني: من الاختلاف في ~~الدين، فظهور البدع والأهواء المردية، فقد كانت الأمة في زمن أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم على ما فارقوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الحنفية السمحة التي قال النبي ms109 صلى الله عليه وسلم: «وأيم الله لأتركنكم ~~على البيضاء ### | [ص: 147] # ليلها ونهارها» ، وكانت الأمة على ذلك في حياة أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما ذهب أصحابه ظهرت الأهواء والبدع، واختلفوا في الدين، ~~وتفرقوا في الآراء والديانات، فكفر بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا ~~فرقا شتى، وهو الذي وعدوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «افترقت الأمم ~~على واحد وسبعين فرقة، ولا تموت أمتي حتى تفترق على مثلها» ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» ، وقال صلى الله عليه وسلم: ~~«يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من خير قول ~~البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» # PageV01P146 # وقال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا ~~بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم» ، قالوا: يا رسول الله، فمن اليهود ~~والنصارى؟ قال: «فمن الناس إلا اليهود والنصارى؟» قال: حدثنا عبد العزيز بن ~~محمد قال: ح عبد الله بن حماد قال: ح يحيى بن بكير قال: ح يعقوب بن عبد ~~الرحمن، عن أبي حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص رضي الله عنه، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم» ، وذكره. فهذا إن شاء الله معنى «أتاهم ما يوعدون» ، فالذي وعد ~~أهل السماء هو تفطرها، وصعقهم، ولا يكون ذلك إلا إذا تناثرت النجوم، ~~فالنجوم لها أمنة ما دامت قائمة ثابتة مسيرة، والذي وعد أصحابه: الاختلاف ~~بينهم، والتنازع، وقتال بعضهم بعضا , ### | [ص: 148] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «لتقاتلنه وأنت له ظالم» يعني ~~عليا رضي الله عنه، وقال لعائشة رضي الله عنها: «كيف بك إذا نبحت عليك كلاب ~~حوأب» ، وقال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» ، فهذا الوعد الذي أتاهم، ولم ~~يأتهم إلا بعد ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم، فكان صلى الله عليه ~~وسلم أمنة لهم من ذلك حياته. والذي وعد أمته ظهر، والأهواء، والبدع، فقد ~~قال ms110 صلى الله عليه وسلم: " صنفان من أمتي لا ينالهم شفاعتي: المرجئة ~~والقدرية "، وقال صلى الله عليه وسلم: «يخرج في آخر الزمان قوم نبزهم ~~الرافضة» # PageV01P147 # قال: حدثنا علي بن محتاج، قال: ح علي بن عبد العزيز قال: ح أحمد بن عبد ~~الله بن يونس قال: ح عمران بن زيد قال: أخ الحجاج بن تميم، عن ميمون بن ~~مهران، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام، يلفظونه فاقتلوهم؛ ~~فإنهم مشركون» وأمثاله كثيرة، ولم تظهر هذه الأهواء إلا بعد ذهاب أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا أمنة للأمة من ذلك حياتهم، والله الهادي # PageV01P148 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P149 # قال: حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، قال: ح أبو عبد الله محمد بن خلف ~~المروزي قال: ح كامل بن طلحة قال: ح عباد بن عبد الصمد، عن أنس بن مالك، ~~رضي الله عنه، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طبقات أمتي خمس ~~طبقات، كل طبقة منها أربعون سنة، فطبقتي وطبقة أصحابي أهل العلم والإيمان، ~~والطبقة الثانية إلى الثمانين أهل البر والتقوى، والطبقة الأخرى إلى ~~العشرين ومائة أهل التراحم والتواصل، والطبقة الأخرى إلى ستين ومائة أهل ~~التقاطع والتدابر، والطبقة الأخرى إلى المائتين أهل الهرج والهرب، ثم تربية ~~جرو في ذلك الزمان خير من تربية ولد» قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه ~~الله: العلم تبين الشيء كما هو، والإيمان التيقن به، وهو التصديق له، ~~فالعلم للقلب بمنزلة البصر للرأس، فما أدركه البصر سمي رؤية، وما أدركه ~~القلب سمي علما، واليقين للفؤاد بمنزلة العلم للقلب، فما أدركه الفؤاد سمي ~~يقينا، والفؤاد داخل القلب وباطنه، والقلب ظاهره، والصدر ساحة القلب، فيجوز ~~أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فطبقتي وطبقة أصحابي أهل العلم ~~والإيمان» أي: هم أرباب القلوب، وأصحاب المكاشفات والمشاهدات؛ لأن العلم ~~بالشيء لا يقع إلا بعد كشوف ذلك المعلوم، فظهوره للقلب، كما أن الرؤية ~~للبصر لا يقع للبصر إلا ms111 بعد ارتفاع الموانع والسواتير بينه وبين المرئي، إذ ~~بعد شهود الفؤاد، كما أن المرئي تعرض فيه الشكوك والخواطر، واليقين شهود ~~الفؤاد للشيء المعلوم، فقد يجوز أن يعلم الشيء ويعترضه فيه الشكوك والخواطر ~~لبعده عن البصر، أو علة تحدث في البصر، وكأن المرئي محدود له كيفية، فإذا ~~شهد الرأي المرئي شهود حضور ولم يحدث في البصر علة رأى الشيء كما هو، ~~فاليقين للعلم بمنزلة الشهود للبصر، فإذا شهد القلب المعلوم، وأبصره بعين ~~الفؤاد الذي هو اليقين زالت عنه العوارض والشكوك، فصدق به، فالعلم صفة ~~للقلب السليم، والقلب السليم هو الذي ليس له ### | [ص: 150] # إلى الخلق نظر، ولا للنفس عنده خطر، ولا للدنيا فيه أثر، قال الله تعالى ~~{إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 89] ، واليقين صفة للفؤاد الشاهد، ~~قال الله عز وجل {أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37] ، قيل: شهيد الفؤاد أي: ~~رأى له قال الله تعالى {ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم: 11] فوصف الفؤاد ~~بالرؤية الحقيقية التي لا يشوبها خاطر شك، ولا عارض ريب، فالعلم والإيمان ~~صفتان للقلوب السالمة، والأفئدة الشاهدة، فدل ذلك على قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «أهل العلم والإيمان» ، أنهم أرباب القلوب السليمة التي كشفت لها ~~أستار الغيوب، حتى صار الغيب لهم شهودا، وأنهم أصحاب أفئدة الشاهدة الحاضرة ~~لما كوشف لها، الموقنة بها، المصدق لها، كأنها لها حاضرة، وهي لها شاهدة. ~~فقد قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا، فكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني ~~أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون، وإلى أهل النار يعذبون , وقال عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما: إنا كنا نتراءى الله تعالى في ذلك المكان يعني في الطواف. ~~وقال علي رضي الله عنه في ابن عباس رضي الله عنهما: كأنه ينظر إلى الغيب من ~~دون ستر رقيق. فهذه أوصاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ليس من ~~عاينهم، فما ظنك بالصديق الأكبر، والفاروق، وذي النورين الأنور، والعلي ~~الأزهري؟ إلى سائر العشرة المشهود لهم، وأصحاب الشجرة المرضي عنهم رضوان ~~الله عليهم أجمعين ms112 # PageV01P149 # قال: حدثنا خلف بن محمد، قال: ح صالح بن محمد قال: ح علي بن الجعد قال: ~~أخ أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن ذر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، رضي ~~الله عنه قال: إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله ~~عليه وسلم خير القلوب، فبعثه نبيا، فاصطفاه لنفسه، واستخلصه، وانبعث ~~بالرسالة، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلب ~~أصحابه خير قلوب العباد. وفي رواية: خير قلوب المؤمنين، فجعلهم وزراء لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم، يقاتلون على دينه، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله ### | [ص: 151] # حسن، وما رآه المؤمنون سيئا فهو عند الله سيئ، وفي بعض النسخ: المسلمون ~~سيئا فهو عند الله سيئ وقوله: «وأهل البر والتقوى» أي أنهم أرباب النفوس، ~~والمجاهدات وأصحاب المعاملات والمكابدات، فالبر هو صدق المعاملة لله تعالى، ~~والتقوى حسن المجاهدة في الله تعالى قال الله تعالى {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: ~~177] إلى قوله {وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] ، فأخبر عز وجل أن البر ~~هو صدق المعاملة لله تعالى، وهذه أوصاف أرباب المعاملات، وقد قال الله ~~تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] ، وقال الله ~~تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} ~~[النازعات: 41] . فهذا حسن التقوى، فكأنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن ~~الطبقة الثانية أنهم أرباب المعاملات، وأصحاب المجاهدات، ووصفه للطبقة ~~الثالثة بالتواصل والتراحم دليل على أنهم عاملوا الله تعالى بواسطة الدنيا ~~في العزوف عنها والترك لها، وواسطة الخلق بالشفقة عليهم والبذل لهم، سخطت ~~الطبقة الثالثة بالنفوس فبذلوها لله تعالى بتحمل أفعاله، وأنصبوها في ~~المثول بين يديه، وأتعبوها بالخدمة له، ولم يبلغوا درجة الطبقة الأولى في ~~مشاهدات القلوب، وسخطت الطبقة الثالثة بالدنيا، فبذلوها لخلق الله تعالى ~~شفقة عليهم، ونظرا إليهم، ولم يبلغوا درجة الطبقة الثانية في بذل النفوس، ~~فكانوا في سخاوة الدنيا على صنفين، ms113 فصنف سخت عليها نفوسهم فتركوها ~~لأربابها، وصنف سخت بها أيديهم، فبذلوها لطلابها، فالصنف الأول أهل ~~التواصل؛ لأنهم لما تركوها وأعرضوا عنها سلموا من التقاطع، إذ كان سبب ~~التقاطع مجاذبة الدنيا بينهم، ومنازعتهم فيها، ومقاتلتهم عليها ### | [ص: 152] # . قال عمر رضي الله عنه: ووقف على من علا، فأخذ من كان معه بالفهم، فقال: ~~ما لكم هذه دنياكم التي تنازعتم عليها، فأخبر أن مجازتها بينهم سبب ~~التقاطع، فتركها لطلابها سبب التواصل. والصنف الثاني: أهل التراحم؛ لأن ~~الدنيا لما حصلت في أيديهم بذلوها شفقة عليهم، ورحمة لهم، فهم أهل التراحم ~~فيما بينهم، فكأنه صلى الله عليه وسلم وصف طبقته وطبقة أصحابه أنهم أرباب ~~القلوب، وأنهم أصحاب المكاشفات والمشاهدات، ووصف الطبقة الثانية: أنهم ~~أرباب النفوس، وأنهم أصحاب المجاهدات والمعاملات، ووصف الطبقة الثالثة: ~~أنهم أهل بذل وسخاء وشفقة ووفاء، والطبقة الرابعة: أهل تنازع وتجاذب، ~~فصاروا أهل تقاطع وتدابر؛ لأنهم لما أقبلوا على الدنيا قطعتهم عن الآخرة، ~~وانقطعت الأخوة التي أوجبها الإيمان بتنابحهم على الدنيا، وتنافسهم فيها، ~~وأدبروا عن الآخرة بإقبالهم عليها # PageV01P150 # قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: ح عبد الصمد بن الفضل، وإسماعيل بن ~~بشر قالا: ح مكي بن إبراهيم قال: ح هشام بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة بن ~~الزبير، عن المسور بن مخرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله ما ~~الفقر أخاف عليكم ولكن أخاف عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من ~~كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» # PageV01P152 # قال: حدثنا محمد بن عبد الله الفقيه، قال: ح أبو يعلى بالموصل قال: ح ~~المؤمل قال: ح أبو الربيع الزهراني قال: ح حماد قال: ح هشام، والمعلا بن ~~زياد، عن الحسن رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أهل الصفة فقال: «السلام عليكم» ، فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «كيف أنتم إذا غدي على أحدكم بقصعة وريح بأخرى، وغدا ~~في حلة وراح في أخرى، وكيف أنتم إذا نجدتم ms114 بيوتكم كما تنجد الكعبة» ، ~~قالوا: يا رسول الله ونحن على الإسلام؟ قال: «نعم» ، قالوا: نحن يومئذ خير، ~~نعطى ونشكر قال: «بل أنتم - يعني اليوم - خير لكم إذا كان كذلك تحاسدتم ~~وتدابرتم وتباغضتم وتنافستم» ### | [ص: 153] # أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن التدابر والتقاطع سببه الدنيا، ~~ومنافستهم فيها. والطبقة الخامسة يصير التقاطع والتدابر من أجلها تهارجا ~~وتقاتلا، حتى تقتل عليها بعضهم بعضا، ويتهاربون ضنا بهم، ويتذابحون حرصا ~~عليها، فتربية جرو خير من تربية ولد؛ لأن الجرو يألف من يربيه، ويحرس ~~صاحبه، ويذب عنه، والولد إذ ذاك ينفر من أبيه، ويقطعه ويجفوه ويخاصمه، بل ~~يقاتله، إذا فتربية جرو يحرسك خير من تربية ولد ينهبك، وتربية من يذب عنك ~~خير من تربية من يثب عليك، ولا حول ولا قوة إلا بالله # PageV01P152 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P153 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل، قال: ح يحيى ~~الحماني قال: ح أبو الأحوص، وأبي عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث ~~بن سويد قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل بدوية مهلكة معه ~~راحلته فأضل راحلته، فطلبها، حتى أدركه الموت، فقال: أرجع إلى مكان رحلي، ~~فأموت فيه، فرجع، فنام، فاستيقظ، فإذا راحلته فوق رأسه عليه طعامه وشرابه " ~~قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: الفرح سرور يكون عقب حزن وكآبة وغم، ~~وأكثر ما ترد لفظة الفرح إنما ترد عقب اهتمام وحزن، وكذلك قالوا ما من ترحة ~~إلا وبعد فرحة، وذكر في الحديث أن الله تعالى يفرح بتوبة العبد، ودل الحديث ~~على الذي قلناه؛ لأن الذي أضل راحلته في دوية مهلكة، فأضل طعامه، وشرابه ~~يكون في غاية من الحزن والأسف والغم، فإذا وجدها سر بذلك غاية السرور، فعبر ~~عن عظم السرور الذي هو بعد عظم الحزن والكآبة والغم، والفرح، ثم كان السرور ~~عبارة عن بسط الوجه، وسعة الصدر، واستنارة الوجه، وإنما قيل سرور؛ لأن ~~المسرور بالشيء يستنير ms115 وجهه، ويرق أسارير وجهه، وهي عروقه، والفرح معظم ~~السرور وغايته، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف الله تعالى بالفرح، فهو صفة ~~الله تعالى على ما يستحقه، ويليق به بخلاف ما يعرف من الخلق، وبخلاف ما يقع ~~تحت أوهامنا، وتدركه عقولنا، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن بسط الرحمة من ~~الله تعالى، وإفاضتها على العبد، وحسن القبول من الله لعبده، وإقباله عليه، ~~وإكرامه له، وبره إياه إذا أقبل عليه العبد، ورجع إليه ### | [ص: 154] # . فمعنى الحديث والله أعلم: إخبار عن كرم الله تعالى وفضله ومحبته لعبده ~~المؤمن، وكرامته عليه، وعظم منزلته عنده، وجليل قدره، ومحله منه، حتى يكره ~~إعراضه، وذهابه عنه، ويحب منه إقباله عليه، ودنوه منه، وإيثاره إياه؛ لأن ~~من أضل راحلته وطعامه وشرابه، ثم أصابها أقبل عليها، وألزمها قربه، وجعلها ~~نصب عينيه، وأوجب على نفسه حفظها، وعماها عما ينفرها عنه، فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الله تعالى لمحبته لعبده المؤمن يكره ذهاب عبده منه، ~~وإعراضه عنه مع غناه، وحاجة عبده إليه، وأنه لا يتركه في عصيانه وإعراضه ~~وذهابه عنه، بل يرده إليه، ويقبل به عليه، وهذا معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «تطلبها» إن شاء الله، وأنه إذا رجع إليه، وأعرض عما سواه، وأقبل ~~عليه قبله الله عز وجل مكرما له، معظما قدره، مقبلا عليه، مرضيا له، وجعله ~~في حفظه، وكنفه، ورعايته، وعصمه عما ينفره عنه، وعما يريد الذهاب به عن ~~غرور الدنيا، ومكايد العدو، وخدع النفس، وفتنة الخلق، ويجعله من خواصه، ~~ويحول بينه وبين ما يرد به، ومن محبته لعبده المؤمن يريد منه إقباله عليه، ~~ومواجهته إياه، ونظره إليه، ولا يتعاظمه ذنبه وإن كثر، وعصيانه له وإن عظم ~~إذا رجع إليه، وأقبل عليه أن يغفر له. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهذا المعنى حيث قال: «الله تعالى يحب المفتن التواب» # PageV01P153 # قال: حدثنا به بكر بن محمد بن حمدان قال: ح محمد بن الفرج الأزرق قال: ح ~~الواقدي قال: ح إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الله ms116 بن أبي سفيان، عن يزيد بن ~~ركانة، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الله تعالى يحب المفتن التواب» والمفتن التواب مقبل على الله ~~مواجه له، راجع في كل وقت إليه، كلما صرفته عنه فتنة ردته إليه توبة، ~~والتوبة هي الرجوع إلى الله تعالى، وكذا الأوبة والإنابة، غير أن التوبة ~~يقال عند الرجوع من المناهي والمعاصي بالاستغفار، والأوبة أكثر ما يقال عند ~~الرجوع من حالة الطاعة إلى الله تعالى بالشكر والحمد، والعبد بين حالتين: ~~حالة طاعة، وحالة معصية، وهما صنفان للعبد، لا يكاد ينفك منهما، والعبد ~~مأمور بالرجوع إلى الله تعالى في كل وقت، وفي كل حال، قال الله تعالى ~~{وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31] ، فمن رجع ~~إلى الله من صفته التي هي المعصية ### | [ص: 155] # فهو تواب، ومن رجع إلى الله تعالى من صفته التي هي الطاعة فهو أواب، قال ~~الله تعالى في قصة أيوب صلوات الله عليه وسلامه {نعم العبد إنه أواب} [ص: ~~44] فالموصوف بالمعصية مأمور بالرجوع إلى الله تعالى بقول: أستغفر الله، ~~والموصوف بالطاعة مأمور بالرجوع إلى الله تعالى بقوله: الحمد لله، وذلك أن ~~من أقام على صفته التي هي المعصية ولم يرجع منها إلى الله تعالى فهو مصر، ~~ومن سكن إلى صفته التي هي الطاعة، ولم يرجع فيها إلى الله تعالى فهو إما ~~مراء أو معجب أو مشرك فمن نظر إلى الخلق في حال الطاعة فهو مراء، ومن نظر ~~إلى نفسه فهو معجب، فمن أراد بها عوضا غير الله تعالى فهو مشرك، ومن نظر من ~~حال المعصية إلى الله تعالى بالخوف والرهبة والحياء فرجع إلى الله بالندم ~~والاستغفار فهو حبيب الله، قال الله عز وجل {إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين} [البقرة: 222] ، ومن نظر إليه في حال الطاعة برؤية المنة وشهود ~~التوفيق بالشكر له، والثناء عليه، فهو حبيب الله، محسن، قال الله عز وجل ~~{والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134] ، وفي هذا دليل على ms117 محبة الله ~~للمؤمن؛ لأن المحب يحب إقبال محبوبه عليه، ونظره إليه، ويكره إعراضه عنه، ~~واشتغاله بسواه بدونه، ونظره إلى غيره، فالله عز وجل من محبته لعبده المؤمن ~~يكره له نظره إلى غيره واشتغاله بسواه، وإن كان فيما أمر به وندب إليه ويحب ~~له رجوعه وإقباله عليه، وإن كان فيما نهى عنه وزجر منه، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما يروي عن الله عز وجل: «عبدي إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ~~لقيتك بمثلها مغفرة» ، قال الله تعالى {يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ~~وأنيبوا إلى ربكم} [الزمر: 54] الآية # PageV01P154 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: ح معلى بن منصور، عن ليث بن سعد، عن محمد بن قيس ### | [ص: 156] # ، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم أو بخلق يذنبون فيغفر ~~لهم» دل هذا الحديث على ما قلناه من محبة الله تعالى للمؤمن؛ لأنه إذا أذنب ~~اعتذر إليه، وتاب، وأقبل عليه، وتضرع واستكان، وعلق له، فالله تعالى يحب ~~هذا من العبد، وخبايته لا تقدح في محبته له؛ لأن الخباية من العبد، والمحبة ~~من الله تعالى له، ولا تقدح أوصاف المحدث الضعيف الحقير في أوصاف القديم ~~اللطيف الخبير # PageV01P155 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P156 # قال: حدثنا بكر بن حمدان المروزي، قال: ح أحيد بن الحسين البامباتي الشيخ ~~الصالح قال: ح عبد الله بن الجراح قال: ح عبد الملك بن عمرو، عن سفيان بن ~~سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان منها لله» ~~قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله: يجوز أن يكون معنى الدنيا في ~~هذا الحديث ملاذ النفوس، وشهواتها، وجميع حطامها، وزهراتها، وما ذكر في ms118 ~~قوله عز وجل {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة ~~من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: 14] ، وحب ~~البقاء فيها، فتكون هذه الأشياء هي الملعونة إذا كانت للنفوس وشهواتها ولذة ~~الطبع ### | [ص: 157] # ، والتلهي بها، والشغل فيها، والحب لها، ولم تكن لله تعالى ولا فيه؛ لأن ~~الدنيا في الحقيقة هي الحياة الأولى التي يليها الموت والفناء، والآخرة هي ~~الحياة الباقية، التي ليس لها زوال ولا فناء ويجوز أن يكون معنى قوله: ~~«الدنيا ملعونة» أي: مرفوضة متروكة، وما فيها أي: ما في الحياة الأولى من ~~هذه الشهوات، والملاذ، والحطام، وما ذكر في الآية ملعون، أي: متروك يجب ~~تركها، ورفضها، والإعراض عنها، فإن الله عز وجل على هذا حث، وإليه ندب، ~~وفيه رغب، وعنها زهد، فقال الله عز وجل {إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء} [يونس: 24] ، وقال {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} ~~[محمد: 36] ، وقال الله تعالى {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} [لقمان: 33] ، ~~وقال تعالى {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7] روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: أيكم أحسن للدنيا تركا، وعنها إعراضا، واللعن عند العرب الترك، ~~والملعون المتروك، كذا قال بعض أهل اللغة، وأنشد يصف المغارة: # [البحر الكامل] # غورية نجدية تصعيده ... تصويبه متشابه ملعون # يصف طريقا ترك سلوكه، حتى اشتبه، وصار ما ارتفع منه وانخفض شيئا واحدا , ~~فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة» أي: متروكة يجب تركها ~~إلا ما كان منها لله، وهو ما كان عدوه لطاعة الله عز وجل، وعونا على إقامة ~~ما أمر الله به، ويجوز أن يكون معنى قوله: «متروك» أي: هي متروك الأنبياء ~~والأولياء والأفاضل من الناس، فإنهم تركوها، ورفضوها، وأعرضوا عنها # PageV01P156 # فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لهم الدنيا ولنا الآخرة، وما أنا ~~والدنيا أو ما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب نزل تحت شجرة، ثم سار ~~وتركها» قال: حدثنا محمد بن حبان، قال: ح الحسن بن سفيان قال: ح أبو سعيد ~~يحيى بن سليمان الجعفي قال: ح ms119 عمرو بن عثمان بن عثمان بن أبي سعيد الجعفي ~~قال: ح عمي أبو مسلم عبيد الله بن سعيد بن مسلم الجعفي، عن الأعمش، عن ### | [ص: 158] # حبيب بن أبي ثابت، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله بن مسعود، رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك # PageV01P157 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P158 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: ح أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي يحيى مولى جعدة بن هبيرة، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله فلانة تصوم النهار، وتقوم ~~الليل، وتؤذي جيرانها قال: «هي في النار» ، قالوا: يا رسول الله فلانة تصلي ~~المكتوبات، وتصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها قال: «هي في الجنة» # PageV01P158 # قال: حدثنا حاتم، قال: يحيى قال: ح يحيى قال: ح عيسى بن يونس، عن الأعمش، ~~عن أبي صالح فيما نعلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن فلانا يصلي الليل كله، فإذا أصبح سرق قال: «سينهاه ما يقول» ~~قال الشيخ الإمام المصنف رحمه الله: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ~~علم من التي تؤذي جيرانها إعجابا بعملها من صوم نهارها، وقيام ليلها، وأنها ~~إنما كانت تؤذي جيرانها ازدراء بهم، وتصغيرا لهم، وتحقيرا إياهم برؤية ~~الفضل لها عليهم، فاستوجبت النار بذلك، والذي كان يقوم الليل ويسرق إذا ~~أصبح ينظر إلى نفسه بعين التقصير، ويعلم أن ما يأتيه من السرقة معصية يجب ~~عليه التوبة منها، والرجوع عنها، وأن قيامه بالليل لرؤية افتقاره إلى الله ~~تعالى وطلبا للخلاص مما يرى أنه لو يستوجب بسرقته هذا من الذين خلطوا عملا ~~صالحا وآخر سيئا، وقد أوجب الله تعالى التوبة عليهم بقوله عز وجل {عسى الله ~~أن يتوب عليهم} [التوبة: 102] ، وعسى من الله ### | [ص: 159] # واجب، وأما التي تؤذي جيرانها، فإنها لا ترى أذاها منها لهم معصية، فترى ~~عليها توبة منها؛ لأنها إنما كان أذاها لجيرانها على معنى استدعائها ms120 منهم ~~تعظيما، ورفع قدرها، وتحمل مؤنها لرؤية الفضل لها عليهم، فباينها موتها وهي ~~مصرة، فتستوجب النار , فيجوز أن تكون المؤذية جيرانها إنما أعجبت بصلاتها ~~وصيامها، أحبط أعمالها إعجابها، فلم يحصل لها عمل يعود ببركته عنها، ~~فينهاها عن إيذائها جيرانها، والذي يسرق إذا أصبح حصل له عمله افتقاره إلى ~~الله تعالى، وإشفاقه على نفسه، فعادت بركة ما حصل له من صالح عمله الذي ~~خلطه بسيئه، فنهاه صالح عمله عن سيئه # PageV01P158 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P159 # قال: حدثنا محمد بن عمر المعدل، قال: ح أحمد بن عبد الله بن مالك قال: ح ~~إسحاق بن إبراهيم الشامي قال: أخ علي بن حرب الموصلي قال: ح موسى بن داود ~~الهاشمي قال: ح ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عامر بن عبد ~~الله بن الزبير، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف، وجهاد ~~المرأة حسن التبعل، الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، من أيقن بالخلف جاد ~~بالعطية، حصنوا أموالكم بالزكاة، ما عال امرؤ اقتصد، التقدير نصف العيش - ~~وفي رواية: نصف المعيشة - والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال ~~أحد اليسارين، من أحزن والديه عقهما، من ضرب يده عند المصيبة حبط عمله، لا ~~يكون الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين كما لا تصلح الرياضة إلا في النجيب، ينزل ~~الرزق على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن قدر رزقه الله ~~تعالى، ومن بذر حرمه الله تعالى، الأمانة تجر الرزق، والخيانة تجر الفقر، ~~ولو أراد الله تعالى بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا، فهذه أحد وعشرون ~~خصلة، وهي من جوامع الكلم " قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله: قول ~~صلى الله عليه وسلم: «الصلاة قربان كل تقي» ، من أفضل الأعمال المقربة إلى ~~الله تعالى، قال الله تعالى {واسجد واقترب} [العلق: 19] ### | [ص: 160] # وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى ms121 ~~إذا قال في سجوده: رب ظلمت نفسي، فاغفر لي "، والتقي تقيان: تقي على ~~الإطلاق، وتقي على التقيد، فمن اتقى الله في سره وعلانيته، وبذل مجهوده في ~~أداء فروضه، واجتناب مناهيه، فهو تقي على الإطلاق، ومن لم يستكمل هذه ~~الخصال، واتقى الشرك، فهو تقي على التقيد، فالتقي المطلق مقبول عمله، فعمله ~~قربة له، فصلاة هذا التقي على الإطلاق لقوله تعالى {إنما يتقبل الله من ~~المتقين} [المائدة: 27] ، ومن قبل عمله فعمله قربة له، فصلاة هذا التقي له ~~قربان من غير شرط؛ لأنه وعد من الله، والله لا يخلف الميعاد، والتقي المقيد ~~هو الذي يقال له: اتق الشرك يقيد له قبول عمله بالمشيئة، فإن قبلت صلاته ~~كانت صلاته قربانا، وإن ردت عليه لم تكن، فالصلاة قربان كل تقي مطلق على ~~الإطلاق لا محالة وعدا من الله صدقا، ويجوز أن يكون قربان من اتقى الشرك أن ~~قبل الله تعالى صلاته فضلا من الله ورحمة. ويجوز أن يكون معنى قوله: ~~«الصلاة قربان كل تقي» أي: أن الصلاة من التقي المعدم تقوم مقام الضحايا ~~والنسائك؛ لأن التقي إذا وجد تقرب إلى الله بكل وجه، فهو يتقرب إلى الله ~~تعالى بكل وجه، فهو يتقرب إلى الله تعالى بالضحايا، والنسائك، والصدقات، ~~وإن لم يجد كانت تلك بنية أن وجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن ~~العبد يهم بالحسنة فتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت له عشرا: ". فهذه صلاته ~~تقوم له مقام القرآن؛ لأنه بذل مجهوده في التقرب إلى الله تعالى. وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «الحج جهاد كل ضعيف» الجهاد تحمل الآلام بالبدن والمال دون ~~بلوغ أقصى الغاية فيه إذ فيه بذل الروح وكل المال، قال الله تعالى {إن الله ~~اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون} [التوبة: 111] ، ومن ضعف عن هذا الجهاد لزمانة أو عذر ~~فالحج له جهاد، إذ فيه تحمل بعض الآلام، وبذل بعض المال، وحسن التقبل من ~~المروءة تحمل الآلام فيما تكرهها وتشق عليها، فهو منها ms122 جهاد إذ لا جهاد ~~عليها، جهاد قتل ### | [ص: 161] # . وقوله: «الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر» والرامي بلا وتر متمن للترمي، ~~وليس برام، إذ لا يمكنه الرمي من غير وتر، فكأنه يتمنى أن يرمي، فإن عزم ~~على الرمي وأراده أعد الوتر ثم رمى، فكذلك الداعي من غير عمل متمن بلوغ ما ~~يدعو فيه، وليس بمريد لما يدعو فيه، ولا عازم على الطلب له، فإن صحت إرادته ~~لما يدعو فيه عزم على الطلب له، وعزيمته عليه عمل صالح يقدم بين يدي دعوته. ~~وقوله: «من أيقن بالخلف جاد بالعطية» الخلف خلفان: ثواب في الآجل، وعوض في ~~العاجل، والله عز وجل وعدهما جميعا {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير ~~الرازقين} [سبأ: 39] ، فهذا في عوض العاجل، وقال عز وجل {مثل الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن يشاء} ، فهذا في ثواب الآخرة، وعوض العاجل أن يخلف الله عليه ~~عشرة لواحدة، لقوله عز وجل {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: ~~160] ، أو يبارك له في الباقي، فيقوم الواحد مقام العشرة، وينوب الواحد ~~مناب عشرة، فمن شاهد هذين الخلفين ببصر قلبه أسرع إلى العطية؛ لأن اليقين ~~بصر القلب. وقوله صلى الله عليه وسلم: «حصنوا أموالكم بالزكاة» . للمال ~~مستحقان المساكين والحوادث، فالطالب بحق المساكين هو الله تعالى، والحوادث ~~يأتي بها الأقدار، وهي يد الله تعالى، والمؤدي حق المساكين مرض لله عز وجل ~~لمحو الله ما يشاء ويثبت، أو يجريها على وقوع الحوادث فجعلها بهذه، وقد قال ~~الله عز وجل {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] ، ويخلف منها، ~~ويلهم الصبر عليها، ويعظم الثواب فيها، فالزكاة حصن لها إن بقيت عنده، وهي ~~لها أحصن إن حصلت عند الله تعالى. قوله: «ما عال امرؤ اقتصد» يجوز أن يكون ~~معنى قوله اقتصد أي: قصد فيكون معناه: من قصد الله عز وجل بالثقة به ~~والتوكل عليه لم يحوجه إلى غيره، بل قام بكفايته، وسد خلته، فقد قال ms123 الله ~~تعالى {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] ، وقال تعالى {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 3] ، يجوز أن يكون ~~معناه: من يتق الله في الإقبال عليه والإعراض عن من سواه يجعل له متسعا، ~~ويرزقه عمن عنده وقال النبي صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 162] # : «لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير» الخبر، فمن ~~قصد الله تعالى بالتوكل عليه، والثقة به لم يصبه عيلة، والعيلة اختلال ~~الحال، والحاجة إلى الناس. وقوله: «التقدير نصف العيش» ، كمال العيش شيئان: ~~مدة الأجل، وحسن الحال في هذه المدة، والتقدير هو التوسط بين التقتير، ~~والتبذير، قال الله عز وجل: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} ~~[الفرقان: 67] ، وحسن الحال مهنأ ما يمكنه في عاجله، والمسرف يحرم ثواب ~~نفقته في أجله، والبركة في عاجله، ونبوات البركة، والمهنأ فوات حسن الحال، ~~وبحصولهما حصول حسن الحال، وحسن الحال أحد نصفي العيش، وكماله استكمال مدة ~~الأجل. وقوله صلى الله عليه وسلم: «التودد نصف العقل» ، إقامة العبودية لله ~~تعالى، وحسن المعاملة مع خلق الله تعالى، فإقامة العبودية لله تعالى شيئان: ~~الوفاء في الأمر بالأداء، والرضا في الحكم والقضاء، وحسن المعاملة كف ~~الأذى، وبذل الندى، ومن كف أذاه، وبذل نداه، وده الناس، فكأنه من أحسن ~~معاملة خلق الله، فقد جاز نصف العقل، فإن أقام العبودية لله عز وجل استكمل ~~جميعه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الهم نصف الهرم» ، ضعف ليس وراءه قوة؛ ~~لأنه انحلال القوى، وهي إذا انحلت لم تنعقد، والهم يضعف ضعفا، يجوز أن يكون ~~وراءه قوة ما لم تحل القوى، فإذا حل الهم القوي، فهو الضعيف الذي ليس وراءه ~~قوة، فإن لم يحلها، وزال الهم عادت القوة، والهم إذا نصف الضعف الذي جميعه ~~انحلال القوى، وفسادها. وقوله صلى الله عليه وسلم: «قلة العيال أحد ~~اليسارين» اليسار: خفض العيش، واليسر فيه، وهو زيادة الدخل على الخرج، أو ~~وفاء الدخل بالخرج، فمن كثر دخله، وقل، أو كثر عياله، فضل له من دخله، ms124 أو ~~وفى دخله بخرجه، ومن قل دخله، وقل عياله، وفى دخله بخروجه، أو فضل من دخله، ~~وخفض عيشه، ويسر ### | [ص: 163] # . وقوله: «من أحزن والديه فقد عقهما» العقوق قصد الجفا للأبوين، وفي ~~الجفا لهما إدخال الألم عليهما، والحزن ألم، فمن أحزنهما من غير قصد ~~الجفاء، فقد آلمهما، والألم عقوق. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ضرب يده ~~عند المصيبة فقد حبط عمله» ، ثمرة العمل ثوابه، وثواب المصيبة في الصبر ~~عليها، قال الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] ~~، وضرب اليد عند المصيبة جزع، ومن جزع عند المصيبة لم يستحق الأجر، فالجزع ~~مبطل ثواب المصيبة، ومن فاته الثواب على عمله فقد حبط عمله. وقوله: «لا ~~يكون الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين كما لا تصلح الرياضة إلا في النجيب» ، من ~~الدواب، وما ليس بنجيب فلا تقع فيه، فرياضة لا تفيد معنى، ويتعب الرايض، ~~والغرض من الصنيعة ثواب الآجل، وشكر العاجل، فمن قصد بصنيعته ثواب الآجل ~~اصطنع إلى ذي الدين، فصان به دينه، فيعظم ثوابه، ومن قصد شكر العاجل اصطنع ~~إلى ذي حسب، فصان به عرضه، فحسن شكره، ومن اصطنع إلى غير هذين، فكأنه يقصد ~~الغرض من الصنيعة إذ لم يصبن بها دنيا، ولا عرضا، ومن لم يصبن بالصنيعة ~~دينه، ولا عرضه، فكأنما لم يصطنع. وقوله: «ينزل الرزق على قدر المؤنة» ، أن ~~الله تعالى جعل لكل ذي روح رزقا من غداه، أو ملك، أو جميعهما، فمن حصل عنده ~~ذوو الأرواح حصل له أرزاقهم. وقوله: «ينزل الصبر على قدر المصيبة» صفة ~~الإنسان الجزع، قال الله تعالى: {إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ~~وإذا مسه الخير منوعا} [المعارج: 19] ، فمن جوهره، وصفته الجزع، وأما الصبر ~~فبالله يكون. قال الله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} [النحل: 127] ، ~~فمن عظمة مصيبته ينزل الصبر على قدرها، وفيه تنبيه للصابر إن صبر على عظم ~~مصيبته بالله تعالى، لا به. وقوله: «من قدر رزقه الله تعالى، ومن بذر حرمه ~~الله تعالى قليل النفقة» ، في المعصية تبذير، وكثيرها ms125 في ضياعه تقدير، فمن ~~أطاع الله تعالى، فوضع النفقة في حقها اتقاه، ومن اتقاه رزقه من حيث لا ~~يحتسب، ومن لم يطع الله تعالى، فأنفقه في غير حقه، فقد ### | [ص: 164] # عصاه، ومن عصاه لم يخلف عليه في الدنيا، ولا استحق الثواب في العقبى، فقد ~~حرم المبذر ثواب الآجل، وخلف العاجل، ورزق المقدر الخلف في العاجل، والثواب ~~في الآجل. وقوله: «الأمانة تجر الرزق» ، الأمانة ذم الجوارح، وكف النفس عن ~~الشهوات، وهو التقى، والتقي مرزوق؛ لأن الأمانة تستجلب القلوب إلى نفسه، ~~والجناية تنفرها، والجناية تجر الفقر، والجناية تضييع الجوارح، وانهماك في ~~الشهوات، والفقر والحاجة إلى غير الله تعالى، وتضييع الجوارح، ومتابعة ~~الشهوات إعراض عن الله تعالى، ومن أعرض عن الله تعالى أقبل على غير الله، ~~ومن أقبل على غيره افتقر؛ لأن من دون الله فقير، قال الله تعالى: {يا أيها ~~الناس أنتم الفقراء إلى الله} [فاطر: 15] وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو ~~أراد الله تعالى بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا» ، النمل مساكنها تحت ~~الأرض، واحترازها عن الآفات، وفي لزوم مسكنها، فإذا ظهرت على وجه الأرض ~~تعرضت للآفات، قال الله عز وجل: {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ~~لا يحطمنكم سليمان وجنوده} [النمل: 18] ، فإذا نبت لها جناح نهضت للطيران ~~على ضعف، فسقطت في ماء، فغرقت، أو في نار واحترقت، أو في فم طائر فابتلعها، ~~أو بعدت عن مساكنها، فلم يهتد إليها، وفي هذا فسادها وهلاكها. ويجوز أن ~~يكون مثلا لكل متعد طوره، ومجاوز قدره بنظره إلى نفسه بقوة يحدثها الله ~~تعالى له من عمر، أو آلة. قال الله عز وجل: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} ~~[آل عمران: 178] ، وقال الله عز وجل: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55] وقوله: «لو أراد الله ~~بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا» ، دليل على بطلان القول بالأصلح، وأن ~~الله تعالى يفعل بمن شاء ما شاء من صلاح، أو غيره، ولا يسأل عما يفعل، وهم ~~يسألون # PageV01P159 ### | ### | حديث آخر ms126 # # PageV01P165 # قال: حدثنا محمد بن محمد الأزهري، قال: ح محمد بن يوسف قال: ح سهل بن ~~حماد أبو عتاب قال: ح المختار بن نافع قال: ح أبو حبان التيمي، عن أبيه، عن ~~علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«رحم الله عثمان تستحيه الملائكة» قال الشيخ الإمام العارف رحمه الله: كان ~~عثمان رضي الله عنه مقامه مقام الحياء، والحياء نزع يتولد من إجلال من ~~يشاهده، وتعظيم قدره، ونقص يشاهده من نفسه، فكأنه رضي الله عنه غلب عليه ~~إجلال الحق عز وجل، وتعظيمه، وازدراء بنفسه، ونظر إليها بعين النقص، ~~والتقصير، وهما جليل خصال العباد الذين هم خصصاه، ومن قربه الحق عز وجل إلى ~~نفسه، وأدنى منزلته منه، فجل قدر عثمان، وعلت رتبته، فاستحيا منه خاصة الله ~~تعالى من خلقه، وخصائصه من عباده، كما أن من أحب الله تعالى أحبه أولياؤه، ~~ومن خاف الله تعالى خافه كل شيء، فقد جاء في الحديث: " إن الله تعالى إذا ~~أحب عبدا أمر مناديا ينادي في أهل السموات: ألا إن الله تعالى أحب فلانا، ~~فأحبوه "، فمن أحبه الله، أحب الله عز وجل، ومن أحب الله عز وجل، أحبه ~~خاصته، وأولياؤه، فكذلك قيل: من خاف الله تعالى خافته المخاوف، وفي الحديث: ~~" إن النار تقول: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي " ### | [ص: 166] # فكذلك من استحيا من الله عز وجل استحيا منه خاصة الله عز وجل، وخالصته من ~~خلقه، ألا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه عثمان رضي الله ~~عنه، وفخذه مكشوفة، غطاها حياء من عثمان، وقال: «ألا استحي ممن تستحي منه ~~الملائكة» . والحياء حياءان: حياء من الله تعالى، وحياء من الناس، فالحياء ~~من الله تعالى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه فيما # PageV01P165 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح ~~مروان بن معاوية، ويعلى بن عبيد، عن أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن ~~مرة، ms127 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «استحيوا من الله تعالى حق الحياء» ، قلنا: يا رسول الله إنا نستحي ~~قال: «ليس ذلك، ولكن من استحى من الله تعالى حق الحياء، فليحفظ الرأس وما ~~حوى، وليحفظ البطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة، فليترك ~~زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحى من الله تعالى حق الحياء» قال الشيخ ~~الإمام الزاهد رحمه الله: فهذا الحياء من الله تعالى، وسنفسره فيما بعد إن ~~شاء الله تعالى، أما الحياء من الناس، فهو أن يتحصن عن إتيان ما يشينه، وهو ~~يجمع الأخلاق الحسنة، ويحجز عن مساويها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح، فاصنع ما شئت " ### | [ص: 167] # وقال: «لكل دين خلق، وإن خلق الإسلام الحياء» ، وذلك لأن حقيقة الإسلام ~~حسن الخلق، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~خلقا» ، إذا فالحياء ترك القبائح، والسيئات، وإتيان المحاسن، والخيرات، ~~وهذا خلق الإيمان، والإسلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء ~~خير كله» # PageV01P166 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P167 # قال المصنف رحمه الله: جاء عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: ح محمد بن ~~منصور البلخي، والفضل بن عمير المروزي قال: ح أبو الوليد الطيالسي قال: ح ~~أبو عوانة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «من آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ~~فادعوا له، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن دعاكم ~~فأجيبوه» قال الشيخ رحمه الله: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمكافأة من ~~آتى إليك معروفا، والمكافأة مقابلة بمثل ما أتي به إليك؛ لأن المكافأة هي ~~المساواة، ومن آتى إليك من الناس معروفا فاصطنع إليه صنيعة؛ فإنه محتاج إلى ~~مثل ما آتى إليك كحاجتك ### | [ص: 168] # إلى ما اصطنع عندك؛ لأن اصطناعه إليك في نفع يجره إليك، أو ضر ms128 يدفعه عنك، ~~أو خلة يسدها لك، وهو ذو خلة مثلك، ومحتاج إلى دفع ونفع كانت، فإن قابلته ~~بمثله آتيت إليه بمثل ما آتى إليك، فقد ساويته، والنعمة لله عليك في الإذن ~~له باصطناع المعروف إليك، فالمنعم عليك بها هو الله سبحانه، والشكر لله ~~عليك فرض واجب، والشكر رؤية النعمة من المنعم، والتزام العبودية لله تعالى ~~بالطاعة، فيما أمر ونهى، والحمد له بالثناء عليه، والاعتراف برؤية التقصير ~~في شكره، لأن شكرك لله نعمة من الله عليك، يجب عليك شكرها، وهذه ليست لها ~~غاية، ولا حد، فالاعتراف بالتقصير لازم فيه، فحق الله فيه الشكر له على هذه ~~الشريطة، ومن المصطنع مكافأته بمثله، فإن عجزت عن مكافأته، فالإحالة على ~~الله، وهو الدعاء له، فكأنك تقول: أنا عاجز عن مكافأته، وأنت عليه قادر، ~~فكافئه عني، وجازه به وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، " إذا قال ~~لأخيه: جزاك الله خيرا، فقد بلغ في الثناء " # PageV01P167 # حدثناه محمد بن عمر البحيري، قال: ح أبو مسلم الكجي قال: ح سعيد بن ~~سليمان العطار قال: ح موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن ثابت، عن أبي ~~هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا قال ~~الرجل لأخيه: جزاك الله خيرا، فقد بلغ في الثناء " وقوله: «من سألكم من ~~الله فأعطوه» ، إجلالا لله تعالى، وتعظيما له، وإيجابا لحقه. قال الشيخ ~~الإمام رحمه الله: فيجوز أن يحمل معناه على معنى: من سألكم في الله فأعطوه، ~~فيكون الباء بمعنى في، أي من سألكم في طاعة الله، وفي إقامة أمره، وفي ~~إظهار منار الدين، وسبل الخير، فأعطوه، وليس يجب إعطاء السائل إذا كان في ~~معصية، أو فضول ### | [ص: 169] # . فمن سأل بالله فيما ليس عليه ولا عليك فريضة، فأعطاك إياه لإجلال حق ~~الله، وتعظيمه، وليس عليك بفرض ولا حتم من سأل فيما وجب عليك، وعلى السائل ~~فرض، فإعطاؤك إياه فرض عليك، ولازم لك لا يجوز منعه. وقوله: «ومن استعاذكم ~~بالله» عند ضرورة حلت به، أو ظلم لحقه، ms129 فأعيذوه، فإن إغاثة الملهوف فرض ~~واجب، والإعاذة، وإعطاء السائل من فروض الكفاية التي يسقط عنك إذا قام به ~~غيرك. وقوله: «ومن دعاكم فأجيبوه» ، يجوز أن يكون معناه: من دعاكم ~~للاستعانة بكم يجوز إعانته فأجيبوه، كما قال تعالى: {وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ويجوز أن يكون ~~معناه: من دعاكم إلى طعام، فأجيبوه كما # PageV01P168 # حدثناه حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح حفص قال: ح هشام، عن ابن ~~سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، رفعه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام ~~فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما، فليدع» ، وفي رواية: «فليصل» ~~قال الشيخ الإمام رحمه الله: فهذا يتجه إلى وجهين: أحدهما: أن من دعي إلى ~~طعام تكلف الداعي له، وكان المقصود فيه المدعو، فعليه إجابته، ولا يسعه ~~التخلف عنه، لأن فيه إضرارا بالداعي، وربما أحزنه، ولا يجوز إضرار المؤمن، ~~ولا تحزينه. وإن كان المقصود غيره، والتكلف سواه، وسع التخلف، إن شاء الله ~~تعالى # PageV01P169 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P170 # قال المصنف رحمه الله قال: حدثنا محمد بن أحمد بن معروف قال: ح أبو عبد ~~الله بن أبي حفص قال: ح مسلم بن إبراهيم قال: ح الربيع بن مسلم، قال الشيخ ~~الإمام المصنف رحمه الله: وحدثنا الرشادي قال: ح محمد بن الضوء قال: ح محمد ~~بن كثير قال: ح الربيع قال: ح محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» ~~قال الشيخ رحمه الله: نعم الله على عباده لا تحصى، قال تعالى: {وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها} [النحل: 18] ، فمن نعمه ما تفرد منها، ومنها ما جعل ~~بينه، وبين المنعم عليه وسائط، وأسبابا، وأوجبه حق الوسايط، وتعظيم ~~الأسباب، فأول ذلك الرسل والأنبياء عليهم السلام، أوجب الله تعالى الإيمان ~~بهم، والطاعة لهم، ولرسوله إن كنتم مؤمنين، فهم الوسايط فيما بين الله، ~~وبين خلقه في الدعاء إليه، والدلالة عليه، والسفراء بينه وبينهم ms130 في البلاغ ~~عنه، وإيجاب الأوامر، والنواهي، والهداية إلى الله تعالى , ليس إلى الرسل ~~غير البلاغ والبيان، كما قال: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: ~~54] ، وقال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56] ثم ~~قال {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52] ، أي: إنك لتدعو إلى صراط ~~مستقيم، وأوجب حق الوالدين بقوله {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: ~~14] ، إذ جعلهما سبب الإيجاد للولد، وأوجب حق العلماء، أو جعلهم سببا لما ~~علمهم، والمعلم في الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى: {ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون} [البقرة: 151] ، وقال الله تعالى: {الرحمن علم القرآن} [الرحمن: 2] ~~، وأوجب حق السلطان إذ جعلهم سببا للأمن في بلاده، والحكام بين عباده، ~~فقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] ، قيل: ~~هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، ولكل حق واجب، وفرض لازم ### | [ص: 171] # ، فكذلك إذا أنعم الله تعالى عليك بواسطة عبد من عباده في نفع لك أو دفع ~~عنك، أوجب عليك شكره، والمنعم في الحقيقة هو الله تعالى، قال الله تعالى ~~{وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53] فوجب عليه الشكر لله تعالى فيما ~~أنعم به عليك، ووجب عليك شكر من جعله سببا لنعمة النفع والدفع، كالشكر لله ~~تعالى، أوله رؤية النعمة بالقلب من الله تعالى. قال محمد بن علي الترمذي ~~رحمه الله: الشكر انكشاف الغطاء عن القلب لشهود النعمة، والكثير انكشاف ~~الشفتين عن الأسنان لوجود الفرج، فالشكر رؤية القلب النعمة من الله تعالى، ~~والثناء عليه باللسان، والطاعة له بالأركان، ثم الاعتراف برؤية التقصير عن ~~بلوغ شكره؛ لأن الشكر نعمة منه يجب الشكر عليها، وحقيقة ذلك الحيرة منك، ~~وشهود حاصل الشكر عليك قال بعض الكبار: # [البحر الطويل] # سأشكر لا أني أجازيك منعما ... بشكري ولكن كي يقال له: شكر # وأذكر أياما لدي أضعتها ... وآخر ما يبقى على الشاكر الذكر # وقال بعض الكبار في مناجاته: اللهم إنك تعلم عجزي عن شكرك، فاشكر نفسك ~~عني. فغاية الشكر رؤية العجز عن القيام بالشكر بعد بذل المجهود في أسباب ~~الشهود، ms131 والقيام بالوفاء، والاستهتار بالثناء، وشكر من جرت النعمة على يديه ~~بالمكافأة له، والثناء عليه. ومعنى الثناء نشر الجميل عنه، وحسن الدعاء له، ~~فمن قدر كافأ، ومن عجز دعا، والمكافأة مع القدرة، والدعاء عند العجز أيسر ~~الشكرين: شكر الله تعالى، وشكر العباد، ومن ضيع شكر العباد الذي هو أيسر ~~الشكرين، كان بشكر الله تعالى الذي هو أعظمهما قدرا، وأعسرهما مراما أضيع، ~~فكأنه قال: لا يكون قائما بشكر الله مع عظم شأنه من لم يقم بشكر الناس مع ~~حقه مجمله. ويجوز أن يكون معناه على التنبيه على رؤية العجز عن القيام بشكر ~~الله سبحانه وتعالى فيما أنعم لمعان , ### | [ص: 172] # أحدها: أن المعروف الذي يصطنعه الناس، وإن كثر فمعدود متناه، ونعم الله ~~تعالى لا تحصى عدا، ولا تتناهى حدا، والإنسان وإن كافأ المصطنع إليه، ~~فللمصطنع فضيلة السبق، ولم يدركه المكافئ أبدا، فكأنه قال: لا يشكر الله ~~تعالى، أي: لا يقدر على شكر الله تعالى في نعمه التي لا تحصى من لا يقدر ~~على شكر الناس في المعروف المحدود، المعدود، المحصى # PageV01P170 # وحدثنا محمد بن عبد الله بن يوسف العماني، قال: ح أبو إسحاق إبراهيم بن ~~هاشم البغوي قال: ح الأزرق بن علي قال: ح حسان قال: ح عبد المنعم بن نعيم ~~أبو سعيد قال: ح الحريري، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشكر الناس لله تعالى أشكرهم ~~للناس» قال الشيخ رحمه الله: فمعناه أن من القيام بشكر الله تعالى على قدر ~~الوسع، والطاقة بذل المجهود فيه، والحد بمطالبته الشكر لله من نفسه في طلب ~~مرضاته والوفاء بما أمر، ونهى، حتى يعفى به الأمر إلى بذل المجهود في شكر ~~الناس لإيجاب الله ذلك له، فمن كان للناس أشكر كان في إيفاء حق الشكر لله ~~تعالى من نفسه أسعى # PageV01P172 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P172 # قال المصنف رحمه الله حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح أبو ~~إسحاق هو حازم بن حسين الحميسي، ms132 عن يزيد يعني الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «أما قريش ~~فاستبقوهم، فإن لله فيهم حاجة، وأما سائر الناس، فحرروهم» قال الشيخ رحمه ~~الله: يجوز أن يكون معنى قوله: «لله تعالى فيهم حاجة» ، أي خصائص، ونجباء، ~~وفيهم كرائم، وفضائل فيما علمه منهم، وغرزه فيهم، وأودعها إياهم، وأنهم لم ~~يهونوا عليه، فلما كانت قريش خيرة الناس، فقد أخرج الله تعالى منها كل خبث ~~كان فيها، وكل خبيث كان منهم في المواطن التي أهلك الله منهم فيها خبيثهم # PageV01P172 # ، كانت البقية هم الذين لله فيهم حاجة على ما قال صلى الله عليه وسلم، ~~أي: هم صفوة من بقي، ومن ورائهم الخير ممن هداهم للإيمان، وطهر قلوبهم، ~~وصفى أسرارهم، وأدناهم منه، وقربهم إليه، وإن أبطأ بهم القوت، وتأخرت بهم ~~المدة , ألا يرى أنه لم يكن منهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم منافق، ~~ولا بعد موته منهم مرتد، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد ~~العرب، أو أكثرها، ولم ترتد قريش، ولا أحد منهم على كراهتهم في الدخول في ~~الإسلام، ونأى بهم عنه المدة الطويلة، وتربصهم بعد الفتح، حتى جعل لهم مدة ~~أربعة أشهر، قال تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] ، وكان ~~صفوان بن أمية منهم، ثم أسلم وحسن إسلامه، وعكرمة بن أبي جهل ذهب على وجهه ~~فرارا من الإسلام، كراهة له، حتى بلغ البحر، وله قصة، ثم بلغ من حسن إسلامه ~~أنه كان إذا نشر المصحف يقول: هذا كلام ربي، فيغشى عليه، وسهيل بن عمرو، ~~وهو الذي كان منه يوم الحديبية ما كان بلغ من حسن إسلامه أن هاجر إلى أرض ~~الشام، وقتل شهيدا، وحث يوم اليرموك، وخطب خطبة بليغة بلغت من الناس مبلغا، ~~كان سبب الفتح، وكذلك صفوان بن أمية كان يسأل الله الشهادة في أغوار الدين، ~~وحكيم بن حرام باع داره من معاوية بستين ألفا، فقالوا له: غبنك والله ~~معاوية، فقال: والله ما أخذتها ms133 في الجاهلية إلا بزق من خمر، وأشهدكم أنها ~~في سبيل الله، والمساكين، والرقاب، فأينا المغبون؟، وهاشم بن عتبة، والمسور ~~بن مخرمة، وجميع مسلمة الفتح، وإن أبطأت بهم المدة، وتأخر دخولهم في ~~الإسلام، فقد بلغ من حسن إسلامهم المبلغ العلي، فهم الذين قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «فإن لله فيهم حاجة» ، أي: لله فيهم إرادة خير، ومشيئة ~~فضل، وودائع يودعها الله تعالى أسرارهم، وأنوارا يجعلها في صدورهم كما قال ~~الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] ~~وأما سائر الناس، فأخذ الله تعالى منهم صفوتهم، وجاءوا إلى الإسلام راغبين ~~كما قال الله تعالى: {يدخلون في دين الله أفواجا} [النصر: 2] ، وبقيت حثالة ~~لا يعبأ الله بهم، فقال: اقطعوهم قطعا. ألا يرى أن أكثر من انفلت، ودخل في ~~الإسلام كرها كما قال الله تعالى: {قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم} [الحجرات: 14] ، فلما قبض الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ارتدوا حتى جذهم أبو بكر رضي الله عنه جذا # PageV01P173 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P174 # قال المصنف رحمه الله قال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح ~~أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة رضي الله ~~عنه قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن سعد بن عبادة رضي الله عنه يقول: ~~لو وجدت مع امرأتي رجلا لضربته بالسيف، فقال صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون ~~من غيرة سعد، فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، ومن غيرة الله ~~تعالى أن الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من ~~الله تعالى، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، فمن أجل ذلك بعث المرسلين ~~مبشرين، ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله تعالى، ولذلك وعد الجنة» ~~قال الشيخ رحمه الله: ويجوز أن يكون معنى قوله: «لا شخص أغير من الله» ، ~~أي: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، فمعناه، أي: لا يكون العباد الذين ms134 ~~هم أشخاص أغير من الله الذي ليس بشخص؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالشخص، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ويجوز أن يكون معناه كأنه يقول: ليس من حق ~~من يترفع، ويعظم قدره، ويشرف مرتبته أن يكون لشرفه في الرتبة، وعظم قدره، ~~وترفعه على غيره، وأن يكون أغير من الله تعالى، والله تعالى جليل عظيم، ~~رفيع المكان، وهو على جلالته وكبريائه، وشدته شدة غيرته، يمهل عباده في ~~مواقعتهم الفواحش، ولا يعاجلهم بالعقوبة عليها، فلا ينبغي لعبد أن يرتفع عن ~~الإمهال، وترك معاجلة العقوبة لغيرته، فيقتل من يواقع الفاحشة، ويأتيها، ~~ولكن يمهل إلى أن تطلق عنه الأمر من الله تعالى في قتله، فإن أطلق الأمر، ~~وإلا مهل وتربص، وإن كان شديد الغيرة، وذلك أن سعدا كان سيد قومه، وشريف ~~قبيلته الخزرج، وسيدها، ورفيع القدر فيها، وجليل الخطر عندها، ومن كان ~~كذلك، فهو أقدر على معاجلة العقوبة، إذ يكاد يخاف تبعتها، والشخص ما ارتفع، ~~ونما، وتزايد، فكأنه ### | [ص: 175] # يقول: من كان رفعته، وشرفه، وجلالة قدره بالنمو، والتزايد، والارتفاع من ~~حالة الانخفاض، فلا ينبغي أن يجاوز الحد الذي حد له، والوقت الذي يجوز له ~~أن يواقع بالعقوبة مواقع الفاحشة، فإن الله أجل وأعظم، وأعلى جلالته، ~~وعظمته، وعلوه، لم يزل، ولا يزال، وغيرته أشد، وهو مع هذا يمهل مواقع ~~الفاحشة، ولا يعاجله، فالشخص أولى بترك معاجلة العقوبة، الدليل على هذا ~~التأويل رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وهو # PageV01P174 # ما حدثناه حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح سليمان يعني ابن بلال، ~~عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة، رضي ~~الله عنه: يا رسول الله لو وجدت مع امرأتي رجلا لم أمسه حتى آتي بأربعة ~~شهداء؟ ‍ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم» قال: كلا والذي بعثك بالحق ~~إن كنت لمعاجله بالسيف قبل ذلك، فقال رسول الله في رواية: «كفى بالسيف ~~شاهدا» في رواية قال: " اسمعوا إلى ما يقول سيدكم: إنه لغيور، ولأنا أغير ~~منه، ms135 والله أغير مني " فدل هذا الحديث على أنه أراد معالجة العقوبة قبل ~~وقتها لغيرته، ولم يخف التبعة فيها لشرفه في قومه، فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخبر أنه أغير من سعد، وأشرف، وأبلغ سؤددا منه، وهو ينتهي إلى ~~الحد في الغيرة، فلا يعاجل بالعقوبة مواقع الفاحشة قبل وقتها، والله أغير ~~مني وأعلى وأجل، وهو لا يعاجل بالعقوبة، والشخص الذي شرفه وسؤدده من جهة ~~الشخص بالنمو والازدياد لإلزامه أحق وأولى، ثم الأشخاص وهم المترفعون ~~الأشراف، ومن عظم قدره منهم لعمله من قوة للسلطان، أو شرف بحال، واتباع، ~~ويكون لشرفهم نموا، وتزايدا، وبالعلل، والأسباب، فإنهم يحبون أن يعذروا من ~~أفعالهم التي يجوز أن يلاموا عليها، ويلزمهم التعبير فيها حدا، فلا يجوز ~~لهم مجاوزتها، وأقدار ليس لهم تعديها، فربما يفعلون الفعل الذي يلزمهم ~~اللوم عليها لهذه العلل، وهم يحبون أن يعذروا إلى الناس في أفعالهم لإزالة ~~اللوم عنهم، والتعبير لهم، والنكير ممن فوقهم عليهم، فالله تعالى في جلاله، ~~وعظمته، وكبريائه، وقهره لخلقه يبدي العذر فيما يفعل بخلقه من عدو يهلكه، ~~أو ولي يبليه، فقال في أعدائه: {وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} ~~[النحل: 33] ، {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ### | [ص: 176] # الظالمين} [الزخرف: 76] ، وقال: {ذلك جزيناهم ببغيهم} [الأنعام: 146] ، ~~وأشباهه كثير، وقال في أوليائه: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} [آل عمران: 152] ~~الآية، وقال تعالى {وأوذوا في سبيلي} [آل عمران: 195] ، {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله} [آل عمران: 169] ، وقال {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة ~~منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} ، {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} ~~[آل عمران: 166] ، فهو جل جلاله وعز يبدي هذه الأعذار في فعله، وقد بعث ~~الأنبياء مبشرين ومنذرين {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ~~[النساء: 165] ، ولئلا يقولوا يوم القيامة {إنا كنا عن هذا غافلين} ~~[الأعراف: 172] ، {أو تقولوا لو أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} . ~~وأمثالها كثيرة، فأبدى هذه الأعذار إلى خلقه، وأحب إبداء العذر في فعله مع ~~غناه عن ذلك، إذ لا يلزمه تعالى في فعله لوم، ms136 ولا يلحقه تغير، ولا من غيره ~~عليه نكير، ولا حد له فيجاوزه، وهو يفعل ما يفعل في ملكه، وهو حكيم عالم ~~قادر، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهو تعالى ~~يحب العذر فضلا منه وكرما، وإجلالا لعذر أوليائه وبرا بهم، ولطفا بهم أكثر ~~من محبة الأجلة والأشراب الذين هم أشخاص معلولون، وعباد مربوبون، وهو ~~الجليل العظيم الرب الكريم. ويجوز أن يكون معناه أنه يحب العذر من عباده ~~إليه، وهو أن يعتذروا إليه من خباءاتهم، وتقصيرهم، فيغفرها لهم، وبعث ~~المرسلين ليحثوا على ذلك عباده، وليبلوا أعذار عباده، ويشفعوا لهم، كما قال ~~{الذين يحملون العرش ومن حوله} [غافر: 7] ، إلى قوله تعالى {فاغفر للذين ~~تابوا} [غافر: 7] الآية. وقوله: «ولا شخص أحب إليه المدح من الله» الأشخاص: ~~وهم المترفعون المتزايدون يحبون أن يمدحوا ويثنى عليهم في أوصافهم في ~~أنفسهم وأفعالهم بمكان غيرهم وأوصافهم، فهل غيرهم بهم وأفعالهم بقوة يحدثها ~~فيهم من له العذرة والقوة، ويستحق عليهم الثواب منهم في المدح لهم، والثناء ~~عليهم، وربما لم يثنوا لرؤية فضل بدونه فيهم، وهم بحبهم عنه عواري، والله ~~تعالى للمدح أحب، وللثناء عليه أشكر، إذ هو المستحق للمدح، وهو الله تعالى ~~رفيع الأوصاف، جميل الأفعال، وهو المنعم المتفضل، ذو الجلال ### | [ص: 177] # والجمال، فهو يحب المدح من عباد له، والثناء منهم عليه، والحمد والشكر له ~~ليثيبهم عليه أفضل الثواب، وينعم عليهم بأفضل النعم , وكذلك وعد الجنة ~~ليمدح بالفضل واللطف والبر؛ لأنه لا يستحق عليه شيئا، ولا يجب عليه فعل فهو ~~متفضل فيما وعد من الجنة ونعيمها، فأحب أن يمدح بما يمدح المتفضل الحسن ~~الفعال، الجميل الأوصاف، ووعد أيضا على المدح له والثناء له والشكر له ~~الجنة وثوابها ونعيمها، وما أعد فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر، فهو للمدح أشد حبا من الأشخاص المعلومين، وهو بالمدح ~~أولى، وله أحق، تبارك الله الممدوح في أوصافه، المحمود على أفعاله، المنعم ~~على عباده، المتفضل البر الرءوف # PageV01P175 ### | ### | حديث آخر # ms137 # PageV01P177 # قال المصنف رحمه الله قال: حدثنا الشيخ أبو الليث نصر بن فتح قال: ح أبو ~~عيسى قال: ح قتيبة قال: ح أبو عوانة، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، ~~رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تسحروا؛ فإن في ~~السحور بركة» قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى البركة الزيادة، ~~ومعنى الزيادة في السحور ينصرف على وجوه منها: أن يكون زيادة في القدرة على ~~صوم النهار، ومثله ما جاء في بعض الروايات أنه قوة على صوم النهار وهو ما # PageV01P177 # حدثنا به أبو الفضل محمد بن أحمد المروكي قال: ح يعقوب بن أبي حيران قال: ~~ح الحارث بن مسلم، عن عبد الحكم، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحروا، فإن في السحور بركة وقوة» ### | [ص: 178] # ويجوز أن يكون الزيادة في إباحة الطعام والشراب لمن أراد الصيام، وذلك ~~أنه كان في بدء الأمر أن الصائم إذ نام حرم عليه الطعام، ثم أباح الله ~~تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر بقوله {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام} [البقرة: 187] ، ~~فإباحة الأكل والشرب في ليلة الصيام بعد النوم وهو السحور زيادة على إباحة ~~الأكل والشرب عند الإفطار، وهو رخصة من الله تعالى بقوله {علم الله أنكم ~~كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم} [البقرة: 187] . وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله يحب أن يؤتى برخصه، كما يحب أن يؤتى بعزائمه» فيكون ~~معنى الترغيب في السحور ترغيبا في قبول الرخصة التي يحب الله إتيانها. ~~ومعنى البركة الزيادة على الإباحة، ويجوز أن يكون معنى الزيادة في العمر ~~لأن العمر الحياة، فيها نوم إلى الأجل المؤقت الذي إذا جاء لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون، وهذه المدة فيها نوم ويقظة، والنوم موت واليقظة حياة، ~~قال تعالى {هو الذي يتوفاكم بالليل} [الأنعام: 60] ، وقال تعالى {الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: ms138 42] ، فسمى الوفاة ~~التي هي النوم موتا، واليقظة حياة ونشورا بقوله {ثم يبعثكم فيه} [الأنعام: ~~60] ، وفي مدة الحياة معنيان: اكتساب الطاعة للمعاود، واقتناء المرافق ~~للمعاش، ومن المرافق الأكل والشرب، قال تعالى {يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات} [المؤمنون: 51] وفي السحور يقظة، وهي الحياة، فهو زيادة في الحياة ~~وأكل وشرب، وهو زيادة في مرافق الحياة، وفيه في زيادة اكتساب الطاعة؛ لأن ~~من أراد السحور ربما تطهر وصلى، فإن قصر سمى الله ودعا، وإن غفل عن الذكر ~~وكسل عن الصلاة، فإن الأكل والشرب لنية الصيام طاعة، ففيه زيادة الحياة، ~~وزيادة الرفق، وزيادة الطاعة، وهذا هو العمر، ففي السحور زيادة الرفق في ~~العمر، ويكون في السحور زيادة وقت السحور على الأوقات الفاضلة المرغوب ~~فيها، وهي أوقات الصلوات الخمس، فإنها أفضل ### | [ص: 179] # أوقات الزمان في اليوم والليلة، ويفتح فيها أبواب السماء، وتنزل الرحمة، ~~ويستجاب فيها الدعاء، وفي وقت السحور كذلك، قال الله تعالى {والمستغفرين ~~بالأسحار} [آل عمران: 17] ، وقال {وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: 18] ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا كان الثلث الأخير من الليل يقول الله ~~سبحانه: هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه " ~~وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل أسمع؟ قال: «الثلث الأخير من ~~الليل» ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من الفطرة تأخير السحور» أراد إن ~~شاء الله أن يقع في الثلث الأخير من الليل ليكون فيه دعوة واستغفار فيجاب، ~~وسؤال حاجة فتقضى، فوقت السحور زيادة على الأوقات المرغوب فيها التي هي ~~أوقات الصلوات الخمس، إذا فالسحور زيادة في القوة، وزيادة في إباحة الأكل ~~والشرب، وزيادة في الرخص التي يحب الله إتيانها، وزيادة في الحياة، وزيادة ~~في الرفق فيها، وزيادة في اكتساب الطاعة، وزيادة على الأوقات التي يستجاب ~~فيها الدعاء. وقد ورد في الحديث: إن الرخصة بركة، وهو أنه لما نزلت آية ~~التيمم، وكان السبب فيه أن عائشة رضي الله عنها فقدت قلادة لها في بعض ~~الغزوات، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على ms139 طلبها، والناس على غير ~~ماء، فنزلت آية التيمم، فقيل لعائشة رضي الله عنها: ما هذا بأول بركتكم يا ~~آل أبي بكر، فجعل الرخصة في هذا الحديث بركة يجوز أن يكون فيه بركة؛ لأنه ~~لا حساب فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أربع نفقات لا حساب للعبد ~~فيهن: نفقة على عياله، وعلى والده، وعلى إفطاره، وعلى سحوره " ### | [ص: 180] # ثم في السحور فوائد، قيل: فيه حصول النية للصوم من الليل، فيزول الاختلاف ~~في جواز صومه، وفيه مخالفة لأهل الكتاب، قال صلى الله عليه وسلم: «فصل ما ~~بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» وقال بعض شيوخنا رحمهم الله: إن ~~السحور وقت النجاة، قال تعالى {نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من ~~شكر} [القمر: 35] ، كأنه جعل وقت السحر وقت الزيادة نعمة ونجاة من نعمة، ~~والسحور يكون في هذا الوقت، فتيقظ المتسحر في ذلك الوقت بهلاك من هلك، ~~ونجاة من نجا. وقيل فيه: قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي في ~~بكورها» ، فأجيب إلى ذلك، فقال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة» أي: بركة ~~البكور # PageV01P177 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P180 # قال المصنف رحمه الله: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ~~ح يحيى الحماني قال: ح وكيع، وابن المبارك، عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، ~~عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الرجل يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا ~~الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» ### | [ص: 181] # قال الشيخ رحمه الله: إن لله تعالى لطائف يحدثها بعبده المؤمن ليصرف بها ~~وجهه إليه، ويقبل بقلبه عليه إذا شغل عنه باتباع شهوة، والاشتغال بنهمة؛ ~~لأن الله تعالى يحب عبده المؤمن، والمحب يحب إقبال محبوبه عليه، ومواجهته ~~له، وانصرافه إليه، ويكره شغله عنه بغيره، وإعراضه عنه، فالمؤمن إذا شغل ~~بنهمته ورجع إلى شهوته، وأقبل على غير مولاه حرمه مولاه رزقه الذي إليه ~~ضرورته، وبه حاجته مما به قوامه ms140 في معايشه، وعوز على أمر معاده، فيكون ذلك ~~زجرا منه له، وجذبا إليه مما أقبل عليه، وصرفا له عما شغل به إلى من شغل ~~عنه، وتأديبا أن لا يعود إلى مثله كالطفل الذي تدعوه أمه فيعرض عنها، ويعدو ~~إلى لهو، فيعثر، فيقع، فيقوم، فيعدو إلى أمه باكيا، ويتلحى إليها شاكيا ~~وكذلك المؤمن يصيب الذنب بشهوة تغلبه، ونهمة لا يقاومها، فيحرمه ربه رفقه، ~~ويمنعه رزقه، فينتبه فيعرض عن شهوته، فيرفض نهمته، ويقبل على مولاه، والذي ~~يبغضه الله ممن كفر به، وأشرك معه غيره، وأعرض بقلبه عنه، فإنه يزيده مما ~~يشغل به، ويصرفه عنه بغضا له ومقتا، قال الله تعالى {إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، وقال الله تعالى {ولولا أن يكون الناس ~~أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها ~~يظهرون} [الزخرف: 33] ، ليشغلهم بها عنه، ويباعدهم عنه، فمن أقبل إليه كفاه ~~حوائجه، وسهل له مرافقه، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله في الاشتغال ~~بما دونه عنه يكفه مؤنه، ويخرجه مما يصرفه عنه، ويقوم بكفايته لئلا يشغله ~~عنه شاغل، بل يكون شغله به، ووجهه إليه، ومن شغل بشيء دونه أو به فحرمه ~~رزقه، ومنعه رفقه فيقبل عليه، ويرجع عما شغل به إليه , والرزق الذي يحرمه: ~~الرفق مما يملكه، أو زوال ملكه عنه، وأن يلتوي عليه أسباب رزقه فقدر عليه، ~~ويصير عليه مطلبه وقد يجوز أن يكون معنى الرزق الشكر، قال تعالى {وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة: 82] ، قيل في التفسير: شكركم أنكم تكذبون، ~~فيكون حرمان الرزق حرمان الشكر على النعمة، فيحرم الزيادة بحرمان الشكر، ~~ومن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان ### | [ص: 182] # وقوله: «لا يرد القدر إلا الدعاء» يجوز أن يكون القدر سبق بالدعاء، كما ~~سبق بالقدر، فيصرف المكروه المقدور بالدعاء المقدور، كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وسئل: أرأيت رقى نسترقها، ودواء نتداوى هل يرد من قدر الله ~~تعالى، فقال: «إنه من قدر الله» هذا إذا كان القدر سبق بأن يرد المكروه من ms141 ~~القدر بالدعاء، وإن كان المكروه مقدورا أن يصيبه، ويقع به، فإن الدعاء يزيل ~~تسخط ذلك المكروه، ويكون الرضا به مقدورا كما كان المكروه مقدورا، والمقدور ~~إنما يكون مكروها؛ لأنه مؤلم مسخوط، شديد التحمل، فإذا زال التسخط صار ~~المكروه محبوبا، فكان المكروه المقدور المؤلم قد صرف عنه، وجرى عليه مقدور ~~محبوب ملذ، كالإنسان يسقى دواء فيتكرهه لمرارته وبشاعته، فيذوقه لا يجد له ~~مرارة ولا بشاعة، فيتلذذه وإنما يصير المكروه محبوبا بالدعاء؛ لأن الدعاء ~~تقرب إلى الله تعالى، من قربة الله إليه قال صلى الله عليه وسلم: «من أذن ~~له بالدعاء لا يحرم الإجابة» فالداعي مقرب، فالمقرب مشاهد، أما إن شاهد ~~عاقبة المكروه بالثواب الموعود في الآجل، والمصروف عنه به من المكروه ما هو ~~أشد منه في العاجل، أو بشهود المقدر له. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يزيد في العمر إلا البر» يجوز أن يكون البر مقدورا للعبد أن يأتيه , ويكون ~~زيادة العمر مقدورا بالبر المقدور، ولو لم يكن البر مقدورا لم يكن زيادة ~~العمر مقدورا، ويجوز أن يكون زيادة العمر حسن الحال في مدة الحياة، والأجل ~~المؤقت الذي لا يتأخر ولا يتقدم، وطيب الحياة في مدة الأجل كما قال الله ~~تعالى {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى} [النحل: 97] الآية، وطيب الحياة ~~بالإرتفاق في معايشه، واكتساب الطاعة لمعاده، والبر هو الطاعة لله تعالى ~~فيما أمر، والانتهاء عما زجر، والرضا بما حكم وقدر، قال الله تعالى {ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} [البقرة: 177] الآية، إلى قوله ~~{وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] ، فالتقصير من العمر، واليسير من المدة، ~~وإذا حصل مع الطاعة لله تعالى في أمر الدين، والرفق في المعاش من الكفاية ~~في المؤنة، وصون الوجه، وكان العبد محمولا في المكان ميسرا له اليسرى، ~~معروفا عن العسرى، صار التقصير من العمر طويلا، ويجوز أن يكون المراد بالبر ~~بر الولد بوالديه، وبر الرجل ولده وقرابته وجيرانه، ومن يعاشرهم، فمن حسنت ~~عشرته خلق الله طابت حياته، وفائدة العمر طيب الحياة، والله أعلم # PageV01P180 ### | ### | حديث ms142 آخر # # PageV01P183 # قال المصنف رحمه الله: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ~~ح يحيى الحماني قال: ح أبو معاوية، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد ~~الرحمن السلمي، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، إنه يشرك به، ويجعل له، ~~وهو يرزقهم ويعافيهم» قال الشيخ رحمه الله: قال بعض العلماء: معنى الحليم ~~والصبور واحد، وهو من المتشابهة التي لولا ورود السمع به لما جاز وصف الله ~~بها، وقد سمى نفسه حليما، ويوصف بالحلم، ولا يجوز أن يسمى صبورا؛ لأنه لم ~~يرد السمع. وقال بعضهم: يجوز أن يسمى صبورا، ويوصف بالصبر، وروي الخبر في ~~الصبور، وفرق بين الحلم والصبر بعضهم قالوا: الحلم بني على التجاوز والعفو ~~مع القدرة على الانتقام كرما وفضلا، والصبر يبنى على تحمل المكروه، وتجرع ~~الغصص ضرورة تكلفا وتجلدا، والعفو والتجاوز والقدرة من صفات الله تعالى، ~~وليس التكلف والتجرع والضرورة من أوصافه، تعالى عن ذلك، فجوزوا وصفه ~~بالحلم، ومنعوا الصبر، والصبر من الخلق حبس النفوس، ومنعها عن شهواتها ~~المحظورة فرضا حتما، وعن شهواتها المباحة تطرفا وأدبا ورياضة، وقد قال ~~الحكيم: لا ينبغي أن يغفل قليل الشهوة ولا كثيرها، فإن كثيرها تلف، وقليلها ~~دناءة، وحبس النفس على تحمل المكاره، وتجرع الغصص عند منازعة النفس إلى ~~الاسترواح بالانتقام والجزع إما خوفا مما هو أشد في المكروه منه من العقوبة ~~عليه، أو حاجة إلى الثواب الموعود منه، والأذى كل ما يكره ويسخط من قول، ~~ويؤلم ويغم من فعل. فمعنى الصبر من الله تعالى يجوز أن يكون حبس العقوبة عن ~~المؤذي له بما يكره ويسخط وينقص من الإشراك به، وجعل الأولاد له، وهو قادر ~~على الانتقام منهم ### | [ص: 184] # ، والأخذ لهم، والتدسر عليهم، فهو يحبس عنهم عقوبته، ويؤخر عنهم عذابه، ~~ولا يعاجلهم بالعقوبة التي استحقوها على شركهم به، وافترائهم عليه، وهو ما ~~تأخير العقوبة يرزقهم ويعافيهم، فهو أصبر على الأذى من ms143 الخلق، لأن الخلق ~~يؤذون بما قد يجوز أن يكون ذلك لهم وفيهم، وما يؤذون الله تعالى به لا يجوز ~~عليه بوجه من الوجوه حقيقة ولا مجازا ولا إضافة، وهم إن صبروا صبروا ضرورة ~~وتكلفا ورقا وعبودة، ثم لا يحسنون إلى من يؤذيهم. ففي الحديث إبانة عن كرم ~~الله تعالى وفضله في ترك معاجلة العقوبة، وتأخير العذاب، وإدرار الرزق على ~~المؤذي له وعاقبته إياه، فهذا كرمه في معاملة من يؤذيه ويكذب عليه، وهو ~~بغيضه وعدوه، فما ظنك بمعاملته مع من يتحمل الأذى فيه، ويثني عليه، وهو ~~وليه وحبيبه، قال الله تعالى {الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] ، وقال ~~{يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ، سبحان الكريم الرحيم الرءوف الحليم. ففي ~~الحديث أيضا حث على الصبر، وتحمل الأذى فيما يصيب العبد مما يكرهه ويغمه ~~ويؤلمه ويشق، كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى يؤذى بالغاية من ~~الأذى، وهو قادر على الانتقام منهم، وهو يؤخر عنهم عقوبته، ويحبس عنهم ~~عذابه مع تعاليه عن جر منفعة فيه، أو دفع مضرة عنه، فالعبد المضطر المحتاج ~~إلى الثواب المودوع على الصبر والخوف من العقوبة المتوعد على الجذع على ~~أدنى أذى يلحقه ثم يعتاض عليه ما هو خير منه أولى أن يصبر وأحق # PageV01P183 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P184 # قال الشيخ رحمه الله: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح هشيم ~~قال: ح عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر، أو ذكر الله» ### | [ص: 185] # قال الشيخ رحمه الله:: إن الله تعالى أمر إبراهيم خليله صلوات الله عليه ~~ببناء بيته، فلما فرغ من بنائه أمره بأن يدعو إليه عباده فقال {وأذن في ~~الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع ~~لهم} [الحج: 28] ، فدعاهم، فأجابوه، فهم يأتونه في كل وقت وحين متوجهين ~~نحوه، قاصدين إليه يقولون: لبيك اللهم لبيك، فإذا حلوا بفنائه، وأناخوا ~~ببابه طوفوا حول بيته، ms144 فقربهم وأدناهم وصافحهم بيده التي هي الحجر، ~~فقبلوها، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحجر: «هو عين الله تعالى التي ~~يصافح بها خلقه» # PageV01P184 # قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن عبد الله الصائغ النيسابوري قال: ح ~~أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: ح الحسن بن محمد الزعفراني قال: ح ~~سعيد بن سليمان قال: ح عبد الله بن المؤمل قال: سمعت عطاء، يحدث عن عبد ~~الله بن عمر، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي ~~الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان، يتكلم عمن استلمه ~~بالنية، وهو عين الله تعالى التي يصافح بها خلقه» قال الشيخ رحمه الله: ثم ~~خرجوا إليه يتعرضون لما عنده، ويطلبون ما وعدهم بقوله عز وجل {ليشهدوا ~~منافع لهم} [الحج: 28] ، فأعطاهم ما سألوه، وبلغهم ما أملوه، وزادهم من ~~فضله، إنه لذو فضل عظيم، وكل قد أهدى على قدر وسعه، ومبلغ طاقته، توسلا ~~إليه، وقربة منه مرغبين، أشعروا قلوبهم التقوى، فذبحوا مناسكهم، وأهدوا ~~الهدايا، فتقبلها منهم بتقوى قلوبهم، فقال عز وجل {لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37] ، فكانت التقوى هي الرافعة لتلك ~~الهدايا إليه، كما كان الكلم الطيب صاعدا بالعمل الصالح إليه، فلما قبلها ~~منهم، وحازها لديه، وصارت له، وحصلت عنده، اتخذ لهم ضيافة، ونصب لهم ماءه، ~~جمعهم عليها، فأطعمهم مما عنده، وهو ما تقربوا به إليه، وقبله عنهم، فصارت ~~لهم مقبولة مطهرة أذهب # PageV01P185 # عنها وخامة تصرفهم فيها، ووباء مساكنتهم إليها، فأطعمها إياهم، وجاز بها ~~عليهم، فهم في ضيافة أيام منى التي هي أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام تمام ~~الضيافة # PageV01P186 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح ابن المبارك، ~~عن عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للضيف جائزته يوم وليلة، والضيافة ~~ثلاثة أيام» فالله تعالى يوسع زواره وأهل ضيافته ms145 طعاما وشرابا ثلاثة أيام، ~~ثم هم بعد ذلك في عياله يجري عليهم مدة حياتهم، ومن سنة الملوك أنهم إذا ~~اتخذوا ضيافة أطعموا من على الباب، كما يطعمون من في الدار، فالكعبة البيت، ~~والحرم الدار، وسائر أقطار الأرض باب الدار، فعم الله تعالى الجميع ~~بضيافته، فقال {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] ، وقال جل ~~جلاله {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] ، ثم الناس أبدان ~~وأرواح، فأطعم الله ضيفه، ومن على بابه بقوله عز وجل {فكلوا منها} [الحج: ~~28] ، فهذا غذاء الأبدان، وأوسع أرواحهم من غذائها بقوله عز وجل {فإذا ~~قضيتم مناسككم فاذكروا الله} [البقرة: 200] ، وقوله عز وجل {واذكروا الله ~~في أيام معدودات} [البقرة: 203] فالطعام والشراب غذاء الأبدان، وذكر الله ~~عز وجل غذاء الأرواح، لذلك أمرهم بالأذكار ليكون غذاء لأرواحهم، كما أمرهم ~~بالأكل والإطعام ليكون غذاء لأبدانهم، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» # PageV01P186 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P187 # قال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح خالد، عن سهيل، عن ~~صفوان يعني ابن أبي يزيد، عن القعقاع، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في ~~جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» قال الشيخ رحمه ~~الله: الشح أشد البخل، فإن البخل أكثر ما يقال إنما يقال في البعقة ~~وإمساكها، قال الله عز وجل {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} [آل عمران: ~~180] ، وقال عز وجل {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} [محمد: 38] ، وقال في ~~الشح {أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا} [الأحزاب: 19] ، وقال تعالى {ومن ~~يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] ، فالشح تنبئ عن الكزازة ~~والامتناع والتأني وقلة المواناة، فهو يكون في المال خاصة، وفي جميع منافع ~~البدن عامة، فالإيمان هو التصديق، ومن التصديق تصديق الله عز وجل فيما تكفل ~~به من الأرزاق، وفيما وعد من الخلف على الإنفاق، والثواب في العقبى. والبخل ~~يكون ms146 من سوء الظن بالله تعالى؛ لأنه يخاف عليه أن لا يخلف، ولم يمكن تحقيق ~~الثواب من قبله، فالبخل بالمال من سوء الظن بالله، وسوء الظن يوهن التصديق ~~والامتناع وقلة المواناة، والتأني قد يكون فيما بين العبد وأوامر الله ~~وفروضه وأقضيته وأحكامه، وفيما بينه وبين خلق الله في ترك المعاونة لهم، ~~والشفقة عليهم، والنصح لهم، فالامتناع والتأني عند الأوامر يوهن التصديق ~~بقبولها وصعوبة الانتقاء، وقلة المواناة يوهن التصديق بالقدر، فمن صدق ~~بالقدر انقاد للأحكام، ومن كان ممتنعا قليل المعاونة تاركا للنصح للمؤمنين ~~غير مشفق عليهم فكأنه ليس منهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون ~~كالبنيان يشد بعضهم بعضا» ### | [ص: 188] # . وقال صلى الله عليه وسلم: «والله لا تؤمنون حتى تحابوا» ، فالشح من ~~جميع وجوهه يخالف الإيمان وحقيقته، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا» ، والمعنى في الإيمان حقيقة الإيمان ~~الذي هو حقه وموجبه كما أخبر حارثة عن نفسه من حقيقة الإيمان، وتمكن ~~التصديق من قلبه بما أخبر الله تعالى عنه حتى صار كأنه يشاهده شهود عيان، ~~فمن تحقق في إيمانه، وصدق بإيقانه سهل عليه ترك الدنيا والعزوف عنها، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل {أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~دخل النور في القلب انشرح وانفتح» قيل: فما علامة ذلك؟ قال: «التجافي عن ~~دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله» ، فأخبر ~~أن من نور الإيمان قلبه، وشرح الله للإسلام صدره سهل عليه الإعراض عن ~~الدنيا، فمن عكف عليها، وبخل بها، وسكن إليها، وشح عليها لم يخامر حقيقة ~~الإيمان قلبه شهودا، وإن أقر بلسانه، ولم يتطوع على تكذيبه عقدا، فهو مؤمن ~~ضعيف الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وذاك أضعف الإيمان» ، ~~فوصف الإيمان بالضعف، ولم ينفه كذلك إن شاء الله. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يجتمع الشح والإيمان» أي: لا يجتمع الشح ms147 وقوة الإيمان في قلب عبد ~~أبدا # PageV01P187 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P189 # قال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح حاتم بن إسماعيل، عن ~~أبي بكر بن يحيى، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فرجع، فأمر ~~بجهازه، فأخرج من تحتها، وأمر بقريتها فأحرقت بالنار، فأوحى الله تعالى ~~إليه فهلا نملة واحدة» وروي في حديث آخر: " أنه مر نبي من الأنبياء بقرية ~~أو بمدينة أهلكها الله تعالى وأهلها، فقال: يا رب، قد كان فيهم صبيان ~~ودواب، ومن لم يقترف الذنب، فهو الذي نزل تحت الشجرة، فلدغته نملة ". قال ~~الشيخ رحمه الله: إن كان هذا النبي الذي أحرق قرية النمل هو هذا القائل، ~~فقد يجوز أن يكون الذي جرأ عليه من إحراق قرية النمل تشبيها له على إعراضه ~~على الله عز وجل، وذلك أن الله تعالى أن يفعل بعباده من رحمة وعذاب، لأن ~~الخلق خلقه، والملك ملكه، وليس آمر ولا له زاجر، فلا يكون له أن يخالف ~~أمره، ويحدث في ملكه بغير إذن، بل هو الله تعالى لا إله غيره، خلق الخلق ~~حين شاء لما شاء، فإن رحمهم ونعمهم، فهو المتفضل في ذلك، وإن هو عذبهم ~~وألمهم فهو العدل الذي لا يجور، وله أن يفعل ما يشاء، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «لو أن الله تعالى عذب أهل السماء والأرض لعذبهم، وهو لهم غير ~~ظالم» ، فهو لا يسأل عما يفعل إنما يسأله من هو تحت قدره لغيره، وفوقه أمر ~~وله سان سن له سنة، وبين له طريقه، وأمره ونهيه، وحد له حدودا، فإن جاوزها ~~أو عدل عما سن له من السنة وخالف الأمر، وارتكب النهي، وقع عليه السؤال، ~~وكان في ذلك جائرا ظالما، قال الله تعالى {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ~~[الأنبياء: 23] ### | [ص: 190] # فيجوز أن يكون هذا النبي لما قال ما قال في الآية التي أهلكها الله تعالى ~~كان معنى ذلك شبه الاعتراض ms148 على ربه عز وجل، ولم يكن له ذلك، وسأل عما لا ~~ينبغي له السؤال عنه، ابتلاه الله تعالى بالنملة التي عضته، فأحرق قريتها، ~~فقال الله تعالى له: فهلا نملة واحدة، كأنه تعالى قال له: إنك عبد مأمور ~~منهي جنت عليك نملة واحدة، فأحرقت أمة منها، فكيف تعترض على ملك يفعل في ~~ملكه ما شاء ليكون ذلك زجرا له عن مثل ما أتى من الاعتراض، وتأديبا فيما ~~تعدى عن طور العبودية، ولم يستسلم لله الملك القادر الجبار القهار، ويكون ~~إحراقه إياها نوعا من الإفناء والقتل مع جواز ذلك في شريعته، فلا يكون ذلك ~~منه ارتكاب ذنب وجناية على أمة لا ذنب لها، كما كان نتف الريش والتعذيب ~~بالشمس للطير الذي ليس عليه أمر ولا نهي جائزا لسليمان صلوات الله عليه، ~~حين توعد الهدهد، فقال {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه} [النمل: 21] ، ~~وكما جاز في شريعته إتلاف الخيل الجياد التي ضرب أعناقها وسوقها، لا ~~للقربان ولا ذبحا، كما يذبح البهائم للانتفاع بها، وقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقتل خمس في الحرم بغير جناية، وهي: «الفأرة، والحية، والعقرب، ~~والغراب، والكلب العقور» وفي خبر آخر: «والحدأة» ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «من قتل حية فله كذا» ، ونهى عن استحبابها # PageV01P189 # وقال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى الحماني قال: ح زيد بن حباب ~~قال: ح زافر بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد العبدي قاضي خراسان، عن أبي ~~الأعين، عن أبي الأحوص الجشمي أنه سمع ابن مسعود رضي الله عنه ### | [ص: 191] # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل حية، فكأنما قتل ~~كافرا» # PageV01P190 # قال: حدثنا محمد بن الحسن الأرزكياني، قال: ح أبو مسلم الكجي قال: ح أبو ~~عاصم، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيات: «ما سلمناهن منذ حاربناهن، فمن ~~ترك منهن خيفة فليس منا» ، وأمر بقتل الكلاب فكذلك يجوز أن يكون قتل النمل ms149 ~~كان غير منهي عنه، أو مأمور به في شريعة ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكذلك الإحراق إذ ليس هو إلا الإهلاك والإفناء بالألم، وقد أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإحراق بعض الكفار، ثم نهى عنه، وسمل أعين قوم، فكان أمره ~~به سابقا جائزا، ولولا ذلك ما أمر به، ثم نسخ ذلك بالنهي عنه، وسمل أعين ~~قوم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم في الشمس يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا، ~~ثم نهى بعد ذلك عن المثلة فكذلك يجوز أن يكون كان مباحا إهلاك هذه الأمة ~~التي هي النمل، كما أنه مباح قتل أمم خمس وإهلاكهم، فكذلك يجوز أن يكون كان ~~مباحا إحراق ما جاز إهلاكه، فيكون ذلك النبي أهلك وأفنى ما يجوز له إهلاكه، ~~وإفناؤه بألم النار، كما جاز إهلاك هذه الأمم بألم القتل، ومما يدل على ذلك ~~قوله عز وجل: ألا نملة واحدة، إنما نبه على أنه فعل ذلك بأمة لم يجن عليه ~~منها إلا واحدة، فقوله: «ألا نملة واحدة» دليل على أنه لو أحرق واحدة منها ~~لم يعاتب عليه، وإنما عوتب إن شاء الله تعالى على أنه فعل ذلك للانتقام ~~لنفسه، والتشفي منها، لا لأمر سبق، وكان الفعل مباحا غير منهي عنه # PageV01P191 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P192 # قال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح عبد العزيز، عن العلاء، ~~عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للكسب» قال الشيخ رحمه الله: ~~معناه إن شاء الله: إن اليمين الكاذبة في البيع أنه أعطى بالسلعة كذا وكذا، ~~تنفق السلعة حسبان الحالف وظنه، كأنه إذا حلف على ذلك صدقه المشتري، وأعطاه ~~ما أراد، فإن كان القدر قدر، ويظن أنه من الله تعالى قد سبق له بذلك، وكان ~~الله عز وجل جعل ذلك رزقا له نفقت سلعته، فأما إن لم يكن سبق القضاء والقدر ~~به، لم يكن اليمين منفقة للسلعة، وكذلك إذا حلف أنه اشتراها بكذا، وهو ~~كاذب، ms150 فإن يقدر أن يربح عليها ويحسب أنه يصدق عليه، ويظن أن يمينه على ذلك ~~مما تطيب نفس المشتري، فربما كان كما قدر، وربما خالف تقدير الله عز وجل ~~تقدير الحالف في نفسه، فإن وافق تقدير الله ظنه وتقديره في نفسه فباع ~~السلعة بما حلف عليه محق ذلك كسبه، وأذهب بركة تجارته وكسبه، إما بتلف ~~يلحقه في ماله أو نفقته في غير ما يعود نفعه عليه في العاجل، ويرجى ثوابه ~~في الآجل، وإن بقيت عنده حرم نفعه، وورثه من لا يحمد، ويقدم على من يقدره، ~~فأي محق للكسب أكثر من ذلك وأشد؟ نعوذ بالله من الخذلان # PageV01P192 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P192 # قال: حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح عبد العزيز، عن العلاء، ~~عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما نقصت أحدا صدقة من مال، وما زاد الله رجلا يعفو إلا عزا، وما ~~تواضع أحد لله عز وجل إلا رفعه الله تعالى بها» ### | [ص: 193] # قال الشيخ رحمه الله: هذا تشجيع من النبي صلى الله عليه وسلم للعبد فيما ~~يهوله، وتسهيل عنه فيما يعبر عليه، وإزالة خلق السوء بالله عز وجل عن ~~العبد، وتكذيب للشيطان فيما يعد العبد من الفقر في الإنفاق والصدقة، فقوله: ~~«ما نقصت أحدا صدقة من مال» يجوز أن يكون معناه أن يراد بالصدقة الزكاة ~~المفروضة، فإخراج الزكاة لا ينقص من مال العبد شيئا؛ لأنه إذا حال الحول ~~على مائتي درهم في يده وجب حق المساكين في خمسة منه، فكان ماله الذي يجوز ~~له التصرف فيه ويطيب له إمساكه عنده مائة وخمسا وتسعين درهما؛ لأن الخمسة ~~منها حق المساكين، فإخراج الخمسة لا ينقص من المال الذي هو نصيبه من ~~المائتين، وهو المائة والخمسة والتسعون، والذي أخرج كأنه لم يكن ماله، ~~وإنما كان مال المساكين في يده، فإخراجه إليهم ورده عليهم لم يكن ناقصا له ~~من ماله شيئا. ويجوز أن يكون معناه أن الله تعالى يخلف عليه مما أنفق ms151 وتصدق ~~عنه بما هو خير منه وأكثر وأطيب، قال الله عز وجل {وما أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه} [سبأ: 39] ، ويجوز أن يبارك له في الباقي، فينوب الباقي عنده منابه، ~~ومناب ما أنفقه وتصدق به، فهو يخلفه وأضعافه، فإنه خرج عن هذه الوجوه، فقد ~~حصل له عند الله ما أنفقه، فهو له عنده مدخر، فكأنه أحرزه واستوثق في الحفظ ~~له، والصون مما يفنيه ويذهبه، قال عز وجل {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} ~~[النحل: 96] ، إذا فالناقص ما ينفد ويفنى، لا ما يصان فيبقى، والعفو هو ~~التجاوز عن المسيء إليك، والجاني عليك، فسبق إلى وهم الإنسان أن ترك ~~الانتقام ممن أساء إليه وعقوبة من جنى عليه ذلك ذل وعجز وهوان يلحقه، وليس ~~كذلك، بل الله تعالى يزيده بذلك عزا بأن ينتقم له من المسيء إليه، فينتصر ~~له من الجاني عليه، ومن كان الله عز وجل منتقما له ومنتصرا مما جنى عليه، ~~فهو العزيز الذي لا أعز منه، فإن فعل الله ذلك به في الدنيا، فقد زاده عزا، ~~وهو أعز من اعتزازه في نفسه بالانتقام والعقوبة، وإن أخر ذلك إلى الآخرة، ~~فاقتص له من حسنات الظالم له، وطرح سيئاته على الجاني عليه ذل الظالم ذلا ~~لا ذل مثله، فيكون مثل الذر يطؤه أهل المحشر، ويطرح الظالم بدله من النار، ~~أو يستوهب الله منه جناية الجاني عليه، وظلم الظالم له، فأي عز يبلغ عز من ~~يستوهب منه مالك الملوك وسيد السادات، والحي القيوم، ثم يعوضه على ما جنى ~~عليه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن تواضع لله في ~~الدنيا رقا وعبودة في ائتمار أمره ### | [ص: 194] # ، وانتهاء مناهيه، والاستسلام لحكمه رفعه الله تعالى في الآخرة على سرير ~~خلد لا يفنى، ومنبر ملك لا يبلى، ومن تواضع لله في احتمال مؤن خلقه كفاه ~~الله تعالى كل مؤنة، وتولى أمره، وتوكل له، فأية رفعة تبلغ وأية مرتبة تكون ~~فوق مرتبة من يكون الله تعالى وكيله، وتولى أموره، ومن تواضع ms152 لله في قبول ~~الحق بمن دونه قبل الله منه دخول طاعته، وجازاه بقليل حسناته رفيع درجاته، ~~ومن تواضع لله في حفظ عباده، والذب عنهم رفعه الله بمعقبات يجعله بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه بأمره، ويحرسونه عن أعدائه، ويتولى إذلال عدوه له بقوله ~~تعالى {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] . ومن أرفع منزلة، وأجل ~~قدرا ممن يكون الله تعالى متولي الذب عنه، والناصر له سبحانه، ما ألطفه ~~بعباده المؤمنين، وأجزل ثوابه للمحسنين، وأحسن تجاوزه عن المسيئين # PageV01P192 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P194 # قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد البغوي، قال: ح عيسى بن يونس قال: ح ~~سعيد بن عثمان البلوي، عن عروة بن سعيد الأنصاري، عن أبيه، عن الحصين بن ~~وحوح، أن طلحة بن البراء، رضي الله عنه مرض، قال فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعوده، فلما انصرف قال لأهله: «إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت، فإن ~~توفي، فآذنوني به، حتى أشهده وأصلي عليه» ، فلم يبلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم بنو سالم بن عوف، حتى توفي، وجن عليه الليل، وكان فيما قال طلحة: ~~ادفنوني، وألحقوني بربي، ولا تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني ~~أخاف عليه اليهود، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف على قبره، فصف ~~الناس معه، ثم رفع يديه، وقال: «اللهم الق طلحة يضحك إليك، وتضحك إليه» قال ~~الشيخ رحمه الله تعالى: الضحك شيء يختص به الإنسان من بين سائر الحيوان، ~~ومعناه استفادة سرور يلحقه، فيبسط له عروق قلبه، فيجري الدم فيها، فيقبض ~~إلى سائر عروق بدنه، فتثور فيه حرارة، فينبسط لها وجهه، وتملأ الحرارة فاه، ~~فيضيق عنها، فينفتح شفتاه، ويبدو له أسنانه، فإن تزايد ذلك السرور، ولم يكن ~~في الإنسان ما يضبط نفسه استحفها الفرح، فضحك، حتى قهقه؛ ولذلك قيل في صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وضحكه تبسم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا ~~يستحفه السرور، فيغلبه ### | [ص: 195] # فيقهقه، وهذه الصفة عن الله تعالى منفية، وجميع أوصاف الحدث، تعالى الله ~~عن ms153 ذلك علوا كبيرا، وقد وردت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف ~~الله عز وجل بالضحك، من ذلك ما # PageV01P194 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى قال: ح يحيى الحماني قال: ح ابن أبي ~~الزياد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله عز وجل إلى رجلين يقتل أحدهما صاحبه، ~~كلاهما داخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله، فيقتل، فيستشهد، ثم يتوب الله ~~على هذا، فيسلم، فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد» # PageV01P195 # وحدثنا أبو محمد عبد الله المزني، قال: ح يوسف بن موسى قال: ح أبو هارون ~~إسماعيل بن محمد قال: ح حبيب كاتب مالك بن أنس قال: ح مالك بن أنس، عن مصعب ~~بن محمد بن شرحبيل، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، أن ~~عوف بن الحارث، وهو أحد بني عفراء، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~يضحك الرب عن عبده؟ قال: «غمسة يده في سبيل الله حاسرا» قال: فنزع درعا كان ~~عليه، ثم شد على القوم، فقتل بشرا كثيرا، ثم قتل" فإذا وردت الأخبار عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة، وجب علينا الإيمان به، والتسليم له، ~~ونفي أوصاف الحدث عن الله تعالى، والتشبيه له بخلقه، ووجب حمل معنى هذه ~~الصفة على ما يليق به، فيجوز أن يحمل معناه على الرضا عن عبده، واختصاصه ~~له؛ لأن الضحك إنما يكون من السرور، ومن سره شيء رضي به، واختصه لنفسه، ~~وأثره يدل على ذلك قوله: ما يضحك الرب عن عبده؟ أي: ما يرضيه منه، فيجعله ~~أثرا عنده، فدل صلى الله عليه وسلم ما يرضى به الله عز وجل # PageV01P195 # من أفعال عباده، ويجعلهم من خصائصه، والمؤثرين له، وهو الجهاد في سبيل ~~الله تعالى، وقتال في أعدائه معرضا عن نفسه مستحفيا بها، وهو معنى قوله: ~~«حاسرا» ، وقد قال الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ms154 ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] ، فأخبر أنهم عنده، وأنه اختصهم ~~بما لم يختص به غيرهم، كما قال عز وجل: {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} ~~[القمر: 55] ، وكما قال الله تعالى: {آتيناه رحمة من عندنا} [الكهف: 65] ، ~~وقال تعالى: {وإن له عندنا لزلفى} [ص: 25] ، كل هذا إشارة إلى الاختصاص، ~~والإيثار، فيكون معنى قوله: «يضحك إليك» ، أي: يسر بقدومه عليك، ويحب ~~لقاءك، ويرضى ثوابك «وتضحك إليه» ، ترضى عنه، وتلقاه بالقبول، وتحب لقاءه، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه» ويجوز أن ~~يكون معنى الضحك من الله تعالى التجلي لعبده، وكشف الحجب عنه، فيراه رؤية ~~عيان، كما وردت الأخبار به، وكما قال الله عز وجل: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة} [القيامة: 23] ، فيكون معنى الضحك إليه التجلي له، وذلك أن ~~الضحك يعبر به عن الظهور، فيقال: ضحك الفجر إذا ظهر، وضحك السحاب إذا ~~انكشف، فأبدى عن السماء، وضحك الشيب برأسه، أي: ظهر وبدا، قال دعبل بن علي: # لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه، فبكى # فيكون معنى قوله: «يضحك» ، أي: يقدم عليك فرحا بلقائك مسرورا بقدومه ~~عليك، وتضحك إليه، أي: تتجلى له، وتكشف الحجب عنه، فيراك، وينظر إليك، كما # PageV01P196 # قال في حديث عمرو بن حزام، حيث قال لجابر بن عبد الله: «ما كلم الله ~~تعالى أحدا إلا من وراء حجاب، وأنه أحيا أباك، فكلمه كفاحا» ويجوز أن يكون ~~معنى الضحك من الله عز وجل إدرار الرحمة على عبده، كما تدر السماء المطر ~~على وجه الأرض، فقد يقال: ضحك السحاب إذا صب ماءه، وأمطر لأن الماء في ~~السحاب كامن فإذا صبه ظهر وبدا، وقد يقال: السحاب إذا مطر بكت السماء، وقد ~~يقال: ضحك وبكى إذا أمطر، قال الشاعر: # [البحر الرجز] # سحابة صادقة الأنواء ... تعقب بين الضحك والبكاء # PageV01P197 # قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم أبو الفضل قال: ح ~~أبو ثابت محمد بن عبيد الله المدني قال: ح إبراهيم هو ابن سعيد، عن أبيه ~~قال: ms155 بينا أنا جالس مع حميد بن عبد الرحمن إذ عرض شيخ جليل في مسجد رسول ~~الله، في بصره بعض الضعف، من بني غفار، فبعث إليه حميد، فلما قال لي: يا ~~ابن أخي، أوسع له بيني وبينك، فإنه قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~أسفاره بيني وبينه، ثم قال الحديث الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في السحاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله ~~تعالى ينشئ السحاب، فيضحك أحسن الضحك، وينطق أحسن النطق» قال الشيخ رحمه ~~الله: فضحك السماء صبة الماء، فقد عبر عن صب الماء بالضحك، وعن استبشار ~~العبد وسروره بنعمة الله، وإدرارها عليه، وفرحه بها بالضحك منه، وإن كان ~~الضحك المفهوم فيما بينا صفة للعبد، وليس ذلك صفة لله عز وجل تعالى الله عن ~~صفات المحدثين ويجوز أن يكون معنى الضحك من الله عز وجل قبول عمل عبده، ~~ورضاه به، وضحك العبد إليه فرحه بثواب ربه، وسروره به، كما قال الله تعالى: ~~{ارجعي إلى ربك راضية مرضية} [الفجر: 28] ، أي: راضية بثواب الله، مرضية ~~أفعالك عند الله ### | [ص: 198] # . ويجوز أن يكون معنى الضحك الحسن، والبهاء، والنضرة، كما يقال: ضحكت ~~الشمس إذا شرق ضوءها، وضحك النهار إذا أضاء، وضحكت الأرض إذا اهتزت بالنور ~~والنبات. قال الأعشى: # [البحر البسيط] # يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل # فيكون المعنى فيه حسن الثواب من الله تعالى، ونصرته كأنه يضحك إلى العبد، ~~وحسن عمل العبد، وإخلاصه، وطهارته عما يدنسه، كأنه يضحك إلى الله تعالى، ثم ~~الله تعالى أعلم بما أراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمنا بما قاله ~~صلى الله عليه وسلم على ما أراده، والله عز وجل يتعالى عن شبه المخلوقين، ~~وأوصاف المحدثين علوا كبيرا. وقد يكون الضحك بين المحبين إذا طال العهد ~~بينهما، وتقادم، وأضمر المحب محبوبه، وكتم محبته له، وشوقه إليه، وصبابته ~~له، ولم يبث حزنه، ولا أفشى سره إلى غيره، ومحبوبه يعلم ذلك منه، ويجل لذلك ms156 ~~قدره عنده، ويعظم موقعه منه، وكأنه يحدث إلى حبيبه ما يزيده شوقا إليه، ~~وصبابة به، ومحبة له، فإذا التقيا نظر المحبوب إليه، وقد عرف له ما كان ~~يضمره له، ويجن ضلوعه عليه، فيضحك إليه قبولا له، وتعظيما لقدره، ولا يزيده ~~على ذلك، ويضحك المحب سرورا برؤية محبوبه، فيفشي بذلك سره الذي كان بينهما، ~~ويظهر الشوق الذي كان مجنا عليه ضلوعه، وقد بدا له سرور محبوبه به كسروره ~~به، وقبوله له، ورضاه عنه، فلا يزيد على الضحك إلى محبوبه إجلالا له، وهيبة ~~منه، وتعظيما له. فيكون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم الق ~~طلحة يضحك إليك» ، أي: يظهر لك ما كان يجنه من المحبة لك، والشوق إليك، ~~وتضحك إليه تعلمه قبولك له، ورضاك به، وعظم موقع ما قاسى فيك، وكتمه من ~~الشوق إليك، والمحبة لك في خفاء، وستر عن الأغيار غيرة على الحال، كما قال ~~الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] ويجوز أن ~~يكون هذا مما أخفي لهم عن الأغيار الناظرة والأشخاص الشاهدة # PageV01P197 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P199 # قال: حدثنا محمد بن أحمد القاضي، قال: ح أبو عاصم قال: ح محمد بن حميد ~~الرازي قال: ح يعقوب القمي، عن عيسى، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي ~~الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يصلي على صخرة بمكة، ~~فأتى ناحية مكة، فمكث مليا، ثم انصرف، فوجد الرجل يصلي على حاله، فجمع ~~يديه، ثم قال: أيها الناس، عليكم بالقصد - ثلاث مرات -، فإن الله تعالى لا ~~يمل حتى تملوا " قال: وحدثنا حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح يعقوب، ~~عن عيسى بن حارثة، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه قال الشيخ ~~رحمه الله: الملال تكرره يعرض للإنسان من عمل يعمله، وأذى يلحقه منه، وتعب ~~يصيبه، فيصبر عليه، ويتحمل التعب فيه، حتى يضجر ويسأم، فيترك ذلك العمل ~~استثقالا له، ويرفضه تضجرا منه وسأمة، وهو شيء يعرض للطبع بعد إيثاره ms157 للشيء ~~ورغبته فيه، وهذه صفة الإنسان المطبوع على طبائع مختلفة وأوصاف، ويتعالى ~~عنها علوا كبيرا، فالملال ليس بصفة له، ولا يجوز معناه المفهوم عندنا من ~~أوصاف يلحقه الملال من المحدثين عليه، وهو صفة الإنسان المطبوع الذي يضعف ~~من تحمل ما يعرض له، ويثقل عليه، ويؤوده شيء، ويؤذيه. فمعنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله لا يمل حتى تملوا» ، ليس على الغاية، والتوقيت، ويوصف ~~هو تعالى بهذه الصفة في وقت، أو عند تغير، بل هو على النفي عنه، والتبرئة ~~له منه، فيجوز أن يكون معنى قوله: «حتى تملوا» ، وتملوا بل تملوا، أي: لا ~~يملون، ولا يمل، بل تملون، كأنه يقول: الملال لكم صفة، وهذه الصفة لاحقة ~~بكم إذا تكلفتم الأعمال، وأكرهتم عليها نفوسكم، وتحملتم ما يلحقكم من التعب ~~فيه، وصبرتم عليه، فيوشك إن يضعف عنها قواكم تستثقلوها، وتضجروا منها، ~~فترفضوا استثقالا لها، واستعراضا منها، وزهدا فيها، ورغبة عنها، وبغضا لها ### | [ص: 200] # ، فلا تعودوا إليه، والله تعالى جده لا يصيبه هذه الآفات، ولا يعترض له ~~هذه العوارض، فلا يصرفكم عما تكلفون، ولا ينهاكم عما تعملون، ولا يحول ~~بينكم، وبينها كراهة لها، واستثقالا منه إياها، وبغضا لها، بل يصيبكم ذلك، ~~فتتركون، فتتركون عبادة ربكم، وتستثقلون خدمة مولاكم، وتبغضون طاعة ربكم # PageV01P199 # كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين، فادخل فيه برفق، ولا ~~تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» قال: ~~حدثنا الحسين بن علي بن العطار قال: ح أبو ميسرة قال: ح خلاد بن يحيى قال: ~~ح يحيى المتوكل، عن محمد بن سوقة، عن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه، عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوله: «عليكم بالقصد» ، كره التعمق، والغلو ~~في الدين لما علم من جبلة الخلق على الضعف، وما في طباعهم من الملل، ~~والسأمة، خوفا عليهم أن يبغضوا عبادة الله، ويستثقلوا طاعته، وتملوا خدمته، ~~فأمرهم بالاستجمام والاستراحة؛ لاسترجاع القوى، وزوال الضجر، وليكون ذلك ~~أدعى لهم إلى حسن الطاعة لله تعالى، ms158 ومحبة للخدمة له، وألفة عبادته، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأرقد، وآتي ~~النساء، ألا فمن رغب عن سنتي فليس مني» ألا وكل قليل في سنة خير من كثير في ~~بدعة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: «إن لله عليك حقا، ~~ولبدنك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا» ### | [ص: 201] # وكتب سليمان إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما: إني أنام، وأقوم، وأحسب ~~نومتي كما أحسب قومتي، وأحسب نومتي طاعة لله تعالى، هذا الحق، فإيفاؤه إياه ~~طاعة لله، ولأن في نومته استجلاب القوة لقومته، وتشحيذ الطبع، وحثا منه ~~لنفسه على طاعة ربه عز وجل، وحبب عبادة الله إلى نفسه؛ لأن الله عز وجل أحب ~~من عباده أن يحبوه، ويؤثروه، ويقبلوا بها عليه، ولذلك كلفهم الأعمال ~~لتشتغلوا بها عما دونه، وتقبلوا بها عليه، وتتوجهوا بأدائها إليه، فإذا ~~تحملوا منها فوق طاقتهم ملوا، فتركوها، وفي تركها ترك الإقبال عليه، ~~والتوجه إليه، وهو غني عن أفعال عباده، ولا يزيده طاعتهم، ولا ينقصه ~~معصيتهم، وإنما أراد منهم إظهار فقرهم إليه، ورؤية اضطرارهم إليه، وعجزهم ~~ليغنيهم، ويقويهم، ويجعلهم ملوكا خالدين، وأغنياء لا يفتقرون، وأقوياء لا ~~يضعفون، سبحان اللطيف بعباده، والرءوف بهم. ويجوز أن يكون معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا يمل، حتى تملوا» ، أي: لا يترك ثوابكم، ~~والإقبال عليكم قبولا لأعمالكم المدخول فيها ما لم تملوا طاعته، وتستثقلوا ~~خدمته، وتبغضوا عبادته، كأنه يقول: إنه عز وجل يقبل عليكم، وإن قصرتم في ~~عبادته، ويقبل يسير أعمالكم، ويثيبكم عليها الجزيل ما دمتم فيها راغبين، ~~ولها مريدين، وبنياتكم إليها قاصدين، وإن لم تبلغوا إرادتكم فيها، ومقاصدكم ~~منها، وإنما يترك ثوابكم، والإقبال لكم، إذا أعرضتم عنها، ومللتموها # PageV01P200 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P201 # قال: ح الشيخ الإمام عبد الله بن محمد الحارثي قال: ح خلف بن عامر بن ~~سعيد الهمداني، ومبارك بن زيد المؤدب، والليث بن خيرون النجاريون، قالوا: ح ~~يحيى بن جعفر قال: ح المحاربي قال: ح الفضيل بن غزوان، عن ms159 أبي حازم، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا نبي ~~الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه، فقلن، والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا ~~الماء، ثم قال: «ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله» ، فقال رجل من ~~الأنصار: أنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فدخل على أهله، فقال: ~~أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: والله ما عندنا إلا قوت ~~الصبية قال: فإذا أردوا العشاء، فنوميهم، ولا تذكري ضيف رسول الله بشيء، ثم ~~مري على السراج ### | [ص: 202] # ، فأطفئيه وتعالي، فلنطو بطوننا بضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ففعلت , قال: فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لقد عجب الله من فلان وفلانة» ، فأنزل الله عز وجل فيهما ~~قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون} [الحشر: 9] قال الشيخ رحمه الله: العجب استعظام الشيء، ~~واستكباره لخروجه من العبادة، وبعده من العرف، قال الله عز وجل خبرا عن ~~الجنة {إنا سمعنا قرآنا عجبا} [الجن: 1] ، قيل: بديعا، لم يسمع مثله، وذلك ~~أنه لما كان خارجا عن أوصاف كلام الناس، والعمود المعتاد منه وصفوه بالعجب، ~~وكل ما خرج من العبادة، وبعد عن عرف الناس استعظم ذلك، فالله عز وجل قد ~~أعظم أشياء في كتابه، فقال في ذكر القيامة: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ~~ليوم عظيم} [المطففين: 5] ، وقال تعالى: {رب العرش العظيم} [التوبة: 129] ، ~~وقال تعالى: {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] ، والاستعظام من الله ~~تعالى أن يسمي الشيء عظيما، ولما كان العجب استعظام الشيء واستكباره، وكان ~~التعظيم للشيء، جائزا على الله عز وجل أن يوصف الله تعالى بالعجب كما وصفه ~~به رسوله، وقد وصف الله تعالى نفسه بصفة العجب بقوله: (بل عجبت ويسخرون) ، ~~قرأها الأعمش، وحمزة، والكسائي، وجماعة من القراء برفع التاء، والقراءة ~~سنة، وكل ما قرأه القراء المشهورون، فهي مأثورة عن النبي صلى الله عليه ms160 ~~وسلم، إذا فقراءة هذه الحروف برفع التاء يجب أن يكون قراءة النبي صلى الله ~~عليه وسلم , وقراءته ترتل لله عز وجل لقوله صلى الله عليه وسلم: «أنزل ~~القرآن على سبعة أحرف» ### | [ص: 203] # فالعجب إذا من الصفات التي ورد بها السمع في الكتاب، والسنة، وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «عجب الله تعالى من أقوام يقادون إلى الجنة ~~بالسلاسل» فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد عجب الله من فلان، وفلانة» ~~، يجوز أن يكون قد عظم الله تعالى ذلك منهما، وعظمهما بهذا الفعل، وعظم ~~مقدارهما، وأجل قدرهما بما فعلاه من بديع الأمر، وهو إيثارهما ضيف نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على أنفسهما، وهو الفعل الخارج عن عادات الناس. ويجوز أن ~~يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «عجب الله» ، أي: قبل الله منهما ما ~~أتياه، ورضي ما عملاه، وعظم ثوابهما على ما فعلاه ويجوز أن يكون معنى ~~التعجب منهما للمؤمنين، كأنه يقول: " أخبر الله تعالى أنهما أتيا من الأمر ~~العجيب البديع الذي لم يجار العادة، فيستعظم ذلك على جهة المدح، لمن جاء ~~به، والرضا به، والاستحسان له، وقد يستعظم الشيء على جهة الذم لمن أتى به، ~~واستقباح ذلك الفعل منه، والإنكار على من فعله، قال الله تعالى {وإن تعجب ~~فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد} [الرعد: 5] ، أنكر الله ~~تعالى ذلك القول ورسوله منهم، وهو أنهم أنكروا ما أقروا بما هو أعظم منه، ~~واستعظموا على جهة الإنكار ما جوزوا ما هو أعظم منه، وهو ابتداء الخلق من ~~الماء المهين، وإخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وخلق الشيء لا من شيء، ثم ~~أنكروا عادته بعد إفنائه، فاستعظم الله تعالى إنكارهم ذلك، فعجب رسوله ~~جحودهم قدرة الله عز وجل، وإنكارهم ما هو موجود في فطر العقول ويجوز أن ~~يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «عجب الله من أقوام يقادون إلى الجنة ~~بالسلاسل» أي: أظهر عجب هذا الأمر لخلقه، وبديع هذا الشأن، وهو أن الجنة ~~التي أخبر الله تعالى بما ms161 فيها من النعيم المقيم، والعيش الدائم فيه، ~~والخلود في النعيم المقيم الذي من حكم من سمع به من ذوي العقول، أن يسارع ~~إليها، ويبذل مجهوده في الوصول إليها، ويتحمل المكاره والمشقات لينالها، ~~وهؤلاء يمتنعون عن ذلك ### | [ص: 204] # ، ويرغبون عنها، ويزهدون فيها، حتى يقادون إليها بالسلاسل، كما يقاد إلى ~~المكروه العظيم الذي تنفر منه الطباع، ويألم منه الأبدان، وتكرهه النفوس. ~~ويجوز أن يكون معنى قوله: «عجب الله عز وجل من أقوام» ، أي: رضي عن أقوام، ~~وقيل: ناسا، ورفع أقدار عباد، وعظم مرتبة من صفتهم أنهم يقادون إلى نعيم ~~أنفسهم، وقرت أعينهم بالسلاسل، تأبيا منهم على الله تعالى، وامتناعا منه، ~~ونفرة عنه، يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يختار من خلقه من ~~يشاء، ويقبل من يريد، ويصطفي بعلمه من غير فعل يكون منهم، ولا سابقة تقدمت ~~منهم، ويعود إلى الجنة من يمتنع منها، وينقذ من النار من هو على شفا جرف ~~منها، بل هو من يتهافت فيها تهافت الفراش في النار. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «مثلي ومثلكم كرجل استوقد نارا، فجعل الفراش يتهافتون في النار، ~~فأنا آخذ بحجزكم، وأنتم تتهافتون في النار» ويجوز أن يكون فيه إخبار عن ~~عظيم فضل الله تعالى، وجليل كرمه بنى دارا، جعل فيها أنواع النعيم، وملاذ ~~النفوس، وقرات الأعين، ودعا إليها بألطف دعاء، وبذلها بأيسر مؤنة، فأعرض ~~عنها أقوام، وأبوها، ونفروا عنها، فقادهم إليها بالسلاسل، فكان هذا فضله ~~وكرمه مع أمثال هؤلاء، فكيف يكون فضله وكرمه، وبره، وإحسانه بأقوام رغبوا ~~في خدمته، وتحملوا المشقات، والمكاره في طلب مرضاته، وسألوه ما أعد لهم ~~بألسنة الافتقار، ومدوا إليه طلبا أيدي الاضطرار، واستعاذوا بوجهه الكريم ~~من عذابه الأليم، وناره التي يتهافت فيها أقوام، فبرهم عنها رحمة عليهم، ~~ونظر إليهم، فكيف يطرح فيها من يهرب منها، ويستعيذ به من الوقوع فيها، أو ~~كيف يحرم من يسأل بألطف السؤال، ويطلب إليه المجهود منه دارا يعود إليها ~~بالسلاسل من يهرب منها، ويعرض عنها، إن ذلك لا يليق ms162 بفضله وكرمه، إنه ذو ~~فضل عظيم، ومن كريم، والمستعاذ به من شيطان رجيم # PageV01P201 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P205 # قال: حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: أخ عباد بن زيد، عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر المزني رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله تعالى في كل يوم مائة مرة» قال ~~الشيخ رحمه الله: الغين: شيء يغشى القلب، فيغطيه بعض التغطية، ولا يحجبه ~~عما يشاهده، وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء، فلا يكاد يحجب عين ~~الشيء، ولا يمنع ضوءها، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه يغشى قلبه ما ~~هذه صفته، وذكر أنه يستغفر الله تعالى في كل يوم مائة مرة، فتكلم شيوخ ~~الصوفية، وكبارهم في معنى هذا الحديث، فمنهم من جعل هذه الحالة حالة تقمص، ~~وخفض، وأشار إلى بعض الحجبة، وورى بشيء منها، ومنهم من أجل قدر المصطفى صلى ~~الله عليه وسلم عن الحجبة، وأشار إلى أنه كان ينقل من حال إلى ما هو أرفع ~~منه، فإذا رفع إلى درجة، رأى ما نقل عنها تقصيرا في واجب حق الله تعالى، ~~فرأى ذلك عيبا يجب له الاستغفار منه، وتكلموا بما هو أدق من هذا وأكثر ~~وأولى، ولا يخرج إن شاء الله تعالى إشاراتهم فيه ورموزهم عن الصواب. ~~والجملة أن النبي صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق منزلة عند الله تعالى، ~~وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما # PageV01P205 # حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: أخ قيس، عن الأعمش، عن عباية ~~بن ربعي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله خلق الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما» ، فذلك قوله ~~تعالى: {وأصحاب اليمين} [الواقعة: 27] ، {وأصحاب الشمال} [الواقعة: 41] ، ~~«فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا، ~~فجعلني في ms163 ### | [ص: 206] # خيرها قبيلة» ، فذلك قوله عز وجل: {وجعلناكم شعوبا وقبائل} [الحجرات: 13] ~~، «فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله تعالى، ولا فخر، ثم جعل القبائل ~~بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا» ، فذلك قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه خير الخلق كلهم. وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن ~~الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء، وعلى الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام # PageV01P205 # وما حدثنا بكر بن حمدان، قال: ح عبد الصمد بن الفضل قال: ح جعفر بن عمر ~~العدني بمكة قال: ح الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس، رضي الله ~~عنهما، يقول: إن الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء، ~~وعلى الأنبياء، فقالوا: يا ابن عباس، فما فضله على أهل السماء قال: إن الله ~~تعالى قال لأهل السماء: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ~~كذلك نجزي الظالمين} [الأنبياء: 29] ، وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ~~[الفتح: 2] ، قالوا: يا ابن عباس، فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله ~~تعالى قال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} [إبراهيم: 4] ، ~~وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} ~~[سبأ: 28] ، فأرسله الله تعالى إلى الإنس، والجن " وفيما سماه الله تعالى ~~دليل على فضله، وهو قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} ~~[آل عمران: 144] ، فسماه محمدا، وهو المبالغة في صفة الحمد، وسماه أحمد، ~~قال الله تعالى يخبر عن روحه، وكلمته: {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد} [الصف: 6] ، فهو صلى الله عليه وسلم أفضل المحمودين، فمن استحق من ~~المخلوقين اسم الحمد، فهو صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 207] # أحمدهم، ومن استوجب المدح من المربوبين، فهو صلى الله عليه وسلم أولاهم ~~بالمدح، فمن كانت ms164 هذه صفته، فجميع صفاته بصفة المدح أولى، ونعوته بالحمد ~~أحرى، ودرجته كل يوم وساعة أعلى، ورتبته في كل حال أسنى، وهو صلى الله عليه ~~وسلم يرقى به كل وقت، وساعة، بل عند كل نفس، وفي كل طرفة، إذا فالغين الذي ~~يغشى قلبه، ويغطي سره صفة مدح، ونعت شرف، وليست فيه غضاضة، ولا خفض، بل فيه ~~رفعة، ومرتبة، وعلو حال، وحاله صلى الله عليه وسلم أعلى من أن يشرف عليها ~~إلا الله تعالى، ويعرف كنهها غيره عز وجل، فالله أعلم بحقيقة ما أغان على ~~قلبه صلى الله عليه وسلم، وإنما يتكلم على قدر ما يكشف له، وعلى مقدار حظه ~~منه. فيجوز أن يكون ما يغان على قلبه فكرة تغمه، وخاطرا يغمه من أمر عنه ~~مما أخبر عن الأحداث الكائنة فيهم، والفتن الواقعة منهم، فيصير ذلك غينا ~~على قلبه لشفقته عليهم، ورأفته بهم، ورحمته إياهم، فقد كان صلى الله عليه ~~وسلم حفيا عليهم، رءوفا بهم، عزيزا عليه عنتهم، أخبر عما يغمه من أمرهم، ~~فقال: «اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي» ، وقال مخبرا عن آدم ونوح، وإبراهيم، ~~وموسى، وعيسى صلوات الله عليهم: " إنهم يقولون نفسي نفسي، ويقول النبي: ~~أمتي، أمتي "، فكان صلى الله عليه وسلم إذا عرض سر أحوالهم، اغتم لذلك، ~~يغشى ذلك الغم قلبه، فيستغفر لهم الله عز وجل في كل يوم مائة مرة ويجوز أن ~~يكون الذي يغان على قلبه هي السكينة التي أخبر الله تعالى أنه أنزلها عليه ~~لقوله جل جلاله: {فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} [التوبة: ~~40] ### | [ص: 208] # ، وقال: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} [الفتح: 26] ، ~~فالذي ينزل على المؤمنين الطمأنينة إلى موعود الله تعالى بالنصر لهم، ~~والظفر على عدوهم، والثبات عند اللقاء، والصبر عند البلاء، والذي نزل على ~~قلبه على ما يليق بحاله، وما يحدث الله عز وجل به من اللطايف التي يحلها ~~قلبه، ويودعها صدره، فقد قال الله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم: ~~11] وقال: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} [النجم: 18] ، أخرجها عن الأوهام ms165 ~~بقوله: {الكبرى} [النجم: 18] ، ولقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم السكينة ~~بالعظام فيما # PageV01P206 # حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح أبو بكر، عن عاصم، ~~عن زر، عن أسيد بن حضير، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله إني كنت قرأت البارحة سورة الكهف، فجاء شيء غطى فمي، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «تلك السكينة جاءت تسمع القرآن» فوصف النبي صلى الله عليه ~~وسلم السكينة بأنها تغطي الفم، وأخبر أنه يغان على قلبه، والغين الغطاء، ~~وأخبر الله عز وجل أنه أنزل على قلبه السكينة، فجاز أن يكون الذي يغطي قلبه ~~هو السكينة، وتكون السكينة هي أودعها الله تعالى قلبه من اللطائف التي ~~يحدثها فيه، وينزلها على ستره، لا يعلمها إلا منزلها عليه، فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: «لي مع الله وقت لا يسمعني فيه غيره» ، فأخبر أن أوقاته ~~خارجة عن إفهام الخلق، وكانت السكينة في بني إسرائيل في التابوت، فكانت إذا ~~هرت هرير الهرة، فالظفر، والنصر، والفتح، والعلو، والذي ينزل على قلب ~~المؤمنين، يكون معها الطمأنينة، والثبات، وموعد الحسنى من الله عز وجل، ~~والتي نزلت على أسيد بن حضير استمعت القرآن، فكذلك التي تنزل على قلب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، يكون معها من اللطايف التي تقصر الأفهام عن إدراكها، ~~ويعجز العقول عن كنه معرفتها، وتحسن الأفهام والفطن عن الوقوف عليها، ويكون ~~الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم عقيبها إظهار العبودية، ورؤية الافتقار، ~~وإشارة على الافتخار بالعبودية لله الغفار؛ لأن من أحب أوصاف العباد إلى ~~الله إظهار الفقر، ورؤية الاضطرار إلى الله، وهما سمة العبودية، وكان ~~استغفاره إظهار فقره والافتخار بالعبودية لسيده، لا أن يمحو به ذنبا، أو ### | [ص: 209] # ذنبه، أو خطيئة اكتسبها، ألا ترى إلى الله عز وجل لما خاطبه بأجل ~~المخاطبة، وأمره بأعلى الأوامر، وهو العلم بالله تعالى أتبعه الأمر ~~بالاستغفار، فقال جل جلاله: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} ~~[محمد: 19] ، فالعلم بلا إله إلا الله ms166 أجل أحواله، وأعلى مراتبه، وأرفع ~~درجاته، وهو فضل تفضل الله به عليه، فكان علمه بلا إله إلا الله؛ لأنه كما ~~كان صبره بالله، لا بذاته، أنه قال الله تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} ~~[النحل: 127] ، فأتبع جليل هذا العطاء، وكريم هذا الحباء، الذي هو العلم ~~بالله، الاستغفار ليكون إظهار العبودية عند ظهور الربوبية # PageV01P208 # ألا ترى إلى ما روي في الحديث، أنه قال في ذكر القيامة: " فيستقبلني ~~الجبار، فأخر له ساجدا، فيقول: يا محمد قل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، ~~فأقول: يا رب أمتي، أمتي، فيقول عز وجل: اذهب، فمن وجدت في قلبه مثقال نصف ~~حبة من شعير من إيمان، فأدخله الجنة، فأذهب، وأميز، وأدخل من شاء الله ~~برحمته، ثم أذهب، فآخذ بحلقة الجنة، فيستقبلني الجبار، فأخر له ساجدا "، ~~ذكر في الحديث مرة بعد أخرى حدثنا به عبد العزيز بن محمد، ح محمد بن ~~إبراهيم، ح محمد بن إسماعيل بن جعفر، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن ~~سهيل، عن صالح، عن زياد النميري، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حديث طويل، نسوقه فيما بعد عند الإخبار عن معناه إن شاء الله تعالى، ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم، أنه صلى الله عليه وسلم لما أحدث الله تعالى له ~~كرامة أحدث عندها خضوعا، فكذلك إذا أحدث الله له في لطائفه في إنزال ~~السكينة على قلبه أحدث عندها خضوعا بإظهار الافتقار بصفة الاستغفار، وفي ~~الاستغفار معنى آخر لطيف، وهو استدعاء المحبة من الله؛ لأن الله تعالى قال: ~~{إن الله يحب التوابين} [البقرة: 222] فكان صلى الله عليه وسلم يحدث في كل ~~حال توبة، ليستوجب من ربه المحبة، فكان استغفاره إظهار توبته، وتوبته ~~استدعاء محبته، والله أعلم. ويجوز أن يكون: معنى تغشى السكينة قلبه صلى ~~الله عليه وسلم لسماع ما يناجي به الحبيب حبيبه، كما كان تغشيها فم أسيد بن ~~حضير لسماع القرآن، كأن القرآن كان يسمع من أسيد بن حضير، ومن غيره ### | [ص: 210] # . وما يناجي به النبي صلى الله عليه ms167 وسلم ربه تعالى لا يسمع من غيره، ~~فاستماع السكينة بمناجاة قلب النبي صلى الله عليه وسلم أولى من استماعها ~~لقراءة أسيد، ومما يجوز أن يكون مناجاة القلب منه صلى الله عليه وسلم ما ~~روي: «أنه كان إذا قام إلى الصلاة سمع له أزيز كأزيز المرجل» ، فإذا جاز أن ~~يسمع الناس من قلبه، جاز أن يسمع السكينة من قلبه، فيكون تغشيها قلبه لسماع ~~مناجاة حبيب الله، كما كان تغشيها فم أسيد لسماع قراءة كلام الله تعالى # PageV01P209 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P210 # حدثنا حاتم، ح يحيى، ح الحماني، عن عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن ~~الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: سمعته يقول: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت، ~~يتغنى بالقرآن يجهر به» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: إن الإنسان إذا ~~أصابه غم، فأحب أن يتسلى بشيء، أو ضاق صدره من أمر، فأراد أن يفرح، أو ~~أصابته وحشة فأحب إزالتها عنه، ربما يغني، وهو أن ينغم، ويرجع صوته لشيء من ~~الشعر، والزجل، والمنظوم من الكلام، يطلب بذلك راحة وفرحة مما هو فيه من ~~الوحشة أو الكرب، والغم ### | [ص: 211] # . والأنبياء، والرسل، وأفاضل الأولياء، والصديقون همومهم هم المعاد، ~~وكربهم كرب الدين، ووحشتهم مما دون الله، وضيق صدورهم عما يشغلهم عن الله، ~~فهم لا يتفرحون من كربهم إلا بذكر ربهم، ولا ينسلون عن غمومهم وهمومهم إلا ~~بمولاهم، فيرجعون أصواتهم بقراءة القرآن الذي من محبوبهم بدأ، وإليه يعود، ~~وبخشيته من قلوبهم، ورقة من أفواه أفئدتهم، ويزان محبته بين ضلوعهم وماء ~~الاشتياق يجري على خدودهم، فتحسن لذلك أصواتهم؛ لأن حسن الصوت بالقرآن هو ~~قراءته على خشية من الله. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله من ~~أحسن الناس صوتا بالقرآن؟ فقال: «من إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى» ~~فأخبر أن حسن الصوت بالقرآن قراءته على خشية من الله. فقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «حسن الصوت يتغنى بالقرآن» ، يريد به ms168 إن شاء الله قراءته على خشيته ~~من الله عز وجل، وخشوع في نفسه، ورقة من فؤاده، وهي قراءة الأنبياء عليهم ~~السلام، وأفاضل الأولياء، ليس ترجيع الصوت والإلحان، وتحريك الحنك، كفعل من ~~يتلهى بكلام المحدث الذي يريد به إثارة الشهوات الخفية بقلوب لاهية، وأفئدة ~~ساهية تتزين للناس، ولا يطرد الخناس، ويزيد في الوسواس، فمن رزق حسن ~~النعمة، وخشية القلب، ورقة الفؤاد، فقرأ القرآن مترسلا له، مرتلا حق حروفه، ~~فذلك الكامل الذي أوتي مزمارا من مزامير آل داود كما قال صلى الله عليه ~~وسلم حين سمع قراءة أبي موسى، فقال: «لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير ~~داود» صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 212] # . وقال أبو موسى رضي الله عنه، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد ~~سمعت قراءتك» ، فقال: أما لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرا ومن ~~لم يرزق حسن النعمة، وأتي بما سواها من لم يخرج إن شاء الله تعالى من صفة ~~من يأذن الله له بحسن صوته وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء ما ~~أذن لنبي» ، أي: ما رضي من المسموعات شيئا هو أرضى عنده، ولا أحب إليه، ولا ~~آثر لديه من قراءة القرآن على خشية من الله، والله تعالى موصوف بالسمع ~~والبصر، والرؤية، والإدراك، وهو السميع البصير، والسمع صفة له على الحقيقة ~~في ذاته بخلاف ما يفعل من استماع المحدثين , تعالى الله عن صفات الحدث علوا ~~كبيرا، فهو سامع للمسموعات على الحقيقة ليستمع، هو له صفة، وليست بجارحة، ~~فإذن الله سماعه لقراءة القرآن، وهو تعالى لا يوصف بأنه أسمع بشيء منه ~~لغيره، ولا يوصف بالاستماع الذي هو جمع الفكر، وإحضار السر، وإلقاء السمع. ~~فلذلك حمل معنى تخصيص سماع القرآن منه على الرضا والمحبة والإيثار، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» ، يجوز أن يكون ~~معناه من لم يتفرج من غمومه، ولم يكتف مما يلهيه عن كربه، ويسليه عن همومه، ~~ويطرد وحشاته بقراءة القرآن والتفكر فيه، والتدبر له ms169 فليس منا، أي: ليس ذلك ~~من أوصافنا، ولا تشبه بنا طريقة وصفة، وإن كان منا نحلة وملة هي قوله: «من ~~لم يتغن بالقرآن فليس منا» له معنيان: أحدهما: أن من لم يكن همومه هموم ~~المعاد، ووحشته من أوصاف المحدثين فليس منا؛ لأن التسلي بكلام الله إنما ~~يكون من كرب الدين والهموم ### | [ص: 213] # التي تكون في الله، فيكون التسلي منها بما من الله تعالى، فأما هموم ~~الدنيا من جهة فواتها ونيلها، ووحشة الخلق من الاتزان والأخدان، فإنما يطلب ~~لها الملاهي، وترجيع الأصوات بالأغاني. والمعنى الآخر: أن من لم يستأنس ~~بالله وأذكاره، ولم يرجع إلى الله عند ضروراته، ولم تكن صفاته جل وعز حائلة ~~له عن وحشة صفاته، فليس منا خلقا وسيرة، وإن كان منا نطقا وسريرة. والله ~~أعلم # PageV01P210 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P213 # حدثنا حاتم، ح يحيى قال: ح الحماني قال: ح إبراهيم بن سعد، عن صالح بن ~~كيسان، عن ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن محمد بن سعد، عن أبيه ~~قال: استأذن عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من ~~قريش يسألنه يستكثرنه عالية أصواتهن على صوت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعمر تبادرن الحجاب، فدخل عمر والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ~~من أي شيء ضحكت؟ قال: «عجبت من هؤلاء النسوة اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك ~~تبادرن الحجاب» ، فقال عمر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي كنت أحق أن يهبن، ~~فأقبل عمر عليهن فقال: أي عدوات أنفسهن تهبنني ولا تهبن رسول الله؟ فقلن ~~لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: «والذي نفس محمد بيده يا ابن الخطاب ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط ~~إلا سلك فجا غير فجك» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: قال قائل: ظاهر ~~هذا الحديث يرى أن الشيطان كان يهاب عمر، ولا ms170 يهاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأن الشيطان حضر بحضور النسوة، فلما ذهب الشيطان بحضور عمر تبادرت ~~النسوة الحجاب، والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد، وهو أرفع درجة، وأعلى رتبة ~~من عمر، فكيف لم يهبه الشيطان، وهاب عمر رضي الله عنه؟ ### | [ص: 214] # فالجواب: أنه ليس في الحديث ما يدل على حضور الشيطان حضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه بعذرهن ~~في هيبتهن إياه، فقال: وكيف لا يهبنك، والشيطان يهابك، ولو كان الحال يوجب ~~حضور الشيطان لكانت الحال حال معصية، ولو كان كذلك لكان صلى الله عليه وسلم ~~ينهى عن ذلك، وينكر عليهن، فلما لم يفعل دل أنها لم تكن حال عصيان الله، ~~فيحضر الشيطان قال الشيخ: ومعنى قوله: «عالية أصواتهن» أرفع من صوته، ويجوز ~~أن يكون ذلك قبل نزول النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال الشيخ رحمه الله: ويجوز أن يكون الشيطان كان يخاف عمر، ولا يخاف النبي ~~صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو خاف النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل خوفه منه ~~وهيبته إياه من أحد وجهين: إما خوف إجلال وتعظيم، وهو فضله، والشيطان أبعد ~~شيء من الفضائل، أو يكون خوف عقوبة يحلها به، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن يعاجل بالعقوبة استخفافا به، وقلة مبالاة، إذ لم يكن صلى الله عليه ~~وسلم يخاف فتنته، ولا يهاب وسوسته، وقد أيس الشيطان من ذلك، فلا يوسوس ~~إليه، ولا يقرب منه، وأمن عقوبته فلم يهبه اغترارا به، وأمنا من مكر الله، ~~وهما من صفاته، أعني الاغترار بالله، وأمن مكره. وأما عمر رضي الله عنه ~~فإنه كان يخاف الشيطان أن يفتنه، ويوسوس إليه، فكان يناصبه ويستعد له، ~~وينصر عليه، فكان الشيطان يخافه لاستعداده له، ومناصبته إياه، فكان يترك ~~فجه، وسبيله حذرا منه. وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يبالي به، ~~ولا يتفكر فيه استخفافا به، واستصغارا له، كأنه ليس بشيء. وقد ms171 قال أبو ~~حازم: وما الشيطان حتى يهاب، فوالله لقد أطيع فما نفع، وعصي فما ضر وعامر ~~بن عبد الله كان الشيطان يتمثل له في صورة حية في موضع سجوده، فكان إذا ~~أراد أن يسجد نحاه بيده، ويقول: والله لولا نتنك لم أزل أسجد عليك وقال بعض ~~الكبار: لولا أن الله تعالى أمر بالاستعاذة من الشيطان ما استعذت منه , ### | [ص: 215] # ولو ناصبوه واستعدوا له أتعبوه تعبا لا يقرب منهم، ألا ترى إلى ما روي في ~~الحديث: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص» ، هذا فيمن لم يقصد، فكيف ~~بمن يقصد له ذاكرا لله، مستعيذا به منه، غير أن الأنبياء عليهم السلام، ~~والأكابر ممن دونهم لا يبالونه، ولا يتفكرون فيه، فهو يأمنهم اغترارا ~~بالله، فيدنو منهم يروم منهم ما يروم من غيرهم فلا يضرهم، يضر نفسه، كمثل ~~الفراش يأمن النار فيدنو منها فيحرق نفسه، ألا ترى إلى ما روي في حديث عيسى ~~ابن مريم صلوات الله عليه، وهو ما # PageV01P213 # حدثنا محمد بن محمد بن محمود، قال: ح نصر بن زكريا قال: ح عمار بن الحسن ~~قال: ح سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، قال: كان إبليس فيما ذكر لي قد ~~اعترض لعيسى ابن مريم عليه السلام، وهو شبه أفيق فسد عليه الطريق، فقال له: ~~أنت المسيح ابن مريم؟ فقال له عيسى: نعم، أنا المسيح ابن مريم روح الله ~~وكلمته من أسمائي أني عبد الله، وابن أمته، فقال له إبليس: أنت إله الأرض ~~بلغ من عظم ربوبيتك أنك تخلق الطير من الطين، وتشفي المرضى، وتحيي الموتى؟ ~~فقال: بل العظمة للذي خلقني، وخلق ما سخر لي، وبإذنه أشفيهم، ولو شاء ~~أمرضني، ساق الحديث إلى أن قال له: هلم أعبد لك الشياطين، وآمرهم بالاعتراف ~~والسجود لك، فيراهم بنو آدم فيعترفون لك بالسجود، فتكون إله الأرض، فأعظم ~~عيسى ذلك من قوله، فقال: سبحان الله عما يقول وبحمده، سبحان الله وبحمده ~~ملء سمائه وأرضه، وعدد خلقه، ورضا نفسه، ومبلغ علمه، ومنتهى كلماته، وزنة ~~عرشه. فلما قال ms172 عيسى نزل جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، فثبت جبريل ~~مع عيسى، ونفخ ميكائيل إبليس نفخة ذهب يطم منها على وجهه نحو مطلع الشمال، ~~لا يملك من نفسه شيئا، حتى صدم عين الشمس عند طلوعها، فخر وحيدا محترقا، ~~وأتبعه إسرافيل حثيثا، فصدمه صدمة أخرى نحو مغربها، فذهب يطم لا يملك من ~~نفسه شيئا، حتى إذا مر بحال عيسى حيث فارقه قال: لقيت منك يا ابن مريم ~~نصبا، ثم لم يك # PageV01P215 # له ناهية، حتى وقع في العين الحامئة التي تغرب فيها الشمس، فغرق فيها ~~سبعة أيام لا يقدر على أن يتخلص منها، كلما اطلع منه شيء عجبت الملائكة حتى ~~تخلص بعد السبع، وما كاد فيما رام عيسى بعد ذلك، ولا زال له هايبا " فدل ~~على أن دنوه من عيسى عليه السلام كان اغترارا منه به، وأمنا من مكر الله ~~لقلة التفات عيسى إليه، واكتراثه واشتغاله به، فأمنه، فدنا منه، فأهلك ~~نفسه، وكل من أمن شيئا ثقة بالله وخوفا منه، وتوكلا عليه، فلم يلتفت إلى ~~المخوف، ولم يشتغل به أمنه ذلك المخوف، إما ثقة واستئناسا كما تأنس الطير ~~والوحوش إلى من لا يتعرض لها، والسباع والأسد # PageV01P216 # كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أنه خرج في سفر، فإذا الجماعة ~~على ظهر الطريق، فقال ابن عمر: ما هذا؟ قالوا: أسد قطع الطريق على الناس، ~~فنزل ابن عمر فمشى حتى أخذ بأذنه، ثم نفاه، ثم قال: ما كذب عليك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو أن ابن ~~آدم لم يخف غير الله ما سلط الله عليه غيره، وإنما وكل ابن آدم لما رجا ابن ~~آدم، ولو أن ابن آدم لم يرج غير الله لم يكله الله إلى غيره» حدثناه عبد ~~الله بن محمد بن يعقوب الحارثي رحمه الله، حدثنا محمد بن صالح أبو بكر ~~البلخي، ح عمرو بن عثمان، ح بقية، حدثنا ابن حزيم، حدثني ابن أبي وهب ~~القريشي، عن عبد الله بن عمر، ms173 أنه خرج في سفر، الحديث فدل هذا الحديث أنه ~~لما أمن الأسد ثقة بالله، فأخذ بأذنه أمنه الأسد فلم يهرب منه، وسهل إنكاره ~~غيبة عنها لخوف الله تعالى، غابت الأشياء عنه. وسئل بعض الكبار من الخائف؟ ~~فقال: الذي تخافه المخلوقات، وهو الذي غلب عليه خوف الله، فصار خوفا كله، ~~فيخافه كل شيء، كما روي في الحديث: " إن النار تقول يوم القيامة: جز يا ~~مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي" # PageV01P216 # أنشد بعض الكبار: # [البحر الكامل] # يحترق بالنار من يحس بها ... فمن هو النار كيف يحترق # فكان عمر رضي الله عنه بصفة من يخافه المخلوقات لغلبة خوف الله عليه، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم بصفة من أمنته المخاوف غيبة عنها بشهود مولاه. ~~فإن قيل: فقد قال الله تعالى في قصة آدم عليه السلام وحواء {فوسوس لهما ~~الشيطان} [الأعراف: 20] الآية، وقال تعالى {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم ~~هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] ، فقد نال الشيطان من آدم ~~بوسوسته له، فأخرجه من الجنة؟ قيل: إن آدم عليه السلام لم يلتفت إلى وسوسة ~~إبليس، ولم يأكل من الشجرة بوسوسته إليه، وإنما أكل منها؛ لأنه نهي عن عين ~~تلك الشجرة لا عن جنسها، فأكل من غير تلك العين، فأخطأ في تأويله، وأخرج ~~إلى الأرض؛ لأنه خلق خليفة لها، قال الله تعالى {إني جاعل في الأرض خليفة} ~~[البقرة: 30] ، ولكن لما وافق أكله تزيين إبليس له، ووسوسته إياه نسب ~~إخراجهما من الجنة إليه، فقال {فأخرجهما مما كانا فيه} [البقرة: 36] ولم ~~يقصد إبليس إخراجه منها، وإنما قصد إسقاطه من رتبته، وإبعاده كما بعد هو، ~~فلم يبلغ مقصده، ولا أدرك مراده، بل ازداد سخنة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن، ~~قال الله {اجتباه ربه فتاب عليه وهدى} [طه: 122] فصار آدم عليه السلام ~~خليفة لله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار. ~~والله أعلم # PageV01P217 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P218 # حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، ح القاسم بن زكريا المقرئ، ح ~~محمد ms174 بن الصباح، ح الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، ~~عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن» # PageV01P218 # قال أبو محمد وزادني في هذا الحديث أحمد بن عبد الله بن نصر بن بحير ~~القاضي بن محمد بن أحمد بن عصمة الرملي حدثه، ح سوار بن عمارة، حدثني هقل، ~~عن الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني وهو حين يزني مؤمن، ولا ~~يسرق السارق وهو حين يسرق مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو حين يشربها مؤمن، ولا ~~ينهب نهبة ذات شرف يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم وهو حين ينتهبها مؤمن» ~~، قال: فقلت للزهري فإن لم يكن مؤمنا فمه؟ قال: فنفر عن ذلك وقال: أمروا ~~الأحاديث كما أمرها من قبلكم، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ورضي الله عنهم أمروها قال الشيخ رحمه الله:: قول الزهري: أمروا الأحاديث ~~كما أمرها من قبلكم تسليم لأمر الله تعالى، وانقياد لرسول الله، وتصديق له، ~~وإيمان به فيما علم وجهل، وترك الاعتراض على الله ورسوله، والحكم عليهما ~~بالعقول الضعيفة، والأفهام السخيفة، إيمانا بالله ورسوله، وتصديقا لهما، ~~وتوكيلا لعلم تأويل ما جهلناه إلى الله ورسوله، والقدوة فيه أبو بكر وعمر، ~~وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسلمان رضي الله عنهم، وكثير من العلماء ~~كالزهري، والأوزاعي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري رحمه الله ### | [ص: 219] # . وكذلك قولهم في الأخبار المتشابهة، لا يردونها رد منكر جاحد، ولا ~~يتأولونها تأويل متحكم متكلف، بل يؤمنون بها إيمان مصدق مسلم، ويرونها ~~رواية فقيه مسلم، وقد تأولها قوم من فقهاء الصحابة والتابعين، وسائر فقهاء ~~المسلمين، وعلماء الدين على ما يليق بالله ورسوله من غير تشبيه ولا تعطيل، ~~ولا تكذيب بتحريف تأويل طلبا للحكمة فيها على قدر أفهامهم، ومبلغ عقولهم، ~~ونور أسرارهم، ms175 وشرح صدورهم، بانتزاع التأويل من الكتاب والسنة، وأقاويل ~~فقهاء الأمة، وعلى قدر الحكمة التي يهب الله منها من يشاء، ويؤتها من يريد، ~~ومن أوتيها فقد أوتي خيرا كثيرا. فيجوز أن يكون تأويل قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» أي: لا يزني وهو في حين ما يزني ~~مكاشف في إيمانه، مشاهد لما آمن به بإيقانه، بل هو في وقت فعله ذلك عن ~~تحقيق إيمانه محجوب، وبغلبة شهوته عن شهود إيقانه مسلوب، فإيمانه في قلبه ~~من جهة العقد ثابت، ونور إيمانه من جهة اليقين مطموس؛ لأن الموصوفين ~~بالإيمان على ثلاث طبقات فمنهم: ناطق بكلمة الإخلاص محجوب القلب فيه عن صدق ~~الإخلاص، فهو مؤمن العلانية كافر السريرة، قال الله تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136] وناطق بكلمة التقوى منطو في سره ~~على صدق الدعوى، أقر بلسانه وأخلص لحياته، مضطرب الحال فيما يوجبه إيمانه، ~~فمرة بالجنة موصوف، وأخرى بالكشوف معروف، لم يلبس إيمانه بظلم، ولم يجرده ~~بيقين شهوده حقيقة علم، فهو مؤمن العلانية مؤمن السريرة مخلط الفعل، قال ~~الله تعالى {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: ~~102] ، وقال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} ~~[الصف: 2] ، وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] ~~طولب هؤلاء بوفاء ما صحت به عقيدتهم، وصدقت قولهم سريرتهم، فدل أنهم في ~~حجبة عما نطقوا به واعتقدوه، ومقر بلا إله إلا الله، قد أسقط عن سره ما دون ~~الله، وأقبل بكليته على الله، وأسرع بسيره إلى الله بكشوف إيمانه، وصدق ~~إيقانه، حجبه إيمانه عن كثير من لذاته، وصرفه إيقانه عن شهواته، فهو يشاهد ~~ما آمن به كأنه رأى عيانا، فيرى ما غلب عن بصره بعين، كما قال حارثة: كأني ~~أنظر إلى عرش ربي بارزا ### | [ص: 220] # ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون، وإلى أهل النار يعذبون، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «عبد نور الله قلبه» ، وفي رواية أخرى: «عبد نور الله ~~الإيمان في ms176 قلبه» ، فهذا المكاشف بالإيمان شهودا لما آمن به، قال الله ~~تعالى {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] ، فمن ~~كان بهذه الصفة، فهو محجوب بإيمانه عن الزنا والسرقة، وشرب الخمر، وانتهاب ~~نهبة ذات شرف، ومن حجب عن إيمانه بظلمة غفلته، ودخان شهوته ربما واقع هذه ~~الأعمال ووصف بهذه الخصال ما بلغ من حق إيمانه أن أسقط إباحتها من سره لم ~~يبلغ حقيقة حقه أن يجانبها بعقله، فهو في وقت مواقعتها والإتيان بها غير ~~موصوف بحقيقة حق الإيمان، وإن كان موصوفا بصدق الإيمان، فهو مؤمن إيمان ~~عقود، وليس بمؤمن إيمان شهود ففي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني ~~حين يزني وهو مؤمن» معنيان: أحدهما: كالعذر له، كأنه يقول: لم يزن الزاني ~~حين يزني جحودا واستكبارا، ولكنه فعل ذلك حجة واستتارا والمعنى الآخر: ~~كالتحذير عن مبالغة الهوى، والانهماك في الشهوات والمنى، كأنه يقول: غفلة ~~ساعة واتباع شهوة حجبته عن حقيقة إيقانه، فغير مأمون إن دامت غفلته، ~~واستحكمت فيه شهوته أن يزيله شؤم فعله عن حقيقة إيمانه، فالزنا عبارة عن ~~جميع شهوات النفس المحظورة المحرمة، والشرف عبارة عن الرغبة في الدنيا مما ~~حرم الله تعالى، وشرب الخمر عبارة عن الغفلة عن الله تعالى، والانتهاب ~~عبارة عن الحرص فيما حرم الله تعالى، ففيه تحذير عن متابعة الشهوات والرغبة ~~في اللذات والغفلة عن الله والحرص فيما حرم الله تعالى، والاستخفاف بأولياء ~~الله تعالى؛ لأن المنتهب نهبته رفع المؤمنين أبصارهم مستخف بهم غير مقر ~~لهم، ولا معظم حقهم # PageV01P218 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P221 # ح أحمد بن عبد الله بن محمد الهروي قال: ح أبو يعلى الموصلي، ح هدبة بن ~~خالد، ح حماد بن سلمة، ح ثابت البناني، وسليمان التيمي، عن أنس بن مالك، ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مررت بموسى عليه ~~السلام ليلة أسري بي، وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر» قال سالم ~~بن هانئ: سألت وكيعا عن هذا الحديث، فقال: يا خراساني أخبار رويت فأمروها ms177 ~~كما نقلت. قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: هذا مذهب وكيع، وجماعة من ~~علماء الأثر، وكثير من فقهاء النظر في أخبار المتشابهة، يرون روايتها، ولا ~~يرون البحث، وبحث عنها غيرهم من العلماء، وأجازوا طلب تأويلها، فأولوها على ~~الأوجه، والأبعد من الشبه، والأشبه بالأصول. فيجوز أن يكون معنى قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره» أي: يدعو الله، ~~ويثني عليه، ويذكره وهو حي أحياه الله بعد موته كما أحيا الشهداء، قال الله ~~تعالى {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين} [آل عمران: 170] ، فإذا كان الشهداء أحياء يرزقون، فكيف ~~بالأنبياء، والرسل؟ # PageV01P221 # فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله: «ألا أبشرك يا ~~جابر؟» قال: فقلت: بلى يا رسول الله قال: «إن أباك أصيب بأحد أحياه الله» ، ~~ثم قال له: " ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ فقال: أي رب أحب أن ~~تردني إلى الدنيا، فأقاتل فيك، فأقتل مرة أخرى " ### | [ص: 222] # حدثناه محمد بن محمد بن محمود، ح نصر بن زكريا، ح عمار بن الحسن، ح سلمة ~~بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثني بعض أصحابي، عن عبد الله بن ~~محمد بن عقيل بن أبي طالب، قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، يقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أبشرك يا جابر؟» # PageV01P221 # وحدثنا محمد بن محمد بن علي، ح نصر، ح عمار، ح سلمة، حدثني محمد بن ~~إسحاق، عن الحارث بن الفضيل الأنصاري، عن محمود بن سيد الأنصار، عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على ~~بارق نهر بباب الجنة، ويظهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من ~~الجنة بكرة وعشيا» فأخبر أنهم أحياء يرزقون، فإذا كانت الشهداء أحياء، ~~فالأنبياء أولى وأحق. وتأويل من قال: إن هذا في القيامة، وإنه خبر عن ~~المستقبل، وإن كان جاء على لفظ الماضي، ms178 كما قال الله تعالى {إذ قال الله يا ~~عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس} [المائدة: 116] ، معناه يقول الله، فليس يصح ~~هذا التأويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما تحب يا عبد الله أن ~~أفعل بك؟ قال: أحب أن تردني إلى الدنيا، فأقاتل فيك "، ويوم القيامة لا ~~دنيا، وقد بادت الدنيا قبل ذلك، وزال الإخبار والابتلاء والأمر والنهي ~~والقتال والجهاد، فكيف يجوز أن يقول: ردني إلى الدنيا، فأقاتل فيك، وهو ~~يعلم أنها قد ذهبت، وأن القتال قد رفع، فصح أن هذا إنما كان والدنيا باقية، ~~والقتال واجب، والجهاد قائم، فإذا جاء حياة الشهداء بالكتاب والسنة، جاز ~~حياة الأنبياء والرسل عليهم السلام، والحي يذكر الله، ويثني عليه ويدعوه ### | [ص: 223] # . ويجوز أن يكون قوله: «يصلي» على حقيقة الصلاة التي هي القيام والركوع ~~والسجود؛ لأنه بعد في الدنيا، والدنيا دار تعبد؛ لأن السماوات والأرض من ~~الدنيا، وإنما ترتفع العبادات في الجنة التي هي دار الثواب، وفي الآخرة ~~التي لا زوال لها، ولا انتقال لأهلها. ألا ترى أن السماوات مكان العبادات ~~للملائكة، فيجوز أن يكون موسى مر به عليهما الصلاة والسلام وهو حي قائم ~~يصلي على الحقيقة في قبره، وقد فسح له قبره، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إنما هي روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار» ، فكان قبر موسى ~~روضة من رياض الجنة، وهو قائم يصلي فيها، وإن كان القبر في الأرض عند ~~الكثيب الأحمر، كما أن ما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره ~~روضة من رياض الجنة، وإن كان في المدينة فإن قيل: قد جاء في حديث المعراج ~~أنه رأى موسى في بعض السماوات، وسلم عليه، والحديث مشهور؟ قيل: يجوز أن ~~يكون رآه حين مر به يصلي في قبره، ثم رفع قبله إلى السماء السادسة فرآه ~~فيها، وراجعه في أمر الصلاة حين فرضت عليه خمسون صلاة، فما زال موسى يراجعه ~~فيها حتى جعلت خمس صلوات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في ms179 أول ~~الليل عند أهله فرفع إلى السماء، أو إلى سدرة المنتهى، ورد قبل الصبح إلى ~~بيته، فكذلك موسى كان في الأرض يصلي في قبره حين مر به، ثم رفع إلى السماء ~~السادسة، فراجعه فيها ويجوز أن يكون موسى عليه السلام لم يمت على الحقيقة، ~~بل يكون صعقة كصعقته في الطور، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من ~~تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى عند ساق العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو ~~جوزني بصعقته في الطور، أو ممن استثنى الله» . هذا معنى الحديث. والله أعلم ~~بلفظه ### | [ص: 224] # . فيجوز أن يكون لم يمت موسى عليه السلام، وأخبر بجوازه من وجهين: ~~أحدهما: أنه جوزني بصعقته في الطور، فيكون قد دخل في جملة قوله تعالى {كل ~~نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] ، وقد ذاقها. والآخر: من جهة استثناء ~~الله بقوله {فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} ، فيجوز أن ~~يكون موسى عليه السلام ممن يشاء أن لا يصعق، والله أعلم فيكون معنى صلاته ~~في قبره إذا حمل على الصلاة التي هي القيام والركوع والسجود في قبره وهو في ~~الدنيا على أنه لم يمت، وجوزي بالصعقة، فإن حمل على الموت ويفيق في الآخرة ~~قبل النبي صلى الله عليه وسلم فهو إذا ليس في الدنيا حكما، وإن كان فيها ~~نكوسا من جهة أنه صلى الله عليه وسلم في قبره، وقبره في الدنيا، كما أن أهل ~~القبور في الدنيا من جهة كونهم بأجسادهم فيما بيننا، وهم في الآخرة حكما، ~~على معنى أنه قد ارتفعت عنهم أحكام أهل الدنيا، وظهرت لهم الآخرة وأحكامها، ~~والله تعالى أعلم. فيكون صلاته ثناء ودعاء وذكرا دون الركوع والسجود التي ~~هي العبادة؛ لأنه إن مات فقد صار في حكم الآخرة، وليست الآخرة بدار عبادة، ~~ولكنها دار الثواب والعقاب، وهي دار الذكر والثناء والدعاء. قال الله تعالى ~~{دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام} [يونس: 10] الآية. وقال الله ~~عز وجل {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} [فاطر: 34] الآية، والله ms180 أعلم # PageV01P222 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P224 # ح نصر بن الفتح، ح أبو عيسى، ح هارون بن إسحاق الهمداني، ح عبدة، عن هشام ~~بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب ~~النار، وعذاب القبر، وفتنة القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة ### | [ص: 225] # الفقر، ومن سوء المسيح الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج، والبرد، ~~ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين ~~خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم ~~والمأثم والمغرم» قال الشيخ رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك ~~من فتنة النار» فالفتنة تنصرف على وجوه: أحدها: وهو الألين في هذا المكان ~~هي التصفية والتهذيب، يقال: هذا ذهب مفتون إذا دخل النار فنفي عنه الخبث، ~~ويقال للصائغ: الفاتن؛ لأنه يفتن الذهب والفضة، أي يصفيهما بالنار، ويزيل ~~الخبث عنهما، كذا قال أهل اللغة. ومن ذلك قول الله تعالى {ولقد فتنا ~~سليمان} [ص: 34] ، معناه هذبناه وصفيناه من الأوصاف الذميمة , وكذلك قوله ~~تعالى {وظن داود أنما فتناه} ، أي: علم أنا هذبناه، وأدبناه، ونبهناه , ~~فيجوز أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك من فتنة النار» أي: ~~أن يكون تصفيتي وتهذيبي بالنار وتأديبي بها، وذلك أن الخطايا والذنوب ~~يكفرها الله بالمحن والبلايا في الدنيا، وبالمصائب والأمراض؛ ### | [ص: 226] # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على ~~الأرض ما له من ذنب» وتكون الكفارة والتمحيص بعد الموت في القبر، وفي أهوال ~~القيامة، ويكون بالعفو والتجاوز فضلا من الله، ويكون شفاعة الأنبياء ~~والأولياء، فإن لم يكن بهذه الأسباب فبإدخال النار، فكأنه قال: أعوذ بك من ~~أن تكون فتنتي وتمحيصي من خطاياي وكفارة ذنوبي تصفيتي منها بالنار، ولكن ~~بعفوك وفضلك وكرمك إما توفيقا للتوبة منها في الدنيا، أو التجاوز عنها في ~~الآخرة، يدل على ذلك ما جاء في حديث ms181 آخر: «أذقني برد عفوك» . ومعنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: «وعذاب النار» أي: أعوذ بك من أن تعاقبني بها، وتعذبني ~~بالنار، كأنه يقول: لا تجعلني من أهل النار الذين هم أهلها من الكفار ~~الملحدين، فإنهم هم المعذبون بها، فأما الموحدون فهم مؤدبون بها، لا معذبون ~~فيها، الدليل على ذلك ما روي أن أهل التوحيد إذا دخلوا النار قالوا: بسم ~~الله فتنزوي النار عنهم وتهرب وتقول: ما لي وأهل بسم الله، أو كلاما هذا ~~معناه قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: فائدة الدعاء هو الاضطرار، ~~وإظهار العبودية؛ لأنه أمر بذلك، وندب إليه، فمن دعا شيئا من الله فلا يخلو ~~إما أن يكون قدر الله تعالى له، أو لم يقدر، فإن قدر فقد أمر بالدعاء فإذا ~~كان ذلك اضطرارا منه، فهو واجب، وإن لم يقدر فلم يمنع من الدعاء فيما لم ~~يقدر. قال: وليست حالة في الطاعات أشرف من حال الدعاء؛ لأن الإنسان ربما ~~يشغل قلبه في جميع العبادات في الصلاة والصوم وغيرها، فأما في حالة الدعاء، ~~فيلزم جوارحه، ويضطر إليه، فأي حالة أحسن من هذا. قال: فكان دعاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأجل الاضطرار، وإظهار العبودية، إن علم أنه كان مغفورا ~~له كل ذنب. وفي حديث آخر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أهل ~~النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها» ### | [ص: 227] # وأما قوم يريد الله الرحمة، فإذا ألقوا فيها أماتهم، حتى يأذن بإخراجهم ~~فيدخلهم الجنة بفضل رحمته إياهم، وقد تكلمنا فيه قبل، وذكرنا إسناده، ومن ~~ذلك أيضا ما # PageV01P224 # حدثنا القاضي أبو الفضل الشهيد، في ح أبو سعيد الحسن بن علي العدوي، ح ~~الحسن بن علي بن راشد، ح يزيد بن هارون، ح محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ~~أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل ~~الموحدون النار أماتهم فيها، فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسهم ألم العذاب ~~تلك الساعة» ففي هذه الأخبار دلالة أن الله ms182 تعالى إنما يدخل النار للتأديب ~~والتهذيب ليس للعقوبة والتعذيب، فالعذاب لأهل النار الذين أعدت لهم، وهم ~~الكافرون والجاحدون. فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك من فتنة ~~النار» لهم وعذاب القبر، كأنه يقول: أعوذ بك أن أكون من أهل النار الذين ~~أعدت لهم النار، قال الله تعالى {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل ~~عمران: 131] ، وأعوذ بك من أن يكون تهذيبي وكفارة خطاياي بالنار، كأنه ~~يقول: أعوذ بك من النار من كل وجه كثيرها وقليلها وصغيرها وجليلها، وليست ~~النار بصغيرة ولا قليلة. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن عذاب القبر وفتنة ~~القبر» ، وعذاب القبر للكافرين، وأهل الكبائر من الموحدين، وفتنته للأماثل ~~وصالح المؤمنين بجنايات تكون منهم، أما عذاب القبر فقد قال الله تعالى في ~~آل فرعون {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر: 46] وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ومر بقبرين، فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما ~~أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الأخر فكان يمشي بالنميمة» ومعنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم: «وما يعذبان في كبير» أي: في كبير عند أنفسهما، ~~أي لم يكن ذلك عندهما كبيرا، فأخبر أن العذاب لهؤلاء. وأما فتنة القبر ~~فيجوز أن يغلظ السؤال من الملكين، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~الملكين فتاني القبر # PageV01P227 # وحدثنا محمد بن محمد، ح نصر بن زكريا، ح عمارة بن الحسن، ح سلمة بن ~~الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن معاذ بن رفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن، عن ~~جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله عنه قال: لما دفن سعد بن معاذ رضي ~~الله عنه، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح رسول الله، فسبح الناس ~~معه طويلا، ثم كبر، فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله مم سبحت؟ قال: ~~«لقد تضايق على هذا الرجل الصالح قبره حتى فرجه الله عنه» فيجوز أن يكون ~~هذا من فتنة القبر الذي استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هذا ~~من عذاب القبر، لأن ms183 سعدا رضي الله عنه من أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد استبشرت الملائكة بروح ~~سعد بن معاذ، واهتز له العرش» ### | [ص: 229] # قال النضر بن شميل: الاهتزاز: الفرح وقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن شر ~~فتنة الغنى ومن شر فتنة الفقر» ذكر الفتنة في هذين وقرنها بالشر، وذلك أن ~~الفتنة هاهنا الابتلاء والاختيار، وقال الله تعالى {وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة} [الفرقان: 20] ، وقال تعالى في شأن موسى {وفتناك فتونا} [طه: 40] أي: ~~اختبرناك وابتليناك، والاختبار والابتلاء للمؤمنين والأولياء والأنبياء ~~لإصلاحهم وإرادة الخير بهم، كما قال في شأن موسى صلى الله عليه وسلم ~~{وفتناك فتونا} [طه: 40] وفي داود وسليمان عليهما السلام {وظن داود أنما ~~فتناه} ، {ولقد فتنا سليمان} [ص: 34] ، اختبرهم، وابتلاهم ليهذبهم ويصفيهم، ~~والاختبار والابتلاء للكافرين والجاحدين إرادة الشر بهم، قال الله تعالى ~~{ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون} [الدخان: 17] وقال تعالى {فإنا قد فتنا قومك ~~من بعدك} [طه: 85] أي ضللناهم، فدل أن الاختبار يكون لإرادة الخير والشر، ~~فمن أراد الله تعالى به الخير كان الغنى فتنة له، أي: اختبارا له وابتلاء ~~ليظهر مكنون ما علم الله من طهارة سره وصفاء قلبه، وقلة نظره إلى الدنيا، ~~فلا يفتنه عن دينه، ولا يشغله عن الله؛ ### | [ص: 230] # قال الله تعالى خبرا عن نبيه سليمان عليه السلام {هذا من فضل ربي ليبلوني ~~أأشكر أم أكفر} [النمل: 40] ، ومن أراد الله تعالى به الشر فتنه بالغنى ~~فافتتن، قال الله تعالى يحكي عن قارون {قال إنما أوتيته على علم عندي} ~~[القصص: 78] ، وقال عز وجل {فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة} [الأنعام: 44] . إذا فالغنى فتنة أي: اختبار وابتلاء ~~للخير من الشر، فكأنه قال: أعوذ بك من أن تفتنني بالغنى أي: تبتليني به ~~إرادة الشر بي، وكذلك الفقر، فلما كان في الغنى والفقر شرا وخيرا، وهو بلوى ~~واختبار استعاذ من شرهما، ولم يستعذ من عينهما؛ لأن عينهما قد يكونان خيرا ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ms184 شر المسيح الدجال» فتنة واختبار ~~ليزداد إيمان المؤمن بالله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه أعور، ~~وإن ربكم ليس بأعور» ، وقال ": «مكتوب بين عينيه كافر» ، وفي رواية: «ك اف ~~ر يقرأه كل مؤمن» ، فأخبر أن المؤمن يقرأه، والكافر لا يعلمه، فيفتتن به، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبعه سبعون ألفا من يهود أصفهان عليهم ~~الطيالسة» فاستعاذ صلى الله عليه وسلم من شره، وذكر المسيح، وعرفه بقوله: ~~الدجال؛ لأنهما مسيحان: مسيح هو روح الله وكلمته وحبيبه، ومسيح هو عدو الله ~~وبغيضه ولعينه، وأهل الحديث يفرقون بينهما، فيقولون للدجال: المسيح بكسر ~~الميم وتشديد السين، وأهل اللغة لا يرون ذلك شيئا، ويؤيد قولهم تقييد النبي ~~صلى الله عليه وسلم المسيح بذكر الدجال , ### | [ص: 231] # وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد» ، ~~والعرب تعبر عن الراحة والروح وطيب العيش بالبرد، وعن ضده بالحر، ولذلك ~~قالوا للروح والروحة: قرة العين، وللغم والحزن: سخنة العين وفي الحديث: ~~«وأسألك الرضا بعد القضاء به، وعفوك، وبرد العيش» # PageV01P228 # حدثنا حاتم، ح يحيى، ح الخياط، ح حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن ~~أبيه، عن عمار، عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء طويل فيه: «وأسألك ~~الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وغسل الخطايا وتمحيصها ~~وكفارتها» ويكون ذلك بالمحن والبلايا في الدنيا، ويكون بالشدائد والأهوال ~~في الآخرة، وقد يكون بالنار، ويكون بالعفو والتجاوز، فكأنه قال: كفر خطاياي ~~بالعفو والتجاوز، فعبر عن ذلك بالثلج والبرد، وهو كقوله: أو من برد عفوك، ~~فعبر عن العفو بالثلج والبرد، والبرد هو الروح والمحبوب، وتكفير الخطايا ~~بالعفو روح وراحة ومحبوب، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بك من فتنة ~~النار» فكل واحدة من الكلمتين تؤيد صاحبتها. والتأويل الذي ذهبنا إليه فيها ~~فيكون قوله: «أعوذ بك من فتنة النار» أنه استعاذ من أن تكون الكفارة بها، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد» أنه أراد ~~تكفيرها بالعفو والفضل والتجاوز من غير ألم ms185 وشدة من حرازة محن المكان في ~~الدنيا، ووهج النار في العقبى. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ونق قلبي من ~~الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» الثوب الأبيض يظهر فيه أثر ~~الدنس، وإذا كان الثوب مصبوغا بلون آخر دون البياض فلا يكاد يظهر فيه ~~الأثر، فيجوز أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «نق قلبي من الخطايا» ~~أي: أذهب أثرها ومرادها وشهواتها عن قلبي بعد تكفيرها، فلا يبقى لها قي ~~قلبي أثر من لذة تلك الخطايا، وشهواتها، وإن كانت الخطايا مكفورة بالعفو ~~والتجاوز، فإنها إذا ذهبت شهوة المعصية، ولذته من القلب، كأن قمنا ### | [ص: 232] # لا يعود إليها، فيقول: أذهب لذة الذنوب وشهوة الخطايا المكفورة من قلبي، ~~كما أذهبت آثار الدنس من الثوب الأبيض إذا غسل، فلا أعود إليها آخر الأبد. ~~وفيه دليل على أن ما يتولد من أفعال العباد فعل الله تعالى؛ لأن الفعل ~~للثبوت أفعالنا، وذهاب الدنس الذي يتولد من الغسل نسبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الله تعالى بقوله: «كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» . وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» ~~يؤيد هذا التأويل أي: كما لا يلتقي المشرق والمغرب ولا يجتمعان، كذلك لا ~~أجتمع مع خطاياي، ولا يكون لي معها التقاء بمعنى العود إليها أبدا. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم» الكسل: فتور في ~~الإنسان عن الواجبات، فإن الفتور إذا كان في الفضول وما لا ينبغي فليس ~~بكسل، بل هو عصمة، وإذا كان في الواجبات فهو كسل، وهو الثقل، والفتور عن ~~القيام بالواجب، وهو الخذلان، قال الله عز وجل {ولكن كره الله انبعاثهم ~~فثبطهم} [التوبة: 46] ، وعاتب الله المؤمنين في التثاقل عن الواجب، والفتور ~~فيه، فقال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل ~~الله اثاقلتم إلى الأرض} [التوبة: 38] الآية. والهرم: فتور من ضعف يحل ~~بالإنسان، فلا يكون به نهوض، ففتور الهرم فتور عجز، وفتور الكسل ms186 فتور تثبيط ~~وتأخير، فاستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن الفتور في أداء الحقوق، ~~والقيام بواجب الحق من الوجهين جميعا، من جهة عجز ضرورة وحرمان منها مع ~~الإمكان. والمأثم: تضييع حقوق الله، والمغرم: تضييع حقوق العباد، فاستعاذ ~~صلى الله عليه وسلم من تضييع حق الله وحق عباده، ويجوز أن يكون المأثم ~~إتيان المناهي، والمغرم ترك الأوامر؛ فإن الغرامة إنما يلزم العبد في تضييع ~~ما استرعي، فكأنه صلى الله عليه وسلم استعاذ من أن يكون مرتكبا لنواهيه ~~مضيعا لأمره، والله أعلم # PageV01P231 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P233 # قال: ح بكر بن محمد بن حمدان قال: ح أبو قلابة وهو عبد الملك بن محمد ~~قال: ح أبو عاصم قال: ح سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عن زياد، عن معقل، عن ~~عبد الله بن مسعود، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الندم توبة» قال الشيخ رحمه الله: معنى التوبة: الرجوع، وكذلك الأوبة ~~والإنابة، فتاب وآب، وأناب بمعنى واحد، وهو الرجوع. قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «آيبون تائبون لربنا حامدون» ، وقال الله تعالى {وأنيبوا إلى ~~ربكم} [الزمر: 54] وقال تعالى {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} ~~[النور: 31] ، غير أن تحت كل لفظة خاصية وزيادة فائدة، فأكثر ما جاء ذكر ~~التوبة في كتاب الله تعالى، وإنما جاءت في الرجوع عن المعاصي، قال الله ~~تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} [التوبة: 5] ، أي: رجعوا من ~~الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان. وقال الله تعالى {إنما التوبة ~~على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} [النساء: 17] ، ~~وقال الله تعالى {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى ~~قوله {ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان: 68] ، إلى قوله {إلا من تاب وآمن} ~~[مريم: 60] ، ومثلها كثير. والأوبة فأكثر ما جاء في حال الطاعة والفعل ~~المرضي، قال الله تعالى {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} [ص: 44] ، ~~وقال {إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} [الإسراء: 25] ### | [ص: 234] # والإنابة رجوع القلب، قال الله تعالى {وجاء بقلب ms187 منيب} [ق: 33] ، وقال ~~تعالى {وأنيبوا إلى ربكم} [الزمر: 54] ، مجازي ارجعوا إلى ربكم ببواطنكم ~~ونياتكم واستسلموا لأحكامه وأوامره بظواهركم وأفعالكم وقال الله تعالى ~~{واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب} ، وقال تعالى {فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب} [ص: 24] استغفر بلسانه وخضع بأركانه، وأناب بجنانه، فالراجع إلى ~~الله من أوصافه الذميمة، وأفعاله المشينة ثواب، والراجع إلى الله في أوصافه ~~الحميدة، وأفعاله المرضية أواب، والراجع بقلبه في الأحوال كلها إلى ربه ~~منيب، هجيري التواب: أستغفر الله، وهجيري الأواب: الحمد لله، وهجيري ~~المنيب: لا إله إلا الله، فالتوبة هي الرجوع عن حال المعصية إلى حال ~~الطاعة، ومن المخالفة إلى الموافقة، والمعاصي والمخالفات فيها ما بين العبد ~~وبين الله تعالى، ومنها ما بينه وبين خلق الله تعالى، فما بينه وبين الله ~~تعالى تضييع أوامره وارتكاب مناهيه، وما بينه وبين خلق الله تعالى فأخذ ~~أموالهم، وخرق أعراضهم والندم: هو التلهف على ما فعل، وتمني أن يكون تركه، ~~والحسرة على ما ترك وتمني أن يكون فعله، فمن عصى في ارتكاب ما نهى الله عز ~~وجل وشتم أعراض خلق الله تعالى، وتناول ما حرم الله، ثم رجع عن ذلك إلى ~~الله تاركا لما نهى الله عنه، نادما على ما كان منه في ذلك فليس عليه إلا ~~الاستغفار، فيما ارتكب من نهي ربه، والاستغفار لإخوانه فيما استحل من ~~أعراضهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما # PageV01P233 # حدثناه عصمة بن محمود، قال: ح إبراهيم بن إسماعيل قال: ح أبو الفضل ~~العباس المدني بالبصرة قال: ح عمرو بن الأزهر، عن أبان، عن أبي حازم، عن ~~سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا اغتاب أحدكم أخاه، فليستغفر له، فإنه كفارته» ### | [ص: 235] # وهذا إن شاء الله فيما لم يبلغ المغتاب عنه، فأما إذا بلغه، فعليه أن ~~يسترضيه، فمن فعل ذلك فهو تائب صادق مخلص، والله يحب التوابين، وهو غفور ~~رحيم، ومن عصى الله في تضييع أوامره وترك فرائضه، وظلم عباده من أخذ ~~أموالهم، ms188 وضرب أبشارهم، ثم رجع إلى الله نادما على ما فرط منه مستقبلا أداء ~~فروضه، وإقامة أموره، باذلا مجهوده في قضاء ما فرط فيه من فرائض الله، ~~وإرضاء عباد الله، فهو تائب مخلص صادق، ومن استقبل فروض الله، وإقامة ~~أموره، وترك ظلم عباده، ولم يسع في قضاء فوائته، وإرضاء خصومه، وهو ممكن من ~~ذلك، فليس بتائب عند عامة من يقول بالإحباط، والوعيد، ولا ينفعه ما استقبل ~~مما سلف، وهو تائب فيما استقبل، عاص فيما بقي عليه من إرضاء الخصوم، وقضاء ~~الفروض عند جماعة الراجين، ومن يفعل بالمشيئة، وهو من الذين خلطوا عملا ~~صالحا، وآخر سيئا، يرجى له أن يغفر الله له في العقبى، ويتوب عليه في ~~الدنيا، قال الله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 102] فرجاء ~~التوبة عليهم، والمغفرة لهم، ورحمته إياهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل له: إن فلانا يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«سينهاه عما تقول» ، فرجا صلى الله عليه وسلم التوبة عليه، وهو معنى قوله: ~~{عسى الله أن يتوب عليهم} [التوبة: 102] ، ومن لم يمكن في قضاء ما فاته من ~~فرائض الله، وإرضاء عباد الله؛ لزمانة أو ضيق وقت، أو عدم، فإن الندم له - ~~بمجرده - توبة عند عامة أهل القبلة إلا طائفة يسيرة، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من تاب وهو يغرغر بالموت، تاب الله عليه» ### | [ص: 236] # ، ومعلوم أن هذا الوقت ليس بوقت لتلاوم فيما فات، فليس له توبة في هذا ~~الوقت، إلا الندم بالقلب، والرجوع إلى الله مستسلما، يستغفر الله بلسانه، ~~ويقبل على الله بقلبه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من تاب في مثل ~~هذا الوقت تاب الله عليه، ومن تاب الله عليه لم يعذبه، قال الله تعالى: ~~{ومن يفعل ذلك يلق أثاما} [الفرقان: 68] إلى أن قال: {إلا من تاب} [مريم: ~~60] ، فاستثنى الله تعالى التائب مما أوعد، ويبدل الله سيئاته حسنات. قال ~~الله تعالى: {فأولئك ms189 يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70] ، ومن بدل ~~الله سيئاته حسنات قبلها منه، والحسنات إذا قبلت ضوعف الثواب عليها، ومن ~~لقي الله بالمعاصي والآثام لم يتب منها، فإنه في مشيئة الله يرجى له، ويخاف ~~عليه. أما الرجاء، فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر ~~من أمتي» ، فيجوز أن يتجاوز الله عنه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ~~يعفو عنه بفضله، فإنه ذو فضل عظيم، وقد شرط مشيئته في غفران ما دون الشرك، ~~فقال: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما # PageV01P234 # حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، قال: ح إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: ح ~~هدبة يعني ابن خالد قال: ح إسماعيل بن أبي حزم، عن ثابت البناني، عن أنس بن ~~مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وعده الله على عمل ثوابا ~~فهو منجزه له، ومن أوعده الله على عمل عقابا، فهو بالخيار» وأما الخوف ~~عليه، فلما ورد في الأخبار، أن قوما يدخلهم الله النار، ثم يخرجهم بشفاعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يخرج منها من قال: لا إله إلا الله، ولم ~~يعمل خيرا قط غيرها، وأن قوما يتهافتون فيها، حتى يأذن الله تعالى بإخراجهم ~~منها بإيمانهم، والأخبار فيه كثيرة جمة # PageV01P236 # وحدثنا محمود بن إسحاق الخزاعي، قال: ح أحمد بن حاتم بن داود المكي أبو ~~جعفر السلمي قال: ح حسان البصري أبو علي قال: ح أبو هلال الراسبي قال: ح ~~معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه قال: " خمس آيات من ~~كتاب الله تعالى في سورة النساء خير للمسلمين من الدنيا جميعا: {إن الله لا ~~يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} [النساء: 40] ، وقوله: {إن تجتنبوا ~~كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [النساء: 31] ، وقوله: {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله} ، وقوله: {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ~~ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} [النساء: 110] ، وقوله: {إن الله لا ~~يغفر أن ms190 يشرك به} [النساء: 48] ، إلى آخرها، والله أعلم # PageV01P237 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P237 # قال: ح محمود بن إسحاق الخزاعي قال: ح أحمد بن حاتم السلمي قال: ح ~~القعنبي قال: ح عبد العزيز، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لا ينظر الله ~~إليهم يوم القيامة: شيخ زان، وإمام كذاب، وعائل مزهو " قال الشيخ رحمه ~~الله: خص رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة هؤلاء الثلاثة من بين ~~كثير من الناس من مرتكبي المعاصي، ومواقعي المناهي بإعراض الله عنهم، ~~وحرمانه إياهم رحمته التي وسعت كل شيء، فيجوز أن يكون ذلك لقلة إصرارهم في ~~ارتكاب ما ارتكبوه، وإتيان ما أتوه، وأن ذلك كان منهم شرها فيهم، وقلة ~~مبالاة، ورداءة طبع، إن الزنا أن يكون من غلبة الشهوة على الإنسان، ~~ومنازعتها إياه، وضعفه عن مقاومتها في الصبر عليها، وذلك إنما يكون في حال ~~الشباب، وحداثة السن، وقوة الطبع، وضعف العقل، ورقة الحال، وقلة العلم، ~~فيكون أسباب المعصية قوية، وأسباب العصمة دونها، فيتغلب العبد، فيواقع ~~المنتهى. وأما الشيخ فيكون بخلاف هذه الأحوال، ولا يكون له هذه الأغرار، ~~وقد تم عقله، وقويت حاله، وبلغ علمه وحلمه ### | [ص: 238] # ، وسكنت حدة شهوته، وضعفت قوة طباعه، وقويت فيه دواعي العقل، وآلات ~~الامتناع، وضعفت آلات الهوى، ودواعي الشهوات، فارتكابه في هذه الحال ما نهي ~~عنه من الزنا، ليس إلا بسبب الاستخفاف، وقلة المبالاة، ورداءة الطبع، وقسوة ~~القلب، وانطماس نور الهدى، وإعراضها عن رعاية حق المولى، فيجازيه في ~~القيامة، إن لم يكن له منه الحسنى، فيعرض عنه في الآخرة كإعراضه الذي كان ~~عنه في الدنيا. والكذب إنما يكون من الإنسان لدفع مضرة، أو لجلب منفعة فيما ~~يخيل إليه، يخاف شيئا مما يحبه أن يفوته، أو يرجوه أن يصيبه، ويخيل إليه أن ~~أحدا من الناس يحجزه عنه، أو يمنعه، أعني الكذب، رهبة من إنسان، أو رغبة ~~فيه، فيكذب له، والإمام ليس فوقه من الناس أحد يرجوه، أو يخافه، ms191 فلا عذر له ~~في كذبه، فكذبه لسوء طبعه، ورداءة حاله، واستخفافه بحق الله في الوقوف على ~~حدوده، فيجازيه ربه يوم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا على سوء سيرته حين ملكه ~~الله، ومكنه من دفع كثير من المضار عن نفسه، وجلب المنافع إليها بما خوله ~~من نعمه، وآتاه من سلطانه. والزهو هو الترفع والتكبر والإزراء ممن دونه، ~~والاستخفاف بعباد الله، ودواعي هذه الأسباب الاستغناء، وقلة الحاجة، ~~والإمكان من بلوغ ما يتمناه، ونيل ما يشتهيه، وحاجة الناس إليه، ورغبتهم ~~فيه، وخدمتهم إياه، واستكانتهم له، فتدعوه هذه الأسباب إلى نظره إلى نفسه، ~~وإعجابه بها، فيزهو، والعائل هو الفقير ليس له هذه الدواعي، ولا معه هذه ~~الآلات، فلا عذر له في زهوه، فزهوه، وترفعه في غير ذات الله رداءة فيه، ~~وقلة معرفة بالله، ومنازعة منه لربه فيما هو له دون خلقه، فيعرض الله عنه ~~إن لم يرحمه إهانة له جزاء على إعراضه عن عباده المؤمنين، واستهانته ~~بحقوقهم. ففي الحديث دلالة على كرم الله في قبول أعذار العباد فيما يكون ~~منهم من المخالفات من ارتكاب مناهيه، وإتيان معاصيه إذا رجعوا إليه تائبين، ~~أو وردوا على الله على إيمانهم ثابتين، أو يعفو ويغفر لهم ما كان منهم عند ~~غلبة الشهوة المركبة فيهم إياهم، وتزيين العدو لهم، وبسط الأمل في الرجوع ~~إلى الله رجاء المدة في ذلك، ودلالة على كرمه في قبول أعذارهم عند ~~ضروراتهم، وحاجاتهم في نيل ما إليه حاجاتهم، والخوف من لحوق الضرر بهم لضعف ~~البشرية، وعجز الإنسانية، وفي النظر لأنفسهم، واغترارهم بالأسباب الحاملة ~~لهم عن الحاجة ### | [ص: 239] # . فكأنه عز وجل بسط عذرهم، ودلهم على موضع اللقاء له، وطلب العذر إليه، ~~كما يقال لمن أتى ما نهى الله عنه: ما الذي حملك على ذلك؟ فيقول: خدعني ~~فلان، وغرني كذا، وظننت كذا، ورجوت كذا، أو خفت كذا، فيقال له: قد عذرناك، ~~وقبلناك، وتجاوزنا عنك. وروي عن بعض الصحابة، أو من دونه من الكبار، أنه ~~قرأ: {ما غرك بربك الكريم} [الانفطار: 6] قال: غرني عفوك يا سيدي. ms192 وقال ~~آخر: غرتني نفسي الأمارة بالسوء، وخدعني بالأمل العدو. وقال آخر: غرني حلمك ~~عني. فكل هذه أعذار للمؤمنين فيما كان منهم من زلاتهم، ودلالة على الله ~~تعالى بإقالة عثراته، وينعشه عند سقطاته إذا علق له، واعتذر إليه، وأنه لا ~~يهلك على ربه الكريم إلا لسلفه اللئيم، وفي الحديث دلالة على أن الشاب الذي ~~يغلبه قوة شهوته، وغرته شبابه، وسلطان الهوى عليه، وكل من أتى محظورا، أو ~~ارتكب نهيا في حال غلبة الدواعي له إليه، وسلطان الهوى عليه أعذر، وإلى ~~الرجوع إلى الله إذا سكنت حدته، وضعف قوته أجدر، والله تعالى يتجاوز له، ~~ويعفو له ما لا يفعل ذلك بمن تمت حجة الله عليه في المدة التي جعلها له في ~~رجوعه إليه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمره الله ستين سنة، فقد ~~أعذر إليه في العمر» # PageV01P237 # حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن عبد الله بن حماد الآملي قال: ~~ح يحيى بن بكير، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سعيد المقبري، ~~عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~عمره الله ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر» ففيه دلالة أن من دون ذلك في ~~العمر يتجاوز له ما لا يتجاوزه لمن أعذر إليه؛ لأن الإنسان يرجو الحياة، ~~ويضمر التوبة، فإذا بلغ العمر منتهاه، فلا عذر له ### | [ص: 240] # . ومما يدل على أن الله تعالى يستهل على العبد في حداثة سنه، وشرح شبابه ~~ما # PageV01P239 # حدثنا عبد الله بن يعقوب، قال: ح عبد الله بن عبد ربه النسفي قال: ح عبد ~~الله بن عبد الغفار الموصلي قال: ح المعافى بن عمران الحارثي رحمه الله ~~قال: ح عمرو بن قيس، عن أبي سنان، عن شهر بن حوشب، عن عبادة بن الصامت رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأمر الله تعالى الملك ~~أن أرفق بعبدي في حداثته، فإذا بلغ الأربعين تحققا، وتحفظا» دل ذلك بأن قوة ms193 ~~الشباب، وغلبة الشهوات، وسلطان الهوى أغلب على العبد قبل الأربعين، فإذا ~~بلغ الأربعين سكنت حدة شبابه، وفترت شهوته، وتم عقله، وجاءه النذير الذي هو ~~الشيب، فإذا خلع عذاره، ورفض إنذاره، فليس له أن يدلي بحجة، أو يتفضل بعذر، ~~وبالله العصمة مما يكره، ومنه التوفيق لما يحب، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ولله الحجة البالغة على جميع خلقه، ~~وله المشيئة في غفران الكبائر، والتجاوز عن المعذرين إليه في العمر فضلا ~~منه، وكرما، والعقوبة على الصغائر من اغتر بشبابه، وتبع شهوته في حداثته ~~عدلا منه، سبحانه عن ظلم عباده، وتعالى علوا كبيرا # PageV01P240 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P240 # قال: ح عبد العزيز بن محمد المرزباني قال: ح محمد بن إبراهيم البكري قال: ~~ح محمد بن إسماعيل بن جعفر الجعفري قال: حدثني الدراوردي، عن محمد بن ~~عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، رضي الله ~~عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وقع الذباب ### | [ص: 241] # في الإناء، فاغمسوه كله، فإن في أحد جناحيه شفاء، وفي الآخر دواء، وأنه ~~يبدأ بالذي فيه الداء» ### | [ص: 242] # قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى فتنة هذا الداء، والشفاء على ~~معنى الطب الروحاني، وقد تكلم في مثل ذلك الأطباء، ومعناه إصلاح الأخلاق، ~~وتقويم الطباع، وتهذيب العادات والسجيات باستخراج الفاسدة منها، وتربية ~~الصالحة منها، وإصلاح ما يمكن إصلاحها إذ داء الأخلاق، وسقم العادات يضر ~~بالأديان، وداء الأجسام يضر بالأبدان، وسقم الأبدان تكفير الخطيئات، وسقم ~~الأخلاق يورث البليات. فيجوز أن يكون معنى الداء في أحد جناحيه الكبر، ~~والترفع من استباحة ما أباحته الشريعة، وأحلته السنة، فإن السنة قد أباحت ~~ما مات فيه من الهوام مما ليس له دم سائل، ووردت الرخصة فيه، وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ ~~بعزائمه» ، فكأن الإنسان إذا استعذر ما أباحته الشريعة من جهة الترفع عنها، ~~والتكبر فيها، كان في ذلك ms194 فساد لدينه عظيم، وتعزز لنفسه، وربما رمى بذلك ~~الطعام، أو أهراق ذلك الشراب الذي وقع فيه الذباب، فيؤدي ذلك إلى تحريم ما ~~أحل الله، والترفع عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإضاعة نعم الله، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يغمس الذباب إذا وقع في الإناء ليذهب عن ~~نفسه ترفعها، ويقتل فيها كبرها، فيكون في أول وقوعها تعزز النفس لها، ~~والتكره لها من جهة الطبع والكبر، لا من جهة السنة، والشريعة، فهذا هو ~~الداء الذي يولد الإنسان ما ذكرناه من تحريم ما أحل الله، والترفع عن سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإضاعة نعمة الله، فإذا غمسه أكره ما ~~استباحه ما أباحته الشريعة، واستطابت ما أذنت فيه السنة، فكان في ذلك قهرا ~~للنفس الأمارة بالسوء، وحفظا للدين من لواحق ما يكاد يدنسه من تعذر النفس ~~والكبر الذي هو منازعة الله في صفته، والتعظيم عن الانقياد والاستسلام ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، كما تكون بعض الأدوية المسهلة نقضا ~~للأبدان عما يجمع فيها الله من فضول الأغذية الفاسدة التي تورث سقم ~~الأبدان، وما من شيء خلقه الله إلا وفيه حكمة كثيرة، منها ### | [ص: 243] # ما يعلم، ومنها ما يجهل، وقد ضرب الله بالذباب والبعوضة مثلا، والعنكبوت ~~والنمل، فقال فيه المشركون ما قالوا استخفافا بهذه الأشياء من خلق الله، ~~وجهلا بما فيها من الحكمة لله تعالى، قال الله تعالى: {إن الله لا يستحيي ~~أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} [البقرة: 26] . ويقال: إن بعض الحكماء ~~دخل على بعض الملوك، وقيل: إنه ابن السماك دخل على هارون الرشيد، فقال له ~~هارون: ما الفائدة في هذا الذباب، ولم خلقه الله تعالى؟ فقال ابن السماك: ~~خلقه ليذل به الجبابرة. ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن لا ~~يفسدوا الطعام، ولا يضيعوه، ولا يرموا به تنجسا له، واستقذارا للذباب ~~الواقع فيه، فضرب لهم مثلا طيب به نفوسهم من تعذر ما ليس بنجس في الشريعة، ~~وعلم أن النفوس تأباه، ms195 والطبائع تعافه، فقيده بما طيب به نفوسهم من رجاء ~~السلامة، وخوف العطب، فخوفهم الداء في أبدانهم أن يرموا به قبل الغمس، ~~ورجاؤهم الشفاء في غمسه، ولو أمر برميه قبل الغمس، عسى لم ينقد له بعض من ~~فيه عزة نفس، وترفع، وتكبر، فكان يرمي بالطعام، فأمر بغمسه، ورجي فيه ~~الشفاء ليصان الطعام، وتقام شريعة الإسلام. ويجوز أن يكون فيه داء يضر ~~بالأبدان، وشفاء للداء الذي فيه علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأعلمنا، وإن لم يبين لنا مائيته، وذلك الدواء، والله أعلم # PageV01P240 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P243 # قال: ح نصر بن فتح قال: ح أبو عيسى قال: ح سويد بن نصر قال: ح ابن ~~المبارك، عن حيوة بن شريح، قال: حدثني سالم بن غيلان، أن الوليد بن قيس ~~التجيبي، أخبره أنه سمع أبا سعيد، قال: سالم روى عن أبي الهيثم، عن أبي ~~سعيد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ~~ولا يأكل طعامك إلا تقي» ### | [ص: 244] # قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون المراد بقوله: «لا يأكل طعامك إلا ~~تقي» ، يريد به المواكلة التي توجب الألفة، وتؤدي إلى الخلطة، فإن المواكلة ~~أوكد أسباب الألفة، وأحكم دواعي الخلطة، وأوثق عرى المداخلة، والاستئناس، ~~ومخالطة من ليس بتقي، والاستئناس به والألفة معه تغر الإنسان، وتخل بالدين، ~~وتذهب المروءة، وتوقع في الشبهات، وتؤدي إلى تناول المحرمات، فكأنه صلى ~~الله عليه وسلم حذر مخالطة الأشرار، ونهى عن مصاحبة الفجار؛ لأن مخالطة ~~الفاجر لا تخلو من فساد يلحقك منه، إلا متابعة له فيما يأتيه، فيذهب الدين. ~~وإما مسامحة في الأعضاء عما يوجبه حق الله من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، ~~وإما استخفافا بفجوره، فإن من رأى الشيء كثيرا، سهل ذلك في عينه، وصغر عند ~~نفسه، فإن سلم الإنسان عن هذه الأسباب، ولا يكاد يسلم إلا من عصمه الله، ~~فيخطئه فتنة الغير به. الدليل على هذا التأويل قوله: «لا تصاحب إلا مؤمنا» ~~، أي: لا يكون من ليس بمؤمن عهدا، وقولا لك بصاحب ms196 بوجه من الوجوه، ولا من ~~ترك آداب الإيمان، وشرائطه صاحبا لك في وقت من الأوقات، وإلا عشرة تعاشره ~~على شرط النصيحة التي أوجبت عقدة الإيمان في تحرز من آفة تلحق الدين، أو ~~تقدح في المروءة. وليس قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يأكل طعامك إلا تقي» ، ~~إن شاء الله تعالى على معنى حرمان ذلك - إطعاما ومناولة - من ليس بتقي، فقد ~~أطعم النبي المشركين، وأعطى المؤلفة قلوبهم المائتين من الإبل، والألوف من ~~الشياه وغيره، وكان يصنع إلى البر، والفاجر، ويأمر به # PageV01P243 # حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح سعيد بن مسلمة بن عبد الملك، عن جعفر بن ~~محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «اصنع المعروف إلى من هو أهله، وإلى من ليس هو بأهله، ~~فإن لم يكن من أهله، فكن أنت من أهله» ### | [ص: 245] # فهذا يدل على أنه لم يرد بقوله: «لا يأكل طعامك إلا تقي» ، وإنما أراد ~~المواكلة التي توجب الألفة والخلة، وكيف ينهى عن إطعام من ليس بتقي، والله ~~عز وجل يقول: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] ~~في الأسير، في دار الإسلام مشرك، فأثنى الله عز وجل على من أطعم المشركين، ~~فكيف بمن أطعم من كان في جملة المسكين ويجوز أن يكون المعنى فيه التحري، ~~والقصد، كأنه يقول: لا تتحرين بإطعامك إلا التقي، ولا تقصدن به إلا البر ~~الذي يتقوى به على طاعة الله تعالى، والعبادة له، والشكر له، فتكون معاونا ~~على البر والتقوى، كما قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} ~~[المائدة: 2] ، فيقول: لا تقصدن بإطعامك الفاجر الذي يتقوى به على فجوره ~~وآثامه، فتكون معاونا على الإثم والعدوان، فمن تحرى في إطعامه، وطلب له، ~~واختار، فليقصد أهل البر والتقوى، ومن بذل طعامه، وتسخى في إطعامه، فليدع ~~التحير، وليطعمه من قصده، ولا يحرمه من أتاه قال الشيخ: وسمعت بعض مشايخنا، ~~يقول: كان الحسين بن واصل يبني رباطه يتناوب من ثغر استحبابا، وكان العدو ms197 ~~يقاتله، وهو يقاتلهم نهاره أجمع، فإذا كان الليل، وبسط سفرته للإطعام لم ~~يمنع من يقاتله من المشركين، وكان يطعمهم، فقيل له في ذلك؟ فقال: إن سئلت ~~عن ذلك؟ قلت: منك أخذت، وبأمرك ائتمرت، ومنك تعلمت، فأطعمت من أطعمت، ~~وقاتلت من أمرت. وقيل لأبي القاسم الحكيم: تخير من يصلح للإجراء من طلبة ~~العلم، وأسقط من لا يصلح منهم، فأجرى لكل من في الرباط، فقيل له في ذلك؟ ~~فقال: لم أجد فيه من لا يسوي من خير , هذا عند البذل، والسخاء، وذاك عند ~~التحري، والدعاء، والله يعلم المفسد من المصلح، ولكل امرئ ما نوى، والله ~~يجزي المحسنين، والحمد لله رب العالمين # PageV01P244 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P246 # قال: ح عبد الله بن محمد قال: ح عبد الله بن حماد قال: ح يحيى بن بكير ~~قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله ~~عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تولى قوما بغير إذن مواليه، ~~فعليه لعنة الله والملائكة، ولا يقبل منه صرف، ولا عدل» قال الشيخ رحمه ~~الله: المتولي بغير إذن مواليه رغبة عن مواليه، ومن أنعم الله به عليه كافر ~~للنعمة، جاحد للحق ظالم؛ لأنه وضع الولاء في غير موضعه، وستر نعمة منعمه، ~~ومن كفر نعمة عباد الله، فهو لكفران نعم الله أجدر، وكافر النعمة، ومولي ~~الشكر غير منعمه ظالم، وقد قال عز وجل: {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: ~~18] . فيجوز أن تكون اللعنة ها هنا العذاب، والهوان، والخزي في الكفار، ~~وللمؤمنين دخول النار للتأديب دون اللعنة التي هي الطرد، والإياس من رحمة ~~الله، فإذا كانت الآية في الكفار، فهو الطرد، ولعنة الملائكة إبعادهم إياه ~~عن الدعاء والاستغفار له، وأنهم يتركونه من استغفار الله لهم، فإن الملائكة ~~عليهم السلام يستغفرون لمن في الأرض، قال الله تعالى: {يسبحون بحمد ربهم ~~ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5] ، وحملة العرش يستغفرون للتائبين من ~~المؤمنين إلى قوله: {فاغفر للذين تابوا} [غافر: 7] ، فيجوز أن تكون لعنة ~~الملائكة لهؤلاء، وإن كانوا ms198 في جملة المسلمين تركهم الاستغفار لهم. وأما ~~الصرف، والعدل، فقد اختلف الناس في تفسيره، فقال بعضهم: الصرف هو الفريضة، ~~والعدل هو التطوع، وقال بعضهم: الصرف التطوع، والعدل الفريضة، وقال بعضهم: ~~الصرف التوبة، والعدل الفدية. فمن حمله على التوبة والفدية، فهو معناه في ~~الآخرة، أي: لا يقبل منه توبة في الآخرة، ولا فدية، أي: لا يكون له فدية، ~~لا يجد فدية يفدي بها نفسه، ولا تقبل توبته، ويكون ذلك قوله تعالى: {لا ~~تنفعها شفاعة} [البقرة: 123] ، أي: لا يشفع لها شافع، ثم لا تنفعها شفاعته ### | [ص: 247] # كذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل منه فدية» ، أي: ليس له ما يفدي ~~به نفسه، وتوبته في الآخرة لا تقبل، فأما التوبة، فإنها تقبل في الدنيا، ~~ويمحو الله تعالى السيئات بالحسنات، ومن قبلت حسنته فداه الله تعالى يوم ~~القيامة بأهل الأديان من اليهود، والنصارى، وبه جاء الخبر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ومما يدل على أنه أراد بالتوبة والفدية في الآخرة، ما جاء ~~في رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من ~~والى قوما بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا ~~يقبل منه يوم القيامة صرف، ولا عدل» ، ومن حمل معنى الصرف، والعدل على ~~الفريضة، والتطوع، فإن معناه، أن لا يقبل فريضة قبول رضاء، وتزكية، وإن كان ~~يقبل جزاء وثوابا، لأن الله تعالى لا يظلم عباده مثقال ذرة، وإن تك حسنة ~~يضاعفها، فكيف لا يقبل فريضة من أداها بشرائطها على قدر وسعه، بل يجوز أن ~~يعاقبه على معصيته إن شاء، ويثيبه على أداء فريضته، لا محالة، ولو عاقبه ~~على معصيته ولم يثبه على طاعته، لكان مستوفيا حق نفسه من عبده غير موفيه ~~حقه من نفسه، وهذا غير لائق بالله وكرمه، ولو كان الأمر كما يدعيه من يقول ~~بالإحباط من المعتزلة لم يكن لقوله: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: ~~102] ، معنى؛ لأن أعماله الصالحة هذه أحبطتها السيئات، فلم يبق إلا ~~السيئات، فإن أولوا ms199 السيئات بالصغائر عندهم لم يستقم؛ لأن الصغائر مغفورة ~~باجتناب الكبائر، والمغفورة لا يجب أن تكون مثبتة إذا، فصاحب الكبائر لا ~~طاعة له عندهم؛ لأن الكبائر تحبط طاعتهم، ومجتنب الكبائر لا معصية له، ولا ~~ذنب؛ لأن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، فمن هذا الذي خلط عملا صالحا، ~~وآخر سيئا؟ وقولهم بالإحباط ينفي الكاتبين، وينفي الوزن يوم القيامة، وينفي ~~الحساب، وآيات من القرآن كثيرة يبطلها قولهم، لأن الكاتبين أحدهما يكتب ~~الحسنات، والآخر السيئات، والأخبار بهذا جاءت، والوزن إنما هو للحسنات، ~~والسيئات، فمن ثقلت موازينه بالحسنات نجا، ومن ثقلت بالسيئات، وخفت ~~بالحسنات هلك، فإذا لم يجتمع للعبد حسنات، وسيئات فما معنى الوزن؟ وما الذي ~~يوزن؟ ومن الذي استوت حسناته، وسيئاته، فصار من أصحاب الأعراف؟ والأخبار في ~~الوزن، وأنه ميزان، وله كفتان، يوضع في إحديهما الحسنات، وفي الأخرى ~~السيئات كثيرة صحيحة، وكل هذه الأشياء يبطلها القول بالإحباط ### | [ص: 248] # . ومعنى قوله تعالى: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2] إلى ~~قوله: {أن تحبط أعمالكم} [الحجرات: 2] ، معناه عندنا: أي لا تثابون على ~~محاورة النبي صلى الله عليه وسلم، ومساءلته، والاسترشاد منه، والأخذ عنه، ~~والتعلم منه بالمخاطبة له إذا رفعتم أصواتكم فوق صوت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولو أنهم خفضوا أصواتهم عند المساءلة، والاسترشاد منه لأثيبوا على ~~ذلك ثوابا كبيرا، وأعطوا عليه أجرا عظيما، فكأنهم أحبطوا أجورهم، وخسروا ~~ثوابهم، وأبطلوا أعمالهم برفعهم أصواتهم فوق صوته، وإن لم يحبط ذلك سائر ~~أعمالهم. وكذلك قوله عز وجل: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: ~~264] ، فيها أي: لا تفوتوا أنفسكم ثوابها، ولا تذهبوا بأجوركم على الصدقات ~~بالمن بها، والأذى، والله أعلم. وأما غفران السيئات باجتناب الكبائر، فيجوز ~~أن يكون المراد بالكبائر الشرك، فيكون ما دون الشرك، يجوز غفرانها، ويجوز ~~العقوبة عليها مدة معلومة، ثم يتوبون بحسناتهم، وإيمانهم ثوابا دائما، وقد ~~قرأ بعضهم: (إن يجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) ، فيكون معناه الشرك، والكفر، ~~كما قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} [النساء: 48] ، فيكون ms200 ما دون الشرك مغفورا إما بالمشيئة، وإما ~~بالشفاعة، وإما بدخول النار إلى مدة، ثم الجنة من وراء ذلك بالإيمان، ~~والثواب بسائر الأعمال على قدرها. وأما على قراءة العامة، فيكون معنى ~~الكبائر على معنى أن الكفر، والشرك أنواع: اليهودية، والنصرانية، ~~والمجوسية، والقول بالدهر، والتثنية، والتخميس، وسائر أنواع الكفر والشرك، ~~فكلها كبائر، وكلها شرك ويجوز أن يكون معنى قوله: {كبائر ما تنهون عنه} ~~[النساء: 31] ، الشرك، ويكون معنى الجمع بمعنى وفاق الخطاب؛ لأن الخطاب ورد ~~على الجمع، لقوله تعالى: {إن تجتنبوا} [النساء: 31] وقوله عز وجل: {تنهون ~~عنه} [النساء: 31] ، فيجوز أن يكون جمع الكبائر لذلك؛ لأن كبيرة كل واحد ~~إذا جمعت إلى كبيرة صاحبه صارت كبائر، وإن كان الشرك كله عملا واحدا فإذا ~~كان كذلك، فلا يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله منه ~~فريضة، ولا نافلة» نفيه، بل يقبل فرائضه، ونوافله قبول ثواب عليها، وإن لم ~~يقبل قبول ثناء عليه بها ### | [ص: 249] # . ويجوز أن يكون معناه، أي: لا يقبل فرائضه قبولا يكفر بها هذه السيئة ~~التي هي التولي بغير مواليه، وإن كانت صلواته مكفرة لغيرها من السيئات؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس كفارة ما بينها» # PageV01P246 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل بين ~~منزله، وبين معتمله خمسة أنهار، فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله، ~~فأصابه الوسخ، والعرق، فكلما مر بنهر اغتسل ما يبقي ذلك من درنه، فكذلك ~~الصلوات كلها عمل خطيئة، أو ما شاء الله، ثم صلى صلاة، فدعا، واستغفر غفر ~~له ما كان قبله» حدثنا أبو عمرو عاصم بن محمد بن يعقوب قال: ح يحيى بن أيوب ~~أبو زكريا العلاف بمصر قال: ح سعيد بن أبي مريم قال: ح يحيى بن أيوب قال: ~~حدثني عبد الله بن قريظ، أن عطاء بن يسار، حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري، ~~يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم: «الجمعة إلى ms201 الجمعة كفارة لما بينهما» ، فيكون معنى قوله: «لا ~~يقبل الله تعالى منه فريضة» ، أي: لا يقبلها قبولا يكفر بها هذا الذنب، ~~كأنه يقول: صلواته، وفرائضه، لا يكفر الله تعالى بها هذه الخطيئة، وإن كان ~~يكفر بها ما شاء من الخطايا. وفي بعض الروايات: «الصلوات كفارات لما بينهما ~~ما اجتنبت الكبائر» ، أو كلاما هذا معناه. فيجوز أن يكون هذا من الكبائر ~~التي لا يكفرها الصلاة، فكأنها لا تقبل منه في كفارة هذا الذنب؛ لأنه لم ~~يوجد فيه المعنى الذي يراد منه من القبول في هذا الذنب، وإن وجد ذلك في ~~سائر الذنوب، ومعنى الكبائر عندنا أن من الذنوب ذنبا هو أكبر من غيره عند ~~الإضافة إليه، كأن البزاق في المسجد خطيئة هو ذنب، وليس كشتم مسلم ### | [ص: 250] # ، وشتم المسلم خطيئة، وليس كأخذ ماله، وأخذ ماله ذنب، وليس كسفك دمه، فكل ~~ذنب من هذه الذنوب أكبر من صاحبتها، وصاحبتها أصغر منها، وإن كانت الذنوب ~~كلها كبائر من جهة النهي عنها، وكلها ما دون الشرك صغائر في جواز غفرانها، ~~فيجوز أن يكون هذا الذنب من الذنوب الكبائر التي لا يكفرها الصلوات، وما ~~سواها من الفرائض، ولا يمحوها، فيبدل بها حسنات، بل لا يكفرها، ولا يمحوها ~~من ديوانه الفرائض إلا التوبة منها في الدنيا، فإن مات غير تائب وافى ~~القيامة، وهي مثبتة في ديوانه، فإما أن يغفرها الله تعالى بفضله؛ لأنها ~~مضمون مشيئته بقوله عز وجل: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ، أو ~~يغفرها بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» ، أو يدخله النار، فيطهر بها، ثم يخرجه إلى ~~رحمته، فيدخله جنته بفضل رحمته، وإيمانه، ولله الحجة البالغة، وهو ذو الفضل ~~العظيم # PageV01P249 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P250 # قال: ح حاتم بن عقيل قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح الحماني قال: ح صفوان ~~بن أبي الصهباء التيمي، عن بكير بن عتيق، عن سالم أبي عمر، عن عمر رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ms202 عليه وسلم: " يقول الله تعالى: «إذا شغل ~~عبدي ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» قال الشيخ رحمه الله: ~~يجوز أن يكون معنى قوله: إذا شغل عبدي ذكره لي، وثناؤه علي، وتنزيهه لي عن ~~أن يسألني حوائجه التذاذا بذكري، وأنسا بي، حتى ينسب ما يترآى له في ذكره ~~لي من توفيقي إياه على ذكره لي، وتيسيري له الذكر لي، وإطلاقي لسانه ~~بالثناء علي، وشرحي صدره بنور الإسلام، وطمأنينة قلبه بالذكر، وإشهادي ~~فؤاده، حتى ### | [ص: 251] # كأنه يراني، نسي العبد عند ذلك نفسه، ودنياه، فأعرض عن نفسه، ورفض دنياه، ~~وشغل عمن سوى الله تعالى، فإن حقيقة الذكر أن ينسى الذاكر ما سوى المذكور، ~~قال الله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] قيل: إذا نسيت ما سوى ~~الله بعد ذكرك الله تعالى، كأنه يقول: إذا نسيت ما سوى الله، فقد ذكرت الله ~~عز وجل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبق المفردون» # PageV01P250 # حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن الأزهر الأشعري قال: حدثنا جعفر بن ~~محمد الفريابي، ببغداد، ح أمية بن بسطام، ح يزيد بن زريع، ح روح بن القاسم، ~~عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة، فمر على جبل يقال له: جمدان ~~قال: «سيروا سبق المفردون» ، قالوا: يا رسول الله، ما المفردون؟ قال: ~~«الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» ### | [ص: 252] # فأخبر صلى الله عليه وسلم الذاكر هو المفرد الذي ليس معه غيره، فذاكر ~~الله على الحقيقة من لا يذكر مع الله غير الله، وحوائجه غير الله. قال أبو ~~سعيد الخزاز: بينا أنا عشية عرفة، قطعني قرب الله عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم نازعتني نفسي بأن أسأل، فسمعت هاتفا يقول: أبعد وجود الله ~~تسأل الله غير الله. فمن شغل عنها بشهود الله أعطاه الله عند ذلك في الدنيا ~~حق معرفته، وصرفه عمن سواه، وأدناه منه، فكان جليسه، فقد قال الله عز وجل: ms203 ~~«أنا جليس من ذكرني» ، ورفع الحجب بينه وبينه، فكان كأنه يراه، وأعطاه في ~~الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأحله في مقعد ~~صدق عند مليك مقتدر يقبل عليه بوجه ناضر، وينظر إليه ببصره ناظر يسلم عليه، ~~فلولا رب رحيم، ويجيبه إليه بر كريم. ويجوز أن يكون معنى قوله: «من شغله ~~ذكري» أي: من شغله ذكر الله له، معناه من شغله شهوده ذكر الله له قبل ~~إيجاده إياه، وخلقه له، فجعله من الموحدين له، المؤمنين به، المثنين عليه، ~~نقله من صلب إلى رحم، حتى أخرجه من أمة هي خير أمة أخرجت للناس، فيمن ~~يأتيها أنبيائه ورسله، ثم ألهمه ذكره، وعلمه الثناء عليه، وألزمه كلمة ~~التقوى، وجعله من أولي النهى، فكان مذكوره بالاختباء حين لم يكن شيئا ~~مذكورا، فقام له بحوائجه قبل حاجته إليها، فأعطاه مصالحه قبل هدايته لها، ~~وأعطاه قبل سؤاله أجزل العطايا، ووهب له أنفس الرغائب وأحسن الهدايا، وتكفل ~~له ما يصلحه للدين والدنيا، فمن عرف ذلك من ربه به وسيده إليه استغرق في ~~بحر مننه، فشغله عن سؤال معرفة منه بعلمه بحاله، فتوكل عليه، وفوض أمره ~~إليه ثقة به ومعرفة بنظره له، فيعطيه الله أفضل ما يعطي السائلين، ويختار ~~له في حين وجوده ما هو أصلح له، كما اختار له في عدم ما هو أرفع له وأزين ~~به، فهو يعطيه على قدر الربوبية عز وجل، والسائلون يسألون على قدر ~~العبودية، وهمم العبد لا يجاوز قدره، وما عند الله خير وأبقى، والله جواد ~~كريم. والذاكرون على طبقات ثلاث: فذاكر بلسانه تسبيحا وتحميدا وتكبيرا ~~وتمجيدا، يدعوه بأسمائه الحسنى، ويثني عليه بصفاته العلى، انشرح صدره ~~بنوره، واطمأن قلبه بذكره، وشهد مذكوره بسره، فذكره له أنيس، وهو لربه ~~جليس، تلذذ بذكره والثناء عليه، فيستغني عن سؤاله، والطلب إليه ### | [ص: 253] # . قال الله تعالى {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] يجوز أن يكون معناه: ~~ذكر الله أكبر قدرا في القلب الذاكر من أن يرجع منه إلى حظوظ نفسه وسؤال ~~حاجاته، ms204 فيعطيه الله أفضل ما يعطي السائلين إلى ما وعد لهم، إذ السائلون ~~يسألون محدثا مخلوقا، والله عز وجل وعد الذاكرين له ما ليس بمخلوق ولا ~~محدث، وهو ذكره، لأن ذكره صفة، والله عز وجل بصفاته قديم، ويباهي بهم ~~ملائكته، ويرفع أقدارهم بين خليقته، وينوه بأسمائهم في ملكوته، وذاكر بقلبه ~~معظم لربه مشاهد به، لم يذكره عن نسيان حين يجري بذكره اللسان، فكان كما ~~قال: ذكرنا وما كنا لننسى فنذكر. ولكن شيم العرب يبدو فيهن أسكنته هيبته، ~~وأخرسته خشيته، أجل الحق أن يذكره بلسانه، ولم يغب عن ذكره لحظة بجنانه، ~~يرى ذكره له من حيث هو غفلة وثناءه عليه بصفة نفسه زلة، قال الله تعالى ~~{ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] ، قال بعض الكبراء: ذكر الله أكبر من أن ~~يجري به الإنس على ما يستحقه، أو تبلغه الأوهام على ما يليق به، أو تحويه ~~العقول على قدر قدره. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت على نفسك» ، فهؤلاء أخفوا ذكره عن الأخبار والرسوم، فأخفى ~~ثوابهم عن المعارف والفهوم فقال {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} ~~[السجدة: 17] . قال النبي صلى الله عليه وسلم رواية عن الله تعالى: «أعددت ~~لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم رواية أيضا: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي» ### | [ص: 254] # غاروا على أذكاره، فغار على أوصافهم، فهم خباياه في غيبه، وأسراره في ~~خلقه، وآخر شاهد ذكر ربه له حيث لا رسوم ولا فهوم ولا علم ولا معلوم، كانوا ~~موجودين له علما إذ كانوا معدومين رسما، فكانوا مذكورين، ولا ذكر لهم، ~~ومعلومين ولا علم لهم، ومرادين ولا إرادة لهم، ومطلوبين ولا طلب لهم، ~~ومختارين ولا اختيار لهم، لما شاهدوا هذه الأحوال سقطوا عن الطلب والسؤال، ~~فكانوا في حين وجودهم كما كانوا في عدمهم، تسليما لأمره وتركا للاعتراض ~~عليه. فالطبقة الأولى متذكرون، والثانية ذاكرون، والثالثة مذكورون، والله ~~من ورائهم ms205 محيط # PageV01P251 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P254 # حدثنا بكير بن مسعود بن وراد، ح أبو سليمان محمد بن منصور البلخي، ح كثير ~~بن شيبان العباد زكي أبو شيبان الراسبي، ح الربيع بن بدر العرجي، ح أبان بن ~~أبي عياش، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ألقى ~~جلباب الحياء فلا غيبة له» ### | [ص: 255] # قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~غيبة له» أي: لا غيبة عنه في الغفل الذي أظهره من نفسه، وألقى جلباب الحياء ~~فيه، وقد يجوز أن تكون الغيبة عنه، فيما سوى ذلك من غيب هو فيه ليستره على ~~نفسه إذا ذكرته به، فإن ذلك غيبة عنه؛ لأنه إنما لم يكن ذكره بما ألقى ~~جلباب الحياء فيه غيبته؛ لأن الغيبة إنما نهي عنها إن شاء الله من جهة ~~الأذى الذي يلحق المغتاب عنه، والألم الذي يصيبه فيه؛ لأنه ينشئه عند الناس ~~عيبة، فهو يستره على نفسه كراهة أن يفتضح، وينتهك ستره، أو يكره ذلك العيب ~~من نفسه ولا يقاوم نفسه في إزالته عنها، فإذا أظهره للناس وألقى ستر الحياء ~~عنه، فقد ظهر أنه ليس يبالي بأن يعرف ذلك منه، أو يذكر به، فإن ذكرته به لم ~~يلحقه ألم ولا أذى، فكأنك لم تذكره بسوء، وعلم أيضا أنه ليس يكره ذلك العيب ~~من نفسه، وأنه ليس بمغلوب فيه، ولكنه متبجح، فلما لم يكن فيه أذى ولا كراهة ~~لم يكن ذاكره بما أظهر من نفسه مغتابا، ويكون في إظهار ذلك منه وذكره به ### | [ص: 256] # فائدة ونفع، وهو أن يعرفه من لا يعرفه به فيجتنب ويتجافى عنه، ولا يداخله ~~فيتأذى به # PageV01P254 # حدثنا أبو بكر، محمد بن عبد الله بن يوسف العماني، ح أبو شجاع، أحمد بن ~~مخلد النيسابوري، ح الجارود بن يزيد، ح بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أترعوون من ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه ~~حتى يعرفه الناس» يحذره الناس فهذه ms206 فائدة ذكره. فأما ما لم يظهره من نفسه ~~فإنه يتأذى به، ولعله يكره من نفسه، ويحب إخراجه من نفسه، ولا يقاوم هواه، ~~فهو كالمكروه فإذا ذكرت ذلك منه هتكته وأذيته، وأذى المؤمن من غير فائدة ~~ذنب كبير، فكذلك يكون ذكره بالسترة على نفسه مغتابا، والله أعلم ### | [ص: 257] # . والغيبة إنما تكون إذا ذكرت ما فيه من عيب أو سوء لا يجب أن يطلع عليه، ~~فأما ذكره بما ليس فيه فهو بهتان عليه، والبهتان من الكبائر، قال الله ~~تعالى: {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] # PageV01P256 # وحدثنا أحمد بن عبد الله الهروي، ح محمد بن حبان، عن محمد بن المنهال، ح ~~يزيد، هو ابن زريع، عن روح، عن الهاد، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه ~~قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيبة، فقال: «أن تذكر أخاك بما ~~يكره» قيل: يا رسول الله , فإن كان في أخي ما أقول؟ قال: «فإن كان فيه ما ~~تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» . والله أعلم # PageV01P257 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P257 # حدثنا أبو حاتم، أحمد بن حبان التميمي، ح الحسن بن عبد الله القطان ~~بالرقة، وإسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ببست والفضل بن محمد الباهلي ~~بأنطاكية في آخرين قالوا: ح هشام بن عمار، ح الحكم بن هشام، ح يحيى بن سعيد ~~بن أبان القريشي، عن أبي فروة، عن أبي خلاد، وكانت له صحبة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل المؤمن قد أعطي زهدا في الدنيا، ~~وقلة المنطق، فاقتربوا منه؛ فإنه يلقى الحكمة» ### | [ص: 258] # قال الشيخ رحمه الله: الحكمة: الإصابة بالقول، وإتقان العمل، والزهد: ~~فراغ القلب من الدنيا، من زهد في الدنيا فهو منور القلب، مشروح الصدر، قال ~~الله تعالى {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} [الزمر: 22] ، ~~يجوز أن يكون الإسلام هاهنا إسلام النفس إلى الله، ومن أسلم نفسه إلى الله ~~لم يشتغل بالدنيا؛ لأن الدنيا إنما تراد للنفس، فمن أسلم نفسه إلى مالكها ~~لم يحتج ms207 إلى الدنيا. وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل النور في القلب ~~انشرح وانفتح» قيل: وما علامة ذلك؟ قال: «التجافي عن دار الغرور، والإنابة ~~إلى دار السرور، والاستعداد للموت قبل الموت» فأخبر أن التجافي عن الدنيا، ~~والزهد فيها دليل على نور القلب، ومن استنار قلبه أصاب في منطقه، ولم يخطئ ~~في قوله، وتكون أعماله متقنة، وأفعاله محكمة؛ لأنه يرى الأشياء كما هي، فلا ~~تلتبس عليه الأمور، ولا تتشابه له الأحوال؛ لأنه ينظر بنور الله، ومن نظر ~~بنور الله أبصر الشيء كما هو، فأصاب في منطقه، وأدرك الرشد في إشارته، فمن ~~قبل منه أصاب رشدا، وقلة المنطق دليل ### | [ص: 259] # على إصابة صاحبه؛ لأن من تحرى الصواب في عمله، والصدق في قوله قل منطقه؛ ~~لذلك أمر إن شاء الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول ممن أعطي زهدا ~~في الدنيا، وقلة المنطق لإصابة الحق والصواب ممن هذا نعته، ومن قبل الحق ~~والصواب رشد، والله الموفق والمرشد # PageV01P257 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P259 # ح عبد العزيز بن محمد المرزباني، ح عبد الله بن حماد الآملي، ح يحيى بن ~~بكير، حدثني يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو، مولى المطلب، عن المطلب، عن ~~عائشة، رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» قال الشيخ رحمه الله: ~~الصائم والقائم يجاهدان أنفسهما؛ لأن الصائم والقائم مخالفة النفس، إذ ~~النفس حظها واستمتاعها بالمطاعم والشراب والنكاح، والصائم يمنع عن هذه ~~الأشياء، والنفس أمارة بالسوء، تدعو إلى هذه، وبهذه الأشياء تتقوى هذه ~~النفس، بالنوم تربو وتنمو، والقيام يمنع النوم، والصائم والقائم يجاهدان كل ~~واحد منهما نفسه، ومن جمعهما فإنما يجاهد نفسا واحدة، فيعظم قدره، وتعلو ~~رتبته بمجاهدته نفسه. قال الله تعالى {وأما من خاف مقام ربه} [النازعات: ~~40] الآية. ومن حسن خلقه، فإنما يجاهد نفسه في تحمل أثقال مساوئ أخلاق ~~الناس؛ لأن الحسن الخلق هو الذي لا يحمل غيره ثقله، ويتحمل أثقال غيره، وهو ~~جهاد كبير، فأدرك هذا بحسن خلقه ms208 درجة الصائم القائم؛ لأنه يجاهد نفسه كما ~~يجاهدها الصائم القائم، فاستويا في الرتبة لاستوائهما في الفعل الذي هو ~~مجاهدة النفس # PageV01P259 # حدثنا أحمد بن ماجد بن عمرويه، ح عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف، ح الصلت ~~بن مسعود الجحدري، ح جعفر بن سليمان الضبعي، وح محمد بن إسحاق الرشادي، ح ~~محمد بن نصر، ح يحيى بن يحيى، أخ جعفر بن سليمان، عن عبد الله ### | [ص: 260] # بن أبي الحسين المكي، عن الحارث بن أبي جميلة، عن أم الدرداء، عن أبي ~~الدرداء، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أثقل ما يوضع ~~في الميزان يوم القيامة الخلق الحسن» هذا الحديث رفع ذا الخلق الحسن فوق ~~درجة الصائم القائم؛ لأن الصائم والقائم يوضعان يوم القيامة، وأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الخلق الحسن أثقل شيء يوضع في الميزان، فهو إذن في ~~الميزان أثقل من الصائم والقائم، وذلك إن شاء الله من مجاهدة النفس، ~~فالصائم والقائم يجاهد نفسا واحدة، وهي نفسه، وذو الخلق الحسن يجاهد نفسه، ~~وأنفسا كثيرة ممن يعاشرهم ويعاشرونه، ويتحمل أثقال نفسه وأثقال غيره، فلذلك ~~إن شاء الله ثقل ميزانه. والله أعلم # PageV01P259 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P260 # ح عبد العزيز بن محمد بن الدهقان، ح محمد بن إبراهيم البكري أبو الفضل، ح ~~محمد بن إسماعيل بن جعفر، حدثني عبد الله بن سلمة، عن جعفر بن ربيعة، عن ~~الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم: أن تعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولى الله ~~أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " قال الشيخ رحمه ~~الله:: العبادة لله من غير إشراك صفاء توحيد الله، وإخلاص العمل لله تعالى، ~~والاعتصام بحبل الله تعالى الاستقامة في دين الله، وتصحيح العمل لله، ~~ومناصحة ولاة الأمر الشفقة على خلق الله، وحسن المعونة لعباد الله، والقيل ~~والقال التكلف ms209 في دين الله، وإضاعة المال وضعه في غير حق الله، وكثرة ~~السؤال الاعتراض على الله. فيجوز أن يكون معنى قوله: «يرضى لكم» أي: يرضى ~~منكم هذه الأفعال، ويرضى لكم أن تكونوا بهذه الأوصاف، فيوجدها فيكم، ~~ويوفقكم لها، ويستعملكم بها؛ ### | [ص: 261] # لأنها تحببكم والمحب يحب لحبيبه أرفع المنازل، وأعلى الدرجات، وأحسن ~~الأوصاف، وأن تطيعوه أنتم فيوجدها فيكم، ويضعها فيكم، ويجلبكم فضلا وكرما، ~~ويسخط لكم الثلاث الأخر، فيحول بينكم وبينها، ويعصمكم منها ولا يحدثها فيكم ~~عصمة لكم، ويسخط منكم هذه الأوصاف الذميمة، فتكلفوا إزالتها عنكم، ~~ومجانبتها إن لم تكن فيكم، فلا يسخط الله عليكم، والله ولي التوفيق والعصمة # PageV01P260 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P261 # ح بكر بن محمد بن حمدان، ح أبو الأحوص، محمد بن الهيثم، ح نعيم بن حماد، ~~ح عثمان بن كثير بن دينار الحمصي، عن محمد بن المهاجر، عن عروة بن رويم، عن ~~عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان» قال ~~الشيخ رحمه الله: الإيمان بالله شهود القلب لله، وهو التصديق اللساني ~~بقوله: لا إله إلا الله، فإذا نطق اللسان بلا إله إلا الله صدق القلب ~~لشهوده عز وجل من غير شريك، ومن قال: لا إله إلا الله، ولم يشهد بقلبه ~~بمعنى الإيقان بالله لم يصدق قلبه لسانه، لذلك قال الله تعالى {قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} ~~[المنافقون: 1] ، أكذبهم في قولهم؛ لأنهم لم يشاهدوه بقلوبهم، وإن كانت ~~الكلمة كلمة صدق، فصح أن الإيمان شهود القلب أنه حي قائم موجود، وإله واحد ~~معبود، فهذا هو الإيمان القائم الذي من ليست له هذه الصفة فليس بمؤمن، ثم ~~بشهود القلب مراتب ودرجات، فأفضل درجاته وأعلى مراتبه شهوده الله تعالى في ~~كل مكان يكون العبد فيه، وعلى أي حال كان العبد عليها من سراء وضراء وخلاء ~~وملاء، وفي الضرورة والاختيار والغناء والافتقار، وفي البؤس والنعيم ms210 ~~والطاعة والمعصية، فيشهده في حال السراء بالحمد لله، وفي حال الضراء بالرضا ~~به، وفي حال الخلاء بالحياء منه، وبالملأ بالتوكل عليه، وفي الضرورة ~~بالاستعانة به، وفي الاختبار برؤية التوفيق منه، وفي الغناء بالأفاضل، ~~وبالصبر في ### | [ص: 262] # الإقلال، وفي البؤس بسعة الصدر، وفي النعيم بالازدياد منه بالشكر، وفي ~~الطاعة بالإخلاص، وفي المعصية بطلب الخلاص، فهذا أفضل الإيمان، والله ~~المستعان ذو الطول والإحسان. والله أعلم # PageV01P261 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P262 # ح أبو علي محمد بن علي بن الحسين الحافظ، ح أحمد بن علي بن الحسين بن ~~شعيب المدائني، ح أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ح دحيم بن ~~إبراهيم، ح مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ~~النعمان بن بشير، وقبيصة بن المخارق، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان بموت أحد، ولكن الله إذا ~~تجلى لشيء من خلقه خشع، فإذا انكسف واحد منهما فصلوا كأحدث صلاة مكتوبة ~~صليتموها» ### | [ص: 263] # قال الشيخ رحمه الله: إن الله تعالى لما خلق الأشياء وأوجدها وأخرجها من ~~العدم إلى الوجود ظهر في كل شيء من ذلك علو وشموخ ورفعة لمعرفتها بأنها له، ~~وأنه أوجدها، وأنها منسوبة إليه، وجعل في كل شيء خاصية معنى، فارتفعت به، ~~قالت الملائكة {نحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30] . وتحاجت الجنة ~~والنار، فافتخر كل واحد منهما بما خصت به من نعيم أوليائه، والانتقام من ~~أعدائه، وافتخرت الجبال على الأرض لما مادت الأرض فأرساها بالجبال. وقال ~~ابن عباس: «فإنها لتفتخر على الأرض إلى يوم القيامة» ، وقال إبليس {خلقتني ~~من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] ، فكل شيء كان افتخاره بالله عز وجل ~~نجا، ومن افتخر بجواره ونظر إلى ذاته هلك كإبليس عليه اللعنة، وحق لشيء عرف ~~أنه مقصود ربه ليس كمثله شيء أن يفتخر به ويعلو قدره، وقد قصده الحق ~~بالإيجاد، وخاطبه بكن، وخصه بمعنى، فلولا أن الله وسم كل شيء بسمة من سمات ~~العبودية وذل الخلقة وعجز البنية، ms211 وما خص كل شيء مما خلق بشيء لشمخت بأنفها ~~واستجبرت وتجبرت، فسقطت عن عين الله وهلك، كما استكبر إبليس فلعن، فوسم ~~الله عز وجل، وهم من خشيته مشفقون. وقال تعالى {يخافون ربهم من فوقهم ~~ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50] ، ووضع على بني آدم البلوى والاختبار، فقال ~~{ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35] ، وقال تعالى {ولنبلونكم بشيء ~~من الخوف والجوع} [البقرة: 155] ، وقال {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} [الملك: 2] ### | [ص: 264] # . ووضع على الجن الصغار والذل، فلم يجعل منهم رسولا ولا كليما ولا بعيثا، ~~ولم يخاطبهم على الانفراد، ولعن إبليس والشياطين، فأبعدها وأقصاها وجعلها ~~رجيما. وخص سائر الأشياء بالتسخير، فقال عز وجل {والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره} [الأعراف: 54] ، {وسخر لكم الليل والنهار} [إبراهيم: 33] ، ~~{وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا} ، فلما وسم الله تعالى هذه ~~الأشياء بهذه السمات استكانت الأشياء كلها، وخضعت وانقادت واستقامت على ما ~~أرادوا منها، سبحان الحكيم الحليم العليم، ثم إنه تعالى حجب جميع خلقه عن ~~كنه جلاله، وقدر سلطانه، وقهر ربوبيته، وعظم هيبته، فلولا ذلك لتلاشت ~~الأشياء واضمحلت وفنيت وبادت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حجابه ~~النار، لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، وفي رواية: ~~«حجابه النهار» ، وفي رواية أخرى: «حجابه النور» # PageV01P262 # وحدثنا خلف بن محمد، ح نصر بن زكريا، ح عباس بن عبد العظيم العنبري، ح ~~مكي بن إبراهيم، ح موسى، عن عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عمر، وعن أبي ~~حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دون الله ~~سبعون حجابا من نور وظلمة، وما من نفس تسمع شيئا من حسن تلك الحجب إلا زهقت ~~نفسها» فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بقاء الأشياء كلها وقيامها ~~بأوصافها وثبوتها على ما هي عليه بحجبتها عن عظيم سلطان الله، وقهر ~~ربوبيته، فالأنبياء عليهم السلام والملائكة وأفاضل الأولياء في كنف لطف ~~الله فيه بقاؤهم، والشياطين ### | [ص: 265] # بحجاب اللعنة والطرد والإقصاء، والعبد وسائر المؤمنين في ستر ms212 الرحمة، ~~والأعداء في حجاب الظلمة، وسائر الأشياء في حجاب الغفلة، والتجلي كشف ~~الحجاب وإظهار القدرة، وإبداء الهيبة والجلال، فإذا كشف الله الحجاب عن شيء ~~من الأشياء زال ذلك الشيء وذهب وتلاشى، ومنها تتغير عن أوصافها، وتزول عن ~~بنيتها على قدر الكشوف، وظهور أوصاف الجلال، قال الله تعالى {فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] ، استحال عن صفته، وتغير عن بنيته، فصار ~~ترابا هباء بعد أن كان شامخا حجرا صلبا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وخرجتم إلى الصعدات ~~تجأرون» . وفي بعض الأخبار: «إن الله تعالى خلق درة، فنظر إليها، فذابت ~~فصارت ماء يجري لا قرار له، ولا سكون من هيبة الله» . فإذا أبدى الله من ~~سلطانه ما شاء، ومن صفات قهره وجلاله ما أراد تلاشت الأشياء واضمحلت وفنيت، ~~فتصير السماء كالمهل، والجبال كالعهن المنفوش، وسيرت الجبال فكانت سرابا، ~~وخسف القمر، وتناثرت النجوم، وتفطرت السماوات، وحالت الأشياء وزالت، ذلك ~~بأن الله تعالى شديد البطش، عظيم السلطان، جليل القدر، لا يقدر قدره، ولا ~~يطاق قهره، ولا يدرك جبروته، ولا يحاط به علما، جل وتعالى علوا كبيرا ### | [ص: 266] # . فقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا تجلى لشيء من خلقه خشع» يجوز أن يكون ~~معناه إظهار آثار القدرة، وعز السلطان، وقهر الربوبية، فيخشع من الأشياء ما ~~تجلى له، وكشف الحجاب عنه، ويتطامن ويتواضع ويتغير عن أوصافها، ويتحول عن ~~نعوتها وبنيتها تخويفا للعباد، وتحذيرا لهم، قال الله تعالى {وما نرسل ~~بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59] ، فكسوف الشمس والقمر لتجلي أوصاف ~~القدرة لها، وظهور أعلام عز السلطان عليها، تنبيها للعباد وتحذيرا لهم أن ~~الذي ظهر لهما أو كشف عنهما من سر اللطيف، وحجاب الرحمة غيرهما عن حالهما، ~~وأذهب بنورهما وضيائهما على عظيم بنيتهما ورفيع مكانهما. وفي الحديث: «إن ~~الشمس تشرق من السماء الرابعة، ظهرها إلى الدنيا، ووجهها لأهل السموات، ~~تشرق وتضيء، وعظمها مثل الدنيا ثلاثمائة مرة، أو ما شاء الله، وفي القمر ~~ثمانمائة فرسخ في مثله وصفته ما شاء الله» ms213 ، فإذا حل بهما مع أقدارهما من ~~ظهور سلطان الله لهما ما حل، فكيف بابن آدم الضعيف البنية، الصغير القدر، ~~القليل التماسك تصرعه اللحظة، وتؤذيه النملة، لا يصير لآثار اللطف ولا ~~يقاوم صفات الرحمة من ريح تهب، أو رعد يرعد، أو برقا يلمع، أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا ظهر لهم من كسوفها أو كسوف أحدهما شيء أن يفزعوا إلى ~~الخشوع لله تعالى والالتجاء إليه، والتوجه نحوه، والإقبال عليه، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «فإذا انكسف واحد منهما، فصلوا كأتم صلاة مكتوبة» إذ ~~الصلاة خشوع وخضوع والتجاء وتوجه وإقبال. وورد في صلاة الكسوف أخبار كثيرة ~~على وجوه مختلفة، منها أربع ركعات في أربع سجدات في ركعتين، ومنها ست ركعات ~~في أربع سجدات، ومنه جماعة وفرادى، وفي هذا الحديث «كأتم صلاة مكتوبة» وهو ~~أربع ركعات وثماني سجدات في أربع ركعات على صفة الظهر والعصر والعشاء ~~الآخرة، فإن هذه الصلوات أتمها في معنى العدد، وإن كانت صلاة الفجر والمغرب ~~تامتين بأنفسهما، فإن صلاها ركعتين كصلاة الفجر فهي تامة، وإن صلاها أربعا ~~فهي أتم في معنى العدد، إذ لا عدد للمكتوبة أكثر من ذلك إظهارا للخشوع ~~لتجلي صفة القدرة، وظهور السلطان، يتجلى الله للشمس والقمر بما شاء، ويتجلى ~~لعباده بواسطة الشمس والقمر لطفا منه بهم، ورحمة عليهم، ونظر إليهم إذ لو ~~تجلى لهم من غير واسطة لحل بهم ما حل بالجبل، بل تلاشوا ### | [ص: 267] # ودفنوا، فلطف بهم الله ورأف عليهم، ذلك بأن الله رءوف بعباده جميل النظر ~~لهم لطيف بهم # PageV01P264 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P267 # حدثنا بكر بن مسعود، ح أبو سليمان محمد بن منصور، ح القعنبي، ح شعبة، عن ~~منصور، عن ربعي بن حراش، عن ابن مسعود، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت» . قال الشيخ رحمه الله: رفع النبي صلى الله عليه وسلم قدر ~~هذه الكلمة، وأجلها وعظم شأنها، فذكر أنها من كلام الأنبياء ms214 ليس مما قالت ~~العرب بحكمها وفصاحتها. ويجوز أن يكون قوله: «مما أدرك الناس من كلام ~~النبوة» أي: أنها مما أوحى الله إلى الأنبياء عليهم السلام أول ما أوحى، ~~فلم يزل ذلك يجري في النبوات حتى أدركها العرب، فهي على أفواهها مما أوحى ~~الله إلى الأنبياء عليهم السلام، يدل على ذلك رواية مفضل بن مهلهل، عن ~~منصور، عن ربعي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن مما بقي من النبوة الأولى» كأنه يقول: هي مما أوحى الله إلى ~~الأنبياء، وليست من اختراع الحكماء، وكلام الفصحاء رفعا من قدرها، وتعظيما ~~لشأنها؛ لأنها كلمة جامعة لخير الدنيا والآخرة، وذلك أن الحياء فرع يتولد ~~من إجلال قدر من يستحي منه، وتقصير يراه في نفسه، وإزراء بها فيستصغر نفسه ~~وأوصافها عند شهود من يجل قدره عنده، فينحصر فيمنعه حصره عن كثير مما يحسن ~~من أفعاله، فكيف بما يقبح من أحواله؟ فالعبد بمراء من الله، وهو أجل ناظر ~~إليه لا يخفيه منه شيء، ولا يخفى عليه شيء، حقه أعظم الحقوق، وقدره أجل ~~الأقدار، فهو يراه في كل أحواله، وعلى كل أفعاله، وهو أيضا يراه خلق الله ~~في كثير من أحواله ممن يجل أقدارهم عنده من ملائكة كرام، وخاص من الناس ~~وعام ### | [ص: 268] # ، فهو مترقب متحفظ في جميع حركاته في أكثر أوقاته من أن يرى منه خلق ~~ذميم، أو فعل سقيم فيحكم أفعاله خوفا أن يلحقه لوم فيما يرتكب من فعل مسيء، ~~أو فيما يقصر من حق ما يلزمه من فعل مرضي، ثم يكون حافظا لخواطره، مراغبا ~~لهواجسه، مراقبا لأنفاسه أن يجري في سره، ويخطر بباله ما يسقطه من عين ~~ناظره، أو يمقته فيه من هو عليه قادر، فيستقيم ظاهره، ويصفو باطنه، فهذه ~~صفة من وصفه الحياء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله» # PageV01P267 # حدثنا محمد بن نعيم بن ناعم، ح أبو حاتم الرازي، ح الأنصاري قال: حدثني ~~خالد بن رباح، عن أبي سوار، عن عمران بن ms215 حصين، رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله» ومن كان بضد هذه الصفة التي هي ~~الحياء فإنه لا يحل عنده قدر ناظر من قديم ومحدث، ولا يبالي أن يلحقه شين ~~أو يوصف بذميم، ولا يخاف من فوقه، ولا يبالي بمن معه، فهو خارج عن أوصاف ~~الناس، فإنما يفعل ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء، ويأتي ما يزينه في ~~عيشه من قبيح أفعاله العدو، فكأنه يقول: إذا لم يكن لك ناهي مروءة أو دين ~~لم يحجزك حاجز، ولا يمنعك مانع، صنعت ما شئت ذممت عليه وفيه. ويجوز أن يكون ~~معناه: إذا لم تكن بأوصاف الحياء فافعل ما شئت من عمل، فلا قيمة لعملك، ولا ~~خير فيه؛ لأن من لم يجل ربه ولم يكرم عباده فليس معه من أوصاف الإيمان شيء. ~~فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان» # PageV01P268 # حدثناه محمد بن بهرويه الرازي، بالري، ح سليمان بن صدقة، حدثني سعيد بن ~~سليمان بن سعدويه، ح هشيم، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن أبي بكر، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان» # PageV01P268 # فمن لم تكن أعماله على أوصاف الحياء فكأنه يجل قدر نفسه، ويستخف بقدر ~~سيده، فعظم في عينه قليل عمله، ويصفو عنده كدره، فيمن على الله بطاعته، ~~ويصغر عنده عظيم معصيته، ويزري بعباد الله إجلالا لقدر نفسه، واستصغارا ~~لقدر من سواه؛ لأن الحياء إجلال قدر الناظر إليك واستصغار نفسك، فما كان ~~بخلاف الحياء فهو إجلال قدر نفسه واستصغار قدر من سواه، فهذه صفة عدو الله ~~إبليس قال {أنا خير منه} [الأعراف: 12] . نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله ~~الغفران، فإنه المنان على عباده وله الحمد وإليه المصير # PageV01P269 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P269 # - حدثنا بكر بن محمد بن هرويه الرازي، ح الحسن بن علويه ببغداد، ح علي ~~يعني ابن الجعد، ح شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلا، في بيت أبي عبيدة ~~أنه سمع عبد الله بن عمرو، يحدث ابن عمر ms216 أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «من سمع الناس بعمله سمع الله به سائر خلقه وحقره وصغره» قال: ~~فذرفت عينا ابن عمر رضي الله عنهما قال الشيخ رحمه الله: المسمع بعمله ~~المرائي به، يظهر للناس وجاها فيهم ورتبة عندهم، يريهم أنه لله عابد وله ~~طائع إرادة رفعة فيهم، فهو إنما يرائي به الصالحين من عباد الله الذين يعظم ~~في أعينهم من يطيع الله، ويريدون أن يكونوا مطيعين لله متعبدين له، والله ~~عز وجل إنما أراد من عباده إخلاص العمل له، وأن لا يريدوا بأعمالهم إلا ~~الله وحده، ولا تكون أغراضهم في أفعالهم إلا رضاء الله والدار الآخرة، فإذا ~~صرفوا إرادتهم بأعمالهم إلى غير الله بإظهار صالحها لهم، ومراءاتهم بها ~~ليعظموا بها في أعينهم، ويجل عندهم أقدارهم، قلب الله عليهم، فأظهر للخلق ~~مساوئ أعمالهم التي يخفونها عنهم، ويسترونها منهم، مما علم الله منهم، ~~وسترها عليهم، فيبديها لسائر خلقه من آدمي وملك، وسائر خلق الله، فيبغضونهم ~~عليها، وتزدريهم أعينهم، وتقصر أقدارهم عندهم، ويحقرونهم ويمقتونهم على ~~أعمالهم، فيفتضحون عندهم، وينتهكون فيما بينهم، فيفوتهم ما قصدوه، ويقلب ~~عليهم ما أرادوه، فكأنه قال: من راءى الناس بمحاسنه وأظهر لهم صالح أعماله، ~~أظهر الله لهم مساوئها منها، فيفوته ما يريد، ويبطل محاسنها ### | [ص: 270] # ، فلا يثاب عليها، ولا يدرك ما يريد، بل يفتضح ويصغر ويحقر، نعوذ بالله ~~من الخذلان # PageV01P269 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P270 # - حدثنا أبو عبد الله، محمد بن علي بن الحسين البلخي، ح محمد بن حيان بن ~~حماد السلمي، ح خالد بن يزيد، عن سفيان، عن منصور، عن شقيق بن سلمة، عن ابن ~~مسعود، رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانا بات ~~الليل ولم يذكر الله، حتى أصبح قال: " ذاك رجل بال الشيطان في أذنه، أو ~~قال: في أذنيه " قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى «بال الشيطان في ~~أذنه» أي: استخف به، واستحقره، واستولى عليه، فقد قال الله عز وجل في صفة ~~المنافقين {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ms217 ذكر الله} [المجادلة: 19] ، أي: ~~استعلى عليهم، وأحاط بهم، فنسوا ذكر الله. وقد يقال لمن استخف بإنسان، ~~وأزوى به، واستخف بعقله، فغره وخدعه: بال فلان في أذنه، ويقال ذلك أيضا لمن ~~استغفل إنسانا أتاه على غرة. ويقال: إن دابة فوق النهر دون الكلب لها أذنان ~~سوداوان يخاف منه الأسد استحذارا لها، وتناوم خوفا منها، فتجيء هذه الدابة ~~فتبول في أذنه فيموت الأسد، فكأن من غفل عن الله، وأنسي ذكر الله غلب عليه ~~الشيطان واستضعفه، فقد جاء في الحديث: " إن الشيطان يقول للعبد إذا أراد أن ~~يقوم من الليل: فإن عليك ليلا طويلا ". ويجوز أن يكون معنى قوله: «بال ~~الشيطان في أذنيه» أي: أنساه ذكر الله، وأخذ بسمعه عن نداء الملك الذي جاء ~~في الحديث: " إنه إذا كان ثلث الليل الأخير نادى مناد من السماء: هل من داع ~~فيستجاب له، هل من سائل فيعطى سؤاله، هل من مستغفر فيغفر له " فالذاكرون ~~الله، والقائمون لله ذاكرين، وبالأسحار مستغفرين، وله سائلين، وإليه راغبين ~~قياما قانتين، واستقل القيام كأنه في سمع فهمه وقرا، وفي أذن قلبه صمما من ### | [ص: 271] # تزيين الشيطان له، وأخذه عن نداء الملك، يسمعه بوسوسته إليه؛ لأن الوسوسة ~~كلام خفي، وإكثار منه، فكأنه يشغله بحديثه عن سماع نداء الملك بسمعه ~~لوسوسته إليه، وهو اللعين قذر نجس، فأفعاله نجسة، وأعماله رجسة، وقذرة ~~منتنة، فهو إذا شغل سمع عبد عن الداعي بشهوة نفسه وبوسوسته إليه أتى خبيثا ~~من الأمر ورجسا من الصفة، فكان كأنه بال في أذنه، نسأل الله تعالى العون ~~عليه، والعصمة منه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله # PageV01P270 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P271 # - حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، ح العباس بن محمد بن الفضل، ح سريج بن ~~النعمان أبو الحسين الجوهري، ح حشرج بن نباتة، عن هشام، عن حبيب، عن بشر بن ~~عاصم، عن أبيه، أنه بعث إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليستعمله على بعض ~~الصدقة، فأبى أن يعمل له، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«إذا كان ms218 يوم القيامة أتي بالوالي فيقذف على جسر جهنم، فيأمر الله تعالى ~~فينتفض انتفاضة يزول كل عظم عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى ~~أماكنها، ثم يسأله فإن كان لله مطيعا أخذ بيده وأعطاه كفلين من رحمته، وإن ~~كان لله عاصيا خرق به الجسر، فهوى في جهنم مقدار سبعين خريفا» . فقال عمر: ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أسمع؟ قال: نعم، فكان هناك ~~سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، فقال سلمان: إي والله يا عمر بن الخطاب، ~~ومع السبعين خريفا في واد من نار تلتهب التهابا. فقال بيده على جبهته: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون، من يأخذها بما فيها؟ فقال سلمان: من سلت الله أنفه، ~~وألصق خده بالتراب قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله: «من سلت ~~الله أنفه» أي: قبحه، وشوه خلقه؛ لأن من نزع أنفه من وجهه شوه خلقه؛ لأن ~~معنى السلت المسح والإذهاب. ومعنى: «ألصق خده الأرض» أي: أذله، وأقمأه، أي: ~~يكون آخر أمره ذلك، وإلى تلك الحال يكون من قبحها، فقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «يحشر ### | [ص: 272] # المتكبرون أمثال الذر يطأهم الناس بأقدامهم» . فكأن معنى قول سلمان: لا ~~يأخذها عندك وأنت حي إلا من يرغب فيها طلبا للعلو، وإرادة الرفعة والتسلط ~~على عباد الله، ومن أعاد علوا في الأرض وفسادا، ومن كان كذلك كانت عاقبة ~~أمره في الآخرة، وانتهاء حاله في القيامة إلى ما أوعد الله المستكبرين على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: «يحشرون أمثال الذر» ، ويشوه خلقهم ويقبح ~~صدورهم؛ لأنه لا يقبلها مع ما فيها من غير ضرورة إليها إلا من كان طالبا ~~للعلو في الأرض، والفساد في البلاد، والترفع على العباد، ألا يرى أنه لم ~~يرغب فيها من الخلفاء الراشدين أحد حتى أتاه عفوا، وحتى لم يجد منه بدا، ~~فإن أبا بكر رضي الله عنه كان يدفعها عن نفسه، حتى لم يجد منه بدا، وخاف ~~الفتنة، وعمر رضي الله عنه استخلفه أبو بكر، وعثمان اجتمعت ms219 عليه أهل ~~الشورى، وعلي بايعوه طوعا، وهو يمتنع حتى جاءت عزمة # PageV01P271 # حدثنا محمد بن يعقوب بن يوسف السكندري، ح الكريمي، ح هارون بن إسماعيل، ح ~~قرة بن خالد السدوسي، عن الحسن، عن قيس بن عباد، قال: سمعت عليا، رضي الله ~~عنه يوم الجمل يقول لما دفن - يعني - عثمان رضي الله عنهما: رجع الناس ~~يسألوني البيعة فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، حتى جاءت عزمة، ~~فبايعت، فلما قالوا لي: يا أمير المؤمنين فكأنما صعد قلبي، وأمسكت بغيرتي، ~~فقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى فهؤلاء الخلفاء الراشدون لم يتقلدوها ~~إلا لضرورة حين لا يجدوا بدا من ذلك خوفا من الفتنة، وشفقة على خلق الله، ~~وحدبا على عباد الله، لا رغبة في الدنيا، ولا طلبا في الأرض، ولا فسادا ~~بجمع المال. فقول سلمان: من سلت الله أنفه أي: إنما يأخذه اختيارا من غير ~~ضرورة من سلت الله أنفه؛ لأنه لم يكن يأخذها في حياة عمر رضي الله عنه، ~~وعمر مستقل بها، وأفضل الناس يومئذ عمر إلا من رغب في الدنيا، وطلب العلو ~~فيها، ومن كان كذلك فهو من المستكبرين الذين يشوه في الآخرة صورته، ويطأه ~~الناس ذلا وهوانا. ويجوز أن يكون معنى قوله: من سلت الله أنفه أي: يأخذها ~~عند الضرورة، أي: بعدك، من نزاع الله الكبر والعلو، وطلب الرفعة والتسلط ~~على عباد الله منه، وإلزامه التواضع في دين الله تعالى والشفقة على عباد ~~الله منه، فقد يقال لمن تكبر وترفع ### | [ص: 273] # واستطال على الناس شمخ بأنفه، فيجوز أن يكون: «سلت الله أنفه» أي: نزع ~~الكبر منه، ونفاه عنه، فيكون الأنف عبارة عن الكبر والتعظم. ووضع الخد ~~بالأرض، وإلصاقه بها عبارة عن التواضع لله، والتذلل لعباد الله، كما قال ~~الله تعالى {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] ، فكأنه ~~قال: يأخذها عنك بعدك يا عمر من لا يريد بها علوا في الأرض ولا فسادا، بل ~~يريد بها تواضعا لله وشفقة على عباد الله ضرورة مخافة الفتنة في الدين، ~~وتشتيت كلمة المسلمين، ms220 فكان كما أخذها بعد عمر عثمان رضي الله عنهما ~~متواضعا متذللا غير متكبر ولا متجبر، إماما عادلا خليفة صادقا تستحييه ~~الملائكة رضي الله عنه، وبعده الهادي المهدي أخو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ~~وألحقنا بهم آمين رب العالمين # PageV01P272 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P273 # - ح أبو محمد، أحمد بن عبد الله الهروي، ح أبو الحسن، علي بن محمد بن ~~مهرويه القزويني بالكوفة قدمها حاجا، ح داود بن سليمان بن وهب أبو أحمد ~~الفري القريشي، حدثني علي بن موسى الرضي، حدثني أبو موسى بن جعفر، عن أبيه ~~جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن ~~علي، عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " إن موسى بن عمران سأل ربه، ورفع يديه، فقال: يا رب أبعيد ~~أنت فأناديك، أم قريب فأناجيك؟ فأوحى الله إليه: يا موسى بن عمران أنا جليس ~~من ذكرني " قال الشيخ رحمه الله: يجوز أن يكون قوله عليه السلام: «أبعيد ~~أنت فأناديك» على معنى الاسترشاد في الدعاء والذكر من جهة الجهد والإخفاء، ~~وليس على معنى البعد الذي هو الغيبة، أو بعد المسافة، ولا على القرب الذي ~~هو الحضور والجهود بمعنى الحلول، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وحاشى ~~كليمه المعني في رتبته المصطفى من بريته أن يخطر بباله ما لا يجوز على الله ~~تعالى، أو أن يصفه بصفات المحدثين، فكأنه عليه السلام يقول: أدعوك إذا ~~دعوتك رافعا صوتي بالنداء، جاهرا بالدعاء، كما يخاطب من هو بعيد، وينادى من ~~هو غائب، إذا دعوتك خافضا صوتي مخافتا في دعائي، كما يخاطب القريب، ويدعى ~~المناجى، قال الله له: «أنا جليس من ذكرني» # PageV01P273 # كأنه يقول له: ادعني دعاء المرء جليسه، والجليس لا ينادى جهرا، ولا يخافت ~~سرا، كأنه يقول له: اجعل دعاءك لي بين المخافتة والجهر # PageV01P274 # وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله ms221 عليه وسلم: «أيها الناس اربعوا ~~على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ولكن تدعون سميعا بصيرا» حدثناه ~~خلف بن محمد، قال: ح إبراهيم بن معقل، ح محمد بن إسماعيل، ح سليمان بن حرب، ~~ح حماد، عن أيوب، عن أبي عثمان، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم» ، وذكره ويجوز أن يكون ~~معنى قوله: «أم قريب أنت فأناجيك» أي: أنا في صفة البعد عنك والإقصاء أو ~~بصفة القرب والإدناء، كأنه يقول: باعدتني عنك وأقصيتني عن بابك سخطا علي ~~فأناديك صارخا، وأدعوك جاهرا مستغيثا من بعدك والفراق منك، أو أدنيتني منك، ~~وقربتني إليك قبولا لي، ورضا عني فأناجيك نجوى المقربين، وأدعوك دعاء ~~المستأنسين، فكأنه أراد بعده عن الله وقربه منه، وإن كان لفظ الخبر على لفظ ~~بعد الله عنه وقربه منه؛ لأن من بعدت عنه فقد بعد عنك، ومن قربت منه فقد ~~قرب منك، فكأنه يقول: أبعدتني عنك أم أدنيتني منك؟ فأوحى الله تعالى إليه: ~~«أنا جليس من ذكرني» ، فكأنه يقول له: إن علامة من قربته مني وأدنيته إلي ~~أن يكون ذاكرا لي، فمن وجد نفسه لي ذاكرا، فليعلم أني قربته مني، كأني ~~جليسه، فكأنه عز وجل تلطف له، ورأف به، وتعطف عليه، فأخبره عن أوصاف القرب، ~~إذ كان عليه السلام مقربه ومصطفاه وكليمه ومجتباه، ووارى عنه أوصاف البعد ~~فلم يخبره بعلامات من باعده عنه، كما أخبره بعلامة من قربه منه عطفا عليه، ~~ولطفا به كيلا يوحشه إذ كان عليه السلام لا يطيق أن يسمع بأوصاف البعد، ~~وعلامات الإقصاء، وأمارات الطرد، ولأنه عليه السلام لم يكن بعيدا منه، ولا ~~كان عليه أوصاف من باعده الحق من نفسه عز وجل. ويجوز أن يكون معنى قوله: ~~«أنا جليس من ذكرني» أخبره بقربه منه، وتقريبه إياه، كأنه يقول: كيف تكون ~~بأوصاف البعد مني وأنت لي ذاكرا، ومن كان لي ذاكرا ### | [ص: ms222 275] # كنت له جليسا، أخبره بأنه منع بأبلغ غايات القرب، وأقصى نهايات الدنو ~~إليه، كأنه يقول له: أنت مني بالقرب والدنو بمنزلة المرء من جليسه. ولم يقل ~~في الحديث: إن من ذكرني جليسي؛ لأنه لو كان كذلك لكانت الحالة مكتسبة، ولم ~~يكن فيه دلالة الخصوص والإفضال على من آثره الله؛ لأن الله تعالى أجل من أن ~~يرام مجالسته والدنو إليه من حيث البعد، وإنما ذكر أنه هو الجليس إظهارا ~~لفضله، وتقربا إلى عبده، ولطفا بذاكره، كما قال تعالى {ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم} [المجادلة: 7] ، وكما قال ~~الله تعالى {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ، جل الله البر الرءوف الرحيم ~~بعباده اللطيف الخبير # PageV01P274 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P275 # ح أبو النضر محمد بن إسحاق الرشادي، ح علي بن عبد العزيز، ح مسلم، ح ~~شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو كنت متخذا خليلا من أمتي لاتخذت ~~أبا بكر خليلا» # PageV01P275 # وفي حديث آخر: «لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا» ، ~~حدثناه خلف بن محمد، ح إبراهيم بن معقل، ح محمد بن إسماعيل، حدثني عبد الله ~~بن محمد، ح أبو عامر، ح فليح، حدثني سالم أبو النضر، عن بشر بن سعيد، عن ~~أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي حديث آخر: «إن صاحبكم ~~خليل الله» # PageV01P275 # سمعت محمد بن عبد الله بن يوسف العماني، يقول: سمعت كهمسا، يقول: سمعت ~~محمد بن الحسن، يقول: سمعت عبد الله بن شقيق، رحمه الله، يقول: قلت لعائشة ~~رضي الله عنها: من كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ### | [ص: 276] # قالت: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت: ثم أبو ~~عبيدة بن الجراح. قال الشيخ رحمه الله: أخبر في هذا الحديث أن أبا بكر خليل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر في الحديث الأول أنه ليس ms223 له خليل غير ~~الله، وفي حديث آخر أن أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، ~~وقال في حديث آخر في الحسن والحسين: «اللهم إني أحبهما، فأحبهما» ، وكان ~~أسامة يقال له: حب رسول الله، فوردت الأخبار أنه أحب أقواما، ولم يتخذ أحدا ~~من الناس خليلا، وقد تكلم شيوخ الصوفية في الخلة والمحبة، فشرف بعضهم الخلة ~~, وشرف الأكثرون المحبة، وقالوا: كان إبراهيم عليه السلام خليل الله، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم حبيب الله، وتكلموا فيه بكلام كثير. وقد ورد الخبر ~~بذلك. والخلة بمعنى، والمحبة بمعنى آخر، والمحبة: هي الإيثار، والموافقة، ~~والإقبال له، والخلة هي على المحبوب، وخاصته الوجد بالمحبوب، والرقة له بعد ~~الميل إليه، والإقبال عليه، والإيثار له، والخلة هي: الاختصاص، والمداخلة، ~~يقال: خلل أصابعه إذا أدخل بعضها في بعض، وخلل لحيته إذا أدخل أصابعه # PageV01P275 # حدثنا محمد بن حامد القواريري، ح أحمد بن سهل، ح علي بن نصر بن علي ~~الحلواني قالا: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: ح زمعة بن صالح، عن ~~سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: جلس ناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم ~~يتذاكرون، فتسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبا أن الله تعالى اتخذ من خلقه ~~إبراهيم خليلا، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم الله تعالى موسى تكليما. ~~وقال آخر: فعيسى كلمة الله، وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن ~~إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى نجي الله، وهو كذلك، وعيسى كلمته ~~وروحه، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله، ولا ~~فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق ~~الجنة، ويفتح الباب لي، فيدخلنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أول ~~شافع، وأول مشفع يوم القيامة، ولا فخر، وأنا ### | [ص: 277] # أكرم الأولين، والآخرين على الله، ms224 ولا فخر، إني لست أفتخر بذي عليكم فخر ~~تعظيم، وترفع، وتكبر» ولكن كان فخره بالله، وتكلموا فيه بكلام كثير. فالخلة ~~تختص بمعنى، والمحبة تختص بمعنى آخر، فالمحبة هي الإيثار، والموافقة، ~~والإقبال على المحبوب، وخاصته الوجد بالمحبوب، والرقة له بعد الميل إليه، ~~والإقبال عليه، والإيثار له، والخلة هي الاختصاص، والمداخلة، يقال: خلل ~~أصابعه إذا أدخل بعضها في بعض، وخلل لحيته إذا أدخل أصابعه فيها، فكأن ~~المتخاللين يتداخلان بينهما في وقوف كل واحد منهما على ما يستر خليله، ~~ويطلع على مغيب خليله، وخاصة أمره مما يستره عن غيره، ولا يطلع عليه أحدا ~~من الناس، وهذا خاصية الخلة، قال الشاعر: # [البحر الخفيف] # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا # فإذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكت كنت الغليلا # فيجوز أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا من أمتي ~~خليلا» ، أي: لو كنت مطلعا أحدا من أمتي على سري، وموقفا أحدا بمغيب أمري، ~~وما أجنه في ضميري، لأطلعت عليه أبا بكر رضي الله عنه، ولكن لا يطلع على ~~سري إلا الله وحده، ولا أظهر ما أستره، ولا أكشف ما أضمره إلا لله وحده؛ ~~لأني خليله، وإنما يقف على سر المرء خليله دون غيره، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إن لي مع الله وقتا لا يسمعني فيه غيره» ، أي: لا يتخلل بيني ~~وبين ربي دخيل، وقد أبى الله عز وجل أن يطلع أحدا من خلقه على ما أسره إلى ~~خليله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله عز وجل: {فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى} [النجم: 10] ، ستر على العالمين ما أسره إليه، وأورده عليه، فقال ~~عز وجل: {فكان قاب قوسين أو أدنى} [النجم: 9] ، أخرج عن الأوهام، وتورد ~~إليه، وطوى عن الأفهام سره إليه، وأمره بأن يبلغ ما أنزل إليه دون ما توقف ~~بسره إليه، فقال: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67] ، ولم يقل: بلغ ~~ما تعرفنا به إليك، روي ذلك عن جعفر بن محمد ### | [ص: 278] # رضي ms225 الله عنه، وروي عنه أيضا في قوله: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل} ~~[الحاقة: 44] قال: لو أظهر لغيرنا ما أسررنا إليه: {لأخذنا منه باليمين ثم ~~لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 46] ، إذ لا يجوز أن يدخل بين الخليلين ثالث، ~~أو يقف على سر المحبين أحد، لا يرى لما أضمر في سره معنى لغيره، وأخفى في ~~نفسه شرا لجنسه، غار الله عليه أن يكون له سر سواه، فقال الله عز وجل: ~~{وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: ~~37] ، أظهر للناس ما أخفاه في نفسه غيرة عليه أن يكون في سره غيره، وستر عن ~~الخلق كلهم ما وراه من عظيم آياته، ولطائف كراماته، فقال: {لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى} [النجم: 18] انحسرت أوهام الخلائق في الوقوف على معنى قوله: ~~{الكبرى} [النجم: 18] فطوى الله - عز وجل - عن الخلق ما كان بينه وبين ~~خليله محمد صلى الله عليه وسلم فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز له أن ~~يطلع على سره إلا الخليل الذي هو الجليل، فقال: لو جاز لي أن أتخذ خليلا ~~فيقف على سري لاتخذت أبا بكر، إذ كان رضي الله عنه أقرب الخلق سرا من سر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا يرى إلى قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أبا بكر لم يفضلكم بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه» طوى عن ~~الناس سر أبي بكر، كما طوى عن أبي بكر سر نفسه، وبذل المحبة منه للناس، ~~فقال: «إني أحبهما فأحبهما» يعني الحسن والحسين وأسامة. # PageV01P276 # حدثناه محمد بن أحمد البغدادي، ح إسحاق بن إسماعيل، حدثني مسدد، حدثني ~~معتمر قال: سمعت أبي، ح أبو عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يأخذه والحسن، ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما» ، أو ~~كما قال وأخبر أنه يحب أحدا، فقال: «هذا جبل يحبنا، ونحبه» . فأحب الأغيار، ~~ولم يتخذ خليلا غير الجبار، فكان حبه الأغيار إيثارا لمن أحب على غيره، ~~وإقبالا عليه، ms226 وميلا إليه، بمعنى الرقة والرحمة إليه، وحبيبه الذي وجده به، ~~وشوقه إليه، وسره معه هو الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير # PageV01P278 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P279 # حدثنا حاتم، ح يحيى، ح الحماني، ح شريك، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن ~~حذيفة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تستخلف علينا، فقال: «إن ~~استخلفت عليكم خليفة من بعدي ثم عصيتم خليفتي نزل العذاب» ، ثم قال: «إن ~~تولوا هذا الأمر أبا بكر تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في بدنه، وإن تولوها ~~عمر تجدوه قويا في أمر الله قويا في بدنه، وإن تولوا عليا ولن تفعلوا تجدوه ~~هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم» قال الشيخ الإمام الزاهد - رحمه ~~الله -: النبي صلى الله عليه وسلم أفطن الخلق كلهم وأبعدهم عما يخل ~~بأفعاله، سمع الله يقول حكاية عن كليمه حين قال لأخيه هارون {اخلفني في ~~قومي} [الأعراف: 142] فكان منهم ما كان من عبادتهم العجل وكانت توبتهم أغلظ ~~توبة، قال الله تعالى: {اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} [النساء: 66] ، ~~فحذر النبي صلى الله عليه وسلم في الاستخلاف عليهم ما نزل بقوم موسى ~~فاستخلف الله عليهم، فقال: «الله خليفتي فيكم» ، فخار الله - عز وجل - لهم ~~فاستخلف الله أبا بكر، فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة ~~وخليفة الله بيانا، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر ضعيف في ~~بدنه قوي في أمر الله، وأن عمر قوي في بدنه قوي في أمر الله، وأجمع أهل ~~السنة والجماعة أن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم ~~عمر # PageV01P279 # وقال ابن عمر: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان حدثنا به خلف بن محمد، ~~ح إبراهيم بن مغفل، ح محمد بن إسماعيل، ح عبد العزيز بن عبد الله، ح ~~سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، - رضي الله عنهما - قال ms227 ذلك # PageV01P279 # وحدثنا خلف، ح إبراهيم، ح محمد، ح محمد بن كثير، أخو سفيان، ح جامع بن ~~أبي راشد، ح أبو يعلى، عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبي: أي ### | [ص: 280] # الناس خير بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ~~عمر. وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين ~~فكان أبو بكر خيرا من عمر وهو أضعف بدنا من عمر، وعمر أقوى بدنا منه، ~~وكلاهما قويان في أمر الله، فدل ذلك على أن الفضل ليس من جهة قوة الأبدان ~~ولا بكثرة الأعمال؛ لأن من كان أقوى بدنا مع قوته في أمر الله، يجب أن يكون ~~أكثر عملا، فدل ذلك على أن كثرة العمل لا يوجب الفضل، وإنما يوجب الفضل ~~منحة العمل ومعنى في السر، بل إنما يكون الفضل لمن فضله الله تعالى، والله ~~تعالى لا يفعل شيئا لعلته، وإنما يفعل ما يفعل بالمشيئة، فينحاز لمن يشاء ~~ويفضل من يريد وهو الحكيم للخير، ثم يجعل في قلب من فضله واختاره معنى يكون ~~ذلك علما لفضله ودليلا على اختيار الله له، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أبا بكر لم يفضلكم بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه» ~~فأخبر أن قوة القلب هي التي تقدم ليس قوة البدن، وإنما يقوى القلب لأنه ~~موضع نظر الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ~~ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» والله تعالى إنما ينظر إلى ~~ما يحب ويختار، ولا ينظر إلى ما يبغض، قال الله تعالى: {إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: ~~77] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لم ينظر إلى الدنيا ~~منذ خلقها بغضا لها» فأخبر أنه إنما ينظر إلى ما يحب ومن يحب، فأحب ms228 الله ~~تعالى من شاء لا لعلة، ثم نظر إلى ما أحب منهم وهو القلب، فقويت القلوب ~~بنظر الله إليها وأشرقت واستنارت وتزينت، فطارت في الملكوت شوقا إلى من نظر ~~إليها؛ لأنه تعالى لما نظر إليها نظرت إليه فولهت به وشغلت عما سواه، فطارت ~~في الملكوت شوقا إليه، فوقفت أمام ### | [ص: 281] # العرش فأذن لها فسلمت عليه، وكلمها فوعت، وأراها فأبصرت، وألبسها السكينة ~~فسكنت، وردها بألوان الفوائد وأنواء الزوائد، ولولا ما ألبسها من السكينة ~~لطارت شوقا، وتلاشت في مباهات توحيد الله، وفنيت تحت أنوار هيبته، قال الله ~~تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} [الفتح: 4] فبذلك قويت الأسرار وصغت القلوب. ففي الحديث دلالة أن ~~الله تعالى يختار ما يشاء، قال الله تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} ~~[القصص: 68] وهو تعالى فضل من أراد في سابق علمه بمشيئته وإرادته، لا لقوة ~~بدن ولا بكثرة عمل، والقلب إنما يقوى بما يحدثه فيه ويودعه إياه بعد ~~اختياره له ونظره إليه، والله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويصطفي ~~من يشاء، ويختار ما كان لهم الخيرة، تعالى الله عما يشركون. وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: «وإن تولوها عليا ولن تفعلوا» يجوز أن يكون معناه: أن تولوها ~~عليا حين تفضي الخلافة إليه وتصير له «ولن تفعلوا» ، أخبر عن الغيب الذي ~~أطلعه الله عليه أنهم لا يفعلون، فكان كما أخبر، فتفرقوا فيه فرقا واختلفوا ~~عليه أمما، فلم يهتدوا ولم يسلكوا الطريق المستقيم، بل تشتتوا فصاروا شيعا، ~~فنكثت طائفة، وقسطت أخرى، ومرقت ثالثة، وعصيت رابعة، ولو ولوها إياه ~~واجتمعوا عليه لوجدوه هاديا لهم إلى الطريق الواضح، والهدى البين، مهديا في ~~نفسه لا يسلك من الطريق إلا أهداها ومن المناهج إلا أولاها، ويسلك بهم ~~الطريق المستقيم الذي كان علي رضي الله عنه يسلكه ويهدي إليه ويستقيم فيه ~~ويقيم عليه # PageV01P279 # حدثنا الحميدي، ح حامد بن سهل، ح إسماعيل بن موسى، ح خلف بن خليفة، عن ~~الحجاج بن دينار، عن معاوية بن قرة، قال: ذكر الحسن ms229 البصري - رحمه الله - ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «أراهم السبيل وأقام لهم الدين إذ ~~تعوج» فكأنه قال: إذا أفضت الخلافة به، وانتهت الإمرة إليه، وليتموه أمركم، ~~عند ذلك يسلك بكم الطريق المستقيم، ولكنكم لا تفعلون ولم يرو - إن شاء الله ~~تعالى - أن تولوها إياه بعدي وعلى إثري، فيكون أول قائم بعدي؛ لأنه صلى ~~الله عليه وسلم دلهم على الخليفة بعد وفاته بالأمر له بالإمامة لهم في ~~حياته فقال: «مروا ### | [ص: 282] # أبا بكر فليصل بالناس» # PageV01P281 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه بلال إلى الصلاة، فقال: «مروا من ~~يصلي بالناس» ، قال عبد الله بن ربيعة بن الأسود فقلت: قم يا عمر فصل ~~بالناس قال: فقام، فلما كبر عمر، سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، ~~وكان عمر رجلا مجهرا، فقال: «فأين أبو بكر، يأبى الله ذاك والمسلمون، يأبى ~~الله ذاك والمسلمون» حدثنا به، محمد بن محمد، ح نصر بن زكريا، ح عمار، ح ~~سلمة، حدثني محمد بن إسحاق، وعن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد ~~الرحمن بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن ربيعة بن الأسود بن المطلب بن ~~أسد، قال: لما استقر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده، وذكر حديثا ~~طويلا. فدل ذلك على أنه لم يرد بقوله صلى الله عليه وسلم «إن تولوها عليا» ~~أي: تولوها بعد وفاتي وعلى إثري، فيكون أول من يقوم بالخلافة بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإنما أراد: أن تولوا عليا حين تفضي إليه الخلافة وتصير ~~له الإمرة وتنتهي إليه الولاية، والله أعلم بالصواب # PageV01P282 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P282 # حدثنا أبو محمد، بكر بن مسعود بن رواد التاجر قال: ح عبد الصمد بن الفضل ~~قال: ح المقري، عن حيوة، عن بكير بن عمرو المعافري، عن مشرح بن هاعان ~~المعافري، عن عقبة بن عامر الجهني، رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب ms230 رضي الله عنه» ### | [ص: 283] # قال الشيخ الإمام الزاهد - رحمه الله -: أخبر النبي عما لم يكن، أن لو ~~كان كيف كان، كما أخبر الله تعالى عما لا يكون أن لو كان كيف كان، بقوله: ~~{ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28] ، بقولهم: ~~{ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 107] ، ففيه إنابة ~~كذبهم وعتوهم على الله - عز وجل - وأن كفرهم وتركهم الإيمان بالله ورسوله ~~كان عنادا، وجحودا على بصيرة بمواضع الحق، وبينات من الهوى لا لشبهة عرضت. ~~فكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «لو كان بعدي نبي لكان عمر رضي الله ~~عنه» فيه إنابة على الفضل الذي جعل الله في عمر رضي الله عنه والأوصاف التي ~~تكون في الأنبياء، والنعوت التي تكون في المرسلين. فأخبر أن في عمر رضي ~~الله عنه أوصافا من أوصاف الأنبياء، وخصالا من الخصال التي تكون في ~~المرسلين، مقرب حاله من حال الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - كما وصف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ركبا أتوه فقال: «حكماء علماء كادوا أن يكونوا من ~~الفقه أنبياء» . ويجوز أن يكون فيه معنى آخر، وهو إخبار أن النبوة ليست ~~باستحقاق ولا بعلة تكون في العبد يستحق بها النبوة ويستوجب الرسالة، بل هو ~~اختيار من الله تعالى واصطفاء، قال الله تعالى: {ولكن الله يجتبي من رسله ~~من يشاء} [آل عمران: 179] ، وقال الله تعالى: {الله يصطفي من الملائكة رسلا ~~ومن الناس} [الحج: 75] ، وقال تعالى: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك} [الزخرف: 32] . فكأنه صلى الله عليه ~~وسلم أشار إلى أوصاف الرسل والأنبياء - عليهم السلام - وأن عمر رضي الله ~~عنه جمع منها كثيرا، لو كانت الأوصاف موجبة للرسل لكان عمر بعدي رسولا. ~~ومما يدل على ذلك أن خاصة الأوصاف التي كانت في عمر التي تفرد بها عن غيره، ~~قوته في دينه وبدنه، وستره، وقيامه بإظهار دين الله وإعراضه عن الدنيا، ~~وأنه كان سببا لظهور الحق وإعزاز الدين، وفرقان الحق والباطل، وبذلك سمي ~~الفاروق # PageV01P282 # وقال ms231 عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان إسلام عمر فتحا، وكانت إمارته ~~رحمة، وكانت هجرته نصرة، والله ما استطعنا أن نصلي بالبيت ظاهرين حتى أسلم ~~عمر رضي الله عنه، فلما أسلم قاتلهم حتى صلينا حدثناه محمد بن إسحاق ~~الرشادي، قال: ح عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: ح أبي قال: ح وكيع، عن ~~مسعود المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: قال عبد الله: وذكره. ~~فالخواص التي تظهر للخلق من أوصاف الأنبياء، الصدق لله، والثقة بالله، ~~والإعراض عما دون الله، وذلك في صدق القول، وشجاعة القلب، وسخاوة النفس، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لو كانت لي بعدد شجر تهامة كذا ~~نعما لقسمتها بينكم، لا تجدوني جبانا ولا كذوبا ولا بخيلا» ، هذا معنى ~~الحديث، فدل هذا على أن هذه الخصال من أخص الأوصاف التي تظهر للناس من ~~الأنبياء، وما بينهم وبين الله لا يطلع عليه إلا هو وحده عز وجل. ثم وجدت ~~أكثر هذه الأوصاف في أبي بكر، وفي علي أكثر مما وجدت في عمر - رضي الله ~~عنهم أجمعين - قال أبو بكر: «والله لو خشيت أن تأكلني السباع في هذه القرية ~~- يعني المدينة - لأنفذت جيش أسامة» وبه بان الحق من الباطل بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتاله أهل الردة، وبذل جميع ماله، حتى قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «ماذا خلفت لعيالك؟» قال: الله ورسوله. والصدق من أخص ~~أوصافه وسائر خصاله التي لا خفاء به، ثم لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن لو كان بعده نبي لكان أبو بكر أو علي، ولكن قال ذلك لعمر، ليعلم أن ~~النبوة بالمشيئة والاصطفاء لا بالأسباب. وقوله: «لو كان بعدي نبي لكان عمر» ~~لا يوجب أن يكون عمر أفضل من غيره؛ لأنه لم يكن نبيا، ولو كان نبيا كان ~~أفضل ممن ليس بنبي، فأما إذا لم يكن نبيا جاز أن يكون غيره أفضل منه وهو ~~أبو بكر رضي الله تعالى عنه والله أعلم # PageV01P284 ### | ### | حديث آخر # ms232 # PageV01P285 # قال: ح أبو بكر محمد بن عيسى الطرسوسي قال: ح عبيد الله بن محمد قال: ح ~~حماد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبي الطفيل، عن ~~علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ~~علي إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما ~~الأولى لك وليس لك الثانية» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن ~~يكون معنى قوله: «إنك ذو قرنيها» أي أنت ملكها المخصوص بالملك الأكبر وإن ~~لك ملكا في الجنة كلها كما كان ذو القرنين مخصوصا بملك الأرض كلها يضرب من ~~مشرقها إلى مغربها، قال الله تعالى: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في ~~عين حمئة} [الكهف: 86] الآية، وقال: {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع ~~على قوم} [الكهف: 90] ، فأخبر الله تعالى أنه بلغ مغربها ومطلعها، وقال: ~~{إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا} [الكهف: 84] ، فأخبر أنه ~~ملك الأرض كلها يضرب من أولها إلى آخرها، فكذلك علي رضي الله عنه له في ~~الجنة ملك هو مخصوص به من بين سائر الملوك، فإن في الجنة ملوكا كما أن في ~~الدنيا ملوكا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بملوك أهل الجنة» ~~قالوا: بلى قال: «كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه به، لو أقسم على الله ~~تعالى لأبره» # PageV01P285 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين، ~~لا يؤبه به، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، حوائج أحدهم ~~تلجلج في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بينهم لوسعهم» حدثناه الشيخ الإمام ~~عبد الله بن محمد الحارثي قال: ح محمد بن عبد الله بن خالد البلخي قال: ح ~~قتيبة بن سعيد قال: ح جعفر بن سليمان الضبعي، عن عوف الأعرابي، عن الحسن ~~البصري - رحمه الله - قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى ~~الله عليه ms233 وسلم ذلك. أخبر - صلى الله عليه وسلم - «أن في الجنة ملوكا وعلي ~~من أكبرهم ملوكا، وإنه ممن له ملك في الجنة كلها كما كان لذي القرنين ملك ~~في الأرض كلها» ، قال الله عز وجل: {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} [الزمر: 74] ، أخبر أن من أهل ~~الجنة من ينزل منها حيث يشاء، وسائر أهل الجنة لهم درجات معلومة ومساكن ~~معروفة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أهل الجنة من له كذا، ومن ~~له كذا» فأخبر أن ملك علي منها وفيها ليس بملك محدد ومنته ولكن ملكه في ~~جميع الجنة يتبوأ منها حيث يشاء. وقوله: «إن لك كنزا في الجنة» : يجوز أن ~~يكون معناه إنك متبرئ من حولك وقوتك متوكل على الله تعالى في أمورك مستظهر ~~بالله دون حولك وقوتك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن كنز الجنة: لا حول ~~ولا قوة إلا بالله # PageV01P286 # حدثنا أحمد بن سباع الخطيب، قال: ح محمد بن الضوء قال: ح عمرو بن عون ~~قال: ح أبو معاوية، عن أبي بشر، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي، ~~قال: قال أبو ذر رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك ~~في كنز من كنوز الجنة؟» قلت: نعم، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله» ### | [ص: 287] # ففيه معنيان: أحدهما: أن من تبرأ من حوله وقوته فقد اتخذ كنزا في الجنة ~~كما قال في حديث آخر: " أكثروا من غراس الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله "، ~~يعني قولوا ذلك على تحقيق من قلوبكم، وصدق من نفوسكم، أي تبرءوا من حولكم ~~وقوتكم فيكون لكم في الجنة كنوزا، وعلي رضي الله عنه ممن تبرأ من حوله ~~وقوته، فله في الجنة كنز. ومعنى آخر: أن التبري من الحول والقوة والاستظهار ~~بالله تعالى على الأشياء من كنز في الجنة، أي لا يكون بهذه الصفة إلا من ~~كان له في الجنة كنز، وعلي رضي الله عنه بهذه ms234 الصفة فله في الجنة كنز كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: «أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش» . ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تراعي النظرة النظرة، فإنما الأولى لك وليست ~~لك الثانية» هذا إن شاء الله فيمن لا يتعمد النظر إلى ما نهي عنه؛ لأن من ~~كانت النظرة الأولى على قصد وتعمد إلى ما نهي عنه، فليست هي له، بل هي ~~عليه، فإن كانت هي الأولى، فأما التي هي له وليست عليه هي التي نهى عنه من ~~قصد منه، فذلك معفو عنه لأنه خطأ. وقد قال الله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع ~~الخطأ والنسيان عن أمتي» فالنظرة الأولى فهي نظرة خطأ معفو عنه متروك له، ~~لا يؤاخذ بها، ولا يكتب عليه سيئة، فإذا أتبعها أخرى كانت الثانية نظرة ~~تعمد وقصد، ومن تعمد الخطيئة، وقصد من تعمد الخطيئة، وقصد ارتكاب ما نهي ~~عنه، كتبت عليه سيئة لا يمحوها إلا بشرائطها من توبة، أو كفارة، أو تأديب، ~~ولله فيها المشيئة في العقوبة عليها والتجاوز وهو جل وعز غفور رحيم عفو ~~حليم، والله أعلم # PageV01P286 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P288 # - حدثنا حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ~~حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، أنه سمع رجلا، من أهل الكوفة ~~يقول: سمعت عليا، رضي الله عنه على منبر الكوفة يقول: قلت: يا رسول الله: ~~أنا أحب إليك أم هي؟ يعني فاطمة رضي الله عنها قال: «هي أحب إلى منك، وأنت ~~أعز علي منها» قال الشيخ رحمه الله: المحبة صفة المحب بثناء من المحب ~~للمحبوب، والعز صفة العزيز، يبدو فيه على من يعز عليه. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «هي أحب إلي منك» إخبار بصفة يجدها في نفسه لفاطمة - رضي الله عنها - ~~وهي رقة يجدها فيها، وميل إليها وجدت عليها، ليس لها في شيء من ذلك فضل، ~~ولا لها في محبته صلى الله عليه وسلم ms235 لها صفة، وللطبع في المحبة أثر وللنفس ~~فيها نسبة؛ لأنها تكون لعلة في المحب إما بنسب أو بر أو استحسان طبع أو ~~شهوة نفس أو ما أشبهه، وكلها يبدو من المحب للمحبوب، وكل ما كان للنفس فيه ~~طريق، وللطبع فيه أثر فمعلول. فقوله: «هي أحب إلي منك» يعني: أنا عليها ~~أجذب، ولها أرق، وبها أشد وجدا، وأنت أعز علي منها، أي أنت أعظم خطرا عندي ~~وأجل قدرا، وأنا بك أضن لصفة هي لك، ومعنى هو فيك، لا يوجد ذلك المعنى فيها ~~وليست تلك الصفة لها، والعزة على من يعز عليه العزيز ليس للطبع فيه أثر ولا ~~للنفس فيه نسبة، بل هي بثناء من العزيز، فتقهر نفس من يعز عليه ويغلب طبعه، ~~فهي أبعد من العلة. والصفتان جميعا، أعني المحبة والعزة فعل الله تعالى في ~~المحب والعزيز، غير أن إحديهما قد يكون معلوله وهي المحبة، والمحب فيه ~~معلول، والعزة أبعدهما من العلة، وأعلاهما من القدح فيها، فكأنه أخبر أن ~~فاطمة - رضي الله عنها - أحب إليه، والله تعالى حببها إليه، وللطبع فيه ~~أثر، ألا ترى أنه لما قبل أحد ابنيها الحسن والحسين - رضي الله عنهما - قال ~~له قائل: أتحبه يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكني أرحمه» ، أي أرق ### | [ص: 289] # عليه وأعطف عليه، وأخبر أن عليا رضي الله عنه أعز عليه منها، والله تعالى ~~جعله عزيزا عنده بمعنى أحدثه في علي رضي الله عنه ووضعه فيه، فجل فيه، فجل ~~بذلك قدره وعظم موقعه منه وضن به، وليس للطبع فيه أثر وهو العلة وهو من ~~العلة أبعد # PageV01P288 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P289 # حدثنا محمد بن نعيم بن ناعم، قال: ح أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي قال: ~~ح الأنصاري قال: ح أبو المعلى قال: ح أبو عثمان النهدي قال: سمعت سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~تعالى كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما ~~خيرا» . قال الشيخ - رحمه الله -: الحياء من ms236 أوصاف الكرام، واللئيم لا يكاد ~~يستحيي، والحياء يجمع معاني كبيرة، فمنه الامتناع من الفعل الذميم، والوصف ~~القبيح، ومنه الترفع مما يستثنيه ويذم عليه، ومنه الخشية من أن يوصف ~~بالقبيح من الوصف أو ينسب إلى الذميم من الفعل، وكل هذه الأوصاف من أوصاف ~~الكرام، والحيي أيضا لا يكاد يستحيي إلا ممن له قدر وخطر، ومن لا قدر له ~~ولا خطر فقلما يستحيي منه، والكريم المتحقق بأوصاف الكرام يدع ما يدعه ~~تكرما في نفسه، ويفعل ما يفعل فضلا من عنده، ولا ينظر إلى ما يستحيى منه، ~~فيعطي من لا يستحق، ويدع عقوبة من يستوجبها؛ لأنه يرفع من صفة الحرمان، قال ~~الشاعر يمدح بعض الملوك بالكرم: # [البحر المجتث] # يفضي حياء ويفضي ... عطاء من لا يستوعب # لأنه يترفع من مهابة فما يكلم إلا حين شيم فوضع بالحياء في ترك عقوبة من ~~يستوجب وإعطاء من لا يستوعب؛ لأنه يترفع من صفة الحرمان لمن سأله، ويتكرم ~~من عقوبة من يتعرض للعفو منه. ولما كان الحياء من الكريم جاز أن يوصف الله ~~به؛ لأن الله تعالى كريم متفضل عفو غفور جواد وشكور، فإذا رفع إليه العبد ~~سائلا منه، وطالبا فضله، يتكرم عن أن ### | [ص: 290] # يحرمه، ويتعالى عن أن يرده، وإن كان العبد لا يستوجب العطاء، ولا يستأهل ~~العفو، وكان جل وعز ساخطا عليه غير راض عنه، فهو تعالى يتفضل من عنده فيعطي ~~من يستوجب الحرمان، ويعفو عن العقوبة كرما منه وتفضلا؛ لأنه جل وعز لا يرضى ~~حرمان عبده وقد مد إليه يده سائلا منه مفتقرا إليه متعرضا بفضله مما لا ~~ينقصه ولا يؤده، ويعفو بمن يستوجب العقوبة وهو غير راض عنه، ولا قابل منه، ~~وهو يفعل ذلك عمن تجلى عنده قدره ويعظم لديه خطره، وهو المؤمن به المصدق له ~~المقر له بالوحدانية، المذعن له بالعبودية، وإن كان يأتي من العصيان ما ~~يستوجب به العقوبة، ومن الفعل ما يستحق به الحرمان فهو جل وعز يجل قدر عبده ~~المؤمن أن يرد يديه صفرا خائبتين وقد رفعهما إليه، وهو جل ms237 وعز قد يعطي ~~الكافر به، والجاحد له والمشرك معه غيره بعض ما يسأله كرما منه وفضلا، ~~ويؤخر عقوبته، ولا يعالجه بها إذا رفع إليه يديه، وهو ساخط عليه مبغض له ~~معرض عنه، استدراجا له وإرادة السوء به، لا لإجلاله، ولا لقدره عنده ~~وكرامته عليه، بل لأنه جواد كريم متفضل حليم، قال الله تعالى: {ثم إذا مسكم ~~الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} ~~[النحل: 54] ، ومثله كثير. فإذا كان الله تعالى لا يرد يد من يرفعها إليه ~~صفرا، وهو له عاص ولأمره تارك، وعن أداء حقوقه معرض، فما ظنك بمن يرفع إليه ~~يديه مفتقرا إليه متذللا له معتذرا إليه مقبلا عليه يسأله سؤال المضطرين، ~~ويدعوه دعاء الغريق، ويتضرع لعفوه تعرض من لا يستأهل لنفسه حالا لنفسه ~~حالا، ولا يرى لنفسه، لا يرجو إلا فضله، ولا يعتمد إلا على كرمه، سبحان ~~الكريم ذي الفضل العظيم. فمعنى الحياء من الله تعالى التكثر في الإعطاء من ~~يستوجب الحرمان عند سؤاله منه ورفع يديه نحوه، وترفعه وتعاليه تعالى عن ~~حرمانه مما لا ينقصه عن عقوبته من يستوجبها، وقد تعرض لعفوه وامتناعه عن ~~العقوبة والحرمان. والله أعلم # PageV01P289 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P291 # حدثنا الشيخ الإمام عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي، قال: ح أحمد بن ~~محمد بن نعيم قال: ح يزيد بن هارون قال: ح عبد الأعلى بن المشاور، عن حماد، ~~عن إبراهيم، قال: ح صلة بن زفر، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ليدخلن الجنة الفاجر ~~في دينه، الأحمق في معيشته» قال الشيخ الإمام - رحمه الله -: هذا يحتمل ~~معنيين، أحدهما إخبار عن سعة رحمة الله تعالى، وعظم مغفرته أي: يبلغ من ~~رحمة الله حتى يغفر لمن كان فاجرا في دينه، أي متخلعا منهمكا في المعاصي، ~~مرتكبا للكبائر، مضيعا للحقوق، متعديا جائرا؛ لأن هذه الأوصاف كلها يدخل في ~~معنى الفجور؛ لأن الفجور ميل عن الاستقامة، وانحراف عن سنن ms238 الهدي، والفجور ~~الكذب أيضا، يقال: يمين فاجرة، أي كاذبة. قال بشر بن أبي حازم: جعلتم حارثة ~~بن لام إليها تحلفون به فجورا. أي كذبا وميلا عن الحق. وقال أعرابي في عمر ~~رضي الله عنه: والسخلة فلم يحمله، اغفر له اللهم إن كان فاجرا، أي: جار ~~ومال. فيكون معنى الحديث أن الله تعالى يغفر للجائر المائل عن طريق ~~الاستقامة المرتكب للكبائر قولا وفعلا. والأحمق في المعيشة هو الذي لا يضع ~~الشيء في موضعه، ولا يوفر الحقوق على أهلها المبذر بما في يديه، المنفق له ~~في غير وجهه إذا كان صادقا في إيمانه بالله موحدا له غير مشرك ولا جاحد له. ~~ويدخله الجنة إما بالعفو، والتجاوز، والمغفرة التي هي مضمون مشيئته بقوله: ~~{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ### | [ص: 292] # . أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~«شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» . وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقيل له: ~~من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا ~~إله إلا الله» . وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن تشفع؟ قال: ~~«لأصحاب الدماء والعظائم» # PageV01P291 # حدثناه حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى قال: ح يحيى، ح نوح بن قيس الحداني، عن ~~يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله لمن ~~تشفع؟ قال: «لأصحاب الدماء والعظائم» أو يدخله الجنة بعدما طهره من أدناس ~~الذنوب وأقذار الخطايا بالنار، كما قال: «يخرج من النار من في قلبه مثقال ~~حبة خردل من إيمان» . فكأنه قال: يدخل الله الجنة أصحاب الجنايات من جهة ~~الدين والدنيا فضلا منه ورحمة. والمعنى الآخر: تنبيه للخلق، وإخبار أن الله ~~تعالى يدخل الجنة من يشاء بفضله ورحمته لا بالأعمال كما قالوا: هؤلاء في ~~الجنة ولا أبالي، يجوز أن يكون معناه: لا أبالي بما أتوه من صغائر وكبائر، ~~وما ضيعوه من الحقوق بعد الإيمان والتوحيد # PageV01P292 # كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحدكم عمله ms239 الجنة» قالوا: ~~ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا , إلا أن يتغمدني الله من فضله ~~ورحمته» ### | [ص: 293] # حدثناه عبد العزيز المرزباني، قال: ح محمد بن إبراهيم البكري قال: ح أبو ~~ثابت قال: ح إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد، مولى عبد الرحمن بن ~~عوف، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لن يدخل أحدكم عمله الجنة» . ففيه إنابة أن الله تعالى يدخل الجنة من يشاء ~~رحمة منه وفضلا لا بعمل صالح، ويدخل النار عدلا منه لأمته، لا بعمل سيء إلا ~~بما حكم، وأخبر وهو الصادق في خبره، فقال جل جلاله: {إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] . وقال جل جلاله: {إن ~~الله حرمهما على الكافرين} [الأعراف: 50] ، فهو لا يدخل الجنة كافرا، ولا ~~يغفر لمشرك وهو لما دون ذلك غافر لمن يشاء، مدخل الجنة من أراد فضلا منه ~~ورحمة. وفيه معنى آخر، وهو أن الله تعالى يدخل الجنة الفاجر في دينه، ~~المستخف بدنياه، الباذل لها من غير تمييز، المنفق منها في كل وجه، الذي لا ~~يحزنه فواتها كبير حزن، ولا يفرحه نيلها كبير فرح، الذي لا تقع الدنيا من ~~قلبه كبير موقع، فهو فيها لا يبالي بما قلت عنده أو كثرت. يدل عليه قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: «رب فاجر في دينه أخرق في ~~معيشته يدخل بسماحته الجنة» . أخبر أن الاستهانة بالدنيا، والاستخفاف بها ~~يبلغ من العبد ما لا يبلغه كبير من الأعمال، وأنه يتجاوز معها من الذنوب مع ~~إيثارها والحب لها؛ لأن المستخف بها قد وافق الله - جل وعز - في استهانة ما ~~هان عند الله تعالى وصغر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو وزنت ~~الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» # PageV01P292 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P294 # ح أبو حامد أحمد بن ماجد بن عمرويه قال: ح أبو عبد الرحيم بن عبد الرحمن ~~بن ms240 إبراهيم بن يوسف قال: ح أحمد بن عيسى المصري قال: ح أبو عاصم العباداني، ~~عن الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع ~~لهم نور من فوقهم فإذا الرب جل وعز قد أشرف عليهم، فقال: السلام عليكم يا ~~أهل الجنة" وذلك قوله: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] ، فإذا نظروا إليه ~~نسوا نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم، فإذا احتجب عنهم بقى نوره وبركته عليهم ~~وفي ديارهم" قال الشيخ الزاهد رحمه الله: الإشراف صفة من ينظر إلى الشيء من ~~مكان بعيد رفيع أو حال رفيعة، يقال: فلان مشرف على أحوالك، أي عرفها ~~وأبصرها من جهة الرفعة وعلو الدرجة، كما يقال: هو مشرف عليك، أي: مطلع من ~~مكان عال، والله عز وجل لا يوصف بالمكان من جهة الحلول والتمكن، وهو على ~~عرشه من جهة العلو والرفعة عبر عنه بالإشراف، وليس معنى الإشراف تحديد ولا ~~مكان من جهة العلو، فإذا نظر إلى أهل الجنة نظرا يريهم وجهه وهو موصوف ~~بالعلو والرفعة، عبر عنه بالإشراف، وليس معنى الإشراف تحديد ولا مكان من ~~جهة الحلول تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والله عز وجل قائل متكلم، ~~والكلام صفة في ذاته لم يزل ولا يزال فهو يسلم عليهم سلاما فهو قول منه كما ~~قال {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] ، وأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلك الآية المنزلة عليه تلاوة ليزيل الشبهة في السلام منه وأنه قول يقوله ~~وكلام يكلمهم به على ما يليق به جل وعز. وقوله: «فإذا نظروا إليه نسوا نعيم ~~الجنة» أي شغلوا عنها وحجبوا منها بلذة النظر إلى وجهه عز وجل، وذلك أن ما ~~دون الله لا يقاوم تجليه عز وجل، ولولا أنه تعالى يثبتهم ويقويهم ويبقيهم، ~~وإلا حل بهم ما حل بالجبل حين تجلى له، ولكنه قوي قادر ### | [ص: 295] # قاهر لا يؤوده شيء، ولا يمتنع عليه شيء فهو ms241 تعالى يبقيهم، ويثبتهم ~~ويقويهم للنظر إليه، وتستولي لذة النظر عليهم، فينسيهم كل نعيم كانوا فيه ~~لأنهم كانوا لذلك منتظرين، وإلى ذلك متطلعين، وإليه كانوا مشتاقين، وللجنة ~~لأجله طالبين؛ لأنهم بذلك كانوا مبشرين، ولذلك كانوا موعودين بقوله جل وعز ~~{وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} [الزخرف: 71] ، وقوله عز وجل {وجوه ~~يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ، وقوله عز وجل {للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة} [يونس: 26] ، فإذا كان ذلك بغيتهم وكانت تلك طلبتهم وذلك ~~كان في الجنة مرادهم فإذا أعطوا ذلك لهوا عما سواه معرضين ونسوا ذلك كله ~~أجمعين، وشغلوا بما تلذ أعينهم، مما تشتهي نفوسهم محجوبين، فلا صفة لهم عند ~~ذلك غير أنهم إليه ناظرون وله شاهدون، ولكلامه سامعون ولديه مقربون، سبحان ~~من تفضل على عباده المؤمنين وأوليائه المنتخبين بما لم يكن يبلغه هممهم، ~~ولا تصل إليه أوهامهم، فأكرمهم بما لم يخطر على القلوب ولا يدركه العقول ~~فضلا منه ورحمة إنه ذو فضل عظيم. ومعنى قوله: «حتى يحتجب عنهم» يجوز أن ~~يكون معناه حتى يردهم إلى نعيم الجنة الذي نسوه إلى حظوظ أنفسهم وشهواتها ~~التي سهوا عنها فانتفعوا بنعيم الجنة الذي وعدوه، وتنعموا بشهوات النفوس ~~التي أعدت لهم، وليس ذلك إن شاء الله تعالى على معنى الاحتجاب عنهم؛ لأنه ~~تعالى لا يحجبه شيء، وإنما يحجبهم عن نفسه برده إياهم إلى نعيم الأبدان ~~وشهوة النفوس. وليس معنى يحجبهم عنه أن يكونوا له ناسين وعن شهوده محجوبين، ~~وإلى نعيم الجنة ساكنين، وكيف يحجبهم عنه وهم بنعت المزيد، ودار الكرامة، ~~ومحل القرب، والحجبة بعد الشهود سلب النعيم، وهو تعالى لا يسلبهم نعيما ~~تفضل به عليهم ولكنه تعالى يردهم إلى ما نسوه، ولا يحجبهم عما شاهدوه حجبة ~~عينية واستتار. يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «بقى نوره وبركته ~~عليهم وفي ديارهم» والنظر إذا صح، والحجبة إذا ارتفعت، والوصلة إذا تمت لم ~~يكن بين نظر المبصر وشهود السر فرق، ولا كان في حال الشهود والغيبة بون، بل ~~يتفق الأوقات الأوقات، ويتساوى الأحوال فيكون في كل ms242 حال شاهدا، وبكل جارحة ~~ناظرا، ولا يكون في حال محجوبا ولا بالغيبة موصوفا ### | [ص: 296] # . حكي عن قيس المجنون أنه قيل له: ندعو لك ليلى؟ فقال: وهل غابت عني ~~فتدعى. فقيل له: أتحب ليلى؟ فقال: المحبة ذريعة الوصلة، وقد وقعت الوصلة ~~فأنا ليلى، وليلى أنا. وأنشدني بعض الصوفية: # [البحر البسيط] # شغلت قلبي بما لديك فما ... تنفك طول الحياة من فكري # وحيث ما كنت يا مدى هممي ... فأنت مني بموضع النظر # وأنشدوا لبعض الكبار: # [البحر الطويل] # جحدت الهوى إن كنت مذ جعل الهوى ... عيونك لي عينا تغض وتبصر # نظرت إلى سواك وإنما أرى ... غيركم أحلام نوم تقدر # أقيس سري عن سواك فلا أرى ... سواك وإني أنت ولكنه أكبر # وروي عن أبي يزيد البسطامي رحمه الله أنه قال: إن لله تعالى عبادا لو ~~حجبهم في الجنة ساعة عن الرؤية لاستغاثوا من الجنة ونعيمها كما يستغيث أهل ~~النار من النار وعذابها # PageV01P294 # حدثنا خلف بن محمد، قال: ح صالح بن محمد قال: ح عبيد الله بن عمر قال: ح ~~مضر القاري قال: ح عبد الواحد بن زيد قال: سمعت الحسن رحمه الله يقول: لو ~~يعلم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت قلوبهم في الدنيا غما # PageV01P296 # يشهد لذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ح نصر بن الفتح قال: ح أبو ~~عيسى قال: ح عبد بن حميد قال: أخبرني شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ~~ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى ~~أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف ~~سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية» ثم قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ### | [ص: 297] # أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الدوام بالغدوة والعشي، ولم يرد إن شاء ~~الله تعالى التوقيت لأنه لا غدوة هناك ولا عشي # PageV01P296 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P297 # ح أبو جعفر محمد بن عبد الله البغدادي ms243 قال: ح يحيى بن عثمان بن صالح قال: ~~ح حسان بن غالب قال: ح ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن القاسم بن محمد، عن ~~عائشة، رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الميت يؤذيه ~~في قبره ما يؤذيه في بيته» قال الشيخ الإمام رحمه الله: يجوز أن يكون الميت ~~يبلغ من أفعال الأحياء وأقوالهم بلطيفة يحدثها الله لهم من ملك يبلغ أو ~~علامة أو دليل أو ما يشاء وهو القادر على ما يشاء، وقد صحت الأخبار عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر وروحه، ولا يكون التعذيب والترويح ~~إلا بوصول الألم والراحة إلى المعذب والمروح، فكذلك يبلغه أذى من يؤذيه من ~~قول سوء فيه أو فعل يسوؤه ذلك ممن يفعله # PageV01P297 # حدثنا محمد بن أحمد المروكي، قال: ح محمد بن عيسى الطرسوسي قال: ح محمد ~~بن معاوية قال: ح ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: وقع رجل في علي ~~عند عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقال له عمر: ما لك قبحك الله لقد آذيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره ففي الحديث زجر عن سوء القول في ~~الأموات، وفي الحديث أنه نهى عن سب الأموات، وزجر عن فعل ما كان يسوؤهم في ~~حياتهم، وفيه أيضا زجر عن عقوق الآباء والأمهات بعد موتهما بما يسوؤهما من ~~فعل الحي، فقد روي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهدي لصدائق ~~خديجة صلة منه وبرا، وإذا كان الفعل صلة وبرا كان ضده قطيعة وعقوقا. فأخبر ~~أن الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته فنعلم ذلك يقينا كما نعلم تعذيب ~~من يعذب في القبر وإن كنا لا ندري كيفية ذلك، ولا نرد أخبار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورواية الأئمة من جهة عجزنا عن كيفية ذلك، فعلينا التسليم ~~والتصديق # PageV01P297 # بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيقه، ونكل علم كيفيته إلى ~~الله تعالى عز وجل إذ ms244 الله لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع عليه شيء يشاؤه، ~~وهو القدير الحكيم. ويجوز أن يكون فيه معنى آخر، يشهد له الأصول إن طابق ~~لفظ الخبر معناه من جهة اللغة وهو أن يكون معنى قوله: «يؤذيه في قبره ما ~~يؤذيه في بيته» أي يؤذيه في قبره من كان يؤذيه الميت في حياته فيكون بمعنى ~~الاسم، ويكون كان مضمرا في الكلام كأنه يقول: يؤذي الميت في قبره من كان ~~يؤذيه الميت في بيته، فقد ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن ~~الملك يتباعد من الرجل عند الكذبة يكذبها ميلين من نتن ما جاء به» فهذا من ~~الأذى الذي يلحقه يتباعد عنه، وكذلك كل معصية لله تعالى يؤذي الملك الموكل ~~به، فيجوز أن يموت العبد وهو مصر على معاصي الله غير تائب منها، ولا مكفر ~~عنه خطاياه، فيكون تمحيصه وتطهيره فيما يلحقه من الأذى من تغليظ الملك إياه ~~أو تقريعه له أو تقريعه إياه # PageV01P298 # فقد جاء في الحديث: " إن الميت إذا وضع في قبره يأتيه رجل حسن الوجه حسن ~~الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: ~~من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، والكافر ~~يأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح قال: فيقول: أبشر بالذي ~~يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد , قال: فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء ~~بالشر، فيقول: أنا عملك السيئ حدثناه حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل ~~قال: ح يحيى الحماني قال: ح أبي قال: ح الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي ~~عمر زاذان قال: سمعت البراء رضي الله عنه يقول ذلك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث طويل. ففي هذا الحديث دلالة أنه يؤذيه في قبره ما كان ~~يؤذي الملك في بيته، ويؤذيه في قبره ما كان يؤذي به الله في بيته، فقد قال ~~الله تعالى {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} ~~[الأحزاب: 57] ### | [ص: ms245 299] # . ففي الحديث تحذير عن ارتكاب مناهي الله، وإتيان معاصيه فكأنه قال: لا ~~تؤذوا الله في حياتكم وأولياءه، فتؤذون به في قبوركم، والله أعلم # PageV01P298 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P299 # - ح خلف بن محمد قال: ح إبراهيم بن معقل قال: ح محمد بن إسماعيل قال: ح ~~عبد الله بن سلمة، عن مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ~~أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي ~~أربع ركعات، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن ~~وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقلت: يا رسول الله تنام قبل أن توتر؟ فقال: «تنام ~~عيني ولا ينام قلبي» وقال أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث عن ليلة الإسراء، ~~فقال: والنبي صلى الله عليه وسلم نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك ~~الأنبياء صلوات الله عليهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. قال الشيخ الإمام ~~الزاهد رحمه الله: الأنبياء صلوات الله عليهم وسائط بين الله تعالى وعباده ~~يبلغونهم عن الله عز وجل أوامره ونواهيه فظواهرهم موافقة لأوصاف البشر، قال ~~الله تعالى {قل إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] ، وبواطنهم محمولة بأوصاف ~~الحق عن أوصاف البشرية، إذ لو كانت ظواهرهم بخلاف أوصاف البشرية لم يطق ~~الناس مقاومتهم والقبول عنهم، ألا ترى أنه لما قال المشركون {لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا} [الفرقان: 21] قال الله تعالى {يوم يرون ~~الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين} [الفرقان: 22] ، أي أنهم إن رأوهم ماتوا، ~~وإذا ماتوا على شركهم فلا بشرى لهم يومئذ، وقال {لو كان في الأرض ملائكة ~~يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا} [الإسراء: 95] ، فأخبر ~~أن البشر لا يطيق مقاومة الملك فكيف يطيق أوصاف الحق وتجليه ### | [ص: 300] # ، وكيف يطيقون كلامه قال الله تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} [الحشر: 21] ، وقال {إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا} [المزمل: 5] ، فلو كانت ms246 أسرار الأنبياء صلوات الله عليهم ~~كظواهرهم لتلاشت وانحلت من قواها عند تجلي أوصاف الحق لها، ولو كانت ~~ظواهرهم كبواطنهم لم يقاوم البشر أوصافها ولم يطق القبول عنها، فجعل الله ~~تعالى ظواهرهم بشرية جنسية ليطيق البشر القبول عنهم لمشاكلة الجنس، ~~وبواطنهم خفية وملكية عرشية علوية يطيق حمل ما يرد عليها ويكاشف لها، قال ~~الله عز وجل {ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم: 11] ، وقال {ما زاغ البصر وما ~~طغى} [النجم: 17] ، فوصف عز وجل باطن نبيه صلى الله عليه وسلم صفة القوة ~~لرؤية ما عجز البصر عنه فكانت ظواهر الأنبياء بشرية يطرقها الآفات وتحلها ~~العاهات، ويجري عليها التلوين من ضعف وقوة وآفة وملامة، وكسرت رباعية النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وشج وجهه. وقال: «إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع ~~والسجود» أي كبرت، وتورمت قدماه لطول القيام، وكل هذه آفات لحقت ظاهره، ثم ~~أخبر عن باطنه بخلاف هذه الصفة. وأخبر أنه لا تطرقه الآفات، وتحله العاهات، ~~ولا تجري عليه ما يجري على ظاهره، فقال: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «إني لأراكم وراء ظهري» # PageV01P299 # حدثنا أحمد بن سهل قال: ح قيس بن أبي قيس قال: ح قتيبة بن سعيد قال: ح ~~مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «هل ترون قبلتي هذه فوالله ما أخفي علي ركوعكم ولا ~~سجودكم إني لأراكم وراء ظهري» ### | [ص: 301] # ونهى عن الوصال فقيل له: إنك لتواصل فقال: «إني لست كأحدكم إني أظل عند ~~ربي يطعمني ربي ويسقيني» وقال: صلى الله عليه وسلم: «لست أنسى ولكني أنسى ~~ليستن بي» . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف عن سره، وأنه ~~بخلاف ظاهره، فإن الآفة التي تجلي ظاهره من ضعف عند الركوع، وورم عند ~~القيام وسهو في صلاة، ونوم عن صلاة لا يجلي شيء منها باطنه وسره، فقال: ~~«تنام عيناي ولا ينام قلبي» ، لأن النوم آفة ولو حلت الآفة قلبه لجاز أن ~~تحله سائر ms247 الآفات من نسيان وحي، وتوهم فيه وغفلة عنه وسأمة منه، وفزع يمنعه ~~عن واجب، فعصم الله مع موضع الخاطر من الناس على لحوق هذه الآفات سره بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» . ونام صلى الله عليه وسلم ~~عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وذلك أن الله تعالى أراد أن يعلم الناس ماذا ~~عليهم إذا ناموا عن الصلاة، فأمسك عينيه وأنامها ليصير بذلك سنة فيمن فاتته ~~الصلاة عن وقتها، وأن النوم ليس بتفريط، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة» ولم يقل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إني لا أنام، ولكن قال: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» ، وإنما ~~فاتته الصلاة لنوم عينيه، ألا ترى أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا نام غط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ إذا انتبه من منامه، ~~فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينام ظاهره، ولم يكن ينام قلبه عن مقامه؛ ~~لأنه كان عند من لا تأخذه سنة ولا نوم، وفي حديث: «لا نوم هناك» ، ألا ترى ~~يقول: «إني أبيت عند ربي» قال: أظل عند ربي دائما، أراد بقلبه؛ ### | [ص: 302] # لأن قلبه تحت العرش عند مليك مقتدر هنالك مجاله، وثمة مسكنه وقراره، وليس ~~ثمة نوم، وبدنه في الأرض بين أصحابه وعند أزواجه في حيث يكون فيه النوم ~~وسائر الآفات، فتنام عينه عن الصلاة، ولم ينم قلبه عما في الصلاة؛ لأن ~~الصلاة حركات البدن، والنوم حل في البدن، وليس الصلاة مقام القلب، ولكن في ~~الصلاة مقامه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت قرة عيني في الصلاة» ولم ~~يقل: جعلت قرة عيني الصلاة، فكان في الصلاة مقام لقلبه كانت قرة عينيه فيه ~~فلم ينم القلب عن ذلك المقام، ونامت العين عن حركات الصلاة كما لم ينس ولكن ~~ينسى، ومعنى أنسي أي تجري على ظاهره أحوال النسيان، والنسيان لا يجري عليه ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: «لست أنسى» ؛ لأن النسيان ms248 غفلة، والغفلة آفة، ~~وقد بان أن الآفة تجري على ظاهره دون باطنه فكان يسهو ولا ينسى؛ لأن ~~النسيان غفلة، وليس السهو بغفله، فكان يسهو في صلاة، ولم يكن يغفل عنها، ~~والسهو شغل فيها فربما كان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة فيقدم أو ~~يؤخر شغلا فيها لا غفلة عنها، فكذلك كان ينام عنها ليكون علما للناس وسنة ~~للأمة، ولا ينام عما فيها فيكون غفلة منه وآفة، والله أعلم # PageV01P300 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P302 # - ح عبد الله بن محمد قال: ح محمد بن عبيد بن خالد قال: ح محمد بن عثمان ~~البصري قال: ح محمد بن الفضيل، عن محمد بن سعد، عن أبي ظبية، عن المقداد بن ~~الأسود، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معرفة آل ~~محمد براءات، وحب آل محمد جواز على الصراط، والولاية لآل محمد أمان من ~~العذاب» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: اختلف الناس في الآل: فقال ~~قوم: هم أهل البيت، وقال آخرون: هم قوم الرجل. وقال قائلون: آل فرعون أهل ~~ملته. وقال قوم: هم ولد الرجل # PageV01P302 # حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، قال: ح أبو العباس الكديمي قال: ح محمد بن ~~الطفيل قال: ح شريك عن الأعمش، عن يزيد بن حيان، قال: سئل ### | [ص: 303] # زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: إن العباد في آل علي وآل جعفر # PageV01P302 # وحدثنا حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح وكيع، عن أبيه، عن سعيد بن ~~مسروق، عن يزيد بن حيان، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم -: «أنشدكم الله وأهل بيتي، أنشدكم الله وأهل بيتي - ~~ثلاثا -» قال: فقلنا لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: آل علي، وآل جعفر، ~~وآل عقيل، وآل العباس وقال قائلون: آل الرجل ولده ونسله، وأنشد بعضهم ~~للنابغة: # [البحر الطويل] # قعود على آل الوجيه ولاحق ... يقيمون أولياءها بالمقاريع # قال رسول الله صلى الله ms249 عليه وسلم ما قاله زيد بن أرقم؛ لأنه جمع أهل ~~بيته وولده؛ لأن آل علي ولده. فقوله صلى الله عليه وسلم: «معرفة آل محمد ~~براءة من النار» يجوز أن يكون معرفة حق آل محمد، ومعرفة آل محمد بإيجاب ~~حقهم؛ لأن المعرفة حكمها أن تعلم الشيء بالدليل والعلامة، سمعت أبا القاسم ~~الحكيم رحمة الله عليه يقول: المعرفة معرفة الأشياء بصورتها وسماتها، ~~والعلم علم الأشياء بحقائقها، فإذا كانت المعرفة على الشيء بصورته وسمته ~~كان معرفة آل محمد بصورتهم وسمتهم، وسمتهم أنهم آل علي والعباس وجعفر ~~وعقيل، وأنهم آل النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، فكان من عرفهم ~~كأنما عرفهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن عرفهم بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وجب أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والرسالة والفضل على ~~جميع الخلق، فإذا عرفه بذلك عرف وجوب حقه؛ لأن الله تعالى أوجب حقه، وألزم ~~حرمته، وفرض طاعته، فإذا عرف ### | [ص: 304] # ذلك عرف النبي صلى الله عليه وسلم، وعرف آله به، وعرف حرمتهم، وأوجب حقهم ~~بحق النبي صلى الله عليه وسلم، ومن عرف حق النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~خصه الله به، وعرف ما أوجب الله عليه له من عظيم حرمته، وواجب حقه، وفرض ~~طاعته أداه ذلك إلى القيام بما أوجبه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~فرائض الله عز وجل وسنته صلى الله عليه وسلم، ومن كان كذلك كان له براءة من ~~النار، ومن قصر بواجبه فعلا، وصدق به عقدا وإقرارا، كانت براءة من الخلود ~~في النار، فكأنه يقول: معرفة حق الله معرفة حقي، ومن عرف حقه عرف حق الله ~~تعالى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين رضي الله ~~عنهما: «من أحبهما فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضهما فقد ~~أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله» ، فكما كان حب آله حبه، وحبه حب الله، ~~فكذلك معرفة آله معرفة حقه، ومعرفة حق الله، ومعرفة الله براءة من النار. ms250 ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «حب آل محمد جواز على الصراط» ؛ لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند الصراط # PageV01P303 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح عبد الله بن الصباح الهاشمي ~~قال: ح بدل بن المحبر قال: ح حرب بن ميمون أبو الخطاب قال: ح النضر بن أنس ~~بن مالك، عن أبيه، قال: طلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم ~~القيامة فقال: «أنا فاعل» قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين ~~أطلبك؟ قال: «اطلبني أول ما تطلبني على الصراط» قال: قلت: فإن لم ألقك على ~~الصراط؟ قال: «فاطلبني عند الميزان» ، قلت ### | [ص: 305] # : فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه ~~الثلاثة المواطن» فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصراط أجاز ~~آله، ومن أحب آله فهو من آله ومع آله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«المرء مع من أحب» فمن أحب آل محمد كان معهم، وهو صلى الله عليه وسلم على ~~الصراط فهو لا يؤثر عليهم بل يؤثرهم # PageV01P304 # وحدثنا أحمد بن عبد الله الهروي، قال: ح إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: ~~ح داود بن رشيد قال: ح عبد الله بن جعفر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس، رضي الله عنهما قال: أتى فتيان من بني الحارث بن عبد المطلب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: استعملنا على الصدقة نصيب ما يصيب الناس، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، ولكن ~~انظروا إذا أخذت بحلقة باب الجنة هل أوثر عليكم؟» في هذا الحديث إفصاح من ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن آل محمد بنو هاشم، وقد أخبر أنه لا يؤثر ~~عليهم عند باب الجنة أي بإدخالهم الجنة فكذلك عند الصراط لا يؤثر عليهم ~~بإجازته وهو مطاع ثم أمين. وقوله صلى الله عليه وسلم: «الولاية لآل محمد ~~أمان من العذاب» الولاية هي: ms251 الموالاة، والموالاة ضد المعاداة قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» يعني عليا ~~رضي الله عنه، والولاية ### | [ص: 306] # الصدقات، والولاية المخالفة قال الله عز وجل {والذين عقدت أيمانكم} ~~[النساء: 33] قال الخلفاء: والولاية النصرة قال الله تعالى {وأن الكافرين ~~لا مولى لهم} [محمد: 11] ، أي: لا ناصر لهم، فالولاية الاختصاص؛ لأن النصرة ~~والحلف والصداقة اختصاص، والاختصاص بآل محمد ومصادقتهم ونصرتهم نصرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وموالاة النبي صلى الله عليه وسلم يوجب ولاية الله عز ~~وجل، وولاية الله تعالى توجب الأمان من العذاب، والعذاب يكون في القبر، ~~ويكون في عرصات القيامة، ويكون في النار، فمن أمن العذاب أمنه من كل وجه، ~~ويجوز أن يكون معنى آل محمد ما جاء في الحديث. وقيل: آل محمد كل تقي # PageV01P305 # حدثنا محمد بن عمر المعدل، قال: ح عبد الله بن محمد البغوي قال: ح شيبان ~~بن فروخ قال: ح نافع أبو هرمز، عن أنس، رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول ~~الله من آل محمد؟ قال: " لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه المسلمون قبلكم: ~~آل محمد كل تقي " قال الحنفي: يا أبا حمزة كل تقي من آل محمد قال: كل تقي ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: يا رسول الله من آلك؟ قال: «كل مؤمن ~~تقي نقي مخموم القلب» فإذا كان كذلك فمعرفة الأتقياء مخالطتهم ومداخلتهم، ~~ومن خالط قوما تخلق بأخلاقهم واقتدى، كان له براءة من النار. وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: «حب آل محمد جواز على الصراط» فآل محمد: كل تقي، فمن أحب ~~الأتقياء كان معهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب» ، وأخرى ~~أن المحبة توجب محبة أوصاف المحبوب، وكل من أحب أحدا أحب أوصافه وأخلاقه، ~~ومن أحب شيئا اقتناه وحازه وسعى في تخليصه عنده، فكان من أحب الأتقياء أحب ~~أفعالهم، وإذا أحب أفعالهم سعى في تحصيلها التقوى فمن حصل التقوى فهو متق، ~~وقد قال تعالى {ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين ms252 فيها جثيا} [مريم: 72] ، ~~فصح جوازهم على الصراط، والولاية للأتقياء والاختصاص بهم والمصادقة معهم ~~والمصافاة، وهذه الأوصاف توجب الاتصاف بصفتهم، ومن اتصف بأوصاف الأتقياء ~~فهو متق، والمتقون آمنون من العذاب قال الله تعالى {ومن يتق الله ### | [ص: 307] # يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} [الطلاق: 5] ، ومن كفرت سيئاته، وأعظم ~~أجر حسناته أمن من العذاب لا محالة، وبالله التوفيق، ومن يتولى الأتقياء ~~تولاه الله تعالى والله الهادي # PageV01P306 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P307 # ح أبو سعيد حاتم بن عقيل قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني ~~قال: أخبرنا أبو الأحوص، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ~~رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من دعا على من ~~ظلمه فقد انتصر» كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشفقا على أمته، عطوفا ~~عليهم، رحيما بهم كما ذكر الله تعالى بقوله {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز ~~عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: 128] ، فمن شفقته ~~عليهم ورأفته بهم كان يحب العفو من المظلوم عن الظالم، ويحب التجاوز، ويكره ~~الانتصار والانتقام للنفس والخصومة لها، ويحب الستر على المؤمنين قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «من ستر على مسلم ستره الله تعالى في الدنيا والآخرة» ~~، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا» # PageV01P307 # وقال: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا ~~المسلمين وتعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم ~~تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» حدثنا نصر بن ~~الفتح قال: ح أبو عيسى قال: ح يحيى بن أكثم، والجارود بن معاذ قال: ح الفضل ~~بن موسى قال: ح الحسين بن واقد، عن أوفى بن دلهم، عن نافع، عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شفقة على المؤمنين، ورأفة بهم فكان يحب العفو ms253 عنهم، وترك ~~الانتصار من الظالم للمظلوم، وربما ترك الانتصار للمظلوم من جهة الاستعداء ~~على ظالمه، ويدعه ولا يطالبه بمظلمته، ولكن يدعو عليه ويريد أن يذوق الظالم ~~وبال ظلمه، وهو مع هذا يرى أنه قد عفا عن ظالمه حين ترك الاستعداء عليه ~~والانتقام منه لنفسه. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الداعي على ~~ظالمه منتصر وليس بعاف عنه ولا متجاوز، ومن عفا وجب أجره على الله، فكأنه ~~أخبر أن المنتصر بيده ولسانه والمستعدي عليه قد استوفى حقه من ظالمه فلا ~~سبيل عليه في انتصاره، ولكن لم يجب أجره على الله قال الله تعالى {ولمن ~~انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] ، وقال الله تعالى ~~{فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] وقال تعالى {وليعفوا وليصفحوا ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] ### | [ص: 309] # . فقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا على ظالمه فقد انتصر» تعريض منه ~~لكراهة الانتصار، وإشارة إلى العفو الذي ندب الله إليه # PageV01P308 # وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها وسمعها تدعو ~~على سارق سرقها، فقال: " لا تستجني عنه بدعائك عليه رواه أبو عبيد، عن عبد ~~الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن عائشة رضى ~~الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفسر أبو عبيد قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تستجني» لا تخففي عنه، فقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله ~~عنها «لا تستجني عنه» زجر لها عن الانتقام والانتصار من السارق غير أنه ~~أتاها من ألطف الوجوه؛ لأنها كانت في أول ما أصابها فثقلت لذلك وأرمضت فخشي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إن سألها أن لا تدعو على سارقها وتعفو ~~عنه لم تسنح نفسها لذلك، ولم تطاوعها، فأخبرها أنها تخفف عنه بدعائها عليه، ~~وهي ترى أنها تقبل عليه، وتريد الانتقام منه بأغلظ العقوبة وأشد العذاب، ~~فقال لها: تريدين التغليظ وأنت تخففين بدعائك عليه عنه لتطيب نفسها بترك ~~الدعاء عليه، ms254 ولا تدعو عليه، وهي إذا تركت الدعاء عليه والتتبع له وأخذ ~~الظلامة منه فقد عفت عنه فوجب أجرها على الله عز وجل. فأشفق صلى الله عليه ~~وسلم عليها فأحب أن لا يحرم أجرها على الله عز وجل، والشفق على سارقها أن ~~يؤاخذ بجنايته عليها بدعائها عليه فصرفها عن الانتقام والانتصار بألطف ~~الوجوه، ودعا إلى العفو الذي أحبه الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. ~~وليس قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تستجني عنه» كراهة أن يخفف عنه بل فيه ~~إشارة إلى العفو وندب إلى التجاوز، وكيف يكره التخفيف عن الظالم، وهو إلى ~~ذلك يدعو إليه ويحث بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما عفا رجل عن مظلمة إلا ~~زاده الله بها عزا» يتلو عليها ما أنزل الله عز وجل عليه من قوله {وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22] ، وقوله عز وجل {إذا ما ~~غضبوا هم يغفرون} [الشورى: 37] ، وقوله تعالى {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن ~~عزم الأمور} [الشورى: 43] # PageV01P309 # وقد قالت عائشة رضى الله عنها: ما رأيت ### | [ص: 310] # رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة قط غير أنه كان إذا انتهك ~~شيء من محارم الله عز وجل كان أشدهم في ذلك حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح ~~يحيى الحماني قال: أخبرني قيس، وحماد بن شعيب، عن منصور، عن الزهري، عن ~~عروة، عن عائشة رضى الله عنها # PageV01P309 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P310 # حدثنا أبو بكر، محمد بن مهدويه بن العباس الرازي قال: حدثنا الحسن بن ~~يزداد بن سيار بن دينار النجار، بهمذان قال: ح ابن ظريف قال: ح المحاربي، ~~عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضى الله عنهما قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة ~~إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار " قال الشيخ الإمام الزاهد ~~رحمه الله: يجوز أن يكون الرداء إن شاء الله عبارة عن الجمال والبهاء، ~~والإزار عبارة عن الجلال والستر والحجاب، كأنه تعالى ms255 يقول: لا يجمل ~~الكبرياء، ولا يحسن بأحد إلا بي؛ لأن من دون الله فصغار، الحدث له لازم، ~~ونسبة العجز عليه ظاهر، والاضطرار عليه بين، فكيف يجمل الكبرياء بمن لا ~~ينفك من الحدث والاضطرار والعجز والافتقار، بل يجمل ذلك بالقادر القهار ~~القوي الجبار الغني العلي الواهب المعطي سبحانه ليس كمثله شيء، والإزار ~~عبارة عن الستر والحجاب والامتناع عن الإدراك والإحاطة به علما وكيفية ~~لذاته وصفاته كان معناه: حجبت خلقي عن إدراك ذاتي وكيفية صفاتي بالعظمة ~~والجلال، فقد ونيت الإنس عن كنه صفاته، وخنست العقول عن كيفية ذاته، وفرت ~~الأوهام عن حقائق نعوته، إذ هو الله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ~~ومعنى المنازعة الدعوى قولا وعبارة وفعلا وإشارة، والله أعلم بحقيقة المعنى ~~فيه والمراد منه # PageV01P310 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P311 # ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى الحماني قال: أخبرني خالد، عن سهيل، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تباغضوا، ولا تنافسوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» قال ~~الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله في قوله: «لا تباغضوا» إشارة إلى الأهواء ~~المضلة، والآراء المختلفة، ونهي عن النحل التي تخالف ما عليه السواد ~~الأعظم، وتخرج عن السنة الناطقة، والكتاب المحكم؛ لأن المخالفة في الدين هي ~~العلة الموجبة للتباغض، وليس ما دونه من سائر المخالفات، وأنواع المنازعات ~~في خصومات الأنفس ومظالم الأموال، ومطالبات الحظوظ والولايات بسبب التباغض ~~بين المؤمنين؛ لأن المؤمنين المتحققين بإيمانهم لا تبلغ مطالبات حظوظ ~~أنفسهم، وخصومات الأموال والجنايات بينهم مبلغا يوجب التباغض بينهم. ألا ~~ترى إلى ما كان بين الصحابة رضي الله عنهم من المنازعات في الخلافة، ~~والمخالفات في الولاية لم يبلغ بهم مبلغ البغضاء بينهم. قال علي رضي الله ~~عنه: إخواننا بغوا علينا # PageV01P311 # وقال أيضا وتلا هذه الآية {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها ~~مبعدون} [الأنبياء: 101] فقال: أنا منهم، وأبو بكر منهم، وعمر منهم، ~~والزبير منهم، وطلحة منهم، وعثمان منهم، وعبد الرحمن بن عوف منهم، أو ms256 قال ~~سعد منهم، وأقيمت الصلاة فقام وهو يقول {لا يسمعون حسيسها} [الأنبياء: 102] ~~حدثناه أبو رجاء أحمد بن داود قال: ح نصر بن أحمد قال: ح الحسن بن عرفة ~~قال: حدثني محمد بن الحسن، عن ليث بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، ~~عن النعمان بن بشير قال: سرت مع علي بن أبي طالب رضى الله عنه فتلا هذه ~~الآية {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} [الأنبياء: 101] # PageV01P311 # وقال معاوية في علي ما حدثنا محمد بن عبد الله بن يوسف النعماني، ومحمد ~~بن محمد بن الأزهر الأشوي، عن عمرو بن عثمان التمري، بصري، وقال: الأزهري: ~~حدثنا وهب بن عمرو بن عثمان، وهو الصواب قال: ح أبي، عن إسماعيل بن أبي ~~خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: جاء رجل إلى معاوية رضى الله عنه فسأله عن ~~مسألة، فقال: سل عنها علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أعلم، فقال: أريد ~~جوابك يا أمير المؤمنين فيها , قال: ويحك لقد كرهت رجلا كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقره بالعلم عزا، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله ~~فيأخذ عنه، وكان إذا أشكل على عمر شيء فقال: هاهنا علي، قم لا أقام الله ~~رجليك ومحا اسمه من الديوان. هذا إلى كثير من الأخبار التي تدل على أن ~~منازعتهم الخلافة ومجاذبتهم الولاية لم تؤد بهم إلى التباغض. فدل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تباغضوا» أي لا تختلفوا في النحل والآراء، ولا تباينوا ~~في المذاهب والأهواء فتباغضوا لها؛ لأن البدعة في الدين والضلال عن الطريق ~~المستقيم يوجب البغض عليه وترك الموالاة فيه، قال الله عز وجل {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} [النساء: 115] ~~الآية، وقال تعالى {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] . وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «لا تنافسوا» أي لا ترغبوا في الدنيا، ولا تحرصوا ~~عليها، ولا ms257 تضنوا بها؛ لأن المنافسة إذا كانت في العلم بالله، والعبادة لله ~~والفهم عن الله كانت واجبة مدعوا إليها، وإنما تكون مرفوضة مدعوا عنها إذا ~~كانت في الدنيا. وقد ورد الخبر بقوله صلى الله عليه وسلم: «من طلب الدنيا ~~حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان» ، والمنافسة المنهي ~~عنها هي المنافسة في الدنيا # PageV01P312 # وحطومها، والمنافسة فيما تؤدي إلى الحرص عليها والجمع لها، والاستكثار ~~منها والضن بها. فقوله: «لا تنافسوا» نهي عن هذه الأسباب، وزجر عن هذه ~~الأوصاف. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تدابروا» أي لا تخاذلوا، ولا ~~تغتابوا، ولا يبغي بعضكم لبعض غائلة، بل تعاونوا كما أمر الله عز وجل بقوله ~~{وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] ، وبقوله {ولا يغتب بعضكم بعضا} ~~[الحجرات: 12] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا» أي ~~لا تترافعوا ولا تتعالوا فإنكم كلكم عباد الله. وقوله: «إخوانا» يدل على ما ~~قلنا في التدابر؛ لأن التخاذل هو إعراض كل واحد منهما عن صاحبه وهو ~~التدابر؛ لأن كل واحد إذا عرض عن صاحبه كان دبره إلى صاحبه، وليست هذه صفة ~~الأخوة بل صفة الأخوة التقابل، وأن يكون وجه كل واحد منهما إلى صاحبه قال ~~الله عز وجل {إخوانا على سرر متقابلين} [الحجر: 47] ، فوصف الإخوان ~~بالتقابل وهو أن لا يعرض كل واحد منهما عن صاحبه، فهو أن لا يأخذه ولا ~~يجعله عن دبر منه، ولا يدبره بسوء قولا فيكون غيبته، أو فعلا فيكون بغيا، ~~والله أعلم. معنى الخبر: لا تباغضوا أي: لا تختلفوا في الآراء، ولا تباينوا ~~في المذاهب والأهواء فتباغضوا بها؛ لأن البدعة توجب البغض وترك الموالاة # PageV01P313 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P313 # ح أحمد بن عبد الله بن الهروي قال: ح أبو الفضل أحمد بن نجدة بن عريان ~~قال: ح يحيى بن عبد الحميد قال: ح حماد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد ~~الله، رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ms258 أرجلكم} [الأنعام: 65] قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أعوذ بوجهك الكريم» قال: فنزلت {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس ~~بعض} [الأنعام: 65] ، فقال: «هذا أهون» ### | [ص: 314] # قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: قوله عز وجل {أو يلبسكم شيعا} ~~[الأنعام: 65] ، قيل معناه: فجعلكم مختلفين متفرقين فيجوز أن يكون الاختلاف ~~والفرقة الذي توعد الله هذه الأمة أن يلقيه فيها وبينها في المنازعات ~~ومطالبة حظوظ الأنفس من الولاية والخلافة وأسباب الدنيا، فيكون الفرقة ~~بينهم فرقة الأبدان أو إتلاف الأنفس في منازعة الدنيا، ومجاذبة الملك فيها، ~~وطلب الرفعة والعلو فيها، وجمع حطامها والإستيلاء على الأمر فيها دون ~~الفرقة والاختلاف في الدين، والتباين في الأهواء المضلة والآراء المغوية ~~التي تخرج إلى نفي ذاته عز وجل، وتعطيل صفاته الذي يرجع أكثرها إلى الخروج ~~عن الملة. فقد روي أن رجلا جاء إلى معاوية رضي الله عنه فقال له: جئتك من ~~عند أكذب الناس، وأجبن الناس، وأبخل الناس - يعني عليا - رضي الله عنه ~~فأعطاه وأكثر له ثم خلا به، فقال له: ويحك كيف قلت: أكذب الناس وهو أول من ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من آمن بالله وهو الصديق الأكبر، ~~وكيف قلت: أجبن الناس وقد علمت العرب أنه ليس فيها أشجع منه، وكيف قلت: ~~أبخل الناس وما جمع قط صفراء ولا بيضاء؟ أو كلاما هذا معناه، فقال له ~~الرجل: إن كان كما تقول فعلام تقاتله؟ فقال معاوية: على أن تجور طينة هذا ~~الخاتم في الأرض. فقد أخبر أن قتاله إياه واختلافه عليه ومفارقته إياه لم ~~يكن للدين وإنما كان للدنيا، فافترقوا للدنيا، واجتمعوا في الدين، فكل من ~~ملك نصر الدين وأهله، وقمع الشرك وأهله، فتحوا الأمصار، وأسلموا الكفار، ~~وقمعوا الفجار، ودعوا إلى كلمة التقوى، ومن الضلالة إلى الهدى جمعهم الدين، ~~وفرقتهم الدنيا فأذاقهم الله بأسهم، وقتلهم بأيديهم، وألفاهم عن سلامة من ~~اعتقادهم واجتماعهم على صلواتهم، وإقامة شهاداتهم، فكان بأسهم الذي أذيقوه ~~كفارة لما اجترموه، وتمحيصا فيما اكتسبوه # PageV01P313 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أمتي أمة مرحومة ms259 مغفور لها، جعل الله ~~عذابها بأيديها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى كل رجل من ~~أمتي رجلا من أهل الأديان فيقال: هذا فداؤك في النار " ### | [ص: 315] # حدثناه عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: ح عبد الصمد بن الفضل قال: ح عبد ~~الله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو القاسم رجل من ~~أهل حمص، عن عمرو بن قيس السكوني، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن ~~أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P314 # وحدثناه محمد بن نعيم السمرقندي قال: ح أبو نعيم بن ناعم قال: ح عثمان بن ~~أبي شيبة قال: ح الحسن بن موسى قال: ح سعيد بن زيد قال: ح ليث بن أبي سليم، ~~عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أمتي ~~أمة مرحومة إنما جعل عذابها في القتل والزلازل والفتن» فلما كان اختلافهم ~~فيما دون التوحيد من الشرائع التي يجوز الاختلاف فيها، والاختلاف فيها رحمة ~~للمسلمين، وتوسعة من الله تعالى لئلا يضيق بهم الأمر، ولا يحملوا ما لا ~~يطيقون من إصابة الحق الذي هو وهن الحق كما قال عز وجل {لا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} [البقرة: 286] ، فلم يكلفوا ما لا يستطيعون، لم يبق إلا أن ~~يحمل قوله تعالى {أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65] ، على الاختلاف في طلب ~~الدنيا، وتكون المقاتلة لأجلها، وهو عقوبة اختلافهم، وذلك هو العذاب الذي ~~قال صلى الله عليه وسلم: «عذابها بأيديها» . قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «هذا أهون» ، ولو كان تفرقهم واختلافهم في أصل الدين وعقيدة التوحيد ~~لكان ذلك أشد من الصاعقة التي تأتيهم من فوق، والحجارة التي يرمون بها من ~~السماء، والخسف الذي يغتالون به من تحت أرجلهم، إذ قد يجوز أن يكون الخسف ~~والقذف يصيب من يكون عاقبته إلى رحمة الله من الأطفال الصغار، ومن لم يقترف ~~الذنوب الكبار، ولا يجوز أن يرحم الله تعالى الكفار والمشركين الفجار # PageV01P315 # حدثنا حاتم، ms260 قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح أبو بكر بن عياش، عن عبد ~~العزيز بن رفيع، عن عبيد الله ابن القبطية، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث الله تعالى ~~بعثا ### | [ص: 316] # حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم» فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان ~~كارها؟ قال: «يخسف بهم معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته» قال: فذكرت ~~ذلك لأبي جعفر فقال: بيداء المدينة # PageV01P315 # حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: أخبرنا ابن عيينة، عن جامع بن ~~أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن محمد، عن امرأة، عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ظهر السوء في الأرض أنزل ~~الله بأهل الأرض بأسه» فقلت: يا رسول الله: وفيهم طاعة الله؟ قال: «نعم، ثم ~~يصيرون إلى رحمة الله» فأخبر بأنه يخسف بمن يفضي إلى رحمة الله، فقد ظهر ~~بأن الاختلاف في الدين والفرقة في أصل التوحيد الذي يؤدي إلى الكفر والشرك ~~أشد من الخسف والقذف، والله أعلم. ويجوز أن يكون رجوع قوله صلى الله عليه ~~وسلم «هذا أهون» إلى قوله {يذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65] دون قوله {أو ~~يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65] # PageV01P316 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P316 # ح عبد العزيز بن محمد المرزباني قال: ح عبد الله بن حماد الآملي قال: ح ~~يحيى بن بكير قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبي حازم، عن عبيد ~~الله بن مقسم، أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف صنع حين أخذ يحكي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم -: " يأخذ الله ~~سماواته وأرضه بيده ويقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الرحمن أنا ~~الملك أنا المليك " حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل منه حتى إني لأقول: ~~أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 317] # قال: يجوز أن يكون معنى قوله: «يقبض الله سماواته ms261 وأرضه بيده» أي: يجمعها ~~ويرفعها، فإن السماوات مبسوطة والأرضين مدحوة، قال الله تعالى {والأرض بعد ~~ذلك دحاها} [النازعات: 30] ، أي بسطها، وقال في السماء {يوم نطوي السماء ~~كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104] ، وقال ~~{والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] ، فالمقبوض والمأخوذ والمطوي بمعنى ~~واحد، وهو المجموع المرفوع قال الله تعالى {يوم تبدل الأرض غير الأرض} ~~[إبراهيم: 48] ، {والسماوات مطويات} [الزمر: 67] ، فأخبر أنها تجمع وترفع ~~وتبدل بها غيرها، فمعنى القبض الضم والجمع للرفع، وقبض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصابعه وبسطها عبارة عن الجمع والضم، كالإنسان إذا حكى إنسانا ~~بالجود بسط أصابعه ونشر كفه، وإذا عبر عن البخل والإمساك جمع كفه وضم ~~أصابعه، وإنما يريد به القبض والبسط ولا يريد به صفة الجود والبخل، كذلك ~~قبض النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها عبارة عن قبض السماوات وجمعها ~~فهو إشارة إلى المقبوض والمجموع لا حكاية عن يد الله التي هي صفة أزلية لله ~~ليست بجارحة، ولا عضو، ولا جزء، ولا كيفية لها فيوصف بالقبض والبسط المفهوم ~~عندنا كأيدي المحدثين تعالى الله عن أوصاف الحدث علوا كبيرا. ويجوز أن يكون ~~بسط أصابعه وقبضها إشارة إلى الجمع الذي هو الكل، فكأنه يقول: يجمع الله ~~تعالى السماوات والأرض ويقبضها كلها فيبسط أصابعه للاستيعاب والجمع ~~ويقبضهما، لذلك كما يريد الإنسان يده فيبسطها ثم يضمها إلى نفسه يحكي بذلك ~~الجميع. وحركة المنبر من تحته يجوز أن يكون لحركة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عليه، كالتواجد الذي يكون من الإنسان بالإمالة والتثني وتحريك الرأس ~~عند استعظام الشيء، والقلق عندما يجده في قلب من حزن أو هيبة أو إجلال ~~الشيء واستعظام له، فيتحرك المنبر لحركته. ويجوز أن يكون حركة المنبر من ~~معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وعلامات نبوته، وآيات رسالته فكأن المنبر ~~يتحرك من تحت النبي صلى الله عليه وسلم هيبة لله، وإجلالا لما سمعه من صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان الجذع يحن لفقد الذكر من رسول الله ~~صلى الله عليه ms262 وسلم، والله أعلم ### | [ص: 318] # بما أراد رسوله، آمنا بالله وحده، وأنه لا يشبه شيئا، ولا يشبهه شيء، ~~وأنه منزه عن أوصاف الحدث، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وصدقنا ~~رسوله فيما قال وفيما بلغ، وعلمنا أنه لا يقول على الله إلا الحق، صلى الله ~~عليه وعلى آله # PageV01P316 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P318 # ح أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي بسمرقند قال: ح يحيى بن عثمان بن صالح ~~السهمي بمصر قال: ح عبد الغفار بن داود قال: ح عبد الرزاق هو ابن عمر ~~الدمشقي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يريحون ريح الجنة: رجل ادعى إلى ~~غير أبيه، ورجل كذب علي، ورجل كذب على عينيه " قال الشيخ الإمام الزاهد ~~رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله: «كذب على عينيه» أي زعم أنه رأى في ~~المنام كذا وكذا ولم ير، يدل عليه حديث آخر: «من تحلم كاذبا كلف أن يعقد ~~بين شعيرتين، وليس بفاعل» . قال: وإنما عظمت عقوبة من كذب عينيه في الرؤيا ~~لعظم جرمه وكبير ذنبه، وذلك أنه كذب على الله عز وجل أو على ملك الرؤيا، ~~والكذب على الملك كذب على الله تعالى؛ لأن الإنسان إنما يدعي ويكذب بالرؤيا ~~الصالحة التي هي بشرى من الله عز وجل، ولا يكاد يتخرص بالرؤيا التي هي حلم ~~من الشيطان أو حديث النفس التي هي أضغاث أحلام # PageV01P318 # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا ثلاثة: رؤيا بشرى من ~~الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا في حديث الرجل نفسه من نهاره في ليله ~~". حدثنا الحسين بن علي العطار أبو عمرو، قال: ح عبد الله بن أبي ميسرة ~~قال: ح العلاء بن عبد الجبار قال: ح مهدي بن ميمون، عن هشام بن حسان، عن ### | [ص: 319] # محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بذلك والرؤيا الصالحة بشرى من الله عز وجل ms263 قال الله تعالى {لهم البشرى ~~في الحياة الدنيا} [يونس: 64] فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا ~~الصالحة # PageV01P318 # ح نصر بن الفتح قال: ح أبو عيسى قال: ح محمد بن بشار قال: ح أبو داود ~~قال: ح حرب بن شداد، وعمران بن القطان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة ~~قال: نبئت عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قوله تعالى {لهم البشرى في الحياة الدنيا} [يونس: 64] قال: ~~«هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» قال حرب في حديثه: حدثني يحيى، ~~فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرؤيا الصالحة بشرى من الله، فكان ~~من تكذب في الرؤيا إنما يتكذب في الصالحة منها، والرؤيا الصالحة من الله ~~بشرى لعبده المؤمن فكأنه يزعم أن الله بشره بكذا وليس كذلك فهو كاذب على ~~الله عز وجل، والكاذب على الله يستحق كل عقوبة. # PageV01P319 # ومعنى آخر: وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رؤيا المؤمن جزء ~~من ستة وأربعين جزءا من النبوة» حدثنا أبو سعيد، جعفر بن محمد بن المكتب ~~قال: ح محمد بن أيوب الرازي قال: ح محمد بن سعيد بن سابق قال: ح أبو جعفر ~~هو الرازي، عن حميد الطويل، عن أنس، رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بذلك. فكان الكاذب في الرؤى بشيء يدعي جزءا من أجزاء النبوة، ومن ~~ادعى جزءا من شيء ليس هو له كان كمن ادعى جميعه. وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«كلف أن يعقد بين شعيرتين» # PageV01P319 # وهو ما ح نصر قال: ح أبو عيسى قال: ح بندار قال: ح عبد الوهاب قال: ح ~~أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ### | [ص: 320] # قال: «من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين، ولن يعقد ~~بينهما» فهو يكلف ما لا يستطيعه فيعذب عليه، كأنه يقال: إن عقدت بينهما ~~وإلا عذبت، وهو ms264 لا يستطيع عقدهما فيعذب والمدعي إلى غير أبيه كاذب على الله ~~عز وجل أيضا , فإنه يقول: خلقني الله من ماء فلان وإنما أخرجه من صلب غيره ~~فهو كاذب عليه # PageV01P319 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P320 # - ح عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي قال: ح محمد بن علي بن طرخان قال: ~~ح الحسن بن يزيد قال: ح حفص بن غياث، عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطاة، ~~يروي عن أبي أمامة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما أوتي عبد في الدنيا خيرا له من أن يؤذن له في ركعتين يصليهما» قال ~~الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: إن أفضل ما يؤتى العبد في الجنة النظر إلى ~~الله تعالى بالبصر قال الله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} ~~[القيامة: 23] ، وقال تعالى {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى» # PageV01P320 # حدثنا محمد بن عبد الله بن يوسف، قال: ح أبو إسحاق إبراهيم بن هاشم ~~البغوي قال: ح الأزرق بن علي قال: ح حسان بن إبراهيم قال: ح عباد بن كثير، ~~عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ~~[يونس: 26] ، فقيل: يا رسول الله ما الزيادة؟ قال: «النظر إلى وجه الله ~~تعالى» ### | [ص: 321] # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا نظروا إلى الله نسوا نعيم ~~الجنة» . والنظر إلى الله في الجنة أفضل ما أتوا فيها، والمصلي مناج لربه ~~مشار له مأذون في الدخول على الملك بالمثول بين يديه مقرب بالسجود له قال ~~الله تعالى {واسجد واقترب} [العلق: 19] ، وهي أقرب حالة إلى النظر إلى الله ~~تعالى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اعبد الله كأنك تراه» والمصلي ~~كأنه يراه، وإذا كان أفضل ما أوتي العبد في الجنة التي هي دار السلام ~~والنعيم وجوار الله الرب الكريم ثم النظر ms265 إلى الله، فكيف لا يكون المناجاة، ~~والمثول بين يديه، والمواجهة له أفضل شيء أوتيه في الدنيا التي هي دار ~~البلوى، ودار الفناء والانتقال، وجوار الشيطان، وإن الله تعالى أعطى أولى ~~أوليائه في الجنة أفضل مما أعطاهم في الصلاة في الدنيا وهو الذي قال الله ~~عز وجل {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] ، وإلا كانت ~~صلاة ركعتين في الدنيا أفضل من نعيم الجنة؛ لأن نعيم الجنة حظ النفوس، وفي ~~الصلاة قرة الأعين والقربة إلى الله تعالى، غير أن الذي في الصلاة في ~~الدنيا على التقريب من الذي في العقبى، وليس هو بعينه، وهو رؤية الله عز ~~وجل فإن المصلي كأنه يراه، والرائي له في الآخرة راء له على التحقيق ناظر ~~إليه نظر عيان، رزقنا الله لذة النظر إلى وجهه بمنه وفضله # PageV01P320 ### | ### | - حديث آخر # # PageV01P321 # ح أحمد بن عبد الله قال: ح أحمد بن نجدة قال: ح يحيى بن عبد الحميد قال: ~~أخبرنا ابن المبارك، عن موسى بن عبيدة، عن جمهان، عن أبي هريرة، رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكل زكاة، وإن زكاة الجسد ~~الصوم» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: الزكاة طهارة المال قال الله ~~تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، فالزكاة ~~طهارة وتزكية، والتزكية التطهير أيضا، وقد يكون التزكية بركة ونموا وزيادة، ~~وتكون ثناء حسنا، فالزكاة طهارة المال، كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن هذا البيع يحضره اللغو والكذب فشوبوه بالصدقة» ، أراد والله أعلم ~~أن يطهره الصدقة، ثم الزكاة تنقص من عدد المال وتزيد فيه بمعنى البركة فيه، ~~والصوم ينقص الجسد ويزيد فيه بمعنى الثواب، فنقصان الجسد من فضول ما يولد ~~فضول الطعام والشراب فيه، إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب ~~عليكم بالباءة؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم ~~فإنه له وجاء» فأخبر أن الصوم ينقص من فضول الشهوة التي تولدها الأغذية في ~~الجسد، فالصوم ينقص من ms266 فضول البدن كما تنقص الزكاة من فضول المال، ويزيد في ~~قوة النفس، والقوة تزيد كرم الأخلاق؛ لأنه يمنع من السفه والمشاغبة ~~والانتصار # PageV01P321 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا ~~يجهل، وإن جهل عليه أحد فليقل إني امرئ صائم» حدثناه حاتم، قال: ح يحيى ~~قال: ح ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك. فأخبر أنه يمنع من الرفث والجهل ~~والمقابلة به، وهذا من كرم الأخلاق، فالصوم ينقص من فضول الجسد، ويزيد من ~~كرم الأخلاق، والزكاة تنقص من فضول المال وتزيد في بركته، فكذلك كان الصوم ~~زكاة الجسد، والله أعلم # PageV01P322 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P323 # ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح حماد بن زيد قال: ح محمد بن زياد ~~قال: ح أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ألا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار» قال ~~الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: قد بين الله تعالى عقوبة كثير من الذنوب ~~والمعاصي كقوله عز وجل {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه} [النساء: 93] الآية، وقال الله تعالى في منع الزكاة ~~{الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] إلى ~~قوله {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} [التوبة: 35] الآية، وفي أكل ~~الربا {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من ~~المس} [البقرة: 275] ، وقال تعالى في آكل مال اليتيم {إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا} [النساء: 10] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليمين ~~الغموس تدع الديار بلاقع» وقال صلى الله عليه وسلم: «الزنا يورث الفقر» ~~وأمثالها كثيرة مما يستحقه من ارتكب المعاصي في الدنيا والآخرة مما توعد ~~الله تعالى به، فكذلك الذي يرفع رأسه قبل الإمام يستحق من العقوبة في ~~الدنيا أن يحول الله تعالى رأسه رأس حمار، لذلك قال: ms267 «ألا يخشى» أي إن هذا ~~جزاؤه في الدنيا فإن لم يفعل الله به ذلك فهو فضل منه ورحمة، وله أن يتفضل ~~على من يشاء، ويعاقب من شاء، وهو يرحم من شاء، ويعذب من شاء، فلا يخشى هذا ~~أن يكون من الذين شاء الله أن يعاقبه بهذه العقوبة، ويأخذه بهذا الجرم، ~~ويجوز أن يكون هذا من العقوبات المدخرة لمن شاء الله أن يعاقبهم بها في ~~الآخرة، فيقول: ألا يخشى أن يفعل الله به ذلك في الآخرة فيترك هذا الفعل ~~والله أعلم # PageV01P323 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P324 # - ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى ~~بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن عبد الرحمن بن شبل رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الفساق هم أهل النار» ~~قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الفساق؟ قال: «النساء» ، ~~قالوا: يا رسول الله ألسن أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: «ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن وإذا ابتلين لم يصبرن» قال الشيخ الإمام ~~الزاهد رحمه الله: في هذا الحديث من لم يشكر العطاء ولم يصبر عند البلاء، ~~وقد قال الله عز وجل {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] ، فأخبر أن الشكور ~~في العباد قليل، فيجوز أن يكون قوله تعالى {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: ~~13] أي الشكور من الناس قليل لأن المؤمنين في الناس قليل، قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى لآدم عليه السلام: ابعث بعث النار، ~~فيقول: يا رب وما بعث النار، فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في ~~النار وواحد في الجنة " فالواحد من الألف قليل. وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «ما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود» . ~~فعلى هذا يكون الشكور المؤمنين كلهم والموحدين بأجمعهم، ويجوز أن يكون ~~الشكور من المؤمنين قليلا، ذلك إن الشكور هو المبالغة في صفة الشكر فيكون ~~شاكر وشكار وشكور، ms268 فالشكور الذي يشكر في كل حال، ولا يكاد يكفر نعمة ما، ~~ومثل هذا في المؤمنين قليل وكلهم شاكرون، والشكار فيهم كثير، والشكور قليل ~~فيكون عامة المؤمنين شاكرين، والشكور منهم قليل؛ لأن الله تعالى قال {وقليل ~~من عبادي ### | [ص: 325] # الشكور} [سبأ: 13] بياء الإضافة، وهذا تخصيص من الله تعالى كأنه خص من ~~العباد من أضافه إلى نفسه، وكلهم عباده من جهة الملك. ومعنى تفسير الفساق ~~بالنساء على الإطلاق وهو أن صفة كفران العطاء وترك الصبر عند البلاء فيهن ~~أكثر؛ لأنهن في نقصان من آلة الشكر والصبر وعلتهما، وذلك هوان العقل فقد ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب لقلوب ~~الرجال منهن» ونقصان دينهن بالحيض، ونقصان عقلهن بالشهادة. فالشكر والصبر ~~من أوصاف أهل الدين، فمن رق دينه وسخف عقله، قل شكره وصبره، ومن ترك الشكر ~~في أكثر الأحوال، والصبر في أكثر البلوى، فقد خرج من أوصاف أهل الدين ~~والعقل، والنار مأوى من لا دين له ولا عقل , قال الله تعالى في صفة أهل ~~النار {قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: 44] ، فهذا ~~من باب الدين {وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 45] ، ~~فهذا من باب العقل، فكأنه قال صلى الله عليه وسلم: اللاتي لا يشكرن العطاء، ~~ولا يصبرن على البلاء في عامة أوقاتهن، وأكثر حالاتهن من النساء فساق، ~~والفساق في النار. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قمت على باب النار ~~فإذا عامة من يدخلها النساء» . # PageV01P324 # حدثناه محمد بن نعيم بن ناعم، قال: ح أبو حاتم الرازي قال: ح الأنصاري ~~وهوذة بن خليفة قال: ح سليمان التيمي - واللفظ للأنصاري - أن أبا عثمان ~~النهدي حدثهم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قمت ~~على باب الجنة فإذا عامة من يدخلها المساكين، وقمت على باب النار فإذا عامة ~~من يدخلها النساء» # PageV01P325 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P326 # - ح أبو القاسم أحمد بن محمد بن العباس بن عبد الله بن طاهر ms269 الطاهري قال: ~~ح أبو بكر أحمد بن داود السمناني قال: ح محمد بن المصفى قال: ح بقية بن ~~الوليد قال: ح عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود، رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأس الحكمة مخافة الله ~~تعالى» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: الحكمة إحكام الأمور، وهو أن ~~يعمل أعماله بحيث لا يدخلها آفة، وإحكام الأمور الأخذ بالأحوط والأوثق، ومن ~~أراد الأخذ بالأوثق والأحوط عمل على المخافة أكثر مما يعمل على الرجاء ~~فكأنه يحاسب نفسه على كل خطوة ونظرة ويطلبها بحق الله، فكان الله عز وجل ~~يقول {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فشرط المشيئة لغفران ما دون ~~الشرك، فإن وافى القيامة وهو من أهل المشيئة فيكون مغفورا له ما إن ازداد ~~بتوقيه ومخافته درجة وثوابا، وإن كان من الذين يحاسبون، ويطالبون بالواجب ~~عليهم لم يكن قط في عمره، بل كان معه من الأعمال الصالحة ما يقاص لها ~~سيئاته، والحكمة منع النفس عن شهواتها، يقال للحديدة التي تكون في فم ~~الدابة من اللجام محكمة؛ لأنها هي الواقفة بالدابة والممسكة لها ### | [ص: 327] # فسميت الحكمة لملك النفس، والاستيلاء عليها، والقدرة على ضبطها، ~~والموافقة بها عند شبهات الأمور ومشكلات الأحوال، وعن الانهماك في المعاصي ~~والتوسع في الشهوات، ومخالفة الله أوكد أسباب المنع للنفس، والكف لها عن ~~الشهوات والوقف بها على مراشد الأمور، فكذلك كانت عدم مخالفة الله رأس ~~الحكمة والله أعلم # PageV01P326 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P327 # - ح أحمد بن محمد بن العباس الطاهري قال: ح أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله ~~الكجي قال: ح إبراهيم بن بشار الرمادي قال: ح صفدي قال: ح زياد بن ميمون، ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طلب ~~العلم فريضة على كل مسلم» # PageV01P327 # وقال: «إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب» قال الشيخ ~~الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن يكون معنى «تضع أجنحتها» أي: تخضع ~~وتتواضع للعلم ms270 وأهله، يقال للرجل المتواضع المنذل للحق خافض الجناح، قال ~~الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين} [الشعراء: 215] ، فوضع الجناح عبارة عن التواضع، وإنما تفعل ذلك ~~لأهل العلم خاصة من بين سائر عمال الله تعالى؛ لأن الله تعالى ألزمها ذلك ~~في آدم، وذلك لما أخبر الله تعالى الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة ~~استخبرت وسألت الله تعالى على جهة الاستفهام، وفي بعض الروايات الكتبية من ~~الكلام ما يدل على أن سؤالها كان على جهة الاستعظام إن خلقا يكون منهم ~~الفساد وسفك الدماء ثم يكون خليفة الله في الأرض، فقال الله تعالى: {إني ~~أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30] ، وعلم الله تعالى آدم صلوات الله عليه ~~الأسماء ثم قال للملائكة: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} [البقرة: 31] فقالت ~~الملائكة: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} [البقرة: 32] فقال لآدم: ~~{أنبئهم بأسمائهم ### | [ص: 328] # فلما أنبأهم بأسمائهم} [البقرة: 33] ، تصاغرت الملائكة في نفسها ورأت فضل ~~آدم عليها، وألزمها الله الخضوع له والسجود، فسجدت له خضعا متواضعين، ~~فتأدبت الملائكة بذلك الأدب، فلما ظهر لها علم بشر خضعت له وتواضعت، وتذللت ~~إعظاما للعلم وأهله، ورضا منهم بالطلب له والشغل به، فهذا بالطلاب منهم ~~فكيف بالأخيار فيهم الربانيين منهم، جعلنا الله منهم وفيهم بمنه وطوله إنه ~~ذو فضل عظيم # PageV01P327 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P328 # - ح عبد الله بن محمد بن يعقوب رحمه الله قال: ح محمد بن حاتم بن المظفر ~~الكندي قال: ح سليمان بن داود المنقري قال: ح إسماعيل بن إبراهيم، عن ~~الحجاج بن فرافصة، عن مكحول، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعليه عباءة شامية فصعد المنبر وهي يومئذ ثلاث ~~عتبات قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، من طلب الدنيا حلالا ~~استعفافا عن المسألة، وسعيا على العيال، وتعطفا على الجار، لقي الله تعالى ~~وجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالا مفاخرا مرائيا مكاثرا لقي ~~الله تعالى وهو عليه غضبان» قال الشيخ الإمام الزاهد ms271 رحمه الله: في هذا ~~الحديث دلالة بينة أن طلب الدنيا وأخذها لا ينبغي إلا للضرورة، ويكون ~~تناولها كما يتناول المضطر الميتة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرط ~~لأخذها من وجهها شروطا ثلاثة كلها ضرورة، وهو الاستعفاف عن المسألة، والسعي ~~على العيال، والعود على الجار، فالمضطر إلى الميتة هو الذي بلغ الجهد به ~~غاية يخشى على نفسه التلف، فهو بين أمرين: التلف والهلاك أو الأخذ من ~~الميتة، فهو يأخذ منها قدر ما يمسك رمقه على تكثره، فإن أكلها على جهة ~~الشهوة والاستلذاذ لم يجز، فكذلك المستعف بين أمرين عند ضعف يحل به بخل ~~بدينه من مسألة أوساخ الذي هو يوم القيامة قروح وخموش، وطلب الدنيا التي هي ~~بغيضة الله والقراءة لأهلها وهي سم قاتل، جاء ذلك في بعض الروايات، فهو ~~يطلب الدنيا قدر ما يستقل به ويصون وجهه ودينه على تكثره لا للاختيار ~~والمحبة لها واللذة بها وعلى ### | [ص: 329] # توق من سمها وحذر من غرورها، فكأنه يشرب السم مخافة، وكذلك الساعي على ~~العيال بين أمرين، إما أن يضيع من يقوته فهو إذا خاف أن يأثم بتضييع عياله ~~اضطر إلى الطلب لهم والقيام بحقهم قدر الكفاية لهم، وكذلك المتعطف على ~~الجار، وهو من يرى لنفسه من القوة والإمكان ما عجز عنه جاره من العود على ~~نفسه، فيلزمه قوت جاره كما لزمه فرض عياله، فقد اضطر إلى أن يسعى بقدر ما ~~يعود على الجار العاجز عما قوي عليه الساعي، فهو يسعى بفضل قوته، ويعود على ~~جاره بفضل ما عنده، فمن لم يكن له عيال ولا جار يعجز عن القيام بحاله، وكان ~~فيه من الصبر والقناعة ما يستعفي به عن السؤال فيكون كما قال الله تعالى: ~~{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا} ~~[البقرة: 273] . ثم طلب الدنيا , لم يخل طلبه لها من إحدى الثلاث الخصال ~~التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من طلب الدنيا لها، لقي الله وهو ~~عليه غضبان؛ لأنه إذا خرج طلبه لها عن ms272 هذه الضرورات، إما أن يكون طلبه لها ~~للمفاخرة بها # PageV01P328 # والمفاخرة بها هي المنافسة التي خافها النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ~~وأصحابه حين قال: «والله ما الفقر أخاف عليكم، ولكن أخاف أن يبسط عليكم ~~الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما ~~أهلكتهم» حدثناه عبد الله بن محمد، قال: ح عبد الصمد بن الفضل، وإسماعيل بن ~~بشير، قالا: ح مكي بن إبراهيم قال: ح هشام بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة بن ~~الزبير، عن المسور بن مخرمة، رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. أو يريد بطلبها المراءات فهو التزين بها وهي تزين ولكنها شين # PageV01P329 # حدثنا محمد بن حيان التميمي، قال: ح محمد بن خالد قال: ح عبد الله بن ~~عبيد قال: ح محمد بن يوسف الآدمي، عن إبراهيم بن عبد الله بن أبي الأسود ### | [ص: 330] # ، عن الحسن، رحمه الله أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أن صاحب الدنيا ~~كلما اطمأن منها إلى سرور الشخصية إلى مكروه , اليسار فيها لأهلها غارة، ~~والنافع فيها غدا ضار، فالدنيا عار، والطلب لها شين، والقلة منها دين # PageV01P329 # حدثنا محمد بن حامد، قال: ح محمد بن حبان قال: ح حيان قال: أخبرنا عبد ~~الله، قال: ح عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن سعد بن مسعود، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «الفقر أحسن وأزين للمؤمن من العذار الجيد على خد ~~الفرس» فالمراءات بها شين، ويريد بطلبها الاستكثار منها، والمكثر هالك إلا ~~القليل # PageV01P330 # ح محمد بن أحمد بن معروف قال: ح سعيد بن مسعود قال: ح محمد بن عبيد ~~الطنافسي قال: ح الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، رضي الله عنه قال: ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة جالس، فلما رآني أقبلت ~~قال: «هلك الأكثرون ورب الكعبة، هلك الأكثرون ورب الكعبة» قال: فأخذني غم ~~فجعلت أتنفس، فقلت: هذا شيء حدث، قلت: من هم فداك أبي وأمي ms273 قال: «الأكثرون ~~إلا من قال في عباد الله، هكذا وهكذا عن يمينه وشماله وخلفه، وقليل ما هم، ~~وما من رجل يموت فيترك إبلا أو غنما لم يؤد زكاتها إلا جاءت يوم القيامة ~~أعظم ما كانت حتى تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس، ثم ~~يعود أولاها على أخراها» فإن طلبها ليطلب بها البر، وفعل الصنائع، واكتساب ~~المعروف كان على خطر، وتركه لها أبلغ في البر، فقد قيل: يا طالب الدنيا ~~لتبر. برك بها بر. فقد تبين في هذه الأخبار أن الطالب لها من وجهها للضرورة ~~لا غير , فإنه قد شرط في الحالين جميعا الحلال، وما شيء أعز الله من درهم ~~حلال، قال سفيان رضي الله عنه: ما شيء أعز الله اليوم من درهم وافى في ~~الله. ففي الحديث دلالة بينة على شرف الفقر وضعة الغنى وقصوره عن رتبة ~~الفقر، وذلك أن الغنى الذي هو فضول المال ليس إلا كثرة العرض، وحطام ~~الدنيا، ولا يكاد ### | [ص: 331] # الكثرة منها يكون إلا بالطلب لها والجمع إياها، والطالب للاستكثار متوعد ~~بغضب الله عليه، ومن حصلت عنده من غير طلب فهو مكثر، والمكثر هالك إلا من ~~أعطى يمينا وشمالا ووراء، ولا يكاد يبقى المال مع الإعطاء بهذه الصفة. وقال ~~بعض الفلاسفة لرجل افتخر بالغناء بالمال، فقال: ما افتخارك بشيء يتلفه ~~الجود ويمسكه البخل. وقال آخر ورأى رجلا يفتخر على آخر بماله فقال: ما ~~افتخارك بشيء يعطيه البخت، ويحفظه اللوم، ويهلكه السخاء. أنشدني أبو القاسم ~~الحكيم رحمه الله: # [البحر الوافر] # ملأت يدي من الدنيا مرارا ... وما طمع العواذل في اقتصادي # ولا وجبت علي زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على الجواد # وكفاك بفضل ما بينهما أن ذا المال يحتاج إلى التطهير، ولولا التدنس به لم ~~تطهره الزكاة قال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ~~. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا البيع يحضره اللغو والكذب فشوبوه ~~بالصدقة» . فلذلك لم تجب الزكاة على الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنهم لم ~~يتدنسوا بها؛ لأنهم كانوا خزن ms274 الله لا متملكين للأموال جامعين لها، وكذلك ~~الأطفال لم تجب عليهم الزكاة؛ لأنهم لم يتدنسوا بها، وسائر المكثرين منها ~~يحتاجون إلى التطهير من أدناسها، والغسل من أقذارها، والمتخلي منها طاهر من ~~أدناسها، طيب من أقذارها، غني عن التطير بالزكاة منها، آمن من الوعيد بكي ~~الجباه والجنوب بها، والعذاب على الحرام منها، والحساب على الحلال فيها، ~~والحمد لله رب العالمين. وقد أفردنا لشرف الفقر وأهله كتابا جامعا يشتمل ~~على الأخبار والآثار المروية فيه، والحجج الكثيرة من جهة الخبر والنظر، ~~ومعنى الأخبار التي وردت في الغناء ما أغنى عن الإعادة ها هنا، وبالله ~~التوفيق، ومنه الحول والقوة # PageV01P330 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P332 # ح نصر بن الفتح قال: ح محمد بن عيسى قال: ح الحسين بن الحسن المروزي قال: ~~ح ابن أبي عدي قال: ح حميد، عن أنس، رضي الله عنه قال: لما قدم النبي، صلى ~~الله عليه وسلم، المدينة أتاه المهاجرون، فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا ~~قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد ~~كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، ما دعوتم الله وأثنيتم عليهم» قال الشيخ ~~الإمام الزاهد، رحمه الله: في هذا الحديث دلالة على أن الفقير يدرك بقوله ~~ونيته ما يدرك الغني بفضول ماله، فإن الأنصار بذلوا أموالهم للفقراء ~~المهاجرين، وقاسموهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم، قال الله تعالى: {والذين ~~تبوءوا الدار} الآية، فهم بذلوا أموالهم، وقاسموهم إياها حتى خاف المهاجرون ~~أن يفضلوهم، ويفوتهم ما يعطى الأنصار على نفقاتهم وبذل أموالهم، وهذا معنى ~~قولهم: خفنا أن يذهبوا بالأجر كله؛ لأن الأجر هو الثواب، والله تعالى واسع ~~غني لا تفنى خزائنه ولا ينقص أجره، وإنما معنى ما قلنا أنهم يفضلوننا بأجور ~~نفقاتهم، فيكون لهم ذلك دوننا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا» أي: ليس ذلك كما تظنون، أي لا يفضلونكم ولا يفوتكم، فإن دعاءكم الله ~~لهم، وثناءكم عليهم يقوم منكم ms275 مقام نفقاتهم منهم وبذل أموالهم، فتعطون على ~~الدعاء والثناء من الأجر ما يعطون على النفقة والعطاء. فيه أيضا وجوب ~~مكافأة المعطي ومجازاة المحسن، ومعرفة الفضل للمنعم، أعني فضل أي أفضالا، ~~لا فضل الشرف بالمال، وإن كان المنفق والمعطي والمحسن لا ينبغي له أن يفضله ~~بإحسانه، والله أعلم بالصواب. # PageV01P332 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P333 # ح نصر بن الفتح قال: ح أبو عيسى، قال ح هناد قال: ح وكيع، عن الربيع بن ~~صبيح، عن يزيد بن أبان، وهو الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في ~~قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله ~~فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له قال ~~الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: في هذا الحديث معنيان: أحدهما: الترغيب في ~~الزهد في الدنيا والإعراض عنها، والرغبة في الآخرة والإقبال عليها، ~~والتشجيع في ترك الدنيا بمعنى الإنفاق ممن هي في يديه، والإعراض عنها ممن ~~ليست عنده كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: من أعرض عن الدنيا، وأقبل على ~~الآخرة، رزق الفراغ والتنعم وجمع الشمل، وأتته الدنيا أي الرفق فيها ~~والمهنأ منها فيكون له المهنأ دون الشغل، والرفق من غير تعب فهو غني وإن ~~عدم القوت، ومن أقبل على الدنيا وأعرض عن الآخرة شغل بما لا يجري، وتعب ~~فيما لا يغني عنه، فتزداد الدنيا عنه بعدا؛ لأنه لا يصيب منها إلا المقدور، ~~والمقدور لا يغنيه، وإن كثر لغلبة الحرص عليه والتأسف على فوت ما لم يقدر ~~له. تعب الطلب، والخيبة في التعب، فهو فقير وإن ملك الدنيا. والمعنى الآخر: ~~تنبيه وإرشاد في الرجوع إلى الله تعالى والإقبال على الله، وأنه أسير ~~القدرة سليب القبضة، وإن أفعاله تبع لفعل الله به، وإنها إنما تكون بالله ~~تعالى، فيكون العبد مأخوذا عن أوصافه مصروفا عن نظره إلى أفعاله معترفا ~~بعجزه، مقرا باضطراره، عالما بضرورته وافتقاره، كأنه ms276 صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إنما تكون الآخرة همه من جعل الله الغناء في قلبه وجمع له شمله؛ لأنه ~~لا يقبل على الآخرة إلا من استغنى عن الدنيا، فإن الدنيا حجاب الآخرة فإذا ~~رفع الحجاب عن بصر القلب رأى ### | [ص: 334] # الآخرة بعين إيقانه، ومن نظر إلى الآخرة شغل عن الدنيا، صارت مرفوعة منه ~~متروكة عنه، قال حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فكأني أنظر إلى أهل الجنة، إلى ~~آخر الحديث. فمن أغناه الله تعالى عن الدنيا بالزهد فيها، والرغبة عنها ~~صارت الآخرة همه؛ لأن الإنسان حريص، والنفس راغبة , إما ترغب إلى الدنيا أو ~~إلى الآخرة، فإذا حجبت عن الدنيا بالعزوف عنها، والاستغناء منها افتقرت إلى ~~الآخرة، ورغبت فيها. قيل لعمر بن عبد العزيز لما أفضت الخلافة إليه: قد ~~زهدت في الدنيا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أنفسنا تواقة تاقت إلى الدنيا، ~~فلما أصابتها تاقت إلى الآخرة. فمن جعل الله الغناء في قلبه وجعل له، يسره ~~بالاستغناء عن الدنيا وحطامها صارت همته الآخرة وما قدر له من الدنيا، ~~والرفق فيها، يأتيه في راحة من بدنه وفراغ من سره، وهذا معنى قوله: «راغمة» ~~، أي تأتيه من غير طلب لها؛ لأنها قل ما يؤتى طلابها إلا بجهد وطلب لها ~~حثيث، فإذا جاءت من غير طلب فكأنها جاءت راغمة صاغرة ذليلة، ومن جعل الله ~~فقره إلى الدنيا وحجبه عن الآخرة بميله إلى الدنيا، صارت الدنيا نصب عينيه، ~~والدنيا فقر كلها؛ لأن حاجة الراغب فيها لا تقتضي , فهي العطاش كلما ازداد ~~شرابا ازداد عطشا، فمن كانت الدنيا نصب عينيه صار الفقر بين عينيه، وفقر ~~سره واختلفت طرقه، وتشتت همته، وتعب بدنه، وشرهت نفسه، وازدادت الدنيا عنه ~~بعدا؛ لأنه لا يأتيه منها إلا المقدور، والمقدور منها لا يغنيه، كأنه يقول: ~~من كانت الآخرة همه هو الذي جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، ومن كانت ~~الدنيا همه هو الذي جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، وكل لا يفوته ~~مقدوره من الدنيا. نبه صلى الله عليه ms277 وسلم على محض العبودية، كأنه يقول: من ~~أهمته الآخرة فلير فضل الله عليه في وضع الغناء في قلبه حتى رفض الدنيا، ~~وأقبل على الآخرة، ومن أهمته الدنيا فليفتقر إلى الله بالدعاء وإزالة الفقر ~~من بين عينيه، والحرص من قلبه: والتعب من بدنه، والشغل من قلبه. فكأنه صلى ~~الله عليه وسلم دل على الافتقار إلى الله في الأحوال كلها فيما يرضى بالحمد ~~له، ورؤية الفضل من عنده، والرغبة إليه في الثبات عليه، فقد قال {ولدينا ~~مزيد} [ق: 35] وقال {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] ### | [ص: 335] # وفيما يكره بالاستغفار له والاستعانة به في نقل ما يكره، لا ما يحب، فقد ~~قال الله تعالى {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم ~~مدرارا} [نوح: 11] وقال تعالى في الاستغاثة به {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء} [النمل: 62] الآية # PageV01P333 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P335 # - ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ~~صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~فبلغ ذلك الناس، فواصلوا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهم وقال: ~~«إني لست مثلكم، إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني» # PageV01P335 # وحدثناه حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى، قال ح ابن فضيل، عن عمارة بن ~~القعقاع، عن أبي زرعة، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إياكم والوصال» ثلاث مرات، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ ~~قال: «لستم في ذلك مثلي، إني أبيت عند ربي يطعمني ربي ويسقيني، فتكلفوا من ~~العمل ما تطيقون» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: الظلول والبيتوتة ~~يعبران عن الزمان كله ويخبران بالدوام، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه ~~عند ربه جميع نهاره وكل ليله، فكان يقول: «أنا عند ربي أبدا، ومن كان عنده ~~لا يستحسر ولا يفتر» ، قال الله تعالى {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 20] وقال صلى الله ~~عليه وسلم: ms278 «لي مع الله وقت لا يسعني فيه غيره» معناه: وقتي كله مع الله؛ ~~لأنه قال: «إني أظل عند ربي وأبيت» ، ومن كان معه لم يكن للأغيار إليه ~~طريق، ولا للخلق بمعنى الإشراف نظر وتحديق، فإنما ربط الخلق بظاهره ليأخذوا ~~عنه آداب الشريعة وأوصاف العبودية بموافقة الجنس، ولولا ذلك لم يكن للخلق ~~الأخذ ### | [ص: 336] # عن الوسايط الذين هم الأنبياء، قال الله تعالى {قل إنما أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي} [الكهف: 110] ، وقال تعالى {وما أرسلنا قبلك من المرسلين} ~~[الفرقان: 20] . أخبر أن ظواهر الأنبياء بأوصاف البشرية وبنيتهم بنية ~~البشرية، تعتريها حوادث نعوت الإنسانية، ويتطرقها آفات الحدث، ومقايقهم ~~التي هي بواطنهم محمولة بالاستظهار والربوبية وأوصاف الحق، فلا يقدح فيها ~~عجز البشرية، وضعف الإنسانية، فهي محمولة بما يرد عليها من الحق جل اسمه عن ~~طروقه عليها، ومعصومة عن تأثير أوصاف الحدث فيها من ضعف وجوع، وعطش أو فتور ~~سهر أو حجبة، ألا تراه يقول: «لا ينام قلبي وإني أراكم من وراء ذلك» ، ~~لنعلم أن حقيقته قائمة بأوصاف الحق للحق، وظاهره على صفة البشرية للخلق، ~~فكل صفة ظهرت في نبيه وظاهر نعته جرت على إنسانيته من قوله تعالى {وتخشى ~~الناس} [الأحزاب: 37] ، وقوله تعالى {عفا الله عنك لم أذنت} [التوبة: 43] . ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون» وربطه الحجر على ~~بطنه، وسهوه في صلاته، وسائر أحواله التي شبه ذلك منه حظ الأغيار منه ونصيب ~~الخلق فيه؛ لأنه أقيم مقام التأديب فعلا وقولا، قال الله تعالى {وما ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3] ، وقال تعالى {وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] . فأضاف الله تعالى أفعاله وأقواله إلى نفسه، ~~وجعل أخلاقه صلى الله عليه وسلم أوصافه عز وجل، فقال {بالمؤمنين رءوف رحيم} ~~، وقال {إنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان ~~خلقه القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه» . يؤكد ذلك قوله تعالى {فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ms279 ~~قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] . أخبر أن ما جرى عليه يصيب الخلق، وقدوة ~~الأمة، قال صلى الله عليه وسلم لحذيفة حين شكا إليه ذرب لسانه: «أين أنت من ~~الاستغفار، فإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة» # PageV01P335 # ح ### | [ص: 337] # أحمد بن سباع بن الوضاح قال: ح محمد بن الضوء قال: ح عمرو يعني ابن عون ~~الواسطي قال: ح أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي المغيرة، عن حذيفة رضي ~~الله عنه قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرب لساني، فقال: ~~«أين أنت من الاستغفار، فإني أستغفر الله في كل يوم مائة مرة» وظاهر ~~الأنبياء مرآة للخلق، يبصرون فيها ما يجب عليهم، وبواطنهم في حجب الغيب عند ~~ربهم، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لست مثلكم» والله أعلم # PageV01P336 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P337 # ح أبو عبد الله محمد بن موسى قال: ح الحارث بن أسامة قال: ح عبد الله بن ~~بكر السهمي قال: ح هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، رضي الله عنه ~~قال: " لم يكذب إبراهيم صلوات الله عليه غير ثلاث، قوله: إني سقيم، وقوله: ~~بل فعله كبيرهم هذا، وبينما هو يسير إذ نزل في أرض جبار، فأتي الجبار فقيل: ~~قد نزل ها هنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فأتاه، فقال: ما هذه ~~المرأة منك قال: أختي " وذكر الحديث وحدثنا خلف بن محمد قال: ح إبراهيم بن ~~معقل قال: ح محمد بن إسماعيل قال: حدثني سعيد بن بليد الرعيني قال: أخبرني ~~ابن وهب قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب ~~إبراهيم إلا ثلاثا ### | [ص: 338] # . .» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: حد الكذب ما كان مخبره بخلاف ~~خبره، وقول إبراهيم صلوات الله عليه: «إني سقيم» يحتمل أن يكون عبارة عن ~~حاله قبل بيان ما ظهر له في الشمس والقمر والكوكب، فإنه نظر إليها مستدلا ~~والمستدل بين ms280 أمرين حتى يقع استدلاله على ما استدل به عليه، فكان صلوات ~~الله عليه في تلك الحالة يتردد بينما يدعيه قومه وبينما عرفه بفطرته، فكان ~~يتبين تحقيق ما عرفه بالفطرة من جهة دليل العقل، ولم يكن في شك من معرفة ~~الله بالوحدانية، وأنه لا شريك له، وإنما كان يطلب دليل المحاجه لقومه، ~~وإزالة عوارض الشكوك التي تهجس في الخواطر، ولم يكن وقع له ذلك فعبر عن ~~ضعفه في استدلاله بالسقم، وقد يقال للعلة إذا لم تطرد في معلولاتها هذه: ~~علي سقيمة، أي ضعيفة، وقد قال الله تعالى في صفة قوم شكوا فيما آتاهم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم {في قلوبهم مرض} [البقرة: 10] قيل: الشك، والشك ~~ضعف، فكان ضعف هؤلاء من جهة الشك، وضعف إبراهيم من طريق المحاجة، فآتاه ~~الله دلائل المحاجة بالكوكب والشمس والقمر بما نص الله من قوله {لا أحب ~~الآفلين} [الأنعام: 76] ، وقوله {لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين} [الأنعام: 77] . فلما تمت الحجة له في أفول الشمس وآثار الحدث ~~فيها، واستحكمت الدلالة على حدوث ما دون الله، وعلى قدم الباري عز وجل ~~وتعاليه من أوصاف الحدوث بقوله {يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي} ~~[الأنعام: 79] الآية ناداهم بالخلاف لهم لما استحكمت له دلائل العقل، وآلة ~~الحجاج، فعندها قال {أتحاجوني في الله وقد هدان} [الأنعام: 80] ، وقال {إن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر} فحاجوه في ~~حجتهم، فهذا قوله {إني سقيم} [الصافات: 89] . وقوله: «بل فعله كبيرهم» علق ~~فعل كبيرهم بكون النطق منه، كأنه يقول: إن كان كبيرهم ينطق، وهذه الأصنام ~~ينطقون فهو فعل كبيرهم، فهذا على التبكيت، لقوله إن الذي لا امتناع له عن ~~كره، ولا نطق فيه بالإخبار عمن فعل به كيف يكون إلها يعبد وربا يرجى؟ ~~فقالوا {إن كانوا ينطقون} [الأنبياء: 63] فهو فعل كبيرهم، وهذا صدق من ~~إبراهيم صلوات الله عليه؛ لأن مخبره لم يكن بخلاف خبره، لأن الأصنام لم ~~يكونوا ينطقون ### | [ص: 339] # . وقوله صلوات الله عليه لسارة: «أختي» ms281 ، يعني في الإسلام، وهو في هذا ~~الحديث مفسر لأنه لما قال له: «ما هذه المرأة منك؟» قال: «أختي» قال: اذهب ~~فأرسل بها، فأتى سارة قال: إن هذا سألني عنك، فأخبرته إنها أختي، فلا ~~تكذبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وليس في الأرض مسلم غيرك وغيري " ~~هذا كله لفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي ذكرنا إسناده أولا فأخبر ~~أنها أخته في الدين وصدق صلوات الله عليه، قال الله تعالى {إنما المؤمنون ~~إخوة} [الحجرات: 10] . فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يكذب إبراهيم ~~عليه السلام إلا ثلاثا» ، أي لم يتكلم على صورة الكذب إلا هذه الثلاث، ~~فإنها على التوهم من السامع أنها كذبات، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، ويجوز ~~أن يكون كذبات، ولكنها لما كانت في الدفع عن الدين لا يكون ذلك معصية، ولكن ~~كانت مباحة # PageV01P337 # فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث ~~الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس " حدثناه ~~نصر بن فتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح محمود بن غيلان قال: ح بشر بن السري ~~وأبو أحمد قال: ح سفيان، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل الكذب إلا في ثلاث» وذكر ~~الحديث فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكذب يحل في الحرب، وإصلاح ~~ذات البين، وبين المرأة وزوجها، والدفع عن الدين أكبر من ذلك، والكذب في ~~الحرب من جهة الدفع عن الدين، وفي بعض الروايات «لم يكذب إبراهيم عليه ~~السلام إلا ثلاث كذبات، كل ذلك يماحل به عن الله، فهذا الكذب حلال» # PageV01P339 # حدثنا نصر، ح أبو عيسى، ح ابن أبي عمر، ح سفيان، عن ابن جدعان، عن أبي ~~نضرة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في حديث الشفاعة: " اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إلى إبراهيم عليه ~~السلام فيقول: إني كذبت ms282 كذبات " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله، فهذا كذب حلال» # PageV01P339 ### | ### | - حديث آخر # # PageV01P340 # ح حاتم بن عقيل، قال ح يحيى بن إسماعيل قال: ح يحيى الحماني قال: ح سنان ~~بن هارون، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أم حبيبة أو ~~غيرها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، المرأة يموت زوجها ~~فتتزوج بعده زوجا آخر ثم يموت، لمن هي؟ قال: لأحسنهما خلقا كان معها ". وفي ~~حديث آخر: «لآخر أزواجها» # PageV01P340 # ح خلف بن محمد قال: ح نصر بن زكريا قال: ح هشام بن عمار، قال: ح الوليد ~~بن مسلم، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، أن معاوية بن أبي سفيان ~~خطب أم الدرداء بعد وفاة أبي الدرداء، فقالت: سمعت أبا الدرداء رضي الله ~~عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المرأة لآخر زوجها في ~~الجنة» وما كنت لأختار على أبي الدرداء قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: ~~يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف من السائلة أنها تريد أن ~~تعرف أنها تكون في الآخرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانت هي له في ~~الدنيا، فإن هذا الحديث عن أم حبيبة، وأنها هي السائلة، والحديث الآخر، ~~أراه عن أم سلمة، وكلتاهما كانتا تحت رجل من المسلمين ثم تزوجها، فعسى خطر ~~ببال السائلة أن زوجها لو لم يمت لكانت تحته أخرى دهرها، وإنما فرق بينهما ~~الموت فصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعساها أشفقت أن تكون لزوجها ~~الأول، أعني لولا الموت لكانا على نكاحهما، فاستخبرت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليقرر عندها أنها تكون له في الآخرة كما صارت له في الدنيا، فأخبرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة أدركت المراد فيه بقوله: «لأحسنهما ### | [ص: 341] # خلقا» وأحسن زوجها خلقا معها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا أحد أحسن ~~خلقا ms283 منه صلى الله عليه وسلم، لقوله عز وجل {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: ~~4] ، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ~~كان خلقه القرآن. فقوله صلى الله عليه وسلم للسائلة: «لأحسنهما خلقا» أي ~~أنت لي في الآخرة، كما أنت لي في الدنيا، وللأخرى: «هي لآخر زوجها» كذلك ~~كأنه يقول لهما: أنت لي إذ النبي صلى الله عليه وسلم آخر أزواج نسائه؛ لأنه ~~لا يجوز أن يكون لإحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن زوجا ~~سواه، لقوله عز وجل {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه ~~من بعده أبدا} [الأحزاب: 53] وقوله تعالى {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] ، ~~فإذا كان لآخر أزواجها، وآخر أزواجها النبي صلى الله عليه وسلم كانت له. ~~ويجوز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم «المرأة لآخر أزواجها» فيمن فرق ~~بينهما الطلاق لا الموت؛ لأن الطلاق إذا لم يكن من بأس فهو سوء الخلق، لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق» # PageV01P340 # حدثنا حاتم، قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح إسماعيل بن عياش، عن حميد بن ~~مالك اللخمي، عن مكحول، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «ما خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أحب إليه من ~~العتاق، ولا خلق الله تعالى شيئا أبغض من الطلاق» فإذا كان الطلاق مما ~~يبغضه الله تعالى فإن المؤمن لا يكاد يفعله إلا عن بأس، فإذا كان للمرأة ~~زوج وفرق بينهما الطلاق من غير بأس كان ذلك لسوء خلق يكون في الرجل وقلة ~~مداراة، فإذا كان الرجل حسن الخلق كانت فيه مرارة مع امرأته فيستمتع بها ~~ويتحمل سوء خلقها، فلا يفرق بينهما الطلاق، يدل على ذلك ما # PageV01P341 # ح ### | [ص: 342] # نصر بن الفتح قال: ح أبو عيسى قال: ح عبد الله بن أبي زياد قال: ح يعقوب ~~بن إبراهيم بن سعيد قال: ح ابن أخي ابن شهاب، ms284 عن عمه، عن سعيد بن المسيب، ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~المرأة كالضلع إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج» ~~فأخبر أن الرجل إنما يستمتع بالمرأة يتحمل ما يكون منها من الاعوجاج، يكون ~~ذلك بالمداراة، وحسن الخلق، فإذا حسن خلق الرجل لا يكاد يفرق بينه وبين ~~امرأته إلا الموت، أن يموت عنها فيكون آخر أزواجها أحسنهم خلقا معها فيتفق ~~الخبران، والله أعلم بالصواب # PageV01P341 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P342 # - ح أبو أحمد عبد العزيز بن محمد بن المرزبان قال: ح أبو الفضل محمد بن ~~إبراهيم البكري، قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم بن ~~محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني عبد ~~العزيز بن أبي حازم، عن سهيل بن أبي صالح، عن زياد النميري، عن أنس بن ~~مالك، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أنا أول من ~~تنفلق الأرض عن جمجمته ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، ومعي ~~لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا من يفتح له الجنة ولا فخر، فآتي فآخذ ~~بحلقة الجنة، فيقال: من هذا؟ فأقول: محمد فيفتح لي فيستقبلني الجبار عز وجل ~~فأخر له ساجدا، فيقول: يا محمد، قل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأقول: ~~أمتي أمتي، فيقول: اذهب فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من إيمان ~~فأدخله الجنة، فأذهب فأميز وأدخل من شاء الله برحمته ثم أرجع فآخذ بحلقة ~~الجنة فيستقبلني الجبار فأخر له ساجدا، فيقول: يا محمد قل تسمع، واشفع ~~تشفع، وسل تعطه، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول ### | [ص: 343] # : اذهب فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من خردل إيمانا فأدخله الجنة، فأذهب ~~فأميز فأدخل من شاء الله برحمته، ثم يبقى قوم لم يكونوا يشركون بالله شيئا، ~~فيقول لهم ناس من المشركين: ما أغنى عنكم وأنتم معنا في النار، فيقول الله ms285 ~~تعالى: وعزتي وجبروتي، وعلو مكاني لا أدع أحدا كان لا يشرك بي شيئا إلا ~~أخرجته من النار، فيخرجهم فيجعلهم في نهر يسمى نهر الحياة فينبتون كما تنبت ~~الحبة في حميل السيل هل ترون ما يلي الظل منها اصفر، وما يلي الشمس منها ~~اخضر " قالوا: يا رسول الله، كأنك كنت في البادية، فقال: " إني كنت في ~~البادية، ثم يدخلهم الجنة فيقول أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول: لا ~~تقولوا الجهنميون ولكن قولوا: هؤلاء عتقاء الله من النار " قال الشيخ ~~الإمام الزاهد رحمه الله: قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد الناس يوم ~~القيامة» وهو صلى الله عليه وسلم سيد الناس في الدنيا والآخرة، ومعنى تخصيص ~~يوم القيامة كقوله تعالى {لمن الملك اليوم} [غافر: 16] ، ولله تعالى الملك ~~في الأيام كلها غير أنه قد ادعى قوم الملك في الدنيا، ويومئذ لا مدعي، كل ~~قد أذعن وانقاد، وزال ملك كل ذي ملك، فلا أحد يقول: أنا ملك، كذلك قوله ~~«أنا سيد الناس يوم القيامة» لا سؤدد لأحد يومئذ غيره؛ لأن السيد هو الذي ~~يفزع إليه القوم إذا أصابتهم نائبة أو حل بهم أمر لا يقومون به، فيتحمل ~~عنهم، ويقوم بأسبابهم، ويتحمل الحمالة عنهم ويذب عنهم، ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «سيد الناس خادمهم» ؛ لأنه يكفيهم مؤنهم، ويتحمل عنهم ما ~~لا يطيقونه # PageV01P342 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا شفيعهم ~~إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا ولا فخر حدثناه حاتم بن عقيل، قال: ح ~~يحيى قال: ح يحيى قال: ح عبد السلام، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P343 # وحدثنا خلف بن محمد قال: ح إبراهيم بن معقل قال: ح محمد بن إسماعيل قال: ~~ح مسدد قال: ح أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 344] # : " يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا على ربنا ms286 عز وجل ~~حتى يريحنا من مكاننا فيأتون آدم صلوات الله عليه فيقولون: أنت الذي خلقك ~~الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا عند ربنا، ~~فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته، ائتوا نوحا صلوات الله عليه أول رسول بعثه ~~الله فيأتون فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته، ائتوا إبراهيم صلوات الله عليه ~~الذي اتخذه الله خليلا، فيأتونه فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته، ائتوا موسى ~~عليه السلام الذي كلم الله فيأتونه، فيقول: لست لها، ويذكر خطيئته، ائتوا ~~عيسى صلوات الله عليه فيأتونه، فيقول: لست لها، ائتوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتونني فأستأذن على ربي فإذا ~~رأيته أخر ساجدا، فيدعني ما شاء الله ثم يقال: ارفع رأسك، سل تعطه، وقل ~~تسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي ~~حدا ثم أخرجهم من النار فأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا مثله في الثالثة ~~والرابعة حتى ما بقي من النار إلا من حبسه القرآن " فكان قتادة يقول: عند ~~هذا أرى وجب عليه الخلود، فهكذا السؤدد وهذا السيد. وقوله: «ومعي لواء ~~الحمد» يجوز أن يكون معنى لواء الحمد أي: لواء الثناء كأنه يقول لوائي لواء ~~يعلم الخلائق أنه لواء الحمد والثناء والمدح والرضا؛ لأن يوم القيامة تغلق ~~التوبة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء عند استه يعرف ~~بغدرته» . # PageV01P343 # حدثنا حاتم بن عقيل قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح قيس، عن الأعمش، عن ~~أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر ~~لواء يعرف بلوائه عند باب استه» ### | [ص: 345] # وقال صلى الله عليه وسلم عند ذكر امرئ القيس: «بيده لواء الشعراء يقدمهم ~~إلى النار» # PageV01P344 # حدثنا أبو العباس، محمد بن محمد بن الحسن العباسي قال: ح محمد بن عبد ~~الله بن ثابت الإسناني قال: ح أحمد بن محمد بن حنبل قال: ح هشام، عن أبي ~~جهم، عن الزهري، عن ms287 أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» فيوم ~~القيامة للناس ألوية صحيحة، وألوية أخرى فصيحة، ألا تراه يقول: «عند استه» ~~ليكون أفضح له وأشين، فلواء النبي صلى الله عليه وسلم لواء الحمد، ولواء ~~الثناء، والذين إذا كانت هناك ألوية أخرى وشين فهو صلى الله عليه وسلم في ~~صحبته الحمادون، وهو صلى الله عليه وسلم أحمد كل محمود من الخلق فلواؤه ~~لواء الحمد قال: فيحمله، ويفتح له من الحمد والثناء على الله تعالى ما لم ~~يفتح لأحد، صلى الله عليه وسلم. وقوله: «ولا فخر» يقول: لا فخر لي بالعطاء ~~بل الفخر لي بالمعطي. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ويستقبلني الجبار» يعني ~~بالبر والإكرام والرضا والقبول يقال: دخلت على الأمير فاستقبلني بكل جميل ~~إذا أكرمه وأدناه وسمع منه فكذلك قوله: فيستقبلني الجبار يعني يكرمني ~~ويدنيني، ويسمع منه، ويجيب دعائي، ويعطني سؤالي، يدل عليه قوله: «قل تسمع، ~~واشفع تشفع، وسل تعطه» ويجوز أن يكون الاستقبال بمعنى القبول، وقد يجيء في ~~الكلام استفعل بمعنى فعل كما يقال استقدم بمعنى تقدم، يقال في المثل: ~~استقدمت رحالتك واستعجل بمعنى عجل، قال الشاعر: # [البحر البسيط] # وقد يكون من المستعجل الزلل # فيجوز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: «فيستقبلني الجبار» أي يقبلني ~~إيجابا، وقضاء لحاجتي، وإشفاعا لي ### | [ص: 346] # . وقوله: «مثقال حبة من شعير من إيمان» أي من عمل الإيمان، وفي هذا دلالة ~~على أن الأعمال الصالحة من الإيمان. ويجوز أن يكون قوله «في قلبه» كأنه ~~يقول عمل عملا بنية من قلبه لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات» ~~ويجوز أن يريد رحمة على مسلم رأفة على يتيم خوفا من الله تعالى، ورجاء له، ~~وتوكلا عليه ثقة به، هذه وأمثالها مما هي أفعال القلب دون الجوارح، والدليل ~~على أنه أراد بالإيمان ما قلنا ولم يرد تجزئة الإيمان الذي هو التوحيد له ~~ونفي الشرك عنه، والإخلاص له، يقول: لا إله إلا الله إنه ms288 قال: «ويبقى قوم ~~لم يكونوا يشركون بالله شيئا» أي هم موحدون، وليس معهم من الخير شيء غير ~~الإيمان بالله والتوحيد له يدل على ما تأولناه # PageV01P345 # ما حدثنا أبو النضر محمد بن إسحاق الرشادي قال: ح أبو بكر بن عيسى بن ~~يزيد الطرسوسي قال: ح نعيم بن حماد قال: ح إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن ~~أبيه، عن أبي قلابة قال: كان لي ابن أخ يتعاطى الشراب فمرض فبعث إلي ليلا ~~أن الحق بي فأتيته فرأيت أسودين قد دنيا عن ابن أخي، فقلت: إنا لله، هلك ~~ابن أخي، فاطلع أبيضان من الكوة التي في البيت، فقال أحدهما لصاحبه: انزل ~~إليه، فنزل إليه، فلما نزل تنحى الأسودان فجاء فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ~~ذكرا ثم شم بطنه فقال: ما أرى فيه صوما، ثم شم رجليه فقال: ما أرى فيهما ~~صلاة، فقال له صاحبه: إن رجلا من أمة محمد ليس معه من الخير شيء، ويحك عد ~~فانظر، فعاد فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم عاد فشم بطنه، فقال: ما ~~أرى فيه صوما، ثم عاد فشم رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة قال: ويحك رجل من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس معه من الخير شيء. اصعد حتى أنزل أنا فنزل ~~الآخر، فشم فاه، فقال: ما أرى فيه ذكرا، ثم شم بطنه، فقال: ما أرى فيه ~~صوما، ثم شم رجليه، فقال: ما أرى فيهما صلاة قال: ثم عاد فأخرج لسانه فشمه، ~~فقال: الله تعالى أكبر أراه قد كبر تكبيرة في سبيل الله يريد بها وجه الله ~~بأنتاكية قال: ثم فاضت نفسه، وشممت في البيت رائحة المسك، فلما صليت ~~الغداة، قلت لأهل المسجد: هل لكم في رجل من أهل الجنة، وحدثتهم حديث ابن ~~أخي، فلما بلغت بذكر أنتاكية، قالوا: ليست هي بأنتاكية هي أنطاكية، قلت: لا ~~والله لا أسميها إلا كما سماها الملك # PageV01P346 # فأنجته تكبيرة أراد بها وجه الله، وهذه التكبيرة كانت سوى الشهادة التي ~~هي شهادة الحق التي هي الإيمان ms289 بالله، فدل أنه أريد بالحديث إن شاء الله ~~بمثقال حبة من شعير من خير بعد الإيمان بالله، فشفاعة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأهل الكبائر من المؤمنين، ومن كان معه من الإيمان خير فهو الذي ~~يتفضل الله تعالى عليه فيخرجهم من النار فضلا وكرما، وعدا منه حقا، وكلمة ~~صدقا جل الله الرءوف بعباده الموفي بوعده وتعالى علوا كبيرا، وصلى الله على ~~محمد وآله # PageV01P347 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P347 # - ح عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: ح عبد الصمد بن الفضل، ومحمد بن أبي ~~رجاء قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة، ~~ثم يؤتى بتسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه، ثم يؤتى ~~بالميزان فتوضع في كفة ثم يخرج له بقرطاس مثل هذا - وأشار أبو عبد الرحمن ~~المقرئ بأصبعه وأمسك بإبهامه على نصف أصبعه - الدعاء فيه شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله فيوضع في الكفة الأخرى فيرجح مسبحه بخطاياه ~~وذنوبه» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: هذا إن شاء الله يكون في ~~الشهادة التي هي الشهادة التي تخرجه من الكفر إلى الإيمان، وهو يكون قولا ~~ممن سبق الإيمان منه، ثم يكون منه هذا القول بعد الإيمان بالله على معنى ~~الذكر لله والتعظيم له، فيكون ذلك طاعة من أراد بها وجه الله تعالى وحده، ~~وهو قبل ذلك مؤمن؛ لأنها لو وضعت على الشهادة التي هي الإيمان بالله وحده ~~لكان هذا في كل مؤمن، ولو كان هذا في كل مؤمن لم يدخل النار مؤمن البتة؛ ~~لأن الله تعالى يقول {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} [الأعراف: 8] ، ~~ومن أفلح يومئذ لم يدخل النار، وقال الله تعالى {فأما من ثقلت موازينه فهو ~~في عيشة راضية} [القارعة: 7] ، وقد وردت الأخبار بورود كثير من المؤمنين ~~النار وأنهم يخرجون منها بإيمانهم، ولا يخرجون منها إلا بعد الدخول ### | [ص: 348] # ، وقال: «يخرجون ms290 من النار قد امتحشوا» ، وقال: «فيجعلهم في نهر يسمى نهر ~~الحياة فينبتون» . والأخبار في ورود أهل الإيمان النار وخروجهم منها لا ~~ينكرها إلا جاحد، ولا يردها إلا معاند، فلهذا يجب أن يكون هذا القرطاس الذي ~~فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، شهادة مؤمن سبق إيمانه ~~قبل هذا القول فيكون هذا القول منه زيادة ذكر على حسن نية، ويكون طاعة ~~مقبولة قالها على خلوة من المخلوقين فيكون عند الله تعالى وديعة يردها عليه ~~في ذلك اليوم، فيعظم قدرها، ويجل موقعها فيرجح بخطاياه وإن كثرت، وذنوبه ~~وإن عظمت، ولله الفضل على عباده يتفضل على من شاء بما شاء. ويجوز أن تكون ~~هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا # PageV01P347 # فقد حدثنا أبو رجاء أحمد بن أبي داود قال: ح إسحاق بن أحمد السرماري رحمه ~~الله قال: ح أبو عاصم قال: ح عبد الحميد بن جعفر قال: حدثني صالح بن أبي ~~غريب، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» وقيل في ~~تفسير أصحاب الأعراف: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلو كانت هذه ~~الشهادة هي شهادة الإيمان بالله لم يجز أن يكون مؤمن يستوي حسناته وسيئاته؛ ~~لأنه لا يوازي الإيمان شيء من السيئات، ولا يرجح به، فيكون هذا من استوت ~~حسناته سوى الإيمان سيئاته يدخله الجنة بعد الوقوف الطويل والحبس عن الجنة، ~~والخوف الذي يلحقه في مدة حبسه فيكون ذلك تمحيصا لذنوبه فيخف ذنوبه، ويثقل ~~موازينه فيدخل الجنة، فإن حمل هذا على الشهادة التي هي الإيمان فإنه يجوز ~~أن يكون هذا فيمن كان من أهل المشيئة التي ذكر الله تعالى بقوله {ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ، فمن شاء الله أن يغفر ذنوبه رجح ميزان ~~حسناته بهذه الصفة، ومن شاء أن يعذبه عذبه بذنوبه، وينجيه بإيمانه؛ لأنه ~~شرط المشيئة، وقال في آية أخرى {يعذب من يشاء ms291 ويغفر لمن يشاء} [المائدة: ~~40] ، وهذه الشريطة التي هي المشيئة في المؤمنين دون الكافرين؛ لأن الله ~~تعالى يقول {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48] ، فإذا خرج المشركون ~~والكافرون في المشيئة لم تكن المشيئة إلا في المؤمنين ### | [ص: 349] # فيغفر لمن يشاء منهم، فلا يعذبه، ويطهر من يشاء منهم بما شاء، وله الحكم ~~وإليه المصير. ويجوز أن يحمل هذا على الشهادة التي هي الإيمان، ويكون ذلك ~~في كل مؤمن، وكل مؤمن يرجح حسناته، ويوزن إيمانه، كما يوزن سائر حسناته، ~~وإيمانه يرجح بحسناته كما جاء في هذا الحديث، ويدخل النار بعد ذلك فيطهره ~~من ذنوبه، فيدخله الجنة بعد ذلك، وهذا مذهب قوم يقولون: كل مؤمن يعطى كتابه ~~بيمينه، وكل مؤمن يثقل ميزانه، ويتأولون قوله تعالى {فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون} [الأعراف: 8] ، أي الناجون من الخلود، وفي قوله عز وجل ~~{فهو في عيشة راضية} [الحاقة: 21] ، يوما ما. وكذلك يقولون في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة» أنه ~~صائر إليها لا محالة أصابه قبل ذلك ما أصابه، ويفعل الله ما يشاء، ويحكم ما ~~يريد , له الخلق والأمر، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # PageV01P348 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P349 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى قال: ح قتيبة قال: ح رشدين بن سعد، ~~عن أبي هانئ الخولاني، عن عباس الحجري، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ~~قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم أعفو ~~عن الخادم؟ فصمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول الله كم ~~أعفو عن الخادم؟ قال: «كل يوم سبعين مرة» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه ~~الله: قوله صلى الله عليه وسلم «سبعين مرة» عبارة إن شاء الله تعالى من ~~الكثرة وليس على التحديد، فيكون ما وراء السبعين غير معفو عنه، كأنه يقول ~~عن الخادم أبدا، وهذا فيما يجوز العفو عنه من سوء يأتيه إليك، وجناية ~~يجنيها ms292 عليك. فأما إذا كان ذلك في هتك حرمة في الدين، أو جناية على أحد من ~~المسلمين، أو معصية لله فإنه لا يجوز العفو عنه، بل يجب التأديب عليه ~~والأخذ به، كما قالت ### | [ص: 350] # عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من ~~مظلمة قط غير أنه كان إذا انتهك شيء من محارم الله كان أشدهم في ذلك. وقد ~~وردت أخبار بذكر السبعين في مواضع كثيرة , كلها تدل على الكثرة لا على ~~التحديد والغاية، وكذلك في كتاب الله عز وجل {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ~~إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] ليس هذا على ~~التحديد والغاية؛ لأنه لو استغفر لهم مرة لم يغفر الله لهم، أعني المنافقين ~~الذين نزلت الآية فيهم لأنهم كافرون، والله لا يغفر لمن كفر به # PageV01P349 # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين عاتبه عمر في الصلاة على عبد الله ~~بن أبي: " أخر عني يا عمر إني خيرت فاخترت، قيل لي {استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] لو ~~أني أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت " حدثناه محمد بن محمد، قال: ~~ح نصر بن زكريا قال: ح عمار بن الحسن قال: ح سلمة بن الفضل، عن محمد بن ~~إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله ~~بن عباس، عن عمر، رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبر ~~أنه، ليس قوله: سبعين مرة على الغاية والتحديد، ولكن على الكثرة، وكذلك ~~قوله تعالى {في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا} [الحاقة: 32] ، هو عبارة عن الطول ~~وليس هو على الغاية إن شاء الله أن لا يكون أطول منه؛ لأنه من العذاب، ~~وعذاب الله للكافرين لا غاية له، ولا نهاية طولا وألما كما أن ثوابه ~~للمؤمنين لا غاية له ولا نهاية مدة ولذة لقوله تعالى {فلا تعلم نفس ما ms293 أخفي ~~لهم من قرة أعين} [السجدة: 17] وقوله {ولدينا مزيد} [ق: 35] . # PageV01P350 # حدثنا محمد بن حامد، قال: ح السري بن عصام قال: ح إبراهيم بن عبد الله بن ~~مبارك قال: ح سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي ### | [ص: 351] # ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل جمجمة - أرسلت من ~~السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة بلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها ~~أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن يبلغ أصلها ~~- أو قال - قعرها» # PageV01P350 # وحدثنا محمد بن حامد قال: ح أحمد بن رضوان قال: ح سويد قال: أخبرنا عبد ~~الله قال: ح سفيان عن نسير بن ذعلوق أنه سمع نوفلا يقول في قوله {في سلسلة ~~ذرعها سبعون ذراعا} [الحاقة: 32] قال: كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد مما ~~بينك وبين مكة، وهو يومئذ في مسجد الكوفة وقال كعب رحمه الله: إن حلقة من ~~السلسلة التي قال الله تعالى {ذرعها سبعون ذراعا} [الحاقة: 32] إن حلقة ~~منها مثل حديد الدنيا وقد ورد في الأخبار مثل ذلك، منها قوله صلى الله عليه ~~وسلم: «إني أستغفر الله في اليوم سبعين مرة» وجاء في حديث: «أكثر من سبعين ~~مرة» # PageV01P351 # حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم قال: ح أبو ثابت محمد ~~بن عبد الله قال: حدثني عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، ~~قال: أخبرني أبو سلمة، أنه سمع أبا هريرة، رضي الله عنه يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من ~~سبعين مرة» # PageV01P351 # حدثنا أبو العباس، أحمد بن سباع قال: ح محمد بن الضوء قال: حدثنا عمرو ~~يعني ابن عون الواسطي، قال: ح أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي المغيرة ### | [ص: 352] # ، عن حذيفة، رضي الله عنه قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله ms294 عليه وسلم ~~ذرب لساني، فقال: «فأين أنت من الاستغفار فإني أستغفر الله في كل يوم مائة ~~مرة» فقد قال: سبعين مرة، وقال: أكثر من سبعين مرة، وقال: مائة مرة، فيدل ~~أنه لم يرد بالسبعين الحد والغاية الذي ينتهي إليها، ولكنه قال: أستغفر ~~الله في اليوم كثيرا. وفي حديث آخر: «فإن كان لله عاصيا هوى في النار سبعين ~~خريفا» ، وقال فيه سلمان لعمر رضي الله عنهما واستعظم ذلك عمر فقال: إي ~~والله يا عمر بن الخطاب، ومع السبعين سبعين خريفا. والأخبار في ذكر السبعين ~~كثيرة، وأكثرها عبارة عن الكثرة، لا إخبار عن نهاية، ووجه تخصيص السبعين من ~~بين سائر الأعداد عند العبارة عن الكثرة إن شاء الله أن العدد قليل وكثير، ~~فالقليل ما دون الثلاثة، والكثرة الثلاثة فما فوقها، وأدنى الكثير الثلاثة، ~~وليس لأقصاه غاية، ثم العدد أيضا نوعان: شفع ووتر، والشفع أول النوعين قال ~~الله عز وجل {والشفع والوتر} [الفجر: 3] ، وأول الإشفاع اثنان، وأول ~~الأوتار الثلاثة، والواحد ليس بعدد، ألا ترى أنك إذا ضربت واحدا في واحد لم ~~يخرج هناك عدد. قال محمد بن موسى في كتاب الجبر والمقابلة: الواحد ليس بعدد ~~وإنما العدد جماعة مركبة، ويجوز أن يكون العدد مأخوذا من العود، كأن العدد ~~إعادة الحساب مرات، فيعاد الواحد مرات فيصير عددا، فالشفع إعادة الواحد ~~مرتين، والوتر إعادته ثلاث مرات، هذا أول الأشفاع، وأول الأوتار، والواحد ~~وتر، وليس من جهة العدد، ولكن من جهة أنه غير زوج، لذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله تعالى وتر يحب الوتر» ؛ لأن الله تعالى ليس بوتر من ~~جهة العدد ### | [ص: 353] # ، لكن من جهة أنه فرد لا يزدوج بشيء، كما أنه واحد ليس من جهة العدد، ~~ولكن من جهة أنه ليس كمثله شيء، والسبعة أول جمع الكثير من النوعين؛ لأن ~~فيها أوتارا ثلاثة، وأشفاعا ثلاثة، فأول أشفاعها الاثنان، ثم الأربعة، ثم ~~الستة، وأول أوتارها الثلاثة، ثم الخمسة، ثم السبعة؛ لأن الواحد ليس بوتر ~~من جهة العدد - كما قلنا - فالسبعة جمع كثرة ms295 العدد، وكثرة النوعين اللذين ~~هما نوعا العدد، ثم العشرة كمال الحساب؛ لأن الآحاد منفرد كل عدد منها ~~بنفسه إلى العشرة، كقولهم: اثنان وثلاثة وأربعة إلى العشرة، فإذا جاوز ~~العشرة فهي إضافة الآحاد إلى العشرة، كقولهم: اثنا عشر، وثلاثة عشر إلى ~~عشرين، والعشرون تكرير العشرة مرتين، وثلاثون تكريرها ثلاث مرات إلى مائة، ~~والقول في المائة والعشرات كالقول في الآحاد والعشرة، كذلك الألف وليس ~~وراءه اسم للحساب، بل هو إعادة الألف مرات وتكريره. فالسبعون يجمع من ~~الكثرة والنوع والكثرة وكمال الحساب، والكثرة منه، والنوعين من الكمال، ~~والكثرة منهما؛ لأنه عشر مرات سبعة فهو في كمال الحساب الذي هو العشرة ~~كالسبعة في الآحاد، والسبعون أدنى الكثير من العدد من كل وجه، والأقصى لا ~~الغاية له، فعبر عن الكثير الذي يجاوز العدد بالسبعين لهذه العلة إن شاء ~~الله. وإذا بولغ في الكثرة قالوا: سبعمائة قال الله تعالى {مثل الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله} [البقرة: 261] إلى قوله {سبع سنابل في كل ~~سنبلة مائة} ثم قال {والله يضاعف لمن يشاء} [البقرة: 261] ، فأخرجه عن ~~الغاية والنهاية، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «للحاج الماشي بكل خطوة ~~كذا وكذا حسنة من حسنات الحرم» , قيل ما حسنات الحرم؟ قال: «كل حسنة ~~سبعمائة» كأنه أراد المبالغة في الكثرة، فعبر عن ذلك بالسبعمائة، والله ~~أعلم. وما سوى ذلك من الأعداد التي جاءت في القرآن والحديث فإنها محدودة ~~متناهية، وذلك العدد محصور على ما ذكر مثل قوله {سبع ليال وثمانية أيام} ~~[الحاقة: 7] ، وقوله تعالى {تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] ، وقوله تعالى ~~{فتم ميقات ربه ### | [ص: 354] # أربعين ليلة} [الأعراف: 142] ، وقوله عز وجل {يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} [السجدة: 5] ؛ ~~لأن بعد ما بين السماء والأرض متناه معدود، فأخبر الله تعالى أن هذه مسافة ~~ما بينهما نزولا وصعودا لما ورد في الأخبار أن بعد ما بين الأرض إلى السماء ~~مسيرة خمسمائة عام. وقوله {تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف ms296 سنة} [المعارج: 4] ، فهو مقصود طول ذلك اليوم على هذا العدد؛ ~~لأنه يوم متناه، آخره دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، والخلود ~~فيهما لا نهاية له. والله أعلم # PageV01P351 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P354 # ح خلف بن محمد قال: ح إبراهيم بن معقل قال: ح محمد بن إسماعيل قال: حدثني ~~يحيى بن موسى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: " أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما ~~السلام فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ~~قال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة ~~سنة قال: أي رب ثم ماذا قال: ثم الموت قال: فالآن قال: فسأل الله أن يدنيه ~~من الأرض المقدسة رمية بحجر " قال أبو هريرة رضي الله عنه فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «فلو كنت ثمة لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب ~~الأحمر» . قال: وأخبرنا معمر، عن همام قال: ح أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نحوه # PageV01P354 # وقال أبو عبد الله بن أبي حفص قال: ح أبي رحمه الله قال: أخبرنا محمد بن ~~الفضيل، عن محمد بن سعد، عن حبيب بن سالم الأنصاري قال: ح أبو هريرة رضي ~~الله عنه، قال: أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: " أتى ملك الموت موسى صلوات ~~الله عليهما ليقبض نفسه فلطمه لطمة ففقأ عينه، فرفع ملك الموت ### | [ص: 355] # إلى ربه وهو أعلم بما صنع قال: رب أتيت عبدا من عبيدك لا يريد الموت، ~~وصنع هذا بعيني قال: فرد الله عينه، وقال: ائت عبدي فخبره أن يضرب بيده على ~~جلد ثور فما وارت يده من شعر فهو يعيش بها سنة ثم يموت قال موسى: لا بل ~~الآن يا رب إن كان لا بد، ولكن بالأرض المقدسة قال: فدفن عند الكثيب ~~الأحمر، ولو أني كنت عنده لأريتكم مكان قبره " وقال أيضا: ح أبو ms297 سلمة قال: ~~أخبرنا عماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا هريرة رضي الله ~~عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ملك الموت كان يأتي الناس ~~عيانا فأتى موسى بن عمران صلوات الله عليه فلطمه موسى عليه السلام ففقأ ~~عينه» ، فذكر نحو الذي قبله قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله تعالى: روت ~~الأئمة هذا الحديث من وجوه كثيرة، ووضعوه في كتبهم وصححوه، وعدلوا روايته، ~~واستفظعه قوم فجحدوه، وأنكروه فردوه لضيق صدورهم، وقصور علمهم، وقلة ~~معرفتهم بالحديث، وهذا الحديث أدخلوه في الصحاح حتى رضوا إسناده أهل العلم ~~بالحديث، وأهل المعرفة بالرجال، والحديث إذا صح من جهة النقل فإنه يجب ~~قبوله، فإن كان من باب المتواتر فإنه يوجب العلم والعمل، وإن كان من باب ~~الآحاد، فإنه يوجب العمل، ولا يوجب العلم. وهذا الحديث وإن كان مما لا يوجب ~~العلم عند بعض الناس، فإنه مما يوجب العمل لو كان من باب العمل لشهرته في ~~نفسه، وعدالة رؤيته وصحة إسناده، ومما كان هذا سبيله وإن كان لا يوجب العلم ~~فإنه لا يجب رده وإنكاره ودفعه، فإن في رده تكذيب الأئمة وجرح عدول الأئمة. ~~وسمعت أبا محمد بن أحمد بن عبد الله المزني يقول: لعلماء الأثر في تلقي ~~الأخبار المشابهة مذهبان، أحدهما: أن الإيمان بها فرض كالإيمان بمتشابه ~~القرآن حين يقول {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل ~~عمران: 7] أي ### | [ص: 356] # : كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا، وقد استأثر الله تعالى بعلم ~~المشابهة في هذا القول فلا يعلمه إلا الله عز وجل، قالوا: فمثله المتشابه ~~من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حجب عنا علم تأويله آمنا وصدقنا ~~بما قال، ووكلنا علم تأويله إلى الله عز وجل # PageV01P354 # ثم حدثنا أحمد بن عبد الله قال: ح القاسم بن زكريا المقرئ قال: ح محمد بن ~~الصباح قال: ح الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي أنه سأل الزهري عن بعض الأخبار ~~المتشابهة؟ فقال: «من الله العلم، وعلى ms298 رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، ~~أمروا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت» وقال عبد الله بن ~~نافع: سئل مالك بن أنس عن قوله {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ، كيف ~~استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، ~~والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالا. هذا مذهب كثير من العلماء. قال: ~~والمذهب الثاني: أن الإيمان بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فرض، ~~والبحث عن متشابه التنزيل، وأخبار الرسول واجب في الأصول والعقول فرارا من ~~تعطيل الصفات وآفة التشبيهات. قال: والقدوة في هذا المذهب علي، وابن عباس ~~رضي الله عنهما ومن تابعهما من فقهاء أهل الأثر. قال: وبمعرفة المحكم ~~والمتشابه تميز الفاضل من المفضول، والعالم من المتعلم، والحكيم من ~~المتعجرف، ومن أمر الأحاديث على ما جاءت حين التبس عليه كنه معرفتها لم ~~يردها راو منكر جاحد، بل آمن واستسلم، وانقاد ووكل علمه إلى الله تعالى، ~~وإلى من علمه الله {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] . ورد الأخبار ~~والمتشابه من القرآن طريق سهل يستوي فيه العالم والجاهل، والسفيه والعاقل، ~~وإنما يتبين فضل علم العلماء، وعقل العقلاء بالبحث والتفتيش واستخراج ~~الحكمة من الآية والسنة، وحمل الأخبار على ما يوافق الأصول، وتصححه العقول ### | [ص: 357] # . وهذا الحديث له في كتاب الله نصا نظيره قال تعالى في خبر موسى وهارون ~~عليهما السلام {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا} [الأعراف: 150] إلى ~~قوله {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} [الأعراف: 150] وقال {يا ابن أم لا تأخذ ~~بلحيتي ولا برأسي} [طه: 94] . وليس الجر إليك بالخشونة والغلظة بأقل من ~~الدفع عنك بالخشونة والغلظة، وهو الصك واللطم، دفع عنك بغلظة وخشونة فما ~~سواه، وليس هارون بأدون منزلة من ملك الموت صلوات الله عليهما، بل هو أجل ~~قدرا منه، وأعلى مرتبة، وأبين فضلا عند أكثر علماء الأمة من أهل النظر ~~والأثر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نبي مرسل قال الله تعالى {ثم أرسلنا موسى ~~وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه} [المؤمنون: 46] ، وهو مع ~~جليل قدره ms299 في نبوته، وعلو درجته في رسالته أخو موسى لأبيه وأمه، وأكبر سنا ~~منه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق كبير الإخوة على صغيرهم كحق ~~الوالد على ولده» . فإذا أخبر الله تعالى عن موسى عليه السلام أنه أخذ ~~برأسه ولحيته وجره إليه بعنف وغلظة حتى استعطفه عليه، واعتذر إليه، فقال ~~{يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرائيل ولم ترقب قولي} [طه: 94] ، وقوله {إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء} [الأعراف: 150] ، ولولا ذلك عسى كان يكون ~~منه ما هو أعظم مما صنع به، ثم لم نجد في الكتاب ما يدل على عتاب الله ~~إياه، ولا على توبته منه، ولو كان ذلك منه صغيرة أو زلة لظهر ذلك نصا في ~~الكتاب أو دلالة، كما ذكر الله تعالى زلات الأنبياء صلوات الله عليهم ~~ومعاتبته إياهم عليها، وتوبتهم منها إلى الله، ورجوعهم إليه، واستغفارهم ~~إياه واعترافهم على أنفسهم بالظلم لها كما قال جل جلاله في قصة آدم صلوات ~~الله عليه ### | [ص: 358] # {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} [الأعراف: 22] ، هذا عتابه لهما من إملالها ~~في الآيات، وقال تعالى في اعترافهما وتوبتهما {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] ، وقال تعالى في قصة ~~نوح عليه السلام {فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين} [هود: 46] ، وقال عز وجل في اعترافه وتوبته {رب إني أعوذ بك أن ~~أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} [هود: 47] ، ~~وفي قصة داود صلوات الله عليه {وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب} فغفر له ذلك، وقال عز وجل في موسى عليه السلام وقتله القبطي {هذا من ~~عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} [القصص: 15] ، وقال تعالى {رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي} [القصص: 16] ، فغفر له. فلو كان جره أخاه إليه وأخذه برأسه ~~ولحيته زلة منه لظهر اعترافه على نفسه وتوبته إلى ربه، أو ms300 معاتبة الله ~~إياه، فلما لم يكن دل أنه لم يكن منه معصية ولا زلة، كذلك صكه ملك الموت ~~ولطمه إياه لأنهما عنفان، أحدهما بالدفع عنك، والآخر بالجر إليك كريمين إلى ~~الله تعالى أحدهما رسول نبي، والآخر ملك زكي، وكما لم يرد في الكتاب عتاب ~~ولا توبة، واعتراف في قصة الملك فما جاز في الكتاب من التأويل ساغ ذلك في ~~الخبر إن شاء الله، وإنما لم يكن فعله صلى الله عليه وسلم بهارون مع عظيم ~~حرمته لنبوته ورسالته وأخوته وقرابته وحق سنه زلة؛ لأنه عليه السلام غضب ~~لله لا لنفسه، وكانت فيه حمية وغضب وعجلة وحدة كلها في الله ولله. ألا يرى ~~إلى قوله تعالى {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت ~~إليك رب لترضى} [طه: 83] ، وخبر أن عجلته كان طلبا لرضاه، كذلك حدته وغضبه ~~على أخيه وصنيعه به، ألا تراه يقول {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ~~أفعصيت أمري} [طه: 92] ، فكانت تلك الحدة منه والغضب فيه صفة مدح له لأنها ~~كانت لله، وفي الله كما كانت رأفة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته في الله ~~ولله، ثم كان يغضب حتى يحمر وجهه وتذر عروقه لله وفي الله، وبذلك وصف الله ~~تعالى المؤمنين بقوله {أشداء على الكفار رحماء بينهم} [الفتح: 29] ، وقال ~~تعالى {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} [المائدة: 54] ### | [ص: 359] # ، وقال جل جلاله {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] ، فلو ~~كانت الغلظة والشدة في الله ولله كذلك الغضب والحدة من موسى لله وفي الله، ~~والجميع صفة مدح ونعت ثناء. ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في مدحه ~~أبا بكر رضي الله عنه في رقته ورحمته وتشبيهه إياه بإبراهيم إذ يقول ~~{يجادلنا في قوم لوط} [هود: 74] وقوله {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم} [إبراهيم: 36] وعيسى عليه السلام حين قال {إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] وقوله صلى الله ~~عليه وسلم في عمر رضي الله ms301 عنه ومدحه له في غلظته وشدته في الله ولله، ~~وتشبيهه إياه بنوح عليه السلام حين قال {لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا} [نوح: 26] فأوصاف الأنبياء صلوات الله عليهم والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام أوصاف مدح، ونعوتهم نعوت ثناء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ~~أجمعين. فيجوز أن يكون صكه لملك الموت، ولطمه إياه لم يكن زلة؛ لأنها لم ~~تكن بغضب نفسه، وإنما كان غضبا لله، وشدة في أمر الله، وحمية لدين الله، ~~وذلك أن الملك أتاه في صورة إنسان. فيجوز أن يكون موسى لم يعرف أنه ملك ~~رسول الله، كما لم يعرف النبي صلى الله عليه وسلم جبريل صلوات الله عليه ~~حين جاءه يسأله عن الإيمان والإسلام حتى قال صلى الله عليه وسلم: «هذا ~~جبريل أتاكم ليعلمكم معالم دينكم، والله ما أتاني في صورة قط إلا وقد عرفته ~~فيها إلا في هذه الصورة» ، فكذلك موسى يجوز أن يكون أتاه في صورة لم يأته ~~فيها قبلها، فلم يعرفه ثم أراد قبض روحه أنكر أن يكون إنسان يريد قبض روح ~~كليم الله ورسوله، وصكه ولطمه إنكارا له وردا عليه أنه ملك، وأنه لله رسول ~~أنكر عليه إدعاءه ما ليس للبشر من قبض أرواح الأنبياء، ومن ادعى ذلك من ~~البشر فهو كاذب على الله فغضب لله فصكه ولطمه، ألا ترى منه لما عاد إليه ~~فخيره بين أن يضع يده على خبب ثور وأن يموت، اختار الموت استسلاما لله ~~ورضاء لحكمه، وتصديقا لرسوله. وأما فقؤ عينه فإنه لم يكن فعلا لموسى صلوات ~~الله عليه، وإن كان على أثر لطمه إياه وصكه له، وإنما كان ذلك فعل الله ~~تعالى أحدثه في الصورة التي أتى الملك فيها ### | [ص: 360] # ، وذلك أن الإنسان عندنا لا يفعل في غيره، وإنما يفعل في نفسه ومحل ~~قدرته، وما يحدث بعد ذلك من ألم عند الضرب، وموت عند قطع الأوداج، وذهاب ~~السهم بعد الرمي، والإحراق عند اشتعال النار في الحطب والجمع بينهما، ~~والبرد في الثلج وغير ذلك مما يظهر بعد حركات المحدث في ms302 نفسه، فإنها كلها ~~أفعال الله تعالى أحدثها واخترعها، وكذلك الإحراق عند اشتعال النار في ~~الحطب والجمع بينهما، والبرد في الثلج وغير ذلك كلها أفعال الله تعالى ~~يحدثها ويخترعها الله إذا شاء وحين يريد، وإن كان ذلك أثر حركات المحدث في ~~نفسه، والفقاء إنما حل في الصورة لا في الملك؛ لأن بنية الملائكة وخلقه ~~ليست من الأمشاج والطبائع المختلفة التي تقبل الكون والفساد وتحلها الآفات، ~~ويؤثر فيها أفعال المحدث؛ لأنهم لا يمنون، ولا يتوالدون، ولا ينامون، ولا ~~يأكلون، ولا يسأمون، ولا يستجرون، ولا يفقرون، وكل هذه آفات، والفقؤ آفة، ~~وهم لا يحلهم الآفات. فالآفة التي هي الفقؤ إنما حل في الصورة التي جاء ~~الملك فيها لا في عين الملك، وليس الملائكة كالناس، فإن الناس إنسان بصورته ~~وخواصه، ولا يكون الإنسان إنسانا بخواصه دون صورته التي هي صورة الناس، ~~فإنه وإن وجدت خواصه في نوع من أنواع الحيوان، ولم توجد صورة الإنسان فليس ~~ذلك النوع إنسانا حتى يوجد ثلاثة الإنسان وصورته وخواصه، والملك ملك بخواصه ~~دون صورته؛ لأن صورهم مختلفة وخواصهم واحدة، فمنهم من هو فيهم على صورة ~~الإنسان، ومنهم على صورة الطير، ومنهم على صورة السباع، ومنهم على صورة ~~الأنعام، وكلهم ملائكة ولهم أجنحة على أعداد متفاوتة قال الله تعالى {الحمد ~~لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} ~~ثم قال {يزيد في الخلق ما يشاء} [فاطر: 1] ، وقيل في حملة العرش إنهم أملاك ~~أحدهم على صورة الإنسان، يشفع إلى الله في أرزاقهم، والثاني على صورة النسر ~~يشفع إلى الله في أرزاق الطير، والثالث على صورة الأسد يشفع إلى الله تعالى ~~في أرزاق البهائم ودفع الأذى عنهم، والرابع على صورة الثور يشفع إلى الله ~~تعالى في أرزاق البهائم، ودفع الأذى عنهم يصدق ذلك # PageV01P356 # ما حدثنا محمد بن حامد القواريري قال: ح حامد بن سهل قال: ح هناد بن ~~السري قال: ح عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة ### | [ص: 361] # ، عن ابن عباس رضي الله ms303 عنهما قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمية بن أبي الصلت في بيتين من شعره قال: # [البحر الطويل] # زحل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق» قال، وقال: # والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد # فقال قائل: # تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق» . فلما كانت الصورة صورة أسد، ~~وثور، ونسر، وإنسان، وهو ملك بان أن الملك لم يكن ملكا للصورة، وإنما هو ~~ملك بخاصية الذي هو خاصية، والإنسان إنسان بخاصيته وصورته، ألا ترى أن ~~جبريل عليه السلام كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة دحية ~~الكلبي، وهو صلى الله عليه وسلم بصورته التي هي صورته كما شاء من عظم خلقه، ~~وعجب صورته # PageV01P360 # حدثنا خلف بن محمد، قال: ح إبراهيم بن معقل قال: ح محمد بن إسماعيل قال: ~~ح أبو النعمان قال: ح عبد الواحد قال: ح الشيباني قال: سمعت زرا عن عبد ~~الله {فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10] قال ابن ~~مسعود رضي الله عنهما: أنه رأى جبريل وله ستمائة جناح # PageV01P361 # وح محمد بن محمد قال: ح نصر بن زكريا قال: ح عمار بن الحسن قال: ح سلمة ~~بن الفضل قال: ح محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عيسى، عن عمه يزيد بن أبان ~~الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: يا نبي الله من هؤلاء الذين استثنى الله عز وجل؟ قال: " جبريل ~~وميكائيل وملك الموت، فيقول الله تعالى لملك الموت: يا ملك الموت خذ ### | [ص: 362] # نفس ميكائيل فيأخذ فيقع في صورته التي خلقه الله فيها مثل الطود العظيم، ~~ثم يقول وهو أعلم: يا ملك الموت من بقي قال: فيقول: سبحانك ذا الجلال ~~والإكرام بقي جبريل، وملك الموت قال: يقول: يا ملك الموت مت قال: فيموت , ~~فيبقى جبريل ms304 وهو من الله بالمكان الذي ذكر لكم فيقول الله تعالى: يا جبريل ~~إنه لا بد من أن تموت فيقع ساجدا يخفق بجناحيه سبحانك ربي وبحمدك أنت ~~الباقي الدائم، وجبريل الفاني الهالك الميت قال: فيأخذ الله تعالى روحه ~~فيقع على ميكائيل، وإن فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم على ~~الظرب من الظرب، ثم يمكث الله كما كان ليس معه شيء من الخلق ما شاء، وليس ~~لأحد من العباد علم بما هو ماكث " وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى جبريل على صورته قد سد الأفق # PageV01P361 # حدثنا المحمودي، قال: ح محمد بن يحيى بن سليمان قال: ح سعيد بن سليمان ~~قال: ح سعيد عن قتادة، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله ~~عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت جبريل منهبطا من السماء ~~سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض فهذه صورته التي هو عليها» ثم يأتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم على صورة دحية وهو إذ ذاك جبريل على الحقيقة يقول ~~الله عز وجل {نزل به الروح الأمين على قلبك} [الشعراء: 194] ، وقال عز وجل ~~{إنه لقول رسول كريم} [الحاقة: 40] ، فالنازل بالقرآن والوحي هو جبريل على ~~الحقيقة، والصورة صورة دحية. قال: وسمعت بعض شيوخ المتكلمين يقول: إنه كان ~~يخلقه الله في ذلك الوقت إنسانا وبشرا، وهذا لا يستقيم وهو وهم منه، وذلك ~~أنه لو كان كما قاله لكان قول المشركين صدقا حيث قالوا {إنما يعلمه بشر} ~~[النحل: 103] ، والله عز وجل يقول {علمه شديد القوى} [النجم: 5] ، وقال ~~{نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] ### | [ص: 363] # ، إذا فجبريل صلوات الله تعالى عليه وإن كانت الصورة صورة إنسان، إذا ~~فالصورة ليس الملك، وإن كان الملك في تلك الصورة. وقد جاء في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما # PageV01P362 # ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح يحيى قال: ح أبو معاوية، عن عبد الرحمن بن ~~إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي رضي الله عنه، عن النبي ms305 صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن في الجنة لسوقا ما فيها شراء ولا بيع إلا صور الرجال والنساء ~~من اشتهى صورة دخل فيها» فأخبر أن الصورة غير الذي يدخل فيها فكذلك الصورة ~~التي أتى ملك الموت فيها موسى، هي صورة أدخل الله الملك فيها، والفقاء إنما ~~حل في الصورة دون الملك، وهو أن يكون الله تعالى أذهب عين الصورة عند لطم ~~موسى عليه السلام، فكأنه في ذلك الوقت في صورة رجل أعور، كما كان جبريل ~~يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل ليست له أجنحة، ولا على ذلك ~~العظم الذي أتى له مرة على صورة دحية فهو يعرفه فيها، ومرة على صورة غيره ~~فلم يعرفه فيها، كذلك ملك الموت أتى موسى صلوات الله عليهما حين أتاه على ~~صورة إنسان صحيح العينين، ثم نقله الله عند لطم موسى على صورة إنسان فقئت ~~عينه، وهو ملك كما هو قبل انتقاله إلى إحدى الصورتين لم ينتقل من الملكية ~~إلى الإنسانية والبشرية. والله تعالى فعل ذلك بها أعني الصورة دون موسى، ~~والله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو مصيب في أفعاله، وأفعاله كلها ~~حكمة؛ لأنه تعالى لم يفعل عبثا ولا سفها، تعالى الله عن السفة والعبث علوا ~~كبيرا، فأفعاله كلها حكمة وصواب، وإن جهل وجه الحكمة فيها، والله أعلم # PageV01P363 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P363 # - حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي، قال: ح أحمد بن نجدة قال: ح يحيى بن ~~عبد الحميد قال: ح عبد العزيز، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن ~~يسار، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ~~إلى اليمن فقال معاذ: أوصني يا رسول الله قال: «عليك بتقوى الله ما ### | [ص: 364] # استطعت، واذكر الله عند كل شجر وحجر، وإذا عملت شرا فأحدث لله توبة، السر ~~بالسر، والعلانية بالعلانية» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «عليك بتقوى الله ما استطعت» قول أديب متأدب بأدب ms306 الله ~~تعالى موافق الله عز وجل قولا وفعلا وخلقا لا يتقدم بين يدي الله عز وجل، ~~ولا يتأتى عليه صلى الله عليه وسلم. سمع الله عز وجل يقول منزلا عليه موحيا ~~إليه {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما قال الله عز وجل. فيجوز أن يكون معنى قوله: «ما استطعت» أي على ~~مقدار طاعتك، ومبلغ قدرتك، فإنك لن تطيق قدره، ولا تتقيه حق تقاته؛ لأنه ~~تعالى لا يعبد حق عبادته، ولا يطاق إقامة حقه على قدر ما يستحقه، لكن على ~~قدر القوة، ومبلغ الطاقة. ويجوز أن يكون قوله «ما استطعت» أي بجميع ~~استطاعتك، واستفراغ طاقتك وبذل جهودك حتى لا تبقي مما تستطيع، ولا تستبقي ~~مما تطيق شيئا إلا بذلته في تقواه طلبا لمرضاته، ووفاء بعهده، مستعينا ~~بالله مفتقرا إليه كما قال {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] . وقوله: ~~«واذكر الله عند كل شجر وحجر» أي حيثما كنت من سفر وحضر فيكون الشجر إشارة ~~إلى الحضر، والحجر عبارة عن السفر، ويجوز أن يكون معناه في الرخاء والشدة، ~~والخصب والجدب، والسراء والضراء، فيكون الشجر عبارة عن الخصب وهو حال ~~الرخاء والسراء، والحجر عبارة عن الجدب، وهو حال الشدة والضراء قال الله ~~تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] ، وهو ~~الذكر الكثير الذي قال الله عز وجل {اذكروا الله ذكرا كثيرا} [الأحزاب: 41] ~~. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا عملت شرا فأحدث لله توبة» أشار إلى ضعف ~~البشرية وعجز الإنسانية كأنه يقول: إنك إن توقيت بجميع استطاعتك فغير سليم ### | [ص: 365] # من شر تعمله، وسوء تأتيه، فعليك بالرجوع إلى الله، والتوبة إليه، ولم يقل ~~صلى الله عليه وسلم إياك أن تعمل سوء، أو احذر أن تأتي شرا علما منه بأن ~~العبد مجرى قدر الله فلا يمكنه التحرز عما قدر الله عليه # PageV01P363 # حدثنا خلف بن محمد، قال: ح إبراهيم بن معقل قال: ح محمد بن إسماعيل قال: ~~ح أصبغ قال: أخبرني ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن ms307 شهاب، عن أبي سلمة، ~~عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني ~~رجل شاب وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء، فسكت عني، ~~ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر» # PageV01P365 # وحدثنا خلف، قال: ح إبراهيم قال: ح محمد قال: حدثني محمود بن غيلان قال: ~~ح عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا ~~أدرك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، ~~والفرج يصدق ذلك ويكذبه» فأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا بالتوبة، ~~وأوصاه بها إذ علم صلى الله عليه وسلم أنه لاق ما كتب عليه، وآت ما سبق ~~القدر به، فقال: «إذا عملت شرا» كأنه يقوله له: لا بد لك من شر تعمله؛ لأن ~~ذلك مكتوب عليك فأحدث لله توبة، وأنه لا يؤتى العبد من الخطأ والمعصية وإن ~~عظمت وإن كثرت، وإنما يؤتى من ترك التوبة فإن الله يحب المفتن التواب # PageV01P365 # حدثنا نصر بن الفتح، قال: ح محمد بن عيسى قال: ح أحمد بن منيع قال: ح زيد ~~بن حباب قال: ح علي بن مسعدة الباهلي قال: ح قتادة عن أنس، رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين ~~التوابون» # PageV01P366 # حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: ح ابن نجدة قال: ح الحماني قال: ح معلى بن ~~منصور، عن ليث بن سعد، عن محمد بن قيس، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو لم تذنبوا لجاء الله ms308 بقوم أو يخلق ~~قوما يذنبون فيغفر لهم» كأنه يقول: خير بني آدم التوابون، والله أعلم. وقال ~~بعض الكبراء: إن الله تعالى خلق الإنسان وفيه شموخ وعلو وترفع وهو ينظر إلى ~~نفسه أبدا، والله عز وجل خلق العبد المؤمن لنفسه، وخلق سائر الأشياء له ~~فأحب الله تعالى من المؤمنين نظره إلى ربه، وإعراضه عما سواه لذلك سخر له ~~ما في السموات والأرض جميعا منه ليرجع عن مصالح نفسه، والشغل بها إلى ربه ~~بالإقبال عليه، والخدمة له؛ لأنه أقام بمصالحه قوما هم أشد قوة منه، وأهدى ~~لمصالحه، وأعلم لمرافقه من العبد، وجعل له حظه من بين يديه ومن خلفه معقبات ~~فكفاه ربه كل مؤنة دينية ودنياوية، بعث رسلا، وأنزل كتبا، وأقام شريعة، ~~ونصب له دعاة، وجعل له شفعاء من حملة عرشه، وكرام ملائكته، ليتفرغ العبد ~~لربه تعالى إقبالا عليه، ونظرا إليه، وعلم عز وجل أنه مع هذا كله ينظر إلى ~~نفسه، ويقبل عليها إعجابا بها، وعكوفا عليها فكتب عليه ما يصرفه إليه، وقدر ~~له ما يشغله به، إذا شغل عنه وصرف منه من شر يعمله، وسوء يأتيه، ومعصية ~~يرتكبها، وكبيره يواقعها، وصغيرة لا يمتنع منها. ينبهه لنظره إليه، ويبعثه ~~على إقباله عليه: فقال تعالى {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} ~~[البقرة: 222] ، وقال تعالى {توبوا إلى الله جميعا أيها ### | [ص: 367] # المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31] ، وقال جل جلاله {وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له} [الزمر: 54] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح ~~بتوبة عبده من أحدكم بضالته يجدها بأرض فلاة» ، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله تعالى يحب المفتن التواب» ، وقال: «السر بالسر والعلانية ~~بالعلانية» . أخبر أن الشر الذي يعمله على ضربين، وفي حالين سرا وجهرا، ~~فالسر أفعال القلوب والعلانية أفعال الجوارح، كأنه صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إذا عملت شرا بسرك فأحدث توبة بسرك، وإذا عملت شرا بجوارحك فأحدث ~~توبة بجوارحك، فأفعال السر من الذنوب فيما بينه وبين الله طمع إلى غير ~~الله، ومخافة منه ورجاء إليه ومعاداة أوليائه، وموالاة ms309 أعدائه قال الله ~~تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] . ~~وفيما بينه وبين عباد الله حسد لمؤمن، وتهمة لبريء، وبغي على مسلم، وحقد ~~يضمره، وسوء يريده به، وما سوى ذلك من أفعال القلوب، فعليه أن يحدث توبة ~~منها بسره باكتساب ما يزيلها ويثبت أضدادها؛ لأن سائر أعمال الجوارح من ~~صلاة وصوم وحج وغزو وأمثالها لا يجدي عليه كثير نفع منها مع فساد السر ~~ونجاسة القلب، فإن القلب لا يكاد يطهرها بأفعال الجوارح. قال أبو إسحاق بن ~~محمد الحكم لأبي بكر الوراق رحمه الله: # [البحر البسيط] # إن الجرائم أقفلت باب الهدى ... فالعلم ليس بفاتح أقفالها # إن القلوب تنجست ببطالة ... فالسعي غير مطهر أفعالها # وذنوب العلانية فيما بين الله والعبد ترك ما أمر به، وارتكاب ما نهى عنه ~~من تضييع فرض وإضاعة حق، ومجاوزة حد، وقصور عنه. وفيما بينه وبين خلق الله ~~تعالى: المظالم والجنايات قولا وفعلا، وتوبة العبد منها علانية من رد ~~المظالم والاستحلال من أربابها، والخروج إليهم محالتهم عليه، وقضاء ما فات ~~من فرائض الله من صلاة وصوم وزكاة وحج، والانتهاء عما نهي عنه وإخراج ما ~~حصل من مال، أو متاع كما قال الله تعالى {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} ### | [ص: 368] # . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدوا الخائط والمخيط» ؛ لأنه لا ~~ينفع العبد ندمه بسره على ما مضى مع إقامته على مثله في الوقت، وتوبته من ~~ارتكاب المظالم بسره مع تمسكه بما في يديه. روي في الحديث: " إذا قال ~~الملبي: لبيك اللهم لبيك، وعنده مال حرام قيل له: لا لبيك، ولا سعديك حتى ~~ترد ما في يديك" لذلك قال السر بالسر، والعلانية بالعلانية # PageV01P366 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P368 # - ح حاتم قال: ح يحيى قال: ح مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسموا باسمي ولا تكنوا ~~بكنيتي» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: يجوز أن يكون معناه: أي لا ~~تجمعوا بين اسمي وكنيتي، كأنه يقول: ms310 تسموا باسمي، فإذا سميتم باسمي فلا ~~تكنوا بكنيتي فتجمعون بين اسمي وكنيتي، ويجوز أن يكون معناه إباحة الاسم ~~وحظر الكنية، فيكون الاسم محمدا جائزا مأذونا به، ويكون التكني بأبي القاسم ~~محظورا، وإن كان الاسم غير محمد، وهذا في عصره صلى الله عليه وسلم وصبوته ~~لئلا يشتبه، فيقال: يا أبا القاسم، فيظن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو ~~المدعو فيلتفت أو يجيب , فيتأذى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله ~~تعالى {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} [الأحزاب: 53] . يصدق ذلك حديثه ~~الآخر أنه مر ببعض الطريق فنادى رجل: يا أبا القاسم فالتفت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال الرجل: لم أعنك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» . # PageV01P368 # قال: ح محمد بن نعيم قال: ح أبو حاتم الرازي قال: ح الأنصاري قال: ح ~~حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: نادى رجل يا أبا القاسم فالتفت ### | [ص: 369] # إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لم أعنك إنما دعوت ~~فلانا، فقال صلى الله عليه وسلم: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» وإنما ~~نهى عن الكنية في حياته، ولم ينه عن الاسم لأنه لم يكن يقع الاشتباه بالاسم ~~لأن الله عز وجل نهى أن يدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه فيقال: يا ~~محمد قال الله تعالى {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} ~~[النور: 63] . فكان المسلمون لا يسمونه باسمه داعيا، فإذا سمع من ينادي: يا ~~محمد , يعلم صلى الله عليه وسلم أن المدعو غيره فلا يلتفت ولا يجيب لعلمه ~~بأنه ليس المدعو، ولم يرد النهي عن الكنية، فكان يجوز أن يقال: يا أبا ~~القاسم، فإذا سمع من ينادي يا أبا القاسم التفت، ولم يكن هو المدعو، فيكون ~~فيه أذاه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يلتفت إذا مشى، فإذا التفت لا ~~لمعنى كان في ذلك أذاه، وليس للمؤمنين أن يؤذوه. فعلى هذا يجوز التكني ms311 بأبي ~~القاسم بعده، ولا يجوز جمع اسمه وكنيته؛ لأن فيه نقصا في توقيره وإجلاله، ~~وقد أمر الله تعالى بتوقيره وإجلاله فقال {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ~~وتوقروه} [الفتح: 9] . ومما يدل على ذلك أنه كان في حياته صلى الله عليه ~~وسلم من سمي محمدا منهم: محمد بن مسلمة، ومحمد بن أبي بكر - يقال: أنه ولد ~~في حياته - وغيرهما، ولم يعلم في حياته من كني بأبي القاسم، والله تعالى ~~أعلم # PageV01P368 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P369 # - حدثنا حاتم، قال: ح يحيى، قال: ح يحيى قال: ح جعفر بن سليمان، عن ثابت، ~~عن أنس رضي الله عنه، قال: مات رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأثنوا عليه خيرا، فقال صلى الله عليه وسلم: «وجبت» ، ثم مات آخر فأثنوا ~~عليه شرا، فقال صلى الله عليه وسلم: «وجبت» . فقالوا: يا رسول الله، مات ~~فلان فأثنوا عليه خيرا فقلت: «وجبت» ، ثم مات فلان فأثنوا عليه شرا فقلت: ~~وجبت، فقال: " إنكم شهداء الله في الأرض، إن الله عز وجل جعل هذه الأمة ### | [ص: 370] # شهداء على الأمم كلها يوم القيامة، قال الله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143] # PageV01P369 # قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما حدثناه نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى، قال: ح عبد بن حميد، قال: ح ~~جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: " يدعى نوح، صلوات الله عليه، فيقال: هل ~~بلغت، فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال: هل بلغكم، فيقولون: ما أتانا من ~~نذير، وما أتانا من أحد، فيقال: من شهودك؟، فيقول: محمد وأمته، قال: فيؤتى ~~بكم تشهدون أنه قد بلغ فذلك قوله {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] " والوسط العدل، فإذا ~~جعل الله هذه الأمة شهداء على الناس يوم القيامة، وعدلهم الله بقوله ~~{جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] ، أي: عدل، فشهادة العدل مقبولة ms312 لا ترد، ~~والحكم به واجب في القضاء، فإذا شهدوا على إنسان بصلاح قبلت شهادتهم، وإن ~~كان الأمر في المغيب غير ذلك، وإذا شهدوا على آخر بفساد قبلت شهادتهم، وإن ~~كان الأمر في المغيب غير ذلك؛ لأن على الحاكم القضاء بشهادة العدول. فهذه ~~الأمة شهود، والله عدلهم، ورسوله صلى الله عليه وسلم - زكاهم بقوله {ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] ، وقد قال الله تعالى: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110] ، فوصفهم ~~الله تعالى بهذه الصفة، وقال في غيرهم {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ~~[البقرة: 44] ، فغيرهم كانوا يأمرون الناس بالبر وهو الإيمان بالله تعالى ~~ورسوله ### | [ص: 371] # ، ثم لا يؤمنون هم، وهم اليهود وبعض مشركي قريش، والمؤمنون بخلاف ذلك، ~~فهم يأمرون بالمعروف ويأتونه، وينهون عن المنكر ويجتنبونه، فهم عدول صادقون ~~بتعديل الله لهم، وهم أزكياء صديقون بتزكية رسول الله لهم، فوجبت القضية ~~بشهادتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت» ، وجبت إنهم شهداء ~~الله في الأرض. ومعنى قوله «في الأرض» أنه أوجب على الحكام القضاء بها ~~بشهادتهم في الدماء، والفروج، والأموال على ما يعرف الله منهم فهو عز وجل ~~يحكم بشهادتهم على ما يعرف منهم. وقوله «وجبت» في الثناء الحسن، فذلك ستر ~~من الله وتجاوز عما عرف من المثنى عليه، وذلك فضل من الله عز وجل وكرم في ~~قبول شهادة أوليائه؛ لئلا يقع في شهادتهم جرح، وتجاوز عن المشهود له وستر ~~عليه، وهذا يليق بالله وفضله وكرمه # PageV01P370 # حدثنا أحمد بن محمد العجلي، قال: ح أبو أحمد بن ياسين بن النصر، قال: ح ~~الحسين بن بشر بن القاسم، قال: ح أبي، قال: ح أبو الأحوص، قال: ح خالد بن ~~أعين، عن أبي العلاء، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، ~~فأحسن الناس الثناء عليه، فجاء جبريل صلوات الله عليه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: «يا محمد إن صاحبكم ليس كما يقولون، إنه كان يسر ~~كذا، ويعلن كذا، ولكن الله صدقكم فيما تقولون، ms313 وغفر له ما لا تعلمون» وأما ~~قوله «وجبت» في الثناء السيئ فلأنه لا يجوز أن يعرف الله من الشهود عليه ~~بالشر خلاف ما شهدوا فيه؛ لأنهم لا يشهدون إلا ما ظهر من المشهود عليه، وما ~~ظهر من سيئ عمله فهو معصية لله، وهو بها مجروح عاص سواء، وافق باطنه ظاهره، ~~أو خالفه؛ لأن ذلك الذي ظهر منه سيئ لا محالة، فالله تعالى إذا عذبه وحكم ~~بشهادتهم فقد عذبه على ما يستحقه؛ لأنه فعل الذي نهي عنه ووجب وعيد الله ~~له، فإن حكم عليه بما أوعده به لم يكن معذبا له، وهو لا يستحقه، بل يكون ~~معذبا لمن يستحق العذاب، فإذا تجاوز عمن يستحق العذاب على ما علمه منه ثم ~~حكم بشهادة الشهود له، كان ذلك مغفرة وتجاوزا، وهما من صفات الله عز وجل ~~وهو أهل التقوى وأهل المغفرة؛ لأنه يجوز أن يتجاوز الله تعالى عن المسيء ~~فلا يعاقبه على إساءته، ولا يجوز أن يعذبه أو يعاقبه من غير جرم كان منه ~~بشهادة غيره عليه، والله أعلم # PageV01P371 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P372 # ح نصر بن الفتح، قال: ح أبو عيسى، قال: ح قتيبة، قال: ح حماد بن يحيى ~~الأبح، عن ثابت البناني، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» # PageV01P372 # وحدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ح محمد بن إبراهيم، قال: ح محمد بن ~~إسماعيل، قال: حدثني أبو حمزة، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي ~~الله عنه، أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، من خير الناس يا رسول ~~الله؟ قال: «أنا , ومن معي» ، قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: «ثم الذين ~~على الأثر» ، قالوا: ثم من يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «ثم ~~الذين على الأثر» ، قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال: رفضهم قال الشيخ ~~الإمام الزاهد، رحمه الله: يجوز أن يكون معنى قوله: «لا يدرى أوله خير أم ~~آخره» ms314 لتقارب أوصافهم وتشابه أفعالهم، وقرب نعوت بعضهم من بعض، فلا يكاد ~~يتبين الناظر فيهم، والمعتبر حالهم، والباحث عن أحوالهم، فيحكم بالخير ~~لأولهم وآخرهم، وإذ تشابهت الأفعال، وتقاربت الأوصاف، فإنما يعلم الخير من ~~جهة الخبر والسمع والتوفيق. ثم ورد الخبر بقوله: من خير الناس؟ فقال: «أنا ~~ومن معي» فوجب الحكم به، ويجوز أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدرى ~~أوله خير أم آخره» حكما، فيستوي آخر هذه الأمة بأولها في الخيرية، وذلك أن ~~القرن الذي بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما كانوا أخيارا؛ ~~لأنهم آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، حين كفر به الناس، وصدقوه حين كذبه ~~الناس، ونصروه حين خذله الناس، وهاجروا وآووا ونصروا، وكل هذه الأفعال وجدت ~~في آخر هذه الأمة حين يكثر الهرج، وحين لا يقال في الأرض: الله الله # PageV01P372 # وذلك حدثناه نصر، قال: ح أبو عيسى، قال: ح محمد بن بشار، قال: ح ابن ### | [ص: 373] # أبي عدي، عن حميد، عن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله " # PageV01P372 # وقال صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، ~~فطوبى للغرباء» ، قيل: وما الغرباء؟ قال: «النزاع من القبائل» فإذا صار ~~الأمر إلى هذا، كان المؤمن فيهم كالمؤمن في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فإن النازع من القبيلة مهاجر مفارق أهله، وماله، ووطنه، مؤمن بالله مصدق به ~~وبرسوله، والله عز وجل مدح المؤمنين بإيمانهم بالغيب، فقال {يؤمنون بالغيب} ~~[البقرة: 3] ، وكان إيمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غيبا وشهودا، ~~فإنهم آمنوا بالله واليوم الآخر غيبا، وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~شهودا وعيانا، ينزل عليهم الوحي، ويرون الآيات، ويشاهدون المعجزات، وآخر ~~هذه الأمة يؤمنون بما آمن به أوائلهم غيبا، ويؤمنون غيبا بما آمن به ~~أوائلهم شهودا، وهو إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم لا يشاهدون ~~النبي صلى الله عليه وسلم عينا، ولذلك صاروا أعجب الناس إيمانا ms315 كما # PageV01P373 # حدثنا القواريري، قال: ح حامد بن سهل قال: ح قتيبة، قال: ح خلف بن خليفة، ~~عن عطاء بن السائب، عمن حدثه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «من أعجب الخلق إيمانا؟» قالوا: الملائكة يا رسول ~~الله، قال: «وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر؟» . قالوا: فالنبيون ~~يا رسول الله، قال: «وكيف لا تؤمن الملائكة والروح ينزل عليهم بالأمر من ### | [ص: 374] # السماء» ، قالوا: فأصحابك يا رسول الله، قال: «وكيف لا يؤمنون أصحابي وهم ~~يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيمانا قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم ~~يروني، ويصدقوني ولم يروني، فأولئك إخواني» # PageV01P373 # ثم كان المتمسك في آخر الزمان بالدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر» حدثناه خلف بن محمد، ~~قال: ح حامد بن سهل، قال: ح حميد بن علي البختري، قال: ح جعفر بن محمد، ~~قال: ح أبو إسحاق الفزاري، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله ~~بن مسعود، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمؤمن في آخر ~~الزمان يصيبه من الأذى على إيمانه ما كان يصيب أوائلهم بدلالة هذا الخبر، ~~فإذا وجدت فيهم هذه الخصال التي وجدت في أوائلهم جاز أن يساووهم في الخيرية ~~فيكونوا في الخيرية لهم، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس ~~قرني» خاصا في قوم منهم دون جميعهم، كما قال ابن عمر، رضي الله عنه: كنا ~~نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي ~~الله عنهم، ثم لا نفضل أحدا أو كلاما هذا معناه، فأخبر أنهم كانوا يبدون ~~بين أصحابه دون المسلمين، ومعلوم أن قرنه صلى الله عليه وسلم، كلهم لم ~~يكونوا خير الناس، فقد كان فيهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وأبي، وسائر ~~المشركين، ومسيلمة الكذاب، وخارجة الأسدي المتنبيان الكذابان، وإنما كان ~~خير الناس بعض القرن لا كلهم، فصار كأنه قال: خير ms316 الناس في قرني، وإذا كان ~~ذلك في بعض دون بعض جاز أن يكون خير الناس أبو بكر، وعمر، وعثمان، على ما ~~قال ابن عمر، أو هم على ما عليه أكثر أهل الأثر والنظر من الفريقين، وغيرهم ~~فيكون من سواهم يجوز أن يساوي بهم آخر هذه الأمة، وهم الذين يقاتلون ~~الدجال، وينصرون عيسى ابن مريم - صلوات الله عليه، فهم أنصار النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وإخوانه # PageV01P374 # قال عوف بن مالك الأشجعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا يوما: ~~«ليتني لقيت إخواني» ، قلنا: يا رسول الله أولسنا بإخوانك؟ آمنا بك، ~~وهاجرنا معك، واتبعناك، ونصرناك، وصدقناك، قال: «بلى» ، وعاد فعدنا، ثم عاد ~~فعدنا قال: «بلى ولكن إخواني الذين يأتون من بعدي يؤمنون بي كإيمانكم، ~~ويحبونني كحبكم، وينصرونني كنصركم، ويصدقونني كتصديقكم، فيا ليتني لقيت ~~إخواني» . وفي حديث آخر، قلنا: ألسنا إخوانك؟ قال: «لا، أنتم أصحابي، ~~وإخواني قوم يجيئون من بعدي» . وقال أبو ثعلبة الخشني: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا ~~مؤثرة، وشحا مطاعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك، الممسك يومئذ بمثل ~~الذي أنتم عليه له كأجر خمسين عاملا» ، قلنا: يا رسول الله كأجر خمسين ~~عاملا منهم؟ قال: «بل منكم» # PageV01P375 # حدثنا خلف بن محمد، قال: ح محمد بن الفضل المفسر، قال: ح حامد بن ~~إسماعيل، قال: ح عيسى، قال: وح خلف، هذا قال: ح الحسين بن الوضاح، والحسن ~~بن ضحاك، قالا: ح عجيف بن آدم قال: ح محمد بن سلام، قال: ح عيسى، عن نوح بن ~~أبي مريم، عن أبي المهلب مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر الكناني، عن ~~علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن لكل شيء إقبالا وإدبارا، وإن لهذا الدين ~~إقبالا وإدبارا» ، وساق حديثا في وصف آخر الزمان إلى أن قال: «فمن تمسك ~~بالأمر يومئذ كتب له بأجر خمسين ممن رآني وسمع موعظتي ms317 وآمن بي وصدقني» ~~فأخبر أن في آخر هذه الأمة من يفوق أولها في الثواب والأجر، فإذا جاز أن ### | [ص: 376] # يكون آخر هذه الأمة أكثر أجرا من بعض أوائلها، جاز أن يكون أواخرها يوازي ~~أوائلها، في الأجر والخير. # PageV01P375 # وقال محمد بن علي الترمذي، ح الحسين بن عمر بن سفيان البصري، قال: ح ~~سليمان بن طريف، عن مكحول، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «خير أمتي أولها وآخرها، وفي وسطها الكدر» # PageV01P376 # وحدثنا عبد الله بن محمد، قال: ح محمد بن خالد بن حماد الأزدي، قال: ح ~~عيسى بن يونس الرملي، قال: ح ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن ~~جبير، عن أبي جمعة، قال: قلنا: يا رسول الله: هل أحد خير منا؟ قال: «نعم، ~~قوم يجيئون بعدي يجدون كتابنا بين لوحين فيؤمنون به، ويصدقون به، فهم خير ~~منكم» فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن في آخر أمته من هو خير من ~~بعض من صحبه. وأما حديثه الآخر الذي # PageV01P376 # حدثنا أبو عمر، والحسين بن علي بن الحسن العطار، قال: ح إبراهيم بن عبد ~~الله بن عمر العبسي، قال: ح وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، ~~فوالذي نفسي بيده لو أن أحدا أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم، ولا ~~نصيفه» فيجوز أن يكون هذا في فضيلة السبق، كما قال تعالى {لا يستوي منكم من ~~أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} ~~[الحديد: 10] ، فأخبر الله تعالى أن الذين لهم السبق بالإنفاق والإيمان ~~أعظم درجة من غيرهم، والسبق سبقان: سبق في العمل، وسبق في الدهر، فمن كان ~~في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لهم سبق الدهر على من بعدهم، ولهم في ذلك ~~فضل، وليس ### | [ص: 377] # ذلك في الاكتساب، وإنما هو فضل الله آتاه من شاء، وسبق ms318 العمل هو باكتساب، ~~فالذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا كانوا أفضل من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا من وجهين: فمن كان سبقه من قبل الزمان، وهو أن يتقدم زمان إنفاقه ~~وقتاله، فله فضيلة سبق الزمان الذي لا يلام من تأخر زمانه على تأخره، ومن ~~كان قتاله وإنفاقه متأخرا عن الفتح من قبل فعله، فإنه ملوم من نفسه؛ لأنه ~~كان له إمكان الإنفاق والقتال قبل الفتح فلم يفعل. فأما تأخر آخر هذه الأمة ~~فمن قبل الزمان ليس من قبل الفعل فمن أنفق في حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقاتل معه فاز بفضيلة السبق الذي هو من فعله لا اكتسابه، فأما ~~الإنفاق والقتال اللذان هما من باب الاكتساب فيجوز استواء آخر هذه الأمة ~~بأولها غير المخصوصين منهم، فيكون معنى قوله: «لم يدرك مد أحدهم أو نصيفه» ~~من جهة السبق الذي هو سبق الزمان، ويكون تساويه بالخير من جهة الاكتساب، ~~فيكون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى ~~أوله خير أم آخره» : من جهة أفعالهم وأقوالهم وبذلهم وإنفاقهم وما هو مما ~~يكتسبونه، فإن أخبرهم بفعل ذلك كما فعل إبراهيم فتساووا فيه. وقوله: «خير ~~الناس قرني» وسائر ما جاء في ذلك فهو من فعل الله عز وجل بأولئك، فأولئك ~~لهم فضيلة السبق فهم خير الناس من قبل الزمان، والمعدودون خير الناس من ~~الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، فيجوز أن يكون معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» في ~~المعدودين ومن سواهم، يجوز فيه تساوي أولاهم وأخراهم تفضيلا واكتسابا، ومن ~~سواهم فأولهم وآخرهم سواء في الخير الذي هو أفعالهم واكتسابهم، والله أعلم # PageV01P376 ### | ### | حديث آخر # # PageV01P377 # حدثنا محمد بن أحمد البغدادي، قال: أخ أبو يعقوب إسحاق بن الحسن، قال: ح ~~الهيثم بن خارجة، قال: ح الحسن بن يحيى الخشني، عن صدقة الدمشقي، عن هشام ~~الكناني، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ms319 وسلم عن ~~الله، عز وجل، قال: «من آذى لي وليا فقد بارزني في المحاربة، ما ترددت في ~~شيء ### | [ص: 378] # أنا فاعله ما ترددت في مساءة المؤمن، يكره الموت ولا بد منه، ما تقرب إلي ~~عبد بمثل ما افترضت عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ~~فإذا أحببته كنت سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا، يدعوني فأستجيب له، ويستنصحني ~~فأنصح له، إن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأصرفه عنه ~~كراهة أن يدخله عجب فيفسده ذلك، إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه ~~إلا الغنى، لو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من الغني من لو أفقرته لأفسده ذلك، ~~وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، لو أغنيته لأفسده ذلك، ~~وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، لو أسقمته لأفسده ذلك، ~~وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السقم، لو أصححته لأفسده ذلك، ~~وذلك أني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم، إني عليم خبير» قال الشيخ الإمام ~~الزاهد رحمه الله: أولياء الله خصائصه الذين اصطفاهم في أزله قبل أن ~~يوجدهم، وأنتجهم قبل أن يخلقهم، واستخلصهم واصطنعهم لنفسه قبل أن يحدثهم ~~حين أوجدهم عن الأشياء إليه، وصرف الأغيار عنهم ضنا بهم وغيرة عليهم، زينهم ~~بأوصافه، وحلاهم بنعوتهم، فهم علماء صلحاء كرام صادقون، رحماء حكماء عدول ~~مؤمنون، فهم بكثير أوصافه موصوفون، وبأسمائه ونعوته موسومون، قلب بصفاته ~~أحوالهم، وأضاف إلى نفسه أفعالهم، فقال عز وجل {فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [الأنفال: 17] ، قاتل بهم أعداءه، ~~وانتصر بهم ممن عاداه، فهم أنصار الله، قال الله عز وجل {وينصرون الله ~~ورسوله} [الحشر: 8] ، وقال {من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار ~~الله} [آل عمران: 52] ، فلما كانوا أنصاره يقاتلون من ألحد في أسمائه، ~~ويناصبون من أشرك به، ويذبون عن دينه، ويقاتلون مع رسله، جعل آذاهم ~~مبارزته، وإهانتهم مناصبته، فقال جل جلاله {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله} [المائدة: 33] ، سماهم محاربين له لما آذوا ms320 أولياءه في سلب ~~أموالهم، وسفك دمائهم، وإخافة سبلهم، وذلك أنهم لما كانوا خصائصه فمن آذاهم ~~فقد بارزه، أي أظهر مخالفة الله؛ لأنه فعل بهم خلاف ما فعل الله بهم، ~~وأرادهم بغير ما أرادهم الله به، أكرمهم الله تعالى فأهانهم المؤذي لهم، ~~ووالهم الله عز وجل، فعاداهم المهين لهم، فصاروا لله محاربين، وله بالعدواة ~~بارزين، ولحكمه فيهم مخالفين ### | [ص: 379] # . وقوله: «ما ترددت في شيء أنا فاعله» أي ما رددت شيئا بعد شيء في ما ~~فعلته بخلقي، كما رددت مختلف الأحوال على عبدي المؤمن في إزالة كراهة الموت ~~عنه بلطائف يحدثها له ويظهرها عليه حتى يحب الموت، ويسأم الحياة # PageV01P377 # كما فعل بإبراهيم صلوات الله عليه حين جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فبكى ~~إبراهيم صلوات الله عليه، فذهب ملك الموت، ثم عاد إليه في صورة شيخ كبير، ~~فجعل يأكل العنب وماء العنب يسيل على لحيته، فجعل إبراهيم عليه السلام ينظر ~~إليه، فقال: يا عبد الله كم أتى لك؟ فذكر مثل سن إبراهيم، فاشتهى إبراهيم ~~الموت فقبض روحه ذكر ذلك حماد، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، ~~عن كعب، رحمه الله. فهذه لطيفة أحدثها الله تعالى لخليله في إزالة كراهة ~~الموت عنه، وقد ذكرنا لها نظائر قبل. وقوله: «ولا بد له منه» ، وذلك أن ~~الله تعالى خلق المؤمن، وخلق سائر الأشياء له، فقال {سخر لكم ما في ~~السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] ، فأراد عز وجل أن يحل ~~المؤمن في جواره، وينزله دار كرامته، ويهب له من ملكه، ويجعله باقيا ببقائه ~~ملكا لا يفنى ملكه، حيا لا يموت أبدا لا يزول، يحل عليه كرامته، ويلذذه ~~برؤيته، ويكرمه بالنظر إليه، وحكم عز وجل بهذه الكرامة في الدار الآخرة بعد ~~الموت , وهو عز وجل لا يبدل القول لديه , ولا يجوز البداء عليه , فلذلك لم ~~يكن له بد من الموت ليصل إلى هذه الكرامة الجليلة، والرتبة السنية، والدرجة ~~الرفيعة، ثم مع ذلك كره الله مساءته في ذلك، وأزالها عنه بلطائف يحدثها له ~~وفيه، ms321 سبحان اللطيف بعباده المؤمنين. وقوله: «ما تقرب إلي عبد بمثل ما ~~افترضت عليه» ، ليس من قدر العبد أن يتقرب إلى الله، وسمة العبودية عليه ~~ظاهرة، ونقص الحدث فيه بين، وحقارة البنية له لازمة، فبأي صفة يتقرب إلى من ~~ليس كمثله شيء، كيف يتوصل إلى غني محتاج , وملك لا يطاق، فليس له إليه أن ~~يتقرب إليه من حيث هو، وإنما يقربه الله منه، يتقرب بلطفه إليه، فأمره ~~بأداء ما افترض عليه، وجعلها علامته لمن له في سابق علمه تقرب إليه، فمن ~~أقام أوامره، وأدى فرائضه فهو الذي قربه الله منه، فصار أداء فرائضه تقربا ~~منه، وإقامة أوامره توسلا إليه، وأخرى أن العبد وإن توقى فلا يخلو من أن ~~يتدنس بالخطايا، ويتلطخ بالمعاصي، والله عز وجل قدوس طاهر. وفي الحديث «إن ~~القدوس الأعلى لا يقربه إلا قديس طاهر» ، فأمر الله تعالى عباده المؤمنين ~~بأداء ما # PageV01P379 # افترض عليهم ليطهروا بها من أدناس الذنوب، ويتنظفوا من أرجاس العيوب، ~~فقال الله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] ، وقد قال {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، وقال {إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] فإذا أتوا بهذه الفرائض تطهروا ~~فصلحوا لدار الطهارة وقربة القدوس. وقوله «ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه» لما علم المؤمن الوجه الذي جعله الله سببا لطهارته، والعمل الذي هو ~~علامة من قربه الله تعالى منه، وهو أداء فرائضه، أدى فرائضه باذلا فيها ~~مجهوده، وكانت الفرائض في أوقات معدودة تسارع بعد الفراغ منها إلى أمثالها ~~من الأعمال وأشباهها من الأفعال طلبا لازدياد من السبب المقرب إليه، والسمة ~~الدالة عليه، فزاده الله تعالى محبة إلى تقريبه منه كما ازداد العبد تعبدا ~~في حال الحرية من رق العبودية في أداء ما لزمه، فإن مثل العبد في أداء ~~الفرائض مثل المكاتب، كاتبه مولاه على مال يؤديه إليه نجوما، فإذا أدى ما ~~عليه عتق، فكذلك العبد، أوجب الله تعالى عليه فروضا محدودة، وألزمه أمورا ~~محدودة مؤقتة، فإذا أداها خرج من رقها، فهو إلى أن ms322 يأتيه وقت آخر عتيق في ~~عمله، وإلى أن يستقبله فرض ثان حر، فمن تعبد في حال الحرية شوقا إلى مولاه ~~استحق المحبة، كما أن من تعبد في حال الرق استوجب القربة. وقوله: «فإذا ~~أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا» إذا أحب الله عبدا أحدث فيه حبا ~~لله، فيحب الله كما أحبه الله، قال الله تعالى {يحبونهم كحب الله} [البقرة: ~~165] ، وقال تعالى {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] فالمحبوب محب، والمحب ~~منخلع من جميع شهواته، خارج من جميع صفاته؛ لأن المحبة إذا استولت على ~~المحب أفنته عنه، وسلبته عن صفاته، واصطفته من نعوته فأصمه وأعماه، وعن ~~جميع الأشياء به أبلاه، # PageV01P380 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حبك الشيء ما يعمي، وما يصم» حدثناه ~~حاتم بن عقيل، قال: ح يحيى بن إسماعيل قال: ح الحماني، قال: ح ابن المبارك، ~~عن ابن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي ~~الدرداء، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 381] # فالمحب يصم عن الأغيار، ويعمي عما سوى المحبوب الأبصار، وقال في ذلك بعض ~~الكبار: # [البحر البسيط] # أصمني الحب إلا عن تساوده فمن ... رأى حب حب يورث الصمما # وكف طرفي إلا عن وعايته ... والحب يعمي وفيه القتل إن كتما # وقيل لقيس المجنون: أتحب ليلى؟ فقال: لا، قيل: لم؟ قال: إن المحبة ذريعة ~~الوصلة، فإذا وقعت الوصلة سقطت الذريعة، فأنا ليلى، وليلى أنا. قال الشيخ، ~~رحمه الله: وأنا أحكي لك عني عجبا في رؤيا رأيتها، رأيت فيما يرى النائم ~~امرأة رقيقة ممشوقة، عليها ملاحة، ولها شعر ما رأيت على امرأة مثله طولا ~~وغلظا وسوادا، فخيل لي أنها ليلى، وهي تنشد أشعارا، فكنت حفظت منها أبياتا ~~ثم أنسيتها، فقلت لها وعزمت عليها: أخبريني عن قيس، فقالت: كان عنوان حبي ~~وكنت معناه الذي قام به، فلم تكن له حال يوصف، ولا كانت له صفة تعرف، في ~~كلام كثير حفظت منه هذا. فإذا كانت هذه أحوال المحب، فمن أحبه الله تعالى ms323 ~~صرفه عن الأشياء إليه، وأقبل به عليه، فأحب الله تعالى كما أحبه الله، قال ~~الله تعالى {يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] والمحدث لا يطيق تحمل أعباء ~~المحبة؛ لأنها تفنيه، فإذا أفنته محبة الله عن نفسه أنشأه الله لمحبته له ~~خلقا جديدا، فأفاده سمعا بدل سمعه، وبصرا بدل بصره، ويدا بدل يده، وأيادي ~~أقوى من أيده، فلا يبصر إلا ربه، ولا يسمع إلا منه، ولا يبطش إلا له، ولا ~~يقوى إلا فيه، ألا تراه يقول: «يدعوني فأستجيب له، ويستنصحني فأنصح له» ؛ ~~لأنه لا يعرف له مولى، ولا وليا إلا إياه، ولا يرى في الدارين له غيره، فمن ~~يدعو سواه ومن يجيبه إلا هو، إذ ليس عنده مجيبا له إلا ربه، ولا مدعوا إلا ~~محبوبه. وقوله: «يستنصحني فأنصح له» ؛ لأنه سقطت عنه اختياراته، وماتت فيه ~~شهواته، وبطلت منه إرادته، قد ذهل عن أوصافه، وشغل في محبة محبوبه عن ~~نعوته، فهو لا يهتدي إلى مصالح نفسه، ولا يتخير في أحكام مولاه , فوض أمره ~~إليه، وألقى نفسه بين يديه، وأقبل بكليته عليه، كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «اكلأني كلاءة الوليد» فهذا استنصاحه له، فهو تعالى يصرفه في ~~مشيئته، ويجعله في قبضته، ويحوطه بعصمته، ويصرفه في محابه، فهذا نصحه له ### | [ص: 382] # . وقوله عز وجل: «إن من عبادي لمن يريد الباب من العبادة فأصرفه عنه ~~كراهة أن يدخله عجب فيفسده ذلك» هذا من نصحت له، وذلك أنه لا يتصرف في ~~شهوات نفسه، ولا يشتغل بحظوظها، وإنما شغله بمولاه، وتصرفه فيما يرضاه، فهو ~~يريد الباب من العبادة تقربا إليه عند غلبة الاشتياق عليه، وهو حبيب الله ~~ومحبوبه، والله تعالى محبه، والمحب يغار على محبوبه أن ينظر إلى غيره، ويضن ~~به أن يرده إلى سواه، فالعبد لغلبة الاشتياق عليه يقصد الباب من العبادة ~~باختياره وإرادته، فيصرفه الله تعالى عما اختاره إلى ما اختاره له، لئلا ~~يكون راجعا إلى غيره، ولا ناظرا إلى نفسه، أو يرجع إلى اختياره، وإن كان ~~ذلك في طلب مرضاته، واجتهادا في عبادته له؛ لأن ms324 العجب هو النظر إلى نفسه ~~بعين الاستحسان، ومن استحسن شيئا شغل به وسكن إليه، فهو تعالى يصرفه عما ~~يسكن إليه، ويشغله عنه، ليكون شغله به، وسكونه إليه. وقوله: «إن من عبادي ~~المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، لو أفقرته لأفسده ذلك» هذا أيضا من ~~نصيحته له، وذلك أن الله تعالى إنما أحب المؤمن لإيمانه؛ لأنه لما أحبه كتب ~~في قلبه الإيمان، وحببه إليه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فهو عز ~~وجل يصرفه عما يخل بإيمانه، لئلا يخرج في حبه إياه شيء، وقد خلق الله عباده ~~على طبائع مختلفة وأوصاف متفاوتة، فمنهم القوي، ومنهم الضعيف، ومنهم ~~الرفيق، ومنهم الكثيف، ومنهم الوضيع، ومنهم الشريف. فمن علم الله تعالى من ~~قلبه ضعفا لا يحتمل الفقر أغناه، إذ لو أفقره إياه فهو عز وجل يغنيه، فيقر ~~به بذلك منه ويدنيه، فيصونه بغناه من أن ينصرف بحاجته إلى سواه، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " بادروا بالأعمال خمسا: غنى مطغيا، وفقرا منسيا، ~~وهرما مفندا، ومرضا مفسدا , وموتا مجهزا"، فإذا كان الفقر لبعض الناس ~~منسيا، صرف الحق عمن عرف ذلك منه الفقر؛ لأنه لا يحب أن ينساه حبيبه، كما ~~يكره أن ينظر إلى غيره قريبه، وكذلك من علم أن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ~~أفقره؛ لأنه تعالى يعلم أن الغنى يطغيه، وأن الفقر لا ينسيه بل يشغل لسانه ~~بذكره، والثناء عليه، وقلبه بالتوكل عليه، والالتجاء إليه، قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " إذا أحب الله عبدا صب عليه البلاء صبا، وسحه عليه سحا، ~~فإذا دعاه قالت الملائكة: صوت معروف، وقال جبريل عليه السلام: يا رب عبدك ~~فلان، اقض له حاجته، فيقول: دعوا عبدي فإني أحب أن أسمع صوته، فإذا قال ### | [ص: 383] # : يا رب، قال الله تعالى: لبيك عبدي وسعديك، لا تدعوني بشيء إلا استجيب ~~لك، ولا تسألني شيئا إلا أعطيتك، إما أن أعجل لك ما سألت، وإما أن أدخر لك ~~عندي أفضل منه، وإما أن أدفع عنك من البلاء ما هو أعظم من ذلك"، والفقر ms325 أشد ~~البلاء، وأعظم المحن، فإنما يفعل الله ذلك بعبده الذي أحبه ليدعوه فيسمع ~~صوته داعيا له، ويسأله ويراه مفتقرا إليه، وكذلك السقم هو من البلايا ~~والمحن، فيسقم الله تعالى حبيبه ليدعوه في الدنيا فيجيبه، ويسأله فيعطيه، ~~ويشغله به عما يشغله عنه، ويصب عليه في الآخرة صبا كما سح عليه في الدنيا ~~البلاء سحا # PageV01P380 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تنصب الموازين يوم القيامة فيؤتى بأهل ~~الصلاة فيوفون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء، ولا ينصب لهم ميزان، ~~وينشر لهم ديوان فيصب عليهم الأجر صبا بغير حساب حتى يتمنى أهل العافية أنه ~~كانت تقرض بالمقاريض أجسادهم مما فيه أهل البلاء من الفضل» حدثنا عبد الله ~~بن محمد الفقيه قال: ح عبد الرحيم بن عبد الله قال: ح إسماعيل بن توبة قال: ~~ح عفيف بن سالم، عن بكر بن خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس ~~بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو تعالى إنما يسقم عبده الذي ~~يحبه لذلك، وكذلك الصحة، من علم الله منه ضعفا لا يحتمل السقم صححه ليكون ~~له عابدا، وبين يديه راكعا وساجدا ويفضل قوته جاهدا، فيكون ماثلا بين يديه ~~ومقبلا بكليته عليه لأن الله تعالى أحبه فجعله نصب عينيه في جميع أحواله إن ~~كان فقيرا سأله وإن كان غينا أقرضه وأسقمه تضرع إليه، وإن صححه مثل بين ~~يديه يصلح إيمانه ليصلح له، يدبره بعلمه إنه عليم خبير، وعلى ما يشاء قدير، ~~فهو تعالى يحبه له يفعله به ما يصرف بوجهه إليه، ويقبل بقلبه عليه وليكون ~~في كل حال بين يديه ماثلا عن جميع الأشياء إليه مائلا، وفي كل الأحوال كلها ~~إليه ناظرا، وفي كل وقت له ذاكرا، وذلك أنه تعالى محب، وعليه مقبل، وله # PageV01P383 # مؤثر، وإليه ناظر، وله ذاكر، فيحب أن يكون حبيبه له كما هو لحبيبه، ~~والعبد لا يطيق ذلك، ولا يهتدي إليه، فهو تعالى يفعل به ما يريد منه أن ~~يفعله تعالى. الله أكبر الكريم اللطيف العليم # PageV01P384 ### | - حديث آخر ms326 # PageV01P384 # ح أحمد بن عبد الله الهروي قال: ح إبراهيم بن هاشم البغوي قال: ح أمية بن ~~بسطام قال: ح يزيد بن زريع قال: ح روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن ~~أبي هريرة، رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ~~من المفلس؟» قالوا: يا رسول الله المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع , ~~قال: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وصدقة ويأتي وقد ~~ظلم هذا، وأكل مال هذا , وضرب هذا، وشتم هذا، فيقعد فيقتص هذا من حسناته ~~فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي الذي عليه من الخطأ، أخذ من خطاياهم وطرحن ~~عليه ثم طرح في النار» قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله: أنكر هذا الحديث ~~طائفة من المتعلقة الذين اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله إعجابا برأيهم، ~~وحكما على كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقول ضعيفة، ~~وأفهام سخيفة، فقالوا: لا يجوز في حكمة الله تعالى وعدله أن يضع سيئات من ~~اكتسبها على من لم يكتسبها، ويأخذ حسنات من عملها فيعطي لمن لم يعملها، ~~وهذا جور، زعموا وأولوا قول الله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [آل ~~عمران: 164] ، {وما ظلمهم الله} [آل عمران: 117] وأمثالها من الآيات على ما ~~قالوه. فقالوا: قد أخبر الله تعالى أنه ولا تزر وازرة وزر أخرى، فكيف يصح ~~هذا الحديث، وهو يخالف ظاهر الكتاب، ويستحيل في العقل، وأن الله عز وجل لم ~~يبن أمور الدين على عقول العباد، ولم يعد، ولم يوعد بمشيئته وإرادته ما ~~يحتمله عقولهم ويدركونه بأفهامهم ويقتبسونه بآرائهم، بل وعدوا وعدا بمشيئته ~~وإرادته، وأمر ونهى بحكمته وعلمه، ولو كان كل ما يدركه العقول مردودا لكان ~~أكثر الشرائع مستحيلا على موضوع عقول العباد، وذلك ### | [ص: 385] # أن الله عز وجل أوجب الغسل بخروج المني الذي هو طاهر عند بعض الناس وبعض ~~الصحابة، وكثير من فقهاء الأمة، وأوجب غسل الأطراف من الغائط الذي لا خلاف ~~بين الأمة وسائر من يقول ms327 بالعقل من غيرها على نجاسته وقذارته ونتنه، وأوجب ~~بريح يخرج من موضع الحدث ما أوجبه بخروج الغائط الكثير الفاحش، فبأي عقل ~~يستقيم هذا، وبأي رأي يجب مساواة ريح ليس لها عين قائمة لما يقوم عينه، ~~ويزيد على الريح نتنا وقذارة إلى هذه، وقد أوجب الله تعالى قطع يمين مؤمن ~~بعشرة دراهم، وعند بعض الفقهاء بثلاثة دراهم ودون ذلك، ثم سوى بين هذا ~~القدر من المال وبين مائة ألف دينار، فيكون القطع فيهما سواء، وأعطى الله ~~تعالى للأم من ولدها الثلث، ثم إن كان للمتوفى إخوة جعل لها السدس من غير ~~أن يرث الإخوة من ذلك شيئا، فبأي عقل يدرك هذا إلا تسليما وانقيادا، ولو ~~تتبعنا كثيرا من الأحكام كان سبيلها ما ذكرنا، ثم الوعد والوعيد، وعد الله ~~عز وجل ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من الثواب ~~الجزيل، والنعيم المقيم على ما أحدث في العبد وخلقه وأوجده من عدم، وأعان ~~عليه بإجماع فضلا منه وكرما، وهو ذو فضل عظيم، وأوعد على ما أوجده من ~~العبد، وخلقه فيه وأحدث لاستطاعته له عندنا، ولم يعصم منه بإجماع بجرم ~~منقطع لا يضره ولا يؤثره عقابا لا يحتمل العقول فكره فيه، وإدراكا له من ~~شدة ألمه وفظيع أمره، وعند المعتزلة إحباط عمله سبعين سنة وأكثر وطاعة مائة ~~سنة وأكثر بسرقة خمسة دراهم، أو عشرة أو قذف محصن أو محصنة. ذلك لم يضر ~~المقذوف ولا قدح فيه، والتأبيد في النار والعذاب الشديد على شرب جرعة من ~~خمر مع إيمان بالله عز وجل والخوف منه، والطاعة له في مدة سبعين سنة مع ~~فرعون الذي بارز الله عز وجل وادعى الربوبية لنفسه، وقتل أنبياءه، وأفسد في ~~الأرض أربعمائة سنة، بأي عقل يستقيم هذا، وبأي حكمة من أوصاف العباد توجب ~~هذا وقد استسلم المتعقل لذلك إن كان معتقدا للإيمان، وانقيادا له، وجوز ذلك ~~في حكمة الله تعالى، ولم يحكم فيه عقله، فكيف لا يجوز طرح السيئات على من ~~لم يكتسبها، وسلب الحسنات ms328 ممن عملها، ودفعها إلى من لم يعلمها، وهذا أهون ~~مما جوزه، وأيسر مما استسلم له، على أنا نرى جواز ذلك في عقل هذا المتعقل ~~فيقول عن الله عز وجل أوعد على كثير مما نهى عنه بأنواع من الوعيد في ~~الآخرة، وألوان من العقوبات في الدنيا كالرجم في الزنا بعد الإحصان، وجلده ~~مائة لمن لم يحصن، والقطع للسارق وتعزير المختلس والمنتهب، وغير ذلك من ~~الأحكام والحدود التي أوجبها الله عز وجل في الدنيا، وما أوعده عليه في ~~الآخرة كقوله تعالى في أكل مال اليتيم {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا} [النساء: 10] ، وفي أكل الربا {الذين يأكلون ~~الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} [البقرة: 275] ~~، وقال عز وجل في مانع الزكاة {الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله} [التوبة: 34] ، إلى قوله {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} ~~[التوبة: 35] ، فكما أخبر الله بعقوبات هذه الجنايات كذلك أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعقوبة الظالم للمسلمين بأخذ أموالهم، وضرب أبشارهم، وشتم ~~أعراضهم، أنهم يعاقبون بالعقوبات التي أوعد الله تعالى وأعدها للخطايا التي ~~اكتسبها المظلوم، فعاقب الظالم بتلك العقوبات فتكون تلك العقوبات بما اكتسب ~~من الظلم الذي نهى الله تعالى عنه، فيكون ذلك عقابا لفعل اكتسبه كان قد نهي ~~عنه فلم ينته، فعاقبه بتلك العقوبة، وأحبط حسناته، بمعنى أنه لم يثب عليها؛ ~~لأن ثوابها استحقت عليه فيكون كمن اكتسب مالا في الدنيا فجمع منه، وكانت ~~عليه ديون فأخذ ما جمع أرباب الديون فلم يبق في يديه من ذلك شيء، كذلك ما ~~اكتسب هذا الظالم من صلاة وصيام وصدقة فاستحق ثوابها على الله تعالى فكانت ~~تحصل له , لولا ما جنى من تلك المظالم، فلما قوبلت حسناته بسيئاته بتلك ~~المظالم، ولولا حسناته من صلاة وصيام وصدقة لكان يعاقب على مظالمه بما أعد ~~الله للظالمين، فيكون هذه الحال وهذا الفعل من الله به نوعا من العقوبة ~~التي أعدها الله تعالى للظالمين على ظلمهم، ولا يكون ذلك كما زعم هذا ms329 ~~الزاعم أنه يعاقب بما لم يكتب من الذنب بل عوقب بذنب اكتسبه، ومعصية عملها، ~~وكان ثواب حسنات الظالم جزاء للمظلوم فيما أعد الله له، وثوابا على صبره ~~عندما ظلم، كما قال الله {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} [الشورى: ~~43] فيكون ذلك الثواب ثوابا على ما اكتسبه من صبره وفضلا زاده الله من ~~عنده، فهذا قد أثيب على ما عمله، والظالم عوقب على فعله، ومعنى أخذ الحسنات ~~وطرح السيئات نوع من العقوبة التي أعدها الله تعالى للظالمين، فقد وزر هذا ~~الوازر وزره، ولا وزر غيره، وقد قال الله تعالى {من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا} [المائدة: 32] # PageV01P384 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس إلا كان على ابن آدم الأول ~~كفل منها» حدثناه خلف بن محمد، قال: ح إبراهيم بن معقل قال: ح محمد بن ~~إسماعيل قال: ح قبيصة قال: ح سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن ~~مسروق، عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا جاز ~~أن يكون على من مات من سنين إثم من عمل بعده، كذلك يجوز أن يطرح سيئات من ~~عملها على من لم يعملها، فابن آدم إنما قتل نفسا واحدة ويطرح عليه آثام كل ~~من قتل نفسا بغير حق إلى يوم القيامة وذلك جزاء فعله، كأن الله تعالى جعل ~~عقوبة ابن آدم في النار إثمه وآثام القاتلين، لا أن يكون يؤاخذ بذنب غيره، ~~ويعاقب على معصية لم يعملها، كذلك الظالم جعل الله عقوبته أن يعاقب بآثام ~~من ظلمه، ويكون ذلك عقوبة له على من ظلمه، وعلى ما اكتسبه، لا أن يكون ~~مؤاخذا بذنب غيره، أو معاقبا بما لم يجنه، فحصل آخر الأمر أن يجازى المظلوم ~~على ظلمه ثواب حسنات ظالمه، وذلك جزاؤه الذي جازاه الله به، وعوض ما أخذ ~~منه أو جني عليه، وثواب صبره على ما أصابه، فقد قال ms330 الله تعالى {إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] ، ويعاقب الظالم بذهاب حسناته، ~~وعقوبة ما جنى المظلوم، وذلك جزاء ظلمه، وعقوبة ما جنته يده ولسانه، فليس ~~في ذلك ظلم ولا جور، ولا القول بالإحباط كما يقوله المعتزلة، فإنهم يقولون ~~بأن من أتى كبيرة ومات عليها حبطت حسناته التي اكتسبها مدة عمره، ولم ينفعه ~~إيمانه بالله في مدة سبعين سنة، ولا طاعته التي اكتسبها، بل هو في النار ~~خالدا مخلدا مع فرعون وهامان وقارون. وأما الذي قلناه فإن هذا الظالم لم ~~تحبط أعماله , بل أسقطت حسناته عند عقوبات كثيرة، ألا يرى أنه اقتص منه ~~فوفت حسناته بجناياته، أو نقصت جناياته وزادت حسناته دخل الجنة، وإن زادت ~~جناياته فإنما يعاقب في النار بقدر ما زاد من جنايته فيكون عقوبته أخف، ~~ومدة لبثه في النار أقل، ولولا حسناته لطال لبثه في النار، واشتدت عقوبته ~~فيها {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما} [النساء: 40] PageV01P387 ms331